Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 015


باب صلاة الجماعة
باب صلاة أهل الأعذار
(15/7)

* باب صلاة الجماعة
- وجوب صلاة الجماعة
- تكرار الجماعة في مسجد واحد
- الجماعة في قضاء الفوائت
- إدراك الجماعة
- إدراك الإمام في التشهد الأخير
- فرغ المأموم من القراءة عند إطالة الإمام
- مسابقة الإمام
(15/9)

- انظار المأموم حتى ركوع الإمام
- إطالة الإمام للصلاة
- صلاة المرأة في المسجد

* أحكام الإمامة
- الصلاة خلف الفساق وأصحاب المعاصي واهل البدع
- إمامة المرأة
- إمامة الصبي
- إمامة العاجز عن القيام
- إمامة من لا يتقن القراءة والتجويد
- اختلاف النية بين الإمام والمأموم
- تخلف الإمام أو المؤذن عن القيام بالمسجد
- موقف الإمام والمأمومين
- صلاة المنفرد خلف الصف
- اقتداء المأموم بالإمام
- متابعة الإمام عبر مكبرات الصوت
- الصلاة خلف التلفاز والمذياع
(15/11)

* باب صلاة أهل الأعذار
- صلاة المريض
- صلاة المسافر
- قصر الصلاة
- جمع الصلاة
- رسائل حول رخص السفر
- صلاة الخوف
(15/12)

باب صلاة الجماعة
(15/13)

* وجوب صلاة الجماعة
* تكرار الجماعة في المسجد الواحد
* الجماعة في قضاء الفوائت
(15/15)

924/ سئل فضيلة الشيخ: عن حكم صلاة الجماعة؟

فأجاب فضيلته بقوله: صلاة الجماعة اتفق العلماء على أنها من أجل الطاعات , وأوكدها , وأفضلها , وقد ذكرها الله تعالى في كتابه , وأمر بها حتى في صلاة الخوف فقال الله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) (النساء:102)

وفي سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم من الأحاديث العدد الكثير الدال على وجوب صلاة الجماعة , مثل قوله صلي الله عليه وسلم: ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام , ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس , ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (1) .

وكقوله صلي الله عليه وسلم ((من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)) (2) .

وكقوله صلي الله عليه وسلم للرجل الأعمى الذي طلب منه أن يرخص له
__________
(1) متفق عليه, رواه البخاري/كتاب الأذان , بابا: وجوب صلاة الجماعة ح (644) , ومسلم في المسجد ,باب: فضل صلاة الجماعة ... ح251 (651) ,وسيأتي شرحه ص297.
(2) متفق عليه, رواه البخاري/كتاب الأذان , بابا: وجوب صلاة الجماعة ح (644) ,ومسلم في المسجد , باب: فضل صلاة الجماعة ... ح251 (651) ,وسيأتي شرحه ص297.- رواه ابن ماجه في المساجد, باب التغليظ في التخلف عن الجماعة ح (793) .
(15/17)

((أتسمع النداء؟)) قال: نعم, قال ((فأجب)) (1) . وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - ((لقد رأيتنا - يعني الصحابة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم -وما يختلف عنها - أي عن صلاة الجماعة - إلا منافق معلوم النفاق, أو مريض, ولقد كان الرجل يؤتي به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف)) (2) .

والنظر الصحيح يقتضي وجوبها, فإن الأمة الإسلامية أمة واحدة, ولا يتحقق كمال إلا بكونها تجتمع على عبادتها وأجل العبادات وأفضلها وأو كدها الصلاة, فكان من الواجب على الأمة الإسلامية أن تجتمع على هذه الصلاة.

وقد اختلف العلماء رحمهم الله بعد اتفاقهم على أنها من أو كد العبادات وأجل الطاعات اختلفوا هل هي شرط لصحة الصلاة؟ أو أن الصلاة تصح بدونها مع الإثم؟ مع خلافات أخرى.

والصحيح: أنها واجب للصلاة, وليست شرط في صحتها, لكن من تركها فهو آثم إلا أن يكون له عذر شرعي, ودليل كونها ليست شرطاً لصحة الصلاة أن الرسول عليه الصلاة والسلام فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ (3)

وتفضيل صلاة الجماعة على
__________
(1) رواه مسلم في المساجد, باب 43,يجب إتيان المسجد على من سمع النداء ح255 (653) .
(2) رواه مسلم في الموضع السابق باب 44ح256 (654) .
(3) ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة منها:حديث ابن عمر المتفق عليه رواه البخاري في الأذان باب: فضل صلاة الجماعة ح (654) ,ومسلم في المساجد باب:فضل الجماعة ... ح249 (650) .
(15/18)

صلاة الفذ يدل على أن في صلاة الفذ فضلاً, وذلك لا يكون إلا إذا كانت صحيحة.

وعلى كل حال فيجب على المسلم العاقل الذكر البالغ أن يشهد صلاة الجماعة سواء كان ذلك في السفر أم في الحضر.

* * *

925/ سئل فضيلة الشيخ: عن قوم يصلون الجماعة في البيت؟

فأجاب فضيلته بقوله: ننصح هؤلاء بأن يتقوا الله سبحانه وتعالى ويصلوا الجماعة مع المسلمين في المساجد فإن الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن صلاة الجماعة واجبة في المساجد وأنه لا يجوز للرجل أن يتخلف عن صلاة الجماعة في المساجد إلا إذا كان لعذر, لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الجماعة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (1) . هؤلاء القوم قد يكونون يصلون, لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يصلوا مع الجماعة الذين نصبهم الشرع, والجماعة الذين نصبهم الشرع, هم الجماعة الذين يصلون في المساجد, المساجد التي يدعى إلى الحضور إليها عند الصلاة, ولهذا قال عبد الله بن مسعود ((من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء
__________
(1) رواه مسلم، وتقدم تخريجه ص 18.
(15/19)

الصلوات حيث ينادى بهن)) (1) .

فقال ((حيث ينادى بهن)) ,و (حيث) ظرف مكان, أي فليحافظ عليها في المكان الذي ينادى لها فيه. هذا في الصلوات الخمس.

أما الجمعة فواجبة في المساجد قطعاً.

وأما النافلة فيقول النبي صلي الله عليه وسلم (أفضل صلاة في بيته إلا المكتوبة) (2) . وعلى هذا فالأفضل للإنسان أن يصلي صلاة التطوع في بيته ماعدا التطوع الذي شرع في المساجد كصلاة الكسوف مثلاً على القول بأنها غير واجبة, والله الموفق.

