Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 012


[كتاب الصلاة]
الصلاة
(12/9)

1) سئل فضيلة الشيخ أعلى الله درجته: عن حكم الصلاة وعلى من تجب؟
فأجاب بقوله: الصلاة من آكد أركان الإسلام، بل هي الركن الثاني بعد الشهادتين، وهي آكد أعمال الجوارح، وهي عمود الإسلام كما ثبت ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال (عموده الصلاة) (1) يعني الإسلام، وقد فرضها الله على نبيه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أعلى مكان وصل إليه البشر، وفي أشرف ليلة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبدون واسطة لأحد ن وفرضها الله - عز وجل - على رسوله محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسين مرة في اليوم والليلة، ولكن الله - سبحانه وتعالى - خفف على عبادة حتى صارت خمساً بالفعل وخمسين في الميزان، وهذا يدل على أهميتها ومحبة الله لها، وأنها جديرة بأن يصرف الإنسان شيئاً كثيراً من وقته فيها، وقد دل على فرضيتها الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين:
ففي الكتاب يقول الله - عز وجل -: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً 103) (2) . معنى (كتاباً) أي مكتوباً أي مفروضاً.
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذ بن جبل - رضى الله عنه - حين بعثه إلى اليمن ((أعلمهم أن الله أفترض عليهم خمس صلوات في كل يوم
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 5/231 والترمذي: كتاب الإيمان / باب ما جاء في حرمة الصلاة (2616) ، والنسائي في (الكبرى) : كتاب التفسير / باب قوله تعالى (تتجافى جنوبهم عن المضاجع ((11394) . وابن ماجة: كتاب الفتن / باب كف اللسان في الفتنة (3973) . وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
(2) سورة النساء، الآية 103.
(12/11)

وليلة)) (1)
وأجمع المسلمون على فرضيتها، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن الإنسان إذا جحد فرض الصلوات الخمس، أو فرض واحدة منها فهو كافر مرتد عن الإسلام يباح دمه وماله إلا أن يتوب إلى الله – عز وجل – ما لم يكن حديث عهد بالإسلام لا يعرف من شعائر الإسلام شيئاً فإنه يعذر بجهله في هذه الحال، ثم يعرف فإن أصر بعد علمه بوجوبها على إنكار فرضيتها فهو كافر.
وتجب الصلاة على كل مسلم، بالغ، عاقل، من ذكر أو أنثى.
فالمسلم ضده: الكافر، فالكافر لا تجب عليه الصلاة، بمعنى أنه لا يلزم بأدائها حال كفره ولا بقضائها إذا أسلم، لكنه يعاقب عليها يوم القيامة كما قال الله تعالى (إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِين * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّين 46) (2) .
فقولهم (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) يدل على أنهم عوقبوا على ترك الصلاة مع كفرهم وتكذيبهم بيوم الدين.
وأما البالغ فهو الذي حصل له واحدة من علامات البلوغ وهي ثلاث بالنسبة للرجل، وأربع بالنسبة للمرأة:
أحدها: تمام الخمس عشر سنة
والثانية: إنزال المني بلذة ويقظة كان أم مناماً.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة / باب وجوب الزكاة. ومسلم: كتاب الإيمان / باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.
(2) سورة المدثر، الآيات: 39-46.
(12/12)

والثالثة: إنبات العانة، وهي الشعر الخشن حول القبل، هذه الثلاث العلامات تكون للرجال والنساء، وتزيد المرأة علامة رابعة وهي: الحيض فإن الحيض من علامات البلوغ.
وأما العاقل فضده: المجنون الذي لا عقل له، ومنه الرجل الكبير أو المرأة الكبيرة إذا بلغ به الكبر إلى حد فقد التمييز، وهو ما يعرف عندنا بالمهذري فإنه لا تجب عليه الصلاة حينئذ لعدم وجود العقل في حقه.
وأما الحيض أو النفاس فهو مانع من وجوب الصلاة فإذا وجد الحيض أو النفاس فإن الصلاة لا تجب لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المرأة: ((أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم)) (1)

* * *

2) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: ورد في الحديث ((أنه لا خير في دين ليس فيه صلاة)) (2) ، فهل كانت الصلاة في الأديان السابقة مثل الصلاة في الإسلام أم تختلف عنها؟
فأجاب بقوله: هذا الحديث لا أعلم عنه، ولا أظنه يصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن الأديان السابقة قد ثبت فيها الصلاة وثبت فيها الركوع والسجود لقوله تعالى عن إسماعيل (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الحيض / باب ترك الحائض الصوم، وكتاب الصوم / باب الحائض تترك الصوم والصلاة.
(2) أخرجه الإمام أحمد 4/218 من حديث عثمان بن أبي العاص مطولاً وفيه: (لا خير في دين لا ركوع فيه) . وأبو داود: في كتاب الخراج / باب خبر الطائف، وضعفه الألباني - ضعيف أبي داود 300.
(12/13)

وَالزَّكَاةِ) (1) وقوله (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ43) (2) . وقوله بعد ذكر طائفة من الأنبياء (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً 58) (3) . والآيات في هذا كثيرة ولابد من الصلاة في كل شريعة لأنها على رأس العبادات العملية فهي أفضل العبادات بعد الشهادتين.
ولهذا كان القول الراجح من أقوال أهل العلم أن من تركها تهاوناً وكسلاً فإنه كافر مرتد عن الإسلام يحكم له بأحكام الكافرين.

* * *

3) وسئل فضيلة الشيخ: متى فرضت الصلاة بأركانها وواجباتها؟
فأجاب قائلاً: فرضت الصلاة في ليلة المعراج حين عرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذلك قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات (4) ، وفرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين، فلما هاجر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى المدينة أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الفجر، فصارت الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، والعشاء أربعاً، وبقيت الفجر على ركعتين لأنه يطول فيها القراءة، وبقيت المغرب على ثلاث لأنها وتر النهار.
والظاهر أنها شرعت على هذا الوجه من قيام وركوع وسجود وقعود، لأن حديث عائشة لم تذكر فيه إلا التغيير في عدد الركعات
__________
(1) _ سورة مريم، الآية: 55.
(2) سورة أل عمران، الآية: 43.
(3) سورة مريم، الآية: 58.
(4) البخاري: كتاب بدء الخلق / باب ذكر الملائكة، ومسلم: كتاب الإيمان / باب الإسراء وفرض الصلوات.
(12/14)

فقط، فعلم بذلك أن ما سواه لم يتغير.
* * *

4) وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله - عن فاقد الذاكرة والمغمى عليه هل تلزمهما التكاليف الشرعية؟
فأجاب بقوله: إن الله - سبحانه وتعالى - أوجب على الإنسان العبادات إذا كان أهلاً للوجوب، بأن يكون ذا عقل يدرك به الأشياء، وأما من لا عقل له فإنه لا تلزمه الشرائع، ولهذا لا تلزم المجنون ولا تلزم الصغير الذي لم يميز، بل ولا الذي لم يبلغ أيضاً، وهذا من رحمة الله تعالى، ومثله أيضاً المعتوه الذي أصيب بعقله على وجه لم يلغ حد الجنون، ومثله الكبير الذي بلغ فقدان الذاكرة فإنه لا يجب عليه صلاة ولا صوم، لأنه فاقد الذاكرة وهو بمنزلة الصبي الذي لا يميز فتسقط عنه التكاليف فلا يلزم بها.
وأما الواجبات المالية فإنها تجب في ماله ولو كان فاقد الذاكرة.
فالزكاة مثلاً تجب في ماله ويجب على من تولى أمره أن يخرج الزكاة عنه، لأن وجوب الزكاة يتعلق بالمال كما قال الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ) (1) . فقال (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ولم يقل خذ منهم، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمعاذ عندما بعثه إلى اليمن: (أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) (2) . وعلى هذا فالواجبات المالية لا تسقط عن فاقد الذاكرة، أما العبادات البدنية كالصلاة، والطهارة والصيام فإنها تسقط عن مثل
__________
(1) سورة التوبة، الآية 103.
(2) تقدم تخريجه ص 12.
(12/15)

هذا الرجل لأنه لا يعقل.
وأما من زال عقله بإغماء من مرض ونحوه فإنه لا تجب عليه الصلاة على قول أكثر أهل العلم، فإذا أغمى على المريض لمدة يوم أو يومين فلا قضاء عليه، لأنه ليس له عقل، وليس كالنائم الذي قال فيه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (1) . لأن النائم معه إدراك بمعنى أنه يستطيع أن يستيقظ إذا أوقظ، وأما المغمى عليه فلا يستطيع أن يستيقظ إذا أوقظ، هذا إذا كان الإغماء بغير سبب، أما إذا كان الإغماء بسبب منه كالذي أغمى عليه من البنج ونحوه فإنه يقضي الصلاة التي مرت عليه وهو حال الغيبوبة، والله أعلم.

* * *

5) وسئل فضيلته: عن رجل كبير أصبح لا يشعر بنفسه لكبر سنه، فهو يتوضأ في أي وقت من الأوقات ويحسن الوضوء، ولكنه يصلى في غير الوقت، ويقول في صلاته بعض الألفاظ التي لا تمت إلى الصلاة بصلة، ويصلى الفريضة أكثر من مرة في اليوم. فهل صلاته مقبولة؟ وماذا على أهله في ذلك؟
فأجاب بقوله: مادام هذا الرجل قد سقط تمييزه، ولا يدري هل هو في عبادة أم في غير عبادة، فإنه لا صلاة عليه، لأنه قد بلغ سناً سقط به التمييز، فأصبح بمنزلة الطفل الذي ليس عليه صلاة، وهو بهذه الحال مرفوع عنه القلم ولو كان لديه تمييز وعنده من يذكره فإنه في هذه الحال يؤمر
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب المواقيت / باب من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها، ومسلم: كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة.
(12/16)

بالصلاة، ويكون عنده أحدكم، يقول له: كبر، اقرأ الفاتحة، اركع، ارفع من الركوع، اسجد، اجلس بين السجدتين، إلى أخر أركان الصلاة، ويكون لكم بذلك أجر عند الله سبحانه وتعالى، لأن التعاون على البر والتقوى من طاعة الله سبحانه وتعالى.
* * *

6) وسئل فضيلة الشيخ: عن الفرق بين المجنون والمغمى عليه؟ وهل يلزم
المغمى عليه قضاء الصلاة؟
فأجاب بقوله: الفرق بين المجنون والمغمى عليه أن الأول فاقد العقل، والثاني فاقد الإحساس، فالأول تجده يتألم من الأمور المؤذية ويحس بها وينفر بطبيعته منها، ويصيح إذا آلمته لكن لا تمييز له، وأما الثاني فهو لا يتألم من ذلك ولا يصيح بل هو كالميت.
وأما لزوم قضاء الصلاة في حق المغمى عليه فهذا محل خلاف بين أهل العلم: فمنهم من أسقط عنه القضاء كمالك والشافعي، ومنهم من أوجب القضاء عليه كالمشهور من مذهب أحمد، ومنهم من فصل في ذلك بأنه إن أغمي عليه يوماً وليلة قضى، وإن زاد على ذلك لم يقض كمذهب أبي حنيفة، وفي الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر أغمي عليه فذهب عقله فلم يقض الصلاة (1) ،
وهذا المروي عن ابن عمر هو الصحيح وأنه لا قضاء علي المجنون ولا المغمى عليه، والله الموفق.
* * *
7) وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل له مدة شهرين لم يشعر بشيء ولم يصل ولم يصم رمضان فماذا يجب عليه؟
__________
(1) أخرجه مالك / باب ما جاء في جامع الوقت (23) .
(12/17)

فأجاب بقوله: لا يجب عليه شيء لفقد شعوره، ولكن إن قدر الله أن يفيق لزمه قضاء رمضان، وإن قضى الله عليه بالموت فلا شيء عليه إلا أن يكون من زوي الأعذار المستمرة كالكبير ونحوه ففرضه أن يطعم وليه عنه عن كل يوم مسكيناً.
أما الصلاة فللعلماء في قضاءها قولان:
أحدهما: وهو قول الجمهور لا قضاء عليه لأن أبن عمر رضي الله عنهما أغمي عليه يوماً وليلة فلم يقض ما فاته (1)
والقول الثاني: عليه القضاء وهو المذهب عند المتأخرين من الحنابلة قال في الإنصاف وهو من مفردات المذهب وهو مروي عن عمار بن ياسر أنه أغمي عليه ثلاثاً وقضى ما فاته (2) . حرر في 24/2/1394 هـ.

* * *

8 وسئل حفظه الله تعالى: هل يحاسب المولود المتخلف عقلياً؟ وهل تعتبر ولادة طفل متخلف عقلياً عقوبة لوالديه؟
فأجاب بقوله: المولود المتخلف عقلياً حكمه حكم المجنون ليس عليه تكليف، ولا يحاسب يوم القيامة، لكنه إذا كان من أبوين مسلمين أو أحدهما مسلماً فإن له حكم الوالد المسلم، أي أن هذا الطفل يكون مسلماً فيدخل الجنة، أما إذا كان من أبوين كافرين فإن أرجح الأقوال أنه يمتحن يوم القيامة بما أراد الله عز وجل فإن أجاب وامتثل أدخل الجنة، وإن عصى أدخل النار.
هذا هو القول الراجح في حق هؤلاء، وهو ما ينطبق على من لم تبلغهم دعوة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كأناس في أماكن بعيدة عن بلاد الإسلام ولم يسمعوا عنه شيئاً، فهؤلاء إذا كان يوم القيامة امتحنهم الله سبحانه بما شاء فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى دخل النار.
__________
(1) تقدم ص17.
(2) أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " 1/387.
(12/18)

وقد يقول قائل: كيف يمتحنون وهم في دار الجزاء وليسوا في دار التكليف؟
وجوابنا على هذا:
أولاً: أن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، وله أن يكلف عباده في الآخرة كما كلفهم في الدنيا.
ثانياً: أن التكليف في الآخرة ثابت بنص القرآن (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ *خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) (1) . فمثل هذا قد يقع في الآخرة.
إذن هذا المولود المتخلف عقلياً حكمه حكم المجانين وليس عليه تكليف، وحكمه حكم أبويه: إن كانا كافرين، وإن كانا مسلمين، أو أحدهما مسلماً.
أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال: فإن المصائب تكون تارة عقوبة وتارة امتحاناً، فهي عقوبة إذا فعل الإنسان محرماً أو ترك واجباً فقد يعجل الله له العقوبة في الدنيا ويصيبه بما يشاء من مصيبة، وقد يصاب الإنسان بالمصيبة لا عقوبة على ترك واجب، أو فعل محرم ولكن من باب الامتحان إذ يمتحن الله بها الإنسان ليعلم أيصبر أم لا
__________
(1) سورة القلم، الآيتان: 42، 43.
(12/19)

يصبر؟ فإن صبر كانت المصيبة منحة لا محنة يرتقي بها الإنسان إلى المراتب العليا.
* * *
9) وسئل فضيلته: هل يجوز للإنسان تأخير الصلاة لتحصيل شرط من شروطها كما لو اشتغل باستخراج الماء؟
فأجاب بقوله: الصواب أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها مطلقاً، وإذا خاف الإنسان خروج الوقت صلى على حسب حاله، وإن كان يمكن أن يحصل الشرط
قريباً لقوله تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (1) . وكذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقت أوقات الصلاة، وهذا يقتضي وجوبها في وقتها، ولأنه لو جاز انتظار الشروط ما صح أن يشرع التيمم، لأن بإمكانه أن يحصل الماء بعد الوقت، ولا فرق بين أن يؤخرها إلى وقت طويل أو إلى وقت قصير، لأن كليهما إخراج للصلاة عن وقتها وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

* * *
10) وسئل فضيلته: إذا كان الإنسان لا يتمكن من الصلاة لا بقلبه ولا بجوارحه لشدة الخوف فهل يجوز له تأخير الصلاة؟
فأجاب قائلاً: إذا كان الإنسان لا يتمكن من الصلاة بوجه من الوجوه لا بقلبه ولا بجوارحه لشدة الخوف فالصحيح أنه يجوز له تأخير الصلاة في هذه الحال، لأنه لو صلى فإنه لا يدري ما يقول وما يفعل، ولأنه يدافع الموت، وقد ورد ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم
__________
(1) سورة النساء، الآية: 103.
(12/20)

كما في حديث أنس رضي الله عنه في فتح تستر فإنهم أخروا الصلاة عن وقتها إلى الضحى حتى فتح الله عليهم (1) ، وعليه يحمل تأخير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاة عن وقتها يوم الخندق حينما شغل عن صلاة العصر إلى أن غربت الشمس كما في حديث جابر (2) ، وغزوة الخندق كانت في السنة الخامسة، وغزوة ذات الرقاع كانت في السنة الرابعة على المشهور، وقد صلى فيها صلاة الخوف فتبين أنه أخرها في الخندق لشدة الخوف.

* * *

11) وسئل أعلى الله درجته: عمن يسهر ولا يستطيع أن يصلي الفجر إلا بعد خروج الوقت فهل تقبل منه؟ وحكم بقية الصلوات التي يصليها في الوقت؟
فأجاب قائلاً: أما صلاة الفجر التي يؤخرها عن وقتها وهو قادر على أن يصليها في الوقت لأن بإمكانه أن ينام مبكراً فإن صلاته هذه لا تقبل منه لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (3) والذي يؤخر الصلاة عن وقتها عمداً بلا عذر قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً عليه.
لكن قد يقول إنني أنام، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ((من نام عن صلاة أو
__________
(1) أخرجه البخاري: في كتاب الخوف / باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو. معلقاً بصيغة الجزم وقال الحافظ في " الفتح " 2/ 504: وصله ابن سعد وابن أبي شيبة من طريق قتادة عنه.
(2) أخرجه البخاري: كتاب المواقيت / باب قضاء الصلوات الأولى فالأولى، ومسلم: كتاب المساجد / باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى صلاة العصر.
(3) أخرجه مسلم: كتاب الأقضية / باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.
(12/21)

نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) (1) .
فنقول: إذا كان بإمكانه أن ينام مبكراً ليستيقظ مبكراً، أو يجعل عنده ساعة تنبهه، أو يوصي من ينبهه فإن تأخيره الصلاة وعدم قيامه يعتبر تعمداً لتأخير الصلاة عن وقتها فلا تقبل منه.
أما بقية الصلوات التي كان يصليها في وقتها فإنها مقبولة.
وإنني بهذه المناسبة أوجه كلمة وهي: أنه يجب على المسلم أن يقوم بعبادة الله على الوجه الذي يرضي الله عز وجل، لأنه في هذه الحياة الدنيا إنما خلق لعبادة الله ولا يدري متى يفجؤه الموت فينتقل إلى عالم الآخرة إلى دار الجزاء التي ليس فيها عمل كما قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةً جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (2) .

* * *

12) وسئل فضيلته عن حكم من يضع توقيت الساعة لموعد الدوام الرسمي ويصلي الفجر في هذا الوقت سواء السابعة أو السادسة والنصف؟ هل هو آثم في ذلك؟ وما حكم صلاته؟
فأجاب بقوله: هو آثم في ذلك بلا شك وهو ممن آثر الدنيا على الآخرة وقد أنكر الله ذلك في قوله تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (3) . وصلاته هذه ليست مقبولة منه، ولا تبرأ بها ذمته وسوف يحاسب عنها يوم القيامة، وعليه أن يتوب إلى الله، وأن
__________
(1) تقدم تخريجه ص 16.
(2) أخرجه مسلم: كتاب الوصية / باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.
(3) سورة الأعلى، الآيتان 16، 17.
(12/22)

يصليها مع المسلمين ثم ينام بعد ذلك إلى وقت الدوام إن شاء.

* * *

13) وسئل فضيلته عمن ينام عن صلاة الفجر ولا يصليها إلا بعد طلوع الشمس قبيل ذهابه إلى الدوام وإذا قيل له: هذا أمر لا يجوز قال: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ " وهذا ديدنه؟
فأجاب بقوله: هذا الشخص اسأله وقل: ما رأيك لو كان الدوام يبدأ بعد طلوع الفجر بنصف ساعة هل تقوم أو تقول: رفع القلم عن ثلاثة. فسيجيبك بأنه سيقوم.
فقل له إذا كنت تقوم لعملك في الدنيا فلماذا لا تقوم لعملك في الآخرة؟!
ثم إن النائم الذي رفع عنه القلم هو الذي ليس عنده من يوقظه أو يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به، أما شخص عنده من يوقظه أو يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به أما شخص عنده من يوقظه أو يتمكن من إيجاد شيء يستيقظ به كالساعة وغيرها ولم يفعل فإنه ليس بمعذور.
وعلى هذا أن يتوب إلى الله - عز وجل - ويجتهد في القيام لصلاة الفجر ليصليها مع المسلمين.

* * *

14) وسئل فضيلة الشيخ: عن الذين يذهبون إلى رحلات برية ويقيمون المخيمات لعدة أيام وغالباً ما تكون في أيام الشتاء والملاحظ أن هؤلاء يقضون الليل بالسهر حتى قبيل الفجر بنحو ساعة ثم يخلدون إلى النوم ولا يستيقظون إلا بعد الظهر حوالي الساعة الواحدة والنصف ثم يصلون الفجر مع الظهر جمعاً فما الحكم؟ علماً أن بعضهم يحتج بشدة البرد والبعض الآخر يحتج
(12/23)

بالتعب بسبب السهر، أفتونا مأجورين وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: مما لا شك فيه أن الصلاة ثانية أركان الإسلام التي بني عليها كما صح ذلك في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام " (1) . وأن الصلاة مفروضة بأوقات معينة لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (2) فلا تصح الصلاة قبل الوقت ولا بعده إلا بعذر.
أما قبل الوقت فلا تصح مطلقاً حتى لو صلى إنسان ظاناً أن الوقت قد دخل ثم تبين له أنه لم يدخل فإن عليه أن يعيد صلاته بعد دخول الوقت، وتكون الصلاة الأولى نفلاً. أما إذا صلاها بعد الوقت. فإن كان بعذر شرعي كالنسيان والنوم فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " (3) . ولما نام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحبه في السفر ولم يوقظهم إلا حر الشمس قضوا صلاة الفجر (4) .
وإن أخرها عن وقتها بلا عذر شرعي فإنها لا تقبل منه، لأنه إذا أخرجها عن وقتها بلا عذر شرعي عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان / باب الإيمان وقول النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) :" بني الإسلام ". ومسلم: كتاب الإيمان / باب بيان أركان الإسلام ...
(2) سورة النساء، الآية: 103.
(3) تقدم ص16.
(4) أخرجه البخاري: كتاب التيمم / باب الصعيد الطيب، ومسلم: كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة.
(12/24)

فيكون مردوداً، لما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (1) . أي مردود على العامل.
إذا علم هذا فإن الواجب على الاخوة الذين يخرجون إلى الرحلات أن يشكروا الله تعالى على هذه النعمة حيث جعلهم في رخاء ويسر من العيش، وفي أمن وأمان من الخوف، ويقوموا بما أوجب الله عليهم من الصلاة في أوقاتها، سواء صلاة الفجر أم غيرها، ولا يحل لهم أن يؤخروا صلاة الفجر عن وقتها بحجة أنهم نائمون، لأن هذا النوم لا يعذرون فيه غالباً لكونهم يستطيعون أن يكون لهم منبهات تنبههم للصلاة في وقتها، ويستطيعون أن يناموا مبكرين حتى يقوموا نشيطين، وأما البرد فليس عذراً في تأخير الصلاة عن وقتها وذلك لأنه يوجد ولله الحمد ما يسخن به الماء في هذه الرحلات فعليهم أن يسخنوا الماء ليتوضئوا به، وإذا قدر أنه كان على الإنسان جنابة ولم يتمكن من تسخين الماء بمعني ليس عنده شيء يسخن به الماء وخاف على نفسه من البرد ففي هذه الحالة يتيمم، فإذا أرتفع النهار وجاء الدفء اغتسل، ولا يجوز أن يؤخر الصلاة عن وقتها لمثل هذه الأعذار الواهية.
فنصيحتي للأخوة الذين يخرجون للرحلات أن يتقوا الله سبحانه وتعالى، وأن يخافوا يوم الحساب، وأن يعلموا أنهم سيلاقون ربهم فيحاسبهم على ما عملوا كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) (2) . ونسأل الله لنا ولهم
__________
(1) تقدم تخريجه ص 21.
(2) سورة الأنشقاق، الآية:6.
(12/25)

الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى.

* * *

15) وسئل فضيلة الشيخ: عمن يؤخر صلاة الفجر حتى يخرج وقتها؟
فأجاب بقوله: هؤلاء الذين يؤخرون صلاة الفجر حتى يخرج وقت الفجر إن كانوا يعتقدون حل ذلك فإن هذا كفر بالله عز وجل، لأن من اعتقد حل تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر فإنه كافر لمخالفته الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
أما إذا كان لا يرى حل ذلك، ويرى أنه عاص بالتأخير لكن غلبته نفسه وغلبه النوم فعليه أن يتوب إلي الله عز وجل، وأن يقلع عما كان يفعله وباب التوبة مفتوح حتى لأكفر الكافرين، فإن الله يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (1) ، وعلى من علم بهم أن ينصحهم ويوجههم إلي الخير، فإن تابوا وإلا فعليه أن يبلغ الجهات المسؤولة بتأديب هذا وأمثاله. والله الموفق.

* * *

16) وسئل عن حكم من صلى الفجر بعد طلوع الشمس لعدم التمكن من القيام مبكراً؟
فأجاب بقوله: يظهر من سؤال السائل أنه ما صلى الفجر إلا مع طلوع الشمس أو بعد طلوعها، ولا ريب أن هذا عمل محرم، وأنه لا
__________
(1) سورة الزمر، الآية: 53.
(12/26)

يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة عن وقتها بدون عذر، والنوم عذر إذا لم يكن فيه تفريط، فإذا كان فيه تفريط بأن تأخر في النوم ولم يجعل عنده شيئاً يوقظه كالمنبه، أو شخصاً يوقظه عند الأذان، فإنه مفرط، ويكون آثماً بهذا الفعل.
أما إذا كان غير مفرط كأن يكون عادته أن يقوم لكنه عجز حتى طلعت الشمس فإنه يصلي الفجر كما يصليها، فيتطهر ثم يصلي سنة الفجر، ثم يصلي الفريضة، كما ثبت ذلك من حديث أبي قتادة رضي الله عنه في قصة نومهم مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث تقدم عن المكان الذي هم فيه وأمر بلالاً فإذن وصلوا ركعتي الفجر، ثم أقيمت الصلاة بعد ذلك وصلي الفجر1، والمهم في ذلك أن الإنسان يتخذ الحيطة لصلاة الفجر من منبه أو شخص موثوق به حتى يؤدي الصلاة على الوجه الذي أمر به.

* * *

17) وسئل فضيلة الشيخ- حفظه الله تعالى - عن فتاة أخرت صلاة المغرب بسبب النوم ولم تصلها إلا في الصباح؟
فأجاب قائلاً: الحكم أن لا يجوز لأحد أن يتهاون في الصلاة حتى يخرج وقتها، وإذا كان الإنسان نائماً فإن بإمكانه أن يوكل من يوقظه حتى يصلي، ولابد من ذلك، ولا يمكن أن تؤخر صلاة المغرب ولا العشاء إلي الفجر، بل الواجب أن تصلي الصلاة في وقتها، فعلى هذه الفتاة أن تحرض أهلها على أن يوقظوها، ولو فرض أن طرأت
(12/27)

حاجة أو عارض من العوارض وكان فيها نوم عظيم وصلت المغرب وخافت إن لم تصلى العشاء فسيغلبها النوم حتى لا تقوم إلا مع الفجر، فإنه لا حرج عليها في هذه الحال أن تجمع العشاء مع المغرب لئلا تفوت صلاة العشاء عن وقتها، وهذا لا يكون إلا عند العوارض كما لو كانت سهرت ليالي متعددة، أو كانت عاقبة مرض أو نحوه.

* * *

18) وسئل فضيلة الشيخ: عن امرأة تؤخر صلاة المغرب عن أول وقتها من أجل استماع برنامج نور علي الدرب فهل عليها إثم بهذا التأخير علماً بأنها تصلي الصلاة قبل خروج وقتها؟
فأجاب بقوله: ليس عليها أثم في هذا التأخير ما دامت تصلي الصلاة قبل خروج وقتها، ومن المعلوم أن وقت المغرب يمتد إلي دخول وقت العشاء، أي إلي ما بعد ساعة وربع أو نحوها من غروب الشمس، قد يصل أحياناً إلي ساعة وثلاثين دقيقة، وقد يقصر حتى يكون ساعة وربعاً، والمهم أن تأخير صلاة المغرب عن أول وقتها من أجل الاستماع إلي هذا البرنامج لا بأس به، لأن الاستماع إلي هذا البرنامج وغيره من البرامج الدينية استماع إلي حلقة علم، ولا يخفى على أحد فضل طلب العلم والتماسه، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: " من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله له به طريقاً إلي الجنة " (1) .
وطلب العلم من أفضل القربات والعبادات حتى قال الإمام أحمد: " العلم لا يعدله شئ لمن صحت نيته ". قالوا: كيف تصلح النية
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الدعوات / باب فضل الاجتماع علي تلاوة القرآن.
(12/28)

يا أبا عبد الله؟ قال: " ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره ".
وإذا علم الله من نية هذه المرأة المستمعة أنه لولا طلبها الاستماع إلي هذا البرنامج لصلت في أول الوقت، لأنها إنما أخرت الصلاة عن أول الوقت لمصلحة شرعية قد تكون أفضل من تقديم الصلاة في أول وقتها.

* * *

19) سئل فضيلة الشيخ: قلتم حفظكم الله في الفتوى السابقة إن تأخير الصلاة عن أول وقتها من أجل استماع برنامج (نور علي الدرب) جائز فنأمل من فضيلتكم بيان الدليل؟
فأجاب بقوله: مسألة تأخير الصلاة عن أول وقتها من أجل استماع (نور علي الدرب) فلا أظنه يخفى أن الصلاة جائزة في أول الوقت وآخره بدلالة الكتاب والسنة.
أما الكتاب ففي قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (1) . وقد بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مواقيتها من كذا إلي كذا فمن أداها فيما بين أول الوقت وآخره فقد صلاها في الزمن الموقوت لها.
وأما السنة ففي صحيح مسلم 1/427 من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن وقت الصلاة فقال: " وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول، ووقت صلاة الظهر إذا زالت الشمس عن بطن السماء ما لم يحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول، ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق، ووقت صلاة العشاء إلي نصف
__________
(1) سورة النساء، الآية: 103.
(12/29)

الليل " (1) وفيه أيضاً 1/429 حديث بريدة أن النبي صلي الله عليه وسلم أتاه سائل يسأله عن المواقيت فذكر الحديث وفيه أن النبي صلي الله عليه وسلم صلى في اليوم الأول الصلوات في أول الوقت وصلاها في اليوم الثاني في آخره وقال " الوقت بين هذين " (2) .وفي شرح المهذب للنووي 3/58 يجوز تأخير الصلاة إلي آخر وقتها بلا خلاف.فقد دل الكتاب، والسنة، وأقوال أهل العلم على جواز تأخير الصلاة إلي آخر وقتها، ولا أعلم أحداً قال بتحريم ذلك إلا إذا خشي مانعاً يمنعه من فعل الصلاة على الوجه الواجب في آخر الوقت فلا يجوز له التأخير حينئذ، فإذا كان تأخير الصلاة إلي آخر الوقت جائزاً بمقتضى الكتاب، والسنة، وكلام أهل العلم بدون سبب، فأي مانع من استماع الإنسان إلي برنامج علم يستفيد منه ويصلي بعده ما دام الوقت باقياً؟! نعم إذا كان يفوت واجباً كالصلاة مع الجماعة فإنه لا يجوز إسقاط هذا الواجب لاستماع هذا البرنامج لأن الواجب لا يسقط بما دونه.

* * *

20) سئل فضيلة الشيخ: ما الواجب تجاه من يصلى الصلوات بعد فوات أوقاتها كمن يصلى الفجر بعد طلوع الشمس؟ وما حكم عمله هذا؟
فأجاب بقوله: أما الواجب تجاه هذا الرجل النصيحة، أن تنصحوه، وتخوفوه بالله، وتبينوا له ما في المحافظة علي الصلاة من
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب المساجد /باب أوقات الصلوات الخمسة.
(2) أخرجه مسلم: كتاب المساجد /باب أوقات الصلوات الخمسة.
(12/30)

الأجر والثواب، فأن اهتدى فلنفسه، وأن لم يهتد فلا يضر إلا نفسه.
أما بالنسبة لفعله، فهو إذا كان يستيقظ ولكنه يتكاسل ويضع رأسه على الوسادة فإن صلاته بعد طلوع الشمس لا تقبل منه ولا تنفعه عند الله، ودليل ذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (1) .
ومن المعلوم أن من لم يصلى صلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس عامداً ذاكراً قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون عمله هذا مردوداً، ولا تقبل منه صلاته، فإذا كان يوقظ ولكنه يتكاسل ويبقى نائماً، فإن صلاته بعد طلوع الشمس لا تقبل منه، وسوف يحاسب عنها يوم القيامة.

* * *

21) وسئل فضيلة الشيخ: عمن يؤخر صلاة الفجر حتى تطلع الشمس هل يعتبر كافراً؟
فأجاب قائلاً: هذا لا يكفر لأنه لم يترك الصلاة لكن تهاون بها ولا يحل له أن يفعل ذلك، فإن فعل وهو يستطيع أن يقوم فيصلي في الوقت فإنه لا تقبل منه صلاته، لأن القاعدة " أن كل عبادة مؤقتة إذا تركها الإنسان حتى خرج وقتها بدون عذر فإنها لا تقبل منه "، مثال ذلك ترك الصلاة حتى يخرج وقتها ثم يقوم الإنسان كي يصلي لا تقبل منه، كذلك ترك صيام يوم من رمضان عمداً بدون عذر، ثم أراد أن يقضيه بعد ذلك نقول: لا يقبل منه، والدليل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((
__________
(1) تقدم تخريجه ص21.
(12/31)

من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (1)
...
* * *

22) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم تأخير الصلاة من أجل العمل؟
فأجاب بقوله: إذا كان التأخير من أول الوقت إلى آخره فقط ولكن الصلاة وقعت في وقتها فلا شيء عليه، لأن تقديم الصلاة في أول وقتها على سبيل الأفضلية لا على سبيل الوجوب، هذا إذا لم يكن هناك جماعة في المسجد، وإلا وجب عليه حضور الجماعة، إلا أن يكون له عذراً في تركها. وأما إذا كان هذا التأخير إلى ما بعد خروج الوقت فإن ذلك ليس بجائز، اللهم إلا إذا نسي الإنسان واستغرق في الشغل حتى ذهل عن الصلاة فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (2) فهذا إذا ذكر يصليها ولا حرج عليه، وأما أن يذكر الصلاة ولكن نظراً لهذا الشغل الذي هو مرتبط به أخرها من أجله فهذا حرام ولا يجوز، ولو صلاها بعد الوقت في هذه الحال لم تقبل منه لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها بدون عذر شرعي فإنه لا صلاة له، لأنه أخرجها عن الوقت الذي أمر أن يؤديها فيه بلا عذر فيكون قد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، والله الموفق.
* * *
__________
(1) تقدم تخريجه ص21.
(2) تقدم تخريجه ص 16.
(12/32)

23) وسئل فضيلة الشيخ: عن قول العوام: إن تأخير المرأة الصلاة حتى تنتهي الجماعة في المسجد أفضل فهل لهذا أصل في الشرع؟
فأجاب بقوله: هذا لا أصل له في الشرع، بل المرأة كغيرها الأفضل لها أن تقدم الصلاة في أول وقتها، إلا صلاة العشاء فالأفضل أن تؤخرها إلى ما بعد ثلث الليل، فإذا كانت المرأة في بيتها فإننا نقول لها: ما دام ليس عليك مشقة فأخري صلاة العشاء إلى ما بعد ثلث الليل، لكن لا تؤخريها إلى ما بعد نصف الليل، والمعتبر نصف الليل من الغروب إلى طلوع الفجر، فنصف ما بين الغروب إلى طلوع الفجر هذا هو وقت العشاء، فالمرأة الأفضل لها أن تقدم الصلاة في أول وقتها كالرجل، إلا صلاة العشاء فإن الأفضل لها وللرجال أيضاً إذا لم يشق عليهم الأفضل أن يؤخروا صلاة العشاء لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه تأخر ذات ليلة في صلاة العشاء فخرج إلى أصحابه فصلى ثم قال: " إن هذا لوقتها لولا أن أشق على أمتي " (1) .

* * *

24) سئل فضيلة الشيخ أعلى الله درجته: عن حكم تأخير الصلاة عن وقتها بسبب عمل ما مثل الطبيب المناوب؟
فأجاب بقوله: تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العمل حرام ولا يجوز لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (2) . والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقت الصلاة بأوقات محددة، فمن أخرها
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب المساجد / باب وقت العشاء.
(2) سورة النساء، الآية: 103.
(12/33)

عن هذه الأوقات أو قدمها عليها فقد تعدى حدود الله، ومن يتعدى حدود الله فأولئك هم الظالمون. ولهذا قال الله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) (1) أي إذا كنتم لا تتمكنون من أداء الصلاة على ما هى عليه وخفتم من العدو فرجالاً أو ركباناً، أي حتى لو كنتم ماشين أو راكبين فصلوا ولا تؤخروها، فلا يجوز للإنسان أن يؤخر الصلاة عن وقتها لأي عمل كان، ولكن إذا كانت الصلاة مما يجمع إلى ما قبلها أو إلى ما بعدها وشق عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها فإن له أن يجمع. كما لو كانت نوبة العمل في صلاة الظهر ويشق عليه أن يصلي صلاة الظهر فإنه يجمعها مع صلاة العصر، وهكذا في صلاة العشاء مع المغرب لأنه ثبت في " صحيح مسلم " من حديث بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: " جمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر " فسألوا ابن عباس ما أراد بذلك؟ قال: " أراد ألا يحرج أمته " (2) أي لا يلحقهم الحرج في ترك الجمع.
أما تأخير الصلاة عن وقتها كما لو أراد أن يؤخر الفجر حتى تطلع الشمس أو يؤخر العصر حتى تغرب الشمس أو غيره فإن هذا لا يجوز.

* * *
25) وسئل فضيلة الشيخ: أعمل جزاراً وأغلب أوقات الصلاة تحضرني وأنا في مكان العمل، والملابس التي أرتديها لا تخلو من قطرات دم، أو زبالة غنم، مع العلم أن البيت بعيد عن مكان العمل وبعد انتهاء العمل أقضيها. فما حكم قضائي لتلك الأوقات؟
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 239.
(2) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين / باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.
(12/34)

فأجاب بقوله: تأخيرك الصلاة عن وقتها عمل محرم ولا يجوز، فإذا أخللت بها أخللت بدينك، والواجب عليك أن تصلي كل صلاة في وقتها مع الجماعة، ويمكنك أن تجعل عندك ثوباً نظيفاً، فإذا أذن للصلاة خلعت الثوب الذي أصيب بالأوساخ ولبست الثوب النظيف للصلاة، فإذا رجعت لبست الثوب الآخر وهكذا، وبذلك تؤدي الصلاة على الوجه المطلوب وتخرج من الإثم.
أما تأخيرك الصلاة حتى تنتهي من العمل فإنه محرم، ومع ذلك لا يجزئك من الصلوات إلا ما أدركت وقتها، وما لم تدرك وقته فإنه لا يجزئك، لأن القول الراجح أن من أخرج الصلاة عن وقتها بدون عذر فإنها لا تقبل منه، ولو صلاها ألف مرة فانتبه يا أخي لنفسك، واتق الله فيها، وقم بما أوجب الله عليك.
وأعلم أن الطاعة مجلبة للرزق وأن المعصية هي محق الرزق، فالله عز وجل يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) (1) . والرزق الذي بغير طاعة ما هو إلا استدراج من الله، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (2) . فاتق الله فاتق الله.

* * *

26) وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: عن حكم تارك الصلاة؟ وحكم من يتهاون بالصلاة مع جماعة المسلمين ويصلي في بيته؟ وحكم من يؤخرها عن وقتها؟
__________
(1) سورة الطلاق، الآيتان: 2، 3.
(2) سورة الأعراف، الآيتان: 182، 183.
(12/35)

فأجاب بقوله: هذه ثلاث مسائل:
* أما المسألة الأولى: فإن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، وإذا كان له زوجة انفسخ نكاحه منها، ولا تحل ذبيحته، ولا يقبل منه صوم ولا صدقة، ولا يجوز أن يذهب إلى مكة فيدخل الحرم، وإذا مات فإنه لا يجوز أن يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، وإنما يخرج به إلى البر ويحفر له حفرة يرمس فيها، ومن مات له قريب وهو يعلم أنه لا يصلي فإنه لا يحل له أن يخدع الناس ويأتي به إليهم ليصلوا عليه، لأن الصلاة على الكافر محرمة لقوله تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) (1) . ولأن الله يقول: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (2) .
* وأما من لا يصلي مع الجماعة ويصلي في بيته فهو فاسق وليس بكافر، لكنه إذا أصر على ذلك التحق بأهل الفسق وانتفت عنه صفة العدالة.
* وأما الذي يؤخرها عن وقتها فإنه أشد إثماً من الذي لا يصلي مع الجماعة، وتأخير الصلاة حتى خروج الوقت بدون عذر شرعي حرام ولا يجوز، ولو صلاها بعد الوقت في هذه الحال لم تقبل منه لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (3) . وعلى كل حال مسألة الصلاة من الأمور الهامة التي يجب على المؤمن أن يعتني بها وهي
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 84.
(2) سورة التوبة، الآية: 113.
(3) تقدم تخريجه ص21.
(12/36)

عمود الإسلام كما قال النبي، عليه الصلاة والسلام، ومن لا عمود لبنائه فإن بنائه لا يمكن أن يستقيم أبداً، فعلى المسلمين التناصح فيما بينهم والتآمر بها والحرص عليها.

* * *

27) وسئل فضيلته: عن حكم من ترك صلاة الفجر وهو يسمع المؤذن يقول: الصلاة خير من النوم؟
فأجاب بقوله: ينبغي أن يقال ما حكم من ترك صلاة الجماعة وهو يسمع المؤذن يقول: حي على الصلاة، لأجل أن يكون ذلك شاملاً لصلاة الفجر وغيرها، ولأن قول المؤذن حي على الصلاة أبلغ من قوله: الصلاة خير من النوم، ولأن قول الصلاة خير من النوم ليست ركناً من الأذان، وحي على الصلاة ركن فيه.
والمهم أنه لا يجوز لأحد من الرجال سمع المؤذن يقول حي على الصلاة أن يتأخر إلا بعذر شرعي، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه جاءه رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، وأنا رجل أعمى، فرخص له النبي عليه الصلاة والسلام، فلما ولى دعاه فقال له:" هل تسمع النداء " قال: نعم، قال: " فأجب " (1) . وهذا دليل واضح على أن كل من سمع النداء فعليه أن يجيب المنادي.

* * *

28 وسئل حفظه الله تعالى: عن حكم من ترك صلاة الفجر؟
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة / باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء.
(12/37)

فأجاب فضيلته بقوله: ترك صلاة الفجر إن كان المقصود تركها مع الجماعة فإن ذلك محرم وإثم، لأنه يجب على المرء أن يصلي مع الجماعة، وإن كان المقصود أنه لا يصليها أبداً، أو لا يصليها إلا بعد طلوع الشمس فإنه على خطر عظيم، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا أخر الصلاة حتى خرج وقتها بدون عذر فإنه يكون بذلك كافراً، والواجب على كل من كانت هذه حاله أن يتوب إلى الله، وأن يقبل على ربه وعبادته.

* * *

29) وسئل فضيلته عن رجل لديه عمال لا يصلون فما نصيحتكم لهؤلاء العمال؟ وما الواجب على صاحب العمل؟
فأجاب بقوله: لا شك أن المسلم ملتزم بجميع أحكام الإسلام: من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج وغيرها، والواجب عليه أن يقوم بذلك على حسب ما أوجبه الله عليه، وترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، فمن تركها وهو مسلم فهو ملتحق – والعياذ بالله – بالكفار المرتدين، ونصيحتي لهؤلاء العمال أن يتقوا الله عز وجل وأن يرجعوا إلى دينهم، وأن يؤدوا الصلاة حسب ما أمر الله بها، هذا بالنسبة لهم. أما بالنسبة لمن كانوا عنده فإن الواجب عليه إلزامهم بالصلاة. فإذا لم يفعلوا فليرفع بهم إلى ولاة الأمور، ليقوموا بما يجب نحوهم. فإن لم يتمكن من ذلك فإن الأولى استبدالهم، لأنه لا ينبغي أن يبقى عندك رجل مرتد عن الإسلام يعمل في ورشة أو غيرها. والله الموفق.

* * *

30) وسئل: عن امرأة توفي زوجها منذ خمس سنوات، ولديها
(12/38)

ولدان لا يصليان، فالكبير يبلغ من العمر تسعة عشر عاماً والثاني سبعة عشر عاماً، ولقد أمرتهما بالصلاة ونصحتهما وأخبرتهما عن الصلاة وإثم تاركها، ولكن دون فائدة، مع العلم بأنها مريضة، وكلما رأتهما على ذلك تأثرت، فإذا رأياها كذلك توددا إليها فيصليان ويتركان، فماذا تفعل لهما؟ وهل عليها إثم إذا تركتهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن الإثم على الأولاد لأنهم بالغون، وترك الصلاة كفر مخرج عن الملة إذا تركها الإنسان ولم يصل، لأدلة كثيرة من الكتاب والسنة، وقد حكى بعض أهل العلم إجماع الصحابة على ذلك، ولا شك أن الذي لا يصلي ليس في قلبه إيمان، لأن الإيمان مقتضٍ لفعل الطاعة، وأعظم الطاعات البدنية الصلاة، فإذا تركها فهو دليل أنه ليس في قلبه إيمان، وإن ادعى أنه مؤمن، فإن من كان مؤمناً فإنه بمقتضى هذا الإيمان يكون قائماً بهذه الصلاة العظيمة.
وأما أنت فعليك أن تتقي الله سبحانه وتعالى في نصحهم، وإرشادهم، وأمرهم بالصلاة، ونهيهم عن إضاعتها، وإيقاظهم من النوم، وزجرهم لأدائها، فإذا لم يفعلوا فإنما حسابهم على الله عز وجل، وأكثري أيتها الأخت لهم من الدعاء بالهداية والتوفيق، فلعل الله أن يستجيب لك فيكون بذلك سعادتك وسعادتهم إلى يوم القيامة.

* * *

31) وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل خطب من رجل ابنته، ولما سأل عنه إذا هو لا يصلي، وأجاب المسئول عنه بقوله: يهديه الله، فهل يزوج هذا؟
(12/39)

فأجاب جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً بقوله: أما إذا كان الخاطب لا يصلي مع الجماعة فهذا فاسق عاص الله ورسوله مخالف لما أجمع المسلمون عليه من كون الصلاة جماعة من أفضل العبادات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – ص222 ج 23 من مجموع الفتاوى: " اتفق العلماء على أنها – أي صلاة الجماعة – من أوكد العبادات، وأجل الطاعات، وأعظم شعائر الإسلام " اهـ كلامه رحمه الله تعالى، ولكن هذا الفسق لا يخرجه من الإسلام فيجوز أن يتزوج بمسلمة لكن غيره من ذوي الاستقامة على الدين والأخلاق أولى منه، وإن كانوا أقل مالاً وحسباً كما جاء في الحديث: " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه " قالوا يا رسول الله ‍‍‍‍‍‍‍وإن كان فيه؟ قال: " إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه " ثلاث مرات، أخرجه الترمذي (1) ، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك " (2) . ففي هذين الحديثين دليل على أنه ينبغي أن يكون أولى الأغراض بالعناية والاهتمام الدين والخلق من الرجل والمرأة، واللائق بالولي الذي يخاف الله تعالى ويرعى مسؤوليته أن يهتم ويعتني بما أرشد إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه مسؤول عن ذلك يوم القيامة قال الله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ
__________
(1) (1) أخرجه الترمذي: كتاب النكاح / باب ما جاء إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه 1085) وقال الترمذي: هذ حديث حسن غريب. وابن ماجة (1967) والحاكم 2/175.
(2) أخرجه البخاري: كتاب النكاح / باب الأكفاء في الدين، ومسلم: كتاب الرضاع / باب استحباب نكاح ذات الدين.
(12/40)

فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) (1) .
وقال: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ* فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) (2) .أما إذا كان الخاطب لا يصلي أبداً لا مع الجماعة ولا وحده فهذا كافر خارج عن الإسلام، يجب أن يستتاب، فإن تاب وصلى تاب الله عليه إذا كانت توبته نصوحاً خالصةً لله، وإلا قتل كافراً مرتداً، ودفن في غير مقابر المسلمين من غير تغسيل، ولا تكفين، ولا صلاة عليه، والدليل على كفره نصوص من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:فمن الكتاب قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) . فقوله (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) (3) . فقوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) دليل على أنه حين إضاعة الصلاة واتباع الشهوات ليس بمؤمن. وقال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (4) . فدل على أن الأخوة في الدين لا تكون إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لكن السنة دلت على أن تارك الزكاة لا يكفر إذا كان مقراً بوجوبها لكن بخل بها، فبقيت إقامة الصلاة شرطاً في ثبوت الأخوة الإيمانية وليس فسقاً أو كفراً دون كفر، لأن الفسق والكفر دون الكفر لا يخرج الفاعل من دائرة الأخوة الإيمانية كما
__________
(1) سورة القصص، الآية: 65.
(2) سورة الأعراف، الآيتان: 6، 7.
(3) سورة مريم،الآيتان: 59، 60.
(4) سورة التوبة، الآية: 11.
(12/41)

قال الله تعالى في الإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (1) .
فلم تخرج الطائفتان المقتتلتان من دائرة الأخوة الإيمانية مع أن قتال المؤمن من الكفر كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (2) .
وأما الأدلة من السنة على كفر تارك الصلاة فمثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة " (3) . رواه مسلم عن جابر بن عبد الله عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعن بريدة بن الحصيب قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (4) . رواه الخمسة: الإمام أحمد وأصحاب السنن. وعن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – أنهم بايعوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن لا ينازعوا الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان (5) ، والمعنى أن لا ينازعوا
__________
(1) سورة الحجرات، الآية: 10.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان/ باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر، ومسلم: كتاب الإيمان/ باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سباب المسلم فسوق.......".
(3) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان/ باب بيان إطلاق الكفر على من ترك الصلاة.
(4) أخرجه الإمام أحمد 5/346، والترمذي: كتاب الإيمان/ باب ما جاء في ترك الصلاة (2621) ، والنسائي: كتاب الصلاة/ باب الحكم في تارك الصلاة. وابن ماجة: كتاب إقامة الصلاة/ باب ما جاء فيمن ترك الصلاة (1079) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(5) أخرجه البخاري: كتاب الفتن/ باب ما جاء في قول الله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) ، ومسلم: كتاب الإمارة/ باب وحوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية.
(12/42)

ولاة الأمور فيما ولاهم الله عليه إلا أن يروا كفراً صريحاً عندهم فيه دليل من الله تعالى، فإذا فهمت ذلك فانظر إلى ما رواه مسلم أيضاً من حديث أم سلمة – رضي الله عنها – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف بريء (وفي لفظ: فمن كره فقد بريء) ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع "، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا، ما صلوا " (1) .
فعلم من هذا الحديث أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وحديث عبادة قبله يدل على أنهم لا ينازعون، ومن باب أولى أن لا يقاتلوا إلا بكفر صريح فيه من الله برهان فمن هذين الحديثين يؤخذ أن ترك الصلاة كفر صريح فيه من الله برهان.
فهذه أدلة من كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة كما جاء ذلك صريحاً فيما رواه ابن أبي حاتم في سننه عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – قال: أوصانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تتركوا الصلاة عمداً فمن تركها عامداً متعمداً مخرج من الملة " (2) .
وأما الآثار عن الصحابة – رضي الله عنهم – فقد قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – " لا إسلام لمن ترك الصلاة " (3) .
وقال عبد الله بن شقيق: " كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرون شيئاً من
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الإمارة/ باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا، ونحو ذلك.
(2) أخرجه الهيثمي في " المجمع " 4/216، ونحوه عند الحاكم في " المستدرك " 4/44.
(3) أخرجه بن أبي شيبة في " الإيمان " 34.
(12/43)

الأعمال تركه كفر غير الصلاة (1) . رواه الترمذي والحاكم وصححه على شرطهما.
وإذا كان الدليل السمعي الأثري يدل على كفر تارك الصلاة فكذلك الدليل النظري، قال الإمام أحمد – رحمه الله تعالى -: " كل مستخف بالصلاة مستهين بها فهو مستخف بالإسلام مستهين به، وإنما حظهم في الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة "، وقال ابن القيم – رحمه الله تعالى – في كتاب " الصلاة " له ص400 من مجموعة الحديث: " لا يصر على ترك الصلاة إصراراً مستمراً من يصدق بأن الله أمر بها أصلاً، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقاً تصديقاً جازماً أن الله فرض عليه كل يوم وليلة خمس صلوات، وأنه يعاقبه على تركها أشد العقاب وهو مع ذلك مصر على تركها، هذا من المستحيل قطعاً، فلا يحافظ على تركها مصدق بفرضها أبداً، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان، ولا تصغ إلى قول من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها " اهـ كلامه رحمه الله. ولقد صدق فيما قال، فإن من المستحيل أن يترك الصلاة مع يسرها وسهولتها وعظم ثوابها، وعقاب تركها وفي قلبه شيء من الإيمان.
وحيث تبين من نصوص الكتاب والسنة أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن ملة الإسلام فإنه لا يحل أن يزوج بمسلمة بالنص والإجماع قال الله تعالى: (َلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ
__________
(1) أخرجه الترمذي: كتاب الإيمان/باب ما جاء في ترك الصلاة.
(12/44)

مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (1) . وقال تعالى في المهاجرات: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُن ّ) (2) . وأجمع المسلمون على ما دلت عليه هاتان الآيتان من تحريم المسلمة على الكافر، وعلى هذا فإذا زوج الرجل من له ولاية عليها بنته أو غيرها رجلاً لا يصلي لم يصح تزويجه، ولم تحل له المرأة بهذا العقد، لأنه عقد ليس عليه أمر الله تعالى ورسوله، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من حديث عائشة – رضي الله عنها – أنه قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (3) . أي مردود عليه.
وإذا كان النكاح ينفسخ إذا ترك الزوج الصلاة إلا أن يتوب ويعود إلى الإسلام بفعل الصلاة فما بالك بمن يقدم على تزويجه من جديد؟!
وخلاصة الجواب: أن هذا الخاطب الذي لا يصلي إن كان لا يصلي مع الجماعة فهو فاسق لا يكفر بذلك ويجوز تزويجه في هذه الحال لكن غير أن ذوي الدين والخلق أولى منه.
وإن كان لا يصلي أبداً لا مع الجماعة ولا وحده فهو كافر مرتد خارج عن الإسلام لا يجوز أن يزوج مسلمة بأي حال من الأحوال إلا أن يتوب توبة صادقة ويصلي ويستقيم على دين الإسلام.
وأما ما ذكره السائل من أن والد المخطوبة سأل عنه فقال المسؤول عنه: يهديه الله. فإن المستقبل علمه عند الله تعالى وتدبيره بيده، ولسنا مخاطبين إلا بما نعلمه في الحال الحاضرة، وحال
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 221.
(2) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(3) تقدم تخريجه ص21.
(12/45)

الخاطب الحاضرة حال كفر لا يجوز أن يزوج بمسلمة، فنرجو الله تعالى له الهداية والرجوع إلى الإسلام حتى يتمكن من الزواج بنساء المسلمين وما ذلك على الله بعزيز.
أجاب بهذا وحرره بيده الفقير إلى الله محمد الصالح العثيمين في 18 ذي الحجة سنة 1400 هـ أربعمائة وألف.

* * *

32) سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته -: عن رجل عمله متواصل وهو لا يصلي لذلك، وعنده ماله لا يزكيه لكثرة ديونه وحاجته إليه فما الحكم؟
فأجاب قائلاً: تضمن هذا الفعل أمرين أحدهما: ترك الصلاة، والثاني ترك الزكاة، وهما أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فأما الصلاة فإنه لا يعذر أحد بتركها بإي حال من الأحوال بل يجب على المسلم أن يصلي الصلاة لوقتها مهما كان الأمر، حتى لو قدر أن الإنسان يفصل من عمله إلى عمل آخر، أو إلى أن يخرج إلى البر ويحتطب ويبيع الحطب ويأكل ثمنه، فإنه يجب عليه أن يؤدي الصلاة في وقتها، ولا يحل له أن يؤجلها كما يفعله بعض الجهلة إذا جاءوا للنوم صلوا الصلوات الخمس، صلاة ذلك اليوم الذي كانوا يعملون فيه، فهذا محرم ولا يجوز وهو من كبائر الذنوب، بل من أكبر الكبائر، لأنه قد يؤدي إلى الكفر.
وأما الزكاة فإن الإنسان إذا كان عنده مال وبقي عنده إلى أن تم الحول عليه فإن الزكاة تجب فيه، وكون الإنسان في حاجة إليه لا يمنع وجوب الزكاة فيه إذا تم حوله، والزكاة ليست شيئاً صعباً وليست جزءاً
(12/46)

كبيراً من المال ما هي إلا واحد في الأربعين فقط، يعني اثنين ونصف في المئة فهو شيء قليل وأمر يسير، وقد أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الصدقة لا تنقص المال فالصدقة تزيده بركة ونمواً، ويفتح الله للإنسان من أبواب الخير ما لا يخطر على باله إذا أدى ما أوجب الله عليه في ماله، فعلى المسلم أن يزكي كل مال حال عليه الحول عنده ولو كان عليه دين على القول الراجح.
أما ما أنفق أو قضى الإنسان به دينه قبل أن يتم الحول عليه فإنه لا زكاة فيه.

* * *

33) وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: ماذا يفعل الرجل إذا أمر أهله بالصلاة ولكنهم لم يستمعوا إليه، هل يسكن معهم ويخالطهم أو يخرج من البيت؟
فأجاب فضيلته – حفظه الله – بقوله: إذا كان هؤلاء الأهل لا يصلون أبداً فإنهم كفار، مرتدون خارجون عن الإسلام، ولا يجوز أن يسكن معهم ولكن يجب عليه أن يدعوهم ويلح ويكرر لعل الله أن يهديهم، لأن تارك الصلاة كافر – والعياذ بالله – بدليل الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والنظر الصحيح.
أما من القرآن فقوله تعالى عن المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (1) . مفهوم الآية أنهم إذا لم يفعلوا ذلك فليسوا إخواناً لنا، ولا تنتفي الأخوة الدينية بالمعاصي وإن عظمت ولكن تنتفي بالخروج عن الإسلام.
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 11.
(12/47)

أما من السنة فقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة " (1) .أخرجه مسلم. وقوله في حديث بريدة – رضي الله عنه – في السنن: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (2) .
أما أقوال الصحابة: فقال أمير المؤمنين عمر – رضي الله عنه -: " لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " (3) .، والحظ: النصيب وهو هنا نكرة في سياق النفي فيكون عاماً، لا نصيب لا قليل ولا كثير، وقال عبد الله بن شقيق: " كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (4) .
أما من جهة النظر الصحيح فيقال: هل يعقل أن رجلاً في قلبه حبة خردل من إيمان يعرف عظمة الصلاة وعناية الله بها ثم يحافظ على تركها؟؟! هذا شيء لا يمكن.وقد تأملت الأدلة التي استدل بها من يقول إنه لا يكفر فوجدتها لا تخرج عن أحوال أربع:
1- 1- إما أنها لا دليل فيها أصلاً.
2- 2- أو أنها قيدت بوصف يمتنع معه ترك الصلاة.
3- 3- أو أنها قيدت بحال يعذر فيها بترك هذه الصلاة.
4- 4- أو أنها عامة فتخص بأحاديث كفر تارك الصلاة.
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(3) تقدم تخريجه ص43.
(4) تقدم تخريجه ص44.
(12/48)

وليس في النصوص أن تارك الصلاة مؤمن، أو أنه يدخل الجنة، أو ينجو من النار ونحو ذلك مما يحوجنا إلى تأويل الكفر الذي حكم به على تارك الصلاة بأنه كفر نعمة، أو كفر دون كفر.وإذا تبين أن تارك الصلاة كافر كفر ردة فإنه يترتب على كفره أحكام المرتدين ومنها:
أولاً: أنه لا يصح أن يزوج فإن عقد له وهو لا يصلي فالنكاح باطل ولا تحل له الزوجة به لقوله تعالى عن المهاجرات: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (1) .
ثانياً:أنه إذا ترك الصلاة بعد أن عقد له فإن نكاحه ينفسخ ولا تحل له الزوجة. للآية التي ذكرناها سابقاً على حسب التفصيل المعروف عند أهل العلم بين أن يكون ذلك قبل الدخول أو بعده.
ثالثاً: أن هذا الرجل الذي لا يصلي إذا ذبح لا تؤكل ذبيحته، لماذا؟ لأنها حرام، ولو ذبح يهودي أو نصراني فذبيحته يحل لنا أن نأكلها، فيكون – والعياذ بالله – ذبحه أخبث من من ذبح اليهود والنصارى.
رابعاً: أنه لا يحل له أن يدخل مكة أو حدود حرمها لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (2) .
خامساً: أنه لو مات أحد من أقاربه فلا حق له في الميراث منه، فلو مات رجل عن ابن له لا يصلي (الرجل مسلم يصلي والابن لا يصلي) وعن ابن عم له بعيد (عاصب) فالذي يرثه ابن عمه البعيد دون
__________
(1) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(2) سورة التوبة، الآية: 28.
(12/49)

ابنه لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث أسامة: " لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم " (1) . متفق عليه. ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر " (2) . متفق عليه، وهذا مثال ينطبق على جميع الورثة.
سادساً: أنه إذا مات لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين، إذاً ماذا نصنع به؟ نخرج به إلى الصحراء ونحفر له وندفنه بثيابه، لأنه لا حرمة له.
وعلى هذا فلا يحل لأحد مات عنده ميت وهو يعلم أنه لا يصلي أن يقدمه للمسلمين يصلون عليه.
سابعاً: أنه يحشر يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف (3) ، أئمة الكفر - والعياذ بالله - ولا يدخل الجنة، ولا يحل لأحد من أهله أن يدعو له بالرحمة والمغفرة، لأنه كافر لا يستحقها لقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (4)
فالمسألة خطيرة جداً، ومع الأسف فإن بعض الناس يتهاونون في هذا الأمر، ويقرون في البيت من لا يصلي وهذا لا يجوز. والله أعلم. حرر في 6/2/1410 هـ

* * *
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الفرائض/ باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، ومسلم: كتاب الفرائض.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الفرلئض/ باب ميراث الولد من أبيه وأمه (6732) ، ومسلم: كتاب الفرائض/ باب ألحقوا الفرائض بأهلها.
(3) أخرجه الإمام أحمد في" المسند " 2/169.
(4) سورة التوبة، الآية: 113.
(12/50)

34) وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل يصلي بعض الأوقات ويترك أخرى هل تجوز معاشرته ومصادقته؟
فأجاب بقوله: هذا الرجل المصلي وقتاً والتارك آخر إن كان المقصود بالسؤال الصلاة مع الجماعة فإنه محرم ويفسق به، لأن الجماعة واجبة، فالواجب أداؤها في المساجد ولا يتأخر إلا لعذر شرعي.
وإن كان لا يصلي أبداً، فإن كان ذلك عن إعتقاد فإنه كفر مخرج عن الملة، فإن منكر فريضة الصلاة كافر إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام ولا يدري عن فرائض الإسلام وشرائعه، فإنه يوضح له الحق فإن أصر على إنكاره لها كان كافراً مرتداً.
أما إذا كان مقراً بالفريضة ولكن نفسه تغلبه كسلاً وتهاوناً فإن أهل العلم مختلفون في كفره، فمنهم من يرى أن من ترك صلاة مفروضة، حتى يخرج وقتها فإنه يكفر، ومن العلماء من يراه لا يكفر إلا إذا تركها نهائياً، وهذا هو الصحيح إذا تركها تركاً مطلقاً، بحيث أنه لا يهتم بالصلاة، ولذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بين الرجل والشرك ترك الصلاة " (1) . فظاهر الحديث هو الترك المطلق، وكذلك حديث بريدة: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (2) . ولم يقل من ترك صلاة، وعلى كل حال فالراجح عندي أنه لا يكفر إلا إذا تركها بالكلية.
أما حال المذكور في السؤال فإنه لا يكفر ولكنه يعتبر فاسقاً خارجاً من العدالة، فلا ولاية له على أقاربه، ولا تقبل شهادته، ولا
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(12/51)

يكون إماماً للمسلمين.
وأما معاشرته ومصادقته فإن كان يرجى منه خيراً فلا حرج، وإن كان الأمر بالعكس فلا يعاشر، ولذا أخبر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن جليس السوء " أنه كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تنال منه ريحاً خبيثة " (1) . والله الهادي إلى سواء السبيل.

* * *

35) وسئل فضيلته: امرأة تقول هناك قريب لنا يزورنا ومعه زوجته أحياناً، ونحن نشهد بأن زوجته لا تصلي، وإذا أمرناها بالصلاة أبدت لنا أعذاراً ونحن بصفتنا نساء نعلم أن ما اعتذرت به ليس صحيحاً، لأنه لا أثر لذلك عليها. فما حكم دخولها بيتنا ومجالستها ومحادثتها والأكل معها من إناء واحد؟
فأجاب بقوله: هذه المرأة إذا صح ما ذكر عنها وأنها لا تصلي فإن من لا يصلي كافر، وإذا تقرر أنها كافرة فإنها لا تحل لزوجها، لأن الله تعالى يقول: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) (2) . بل النكاح منفسخ من حين ثبتت ردة هذه المرأة.
وأما إذا كانت لا تترك الصلاة، وتعتذر بأن عليها مانعاً يمنعها من الصلاة فهذا راجع إليها، وهذا بينها وبين الله عز وجل، والقرائن التي تقولون عنها قد تكون مخطئة، وقد تكون مصيبة، ولا ينبغي اتهام المسلم الذي ظاهره الصلاح في مثل هذه الأمور.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الذبائح والصيد/ باب المسك، ومسلم: كتاب البر والصلة /باب إستحباب مجالسة الصالحين.
(2) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(12/52)

أما إذا علمت علم اليقين أنها لا تصلي فإن الواجب على زوجها مفارقتها ولا يجتمع معها، وكذلك أنتم لا يجوز لكم إيواؤها، لأن المرتد من المسلمين أخبث حالاً من الكافر الأصلي، وأخبث من اليهودي والنصراني الذي لم يزل على يهوديته ونصرانيته.

* * *

36) وسئل فضيلته: عن امرأة تقول: إن لي مشكلة وهي أن زوجي مدمن للخمر وتارك للصلاة، إلا في شهر رمضان، فإنه يترك شرب الخمر ويصلي، ولي منه عدد من الأبناء والبنات. وقد تزوجت منهن بنتاً هو الذي تولى عقد النكاح لها، وحاولت معه ونصحته ولكنه لا يبالي، وخرجت من البيت ولكن حصل الصلح بيننا على شرط إرجاع الخادمة إلى بلدها، ولكنه لم ينفذ الشرط وبقي على عادته السيئة، وله تصرفات خاطئة، منها محادثة الخادمة والجلوس معها، ونحو ذلك كالجلوس مع غير المسلمين، وكنت في بادئ الأمر لا أعلم من الأمر شيئاً، وبعد أن علمت أنه مدمن خمر، حرت في أمري وبقائي معه، فما هو الحل لمثل ذلك بارك الله فيكم؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب بقوله: هذه المسألة محزنة ومشكلة جداً، لأنها تضمنت عدة شرور، منها: وهو أهمها وأعظمها ترك الصلاة، فإن ترك الصلاة على القول الراجح كفر مخرج عن الإسلام، وينفسخ به النكاح من الزوج إلا أن يتوب إلى الله عز وجل، ويعود إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة، والواجب عليك في زوج هذا شأنه أن تبتعدي عنه حتى يتم الأمر، وينظر في شأنه.
(12/53)

وإني أوجه إليه النصيحة من قلب مخلص أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يقيم الصلاة وكافة أركان الإسلام حتى يموت مسلماً، يلقى الله بحال يرضى بها عنه، وأحذره من التنادي في ترك الصلاة لأنه لا يدري متى يفجأه الموت، فقد يأتيه فجأة في مثل هذه الحال فيكون من أصحاب النار والعياذ بالله.

* * *

37) وسئل فضيلة الشيخ: عن من يصلي أحياناً هل يكون كافراً؟ وكذلك الصيام؟
فأجاب بقوله: إن كان يفعل ذلك إنكاراً للوجوب والفرضية، أو شكاً في الوجوب فهو كافر، كافر من أجل شكه في الوجوب أو إنكاره لوجوب هذا الشيء، لأن فرض الصلاة والصيام معلوم بالكتاب والسنة، وبالإجماع القطعي من المسلمين، ولا ينكر فرضيته أحد من المسلمين إلا رجلاً أسلم حديثاً ولم يعرف من أحكام الإسلام شيئاً فقد يخفى عليه هذا الأمر.
إما إذا كان يترك بعض الصلوات أو بعض أيام رمضان وهو مقر بوجوب الجميع فهذا فيه خلاف بالنسبة لترك الصلاة، أما الصيام فليس بكافر، فلا يكفر بترك بعض الأيام بل يكون فاسقاً.
ولكن الصلاة هي التي نتكلم عنها، فنقول:
اختلف العلماء القائلون بتكفير تارك الصلاة هل يكفر بترك فريضة واحدة، أو فريضتين، أو لا يكفر إلا بترك الجميع؟
والذي يظهر لي أنه لا يكفر إلا إذا ترك الصلاة تركاً مطلقاً بمعنى أنه كان لا يصلي، ولم يعرف عنه أنه صلى وهو مستمر على ترك
(12/54)

الصلاة، فأما إذا كان أحياناً يصلي وأحياناً لا يصلي مع إقراره بالفرضية فلا أستطيع القول بكفره، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " (1) ، فمن كان يصلي أحياناً لم يصدق عليه أنه ترك الصلاة، والحديث الثاني: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (2) . ولم يقل " من ترك صلاة فقد كفر "، ولم يقل " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك صلاة "، بل قال: " ترك الصلاة "، فظاهره أنه لا يكفر إلا إذا كان تركها تركاً عاماً مطلقاً، وأما إذا كان يترك أحياناً ويصلي أحياناً فهو فاسق ومرتكب أمراً عظيماً، وجاني على نفسه جناية كبيرة، وليس بكافر ما دام يقر بفرضيتها وأنه عاص بتركه ما تركه من الصلوات، أما تاركها بالكلية فهو كافر مرتد عن الإسلام ولو كان تركه إياها تهاوناً وكسلاً كما يدل على ذلك الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة بل حكاه عبد الله بن شقيق إجماع الصحابة، وحكى الإجماع عليه إسحاق بن راهويه.

-

38) وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله - عن الإنسان الذي يصلي أحياناً ويترك الصلاة أحياناً ويترك الصلاة أحياناً أخرى فهل يكفر؟
فأجاب بقوله: الذي يظهر لي أنه لا يكفر إلا بالترك المطلق بحيث لا يصلي أبداً، وأما من يصلي أحياناً فإنه لا يكفر لقول الرسول، عليه الصلاة والسلام: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة.
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(12/55)

ولم يقل ترك صلاة، بل قال: " ترك الصلاة ". وهذا يقتضي أن يكون الترك المطلق، وكذلك قال:" العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها – أي الصلاة – فقد كفر " (1) . وبناء على هذا نقول: إن الذي يصلي أحياناً ليس بكافر.
-
39) وسئل فضيلة الشيخ عن حكم بقاء المرأة المتزوجة من زوج لا يصلي وله أولاد منها؟ وحكم تزويج من لا يصلي؟
فأجاب بقوله: إذا تزوجت امرأة بزوج لا يصلي مع الجماعة ولا في بيته فإن النكاح ليس بصحيح لأن تارك الصلاة كافر، كما دل على ذلك الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، وأقوال الصحابة، كما قال عبد الله بن شقيق، " كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة " (2) ، والكافر لا تحل له المرأة المسلمة لقوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (3) .
وإذا حدث له ترك الصلاة بعد عقد النكاح فإن النكاح ينفسخ إلا أن يتوب ويرجع إلى الإسلام، وبعض العلماء يقيد ذلك بانقضاء العدة فإذا انقضت العدة لم يحل له الرجوع إذا أسلم إلا بعقد جديد، وعلى المرأة أن تفارقه ولا تمكنه من نفسها حتى يتوب ويصلي، ولو كان معها أولاد منه لأن الأولاد في هذه الحال لا حضانة لأبيهم فيهم.
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(2) تقدم تخريجه ص 42.
(3) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(12/56)

وعلى هذا أحذر إخواني المسلمين من أن يزوجوا بناتهم ومن لهم ولاية عليهن بمن لا يصلي لعظم الخطر في ذلك، ولا يحابوا في هذا الأمر قريباً ولا صديقاً. وأسأل الله الهداية للجميع، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حرر في 9/10/1414 هـ.

40) وسئل فضيلته عن امرأة تقول: لي زوج لا يصلي في البيت ولا مع الجماعة، وقد نصحته ولم يجد به نصحي شيئاً، وقد أخبرت أبي وإخواني بذلك الأمر، ولكنهم لم يبالوا بذلك، وأخبركم أني أمنع نفسي منه، فما حكم ذلك؟ وكيف أتصرف؟ مع العلم أنه ليس بيننا أولاد. أفيدوني جزاكم الله خيراً.
فأجاب بقوله: إذا كان حال الزوج لا يصلي في البيت ولا مع الجماعة فإنه كافر ونكاحه منك منفسخ إلا أن يهديه الله فيصلي.
ويجب على أهلك وأبيك وأخوتك أن يعتنوا بهذا الأمر، وأن يطالبوا زوجك إما بالعودة إلى الإسلام أو يفسخ النكاح، وامتناعك هذا في محله لا بالجماع ولا فيما دونه وذلك لأنك حرام عليه حتى يعود إلى الإسلام، والذي أرى لك أن تذهبي إلى أهلك ولا ترجعي، وأن تفتدي منه نفسك بكل ما تملكين حتى تتخلصي منه، ففري منه فرارك من الأسد.
وأما نصيحتي له أن يعود إلى الإسلام، ويتقي ربه، ويقيم الصلاة، فإن لم يصلي فإنه كافر مخلد في نار جهنم، يحشر مع فرعون
(12/57)

وهامان وقارون وأبي بن خلف (1) ، وإنه إذا مات على هذه الحال فإنه لا حق له على المسلمين، لا بتغسيل، ولا بتكفين، ولا بصلاة، ولا بدعاء، وإنما يرمى في حفرة لئلا يتأذى الناس برائحته، فعليه أن يخاف الله عز وجل ويرجع إلى دينه، ويقيم الصلاة وبقية أركان الإسلام من زكاة وصيام وحج بيت الله الحرام، وأن يقوم بكل ما أوجب الله عليه، وأن يسأل الله الثبات إلى الممات.

-
__________
(1) تقدم تخريجه ص50.
(12/58)

رسالة

من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم. حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. كتابكم الكريم المؤرخ / وصل وفيه سؤالكم عن كفر تارك الصلاة، فهذه المسألة كبيرة وهامة، وظواهر الأدلة فيها تكاد تكون متكافئة، لكن أدلة تكفيره الكفر الأكبر أقوى أثراً ونظراً:
أما الأثر فقد ساق ابن القيم – رحمه الله تعالى – في كتاب " الصلاة " له من أدلة الكتاب والسنة ما فيه كفاية، وقد فهمت من كتابك أنك قرأتها، لكن ذكرت في كتابك أنه جرت مناظرة بين الإمام الشافعي والإمام أحمد في ذلك (1) وأن سابق ذكرها في فقه السنة مع أن ابن القيم نقل عن الطحاوي أنه حكى عن الشافعي نفسه تكفيره، فلينظر في صحة المناظرة المذكورة.
ومن أوضح الأدلة على أن كفر تارك الصلاة هو الكفر الأكبر المخرج عن الملة قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " (2) . رواه مسلم، بل في المنتقى رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) ص70 فقوله " هما بهما كفر " أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر، وهما
__________
(1) انظر نص المناظرة في الفتوى التالية.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(12/59)

قائمتان بالناس، إلى أن قال: " وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ليس بين العبد وبين الكفر والشرك إلا ترك الصلاة " (1) . وبين كفر منكر في الإثبات " اهـ.
وفي صحيح مسلم عن أم سلمة – رضي الله عنها – أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برىء ". وفي لفظ " فمن كره فقد برىء، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع ". قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا ما صلوا " (2) . فجعل الصلاة مانعة من قتالهم فمفهوم ذلك أنهم إذا لم يصلوا جاز قتالهم لزوال المانع. وفي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت أنهم بايعوا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أن لا ينازعوا الأمر أهله قال: "إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان " (3) فإذا جمعنا هذا الحديث إلى الحديث الذي قبله حيث كان يجوز بمقتضاه قتالهم لتركهم الصلاة نتج عن ذلك أن الصلاة من الكفر البواح وهذا واضح لمن تأمله.
فالأدلة النقلية الأثرية تقتضي كفره كفراً أكبر مخرجاً عن الملة.
وأما الأدلة النظرية العقلية فيقال: كيف يكون شيء من الإيمان في قلب رجل يعلم أهمية الصلاة في الإسلام، ويعلم النصوص الواردة في فضلها، والنصوص الواردة في الوعيد على تاركها، ويعلم أن الذي فرضها وأكد فرضيتها من وجوه شتى هو الله تعالى، الذي يدعي هذا التارك لها أنه يؤمن به فأين الإيمان بالله تعالى؟ وأين ثمرته؟ بل أين بينته
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(2) تقدم تخريجه ص43.
(3) تقدم تخريجه ص42.
(12/60)

التي تشهد به، وقد ترك أصل الأعمال في الإسلام وعموده، وليس الإيمان بالله تعالى عند أهل السنة، ولا في حقيقة الشرع مجرد الإيمان بوجود الله تعالى، أو صحة رسالة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو فرضية الصلاة والزكاة، فإن الإقرار بذلك موجود حتى من المشركين فها هو أبو طالب عم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقر بالله ورسوله، وصحة رسالته، وصدقه، ومع ذلك فهو مخلد في النار عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه.
وأما احتجاج من حمل كفر تارك الصلاة على مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (1) . فقد علمت ضعف حجته مما ذكره شيخ الإسلام في الإقتضاء من الفرق بين (كفر) المنكر و (الكفر) المعرف، ثم إن قتال المسلم فعل معصية، وترك الصلاة تفويت واجب، وتفويت الواجب من حيث هو أعظم من فعل المعصية كما قرر ذلك ابن القيم في كتاب (الفوائد) بأكثر من خمسة وعشرين وجهاً.
وأما دخول من شهد أن لا إله إلا الله خالصاً من قلبه الجنة فالحديث مقيد بكونه خالصاً من قلبه، ولا يمكن لمن قالها خالصاً من قلبه أن يدع الصلاة أبداً، كما لا يمكن أن ينكر القرآن، أو اليوم الآخر، أو نحوه، ولو أخذنا بظاهر الحديث من غير أن نتفطن لقوله " خالصاً من قلبه " وما تتضمنه هذه الجملة من الإذعان والإنقياد والقبول، لقلنا إن من قالها وأنكر القرآن واليوم الآخر ونحوهما يدخل الجنة ولا أحد من المسلمين يقول ذلك.
ومثله حديث: " يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة خردل
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(12/61)

من إيمان (1) . فإننا نقول: ليس الإيمان مجرد التصديق، ولو كان كذلك لكان أبليس مؤمناً لأنه يصدق بالله، ولكان أبو طالب مؤمناً، ولكان كل من أقر بالله مؤمناً، ولكن الإيمان ما استلزم القبول والانقياد.
وأما ما نقلت عن ابن القيم – رحمه الله – من أنه كفر عملي لا يخرجه من الإسلام فيعتبر كالزاني، والسارق، وشارب الخمر حين نفى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإيمان عنهم، فإن ابن القيم – رحمه الله تعالى – ذكر في الحكم بين الفريقين أصولاً في فصول، فذكر في الفصل الأول: أن من شعب الإيمان القولية ما يزول بزوالها الإيمان قال: فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال الإيمان. وذكر نحوه في شعب الكفر.
ثم ذكر أصلاً آخراً وهو: أن حقيقة الإيمان مركبة من قول، وعمل، والقول قسمان: قول القلب وقول اللسان، والعمل قسمان عمل القلب، وعمل الجوارح، قال: وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان به، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده، قال: وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، قال: فإن الإيمان ليس مجرد التصديق وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد.
ثم ذكر أصلاً آخراً وهو أن الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود وعناد، وأن كفر الجحود يضاد الإيمان من كل وجه، قال: وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وما لا يضاده، وذكر أن ترك الصلاة
__________
(1) أخرجه الترمذي: كتاب صفة جهنم/باب ما جاء أن للنار نفسين، وما ذكر من يخرج من النار من أهل التوحيد (2598) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(12/62)

من الكفر العملي، ثم قال في آخر الفصل: وهذا الكفر لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية.
ثم ذكر أصلاً آخر وهو: أن الرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان إلى أن قال: وإذا حكم بغير ما أنزل الله، أو فعل ما سماه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفراً وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام.
ثم ذكر أصلاً آخر وهو: أنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الإيمان بالعبد أن يسمى مؤمناً، ولا من قيام شعبة من شعب الكفر أن يسمى كافراً، ثم قال يبقى أن يقال: فهل ينفعه ما معه من الإيمان في عدم الخلود في النار؟ فيقال: ينفعه إن لم يكن المتروك شرطاً في صحة الباقي واعتباره، وإن كان شرطاً لم ينفعه فيبقى النظر في الصلاة هل هي شرط لصحة الإيمان هذا سر المسألة، والأدلة التي ذكرناها وغيرها تدل على أنه لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة فهي مفتاح ديوانه، ورأس مال ربحه، ومحال بقاء الربح بلا رأس مال، فإذا خسرها خسر أعماله كلها، ثم قال: ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه، ويشد للقتل، وعصبت عيناه، وقيل له تصلي وإلا قتلناك فيقول: اقتلوني ولا أصلي أبداً، ومن لا يكفر تارك الصلاة يقول هذا مؤمن مسلم. وبعضهم يقول مؤمن كامل الإيمان أفلا يستحي من هذا قوله من إنكاره تكفير من شهد بكفره الكتاب والسنة واتفاق الصحابة أهـ.
وهذا الكلام من ابن القيم –رحمه الله – يقتضي كفر تارك الصلاة، والمسألة التي فرضها لا تزيد الحكم عما لو تركها ولم يدع إليها على هذا الوجه، ألا ترى أنه لو دعي على هذا الوجه ليصوم رمضان فأبى حتى
(12/63)

قتل فإنه لا يحكم بكفره فالقاضي بكفر تارك الصلاة تركه إياها لا دعوته لها على هذا الوجه.
ثم ذكر بن القيم في المسألة الرابعة: أن ترك الصلاة بالكلية لا يقبل معه عمل، كما لا يقبل مع الشرك عمل، وهذا الحكم لا يثبت إلا إذا كان ترك الصلاة كفراً وردة، فإن الأعمال لا تحبط إلا بالردة لقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (1) . وقد صرح ابن القيم في هذا المبحث بأنه إذا ترك الصلاة تركاً كلياً لا يصليها أبداً فإن هذا الترك يحبط العمل جميعه، إلا أنه استدرك وقال: فإن قيل: كيف تحبط الأعمال بغير الردة؟ قيل: نعم، ثم حمل معنى الإحباط على المقابلة والمقاصة. وإنما نقلت ملخص كلامه ليتبين أنه رحمه الله لم يعط كلاماً فصلاً في هذا الموضوع بل كلامه يشبه كلام المتردد.
ومهما يكن فالمرجع في هذه المسألة الكبيرة إلى ما تقتضيه الأدلة، ثم كلام السلف الصالح والأئمة، ومن تأمل الأدلة الواردة في تارك الصلاة وجد أنها تدل على أن كفره كفراً أكبر، إما بمقتضى اللفظ، أو بمقتضى الأحكام المرتبة على الترك، والتي لا تكون إلا لكافر، وأن بين إطلاق الكفر فيها وفي نحو " قتاله كفر " فرقاً بينا كما ذكره شيخ الإسلام في كتاب الاقتضاء، وكما هو معلوم من دلالات الألفاظ، وتأمل الدليل الثاني الذي ذكره ابن القيم – رحمه الله تعالى – في أدلة المكفرين حيث يقول فيه: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 217.
(12/64)

ًفقد كفر (1) . ونحن نرى – حسب ما بلغنا من كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تارك الصلاة كافر كفراً أكبر مخرجاً عن الملة يترتب على كفره أحكام المرتدين الدنيوية والأخروية، وهذا قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين حتى نقل بعضهم الإجماع عليه، فقد نقل المنذري عن ابن حزم قوله: " وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة – رضي الله عنهم – أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، ولا نعلم لهؤلاء مخالفاً من الصحابة " اهـ ترغيب وترهيب ص393 ج1ط مصطفى الحلبي، وقال بن رجب في شرح الأربعين النووية: " حكى إسحاق إجماع أهل العلم عليه "
وعلى هذا فإننا نأمل أن تتأمل النصوص وتقارن بينها، وهل يعقل أن يترك مؤمن بالله ورسوله إيماناً حقيقياً الصلاة مع تأكدها وسهولة فعلها؟! لا أظن أن ذلك يقع. والله المستعان، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
-
41) سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله – عن القول بتكفير تارك الصلاة المقر بوجوبها مع أن حديث عبادة بن الصامت لم يصرح فيه بكفر تارك الصلاة، ونص الحديث: " خمس صلوات فرضهن الله تعالى، من أحسن وضؤهن، وصلاتهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل
__________
(1) تقدم تخريجه ص 42.
(12/65)

فليس له على الله عهد إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه ". رواه أحمد، وأبو داود.
وكذلك تقسيم الكفر إلى: أكبر وأصغر، وكون ترك الصلاة من الكفر الأصغر، كما أن مذهب أهل السنة عدم التكفير بالكبيرة.
وما ذكره السبكي في ترجمة الإمام الشافعي قال: " حكى أن أحمد ناظر الشافعي في تارك الصلاة، فقال له الشافعي: يا أحمد أتقول: إنه يكفر؟ قال نعم، قال: إن كان كافراً فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قال: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه، قال يسلم بأن يصلي، قال: صلاة الكافر لا تصح ولا يحكم بالإسلام بها فانقطع أحمد وسكت "، وكل هذه تدل على عدم كفر تارك الصلاة، فما جوابكم رعاكم الله عن هذه الإشكالات؟
فأجاب بقوله: الحديث لا إشكال فيه مع القول بتكفير تارك الصلاة لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " من أحسن وضؤهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن " (1) . ثم قال: " ومن لم يفعل " الخ أي ومن لم يحسن الوضوء، ولم يتم الركوع، والخشوع وهذا أخص من مجرد الترك، فيكون المراد به من لم يفعلهن مطلقاً (2) .
وأما كون الكفر يكون أكبر ويكون أصغر دون ذلك: فهذا صحيح، لكن احتمال أن يكون المراد بكفر تارك الصلاة الكفر الأدون
__________
(1) انظر تخريج فضيلة الشيخ له ص72.
(2) انظر ذلك في ص72.
(12/66)

تأباه ظواهر النصوص من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، بل صريحها في البعض.
وأما كون مذهب أهل السنة أن لا يكفر العاصي بالكبيرة فهو حق، وهو عقيدتنا أن العاصي لا يكفر، ولا يخرج من الإيمان بكبيرته، حتى وإن سميت كفراً كقتال المؤمن، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سماه كفراً ومع ذلك فإنه لا يخرج من الإيمان لقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) إلى قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (1) . لكن تارك الصلاة ليس من عصاة المؤمنين بل هو خارج عن الإسلام بدلالة النصوص والآثار، فلا يدخل تحت قاعدة مذهب أهل السنة في فاعل الكبيرة.
وأما ما ذكره من محاجة الشافعي لأحمد بن حنبل – رحمهم الله تعالى – فلا أظن هذه المحاجة تصح عند من تأملها، ثم على تقدير صحتها فالمرجع في الحكم إلى الله ورسوله كما قال الله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (2) . وقال: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (3) .
وأما دخول المرء في الإسلام بالشهادتين فهذا صحيح لكن للشهادتين لوازم بعضها يؤدي عدم الالتزام به إلى الكفر، أرأيت لو شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وكذب بعض ما أخبر الله به
__________
(1) سورة الحجرات، الآيتان: 9، 10.
(2) سورة الشورى، الآية: 10.
(3) سورة النساء، الآية: 59.
(12/67)

ورسوله أفلا يكون كافراً كفراً مخرجاً عن الملة؟!
والحاصل أن الحكم بالتكفير وعدمه راجع إلى الله ورسوله فإذا دل كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو هما جميعاً على كفر شخص بفعل، أو بترك وجب علينا قبوله، وليس لنا الحق في رد ذلك، أو التوقف فيه مع صحة الدليل ووضوح الدلالة، كما أنه ليس لنا أن نرد أو نتوقف فيما دل على حل شيء أو حرمته لأن الكل حكم الله الذي له الحكم وإليه يرجع الأمر كله.
-
42) سئل فضيلة الشيخ: ما قولكم رعاكم الله فيمن يستدل على أن تارك الصلاة ليس بكافر بحديث: " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة " لا إله إلا الله " فنحن نقولها " (1) ، وحديث: " خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهم شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهداً أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة " (2) . وحديث أبي ذر: " أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام بآية من القرآن يرددها حتى صلاة الغداة وقال: دعوت لأمتي،
__________
(1) أخرجه ابن ماحه: كتاب الفتن/ باب ذهاب القرآن، والحاكم 4/520 وصححه، قال ابن حجر في الفتح 13/16: إسناده قوي.
(2) انظر ص72.
(12/68)

وأجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم تركوا الصلاة، فقال أبو ذر: أفلا أبشر الناس؟ قال: "بلى" فانطلق، فقال عمر: إنك إن تبعث إلى الناس بهذا يتكلوا عن العبادة، فناداه أن ارجع فرجع (1) ، والآية قوله تعالى: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (2) . أخرجه الإمام أحمد في مسنده.
فأجاب بقوله: جوابنا على ذلك:
الحديث الأول: إن صح فهذا غاية ما يقدرون عليه، لأن معالم الإسلام قد اندسرت فلا يدرون عنها فيشبهون من آمنوا ثم ماتوا في أول الإسلام قبل أن تفرض الفرائض.
الحديث الثاني: قال ابن عبد البر فيه راو مجهول وعلى تقدير صحته فلفظه في أبي داود: " من أحسن وضؤهن، وصلاتهن في وقتهن، وأتم ركوعهن، وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له، وإن شاء عذبه " (3) .
فقوله: "ومن لم يفعل " أي يحسن الوضوء ويتم الركوع إلخ وهذا غير مجرد الفعل، وعلى فرض أن يراد به مجرد الفعل فالنصوص الدالة على كفر تارك الصلاة فيها زيادة والأخذ بها واجب.
الحديث الثالث: لعله من عجائب جسرة التي أشار إليها البخاري حيث قال: عند جسرة عجائب. وإذا لم يكن من عجائبها
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " 5/170، والنسائي (1009) ، وابن ماجة (1350) مختصراً.
(2) سورة المائدة، الآية: 118.
(3) أنظر ص 72.
(12/69)

فقدامة ابن عبد الله الراوي عنها قيل: إنه أفلت أو فليت العامري الذي لم يفلت من كلام الناس بعضهم فيه، فإن لم يكن إياه فليس الحديث بصريح في عدم كفر تارك الصلاة، وإذا لم يكن صريحاً صار من المتشابهة الذي يجب رده إلى المحكم الدال على كفر تارك الصلاة.
هذا ما نراه من الجواب على هذه الأدلة ونرجو الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى ويهدينا الحق والصراط المستقيم.

