Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 011


رسالة الأصول من علم الأصول

بسم الله الرحمن الرحيم
قال فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.
أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في أصول الفقه كتبناها على وفق المنهج المقرر للسَّنَة الثالثة الثانوية في المعاهد وسميناها:
(الأصول من علم الأصول)
أسأل الله أن يجعل عملنا خالصاً لله نافعاً لعباد الله إنه قريب مجيب.
(11/7)

أصول الفقه
تعريفه:
أصول الفقه يعرف باعتبارين:
الأول: باعتبار مفرديه أي باعتبار كلمة " أصول " وكلمة " فقه ".
فالأصول: جمع أصل وهو ما يبني عليه غيره ومن ذلك أصل الجدار وهو أساسه وأصل الشجرة الذي يتفرغ منه أغصانها قال تعالى:
" ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء " (1) .
الفقه لغة: الفهم ومنه قوله تعالى: " واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي " (2) .
واصطلاحاً: معرفة الأحكام الشرعية العملية بأدلتها التفصيلية.
فالمراد بقولنا " معرفة " العلم والظن لأن إدراك الأحكام الفقيه قد يكون يقينَّيا وقد يكون ظنيًّا كما في كثير من مسائل الفقه.
والمراد بقولنا:" الأحكام الشرعية " الأحكام المتلقاة من الشرع كالوجوب والتحريم، فخرج به الأحكام العقلية كمعرفة أن الكل أكبر من الجزء والأحكام العادية كمعرفة نزول الظل في الليلية الشاتية إذا كان الجو صحواً.
__________
(1) سورة إبراهيم، الآية: 24.
(2) سورة طه، الآية: 27
(11/8)

والمراد بقولنا: " العملية " ما لا يتعلق بالاعتقاد كالصلاة والزكاة فخرج به ما يتعلق بالاعتقاد كتوحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته فلا يسمى ذلك فقهًا في الاصطلاح.
والمراد بقولنا: بأدلتها التفصيلية " أدلة الفقه المقرونة بمسائل الفقه التفصيلية فخرج به أصول الفقه لأ ... ن البحث فيه إنما يكون في أدلة الفقه الإجمالية.
الثاني: باعتبار كونه لقباً لهذا الفن المعين، فيعرف بأنه: " علم يبحث عن أدلة الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد ".
... فالمراد بقولنا: " الإجمالية " القواعد العامة مثل قولهم: الأمر للوجوب والنهي للتحريم والصحة تقتضي النفوذ، فخرج به الأدلة التفصيلية فلا تذكر في أصول الفقه إلا على سبيل التمثيل للقاعدة.
... والمراد بقولنا: " وكيفية الاستفادة منها " معرفة كيف يستفيد الأحكام من أدلتها بدراسة أحكام الألفاظ ودلالاتها من عموم وخصوص وإطلاق وتقييد وناسخ ومنسوخ وغير ذلك فإنه بإدراكه يستفيد من أدلة الفقه أحكامها.
... والمراد بقولنا: " وحال المستفيد " معرفة حال المستفيد وهو المجتهد سمى مستفيداً لأنه يستفيد بنفسه الأحكام من أدلتها لبلوغه مرتبة الاجتهاد فمعرفة المجتهد وشروط الاجتهاد وحكمه ونحو ذلك يبحث في أصول الفقه.
(11/9)

فائدة أصول الفقه:
إن أصول الفقه علم جليل القدر بالغ الأهمية غزير الفائدة فائدته: التمكن من حصول قدرة يستطيع بها استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها على أسس سليمة.
... وأول من جمعه كفن مستقل الإمام الشافعي محمد بن إدريس رحمه الله ثم تابعه العلماء في ذلك فألفوا في التأليف المتنوعة ما بين منثور ومنظوم ومختصر ومبسوط حتى صار فنّاً مستقلاً له كيانه ومميزاته.
(11/10)

الأحكام
الأحكام: جمع حكم وهو لغة القضاء.
واصطلاحاً: ما اقتضاه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين من طلب أو تخيير أو وضع.
... فالمراد بقولنا: " خطاب الشرع " الكتاب والسنة.
... والمراد بقولنا: " المتعلق بأفعال المكلفين " ما تعلق بأعمالهم سواء كانت قولاً أم فعلاً إيجاداً أم تركاً.
... فخرج به ما تعلق بالاعتقاد فلا يسمى حكماً بهذا الاصطلاح.
... والمراد بقولنا " المكلفين" ما من شأنهم التكليف فيشمل الصغير والمجنون.
... والمراد بقولنا: " من طلب " الأمر والنهي سواء على سبيل الإلزام أو الأفضلية.
... والمراد بقولنا: " أو تخيير " المباح.
... والمراد بقولنا: " أو وضع " الصحيح والفاسد ونحوهما مما وضعه الشارع من علامات وأوصاف للنفوذ والإلغاء.
أقسام الأحكام الشرعية:
... تنقسم الأحكام الشرعية إلى قسمين: تكليفية ووضعية.
فالتكليفية خمسة: الواجب، والمندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح.
1- فالواجب لغة: الساقط واللازم.
(11/11)

واصطلاحاً: ما أمر به الشارع على وجه الإلزام كالصلوات الخمس.
... فخرج بقولنا " ما أمر به الشارع " المحرم والمكروه والمباح.
وخرج بقولنا: " على وجه الإلزام " المندوب.
والواجب يثاب فاعله امتثالاً ويستحق العقاب تاركه.
ويسمى. فرضاً، وفريضة، وحتماً، ولازماً.
2- والمندوب لغة: المدعو.
... واصطلاحاً: ما أمر به الشارع لا على وجه الإلزام كالرواتب.
فخرج بقولنا: " ما أمر به الشارع " المحرم والمكروه والمباح.
وخرج بقولنا: " لا على وجه الإلزام " الواجب.
والمندوب: يثاب فاعله امتثالاً ولا يعاقب تاركه.
ويسمى: سنة، ومسنوناً، ومستحبّاً، ونفلاً.
3- والمحرم لغة: الممنوع.
... واصطلاحاً: ما نهى عنه الشارع على وجه الإلزام بالترك كعقوق الوالدين.
فخرج بقولنا: " ما نهى عنه الشارع " الواجب والمندوب والمباح.
وخرج بقولنا: " على وجه الإلزام بالترك " المكروه.
والمحرم: يثاب تاركه امتثالاً ويستحق العقاب فاعله.
ويسمى: محظوراً أو ممنوعاً.
4- والمكروه لغة: المبغض
واصطلاحاً: ما نهى عنه الشارع لا على وجه الإلزام بالترك كالأخذ بالشمال والإعطاء بها.
(11/12)

فخرج بقولنا: ما نهى عنه الشارع " الواجب، والمندوب، والمباح.
وخرج بقولنا: " لا على وجه الإلزام بالترك " المحرم.
والمكروه: يثاب تاركه امتثالاً ولا يعاقب فاعله.
5- والمباح لغة: المعلن والمأذون به.
واصطلاحاً: ما لا يتعلق به أمر ولا نهي لذاته كالأكل في رمضان ليلاً.
فخرج بقولنا " ما لا يتعلق به أمر " الواجب والمندوب.
وخرج بقولنا " ولا نهي " المحرم والمكروه.
وخرج بقولنا: لذاته " مالو تعلق به أمر لكونه وسيلة لمأمور به، أو نهي لكونه وسيلة منهي عنه فإن له حكم ما كان وسيلة له من مأمور، أو منهي ولا يخرجه ذلك عن كونه مباحاً في الأصل.
المباح مادام على وصف الإباحة فإنه لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب.
ويسمى: حلالاً، وجائزاً.

الأحكام الوضعية:
... الأحكام الوضعية: ما وضعه الشارع من أمارات لثبوت أو انتفاء أو نفوذ أو إلغاء.
ومنها الصحة والفساد.
1- فالصحيح لغة: السليم من المرض.
واصطلاحاً: ما ترتبت آثار فعله عليه عبادة كان أم عقداً.
فالصحيح من العبادات: ما برئت به الذمة وسقط به الطلب.
(11/13)

والصحيح من العقود: ما ترتب آثاره على وجود كترتب الملك على عقد البيع مثلاً.
... ولا يكون الشيء صحيحاً إلا بتمام شروطه وانتفاء موانعه.
... مثال ذلك في العبادات: أن يأتي بالصلاة في وقتها تامة شروطها وأركانها وواجباتها.
... ومثال ذلك في العقود: أن يعقد بيعاً تامأً شروطه المعروفة مع انتفاء موانعه. فإن فقد شرط من الشروط أو وجد مانع من الموانع امتنعت الصحة.
... مثال فقد الشرط في العبادة: أن يصلي بلا طهارة.
ومثال فقد الشرط في العقد: أن يبيع مالا يملك.
ومثال وجود المانع في العبادة: أن يتطوع بنفل مطلق في وقت النهي.
ومثال وجود المانع في العقد: أن يبيع من تلزمه الجمعة شيئاً بعد ندائها الثاني على وجه لا يباح.
والفاسد لغة: الذاهب ضياعاً وخسراً.
واصطلاحاً: مالا تترتب آثار فعله عليه عبادة كان أم عقداً.
فالفاسد من العبادات: ما لاتبرأ به الذمة ولا يسقط به الطلب كالصلاة قبل وقتها.
والفاسد من العقود: ما لا تترتب آثاره عليه كبيع المجهول.
وكل فاسد من العبادات والعقود والشروط فإنه محرم لأن ذلك من تعدي حدود الله واتخاذ آياته هزؤاً ولأن النبي، صلي الله عليه وسلم، أنكر على من اشترطوا شروطاً ليست في كتاب الله.
(11/14)

.. والفاسد والباطل بمعنى واحد إلا في موضعين:
الأول: في الإحرام فرقوا بينهما بأن الفاسد ما وطئ فيه المحرم قبل التحلل الأول، والباطل ما ارتد فيه عن الإسلام.
الثاني: في النكاح فرقوا بينهما بأن الفاسد ما اختلف العلماء في فساده كالنكاح بلا ولي، والباطل ما أجمعوا على بطلانه كنكاح المعتدة.
(11/15)

العلم
تعريفه:
... العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً كإدراك أن الكل أكبر من الجزء وأن النية شرط في العبادة.
... فخرج بقولنا: " إدراك الشيء " عدم الإدراك بالكلية ويسمى " الجهل البسيط " مثل أن يُسأل متى كانت غزوة بدر؟ فيقول: لا أدري.
... وخرج بقولنا: " على ما هو عليه " إدراكه على وجه يخالف ما هو عليه ويسمى (الجهل المركب) مثل أن يُسأل متى كانت غزوة بدر؟ فيقول: في السنة الثالثة من الهجرة.
... وخرج بقولنا: " إدراكاً جازماً " إدراك الشيء إدراكاً غير جازم بحيث يحتمل عنده أن يكون على غير الوجه الذي أدركه فلا يسمى ذلك علماً ثم أن ترجح عنده أحد الاحتمالين فالراجح ظن والمرجوح وهم، وإن تساوى الأمران فهو شك.
... وبهذا تبين أن تعلق الإدراك بالأشياء كالآتي:
1- علم وهو: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً.
2- جهل بسيط: وهو عدم الإدراك بالكلية.
3- جهل مركب وهو: إدراك الشيء على وجه يخالف ما هو عليه.
4- ظن وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح.
5- وهم وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح.
6- شك وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو.
(11/16)

أقسام العلم:
ينقسم العلم إلى قسمين ضروري ونظري:
1- فالضروري: ما يكون إدراك المعلوم فيه ضروريّاً بحيث يضطر إليه من غير نظر ولا استدلال، كالعلم بأن الكل أكبر من الجزء وأن النار حارة، وأن محمداً رسول الله، صلي الله عليه وسلم.
2- والنظري: ما يحتاج إلى نظر واستدلال كالعلم بوجوب النية في الصلاة.
(11/17)

الكلام
تعريفه:
الكلام لغة: اللفظ الموضوع لمعنى.
واصطلاحاً: اللفظ المفيد مثل: الله ربنا، ومحمد نبينا.
وأقل ما يتألف منه الكلام اسمان أو فعل واسم مثال الأول: محمد رسول الله. ومثال الثاني: استقام محمد.
... واحد الكلام كلمة وهي: اللفظ الموضوع لمعنى مفرد وهي: إما اسم أو فعل أو حرف.
(أ) فالاسم: ما دل على معني في نفسه من غير إشعار بزمن وهو ثلاثة أنواع:
الأول: ما يفيد العموم كالأسماء الموصولة.
الثاني: ما يفيد الإطلاق كالنكرة في سياق الإثبات.
الثالث: ما يفيد الخصوص كالأعلام.
(ب) والفعل: ما دل على معنى في نفسه وأشعر بهيئته بأحد الأزمنة الثلاثة:
وهو إما ماض: كفَهِمَ، أو مضارع: كَيَفَهَم، أو أمر: كإفهم.
والفعل بأقسامه يفيد الإطلاق فلا عموم له.
(ج) والحرف: ما دل على معنى في غيره، ومنه:
1 - الواو: وتأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، ولا تقتضي الترتيب ولا تقتضي الترتيب ولا تنافيه إلا بدليل.
(11/18)

2- الفاء: وتأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم مع الترتيب والتعقيب، وتأتي سببية فتفيد التعليل.
3- اللام الجارَّة: ولها معان منها التعليل، والتمليك والإباحة.
4- على الجارة، ولها معان منها الوجوب.

أقسام الكلام:
ينقسم الكلام باعتبار إمكان وصفه بالصدق وعدمه إلى قسمين:
خبر، وإنشاء.
1- فالخبر: ما يمكن أن يوصف بالصدق أو الكذب لذاته.
فخرج بقولنا: " ما يمكن أن يوصف بالصدق والكذب " الإنشاء لأنه لا يمكن فيه ذلك فإن مدلوله ليس مخبراً عنه حتى يمكن أن يقال إنه صدق أو كذب.
... وخرج بقولنا: " لذاته " الخبر الذي لا يحتمل الصدق أو لا يحتمل الكذب باعتبار المخبر به وذلك أن الخبر من حيث المخبر به ثلاثة أقسام:
الأول: ما لا يمكن وصفه بالكذب كخبر الله ورسوله الثابت عنه.
الثاني: ما لا يمكن وصفه بالصدق كالخبر عن المستحيل شرعاً أو عقلاً فالأول كخبر مدعي الرسالة بعد النبي، صلي الله عليه وسلم، والثاني كالخبر عن اجتماع النقيضين كالحركة والسكون في عين واحدة في زمن واحد.
الثالث: ما يمكن أن يوصف بالصدق والكذب إما على السواء أو مع رجحان أحدهما كإخبار شخص عن قدوم غائب ونحوه.
2- والإنشاء: ما لا يمكن أن يوصف بالصدق والكذب ومنه
(11/19)

الأمر والنهي كقوله تعالى: " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً " (1) . وقد يكون الكلام خبر وإنشاء باعتبارين كصيغ العقود اللفظية مثل: بعث وقبلت فإنها باعتبار دلالها على ما في نفس العاقد خبر وباعتبار ترتب العقد عليها إنشاء.
وقد يأتي الكلام بصورة الخبر والمراد به الإنشاء وبالعكس لفائدة.
مثال الأول: قول تعالى:" والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء" (2) . فقوله: " يتربصن " بصورة الخبر والمراد به الأمر وفائدة ذلك تأكيد فعل المأمور به حتى كأنه أمر واقع يتحدث عنه كصفة من صفات المأمور.
ومثال العكس: قوله تعالى:" وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم " (3) .فقوله: " ولنحمل " بصورة الأمر والمراد بها الخبر أي ونحن نحمل وفائدة ذلك تنزيل الشيء المخبر عنه منزل المفروض الملزم به.

الحقيقة والمجاز:
وينقسم الكلام من حيث الاستعمال إلى حقيقة ومجاز.
1- فالحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له مثل أسد للحيوان المفترس.
فخرج بقولنا: " المستعمل " المهمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً.
وخرج بقولنا: " فيما وضع له " المجاز.
__________
(1) سورة النساء، الآية: 36.
(2) سورة البقرة، الآية: 228.
(3) سورة العنكبوت، الآية: 12.
(11/20)

وتنقسم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام: لغوية، وشرعية، وعرفية.
فاللغوية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة.
فخرج بقولنا: " في اللغة " الحقيقة الشرعية، والعرفية.
مثال ذلك الصلاة في حقيقتها اللغوية الدعاء فتحمل عليه في كلام أهل اللغة.
والحقيقة الشرعية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في الشرع.
فخرج بقولنا: " في الشرع " الحقيقة اللغوية، والعرفية.
مثال ذلك: الصلاة فإن حقيقتها الشرعية الأقوال والأفعال المعلومة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم فتحمل في كلام أهل الشرع على ذلك.
والحقيقة العرفية هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في العرف.
فخرج بقولنا: " في العرف " الحقيقة اللغوية، والشرعية.
مثال ذلك: الدابة فإن حقيقتها العرفية ذات الأربع من الحيوان فتحمل عليه في كلام أهل العرف.
وفائدة معرفة تقسيم الحقيقة إلى ثلاثة أقسام أن نحمل كل لفظ على معناه الحقيقي في موضع استعماله فيحمل في استعمال أهل اللغة على الحقيقة اللغوية، وفي استعمال الشرع على الحقيقة الشرعية، وفي استعمال أهل العرف على الحقيقة العرفية.
2- والمجاز هو: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له مثل أسد للرجل الشجاع.
فخرج بقولنا: " المستعمل " المهمل فلا يسمى حقيقة ولا مجازاً.
وخرج بقولنا: " في غير ما وضع له " الحقيقة.
(11/21)

ولا يجوز حمل اللفظ على مجازه إلا بدليل صحيح يمنع من إرادة الحقيقة وهو ما يسمى في علم البيان بالقرينة.
ويشترط لصحة استعمال اللفظ في مجازه وجود ارتباط بين المعنى الحقيقي والمجازي ليصح التعبير عنه وهو ما يسمى في علم البيان بالعلاقة، والعلاقة إما أن تكون المشابهة أو غيرها.

فإن كانت المشابهة سمي التجوز (استعارة) كالتجوز بلفظ أسد عن الرجل الشجاع.
وإن كانت غير المشابهة سمي التجوز (مجازاً مرسلاً) إن كان التجوز في الكلمات و (مجازاً عقلّياً) إن كان التجوز في الإسناد.
مثال ذلك في المجاز المرسل: أن تقول رعينا المطر فكلمة المطر مجاز عن العشب فالتجوز بالكلمة.
ومثال ذلك في المجاز العقلي: أن تقول أنبت المطر العشب فالكلمات كلها يراد بها حقيقة معناها لكن إسناد الإنبات إلى المطر مجاز لأن المنبت حقيقة هو الله تعالى فالتجوز في الإسناد.
ومن المجاز المرسل: التجوز بالزيادة والتجوز بالحذف.
مثلوا للمجاز بالزيادة بقولة تعالى: " ليس كمثله شيء" (1) .
ومثال المجاز بالحذف: قوله تعالى: " واسأل القرية " أي واسأل أهل القرية فحذفت أهل مجازاً وللمجاز أنواع كثيرة مذكورة في علم البيان.
__________
(1) سورة الشورى، الآية: 11
(11/22)

وإنما ذكر طرف من الحقيقة والمجاز في أصول الفقه لأن دلالة الألفاظ إما حقيقة وإما مجاز فاحتيج إلى معرفة كل منهما وحكمه والله أعلم.
تنبيه:
تقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز هو المشهور عند أكثر المتأخرين في القرآن وغيره، وقال بعض أهل العلم لا مجاز في القرآن، وقال آخرون لا مجاز في القرآن ولا في غيره وبه قال أبو إسحاق الاسفرائني ومن المتأخرين محمد الأمين الشنقيطي، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم أنه اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة المفضلة، ونصره بأدلة قوية كثيرة تبين لمن اطلع عليها أن هذا القول هو الصواب (1) .
__________
(1) راجع كتاب الإيمان ومختصر الصواعق.
(11/23)

الأمر
تعريفه:
الأمر: قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء مثل " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ".
فخرج بقولنا: " قول " الإشارة فلا تسمى أمراً وإن أفادت معناه.
وخرج بقولنا: " طلب الفعل " النهي لأنه طلب ترك والمراد بالفعل الإيجاد فيشمل القول المأمور به.
وخرج بقولنا: " على وجه الاستعلاء " الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من صيغة الأمر بالقرائن.
صيغ الأمر:
صيغ الأمر أربع:
1- فعل الأمر مثل: " اتل ما أوحي من الكتاب ".
2- اسم فعل مثل: حي على الصلاة.
3- المصدر النائب عن فعل الأمر مثل: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ".
4- المضارع المقرون بلام الأمر مثل: " لتؤمنوا بالله ورسوله ".
وقد يستفاد طلب الفعل من غير صيغة الأمر مثل أن يوصف بأنه فرض، أو واجب، أو مندوب، أو طاعة، أو يمدح فاعله، أو يذم تاركه أو يترتب على فعله ثواب، أو عرى تركه عقاب.
(11/24)

ما تقتضيه صيغة الأمر:
صيغة الأمر عند الإطلاق تقتضي وجوب المأمور به والمبادرة بفعله فوراً.
فمن الأدلة على أنها تقتضي الوجوب قوله تعالى: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم " (1) .
وجه الدلالة أن الله حذر المخالفين عن أمر الرسول صلي الله عليه وسلم أن تصيبهم فتنة وهي الزيغ أو يصيبهم عذاب أليم والتحذير بمثل ذلك لا يكون إلا على ترك الواجب فدل على أن أمر الرسول صلي الله عليه وسلم المطلق يقتضي وجوب فعل المأمور.
ومن الأدلة على أنه للفور قوله تعالى:" فاستبقوا الخيرات " (2) .
والمأمورات الشرعية خير والأمر بالاستباق إليها دليل على وجب المبادرة.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كره تأخير الناس ما أمرهم به من النحر والحلق يوم الحديبية حتى دخل على أم سلمة - رضي الله عنها - فذكر لها ما لقي من الناس (3) .
ولأن المبادرة بالفعل أحوط وأبرأ، والتأخير له آفات ويقتضي تراكم الواجبات حتى يعجز عنها.
__________
(1) سورة النور، الآية: 63.
(2) سورة البقرة، الآية: 148.
(3) رواه أحمد والبخاري.
(11/25)

وقد يخرج الأمر عن الوجوب والفورية لدليل يقتضي ذلك فيخرج عن الوجوب إلى معان منها:
1- الندب كقوله تعالى: " وأشهدوا إذا تبايعتم " (1) فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب، بدليل أن النبي صلي الله عليه وسلم اشترى فرساً من أعرابي ولم يشهد (2) .
2- الإباحة وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحظر، أو جواباً لما يتوهم أنه محظور. مثاله بعد الحظر قوله تعالى: " وإذا حللتم فاصطادوا " (3) . فالأمر بالاصطياد للإباحة لوقوعه بعد الحظر المستفاد من قوله تعالى: " غير محلي الصيد وأنتم حرم " (4) .
ومثاله جواباً لما يتوهم أنه محظور قوله صلى الله عليه وسلم: " أفعل ولا حرج " (5) . في جواب من سألوه في حجة الوداع عن تقديم أفعال الحج التي تفعل يوم العيد بعضها على بعض.
3- التهديد كقوله تعالى:" اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " (6) " َمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً " (7) . فذكر الوعيد بعد الأمر المذكور دليل على أنه للتهديد.
ويخرج الأمر عن الفورية إلى التراخي.
__________
(1) سورة البقرة، الآية 282.
(2) رواه أحمد والنسائي وأبو داود وفيه قصة.
(3) سورة المائدة، الآية: 2.
(4) سورة المائدة، الآية: 1.
(5) متفق عليه.
(6) سورة فصلت، الآية: 40
(7) سورة الكهف، الآية: 29.
(11/26)

مثاله: قضاء رمضان فإنه مأمور به لكن دل الدليل على أنه للتراخي فعن عائشة -رضي الله عنها - قالت: " كان يكون علىّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان وذلك لمكان رسول الله، صلي الله عليه وسلم (1) .
ولو كان التأخير محرماً ما أُقِرّت عليه عائشة رضي الله عنها.

مالا يتم المأمور إلا به:
إذا توقف فعل المأمور به على شئ كان ذلك الشيء مأموراً به فإن كان المأمور به واجباً كان ذلك الشيء واجباً، وإن كان المأمور به مندوباً كان ذلك الشيء مندوباً.
مثال الواجب: ستر العورة فإذا توقف على شراء ثوب كان ذلك الشراء مندوباً.
وهذه القاعدة في ضمن قاعدة أعم منها وهي: " الوسائل لها أحكام المقاصد " فوسائل المأمورات مأمور بها، ووسائل المنهيات منهي عنها.
__________
(1) رواه الجماعة.
(11/27)

النهي
تعريفه:
النهي: قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة هي المضارع المقرون بلا الناهية مثل قوله تعالى: " ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة " (1) .
فخرج بقولنا: " قول " الإشارة فلا تسمى نهياً وإن أفادت معناه.
وخرج بقولنا: " طلب الكف " الأمر لأنه طلب فعل.
وخرج بقولنا: " على وجه الاستعلاء " الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من النهي بالقرائن.
وخرج بقولنا: " بصيغة مخصوصة هي المضارع " إلخ.. ما دل على طلب الكف بصيغة الأمر مثل دع، اترك، كف ونحوها فإن هذه وإن تضمنت طلب الكف لكنها بصيغة الأمر فتكون أمراً لا نهياً.
وقد يستفاد طلب الكف بغير صيغة النهي مثل أن يوصف الفعل بالتحريم، أو الحظر، أو القبح، أو يذم فاعله، أو يرتب على فعله عقاب أو نحو ذلك.
ما تقتضيه صيغة النهي:
صيغة النهي عند الإطلاق تقتضي تحريم المنهي عنه وفساده.
فمن الأدلة على أنها تقتضي التحريم قوله تعالى: " وما آتاكم
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 150
(11/28)

الرسول فخذوه ما نهاكم عنه فانتهوا " (1) . فالأمر بالانتهاء عما نهى عنه يقتضي وجوب الانتهاء ومن لازم ذلك تحريم الفعل.
ومن الأدلة على أنه يقتضي الفساد في قوله صلي الله عليه وسلم: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (2) . أي مردود وما نهي عنه فليس عليه أمر النبي صلي الله عليه وسلم فيكون مردوداً.
هذا وقاعدة المذهب في المنهي عنه هل يكون باطلاً أو صحيحاً مع التحريم كما يلي:
1- أن يكون النهي عائداً إلى ذات المنهي عنه أو شرطه فيكون باطلاً.
2- أن يكون النهي عائداً إلى أمر خارج لا يتعلق بذات المنهي عنه ولا شرطه فلا يكون باطلاً.
مثال العائد إلى ذات المنهي عنه في العبادة: النهي عن صوم يوم العيدين.
... ومثال العائد إلى ذاته في المعاملة: النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة.
ومثال العائد إلى شرطه في العبادة: النهي عن لبس الرجل ثوب الحرير فستر العورة شرط لصحة الصلاة فإذا سترها بثوب منهي عنه لم تصح الصلاة لعود النهي إلى شرطها.
... ومثال العائد إلى شرطه في المعاملة: النهي عن بيع الحمل فالعلم بالمبيع شرط لصحة البيع فإذا باع الحمل لم يصح البيع لعود النهي إلى شرطه.
ومثال النهي العائد إلى أمر خارج في العبادة: النهي عن لبس الرجل عمامة الحرير فلو صلى وعليه عمامة حرير لم تبطل صلاته لأن النهي لا يعود إلى ذات الصلاة ولا شرطها.
ومثال العائد إلى أمر خارج في المعاملة: النهي عن الغش فلو باع شيئاً مع الغش لم يبطل البيع لأن النهي لا يعود إلى ذات البيع ولا شرطه.
__________
(1) سورة الحشر، الآية: 7
(2) رواه مسلم
(11/29)

.. وقد يخرج النهي عن التحريم إلى معان أخرى لدليل يقتضي ذلك فمنها:
1- الكراهة ومثلوا لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول " (1) . فقد قال الجمهور إن النهي هنا للكراهة لأن الذكر بضعة من الإنسان والحكمة من النهي تنزيه اليمين.
2- الإرشاد مثل قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: " لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك " (2) .
من يدخل في الخطاب بالأمر والنهي؟
الذي يدخل في الخطاب بالأمر والنهي المكلف وهو: البالغ العاقل.
فخرج بقولنا: " البالغ " الصغير فلا يكلف بالأمر والنهي تكليفاً مساوياً لتكليف البالغ، ولكنه يؤمر بالعبادات بعد التمييز تمريناً له على الطاعة ويمنع من المعاصي ليعتاد الكف عنها.
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه أحمد والنسائي وأبو داود
(11/30)

وخرج بقولنا: " العاقل " المجنون فلا يكلف بالأمر والنهي، ولكنه يمنع مما يكون فيه تعد على غيره أو إفساد ولو فعل المأمور به لم يصح منه الفعل لعدم قصد الامتثال منه.
... ولا يرد على هذا إيجاب الزكاة والحقوق المالية في مال الصغير والمجنون لأن إيجاب هذه مربوط بأسباب معينة متى وجدت ثبت الحكم فهي منظور فيها إلى السبب لا إلا الفاعل.
... والتكليف بالأمر والنهي شامل للمسلمين والكفار لكن الكافر لا يصح منه فعل المأمور به حال كفره لقوله تعالى: " وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ورسوله " (1) . ولا يؤمر بقضائه إذا أسلم لقوله تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " (2) . وقوله صلي الله عليه وسلم لعمرو بن العاص: " أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله " (3) . وإنما يعاقب على تركه إذا مات على الكفر لقوله تعالى عن جواب المجرمين إذا سئلوا: " مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين " (4) .
موانع التكليف:
للتكليف موانع منها: الجهل والنسيان والإكراه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (5) .
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 54.
(2) سورة الأنفال، الآية: 38.
(3) رواه مسلم.
(4) سورة المدثر، الآية: 42.
(5) قال النووي حديث حسن.
(11/31)

رواه ابن ماجه والبيهقي وله شواهد من الكتاب والسنة تدل على صحته.
فالجهل: عدم العلم فمتى فعل المكلف محرماً جاهلاً بتحريمه فلا شيء عليه كمن تكلم في الصلاة جاهلاً بتحريم الكلام ومتى ترك واجباً جاهلاً بوجوبه لم يلزمه قضاؤه إذا كان قد فات وقته بدليل أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يأمر المسيء في صلاته وكان لا يطمئن فيها لم يأمره بقضاء ما فات من الصلوات وإنما أمره بفعل الصلاة الحاضرة على الوجه المشروع.
والنسيان: ذهول القلب عن شئ معلوم فمن فعل محرماً ناسياً فلا شيء عليه كمن أكل في الصيام ناسياً، ومن ترك واجباً ناسياً فلا شيء عليه حال نسيانه ولكن عليه فعله إذا ذكره لقول النبي، صلي الله عليه وسلم: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " (1) .
والإكراه: إلزام الشخص بما لا يريد فمن أكره على شيء محرم فلا شيء عليه كمن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومن أكره على ترك واجب فلا شيء عليه حال الإكراه وعليه قضاؤه إذا زال كمن أكره على ترك الصلاة حتى خرج وقتها فإنه يلزمه قضاؤها إذا زال الإكراه.
وتلك الموانع إنما هي في حق الله لأنه مبني على العفو والرحمة أما في حقوق المخلوقين فلا تمنع من ضمان ما يجب ضمانه إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه والله أعلم.
__________
(1) متفق عليه.
(11/32)

العام
تعريفه:
العام لغة: الشامل
واصطلاحاً: اللفظ المستغرق لجميع أفراده بلا حصر مثل " إن الأبرار لفي نعيم ".
فخرج بقولنا: " المستغرق لجميع أفراده " مالا يتناول إلا واحداً كالعلم، والنكرة في سياق الإثبات كقوله تعالى: " فتحرير رقبة " لأنها تتناول جميع الأفراد على وجه الشمول وإنما تتناول واحداً غير معين.
وخرج بقولنا: " بلا حصر " ما يتناول جميع أفراده مع الحصر كأسماء العدد مئة وألف ونحوهما.
صيغ العموم:
صيغ العموم سبع:
1- مادل على العموم بمادته مثل: كل، وجميع، وكافة، وقاطبة، وعامة كقوله تعالى: " إنا كلَّ شيء خلقناه بقدر " (1) .
2- أسماء الشرط كقوله تعالى: " من عمل صالحاً فلنفسه " (2)
" فأينما تولوا فثم وجه الله " (3) .
__________
(1) سورة القمر، الآية: 49.
(2) سورة فصلت، الآية: 46.
(3) سورة البقرة، الآية: 115.
(11/33)

3- أسماء الاستفهام كقوله تعالى:" فمن يأتيكم بماء معين " (1) .
" ماذا أجبتم المرسلين " (2) . " فأين تذهبون " (3) .
4- الأسماء الموصولة كقوله تعالى: " والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون " (4) . " والذين جاهدوا فينا لندهينهم سبلنا" (5) . " إن في ذلك لعبرة لمن يخشى " (6) ." ولله ما في السموات وما في الأرض " (7) .
5- النكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام الإنكاري كقوله تعالى: " وما من إله إلا الله " (8) . " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً " (9) ." إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليماً " (10) ."منْ إله غير الله يأتيكم بضياء" (11)
6- المعرف بالإضافة مفرداً كان أم مجموعاً كقوله تعالى: " واذكروا
__________
(1) سورة الملك، الآية: 30.
(2) سورة القصص، الآية: 65.
(3) سورة التكوير، الآية: 26.
(4) سورة الزمر، الآية: 33.
(5) سورة العنكبوت، الآية: 69.
(6) سورة النازعات، الآية 26.
(7) سورة النجم، الآية: 31.
(8) سورة آل عمران، الآية: 62.
(9) سورة النساء، الآية: 36.
(10) سورة القصص، الآية:54.
(11) سورة القصص، الآية: 77.
(11/34)

نعمة الله عليكم " (1) . " فاذكروا الآ الله " (2) .
7- المعرف بأل الاستغراقية مفرداً كان أم مجموعاً كقوله تعالى: "وخلق الإنسان ضعيفاً " (3) . " وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم " (4) .
وأما المعرف بأل العهدية فإنه بحسب المعهود فإن كان عامّاً فالمعرف عام وإن كان خاصّاً فالمعرف خاص، مثال العام قوله تعالى: " إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون " (5) .
ومثال الخاص قوله تعالى: " كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول " (6) .
وأما المعرف بأل التي لبيان الجنس فلا يعم الأفراد فإذا قلت الرجل خير من المرأة أو الرجال خير من النساء، فليس المراد أن كل فرد من الرجال خير من كل فرد من النساء وإنما المراد أن هذا الجنس خير من هذا الجنس وإن كان قد يوجد من أفراد النساء من هو خير من بعض الرجال.
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية 9.
(2) سورة الأعراف، الآية: 74
(3) سورة النساء، الآية: 28.
(4) سورة النور، الآية: 59.
(5) سورة ص، الآية 71.
(6) سورة المزمل، الآية: 15.
(11/35)

العمل بالعام:
يجب العمل بعموم اللفظ العام حتى يثبت تخصيصه لأن العمل بنصوص الكتاب والسنة واجب على ما تقتضيه دلالتها حتى يقوم دليل على خلاف ذلك.

وإذا ورد العام على سبب خاص وجب العمل بعمومه لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أن يدل دليل على تخصيص العام بما يشبه حال السبب الذي ورد من أجله فيختص بما يشبهها.
مثال ما لا دليل على تخصيصه: آيات الظهار فإن سبب نزولها ظهار أوس بن الصامت والحكم فيه عام فيه وفي غيره.
ومثال ماد دل الدليل على تخصيصه قوله صلي الله عليه وسلم: " ليس من البر الصيام في السفر " (1) فإن سببه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه فقال: " ما هذا؟ قالوا صائم. فقال: " ليس من البر الصيام في السفر " فهذا العموم خاص بمن يشبه حال هذا الرجل وهو من يشق عليه الصيام في السفر والدليل على تخصيصه بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم في السفر حيث كان لا يشق عليه ولا يفعل صلى الله عليه وسلم ما ليس ببر.
__________
(1) متفق عليه.
(11/36)

الخاص
تعريفه:
الخاص لغة: ضد العام
واصطلاحاً: اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد كأسماء الأعلام والإشارة والعدد.
فخرج بقولنا: " على محصور " العام.
والتخصيص لغة: ضد التعميم.
واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام.
والمخصِّص - بكسر الصاد - فاعل التخصيص وهو الشارع ويطلق على الدليل الذي حصل به التخصيص.
ودليل التخصيص نوعان: متصل ومنفصل.
فالمتصل: ما لا يستقل بنفسه.
والمنفصل: ما يستقل بنفسه.
فمن المخصص المتصل:
أولاً: الاستثناء وهو لغة: من الثني وهو رد بعض الشيء إلى بعضه كثني الحبل.
واصطلاحاً: إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها كقوله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (1) .
__________
(1) سورة العصر، الآية: 2.
(11/37)

فخرج بقولنا: " بإلا أو إحدى أخواتها " التخصيص بالشرط وغيره.

شروط الاستثناء:
يشترط لصحة الاستثناء شروط منها:
1- اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكماً.
فالمتصل حقيقة: المباشر للمستثنى منه بحيث لا يفصل بينهما فاصل.
والمتصل حكماً:ما فصل بينه وبين المستثنى منه فاصل لا يمكن دفعه كالسعال والعطاس.
فإن فصل بينهما فاصل أو سكوت لم يصح الاستثناء مثل أن يقول: عبيدي أحرار ثم يسكت أو يتكلم بكلام آخر ثم يقول إلا سعيداً فلا يصح الاستثناء ويعتق الجميع.
وقيل يصح الاستثناء مع السكوت أو الفاصل إذا كان الكلام واحداً، لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض لا يعضد شوكه ولا يختلى خلاه ".فقال ابن عباس يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوهم فقال: " إلا الإذخر " (1) . وهذا القول الراجح لدلالة هذا الحديث عليه.
2- ألا يكون المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه فلو قال: له عليَّ عشرة دراهم إلا ستة لم يصح الاستثناء ولزمته العشرة كلها.
__________
(1) متفق عليه.
(11/38)

وقيل لا يشترط ذلك فيصح الاستثناء وإن كان المستثنى أكثر من النصف فلا يلزمه في المثال المذكور إلا أربعة.
أما إن استثنى الكل فلا يصح على القولين فلو قال: له عليّ عشرة إلا عشرة لزمته العشرة كلها.
وهذا الشرط فيما إذا كان الاستثناء من عدد، أما إن كان من صفة فيصح وإن خرج الكل أو الأكثر، مثاله قوله تعالى لإبليس: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) (1) .
واتباع إبليس من بني آدم أكثر من النصف ولو قلت: أعط من البيت إلا الأغنياء، فتبين أن جميع من في البيت أغنياء صح الاستثناء ولم يعطوا شيئاً.
ثانياً: من المخصص المتصل: الشرط وهو لغة: العلامة.
والمراد به هنا: تعليق شيء بشيء وجوداً أو عدماً بإن الشرطية أو إحدى أخواتها.
والشرط مخصص سواء تقدم أم تأخر.
مثال المتقدم قوله تعالى في المشركين: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) (2) .
ومثال المتأخر قوله تعالى: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) (3) .
__________
(1) سورة الحجر، الآية: 42.
(2) سورة التوبة، الآية: 5.
(3) سورة النور، الآية: 33.
(11/39)

ثالثاً: الصفة وهي: ما أشعر بمعنى يختص به بعض أفراد العام من نعت أو بدل أو حال.
مثال النعت: قوله تعلى: (فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) (1) .
ومثال البدل: قوله تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين) (2) .
ومثال الحال: قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيما) (3) . الآية
المخصص المنفصل:
المخصص المنفصل: ما يستقل بنفسه وهو ثلاثة أشياء:
الحس، والعقل، والشرع.
مثال التخصيص بالحس: قوله تعالى عن ريح عاد: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (4) . فإن الحس دل على أنها لم تدمر السماء والأرض.
ومثال التخصيص بالعقل: قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (5) . فإن العقل دل على أن ذاته تعالى غير مخلوقة.
ومن العلماء من يرى أن ما خص بالحس والعقل ليس من العام المخصوص وإنما هو من العام الذي أريد به الخصوص إذ المخصوص لم
__________
(1) سورة النساء، الآية: 25
(2) سورة آل عمران، الآية: 97
(3) سورة النساء، الآية: 93.
(4) سورة الأحقاف، الآية: 25.
(5) سورة الزمر، الآية: 62.
(11/40)

يكن مراداً عند المتكلم ولا المخاطب من أول الأمر وهذه حقيقة العام الذي أريد به الخصوص.
وأما التخصيص بالشرع فإن الكتاب والسنة يخصص كل منهما بمثلهما وبالإجماع والقياس.
مثال تخصيص الكتاب بالكتاب: قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) (1) . خص بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) (2) .

ومثال تخصيص الكتاب بالسنة: آيات المواريث كقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) (3) . ونحوها خص بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" (4) .
ومثال تخصيص الكتاب بالإجماع: قوله تعالى: (والذين وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) (5) .
خص بالإجماع على أن الرقيق القاذف يجلد هكذا مثل كثير من الأصوليين وفيه نظر لثبوت الخلاف في ذلك ولم أجد له مثالاً سليماً.
ومثال تخصيص الكتاب بالقياس: قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) (6) .
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 228.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 49.
(3) سورة النساء، الآية: 11.
(4) متفق عليه.
(5) سورة النور، الآية: 4.
(6) سورة النور، الآية: 2.
(11/41)

خص بقياس العبد الزاني على الأمة في تنصيف العذاب والاقتصار على خمسين جلدة على المشهور.
ومثال تخصيص السنة بالكتاب: قوله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" (1) . خص بقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (2) .
ومثال تخصيص السنة بالسنة: قوله صلى الله عليه وسلم: " فيما سقت السماء العشر " (3) . خص بقوله صلى الله عليه وسلم: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة " (4) .
ولم أجد مثالاً لتخصيص السنة بالإجماع.
ومثال تخصيص السنة بالقياس: قوله صلى الله عليه وسلم " البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام " (5) . خص بقياس العبد على الأمة في تنصيف العذاب والاقتصار على خمسين جلدة على المشهور.
__________
(1) متفق عليه.
(2) سورة التوبة، الآية: 29.
(3) رواة البخاري وغيره.
(4) متفق عليه.
(5) رواه احمد ومسلم
(11/42)

المطلق والمقيد
تعريف المطلق:
المطلق لغة: ضد المقيد.
واصطلاحاً: ما دل على الحقيقة بلا قيد كقوله تعالى: (فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) (1) .

فخرج بقولنا: " ما دل على الحقيقة " العام لأنه يدل على العموم لا على مطلق الحقيقة فقط.
وخرج بقولنا: " بلا قيد " المقيد.
تعريف المقيد:
المقيد لغة: ما جعل فيه قيد من بعير ونحوه.
واصطلاحاً: ما دل على الحقيقة بقيد كقوله تعالى: (فتحرير رقبة مؤمنة) (2) .
فخرج بقولنا: " قيد " المطلق.

العمل بالمطلق:
يجب العمل بالمطلق على إطلاقه إلا بدليل يدل على تقييده لأن العمل بنصوص الكتاب والسنة واجب على ما تقتضيه دلالتها حتى يقوم دليل على خلاف ذلك.
__________
(1) سورة المجادلة، الآية: 3
(2) سورة النساء، الآية: 92.
(11/43)

وإذا ورد نص مطلق ونص مقيد وجب تقييد المطلق به إن كان الحكم واحداً وإلا عمل بكل واحد على ما ورد عليه من إطلاق أو تقييد.
مثال ما كان الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى في كفارة الظهار:
(فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) (1) . وقوله في كفارة القتل: (فتحرير رقبة مؤمنة) (2) . فالحكم واحد هو تحرير الرقبة فيجب تقييد المطلق في كفارة الظهار بالمقيد في كفارة القتل ويشترط الإيمان في الرقبة في كل منهما.
ومثال ما ليس الحكم فيهما واحداً: قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ? (3) . وقوله في آية الوضوء: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) (4) . فالحكم مختلف ففي الأولى قطع في الثانية غسل فلا تقيد الأولى بالثانية بل تبقى على إطلاقها ويكون القطع من الكوع مفصل الكف، والغسل إلى المرافق.
__________
(1) سورة المجادلة، الآية: 3.
(2) سورة النساء، الآية: 92.
(3) سورة المائدة، الآية: 38.
(4) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/44)

المجمل والمبين

تعريف المجمل:
المجمل لغة: المبهم والمجموع
واصطلاحاً: ما يتوقف فهم المراد منه على غيره إما في تعيينه أو بيان صفته أو مقداره.
مثال ما يحتاج إلى غيره في تعيينه: قوله تعالى: (والمطلقات يتربصن) (1) فإن القرء لفظ مشترك بين الحيض والطهر فيحتاج في تعيين أحدهما إلى دليل.
ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان صفته: قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) (2) . فإن كيفية إقامة الصلاة مجهولة تحتاج إلى بيان.
ومثال ما يحتاج إلى غيره في بيان مقداره: قوله تعالى: (وآتو الزكاة? (3) . فإن مقدار الزكاة الواجبة مجهول يحتاج إلى بيان.

تعريف المبين:
المبين لغة: المظهر والموضح.
واصطلاحاً: ما يفهم المراد منه إما بأصل الوضع أو بعد التبيين.
مثال ما يفهم المراد منه بأصل الوضع: لفظ، سماء، أرض،
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 228.
(2) سورة التوبة، الآية: 5.
(3) سورة التوبة، الآية: 5.
(11/45)

جبل، عدل، ظلم، صدق، فهذه الكلمات ونحوها مفهومة بأصل الوضع ولا تحتاج إلى غيرها في بيان معناها.
ومثال ما يفهم المراد منه بعد التبيين قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (1) . فإن الإقامة والإيتاء كل منهما مجمل ولكن الشارع بينهما فصار لفظهما بينا بعد التبيين.

العمل بالمجمل:
يجب على المكلف عقد العزم على العمل بالمجمل متى حصل بيانه.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد بين لأمته جميع شريعته أصولها وفروعها حتى ترك الأمة على شريعة بيضاء نقية ليلها كنهارها ولم يترك البيان عند الحاجة إليه أبداً.
وبيانه صلى الله عليه وسلم إما بالقول، أو بالفعل، أو بالقول والفعل جميعاً.
مثال بيانه بالقول: إخباره عن أنصبة الزكاة ومقاديرها كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " فيما سقت السماء العشر" (2) . بياناً لمجمل قوله تعالى: (وآتوا الزكاة) (3) .
ومثال بيانه بالفعل: قيامه بأفعال المناسك أمام الأمة بياناً لمجمل قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت) (4) .
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 5
(2) رواه البخاري وغيره.
(3) سورة التوبة، الآية: 5.
(4) سورة آل عمران، الآية 97.
(11/46)

وكذلك صلاة الكسوف على صفتها هي في الواقع بيان لمجمل قوله صلى الله عليه وسلم: " فإذا رأيتم منها شيئاً فصلوا ". (1)
ومثال بيانه بالقول والفعل: بيانه كيفية الصلاة فإنه كان بالقول كما في حديث المسيء في صلاته حيث قال صلى الله عليه وسلم: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر " الحديث (2) .

وكان بالفعل أيضاً كما في حديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على المنبر فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر. الحديث، وفيه ثم أقبل على الناس وقال: " إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي " (3) .
__________
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
(3) متفق عليه.
(11/47)

الظاهر والمؤول

تعريف الظاهر:
الظاهر لغة: الواضح والبين.
واصطلاحاً: ما دل بنفسه على معنى راجح مع احتمال غيره مثاله قوله صلى الله عليه وسلم: " توضئوا من لحوم الإبل " (1) . فإن الظاهر من المراد بالوضوء غسل الأعضاء الأربعة على الصفة الشرعية دون الوضوء الذي هو النظافة.

فخرج بقولنا: " ما دل بنفسه على معنى " المجمل لأنه لا يدل على المعنى بنفسه.
وخرج بقولنا: " راجح " المؤول لأنه يدل على معنى مرجوح لولا القرينه.
وخرج بقولنا: " مع احتمال غيره " النص الصريح لأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً.

العمل بالظاهر
العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره لأن هذه طريقة السلف ولأنه أحوط وأبرأ للذمة وأقوى في التعبد والانقياد.

تعريف المؤول:
المؤول لغة: من الأول وهو الرجوع.
__________
(1) رواه أحمد وأبو داود ولمسلم معناه.
(11/48)

واصطلاحاً: ما حمل لفظه على المعنى المرجوح.
فخرج بقولنا: " على المعنى المرجوح " النص والظاهر.
أما النص فلأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً، وأما الظاهر فلأنه محمول على المعنى الراجح.
والتأويل قسمان: صحيح مقبول، وفاسد مردود.
1- 1- فالصحيح: ما دل عليه دليل صحيح كتأويل قوله تعالى: (واسأل القرية? (1) . إلى معنى واسأل أهل القرية لأن القرية نفسها لا يمكن توجيه السؤال إليها.
2- 2- والفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح كتأويل المعطلة قوله تعالى:
? الرحمن على العرش استوى) (2) إلى معنى استولى. والصواب أن معناه العلو والاستقرار من غير تكييف ولا تمثيل.
__________
(1) سورة يوسف، الآية: 82
(2) سورة طه، الآية: 5
(11/49)

النسخ

تعريفه:
النسخ لغة: الإزالة والنقل
واصطلاحاً: رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل من الكتاب والسنة.

فالمراد بقولنا: " رفع حكم " أي تغييره من إيجاب إلى إباحة، أو من إباحة إلى تحريم مثلاً.
فخرج بذلك تخلف الحكم لفوات شرط أو وجود مانع مثل أن يرتفع وجوب الزكاة لنقص النصاب أو وجوب الصلاة لوجود الحيض فلا يسمى ذلك نسخاً.
والمراد بقولنا: " أو لفظة " لفظ الدليل الشرعي لأن النسخ إما أن يكون للحكم دون اللفظ، أو بالعكس، أو لهما جميعاً كما سيأتي.
وخرج بقولنا: " بدليل من الكتاب والسنة " ما عداهما من الأدلة كالإجماع والقياس فلا ينسخ بهما.
والنسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً.
أما جوازه عقلاً: فلأن الله بيده الأمر وله الحكم لأنه الرب المالك فله أن شرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد؟ ! ثم إن مقتضى حكمة الله ورحمته بعبادة أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم والمصالح تختلف بحسب الأحوال والأزمان فقد يكون الحكم في وقت أو حال
(11/50)

أصلح للعباد ويكون غيره في وقت أو حال أخرى أصلح والله عليم حكيم.
وأما وقوعه شرعاً فلأدلة منها:
1- قوله تعالى: (ماننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) (1) .
2- قوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم) (2) . (فالآن باشروهن) (3)
فإن هذا النص في تغيير الحكم السابق.
3- قوله صلى الله عليه وسلم: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها" (4)
فهذا نص في نسخ النهي عن زيارة القبور.

ما يمتنع نسخة:
1- الأخبار لأن النسخ محله الحكم ولان نسخ أحد الخبرين يستلزم أن يكون أحدهما كذباً والكذب مستحيل في أخبار الله ورسوله اللهم إلا أن يكون الحكم أتى بصورة الخبر فلا يمتنع نسخة كقوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) (5) . الآية، فإن هذا خبر معناه الأمر ولذا جاء نسخه في الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين) (6) . الآية.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 106.
(2) سورة الأنفال، الآية: 66.
(3) سورة البقرة، الآية: 187.
(4) رواه مسلم.
(5) سورة الأنفال، الآية: 65.
(6) سورة الأنفال، الآية: 66.
(11/51)

2- الأحكام التي تكون مصلحة في كل زمان ومكان كالتوحيد وأصول الإيمان وأصول العبادات ومكارم الأخلاق من الصدق والعفاف والكرم والشجاعة ونحو ذلك فلا يمكن نسخ الأمر بها وكذلك لا يمكن نسخ النهي عما هو قبيح في كل زمان ومكان كالشرك والكفر ومساوئ الأخلاق من الكذب والفجور والبخل والجبن ونحو ذلك، إذ الشرائع كلها لمصالح العباد ودفع المفاسد عنهم.

شروط النسخ:
يشترط للنسخ فيما يمكن نسخه شروط منها:
تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع فلا نسخ لإمكان العمل بكل منهما.
العلم بتأخر الناسخ ويعلم ذلك إما بالنص أو بخبر الصحابي، أو بالتاريخ.
مثال ما علم تأخره بالنص: قوله صلى الله عليه وسلم: " كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وأن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة " (1) .
ومثال ماعلم بخبر الصحابي: قول عائشة رضي الله عنها - " كان فيما أنزل القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات" (2) .
ومثال ما علم بالتاريخ قوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم) (3) . الآية، فقوله (الآن) يدل على تأخر هذا الحكم وكذا لو
__________
(1) رواه أحمد ومسلم.
(2) رواة مسلم.
(3) سورة الأنفال، الآية: 66.
(11/52)

ذكر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، حكم بشيء قبل الهجرة ثم حكم بعدها بما يخالفه فالثاني ناسخ.
1- ثبوت الناسخ واشتراط الجمهور أن يكون أقوى من المنسوخ فلا ينسخ المتواتر عندهما بالآحاد وإن كان ثابتاً، والأرجح أنه لا يشترط أن يكون الناسخ أقوى لأن محل النسخ الحكم ولايشترط في ثبوته التواتر.

أقسام النسخ:
ينقسم النسخ باعتبار النص المنسوخ إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما نسخ حكمه وبقي لفظه وهذا هو الكثير من القرآن.
مثاله: آيتا المصابرة وهما قوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) (1) .الآية، نسخ حكمها بقوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم) (2) .
وحكمه نسخ الحكم دون اللفظ بقاء ثواب التلاوة وتذكير الأمة بحكمة النسخ.

الثاني: ما نسخ لفظه وبقي حكمه كأية الرجم فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: " كان فيما أنزل الله آية الرجم فقرأناها
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 65.
(2) سورة الأنفال، الآية: 66.
(11/53)

وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء وقامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف ".
وحكمه نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة في العمل بمالا يجدون لفظه في القرآن وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله تعالى عكس حال اليهود الذين حاولوا كتم نص الرجم في التوراة.
الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه: كنسخ عشر الرضعات السابق في حديث عائشة - رضي الله عنها.
وينقسم النسخ باعتبار الناسخ أربعة أقسام:
الأول: نسخ القرآن بالقرآن: ومثاله آيتا المصابرة.
الثاني: نسخ القرآن بالسنة: ولم أجد له مثالاً سليماً.
الثالث: نسخ السنة بالقرآن: ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) (1) .
الرابع: نسخ السنة بالسنة، ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم: " كنت نهيتكم عن النبيذ في الأوعية فاشربوا فيما شئتم ولا تشربوا مسكراً " (2) .

حكمة النسخ:
للنسخ حكم متعددة منها:
1- مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم في دينهم وديناهم.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 144.
(2) رواه أحمد.
(11/54)

2- التطور في التشريع حتى يبلغ الكمال.
3- اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى آخر ورضاهم بذلك.
4- اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل.
(11/55)

الاخبار

تعريف الخبر:
الخبر لغة: النبأ.
والمراد به هنا: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو ووصف.
وقد سبق الكلام على أحكام كثيرة من القول.
وأما الفعل فإن فعله صلى الله عليه وسلم أنواع:
الأول: ما فعله بمقتضى الجبلة كالأكل والشرب والنوم فلا حكم له في ذاته، ولكن قد يكون مأموراً به أو منهياً عنه لسبب، وقد يكون له صفة مطلوبة كالأكل باليمين أو منهي عنها كالأكل بالشمال.
الثاني: ما فعله بحسب العادة كصفة اللباس فمباح في حد ذاته وقد يكون مأموراً به أو منهّياً عنه لسبب.
الثالث: ما فعله على وجه الخصوصية فيكون مختصاً به كالوصال في الصوم والنكاح بالهبة.
ولا يحكم بالخصوصية إلا بدليل لأن الأصل التأسي به.
الرابع: ما فعله تعبداً فواجب عليه حتى يحصل البلاغ لوجوب التبليغ عليه ثم يكون مندوباً في حقه وحقنا على أصح الأقوال وذلك لأن فعله تعبداً يدل على مشروعيته والأصل عدم العقاب على الترك فيكون مشروعاً لا عقاب في تركه وهذا حقيقة المندوب.
(11/56)

مثال ذلك: حديث عائشة أنها سئلت بأي شئ كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك (1) ، فليس في السواك عند دخول البيت إلا مجرد الفعل فيكون مندوباً.
ومثال آخر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلل لحيته في الوضوء (2) .
فتخليل اللحية ليس داخلاً في غسل الوجه حتى يكون بياناً لمجمل وإنما هو فعل مجرد فيكون مندوباً.
الخامس: ما فعله بياناً لمجمل من نصوص الكتاب أو السنة فواجب عليه حتى يحصل البيان لوجوب التبليغ عليه ثم يكون له حكم ذلك النص المبين في حقه وحقنا فإن كان واجباً كان ذلك الفعل واجباً وإن كان مندوباً كان ذلك الفعل مندوباً.
مثال الواجب: أفعال الصلاة الواجبة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم بياناً لمجمل قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) (3) .
ومثال المندوب:صلاته صلى الله عليه وسلم، ركعتين خلف المقام بعد أن فرغ من الطواف بياناً لقوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) . (4) حيث تقدم صلى الله عليه وسلم إلى مقام إبراهيم وهو يتلو هذه الآية، والركعتان خلف المقام سنة.
وأما تقريره صلى الله عليه وسلم على الشيء فهو دليل على جوازه على الوجه الذي أقره قولاً كان أم فعلاً.
__________
(1) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي.
(2) رواه ابن ماجه والترمذي وصححه.
(3) سورة البقرة، الآية: 43.
(4) سورة البقرة، الآية: 125.
(11/57)

مثال إقراره على القول: إقراره الجارية التي سألها أين الله؟ .
قالت: في السماء (1) .
ومثال إقراره على الفعل: إقراره صاحب السرية الذي كان يقرأ لأصحابه فيختم بقل هو الله أحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " سلوه لأي شيء كان يصنع ذلك". فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أخبروه أن الله يحبه " (2) .

ومثال آخر: إقراره الحبشة يلعبون في المسجد (3) من أجل التأليف على الإسلام.
فأما ما وقع ولم يعلم به فإنه لا ينسب إليه ولكنه حجة لإقرار الله له ولذلك استدل الصحابة - رضي الله عنهم - على جواز العزل بإقرار الله لهم عليه. قال جابر - رضي الله عنه - " كنا نعزل والقرآن ينزل " متفق عليه. زاد مسلم قال سفيان: " ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن ".
ويدل على أن إقرار الله حجة أن الأفعال المنكرة التي كان المنافقون يخفونها يبينها الله تعالى وينكرها عليهم فدل على أن ما سكت الله عنه فهو جائز.
أقسام الخبر باعتبار من يضاف إليه:
ينقسم الخبر باعتبار من يضاف إليه إلى ثلاثة أقسام: مرفوع، وموقوف، ومقطوع.
__________
(1) أخرجه مالك ومسلم والنسائي.
(2) متفق عليه.
(3) متفق عليه.
(11/58)

1- فالمرفوع: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة أو حكماً.
فالمرفوع حقيقة: قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وإقراره.
والمرفوع حكماً: ما أضيف إلى سنته أو عهده أو نحو ذلك مما لا يدل على مباشرته إياه.
ومنه قول الصحابي أمرنا أو نهينا أو نحوهما كقول ابن عباس - رضي الله عنهما - " أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض (1) . وقول أم عطية " نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا (2) .