* * *

926/ سئل فضيلة الشيخ: مجموعة من الأشخاص يسكنون في مكان واحد, فهل يجوز لهم أن يصلوا جماعة في ذلك المسكن أو يلزمهم الخروج إلى المسجد؟

فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على هؤلاء الجماعة الذين هم في مسكن أن يصلوا في المساجد, ولا يجوز لأحد, أو لجماعة أن يصلوا في البيت والمسجد قريب منهم, أما إذا كان المسجد بعيداً ولا يسمعون النداء فلا حرج عليهم أن يصلوا جماعة في البيت ,وتهاون بعض الناس في هذه المسألة مبني على لبعض العلماء
__________
(1) رواه البخاري / صفة الصلاة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1133) .
(2) رواه مسلم، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (1394) .
(15/20)

-رحمهم الله- من أن المقصود في الصلاة الجماعة أن يجتمع الناس على الصلاة ولو في غير المسجد, فإذا صلى الناس جماعة ولو في بيوتهم فإنهم قد قاموا بالواجب.

ولكن الصحيح أنه لابد أن تكون الجماعة في المساجد لقول النبي صلي الله عليه وسلم ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (1) .مع أن هؤلاء القوم قد يكونوا صلوا في أماكنهم.

فيجب على تلك المجموعة أن يصلوا مع الجماعة في المسجد إلا إذا كانوا بعيدين يشق عليهم.

* * *

927/ سئل فضيلة الشيخ: بعض الناس لا يصلي مع الجماعة فهل يجوز هجرهم؟

فأجاب فضيلته بقوله: هؤلاء الذين لا يصلون مع الجماعة لاشك أنهم تركوا واجباً من الواجبات التي دل عليها كتاب الله, وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم, فإن الله أوجب الجماعة في حال الخوف ,فقال تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء:102) وإذا وجبت الجماعة في حال الخوف ففي حال الأمن من باب أولى.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 20.
(15/21)

وأما الأحاديث فوجوب الجماعة فيها ظاهر فمن ترك الصلاة مع الجماعة فهو آثم، بل قال بعض العلماء: إن من ترك الصلاة مع الجماعة بلا عذر فصلاته باطلة، وهو إحدى الروايات عن الإمام احمد ـ رحمه الله ـ أختارها شيخ الإسلام ابن تيميه، رحمه الله ـ فهؤلاء الذين يتركون الجماعة يجب على جميع إخوانهم المسلمين ولا سيما أقاربهم أن يبادلوهم النصيحة، ويخوفوهم من الله عز وجل، ولا يحل هجرهم بهذه المعصية إلا أن يكون هجرهم سبباً لاستقامتهم وقيامهم بالواجب فيجوز هجرهم بعد نصيحتهم وإصرارهم على المعصية.

***

928 سئل فضيلة الشيخ: نحن جماعة نجتمع في حوش قريب من المسجد ونسمع النداء ونصلي جماعة في الحوش، فهل عملنا هذا جائز؟ وهل لي الحق في أن أقيمهم من الحوش ليصلوا في المسجد؟

فأجاب فضيلته بقوله: عملكم هذا غير جائز، والواجب عليكم أن تصلوا مع جماعة المسلمين في المسجد، لأن رجلا استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة في بيته فقال: (هل تسمع النداء) ؟ قال: نعم، قال: (فأجب) (1) .

ولك الحق في أن تقيمهم من الحوش لتصلوا مع الجماعة بل هذا واجب عليك , في 23/ 7 /1410هـ.
__________
(1) متفق عليه، وتقدم تخريجه.
(15/22)

رسالة

فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

نحن مجموعة من المشاركين في مؤتمر. . . . . . . والمنعقد في منطقة. . . . . . وقد قدمنا من خارج المنطقة. . . . . . . وحددت مهمة بعضنا بخمسة أيام وبعضنا الآخر بثلاثة أيام, ولا نعلم أحكام الصلاة في سفرنا هذا, هل نصلي جمع وقصر ,أو قصر بدون جمع أو يلزمنا أداء الصلاة في المساجد؟ أفيدونا أفادكم الله.

فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم وعليكم السلام ورحمة وبركاته.

الأصل أن الجماعة تلزمكم في المساجد مع الناس إذا كنتم في مكان تسمعون فيه النداء بدون مكبر لقربكم من المسجد, فإن كنتم في مكان بعيد لا تسمعون فيه النداء لولا مكبر الصوت فصلوا جماعة في أماكنكم, وكذلك إذا كان في ذهابكم إلى المسجد إخلال بمهمتكم التي قدمتم من أجلها فصلوا جماعة في أماكنكم.

ولكم قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين؛ لأنكم في سفر وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه أقام عام الفتح في مكة تسعة عشر يوماً يقصر
(15/23)

الصلاة (1) ,وأقام في تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (2) ,وإقامتكم أنتم دون ذلك. أما الجمع فالأفضل أن لا تجتمعوا إلا أن يشق عليكم ترك الجمع فاجمعوا, وإن جمعتم بدون مشقة فلا حرج لأنكم على سفر.وفقكم الله وبارك فيكم.

كتبه محمد الصالح العثيمين في 18/4/1413هـ.
(15/24)

رسالة

فضيلة الشيخ/محمد بن صالح العثيمين حفظه الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . . وبعد:

أرجو من فضيلتكم الإجابة عن هذين السؤالين: السؤال الأول ويتكون من شقين:

الأول: أننا نلحظ على بعض الشباب أو بعض العوائل يكونون متواجدين إما في حديقة أو استراحة ويدخل وقت الصلاة ويكون المسجد غير بعيد عنهم بحيث يسمعون الأذان, فهل لهم أن يصلوا جماعة في أماكنهم؟

الثاني: توجد في بعض الاستراحات ملاعب للكرة يلعبون بها بعد المغرب ويؤذن لصلاة العشاء فيكملون اللعب ولا يصلون إلا بعد خروج المصلين من مساجدهم بساعة تقريبا كونهم جماعة, ولكي لا يؤذوا المصلين برائحة العرق المنبعثة من أجسادهم بعد لعبهم الكرة, وعذرهم أيضاً بجواز تأخير صلاة العشاء عن وقتها, ما حكم عملهم هذا؟

الثالث: عادة عندما تقام مباراة في الملعب الرياضي يكون توقيت بدايتها بعد أذان العصر بعشرين دقيقة تقريبا, فنرى الكثير من الشباب يصلونها جماعات متفرقة بالأماكن المزروعة داخل المدينة الرياضية, ما حكم صلاتهم تلك؟ وعن الأرض
(15/25)

المزروعة وحكم الصلاة فيها حيث إن بعض المزروعات تسقى بماء التصريف الصحي؟ أفتونا بذلك مأجورين, علماً بأن الكثير منا يجهل حكم ذلك, وجزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

جواب السؤال الأول: إذا كانوا يسمعون الأذان وإن لم يكن بالمكبر مكبر الصوت فعليهم الحضور إلى المسجد على القول الراجح ليحضروا جماعة, أما إذا كانوا لولا المكبر ما سمعوا الأذان فلهم الصلاة جماعة في أماكنهم.