-

43) وسئل فضيلة الشيخ عن الجمع بين قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أقوام يدخلون الجنة ولم يسجدوا لله سجدة، والأحاديث التي جاءت بكفر تارك الصلاة؟
فأجاب قائلاً: يحمل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنهم يدخلون الجنة ولم يسجدوا لله سجدة على أناس يجهلون وجوب الصلاة، كما لو كانوا في بلاد بعيدة عن الإسلام أو في بادية لا تسمع عن الصلاة شيئاً، ويحمل أيضاً على من ماتوا فور إسلامهم دون أن يسجدوا لله سجدة.
وإنما قلنا بذلك لأن هذا الحديث الذي ذكرت من الأحاديث المتشابهة، وأحاديث كفر تارك الصلاة من الأحاديث المحكمة البينة، والواجب على المؤمن في الاستدلال بالقرآن أو السنة أن يحمل المتشابه على المحكم، واتباع المتشابه واطراح المحكم طريقة من في قلوبهم زيغ والعياذ بالله، كما قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) (1) .
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 7.
(12/70)

ولعله بلغك قصة أصيرم بني عبد الأشهل، الذي خرج إلى أحد وقتل فوجده قومه في آخر رمق وقالوا: يا فلان ما الذي جاء بك أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله ورسوله، فأخبروا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إنه لمن أهل الجنة " (1) . مع أن هذا الرجل ما سجد لله سجدة، لكنه من الله عليه بحسن الخاتمة، نسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة.
-

44) سئل فضيلة الشيخ: استدل بعض العلماء على عدم كفر تارك الصلاة بحديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه البخاري ومسلم، وبحديث عبادة ابن الصامت: خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد...." فما قولكم حفظكم الله تعالى؟
فأجاب بقوله: حديث الشفاعة الذي استدل به من لا يرى كفر تارك الصلاة عام مخصوص بمن قال لا إله إلا الله وأتى مكفراً مثل أن يقول لا إله إلا الله وهو ينكر تحريم الربا، أو فرضية الصلاة ونحو ذلك، لم يخرج من النار بشفاعة ولا غيرها، فكذلك من قال لا إله إلا الله وترك الصلاة، فإنه لا يخرج من النار بشفاعة ولا غيرها، لأنه كافر فأي فرق بين من كفر بجحد فرضية الصلاة مع نطقه بالشهادة ومن كفر بترك الصلاة مع نطقه بالشهادة؟!! فكما أن الأول لا يدخل في الحديث
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في" المسند " 5/ 428، والهيثمي في " المجمع " 9/362 وقال: "رجاله ثقات ".
(12/71)

فكذلك الثاني.
وأيضاً فإن قوله: " لم يعمل خيراً قط " عام يدخل فيه من لم يصل، لأن الصلاة من الخير، ولكن هذا العموم خص بالأدلة الدالة على كفر تارك الصلاة فيخرج تارك الصلاة من عمومه كما هو الشأن في العمومات المخصوصة.
وأما حديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – فقد رواه مالك في الموطأ 1/254-255 عن عبادة قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة ". رواه مالك عن يحي بن سعيد، عن محمد بن يحي بن حبان، عن ابن محيريز أن رجلاً من كنانة يدعى المخدجي، والمخدجي قال ابن عبد البر عنه: هو مجهول لا يعرف بغير هذا الحديث. وقد رواه أبو داود 2/62 من طريق مالك بلفظه. وقد رواه النسائي 1/186 من طريق مالك بلفظه أيضاً. ورواه الإمام أحمد في المسند 5/315 موافقاً لمالك في يحي بن سعيد فمن فوقه بلفظ مالك إلا أنه قال: " إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ".ورواه أيضاً 5/319 موافقاً لمالك في يحي بن سعيد فمن فوقه بنحو لفظ مالك.ورواه أيضاً 5/322 موافقاً لمالك في محمد بن يحي بن حبان فمن فوقه بلفظ: " فمن لقيه بهن لم يضيع منهن شيئاً لقيه وله عنده عهد
(12/72)

يدخله به الجنة، ومن لقيه وقد انتقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهن لقيه ولا عهد له إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ". ورواه أيضاً 5/317 قال: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي أن عبادة بن الصامت قال: أشهد سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " خمس صلوات افترضهن الله على عباده من أحسن وضؤهن، وصلاهن لوقتهن، فأتم ركوعهن، وسجودهن، وخشوعهن، كان له عند الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له عند الله عهد، إن شاء غفر، له وإن شاء عذبه " ورواه أبو داود 1/115 موافقاً لأحمد في محمد بن مطرف فمن فوقه بلفظ أحمد إلا أنه لم يذكر سجودهن.
ورواه ابن ماجه 1/448 موافقاً لمالك في محمد بن يحي بن حبان فمن فوقه بلفظ: " خمس صلوات افترضهن الله على عباده فمن جاء بهن لم ينتقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهن فإن الله جاعل له يوم القيامة عهداً أن يدخله الجنة، ومن جاء بهن قد انتقص منهن شيئاً استخفافاً بحقهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له ".
فأنت ترى هذا الحديث واضطراب الرواة في لفظه، وأن أحد رواته في الموطأ مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث كما قال بن عبد البر، وترى رواية المسند 5/317 وأبي داود 1/115 أسلم من حيث الإسناد وفيها أن تعليق المغفرة بالمشيئة فيمن لم يأت بهن على وجه الكمال، فلا يكون فيه دليل على أن تارك الصلاة تركاً مطلقاً داخل
(12/73)

تحت المشيئة فلا يعارض النصوص الدالة على كفره.
وأما لفظ رواية مالك: " ومن لم يأت بهن " فيحمل على أن المراد لم يأت بهن غير مضيع منهن شيئاً ويؤيد ذلك لفظ رواية ابن ماجه، وعلى هذا فتكون رواية مالك موافقة لرواية أحمد 5/317.
والحاصل أن هذا الحديث لا يعارض النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة لصحتها وصراحتها، وعلى هذا تبقى أدلة الكفر قائمة سالمة من المعارض المقاوم، وحينئذ يجب العمل بمقتضاها، ويحكم بكفر من ترك الصلاة تركاً مطلقاً، سواء جحد وجوبها، أو أقر به ولكن تركها تهاوناً وكسلاً، ولا يصح أن تحمل هذه الأدلة على أن المراد بها كفر دون كفر، أو أن المراد من تركها جاحداً.
أما الأول: فلأننا لا يحل لنا أن نحمل أدلة الكفر على ذلك إلا حيث يقوم دليل صحيح على منع حملها على الكفر المطلق المخرج عن الملة، ولا دليل هنا. ولأنه قد قام الدليل على أن المراد به الكفر المطلق المخرج من الملة فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " (1) . فذكر الكفر معرفاً بال فدل ذلك أنه الكفر المطلق، ولأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل ذلك حداً فاصلاً بين الإيمان والكفر، والمتحادان لا يجتمعان لانفصال بعضهما عن بعض.
وأيضاً فإن الله تعالى قال: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (2) . فجعل ثبوت الاخوة في الدين مشروطاً
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(2) سورة التوبة، الآية: 11.
(12/74)

بالتوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط، ولا تنتفي الأخوة في الدين إلا بالكفر المخرج من الدين أما المعاصي مهما عظمت فلا تنتفي بها الأخوة الدينية، ولهذا جعل الله تعالى القاتل عمداً أخاً للمقتول مع أن القتل عمداً من كبائر الذنوب.
وأما الثاني: فلأننا لو حملنا نصوص الترك على من تركها جاحداً لوجوبها لكان في ذلك محذوران:
المحذور الأول: إلغاء الوصف الذي علق الشارع الحكم به وهو الترك، وذلك لأن الجحود موجب للكفر سواء صلى الإنسان أم ترك الصلاة فيكون ذكر الشارع للترك لغواً من القول لا فائدة فيه سوى إيجاد الغموض والإشكال.
المحذور الثاني: إدخال قيد في النصوص لم يقم الدليل عليه، وهذا يقتضي تخصيص لفظ الشارع أو تقييده بما لا دليل عليه فيكون قولاً على الله بلا علم والله المستعان. حرر في 8/10/1406 هـ.

-
45) وسئل فضيلة الشيخ: عما ينسب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " من تهاون بالصلاة عاقبه الله بخمسة عشر عقوبة ست منها في الدنيا وثلاث عند الموت، وثلاث في القبر، وثلاث يوم القيامة ".
أما التي تصيبه في الدنيا فهي:
1 - ينزع الله البركة من عمره.
2 - يمسح الله سيم الصالحين من وجهه.
3 - كل عمل لا يؤجر عليه من الله.
4 - لا يرفع الله له دعاءً إلى السماء.
(12/75)

5 - تمقته الخلائق في دار الدنيا.
6 - ليس له حظ في دعاء الصالحين.
وأما التي تصيبه عند الموت فهي:
1 - أنه يموت ذليلاً.
2 - أنه يموت جائعاً.
3 - أنه يموت عطشاناً لو سقي مياه بحار الدنيا ما روي من عطشه.
وأما التي تصيبه في قبره فهي:
1 - يضيق الله عليه قبره ويعصره حتى تختلف ضلوعه.
2 - يدق الله عليه في قبره ناراً في جمرها.
3 - يسلط الله عليه ثعبان يسمى الشجاع الأقرع يضربه على ترك صلاة الصبح من الصبح إلى الظهر. وعلى تضييع صلاة الظهر من الظهر إلى العصر. وهكذا كلما ضربه يغوص في الأرض سبعون ذراعاً.
وأما التي تصيبه يوم القيامة فهي:
1 - يسلط الله عليه من يسحبه على وجهه إلى نار جهنم.
2 - ينظر الله تعالى إليه بعين الغضب وقت الحساب فيقع لحم وجهه.
3 - يحاسبه الله عز وجل حساباً شديداً ما عليه من مزيد ويأمر الله به إلى النار وبئس القرار.
فهل هذا الحديث صحيح؟ وهل يجوز نشره بين الناس؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث موضوع مكذوب على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلا يحل لأحد نشره إلا مقروناً ببيان أنه موضوع حتى يكون الناس على بصيرة منه.
-
(12/76)

46) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن الحكم فيمن يصلي في رمضان فقط؟
فأجاب بقوله: لا ريب أن الذي يفعل هذا الفعل على خطر عظيم، لأنه لا يفيده صيام رمضان شيئاً، وذلك لأن من لا يصلي فهو كافر - والعياذ بالله - والدليل على كفره من كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإجماع الصحابة - رضي الله عنهم -:
أما في القرآن فإن الله تعالى يقول: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (1) . فجعل الأخوة في الدين لا تكون إلا بهذه الأمور الثلاثة: التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومقتضى هذا أنه إذا فقد واحد من هذه الثلاثة فقدت الأخوة في الدين، والأخوة في الدين لا تفقد إلا حيث يفقد الدين، فإن المعاصي وإن عظمت لا تفقد بها الأخوة في الدين، قال الله تعالى في آية القصاص فيمن قتل أخاه المؤمن عمداً قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) (2) . وقتل المؤمن من أعظم الذنوب وأكبرها، كما في الحديث الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " (3. (وقال تعالى: (َإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
(12/77)

فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (1) . فدل هذا على أن الأخوة الإيمانية باقية مع المعاصي، وأنها مع الكفر لا تبقى، وعلى هذا ففي آية التوبة التي صدرنا بها الجواب دليل على كفر تارك الصلاة.
وقد يقول قائل: كفروه بترك الزكاة.
فنقول: لولا حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم في عقوبة تارك الزكاة وأنه قال عليه الصلاة والسلام: " ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " (2) لقلنا بكفر تارك الزكاة كما قال به بعض أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله.
وأما السنة فقد دلت أيضاً عل كفر تارك الصلاة مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه مسلم - رحمه الله - من حديث جابر - رضي الله عنه - قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " (3) . وفي حديث بريدة الذي في السنن: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (4) .
وقد نقل بعض أهل العلم إجماع الصحابة - رضي الله عنهم - على كفر تارك الصلاة.
وعلى هذا فنقول: هذا الذي لا يصلي وهو يصوم لا ينفعه صومه، لأن من شرط صحة الصيام: الإسلام، وتارك الصلاة ليس بمسلم فلا ينفعه صوم ولا زكاة، ولا حج، بل ولا يجوز له دخول المسجد الحرام وحرم مكة ما دام على تركه الصلاة، لأنه - والعياذ بالله –
(12/78)

مرتد خارج عن الإسلام ويترتب على ترك الصلاة إضافة لما ذكرنا من عدم قبول أعماله الصالحة يترتب عليه إنه إن كان ذا زوجة فإن زوجته ينفسخ نكاحها منه، وكذلك لا يجوز لأحد أن يزوجه ما دام لا يصلي، وإذا مات فإنه لا يجوز أن يغسل، أو يكفن، أو يصلى عليه، أو يدفن في مقابر المسلمين، بل الواجب على أهله الذين يعلمون منه أنه لا يصلي إذا مات أن يخرجوا به بعيداً ويحفروا له حفرة فيدفنوه فيها، لأنه ليس من المسلمين - نسأل الله العافية - كما أنه أيضاً إذا مات على هذه الحال فإن أقاربه لا يرثون منه ولا يحل لهم أن يرثوا شيئاً من ماله، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في الحديث الصحيح حديث أسامة بن زيد: " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم " (1) . وهذا عام في الكافر الأصلي والكافر المرتد، ثم إن تارك الصلاة إذا مات على ذلك فإنه يدخل النار - والعياذ بالله - ويخلد فيها كما يروى عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أن من لم يحافظ عليهن - أي الصلوات الخمس - لم تكن له نوراً ولا برهاناً، ولا نجاةً يوم القيامة وحشر مع فرعون، وهامان، وقارون، وأبي بن خلف " (2) .
فالمسألة خطيرة في ترك الصلاة ولكنه للأسف الشديد أن كثيراً من المسلمين اليوم يتهاونون بالصلاة فيتركونها عمداً بدون عذر شرعي ثم يتصدقون وينفقون ويحجون وهذه كلها وكل الأعمال لا تقبل مع الكفر، قال الله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) (3)
(12/79)

فنصيحتي لأخواني أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، وأن يعودوا إلى دينهم فيقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (1) . وهكذا أيضاً من يفرط في الوضوء فلا يتوضأ ويصلي بغير وضوء، أو يفرط في الاستنجاء فلا يستنجي، فإن بعض الناس يبول أو يتغوط ثم يقوم بدون استنجاء ولا استجمار شرعي فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بقبرين فقال: " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة فأخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة " فقالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " (2) . والله المستعان.

-
47 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله – عن امرأة مات زوجها وهو شاب في حادث سيارة وأنه كان في صغره مستقيماً وحتى بعد زواجه لكن قبل وفاته بأربع سنوات كان لا يصلي، ولا يصوم، ولم يحج، وكان جوابه إذا نصحته: اللى ما يهديه الله ما يهديه الناس وتسأل: هل مات كافراً ضالاً؟ وهل تدعوا له بالرحمة والمغفرة؟ وهل تقضي عنه الصلاة، والصيام، والحج؟ وهل تذبح الذبيحة التي حلف أن يذبحها؟ وهل هو شهيد لأنه مات بحادث؟ وحكم تمني
(12/80)

الموت لتلحق به، وهل تحد عليه؟
فأجاب بقوله: إذا كان زوجك أيتها السائلة قد مات وهو لا يصلي، ولا يصوم فقد مات كافراً – نعوذ بالله من حاله – لأن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة كما دلت على ذلك نصوص الكتاب، والسنة، وما روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب – رضي الله عنهما – قال عمر – رضي الله عنه -: " لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة "، وقال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: " من لم يصل فهو كافر "، وروى مثله عن جابر، وقال بن مسعود: " من ترك الصلاة فلا دين له ". وقال بن عباس: " من ترك الصلاة فقد كفر ". ونقل القول بتكفير تارك الصلاة عن معاذ بن جبل، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وغيرهم من الصحابة. وقال به الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله تعالى -، وعلى هذا فلا يجوز لك أن تدعي له بالرحمة والمغفرة، لأن الله تعالى يقول: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (1) . ويقول لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنافقين: (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) (2) . ولا يجوز لوالديه ولا لغيرهم أن يدعوا له بالمغفرة والرحمة، لأن من مات كافراً فهو من أصحاب الجحيم، بقول الله الذي لا يخلف، فسؤال الله أن يغفر له اعتداء في الدعاء، لأنه سؤال ما لا يمكن إجابته.
ولا يجوز العطف والحنو على من مات وهو لا يصلي، ولا أن
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 113.
(2) سورة التوبة، الآية 84.
(12/81)

يغسل، أو يكفن، أو يصلى عليه، أو يدفن في مقابر المسلمين، لأنه ليس منهم ولا يحشر معهم، وإنما يحشر مع أئمة الكفر فرعون، وهامان، وقارون، وأبي بن خلف كما جاء في ذلك الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي رواه الإمام أحمد بإسناد جيد (1) .
والمسلم المؤمن بالله واليوم الآخر لا تحمله العاطفة على أن يفعل ما لا يرضي الله، أو أن يحب ما لا يحبه الله. قال الله تعالى (لاتجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) (2) .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ألا إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين " (3) .رواه مسلم. وسألت عائشة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن رجل كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: " لا ينفعه " (4) . وسأل عمرو بن العاص رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هل يقضي عن أبيه العاص نذراً كان عليه؟ فقال: " أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد فصمت، وتصدقت عنه، نفعه ذلك " (5) .
وبناء على هذين الحديثين فلا تصلين عنه، ولا تصومين، ولا تحجين، لأن الصلاة لا تقضى عن الميت، والصيام، والحج لا يقضيان
__________
(1) تقدم تخريجه ص50.
(2) سورة المجادلة، الآية: 22.
(3) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان / باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم.
(4) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل.
(5) أخرجه الإمام أحمد 2/182.
(12/82)

عمن مات كافراً، لأن العمل الصالح لا ينفع من مات على الكفر، ولو كان من عمله هو، فكيف إذا كان من عمل غيره؟ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
وخلاصة الجواب عن سؤالك الذي ذكرت فيه أن زوجك مات بحادث وهو لا يصلي ولا يصوم من حوالي أربع سنوات إلى آخر ما ذكرت ما يلي:
1- أنه مات كافراً.
2- أنه لا يجوز لك ولا لغيرك أن تدعي له بالمغفرة والرحمة.
3- أنه لا يجوز أن تصلي عنه، أوتصومي، أو تحجي، أو تقضي عنه الذبيحة التي حلف أن يذبحها
4- أن من مات بحادث وهو لا يصلي فليس بشهيد، لأنه ليس بمسلم فضلاً عن أن يكون شهيداً.
5- أنه لا يجوز لمؤمن يخاف الله تعالى ان يعطف على من مات وهو لا يصلي ولو كان أقرب الناس له.
ولا يجوز لك أن تتمنى الموت لنفسك وأطفالك عن قريب لتلحقي به، بل الواجب عليك الإعراض عن التفكير فيه، وأن تسألي الله لك ولأولادك الصلاح، لأن هذا هو المهم، أما من مات على الحال التي ذكرت فلا ينبغي أن يهتم به المؤمن.
6- أما الإحداد فلا أرى أنه يجب عليك، وذلك لأن أهل العلم يقولون إن الزوج إذا ارتد عن الإسلام ولم يعد إليه قبل مضي زمن العدة بعد ردته فإنه ينفسخ نكاحه من حين ارتد، وقد ذكرت أن لزوجك حوالي أربع سنوات وهو لا يصلي ولا يصوم، وعلى هذا فلست زوجة له شرعاً من حين ترك الصلاة فلا يلزمك الإحداد حينئذ. هذا ما أراه
(12/83)

والعلم عند الله تعالى. في 24/2/1403هـ.
-
48) وسئل فضيلة الشيخ: عن شخص ترك الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج وحلف أيماناً كثيرة لا يعلم عددها وكلها يحنث فيها وتكرر منه الطلاق ثم تاب من ذلك، فما الحكم في ذلك كله؟
فأجاب قائلاً: أما بالنسبة للعبادات التي تركها في ذلك الوقت فإنه إذا تاب توبة نصوحاً إلى الله – عز وجل – غفر الله له ما سلف لقوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (1) .
وأما بالنسبة للأيمان فإن عليه أن يكفر كفارة يمين واحدة وتجزيء عن جميع الإيمان على المشهور من مذهب الإمام أحمد – رحمه الله – وذلك لأن الإيمان مهما تعددت فإن الواجب فيها شيء واحد وهو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة.
وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الإيمان إذا كانت على أشياء متعددة فإن عليه لكل يمين كفارة، وعلى هذا القول يجب على ذلك الشخص أن يتحرى الإيمان التي حلف بها وهي متباينة ويخرج عن كل يمين منها كفارة.
وأما بالنسبة للطلاق الذي وقع منه فإن كان الطلاق أكثر من اثنتين فإن زوجته لا تحل له، لأن الإنسان إذا طلق زوجته ثلاثاً فإنها لا تحل له
__________
(1) سورة الزمر، الآية: 53.
(12/84)

حتى تنكح زوجاً غيره، لقوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) (1) . إلى أن قال سبحانه وتعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (2) . فعليه إذا تيقن أنه طلقها ثلاثاً فأكثر أن يفارقها ولا تحل له حينئذ ومن ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه.
-
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 229.
(2) سورة البقرة، الآية: 230.
(12/85)

رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، فقد اطلعت على الصورة التي أرسلتم مع الأخ.. من فتاوى مجلة.. فيمن تزوج بامرأة مسلمة وهو لا يصلي، وأن المفتي ذكر أن الصحيح أن تارك الصلاة يفسق ولا يكفر، وأن هذا ما تؤيده الأدلة الشرعية الواضحة، وأنه لو فرض أن تارك الصلاة كافر فإنه إذا صلى فقد أسلم، والكافر إذا أسلم لا يطلب منه إعادة عقد النكاح بل أنكحة غير المسلمين صحيحة. الخ.
والصواب أن تارك الصلاة يكفر لأدلة أصرحها ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر – رضي الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " (1) . وما رواه أهل السنن عن بريدة – رضي الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر " (2) . وهذا قول عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم ذكره عنهم بن حزم وقال: ولا نعلم لهؤلاء مخالفاً من الصحابة. وهذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأحد قولي الشافعي.
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(12/86)

ولم يرد في الكتاب والسنة أن تارك الصلاة يدخل الجنة، أو أنه ينجو من النار، أو أنه مؤمن، أو أنه ليس بكافر، فأين الأدلة الشرعية الواضحة التي تؤيد أنه يفسق ولا يكفر؟! وغاية ما في ذلك عمومات مخصوصة بأدلة التكفير، أو مقيدة بوصف لا يتأتى معه ترك الصلاة، أو بحال يعذر فيها بترك الصلاة. فإذا قلنا أن تارك الصلاة كافر فإن تزوجه بمسلمة حرام بنص القرآن، قال الله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (1) .

وهذا أعني نكاح الكافر المسلمة محرم بإجماع المسلمين، وقال في المغني 130/8 في باب المرتد: " وإن تزوج لا يصح تزوجه، لأنه لا يقر على النكاح، وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة "، وقال في مجمع الأنهر للحنفية 302/1: " ولا يصح تزوج المرتد ولا المرتدة أحداً لإجماع الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - " اهـ.
وهذا ليس كالكافر إذا تزوج كافرة ثم أسلما فإن الصحيح أن أنكحة الكفار صحيحة ويقرون عليها إذا أسلموا ولم يكن مانع النكاح قائماً، والفرق بين هذا وبين تارك الصلاة المتزوج مسلمة: أن الزوج والزوجة في هذا كلاهما كافر من أصله فهو زواج كافر بكافرة، أما تارك الصلاة فهو زواج كافر مرتد بمسلمة فافترقت المسألتان حقيقة، واختلفتا حكماً والله يحفظكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________
(1) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(12/87)

49) وسئل فضيلته: إذا تزوجت امرأة برجل لا يصلي، أو تزوج رجل بامرأة لا تصلي فما الحكم؟
فأجاب بقوله: إذا تزوجت امرأة برجل لا يصلي، أو تزوج رجل بامرأة لا تصلي فإن النكاح بينهما باطل لا تحل به المرأة، لأن تارك الصلاة كافر كما دل على ذلك كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأقوال الصحابة - رضي الله عنهم - وعلى هذا فلا يحل للمسلمة أن تتزوج بشخص لا يصلي ولا يحل للمسلم أن يتزوج بامرأة لا تصلي. لقوله تعالى في المهاجرات: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (1) . فمن تزوجت برجل لا يصلي فهي حرام عليه، ويجب عليها أن تمنعه من نفسها وتحاول التخلص منه بقدر ما تستطيع، فإن تاب وصلى وجب إعادة العقد من جديد إن رضيت الزوجة بذلك.
أما إذا تزوجت برجل يصلي ثم ترك الصلاة فإن النكاح ينفسخ ولا يحل لها أن تبقى معه ولو كان لها أولاد منه، لأن أولادها في هذه الحال يتبعونها ولا حق لأبيهم في حضانتهم، لأنه كافر، ولا حضانة لكافر على مسلم، فإن هداه الله تعالى وصلى عادت إليه زوجته على حسب التفصيل المعروف عند أهل العلم.
وإني أحث جميع إخواني المسلمين على تقوى الله - عز وجل - فيمن ولاهم الله عليهن من النساء، وأن لا يخاطروا فيهن كما يفعله بعض الناس الآن يزوج إبنته أو نحوها بشخص لا يصلي ويقول لعل الله يهديه في المستقبل فإن هذا حرام عليه، والمستقبل غير معلوم، وربما
__________
(1) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(12/88)

يكون الأمر بالعكس فيجرها إلى التهاون بالصلاة وإضاعتها.
أسأل الله لي ولإخواني المسلمين التوفيق لما يحب ويرضى.
حرر في 20/3/1410 هـ.

-

50) سئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته -: ماذا يجب على الزوج إذا كانت زوجته تصوم ولا تصلي؟
فأجاب بقوله: يجب على الزوج أن يفارقها وذلك لأن تركها للصلاة موجب للكفر المخرج عن الملة فتكون كافرة بترك الصلاة والكافرة لا تحل للمؤمن لقوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (1) . وقال تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) (2) . وقال تعالى: (وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر) (3) . فالواجب عليك أيها الزوج أن لا تمسك بعصمة هذه المرأة لأنها كافرة، وليس لها الحق في حضانة أولادها لأنه لا ولاية لكافر على مسلم.
وأنني أقول لتلك المرأة إن صيامها لرمضان غير مقبول وليس لها منه إلا التعب والعناء وذلك لأن الكافر لا يقبل منه أي عمل صالح قال الله تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) (4) . وقال تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (5) . وقال سبحانه
__________
(1) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(2) سورة البقرة، الآية: 221.
(3) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(4) سورة الفرقان، الآية: 23.
(5) سورة الأنعام، الآية: 88.
(12/89)

وتعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه ِ) (1) .فإذا كانت النفقات ونفعها متعدي لا تقبل فكيف بالعبادات الخاصة التي لا تتعدى فاعلها، والحاصل أن تلك المرأة قد انفسخ عقد نكاحها إلا أن تتوب إلى الله وترجع إلى الإسلام وتصلي فإن رجعت وصلت فهي زوجة له.

-
51) وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: إذا تاب تارك الصلاة فهل عليه الغسل والتلفظ بالشهادتين؟
فأجاب بقوله: إذا ترك الإنسان الصلاة على وجه يكفر به ثم تاب إلى الله ورجع فإنه يغتسل لأنه تاب من الكفر، وينبغي لمن دخل في الإسلام بعد الكفر أن يغتسل، إما وجوباً، أو استحباباً على الخلاف في ذلك، وأما الشهادتان فلا حاجة لأن يذكرهما لأنه يعترف بهما، والعلماء يقولون من كانت ردته بشيء معين فإن دخوله في الإسلام بفعل ذلك الشيء المعين إن كان كفره بتركه، وبتركه إن كان كفره بفعله.
-
52) سئل فضيلة الشيخ - غفر الله له ورفع درجته -: عن من ترك الصلاة والصيام ثم تاب إلى الله فماذا يلزمه؟
فأجاب قائلاً: هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم فيمن ترك العبادات المؤقتة حتى خرج وقتها بدون عذر، فمنهم من قال: إنه يجب عليه القضاء ومنهم من قال: إنه لا يجب عليه القضاء.
مثال ذلك: رجل ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها بدون عذر
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 45.
(12/90)

أو لم يصم رمضان عمداً حتى خرج وقته بدون عذر فمن أهل العلم من يقول: إنه يجب عليه القضاء، لأن الله تعالى أوجب على المسافر والمريض القضاء فإذا أوجب الله القضاء على المعذور فغيره من باب أولى، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (1) . فأوجب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاة على من نسيها حتى خرج وقتها، وأوجب على من نام عنها حتى خرج وقتها أن يقضيها، قالوا: فإذا وجب القضاء على المعذور فغير المعذور من باب أولى.
والقول الثاني في المسألة: أنه لا يجب القضاء على من ترك عبادة مؤقتة حتى خرج وقتها بدون عذر، وذلك لأن العبادة المؤقتة عبادة موصوفة أن تقع في ذلك الزمن المعين، فإذا أخرجت عنه بتقديم أو تأخير فإنها لا تقبل، فكما أن الرجل لو صلى قبل الوقت لم تقبل منه على أنها فريضة، ولو صام قبل رمضان لم يقبل منه على أنه فريضة، فكذلك إذا أخر الصلاة عن وقتها بدون عذر فإنها لا تقبل منه، وكذلك لو أخر صيام رمضان بدون عذر فإنه لا يقبل منه، وهذا القول هو الراجح وذلك لأن الإنسان إذا أخرج العبادة عن وقتها وعملها بعده فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (2) وإذا كان عمله مردوداً فإن تكليفه بقضائه تكليف بما لا فائدة منه، وعلى هذا السائل أن يتوب إلى الله توبة صادقة نصوحاً، ويكثر من الأعمال الصالحة، والتوبة تجب ما قبلها كما ثبت ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ...
__________
(1) تقدم تخريجه ص16.
(12/91)

53) سئل فضيلة الشيخ عن إنسان لا يصلي ولا يصوم وتاب فهل يقضي ما ترك؟
فأجاب بقوله: ما مضى من الطاعات التي تركها من صيام، وصلاة، وزكاة وغيرها لا يلزمه قضاؤها، لأن التوبة تجب ما قبلها، فإذا تاب إلى الله وأناب إليه وعمل عملاً صالحاً فإن ذلك يكفيه عن إعادة هذه الأعمال، وهذا أمر ينبغي أن نعرفه وهو أن القاعدة " أن العبادة المؤقتة بوقت إذا أخرجها الإنسان عن وقتها بلا عذر فإنها لا تنفع ولا تجزيء " مثل الصلاة، والصيام لو تعمد الإنسان أن لا يصلي حتى خرج الوقت فجاء يسأل هل يجب علي القضاء؟ قلنا له: لا يجب عليك، لأنك لن تنتفع به لأنه مردود عليك، ولو أن أحد أفطر يوما من رمضان وجاء يسألنا هل يجب علي ً قضاؤه؟ قلنا له: لا يجب عليك القضاء، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:"من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (1) . والإنسان إذا أخر العبادة المؤقتة عن وقتها ثم أتى بها بعد الوقت فقد عمل عملاً ليس عليه أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتكون باطلة ولا تنفعه. ولكن قد يقول قائل: إذا كان الشارع أمر بالقضاء عند العذر - كالنوم - فمع عدم العذر من باب أولى.
فنقول في الجواب: الإنسان المعذور يكون وقت العبادة في حقه إذا زال عذره، فهو لا يؤخر العبادة عن وقتها ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة إذا نسيها: " فليصلها إذا ذكرها ".أما من تعمد ترك العبادة حتى خرج وقتها فقد أداها في غير وقتها المحدد فلا تقبل منه.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 21.
(12/92)

54) سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله - عن من ترك الصلاة عمداً ثم تاب هل يقضي ما ترك؟
فأجاب بقوله: من ترك الصلاة عمداً ثم تاب إلى الله ورجع إليه فقد اختلف أهل العلم هل يجب عليه قضاء ما ترك من الصلوات، أو لا يجب؟ على قولين لأهل العلم.
والذي يترجح عندي ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - أن من ترك الصلاة متعمداً حتى خرج وقتها فإنه لا ينفعه قضاؤها، وذلك لأن العبادة المؤقتة بوقت لابد أن تكون في نفس الوقت المؤقت، فكما لا تصح قبله لا تصح كذلك بعده، لأن حدود الله يجب أن تكون معتبرة، فهذه الصلاة فرضها الشارع علينا من كذا إلى كذا هذا محلها، فكما لا تصح الصلاة في المكان الذي لم يجعل مكاناً للصلاة، كذلك لا تصح في الزمان الذي لم يجعل زماناً للصلاة، لكن على من ترك الصلاة أن يكثر من التوبة والإستغفار والعمل الصالح وبهذا نرجو أن الله تعالى يعفو عنه ويغفر له ما ترك من صلاة، والله الموفق.

-

55) سئل فضيلة الشيخ: إذا تاب تارك الصلاة فهل تعاد له زوجته؟ وماذا يجب عليه لما مضى؟ وما حكم أولاده قبل ذلك؟
فأجاب قائلاً: هذا السؤال يشتمل على ثلاث نقاط:
الأولى: إذا أسلم تارك الصلاة وتاب وأخلص لله - عز وجل - فهل تعود زوجته إليه؟
نقول: إذا كان تركه الصلاة قبل الدخول والخلوة الموجبة للعدة فإن النكاح ينفسخ ولا تحل له إلا بعقد جديد، وإذا كان حدوث ذلك بعد
(12/93)

الدخول أو الخلوة الموجبة للعدة فإن الأمر يقف على انقضاء العدة، إن حصلت له التوبة قبل انقضاء العدة فهي زوجته، وإن حصلت بعد انقضاء العدة فأكثر أهل العلم يرون أنها لا تحل له إلا بعقد جديد، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تحل له إذا رجع إليها، وأن انقضاء العدة يسقط سلطانه عليها ولا يحرمها عليه لو عاد إلى الإسلام، فبناء على هذين الحالين يتبين حكم هذا الرجل بالنسبة لرجوعه إلى زوجته.
النقطة الثانية: ماذا يجب عليه لما مضى؟ نقول: إن التوبة تجب ما قبلها لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (1) . وقال النبي عليه الصلاة والسلام لعمرو بن العاص: " إن الإسلام يهدم ما قبله " (2) .
النقطة الثالثة: في أولاده فإن كان يعتقد أن النكاح باق لكونه مقلداً لمن لا يرى الكفر بترك الصلاة، أو كان لا يعلم أن تارك الصلاة يكفر فإن أولاده يكونون له ويلحقون به، وأما إذا كان يعلم أن ترك الصلاة كفر، وأن الزوجة لا تحل له مع ترك الصلاة، وأن وطأه لها وطء محرم فإن أولاده لا يلحقون به في هذا الحال.
وبعد فإن المسألة من المسائل الكبيرة التي ابتلي بها بعض الناس اليوم نسأل الله لنا ولهم السلامة والعاقبة الحميدة.

-
56) سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى – عن رجل ترك الصلاة
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 54.
(2) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان / باب كون الإسلام يهدم ما قبله.....
(12/94)

ثلاثة أسابيع لعدم استطاعته الوضوء بسبب البرد الشديد والثلج؟
فأجاب بقوله: هذا الفعل الذي صدر منك خطأ وجهل، والواجب عليك أن تصلي على حسب استطاعتك، فإذا كان هناك برد وثلج ولا يمكنك الوضوء فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل بدل الماء التراب، قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (1) . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" (2) .
فإذا حان وقت الصلاة وجب عليك أن تصلي، إن كنت قادراً على استعمال الماء فذلك هو المطلوب، وإلا فعليك بالتراب فإنه يكفيك، ويجب عليك أن تتوب إلى الله عز وجل، وأن تقضي صلوات الأيام التي تركتها مع الصدق في التوبة والاستغفار.
-

57) سئل فضيلة الشيخ حفظه الله: هل يكفر من ترك صلاة واحدة بغير عذر؟ وإذا تاب هل يقضي ما ترك؟
فأجاب قائلاً: من ترك صلاة عمداً بغير عذر فإنه لا يخرج من الإسلام إلا بترك الصلاة تركاً كلياً، أما في صلاة واحدة فلا يكفر على القول الراجح إلا من تركها تركاً مطلقاً، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بين الرجل وبين
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) أخرجه البخاري: كتاب المساجد / باب قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
(12/95)

الكفر والشرك ترك الصلاة " (1) .ولم يقل ترك صلاة، وكذلك قوله صلى الله عليه سلم: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (2) . وليس عليه قضاء ما دام تركها بغير عذر، وإنما عليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وإذا تاب توبة نصوحاً، فإن الله يقول: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (3) .
-
58 وسئل فضيلة الشيخ: بعض المرضى يترك الصلاة بحجة عدم استطاعة الوضوء ونجاسة الملابس، فما حكم هذا العمل؟
فأجاب قائلاً: هذا العمل جهل وخطر، فإن الواجب علىالمؤمن أن يقيم الصلاة في وقتها بقدر استطاعته، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمران بن حصين: " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب " (4) . وقال الله تعالى في القرآن: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (5) . فجعل الله للمريض الذي لا يستطيع استعمال الماء جعل الله له بدلاً بالتيمم، وكذلك بالنسبة للصلاة فالرسول عليه الصلاة والسلام جعلها مراحل، فقال: " صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب ". فيجب على المريض أن يتوضأ أولاً، فإن لم يستطع تيمم،
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(3) سورة الشورى، الآية: 25.
(4) أخرجه البخاري: كتاب تقصير الصلاة / باب إذا لم يطق قاعداً صلى على جنب.
(5) سورة المائدة، الآية: 6.
(12/96)

ثم يجب أن يصلي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً يوميء بالركوع والسجود ويجعل السجود أخفض إذا لم يستطع السجود، فإن كان يتمكن من السجود سجد، فإن لم بستطع أن يصلي قاعداً صلى على جنب ويوميء بالركوع والسجود، فإن لم يستطع الحركة إطلاقاً لكن قلبه يعقل فإنه ينوي الصلاة ينوي الأفعال، ويتكلم بالأقوال، فمثلاً يكبر ويقرأ الفاتحة، فإذا وصل إلى الركوع نوى أنه ركع، وقال الله أكبر، وسبح سبحان ربي العظيم، ثم قال سمع الله لمن حمده، ونوى الرفع، وهكذا بقية الأفعال، ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها، حتى لو فرض أن عليه نجاسة في بدنه، أو في ثوبه، أو في الفراش الذي تحته ولم يتمكن من إزالتها فإن ذلك لا يضره فيصلي على حسب حاله لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) . والله الموفق.

-
59) وسئل فضيلة الشيخ: عن مريض قبل وفاته بأربعة أيام ترك الصلاة لعدم قدرته على الحركة، ولعدم قدرته على الوضوء ولعدم قدرته على أداء الصلاة فهل تقضى عنه الصلاة؟
فأجاب بقوله: الصلاة لا تقضى عن المريض إذا مات، ولكن أنصح السائل وغيره فأقول: إن هذه المشكلة تواجه كثيراً من المرضى تجده يكون متعباً من مرضه، ولا يجد ماءً يتوضأ به، ولا يجد تراباً يتيمم به، وربما تكون ثيابه ملوثة بالنجاسة فيفتي نفسه في هذه الحال أنه لا يصلي وأنه بعد أن يبرأ يصلي، وهذا خطأ عظيم، والواجب على المريض أن يصلي بحسب حاله، بوضوء إن أمكن، فإن لم يمكن
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(12/97)

فيتيمم، فإن لم يمكن فإنه يصلي ولو بغير تيمم ثم يصلي وثيابه طاهرة، فإن لم يكن صلى بها ولو كانت نجسة، وكذلك بالنسبة للفراش إذا كان طاهراً، فإن لم يكن تطهيره ولا إزالته وإبداله بغيره ولا وضع ثوب صفيق عليه فإنه يصلي عليه وإن كان نجساً. وكذلك بالنسبة لاستقبال القبلة يصلي مستقبل القبلة، فإن لم يكن يستطع صلى بحسب حاله.والمهم أن الصلاة لا تسقط ما دام العقل ثابتاً فيفعل ما يمكنه، حتى ولو فرض أنه لا يستطيع الحركة لا برأسه ولا بعينه فإنه يصلي بقلبه. وأما الصلاة بالإصبع كما يفعله العامة فهذا لا أصل له فإن بعض العوام يصلي بأصبعه، وهذا ليس له أصل لا من السنة، ولا من كلام أهل العلم.
فالمهم أنه يجب على المريض أن يصلي بحسب حاله لأن الله يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (2) .
-
60) سئل فضيلته: عن حكم بقاء المرأة المتزوجة مع زوج لا يصلي وله أولاد منها؟ وحكم تزويج من لا يصلي؟
فأجاب بقوله: إذا تزوجت امرأة بزوج لا يصلي مع الجماعة ولا مع غير الجماعة فإنه لا نكاح بينهما، ولا تكون زوجة له لتركه للصلاة،
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب الاقتداء بسنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومسلم: كتاب الحج / باب فرض الحج مرة في العمر.
(12/98)

ولا يجوز لها أن تمكنه من نفسها، وليس له الحق في أن يستبيح منها ما يستبيحه الرجل من زوجته؛ لأنها امرأة أجنبية منه، ويجب عليها في هذه الحال أن تتركه وتذهب إلى أهلها، وأن تحاول قدر ما تستطيع التخلص من هذا الرجل؛ لأنه كافر بتركه الصلاة.
فعليه نقول ونرجو أن يعلم كافة المسلمين أن أي امرأة زوجها لا يصلي لا يجوز لها أن تبقى معه، حتى لو كان لها أولاد منه؛ فإن الأولاد في هذه الحال سيتبعونها ولا حق لأبيهم بحضانتهم؛ لأنه لا حضانة لكافر على مسلم، وعلى المسلم الذي يخاف الله أن يعلم أن من عقد زواجاً لابنته على رجل لا يصلي فإن العقد باطل وغير صحيح، حتى ولو كان على يد مأذون شرعي، فإن من الناس من يخفي الواقع على المأذون فاتقوا الله في نسائكم ولا تعرضوهن للتجارب كما يفعل بعض الناس الآن، يزوج ابنته على من لا يصلي ويقول لعل الله يهديه فقد قال الله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ
وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ) (1) . أما من تاب وأقام الصلاة فإنه يعقد له عقد جديد، والله الهادي إلى سواء السبيل.

-
61) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الشخص الذي لا يصلي إطلاقاً؟
الجواب: الذي لا يصلي مرتد عن الإسلام كافر بالله تعالى كفراً مخرجاً عن الملة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة " (2) . رواه مسلم. وهناك أدلة أخرى لا نطيل بذكرها.
__________
(1) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(12/99)

ويترتب على تركه الصلاة أمور دنيوية وأمور أخروية:
أما الأمور الدنيوية فمنها:
1 - أنه يجب على ولاة الأمور أن يدعوه إلى الصلاة فإن تاب مخلصاً لله تعالى وصلى تاب الله عليه وإلا وجب قتله كافراً مرتداً 0
2 - لا يحل لأحد أن يزوجه، فإن زوجه فالنكاح باطل لا تحل به الزوجة 0
3 - تحرم عليه زوجته التي معه، وينفسخ نكاحها منه فيجب عليها مفارقته حتى يرجع إلى الإسلام 0
4 - لا تحل ذبيحته ولا تؤكل بينما ذبيحة اليهودي والنصراني تحل وتؤكل 0
5 - إذا مات أحد من أقاربه فإنه لا شيء له من ميراثه، وإذا مات هو لم يرثه أحد من قرابته بل يصرف ماله إلى صندوق الدولة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم " (1) .
6 - لا يحل له دخول حرم مكة وهو ما كان داخل الأميال 0
7 - لا يقبل له عمل صالح من صدقة، ولا صيام، ولا حج ولا غيره 0
8 - إذا مات لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يدعى له بالرحمة والمغفرة، ولا يحل لأحد من أهله يعلم حاله أن يقدمه إلى المسلمين ليصلوا عليه، أو يدفنه في مقابرهم، وإنما يخرج به إلى مكان فيحفر له ويدفنه 0
وأما الأمور الأخروية المترتبة على ترك الصلاة فمنها:
1 - العذاب الدائم في قبره كما يعذب الكافرون أو أشد
__________
(1) تقدم تخريجه ص50.
(12/100)

2 - أنه يحشر يوم القيامة مع فرعون، وهامان، وقارون، وأبي بن خلف.
3 - أنه يدخل النار فيها أبد الآبدين.

-

62) وسئل فضيلته: عن رجل لا يصلي الصلاة إطلاقاً مع إقراره بوجوبها ويصوم رمضان لكنه لا يصلي هل يحكم بإسلامه؟
فأجاب بقوله: الصلاة أمرها عظيم وشأنها كبير، وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين بإجماع أهل العلم، وورد الوعيد الشديد في إضاعتها في الكتاب والسنة، ولا أظن أن أحداً يؤمن بفرضيتها وتأكدها والوعيد على إضاعتها ثم يتركها مع أنها عمل يسير سهل موزع في اليوم والليلة ولا يتركها إلا أحد رجلين:
إما شاك في فرضيتها، أو معاند أعظم عناد لله ورسوله.
ومن زعم أنه مقر بوجوبها، أو قال إنه مقر بوجوبها ولكنه لم يصل فهو كافر وإن كان يصوم ويحج ويزكي لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " (1) . رواه مسلم. وقال: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (2) . رواه الخمسة، وقال عبد الله بن شقيق: " كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة " (3) . رواه الترمذي. وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -:لا حظ في الإسلام لمن ترك
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(3) تقدم تخريجه ص44.
(12/101)

الصلاة (1) . – يعني لا نصيب له – وقال الإمام أحمد في حديث: آخر ما تفقدون من دينكم الصلاة. قال: كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينه. وقال بن حزم: وقد جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة – رضي الله عنهم – أن من ترك صلاة فرضٍ واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفاً. وزاد المنذري: عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبا الدرداء، وهذا المذكور في هذا الحديث كفر مخرج عن الإسلام. وقال ابن رجب في شرح الأربعين: وأما إقام الصلاة فقد وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام. قلت: ولهذا لما ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأمراء الذين نعرف منهم وننكر قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: " لا ما صلوا " (2) .
فجعل الصلاة مانعة من قتالهم، فإذا لم يصلوا جاز قتالهم، ولا يجوز قتالهم إلا إذا كفروا كما في حديث عبادة بن الصامت قال: " بايعنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان " (3) . وإذا تبين كفر تارك الصلاة فإنه لا يقبل منه عمل وتنفسخ منه زوجته فلا تحل له لقول الله تعالى في المهاجرات المؤمنات: (فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنّ) (4) . وإذا مات لا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلي عليه، ولا يدفن مع المسلمين بل يحفر له في مكان ويدفن، ولا يدعى له بالرحمة
__________
(1) تقدم تخريجه ص 43.
(2) تقدم تخريجه ص43.
(3) تقدم تخريجه ص42.
(4) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(12/102)

والمغفرة، ولا يورث ماله بل يصرف إلى بيت المال فيجب الحذر كل الحذر من ترك الصلاة والتهاون بها، لأن الأمر عظيم والخطب جسيم نسأل الله السلامة والهداية.

-

63) وسئل فضيلته: عن رجل متزوج من امرأة وله منها أربع بنات ولكنها لا تصلي علماً أنها تصوم رمضان، وحينما طلب منها أن تصلي أفادت بأنها لا تعرف الصلاة، ولا تعرف القراءة، فما الحكم؟
فأجاب بقوله: ذكرت أن زوجتك لا تصلي ولكنها تصوم، وأنك إذا أمرتها بالصلاة تقول إنها لا تعرف القراءة، والواجب عليك حينئذ أن تعلمها القراءة إذا لم يقم أحد بتعليمها، ثم تعلمها كيف تصلي ما دام عذرها الجهل، فإن من كان عذره الجهل فإنه يزول بالتعليم فعلمها وأرشدها إلى ذلك، ثم إن أصرت على ترك الصلاة بعد العلم فإنها تكون كافرة والعياذ بالله، وينفسخ نكاحها، فإن لم تحسن القراءة فإنها تذكر الله وتسبحه وتكبره ثم تستمر في صلاتها ويكون هذا الذكر بدلاً عن القراءة حتى تتعلم ما يجب عليها.

-

64) وسئل فضيلته: عمن ترك الصلاة في السنين الأولى من عمره هل يقضي؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة من المسائل الكبيرة الهامة، والعلماء مختلفون فيها:
فجمهورهم قالوا: يجب عليه قضاء جميع الصلوات التي تركها بعد البلوغ ولو كانت أكثر من خمسين سنة، وهذا مذهب مالك، وأبي
(12/103)

حنيفة، والشافعي، وأحمد، فجميع هؤلاء الأئمة الأربعة متفقون على أنه يجب عليه قضاء ما فاته بعد بلوغه، وحجتهم: أن هذا الشخص بالغ عاقل مسلم ملتزم لأحكام الإسلام، والصلاة من أوجب واجبات الإسلام، بل هي أعظم أركانه بعد الشهادتين، ولم يقم دليل على أن تأخيرها عن وقتها مسقط لوجوبها، بل لو كان تأخيرها عن الوقت عمداً مسقطاً لوجوبها لكان فيه فتح باب للتلاعب وإضاعة الصلاة، وهذا الشخص إذا صح أنه تائب فإن من تمام توبته أن يقضي ما وجب عليه في ذمته، كالدين لآدمي إذا أنكره ثم ندم وتاب فإنه لا يبرأ منه إلا بدفعه إلى صاحبه، وأيضاً فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر من نام عن الصلاة أو نسيها أن يصليها إذا ذكرها أو استيقظ (1) ، فإذا كان هذا في حق النائم أو الناسي وهما معذوران فكيف بحال المستيقظ الذاكر المتعمد لتركها أفلا يكون أولى بالأمر بالقضاء ممن كان معذوراً؟ ‍‍وأيضاً فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما شغله المشركون عام الخندق عن الصلاة صلاها بعد الغروب (2) ، فدل ذلك على وجوب قضاء الصلاة إذا فاتت، فهذه أربعة أدلة على وجوب القضاء مجملها كما يلي:
1- أنه شخص بالغ عاقل مسلم ملتزم لأحكام الإسلام فوجب عليه قضاء الصلاة إذا فوتها، كما يجب عليه أداؤها في الوقت.
2- أنه شخص عاص لله ورسوله على بصيرة فلزمته التوبة ومن تتمتها أن يقضي ما فاته من الواجب.
3- أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوجب على المعذور بنوم أو نسيان قضاء ما فاته من
__________
(1) تقدم تخريجه ص16.
(2) تقدم تخريجه ص21.
(12/104)

الصلوات فغير المعذور من باب أولى.
4- أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انشغل بالجهاد عن الصلاة في غزوة الخندق فقضاها بعد فوات وقتها فغير المشغول بالجهاد من باب أولى.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – إلى عدم وجوب القضاء على من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها، وقال: إنه لو صلى آلاف المرات عن الصلاة الماضية التي فوتها باختياره عمداً لم تنفعه شيئاً، ولكن يجب عليه أن يحقق التوبة واللجوء إلى الله ويكثر من الاستغفار والنوافل، والتوبة تجب ما قبلها وتهدمه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، وفي هذا مصلحة للتائب وتسهيل عليه وترغيب له في التوبة، فإنه ربما يستصعب التوبة إذا علم أنه لا تقبل توبته حتى يقضي صلاة ثلاثين سنة ونحوها والله تعالى يحب من عباده أن يتوبوا إليه، وقد يسر لهم باب التوبة وفتحه لهم، وأزال العوائق دونه، ورغبهم في دخوله غاية الترغيب. واستدل لمذهب شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بأدلة منها:
1 - أن الله فرض الصلاة على المؤمنين، ووقتها بوقت محدود لا يصح فعلها قبله بإجماع العلماء، فلو صلى الظهر قبل الزوال، أو المغرب قبل الغروب، أو الفجر قبل طلوع الفجر لم تصح صلاته بإجماع المسلمين، فكذلك إذا صلاها بعد الوقت فقد أخرجها عن وقتها المحدد، فما الذي يجعلها تصح بعد الوقت ولا تصح قبله مع أن الوقت محدد أوله وآخره.
2- وأن جبريل صلى بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أول الوقت وآخره وقال: يا
(12/105)

محمد الصلاة ما بين هذين الوقتين (1) يعني أول الوقت وآخره. وقال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (2) .
3- وأنه صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (3) . فمفهوم هذا الحديث أن من أدرك أقل من ركعه فإنه لم يدرك، فكيف بمن أخرج الصلاة كلها عن الوقت فإنه غير مدرك لها فلا تنفعه، وإذا لم تنفعه فلا فائدة من إلزامه بفعلها.
4- وأيضاً فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (4) . أي مردود عليه، ومصلي الصلاة بعد خروج وقتها بلا عذر قد عمل عملاً ليس عليه أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل فيه نهيه الشديد، وإذا كان كذلك صارت صلاته بعد الوقت مردودة إذا لم يكن معذوراً بالتأخير لأنها مخالفة لأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمردود لا فائدة منه سوى العناء وإضاعة الوقت بلا فائدة، فهذه أربعة أدلة لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في عدم وجوب قضاء الصلاة لمن أخرجها عن وقتها بلا عذر ونجمل هذه الأدلة فيما يأتي:
1-
__________
(1) تقدم تخريجه ص30.
(2) سورة النساء، الآية: 103.
(3) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة / باب من أدرك من الفجر ركعة، ومسلم: كتاب المساجد / باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.
(4) تقدم تخريجه ص21.
(12/106)

قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (1) . أي فرضاً محدداً بوقت والمحدد بوقت كما لا يصح قبله لا يصح بعده بلا عذر وإلا لما كان لتحديد آخره فائدة سوى تحريم التأخير.
2- أن جبريل أم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أول الوقت وآخره وقال: " يا محمد الصلاة ما بين هذين الوقتين " (2) .
3- قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (3) . وكذلك في الصبح فمفهوم الحديث أن من لم يدرك ركعة لم يدرك الصلاة.
4- قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (4) . والصلاة بعد الوقت بلا عذر ليس عليها أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بل فيها نهيه الشديد فتكون مردودة.
وقد أجاب شيخ الإسلام عن أدلة الجمهور بما يلي:
1- عن الدليل الأول: بأنه صحيح شخص بالغ مسلم ملتزم لأحكام الإسلام ولكن إلتزامه مقيد بالحدود الشرعية فإذا أتى بالعمل على غير الوجه المشروع لم يكن ملتزماً فلا يكون عمله صحيحاً وإذا لم يكن صحيحاً فأي فائدة في إلزامه به، وليس هناك دليل على إلزام الشخص بعمل مردود لا فائدة فيه؛ لأن إلزامه بمثل هذا عبث تأباه حكمة الشرع. نعم لو قدر أن في إلزامه بذلك مصلحة لردعه عن تكرر
__________
(1) سورة النساء، الآية: 103.
(2) تقدم تخريجه ص30.
(3) تقدم تخريجه ص106.
(4) تقدم تخريجه ص21.
(12/107)

الترك لكان إلزامه بقضاء ما فاته لهذه المصلحة قولاً حسناً كما قال الجمهور.
2- وعن الدليل الثاني: أنا لا نسلم أن من تمام التوبة قضاء ما فاته بعد خروج وقته بل تصح توبته وإن لم يقض، لأنه فات وقته، وقد أخبر الله تعالى عمن تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً بأنه تعالى يبدل سيئاته حسنات وكان الله غفوراً رحيماً.
وأيضاً فإن عدم إلزامه بالقضاء قد يكون أقرب إلى تحقيق توبته وتمامها؛ لأنه يجد الباب أمامه مفتوحاً والطريق سهلاً فيتشوق إلى التوبة ويفرح بها ويراها نعمة من الله عليه أن يسر له التوبة وسهلها من غير تعب ولا مشقة، وإذا قدر أن همته كبيرة وعزيمته قوية وأنه سيقدم على قضاء ما فاته فربما تصغر همته وتضعف عزيمته بعد الشروع في القضاء خصوصاً إذا كثرت الفوائت، وكثرت الشواغل فتثقل عليه التوبة وينغلق عليه بابها.
إذن فالقول بعدم وجوب قضاء ما فاته أقرب إلى تمام التوبة وتحقيقها من القول بوجوب القضاء.
وأما قياس ذلك على من عليه دين فأنكره ثم تاب فإنها لا تصح توبته حتى يقضيه: فهذا قياس فاسد غير صحيح لأن قضاء الدين ليس لوقته آخر متى قضاه بريء منه، بخلاف الصلاة فإن وقتها محدود ابتداء ونهاية والقياس الصحيح أن نقول: كما أن الجمعة إذا أخرها الناس حتى خروج وقتها فإنها لا تصح منهم جمعة فكذلك بقية الصلوات؛ لأن الكل مؤقت بوقت ولا دليل للتفريق بين الجمعة وغيرها.
3- وعن الدليل الثالث: أت المعذور بنوم أو نسيان حتى خرج وقت الصلاة يصليها متى زال عذره؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل حقها في وقت المعذور هو وقت زوال عذره، فالمعذور إذا صلى الصلاة حين زوال
(12/108)

عذره فقد صلاها في وقتها الذي حدده رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقوله: " فليصلها إذا ذكرها " (1) . وإذا كانت صلاته إياها في الوقت فقد وقعت على الوجه المأمور به فتكون صحيحة مقبولة.
4- وعن الدليل الرابع: ما فعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في غزوة الخندق حيث أخر صلاة النهار إلى ما بعد الغروب فلأنه كان مشغولاً بالجهاد ولذلك قال: " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " (2) ، فيكون تأخيرها حتى خرج الوقت لعذر، فوقتها وقت زوال العذر، وأيضاً ففعله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك كان قبل مشروعية صلاة الخوف على رأي كثير من أهل العلم، ولما شرعت صلاة الخوف صار المسلمون يصلونها في وقتها.
ونحن نفرق بين المعذور وغيره فنقول: المعذور يصليها إذا زال عذره ولو بعد الوقت، وإما غير المعذور فلا تصح منه بعد الوقت، وإلا لما كان لتحديد الوقت فائدة سوى تحريم التأخير؛ ولأنها بعد الوقت غير موافقة لأمر الله ورسوله وقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (3) . من هذا تبين أن للعلماء فيها رأيين:
أحدهما: وجوب القضاء وهو رأي الجمهور وقد ذكرنا أدلتهم التي نعرفها.
الثاني: عدم وجوب القضاء وأنه يكفي تحقيق التوبة، والإكثار من الاستغفار والعمل الصالح، وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الراجح لقوة دليله. والله أعلم.
-
__________
(1) تقدم تخريجه ص16.
(2) تقدم تخريجه ص21.
(3) تقدم تخريجه ص21.
(12/109)

65) وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم موالاة الذي لا يصلي إلا يوم الجمعة، وإذا كانت المقاطعة ضرراً على العائلة، فهل يجوز مقاطعته؟
فأجاب بقوله: أولاً: إذا قلنا بأن الرجل لا يكفر إلا بترك الصلاة بالكلية، فإن هذا الذي لا يصلي إلا يوم الجمعة لا يكفر؛ لأنه لم يتركها مطلقاً، وإن قلنا بأنه يكفر بترك الصلاة الواحدة أو الصلاتين يجمع أحدهما إلى الأخرى، فإن هذا يكون كافراً.فمتى حكمنا بالكفر فإنه يجب هجره ومقاطعته، بل يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، أما إذا لم نحكم بكفره فإنه يبقى غير كافر ويكون هجره وعدم هجره مبنياً على مصلحة، فإن وجدنا مصلحة في هجره هجرناه، وإن لم نجد مصلحة فإننا لا نهجره.
-
66) وسئل فضيلته عن رجل لا يصلي، ولكنه يعمل أعمالاً صالحه فما الحكم؟
فأجاب بقوله: الرجل الذي يفعل الخير فيتصدق ويحسن العشرة، ويحسن الخلق، ويصل الرحم وغير ذلك لكنه لا يصلي فلا ينفعه هذا كله عند الله، قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) (1) . وقال تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه) (2) . ومع أن النفقات نفعها متعد إلا
__________
(1) سورة الفرقان، الآية: 23.
(2) سورة التوبة، الآية: 54.
(12/110)

أنهم لم تقبل منهم؛ لأنهم كفروا بالله. وكل كافر مهما عمل من الخير فلا ينفعه عند الله تعالى.
ويجب أن نعرف الفرق بين المرتد وبين الكافر الأصلي، فالكافر الأصلي يمكن أن نتركه على دينه ولا نقول له شيئاً، أما المرتد فنطالبه بالرجوع إلى الإسلام فإن أبى فقد وجب قتله ولا يجوز أن يبقى على ظهر الأرض، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من بدل دينه فاقتلوه " (1) ، والكافر الأصلي قد تكون له أحكام كحل ذبيحته مثل أهل الكتاب، أما تارك الصلاة فلا تحل ذبيحته ولو سمى وأنهر الدم فذبيحته ميتة خبيثة.

-
67) وسئل فضيلته: عن امرأة زوجها لا يصلي فهل تطلب الطلاق منه، مع العلم أنها ليس لها عائل غيره؟
فأجاب بقوله: إذا كان الزوج لا يصلي مع الجماعة فهو فاسق والزوجة تحل له، أما إذا كان لا يصلي أبداً ونصحته زوجته بالصلاة فأصر فهو كافر مرتد عن الملة، لا تحل له زوجته، ولا يجوز أن تبقى معه، ولا يحل هو لها، ويجب عليها الامتناع منه، ولتذهب هي وأولادها إلى أهلها، ولا ولاية له ولا حضانة على الأولاد، لقول الله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) (2) . فهذا في الآخرة وكذلك في الدنيا.
وقد نص العلماء على ذلك كما في زاد المستقنع: " ولا حضانة لكافر على مسلم ". وعلاج هذا الداء سهل وهو أن يسلم الرجل ويدخل
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد / باب لا يعذب بعذاب الله.
(2) سورة النساء، الآية: 141.
(12/111)

في دينه فيصلي، وإلا فالحل الفراق.
والدليل على كفره كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكلام السلف الصالح والنظر الصحيح؛ فالأدلة في ذلك سمعية وعقلية.
أما الكتاب، فقوله تعالى عن المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (1) . أي فإن لم يتوبوا من الشرك ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فليسوا إخواناً لنا في الدين، ومن المعلوم أن الأخوة في الدين لا تنتفي إلا بالكفر، ولا تنتفي بالمعاصي مهما عظمت، حتى قتل المؤمن عمداً فقد قال الله فيه: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) (2) . فجعل القاتل أخاً للمقتول. ومقاتلة المسلمين وهي من أعظم الذنوب قال الله فيه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (3) . ولو كان ترك الصلاة معصية وكبيرة فقط لو تنتف به الأخوة الإيمانية، وعلى هذا فترك الصلاة مخرج من الملة بمقتضى هذه الآية الكريمة.
فإن قيل: هذه الآية فيها أيضاً عدم إيتاء الزكاة وأنه ينفي الأخوة الإيمانية، فهل تقول بذلك؟
فالجواب: لولا وجود ما يمنع من ذلك لقلنا به، وهو ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار وأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وظهره، كلما بردت
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 11.
(2) سورة البقرة، الآية: 10.
(3) سورة الحجرات، الآية: 10.
(12/112)

أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضيين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" (1) . ومن المعلوم أنه إن كان يمكن أن يرى سبيله إلى الجنة فليس بكافر.
ومن السنة: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " (2) . فجعل ترك الصلاة فاصلاً بين الإيمان والكفر، ومن المعلوم أن الفاصل يخرج المفصول بعضه عن بعض ويقطع الاتصال نهائياً. فإما صلاة وإما كفر.
وكذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (3) .ومن كلام الصحابة قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: " لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " (4) . والحظ هو النصيب، والحظ منفي هنا بلا النافية التي تمنع أي شيء من منفيها، فلاحظ قليل ولا كثير من الإسلام لتارك الصلاة.وكذلك قول عبد الله بن شقيق التابعي الثقة: " كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة " (5) .وهذا حكاية إجماع.وقد حكى إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة إسحاق بن راهويه.
__________
(1) تقدم تخريجه ص78.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(3) تقدم تخريجه ص42.
(4) تقدم تخريجه ص43.
(5) تقدم تخريجه ص44.
(12/113)

أما النظر: فلأن كل إنسان لا يصلي مع علمه بأهمية الصلاة في الإسلام، وأنها ثاني أركانه، وأن لها من العناية حين فرضها، وحين أدائها ما لا يوجد في عبادة أخرى، لا يمكن أن يدعها مع ذلك وفي قلبه شيء من الإيمان.
وليس الإيمان مجرد التصديق بوجود الله وصحة رسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالتصديق بهذا كان موجوداً حتى في الكفار وقد شهد بذلك أبو طالب، لكن لابد أن يستلزم الإيمان القبول للخبر والإذعان، فإذا لم يكن إذعان ولا قبول فلا إيمان. وعلى هذا فتارك الصلاة كافرخارج عن الملة إذا مات فلا يغسل ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يدعى له بالرحمة؛ لأنه خالد في نار جهنم، فهو كافر كفراً أكبر، نسأل الله لنا ولكم السلامة.أما الذي يصلي ويترك، فهذا موضع خلاف بين العلماء القائلين بكفر تارك الصلاة:
فمنهم من كفره بفرضين. ومنهم من كفره بترك فرض واحد. ومنهم من قال: إذا كان أكثر وقته لا يصلي فهو كافر.والذي يظهر أنه لا يكفر إلا إذا كان لا يصلي أبداً، فإن كان يصلي الجمعة أو رمضان ننظر: فإن كان يفعل ذلك لعدم اعتقاد وجوب غيرهما فهو كافر، لا لترك الصلاة وإنما لإنكار الوجوب، وإنكار الوجوب لا يشترط فيه الترك، فلو أنكر رجل وجوب الصلاة فهو كافر وإن صلى.
(12/114)

وبهذا يتبين خطأ من حمل الأحاديث الواردة في كفر تارك الصلاة على تاركها جحوداً لوجوبها، لأن ذلك لا يصح طرداً ولا عكساً، فمن جحد وجوبها كفر وإن صلى، ومن جهة العكس لا يصح؛ لأن الحديث دل على كفر تاركها فإذا ألغينا هذا الوصف واعتبرنا وصفاً لم يعتبره الشرع بل ألغاه فلا يصح.
وقد أورد البعض على هذا حديث عبادة بن الصامت: " خمس صلوات فرضهن الله على عباده من أتى بهن فأتم ركوعهن وسجودهن ووضوءهن أدخله الله الجنة، ومن لم يأت بهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له " (1) وهذا الحديث لا يقابل الأحاديث الدالة على كفره في الصحة ومعلوم أنه عند التعارض يقدم الأقوى. وكذلك فلا يدل هذا الحديث على المراد؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " فأتم ركوعهن وسجودهن ووضوءهن ". ومن لم يأت بهن على هذا الوصف أي وصف التمام فليس له عهد. فنفى الإتيان منصب على الإتيان على وجه التمام؛ لأنه المذكور في أول الحديث، أما من لم يأت بهن أبداً فالأدلة واضحة في كفره.
أما قول المرأة إنها ليس لها من يعولها فهذا من ضعف توكلها على الله، فإن الله تعالى يعول خلقه، وقد قال سبحانه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب) (2) . وقال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ
__________
(1) تقدم تخريجه ص72.
(2) سورة الطلاق، الآيتان: 2، 3.
(12/115)

يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً 4) (1) . فلتستعن بالله ولتفارق هذا الزوج الذي لا يصلي وسيجعل الله لها فرجاً ومخرجاً.

-

68) سئل فضيلة الشيخ عن رجل كان لا يصلي مطلقاً لثلاث سنوات مضن وتاب فهل يقضي؟
فأجاب بقوله: لا قضاء عليه فيما مضى لوجهين:
الأول: أن ترك الصلاة ردة عن الإسلام يكون به الإنسان كافراً على القول الراجح الذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة. وعلى هذا فإن رجوعه إلى الإسلام يمحو ما قبله لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (2) .
الوجه الثاني: أن من ترك عبادة مؤقتة حتى خرج وقتها دون عذر شرعي كالصلاة والصيام ثم تاب فإنه لا يقضي ما ترك لأن العبادة المؤقتة محدودة من قبل الشارع بحد أول وآخر.
وقد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (3) . ولا يرد على هذا مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (4) . وقوله تعالى في الصيام: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (5) . لأن التأخير هنا للعذر وقضاء
__________
(1) سورة الطلاق، الآية: 4.
(2) سورة الأنفال، الآية: 38.
(3) تقدم تخريجه ص21.
(4) تقدم تخريجه ص16.
(5) سورة البقرة، الآية: 185.
(12/116)

المعذور بعد الوقت كالأداء في أجره وثوابه.
وعلى هذا فلا يلزمك أيها الأخ قضاء ما تركته من واجبات مدة السنوات الثلاث التي ذكرتها

-
69) وسئل فضيلته: هناك اهتمام خاص عند كثير من الناس بالصلاة خاصة في رمضان دون غيره، فبماذا تنصحهم؟
فأجاب بقوله: أنصحهم بأن يتقوا الله سبحانه وتعالى في جميع أوقاتهم في رمضان وغيره؛ لأن الإنسان مأمور بعبادة الله إلى الموت. قال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ 99) (1) .

-

70) وسئل فضيلته: كثير من الآباء لا يهتمون بتربية أولادهم وخاصة من الناحية الدينية، فيقصرون بحجة التعب بعد عناء العمل، وما رأيكم فيمن يدعون الإسلام وهم قلما صاموا رمضان أو تذكروا الصلاة؟
فأجاب قائلاً: الواجب على المؤمن أن يهتم بتربية أولاده اهتماماً بالغاً ليكون ممتثلاً لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يؤْمَرُونَ) (2) . وليقم بالمسئولية التي حملها إياه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: " الرجل راع في أهله، ومسئول عن رعيته " (3) .
__________
(1) سورة الحجر، الآية: 99.
(2) سورة التحريم، الآية: 6.
(3) أخرجه البخاري: كتاب النكاح / باب المرأة راعية في بيت زوجها، ومسلم: كتاب =
(12/117)

ولا يحل له أن يهملهم بل عليه أن يؤدبهم بحسب أحوالهم وبحسب جرائمهم، ولهذا قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر " (1) . وليعلم أن هذه الأمانة التي حملها سوف يسأل عنها يوم القيامة، فليعد الجواب الصواب حتى يتخلص من هذه المسئولية، وسيجني ثمار ما عمل: إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وربما يعاقب به في الدنيا فيبتلى بأولاد يسيئون إليه ويعقونه ولا يقومون بحقه.
وأما رأينا فيمن يدعون الإسلام وهم قلما صاموا رمضان أو تذكروا الصلاة: فإن كان هؤلاء الذين لا يصومون رمضان يعتقدون أن الصيام ليس بواجب وأنه إنما هو رياضة بدنية إن شاء الإنسان صامه وإن شاء أفطره فهؤلاء كفار؛ لأنهم جحدوا فريضة من فرائض الإسلام وهم غير معذورين بجهلها لكونهم يعيشون في بيئة إسلامية.
وإما إن كانوا لا يصومون رمضان مع اعتقادهم أنه فريضة وواجب وأنهم بذلك عصاة، فإنهم لا يكفرون على القول الراجح من أقوال أهل العلم.
وأما الصلاة فإن كانوا لا يصلون أبداً فهم كفار، سواء أقروا بوجوبها أو أنكروا وجوبها، والدليل على كفرهم أدلة من كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأقوال الصحابة رضي الله عنهم وقد سبق شيء من ذلك.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 2/187، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب متى يؤمر الغلام بالصلاة ((495 و496) ، وهو في صحيح الجامع رقم (5868)
(12/118)

ولم يرد في الكتاب ولا في السنة أن تارك الصلاة ليس بكافر، أو أنه مؤمن، أو أنه يدخل الجنة، أو أنه لا يدخل النار ونحو ذلك، وغاية ما ورد في ذلك نصوص تدل على فضل التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وثواب ذلك، وهي إما مقيدة بوصف لا يمكن معه ترك الصلاة، وإما واردة في أحوال معينة يعذر فيها الإنسان بترك الصلاة، وإما عامة فتحمل على أدلة كفر تارك الصلاة؛ لأن أدلة كفر تارك الصلاة خاصة، والخاص مقدم على العام كما هو معروف في أصول الفقه ومصطلح الحديث.
فإن قال قائل: ألا يجوز أن تحمل النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة على من تركها جاحداً لوجوبها؟
قلنا: لا يجوز ذلك؛ لأن فيه محذورين:
المحذور الأول: إلغاء وصف اعتبره الشارع وعلق الحكم به، فإن الشارع علق الحكم بالكفر على الترك دون الجحود، ورتب الأخوة في الدين على إقامة الصلاة دون الإقرار بوجوبها. ولم يقل الله تعالى (فإن تابوا وأقروا بوجوب الصلاة) ، ولم يقل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بين الرجل وبين الشرك والكفر جحد وجوب الصلاة، فمن جحد وجوبها فقد كفر) ، ولو كان هذا مراد الله تعالى ورسوله لكان العدول عنه خلاف البيان الذي جاء به القرآن. قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) (1) . وقال تعالى مخاطباً نبيه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (2) .
__________
(1) سورة النحل، الآية: 89.
(2) سورة النحل، الآية: 44.
(12/119)

المحذور الثاني: اعتبار وصف لم يجعله الشارع مناطاً للحكم، فإن جحود وجوب الصلوات الخمس موجب لكفر من لا يعذر بجهله فيه سواء صلى أم ترك، فلو صلى شخص الصلوات الخمس وأتى بكل شروطها وأركانها وواجباتها ومستحباتها لكنه جاحد لوجوبها بدون عذر له فيه كان كافراً مع أنه لم يتركها.
فتبين بذلك أن حمل النصوص على من تركها جاحداً لوجوبها غير صحيح، وأن الحق أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً من الملة، كما جاء ذلك صريحاً فيما رواه بن أبي حاتم في سننه عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – قال: أوصانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تتركوا الصلاة عمداً، فمن تركها عمداً متعمداً فقد خرج من الملة " (1) . وأيضاً فإننا لو حملناه على ترك الجحود لم يكن لتخصيص الصلاة في النصوص فائدة، لأن هذا الحكم عام في الصلاة والزكاة والحج مما علم وجوبه بالضرورة من الدين، فمن ترك منها واحداً جحداً لوجوبه كفر إن كان غير معذور بجهل.
وكما أن كفر تارك الصلاة مقتضى الدليل السمعي الأثري، فهو مقتضى الدليل العقلي النظري، فكيف يكون عند الشخص إيمان مع تركه للصلاة التي هي عمود الدين، وجاء من الترغيب في فعلها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يقوم بها ويبادر إلى فعلها؟! وجاء من الوعيد على تركها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يحذر من تركها وإضاعتها، فتركها مع قيام هذا المقتضى لا يبقي إيماناً مع التارك.
__________
(1) تقدم تخريجه ص43.
(12/120)

وجمهور الصحابة – رضي الله عنهم – حكى غير واحد إجماعهم على كفر تارك الصلاة، قال عبد الله بن شقيق: " كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (1) . رواه الترمذي والحاكم وصححه على شرطهما، وقال الإمام اسحاق بن راهويه الإمام المعروف: " صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تارك الصلاة كافر "
وذكر بن حزم أنه قد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين -،قال:"ولا نعلم لهؤلاء مخالفاً من الصحابة ". نقله عنه المنذري في الترغيب والترهيب، وزاد من الصحابة عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبا الدرداء – رضي الله عنهم – قال: ومن غير الصحابة: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب وغيرهم، قلت: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وهو أحد قولي الشافعي كما ذكره بن كثير في تفسيره لقوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) (2) . وذكر بن القيم في كتابه الصلاة أنه أحد الوجهين في المذهب الشافعي وأن الطحاوي نقله عن الشافعي نفسه.
فإن قيل: ما الجواب عما استدل به من لا يرى كفر تارك الصلاة؟
قلنا: الجواب عن ذلك أن ما استدل به هؤلاء فإما أن لا يكون فيه
__________
(1) تقدم تخريجه ص44.
(2) سورة مريم، الآية: 59.
(12/121)

دلالة أصلاً، وإما أن يكون مقيداً بوصف لا يتأتى معه ترك الصلاة، وإما أن يكون مقيداً بحال يعذر فيها بترك الصلاة، وإما أن يكون عاماً مخصوصاً بأدلة تكفير تارك الصلاة - فلا تخرج الأدلة التي استدل بها من لا يرى كفر تارك الصلاة عن هذه الأحوال الأربع.
وهذه المسألة من أهم المسائل وأعظمها، والواجب على الإنسان أن يتقي الله تعالى في نفسه، وأن يحافظ على الصلاة حتى يكون ممن قال الله فيهم: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) (1) .

-

71) وسئل فضيلة الشيخ: عن شاب مستقيم ولكنه يتعب كثيراً في عمله حتى إنه لا يستطيع أن يصلي الفجر في وقتها من شدة التعب والإرهاق؟
فأجاب بقوله: الواجب عليه أن يدع العمل الذي يكون سبباً في تأخير صلاة الفجر؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد إذا كان يعرف أنه لو ترك الإجهاد تمكن من صلاة الفجر فالواجب عليه أن لا يجهد نفسه حتى يصلي الفجر في وقتها مع المسلمين.
-

72) وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل عنده الاستعداد التام للقيام
__________
(1) سورة المؤمنون، الآيات: 1-6.
(12/122)

لصلاة الفجر فيضع جميع الأسباب لكن لا يقوم للصلاة، فما نصيحتكم له؟ وهل هو آثم في ذلك؟
فأجاب قائلاً: يجب عليه أن يعمل كل الأسباب التي تجعله يصلي الفجر جماعة، ومن ذلك أن ينام مبكراً، لأن بعض الناس يتأخر في النوم ولا ينام إلا قبيل الفجر ثم لا يتمكن من القيام، ولو وضع المنبه، ولو أمر من ينبهه، لذلك نحن ننصح هذا وأمثاله بأن يناموا مبكرين حتى يقوموا نشيطين ويصلوا جماعة.
أما هل هو آثم؟ نعم هو آثم إذا كان هذا بسببه سواء كان بتأخره في المنام أو كان ذلك بترك الاحتياط بالاستيقاظ فإنه آثم.

-

73) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم من فاتته صلاة الفجر جماعة مع المسلمين بسبب إيقاظ أبنائه؟ وبماذا تنصحه؟
فأجاب بقوله: أنصحه بأن يوقظ أبنائه قبل الآذان حتى يتمكن من صلاة الجماعة، ولا يحل له أن يدع صلاة الجماعة من اجل إيقاظ أبنائه، وعلاج ذلك أن يتقدم بإيقاظهم في وقت يتمكن من إيقاظهم، وإدراك الجماعة، أما أن يدعهم حتى يؤذن ثم يقوم فيوقظهم، وهم قد يكونون كثيرين، وقد يكونون ثقيلي النوم فهذا تفريط منه.

-

74) سئل فضيلة الشيخ: ما حكم من يؤدي الصلوات في جماعة دون صلاة الفجر؟
فأجاب قائلاً: هو آثم بتركه أداء صلاة الفجر مع الجماعة، ويجب عليه أن يتوب إلى الله، وأن يؤدي صلاة الفجر مع الجماعة
(12/123)

ويخشى على من هذه حاله من النفاق، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً " (1) . متفق عليه.

-

75) وسئل فضيلته: ما هي النصيحة العامة التي توجهها للرجال والنساء جميعاً في شأن صلاة الفجر خاصة؟
فأجاب بقوله: أنصح كل إنسان مسلم أن يحافظ على صلاة الفجر وغيرها؛ لأن الصلاة هي عمود الدين وهي أوكد العبادات بعد الشهادتين ومن تركها فقد كفر، ومن أضاعها فهو على خطر، قال تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً *إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) (2) . فإن تاب هؤلاء وآمنوا وعملوا صالحاً فإنه يرجى لهم أن يكونوا ممن وعدهم الله بقوله: (فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) (3) .

-

76) وسئل فضيلة الشيخ: إذا كان معي في العمل شخص لا يصلي، وقد حاولت معه كل المحاولات، ولم أستطع، فماذا يجب علي تجاهه؟
فأجاب بقوله: إذا قمت بما يجب عليك من النصيحة فإنما إثمه
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الآذان / باب فضل العشاء في جماعة، ومسلم: كتاب المساجد / باب فضل صلاة الجماعة....
(2) سورة مريم، الآيتان، 59، 60.
(3) سورة مريم، الآية: 60.
(12/124)

على نفسه، وأنت لم تجتمع به في بيتك حتى تقول: إن هذا إكرام له، ولم تجتمع في بيته أيضاً حتى تقول: إن هذه إجابة دعوة له، وإنما اجتمعت به في مكان عام له ولغيره، ولكنني أحثك على أن تواصل نصيحته فلعل الله أن يهديه فتكون سبباً في هدايته، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي بن أبي طالب: " لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم " (1) .

-

77) وسئل فضيلة الشيخ: عن واجب الأسرة نحو الأبناء تاركي الصلاة؟
فأجاب بقوله: إذا كان عندهم أولاد لا يصلون، فالواجب عليهم أن يلزموهم بالصلاة؛ إما بالقول والأمر، وإما بالضرب لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "واضربوهم عليها لعشر " (2) . فإن لم يفد معهم الضرب فإنه يرفع بهم إلى الجهات المسئولة في الدولة - وفقها الله - من أجل إلزامهم بأدائها، ولا يحل السكوت عنهم، فإن ذلك من باب الإقرار على المنكر؛ لأن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، فتارك الصلاة كافر مخلد في النار، فلا يجوز إذا مات على ذلك أن يغسل، أو يصلى عليه، أو يدفن في مقابر المسلمين. نسأل الله السلامة.