2- والموقوف: ما أضيف إلى الصحابي ولم يثبت له حكم الرفع.
وهو حجة على القول الراجح إلا أن يخالف نصاً أو قول صحابي آخر فإن خالف نصَّاً أخذ بالنص وإن خالف قول صحابي آخر أخذ بالراجح منهما.
والصحابي: من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك.

3- والمقطوع: ما أضيف إلى التابعي فمن بعده.
والتابعي:من اجتمع بالصحابي مؤمناً بالرسول صلى الله عليه وسلم ومات على ذلك.

أقسام الخبر باعتبار طرقه:
ينقسم الخبر باعتبار طرقه متواترة وآحاد:
1- فالمتواتر: ما رواه جماعة كثيرون يستحيل في العادة أن يتواطئوا على الكذب وأسندوه إلى شئ محسوس.
__________
(1) متفق عليه
(2) متفق عليه.
(11/59)

مثاله: قوله، صلى الله عليه وسلم: " من كذب على ّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " (1) .

3- والآحاد: ما سوى المتواتر وهو من حيث الرتبة ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن، وضعيف.
فالصحيح: ما نقله عدل تام الضبط بسند متصل وخلا من الشذوذ والعلة القادحة.
والحسن: ما نقله عدل خفيف الضبط بسند متصل وخلا من الشذوذ والعلة القادحة.
ويصل إلى درجة الصحيح إذا تعددت طرقه ويسمى (صحيحاً لغيره) .
والضعيف ما خلا من شرط الصحيح والحسن.
ويصل إلى درجة الحسن إذا تعددت طرقه على وجه يجبر بعضها بعضاً ويسمى (حسناً لغيره) .
وكل هذه الأقسام حجة سوى الضعيف فليس بحجة لكن لا بأس بذكره في الشواهد ونحوها.
صيغ الأداء.
للحديث تحمل وأداء
فالتحمل: أخذ الحديث عن الغير.
والأداء: إبلاغ الحديث إلى الغير.
__________
(1) رواة البخاري ومسلم وغيرهما.
(11/60)

وللأداء صيغ منها:
1- حدثني: لمن قرأ عليه الشيخ.
2- أخبرني: لمن قرأ عليه الشيخ أو قرأ هو على الشيخ.
3- أخبرني: إجازة أو أجاز لي: لمن روى بالإجازة دون القراءة.
والإجازة: إذنه للتلميذ أن يروي عنه ما رواه وإن لم يكن بطريق القراءة.
4- العنعنة وهي: رواية الحديث بلفظ عن.
وحكمها الاتصال إلا من معروف بالتدليس فلا يحكم فيها بالاتصال إلا أن يصرح بالتحديث.
هذا وللبحث في الحديث ورواته أنواع كثيرة في علم المصطلح وفيماأشرنا إليه كفاية أن شاء الله تعالى.
(11/61)

الإجماع
تعريفه:
الإجماع لغة: العزم والاتفاق.
واصطلاحاً: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي.
فخرج بقولنا: " اتفاق " وجود خلاف ولو من واحد فلا ينعقد معه الإجماع.
وخرج بقولنا " مجتهدي " العوام والمقلدون فلا يعتبر وفاقهم ولا خلافهم.
وخرج بقولنا: " هذه الأمة " إجماع غيرها فلا يعتبر.
وخرج بقولنا: " بعد النبي صلى الله عليه وسلم "، إتفاقهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يعتبر إجماعاً من حيث كونه دليلاً لأن الدليل حصل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، من قول أو فعل أو تقرير ولذلك إذا قال الصحابي كنا نفعل أو كانوا يفعلون كذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كان مرفوعاً حكماً لا نقلاً للإجماع.
وخرج بقولنا: " على حكم شرعي " إتفاقهم على حكم عقلي أو عادي فلا مدخل له هنا إذ البحث في الإجماع كدليل من أدلة الشرع.
1 - قوله تعالى: (وكذلك جعالناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على
(11/62)

الناس) (1) .
فقوله: (شهداء على الناس) يشمل الشهادة على أعمالهم وعلى أحكام أعمالهم والشهيد قوله مقبول.
قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء) (1) .
دل على أن ما اتفقوا عليه حق.
3- قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تجتمع أمتي على ضلالة " (2) .
5- أن نقول: إجماع الأمة على شيء إما أن يكون حقّاً وإما أن يكون باطلاً، فإن كان حقّاً فهو حجة، وإن كان باطلاً فكيف يجوز أن تجمع هذه الأمة التي هي أكرم الأمم على الله منذ عهد نبيها إلى قيام الساعة على أمر باطل لا يرضى به الله؟ ! هذا من أكبر المحال.

أنواع الإجماع:
الإجماع نوعان: قطعي، وظني.
1- فالقطعي: ما يعلم وقوعه من الأمة بالضرورة كالإجماع على وجوب الصلوات الخمس، وتحريم الزنى، وهذا النوع لا أحد ينكر ثبوته ولا كونه حجة ويكفر مخالفة إذا كان ممن لا يجهله.
2- والظني: ما لايعلم إلا بالتتبع والاستقراء وقد اختلف العلماء في إمكان ثبوته وأرجح الأقوال في ذلك رأي شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في العقيدة الواسطية: " والإجماع الذي ينضبط ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشرت الأمة ". أهـ.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 143.
(1) سورة النساء، الآية: 59.
(2) رواة الترمذي وله طرق لا تخلو من مقال ولكن بعضها بقوي بعضاً.
(11/63)

واعلم أن الأمة أن تجمع على خلاف دليل صحيح صريح غير منسوخ فإنها لا تجمع إلا على حق وإذا رأيت إجماعاً تظنه مخالفاً لذلك فانظر فإما أن يكون الدليل غير صريح، أو غير صحيح، أو منسوخاً، أو في المسألة خلاف لم تعلمه.
شروط الإجماع:
للإجماع شروط منها:
1- أن يثبت بطريق صحيح بأن يكون إما مشهوراً بين العلماء أو ناقلة ثقة واسع الإطلاع.
2- ألا يسبقه خلاف مستقر فإن سبقه ذلك فلا إجماع لأن الأقوال لا تبطل بموت قائليها.
فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق وإنما يمنع من حدوث خلاف.
هذا هو القول الراجح لقوة مأخذه وقيل لا يشترط ذلك فيصح أن ينعقد في العصر الثاني على أحد الأقوال السابقة ويكون حجة على من بعده.
ولا يشترط على رأي الجمهور انقراض عصر المجمعين فينعقد الإجماع من أهله بمجرد اتفاقهم ولايجوز لهم ولا لغيرهم مخالفته بعد لأن الأدلة على أن الإجماع حجة ليس فيها اشتراط انقراض العصر، ولأن الإجماع حصل ساعة اتفاقهم فما الذي يرفعه؟
وإذا قال بعض المجتهدين قولاً أو فعل فعلاً واشتهر ذلك بين أهل الاجتهاد ولم ينكروه مع قدرتهم على الإنكار فقيل: يكون إجماعاً.
وقيل: يكون حجة لا إجماعاً. وقيل: ليس بإجماع ولا حجة. وقيل: إن انقرضوا قبل الإنكار فهو إجماع لأن استمرار سكوتهم إلى الانقراض مع قدرتهم على الإنكار دليل على موافقتهم وهذا أقرب الأقوال.
(11/64)

القياس
تعريفه:
القياس لغة: التقدير والمساواة.
واصطلاحاً: تسوية فرع بأصل في حكم لعله جامعه بينهما.
فالفرع: المقيس.
والأصل: المقيس عليه.
والحكم: ما اقتضاه الدليل الشرعي من وجوب أو تحريم أو صحة أو فساد أو غيرها.
والعلة: المعنى الذي ثبت بسببه حكم الأصل، وهذه الأربعة أركان القياس، والقياس أحد الأدلة التي ثبت بها الأحكام الشرعية.
وقد دل على اعتباره دليلاً شرعيّاً الكتاب والسنة وأقوال الصحابة.
فمن أدلة الكتاب:
1- قوله تعالى: (الله الذي انزل الكتاب بالحق والميزان) (1) .
والميزان ما توزن به الأمور ويقايس به بينها.
2- قوله تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده) (2) (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور) (3) . فشبه الله تعالى إعادة الخلق بابتدائه.
__________
(1) سورة الشورى، الآية: 17.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 104.
(3) سورة فاطر، الآية: 9.
(11/65)

وشبه إحياء الأموات بإحياء الأرض وهذا هو القياس.

ومن أدلة السنة:
1- قوله صلى الله عليه وسلم لمن سألته عن الصيام عن أمها بعد موتها: "ارأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها " قالت: نعم. قال: " فصومي عن أمك " (1) .
2- أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله، ولد لي غلام أسود، فقال هل لك من إبل؟ قال نعم. قال: ما ألوانها؟ قال حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى ذلك؟ قال: لعله نزعه عرق. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق " (2) .
وهكذا جميع الأمثال الواردة في الكتاب والسنة دليل على القياس لما فيها من اعتبار الشيء بنظيره.
ومن أقوال الصحابي: ما جاء عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في كتابة إلى أبي موسى الأشعري في القضاء قال: ثم الفهم الفهم فيما أدلى عليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة ثم قايس الأمور عندك واعرف الأمثال ثم أعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق.
قال ابن القيم: وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول.
وحكى المزني أن الفقهاء في عصر الصحابة إلى يومه أجمعوا على أن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، واستعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام.
__________
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
(11/66)

شروط القياس:
للقياس شروط منها:
1- أن لا يصادم دليلاً أقوى منه فلا اعتبار بقياس يصادم النص أو الإجماع أو أقوال الصحابة إذا قلنا قول الصحابي حجة ويسمى القياس المصادم لما ذكر (فاسد الاعتبار) .
مثاله: أن يقال يصح أن تزوج المرأة الرشيدة لنفسها بغير ولي قياساً على صحة بيعها ما لها بغير ولي.
فهذا قياس فاسد الاعتبار لمصادمته وهو قوله صلى الله عليه وسلم: " لا نكاح إلى بولي " (1) .
2- أن يكون حكم الأصل ثابتاً بنص أو إجماع فإن كان ثابتاً بقياس لم يصح القياس عليه، وإنما يقاس على الأصل الأول لأن الرجوع إليه أولى ولأن القياس على الفرع ثم الفرع على الأصل تطويل بلا فائدة.
مثال ذلك: أن يقال يجري الربا في الذرة قياساً على الرز ويجري في الرز قياساً على البر، فالقياس هكذا غير صحيح ولكن يقال يجري الربا في الذرة قياساً على البر ليقاس على أصل ثابت بنص.
3- أن يكون الحكم الأصل عله معلومة ليمكن الجمع بين الأصل والفرع فيها فإن كان حكم الأصل تعبديّاً محضاً لم يصح القياس عليه.
__________
(1) أخرجه الخمسة إلا النسائي وصححه ابن حبان والحاكم.
(11/67)

مثال ذلك: أن يقال لحم النعامة ينقض الوضوء قياساً على لحم البعير لمشابهتها له، فيقال هذا القياس غير صحيح لأن حكم الأصل ليس له عله معلومة وإنما هو تعبدي محض على المشهور.
4- أن تكون العلة مشتملة على معنى مناسب للحكم يعلم من قواعد الشرع باعتباره كالإسكار في الخمر.
فإن كان المعنى وصفاً طردياً لا مناسبة فيه لم يصح التعليل به كالسواد والبياض مثلاً.
مثال ذلك: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن بريرة خيرت على زوجها حين عتقت قال: وكان زوجها عبداً أسود (1) . فقوله"أسود " وصف طردي لا مناسبة فيه للحكم ولذلك يثبت الخيار للأمة إذا عتقت تحت عبد وإن كان أبيض ولايثبت لها إذا عتقت تحت حر وإن كان أسود.
5- أن تكون العلة موجودة في الفرع كوجودها في الأصل كالإيذاء في ضرب الوالدين المقيس على التأفيف فإن لم تكن العلة موجودة في الفرع لم يصح القياس.
مثال ذلك: أن يقال العلة في تحريم الربا في كونه مكيلاً ثم يقال يجري الربا في التفاح قياساً على البر فهذا القياس غير صحيح لأن العلة غير موجودة في الفرع إذ التفاح غير مكيل.
__________
(1) رواه البخاري.
(11/68)

أقسام القياس:
ينقسم القياس إلى جلي ّ وخفي ّ.
1- فالجلي: ما ثبتت عليه بنص أو إجماع أو كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع.
مثال ما ثبتت علته بالنص: قياس المنع من الاستجمار بالدم النجس الجاف على المنع من الاستجمار بالروثة فإن عله حكم الأصل ثابتة بالنص حيث أتى ابن مسعود - رضي الله عنه - إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة ليستنجي بهن فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال " هذا ركس " (1) ، والركس النجس.
ومثال ما ثبتت علته بالإجماع: نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي هو غضبان (2) ، فقياس منع الحاقن من القضاء على منع الغضبان منه من القياس الجلي لثبوت عله الأصل بالإجماع وهي تشويش الفكر وانشغال القلب.
ومثال ما كان مقطوعاً فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع: قياس تحريم إتلاف مال اليتيم باللبس على تحريم إتلافه بالأكل للقطع بنفي الفارق بينهما.
2- والخفي: ما ثبتت علته باستنباط ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع.
__________
(1) رواة البخاري.
(2) متفق عليه.
(11/69)

مثاله: قياس الأشنان على البر في تحريم الربا بجامع الكيل فإن التعليل بالكيل لم يثبت بنص ولا إجماع ولم يقطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع إذ من الجائز أن يفرق بينهما بأن البر مطعوم بخلاف الأشنان.
قياس الشبه:
ومن القياس ما يسمى: بـ (قياس الشبه) وهو أن يتردد فرع بين أصلين مختلفي الحكم وفيه شبه بكل منهما فيلحق بأكثرهما شبهاً به.
مثال ذلك: العبد هل يملك بالتمليك قياساً على الحر أو لا يملك قياساً على البهيمة؟ .
إذا نظرنا إلى هذين الأصلين الحر والبهيمة وجدنا أن العبد متردد بينهما فمن حيث أنه إنسان عاقل يثاب ويعاقب وينكح ويطلق يشبه الحر، ومن حيث أن يباع ويرهن ويوقف ويوهب ويورث ولا يودع ويضمن بالقيمة ويتصرف فيه يشبه البهيمة وقد وجدنا أنه من حيث التصرف المالي أكثر شبهاً بالبهيمة فيلحق بها.
وهذا القسم من القياس ضعيف إذ ليس بينه وبين الأصل عله مناسبة سوى أنه يشبهه في أكثر الأحكام مع انه ينازعه أصل آخر.
قياس العكس:
ومن القياس ما يسمى بـ (قياس العكس) وهو: إثبات نقيض حكم الأصل للفرع لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه.
ومثلوا لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: " وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: (يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ ! قال أرايتم لو
(11/70)

وضعها في حرام أكان له وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر (1) .
فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم للفرع وهو الوطء الحلال نقيض حكم الأصل وهو الوطء الحرام لوجود نقيض علة حكم الأصل فيه أثبت للفرع أجراً لأنه وطء حلال كما أن في الأصل وزراً لأنه وطء حرام.
__________
(1) رواه مسلم.
(11/71)

التعارض
تعريفه:
التعارض لغة: التقابل والتمانع.
واصطلاحاً: تقابل الدليلين بحيث يخالف أحدهما الآخر.
وأقسام التعارض أربعة:
القسم الأول: أن يكون بين دليلين عامين وله أربع حالات:
1- أن يمكن الجمع بينهما بحيث يحمل كل منهما على حال لا يناقض الآخر فيها فيجب الجمع.
مثال ذلك: قول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ? وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) (1) ، وقوله: (إنك لا تهدي من أحببت) (2) ، والجمع بينهما أن الآية الأولى يراد بها هداية الدلالة إلى الحق وهذه ثابتة للرسول صلى الله عليه وسلم.
والآية الثانية يراد بها هداية التوفيق للعمل وهذه بيد الله تعالى لا يملكها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا غيره.
2- فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول.
__________
(1) سورة الشورى، الآية: 52.
(2) سورة القصص، الآية: 56.
(11/72)

مثال ذلك: قوله تعالى في الصيام: (فمن تطوع خيراً فهو خير له وإن تصوموا خير لكم) (1) . فهذه الآية تفيد التخيير بين الإطعام والصيام مع ترجيح الصيام وقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر) (2) تفيد تعيين الصيام أداء في حق غير المريض والمسافر وقضاء في حقهما لكنها متأخرة عن الأولى فتكون ناسخة لها كما يدل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع الثابت في الصحيحين وغيرهما.
3- فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح.
مثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: " من مس ذكره فليتوضأ " (3) وسئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل يمس ذكره أعليه الوضوء؟ قال: " لا إنما هو بضعة منك " (4) فيرجح الأول لأنه أحوط ولأنه أكثر طرقاً ومصححوه أكثر ولأنه ناقل عن الأصل ففيه زيادة علم.
4- فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف ولا يوجد له مثال صحيح
القسم الثاني: أن يكون التعارض بين خاصين فله أربع حالات أيضاً.
1- أن يمكن الجمع بينهما فيجب الجمع.
مثاله: حديث جابر - رضي الله عنه - في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 184.
(2) سورة البقرة، الآية: 185.
(3) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان.
(4) رواه الخمسة وصححه ابن حبان.
(11/73)

أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النحر بمكة (1) ، وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها بمنى، فيجمع بينهما بأنه صلاها بمكة ولما خرج إلى منى أعادها بمن فيها من أصحابه (2) .
2- فإن لم يمكن الجمع فالثاني ناسخ إن علم التاريخ.
مثاله: قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك) (3) الآية. وقوله تعالى: (لا يحل لك النساء من بعد) (4) . فالثانية ناسخة للأولى على أحد الأقوال.
3- فإن لم يمكن عمل بالراجح إن كان هناك مرجح.
مثاله: حديث ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها هو حلال (5) وحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم (6) .
فالراجح الأول لأن ميمونة صاحبة القصة فهي أدرى بها، ولأن حديثها مؤيد بحديث أبي رافع - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال قال: وكنت الرسول بينهما (7)
__________
(1) رواه مسلم
(2) متفق عليه
(3) سورة الأحزاب، الآية: 50.
(4) سورة الأحزاب، الآية: 52.
(5) رواه مسلم.
(6) رواة الجماعة.
(7) رواة أحمد والترمذي
(11/74)

4- فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف ولا يوجد له مثال صحيح.
القسم الثالث: أن يكون التعارض بين عام وخاص فيخصص العام بالخاص.
مثال قوله صلى الله عليه وسلم: " فيما سقت السماء العشر (1) " وقوله: " ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ". فيخصص الأول بالثاني ولا تجب الزكاة إلا فيما بلغ خمسة أوسق.
القسم الرابع: أن يكون التعارض بين نصين أحدهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه فله ثلاث حالات:
1- أن يقوم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به.
مثاله: قوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن) (2) 0 وقوله: (وأولات الأحمال) (3) . فالأولى خاصة في المتوفي عنها عامة في الحامل وغيرها، والثانية خاصة في الحامل عامة في المتوفي عنها وغيرها لكن دل الدليل على تخصيص عموم الأولى بالثانية وذلك أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بليال فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج (4) .
__________
(1) سبق تخرجهما.
(2) سورة البقرة، الآية: 234
(3) سورة الطلاق، الآية: 4.
(4) متفق عليه
(11/75)

وعلى هذا فتكون عدة الحامل إلى وضع الحمل سواء كانت متوفى عنها أم غيرها.
2- وإن لم يقم دليل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر عمل بالراجح.
مثال ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم:" إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " (1) وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " (2) .
فالأول خاص في تحية المسجد عام في الوقت، والثاني خاص في الوقت عام في الصلاة يشمل تحية المسجد وغيرها لكن الراجح تخصيص عموم الثاني بالأول فتجوز تحية المسجد في الأوقات المنهي عن عموم الصلاة فيها، وإنما رجحنا ذلك لأن تخصيص عموم الثاني قد ثبت بغير تحية المسجد كقضاء المفروضة وإعادة الجماعة فضعف عمومه.
3- وإن لم يقم دليل ولا مرجح لتخصيص عموم أحدهما بالثاني وجب العمل بكل منهما فيما لا يتعارضان فيه والتوقف في الصورة التي يتعارضان فيها.
لكن لا يمكن التعارض بين النصوص في نفس الأمر على وجه لا يمكن فيه الجمع ولا النسخ ولا الترجيح لأن النصوص لا تتناقض والرسول صلى الله عليه وسلم قد بين وبلغ لكن قد يقع ذلك بحسب نظر المجتهد لقصوره والله أعلم.
__________
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
(11/76)

الترتيب بين الأدلة

إذا اتفقت الأدلة السابقة (الكتاب والسنة والإجماع والقياس) على حكم أو انفرد أحدها من غير معارض وجب إثباته، وإن تعارضت وأمكن الجمع وجب الجمع وإن لم يكن الجمع عمل بالنسخ إن تمت شروطه.

وإن لم يمكن النسخ وجب الترجيح.
فيرجح من الكتاب والسنة:
النص على الظاهر.
والظاهر على المؤول.
والمنطوق على المفهوم.
والمثبت على النافي.
والناقل عن الأصل على المبقي عليه لأنه مع الناقل زيادة علم والعام المحفوظ (وهو الذي لم يخصص) على غير المحفوظ.
وما كانت صفات القبول فيه أكثر على ما دونه.
وصاحب القصة على غيره.
ويقدم من الإجماع: القطعي على الظني.
ويقدم من القياس: الجلي على الخفي.
(11/77)

المفتي والمستفتي
المفتي: هو المخبر عن حكم شرعي
والمستفتي: هو السائل عن حكم شرعي
شروط الفتوى:
يشترط لجواز الفتوى شروط منها:
1- أن يكون المفتي عارفاً بالحكم يقيناً أو ظنّاً أو راجحاً إلا وجب عليه التوقف.
2- أن يتصور السؤال تصوّرا ًتاماً ليتمكن من الحكم عليه فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
فإذا أشكل عليه معنى كلام المستفتي سأله عنه وإن كان يحتاج إلى تفصيل استفصله أو ذكر التفصيل في الجواب، فإذا سئل عن امرئ هلك عن بنت وأخ وعم وشقيق فليسأل عن الأخ هل هو لأم أو لا؟ أو يفصل في الجواب، فإن كان لأم فلا شيء له، والباقي بعد فرض البنت للعم وإن كان لغير أم فالباقي بعد فرض البنت له ولا شيء للعم.
3- أن يكون هادئ البال ليتمكن من تصور المسألة وتطبيقها على الأدلة الشرعية فلا يفتي حال انشغال فكرة بغضب أو هم أو ملل أو غيرها.
ويشترط لوجوب الفتوى شروط منها:
1- وقوع الحادثة المسؤول عنها فإن لم تكن واقعة لم تجب الفتوى لعدم الضرورة إلا أن يكون قصد السائل التعلم فإنه لا يجوز كتم العلم
(11/78)

بل يجيب عنه متى سئل بكل حال.
2- ألا يعلم من حال السائل أن قصده التعنت أو تتبع الرخص أو ضرب آراء العلماء بعضها ببعض أو غير ذلك من المقاصد السيئة فإن علم ذلك من حال السائل لم تجب الفتوى.
3- ألا يترتب على الفتوى ما هو أكثر منها ضرراً فإن ترتب عليها ذلك وجب الإمساك عنها دفعاً لأشد المفسدتين بأخفهما.

ما يلزم المستفتي:
يلزم المستفتي أمران:
الأول: أن يريد باستفتائه الحق والعمل به لا تتبع الرخص وإفحام المفتي وغير ذلك من المقاصد السيئة.
الثاني: ألا يستفتي إلا من يعلم أو يغلب على ظنه أنه أهل للفتوى وينبغي أن يختار أوثق المفتين علماً وورعاً وقيل يجب ذلك.
(11/79)

الاجتهاد
تعريفه:
الاجتهاد لغة: بذل الجهد لإدراك أمر شاق
واصطلاحاً: بذل الجهد لإدراك حكم شرعي.
والمجتهد: من بذل جهده لذلك.

شروط الاجتهاد
للاجتهاد شروط منها:
1- أن يعلم من الأدلة الشرعية ما يحتاج إليه في اجتهاده كآيات الأحكام وأحاديثها.
2- أن يعرف ما يتعلق بصحة الحديث وضعفه كمعرفة الإسناد ورجاله وغير ذلك.
3- أن يعرف الناسخ والمنسوخ ومواقع الإجماع حتى لا يحكم بمنسوخ أو مخالف للإجماع.
4- أن يعرف من الأدلة ما يختلف به الحكم من تخصيص أو تقييد أو نحوه حتى لا يحكم بما يخالف ذلك.
5- أن يعرف من اللغة وأصول الفقه ما يتعلق بدلالات الألفاظ كالعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين ونحو ذلك ليحكم بما تقتضيه تلك الدلالات.
6- أن يكون عنده قدرة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها.
والاجتهاد قد يتجزأ فيكون في باب واحد من أبواب العلم أو في مسألة من مسائله.
(11/80)

ما يلزم المجتهد
يلزم المجتهد أن يبذل جهده في معرفة الحق ثم يحكم بما ظهر له فإن أصاب فله أجران:
أجر على اجتهاده وأجر على إصابة الحق لأن في إصابة الحق إظهاراً له وعملاً به، وإن أخطأ فله أجر واحد والخطأ مغفور له لقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (1) .
وإن لم يظهر له الحكم وجب عليه التوقف وجاز التقليد حينئذ لضرورة.
__________
(1) متفق عليه.
(11/81)

التقليد

تعريفه:
التقليد لغة: وضع الشيء في العنق محيطاً به كالقلادة.
واصطلاحاً: اتباع من ليس قوله حجة.
فخرج بقولنا: " من ليس قوله حجة " اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، واتباع أهل الإجماع، واتباع الصحابي إذا قلنا أن قوله حجة، فلا يسمى اتباع شيء من ذلك تقليداً لأنه اتباع للحجة لكن قد يسمى تقليداً على وجه المجاز والتوسع.

مواضع التقليد:
يكون التقليد في موضعين:
الأول: أن يكون المقلد عاميّاً لا يستطيع معرفة الحكم بنفسه ففرضه التقليد لقوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون) (1) ، ويقلد أفضل من يجده علماً وورعاً فإن تساوى عنده اثنان خير بينهما.
الثاني: أن يقع للمجتهد حادثة تقتضي الفورية ولا يتمكن من النظر فيها فيجوز له التقليد حينئذ، واشترط بعضهم لجواز التقليد ألا تكون المسألة من أصول الدين التي يجب اعتقادها لأن العقائد يجب الجزم فيها والتقليد إنما يفيد الظن فقط.
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(11/82)

والراجح أن ذلك ليس بشرط لعموم قوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون) (1) . والآية في سياق إثبات الرسالة وهو من أصول الدين ولأن العامي لا يتمكن من معرفة الحق بأدلته فإذا تعذر عليه معرفة الحق بنفسه لم يبق إلا التقليد لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (2) .
أنواع التقليد:
التقليد نوعان عام، وخاص:
1- فالعام: أن يلتزم مذهباً معيناً يأخذ برخصة وعزائمه في جميع الأمور دينه.
وقد اختلف العلماء فيه فمنهم من حكى وجوبه لتعذر الاجتهاد في المتأخرين ومنهم من حكى تحريمه لما فيه من الالتزام المطلق لاتباع غير النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه إن في القول بالوجوب طاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمره ونهيه وهو خلاف الإجماع وجوازه فيه ما فيه.
وقال: من التزم مذهباً معيناً ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك ولا عذر شرعي يقتضي حل ما فعله فهو متبع لهواه فاعل للمحرم بغير عذر شرعي وهذا منكر وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها وإما بأن يرى أحد الرجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر وهو أتقى لله فيما يقوله فيرجع عن قول إلى قول لمثل هذا فهذا يجوز بل يجب وقد نص الإمام أحمد على ذلك.
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(2) سورة التغابن، الآية: 16.
(11/83)

2- والخاص: أن يأخذ بقول معين في قضية معينة فهذا جائز إذا عجز عن معرفة الحق بالاجتهاد سواء عجز عجزاً حقيقياً أو استطاع ذلك مع المشقة العظيمة.

فتوى المقلد:
قال الله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون) (1) ، وأهل الذكر هم أهل العلم والمقلد ليس من أهل العلم المتبوعين وإنما هو تابع لغيره.
قال أبو عمر بن عبد البر وغيره " أجمع الناس على أن المقلد ليس معدوداً من أهل العلم وأن العلم معرفة الحق بدليله ". قال ابن القيم: وهذا كما قال أبو عمر فإن الناس لا يختلفون في أن العلم هو المعرفة الحاصل على دليل وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد ثم حكى ابن القيم بعد ذلك في جواز الفتوى ثلاثة أقوال:
أحدهما: لا تجوز الفتوى بالتقليد لأن ليس بعلم والفتوى بغير علم حرام وهذا قول أكثر الأصحاب وجمهور الشافعية.
الثاني: أن ذلك جائز فيما يتعلق بنفسه ولا يجوز أن يقلد فيما يفتي به غيره.
الثالث: أن ذلك جائز عند الحاجة وعدم العالم المجتهد وهو أصح الأقوال وعليه العمل. انتهى كلامه.
وبه يتم ما أردنا كتابته في هذه المذكرة الوجيزة، نسأل الله أن يلهمنا الرشد في القول والعمل وأن يكلل أعمالنا بالنجاح إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(11/84)

فتاوى الفقه
كتاب الطهارة
(11/85)

كتاب الطهارة
باب المياه

1) سُئل فضيلة الشيخ: عن أقسام المياه؟
فأجاب حفظه الله تعالى قائلاً: الراجح أن الماء قسمان: طهور ونجس، فما تغير بالنجاسة، فهو نجس، وما لم يتغير بنجاسة، فهو طَهُورٌ.
أما إثبات قسم ثالث، وهو الطاهر، فلا أصل لذلك في الشريعة، والدليل على هذا هو عدم الدليل، إذ لو كان القسم الطاهر ثابتاً بالشرع، لكان أمراً معلوماً مفهوماً، تأتي به الأحاديث البينة الواضحة، لأن الحاجة تدعو إلى بيانه، وليس بالأمر الهين، إذ يترتب عليه: إما أن يتطهر بماء أو يتيمم.
2) وسُئل فضيلته: ما الأصل في الطهارة من الحدث والخبث؟
فأجاب بقوله: الأصل في الطهارة من الحدث الماء، ولا طهارة إلا بالماء، سواء كان الماء نقيّاً، أم متغيِّراً بشيء طاهر، لأن القول الراجح: أن الماء إذا تغيّر بشيء طاهر، وهو باقٍ على اسم الماء، أنه لا تزول طهور يته، بل طهور طاهر في نفسه، مطهر لغيره، فإن لم يوجد الماء أو خيف الضرر باستعماله، فإنه يُعدَل عنه إلى التيمم، بضرب الأرض بالكفين، ثم مسح الوجه بهما، ومسح بعضهما ببعض. هذا بالنسبة
(11/86)

للطهارة من الحدث.
أما الطهارة من الخبث، فإن أي مزيل يُزيل ذلك الخبث، من ماء أو غيره تحصل به الطهارة، وذلك لأن الطهارة من الخبث يُقصَد بها إزالة تلك العين الخبيثة بأي مزيل، فإذا زالت هذه العين الخبيثة بماء أو بنزين أو غيره من السائلات أو الجامدات على وجه تام، فإن هذا يكون تطهيراً لها، لكن لابد من سبع غسلات إحداهن بالتراب في نجاسة الكلب، وبهذا نعرف الفرق بين ما يحصل به التطهير في باب الخبث، وبين ما يحصل به التطهير في باب الحدث.

3) وسئل رعاه الله بمنه وكرمه: هل تطهر النجاسة بغير الماء؟ وهل البخار الذي تغسل به الأكوات مطهر لها؟
فأجاب قائلاً: إزالة النجاسة ليست مما يُتعبد به قصداً، أي أنها ليست عبادة مقصودة، وإنما إزالة النجاسة هو التخلي من عين خبيثة نجسة، فبأي شيء أزال النجاسة، وزالت وزال أثرها، فإنه يكون ذلك الشيء مطهِّراً لها، سواء كان بالماء أو بالبنزين، أو أي مزيل يكون، فمتى زالت عين النجاسة بأي شيء يكون، فإنه يُعتبر ذلك تطهيراً لها، حتى إنه على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، لو زالت بالشمس والريح فإنه يطهر المحل، لأنها كما قلت: هي عين نجسة خبيثة، متى وجدت صار المحل متنجِّساً بها، ومتى زالت عاد المكان إلى أصلة، أي إلى طهارته، فكل ما تزول به عين النجاسة وأثرها، إلا إنه يُعفى عن اللون المعجوز عنه، فإنه يكون مطهِّراً لها، وبناءً على ذلك نقول: إن البخار الذي تُغسل به الأكوات إذا زالت به النجاسة فإنه يكون مطهِّراً.
(11/87)

4) وسئل: هل يصح الوضوء بالماء المالح بطبيعته أو المستخرج من الأرض بواسطة المكائن؟
فأجاب فضيلته: نعم يصح الوضوء بالماء المالح بطبيعته أو بوضع ملح فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الوضوء بماء البحر فقال: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته ".
ومن المعلوم أن مياه البحر مالحة فيجوز للإنسان أن يتوضأ بالماء المالح سواء كان الملح طارئاً أو كان مالحاً من أصله.
وكذلك يجوز الوضوء بالماء الذي أخرج بالمكائن وغيرها من الآلات الحديثة لأن هذا داخل في قوله تعالى: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ?. إلى قوله: ? وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ? (1) .

5) وسُئل الشيخ - أعلى الله مكانه ومكانته - عن حكم الماء المتغير ّ بطول مُكثه؟
فأجاب بقوله: هذا الماء طهور وإن تغير، لأنه لم يتغير بمازج خارج وإنما تغير بطول مُكثه في هذا المكان، وهذا لا بأس به يُتوضأ منه والوضوء صحيح.
6) وسئل: عن حكم الوضوء من بركة يبقى الماء فيها مدة طويلة فيتغير لونه وطعمه؟
فأجاب بقوله: لا بأس بالوضوء من تلك البركة ما داموا
(11/88)

يتوضأون خارجها، ولا يغتسلون في داخلها، لأنه لا يضرّ تغير الماء بمكثه، إنما يضرّ لو تغير بنجاسة، وكذلك لو كانوا يغتسلون من الجنابة بداخلها، لِنَهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في الماء الدائم الذي لا يجري، أما ما داموا يغتسلون ويتوضأون خارجها فلا حرج في ذلك والباقي طهور يتوضأون منه إلى أن ينفذ.
7) وسئل: إذا مشى الإنسان في ماء متخلف من ماء الوضوء فهل يعتبر نجساً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الماء لم يَتغيَّر بالنَّجاسة فهو طاهر، فإن تغيَّر بالنجاسة فهو نجس ٌ وعلى من تلوَّثت رجله به أن يغسلها، وكذلك من تلوثت نعاله به أن يغسل ما تلوث إلا ما يباشر الأرض فإن الأرض تُطَهّره.
8) سئل فضيلة الشيخ: عن تكرير الماء المتلوث بالنجاسات حتى يعود الماء نقيّاً سليماً من الروائح الخبيثة ومن تأثيرها في طعمه ولونه؟ وعن حكم استعمال هذا الماء في سقي المزارع والحدائق وطهارة الإنسان وشربه؟
فأجاب بقوله: في حال تكرير الماء التكرير المتقدم، الذي يُزيل تلوثه بالنجاسة حتى يعود نقيّاً سليماً من الروائح الخبيثة ومن تأثيرها في طعمه ولونه، مأمون العاقبة من الناحية الصحية، في هذه الحال لا شّك في طهارة الماء، وأنه يجوز استعماله في طهارة الإنسان وشربه وأكله وغير ذلك، لأنه صار طهوراً لزوال أثر النجاسة طعماً ورائحة ً ولوناً، وفي الحديث عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه ".
وفي
(11/89)

رواية: " أن الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه ". وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً من حيث السند وأكثر أهل العلم لا يثبتونه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل قال النووي: اتفق المحدِّثون على تضعيفه، لكنه في الحقيقة صحيح من حيث المعنى، لتأيده بالأحاديث الدالة على إزالة النجاسة بالغسل، فإنها تدل على أنه إذا زال أثر النجاسة بالغسل، فإنها تدل على أنه إذا زال أثر النجاسة طهر ما أصابته، ولأن أهل العلم مجمعون على أن الماء إذا أصابته النجاسة فغّيرت ريحه أو طعمه أو لونه صار نجساً، وإن لم تغيره فهو باق على طهوريته، إلا إذا كان دون القلتين، فإن بعضهم يرى أن ينجس وإن لم يتغير والصحيح أنه لا ينجس إلا بالتغير، لأن النظر والقياس يقتضي ذلك، فإنه إذا تغير بالنجاسة فقد أثرت فيه خبثاً، فإذا لم يتغير بها فكيف يجعل له حكمها؟
إذا تبين ذلك وأن مدار نجاسة الماء على تغيره، فإنه إذا زال تغيره بأي وسيلة عاد حكم الطهورية إليه، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، وقد نصّ الفقهاء - رحمهم الله - على أن الماء الكثير وهو الذي يبلغ القُلّتين عندهم إذا زال تغيره ولو بنفسه بدون محاولة فإنه يطهر.
وفي حال تكرير الماء التكرير الأولي والثانوي، الذي لا يزيل أثر النجاسة لا يجوز استعماله في طهارة الإنسان وشربه، لأن أثر النجاسة فيه باقٍ، إلا إذا قدر أن هذا الأثر الباقي لا يتغير به ريح الماء ولا طعمه ولا لونه، لا تغيراً قليلاً ولا كثيراً، فحينئذٍ يعود إلى طهوريته، ويستعمل في طهارة الإنسان وشربه، كالمكرر تكريراً متقدماً.
وأما استعماله أعني الذي بقي فيه أثر النجاسة في ريحه أو طعمه أو لونه، إذا استعمل في سقي الحدائق والمزارع والمنتزهات الشعبية، فالمشهور عند الحنابلة أنه يحرم ثمر وزرع سقي بنجس أو سمّد به
(11/90)

لنجاسته بذلك، حتى يسقى بطاهر، وتزول عين النجاسة، وعلى هذا يحرم السقي والسماد وقت الثمار، لأنه يفضي إلى تنجيسه وتحريمه.
وذهب أكثر أهل العلم إلا أنه لا يحرم ولا ينجس بذلك إلا أن يظهر أثر النجاسة في الحب والثمر، وهذا هو الصحيح، والغالب أن النجاسة تستحيل فلا يظهر لها أثر في الحبّ والثمر لكن ينبغي أن يلاحظ أن المنتزهات والجالسين فيها، أو تحرمهم الجلوس والتنزه وهذا لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البراز في الموارد وقارعة الطريق، وظل الناس، لأن ذلك يقذرهم، فعليه يجب أن لا تسقى المنتزهات والحدائق العامة بالمياه النجسة، أو تسمّد بالأسمدة النجسة، والله الموفق.
__________
(1) سورة المائدة، الآية 6.
(11/91)

باب الآنية

9) سُئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى: - عن حكم استعمال آنية الذهب والفضة؟
فأجاب بقوله: الصحيح أن الاتخاذ والاستعمال في غير الأكل والشرب ليس بحرام وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما نهى عن شيء مخصوص، وهو الأكل والشرب، والنبي صلى الله عليه وسلم أبلغُ الناس وأفصحهم وأبينهم في الكلام لا يخصّ شيئاً دون شيء إلا لسبب، ولو أراد النهي العام لقال: " لا تستعملوها "، فتخصيصه الأكل والشرب بالنهي دليل على أن ما عداهما جائز، لأن الناس ينتفعون بهما في غير ذلك ولو كانت الآنية من الذهب والفضة محرّمة مطلقاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتكسيرها، كما كان صلى الله عليه وسلم لا يدع شيئاً فيه تصاوير إلا كسّره، فلو كانت محرّمة مطلقاً لكسرها، لأنه إذا كانت محرمة في كل الحالات ما كان لبقائها فائدة، ويدلّ لذلك أن أم سلمة وهي راوية حديث: " والذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " كان عندها جلجل من فضة جعلت فيه شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فكان الناس يستشفُون بها، فيُشفَوْنَ - بإذن الله - وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري، وفيه استعمال لآنية الفضة لكن في غير الأكل والشرب، فالصحيح أنه لا يحرم إلا ما حرّمه الرسول صلى الله عليه وسلم في الأوني وهو الأكل والشرب.
فإن قال قائل: حرمها الرسول صلى الله عليه وسلم في الأكل والشرب لأنه هو الأغلب استعمالاً، وما علق به الحكم لكونه أغلب، فإنه لا يقتضي
(11/92)

تخصيصه به كما في قوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ) (1) . فقيد تحريم الربيبة بكونها الحجر، وهي تَّحرُم ولو لم تكن في حجره على قول اكثر أهل العلم.
قلنا: هذا صحيح لكن كون الرسول صلى الله عليه وسلم يُعلِّق الحكم بالأكل والشرب، لأن مظهر الأمة بالترّف في الأكل والشرب أبلغ منه في مظهرها في غير ذلك، وهذه علّة تقتضي تخصيص الحكم بالأكل والشرب، لأنه لا شك أن الإنسان الذي أوانيه في الأكل والشرب ذهب وفضة ليس كمثل إنسان يستعملها في حاجات أخرى تخفي على كثير من الناس، ولا يكون مظهر الأمة التفاخر في الأكل والشرب.
10) وسئل فضيلة الشيخ: قلتم في الفتوى السابقة: " إن النهي خاص بالأكل والشرب ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم النهي العام لقال: " لا تستعملوها " وهذا غير مسلم لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر العلة وهي قوله: فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ".
ويلزم من قولكم ألا يكون لتعليل النبي صلى الله عليه وسلم فائدة، وإذا كانت العلة منصوصة وهي عدم الاستمتاع بذلك في الدنيا كفعل الكفار صار ذكر الأكل والشرب لا يمنع قياس غيرهما عليهما، وأيضا قولكم: " هلا قال لا تستعملوها " يستلزم إبطال القياس وهو مجمع عليه إذا ظهرت العلة ولم يصادم نصَّا، وحديث أم سلمة الوارد في الفتوى لا يعارض الحديث لأنه موقوف عليها. وقال الشنقيطي رحمة الله تعالى في أضواء
__________
(1) سورة النساء، الآية 23.
(11/93)

البيان ج3 ص 224: " فإن قيل الحديث وارد في الشرب في إناء الفضة.. فالجواب: أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب " ا. هـ. وكلام الشوكاني في هذا غير مقنع، فنرجو من فضيلتكم التكرم بتوضيح ذلك والله يحفظكم ويرعاكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد فقد فهمت ما كتبت بارك الله فيك، والعلة التي علل بها النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الأكل في آنية الذهب والفضة لا يقصد بها إحلال ذلك للكفار ولكن يقصد بها والله أعلم أنكم أيها المؤمنون إن منعتم عنها في الدنيا لم تمنعوا عنها في الآخرة فيكون كالتسلية للمؤمنين.
وأما قولكم عن قولنا " لقال لا تستعملوها " غير مسلم، فلا يلزم من كونه غير مسلم لديكم أن يكون غير مقبول عند غيركم لأن الحق غير محجور على عقل أحد من الناس أو تسليمه إلا من وجب اتباعه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأما قولكم " إنه يلزم من قولنا إلا يكون لتعليل النبي صلى الله عليه وسلم فائدة " فإن الفائدة منه ما أشرنا إليه من قبل وهي حاصلة حتى على قولنا بما دل عليه الحديث من تخصيص النهي بالأكل والشرب.
وأما قولكم " إذا كانت العلة منصوصة " إلخ. فإن من المعلوم أننا لو أخذنا بما فهمتم من عموم العلة لكنا نحرم كل ما يستمتع به الكفار وهذا لا يقوله أحد، وإنما المقياس في ذلك ما دلت عليه النصوص فإذا كان الشيء الذي يستمعون به لا يحرم علينا كان حلالاً قال الله
(11/94)

تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) (1) فإذا كانوا يطبخون اللحم المباح لنا على الصفة التي يتمتعون بها كان اللحم حلالاً لنا، أما إذا كان ما يتمتعون به حراماً علينا كالخنزير كان حراما علينا فليس كل ما كان للكفار يكون حراما علينا.
وقولكم " إن قولنا يستلزم إبطال القياس وهو مجمع عليه إذا ظهرت العلة ولم يصادم نصا ".
فأرجو منكم أن تراجعوا كتب أصول الفقه وتحققوا هل القياس مجمع عليه كما ذكرتم أو أن فيه خلافا ليتبين لكم مدى دعوى الإجماع. ثم إن القياس عندنا دليل قائم لكن بشرط تساوي الأصل والفرع في علة الحكم، وهنا لا يتساوى الفرع والأصل في علة الحكم إذ في الأصل من ظهور الفخر والخيلاء وكثرة الملابسة والاستعمال ما ليس في الفرع.
واما احتجاجنا بفعل أم سلمة - رضي الله عنها - فإنا لا نقصد به معارضة الحديث، لأن الحديث وارد في شيء غير ما فعلته أم سلمة، فالحديث في الأكل والشرب وفعل أم سلمة في غيرهما لكن فعلها كالتفسير للحديث، لأنها قد روت الوعيد على من شرب في إناء الفضة واتخذت الجلجل منها كما في صحيح البخاري، والصحابي أقرب منا إلى فهم مراد النبي صلى الله عليه وسلم، وفعلها يدل على أنها فهمت أن التحريم بل الوعيد خاص في الشرب وما فهمته - رضي الله عنها - هو الصواب عندنا ويدل لذلك أنه لو كان استعمال إناء الذهب والفضة محرماً على كل حال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكسره لأنه لا يجوز إقراره المنكر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقض ما فيه الصليب أو يقضبه.
__________
(1) .سورة المائدة، الآية: 5.
(11/95)

وأما إحالتكم على ص 224جـ 3 من أضواء البيان فإننا لم نجده في هذه الصفحة وإنما وجدناه في ص 238 منه، وأطال الكلام فيه إلى ص 250 وليس فيما قال حرف واحد يدل على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، والذي ذكره تحريم الشراب في آنية الذهب والفضة مطلقاً، وجواز لبس الذهب والحرير للنساء ومنعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر الأدلة في ذلك وقال في ص 241: فتحصل أنه لا شك في تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء، ثم ذكر إباحة لبس الرجال لخواتم الفضة، وقال: أما لبس الرجال لغير الخاتم من الفضة ففيه خلاف بين العلماء، ثم ذكر نقولاً عن كتب المذاهب من جملتها ما نقله عن مذهب مالك في مختصر خليل: وحرم استعمال ذكر محلى ولو منطقة وآله حرب إلا لسيف والأنف وربط سن مطلقاً وخاتم فضة لا ما بعضه ذهب ولو قل وإناء نقد واقتناؤه وإن لا مرأة.إلخ. فذكر صاحب المختصر إناء النقد واقتناؤه ولكن الشيخ الشنقيطي لم يسقه لبيان هذا بل لبيان ليس الرجل لغير الخاتم من الفضة ولهذا قال في ص 242: " فقد ظهر من هذه النقول أن الأئمة الأربعة في الجملة متفقون على منع استعمال المحلى بالذهب أو الفضة من ثوب أو آلة أو غير ذلك في أشياء استثنوها على اختلاف بينهم في بعضها ". لا يقال إن قوله أو غير ذلك يشمل الأواني لأن سياق كلامه في غيرها ولأنه عقد لحم الأواني كلاماً في أول هذه المسألة فكلامه الأخير في اللباس وما يتصل به، وأما قوله رحمه الله ص 245: قال مقيده عفا الله عنه إلى ص 250 ففيه ما يحتاج إلى تحرير كما يظهر للمتأمل.
وغرضنا من سياق ما ذكرناه من كلام الشيخ الشنقيطي تحقيق ما
(11/96)

طلبتم من مراجعته وقد تبين لنا أنه ليس فيه تصريح بمنع استمعال الأواني في غير الأكل والشرب، على أنه لو صرح به فليس قوله حجة على غيره، كما أن قول الشوكاني الذي ذكرتم أنه لم يخف عليكم وانكم لم تقتنعوا به ليس حجة عليكم كما أنه ليس حجة لنا والله المستعان.
ولقد أعجبني قولكم إنكم لم تقتنعوا به لأن هذا هو الواجب عليكم إذا اطلعتم على قول مخالف للأدلة في نظركم لأن لا تقتنعوا به ,أن تلتمسوا العذر لقائله إذا كانت حالة تُحتمل العذر، والمرء مكلف بما يستطيع علماً وعملاً ولا يجوز له العدول عما أداه إليه اجتهاده إذا كان قد بذل جهده، وعليه أن يعذر غيره فيما اجتهد فيه إذا لم يعلم منه سوء القصد كما أن على غيره أن يعذره إذا علم منه حسن القصد ولم يعلم منه سوء المراد.
وأسأل الله تعالى أن يتولى الجميع بعنايته ويلهمنا الرشد والسداد.
11) وسُئل الشيخ: عن حكم لبس الرجل السلاسل؟
فأجاب فضيلته بقوله: اتخاذ السلاسل للتجمل بها محرم، لأن ذلك من شيم النساء، وهو تشبه بالمرأة وقد لعن الرسول صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء، ويزداد تحريماً وإثماً إذا كان من الذهب فإنه حرام على الرجل من الوجهين جميعاً، من جهة أنه ذهب، ومن جهة أنه تشبه بالمرأة، ويزداد قبحاً إذا كان فيه صورة حيوان أو ملك، وأعظم من ذلك وأخبث إذا كان فيه صليب، فإن هذا حرام حتى على المرأة أن تلبس حُليّاً فيه صورة سواءً كانت الصورة صورة إنسان أو حيوان طائر أو غير طائر أو كان فيه صورة صليب وهذا - أعني لبس ما فيه صور - حرام على الرجال والنساء فلا يجوز لأي منهما أن يلبس ما فيه صورة حيوان أو صورة صليب.
والله أعلم.
(11/97)

12) وسُئل فضيلة الشيخ: عن الحكمة في تحريم لبس الذهب على الرجال؟
فأجاب بقوله: أعلم أيها السائل، وليعلم كل من يطلع على هذا الجواب أن العلة في الأحكام الشرعية لكل مؤمن، هي قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (1) . فأي واحد يسألنا عن أيجاب شيء أو تحريم شيء دل على حُكمه الكتابُ والسنة ُ فإننا نقول: العلة في ذلك قول الله تعالى أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه العلة كافية لكل مؤمن، ولهذا لما سُئلت عائشة - رضي الله عنها - ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: " كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤمر بقضاء الصلاة " لأن النص من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم موجبة لكل مؤمن، ولكن لا بأس أن يتطلب الإنسان العلة وأن يلتمس الحكمة في أحكام الله تعالى، لأن ذلك يزيده طمأنينة، ولأنه يتبين به سمو الشريعة الإسلامية حيث تقرن الأحكام بعللها، ولأنه يتمكن به من القياس إذا كانت علة هذا الحكم المنصوص عليه ثابتة في أمر آخر لم ينص عليه، فالعلم بالحكمة الشرعية له هذه الفوائد الثلاث.
ونقول - بعد ذلك - في الجواب على السؤال: إنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريم لباس الذهب على الذكور دون الإناث، ووجهُ ذلك أن الذهب من أغلى ما يتجمل به الإنسان ويتزين به فهو زينة وحلية، والرجل ليس مقصوداً لهذا الأمر، أي ليس إنساناً يتكمّل بغيره أو يكمل بغيره، بل الرجل كامل بنفسه لما فيه من الرجولة،ولأنه ليس بحاجة إلى
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 36.
(11/98)

أن يتزين لشخص آخر تتعلق به رغبته، بخلاف المرأة، فإن المرأة الناقصة تحتاج إلى تكميل بجمالها، ولأنها محتاجة إلى التجمل بأغلى أنواع الحلي، حتى يكون ذلك مدعاة للعشرة ببينها وبين زوجها، فلهذا أبيح للمرأة أن تتحلى بالذهب دون الرجل، قال الله تعالى في وصف المرأة: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين) (1) . وبهذا يتبين حكمة الشرع في تحريم لباس الذهب على الرجال.
وبهذه المناسبة أوجه نصيحة إلى هؤلاء الذين أبُتلوا من الرجال بالتحلي بالذهب، فإنهم بذلك عصوا الله ورسوله وألحقوا أنفسهم بمصاف الإناث، وصاروا يضعون في أيديهم جمرة من النار يتحلون بها، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعليهم أن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا شاءوا أن يتحلوا بالفضة في الحدود الشرعية فلا حرج في ذلك، وكذلك بغير الذهب من المعادن لا حرج عليهم أن يلبسوا خواتم منه إذا لم يصل ذلك إلى حد السرَّف.
13) وسُئل الشيخ: عن حكم لبس الرجل الذهب؟
فأجاب بقوله: لبس الذهب حرام على الرجال سواء كان خاتماً أو أزراراً أو سلسلة يضعها في عنقة أو غير ذلك، لأن مقتضى الرجولة أن يكون الرجل كاملاً برجولته لا بما يُنَشَّأ به من الحلي ولباس الحرير ونحو ذلك مما لا يليق إلا بالنساء، قال الله تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين) (2) . فالمرأة هي التي تحتاج إلى لبس الذهب والحرير نحوهما لأنها في حاجة إلى التجمل لزوجها، أما الرجل فهو في
__________
(1) سورة الزخرف، الآية: 17.
(2) سورة الزخرف، الآية: 18.
(11/99)

غنى عن ذلك برجولته وبما ينبغي أن يكون عليه من البذاذة والاشتغال بشئون دينه ودنياه. والدليل على تحريم الذهب على الرجال:
أولاً: ما ثبت عن في صحيح مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم رأي خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه وقال: " يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ". فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ خاتمك انتفع به فقال:لا والله لا آخذه وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس حريراً ولا ذهباً " رواه الإمام أحمد ورواته ثقات.
ثالثاً: عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من مات من أمتي وهو يتحلى بالذهب حرم الله عليه لباسه في الجنة ". رواه الطبراني ورواه الإمام أحمد ورواته ثقات.
رابعاً: عن أبي سعيد - رضي الله عنه - أن رجلاً قدم من نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من ذهب فاعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار ". رواه النسائي.
خامساً: وعن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبع " نهى عن خاتم الذهب ". الحديث رواه البخاري.
سادساً وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن خاتم الذهب.رواه البخاري أيضاً.
(11/100)

سابعاً: عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس خاتماً من ذهب فنبذه، فقال: " لا ألبسه أبداً " فنبذ الناس خواتيمهم.رواه البخاري.
ثامناً: ما نقله في فتح الباري شرح صحيح البخاري، قال: وقد أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم، عن علي بن بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً وذهباً فقال: " هذان حرامان على ذكور أمتي، حِلٌّ لإناثهم ".
فهذه الأحاديث صريحة وظاهرة في تحريم خاتم الذهب على الذكور لمجرد اللبس، فإن اقترن بذلك اعتقاد فاسد كان أشد وأقبح مثل الذين يلبسون ما يُسمى بـ (الدبلة) ويكتبون عليه اسم الزوجة، وتلبس الزوجة مثله مكتوباً عليه اسم الزوج، يزعمون أنه سبب للارتباط بين الزوجين، وهذه بلا شك عقيدة فاسدة وخيال لا حقيقة له، فأي ارتباط وأي صلة بين هذه الدبلة وبين بقاء الزوجية وحصول المودة بين الزوجين؟ وكم من شخص تبادل الدبلة بينه وبين زوجته، فانفصمت عرى الصلات بينهما ‍ وكم من شخص لا يعرف الدبلة وكان بينه وبين زوجته أقوى الصلات والروابط.
فعلى المرء أن يُحكِّم عقله وألا يكون منجرفاً تحت وطأة التقليد الأعمى الضار في دينه وعقله وتصرفه، فإن أظن أن أصل هذه الدبلة مأخوذ من الكفار فيكون فيه قبح ثالث، وهو قبح التشبه بالكافرين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:" من تشبه بقوم فهو منهم " اسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الفتن، ما ظهر
منها وما بطن، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، إنه جواد كريم.
(11/101)

14) وسُئل: عن حكم لبس الساعة المطلية بالذهب الأبيض؟
فأجاب جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً بقوله:الساعة المطلية بالذهب للنساء لا بأس بها، وأما للرجال فحرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الذهب على ذكور أمته.
وأما قول السائل الذهب الأبيض فلا نعلم أن هناك ذهباً أبيض، الذهب كله أحمر، لكن إن كان قصده بالذهب الأبيض الفضة فإن الفضة ليست من الذهب ويجوز منها ما لا يجوز من الذهب كالخاتم ونحوه.
15) سُئل الشيخ: عن حكم تركيب الأسنان الذهبية؟
فأجاب بقوله: الأسنان الذهبية لا يجوز تركيبها للرجال إلا لضرورة لأن الرجل يحرم عليه لبس الذهب والتحلي به، وأما للمرأة فإذا جرت عادة النساء أن تتحلى بأسنان الذهب فلا حرج عليها في ذلك فلها أن تكسوا أسنانها ذهباً إذا كان هذا مما جرت العادة بالتجمل به، ولم يكن إسرافاً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي ".
وإذا ماتت المرأة في هذه الحال أو مات الرجل وعليه سن ذهب قد لبسه للضرورة فإنه يخلع إلا إذا خُشي المثلة، يعني خشي أن تتمزق اللثة فإنه يبقى، وذلك أن الذهب يعتبر من المال، والمال يرثه الورثة من بعد الميت فإبقاؤه على الميت ودفنه إضاعة للمال.
(11/102)

16) وسُئل رعاه الله بمنه وكرمه عن حكم طلاء الأسنان بالذهب لإزالة التسوس؟ وعن حكم ملء الفراغ بأسنان الذهب؟
فأجاب بقوله:إذا لم يمكن إزالة الوس إلا بكسائها بالذهب فلا بأس بذلك وإن كان يمكن بدون الذهب فلا يجوز.
وأما ملء الفراغ بأسنان الذهب فلا يجوز إلا بشرطين:
الأول: أن لا يمكن ملؤها بشيء غير الذهب.
الثاني: أن يكون في الفراغ تشويه للفم.
17) وسُئل الشيخ: هل التختم للرجال سنة؟
فأجاب فضيلته بقوله: التختم ليس بسنة مطلوبة بحيث يطلب من كل أن إنسان أن يتختم، لوكان إذا احتاج إليه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قيل له إن الملوك الذين يريد أن يكتب إليهم لا يقبلون كتاباً إلى مختوماً اتخذ الخاتم من أجل أن تختم به الكتب التي يرسلها إليهم، فمن كان محتاجاً إلى ذلك كالأمير والقاضي ونحوهما كان اتخاذه اتباعاً لرسوله الله صلى الله عليه وسلم، ومن لم يكن محتاجاً إلى ذلك لم يكن لبسه في حقه سنة بل هو من الشيء المباح، فإن لم يكن في لبسه محذور فلا بأس به، وإن كان في لبسه محذور كان له حكم ذلك المحذور، وليعلم أنه لا يحل للذكور التختم بالذهب لأنه ثبت النهي عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
18) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يطهر جلد الميتة بالدباغ؟
فأجاب قائلاً: هذا فيه خلاف بين أهل العلم.
فقال بعض العلماء: إن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، وعللوا ذلك بأن الميتة نجسة العين، ونجس العين لا يمكن تطهيره كروث الحمار،
(11/103)