جواب السؤال الثاني: إذا الأمر كما ذكر أعني أنه تحصل لهم رائحة تؤذي أهل المسجد فإنهم يصلون في استراحتهم لئلا يتأذى الناس بهم.

جواب السؤال الثالث: الجواب على ما كانوا داخل المدينة الرياضية أن يصلوا جميعاً خلف إمام واحد وأن يعطي المجتمعون مهلة يمكنهم فيها الوضوء والاجتماع في الغالب.

أما الصلاة في الأماكن المزروعة فلا بأس بها بشرط أن يكبس على الأرض بجبهته حتى يمكنها من الأرض. والمياه الصحية إذا زال عنها أثر النجاسة بطعمها ولونها وريحها فهي طاهرة.

كتبه محمد الصالح العثيمين في 16/3/1419هـ.
(15/26)

929/ سئل فضيلة الشيخ: إذا خرج جماعة إلى ضواحي المدينة للنزهة ويسمعون الأذان من أطراف المدينة فهل تلزمهم الصلاة في المسجد أو يصلون في مكانهم؟

فأجاب فضيلته بقوله: أما على المشهور من المذهب من أن الواجب صلاة الجماعة في مكانهم, وأما على رأي من يرى أنه يجب على الإنسان أن يصلي في المسجد, وأن الجماعة لابد أن تكون في المسجد كما هو القول الراجح؛ فالظاهر أن هؤلاء لا يلزمهم صلاة الجماعة في المسجد إذا كانوا إنما يسمعون صوت المؤذن بواسطة مكبر الصوت؛ وأنه لولا المكبر ما سمعوا, فالظاهر أنه لا يجب عليهم حضور الجماعة في الحال, لأن هذا السماع غير معتاد ولا ضابط له, ولا يقول قائل إن عموم قول النبي صلي الله عليه وسلم: ((من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)) (1) يتناول ما سمع بواسطة المكبر وما سمع بدون المكبر؛ لأن خطاب الشارع يحمل على المعهود المعروف, والحقيقة أن سماع المكبر لا ضابط له, فبعض المكبرات يكون صوته عالياً يسمع من بعيد, وبعضها دون ذلك, والمرجع في هذا إلى ما كان معروفاً في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم وهو السماع بدون مكبر, والله أعلم.

* * *
(15/27)

930/ سئل فضيلة الشيخ: توجيه نصيحة لمن يتخلف عن صلاة الجماعة؟

فأجاب فضيلته بقوله: النصيحة هي أن الله عز وجل قال لنبيه محمد صلي الله عليه وسلم: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء:102) فأمر الله تعالى بإقامة صلاة الجماعة حتى في حال القتال ومجابهة الأعداء, وهذا يدل على أن الصلاة مع الجماعة واجبة في حال الأمن من باب أولى, وثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) (1) . فهمه بهذه العقوبة العظيمة يدل على ترك الجماعة إثم عظيم وهو كذلك, حتى قال بعض العلماء, ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه: إن الإنسان إذا تخلف عن الجماعة بلا عذر لم تصح صلاته ولو صلى ألف مرة. فجعلوا حضور الجماعة شرطاً لصحة الصلاة.

* * *

931/ سئل فضيلة الشيخ: عن شباب يجلسون في استراحة, وبينهم وبين المسجد تقريباً كيلو أو كيلو إلا ربع ويصلون في الاستراحة, فهل تجب عليهم صلاة الجماعة؟ وبماذا تنصحهم
(15/28)

على ضياع أوقاتهم بغير ثمرة ولا فائدة؟

فأجاب فضيلته بقوله: أنشأ الناس ما يسمى بالاستراحات وفيها شئ من الأشجار والنبات, وصاروا يجلسون فيها من بعد صلاة العصر إلى منتصف الليل, أو قريبا من منتصف الليل, والغالب أنهم لا يحصلون على فائدة إلا مجرد ضياع الوقت, وأنس بعضهم ببعض وما أشبه ذلك, وقد تشتمل هذه الجلسات على شئ محرم, فقد سمعنا أن في بعض هذه الاستراحات توضع الدشوش التي لا يشك أحد اليوم في أنها تفسد الأخلاق وتدمر الأديان؛ لأنها تلتقط ما يبث في البلاد الفاسدة من بلاد الكفر وغيرها.

فيكون عندهم هذا الدش, ثم يبقون يشاهدون ما يجلبه من المفاسد والمناكر؛ لأنهم يمارسونها ويشاهدونها, ومن المعلوم أن من اعتاد على شئ هان عليه, ويقال في المثل السائر:

مع كثرة الإمساس يقل الإحساس.

فهذه الاستراحات والأحواش يحصل فيها مثل هذه المفسدة, ويحصل فيها مفسدة أخرى, حيث يترك مرتادوها الصلاة مع الجماعة, فتجد هذا المكان قريباً من مسجد, يمكن أن يذهبوا إليه بكل راحة, فليسوا كالذين يكونوا في دائرة عمل, لو خرجوا إلى المسجد تفرقوا وتوزعوا وتعطل العمل, أو في المدرسة لو خرج الطلاب إلى
(15/29)

المسجد لانتشروا في المسجد, وأساءوا إلى المسجد, أو تفرقوا إلى أهليهم ولم يصلوا, يعني: نحن لو عذرنا أصحاب المكاتب وأصحاب المدارس, إذا صلوا في مدارسهم ومكاتبهم, لم نعذر هؤلاء, لأن هؤلاء عدد محصور يمكن أن يذهبوا جميعاً ويرجعوا جميعاً, فلا عذر لهم فيما نرى, بترك الصلاة في المساجد حتى لو صلوا جماعة, فإن ذلك لا يكفي في حضور المسجد, لقول النبي صلي الله عليه وسلم:

((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجل فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (1) . هؤلاء القوم الذين لا يشهدون الصلاة هم النبي صلي الله عليه وسلم أن يحرق عليهم بيوتهم علناً مع احتمال أن يقيموا الجماعة فيها. لكن الرسول صلي الله عليه وسلم أراد أن يحضروا إلى المسجد. وقال صلي الله عليه وسلم للرجل حين استأذنه في ترك الحضور, قال ((هل تسمع النداء؟)) قال: نعم. قال ((فأجب)) (2) .فهؤلاء وأمثالهم يجب عليهم أن يصلوا في المسجد ثم يرجعوا إلى مكانهم.