-
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد / باب فضل من أسلم على يديه رجل، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة / باب من فضائل علي بن أبي طالب.
(2) تقدم تخريجه ص118.
(12/125)

رسالة في حكم تارك الصلاة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن كثيراً من المسلمين اليوم تهاونوا بالصلاة وأضاعوها حتى تركها بعضهم تركاً مطلقاً تهاوناً، ولنا كانت هذه المسألة من المسائل العظيمة الكبرى التي أبتلي بها الناس اليوم واختلف فيها علماء الأمة وأئمتها قديماً وحديثاً أحببت أن أكتب فيها ما تيسر.
ويتلخص في تحرير ثلاث مقامات:
المقام الأول: في حكم تارك الصلاة.
المقام الثاني: في حكم تزويجه بمسلمة.
المقام الثالث: في حكم أولاده منها.
فأما المقام الأول: فإن هذه المسألة من مسائل العلم الكبرى وقد تنازع فيها أهل العلم سلفاً وخلفاً فقال الإمام أحمد بن حنبل: تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة يقتل إذا لم يتب ويصلِ. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: فاسق ولا يكفر، ثم اختلفوا فقال مالك والشافعي يقتل حداً. وقال أبو حنيفة: يعزر ولا يقتل.
(12/126)

وإذا كانت هذه المسألة من مسائل النزاع فالواجب ردها إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (1) . وقوله (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (2) . ولأن كل واحد من المختلفين لا يكون قوله حجة على الآخر؛ لأن كل واحد يرى أن الصواب معه، وليس أحدهما أولى بالقبول من الآخر، فوجب الرجوع في ذلك إلى حكم بينهما وهو كتاب الله تعالى وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وإذا رددنا هذا النزاع إلى الكتاب والسنة وجدنا أن الكتاب والسنة كلاهما يدل على كفر تارك الصلاة الكفر الأكبر المخرج عن الملة.
أما الكتاب: فقوله تعالى في سورة التوبة: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (3) . وقوله في سورة مريم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) (4) .
فوجه الدلالة من الآية الثانية آية سورة مريم أن الله قال في المضيعين للصلاة المتبعين للشهوات (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَن) َ. فدل على أنهم حين إضاعتهم للصلاة واتباع الشهوات غير مؤمنين.
ووجه الدلالة من الآية الأولى أية سورة التوبة أن الله تعالى اشترط
__________
(1) سورة الشورى، الآية: 10.
(2) سورة النساء، الآية: 59.
(3) سورة التوبة، الآية: 11.
(4) سورة مريم، الآيتان: 59، 60.
(12/127)

لثبوت الأخوة بيننا وبين المشركين ثلاثة شروط: أن يتوبوا من الشرك وأن يقيموا الصلاة، وأن يؤتوا الزكاة، فإن تابوا من الشرك ولم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا بإخوة لنا، وإن أقاموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا بإخوة لنا، والأخوة في الدين لا تنتفي إلا حيث يخرج المرء من الدين بالكلية فلا تنتفي بالفسوق والكفر دون الكفر.
ألا ترى إلى قوله تعالى في آية القصاص من القتل: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (1) . فجعل الله القاتل عمداً أخاً للمقتول، مع أن القتل عمداً من أكبر الكبائر لقوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (2) .
ثم ألا ترى إلى قوله تعالى في الطائفتين من المؤمنين إذا اقتتلوا: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) إلى قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم ْ) (3) . فأثبت الله تعالى الأخوة بين الطائفة المصلحة والطائفتين المقتتلتين مع أن قتال المؤمن من الكفر كما ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن بن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (4) . لكنه كفر لا يخرج من الملة إذ لو كان مخرجاً من الملة ما بقيت الأخوة الإيمانية معه، والآية الكريمة قد دلت على بقاء الأخوة
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 178.
(2) سورة النساء، الآية: 93.
(3) سورة الحجرات، الآيتان: 9،10.
(4) تقدم تخريجه ص42.
(12/128)

الإيمانية مع الاقتتال.
وبهذا علم أن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة إذ لو كان فسقاً أو كفراً دون كفر ما انتفت الأخوة الدينية به كما لم تنتف بقتل المؤمن وقتاله.
فإن قال قائل: هل ترون كفر تارك إيتاء الزكاة كما دل عليه مفهوم آية التوبة؟
قلنا: كفر تارك إيتاء الزكاة قال به بعض أهل العلم وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – ولكن الراجح عندنا أنه لا يكفر، لكنه يعاقب بعقوبة عظيمة ذكرها الله تعالى في كتابه، وذكرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سنته، ومنها ما في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر عقوبة مانع الزكاة وفي آخره: " ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " (1) ، وقد رواه مسلم بطوله في باب إثم مانع الزكاة وهو دليل على أنه لا يكفر إذ لو كان كافراً ما كان له سبيل إلى الجنة، فيكون منطوق هذا الحديث مقدماً على مفهوم آية التوبة لأن المنطوق مقدم على المفهوم كما هو معلوم في أصول الفقه.
وأما دلالة السنة على كفر تارك الصلاة فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة " (2) . رواه مسلم في كتاب الإيمان عن جابر بن عبد الله عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وعن بريدة بن الحصيب – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) تقدم تخريجه ص 78.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(12/129)

يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " (1) . رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
والمراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل الصلاة فصلاً بين المؤمنين والكافرين، ومن المعلوم أن ملة الكفر غير ملة الإسلام فمن لم يأت بهذا العهد فهو من الكافرين.
وفي صحيح مسلم عن أم سلمة – رضي الله عنها – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف بريء، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع ". قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: " لا ما أقاموا فيكم الصلاة " (2) .
وفيه من حديث عوف بن مالك رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار ائمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم ". قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: " لا ما أقاموا فيكم الصلاة " (3) .
ففي هذين الحديثين دليل على منابذة الولاة وقتالهم بالسيف إذا لم يقيموا الصلاة، ولا تجوز منازعة الولاة وقتالهم إلا إذا أتوا كفراً صريحاً عندنا فيه برهان من الله تعالى لقول عبادة بن الصامت – رضي الله عنه -: دعانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا،
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(2) تقدم تخريجه ص43.
(3) أخرجه مسلم: كتاب الإمارة / باب خيار الأئمة وشرارهم.
(12/130)

وأن لا ننازع الأمر أهله.
قال: " إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان " (1) . وعلى هذا فيكون تركهم للصلاة الذي علق عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منابذتهم وقتالهم بالسيف كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان.
ولم يرد في الكتاب والسنة أن تارك الصلاة ليس بكافر، أو أنه مؤمن، وغاية ما ورد في ذلك نصوص تدل على فضل التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وثواب ذلك، وهي إما مقيدة بقيود في نفس النص يمتنع معها أن يترك الصلاة، وإما واردة في أحوال معينة يعذر الإنسان فيها بترك الصلاة، وإما عامة فتحمل على أدلة كفر تارك الصلاة؛ لأن أدلة كفر تارك الصلاة خاصة والخاص مقدم على العام.
فإن قال قائل: ألا يجوز أن تحمل النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة على من تركها جاحداً لوجوبها؟
قلنا: لا يجوز ذلك لأن فيه محذورين:
الأول: إلغاء الوصف الذي اعتبره الشارع وعلق الحكم به، فإن الشارع علق الحكم بالكفر على الترك دون الجحود، ورتب الأخوة في الدين على إقام الصلاة دون الإقرار بوجوبها لم يقل الله تعالى: (فإن تابوا وأقروا بوجوب الصلاة) ولم يقل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (بين الرجل وبين الشرك والكفر جحد وجوب الصلاة) . (أو العهد الذي بيننا وبينهم الإقرار بوجوب الصلاة فمن جحد وجوبها فقد كفر) . ولو كان هذا مراد الله تعالى ورسوله لكان العدول عنه خلاف البيان الذي جاء به القرآن قال الله تعالى: (ِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْء) (2) . وقال تعالى
__________
(1) تقدم تخريجه ص42.
(2) سورة النحل، الآية: 89.
(12/131)

مخاطباً نبيه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (1) .
المحذور الثاني: اعتبار وصف لم يجعله الشارع مناطاً للحكم فإن جحود وجوب الصلوات الخمس موجب لكفر من لا يعذر بجهله فيه سواء صلى أم ترك، فلو صلى شخص الصلوات الخمس وأتى بكل ما يعتبر لها من شروط وأركان وواجبات ومستحبات لكنه جاحد لوجوبها بدون عذر له فيه لكان كافراً مع أنه لم يتركها. فتبين بذلك أن حمل النصوص على من ترك الصلاة جاحداً لوجوبها غير صحيح، وأن الحق أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة كما جاء ذلك صريحاً فيما رواه بن أبي حاتم في سننه عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – قال أوصانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تشركوا بالله شيئاً ولا تتركوا الصلاة عمداً فمن تركها عمداً متعمداً فقد خرج من الملة " (2) .
وكما أن هذا مقتضى الدليل السمعي الأثري فهو مقتضى الدليل العقلي النظري فكيف يكون عند الشخص إيمان مع تركه للصلاة التي هي عمود الدين وجاء من الترغيب في فعلها ما يقتضي لكل عاقل مؤمن أن يحذر من تركها وإضاعتها؟! فتركها مع قيام هذا المقتضى لا يبقى إيماناً مع التارك.
فإن قال قائل: ألا يحتمل أن يراد بالكفر في تارك الصلاة كفر النعمة لا كفر الملة؟ أو أن المراد به كفر دون الكفر الأكبر؟ فيكون كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في النسب، والنياحة على
__________
(1) سورة النحل، الآية: 44.
(2) تقدم تخريجه ص43.
(12/132)

الميت " (1) . وقوله: " سباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (2) . ونحو ذلك.
قلنا: هذا الاحتمال والتنظير له لا يصح لوجوه:
الأول: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل الصلاة حداً فاصلاً بين الكفر والإيمان، وبين المؤمنين والكفار، والحد يميز المحدود ويخرجه عن غيره، فالمحدودان متغايران لا يدخل أحدهما في الآخر.
الثاني: أن الصلاة ركن من أركان الإسلام فوصف تاركها بالكفر يقتضي أنه الكفر المخرج من الإسلام؛ لأنه هدم ركناً من أركان الإسلام بخلاف إطلاق الكفر على من فعل فعلاً من أفعال الكفر.
الثالث: أن هناك نصوصاً أخرى دلت على كفر تارك الصلاة كفراً مخرجاً عن الملة فيجب حمل الكفر على ما دلت عليه لتتلاءم النصوص وتتفق.
الرابع: أن التعبير بالكفر مختلف ففي ترك الصلاة قال: " بين الرجل وبين الشرك والكفر " فعبر ب (ال) الدالة على أن المراد بالكفر حقيقة الكفر بخلاف كلمة – كفر – منكراً، أو كلمة – كفر – بلفظ الفعل فإنه دال على أن هذا من الكفر أو أنه كفر في هذه الفعلة، وليس هو الكفر المطلق المخرج عن الإسلام.
قال شيخ الإسلام بن تيمية في كتاب (اقتضاء الصراط المستقيم) ص70 ط السنة المحمدية على قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" اثنتان في الناس هما بهم
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان / باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(12/133)

كفر " (1) . قال: فقوله: " هما بهم كفر " أي هاتان الخصلتان هما كفر قائم بالناس، فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا من أعمال الكفر، وهما قائمتان بالناس، لكن ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها كافراً الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير بها مؤمناً حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته، وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ليس بين العبد وبين الكفر والشرك إلا ترك الصلاة " (2) . وبين كفر منكر في الإثبات اهـ كلامه.
فإذا تبين أن تارك الصلاة بلا عذر كافر كفراً مخرجاً عن الملة بمقتضى هذه الأدلة كان الصواب فيما ذهب إليه الإمام أحمد بن حنبل وهو أحد قولي الشافعي ذكره ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) (3) . وذكر بن القيم في كتاب الصلاة أنه أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأن الطحاوي نقله عن الشافعي نفسه.
وعلى هذا القول جمهور الصحابة بل حكى غير واحد إجماعهم عليه، قال عبد الله بن شقيق: " كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة " (4) ، رواه الترمذي والخمسة وصححه على شرطهما. وقال إسحاق بن راهويه الإمام المعروف " صح عن
__________
(1) تقدم تخريجه ص133.
(2) تقدم تخريجه ص42.
(3) سورة مريم، الآية: 59.
(4) تقدم تخريجه ص44.
(12/134)

النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تارك الصلاة كافر "، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يخرج وقتها كافر، وذكر بن حزم أنه قد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة قال: " ولا نعلم لهؤلاء مخالفاً من الصحابة " نقله عنه المنذري في الترغيب والترهيب وزاد من الصحابة: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبا الدرداء – رضي الله عنهم – قال: ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة، وأيوب السختياني، وابو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب وغيرهم اهـ.
فإن قال قائل: ما الجواب عن الأدلة التي استدل بها من لا يرى كفر تارك الصلاة؟
قلنا: الجواب أن هذه الأدلة لم يأت فيها أن تارك الصلاة لا يكفر، أو أنه مؤمن، أو أنه لا يدخل النار، أو أنه في الجنة ونحو ذلك، ومن تأملها وجدها لا تخرج عن أربعة أقسام كلها لا تعارض أدلة القائلين بأنه كافر.
القسم الأول: ما لا دليل فيه أصلاً للمسألة مثل استدلال بعضهم بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (1) . فإن معنى قوله (مَا دُونَ ذَلِكَ) ما هو أقل من ذلك، وليس معناه ما سوى ذلك بدليل أن من كذب بما أخبر الله به ورسوله فهو كافر كفراً لا يغفر وليس ذنبه من الشرك ولو سلمنا أن معنى (مَا دُونَ ذَلِكَ)
__________
(1) سورة النساء، الآية: 48.
(12/135)

ما سوى ذلك لكان هذا من باب العام المخصوص بالنصوص الدالة على الكفر بما سوى الشرك، والكفر المخرج عن الملة من الذنب الذي لا يغفر وإن لم يكن شركاً.
القسم الثاني: عام مخصوص بالأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث معاذ بن جبل: " ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار " (1) .
وهذا أحد ألفاظه وورد نحوه من حديث أبي هريرة، وعبادة بن الصامت، وعتبان بن مالك – رضي الله عنهم -.
القسم الثالث: عام مقيد بما لا يمكن معه ترك الصلاة مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث عتبان بن مالك: " فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " (2) . كما رواه البخاري. وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث معاذ: " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار " (3) . كما رواه البخاري، فتقييد الإتيان بالشهادتين بإخلاص القصد وصدق القلب يمنع من ترك الصلاة، إذ ما من شخص يصدق في ذلك ويخلص إلا حمله صدقه وإخلاصه على فعل الصلاة ولابد، فإن الصلاة عمود الإسلام، وهي الصلة بين العبد وربه، فإذا كان صادقاً في ابتغاء وجه الله فلابد أن يفعل ما يوصله إلى ذلك، ويتجنب ما يحول بينه وبينه، وكذلك من شهد أن لا إله إلا الله،
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 5/229.
(2) أخرجه البخاري: كتاب المساجد / باب المساجد في البيوت، ومسلم: كتاب الإيمان / باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً.
(3) أخرجه البخاري: كتاب الأطعمة، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعاً.
(12/136)

وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه فلابد أن يحمله ذلك الصدق على أداء الصلاة مخلصاً بها لله تعالى، متبعاً فيها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأن ذلك من مستلزمات تلك الشهادة الصادقة.
القسم الرابع: ما ورد مقيداً بحال يعذر فيها بترك الصلاة كالحديث الذي رواه ابن ماجه عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب ". الحديث، وفيه: " وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله فنحن نقولها " فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثاً كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: " يا صلة تنجيهم من النار " ثلاثاً (1) . فإن هؤلاء الذين أنجتهم الكلمة من النار كانوا معذورين بترك شرائع الإسلام، لأنهم لا يدرون عنها فما قاموا به هو غاية ما يقدرون عليه، وحالهم تشبه حال من ماتوا قبل فرض الشرائع، أو قبل أن يتمكنوا من فعلها كمن مات عقب شهادته قبل أن يتمكن من فعل الشرائع، أو أسلم في دار الكفر قبل أن يتمكن من العلم بالشرائع.
والحاصل أن ما استدل به من لا يرى كفر تارك الصلاة لا يقاوم كفر ما استدل به من يرى كفره؛ لأن ما استدل به أولئك إما أن لا يكون فيه دلالة أصلاً، وإما أن يكون مقيداً بوصف لا يتأتى معه ترك الصلاة، أو مقيداً بحال يعذر فيها بترك الصلاة، أو عاماً مخصوصاً بأدلة تكفيره.
...
__________
(1) تقدم تخريجه ص68.
(12/137)

فإذا تبين كفره بالدليل السالم عن المعارض المقاوم وجب أن تترتب أحكام الكفر عليه، ضرورة أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً وبهذا يتبين:
المقام الثاني: وهو أن تارك الصلاة لا يحل أن يعقد له على امرأة مسلمة؛ لأنه كافر والكافر لا تحل له المرأة المسلمة بالنص والإجماع قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارلا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (1) . وقال في المغني 592/6: " وسائر الكفار غير أهل الكتاب لا خلاف بين أهل العلم في تحريم نسائهم وذبائحهم " قال: " والمرتدة يحرم نكاحها على أي دين كانت؛ لأنه لم يثبت لها حكم أهل الدين الذي إنتقلت إليه في إقرارها عليه ففي حلها أولى"، وقال في باب المرتد: " وإن تزوج لم يصح تزوجه لأنه لا يقر على النكاح، وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة ". وفي مجمع الأنهر للحنفية آخر باب نكاح الكافر ص302/ج1: " ولايصح تزوج المرتد ولا المرتدة أحداً لإجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ".
فأنت ترى أنه صرح بتحريم نكاح المرتدة، وأن نكاح المرتد غير صحيح فماذا يكون لو حصلت الردة بعد العقد؟ قال في المغني 298/6: " إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، ولم يرث أحدهما الآخر، وإن كانت ردته بعد الدخول ففيه روايتان: إحداهما تتعجل الفرقة، والثاني: تقف على انقضاء العدة "، وفي ص639 منه أن انفساخ النكاح بالردة قبل الدخول قول عامة أهل العلم واستدل له،
__________
(1) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(12/138)

وأن انفساخه في الحال إذا كان بعد الدخول قول مالك وأبي حنيفة، وتوقفه على انقضاء العدة قول الشافعي، وهذا يقتضي أن الأئمة الأربعة متفقون على انفساخ النكاح بردة أحد الزوجين، لكن إن كانت الردة قبل الدخول انفسخ النكاح في الحال، وإن كانت بعد الدخول فمذهب مالك وأبي حنيفة الانفساخ في الحال، ومذهب الشافعي الانتظار إلى انقضاء العدة، وعن أحمد روايتان كالمذهبين وفي ص640 منه: " وإن ارتد الزوجان معاً فحكمهما حكم ما لو ارتد أحدهما إن كان قبل الدخول تعجلت الفرقة، وإن كان بعده فهل تتعجل أو تقف على انقضاء العدة؟ على روايتين، وهذا مذهب الشافعي، ثم نقل عن أبي حنيفة أن النكاح لا ينفسخ استحساناً لأنه لم يختلف بهما الدين فأشبه ما لو أسلما، ثم نقض قياساً طرداً وعكساً.
وإذا تبين أن نكاح المرتد لا يصح من مسلم سواء كان أنثى أم رجلاً وأن هذا مقتضى دلالة الكتاب والسنة، وتبين أن تارك الصلاة كافر بمقتضى دلالة الكتاب، والسنة، وقول عامة الصحابة تبين أن الرجل إذا كان لا يصلي وتزوج امرأة مسلمة فإن زواجه غير صحيح، ولا تحل له المرأة بهذا العقد، وأنه إذا تاب إلى الله تعالى ورجع إلى الإسلام وجب عليه تجديد العقد.
وهذا بخلاف أنكحة الكفار حال كفرهم مثل أن يتزوج كافر بكافرة ثم تسلم الزوجة فهذا إن كان إسلامها قبل الدخول إنفسخ النكاح، وإن كان إسلامها بعده لم ينفسخ النكاح ولكن ينتظر فإن أسلم الزوج قبل انقضاء العدة فهي زوجته، وإن انقضت العدة قبل إسلامه فلا حق له فيها لأنه تبين أن النكاح قد انفسخ منذ أن أسلمت.
(12/139)

وقد كان الكفار في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسلمون مع زوجاتهم ويقرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أنكحتهم إلا أن يكون سبب التحريم قائماً مثل أن يكون الزوجان مجوسيين وبينهما رحم محرم فإذا أسلما حينئذ فرق بينهما لقيام سبب التحريم.وهذه المسألة ليست كمسألة المسلم الذي كفر بترك الصلاة ثم تزوج مسلمة، فإن المسلمة لا تحل للكافر بالنص والإجماع كما سبق ولو كان الكافر أصلياً غير مرتد، ولهذا لو تزوج كافر مسلمة فالنكاح باطل ويجب التفريق بينهما فلو أسلم وأراد أن يتزوجها لم يكن له ذلك إلا بعقد جديد.
المقام الثالث: في حكم أولاد تارك الصلاة من مسلمة تزوج بها فأما بالنسبة للأم فهم أولاد لها بكل حال، وأما بالنسبة للمتزوج فعلى قول من لا يرى كفر تارك الصلاة فهم أولاد يلحقون به بكل حال؛ لأن نكاحه صحيح، وأما على قول من يرى كفر تارك الصلاة وهو الصواب على ما سبق تحقيقه في – المقام الأول – فإننا ننظر:
فإن كان الزوج لا يعلم أن نكاحه باطل، أو لا يعتقد ذلك فالأولاد أولاده يلحقون به؛ لأن وطئه في هذه الحال مباح في اعتقاده فيكون وطء شبهة، ووطء الشبهة يلحق به النسب.
وإن كان الزوج يعلم أن نكاحه باطل ويعتقده فإن أولاده لا يلحقون به؛ لأنهم خلقوا من ماء من يرى أن جماعه محرم لوقوعه في امرأة لا تحل له.
هذا هو تحرير القول في هذه المسألة العظيمة التي ابتلي بها كثير من الناس اليوم.
(12/140)

والله نسأل أن يهيىء لنا من أمرنا رشدا، وأن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تم تحريره في الثالث عشر من شهر رجب سنة 1405 هـ بقلم محمد الصالح العثيمين.

-
(12/141)

فصل (1)
قال فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -:
الركن الثاني من أركان الإسلام إقام الصلاة وينبغي أيها المسلمون أن تعلموا أن الصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأن الله تعالى اعتنى بها اعتناءً عظيماً لم يعتن بأي ركن من أركان الإسلام العملية اعتناءه بها، حتى إنه تبارك وتعالى فرضها على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون واسطة، كلمه بها وبفرضيتها بدون واسطة، لم يرسل بها جبريل إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكنه فرضها عليه منه تعالى إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفرضها في أعظم ليلة كانت لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي ليلة المعراج التي هي أعظم ليلة كانت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفرضها أيضاًَ في أعلى مكان وصل إليه بشر، فرضها على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في السماء السابعة، يكلمه سبحانه وتعالى من فوق العرش يفرض عليه الصلاة.
إذاً هذه الصلاة متأكدة من حيث مكان فرضيتها، وزمان فرضيتها، وكيفية وحي الله بها إلى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم إنها مؤكدة بأن الله فرضها على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسين صلاة في اليوم والليلة، وهذا دليل على محبة الله لها، وأنها جديرة بأن يفني الإنسان معظم وقته فيها؛ لأن خمسين صلاة في اليوم والليلة تستوعب منا وقتاً كبيراً، وهذا دليل على أنها من أهم العبادات بل هي أهم العبادات بعد الشهادتين.
(12/142)

أيها الاخوة المسلمون: هذه الصلاة العظيمة التي فيها هذا الفضل والقدر وفيها هذه العناية من ربنا جل ذكره أضاعها كثير من المسلمين اليوم فصدق عليهم قول الله عز وجل: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (1) .
أضاعوها فلم يقوموا بواجبها، ولم يربوا أولادهم وأهلهم عليها، مع أن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (2) . ومع أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر " (3) .
ترى الواحد يخرج من بيته للمسجد وأولاده يلعبون في السوق لا يأمرهم بالصلاة وهم لسبع، ولا يضربهم عليها إذا بلغوا عشراً مع أهميتها وعظمها، حتى إن الصلاة لا تسقط عن الإنسان أبداً ما دام عاقلاً تجب عليه إذا كان قادراً أن يقيمها بأركانها وشروطها وواجباتها، وبما قدر عليه منها إن عجز حتى إنها لا تسقط عن المريض ما دام عقله ثابتاً.
أيها الاخوة المسلمون: يقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وتقيم الصلاة " (4) ، ولم يقل (وتصلي) وفرق بين قوله " تقيم الصلاة " وبين قوله: (وتصلي) لأنه لابد من إقامة الصلاة بأن يكون الإنسان مقيماً لها إقامة كاملة يأتي بها بشروطها وأركانها وواجباتها غير ناقص منها شيئاً، ونحن نتكلم هنا عن أوقات الصلاة فنقول: إن أوقات الصلاة مذكورة في كتاب الله
__________
(1) سورة مريم، الآية: 59.
(2) سورة التحريم، الآية: 6.
(3) تقدم تخريجه ص78.
(4) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة / باب وجوب الزكاة، ومسلم: كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان..
(12/143)

مجملة، وفي سنة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفصلة، أما إجمالها في القرآن ففي آيتين من كتاب الله يقول الله سبحانه وتعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ *وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ) (1) .ويقول سبحانه وتعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (2)
يقول الله سبحانه وتعالى: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) ، دلوك الشمس هو زوال الشمس (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) ، غسق الليل منتهى ظلمته وغاية ظلمته وذلك منتصف الليل، وعلى هذا فالصلاة من انتصاف النهار إلى انتصاف الليل كلها أوقات ممتدة يلي بعضها بعضاً لا يفصل بينها بشيء، ولذلك كان وقت صلاة الظهر كما جاء مبيناً مفصلاً في سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، بإسقاط فيء الزوال، وصلاة العصر من أن يصيرظل كل شيء مثله إلى أن تصفر الشمس، والضرورة إلى غروبها، وصلاة المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر، وصلاة العشاء من مغيب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل، ثم ينقطع وقت صلاة الفريضة، وما بين نصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتاً لصلاة مفروضة، وما ذهب إليه كثير من الفقهاء من أن وقت العشاء يمتد إلى الفجر لا دليل عليه من القرآن ولا من السنة، فالقول الصواب أن وقت العشاء ينتهي بمنتصف الليل، وأن ما بعد منتصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتاً لصلاة مفروضة، وإنما هو وقت لصلاة الليل، ثم بعد ذلك يدخل وقت صلاة الفجر ويبدأ من طلوع الفجر إلى شروق
__________
(1) سورة الروم، الآيتان: 17، 18.
(2) سورة الإسراء، الآية: 78..
(12/144)

الشمس ولهذا فصل الله بينه وبين ما قبله فقال: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (1) . ففصل قراءت الفجر عن ما قبله، وذلك لأن بينه وبين العشاء وقت – من منتصف الليل إلى طلوع الفجر – وبينه وبين الظهر وقت – من طلوع الشمس إلى زوالها – هذه الأوقات الخمسة، لا يجوز لأحد أن يصلي الصلاة قبل وقتها، ومن صلى الصلاة قبل وقتها فلا صلاة له، فإذا علم أنه صلاها قبل الوقت فإن الواجب أن يعيدها عند حضور وقتها.
ومثال ذلك: صليت الفجر قبل وقته وظننت أنه دخل وقته ثم تبين لك أن وقت الفجر لم يطلع فالواجب أن تعيد الصلاة في وقتها؛ لأن من صلى الصلاة قبل وقتها صارت نافلة لا تسقط بها الفريضة، إذا كان جاهلاً، أما إذا كان متعمداً فإنه آثم ولا تسقط بها الفريضة ولا يثبت بها أجر النافلة، كذلك أيضاً من أخر الصلاة عن وقتها حتى خرج وقتها فإنه لا صلاة له ولا تقبل منه إلا إذا كان معذوراً، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة له إلا ذلك " (2) . هذا في حق المعذور، أما الإنسان المتهاون الذي تهاون حتى خرج وقت الصلاة فإنه وإن صلاها لا تقبل منه الصلاة أبداً؛ لأنه أخرجها عن وقتها المحدد فيكون قد عملها على غير الوجه الذي أمر الله به ورسوله. وقد ثبت عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (3) . إلا أنه يجوز للإنسان المعذور أن يجمع بين الصلاتين فيجمع بين صلاة الظهر وصلاة العصر جمع تقديم أو تأخير حسب ما هو أيسر له إذا
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 78.
(2) تقدم تخريجه ص16.
(3) تقدم تخريجه ص21.
(12/145)

كان معذوراً، وكذلك يجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير إذا كان معذوراً، والأفضل له أن يفعل ما هو أيسر.
فإذا كان الأيسر عليه جمع التقديم فإنه يجمع جمع تقديم، وإذا كان أيسر جمع جمع تأخير، ونضرب لذلك مثلاً: رجل مريض يشق عليه أن يتوضأ لكل صلاة فنقول له: لا بأس أن تجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم أو تأخير، ولا بأس أن تجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا زالت الشمس وهو في مكان صلى الظهر والعصر ثم ارتحل، وإذا كان مرتحلاً قبل زوال الشمس فإنه يؤخر الظهر ويصليها مع العصر (1) .
وها هنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي: أن بعض الناس يظنون أنه إذا جاز الجمع للمريض أو المسافر فإنه لابد أن يجمع بين الصلاتين في وسطهما أي في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر وهذا ليس بشيء وليس بصحيح، بل أن الإنسان إذا جاز له أن يجمع بين الصلاتين فإنه إن شاء جمع في وقت الأولى، أو في أول وقت الثانية، أو في أخر وقت الثانية، أو في ما بينهما، والمهم أنه إذا جاز الجمع صار الوقتان وقتاً واحداً، ومن المعلوم أن الجمع إنما يجوز بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، وأنه لا يمكن أن يجمع الإنسان بين الصلوات الأربع الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء جميعاً.
ومما يتعلق بالوقت وأحكامه: أن المرأة إذا طهرت في آخر
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب تقصير الصلاة / باب إذا ارتحل بعدما زاغت الشمس، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين / باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر.
(12/146)

الوقت فإنه يجب عليها أن تصلي هذا الوقت الذي طهرت فيه مثال ذلك: امرأة طهرت من الحيض قبل غروب الشمس فإنه يجب عليها أن تصلي صلاة العصر، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه إذا طهرت قبل غروب الشمس وجب عليها صلاة العصر وصلاة الظهر أيضاً فإذا فعلت ذلك وصلت الظهر قبل العصر فإن ذلك خير، وإن لم تفعل واقتصرت على صلاة العصر فلا حرج عليها في ذلك لأنها لم تدرك إلا وقت العصر.
ولو أن امرأة أتاها الحيض بعد دخول الوقت فإنه يجب عليها أيضاً أن تقضي ذلك الفرض الذي دخل وقته عليها وهي طاهرة.
مثال آخر: امرأة حاضت بعد غروب الشمس بدقيقة واحدة قيل يجب عليها إذا طهرت أن تصلي صلاة المغرب؛ لأنها أدركت وقتها ولكن الصواب أنه لا تجب عليها الصلاة إلا إذا أدركت من وقتها مقدار ركعة، وأنها إذا أدركت أقل من ركعة لم تجب عليها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (1) . فعلى هذا إذا حاضت المرأة بعد غروب الشمس بنحو دقيقة فإنه لا يجب عليها صلاة المغرب لأنها لم تدرك من وقتها مقدار ركعة.
ومن شروط الصلاة: استقبال القبلة لأن الله تعالى قال للرسول عليه الصلاة والسلام: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَه) (2) . فالواجب في استقبال القبلة إذا كان الإنسان هنا في
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة / باب من أدرك من الصلاة ركعة، ومسلم: كتاب المساجد / باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة.
(2) سورة البقرة، الآية: 144.
(12/147)

المسجد الحرام، أو في مكان يشرف على الكعبة الواجب عليه أن يستقبل نفس بناية الكعبة بجميع بدنه، وهنا نشاهد من المصلين اناساً كثيرين لا يستقبلون القبلة تجدهم يكون الصف ممتداً ويكون اتجاهه إلى غير الكعبة وهذا خطأ عظيم، الإنسان الذي في المسجد الحرام يجب أن يتجه بجميع بدنه إلى بناية الكعبة لا يخرج بشيء من بدنه عن بناية الكعبة؛ لأنه أمكنه مشاهدتها، ومن أمكنه مشاهدتها وجب عليه استقبال عينها، أما إذا كان لا يمكنه مشاهدتها فإنه يكفي أن يستقبل جهتها لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي أيوب رضي الله عنه: " إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا " (1) .
فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أهل المدينة أن يشرقوا أو يغربوا عند قضاء الحاجة لأجل ألا يستقبلوا القبلة أو يستدبروها، فدل هذا على أن قبلة أهل المدينة الجنوب كل الجنوب من طرفه إلى طرفه فيكون فرضهم استقبال الجهة، وهكذا أيضاً من لم تمكنه مشاهدة الكعبة فإنه يجب عليه استقبال جهتها، ولهذا قال بعض أهل العلم من كان في المسجد استقبل عين الكعبة، ومن كان خارج المسجد استقبل المسجد، ومن كان بعيداً استقبل مكة، ومن كان أبعد استقبل الجهة، ولكن هذا التفصيل ليس عليه دليل، ولكن المهم أن من أمكنه أن يشاهد الكعبة وجب عليه استقبالها ومن لم يمكنه وجب عليه استقبال جهتها.
وأنا أحذر كثيراً من المصلين الذين يصلون في المسجد الحرام
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء / باب لا تستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء: الجدار أو نحوه، ومسلم: كتاب الطهارة / باب الاستطابة.
(12/148)

من أنهم لا يستقبلون الكعبة عن يمينهم أو عن يسارهم ولا يستقبلون عينها وهذا
خطأ عظيم لا تصح معه الصلاة.
والله الموفق.

-
(12/149)

رسالة
قال فضيلة الشيخ جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً:
الصلاة: هي الركن الثاني من أركان الإسلام وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين.
الصلاة: صلة بين العبد وبين ربه، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن أحدكم إذا صلى يناجي ربه " (1) . وقال الله تعالى في الحديث القدسي: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى أثني علي عبدي. وإذا قال مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي. فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل (2) .
الصلاة: روضة عبادات فيها من كل زوج بهيج، تكبير يفتتح به الصلاة، وقيام يتلو فيه المصلي كلام الله، وركوع يعظم فيه الرب، وقيام من الركوع يملؤه بالثناء على الله، وسجود يسبح الله تعالى فيه بعلوه ويبتهل إليه بالدعاء، وقعود للدعاء والتشهد، وختام بالتسليم.
...
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة / باب المصلي يناجي ربه عز وجل.
(2) تقدم تخريجه ص 150.
(12/150)

الصلاة: عون في المهمات ونهي عن الفحشاء والمنكرات، قال الله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (1) . وقال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (2) .
الصلاة: نور المؤمنين في قلوبهم ومحشرهم، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الصلاة نور " (3) . وقال: " من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة " (4) .
الصلاة: سرور نفوس المؤمنين وقرة أعينهم، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " جعلت قرة عيني في الصلاة " (5) . ...
الصلاة: تمحى بها الخطايا وتكفر السيئات، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه (وسخه) شيء "؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: " فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا " (6) . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش الكبائر " (7) .

"
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 45.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 45.
(3) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء.
(4) تقدم تخريجه ص50.
(5) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " 3/199.
(6) خرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة / باب الصلوات الخمسة كفارة، ومسلم: كتاب المساجد / باب المشي إلى الصلاة..
(7) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة / باب الصلوات الخمس....
(12/151)

صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ". رواه ابن عمر عن النبي (1) . وقال ابن مسعود رضي الله عنه: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله تعالى شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف " (2) .
الخشوع في الصلاة (وهو حضور القلب) والمحافظة عليها من أسباب دخول الجنات، قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ *الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (3) .
الإخلاص لله تعالى في الصلاة وأدائها كما جاءت به السنة هما الشرطان الأساسيان لقبولها، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنما الأعمال بالنيات،
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الجماعة / باب فضل صلاة الجماعة، ومسلم: كتاب المساجد / باب فضل صلاة الجماعة.
(2) أخرجه مسلم: كتاب المساجد / باب صلاة الجماعة من سنن الهدى.
(3) سورة المؤمنون، الآيات: 1-11.
(12/152)

وإنما لكل امرىء ما نوى " (1) . وقال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (2) .
فتطهر من الحدث والنجاسة، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم استفتح، ثم اقرأ الفاتحة وما تيسر من القرآن ثم كبر حين تهوي للركوع واركع حتى تطمئن راكعاً، وقل سبحان ربي العظيم، ثم ارفع من الركوع قائلاً: سمع الله لمن حمده، وبعد القيام ربنا ولك الحمد، واطمئن قائماً، ثم كبر حين تهوي للسجود واسجد حتى تطمئن ساجداً على الأعضاء السبعة: الجبهة مع الأنف، والكفين والركبتين، وأطراف القدمين، وقل سبحان ربي الأعلى، ثم انهض مكبراً واجلس حتى تطمئن جالساً، وقل: رب اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني، ثم اسجد مكبراً حتى تطمئن ساجداً على الأعضاء السبعة وقل: سبحان ربي الأعلى، ثم ارفع مكبراً للركعة الثانية وافعل فيها كالأولى بدون استفتاح، ثم اجلس بعد انتهائها للتشهد ثم سلم.
وإن كنت في ثلاثية أو رباعية فقم بعد التشهد الأول وأتمها مقتصراً على الفاتحة، وإذا انتهيت من الصلاة فاستغفر الله ثلاثاً واذكر الله كما جاءت به السنة.
والله الموفق.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 13/4/1406 هـ
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب بدء الوحي / باب كيف كان بدء الوحي ... ، مسلم: كتاب الإمارة / باب قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنما الأعمال) .
(2) أخرجه البخاري: كتاب الآذان / باب الآذان للمسافر إذا كانوا جماعة ...
(12/153)

رسالة
الحمد لله، وبعد فقد اطلعت على ما نشر في جريدة (.) الأثنين 22 من ذي القعدة عام 1417 هـ حول الفتوى الصادرة مني في امرأة تسأل عن زوجها الذي لا يصلي صلاة الجمعة ولا مع الجماعة مع أنه يصلي الأوقات التي تحضره وهو في البيت فإنه يأتي ويقول إني صليت، والله أعلم، فما الحكم هل تبقى معه الزوجة أم تطلب الطلاق؟ اهـ.
وكانت الإجابة: هذا الزوج لا يخرج من الإسلام لأنه لم يترك الصلاة كلياً، لكنه - والعياذ بالله - من أفسق الناس، وفعله هذا أعظم من فعل الفواحش، فإن تمكنت من مفارقته فهو أولى إلا أن يهديه الله تعالى ويتوب، أما إن كان لا يصلي أبداً فإنه لا يجوز لها أن تبقى معه؛ لأنها حرام عليه حينئذ؛ لأن الذي لا يصلي يعتبر كافراً، والمؤمنة لا تحل لكافر. عليك أن تنصحيه وأن تهدديه بطلب الطلاق لعل الله يهديه. اهـ.
وكان الخطأ الذي اقتضى ما نشر هو أن السؤال كتب هكذا: لا يصلي صلاة الجماعة ولا مع الجماعة. والصواب لا يصلي صلاة الجمعة. وحقيقة حال الزوج حسب السؤال:
1 - أنه لا يصلي الجمعة.
2 - أنه لا يصلي مع الجماعة.
3 - أنه يصلي الصلاة التي تحضره في البيت وأما خارجه فهو يقول إنه
(12/154)

صلى، والمرأة شاكة فيه وليس ذنبه أنه لا يصلي مع الجماعة فقط.
ومن المعلوم أن من علماء السلف من قال بأن من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى خرج وقتها فهو كافر مرتد نقله المنذري في الترغيب والترهيب عن أبي محمد ابن حزم قال -أي ابن حزم - وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفاً (1) . اهـ. وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه (2) . ومما لا شك فيه أن العمل الذي يكون به مرتداً أعظم من الفواحش الموجبة للفسق.
وللبيان حرر بقلم محمد الصالح العثيمين في 24/11/1417 هـ.
__________
(1) الترغيب والترهيب 1/266.
(2) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " 3/425.
(12/155)

صلى، والمرأة شاكة فيه وليس ذنبه أنه لا يصلي مع الجماعة فقط.
ومن المعلوم أن من علماء السلف من قال بأن من ترك صلاة واحدة متعمداً حتى خرج وقتها فهو كافر مرتد نقله المنذري في الترغيب والترهيب عن أبي محمد ابن حزم قال -أي ابن حزم - وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمداً حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد، ولا نعلم لهؤلاء من الصحابة مخالفاً (1) . اهـ. وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه (2) . ومما لا شك فيه أن العمل الذي يكون به مرتداً أعظم من الفواحش الموجبة للفسق.
وللبيان حرر بقلم محمد الصالح العثيمين في 24/11/1417 هـ.
__________
(1) الترغيب والترهيب 1/266.
(2) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " 3/425.
(12/156)

الأذان والإقامة
(12/157)

78) سئل فضيلة الشيخ: أيهما أفضل الأذان أم الإمامة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، والصحيح أن الأذان أفضل من الإمامة، لورود الأحاديث الدالة على فضله، مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا " (1) . وكقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة " (2) .
فإن قال قائل: الإمامة ربطت بأوصاف شرعية مثل " يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله " ومعلوم أن الأقرأ أفضل، فقرنها بأقرأ يدل على أفضليتها؟
فالجواب: أننا لا نقول لا أفضلية في الإمامة بل الإمامة ولاية شرعية ذات فضل، ولكننا نقول: إن الأذان أفضل من الإمامة لما فيه من إعلان ذكر الله تعالى وتنبيه الناس على سبيل العموم، ولأن الأذان أشق من الإمامة، وإنما لم يؤذن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلفاؤه الراشدون؛ لأنهم اشتغلوا بأهم من المهم، لأن الإمام يتعلق به جميع الناس فلو تفرغ لمراقبة الوقت لانشغل عن مهمات المسلمين.
* * *

79) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الإقامة للصلاة في حق المرأة؟
...
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأذان / باب الاستهام في الأذان، ومسلم: كتاب الصلاة / باب تسوية الصفوف....
(2) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة / باب فضل الأذان.
(12/159)

فأجاب قائلاً: لا حرج على المرأة أن تقيم الصلاة إذا كانت تصلي في بيتها، وإن لم تقم الصلاة فلا حرج عليها أيضاً، لأن إقامة الصلاة إنما تجب على جماعة الرجال، حتى الرجل المنفرد إذا صلى منفرداً فإن الإقامة لا تجب عليه، وإن أقام فهو أفضل، وإن لم يقم فلا حرج عليه.

* * *

80) وسئل فضيلته: عن حكم الأذان في حق المسافرين؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة محل خلاف، والصواب وجوب الأذان على المسافرين، وذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لمالك بن الحويرث وصحبه: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (1) . وهم وافدون على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مسافرون إلى أهليهم، ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يدع الأذان ولا الإقامة حضراً ولا سفراً، فكان يؤذن في أسفاره ويأمر بلالاً رضي الله عنه أن يؤذن.

* * *

81) وسئل حفظه الله: هل يلزم المسافر الأذان والإقامة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأذان للصلاة والإقامة لها لا يلزمك إن لم يوجد غيرك بل هما سنة لك، أما إذا كان معك أحد فالأذان والإقامة واجبان عليكما ففي صحيح البخاري عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: أتى رجلان إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يريدان السفر فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما " (2) . الحديث.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأذان / باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة، ومسلم: كتاب المساجد / باب من أحق بالإمامة.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الأذان / باب الأذان للمسافر....، ومسلم: كتاب المساجد / باب من أحق بالإمامة.
(12/160)

82) وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الأذان والإقامة للمنفرد؟
فأجاب بقوله: الأذان والإقامة للمنفرد سنة، وليسا بواجب؛ لأنه ليس لديه من يناديه بالأذان، ولكن نظراً لأن الأذان ذكراً لله عز وجل، وتعظيماً، ودعوة لنفسه إلى الصلاة وإلى الفلاح، وكذلك الإقامة كان سنة، ويدل على استحباب الأذان ما جاء في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " يعجب ربك من راعي غنم على رأس الشظية للجبل يؤذن للصلاة، فيقول الله: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم للصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة " (1) .

* * *

83) وسئل: إذا جمع الإنسان الظهر والعصر فهل لكل واحدة منهما إقامة؟ وهل للنوافل إقامة؟
فأجاب قائلاً: لكل واحدة إقامة، كما في حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حيث ذكر جمعه في مزدلفة قال: " أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء ولم يسبح بينهما " (2) .
وأما النوافل فليس لها إقامة.
* * *

84) وسئل قضيلة الشيخ: هل الأذان واجب على المنفرد؟ وما
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 4/145 و157، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب الأذان في السفر.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الحج / باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة،، ومسلم: كتاب الحج / باب الإفاضة من عرفات ...
(12/161)

صحة الاستدلال بحديث: " إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم " على وجوب الأذان والإقامة على المنفرد؟
فأجاب قائلاً: الأذان للمنفرد إذا كان في مكان ليس فيه مؤذنون مشروع، إما وجوباً، وإما استحباباً على قولين في ذلك هما روايتان عن الإمام أحمد.
وأما الاستدلال بحديث: " فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد فأقم " فيحتمل أن المراد بالتشهد ما يقال بعد الوضوء، والله أعلم.
* * *
85) وسئل فضيلة الشيخ: عن مسجد في مزرعة قريبة من البلد ويسمعون أذان البلد فهل يؤذنون؟
فأجاب بقوله: إذا كان للمسجد مؤذن معين من قبل الأوقاف فلا بأس به وإن كانوا يسمعون أذان البلد.
* * *
86) سئل فضيلة الشيخ: عن إمام دخل المسجد وقد أذن المؤذنون في البلد ولم يؤذن في مسجده فهل يؤذن أن يقيم مباشرة؟
فأجاب قائلاً: إذا دخل الإمام مسجداً لم يؤذن فيه فلا حرج أن يقيم الصلاة بدون أذان، لأن الأذان فرض كفاية، وقد حصل بأذان الآخرين في المساجد المجاورة.
أما إذا دخل الإمام مسجداً ليس حوله مؤذنون فإنه يؤذن، مثل رجل مسافر وكان حال الأذان في البر ولا يسمع النداء فدخل هو وأصحابه المسجد ليصلوا، ورأو الناس قد صلوا فإنه يحسن أن يؤذنوا ثم يقيموا، ولكن يكون الأذان بقدر ما يسمعون هم أنفسهم دون أن
(12/162)

يكون فيه مكبر صوت أو بصوت عال، لئلا يشوش على الناس.
* * *

87) وسئل فضيلة الشيخ: هل يجب الأذان للصلاة المقضية؟
فأجاب بقوله: إذا كان الإنسان في بلد قد أذن فيه للصلاة كما لو نام جماعة في البلد ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس فلا يجب عليهم الأذان اكتفاءً بالأذان العام في البلد؛ لأن الأذان العام في البلد حصل به الكفاية وسقطت به الفريضة.
أما إذا كان في مكان لم يؤذن فيه فالأذان واجب؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما نام عن صلاة الفجر في سفره ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الشمس أمر بلالاً أن يؤذن (1) وأن يقيم وهذا يدل على وجوبه، ولعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (2) . فإنه يشمل حضورها بعد الوقت وفي الوقت.
* * *
88) وسئل فضيلته عن حكم أخذ الأجرة على الأذان؟
فأجاب قائلاً: لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان لأنه قربة من القرب وعبادة من العبادات، والعبادات لا يجوز أخذ الأجرة عليها لقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (3) . ولأنه إذا أراد بالأذان
__________
(1) تقدم تخريجه ص27.
(2) تقدم تخريجه ص160.
(3) سورة هود، الآيتان: 15، 16
(12/163)

الدنيا بطل عمله، فلم يكن أذانه صحيحاً، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (1) إلا الرزق فلا يحرم أن يعطى المؤذن والمقيم عطاء من بيت المال وهو ما يعرف في وقتنا الحاضر بالراتب؛ لأن بيت المال إنما وضع لمصالح المسلمين، والأذان والإقامة من مصالح المسلمين.

* * *

89) وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته -: عن حكم أخذ المال على فعل الطاعات؟
فأجاب بقوله: العوض الذي يعطاه من قام بطاعة من الطاعات ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون ذلك بعقد أجرة مثل أن يتفق هذا العامل القائم بهذه الطاعة مع غيره على عقد إجازة ملزمة يكون فيها كل من العوضين مقصوداً، فالصحيح أن ذلك لا يصح كما لو قام أحد بالإمامة والأذان بأجرة، وذلك لأن عمل الآخرة لا يصح أن يكون وسيلة للدنيا؛ لأن عمل الآخرة أشرف وأعلى من أن يكون وسيلة لعمل الدنيا الذي هو أدنى، قال تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا *وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى *إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) (2) .
القسم الثاني: أن يأخذ عوضاً على هذا العمل على سبيل الجعالة مثل أن يقول قائل: من قام بالأذان في هذا المسجد فله كذا وكذا، أو من قام بالإمامة في هذا المسجد فله كذا وكذا فالصحيح من أقوال أهل
__________
(1) تقدم تخريجه ص21.
(2) سورة الأعلى، الآيات: 16-19.
(12/164)

العلم في هذه المسألة أن ذلك جائزاً؛ لأن هذا العمل ليس أجرة وليس ملزماً.
القسم الثالث: أن يكون العوض من بيت المال تبذله الدولة لمن قام بهذا العمل فهذا جائز ولا شك فيه؛ لأنه من المصارف الشرعية لبيت المال، وأنت مستحق له بمقتضى هذا العمل فإذا أخذته فلا حرج عليك، ولكن ينبغي أن يعلم أن هذه الأموال التي تباح لمن قام بهذه الوظائف لا ينبغي أن تكون هي مقصود العبد، فإنه إذا كانت مقصودة حرم الأجر، وأما إذا أخذها ليستعين بها على طاعة الله، وعلى القيام بهذا العمل فإنها لا تضره.
* * *

90) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم أخذ الأجرة على قراءة القرآن؟
فأجاب بقوله: قراءة القرآن بالأجرة حرام، لأن قراءة القرآن عمل صالح، والعمل الصالح لا يجوز أن يتخذ وسيلة للدنيا، فإن اتخذ وسيلة لها بطل ثوابه لقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (1) . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (2) . فقاريء القرآن لأخذ الأجرة ليس له ثواب عند الله
__________
(1) سورة هود، الآيتان: 15، 16.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان / باب ما جاء إن الأعمال بالنية والحسبة، ومسلم: كتاب الإمارة / باب قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنما الأعمال بالنيات ".
(12/165)

وعلى هذا فلا ينتفع الميت بقراءته.

* * *
91) وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز أذان حالق اللحية إذا كان حسن الصوت؟
فأجاب قائلاً: نقول في هذا: إن أذان حالق اللحية صحيح؛ لأنه أداه على الوجه الذي جاء به الشرع، فإذا كان يؤدي الأذان أداءً صحيحاً سليماً فلا بأس.
وإنني بهذه المناسبة أحب أن أنبه على بعض الأخطاء في الأذان:
1 - فمن ذلك: لو قال المؤذن: " آلله أكبر " بمد الهمزة، فأذانه غير صحيح؛ لأنه إذا مد الهمزة فهو يستفهم قال الله: (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) (1) . فهذا الأذان لا يصح من أي إنسان.
2 - ولو قال مؤذن: " الله أكبار " لم يصح أذانه؛ لأن أكبار جمع كبر والكبرالطبل
3 - ولو قال: " أشهد أنِ لا إله إلا الله " قلنا الصواب أن تقول " أنْ لا إله إلا الله " بسكون النون مدغمة، ف (أنْ) هنا مخففة من الثقيلة، وإذا خففت وهي ساكنة ووليتها اللام فإنها تدغم في اللام فيقال أشهد ألاإله إلا الله.
4 - وإذا استمعنا إلى أذان كثير من الناس نجدهم يقولون " أشهد أن محمداً رسولَ الله " بفتح اللام.
فإذا قيل: هل هناك مخرج يمكن أن نتخرج به، حتى لا نبطل أذان كثير من المؤذنين؟
__________
(1) سورة يونس، الآية: 59.
(12/166)

قلنا: نعم اللغة العربية - والحمد لله - واسعة ففيه لغة عربية صحيحة تنصب الجزئين مع " أن " و" إن " تنصب المبتدأ والخبر فتقول إن زيداً قائماً، ومنه قول الشاعر عمر بن أبي ربيعة:
إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافاً إن حراسنا أسدا
ولو جاء على اللغة المشهورة لقال: " أن حراسنا أسدٌ " بضم أُسد، فما دمنا وجدنا مخرجاً في اللغة العربية لتصحيح أذان المؤذنين فنصححه.
على أن المؤذن لو سألته: ماذا تعني بقول أشهد أن محمداً رسولَ الله؟ لقال أعني أن محمداً رسول الله.
5 - وإذا قال المؤذن " الله وكبر " أي يجعل الهمزة واواً فنقول هذا جائز في اللغة العربية، فإذا وقعت الهمزة بعد ضم جائز قلبها واواً وعلى هذا فالذين يقولون " الله وكبر " أذانهم صحيح، على أن الأولى أن يقولوا " الله أكبر " بتحقيق الهمزة. والمهم أن أذان حالق اللحية، وشارب الدخان وما أشبههم ممن يصرون على المعاصي أذانهم صحيح ما داموا يأتون به على الوجه السليم الذي لا يتغير به المعنى.
* * *
92) وسئل فضيلته: إذا حضرت الصلاة في حال الحرب فهل يرفع المؤذن صوته علماً بأن العدو إذا سمع الأذان اكتشف الموقع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأذان يكفي أن يسمعه من أُذن له، فإذا رفع صوته بقدر ما يسمعه الحاضرون فقد أجزأ.
ولا يجوز أن يرفع صوته بالأذان ليدل العدو على مكانه؛ لأن هذا
(12/167)

من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة.

* * *
93) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم وضع مكبر الصوت في المنارة للتأذين به؟
فأجاب جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً بقوله: لا نرى بأساً بوضع مكبر الصوت الذي يسمى (الميكرفون) في المنارة للتأذين به، وذلك لما يشتمل عليه من المصالح الكثيرة، وسلامته من المحذور، ويدل على ذلك أمور:
الأول: أنه مما خلق الله تعالى لنا في هذه الأرض، وقد قال الله تعالى ممتناً على عباده بإباحته لهم جميع ما في الأرض، وتسخيره لهم ما في السماوات والأرض (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) (1) . وقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) (2) . ولا ينبغي للعبد أن يرد نعمة الله عليه فيحرم نفسه منها بغير موجب شرعي فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (3) ويقول راداً على من يحللون ويحرمون بأهوائهم: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (4) . ويقول ناهياً عن ذلك: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 29.
(2) سورة الجاثية، الآية: 13.
(3) سورة المائدة، الآية: 87.
(4) سورة الأعراف، الآية: 32.
(12/168)

عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) (1) . وإذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال كما ثبت عنه في صحيح مسلم في شأن البصل والكراث " إنه ليس لي تحريم ما أحل الله " (2) ، فكيف يجوز لغيره أن يحرم ما أحل الله؟!
فإن قال قائل: إن الميكرفون حرام.
قلنا له: ليس لك أن تحرم شيئاً إلا بدليل، ولا دليل لك على تحريمه، بل الدليل كما أثبتنا يدل على حله لأنه مما خلق الله لنا في الأرض وقد أحله لنا كما تفيده الآية السابقة (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) (3) .
الثاني: أن من القواعد المقررة عند أهل العلم أن " الأصل في الأعيان والمنافع الحل والإباحة إلا ما قام الدليل على تحريمه "، وهذه القاعدة مستمدة من نصوص الكتاب، والسنة.
أما الكتاب: فمن قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعا) (4) .
وأما السنة فمن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها " (5) وأخبر أن " ما سكت عنه فهو عفو " (6) .
__________
(1) سورة النحل، الآية: 116.
(2) أخرجه مسلم: كتاب المساجد / باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً ".
(3) سورة البقرة، الآية: 29.
(4) سورة البقرة، الآية: 29.
(5) أخرجه البيهقي في " السنن " 10/30، وقال النووي في " الأربعين ": " حديث حسن ".
(6) أخرجه الحاكم في " المستدرك " 2/407، وصححه ووافقه الذهبي، والهيثمي في " المجمع " 7/55 وقال: رجاله ثقات.
(12/169)

والميكرفون مما خلق الله تعالى في الأرض، وسكت عنه فيكون عفواً مباحاً.
الثالث: أن قاعدة الشرع الأساسية جلب المصالح ودفع المفاسد والميكرفون يشتمل على مصالح كالمبالغة برفع الصوت بتكبير الله تعالى وتوحيده، والشهادة لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرسالة، والدعوة إلى الله خصوصاً، وإلى الفلاح عموماً، ومن مصالحه تنبيه الغافلين، وإيقاظ النائمين، ومع هذه المصالح ليس فيه مفسدة تقابل أو تقارب هذه المصالح بل ليس فيه مفسدة مطلقاً فيما نعلم.
الرابع: أن من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية أن الوسائل لها أحكام المقاصد، والميكرفون وسيلة ظاهرة إلى إسماع الناس الأذان والدعوة إلى الصلاة، وإبلاغهم ما يلقى فيه من خطب ومواعظ، وإسماع الناس الأذان، والدعوة إلى الصلاة، وإبلاغهم المواعظ والخطب من الأمور المأمور بها بإجماع أهل العلم، فما كان وسيلة إلى تعميمها وإيصالها إلى الناس كان مأموراً بها أيضاً.
الخامس: أن أهل العلم قالوا: ينبغي أن يكون المؤذن صيتاً أي: رفيع الصوت ليكون أشمل لإبلاغ الأذان، وقد روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي رأي في المنام من يعلمه الأذان: " أذهب فألقه على بلال فإنه أندى منك صوتاً " (1) . فدل هذا على طلب علو الصوت في الأذان، والميكرفون من وسائله بلا شك فيكون مطلوباً.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 4/43، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب كيف الأذان (499) ، والترمذي: أبواب الصلاة / باب ما جاء في بدء الأذان (189) ، وابن ماجه: كتاب الأذان / / باب بدء الأذان (706) ، وقال الترمذي: حديث صحيح
(12/170)

السادس: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يتحرى من كان عالي الصوت في إبلاغ الناس كما أمر أبي طلحة أن ينادي عام خيبر: " إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس " (1) ، وكما أمر العباس أن ينادي في الناس بأعلى صوته حين انصرفوا في حنين يقول مستحثاً لهم على الرجوع: " يا أصحاب السمرة، يا أصحاب صورة البقرة، أو يا أهل " (2) . وهذا يدل على التماس ما هو أبلغ في إيصال الأحكام الشرعية والدعوة إلى الله تعالى. ولقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب الناس على راحلته ليكون أبلغ في إيصال صوته.
السابع: أن الميكرفون آلة لتكبير الصوت وتقويته فكيف نقول إنه محرم ولا نقول إن نظارة العين التي تقوي النظر وتكبر الحرف إنها محرمة؟! هذه تكبر الحرف وتقوي نظر العين، وذاك يقوي الصوت ويضخم الكلمات ولا فرق بين الأمرين.
وأما توهم بعض الناس أن الميكرفون لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فنقول: ما أكثر الأشياء التي وجدت بعد عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأجمع المسلمون على جوازها، فإن تدوين السنة وتصنيفها في الكتب لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يعارض في جواز ذلك إلا نفر قليل من الصدر الأول خوفاً من اختلاطها بالقرآن، ثم انعقد الإجماع على الجواز بعد ذلك، وبناء المدارس لم يكن معروفاً على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد أجمع المسلمون على جوازه، وتصنيف الكتب في علم التوحيد
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الذبائح والصيد / باب لحوم الحمر الإنسية، ومسلم: كتاب الصيد والذبائح / باب تحريم أكل لحوم الحمر الإنسية.
(2) أخرجه مسلم: كتاب الجهاد / باب في غزوة حنين.
(12/171)

والفقه وغيرها لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد أجمع المسلمون على جوازه، والمطابع التى تطبع الكتب لم تكن معروفة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد أجمع المسلمون من بعد حدوثها على جواز طباعة كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكلام أهل العلم في التفسير وشرح السنة، وعلم التوحيد، والفقه وغيرها بهذه المطابع، ولم يقل أحد إنا لا نطبع بها لأنها لم تكن موجودة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثامن: أن الميكروفون يستعمل في أفضل المساجد المسجد الحرام ومسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما علمنا أن أحداً ممن يقتدي به من أهل العلم عارض ذلك أو أنكر على ولاة الأمور، وهذا أمر واضح ولله الحمد، ولا حرج عليكم في استعمال الميكروفون في المنارة للتأذين به، وإذا كان أحد من الإخوان يكرهه فلا ينبغي أن يحرمه على غيره كما قال البراء بن عازب رضي الله عنه لمن قال إنه يكره أن يكون في أذن الأضحية أو قرنها نقص فقال له البراء: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على غيرك. والله الموفق. في 13/6/1399 هـ.

* * *
(12/172)

فائدة (1)
صفات الأذان والإقامة عند العلماء:
قال الإمام أحمد: الأذان خمس عشرة جملة، أربع تكبيرات في أوله، وشهادة الوحدانية لله تعالى، والرسالة لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مثنى مثنى، بدون ترجيع وحيعلة الصلاة مرتين، وحيعلة الفلاح مرتين، وتكبيرتان ولا إله إلا الله.
ومذهب الشافعي كمذهب أحمد، لكن يرجع الشهادتين في الأذان خاصة بأن يأتي بهما خافضاً صوته جميعاً ثم يعيدهما رافعاً صوته، وليس كما نقل عنه يخفض شهادة التوحيد أولاً ثم يأتي بها رافعاً صوته ثم يأتي بشهادة الرسالة كذلك.
وعلى هذا يكون الأذان تسع عشرة جملة.
ومذهب مالك كمذهب الشافعي في الأذان إلا أن التكبير في أوله مرتان فقط، فيكون الأذان سبع عشرة جملة.
أما الإقامة فهي وتر في جميع جملها ما عدا التكبير فمثنى فتكون عشر جمل، الله أكبر مرتين، الشهادتان والحيعلتان وقد قامت الصلاة مرة مرة الله أكبر مرتين لا إله إلا الله.
ومذهب أبي حنيفة كمذهب أحمد في الأذان فيكون خمس عشرة جملة غير مرجع.
وأما الإقامة فهي كالأذان عنده بزيادة قد قامت الصلاة مرتين فتكون سبع عشرة جملة. وذكر في شرح المهذب ص100 ج 3 أقوالاً للشافعية في الإقامة:
__________
(1) انظر المنتقى من فرائد الفوائد لفضيلة الشيخ ص221.
(12/173)

منها: أن يكون تسع جمل بإفراد كل جملها ما عدا التكبير في أولها فمرتين.
ومنها: أن تكون ثماني جمل بإفراد جميع جملها.
قلت: وحديث أنس " أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة " (1) . يدل على أن الأذان مثنى مثنى في تكبيره، وتشهده وحيعلته ما عدا التوحيد في آخره فهو مرة ليقطع على وتر، وأن الإقامة مرة مرة ما عدا قد قامت الصلاة.
ويؤيده ما ذكره في شرح المهذب ص102 ج3 عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: " إنما كان الأذان على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، غير أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة " (2) . رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح فإن كان أحد من أهل العلم قال بذلك فهو أقرب الأقوال إلى الصواب وإلا فلا يمكن الخروج عما أجمعت عليه الأمة. والله أعلم.
* * *
94) وسئل فضيلته: عن حكم من قدم (حي على الفلاح) على (حي على الصلاة) في الأذان مع الدليل؟
فأجاب قائلاً: يجب عليه إذا قدم (حي على الفلاح) على (حي على الصلاة) أن يعيد (حي على الفلاح) بعد (حي على الصلاة) لأنه
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأذان / باب الأذان مثنى مثنى ن ومسلم: كتاب الصلاة / باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة.
(2) أخرجه الإمام أحمد 2/85 و87، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب في الإقامة (510) ، والنسائي: كتاب الأذان / باب تثنية الأذان (627) .
(12/174)

يشترط في الأذان الترتيب، فإن الأذان ورد على هذه الصفة مرتباً فإذا نكسه الإنسان فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (1) .
* * *
95) وسئل فضيلته: هل يلتفت المؤذن يميناً ل (حي على الصلاة) في المرة الأولى، وشمالاً للمرة الثانية، ويميناً ل (حي على الفلاح) في المرة الأولى وشمالاً للمرة الثانية، أو يلتفت يميناً لحي على الصلاة، وشمالاً ل (حي على الفلاح) ؟
فأجاب بقوله: قيل: إنه يلتفت يميناً ل (حي على الصلاة) في المرتين جميعاً، وشمالاً ل (حي على الفلاح) للمرتين جميعاً.
وقال بعضهم: يلتفت يميناً ل (حي على الصلاة) في المرة الأولى، وشمالاً للمرة الثانية، و (حي على الفلاح) يميناً للمرة الأولى وشمالاً للمرة الثانية ليعطي كل جهة حظها من (حي على الصلاة) و (حي على الفلاح) ، ولكن المشهور وهو ظاهر السنة أنه يلتفت يميناً ل (حي على الصلاة) في المرتين جميعاً وشمالاً ل (حي على الفلاح) في المرتين جميعاً، ولكن يلتفت في كل الجملة وما يفعل بعض المؤذنين أنه يقول: حي على ثم يلتفت لا أصل له.

* * *

96) سئل فضيلته: إذا كان المؤذن يؤذن عبر مكبر صوت فهل يلتفت عند حي على الصلاة، حي على الفلاح؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص21.
(12/175)

فأجاب بقوله: إذا كان المؤذن يؤذن عبر مكبر الصوت فإنه لا يلتفت لحي على الصلاة، وحي على الفلاح، لأنه يضعف الصوت.
* * *
97) وسئل فضيلة الشيخ: إذا نسي المؤذن قول " الصلاة خير من النوم " فما الحكم؟
فأجاب قائلاً: إذا نسي المؤذن قول " الصلاة خير من النوم " فإن المعروف عند أهل العلم أن أذانه صحيح لأن قول " الصلاة خير من النوم " في أذان الفجر سنة وليس بواجب بدليل أن عبد الله بن زيد رضي الله عنه لما رأى الأذان في المنام لم تكن فيه هذه الجملة " الصلاة خير من النوم " فيكون قولها ليس بشرط إن قالها الإنسان في أذان الفجر الذي يكون بعد طلوع الفجر فهو أفضل، وإن لم يقلها فلا حرج.
* * *
98) وسئل فضيلته: كلمة (الصلاة خير من النوم) هل هي في الأذان الأول أو في الأذان الثاني؟
فأجاب بقوله: كلمة (الصلاة خير من النوم) في الأذان الأول كما جاء في الحديث: " فإذا أذنت أذان الصبح الأول فقل: (الصلاة خير من النوم) " (1) . فهي في الأذان الأول، لا الثاني.
ولكن يجب أن يُعلم ما هو الأذان الأول في هذا الحديث؟
هو الأذان الذي يكون بعد دخول الوقت، والأذان الثاني هو الإقامة؛ لأن الإقامة تسمى (أذاناً) قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بين كل أذانين صلاة " (2) .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 3/408.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الأذان / باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين / باب بين كل أذانين صلاة.
(12/176)

والمراد: الأذان والإقامة.
وفي صحيح البخاري أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان زاد الأذان الثالث في الجمعة.
إذن الأذان الأول الذي أمر فيه بلال أن يقول: (الصلاة خير من النوم) هو الأذان لصلاة الفجر.
أما الأذان الذي قبل طلوع الفجر، فليس أذاناً للفجر، فالناس يسمون أذان آخر الليل الأذان الأول لصلاة الفجر، والحقيقة أنه ليس لصلاة الفجر، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم " (1) . أي لأجل النائم يقوم ويتسحر، والقائم يرجع ويتسحر.
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضاً لمالك بن الحويرث: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (2) . ومعلوم أن الصلاة لا تحضر إلا بعد طلوع الفجر. إذن الأذان الذي قبل طلوع الفجر ليس أذاناً للفجر.
وعليه فعمل الناس اليوم وقولهم (الصلاة خير من النوم) في الأذان الذي للفجر هذا هو الصواب.
وأما من توهم بأن المراد بالأذان الأول في الحديث هو الأذان الذي قبل طلوع الفجر، فليس له حظ من النظر.
قال بعض الناس: الدليل أن المراد به الأذان الذي يكون في آخر الليل لأجل صلاة النافلة أنه يقال: (الصلاة خير من النوم) وكلمة (خير)
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأذان / باب الأذان قبل الفجر، ومسلم: كتاب الصيام / باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل....
(2) تقدم تخريجه ص160.
(12/177)

تدل على الأفضل.
فنقول: إن كلمة (خير) تكون في الشيء الواجب الذي هو من أوجب الواجبات، مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ *تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (1) . مع أنه إيمان. وقال تعالى في صلاة الجمعة:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) (2) .
فالخيرية تكون في الواجب وتكون في المستحب.

* * *

99) سئل فضيلته: هل يكتفى بالأذان الأول لصلاة الفجر؟
فأجاب بقوله: لا يكتفى بالأذان الأول لصلاة الفجر؛ لأن أذان الصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (3) . والصلاة لا تحضر قبل دخول وقتها.

* * *

100) وسئل فضيلة الشيخ: عن قول المؤذن في أذان الفجر: " الصلاة خير من النوم " هل هو مشروع؟
فأجاب قائلاً: قول المؤذن " الصلاة خير من النوم " في أذان الفجر يقال له (التثويب) وقد اختلف أهل العلم في مشروعيته:
فمنهم من قال: إنه مشروع. ومنهم من قال إنه بدعة.
__________
(1) سورة الصف، الآيتان: 10،11.
(2) سورة الجمعة، الآية: 9.
(3) تقدم تخريجه ص160.
(12/178)

والصواب: أنه مشروع في الأذان لصلاة الفجر لكثرة الأحاديث الواردة فيه وهي وإن كانت لا تخلو من مقال فمجموعها يلحق الحديث بالحجة والاستدلال، وقد ورد التثويب في أذان بلال، وأذان أبي محذورة:فأما حديث بلال فرواه الإمام أحمد من حديث سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه وفيه أن بلالاً دعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات غداة إلى الفجر فقيل: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نائم قال: فصرخ بلال بأعلى صوته:" الصلاة خير من النوم " قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر " (1) ، وأما حديث أبي محذورة فرواه أبو داود عنه أنه قال: يا رسول الله! علمني الأذان فذكر الحديث، وفيه بعد ذكر حي على الفلاح " فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم " (2) ، وفي رواية في هذا الحديث: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح " وفي أخرى: "فإذا أذنت بالأول من الصبح فقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم " (3) ، وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: " من السنة إذا قال المؤذن في الفجر حي على الفلاح قال الصلاة خير من النوم ".
فهذه الأحاديث تبين أن التثويب مشروع في الأذان لصلاة الفجر والأذان لصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها وحضورها لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمالك بن الحويرث: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 4/24.
(2) أخرجه الإمام أحمد 3/408، وأبو داود: كتاب الصلاة /باب كيف الأذان (501) ، والنسائي: كتاب الأذان / باب الأذان في السفر (632) .
(3) تقدم تخريجه ص176.
(12/179)

أحدكم " (1) . وعلى هذا فالأذان لصلاة الصبح لا يكون إلا بعد دخول وقتها، أما الأذان قبل الفجر الذي حصل من بلال – رضي الله عنه – أيام الصيام فليس أذاناً لصلاة الفجر بل هو كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يمنعن أحدكم أو أحد منكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن، أو ينادي بليل ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم ". رواه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود (2) – رضي الله عنه – فبين صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنصه الصريح أن الأذان قبل الفجر ليس لصلاة الفجر وإنما هو لإرجاع القائم وتنبيه النائم، فلا ينبغي أن ينسب لصلاة الفجر، وعلى هذا فالتثويب في أذان صلاة الفجر إنما يكون في الأذان الذي بعد دخول الوقت؛ لأنه هو أذان صلاة الفجر، أما ما كان قبل وقتها فليس أذاناً لها وإن سماه بعض الناس الأذان الأول للفجر، وأما تقييد الأذان بالأول أو بالأولي في بعض روايات حديث أبي محذورة – رضي الله عنه – فلا يتعين أن المراد به ما قبل الفجر؛ لأنه يحتمل أنه وصف بكونه أولاً بالنسبة إلى الإقامة فإن الإقامة يطلق عليها اسم الأذان إطلاقاً تغليبياً كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بين كل أذانين صلاة " (3) . أي بين كل أذان وإقامة. أو إطلاقاً مجازياً أو حقيقياً باعتبار معنى الأذان العام لغة كما في صحيح البخاري عن السائب بن يزيد – رضي الله عنه – قال: " إن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان – رضي الله عنه – حين كثر أهل المدينة ". الحديث.
وليس في الجمعة سوى أذانين وإقامة، فسمى الإقامة أذاناً إما تسمية مجازية أو حقيقية باعتبار معنى الأذان العام لغة، فإن الأذان في اللغة الإعلام، والإقامة إعلام
__________
(1) تقدم تخريجه ص160.
(2) تقدم تخريجه ص177.
(3) تقدم تخريجه ص176.
(12/180)

بالقيام إلى الصلاة.
ويؤيد هذا الاحتمال أنه لم ينقل أن أبا محذورة كان يؤذن للفجر مرتين مرة قبله ومرة بعده. ثم رأيت في صحيح البخاري في (باب من انتظر الإقامة) حديث عائشة – رضي الله عنها – رقم 626 / 109 فتح أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر. ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة (1) وهذا يؤيد ما ذكرته من الاحتمال. وفي صحيح مسلم في (باب صلاة الفجر) عنها – رضي الله عنها – قالت: كان ينام أول الليل ويحيي آخره. وفيه: فإذا كان عند النداء الأول قالت: وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلى الركعتين (2) ، صحيح مسلم 1/ 510، والمراد بالنداء الأول أذان الفجر كما دلت عليه روايات أخرى لمسلم 1/508 –509.
وبسلوك هذا الاحتمال تجتمع الأدلة ويحصل الائتلاف بينها حيث يكون حديث أبي محذورة موافقاً لحديث مالك بن الحويرث الدال على أنه لا يؤذن للصلاة إلا عند حضورها بدخول وقتها، ولحديث ابن مسعود الدال على الأذان قبل الفجر ليس أذاناً لصلاة الفجر، ولظاهر حديث عبد الله بن زيد بن عبدربه في أذان بلال ودعائه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لصلاة الغداة حيث لا يكون دعاؤه لها إلا بعد دخول وقتها، وعلى هذا فتكون السنة دالة على أن التثويب في أذان الفجر، وأذان
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأذان / باب من انتظر الإقامة.
(2) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين / باب صلاة الليل ...
(12/181)

الفجر لا يكون إلا بعد دخول وقت صلاة الفجر، فالأذان قبل الفجر لا تثويب فيه وهو عمل الناس عندنا من قديم، وأما كلام فقهائنا رحمهم الله فظاهره أن التثويب في أذان الفجر سواء أذن بعذ الفجر أم قبله ولكن ما دلت عليه السنة أولى.
وأما استنباط بعض الناس كون التثويب في الأذان الذي قبل الفجر بقول المثوب " الصلاة خير من النوم " والخيرية ترغيب في الشيء ولا تقتضي الإلزام به، وهذا إنما يكون في النداء الذي قبل الفجر؛ لأن النداء بعد الفجر ملزم بصلاة الفجر. فليس هذا الاستنباط بشيء، وذلك لأن الخير في الواجب الملزم به أبلغ منه في المندوب إليه من غير إلزام؛ لأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: " ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه " (1) . وخيرية الشيء وردت في القرآن في الأمور الواجبة والمندوب إليها من غير إيجاب فقال تعالى في سورة الصف: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (2) . فقد وردت الخيرية في أوجب الأمور وهي العقيدة وحمايتها، وقال تعالى في سورة الجمعة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (3) . والسعي إلى الجمعة وترك البيع بعد ندائها واجب، وقال تعالى: (إِنْ تُبْدُوا
__________
(1) اخرجه البخاري: كتاب الرقاق / باب التواضع.
(2) سورة الصف، الآيتان: 10، 11.
(3) سورة الجمعة، الآية: 9.
(12/182)

الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (1) .
والخيرية هنا واردة فيما هو مندوب وليس بواجب.
وبهذا تبين أن الاستنباط المذكور ليس بشيء والله أعلم.

* * *

101) وسئل فضيلته: عن الأحاديث الواردة في التثويب في أذان الفجر؟
فأجاب بقوله: الأحاديث الواردة في التثويب في أذان الفجر ليس فيها حديث صحيح لذاته، لكن فيها أحاديث كثيرة لا تخلو من مقال، إلا أنها بمجموعها ترتقي إلى درجة الصحة لكثرتها وشهرتها وعمل المسلمين بها، وقد وردت في أذان بلال، وأذان أبي محذورة، فأما حديث بلال فظاهره أنه يقال في الأذان الثاني فإن فيه أن بلالاً دعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات غداة لصلاة الفجر فقيل إنه نائم فنادى بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، قال سعيد بن المسيب فأدخلت هذه في التأذين إلى صلاة الفجر (2) ، وأما حديث أبي محذورة فظاهره أنه يقال في الأذان الأول فإن فيه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: " فإذا أذنت بالأول من الصبح فقل الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم " (3) ، وفي رواية: " في الأولى من الصبح "، وفي رواية: " فإن كانت صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم " (4) ، ولم تقيد بالأذان الأول. وعن
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 271..
(2) تقدم تخريجه ص179.
(3) تقدم تخريجه ص176.
(4) تقدم تخريجه ص176.
(12/183)

أنس بن مالك رضي الله عنه قال: " من السنة إذا قال المؤذن في الفجر: حي على الفلاح قال: الصلاة خير من النوم ". ولم يقيده بالأذان الأول.
وتقييد الأذان بالأول في حديث أبي محذورة لا يتعين أن يكون المراد به الأذان الذي يكون في آخر الليل قبل الفجر، بل يحتمل أن يكون المراد بالأذان الذي بعد الفجر وسمي أولاً بالنسبة للإقامة حيث يصح إطلاق اسم الأذان عليها كما في الحديث الصحيح أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بين كل أذانين صلاة " (1) . والمراد بالأذانين الأذان والإقامة، وسميت الإقامة أذاناً لأن الأذان في اللغة الإعلام وهي إعلام بالقيام إلى الصلاة فصح إطلاق الأذان عليها لغة. وفي صحيح البخاري عن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: " إن الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين كثر أهل المدينة ". الحديث. وليس في يوم الجمعة سوى أذانين وإقامة فسماها أذاناً، ويؤيد هذا الاحتمال أنه لم ينقل أن أبا محذورة كان يؤذن للفجر مرة قبل طلوعه ومرة بعده، ويؤيده أيضاً أن الأذان قبل الفجر ليس لصلاة الفجر بل قد بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغرض منه حيث قال فيما ثبت عنه في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " لا يمنعن أحدكم أو أحداً منكم أذان بلال من سحوره فإنه يؤذن أو ينادي بليل ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم " (2) فبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سبب هذا الأذان وأنه ليس لصلاة الصبح. والأذان للصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمالك بن الحويرث والوفد الذين معه: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن
__________
(1) تقدم تخريجه ص176.
(2) تقدم تخريجه ص 177.
(12/184)

لكم أحدكم " (1) ، وحضور الصلاة إنما يكون بعد دخول وقتها، فإذا أضيف الأذان إلى الصبح أو صلاة الصبح تعين أن يحمل على الأذان الذي يكون لها عند دخول وقتها.
ويدل على تعيينه أيضاً ما رواه مسلم في صحيحه في (باب صلاة الليل) عن عائشة رضي الله عنها قالت:" كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينام أول الليل، ويحي آخره، ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول وثب فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلى الركعتين " (2) . يعني سنة الفجر.
فإن قيل: إن قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم" (3) يدل على أنه لا تثويب في الأذان بعد الفجر إذ لو كان كذلك لم يحصل اشتباه بين الأذانين حتى يحتاج الناس للتنبيه عليه.
فالجواب: أن التثويب لا يكون من أول الأذان حتى يزول الاشتباه به، والإمساك معلق بسماع أول الأذان فكان لابد من التنبيه لئلا يمسكوا من حين أن يسمعوا أول الأذان.
هذا ما تبين لي من السنة أن التثويب إنما يكون في أذان صلاة الفجر وهو ما كان بعد دخول الوقت، أما كلام فقهائنا فظاهره أن التثويب يكون في أذان صلاة الفجر سواء كان قبل الوقت أم بعده ولكن اتباع السنة أولى، والله الموفق.
__________
(1) تقدم تخريجه ص160.
(2) تقدم تخريجه ص181.
(3) أخرجه البخاري: كتاب الأذان / باب الأذان قبل الفجر، ومسلم: كتاب الصيام / باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر
(12/185)

102) وسئل فضيلته: متى يقول المؤذن " الصلاة خير من النوم " في الأذان الأول أو الثاني؟
فأجاب قائلاً: قول المؤذن " الصلاة خير من النوم " يكون في الأذان لصلاة الصبح، وهو الأذان الذي يكون بعد طلوع الفجر الذي تحل به صلاة الفجر ويحرم به الأكل على الصائم، ولا يكون في الأذان الذي قبل الفجر، لأن الأذان الذي قبل الفجر ليس أذاناً لصلاة الفجر لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم، ويرجع قائمكم " (1) وأذان الفجر لا يكون إلا بعد طلوع الفجر لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمالك بن الحويرث: " إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (2) ، وحضور الصلاة لا يكون إلا بعد دخول وقتها.
وقد توهم بعض الناس فظن أنها تقال في الأذان الذي قبل الفجر لقوله في الحديث:إذا أذنت الأول لصلاة الصبح " (3) فظن أن الأول الذي يكون قبل الفجر، ولكن ليس الأمر كما ظن، لأن ما قبل الفجر ليس أذاناً لصلاة الصبح كما علمت مما سبق وإنما المراد به ما بعد الفجر لكن سماه أذاناً أول باعتبارالإقامة فإن الإقامة تسمى أذاناً لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بين كل أذانين صلاة " (4) أي بين كل أذان وإقامة صلاة، ولأنها إعلام بالقيام إلى الصلاة، والإٌعلام بالشيء يسمى أذاناً لقوله تعالى: (وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
__________
(1) تقدم تخريجه ص177.
(2) تقدم تخريجه ص160.
(3) تقدم تخريجه ص176.
(4) تقدم تخريجه ص176.
(12/186)

وَرَسُولُهُ) (1) ، أي إعلام من الله ورسوله. وقوله: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) (2) ، وعلى هذا يكون الأذان لصلاة الصبح بعد طلوع الفجر أذاناً أول باعتبار الإقامة التي هي الأذان الثاني. وفي صحيح مسلم ص510 ج1 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن عائشة رضي الله عنها في صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الليل قالت: " كان ينام أول الليل ويحيي آخره ثم إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ثم ينام، فإذا كان عند النداء الأول قالت وثب (ولا والله ما قالت قام) فأفاض عليه الماء، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة ثم صلى الركعتين " (3) . فأنت ترى أنها أطلقت النداء الأول على أذان الصبح الذي بعد طلوع الفجر لقولها " ثم صلى الركعتين " وهما سنة الفجر ولا تكون صلاتهما إلا بعد طلوعه.
هذا وقد تعلل بعض القائلين بأن قول الصلاة خير من النوم في الأذان الذي في آخر الليل بأن قوله خير من النوم يدل على أن الصلاة نافلة وهذا قبل الفجر، لكن هذه علة عليلة، فإن الخيرية تكون في النوافل والواجبات كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِه) إلى قوله: (ْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم) (4) وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح.

* * *
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 3.
(2) سورة الحج، الآية: 27.
(3) تقدم تخريجه ص181.
(4) سورة الصف، الآيتان: 10، 11
(12/187)

103) وسئل فضيلة الشيخ: بعض الناس عندما يريد الإقامة للصلاة يقول قد أقامت الصلاة فهل يصح ذلك؟
فأجاب بقوله: لا يصح أن يقول: أقامت بدل قامت؛ لأن المعنى يتغير فإن أقام فعل رباعي مُعَدَ للغير، وأما قام فهو فعل ثلاثي لازم، فكما أنه لا يصح أن يقول القائل: أقام زيد بمعنى قام زيد فلا يصح أن يقول أقامت الصلاة بمعنى قامت الصلاة.
* * *

104) وسئل فضيلته: إذا نسي المؤذن قول (الصلاة خير من النوم) فماذا يلزمه؟
فأجاب قائلاً: إذا نسي المؤذن قوله (الصلاة خير من النوم) فإن المعروف عند أهل العلم أن أذانه صحيح؛ لأن قول (الصلاة خير من النوم) في أذان الفجر سنة وليست واجباً، فإن قالها الإنسان في صلاة الفجر الذي يكون بعد طلوع الفجر فهو أفضل، وإن لم يقلها فلا حرج.
* * *
105) وسئل فضيلة الشيخ: هل يصح الأذان بالمسجل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأذان بالمسجل غير صحيح؛ لأن الأذان عبادة، والعبادة لابد لها من نية.
* * *
106) وسئل فضيلة الشيخ: عن الأذان إذا كان مُلَحناً أو مَلْحُوناً؟
فأجاب بقوله: الأذان الملحن أي المطرب به يجزيء لكنه مكروه.
(12/188)

وأما الملحون فإن كان اللحن يتغير به المعنى فإن الأذان لا يصح كما لو قال المؤذن " الله أكبار " فهذا لا يصح، لأنه يحيل المعنى فإن أكبار جمع كبر وهو الطبل.
وأما إذا كان اللحن لا يتغير به المعنى فإن الأذان يصح مع الكراهة.
* * *
107) وسئل فضيلة الشيخ: هل يجزيء الأذان قبل الوقت؟
فأجاب بقوله: الأذان قبل الوقت لا يجزيء لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم " (1) والصلاة لا تحضر إلا بدخول الوقت والحديث عام لا يستثنى منه شيء ولا يعارض حديث " إن بلالاً يؤذن بليل " (2) لأننا نقول إن أذان بلال ليس لصلاة الفجر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم ".
* * *

108) سئل فضيلة الشيخ: ما رأي فضيلتكم في كلمة " رفع الأذان " أو " يرفع الأذان فلان "؟
فأجاب قائلاً: الأولى أن يعبر بالأذان دون رفع الأذان؛ لأن التعبير بالأذان هو التعبير الشرعي، ولأنه أوضح للناس.
* * *

109) وسئل فضيلته: عن حكم تأخير الأذان عن أول الوقت؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص160
(2) تقدم تخريجه ص177.
(12/189)

فأجاب بقوله: إذا كان الإنسان في بلد فلا ينبغي أن يتأخر عن أول الوقت؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفوضى واختلاف المؤذنين والاشتباه على الناس أيهما أصوب هذا المتقدم أو المتأخر.
أما إذا كان في غير البلد فالأمر إليهم، لكن الأفضل أن يؤذنوا في أول الوقت ويصلوا؛ لأن تقديم الصلاة في أول وقتها أفضل، إلا ما شرع تأخيره، فما شرع تأخيره فإنه يؤخر فيه الأذان ولهذا ثبت في صحيح البخاري أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في سفر فقام المؤذن ليؤذن فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أبرد " ثم أراد أن يقوم فقال: " أبرد " ثم أراد أن يقوم فقال: " أبرد " (1) حتى ساوى التل ظله ثم أذن، وهذا يدل على أن الأذان مشروع حيث تشرع الصلاة، فإذا كانت الصلاة مما ينبغي تأخيره كصلاة الظهر في شدة الحر، وصلاة العشاء فإنه يؤخر هذا في غير المدن والقرى التي فيها مؤذنون وإلا فلا ينبغي للإنسان أن يتخلف عن الوقت الذي يؤذن فيه الناس.
* * *
110) سئل فضيلة الشيخ: هل كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحدد وقتاً بين الأذان والإقامة؟
فأجاب قائلاً: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي الصلاة في أول الوقت إلا العشاء الآخرة فإنه كان ينظر إلى اجتماع الناس إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر (2) ، وكان يبقى في البيت حتى يأتيه المؤذن فيعلمه
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب المواقيت / باب الإبراد بالظهر في السفر، ومسلم: كتاب المساجد / باب استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر
(2) أخرجه البخاري: كتاب المواقيت / باب وقت المغرب، ومسلم: كتاب المساجد / باب استحباب التبكير بالصبح.
(12/190)

بحضور الصلاة وربما خرج إليها بدون إعلام.
فالسنة تعجيل جميع الصلوات إلا العشاء وإلا الظهر عند اشتداد الحر، ولكن الصلوات التي لها نوافل راتبة كالفجر والظهر ينبغي للإنسان أن يراعي حال الناس بحيث يتمكنون من الوضوء بعد الأذان ومن صلاة هذه الراتبة.

* * *

111) وسئل فضيلته: عن إمام مسجد يتأخر عن الجماعة في صلاتي الفجر والظهر، ويؤخر أحياناً الصلاة حوالي ساعة، بم تنصحونه؟
فأجاب بقوله: يجب على الإمام ألا يتأخر عن الصلاة لا في صلاة الظهر ولا الفجر، ولا في غيرهما من الأوقات؛ لأنه ملزم بذلك، وأما تأخره في الإقامة فإنه لا ينبغي إلا في صلاة العشاء، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا تأخر (1) ، وأما في بقية الصلوات فالتقديم أفضل لكن يراعي في الصلوات التي يكون لها راتبة قبلها، فيمهل الناس حتى يتمكنوا من أداء الراتبة والوضوء والله الموفق.

* * *

112) وسئل فضيلته: مؤذن يقول: عند صلاة الصبح كلما أريد أن أقيم الصلاة لضيق الوقت يطلب مني المصلون أن أجلس حتى يأذن لي الإمام ويقولون أنه لا يجوز أن أقيم الصلاة حتى
__________
(1) تقدم تخريجه ص190.
(12/191)

يأذن لي الإمام فهل هذا صحيح؟
فأجاب قائلاً: المؤذن أملك بالأذان فإليه يرجع الأذان، وأما الإقامة فإن الإمام أملك بها فلا يقيم المؤذن إلا بحضور الإمام وإذنه.
وأما قوله: لضيق الوقت فنعم إذا تأخر الإمام حتى كادت الشمس تطلع وضاق الوقت فحينئذ يصلون ولا ينتظرونه، أما ما دام الوقت باقياً فإنهم لا يصلون حتى يحضر الإمام، لكن ينبغي للإمام أن يحدد وقتاً معيناً للناس فيقول مثلاً: إذا تأخرت عن هذا الوقت فصلوا ليكون في هذا الحال أيسر لهم وأصلح له هو أيضاً ولا يقع الناس في حرج أو ضيق.

* * *

113) وسئل فضيلة الشيخ: إذا جمع الإنسان الصلاة فهل يؤذن ويقيم لكل صلاة؟
فأجاب بقوله: إذا جمع الإنسان أذن للأولى وأقام لكل فريضة إلا إذا كان في البلد فإن أذان البلد يكفي وحينئذ يقيم لكل فريضة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم عرفة أذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، وكذلك في مزدلفة حيث أذن وأقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء (1) .

* * *

114) وسئل فضيلته: إذا دخل الإنسان المسجد والمؤذن يؤذن فما الأفضل له؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص161.
(12/192)

فأجاب قائلاً: الأفضل أن يجيب المؤذن ثم يدعو بعد ذلك بما ورد، ثم يدخل في تحية المسجد، إلا أن بعض العلماء استثنوا من ذلك من دخل المسجد والمؤذن يؤذن يوم الجمعة الأذان الثاني فإنه يصلي تحية المسجد لأجل أن يستمع الخطبة، وعللوا ذلك بأن استماع الخطبة واجب وإجابة المؤذن ليست واجبة، والمحافظة على الواجب أولى من المحافظة على غير الواجب.

* * *

115) وسئل فضيلته: عن حكم أداء تحية المسجد والمؤذن يؤذن مع العلم أنه لا يوجد فترة بين الأذان والإقامة تكفي لأداء التحية؟
فأجاب بقوله: الأولى الإنتظار للإجابة، ثم يقول: " اللهم رب هذه الدعوة التامة." إلا في صلاة الجمعة فالأولى السنة.

* * *

116) وسئل فضيلته: إذا سمع الإنسان مؤذناً ثم سمع آخر فهل يجيب؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجيب الأول ويجيب الثاني لعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن " (1) .
ولكن لو صلى ثم سمع مؤذناً بعد الصلاة فظاهر الحديث أنه يجيب لعمومه.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجيب لأنه غير مدعو بهذا الأذان فلا
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأذان / باب ما يقول إذا سمع المنادي، ومسلم: كتاب الصلاة / باب استحباب القول مثل ما يقول المؤذن.
(12/193)

يتابعه، ولا يمكن أن يؤذن آخر بعد أن تؤدى الصلاة فيحمل الحديث على المعهود في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنه لا تكرار في الأذان، ولكن لو أخذ أحد بعموم الحديث وقال إنه ذكر وما دام الحديث عاماً فلا مانع من أن أذكر الله عز وجل فهو على خير.

* * *

117) وسئل فضيلته: هل المقام المحمود الذي وعده الله عز وجل لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاص بالشفاعة؟
فأجاب قائلاً: الصحيح أن المقام المحمود عام؛ كل مقام يحمده الناس فيه، ومن ذلك الشفاعة العظمى، حين يتدافع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الشفاعة، حتى تصل إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيشفع فيشفعه الله عز وجل، فالصحيح أنه عام.