ولحديث عبد الله بن عكيم قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلينا قبل أن يموت بشهر أو شهرين " أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ". وقالوا: هذا الحديث ناسخ لحديث ميمونة - رضي الله عنها - الذي جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بشاة يجرونها، فقال: " هلا أخذتم إهابها؟ " قالوا: إنها ميتة، قال: " يطهرها الماء والقرض ". رواه مسلم.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن جلد الميتة يطهر بالدباغ، واستدلوا بحديث ميمونة المتقدم، وهو حديث صحيح صريح في أن الجلد يطهر بالدبغ، وأجابوا عن دعوى النسخ بأجوبة منها:
أولاً: أن حديث عبد الله بن عكيم ضعيف، فلا يمكن أن يقابل الحديث الصحيح الذي رواه مسلم.
ثانياً: أن من شروط القول بالنسخ، العلم بالتاريخ، ونحن لا ندري هل قضية الشاة في حديث ميمونة - رضي الله عنها - قبل أن يموت بشهر أو بأقل، أو أكثر، فلا يتحقق النسخ.
ثالثاً: أنه لو ثبت أن حديث عبد الله متأخر، فهو لا يعارض حديث ميمونة، لأن قوله: " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ". يحمل على الإهاب قبل الدبغ، وبهذا يجمع بينه وبين حديث ميمونة ويتبين أن ادعاء النسخ لا يصح، فيبقى حديث ميمونة محكماً لا نسخ فيه.
فإن قال قائل: كيف يقال إن كبد الميتة لو دبغت ما طهرت، والجلد لو دبغ لطهر، ولكنها أجزاء ميتة، ونحن نعرف أن الشريعة الحكيمة لا يمكن أن تفرق بين متماثلين؟
قلنا: الجواب على هذا من وجهين:
الأول: أنه متى ثبت الفرق في الكتاب والسنة بين شيئين مشابهين، فاعلم أن هناك فرقاً في المعنى، ولكنك لم تتوصل إليه، لأن إحاطتك
(11/104)

بحكمة الله عزّ وجلّ غير ممكنة، فموقفك التسليم.
الثاني: أن نقول: هناك فرق بين اللحم والجلد، فإن حلول الحياة فيما كان داخل الجلد، أشد من حلولها في الجلد نفسه، لأن الجلد فيه نوع صلابة بخلاف اللحم، وما كان داخله فإنه ليس مثله، فلا يكون فيه الخبث الذي من أجله صارت الميتة نجسة حراماً.
ولهذا نقول: إنه يعطي حكماً بين حكمين:
الحكم الأول: أن ما كان داخل الجلد لا يطهر بالدباغ.
الحكم الثاني: أن ما كان خارج الجلد من الشعر والوبر فهو طاهر، والجلد بينهما، ولهذا أعطى حكماً بينهما، وبهذا نعرف سمو الشريعة، وأنها لا يمكن أن تفرق بين متماثلين، ولا أن تجمع بين مختلفين.
وعليه فكل حيوان مات وهو مما يؤكل، فإن جلده يطهر بالدباغ.
19) وسُئل الشيخ - حفظه الله تعالى: - عن حكم الانتفاع بجلد الميتة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت الميتة من حيوان يُباح بالذكاة، كبهيمة الأنعام، فإنه يجوز الانتفاع بجلدها، لكن بعد الدبغ، لأنه بالدبغ الذي يزول به النَّتن والرائحة الكريهة يكون طاهراً يُباح استعماله في كل شيء حتى في غير اليابسات على القول الراجح، لأنه يطهر بذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يطهرها الماء والقرض " رواه مسلم.
وأما إذا كان الجلد من حيوان لا يحل بالذَّكاة، فهذا موضع خلاف بين أهل العلم والله أعلم بالصواب.
20) وسُئل الشيخ: هل جلد الميتة نجس؟
فأجاب قائلاً:هذا فيه تفصيل:إن كانت الميتة طاهرة، فإن
(11/105)

جلدها طاهر، وإن كانت نجسة، فجلدها نجس، ومن أمثلة الميتة الطاهرة: السمك، لقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ) (1) . قال ابن عباس - رضي الله عنهما -صيده: ما أُخذ حيّاً. وطعامه ما أُخذَ ميتاً.
أما الذي ينجس بالموت، فإن جلده ينجس به - يعني ينجس بالموت - لأنه داخل في عموم الميتة فيكون داخلاً في قوله تعالى: (إلا أن يكونَ ميتة ً أو دماً مسفوحاً أو لحمَ خنزيرٍ فإنه رجس) (2) . يعني نجساً.
فإن قال قائل: إن الميتة حرام، ولا يلزم من التحريم النجاسة، فهذا السم حرام وليس بنجس.
قلنا هذه قاعدة صحيحة، إلا إننا نجيب عن ذلك بأن الله علَّل لما قال: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (3) . فهذا واضح أنه نجس، إذن الميتة نجسة وجلدها نجس.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 96.
(2) سورة الأنعام، الآية: 145.
(3) سورة الأنعام، الآية: 145.
(11/106)

باب الاستنجاء

21) سُئل الشيخ: عن قول بعض العلماء إن مناسبة قول الإنسان " غفرانك " إذا خرج من الخلاء أنه لما انحبس عن ذكر الله ذلك الوقت ناسب أن يستغفر الله هل هذا صحيح؟
فأجاب حفظه الله تعالى بقوله: هذا فيه نظر، لأن الإنسان إنما انحبس عن ذكر الله بأمر الله، وإذا كان بأمر الله فلم يعرض نفسه للعقوبة، بل عرض نفسه للمثوبة، ولهذا كانت المرأة الحائض لا تصلي ولا تصوم، فهل يُسنُّ لها إذا طهرت أن تستغفر لله، لأنها تركت الصلاة والصيام في أيام الحيض؟ ! أبداً لم يقله أحد البتة. وبهذا يتبين أن المناسبة، أن الإنسان لما تخفف من أذية الجسم تذكر أذية الإثم فدعا الله أن يخفف أذية الإثم كما منَّ عليه بتخفيف أذية الجسم، وهذا معنى مناسب من باب تذكر الشيء بالشيء.
22 وسُئل الشيخ - حفظه الله تعالى: - عمن يقضي حاجته في أماكن الوضوء مما يؤدي إلى كشف عورته؟
فأجاب قائلاً: لا يجوز للإنسان أن يكشف عورته في الحمامات المعدة للوضوء، والتي يشاهدها الناس، فإنه يكون بذلك آثماً، وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله - أنه في هذه الحال يجب على المرء أن يستجمر بدل الاستنجاء. بمعنى أن يقضي حاجته بعيداً عن الناس، وأن يستجمر
(11/107)

بالأحجار، أو بالمناديل، ونحوها مما يباح الاستجمار به، حتى ينقى محل الخارج بثلاث مسحات فأكثر.
قالوا: إنما يجب ذلك لأنه لو كشف عورته للاستنجاء، لظهرت للناس، وهذا أمر محرم. ما لايمكن تلافي المحرم إلا به، فإنه يكون واجباً.
وعلى هذا فنقول في الجواب: لا يجوز للمرء أن يتكشف أمام الناظرين للاستنجاء، بل يحاول أن يكون في مكان لا يراه أحد.
23) سُئل الشيخ - حفظه الله تعالى: - عمن يتوضأ في مكان قضاء الحاجة ويحتمل تنجس ثيابة هل يجب عليه غسل ثيابة؟
فأجاب بقوله: قبل أن أُجيب على هذا السؤال، أقول:
إن هذه الشريعة - ولله الحمد - كاملة من جميع الوجوه وملائمة لفطرة الإنسان التي فطر الله الخلق عليها، حيث إنها جاءت باليسر والسهولة بل جاءت بإبعاد الإنسان عن المتاهات في الوساوس والتخييلات التي لا أصل لها، وبناء على هذا فإن الإنسان بملابسه، الأصل أن يكون طاهراً فلا يتيقن ورود النجاسة على بدنه أو ثيابة، وهذا الأصل يشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم حين شكى إليه رجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في صلاته - يعني الحدث - فقال صلى الله عليه وسلم: " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ". فالأصل بقاء ما كان على ماكان.
فثيابهم التي دخلوا بها الحمامات التي يقضون بها الحاجة كما ذكره السائل إذا تلوثت بماء فمن الذي يقول إن هذه الرطوبة هي رطوبة النجاسة من بول أو ماء متغير بغائط أو نحو ذلك؟ وإذا كنا لا نجزم بهذا الأمر فإن الأصل الطهارة، صحيح أنه قد يغلب على الظن أنها
(11/108)

تلوثت بشيء نجس، ولكن ما دمنا لم نتيقن فإن الأصل بقاء الطهارة.
فنقول في الجواب على هذا السؤال: إنهم إذا لم يتيقنوا أن ثيابهم أصيبت بشيء نجس فإن الأصل بقاء الطهارة ولا يجب عليهم غسل ثيابهم ولهم أن يصلوا بها ولا حرج والله اعلم.

24 وسُئل فضيلة الشيخ: ما حكم البول قائماً؟
فأجاب جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً بقوله: البول قائماً بجوز بشرطين:
أحدهما: أن يأمن من التلوث بالبول.
والثاني: أن يأمن من أن ينظر أحد إلى عورته.
25) وسُئل: عن حكم الدخول بالمصحف إلى الحمام؟
فأجاب قائلاً: المصحف، أهل العلم يقولون: لا يجوز للإنسان أن يدخل به إلى الحمام، لأن المصحف كما هو معلوم له من الكرامة والتعظيم ما لايليق أن يدخل به إلى هذا المكان والله الموفق.
26) وسُئل الشيخ: ما حكم الدخول إلى الحمام بأوراق فيها اسم الله؟
فأجاب بقوله: يجوز دخول الحمام بأوراق فيها اسم الله ما دامت في الجيب ليست ظاهرة، بل هي خفية ومستورة. ولا تخلو الأسماء غالباً من ذكر اسم الله - عزّ وجلّ - كعبد الله وعبد العزيز وما أشبهها.
27) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يجوز ذكر الله تعالى فى الحمام؟
فأجاب بقوله: لا ينبغي للإنسان أن يذكر ربَّه - عزّ وجلّ - في داخل الحمام، لأن المكان غير لائق لذلك، وإن ذَكَره بقلبه فلا حرج
(11/109)

عليه بدون أن يلفظ بلسانه، وإلا فالأولى أن لا ينطق به بلسانه في هذا الموضع وينتظر حتى يخرج منه.
أما إذا كان مكان الوضوء خارج محل قضاء الحاجة فلا حرج أن يذكر الله فيه.
28 28 وسئل الشيخ: إذا كان الإنسان في الحمام فكيف يسمي؟
فأجاب بقوله: إذا كان الإنسان في الحمام فيسمي بقلبه لا بلسانه لأن وجوب التسمية في الوضوء والغسل ليس بالقول؛ حيث قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ (لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في التسمية في الوضوء شيء) . ولذلك ذهب الموفق صاحب المغني وغيره إلى أن التسمية في الوضوء سنة لا واجبة.

29 سُئل فضيلة الشيخ: عن حكم دخول الحمام مكشوف الرأس؟
فأجاب بقوله: دخول الحمام مكشوف الرأس لا بأس به، لكن استحب الفقهاء تغطية الرأس عند دخول الخلاء.

30 وسُئل: عن حكم الأكل أو الشرب في الحمام؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ قائلاً: الحمام موضع لقضاء الحاجة فقط، ولا ينبغي أن يبقى فيه إلا بقدر الحاجة، والتشاغل بالأكل وغيره فيه يستلزم طول المكث فيه فلا ينبغي ذلك.

31 وسُئل فضيلة الشيخ: ما حكم استقبال القبلة، أو استدبارها حال قضاء الحاجة؟
فأجاب بقوله: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:
(11/110)

فذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير البنيان، واستدلوا لذلك بحديث أبي أيوب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا ". قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيب قبل الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله، وحملوا ذلك على غير البنيان، أم في البنيان: فيجوز الاستقبال والاستدبار، لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: " رقيتُ يوماً علىبيت حفصة، فرأيت النبي صلىالله عليه وسلم يقضي حاجته مُستقبل الشام مُستدبر الكعبة ".
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز استقبال الكعبة ولا استدبارها بكل حال، سواء في البنيان أو غيره، واستدلوا بحديث أبي أيوب المتقدم، وأجابوا عن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - بأجوبة منها:
أولاً: أن حديث ابن عمر يُحمل على ما قبل النهي.
ثانياً: أن النهي يرجح، لأن النهي ناقل عن الأصل، وهو الجواز، والناقل عن الاصل ولي.
ثالثاً: أن حديث أبي أيوب قول، وحديث ابن عمر فعل، والفعل لا يمكن أن يعارض القول، لأن الفعل يحتمل الخصوصية ويحتمل النسيان، ويحتمل عذراً آخر.
والقول الراجح عندي في هذه المسألة:
أنه يحرم الاستقبال والاستدبار في الفضاء، ويجوز الاستدبار في البنيان دون الاستقبال، لأن النهي عن الاستقبال محفوظ ليس فيه تخصيص، والنهي عن الاستدبار مخصوص بالفعل، وأيضاً الاستدبار أهون من الاستقبال ولهذا - والله أعلم - جاء التخفيف فيه فيما إذا كان الإنسان في البنيان، والأفضل أن لا يستدبرها إن أمكن.
(11/111)

32) وسُئل الشيخ - جزاءه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً: - هل يجزيء في الاستجمار استعمال المناديل؟
فأجاب بقوله: نعم يجزيء في الاستجمار استعمال المناديل ولا بأس به، لأن المقصود من الاستجمار هو إزالة النجاسة سواء كان ذلك بالمناديل، أو بالخرق، أو بالتراب، أو بالأحجار، إلا إنه لا يجوز أن يستجمر الإنسان بما نهى الشارع عنه، مثل العظام والرَّوث، لأن العظام طعام الجن إذا كانت من مذكاة، وإن كانت غير مذكاة فإنها نجسة، والنجس لا يطهّر، وأما الأرواث فإن كانت نجسة، فهي نجسة لا تُطهّر، وإن كانت طاهرة، فهي طعام بهائم الجن، لأن الجن الذين قدموا على النبي صلىالله عليه وسلم وأمنوا به، أعطاهم ضيافة لا تنقطع إلى يوم القيامة، قال: " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، تجدونه أوفر ما يكون لحماً ". وهذا من أمور الغيب التي لا تُشاهد، ولكن يجب علينا أن نؤمن بذلك. كذلك هذه الأرواث تكون علفاً لبهائمهم.
ويُوخذ من الحديث فضل الإنسان على الجن، ولأن الإنس من أدم الذي أُمر أبو الجن أن يسجد له، كما قال الله تعالى: (َسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّه) (1) .
33) وسُئل الشيخ: إذا خرج من الإنسان ريح، فهل يجب عليه الاستنجاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: خروج الريح من الدبر ناقض للوضوء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ". لكنه لا
__________
(1) سورة الكهف، الآية 50.
(11/112)

يوجب الاستنجاء، أي لا يوجب غسل الفرج لأنه لم يخرج شيء يستلزم الغسل، وعلى هذا فإذا خرجت الريح انتقض الوضوء، وكفى الإنسان أن يتوضأ، أي أن يغسل وجهه مع المضمضة والاستنشاق، ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ويمسح أذنية، ويغسل قدميه إلى الكعبين.
وهنا أنبه على مسألة تخفى على كثير من الناس وهي: أن بعض الناس يبول أو يتغوَّط قبل حضور وقت الصلاة، ثم يستنجي، فإذا جاء وقت الصلاة، وأراد الوضوء، فإن بعض الناس يظن أنه لا بد من إعادة الاستنجاء وغسل الفرج مرة ثانية، وهذا ليس بصواب، فإن الإنسان إذا غسل فرجه بعد خروج ما يخرج منه، فقط طهر المحل، وإذا طهر فلا جاحة إلى إعادة غسلة، لأن المقصود من الاستنجاء أو الاستجمار الشرعي بشروطه المعروفة، المقصود به تطهير المحل، فإذا طهر فلن يعود إلى النجاسة إلا إذا تجدد الخارج مرة ثانية.
34) وسُئل الشيخ - حفظه الله: - عمن غسل عورته وانتصف الوضوء ثم أحدث، فهل يعيد غسل عورته؟
فأجاب فائلاً: إن الإنسان إذا غسل عورته وأنقى المحل، لا يجب عليه إعادة غسل العورة مرة ثانية إلا إذا خرج منه شيء، وعلى هذا إذا كان السائل أحدث في أثناء وضوئه، فإنه لا يعيد غسل فرجه إذا لم يخرج منه شيء، أي خارج محسوس إلا الريح، فالريح لا يجب غسل الفرج منها إذا لم يخرج معها بلل. فعليه إذا أحدث بريح في أثناء وضوئه فإنه لا يعيد غسل فرجه، وإنما يعيد الوضوء من جديد، بمعنى أنه يعود فيغسل كفيه ويتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه إلخ الوضوء، وبعض الناس يظن أن غسل الفرج من البول والغائط يكون مقارناً للوضوء،
(11/113)

بحيث يُعاد عند الوضوء وإن لم يخرج شيء وليس كذلك لأن الله قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (1) . الآية. ولم يذكر غسل الفرج، فظهر بذلك أن غسل الفرج ليس من الوضوء، وإنما هو تطهير لما أصابه من البول والغائط، فمتى حصل، حصلت به الكفاية، ولا يعاد الغسل، أعني غسل الفرج إلا بعد خروج ما يجب التطهر منه.
__________
(1) سورة المائدة، الآية 6.
(11/114)

باب السواك وسنن الفطرة

35) سُئل فضيلة الشيخ أعلى الله درجته: متى يتأكد استعمال السواك؟ وما حكم السواك لمنتظر السواك حال الخطبة؟
فأجاب قائلاً: يتأكد السواك عند القيام من النوم، وأول ما يدخل البيت، وعند الوضوء في المضمضة، وإذا قام للصلاة.
ولا بأس به لمنتظر الصلاة، لكن في حالة الخطبة لا يتسوك، لأنه يشغله إلا أن يكون معه نعاس فيتسوك لطرد النعاس.
36) وسئل الشيخ: هل يستاك الإنسان باليد اليمنى أو باليد اليسرى؟
فأجاب بقوله: هذا محل خلاف، فذهب بعض العلماء إلى أن الإنسان يستاك باليد اليمنى، لأن السواك سنة والسنة طاعة لله وقربة فلا تتناسب أن تكون باليد اليسرى لأن اليسرى تقدم للأذى.
وقال آخرون: بل باليد اليسرى أفضل، وذلك لأن السواك لإزالة الأذى، وإزالة الأذى تكون باليسرى كالاستنجاء والاستجمار فإنه يكون باليسرى لا باليمنى.
وفضَّل آخرون فقالوا: إن تسوَّك لتطهير الفم كما لو استيقظ من نوم أو لإزالة أذى، فيكون باليد اليسرى لأنه لإزالة الأذى، وأن تسوَّك لتحصيل السنة، فيكون باليمنى لأنه مجرد قربة كما لو كان قد توضأ قريباً
(11/115)

واستاك، فإنه يستاك باليمنى، والأمر ولله الحمد في هذا واسع، فيستاك كما يريد لأنه ليس في المسالة نص واضح.
37) وسُئل فضيلة الشيخ - رفع الله درجته وأعلى مكانته: - عن حكم استعمال الكحل؟
فأجاب بقوله:: الاكتحال نوعان:
أحدهما: اكتحال لتقوية البصر وجلاء الغشاوة من العين وتنظيفها وتطهيرها بدون أن يكون له جمال، فهذا لا بأس به، بل إنه مما ينبغي فعله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل في عينيه، ولا سيما إذا كان بالأثمد الأصلي.
النوع الثاني: ما يُقصد به الجمال والزينة، فهذا للنساء مطلوب، لأن المرأة مطلوب منها أن تتجمل لزوجها.
وأما الرجال فمحل نظر، وأنا أتوقف فيه، وقد يفرق فيه بين الشباب الذي يخشى من اكتحاله فتنة فيُمنع، وبين الكبير الذي لا يخشى ذلك من اكتحاله فلا يُمنع.
38) وسُئل - أعلى الله درجته في المهديين: - هل التسمية في الوضوء واجبة؟
فأجاب قائلاً: التسمية في الوضوء ليست بواجبة ولكنها سنة، وذلك لأن في ثبوت حديثها نظراً. فقد قال الإمام أحمد رحمه الله: " إنه لا يثبت في هذا الباب شيء " والإمام أحمد - كما هو معلوم لدى الجميع - من أئمة هذا الشأن ومن حفّاظ هذا الشأن، فإذا قال إنه لم يثبت في هذا الباب شيء، فإن حديثها يبقى في النفس منه شيء، وإذا كان في ثبوته نظر، فإن الإنسان لا يسوغ لنفسه أن يلزم عباد الله بما لم يثبت عن رسوله
(11/116)

الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك أرى أن التسمية في الوضوء سنة، لكن من ثبت عنده الحديث وجب عليه القول بموجبه، وهو أن التسمية واجبة، لأن قوله " لا وضوء " الصحيح أنه نفيٌ للصحة وليس نفياً للكمال.
39) وسُئل الشيخ: عن حكم الختان في حق الرجال والنساء؟
فأجاب بقوله:حكم الختان محل خلاف، وأقرب الأقوال أن الختان واجب في حق الرجال، سنة في حق النساء، ووجه التفريق بينهما أن الختان في حق الرجال فيه مصلحة تعود إلى شرط من شروط الصلاة وهي الطهارة، لأنه إذا بقيت القلفة، فإن البول إذا خرج ثقب الحشفة بقي وتجمع في القلفة وصار سبباً إما لاحتراق أو التهاب، أو لكونه كلما تحرك خرج منه شيء فينتجس بذلك.
وأما المرأة فإن غاية ما فيه من الفائدة أنه يقلل من غُلمتها - أي شهوتها - وهذا طلبُ كمال، وليس من باب إزالة الأذى.
واشترط العلماء لوجوب الختان، ألا يخاف على نفسه فإن خاف على نفسه من الهلاك أو المرض، فإنه لا يجب، لأن الواجبات لا تجب مع العجز، أو مع خوف التلف، أو الضرر.
ودليل وجوب الختان في حق الرجال:
أولاً: أنه وردت أحاديث متعددة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من أسلم أن يختتن، والأصل في الأمر الوجوب.
ثانياً: أن الختان ميزة بين المسلمين والنصارى، حتى كان المسلمون يعرفون قتلاهم في المعارك بالختان، فقالوا: الختان ميزة، وإذا كان ميزة فهو واجب لوجوب التمييز بين الكافر والمسلم، ولهذا حرم التشبه بالكفار لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من تشبه بقوم فهو منهم ".
(11/117)

ثالثاً: أن الختان قطع شيء من البدن وقطع شيء من البدن حرام، والحرام لا يُستباح إلا لشيء واجب، فعلى هذا يكون الختان واجباً.
رابعاً: أن الختان يقوم به ولي اليتيم وهو اعتداء عليه واعتداء على ماله، لأنه سيعطي الخاتن أجره، فلولا أنه واجب لم يجز الاعتداء على ماله وبدنه. وهذه الأدلة الأثرية والنظرية تدلّ على وجوب الختان في حق الرجال، أما المرأة ففي وجوبه عليها نظر، فأظهر الأقوال أنه واجب على الرجال دون النساء، وهناك حديث ضعيف هو: " الختان سنة في حق الرجال مكرمة في حق النساء ". فلو صح هذا الحديث لكان فاصلاً.
40) سُئل الشيخ حفظه الله تعالى - عن حكم القزع؟
فأجاب قائلاً: القزع هو حلق بعض الرأس وترك بعضه، وهو أنواع:
النوع الأول: أن يحلق بعضه غير مرتب، فيحلق مثلاً من الجانب الأيمن ومن الناصية ومن الجانب الأيسر.
النوع الثاني: أن يحلق وسطه ويدع جانبيه.
النوع الثالث: أن يحلق جوانبه ويدع وسطه، قال ابن القيم - رحمه الله - كما يفعله السفل.
النوع الرابع: أن يحلق الناصية فقط ويدع الباقي.
والقزع كله مكروه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأي صبيّاً حلق بعض رأسه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن يحلق كله أو يترك كله، لكن إذا كان قزعاً مشبهاً للكفار فإنه يكون محرماً، لأن التشبه بالكفار محرم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من تشبه بقوم فهو منهم ".
(11/118)

41) وسُئل الشيخ: عن قوم يطيلون شعورهم؟
فأجاب قائلاً: التقليد في الأمور النافعة التي لم يرد الشرع بالنهي عنها أمر جائز، وأما التقليد في الأمور الضارة أو التي منع الشرع منها من العادات فهذا أمر لا يجوز، فهؤلاء الذين يطولون شعورهم نقول لهم هذا خلاف العادة المتبعة في زمننا هذا، واتخاذ شعر الرأس مختلف فيه هل هو من السنن المطلوب فعلها؟ أو هو من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما اعتاده الناس في وقته؟
والراجح عندي: أن هذا من العادات التي يتمشى فيها الإنسان على ما جرى عليه الناس في وقته، فإذا كان من عادة الناس اتخاذ الشعر وتطويله - فإنه يفعل، وإذا كان من عادة الناس حلق الشعر أو تقصيره فإنه يفعل.
ولكن البلية كل البلية أن هؤلاء الذين يعفون شعور رؤوسهم لا يعفون شعور لحاهم ثم هم يزعمون أنهم يقتدون بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهم في ذلك غير صادقين فهم يتبعون أهواءهم ويدل على عدم صدقهم في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، إنك تجدهم قد أضاعوا شيئاً من دينهم هو من الواجبات كإعفاء اللحية مثلاً، فهم لا يعفون لحاهم وقد أمروا بإعفائها وكتهاونهم في الصلاة وغيرها من الواجبات الأخرى ممايدلك على أن صنيعهم في إعفاء شعورهم ليس المقصود به التقرب إلى الله ولا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي عادة استحسنوها فأرادوها ففعلوها.
42) وسُئل الشيخ: هل يجوز صبغ الشعر باللون الأسود وخلطه مع حناء؟
فأجاب بقوله: صبغ الشعر باللون الأسود الخالص حرام، لأن
(11/119)

النبي صلى الله عليه وسلم قال: " غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد ".
أما إذا خلط معه لون آخر حتى صار أدهم فإنه لا بأس به.
43) وسُئل: عن حكم صبغ المرأة لشعر رأسها بغير الأسود مثل البني والأشعر؟
فأجاب بقوله: الأصل في هذا الجواز إلا أن يصل إلى درجة تشبه رؤوس الكافرات والعاهرات والفاجرات فإن ذلك حرام.

44) وسُئل فضيلته: هل يجوز صبغ أجزاء من الشعر كأطرافه مثلاُ أو أعلاه فقط؟
فأجاب قائلاً: صبغ الشعر إذا كان بالسواد فإن النبي صلى الله عليه وسلم، نهى عنه حيث أمر بتغيير الشيب وتجنيبه السواد قال: غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد ". وورد في ذلك أيضا ً وعيد على من فعل هذا، وهو يدل على تحريم تغيير الشعر بالسواد، أما بغيره من الألوان فالأصل الجواز إلا أن يكون على شكل نساء الكافرات أو الفاجرات فيحرم من هذه الناحية لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من تشبه بقوم فهو منهم ".
45) وسُئل الشيخ: ما حكم تغيير الشيب؟ وبم يُغيَّر؟
فاجاب فضيلته قائلاً: تغيير شعر الشيب سنة أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويُغيَّره بكل لون ما عدا السواد، فإن النبي صلىالله عليه وسلم نهى أن يغير بالسواد فقال: " جنبوه السواد ". وورد في الحديث الوعيد على من صبغه بالسواد، فالواجب على المؤمن أن يتجنب صبغة بالسواد، لما فيه من النهي عنه والوعيد على فعله، ولأن الذي يصبغه بالسواد كأنما يعارض سنة الله عزّ وجل ّ في خلقه، فإن الشعر في حال الشباب يكون أسود، فإذا أبيضَّ للكبر أو لسبب آخر فإنه يحاول أن يرد هذه السنة إلى ماكانت
(11/120)

عليه من قبل، وهذا فيه شيء من تغيير خلق الله عز وجل، ومع ذلك فإن الذي يصبغ بالسواد لا بد أن يتبين أنه صابغ به لأن أصول الشعر ستكون بيضاء.
وقد قال الشاعر:
نسودُ أعلاها وتأبي أصولها ولا خير في فرع إذا خانه الأصل
46) وسُئل الشيخ: ورد في بعض الأحاديث النهي عن تغيير الشعر بالسواد، فهل الحديث في ذلك صحيح؟ وما الحكمة من النهي؟ وما حكم إزالة العيوب من الجسم؟
فأجاب قائلاً: الحديث صحيح، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بتغيير الشيب، وأمر بتجنيبه السواد، وتوعد من يخضبون لحاهم بالسواد بأنهم لا يريحون رائحة الجنة، وهذا يدل على أن الصبغ بالسواد من كبائر الذنوب، فعلى المرء أن يتقي الله عز وجل، وأن يتجنب ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم، ليكون ممن أطاع الله ورسوله، وقد قال تعالى: (ومن يُطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً) (1) . وقال: (ومن بعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً) (2) . ولا فرق بين الرجال والنساء في هذا الحكم فهو عام.
ثم إن الحكمة في ذلك هو أن في صبغ الشعر بالسواد مضادة لحكمة الله تعالى التي خلق الخلق عليها، فإنه إذا حوَّل شعره الأبيض إلى السواد، فكأنه يريد أن يرجع بشخوخته إلى الشباب فيكون بذلك مضاداً للحكمة التي جعل الخلق عليها بكونهم إذا كبروا أبيضَّ
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 71.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 36.
(11/121)

شعرهم بعد السواد، ومن المعلوم أنَّ مضادة المخلوق للخالق أمر لا ينبغي، ولا يجوز للمرء أن يضاد الله تعالى في خلقة، كما لا يجوز له أن يضاد الله في شرعه، ونقول أيضاً: إنه بدلاً من كونه يصبغ بالأسود يصبغ بصبغ يجعل الشعر بين السواد والحُمرة، وبهذا يزول المحظور ويحصل المطلوب.
أما إزالة العيوب فهذه لا بأس بها، مثل أن يكون في الإنسان إصبع زائدة، فيجري لها عملية لقطعها إذا لم يكن هناك ضرر، وما أشبه ذلك فإنه لا بأس به، لأن هذا من باب إزالة العيوب الطارئه. والله الموفق.
47) وسُئل الشيخ: نرى كثيراً من المسلمين يصبغون لحاهم بالسواد ويقولون: إن النهي عنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو مدرج من كلام بعض الرواة وإن صح فإنما المراد به ما قصد به التدليس أما ما قصد به الجمال فلا، فما مدى صحة ذلك؟
فاجاب قائلاً: النهي عن صبغ الشيب بالسواد ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - رواه مسلم وأبو داود ودعوى الإدراج غير مقبولة إلا بدليل، لأن الأصل عدمه، وقد روى أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة ". قال ابن مفلح أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمه: إسناده جيد. وهذا الحديث يقتضي تحريم صبغ الشيب بالسواد، وأنه من كبائر الذنوب والحكمة في ذلك - والله أعلم - مافيه من مضادة
(11/122)

الحكمة في خلق الله تعالى بتجميله على خلاف الطبيعة، فيكون كالوشم والوشر والنمص والوصل، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة ولعن المتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله تعالى.
وأما دعوى أن النهي عن الصبغ بالسواد من أجل التدليس، فغير مقبولة أيضاً، لأن النهي عام، والظاهر أن الحكمة ما أشرنا إليه.
وإذا كان هذا حكم الصبغ الأسود من أجل التدليس، فغير مقبولة أيضاً، لأن النهي عام، والظاهر أن الحكمة ما أشرنا إليه.
وإذا كان هذا حكم الصبغ الأسود، فإن في الحلال غني عنه، وذلك بأن يصبغ بالحناء والكتم أو بصبغ يكون بين الأسود والأحمر فيحصل المقصود بتغيير الشيب إلى صبغ حلال، وما أغلق باب يضر الناس إلا فتح لهم من الخير أبواب ولله الحمد.
وما روي عن بعض الصحابة من أنهم كانوا يخضّبون بالسواد، فإنه لا يدفع به ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الحجة فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن خالفه من الصحابة، فمن بعدهم فإنه يلتمس له العذر حيث يستحق ذلك، والله تعالى إنما يسأل الناس يوم القيامة عن إجابتهم الرسل، قال الله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) (1) .
48) سُئل الشيخ: ماحكم نتف الشيب من الرأس واللحية؟
فأجاب بقوله: أما من اللحية أو شعر الوجه فإنه حرام لأن هذا من النمص، فإن النمص نتف شعر الوجه واللحية منه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن النامصة والمتنمصة. ونقول لهذا الرجل إذا كنت
__________
(1) سورة القصص، الآية: 65.
(11/123)

ستتسلط على كل شعرة أبيضت فتنتفها فلن تبقى لك لحية، فدع ما خلقه الله على ما خلقه الله ولا تنتف شيئاً.
أما إذا كان النتف من شعر الرأس فلا يصل إلى درجة التحريم لأنه ليس من النمص.
49) سُئل الشيخ: عن المراد باللحية؟
فأجاب بقوله: حد اللحية من العظمين الناتئين بحذاء صماخي الأذنين إلى آخر الوجه، ومنها الشعر النابت على الخدين.
قال في القاموس المحيط ص 387 جـ 4: " اللحية بالكسر: شعر الخدين والذقن ". وعلى هذا فمن قال: إن الشعر الذي على الخدين ليس من اللحية فعليه أن يثبت ذلك.
50) وسئل فضيلته: هل العارضان من اللحية؟
فأجاب بقوله: نعم العارضان من اللحية لأن هذا هو مقتضى اللغة التي جاء بها الشرع، قال الله تعالى: (إنا أنزلناه قرآناً عربيّاً لعلكم تعقلون) (1) . وقال تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) (2) . وبهذا عُلم أن ما جاء في القرآن والسنة فالمراد به ما يدل عليه بمقتضى اللغة العربية، إلا أن يكون له مدلول شرعي فيحمل عليه، مثل: الصلاة هي في اللغة العربية الدعاء، لكنها في الشرع تلك العبادة المعلومة، فإذا ذكرت في الكتاب والسنة حُملتْ على مدلولها الشرعي إلا أن يمنع من ذلك مانع.
__________
(1) سورة يوسف، الآية: 2
(2) سورة الجمعة، الآية 2.
(11/124)

وعلى هذا فإن اللحية لم يجعل لها الشرع مدلولاً شرعيّاً خاصّاً فتحمل على مدلولها اللغوي، وهي في اللغة اسم للشعر النابت على اللحيين والخدين من العظم الناتىء حذاء صماخ الأذن إلى العظم المحاذي له من الجانب الآخر.
قال في القاموس: " االِّلحية بالكسر: شعر الخدين والذقن ". وهكذا قال في فتح الباريء ص 35 جـ 10 طـ السلفية: " هي اسم لما نبت على الخدين والذقن ".
وبهذا تبين أن العارضين من اللحية، فعلى المؤمن أن يصبر ويصابر على طاعة الله ورسولة، وإن كان غريباً في بني جنسه فطوبى للغرباء.
وليعلم أن الحق إنما يوزن بكتاب الله تعالى وسنه رسولة صلى الله عليه وسلم، لا يوزن بما كان عليه الناس مما خالف الكتاب والسنة، فنسأل الله تعالى أن يثبتنا وإخواننا المسلمين على الحق.
51) سُئل الشيخ - رعاه الله بمنه وكرمه: - عن حكم حلق اللحي؟
فأجاب بقوله: حلق اللحية محرم، لأنه معصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعفوا اللحى وحُفوا الشوارب ". ولأنه خروج عن هدي المرسلين إلى هدي المجوس والمشركين.
وحدّ اللحية - كما ذكره أهل اللغة - هي شعر الوجه واللحيين والخدين، بمعنى أن كل ما على الخدين وعلى اللحيين والذقن فهو من اللحية، وأخذ شيء منها داخل في المعصية أيضاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أعفوا اللحى.. " وأرخوا اللحى.." " ووفروا اللحى ... ". وأوفوا اللحى.. " وهذا يدل على أنه لا يجوز أخذ شيء منها، لكن المعاصي تتفاوت فالحلق أعظم من أخذ شيء منها، لأنه
(11/125)

أعظم وأبين مخالفة من أخذ شيء منها، وهذا هو الحق، والحق أحق أن يُتَّبع، وتساءل مع نفسك ما المانع من قبول الحق والعمل به إرضاءً لله وطلباً لثوابه؟ فلا تقدم رضا نفسك وهواك والرفاق على رضا الله، قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (1) .

52) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم تقصير اللحية؟
فأجاب حفظه الله تعالى بقوله: القص من اللحية خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (وفروا اللحى) ، (أعفوا اللحى) ، (أرخوا اللحى) فمن أراد اتباع أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، واتباع هديه صلى الله عليه وسلم، فلا يأخذن منها شيئاً، فإن هدي الرسول، عليه الصلاة والسلام، أن لا يأخذ من لحيته شيئاً، وكذلك كان هدي الأنبياء قبله، ولقد قرأنا جميعاً قول الله تعالى عن هارون لموسى: (يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي) (2) . وهذا دليل على أن لهارون لحية يمكن الإمساك بها، وهو كذلك هدي خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، فإن لحيته كانت عظيمة وكانت كثَّة، فمن أراد أن يتبعه تمام الاتباع ويمتثل أمره تمام الامتثال، فلا يأخذن من شعر لحيته شيئاً، لا من طولها ولا من عرضها.
وبعض الناس عند ابتداء نبات لحيته تكون شعراتها متفرقة فيقول: أنا أحلقها لتنبت جميعاً، وهذا ليس بصواب، لأنه قد يحلقها فيعصي بذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يموت قبل أن تنبت، ولكن عليه أن يبقيها كما كانت، وهي إذا تم نموها وخروجها كانت مجتمعة في شكل حسن. والله الموفق.
__________
(1) سورة النازعات، الآيتان: 39، 40.
(2) سورة طه، الآية: 94.
(11/126)

53) سُئل الشيخ: هل يجوز تقصير اللحية خصوصاً ما زاد على القبضة فقد سمعنا أنه يجوز؟
فأجاب فضيلته بقوله: جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " خالفوا المشركين ووفروا اللحى وأحفوا الشوارب ". هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: " خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى " وفي لفظ: " أعفوا " وله من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " جزوا الشوارب وأرخو االلحى خالفوا المجوس ". وله من حديث عائشة - رضي الله عنها - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عشرٌ من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية " وذكر بقية الحديث.
وهذه الأحاديث تدل على وجوب ترك اللحية على ما هي عليه وافية موفرة عافية مستوفية، وأن في ذلك فائدتين عظيمتين.:
إحداهما: مخالفة المشركين حيث كانوا يقصونها أو يحلقونها، ومخالفة المشركين فيما هو من خصائصهم أمر واجب، ليظهر التباين بين المؤمنين والكافرين في الظاهر كما هو حاصل في الباطن، فإن الموافقة في الظاهر ربما تجر إلى محبتهم وتعظيمهم والشعور بأنه لا فرق بينهم وبين المؤمنين، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من تشبه بقوم فهو منهم " قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " أقل أحوال هذا الحديث التحريم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم ".
ثم إن في موافقة الكفار تعزيزاً لما هم عليه، ووسيلة لافتخارهم وعلوهم على المسلمين حيث يرون المسلمين أتباعاً لهم، مقلدين لهم، ولهذا كان من المتقرر عند أهل الخبرة في التاريخ أن الأضعف دائماً يقلد الأقوى.
(11/127)

الفائدة الثانية: أن في إعفاء اللحية موافقة للفطرة التي فطر الله الخلق على حسنها وقبح مخالفتها، إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته. وبهذا علم أنه ليست العلة من إعفاء اللحية مخالفة المشركين فقط بل هناك علة أخرى وهي موافقة الفطرة.
ومن فوائد إعفاء اللحية: موافقة عباد الله الصالحين من المرسلين وأتباعهم كما ذكر الله تعالى عن هارون أنه قال لموسى صلى الله عليهما وسلم: (يا ابن أمّ لا تأخذ بلحيتي وولا برأسي) (1) . وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وكان كثير شعر اللحية.
أما ما سمعتم من بعض الناس أنه يجوز تقصير اللحية خصوصاً ما زاد على القبضة، فقد ذهب إليه بعض أهل العلم فيما زاد على القبضة، وقالوا: إنه يجوز أخذ ما زاد على القبضة استناداً إلى ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما زاد أخذه. ولكن الأولى الأخذ بما دل عليه العموم في الأحاديث السابقة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن حالاً من حال.
54) وسُئل فضيلته: هل الأفضل حلق الشارب أو قصة؟
فأجاب قائلاً: الأفضل قص الشارب كما جاءت به السنة، إما حفّاً بأن يُقص أطرافه مما يلي الشفة حتى تبدو، وإما إخفاءً بحيث يقص جميعه حتى يفيه.
وأما حلقه فليس من السنة، وقياس بعضهم مشروعية حلقه على
__________
(1) سورة طه، الآية: 94.
(11/128)

حلق الرأس في النسك قياس في مقابلة النص، فلا عبرة به، ولهذا قال مالك عن الحلق: (إنه بدعه ظهرت في الناس فلا ينبغي العدول عما جاءت به السنة، فإن اتباعها الهدي والصلاح والسعادة والفلاح) .
55) وسُئل الشيخ: عن حكم نتف الشارب وما ينبت على الوجنة والخد من الشعر؟
فأجاب بقوله: أما الشارب فإن الأفضل أن لا ينتفه الإنسان نتفاً بل الأفضل أن يقصه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
وأما نتف ما على الوجنة أو على الخد من الشعر فإنه لا يجوز لأن هذا من اللحية كما نص على هذا أهل العلم باللغة، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بإعفاء اللحى ونتف هذا أو قصه مخالف لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
56) وسُئل الشيخ: عما يقوله بعض الناس من أن علة إعفاء اللحى مخالفة المجوس والنصارى كما في الحديث وهي علة ليست بقائمة الآن لأنهم يعفون لحاهم؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: جوابنا على هذا من وجوه:
الوجه الأول: أن إعفاء اللحية ليس من أجل المخالفة فحسب، بل هو من الفطرة كما ثبت ذلك في صحيح مسلم، فإن إعفاء اللحي من الفطرة التي فطر الله الناس عليها وعلى استحسانها، واستقباح ما سواها.
الوجه الثاني: أن اليهود والنصارى والمجوس الآن ليسوا يعفون لحاهم كلهم ولا ربعهم بل أكثرهم يحلقون لحاهم كما هو مشاهد وواقع.
الوجه الثالث: أن الحكم إذا ثبت شرعاً من أجل معنى زال وكان هذا الحكم موافقاً للفطرة او لشعيرة من شعائر الإسلام فإنه يبقى ولو زال السبب، ألا ترى إلى الرَّمل في الطواف كان سببه أن يُظهر النبي صلى الله عليه وسلم
(11/129)

وأصحابه الجلد والقوة أمام المشركين الذين قالوا إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب ومع ذلك فقد زالت هذه العلة وبقى الحكم حيث رمل النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.
فالحاصل: أن الواجب أن المؤمن إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يقول سمعنا وأطعنا كما قال الله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون، ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) (1) . ولا يكونوا كالذين قالوا سمعنا وعصينا أو يلتمسوا العلل الواهية والأعذار التي لا اصل لها فإن هذا شأن من لم يكن مستسلماً العلل الواهية والأعذار التي لا أصل لها فإن هذا شأن من لم يكن مستسلما ًغاية الاستسلام لأمر الله ورسوله يقول الله عز وجلّ: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً) (2) . ويقول تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) (3) . ولا أدري عن الذي يقول مثل هذا الكلام هل يستطيع أن يواجه به ربه يوم القيامة، فعلينا أن نسمع ونطيع وأن نمتثل أمر الله ورسوله على كل حال.
57) وسُئل - أعلى الله حجته: - عن حكم إزالة شعر الإبط وقص الأظافر، وقص الشارب، وحلق العانة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إزالة شعر الإبط من الفطرة التي فطر الله الخلق عليها، وجاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله عز وجل، وكذلك
__________
(1) سورة النور، الآيتان: 51، 52.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 36.
(3) سورة النساء، الآية: 65.
(11/130)

قص الأظافر والشارب، وحلق العانة، فهذه الأشياء كلها من الفطرة التي يرتضيها كلُّ عاقل لم تتغير فطرته، وأقرَّتها الشرائع المنزلة من عند الله عز وجل.
وقد وقَّت النبي صلى الله عليه وسلم في الشارب والعانة والإبط والأظافر، وقَّت لها أربعين يوماً، فلا تترك فوق أربعين يوماً، وعلى هذا فنقول:
إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام، قد وقت لأمته هذه المدة، فهي المدة القصوى، وإن حصل سبب يقتضي أن تزال قبل ذلك، فإنها تزال، كما لو طالت الأظافر أو كثرت الشعور في الإبط، أو الشارب طال قبل الأربعين فإنه يُزال، لكن الأربعين هي أقصى المدة وغايتها، ومن العجب أن بعض الجهال يُبقي أظافره مدة طويلة حتى تطول وتتراكم فيها الأوساخ، وهؤلاء قد تنكَّروا لفطرتهم وخالفوا السنة التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقتها لأمته، ولا أدري كيف يرضون لأنفسهم أن يفعلوا ذلك، مع ما فيه من الضرر الصحي مع المخالفة الشرعية. وبعض الناس يُبقي ظفراً واحداً من أظافره، إما الخنصر وإما السبابة وهذا أيضاً جهل وخطأ.
فالذي ينبغي للمسلمين أن يترسموا وأن يتمشوا على ما خطه النبي صلى الله عليه وسلم لهم ورسمه، من فعل هذه السنن التي تقتضيها الفطرة، قص الأظافر والشارب وحلق العانة ونتف الأباط.
58) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم تطويل الأظافر؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: تطويل الأظافر مكروه إن لم يكن محرماً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت في تقليم الأظافر ألا تترك فوق أربعين يوماً.
ومن الغرائب أن هؤلاء الذين يدعون المدنية والحضارة يبقون هذه
(11/131)

الأظافر مع أنها تحمل الأوساخ والأقذار وتوجب أن يكون الإنسان متشبهاً بالحيوان ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل إلا السن والظفر، أما السن فعظم، وأما الظفر فمُدَى الحبشة ". يعني أنهم يتخذون الأظافر سكاكين يذبحون بها ويقطعون بها اللحم أو غير ذلك فهذا من هدي هؤلاء الذين أشبه ما يكونون بالبهائم.

59) وسُئل: عن حكم إبقاء الأظافر أكثر من أربعين يوماً؟
فأجاب بقوله جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً: هذا فيه تفصيل:
إذا كان الحامل له على ذلك الاقتداء بالكفار الذين انحرفت فطرهم عن السلامة، فإن ذلك حرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من تشبه بقوم فهو منهم ". قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمة الله: " أقل أحوال هذا الحديث التحريم، وإن كان ظاهرة يقتضي كُفر المتشبه بهم ". اهـ.
60) وسُئل فضيلته: عن حكم دفن الشعر والأظافر بعد قصها؟
فأجاب قائلاً: ذكر أهل العلم أن دفن الشعر والأظافر أحسن وأولى، وقد أثر ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، وأما كون بقائه في العراء أو إلقائه في مكان يوجب إثماً فليس كذلك.
(11/132)

61) وسُئل: عن قص الأظافر في الحمام وإرسالها مع القاذورات؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: الأولى ألا يفعل ذلك تكريماً لها، ولكن لو فعل فلا إثم عليه.
62) سُئل الشيخ - حفظه الله تبارك وتعالى - عن حكم تخفيف شعر الحاجب؟
فأجاب فائلاً: تخفيف شعر الحاجب إذا كان بطريق النتف فهو حرام بل كبيرة من الكبائر، لأنه من النمص الذي لعن رسوله الله صلى الله عليه ووسلم مَنْ فَعله.
وإذا كان بطريق القص أو الحلق، فهذا كرهه بعض أهل العلم، ومنعه بعضهم، وجعله من النمص، وقال: إن النمص ليس خاصّاً بالنتف، بل هو عام لكل تغيير لشعر لم يأذن الله به إذا كان في الوجه.
ولكن الذي نرى أنه ينبغي للمرأة - حتى وإن قلنا بجواز أو كراهة تخفيفه بطريق القص أو الحلق - أن لا تفعل ذلك إلا إذا كان الشعر كثيراً على الحواجب، بحيث ينزل إلى العين، فيؤثر على النظر فلا بأس بإزالة ما يؤذي منه.
63) وسُئل الشيخ: عن حكم جعل الشعر ضفيرة واحدة؟
فأجاب قائلاً: جعل الشعر ضفيرة واحدة لا أعلم فيه بأساً. والأصل الحِلّ، ومن رأي شيئاً من السنة يمنع ذلك وجب اتباعه فيه والله ولي التوفيق.
(11/133)

64) وسُئل: عن حكم إزالة شعر اليدين والرجلين؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كان كثيراً فلا بأس من إزالته، لأنه مشوه، وإن كان عاديّاً فإن من أهل العلم من قال إنه لا يُزال لأن إزالته من تغيير خلق الله عز وجل. ومنهم من قال: إنه تجوز إزالته لأنه مما سكت الله عنه، وقال قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما سكت الله عنه فهو عفو ". أي ليس بلازم لكم ولا حرام عليكم، وقال هؤلاء: إن الشعور تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما نصَّ الشرع على تحريم أخذه.
القسم الثاني: ما نص الشرع على طلب أخذه.
القسم الثالث: ما سكت عنه.
فما نص الشرع على تحريم أخذه فلا يُؤخذ كلحية الرجل، ونمص الحاجب للمرأة والرجل.
وما نص الشرع على طلب أخذه فليؤخذ، مثل: الإبط والعانة والشارب للرجل.
وما سكت عنه فإنه عفو لأنه لو كان مما لا يريد الله تعالى وجوده، لأمر بإزالته، ولو كان مما يريد الله بقاءه، لأمر بإبقائه، فلما سكت عنه كان هذا راجعاً إلى اختيار الإنسان، إن شاء أزاله وإن شاء أبقاه. والله الموفق.

65) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم قص المرأة شعر رأسها؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: المشروع أن تُبقي المرأة رأسها على ما كان عليه، ولا تخرج عن عادة أهل بلدها، وقد ذكر فقهاء الحنابلة
(11/134)

- رحمهم الله - أنه يُكره قص رأسها إلا في حج أو عمرة، وحرم بعض فقهاء الحنابلة قص المرأة شعر رأسها.
ولكن ليس في النصوص ما يدل على الكراهة أو على التحريم، والأصل عدم ذلك، فيجوز للمرأة أن تأخذ من شعررأسها من قدام أو من الخلف، على وجه لا تصل به إلى حد التشبه براس الرجل، لأن الأصل الإباحة، لكن مع ذلك أنا أكره للمرأة أن تفعل هذا الشيء، لأن نظر المرأة وتطلُّبها لما يجدُّ من العادات المتلقاة عن غير بلادها مما يفتح لها باب النظر إلى العادات المستوردة، وربما تقع في عادات محرمة وهي لا تشعر، فكل العادات الواردة إلى بلادنا في المظهر والملبس والمسكن - إذا لم تكن من الأمور المحمودة التي دلَّ الشرع علىطلبها - فإن الأولى البعد عنها وتنجبها، نظراً إلى أن النفوس تتطلب المزيد من تقليد الغير، لا سيما إذا شعر الإنسان بالنقص في نفسه وبكمال غيره، فإنه حينئذ يقلد غيره وربما يقع في شَرَك التقليد الآثم الذي لا تبيحه شريعته.
وهناك أشياء نتمسك بها يسميها بعضنا عادات وتقاليد، ونحن ننكر هذه التسمية ونقول:
لقد ضللتم وما أنتم بالمهتدين، فإن من عاداتنا ما هو من الأمور المشروعة التي لا تتحكم فيها العادات والتقاليد، كمثل الحجاب مثلاً، فلا يصح أن نسمي احتجاب المرأة عادة أو تقليداً وإذا سمينا ذلك عادة أو تقليداً، فهو جناية على الشريعة، وفتح باب لتركه والتحول عنه إلى عادات جديدة تخضع لتغير الزمن، وهو كذلك تحويل للشريعة إلى عادات وتقاليد تتحكم فيها الأعراف، ومن المعلوم أن الشريعة ثابتة لا تتحكم فيها الأعراف ولا العادات ولا التقاليد، بل يلزم المسلم أيَّا كان وفي أي مكان، يلزمه أن يلتزم بها وجوباً فيما يجب، واستحباباً فيما يُستحب. والله الموفق.
(11/135)

66) سُئل فضيلة الشيخ: عن حكم فرق المرأة شعرها على الجنب؟
فأجاب بقوله: السنة في فرق الشعر أن يكون في الوسط، من الناصية وهي مقدم الرأس إلى أعلى الرأس، لأن الشعر له اتجاهات إلى الأمام وإلى الخلف وإلى اليمين وإلى الشمال، فالفرق المشروع يكون في وسط الرأس، أما الفرق على الجنب فليس بمشروع، وربما يكون فيه تشبه بغير المسلمين، وربما يكون أيضاً داخلاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم"صنفان من أهل النار لم أرهما بعد، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ". فإن من العلماء من فسر المائلات المميلات بأنهن اللاتي يمشطن المشطة المائلة ويمشطن غيرهن تلك المشطة، ولكن الصواب إن المراد بالمائلات من كنّ مائلات عما يجب عليهن من الحياء والدين، مميلات لغيرهن عن ذلك. والله أعلم.
67) سُئل الشيخ: عن حكم تصفيف المرأة شعرها بالطريقة العصرية دون التشبه بالكافرات؟
فأجاب حفظه الله بقوله: الذي بلغني عن تصفيف الشعر أنه يكون بأجرة باهظة قد نصفها بأنها إضاعة مال، والذي أنصح به نساءنا أن يتجنبن هذا الترف، والمرأة تتجمل لزوجها لا على وجه يضيع به المال هذا الضياع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن إضاعة المال، أما لو ذهبت إلى ماشطة تمشطها بأجرة سهلة يسيرة للتجمل لزوجها فإن هذا لا بأس به.
(11/136)

68) سُئل الشيخ: هل يجوز للمرأة أن تستعمل الباروكة " الشعر المستعار "؟
فأجاب فضيلته بقوله: الباروكة محرمة وهي داخله في الوصل، وإن لم تكن وصلاً فهي تظهر رأس المرأة على وجه أطول من حقيقته فتشبه الوصل وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة، لكن إن لم يكن على رأس المرأة شعر اصلاً أو كانت قرعاء فلا حرج من استعمال الباروكة ليستر هذا العيب لإن إزالة العيوب جائزة، ولهذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم لمن قطعت أنفه في إحدى الغزوات أن يتخذ أنفاً من ذهب فالمسألة أوسع من ذلك، فتدخل فيها مسائل التجميل وعملياته، فما كان لإزالة عيب فلا بأس به مثل أن يكون في أنفه اعوجاج فيعدله أو إزالة بقعة سوداء مثلاً فهذا لا بأس به، أما إن كان لغير إزالة عيب كالوشم والنمص مثلاً فهذا هو الممنوع.
69) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم ثقب اذن البنت أو أنفها من أجل الزينة؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: الصحيح أن ثقب الأذن لا بأس به، لأن هذا من المقاصد التي يتوصل بها إلى التحلي المباح، وقد ثبت أن نساء الصحابة كان لهن أخراص يلبسنها في آذانهن، وهذا التعذيب تعذيب بسيط، وإذا ثقب في حال الصغر صار برؤه سريعاً.
وأما ثقب الأنف: فإنني لا أذكر فيه لأهل العلم كلاماً، ولكنه فيه مُثلة وتشويه للخلقة فيما نرى، ولعل غيرنا لا يرى ذلك، فإذا كانت المرأة في بلد يعد تحلية الأنف فيها زينة وتجملاً فلا بأس بثقب الأنف لتعليق الحلية عليه.
(11/137)

باب فروض الوضوء وصفته

70) سُئل فضيلة الشيخ: عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء "؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقولة: معنى هذا الحديث أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة، فإنهم يحلَّون فيها كما قال الله عزّ وجلّ في سورة الكهف: (يحلَّوْن فيها من أساورَ من ذهب) (1) . وكما قال في سورة الحج وفاطر: (يُحلَّون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً) (2) . وكما قال (وحُلُّوا أساورَ من فضَّةٍ) (3) . فالمؤمن يُحلى في الجنة - رجلاً كان أو أمرأة - بهذة الحلية، وتكون إلى حيث يبلغ الوضوء، فعلى هذا تبلغ الحلية في اليدين إلى المرفقين لأن الوضوء يبلغ إلى المرفقين، هذا معنى الحديث الذي أشار إليه السائل.
71) وسُئل: عن الفضل الذي يناله المسلم إذا استمر على الوضوء بعد كل حدث؟
فأجاب قائلاً: الفضل الذي يناله المسلم إذا استمر على الوضوء بعد كل حدث، أنه يبقى طاهراً، والبقاء على الطهر من الأعمال الصالحة، ولأنه ربما يذكر الله سبحانه وتعالى في أحواله كلها، فيكون ذكر
__________
(1) سورة الكهف، الآية 31.
(2) سورة الحج، الآية: 23.
(3) سورة فاطر، الآية: 33.
(11/139)

الله على طهر، ولانه قد تعرض له صلاة في مكان ليس فيه ماء، فيكون مستعداً لهذه الصلاة، والمهم أن بقاء الإنسان على وضوء فيه فوائد كثيرة.
72) وسُئل الشيخ: إذا كان للإنسان أسنان صناعية فهل يجب عليه نزعها عند المضمضة؟
فأجاب فضيلته بقولة: إذا كان على الإنسان أسنان مركبة، فالظاهر أنه لا يجب عليه أن يزيلها، وتشبه هذه الخاتم، والخاتم لا يجب نزعه عند الوضوء، بل الأفضل أن يحركه، لكن ليس على سبيل المثال الوجوب، لأن النبي صلىالله عليه وسلم كان يلبسه، ولم ينقل أنه كان ينزعه عند الوضوء، وهو أظهر من كونه مانعاً من وصول الماء من هذه الأسنان، لا سيما أن بعض الناس تكون هذه التركيبة شاقّاً عليه نزعها ثم ردُّها.
73) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يجب على الإنسان أن يزيل بقايا الطعام من بين أسنانة قبل الوضوء أم لا؟
فأجاب - جزاه الله خيراً - بقوله: الذي يظهر لي أنه لا يجب إزالته قبل الوضوء، لكن تنقية الأسنان منها لا شك أنه أكمل وأطهر وأبعد عن مرض الأسنان، لأن هذه الفضلات إذا بقيت، فقد يتولد منها عُفونة ويحصل منها مرض للأسنان واللثة، فالذي ينبغي للإنسان إذا فرغ من طعامه، أن يخلل أسنانة حتى يزول ما علق من أثر الطعام، وأن يتسوَّك أيضاً لأن الطعام يغير الفم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في السواك: " إنه مطهرة للفم مرضاة للرب ". وهذا يدل على أنه كلما احتاج الفم إلى تطهير فإنه يطهر بالسواك، ولهذا قال العلماء يتأكد السواك عند تغير رائحة الفم بأكل أو غيره.
(11/140)