وكذلك أوجه النصيحة إلى من يضع الدش في هذه الاستراحات, وأقول له أتق الله في نفسك, ولاتكن سبباً لفساد الأخلاق, ودمار الأديان, بما يشاهد في هذه الدشوش, كما أنني بالمناسبة أحذر صاحب كل بيت من أن يضع في بيته مثل هذا الدش؛ لأنه سوف يخلفه بعد موته, فيكون وبالاً عليه في حياته وبعد مماته.
(15/30)

وإني أسأل واضع الدش في بيته وهو يرى هذه المناكر التي تبث منه, هل هو بهذا ناصح لأهل بيته أو غاش لهم؟ والجواب ولابد أنه غاش, إلا أن يكون ممن طبع الله على قلبه فلا يحس, لكن سيقول: أنه غاش, فأقول له: اذكر قول الرسول صلي الله عليه وسلم: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية فيموت حين يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة)) (1) .

فأنت الآن إذا مت وقد وضعت لأهلك هذا الدش الذي لا يشك أحد أنه غش في البيت, لأن البيت فيه نساء, وفيه سفهاء صغار, لا يتحاشون الشيء المحرم, فأنت بهذا من يموت وهو غاش لرعيته, فتكون أهلاً للوعيد الشديد الذي جاء في الحديث, من الأسد, وإلا فكيف يليق بالإنسان أن يدمر أخلاقه وأخلاق أهله.

نسأل الله العافية.

أما ضياع الوقت من صلاة العصر إلى قريب منتصف الليل دون فائدة, فلا شك أن ذلك قد يفضي إلى المنكرات العظيمة من الغيبة والنميمة, وضياع الصلوات والاجتماع على الغناء والموسيقى وغيرها من المحرمات, فلو أنهم استغلوا هذه الأوقات في بعض الألعاب النافعة, أن يكون عندهم مسبح مثلاً يتعلمون فيه السباحة أو يتعلمون الرماية بالبنادق الصغيرة, أو يتسابقون أو يستغلوا هذا الوقت في قراءة ما تيسر من كتب العلم النافعة, أو القصص الهادفة
(15/31)

للخير, أو أهم من ذلك كله أن يقرءوا القرآن وسيرة النبي صلي الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين.

* * *

932/ سئل فضيلة الشيخ: هل الأفضل في حق الموظف المبادرة إلى الصلاة عند سماع الأذان, أو الانتظار لإنجاز بعض المعاملات؟ وما حكم التنفل بعدها بغير الرواتب؟

فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل في حق جميع المسلمين المبادرة إلى الصلاة عند سماع الأذان؛ لأن المؤذن يقول ((حي على الصلاة)) ,والتثاقل عنها يؤدي إلى فواتها.

أما التنفل بعد الصلاة بغير الراتبة فلا يجوز؛ لأن وقته مستحق لغيره بمقتضى عقد الإجازة أو الوظيفة, وأما الراتبة فلا بأس بها لأنها ممن جرت العادة بالتسامح فيه من المسؤولين. والله الموفق.

* * *

933/ سئل فضيلة الشيخ: عن الأعذار التي تبيح للرجل ترك الجماعة؟ وماذا تفيد كلمة ((لا)) في قوله صلي الله عليه وسلم ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) (1) ؟ وما المراد بسماع النداء؟

فأجاب فضيلته بقوله:

أولاً: هذا الحديث ضعيف فلا حجة فيه, ولكن هناك حديث آخر ثابت وحجة وهو ((من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من
(15/32)

عذر)) (2) .

والنفي في قوله ((لا صلاة)) ليس المراد به نفي الصحة, وإنما المراد به نفي الكمال, فلا تكمل صلاة من سمع النداء إلا في المسجد, لكن هذا الكمال كمال واجب ,وليس كمالاً مستحباً, فإن الحضور إلى المسجد لأداء صلاة الجماعة واجب الرجال, ولا يجوز لهم التخلف عنها, قال ابن مسعود - رضي الله عنه- ((لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق, أو مريض)) (1) .فيجب على كل من سمع النداء من الرجال أن يحضر إلى المسجد, ويصلي مع جماعة المسلمين إلا أن يكون هناك عذر شرعي, ومن الأعذار الشرعية ما ذكره النبي صلي الله عليه وسلم في قوله ((لا صلاة بحضرة طعام, ولا وهو يدافعه الأخبثان)) (2) ,فإذا كان الإنسان قد حضر إليه الطعام وهو في حاجة إليه ونفسه متعلقة به, فإن له أن يجلس ويأكل, ويعذر بترك الجماعة وإلا فهو معذور, وكذلك من كان الأخبثان البول أو الغائط يدافعانه ويلحان على الخروج فإنه في هذه الحال يقضي حاجته, ثم يتوضأ ولو خرج الناس من المسجد؛ لأنه معذور, ومن العذر أيضاً أن يكون هناك مطر ووحل فإن في ذلك مشقة في حضور المساجد فللإنسان أن يصلي في بيته, وإلا فالأصل وجوب حضور صلاة الجماعة على كل الرجال في المسجد.

والمراد بسماع الأذان هو بالنسبة للأذان المعتاد الذي ليس
(15/33)

فيه مكبر صوت وحتى بالنسبة للأذان المعتاد الذي لا يكون المؤذن فيه خفي الصوت لأنه قد يكون المؤذن ضعيف الصوت وبيتك قريب من المسجد لو أذن غيره لسمعته فالعبرة بذلك القرب المعتاد الذي يسمع فيه النداء في العادة.

* * *

934/ سئل فضيلة الشيخ: ما حكم تخلف الحارس للأسواق عن صلاة الجماعة؟

فأجاب فضيلته بقوله: من كانت هذه حاله وكان مسؤولا عن حراسة الأسواق والأحياء فإنه معذور بترك الجماعة, وقد نص على ذلك أهل العلم - رحمهم الله - فذكروا في أعذار الجماعة من كان موكلاً بحراسه مال, أو بستان, أو نحو ذلك, وحراسة الأحياء عن الشر والفساد حاجة الناس إليها أعظم من حاجة صاحب البستان إلى حراسة بستانه, وعلى هذا فيكون هذا الرجل الموكل بحراسة الأحياء معذور بترك الجماعة, ولكن يجب عليه أن يصلي الصلاة في وقتها, ولا يحل له تأخيرها عن الوقت, وعليه فتجب مراعاة التناوب بين الحراس ليتمكن كل منهم من أداء الصلاة في الوقت.