* * *
118) وسئل فضيلته: ورد في الحديث أن الإنسان يقول عند متابعته للمؤذن " رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً " فمتى يقول هذا؟
فأجاب بقوله: ظاهر الحديث أن المؤذن إذا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله واجبته تقول بعد ذلك رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، لأن الحديث جاء فيه: " من قال حين يسمع النداء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً " (1) ، وفي رواية: " من قال وأنا أشهد " وفي قوله: " وأنا أشهد " دليل على أنه يقولها عقب قول
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة / باب استحباب القول مثل قول المؤذن.
(12/194)

المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله لأن الواو حرف عطف فيعطف قوله على قول المؤذن.

* * *

119) سئل فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى: بماذا يجاب المؤذن عندما يقول: "الصلاة خير من النوم "؟
فأجاب فضيلته قائلاً: يجيبه بمثل ما قال فيقول: " الصلاة خير من النوم " لأن المؤذن إذا قال " الله أكبر " قال المجيب " الله أكبر "، وإذا قال: " أشهد أن لا إله إلا الله " قال: " أشهد أن لا إله إلا الله "، وإذا قال: " أشهد أن محمداً رسول الله " قال: " أشهد أن محمداً رسول الله "، ثم يقول المجيب بعد الشهادتين: " رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً "، فإذا قال: " حي على الصلاة " قال المجيب " لا حول ولا قوة إلا بالله " وهكذا حي على الفلاح فإذا قال: " الله أكبر " قال " الله أكبر "، وإذا قال: " لا إله إلا الله "، قال: " لا إله إلا الله "، وإذا قال: " الصلاة خير من النوم " قال المجيب: " الصلاة خير من النوم ".
وقيل: يقول: " صدقت وبررت ". وقيل: يقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله ". والصحيح الأول، والدليل على ذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن " (1) . وهذا لم يستثن منه في السنة إلا حي على الصلاة، وحي على الفلاح، فيقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيكون العموم باقياً فيما عدا هاتين الجملتين.
فإذا قال قائل: أليس قول " الصلاة خير من النوم " صدقاً؟
...
__________
(1) تقدم تخريجه ص193.
(12/195)

قلنا: بلى، وقول " الله أكبر " صدق وقول " لا إله إلا الله " صدق فهل تقول إذا قال الله أكبر صدقت وبررت؟ ما تقول هذا، إذاً إذا قال " الصلاة خير من النوم " فقل كما يقول هكذا عموم أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

* * *

120) سئل فضيلة الشيخ: عن الأذان في المذياع أو التلفاز هل يُجاب؟
فأجاب قائلاً: الأذان لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون على الهواء أي أن الأذان كان لوقت الصلاة من المؤذن فهذا يجاب لعموم امر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن ". إلا أن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا كان قد أدى الصلاة التي يؤذن لها فلا يجيب.
الحال الثانية: إذا كان الأذان مسجلاً وليس أذاناً على الوقت فإنه لا يجيبه لأن هذا ليس أذاناً حقيقياً أي أن الرجل لم يرفعها حين أمر برفعه وإنما هو شيء مسموع لأذان سابق. وإن كان لنا تحفظ على كلمة يرفع الأذان ولذا نرى أن يقال أذن فلان لا رفع الأذان (1) .

* * *

121) سئل فضيلة الشيخ - رعاه الله - هل يلزم متابعة كل مؤذن في البلد أو يكتفي بالأول؟
فأجاب بقوله: إجابة المؤذن ليست بلازمة لا في أول مؤذن ولا في آخر مؤذن.
لكن هل يشرع ويستحب فأنا أقول: الفقهاء - رحمهم الله -
__________
(1) انظر الفتوى رقم 108 ص189.
(12/196)

يقولون: إنه يجيب المؤذن كلما سمعوا واستدلوا بعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن " (1) . وهذا عام إلا أنهم استثنوا إذا صلى فإنه لا يجيب المؤذن، يعني لو فرضنا أن أحد من المؤذنين تأخر ولم يؤذن إلا بعد أن صليت قالوا: فهنا لا يجيب المؤذن وعللوا ذلك بأنه غير مدعو بهذا الأذان، لأن المؤذن هذا يقول حي على الصلاة وأنت قد صليت. فلا تجيبه في هذه الحال، ولكن لو أجبته فأنت على خير أخذاً بالعموم " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن ".

* * *

122) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الزيادة في الأذان؟
فأجاب قائلاً: الأذان عبادة مشروعة بأذكار مخصوصة بينها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأمته بإقراره لها، فلا يجوز للإنسان أن يتعدى حدود الله تعالى فيها، أو يزيد فيها شيئاً من عنده لم يثبت به النص، فإن فعل كان ذلك مردوداً عليه لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " (2) . وفي لفظ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (3) . وإذا زاد الإنسان في الأذان شيئاً لم يثبت به النص كان خارجاً عن ما عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والمسلمون فيما زاده، والشرع كما يعلم جميع المسلمين توقيفي يتلقى من الشارع، فما جاء به الشرع وجب علينا التعبد به
__________
(1) تقدم تخريجه ص193.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الصلح / باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، ومسلم: كتاب الأقضية / باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.
(3) تقدم تخريجه ص21.
(12/197)

استحباباً في المستحبات، وإلزاماً في الواجبات، وما لم يرد به الشرع فليس لنا أن نتقدم بين يدي الله ورسوله بزيادة فيه أو نقص.
* * *
123) وسئل فضيلة الشيخ: إذا أذن المؤذن بدون مكبر الصوت لانقطاع التيار الكهربائي، ثم بعد أذانه مباشرة جاء التيار، فهل يعيد الأذان في مكبر الصوت أو يكتفي بأذانه الأول؟
فأجاب بقوله: يكفي اذانه الأول ولا حاجة للإعادة؛ لأن هناك مساجد أخرى حوله قد سمع الناس التأذين منها، أما لو كان مسجداً منفرداً ليس هناك غيره فهنا يعيد؛ حتى يعلم الناس بدخول وقت الصلاة.

* * *

124) وسئل فضيلته: إذا أتى المؤذن بالدعاء الوارد بعد الأذان بصوت مرتفع في مكبر الصوت هل في ذلك شيء أم لا؟
فأجاب بقوله: نعم في هذا شيء؛ لأن المؤذن إذا أتى بهذا الدعاء المشروع بعد الأذان في مكبر الصوت صار كأنه من الأذان، ثم إن هذا الأمر لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والخلفاء الراشدين فهو من البدع التي نهي عنها، حتى لو قلت مثلاً إنني أقصد التعليم بهذا ليعرف الناس مشروعية هذا الذكر نقول: إن التعليم يمكن بعد أن تفرغ من الصلاة ويحضر الناس تنبههم إلى هذا ولو عن طريق مكبر الصوت وتقول إنه ينبغي للإنسان إذا فرغ من الأذان أن يقول كذا وكذا، ولا تظهره في الأذان بحيث يظن الظان أنه منه فهذا من البدع.
* * *
(12/198)

125) وسئل فضيلته: عن زيادة " إنك لا تخلف الميعاد " في الذكر الذي بعد الأذان؟
فأجاب قائلاً: هذه الزيادة محل خلاف بين علماء الحديث:
فمنهم من قال: إنها غير ثابته لشذوذها، لأن أكثر الذين رووا الحديث لم يرووا هذه الكلمة، والمقام يقتضي ألا تحذف، لأنه مقام دعاء وثناء وما كان على هذا السبيل فإنه لا يجوز حذفه لأنه متعبد به.
ومن العلماء من قال: إن سندها صحيح وأنها تقال ولا تنافي غيرها، وممن ذهب إلى تصحيحها الشيخ عبد العزيز بن باز وقال: إن سندها صحيح حيث أخرجها البيهقي بسند صحيح (1) .

* * *

126) سئل فضيلة الشيخ: يزيد بعض المؤذنين بعد الأذان بصوت مرتفع مثل قولهم: " صلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد " أو " الصلاة الصلاة يرحمكم الله " أو يقول أثناء الأذان: " الله أكبرَ " بفتحها، أو " الله آكبر " أو " الله أكبار " أو " الله إكبر " فما جوابكم على ذلك؟
فأجاب قائلاً: كل ذكر أو دعوة يلحق بالأذان فإنه بدعة، والأذان كاف عن كل شيء، ومن ذلك قوله " الصلاة الصلاة يرحمكم الله " إذا انتهى من الأذان فهذا من البدع، وحقيقته أن هذا الذي يقول ذلك كأنه غير مقتنع بالأذان الذي جعله الشارع علامة على دخول الوقت.
وأما اللحن الذي ذكره السائل فهو مختلف فإن قول " الله أكبرَ " لا
__________
(1) أخرجه البيهقي في " السنن " 1/410، وانظر: فتاوى اللجنة 6/88.
(12/199)

يحيل المعنى فلا يكون محرماً ولا مبطلاً للأذان، وأما " الله آكبر " فهو لحن مغير للمعنى فلا يجوز، وأما " أكبار " فهو لفظ محيل للمعنى فلا يجوز، وأما " إكبر " فهو لحن لكن لا أعلم أنه يحيل المعنى ولكن كلما كان أصح فهو أفضل.

* * *

127) سئل فضيلة الشيخ جزاه الله خيراً: عن حكم الخروج من المسجد بعد الأذان؟
فأجاب بقوله: رأى أبو هريرة رجلاً خرج بعد الأذان من المسجد فقال: " أما هذا فقد عصى أبا القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (1) ، والمعصية في الأصل للتحريم، قال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (2) .
فلهذا قال أهل العلم: إنه لا يجوز للإنسان أن يخرج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر مثل أن يخرج ليتوضأ ويرجع، إلا أنه إذا كان يخشى أن تفوته الجماعة فإنه لا يخرج ما لم يكن مدافعاً للبول أو الغائط، فإن كان مدافعاً للبول أو الغائط فليخرج ولو فاتت الصلاة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان " (3) . فإذا فرضنا أن أحداً ينتظر الصلاة ثم حصر ببول أو غائط أو بريح أيضاً؛ لأن بعض الناس قد يكون عنده غازات تشغله فلا حرج عليه أن يخرج ويقضي حاجته، ثم يرجع إن أدرك الجماعة فبها ونعمت، وإن لم يدركها فلا حرج عليه.
* * *
__________
(1) اخرجه مسلم: كتاب المساجد / باب النهي عن الخروج من المسجد.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 36.
(3) أخرجه مسلم: كتاب المساجد / باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام.
(12/200)

128) وسئل فضيلته: عن الخروج من المسجد بعد الأذان لأمر واجب كإيقاظ نائم؟ وما حكم اتخاذ المسجد ممراً؟
فأجاب بقوله: الخروج بعد الأذان لعذر لا بأس به كإيقاظ نائم ونحوه بشرط أن يرجع قبل الإقامة، ومثل ذلك إذا أمره والده بالخروج لحاجة وهو يمكن أن يرجع قبل فوات الجماعة.
واتخاذ المسجد ممراً لا ينبغي إلا لحاجة؛ لأن المساجد إنما بنيت للصلاة والقرآن والذكر، لكن مع الحاجة يجوز المرور لقوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) (1) .

* * *
129) وسئل فضيلته: عن المتابعة في الإقامة؟
فأجاب قائلاً: المتابعة في الإقامة فيها حديث أخرجه أبو داود (2) ، لكنه ضعيف لا تقوم به الحجة، والراجح أنه لا يتابع.
* * *
130) وسئل فضيلة الشيخ: نسمع من بعض الناس بعد إقامة الصلاة قولهم: أقامها الله وأدامها، فما حكم ذلك؟
فأجاب بقوله: ورد في هذا الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا قال المؤذن: " قد قامت الصلاة " قال " أقامها الله وأدامها " (3) ، لكن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة.
__________
(1) سورة النساء، الآية: 43.
(2) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة / باب ما يقول إذا سمع الإقامة، قال الحافظ في: التلخيص 1/212: ضعيف.
(3) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة / باب ما يقول إذا سمع الإقامة، والبيهقي 1/411، والبغوي في " شرح السنة " 2/288، قال الحافظ في " التلخيص " 1/211: " ضعيف "، وضعفه الألباني في " الإرواء " 1/258.
(12/201)

131) سئل فضيلة الشيخ: عن الرجل إذا جاء المسجد يوم الجمعة والمؤذن يؤذن الأذان الثاني فهل يتابعه أو يصلي تحية المسجد؟
فأجاب قائلاً: ذكر أهل العلم أن الرجل إذا دخل المسجد وهو يسمع الأذان الثاني فإنه يصلي تحية المسجد ولا يشتغل بمتابعة المؤذن وإجابته، وذلك ليتفرغ لاستماع الخطبة لأن استماعها واجب، وإجابة المؤذن سنة، والسنة لا تزاحم الواجب.
* * *
132) وسئل فضيلة الشيخ: إذا أذن المؤذن للصلاة والمرأة شعرها مكشوف وهي في بيتها أو بيت أهلها أو عند الجيران ولا يراها غير المحارم أو النساء، فهل هذا حرام؟ وأن الملائكة تلعنها طوال مدة الأذان؟
فأجاب بقوله: هذا ليس بصحيح، فللمرأة أن تكشف شعرها ولو كان المؤذن يؤذن، إذا لم يرها أحد من الأجانب، ولكنها إذا أرادت أن تصلي فعليها أن تستر جميع بدنها إلا وجهها، مع أن كثير من أهل العلم رخص لها في كشف كفيها وقدميها أيضاً، ولكن الاحتياط سترهما إلا الوجه فلا حرج عليها من كشفه، هذا إذا لم يكن حولها رجال أجانب، فإن كانوا فلابد من ستره؛ لأنها لا يجوز لها كشفه إلا لزوجها ومحارمها.
* * *
(12/202)

المواقيت
(12/203)

133) سئل فضيلة الشيخ: هل يسن الإبراد بالظهر لمن يصلي وحده وللنساء؟
فأجاب بقوله: الإبراد بالظهر عام للجميع، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة " (1) . والخطاب للجميع ولم يعلل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بمشقة الذهاب إلى الصلاة بل قال:" فإن شدة الحر من فيح جهنم ". وهذا يحصل لمن يصلي جماعة، ولمن يصلي وحده، ويدخل في ذلك النساء فيسن لهن الإبراد بالظهر في شدة الحر.
* * *
134) وسئل فضيلته: إذا تأخر الحاج في الخروج من عرفة لشدة الزحام وخاف أن يخرج وقت العشاء قبل أن يصل إلى مزدلفة فماذا يصنع؟
فأجاب قائلاً: إذا خاف خروج الوقت وجب عليه أن ينزل فيصلي، وبعض الحجاج لا يصلي المغرب والعشاء حتى يصل إلى مزدلفة ولو خرج وقت صلاة العشاء، وهذا لا يجوز وهو حرام من كبائر الذنوب؛ لأن تأخير الصلاة عن وقتها محرم بمقتضى دلالة الكتاب، والسنة، قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (2) وبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الوقت وحدده قال الله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (3) وقال: (وَمَنْ
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة / باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، ومسلم: كتاب المساجد / باب استحباب الإبراد بالظهر..
(2) سورة النساء، الآية: 103.
(3) سورة الطلاق، الآية: 1.
(12/205)

يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (1) .
* * *
135) وسئل فضيلة الشيخ: قلتم في الفتوى السابقة بأن الحاج إذا خاف خروج الوقت وجب عليه أن ينزل فإن كان لا يتمكن من النزول للزحام وحركة السيارات؟
فأجاب قائلاً: إذا لم يتمكن من النزول صلى ولو على راحلته لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (2) ، وإن كان عدم تمكنه من النزول في هذه الحال أمراً بعيداً، لأنه بإمكان كل إنسان أن ينزل ويقف على جانب الخط ويصلي، وعلى كل حال فإنه لا يجوز لأحد أن يؤخر صلاة المغرب والعشاء حتى يخرج وقت العشاء بحجة أنه يريد أن يطبق السنة فلا يصلي إلا في مزدلفة فإن تأخيره هذا مخالف للسنة، فإن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخر لكنه صلى الصلاة في وقتها.

* * *

136) وسئل فضيلة الشيخ: عن بلاد يتأخر فيها مغيب الشفق الأحمر الذي به يدخل وقت العشاء ويشق عليهم انتظاره؟
فأجاب بقوله: إن كان الشفق لا يغيب حتى يطلع الفجر، أو يغيب في زمن لا يتسع لصلاة العشاء قبل طلوع الفجر فهؤلاء في حكم من لا وقت للعشاء عندهم فيقدرون وقته بأقرب البلاد إليهم ممن لهم وقت عشاء معتبر، وقيل يعتبر بوقته في مكة لأنها أم القرى.
وإن كان الشفق يغيب قبل الفجر بوقت طويل يتسع لصلاة العشاء
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 229.
(2) سورة التغابن، الآية: 16.
(12/206)

فإنه يلزمهم الانتظار حتى يغيب إلا أن يشق عليهم الانتظار فحينئذ يجوز لهم جمع العشاء إلى المغرب جمع تقديم دفعاً للحرج والمشقة لقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (1) ،ولقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (2) . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما،" أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر"،قالوا: ما أراد إلى ذلك؟ قال: " أراد أن لا يحرج أمته " (3) ، أي لا يلحقها الحرج بترك الجمع. وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح. حرر في 25/11/1411 هـ.

* * *

137) وسئل فضيلته: عن الفرق بين الفجر الأول والفجر الثاني؟
فأجاب قائلاً: ذكر العلماء أن بينهما ثلاثة فروق:
الأول: أن الفجر الأول ممتد لا معترض، أي ممتد طولاً من الشرق إلى الغرب، والثاني معترض من الشمال إلى الجنوب.
الثاني: أن الفجر الأول يظلم أي يكون هذا النور لمدة قصيرة ثم يظلم، والفجر الثاني لا يظلم بل يزداد نوراً وإضاءة.
الثالث: أن الفجر الثاني متصل بالأفق ليس بينه وبين الأفق ظلمة، والفجر الأول منقطع عن الأفق بينه وبين الأفق ظلمة.
* * *
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 185.
(2) سورة الحج، الآية: 78.
(3) تقدم تخريجه ص34.
(12/207)

138) وسئل فضيلة الشيخ: عن نهاية وقت صلاة العشاء، وهل يمتد وقتها إلى طلوع الفجر؟
فأجاب بقوله: وقت العشاء إلى نصف الليل ولا يمتد وقتها إلى طلوع الفجر؛ لأنه خلاف ظاهر القرآن وصريح السنة حيث قال الله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْل) (1) ولم يقل (إلى طلوع الفجر) ، وصرحت السنة بأن وقت صلاة العشاء ينتهي بنصف الليل كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط " وفي رواية: " ووقت العشاء إلى نصف الليل " (2) . ولم يقيده بالأوسط فوقت العشاء ينتهي عند نصف الليل.
* * *
139) وسئل: هل الأفضل تأخير العشاء إلى ثلث الليل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا سهل فالأفضل تأخيرها إلى ثلث الليل لحديث أبي برزة رضي الله عنه قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستحب أن يؤخر من العشاء (3) ، ولحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تأخر ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل فقام إليه عمر فقال: يا رسول الله رقد النساء
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 78.
(2) أخرجه مسلم: كتاب المساجد / باب أوقات الصلوات الخمس.
(3) أخرجه البخاري: كتاب المواقيت / باب ما يكره من السمر بعد العشاء.
(12/208)

والصبيان، فخرج ورأسه يقطر وقال: " إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي " (1) . لكن ذلك إن سهل، وإن صلى بالناس نقول الأفضل مراعاة الناس إذا اجتمعوا صلى، وإن تأخروا أخر لحديث جابر رضي الله عنه: " إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا اجتمعوا صلى، وإن تأخروا أخر لحديث جابر رضي الله عنه: " إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤوا أخر " (2) .
* * *
140) وسئل فضيلته: هل يجوز تأخير صلاة العشاء أم الأفضل أداؤها في وقتها؟
فأجاب قائلاً: إذا تأخرت صلاة العشاء عن وقتها فإن ذلك حرام، ولا يحل لأحد أن يؤخر صلاة العشاء أو غيرها عن وقتها، فإن أخرها عن وقتها بدون عذر فهي صلاة باطلة غير مقبولة ولو صلاها ألف مرة.
وأما تأخير صلاة العشاء إلى آخر وقتها فإن ذلك أفضل؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج ذات ليلة وقد ذهب عامة الليل فقال: " إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي " (3) . فإذا كانت المرأة في المنزل مشغولة وأخرت صلاة العشاء إلى آخر وقتها فإن ذلك أفضل، وكذلك لو كانوا جماعة في مكان وليس حولهم مسجد، أو هم أهل المسجد أنفسهم، فإن الأفضل لهم التأخير إذا لم يشق عليهم إلى أن يمضي ثلث الليل، فما بين الثلث إلى النصف فهذا أفضل وقت للعشاء، وأما تأخيرها إلى ما بعد النصف فإنه
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب المساجد / باب وقت العشاء وتأخيرها.
(2) تقدم تخريجه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 190.
(3) تقدم تخريجه ص209.
(12/209)

محرم؛ لأن آخر صلاة العشاء هو نصف الليل.
والتأخير لا يمتد إلى طلوع الفجر؛ لأن الأحاديث الواردة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تدل على أن وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل فقط، وما بين نصف الليل إلى طلوع الفجر فليس وقتاً للصلاة المفروضة، كما أن ما بين طلوع الشمس إلى زوالها ليس وقتاً لصلاة مفروضة، ولهذا قال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (1) . فقال: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي: زوالها، وغسق الليل نصفه، وهو الذي يتم به الغسق وهو الظلمة. فمن الزوال إلى نصف الليل كله أوقات صلوات متوالية: فيدخل وقت الظهر بالزوال، ثم ينتهي إذا صار ظل كل شيء مثله، ثم يدخل وقت العصر مباشرة، ثم ينتهي بغروب الشمس، ثم يدخل وقت المغرب مباشرة ثم ينتهي بمغيب الشفق الأحمر، ثم يدخل وقت العشاء وينتهي بنصف الليل، ولهذا فصل الله صلاة الفجر وحدها فقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) لأنها لا يتصل بها وقت قبلها، ولا يتصل بها وقت بعدها.
وقولنا إن صلاة العصر إلى غروب الشمس ذلك أن وقتها يمتد إلى الغروب لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (2) . وليس المعنى أنه يجوز تأخيرها إلى الغروب، فإنه لا يجوز تأخيرها إلى ما بعد اصفرار الشمس، والله الموفق.
* * *
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 78.
(2) تقدم تخريجه ص106.
(12/210)

141) سئل فضيلة الشيخ: ما حكم تأخير صلاة العشاء إلى وقت متأخر؟
فأجاب بقوله: الأفضل في صلاة العشاء أن تؤخر إلى آخر وقتها وكلما أخرت كان أفضل، إلا أن يكون رجلاً فإن الرجل إذا أخرها فاتته صلاة الجماعة فلا يجوز له أن يؤخرها وتفوته الجماعة، أما النساء في البيت فإنهن كلما أخرن صلاة العشاء كان ذلك أفضل لهن، لكن لا يؤخرنها عن منتصف الليل.
* * *
142) وسئل فضيلته: أيهما أفضل تعجيل الفجر أم تأخيرها؟
فأجاب بقوله: تعجيلها أفضل لقوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات) (1) وهذا يحصل بالمبادرة بفعل الطاعة، ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعجل بصلاة الفجر ويصليها بغلس وينصرف منها حين يعرف الرجل جليسه وكان يقرأ بالستين إلى المئة (2) ، وقراءة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرتلة يقف عند كل آية مع الركوع والسجود وبقية أفعال الصلاة فدل ذلك على أنه كان يبادر بها جدا.
فإن قيل: جاء في الحديث: " أسفروا بالفجر فإنه أعظم لأجوركم " (3) .
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 48.
(2) أخرجه البخاري: كتاب المواقيت / باب وقت الظهر عند الزوال، ومسلم: كتاب الصلاة / باب القراءة في الصبح والمغرب.
(3) أخرجه الإمام أحمد 3/465، 4/140، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب في وقت الصبح (424) والترمذي: أبواب الصلاة / باب ما جاء في الإسفار بالفجر (154) ، والنسائي: كتاب المواقيت / باب الإسفار (548) ، وابن ماجه: كتاب الصلاة / باب وقت صلاة الفجر (672) ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(12/211)

فالجواب: أن المراد لا تتعجلوا بها حتى يتبين لكم الإسفار وتتحققوا منه، وبهذا نجمع بين هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الراتب الذي كان لا يدعه وهو التغليس بالفجر وبين هذا الحديث والله أعلم.

* * *

143) وسئل فضيلته: بما تدرك الصلاة؟
فأجاب بقوله: الصحيح أن الصلاة لا تدرك إلا بإدراك ركعة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة " (1) . ومفهومه أن من أدرك دون ركعة فإنه لم يدرك، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
* * *
144) وسئل فضيلته: عن أفضل وقت تؤدى فيه الصلاة؟ وهل أول الوقت هو الأفضل؟
فأجاب قائلاً: الأكمل أن تكون على وقتها المطلوب شرعاً، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جواب من سأله أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال: " الصلاة على وقتها " (2) ولم يقل (الصلاة في أول وقتها) وذلك لأن الصلوات منها ما يسن تقديمه، ومنها ما يسن تأخيره، فصلاة
__________
(1) تقدم تخريجه ص147.
(2) أخرجه البخاري: كتاب المواقيت / باب فضل الصلاة لوقتها، ومسلم: كتاب الإيمان / باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.
(12/212)

العشاء مثلاً يسن تأخيرها إلى ثلث الليل، ولهذا لو كانت امرأة في البيت وقالت أيهما أفضل لي أن أصلي صلاة العشاء من حين أذان العشاء أو أؤخرها إلى ثلث الليل؟
قلنا: الأفضل أن تؤخرها إلى ثلث الليل؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تأخر ذات ليلة حتى قالوا: يا رسول الله رقد النساء والصبيان. فخرج وصلى بهم وقال: " إن هذا لوقتها لولا أن أشق على أمتي " (1) . فالأفضل للمرأة إذا كانت في بيتها أن تؤخرها.وكذلك لو فرض أن رجالاً محصورين، يعني رجالاً معينين في سفر فقالوا: نؤخر الصلاة أو نقدم؟ فنقول: الأفضل أن تؤخروا. وكذلك لو أن جماعة خرجوا في نزهة وحان وقت العشاء فهل الأفضل أن يقدموا العشاء أو يؤخروها؟ نقول: الأفضل أن يؤخروها إلا إذا كان في ذلك مشقة.
وبقية الصلوات الأفضل فيها التقديم إلا لسبب، فالفجر تقدم، والظهر تقدم، والعصر تقدم، والمغرب تقدم، إلا إذا كان هناك سبب. فمن الأسباب: إذا اشتد الحر فإن الأفضل تأخير صلاة الظهر إلى أن يبرد الوقت، يعني إلى قرب صلاة العصر؛ لأنه يبرد الوقت إذا قرب وقت العصر، فإذا اشتد الحر فإن الأفضل الإبراد لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " (2) . وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفر فقام بلال ليؤذن فقال: " أبرد " ثم قام ليؤذن فقال: " أبرد " (3) ثم قام ليؤذن، فأذن له.
...
__________
(1) تقدم تخريجه ص209.
(2) تقدم تخريجه ص205.
(3) تقدم تخريجه ص190.
(12/213)

ومن الأسباب أيضاً أن يكون في آخر الوقت جماعة لا تحصل في أول الوقت، فهنا التأخير أفضل، كرجل أدركه الوقت وهو في البر وهو يعلم أنه سيصل إلى البلد ويدرك الجماعة في آخر الوقت، فهل الأفضل أن يصلي من حين أن يدركه الوقت، أو أن يؤخر حتى يدرك الجماعة؟
نقول: إن الأفضل أن تؤخر حتى تدرك الجماعة، بل قد نقول بوجوب التأخير هنا تحصيلاً للجماعة.
* * *

145) وسئل فضيلته: هل تأدية الصلوات الخمس في أول الوقت أفضل أم في آخره؟
فأجاب بقوله: أما تأدية الصلوات في أول الوقت فهو أفضل إلا في العشاء الآخرة، فإن تأخيرها إلى ثلث الليل أفضل ما لم يشق على المأمومين، وإن كان يشق عليهم أو على بعضهم فتقديمها أفضل؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخر صلاة العشاء حتى ذهب عامة الليل، فقال:"إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي " (1) . قال جابر رضي الله عنه: " كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صلاة العشاء أحياناً وأحياناً؛ إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤوا أخر " (2) .
وكذلك يستثنى صلاة الظهر في شدة الحر لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " (3) . والله الموفق.
__________
(1) تقدم تخريجه ص209.
(2) تقدم تخريجه ص109.
(3) تقدم تخريجه ص205.
(12/214)

146) وسئل فضيلة الشيخ: عن جماعة لا يعرفون وقت الفجر ويصلون بخبر من يثقون به ولكن بعضهم لديه شك؟
فأجاب قائلاً: ما داموا واثقين منه، ويعرفون أن هذا الرجل عنده علم بدخول الوقت فلا شيء عليهم؛ لأنهم لم يتبينوا أنهم صلوا قبل الوقت، فإذا لم يتبينوا وأخذوا بقول هذا الرجل الذي يثقون به، فلا حرج، لكن ينبغي للإنسان أن يحتاط ما دام شاكاً، فلا يصلي حتى يغلب على ظنه أو يتيقن، وعليه أن ينبه الجماعة على ذلك، يشير عليهم ويقول: انتظروا خمس دقائق أو عشر دقائق ولا يضرهم ذلك؛ لأن انتظار الإنسان عشر دقائق أو ربع ساعة خير من كونه يتقدم بدقيقة واحدة.
* * *
147) وسئل فضيلة الشيخ: إذا صلى الإنسان قبل الوقت جهلاً فما الحكم؟
فأجاب بقوله: صلاة الإنسان قبل الوقت لا تجزئه عن الفريضة لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (1) ، وبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذه الأوقات في قوله: " وقت الظهر إذا زالت الشمس " (2) الخ الحديث. وعلى هذا فمن صلى الصلاة قبل وقتها فإن صلاته لا تجزئه عن الفريضة لكنها تقع نفلاً بمعنى أنه يثاب عليها ثواب نفل، وعليه أن يعيد الصلاة بعد دخول الوقت. والله أعلم.
* * *
__________
(1) سورة النساء، الآية: 103.
(2) تقدم تخريجه ص208.
(12/215)

148) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة قبل وقتها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة قبل وقتها لا تجزيء حتى ولو كانت قبل الوقت بدقيقة واحدة، فلو كبر الإنسان للإحرام قبل الوقت فإنها لا تصح الصلاة، لأن الله تعالى يقول: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (1) أي مؤقتة محددة فلا تصح الصلاة قبل وقتها ويجب إعادة تلك الصلاة التي صليت قبل وقتها والله الموفق.
* * *
149) وسئل فضيلة الشيخ: عن امرأة صلت بعد سماع أول مؤذن في البلد وعندما شرعت في الركعة الأخيرة سمعت أذاناً من مؤذنين أُخر فما حكم صلاتها؟
فأجاب قائلاً: على المرء المسلم أن يحتاط لدينه فلا يصلي قبل الوقت؛ لأن بعض المؤذنين قد يؤذن قبل الوقت، فلا ينبغي أن يغتر بهم المصلي، وأنتِ إذا كان المؤذن الذي أذن ليس بينه وبين المؤذنين إلا دقيقة أو دقيقتان فليس عليك إعادة الصلاة، ولكن عليك مستقبلاً أن تصبري حتى يكثر أذان المؤذنين، لأن الاحتياط أولى وافضل، والله الموفق.
* * *
150) سئل فضيلة الشيخ: إذا دخلت الطالبة الحصة الدراسية مع دخول وقت الظهر وتستمر الحصة لمدة ساعتين فكيف تصنع؟
__________
(1) سورة النساء، الآية: 103.
(12/216)

فأجاب بقوله: إن الساعتين لا يخرج بهما وقت الظهر فإن وقت الظهر يمتد من زوال الشمس إلى دخول وقت العصر، وهذا زمن يزيد على الساعتين فبالإمكان أن تصلي صلاة الظهر إذا انتهت الحصة لأنه سيبقى معها زمن، هذا إذا لم يتيسر أن تصلي أثناء وقت الحصة فإن تيسر فهو أحوط، وإذا قدر أن الحصة لا تخرج إلا بدخول وقت العصر، وكان يلحقها ضرر أو مشقة في الخروج عن الدرس ففي هذه الحال يجوز لها أن تجمع بين الظهر والعصر فتؤخر الظهر إلى العصر لحديث بن عباس رضي الله عنهما قال: " جمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر "، فقيل له في ذلك. فقال رضي الله عنه: " أراد - يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن لا يحرج أمته " (1) . فدل هذا الكلام من بن عباس رضي الله عنهما على أن ما فيه حرج ومشقة على الإنسان يحل له أن يجمع الصلاتين اللتين يجمع بعضهما إلى بعض في وقت أحدهما، وهذا داخل في تيسير الله عز وجل لهذه الأمة دينه وأساس هذا قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (2) ، وقوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) (3) وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (4) . وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن الدين يسر " (5)
إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على يسر هذه الشريعة، ولكن هذه القاعدة العظيمة ليست تبعاً لهوى الإنسان
__________
(1) تقدم تخريجه ص34.
(2) سورة البقرة، الآية: 185.
(3) سورة المائدة، الآية: 6.
(4) سورة الحج، الآية: 78.
(5) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان / باب الدين يسر..
(12/217)

ومزاجه، ولكنها تبع لما جاء به الشرع فليس كل ما يعتقده الإنسان سهلاً ويسراً يكون من الشريعة؛ لأن المتهاونين الذين لا يهتمون بدينهم كثيراً ربما يستصعبون ما هو سهل فيدعونه إلى ما تهواه نفوسهم بناء على هذه القاعدة، ولكن هذا فهم خاطىء، فالدين يسر في جميع تشريعاته وليس يسراً باعتبار أهواء الناس، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.

* * *

151) وسئل فضيلته: عن المرأة إذا حاضت أو طهرت وقد أدركت من وقت الصلاة مقدار ركعة فهل تجب عليها تلك الصلاة؟
فأجاب بقوله: المرأة إذا حاضت بعد دخول وقت الصلاة فإنه يجب عليها إذا طهرت أن تقضي تلك الصلاة التي حاضت في وقتها إذا لم تصلها قبل أن يأتيها الحيض وذلك لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (1) . فإذا أدركت المرأة من وقت الصلاة مقدار ركعة ثم حاضت قبل أن تصلي فإنها إذا طهرت لزمها القضاء.
وكذلك إذا طهرت من الحيض قبل خروج وقت الصلاة فإنه يجب عليها قضاء تلك الصلاة فلو طهرت قبل أن تطلع الشمس بمقدار ركعة وجب عليها قضاء صلاة الفجر، ولو طهرت قبل غروب الشمس بمقدار ركعة وجب عليها قضاء صلاة العصر لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (2) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص147.
(2) تقدم تخريجه ص106.
(12/218)

* * *
152) سئل فضيلة الشيخ: استيقظت امرأة لصلاة الفجر بعد الإشراق ورأت الدم عليها فماذا عليها؟
فأجاب بقوله: عليها قضاء صلاة الفجر؛ لأن الأصل أن الدم لم يخرج، وإذا كان الأصل عدم خروجه فمقتضى ذلك أنه صادفها الوقت قبل أن تحيض، ولكن يؤسفني أن تكون لم تستيقظ لصلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس؛ لأن الواجب على الإنسان أن يحتاط لنفسه وأن يتخذ الوسائل اللازمة لكي يستيقظ ويصلي في الوقت. والله الموفق.

* * *

153) وسئل فضيلته: عن إمام لم يصلي العصر ناسياً، ودخل في صلاة المغرب، وفي أثناء الصلاة تذكر أنه لم يصل العصر فماذا يفعل في هذه الحالة؟
فأجاب قائلاً: هذا الإمام الذي نسي صلاة العصر ودخل في صلاة المغرب وتذكر في أثناء الصلاة أنه لم يصل العصر يستمر في صلاة المغرب فإذا أتمها أتى بصلاة العصر وتصح منه صلاة العصر حينئذ ولا يلزمه أن يقطع صلاته ولا يجوز له أيضاً؛ وذلك لأنه شرع في فريضة والفريضة إذا شرع فيها الإنسان لزمه إتمامها إلا بعذر شرعي.
* * *
154) وسئل فضيلته: إذا فاتت الإنسان صلاة الفجر بسبب النوم فمتى يقضيها؟
فأجاب بقوله: يقضيها فور قيامه لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من نام عن
(12/219)

صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (1) . فقوله: " إذا ذكرها " يدل على أنها تقضى فور الذكر وفور الاستيقاظ؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب والفورية.
فإن قيل: أليس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما استيقظ أمرهم أن يرتحلوا من مكانهم إلى مكان آخر؟
فالجواب: بلى ولكنه عليه الصلاة والسلام علل ذلك بأنه " مكان حضر فيه الشيطان " (2) ، فلا ينبغي أن يصلي في أماكن حضور الشياطين.
* * *
155) وسئل فضيلة الشيخ: عن إنسان صلى بعد انتهاء مدة المسح ولم يذكر إلا بعد حضور الصلاة التي بعدها بحيث لو قام لقضاء الصلاة الأولى لفاتته الثانية مع الجماعة فهل يقضي الصلاة الأولى ولو فاتته الجماعة في الثانية، أو يصلي الثانية مع الجماعة ويقضي الأولى بعدها؟
فأجاب بقوله: المشهور من المذهب أنه يلزمه قضاء الفائتة وإن فاتته الجماعة، والصحيح أنه يصلي الحاضرة مع الجماعة ويقضي الفائتة بعد ذلك، وإن شاء صلى مع الجماعة ونواها الفائتة ثم يصلي الحاضرة بعد ذلك.
__________
(1) تقدم تخريجه ص16.
(2) تقدم تحريجه ص27.
(12/220)

156) وسئل فضيلته: هل يسقط الترتيب بين الصلوات المقضية بسبب النسيان والجهل؟
فأجاب حفظه الله بقوله: هذه المسألة محل خلاف، والصواب أنه يسقط والدليل عموم قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) ، وقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (2) .

* * *

157) وسئل: عن حكم من نام عن صلاة العشاء ثم قام لصلاة الفجر وصلاها ولكن تذكر صلاة العشاء وهو يصلي الفجر؟ هل يكمل صلاة الفجر أم ماذا يفعل؟
فأجاب فضيلة الشيخ بقوله: نعم، يكمل صلاة الفجر ثم يصلي صلاة العشاء.

* * *

158) سئل فضيلة الشيخ: عن شخص دخل المسجد لصلاة العشاء ثم تذكر أنه لم يصل المغرب فماذا يعمل؟
فأجاب بقوله: إذا دخلت المسجد وصلاة العشاء مقامة ثم تذكرت أنك لم تصل المغرب فتدخل مع الجماعة بنية صلاة المغرب، وإذا قام الإمام إلى الركعة الرابعة، فتجلس أنت في الثالثة وتنتظر الإمام ثم تسلم معه، ولك أن تسلم ثم تدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) أخرجه بن ماجه: كتاب الطلاق / باب طلاق المكره والناسي.
(12/221)

العشاء، ولا يضر اختلاف النية بين الإمام والمأموم على الصحيح من أقوال أهل العلم، وإن صليت المغرب وحدك ثم صليت مع الجماعة فيما أدركت من صلاة العشاء فلا بأس.

* * *

159) سئل فضيلة الشيخ: كيف تقضي الفوائت؟
فأجاب قائلاً: الفوائت من الفرائض تقضى بكل حال في الوقت الذي يزول فيه العذر ولابد من الترتيب، وكذلك صلاة النوافل المؤقتة بوقت كالوتر والرواتب.
وأما النوافل المطلقة فلا تقضى لأنه لا وقت لها، وإنما يصلي نفلاً متى شاء في غير وقت النهي، وأما النوافل ذوات الأسباب فإنه إذا فاتت أسبابها لا تقضى لأنها مربوطة بسببها فإذا تأخرت عنه لم تكن فعلت من أجله فلا تقضى.

* * *

160) وسئل فضيلته عن مريض أجرى عملية جراحية ففاتته عدة فروض من الصلوات، فهل يصليها مجتمعة بعد شفائه؟ أم يصليها كل وقت مع وقته كالظهر مع الظهر وهكذا؟
فأجاب بقوله: عليه أن يصليها جميعاً في آن واحد، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما فاتته صلاة العصر في غزوة الخندق صلاها قبل المغرب (1) وعلى الإنسان إذا فاتته بعض فروض الصلاة أن يصليها جميعاً ولا يؤخرها.

* * *
__________
(1) تقدم تخريجه ص21.
(12/222)

161) وسئل: عن جماعة فاتتهم صلاة العصر نسياناً ولم يتذكروا إلا عند سماع أذان المغرب فصلوا المغرب ثم العصر؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا نسي الإنسان صلاة أو نام عنها وليس عنده من يوقظه أو يذكره حتى خرج وقتها، فإنه كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يصليها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) (1) .
وفي هذه الحالة التي وقعت للسائل فإنه ينبغي عليه أن يبدأ أولاً بصلاة العصر ثم المغرب حتى يكون الترتيب على حسب ما فرض الله عز وجل، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما فاتته الصلوات في أحد الأيام في غزوة الخندق قضاها مرتبة. وقد ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) (2) . وبناء على هذا فلو أنكم حينما جئتم إلى المسجد وهم يصلون المغرب دخلتم معهم بنية العصر، ثم إذا سلم الإمام من صلاة المغرب تأتون ببقية صلاة العصر فتكون الصلاة مغرباً للجماعة، وتكون لكم عصراً، وهذا لا يضر - أعني اختلاف نية الإمام والمأموم - لأن الأفعال واحدة، والذي نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاختلاف في على الإمام وهي الأفعال دون النية. وما وقع منكم على سبيل الجهل، حيث قدمتم المغرب على العصرفإنه لا حرج عليكم في ذلك

* * *

162) وسئل فضيلته: إذا فاتت الإنسان الصلاة لعذر فهل يجوز تأخيرها بعد زوال العذر؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص 16.
(2) تقدم تخريجه ص 153.
(12/223)

فأجاب قائلاً: لا يجوز لك أن تؤخر الصلاة عن وقتها إذا زال العذر، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فليصلها إذا ذكرها)) (1) . فجعل وقت قضائها وقت الذكر، فإن أخرت فأنت آثم.
* * *

163) سئل فضيلة الشيخ: إذا فاتني فرض أو أكثر لنوم أو نسيان، فكيف أقضي الصلاة الفائتة؟ وهل أصليها أولاً ثم الصلاة الحاضرة أم العكس.
فأجاب بقوله: تصلها أولاً، ثم تصل الصلاة الحاضرة، ولا يجوز لك التأخير، وقد شاع عند الناس أن الإنسان إذا فاته فرض فإنه يقضيه مع الفرض الموافق له من اليوم الثاني، فمثلاً لو أنه لم يصل الفجر يوماً فإنه لا يصليه إلا مع الفجر في اليوم الثاني، وهذا غلط، وهو مخالف لهدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القولي والفعلي، أما القولي: فقد ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) (2) . ولم يقل: فليصلها من اليوم الثاني إذا جاء وقتها، بل قال: ((فليصلها إذا ذكرها)) .
وأما الفعلي: فحين فاتته الصلوات في يوم من أيام الخندق صلها قبل الصلاة الحاضرة، فدل هذا على أن الإنسان يصلي الفائتة ثم يصلي الحاضرة، لكن لو نسي فقدم الحاضرة على الفائتة، أو كان جاهلاً لا يعلم فإن صلاته صحيحة، لأن هذا عذر له.وبهذه المناسبة أود أن أقول: إن الصلوات بالنسبة للقضاء على
__________
(1) تقدم تخريجه ص 16.
(2) تقدم تخريجه ص 16.
(12/224)

ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يقضي متى زال العذر، أي عذر التأخير وهي الصلوات الخمس، فإنه متى زال العذر بالتأخير وجب قضاؤها.
القسم الثاني: إذا فات لا يقضى وإنما يقضى بدله، وهو صلاة الجمعة، إذا جاء بعد رفع الإمام من الركعة الثانية فإنه في هذه الحال يصلي ظهراً، فيدخل مع الإمام بنية الظهر، وكذلك من جاء بعد تسليم الإمام فإنه يصلي ظهراً، وأما من أدرك الركوع من الركعة الثانية فإنه يصلي جمعة، أي يصلي ركعة بعدها إذا سلم الإمام، وهذه يجهلها كثير من الناس، فإن بعض الناس يأتي يوم الجمعة والإمام قد رفع من الركعة الثانية، ثم يصلي ركعتين على أنها جمعة وهذا خطأ، بل إذا جاء بعد رفعه من الركعة الثانية فإنه لم يدرك من الجمعة شيئاً فعليه أن يصلي ظهراً، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (1) . ومفهومه أن من أدرك أقل فإنه لم يدرك الصلاة، والجمعة تقضى ظهراً، ولهذا يجب على النساء في البيوت وعلى المرضى الذين لا يأتون الجمعة، يجب عليهم أن يصلوا ظهراً ولا يصلوا جمعة، فإن صلوا جمعة في هذه الحال فإن صلاتهم باطلة ومردودة.
القسم الثالث:صلاة إذا فاتت لا تقضى إلا في نظير وقتها وهي صلاة العيد إذا لم يعلم بها إلا بعد زوال الشمس، فإن أهل العلم يقولون: يصلونها من اليوم التالي من نظير وقتها.
إذن فالقضاء على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يقضى من حين زوال العذر، وهي الصلوات الخمس.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 147.
(12/225)

كذلك الوتر، وشبهه من السنن المؤقتة.
الثاني: ما يقضى بدله وهي صلاة الجمعة فإذا فاتت تقضى ظهراً.
الثالث: ما يقضى هو نفسه ولكن في نظير وقته من اليوم التالي، وهو صلاة العيد إذا فاتت بالزوال فإنها تصلى في نظير وقتها من اليوم التالي. والله الموفق.

* * *

164) وسئل فضيلته: عن رجل فاتته صلاة الفجر لعذر شرعي ونسى أن يصليها وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم تذكر، فماذا يفعل؟ وهل صلاته للظهر والعصر والمغرب والعشاء صحيحة؟
فأجاب بقوله: إذا فاتت الإنسان صلاة الصبح لعذر شرعي ونسى أن يصليها، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم ذكر أنه لم يصل صلاة الفجر، فإنه يؤدي صلاة الصبح ولا حرج عليه، وصلاته للظهر والعصر والمغرب والعشاء صحيحة، لأنه ترك الترتيب ناسياً، والإنسان إذا ترك الترتيب ناسياً فصلاته صحيحة.
* * *
165) سئل فضيلة الشيخ: أعلى الله درجته - عمن نسي صلاة أو نام عنها ولم يذكر أو يستيقظ إلا بعد صلاة الفجر أو بعد العصر فهل يقضيها في هذين الوقتين؟
الجواب: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإذا نام الإنسان عن الفريضة أو صلى محدثاً ناسياً أو جاهلاً ثم ذكر ذلك بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر فإنه يقضيها لعموم الحديث الآنف الذكر.
(12/226)

أما إذا تركها متعمداً حتى خرج وقتها فإن القول الراجح أنها لا تقضي لأن ذلك لا يفيد.
وليعلم أن العلماء اختلفوا فيما إذا وجد سبب صلاة النافلة في وقت النهي هل يجوز فعلها أم لا؟ والصحيح أنه يجوز فعل ذوات الأسباب في الأسباب في أوقات النهي، فإذا دخلت المسجد بعد صلاة الفجر فصل ركعتين، وإذا دخلت المسجد بعد صلاة العصر فصل ركعتين، وهكذا كل نفل وجد سببه في أوقات النهي فإنه يفعل ولا نهي عنه، هذا هو القول الراجح من؟ أقوال أهل العلم، ويكون النهي عن الصلاة في أوقات النهي مخصوصاً بالنوافل المطلقة التي ليس لها سبب، ووجه ترجيح هذا القول أن صلاة ذوات الأسباب جاءت عامة مقيدة بأسبابها فمتي وجد السبب مخصصة لعموم النهي، كما أن في بعض أحاديث النهي ما يدل على أن ذوات الأسباب لا تدخل فيه حيث جاء في بعض ألفاظه: " لا تتحروا الصلاة " (1) . وهذا يدل على أن ما فعل لسبب فلا بأس به لأن ذلك ليس تحرياً للصلاة في هذه الأوقات.
* * *
166) سئل الشيخ حفظه الله تعالى: هناك جماعة من الناس عندهم عادة في رمضان وهي صلاتهم الفروض الخمسة بعد صلاة آخر جمعة ويقولون إنهاء قضاء عن أي فرض من هذه الفروض لم يصله الإنسان أو نسيه في رمضان فما حكم هذه الصلاة؟
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة / باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس.
(12/227)

أفتونا مأجورين.
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم في هذه الصلاة أنها من البدع، وليس لها أصل في الشريعة الإسلامية، وهي لا تزيد الإنسان من ربه إلا بعداً، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار " (1) . فالبدع وإن استحسنها مبتدعوها ورأوها حسنة في نفوسهم فإنها سيئة عند الله عز وجل لأن نبيه صلي الله عليه وسلم يقول: " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ". وهذه الصلوات الخمس التي يقضيها الإنسان في آخر جمعة من رمضان لا أصل لها في الشرع، ثم إننا نقول هل لم يخل هذا الإنسان إلا في خمس صلوات فقط ربما أنه أخل في عدة أيام لا في عدة صلوات، والنهم أن الإنسان ما علم أنه مخل فيه فعليه قضاءه متي علم ذلك لقوله صلي الله عليه وسلم " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (2) . وأما أن الإنسان يفعل هذه الصلوات الخمس احتياطاً - كما يزعمون - فإن هذا منكر ولا يجوز.
* * *
فصل
قال فضيلة لشيخ - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير جزاء -:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي نبينا محمد صلي الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فأن الوقت من أهم شروط الصلاة، لقول الله سبحانه:
(
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
(2) تقدم تخرجه ص 16
(12/228)

إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (103) (1) . وإذا كانت الصلوات خمساً فأوقاتها خمسة أو ثلاثة، خمسة لغير أهل الأعذار، وثلاثة لأهل الأعذار، الذين يجوز لهم الجمع، فالظهر والعصر يكون وقتهما وقتاً واحداً إذا جاز الجمع، والمغرب والعشاء يكون وقتهما وقتاً واحداً إذا جاز الجمع.
والفجر وقت واحد ولهذا فصلها الله عز وجل:) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) (2) ولم يقل لدلوك الشمس إلي طلوع الشمس، بل قال إلي (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) وغسق الليل يكون عند منتصفه، لأن أشد ما يكون ظلمة في الليل منتصف الليل، لأن منتصف الليل هو أبعد ما تكون الشمس عن النقطة التي فيها هذا المنتصف.
ولهذا كان القول الراجح أن الأوقات خمسة كما يلي:
أولاً: الفجر من طلوع الفجر الثاني وهو البياض المعترض في الأفق إلي أن تطلع الشمس.
وهنا أنبه فأقول إن التقويم – تقويم أم القرى- فيه تقديم خمس دقائق في آذان الفجر على مدار السنة، فالذي يصلي أول ما يؤذن يعتبر صلى قبل الوقت، وهذا شئ اختبرناه في الحساب الفلكي، واختبرناه أيضاً في الرؤية.
فلذلك لا يعتمد هذا بالنسبة لأذان الفجر لأنه مقدم وهذه مسألة خطرة جداً، لو تكبر للإحرام فقط قبل أن يدخل الوقت ما صحت صلاتك فريضة، لكن التقاويم الأخرى الفلكية التي بالحساب بينها
__________
(1) سورة النساء، الآية: 103
(2) سورة الإسراء، الآية: 78
(12/229)

وبين هذا التقويم خمس دقائق.
وعلى كل حال وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني إلي طلوع الشمس.
ثانياً: الظهر من زوال الشمس إلي أن يصير ظل كل شئ مثله لكن بعد أن تخصم ظل الزوال، لأن الشمس خصوصاً في أيام الشتاء يكون لها ظل نحو الشمال، هذا ليس بعبرة بل العبرة أنك تنظر الظل ما دام ينقص فالشمس لم تزل، فإذا بدأ يزيد أدني زيادة فإن الشمس قد زالت،
واجعل علامة على ابتداء زيادة الظل فإذا صار ظل الشيء كطوله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر
ثالثاً: وقت العصر إلي أن تصفر الشمس والضرورة إلي غروبها.
رابعاً: وقت المغرب من غروب الشمس إلي مغيب الشفق الأحمر وهو يختلف أحياناً يكون بين الغروب وبين مغيب الشفق ساعة وربع وأحياناً يكون ساعة واثنان وثلاثون دقيقة.
خامساً: وقت العشاء من خروج وقت المغرب إلي منتصف الليل، والمعني: أنك تقدر ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ثم تنصفه، فالنصف هو منتهى صلاة العشاء.
ويترتب على هذا فائدة عظيمة:
لو طهرت المرأة في الثلث الأخير من الليل فليس عليها صلاة العشاء ولا المغرب لأنها طهرت بعد الوقت.
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: " وقت العشاء إلي نصف
(12/230)

الليل " (1) ، ولم يثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديث يدل على أن وقت العشاء يمتد إلي طلوع الفجر أبداً.
ولهذا كان القول الراجح أن وقت العشاء إلي نصف الليل، والآية الكريمة تدل على هذا لأنه فصل الفجر عن الأوقات الأربعة: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي زوالها (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) جمع الله بينها لأنه ليس هناك بينها فاصل أما الفجر فقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78)) (2) فالفجر لا
تتصل بصلاة لا قبلها ولا بعدها، لأن بينها وبين الظهر نصف النهار الأول، وبينها وبين صلاة العشاء نصف الليل الآخر.
واعلم أن الصلاة قبل دخول الوقت لا تقبل حتى لو كبر تكبيرة الإحرام ثم دخل الوقت بعد التكبيرة مباشرة فإنها لا تقبل على أنها فريضة، لأن الشيء المؤقت بوقت لا يصح قبل وقته، كما لو أراد الإنسان أن يصوم قبل رمضان بيوم واحد فإنه لا يجزئه عن رمضان، كذلك الصلاة لكن إن كان جاهلاً لا يدري صارت نافلة ووجب عليه إعادتها فريضة.
أما إذا صلاها بعد الوقت فلا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون معذوراً بجهل أو نسيان أو نوم فهذا تقبل منه.
الجهل: مثل أن لا يعرف أن الوقت قد دخل وقد خرج، فهذا لا شئ عليه، متي علم فإنه يصلي الصلاة وتقبل منه لأنه معذور.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 208
(2) سورة الإسراء، الآية:78.
(12/231)

والنسيان: مثل أن يكون الإنسان اشتغل بشغل عظيم أشغله وألهاه حتى خرج الوقت فإن هذا يصليها ولو بعد خروج الوقت.
النوم كذلك: فلو أن شخصاً نام على أنه سيقوم عند الآذان ولكن صار نومه ثقيلاً فلم يسمع الأذان ولا المنبه الذي وضعه عند رأسه حتى خرج الوقت فإنه يصلي إذا استيقظ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " (1) .
الحال الثانية: أن يؤخر الصلاة عن وقتها عنداً من غير عذر فاتفق العلماء على أنه آثم وعاصي لله ورسوله.
وقال بعض العلماء: أنه يكفر بذلك كفراً مخرجاً عن الملة نسأل الله العافية.
ولكن الصحيح أنه لا يكفر وهذا قول الجمهور، ولكن اختلفوا فيما لو صلاها في هذه الحال، أي بعد أن أخرجها عن وقتها عمداً بلا عذر ثم صلى:
فمنهم من قال: أنها تقبل صلاته لأنه عاد إلي رشده وصوابه، ولأنه إذا كان الناسي تقبل منه الصلاة بعد الوقت فالمتعمد كذلك.
ولكن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة أنها لا تقبل منه إذا أخرها عن وقتها عمداً ولو صلى ألف مرة وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (2) . يعني مردود غير مقبول عند الله، وإذا كان مردوداً فلن يقبل، وهذا الذي أخرج الصلاة عن وقتها عمداً إذا صلاها على غير أمر الله ورسوله.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 16.
(2) تقدم تخريجه ص 21.
(12/232)

وأما المعذور فهو معذور، ولهذا أمره الشارع أن يصليها إذا زال عذره، أما من ليس بمعذور فإنه لو بقي يصلي كل دهره فإنها لا تقبل منه هذه الصلاة التي أخرجها عن وقتها بلا عذر فعليه أن يتوب إلي الله، ويستقيم ويكثر من العمل الصالح والاستغفار ومن تاب تاب الله عليه.
والحمد لله رب العالمين، وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين.

* * *
(12/233)

رسالة في مواقيت الصلاة
أن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله. صلي الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً.
أما بعد: فإن الله تعالى فرض على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة موقتة بأوقات اقتضتها حكمة الله تعالي ليكون العبد على صلة بربه تعالي في هذه الصلوات مدة الأوقات كلها، فهي للقلب بمنزلة الماء للشجرة تسقى به وقتاً فوقتاً لا دفعة واحدة ثم يقطع عنها.
ومن الحكمة في تفريق هذه الصلوات في تلك الأوقات أن لا يحصل الملل والثقل على العبد إذا أداها كلها في وقت واحد، فتبارك الله تعالي أحكم الحاكمين.
وهذه رسالة موجزة نتكلم فيها على أوقات الصلوات في الفصول التالية:
الفصل الأول: في بيات المواقيت.
الفصل الثاني: في بيان وجوب فعل الصلاة في وقتها، وحكم تقديمها في أوله أو تأخيرها عنه.
الفصل الثالث: فيما يدرك به الوقت وما يترتب على ذلك.
الفصل الرابع: في حكم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما.
(12/234)

وقد مشينا فيها على ما تقضيه دلالة الكتاب والسنة، وأسندنا المسائل إلي أدلتها ليكون المؤمن سائراً على بصيرة ويزداد ثقة وطمأنينة.
والله المسئول المرجو الإجابة أن يثبتا على ذلك وأن يجعل فيه الخير والبركة للمسلمين، أنه جواد كريم.
(12/235)

الفصل الأول
في بيان المواقيت
قال الله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ 44) (1) .
وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (89) (2) .
فما من شئ يحتاج العباد في دينهم أو دنياهم إلي معرفة حكمه إلا بينه الله تعالى في كتابه أو سنة رسوله صلي الله عليه وسلم، فإن السنة تبين القرآن وتفسره وتخصص عمومه وتقيد مطلقه، كما أن القرآن يبين لعضه بعضاً ويفسره ويخص عمومه ويقيد مطلقه، والكل عند الله تعالى، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " (3) . رواه أحمد وأبو داود وسنده صحيح.
ومن أفراد هذه القاعدة الكلية العامة بيان أوقات الصلوات الخمس أوكد الأعمال البدنية فرضية وأحبها إلي الله عز وجل، فقد بين الله تعالى هذه الأوقات في كتابه وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم بياناً شافياً ولله الحمد.
أما في كتاب الله فقد قال الله تعالى:) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) (4) .
__________
(1) سورة النحل، الآية: 44
(2) سورة النحل، الآية:89
(3) أخرجه الإمام أحمد 4/131، وأبو داود: كتاب السنة / باب في لزوم السنة (4604) .
(4) سورة الإسراء، الآية:78.
(12/236)

فأمر الله تعالى نبيه صلي الله عليه وسلم – والأمر له أمر لأمته معه – أن يقيم الصلاة لدلوك الشمس أي من زوالها عند منتصف النهار إلي غسق الليل وهو اشتداد ظلمته، وذلك عند منتصفه ثم فصل فقال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) أي صلاة الفجر وعبر عنها بالقرآن لأنه يطول فيها.
واشتمل قوله تعالى: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) . أوقات صلوات أربع هي: الظهر والعصر، وهما صلاتان نهاريتان في النصف الأخير من النهار.
والمغرب والعشاء، وهما صلاتان ليليتان في النصف الأول من الليل.
أما وقت الفجر ففصله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) وعلم تعيين الوقت من إضافته إلي الفجر وهو تبين ضوء الشمس في الأفق.
وإنما جمع الله تعالى الأوقات الأربع دون فصل لأن أوقاتها متصل بعضها ببعض فلا يخرج وقت الصلاة منها إلا بدخول التالية،
وفصل وقت الفجر لأنه لا يتصل بوقت قبله ولا بعده فإن بينه وبين وقت صلاة العشاء نصف الليل الأخير، وبينه وبين صلاة الظهر نصف النهار الأول كما يتبين ذلك من السنة إن شاء الله تعالى.
وأما في سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لن يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس،ووقت صلاة المغرب ما لم يغيب الشفق، ووقت العشاء إلي نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس " (1) وفي رواية: وقت العشاء إلي نصف
__________
(1) تقدم تخريجه ص 208
(12/237)

الليل " ولم يقيده بالأوسط.
وله من حديث أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه – عن الرسول صلي الله عليه وسلم أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئاً قال: فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً ثم أمره (يعني أمر بلال كما في رواية النسائي) فأقام بالظهر حين زالت الشمس.
والقائل يقول: قد انتصف النهار وهو كان أعلم منهم ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت (وفي رواية النسائي غربت) ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت. ثم أخر الظهر حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول: قد احمرت الشمس ثم أخر المغرب حتى سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل فقال: " الوقت بين هذين " (1)
فاتضح بهذه الآية الكريمة والسنة النبوية القولية والفعلية بيان أوقات الصلوات الخمس بياناً كافياً على النحو التالي:
وقت صلاة الظهر من زوال الشمس- وهو تجاوزها وسط السماء إلي أن يصير ظل كل شئ مثله ابتداء من الظل الذي زالت عليه الشمس.
وقت صلاة العصر من كون ظل الشيء مثله إلي أن تصفر الشمس أو تحمر.
ويمتد وقت الضرورة إلي الغروب لحديث إبي هريرة – رضي الله
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب المساجد /باب أوقات الصلوات الخمس.
(12/238)

عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (1) .متفق عليه
وقت صلاة المغرب من غروب الشمس إلي مغيب الشفق وهو الحمرة.
وقت صلاة العشاء الآخرة من مغيب الشفق إلي نصف الليل.
ولا يمتد وقتها ألي طلوع الفجر لنه خلاف ظاهر القرآن وصريح السنة حيث قال الله تعالي (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) (2) ولم يقل إلي طلوع الفجر. وصرحت السنة بأن وقت صلاة العشاء ينتهي بنصف الليل كما رأيت في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني- وهو البياض المعترض في الأفق الشرقي الذي ليس بعده ظلمة – إلي طلوع الشمس.
وهذه المواقيت المحددة إنما تكون في مكان يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة سواء تساوى الليل والنهار أم زاد أحدهما على الآخر زيادة قليلة أو كثيرة.
أما المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرون ساعة فلا يخلو: إما أن يكون ذلك مطرداً في سائر العام، أو في أيام قليلة منه.
فإن كان في أيام قليلة منه مثل أن يكون المكان يتخلله الليل
__________
(1) تقدم تخريجه ص 106.
(2) سورة الإسراء، الآية 78.
(12/239)

والنهار في أربع عشرون ساعة طيلة فصول السنة، لكن في بعض الفصول يكون فيه أربعاً وعشرين ساعة أو أكثر والنهار كذلك، ففي هذه الحالة إما أن يكون في الأفق ظاهرة حية يمكن بها تحديد الوقت كابتداء زيادة النور مثلاً أو انطماسه بالكلية، فيعلق الحكم بتلك الظاهرة، وإما أن لا يكون فيه ذلك فتقدر أوقات الصلاة بقدرها في آخر يوم قبل استمرار الليل في الأربع والعشرين ساعة أو النهار.
فإذا قدرنا أن الليل كان قبل أن يستمر عشرين ساعة، والنهار فيما بقي من الأربع والعشرين، جعلنا الليل المستمر عشرين ساعة فقط.
والباقي نهاراً واتبعنا فيه ما سبق في تحدي أوقات الصلوات.
إما إذا كان المكان لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة طيلة العام في الفصول كلها فإنه يحدد لأوقات الصلاة بقدرها لما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر الدجال الذي يكون في آخر الزمان فسألوه عن لبثه في الأرض فقال: " أربعون يوماً،يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم "
قالوا: يا رسول الله فذلك اليوم كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟
قال: " لا، اقدروا له قدره " (1)
فإذا ثبت أن المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار يقدر له قدره فماذا نقدره؟
يري بعض العلماء، أنه يقدر بالزمن المعتدل، فيقدر الليل باثنتي عشرة ساعة وكذلك النهار، لأنه لما تعذر اعتبار هذا المكان بنفسه اعتبر بالمكان المتوسط، كالمستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز.
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الفتنه وأشراط الساعة /باب ذكر الدجال وصفته وما معه.
(12/240)

ويري آخرون أنه يقدر بأقرب البلاد إلي هذا المكان مما يحدث فيه ليل ونهار في أثناء العام، لأنه لما تعذر اعتباره بنفسه اعتبر بأقرب الأماكن شبهاً به وهو أقرب البلاد إليه التي يتخللها الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة.
وهذا القول أرجح لأنه أقوى تعليلاً وأقرب إلي الواقع. والله أعلم.
(12/241)

الفصل الثاني
وجوب فعل الصلاة في وقتها وحكم تقديمها في أوله
أو تأخيرها عنه
يجب فعل الصلاة جميعها في وقتها المحدد لها لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (:103) (1) .أي فرضاً ذا وقت. ولقوله تعالي " (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (78) . (2) . والأمر للوجوب.
وعن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما - أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر يوماً فقال " من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة،وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف " (3) . قال المنذري: رواه أحمد بإسناد جيد.
فلا يجوز للمسلم أن يقدم الصلاة كلها أو بعضها قبل دخول وقتها، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى والاستهزاء بآياته.
فإن فعل ذلك معذوراً بجهل أو نسيان أو غفلة فلا إثم عليه، وله أجر ما عمل، وتجب عليه الصلاة إذا دخل وقتها، لأن دخول الوقت هو وقت الأمر فإذا أتى بها قبله لم تقبل منه ولن تبرأ بها ذمته لقول النبي
__________
(1) سورة النساء، الآية: 103
(2) سورة النساء، الآية: 78.
(3) تقدم تحريجه ص 50.
(12/242)

صلي الله عليه وسلم " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (1) . أي: مردود. رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها، ولا يجوز للمسلم أن يؤخر الصلاة وقتها، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالي والاستهزاء بآياته، فإن فعل ذلك بدون عذر فهو آثم وصلاته مردودة غير مقبولة ولا مبرئه لذمته، لحديث عائشة السابق، وعليه أن يتوب إلي الله تعالى ويصلح عمله فيما استقبل من حياته.
وأن أخر الصلاة عن وقتها لعذر من نوم أو نسيان، أوشغل ظن أن يبيح له تأخيرها عن وقتها فإنه يصليها متى زال ذلك العذر لحديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " (2) . وفي رواية: " من نسي صلاة أو نام عنها ".متفق عليه.
وإذا تعددت الصلوات التي فاتته بعذر فإنه يصليها مرتبة من حين زوال عذره ولا يؤخرها إلي نظيرها من الأيام التالية لحديث جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة الخندق توضأ بعدما غربت الشمس فصلى العصر ثم صلى بعدها المغرب (3) . متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: حسبنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل قال: فدعا رسول الله صلي الله عليه وسلم بلالاً فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها
__________
(1) تقدم تخريجه ص 21.
(2) تقد تخريجه ص 16.
(3) تقدم تخريجه ص 21.
(12/243)

ثم أمره فأقام الصلاة للمغرب فصلاها كذلك. (1) . رواه أحمد.
وفي هذا الحديث دليل على أن الفائتة تصلى كما تصلى في الوقت ويؤيده حديث أبي قتادة – رضي الله عنه – في قصة نومهم مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قال: ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم (2) .الحديث رواه مسلم. وعلى هذا فإذا صلى بالنهار صلاة فائتة من صلاة الليل جهر فيها بالقراءة، وإذا صلى في الليل فائتة من صلاة النهار أسر فيها بالقراءة كما يدل على الأول حديث أبي قتادة، وعلى الثاني حديث أبي سعيد.
وإذا صلى الفوائت غير مرتبة لعذر فلا حرج عليه، فإذا جهل أن عليه صلاة فائتة فصلى ما بعدها ثم علم بالفائتة صلاها ولن يعد التي بعدها، وإذا نسي الصلاة الفائتة فصلى ما بعدها ثم ذكر الفائتة صلاها ولم يعد التي بعدها لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (3) .
قال أهل العلم: وإذا كان عليه فائتة فذكرها أوعلم بها عند خروج وقت الحاضرة صلى الحاضرة أولاً، ثم صلى الفائتة لئلا يخرج وقت الحاضرة قبل أن يصليها فتكون الصلاتين كلتهما فائتتين.
والأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها، لأن هذا هو فعل النبي صلي الله عليه وسلم وهو أسبق إلي الخير، وأسرع في إبراء الذمة.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 3/25.
(2) أخرجه مسلم: كتاب المساجد /باب قضاء الصلاة الفائتة ...
(3) سورة البقرة، الآية:286.
(12/244)

ففي صحيح البخاري عن أبي برزة الأسلمي- رضي الله عنه – أنه سئل كيف كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلى المكتوبة؟ قال: كان يصلى الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس. وفي رواية: إذا زالت الشمس، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلي رحله في أقصى المدينة والشمس حية.
ونسيت ما قال في المغرب – لكن روى مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب (1) ، ومن حديث رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله (2) . وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ويقرأ بالستين إلي المئة (3) .
وله من حديث أنس: كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلي العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه. زفي رواية: كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب منا إلي قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة (4)
__________
(1) أخرجه البخاري:كتاب مواقيت الصلاة / باب وقت العصر، ومسلم: كتاب المساجد /باب استحباب التبكير بالعصر.
(2) أخرجه مسلم: كتاب المساجد/باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس.
(3) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة /باب وقت المغرب، ومسلم: كتاب المساجد / باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس.
(4) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة / باب وقت العصر.
(12/245)

ولهما من حديث جابر- رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم يصلي صلاة العشاء أحياناً وأحياناً، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطؤوا أخر، والصبح كانوا أو كان النبي صلي الله عليه وسلم يصليها بغلس (1) .
وفي صحيح البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلي الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلي بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس (2) .
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلي الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فذكر الحديث وفيه: " ولولا أن يثقل على أنتي لصليت بهم هذه الساعة، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلي " (3) .
وفي صحيح البخاري عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه- قال كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقال النبي صلي الله عليه وسلم " أبرد " ثم أراد أن يؤذن فقال له " أبرد " حتى رأينا فيء التلول ". وفي رواية حتى ساوى الظل التلول. فقال النبي صلي الله عليه وسلم " إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة " (4) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 190.
(2) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة / باب وقت الفجر.
(3) أخرجه مسلم: كتاب المساجد /باب وقت العشاء وتأخيرها.
(4) تقدم تخريجه ص 205.
(12/246)

ففي هذه الأحاديث دليل على أن السنة المبادرة بالصلاة في أول وقتها سوى صلاتين:
الأولى: صلاة الظهر في شدة الحر فتؤخر حتى يبرد الوقت وتمتد الأفياء.
الثانية: صلاة العشاء الآخرة فتؤخر إلي ما بعد ثلث الليل إلا أن يحصل في ذلك مشقة فيراعى حال المأمومين إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤوا أخر.
(12/247)

الفصل الثالث
فيما يدرك به الوقت وما يترتب على ذلك

يدرك الوقت بإدراك ركعة،بمعني أن الإنسان إذا أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة فقد أدرك تلك الصلاة لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه -أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (1) . متفق عليه وفي رواية: " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (2) .
وفي رواية البخاري: " إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته " (3) .فدلت هذه الروايات بمنطوقها على أن من أدرك ركعة من الوقت بسجدتيها فقد أدرك الوقت، ودلت بمفهومها على أن من أدرك أقل من ركعة لم يكن مدركاً للوقت.
ويترتب على هذا الإدراك أمران:
أحدهما: إنه إذا أدرك من الصلاة ركعة في الوقت صارت الصلاة كلها أداء، ولكن لا يعني ذلك أنه يجوز له أن يؤخر بعض الصلاة
__________
(1) تقدم تخريجه ص 147.
(2) تقدم تخريجه ص 106.
(3) أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة /باب من أدرك ركعة من العصر قبل المغرب.
(12/248)

عن الوقت، لأنه يجب فعل الصلاة جميعها في الوقت.
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول:" تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر فيها إلا قليلاً " (1) .
الأمر الثاني: إنه إذا أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة وجبت عليه سواء كان ذلك من أول الوقت أم من آخره.
مثال ذلك من أوله: أن تحيض امرأة بعد غروب الشمس بمقدار ركعة فأكثر ولم تصل المغرب، فقد وجبت عليها صلاة المغرب حينئذ فيجب عليها قضاؤها إذا طهرت.
ومثال ذلك آخره: أن تطهر امرأة من الحيض قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة فأكثر، فتجب عليها صلاة الفجر.
فإذا حاضت بعد غروب الشمس بأقل من مقدار ركعة أو طهرت قبيل طلوع الشمس بأقل من ركعة لم تجب عليها صلاة المغرب في المسألة الأولي ولا صلاة الفجر في المسألة الثانية،لأن الإدراك فيها أقل من مقدار ركعة.
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب المساجد /باب استحباب التبكير بالعصر
(12/249)

الفصل الرابع
في حكم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما

سبق في الفصل الثاني بيان وجوب فعل كل صلاة في وقتها المحدد لها وهذا هو الأصل، لكن إذا وجدت حالات تستدعي الجمع بين الصلاتين أبيح الجمع، بل كان مطلوباً ومحبوباً 'لي الله تعالى لموافقته لقاعدة الدين الإسلامي التي أشار الله تعالى إليها بقوله " (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (1) .
وقوله (ِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (2) .
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " إن الدين يسر ولن يشاد أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا " (3) .
وفي الصحيحين عن أبي موسى أن النبي صلي الله عليه وسلم قال حين بعثه ومعاذاً إلي اليمن: " يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا " (4) .
وفي رواية لمسلم عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: كان النبي
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 185.
(2) سورة الحج، الآية: 78.
(3) تقدم تخريجه ص 217.
(4) أخرجه البخاري: كتاب المغازي /باب بعث أبي موسى ومعاذ إلي اليمن قبل حجة الوداع، ومسلم: كتاب الجهاد والسير /باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير.
(12/250)

صلي الله عليه وسلم إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره قال: " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " (1) .وفيهما عن أنس – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " يسروا ولا تعسروا وبشروا (وفي رواية: سكنوا) ولا تنفروا " (2) .
إذا تبين هذا فقد وردت السنة بالجمع بين الصلاتين: الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء في وقت إحداهما في عدة مواضع:
الأول: في السفر سائراً أو نازلاً:
ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر (3) .
وفي صحيح مسلم عنه قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول العصر فيجمع بينهما (4) .
وفيه أيضاً عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء (5) .
وفيه عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال: خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الجهاد والسير/ باب الأمر بالتيسير وترك التنفير.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الأدب /باب قول النبي صلي الله عليه وسلم " يسروا ولا تعسروا "، ومسلم: كتاب الجهاد والسير /باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير.
(3) أخرجه البخاري: كتاب التقصير الصلاة / باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء.
(4) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر.
(5) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين / باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.
(12/251)

والعشاء جميعاً (1) .
وفي صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة –رضي الله عنه – حين أتي النبي صلي الله عليه وسلم وهو في الأبطح بمكة في الهاجرة (أي وقت الظهر) قال: فخرج بلال فنادى بالصلاة، ثم دخل فأخرج فضل وضوء رسول الله صلي الله عليه وسلم فوقع الناس عليه يأخذون منه، ثم دخل فأخرج العنزة وخرج النبي صلي الله عليه وسلم (أي من قبة كان فيها أدم) كأني أنظر إلي بياض ساقيه فركز العنزة ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين. (2) .
وظاهر هذه الأحاديث أنه كان يجمع بين الصلاتين وهو نازل، فإما أن يكون ذلك لبيان الجواز، أو أن ثمة حاجة إلي الجمع، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يجمع في حجته حين كان نازلاً بمنى، وعلى هذا فنقول: الأفضل للمسافر النازل أن لا يجمع، وأن جمع فلا بأس إلا أن يكون في حاجة إلي الجمع إما لشدة تعبه ليستريح، أو لمشقة طلب الماء عليه لكل وقت ونحو ذلك فإن الأفضل له الجمع واتباع الرخصة.
وأما المسافر السائر فلأفضل له الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء – حسب الأيسر له – إما جمع تقديم يقد الثانية في وقت الأولي، وإما جمع تأخير يؤخر الأولي إلي وقت الثانية.
ففي الصحيحين عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس – أي تزول – أخر الظهر إلي وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين / باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء / باب استعمال فضل وضوء الناس.
(12/252)

صلى الظهر ثم ركب (1) .
وذكر في فتح الباري أن إسحاق بن راهويه روى هذا الحديث عن شبابة فقال: كان إذا في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل. قال: وأعل بتفرد إسحاق به شبابة، ثم تفرد جعفر الغريابي به عن إسحاق قال: وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان (2) .
الثاني: عند الحاجة إلي الجمع بحيث يكون في تركه حرج ومشقة سواء كان ذلك في الحضر أم في السفر.
لما رواه مسلم عن ابن عباس – رضي الله عنهما- أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر فقيل لم فعل ذلك؟ قال: " كي لا يحرج أمته " (3) .
وروي عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال: جمع رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك بن الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل ما حمله على ذلك؟ قال: " أراد أن لا يحرج أمته " (4) .
ففي هذين الحديثين دليل على أنه كلما دعت الحاجة إلي لجمع بين الصلاتين وكان في تركه حرج ومشقة فهو جائز سواء كان ذلك في
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب تقصير الصلاة / باب يؤخر الظهر إلي العصر، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين / باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر.
(2) فتح الباري 2/679.
(3) تقدم تخريجه ص 34.
(4) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " 5/ 237، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب الجمع بين الصلاتين.
(12/253)

حضر أو في سفر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فالأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة، وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى، ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج كالمستحاضة وأمثال ذلك من الصور" اهـ. ونقل في الإنصاف عنه أي عن شيخ الإسلام ابن تيمية جواز الجمع لتحصيل الجماعة إذا كانت لا تحصل له لو صلى في الوقت، قلت: ودليل ذلك ظاهر من حديث ابن عباس حيث دل على جواز الجمع للمطر وما ذلك إلا لتحصيل الجماعة لأنه يمكن لكل واحد أن يصلي في الوقت منفرداً ويسلم من مشقة المطر بدون جمع.
الموضوع الثالث: الجمع في عرفة ومزدلفة أيام الحج:
ففي صحيح مسلم من حديث جابر –رضي الله عنه – في صفة حج النبي صلي الله عليه وسلم قال: فأجاز رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتي بطن الوادي فخطب الناس، قال: ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً (1) .
وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد وكان رديف النبي صلي الله عليه وسلم من عرفة إلي المزدلفة قال: فنزل الشعب فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له: الصلاة أمامك " فركب فلما جاء
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الحج /باب حجة النبي صلي الله عليه وسلم
(12/254)

المزدلفة نزل فتوضأ، فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئاً (1) .
وفي حديث جابر الذي رواه مسلم أنه صلى في المزدلفة المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين (2) .
ففي هذين الحديثين أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع في عرفة بين الظهر والعصر جمع تقديم، وجمع في مزدلفة بين المغرب والعشاء جمع تأخير. وإنما أفردنا ذكرهما لأن العلماء اختلفوا في علة الجمع فيهما: فقيل: السفر وفيه نظر، لان النبي صلي الله عليه وسلم لم يجمع في منى قبل عرفة ولا حين رجع منها.
وقيل: النسك، وفيه أيضاً إذ لو كان كذلك لجمع النبي صلي الله عليه وسلم من حين أحرم، وقيل: المصلحة والحاجة وهو الأقرب فجمع عرفة لمصلحة طول زمن الوقوف والدعاء،ولأن الناس يتفرقون في الموقف فإن اجتمعوا للصلاة شق عليهم، وإن صلوا متفرقين فاتت مصلحة كثرة الجمع. أما في مزدلفة فهم أحوج إلي الجمع، لأن الناس يدفعون من عرفة بعد الغروب فلو حبسوا لصلاة المغرب فيها لصلوها من غير خشوع ولو أوقفوا لصلاتها في الطريق لكان ذلك أشق فكانت الحاجة داعية إلي تأخير المغرب لتجمع مع العشاء هناك.
وهذا عين الصواب والمصلحة لجمعه بين المحافظة على
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء / باب الجمع بين الصلاتين بمزدلفة، ومسلم: كتاب الحج /باب الإفاضة من عرفات إلي المزدلفة.
(2) تقدم تخريجه ص 161.
(12/255)

الخشوع في الصلاة ومراعاة أحوال العباد. ...
فسبحان الحكيم الرحيم، ونسأله تعالى أن يهب لنا من لدنه رحمة وحكمة إنه هو الوهاب،والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد خير المخلوقات، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان مدى الأوقات.
(12/256)

فصل
قال فضيلة الشيخ - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً:
من أهم شروط الصلاة الطهارة من الحدث والنجس وقد ذكرها الله تعالى في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه) (1) .
فالوضوء تطهير الأعضاء الأربعة: غسل الوجه ومنه المضمضة والاستنشاق، غسل اليدين إلي المرفقين، مسح الرأس ومنه الأذنان، وغسل الرجلين إلي الكعبين، هذا الوضوء وهذا هو الواجب فيه، أما الأكمل فهو أن تسمي الله، والتسمية على الوضوء سنة إن فعلها الإنسان فهو أكمل وأفضل، وإن تركها فوضوءه صحيح لاسيما إذا كان ناسياً، ثم اغسل كفيك ثلاث مرات، ثم تمضمض واستنشق ثلاث مرات بثلاث غرفات، أو بست غرفات يكون المضمضة ثلاثة غرفات والاستنشاق ثلاث غرفات، ثم اغسل وجهك طولاً من منابت الشعر إلي أسفل اللحية، وما استرسل من اللحية فإنه داخل غسل الوجه،ومن الأذن إلي الأذن عرضاً، يجب عليك أن تغسل كل ذلك لأنه داخل في الوجه، ويجب عليك بعد هذا أن تغسل اليدين من أطراف الأصابع إلي المرفقين، والمرفقان داخلان في الغسل فيجب عليك أن تغسل
__________
(1) سورة المائدة، الآية:6.
(12/257)

المرفقين حتى تشرع في العضدين، لأن أبا هريرة رضي الله عنه توضأ حتى أشرع في العضد، وقال رأيت النبي صلي الله عليه وسلم يتوضأ.
ثم تمسح رأسك بيديك ابتداء من المقدم إلي أن تصل إلي المؤخرة ثم ترجع إلي المقدم مرة ثانية، ثم تمسح الأذنين تدخل السبابتين في صماخي الأذنين وتمسح بإبهاميهما ظاهر الأذنين، والأفضل ألا تأخذ للأذنين ماءً جديداً لأن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه أخذ ماءً جديداً للأذنين وقد قال صلي الله عليه وسلم " الأذنان من الرأس " (1) .،
ثم بعد ذلك تغسل الرجلين إلي الكعبين والكعبان داخلان في الغسل، والسنة أن تثلث في غسل الكفين وغسل الوجه والمضمضة والاستنشاق وفي غسل اليدين إلي المرفقين، وفي غسل الرجلين إلي الكعبين، أما الرأس فلا ينبغي أن تثلث فيه لأن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يثلث في الرأس، وإذا كان الإنسان لابساً الشراب أو الكنادر فإنه إذا لبسهما على طهارة يمسح عليهما بدلاً عن غسل الرجلين ثلاث ليال بلياليها إن كان مسافراً، ويوماً وليلة إن كان مقيماً، والمسح يكون من أطراف الأصابع إلي الساق، بشرط ألا يكون عليه جنابة فإن كان عليه جنابة فلابد أن يخلعهما ويغسل رجليه كما يغسل سائر جسده، واعلم أن ابتداء المدة من أول مسحة يمسحها الإنسان بعد الحدث، وليس من اللبس، ولا من الحدث بعد اللبس، فإذا تطهر ولبس خفيه لصلاة الفجر وأحدث في الضحى ولم يمسحهما إلا لصلاة الظهر فإن ابتداء المدة يكون من مسحهما لصلاة الظهر، لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول: " يمسح المقيم "، ويكون المسح إلا بتحققه فعلاً،
__________
(1) أخرجه أبو داود: كتاب الطهارة /باب صفة وضوء النبي صلي الله عليه وسلم (134) ، والترمذي: أبواب الطهارة/باب ما جاء أن الأذنين من الرأس (37) ، وأبن ماجة: كتاب الطهارة /باب الأذنان من الرأس (443) من حديث أبي أمامة.
(12/258)

وكذلك إذا كان في الإنسان جرح أو كسر ووضع عليه خرقة بقدر الحاجة فإنه يمسحها بدلاً عن الغسل سواء كان في الجنابة أو الحدث الأصغر، ولا يشترط أن يلبسها على طهارة بخلاف الخف فإنه لابد أن يلبسه على طهارة وذلك لأن الحديث الوارد عن الرسول صلي الله عليه وسلم ي الجبيرة ليس فيه اشتراط أن يلبسها على طهارة، ويمسح الجبيرة مادامت عليه، ولا يحتاج إذا مسح عليها أن يتيمم معها، وذلك لأن المسح قائم مقام الغسل عند الضرورة، وفي آخر الآية الكريمة ذكر الله تعالي أن الإنسان إن كان مريضاً يعني مرضاً يضره معه استعمال الماء، أو كان مسافراً يعني يثقله حمل الماء فإنه في هذه الحال يتيمم، والتيمم هو ضرب الأرض باليدين ثم مسح الوجه والكفين بعضهما ببعض، ويسمى عند العامة العفور لأن الإنسان يعفر وجهه بالتراب تعبداً لله عز وجل، واعلم أيها الأخ
المسلم أن التيمم ينوب مناب الماء عند عدمه، وأنه مطهر طهارة كاملة حتى يجد الإنسان الماء،لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً " (1) .والطهور ما يتطهر به وكذلك قال الله تعالى لما ذكر التيمم قال " (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (2) فإذا تيممت لصلاة الفجر مثلاً وبقيت طهارتك إلي صلاة الظهر فإنك تصلي الظهر فإنك تصلى الظهر بتيمم الفجر ولا حرج عليك في ذلك ما دمت لم تنقض طهارتك وكذلك إذا تيممت لصلاة الظهر فلك أن تصلى العصر بذلك التيمم مادامت طهارتك باقية، لأن الله تعالى جعل التيمم مطهراً، فإذا كان مطهراً فإنه رافع الحدث، ولكن رفعه
__________
(1) تقدم تخريجه ص 95.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
(12/259)

للحدث مؤقت بزوال موجبه وهو فقد الماء أو المرض، فإذا وجد الإنسان الماء وجب عليه أن يستعمل الماء وإذا برئ من المرض وجب عليه استعمال الماء، وإذا قدر أن رجلاً كان مسافراً وأصابته جنابة وليس معه ماء فإنه يتيمم عن الجنابة ويصلى ولا يعيد التيمم عن الجنابة مرة ثانية عند الصلاة الثانية أو الثالثة لأن تيممه الول عن الجنابة رفع الجنابة، ولكن يتيمم إن طرأ عليه حدث أصغر، يتيمم للحدث الأصغر، ثم إذا وجد الماء أو وصل إليه في البلد وجب عليه أن يغتسل من الجنابة التي أصابته في السفر ويتيمم لها لقول النبي صلي الله عليه وسلم: " الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته " (1) .
هذه هي الطهارة من الأحداث وهي شرط للصلاة لا تصح إلا بها، فلو صلى المحدث بغير وضوء ناسياً أو صلى من عليه جنابة بغير غسل ناسياً وجب عليه إعادة الصلاة لأن شرط لا يسقط بالنسيان.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 5/146-147و155و180، وأبو داود: كتاب الطهارة /باب الجنب يتيمم (332و33) ، الترمذي: كتاب الطهارة /باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء (124) ، والنسائي: كتاب الطهارة /باب الصلوات بتيمم واحد (321) ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(12/260)

ستر العورة
(12/261)

167) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة بالثياب البيضاء الشفافة وتحتها سراويل قصيرة لا تواري إلا الجزء اليسير من الفخذ والبشرة ظاهرة منها بوضوح تام؟

فأجاب بقوله: إذا لبس المرء سروالاً قصيراً لا يغطي ما بين السرة والركبة، ولبس فوقه ثوباً شفافاً فإنه في الحقيقة لم يستر عورته، لأن الستر لابد فيه التغطية، بحيث لا يتبين لون الجلد من وراء الساتر، وقد قال الله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (1) .وقال صلي الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه وسلم في الثوب" إن كان ضيقاً فأتزر به وإن كان واسعاً فالتحف به" (2) .

وأجمع العلماء على أن من صلى عرياناً وهو يقدر على ستر عورته فإن صلاته لا تصح.

وعلى هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بهذه الملابس أن يلبسوا سروالاً يستر ما بين السرة والركبة، أو يلبسوا ثوباً صفيقاً لا يشف عن العورة لكي يقوموا بأمر الله تعالى: ((يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) .