74) وسُئل حفظه الله تعالى: هل يلزم المتوضيء أن يأخذ ماءً جديداً لأذنيه؟
فأجاب الشيخ بقوله: لا يلزم أخذ ماء جديد للأذنين، بل ولا يستحب على القول الصحيح، لأن جميع الواصفين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم، لم يذكروا أنه كان يأخذ ماءً جديداً لأذنيه، فالأفضل أن يمسح أذنيه ببقية البلل الذي بقي بعد مسح رأسه.
75) وسُئل الشيخ: عن معنى الترتيب في الوضوء؟ وما المراد بالموالاة في الوضوء؟ وما حكمها؟ وهل يعذر الإنسان فيهما بالجهل والنسيان؟
فأجاب قائلاً: الترتيب في الوضوء معناه أن تبدأ بما بدأ الله به، وقد بدأ الله بذكر غسل الوجه، ثم غسل اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، ولم يذكر الله تعالى غسل الكفين قبل غسل الوجه، لأن غسل الكفين قبل غسل الوجه ليس واجباً بل هو سنة، هذا هو الترتيب أن تبدأ بأعضاء الوضوء مرتبة كما رتبها الله عزّ وجلّ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حج وخرج إلى المسعى بدأ بالصفا، فلما أقبل عليه قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) (1) . أبدأ بما بدأ الله به، فبين أنه إنما اتى إلى الصفا قبل المروة ابتداء بما بدأ الله به.
وأما الموالاة، فمعناها: أن لا يفرق بين أعضاء الوضوء بزمن يفصل بعضها عن بعض، مثال ذلك لو غسل وجهه، ثم أراد أن يغسل يديه ولكن تأخر، فإن الموالاة قد فاتت وحينئذ يجب عليه أن يعيد الوضوء من أوله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رأي رجلاً قد توضأ، وفي قدمه مثل الظفر
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 158.
(11/141)

لم يصبه الماء، فقال، " أرجع فأحسن وضوءك ". وفي رواية أبي داود " أمره أن يعيد الوضوء". وهذا يدل على اشتراط الموالاة، ولأن الوضوء عبادة واحدة والعبادة الواحدة لا ينبني بعضها على بعض مع تفرق أجزائها.
فالصحيح: أن الترتيب والمولاة فرضان من فروض الوضوء.
وأما عذر الإنسان فيهما بالنسيان أو بالجهل فمحل نظر، فالمشهور عند فقهاء الحنابلة - رحمهم الله - أن الإنسان لا يُعذر فيهما بالجهل ولا بالنسيان، وأن الإنسان لو بدأ بغسل يديه قبل غسل وجهه ناسياً، لم يصح غسل يديه ولزمه إعادة الوضوء مع طول الزمن، أو إعادة غسل اليدين وما بعدهما إن قصر الزمن، ولا شك أن هذا القول أحوط وأبرأ للذمة، وأن الإنسان إذا فاته الترتيب ولو نسياناً، فإنه يعيد الوضوء، وكذلك إذا فاتته الموالاة ولو نسياناً، فإنه يعيد الوضوء.
76) سُئل الشيخ: عن حكم الترتيب بين أعضاء الوضوء؟
فأجاب بقوله: الترتيب من فروض الوضوء. قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قُمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (1) . ووجه الدلالة من الآية:
أولاً: إدخال الممسوح بين المغسولات، وهذا خروج عن مقتضى البلاغة، والقرآن أبلغ ما يكون من الكلام، ولا نعلم لهذا الخروج عن قاعدة البلاغة فائدة إلا الترتيب.
ثانياً: أن هذه الجملة وقعت جواباً للشرط، وما كان جواباً للشرط فإنه يكون مرتباً حسب وقوع الجواب.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/142)

ثالثاً: أن الله ذكرها مرتبة وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أبدأ بما بدأ الله به " أما من السنة فإن جميع الواصفين لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا إلا أنه كان يرتبها على حسب ما ذكر.
77) وسُئل: هي يسقط الترتيب بالنسيان؟
فأجاب قائلاً: هذا محل خلاف بين العلماء - رحمهم الله تعالى - على أقوال:
القول الأول: أنه يسقط بالنسيان والجهل، لأن ذلك عذر وإذا كان الترتيب بين الصلوات يقسط بالنسيان، فهذا مثله.
القول الثاني: أنه لا يسقط بالنسيان لأنه فرض، والفرض لا يسقط بالنسيان، وقياسه على قضاء الصلوات فيه نظر، لأن الصلوات كل صلاة عبادة مستقلة، ولكن الوضوء عبادة واحدة، ونظير اختلاف الترتيب في الوضوء اختلاف الترتيب في ركوع الصلاة وسجودها، فلو سجد الإنسان قبل الركوع ناسياً، فإننا نقول إن الصلاة لا تُجزئه، ولهذا فالقول بأن الترتيب يقسط بالنسيان، في النفس منه شيء، نعم لو فرض أن رجلاً جاهلاً في بادية وكان منذ نشأ وهو يتوضأ فيغسل الوجه واليدين والرجلين ثم يمسح الرأس، لو فُرض أن أحداً وقع له مثل هذه الحال، فقد يتوجه القول بأنه يُعذر بجهله، كما عذر النبي صلىالله عليه وسلم أناساً كثيراً بجهلهم في مثل هذه الأحوال، إذن فالترتيب فرض لا يسقط سهواً ولا جهلاً إلا في مثل هذه الصورة.
78) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا توضأ الإنسان ونسي عضواً من الأعضاء فما الحكم؟
فأجاب قائلاً: إذا توضأ الإنسان ونسي عضواً من الأعضاء، فإن ذكر ذلك قريباً، فإنه يغسله وما بعده، مثال ذلك: شخص توضأ ونسي
(11/143)

أن يغسل يده اليسرى فغسل يده اليمنى، ثم مسح راسه وأذنيه، ثم غسل رجليه، ولما انتهى من غسل الرجلين، ذكر أنه لم يغسل اليد اليسرى، فنقول له: اغسل اليد اليسرى وامسح الرأس والأذنين وأغسل الرجلين، وإنما أوجبنا عليه إعادة مسح الرأس والأذنين وغسل الرجلين، لأجل الترتيب، فإن الوضوء يجب أن يكون مرتباً كما رتبه الله عزّ وجلّ فقال: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (1) . وأما إن كان لم يذكر إلا بعدة مدة طويلة، فإنه يعيد الوضوء من أصلة، مثل أن يتوضأ شخص وينسى غسل يده اليسرى ثم ينتهي من وضوئه ويذهب حتي يمضي مدة طويلة، ثم ذكر أنه لم يغسل اليد اليسرى، فإنه يجب عليه أن يعيد الوضوء من أوله لفوات المولاة بين أعضاء الوضوء، شرط لصحته، ولكن ليعلم أنه لو كان ذلك شكّاً، يعني بعد أن انتهى من الوضوء شك هل غسل يده اليسرى أو اليمنى أو هل تمضمض أو استنشق فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك بل يستمر ويصلي ولا حرج عليه، وذلك لأن الشك في العبادات بعد الفراغ منها لا يعتبر، لأننا لو قلنا باعتباره لانفتح على الناس باب الوساوس وصار كل انسان يشك في عبادته، فمن رحمة الله عز وجل أن ما كان من الشك بعد الفراغ من البعادة فإنه لا يلتفت إليه ولا يهتم به الإنسان إلا إذا تيقن الخلل فإنه يجب عليه تداركه. الله أعلم.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/144)

79) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا انقطع الماء أثناء الوضوء، ثم عاد وقد جفت الأعضاء فهل يبني الإنسان على ما تقدم أم يعيد الوضوء؟
فأجاب بقوله: هذا ينبني على معنى الموالاة وعلى كونها شرطاً لصحة الوضوء، وللعلماء في أصل المسألة قولان:
أحدهما: أن الموالاة شرط وأنه لا يصح الوضوء إلا متوالياً فلو فصل بعضه عن بعض لم يصح، وهذا هو القول الراجح، لأن الوضوء عبادة واحدة يجب أن يكون بعضها متصلاً ببعض، وإذا قلنا بوجوب المولاة وأنها شرط لصحة الوضوء فبماذا تكون الموالاة؟ قال بعض العلماء: الموالاة أن لا يؤخر غسل عضو حتى يجف الذي قبله بزمن معتدل إلا إذا أخرها لأمر يتعلق بالطهارة كما لو كان في أحد أعضائه بوية وحاول أن يزيلها وتأخر في إزالة هذه البوية حتى جفت أعضاؤه فإنه يبني على ما مضى ويستمر ولو تأخر طويلاً لأنه تأخر بعمل يتعلق بطهارته، أما إذا تأخر لتحصيل ماء كما في هذا السؤال فإن بعض أهل العلم يقول: إن الموالاة تفوت وعلى هذا فيجب عليه إعادة الوضوء من جديد، وبعضهم يقول: لا تفوت الموالاة لأنه أمر بغير اختياره وهو لا زال منتظرا لتكميل الوضوء، وعلى هذا إذا عاد الماء فإنه يبني على ما مضى ولو جفت أعضاؤه، على أن بعض العلماء الذين يقولون بوجوب الموالاة واشتراطها يقولون: إن الموالاة لا تتقيد بجفاف العضو وإنما تتقيد بالعرف، فما جرى العرف بأنه فصل بينه فهو فاصل يقطع الموالاة، وما جرى العرف بأنه ليس بفاصل فليس بفاصل مثل الذين ينتظرون وجود الماء إذا انقطع، هم الآن يشتغلون بجلب الماء، عند الناس لا يعد هذا تقاطعاً بين أول الوضوء وآخره، فيبني على ما مضى، وهذا هو الأفضل، فإنه إذا جاء الماء
(11/145)

يبنون على ما مضى اللهم إلا إذا طال الوقت مدة طويلة يخرجها عن العرف يبدأون من جديد والأمر في هذا سهل.
80) وسُئل الشيخ: إذا اشتغل الإنسان بإزالة بوية من يدية عند الوضوء فهل تنقطع الموالاة ويلزمه إعادة الوضوء أو لا؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: لا تنقطع الموالاة بذلك ولا يضره، لأن هذا الأمر يتعلق بطهارته، ومثل ذلك ما لو نفد الماء وجعل يستخرجه من البئر ونشفت أعضاؤه، أو انتقل من صنبور إلى صنبور لتحصيل الماء، فإن هذا لا يضر لأنه أمر يتعلق بطهارته.
أما إذا فاتت الموالاة بأمر لا يتعلق بطهارته، مثل أن يجد على ثوبه دماً في أثناء وضوئه فاشتغل بإزالة ذلك الدم حتى نشفت الأعضاء وفاتت الموالاة، فحينئذ يجب عليه أن يعيد الوضوء لأن هذا لا يتعلق بطهارته.

81) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا كان في اليد بوية أو صمغ فكيف يصنع الإنسان عند الوضوء؟
فأجاب بقولة: إذا كان في أعضاء الطهارة شيء يمنع وصول الماء إلى الأعضاء التي يجب تطهيرها، فإن الواجب عليك أن تحسب الحساب، وأن تتقدم في إزالة هذا المانع حتى يأتي الوقت، وقد زال وتوضأت وضوءاً صحيحاً.
(11/146)

82) وسُئل - حفظه الله: إذا كان على يد الإنسان دهن فهل يصح وضوءه؟
فأجاب فضيلته قائلاً: نعم يصح وضوءه بشرط أن لا يكون هذا الدهن متجمداً يمنع وصول الماء، فإذا كان متجمداً يمنع وصول الماء فلا بد من إزالته قبل الوضوء.

83) وسُئل فضيلة الشيخ: عن المرأة إذا دهنت رأسها ومسحت عليه هل يصح وضوءها أم لا؟
فأجاب قائلاً: قبل الإجابة على هذا السؤال، أود أن أبين بأن الله عزّ وجلّ قال في كتابة المبين: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (1) . والأمر بغسل هذه الأعضاء ومسح ما يمسح منها يستلزم إزالة ما يمنع وصول الماء إليها، لأنه إذا وُجد ما يمنع وصول الماء إليها لم يكن غسلها ولا مسحها، وبناء على ذلك نقول: إن الإنسان إذا استعمل الدهن في أعضاء طهارته، فإما أن يبقى الدهن جامداً له جرم، فحينئذ لا بد أن يزيل ذلك قبل أن يُطِّهر أعضاؤه، فإن بقي الدهن هكذا جرماً، فإنه يمنع وصول الماء إلى البشرة وحينئذٍ لا تصح الطهارة. أما إذا كان الدهن ليس له جرم، وإنما أثره باقٍ على أعضاء الطهارة، فإنه لا يضر، ولكن في هذه الحالة يتأكد أن يمر الإنسان يده على الوضوء لأن العادة أن الدهن يتمايز معه الماء، فربما لا يصيب جميع العضو الذي يطهره.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/147)

84) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم وضوء من كان على أظافرها ما يسمى بـ (المناكير) ؟
فأجاب بقوله: ما يسمى (المناكير) وهو شيء يوضع على الأظفار تستعمله المرأة وله قشرة، لا يجوز استعماله للمرأة إذا كانت تصلي لأنه يمنع وصول الماء في الطهارة، وكل شيء يمنع وصول الماء فإنه لا يجوز استعماله للمتوضئ، أو المغتسل، لأن الله يقول: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) (1) . وهذه المرأة إذا كان على أظافرها مناكير فإنها تمنع وصول الماء فلا يصدق عليها أنها غسلت يدها فتكون قد تركت فريضة من فرائض الوضوء أو الغسل.
وأما من كانت لا تصلي كالحائض فلا حرج عليها إذا استعملته إلا أن يكون هذا الفعل من خصائص نساء الكفار فإنه لا يجوز لما فيه من التشبه بهم.
ولقد سمعت أن بعض الناس أفتى بأن هذا من جنس لبس الخفين وأنه يجوز أن تستعمله المرأة لمدة يوم وليلة إن كانت مقيمة ومدة ثلاثة أيام إن كانت مسافرة، ولكن هذه فتوى غلط، وليس كل ما ستر الناس به أبدانهم يلحق بالخفين، فإن الخفين جاءت الشريعة بالمسح عليهما للحاجة إلى ذلك غالباً، فإن القدم محتاجة إلى التدفئة ومحتاجة إلى الستر، لأنها تباشر الأرض، والحصى، والبرودة، وغير ذلك، فخصص الشارع المسح بهما، وقد يقيسون أيضاً على العمامة، وليس بصحيح لأن العمامة محلها الرأس، والرأس فرضه مخفف من أصله، فإن فريضة الرأس هي المسح بخلاف اليد، فإن فرضيتها الغسل، ولهذا لم يبح النبي
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/148)

صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تمسح القفازين مع أنهما يستران اليد، فدل هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يقيس أي حائل يمنع وصول الماء على العمامة وعلى الخفين، والواجب على المسلم أن يبذل غاية جهده في معرفة الحق، وأن لا يقدم على فتوى إلا هو يشعر أن الله تعالى سائله عنها، لأنه يعبر عن شريعة الله عز وجل. الله الموفق الهادي إلى الصراط المستقيم.

85) سُئل الشيخ:هل يصح الوضوء إذا كان على يد الإنسان دهان يغطي البهاق " البرص " علماً بأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة؟
فأجاب بقوله: لا يجوز استعمال هذا الدواء الذي يمنع وصول الماء إلى البشرة، لأن هذا الدواء ليس علاجاً يزيل البرص، أما إذا كان علاجاً يزيله فلا حرج في استعماله، لأنه مدته مؤقتة، أما إذا كان شيئاً يخفيه ويمنع وصول الماء، فإنه لا يجوز أن يتوضأ وهو عليه، والحمد لله هذا أمر يكون في كثير من الناس، والإنسان إذا اعتاد هذا الأمر هان عليه، فهو يكون شاقاً عليه أول ما يخرج به، ولكنه إذا اعتاده وصار الناس ينظرون إليه، فإنه لا شك أنه يزول عنه هذا الإحساس الذي يحسُّه.
86) وسُئل: إذا توضأ الإنسان لرفع الحدث ولم ينو صلاة فهل يجوز أن يصلي بذلك الوضوء؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - قائلاً: إذا توضأ الإنسان بغير نية الصلاة، وإنما توضأ لرفع الحدث فقط، فله أن يصلي ما شاء من فروض ونوافل حتى تنتفض طهارته.
(11/149)

87) وسُئل: هل يجوز للإنسان أن يصلي فريضتين بوضوء واحد؟
فأجاب بقوله: نعم يجوز ذلك، فإذا توضأ لصلاة الظهر مثلاً ثم حضرت صلاة العصر وهو على طهارة فله أن يصلي صلاة العصر بطهارة الظهر، وإن لم يكن قد نوى حين تطهره أن يصلي بها الفريضتين، لأن طهارته التي تطهرها لصلاة الظهر رفعت الحدث عنه، وإذا ارتفع حدثه فإنه لا يعود إلا بوجود سببه، وهو أحد نواقض الوضوء المعروفة.
88) وسُئل فضيلة الشيخ: عن صفة الوضوء؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: صفة الوضوء الشرعي على وجهين:
صفة واجبة لا يصح الوضوء إلا بها، وهي المذكورة في قوله تعالى:
(أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (1)
وهي غسل الوجه مرة واحدة ومنه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين إلى المرافق من أطراف الأصابع إلى المرافق مرة واحدة، ويجب أن يلاحظ المتوضىء كفيه عند غسل ذراعيه فيغسلهما مع الذراعين فإن بعض الناس يغفل عن ذلك ولا يغسل إلا ذراعيه وهو خطأ، ثم يمسح الرأس مرة واحدة ومنه أي من الرأس الأذنان، وغسل الرجلين إلى الكعبين مرة واحدة هذه هي الصفة الواجبة التي لا بد منها.
أما الوجة الثاني من صفة الوضوء، فهي الصفة المستحبة ونسوقها الآن بمعونة الله تعالى وهي: أن يُسمي الإنسان عند وضوئه، ويغسل كفيه ثلاث
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/150)

مرات، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات بثلاث غرفات، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، يبدأ باليمنى ثم اليسرى، ثم يمسح رأسه مرة واحدة، يبل يدية ثم يمرهما من مقدم رأسه إلى مؤخرة ثم يعود إلى مقدمه ثم يمسح أذنيه فيدخل سباحتيه في صماخيهما ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً يبدأ باليمنى ثم باليسرى، ثم يقول بعد ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فإنه إذا فعل ذلك، فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء، هكذا صح الحديث عن الني صلى الله عليه وسلم قاله عمر رضي الله عنه.

89) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم غسل الأيدي والوجه بالصابون عند الوضوء؟
فأجاب بقوله: غسل الأيدي والوجه بالصابون عند الوضوء ليس بمشروع، بل هو من التعنت والتنطع، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " هلك المتنطعون هلك المتنطعون ". قالها ثلاثاً. نعم لو فرض أن في اليدين وسخاً لا يزول إلا بهذا أي باستعمال الصابون أو غيره من المطهرات المنظفات فإنه لا حرج في استعماله حينئذ، وأما إذا كان الأمر عاديّاً فإن استعمال الصابون يعتبر من التنطع والبدعة فلا يفعل.

90) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يسن للمرأة عند مسح رأسها في الوضوء أن تبدأ من مقدم الرأس إلى مؤخره ثم ترجع إلى مقدم الرأس كالرجل في ذلك؟
فأجاب بقوله: نعم. لأن الأصل في الأحكام الشرعية أن ما ثبت
(11/151)

في حق الرجال ثبت في حق النساء والعكس بالعكس، ما ثبت في حق النساء ثبت في حق الرجال إلى بدليل، ولا أعلم دليلاً يخصص المرأة في هذا، وعلى هذا فتمسح من مقدم الرأس إلى مؤخره، وإن كان الشعر طويلاً فلن يتأثر بذلك، لأنه ليس المعنى أن تضغط بقوة على الشعر حتى يتبلل أو يصعد إلى قمة الرأس، إنما هو مسح بهدوء.
91) سُئل الشيخ: عن حكم مسح المرأة على لفة الرأس؟
فأجاب بقوله: يجوز أن تمسح المرأة على رأسها سواءً كان ملفوفاً أو نازلاً، ولكن لا تلف شعر رأسها فوق وتبقيه على الهامة لأني أخشى أن يكون داخلاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " ونساء كاسيات عاريات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ".
92) وسئل فضيلة الشيخ: عن فاقد العضو كيف يتوضأ؟ وإذا ركب له عضو صناعي فهل يغسله؟
فأجاب بقوله - حفظه الله تعالى -: إذا فقد الإنسان عضواً من أعضاء الوضوء، فإنه يسقط عنه فرضه إلى غير تيمم، لأنه فقد محل الفرض فلم يجب عليه، حتى لو ركب له عضو صناعي، فإنه لا يلزمه غسله،ولا يقال إن هذا مثل الخفين يجب عليه مسحهما، لأن الخفين قد لبسهما على عضو موجود يجب غسله، أما هذا فإنه صنع له على غير عضو موجود، لكن أهل العلم يقولون: إنه إذا قُطع من المفصل، فإنه يجب عليه غسل رأس العضو، مثلاً لو قطع من المرفق، وجب عليه غسل رأس العَضُد، ولو قُطعت رجلُه من الكعب، وجب عليه غسل طرف الساق. والله أعلم.
(11/152)

93) سُئل فضيلة الشيخ: عن الملاحظات التي تلاحظ على الناس في أيام الشتاء في الوضوء؟
فأجاب بقوله: الملاحظات التي تلاحظ على الناس في أيام الشتاء في الوضوء، أنهم لا يفسرون أكمامهم عند غسل اليدين فسراً كاملاً، وهذا يؤدي إلى أن يتركوا شيئاً من الذراع بلا غسل، وهو محرم، والوضوء معه غير صحيح، فالواجب أن يفسر كمه إلى ما وراء المرفق ويغسل المرفق مع اليد لأنه من فروض الوضوء.
94) وسُئل: عن حكم تنشيف أعضاء الوضوء؟
فأجاب فضيلته قائلاً: تنشيف الأعضاء لا باس به، لأن الأصل عدم المنع، والأصل في ما عدا العبادات من العقود والأفعال والأعيان الحل والإباحة حتى يقود دليل على المنع.
فإن قال قائل: كيف تجيب عن حديث ميمونة، رضي الله عنها، حينما ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل، قالت: فأتيته بالمنديل فرده وجعل ينفض الماء بيده؟
فالجواب: أن هذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم قضية عَيْن تحتمل عدة أمور: إما لأنه لسبب في المنديل، أو لعدم نظافته، أو يخشى أن يبله بالماء، وبلله بالماء غير مناسب، فهناك احتمالات ولكن إتيانها بالمنديل قد يكون دليلاً على أن من عادته أن ينشف أعضاءه، وإلا لما أتت به.
(11/153)

رسالة في كيفية طهارة المريض

قال فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى:
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن شيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضله له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بأحسان وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فهذه رسالة مختصرة فيما يجب على المرضى في طهارتهم وصلاتهم (1) . فإن للمريض أحكاماً تخصه في ذلك لما هو عليه من الحال التي التقضت الشريعة الإسلامية مراعاتها فإن الله تعالى بعث نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم، بالحنيفية السمحة المبنية على اليسر والسهولة، قال الله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (2) . وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (3) وقال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا) (4) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أن الدين يسر ". وقال صلى الله عليه وسلم: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ". وبناء على هذه القاعدة الأساسية
__________
(1) جرى نقل ما يتعلق بصلاة المريض إلى كتاب الصلاة.
(2) سورة الحج، الآية: 78.
(3) سورة التغابن، الآية: 16.
(4) سورة البقرة، الآية: 185.
(11/154)

خفف الله تعالى عن أهل الأعذار عباداتهم بحسب أعذارهم ليتمكنوا من عبادة الله تعالى بدون حرج ولا مشقة والحمد لله رب العالمين.
" كيف يتطهر المريض"؟

1- يجب على المريض أن يتطهر بالماء فيتوضأ من الحدث الأصغر، ويغتسل من الحدث الأكبر.
2- فإن كان لا يستطيع الطهارة بالماء لعجزه أو خوف زيادة المرض أو تأخر برئه فإنه يتيمم.
3- كيفية التيمم: أن يضرب الأرض الطاهرة بيدية ضربة واحده يمسح بهما جميع وجهه، ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض.
4- فإن لم يستطع أن يتطهر بنفسه فإنه يوضئه أو ييممه شخص آخر فيضرب الشخص الأرض الطاهرة بيدية ويمسح بها وجه المريض وكفيه كما لو كان لا يستطيع أن يتوضأ بنفسه فيوضئه شخص آخر.
5- إذا كان في بعض أعضاء الطهارة جرح فإنه يغسله بالماء، فإن كان الغسل بالماء يؤثر عليه مسحه مسحاً فيبل يده بالماء ويمرها عليه، فإن كان المسح يؤثر عليه أيضاً فإنه يتيمم عنه.
6- إذا كان في بعض أعضائه كسر مشدود عليه خرقة أو جبس فإنه يمسح عليه بالماء بدلاً من غسله ولا يحتاج للتيمم لأن المسح بدل عن الغسل.
7- يجوز أن يتيمم على الجدار، أو على شيء آخر طاهر له غبار، فإن كان الجدار ممسوحاً بشيء من غير جنس الأرض كالبوية فلا يتيمم عليه إلا أن يكون له غبار.
8- إذا لم يمكن التيمم على الأرض أو الجدار أو شيء آخر له
(11/155)

غبار فلا بأس أن يوضع تراب في إناء أو منديل يتيمم منه.
9- إذا تيمم لصلاة وبقي على طهارته إلى وقت الصلاة الأخرى فإنه يصليها بالتيمم الأول، ولا يعيد التيمم للصلاة الثانية، لأنه لم يزل على طهارته، ولم يجد ما يبطلها.
10 يجب على المريض أن يُطهِّر بدنه من النجاسات فإن كان لا يستطيع صلى على حاله وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه.
يجب على المريض أن يصلي بثياب طاهرة فإن تنجست ثيابه وجب غسلها أو إبدالها بثياب طاهرة، فإن لم يمكن صلى على حاله وصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه.
12- يجب على المريض أن يصلي على شيء طاهر، فإن تنجس مكانه وجب غسله أو إبداله بشيء طاهر، أو يفرش عليه شيئاً طاهراً، فإن لم يمكن صلى على حاله وصلاته صحيحة ولا إعادة عليه.
13- لا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل العجز عن الطهارة، بل يتطهر بقدر ما يمكنه من ثم يُصلي الصلاة في وقتها، ولو كان على بدنه وثوبه أو مكانه نجاسة يعجز عنها.
(11/156)

باب المسح على الخفين

95) سُئل فضيلة الشيخ: ما المقصود بالخفاف والجوارب؟ ما حكم المسح عليهما؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: المقصود بالخفاف: " ما يلبس على الرجل من جلد ونحوه ". والمقصود بالجوارب: " ما يلبس على الرجل من قطن ونحوه، وهو ما يعرف بالشراب ".
والمسح عليهما هو السنة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان لابساً لهما فالمسح عليهما أفضل من خلعهما لغسل الرجل. ودليل ذلك: حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، توضأ، قال المغيرة: فأهويت لأنزع خفيه فقال: " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ". فمسح عليهما.
ومشروعية المسح على الخفين ثابتة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أما كتاب الله، ففي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (1) . فإن قوله تعالى (وأرجلكم) ، فيها قراءتان سبعيتان صحيحتان عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم.
إحداهما (وأرجلَكم) بالنصب عطفاً على قوله (وجوهكم) فتكون الرجلان مغسولتين.
__________
(1) سورة المائدة، الآية 6.
(11/157)

الثانية: (وأرجلِكم بالجر عطفاً على (رؤوسكم) فتكون الرجلان ممسوحتين. والذي بين أن الرجل تكون ممسوحة أو مغسولة هي السنة فكان الرسول صلى الله عليه وسلم، إذا كانت رجلاه مكشوفتين يغسلهما، وإذا كانتا مستورتين بالخفاف يمسح عليهما.
وأما دلالة السنة على ذلك: فالسنة متواترة في هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الإمام رحمه الله: ليس في قلبي من المسح بشيء فيه أربعون حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه. ومما يذكر من النظم قول الناظم:
مما تواتر حديثُ من كذب ومن بنى الله بيتاً واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض
فهذا دليل على مسحهما من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
96) وسُئل فضيلته: عن قول ابن عباس رضي الله عنهما " ما مسح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد المائدة " وقول علي ابن أبي طالب رضي الله عنه " سبق الكتاب الخفين "؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: لا أدري هل يصح ذلك عنهما أو لا، وعلي رضي الله عنه ممن روى أحاديث المسح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أن الحكم ثابت عنده إلى ما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن النسخ.
97) وسُئل: عن حكم خلع الجوربين عند كل وضوء احتياطاً للطهارة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا خلاف السنة وفيه تشبه بالروافض
(11/158)

الذين لا يجيزون المسح على الخفين، والنبي صلى الله عليه وسلم، قال للمغيرة حينما أراد نزع خفيه قال: " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ". ومسح عليهما.
98) وسُئل فضيلة الشيخ: عن تقدير الوقت في المسح على الخفين؟
فأجاب - جزاه الله خيراً - قائلاً: هذه المسألة من أهم المسائل التي يحتاج الناس إلى بيانها، ولهذا سوف نجعل الجواب أوسع من السؤال، إن شاء الله تعالى.
فنقول: إن المسح على الخفين ثابت بدلالة الكتاب والسنة، أما الكتاب فهو من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (1) . بكسر اللام - أرجلِكم - فتكون أرجلكم معطوفة على قوله (برؤوسكم) فتدخل في ضمن الممسوح والقراءة التي يقرؤها الناس في المصاحف (وأرجلَكم) بفتح اللام، فهي معطوفة على قوله: (وجوهكم) . فتكون من ضمن المغسول، وحينئذ فالأرجل بناء على القرائتين إما أن تغسل وإما أن تمسح، وقد بيَّنت السنة متى يكون الغسل ومتى يكون المسح، فيكون الغسل حين تكون القدم مكشوفة، ويكون المسح حين تكون مستورة بالخفِّ ونحوه.
أما السنة، فقد تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم، المسح على الخفين وعدَّه أهل العلم من المتواتر، كما قال من نظم ذلك.
مما تواتر حديثُ من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب
ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض
__________
(1) سورة المائدة، الآية 6.
(11/159)

فمسح الخفين مما تواترت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمسح على الخفين إذا كان الإنسان قد لبسهما على طهارة أفضل من خلعهما وغسل الرجل، ولهذا لما أراد المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - أن ينزع خُفَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند وضوئه قال له: " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين " ثم مسح عليهما. متفق عليه.
وللمسح على الخفين شروط:
الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة كاملة من الحدث الأصغر والحدث الأكبر، فإن لبسهما على غير طهارة، فإنه لا يصح المسح عليهما.
الشرط الثاني: أن يكون المسح في مدة المسح، كما سيأتي بيان المدة إن شاء الله تعالى.
الشرط الثالث: أن يكون المسح في الطهارة الصغرى، أي في الوضوء، اما إذا صار على الإنسان غسل، فإنه يجب عليه أن يخلع الخفين ليغسل جميع بدنه، ولهذا لا مسح على الخفين في الجنابة، كما في حديث صفوان بن عسال - رضي الله عنه - قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأمرنا إذا كنّا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ". أخرجه النسائي والترمذي وابن خزيمة. هذه الشروط الثلاثة من شروط جواز المسح على الخفين.
أما المدة: فإنها يوم وليلة وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ولا عبرة بعدد الصلوات بل العبرة بالزمن، فالرسول عليه الصلاة والسلام وقَّتها يوماً وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، واليوم والليلة أربع وعشرون ساعة وثلاثة الأيام بلياليها أثنتان وسبعون ساعة.
لكن متى تبتدئ هذه المدة؟ تبتدئ هذه المدة من أول مرة مسح، وليس من لُبس الخف ولا من الحدث بعد اللبس، لأن الشرع
(11/160)

جاء بلفظ المسح، والمسح لا يتحقق إلا بوجوده فعلاً،"يمسح المقيم يوماً وليلة ويمسح المسافر ثلاثة أيام " فلا بد من تحقق المسح، وهذا لا يكون إلا بابتداء المسح في أول مرة، فإذا تمت أربع وعشرون ساعة من ابتداء المسح في أول مرة، فإذا تمت أربع وعشرون ساعة من ابتداء المسح، انتهى وقت المسح بالنسبة للمقيم، وإذا تمت اثنتان وسبعون ساعة انتهى المسح بالنسبة للمسافر، ونضرب لذلك مثلاً يتبين به الأمر:
رجل تطهر لصلاة الفجر، ثم لبي الخفين ثم بقي على طهارته حتى صلى الظهر وهو على طهارته، وصلى العصر وهو على طهارته، وبعد صلاة العصر في الساعة الخامسة تطهر لصلاة المغرب ثم مسح، فهذا الرجل له أن يمسح إلى الساعة الخامسة من اليوم الثاني، فإذا قدّر أنه مسح في اليوم الثاني في الساعة الخامسة إلا ربعاً، وبقي على طهارته حتى صلّى المغرب وصلى العشاء، فإنه حينئذٍ يكون صلى في هذه المدة صلاة الظهر أول يوم العصر والمغرب والعشاء، والفجر في اليوم الثاني والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه تسع صلوات صلاّها، وبهذا علمنا أنه لا عبرة بعدد الصلوات كما مفهوم عند كثير من العامة، حيث يقولون: إن المسح خمسة فروض هذا لا أصل له، وإنما الشرع وقَّته بيوم وليلة تبتديء هذه من أول مرة مسح. وفي هذا المثال الذي ذكرنا عرفت كم صلى من صلاة، وبهذا المثال الذي ذكرناه تبين أنه إذا تمت مدة المسح، فإنه لا يمسح بعد هذه المدة ولو مسح بعد تمام المدة، فمسحه باطل، لا يرتفع به الحدث. لكن لو مسح قبل أن تتم المدة ثم استمر على طهارته بعد تمام المدة، فإن وضوءه لا ينتقض، بل يبقى على طهارته حتى يوجد ناقض من نواقض الوضوء، وذلك لأن القول بأن الوضوء ينتقض بتمام المدة، قول لا دليل له، فإن َّ تمام المدة معناه أنه لا مسح بعد تمامها
(11/161)

وليس معناه أن لا طهارة بعد تمامها، فإذا كان المؤقت هو المسح دون الطهارة، فإنه لا دليل على انتقاضها بتمام المدة، وحينئذ نقول في تقرير دليل ما ذهبنا إليه: هذا الرجل توضأ وضوءاً صحيحاً بمقتضى دليل شرعي صحيح، وإذا كان كذلك فإنه لا يمكن أن نقول بانتقاض هذا الوضوء إلا بدليل شرعي صحيح، ولا دليل على أنه ينتقض بتمام المدة، وحينئذ تبقى طهارتُه حتى يوجد ناقض من نواقض الوضوء التي ثبتت بالكتاب أو السنة أو الإجماع.
أما المسافر فله ثلاثة أيام بلياليها، أي اثنتان وسبعون ساعة، تبتدئ من أول مرة مسح، ولهذا ذكر فقهاء الحنابلة - رحمهم الله - أن الرجل لو لبي خُفيه وهو مقيم في بلده، ثم احدث في نفس البلد ثم سافر ولم يمسح إلا بعد أن سافر، قالوا فإنه يُتم مسح مسافر في هذه الحالة، وهذا مما يدل على ضعف القول بأن ابتداء المدة من أول حدث بعد اللبس.
والذي يبطل المسح على الخف: انتهاء المدة، وكذلك أيضاً خلع الخف، إذا خلع الخف بطل المسح لكن الطهارة باقية. ودليل كون خلع الخف يبطل المسح، حديث ُ صفوان بن عسال قال: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ننزع خفافنا ". فدلَّ هذا على أن النزع يبطل المسح فإذا نزع الإنسان خفه بعد مسحه بطل المسح عليه، بمعنى أنه لا يعيد لبسه فيمسح عليه إلا بعد أن يتوضأ وضوءاً كاملاً يغسل فيه الرجلين.
وأما طهارته إذا خلعه، فإنها باقية، فالطهارة لا تنتقض بخلع الممسوح، وذلك لأن الماسح إذا مسح تمت طهارته بمقتضى الدليل الشرعي، فلا تنتقض هذه الطهارة إلا بمقتضى دليل شرعي، وليس هناك دليل شرعي على أنه إذا خلع الممسوح بطل الوضوء، وإنما الدليل
(11/162)

على أنه إذا خلع الممسوح بطل المسح، أي لا يُعاد المسح مرة أخرى إلا بعد غسل الرجل في وضوء كامل، وعليه فنقول: إن الأصل بقاء هذه الطهارة الثابتة بمقتضى الدليل الشرعي حتى يوجد الدليل، وإذا لم يكن دليل فإن الوضوء يبقي غير منتقض، وهذا هو القول الراجح عندنا. والله الموفق.
99) وسُئل فضيلته:يشتهر عند العامة أنهم يمسحون على الخفين خمس صلوات فقط فهل عملهم هذا صحيح؟
فأجاب بقوله: نعم هذا مشهور عند العامة يظنون أن معنى كون المسح يوماً وليلة يعني أنه لا يمسح إلا خمس صلوات وهذا ليس بصحيح بل التوقيت بيوم وليلة يعني أن له أن يمسح يوماً وليلة سواء صلى خمس صلوات أو أكثر، وابتداء المدة كما سبق من المسح، فقد يصلي عشر صلوات أو أكثر ونضرب لذلك مثلاً: رجل لبس الخف لصلاة الفجر يوم الاثنين وبقي على طهارته حتى نام ليلة الثلاثاء، فلما استيقظ الساعة الخامسة (مثلاً) مسح عليهما لصلاة الفجر، فهنا له أن يمسح إلى ما قبل الساعة الخامسة بقليل من فجر الأربعاء، فيكون هنا صلى بالخف يوم الاثنين الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء وكل هذه المدة لا تحسب له لأنها قبل المسح، وصلى يوم الثلاثاء الفجر ومسح، والظهر ومسح، والعصر ومسح، والمغرب ومسح، والعشاء ومسح، وكذلك يمكن أن يمسح لصلاة يوم الأربعاء، إذا مسح قبل أن تنتهي المدة مثل أن يكون قد مسح يوم الثلاثاء لصلاة الفجر في الساعة الخامسة وفي يوم الأربعاء مسح في الساعة الخامسة إلا ربعاً وبقي على طهارته إلى أن صلى العشاء ليلة الخميس، فحينئذٍ يكون صلى بهذا الوضوء صلاة الفجر يوم الأربعاء
(11/163)

والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيكون صلى خمس عشرة صلاة من حين لبس، لأنه لبسها لصلاة الفجر يوم الأثنين وبقي على طهارته ولم يمسح إلا لصلاة الفجر يوم الثلاثاء الساعة الخامسة ومسح لصلاة الفجر يوم الأربعاء الساعة الخامسة إلا ربعاً وبقي على طهارته حتى صلى العشاء فيكون صلى خمس عشرة صلاة من حين لبس.
100) وسُئل - حفظه الله تعالى - عن شروط المسح على الخفين؟
فأجاب قائلاً: يُشترط للمسح على الخفين أربعة شروط:
الشرط الأول: أن يكون لابساً لهما على طهارة. ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة: " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ".
الشرط الثاني: أن تكون الخفان أو الجوارب طاهرة،فإن كانت نجسة فإنه لا يجوز المسح عليها، ودليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعلان فخلعهما في أثناء صلاته، وأخبر أن جبريل أخبره بأن فيهما أذى أو قذرا ً، وهذا يدل على أنه لا تجوز الصلاة فيما فيه نجاسة، ولأن النجس إذا مُسح عليه بالماء تلوث الماسح بالنجاسة.
الشرط الثالث: أن يكون مسحهما في الحدث الأصغر لا في الجنابة أو ما يوجب الغسل، ودليل ذلك حديث صفوان بن عسال - رضي الله عنه _ قال: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم ". فيشترط أن يكون المسح في الحدث الأصغر، ولا يجوز المسح في الحدث الأكبر لهذا الحديث الذي ذكرناه.
الشرط الرابع: أن يكون المسح في الوقت المحدد شرعاً، وهو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، لحديث علي بن أبي طالب - رضي
(11/164)

الله عنه - قال: "جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن". يعني في المسح على الخفين، أخرجه مسلم. فهذه هي الشروط التي تُشترط للمسح على الخفين، وهناك شروط أخرى ذكرها بعض أهل العلم، وفي بعضها نظر.
101) وسُئل: هل يُشترط لجواز المسح على الخفين أن ينوي المسح عليهما وكذلك نية المدة؟
فأجاب قائلاً: النية هنا غير واجبة لأن هذا عمل عُلّق الحكم على مجرد وجوده، فلا يحتاج إلى نية، كما لو لبس الثوب فإنه لا يشترط أن ينوي به ستر عورته في صلاته مثلاً، فلا يُشترط في لبس الخفين أن ينوي أنه سيمسح عليهما، ولا كذلك نية المدة، بل إن كان مسافراً فله ثلاثة أيام نواها أم لم ينوها، وإن كان مقيماً فله يوم وليلة نواها أم لم ينوها.

102) وسُئل فضيلة الشيخ: ما حكم المسح على الشراب الذي فيه صورة حيوان؟
فأجاب بقوله: لا يجوز المسح عليه، لأن المسح على الخفين رخصة فلا تُباح بالمعصية، لأن القول بجواز المسح على ما كان محرماً مقتضاه إقرار هذا الإنسان على لبس المحرم، والمحرم يجب إنكاره، ولا يقال هذا من باب ما يُمتهن فيجوز، لأن هذا من باب اللباس ولبس ما فيه صورة حرام بكل حال، فلو كان على الشراب مثلاً صورة أسد فإنه لا يجوز المسح عليهما.
103) وسُئل: عما اشترطه بعض العلماء من كون الجورب والخف ساترين لمحل الفرض؟
فأجاب بقوله: هذا الشرط ليس بصحيح، لأنه لا دليل عليه،
(11/165)

فإن اسم الخف أو الجورب ما دام باقياً فإنه يجوز المسح عليه، لأن السنة جاءت بالمسح على الخف على وجه مطلق، وما أطلقه الشارع فإنه ليس لأحد أن يقيده إلا إذا كان لديه نص من الشارع أو إجماع أو قياس صحيح، وبناء على ذلك فإنه يجوز المسح على الخف المخرق ويجوز المسح على الخف الخفيف، لأن كثيراً من الصحابة كانوا فقراء، وغالب الفقراء لا تخلوا خِفافهم من خروق، فإذا كان هذا غالباً أو كثيراً في قوم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يُنبّه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، دلّ ذلك على أنه ليس بشرط، ولأنه ليس المقصود من الخف ستر البشرة، وإنما المقصود من الخف أن يكون مدفئاً للرجل، ونافعاً لها، وإنما أجيز المسح على الخف، لأن نزعه يشق، وهذا لا فرق فيه بين الجورب الخفيف والجورب الثقيل، ولا بين الجورب المخرق والجورب السليم، والمهم أنه ما دام اسم الخف باقياً، فإن المسح عليه جائز لما سبق من الدليل.
104) سُئل الشيخ - حفظه الله تعالى - عما ذهب إليه بعض العلماء من جواز المسح على كل ما لبس على الرجل؟
فأجاب بقوله: هذا القول الذي أشار إليه السائل، وهو جواز المسح على كل ما لُبس على الرِّجل هو القول الصحيح، وذلك أن النصوص الواردة في المسح على الخفين كانت مطلقة غير مقيدة بشروط، وما ورد عن الشارع مطلقاً فإنه لا يجوز إلحاق شروط به، لأن إلحاق الشروط به تضييق لما وسعه عز وجلّ ورسوله. والأصل بقاء المطلق على إطلاقه، والعام على عمومه، حتى يرد دليل على التقييد أو التخصيص. وقد حكى بعضُ أصحاب الشافعي عن عمر وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - جواز المسح على الجورب الرقيق، وهذا يعضُد القول بجواز المسح على الجوارب الخفيفة الرقيقة وعلى الجوارب المخرقة،
(11/166)

وكذلك على القول الراجح المسح على اللفافة، بل إن جواز المسح على اللفافة أولى لمشقة حلها ولفها، وهذا هو الي يتمشى مع قوله عز وجل حين ذكر آية الطهارة في الوضوء والغسل والتيمم، قال: ? مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ? (1) .
105) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم المسح على الجورب المخرق والخفيف؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: القول الراجح أنه يجوز المسح على الجورب المخرق والجورب الخفيف الذي تُرى من ورائه البشرة، لأنه ليس المقصود من جواز المسح على الجورب ونحوه ان يكون ساتراً، فإن الرِّجل ليست عورة يجب سترها، وإنما المقصود الرخصة على المُكلَّف والتسهيل عليه، بحيث لا نُلزمه بخلع هذا الجورب أو الخف عند الوضوء، بل نقول: يكفيك أن تمسح عليه، هذه هي العلة التي من أجلها شُرع المسح على الخفين، وهذه العلة - كما ترى - يستوي فيها الخف أو الجورب المخرق والسليم والخفيف والثقيل.
106) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يشترط لجواز المسح على الخف أن يثبت بنفسه أو لا؟
فأجاب بقوله: الصحيح أنه لا يُشترط ذلك، وذلك أن النصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة، فما دام يمكن أن ينتفع بهذا، ويمشي به، فما المانع؟ فقد يكون الإنسان ليس عنده إلا هذا الخف، أو
__________
(1) سورة المائدة، الآية 6.
(11/167)

كان مريضاً مقعداً يلبس مثل هذا الخف للتدفئة، فلا دليل على اشتراط هذا الشرط.
107) وسُئل الشيخ: ما حكم المسح على النعل والخف؟
فأجاب فضيلته بقوله: المسح على النعل لا يجوز بل لا بد من خلع النعل وغسل الرِّجل، اما الخف هو ما يستر الرجل، فإنه يجوز المسح عليه سواء كان من جلد أو من قطن أومن صوف أو من غيرها، بشرط أن يكون مما يحل لبسه، أما إذا كان مما يحرم لبسه كالحرير بالنسبة للرجل، يعني لو لبس الرجل شراباً من حرير، فإنه لا يجوز له أن يمسح عليه لأنه محرم عليه لبسهُ، فإذا كان مباحاً جاز المسح عليه إذا لبسه على طهارة، وكان في المدة المقدرة شرعاً، وهي يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، تبتديء هذه المدة من أول مرة مسح بعد الحدث، وتنتهي بتمام أربعٍ وعشرين ساعة للمقيم، واثنتين وسبعين ساعة بالنسبة للمسافر.
108) سُئل فضيلة الشيخ: هل يدخل في معنى الخف اللفائف؟
فأجاب - حفظه الله - بقوله: نعم يدخل في معنى الخف اللفائف، لأن اللفائف يُعذر فيها صاحبُها أكثر من الخف، لأن الذي يخلع الخف ثم يغسل الرِّجل ثم يلبس الخف، أسهل من الذي يحل هذه اللفائف ثم يعيدها مرة أُخرى، فإذا كان الخف قد أباح الشرعُ المسح عليه، فاللفافة من باب أولى، ثم إن السِّرية التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين، فيمكن أن نأخذ من
(11/168)

كلمه التساخين جواز المسح على اللفافة، لأنه يحصل بها التسخين والغرض الذي من أجله لبس الخفاف.
109) وسُئل - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً - عن المسح على العمامة؟
فأجاب فضيلته بقولة: العمامة قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم جوز المسح عليها، وهي من حيث النظر أولى من المسح على الخفين، لأنها ملبوسة على ممسوح، وطهارة هذا العضو، وهو الرأس أخف من طهارة الرجلين، لأن طهارة الرأس تكون بالمسح، فالفرع عنه وهي العمامة يكون أولى بالمسح من الملبوس على المغسول. ولكن هل يُشترط فيها ما يُشترط في الخف بأن يلبسها على طهارة، وتتقيد مدتها بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، أو ان المسح عليها مطلق متى كانت على الرأس مسحها سواء لبسها على طهارة أم لا وبدون توقيت، إلا إنه في الحدث الأكبر لا يمسح عليها لأنه لا بد من الغسل لجميع البدن؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم، والذي قالوا لا يشترط لبسها على طهارة ولا مدة لها، قالوا لأنه ليس في ذلك دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقياسها على الخفين على ما يقولون قياسٌ مع الفارق، لأن الخفين لُبسا على عضو مغسول، وأما هذه فقد لُبستْ على عضو ممسوح طهارته أخف، فلهذا لا يشترط للبسها طهارة ولا توقيت لها. ولكن لا شكّ أن الاحتياط أوْلى، والأمر في هذا سهل فإنه ينبغي أن لا يلبسها إلا على طهارة، وأن يخلعها إذا تمت مدة المسح، ويمسح رأسه ثم يعيدها.
(11/169)

110) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم المسح على العمامة، وهل لها توقيت؟
فأجاب بقولة: المسح على العمامة مما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث المغيره بن شعبة رضي الله عنه، فيجوز المسح عليها، فُيمسح على العمامة كلها أو أكثرها، ويُسنّ أيضاً أن يمسح ما ظهر من الرأس كالناصية وجانب الرأس والأذنين. ولا يُشترط لها توقيت، لأنه لم يثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه وقتها، ولأن طهارة العضو التي هي عليه أخف من طهارة عضو الخف، فلا يمكن الحاق هذا بهذا، فمتى كانت عليك فامسح وإذا لم تكن عليك فامسح الرأس ولا توقيت فيها.
لكن لو سلكت سبيل الاحتياط فلم تمسحها إلا إذا لبستها على طهارة وفي المدة المحددة للخفين لكان حسناً.
111) وسُئل: هل يدخل في حكم العمامة الشماغ والطاقية والقبع الشامل للراس والأذنين؟
فأجاب قائلاً: أما شماغ الرَّجل والطاقية، فلا تدخل في العمامة قطعاً.
وأما ما يلبس في أيام الشتاء من القبع الشامل للرأس والأذنين، والذي قد تكون في أسفله لفّة على الرقبة، فإن هذا مثل العمامة لمشقة نزعه فيُمسح عليه.
112) وسُئل فضيلته: هل يجوز المسح على الطربوش؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: الظاهر أن الطربوش إذا كان لا يَشُقُّ نزعه، فلا يجوز المسح عليه لأنه يشبه الطاقية من بعض الوجوه،
(11/170)

والأصل وجوب مسح الراس حتى يتبين للإنسان أن هذا مما يجوز المسح عليه.
113) وسُئل - حفظه الله تعالى: - هل يجوز للمرأة أن تمسح على خمارها؟
فأجاب بقوله: المشهور من مذهب الإمام أحمد، أنها تمسح على الخمار إذا كان مداراً تحت حلقها، لأن ذلك قد ورد عن بعض نساء الصحابة - رضي الله عنهن.
وعلى كل حال فإذا كانت هناك مشقة، إمّا لبرودة الجو أو لمشقة النَّزع واللّف مرة أخرى، فالتسامح في مثل هذا لا بأس به وإلا فالأْولى ألا تمسح.

114) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا لبَّت المرأة رأسها بالحناء ونحوه، فهل تمسح عليه؟
فأجاب بقوله: إذا لّبت المرأة رأسها بالحناء فإنها تمسح عليه، ولا حاجة إلى أنها تنقض الرأس وتحت هذا الحناء، لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان في إحرامه ملبّداً رأسه. فما وُضِعَ على الرأس من التلبيد فهو تابع له، وهذا يدلّ على أن تطهير الرأس فيه شيء من التسهيل.
115) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم المسح على الجبيرة؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: لابد أولا ًأن نعرِّف ما هي الجبيرة؟
الجبيرة في الأصل ما يُجَبر به الكسر، والمراد بها في عرف الفقهاء " ما يوضع على موضع الطهارة لحاجة "، مثل الجبس الذي يكون على
(11/171)

الكسر، أو اللزقة التي تكون على الجرح، أو على ألم في الظَّهر أو مأ أشبه ذلك، فالمسح عليها بجزيء عن الغسل. فإذا قدرنا أن ذراع المتوضئ لزقة على جرح يحتاج إليها، فإنه يمسح عليها بدلاً عن الغسل وتكون هذه الطهارة كاملة، بمعنى أنه لو فُرض أن هذا الرَّجل نزع هذه الجبيرة أو اللزقة، فإن طهارته تبقى ولا تنتقض لأنها تمت على وجه شرعي. ونزع اللزقة ليس هناك دليل على أنه ينقض الوضوء أو ينقض الطهارة وليس في المسح على الجبيرة دليل خالٍ من معارضة، فيها أحاديث ضعيفة ذهب إليها بعض أهل العلم، وقال: إن مجموعها يرفعها إلى أن تكون حجة.
ومن أهل العلم من قال: إنه لضعفها لا يعتمد عليها، وهؤلاء اختلفوا، فمنهم من قال: يسقط تطهير محل الجبيرة، لأنه عاجز عنه. ومنهم من قال: بل يتيمم له ولا يمسح عليها.
لكن أقرب الأقوال إلى القواعد بقطع النظر عن الأحاديث الواردة فيها، أقرب الأقوال أنه يمسح، وهذا المسح يغنيه عن التيمم فلا حاجة إليه، وحينئذٍ نقول: إنه إذا وجد جرح في أعضاء الطهارة فله مراتب:
المرتبة الأولى: أن يكون مكشوفاً ولا يضره الغسل، ففي هذه المرتبة يجب عليه غسله إذا كان في محلٍ يُغسل.
المرتبة الثانية: أن يكون مكشوفاً ويضره الغسل دون المسح، ففي هذه المرتبة يجب عليه المسح دون الغسل.
المرتبة الثالثة:: أن يكون مكشوفاً ويضره الغسل والمسح، فهنا يتيمم له.
المرتبة الرابعة: أن يكون مستوراً بلزقة أو شبهها محتاج إليها، وفي هذه المرتبة يمسح على هذا الساتر، ويغنيه عن غسل العضو ولا يتيمم.
(11/172)

116) وسُئل: هل يشترط للجبيرة أن لا تكون زائدة عن الحاجة؟
فأجاب قائلاً: الجبيرة لا يُمسح عليها إلا عند الحاجة فيجب أن تقدر بقدرها، وليست الحاجة هي موضع الألم أو الجرح فقط، بل كل ما يحتاج إليه في تثبت هذه الجبيرة أو هذه اللزقة مثلاً فهو حاجة، فلو كان الكسر في الإصبع ولكن احتجنا أن نربط كل الرَّاحة لتستريح اليد، فهذه حاجة.

117) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يجب الجمع بين التيمم والمسح على الجبيرة أو لا؟
فأجاب بقوله: لا يجب الجمع بين المسح والتيمم، لأن إيجاب طهارتين لعضو واحد مخالف لقواعد الشريعة، لأننا نقول: يجب تطهير هذا العضو إما بكذا وإما بكذا، أما أن نوجب تطهيره بطهارتين، فهذا لا نظير له في الشريعة، ولا يكلِّف الله عبداً بعبادتين سببهما واحد.

118) وسُئل: هل يجب أن يعم الإنسان الجبيرة عند المسح عليها؟
فأجاب بقوله: نعم يعمها كلها، لأن الأصل أن البدن له حكم المبدل ما لم ترد السنة بخلافه، فهنا المسح بدل عن الغسل فكما أن الغسل يجب أن يعم العضو كله، فكذلك المسح يجب أن يعم جميع الجبيرة، واما المسح على الخفين فهو رخصة وقد وردت السنة بجواز الاكتفاء بمسح بعضه.
(11/173)

119) سُئل فضيلة الشيخ: هل هناك فرق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة؟
فأجاب قائلاً: نعم هناك فروق منها:
أولاً: أن المسح على الخفين مقدر بمدة معنية، أما المسح على الجبيرة فله أن يمسح عليها ما دامت الحاجة داعيه إلى بقائها.
ثانياً: أن الجبيرة لا تختص بعضو معين والخف يختص بالرِّجل.
ثالثاً: المسح على الخفين يُشترط فيه أن يلبسهما على طهارة بخلاف الجبيرة فلا تشترط لها الطهارة.
رابعاً: أن الجبيرة يمسح عليها في الحدث الأصغر والحدث الأكبر بخلاف الخف كما سبق، فإذا وجب عليه الغسل يمسح عليها كما يمسح في الوضوء.
120) وسُئل: إذا تطهَّر الإنسان بالتيمم ولبس الخفين، فهل يجوز له أن يمسح عليهما إذا وجد الماء؟
فأجاب بقوله: لا يجوز له أن يمسح على الخفين إذا كانت الطهارة طهارة تيمم، لقوله صلى الله عليه وسلم: " فإني أدخلتهما طاهرتين ". وطهارة التيمم لا تتعلق بالرِّجل، إنما هي في الوجه والكفين فقط، وعلى هذا أيضاً لو أن إنساناً ليس عنده ماء، أو كان مريضاً لا يستطيع استعمال الماء في الوضوء، فإنه يلبس الخفين ولو كان على غير طهارة وتبقيان عليه بلا مدة محدودة حتى يجد الماء إن كان عادِماً له، أو يشفى من مرضه إن كان مريضاً، لأن الرِّجل لا علاقة لها بطهارة التيمم.
(11/174)

121) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم من توضأ فغسل رجله اليمنى، ثم لبس الخف أو الجورب، ثم غسل اليسرى ولبس الجورب عليها أو الخف؟
فأجاب قائلاً: هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال: لا بد أن يُكمل الطهارة قبل أن يلبس الخف أو الجورب، ومنهم قال: إنه يجوز إذا غسل اليمنى أن يلبس الخف أو الجورب ثم يغسل اليسرى ويلبس الخف أو الجورب، فهو لم يدخل اليمنى إلا بعد أن طهرَّها واليسرى كذلك، فيصدق عليه أنه أدخلهما طاهرتين. لكن هناك حديث أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه ". الحديث. فقوله: " إذا توضأ " قد يرجح القول الأول، لأن من لم يغسل اليسرى لا يصدق عليه أن توضأ فعليه فالقول به أولى.
122) وسُئل حفظه الله: إذا مسح الإنسان وهو مقيم ثم سافر فهل يتم مسح مسافر؟
فأجاب قائلاً: إذا مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر على القول الراجح، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه إذا مسح في الحضر ثم سافر، أتمّ مسح مقيم، ولكن الراجح ما قلناه، لأن هذا الرجل قد بقي في مدة مسحه شيء قبل أن يسافر وسافر، فيصدق عليه أنه من المسافرين الذين يمسحون ثلاثة أيام، وقد ذكر عن الإمام أحمد - رحمه الله أنه رجع إلى هذا القول بعد أن كان يقول بأنه يتم مسح مقيم.
(11/175)

123) وسُئل: إذا مسح الإنسان وهو مسافر ثم أقام فهل يتم مسح مقيم؟
فأجاب - حفظه الله ورعاه - بقوله: إذا مسح مسافراً ثم أقام فإنه يتم مسح مقيم على القول الراجح إن كان بقي من مدته شيء وإلا خلع عند الوضوء وغسل رجليه.
124) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا شكَّ الإنسان في ابتداء المسح ووقته فماذا يفعل؟
فأجاب قائلاً: في هذه الحال يبني على اليقين، فإذا شكَّ هل مسح لصلاة الظهر أو لصلاة العصر فإنه يجعل ابتداء المدة من صلاة العصر، لأن الأصل عدم المسح. ودليل هذه القاعدة هو أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن الأصل العدم، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام، شكى إليه الرَّجل يخيَّل إليه أن يجد الشيء في صلاته فقال: " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ".
125) وسُئل: إذا مسح الإنسان على الكنادر ثم خلعها ومسح على الشراب فهل يصح مسحه؟
فأجاب قائلاً: المعروف عند أهل العلم أنه إذا مسح أحد الخفين الأعلى أو الأسفل تعلق الحكم به ولا ينتقل إلى ثانٍ، ومنهم من يرى أنه يجوز الانتقال إلى الثاني إذا كان الممسوح هو الأسفل ما دمادامت المدة باقية.
وهذا هو القول الراجح. وعلى هذا فلو توضأ ومسح على الجوارب ثم لبس عليها جوارب أخرى، أو كنادر ومسح العليا، فلا بأس به على
(11/176)

القول الراجح ما دامت المدة باقية، لكن تُحسب المدة من المسح على الأول لا من المسح على الثاني.
126) وسُئل فضلية الشيخ: عن كيفية المسح على الخفين؟
فأجاب بقوله: كيفية المسح أن يمرَّ يده من أطراف أصابع الرِّجل إلى ساقه فقط، يعني أن الذي يُمسح هو أعلى الخف فيمر يده من عند أصابع الرِّجل إلى الساق فقط، ويكون المسح باليدين جميعاً على الرجلين جميعاً، يعني اليد اليمنى تَمسح الرِّجل اليمنى، واليد اليسرى تمسح الرِّجل اليسرى في نفس اللحظة، كما تُمسح الأذنان، لأن هذا هو ظاهر السنة لقول المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - " فمسح عليهما " ولم يقل بدأ باليمنى بل قال: " مسح عليهما " فظاهر السنة هو هذا. نعم لو فرض أن إحدى يديه لا يعمل بها فيبدأ باليمنى قبل اليسرى، وكثير من الناس يمسح بكلتا يديه على اليمنى وكلتا يديه على اليسرى، وهذا لا أصل له فيما أعلم، وإنما العلماء يقولون: يمسح باليد اليمنى على اليمنى، واليد اليسرى على اليسرى. وعلى أي صفة مسح أعلى الخف فإنه يُجزيء لكن كلامنا هذا في الأفضل.
127) وسُئل فضيلة: عن حكم مسح أسفل الخف؟
فأجاب فضيلته قائلاً: مسح أسفل الخف ليس من السنة، ففي السنن من حديث علي بن ابي طالب - رضي الله عنه - قال: " لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهر خفيه ". وهذا يدل على أن المشروع مسح الأعلى فقط.
(11/177)

128) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا أدخل الإنسان يده من تحت الشراب فهل يبطل مسحه؟ وكذلك إذا خلعها؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - قائلاً: إذا أدخل يديه من تحت الشراب " الجوارب " فلا بأس في ذلك ولا حرج، ولا يبطل المسح بذلك لأنه لم يخلعهما. أما إن خلعهما فُينظر إن خلع جزءاً يسيراً فلا يضر، وإن خلع شيئاً كثيراً بحيث يظهر أكثر القدم، فإنه يبطل المسح عليهما في المستقبل.

129) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا نزع الإنسان الشراب وهو على وضوء ثم أعاداها قبل أن ينتقض وضوءه فهل يجوز له المسح عليها؟
فأجاب بقوله: إذا نزع الشراب ثم أعادها وهو على وضوئه فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون هذا الوضوء هو الأول، أي إنه لم ينتقض وضوءه بعد لبسه فلا حرج عليه أن يعيدها ويمسح عليها إذا توضأ.
الثانية: إذا كان هذا الوضوء وضوءاً مسح فيه على شرابه، فإنه لا يجوز له إذا خلعها أن يلبسها ويمسح عليها، لأنه لا بد أن يكون لبسهما على طهارة بالماء، وهذه طهارة بالمسح، هذا ما يعلم من كلام أهل العلم ولكن إن كان أحد قال بأنه إذا أعادها على طهارة ولو طهارة المسح، له أن يمسح ما دامت المدة باقية، فإن هذا قول قوي، ولكنني لم أعلم أن أحداً قال به، فالذي يمنعني من القول به هو أنني لم أطَّلع على أحد قال به، فإن كان قال به أحد من أهل العلم فهو الصواب عندي، لأن طهارة المسح طهارة كاملة، فينبغي أن يُقال إنه إذا كان
(11/178)

يمسح على ما لبسه على طهارة غسل، فليمسح على ما لبسه على طهارة مسح، لكنني ما رأيت أحداً قال بهذا. والعلم عند الله.
130) سُئل فضيلة الشيخ: إذا خلع الإنسان خفيه بعد أن مسح عليهما فهل تبطل طهارته؟
فأجاب بقوله: إذا خلع الخف أو الجورب بعد أن مسح عليه فلا تبطل طهارته على القول الصحيح، لكن يبطل مسحه دون طهارته، فإذا أرجعها مرة أخرى وانتقض وضوءه، فلا بد أن يخلع الخف ويغسل رجليه، والمهم أن نعلم أنه لا بد أن يلبس الخف على طهارة غسل فيها الرِّجل على ما علمنا من كلام أهل العلم. ولأن هذا الرّجل لمّا مسح على الخف تمت طهارته بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا ينتقض إلا بدليل شرعي، وعلى هذا فلا ينتقض وضوءه إذا خلع خفيه بل يبقى على طهارته إلى وجود ناقض من نواقض الوضوء المعروفة. ولكن لو أعاد الخف بعد ذلك وأراد أن يمسح عليه في المستقبل فلا، على ما أعلمه من كلام أهل العلم.

131) وسُئل حفظه الله: هل إذا تمت المدة فهل ينتقض الوضوء؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا ينتقض الوضوء بانتهاء المدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما وقَّت مدة المسح لا انتهاء الطهارة، فليس الموَّقت الطهارة حتى نقول إذا تمت مدة المسح انتقضت، بل الموقت المسح، فنحن نقول: إذا تمت المدة لا تمسح، لكن قبل تمام المدة إذا مسحت وأنت على طهارة فإن طهارتك هذه قد تمت بمتقضى دليل شرعي، وما تم بمقتضى دليل شرعي فلا ينتقض إلى بمقتضى دليل شرعي، ولا دليل على ذلك
(11/179)

والأصل بقاء الطهارة وعدم النقض، وفي مسألة النقض أصل أصَّله رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الرَّجُل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " فلم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء إلا على من تيقَّن سبب وجوبه، ولا فرق بين كون سبب الوجوب مشكوكاً فيه من حيث الواقع كما في الحديث، أو من حيث الحكم الشرعي، فإن في كل جهالة، هذا جاهل بالواقع هل حصل أو لم يحصل؟ وهذا جاهل بالشرع هل يوجب أو لا؟ فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " عُلم أنه لا ينتقض الوضوء إلا باليقين وهنا لا يقين فتبقى الطهارة.
132) وسُئل الشيخ - حفظه الله تعالى: مَن مسح على خفيه بعد انتهاء المدة وصلى بهما فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا انتهت مدة مسح الخفين ثم صلى الإنسان بعد انتهاء المدة، فإن كان أحدث بعد انتهاء المدة ومسح، وجب عليه إعادة الوضوء كاملاً بغسل رجليه، ووجب عليه إعادة الصلاة، وذلك لأنه لم يغسل رجليه فقد صلّى بوضوء غير تام. وأما إذا انتهت مدة المسح وبقي الإنسان على طهارته، وصلى بعد انتهاء المدة فصلاتُه صحيحة لأن انتهاء مدة المسح لا ينقض الوضوء، وإن كان بعض العلماء يقولون: إن انتهاء مدة المسح ينقض الوضوء، لكنه قولٌ لا دليل عليه، وعلى هذا فإذا تمت مدة المسح وبقي الإنسان على طهارته بعد انتهاء المدة، ولو يوماً كاملاً، فله أن يصلي ولو بعد انتهاء المدة، لأن وضوءَه قد ثبت بدليل شرعي فلا يرتفع إلا بدليل شرعي، ولا دليل على النبي صلى الله عليه وسلم يدلُّ على أن انتهاء مدة المسح موجب للوضوء. الله أعلم.
(11/180)

133) وسُئل فضيلته: هل هناك فرق بين الرجال والنساء في أحكام المسح على الخفين؟
فأجاب بقوله: ليس هناك فرق بين الرجال والنساء في هذا وينبغي أن نعلم قاعدة وهي " أن الأصل أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، وأن ما ثبت في حق النساء ثبت في حق الرجال إلا بدليل يدل على افتراقهما ".
(11/181)

رسالة
قال فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه بحوث في المسح على الخفين:
البحث الأول: في المسح على المخرَّق، وما تُرى منه البشرة لصفائه أو رقَّته وفي هذا خلاف بين العلماء:
فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أن المسح عليه لا يصح. قال في المنتهى في معرض ذكر شروط المسح: وأن لا يصف البشرة لصفائه أو خفته. وذكر قبله أنه يُشترط ستر محل الفرض.
وفي المجموع فقه الشافعية للنووي 1//480 ذكر قولين في الخُف المخرَّق، أصحهما لا يمسح، وفي ص 481 منه أن ابن المنذر حكى عن الثوري وإسحاق ويزيد بن هارون، وأبى ثور، جواز المسح على جميع الخفاف. قال ابن المنذر: وبه أقول لظاهر إباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، المسح على الخفين قولاً عامّاً يدخل فيه جميع الخفاف.أهـ.
وفي الاختبار لشيخ الإسلام ابن تيميه ص 13 أن الخف الممزَّق يجوز المسح عليه ما دام اسم الخف باقياً، والمشي فيه ممكناً، وهو قديم قولي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء.
وفي المحلىَّ 2/100 جواز المسح على المخرَّق ولو ظهر أكثر القدمين ما دام يتعلق بالرِّجلين منهما شيء ونقل عن سفيان الثوري أنه قال: امسح مادام يُسمى خفًّا.
(11/183)

وفي المجموع 2/482 إذا تخرَّقت الظهارة فإن كانت البطانة صفيقة، جاز المسح وإلا فلا، لأنه كالمكشوف، قال: وحكى الروياني والرافعي وجهاً غريباً ضعيفاً أنه يجوز وإن كانت البطانة رقيقة. وفي ص 484 حكى ابن المنذر إباحة المسح على الجورب عن تسعة من الصحابة - رضي الله عنهم - إلى أن قال: وحكى أصحابنا عن عمر وعلي - رضي الله عنهما - جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقاً. وحكوْه عن أبي يوسف ومحمد وإسحاق وداود اهـ. وفي ص 486 إذا لبس خفَّ زجاج يمكن متابعة المشي عليه جاز المسح عليه، وإن كان ترى تحته البشرة.
وفي ص 24 جـ 1 من جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، أن الجورب ملبوس رجل على هيئة الخف منسوج من قطن أو كتَّان أو صوف يسمى في عُرف أهل مصر شراباً.
البحث الثاني: إذا لبس خفّاً على خف فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون بعد الحدث فالحكم للأسفل ولا يمسح الأعلى.
الثانية: أن يكون قبل الحدث فهو بالخيار، فإن مسح الاسفل تعلق الحكم به ولا يضره نزع الأعلى، وإن مسح الأعلى تعلق الحكم به فإن نزعه لزم نزع الأسفل، ومتى مسح أحدهما لم ينتقل إلى الثاني. ولا يصحّ المسح عليهما إنا كانا مُخرَّقين، ولا على الاسفل إن كان هو المخرَّق. وفي الفروع 1/160: ولا يمسح خفين لُبسا على ممسوحين.. ويتوجه الجواز (و) لمالك وفي 172: وإن نزع خفّاً فوْقانيّاً مسحه فإنه يلزم نزع التحتاني.. فيتوضأ أو يغسل قدميه على الخلاف، وعنه لايلزمه (وهـ م) فيتوضأ أو يمسح التحتاني مفرداً على الخلاف اهـ.
قلت: وعلى القول بأن النزع لا ينقض الطهارة لاشيء عليه.
(11/184)

وفي المجموع للنووي 1/490، إذا جوَّزنا المسح على الجرموق (ملبوس رِجل يُلبس فوق الخف لا سيما في البلاد الباردة) فقد ذكر أبو العباس بن سريج فيه ثلاثه معانٍ أصحّها: أن بدل عن الخف، والخف بدل عن الرجل. الثاني: أن الأسفل كُلفافة والأعلى هو الخف. والثالث: أنهما كخف واحد، فالأعلى طهارة والأسفل بطانة. وفرَّع الأصحاب على هذه المعاني مسائل كثيرة، وذَكر منها لو نزعه بعد مسحه وبقي الأسفل بحالة، فإن قلنا بالأول لم يجب نزع الأسفل فيمسحه، لكن هل يكفيه مسحه أوْ لابد من إعادة الوضوء؟ فيه القولان في نازع الخفين، وإن قلنا بالثالث فلا شيء عليه، وإن قلنا بالثاني، وجب نزع الأسفل وغسل القدمين، وفي وجوب استئناف الوضوء القولان، فحصل من الخلاف في المسالة خمسة أقوال:
أحدها: لا يجب شيء وأصحها مسح الأسفل فقط. الثالث: يجب مسحه مع استئناف الوضوء. الرابع: يجب نزع الخفين وغسل الرجلين. الخامس: يجب النزع واستئناف الوضوء. وفي ص 490 أيضاً: إذا لبس الخف على طهارة ثم أحدث ومسح عليه ثم لبس الجرموق على طهارة المسح، ففي جواز المسح عليه وجهان مشهوران. ثم قال عن الجواز إنه الأظهر المختار لأنه لبس على طهارة وقولهم: إنها طهارة ناقصة غير مقبول. قال الرافعي: قال الشيخ أبو علي: إذا جوَّزنا المسح عنا فابتداء المدة من حين أحدث بعد لبس الخف لا من لبس الجرموق. اهـ وقوله من حيث أحدث بناء على أن ابتداء المدة من الحدث، وسيأتي الخلاف في ذلك.
البحث الثالث: في توقيت مدة المسح:
وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم. فجمهور أهل العلم من
(11/185)

الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن المسح مؤقت بيوم وليلة للمقيم. وثلاثة أيام بلياليها للمسافر. وقال بعض العلماء لا توقيت فيه. وفي المجموع 1/ 467: حكاه أصحابنا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن والشعبي وربيعة والليث وأكثر أصحاب مالك، وهو المشهور عنه، وعنه أنه مؤقت وعنه مؤقت للحاضر دون المسافر. قال ابن المنذر: وقال سعيد بن جبير: يمسح غدوة إلى الليل اهـ. وقال شيخ الإسلام في الاختيارات ص 15: ولا تتوقت مدة المسح في المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس، كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين.
وإذا قلنا بالتوقيت فمن أين يبتدئ؟
الجمهور من أهل العلم على أن َّ ابتداء المدة: من أول حدث بعد اللبس.
وفي المجموع 1/ 470: وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث. وهو رواية عن أحمد وداود - وهو المختار الراجح دليلاً - واختاره ابن المنذر وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وحكى الماوردي والشاشي عن الحسن البصري ان أبتداءها من اللبس. أهـ.
البحث الرابع:
إذا تغيرت حال اللابس من إقامة إلى سفر أو بالعكس فبأيهما يعتبر؟
وهذا له ثلاث حالات:
الحال الأولى:أن يكون التغير قبل الحدث، مثل أن يلبس الخفين مقيماً ثم يسافر قبل أن يُحدث. أو يلبسهما مسافراً ثم يقدم بلده قبل أن يُحدث، ففي المسألة الأولى يمسح مسح مسافر، قال في المجموع
(11/186)

2/ 472. في المسألة الثانية يمسح مسح مقيم ولا إشكال في ذلك.
الحال الثانية: أن يكون التغير بعد الحدث وقبل المسح، مثل أن يلبس الخفين مقيماً ثم يُحدث ثم يسافر قبل أن يمسح. أو يلبسهما مسافراً ثم يُحدث ثم يقدم بلده قبل أن يمسح. ففي المسالة الأولى يمسح مسح مسافر. قال في الإنصاف 1/179 هذا المذهب - وعليه الأصحاب - ورمز لذلك في الفروع 1/168 بالواو إشارة لموافقة الأئمة الثلاثة. قال وعنه مسح مقيم إلخ اهـ. وفي المغني 1/290 لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن من لم يمسح حتى سافر أنه يتم مسح المسافر اهـ. وفي المسالة الثانية يمسح مسح مقيم، ولم أرّ في ذلك خلافاً.
الحالة الثالثة: أن يكون التغير بعد الحدث والمسح، مثل أن يلبس الخفين ويمسح عليهما مقيماً ثم يسافر، أو يلبس الخفين ويمسح عليهما مسافراً ثم يقدم بلده بعد ذلك. ففي هذه الحال خلاف بين أهل العلم:
أما المسألة الأولى: فلا يخلوا إما أن تكون مدة مسح المقيم قد انتهت أوْلاً. فإن كانت قد انتهت فلا مسح، ولم أرَ في ذلك خلافاً إلا ما ذكره في المحلىَّ 2/109 أنه يتم مسح مسافر.
وإن كانت مدة مسح المقيم باقية، ففي ذلك خلاف: فمذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية عنه وإسحاق وداود في رواية عنه يتم مسح مقيم. ومذهب أبي حنيفة والثوري يتم مسح مسافر وهو رواية عن أحمد وداود (انظر المجموع 1/472) قال في المغني: 1/292 قال الخلال: رجع أحمد عن قوله الأول إلى هذا. وفي الإنصاف 1/178 عن صاحب الفائق: هو النص المتأخر وهو المختار اهـ
وأما المسالة الثانية: فلا يخلو إما أن تكون مدة مسح المسافر قد
(11/187)

انتهت أوْ لا: فإن كانت قد انتهت، فلا مسح، وإن كانت باقية، أتم مسح مقيم إن بقي من مدته شيء، قال في المغني 1/293: وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي، ولا أعلم فيه مخالفاً اهـ. ورمز لذلك في الفروع 1/168 بالواو إشارة لموافقة الآئمة الثلاثة: قال: وفي المبهج: مسح مسافر إن كان مسح مسافراً فوق يوم وليلة اهـ. وفي المحلي 2/109 يبتديء مسح مقيم إن كان قد مسح في السفر يومين وليلتين فأقل، وإلا أتم مسح مسافر إن بقي من مدته شيء.
البحث الخامس: إذا انتهت مدة المسح أو نزع الممسوح، فهل تبقي الطهارة أو تنتقض؟
في هذا خلاف بين العلماء، ذكره في المجموع 1/511.
القول الأول: تبقى طهارته ولا يلزمه شيء، فيُصلي بطهارته ما لم يُحدث، وقد حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري وقتاده وسليمان بن حرب، واختاره. قال النووي: وهو المختار الأقوى. قلت: واختاره ابن حزم 2/94 ونقله في المسألة الأولى (انتهاء المدة) عن إبراهيم النخعي والحسن البصري وابن أبي ليلى وداود، وقال: هذا هو القول الذي لا يجوز غيره. قال ص 95: ولو مسح قبل إنقضاء أحد الأمدين بدقيقة كان له أن يصلي به ما لم يحدث. وقال عن المسالة الثانية 2/105 إنه قول طائفه من السلف. وهو أيضاً اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في المسألتين.
القول الثاني: يلزمه غسل القدمين فقط، وبه قال عطاء وعلقمة والأسود وحكى عن النخغي وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وأبي ثور والمزني ورواية عن أحمد.
(11/188)

القول الثالث: يلزمه الوضوء، وبه قال مكحول والنخغي والزهري وابن أبي ليلى والأوزاعي والحسن بن صالح وإسحاق، وهو أصح الروايتين عن أحمد.
القول الرابع: يلزمه الوضوء إن طال الفصل بين النزع وغسل الرجلين، وإلا كفاه غسل الرجلين وبه قال مالك والليث.
وإلى هنا تم ما أردنا كتابته. فنسأل الله تعالى أن ينفع بها إنه جواد كريم. تم ذلك في يوم الأربعاء الموافق 16 / ربيع الثاني عام 1407هـ.
(11/189)

رسالة
قال فضيلة الشيخ جزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.
فهذه مسائل في المسح على الخفين اقتصرت فيها على ما رأيته صواباً بمقتضى الأدلة الشرعية، أسأل الله تعالى أن تكون خالصة لله صواباً على شريعة الله:
1- اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في جواز المسح على الخف المخرَّق. والصحيح جوازه ما دام اسم الخف باقياً، وهو قول ابن المنذر وحكاه عن الثوري وإسحاق ويزيد بن هارون وأبي ثور، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيميه ما دام اسم الخف باقياً والمشي به ممكناً.
2- يجوز المسح على الخف الرقيق على القول الصحيح، قال النووي: حكى أصحابنا عن عمر وعلي - رضي الله عنهما - جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقاً وحكوه عن أبي يوسف ومحمد وإسحاق وداود. وقال في الصحيح بل الصواب ما ذكره القاضي أبو الطيب والقفال وجماعات من المحققين، أنه إن أمكن متابعة المشي عليه جاز كيف كان وإلا فلا.
3- مدة المسح يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وابتداء
(11/191)

المدة من أول مرة مسح بعد الحدث على القول الصحيح، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور واختاره ابن المنذر، وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال النووي: وهو المختار الراجح دليلاً.
4- إذا لبس في الحضر ثم سافر قبل أن يُحدث فمسحه مسح مسافر.
5- إذا لبس في السفر ثم أقام قبل أن يحدث فمسحه مسح مقيم.
6-إذا لبس في الحضر فأحدث ثم سافر قبل أن يمسح فمسحه مسح مسافر.
7- إذا لبس في السفر فأحدث ثم أقام قبل أن يمسح فمسحه مسح مقيم.
8- إذا لبس في الحضر فأحدث ومسح ثم سافر قبل أن تنتهي مدة المسح أتم مسح مسافر على القول الصحيح، وهو مذهب أبي حنيفة. والرواية التي رجع إليها أحمد عن قوله يتم مسح مقيم قال في الفائق: وهو النص المتأخر - يعني عن أحمد - وهو المختار اهـ.
وإن انتهت مدة المسح قبل أن يسافر وجب عليه عند الوضوء خلعهما وغسل الرجلين.
9-إذا لبس في السفر فأحدث ومسح ثم أقام أتمَّ مسح مقيم إن بقي من المدة شيء، وإلا خلع. قال في المغني: لا أعلم فيه مخالفاً.
10- إذا لبس جورباً أو خفّاً ثم لبس عليه آخر قبل أن يحدث فله مسح أيهما شاء
11- إذا لبس جورباً أو خفًّاً ثم أحدث ثم لبس عليه آخر قبل أن يتوضأ فالحكم للأول.
12- إذا لبس جورباً أو خفّاً ثم أحدث ومسحه ثم لبس عليه آخر فله
(11/192)

مسح الثاني على القول الصحيح. قال في الفروع: ويتوجه الجواز وفاقاً لمالك. اهـ وقال النووي: إن هذا هو الأظهر لأنه لبس على طهارة، وقولهم إنها طهارة ناقصة غير مقبول. أهـ. وإذا قلنا بذلك كان ابتداء المدة من مسح الأول.
13- إذا لبس خفّاً على خف أو جورب ومسح الأعلى ثم خلعه، فهل يمسح بقية المدة على الأسفل؟ لم أرَ من صرح به، لكن ذكر النووي عن أبي العباس بن سريج فيهما إذا لبس الجرموق على الخف ثلاثة معان. منها: أنهما يكونان كخف واحد الأعلى ظهاره والأسفل بطانه. قلت: وبناء عليه يجوز أن يمسح على الأسفل حتى تنتهي المدة من مسحه على الأعلى، كما لو كشطت ظهارة الخف فإنه يمسح على بطانته.
14- إذا خلع الخف أو الجورب بعد مسحه لم تنتقض طهارته بذلك فيصلي ما شاء حتى يُحدث على القول الصحيح. حكاه ابن المنذر عن جماعة من التابعين واختاره وحكاه ابن حزم عن طائقة من السلف. قال النووي: وهو المختار الأقوى. واختاره أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية.
15- إذا تَّمت مدة المسح لم تنتقض طهارته بذلك، فيصلي ما شاء حتى يُحدث على القول الصحيح، واختاره من اختار عدم النقص في المسألة التي قبلها. قال ابن حزم: وهو القول الذي لا يجوز غيره، وقال أيضاً: لو مسح قبل انقضاء احد الأمدين - يعني أمدي المسافر والمقيم - بدقيقة، فإن له أن يصلي به ما لم يُحدث اهـ.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعة إلى يوم الدين.
(11/193)

حرر في السابع من ربيع الثاني عام أحد عشر وأربعمائة وألف والحمد لله رب العالمين.
(11/194)

باب نواقض الوضوء

134) سُئل فضيلة الشيخ _ أعلى الله درجته في المهديين: - عن نواقض الوضوء؟
فأجاب بقوله: نواقض الوضوء ممّا حصل فيه خلاف بين أهل العلم، لكن نذكر ما يكون ناقضاً بمقتضى الدليل:
الأول: الخارج من السبيلين، أي الخارج من القُبُل أو من الدُّبُر، فكل ما خرج من القُبل أو الدبر فإنه ناقض الوضوء، سواءً كان بولاً أم غائطاً، أم مذياً، أم منياً، أم ريحاً، فكل شيء يخرج من القبل أو الدبر فإنه ناقض للوضوء ولا تسأل عنه، لكن إذا كان منيّاً وخرج بشهوة، فمن المعلوم أن يوجب الغسل، وإذا كان مذياً فإنه يوجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء أيضاً.
الثاني: النوم إذا كان كثيراً بحيث لا يشعر النائم لو أحدث، فأما إذا كان النوم يسيراً يشعر النائم بنفسه لو أحدث فإنه لا ينقض الوضوء، ولا فرق في ذلك أن يكون نائماً مضطجعاً أو قاعداً معتمداً أو قاعداً غير معتمد، فالمهم حالة حضور القلب، فإذا كان بحيث لو أحْدث لأحسَّ بنفسه فإن وضوءه لا ينتقض، وإن كان في حال لو أحْدث لم يحسّ بنفسه، فإنه يجب عليه الوضوء، وذلك لأن النوم نفسه ليس بناقض وإنما مظنة الحدث، فإذا كان الحدثُ مُنتقياً لكون الإنسان يشعر به لو حصل منه، فإن لا ينتقض الوضوء. والدليل على أن ألنوم نفسه ليس بناقض أن يسيره لا ينقض الوضوء، ولو كان ناقضاً لنقض يسيرهُ وكثيرهُ كما ينقض البولُ يسيرهُ وكثيره.
(11/195)

الثالث: أكل لحكم الجزور، فإذا أكل الإنسان من لحم الجزور، الناقة أو الجمل، فإنه ينتقض وضوؤه سواءً كان نيِّا أو مطبوخاً، لأنه ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر بن سمرة، أنه سُئل النبي صلى الله عليه وسلم أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: " إنْ شئت ". فقال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: " نعم ". فكونه صلى الله عليه وسلم يجعل الوضوء من لحم الغنم راجعاً إلى مشيئة الإنسان، وأنه لابدَّ منه، وعلى هذا فيجب الوضوء من لحم الإبل إذا أكله الإنسان نيئاً أو مطبوخاً، ولا فرق بين اللحم الأحمر واللحم غير الأحمر، فينقض الوضوء أكلُ الكرش والأمعاء والكبد والقلب والشحم وغير ذلك، وجميع أجزاء البعير ناقضٌ للوضوء، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُفصِّل وهو يعلم أن الناس يأكلون من هذا ومن هذا، ولو كان الحكم يختلف لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّنه للناس حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، ثم إننا لا نعلم في الشريعة الإسلامية حيواناً يختلف حُكمه بالنسبة لأجزائه، فالحيوان إمّا حلال أو حرام، وإما موجب للوضوء أو غير موجب، وأما أن يكون بعضه له حكم وبعضه له حكم فهذا لا يُعرف في الشريعة الإسلامية، وإن كان معروفاً في شريعة اليهود كما قال الله تعالى: {وعلى الذين هادوا حرَّمنا كلَّ ذي ظفر من البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم) (1) . ولهذا أجمع العلماء على أن شحم الخنزير مُحَّرم مع أن الله تعالى لم يذكر في القرآن إلا اللحم، فقال تعالى: (حُرِّمت عليكم الميتة واتلدم ولحم الخنزير وما أهلَّ لغير الله به) (2) . ولا أعلم خلافاً بين أهل
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 146.
(2) سورة المائدة، الآية: 3.
(11/196)

العلم في أن شحم الخنزير محرَّم. وعلى هذا فنقول: اللحم المذكور في الحديث بالنسبة للإبل يدخل فيه الشحم والأمعاء والكرش وغيرها.
135) وسُئل - حفظه الله تعالى: - عن الواجب على من به سلس بول في الضوء؟
فأجاب بقوله: الواجب على من به سلس بول أن لا يتوضأ للصلاة إلا بعد دخول وقتها. فإذا غسل فرجَه تلجَّم بشيء حتى لا تتعدى النجاسة إلى ملابسه وبدنه، ثم يتوضأ ويصلي، وله أن يصلي الفروض والنوافل. وإذا أراد نافلة في غير وقت صلاة فإنه يفعل ما ذكرنا من التحفّظ والوضوء ويصلي.
136) وسُئل: عن رجل به غازات كيف يتصرف؟
فأجاب قائلاً: إن كان لا يتمكن من حبس تلك الغازات، بمعنى أنها تخرج بغير اختياره، فإذا كانت مستمرة معه فإن حُكمها حكم من به سلس البول، يتوضأ للصلاة عند دخول وقتها ويصلي، وإذا خرج منه شيء أثناء الصلاة فإن صلاته لا تبطل بذلك، لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) (1) . وقوله: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (2) .

137) وسُئل: هل خروج الهواء من فرج المرأة ينقض الوضوء؟
فأجاب بقوله: هذا لا ينقض الوضوء لأنه لا يخرج من محل نجس كالريح التي تخرج من الدبر.
__________
(1) سورة التعابن، الآية: 16
(2) سورة البقرة، الآية: 286.
(11/197)

138) وسُئل فضيلة الشيخ: هل ما يخرج من غير السبيلين ينقض الوضوء؟
فأجاب بقوله: الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء قلَّ أو كَثُر إلا البول والغائط، وذلك أن الأصل عدم النقض، فمن ادَّعى خلاف الأصل فعليه الدليل، وقد ثبتت طهارة الإنسان بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي، ونحن لا نخرج عما دلَّ عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لأننا متعبدون بشرع الله لا بأهوائنا، فلا يسوغ لنا أن نلزم عباد الله بطهارة لم تجب لا أن نرفع عنهم طهارة واجبة.
فإنْ قال قائل: قد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ.
قلنا: هذا الحديث قد ضعَّفه أكثر أهل العلم، ثم نقول: إن هذا مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب، لأنه خالٍ من الأمر، ثم أنه معارضٌ بحديث - وإن كان ضعيفاً: - أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ. وهذا يدل على أن وضوءه من القيء ليس للوجوب.
وهذا هو القول الراجح، أن الخارج من بقية البدن لا ينقض الوضوء وأن كَثُر، سواءًَ كان قيئاً أو لعاباً أو دماً أو ماء جروح أو أي شيء آخر، إلا أن يكون بولاً أو غائطا مثل أن يفتح لخروجهما مكان من البدن فإن الوضوء ينقتض بخروجهما منه.
139) وسُئل فضيلة الشيخ - حفظه الله: هل الدم نجس أم طاهر؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة فيها تفصيل:
أولاً: الدم الخارج من حيوان نجسٍ، نجسٌ قليله وكثيره ُ، ومثالُه: الدم
(11/198)

الخارج من الخنزير أو الكلب فهذا نجس قليله وكثيره بدون تفصيل سواء خرج منه حياً أم ميتاً.
ثانياً: الدم الخارج من حيوان طاهر في الحياة، نجس بعد الموت فهذا إذا كان في حال الحياه فهو نجس، لكن يُعفى عن يسيره. مثال ذلك: الغنم والإبل فهي طاهرة في الحياة نجسة بعد الموت، والدليل على نجاستها بعد الموت، قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما ً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس) (1) .
ثالثاً: الدم الخارج من حيوان طاهر في الحياة وبعد الموت وهذا طاهر، إلا أنه يستثنى منه عند عامة العلماء دم الآدمي، فإن دم الآدمي دمُ خارج من طاهر في الحياة وبعد الموت، ومع ذلك فإنه عند جمهور العلماء نجس لكنه يُعفى عن يسيره.
رابعاً: الدم الخارج من السبيلين: القُبُل أو الدبر، فهذا نجس ولا يُفي عن يسيره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، لمّا سألته النساء عن دم الحيض يصيب الثوب أمر بغسله بدون تفصيل.
وليعلم أنَّ الدم الخارج من الإنسان من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، لاقليله ُ ولا كثيرهُ كدم الرُّعاف، ودم الجرح، بل نقول: كل خارج من غير السبيلين من بدن الإنسان، فإنه لا ينقض الوضوء مثل الدم وماء الجروح وغيرها.
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 145,.
(11/199)

140) وسئل الشيخ: عن الدم الخارج من الإنسان هل هو نجس؟ وهل هو ناقض للوضوء؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدم الخارج من الإنسان إن كان من السبيلين القبل أوالدبر، فهو نجس وناقض للوضوء قلَّ أم كَثُر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر النساء بغسل دم الحيض مطلقاً، وهذا دليل على نجاسته، وأنه لا يُعفي عن يسيره، وهو كذلك فهو نجس لا يُعفي عن يسيره وناقض للوضوء قليله وكثيره.
واما الدم الخارج من بقية البدن: من الأنف أو من السِّن أو من جرح أو مأ أشبه ذلك، فإنه لا ينقض الوضوء قل أو كثر، هذا هو القول الراجح أنه لا ينقض الوضوء شيء خارج من غير السبيلين من البدن سواء من الأنف أو من السن أو من غيره وسواء كان قليلاً أو كثيراً، لأنه لا دليل على انتقاض الوضوء به، والأصل بقاء الطهارة حتى يقوم دليل على انتقاضها.
وأما نجاسته فالمشهور عند أهل العلم أنه نجس وأنه يجب غسله إلا أنه يُعفي عن يسيره لمشقة التحرُّز منه والله أعلم.
141) وسُئل فضيلة الشيخ: هل ينتقض الوضوء بالإغماء؟
فأجاب بقوله: نعم ينتقض الوضوء بالإغماء، لأن الإغماء أشدُّ من النوم، والنوم يَنقض الوضوء إذا كان مستغرقاً، بحيث لا يدري النائم لو خرج منه شيء، أمّا النوم اليسير الذي لو أحدث النائم لأحسُّ بنفسه، فإن هذا النوم لا ينقض الوضوء، سواء من مُضطجع أو قاعد متكئ أو قاعد غير متكئ، أو أي حال من الأحوال، ما دام لو أحدث أحسَّ
(11/200)

بنفسه، فإنه نومه لا ينقض الوضوء، فالإغماء أشد من النوم فإذا أُغمي على الإنسان، فإنه يجب عليه الوضوء.

142) وسُئل: هل استعمال المرأة كريم الشعر وأحمر الشفاه ينقض الوضوء؟
فأجاب بقوله: تدهن المرأة بالكريم أو بغيره من الدهون لا يبطل الوضوء بل ولا يبطل الصيام أيضا، وكذلك دهنه بالشفه لا يبطل الوضوء ولا يبطل الصيام، ولكن في الصيام إذا كان لهذه التحريمات طعم فإنها لا تستعمل على الوجه ينزل طعمها إلى جوفها.
143) وسُئل ـ حفظه الله ـ: هل مس المرأة ينقض الوضوء؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقا، إلا إذا خرج منه شيء، ودليل هذا ما صح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قبل بعض نسائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. ولأن الأصل عدم النقض حتى يقوم دليل صريح صحيح على النقض، ولأن الرجل أتم طهارته بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن رفعه إلا بدليل شرعي.
فإن قيل: قد قال الله عز وجل في كتابه: (أو لامستم النساء) .
فالجواب: أن المراد بالملاسة في الآية الجماع، كما صح ذلك عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ثم إن هناك دليلا من تقسيم الآية الكريمة إلى أصلية، وبدلية، وتقسيم للطهارة إلى كبرى، وصغرى. وتقسيم لأسباب الطهارة الكبرى، والصغرى. قال الله تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم
(11/201)

وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (1) . فهذه طهارة بالماء أصلية صغرى. ثم قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) . فقوله: (فتيمموا) هذا البدل. وقوله (أو جاء أحد منكم من الغائط) . هذا بيان سبب الصغرى. وقوله: (أو لامستم النساء) . هذا بيان سبب الكبرى. ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد، لكانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) . وهذا خلاف البلاغة القرآنية، وعليه فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: (أو لامستم النساء) أي جامعتم النساء، لتكون الآية مشتملة على السببين الموجبين للطهارة، السبب الأكبر والسبب الأصغر، والطهارتين الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، والبدل الذي هو طهارة التيمم في عضوين فقط لأنه يتساوى فيها الصغرى والكبرى.
وعلى هذا فالقول الراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقا، سواء بشهوة أو بغير شهوة إلا أن يخرج منه شيء، فإن خرج منه شيء وجب عليه الغسل إن كان الخارج منيا، ووجب عليه غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء إن كان مذيا.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/202)

144) وسُئل فضيلة الشيخ: عما إذا مس الإنسان ذكره أثناء الغسل هل ينتقض وضوئه؟
فأجاب قائلا: المشهور من المذهب أن مس الذكر ناقض للوضوء، وعلى هذا فإذا مس ذكره أثناء غسله لزمه الوضوء بعد ذلك، سواء تعمد مس ذكره أم لا.
والقول الثاني: أن مس الذكر ليس بناقض للوضوء، وإنما يستحب الوضوء منه استحبابا وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أقرب إلى الصواب، لاسيما إذا كان عن غير عمد لكن الوضوء أحوط.
145) وسُئل: هل لمس ذكر المريض وخصيتيه ناقض للوضوء؟
فأجاب بقوله: لمس ذكر المريض وخصيتيه لا ينقض الوضوء سواء من وراء حائل أو مباشرة على القول الراجح.
146) وسُئل: عن المرأة إذا وضأت طفلها وهي طاهرة هل يجب عليها أن تتوضأ؟
فأجاب فضيلته قائلا: إذا وضأت المرأة طفلها أو طفلتها ومست الفرج فإنه لا يجب عليها الوضوء وإنما تغسل يديها فقط، لأن مس الفرج لغير شهوة لا يجب الوضوء، ومعلوم أن المرأة التي تغسل أولادها لا يخطر ببالها الشهوة فهي إذا وضأت الطفل أو الطفلة فإنما تغسل يديها فقط من النجاسة التي أصابتها ولا يجب عليها أن تتوضأ.
147) وسُئل فضيلة الشيخ: هل تغسيل الميت ينقض الوضوء؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: تغسل الميت لا ينقض
(11/203)

الوضوء، وذلك أن النقض يحتاج إلى دليل شرعي يرتفع به الوضوء الثابت بدليل شرعي، ولا دليل على أن تغسيل الميت ينقض الوضوء. ولهذا يجب علينا أن نتحرى في مسألة نقض الوضوء، فلا نتجرأ على القول بأن هذا ناقض إلا إذا وجدنا دليلا بينا يكون لنا حجة عند الله سبحانه وتعالى.
148) وسُئل: عن شخص أكل لحم إبل عند شخص آخر، وذهب للصلاة، ولم يتوضأ، فهل يلزمه إعلامه أم لا؟
فأجاب فضيلته قائلا: نعم يلزم إعلامه، لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين ذكروه بما نسي من صلاته قال لهم: (إذا نسيت فذكروني) . وهذا يدل على أن الإنسان إذا رأى شخصا تاركا لواجب أو واقعا في محرم عليه أن ينبهه فلا يقل: هذا الرجل معذور سأدعه وعذره، بل نقول هو معذور لكن أنت بعلمك لست بمعذور، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.
ويتفرع عن هذه القاعدة وهي وجوب إعلام الغافل بما نسي من واجب أو فعل من محرم يتفرع منها ما لو رأيت صائما في رمضان يشرب ناسيا فالواجب تذكيره.
ومن ثم فإنه يلزمك إعلامه وعلى الرجل أن يعيد صلاته.
149) وسُئل فضيلة الشيخ: هل موجبات الغسل ناقضة للوضوء؟
فأجاب ـ أجزل الله له المثوبة ـ بقوله: المشهور عند فقهائنا ـ رحمهم الله ـ أن كل ما أوجب غسلا أوجب وضوء إلا الموت؛ وبناء على
(11/204)

ذلك فإنه لابد لمن اغتسل من موجبات الغسل أن ينوي الوضوء، فأما أن يتوضأ مع الغسل، وإما أن ينوي بغسله الطهارة من الحدثين.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ إلى أن نية الاغتسال عن الحدث الأكبر تغني عن نية الوضوء، لأن الله عز وجل قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (1) إلخ. فلم يذكر الله في حال الجنابة إلا الاطهار، يعني التطهير، ولم يذكر الوضوء، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل حين أعطاه الماء ليغتسل، قال: (خذ هذا فأفرغه على نفسك) . ولم يذكر له الوضوء، أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين في حديث طويل. وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية أقرب إلى الصواب، وهو أن من عليه حدث أكبر إذا نوى الحدث الأكبر فإنه يجزئ عن الأصغر. وبناء على هذا فإن موجبات الغسل منفردة عن نواقص الوضوء.
150) وسُئل فضيلته: هل أخذ شيء من الشعر أو الجلد أو الأظافر ينقض الوضوء؟
فأجاب قائلا: أخذ الإنسان من شعره أو ظفره أو جلده لا ينقض الوضوء.
وبهذا المناسبة أحب أن أبين أن الشعور ينقسم أخذها إلى أقسام:
القسم الأول: الشعور التي أمر الشارع بإزالتها مثل: شعر العانة والإبطين والشارب أمر بقصه.
القسم الثاني: الشعور التي نهى الشارع عن إزالتها: شعر اللحية قال
__________
(1) سورة المائدة، الآية:6.
(11/205)

النبي صلى الله عليه وسلم: (وفروا اللحى..) . وكذلك النمص وهو نتف الحواجب.
القسم الثالث: الشعور التي سكت عنها الشارع، كالرأس والساق والذراع وبقية شعور الجسم. فيما سكت عنه الشارع، فقد قال بعض العلماء: إنه منهي عن أخذه تغيرا لخلق الله من أوامر الشيطان، لقوله تعالى: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (1) .وقال بعض العلماء: إن أخذه مباح؛ لأنه مسكوت عنه، لأن الشرع أمر، ونهى، وسكت علم أن هذا ليس مما أمر به ولا مما نهى عنه؛ لأنه لو كان منهيا عنه لنهى عنه، ولو كان مأمورا به لأمر به وهذا الأقرب من حيث الاستدلال: أن إزالة الشعور غير التي نهى عنها جائزة.
والشعور التي أمر الشارع بإزالتها، مدتها أربعون يوما، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الشارب والظفر والعانة والإبط ألا تترك فوق أربعين يوما) .
لكن بعض الناس يأبى إلا أن تكون أظفاره طويلة، وبعض الناس يأبى إلا أن يكون ظفر الخنصر طويلا مع أن فيه مخالفة للشريعة، ويلحقه كذلك بالسباع، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكل إلا السن والظفر، فإن السن عظم، والظفر مدي الحبشة) . ومعنى الظفر مدي الحبشة: أي أن الحبشة يبقون أظفارهم حتى تكون كالحراب، فإذا مسك الأرنب مثلا بطها بهذا الظفر، وصارت مدية له. ولذلك فأنا أعجب من قوم يدعون الحضارة، ويدعون
__________
(1) سورة النساء، الآية: 119.
(11/206)

أنهم أهل النظافة، ثم يذهبون يبقون أظفارهم حتى تبقى طويلة، أو يبقون شعورهم في الإبط، أو في العانة حتى تبقى طويلة، مع أنهم يدعون أنهم أهل الحضارة والتقدم والنظافة وما أشبه ذلك.
151) وسُئل فضيلة الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ عمن تيقن الطهارة وشك في الحدث، وشك في الطهارة، فماذا يعمل؟
فأجاب قائلا: من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو باق على طهارته، ومن تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو باق على حدثه، لأن القاعدة أن اليقين لا يزول بالشك، وأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذه قاعدة مهمة، ولها فروع كثيرة جدا، وهي مبنية على حديث أبي هريرة، وعبد الله بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ في الرجل يجد الشيء في بطنه، ويشكل عليه هل خرج منه شيء أم لا؟ قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) . وفي حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ (لا يخرج (يعنى من المسجد) حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) . وهذا الحديث تنحل به إشكالات كثيرة، وهذا من يسر الإسلام، ومن كونه يريد من أمة الإسلام أن تكون في قلق وحيرة، وأن تكون أمورهم واضحة جلية، لأن الإنسان لو استسلم لمثل هذه الشكوك، لتنغصت عليه حياته، فالشارع ـ ولله الحمد ـ قطع هذه الوساوس، فما دمت لم تتيقن فهذه الوساوس لا محل لها. ويجب أن تدفنها، ولا تجعل لها أثرا في نفسك، فحينئذ تستريح وتنحل عنك إشكالات كثيرة.
(11/207)

152) وسُئل فضيلة الشيخ: متى يكون الشك مؤثرا في الطهارة؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: الشك في الطهارة نوعان:
أحدهما: شك في وجودها بعد تحقق الحدث.
والثاني: شك في زوالها بعد تحقق الطهارة.
أما الأول وهو الشك في وجودها بعد تحقق الحدث كأن يشك الإنسان هل توضأ بعد حدثه أم لم يتوضأ؟ ففي هذه الحال يبني على الأصل، وهو أنه لم يتوضأ، ويجب عليه الوضوء، مثال ذلك: رجل شك عند أذان الظهر هل توضأ، بعد نقضه وضوئه في الضحى أم لم يتوضأ؟
فنقول له: ابن على الأصل، وهو أنك لم تتوضأ، ويجب عليك أن تتوضأ.
أما النوع الثاني، وهو الشك في زوال الطهارة بعد وجودها، فإننا نقول: أيضا ابن على الأصل ولا تعتبر نفسك محدثا. مثاله: رجل توضأ في الساعة العاشرة، فلما حان وقت الظهر شك هل انتفض وضوؤه أم لا؟ فنقول له: إنك على وضوئك، ولا يلزمك الوضوء حينئذ؛ وذلك لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه. ويشهد لهذا الأصل قول النبي صلى الله عليه وسلم: فيمن وجد في بطنه شيئا فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا؟ قال: (لا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) .
وأما الشك في فعل أجزاء الطهارة، مثل أن يشك الإنسان هل غسل وجهه في وضوئه أم لا؟ وهل غسل يديه أم لا؟ وما أشبه ذلك فهذا لا يخلو من أحوال:
الحال الأولى: أن يكون مجرد وهم طارئ على قلبه، هل غسل يديه أم
(11/208)

لم يغسلهما وهما ليس له مرجح، ولا تساوى عنده الأمران بل هو مجرد شيء خطر في قلبه، فهذا لا يهتم به ولا يلتفت إليه.
الحال الثانية: أن يكون كثير الشكوك كلما توضأ مثلا فإذا غسل قدميه شك هل مسح رأسه أم لا؟ هل مسح أذنيه أم لا؟ هل غسل يديه أم لا؟ فهو كثير الشكوك، فهذا لا يلتفت إلى الشك ولا يهتم به.
الحال الثالثة: أن يقع الشك بعد فراغه من الوضوء، فإذا فرغ من الوضوء شك هل غسل يديه أم لا؟ أو هل مسح رأسه، أو هل مسح أذنيه؟ فهذا أيضا لا يلتفت إليه، إلا إذا تيقن أنه لم يغسل ذلك العضو المشكوك فيه فيبني على يقينه.
الحال الرابعة: أن يكون شكا حقيقيا وليس كثير الشكوك، وحصل قبل أن يفرغ من العبادة، ففي هذه الحال إن ترجح عنده أنه غسله اكتفى بذلك. وإن لم يترجح عنده أنه غسله وجب عليه أن يبني على اليقين، وهو العدم، أي أنه لم يغسل ذلك العضو الذي شك فيه فيرجع إليه ويغسله، وما بعده، وإنما أوجبنا عليه أن يغسل ما بعده مع أنه قد غسل، من أجل الترتيب، لأن الترتيب بين أعضاء الوضوء واجب كما ذكر الله تعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين أقبل على الصفا: (أبدأ بما بدأ الله به) . هذه هو حال الشك في الطهارة.
153) سُئل فضيلة الشيخ: عن شخص كثير الشكوك في الطهارة والصلاة والمطعومات؟
فأجاب قائلا: الشكوك التي ترد على العقول في العبادات والمعتقدات وغيرها وحتى في ذات الله تعالى كلها من الشيطان، ولذا لما شكا الصحابة رضي الله عنهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يجدون في نفوسهم مما يتعاظمون به أخبرهم صلى الله عليه وسلم: (أن ذلك من صريح الإيمان) .
(11/209)

أي خالصة، وذلك لأن الشيطان إنما يورد مثل هذه الشبهات على قلب ليس عنده شبهه حتى يطيعه في الشبهة وأما من كان قلبه مملوءا بالشبهات أو منسلخا من الديانات فإن الشيطان لا يعرض عليه مثل هذه الأمور لأنه قد فرغ منه.
ونقول لهذا المسئول عنه: إن الواجب عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان، ولا يلتفت إلى الوساوس التي ترد على ذهنه لا في الوضوء ولا في الصلاة ولا في غيرها، وهذا الشك دليل على خلوص الإيمان ولكنه في نفس الوقت إذا استرسل معه كان دليلا على ضعف العزيمة.
ونقول له: لا وجه لهذا الشك فأنت مثلا حين تذهب إلى السوق لبيع أو شراء هل تشك فيما أتيت به من السوق، والجواب: لا، ذلك لأن الشيطان لا يوسوس للإنسان في مثل هذه الأمور، لكنه يوسوس له في العبادات ليفسدها عليه، فإذا كثرت الشكوك فلا يلتفت إليها.
وكذلك إذا كان الشك بعد الفراغ من العبادة فلا تلتفت إليه إلا أن تتيقن الخلل، والشك بعد الفعل لا يؤثر.
أما شكك في المطعومات التي أصلها الحل فلا عبرة به، فقد أهدت امرأة يهودية في خيبر شاة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأكل منها، ودعاه يهودي وقدم له خبز شعير فأكل من ذلك.
وفي صحيح البخاري: أن قوما كانوا حديثي عهد بالإسلام أهدوا لجماعة من المسلمين لحما. فقالوا يا رسول الله، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال لهم، صلى الله عليه وسلم: (سموا أنتم وكلوا) . فالأصل في ذبيحة من تحل ذبيحته الحل حتى يقوم دليل على التحريم. ومنع الله تضييق لا وجه له.
(11/210)

154) وسُئل فضيلة الشيخ: عن إمام يصلي بالناس صلاة الجمعة وفي التشهد شك هل توضأ أم لا، فما الحكم؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: قبل الإجابة على هذا السؤال، أحب أن أبين قاعدة نافعة في باب الحدث وغيره، وهي أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا الأصل مبني على ما ثبت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في الرجل يخيل إليه أنه أحدث، فقال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) . ومن أمثلة هذا الأصل إذا كان الإنسان قد توضأ، فشك هل أحدث أم لا؟ فإنه يبقى على وضوئه وطهارته، لأن الأصل بقاء الطهارة وعدم الحدث ومنه ـ أي من هذا الأصل ـ إذا أحدث الإنسان ثم شك هل رفع حدثه أم لم يرفعه؟ فإن الأصل بقاء الحدث وعدم رفعه، فعليه أن يتوضأ إن كان الحدث أصغر، وأن يغتسل إن كان الحدث أكبر، وبناء على ذلك فإننا نقول في مثل هذه الحال التي ذكرها السائل: لو شك الإمام في أثناء الصلاة في التشهد الأخير، أو فيما قبله، هل تطهر من حدثه أم لا؟ فإن الأصل عدم الطهارة، وحينئذ يجب عليه أن ينصرف من صلاته، وأن يعهد إلى أحد المأمومين بإتمام صلاة الجماعة، فيقول مثلا: تقدم يا فلان أكمل الصلاة بهم، ويبنون على ما مضى من صلاتهم، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وبه يتبين أن صلاة المأمومين ليس فيها خلل، سواء ذكر الإمام في أثناء الصلاة أو بعد تمام صلاته أنه ليس على طهارة، فإن ذكر بعد تمام صلاته فقد انتهت صلاة المأمومين على أنها صحيحة وليس فيها إشكال، وإن ذكر في أثناء صلاته فإن المأمومين لم يفعلوا شيئا يوجب بطلان صلاتهم لأنهم فعلوا ما أمروا به من متابعة هذا الإمام، والأمر الخفي الذي لا يعلمون به ليسوا
(11/211)

مؤاخذين به، لقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (1) . وكوننا نلومهم بأمر خفي يتعلق بالإمام، هذا من الأمور التي لا تدخل تحت الوسع، وعلى هذا فنقول: إذا تبين للإمام في أثناء صلاته أنه ليس على وضوء أو أحدث في أثناء الصلاة فإنه يعهد إلى واحد من المأمومين أن يتقدم فيكمل بهم الصلاة ولا حرج في ذلك، وعلى هذا فنقول لهذا السائل: إذا حصل منك مثل هذا في صلاة الجمعة فإنك تعهد إلى أحد المأمومين يتقدم يكمل بهم صلاة الجمعة، وأما أنت فتذهب تتطهر ثم ترجع فإن أدركت ركعة من الصلاة مع الجماعة في الجمعة، فأت بعدها بركعة واحدة تكون جمعة، وإن أدركت أقل من ركعة بأن جئت بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع في الركعة الثانية، فقد فاتتك الجمعة فتصليها ظهرا.

155) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم قراءة القرآن لمن كان حدث أصغر؟
فأجاب ـ حفظه الله ـ بقوله: قراءة القرآن لمن عليه حدث أصغر لا بأس بها إذا لم يمس المصحف، لأنه ليس من شرط جواز القراءة أن يكون الإنسان على طهارة، وأما إذا كان عليه جنابة، فإنه لا يقرأ القرآن مطلقا حتى يغتسل، ولكن لا بأس أن يقرأ من القرآن، مثل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، أو يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، او نحو ذلك من الأذكار المأخوذة من القرآن.
__________
(1) سورة البقرة، الآية:286.
(11/212)

156) وسُئل فضيلته: عن مدرس يدرس للتلاميذ القرآن الكريم، ولا يوجد ماء في المدرسة أو بالقرب منها والقرآن لا يلمسه إلا المطهرون، فماذا يفعل؟
فأجاب بقوله: إذا لم يكن في المدرسة ماء ولا بقربها فإنه ينبه على الطلبة ألا يأتوا إلا وهم متطهرون وذلك لأن المصحف لا يلمسه إلا طاهر ففي حديث عمرو بن حزم الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم له: (ألا يمس القرآن إلا طاهر) . فالطاهر هنا من ارتفع حدثه بدليل قوله تعالى في آية الوضوء والغسل والتيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (1) ففي قوله (ليطهركم) دليل على أن الإنسان قبل أن يتطهر لم تحصل له الطهارة وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يلمس القرآن إلا وهو طاهر متوضئ، إلا أن بعض أهل العلم رخص للصغار أن يمسوا القرآن لحاجتهم لذلك وعدم إدراكهم للوضوء ولكن الأولى أن يؤمر الطلاب بذلك أي بالوضوء حتى يمسوا المصحف وهم على طهارة.
وأما قول السائل لأن القرآن لا يلمسه إلا المطهرون، فكأني به يريد أن يستدل بهذه الآية على وجب التطهر لمس المصحف، والآية ليس فيها دليل لهذا لأن المراد بقوله: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) (2) الكتاب المكنون، وهو اللوح المحفوظ والمراد بالمطهرون الملائكة، ولو كان يراد بها المتطهرون لقال لا يمسه إلا المتطهرون ولم يقل إنه لا يجوز مس المصحف إلا بطهارة لكن الحديث الذي أشرنا إليه آنفا هو الذي يدل على ذلك.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة الواقعة، الآية: 79.
(11/213)

157) وسُئل الشيخ: هل يحرم على من دون البلوغ مس المصحف بدون طهارة؟
فأجاب بقوله: هذا محل خلاف، فقال بعض أهل العلم: لا يحرم على من دون البلوغ مس المصحف، لأنه غير مكلف والقلم مرفوع عنه.
ومن العلماء من قال: لا يجوز حتى للصغير أن يمس المصحف بدون وضوء، وعلى وليه أن يلزمه بالوضوء كما يلزمه بالوضوء للصلاة، لأن هذا فعل يشترط لحله الطهارة.
158) وسُئل: عن حكم تمكين الصغار من مس المصحف والقراءة منه.
فأجاب قائلا: لا بأس من تمكين الصغار من مس المصحف والقراءة منه إذا كانوا على طهارة ولم يحصل منهم إهانة للمصحف.
159) وسُئل فضيلته: هل تجوز كتابة بعض الآيات على السبورة بدون وضوء؟ وما حكم مس السبورة التي كتبت فيها تلك الآيات؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ قائلا: تجوز كتابة القرآن بغير وضوء ما لم يمسها.
أما مس السبورة التي كتبت فيها تلك الآيات فإن فقهاء الحنابلة قالوا: يجوز للصبي مس اللوح الذي كتبت فيه آيات في الموضع الخالي من الكتاب، أي بشرط أن لا تقع يده على الحروف فهل تلحق السبورة بهذا أو لا تلحق؟ هي عندي محل توقف. والله أعلم.
160) وسُئل: هل يجوز مس كتب التفسير بغير وضوء؟
فأجاب بقوله كتب التفسير يجوز مسها بغير وضوء لأنها تعتبر
(11/214)

تفسيرا، والآيات التي فيها أقل من التفسير، ويستدل لذلك بكتابة النبي صلى الله عليه وسلم، الكتب للكفار وفيها آيات من القرآن الكريم، فدل هذا على أن الحكم للأغلب والأكثر. أما إذا تساوى التفسير والآيات، فعلى القاعدة المعروفة عند أهل العلم، أنه إذا اجتمع مبيح وحاظر ولم يتميز أحدهما برجحان، فإنه يغلب جانب الحظر وعلى هذا فإذا كان القرآن والتفسير متساويين أعطي حكم القرآن، وإذا كان التفسير أكثر ولو بقليل أعطي حكم التفسير.
161) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للمحدث أن يسجد للتلاوة أو الشكر؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ قائلا حكم هذه المسألة ينبني على الخلاف في سجدتي التلاوة والشكر، هل هما صلاة أم لا؟
فإن قلنا هما صلاة وجبت لهما الطهارة، وإن قلنا إنهما غير صلاة لم تجب لهما الطهارة، والمتأمل للسنة يدرك أنهما ليستا صلاة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسجد للتلاوة، ولم ينقل عنه أنه كان يكبر إذا سجد ولا إذا رفع ولا يسلم، إلا في حديث رواه أبو داود في التكبير للسجود دون الرفع منه ودون التسليم، فمن تأمل سجود الرسول صلى الله عليه وسلم للتلاوة أو الشكر تبين له أنه لا ينطبق عليه تعريف الصلاة، وعليه فلا تكون سجدة التلاوة وسجدة الشكر من الصلاة، وحينئذ لا يحرم على من كان محدثا أن يسجد للتلاوة أو الشكر، وقد صح عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه كان يسجد للتلاوة بدون وضوء.
ولكن لا ريب أنه الأفضل أن يتوضأ الإنسان، لاسيما وأن القارئ سوف يتلو القرآن، وتلاوة القرآن يشرع لها الوضوء لأنها من ذكر الله، وكل ذكر لله يشرع له الوضوء.
(11/215)

أما سجود الشكر، فاشتراط الطهارة له ضعيف، لأن سجود الشكر سببه تجدد النعم أو تجدد اندفاع النقم، وهذا قد يأتي الإنسان وهو محدث، فإن قلنا: لا تسجد حتى تتوضأ فربما يطول الفصل، والحكم المعلق بسبب إذا تأخر عن سببه سقط، وحينئذ إما أن نقول: اسجد على غير وضوء، أو لا تسجد، وسجوده على غير وضوء أولى من تركه.
(11/216)

باب الغسل

162) وسُئل فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا: عن موجبات الغسل؟
فأجاب بقوله: موجبات الغسل منها:
الأول: إنزال المني بشهوة يقظة أو مناما، لكنه في المنام يجب عليه الغسل، وإن لم يحس بالشهوة، لأن النائم قد يحتلم ولا يحس بنفسه، فإذا خرج منه المني بشهوة وجب عليه الغسل بكل حال.
الثاني: الجماع، فإذا جامع الرجل زوجته، وجب عليه الغسل بأن يولج الحشفة في فرجها، فإذا أولج في فرجها الحشفة أو ما زاد، فعليه الغسل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم عن الأول: (الماء من الماء) يعني أن الغسل يجب من الإنزال، وقوله عن الثاني: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) وإن لم ينزل، وهذه المسألة ـ اعني الجماع بدون إنزال ـ يخفى حكمها على كثير من الناس، حتى إن بعض الناس تمضي عليه الأسابيع والشهور وهو يجامع زوجته بدون إنزال ولا يغتسل جهلا منه، وهذا أمر له خطورته، فالواجب أن يعلم الإنسان حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن الإنسان إذا جامع زوجته وإن لم ينزل وجب عليه الغسل وعليها، للحديث الذي ذكرناه آنفا.
الثالث: من موجبات الغسل خروج دم الحيض والنفاس، فإن المرأة إذا حاضت ثم طهرت، وجب عليها الغسل لقوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ
(11/217)

أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (1) . ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة إذا جلست قدر حيضها أن تغتسل، والنفساء مثلها، فيجب عليها أن تغتسل.
وصفة الغسل من الحيض والنفاس كصفة الغسل من الجنابة، إلا أن بعض أهل العلم استحب في غسل الحائض أن تغتسل بالسدر، لأن ذلك أبلغ في النظافة لها وتطهيرها.
وذكر بعض العلماء أيضا من موجبات الغسل الموت، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي يغسلن ابنته: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك) . وبقوله، صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته راحلته بعرفة وهو محرم: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه) . فقالوا: إن الموت موجب للغسل، لكن الوجوب هنا يتعلق بالحي لأن الميت انقطع تكليفه بموته، ولكن على الأحياء أن يغسلوا موتاهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، بذلك.
163) وسُئل فضيلته: هل يجب الغسل بالمداعبة أو التقبيل؟
فأجاب قائلا: لا يجب على الرجل ولا على المرأة غسل بمجرد الاستمتاع بالمداعبة أو التقبيل إلا إذا حصل إنزال المني فإنه يجب الغسل على الجميع إذا كان المني قد خرج من الجميع، فإن خرج من أحدهما فقط وجب عليه الغسل وحده، وهذا إذا كان الأمر مجرد مداعبة أو تقبيل أو ضم، أما إذا كان جماعا فإن الجماع فيه الغسل على كل حال، على الرجل وعلى المرأة حتى وإن لم يحصل إنزال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 222.
(11/218)

رواه أبو هريرة: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) . وفي لفظ لمسلم: (وإن لم ينزل) . وهذه المسألة قد تخفى على كثير من النساء، تظن المرأة بل وربما يظن الرجل أن الجماع إذا لم يكن إنزال فلا غسل فيه، وهذا جهل عظيم، فالجماع يجب فيه الغسل على كل حال، وما عدا الجماع من الاستمتاع لا يجب فيه الغسل إلا إذا حصل الإنزال.
164) وسُئل: عن الرجل إذا داعب زوجته وأحس بنزول شيء منه، فوجد في ملابسه سائلا لزجا بدون لون فهل يجب عليه الغسل؟
فأجاب بقوله: إذا كان هذا منيا فيجب عليه الغسل، والمني المعروف يخرج دفقا بلذة، وإن كان غير مني بأن كان مذيا وهو الذي يخرج من غير إحساس ويخرج عند فتور الشهوة غالبا، إذا اشتهى الإنسان ثم فترت شهوته وجد هذا السائل فإن المذي لا يوجب الغسل وإنما يوجب غسل الذكر والأنثيين فقط مع الوضوء، وأما المني فإنه يوجب الغسل، وإذا شككت هل هو مني أو مذي فإن الأصل عدم وجوب الغسل، فأصل هذا على أنه مذي تغسل الذكر والأنثيين وما أصاب من ثوب وتتوضأ للصلاة.
165) سُئل الشيخ حفظه الله تعالى: عمن وجد منيا في ثيابه بعد أن صلى الفجر ولم يعلم به فما الحكم في ذلك؟
فأجاب قائلا: إذا لم ينم الإنسان بعد صلاة الفجر فإن صلاة الفجر غير صحيحة لوقوعها وهو جنب حيث تيقن أنه قبل الصلاة.
أما إذا كان الإنسان قد نام بعد صلاة الفجر ولا يدري هل هذه
(11/219)

البقعة من النوم الذي بعد الصلاة أو من النوم الذي قبل الصلاة فالأصل أنها مما بعد الصلاة، وأن الصلاة صحيحة، وهكذا الحكم أيضا فيما لو وجد الإنسان أثر مني وشك هل هو من الليلة الماضية أو من الليلة التي قبلها، فليجعله من الليلة القريبة وأن يجعله من آخر نومه نامها، لأن ذلك هو المتيقن وما قبلها مشكوك فيه، والشك في الإحداث لا يوجب الطهارة منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد) . رواه مسلم من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ. والله الموفق.