* * *
(15/34)

رسالة

صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فإن بعض أعضاء الهيئة يتحرجون من بقائهم إلى ما بعد خروج بعض المساجد من الصلاة, وتعلم يا فضيلة الشيخ أننا نضطر في بعض الأحيان على التأخر, ونرجو من فضيلتكم التكرم بإفتائنا في هذا الموضوع؟ علماً أنه لا يخرج وقت الصلاة, وجزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. . . . وبعد:

ليس عليكم حرج إذا بقيتم في توجيه الناس إلى الصلاة, ولو تأخرتم عن الصلاة في المساجد؛لأن هذه المصلحة عامة وتوجيه للخير, فإن أدركتم آخر المساجد فصليتم فيه فذاك, وإلا فأنتم تصلون جماعة, وفق الله الجميع لما فيه رضاه. كتبه محمد الصالح العثيمين في 9/7/1410هـ.

* * *
(15/35)

935/ سئل فضيلة الشيخ: نحن بعيدون عن المسجد, فهل يجوز لنا الصلاة في العمارة؟

فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على هؤلاء أن يصلوا في المساجد, بل كل إنسان حوله مسجد يجب عليه أن يصلي في المسجد, ولا يجوز لأحد أو جماعة أن يصلوا في البيت والمسجد قريب منهم, لقول النبي صلي الله عليه وسلم: ((لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (1) .

فقال: ((إلى قوم)) مع أن هؤلاء القوم يكونون قد صلوا في أماكنهم, فيجب على هؤلاء أن يصلوا مع الجماعة, إلا إذا كانوا لا يسمعون النداء.

* * *

936 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل أراد الذهاب إلى الصلاة في مسجد له فيه موعد مع أناس فانطلق من بيته متأخراً قليلاً وفي طريقه إلى المسجد سمع إقامة مسجد آخر, فهل يلزمه الصلاة في هذا المسجد أو يواصل السير إلى المسجد الأول مع علمه بأنه سوف يفوته شيء من الصلاة فيه؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان سيره إلى المسجد الذي أراده لا تفوت به الجماعة أي أنه يدرك ما تدرك به الجماعة وهو ركعة, وكان صلاته في المسجد الذي سمع إقامته يفوت مقصوده فلا حرج عليه أن يستمر إلى المسجد الأول الذي أراده, أما إذا كان يخشى أن لا يدرك جماعة في المسجد الذي أراده, أو كان ذهابه إلى المسجد الثاني لا يفوت مقصودة فإن الواجب عليه أن يذهب إلى المسجد الثاني الذي سمع إقامته.
(15/36)

937 سئل فضيلة الشيخ: نحن مجموعة من الشباب عددنا تسعة في استراحة لنا طلعة شبه ليلية ولا نشاهد الدش, وكلامنا فيها طيب – إن شاء الله - فهل يلزم الذهاب للمسجد, علماً أن أقرب مسجد مزرعة يبعد عنا حوالي (800) إلى (1000م) ,ولو أذن دون المكبر لما سمعناه, ويحصل منا في بعض الليالي أن يكون هناك مباريات ونضطر إلى تأخير صلاة العشاء نصف ساعة ونصليها جماعة فما حكم ذلك؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت المسافة بينكم وبين المسجد إلى هذا البعد, ولو قدر أنه أذن بغير مكبر الصوت لم تسمعوه؛ فإنه لا يلزمكم الذهاب إلى المسجد, ولكم أن تصلوا في المكان الذي أنتم فيه؛ لكن لا شك أن الأفضل أن تذهبوا إلى المسجد مع إخوانكم في بيوت الله عز وجل.

أما تأخيركم الصلاة من أجل مشاهدة المباراة: فإني والله أنصحكم نصيحة أخ مشفق, ألا تذهبوا أوقاتكم الثمينة في مشاهدة المباراة لأني لا أعلم لكم خيراً في ذلك, لا في الدنيا, ولا في الآخرة, وإنما هي إضاعة أوقات, ثم إن كثيراً من المباريات, حسب ما نسمع عنها يكون فيها إبداء عورة, فتجد السراويل إلى نصف الفخذ, أو ما أشبه ذلك وهم شباب, والشباب لاشك أنهم فتنة إذا كشف عن فخذيه ثم إن هذه المباريات قد ينجح فيها من يعظمه الناس المشاهدون تعظيماً ليس أهلاً له؛ من جهات أخرى, فأرجو أن يكون اجتماعكم في هذه الحال على دراسة شيء نافع؛ مثل رياض الصالحين, أو غيره من الكتب التي فيها مصلحة تصلح القلوب والأعمال, وكما تعلمون أن ساعات العمر محدودة, وإن الإنسان لا يدري متى تنتهي هذه الساعات فاغتنموا الفرصة بارك الله فيكم.
(15/37)

رسالة

فضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين أمد الله في عمره على طاعته.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

لا يخفى على فضيلتكم أهمية عمل أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يحتاج ذلك من الوقت والمتابعة بحيث يتطلب الأمر في بعض الأحيان تأخيرهم للصلاة إلى حين خروج المساجد وتفويتهم للصلاة مع الجماعة ولكثرة كلام الناس في ذلك, نأمل من فضيلتكم تبيان ذلك بفتوى خطية, فلكم من الله الأجر والمثوبة إن شاء الله, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

لاحرج على الأعضاء إذا بقوا يوجهون الناس للصلاة ويأمرونهم بها ولو تأخروا عن الجماعة في المساجد؛ لأن عملهم هذا مصلحة عامة ودعوة للخير, فإن أدركوا آخر المساجد فصلوا معهم فذاك, وإلا صلوا وحدهم جماعة في أي مسجد.

ولا عبرة باتهام من اتهمهم بعدم المحافظة على الجماعة؛
(15/38)

لأن الأعضاء محل ثقة وعملهم هذا في مصلحة المسلمين, ولقد هم النبي صلي الله عليه وسلم أن يأمر بالصلاة فتقام, ثم ينطلق إلى قوم لا يشهدون الصلاة, ومعه رجال معهم حزم من حطب فيحرق على المتخلفين بيوتهم بالنار (1) , ومعلوم أن هؤلاء الرجال لن يحضروا الصلاة التي أقيمت لأنهم مشتغلون بمصلحة تأديب المتخلفين, فمن اتهم الأعضاء بما ذكر فليبين له الحكم في ذلك, الله الموفق

كتبه محمد الصالح العثيمين في 2/11/1410 هـ
(15/39)

938 سئل فضيلة الشيخ: من الملاحظ في أكثر المساجد تخلف كثير من المصلين عن صلاة الفجر, وحيث إن هؤلاء قد عرضوا أنسفهم لعذاب الله وغضبه, ويخشى عليهم من الزيغ وانتكاس القلوب بعد الهدى أعاذنا الله من ذلك, ونظراً لعظم هذه البلية واستفحالها بين المسلمين نرجو منكم توجيه نصيحة إلى هؤلاء المتخلفين وبيان الأحاديث التي تبين خطر هذا الذنب, مع توجيه نصيحة إلى الجيران وأئمة المساجد الذين لا ينصحون هؤلاء المتخلفين عن صلاة الفجر متغافلين عن قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال:25) وجزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن صلاة الجماعة فريضة, وأنه لا يجوز للقادر أن يتخلف عنها, وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال ((لقد هممت أن آمر الناس بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) (1) وهذا لاشك أنه تهديد.