* * *

168) سئل فضيلته: عن حكم الصلاة في الثياب الشفافة؟

فأجاب بقوله: الجواب على هذا السؤال وهو ما يفعله بعض الناس أثناء الصيف من لبس الثياب الخفيفة وتحتها سراويل قصيرة لا
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 31.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة في الثياب /باب إذا كان الثوب ضيقاً، ومسلم: كتاب الزهد والرقائق/باب حديث جابر الطويل
(12/263)

تصل إلي الركبة، أن هذا حرام، ولا تجوز الصلاة به، لأن من شرط صحة الصلاة أن يستر الإنسان ما بين سرته وركبته، فإذا كان السروال قصيراً لا يستر ما بين السرة والركبة، والثوب خفيفاً يتبين لون البشرة من ورائه، فإنه حينئذ لا يكون ساتراً لعورته التي يجب سترها، فإنه لو صلى مهما صلى تكون صلاته باطلة، وعلى هذا فعلى إخواننا إما أن يغيروا السروال إلي سروال طويل يستر ما بين السرة والركبة، أو يلبسوا ثياباً صفيقة لا تشف عن البشرة، والله الموفق.
* * *
169) سئل فضيلة الشيخ: كثير من الناس يصلون بثياب خفيفة تصف البشرة ويلبسون تحت هذه الثياب سراويل قصيرة لا تتجاوز منتصف الفخد فيشاهد منتصف الفخذ من وراء الثوب، فما حكم صلاة هؤلاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم صلاة هؤلاء حكم من صلى بغير ثوب سوى السراويل القصيرة، لأن الثياب الشفافة التي تصف البشرة غير ساترة ووجودها كعدمها، وبناء على ذلك فإن صلاتهم غير صحيحة على أصح قولي العلماء وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - وذلك لأنه يجب على المصلي من الرجال أن يستر ما بين السرة والركبة وهذا أدنى ما يحصل به امتثال قول الله -عز وجل -: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (1) . فالواجب عليهم أحد أمرين: إما أن يلبسوا سراويل تستر ما بين السرة والركبة، وإما أن يلبسوا فوق هذه السراويل القصيرة ثوباً صفيقاً لا يصف البشرة.
__________
(1) سورة الأعراف، الآية:31.
(12/264)

وهذا الفعل الذي ذكر في السؤال خطأ وخطير فعليهم أن يتوبوا إلي الله تعالى منه، وأن يحرصوا على إكمال ستر ما يجب ستره في صلاتهم. نسأل الله تعالى لنا ولإخواننا المسلمين الهداية والتوفيق لما يحبه ويرضاه إنه جواد كريم. حرر في 5 رمضان 1408 هـ.
* * *
170) وسئل فضيلة الشيخ:- حفظه الله تعالى - هل الفخذ عورة؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة مختلف فيها:فمن أهل العلم من يرى أن الفخذ ليس بعورة بالنسبة للرجل، وأنه لا يجب على الرجل ستره وظاهر كلامهم الإطلاق في الصلاة وغيرها، ومنهم من يرى أن الفخذ عورة في الصلاة وغير الصلاة، والأحاديث في ذلك: إما صحيحة غير صريحة، وإما صريحة غير صحيحة، ولذلك قال البخاري رحمه الله: إن حديث أنس يعني انكشاف فخد النبي صلي الله عليه وسلم الله عليه الصلاة والسلام وسلم الله عليه الصلاة والسلام الصلاة والسلام وسلم الله عليه الصلاة والسلام الصلاة والسلام الصلاة والسلام وسلم الله عليه الصلاة والسلام الصلاة والسلام الصلاة والسلام الصلاة والسلام وسلم الله وسلم أسند وحديث جرهد أحوط (1) . فكأن البخاري رحمه الله يقول الأحاديث الصحيحة تدل على أن الفخذ ليس بعورة، لأنه بدا من النبي صلي الله عليه وسلم الله، والنبي صلي الله عليه وسلم أشد الناس حياءً، ولو كان الفخذ عورة ما كشفه الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن في حديث علي بن أبي طالب قول النبي صلي الله عليه وسلم: " إن الفخذ عورة " (2) . وقوله:"لا تكشف فخدك ولا تنظر إلي فخذ حي ولا ميت" (3) . ولكن هذه الأحاديث ضعيفة والذي يظهر لي أن الفخذ
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة في الثياب / باب ما يذكر في الفخذ.
(2) أخرجه الإمام أحمد 3/478 و479، وأبو داود: كتاب الحمام/ باب النهي عن التعري (4014) ، والترمذي: كتاب الأدب /باب ما جاء أن الفخذ عورة (2795)
(3) أخرجه أبو داود: كتاب الحمام /باب النهي عن التعري (4015) ، وأبن ماجه: كتاب =
(12/265)

ليس بعورة إلا إذا خيف من بروزه فتنة فإنه يجب ستره كأفخاذ الشباب.
* * *
171) وسئل فضيلة الشيخ:- حفظه الله تعالى - بعض الناس يقول: إن الصلاة في الفنيلة العلاقية لا تجوز فهل هذا صحيح؟
فأجاب قائلاً: هذا ليس صحيح، لأن عورة الرجل ما بين سرته وركبته في الصلاة، فصدره وظهره وكتفه ليس من العورة، وقد صح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه صلى ووضع رداءه على المشجب وصلى بإزار، وأنكر عليه بعض الناس لم فعلت هذا؟ قال: " فعلته ليراه أحمق مثلك " (1) وهذا دليل على أن مثل هذا جائز، لكن الأفضل أن يستر منكبيه لقول النبي صلي الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: " لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " (2) . فهذا أفضل، أما أنها لا تصح الصلاة فليس بصحيح.
وكلمة " شيء " في الحديث نكرة في سياق النفي فتعم الشيء ولو كان يسيراً.
* * *
172) وسئل فضيلته: عن عورة المرأة أمام المرأة؟
فأجاب بقوله: لا أعلم في عورة المرأة أمام المرأة تفصيلاً،
__________
(1) = الجنائز /باب في غسل الميت (1460) ، والحاكم 4/200 وسكت عنه، قال أبو داود: فيه نكارة، وأعله الحافظ في التلخيص بالانقطاع ص 438.
(1) أخرجه الإمام أحمد 3/335.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة /باب إذا صلى بالثوب الواحد فليجعل على عاتقيه، ومسلم: كتاب الصلاة /باب الصلاة في الثوب الواحد وصفة لبسه.
(12/266)

وظاهر القرآن أنها تبدي للمرأة ما تبديه لمحارمها، وذكر فقهاؤنا رحمهم الله أنه يجوز للمرأة أن تنظر من المرأة جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة ودليلهم في ذلك ما رواه مسلم عن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" لا ينظر الرجل إلي عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلي عورة المرأة " (1) .
* * *
173 وسئل فضيلة الشيخ:- أعلى الله درجته - ما قولكم في حدود عورة المرأة مع المرأة؟
فأجاب بقوله: عورة المرأة مع المرأة، كعورة الرجل مع الرجل أي ما بين السرة والركبة، ولكن هذا لا يعني أن النساء يلبسن أمام النساء ثياباً قصيرة لا تستر إلا ما بين السرة والركبة فإن هذا لا يقله أحد من أهل العلم، ولكن معنى ذلك أن المرأة إذا كان عليها ثياب واسعة فضفاضة طويلة ثم حصل لها أن خرج شيء من ساقها أو من نحرها أو ما أشبه ذلك أمام الأخرى فإن هذا ليس فيه إثم، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن لباس النساء في عهد النبي صلي الله عليه وسلم الله عليه وسلم كان ساتراً من الكف (كف اليد) إلي كعب الرجل، ومن المعلوم أنه لو فتح للنساء الباب في تقصير الثياب للزم من ذلك محاذير متعددة، وتدهور الوضع إلي أن تقوم النساء بلباس بعيد عن اللباس الإسلامي شبيه بلباس الكفار.
* * *
174 وسئل فضيلة الشيخ:- حفظه الله تعالى -: عن حكم لبس
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الحيض /باب تحريم النظر إلي العورات.
(12/267)

المرأة الثوب القصير أمام النساء؟ وعن حدود عورة المرأة عند المرأة؟
فأجاب قائلاً: لا يجوز للمرأة أن تلبس ثوباً قصيراً، اللهم إلا إذا كانت في بيتها وليس في بيتها سوى زوجها، وأما مع الناس فلا يحل لها أن تلبس الثوب القصير أأو الضيق، أو الشفاف الذي يصف ما وراءه، لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" صنفان من أهل النار لم أرهما " وذكر: "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها " (1) .فإذا كانت المرأة تلبس القصير، أو الضيق، أو الشفاف الذي ترى من ورائه البشرة فهي في الحقيقة كاسية عارية، كاسية من حيث أن عليها كسوة، وعارية من حيث أن الكسوة لم تفدها شيئاً.
وحدود عورة المرأة عند المرأة ما بين السرة والركبة، فالساق والنحر والرقبة ليس بعورة بالنسبة لنظر المرأة للمرأة، ولكن لا يعني ذلك أننا نجوز للمرأة أن تلبس ثياباً لا تستر إلا ما بين السرة والركبة، ولكن فيما لو أن امرأة خرج ساقها لسبب وأختها تنظر إليها وعليها ثوب سابغ، أو خرج شيء من رقبتها أو من نحرها وأختها تنظر فلا بأس بذلك، فيجب أن نعرف الفرق بين العورة وبين اللباس، اللباس لابد أن يكون سابغاً بالنسبة للمرأة، أما العورة للمرأة مع المرأة فهي ما بين السرة والركبة.
* * *
175 وسئل فضيلة الشيخ:- عن حكم كشف عورة المرأة للرجل عند الحاجة لذلك حال العلاج، وكذلك عورة الرجل
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب اللباس والزينة /باب النساء الكاسيات العاريات.
(12/268)

للمرأة؟ وإذا كان لا يوجد إلا طبيبة نصرانية وطبيب مسلم؟
فأجاب بقوله: كشف عورة الرجل للمرأة والمرأة للرجل عند الحاجة لذلك حال العلاج لا بأس به بشرطين:
الشرط الأول: أن تؤمن الفتنة.
الشرط الثاني: أن لا يكون هناك خلوة.
والطبيبة النصرانية المأمونة أولي في علاج المرأة من الرجل المسلم، لأنها من جنسها بخلاف الرجل. والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين.
* * *
176 وسئل فضيلة الشيخ:- رعاه الله تعالى - هل صوت المرأة عورة؟
فأحاب قائلاً: من تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها تدل على أن صوت المرأة ليس بعورة، بل بعضها على ذلك بأدنى نظر:
فمن ذلك قوله تعالى يخاطب نساء النبي صلي الله عليه وسلم: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (1) . فإن النهي عن الخضوع بالقول، وإباحة القول المعروف يدل على أن صوتها ليس بعورة إذ لو كان عورة لكان مطلق القول منها منكراً، ولم يكن منها قول معروف، ولكان تخصيص النهي بالخضوع عديم الفائدة.
وأما السنة فالأدلة على ذلك كثيرة، فالنساء اللاتي يأتين إلي النبي صلي الله عليه وسلم يخاطبنه بحضور الرجال ولا ينهاهن، ولا يأمر الرجال بالقيام ولو كان الصوت عورة لكان سماعه منكراً ووجب أحد الأمرين، لأن النبي
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية:32.
(12/269)

صلي الله عليه وسلم لا يقر منكر.
وقد صرح فقهاؤنا الحنابلة بأن صوت المرأة ليس بعورة، انظر شرح المنتهى 3/11 وشرح الإقناع 3/8 ط مقبل. وغاية المنتهى 3/8 والفروع 5/157.
وأما قول النبي صلي الله عليه وسلم: " إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفق النساء " (1) . فهذا مقيد في الصلاة، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون مع الرجال أو في بيت لا يحضرها إلا النساء أو محارم، والعلم عند الله تعالى.
* * *
177 وسئل فضيلة الشيخ:- أعلى الله درجته -: عن عورة المرأة مع المرأة؟
فأجاب بقوله: عورة المرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة، لأن هذا هو الموضع الذي نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن النظر إليه، ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " لا ينظر الرجل إلي عورة الرجل، ولا المرأة إلي عورة المرأة " (2) ، ولكن يجب أن نعرف أن النظر شيء وأن اللباس شيء.
فأما النظر فقد علم حكمه من هذا الحديث أنه لا يجوز النظر للعورة.
وأما اللباس فلا يجوز للمرأة أن تلبس لباساً لا يستر إلا العورة وهي ما بين السرة والركبة، ولا أظن أحداً يبيح للمرأة أن تخرج إلي
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأحكام /باب الإمام يأتي قوماً فيصلح بينهم.
(2) تقدم تخريجه ص 267.
(12/270)

النساء كاشفة صدرها وبطنها فوق السرة وساقها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية 22/146 مجموع الفتاوى حين الكلام على قول النبي صلي الله عليه وسلم كاسيات عاريات: بأن تكتسي ما لا يسترها فهي كاسية وهي في الحقيقة عارية، مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها، أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك، وإنما كسوة المرأة ما يسترها ولا يبدي جسمها ولا حجم أعضائها لكونه كثيفاً واسعاً. اهـ.
وعلى هذا ففائدة الحديث أنه لو كانت المرأة تعمل في بيتها، أو ترضع ولدها ونحو ذلك فظهر ثديها، أو شيء من ذراعها، أو عضدها أو أعلي صدرها فلا بأس بذلك، ولا يمكن أن يراد به أن تلبس عند النساء لباساً يستر العورة فقط، وليست العلة في منع اللباس القصير هي التشبه، وإنما العلة الفتنة ولهذا لو لبست ثوباً لا يلبسه إلا الكافرات كان حراماً وإن كان ساتراً.
وإذا قيل تشبه بالكفار فلا يعني ذلك أن لا نستعمل شيئاً من صنائعهم فإن ذلك لا يقوله أحد، وقد كان الناس في عهد النبي صلي الله عليه وسلم وبعده يلبسون ما يصنعه الكفار من اللباس، ويستعملون ما يصنعونه من الأواني.
والتشبه بالكفار هو التشبه بلباسهم، وحلاهم، وعاداتهم الخاصة، وليس معناه أن لا نركب ما يركبون، أو لا نلبس ما يلبسون، لكن إذا كانوا يركبون على صفة معينة خاصة بهم فلا نركب على هذه الصفة، وإذا كانوا يفصلون الثياب على صفة معينة خاصة بهم فلا نفصل على هذا التفصيل، وإن كنا نركب مثل السيارة التي يركبونها، ونفصل من نوع النسيج الذي يفصلون منه. حرر في 25/2/1409 هـ.
* * *
(12/271)

178 وسئل فضيلة الشيخ:- عن حكم لبس المرأة اللباس الذي فيه فتحات أمامية وجانبية وخلفية مما يكشف عن جزء من الساق، وحجة هؤلاء أنهن بين النساء فقط؟
فأجاب قائلاً: الذي أري أن المرأة يجب أن تستتر بلباس ساتر، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن النساء في عهد النبي صلي الله عليه وسلم كن يلبسن القمص اللاتي تصل إلي الكعبين في القدمين، وإلي الكفين في اليدين، ولا شك أن الفتحات التي أشار إليها السائل تبدي الساق وربما يتطور الأمر حتى يبدو ما فوق الساق، والواجب على المرأة تحتشم وأن تلبس كل ما يكون أقرب إلي سترها لئلا تدخل في قول النبي صلي الله عليه وسلم " صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا " (1) .
* * *
179 وسئل عن حكم لبس القصير مما يسمح بظهور جزء من الساق فهو أعلى من الكعبين؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال يفهم جوابه مما سبق وأن المرأة كلما كان عليها ثوب ضاف فهو أستر لها وأقرب إلي الحشمة وأبعد من الفتنة.
* * *
__________
(1) تقدم تخريجه ص 268.
(12/272)

180 وسئل فضيلته: عن حكم لبس المرأة الملابس الضيقة فعند النساء وعند المحارم؟
فأجاب فضيلته قائلاً: لبس الملابس الضيقة التي تبين مفاتن المرأة وتبرز ما فيه الفتنة محرم، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس - يعني ظلماً وعدواناً - ونساء كاسيات عاريات)) بأنهن يلبسن ألبسة قصيرة لا تستر ما يجب ستره من العورة، وفسر: بأنهن يلبسن ألبسة تكون خفيفة لا تمنع من رؤية ما ورائها من بشرة المرأة، وفسر " بأن يلبسن ملابس ضيقة فهي ساترة عن الرؤية لكنها مبدية لمفاتن المرأة، وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تلبس هذه الملابس الضيقة إلا لمن يجوز لها إبداء عورتها عنده وهو الزوج فإنه ليس بين الزوج وزوجته عورة لقول الله تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون 29 إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ 30) (1) وقالت عائشة: ((كنت أغتسل أنا والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعني من الجنابة من إناء واحد تختلف إيدينا فيه)) (2) فالإنسان وزوجته لا عورة بينهما، فالضيق الذي يبين مفاتن المرأة لا يجوز لا عند المحارم ولا عند النساء.
* * *
__________
(1) سورة المعارج، الآيتان: 29، 30
(2) أحرجه البخاري: كتاب الغسل / باب غسل الرجل مع امرأته، وباب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها. .
(12/273)

181 وسئل فضيلته: بعض النساء هداهن الله يلبسن بناتهن الصغيرات ثياباً قصيرة تكشف عن الساقين وإذا نصحنا هؤلاء الأمهات قلن نحن كنا نلبس ذلك من قبل ولم يضرنا ذلك بعد أن كبرنا فمنا رأيكم بذلك؟
فأجاب بقوله: أرى أنه لا ينبغي للإنسان أن يلبس أبنته هذا اللباس وهو صغيرة، لأنها إذا اعتادته بقيت عليه وهان عليها أمره، أما لو تعودت الحشمة من صغرها بقيت على تلك الحال في كبرها، والذي أنصح به أخواتنا المسلمات أن يتركن لباس أهل الخارج من أعداء الدين وأن يعودن بناتهن على اللباس الساتر، وعلى الحياء فالحياء من الإيمان
* * *
182 وسئل فضيلة الشيخ: يوجد ظاهرة عن بعض النساء وهي لبس الملابس القصيرة والضيقة التي تبدي المفاتن وبدون أكمام ومبدية للصدر والظهر وتكون شبه عارية تماماً، وعندما نقوم بنصحهن يقلن أنهن لا يلبسن هذه الملابس إلا عند النساء وأن عورة المرأة مع المرأة من السرة إلى الركبة فما حكم ذلك؟ وما حكم لبس هذه الملابس عند المحارم؟ جزاكم الله خير الجزاء عن المسلمين والمسلمات وأعظم الله مثوبتكم؟
فأجاب بقوله: الجواب على هذا أن يقال إنه صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال ((صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات،
(12/274)

لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)) (1)
وفسر أهل العلم الكاسيات العاريات بأنهن اللاتي يلبس ألبسه ضيقة، أو ألبسه خفيفة لا تستر ما تحتها، أو ألبسة قصيرة. وقد ذكر شيخ الإسلام أن لباس النساء في بيوتهن في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما بين كعب القدم وكف اليد كل هذا مستور وهن في البيوت. أم إذا خرجن إلى السوق فقد علم أن نساء الصحابة كن يلبسن ثياباً ضافيات يسحبن على الأرض ورخص لهن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يرخينه إلى ذراع لا تزدن على ذلك، (2) وأما ما أشتبه على بعض النساء من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ولا الرجل إلى عورة الرجل)) (3) وأن عورة المرأة بالنسبة للمرأة ما بين السرة والركبة من أنه يدل على تقصير المرأة لباسها، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يقل لباس المرأة ما بين السرة والركبة حتى يكون في ذلك حجة ولكنه قال: ((لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة)) فنهى الناظرة، لأن اللابسة عليها لباس ضافي لكن أحياناً تكشف عورتها لقضاء الحاجة أو غيره من الأسباب فنهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل)) فهل كان الصحابة يلبسون إزراً من السرة إلى الركبة، أو سراويل من السرة إلى الركبة؟! وهل يعقل الآن أن امرأة تخرج إلى النساء ليس عليها من اللباس إلا ما يستر ما بين السرة والركبة، هذا لا يقوله أحد، ولم يكن
__________
(1) تقدم تخريجه ص 268.
(2) أخرجه الإمام أحمد 2/5
(3) تقدم تخريجه ص 267
(12/275)

هذا إلا عند نساء الكفار، فهذا الذي فهمه بعض النساء من هذا الحديث لا صحة له، والحديث معناه ظاهر، لم يقل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لباس المرأة ما بين السرة والركبة، لعلى النساء أن يتقين الله، وأن يتحلين بالحاء الذي هو من خلق المرأة والذي هو من الإيمان كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الحياء شعبة من الإيمان)) (1) .
وكما تكون المرأة مضرب للمثل فيقال: (أحيا من العذراء في خدرها) ولم نعلم ولا عن نساء الجاهلية أنهن كن يسترن ما بين السرة والركبة فقط لا عند النساء ولا عند الرجال فهل يردن هؤلاء النساء أن تكون نساء المسلمين أبشع صورة من نساء الجاهلية؟!!.
والخلاصة: أن اللباس شيء، والنظر إلى العورة شيء آخر، أما اللباس فلباس المرأة مع المرأة المشروع فيه أن يستر ما بين كف اليد إلى كعب الرجل هذا هو المشروع، ولكن لو احتاجت المرأة إلى تشمير ثوبها لشغل أو نحوه فلها أن تشمر إلى الركبة، وكذلك لو احتاجت أن تشمر الذراع إلى العضد فإنها تفعل ذلك بقدر الحاجة فقط، وأما أن يكون هذا هو اللباس المعتاد الذي تلبسه فلا. والحديث لا يدل عليه بأي حال من الأحوال، ولهذا وجه الخطاب إلى الناظرة لا إلى المنظورة، ولم يتعرض الرسول عليه الصلاة والسلام لذكر اللباس إطلاقاً، فلم يقل لباس المرأة ما بين السرة والركبة حتى يكون في هذا شبهه لهؤلاء النساء.
وأما محارمهن في النظر فكنظر المرأة إلى المرأة بمعنى أنه يجوز للمرأة أن تكشف عند محارمها ما تكشفه عند النساء، تكشف الرأس
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان / باب أمور الإيمان، ومسلم: كتاب الإيمان / باب بيان عدد شعب الإيمان
(12/276)

والرقبة والقدم والكف والذراع والساق وما أشبه ذلك، ولكن لا تجعل اللباس قصيراً.
* * *
183) وسئل فضيلة الشيخ: عن مجلات الأزياء وتفصيل الملابس على ما فيها؟
فأجاب بقوله: أطلعت على كثير من المجلات التي تشير إلها السائلة فألفيتها مجلات خليعة فظيعة خبيثة، حقيق بنا ونحن في المملكة العربية السعودية، الدولة التي لا نعلم - ولله الحمد - دولة تماثلها في الحفاظ على شرع الله وعلى الأخلاق الفاضلة، حقيق بنا أن لا توجد مثل هذه المجلات في أسواقنا وفي محلات الخياطة، لأن منظرها أفظع من مخبرها، ولا يجوز لأي امرأة أو رجل أن يشتري هذه المجلات أو ينظر إليها أو يراجعها لأنه فتنة.
قد يشتريها الإنسان وهو يظن أنه سالم منها، ولكن لا تزال به نفسه والشيطان حتى يقع في فخها وشركها، وحتى يختار مما فيها من أشياء لا تناسب مع البيئة الإسلامية.
وأحذر جميع النساء والقائمين عليهن من وجودها في بيوتهم لما فيها من الفتنة العظمية، والخطر على أخلاقنا وديننا، والله المستعان.
* * *
184) سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إلباس البنات القصير والضيق من الثياب؟
فأجاب بقوله: يجب على الإنسان مراعاة المسؤولية، وأن يتقي الله تعالى ويمنع كافة من له ولاية عليهن من هذه الألبسة، فقد ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(12/277)

أنه قال ((صنفان من أهل النار لم أرهما: نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)) (1) وهؤلاء النسوة اللاتي يستعملن الثياب القصيرة كاسيات، لأن عليهن كسوة لكنهن عاريات لظهور عورتهن، لأن المرأة بالنسبة للنظر كلها عورة، وجهها ويداها ورجلاها، وجميع أجزاء جسمها لغير المحارم.
وكذلك الألبسة الضيقة، وإن كانت كسوة في الظاهر لكنها عري في الواقع، فإن إبانة مقاطع الجسم بالألبسة الضيقة هو تعري، فعلى المرأة أن تتقي ربها ولا تبين مفاتنها، وعليها أن لا تخرج إلى السوق وإلا وهي لابسة ما لا يلفت النظر، ولا تكون متطيبة لئلا تجر الناس إلى نفسها فيخشى أن تكون زانية.
وعلى المرأة المسلمة أن لا تترك بيتها إلا لحاجة لابد منها، ولكن غير متطيبة، ولا متبرجة بزينة، وبدون مشية خيلاء، وليعلم أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)) (2) . ففتنة النساء عظيمة لا يكاد يسلم منها أحد، وعلينا نحن معشر المسلمين أن لا نتخذ طرق أعداء الله من يهود ونصارى وغيرهم فإن المرعظيم.
وفق الله الجميع للصواب وجنبنا أسباب الشر والفساد إنه جواد كريم.

* * *
__________
(1) تقدم تخريجه ص 268.
(2) أخرجه البخاري: كتاب النكاح / باب ما يُتقى من شؤم المرأة، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء (الرقاق) / باب أكثر أهل الجنة الفقراء. . .
(12/278)

185) وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للمرأة أن تكشف شيئاً من صدرها أو ذراعيها أو شيئاً من ساقها عند النساء؟
فأجاب قائلاً: أما الذراعان فلا بأس أن تخرجهما عند النساء، وأما الرقبة فلا بأس أيضاً أن تظهرها عند النساء وكذلك الرأس، ولكننا ننصح نساءنا بنصيحة نرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها، فنقول كلما كانت الألبسة أضفى وأستر فهو أنفع لها.
وننهاهن أن يتتبعن ما يكون في هذه المجلات فيصنعن ما يعرض فيها، لأن هذا يجر المرأة إلى أن تتشبه بالنساء الكافرات سواء رضيت أم لم ترض، وكلما كانت النساء أستر فهو أفضل.
وقد ذكر شيخ الإسلام أبن تيمية - رحمه الله - أن نساء الصحابة كن يلبسن دروعاً - يعني القمص - تكون ساترة من الكف إلى الكعب. من كفي اليد إلى كعب الرجل، وهذا هو الأفضل.

* * *
186) وسئل فضيلته: هل يجوز للمرأة أن تخرج أمام النساء بثياب قصيرة، أو ثياب يبدو منها الصدر، أو بثياب خفيفة، أو بثياب ضيقة؟
فأجاب بقوله: لا أرى أن المرأة تخرج أمام النساء بثياب قصيرة أو بثياب يبدو منها صدرها، أو بثياب خفيفة، أو بثياب ضيقة، لأن كل ذلك قد يكون داخلاً في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات)) (1)
__________
(1) تقدم تخريجه ص 268.
(12/279)

فإن قال قائل: أليس قد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: " لا تنظر المرأة إلي عورة المرأة، ولا الرجل إلي عورة الرجل " (1) . وعورة المرأة للمرأة ما بين السرة والركبة.
قلنا: بلى هذا قد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم ولكن هذا نهي للمرأة الناظرة لا المنظورة، المنظورة عليها ثياب ضافية مأذون فيها مباحة شرعاً، لكن الناظرة قد تنظر إلي هذه المرأة وهي قد رفعت ثوبها لحاجة، فنهيت المرأة الناظرة عن أن تنظر إلي عورة المرأة وهي ما بين السرة والركبة، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يوجد في نساء المؤمنين من تخرج إلي النساء ليس عليها ستر إلا ما بين السرة والركبة. هذا أمر يكذبه الواقع.

* * *
187) وسئل فضيلته: ما حكم لبس النساء أمام النساء الملابس ذات الأكمام القصيرة أي ما فوق المرفق والفتحات من جهة النحر أو الظهر أو الساقين؟ وما حكم لبس الملابس الضيقة أو الشفافة علماً بأن ذلك كله أمام النساء دون الرجال؟ وكذلك لبس الملابس القصيرة وهو ما يصل إلى نصف الساقين؟
فأجاب بقوله: الذي أراه أنه لا يجوز للمرأة أن تلبس مثل هذا اللباس ولو أمام المرأة الأخرى، لأن ها هو معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((صنفان من أهل النار لم أرهما، نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخث المائلة)) (2) . قال أهل العلم: معنى كونهن
__________
(1) تقدم تخريجه ص 267.
(2) تقدم تخريجه ص 268.
(12/280)

كاسيات عاريات أنهن يلبسن ثياباً ضيقة أو ثياباً شفافة، أو ثياباً قصيرة، وكان من هدي نساء الصحابة رضى الله عنهن أنهن يلبسن ثياباً يصلن إلى الكعب في الرجل وإلى مفصل الكف من الذراع في اليد إلا إذا خرجت إلى السوق فإنهن يلبسن ثوباً نازلاً تحت ذلك وضافياً على الكف أو تجعل في الكف قفازين فإن من هدي نساء الصحابة لبس القفازين لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمرأة إذا أحرمت ((لا تلبس القفازين)) (1) ولولا أن لبس القفازين كان معلوماً عند النساء في ذلك الوقت لما احتيج إلى النهي عنه في حال الإحرام.
* * *
188) وسئل فضيلة الشيخ: عن مجلة (البردة) وهي مجلة أزياء نسائية تعرض جميع أنواع الملابس حتى ملابس النوم، والهدف من هذه المجلة اقتباس الأزياء للملابس لقط ن علماً بأن هذه المجلات تكون صادرة من مصادر غربية بحتة وتظهر فيها نساء شبه عاريات، ويعرض فيها ملابس لا تناسب الفتيات المسلمات، وهذا في الغالب وليس دائماً، فما حكم الاعتماد عليها باختيار الأزياء المناسبة فقط بغض النظر عن ما فيها من تبرج؟ وما حكم اقتباس تسريحات الشعر من النساء العارضات للأزياء؟ وهل يدخل ذلكم في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (2) وما حكم لبس القصير للمرأة مثل أن يكون
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب جزاء الصيد / باب ما ينهي من الطيب للمحرم والمحرمة.
(2) أخرجه الإمام أحمد 2/50، وأبو داود: كتاب اللباس / باب لبس الشهرة، والهيثمي في " المجمع " 10/271، وابن عبد البر في " التمهيد " 6/80، قال شيخ الإسلام: " إسناده جيد " الفتاوى 5/331، وقال الحافظ في " الفتح " 6/97: حديث حسن. وكذلك السيوطي في " الجامع الصغير " 1/590 وصححه أحمد شاكر - المسند - 5114.
(12/281)

الثوب في نصف الساق أو فوق الكعب قليلاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز اقتناء هذه المجلات وأشباهها لما فيها من الصور الخليعة، ولأنها قد تدعو إلى هذه الألبسة البعيدة عن الألبسة الدينية الإسلامية الموجبة للتشبه بالكفار في لبسهم، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال ((من تشبه بقوم فهو منهم)) . فلا يجوز اقتناء هذه المجلات ولا شرائها، بل يجب على الإنسان إذا رآها أن يحرقها إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً.
كذلك مسألة الشعر، فإنه لا يجوز للمرأة أن تصفف شعرها على صفة شعر الكافرات أو الفاجرات لأن من تشبه بقوم فهو منهم.
وبهذه المناسبة فإنني أنصح نساءنا المسلمات المؤمنات وأنصح أولياء أمورهن بالبعد عن هذه المجلات وعن هذه التسريحات التي تدعو للتلقي عن الكفار ومحبة ما هم عليه من الألبسة الخليعة التي تمت إلى الحياء ولا الشريعة الإسلامية بصلة. أو الموضات التي يكون عليها تسريح الشعر، وليكن المسلمون متميزين عن غيرهم لما تقتضيه الشريعة الإسلامية، وبالطابع الإسلامي حتى يعود للأمة الإسلامية عزتها وكرامتها ومجدها وما ذلك على الله بعزيز.
أما بالنسبة للقصير فالذي نرى أن لبس القصير للنساء داخل في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات)) (1) . وأنه لا يجوز للمرأة أن تعاد لبس القصير.أما بالنسبة للعورة: فالعورة شي واللباس شيء آخر، فإذا كان
__________
(1) تقدم تخريجه ص 268.
(12/282)

على المرأة ثوب يستر إلى الكعب ثم بدا ساقها لحاجة وليس حولها إلا نساء أو محارم فإنها لا تأثم بذلك.
* * *
189) وسئل فضيلته: عن حكم لبس العباءة الفرنسية وهي عباءة تتميز بالأكمام الواسعة جداً حيث إن المرأة عندما تلبسها وترفع يدها يظهر الذراع، وليس هذا فقط، بل إن هذه العباءة بها العديد من التطريز والفصوص وقطع من الجلد الأسود، فما حكم لبس هذه العباءة؟
فأجاب بقوله: لبس العباءة المطرزة يعتبر من التبرج بالزينة والمرأة منهية عن ذلك كما قال الله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) (1) . فإذا كان هذا في القواعد وهي العجائز فكيف بالشابات، ولا فرق في هذا بين العباءة الفرنسية الظاهرة وبين اللباس الذي تحتها إذا كانت تتعمد خروجه من تحت العباءة، لعلى من كانت تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتجنب كل أسباب الفتنة في اللباس والأطياب وهيئة المشية ومحادثة الرجال وغير ذلك.
* * *
190) وسئل فضيلته: عن حكم لبس العباءة المطرزة أو الطرحة المطرزة وطريقته بأن تضع المرأة العباءة على الكتف ثم تلف الطرحة على رأسها ثم تغطي وجهها مع العلم أن هذه الطرحة ظاهرة للعيان
__________
(1) سورة النور، الآية: 60.
(12/283)

ولم تخف تحت العباءة؟
فأجاب بقوله: لا شك أن اللباس المذكور من التبرج بالزينة وقد قال الله تعالى لنساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (1) . وقال عز وجل (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) (2) . فإذا كان الله عز وجل نهى نساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، ونهى نساء المؤمنين أن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن دل ذلك على أن كل ما يكون من الزينة فإنه لا يجوز إظهاره ولا إبداؤه، لأنه من التبرج بالزينة، وليعلم أنه كلما كان لباس المرأة أبعد عن الفتنة فإنه أفضل وأطيب للمرأة وأدعى إلى خشيتها لله سبحانه وتعالى والتعلق به.
* * *
191) وسئل فضيلته: عن حكم الملابس التي كتب عليها عبارات تخل بالدين أو الشرف حيث انتشرت تلك الملابس؟
فأجاب بقوله: اللباس الذي يكتب عليه ما يخل بالدين أو الشرف لا يجوز لبسه سواء كتب باللغة العربية أو غيرها، وسواء كان للرجال أو النساء، وسواء كان شاملاً لجميع البدن أو لجزء منه أو عضو من أعضائه مثل أن يكتب عليه عبارة تدل على ديانة اليهود أو النصارى أو غيرهم أو على عيد من أعيادهم أو على شرب الخمر أو فعل الفاحشة أو نحو ذلك. ولا يجوز ترويج مثل هذه الألبسة، أو بيعها، أو شراؤها وثمنها حرام لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((إن الله إذا حرم شيئاً حرم
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 33.
(2) سورة النور، الآية: 31.
(12/284)

ثمنه)) (1) ونصيحتي لإخواني المسلمين أن يتقوا ربهم ويتجنبوا ما حرم عليهم لينالوا سعادة الدنيا والآخرة.
* * *
192) وسئل فضيلته: عن حكم لبس (البنطلون) الذي انتشر في أوساط النساء مؤخراً؟
فأجاب بقوله: قبل الإجابة على هذا السؤال أزجه نصيحة إلى الرجال المؤمنين أن يكونوا رعاة لمن تحت أيديهم من الأهل من بنين وبنات وزوجات وأخوات وغيرهن، وأن يتقوا الله تعالى في هذه الرعية وألا يدعوا الحبل على الغارب للنساء اللاتي قال في حقهن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) (2) . وأرى ألا ينساق المسلمون وراء هذه الموضة من أنواع الألبسة التي ترد إلينا من هنا وهناك، وكثير منها لا يتلاءم مع الزي الإسلامي الذي يكون فيه الستر الكامل للمرأة مثل الألبسة القصيرة أو الضيقة جداً أو الخفيفة، ومن ذلك ((البنطلون)) فإنه يصف حجم رجل المرأة وكذلك بطنها وخصرها وثدييها وغير ذلك، فلابسته تدخل تحت الحديث الصحيح: ((صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 1/322.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الحيض / باب ترك الحائض الصوم، ومسلم: كتاب الإيمان / باب بيان نقص الإيمان. .
(12/285)

وكذا)) (1) . فنصيحتي لنساء المؤمنين ولرجالهن أن يتقوا الله عز وجل، وأن يحرصوا على الزي الإسلامي الساتر، وألا يضيعوا أموالهم في اقتناء مثل هذه الألبسة والله الموفق.
* * *
193) وسئل فضيلة الشيخ: حجتهم في هذا أن البنطال فضفاض وواسع بحيث يكون ساتراً؟
فأجاب بقوله: حتى وإن كان واسعاً فضفاضاً لأن تميز رجل عن رجل يكون به شيء من عدم الستر، ثم إنه يخشى أن يكون ذلك أيضاً من تشبه النساء بالرجال لأن ((البنطال)) من ألبسه الرجال.

* * *
194) وسئل فضيلة الشيخ: لقد انتشر في الآونة الأخيرة بشكل كبير بيع محلات الملابس النسائي ((البناطيل)) النسائية بشتى أنواعها وتعلمون - حفظكم الله - خطر انتشار لبس البنطلون بالنسبة للنساء حتى صارت من تلبسه تتهم من قبل الشباب المعاكس فهل يأثم من يقوم بتصنيعها أو استيرادها أو بيعها؟ وهل يدخل في عموم قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) (2) . وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((نم سن في الإسلام سنة
__________
(1) تقدم تخريجه ص 256.
(2) سورة البروج، الآية 10.
(12/286)

سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء)) (1) . وهل المال المكتسب من بيعها حرام أم حلال؟ وما نصيحتكم لأصحاب المحلات والعاملين فيها؟
فأجاب بقوله: الذي أراه تحريم لبس المرأة للبنطلون لأنه تشبه بالرجال، وقد لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المتشبهات من النساء بالرجال، ولأنه يزيل الحياء من المرأة، ولأنه يفتح باب لباس أهل النار حيث قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((صنفان من أهل النار لم أرهما)) وذكر أحدهما ((نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)) (2) .
ولا يحل استيرداها ولا صناعتها، والكسب الحاصل منها ومن كل لباس محرم حرام وسحت، لأن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه ووسائله.
ونصيحتي لأهل المحلات الذين يبيعونها أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وفي مجتمعهم وأن لا يكونوا سبباً لإيقاعهم في الإثم، وأبواب الرزق الحلال مفتوحة - والحمد لله - والقليل من الحلال خير من الكثير الحرام. أسأل الله تعالى الهداية للجميع. حرر في 14/3/1418 هـ.
* * *
195) وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم لبس المرأة للبنطلون؟
فأجاب بقوله: أرى منع لبس المرأة البنطلون مطلقاً وإن لم يكون عندها إلا زوجها، وذلك لأنه تشبه بالرجال، فإن الذين يلبسون
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الزكاة / باب الحث على الصدقة.. .
(2) تقدم تخريجه ص 268.
(12/287)

البنطلونات هم الرجال، وقد لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المتشبهات من النساء بالرجال، وأما لباسها غير البنطلون عند محارمها فلها أن تلبس ما يستر جسمها كله إلا ما يظهر غالباً مثل اليدين والرجلين والرأس والوجه فإنه لا بأس بخروجه. والله أعلم.
* * *
196) وسئل فضيلته: عن حكم ذهاب المرأة للطبيب للضرورة عند عدم وجود طبيبة؟ وما يجوز لها أن تكشفه؟
فأجاب بقوله: إن ذهاب المرأة إلى الطبيب عند عدم وجود الطبيبة لا بأس به كما ذكر ذلك أهل العلم، ويجوز أن تكشف للطبيب كل ما يحتاج إلى النظر إليه إلا أنه لابد وأن يكون معها محرم ودون خلوة من الطبيب بها، لأن الخلوة محرمة وهذا من باب الحاجة.
وقد ذكر أهل العلم رحمهم الله أنه إنما أبيح هذا لأنه محرم تحريم الوسائل، وما كان تحريمه تحريم الوسائل فإنه يجوز عند الحاجة إليه.
* * *
197) وسئل فضيلة الشيخ: يوجد بعض النساء هداهن الله تساهلن من ناحية إخراج الأيدي والأرجل عند الخروج للأسواق أو المدرسة أو أي مكان آخر وذلك بشكل يلفت نظر الرجال، وعند نصحهن يقلن: إن إخراج الأيدي والأرجل جائز والدليل قوله تعالى (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (1) وإن ستر وتغطية
__________
(1) سورة النور، الآية: 31.
(12/288)

الأيدي والأرجل ليس بواجب فما رأي فضيلتكم بهذا الموضوع وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: يرى الفقهاء من الحنابلة في المشهور من مذهبهم أنه يجب ستر الكفين والقدمين عن الرجال الأجانب، ولا شك أن ما يفعله بعض النساء اليوم من إخراج أيديهن وعليهن الحلي حرام موجب للفتنة وكذلك الأرجل وقد قال الله تعالى (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) (1) وهذا يدل على أن النساء تنزل ثيابهن إلى ما أسفل الخلخال.
وأما الآية التي ذكرت في السؤال (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (2) فالمراد بالزينة الثياب واللباس كما قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (3) وقال: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (4) ولم يرد في القرآن أن الزينة تعني جزءاً من البدن، وليس هذا معروفاً في اللغة العربية. وأما قوله (زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) فالاستثناء هنا منقطع، والمعنى لكن ما ظهر من الزينة كالعباءة ونحوها لا بأس به.
* * *
198 وسئل فضيلته: عن مقياس التشبه بالكفار؟ وحكم المكياج؟ وحكم لبس المرأة للأبيض عند الزواج؟
__________
(1) سورة النور، الآية: 31.
(2) سورة النور، الآية: 31.
(3) سورة الأعراف، الآية: 31.
(4) سورة الأعراف، الآية: 32.
(12/289)

فأجاب بقوله:1 - مقياس التشبه أن بعل المتشبه ما يختص به المتشبه به، فالتشبه بالكفار أن يعل المسلم شيئاً من خصائصهم، أما ما أنتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهاً، فلا يكون حراماً من أجل أنه تشبه إلا أن يكون محرماً من جهة أخرى، وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة، وقد صرح بمثله صاحب الفتح حيث قال ص 272 ج 10: وقد كره بعض السلف لبس البرنس، لأنه كان من لباس الرهبان وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به، قيل: فإنه من لبوس النصارى، قال كان يلبس ههنا؟ أهـ. قلت: لو استدل مالك بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين سئل ما يلبس المحرم فقال: لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرانس. الحديث لكان أولى. وفي الفتح أيضاً ص 307 ج 10: وإن قلنا النهي عنها (أي عن المياثر الأرجوان) من أجل التشبه بالأعاجم فهو لمصلحة دينية، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ هم كفار ثم لما لم يصير الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى فتزول الكراهة، والله أعلم. اهـ.
وأما المكياج الذي تتجمل به المرأة لزوجها فلا نرى به بأساً لأن الأصل الحل إلا إذا ثبت أنه يضر بالوجه في المآل فيمنع حينئذ اتقاء لضرره.وأما لبس المرأة للأبيض عند الزواج فلا بأس به إلا أن يكون تفصيل الثوب مشابهاً لتفصيل ثوب الرجل فيحرم حينئذ لأنه من تشبه المرأة بالرجل وقد لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المتشبهات بالرجال (1) ، وكذلك لو
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب اللباس / باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال.
(12/290)

كان علي وجه يختص بلباس الكافرات فهو حرام.
* * *
199) وسئل فضيلته: ما رأي فضيلتكم في أن كثير من النساء اللاتي يخرجن إلى الأسواق لقصد الشراء من أصحاب المحلات التجارية يخرجن أكفهن، والبعض الأخر يخرجن الكف من الساعد؟
فأجاب جزاه الله خيراً بقوله: لا شك أن إخراج المرأة كفيها وساعديها في الأسواق أمر منكر، وسبب للفتنة، لاسيما أن بعض هؤلاء السناء يكون على أصابعهن خواتم وعلى سواعدهن أسورة، وقد قال الله تعالى للمؤمنات (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) (1) وهذا يدل على أن المرأة المؤمنة لا تبدي شيئاً من زينتها، وأنه لا يحل لها أن تفعل شيئاً يعلم به ما تخفيه من هذه الزينة فكيف يمن تكشف زينة يديها ليراها الناس؟!!
أنني أنصح النساء المؤمنات بتقوى الله عز وجل، وأن يقدمن الهدى على الهوى ويعتصمن بما أمر الله به نساء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللاتي هن أمهات المؤمنين وأكمل النساء أدباً وعفه حيث قال لهن (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً 33) (2) ليكون لهن نصيب من هذه الحكمة العظيمة (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً 33) .
__________
(1) سورة النور، الآية 31.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 33.
(12/291)

وأنصح رجال المؤمنين الذين جعلهم الله قوامين على النساء أن يقوموا بالأمانة التي حملوها واسترعاهم الله عليها نحو هؤلاء النساء فيقوموهن بالتوجيه والإرشاد والمنع من أسباب الفتنة، فإنهم عن ذلك مسؤولون، ولربهم ملاقون، فلينظروا بماذا يجيبون (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ 30) (1) .
والله أسأل أن يصلح عامة المسلمين وخاصتهم، رجالهم ونساءهم صغارهم وكبارهم، وأن يرد كيد أعدائهم في نحورهم، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في 3/4/1409 هـ.
* * *
200) وسئل: عن رجل سقط إحرامه وهو في الصلاة فانكشف ظهره فهل تصح صلاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإحرام للرجل إزار ورداء، فإذا نزل الرداء عن منكبي الرجل وهو يصلي فلا حرج، لأنه يجوز للرجل أن يصلي بإزار فقط دون رداء، إلا أن الأولى أن يستر بقية البدن لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)) (2) .
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 30.
(2) تقدم تخريجه ص 266.
(12/292)

* * *
201) وسئل فضيلته: هل يجوز على الرجل ستر أحد عاتقيه في الصلاة؟
فأجاب بقوله: ستر أحد العاتقين سنة وليس بواجب لقوله عليه الصلاة والسلام لجابر رضى الله عنه ((إن كان ضيقاً فأتزر به، وإن كان واسعاً فألتحف به)) (1) . وصلى جابر رضى الله عنه في إزار، ورداؤه على المشجب، فذكره رجل بذلك، فقال: ((فعلت هذا ليراه أحمق مثلك)) (2) ، وفي لفظ ((ليرى الجاهلون)) هذا هو القول الراجح وهو مذهب الجمهور.وكونه لابد أن يكون على العاتقين شيء من الثوب ليس لأن العاتقين عورة، بل من أجل تمام اللباس وشد الإزار، لكن الأفضل في ثوبين لأنه أقرب إلى الستر وأحوط، وقد صح عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: ((إذا وسع الله عليكم فأوسعوا)) فدل هذا على أنه إذا كان الإنسان في سعة فالثوبان أفضل، ويؤيد مذهب ما ذهب إليه عمر رضى الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل: أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟ فقال: ((أولكلكم ثوبان)) (3) . وهذا يدل على أن الواحد مجزئ، لكن إذا وسع الله علينا فلنتوسع، لأن قوله: ((أولكلكم ثوبان)) يدل على أنه ليس لكل واحد من الناس ثوبان، بل أكثر الناس في عهد
__________
(1) تقدم تخريجه ص 263.
(2) تقدم تخريجه ص 266.
(3) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة / باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفاً به (358) ، بلفظ ((أوكلكم يجد ثوبين)) ، ومسلم: كتاب الصلاة / باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (515) .
(12/293)

رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ثوب واحد.
* * *
وسئل فضيلته: هل لبس الفترة أو العمامة واجب في الصلاة؟
فأجاب بقوله: لبس هذه الأشياء ليس بواجب في الصلاة، لأن ستر الرأس في الصلاة ليس بواجب، ولكن إذا كنت في بلد يعتاد أهله أن يلبسوا هذا ويكون ذلك من تمام لباسهم فإنه ينبغي أن تلبسه لقوله تعالى (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (1) .
فإذا كان من الزينة أن يضع الإنسان على رأسه شيئاً من عمامة ن أو غترة، أو طاقية فإنه يستحب له أن يلبسه حال الصلاة، أما إذا كان في بلد لا يعتادون ذلك وليس من زينتهم فليبق على ما هو عليه.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للإنسان أن يصلي ورأسه مكشوف؟
فأجاب بقوله: يجوز للإنسان أن يصلي بدون أن يكون على رأسه شيء لا غترة ولا طاقية، وذلك لأن ستر الرأس في الصلاة ليس بفرض، فلو صلى الإنسان مكشوف الرأس فإن صلاته صحيحة.
لكن الأفضل أن يغطيه إذا كان في أناس يغطون رؤوسهم، وعادتهم أن غطوا رؤوسهم في لباسهم لعموم قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد) . فإذا كان من قوم يلبسون هذه
__________
(1) (1) سورة الأعراف، الآية 31.
(12/294)

الأشياء مثل الغترة أو الشماغ أو الشال، فإن الأفضل أن يلبسها حال صلاته، لأنها من الزينة التي أمر الله بأخذها.
* * *
وسئل عن عورة المرأة في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: العورة في الصلاة ليس فيها عندي نص قاطع أعتمد عليه وأنا فيها مقلد، والمعروف عند الحنابلة أن المرأة الحرة البالغة يجب عليها أن تستر جميع بدنها ما عدا الوجه، والصواب أيضاً أن الكفين ليسا بعورة وكذلك القدمان، وأما إذا كانت دون البلوغ فإنه على ما ذهب هؤلاء إليه فإنه لا يجب عليها إلا أن تستر ما بين السرة والركبة، والمسألة عندي لم تتحرر ولم أصل فيها إلى شيء قاطع، والله أعلم.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم ظهور القدمين والكفين من المرأة في الصلاة، مع العلم أنها ليست أمام رجال ولكن في البيت؟
فأجاب فضيلته: المشهور من مذهب الحنابلة - رحمهم الله - أن المرأة البالغة الحرة كلها عورة في الصلاة إلا وجهها،وعلى هذا فلا يحل لها أن تكشف كفيها وقدميها.
وذهب كثير من أهل العلم إلى جواز كشف المرأة كفيها وقدميها.
والاحتياط أن تتحرز المرأة من ذلك، لكن لو فرض أن امرأة فعلت ثم جاءت تستفتي فإن الإنسان لا يجرؤ أن يأمرها بالإعادة.
* * *
(12/295)

وسئل فضيلته: عن حكم إخراج المرأة كفيها أو قدميها في الصلاة؟ وعن حكم كشف المرأة لوجهها؟
فأجاب بقوله: إخراج المرأة التي تصلي كفيها وقدميها اختلف فيه أهل العلم:
فذهب بعضهم إلى أن كفيها وقدميها من العورة، وبناء على ذلك فإنه لا يجوز للمرأة أن تكشفهما في حال الصلاة.
وذهب آخرون إلى أنهما ليسا من العورة وأن كشفهما لا يبطل الصلاة.
والأولى أن تحتاط المرأة وألا تكشف قدميها أو كفيها في حال الصلاة، وأما بالنسبة للنظر فإن الوجه بلا شك يحرم على المرأة أن تكشفه إلا لزوجها ومحارمها، وأما الكفان والقدمان فهما أقل فتنة نم الوجه.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: إذا كانت المرأة في نزهة خارج بيتها هل يجوز لها أن تصلي أمام الناس مكشوفة الوجه أو تترك الصلاة وتقضي ما فاتها عند عودتها؟
فأجاب بقوله: على المرأة إذا خرجت للنزهة أن تصلي كما تصلي في بيتها، ولا يحل لها تأخيرها، وإذا خشيت أن يمر الرجال قريباً منها فيجب عليها أن تغطي وجهها في هذه الحال لئلا يروها، وإذا سجدت فإنها تكشفه في هذه الحالة ثم تغطيه بعد ذلك، لأن الأفضل في حال السجود أن تباشر الجبهة المحل الذي يسجد عليه، ولهذا قال أنس بن مالك رضى الله عنه: ((كنا نصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شدة الحر،
(12/296)

فإذا لم يستطع الواحد منا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه)) (1) . فدل هذا على أن الإنسان لا ينبغي أن يسجد على شيء متصل به إلا إذا كان هناك حاجة.
وهنا لا تغطي المرأة وجهها لأنها في حال السجود لا يراها أحد، وفي مثل هذه الحال ينبغي لها أن تكون صلاتها خلف الرجال في المكان الذي لا تكون أمامهم، وإن أمكن أن تكون هناك سيارة أن غيرها تحول بين المرأة والرجال فإن ذلك أفضل، والله الموفق.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للمرأة أن تصلي بالنقاب والقفاز؟
فأجاب بقوله: إذا كانت المرأة تصلي في بيتها أو في مكان لا يطلع عليها إلا الرجال المحارم فالمشروع لها كشف الوجه واليدين لتباشر الجبهة والنف موضع السجود وكذلك الكفان.
أما إذا كانت تصلي وحولها رجال غير محارم فإنه لا بد من ستر وجهها، لأن ستر الوجه من غير المحارم واجب ولا يحل لها كشفه أمامهم كما دل على ذلك كتاب الله - سبحانه وتعالى - وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والنظر الصحيح الذي لا يحيد عنه عاقل فضلاً عن المؤمن.
ولباس القفازين في اليدين أمر مشروع، فإن هذا هو ظاهر فعل نساء الصحابة بدليل أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لا تنتقب المرحمة، ولا تلبس
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة / باب السجود على الثوب في شدة الحر، ومسلم: كتاب المساجد / باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر.
(12/297)

القفازين)) (1) . فهذا يدل على أن من عادتهن لبس القفازين، وعلى هذا فلا بأس أن تلبس المرأة القفازين إذا كانت تصلي وعندها رجال أجانب، أما ما يتعلق بستر الوجه فإنها تستره ما دامت قائمة أو جالسة فإذا أرادت السجود فتكشف الوجه لتباشر الجبهة محل السجود.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين -: هل يجوز للمرأة أن تصلي وهي لابسة القفاز؟
فأجاب قائلاً: القفاز هو الذي يلبس في اليد وهو حرام على المرأة إذا كانت محرمة لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في سياق ما يلبسه المحرم: ((لا تنتقب المرحمة ولا تلبس القفازين)) . فيحرم على المرأة المحرمة أن تلبس هذه القفازات، أما في غير الإحرام فلا بأس أن تلبسها في الصلاة وخارج الصلاة، بل إن لبسها للقفازين خارج الصلاة أستر لها وأبعد عن الفتنة.وههنا مسألة ينبغي أن ننبه عليها وهي: أن المرأة إذا كانت تصلي وحلوها رجال غير محارم فإنها تغطي وجهها عن النظر إليه، فإذا سجدت كشفته عند السجود، ودليل ذلك قول أنس بن مالك رضى الله عنه: ((كنا نصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه)) (2) ، فقوله: ((فإذا لم يستطع)) يدل على أن هذا لا يفعل إلا عند الضرورة.
* * *
__________
(1) تقدم تخريجه ص 281.
(2) تقدم تخرجه ص 297.
(12/298)

سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن امرأة مريضة وتتيمم على الوسادة ولا تغطي شعرها فما حكم صلاتها بهذه الحالة؟
فأجاب بقوله: إذا كانت هذه المرأة لا تستطيع أكثر مما فعلت،فلا تستطيع أن تنزل من السرير حتى تتوضأ أو تتيمم، ولا تستطيع أن تستر ما يجب ستره في الصلاة فإنه لا شيء عليها وصلاتها صحيحة لقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (1) . ولقوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (2) . ولقوه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (3) . أما إذا كانت تستطيع أن تفعل من الواجب أكثر مما فعلت فإنه لا يجوز لها ذلك.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: ما معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) (4) ؟
فأجاب فضيلته بقوله: المراد بالحائض التي بلغت بالحيض وهذا كقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم)) (5) أي بلغ بالإحتلام، كذلك الحائض لا يمكن أن تصلي، ولكن المعنى أن المرأة إذا بلغت بالحيض فإن الله لا يقبل صلاتها حتى تختمر أي تغطي
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) سورة البقرة، الآية 286.
(3) تقدم تخريجه ص 98.
(4) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " 6/150.
(5) أخرجه البخاري: كتاب الجمعة / باب فضل الغسل يوم الجمعة، ومسلم: كتاب الجمعة / باب بيان وجوب غسل الجمعة.
(12/299)

رأسها، وهذا مما استدل به أهل العلم على قولهم: إن عورة المرأة البالغة في الصلاة جميع البدن إلا الوجه فإنه ليس بعورة في الصلاة، ولكنه عورة في النظر فيجب على المرأة أن تغطي وجهها عن كل الرجال إلا زوجها ومحارمها.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن رداء الصلاة للمرأة هل يجوز أن يكون قطعة واحدة أم رداء وشيلة؟
فأجاب بقوله: يجوز أن يكون الثوب الذي على المرأة وهي تصلي ثوباً واحداً، لأن الشرط هو ستر العورة، والمرأة الحرة في الصلاة كلها عورة إلا وجهها، واستثنى بعض العلماء الكفين والقدمين أيضاً، وقالوا: إن الوجه والكفين لا يجب سترهما في الصلاة، وعلى هذا فإذا صلت المرأة في ثوب قطعة واحدة وهي ساترة ما يجب ستره، فإن صلاتها جائزة.
ولكن بعض أهل العلم يقول إن الأفضل أن تصلي في درع وخمار وملحفة.
والدرع: هو الثوب الذي يشبه القميص.
والخمار: هو ما تخمر بها رأسها.
والملحفة: ما تلف به جميع بدنها.

* * *
وسئل فضيلته: إذا انكشفت عورة المصلي فما الحكم؟
فأجاب بقوله: هذا لا يخلو من أحوال:
الحال الأولى: إذا كان عمداً بطلت صلاته قليلاً كان أو كثيراً،
(12/300)

طال الزمن أو قصر.
الحال الثانية: إذا كان غير عمد وكان يسيراً فالصلاة لا تبطل.
الحال الثالثة: إذا كان غير عمد وكان فاحشاً لكن الزمن قليل كما لو هبت الريح وهو راكع وانكشف الثوب ولكن في الحال أعاده فالصحيح أن الصلاة لا تبطل لأنه ستره عن قرب، ولم يتعمد الكشف وقد قال الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (1) .
الحال الرابعة: إذا كان غير عمد وكان فاحشاً وكال الزمن بأن لم يعلم إلا في آخر صلاته، لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة والغالب عليه أنه مفرط. والله أعلم.
* * *
وسئل: عن رجل يصلي في صوب نجس ناسياً نجاسته فهل يلزمه إعادة الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه لا إعادة عليه لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (2) قال الله تعالى في الحديث الذي رواه مسلم: ((قد فعلت)) (3) .
* * *
سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى - عن لبس المرأة ثياب الرجل وإذا صلت فيها فما حكم صلاتها؟
فأجاب قائلاً: إذا كان الثوب الذي تلبسه المرأة من الثياب
__________
(1) سورة التغابن، الآية 16.
(2) سورة البقرة، الآية: 286.
(3) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان / باب بيان أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق.
(12/301)

الخاصة بالرجال فإن لبسها إياه حرام، سواء كان ي حال الصلاة، أو ي غير حال الصلاة، وذلك لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((أنه لعن المتشبهات من النساء بالرجال، ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء)) (1) فلا يحل لامرأة أن تلبس ثوباً خاصاً بالرجل، ولا يحل للرجل أن يلبس ثوباً خاصاً بالمرأة، ولكن يجب أن نعرف ما هل الخصوصية؟ ليست الخصوصية في اللون، ولكنها لي اللون والصفة، ولهذا يجوز للمرأة أن تلبي الثوب الأبيض إذا كان تفصيله ليس على تفصيل ثوب الرجل، وإذا تبين أن لبس المرأة ثوباً يختص بالرجل حرام فإن صلاتها فيه لا تصح عند بعض أهل العلم الذين يشترطون في السترة أن يكون الساتر مباحاً، وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من اشترط في الثوب الساتر أن يكون مباحاً، ومنهم من لم يشترط ذلك، وحجة القائلين باشتراطه: أن ستر العورة من شروط الصلاة، ولابد أن يكون الشرط مما أذن الله فيه فإذن لم يأذن الله فيه لم يكن ساتراً شرعاً لوقوع المخالفة، وحجة من قالوا بصحة الصلاة فيه مع الإثم: أن الستر قد حصل، والإثم خارج عن نطاق الستر وليس خاصاً بالصلاة، لتحريم لبس الثوب المحرم في الصلاة وخارجها، وعلى كل حال فالمصلي بثوب محرم عليه على خطر في أن ترد صلاته ولا تقبل منه.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حكم من صلى في ثياب نجسة وهو لا يعلم؟
فأجاب بقوله: إذا صلى الإنسان في ثياب نجسه ولم يعلم أنه
__________
(1) تقدم تخريجه ص 290.
(12/302)

أصابتها نجاسة إلا بعد صلاته، أو كان عالماً بذلك قبل أن يصلي ولم يذكر إلا بعد فراغه من صلاته فإن الصلاة صحيحة، وليس عليه إعادة لهذه الصلاة، وذلك لأنه ارتكب ذلك المحظور جاهلاً أو ناسياً وقد قال الله تبارك وتعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) فقال الله تعالى: ((قد فعلت)) ، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ذات يوم في تعليه وكان فيهما أذى فلما كان في أثناء الصلاة أخبره جبريل بذلك فخلعهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي (2) ولم يستأنف الصلاة فدل هذا على أن من علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فإنه يزيلها ولو في أثناء الصلاة ويستمر في صلاته إذا كان يمكنه أن يبقى مستور العورة بعد إزالتها، وكذلك من نسي وذكر في أثناء الصلاة فإنه يزيل هذا الثوب النجس إذا كان يبقي عليه ما يستر عورته، وأما إذا فرغ من صلاته ثم ذكر بعد أن فرغ، أو علم بعد أن فرغ من صلاته، فإنه لا إعادة عليه، وصلاته صحيحة، بخلاف الرجل الذي يصلي وهو ناسي أن يتوضأ مثل أن يكون قد أحدث ونسي أن يتوضأ، ثم صلى وذكر بعد فراغه من الصلاة أنه لم يتوضأ، فإنه يجب عليه الوضوء وإعادة الصلاة، وكذلك لو كان عليه جنابة ولم يعلم بها، مثل أن يكون قد احتلم في الليل وصلى الصبح بدون غسل جهلاً منه، ولما كان من النهار رأي في ثوبه منياً من نومه، فإنه يجب عليه أن يغتسل وأن يعيد ما صلى.
والفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى – أعني مسألة النجاسة – أن النجاسة من باب ترك المحظور، وأما الوضوء والغسل فهو من باب
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة / باب الصلاة في النعل.
(12/303)

فعل المأمور، وفعل المأمور أمر إيجادي لابد أن يقوم به الإنسان، ولا تتم العبادة إلا بوجوده، أما إزالة النجاسة فهي أمر عدمي لا تتم الصلاة إلا بعدمه، فإذا وجد في حال الصلاة نسياناً أو جهلاً فإنه لا يضر، لأنه لم يفوت شيء يطلب حصوله في صلاته. والله أعلم.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن إنسان في البر وليس عنده ماء وثيابه نجسه وليس عنده ما يستر به عورته سواه هل يصلي في الثوب النجس أو يصلي عريان؟
فأجاب بقوله: إذا لم يكن عنده إلا ثوب نجس وليس عنده ماء يطهره به فإنه يلزمه أن يصلي بهذا الثوب، ليواري سواته لقدرته على ذلك وصلاته صحيحه، ولا إعادة عليه لعجزه عن إزالة النجاسة التي على ثوبه، وقد قال الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) . وهذا قد اتقى الله ما استطاع فيكون قائماً بما أمر الله به، والقائم بما أمر الله به لا يلزمه الإعادة، وقول الأصحاب إنه يلزمه أن يصلي به ويعيد قول ضعيف، وأضعف منه قول بعض العلماء أن يصلي عرياناً، لأنه قادر على السترة. والله أعلم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن الغترة والشماخ إذا جعلهما الإنسان خلفه هل يعد ذلك من كف الثوب المنهي عنه؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أنه لا يعد من كف الثوب المنهي عنه
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(12/304)

لأن هذه من صفات لبس الغترة والشماغ فهي كالثوب القصير كمه، والعمامة الملوية على الرأس.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حديث: ((أمرت ألا أكف ثوباً)) هل صحيح؟ وما معناه؟
فأجاب قائلاً: هذا الحديث صحيح (1) ، والمراد أنه لا يكف الثوب في حال الصلاة، فإن الذي ينبغي للمصلي أن يبقي ثيابه على حالها، ولا يكفها رفعاً عن الأرض، ولا يكف أكمامه أيضاً، لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً " (2) . والله أعلم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: إذا كان الثوب نازلاً عن الكعبين فهل تصح الصلاة فيه؟
فأجاب بقوله: إذا كان الثوب نازلاً عن الكعبين فإنه محرم لقول النبي صلي الله عليه وسلم:" ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" (3) . وما قاله النبي صلي الله عليه وسلم في الإزار فإنه يكون في غيره.
وعلى هذا يحب على الإنسان أن يرفع ثوبه وغيره من لباسه عما تحت كعبيه، وإذا صلى وهو نازل تحت الكعبين فقد اختلف أهل
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب صفة الصلاة/باب لا يكف ثوبه في الصلاة، ومسلم: كتاب الصلاة / باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب
(2) تقدم تخريجه أعلاه.
(3) أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب ما أسفل الكعبين في النار.
(12/305)

العلم في صحته:
فمنهم من يرى أن صلاته صحيحه، لأن الرجل قد قام بالواجب وهو ستر العورة.
ومنهم من يرى أن صلاته ليست بصحيحه، وذلك لأنه ستر عورته بثوب محرم، وجعل هؤلاء من شروط الستر أن يكون الثوب مباحاً، فالإنسان على خطر إذا صلى في ثياب مسبلة فعليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يرفع ثيابه حتى تكون فوق كعبيه.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن رجل يجعل ثيابه تحت الكعبين ولكن ليس بقصد الخيلاء والكبر فهل عليه وزر في ذلك؟
فأجاب بقوله: عليك وزر إذا نزل ثوبك أو سراويلك إلى ما تحت الكعبين لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)) (1) ولم يقيده بالخيلاء.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: هل تبطل صلاة المسبل؟
فأجاب بقوله: الصحيح أنها لا تبطل صلاته، ولكنه آثم معرض نفسه للعذاب، فإن كان مسبلاً خيلاء فإن عقوبته ألا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يزكيه، وله عذاب أليم، وإن كان قد نزل إزاره إلي ما تحت الكعب من غير خيلاء فإنه يعذب " ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" (2) ولهذا كان إنزال الثوب والسروال والمشلح إلي ما تحت
__________
(1) تقدم تخريجه ص 305.
(2) تقدم تخريجه ص 305.
(12/306)

الكعبين حراماً بكل حال، لكن عقوبته فيما إذا جره خيلاء أعظم مما إذا كان غير خيلاء، وهو من كبائر الذنوب لورود الوعيد عليه.
* * *
223 وسئل فضيلته: عن عقوبة الإسبال إذا قصد به الخيلاء؟
وعقوبته إذا لم يقصد به الخيلاء؟ وكيف يجاب من احتج أبي بكر رضي الله عنه؟
فأجاب بقوله: إسبال الإزار إذا قصد به الخيلاء فعقوبته أن لا ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة، ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم.
وأما إذا لم يقصد به الخيلاء فعقوبته أن يعذب ما نزل من الكعبين بالنار، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)) (1) . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) (2) . فهذا فيمن جر ثوبه خيلاء.
وأما من لم يقصد الخيلاء ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)) (3) . ولم يقيد ذلك بالخيلاء، ولا يصح أن يقيد بها يناء على الحديث الذي قبله، لأن أيا سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أزره المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج - أو قال -:
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان / باب بيان غلط تحريم إسبال الإزار.
(2) أخرجه البخاري: كتاب اللباس / باب من جر ثوبه من الخيلاء، ومسلم: كتاب اللباس / باب تحريم جر الثوب خيلاء.
(3) تقدم تخريجه ص 305.
(12/307)

لا جناح عليه فما بينه وبين الكعبين، وما كان أسف من ذلك فهو في النار، ومن جر بطراً لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) (1) . رواه مالك، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حيان في صحيحه ذكره في كتبا الترغيب والترهيب في الترغيب في القميص ص 88 ج 3.
ولأن العملين مختلفان، والعقوبتين مختلفتان، ومتى اختلف الحكم والسبب امتنع حمل المطلق على المقيد، لما يلزم على ذلك من التناقض.
وأما من أحتج علينا بحديث أبي بكر – رضى الله عنه – فنقول له ليس لك حجة فيه من وجهين:
الوجه الأول: أن أبا بكر رضى الله عنه قال: ((إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه..)) (2) فهو رضى الله عنه لم يرخ ثوبه اختياراً منه، بل كان ذلك يسترخي، ومع ذلك فهو يتعاهده، والذين يسبلون ويزعمون أنهم لم يقصدوا الخيلاء يرخون ثيابهم عن قصد، فنقول لهم: إن قدتم إنزال ثيابكم إلى أسفل من الكعبين بدون قصد الخيلاء عذبتم على ما نزل فقط بالنار، وإن جررتم ثيابكم خيلاء عذبتم بما هو أعظم من ذلكم، لا يكلمكم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليكم، ولا يزكيكم، ولكم عذاب أليم.
الوجه الثاني: أن أبا بكر رضى الله عنه زكاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشهد له أنه ليس ممن يصنع خيلاء، فهل نال أحد من هؤلاء تلك التزكية
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 3/5، وأبو داود ك كتاب اللباس / باب في قدر موضع الإزار (4093) ، وابن ماجة: كتاب اللباس / باب موضع الإزار أين هو (3573) ، والنسائي: كتاب الزينة / باب موضع الإزار (بنحوه) ، ومالك 2/217.
(2) أخرجه البخاري: كتاب اللباس / باب من جر إزاره من غير خيلاء.
(12/308)

والشهادة؟ ولكن الشيطان يفتح لبعض الناس اتباع المتشابه من نصوص الكتاب والسنة ليبرر لهم ما كانوا يعملون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، نسأل الله لنا الهداية والعافية. حرر في 29/6/1399 هـ.
* * *
224 وسئل فضيلته: عن حكم الإسبال؟
فأجاب بقوله: إسبال الثوب على نوعين:
أحدهما: أن يكون خيلاء وفخراً فهذا من كبائر الذنوب وعقوبته عظيمة، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) (1) . وعن أبي ذر الغفاري رضى الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)) قال: فقرأها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاث مرات. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: ((المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف والكذب)) (2) . فهذا النوع هو الإسبال المقرون بالخيلاء، وفيه هذا الوعيد الشديد أن الله لا ينظر إلى فاعله، ولا يكلمه، ولا يزكيه يوم القيامة وله عذاب أليم. وهذا العموم في حديث أبي ذر رضى الله عنه مخصص بحديث ابن عمر رضى الله عنهما فيكون الوعيد فيه على من فعل ذلك خيلاء لاتحاد العمل والعقوبة في الحديثين.
النوع الثاني من الإسبال: أن يكون لغير الخيلاء، فهذا حرام
__________
(1) تقدم تخريجه ص 307.
(2) تقدم تخريجه ص 307.
(12/309)

ويخشى أن يكون من الكبائر، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توعد فيه بالنار، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)) (1) . ولا يمكن أن يكون هذا الحديث مخصصاً بحديث أبن عمر رضى الله عنهما، لأن العقوبة مختلفة، ويدل لذلك حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أزرة المؤمن إلى نصف الساق ولا حرج، أو قال: لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان أسفل من ذلك فهو في النار، ومن جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه)) (2) . رواه مالك، وأبو دواد، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه. ففرق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين من جر ثوبه خيلاء ومن كان إزاره أسفل من كعبيه.
لكن إن كان السروال ينزل عن الكعبين بدون قصد وهو يتعاهده ويرفعه فلا حرج، ففي حديث ابن عمر السابق أن أبا بكر رضى الله عنه قال: يا رسول الله: إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لست ممن يصنعه خيلاء) (3) . رواه البخاري.
* * *
225 وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للخياط أن يفصل للرجال ثياباً تنزل عن الكعبين؟
فأجاب بقوله: لا يحل لصاحب محل الخياطة أن يفصل للرجال ثياباً تنزل عن الكعبين، لأن إسبال الثياب عن الكعبين من كبائر الذنوب
__________
(1) تقدم تخريجه ص 307.
(2) تقدم تخريجه ص 308.
(3) تقدم تخريجه ص 308.
(12/310)

فقد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أن ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)) (1) . وهذا وعيد وتحذير، وكل ذنب فيه وعيد فإنه من الكبائر، ومن فصل للرجال ثياباً تنزل عن الكعبين فقد شاركهم في هذه الكبيرة وله منها نصيب من ذلك، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ 2) .
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير (2) ؟ وحكم اقتناء الصور؟ وحكم الصور التي تمثل الوجه وأعلى الجسم؟
فأجاب - حفظه الله - بقوله: التصوير نوعان:
أحدهما: تصوير باليد.
والثاني: تصوير بالآلة.
فأما التصوير باليد فحرام، بل هو كبيرة من كبائر الذنوب، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن فاعله، ولا فرق بين أن يكون للصورة ظل أو تكون مجرد رسم على القول الراجح لعموم الحديث، وإذا كان التصوير هذا من الكبائر، فتمكين الإنسان غيره أن يصور نفسه إعانة على الإثم والعدوان فلا يحل.
وأما التصوير بالآلة وهي (الكاميرا) التي تنطبع الصورة بواسطتها
__________
(1) تقدم تخريجه ص 305.
(2) تقدمت فتاوى التصوير ضمن فتاوى العقيدة، وقد عرضت على فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى إعادتها ههنا جرياً على عادة الفقهاء، فوافق فضيلته على ذلك، وقد أضيفت بعض الفتاوى، والله والموفق
(12/311)

من غير أن يكون للمصور فيها أثر بتخطيط الصورة وملامحها فهذه موضع خلاف بين المتأخرين: فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها، فمن نظر إلى لفظ الحديث منع، لأن التقاط الصورة بالآلة داخل في التصوير، ولولا عمل الإنسان بالآلة بالتحريك والترتيب وتحميض الصورة لم تلتقط الصورة، ومن نظر إلى المعنى والعلة أجازها، لأن العلة هي مضاهاة خلق الله، والتقاط الصورة بالآلة ليس مضاهاة لخلق الله، بل هو نقل للصورة التي خلقها الله تعالى نفسها فهو ناقل لخلق الله لا مضاه له، قالوا ويوضح ذلك: أنه لو قلد شخص كتابة شخص لكانت كتابة الثاني غير كتابة الأول بل هي مشابهة لها، ولو نقل كتابته الصورة الفوتوغرافية لكانت الصورة بالآلة الفوتوغرافية (الكاميرا) الصورة فيه هي تصوير الله نقل بواسطة آله التصوير.
الإحتياط الإمتناع من ذلك، لأنه من المتشابهات، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، لكن لو احتاج إلى ذلك لأغراض معينة كإثبات الشخصية فلا بأس به، لأن الحاجة ترفع الشبهة، لأن المفسدة لم تتحقق في المشببه فكانت الحاجة رافعة لها.
أما اقتناء الصور فعلى نوعين:
النوع الأول: أن تكون الصورة مجسمة أي ذات جسم فاقتناؤها حرام، وقد نقل ابن العربي الإجماع عليه نقله عنه في فتح الباري ص 388 ج 10ط. السلفية قال: ((وهذا الإجماع محله في غير لعب البنات كما سأذكره في باب من صور صورة)) وقد أحال في الباب المذكور على كتاب الأدب وذكره في كتاب الأدب في باب الانبساط إلى الناس ص 527 من المجلد المذكور على حديث عائشة – رضى الله عنها – قالت:
((
(12/312)

كنت ألعب بالبنات عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل يتقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي)) (1) .
قال في شرحه: ((واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب، من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وخصه بعضهم بالصغار)) .
وإن المؤسف أن بعض قومنا الآن، صاروا يقتنون هذه الصور ويضعونها في مجالسهم أو مداخل بيوتهم، نزلوا بأنفسهم إلى رتبة الصبيان مع اكتساب الإثم والعصيان نسأل الله لنا ولهم الهداية.
النوع الثاني: أن تكون الصورة غير مجسمة بأن تكون رقماً على شيء فهذه أقسام.
القسم الأول: أن تكون معلقة على سبيل التعظيم والإجلال مثل ما يعلق من صور المملوك، والرؤساء، والوزراء، والعلماء، والوجهاء، والآباء، وكبار الإخوة ونحوها، فهذا القسم حرام لما فيه من الغلو بالمخلوق، والتشبه بعباد الأصنام والأوثان، مع أنه قد يجر إلى الشرك فيما إذا كان المعلق صورة عالم أو عابد ونحوه.
القسم الثاني: أن تكون معلقة على سبيل الذكرى مثل من يعلقون صور أصحابهم وأصدقائهم في غرفهم الخاصة فهذه محرمة فيما يظهر لوجهين:
الوجه الأول: أن ذلك يوجب تعلق القلب بهؤلاء الأصدقاء
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأدب / باب الإنبساط إلى الناس، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة / باب فضل عائشة رضى الله عنها.
(12/313)

تعلقاً لا ينفك عنه، وهذا يؤثر تأثيراً بالغاً على محبة الله ورسوله وشرعه ويوجب تشطير المحبة بين هؤلاء الأصدقاء وما تجب محبته شرعاً، وكأن قارعاً يقرع قلبه كلما دخل غرفته. أنتبه. أنتبه. صديقك. صديقك وقد قيل:
أحبب حبيبك هونا ما فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما
الوجه الثاني: أنه ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي طلحة – رضى الله عنه – قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ((لا تدخل الملائكة بيتاً في كلب ولا صورة)) (1) . وهذه عقوبة، ولا عقوبة إلا على فعل محرم.
القسم الثالث: أن تكون معلقة على سبيل التجميل والزينة، فهذه محرمة أيضاً لحديث عائشة – رضى الله عنها – قالت: قدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هتكه وقال: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)) (2) . قالت فجعلته وسادة أو وسادتين، رواه البخاري. والقرام / خرقة تفرش في الهودج أو يغطى بها يكون فيها رقوم ونقوش. والسهوة: بيت صغير في جانب الحجرة يجعل فيه المتاع.
وعن عائشة - رضى الله عنه - أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير فلما رأها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قم على الباب فلم يدخل فعرفت في وجهه الكراهية
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق / باب إذا وقع الذباب. ..، ومسلم كتاب اللباس / باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(2) أخرجه البخاري: كتاب اللباس / باب ما وطئ من التصاوير، ومسلم: كتاب اللباس / باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(12/314)

قالت: فقلت أتوب إلى الله ماذا أذنبت؟ قال: ((ما هذه النمرقة؟)) قلت: لتجلس عليها وتوسدها، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه الصور)) (1) . رواه البخاري.
النمرقة: الوسادة العريضة تصلح للإتكاء والجلوس.
القسم الرابع: أن تكون ممتهنة كالصورة التي تكون في البساط والوسادة، وعلى الأواني وسماط الطعام ونحوها، فنقل النووي عن جمهور العلماء من الصحابة والتابعين جوازها، وقال: هو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة والشافعي، وهو كذلك مذهب الحنابلة. ونقل في فتح الباري – ص 391 ج 10 ط. السلفية – حاصل ما قيل في ذلك عن ابن العربي فقال: حاصل ما في اتخاذ الصور، أنها إن كانت ذات أجسام حرم الإجماع، وإن كانت رقماً فأربعة أقوال:
الأول: يجوز مطلقاً على ظاهر قوله في حديث الباب ((إلا رقماً في ثوب)) (2) .
الثاني: المنع مطلقاً حتى الرقم.
الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز قال: وهذا هو الأصح.
الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقاً لم يجز. أهـ.
والذي صححه هو ظاهر حديث النمرقة، والقول الرابع هو ظاهر
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب اللباس / باب من كره القعود على الصور.
(2) أخرجه البخاري: كتاب اللباس / باب من كره القعود على الصور، ومسلم: كتاب اللباس / باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(12/315)

حديث القرام، ويمكن الجمع بينهما بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما هتك الستر تفرقت أجزاء الصورة فلم تبق كاملة، بخلاف النمرقة فإن الصورة كانت فيها كاملة فحرم اتخاذها، وفي حديث أبي هريرة – رضى الله عنه – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((أتاني جبريل فقال: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي على باب البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومُر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن، ومر بالكلب فليخرج)) (1) . ففعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رواه أهل السنن. وفي رواية النسائي: ((إما أن تقطع رؤوسها، أو تجعل بسطاً توطأ)) . ذكر هذا الحديث في فتح الباري ص 392 من المجلد العاشر السابق وزعم في ص 390 أنه مؤيد للجمع الذي ذكرناه، وعندي أن في ذلك نظراً، فإن هذا الحديث ولاسيما رواية النسائي تدل على أن الصورة إذا كانت في شيء يمتهن فلا بأس بها وإن بقيت كاملة وهو رأي الجمهور كما سبق.
القسم الخامس: أن تكون مما تعم به البلوى ويشق التحرز منه كالذي يوجد في المجلات والصحف وبعض الكتب ولم تكن مقصودة لمقتنيها بوجه من الوجوه بل هي مما يكرهه ويبغضه ولكن لابد له منها والتخلص منها فيه عسر ومشقة، وكذلك ما في النقود من صور الملوك والرؤساء والأمراء ممال ابتليت به الأمة الإسلامية فالذي يظهر لي أن هذا لا حرج فيه على من وقع في يده بغير قصد منه إلى اتخاذه من أجل صوره، بل هو يكرهه أشد الكراهة ويبغضه ويشق عليه التحرز منه فإن
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " 2/305.
(12/316)

الله تعالى - لم يجعل على عباده في دينهم من حرج، ولا يكلفهم شيئاً لا يستطيعونه إلا بمشقة عظيمة أو فساد مال، ولا يصدق على مثل هذا أنه متخذ للصورة ومقتن لها.
وأما سؤالكم عن الصورة التي تمثل الوجه وأعلى الجسم، فإن حديث أبي هريرة الذي أشرنا إليه يدل على أنه لابد من قطع الرأس وفصله فصلاً تاماً عن بقية الجسم، فأما إذا جمع الصدر فما هو إلا رجل جالس، بخلاف ما إذا أبين الرأس إبانة كاملة عن الجسم، ولهذا قال الإمام أحمد - رحمه الله -: الصورة الرأس. وكان إذا أراد طمس الصورة حك رأسها، فإذا قطع الرأس فليس هو صورة)) . فتهاون بعض الناس في ذلك مما يجب الحذر منه.
نسأل الله لنا ولكم ولإخواننا المسلمين السلامة والعافية مما لا تحمد عقباه، إنه جواد كريم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير؟
فأجاب بقوله: التصوير على أنواع:
النوع الأول: أن يصور ما له ظل وجسم على هيئة إنسان أو حيوان، وهذا حرام ولو فعله عبئاً ولو لم يقصد المضاهاة، لأن المضاهاة لا يشترط فيها القصد، حتى لو وضع هذه التثمال لابنه لكي يدئه به.
فإن قيل: أليس المحرم ما صور لتذكار قوم صالحين كما هو أصل الشرك في قوم نوح؟
(12/317)

أجيب: أن الحديث في لعن المصورين عام، لكن إذا أنضاف إلى التصوير هذا القصد صار أشد تحريماً.
النوع الثاني: أن يصور صورة ليس لها جسم بل بالتلوين والتخطيط، فهذا محرم أيضاً لعموم الحديث، ويدل له حديث النمرقة حيث أقبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بيته فلما أراد أن يدخل رأي نمرقة فيها تصاوير فوقف وتأثر، وعرفت الكارهة في وجهه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت عائشة – رضى الله عنها -: ما أذنبت يا رسول الله. فقال: ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون يقال لهم: أحيوا ما خلقتم)) (1) . فالصور بالتلوين كالصور بالتجسيم على الصحيح، وقوله في صحيح البخاري: ((إلا رقماً في ثوب)) (2) . إن صحت الرواية هذه فالمراد بالاستثناء ما يحل تصويره من الأشجار ونحوها ليتفق مع الأحاديث الأخرى.
النوع الثالث: أن تلتقط الصورة التقاطاً بأشعة معينة بدون أي تعديل أو تحسين من الملتقط، فهذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين على قولين:
القول الأول: أنها صورة، وإذا كان كذلك فإن حركة هذا الفاعل تعتبر تصويراً إذ لولا تحريكه إياها ما انطبعت هذه الصورة على هذه الورقة، ونحن متفقون على أن هذه صورة فحركته تعتبر تصويراً، فيكون داخلاً في العموم.
القول الثاني: أنها ليست بتصوير، لأن التصوير فعل المصور، وهذا الرجل ما صورها في الحقيقة وإنما التقطها بالآلة، والتصوير من
__________
(1) تقدم تخريجه ص 315.
(2) تقدم تخريجه ص 315.
(12/318)

صنع الله، ومثال ذلك: لو أدخلت كتاباً في آلة التصوير ثم خرج من هذه الآلة فإن رسم الحروف من الكتاب الأول، لا من المحرك بدليل أنه قد يحركها شخص أمي لا يعرف الكتابة إطلاقاً أو أعمى.
وهذا القول أقرب، لأن المصور لا يعتبر مبدعاً، ومخططاً، ومضاهياً لخلق الله تعالى وليس هذا كذلك.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: هل يجب إتلاف الرأس في الصور لزوال التحريم؟ أو يكفي فصله عن الجسم؟ وما حكم الصور التي في العلب والمجلات والصحف ورخص القيادة والدراهم؟ وهل تمنع من دخول الملائكة؟
فأجاب بقوله: إذا فصل الرأس عن الجسم فظاهر الحديث: ((مر برأس التمثال فليقطع)) (1) أنه لا يجب إتلاف الرأس، لأنه لم يذكر في الحديث إتلافه وإن كان في ذلك شيء من التردد.
وأما الجسم بلا رأس فهو كالشجرة لا شك في جوازه.
أما بالنسبة لما يوجد في العلب والمجلات والصحف من الصور: فما يمكن التحرز منه فالورع تركه، وأما ما لا يمكن التحرز منه، والصورة فيه غير مقصودة، فالظاهر أن التحريم يرتفع فيه بناء على القاعدة الشرعية (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) . والمشقة تجلب التيسير، والبعد عنه أولى.
وكذلك بالنسبة لما يوجد في رخص القيادة وحفائظ النفوس،
__________
(1) تقدم تخريجه ص 316.
(12/319)

والشهادات والدراهم، فهو ضرورة لا إثم فيه، ولا يمنع ذلك من دخول الملائكة.
وأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((وأن لا تدع صورة إلا طمستها)) (1) ففيه احتمال قوي، أن المراد كل صورة مقصودة اتخذت لذاتها لاسيما في أوقاتهم، فلا تجد صورة في الغالب إلا مقصودة لذاتها. ولا ريب أن الصور المقصودة لا يجوز اقتناؤها كالصور التي تتخذ للذكرى، أو للتمتع بالنظر إليها، أو للتلذذ بها ونحو ذلك.
* * *
وسئل جزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء: عن حكم صنع التماثيل؟
فأجاب قائلاً: صنع التماثيل المجسمة إن كانت من ذوات الأرواح فهي محرمة لا تجوز، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثبت عنه أنه لعن المصورين، وثبت أيضاً عنه أنه قال: ((قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي)) (2) . وهذا محرم.
أما إذا كانت التماثيل ليست من ذوات الأرواح، فإنه لا بأس بها وكسبها حلال، لأنها من العمل المباح. والله الموفق.