166) وسُئل فضيلة الشيخ: شخص صلى المغرب والعشاء، ثم عاد إلى بيته، وعند خلعه لثوبه وجد في ملابسه الداخلية أثر مني، فماذا يلزمه؟
فأجاب ـ أعلى الله درجته في المهتدين ـ بقوله: إذا كان هذا الرجل الذي وجد المني على لباسه لم يغتسل، فإنه يجب عليه أن يغتسل ويعيد الصلوات التي صلاها وهو على جنابة، لكن أحيانا يرى الإنسان أثر الجنابة على لباسه ولا يدري أكان في الليلة التي قبلها، فهل يعتبره من الليلة الماضية القريبة أم من الليلة السابقة؟
الجواب: يعتبره من الليلة الماضية القريبة لأن ما قبل الليلة الماضية مشكوك فيه، والأصل الطهارة، وكذلك لو نام بعد صلاة الصبح واستيقظ ووجد في لباسه أثر الجنابة ولا يدري أهو من النوم الذي بعد صلاة الفجر أو من النوم في الليل، فهل يلزمه إعادة صلاة الفجر؟
الجواب: لا يلزمه إعادة صلاة الفجر، لأن نوم الليل مشكوك في حصول الاحتلام فيه، وهكذا اجعلها قاعدة عندك: كلما شككت هل هذه الجنابة من نومة سابقة أو لاحقة فاجعله من اللاحقة.
(11/220)

167) وسُئل الشيخ: إذا استيقظ الإنسان فوجد في ملابسه بللا فهل يجب عليه الغسل؟
فأجاب بقوله: إذا استيقظ الإنسان فوجد بللا، فلا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يتيقن أنه مني، فيجب عليه حينئذ الاغتسال سواء ذكر احتلاما أم لم يذكر.
الحال الثانية: أن يتيقن أنه ليس بمني، فلا يجب عليه الغسل في هذه الحال، ولكن يجب عليه أن يغسل ما أصابه، لأن حكمه حكم البول.
الحال الثالثة: أن يجهل هل هو مني أم لا؟ ففيه تفصيل:
أولا: إن ذكر أنه احتلم في منامه، فإنه يجعله منيا ويغتسل، لحديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ حين سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها غسل؟ قال: (نعم إذا هي رأت الماء) . فدل هذا على وجوب الغسل على من احتلم ووجد الماء.
ثانيا: إذا لم ير شيئا في منامه، فإن كان قد سبق نومه تفكير في الجماع جعله مذيا.
وإن لم يسبق نومه تفكير فهذا محل خلاف:
قيل: يجب عليه الغسل احتياطا.
وقيل: لا يجب وهو الصحيح لأن الأصل براءة الذمة.
168) وسُئل: عن حكم السائل الذي يخرج بعد الغسل من الجنابة؟
فأجاب بقوله: هذا السائل الذي يخرج بعد الغسل إذا لم يكن هناك شهوة جديدة أوجبت خروجه فإنه بقية ما كان من الجنابة الأولى،
(11/221)

فلا يجب الغسل منه، وإنما عليه أن يغسله ويغسل ما أصابه ويعيد الوضوء فقط.
169) وسُئل الشيخ: عن الفرق بين المني والمذي والودي؟
فأجاب بقوله: الفرق بين المني والمذي، أن المني غليظ له رائحة، ويخرج دفقا عند اشتداد الشهوة وأما المذي فهو ماء رقيق وليس له رائحة المني، ويخرج بدون دفق ولا يخرج أيضا عند اشتداد الشهوة بل عند فتورها إذا فترت تبين للإنسان.
أما الودي فإنه عصارة تخرج بعد البول نقط بيضاء في آخر البول.
هذا بالنسبة لماهية هذه الأشياء الثلاثة.
أما بالنسبة لأحكامها: فإن الودي له أحكام البول من كل وجه.
والمذي يختلف عن البول بعض الشيء في التطهر منه، لأن نجاسته أخف فيكفي فيه النضح، وهو أن يعم المحل الذي أصابه بالماء بدون عصر وبدون فرك، وكذلك يجب فيه غسل الذكر كله والأنثيين وإن لم يصبهما.
أما المني فإنه طاهر لا يلزم غسل ما أصابه إلا على سبيل إزالة الأثر فقط، وهو موجب للغسل وأما المذي والودي والبول فكلها توجب الوضوء
170) وسُئل فضيلته: هل المذي يوجب الغسل؟
فأجاب بقوله: المذي لا يوجب الغسل، وإنما يوجب غسل الذكر والأنثيين والوضوء، لكن لو خرج منه مني ولو بالنظر أو بالتفكر وجب عليه الغسل، والفرق بينهما: أن المني يخرج دفقا مع اللذة، والمذي يخرج بغير دفق، ويكون بعد برود الشهوة.
(11/222)

171) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا خرج من الإنسان ماء أبيض رقيق، قبل البول أو بعده بدون لذة، وليس بسبب نظر أو تذكر، فما الحكم؟
فأجاب قائلا: الذي يبدو أن هذا ليس ناتجا عن الشهوة أو تذكر، كما جاء في آخر السؤال، وعلى هذا فلا يعتبر مذيا ولا منيا، وإنما هي رواسب ـ فيما يبدو ـ في قنوات البول، وتتعقد على هذا الوجه، وتخرج قبل البول وربما بعده أحيانا، فعليه يكون حكمها حكم البول تماما، بمعنى أنه يجب تطهيرها وتطهير ما أصابت ويتوضأ ولا يجب أكثر من ذلك. والله الموفق.
172) سُئل الشيخ: عن الرجل يجلس بين شعبها الأربع ويمس الختان الختان من غير مجاوزة، ثم ينزل خارج الفرج فهل عليها غسل؟
فأجاب بقوله: الرجل عليه الغسل، لأنه أنزل، وأما المرأة فليس عليها غسل لأنه من شرط وجوب الغسل الإيلاج، ومن المعلوم أن موضع الختان فوق الحشفة مما يلي قصبة الذكر، فإذا كان كذلك فلا يمس موضع ختان المرأة إلا بعد أن تلج الحشفة، ولذلك اشترطنا في وجوب الغسل من الجماع أن يغيب الحشفة، وقد ورد في بعض ألفاظ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل) .

173) سُئل: هل يجب على الزوجين الغسل بعد الجماع وإن لم يحصل إنزال؟
فأجاب قائلا: نعم يجب عليهما الغسل، سواء أنزل أم لم ينزل،
(11/223)

لحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) . متفق عليه. وفي لفظ لمسلم: (وإن لم ينزل) . وهذا صريح في وجوب الغسل، حتى مع عدم الإنزال وهذا يخفى على كثير من الناس، فالواجب التنبيه لذلك.
174) وسُئل فضيلة الشيخ: عن الأحكام المتعلقة بالجنابة؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: الأحكام المتعلقة بالجنابة هي:
أولا: أن الجنب تحرم عليه الصلاة، فرضها ونفلها، حتى صلاة الجنازة. لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) ـ إلى قوله ـ (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (1) .
ثانيا: أن الجنب يحرم عليه الطواف بالبيت، لأن الطواف بالبيت مكث في المسجد، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (2) .
ثالثا: أنه يحرم عليه مس المصحف، لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (لا يمس القرآن إلا طاهر) .
رابعا: أنه يحرم عليه المكث في المسجد إلا بوضوء لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) (2)
خامسا: يحرم عليه قراءة القرآن حتى يغتسل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة النساء، الآية:43.
(11/224)

يقرئ الصحابة القرآن ما لم يكونوا جنبا.
هذه الأحكام الخمسة التي تتعلق بمن عليه جنابة.

175) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يحرم على الجنب والحائض لمس الكتب والمجلات التي تشتمل على آيات قرآنية؟
فأجاب بقوله: لا يحرم على الجنب ولا الحائض ولا على غير المتوضئ لمس شيء من الكتب أو المجلات التي فيها شيء من الآيات، لأن ذلك ليس بمصحف.
176) وسُئل فضيلة الشيخ: عن صفة الغسل؟
فأجاب ـ أجزل الله له المثوبة ـ بقوله: صفة الغسل على وجهين:
الوجه الأول: صفة واجبة، وهي أن يعم بدنه كله بالماء، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق، فإذا عمم بدنه على أي وجه كان فقد ارتفع عنه الحدث الأكبر وتمت طهارته، لقول الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (1) .
الوجه الثاني: صفة كاملة وهي أن يغتسل كما اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أراد أن يغتسل من الجنابة فإنه يغسل كفيه، ثم يغسل فرجه وما تلوث من الجنابة، ثم يتوضأ وضوءا كاملا ـ على صفة ما ذكرناه في الوضوء ـ ثم يغسل بالماء ثلاثا تروية ثم يغسل بقية بدنه. هذه صفة الغسل الكامل.
(11/225)

177) سُئل الشيخ: عن المرأة إذا كانت عليها جنابة واغتسلت، هل تغسل شعرها حتى يدخل الماء إلى البشرة؟
فأجاب قائلا: الغسل من الجنابة أو غيرها من موجبات الغسل فيه إيصال الماء إلى منبت الشعر، سواء كان ذلك من الرجال أو من النساء، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (1) ولا يجوز لها أن تغسل ظاهر الشعر فقط، بل لابد أن يصل الماء إلى أصول الشعر إلى جلدة الرأس، ولكن إذا كان مجديا فإنه لا يجب عليها نقضه بل يجب عليها أن يصل الماء إلى كل الشعرات بأن تضع الجديلة تحت مصب الماء ثم تعصره حتى يدخل الماء إلى جميع الشعر.
178) وسُئل الشيخ ـ أعلى الله تعالى منزلته ـ: هل يلزم الإنسان إذا دخل مغتسله أن يستقبل القبلة ويتلفظ بالنية؟
فأجاب بقوله: ما ذكره السائل من أن الرجل إذا دخل مغتسله فإنه يستقبل القبلة عند الغسل ليس بصحيح؛ فإن جميع الذين نقلوا صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا أنه كان يستقبل القبلة حين اغتساله، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبينه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأمته، إما بقوله، وإما بفعله، فلما لم يرد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود سببه لو كان مشروعا، علم أنه ليس بمشروع، وهذه قاعدة تنفع الإنسان في هذا المقام وغيره، وهي: (أن كل شيء وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يشرع له قول أو فعل، فإنه لا يشرع له قول أو فعل، فإنه لا يشرع له قول ولا فعل) . ومن ذلك النية ـ نية العبادة أي التلفظ بها ـ فإن العبادات كان الرسول عليه الصلاة والسلام، يفعلها ولا يتلفظ بالنية لها، ولو كان هذا مشروعا
__________
(1) سورة المائدة،الآية: 6.
(11/226)

لفعله ولو فعله لنقل إلينا، وكذلك استقبال القبلة حين الغسل؛ نقول هذا وجد سببه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو الغسل، ولم ينقل عنه أنه كان يتجه إلى القبلة حين اغتساله، ولو كان مشروعا لفعله ولو فعله لنقل إلينا.
179) وسُئل الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ: إذا توضأ الإنسان بعد الغسل من الجنابة وهو عار فهل وضوؤه صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن الإنسان إذا انتهى من الاغتسال أن يلبس ثيابه، لئلا يبقى مكشوف العورة بلا حاجة، ولكن لو توضأ بعد الاغتسال من الجنابة، فلا حاجة عليه في ذلك ووضوؤه صحيح، ولكن هذا الوضوء ينبغي أن يكون قبل أن يغتسل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يتوضأ عند الاغتسال قبل الاغتسال، أما بعد الغسل فلا وضوء عليه، ولو أن الإنسان نوى الاغتسال واغتسل بدون وضوء سابق ولا لاحق أجزأه ذلك، لأن الله تعالى لم يوجب على الجنب إلا الطهارة بجميع البدن، حيث قال عز وجل: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (1) . ولم يوجب الله تعالى وضوءا، وعلى هذا فلو أن أحدا نوى رفع الحدث من الجنابة، وانغمس في بركة أو بئر أو في البحر وهو قد نوى رفع الحدث الأكبر، أجزأه ذلك إذا تمضمض واستنشق ولم يحتج إلى وضوء. والله أعلم.
__________
(1) سورة المائدة،الآية: 6.
(11/227)

180) وسُئل الشيخ: هل يجزئ الغسل من الجنابة عن الوضوء؟
فأجاب بقوله: إذا كان على الإنسان جنابة واغتسل فإن ذلك يجزئه عن الوضوء، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (1) .ولا يجب عليه إعادة الوضوء بعد الغسل، إلا إذا حصل ناقض من نواقض الوضوء، فأحدث بعد الغسل، فيجب عليه أن يتوضأ، وأما إذا لم يحدث فإن غسله من الجنابة يجزئ عن الوضوء سواء توضأ قبل الغسل أم لم يتوضأ، لكن لابد من ملاحظة المضمضة والاستنشاق، فإنه لابد منهما في الوضوء والغسل.
181) وسُئل: هل يجزئ الغسل غير المشروع عن الوضوء؟
فأجاب قائلا: الغسل غير المشروع لا يجزئ عن الوضوء، لأنه ليس بعبادة.
182) وسُئل: هل الاستحمام يكفي عن الوضوء؟
فأجاب قائلا: الاستحمام ـ إن كان عن جنابة ـ فإنه يكفي عن الوضوء لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) . فإذا كان على الإنسان جنابة وانغمس في بركة أو في نهر أو ما أشبه ذلك، ونوى بذلك رفع الجنابة وتمضمض واستنشق، فإنه يرتفع الحدث عنه الأصغر والأكبر، لأن الله تعالى لم يوجب عند الجنابة سوى أن نطهر، أي أن نعم جميع البدن بالماء غسلا، وإن كان الأفضل أن المغتسل من الجنابة يتوضأ، أولا، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل فرجه بعد أن يغسل كفيه ثم يتوضأ
__________
(1) سورة المائدة،الآية: 6.
(11/228)

وضوءه للصلاة، ثم يفيض الماء على رأسه،
فإذا ظن أنه أروى بشرته، أفاض عليه ثلاث مرات، ثم يغسل باقي جسده.
أما إذا كان الاستحمام لتنظيف أو لتبرد، فإنه لا يكفى عن الوضوء، لأن ذلك ليس من العبادة، وإنما هو من الأمور العادية، وإن كان الشرع يأمر بالنظافة لكن لا على هذا الوجه، بل النظافة مطلقا في أي شيء يحصل فيه التنظيف. وعلى كل حال إذا كان الاستحمام للتبرد أو النظافة فإنه لا يجزئ عن الوضوء. والله أعلم.
183) وسُئل ـ حفظه الله تعالى ـ إذا اغتسل الإنسان ولم يتمضمض ولم يستنشق فهل يصح غسله؟
فأجاب بقوله: لا يصح الغسل بدون المضمضة والاستنشاق، لأن قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) . يشمل البدن كله، وداخل الفم وداخل الأنف من البدن الذي يجب تطهيره، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء، لدخولهما في قوله تعالى: (اغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (1) فإذا كانا داخلين في غسل الوجه ـ والوجه مما يجب تطهيره وغسله في الطهارة الكبرى ـ كان واجبا على من اغتسل من الجنابة أن يتمضمض ويستنشق.

184) وسُئل ـ رعاه الله ـ: إذا جامع الرجل زوجته وأراد العود مرة ثانية فماذا يلزمه؟
فأجاب بقوله: هاهنا ثلاث مراتب:
الأولى: أن يغتسل قبل أن يعود، وهذه أكمل المراتب.
__________
(1) سورة المائدة،الآية: 6.
(11/229)

الثانية: أن يقتصر على الوضوء فقط قبل أن يعود، وهذه دون الأولى.
الثالثة: أن يعود بدون غسل ولا وضوء، وهذه أدنى المراتب وهي جائزة.
لكن الأمر الذي ينبغي التفطن له أن لا يناما إلا على أحد الطهارتين إما الوضوء أو الغسل.
185) وسُئل: هل تحتلم المرأة؟ وإذا احتلمت فماذا يجب عليها؟ ومن احتلمت ولم تغتسل فماذا يلزمها؟
فأجاب بقوله: المرأة قد تحتلم، لأن النساء شقائق الرجال، فكما أن الرجال يحتلمون فالنساء كذلك.
وإذا احتلمت المرأة أو الرجل كذلك ولم يجد شيئا بعد الاستيقاظ، أي ما وجد أثرا من الماء فإنه ليس عليها غسل، وإن وجدت الماء فإنه يجب إن تغتسل لأن أم سلمة قالت: يا رسول الله هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: (نعم إذا هي رأت الماء) فإذا رأت الماء وجب عليها الغسل.
وأما من احتلمت فيما مضى فإن كانت لم تر الماء فليس عليها شيء، وأما إن كانت رأته فإنها تتحرى كم صلاة تركتها وتصليها.
(11/230)

باب التيمم

186) وسُئل فضيلة الشيخ: هل التيمم رافع للحدث أو مبيح؟
فأجاب بقوله: الصواب أن التيمم مطهر ورافع للحدث، لقول الله تعالى حين ذكر التيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (1) . ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) . والطهور ـ بالفتح ـ ما يتطهر به.
وكذلك من النظر فالتيمم بدل، والقاعدة الشرعية أن للبدل حكم المبدل وفائدته قولن بدل، أنه لا يمكن العمل به مع وجود الأصل وهو الماء، فإذا وجد الماء بطل التيمم، ووجب عليه أن يغتسل إن كان تيمم عما يوجب الغسل، وأن يتوضأ إذا كان التيمم عن حدث أصغر لحديث الرجل الذي أصابته جنابة ولا ماء فاعتزل ولم يصل، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: (لم لم تصل مع الناس؟) . فقال: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) . فهذا الرجل تيمم عن الجنابة، ولما جاء الماء قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذ هذا وأفرغه على نفسك) . ولو كان التيمم رافعا للحدث رفعا مستمرا، ما بطل بوجود الماء. ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته) .
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/231)

187) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا تعذر استعمال الماء، فبماذا تحصل الطهارة؟
فأجاب بقوله: إذا تعذر استعمال الماء، لعدمه أو التضرر باستعماله، فإنه يعدل عن ذلك إلى التيمم،بأن يضرب الإنسان بيديه على الأرض ثم يمسح بهما وجهه ويمسح بعضها ببعض، لكن هذا خاص بالطهارة من الحدث.
أما طهارة الخبث فليس فيها تيمم، سواء كانت على البدن أو على الثوب أو على البقعة، لأن المقصود من التطهر من الخبث إزالة هذه العين الخبيثة، وليس التعبد فيها شرطا، ولهذا لو زالت هذه العين الخبيثة بغير قصد من الإنسان طهر المحل، فلو نزل المطر على مكان نجس أو على ثوب نجس وزالت النجاسة بما نزل من المطر، فإن المحل يطهر بذلك، وإن كان الإنسان ليس عنده علم بهذا، بخلاف طهارة الحدث فإنها عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل، فلابد فيها من النية والقصد.
188) وسُئل الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ: من أصبح جنبا في وقت بارد فهل يتيمم؟
فأجاب قائلا: إذا كان الإنسان جنبا فإن عليه أن يغتسل، لقول الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (1) .فإن كانت الليلة باردة ولا يستطيع أن يغتسل بالماء البارد، فإنه يجب عليه أن يسخنه إذا كان يمكنه ذلك، فإن كان لا يمكنه أن يسخنه لعدم وجود ما يسخن به الماء، فإنه في هذه الحال يتيمم عن الجنابة ويصلي، لقول الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْجَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/232)

تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (1) .
وإذا تيمم عن الجنابة، فإنه يكون طاهرا بذلك ويبقى على طهارته حتى يجد الماء، فإذا وجد الماء وجب عليه أن يغتسل، لما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم، قال: (ما منعك؟) قال: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) . ثم حضر الماء بعد ذلك فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ماء وقال: (أفرغه على نفسك) . فدل هذا على أن المتيمم إذا وجد الماء، وجب عليه أن يتطهر به، سواء كان ذلك عن الجنابة أو عن حدث أصغر، والمتيمم إذا تيمم عن جنابة، فإنه يكون طاهرا منها حتى يحصل له جنابة أخرى، أو يجد الماء، وعلى هذا فلا يعيد تيممه عن الجنابة لكل وقت، وإنما يتيمم بعد تيممه من الجنابة يتيمم عن الحدث الأصغر إلا إن يجنب.
189) وسُئل: إذا خشي الإنسان من استعماله الماء البارد فهل يجوز له أن يتيمم أو لا؟
فأجاب بقوله: لا يجوز أن يتيمم، بل يجب عليه أن يصبر ويستعمل هذا الماء البارد في الوضوء، إلا إذا كان يخشى من ضرر يلحقه، فإنه لا بأس أن يتيمم حينئذ إذا لم يجد ما يسخن به الماء، وإذا تيمم وصلى فليس عليه إعادة الصلاة، لأنه صلى كما أمر، وكل من أتى بالعبادة على وجه أمر به فإنه ليس عليه إعادة تلك العبادة. أما مجرد أنه يتأذى ببرودته ليس بعذر، فإنه غالبا ـ ولا سيما ممن لا يكون في البلد،
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/233)

الغالب أنه في أيام الشتاء ـ لابد أن يكون الماء باردا ويتأذى الإنسان من برودته ولكنه لا يخشى منه الضرر، أما من يخشى من الضرر فإنه لا بأس أن يتيمم، ويصلى ولا إعادة عليه إذا لم يجد ما يسخن به الماء، ولا يجوز أن ينتظر حتى تخرج الشمس ويسخن الماء، بل الواجب عليه أداء الصلاة في وقتها على الوجه الذي أمر به، إن قدر على استعمال الماء بدون ضرر استعمله، وإذا كان يخشى من الضرر تميم، أما تأخير الصلاة حتى خروج الوقت فلا.

190) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا لم يجد الراعي ماء فهل يتيمم؟
فأجاب بقوله: نعم إذا حضرت الصلاة ولم يكن عنده ماء فيباح له التيمم، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره من خصائصه التي خصه الله بها وأمته قال صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل) . فإذا أدركتك الصلاة فصل إن كان عندك ماء تطهرت به، وإن لم يكن عندك ماء فتطهر بالتراب ويجزئك ذلك.
وصفة التيمم المشروعة أن ينوي الإنسان أنه يتيمم لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) . ثم يضرب الأرض بيديه ضربه واحدة يمسح بها وجهه وكفيه وبهذا يتم تيممه ويكون طاهرا يحل له بهذا التيمم ما يحل له بالتطهر بالماء لأن الله عز وجل قال: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) (1) فبين
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/234)

الله تعالى أن الإنسان بالتيمم يكون طاهرا، قال الرسول، عليه الصلاة والسلام: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) . والطهور ـ بالفتح ـ ما يتطهر به، ولهذا كان الراجح من قول العلماء أن التيمم رافع للحدث ما دام الإنسان لم يجد الماء فيجوز له إذا تيمم ان يصلى.

191) وسُئل الشيخ: إذا كان عند الإنسان ماء لا يكفي إلا لبعض الأعضاء فما العمل؟
فأجاب بقوله: عليه أن يستعمل الماء أولا ثم يتيمم للباقي، لأنه لو تيمم مع وجود الماء لم يصدق عليه أنه عادم للماء، ودليل ذلك قول الله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) . وقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) .وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) . فإذا غسل ما استطاع وانتهى الماء، فإنه بهذا الفعل اتقى الله، وما بقي فالماء متعذر، فيرجع إلى بدله وهو التيمم، ولا تضاد بين الحكمين، لأن استعمال الماء من تقوى الله تعالى، واستعمال التيمم عند عدم الماء من تقوى الله أيضا، فربما يستدل لما قلنا بجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين طهارة المسح وطهارة الغسل، بما يروى في حديث صاحب الشجة: (إنما كان يكفيك أن تتيمم وتعصب على جرحك خرقة ثم تمسح عليها) .
__________
(1) سورة التغابن، الآية:16.
(11/235)

فإن قيل: إنه هذا جمع بين البدل والمبدل منه فكيف يصح؟
فنقول: إن التيمم هنا ليس عن الأعضاء المغسولة، ولكنه عن الأعضاء التي لم تغسل فهو شبيه بالمسح على الخفين من بعض الوجوه، لأن فيه غسل لبعض الأعضاء التي تغسل ومسح على الخف بدلا عن غسل الرجل التي تحته، فهنا جمع بين بدل ومبدل منه.
192) وسُئل: عن شخص استيقظ من النوم وعليه جنابة فإذا اشتغل بالغسل خرج وقت الفجر فهل يتيمم؟
فأجاب قائلا: عليه أن يغتسل ويصلي الصلاة، ولو بعد الوقت، وذلك لأن النائم يكون وقت الصلاة في حقه وقت استيقاظه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) . فأنت حين استيقاظك كأن الوقت دخل الآن، فاغتسل وافعل الواجبات التي تسبق الصلاة ثم صل.
193) وسُئل ـ حفظه الله ـ: إذا كان على بدن المريض نجاسة فهل يتيمم لها؟
فأجاب قائلا: لا يتيمم لها، إن أمكن هذا المريض أن يغسل هذه النجاسة غسلها، وإلا صلى بحسب حاله بلا تيمم، لأن التيمم لا يؤثر في إزالة النجاسة، وذلك أن المطلوب تخلي البدن عن النجاسة، وإذا تيمم لها فإن النجاسة لا تزول عن البدن، ولأنه لم يرد التيمم عن النجاسة، والعبادات مبناها على الاتباع.
194) سُئل الشيخ: إذا كان على الإنسان نجاسة لا يستطيع إزالتها فهل يتيمم لها؟
فأجاب بقوله: إذا كان على الإنسان نجاسة وهو لا يستطع إزالتها
(11/236)

فإنه يصلي بحسب حاله ولا يتيمم لها، ولكن يخفف النجاسة ما أمكن بالحك أو ما أشبه ذلك، وإذا كانت مثلا في ثوب يمكنه خلعه، ويستتر بغيره، وجب عليه أن يخلعه ويستتر بغيره.
195) وسُئل فضيلة الشيخ: عن رجل عليه ملابس بها نجاسة وليس عنده ماء، ويخشى خروج الوقت فكيف يعمل؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ قائلا: نقول له خفف عنك ما أمكن من هذه النجاسة، فإذا كانت في ثوب وعليك ثوبان، فاخلع هذا الثوب النجس وصل بالطاهر، وإذا كان عليك ثوبان كلاهما نجس أو ثلاثة وكل منها نجس، فخفف ما أمكن من النجاسة، وما لم يمكن إزالته أو تخفيفه من النجاسة، فإنه لا حرج عليك لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) . فتصلي بالثوب ولو كان نجسا، ولا إعادة عليك على القول الراجح، فإن هذا من تقوى الله تعالى ما استطعت، والإنسان إذا اتقى الله ما استطاع، فقد أتى ما أوجبه الله عليه، ومن أتى بما أوجبه الله عليه فقد ابرأ ذمته. والله الموفق.
196) وسُئل الشيخ: هل يشترط في التراب المتيمم به أن يكون له غبار؟ وهل قوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) . قوله: (منه) دليل على اشتراط الغبار؟
فأجاب بقوله: القول الراجح أنه لا يشترط للتيمم أن يكون بتراب فيه غبار، بل إذا تيمم على الأرض أجزأه سواء كان فيها غبار أم
__________
(1) سورة التغابن، الآية:16.
(11/237)

لا، وعلى هذا فإذا نزل المطر على الأرض، فيضرب الإنسان بيديه على الأرض ويمسح وجهه وكفيه، وإن لم يكن للأرض غبار في هذه الحال، لقول الله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (1) . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يسافرون إلى جهات ليس فيها إلا رمال، وكانت الأمطار تصيبهم وكانوا يتيممون كما أمر الله عز وجل؛ فالقول الراجح أن الإنسان إذا تيمم على الأرض فإن تيممه صحيح، سواء كان على الأرض غبار أم لم يكن.
وأما قوله تعالى: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) . فإن (من) لابتداء الغاية وليست للتبعيض، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه نفخ في يديه حين ضرب بهما الأرض.

197) وسُئل فضيلته: عن شخص تيمم على صخرة لعدم استطاعته استعمال الماء، فهل يجب عليه إعادة الصلاة؟
فأجاب بقوله: لا يجب عليه إعادة الصلاة إذا كان حين التيمم لا يستطيع استعمال الماء، لأن الله عز وجل قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (2) وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) .فإذا كنت غير مستطيع لاستعمال الماء تيممت ولو بقيت مدة طويلة تصلي بالتيمم فإنه لاشيء عليك ما دام الشرط موجودا وهو تعذر استعمال الماء.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/238)

198) وسُئل فضيلته: إذا أصابت المريض جنابة ولم يتمكن من استعمال الماء فهل يتيمم؟
فأجاب بقوله: إذا أصابت الرجل جنابة أو المرأة وكان مريضا لا يتمكن من استعمال الماء، فإنه في هذه الحال يتيمم لقول الله تبارك وتعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (1) .وإذا تيمم من هذه الجنابة فإنه لا يعيد التيمم عنها مرة أخرى إلا بجنابة تحدث له أخرى ولكنه يتيمم عن الوضوء كلما انتقض وضوؤه.
والتيمم رافع للحدث مطهر للمتيمم لقول الله تعالى حين ذكر التيمم، وقبله الوضوء والغسل قال سبحانه وتعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (2) .
وثبت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) . والطهور ما يتطهر به الإنسان، لكن التيمم مطهر طهارة مقيدة بزوال المانع من استعمال الماء فإذا زال المانع من استعمال الماء، فبرأ المريض ووجد الماء من عدمه، فإنه يجب عليه أن يغتسل إذا كان تيمم عن جنابة وأن يتوضأ إذا كان تيمم عن حدث أصغر ويدل على ذلك ما رواه البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فسأله ما الذي منعه فقال يا رسول الله أصابتني جنابة، ولا ماء. فقال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) . ثم
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/239)

حضر الماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستقى الناس منه وبقي منه بقية، فقال للرجل: (خذ هذا فأفرغه على نفسك) . وهذا دليل على أن التيمم مطهر وكاف عن الماء لكن إذا وجد الماء فإنه يجب استعماله، ولهذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفرغه على نفسه بدون أن يحدث له جنابة جديدة، وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم.
199) وسُئل فضيلة الشيخ: عن المريض لا يجد التراب فهل يتيمم على الجدار، وكذلك الفرش أم لا؟
فأجاب ـ أعلى الله درجته في المهديين ـ بقوله: الجدار من الصعيد الطيب، فإذا كان الجدار مبنيا من الصعيد سواء كان حجرا أو كان مدرا ـ لبنا من الطين ـ، فإنه يجوز التيمم عليه، أما إذا كان الجدار مكسوا بالأخشاب أو (بالبوية) فهذا إن كان عليه تراب ـ غبار ـ فإنه يتيمم به ولا حرج، ويكون كالذي يتيمم على الأرض، لأن التراب من مادة الأرض، أما إذا لم يكن عليه تراب، فإنه ليس من الصعيد في شيء، فلا يتيمم عليه.
وبالنسبة للفرش نقول: إن كان فيها غبار فليتيمم عليها، وإلا فلا يتيمم عليها لأنها ليست من الصعيد.
200) وسُئل: إذا تيمم الإنسان لنافلة، فهل يصلي بذلك التيمم الفريضة؟
فأجاب بقوله: جواب هذا السؤال يتضح مما سبق وهو أن التيمم رافع للحدث، فحينئذ له أن يصلي الفريضة ـ وإن كان يتيمم لنافلة ـ كما لو توضأ لنافلة جاز له أن يصلي بذلك الوضوء الفريضة، ولا يجب إعادة التيمم إذا خرج الوقت، ما لم يوجد ناقض.
(11/240)

201) وسُئل فضيلة الشيخ: ما الحكم إذا وجد المتيمم الماء في أثناء الصلاة أو بعدها؟
فأجاب بقوله: إذا وجد المتيمم الماء في الصلاة، فهذه المسالة محل خلاف بين أهل العلم.
فمنهم من قال: إن التيمم لا يبطل بوجود الماء حينئذ لأنه شرع في الصلاة على وجه مأذون فيه شرعا، فلا يخرج منها إلا بدليل شرعي.
ومنهم من قال: إنه يبطل التيمم بوجود الماء في الصلاة، واستدلوا بعموم قوله تعالى: (فإن لم تجدوا ماء) . وهذا قد وجد الماء فيبطل تيممه، وإذا بطل التيمم بطلت الصلاة، وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) . ولأن التيمم بدل عن طهارة الماء عند فقده، فإذا وجد الماء زالت البدلية فيزول حكمها، فحينئذ يخرج من الصلاة ويتوضأ ويستأنف الصلاة من جديد. والذي يظهر لي ـ والعلم عند الله تعالى ـ أن القول الثاني أقرب للصواب.

أما إذا وجد الماء بعد الصلاة، فإنه لا يلزمه أن يعيد الصلاة، لما رواه أبو داود وغيره في قصة الرجلين اللذين تيمما ثم صليا وبعد صلاتهما وجدا الماء في الوقت، فأما أحدهما فلم يعد الصلاة وأما الآخر فتوضأ وأعاد الصلاة، فلما قدما أخبرا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام للذي لم يعد: (أصبت السنة) . وقال للذي أعاد: (لك الأجر مرتين) .
فإن قال قائل: أنا أريد الأجر مرتين.
قلنا: إنك إذا علمت بالسنة فخالفتها فليس لك الأجر مرتين،
(11/241)

بل تكون متبتدعا، والذي في الحديث لم يعلم بالسنة، فهو مجتهد فصار له أجر العملين العمل الأول والثاني.
فإن قيل: المجتهد إذا أخطأ فليس له إلا أجر واحد كما جاء في الحديث: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر) . فكيف كان لهذا المخطئ في إعادة الصلاة الأجر مرتين؟
فالجواب: أن هذا عمل عملين بخلاف الحاكم المخطئ، فإنه لم يعمل إلا عملا واحدا فلم يحكم مرتين.
بهذا يتبين لنا أن موافقة السنة أفضل من كثرة العمل، فإذا قال قائلا مثلا: أنا أريد أن أطيل ركعتي الفجر لفضل الوقت، وكثرة العمل،
قلنا له: لم تصب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخفف ركعتي الفجر كما جاء ذلك في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ ومثال ذلك أيضا لو قال: أريد أن أطيل ركعتي الطواف، قلنا: لم تصب السنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخففهما وهذه فائدة مهمة على طالب العلم أن يعيها. والله الموفق.
202) وسُئل فضيلة الشيخ: هل الأفضل للإنسان إذا لم يجد الماء أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، رجاء وجود الماء؟ أو يتيمم ويصلي في الوقت؟
فأجاب بقوله:
أولا: يترجح تأخير الصلاة إلى آخر الوقت في حالين:
الأول: إذا علم وجود الماء، فالأفضل أن يؤخر الصلاة ولا يقال بالوجوب، لأن علمه بذلك ليس أمرا مؤكدا، لأنه قد يتخلف المعلوم.
الثاني: إذا ترجح عنده وجود الماء، فيؤخر الصلاة، لأن في ذلك محافظة على شرط من شروط الصلاة، وهو الطهارة بالماء، لأن في ذلك محافظة على شروط الصلاة، وهو الطهارة بالماء، وفي الصلاة
(11/242)

أول الوقت محافظة على فضيلة فقط، وعلى هذا يكون التأخير والطهارة والطهارة بالماء أفضل.
ثانيا: يترجح تقديم الصلاة في أول وقتها في ثلاث حالات:
الأولى: إذا علم أنه لن يجد الماء.
الثانية: إذا ترجح أنه لن يجد الماء.
الثالثة: إذا تردد فلم يترجح عنده شيء.
(11/243)

باب إزالة النجاسة

203) سُئل فضيلة الشيخ ـ أعلى الله درجته ومنزلته ـ: عن النجاسات الحكمية وكيفية تطهير ما أصابت؟
فاجاب بقوله: النجاسات الحكمية هي النجاسة الواردة على مكان طاهر، فهذه يجب علينا أن نغسلها، وأن ننظف المحل الطاهر منها، فيما إذا كان يقتضي الطهارة.
وكيفية تطهير ما أصابت النجاسة تختلف بحسب المواضع وبحسب جنس النجاسة.
أولا: إذا كانت النجاسة على الأرض، فإنه يكتفى بصب الماء عليها بعد إزالة عينها إن كانت ذات جرم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة حين بال الرجل في طائفة المسجد: (أريقوا على بوله سجلا من ماء) . فإذا كانت النجاسة على الأرض، فإن كانت ذات جرم أزلنا جرمها أولا، ثم صببنا الماء عليها مرة واحدة ويكفي.
ثانيا: إذا كانت النجاسة على غير الأرض وهي نجاسة كلب، فإنه لابد من تطهيرها من سبع غسلات إحدها بالتراب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب) .
ثالثا: إذا كانت النجاسة على غير الأرض وليست نجاسة كلب، فإن القول الراجح أنها تطهر بزوالها على أي حال كان، سواء زالت بأول غسلة أو بالغسلة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، المهم متى زالت عين النجاسة فإنها تطهر، لكن إذا كانت النجاسة بول غلام صغير لم
(11/245)

يأكل الطعام، فإنه يكفي أن تغمر بالماء المحل النجس وهو ما يعرف عند العلماء بالنضح، ولا يحتاج إلى غسل ودلك، لأن نجاسة بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام نجاسة مخففة.
204) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم اقتناء الكلاب؟ وهل مسه ينجس اليد؟ وعن كيفية تطهير الأواني التي بعده؟
فأجاب قائلا: اقتناء الكلاب لا يجوز إلا في ما رخص فيه الشارع، والنبي عليه الصلاة والسلام، رخص من ذلك في ثلاث كلاب: كلب الماشية يحرسها من السباع والذئاب، وكلب الزرع من المواشي والأغنام وغيرها، وكلب الصيد ينتفع به الصائد، هذه الثلاثة التي رخص النبي صلى الله عليه وسلم فيها باقتناء الكلب فما عداها فإنه لا يجوز، وعلى هذا فالمنزل الذي يكون في وسط البلد لا حاجة أن يتخذ الكلب لحراسته، فيكون اقتناء الكلب لهذا الغرض في مثل هذه الحال محرما لا يجوز وينتقص من أجور أصحابه كل يوم قيراط أو قيراطان، فعليهم أن يطردوا هذا الكلب وألا يقتنوه، أما لو كان هذا البيت في البر خاليا ليس حوله أحد فإنه يجوز أن يقتنى الكلب لحراسه البيت ومن فيه، وحراسة أهل البيت أبلغ في الحفاظ من حراسة المواشي والحرث.
وأما مس هذا الكلب فإن كان مسه بدون رطوبة فإنه لا ينجس اليد، وإن كان مسه برطوبة فإن هذا يوجب تنجيس اليد على رأي كثير من أهل العلم، ويجب غسل اليد بعده سبع مرات، إحداها بالتراب.
وأما الأواني التي بعده إذا ولغ في الأناء أي شرب منه يجب غسل الإناء سبع مرات إحداها بالتراب كما ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا
(11/246)

ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداها بالتراب) . والأحسن أن يكون التراب في الغسلة الأولى. والله أعلم.
205) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حديث ابن عمر، ـ رضي الله عنهما ـ قال: (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك؟
فأجاب بقوله: الحديث المشار إليه وجدته في صحيح البخاري عن ابن عمر قال (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك) . وقد أشكل هذا الحديث على العلماء ـ رحمهم الله ـ واختلفوا في تخريجه:
فقال أبو داود: إن الأرض إذا يبست طهرت، واستدل بهذا الحديث، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام فإنه ذكر أن الأرض تطهر بالشمس والريح، واستدل بهذا الحديث.
وذهب بعض العلماء إلى أن قوله: (وتبول) يعني في غير المسجد وأن الذي في المسجد إنما هو الإقبال والإدبار لكن هذا التخريج ضعيف، لأنها لو كانت لا تبول في المسجد لم يكن فائدة في قوله: (ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك) . وقال ابن حجر في فتح الباري: والأقرب أن يقال أن ذلك في أول الأمر قبل ان يؤمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها.
والذي يظهر لي أن كلام شيخ الإسلام هو الصحيح وأن الأرض إذا أصابتها النجاسة فيبست حتى زال أثرها فإنها تطهر لأن الحكم يدور مع علته، فإذا لم يبق للنجاسة أثر صارت معدومة فتطهر الأرض بذلك.
(11/247)

206) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا زالت عين النجاسة بالشمس فهل يطهر المكان؟
فأجاب قائلا: إذا زالت عين النجاسة بأي مزيل كان، فإن المكان يطهر، لأن النجاسة عين خبيثة فإذا زالت زال ذلك الوصف وعاد الشيء إلى طهارته، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وإزالة النجاسة ليست من باب المأمور به حتى يقال: لابد من فعله، بل هو من باب اجتناب المحظور، ولا يرد على هذا حديث بول الأعرابي في المسجد، وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بدنوب من ماء فأريق على بوله، لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب الماء عليه لأجل المبادرة بتطهيره، لأن الشمس لا يحصل بها التطهير الفوري، بل يحتاج إلى أيام، لكن الماء يطهره في الحال، والمسجد يحتاج إلى المبادرة بتطهيره، ولذلك ينبغي للإنسان أن يبادر بإزالة النجاسة، لأن هذا هو هدي النبي، صلى الله عليه وسلم، ولأن فيه تخلصا من النجاسة، وحتى لا ينسى الإنسان هذه النجاسة أو ينسى مكانها.
207) وسُئل حفظه الله تعالى: هل الدخان نجس؟
فأجاب قائلا: الدخان ليس بنجس نجاسة حسية بلا ريب، لأنه نبات وإنما كان حراما لما يترتب عليه من الأضرار البدنية والمالية والاجتماعية، ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجسا، فهذا الخمر حرام بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين وليس بنجس نجاسة حسية على القول الراجح، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل علمت أن الله قد حرمها؟) قال لا، فسار إنسانا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (بم ساررته؟) . قال أمرته ببيعها، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها) . قال ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها. اهـ
(11/248)

ص 1206ط الحلبي تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، وفي صحيح البخاري ص 112 جـ 5 من الفتح ط السلفية عن أنس أنه كان ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم، مناديا ينادي ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة. ولو كانت الخمر نجسة نجاسة حسية لأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، صاحب الراوية أن يغسلها كما فعل النبي، صلى الله عليه وسلم، حين حرمت الحمير عام خبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أهريقوها واكسروها) ، فقال او نهريقها ونغسلها؛ قال: (أو ذاك) .ثم لو كانت الخمر نجسة نجاسة حسية فإن الدخان (التتن) ليس بنجس نجاسة حسية من باب أولى، أما تحريم التدخين فإن من قرأ ما كتبه العلماء وقرره الأطباء عنه لم يشك في أنه حرام، وهو الذي نراه ونفتي به.

208) وسُئل فضيلته: عن حكم بول الطفل الصغير إذا وقع على الثوب؟
فأجاب قائلا: الصحيح في هذه المسألة أن بول الذكر الذي يتغذى باللبن خفيف النجاسة، وأنه يكفي في تطهيره النضح، وهو أن يغمره بالماء يصب عليه الماء حتى يشمله بدون فرك. وبدون عصر، وذلك أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جيء بابن صغير فوضعه في حجره فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه إياه ولم يغسله، أما بالنسبة للأنثى فلابد من غسل بولها، لأن الأصل أن البول نجس ويجب غسله لكن يستثنى الغلام الصغير لدلالة السنة عليه.
(11/249)

209) وسُئل فضيلة الشيخ: هل الخمر نجسة وكذلك الكولونيا؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: هذه المسألة وهي نجاسة الخمر، إن أريد بالنجاسة النجاسة المعنوية، فإن العلماء مجمعون على ذلك، فإن الخمر نجس وخبيث، ومن أعمال الشيطان؛ وإن أريد بها النجاسة الحسية فإن المذاهب الأربعة وعامة الأمة على إنها نجسة، يحب التنزة منها وغسل ما أصابته من ثوب أو بدن، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها ليست نجسة نجاسة حسية بل أن نجاستها معنوية عملية.
فالذين قالوا: إنها نجسة نجاسة حسية ومعنوية استدلوا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (1) . والرجس هو النجس، لقوله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (2) . ولحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم، أمر أبا طلحة أن ينادي إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس، فالرجس في الآية والحديث بمعنى النجس نجاسة حسية، فكذلك هي في آية الخمر رجس نجس نجاسة حسية.
وأما الذين قالوا بطهارة الخمر طهارة حسية، أي أن الخمر نجس نجاسة معنوية لا حسية، فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى قيد في سورة
__________
(1) سورة المائدة، الآية:91.
(2) سورة الأنعام، الآية: 145.
(11/250)

المائدة ذلك الرجس بقوله: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) (1) .فهو رجس عملي وليس رجسا عينيا ذاتيا، بدليل أنه قال: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ) (2) . ومن المعلوم أن الميسر والأنصاب والأزلام ليست نجسة نجاسة حسية، فقرن هذه الأربعة: الخمر والميسر والأنصاب والأزلام في وصف واحد الأصل أن تتفق فيه، فإذا كانت الثلاثة نجاستها نجاسة معنوية، فكذلك الخمر نجاسته معنوية لأنه من عمل الشيطان.
وقالوا أيضا: إنه ثبت أنه لما نزل تحريم الخمر أراقها المسلمون في الأسواق، ولو كانت نجسة ما جازت إراقتها في الأسواق لأن تلويث الأسواق بالنجاسات محرم ولا يجوز.
وقالوا أيضا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم، لما حرمت الخمر، لم يأمر بغسل الأواني منها ولو كانت نجسة لأمر بغسل الأواني منها كما أمر بغسلها من لحوم الحمر الأهلية حين حرمت.
وقالوا أيضا: قد ثبت في صحيح مسلم أن رجلا أتى براوية من خمرإلى النبي صلى الله عليه وسلم فأهداها إليه، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (أما علمت أنها قد حرمت) ثم سارة رجل أي كلم صاحب الراوية رجل بكلام سر فقال: (ماذا قلت؟) قال: قلت: يبيعها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه) . فأخذ الرجل بفم الراوية فأراق الخمر، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بغسلها منه، ولا منعه من إراقتها هناك،
قالوا: فهذا دليل على أن الخمر ليس نجسا نجاسة حسية، ولو كانت حسية لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بغسل الراوية ونهاه عن إراقتها هناك.
__________
(1) سورة المائدة،الآية:90.
(2) سورة المائدة، الآية: 91.
(11/251)

وقالوا أيضا، الأصل في الأشياء الطهارة حتى يوجد دليل بين يدل على النجاسة، وحيث لم يوجد دليل بين يدل على النجاسة، فإن الأصل أنه طاهر، لكنه خبيث من الناحية العملية المعنوية ولا يلزم من تحريم الشيء أن يكون نجسا، ألا ترى أن السم حراما وليس بنجس، فكل نجس حرام وليس كل حرام نجسا.
وبناء على ذلك نقول في الكولونيا وشبهها: إنها ليست بنجسة لأن الخمر ذاته ليس بنجس على هذا القول الذي ذكرناه أدلته، فتكون الكولونيا وشبهها ليست بنجسة أيضا، وإذا لم تكن نجسة فإنه لا يجب تطهير الثياب منها.
ولكن يبقى النظر: هل يحرم استعمال الكولونيا كطيب يتطيب به الإنسان أو لا يحرم؟
لننظر، يقول الله تعالى في الخمر: (فاجتنبوه) وهذا الاجتناب مطلق لم يقل اجتنبوه شربا أو استعمالا أو ما أشبه ذلك، فالله أمر أمرا مطلقا بالاجتناب، فهل يشمل ذلك مالو استعمله الإنسان كطيب أو نقول: إن الاجتناب المأمور به هو ما علل به الحكم وهو اجتناب شربه، لقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (1) .وهذه العلة لا تثبت فيما إذا استعمله الإنسان في غير الشرب.
ولكننا نقول إن الأحوط للإنسان أن يتجنبه حتى للتطيب، وأن يبتعد عنه لأن هذا أحوط وأبرأ للذمة، إلا أننا نرجع مرة ثانية إلى هذه
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 91.
(11/252)

الأطياب، هل النسبة التي تؤدي إلى الإسكار أو أنها نسبة قليلة لا تؤدي إلى الإسكار؟ لأنه إذا اختلط الخمر بشيء ثم لم يظهر له أثر ولو أكثر الإنسان منه، فإنه لا يوجب تحريم ذلك المخلوط به، لأنه لما لم يظهر له أثر لم يكن له حكم، إذ أن علة الحكم هي الموجبة له، فإذا فقدت العلة فقد الحكم، فإذا كان هذا الخلط لا يؤثر في المخلوط فإنه لا أثر لهذا الخلط، ويكون الشيء مباحا، فالنسبة القليلة في الكولونيا وغيرها إذا كانت لا تؤدي إلى الإسكار ولو أكثر الإنسان مثلا من شربه، فإنه ليس بخمر ولا يثبت له حكم الخمر، كما أنه لو سقطت قطرة من بول في ماء، ولم يتغير بها، فإنه يكون طاهرا، فكذلك إذا سقطت قطرة من خمر في شيء لم يتأثر بها، فإنه لا يكون خمرا، وقد نص على ذلك أهل العلم في باب حد المسكر.
ثم إنني أنبه هنا على مسألة تشتبه على بعض الطلبة، وهي أنهم يظنون أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) . يظنون أن معنى الحديث أنه إذا اختلط القليل من الخمر بالكثير من غير الخمر فإنه يكون حراما، وليس هذا معنى الحديث، بل معنى الحديث أن الشيء إذا كان لا يسكر إلا الكثر منه فإن القليل الذي لا يسكر منه يكون حراما، مثل لو فرضنا أن هذا الشراب إن شرب منه الإنسان عشر زجاجات سكر، وإن شرب زجاجة لم يسكر، فإن هذه الزجاجة وإن لم تسكره تكون حراما، هذا معنى: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) . وليس المعنى ما أختلط به شيء من المسكر فهو حرام، لأنه إذا اختلط المسكر بالشيء ولم يظهر له أثر فإنه يكون حلالا، لعدم وجود العلة التي هي مناط الحكم، فينبغي أن يتنبه لذلك.
ولكني مع هذا لا أستعمل هذه الأ طياب (الكولونيا) ولا أنهى
(11/253)

عنها، إلا إذا أنه أصابني شيء من الجروح أو شبهها واحتجت إلى ذلك فإني أستعمله لأن الاشتباه يزول حكمه مع الحاجة إلى هذا الشيء المشتبه، فإن الحاجة أمر يدعو إلى الفعل، والاشتباه إنما يدعو إلى الترك على سبيل التورع والاحتياط، ولا ينبغي للإنسان أن يحرم نفسه شيئا احتاج إليه وهو لم يجزم بمنعه وتحريمه، وقد ذكر أهل العلم هذه القاعدة بأن المشتبه إذا احتاج إليه فإنه يزول حكم الاشتباه. والله أعلم.
210) وسُئل فضيلته: عن حكم استعمال السوائل الكحولية لأغراض الطباعة والرسوم والخرائط والمختبرات العلمية إلخ؟
فأجاب بقوله: من المعلوم أن مادة الكحول تستخرج غالبا من الخشب وجذور القصب وأليافه، ويكثر جدا في قشور الحمضيات كالبرتقال والليمون، كما هو مشاهد، وهي عبارة عن سائل قابل للاحتراق سريع التبخر، وهو لو استعمل مفردا لكان قاتلا أو ضار أو مسببا للعاهات، لكنه إذا خلط بغيره بنسبة معينة جعل ذلك المخلوط مسكرا، فالكحول نفسها ليست تستعمل للشرب والسكر بها، ولكنها تمزج بغيرها فيحصل السكر بذلك المخلوط. وما كان مسكرا فهو خمر محرم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، لكن هل هو نجس العين كالبول والعذرة؟ أو ليس بنجس العين ونجاسته معنوية؟ هذا موضع خلاف بين العلماء، واتفق جمهورهم على أنه نجس العين، والصواب عندي أنه ليس بنجس العين بل نجاسته معنوية وذلك للآتي:
أولا: لأنه لا دليل على نجاسته، وإذا لم يكن دليل على نجاسته فهو طاهر، لأن الأصل في الأشياء الطهارة، وليس كل محرم يكون
(11/254)

نجسا، والسم محرم ليس بنجس، وأما قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (1)
قلنا: إن استعمالها في غير الشرب جائز لعدم انطباق هذه (رجس من عمل الشيطان) فكما أن الميسر والأنصاب والأزلام ليست نجسة العين والذات فكذلك الخمر.
ثانيا: أن الخمر لما نزل تحريمها أريقت في أسواق المدينة، ولو كانت نجسة العين لحرمت إراقتها في طرق الناس كما يحرم إراقة البول في تلك الأسواق.
ثالثا: أن الخمر لما حرمت، لم يأمرهم النبي، صلى الله عليه وسلم، بغسل الأواني منها، كما أمرهم بغسل الأواني من لحوم الحمر الأهلية حين حرمت، ولو كانت نجسة العين لأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بغسل أوانيهم منها.
وإذا تبين أن الخمر ليست نجسة العين، فإنه لا يجب غسل ما أصابته من الثياب والأواني وغيرها، ولا يحرم استعمالها في غير ما حرم استعمالها فيه، وهو الشرب ونحوه مما يؤدي إلى المفاسد التي جعلها الله مناط الحكم في التحريم.
فإن قيل أليس الله تعالى يقول: (فاجتنبوه) وهذا يقتضي اجتنابه على أي حال؟
فالجواب: أن الله تعالى علل الأمر بالاجتناب بقوله: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة) إلى آخر الآية، وهذه العلة لا تحصل
__________
(1) سورة المائدة، الآية:91.
(11/255)