وثبت عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال: ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء, وصلاة الفجر, ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً)) (2) .
(15/40)

فعلى المسلمين أن يتقوا الله عز وجل, وأن يحرصوا على أداء الصلوات جماعة في المساجد, صلاة الفجر, وصلاة العصر, وغيرها من الصلوات.

وعلى أهل الحي والجيران أن ينصح بعضهم بعضاً؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة, لدين النصيحة, الدين النصيحة)) ,قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله, ولكتابه, ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) (1) .

ولأن المؤمن أخو المؤمن, ومرآة أخيه, فالواجب عليه أن يناصحه, وأن يناصره على نفسه الأمارة بالسوء, وعلى الإمام إذا تمكن أن ينصح الجماعة أحياناً كما ((كان النبي صلي الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة)) (2) فمن استقام وأدى الصلاة مع الجماعة بمناصحة إخوانه له وبموعظة الإمام فهذا هو المطلوب, ومن لم يفعل فهناك جهة مسؤولة يمكن رفع الأمر إليها.

* * *

939 سئل فضيلة الشيخ: عن اختلاف الروايات في فضل صلاة الجماعة جاءت بسبع وعشرين درجة وبخمس وعشرين درجة كيف يكون الجمع بينهما؟

فأجاب فضيلته بقوله: الجمع بينهما سهل جداً إذا قلت لك:
(15/41)

إذا أحضرت الشيء الفلاني أعطيتك خمساً وعشرين درهماً, ثم قلت إذا أحضرت الشيء الفلاني نفسه أعطيتك سبعاً وعشرين درهماً هل في هذا تناقض؟ فليس في ذلك تناقض. بأي شيء نأخذ بالناقص أم بالزائد؟

الجواب بالزائد

إذن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بين أن التفاضل بخمس وعشرين درجة ثم بين ثانياً أن التفاضل بسبع وعشرين يعني زاد الناس خيراً وليس هناك تناقض. فنأخذ بالزائد الذي هو بسبع وعشرين درجة.

* * *
(15/42)

فصل
في شرح أحاديث من كتاب (عمدة الأحكام)

باب صلاة الجماعة ووجوبها (1)

بسم الله الرحمن الرحيم, إن الحمد لله, نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه, وعلى آله, وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:

عن ابن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) (2) .

قال المؤلف - رحمه الله -: ((باب فضل صلاة الجماعة ووجوبها)) ,قد يقول قائل: هذه الترجمة متناقضة, كيف يقول باب فضل, ثم يقول ووجوب؟ والمعروف أن الفضل للاستحباب مناف للوجوب.

فيقال: إن المؤلف أراد بفضل أي بثواب الجماعة والثواب لا
(15/43)

ينافي الوجوب, وأما قوله: ((ووجوبها)) فيريد به أنها واجبة. واجبة على الرجال لا على النساء.

والواجب هو إذا تركه الإنسان أستحق العقوبة, وإذا فعله استحق المثوبة.

وهنا سؤال أيهما أفضل الواجب أو التطوع؟

والجواب: والواجب أفضل, بالدليل والتعليل:

أما الدليل: فما جاء في الحديث القدسي أن الله تعالى قال: ((ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى ممن افترضته عليه)) (3) إذن الواجب أحب إلى الله من التطوع.

وأما التعليل: فإنه لولا أهمية ما أوجبه الله, وإيجاب الله له دليل على أهميته؛ لأن الإيجاب تكليف وإلزام فلولا أنه مهم ما كلف العباد به ولا ألزموا به.

ثم ذكر في فضل صلاة الجماعة حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) (1) .

((أفضل)) يعني أكثر ثواباً من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة فتكون الواحدة عن سبع وعشرين, وإذا كانت الحسنة بعشر أمثالها يكون ثواب صلاة الجماعة مائتين وسبعين حسنة, ولو صليت وحدك لكانت عشر حسنات فقط, فالربح عظيم جداً, ونحن نشاهد أن الناس في الدنيا لو قيل لهم: إنك إذا حملت بضاعتك لمسيرة
(15/44)

شهر ربحت العشرة عشرين فسوف يسافر ولو بعد السفر, بينما هنا تربح الواحدة سبعاً وعشرين ومع هذا نجد التكاسل العظيم عن صلاة الجماعة.

والربح الذي في الآخرة غير الربح الذي في الدنيا, قال النبي صلي الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في المسند عن المستورد بن شداد قال: ((موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها)) (1) . سبحان الله موضع السوط حوالي متر خير من الدنيا وما فيها, وليس المراد الدنيا التي أنت فيها الآن ولكن الدنيا من أولها إلى آخرها,

ولهذا قال الله تعالى في القران الكريم: (بلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى, الآيتان:16, 17) .

فأرباح الدنيا عرضه للزوال وعرضه للفناء, أما أرباح الآخرة باقية, فصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.

فإذا قال قائل: لماذا خص بسبع وعشرين درجة؟

فالجواب: العلم عند الله, تخصيص الشيء بعدد أمر توقيفي في غالب المسائل.

ما يستفاد من هذا الحديث:

أولاً: تفاضل الأعمال.

ثانياً: تفاضل العمال يعني أن الناس بعضهم أفضل من بعض, ووجه ذلك أنه إذا كانت الأعمال تتفاضل, فإن القائمين بالأعمال يتفاضلون بحسب تفاضل الأعمال.
(15/45)

وهذا موجود في القرآن:

(لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: من الآية10)

لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِم) (النساء: من الآية95) .

ثالثاً: يؤخذ من هذا الحديث تفاضل الإيمان, وأنه يزيد وينقص, وجه ذلك أن الأعمال من الإيمان فإذا تفاضلت الأعمال لزم أن يتفاضل الإيمان.

إذن نأخذ من هذا دليلاً على ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان يزيد وينقص.

هل الإيمان الذي يزيد وينقص هو أعمال الجوارح أو حتى يقين القلب؟

الجواب: حتى يقين القلب يتفاضل, والدليل قول الله تبارك وتعالى: (َإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة: من الآية260)

ولما بشر الله ذكريا بالود آمن بذلك ولكن قال: (رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) ليطمئن قلبه.