* * *
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الجنائز / باب الأمر بتسوية القبر.
(2) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد / باب قول الله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) . ومسلم: كتاب اللباس / باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(12/320)

وسئل فضيلته: عن حكم رسم ذوات الأرواح وهل هو داخل في عموم الحديث القدسي ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذره، أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة)) ؟
فأجاب قائلا ً: نعم هو داخل في هذا الحديث، لكن الخلق خلقان: خلق جسمي وصفي وهذا في الصور المجسمة، وخلق وصفي لا جسمي وهذا في الصور المرسومة.
وكلاهما يدخل في الحديث المتقدم فإن خلق الصفة كخلق الجسم، وإن كان الجسم أعظم، لأنه جمع بين الأمرين الخلق الخسمي والخلق الوصفي، ويدل على ذلك - أي العموم - وأن التصوير محرم باليد سواء كان تجسيماً أم كان تلويناً عموم لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمصورين فعموم لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدل على أنه لا فرق بين الصور المجسمة والملونة التي لا يحصل التصوير فيها إلا بالتلوين فقط، ثم إن هذا هو الأحوط. والأولى بالمؤمن أن يكون بعيداً عن الشبه.
ولكن قد يقول قائل: أليس الأحوط في اتباع ما دل عليه النص لا في اتباع الأشد؟
فنقول: صحيح إن الأحوط اتباع ما دل عليه النص لا اتباع الأشد، لكن إذا وجد لفظ عام يمكن أن يتناول هذا وهذا فالأحوط الأخذ بعمومه، وهذا ينطبق تماماً على حديث التصوير، فلا يجوز للإنسان أن يرسم صورة ما فيه روح من إنسان وغيره، لنه داخل في لعن المصورين. والله الموفق.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير الفوتوغرافي؟
(12/321)

فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: الصور الفوتوغرافية الذي نرى فيها، أن هذه الآلة التي تخرج الصورة فوراً، وليس للإنسان في الصورة أي عمل، نرى أن هذا ليس من باب التصوير، وإنما هو من باب نقل صورة صورها الله - عز وجل - بواسطة هذه الآلة، فهي انطباع لا فعل للعبد فيه من حيث التصوير، والأحاديث الواردة إنما هي في التصوير الذي يكون بفعل العبد ويضاهي به خلق الله، ويتبين لك ذلك جيداً بما لو كتب لك شخص رسالة فصورتها في الآلة الفوتوغرافية، فإن هذه الصورة التي تخرج ليست هي من فعل الذي أدار الآلة وحركها، فإن هذا الذي حرك الآلة بما يكون لا يعرف الكتابة أصلاً، والناس يعرفون أن هذا كتابة الأول، والثاني ليس له أي فعل فيها، ولكن إذا صور هذا التصوير الفوتوغرافي لغرض محرم، فإنه يكن كراماً تحريم الوسائل.
* * *
232 وسئل أيضاً: عن حكم التصوير؟ وكيف يفعل من طلب منه التصوير في الامتحان؟ وما حكم مشاهدة الصور التي في المجلات والتلفزيون؟
فأجاب بقوله: سؤالكم عن التصوير، فالتصوير نوعان:
أحدهما: أن يكون تصوير غير ذوات الأرواح كالجبال والأنهار والشمس، والقمر، والأشجار فلا بأس به عند أكثر أهل العلم، وخالف بعضهم فمنع تصوير ما يثمر كالشجر والزروع ونحوها، والصواب قول الأكثر.
الثاني: أن يكون تصوير ذوات الأرواح وهذا على قسمين:
(12/322)

القسم الأول: أن يكون باليد فلا شك في تحريمه وأنه من كبائر الذنوب، لما ورد فيه من الوعيد الشديد مثل حديث ابن عباس رضى الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً فتعذبه في جهنم)) (1) . رواه مسلم. وحديث أبي جحيفة رضى الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لعن آكل الربا، وموكله، والواشمة، والمستوشمة، والمصور)) (2) ، رواه البخاري. وحديث عائشة – رضى الله عنها – عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله)) (3) . رواه البخاري ومسلم، وفي واية مسلم: ((الذين يشبهون بخلق الله)) . وحديث أبي هريرة رضى الله عنه قال سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة)) (4) . رواه البخاري ومسلم. والتصوير المذكور ينطبق على التصوير باليد بأن يخطط الإنسان الصورة بيده حتى يكلمها فتكون مثل الصورة التي خلق الله تعالى، لأنه حاول أن يبدع كإبداع الله تعالى، ويخلق كخلقه وإن لم يقصد المشابهة لكن الحكم إذا علق على وصف تعلق به، فمتى وجد الوصف وجد الحكم، والمصور إذا صنع الصورة تحققت المشابهة بصنعه وإن لم ينوها، والمصور في الغالب لا يخلو من نية المضاهاة، ولذلك تجده يفخر بصنعه كلما كانت الصورة أجود وأتقن.
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب اللباس / باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(2) أخرجه البخاري: كتاب اللباس / باب من لعن المصور.
(3) تقدم تخريجه ص 314.
(4) تقدم تخريجه ص 320.
(12/323)

وبهذا تعرف سقوط ما يموه به بعض من يستسيغ التصوير من أن المصور لا يريد مشابهة خلق الله، لأننا نقول له: المشابهة حصلت بمجرد صنعك شئت أم أبيت.
ولهذا لو عمل شخص عملاً يشبه عمل شخص آخر لقنا نحن وجميع الناس: إن عمل هذا يشبه عمل ذاك وإن كان هذا العامل لم يقصد المشابهة.
القسم الثاني: أن يكون تصوير ذوات الأرواح بغير اليد، مثل التصوير بالكاميرا التي تنقل الصور التي خلقها الله تعالى على ما هي عليه، من غير أن يكون للمصور عمل في تخطيطها سوى تحرك الآلة التي تنطبع بها الصورة على الورقة، فهذا محل نظر واجتهاد، لأنه لم يكن معروفاً على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعهد الخفاء الراشدين، والسلف الصالح، ومن ثم اختلف فيه العلماء المتأخرون:
فمنهم من منعه، وجعله داخلاً فيما نهي عنه نظراً لعموم اللفظ له عرفاً.
ومنهم من أحله نظراً للمعنى، فإن التصوير بالكاميرا لم يحصل فيه من المصور أي عمل يشابه به خلق الله تعالى، وإنما انطبع بالصورة خلق الله تعالى على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها، فإنك إذا صورة الصك فخرجت الصورة لم تكن الصورة كتابتك، بل كتابة من كتب الصك انطبعت على الورقة بواسطة الآلة، فهذا الوجه أو الجسم المصور ليست هيئته وصورته وما خلق الله فيه من العينين، والأنف، والشفتين، والصدر، والقدمين وغيرها، ليست هذه الهيئة والصورة بتصويرك أو تخطيطك بل الآلة نقلتها على ما خلقها الله تعالى عليه وصورها، بل زعم أصحاب هذا القول أن التصوير بالكاميرا لا يتناوله
(12/324)

لفظ الحديث كما لا يتناوله معناه، فقد قال في القاموس: الصورة الشكل قال: وصور الشيء قطعه وفضله. قالوا وليس في التصوير بالكاميرا تشكيل ولا تفصيل، وإنما هو نقل شكل وتفصيل شكله وفصله الله تعالى، قالوا: والأصل في الأعمال غير التعبدية الحل إلا ما أتي الشرع بتحريمه كما قيل:
والأصل في الأشياء حل وأمنع عبادةً إلا بإذن الشارع
فإن يقع في الحكم شك فأرجع للأصل في النوعين قم أتبع
والقول بتحريم التصوير بالكاميرا أحوط، والقول بحله أقعد لكن القول بالحل مشروط بأن لا يتضمن أمراً محرماً فإن تضمن أمراً محرماً كتصوير امرأة أجنبية، أو شخص ليعلقه في حجرته تذكاراً له، أو يحفظه فيما يسمونه (ألبوم) ، ليتمتع بالنظر إليه وذكراه، كان ذلك محرماً لأن اتخاذ الصور واقتناءها في غير ما يمتهن حرام عند أهل العلم أو أكثرهم، كما دلت على ذلك السنة الصحيحة.
ولا فرق في حكم التصوير بين ما له ظل وهو المجسم، وما لا ظل له لعموم الأدلة في ذلك وعدم المخصص.
ولا فرق أيضاً في ذلك بين ما يصور لعباً ولهواً وما يصور على السبورة لترسيخ المعنى في أفهام الطلبة كما زعموا، وعلى هذا فلا يجوز للمدرس أن يرسم على السبورة صورة إنسان أو حيوان.
وإن دعت الضرورة إلى رسم شيء من البدن فليصور منفرداً، بأن يصور الرجل وحدها، ثم يشرح ما يحتاج إلى شرح منها، ثم يمسحها ويصور البد كذلك ثم يمسحها، ويصور الرأس وهكذا كل جزء وحده، فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى.
وأما من طلب منه التصوير في الامتحان: فليصور شجرة أو
(12/325)

جبلاً أو نهراً، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع أني لا أظن ذلك يطلب منه إن شاء الله تعالى.
وأما مشاهدة الصور في المجلات والصحف والتليفزيون: فإن كانت صور غير آدمي فلا بأس بمشاهدتها، لكن لا يقتنيها من أجل هذه الصور.
وإن كانت صور آدمي: فإن كان يشاهدها تلذذاً أو استمتاعاً بالنظر فهو حرام، وإن كان غير تلذذ ولا استمتاع ولا يتحرك قلبه ولا شهوته بذلك، فإن كان ممن يحل النظر إليه كنظر الرجل إلى الرجل ونظر المرأة إلى المرأة أو إلى الرجل أيضاً على القول الراجح فلا بأس به، لكن لا يقتنيه من أجل هذه الصور، وإن كان ممن لا يحل له النظر إليه كنظر الرجل إلى المرأة الأجنبية فهذا موضع شك وتردد، والاحتياط أن لا ينظر خوفاً من الفتنة، وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها)) (1) . والنعت بالصورة أبلغ من النعت بالوصف إلا أن هذا الحديث رواه الإمام أحمد من وجه آخر بلفظ: ((لتنعتها لزوجها)) وذكر في فتح الباري ص 338 ج 9 الطبعة السلفية أن النسائي زاد في روايته: ((في الثوب الواحد)) وهو مفهوم من قوله: ((لا تباشر)) ومجموع الروايات يقتضي أن الزوجة عمدت إلى مباشرة المرأة لتصف لزوجها ما تحت الثياب منها، ومن أجل هذا حصل عندنا الشك والتردد في جواز نظر الرجل إلى صورة المرأة في الصحف والمجلات والتليفزيون، والبعد عن وسائل الفتن مطلوب، والله المستعان.

* * *
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب النكاح / باب لا تباشر المرأة المرأة.
(12/326)

233 سئل فضيلة الشيخ: جاء في الفتوى السابقة فيما يتعلق بمشاهدة الصور ما نصه: ((وإن كان ممن لا يحل له النظر إليه كنظر الرجل إلى المرأة الأجنبية فهذا موضع شك وتردد والاحتياط أن لا ينظر خوفاً من الفتنة)) فهذا يفهم منه أن فضيلتكم لا يرى بأساً في نظر الرجل إلى الصورة ولو كانت صورة امرأة أجنبية فنرجو التوضيح؟
فأجاب فضيلته: النقطة التي أشار إليها السائل وهي أنه يفهم من كلامنا أننا لا نرى بأساً في نظر الرجل إلى الصورة ولو كانت صورة امرأة أجنبية فنقول هذه النقطة فيها تفصيل:
فإن كانت امرأة معينة ونظر إليها نظر تلذذ وشهوة فهذا حرام، لأن نفسه حينئذ تتعلق بها وتتبعها وربما يحصل بذلك شر وفتنة، فإن لم ينظر إليها نظر تلذذ وشهوة وإنما هي نظرة عابرة لم تحرك له ساكناً، ولم توجب له تأملاً فتحريم هذه النظر فيه نظر، فإن إلحاق نظر الصورة بنظر الحقيقة غير صحيح، لما بينهما من الفرق العظيم في التأثير، لكن الأولى البعد عنه لأنه قد يفضي إلى نظر التأمل ثم التلذذ والشهوة، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها)) (1) . رواه البخاري، ورواه أحمد وأبو داود بلفظ: ((لتنعتها لزوجها)) . واللام للتعليل.
وأما إن كانت الصورة لامرأة غير معينة فلا بأس بالنظر إليها إذا لم يخش من ذلك محذور شرعي.
* * *
234 ...
__________
(1) تقدم تخريجه ص 327.
(12/327)

وسئل فضيلة الشيخ: عن تهاون كثير من الناس في النظر إلى صور النساء الأجنبيات بحجة أنها صورة لا حقيقة لها؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: هذا تهاون خطير جداً وذلك أن الإنسان إذا نظر للمرأة سواء كان ذلك بوساطة وسائل الإعلام المرئية، أو بواسطة الصحف أو غر ذلك، فإنه لابد أن يكون من ذلك فتنة على قلب الرجل تجره إلى أن يتعمد النظر إلى المرأة مباشرة، وهذا شيء مشاهد.
ولقد بلغنا أن من الشباب من يقتني صور النساء الجميلات ليتلذذ بالنظر إليهن، أو يتمتع بالنظر إليهن، وهذا يدل على عظم الفتنة في مشاهدة هذه الصور، فلا يجوز للإنسان أن يشاهد هذه الصور، سواء كانت في مجلات أو صحف أو غير ذلك، إن كان يرى من نفسه التلذذ والتمتع بالنظر إليهن، لأن ذلك فتنة تضره في دينه، وفي اتجاهاته، ويتعلق قلبه بالنظر إلى النساء، فيبقى ينظر إليهن مباشرة.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: لقد كثر عرض الصور الكبيرة والصغيرة في المحلات التجارية وهي صور إما للمثلين عالميين، أو أناس مشهورين، وذلك للتعريف بنوع أو أصناف من البضائع. وعند إنكار هذا المنكر يجيب أصحاب المحلات بأن هذه الصور غير مجسمة وهذا يعني أنها ليست محرمة، وهي ليست تقليداً لخلق الله باعتبارها بدون ظل ويقولون إنهم قد اطلعوا على فتوى لفضيلتكم بجريدة " المسلمون " مفادها أن التصوير المجسم هو المحرم وغير ذلك فلا، فنرجوا من فضيلتكم توضيح ذلك؟
(12/328)

فأجاب فضيلته بقوله: من نسب إلينا أن المحرم من الصور هو المجسم وأن غير ذلك غير حرام فقد كذب علينا، ونحن نرى أنه لا يجوز لبس ما فيه صورة سواء كان من لباس الصغار أو من لباس الكبار، وأنه لا يجوز اقتناء الصور للذكرى أو غيرها إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه مثل التابعية والرخصة. والله الموفق.

* * *
(12/329)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد كثر السؤال حول ما نشر في المقابلة التي جرت بين وبين مندوب جريدة " المسلمون " يوم الجمعة 29/11/1410 هـ بالعدد 281 حول حكم التصوير " الفوتوغرافي " الفوري - الذي تخرج فيه الصورة فوراً دون تحميض - دخل في التصوير الذي نهى عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولعن فاعله.
وذكرت عله ذلك، ثم قلت: ولكن ينبغي أن يقال ما الغرض من هذا العمل؟
" إذا كان الغرض شيئاً مباحاً صار هذا العمل مباحاً بإباحة الغرض المقصود منه،وإن كان الغرض غير مباح صار هذا العمل حراماً، لا لأنه من التصوير، ولكن لأنه قصد به شيء حرام ".
وحيث إن الذي يخاطبني رجل صحفي، ذكرت مثالاً من المحرم يتعلق بالصحافة، وهو تصوير النساء على صفحات الجرائد والمجلات، ولم استطرد بذكر الأمثلة اكتفاء بالقاعدة الآنفة الذكر، وهي أنه متى كان الغرض مباحاً كان هذا العمل مباحاً، ومتى كان الغرض غير مباح كان هذا العمل حراماً.
ولكن بعض السائلين عن هذه المقابلة رغبوا في ذكر المزيد من
(12/330)

الأمثلة للمباح والمحرم. وإجابة لرغبتهم أذكر الآن من الأمثلة المباحة:
إن يقصد بهذا التصوير ما تدعو الحاجة إلى إثباته كإثبات الشخصية، والحادثة المرورية والجنائية، والتنفيذية مثل أن يطلب منه تنفيذ شيء فيقوم بهذا التصوير لإثباته.
1 – التصوير للذكرى، كتصوير الأصدقاء، وحفلات الزواج، ونحوها، لأن ذلك يستلزم اقتناء الصور بلا حاجة وهو حرام، لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، ومن ذلك أن يحتفظ بصورة ميت حبيب إليه كأبيه، وأمه، وأخيه يطالعها بين الحين والآخر، لأن ذلك يجدد الأحزان عليه، ويوجب تعلق قلبه بالميت.
2 – التصوير للتمتع النفسي أو التلذذ الجنسي برؤية الصورة، لأن ذلك يجر إلى الفاحشة.
والواجب على من عنده شيء من هذه الصور لهذا الأغراض، أن يقوم بإتلافها لئلا يلحقه الإثم باقتنائها.
هذه أمثلة للقاعدة الآنفة الذكر، ليست على سبيل الحصر، ولكن من أعطاه الله فهماً فسوف يتمكن من تطبيق بقية الصور على هذه القاعدة.
هذا والله أسأل للجميع الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى.
(12/331)

236 سئل فضيلة الشيخ: يحتاج بعض الطلبة إلى رسم بعض الحيوانات لغرض التعليم والدراسة فما حكم ذلك؟
فأجاب بقوله: لا يجوز أن تصور هذه الحيوانات لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن المصورين وقال: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)) (1) . وهذا يدل على أن التصوير من كبائر الذنوب، لأن اللعن لا يكون إلا على كبيرة، والوعيد بشدة العذاب لا يكون إلا على كبيرة، ولكن من الممكن أن تصور أجزاء من الجسم كاليد والرجل وما أشبه ذلك، لأن هذه الأجزاء لا تحلها الحياة، وظاهر النصوص أن الذي يحرم ما يمكن أن تحله الحياة لقوله في بعض الأحاديث: ((كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ)) (2) .
* * *
237 سئل فضيلة الشيخ: يطلب من الطالب في بعض المدارس أن يرسم صورة لذات روح، أو يعطي مثلاً بعض دجاجة ويقال: أكمل الباقي، وأحياناً يطلب منه أن يقص هذه الصورة ويلزقها على الورق،، أو يعطى صورة فيطلب منه تلوينها فيما رأيكم في هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى ي هذا أنه حرام يجب منعه، وأن المسئولين عن التعليم يلزمهم أداء الأمانة في هذه الباب، ومنع هذه
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب اللباس / باب من صور صورة كلف يوم القيامة..، ومسلم كتاب اللباس / باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(2) أخرجه البخاري: كتاب اللباس / باب عذاب المصورين يوم القيامة، ومسلم: كتاب اللباس / باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(12/332)

الأشياء، وإذا كانوا يريدون أن يثبتوا ذكاء الطالب، بإمكانهم أن يقولوا أصنع صورة سيارة أو شجرة، أو ما أشبه ذلك مما يحيط به علمه، ويحصل بذلك معرفة مدى ذكائه وفطنته للأمور، وهذا مما ابتلى به الناس بواسطة الشيطان، وإلا فلا فرق - بلا شك - في إجادة الرسم والتخطيط بين أن يخطط الإنسان صورة شجرة، أو سيارة، أو قصر، أو إنسان.
فالذي أرى أنه يجب على المسئولين منع هذه الأشياء، وإذا ابتلي الطالب ولابد فليصور حيواناً ليس له رأس.
* * *
238 وسئل فضيلة الشيخ: قلتم - حفظكم الله - في الفتوى السابقة: ((إذا ابتلي الطالب ولابد فليصور حيواناً ليس له رأس)) ولكن قد يرسم الطالب إذا لم يرسب الرأس فما العمل؟
فأجاب قائلاً: إذا كان هذا فقد يكون الطالب مضطراً لهذا الشيء، ويكون الإثم على من أمره وكلفه بذلك، ولكني آمل من المسئولين ألا يصل بهم الأمر إلى هذا الحد، فيضطروا عباد الله إلى معصية الله.
* * *
239 وسئل - حفظه الله -: عن حكم لبس الثياب التي فيها صورة حيوان أو إنسان؟
فأجاب بقوله: لا يجوز للإنسان أن يلبس ثياباً فيها صورة حيوان أو إنسان، ولا يجوز أيضاً أن يلبس غترة أو شماغاً أو ما أشبه ذلك وفيه صورة إنسان أو حيوان وذلك لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ((إن
(12/333)

الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة)) (1) .
ولهذا لا نرى لأحد أن يقتني الصور للذكرى كما يقولون، وأن من عنده صور للذكرى فإن الواجب عليه أن يتلفها، سواء كان قد وضعها على الجدار، أو وضعها في ألبوم، أو في غير ذلك، لأن بقاءها يقتضي حرمان أهل البيت من دخول الملائكة بيتهم، وهذا الحديث الذي أشرت إليه قد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والله أعلم.
* * *
240 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إلباس الصبي الثياب التي فيها صور لذوات الأرواح؟
فأجاب قائلاً: يقول أهل العلم: إنه يحرم إلباس الصبي ما يحرم إلباسه الكبير، وما كان فيه صورة فإلباسه الكبير حرام، فيكون إلباسه الصغير حراماً أيضاً، وهو كذلك، والذي ينبغي للمسلمين أن يقاطعوا مثل هذه الثياب وهذه الأحذية حتى لا يدخل علينا أهل الشر والفساد من هذه النواحي، وهي إذا قوطعت فلن يجدوا سبيلاً إلى إيصالها إلى هذه البلاد وتهوين أمرها بينهم.
* * *
241 سئل فضيلة الشيخ: هل استثناء بعض العلماء لعب الأطفال من التصوير صحيح؟ وهل قول الشيخ. .. بجواز الصورالتي ليس لها ظل وإنما هي نقوش بالألوان قول صحيح؟
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب اللباس / باب ما كره القعود على الصور، ومسلم: كتاب اللباس / باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(12/334)

فأجاب بقوله: استثناء لعب الأطفال صحيح، لكن ما هي اللعب المستثناة أهي اللعب التي كانت معهودة من قبل وليست على هذه الدقة في التصوير، فإن اللعب المعودة من قبل ليس فيها تلك العيون والشفاه والأنوف كما هو المشاهد الآن في لعب الأطفال، أم أن الرخصة عامة فيما هو لعب أطفال ولو كان على الصور المشاهدة الآن؟
هذا محل تأمل، والاحتياط تجنب هذه الصور الشائعة الآن والاقتصار على النوع المعود من قبل.
وأما الصور التي ليس لها ظل وإنما هي نقوش بالألوان فإن دعوى الجواز فيها نظر حيث استند في ذلك إلى أنه كان ممنوعاً ثم أجيز، لأن من شروط النسخ تعذر إمكان الجمع بين النصين، والعلم بتأخر الناسخ، وأما مع إمكان الجمع فلا تقبل دعوى النسخ، لأن الجمع يكون فيه العمل بالدليلين، والنسخ يكون فيه إبطال أحد الدليلين، ثم إن طريق العلم بالمتأخر ليس الاستنساخ والتخمين، بل النقل المجرد هو الطريق إلى العلم بالمتأخر، ثم إن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة)) (1) خبر، والخبر ل يدخله النسخ إلا إذا أريد به الإنشاء وليس هذا مما أريد به الإنشاء، نعم الخبر يدخله التخصيص فينظر هل هذا الحديث مخصص بالصور التي ذكرها؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يرى أن هذا الحديث مخصص بقوله: ((إلا رقماً في ثوب)) (2) وبحديث عائشة – رضى الله عنه - في الستر الذي فيه تمثال طائر وقد ذكر الشيخ. .. أن حديث ((إلا رقماً في ثوب)) رواه
__________
(1) تقدم تخريجه ص 334.
(2) تقدم تخريجه ص 315
(12/335)

الخمسة، وقد رواه البخاري ومسلم أيضاً، ومن العلماء من يرى أن هذا الترخيص في الرقم في الثوب وتمثال الطائر كان في أول الأمر ثم نهي عنه على العكس من قول الشيخ.
والذي يظهر لي أن الجمع ممكن وهو أن يحمل قوله: ((إلا رقماً في ثوب)) على ما ورد حله مما يتكأ عليه ويمتهن، فيكون الرقم في الثوب المراد به ما كان في مخدة ونحوها، لأنه الذي ورد حله، وأن زيد بن خالد ألحق به الستر ونحوه وهو إلحاق غير صحيح، لن حديث عائشة – رضى الله عنها – في السهوة صريح في المنع منه حيث هتكه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتلون من أجله وجهه.
وأما حديث مسلم في تمثال الطائر فيحمل على أنه تمثال لا رأس، وعلى أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كرهه لا من أجل أنه صورة ولكن من أجل أنه من باب الترف الزائد، ولهذا قال: ((حوليه فإني كلما دخلت ورأيته ذكرت الدنيا)) (1) . ويؤيد هذا الحمل ما رواه مسلم من حديث عائشة – رضى الله عنها – قالت: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج في غزاته فأخذت نمطاً فسترته على الباب، فلما قدم فرأي النمط عرفت الكراهية في وجهه فجذبته حتى هتكه أو قطعه، وقال: ((إن الله لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين)) (2) . وعلى هذا فتكون النتيجة في هذا تحريم اقتناء الصور المجسمة، والملونة والمنقورة، والمزبورة إلا الملونة إذا كانت في شيء يمتهن كالفراش ونحوه فلا تحرم لكن الأولى التنزه عنها أيضاً لما في الصحيحين من حديث عائشة أنها اشترت نمرقة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها
__________
(1) أخرجه مسلم ك كتاب اللباس / باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(2) أخرجه مسلم: كتاب اللباس / باب تحريم تصوير صورة الحيوان.
(12/336)

تصاوير ليقعد عليها ويتوسدها، فلما رآها قام على الباب ولم يدخل وعرفت الكراهية في وجهه ثم أخبر أن أصحاب هذه الصور يعذبون يقال: أحيوا ما خلقتم ثم قال: ((إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة)) (1) . والله الموفق.

* * *
سئل فضيلة الشيخ: هناك أنواع كثيرة من العرائس منها ما هو مصنوع من القطن، وهو عبارة عن كيس مفصل برأس ويدين ورجلين، ومنها ما يشبه الإنسان تماماً، ومنها ما يتكلم أو يبكي أو يمشي، فما حكم صنع أو شراء مثل هذه الأنواع للبنات الصغار للتعليم والتسلية؟
فأجاب بقوله: أما الذي لا يوجد فيه تخطيط كامل وإنما يوجد فيه شيء من الأعضاء والرأس ولكن لم تتبين فيه الخلقة فهذا لا شك في جوازه وأنه من جنس البنات اللاتي كانت عائشة - رضى الله عنها - تلعب بهن.
وأما إذا كان كامل الخلقة وكأنما تشاهد إنساناً ولا سيما إن كان له حركة أو صوت فإن في نفسي من جواز هذه شيئاً، لأنه يضاهي خلق الله تماماً، والظاهر أن اللعب التي كانت عائشة تلعب بهن ليست على هذا الوصف، فاجتنابها أولى، ولكني لا أقطع بالتحريم نظراً لأن الصغار يرخص لهم ما لا يرخص للكبار في مثل هذه الأمور، فإن الصغير مجبول على اللعب والتسالي، وليس مكلفاً بشيء من العبادات حتى نقول: إن وقته يضيع عليه لهواً وعبثاً، وإذا أراد الإنسان الاحتياط في
__________
(1) تقدم تخريجه ص 334.
(12/337)

مثل هذا فليقلع الرأس أو يحميه على النار حتى يلين ثم يضغطه حتى تزول معالمه.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: هل هناك فرق بين أن يصنع الأطفال تلك اللعب وبين أن نصنعها نحن لهم أو نشتريها لهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أنا أرى أن صنعها على وجه يضاهي خلق الله حرام، لأن هذا من التصوير الذي لا شك في تحريمه، لكن إذا جاءتنا من النصارى أو غيرهم من غير المسلمين فإن اقتناءها كما قلت أولاً.
لكن بالنسبة للشراء بدلاً من أن نشتريها ينبغي أن نشتري أشياء ليست فيها صور، كالدراجات أو السيارات أو الرافعات وما أشبهها.
أما مسألة القطن والذي ما تتبين له صورة على الرغم مما هناك من أنه أعضاء ورأس ورقبة ولكن ليس فيه عيون ولا أنف فما فيه بأس، لأن هذه لا يضاهي خلق الله.
* * *
وسئل فضيلته: عن حكم صنع ما يشبه هذه العرائس بمادة الصلصال ثم عجنها في الحال؟
فأجاب بقوله: كل ما صنع شيئاً يضاهي خلق الله فهو داخل في الحديث، وهو لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المصورين ظ وقوله: ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)) (1) . لكن كما قلت: إنه إذا لم تكن الصورة
__________
(1) تقدم تخريجه ص 332.
(12/338)

واضحة أي ليس فيها عين أو أنف ولا فهم لا أصابع فهذه ليست صورة كاملة ولا مضاهية لخلق الله - عز وجل.
* * *
245 سئل فضيلة الشيخ: كثير من الألعاب تحوي صوراً مرسومة باليد لذوات الأرواح والهدف منها غالباً التعليم مثل هذه الموجودة في الكتاب الناطق فهل هي جائزة؟
فأجاب بقوله: إذا كانت لتسلية الصغار فإن من أجاز اللعب للصغار يجيز مثل هذه الصور، على أن هذه الصور ليست - أيضاً - مطابقة للصورة التي خلق الله عليها هذه المخلوقات المصورة كما يتضح مما هو أمامي. والخطب في هذا سهل.
* * *
246 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم صور الكرتون التي تخرج في التليفزيون؟ وما قولكم في ظهور بعض المشايخ فيه؟ وما حكم استصحاب الدراهم التي فيها صور؟
فأجاب قائلاً: أما صور الكرتون التي ذكرتم أنها تخرج ي التليفزيون فإن كانت على شكل آدمي فحكم النظر فيها محل تردد، هل يلحق بالصور الحقيقية أو لا؟
والأقرب أنه لا يلحق بها.
وإن كانت على شكل غير آدمي فلا بأس بمشاهدتها إذا لم يصحبها أمر منكر من موسيقى أو نحوها ولم تله عن واجب.
وأما ظهر بعض المشايخ في التليفزيون: فهو محل اجتهاد إن أصاب الإنسان فيه فله أجران، وإن أخطأ له أجر واحد، ولا شك أن
(12/339)

المحب للخير منهم قصد نشر العلم وأحكام الشريعة، لأن التليفزيون أبلغ وسائل الإعلام وضوحاً، وأعمها شمولاً، أشدها من الناس تعلقاً فهم يقولون إن تكلمنا في التليفزيون وإلا تكلم غيرنا، وربما كان كلام غيرنا بعيداً من الصواب، فننصح الناس، ونوصد الباب ونسد الطريق أمام من يتكلم بغير علم فيضل ويضل.
وأما استصحاب الرجل ما ابتلى به المسلمون اليوم من الدراهم التي عليها صور الملوك والرؤساء فهذا أمر قديم، وقد تكلم عليه أهل العلم، ولقد كان الناس هنا يحملون الجنية الفرنجي وفيه صورة فرس وفارس، ويحملون الريال الفرنسي وفيه صورة رأس ورقية وطير. والذي نرى في هذا أنه لا إثم على ما ستصحبه لدعاء الحاجة إلى حمله إذ الإنسان لابد له من حمل شيء من الدراهم في جيبه، ومنع الناس من ذلك فيه حرج وتعسير وقد قال الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (1) . وقال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (2) . وصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال ((إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا)) (3) . رواه البخاري. وقال لمعاد بن جبل وأبي موسى عند بعثهما إلى اليمن: ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)) (4) . وقال للناس حين زجروا الأعرابي الذي بال في المسجد ك ((دعوه فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 185.
(2) سورة الحج، الآية: 78.
(3) تقدم تخريجه ص 217.
(4) تقدم تخريجه ص 250.
(12/340)

معسرين)) (1) . رواهما البخاري أيضاً.
فإذا حمل الرجل الدراهم التي فيها صورة، أو التابعية، أو الرخصة وهو محتاج إليها أو يخشى الحاجة فلا حرج في ذلك، ولا إثم - إن شاء الله تعالى - إذا كان الله تعالى يعلم أنه كاره لهذا التصوير وإقراراه وأنه لولا الحاجة إليه ما حمله.
والله أسأل أن يعصمنا جميعاً والمسلمين من أن تحيط بنا خطايانا وأن يرزقنا الثبات والاستقامة على دينه، إنه جواد كريم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إقامة مجسم لقلب الإنسان لجل التذكير بقدرة الله وعظمته عز وجل؟
فأجاب بقوله: صورة القلب أو غيره من الأجزاء ليس من الصور المحرمة، لأنه بعض صوره، وعلى هذا فيجوز رسم القلب، أو اليد، أو الرجل أو الرأس كل واحد على حدة، ولكن المشكل في السؤال صرف الأموال في مثل هذا، لأن النفع الحاصل به لا يساوي الأموال المصروفة فيه ولا يقرب منها، فجواز صرف الأموال في هذا محل نظر والسلامة أسلم. والله تعالى الموفق.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: كيف نجمع بين قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة يضاهون بخلق الله) (2) وبين كون المشرك أشد الناس عذاباً يوم القيامة؟
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء / باب صب الماء على البول في المسجد
(2) تقدم تخريجه ص 314.
(12/341)

فأجاب حفظه الله بقوله: ذكر في الجمع بينهما وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث على تقدير " من: أي إن من أشد الناس عذاباً، بدليل أنه قد جاء بلفظ ((إن من أشد الناس عذاباً) فيحمل ما حذفت منه على ما ثبتت فيه.
الوجه الثاني: أن الأشدية لا تعني أن غيرهم لا يشاركون بل يشاركهم غيرهم، قال تعالى: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ 46) (1) . فيكون الجميع مشتركين في الأشد.
ولكن يرد على هذا أن المصور فاعل كبيرة فقط، فكيف يسوى بمن هو كافر مستكبر؟
الوجه الثالث: أن الأشدية نسبية يعني أن المصورين أشد الناس عذاباً بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر، لا بالنسبة لجميع الناس. وهذا أقرب الوجوه، والله أعلم (2) .
* * *
وسئل: عن حكم تعليق الصور على الجدران؟
فأجاب بقوله: تعليق الصور على الجدران ولاسيما الكبيرة منها حرام حتى وإن لم يخرج إلا بعض الجسم والرأس، وقصد التعظيم فيها ظاهر، وأصل الشرك هو هذا الغلو، كما جاء ذلك عن أبن عباس
__________
(1) سورة غافر، الآية: 46.
(2) أضاف فضيلة الشيخ وجهاً رابعاً في شرحه لكتاب التوحيد فقال حفظه الله تعالى: " الرابع أن هذا من باب الوعيد الذي يطلق لتنفير النفوس عنه، ولم أر من قال بهذا، ولو قيل بهذا لسلمنا من هذه الإيرادات،وعلى كل حال ليس لنا أن نقول إلا كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذي يضاهون بخلق الله ".
(12/342)

رضى الله عنه - أنهه قال في أصنام قوم نوح التي يعبدونها: ((إنها كانت أسماء رجال صالحين صوروا صورهم ليتذكروا العبادة،ثم طال عليهم الأمد فعبدوها)) (1) .
* * *
وسئل أيضاً: عن حكم اقتناء الصور للذكرى؟
فأجاب الشيخ بقوله: اقتناء الصور للذكرى محرم، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، وهذا يدل على تحريم اقتناء الصور في البيوت. والله المستعان.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: هل يلزم طمس الصورة التي في الكتب؟ وهل وضع خط بين الرقبة والجسم يزيل الحرمة؟
فأجاب - حفظه الله تعالى - بقوله: لا أرى أنه يلزم طمسها، لأن في ذلك مشقة كبيرة، ولأنها أي هذه الكتب ما قصد بها هذه الصورة إنما قصد ما فيها من العلم.
ووضع خط بين الرقبة والجسم هذا لا يغير الصورة عما هي عليه.

* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تصوير المحاضرات والندوات بأجهزة الفيديو؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أنه لا بأس بتصوير المحاضرات والندوات بأجهزة الفيديو إذا دعت الحاجة إلى ذلك أو
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب التفسير / باب (ولا تذرن وداً ولا سواعاً. .)
(12/343)

اقتضته المصلحة لأمور:
أولاً: أن التصوير الفوتوغرافي الفوري لا يدخل في مضاهاة خلق الله كما يظهر للمتأمل.
ثانياً: أن الصورة لا تظهر على الشريط فلا يكون فيه اقتناء للصورة.
ثالثاً: إن الخلاف في دخول التصوير الفوتوغرافي الفوري في مضاهاة خلق الله - وإن كان يورث شبهه - فإن الحاجة أو المصلحة المحققة لا تترك لخلاف لم يتبين فيه وجه المنع. هذا ما أراه في هذه المسألة. والله الموفق.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: عن معنى جملة ((إلا رقماً في ثوب)) التي وردت في الحديث هل تدل على حل الصور التي في الثوب؟
فأجاب - حفظه الله - بقوله: إن رأينا في الحديث: ((إلا رقماً في ثوب)) (1) من النصوص المتشابهة والقاعدة السليمة: يرد إلى المحكم. ولقوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) (2) .
ويرد المتشابه إلى المحكم ولا يبقى فيه اشتباه.
فهذا الحديث: ((إلا رقماً في ثوب)) يحتمل أنه عام، رقماً:
__________
(1) تقدم تخريجه ص 315.
(2) سورة آل عمران، الآية: 7.
(12/344)

يشمل صورة الحيوان وصورة الأشجار وغير ذلك، فإنه كان محتملاً لهذا فإنه يحمل على النصوص المحكمة التي تبين أن المراد برقم الثوب ما ليس بصورة حيوان أو إنسان حتى تبقى النصوص متطابقة متفقة.
ونحن لا نرى ذلك والتفصيل فيما له ظل وما ليس له ظل، لأن حديث علي بن أبي طالب - رضى الله عنه - في صحيح مسلم. أنه قال: ((يا أبا الهياج ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)) (1) .
* * *
سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله -: عن التصوير باليد؟
فأجاب - حفظه الله - بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، التصوير باليد حرام بل هو من كبائر الذنوب، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن المصورين، واللعن لا يكون إلا على كبيرة من كبائر الذنوب وسواء رسم الصورة يختبر إبداعه أو رسمها للتوضيح للطلاب أو لغير ذلك فإنه حرام، لكن لو رسم أجزاء من البدن كاليد وحدها أو الرأس وحده فهذا لا بأس به.

* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن التصوير بالآلة الفوتوغرافية الفورية وحكم تعليق الصور على الجدران؟
فأجاب قائلاً: التقاط الصورة بالآلة الفوتوغرافية الفورية التي لا تحتاج إلى عمل بيد فإن هذا لا بأس به، لأنه لا يدخل في التصوير،
__________
(1) تقدم تخريجه ص 320.
(12/345)

ولكن يبقى النظر، ما هو الغرض من هذه الالتقاط: إذا كان الغرض من هذا الالتقاط هو أن يقتنيها الإنسان ولو للذكرى صار ذلك الالتقاط حراماً، وذلك لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، واقتناء الصور للذكرى محرم، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر أن ((الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة)) (1) وهذا يدل على تحريم اقتناء الصور في البيوت.
وأما تعليق الصور على الجدران فإنه محرم ولا يجوز والملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عما ابتلى به الناس اليوم من وجود الصور بأشياء من حاجاتهم الضرورية.
فأجاب قائلاً: ما ابتلى الناس البوم من وجود الصور بأشياء من حاجاتهم الضرورية، فأرى أنه إذا أمكن مدافعتها فذاك، وإن لم يكن فإن فيها من الحرج والمشقة والعسر مما ارتفع عن هذه الأمة، بمعنى أنه يوجد في بعض المجلات وفي بعض الصحف التي يقتنيها الإنسان لما فيها من المنافع والإرشاد والتوجيه فأرى أن مثل هذا ما دام لم يقصد الصورة نفسها فلا بأس أن يقتنيها لاسيما إذا كانت الصورة مغلقة لا تبرز ولا تبين.

* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن نشر صور المشوهين الأفغان؟
فأجاب بقوله: نشر صور المشوهين الأفغان مصلحة في الحقيقة وهي أنها اندفاع الناس بالتبرع لهم، لكن أقول إن هذا قد
__________
(1) تقدم تخريجه ص 334.
(12/346)

يحصل بدون نشر هذه الأشياء، أو ربما يمكن أن نضع شيئاً على الوجه بحيث لا يتبين الرأس، لأن الرأس إذا قطع لا تبقى صورة كما جاء في الحديث: ((ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)) (1) وهذا ظاهرة أن المراد بالصورة حتى صورة التلوين وإن لم يكن لها ظل، لأنه لم يقل إلا كسرتها، والطمس إنما يكون لما كان ملوناً.
وكذلك أيضاً حديث عائشة في البخاري حينما دخل عليه الصلاة والسلام فوجد نمرقة فيها صورة فوقف على الباب وعرفت في وجهه الكراهية، وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن أصحاب هؤلاء الصور يعذبون)) (2) ، فهذا دليل على أنه يشمل الصورة التي لها ظل والتي ليس لها ظل وهذا هو الصحيح.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: يوجد بعض البضائع عليها صور اللاعبين، فما حكم ذلك؟ وإذا كانت هذه الصورة عبارة عن ملصق إذا قام المشتري بإزالته وجد تحتها جائزة فما الحكم؟
فأجاب بقوله: أرى أن هذه البضاعة التي عليها صور اللاعبين تهجر وتقاطع، لأننا نسأل: ما فائدة الإسلام والمسلمين من بروز هذا اللاعب وظهوره على غيره؟ أعتقد أن كل إنسان سيكون جوابه بالنفي إذا لا فائدة من ذلك، فكيف نعلن عن أسماء هؤلاء، وننشر صورهم وما أشبه ذلك.وكان الذي ينبغي أن يعدل عن هذا إلى مناصحة اللاعبين بالتزام
__________
(1) تقدم تخريجه ص 320.
(2) تقدم تخريجه ص 315.
(12/347)

الآداب الإسلامية، من ستر العورة، والمحافظة على الصلاة في الجماعة، وعدم التنافر فيما بينهم، وعدم الشتائم، وألا يستولي عليهم تعظيم الكافر إذا نجح في هذه اللعبة على غيره، هذا الذي ينفع.
فأرى أن تهجر هذه البضاعة وأن تقاطع، ثم إن الغالب أن هذه الشركة لم تضع هذه الجوائز إلا لأنها تعرف أنها ستربح أضعافاً مضاعفة بالنسبة لما وضعت، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل البصيرة في دين الله عز وجل، وأن يحمي بلادنا وشبابنا وديننا من كل مكروه وسوء. إنه على كل شيء قدير.

* * *
وسئل فضيلته: عن حكم التصوير بكاميرا الفيديو في الرحلات البرية والاحتفالات من غير الضرورة؟
فأجاب قائلاً: أرى ألا يصور مع أنه حلال، لأن هذا التصوير يؤدي إلى ضياع مال بغير فائدة، وربما يكون الإنسان كلما أراد أن يتلهى ذهب يراجع هذا المصور، فأرى ألا يصور وإن صور فلا بأس ما دام الشيء المصور حلالاً.

* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم اقتناء المجلات الإسلامية التي تحتوي على الصور؟
فأجاب بقوله: المجلات عموماً إذا اقتناها الإنسان من أجل ما فيها من الصور، فهذا حرام ولا إشكال فيه.
وإن اقتناها من أجل ما فيها من الفوائد بما فيها من صور فأرجو ألا يكون به بأس، لأن مشقة التحرز من الصور في كل جريدة وفي كل مجلة
(12/348)

ظاهرة، والمشقة تجلب التيسير.
لكن الاستغناء عنها أحسن، وفي الكتب الشرعية ما هو خير وأوفى.

* * *
سئل فضيلة الشيخ: هناك بعض أنواع الرخام المظلل بالأسود والأبيض تزين به جدران المساجد من الداخل، وهو مع الأسف يجلب من بلاد الشرك والكفر، ولهذا فهو يحتوى على كثير من الصور الظاهرة والخفية التي تستبين بتدقيق النظر، وهي صور لأشخاص وحيوانات، فما حكم الصلاة في هذه المساجد، وحكم وضع هذا الرخام بالمساجد؟
فأجاب بقوله: حكم وضع هذا الرخام الذي تظهر فيه الصور محرم، يعني أنه يحرم أن نضع في مساجد المسلمين رخاماً فيه الصور، ويجب على أهل الحي الذين سترت جدران مساجدهم بهذا أن يطالبوا بإزالتها، فإن لم يمن فلا يصلوا في هذا المسجد، بل يطلبوا مسجداً آخر، ولهذا امتنع عمر رضى الله عنه من دخول الكنائس، لأن فيها الصور.

* * *
262 وسئل فضيلة الشيخ: نعمل في قسم الحوادث المرورية، ونحتاج في بعض الأحيان إلى تصوير بعض الحوادث المرورية للحفاظ على حق إخواننا المواطنين، ويدخل بعض الناس الموجودين أثناء الحادث داخل الصور فما حكم هذا؟
فأجاب بقوله: هذا العمل ليس فيه بأس، لأنه تصوير لمصلحة
(12/349)

بل لحاجة أو ضرورة، ولا يضر إذا كان تصوير هذا المكان يدخل فيه من ليس طرفاً في الحادث، ومن المعلوم أن التصوير بالكاميرا ليس هو الذي أراده النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما نرى، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما لعن المصورين الذين يضاهئون بخلق الله مما هو مصور يعني فاعل الصورة.
أما التقاط الصور بالآلة الفوتوغرافية فليس من الفعل فهو لم يخطط للعين، ولا الأنف، ولا الشفه، ولا الجبهة، ولا الرأس، غاية ما هنالك أنه حبس هذه الصورة التي هي من فعل الله عز وجل في هذا البطاقة.
ويدلك لهذا أنك لو كتبت إلى شخص كتاباً بيدك ثم أدخل في آلة التصوير ثم خرج هل يقال إن هذه الكتابة من صنع الآلة؟ لا إنما هي كتابة الأول، ولكنها حفظت بواسطة المواد التي طورها الناس الآن في هذه البطاقة، فلا تدخل في التصوير أصلاً.
لكن إذا كان الإنسان يصور بالآلة الفوتوغرافية الفورية التي يحبسها عنده ويقتنيها فهذا ممنوع، لا لذاته، ولكن للغرض المقصود منه، وهو اقتناء الصورة لغير ضرورة، والمقصود الذي تريدونه أنتم بتصوير الحوادث مقصود صحيح وأمر لابد منه.

* * *
263 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم التصوير بكاميرا الفيديو، مثل تصوير سباق الخيل، وما أشبه ذلك؟
فأجاب بقوله: إذا لم يكن فيه مضرة فلا بأس به، وأما تصوير
(12/350)

سباق الخيل فقد يكون فيه مصلحة وهي الاهتمام بالخيل وركوبها، وهو أمر مشروع.

* * *
264 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم التصوير وخاصة النساء لقصد الذكريات؟
فأجاب بقوله: التصوير للنساء ولغير النساء للذكرى ولغيرها حرام ولا يجوز، وذلك لأنه لغرض محرم، وما كان لغرض محرم كان له حكم ذلك الغرض، ولأن اقتناء الصور محرم لما ورد في الحديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة (1) .
إلا أن جمهور العلماء قالوا: إذا كانت الصور ممتهنة مثل أن تكون في الفرش، أو الوسائد، أو المخاد فإن ذلك لا بأس به، على أن الاحتياط ألا يقتني ذلك ولو في حال الامتهان. والله الموفق.

* * *
265 وسئل فضيلته: هل الرسم حرام؟
فأجاب بقوله: إن كنت تعني به رسم الأشجار والبحار والأنهار والنجوم، وما أشبه ذلك مما ليس له روح، فإن رسم ذلك جائز ولا حرج فيه، وإن كنت تعني بالرسم رسم ذوات الأرواح كالبعير، والحمار، والشاة، والبقرة، والإنسان وما أشبه ذلك، فإن ذلك محرم لا يجوز، بل هو من كبائر الذنوب.
وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لعن المصورين (2) وأن من صور
__________
(1) تقدم تخريجه ص 334.
(2) تقدم تخريجه ص 323.
(12/351)

صورة فإنه يجعل له نفس تعذبه في جهنم (1) ، وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال عن ربه تبارك وتعالى: ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا شعيرة)) (2) .
وقد ابتلى بعض الناس بهذا الأمر، وجعلوه فناً من الفنون يهوونه ويحاولون إنفاقه بكل ما يستطيعون، وهذا من تلبيس الشيطان عليهم، زين لهم سوء أعمالهم، فالواجب الحذر من الرسم باليد لأي صورة فيها روح، لأن اللعن - والعياذ بالله - هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، والمؤمن لا يمكن أن يختار لنفسه هذه العقوبة الأليمة، بل يجب عليه أن يفر منها فراره من الأسد. والله الموفق.

* * *
266 وسئل فضيلته: عن شاب يهوى الرسم فما توجيهكم حفظكم الله تعالى؟
فأجاب قائلاً: الرسم ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يرسم أنهاراً وجبالاً وشجراً وشمساً وقمراً ونجوماً وآلات وغير ذلك مما لا روح فيه، فهذا جائز ولا حرج فيه.
والثاني: أن يرسم حيواناً، مثل البعير، والفرس، أو الإنسان ونحوها من ذوات الأرواح فإنه حرام ولا يجوز، بل هو من كبائر الذنوب، وقد ثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لعن المصورين، فهل ترضى لنفسك أن تطرد من رحمة الله؟! لا أحد يرضى بذلك.
وأظنك إذا رسمت ما لا روح فيه كالشمس والقمر والنجوم
__________
(1) تقدم تخرجه ص 323.
(2) تقدم تخريجه ص 320.
(12/352)

والجبال والشجر والأنهار والآلات، فإنك سوف تجد نفسك حاذقاً، وسوف تجد متعة عظيمة لهوايتك هذه، ولتقتصر على هذه الهواية المباحة، ولتتجنب ما حرم الله عليك، فإن فيما أحل الله غنى عما حرم على عباده. والله الموفق.

* * *
267 وسئل فضيلة الشيخ: هل تعليق الصور في المنزل حرام سواء كانت صور إنسان أو حيوان؟ وما حكم التماثيل في البيوت كزينة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب بقوله: نعم تعليق الصور على الجدران محرم ولا يجوز، ومن علق شيئاً من ذلك فعليه أن يزيله ويحرقه، ولا يجوز الاحتفاظ بها في البوم، ولا صندوق، ولا غير ذلك، لأن اقتناء الصور لا يجوز، ولم يرخص فيه إلا ما كان يمتهن، كالفرش والوسائد والمخدات على خلاف في ذلك أيضاً.
وأما التماثيل المجسمة من صور الإنسان والحيوان فهي أعظم وأشد، فالواجب إتلافها وإلا على الأقل تقطع رؤوسها، وإني لأعجب من أناس يضعونها في مقدمة بيوتهم فيمنعون الملائكة من دخول بيوتهم، ولهذا قال علي رضى الله عنه لأبي الهياج: ((ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)) (1) . والله الموفق.

* * *
__________
(1) تقدم تخريجه ص 320.
(12/353)

وسئل فضيلته: عن امرأة تقول: لي خمس أو ست سنوات ما رأيت أهلي ولا رأوني. فهل إذا تصورت وأرسلت لهم صورة علي شيء؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب بقوله: التصوير لهذا الغرض محرم ولا يجوز، وذلك لأن اقتناء الصور للذكرى حرام، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة)) (1) . وما لا تدخله الملائكة فلا خير فيه.
وأنت من الممكن إذا كان لدى أهلك هاتف أن تتصلي بهم في الهاتف، وهذا أبلغ في الاطمئنان على صحتهم، وعلى صحتك أيضاً من أن يرسلوا إليك الصور أو ترسلي الصور إليهم. والله الموفق.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم شراء الحيوانات المصنوعة من المطاط كألعاب الأطفال؟
فأجاب بقوله: استعمال الصور الكاملة محظور شرعاً، أما لعب الأطفال فالأولى تشويهها إذا كانت مع الطفل، ولكن عدم شرائها أولى لكي لا تشجع صانعيها. والله الموفق.

* * *
وسئل فضيلته: عن حكم الحلي التي على هيئة التماثيل؟
فأجاب بقوله: هذه الأنواع من الحلي التي تكون على هيئة ثعبان أو فراشة أو حيوان أو إنسان أو غير ذلك كلها حرام، ولا يحل بيعها ولا شراؤها، ويحرم على أهل المعارض بيعها، ويحرم على الصناع أن
__________
(1) تقدم تخريجه ص 334.
(12/354)

يصنعوها، والذين يصنعونها قد وقعوا في الوعيد الذي ثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أن الله تعالى يجعل له بكل صورة صورها نفساً يعذب بها في نار جهنم (1) .
فعلى صانعي هذه التماثيل أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم، وفي إخوانهم المسلمين، ويجب على ولاة الأمر والمسؤولون عن ذلك منعها، وعدم التعامل بها، لأنها محرمة، ولا يجوز للنساء أن يلبسنها لا في الصلاة ولا في غير الصلاة، وعلى من عنده شيء من ذلك أن يغيرها، بإزالة رأسها أو حكه حتى يصبح كبدنها لا يتميز عنه. والله الموفق.

* * *
وسئل فضيلته: أنا أعمل في مجال التصوير الفوتوغرافي الذي ينشر في الصحف أو الكتيبات، ما مدى صحة هذا العمل حفظكم الله؟
فأجاب بقوله: إذا كان فيه مصلحة دينية فلا بأس، وأما إذا لم يكن فيه مصلحة فالأورع والأحسن أن تتركه وتطلب عملاً آخر، أو تمتنع عن تصوير ذوات الروح.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: هل يلزم طمس الصورة من المجلات حتى الإسلامية أو لا؟ وحكم اقتناء التماثيل؟
فأجاب بقوله: ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج رضى الله عنه
__________
(1) تقدم تخريجه ص 323.
(12/355)

أنه قال له علي بن أبي طالب رضى الله عنه: ((ألا أبعثك على ما بعثي عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا تدع صورة إلا طمستها ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)) (1) .
وعلى هذا فإن هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تطمس جميع الصور، لكن ما شق التحرز منه، وشق على الإنسان طمسه فإن هذا الدين ليس فيه حرج، لكن لا يجوز لأحد أن يقتني المجلات من أجل الصور التي فيها، لأن اقتناءها محرم، حتى الصور الفوتوغرافية سواء للذكرى أو للتمتع بها حيناً بعد حين أو لغير ذلك.
اللهم إلا ما دعت الضرورة إليه أو الحاجة، مما يكون في التابعية (حفيظة النفوس) والرخصة والجواز وما أشبه ذلك مما لا مناص عنه، فهذا يعذر فيه الإنسان لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (2) .
وأما التماثيل الموضوعة في المنازل، من حيوانات أو طيور وما إلى ذلك فإنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة (3) فإن ذلك محرم لا يجوز، بل هو من كبائر الذنوب.
وقد ثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لعن المصورين (4) ، وأن من صور صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ (5) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 320.
(2) سورة الحج، الآية: 78.
(3) تقدم تخريجه ص 334.
(4) تقدم تخريجه ص 320.
(5) تقدم تخريجه ص 323.
(12/356)

وثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((أن كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً تعذبه في جهنم)) (1) .
وثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال عن ربه تبارك وتعالى: ((ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي.) الحديث (2) .
وكما قلنا فهي سبب لمنع دخول الملائكة إلى المنازل، وكل بيت لا تدخله الملائكة لا خير فيه.
ومن العجيب أن مثل هذه التماثيل الموجودة كان لا يهتم بها إلا الصبيان فيما مضى، تجد عند الإنسان صورة جمل، أو صورة حصان، أو صورة أسد، أو صورة ذئب، أو صورة أرنب، ما كان يهتم لها في الماضي إلا الصبيان، لكن تحولت الأمور الآن، فصار يهتم بها صبيان العقول لا صبيان السن، ويشترونها بالدراهم ويضعونها في بيوتهم.
وأني أنصح هؤلاء بالتوبة إلى الله من هذه الأمر، وأن يدعوه، ومن كان عنده شيء فليقص رأسه حتى لا يكون حيواناً كاملاً، نسأل الله لنا ولهم الهداية.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم اقتناء مجلات الأزياء؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أنه لا يجوز اقتناء مجلات الأزياء لأنها تشتمل على صور ليس فيها ما يفيد، واقتناء ما يشتمل على ذلك حرام لدخوله في الوعيد الدال عليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه
__________
(1) تقدم تخريجه ص 323.
(2) تقدم تخريجه ص 320.
(12/357)

صورة)) (1) . ولأن في هذه الأزياء ما لا يتفق مع الزي الإسلامي فيخشى أن يزين الشيطان للمرأة زياً لا يتفق مع الزي الإسلامي فتهلك، ولا يجوز للمرأة أن تتخذ من هذه الأزياء زياً لا يتفق مع الزي الإسلامي لكونه قصيراً أو كاشفاً لما لا يجوز كشفه من المرأة، أو خاصاً بلباس الكافرات ونحو ذلك، فإن اتخاذ ذلك حرام لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((من تشبه بقوم فهو منهم)) (2) . وقوله ((صنفان من أهل النار لم أرهما بعد: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وأن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)) (3) . ولا ينبغي للمرأة أن تكون منقادة لكل ما يرد على البلاد من أزياء وموضات، لأن ذلك يرهقها أو يرهق من ينفق عليها من زوج أو قريب، ويوجب تشتت فكرها وأنسيابها وراء كل جديد نافعاً كان أم ضاراً.
نسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين الحماية والكفاية. حرر في 20 /12/1410 هـ.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم شراء الحيوانات والطيور المحنطة؟ وحكم وضعها لغرض الزينة؟ وحكم الإتجار بها؟
فأجاب بقوله: الحيوانات المحنطة نوعان:
الأول: محرمة الأكل كالكلاب والأسود والذئاب فهذه حرام
__________
(1) تقدم تخريجه ص 334.
(2) تقدم تخريجه ص 281.
(3) تقدم تخريجه ص 268.
(12/358)

بيعها وشراؤها لأنها ميتة، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن بيع الميتة، ولأنه لا فائدة منها فبذل المال لتحصيلها إضاعة له، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن إضاعة المال.
الثاني: مباحة الأكل فهذه إن أميتت بغير ذكاة شرعية فبيعها وشراؤها حرام لأنها ميتة، وإن ماتت بذكاة شرعية فبيعها وشراؤها حلال، لكن أخشى أن يكون بذل المال فيها لهذا الغرض من إضاعة المال المنهي عنه خصوصاً إذا كان كثيراً.
والله أسأل أن يوفق المسلمين لبذل أموالهم فيما تصلح به أحوالهم ويرضى به مولاهم إنه على كل شيء قدير. حرر في 28/1/1417 هـ.

* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن طمس الوجه في الصورة هل يكفي؟
فأجاب بقوله: إذا طمس الوجه من الصورة فقد حصل المقصود، لأن الصورة حقيقة لا تكون إلا بالوجه، والوجه هو الرأس، فإذا طمسه فلا حرج.

* * *
276 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الدمى والمجسمات؟ وما هو الضابط في تحريمها؟
فأجاب بقوله: اقتناء الصور حرام إذا كانت مجسمة، لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة كما أخبرنا بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحذيراً من ذلك.
والضابط في تحريمها أن تكون على شكل إنسان، أو حيوان في الوجه والرأس وبقية الأعضاء.
(12/359)

أما المجسمات القطنية التي ليست على هذا الشكل وإنما هي كظل الشمس فهذه لا بأس بها كما انتشرت أخيراً. حرر في 28/5/1415 هـ.

* * *
277 وسئل فضيلته عن حكم صلاة من صلى وعلى ملابسه صور ذوات أرواح منسوجة أو مطبوعة؟
فأجاب بقوله: إذا كان جاهلاً فلا شيء عليه، وإن كان عالماً فإن صلاته صحيحه مع الإثم على أصح قولي العلماء رحمهم الله، ومن العلماء من يقول صلاته تبطل، لأنه صلى في ثوب محرم عليه.

* * *
278 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم لبس الساعة المطلية بالذهب؟
فأجاب بقوله: من المعلوم أن لبس الذهب حرام على الرجال، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأي رجلاً وفي يده خاتم من ذهب فنزعه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من يده وطرحه وقال: ((يعمد أحدكم إلى جمرة من نار ويضعها في يده)) (1) . فلما انصرف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قيل للرجل: خذ خاتمك وانتفع به،قال: والله لا آخذ خاتماً طرحه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال النبي عليه الصلاة والسلام في الذهب والحرير: ((هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها)) (2) . فلا يجوز للرجل أن يلبس أي شيء من الذهب لا خاتماً ولا زراراً ولا غيره،
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب اللباس / باب تحريم خاتم الذهب على الرجال. . .
(2) أخرجه الإمام أحمد 1/96/و 115، وأبو داود: كتاب اللباس / باب في الحرير للنساء (4057) ، والنسائي: كتاب الزينة / باب تحريم الذهب على الرجال، وابن ماجه: كتاب اللباس / باب لبس الحرير والذهب للنساء (3595) .
(12/360)

والساعة من هذا النوع إذا كانت ذهباً، أما إذا كانت طلاء أو كانت عقاربها من ذهب أن فيها حبات من ذهب يسيره، فإن ذلك جائز لكن مع هذا لا نشير على الرجل أن يلبسها - أعني الساعة المطلية بالذهب - لأن الناس يجهلون أن هذا طلاء أو أن يكون خلطاً في مادة هذه الساعة، ويسيئون الظن بهذا الإنسان، وقد يقتدون به إذا كان من الناس الذين يقتدى بهم فيلبسون الذهب الخالص أو المخالط.
ونصيحتي ألا يلبس الرجال مثل هذه الساعات المطلية وإن كانت حلالاً، وفي الحلال الواضح الذي لا لبس فيه غنية عن هذا فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)) (1) . ولكن إذا كان الطلاء خلطاً من الذهب لا مجرد لون فالأقرب التحريم.

* * *
279 سئل فضيلة الشيخ: امرأة عندها مجوهرات فيها صور حيوانات فهل تجوز الصلاة وهي عليها؟
فأجاب بقوله: المجوهرات التي عليها رسوم حيوان أو إنسان لا يجوز لبسها لا في حال الصلاة ولا في غيرها، لأنها صور مجسمة، والصور المجسمة يحرم اقتناؤها واستعمالها، والملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، والواجب على من عندها مجوهرات على هذه الصفة أن تذهب إلى الصواغ لأجل أن يقطعوا رؤوس هذه الحيوانات، وإذا قطع الرأس زال التحريم، ولا يحل لها أن تبقي هذه المجوهرات عندها إلا أن تقطع رؤوسها، أو تحيها حتى لا يتبين أنه رأس.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان / باب فضل من استبرأ لدينه، ومسلم: كتاب المساقاة / باب أخذ الحلال وترك الشبهات.
(12/361)

280 سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى - عن السجاد التي بها صور مساجد هل يصلى عليها؟
فأجاب بقوله: الذي نرى أنه لا ينبغي أن يوضع للإمام سجاد فيه تصاوير مساجد، لأنه ربما يشوش عليه ويلفت نظره وهذا يخل بالصلاة، ولهذا لما صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خميصة لها أعلام، ونظر إلى أعلامها نظرة فلما أنصرف قال: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها آلهتني آنفاً عن صلاتي)) (1) . متفق عليه من حديث عائشة رضى الله عنها.
فإذ قدر أن الإمام لا ينشغل بذلك لكونه أعمى، أو لكون هذا الأمر مر عليه كثيراً حتى صار لا يهتم به ولا يلتفت إليه فإننا لا نرى بأساً أن يصلي عليها. والله الموفق.

* * *

281 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة بثياب النوم وحضور الجماعات بها؟
فأجاب بقوله: لا بأس بالصلاة بثياب النوم إذا كانت طاهرة سواء أتي بها إلى المسجد أم لم يأت بها، اللهم إلا إذا كانت تلك الثياب تلفت للنظر بحيث يعتب عليه، ويكون شهرة يتكلم به في المجالس من أجلها فإنه ينبغي للإنسان أن يتجنب كل أمر يكون سبباً لاغتيابه بين الناس.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة / باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها، ومسلم: كتاب المساجد / باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام.
(12/362)

* * *

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد بن الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ. .. . حفظه الله تعالى وجعله من عباده الصالحين، وأوليائه المؤمنين المتقين، وحزبه الملحين، آمين.
وبعد فقد وصلني كتابكم الذي تضمن السلام والنصيحة فعليكم السلام، ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله عني على نصحتكم البالغة التي أسال الله تعالى أن ينفعني بها.
ولا ريب أن الطريقة التي سلكتموها في النصيحة هي الطريقة المثلى للتناصح بين الإخوان، ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
ولقد بلغت نصيحتكم مني مبلغاً كبيراً بما تضمنته من العبارات الواعظة والدعوات الصادقة، أسأل الله أن يتقبلها، وأن يكتب لكم مثلها.
وما أشرتم إليه - حفظكم الله - من تكرر جوابي على إباحة الصورة المأخوذة بالآلة: فإني أفيد أخي أنني لم أبح اتخاذ الصورة - والمراد صورة ما فيه روح من إنسان أو غيره - إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه، كالتابعية، والرخصة، وإثبات الحقائق ونحوها.
وأما اتخاذ الصورة للتعظيم، أو للذكرى، أو للتمتع بالنظر إليها، أو التلذذ بها فإني لا أبيح ذلك، سواء كان تمثالاً أو رقماً، وسواء كان
(12/363)

مرقوماً باليد أو بالآلة لعموم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة)) (1) . وما زالت أفتي بذلك، وآمر من عنده صور للذكرى بإتلافها، وأشدد كثيراً إذا كانت الصورة صورة ميت.
وأما تصوير ذوات الأرواح من إنسان أو غيره فلا ريب في تحريمه، وإنه من كبائر الذنوب، لثبوت لعن فاعله على لسان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذا ظاهر فيما إذا كان تمثالاً - أي مجسماً - أو كان باليد، أما إذا كان بالآلة الفورية التي تلتقط الصورة ولا يكون فيها أي عمل من الملتقط من تخطيط الوجه وتفصيل الجسم ونحوه، فإن التقطت الصورة لأجل الذكرى ونحوها من الأغراض التي لا تبيح اتخاذ الصورة فإن التقاطها بالآلة محرم تحريم الوسائل، وإن التقطت الصورة للضرورة أو الحاجة فلا بأس بذلك.
هذا خلاصة رأيي في هذه المسألة، فإن كان صواباً فمن الله وهو المان به، وإن كان خطأ فمن قصوري أو تقصيري، وأسأل الله أن يعفو عني منه، وأن يهديني إلى الصواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 334.
(12/364)

اجتناب النجاسة
(12/365)

سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حكم صلاة من نسى وصلى بثياب نجسة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا صلى الإنسان في ثياب نجسة وقد نسى أن يغسلها قبل أن يصلي، ولم يذكر إلا بعد فراغه من صلاته، فإن صلاته صحيحة، وليس عليه إعادة لهذه الصلاة، وذلك لأنه ارتكب هذا المحظور نسياناً، وقد قال الله تبارك وتعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) ، فقال الله تعالى قد فعلت (2) ، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ذات يوم في تعليه وكان فيهما أذى ولما كان في أثناء الصلاة خلعهما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يصلي ولم يستأنف الصلاة (3) ، فدل ذلك على أن من علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فإنه يزيلها ولو في أثناء الصلاة ويستمر في صلاته إذا كان يمكن أن يبقي مستور العورة بعد إزالتها، وكذلك من نسى وذكر في أثناء الصلاة فإنه يزيل هذا الثوب النجس إن كان يبقي عليه ما يستر به عورته، وأما إذا فرغ من صلاته ثم ذكر بعد أن فرغ، أو علم بعد أن فرغ من صلاته فإنه لا إعادة عليه وصلاته صحيحه، بخلاف الرجل الذي يصلي وهو ناس أن يتوضأ مثل أن يكون قد أحدث ونسي أن يتوضأ ثم صلى وذكر بعد فراغه من الصلاة أنه لم يتوضأ فإنه يجب عليه الوضوء وإعادة الصلاة، وكذلك لو كان عليه جنابة ولم يعلم بها مثل أن يكون قد احتلم في الليل وصلى الصبح بدون غسل جهلاً منه، ولما كان في النهار رأى في ثوبه منياً من نومه فإنه يجب عليه أن يغتسل وأن يعيد ما صلى.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) تقدم تخريجه ص 301.
(3) تقدم تخريجه ص 303.
(12/367)

والفرق بين هذه والمسألة الأولى - أعني مسألة النجاسة _ أن النجاسة من باب ترك المحظور، وأما الوضوء والغسل فهو من باب فعل المأمور، وفعل المأمور أمر إيجادي لابد أن يقوم به الإنسان، ولا تتم العبادة إلا بوجوده، أما إزالة النجاسة فهي أمر عدمي لا تتم الصلاة إلا بعدمه فإذا وجد في حال الصلاة نسياناً أو جهلاً فإنه لا يضر، لأنه لم يفوت شيئاً يطلب حصوله في صلاته.
* * *
وسئل فضيلته: عمن أتي عليه وقت الصلاة وهو في سفر وثيابه نجسة ولا يمكنه أن يطهرها ويخشى من خروج وقت الصلاة؟
فأجاب بقوله: إذا كانت النجاسة في سؤال السائل الذي يقول أنه أتي عليه وقت الصلاة وهو في سفر وثيابه نجسة ولا يمكنه أن يطهرها ويخشى من خروج وقت الصلاة فإننا نقول له: خفف عنك ما أمكن من هذه النجاسة، فإذا كانت ي ثوبه وعليه ثوب آخر فاخلع هذا الثوب النجس وصل بالطاهر، وإذا كان عليك ثوبان أو ثلاثة وكل منها نجس فخفف ما أمكن من النجاسة، وما لا يمكن إزالته أو تخفيفه من النجاسة فإنه لا حرج عليه فيه. يقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) . فتصلي بالثوب ولو كان نجساً ولا إعادة عليك على القول الراجح، فإن هذا من تقوى الله تعالى ما استطعت فالإنسان إذا اتقى الله ما استطاع فقد أتي بما أوجب عليه، ومن أتي بما أوجب عليه فقد أبرأ ذمته.

* * *
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(12/368)

وسئل فضيلته: عن بعض الناس عندما يريدون الوضوء يتوضؤن داخل الحمامات المخصصة لقضاء الحاجة فيخرجون وقد ابتلت ملابسهم ولا شك أن الحمامات لا تخلو من النجاسات فهل تصح الصلاة في ملابسهم تلك؟ وهي يجوز لهم فعل ذلك؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد.
فقبل أن أجيب على هذا السؤال أقول: إن هذه الشريعة ولله الحمد كاملة في جميع الوجوه، وملائمة لفطرة الإنسان التي فطر الله الخلق عليها،وحيث إنها جاءت باليسر والسهولة، بل جاءت بإبعاد الإنسان عن المتاهات في الوساوس والتخيلات التي لا أصل لها، وبناء على هذا فإن الإنسان بملابسه الأصل أن يكون طاهراً ما لم يتيقن ورود النجاسة على بدنه أو ثيابه، وهذا الأصل يشهد له قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين شكا إليه الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في صلاته يعني الحدث،فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً)) (1) . فالأصل بقاء ما كان على ما كان، فثيابهم التي دخلوا بها الحمامات التي يقضون بها الحاجة كما ذكر السائل إذا تلوثت بماء فمن الذي يقول إن هذه الرطوبة هي رطوبة النجاسة من بول أو غائط أو نحو ذلك، وإذا كنا لا نجزم بهذا الأمر فإن الأصل الطهارة، صحيح إنه قد يغلب على الظن أنها تلوثت بشيء نجس، ولكنا مادمنا لم نتيقن، فإن الأصل بقاء الطهارة، ولا يجب عليهم غسل ثيابهم ولهم أن يصلوا بها ولا حرج.

* * *
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء / باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، ومسلم: كتاب الحيض / باب الدليل على أن من تيقن الطهارة.
(12/369)

وسئل: عمن صلى وبعد عودته لمنزله وخلع ثيابه وجد بسرواله منياً فماذا عليه؟
فأجاب بقوله: إذا كان الرجل الذي وجد المني على لباسه لم يغتسل فإنه يجب عليه أن يغتسل، ويعيد الصلوات التي صلاها وهو على جنابة، لكن أحياناً يرى الإنسان أثر الجنابة على لباسه ولا يدري أكان في الليلة الماضية أم في الليلة التي قبلها. فإنه في هذه الحال يعتبره من الليلة الماضية القريبة، لأن ما قبل الليلة الماضية مشكوك فيه، والأصل الطهارة، وكذا لو نام بعد صلاة الصبح، واستيقظ عند الظهر، وجد في لباسه أثر الجنابة، ولا يدرى أهو من النوم الذي بعد صلاة الفجر أو من النوم في الليل، فإنه في هذه الحال لا يلزمه إعادة الفجر، وهكذا. ((كلما شككت هل هذه الجنابة من نومة سابقة أو لاحقة فأجعها من اللاحقة)) .

* * *
وسئل فضيلته: عن الدم إذا وقع على الثوب فهل يصلي فيه.
فأجاب بقوله: إذا كان الدم نجساً وكثيراً فإنه لا يصلي فيه، وإذا كان طاهراً كدم الكبد واللحم بعد الذكاة فإنه لا يضر.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن التطيب بالكلونيا؟ وإذا طيب الإنسان ملابسه بها فهل يصلي بتلك الملابس؟
فأجاب بقوله: إن كانت نسبة الكحول فيها كبيرة فالأولى تجنب الطيب بها، وإن كانت قليلة فلا حرج، أما الصلاة فيها فصحيحة بكل حال.

* * *
(12/370)

وسئل فضيلته: عمن صلى وتبين بعد الصلاة أنه محدث حدثاً يوجب الغسل؟
فأجاب قائلاً: كل إنسان يصلي ثم بعد الصلاة يتبين أن عليه حدثاً أكبر، أو أصغر فالواجب عليه أن يتطهر من هذا الحدث وأن يعيد الصلاة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) (1) . وسئل: عن الصلاة في ثوب به مني علماً بأن الرجل قد اغتسل؟
فأجاب فضيلته بقوله: المني طاهر، فلو صلى الإنسان في ثوب فيه مني فصلاته صحيحه، سواء كان عمداً أو نسياناً، ولو كان فيه بول ثم صلى وهو ناس أو جاهل ولم يعلم إلا بعد الصلاة فصلاته صحيحة وسئل فضيلته: إذا حصل للإنسان رعاف في أثناء الصلاة فما الحكم؟ وهل ينجس الثوب؟
فأجاب بقوله: الرعاف ليس بناقض للوضوء سواء كان كثيراً أم قليلاً وكذلك جميع ما يخرج من البدن من غير السبيلين فإنه لا ينقض الوضوء، مثل القيء، والمادة التي تكون في الجروح فإنه لا ينقض الوضوء سواء كان قليلاً أم كثيراً، لأن ذلك لم يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والأصل بقاء الطهارة، فإن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة / باب وجوب الطهارة للصلاة.
(12/371)

ثبت بمقتضى دليل شرعي فإنه لا يمكن أن يرتفع إلا بمقتضى دليل شرعي،وليس هنالك دليل على أن الخارج من غير السبيلين من البدن ينقض الوضوء، وعلى هذا فلا ينتقض الوضوء بالرعاف أو القيء سواء كان قليلاً أو كثيراً، ولكن إذا كان يزعجك في صلاتك ولم تتمكن من إتمامها بخشوع فلا حرج عليك أن تخرج من الصلاة حينئذ،وكذلك لو خشيت أن تلوث المسجد إذا كنت تصلي في المسجد فإنه يجب عليك الانصراف لئلا تلوث المسجد بهذا الدم الذي يخرج منك، أما ما يقع على الثياب من هذا الدم وهو يسير فإنه لا ينجس الثوب.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: - حفظه الله تعالى -: هل تصح صلاة من حمل معه قارورة فيها براز أو بول لأجل التحليل؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاته لا تصح لأنه حمل نجاسة لا يعفي عنها.
فإن قيل:إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حمل أمامه بنت زينب وهو يصلي.
فالجواب: إن النجاسة في معدنها لا حكم لها ولا يحكم بالنجاسة حتى تنفصل كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة في مسجد فيه قبر؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة في مسجد فيه قبر على نوعين:
الأول: أن يكون القبر سابقاً على المسجد، بحيث يبنى المسجد على القبر، فالواجب هجر هذا المسجد وعدم الصلاة، وعلى من بناه
(12/372)

أن يهدمه، فإن لم يفعل وجب على ولي أمر المسلمين أن يهدمه.
والنوع الثاني: أن يكون المسجد سابقاً على القبر، بحيث يدفن الميت فيه بعد بناء المسجد، فالواجب نبش القبر، وإخراج الميت منه، ودفنه مع الناس.
وأما المسجد فتجوز الصلاة فيه بشرط أن لا يكون القبر أما المصلي، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الصلاة إلى القبور.
أما قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي شمله المسجد النبوي فمن المعلوم أن مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني قبل موته فلم يبن على القبر، ومن المعلوم أيضاً أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يدفن فيه، وإنما دفن في بيته المنفصل عن المسجد، وفي عهد الوليد بن عبد الملك كتب إلى أميره على المدينة وهو عمر بن عبد العزيز في سنة 88 من الهجرة أن يهدم المسجد النبوي ويضيف إليه حجر زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجمع عمر وجوه الناس والفقهاء وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد فشق عليهم ذلك، وقالوا: تركها على حالها أدعى للعبرة، ويحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة، كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجداً فكتب عمر بذلك إلى الوليد فأرسل الوليد إليه يأمره بالتنفيذ فلم يكن لعمر بد من ذلك، فأنت ترى أن قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يوضع في المسجد ولم يبن عليه المسجد فلا حجة يه لمحتج على الدفن في المساجد أو بنائها على القبور، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (1) ، قال ذلك وهو في سياق الموت تحذيراً لأمته مما صنع
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب المساجد / باب الصلاة في البيعة، ومسلم: كتاب المساجد / باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
(12/373)

هؤلاء. ولما ذكرت له أم سلمة رضى الله عنها كنيسة رأتها في أرض الحبشة وما فيها من الصور قال: ((أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً، أولئك شرار الخلق عند الله)) (1) . وعن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون من القبور مساجد)) (2) . أخرجه الإمام أحمد بسند جيد. والمؤمن لا يرضى أن يسلك مسلك اليهود والنصارى ولا أن يكون من شرار الخلق. حرر في 7/4/1414 هـ.

* * *
سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حكم الصلاة في مسجد في قبلته قبر؟
فأجاب بقوله: لا يجوز أن يوضع في المسجد قبر، لا في قبلته ولا خلف المصلين، ولا عن إيمانهم، ولا عن شمائلهم، وإذا دفن أحد في المسجد ولو كان هو المؤسس له فإنه يجب أن ينبش هذا القبر وأن يدفن مع الناس، أما إذا كان القبر سابقاً على المسجد وني المسجد عليه فإنه يجب أن يهدم المسجد وأن يبعد عن القبر، لأن فتنة القبور في المساجد عظيمة جداً فربما يدعو إلى عبادة هذا المقبور ولو بعد زمن بعيد، وربما يدعو إلى الغلو فيه، وإلى التبرك به وهذا خطر عظيم على المسلمين، لكن إن كان القبر سابقاً وجب أن يهدم المسجد ويغير
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز / باب بناء المساجد على القبر، ومسلم: كتاب المساجد / باب النهي عن بناء المساجد على القبور.
(2) أخرجه الإمام أحمد 1/405 و435.
(12/374)

مكانه، وإن كان المسجد هو الأول فإنه يجب أن يخرج هذا الميت من قبره ويدفن مع المسلمين، والصلاة إلى القبر محرمة ولا تصح الصلاة إلى القبر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تصلوا إلى القبور)) (1) . والله المستعان.

* * *
294 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة في المقبرة والصلاة إلى القبر؟
فأجاب فضيلته بقوله: ورد في ذلك حديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخرجه الترمذي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) (2) . وروى مسلم عن أبي مرثد الغنوي رضى الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها)) (3) . وعلى هذا فإن الصلاة في المقرة لا تجوز، والصلاة إلى البر لا تجوز، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أن المقبرة ليست محلاً للصلاة، ونهى عن الصلاة إلى القبر، والحكمة من ذلك أن الصلاة في المقبرة، أو إلى القبر ذريعة إلى الشرك، وما كان ذريعة إلى الشرك كان محرماً، لأن الشارع قد سد كل طريق يوصل إلى الشرك، والشيطان يجري من أبن أدم مجرى الدم، فيبدأ به أولاُ في الذرائع والوسائل، ثم يبلغ به الغايات، فلو أن أحداً من الناس صلى صلاة فريضة أو صلاة تطوع في مقبرة أو على قبر فصلاته غير صحيحه
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الجنائز / باب النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه.
(2) أخرجه الإمام أحمد 3/83 و96، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة (492) ، والترمذي: كتاب الصلاة / باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام (317) ، وابن ماجة: كتاب المساجد / باب المواضع التي تكره فيها الصلاة (745) .
(3) تقدم تخريجه برقم (1)
(12/375)

أما الصلاة على الجنازة فلا بأس بها، فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه صلى على القبر في قصة المرأة أو الرجل الذي كان يقم المسجد فمات ليلاً فلم يخبر الصحابة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بموته، فلما أصبح الصبح قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((دلوني على قبره أو قبرها لصلى عليه)) (1) .
صلوات الله وسلامه عليه، فيستثنى من الصلاة في المقبرة الصلاة على القبر، وكذلك الصلاة على الجنازة قبل دفنها، لأن هذه صلاة خاصة تتعلق بالميت، فكما جازت الصلاة على القبر على الميت فإنها تجوز الصلاة عليه قبل الدفن.

* * *
295 وسئل فضيلته: عن رجل قام ببناء مسجد وأوصى قبل موته بأن يدفن في المسجد، وبعد موته دفن ملاصقاً لجدار المسجد خلف المحراب فما حكم الوفاء بهذه الوصية؟ وما حكم الصلاة في هذا المسجد؟ وقد سألنا فضيلة الشيخ. . . فقال: لا تصلوا في المسجد؟
فأجاب بقوله: هذه الوصية لا يلزم الوفاء بها أعني وصية باني المسجد أن يدفن فيه، بل ولا يجوز الوفاء بها، لأنها لما أوقف المسجد خرج من ملكه وليس له الحق بأن يدفن فيه، ودفنه فيه بمنزلة دفنه في أرض مغصوبة إن لم يكن أعظم، وعلى هذا فيجب على أولياء الميت من وصي أو غيره أن ينبشوه ويدفنوه في مقابر المسلمين.
وأما بالنسبة للصلاة في هذا المسجد فإن وجدتم غيره فهو أولى منه، وإن لم تجدوا غيره فلا تصلوا إلى القبر، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الصلاة إلى القبور، ولكن اجعلوه عن اليمين، أو الشمال، ولا مانع من
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة / باب كنس المسجد.
(12/376)

الصلاة في هذا المسجد، لأنه سابق على القبر، ووضع القبر فيه عدوان عليه، والعدوان عليه لا يستلزم بطلان الصلاة فيه ولا يحوله إلى مقبرة، لكن إذا خشي من فتنة في المستقبل بحيث تظن الأجيال المقبلة أن هذا المسجد بني على القبر فهجر المسجد هذا أولى، ويكون الآثم من حرم المسلمين الصلاة فيه وهم أولياء هذا الميت من وصى أو غيره.
لذا فإني أكرر نصيحتي لهم أن ينبشوا الميت من المسجد ويدفنوه مع المسلمين. وفق الله الجميع لما يجب ويرضى.
ملاحظة: إذا كنتم سألتم الشيخ العلامة. . . . . على وجه الاستفادة والأخذ بما يفتي فالتزموا بما أفتى به، لأنكم سألتموه معتقدين أن ما يقوله هو الحق الذي تدينون الله به، وإن كنتم سألتموه لمجرد استطلاع رأيه ومعرفة ما عنده فلا حرج بالعدول عما أجابكم به.

* * *
وسئل فضيلته: ورد في الحديث النهي عن الصلاة بين القبور، فما المراد بالصلاة بين القبور علماً بأن الناس يصلون على الجنازة بين القبور إذا فاتتهم في المساجد؟
فأجاب بقوله: المراد بالصلاة بين القبور ما سوى الصلاة على الجنازة، أما الصلاة على الجنازة فلا بأس بها فقد صلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على قبر من مات وهو يقم المسجد، وأيضاً فإن النهي عن الصلاة بين القبور إنما هو لخوف الفتنة والشرك بأهل القبور، والصلاة على الجنازة أو القبر بعيد من ذلك كل البعد. حرر في 3/12/1402 هـ.

* * *
(12/377)

وسئل فضيلة الشيخ: يوجد قبر خارج القرية، فنبتت على هذا القبر شجرة، فجاءت الإبل تأكل من هذه الشجرة وتدوس على هذا القبر، وحفاظاً على هذا القبر وضعوا عليه سوراً فهل هذا العمل جائز؟
فأجاب بقوله: هذه الشجرة تقلع من أصلها، وإذا قلعناها من أصلها لم تأت الإبل وسلما من شرها، وبقي القبر على ما هو عليه، وأما البناء حفاظاً عليه فأخشى إن طال بالناس زمان أن يضلوا بهذا فيعتقدون أنه قبر ولي أو صالح ثم تعود مسألة القبور إلى هذه البلاد بعد أن طهرها الله منها على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
فالآن لابد أن تبلغ القاضي الموضوع، خصوصاً إذا كان البناء كأنه حجرة فهذا لابد أن يزال، والقبر ينقل إلى مكان آخر إن خيف عليه في مكانه.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن الصلاة في البيت المغصوب؟
فأجاب بقوله: البيت المغصوب هو الذي أخذ من مالكه قهراً بغير حق، وقد اختلف أهل العلم في صحة الصلاة فيه.
فمنهم من قال: إن الصلاة فيه صحيحه، لأن النهي إنما هو عن سكنى البيت وليس عن الصلاة، فالنهي لا يختص بهذه العبادة، وكل نهي لا يختص بالعبادة فإنه لا يبطلها، ولهذا إذا اغتاب الصائم أحداً فإن هذا الفعل محرم ولا يبطل به الصوم، لأنه لم يحرم من أجل الصوم ولو أنه أكل أن شرب لفسد صومه، لأن النهي يختص بالصوم فهنا
(12/378)

الصلاة في المكان المغصوب ليس منهياً عنها لذاتها، بل لكونه استعمل هذا البيت الذي غصبه، ولهذا فالمكث في هذا البيت للصلاة أو غيرها يكون حراماً، وهذا رأي كثير من أهل العلم أن الصلاة في المكان المغصوب صحيحة، ولكنه آثم بمكثه واستيلائه على هذا بغير حق.
والقول الثاني لأهل العلم في هذه المسألة: أن صلاته تكون باطلة لأنها وقعت في مكان مغصوب، فكانت الصلاة التي تقع في زمان محرم فعلها فيه، فصلاة النفل المطلقة لو وقعت في وقت النهي تكون باطلة، وذلك لأن الزمن يحرم فيه إيقاع هذه الصلاة، فكذلك هذا المكان المغصوب لما كان يحرم المكث فيه مطلقاً فالمكث فيه للصلاة يكون مكثاً في مكان يحرم المكث فيه فتقع الصلاة محرمة باطلة وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
لكن من حبس في مكان مغصوب ولم يتمكن من الخلاص منه وصلى فإنه صلاته صحيحة ولا إعادة عليه. ...

* * *
(12/379)

سئل الشيخ: ما حكم الصلاة فوق سطح الحمام؟ وحكم الصلاة فوق سطح مجامع الفضلات النجسة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة فوق سطوح حماماتنا المعروفة لا بأس بها، لأن الحمامات عندنا لا تستقل ببناء خاص ويكون سطحها سطح جميع البيوت، والصلاة فوق سطح مجامع الفضلات النجسة لا بأس بها أيضاً لدخولها في عموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) (1) .

* * *
وسئل فضيلته: هل تجوز الصلاة إلى الحمام إذا كان بيننا وبينه جدار؟
فأجاب بقوله: ثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ((جعلت لي الأرض مسجداً طهوراً)) . إلا أنه يستثنى من ذلك ما ثبت به النص من تحريم الصلاة فيه، والصلاة إلى الحمام ليس مما ورد فيه النهي، فإذا كان الحمام بينك وبينه جدار فإن ذلك لا يؤثر، أما إذا كان الجدار هو جدار الحمام فقد كره بعض أهل العلم الصلاة إليه، وقالوا لا ينبغي أن يصلي إلى الحمام، وعلى هذا فليتخذ الإنسان مكاناً آخر يصلي فيه.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة على الإسفلت المرشوش بالماء؟
فأجاب قوله: يجوز للإنسان أن يسجد على كل شيء من الأرض، وعلى غير الأرض أيضاً، كفراش القطن والصوف، المهم فقط أن يمكن جبهته من الأرض، سواء سجد على فراش، أو عليه الصلاة والسلام حصير، أو على الأرض، على رمل أو على غير الرمل.