فيما إذا استعمل في غير الشرب ونحوه، فإذا كان لهذه الكحول منافع خالية من هذه المفاسد التي ذكرها الله تعالى علة للأمر باجتنابه، فإنه ليس من حقنا أن نمنع الناس منها. وغاية ما نقول: إنها من الأمور المشتبهة، وجانب التحريم فيها ضعيف، فإذا دعت الحاجة إليها زال ذلك التحريم. وعلى هذا فاستعمال الكحول فيما ذكرتم من الأغراض لا بأس به إن شاء الله تعالى، لأن الله تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعا، وسخر لنا ما في السموات وما في الأرض جميعا، منه. وليس لنا أن نتحجز شيئا ونمنع عباد الله منه إلا بدليل من كتاب الله تعالى أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: أليست الخمر حرمت أريقت؟
قلنا: بلى، وذلك مبالغة في سرعة الامتثال وقطع تعلق النفوس بها، ثم إنه لا يظهر لنا أن لها منفعة في ذلك الوقت تستبقي لها. والله أعلم.
211) وسُئل: عن حكم استعمال الكحول في تعقيم الجروح وخلط بعض الأدوية بشيء من الكحول؟
فأجاب فضيلته بقوله: استعمال الكحول في تعقيم الجروح لا بأس به للحاجة لذلك، وقد قيل إن الكحول تذهب العقل بدون إسكار، فإن صح ذلك فليست خمرا، وإن لم يصح وكانت تسكر فهي خمر، وشربها حرام بالنص والإجماع.
وأما استعمالها في غير الشرب، فمحل نظر، فإن نظرنا إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (1) . قلنا إن استعمالها في
(11/256)

غير الشرب حرام، لعموم قوله: (فاجتنبوه) . وإن نظرنا إلى قوله تعالى في الآية التي تليها: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) . قلنا: إن استعمالها في غير الشرب جائز لعدم انطباق هذه العلة عليه، وعلى هذا فإننا نرى أن الاحتياط عدم استعمالها في الروائح، وأما في التعقيم فلا باس به لدعاء الحاجة إليه، وعدم الدليل البين على منعه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ص 270 جـ 24 من مجموع الفتاوى: التداوي بأكل شحم الخنزير لا يجوز، وأما التداوي بالتلطخ به ثم يغسله بعد ذلك فهذا مبني على جواز مباشرة النجاسة في غير الصلاة وفيه نزاع مشهور، والصحيح أنه يجوز للحاجة، وما أبيح للحاجة جاز التداوي به اهـ. فقد فرق شيخ الإسلام ـ رحمه الله تعالى ـ بين الأكل وغيره في ممارسة الشيء النجس، فكيف بالكحول التي ليست بنجسة؟ لأنها إن لم تكن خمرا فطهارتها ظاهرة، وإن كانت خمرا فالصواب عدم نجاسة الخمر وذلك من وجهين:
الأول: أنه لا دليل على نجاستها، وإذا لم يكن دليل على ذلك فالأصل الطهارة ولا يلزم من تحريم الشيء أن تكون عينه نجسة، فهذا السم حرام وليس بنجس، وأما قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) (2) . فالمراد الرجس المعنوي لا الحسي، لأنه جعل وصفا لما لا يمكن أن يكون رجسه حسيا كالميسر والأنصاب والأزلام، ولأنه وصف هذا الرجس بكونه من عمل الشيطان، وأن الشيطان يريد به إيقاع العداوة والبغضاء فهو رجس عملي معنوي.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 91.
(2) سورة المائدة، الآية:91.
(11/257)

الثاني: أن السنة تدل على طهارة الخمر طهارة حسية، ففي صحيح مسلم ص 1206ط الحلبي تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي: عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله: (هل علمت أن الله قد حرمها؟) . قال: لا، فسار إنسانا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بم ساررته؟) قال: أمرته ببيعها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها) . قال ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها، وفي صحيح البخاري ص 112 جـ 5 من الفتح ط السلفية: عن انس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أنه كان ساقي القوم في منزل أبي طلحة (وهو زوج أمه) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي ألا إن الخمر قد حرمت، قال: فقال لي أبو طلحة: أخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة. ولو كانت الخمر نجسة نجاسة حسية لأمر النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الراوية أن يغسل راويته، كما كانت الحال حين حرمت الحمر عام خبير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اهريقوها واكسروها) . (يعني القدور) فقالوا: أونهريقها ونغسلها؟ فقال: (أو ذاك) . ثم لو كانت الخمر نجسة نجاسة حسية ما أراقها المسلمون في أسواق المدينة، لأنه لا يجوز إلقاء النجاسة في طرق المسلمين.
قال الشيخ محمد رشيد رضا في فتاواه ص1631 من مجموعة فتاوى المنار: وخلاصة القول، أن الكحول مادة طاهرة مطهرة وركن من أركان الصيدلة، والعلاج الطبي، والصناعات الكثيرة، وتدخل فيما لا يحصى من الأدوية، وأن تحريم استعمالها على المسلمين يحول دون إتقانهم لعلوم وفنون وأعمال كثيرة، هي من أعظم أسباب تفوق الإفرنج عليهم، كالكيمياء والصيدلة والطب والعلاج والصناعة، وإن تحريم استعمالها في ذلك، قد يكون سببا لموت كثير من المرضى والمجروحين أو لطول
(11/258)

مرضهم وزيادة آلامهم اهـ. وهذا كلام جيد متين. رحمه الله تعالى.
وأما خلط بعض الأدوية بشيء من الكحول، فإنه لا يقتضي تحريمها، إذا كان الخلط يسيرا لا يظهر له أثر مع المخلوط، كما أن على ذلك أهل العلم. قال في المغني ص 306 جـ 8ط النار: وإن عجن به (أي بالخمر) دقيقا ثم خبزه وأكله لم يحد، لأن النار أكلت أجزاء الخمر فلم يبق إلا أثره اهـ. وفي الإقناع وشرحه ص 71 جـ 4ط مقبل: ولو خلطه ـ أي المسكر ـ بماء فاستهلك المسكر فيه أي الماء، ثم شربه لم يحد، لأنه باستهلاكه في الماء لم يسلب اسم الماء عنه، أو داوى به ـ أي المسكر ـ جرحه لم يحد، لأنه لم يتناوله شربا ولا في معناه اهـ. وهذا هو مقتضى الأثر والنظر. أما الأثر فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بناجسة تحدث فيه) . وهذا وإن كان الاستثناء فيه ضعيفا إلا أن العلماء أجمعوا على القول بمقتضاه، ووجه الدلالة منه أنه إذا سقط فيه نجاسة لم تغيره فهو باق طهوريته، فكذلك الخمر إذا خلط بغيره من الحلال ولم يؤثر فيه فهو باق على حله، وفي صحيح البخاري تعليقا ص 64جـ 9ط السلفية من الفتح قال: أبو الدرداء في المري ذبح الخمر النينان والشمس جمع نون وهو الحوت، المري أكله تتخذ من السك المملوح يوضع في الخمر ثم يلقى في الشمس فيتغير عن طعم الخمر، فمعنى الأثر أن الحوت بما فيه من الملح، ووضعه في الشمس أذهب الخمر فكان حلالا.
وأما كون هذا مقتضى النظر: فلأن الخمر إنما حرمت من أجل الوصف الذي اشتملت عليه وهو الإسكار، فإذا انتفى هذا الوصف انتفى التحريم، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما إذا كانت العلة
(11/259)

مقطوعا بها بنص أو إجماع كما هنا. وقد توهم بعض الناس أن المخلوط بالخمر حرام مطلقا ولو قلت نسبة الخمر فيه، بحيث لا يظهر له أثر في المخلوط، وظنوا أن هذا هو معنى حديث: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) . فقالوا: هذا فيه قليل من الخمر الذي يسكر كثيره فيكون حراما، فيقال هذا القليل من الخمر استهلك في غيره فلم يكن له أثر وصفي ولا حكمي، فبقي الحكم لما غلبه في الوصف، وأما حديث: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) فمعناه أنه إذا كان الشراب إن أكثر منه الشارب سكر، وإن قلل لم يسكر فإن القليل منه يكون حراما؛ لأن تناول القليل وإن لم يسكر ذريعة إلى تناول الكثير، ويوضح ذلك حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر حرام وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام) .
الفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلا، ومعنى الحيث أنه إذا وجد شراب لا يسكر منه إلا الفرق، فإن ملء الكف منه حرام فهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) .
212) وسُئل فضيلته: ما رأيكم في هذه الأقوال:
1- أن الدم المسفوح، هو الذي وقع فيه الخلاف، أما غير المسفوح كدم الجروح وسواها فلم يقل أحد بنجاسته.
2- أن المحدثين لم يشيروا أبدا إلى التحريم إلا للدم المسفوح وكذلك أشار المفسرون.
3- أنه لا يوجد دليل واحد صحيح يفيد بنجاسة الدم، إلا ما كان من إشارة بعض الفقهاء، وهؤلاء لا دليل
(11/260)

عندهم، وما دام الدليل لم يوجد، فالأصل طهارة الدم فلا تبطل صلاة من صلى وعلى ثوبه بقع دم؟
فأجاب بقوله: ما ذكرتم في رقم 1 فلو رجع القائل إلى كلام أهل العلم لوجد أن الأمر على خلاف ما ذكر، فإن الدم المسفوح لم نعلم قائلا بطهارته كيف وقد دل القرآن على نجاسته كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى، وقد نقل الاتفاق على نجاسته ابن رشد في بداية المجتهد، فقال ص 76ط الحلبي: وأما أنواع النجاسات فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة، وذكر منها: الدم من الحيوان الذي ليس بمائي انفصل من الحي أو الميت إذا كان مسفوحا أي كثيرا، وقال في ص79 منه: اتفق العلماء على أن دم الحيوان البري نجس. اهـ لكن تفسيره للمسفوح بالكثير مخالف لظاهر اللفظ ولما ذكره البغوي في تفسيره، عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه ما خرج من الحيوان وهو حي وما يخرج من الأوداج عند الذبح، وذلك لأن المسفوح هو المراق السائل لا يقيد كونه كثيرا. اللهم إلا أن يريد ابن رشد بهذا القيد محل الاتفاق حيث عفا كثير من أهل العلم عن يسير الدم المسفوح، لكن العافون عنه لم يجعلوه طاهرا وإنما أرادوا دفع المشقة بوجوب تطهير اليسير منه.
وقد نقل القرطبي في تفسيره ص 221جـ 2ط دار الكاتب اتفاق العلماء على أن الدم حرام نجس، وقال النووي في شرح المهذب ص 511جـ 2ط المطيعي: والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة ولا أعلم فيه خلافا عن أحد من المسلمين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال طاهر اهـ. والظاهر أن الإطلاق في كلامي القرطبي والنووي مقيد بالمسفوح والله اعلم.
وأما غير المسفوح الذي مثل له بدماء الجروح وسواها وذكر أنه لم
(11/261)

يقل أحد بنجاسته مع أن قوله (وسواها) يشمل دم الحيض الذي دلت السنة على نجاسته كما سيأتي إن شاء الله. فلو رجع القائل إلى كلام أهل العلم لوجد أن كلام أهل العلم صريح في القول بنجاسته أو ظاهر.
قال الشافعي ـ رحمه الله ـ في الأم ص67 جـ 1ط دار المعرفة بعد ذكر حديث أسماء في دم الحيض: وفي هذا دليل على أن دم الحيض نجس وكذا كل دم غيره. وفي ص56 منه مثل للنجس بأمثلة منها: العذرة والدم.
وفي المدونة ص38 جـ 1ط دار الفكر عن مالك ـ رحمه الله ـ ما يدل على نجاسة الدم من غير تفصيل.
ومذهب الإمام احمد في ذلك معروف نقله عنه أصحابه.
وقال ابن حزم في المحلى ص102 جـ 1ط المنيرية ك وتطهير دم الحيض أو أي دم كان سواء دم سمك كان أو غيره أو كان في الثوب أو الجسد فلا يكون إلا بالماء حاشا دم البراغيث ودم الجسد فلا يلزم تطهيرهما إلا ما حرج في غسله على الإنسان فيطهر المرء ذلك حسب ما لا مشقة عليه فيه. اهـ.
وقال الفروع (من كتب الحنابلة) ص253 جـ 1ط دار مصر للطباعة: ويعفى على الأصح عن يسير دم وما تولد منه (و) وقيل من بدن اهـ. والرمز بالواو في اصطلاحه إشارة إلى وفاق الأئمة الثلاثة ومقتضىهذا ان الدم نجس عند الأئمة الأربعة لأن التعبير بالعفو عن يسيره يدل على نجاسته.
وقال في الكافي (من كتب الحنابلة أيضا) ص 110/ جـ 1 ط المكتب الإسلامي: والدم نجس لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء في الدم (اغسليه بالماء) . متفق عليه، ولأنه نجس لعينه بنص القرآن أشبه الميتة
(11/262)

ثم ذكر ما يستثنى منه ونجاسة القيح والصديد، وقال إلا أن أحمد قال: هما أخف حكما من الدم لوقوع الخلاف في نجاستهما وعدم التصريح فيهما. اهـ وقوله لوقوع الخلاف في نجاستهما ما يفيد بأن الدم لا خلاف في نجاسته.
وقال في المهذب (من كتب الشافعية) ص511 جـ 2ط المطيعي: وأما الدم فنجس ثم ذكر في دم السمك وجهين أحدهما نجس كغيره والثاني طاهر.
وقال في جواهر الإكليل (من كتب المالكية) ص9 جـ 1 ط الحلبي في عد النجاسات: ودم مسفوح أي جار بذكاة أو فصد وفي ص11 منه فيما يعفى عنه من النجاسات: ودون درهم من دم مطلقا عن تقييده بكونه من بدن المصلي أو غير حيض وخنزير أو في بدن أو ثوب أو مكان اهـ.
وقال في شرح مجمع الأنهر (من كتب الحنفية) ص51-52 جـ 1 ط عثمانية: وعفى قدر الدرهم من نجس مغلظ كالدم والبول ثم ذكر ص 53 منه أن دم السمك والبق والقمل والبرغوث والذباب طاهر.
فهذه أقوال أهل العلم من أهل المذاهب المتبوعة وغيرهم صريحة في القول بنجاسة الدم واستثناؤهم ما استثنوه دليل على العموم فيما سواه، ولا يمكن إنكار أن يكون أحد قال بنجاسة بعد هذه القول عن أهل العلم.
وأما ما ذكر في رقم 2فالكلام في نجاسة الدم لا في تحريمه، والتحريم لا يلزم منه التنجيس فهذا السم حرام وليس بنجس فكل نجس محرم وليس كل محرم نجسا، فنقل الكلام من البحث في نجاسته إلى تحريمه غير جيد.
(11/263)

ثم إن التعبير بأن ثبوت تحريمه كان بإشارة المحدثين والمفسرين مع أنه كان بنص القرآن القطعي غير سديد، فتحريم الدم المسفوح كان بنص القرآن القطعي المجمع عليه لا بإشارة المحدثين والمفسرين كما يعلم.
وأما ما ذكر في رقم 3 فإن سياق كلامكم يدل على أنكم تقصدون بالدم المسفوح فقط أو هو وغيره لأنكم ذكرتم أن غير المسفوح لم يقل أحد بنجاسته، وأن موضع الخلاف هو الدم المسفوح، ولو رجعتم إلى الكتاب والسنة لوجدتم فيهما ما يدل على نجاسة الدم المسفوح ودم الحيض ودم الجرح.
فأما نجاسة الدم المسفوح ففي القرآن قال الله تعالى: (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (1) . فإن قوله (محرما) صفة لموصوف محذوف والتقدير: شيئا محرما، والضمير المستتر في (يكون) يعود على ذلك الشيء المحرم أي إلا أن يكون ذلك الشيء المحرم ميتة إلخ، والضمير البارز في قوله (فإنه) يعود أيضا على ذلك الشيء المحرم أي فإن ذلك الشيء المحرم رجس، وعلى هذا فيكون في الآية الكريمة بيان الحكم وعلته في هذه الأشياء الثلاثة: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، ومن قصر الضمير في قوله (فإنه) على لحم الخنزير معللا ذلك بأنه أقرب مذكور فقصره قاصر وذلك لأنه يؤدي إلى تشتيت الضمائر وإلى القصور في البيان القرآني حيث يكون ذاكرا للجميع (الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير) حكما واحدا م يعلل لواحد منها فقط.
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 145.
(11/264)

وكذلك من قصره على لحم الخنزير معللا بأنه لو كان الضمير للثلاثة لقال: فإنها أو فإنهن، فجوابه:
أنا لا نقول إن الضمير للثلاثة بل هو عائد إلى الضمير المستتر في ـ يكون ـ المخبر عنه بأحد الأمور الثلاثة.
ويدل على أن وصف الرجس للثلاثة ما دلت عليه السنة من نجاسة الميتة، ففي السنن عن ميمونة ـرضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة يجرونها، فقال: (لو أخذتم إهابها) . فقالوا: إنها ميتة، فقال: (يطهرها الماء والقرض) أخرجه النسائي وأبو داود، وأخرجا من حديث سلمة بن المحبق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جلود الميتة: (دباغها طهورها) . وعند النسائي: (دباغها ذكاتها) . وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: وقد سُئل عن اسقية المجوس، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (دباغه طهوره) .
وبهذا تقرر دلالة القرآن على نجاسة الدم المسفوح.
وأما نجاسة دم الحيض، ففي الصحيحين من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لفاطمة بنت أبي حبيش: (إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي) . هذا لفظ البخاري، وقد ترجم عليه باب غسل الدم، وفيهما أيضا من حديث أسماء بنت أبي بكر ـرضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرضه ثم لتنضحه بماء ثم تصلي فيه) . هذا لفظ البخاري في رواية، وفي أخرى: (تحته ثم تقرضه بالماء وتنضحه وتصلي فيه) . وهو لمسلم بهذا اللفظ، لكن بثم في الجمل الثلاث كلها، وكون النبي صلى الله عليه وسلم يرتب الصلاة على غسله بثم، دليل على أن غسله لنجاسته، لا لأجل النظافة فقط.
(11/265)

وأما نجاسة دم الجرح: ففي الصحيحين من حديث سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ في قصة جرح وجه النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد قال: فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم، وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن، هذا لفظ مسلم. وهذا وإن كان قد يدعى مدع أن غسله للتنظيف لا للتطهير الشرعي، أو أنه مجرد فعل والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، فإن جوابه أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش بغسل الدم قرينة على ان غسل الدم من وجه النبي صلى الله عليه وسلم كان تطهيرا شرعيا متقررا عندهم.
وأما ما ورد عن بعض الصحابة مما يدل ظاهره على أنه لا يجب غسل الدم والتطهير منه، فإنه على وجهين:
أحدهما: أن يكون يسيرا يعفى عنه مثل ما يروى عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه لا يرى بالقطرتين من الدم في الصلاة بأسا، وأنه يدخل أصابعه في أنفه فيخرج عليها الدم فيحته ثم يقوم فيصلي، ذكر ذلك عنه ابن أبي شيبة في مصنفه.
الثاني: أن يكون كثيرا لا يمكن التحرر منه، مثل ما رواه مالك في الموطأ عن المسور بن مخرمة، أن عمر بن الخطاب حين طعن، صلى وجرحه يثغب دما، فإن هذا لا يمكن التحرز منه إذا لو غسل لا ستمر يخرج، فلم يستفد شيئا، وكذلك ثوبه لو غيره بثوب آخر ـ إن كان له ثوب أخر ـ لتلوث الثوب الآخر فلم يستفد من تغييره شيئا، فإذا كان الوارد عن الصحابة لا يخرج عن هذين الوجهين، فإنه لا يمكن إثبات طهارة الدم بمثل ذلك، والذي يتبين من النصوص فيما نراه في طهارة الدم ونجاسته ما يلي:
أ-الدم السائل من حيوان مييته نجسة، فهذا نجس كما تدل عليه الآية
(11/266)

الكريمة.
ب ـ دم الحيض، وهو نجس كما يدل عليه حديثا عائشة وأسماء ـ رضي الله عنهما ـ
جـ ـ الدم السائل من بني آدم، وظاهر النصوص وجوب تطهيره إلا ما يشق التحرز منه كدم الجرح المستمر، وإن كان يمكن أن يعارض هذا الظاهر بما أشرنا إليه عند الكلام على غسل جرح النبي، صلى الله عليه وسلم، وبأن أجزاء الآدمي إذا قطعت كانت طاهرة عند أكثر أهل العلم، فالدم من باب أولى، لكن الاحتياط التطهر منه لظاهر النصوص، واتقاء الشبهات التي من اتقاها استبرأ لدينه وعرضه.
دـ دم السمك وهو طاهر لأنه إذا كانت ميتته طاهرة كان ذلك دليلا على طهارته فإن تحريم الميتة من أجل بقاء الدم فيها بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم سبب الحل أمرين:
أحدهما: إنهار الدم
الثاني: ذكر اسم الله تعالى.
الأول حسي، والثاني معنوي.
هـ ـدم الذباب والبعوض وشبهه لأن ميتته طاهرة كمل دل عليه حديث أبي هريرة في الأمر بغمسه إذا وقع في الشراب، ومن الشراب ما هو حار يموت به، وهذا دليل على طهارة دمه لما سبق من علة تحريم الميتة.
وـ الدم الباقي بعد خروج النفس من حيوان مذكى لأنه كسائر أجزاء البهيمة وأجزاؤها حلال طاهرة بالتذكية الشرعية، فكذلك الدم كدم القلب والكبد والطحال.
(11/267)

هذا ما ظهر لنا، ونسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا صراطه المستقيم.
(11/268)

باب الحيض

213) سُئل فضيلة الشيخ ـ رفع الله درجته في المهديين ـ عن تحديد بعض الفقهاء أول الحيض بتسع سنين وتحديد آخره بخمسين سنة، هل عليه دليل؟
فأجاب فضيلته بقوله: تحديد أول الحيض بتسع سنين وآخره بخمسين سنة ليس عليه دليل؟
فأجاب فضيلته بقوله: تحديد أول الحيض بتسع سنين وآخره بخمسين سنة ليس عليه دليل، والصحيح أن المرأة متى رأت الدم المعروف عند النساء بأنه حيض فهو حيض، لعموم قوله الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً) (1) . فقد علق الله الحكم على وجود الحيض، ولم يحدد لذلك سناَ معيناً، فيجب الرجوع إلى ما علق عليه الحكم وهو الوجود، فمتى وجد الحيض ثبت حكمه، ومتى لم يوجد لم يثبت له حكم، فمتى رأت المرأة الحيض فهي حائض، وإن كانت دون التسع أو فوق الخمسين؛ لأن التحديد يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك.

214) وسُئل فضيلة الشيخ: عن امرأة تجاوزت الخمسين يأتيها الدم على الصفة المعروفة، وأخرى تجاوزت الخمسين يأتيها الدم غير الصفة المعروفة، وإنما صفرة أو كدرة؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: التي يأتيها دم على صفته
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 222.
(11/269)

المعروفة يكون دمها دم حيض صحيح على القول الراجح، إذ لا حد لأكثر سن الحيض وعلى هذا فيثبت لدمها أحكام دم الحيض المعروفة من اجتناب الصلاة والصيام ولزوم الغسل وقضاء الصوم ونحو ذلك.
وأما التي يأتيها صفرة وكدرة فالصفرة والكدرة إن كانت في زمن العادة فحيض، وإن كانت في غير زمن العادة فليست بحيض، وأما إن كان دمها دم الحيض المعروف لكن تقدم أو تأخر فهذا لا تأثير له، بل تجلس إذا أتاها الحيض وتغتسل إذا انقطع عنها. وهذا كله على القول الصحيح من أن سن الحيض لا حد له، أما على المذهب فلا حيض بعد خمسين سنة وإن كان دماً أسود عادياً، وعليه فتصوم وتصلي ولا تغتسل عند انقطاعه لكن هذا القول غير صحيح.

215) وسُئل الشيخ: عن الدم الذي يخرج من الحامل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحامل لا تحيض، كما قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الحيض. والحيض ـ كما قال أهل العلم ـ خلقه الله تبارك وتعالى لحكمة غذاء الجنين في بطن أمه، فإذا نشأ الحمل انقطع الحيض، لكن بعض النساء قد يستمر بها الحيض على عادته كما كان قبل الحمل، فيكون هذا الحيض مانعاً لكل ما يمنعه حيض غير الحامل، فيكون هذا الحيض مانعاً لكل ما يمنعه حيض غير الحامل، فيكون هذا الحيض مانعاً لكل ما يمنعه حيض غير الحامل، وموجباً لما يوجبه، ومسقطاً لما يسقطه، والحاصل أن الدم الذي يخرج من الحامل على نوعين:
النوع الأول: نوع يحكم بأنه حيض، وهو الذي استمر بها كما كان قبل الحمل، لأن ذلك دليل على أن الحمل لم يؤثر عليه فيكون حيضاً.
(11/270)

والنوع الثاني: دم طرأ على الحامل طروءاً، إما بسبب حادث، أو حمل شيء، أو سقوط من شيء ونحوه، فهذا ليس بحيض وإنما هو دم عرق، وعلى هذا فلا يمنعها من الصلاة ولا من الصيام فهي في حكم الطاهرات.

216) وسُئل: هل لأقل الحيض وأكثره حد معلوم بالأيام؟
فأجاب قائلاً: ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حد بالأيام على الصحيح، لقول الله عز وجل: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) (1) . فلم يجعل الله غاية المنع أياماً معلومة، بل جعل غاية المنع هي الطهر، فدل هذا على أن علة الحكم هي الحيض وجوداً وعدماً، فمتى وجد الحيض ثبت الحكم، ومتى طهرت منه، زالت أحكامه، ثم إن التحديد لا دليل عليه، مع أن الضرورة داعية إلى بيانه، فلو كان التحديد بسن أو زمن ثابتاً شرعاً لكان مبيناً في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فبناء عليه، فكل ما رأته المرأة من الدم المعروف عند النساء بأنه حيض فهو دم حيض من غير تقدير ذلك بزمن معين، إلا أن يكون الدم مستمراً مع المرأة لا ينقطع أبداً، أو ينقطع مدة يسيرة كاليوم واليومين في الشهر، فإنه حينئذ يكون دم استحاضة.

217) وسُئل الشيخ: هل تجوز صلاة الحائض وإن صلت حياء؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ قائلاً: صلاة الحائض لا تجوز، لقول
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 222.
(11/271)

النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟) . والحديث ثابت في الصحيحين فهي لا تصلي، وتحرم عليها الصلاة ولا تصح منها، ولا يجب عليها قضاؤها، لقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. وصلاتها ـ حياء ـ حرام عليها، ولا يجوز لها أن تصلي وهي حائض، ولا أن تصلي وهي قد طهرت ولم تغتسل، فإن لم يكن لديها ماء فإنها تتيمم وتصلي حتى تجد الماء ثم تغتسل. والله الموفق.

218) وسُئل: عن امرأة صلت حياء وهي حائض فما حكم عملها هذا؟
فأجاب بقوله: لا يحل للمرأة إذا كانت حائضاً أو نفساءً أن تصلي، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟) . وقد أجمع المسلمون على أنه لا يحل للحائض أن تصوم ولا يحل لها أن تصلي، وعلى هذه المرأة التي فعلت ذلك أن تتوب إلى الله وأن تستغفر مما وقع منها.

219) وسُئل الشيخ: عن امرأة تسببت في نزول دم الحيض منها بالعلاج، وتركت الصلاة فهل تقضيها أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تقضي المرأة الصلاة إذا تسببت لنزول الحيض فنزل، لأن الحيض دم متى وجد وجد حكمه، كما أنها لو تناولت ما يمنع الحيض ولم ينزل الحيض، فإنها تصلي وتصوم ولا تقضي الصوم، لأنها ليست بحائض، فالحكم يدور مع علته، قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً) (1) . فمتى وجد هذا الأذى ثبت حكمه، ومتى لم يوجد لم يثبت حكمه.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 222.
(11/272)

220) وسُئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للحائض أن تقرأ القرآن؟
فأجاب قائلاً: يجوز للحائض أن تقرأ القرآن للحاجة، مثل أن تكون معلمة، فتقرأ القرآن للتعليم، أو تكون طالبة فتقرأ القرآن للتعلم، أو تكون تعلم أولادها الصغار أو الكبار، فترد عليهم وتقرأ الآية قبلهم. المهم إذا دعت الحاجة إلى قراءة القرآن للمرأة الحائض، فإنه يجوز ولا حرج عليها، وكذلك لو كانت تخشى أن تنساه فصارت تقرؤه تذكراً، فإنه لا حرج عليها ولو كانت حائضاً، على أن بعض أهل العلم قال: إنه يجوز للمرأة الحائض أن تقرأ القرآن مطلقاً بلا حاجة.
وقال آخرون: إنه يحرم عليها أن تقرأ القرآن ولو كان لحاجة.
فالأقوال ثلاثة والذي ينبغي أن يقال هو: أنه إذا احتاجت إلى قراءة القرآن لتعليمه أو تعلمه أو خوف نسيانه، فإنه لا حرج عليها.

221) سُئل ـ حفظه الله تعالى ـ: هل يجوز للحائض حضور حلق الذكر في المساجد؟
فأجاب فضيلته قائلاً: المرأة الحائض لا يجوز لها أن تمكث في المسجد.
وأما مرورها بالمسجد فلا بأس به، بشرط أن تأمن تلويث المسجد مما يخرج منها من الدم، وإذا كان لا يجوز لها أن تبقى في المسجد، فإنه لا يحل لها أن تذهب لتستمع إلى حلق الذكر وقراءة القرآن، اللهم إلا أن يكون هناك موضع خارج المسجد يصل إليه الصوت بواسطة مكبر الصوت، فلا بأس أن تجلس فيه لاستماع الذكر، لأنه لا بأس أن تستمع المرأة إلى الذكر وقراءة القرآن كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتكئ
(11/273)

في حجر عائشة، فيقرأ القرآن وهي حائض، وأما أن تذهب إلى المسجد لتمكث فيه للاستماع للذكر، أو القراءة، فإن ذلك لا يجوز، ولهذا لما أبلغ النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، أن صفية كانت حائضاً قال: (أحابستنا هي؟) ظن، صلى الله عليه وسلم، ـ أنها لم تطف طواف الإفاضة ـ فقالوا إنها قد أفاضت، وهذا يدل على أنه لا يجوز المكث في المسجد ولو للعبادة. عنه أنه أمر النساء أن يخرجن إلى مصلى العيد للصلاة والذكر، وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى.

222) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا طلب الزوج زوجته في آخر العادة الشهرية فهل توافق على ذلك؟
فأجاب بقوله: هذا السؤال يدل على أن المرأة عارفة أن المرأة إذا كانت عليها العادة الشهرية أنه لا يجوز لزوجها أن يجامعها وهذا أمر معلوم لقوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (1) . وقد أجمع العلماء على أنه يحرم على الزوج أن يجامع زوجته في حال الحيض ويجب على الزوجة أن تمنع زوجها من ذلك وأن تخالفه ولا توافقه في طلبه لأن ذلك محرم ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وأما الاستمتاع بالزوجة إذا كان عليها العذر في غير جماع فإنه لا بأس به، كما لو استمتع بها خارج الفرج، ولكن إن حصل إنزال وجب الغسل، وإن لم يحصل إنزال فلا غسل، وإذا أنزل الرجل دون المرأة وجب على الرجل ولم يجب على المرأة، وإذا أنزلت دون الرجل وجب عليها
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 222.
(11/274)

الغسل دون الرجل، وإذا أنزل كل من المرأة والرجل وجب عليهما جميعاً لأن الغسل يجب إما بالإنزال بأي سبب يكون وإما بالجماع أي بالإيلاج في الفرج وإن لم يحصل إنزال، وهذه المسألة ـ أعني وجوب الغسل بالجماع إذا لم ينزل ـ هذه مسألة كثير من الناس يجهلها.
وبهذه المناسبة أقول: إن المرأة إذا كان عليها غسل من جنابة فإنه يجب عليها أن تغسل جميع بدنها وشعرها وما تحت الشعر ولا تترك شيئاً من ذلك لأن الله تعالى يقول: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (1) . ولم يخص شيئاً من البدن دون شيء، فيجب على المرأة أن تغسل جميع بدنها، وإذا كان على الإنسان لزقة على جرح أو على فتق في الأضلاع أو غيرها فإنه يمسحه بالماء ويكفي ذلك عن غسله ولا يحتاج إلى التيمم لأن مسحه يقوم مقام غسله في هذه الحال.

223) وسُئل فضيلته عن امرأة أصابها الدم لمدة تسعة أيام فتركت الصلاة معتقدة أنها العادة، وبعد أيام قليلة جاءتها العادة الحقيقية فماذا تصنع هل تصلي الأيام التي تركتها أم ماذا؟
فأجاب بقوله: الأفضل أن تصلي ما تركته في الأيام الأولى، وإن
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(11/275)

لم تفعل فلا حرج وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المرأة المستحاضة التي قالت إنها تستحاض حيضة شديدة وتدع فيها الصلاة فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم، أن تتحيض ستة أيام أو سبعة وأن تصلي بقية الشهر ولم يأمرها بإعادة ما تركته من الصلاة، وإن أعادت ما تركته من الصلاة فهو حسن لأنه قد يكون منها تفريط في عدم السؤال وإن لم تعد فليس عليها شيء.

225) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة فما الحكم؟ وهل تقضي الصلاة عن وقت الحيض؟
فأجاب بقوله: إذا حدث الحيض بعد دخول وقت الصلاة كأن حاضت بعد الزوال بنصف ساعة مثلاً فإنها بعد أن تتطهر من الحيض تقضي هذه الصلاة التي دخل وقتها وهي طاهرة لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (1) .
ولا تقضي الصلاة عن وقت الحيض لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل: (أليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟) . وأجمع أهل العلم على أنها لا تقضي الصلاة التي فاتتها أثناء مدة الحيض.
أما إذا طهرت وكان باقياً من الوقت مقدار ركعة فأكثر فإنها تصلي ذلك الوقت الذي طهرت فيه لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) . فإذا طهرت وقت العصر أو قبل طلوع الشمس وكان باقياً على غروب الشمس أو طلوعها مقدار ركعة فإنها تصلي العصر في المسألة الأولى والفجر في المسألة الثانية.
__________
(1) سورة النساء، الآية: 103.
(11/276)

226) وسُئل فضيلته: عن امرأة أجرت عملية وبعد العملية وقبل العادة بأربعة أو خمسة أيام رأت دماً أسوداً غير دم العادة وبعدها مباشرة جاءتها العادة مدة سبعة أيام فهل هذه الأيام التي قبل العادة تحسب منها؟
فأجاب بقوله: المرجع في هذا إلى الأطباء لأن الظاهر أن الدم الذي حصل لهذه المرأة كان نتيجة العملية، والدم الذي يكون نتيجة العملية ليس حكمه حكم الحيض لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة المستحاضة: (إن ذلك دم عرق) . وفي هذا إشارة إلى أن الدم الذي يخرج إذا كان دم عرق ومنه دم العملية فإن ذلك لا يعتبر حيضاً فلا يحرم به ما يحرم بالحيض وتجب فيه الصلاة والصيام إذا كان في نهار رمضان.

227) وسُئل: عن امرأة كانت عادة حيضها ستة أيام، ثم زادت أيام عادتها؟
فأجاب قائلاً: إذا كانت عادة هذه المرأة ستة أيام ثم طالت هذه المدة وصارت تسعة أو عشرة أو أحد عشر يوماً، فإنها تبقى لا تصلي حتى تطهر، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد حداً معيناً في الحيض، وقد قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً) (1) . فمتى كان هذا الدم باقياً، فإن المرأة على حالها حتى تطهر وتغتسل ثم تصلي، فإذا كان جاءها في الشهر الثاني ناقصاً عن ذلك فإنها تغتسل إذا طهرت وإن لم يكن على المدة السابقة، والمهم أن المرأة متى كان الحيض معها موجوداً فإنها لا تصلي، سواء كان الحيض موافقاً للعادة السابقة أو زائداً عنها أو ناقصاً، وإذا طهرت تصلي.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 222
(11/277)

228) وسُئل: عن امرأة كانت تحيض في أول الشهر ثم رأت الحيض في آخر الشهر، فما الحكم؟
فأجاب بقوله: إذا تأخرت عادة المرأة عن وقتها، مثل أن تكون عادتها في أول الشهر فترى الحيض في آخره، فالصواب أنها متى رأت الدم فهي حائض، ومتى طهرت منه فهي طاهر، لما تقدم آنفاً؟

229) وسُئل: عن امرأة كانت تحيض في آخر الشهر ثم رأت الحيض في أول الشهر، فما الحكم؟
فأجاب قائلاً: إذا تقدمت عادة المرأة عن وقتها، مثل أن تكون عادتها في آخر الشهر فترى الحيض في أوله، فهي حائض كما تقدم.

230) وسُئل الشيخ: عن المرأة إذا أتتها العادة الشهرية ثم طهرت واغتسلت وبعد أن صلت تسعة أيام أتاها دم وجلست ثلاثة أيام لم تصل ثم طهرت وصلت أحد عشر يوماً وعادت إليها العادة الشهرية المعتادة فهل تعيد ما صلته في تلك الأيام الثلاثة أم تعتبرها من الحيض؟
فأجاب بقوله: الحيض متى جاء فهو حيض سواء طالت المدة بينه وبين الحيضة السابقة أم قصرت فإذا حاضت وطهرت وبعد خمسة أيام أو ستة أو عشرة جاءتها العادة مرة ثانية فإنها تجلس لا تصلي لأنه حيض وهكذا أبداً، كلما طهرت ثم جاء الحيض وجب عليها أن تجلس، أما إذا استمر عليها الدم دائماً أو كان لا ينقطع إلا يسيراً فإنها تكون مستحاضة وحينئذ لا تجلس إلا مدة عادتها فقط.
(11/278)

231) وسُئل الشيخ: عن امرأة كانت تحيض ستة أيام في أول كل شهر ثم استمر الدم معها، فما الحكم؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: هذه المرأة التي كان يأتيها الحيض ستة أيام من أول كل شهر، ثم طرأ عليها الدم فصار يأتيها باستمرار، عليها أن تجلس مدة حيضها المعلوم السابق، فتجلس ستة أيام من أول كل شهر ويثبت لها أحكام الحيض، وما عداها استحاضة، فتغتسل وتصلي ولا تبالي بالدم حينئذ، لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: (لا إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) . رواه البخاري، وعند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأم حبيبة بنت جحش: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي) .

232) سُئل الشيخ: عن امرأة عادتها عشرة أيام، وفي شهر رمضان جلست العادة أربعة عشر يوماً وهي لم تطهر وبدأ يخرج منها دم لونه أسود أو أصفر ومكثت على هذه الحالة ثمانية أيام وهي تصوم وتصلي في هذه الأيام الثمانية فهل صلاتها وصيامها في هذه الأيام الثمانية صحيح؟ وماذا يجب عليها؟
فأجاب بقوله: الحيض أمره معلوم عند النساء وهن أعلم به من الرجال، فإذا كانت هذه المرأة التي زاد حيضها عن عادتها إذا كانت تعرف أن هذا هو دم الحيض المعروف المعهود فإنه يجب عليها أن تجلس وتبقى فلا تصلي ولا تصوم، إلا إذا زاد على أكثر الشهر فيكون استحاضة
(11/279)

ولا تجلس بعد ذلك إلا مقدار عادتها.
وبناءً على هذه القاعدة نقول لهذه المرأة إن الأيام التي صامتها بعد أن طهرت ثم رأت هذا الدم المتنكر الذي تعرف أنه ليس دم حيض وإنما هو صفرة أو كدرة أو سواد أحياناً فإن هذا لا يعتبر من الحيض وصيامها فيه صحيح مجزئ وكذلك صلاتها غير محرمة عليها.

233) سُئل: عن حكم السائل الأصفر الذي ينزل من المرأة قل الحيض بيومين؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا السائل أصفر قبل أن يأتي الحيض فإنه ليس بشيء لقول أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً) . فإذا كانت هذه الصفرة قبل الحيض ثم تنفصل بالحيض فإنها ليست بشيء، أما إذا علمت المرأة أن هذه الصفرة هي مقدمة الحيض فإنها تجلس حتى تطهر.

234) وسُئل الشيخ ـ حفظه الله تعالى ـ: عن امرأة رأت الكدرة قبل حيضها المعتاد، فتركت الصلاة، ثم نزل الدم على عادته، فما الحكم؟
فأجاب بقوله: تقول أم عطية ـ رضي الله عنها ـ: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً) . وعلى هذا فهذه الكدرة التي سبقت الحيض لا يظهر لي أنها حيض، لا سيما إذا كانت أتت قبل العادة، ولم يكن علامات للحيض من المغص ووجع الظهر ونحو ذلك، فالأولى لها أن تعيد الصلاة التي تركتها في هذه المدة.
(11/280)

235) سُئل الشيخ: عن حكم الصفرة والكدرة التي تكون بعد الطهر؟
فأجاب بقوله: مشاكل النساء في الحيض بحر لا ساحل له، ومن أسبابه استعمال هذه الحبوب المانعة للحمل والمانعة للحيض، وما كان الناس يعرفون مثل هذه الإشكالات الكثيرة من قبل، صحيح أن الإشكال ما زال موجوداً منذ وجد النساء، لكن كثرته على هذا الوجه الذي يقف الإنسان حيران في حل مشاكله أمر يؤسف له، ولكن القاعدة العامة: أن المرأة إذا طهرت ورأت الطهر المتيقن في الحيض، وأعني الطهر في الحيض خروج القصة البيضاء، وهو ماء أبيض تعرفه النساء، فما بعد الطهر من كدرة أو صفرة أو نقطة أو رطوبة فهذا كله ليس بحيض، فلا يمنع من الصلاة، ولا يمنع من الصيام، ولا يمنع من جماع الرجل لزوجته، لأنه ليس بحيض. قالت أم عطية: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً) . أخرجه البخاري وزاد أو داود (بعد الطهر) ، وسنده صحيح.
وعلى هذا نقول: كل ما حدث بعد الطهر المتيقن من هذه الأشياء فإنها لا تضر المرأة، ولا تمنعها من صلاتها وصيامها وجماع زوجها إياها، ولكن يجب أن لا تتعجل حتى ترى الطهر، لأن بعض النساء إذا خف الدم عنها بادرت واغتسلت قبل أن ترى الطهر، ولهذا كان نساء الصحابة يبعثن إلى أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ بالكرسف ـ يعني القطن ـ فيه الدم فتقول لهن لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء.
(11/281)

236) وسُئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصفرة التي تأتي المرأة بعد الطهر؟
فأجاب قائلاً: القاعدة العامة في هذا وأمثاله، أن الصفرة والكدرة بعد الطهر ليست بشيء، لقول أم عطية ـ رضي الله عنها ـ (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً) ، كما أن القاعدة العامة أيضاً أن لا تتعجل المرأة إذا رأت توقف الدم حتى ترى القصة البيضاء، كما قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ للنساء وهن يأتين إليها بالكرسف ـ يعني القطن ـ (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) .
وبهذه المناسبة: أحذر النساء تحذيراً بالغاً من استعمال الحبوب المانعة من الحيض، لأن هذه الحبوب ـ كما تقرر عندي من أطباء سألتهم ـ في المنطقة الشرقية والغربية وهم من السعوديين والحمد لله، وكذلك أطباء من الإخوة المنتدبين إلى هذه المملكة في المنطقة الوسطى ـ وكلهم مجمعون على أن هذه الحبوب ضارة، ومن أعظم ما يكون فيها من المضرة أنها سبب لتقرح الرحم، وأنها سبب لتغير الدم واضطرابه، وهذا مشاهد وما أكثر الإشكالات التي ترد على النساء من أجلها، وأنها سبب لتشوه الأجنة في المستقبل، وإذا كانت الأنثى لم تتزوج فإنه يكون سبباً في وجود العقم أي أنها لا تلد، وهذه مضرات عظيمة، ثم إن الإنسان بعقله ـ وإن لم يكن طبيباً ـ وإن لم يعرف الطب، يعرف أن منع هذا الأمر الطبيعي الذي جعل الله له أوقاتاً معينة، يعرف أن منعه ضرر كما لو حاول الإنسان أن يمنع البول أو الغائط، فإنه هذا ضرر بلا شك، كذلك هذا الدم الطبيعي الذي كتبه الله على بنات آدم، لا شك أن محاولة منعه من الخروج في وقته ضرر على الأنثى، وأنا أحذر نساءنا
(11/282)

من تداول هذه الحبوب، وكذلك أحب من الرجال أن ينتبهوا لهذا ويمنعوهن. والله الموفق.

237) وسُئل فضيلته: عن حكم استعمال حبوب منع الحيض؟
فأجاب بقوله: استعمال المرأة حبوب منع الحيض إذا لم يكن عليها ضرر من الناحية الصحية، فإنه لا بأس به، بشرط أن يأذن الزوج بذلك، ولكن حسب ما علمته أن هذه الحبوب تضر المرأة، ومن المعلوم أن خروج دم الحيض خروج طبيعي، والشيء الطبيعي إذا مُنع في وقته، فإنه لا بد أن يحصل من منعه ضرر على الجسم، وكذلك أيضاً من المحذور في هذه الحبوب أنها تخلط على المرأة عادتها، فتختلف عليها، وحينئذ تبقى في قلق وشك من صلاتها ومن مباشرة زوجها وغير ذلك، لهذا أن لا أقول إنها حرام ولكني لا أحب للمرأة أن تستعملها خوفاً من الضرر عليها.
وأقول: ينبغي للمرأة أن ترضى بما قدر الله لها، فالنبي صلى الله عليه وسلم، دخل عام حجة الوداع على أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ وهي تبكي وكانت قد أحرمت بالعمرة فقال: (مالك لعلك نفست؟) . قالت: نعم. قال: (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم) . فالذي ينبقي للمرأة أن تصبر وتحتسب، وإذا تعذر عليها الصوم والصلاة من أجل الحيض، فإن باب الذكر مفتوح ولله الحمد، تذكر الله وتسبح الله سبحانه وتعالى، وتتصدق وتحسن إلى الناس بالقول والفعل، وهذا أفضل الأعمال.
(11/283)

238) وسُئل فضيلة الشيخ: ما حكم السوائل التي تنزل من بعض النساء، وهل هي نجسة؟ وهل تنقض الوضوء؟
فأجاب ـ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً ـ بقوله: هذه الأشياء التي تخرج من فرج المرأة لغير شهوة لا توجب الغسل، ولكن ما خرج من مخرج الولد فإن العلماء اختلفوا في نجاسته:
فقال بعض العلماء: إن رطوبة فرج المرأة نجسة ويجب أن تتطهر منها طهارتها من النجاسة.
وقال بعض العلماء: إن رطوبة فرج المرأة طاهرة، ولكنها تنقض الوضوء إذا خرجت، وهذا القول هو الراجح، ولهذا لا يغسل الذكر بعد الجماع غسل نجاسة.
أما ما يخرج من مخرج البول فإنه يكون نجساً لأن له حكم البول والله عز وجل قد جعل في المرأة مسلكين: مسلكاً يخرج منه البول، ومسكاً يخرج منه الولد، فالإفرازات التي تخرج من المسلك الذي يخرج منه الولد، إنما هي إفرازات طبيعية وسوائل يخلقها الله عز وجل في هذا المكان لحكمه، وأما الذي يخرج من ما يخرج منه البول، فهذا يخرج من المثانة في الغالب، ويكون نجساً والكل منها ينقض الوضوء، لأنه لا يلزم من الناقض أن يكون نجساً؛ فها هي الريح تخرج من الإنسان وهي طاهرة لأن الشارع لم يوجب منها استنجاء، ومع ذلك تنقض الوضوء.

239) وسُئل الشيخ: هل السائل الذي ينزل من المرأة طاهر أو نجس؟ وهل ينقض الوضوء؟ فبعض النساء يعتقدن أنه لا ينقض الوضوء.
فأجاب قائلاً: الظاهر لي بعد البحث أن السائل الخارج من المرأة
(11/284)

إذا كان لا يخرج من المثانة وإنما يخرج من الرحم فهو طاهر، ولكنه ينقض الوضوء وغن كان طاهراً، لأنه لا يشترط للناقض للوضوء أن يكون نجساً، فها هي الريح تخرج من الدبر وليس لها جرم، ومع ذلك تنقض الوضوء، وعلى هذا إذا خرج من المرأة وهي على وضوء، فإنه ينقض الوضوء وعليها تجديده، فإن كان مستمراً، فإنه لا ينقض الوضوء، ولكن لا تتوضأ للصلاة إلا إذا دخل وقتها وتصلي في هذا الوقت الذي تتوضأ فيه فروضاً ونوافل وتقرأ القرآن وتفعل ما شاءت مما يباح لها، كما قال أهل العلم نحو هذا فيمن به سلس البول.
هذا هو حكم السائل من جهة الطهارة فهو طاهر، لا ينجس الثياب ولا البدن.
وأما حكمه من جهة الوضوء، فهو ناقض للوضوء، إلا أن يكون مستمراً عليها، فإن كان مستمراً فإنه ينقض الوضوء، لكن على المرأة أن لا تتوضأ للصلاة إلا بعد دخول الوقت وأن تتحفظ.
أما إن كان متقطعاً وكان من عادته أن ينقطع في أوقات الصلاة، فإنها تؤخر الصلاة إلى الوقت الذي ينقطع فيه ما لم تخش الوقت، فإن خشيت خروج الوقت، فإنها تتوضأ وتتلجم (تتحفظ) وتصلي. ولا فرق بين القليل والكثير، لأنه كله خارج من السبيل فيكون ناقضاً قليله وكثيره.
وأما اعتقاد بعض النساء أنه لا ينقض الوضوء، فهذا لا أعلم له أصلاً إلا قولاً لابن حزم ـ رحمه الله ـ فإنه يقول: إن هذا لا ينقض الوضوء، ولكنه لم يذكر لهذا دليلاً، ولو كان له دليل من الكتاب والسنة أو أقوال الصحابة لكان حجة، وعلى المرأة أن تتقي الله وتحرص على طهارتها، فإن الصلاة لا تقبل بغير طهارة ولو صلت مئة مرة، بل إن
(11/285)

بعض العلماء يقول: إن الذي يصلي بلا طهارة يكفر لأن هذا من باب الاستهزاء بآيات الله سبحانه وتعالى.

240) وسُئل: إذا توضأت المرأة التي ينزل منها السائل مستمراً لصلاة فرض، هل يجوز لها أن تصلي النوافل وقراءة القرآن بذلك الوضوء؟
فأجاب بقوله: إذا توضأت لصلاة الفريضة من أول الوقت، فلها أن تصلي ما شاءت من فروض ونوافل وقراءة قرآن إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى.

241) سُئل فضيلة الشيخ: هل يجوز لتلك المرأة أن تصلي صلاة الضحى بوضوء الفجر؟
فأجاب بقوله: لا يصح ذلك، لأن صلاة الضحى مؤقتة، فلابد من الوضوء لها بعد دخول وقتها، لأن هذه المرأة كالمستحاضة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم، المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، ووقت الظهر من زوال الشمس إلى وقت العصر، ووقت العصر من خروج وقت الظهر إلى اصفرار الشمس، والضرورة إلى غروب الشمس، ووقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، ووقت العشاء من مغيب الشفق الأحمر إلى نصف الليل، ووقت الفجر من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.

242) وسُئل: هلي يجوز لتلك المرأة أن تصلي قيام الليل إذا انقضى نصف الليل بوضوء العشاء؟
فأجاب قائلاً: هذه المسألة محل خلاف، فذهب بعض أهل العلم
(11/286)

إلى أنه إذا انقضى نصف الليل، وجب عليها أن تجدد الوضوء.
وقيل: لا يلزمها أن تجدد الوضوء وهو الراجح.

243) وسُئل: إذا توضأت من ينزل منها ذلك السائل متقطعاً، وبعد الوضوء وقبل الصلاة نزل مرة أخرى فما العمل؟
فأجاب بقوله: إذا كان متقطعاً فلتنتظر حتى يأت الوقت الذي ينقطع فيه، أما إذا كان ليس له حال بينه، حيناً ينزل وحيناً لا، فهي تتوضأ بعد دخول الوقت وتصلي ولا شيء عليها ولو خرج حين الصلاة.

244) وسُئل: إذا أصاب بدنها أو لباسها شيء من ذلك السائل، فما الحكم؟
فأجاب بقوله: إذا كان طاهراً فإنه لا يلزمها شيء، وإذا كان نجساً، وهو الذي يخرج من المثانة، فإنه يجب عليها أن تغسله.

245) وسُئل حفظه الله: إذا كانت المرأة لا تتوضأ من ذلك السائل لجهلها بالحكم فماذا عليها؟
فأجب بقوله: عليها أن تتوب إلى الله عز جل ثم إن كانت في مكان ليس عندها من تسأله كامرأة ناشئة في البادية ولم يطرأ على بالها أن ذلك ناقض للوضوء فلا شيء عليها، وإن كانت في مكان فيه علماء فتهاونت وفرطت في السؤال فعليها قضاء الصلوات التي تركتها.

246) سُئل الشيخ: عمن ينسب إليه القول بعدم نقض الوضوء من ذلك السائل؟
فأجاب ـ جزاه الله خيراً ـ الذي ينسب عني هذا القول غير صادق، والظاهر أنه فهم من قوله أنه طاهر أنه لا ينقض الوضوء.
(11/287)

247) وسُئل: ما حكم غسل الحائض رأسها أثناء الحيض؟ فبعض الناس يقولون إنه لا يجوز؟
فأجاب قائلاً: غسل الحائض رأسها أثناء الحيض لا بأس به.
وأما قولهم لا يجوز فلا صحة له، بل لها أن تغسل رأسها وجسدها.

248) سُئل فضيلة الشيخ: عن حكم التزين بالحناء؟ وفعل ذلك والمرأة حائض؟
فأجاب فضيلته بقوله: التزين بالحناء لا بأس به لا سيما للمرأة المتزوجة التي تتزين به لزوجها، وأما غير المتزوجة فالصحيح أنه مباح إلا أنها لا تبديه للناس لأنه من الزينة.
وفعل ذلك في وقت الحيض لا بأس به، وقد كثر السؤال عنه من النساء هل يجوز للمرأة أن تحني رأسها أو يديها أو رجليها وهي حائض؟
والجواب على ذلك: أن هذا لا بأس به والحناء كما نعلم يعقبه أثر تلوين بالنسبة لموضعه واللون هنا لا يمنع من وصول الماء إلى البشرة كما يتوهم، فإذا غسلته المرأة أول مرة زال جرمه وبقيت آثاره الملونة وهذا لا بأس به.

249) سُئل الشيخ: هل يجوز وضع الحناء في يديها ورأسها وهي حائض؟ وهل صحيح أنها إذا ماتت لا تدفن ويدها بيضاء؟
فأجاب بقوله: أما المرأة الحائض فيجوز لها أن تتحنى في يديها ورأسها ورجليها ولا حرج عليها في ذلك.
وأما ما ذكر أن المرأة إذا ماتت ولي سفي يديها حناء ويداها بيضاوان
(11/288)

لا تدفن فهذا ليس بصواب ولا أصل له، فالمرأة إذا ماتت فهي كغيرها إذا كانت من المسلمين تدفن مع المسمنين وإذا كانت من غير المسلمين تدفن مع غير المسلمين، سواء كانت متحنية أم لا.

250) سُئل فضيلة الشيخ: عن النفساء إذا اتصل الدم معها بعد الأربعين فهل تصلي وتصوم؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ قائلاً: المرأة النفساء إذا بقي الدم معها فوق الأربعين، وهو لم يتغير، فإن صادف ما زاد على الأربعين عادة حيضها السابقة جلسته، وإن لم يصادف عادة حيضها السابقة فقد اختلف العلماء في ذلك:
فمنهم من قال: تغتسل وتصلي وتصوم ولو كان الدم يجري عليها، لأنها تكون حينئذ كالمستحاضة.
ومنهم من قال: إنها تبقى حتى تتم ستين يوماً، لأنه وجد من النساء من تبقى في النفاس ستين يوماً، وهذا أمر واقع، فإن بعض النساء كانت عادتها في النفاس ستين يوماً، وبناء على ذلك فإنها تنتظر حتى تتم ستين يوماً، ثم بعد ذلك ترجع إلى الحيض المعتاد فتجلس وقت عادتها ثم تغتسل وتصلي، لأنها حينئذ مستحاضة.

251) وسُئل فضيلة الشيخ: عن امرأة انقطع عنها دم النفاس قبل تمام الأربعين بخمسة أيام، فصلت وصامت، ثم بعد الأربعين عاد الدم فما الحكم؟
فأجاب فضيلته قائلاً: إذا طهرت النفساء قبل تمام الأربعين، فإنه يجب عليها أن تصلي، ويجب عليها أن تصوم إذا كان ذلك في رمضان، ويجوز لزوجها أن يجامعها وإن لم تتم الأربعين، وهذه المرأة التي طهرت
(11/289)

لخمسة وثلاثين يوماً يجب عليها أن تصوم وأن تصلي، وما صامته أو صلته فإنه واقع موقعه، فإذا عاد عليها الدم بعد الأربعين، فهو حيض، إلا أن يستمر عليها أكثر الوقت فإنها تجلس عادتها فقط، ثم تغتسل وتصلي.

252 252) وسُئل فضيلة الشيخ: إذا طهرت النفساء قبل تمام الأربعين فهل يجامعها زوجها؟ وإذا عاودها الدم بعد الأربعين. فما الحكم؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ بقوله: النفساء لا يجوز لزوجها أن يجامعها، فإذا طهرت في أثناء الأربعين، فإنه يجب عليها أن تصلي، وصلاتها صحيحة، ويجوز لزوجها أن يجامعها في هذه الحال، لأن الله تعالى يقول في المحيض: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) (1) . فما دام الأذى موجوداً وهو الدم، فإنه لا يجوز الجماع، فإذا طهرت منه جاز الجماع، وكما أنه يجب عليها أن تصلي، ولها أن تفعل كل ما يمتنع عليها في النفاس إذا طهرت في أثناء الأربعين، فكذلك الجماع يجوز لزوجها، إلا أنه ينبغي أن يصبر لئلا يعود عليها الدم بسبب الجماع، حتى تتم الأربعين، ولكن لو جامعها قبل ذلك فلا حرج عليها. وإذا رأت الدم بعد الأربعين وبعد أن طهرت، فإنه يعتبر دم حيض، وليس دم نفاس، ودم الحيض معلوم للنساء فمتى أحست به فهو دم حيض، فإن استمر معها وصار لا ينقطع عنها إلا يسيراً من الدهر، فإنها تكون مستحاضة، وحينئذ ترجع إلى عادتها في الحيض، فتجلس وما زاد عن العادة فإنها تغتسل وتصلي. والله أعلم.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 222
(11/290)

253) وسُئل ـ حفظه الله تعالى ـ: عن المرأة ترى دم النفاس لمدة أسبوعين ثم يتحول تدريجياً إلى مادة مخاطية مائلة إلى الصفرة ويستمر كذلك حتى نهاية الأربعين، فهل ينطبق على هذه المادة التي تلت الدم حكم النفاس أم لا؟
فأجاب بقوله: هذه الصفرة أو السائل المخاطي ما دام لم تظهر فيه الطهارة الواضحة البينة فإنه تابع لحكم الدم فلا تكون طاهراً حتى تتخلص من هذا، وإذا طهرت وأرت النقاء البين وجب عليها أن تغتسل وتصلي حتى ولو كان ذلك قبل الأربعين، وأما ما يظنه بعض النساء من أن المرأة تبقى إلى الأربعين ولو طهرت قبل ذلك فهذا ظن خطأ وليس بصواب، بل متى طهرت ولو لعشرة أيام وجب عليها الصلاة وجاز لها ما يجوز للنساء الطاهرات حتى الجماع.