وقال النبي صلي الله عليه وسلم ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين – ويخاطب النساء – أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) (1) .
(15/46)

فقال: ((ناقصات عقل ودين)) إذن الدين وهذا نص صريح. وفي القرآن ما يدل على نقص الإيمان؛ لأنه إذا كان يزداد فالزيادة في مقابل النقصان.

نأخذ من هذا القاعدة (كل نص يدل على زيادة الإيمان فإنه يدل على نقص الإيمان, وكل نص يدل على نقص الإيمان, فإنه يدل على زيادة الإيمان) وإذ إن النقصان والزيادة متقابلان, إذا فقد أحداهما ثبت الآخر.

فالإيمان يزيد وينقص وهذا أهل السنة والجماعة.

أما الخوارج والمعتزلة والمرجئة فإنهم لا يقرون بزيادة الإيمان ونقصه ولكنهما طرفا نقيض.

ولنضرب لهذا مثلاً: رجل زنى, والزنا فاحشة فهو عند الخوارج كافر, وعند المعتزلة لا مؤمن ولا كافر فهو في منزلة بين المنزلتين, وعند المرجئة مؤمن كامل الإيمان, عند أهل السنة مؤمن ناقص الإيمان, أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته, فباعتبار العمل يكون فاسقاً وباعتبار ما في القلب من الإيمان يكون مؤمناً.

الحديث الثاني: عن أبي هريرة- رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً, وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء, ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة, لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة, وحط عنه بها خطيئة, فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه, اللهم صل عليه, اللهم
(15/47)

اغفر له, اللهم ارحمه, ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة)) (1) .

هذا الحديث ساقه المؤلف من أجل قوله ((تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً)) .

وقد سبق لنا الجمع بين هذا الحديث وحديث عبد الله بن عمر الدال على أنها أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين والجمع أن السبع والعشرين زيادة فيأخذها.

أما حديث أبي هريرة فقد أخبر النبي أن صلاة الرجل في الجماعة تضعف أي تزاد على صلاته في بيته وفي سوقه.

((في بيته)) إن صلى في السوق ((خمساً وعشرين ضعفاً)) ضعف الشيء مثله مكرراً, فإذا قلت الاثنان ضعف الواحد, فضعف الاثنين أربعة, وهكذا أي أنها تكرر خمساً وعشرين مرة. ولكن نأخذ بالزيادة كما سبق, ثم شرح السبب فقال: ((وذلك)) المشار إليه التضعيفه أي سببه: ((أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء)) .

وإحسان الوضوء يكون بالإتيان به على مقتضى الشريعة.

((ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة)) .خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة؛ هذه نية يعني أنه خرج مخلصاً لله, لم يخرج للدنيا ولكن لم يخرج إلا للصلاة والعبادة لله عز وجل.

((لم يخط خطوة إلا رفع الله بها درجة, وحط عنه بها
(15/48)

خطيئة)) .- اللهم لك الحمد – لم يخط خطوة واحدة إلا حصل له بها فائدتان هما:

*رفع الله له بها درجة.

*حط عنه بها خطيئة.

((فإذا صلى)) يعني إذا دخل المسجد وصلى, لأن هذه الخطى لا تزال تكتب له حتى يدخل المسجد, فإذا دخل المسجد, وصلى, وبقي ينتظر الصلاة فإن الملائكة تصلي عليه مادم في مصلاه.

والملائكة عالم غيبي, لا نراهم إلا إذا أراد الله عز وجل فإنهم يرون, لكن الأصل فيهم الغيب, فهم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور, لم يخلقوا من تراب, ولا من نار, بل من نور, وأقدرهم الله عز وجل على أعمالهم, لا يسأمون, ولا يملون, ولا يعجزون أبداً قال الله تعالى: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: من الآية6) ,قال هذا في الملائكة النار وكذلك بقية الملائكة (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ) (فصلت:38) هؤلاء الملائكة خلقهم الله عز وجل من نور للقيام بطاعته ولهم وظائف وأعمال مخصوصة, وأعمال عامة.

الأعمال العامة أن كلهم قائمون بأمر الله, وعبادة الله.

ولهذا نحن نحب الملائكة لله؛ لأنهم مسلمون لله, مطيعون له. ومن وظائف الخاصة: ما جاء في هذا الحديث أن الله وكل
(15/49)

ملائكته إذا دخل الرجل المسجد وأحسن الوضوء وصلى فإن الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه ماذا تقول؟

تقول: ((اللهم صلى عليه, اللهم اغفر له, اللهم ارحمه)) .

((اللهم صل عليه)) :أي أثن عليه في الملأ الأعلى, والثناء في الملأ الأعلى في الملائكة هذا معنى اللهم صل عليه, ونحن نقول في صلاتنا: اللهم صل على محمد, يعني أثن عليه في الملأ الأعلى.

((اللهم اغفر له)) اغفر له الذنوب يعني ستر الذنب والتجاوز عنه.

((اللهم ارحمه)) الرحمة بها حصول المطلوب, وتمام الإنعام. فهؤلاء الملائكة يدعون للإنسان بهذه الدعوات الثلاث:

((اللهم صل عليه, اللهم اغفر له, اللهم ارحمه)) فالذي لا يحضر الجماعة يحرم هذا الأجر العظيم, ولا يزداد إلا كسلاً عن الخيرات - نسأل الله العافية -.

((لا يزال في صلاة)) أي في حكم الصلاة ثواباً؛ لأننا لو قلنا أنه في حكم الصلاة عملاً لقلنا لا تتكلم, ولا تنصرف عن القبلة, ولا بد فيها من ترك الكلام, والمبطلات؛ لكن المراد لا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة أي في حكم الصلاة ثواباً

يعني كأنه يصلي حتى يحضر الإمام.

يستفاد من هذا الحديث:

أولاً: استحباب إحسان الوضوء.

ثانياً: بيان موقع الإخلاص, وأن لإخلاص تأثيراً في الجزاء وذلك يؤخذ من قوله ((لا يخرجه إلا الصلاة)) .
(15/50)

ثالثاً: لا يستحب تقصير الخطى لأن قوله ((يخطو خطوة)) يحمل على الخطوة المعهودة المعروفة, ولم يقل الرسول فقصروا خطواتكم. فلو قال هكذا انفصل الأمر وصار فصلاً بينا لكن قال: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا)) (1) امشوا المشي العادي.

رابعاً: يستفاد من هذا الحديث أن الملائكة تتكلم ويستدل ذلك من قوله: ((اللهم صل عليه, اللهم اغفر له, اللهم ارحمه)) .