* * *
وسئل فضيلته: عن الأماكن التي لا تصح فيها الصلاة؟
فأجاب: الأصل جواز الصلاة في جميع الأماكن لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((جعلت لي الأرض مسجداً)) (2) ويستثنى من ذلك ما يلي:
أولاً: المقبرة: لقول النبي فيما رواه الترمذي: ((الأرض كلها
__________
(1) تقدم تخريجه ص 95.
(2) تقدم تخريجه ص 95.
(12/380)

مسجد إلا المقبرة والحمام)) (1) . ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) (2) . ولآن الصرة في المقبرة فد تتخذ ذريعة إلى عبادة القبور، أو إلى التشبه بمن يعبد القبور، ويستثنى من ذلك الصلاة على الجنازة، فقد ثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث المرأة التي كانت تقم المسجد أنها ماتت بليل فكرهوا أن يخبروا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفي الصباح سأل عنها فقاوا: إنها ماتت فقال: ((دلوني على قبرها)) (3) فخرج الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى البقيع ودلوه على قبرها فصلى عليها.
ثانياً: الحمام: ودليله قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)) . والحمام مكان المغتسل، والعلة في ذلك أن الحمام تكشف فيه العورات ولا يخلو من بعض النجاسة.
ثالثاً: الحش: وهو مكان فضاء الحاجة لأنه أولى من الحمام، ولا يخلو من النجاسة، ولأنه نجس خبيث، ولأنه مأوى الشياطين والشياطين خبيثة، فلا ينبغي أن يكون هذا المكان الخبيث الذي هو مأوى الخبائث مكاناً لعبادة الله عز وجل.
رابعاً: أعطان الإبل: وهو عبارة عن المكان الذي تبيت فيه الإبل وتأوي إليه، والمكان الذي تبرك فيه عند صدورها من الماء، أن انتظار الماء وذلك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الصلاة فيه فقال: ((لا تصلوا في أعطان الإبل)) (4) والأصل في النهي التحريم، مع العلم أن
__________
(1) تقدم تخريجه ص 375.
(2) تقدم تخريجه ص 373.
(3) تقدم تخريجه ص 376.
(4) أخرجه الإمام أحمد / 4/86، وابن ماجه: كتاب المساجد / باب الصلاة في أعطان الإبل ومراح الغنم (768، 769، 770)
(12/381)

أبوال الإبل وروثها طاهر.
والعلة في التحريم أن السنة وردت به، والواجب في النصوص الشرعية التسليم، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (1) .
وقال بعض العلماء: لأن أرواثها وأبوالها نجسة، وهذا مبنى على أن الأبوال والأرواث نجسة ولو من الحيوان الطاهر، والصحيح خلافه، ولكن هذه العلة باطلة، إذ لو كانت هذه هي العلة ما جازت الصلاة في مرابض الغنم، لأن القائلين بنجاسة أبوال الإبل وأرواثها يقولون بنجاسة أرواث الغنم وأبوالها.
وقيل: لأن الإبل شديدة النفورة وريما تنفر وهو يصلي فإذا نفرت ربما تصيبه بأذى، حتى وإن لم تصبه فإنه ينشغل قلبه إذا كانت هذه الإبل تهيج، ليكون النهي عنها لئلا ينشغل قلبه، لكن هذه العلة أيضاً فيها نظر، لأن مقتضاها ألا يكون النهي إلا والإبل موجودة، ثم قد تنتقض بمرابض الغنم، فالغنم تهيج وتشغل، فهل نقول إنها مثلها؟ لا.
وقال بعض أهل العلم: إنما نهى عن الصلاة في مبارك الإبل أو أعطانها لأنها خلقت من الشياطين، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح (2) ، فإذا كانت مخلوقة من الشياطين فلا يبعد أن تصحبها الشياطين، وتكون هذه الأماكن مأوى للإبل ومعها الشياطين، وتكون الحكمة في النهي عن الصلاة في الحش، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أقرب ما يقال في
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 36.
(2) أخرجه الإمام أحمد 5/55، والنسائي في المساجد 2/56، وابن ماجه في المساجد (769)
(12/382)

الحكمة ومع ذلك فالحكمة هي التعبد لله بذلك.
خامساً المغصوب: وهو الذي أخذ من صاحبه قهراً بغير حق وقد اختلقف العلماء فيه:
فذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة غير صحيحة، وأن الإنسان منهي عن المقام في هذا المكان، لأنه ملك غيره، فإذا صلى فصلاته منهي عنها، والصلاة المنهي عنها لا تصح، لأنها مضادة للتعبد، فكيف تتعبد لله بمعصيته؟ وذهب بعضهم إلى أن الصلاة في المكان المغصوب صحيحة مع الإثم واستدلوا بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((جعلت لي الأرض مسجداً)) (1) . فلا يوجد دليل على إخراج المغصوب من عموم هذا الحديث، وإنما مأمور بهذا وهذا هو الأرجح، ولأن الصلاة لم ينه عنها في المكان المغصوب بل نهي عن الغصب، والغصب أمر خارج.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة في غرفة فيها خمر؟
فأجاب بقوله: يجوز للإنسان أن يصلي في غرفة فيها خمر، وذلك لأنه إذا صلى في هذه الغرفة ولم يخل بشيء من شروط الصلاة وأركانها وواجباتها ولم يوجد شيء من مبطلاتها فإن الصلاة تصح لتوفر أسباب الصحة وانتفاء مبطلها، ولكني أقول:
هل يمكن لمؤمن أن تكون في بيته خمرة وقد علم من الدين الإسلامي بالضرورة أن الخمر محرم حيث دل كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإجماع المسلمين على أن الخمر حرام، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا
__________
(1) تقدم تخريجه ص 95.
(12/383)

الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (1) . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)) (2) . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ما أسكر كثيرة فقليله حرام)) (3) . وعلى هذا فلا يحل لمسلم بل لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكون في بيته خمرة، كما أنه لا يحل له بيع الخمر، ولا شراؤه، ولا المعاونة فيه بأي نوع من أنواع المعاونة، ولا شريه، ومن شريه مستحلاً لشربه، أن استحل شربه وإن لم يشربه فإنه يكفر كفراً مخرجاً من الملة وإذا كان ممن عاش بين المسلمين، لأنه أنكر تحريم ما علم بالضرورة من دين الإسلام تحريمه.
ونصيحتي لأخواني المسلمين عموماً أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وفي أهليهم، وفي مجتمعهم، وأن يجتنبوا مثل هذه القاذورات التي لا تزيدهم من الله إلا بعداً، ولا تزيد في حياتهم إلا قلقاً وتعباً، ونقصاً في الدين والعقل والمال.
* * *
304 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة في مسجد بني من مال حرام؟ وإذا كانت الأرض مغصوبة؟
__________
(1) سورة المائدة، الآيات: 90- 92.
(2) أخرجه مسلم: كتاب الأشربة / بباب بيان أن كل مسكر خمر.
(3) أخرجه الإمام أحمد 2/167.
(12/384)

فأجاب بقوله: الصلاة فيه جائزة ولا حرج فيها، لأن الذي بناه من مال حرام ريما يكون أراد في بنائه أن يتخلص من المال الحرام الذي اكتسبه، وحينئذ يكون بناؤه لهذا المسجد حلالاً إذا قصد به التخلص من المال الحرام، وإن كان التخلص من المال الحرام لا يتعين ببناء المساجد، بل إذا بذله الإنسان في مشروع خيري حصلت به البراءة.
أما إذا كانت أرض المسجد مغصوبة فهذا محل نزاع بين العلماء، فمن العلماء من قال: إن الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة لا تصح ومنهم من قال: إنها صحيحة والإثم على الغاصب.
* * *
305 وسئل الشيخ: هل ما قيل إنه يجب على المرأة أن تخلف السروال عند كل صلاة صحيح؟
فأجاب فضيلته قائلاً: ليس صحيحاً أن المرأة يجب عليها أن تخلع السروال عند كل صلاة، مادام السروال طاهر فإنها تصلي به وهو أستر من غيره، أما إذا كان السروال نجساً فإنه يجب عليها أن تخلعه وتطهره، وإذا طهرته فلا بأس أن تصلي فيه.
وهنا مسألة بهذه المناسبة أود أن أذكر بها: وهي أن بعض الناس ينقض الوضوء قبل وقت الصلاة، ثم يستنجي بالماء فيغسل فرجه قبلاً كان أو دبراً، فإذا جاء وقت الصلاة فإن بعض الناس يظن أنه يجب عليه غسل فرجه مرة أخرى وإن لم يحصل بول أو غائط، ولكن هذا ليس بصحيح، بل إذا تبول الإنسان أو تغوط ثم غسل المحل واستنجى استنجاء شرعياً، ثم جاء الوقت فإنه لا يلزمه إعادة الاستنجاء، بل يتوضأ ولو كان الاستنجاء قبل ساعتين أو ثلاث، والوضوء هو غسل
(12/385)

الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين.
* * *
306 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة في الحذاء؟
فأجاب بقوله: الصلاة في الحذاء من السنة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي في نعليه، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصل في نعليه (1) ، كما أنه أمر الناس أن يصلوا في نعالهم (2) ، ولكن لا يصلي المرء فيهما إلا بعد التأكد من نظافتهما، فينظر فيهما فإن رأي فيهما أذى حكهما بالتراب حتى يزول ثم يصلي فيهما.

* * *
307 سئل فضيلة الشيخ: ما الحكم فيمن يمشون بأحذيتهم على أرض المسجد الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشي على أرض المسجد الحرام بالحذاء لا ينبغي، وذلك لأنه يفتح باباً للعامة الذين لا يقدرون المسجد فيأتون بأحذية وهي ملوثة بالمياه، وريما تكون ملوثة بالأقذار يدخلون بها المسجد الحرام فيلوثونه بها، والشيء المطلوب شرعاً إذا خيف أن يترتب عليه مفسدة فإنه يجب مراعاة هذه المفسدة وأن يترك، والقاعدة المقررة عند أهل العلم: ((أنه إذا تعارضت المصالح والمفاسد مع
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة / باب الصلاة في النعال، ومسلم: كتاب المساجد / باب جواز الصلاة في النعال.
(2) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة / باب الصلاة في النعل، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي 1/280.
(12/386)

التساوي، أو مع ترجح المفاسد فإن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة)) ، وهذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد أن يهدم الكعبة وأن يجدد بناءها على قواعد إبراهيم، ولكن لما كان الناس حديثي عهد بكفر ترك هذا الأمر المطلوب خوفاً من المفسدة فقال لعائشة رضى الله عنها: ((لولا أن قومك حديثوا عهد لهدمت الكعبة، وبنيتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين باباً يدخل منه الناس، وباباً يخرجون منه)) (1) .
* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة بالنعال؟ وهل وجود السجاد في المساجد الآن يمنع من الصلاة في النعال؟
فأجاب بقوله: الصلاة في النعال مشروعة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي في نعليه كما رواه أنس بن مالك رضى الله عنه أخرجه البخاري ومسلم، وعن شداد بن أوس رضى الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) (2) . رواه أبو داود وله شواهد.
وأما السجاد فلا تمنع من الصلاة في النعال، لكن المهم الذي أغفله كثير من الناس هو تفقد النعال قبل دخول المسجد، وهذا خلاف ما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فق قال: ((إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأي في نعليه قذراً، أو أذى فليمسحه، وليصل فيهما) (3) . فلو عمل
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الحج / باب فضل مكة وبنيانها، ومسلم: كتاب الحج / باب نقض الكعبة وبنائها.
(2) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة / باب الصلاة في النعل (652) .
(3) أخرجه الإمام أحمد 3/20، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب الصلاة في النعل (650) .
(12/387)

الناس بهذا الحديث لم يكن على السجاد ضرراً إذا صلى الناس عليها في نعالهم.

* * *
وسئل فضيلته: يحصل عند بعض الناس إشكال في الصلاة بالنعال ويحصل منهم الإنكار على من فعل ذلك فما قولكم؟
فأجاب قائلاً: لا ريب أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى في نعليه كما في صحيح البخاري أن أنس بن مالك رضى الله عنه سئل: أكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في نعليه؟ فقال: نعم (1) .
وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى سلفاً وخلفاً هل الصلاة فيهما من باب المشروعات فيكون مستحباً، أو من باب الرخص فيكون مباحاً، والظاهر أن ذلك من باب المشروعات فيكون مستحباً، ودليل ذلك من الأثر والنظر:
أما الأثر: فقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم)) (2) . أخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه، قال الشوكاني في شرح المنتقي: ولا مطعن في إسناده.
ومخالفة اليهود أمر مطلوب شرعاً.
وأما النظر: فإن النعال والخفاف زينة الأقدام، وقد قال الله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (3) . ولا يعارض هذا المصلحة إلا أن القدمين في النعال ترتفع أطرافها عن الأرض،
__________
(1) تقدم تخريجه ص 386.
(2) تقدم تخريجه ص 376.
(3) سورة الأعراف، الآية: 31.
(12/388)

وأطراف القدمين مما أمرنا بالسجود عليه، لكن يجاب عن ذلك، بأن النعلين متصلان بالقدم وهما لباسه، فاتصالهما بالأرض اتصال لأطراف القدمين، ألا ترى أن الركبتين مما أمرنا بالسجود عليا وهما مستوران بالثياب، ولو لبس المصلي قفازين في يديه وسجد فيهما أجزأه السجود مع أن اليدين مستوران بالقفازين.
ولكن الصلاة بالنعلين غير واجبة لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي حافياً ومنتعلاً (1) . أخرجه أبو داود وابن ماجه. ولحديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحداً، ليجعلهما بين رجليه، أو ليصل فيهما)) (2) . أخرجه أبو داود. قال العراقي: صحيح الإسناد. وعن أبي هريرة رضى الله عنه أيضاً أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إذا صلى أحدكم فلا يضع نعليه عن يمينه ولا عن يساره فتكون عن يمين غيره، إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجليه)) (3) . رواه أبو داود وفي إسناده من اختلف فيه ويشبه أن يكون موقوفاً. وعن عبد الله بن السائب رضى الله عنه قال: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الفتح ووضع نعليه عن يساره (4) .
__________
(1) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة / باب الصلاة في النعل (653) ، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة / باب الصلاة في النعال (1038) .
(2) (1) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة / باب المصلي إذا خلع نعليه أين يضعهما؟ (655) .
(3) (2) أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة / باب المصلي إذا خلع نعليه أين يضعهما؟ (654) .
(4) أخرجه الإمام أحمد 3/410، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب الصلاة في النعل (648) ، والنسائي: كتاب القبلة / باب أين يضع الإمام نعليه إذا صلى بالناس (775) ، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة / باب ما جاء في أين توضع النعل إذا خلعت في الصلاة (1431) .
(12/389)

وبهذا علم أن الصلاة بالنعال مشروعة كالصلاة في الخفين، إلا أن يكون في ذلك أذية لمن بجوارك من المصلين، مثل أن تكون النعال قاسية ففي هذه الحال يتجنب المصلي ما فيه أذية لإخوانه، لأن كف الأذى عن المسلمين واجب، لاسيما إذا كان ذلك الأذى يشغلهم عن كمال صلاتهم، لأن المفسدة في هذه الحال تتضاعف حيث تحصل الأذية والإشغال عن الخشوع في الصلاة.
وأما من قال: إن الصلاة في النعال حيث لا يكون المسجد مفروشاً فليس قوله بسديد، لأن الحكمة في الصلاة في النعل مخالفة اليهود، وكون النعلين من لباس القدمين، وهذه الحكمة لا تختلف باختلاف المكان، نعم لو كانت الحكمة وقاية الرجل من الأرض لكان قوله متجهاً. وأما قول من قال: إنك إذا صليت في نعليك أمامي فقد أهنتني أشد الإهانة.
فلا أدرى كيف كان ذلك إهانة له، ولقد كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في نعليه وأصحابه خلفه، أفيقال إن ذلك إهانة لهم؟
قد يقول قائل: إن ذلك كان معروفاً عندهم فكان مألوفاً بينهم لا يتأثرون به، ولا يتأذون به.
فيقال له: وليكن ذلك معروفاً عندنا ومألوفاً بيننا حتى لا نتأثر به ولا نتأذى به.
وأما قول من قال لمن صلى بنعليه: أأنت خير من الناس جميعاً، أو من فلان وفلان، لو كان خيراً لسبقوك إليه.
فيقال له: إن الشرع لا يوزن بما كان الناس عليه عموماً أو خصوصاً، وإنما الميزان كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكم من
(12/390)

عمل قولي، أو فعلي عمله الناس وليس له أصل في الشرع، وكم من عمل قولي أو فعلي تركه الناس وهو ثابت في السنة، كما يعلم ذلك من استقرأ أحوال الناس، ومن ترك الصلاة بالنعلين من أهل العلم فإنما ذلك لقيام شبهة أو مراعاة مصلحة.
ومن المصالح التي يراعيها بعض أهل العلم ما يحصل من العامة من امتهان المساجد، حيث يدخلون المساجد دون نظر في نعالهم وخفافهم اقتداء بمن دخل المسجد في نعليه ممن هو محل قدوه عندهم، فيقتدون به في دخول المسجد بالنعلين دون النظر فيهما والصلاة فيهما فتجد العامي يدخل المسجد بنعليه الملوثتين بالأذى والقذر حتى يصل إلى الصف ثم يخلعهما ويصلي حافياً فلا هو الذي احترم المسجد، ولا هو الذي أتى بالسنة.
فمن ثم رأي بعض أهل العلم درء هذه المفسدة بترك هذه السنة، والأمر في هذا واسع – إن شاء الله – فإن لمثل هذه المراعاة أصلاً في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
أما في كتاب الله تعالى فقد نهى الله تعالى عن سبحانه وتعالى آلهة المشركين مع كونه مصلحة، لئلا يترتب عليه مفسده وهي سبهم لإلهنا جل وعلا فقال تعالى (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ) (1) .
وأما في سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فشواهده كثيرة:
منها: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعائشة رضى الله عنه وهو يتحدث عن شأن الكعبة: ((لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 108.
(12/391)

قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه في الأرض)) (1) .
ومنها: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترك قتل قوم من المنافقين مع علمه بهم، مراعاة للمصلحة، وتشريعاً للأمة أن يحكموا بالظواهر، ويدعوا السرائر إلى عالمها جل وعلا. ومنها: ترك الصيام في السفر.
ومنها: إيثار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المؤلفة قلوبهم مع استحقاق جميع المقاتلين لها مراعاة للمصالح.
فعلى المرء أن يتأمل سيرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهديه، ومراعاة للمصالح ويتبعه في ذلك ويعمل بسنته ما استطاع، التزاماً بالواجب، واغتناماً بالتطوع، حتى يكون بذلك عالماً ربانياً وداعياً مصلحاً.
نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير، والصلاح، والفلاح، والإصلاح، وأن لا يزيغ قلوبنا بع إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. في 10/8/1406 هـ.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم التزام الإنسان مكان معين في المسجد الحرام لغير المعتكف ليصلي فيه طيلة شهر رمضان؟
فأجاب فضيلته بقوله: المسجد الحرام كغيره من المساجد يكون لمن سبق، ولا يحل لأحد خارج المسجد أن يتحجر مكاناً له في المسجد.
أما إذا كان في نفس المسجد، ولكنه أحب أن يبتعد عن ضوضاء
__________
(1) تقدم تخريجه ص 387.
(12/392)

الناس، وجلس في مكان واسع فإذا قربت الصلاة جاء ليصلي في مكانه الذي احتجزه فهذا لا بأس به، لأن له الحق في أن يجلس في أي مكان في المسجد، ولكن إذا ذهب ليصلي في مكان آخر أوسع له ثم لحقته الصفوف فإنه يجب عليه أن يتقدم إلى مكانه، أو يتأخر لمكان أوسع، لأنه إذا وصلته الصفوف وكان في مكانه هذا فقد اتخذ لنفسه مكاناً آخر من المسجد، والإنسان لا يملك أن يتخذ مكانين له.
وإما التزام مكان معين لا يصلي إلا فيه فإن هذا منهي عنه بل ينبغي للإنسان أن يصلي حيث ما وجد المكان.

* * *
311 سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حكم حجز المكان في المسجد؟
فأجاب قائلاً: إن حجر الأماكن إذ كان الذي حجزها خرج من المسجد فهذا حرام عليه، ولا يجوز، لأنه ليس له حق في هذا المكان، فالمكان إنما يكون للأول فالأول، حتى إن بعض فقهاء الحنابلة يقول: إن الإنسان إذا حجز مكاناً وخرج من المسجد فإنه إذا رجع وصلى فيه فصلاته باطلة، لأنه قد غصب هذا المكان لأنه ليس من حقه أن يكون فيه وقد سبقه أحد أليه، والإنسان إنما يتقدم ببدنه لا بسجادته أو منديله أو عصاه، ولكن إذا كان الإنسان في المسجد ووضع هذا وهو في المسجد لكن يحب أن يكون في مكان آخر يسمع درساً، أو يتقي عن الشمس ونحو ذلك فهذا لا بأس به بشرط أن لا يتخطى الناس عند رجوعه إلى مكانه، فإن كان يلزم من رجوعه تخطي الناس وجب عليه أن يتقدم إلى مكانه إذا حاذاه الصف الذي يليه لئلا يؤذي الناس.
* * *
(12/393)

سئل فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى: إذا ضاق المسجد فما حكم الصلاة في السوق وما يحيط بالمسجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بذلك إذا اضطر الإنسان إلى الصلاة في السوق أو في الساحات التي حول المسجد فإن هذا لا بأس به، حتى الذين يقولون إن الصلاة لا تصح في الطريق يستثنون من ذلك صلاة الجمعة وصلاة العيد إذا امتلأ المسجد وخرج الناس إلى الأسواق، والصحيح أنه يستثنى من ذلك كل ما دعت الحاجة إليه فإذا امتلأ المسجد فإنه لا بأس أن يصلوا في الأسواق.

* * *
313 وسئل فضيلة الشيخ: عن الفرق بين المسجد والمصلي؟ وما ضابط المسجد؟
فأجاب بقوله: أما بالمعنى العام فكل الأرض مسجد لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) (1) . وأما بالمعنى الخاص فالمسجد: ما أعد للصلاة فيه دائماً وجعل خاصاً بها سواء بني بالحجارة والطين والإسمنت أم لم يبن، وأما المصلى فهو ما اتخذه الإنسان ليصلي فيه، ولكن لم يجعله موضعاً للصلاة دائماً، إنما يصلي فيه إذا صادف الصلاة ولا يكون هذا مسجداً، ودليل ذلك أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي في بيته النوافل، ولم يكن بيته مسجداً، وكذلك دعاه عتبان بن مالك إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى ولم يكن ذلك المكان مسجداً (2) . فالمصلى ما أعد للصلاة فيه دون أن يعين مسجداً
__________
(1) تقدم تخريجه ص 95.
(2) أخرجه البخاري: كتاب المساجد / باب المساجد في البيوت، ومسلم: كتاب المساجد / باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر.
(12/394)

عاماً يصلي فيه الناس ويعرف أنه قد خصص لهذا الشيء.

* * *
سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: هل مساجد مكة فيها من الأجر كما في المسجد الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: قول السائل: هل مساجد مكة فيها من الأجر كما في المسجد الحرام جوابه: لا ليست مساجد مكة كالمسجد الحرام في الأجر، بل المضاعفة إنما تكون في المسجد الحرام نفسه القديم والزيادة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة)) (1) . أخرجه مسلم. فخص الحكم بمسجد الكعبة، ومسجد الكعبة واحد، وكما أن التفضيل خاص في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام فهو خاص بالمسجد الحرام أيضاً، ويدل لهذا أيضاً قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)) (2) . ومعلوم أننا لو شددنا الرحال إلى مسجد من مساجد مكة غير المسجد الحرام لم يكن هذا مشروعاً بل كان منهياً عنه، فما يشد الرحل إليه هو الذي فيه المضاعفة، لكن الصلاة في مساجد مكة بل في الحرم كله أفضل من الصلاة في الحل، ودليل ذلك أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما نزل الحديبية، والحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم كان يصلي في الحرم مع
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الحج / باب فضل الصلاة مسجدي مكة والمدينة.
(2) أخرجه البخاري: كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ومسلم: كتاب الحج / باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مسجد.
(12/395)

أنه نازل في الحل، وهذا يدل على أن الصلاة في الحرم أفضل، لكن لا يدل على حصول التضعيف الخاص في مسجد الكعبة.
فإن قيل: كيف تجيب عن قول الله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) (1) . وقد أسرى به من مكة من بيت أم هاني؟
فالجواب: أنه ثبت في صحيح البخاري أنه أسرى به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الحجر، قال: ((بينا أنا نائم في الحجر أتاني آت. . .)) (2) إلخ الحديث، والحجر في المسجد الحرام، وعلى هذا فيكون الحديث الذي فيه أنه أسرى به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بيت أم هاني - إن صحت الرواية - يراد ابتداء الإسراء ونهايته من الحجر، كأنه نبه وهو في بيت أم هاني، ثم قام فنام في الحجر فأسرى به من الحجر.

* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم هدم المساجد لصالح الشوارع؟ وهل يختلف الحكم فيما إذا كان يوجد مسجد آخر قريب منه يقوم مقامه؟
فأجاب بقوله: هدم المساجد لمصلحة الشارع جائز إذا كان سيعمر بدله في مكان قريب منه بحيث لا يضر على أهل المسجد الأولين، وقد ذكر الإمام أحمد وغيره عن عمر رضى الله عنه أنه أذن في نقل مسجد الكوفة لمصلحة بيت المال، حيث إن بيت المال نقب وسرق، فأمر عمر رضى الله
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 1.
(2) أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة / باب المعراج، ومسلم: كتاب الإيمان / باب الإسراء.
(12/396)

عنه بنقل المسجد (1) ، وجعل بيت المال في قبلته، معللاً ذلك بأنه ما زال في المسجد مصل، فيمتنع من هم بالسرقة منها بسبب وجود المصلين في المسجد، فصار المسجد في مكان سوق التمارين، وسوق التمارين في مكان المسجد، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - حكم هذه المسألة في الفتاوى ص 215- 238 مجلد 31 مجموعة ابن قاسم.

* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إحضار الأولاد الصغار للمسجد إذا كانوا يشوشون على المصلين؟
فأجاب بقوله: لا يجوز إحضار الأولاد للمسجد إذا كانوا يشوشون على المصلين، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على أصحابه وهم يصلون ويجهرون فقال: ((لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن أو قال في القراءة)) (2) . وإذا كان التشويش منهياً عنه حتى في قراءة القرآن فما بالك بلعب الصبيان؟! .
أما إذا كانوا لا يشوشون فإحضارهم إلى المسجد خير، لأنه يمرنهم على حضور الجماعة ويرغبهم في المساجد فيألفونها.

* * *
317 سئل فضيلة الشيخ: حفظه الله تعالى -: عن حكم منع الصبيان من الجلوس في الصف الأول؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يمنع الصبيان من الصلاة في الصف
__________
(1) ذكر هذا الأثر كثير من الفقهاء، أنظر المغني 5/632، المبدع 5/353، والكشاف 4/324. وذكره شيه الإسلام في الموضع الذي أشار إليه الشيخ أعلاه.
(2) أرحه الإمام أجمد 2/36.
(12/397)

الأول من المسجد إلا إذا حصل منهم أذية، أما ما داموا لا مؤدبين فإنه لا يجوز إخراجهم من الصف الأول لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به)) (1) . وهؤلاء سبقوا إلى ما لم يسبقهم إليه أحد، فكانوا أحق به من غيرهم.
فإذا قيل: قد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى)) (2) .
فالجواب: إن المراد بهذا الحديث حث أولي الأحلام والنهى على أن يتقدموا، نعم لو قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يليني إلا أولوا الأحلام والنهى)) .لكان هذا نهياً عن تقدم الصبيان للصف الأول، ولكنه إذا قال: ((ليليني أولوا الأحلام والنهى)) . فالمعنى حيث هؤلاء البالغين العقلاء على أن يتقدموا ليكونوا هم الذين يلون رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأننا لو أخرنا الصبيان عن الصف الأول سيكونون وحدهم في الصف الثاني، ويترتب على لعبهم ما لا يترتب لو كانوا في الصف الأول وفرقناهم وهذا أمر ظاهر. والله الموفق.
* * *
318 وسئل فضيلته: قال بعض الفقهاء إن من شروط الصلاة اجتناب النجاسة في البدن، والثوب، والبقعة، وهو شرط عدمي، فما الفرق بين الشرط الإيجابي والعدمي؟
فأجاب بقوله: الفرق بين الشرط الإيجابي والعدمي أن الأول يجب فعله والثاني يجب اجتنابه، فإذا صلى الإنسان في ثوب نجس
__________
(1) أخرجه أبو داود: 3/177.
(2) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة / باب تسوية الصفوف وإقامتها.
(12/398)

ناسياً، أو جاهلاً فإن صلاته صحيحة، وليس عليه إعادة الصلاة، مثال ذلك: أصاب ثوبك بول ولم تغسله ثم صليت بعد ذلك ناسياً غسله، أو أنه أصابك فإن صلاتك صحيحه ولا إعادة عليك، لأنك معذور بالنسيان، قال تعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) . وقد روى أهل السنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يصلي بأصحابه ذات يوم فخلع نعليه، فخلع الصحابة نعالهم، فلما سلم سألهم، فقالوا: يا رسول الله رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: ((إن جبريل أتاني وأخبرني أن فيهما أذى أو قذراً)) (2) . فدل هذا على أن من صلى بنجاسة جاهلاً بها فإن صلاته لا تبطل، فإن علم بها أثناء الصلاة أزالها ومضى في صلاته ولا حرج عليه.فإذا قال قائل: ألستم تقولون: إن الإنسان إذا صلى بغير وضوء ناسياً فإن صلاته باطلة غير صحيحة، فكيف تقولون إنه إذا صلى بالنجاسة ناسياً غسلها تكون صلاته صحيحة فما الفرق إذاً؟
نقول: إن الوضوء شرط إيجابي أي أنه شرط وجودي والشرط الوجودي لابد من وجوده فإذا عدم عدمت الصحة، وأما اجتناب النجاسة فهو شرط عدمي، وقد قال أهل العلم: إنه يفرق بين ترك المأمور وفعل المحذور، فترك المأمور لا يعذر فيه الإنسان بالجهل أو النسيان، وفعل المحذور يعذر فيه الإنسان بالجهل أو النسيان، وهذه قاعدة مقررة عند أهل العلم دل عليها كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) تقدم تخريجه ص 303.
(12/399)

فصل
قال فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -:من إقام الصلاة الطهارة، فإنها لا تقبل صلاة بغير طهور، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) (1) .
فلابد أن يقوم الإنسان بالطهارة على الوجه الذي أمر به، فإن أحدث حدثاً أصغر مثل البول، والغائط، والريح، والنوم، وأكل لحم الإبل فإنه يتوضأ.
وفروض الوضوء كما يلي: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، كما أمر الله بذلك في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (2) . ومن الوجه: المضمضة والإستنشاق، ومن الرأس: الأذان، فلابد في الوضوء من غسل هذه الأعضاء الأربعة، غسل في ثلاثة،ومسح في واحد.
وأما الاستنجاء أو الاستجمار فهو: إزالة نجاسة ولا علاقة له بالوضوء، لو أن الإنسان بال أو تغوط واستنجى، ثم ذهب لشغله ثم دخل الوقت فإنه يتوضأ بتطهيره الأعضاء الأربعة، ولا حاجة إلى أن يستنجي، لأن الاستنجاء إزالة نجاسة، ومتى أزيلت فإنه لا يعاد الغسل مرة ثانية إلا إذا رجعت مرة ثانية.
__________
(1) (1) أخرجه البخاري: كتاب الحيل / باب في الصلاة، ومسلم: كتاب الطهارة / باب وجوب الطهارة للصلاة.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
(12/400)

والصحيح: أنه لو نسي أن يستجمر استتجماراً شرعياً ثم توضأ فإن وضوءه صحيح، لأنه ليس هناك علاقة بين الاستنجاء وبين الوضوء.
أما إذا كان محدثاً حدثاً أكبر مثل الجنابة فعليه أن يغتسل، فيعم جميع بدنه بالماء لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (1) . ومن ذلك المضمضة والاستنشاق لأنهما داخلان في الوجه فيجب تطهيرهما كما يجب تطهير الجبهة والخد واللحية.
والغسل الواجب الذي يكفي هو أن تعم جميع بدنك بالماء سواء بدأت بالرأس، أو بالصدر، أو بالظهر، أو أسفل البدن،أو انغمست في بركة وخرجت منها بنية الغسل.
والوضوء قبل الغسل سنة وليس واجب، وإذا اغتسل فلا حاجة إلى الوضوء مرة ثانية لأنه لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه توضأ بعد اغتساله.
فإذا لم يجد الماء، أو كان مريضاً يخشى من استخدام الماء، أن كان برد شديد وليس عنده ما يسخن به الماء فإنه يتيمم لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) (2) .
فبين الله حال السفر والمرض أنه يتيمم فيهما، إذا لم يجد الماء في السفر.
أما خوف البرد فدليله قصة عمرو بن العاص رضى الله عنه قال:
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة المائدة، الآية 6.
(12/401)

احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن أغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: ((يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب؟)) (1) فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله عز وجل يقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (2) . فضحك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يقل شيئاً. فأقره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك ولم يأمره بالإعادة، لأن من خاف الضرر كمن فيه الضرر، لكن بشرط أن يكون الخوف غالباً أو قاطعاً، أما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء.
وأعلم أن طهارة التيمم تقوم مقام طهارة الماء، ولا تنتقض إلا بما تنتقض به طهارة الماء، أو بزوال العذر المبيح للتيمم.
فمن تيمم لعدم وجود الماء ثم وجده فإنه لابد أن يتطهر بالماء، لأن الله تعالى إنما جعل التراب طهارة إذا عدم الماء، وفي الحديث الذي أخرجه أهل السنن عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم أو قال: طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإن وجده فليتق الله وليمس بشرته)) (3) .
وفي صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين الطويل في قصة الرجل الذي اعتزل فلم يصل مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله فقال: ((ما منعك أت تصلي معنا)) ؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء فقال: ((عليك بالصعيد
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " 4/203، وأبو داود: كتاب الطهارة / باب إذا خاف الجنب البرد يتيمم، وعلقه البخاري / كتاب التيمم وصححه الحافظ في " الفتح " 1/354.
(2) سورة النساء، الآية: 29.
(3) تقدم تخريجه ص 260.
(12/402)

فإنه يكفيك)) ، ثم حضر الماء فأعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الرجل ماء وقال: ((أفرغه على نفسك)) (1) أي اغتسل به، فدل هذا على أنه إذا وجد الماء بطل التيمم، أما إذا لم يحضر الماء، ولم يزل العذر فإنه يقوم مقام طهارة الماء ولا يبطل بخروج الوقت، فلو تيمم الإنسان وهو مسافر ولا ماء عنده لصلاة الظهر مثلاً وبقي لم يحدث إلى العشاء فإنه لا يلزمه إعادة التيمم، لأن التيمم لا يبطل بخروج الوقت، لأنه طهارة شرعية كما قال الله في القرآن الكريم: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) (2) . فبين الله أن طهارة التيمم طهارة، وقال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) بفتح الطاء أي أنها تطهر ((فإيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل)) (3) وفي حديث آخر: ((فعنده مسجده وطهوره)) (4) يعني ليتطهر وليصل.
ومن المحافظة على الطهارة إزالة النجاسة من ثوبك، ومصلاك وبدنك، فلابد من الطهارة في هذه المواضع الثلاثة. ودليل هذا في الثوب أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أمر الحائض إذا أصابها الحيض أن تغسله ثم تصلي فيه)) (5) .
ولما صلى ذات يوم بأصحابه وعليه نعاله خلع نعليه فخلع الناس
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب التيمم / باب الصعيد الطيب وضوء المسلم، ومسلم: كتاب المساجد / باب قضاء الصلاة الفائتة.
(2) سورة المائدة / باب قضاء الصلاة الفائتة.
(3) تقدم تخريجه ص 95.
(4) أخرجه الإمام أحمد 5/248.
(5) أخرجه البخاري: كتاب الحيض / باب غسل دم الحيض.
(12/403)

نعالهم فلما سلم سألهم لماذا خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، قال: ((إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً)) (1) .
فدل هذا على أنه لابد من اجتناب النجاسة في الملبوس.
أما المكان: فدليله أن أعرابياً جاء فبال في طائفة المسجد أي في طرف منه، فصاح به الناس وزجروه ولكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحكمته نهاهم وقال: اتركوه فلما قضي بوله دعاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال له: ((إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر إنما هي للصلاة والتسبيح، وقراءة القرآن)) (2) .
فدل هذا على أنه لابد من التنزه من البول وهكذا بقية النجاسات ولكن لو فرض أن الإنسان في البر وتنجس ثوبه وليس معه ما يغسله به فهل يتيمم من أجل صلاته في هذا الثوب.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 303.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء / باب ترك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والناس الأعرابي، ومسلم: كتاب الطهارة / باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات.
(12/404)

لا يتيمم، وكذلك لو أصاب بدنه نجاسه، رجله، أو يده، أو ساقه، أو ذراعه وليس عنده ما يغسله فإنه لا يتيمم، لأن التيمم إنما هو لطهارة الحدث فقط.
أما النجاسة فلا يتيمم لها لأن النجاسة عين قذرة، وتطهيرها بإزالتها، إن أمكن فذاك، وإن لم يمكن تبقى حتى يمكن إزالتها، والله أعلم
(12/405)

استقبال القبلة
(12/407)

سئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين -: يقع مشكلة بين بعض المصلين في المساجد حول الدفايات الكهربائية ووضعها أمام المصلين هل هذا حرام أو مكروه يتنزه عنه؟ وهل الصلاة أمام النار محرمة أو مروهة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب بقوله: اختلف العلماء ورحمهم الله تعالى في الصلاة إلى النار: فمنهم من كرهها، ومنهم من لم يكرهها، والذين كرهوها عللوا ذلك بمشابهة عباد النار، والمعروف أن عبدة النار يعبدون النار ذات اللهب، أما ما ليس لهب فإن مقتضى التعليل أن لا تكره الصلاة إليها.
ثم إن الناس في حاجة إلى هذه الدفايات في أيام الشتاء للتدفئة فإن جعلوها خلفهم فاتت الفائدة منها أو قلت، وإن جعلوها عن إيمانهم أو شمائلهم لم ينتفع بها إلا القليل منهم وهم الذين يلونها فلم يبق إلا أن تكون أمامهم ليتم انتفاعهم بها، والقاعدة المعروفة عند أهل العلم أن المكروه تبيحه الحاجة.
ثم إن الدفايات في الغالب لا تكون أمام الإمام وإنما تكون أمام المأمومين وهذا يخفف أمرها، لأن الإمام هو القدوة ولهذا كانت سترته سترة للمأموم. الله أعلم. في 22/6/1409 هـ.

* * *
320 وسئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين -: ما حكم وضع مدخنه البخور أما المصلين في المسجد؟
فأجاب بقوله: لا حرج في ذلك ولا يدخل هذا فيما ذكره بعض الفقهاء من كراهة استقبال النار، فإن الذين قالوا بكراهة استقبال النار
(12/409)

عللوا هذا بأنه يشبه المجوس في عبادتهم للنيران، فالمجوس لا يعبدون النار على هذا الوجه، وعلى هذا فلا حرج من وضع حامل البخور أمام المصلي، ولا من وضع الدفايات الكهربائية أمام المصلي أيضاً لاسيما إذا كانت أمام المأمومين وحدهم دون الإمام.
* * *
321 سئل فضلية الشيخ: عندما ذهبنا إلى المدينة دخلنا مسجد القبلتين قيل لنا ونحن في المسجد صولا هكذا أي إلى بيت المسجد، وصلوا ركعتين إلى الكعبة ما صحة هذا العمل؟ وما أصل تسمية مسجد القبلتين بهذا الاسم؟ وهل هو المسجد الموجود الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من تزوير المزورين، ولهذا قال بعض العلماء: إن المزورين بعضهم يكون مشتقاً من الزور لأ من الزيارة.
يكذب على البسطاء من الناس ويقول هذا محل كذا، وهذا محل كذا وأحياناً يقول: هذا مبرك ناقة الرسول عليه الصلاة والسلام حينما قدم المدينة وهكذا.
وهذه الأمور تحتاج إلى إثبات أولاً وقبل كل شيء، ثم إذا ثبتت فهل نحن نتخذها مزاراً؟
الجواب: لا، لأن الصاحبة الذين هم أشرف الخلق بعد الأنبياء لم يتخذوها مزاراً، فلم يبلغنا أن أحداً من الصحابة يذهب إلى ما يسمى مسجد القبلتين ليصلي فيه، وأنا لا أعلم أن هذا المسجد ذا قبلتين أو لا، وكلن حتى لو صح إنه كان ذا قبلتين فإنه لا يجوز أن يصلي فيه أحد إلى الشام.
* * *
(12/410)

وسئل فضيلته: هل تصح صلاة العاجز بدون استقبال القبلة؟
فأجاب بقوله: العاجز تصح صلاته بدون استقبال القبلة، ودليل ذلك قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) . وقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (2) . وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (3) . فالعاجز لا يلزمه استقبال القبلة لعجزه، مثل أن يكون مريضاً لا يستطيع الحركة، وليس عنده أحد يوجهه إلى القبلة فهنا يتجه حيث كان وجهه لأنه عاجز.

* * *
وسئل: هل يجب على المتنفل في السفر أن يتجه إلى القبلة عند افتتاح الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذهب بعض العلماء إلى الوجوب، ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الأفضل أن يبتدئ الصلاة متجهاً إلى القبلة ثم يتجه حيث كان وجهه.

* * *
وسئل فضيلته: عن حكم صلاة من كان في الحرم ولم يستطع مشاهدة الكعبة واتجه كاتجاه المصلين، وبعد انقضاء الصلاة اتضح له أنه لم يتجه إلى عين الكعبة؟
__________
(1) سورة التغابن، الآية 16.
(2) سورة البقرة، الآية: 286.
(3) تقدم تخريجه ص 98.
(12/411)

فأجاب بقوله: الذي أرى أن هؤلاء يجب عليهم إعادة الصلاة إذا لم يتحروا التحري الكامل، والغالب أن الإنسان يمكنه أن يتحرى تحرياً كاملاً، ولو كان في مكان لا يشاهد الكعبة إذا قام الناس فإنه ربما تتبين له الكعبة، ولو قيل إنه في هذا الحال معذور لمشقة ذلكم عليه، ولا سيما إذا جاء والناس قد ابتدأوا الصلاة ومكانه في الصف بعيد فإنه في هذه الحال يصعب عليه جداً، بل قد يتعذر عليه أن يشاهد عين الكعبة فيكفي الاتجاه إلى جهة الكعبة في هذه الحال للمشقة.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: نشاهد بعض المصلين في الحرم لا يتجهون إلى عين الكعبة مع قدرتهم على ذلك فما حكم صلاتهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاتهم باطلة، لأنه إذا أمكن مشاهدة الكعبة وجب عليه استقبال عينها قد وضعت الحكومة - جزاهم الله خيراً - أخيراً علامات على الاتجاه الصحيح، وذلك بمد خطين على الحصى فإذا اتجهت نحو هذا الاتجاه كان اتجاهك صحيحاً.

* * *
326 وسئل فضيلته: عن حكم اتخاذ المحاريب في المساجد؟ وما الجواب عما روي من النهي عن مذابح كمذابح النصارى؟
فأجاب بقوله: اختلف العلماء - رحمهم الله _ في اتخاذ المحراب هل هو سنة، أو مستحب، أو مباح؟
والذي أرى أن اتخاذ المحاريب مباح، وهذا هـ المشهود من المذهب ولو قيل باستحبابه لغيره لما فيه من المصالح الكثيرة، ومنها تعليم الجاهل القبلة لكان حسناً.
(12/412)

وأما ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((النهي عن مذابح كمذابح النصارى)) (1) أي: المحاريب، فهذا النهي وارد على ما إذا اتخذت محاريب كمحاريب النصارى، أما إذا اتخذت محاريب متميزة للمسلمين فإن هذا لا ينهى
عنه.
* * *
327 سئل فضيلة الشيخ: عد بعض أهل العلم المحاريب في المساجد من البدع ومن التشبه بالكافرين فهل هذا القول صحيح؟
فأجاب بقوله: هذا القول فيما أرى غير صحيح، وذلك لأن الذين يتخذونه إنما يتخذونه علامة على القبلة ودليلاً على جهتها.
وما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن اتخاذ مذابح كمذابح النصارى، فإن المراد به أن نتخذ محاريب كمحاريب النصارى، فإذا تميزت عنها زال الشبه.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: إذا تبين للمصلي أنه انحرف عن القبلة قليلاً فهل يعيد الصلاة؟
فأجاب بقوله: الانحراف القليل لا يضر، وهذا في غير ما كان في المسجد الحرام، لأن المسجد الحرام قبلة المصل فيه هي عين الكعبة، ولهذا قال العلماء: من أمكنه مشاهدة الكعبة فإن الواجب أن يستقبل عينها، فإذا قدر أن المصلي في الحرم اتجه إلى جهتها لا إلى عينها فإنه يعيد الصلاة لأن صلاته لم تصح، قال عز وجل (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (2) .
__________
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " 2/55.
(2) سورة البقرة، الآية: 144.
(12/413)

أما إذا كان الإنسان بعيداً عن الكعبة لا يمكنه مشاهدتها ولو في مكة فإن الواجب استقبال الجهة، ولا يضر الانحراف اليسير، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأهل المدينة، ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) (1) ، لأن أهل المدينة يستقبلون الجنوب، فكل ما بين المشرق والمغرب فهو في حقهم قبله، كذلك مثلاً نقول للذين يصلون إلى الغرب نقول ما بين الجنوب والشمال قبله.

* * *
329 وسئل فضيلته: عن مسجد تنحرف فيه القبلة عن اتجاهها الصحيح بجوالي ثلاث درجات حسب البوصلة المعدة لتحديد جهة الكعبة، وقد دأب الناس على الصلاة حسب اتجاه المسجد لعدم علم الكثيرين منهم بانحراف المسجد عن القبلة فهل هذا الأمر يؤثر على الصحة للصلاة؟ وهل يجب تعديل المسجد؟
فأجاب بقوله: إذا كان الانحراف لا يخرج الإنسان عن الجهة فإن ذلك لا يضر، والاستقامة أولى بلا ريب، أما إذا كان هذا الانحراف يخرج الإنسان عن جهة القبلة، مثل أن يكون متجهاً إلى الجنوب، والقبلة شرقاً، أو إلى الشمال والقبلة شرقاً، أو إلى الشرق والقبلة جنوباً فلا ريب أنه يجب تعديل المسجد، أو يجب الاتجاه إلى جهة القبلة وإن خالف جهة المسجد.

* * *
__________
(1) أخرجه الترمذي: كتاب الصلاة / باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبله، وابن ماجة (1011) ، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي " المستدرك " 14/225.
(12/414)

330 سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى جماعة إلى غير القبلة فما الحكم في تلك الصلاة؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة لا تخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكونوا في موضع لا يمكنهم العلم بالقبلة مثل أن يكونوا في سفر، وتكون السماء مغيمة، ولم يهتدوا إلى جهة القبلة فإنهم إذا صلوا بالتحري، ثم تبين أنهم على خلاف القبلة فلا شيء عليهم، لأنهم اتقوا الله ما استطاعوا، وقد قال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (2) . وقال الله تعالى في خصوص هذه المسألة: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (3) .
الحال الثانية: أن يكونوا في موضع يمكنهم فيه السؤال عن القبلة ولكنهم فرطوا وأهملوا ففي هذه الحال يلزمهم قضاء الصلاة التي صلوها إلى غير القبلة سواء علموا بخطئهم قبل خروج وقت الصلاة أم بعده، لأنهم في هذه الحال مخطئون خاطئون، مخطئون في شأن القبلة، لأنهم لم يتعمدوا الانحراف عنها، لكنهم خاطئون في تهاونهم وإهمالهم السؤال عنها، إلا أنه ينبغي أن نعلم أن الانحراف اليسير عن جهة القبلة لا يضر، كما لو انحرف إلى جهة اليمين أو إلى جهة الشمال يسيراً لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أهل المدينة: ((ما بين المشرق والمغرب
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) تقدم تخريجه ص 98.
(3) سورة البقرة، الآية: 115.
(12/415)

قبلة)) (1) . فالذين يكونون شمالاً عن الكعبة نقول لهم ما بين المشرق والمغرب قبلة، وكذلك من يكونون جنوباً عنها، ومن كانوا شرقاً عنها، أو غرباً نقول لهم: ما بين الشمال والجنوب قبلة، فالانحراف اليسير لا يؤثر ولا يضر.
وهاهنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي: أن من كان في المسجد الحرام يشاهد الكعبة فإنه يجب أن يتجه إلى عين الكعبة لا إلى جهتها، لأنه إذا انحرف عن عين الكعبة لم يكن متجهاً إلى القبلة، وأرى كثيراً من الناس في المسجد الحرام لا يتجهون إلى عبن الكعبة تجد الصف مستطيلاً طويلاً، وتعلم علم اليقين أن كثيراً منهم لم يكن متجهاً إلى عين الكعبة، وهذا خطأ عظيم يجب على المسلمين أن ينتبهوا له، وأن يتلافوه لأنهم إذا صلوا على هذه الحال صلوا إلى غير القبلة.

* * *
وسئل حفظه الله: عن امرأة صلت إلى غير القبلة، وبعد مضي مدة تبين لها أنها صلت على خلاف القبلة فهل صلاتها صحيحة أو تعيد الصلاة؟
فأجاب بقوله: إذا صلى إنسان إلى غير القبلة وهو يظنها قبلة فإن كان في البلد فعيه إعادة الصلاة،لأنه يستطيع أن يسأل أهل البيت، أو يبحث عن مسجد ليعلم قبلتها، وإن كان في السفر فإن كان مجتهد وهذا هو الذي أداه إليه الاجتهاد وليس عنده أحد يسأله فإنه لا يجب عليه الإعادة.

* * *
__________
(1) تقدم تخريجه ص 414.
(12/416)

وسئل فضيلة الشيخ: هل هناك طريقة لمعرفة اتجاه القبلة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم هناك طريقة لمعرفة القبلة، إن كان الإنسان في البر وذلك بمشاهدة الشمس، والقمر، والنجوم، فإنها تشرق من المشرق وتغرب من المغرب، فإذا كان الإنسان غرباً عن مكة اتجه شرقاً، وإذا كان عنها شرقاً اتجه إلى الغرب، وإذا كان عنها شمالاً اتجه إلى الجنوب، وإذا كان عنها جنوباً اتجه إلى الشمال، هذه من أكبر العلامات.
وإذا صلى الإنسان بالتحري، ثم تبين له خطأ فعله، فإنه لا إعادة عليه إذا كان في مكان لا يستطيع فيه سؤال الناس.
وقد يسر الله في زماننا هذا ما يعرف به جهة القبلة بواسطة دلائل القبلة (البوصلة) ، فإذا أراد الإنسان أن يسافر إلى جهة ما، فليأخذ معه هذه الآلة حتى يكون على بصيرة من أمره، والله الموفق.

* * *
وسئل فضيلته عمن كان في سفر ولم تتبين له جهة القبلة فماذا يعمل؟
فأجاب بقوله: إذا كان الإنسان في سفر ولم يتبين جهة القبلة فإنه يتحرى أي الجهات أقرب إلى القبلة فيتجه إليها، وإذا فعل ذلك واتقى الله ما استطاع فإنها لا تجب عليه الإعادة لو أخطأ لقول الله تعلى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (1) . قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (2) . ولقوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة التغابن، الآية: 16.
(12/417)

وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) (1) .
ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (2) . والله الموفق.
* * *
وسئل فضيلته: عن جماعة حددوا القبلة بالبوصلة وعملوا بموجبها إلا شخصاً واحد خالف في ذلك وينحرف فما الحكم؟
فأجاب بقوله: هذا الرجل الذي يخالف إخوانه بالاتجاه إلى القبلة لا أظن أنه يفعل ذلك إلا لأنه يعتقد أن الصواب معه فيكون مأجوراً على عمله، لكنه مخطئ في فعله، وذلك لأنه خالف جماعته وشذ عنهم، وإذا كانت البواصل - جمع بوصلة - تؤيد وتؤكد ما قام عليه الجماعة فقد وقع في محذورين:
الأول: أن يكون غير متجه إلى القبلة، وهذا يخل بصلاته وبما يبطلها إذا كان الانحراف عن جهة القبلة.
الثاني: مخالفته للجماعة، وإذا كان الرسول رأي يوماً وهو يصلي بالناس رجلاً بادياً صدره فقال: ((عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) (3) . فيتفرقوا وتتفرق كلمتهم، فإذا كان هذا تقدم يسيراً فكيف بمن خالف الجماعة واتجه إلى ناحية هو مخطئ فيها؟!
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 115.
(2) تقدم تخريجه ص 98.
(3) أخرجه البخاري: كتاب الجماعة والإمامة / باب تسوية الصفوف. ..، ومسلم: كتاب الصلاة / باب تسوية الصفوف وإقامتها.
(12/418)

فعلى هذا الرجل أن يتقي الله سبحانه وتعالى، وأن لا يخالف ما أيدته هذه الدلائل – دلائل القبلة – لأن هذه الدلائل أصبحت قوية الدلالة لقوة العلم ودقته، فإذ أصبحت تشير إلى جهة فإن الصواب غالباً فيها إن لم يكن المؤكد، ولا أرى لهذا الرجل أن يخالف أصحابه، وإذا قدر أن يكون إماماً فليتجه إلى جهة المسجد لا إلى ما يظنه هو، والله أعلم

* * *
(12/419)

فصل
في شرح حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ((أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسبح في راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه)) (1) ، وكان أبن عمر يفعله. وفي رواية: ((كان يوتر على بعيره)) ، وللبخاري ومسلم ((غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة)) ، وللبخاري ((الفرائض)) .
القبلة هل الكعبة، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول ما قدم المدينة يستقبل بين المقدس، لأنه كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر بخلافه، ثم بعد ذلك كان يكره موافقة أهل الكتاب، ويأمر بمخالفتهم، فكان يستقبل بين المقدس لمدة ستة عشر شهراً، وأو سبعة عشر شهراً إلا أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتشوف إلى أن يأمره الله تعالى باستقبال الكعبة كما قال الله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (2) .
ولكن ما الذي يستقبل؟ قال أهل العلم: إذا كان بإمكانك مشاهدة الكعبة فالواجب استقبال عينها، وإذا كان لا يمكنك فالواجب استقبال جهتها.
ونحن نشاهد مع الأسف أن كثيراً من المصلين في المسجد الحرام لا يتجهون إلى عين الكعبة، وهذا خطر عظيم، لأنه يقتضي أن
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب تقصير الصلاة / باب ينزل للمكتوبة، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين / باب جواز صلاة النافلة على الدابة
(2) سورة البقرة، الآية: 144.
(12/420)

تبطل صلاتهم، أما من كان لا يمكنه مشاهدة الكعبة فالواجب استقبال الجهة، والجهات الأربع: شمال، وجنوب، وشرق، وغرب. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأهل المدينة: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) (1) . لأن المدينة تقع شمالاً عن مكة، فإذا وقع الشمال عن مكة فإن جهة القبلة تكون ما بين المشرق والمغرب، وعلى هذا فلو انحرفت ولكنك لم تخرج عن مسامته الجهة فإن ذلك لا يضر، لأن الجهة واسعة، وكلما أبعدت عن الكعبة اتسعت الجهة وكلما قربت ضاقت الجهة.
فإذا كان البلد يقع شرقاً عن مكة فنقول: ما بين الشمال والجنوب قبلة.
وإذا لم يقع غرباً نقول: ما بين الشمال والجنوب قبلة، وهذا من تيسير الله، لأن إصابة عين الكعبة مع البعد متعذر أو متعسر، وإذا كان متعذراً أو متعسراً فإن الله قد يسر لعباده، وجعل الواجب استقبال الجهة.
وقد استثنى بعض العلماء – رحمهم الله – مسجد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: إن قبلته مبنية على إصابة العين، وذلك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي قيه، ولكن في هذا نظر لأننا لو قلنا كل مسجد صلى فيه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو كان مكان صلى فيه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو استقبال عين، لقلنا إن مسجد قباء أيضاً قبلته إلى عين الكعبة، ولقنا إن بيت عتبان بن مالك الذي صلى فيه الرسول عليه الصلاة والسلام تكون قبلته عين الكعبة، وكذلك نقول في بيت أنس بن مالك وغير ذلك.
ولكن الصواب أن مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وغيره من
__________
(1) تقدم تخريجه ص 414.
(12/421)

مساجد المدينة سواء صلى فيه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم لم يصل، كلها قبلتها جهة الكعبة لا عين الكعبة.
واستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة إلا في ثلاث مواضع:
الأول: العجز:
مثاله أن يكون الإنسان مريضاً ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة بنفسه، وليس عنده من يوجهه إلى القبلة فهذا يتجه حيث كان وجهه ودليل ذلك قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (1) . وقوله: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (2) .وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (3) .
الثاني: الخوف:
إذا كان الإنسان في شدة الخوف وهو هارب من عدوه مثلاً واتجاه سيره في حال فراره معاكس للقبلة، كأن يكون عدوه لحقه من جهة القبلة ففي هذه الحال نقول: إن استقبال القبلة ساقط عن هذا الخائف لقول الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ 238 فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) (4)
ويمكن أن ندخل هذا في النصوص الدالة على إسقاط الاستقبال في حال العجز، لأن الخائف عاجز عن استقبال القبلة إذ لو وقف لاستقبال القبلة لأدركه عدوه الذي كان فاراً منه.
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) سورة البقرة، الآية 286.
(3) تقدم تخريجه ص 98.
(4) سورة البقرة، الآيتان: 238، 239.
(12/422)

الثالث: النافلة في السفر:
فإنه لا يشترط فيها استقبال القبلة بل يصلي الإنسان إلى جهة سيره، ودليل ذلك فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به، ويوتر عليها، ولكنه لا يصلي عليها الفريضة.
والحكمة من هذا: تيسير النافلة على العباد.
فإذا قال قائل: إذا كان السفر في قطار فهل يسقط استقبال القبلة في هذا القطار، أو نقول إن القطار كالبناء لا يشق على الإنسان أن يستقبل القبلة؟
فالجواب: إن صعب الاستقبال يتنفل إلى جهة سيره،وإن لم يصعب وجب عليه استقبال القبلة لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
كيف يستدل الإنسان على القبلة؟
الجواب: نقول إذا كان في البلد يستدل عليها بالمساجد، فإن مساجد المسلمين كلها متجهة إلى القبلة، وإن كان في السفر يستدل بالشمس والقمر، لأن الشمس والقمر يشرقان من المشرق ويغربان في المغرب، فإذا كانت المنطقة التي هو فيها شمالاً عن مكة فإنه إذا أراد استقبال القبلة يجعل الشمس أو مشرق الشمس على يساره، وإذا كان جنوباً يجعل مشرق الشمس عن يمينه، وإذا كان غرباً يجعل مشرق الشمس أمامه، وإذا كان شرقاً يجعله خلفه، ويستدل عليها في الليل بالنجوم، فيستدل عليها بالقطب، والقطب: يقول العلماء إنه نجم خفي لا يراه إلا حديد البصر في ليلة ليس فيها قمر، ولكن هناك نجم بين
(12/423)

بجانب القطب، وهو نجم الجدي فإنه يجم واضح ومداره قريب من مدار القطب، ويمكن أن يستدل به على القبلة، فمثلاً إذا كنت شرقي مكة فإن الجدي يكون خلف أذنك اليمنى فتجعله خلف أذنك اليمنى، وإذا كنت شمالاً فإن الجدي يكون خلفك وهكذا تفعل في أي جهة.
وهنا مسألة: إذا قال سائل إنه استأجر بيتاً وصلى فيه لمدة عشر أيام وبعدها تبين له أنه صلى إلى غير القبلة؟
فالجواب: يعيد الصلاة لأنه ترك مأموراً، والقاعدة: ((أن تارك المأمور لا يأثم بتركه إذا كان جاهلاً، لكن يجب عليه إعادة الصلاة)) حينئذ نقول: يلزم إعادة الصلاة لأنه مفرط بعدم السؤال.

* * *
(12/424)

فصل
في شرح حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنه قال: بينما الناس في قباء في صلاة الصبح إذ الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة (1) .
قوله: بينما الناس في قباء (قباء) مكان معروف عند المدينة فيه المسجد الذي قال الله فيه: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (2) .
كان الناس يصلون فيه صلاة الصبح فجاءهم رجل خارج من المدينة وقال لهم: ((إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها فكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة)) . (وجوههم إلى الشام) : فإذا كانت وجوههم إلى الشام صارت ظهورهم إلى الكعبة (فاستداروا إلى الكعبة)) ، أي: صارت وجوههم إلى الكعبة، وظهورهم إلى الشام، وصار إمامهم في موضع المأمومين منهم يعني حتى الإمام تنحى عن مكانه، أو المأمومين تنحوا عن أمكنتهم، أو الجميع تنحى عن مكانه.
في هذا الحديث دليل على مسألتين:
الأولى: وهي من أهم ما دل عليه الحديث أن القرآن كلام الله عز
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب القبلة، باب ما جاء في القبلة، ومسلم: كتاب المساجد / باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة.
(2) سورة التوبة، الآية: 108.
(12/425)

وجل تكلم به حقيقة يؤخذ ذلك من: (أنزل عليه الليلة قرآن) والنزول لا يكون إلا من أعلى والله تعالى فوق كل شيء.
الثانية: إثبات علو الله ويؤخذ من قوله: ((أنزل عليه الليلة قرآن)) فالنزول لا يكون إلا من أعلى.
الثالثة: أن القرآن يتحدد نزوله (الليلة) يعني لا فيما مضى فيكون دليلاً على أن القرآن يتحدد نزوله، والقرآن نفسه دل على أن الله يتكلم بالقرآن بعد وقوع الحوادث قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي) (1) قال: ((قد سمع)) وسمع فعل ماض يدل على أن هذا الخبر بعد وقوع المخبر عنه، والآيات في هذا كثيرة.
الرابعة: قبول خبر الواحد، لأن الصحابة تحولوا بخير الصحابي وهو وجل واحد، ولكن العلماء يقولون هذا في الأمور الدينية فالأخبار الدينية يكفي فيها رجل واحد، فإذا قال لك إنسان قد غربت الشمس وهو ثقة فخذ بخبره وأفطر إذا كنت صائماً ن وصل المغرب، لأن خبر الواحد في الأمور الدينية مقبول.
الخامسة: دقة تعبير الصحابة رضى الله عنهم ويؤخذ من قوله (وقد أمر أن يستقبل الكعبة) لو قال (أمر أن يستقبل القبلة) لقالوا نحن على قبلة فلم يحصل التحديد فلما قال ((أن يستقبل الكعبة)) صار هذا أدق مما لو قال القبلة.
ونحن الآن نقول في عبارتنا وكتبنا استقبال القبلة، ولا نقول استقبال الكعبة، لأن القبلة الآن تقررت وتحددت بأنها الاتجاه إلى الكعبة.
__________
(1) سورة المجادلة، الآية: 1.
(12/426)

السادسة: جواز الحركة لمصلحة الصلاة، وتؤخذ من كون الصحابة تحركوا وصار أقدمهم آخرهم، ,هي حركة واجبة، لأنه لابد من استقبال القبلة.
وتنقسم الحركات في الصلاة إلى خمسة أقسام:
1 - واجبة.
2 - مستحبة.
3 - محرمة.
4 - مكروهة.
5 - مباحة.
فتكون الحركة واجبة: إذا توقف عليها فعل واجب، أو اجتناب محرم مثل المسألة التي معنا وهي إذا أخبر الإنسان بأن القبلة عن يمينه مثلاً فحينئذ يجب أن يتحرك ليكون مستقبل القبلة.
ومثل إذا وصف الإنسان وحده خلف الصف ثم تبين أن في الصف فرجه، فالحركة هنا واجبة من أجل أن يدخل في الصف.
كذلك إذا توقف عليها اجتناب محرم صارت واجبة، مثل رجل وهو يصلي رأي في غترته نجاسة، هنا يجب أن يتحرك لإلقاء الغترة التي فيها النجاسة، ومن ذلك الحديث الذي ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن جبريل أتاه وهو يصلي بالناس فاخبره أن في نعليه قذراً فخلع نعليه (1) ، فهذا الخلع واجب.
وتكون الحركة مستحبة إذا توقف عليها فعل مستحب، مثال ذلك أقام الجماعة ثلاثة رجال فوقف رجلان أحدهما عن يمين الإمام،
__________
(1) تقدم تخريجه ص 303.
(12/427)

والثاني عن شماله فهنا يدفعهما الإمام ليكونا خلفه فهذا الدفع مستحب، لأن تقدم الإمام مع الاثنين، وما زاد سنة وليس بواجب، أن يتوقف على الحركة المستحبة اجتناب مكروه مثل الإنسان أمامه شيء مشغل له كالنقوش مثلاً فهنا نقول: يستحب لك أن تزيل هذا المشغل لأنك بإزالته تتخلص من مكروه، ومن ذلك أيضاً لو أصيب الإنسان بحكة وشغلته فيستحب أن يحكها لترد وهذا يقع كثيراً.
وتكون الحركة حراماً إذا كثرت، متوالية، من غير ضرورة، فهنا ثلاث قيود: إذا كثرت، متوالية، من غير ضرورة.
والكثرة: قال بعض العلماء: تكون بثلاث حركات، فإذا تحرك المصلي ثلاث حركات متوالية لغير ضرورة فهذه حركة كثيرة تبطل الصلاة، وقال بعض العلماء ليس لنا أن نحدد، لأن التحديد أمر توقيفي يحتاج إلى دليل، ولكن الحركة الكثيرة ما عده الناس كثيراً، بحيث إذا شوهد المصلي شوهد وكأنه لا يصلي لكثرة حركته.
المتوالية: يعني التي يلي بعضها بعضاً.
لغير ضرورة: احترازاً من الضرورة. مثال هذا الرجل نراه يتحرك كثيراً مرة يصلح الثوب، ومرة يصلح الطافية، ومرة يخرج القلم، ومرة يكتب ما تفطن له في الصلاة فهذه حركة كثيرة متوالية لغير ضرورة.
وإذا كان الإنسان يصلي فسمع جلبة وراءه فإذا هي سبع يرد أن يأكله فهرب وهو يصلي، فهذه حركة كثيرة لكنها لضرورة ولذلكم لا تبطل صلاته.
الحركة المكروهة: هي الحركة اليسيرة لغير حاجة ولا ضرورة، وما أكثرها عند الناس اليوم إلى حد أنني رأيت بعض الناس ينظر في الساعة وهو يصلي لأنه حريص على ضبط وقته ويخشى أن تزيد
(12/428)

الصلاة دقيقة واحدة، أو لأنه عابث وهذا هو الظاهر لأنه عابث، وإلا فتجد الرجل يضيع أوقاتاً لا نهاية لها لكن الشيطان يأمر الإنسان بأن يتحرك في صلاته.
الحركة المباحة: هي الحركة اليسيرة لحاجة، أو الكثيرة لضرورة. هذه حركة البدن.
وبقي علينا حركة أخرى هي لب الصلاة وهي:
حركة القلب: القلب إذا كان متجهاً إلى الله عز وجل، ويشعر المصلي بأنه بين يدي الله، ويشعر بأنه بين يدي من يعلم ما توسوس به نفسه، وعنده رغبة صادقة في التقرب إلى الله بهذه الصلاة، وعنده خوف من الله فسوق يكون قلبه حاضراً خاشعاً لله، وهذا أكمل ما يكون، أما إذا كان على خلاف ذلك فسوف يجول قلبه، وتجول القلب حركة مخلة جاء في الحديث: ((إن الرجل ينصرف من صلاته ما كتب له إلا نصفها، أو ربعها، أو عشرها، أن أقل من ذلك)) (1) .
فحركة القلب مخلة بالصلاة لكن هل هي مخلة بصحتها بمعنى أن الإنسان إذا كثرت هواجيسه في صلاته بطلت؟
الجواب: لا، لأن من نعمة الله علينا – ولله الحمد – أن ما حدث الإنسان به نفسه لا يؤاخذ به، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم)) (2) . فحديث النفس لا يبطل الصلاة لكنه ينقص الصلاة ويخل بكمالها.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 4/264، 319، 321، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب فيما جاء في نقصان الصلاة (796) ، والنسائي في " الكبرى ": كتاب السهو / باب في نقصان الصلاة (611، 612) .
(2) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان / باب تجاوز الله عن حديث النفس.
(12/429)

المسألة السابعة: أن للأمة الإسلامية قبلة سابقة، وقبلة لاحقة.
نسمع تعبيراً عن المسجد الأقصى: (إنه ثالث الحرمين وأولى القبلتين) وهذا التعبير يحتاج إلى فهم إذا قلنا ثالث الحرمين فإنه ربما يفهم السامع أن المسجد الأقصى له حرم، أو أنه حرم، وليس كذلك فإن المسلمين أجمعوا على أنه لا حرم إلا في مكة والمدينة، واختلفوا في وادي وج وهو واد في الطائف، والصحيح أنه ليس بحرم، أما المسجد الأقصى فليس بحرم، لكنه مسجد معظم تشد الرحال إليه، وأما أولى القبلتين فإنه قد يفهم السامع أن هناك قبلتين باقيتين، وأن أولاهما المسجد الأقصى فيظن السامع أن الاتجاه إلى المسجد الأقصى ليس بمنسوخ من أنه منسوخ، والذي ينبغي أن يتجنب الإنسان كل عبارة فيها إبهام، ونقول في المسجد الأقصى إنه أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها وكفى به شرفاً أن تشد الرحال إليه.

* * *
سئل فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى: ما توجيهكم لمن يصلي في المسجد الحرام إلى جهة الكعبة لا إلى عينها وهم كثير؟
فأجاب بقوله: نعم نجد كثيراً من المصلين في المسجد الحرام يخطئون كثيراً في استقبال القبلة، لأن الذي يمكنه مشاهدة الكعبة يجب عليه أن يستقبل عين الكعبة لا جهتها، وكثير من المصلين تشاهدهم في المسجد الحرام يستقبلون جهة الكعبة ويصلون إلى غير القبلة، وصلاتهم حينئذ لا تصح، ولهذا يجب أن ينتبهوا لهذا الأمر وينبههم أهل العلم في هذا، لكن يستثنى من استقبال القبلة:
أولاً: العاجز عن استقبال القبلة، فالإنسان المريض الذي لا
(12/430)

يستطيع أن يتحرك وليس عنده من يوجهه إلى القبلة فإنه يصلي ولو كانت القبلة خلف ظهره، أو على يمينه، أو على يساره لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (1) .
ثانياً: المسافر إذا تنفل، فإن المسافر إذا تنفل يجوز أن يستقبل جهة سيره، وإن كانت القبلة على يمينه، أو يساره، أو خلف ظهره، لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يصلي النافلة في سفره حيثما توجهت راحلته (2) ، ولكن الأفضل أن يفتتح الصلاة باستقبال القبلة فيكبر إلى القبلة ثم يتجه جهة سيره، وإن صلى على جهة سيرة من أول صلاته فر حرج عليه، لأن استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام إنما للاستحباب، هذا في النافلة، أما في الفريضة فلا تصح إلا إلى القبلة في السفر والحضر، وعلى هذا فمن كان في الطائرة وأراد أن يتنفل فإنه يتنقل وهو على كرسيه إلى أي جهة كان استقبال الطائرة، أما إذا أراد أن يصلي الفريضة وكانت الطائرة لا تصل إلى المطار قبل خروج الوقت فإنه يصلي في الطائرة ويتجه إلى القبلة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، لأن تأخير الصلاة عن وقتها محرم ولا يجوز، مثال ذلك لنفرض أنك متجه بعد دخول وقت صلاة العصر إلى جهة المشرق من جهة المغرب وأنت تخشى إذا أخرجت الصلاة أن تغيب الشمس قبل أن تصل إلى المطار فنقول لك صلى الصلاة على وقتها واتجه إلى القبلة إن استطعت، وإذا لم تستطع فعلى حسب ما تستطيع لقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (3) .
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) تقدم تخرجه ص 420.
(3) سورة التغابن، الآية: 16.
(12/431)

ثالثاً: إذا اشتبهت القبلة على الإنسان كإنسان في البر والسماء مغيمة، أو في الليل ولا يعرف منازل النجوم، واشتبهت عليه القبلة فإنه يتحرى ويصلي، وإذا تبين له بعد ذلك أنه إلى غير القبلة فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (1) . ولقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) .

* * *
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 115.
(12/432)

فصل
وقال فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين:
من شروط صحة الصلاة استقبال القبلة ولا تصح الصلاة إلا به، لأن الله تعالى أمر به وكرر الأمر به في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) (1) أي جهته.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام أول ما قدم المدينة يصلي إلى بيت المقدس، فيجعل الكعبة خلف ظهره والشام قبل وجهه، ولكنه بعد ذلك ترقب أن الله سبحانه وتعالى يشرع له خلاف ذلك، فجعل يقلب وجهه في السماء ينتظر متى ينزل عليه جبريل بالوحي في استقبال الكعبة كما قال الله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (2) .
فأمره الله أن يستقبل شطر المسجد الحرام أي جهته، إلا أنه يستثنى من ذلك ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: إذا كان عاجزاً كمريض وجهه إلى غير القبلة ولا يستطيع أن يتوجه إلى القبلة فإن استقبال القبلة يسقط عنه في هذه الحال لقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (3) . وقوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (4) . وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 150.
(2) سورة البقرة، الآية: 144.
(3) سورة التغابن، الآية: 16.
(4) سورة البقرة، الآية: 286.
(12/433)

منه ما استطعتم)) (1) .
المسألة الثانية: إذا كان في شدة الخوف كإنسان هارب من عدو، أو هارب من سبع، أو هارب من سيل يغرقه، فهنا يصلي حيث كان وجهه، ودليله قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ 239) (2) . فإن قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ) عام يشمل أي خوف وقوله: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ 239) يدل على أن أي ذكر تركه الإنسان من أجل الخوف فلا حرج عليه فيه ومن ذلك استقبال القبلة.
ويدل عليه أيضاً ما سبق من الآيتين الكريمتين، والحديث النبوي في أن الوجوب معلق بالاستطاعة.
المسألة الثالثة: في النافلة في السفر سواء كان على طائرة أو على سيارة، أو على بغير فإنه يصلي حيث كان وجهه في صلاة النفل مثل الوتر، وصلاة الليل، والضحى وما أشبه ذلك.
والمسافر ينبغي له أن يتنفل بجميع النوافل كالمقيم تماماً إلا في الرواتب كراتبة الظهر، والمغرب، والعشاء فالسنة تركها.
فإذا أراد أن يتنفل وهو مسافر فليتنفل حيث كان وجهه ذلك هو الثابت في الصحيحين عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فهذه ثلاث مسائل لا يجب فيها استقبال القبلة.
أما الجاهل فيجب عليه أن يستقبل القبلة، لكن إذا اجتهد وتحرى ثم تبين له الخطأ بعد الاجتهاد فإنه لا إعادة عليه، ولا نقول: إنه يسقط
__________
(1) تدم تخريجه ص 98.
(2) سورة البقرة، الآية: 239.
(12/434)

عنه الاستقبال بل يجب عليه الاستقبال ويتحرى بقدر استطاعته، فإذا تحرى بقدر استطاعته ثم تبين له الخطأ فإنه لا يعيد صلاته، ودليل ذلك أن الصحابة الذين لم يعلموا بتحويل القبلة إلى الكعبة كانوا يصلون ذات يوم صلاة الفجر في مسجد قباء فجاءهم رجل فقال: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنزل عليه قرآن وأمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها فاستداروا (1) ، بعد أن كانت الكعبة وراءهم جعلوها أمامهم، فاستداروا واستمروا على صلاتهم وهذا في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يكون إنكار له فيكون ذلك مشروعاً، يعني أن الإنسان إذا أخطأ في القبلة جاهلاً فإنه ليس عليه إعادة، ولكن إذا تبين له ولو في أثناء الصلاة وجب عليه أن يستقبل القبلة، فاستقبال القبلة شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا به في المواضع الثلاثة، وإلا إذا أخطأ الإنسان بعد الاجتهاد والتحري.
وهنا مسألة: يحب على من تزل على شخص ضيفاً، وأراد أن يتنفل أن يسأل عن القبلة فإذا أخبره اتجه إليها، لأن بعض الناس تأخذه العزة بالإثم ومنعه الحياء وهو في غير محله عن السؤال عن القبلة، بل أسال عن القبلة حتى يخبرك صاحب البيت.
أحياناً بعض الناس تأخذه العزة بالإثم ويتجه بناء على ظنه إلى جهة ما، ويتبين أنها ليست القبلة، وفي هذه الحال يجب عليه أن يعيد الصلاة، لأنه استند إلى غير مستند شرعي، والمستند إلى غير مستند شرعي لا تقبل عبادته لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (2) . أخرجه مسلم.
* * *
__________
(1) تقدم تخريجه ص 425.
(2) تقدم تخريجه ص 21.
(12/435)

وسئل فضيلته: عن جماعة مسجد يصلون وفي قبلة المسجد دورة مياه فهل تصح الصلاة؟
فأجاب بقوله: الصلاة صحيحة، لعموم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) (1) . ولكن قد يكون في الحمام رائحة كريهة تؤثر على المصلي وتشوش عليه، فإذا تجنب استقباله من أجل هذا فهو أفضل،لأن كل شيء يؤثر على المصلي فالمشروع للمصلي أن يبتعد عنه، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه صلى ذات يوم بخميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف من صلاته قال: ((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بإنبجانية أبي جهم)) (2) ، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظر إليها نظرة، وكان في هذا انشغال في الصلاة، ومن ثم أم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن تعطى هذه الخميصة لأبي جهم، وتؤخذ أنبجانيته.
ويستفاد من هذا الحديث أن كل شيء يلهي المصلي عن صلاته ويشغله فإنه ينبغي اجتنابه.
* * *
__________
(1) تقدم تخريجه ص 95.
(2) تقدم تخريجه ص 362.
(12/436)

فائدة (1)
استشكل قول الأصحاب - رحمهم الله - في المجتهدين في القبلة إذا اختلفا جهة، حيث قالوا: لا يصح اقتداء أحدهما بالآخر.
ووجهة: أن اختلافهما في الاجتهاد إلى القبلة كاختلافهما في الاجتهاد في الأحكام الشرعية، وقد نصوا على أن هذا غير مانع من الإقتداء، فله أن يصلي خلف آكل حلم إبل لا يرى الوضوء منه، وإن كان هو ممن يرى نقض الوضوء به.
وهذا التفريق في الحكم بين المسألتين قد يكون خفياً في بادي الأمر، ولذلك قال الموفق - رحمه الله -: إن قياس المذهب صحة الاقتداء.
ولكن عند التأمل تجد الصواب عدم صحة اقتداء أحدهما بالآخر، وذلك أن الجميع متفقون على اشتراط القبلة في هذه المسألة، لكن أحدهما يقول: هذه هي، والثاني يخالفه، وكل واحد منهما يعتقد أن الثاني إلى غير القبلة فصلاة الآخر عنده باطلة، فكيف يصح اقتداء أحدهما بالآخر؟ فإنه إن كان الصواب مع المأموم فصلاة الإمام باطلة، فيكون مقتدياً بمن يرى أنه لم يستقبل القبلة.
وإن كان الصواب مع الإمام فصلاة المأموم باطلة! فكيف ينوي الإمامة بمن صلاته باطلة.
ونظير ذلك إذا سمعا صوتاً من أحدهما لا بعينه، فإن صلاة كل واحد بالنسبة إليه صحيحة،ولا يصح أن يقتدي أحدهما بالآخر، وقد خالف الموفق في هذا وقال: إنه لا سواء بينهما، بل بينهما فرق، وهو
__________
(1) أنظر المنتقى من فرائد الفوائد لفضيلة الشيخ حفظه الله تعالى ص 109.
(12/437)

أن من باب المحدث في الأخيرة لزمه الإعادة، ومن بان أنه هو المخطئ للقبلة فلا إعادة عليه فصلاته صحيحة بكل حال، بخلاف مسألة الحدث.
ولكن هذا الفرق غير مؤثر هنا، فإن ذلك إنما يؤثر بالنسبة إلى صلاة الواحد بنفسه، أما بالنسبة إلى الجماعة بينهما فلا فرق فإن كل واحد منهما يعتقد أن الآخر مخطئ أو محدث يقيناً ولا فرق بينهما. والله أعلم.
(12/438)

النية
(12/440)

سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عن حكم التلفظ بالنية في الصلاة وغيرها؟
فأجاب بقوله: التلفظ بالنية لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعهد السلف الصالح، فهو مما أحدثه الناس، ولا داعي له، لأن النية محلها القلب، والله تعالى عليم بما في قلوب عباده، ولست تريد أن تقوم بين يدي من لا يعلم حتى تقول أتكلم بما أنوي ليعلم به، وإنما تريد أن تقف بين يدي من يعلم ما توسوس به نفسك، ويعلم متقلبك، وماضيك، وحاضرك، فالتكلم بالنية من الأمور التي لم تكن معروفة عند السلف الصالح، ولو كانت خيراً لسبقونا إليه، فلا ينبغي للإنسان أن يتكلم بنيته لا في الصلاة ولا في غيرها من العبادات لا سراً ولا جهراً.
* * *
وسئل فضيلته: عن التلفظ بالنية؟
فأجاب بقوله: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (1) . والنية محلها القلب ولا يحتاج إلى نطق، وأنت إذا قمت تتوضأ فهذه هي النية، ولا يمكن لإنسان عاقل غير مكره على عمل أن يفعل ذلك العمل إلا وهو ناو له، ولهذا قال بعض أهل العلم: لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من التكليف ما لا يطاق.
ولم يرد عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عن أصحابه - رضوان الله عليهم - أنهم كانوا يتلفظون بالنية، والذين تسمعهم يتلفظون بالنية تجد ذلك إما جلاهً منهم، أو تقليداً لمن قال بذلك من أهل العلم، حيث قالوا إنه
__________
(1) تقدم تخريجه ص 153.
(12/442)

ينبغي أن يتلفظ بالنية من أجل أن يطابق القلب اللسان، ولكننا نقول إن قولهم هذا ليس بصحيح، فلو كان أمراً مشروعاً لبينه الرسول صلي الله عليه وسلم للأمة، إما بقوله وإما بفعله. والله الموفق.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل دخل مع الإمام بنية صلاة الوتر ثم تذكر وهو يصلي أنه لم يصل العشاء فقلب النية عشاء فهل يصح؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يصح، لأن من القواعد: ((إن الانتقال من معين إلى معين لا يصح)) مثل أن يدخل إنسان في صلاة العصر ثم ذكر أنه صلى الظهر بلا وضوء،ففي أثناء الصلاة قلب العصر إلى ظهر فلا يصح، لأن العبادة المعينة لابد أن ينويها من أولها قبل أن يدخل فيها، لأنه لو نوى من أثنائها لزم أن يكون الجزء السابق على النية الجديدة خالياً من نية الصلاة التي انتقل إليها، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (1) . ففي المثال السابق لا تصح لا الظهر ولا العصر، العصر لا تصح، لأنه أبطلها بانتقاله إلى الظهر، ولا تصح الظهر لأنه لم ينوها من أولها.
وهناك انتقال من مطلق إلى معين، ولا يصح أيضاً مثل: رجل قام يصل تطوعاً، ثم ذكر أنه لم يصل الفجر فنواها عند صلاة الفجر فلا يصح تطوعاً، لأنه انتقل من مطلق إلى معين، والمعين لابد أن ينويه من أوله.
وهناك انتقال من معين إلى مطلق فيصح مثل: رجل دخل يصلي بنية الفجر ثم بدا له أن يجعلها سنة مطلقة - ليست السنة الراتبة لأن
__________
(1) تقدم تخريجه ص 153.
(12/443)

الراتبة معينة - فيصح لأن نية الصلاة المعينة تتضمن في الواقع نيتين: نية مطلق الصلاة، ونية التعيين، فإذا ألغي نية التعيين بقي مطلق الصلاة، فهذا الرجل الذي حول نيته الفريضة التي هي الفجر إلى نفل مطلق عمله صحصح، لأن نية الصلاة المفروضة تشتمل على تعيين وإطلاق فإذا ألفي التعيين بقي الإطلاق، وبناء على ذلك ننظر إلى المسألة التي سأل عنها السائل، فالسائل دخل مع الإمام بنية الوتر ثم ذكر أنه لم يصل العشاء فحول النية إلى صلاة العشاء فلا تصح، وعلى السائل أن يعيد صلاة العشاء وكذلك الوتر إن أحب إعادته لكن يعيده شفعاً.

* * *
وسئل فضيلته: عن حكم صلاة الفريضة خلف المتنفل كمن صلى العشاء مع الذين يصلون التراويح؟
فأجاب بقوله: لا بأس أن يصلي العشاء خلف من يصلي التراويح، وقد نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله، فإن كان مسافراً وأدرك الإمام من أول الصلاة سلم معه، وإلا أتم ما بقي إذا سلم الإمام.

* * *
وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم صلاة الفرض خلف من يصلي نافلة؟
فأجاب بقوله: يجوز أن يصلي الإنسان فرضاً خلف من يصلي نافلة، ويدل لذلك حديث معاذ بن جبل رضى الله عنه أنه كان يصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة (1) ، فتكون
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الجماعة والإمامة / باب إذا صلى ثم أم قوماً، ومسلم: كتاب الصلاة / باب القراءة في العشاء.
(12/444)

له نافلة فريضة، وهذا وقع في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فإن قال قائل: لعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلم به.
فالجواب على ذلك من وجهين:
الأول: أن نقول يبعد أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلم به، لسيما وأنه قد شكى إليه في الإطالة حين صلى بهم ذات ليلة فأطال، ثم دعاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووعظه والقصة معروفه، فيبعد أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلم بحال معاذ رضى الله عنه.
الوجه الثاني: إنه على فرض أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلم بصنيع معاذ هذا، فإن الله سبحانه وتعالى قد علم به ولم ينزل وحي من الله تعالى بإنكار هذا العمل، ولهذا نقول: كل ما يجرى في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه حجة بإقرار الله له، والله سبحانه وتعالى لا يقر أحداً على باطل، وإن خفي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدليل قوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً 108) (1) . فلما كان هؤلاء القوم يبيتون ما لا يرضى الله عز وجل، والناس لا يعلمون به، بينه الله عز وجل ولم يقرهم عليه، فدل هذا على أن ما وقع في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام فهو حجة، وإن لم نعلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علم به فهو حجة بإقرار الله له، ولهذا استدل جابر رضى الله عنه على جواز العزل بإقرار الله له حيث قال رضى الله عنه: ((كنا نعزل والقرآن ينزل)) (2) ، فالمهم أن فعل هذا حجة بكل تقدير، وهو يصلي نافلة وأصحابه يصلون وراءه فريضة، إذن فإذا صلى
__________
(1) سورة النساء، الآية: 105.
(2) أخرجه مسلم: كتاب النكاح / باب حكم العزل.
(12/445)

شخص وراء رجل يصلي نافلة وهو يصلي فريضة فلا حرج في ذلك، ولهذا نص الإمام احمد رحمه الله على أن الرجل إذا دخل المسجد في رمضان وهم يصلون التراويح فإنه يصلي خلف الإمام بنية العشاء، فإذا سلم الإمام من الصلاة التي هي التراويح أتي بما عليه من صلات العشاء وهذا فرض خلف نافلة.

* * *
343 وسئل فضيلته: إذا صلى شخص صلاة الظهر خلف إمام يصلي العصر فهل صلاته صحيحة؟
فأجاب بقوله: إذا صلى شخص صلاة الظهر خلف إمام يصلي العصر فلا حرج في ذلك وصلاته صحيحه على القول الراجح لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (1) . ولم يثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل على وجوب اتحاد نيتي الإمام والمأموم، فيكون لكل واحد منهما نيته كما يدل عليه الحديث: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) .
* * *
344 سئل فضيلة الشيخ: عن الرجل يصلي وحده فيدخل معه آخر ويكون إماماً له فهل تصح صلاتهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم تصح صلاتهما، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أنه بات عند خالته ميمونة فقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي في الليل ثم جاء ابن عباس فدخل معه ومضى في
__________
(1) تقدم تخريجه ص 153.
(12/446)

صلاته (1) ، وهذا في صلاة الليل، وما جاز في النفل جاز في الفرض إلا بدليل، ولا دليل على التفريق بين الفرض والنفل في هذه المسألة، بل روى الإمام أحمد عن جابر رضى الله عنه قال: قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي المغرب فجئت فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه (2) . الحديث، وهذا في الفرض، وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك لا يصح لا في الفرض ولا في النفل وهو المشهور من المذهب، وقيل: يصح في النفل دون الفرض. حرر في 24/2/1387 هـ.
* * *
345 وسئل فضيلته: إذا رأي إنسان رجلاً يصلي لوحده فهل يأتم به؟ وهل يسأله هل يصلي فريضة أو نافلة؟ وكيف يجيب؟
فأجاب بقوله: يجوز أن تدخل مع رجل يصلي وحده وتنوي أن يكون إماماً لك، ولا حاجة أن تسأله ماذا يصلي بل تدخل على نية التي تريد، ثم إن كانت صلاته موافقة لصلاتك فذاك، وإلا فأكمل صلاتك على حسب ما نويت، فإذا تبين أنه يصلي العشاء،وأنت قد نويت المغرب ودخلت معه في أول ركعة فإذا قام للرابعة فأجلس وتشهد وسلم، ثم أدخل معه فيما بقي من صلاة العشاء إن كان يجوز لك أن تجمع.
وأما سؤال المصلي إذا سألته عن شيء وهو يصلي فلا بأس إن يجيبك بالإشارة.
* * *
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأذان / باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين / باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه.
(2) أخرجه الإمام أحمد 3/326، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة / باب الاثنان جماعة (974) .
(12/447)

وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: عما يدركه المسبوق من الصلاة هل هو أولها أو آخرها؟
فأجاب بقوله: الصحيح أن ما أدرك من صلاته فهو أولها، وما يقضيه فهو آخرها، فإذا أدرك ركعتين من الظهر وأمكنه أن يقرأ مع الإمام الفاتحة وسورة قرأ وإذا سلم الإمام، وقام يقضي يقتصر على الفاتحة فقط لأن ما يقضيه هو آخر صلاته لقول الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام: ((ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموه)) (1) .