254) وسُئل: عن المرأة إذا أسقطت في الشهر الثالث فهل تصلي أو تترك الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: المعروف عند أهل العلم أن المرأة إذا أسقطت لثلاثة أشهر فإنها لا تصلي لأن المرأة إذا أسقطت جنيناً قد تبين فيه خلق إنسان فإن الدم الذي يخرج منها يكن دم نفاس لا تصلي فيه.
قال العلماء: ويمكن أن يتبين خلق الجنين إذا تم له واحد وثمانون يوماً وهذه أقل من ثلاثة أشهر، فإذا تيقنت أنه سقط الدنين لثلاثة أشهر فإن الذي أصابها يكون دم حيض، أما إذا كان قبل الثمانين يوماً فإن هذا الدم الذي أصابها يكون دم فساد لا تترك الصلاة من أجله وهذه السائلة عليها أن تتذكر في نفسها فإذا كان الجنين سقط قبل الثمانين يوماً فإنها
(11/291)

تقضي الصلاة وإذا كانت لا تدري كم تركت فإنها تقدر وتتحرى وتقضي على ما يغلب عليها ظنها أنها لم تصله.

255) وسُئل: عن حكم الدم الذي يخرج بعد سقوط الجنين؟
فأجاب قائلاً: إذا نزل الجنين فنزل الدم بعده، فإن كان هذا الجنين قد تبين فيه خلق الإنسان، فتبين يداه ورجلاه وبقية أعضائه، فالدم دم نفاس لا تصلي المرأة ولا تصوم حتى تطهر منه، وإن لم يتبين فيه خلق إنسان فليس الدم دم نفاس فتصلي وتصوم إلا في الأيام التي توافق عادتها الشهرية، فإنها تجلس لا تصلي ولا تصوم حتى تنتهي أيام العادة.

256) وسُئل فضيلة الشيخ: عن حكم الدم الذي يخرج من المرأة بعد سقوط جنينها؟
فأجاب قائلاً: قال أهل العلم: إن خرج وقد تبين فيه خلق إنسان، فإن دمها بعد خروجه يعد نفاساً، تترك فيه الصلاة والصوم ويتجنبها زوجها تطهر.
وإن خرج الجنين وهو غير مخلق، فإنه لا يعتبر دم نفاس بل هو دم فساد لا يمنعها من الصلاة ولا من الصيام ولا من غيرهما.
قال أهل العلم: وأقل زمن يتبين فيه التخطيط واحد وثمانون يوماً، لأن الجنين في بطن أمه ـ كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ـ حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ـ وهو الصادق المصدوق ـ فقال: (إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك ويؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله
(11/292)

وعمله وشقي أم سعيد) وعلى هذا فإذا وضعت الجنين لأقل من ثمانين يوماً، فإن الدم الذي أصابها لا يكون نفاساً، لأن هذه المدة لا يخلق فيها الجنين، فتصوم وتصلي وتفعل ما تفعله الطاهرات. والله الموفق.

257) سُئل فضيلة الشيخ: عمن أصابها نزيف دم كيف تصلي ومتى تصوم؟
فأجاب ـ حفظه الله تعالى ـ قائلاً: مثل هذه المرأة التي أصابها نزيف الدم، حكمها أن تجلس عن الصلاة والصوم مدة عادتها السابقة قبل الحدث الذي أصابها، فإذا كان من عادتها أن الحيض يأتيها من أول كل شهر لمدة ستة أيام مثلاً، فإنها تجلس من أول كل شهر مدة ستة أيام لا تصلي ولا تصوم، فإذا انقضت اغتسلت وصلت وصامت.
وكيفية الصلاة لهذه المرأة وأمثالها أنها تغسل فرجها غسلاً تاماً وتعصبه وتتوضأ وتفعل ذلك عند دخول وقت صلاة الفريضة لا تفعله قبل دخول الوقت، تفعله بعد دخول الوقت، ثم تصلي، وكذلك تفعله إذا أرادت أن تتنفل في غير أوقات الفرائض، وفي هذه الحال ومن أجل المشقة عليها، يجوز لها أن تجمع صلاة الظهر مع العصر (أو العكس) وصلاة المغرب مع العشاء (أو العكس) حتى يكون عملها هذا واحداً للصلاتين صلاة الظهر والعصر، وواحداً للصلاتين المغرب والعشاء، وواحداً لصلاة الفجر بدلاً من أن تعمل ذلك خمس مرات تعمله ثلاث مرات. والله الموفق.
(11/293)

رسالة في الدماء الطبيعية للنساء

قال فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً.
أما بعد: فإن الدماء التي تصيب المرأة وهي الحيض، والاستحاضة، والنفاس، من الأمور المهمة التي تدعو الحاجة إلى بيانها ومعرفة أحكامها، وتمييز الخطأ من الصواب من أقوال أهل العلم فيها، وأن يكون الاعتماد فيها يرجح من ذلك أو يضعف على ضوء ما جاء في الكتاب والسنة:
1ـ لأنهما المصدران الأساسيان اللذان تبنى عليهما أحكام الله تعالى التي تعبد بها عبادة وكلفهم بها.
2ـ في الاعتماد على الكتاب والسنة طمأنينة القلب وانشراح الصدر وطيب النفس وبراءة الذمة.
3ـ ما عداهما فإنما يحتج له ولا يحتج به.
إذ لا حجة في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وكذلك كلام أهل العلم من الصحابة على القول الراجح، بشرط ألا يكون في الكتاب
(11/295)

والسنة ما يخالفه، وأن لا يعارضه قول صحابي آخر، فإن كان في الكتاب والسنة ما يخالفه وجب الأخذ بما في الكتاب والسنة، وإن عارضه قول صحابي آخر طلب الترجيح بين القولين، وأخذ بالراجح منهما، لقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (1) .
وهذه رسالة موجزة فيما تدعو الحاجة إليه من بيان هذه الدماء وأحكامها، وتشتمل على الفصول الآتية:
الفصل الأول: في معنى الحيض وحكمته.
الفصل الثاني: في زمن الحيض ومدته.
الفصل الثالث: في الطوارئ على الحيض.
الفصل الرابع: في أحكام الحيض.
الفصل الخامس: في الاستحاضة وأحكامها.
الفصل السادس: في النفاس وأحكامه.
الفصل السابع: في استعمال ما يمنع الحيض أو يجلبه، وما يمنع الحمل أو يسقطه.
__________
(1) سورة النساء، الآية 59
(11/296)

الفصل الأول
في معنى الحيض وحكمته

الحيض لغة: سيلان الشيء وجريانه.
وفي الشرع دم يحدث للأنثى بمقتضى الطبيعة، بدون سبب، في أوقات معلومة.
فهو دم طبيعي ليس له سبب من مرض أو جرح أو سقوط أو ولادة. وبما أنه دم طبيعي فإنه يختلف بحسب حال الأنثى وبيئتها وجوها، ولذلك تختلف فيها النساء اختلافاً متبايناً ظاهراً.
والحكمة فيه أنه لما كان الجنين في بطن أمه لا يمكن أن يتغذى بما يتغذى به من كان خارج البطن، ولا يمكن لأرحم الخلق به أن يوصل إليه شيئاً من الغذاء، حينئذ جعل الله تعالى في الأنثى إفرازات دموية يتغذى بها الجنين في بطن أمه بدون حاجة إلى أكل وهضم تنفذ إلى جسمه عن طريق السرة حيث يتخلل الدم عروقه فيتغذى به، فتبارك الله أحسن الخالقين. فهذه هي الحكمة في هذا الحيض، ولذلك إذا حملت المرأة انقطع الحيض عنها، فلا تحيض إلا نادراً، وكذلك المراضع يقل من تحيض منهن لا سيما في أول زمن الإرضاع.
(11/297)

الفصل الثاني
في زمن الحيض ومدته
الكلام في هذا الفصل في مقامين:
المقام الأول: في السن الذي يأتي فيه الحيض.
المقام الثاني: في مدة الحيض.
المقام الأول: فالسن الذي يغلب فيه الحيض هو ما بين اثني عشرة سنة إلى خمسين سنة، وربما حاضت الأنثى قبل ذلك أو بعده بحسب حالها وبيئتها وجوها.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل للسن الذي يأتي فيه الحيض حد معين بحيث لا تحيض الأنثى قبله ولا بعده، وأن ما يأتيها قبله أو بعده فهو دم فساد لا حيض؟ اختلف العلماء في ذلك. قال الدرامي بعد أن ذكر الاختلافات: كل هذا عندي خطأ لأن المرجع في جميع ذلك إلى الوجود، فأي قدر وجد في أي حال وسن وجب جعله حيضاً. والله أعلم (1) .
وهذا الذي قاله الدرامي هو الصواب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فمتى رأت الأنثى الحيض فهي حائض وإن كانت دون تسع سنين أو فوق خمسين، وذلك لأن أحكام الحيض علقها الله ورسوله على وجوده، ولم يحدد الله ورسوله لذلك سناً معيناً، فوجب الرجوع فيه إلى الوجود الذي علقت الأحكام عليه، وتحديده بسن معين يحتاج إلى دليل من الكتاب أو السنة ولا دليل في ذلك.
__________
(1) المجموع شرح المهذب 1: 386
(11/299)

المقام الثاني: وهو مدة الحيض أي مقدار زمنه.
فقد اختلف فيه العلماء اختلافاً كثيراً على نحو ستة أقوال أو سبعة. قال ابن المنذر: وقالت طائفة: (وليس لأقل الحيض ولا لأكثره حد بالأيام) . قلت: وهذا القول كقول الدارمي السابق وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصواب لأنه يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار.
فالدليل الأول: قوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) (1) . فجعل الله غاية المنع هي الطهر، ولم يجعل الغاية مضي يوم وليلة ولا ثلاثة أيام ولا خمسة عشر يوماً، فدل هذا على أن على الحكم هي الحيض وجوداً وعدماً، فمتى وجد الحيض ثبت الحكم ومتى طهرت منه زالت أحكامه.
الدليل الثاني: ما ثبت في صحيح مسلم (2) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وقد حاضة وهي محرمة بالعمرة: (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري) قالت: فلما كان يوم النحر طهرت. (الحديث) . وفي صحيح البخاري (3) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (انتظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم) . فجعل النبي صلى الله عليه وسلم غاية المنع الطهر ولم يجعل الغاية زمناً معيناً، فدل هذا على أن الحكم يتعلق بالحيض وجوداً وعدماً.
الدليل الثالث: أن هذه التقديرات والتفصيلات التي ذكرها من ذكرها من الفقهاء في هذه المسألة ليست موجودة في كتاب الله تعالى ولا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 222 0
(2) صحيح مسلم ج 4 ص 30.
(3) صحيح البخاري 3: 610 باب أجرة العمرة على قدر النصب.
(11/300)

في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن الحاجة بل الضرورة داعية إلى بيانها، فلو كانت مما يجب على العباد فهمه والتعبد لله به لبينها الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، بياناً ظاهراً لكل أحد، لأهمية الأحكام المترتبة على ذلك من الصلاة والصيام والنكاح والطلاق والإرث وغيرها من الأحكام، كما بين الله ورسوله عدد الصلوات وأوقاتها وركوعها وسجودها، والزكاة: أموالها وأنصباؤها ومقدارها ومصرفها، والصيام: مدته وزمنه، والحج وما دون ذلك، حتى آداب الأكل والشرب والنوع والجماع والجلوس ودخول البيت والخروج منه وآداب قضاء الحاجة، حتى عدد مسحات الاستجمار إلى غير ذلك من دقيق الأمور وجليلها، مما أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة على المؤمنين، كما قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً ِكُلِّ شَيْءٍ) (1) . وقال تعالى: (مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ) (2) .
فلما لم توجد هذه التقديرات والتفصيلات في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم تبين أن لا تعويل عليها، وإنما التعويل على مسمى الحيض الذي علقت عليها الأحكام الشرعية وجوداً وعدماً، وهذا الدليل ـ أعنى أن عدم ذكر الحكم في الكتاب والسنة، دليل على عدم اعتباره ـ ينفعك في هذه المسألة وغيرها من مسائل العلم لأن الأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل من الشرع من كتاب الله، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع معلوم، أو قياس صحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة له: (ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين مع
__________
(1) سورة النحل، الآية: 89.
(2) سورة يوسف، الآية: 111 0
(11/301)

عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لا تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك حداً فقد خالف الكتاب والسنة) . انتهى كلامه (1) .
الدليل الرابع: الاعتبار أي القياس الصحيح المطرد، وذلك أن الله تعالى علل الحيض بكونه أذى، فمتى وجد الحيض فالأذى موجود، لا فرق بين اليوم الثاني واليوم الأول، ولا بين الرابع والثالث، ولا فرق بين اليوم السادس عشر والخامس عشر، ولا بين الثامن عشر والسابع عشر، فالحيض هو الحيض، والأذى هو الأذى.
فالعلة موجودة في اليومين على حد سواء، فكيف يصح التفريق في الحكم بين اليومين مع تساويهما في العلة؟ ! أليس هذا خلاف القياس الصحيح؟ ! أوليس القياس الصحيح تساوي اليومين في الحكم لتساويهما في العلة؟ !
الدليل الخامس: اختلاف أقوال المحددين واضطرابها، فإن ذلك يدل على أن ليس في المسألة دليل يجب المصير إليه، وإنما هي أحكام اجتهادية معرضة للخطأ والصواب، ليس أحدهما أولى بالاتباع من الآخر، والمرجع عند النزاع إلى الكتاب والسنة.
فإذا تبين قوة القول إنه لا حد لأقل الحيض ولا لأكثره وإنه القول الراجح، فاعلم أن كل ما رأته المرأة من دم طبيعي ليس له سبب من جرح ونحوه فهو دم الحيض من غير تقدير بزمن أو سن إلا أن يكون مستمراً على المرأة لا ينقطع أبداً أو ينقطع مدة يسيرة كاليوم واليومين في الشهر، فيكون استحاضة، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الاستحاضة وأحكامها.
__________
(1) ص 35 من رسالة في الأسماء التي علق الشارع الأحكام بها.
(11/302)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والأصل في كل ما يخرج من الرحم أنه حيض، حتى يقوم دليل على أنه استحاضة) (1) . وقال أيضاً: (فما وقع من دم فهو حيض، إذا لم يعلم أنه دم عرق أو جرح) . اهـ (2) .
وهذا القول كما أنه هو الراجح من حيث الدليل، فهو أيضاً أقرب فهماً وإدراكاً وأيسر عملاً وتطبيقاً، مما ذكره المحددون، وما كان كذلك فهو أولى بالقبول لموافقته لروح الدين الإسلامي وقاعدته، وهي اليسر والسهولة. قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (3) . وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا) . رواه البخاري. وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم، أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً.

حيض الحامل
الغالب الكثير أن الانثى إذا حملت انقطع الدم عنها، قال الإمام أحمد رحمه الله: (إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم) . إذا رأت الحامل الدم فإن كان قبل الوضع بزمن يسير كاليومين أو الثلاثة ومعه طلق فهو نفاس، وإن كان قبل الوضع بزمن كثير أو قبل الوضع بزمن يسير لكن ليس معه طلق فليس بنفاس، لكن هل يكون حيضاً تثبت له أحكام الحيض أو يكون دم فساد لا يحكم له بأحكام الحيض؟
في هذا خلاف بين أهل العلم.
__________
(1) المصدر السابق ص 36.
(2) المصدر السابق ص 38.
(3) سورة الحج، الآية: 78.
(11/303)

والصواب أنه حيض إذا كان على الوجه المعتاد في حيضها لأن الأصل فيما يصيب المرأة من الدم أنه حيض، إذا لم يكن له سبب يمنه من كونه حيضاً، وليس في الكتاب والسنة ما يمنع حيض الحامل.
وهذا هو مذهب مالك والشافعي واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قال في الاختيارات ص 30 وحكاه البيهقي رواية عن أحمد، بل حكى أنه رجع إليه أهـ. وعلى هذا فيثبت لحيض الحامل ما يثبت لحيض غير الحامل إلا في مسألتين:
المسألة الأولى: الطلاق، فيحرم طلاق من تلزمها عدة حال الحيض في غير الحامل، ولا يحرم في الحامل، لأن الطلاق في الحيض في غير الحامل مخالف لقوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) (1) . أما طلاق الحامل حال الحيض فلا يخالفه، لأن من طلق الحامل فقد طلقها لعدتها، سواء كانت حائضاً أم طاهراً، لأن عدتها بالحمل، ولذلك لا يحرم عليه طلاقها بعد الجماع بخلاف غيرها.
المسألة الثانية: عدة الحامل لا تنقضي إلا بوضع الحمل، سواء كانت تحيض أم لا لقوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (2)
__________
(1) سورة الطلاق، الآية: 1.
(2) سورة الطلاق، الآية: 4.
(11/304)

الفصل الثالث
في الطوارئ على الحيض
الطوارئ على الحيض أنواع:
النوع الأول: زيادة أو نقص، مثل أن تكون عادة المرأة ستة أيام، فيستمر بها الدم إلى سبعة، أو تكون عادتها في أول الشهر فتراه في آخره. وقد اختلف أهل العلم في حكم هذين النوعين، والصواب أنها متى رأت الدم فهي حائض ومتى طهرت منه فهي طاهر سواء زادت عن عادتها أم نقصت، وسواء تقدمت أم تأخرت، وسبق ذكر الدليل على ذلك في الفصل قبله، حيث علق الشارع أحكام الحيض بوجوده.
وهذا مذهب الشافعي، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقواه صاحب المغني فيه ونصره، وقال: (1) (ولو كانت العادة معتبرة على الوجه المذكور في المذهب لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، ولما وسعه تأخير بيانه، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقته، وأزواجه وغيرهن من النساء يحتجن إلى بيان ذلك في كل وقت، لم يكن ليغفل بيانه، وما جاء عنه صلى الله عليه وسلم ذكر العادة ولا بيانها إلا في حق المستحاضة لا غير) . أهـ.
النوع الثالث: صفرة أو كدرة، بحيث ترى الدم أصفر، كماء الجروح، أو متكدراً بين الصفرة والسواد، فهذا إن كان في أثناء الحيض
__________
(1) المغني 1: 353 0
(11/305)

أو متصلاً به قبل الطهر فهو حيض تثبت له أحكام الحيض، وإن كان بعد الطهر فليس بحيض، لقول أم عطية رضي الله عنها: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً) . رواه أبو داود بسند صحيح، ورواه أيضاً البخاري بدون قولها بعد الطهر، لكنه ترجم له بقوله باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض. قال في شرحه فتح الباري: (يشير بذلك إلى الجمع بين حديث عائشة المتقدم في قولها حتى ترين القصة البيضاء وبين حديث أم عطية المذكور في الباب، بأن ذلك أي حديث عائشة محمول على ما إذا رأت الصفرة والكدرة في أيام الحيض، وأما في غيرها فعلى ما قالت أم عطية) . أهـ. وحديث عائشة الذي أشار إليه هو ما علقه البخاري جازماً به قبل هذا الباب، أن النساء كن يبعثن إليها بالدرجة (شيء تحتشي به المرأة لتعرف هل بقي من أثر الحيض شيء) فيها الكرسف (القطن) فيه الصفرة فتقول: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء) . والقصة البيضاء ماء أبيض يدفعه الرحم عند انقطاع الحيض.
النوع الرابع: تقطع في الحيض، بحيث ترى يوماً دماً، ويوماً نقاءً ونحو ذلك فهذان حالان:
الحال الأول: أن يكون هذا مع الأنثى دائماً كل وقتها، فهذا دم استحاضة يثبت لمن تراه حكم المستحاضة.
الحال الثاني: ألا يكون مستمراً مع الأنثى بل يأتيها بعض الوقت، ويكون لها وقت طهر صحيح. فقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذا النقاء. هل يكون طهراً أو ينسحب عليه أحكام الحيض؟
فمذهب الشافعي في أصح قوليه أنه ينسحب عليه أحكام الحيض
(11/306)

فيكون حيضاً، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وصاحب الفائق (1) ومذهب أبي حنيفة، وذلك لأن القصة البيضاء لا ترى فيه، ولأنه لو جعل طهراً لكان ما قبله حيضة، وما بعده حيضة، ولا قائل به، وإلا لانقضت العدة بالقرء بخمسة أيام، ولأنه لو جعل طهراً لحصل به حرج ومشقة بالاغتسال وغيره كل يومين، والحرج منتف في هذه الشريعة ولله الحمد. والمشهور من مذهب الحنابلة أن الدم حيض والنقاء طهر إلا أن يتجاوز مجموعهما أكثر الحيض فيكون الدم المتجاوز استحاضة. وقال في المغني (2) يتوجه أن انقطاع الدم متى نقص عن اليوم فليس بطهر، بناء على الرواية التي حكيناها في النفاس، أنها لا تلتفت إلى ما دون اليوم وهو الصحيح ـ إن شاء الله ـ لأن الدم يجري مرة وينقطع أخرى، وفي إيجاب الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة حرج ينتفي، لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (3) . قال: (فعلى هذا لا يكون انقطاع الدم أقل من يوم طهراً، إلا أن ترى ما يدل عليه، مثل أن يكون انقطاعه في آخر عادتها، أو ترى القصة البيضاء) . أهـ.
فيكون قول صاحب المغني هذا وسطاً بين القولين. والله أعلم بالصواب.
النوع الخامس: جفاف في الدم بحيث ترى المرأة مجرد رطوبة، فهذا إن كان في أثناء الحيض أو متصلاً به قبل الطهر فهذا حيض، وإن كان بعد الطهر فليس بحيض، لأن غاية حاله أن يلحق بالصفرة والكدرة وهذا حكمها.
__________
(1) نقل عنهما في الإنصاف.
(2) المغني ص 355.
(3) سورة الحج، الآية: 78.
(11/307)

الفصل الرابع
في أحكام الحيض
للحيض أحكام كثيرة تزيد على العشرين، نذكر منها ما نراه كثير الحاجة، فمن ذلك:
الأول: الصلاة:
فيحرم على الحائض الصلاة فرضها ونفلها ولا تصح منها، وكذلك لا تجب عليها الصلاة إلا أن تدرك من وقتها مقدار ركعة كاملة، فتجب عليها الصلاة حينئذ، سواء أدركت ذلك من أول الوقت أم من آخره.
مثال ذلك من أوله: امرأة حاضت بعد غروب الشمس بمقدار ركعة فيجب عليها إذا طهرت قضاء صلاة المغرب لأنها أدركت من وقتها قدر ركعة قبل أن تحيض.
ومثال ذلك من آخره: امرأة طهرت من الحيض قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة فيجب عليها إذا تطهرت قضاء صلاة الفجر، لأنها أدركت من وقتها جزءاً يتسع لركعة.
أما إذا أدركت الحائض من الوقت جزءاً لا يتسع لركعة كاملة، مثل أن تحيض في المثال الأول بعد الغروب بلحظة أو تطهر في المثال الثاني قبل طلوع الشمس بلحظة، فإن الصلاة لا تجب عليها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) . متفق عليه، فإن مفهومه أن من أدرك ركعة لم يكن مدركاً للصلاة.
* وإذا أدركت ركعة من وقت صلاة العصر فهل تجب عليها
(11/309)

صلاة الظهر مع العصر، أو أدركت ركعة من وقت صلاة العشاء الآخرة، فهل تجب عليها صلاة المغرب مع العشاء؟
في هذا خلاف بين العلماء، والصواب أنه لا يجب عليها إلا ما أدركت وقته، وهي صلاة العصر والعشاء الآخرة فقط. لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) . متفق عليه، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: فقد أدرك الظهر والعصر ولم يذكر وجوب الظهر عليه، والأصل براءة الذمة وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك حكاه عنهما في شرح المهذب (1) .
* وأما الذكر والتكبير والتسبيح والتحميد، والتسمية على الأكل وغيره، وقراءة الحديث والفقه والدعاء والتأمين عليه واستماع القرآن فلا يحرم عليها شيء من ذلك، فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكيء في حجر عائشة (رضي الله عنها) وهي حائض فيقرأ القرآن.
وفي الصحيحين أيضاً عن أم عطية (رضي الله عنها) أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج العواتق وذوات الخدور والحيض ـ يعني إلى صلاة العيدين ـ وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ويعتزل الحيض المصلى) .
• • فأما قراءة الحائض القرآن الكريم بنفسها، فإن كان نظراً بالعين أو تأملاً بالقلب بدون نطق باللسان فلا بأس بذلك، مثل أن يوضع المصحف أو اللوح فتنظر إلى الآيات وتقرأها بقلبها، قال النووي في شرح المهذب: (2) جايز بلا خلاف. وأما إن كانت قراءتها نطقاً باللسان فجمهور العلماء على أنه ممنوع وغير جائز.
__________
(1) شرح المهذب 3: 70.
(2) شرح المهذب 2: 372.
(11/310)

وقال البخاري وابن جرير الطبري، وابن المنذر: هو جائز، وحكي عن مالك وعن الشافعي في القول القديم حكاه عنهما في فتح الباري (1) وذكر البخاري تعليقاً عن إبراهيم النخعي لا بأس أن تقرأ الآية.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى مجموعة ابن قاسم: (2) (ليس في منعها من القرآن سنة أصلاً، فإن قوله (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث. وقد كان النساء يحضن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كانت القراءة محرمة عليهن كالصلاة، لكان هذا مما بينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وتعلمه أمهات المؤمنين وكان ذلك مما ينقلونه في الناس، فلما لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك نهياً لم يجز أن تجعل حراماً، مع العلم أنه لم ينه عن ذلك، وإذا لم ينه عنه مع كثرة الحيض في زمنه علم أنه ليس بمحرم) . اهـ.
* والذي ينبغي بعد أن عرفنا نزاع أهل العلم أن يقال: الأولى للحائض ألا تقرأ القرآن الكريم نطقاً باللسان إلا عند الحاجة لذلك، مثل أن تكون معلمة فتحتاج إلى تلقين المتعلمات، أو في حال الاختبار فتحتاج المتعلمة إلى القراءة لاختبارها أو نحو ذلك.
الحكم الثاني: الصيام:
فيحرم على الحائض الصيام فرضه ونفله، ولا يصح منها لكن يجب عليها قضاء الفرض منه لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ (كان يصيبنا ذلك ـ تعني الحيض ـ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) . متفق عليه،
وإذا حاضت وهي صائمة بطل صيامها ولو كان
__________
(1) فتح الباري 1: 408.
(2) ج 26: 191.
(11/311)

ذلك قبيل الغروب بلحظة، ووجب عليها قضاء ذلك اليوم إن كان فرضاً.
أما إذا أحست بانتقال الحيض قبل الغروب لكن لم يخرج إلا بعد الغروب فإن صومها تام ولا يبطل على القول الصحيح، لأن الدم في باطن الجوف لا حكم له، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ قال: (نعم إذا هي رأت الماء) . فعلق الحكم برؤية المني لا بانتقاله، فكذلك الحيض لا تثبت أحكامه إلا برؤيته خارجاً لا بانتقاله.
وإذا طلع الفجر وهي حائض لم يصح منها صيام ذلك اليوم ولو طهرت بعد الفجر بلحظة.
وإذا طهرت قبيل الفجر فصامت صح صومها، وإن لم تغتسل إلا بعد الفجر، كالجنب إذا نوى الصيام وهو جنب ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فإن صومه صحيح، لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان) . متفق عليه.

الحكم الثالث: الطواف بالبيت:
فيحرم عليها الطواف بالبيت، فرضه ونفله، ولا يصح منها لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما حاضت: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) .
وأما بقية الأفعال كالسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة ومنى، ورمي الجمار وغيرها من مناسك الحج والعمرة فليست حراماً عليها، وعلى هذا فلو طافت الأنثى وهي طاهر ثم خرج الحيض بعد الطواف مباشرة، أو في أثناء السعي فلا حرج في ذلك.
(11/312)

الحكم الرابع: سقوط طواف الوداع عنها:
فإذا أكملت الأنثى مناسك الحج والعمرة، ثم حاضت قبل الخروج إلى بلدها واستمر بها الحيض إلى خروجها، فإنها تخرج بلا وداع، لحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض) . متفق عليه.
* ولا يستحب للحائض عند الوداع أن تأتي إلى باب المسجد الحرام وتدعو، لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم والعبادات مبنية على الوارد بل الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي خلاف ذلك، ففي قصة صفية ـ رضي الله عنها ـ حين حاضت بعد طواف الإفاضة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (فلتنفر إذن) متفق عليه. ولم يأمرها بالحضور إلى باب المسجد ولو كان ذلك مشروعاً لبينه.
وأما طواف الحج والعمرة فلا يسقط عنها بل تطوف إذا طهرت.
الحكم الخامس: المكث في المسجد:
فيحرم على الحائض أن تمكث في المسجد حتى مصلى العيد يحرم عليها أن تمكث فيه، لحديث أم عطية ـ رضي الله عنها ـ: أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يخرج العواتق وذوات الخدور والحيض) . وفيه: (يعتزل الحيض المصلى) . متفق عليه.
الحكم السادس: الجماع:
فيحرم على زوجها أن يجامعها، ويحرم عليها تمكينه من ذلك.
لقوله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) (1) .
__________
(1) سورة البقرة الآية 222.
(11/313)

والمراد بالمحيض زمان الحيض ومكانه وهو الفرج.
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) ، يعني الجماع. رواه مسلم.
ولأن المسلمين أجمعوا على تحريم وطء الحائض في فرجها.
فلا يحل لامريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم على هذا الأمر المنكر الذي دل على المنع منه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين. فيكون ممن شاق الله ورسوله واتبع غير سبيل المؤمنين، قال في المجموع شرح المهذب ص 374 ج 2 قال الشافعي: (من فعل ذلك فقد أتى كبيرة) . قال أصحابنا وغيرهم: (من استحل وطأ الحائض حكم بكفره) . اهـ كلام النووي.
وقد أبيح له ولله الحمد ما يكسر به شهوته دون الجماع، كالتقبيل والضم والمباشرة فيما دون الفرج، لكن الأولى ألا يباشر فيما بين السرة والركبة إلا من وراء حائل، لقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: كان النبي صلى الله عليه وسلم، يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض. متفق عليه.
الحكم السابع: الطلاق:
فيحرم على الزوج طلاق الحائض حال حيضها، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) (1) ، أي في حال يستقبلن به عدة معلومة حين الطلاق، ولا يكون ذلك إلا إذا طلقها حاملاً أو طاهراً من غير جماع، لأنها إذا طلقت حال الحيض لم تستقبل العدة حيث إن الحيضة التي طلقت فيها لا تحسب من العدة، وإذا طلقت طاهراً بعد الجماع لم تكن العدة التي تستقبلها معلومة حيث إنه لا يعلم هل حملت
__________
(1) سورة الطلاق، الآية 1.
(11/314)

من هذا الجماع، فتعتد بالحمل، أو لم تحمل فتعتد بالحيض، فلما لم يحصل اليقين من نوع العدة حرم عليه الطلاق حتى يتبين الأمر.
فطلاق الحائض حال حيضها حرام للآية السابقة، ولما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فأخبر عمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقال: (مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) .
فلو طلق الرجل امرأته وهي حائض فهو آثم، وعليه أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يرد المرأة إلى عصمته ليطلقها طلاقاً شرعياً موافقاً لأمر الله ورسوله، فيتركها بعد ردها حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها، ثم تحيض مرة أخرى، ثم إذا طهرت فإن شاء أبقاها وإن شاء طلقها قبل أن يجامعها.
ويستثنى من تحريم الطلاق في الحيض ثلاث مسائل.
الأولى: إذا كان الطلاق قبل أن يخلو بها، أو يمسها فلا بأس أن يطلقها وهي حائض، لأنه لا عدة عليها حينئذ، فلا يكون طلاقها مخالفاً لقوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) (1) .
الثانية: إذا كان الحيض في حال الحمل، وسبق بيان سبب ذلك.
الثالثة: إذا كان الطلاق على عوض، فإنه لا بأس أن يطلقها وهي حائض.
__________
(1) سورة الطلاق، الآية: 1 0
(11/315)

مثل أن يكون بين الزوجين نزاع وسوء عشرة فيأخذ الزوج عوضاً ليطلقها، فيجوز ولو كانت حائضاً. لحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله إني ما اعتب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته؟) قالت: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) . رواه البخاري. ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل كانت حائضاً أو طاهراً، ولأن هذا الطلاق افتداء من المرأة عن نفسها فجاز عند الحاجة إليه على أي حال كان.
قال في المغني معللاً جواز الخلع حال الحيض ص 52 ج 7 ط م (لأن المنع من الطلاق في الحيض من أجل الشرر الذي يلحقها بطول العدة، والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء العشرة والمقام مع من تكرهه وتبغضه، وذلك أعظم من ضرر طول العدة، فجاز دفع أعلاهما بأدناهما، ولذلك لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم المختلعة عن حالها) . أهـ كلامه.
وأما عقد النكاح على المرأة وهي حائض فلا بأس به لأن الأصل الحل، ولا دليل على المنع منه، لكن إدخال الزوج عليها وهي حائض ينظر فيه فإن كان يؤمن من أن يطأها فلا بأس، وإلا فلا يدخل عليها حتى تطهر خوفاً من الوقوع في الممنوع.
الحكم الثامن: اعتبار عدة الطلاق به ـ أي الحيض ـ
فإذا طلق الرجل زوجته بعد أن مسها أو خلا بها وجب عليها أن تعتد بثلاث حيض كاملة، إن كانت من ذوات الحيض، ولم تكن حاملاً لقوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) . (1) . أي
__________
(1) سورة البقرة، الآية 228.
(11/316)

ثلاث حيض. فإن كانت حاملاً فعدتها إلى وضع الحمل كله، سواء طالت المدة أو قصرت لقوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) . (1) . وإن كانت من غير ذوات الحيض لكبر أو عملية استأصلت رحمها أو غير ذلك مما لا ترجو معه رجوع الحيض، فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) (2) . وإن كانت من ذوات الحيض لكن ارتفع حيضها لسبب معلوم كالمرض والرضاع فإنها تبقى في العدة وإن طالت المدة حتى يعود الحيض فتعتد به، فإن زال السبب ولم يعد الحيض بأن برئت من المرض أو انتهت من الرضاع وبقي الحيض مرتفعاً فإنها تعتد بسنة كاملة من زوال السبب، هذا هو القول الصحيح، الذي ينطبق على القواعد الشرعية، فإنه إذا زال السبب ولم يعد الحيض صارت كمن ارتفع حيضها لغير سبب معلوم وإذا ارتفع حيضها لغير سبب معلوم، فإنها تعتد بسنة كاملة تسعة أشهر للحمل احتياطاً غالب الحمل، وثلاثة أشهر للعدة.
* أما إذا كان الطلاق بعد العقد وقبل المسيس والخلوة، فليس فيه عدة إطلاقاً، لا بحيض ولا غيره لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) (3)
__________
(1) سورة الطلاق، الآية 4.
(2) سورة الطلاق، الآية 4.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 49.
(11/317)

الحكم التاسع: الحكم ببراءة الرحم:
أي بخلوه من الحمل، وهذا يحتاج إليه كلما احتيج إلى الحكم ببراءة الرحم وله مسائل:
منها: إذا مات شخص عن امرأة يرثه حملها، وهي ذات زوج، فإن زوجها لا يطأها حتى تحيض، أو يتبين حملها، فإن تبين حملها، حكمنا بإرثه، لحكمنا بوجوده حين موت مورثه، وإن حاضت حكمنا بعدم إرثه لحكمنا ببراءة الرحم بالحيض.
الحكم العاشر: وجوب الغسل:
فيجب على الحائض إذا طهرت أن تغتسل بتطهير جميع البدن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: (فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) . رواه البخاري.
* وأقل واجب في الغسل أن تعم به جميع بدنها حتى ما تحت الشعر، والأفضل أن يكون على صفة ما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث سألته أسماء بنت شكل عن غسل المحيض فقال صلى الله عليه وسلم: (تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكاً شديداً، حتى تبلغ شئون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة ـ أي قطعة قماش فيها مسك فتطهر بها ـ فقالت أسماء كيف تطهر بها؟ فقال سبحان الله فقالت عائشة لها تتبعين أثر الدم) . رواه مسلم (1) .
* ولا يجب نقض شعر الرأس، إلا أن يكون مشدوداً بقوة بحيث يخشى ألا يصل الماء إلى أصوله، لما في صحيح مسلم (2) من حديث أم
__________
(1) صحيح مسلم 1: 179.
(2) المصدر نفسه 1: 178.
(11/318)

سلمة ـ رضي الله عنها ـ أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة أشد شعر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؟ وفي رواية للحيضة والجنابة؟ فقال: (لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) .
وإذا طهرت الحائض في أثناء وقت الصلاة وجب عليها أن تبادر بالاغتسال لتدرك أداء الصلاة في وقتها، فإن كانت في سفر وليس عندها ماء أو كان عندها ماء ولكن تخاف الضرر باستعماله، أو كانت مريضة يضرها الماء فإنها تتيمم بدلاً عن الاغتسال حتى يزول المانع ثم تغتسل.
وإن بعض النساء تطهر في أثناء وقت الصلاة، وتؤخر الاغتسال إلى وقت آخر تقول: إنه لا يمكنها كمال التطهر في هذا الوقت، ولكن هذا ليس بحجة ولا عذر لأنها يمكنها أن تقتصر على أقل الواجب في الغسل، وتؤدي الصلاة في وقتها، ثم إذا حصل لها وقت سعة تطهرت التطهر الكامل.
(11/319)

الفصل الخامس
في الاستحاضة وأحكامها
الاستحاضة: استمرار الدم على المرأة بحيث لا ينقطع عنها أبداً أو ينقطع عنها مدة يسيرة كاليوم واليومين في الشهر.
فدليل الحالة الأولى التي لا ينقطع الدم فيها أبداً ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (قالت فاطمة بنت حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله إني لا أطهر. وفي رواية أستحاض فلا أطهر) .
ودليل الحالة الثانية التي لا ينقطع الدم فيها إلا يسيراً حديث حمنة بنت جحش حيث جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله إني أستحاض حيضة كبيرة شديدة) . الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ونقل عن الإمام أحمد تصحيحه وعن البخاري تحسينه.

أحوال المستحاضة
للمستحاضة ثلاثة حالات:
الحالة الأولى: أن يكون لها حيض معلوم قبل الاستحاضة فهذه ترجع إلى مدة حيضها المعلوم السابق فتجلس فيها ويثبت لها أحكام الحيض، وما عداها استحاضة، يثبت لها أحكام المستحاضة.
مثال ذلك امرأة كان يأتيها الحيض ستة أيام من أول كل شهر، ثم طرأت عليها الاستحاضة فصار الدم يأتيها باستمرار، فيكون حيضها ستة أيام من أول كل شهر، وما عداها استحاضة لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ (أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: (يا رسول الله
(11/321)

إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: (لا. إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي) . رواه البخاري، وفي صحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم حبيبة بنت جحش: (امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي) . فعلى هذا تجلس المستحاضة التي لها حيض معلوم قدر حيضها ثم تغتسل وتصلي ولا تبالي بالدم حينئذ.
الحالة الثانية: أن لا يكون لها حيض معلوم قبل الاستحاضة بأن تكون الاستحاضة مستمرة بها من أول ما رأت الدم من أول أمرها، فهذه تعمل بالتمييز فيكون حيضها ما تميز بسواد أو غلظة أو رائحة يثبت له أحكام الحيض، وما عداه استحاضة يثبت له أحكام الاستحاضة.
مثال ذلك: امرأة رأت الدم في أول ما رأته، واستمر عليها لكن تراه عشرة أيام أسود وباقي الشهر أحمر. أو تراه عشرة أيام غليظاً وباقي الشهر رقيقاً. أو تراه عشرة أيام له رائحة الحيض وباقي الشهر لا رائحة له فحيضها هو الأسود في المثال الأول، والغليظ في المثال الثاني، وذو الرائحة في المثال الثالث، وما عدا ذلك فهو استحاضة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: (إذا كان دم الحيضة فإنه أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق) . رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم. وهذا الحديث وإن كان في سنده ومتنه نظر فقد عمل به أهل العلم رحمهم الله، وهو أولى من ردها إلى عادة غالب النساء.
الحالة الثالثة: ألا يكون لها حيض معلوم ولا تمييز صالح بأن تكون الاستحاضة مستمرة من أول ما رأت الدم ودمها على صفة واحدة أو على صفات مضطربة لا يمكن أن تكون حيضاً، فهذه تعمل بعادة غالب
(11/322)

النساء فيكو حيضها ستة أيام أو سبعة من كل شهر يبتديء من أو المدة التي رأت فيها الدم، وما عداه استحاضة.
مثال ذلك: أن ترى الدم أو ما تراه في الخامس من الشهر ويستمر عليها من غير أن يكون فيه تمييز صالح للحيض لا بلون ولا غيره فيكون حيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة تبتديء من اليوم الخامس من كل شهر. لحديث حمنة بنت جحش ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: (يا رسول الله: إني أستحاض حيضة كبيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصيام، فقال: أنعت لك (أصف لك استعمال) الكرسف (وهو القطن) تضعينه على الفرج، فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك. وفيه قال: (إنما هذا ركضة من ركضات الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله تعالى، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت فصلي أربعاً وعشرين أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها وصومي) . الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، ونقل عن أحمد أنه صححه، وعن البخاري أنه حسنه.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ستة أيام أو سبعة) ليس للتخيير وإنما هو للاجتهاد فتنظر فيما هو أقرب إلى حالها ممن يشابهها خلقة ويقاربها سناً ورحماً وفيما هو أقرب إلى الحيض من دمها، ونحو ذلك من الاعتبارات فإن كان الأقرب أن يكون ستة جعلته ستة وإن كان الأقرب أن يكون سبعة جعلته سبعة.
حال من تشبه المستحاضة
قد يحدث للمرأة سبب يوجب نزيف الدم من فرجها كعملية في الرحم أو فيما دونه وهذه على نوعين:
النوع الأول: أن يعلم أنها لا يمكن أن تحيض بعد العملية مثل
(11/323)

أن تكون العملية استئصال الرحم بالكلية أو سده بحيث لا ينزل منه دم، فهذه المرأة لا يثبت لها أحكام المستحاضة، وإنما حكمها حكم من ترى صفرة أو كدرة أو رطوبة بعد الطهر، فلا تترك الصلاة ولا الصيام ولا يمتنع جماعها ولا يجب غسل من هذا الدم، ولكن يلزمها عند الصلاة غسل الدم وأن تعصب على الفرج خرقة، ونحوها، لتمنع خروج الدم، ثم تتوضأ للصلاة ولا تتوضأ لها إلا بعد دخول وقتها، إن كان لها وقت كالصلوات الخمس، وإلا فعند إرادة فعل الصلاة كالنوافل المطلقة.
النوع الثاني: ألا يعلم امتناع حيضها بعد العملية بل يمكن أن تحيض، فهذه حكمها حكم المستحاضة. ويدل لما ذكر قوله صلى الله عليه وسلم، لفاطمة بنت أبي حبيش: (إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة) . فإن قوله (فإذا أقبلت الحيضة) يفيد أن حكم المستحاضة فيمن لها حيض ممكن ذو إقبال وإدبار، أما من ليس لها حيض ممكن فدمها دم عرق بكل حال.

أحكام الاستحاضة
عرفنا مما سبق متى يكون الدم حيضاً ومتى يكون استحاضة فمتى كان حيضاً ثبتت له أحكام الحيض، ومتى كان استحاضة ثبتت له أحكام الاستحاضة.
وقد سبق ذكر المهم من أحكام الحيض.
وأما أحكام الاستحاضة، فكأحكام الطهر، فلا فرق بين المستحاضة وبين الطاهرات إلا فيما يأتي:
الأول: وجوب الوضوء عليها لكل صلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم
(11/324)

لفاطمة بنت أبي حبيش (ثم توضئي لكل صلاة) . رواه البخاري في باب غسل الدم. معنى ذلك أنها لا تتوضأ للصلاة المؤقتة إلا بعد دخول وقتها. أما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة فإنها تتوضأ لها عند إرادة فعلها.
الثاني: إنها إذا أرادت الوضوء فإنها تغسل أثر الدم، وتعصب على الفرج خرقة على قطن ليستمسك الدم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحمنة: (أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم، قالت: فإنه أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوباً قالت هو أكثر من ذلك قال: فتلجمي) . الحديث، ولا يضرها ما خرج بعد ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: (اجتنبي الصلاة أيام حيضك ثم اغتسلي وتوضئي لكل صلاة، ثم صلي، وإن قطر الدم على الحصير) . رواه أحمد وابن ماجة.
الثالث: الجماع فقد اختلف العلماء في جوازه إذا لم يخف العنت بتركه، والصواب جوازه مطلقاً لأن نساء كثيرات يبلغن العشر أو أكثر استحضن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يمنع الله ولا رسوله من جماعهن. بل في قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض) (1) . دليل على أنه لا يجب اعتزالهن فيما سواه، ولأن الصلاة تجوز منها، فالجماع أهون. وقياس جماعها على جماع الحائض غير صحيح، لأنهما لا يستويان حتى عند القائلين بالتحريم والقياس لا يصح مع الفارق.
__________
(1) سورة البقرة، الآية 222 0
(11/325)

الفصل السادس
في النفاس وحكمه
النفاس: دم يرخيه الرحم بسبب الولادة، إما معها أو بعدها أو قبلها بيومين أو ثلاثة مع الطلق.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما تراه حين تشرع في الطلق فهو نفاس ولم يقيده بيومين أو ثلاثة، ومراده طلق يعقبه ولادة وإلا فليس بنفاس) . واختلف العلماء هل له حد في أقله وأكثره؟ قال الشيخ تقي الدين في رسالته في الأسماء التي علق الشارع الأحكام بها ص 37: (والنفاس لا حد لأقله ولا لأكثره فلو قدر أن امرأة رأت الدم أكثر من أربعين أو ستين أو سبعين وانقطع فهو نفاس لكن إن اتصل فهو دم فساد وحينئذ فالحد أربعون فإنه منتهى الغالب جاءت به الآثار) . اهـ.
قلت: وعلى هذا فإذا زاد دمها على الأربعين، وكان لها عادة بانقطاعه بعد أو ظهرت فيه امارات قرب الانقطاع انتظرت حتى ينقطع وإلا اغتسلت عند تمام الأربعين، لأنه الغالب إلا أن يصادق زمن حيضها فتجلس حتى ينتهي زمن الحيض، فإذا انقطع بعد ذلك فينبغي أن يكون كالعادة لها فتعمل بحسبة في المستقبل، وإن استمر فهي مستحاضة، ترجع إلى أحكام المستحاضة السابقة، ولو طهرت بانقطاع الدم عنها فهي طاهر ولو قبل الأربعين، فتغتسل وتصلي وتصوم ويجامعها زوجها، إلا أن يكون الانقطاع أقل من يوم فلا حكم له، قاله في المغني.
ولا يثبت النفاس إلا إذا وضعت ما تبين فيه خلق إنسان، فلو وضعت سقطاً صغيراً لم يتبين فيه خلق إنسان فليس دمها دم نفاس، بل
(11/327)

هو دم عرق فيكون حكمها حكم المستحاضة، وأقل مدة تبين فيها خلق إنسان ثمانون يوماً من ابتداء الحمل وغالباً تسعون يوماً. قال المجد ابن تيمية: فمتى رأت دماً على طلق قبلها لم تلتفت إليه وبعدها تمسك عن الصلاة والصيام، ثم إن انكشف الأمر بعد الوضع على خلاف الظاهر رجعت فاستدركت، وإن لم ينكشف الأمر استمر حكم الظاهر فلا إعادة. نقله عنه في شرح الإقناع.

أحكام النفاس
أحكام النفاس كأحكام الحيض سواء بسواء، إلا فيما يأتي:
الأول: العدة فتعتبر بالطلاق دون النفاس لأنه إن كان الطلاق قبل وضع الحمل انقضت العدة بوضعه لا بالنفاس، وإن كان الطلاق بعد الوضع انتظرت رجوع الحيض كما سبق.
الثاني: مدة الإيلاء يحسب منها مدة الحيض ولا يحسب منها مدة النفاس.
والإيلاء: أن يحلف الرجل على ترك جماع امرأته أبداً أو مدة تزيد على أربعة أشهر، فإذا حلف وطالبته بالجماع جعل له مدة أربعة أشهر من حلفه، فإذا تمت أجبر على الجماع أو الفراق بطلب الزوجة، فهذه المدة إذا مر بالمرأة نفاس لم يحسب على الزوج، وزيد على الشهور الأربعة بقدر مدته، بخلاف الحيض فإن مدته تحسب على الزوج.
الثالث: البلوغ يحصل بالحيض ولا يحصل بالنفاس، لأن المرأة لا يمكن أن تحمل حتى تنزل فيكون حصول البلوغ بالإنزال السابق للحمل.
الرابع: أن دم الحيض إذا انقطع ثم عاد في العادة فهو حيض
(11/328)

يقيناً، مثل أن تكون عادتها ثمانية أيام، فترى الحيض أربعة أيام ثم ينقطع يومين ثم يعود في السابع والثامن، فهذا العائد حيض يقيناً يثبت له أحكام الحيض، وأما دم النفاس، إذا انقطع قبل الأربعين ثم عاد في الأربعين فهو مشكوك فيه فيجب عليها أن تصلي وتصوم الفرض المؤقت في وقته ويحرم عليها ما يحرم على الحائض غير الواجبات وتقضي بعد طهرها ما فعلته في هذا الدم مما يجب على الحائض قضاؤه. هذا هو المشهور عند الفقهاء من الحنابلة والصواب أن الدم إذا عاودها في زمن يمكن أن يكون نفاساً فهو نفاس، وإلا فهو حيض إلا أن يستمر عليها فيكون إستحاضة وهذا قريب مما نقله في المغني (1) عن الإمام مالك حيث قال: وقال مالك: (إن رأت الدم بعد يومين أو ثلاثة يعني من انقطاعه فهو نفاس وإلا فهو حيض) . اهـ وهو مقتضى اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وليس في الدماء شيء مشكوك فيه بحسب الواقع، ولكن الشك أمر نسبي يختلف فيه النساء بحسب علومهم وأفهامهم. والكتاب والسنة فيهما تبيان كل شيء، ولم يوجب الله سبحانه على أحد أن يصوم مرتين، أو يطوف مرتين، إلا أن يكون في الأول خلل لا يمكن تداركه إلا بالقضاء، أما حيث فعل العبد ما يقدر عليه من التكليف بحسب استطاعته فقد برئت ذمته، كما قال تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (2) . وقال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (3) .
__________
(1) المغني 1: 349.
(2) سورة البقرة، الآية 286.
(3) سورة التغابن، الآية 16.
(11/329)

الخامس: أنه في الحيض إذا طهرت قبل العادة جاز لزوجها جماعها بدون كراهة. وأما في النفاس إذا طهرت قبل الأربعين فيكره لزوجها جماعها على المشهور في المذهب، والصواب أنه لا يكره له جماعها. وهو قول جمهور العلماء، لان الكراهة حكم الإمام أحمد عن عثمان بن أبي العاص أنها أتته قبل الأربعين، فقال لا تقربيني. وهذا لا يستلزم الكراهة لأنه قد يكون منه على سبيل الاحتياط خوفاً من أنها لم تتيقن الطهر، أو من أن يتحرك الدم بسبب الجماع، أو لغير ذلك من الأسباب. والله أعلم.
(11/330)

الفصل السابع
في استعمال ما يمنع الحيض أو يجلبه
وما يمنع الحمل أو يسقطه
* استعمال المرأة ما يمنع حيضها جائز بشرطين:
الأول: ألا يخشى الضرر عليها، فإن خشي الضرر عليها من ذلك فلا يجوز لقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (1) . (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (2) .
الثاني: أن يكون ذلك بإذن الزوج إن كان له تعلق به مثل أن تكون معتدة منه على وجه تجب عليه نفقتها، فتستعمل ما يمنع الحيض لتطول المدة وتزداد عليه نفقتها، فلا يجوز لها أن تستعمل ما يمنع الحيض حينئذ إلا بإذنه، وكذلك إن ثبت أن منع الحيض يمنع الحمل فلا بد من إذن الزوج، وحيث ثبت الجواز فالأولى عدم استعماله، إلا لحاجة لأن ترك الطبيعة على ما هي عليه أقرب إلى اعتدال الصحة فالسلامة.
* وأما استعمال ما يجلب الحيض فجائز بشرطين أيضاً:
الأول: ألا تتحيل به على إسقاط واجب، مثل أن تستعمله قرب رمضان، من أجل أن تفطر أو لتسقط به الصلاة، ونحو ذلك.
الثاني: أن يكون ذلك بإذن الزوج، لأن حصول الحيض يمنعه من كمال الاستمتاع، فلا يجوز استعمال ما يمنع حقه إلا برضاه، وإن
__________
(1) سورة البقرة، الآية 195.
(2) سورة النساء، الآية 29.
(11/331)

كانت مطلقة، فإن فيه تعجيل إسقاط حق الزوج من الرجعة إن كان له رجعة.
* وأما استعمال ما يمنع الحمل فعلى نوعين:
الأول: أن يمنعه منعاً مستمراً فهذا لا يجوز، لأنه يقطع الحمل فيقل النسل، وهو خلاف مقصود الشارع، من تكثير الأمة الإسلامية، ولأنه لا يؤمن أن يموت أولادها الموجودون فتبقى أرملة لا أولاد لها.
الثاني: أن يمنعه منعاً مؤقتاً، مثل أن تكون المرأة كثيرة الحمل، والحمل يرهقها، فتحب أن تنظم حملها كل سنتين مرة أو نحو ذلك فهذا جائز، بشرط أن يأذن به زوجها وألا يكون به ضرر عليها، ودليله أن الصحابة كانوا يعزلون عن نسائهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من أجل ألا تحمل نساؤهم، فلم ينهوا عن ذلك. والعزل أن يجامع زوجته وينزع عند الإنزال فينزل خارج الفرج.
* وأما استعمال ما يسقط الحمل فهو على نوعين:
الأول: أن يقصد من إسقاطه إتلافه، فهذا إن كان بعد نفخ الروح فيه فهو حرام، بلا ريب، لأنه قتل نفس محرمة بغير حق وقتل النفس المحرمة حرام بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وإن كان قبل نفخ الروح فيه فقد اختلف العلماء في جوازه، فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه، ومنهم من قال يجوز ما لم يكن علقه، أي ما لم يمض عليه أربعون يوماً، ومنهم من قال يجوز ما لم يتبين فيه خلق إنسان.
والأحوط المنع من إسقاطه إلا لحاجة كأن تكون الأم مريضة لا تتحمل الحمل أو نحو ذلك، فيجوز إسقاطه حينئذ إلا إن مضى عليه زمن يمكن أن يتبين فيه خلق إنسان فيمنع. والله أعلم.
الثاني: ألا يقصد من إسقاطه إتلافه بأن تكون محاولة إسقاطه عند
(11/332)

انتهاء مدة الحمل وقرب الوضع فهذا جائز، بشرط ألا يكون في ذلك ضرر على الأم، ولا على الولد. وألا يحتاج الأمر إلى عملية، فإن احتاج إلى عملية فله حالات أربع:
الأولى: أن تكون الأم حية والحمل حياَ، فلا تجوز العملة إلا للضرورة، بأن تتعسر ولادتها فتحتاج إلى عملية، وذلك لأن الجسم أمانة عند العبد، فلا يتصرف فيه بما يخشى منه إلا لمصلحة كبرى؛ ولأنه ربما يظن ألا ضرر في العملية فيحصل الضرر.
الثاني: أن تكون الأم ميتة والحمل ميتاً، فلا يجوز إجراء العملية لإخراجه لعدم الفائدة.
الثالثة: أن تكون الأم حية والحمل ميتاً، فيجوز إجراء العملية لإخراجه، إلا أن يخشى الضرر على الأم لأن الظاهر ـ والله أعلم ـ أن الحمل إذا مات لا يكاد يخرج بدون العملية، فاستمراره في بطنها يمنعها من الحمل المستقبل، ويشق عليها، وربما تبقى أيماً إذا كانت معتدة من زوج سابق.
الرابع: أن تكون الأم ميتة والحمل حياً، فإن كان لا ترجى حياته لم يجز إجراء العملية. وإن كان ترجى حياته، فإن كان قد خرج بعضه شق بطن الأم لإخراج باقيه، وإن لم يخرج منه شيء، فقد قال أصحابنا رحمهم الله لا يشق بطن الأم لإخراج الحمل، لأن ذلك مثله، والصواب أنه يشق البطن إن لم يكن إخراجه بدونه، وهذا اختيار ابن خبيرة قال في الإنصاف (1) وهو أولى.
__________
(1) الإنصاف 2: 556.
(11/333)

قلت: ولا سيما في وقتنا هذا فإن إجراء العملية ليس بمثله، لأنه يشق البطن ثم يخاط، ولأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، ولأن إنقاذ المعصوم من الهلكة واجب. والحمل إنسان معصوم فوجب إنقاذه. والله أعلم.
تنبيه: في الحالات التي يجوز فيها إسقاط الحمل فيما لابد من إذن من له الحمل في ذلك كالزوج.
وإلى هنا انتهى ما أردنا كتابته في هذا الموضوع المهم، وقد اقتصرنا فيه على أصول المسائل وضوابطها وإلا ففروعها وجزئياتها وما يحدث للنساء من ذلك بحر لا ساحل له، ولكن البصير يستطيع أن يرد الفروع إلى أصولها والجزئيات إلى كلياتها وضوابطها، ويقيس الأشياء بنظائرها.
وليعلم المفتي بأنه واسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ ما جاءت به رسله، وبيانه للخلق، وأنه مسئول عما في الكتاب والسنة، فإنهما المصدران اللذان كلف العبد فهمهما، والعمل بهما، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو خطأ، يجب رده على قائله، ولا يجوز العمل به، وإن كان قائله قد يكون معذوراً مجتهداً فيؤجر على اجتهاده لكن غيره العالم بخطئه لا يجوز له قبوله.
ويجب على المفتي أن يخلص النية لله تعالى، ويستعين به في كل حادثة تقع به، ويسأله تعالى الثبات والتوفيق للصواب.
ويجب عليه أن يكون موضع اعتباره ما جاء في الكتاب والسنة، فينظر ويبحث في ذلك أو فيما يستعان به من كلام أهل العلم على فهمهما.
وإنه كثيراً ما تحدث مسألة من المسائل، فيبحث عنها الإنسان فيما يقدر عليه من كلام أهل العلم، ثم لا يجد ما يطمئن إليه في حكمها،
(11/334)

وربما لا يجد لها ذكراً بالكلية، فإذا رجع إلى الكتاب والسنة، تبين له حكمهما قريباً ظاهراً وذلك بحسب الإخلاص والعلم والفهم.
* ويجب على المفتي أن يتريث في الحكم عند الإشكال، وألا يتعجل، فكم من حكم تعجل فيه، ثم تبين له بعد النظر القريب، أنه مخطئ فيه، فيندم على ذلك، وربما لا يستطيع أن يستدرك ما أفتى به.
والمفتي إذا عرف الناس منه التأني والتثبت وثقوا بقوله واعتبروه، وإذا رأوه متسرعاً، والمتسرع كثير الخطأ، لم يكن عندهم ثقة فيما يفتي به فيكون بتسرعه وخطئه قد حرم نفسه وحرم غيره ما عنده من علم وصواب.
نسأل الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم. وأن يتولانا بعنايته. ويحفظنا من الزلل برعايته، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم، على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

تم بحمد الله تعالى المجلد الحادي عشر
ويليه بمشيئة الله عز وجل
المجلد الثاني عشر
* * *
(11/335)