* * *
سئل فضيلة الشيخ: عن تغيير النية في الصلاة؟
فأجاب بقوله: تغيير النية إما أن يكون من معين لمعين، أو من مطلق لمعين، فهذا لا يصح، وإذا كان من معين لمطلق فلا بأس، مثال ذلك.
من معين لمعين، أراد أن ينتقل من سنة الضحى إلى راتبة الفجر التي يريد أن يقضيها، كبر بنية أن يصلي ركعتي الضحى، ثم ذكر أنه لم يصل راتبة الفجر فحولها إلى راتبة الفجر فهنا لا يصح، لأن راتبة الفجر ركعتان ينويهما من أول الصلاة.
كذلك أيضاً رجل دخل في صلاة العصر وفي أثناء الصلاة ذكر أنه لم يصلي الظهر فنواها الظهر، هذا أيضاً لا يصح، لأن المعين لابد أن تكون نيتهمن أول الأمر.
وأما من مطلق لمعين، فمثل أن يكون شخص يصلي صلاة مطلقة
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأذان / باب لا يسعى إلى الصلاة. ..، ومسلم: كتاب المساجد / باب استحباب إتيان. ..
(12/448)

نوافل - ثم ذكر أنه لم يصل الفجر، أن لم يصل سنة الفجر فحول هذه النية إلى صلاة الفجر أو إلى سنة الفجر، فهذا أيضاً لا يصح.
أما الانتقال من معين لمطلق، فمثل أن يبدأ الصلاة على أنها راتبة الفجر، وفي أثناء الصلاة تبين أنه قد صلاها فهنا يتحول من النية الأولى إلى نية الصلاة فقط.
ومثال آخر: إنسان شرع في صلاة فريضة وحده ثم حضر جماعة، فأراد أن يحول الفريضة إلى نافلة ليقصر فيها على الركعتين، فهذا جائز لأنه حول من معين إلى مطلق. هذه القاعدة، من معين لمعين لا يصح، ومن مطلق لمعين لا يصح، من معين لمطلق يصح.
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز تغيير النية من معين إلى معين؟
فأجاب بقوله: لا يجوز تغيير النية من معين إلى معين، أو من مطلق إلى ميعن، وإنما يجوز تغيير النية من معين إلى مطلق.
مثال الأول: من معين إلى ميعن، تغير النية من صلاة الظهر إلى صلاة العصر، ففي هذه الحالة تبطل صلاة الظهر، لأنه تحول عنها، ولا تنعقد صلاة العصر، لأنه لم ينوها من أولها وحينئذ يلزمه قضاء الصلاتين.
ومثال الثاني: من مطلق إلى معين، أن يشرع في صلاة نفل مطلق ثم يحول النية إلى نفل معين فيحولها إلى الراتبة، يعنى أن رجلاً دخل في الصلاة بنية مطلقة، ثم أراد أن يحولها إلى راتبة الظهر مثلاً فلا تجزئه عن الراتبة، لأنه لم ينوها من أولها.
(12/449)

ومثال الثالث: من معين إلى مطلق أن ينوي راتبة المغرب ثم بدا له أن يجعلها سنة مطلقة فهذا صحيح لا تبطل به الصلاة، وذلك لأنه نية الصلاة المعينة متضمنة لنية مطلق الصلاة، فإذا ألغى التعيين بقي مطلق الصلاة لكن لا يجزئه ذلك عن الراتبة لأنه تحول عنها.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: إذا قطع الإنسان النية في أثناء الصلاة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قطع المصلي النية في أثناء الصلاة بطلت الصلاة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) (1) . وهذا قد نوى القطع فانقطعت.
* * *
وسئل الشيخ: إذا سمع المصلي طارقاً يطرق الباب فتردد، هل يقطع الصلاة فهل تبطل الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذهب بعض أهل العلم إلى بطلان الصلاة وإن لم يعزم على القطع، وقال بعض أهل العلم لا تبطل الصلاة بالتردد،لأن الأصل بقاء النية، والتردد لا يبطلها، وهذا القول هو الصحيح فما دام أنه لم يعزم على القطع فهو في الصلاة.
وسئل فضيلة الشيخ: هل يصح أن ينتفل المنفرد إلى إمامة في صلاة الفرض؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص 153.
(12/450)

فأجاب بقوله: نعم يصح أن ينتفل من انفراد إلى إمامه في الفرض والنفل، ودليل ذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام ذات ليلة يصلي وقام ابن عباس فوقف عن يساره، فأخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ برأسه من وراءه فجعله عن يمينه (1) ، وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل.
وهنا مسألة: إذا كان المأموم مسافراً والإمام مقيماً فهل للمسافر أن ينفرد إذا صلى ركعتين ثم يسلم؟
فالجواب: ليس للمأموم المسافر إذا اقتدى بمقيم أن ينفرد إذا صلى ركعتين، لأن المأموم المسافر إذا اقتدى بإمام مقيم وجب عليه الإتمام لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) (2) . وقوله: ((ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) (3) .
* * *
وسئل فضيلة الشيخ: هل تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام؟
فأجاب بقوله: لا تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام، لأن صلاة المأموم صحيحه، والأصل بقاء الصحة، ولا يمكن أن تبطل إلا بدليل صحيح، فالإمام بطلت صلاته بمقتضى الدليل الصحيح، ولكن المأموم دخل بأمر الله فلا يمكن أن تفسد صلاته إلا بأمر الله، القاعدة: ((أن من دخل في عبادة حسب ما أمر به فإننا لا نبطلها إلا بدليل)) ويستثنى
__________
(1) تقدم تخريجه ص 446.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الجماعة والإمامة / باب إقامة الصف من تمام الصلاة، ومسلم: كتاب الصلاة / باب إئتمام المأموم بالإمام.
(3) تقدم تخريجه ص 447.
(12/451)

من ذلك ما يقوم به مقام المأموم مثل السترة، فالسترة للإمام ستره لمن خلفه، فإذا مرت امرأة بين الإمام وسترته بطلت صلاة الإمام وبطلت صلاة المأموم، لأن هذه السترة مشتركة،ولهذا لا نأمر المأموم أن يتخذ سترة، بل لو اتخذ سترة لعد متنطعاً مبتدعاً.
* * *
سئل فضيلته: إذا أخر الإنسان صلاة الظهر إلى صلاة العصر ودخل المسجد فهل يصلي معهم العصر بنية الظهر؟
فأجاب فضيلته بقوله: لم يتبين في السؤال سبب تأخير صلاة الظهر إلى العصر، فإن كان السبب عذراً شرعياً فإن له حكماً، وإن كان السبب غير شرعي فإن صلاة الظهر لا تجزئ إذا أخرها عن وقتها بدون عذر شرعي،وعليه أن يتوب إلى الله عز وجل مما وقع منه، ولا تنفعه الصلاة حينئذ، لأنه تعمد تأخيرها عن وقتها.
أما إذا كان السبب شرعياً وأتى إلى المسجد وهم يصلون العصر فهو بالخيار إن شاء صلى معهم بنية العصر، فإذا فرغوا صلى الظهر، ويسقط الترتيب حينئذ لئلا تفوت الجماعة، وإن شاء صلى معهم العصر بنية الظهر، ولا يضر اختلاف النية لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا)) (1) . فبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معنى الاختلاف عليه ولهذا جاءت ((لا تختلفوا عليه)) ولم يقل ((لا تختلفوا عنه)) بل بال ((عليه)) مما يدل على أن المراد المخالفة في الأفعال وقد فسر ذلك في نفس الحديث فقال: ((فإذا كبر فكبروا)) وإذا ركع فأركعوا. .)) إلخ، أما النية فإنها عمل باطن لا يظهر فيها الاختلاف على
__________
(1) تقدم تخريجه ص 450
(12/452)

الإمام ولو اختلفت، وعلى هذا فإنه يدخل معهم بنية الظهر وإن كانوا يصلون العصر ثم إذا انتهوا من الصلاة يأتي بصلاة العصر، وهذا عندي أولى من الوجه الذي قبله.
* * *
سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -: إذا أدرك المسافر مع الإمام المقيم الركعتين الأخيرتين فهل يسلم معه بنية القصر؟
فأجاب بقوله: لا يجوز للمسافر إذا إئتم بالمقيم أن يقصر الصلاة لعموم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)) (1) . وعلى هذا إذا أدرك المسافر مع الإمام المقيم الركعتين الأخيرتين وجب عليه أن يأتي بركعتين بعد سلام إمامه، ولا يجوز أن يسلم مع الإمام مقتصراً على الركعتين. والله أعلم.
* * *
سئل فضيلة الشيخ: إذا أحدث الإنسان في صلاته فما العمل إذا كان إماماً أو مأموماً؟ وإذا كانت به غازات؟
فأجاب قائلاً: إذا احدث الإنسان في صلاته فإنه بجب عليه أن يخرج من الصلاة، ولا يجوز أن يبقى فيها حتى وإن كان إماماً أو مأموماً، فإن كان مأموماً انصرف وتوضأ ورجع، وإن كان إماماً انصرف أيضاً وقال لمن خلفه: تقدم يا فلان أكمل الصلاة بالناس، وصلاة المأموم لا تبطل حينئذ، وكذلك لو أن الإمام دخل في الصلاة وفي أثناء الصلاة ذكر أنه على غير وضوء فإن الواجب عليه أن ينصرف ويستخلف من يتم الصلاة بهم.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 447.
(12/453)

وإذا كان في الإنسان غازات ولا يتمكن من حبسها بمعنى أنه منطلق وتخرج بغير اختياره،فإذا كانت مستمرة معه فإن حكمة حكم من به سلس البول يتوضأ بعد دخول وقتها، ويتحفظ ويصلي، وإذا خرج منه شيء أثناء الصلاة فإن الصلاة لا تبطل.
* * *
365 سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للإنسان أن يصلي الفريضة خلف من يصلي نافلة؟
فأجاب بقوله: الصحيح أنه لا يضر اختلاف نية الإمام والمأموم، وأنه يجوز للإنسان المفترض أن يصلي خلف الإنسان المتنفل، كما كان معاذ بن جبل يفعل ذلك في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه كان يصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة العشاء، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة (1) ، وهي له نافلة، ولهم فريضة، فإذا دخل إنسان المسجد وأنت تصلي فريضة، أو نافلة وقام معك لتصليا جماعة فلا حرج، وصلاتكما صحيحة فيدخل معك ويصلي ما يدركه معك، وبعد انتهاء صلاتك تقوم فيقضي ما بقي عليه إن كان فاته شيء سواء كنت تصلي نافلة أو فريضة.

* * *
__________
(1) تقدم تخريجه ص 443.
(12/454)

فصل
قال فضيلة الشيخ حفظه الله تعالى: ومن شروط الصلاة: النية:
فالصلاة لا تصح إلا بها لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنما الأعمال بالنيات)) الحديث (1) .
وقد دلت الآيات الكريمة على اعتبار النية في العبادات مثل قوله تعالى في وصف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه (تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) (2) . وقال تعالى (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه) (3) وقال تعالى (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ً) (4) . والآيات في هذا كثيرة. فالنية شرط من شروط الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها.
وهي في الحقيقة ليست بالأمر الصعب فكل إنسان عاقل مختار بفعل فعلاً فإنه قد نواه، فلا تحتاج إلى تعب ولا إلى نطق فمحلها القلب ((إنما الأعمال بالنيات)) ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ينطق بالنية، ولا أمر أمته بالنطق بها، ولا فعلها أحد من أصحابه فأقره على ذلك، فالنطق بالنية بدعة، هذا هو القول الراجح.
وما أظرف قصة ذكرها لي بعض الناس عليه رحمه الله قال لي: إن شخصاً في المسجد الحرام قديماً أراد أن يصلي فأقيمت الصلاة فقال: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات لله تعالى، خلف
__________
(1) تقدم تخريجه ص 153.
(2) سورة الفتح، الآية: 29.
(3) سورة البقرة، الآية: 272.
(4) سورة النساء، الآية: 100.
(12/455)

إمام المسجد الحرام.
فلما أراد أن يكبر قال له: أصبر بقي عليك، قال: ما الباقي؟ قال له: قل في اليوم الفلاني، وفي التاريخ الفلاني،ومن الشهر والسنة حتى لا تضيع، هذه وثيقة، فتعجب الرجل، والحقيقة أنها محل التعجب هل أنت تعلم الله عز وجل بما تريد؟ الله يعلم ما توسوس به نفسك.
هل تعلم الله بعدد الركعات والأوقات؟ لا داعي له، هو يعلم هذا، فالنية محلها القلب.
والصلوات تنقسم إلى أقسام نفل مطلق، ونفل معين، وفريضة.
الفرائض الخمس: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء فإذا جاء الإنسان إلى المسجد في وقت الفجر فإن من المعلوم أنه يريد الفجر.
وهناك مسألة: إذا جئت وكبرت وغاب عن ذهنك أي صلاة هي، وهذا يقع كثيراً إذا جاء بسرعة يخشى أن تفوته الركعة، فهنا وقوع الصلاة في وقتها دليل على أنه إنما أراد هذه الصلاة، ولهذا لو سألك أي واحد هل أردت الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء، لقلت أبداً ما أردت إلا الفجر فيكون تعيينها بالوقت.
إذاً الفرائض يكون تعيينها على وجهين.
الوجه الأول: أن يعينها بعينها فينوي بقلبه أنها الظهر وهذا واضح.
الوجه الثاني: الوقت فما دمت تصلي الصلاة في هذا الوقت فهي هي الصلاة.
هذا الوجه الثاني إنما يكون في الصلاة المؤداة في وقتها، أما لو فرض أن على إنسان صلوات مقضية كما لو نام يوماً كاملاً عن الظهر
(12/456)

والعصر والمغرب. فهنا إذا أراد أن يقضي لابد أن يعين بعينها لأنه لا يوقت لها.
ومن النوافل المعينة الوتر، وركعتي الضحى، والرواتب فهذه لابد أن تعينها بالاسم، لكن بالقلب لا باللسان، فإذا أردت أن تصلي مثلاً وكبرت، ولكن ما نويت الوتر، وفي أثناء الصلاة نويتها الوتر فهاذ لا يصح، لأن الوتر نفل معين، والنوافل المعينة لابد أن تعين بعينها.
وهنا مسألة: إذا أراد الإنسان أن ينتفل في الصلاة من نية إلى نية فهل هذا ممكن؟
فالجواب أن الانتفال أنواع:
النوع الأول: من مطلق إلى معين فلا يصح، ومثاله: إنسان قام يصلي صلاة نافلة مطلقة وفي أثناء الصلاة ذكر أنه لم يصل راتبه الفجر فنواها لراتبة الفجر.
نقول لا تصح لراتبة الفجر، لأنه انتفل من مطلق إلى معين، والمعين لابد أن تنويه من أوله فراتبه الفجر من التكبير إلى التسليم.
النوع الثاني: من معين إلى معين فلا يصح، ومثاله رجل قام يصلي العصر وفي أثناء صلاته ذكر أنه لم يصل الظهر أو أنه صلاها بغير وضوء، فقال: الآن نويتها للظهر.
هنا لا تصح للظهر لأنه من معين إلى معين، ولا تصح أيضاً صلاة العصر التي ابتدأها لأنه قطعها بانتفاله إلى الظهر.
النوع الثالث: من معين إلى مطلق فإنه لا يصح مثل: إنسان شرع
(12/457)

في صلاة راتبة الفجر، ثم ذكر أنه صلاها فنواها نفلاً مطلقاً فيصح.
فصارت الحالات ثلاث:
الحال الأولى: من مطلق إلى معين لا يصح المعين ويبقى المطلق.
الحال الثانية: من معين إلى معين يبطل الأول ولا ينعقد الثاني.
الحال الثالثة: من معين إلى مطلق.
* نية الإمامة والائتمام:
الجماعة تحتاج إلى إمام ومأموم، وأقلها اثنان إمام ومأموم، وكلما كان أكثر فهو أحب إلى الله.
ولابد من نية المأموم الائتمام وهذا شئ متفق عليه، يعني دخلت في جماعة فلابد أن تنوي الائتمام بإمامك الذي دخلت عليه.
ولكن النية لا تحتاج إلى كبير عمل لأن من أتي إلى المسجد فإنه نوى أن يأتم، ومن قال لشخص صلي بي فإنه قد نوى أن يأتم.
أما الإمام فقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يجب أن تنوي أن يكون إماماً أو لا يجب؟
فقال بعض أهل العلم: لابد أن ينوي أنه الإمام.
وقال بعضهم: لا يشترط، وعلى هذا فلو جاء رجلان ووجدا رجلاً يصلي ونويا أن يكون الرجل إماماً لهما فصفا خلفه وهو لا يدري بهما، فمن قال إنه لابد للإمام أن ينوي الإمامة، قال: إن صلاة الرجلين لا تصح، وذلك لأن الإمام يم ينو الإمامة.
ومن قال: إنه لا يشترط، قال إن صلاة هذين الرجلين صحيحة لأنهما ائتما به.
(12/458)

فالأول هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، والثاني هو مذهب الإمام مالك (1) واستدل بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى ذات ليلة في رمضان وحده فدخل أناس المسجد فصلواخلفه (2) ، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أول من دخل الصلاة لم ينو أن يكون إماماً، واستدلوا كذلك بأن ابن عباس رضى الله عنها بات عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات ليلة فلما قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي من الليل، قام يصلي وحده، فقام ابن عباس فتوضأ ودخل معه الصلاة (3) .
ولكن لا شك أن هذا الثاني ليس فيه دلالة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نوى الإمامة، ولكن نواها في أثناء الصلاة ولا بأس أن ينويها في أثناء الصلاة.
وعلى كل حال الاحتياط في هذه المسألة أن نقول: إنه إذا جاء رجلان إلى شخص يصلي فلينبهاه على أنه إمام لهما، فإن سكت فقد أقرهما، وإن رفض وأشار بيده أن لا تصليا خلفي، فلا يصليا خلفه، هذا هو الأحوط والأولى ,
* ثانياً: هل يشترط أن تتساوى صلاة الإمام مع صلاة المأموم في جنس المشروعة؟
بمعنى هل يصح أن يصلي الفريضة خلف من يصلي النافلة، أو أن يصلي النافلة خلف من يصلي الفريضة؟
أما الإنسان الذي يصلي نافلة خلف من يصلي فريضة فلا بأس بهذا، لأن السنة قد دلت على ذلك فإن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انفلت من صلاة الفجر ذات يوم في مسجد الخيف بمنى فوجد رجلين لم يصليا فقال: ((
__________
(1) قال الشيخ في شرح زاد المستقنع ج 2 ص 300 وهو أصح.
(2) أخرجه البخاري: كتاب الجمعة / باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد ومسلم: كتاب صلاة المسافرين / باب الترغيب في قيام رمضان.
(3) تقدم تخريجه ص 446.
(12/459)

ما منعكما أن تصليا في القوم؟)) قالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا – يحتمل أنهما صليا في رحالهما لظنهما أنهما لا يدركان صلاة الجماعة أو لغير ذلك من الأسباب – فقال: ((إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا فإنها لكما نافلة)) (1) . أي الثانية، والأولى حصلت بها الفريضة وانتهت وبرئت الذمة.
أما إذا كان الإمام يصلي النافلة والمأموم يصلي الفريضة، وأقرب مثال لذلك في أيام رمضان إذا دخل الإنسان وقد فاتته صلاة العشاء ووجد الناس يصلون التراويح فهل يدخل معهم بنية العشاء، أو يصلي الفريضة وحده ثم يصلي التراويح؟
هذا محل خلاف بين العلماء:
فمنهم من قال: لا يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة، لأن الفريضة أعلى، ولا يمكن أن تكون صلاة المأموم أعلى من صلاة الإمام.
ومنهم من قال: بل يصح أن يصلي الفريضة خلف النافلة، لأن السنة وردت بذلك وهي أن معاذ بن جبل رضى الله عنه كان يصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العشاء ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة (2) ، فهي له نافلة ولهم فريضة ولم ينكر عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فإن قال قائل: لعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلم؟
فالجواب عن ذلك أن نقول: إن كان قد علم فقد تم الاستدلال.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 4/160، وأبو داود: كتاب الصلاة / باب في الجمع في المسجد مرتين، والنسائي: كتاب الإمامة / باب إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده، والترمذي: كتاب الصلاة / باب: ما جاء في الرجل يصلي ثم يدرك الجماعة.
(2) تقدم تخريجه ص 343.
(12/460)

لأن معاذ بن جبل رضى الله عنه قد شكي إلى الرسول في كونه يطول صلاة العشاء، فالظاهر أن الرسول اخبر بكل القضية وبكل القصة.
وإذا قدر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلم أن معاذاً يصلي معه ثم يذهب إلى قومه ويصلي بهم، فإن رب الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد علم، والله جل وعلا لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وإذا كان الله قد علم ولم ينزل على نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنكاراً لهذا العمل دل ذلك على جوازه، لأن الله لا يقر عباده على شئ غير مشروع لهم إطلاقاً، فتم الاستدلال حينئذ على كل تقدير.
إذاً فالصحيح أنه يجوز أن يصلي الإنسان صلاة الفريضة خلف من يصلي النافلة، والقياس الذي ذكر استدلالاً على المنع قياس في مقابلة نص فيكون مطروحاً فاسداً لا يعتبر.
إذا ً فإذا أتيت في أيام رمضان والناس يصلون صلاة التراويح ولم تصل العشاء فادخل معهم بنية صلاة العشاء، ثم إن كنت قد خلت في أول ركعة فإذا سلم الإمام فصل ركعتين لتتم الأربع ركعات، وإن كنت دخلت في الثانية فصل إذا سلم الإمام ثلاث ركعات لأنك صليت مع الأمام ركعة.
وهذا هو منصوص الإمام أحمد مع أن مذهبة خلاف ذلكم، ولكن منصوصه الذي نص عليه شخصياً أن هذا جائز.
إذاً تخلص الآن:
1 - من صلى فريضة خلف فريضة فجائز.
2 - فريضة خلف نافلة فيها خلاف.
3 - نافلة خلف فريضة جائزة قلولاً واحداً.
المسألة الثالثة: في جنس الصلاة هل يشترط أن تتفق صلاة
(12/461)

الإمام والمأموم في نوع الصلاة أي ظهر مع ظهر، وعصر مع عصر أو لا؟
الجواب: هذه المسألة محل خلاف:
فمن العلماء من قال: يجب أن تتفق الصلاتان فيصلي الظهر خلف من يصلي الظهر، ويصلي العصر خلف من يصلي العصر، ويصلي المغرب خلف من يصلي المغرب، وهكذا لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((إنما جعلت الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه)) (1) .
ومن العلماء من قال: لا يشترط فيجوز أن تصلي العصر خلف من يصلي الظهر، أو الظهر خلف من يصلي العصر، أو العصر خلف من يصلي العشاء، لأن الإتمام في هذا الحال لا يتأثر، وإذا جاز أن يصلي الفريضة خلف النافلة مع اختلاف الحكم، فكذلك اختلاف الاسم لا يضر وهذا القول أصح.
فإن قال قائل: كيف يصلي الظهر خلف من يصلي العشاء؟
فنقول: يتصور ذلك بأن يحضر لصلاة العشاء بعد أن أذن ولما أقيمت الصلاة تذكر أنه صلى الظهر بغير وضوء.
فنقول له: أدخل مع الإمام أنت نيتك الظهر، والإمام نيته العشاء ولا يضر، ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (2) . وأما قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه)) . فليس معناه فلا تختلفوا عليه في النية لأنه فصل وبين فقال ((فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر)) . أي تابعوه ولا تسبقوه وكلام الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفسر
__________
(1) تقدم تخريجه ص 450.
(2) تقدم تخريجه ص 153.
(12/462)

بعضه بعضاً.
هذا البحث يتفرع عليه بحث آخر إذا اتفقت الصلاتان في العدد والهيئة فلا إشكال في هذا مثل ظهر خلف عصر فالعدد واحد، والهيئة واحدة، هذا لا إشكال فيه.
لكن إذا اختلفت الصلاتان بأن كانت صلاة المأموم ركعتين والإمام أربع أو العكس، أو المأموم ثلاث، والإمام أربع، أو بالعكس.
فنقول:
أولاً: إن كانت صلاة المأموم أكثر فلا إشكال، مثل لو صلى العصر خلف من يصلي المغرب مثل رجل دخل المسجد يصلي المغرب ولما أقيمت الصلاة تذكر أنه صلى العصر بلا وضوء فهنا صار عليه صلاة العصر.
نقول: ادخل مع الإمام بنية صلاة العصر، وإذا سلم الإمام فإنك تأتي بواحدة لتتم لك الأربع، هذا لا إشكال فيه.
ثانياً: إذا كانت صلاة الإمام أكثر من صلاة المأموم، فهنا نقول: إن دخل المأموم في الركعة الثانية فما بعدها فلا إشكال، وإن دخل في الركعة الأولى فحينئذ يأتي الإشكال، ولنمثل: إذا جئت والإمام يصلي العشاء وهذا يقع كثيراً في أيام الجمع، يأتي الإنسان من البيت، والمسجد جمع للمطر وما أشبه فإذا جاء وجدهم يصلون العشاء جمع تقديم، لكن وجدهم يصلون في الركعتين الأخيرتين نقول: أدخل معهم بنية المغرب، صلي الركعتين، وإذا سلم الإمام تأتي بركعة ولا إشكال.
وإذا جئت ووجدتهم يصلون العشاء الآخر لكنهم في الركعة الثانية نقول: ادخل معهم بنية المغرب وسلم مع الإمام ولا يضر لأنك ما
(12/463)

زدت ولا نقصت هذا أيضاً لا إشكال فيه.
وعند البعض فيه إشكال ويقول: إذا دخلت معه في الركعة الثانية ثم جلست في الركعة التي هي للإمام الثانية وهي لك الأولى فتكون جلست في الأولى للتشهد.
نقول هذا لا يضر، ألست إذا دخلت مع الإمام في صلاة الظهر في الركعة الثانية فالإمام سوف يجلس للتشهد وهي لك الأولى فهذا مثله ولا إشكال.
الإشكال إذا جئت إلى المسجد ووجدتهم يصلون العشاء وهم في الركعة الأولى، ودخلت معهم فيها حينئذ ستصلي ثلاثاً مع الإمام والإمام سيقوم للرابعة فماذا تصنع؟
نقول: اجلس وإذا كنت تريد أن تجمع فانو المفارقة وأقرأ التحيات وسلم، ثم ادخل من الإمام فيما بقي من صلاة العشاء لأنك يمكن أن تدركه.
أما إذا كنت لا تنوي الجمع، أو ممن لا يحق له الجمع فإنك في هذه الحال تخير إن شئت فأجلس للتشهد وانتظر الإمام حتى يكمل الركعة ويتشهد وتسلم معه، وإن شئت فانو الانفراد وسلم.
وهذا الذي ذكرناه هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله.
ونية الانفراد هنا للضرورة، لأن الإنسان لا يمكن أن يزيد في صلاة المغرب على ثلاث فالجلوس لضرورة شرعية ولا بأس.

* * *
357 ...
(12/464)

سئل فضيلة الشيخ: عن شروط الصلاة بعامة وبيان ما يترتب عليها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله أصحابه أجمعين. أما بعد:
شروط الصلاة ما يتوقف عليه صحة الصلاة من أمور خارجة عن ماهيتها، لأن الشرط في اللغة العلامة كما قال الله تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) (1) أي علاماتها، والشرط في الشرع في اصطلاح أهل الأصول: ما يلزم عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود.
وأهم شروط الصلاة الوقت، كما قال الله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً 103) (2) ولهذا تسقط كثير من الواجبات مراعاة للوقت، وينبغي بل يجب على الإنسان أن يحافظ على أن تكون الصلاة في وقتها.
وأوقات الصلاة ذكرها الله تعالى مجملة في كتابه، وذكرها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مفصلة في سنته، أما في الكتاب العزيز فقد قال الله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (3) . فقوله تعالى: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي زوالها. وقوله: (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) أي انتصاف الليل، لأن أقوى غسق في الليل نصفه، وهذا
__________
(1) سورة محمد، الآية: 18.
(2) سورة النساء، الآية: 103.
(3) سورة الإسراء، الآية: 78.
(12/465)

الوقت من نصف النهار إلى نصف الليل يشتمل على أوقات أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء وهذه الأوقات كلها متتالية ليس بينها فاصل، فوقت الظهر: من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء كطوله، ووقت العصر: من هذا الوقت إلى اصفرار الشمس الوقت الاختياري، وإلى غروب الشمس الوقت الاضطراري، ووقت المغرب: من غروب الشمس إلى مغيب الشفق، وهو الحمرة التي تكون في الأفق بعد غروب الشمس، ووقت العشاء: من هذا الوقت إلى منتصف الليل هذه هي الأوقات الأربعة المتصلة بعضها ببعض، وأما من نصف الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتاً لصلاة فريضة، ووقت صلاة الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ولهذا فضله الله تعالى عما قبله فقال: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) . ثم قال (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً 78) (1) . والسنة جاءت مبينة لهذا على ما وصفته أنفاً.
هذه الأوقات التي فرضها الله تعالى على عباده، فلا يجوز للإنسان أن يقدم الصلاة عن وقتها، ولا يجوز أن يؤخرها عن وقتها فإن قدمها عن وقتها ولو بقدر تكبيرة الإحرام لم تصح، لأنه يجب أن تكون الصلاة في نفس الوقت، لأن الوقت ظرف فلابد أن يكون المظروف داخله، ومن أخر الصلاة عن وقتها فإن كان لعذر من نوم، أو نسيان أو نحوه فإنه يصليها إذا زال العذر لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) (2) . ثم تلا.
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 78.
(2) تقدم تخريجه ص 16.
(12/466)

قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي 14) وإن لم يكن له عذر فإن صلاته لا تصح ولو صلى ألف مرة، فإذا ترك الإنسان الصلاة فلم يصلها في وقتها فإنها لا تنفعه، ولا تبرأ به ذمته إذا كان تركه إياها لغير عذر ولو صلاها آلاف المرات ودليل ذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (1) . ومن ترك الصلاة حتى خرج وقتها لغير عذر فقد صلاها على غير أمر الله ورسوله فتكون مردودة عليه، لكن من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أن وسع لهم فيما إّا كان لهم عذر يشق عليهم أن يصلوا الصلاة في وقتها، رخص لهم في الجمع بين الظهر والعصر، أن بين المغرب والعشاء، فإذا شق على الإنسان أن يصلي كل صلاة في وقتها من الصلاتين المجموعتين فإنه يجوز أن يجمع بينهما إما جمع تقديم، وإما جمع تأخير على حسب ما يتيسر له لقوله الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (2)
وثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس – رضى الله عنهما – أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، وسئل ابن عباس لماذا صنع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا قال: ((أراد أن لا يحرج أمته)) (3) . ففي هذا دليل على أن الإنسان إذا لحقه مشقة بترك الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء فإنه يجوز له أن يجمع بينهما.
ومن شروط الصلاة أيضاً: ستر العورة لقوله تعالى: (يَا بَنِي
__________
(1) تقدم تخريجه ص 21.
(2) سورة البقرة، الآية: 185..
(3) تقدم تخريجه ص 34.
(12/467)

آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (1) . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لجابر بن عبد الله في الثوب ((إن كان ضيقاً فاتزر به وإن كان واسعاً فالتحف به)) (2) . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه أبو هريرة – رضى الله عنه -: ((لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ)) (3) .وهذا يدل على أنه يجب الإنسان أن يكون متستراً في حال الصلاة، وقد نقل ابن عبد البر – رحمه الله – إجماع العلماء على ذلك، وأن من صلى عرياناً مع قدرته على السترة فإن صلاته لا تصح. وفي هذا المجال قسم العلماء العورة إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مغلظة.
القسم الثاني: مخففة.
القسم الثالث: متوسطة.
فالمغلظة: عورة المرأة الحرة البالغة قالوا: إن جميع بدنها عورة في الصلاة إلا وجهها واختلفوا في الكفين والقدمين.
والمخففة: عورة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنين، فإن عورته الفرجان، القبل والدبر، فلا يجب عليه أن يستر فخذه لأنه صغير.
والمتوسطة: ما عدا ذلك قالوا: فالواجب فيها ستر ما بين السرة والركبة فيدخل في ذلك الرجل البالغ عشراً فما فوق، ويدخل في ذلك المرأة التي لم تبلغ، ويدخل في ذلك الأمة والمملوكة، ومع هذا فإننا نقول للمشروع في حق كل إنسان أن يأخذ زينته عند كل مسجد، وأن
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 31.
(2) تقدم تخريجه ص 263.
(3) تقدم تخريجه ص 266.
(12/468)

يلبس اللباس الكامل، لكن لو فرض أنه كان هناك خرق في ثوبه على ما يكون داخلاً ضمن العورة فإنه حينئذ يناقش فيه هل تصح صلاته أو لا تصح؟ إذ أنه يفرق بين اليسير والكثير، ويفرق بين ما كان على حذاء العورة المغلظة كالفرجين، وما كان متطرفاً، كالذي يكون في طرف الفخذ وما أشبه ذلك، أن يكون في الظهر من فوق الآليتين، أو في البطن من دون السرة وفوق السوأة، المهم أن كل مكان له حظه من تغليظ العورة.
ثم إن المرأة إذا كان حولها رجال غير محارم فإنه يجب عليها أن تستر وجهها ولو في الصلاة، لأن المرأة لا يجوز لها كشف وجهها عند غير محارمها.
ومن المناسب التنبيه على مسألة يفعلها بعض الناس في أيام الصيف: يلبس سراويل بصيرة، ثم يلبس فوقها ثوباً شفافاً يصف البشرة ويصلي، فهذا لا تصح صلاته، لأن السراويل القصيرة التي لا تستر ما بين السرة والركبة إذا لبس فوقها ثوباً خفيفاً يصف البشرة فإنه لم يكن ساتراً لعورته التي يجب عليه أن يسترها في الصلاة، ومعنا قولنا: ((يصف البشرة)) أي يبين من وراءه لون الجلد هل هو أحمر، أو أسود، أو بين ذلك.
ومن شروط الصلاة: الطهارة وهي نوعان: طهارة من الحدث، وطهارة من النجس. والحدث نوعان: حدث أكبر وهو ما يوجب الغسل، وحدث أصغر: وهو ما يوجب الوضوء.
ومن المهم هنا أن نبين أن الطهارة من الحدث شرط، وهو من باب الأوامر التي يطلب فعلها، لا التي يطلب اجتنابها والقاعدة المعروفة عند أهل العلم ((أن ترك المأمور لا يعذر فيه بالنسيان والجهل)) . وبناء على ذلك لو أن أحداً من الناس صلى بغير وضوء ناسياً فإنه يجب عليه أن يعيد صلاته بعد أن يتوضاً، لأنه أخل بشرط إيجابي مأمور بفعله، وصلاته بغير وضوء ناسياً ليس فهيا إثم لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) لكنها صلاة غير صحيحة فلا تبرأ بها الذمة، فيكون مطالباً بها، ولا فرق في هذا بين أن يكون الإنسان منفرداً، أو مأموماً، أو إماماً فكل من صلى بغير وضوء، أو بغير غسل من حدث أكبر ناسياً فإنه يجب عليه إعادة الصلاة بعد الطهارة متى ذكر، حتى وإن كان إماماً، إلا أنه إذا كان إماماً وذكر في أثناء الصلاة فإنه ينصرف ويأمر من خلفه أن يتموا الصلاة، فيقول لأحدهم: تقدم أتم الصلاة بهم، فإن لم يفعل أي لم يعين من يتم الصلاة بهم، قدموا واحداً منهم يتم بهم، فإن لم يفعلوا أتم كل واحد لنفسه، ولا يلزمهم أن يستأنفوا الصلاة من جديد، ولا أن يعيدوا الصلاة لو لم يعلموا إلا بعد ذلك، لأنهم معذورون، حيث إنهم لا يعلمون حال إمامهم، وكذلك لو صلى بغير وضوء جاهلاً فلو قدم إليه طعام فيه لحم إبل، وأكل من لحم الإبل وهو لا يدري أنه لحم إبل، ثم قام فصلى ثم علم بعد ذلك أنه لحم إبل فإنه يجب عليه أن يتوضأ ويعيد صلاته، ولا إثم عليه حين صلى وقد انتفض وضوءه وهو لا يدري بانتقاضه لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (2) .
ولا يخفى أيضاً أننا إذا قلنا أنه صلى بغير وضوء، أو بغير غسل من
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة البقرة، الآية: 286.
(12/469)

الجنابة أنه كان معذوراً لا يتمكن من استعمال الماء فإنه يتيمم بدلاً عنه، فالتيمم عند تعذر استعمال الماء يقوم مقام الماء، فإذا قدر أن هذا الرجل لم يجد الماء وتيمم وصلى فصلاته صحيحة ولو بقي أشهراً لي عنده ماء، أن بقي أشهراً مريضاً لا يستطيع أن يستعمل الماء فإن صلاته بالتيمم صحيحة، فالتيمم يقوم مقام الماء عند تعذر استعماله، وإذا قلنا: إنه يقوم مقامه عند تعذر استعماله، فإنه إذا تطهر بالتيمم بقي على طهارته حتى تنتقض الطهارة، حتى لو خرج الوقت وهو على تيممه فإنه لا يلزمه إعادة التيمم للصلاة الثانية، لأن التيمم مطهر كما قال الله تعالى في سورة المائدة لما ذكر التيمم قال: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) (1) .وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) (2) .
أما النوع الثاني من الطهارة: فهو الطهارة من النجاسة ومواضعها ثلاثة: البدن، والثوب، والبقعة. فلابد أن يتنزه الإنسان عن النجاسة في بدنه، وثوبه، وبقعته، ودليل ذلك في البدن: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير ن إما أحدهما فكان لا يستتر من البول)) (3) . وأما الثوب فقد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحائض إذا أصاب الحيض ثوبها أن تغسله ثم تصلي فيه، ففيه دليل على وجوب تطهير الثوب من النجاسة، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أتى بصبي لم يأكل الطعام فوضعه في حجره فبال عليه فدعا بماء فأتبعه إياه (4) ،
وأما البقعة
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) تقدم تخريجه ص 95.
(3) تقدم تخريجه ص 80.
(4) أخرجه البخاري: كتاب الوضوء / باب بول الصبيان، ومسلم: كتاب الطهارة / باب حكم بول الطفل الرضيع..
(12/470)

ففي حديث أنس – رضى الله عنه - قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما قضى بوله أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذنوب من ماء فأهريق عليه (1) .
إذن لابد أن يتجنب الإنسان النجاسة في بدنه، وثوبه، وبقعته التي يصلى عليها، فإن صلى وبدنه نجس أي قد أصابته نجاسة لم يغسلها أو ثوبه نجس، أن بقعته نجسه فصلاته غير صحيحة عند جمهور العلماء لكن لو لم يعلم بهذه النجاسة، أن علم بها ثم نسي أن يغسلها حتى تمت صلاته فإن صلاته صحيحة ولا يلزمه أن يعيد، ودليل ذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بأصحابه ذاب يوم فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فما انصرف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سألهم لماذا خلعوا نعالهم قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: ((إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما خبثاً)) (2) . ولو كانت الصلاة تبطل باستصحاب النجاسة حال الجهل لا ستأنف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاة.
إذن اجتناب النجاسة في البدن، والثوب، والبقعة شرط لصحة الصلاة، لكن إذا لم يتجنب الإنسان النجاسة جاهلاً، أو ناسياً فإن صلاته صحيحه سواء علم بها قبل الصلاة ثم نسي أن يغلسها، أو لم يعلم بها إلا بعد الصلاة.
فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا صلى بغير وضوء ناسياً أن جاهلاً، حيث أمرنا من صلى بغير وضوء ناسياً أو جاهلاً بالإعادة، ولم
__________
(1) تقدم تخريجه ص 404.
(2) تقدم تخريجه ص 303.
(12/471)

نأمر الذي صلى بالنجاسة ناسياً أو جاهلاً بالإعادة؟
قلنا: الفرق بينهما أن الوضوء أو الغسل من باب فعل المأمور، واجتناب النجاسة من باب ترك المحظور، وترك المأمور لا يعذر فيه بالجهل والنسيان بخلاف فعل المحظور.
ومن شروط الصلاة: استقبال القبلة لقوله تعالى (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (1) فاستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة ن ومن صلى إلى غير القبلة فصلاته باطلة غير صحيحة، ولا مبرئة لذمته إلا في أحوال أربع:
الحال الأولى: إذا كان عاجزاً عن استقبال القبلة، مثل أن يكون مريضاً ووجهه إلى غير القبلة، ولا يتمكن من الانصراف إلى القبلة فإن صلاته تصح على أي جهة كان لقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (2) . وهذا الرجل لا يستطيع أن يتحول إلى القبلة لا بنفسه ولا بغيره.
الحال الثانية: إذا كان خائفاً من عدو وكان هارباً واتجاهه إلى غير القبلة ففي هذه الحال يسقط عنه استقبال القبلة لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) (3) . ومعلوم أن الخائف قد يكون اتجاهه إلى القبلة، وقد يكون اتجاهه إلى غير القبلة فإذا رخص الله له في الصلاة راجلاً أو راكباً فمقتضى ذلك أن يرخص له في الاتجاه إلى غير القبلة إذا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 144.
(2) سورة التغابن، الآية: 16.
(3) سورة البقرة، الآية: 239.
(12/472)

يخاف على نفسه إذا أتجه للقبلة.
الحال الثالثة: إذا كان في سفر أراد أن يصل النافلة فإنه يصلي حيث كانت جهة سفره، فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يصلي في السفر على راحلته حيث كان وجهه، إلا أنه لا يصلي عليها المكتوبة، ففي النافلة يصلي المسافر حيث كان وجهه بخلاف الفريضة، فإن الفريضة يجب عليه أن يستقبل القبلة فيها في السفر كما يجب عليه ذلك في الحضر.
الحال الرابعة: إذا كان قد اشتبهت عليه القبلة فلا يدري أي الجهات تكون القبلة، ففي هذه الحال يتحرى بقدر ما يستطيع ويتجه حيث غلب على ظنه أن تلك الجهة هـ القبلة ولا إعادة عليه لو تبين له فيما بعد أنه مصل إلى غير القبلة.
وقد يقول قائل: إن هذه الحال لا وجه لاستثنائها لأننا نلزمه أن يصلي إلى الجهة التي يغلب على ظنه أنها القبلة ولا يضره إذا لم يوافق القبلة، لأن هذا منتهى قدرته واستطاعته وقد قال الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (1) . وقال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (2) .
وعلى كل حال فإننا سواء جعلناها مما يستثنى، أن مما لا يستثنى فإن الإنسان فيها يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع وأن يتحرى الصواب ويعمل به.
ولكن هاهنا مسألة وهي: إنه يجب أن نعرف أن استقبال القبلة يكون إما إلى عين القبلة وهي الكعبة، وإما إلى جهتها، فإن كان الإنسان
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة التغابن، الآية: 16.
(12/473)

قريباً من الكعبة يمكنه مشاهدتها ففرضه أن يستقبل عن الكعبة لأنها هي الأصل، وأما إذا كان بعيداً لا يمكنه مشاهدة الكعبة، فإن الواجب عليه أن يستقبل الجهة وكلما بعد الإنسان عن مكة كانت الجهة في حقه أوسع، لأن الدائرة كلما تباعدت اتسعت ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أهل المدينة: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)) (1) . وذكر أهل العلم أن الانحراف اليسير في الجهة لا يضر، والجهات معروف أنها أربع: الشمال، والجنوب، والشرق، والغرب، فإذا كان الإنسان عن الكعبة شرقاً أو غرباً كانت القبلة في حقه ما بين الشمال والجنوب، وإذا كان عن الكعبة شمالاً أو جنوباً صارت القبلة في حقه ما بين الشرق والغرب، لأن الواجب استقبال الجهة، فلو فرض أن الإنسان كان شرقاً من مكة واستقبل الشمال فإن ذلك لا يصح، لأنه جعل القبلة عن يمينه، وكذلك لو كان من أهل الشمال واستقبل الغرب فإن صلاته لا تصح، لنه جعل القبلة عن يساره، ولو استقبل الشرق فإن ذلك لا يصح، لأنه جعل القبلة عن يمينه.
وقد يسر الله لعباده في هذا الوقت وسائل تبين القبلة بدقه ومجربة فينبغي للإنسان أن يصطحب هذه الوسائل معه في السفر لأنها تدله على القبلة إذا كان في حال لا يتمكن فيها من معرفة القبلة، وكذلك ينبغي لمن أراد إنشاء مسجد أن يتبع ما تقتضيه هذه الوسائل المجرية والتي عرف صوابها.
ومن شروط الصلاة: النية، والنية محلها القلب، واشتراط النية
__________
(1) تقدم تخريجه ص 414.
(12/474)

إنما يذكر من أجل التعيين والتخصيص، أما من حيث الإطلاق فإنه لا يمكن لأحد عاقل مختار أن يقوم فيتوضأ ثم يذهب ويصلي لا يمكن أن يفعل ذلك إلا وقد نوى الصلاة، لكن الكلام على التعيين، فالتعيين لابد منه في النية، فينوي الظهر ظهراً، والعصر عصراً، والمغرب مغرباً، والعشاء عشاءً، والفجر فجراً، ولا تكفي نية الصلاة المطلقة، لأن نية الصلاة المطلقة أعم من نية الصلاة المعينة، فمن نوى الأعم لم يكن ناوياً للأخص، ومن نوى الأخص كان ناوياً الأعم لدخوله فيه ولهذا نقول: إذا انتقل الإنسان من مطلق إلى معين، أو من معين إلى معين بقيت نية الإطلاق، وإن كان من معين إلى معين بطل الأول ولم ينعقد الثاني، وإن انتقل من معين إلى مطلق بطل المعين وصح المطلق، لأن المعين متضمن للإطلاق فإذا ألغي التعيين بقي الإطلاق، ونوضح ذلك بالأمثلة:
رجل يصلي ناوياً نفلاً مطلقاً، ثم أراد أن يقلب النية في أثناء الصلاة إلى نفل معين، أراد أن يجعل هذا النفل المطلق راتبة فهنا نقول: لا تصح الراتبة، لأن الراتبة لابد أن تكون منية من قبل تكبيرة الإحرام وإلا لم تكن راتبة، لأن الجزء الأول الذي خلا من نية الراتبة وقع بغير نية الراتبة.
لكن لو كان يصلي راتبة ثم نواها نفلاً مطلقاً وألغى نية التعيين صح ذلك، وذلك لأن الصلاة المعينة تتضمن نية التعيين، ونية الإطلاق فإذا ألغى نية التعيين بقيت نية الإطلاق.
مثال آخر: رجل دخل بنية العصر ثم ذكر أثناء الصلاة
(12/475)

أنه لم يصل فيحول نيته من العصر إلى الظهر فهنا لا تصح لا صلاة الظهر، ولا صلاة العصر، أما صلاة العصر فلا تصح لأنه قطعها، وأما صلاة الظهر فلا تصح لأنه لم ينوها من أولها، لكن إذا كان جاهلاً صارت هذه الصلاة في حقه نفلاً، لأنه لما ألغى التعيين بقي الإطلاق.
مثال ثالث: صلى بنية الراتبة ثم بدا له في أثنائها أن يجعلها نفلاً مطلقاً صح، لأن نية الراتبة تتضمن الإطلاق والتعيين، فإذا ألغى التعيين بقي الإطلاق.
والخلاصة: أنني أقول إن النية المطلقة في العبادات لا أظن أحداً لا ينويها أبداً، وإذ ما من شخص يقوم فيفعل إلا وقد نوى، لكن الذي لا بد منه هو نية التعيين والتخصيص.
ومن المسائل التي تدخل في النية: نية الإمامة بعد أن كان منفرداً أو الائتمام بعد أن كان منفرداً وهذا فيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا بأس به، فنية الإمام بعد أن كان منفرداً مثل أن يشرع الإنسان في الصلاة وهو منفرد ثم يأتي رجل آخر يدخل معه ليصيرا جماعة فلا بأس بذلك، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام يصلي من الليل وكان ابن عباس – رضى الله عنهما – نائماً ثم قام ابن عباس فتوضأ ودخل مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) وأقره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والأصل أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، لو شرع الإنسان يصلي وحده ثم جاء آخر فدخل معه ليجعله إماماً له فلا بأس، فيكون الأول إماماً والثاني مأموماً، وكذلك بالعكس لو أن أحداً شرع في الصلاة منفرداً ثم جاء جماعة فصلوا جماعة فانضم إليهم فقد انتقل من
__________
(1) تقدم تخريجه ص 446.
(12/476)

انفراد إلى ائتمام وهذا أيضاً لا بأس به، لأن الانتقال هنا ليس إبطالاً للنية الأولى ولكنه انتقال من وصف إلى وصف فلا حرج فيه.
فهذه الشروط التي ذكرناها أهم الشروط التي ينبغي الكلام عليها وإلا فهناك شروط أخرى كالإسلام والتمييز والعقل لكن هذه شروط في كل عبادة.

* * *
(12/477)

فصل (1)
الحمد لله رب العالمين، وأصلي واسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد:
الصلاة: تلك العبادة العظيمة، التي استهان بها كثير من الناس اليوم حتى حق عليهم قول الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً 59) (2) .
وإنه ليحدث للإنسان العجب الذي لا ينقضي أن تجد بعض الناس يحرصون غاية الحرص على الصيام، ولكنهم لا يحرصون على الصلاة، حتى إنه قيل لي إن بعض الناس يصوم ولا يصلي.
وإنني أشهد الله أن هذا الذي يصوم ولا يصلي أن صومه باطل غير مقبول منه بما أعلمه من دلالة الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والنظر الصحيح من أن تارك الصلاة كافراً مخرجاً من الملة، وإذا كان كافراً كفراً مخرجاً من الملة، لم ينفعه صومه، ولا صدقته، ولا حجه، ولا أي عمل صالح، يقول الله تبارك وتعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً 23) (3) . ويقول تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) (4) . النفقات التي نفعها متعد، لا تقبل إذا صدرت من كافر مع أن نفعها متعد،فكيف بالعبادات القاصرة كالصوم؟ فإنه لا يقبل من باب أولى.
__________
(1) من دروس المسجد الحرام.
(2) سورة مريم، الآية: 59.
(3) سورة الفرقان، الآية: 23.
(4) سورة التوبة، الآية: 54.
(12/478)

هذه الصلاة التي هي أعمال يسيرة، وذات آثار حميدة لو أننا أحصينا المدة التي يكون فيها أداء الصلاة بشرائطها وفروضها فكم تكون نسبة وقتها إلى أوقاتنا؟
تكون على أقصى تقدير 6.25% من اليوم، فهذا جزء بسيط في عمل عظيم جليل له آثار حميدة على الإنسان في حياته، وفي قبره، وفي حشرة، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الصلاة نور)) (1) . أي نور على القلب، وإذا استنار القبل استنار الوجه وانشرح الصدر، ولهذا قال الله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (2) .
وإذا حزب الإنسان أمر وضاق عليه فإنه يفزع إلى الصلاة،وذلك لأن القلب يستنير بالصلاة، فيستنير الوجه وينشرح الصدر، ويجد الإنسان الدنيا أمامه سعة ولا نهاية لها.
والصلاة نور في القبر، والقبر ظلمة لا يرى الإنسان شمساً ولا قمراً ن فإذن كان الإنسان من المصلين كان قبره نوراً، وكذلك هي نور في الحشر، قال تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) (3)
وكانت الصلاة نوراً، لأن الإنسان يتصل بها بالله – عز وجل – فالإنسان عندما يقف ليصلي، فإنه يناجي ربه عز وجل، وهو على عرشه يسمعه ويجيبه، كما قال عز وجل في الحديث القدسي " ((قسمت
__________
(1) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة / باب فضل الوضوء.
(2) سورة البقرة، الآية: 45.
(3) سورة الحديد، الآية: 12.
(12/479)

الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل، أثني علي عبدي. فإذا قال مالك يوم الدين، قال الله: مجدني عبدي. فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين. فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم. قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل (1) .
والله إن أثر هذه المناجاة عظيم لا يعدله شيء، ولكن نشكو إلى الله – عز وجل – ما نجده في قلوبنا من الغفلة واللهو، ولا سيما إذا وقفنا بين يديه في الصلاة لا نجد الوساوس والهواجس التي تعتبر لغواً من التفكيرات، إلا إذا دخلنا الصلاة، لأن الشيطان في تلك الحال يحرص غاية الحرص على أن يصدنا عن الله – عز وجل -، وعن الصلة به، من أجل هذه الصلة كانت الصلاة نوراً يكتسب بها الإنسان نوراً في قلبه، ويبدو ذلكم على وجهه، ثم في قبره وحشرة.
إقام الصلاة
وهو أن يأتي بها الإنسان مستقيمة على الوجه الذي جاءت به الشريعة ويدخل في ذلك أمور:
أولاً: الصلاة على وقتها:
وأوقات الصلاة خمسة: أشار إليها الله في القرآن إجمالاً، وجاءت بها السنة تفصيلاً فقال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ) (2) ، لدلوك الشمس أي لزوالها، ((إلى غسق
__________
(1) تقدم تخريجه ص 150.
(2) سورة الإسراء، الآية:78.
(12/480)

الليل)) أي إلى نصف الليل، لأن تمام الغسق – وهو الظلمة – يكون في وسط الليل، فهذا الوقت من نصف النهار إلى نصف الليل لا تخلو لحظة من وقت الصلاة.
وتفصيل ذلك جاءت به السنة، فوقت الظهر: من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، ووقت العصر: من هذا الوقت إلى اصفرار الشمس اختيارياً، وإلى الغروب اضطراراً، ووقت المغرب: من غروب الشمس إلى مغيب الشفق، وهو الحمرة التي تعقب غروب الشمس، ووقت العشاء: من مغيب الشفق إلى نصف الليل.
وهذه الأوقات الأربعة المتصل بعضها ببعض قد دل عليها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الثابت في حديث مسلم، أما الوقت الخامس فقال الله تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) لكن الله – عز وجل – عبر عن الفجر بقرآنه، لأن القراءة تطول في صلاة الفجر.
وبهذا نعرف أن ما بين الليل إلى طلوع الفجر ليس وقتاً لصلاة مفروضة، فلو أن امرأة طهرت من الحيض بعد منتصف الليل فلا تلزمها صلاة العشاء، لأنها طهرت بعد الوقت، كما أنها لو طهرت بعد طلوع الشمس لم تلزمها صلاة الفجر، لأنها طهرت بعد الوقت. هذه الأوقات الخمسة، لو صلى الإنسان الصلاة قبل وقتها بقدر
(12/481)

تكبيرة الإحرام، فلا تصح صلاته، لأنه ابتدأها قبل دخول الوقت، ولو أن أحداً أخر الصلاة عن وقتها بلا عذر شرعي، فلا تصح صلاته، كما لو تعمد رجل أن لا يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس وصلى الفجر، فإن الصلاة لا تقبل منه ولا يشرع له قضاؤها، لأنه لا فائدة له من القضاء، وعليه التوبة إلى الله، عز وجل – فإن التوبة تجب ما قبلها وهذا الكلام مبني على قاعدة مؤسسة على دليل وهي: ((كل عبادة مؤقتة إذا فعلها الإنسان في غير وقتها سواء قبله أو بعده فإنها لا تصح ولا تقبل منه)) ، لأن الله أمر بجعلها في هذا الوقت – ما بين الوقتين أول الوقت وآخره، فإذا أخرتها عن الوقت أو قدمتها على الوقت، فإنك حينئذ لم تكن قد فعلت ما أمرت به، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (1) . وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – أن الإنسان إذا تعمد تأخير الصلاة عن وقتها لم تقبل منه، وإن صلاها ألف مرة.
بخلاف من أخرها عن وقتها لعذر، فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك)) (2) . ولهذا لما نام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن صلاة الصبح في أحد أسفاره، فلم يستيقظ إلا بعد ارتفاع الشمس، أمر بلال فأذن ثم صليت النافلة، ثم صليت الفريضة، فصلى بهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جماعة (3) ، لأنه إنما يقضي شيئاً فائتاً فيقضيه على صفته.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 21.
(2) تقدم تخريجه ص 16.
(3) تقدم تخريجه ص 27.
(12/482)

ثانياً الطهارة لها:
ومن إقامة الصلاة أن يقوم الإنسان بما يجب لها من الطهارة، ويدل لذلك الكتاب، والسنة، والإجماع.
فمن الكتاب قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ 6) (1) .
ومن السنة قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يقبل الله صلاة بغير طهور)) (2) ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) (3) .
وقد بين الله تعالى في الآية الكرمية أن الطهارة نوعان: أصل، وبدل، فالأصل طهارة الماء، والبدل طهارة التيمم، وبين الله – عز وجل – أن طهارة الماء تنقسم إلى قسمين: كبرى، وصغرى، أما طهارة التيمم فهي على صفة واحدة في الكبرى والصغرى.
الطهارة الصغرى بالماء تطهير أربعة أعضاء فقط هي:
أولاً: الوجه وحده طولاً من منحنى الجبهة، إلى أسفل اللحية، وعرضاً من الأذن إلى الأذن.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) تقدم تخريجه ص 371.
(3) تقدم تخريجه ص 400.
(12/483)

ثانياً: اليد وقد حددها الله – عز وجل – فقال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (1) و (إلى) هنا بمعنى (مع) مثل قوله تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) (2) أي مع أموالكم،ولا شك أن المرفق داخل في الغسل كما بينت ذلك السنة فإن أبا هريرة – رضى الله عنه – توضأً فغسل يديه حتى أشرع في العضد، وغسل رجليه حتى أشرع في الساق، قال رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل هكذا (3) .
وهنا أقف لأنبه على مسألة يفعلها بعض الناس، إذا جاء يغسل يده لا يغسل إلا الذراع، خصوصاً إذا جعلها تحت البزبوز – أي صنبور الماء – تجده يغسل الذراع ويدع الكف وهذا خطأ عظيم، لأنه إذا غسل الذراع فقط دون الكف، فإنه لا يصدق عليه أنه غسل يده، لأنه سبحانه وتعالى قال (وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) .
ثالثاً: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) ، ومسح الرأس يعم جميع الرأس، ولا يمسح بعضه إلا إذا كان عليه عمامة، فإنه يمسح العمامة وما خرج من الرأس، وحينئذ يكون مسح على بعض الرأس مع مسح العمامة.
رابعاً: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) والكعبان هما العظمان النائتان أسف الساق، ويدخل الكعبان في الغسل مع الأرجل، وفي الآية الكريمة (وَأَرْجُلَكُمْ) قراءتان الأولى بالكسر (وَأَرْجُلَكُمْ) والثانية بالنصب (وَأَرْجُلَكُمْ) وعلى هذه القراءة تكون الأرجل معطوفة على (
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة النساء، الآية: 2.
(3) أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة.
(12/484)

وُجُوهَكُمْ) ولا إشكال.
أما على القراءة الأولى وهي الكسر (وَأَرْجُلَكُمْ) فإنها تكون معطوفة على الرأس (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) .
كيف يتطهر الجنب؟
قال الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) ولم يبين شيئاً أكثر من قوله (فَاطَّهَّرُوا) .
إذن فالجنب يغسل جميع جسمه، ولو كان غير مرتب.
فإن قال قائل: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في اغتساله يبدأ فيتوضأ، ثم يحثو على رأيه الماء ثلاثاً، ثم يغسل بقية بدنه، أفلا يمكن أن يقال: إن الآية مجملة والسنة قد فصلت ذلك، فيحمل المجمل على الفصل.
فيجاب على ذلك: بأنه قد ثبت في صحيح البخاري من حديث عمران بن الحصين في قصة نقص الماء عليهم، حتى وجدوا الماء مع امرأة مشركة، وجئ به إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعه الصحابة، فاستقوا وسقوا الإبل، وكان في الصحابة رجل، رآه انبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معتزلاً لم يصل مع القوم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ما منعك أن تصلي معنا؟ فقال يا رسول الله: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك)) ولما جاء الماء وبقي منه بقية قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للرجل: ((خذ هذا فإفرغه على نفسك)) (1) .
ولم يقل له أفعل كذا وكذا في اغتسالك، فدل هذا على أن الجنب لا يلزمه الترتيب في الغسل.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 403.
(12/485)

كيف يتيمم مع عدم الماء؟
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (1) .
فإذا لم يجد الإنسان الماء فإنه يتيمم.
وكيفيته: أن يضرب التراب بيديه، أو الأرض، وإن لم يكن تراباً ويمسح وجهه كاملاً ويديه الكفين فقط، لأن اليد إذا أطلقت يراد بها الكف فقط، قال تعالى (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (2) .
ومعلوم أن السارق إنما يقطع من مفصل الكف.
ولا يختلف كيفية التيمم سواء بالنسبة للحدث الأصغر أو الأكبر، ولهذا قال عز وجل: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) . بعد ذكر الطهارتين الصغرى والكبرى.
وفي قوله تعالى: (مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) دليل على أن التيمم مطهر وليس مبيحاً كما ذهب إليه بعض العلماء، والفرق بين القولين أن الذين قالوا إنه مبيح يقولون: إنه مقيد بالزمن والنوع، أي إذا تيمم الإنسان للصلاة وخرج الوقت بطل
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة المائدة، الآية: 38.
(12/486)

التيمم، وإذا تيمم الإنسان للنافلة، فلا يصلي الفريضة، لأن نوع الفرائض أعلى من نوع النوافل، ولكن الصحيح أن التيمم مطهر، وعلى هذا إذا تيممت للنافلة فصل به الفريضة، وإذا تيممت للصلاة وخرج وقتها ولم يحدث، فإن التيمم لا يبطل، لهذا يمكن للإنسان أن يصلي بالتيمم الواحد جميع الصلوات الخمس إذا لم يحدث.
لكن هذا التطهير مخصوص بما إذا لم يجد الماء فإذا وجد الماء فإنه لابد أن يستعمله، فإن كان تيممه عن جنابة، ثم وجد الماء وجب عليه أن يغتسل، والدليل على ذلك حديث عمران بن الحصين الذي ذكرناه آنفاً فإن هذا الرجل قد تيمم عن الجنابة، ومع ذلك أمره الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يغتسل لما وجد الماء، وكذلك أيضاً حديث أبي هريرة: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجب فليتق الله ولمسه بشرته)) (1) .
فعلى هذا نقول: إذا وجد الماء،أو برئ من المرض، وجب عليه إعادة الطهارة، لو أن مريضاً صار عليه الجنابة، وقال له الأطباء بأن الغسل يضرك، فإنه يتيمم، فإذا شفاه الله – عز وجل – من المرض، وجب عليه أن يغتسل، لأن هذه الطهارة مؤقتة.
فإذا قدر أن رجلاً لم يجد ماء ولا تراباً ن مثل أن يكون محبوساً، أو مأسوراً على سرير وما أشبه ذلك، فإننا نقول له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حسب حالك، لأن الوقت من أهم شروط الصلاة.
وهنا مسألة يجب التنبيه لها، ولاسيما بالنسبة للمرضى حيث إن
__________
(1) تقدم تخريجه ص 260.
(12/487)

كثيراً من المرضى لا يستطيعون الوضوء، وليس عندهم تراب، ولا يستطيعون التيمم، وربما على ثيابهم نجاسة، فنجد الواحد منهم يقول: أصبر حتى يعافيني الله – عز وجل – وأتوضأ وأغسل ثيابي وما أشبه ذلك.
نقول لهذا: إن تأخير الصلاة حرام عليك، وما يدريك فلعلك تموت من هذا المرض قبل أن تصلي؟ فالواجب أن تصلي على حسب حالك، ولو كان عليك نجاسة لا تستطيع إزالتها، ولو لم يكن عندك ماء تتوضأ به، ولا يمكن أن تتيمم.
المحافظة على ستر العورة في الصلاة:
الواجب على الإنسان عند الصلاة أن يلبس ثيابه لقوله تعالى (: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (1) .
وذكر ابن عبد البر – رحمه الله – أن العلماء أجمعوا على فساد من صلى عرياناً وهو قادر على ستر عورته، وعورة الرجل ما بين السرة والركبة، وكذلك الأنثى غير البالغة، أما المرأة الحرة البالغة فكلها عورة في الصلاة إلا وجهها، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد عند أصحابه – إلا إذا كان حولها رجال أجانب، فلا يحل لها كشف الوجه ووجب عليها أن تغطيه.
وعورة الصبي من سبع سنين إلى عشر سنين الفرجان فقط، وتصح إمامته الصبيان مثله، وكذلك تصح إمامته لرجال بالغين، ففي صحيح البخاري أن عمر بن سلمة الجرمي أم قومه وهو ابن ست، أو
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 31.
(12/488)

ابن سبع سنين (1) ، لأنه كان أقرأهم. وتسمى هذه العورة بالعورة المخففة.
ويجب أن تستر العورة بثوب طاهر مباح، لا يصف البشرة، فإذا كان الثوب نجساً، فلا يجوز أن تستر به العورة، ولو صلى به الإنسان فصلاته باطلة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بأصحابه ذات يوم وكان عليه الصلاة والسلام يلبس نعليه في الصلاة، فجاءه جبريل فأخبره أن في نعليه أذى، فخلعهما، وخلع الصحابة نعالهم، فلما انصرف من صلاته قال: ((ما شأنكم)) ؟ قالوا: رأيناك خلعت نعالك فخلعنا نعالنا، فقال: ((إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها أذى فخلعتها)) (2) .
وهذا يدل على أنه لا يجوز للإنسان إن يلبس شيئاً نجساً، ولكن لو أن أحداً صلى بثوب نجس وهو لا يدري أنه نجس، فصلاته صحيحه، مثل أن لا يعلم بالنجاسة إلا بعد أن صلى فصلاته صحيحة، ودليل ذلك قوله تعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (3) .
وكذلك الحديث السابق، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يستأنف الصلاة.
ولو علم الإنسان بالنجاسة وهو يصلي، فإن كان يمكن أن يخلعه مع بقاء العورة مستور فليفعل، أما إذا كان لا يمكن أن يخلعه إلا بانكشاف العورة، فيجب عليه أن ينصرف من صلاته، وأن يلبس ثوباً آخر.
ومن شروط الساتر أن يكون الثوب مباحاً، فيحرم على
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب المغازي / باب من شهد الفتح.
(2) تقدم تخريجه ص 303.
(3) سورة البقرة، الآية: 286.
(12/489)

الرجل أن يلبس ثوب حرير، فإن الحرير محرم على الرجال، فإذا صلى الإنسان بثوب حرير فإن صلاته لا تصح، لأنه غير مأذون في لبسه، وكذلك لا تصح الصلاة في ثوب مغصوب أو مسروق، أو ثوب فيه تصاوير.
ومن الشروط أيضاً أن لا يصف البشرة، أي لا يكون خفيفاً بحيث يرى من ورائه لون الجلد، وهنا أنبه على مسألة خطيرة يفعلها بعض الناس في أيام الصيف، يلبس ثوباً خفيفاً وسروالاً قصيراً إلى نصف الفخذ يرى من ورائه لون الجلد،فإذا صلى الإنسان على هذا الوجه فصلاته باطلة، لأنه لم يتم الستر، ولا يتم الستر إلا بثوب صفيق.
ثالثاً استقبال القبلة:
ومن إقامة الصلاة استقبال القبلة لقول الله تعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (1) .
قال أهل العلم: فمن أمكنه مشاهدة الكعبة، وجب عليه أن يتجه إلى نفس الكعبة، ومن لا يمكنه وجب عليه أن يتجه إلى جهتها، فالبعيد عن الكعبة ولو كان في مكة فرضه أن يتجه إلى جهة الكعبة، لأنه لا يمكنه مشاهدتها.
وهنا أنبه على ما نشاهده في المسجد الحرام: نشاهد كثيراً من المصلين في المصابيح – أي في الجانب المسقوف بل ويصلون أحياناً في الصحن – أي الجانب المكشوف – فتجدهم يتجهون إلى غير
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 150.
(12/490)

عين الكعبة، وهذا يقتضي أن تكون صلاتهم باطلة، لأنه لابد أن يتجهوا إلى عين الكعبة – أي إلى البناية نفسها. .
وهنا سؤال هل يصح الاتجاه إلى الحجر.
قال العلماء: الحجر ليس كله من الكعبة بل الذي من الكعبة مقدار ستة أذرع ونصف تقريباً، الزائد ليس من الكعبة، فإذا اتجهت إلى طرف الحجر مما يلي البناية القائمة، فإن اتجاهك صحيح وسليم.
هذا الحجر يسميه كثير من العوام حجر إسماعيل، ولكن هذه التسمية خطأ ليس لها أصل، فإن إسماعيل لم يعلم عن هذا الحجر، لأن سبب هذا الحجر أن قريشاً لما بنت الكعبة، وكانت في الأول على قواعد إبراهيم ممتدة نحو الشمال، فلما جمعت نفقة الكعبة وأرادت البناء، قصرت النفقة فصارت لا تكفي لبناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فقالوا نبني ما تحتمله النفقة، والباقي نجعله خارجاً ونحجر عليه حتى لا يطوف أحد من دونه، ومن هنا سمى حجراً، لأن قريشاً حجرته حين قصرت بها النفقة، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعائشة – رضى الله عنها -: لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين، باب يدخل منه الناس، وباباً يخرجون منه)) (1) .
ولكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ توفي وهي على ما كانت عليه، لها باب مرتفع من جانب واحد، ولها هذا الحجر.
والحمد لله الذي كان الأمر على ما كان عليه، لأنه لو بنيت الكعبة على ما أراده النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لولا المانع – لكان في هذا مشقة عظيمة على
__________
(1) تقدم تخريجه ص 387.
(12/491)

الناس، لاسيما في مثل زماننا هذه، أزمان الجهل والغشم وعدم المبالاة بعاد الله، ولو كانت الكعبة كما أراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لها بابان يدخل منه الناس وباب يخرجون منه لتقاتل الناس عند الخروج والدخول.
ولكن ما أراده النبي عليه الصلاة والسلام من كون الكعبة يكون لها بابان أحدهما للدخول والآخر للخروج، فإنه قد تحقق في الواقع، فالحجر الآن له بابان، أحدهما للدخول والآخر للخروج، مع أنه مكشوف واسع، وهذا من نعمة الله.
واستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة ولكن بشروط:
الأول: أن يكون الإنسان قادراً عليها، فإن كان عاجزاً لم يجب عليه استقبال القبلة، مثل أن يكون مريضاً وليس عنده من يوجهه إلى القبلة، فنقول له: اتجه حيثما كان وجهك؟
الثاني: إذا كان الإنسان خائفاً لو استقبل القبلة، مثل أن يكون هارباً من عدون، أو هارباً من سيل، أو هارباً من نار، فحان وقت الصلاة وهو هارب على وجهه، ففي هذه الحال نقول: صلى على حسب حالك، وأتجه حيثما كان وجهك، والسبب في ذلك أنه يعتبر عاجزاً عن القبلة في هذه الحال.
الثالث: أن يكون في تطوع في سفر، فإن كان متطوعاً في سفر، فإنه يصلي حيث كان وجهه، ولا يجب عليه استقبال القبلة.
وبناء على ذلك فإن كنت في السيارة وأردت أن تطوع، فلك أن تصلي حيث كان وجهك، ولا حرج عليك سواء كنت راكباً أو سائقاً، إلا أن السائق يخشى إذا اشتغل بالصلاة أن يغفل عن واجب الانتباه في القيادة، ويكون معرضاً نفسه ومن معه للخطر.
(12/492)

وإذا كان الإنسان في الطائرة، وحان وقت الفريضة، فإن أمكن أن يأتي بالفريضة مستقبلاً القبلة، يقوم في القيام، ويركع في الركوع، ويسجد في السجود، فليصل في الطائرة ولا حرج، أما إذا كان لا يمكنه الاستقبال، ولا يمكن القيام، والركوع، ولا السجود، فإنه يصلي الفريضة، إلا إذا خاف الوقت، فإذا لم يخف فوات الوقت، فلينظر حتى يهبط ويصلي الفريضة على الأرض.
وأما النافلة، فله أن يصليها على الطائرة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي على راحلته حيثما توجهت به.
وإذا كان الإنسان في بلد وهو لا يعرف القبلة فليسأل، ولا يجتهد كما قال بعض العلماء، لأن الاجتهاد إنما يصار إليه عند الحاجة إليه.
وإن صلى الإنسان باجتهاده ثم تبين الخطأ فإن المعروف عند أهل العلم أنه يعيد، قالوا: لأن الحضر ليس محلاً للاجتهاد، بخلاف ما إذا كان في السفر واجتهد متحرياً القبلة وتبين الخطأ فإنه لا يعيد لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (1) .
رابعاً: الطمأنينة:
ومن إقامة الصلاة أن يأتي بها الإنسان مطمئناً في القيام، والقعود والركوع والسجود.
ومعنى الطمأنينة: التأني بحيث يستقر كل فقار في مفصله، فإن أسرع في الصلاة على وجه لا طمأنينة فيها، فإن صلاته باطلة، ودليل ذلك قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للرجل الذي صلى ثم جاء فسلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان الرجل لا يطمئن في صلاته قال له: ((أرجع فصل فإنك لم تصل)) . فرجع
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 115.
(12/493)

الرجل وصلى ثم رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فسلم عليه فقال له: ((أرجع فصل فإنك لم تصل)) فرجع فصلى ثم جاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له: ((أرجع فصل فإنك لم تصل)) . فرجع الرجل فصلى، ثم جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إذا قمت للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم أركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)) (1) .
والشاهد من ذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول له في كل ركن: ((حتى تطمئن)) إذن لابد من الطمأنينة.
ونحن نشاهد كثيراً من الناس لا يطمئنون، ولاسيما في القيام بعد الركوع، أو في الجلوس بين السجدتين، هؤلاء لو صلوا ألف مرة على وجه لا طمأنينة فيه، فإنه لا صلاة لهم، ولذلك من حقهم علينا إذا رأيناهم أن نبين لهم، لأنهم قد يكونون على جهل، فنبين لهم الحق.
ثم إن الواجب في حال الصلاة أن يتدبر الإنسان أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم ينف الصلاة في قوله: ((لم تصل)) إلا لأنتقاء واجب فيها، لأن الشئ لا يمكن أن ينفى إلا بانتفاء واجب فيه، فلا ينفى لانتفاء مستحب)) اللهم إلا بدليل يدل على ذلك.
__________
(1) أحرجه البخاري: كتاب الصلاة / باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، ومسلم كتاب الصلاة / باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة.
(12/494)

وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث: ((أقرأ ما تيسر معك من القرآن)) ليس معناه أن يقرأ الإنسان آية أو آيتين، ثم يركع، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((أقرأ ما تيسر معك من القرآن)) وبين في أحاديث أخرى أنه لابد من قراءة الفاتحة حيث قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)) (1) . وفي حديث آخر: ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)) (2) . والخداج: الشيء الفاسد الذي لا نفع فيه.
ولا تسقط الفاتحة إلا في صورة واحدة فقط، وهي ما إذا جاء الإنسان إلى المسجد ووجد الإمام راكعاً، فإنه في هذه الحال يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يركع وتسقط عنه الفاتحة في هذه الصورة.ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي بكرة – رضى الله عنه - أنه دخل المسجد والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ راكع، فأسرع ثم ركع قبل أن يدخل في الصف، ثم دخل في الصف، فلما أنصرف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل من الذي فعل ذلك؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (زادك الله حرصاً ولا تعد)) (3) . والشاهد قوله: (لا تعد) ولم يأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقضي الركعة التي أسرع إليها ليدرك ركوعها، ولو كان لم يدركها لبين له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.
ولهذا لما صلى الرجل الذي لا يطمئن قال له: ((أرجع فصل فإنك
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب صفة الصلاة / باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها،ومسلم: كتاب الصلاة / باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة.
(2) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة / باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة.
(3) أخرجه البخاري: كتاب صفة الصلاة / باب إذا ركع دون الصف.
(12/495)

لم تصل)) (1) . وهذا القول هو مقتضى الحديث من حيث الدلالة كما أنه مقتضى النظر من حيث القياس، لأن قراءة الفاتحة إنما تجب في حال القيام، والقيام في هذه الصورة قد سقط من أجل متابعة الإمام، فإذا سقط القيام سقط ماوجب فيه، وهو قراءة الفاتحة، وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة.
أما إذا كان الإنسان مأموماً فهل يكتفي بقراءة الإمام؟
الجواب: إن فيه خلافاً بين العلماء فمنهم من قال: إن قراءة الإمام تكفي عن قراءة المأموم مطلقاً، في السرية والجهرية، ومنهم من قال: إنها لا تكفي عن قراءة المأموم،لا في السرية ولا في الجهرية، ومنهم من قال: إنها تكفي عن قراءة المأموم، في الجهرية والسرية.
والذي يظهر لي من الأدلة أن قراءة الإمام لا تسقط القراءة عن المأموم لا في السرية ولا في الجهرية، وأن الواجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية، لعموم الأدلة الدالة على ذلك التي ذكرناها آنفاً، مثل حديث ((كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)) (2) وهذا مطلق.
فإن قال قائل: لماذا لا نختار القول الوسط في هذه المسألة ونقول إن الإمام يتحملها في الصلاة الجهرية لقول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 204) (3) . فإذا قرأ الإمام فأنا مأمور بالإنصات وقراءتي على خلاف هذا الأمر؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص 494.
(2) تقدم تخريجه ص 495.
(3) سورة الأعراف، الآية: 204.
(12/496)

فالجواب: أن هذا القول يجب المصير إليه، لولا أن أهل السنن رووا من حديث عبادة بن الصامت أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما انصرف قال: ((لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم. قال: ((لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) (1) .
وهذا الحديث نص في أن الإمام لا يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم في الصلاة الجهرية، ومادام الحديث قد دل على ذلك فإن الآية المشار إلها تحمل على غير قراءة الفاتحة، وإن الإمام إذا كان يقرأ فإنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ سوى الفاتحة، كالآيات أو السور التي يقرؤها الإمام أو غيرها.
خامساً: صلاة الجماعة:
ومن إقامة الصلاة إن يصليها الإنسان في جماعة، فإن الجماعة واجبة على الرجال في الحضر وفي السفر، لأن الأدلة الدالى على وجوبها لم تقيد ذلك في الحضر، بل إن الله أمر بإقامة الجماعة في حال القتال فقال الله تعالى لنبيه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) (2) .
ومعلوم أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قتاله خارج المدينة في سفر، ولم يسقط الله سبحانه وتعالى الجماعة عنهم في حال القتال، فدل هذا على
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 5/313، و321 و322، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب (824) ، والترمذي: أبواب الصلاة، باب ما جاء في القراءة خلف الإمام (311) وقال: هذا حديث حسن.
(2) سورة النساء، الآية: 102.
(12/497)

وجوب الجماعة على المسافر كما تجب على المقيم.
وما نشاهده كثيراً من وجود أناس مسافرين عند المساجد في الأسواق فإذا قلت له: هيا للصلاة قال لك إنه مسافر. يظن أن الجماعة تسقط عن المسافر، هذا خطأ، بل الواجب أن يصلي المسافر وغير المسافر مع جماعة المسلمين.
حال المأموم مع الإمام
حال المأموم مع إمامه تنقسم إلى أربعة أقسام:
الأول: مسابقة.
الثاني: تخلف.
الثالث. موافقة.
الرابع. متابعة.
القسم الأول: المسابقة:
وهي أن يصل المأموم إلى الركن قبل أن يصل إليه الإمام مثل أن يركع قبل ركوع الإمام، أو يسجد قبل سجود الإمام، أو يرفع من الركوع قبل رفع الإمام، أو يرفع من السجود قبل رفع الإمام.
وهذا الذي يسبق الإمام قد عرض نفسه للعقوبة التي حذر منها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي: ((أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يحول صورته صورة حمار)) (1) . وظاهر الحديث أنه حسا يعني أن يكون رأسه رأس حمار، أو صورته صورة حمار.
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الجماعة والإمامة، باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام، ومسلم: كتاب الصلاة، باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود ونحوهما.
(12/498)

وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بذلك التحويل المعنوي بأن يجعل رأسه رأس حمار أي رأساً بليداً، لأن الحمار من أبلد الحيوانات، ولهذا وصف الله اليهود الذين حملوا التوارة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً.
ووصف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب بأنه مثل الحمار يحمل أسفاراً.
وعلى كل حال فالحديث دال على أن مسابقة الإمام محرمة بل يوشك أن تكون من كبائر الذنوب.
ولكن هل تبطل الصلاة بذلك أو لا؟
الصحيح أنه إذا تعمد السبق فإن صلاته تبطل سواء سبقه بركن أو سبقه إلى الركن، فإذا تعمد السبق مع علمه بالنهي فإن صلاته تبطل، لأنه أتى محظوراً من محظورات العبادات على وجه يختص بها، والقاعدة أن من فعل محظوراً من محظورات العبادة على وجه يختص بها فإنها تبطل.
القسم الثاني: التخلف:
يعني أن يتأخر عن إمامه، مثل أن يركع الإمام ويبقى المأموم قائماً إلى أن يقرب الإمام من الرفع من الركوع، أو يسجد الإمام ويبقى المأموم قائماً إلى أن يقرب الإمام من الرفع من السجود أو يقوم الإمام من السجود ويبقى المأموم ساجداً حتى ربما ينتصف الإمام بقراءة الفاتحة أو يكلمها.
وحكم التخلف أنه حرام، لأنه خلاف أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: ((إذا
(12/499)

ركع فأركعوا، وإذا سجد فأسجدوا)) (1) . فإن الفاء في قوله ((فأركعوا)) وقوله: ((فاسجدوا)) تدل على التعقيب، أي على أن فعل المأموم يقع عقب فعل الإمام لأن قوله: ((فاركعوا فاسجدوا)) جواب الشرط، وجواب الشرط يلي المشروط مباشرة ولا يجوز أن يتخلف عنه.
القسم الثالث: الموافق:
بمعنى أن يشرع المأموم مع الإمام في أفعاله يركع معه، ويسجد معه ويقوم معه، وهذا أقل أحواله أن يكون مكروهاً، وتحتمل أن يكون محرماً لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لا تركعوا حتى يركع، ولا تسجدوا حتى يسجد)) (2) . والأصل في النهي والتحريم، إلا الموافقة في تكبيرة الإحرام فإن أهل العلم يقولون إنه إذا وافقه في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته فتكون باطلة، بل يجب أن ينتظر حتى يكمل الإمام تكبيرة الإحرام، ولا يجوز أن يشرع في تكبيرة الإحرام قبل أن يكمل الإمام تكبيرة الإحرام، ويستثنى أيضاً التسليم فإن بعض أهل العلم يقول إذا سلم الإمام التسليمة الأولى وهي التي على اليمين فللمأموم أن يسلم التسليمة الأولى وإن لم يسلم الإمام التسليمة الثانية، ثم يتابع التسليمة الثانية.
القسم الرابع: المتابعة:
بأن يفعل المأموم ما فعله الإمام بعد الأمام مباشرة، بدون تخلف، وهذا هو الموافق للسنة ولأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن، لأن صفة المؤمن إذا أمر الله ورسوله بأمر أن يقول سمعنا وأطعنا.
__________
(1) (1) تقدم تخريجه ص 450.
(2) تقدم تخريجه.
(12/500)

كما قال الله تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) (1) . كما قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (2) .
بيان كيف يأتم مفترض بمتنفل:
هناك مسألة يسأل عنها الناس كثيراً وهي إذا جاء شخص والإمام يصلي صلاة التراويح، وهذا الشخص لم يصل صلاة العشاء فهل يدخل مع الإمام بنية صلاة العشاء أو يصلي وحده؟
والجواب: على ذلك أن نقول إنه يدخل مع الإمام بنية صلاة العشاء فإذا دخل معه في أول ركعة وسلم الإمام فإن كان مسافراً سلم معه، لأن المسافر يصلي العشاء ركعتين، وإن كان مقيماً فإنه إذا سلم الإمام وقد صلى معه ركعتين يقوم فيأتي بما تبقى أي بالركعتين الباقيتين، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على هذه المسألة.
فإن قال قائل: كيف يأتم مفترض بمتنفل؟ الفرض أعلى من النفل.
قلنا: هذا لا يؤثر إنما الذي يؤثر هو الاختلاف على الإمام في الأفعال كالموافقة، والتأخر والمسابقة. وأما الاختلاف في النية فلا يؤثر.
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن معاذ بن جبل – رضى الله عنه – أنه كان يصلي مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة العشاء ثم يذهب إلى قومه
__________
(1) سورة النور، الآية: 51.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 26.
(12/501)

فيصلي بهم تلك الصلاة (1) فهي له نافلة ولهم فريضة وهذا في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما فعل في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأره الله فهو حجة.
ولا يقول قائل من الناس لعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلم به؟
فإننا نجيب على ذلك بأنه على فرض بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلم به فإن الله قد علم به فإذا لم ينكره الله علم أنه موافق لشريعة الله.
ودل على أن إقرار الله للشئ حجة أن الصحابة – رضى الله عنهم – استدلوا على جواز العزل بأنهم كانوا يفعلونه والقرآن ينزل. ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) (2) . فإن هؤلاء الذين يبيتون ما لا يرضى من القول يستخفون من الناس ولا يظهرون للناس ولا يعلم بهم الناس ولما كانوا يخفون المنكر فضحهم الله فقال تعالى (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً 108) .
سادساً: الخشوع في الصلاة:
ومن إقامة الصلاة أن يكون الإنسان فيها خاشعاً لله تعالى بظاهره وباطنه، فالخشوع في الباطن حضور القلب، والخشوع في الظاهر السكون وعدم الحركة.
أقسام الحركة في الصلاة:
وهنا نبين أن الحركة في الصلاة تنقسم إلى خمسة أقسام:
__________
(1) تقدم تخريجه ص 443.
(2) سورة النساء، الآية: 108.
(12/502)

أولاً: الحركة الواجبة: وتجب الحركة إذا كان يتوقف عليها صحة الصلاة، أي إذا كان ترك الحركة مبطلاً للصلاة، فإن الحركة تكون حينئذ واجبة.
مثال: رجل كان يصلي إلى غير القبلة فجاءه آخر فقال: إن القبلة على يمينك، فهنا يجب أن ينحرف إلى اليمين، لأنه لو بقي على اتجاهه الأول، لكانت صلاته باطلة، فيجب أن يتجه إلى اليمين.
مثال آخر: رجل ذكر أن في غترته نجاسة فيجب عليه أن يتحرك لخلع الغترة، ونظير ذلك ما فعله الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين جاءه جبريل فأخبره أن في نعليه أذى فخلعهما (1) .
ثانياً: الحركة المستحبة: وهي الحركة التي يتوقف عليها فعل مستحب.
مثال: أن يتقدم الإنسان إلى الصف الذي أمامه إذا انفرج فهذه حركة مستحبة، لأن فيه وصلاً للصف وسداً للفرج وتقدماً إلى المكان الفاضل.
مثال آخر: كذلك أيضاً لو أن الصف قرب بعضه من بعض فإنك تقرب إلى الصف وهذه الحركة نعتبرها مستحبة،لأنه يتوقف عليها فعل مستحب.
ثالثاً: الحركة المكروهة: وهي الحركة اليسيرة بلا حاجة، هي مكروهة لأنها عبث مناف للخشوع، كما نشاهده في كثير من الناس ينظر إلى الساعة وهو يصلي، أو يصلح غترته، أو يذكره الشيطان وهو في
__________
(1) تقدم تخريجه ص 303.
(12/503)

صلاته أمراً نسيه فيخرج القلم ويكتب الذي نسيه لئلا يضيعه بعد ذلك، وأمثلتها كثيرة.
رابعاً: الحركة المحرمة: وهي الحركة الكثيرة المتوالية لغير ضرورة.
فقولنا (الحركة الكثيرة) خرج به الحركة اليسيرة، فإنها من المكروهات.
وقولنا (المتوالية) خرج به الحركة المتفرقة، فلو تحرك الإنسان في الركعة الأولى حركة يسيرة، وفي الثانية حركة يسيره، وكذلك الثالثة والرابعة لو جمعنا هذه الحركات لوجدناها كثيرة لكن لتفرقها صارت يسيرة، فر تأخذ حكم الحركة الكثيرة.
وقولنا (لغير ضرورة) احترازاً من الحركة التي للضرورة، مثل أن يكون الإنسان في حالة أهبة للقتال، يحتاج إلى حركة كثيرة في حمل السلاح وتوجيهه إلى العدو، وما أشبه ذلك. وقد قال الله تبارك وتعالى: (فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (1) وهذا أمر لابد منه للمجاهد في سبيل الله.
ومن ذاك لو أن عدواً لحقه وهو هارب منه، فإن هذه الحركة الكثيرة مغتفرة، لأنها للضرورة.
وكذلك أيضاً لو هاجمته حية وهو يصلي، وحاول مدافعتها عن نفسه فإن هذه الحركة وإن كثرت فلا بأس بها، لأنها ضرورة.
__________
(1) صورة النساء، الآية: 102.
(12/504)

خامساً: الحركة المباحة: وهي الحركة اليسيرة للحاجة أو الحركة الكثيرة للضرورة.
مثال: لو كانت الأم عندها صبي ويصيح، فإذا حملته سكت، فلا خرج عليها حينئذ أن تحمله حال القيام، وتضعه في حال السجود، فهذه الحركة يسيره ولحاجة فهي مباحة ويدل لذلك أن النبي كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها (1) . والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

تم بحمد الله تعالى المجلد الثاني عشر

ويليه بمشية الله عز وجل المجلد الثالث عشر
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب سترة المصلي / باب إذا حمل جارية صغيرة على عاتقه في الصلاة، ومسلم: كتاب المساجد / باب جواز حمل الصبيان في الصلاة.
(12/505)