وكأني بواحد من المتنطعين يقول أي لغة تتكلم الملائكة؟

بالعربية؟ بالعبرية؟ بالسريانية؟

وهذا كقول بعض الناس لما سمع حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – أن الله تعالى يجعل الأرضين على إصبع والشجر على إصبع (2) وما أشبه ذلك. وتقدم بسؤال وقال: كم أصابع الله؟ أعوذ بالله ما هذا السؤال؟
(15/51)

هل أنت أحرص من الصحابة على معرفة صفات الله؟

الجواب: لا. هل الصحابة لما حدثهم الرسول بهذا الحديث أو أقر اليهودي عليه هل قالوا كم أصابع الرحمن؟ أبداً.

ولهذا أنا أحذر طلبة العلم من التنطع فيما يتعلق بأمور الغيب, أمور الشهادة لا بأس أن للإنسان يبحث, أما أمور الغيب فليأخذ بظاهر ما ورد, وليدع ما سوى ذلك؛ لأنه إذا أخذ بالتنطع في أمور الغيب سواء فيما يتعلق بصفات الله, أو بصفات, الملائكة, أو بأحوال اليوم الآخر إذا أخذ بالتنطع فيها فإنه ربما يهلك فيقع في الشك, أو في الردة والعياذ بالله.

إذن علينا في مثل هذه الأمور أن نترك التنطع وأن نأخذ بظواهر الأدلة. كان الإمام مالك – رحمه الله – عند أصحابه في المسجد فقال رجل: يا أبا عبد الله) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طه:5) كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء (العرق) من شدة وقع هذا السؤال في قلبه, ثم رفع رأسه وقال له: ((الاستواء غير مجهول, والكيف غير معقول, والإيمان به واجب, والسؤال عنه بدعة)) . ثم قال: ((وما أراك إلا مبتدعاً)) . ثم أمر به فأخرج.

أنكر مالك سؤال الرجل عن الكيفية. وقول مالك: ((ما أراك إلا مبتدعاً)) يحتمل معنيين:

أحدهما: أن السؤال ديدن أهل البدع فهم الذين يسألون
(15/52)

عن كيفية الصفات, من أجل أن يحرجوا المثبتين للصفات.

الثاني: أنك بسؤالك صرت من أهل البدع؛ لأن الصحابة لم يسألوا عن كيفية الاستواء, وشيء لم يسأل عنه الصحابة يعتبر بدعة في الدين.

الحديث الثالث:

عن أبى هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء, وصلاة الفجر, ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً, ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (1) .

في هذا الحديث يخبر النبي صلي الله عليه وسلم عن اتصاف المنافقين بأنهم يستثقلون الصلاة. يقول ((أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر)) وبقية الصلوات ثقيلة عليهم لكن هذه أثقل الصلوات, وإنما كانت أثقل لسببين:

السبب الأول: مشقة الذهاب إليهما.

السبب الثاني: خفاء الرياء فيهما.

لأن العشاء والفجر يؤديهما في ظلمة، ولا سيما في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يرى المنافق إذا جاء يصلي، والمنافق إذا جاء يصلي إنما يرائي الناس، لأنه ليس عنده إرادة للآخرة، وإنما
(15/53)

يريد الدنيا وأن يمدحه الناس على شيء لم يقم به.

((ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً)) .

((لو يعلمون)) الضمير يعود على المنافقين.

((ما فيهما)) أي في صلاتين العشاء والفجر.

((لأتوهما ولو حبواً)) يعني ولو حبواً على الركب.

ولكن ما مبهم في ((ما فيهما)) ؟ المبهم: الثواب والعقاب.

الثواب إن أتوا إليها. والعقاب إن تخلفوا عنهما.

((لأتوهما ولو حبواً)) رغبة لما فيهما من الثواب وخوفاً مما فيهما من عقاب.

ثم قال: ((ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) . (هممت) : يعني أردت أن أفعل.

(أن آمر بالصلاة) : واحدة من الصلوات الخمس.

(فتقام) : يعني فتقام جماعة.

فهم النبي صلي الله عليه وسلم أن يحرق بيوت المتخلفين عن الجماعة يدل على أهمية الجماعة وأنها واجبة، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يهم بأمر محرم، ولكن منعه منه مانع إما أن يكون ما فيها من النساء والذرية أو غير ذلك.

ما يستفاد من هذا الحديث:

أولاً: أن المنافقين يصلون وذلك يؤخذ من قوله صلي الله عليه وسلم: (أثقل
(15/54)

الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر) . فهذا يدل على أنهم يصلون.

ثانيا: ان الصلاة على المنافقين ثقيلة.

ثالثا:يستفاد من هذا أن من ثقلت عليه الصلاة فإن فيه شعبة من النفاق؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم وصف المنافقين بأن الصلاة ثقيلة عليهم.

رابعاً: إن ثواب الصلاة أمر عظيم حتى لو أن الإنسان مشي على ركبه من أجل الهروب من العقاب، ومن أجل الحصول على الثواب لكان جديرا بذلك.

خامسا ً: وجوب صلاة الجماعة لقوله صلي الله عليه وسلم: (ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) .

فلقد هم رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يحرق بيوت من لا يشهدون الجماعة, ولا يهم بالعقوبة إلا ترك شيء واجب, لكن قال بعض العلماء: هذا لا يدل على الوجوب؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم هم ولم يفعل, وإنما يدل على الوجوب لو أن النبي صلي الله عليه وسلم حرق.

ويرد على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يهم بأمر محرم وهو الإحراق إلا في ترك شيء واجب، ولهذا كان القول الراجح أن صلاة الجماعة فرض عين على الرجال، وأن من أدلة وجوبها هذا الحديث.
(15/55)

الحديث الرابع:

وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)) ,قال فقال بلابل بن عبد الله والله لنمنعهن, وفي لفظ مسلم: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) (1) .

هذا الحديث يقول النبي صلي الله عليه وسلم: ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)) .

((استأذنت أحدكم امرأته)) أي طلبت الإذن, وأحدكم يعني الواحد منكم وامرأته: يحتمل أن تكون الزوجة, ويحتمل أن تكون المرأة التي له عليها ولاية, مثل ابنته, أخته, أمه وما أشبه ذلك.

((إلى المسجد)) :يعني المسجد الذي يصلي فيه الجماعة.

((فلا يمنعها)) :أي لا يردها عنه بل يأذن لها.

((فقال بلال بن عبد الله)) :هو أحد أبناء عبد الله بن عمر.

((قال والله لنمنعهن)) أقسم على ضد ما النبي صلي الله عليه وسلم. الرسول صلي الله عليه وسلم يقول: ((لا تمنعوا)) وبلابل يقول (والله لنمنعهن) وهذا الكلام ظاهر المضادة والمخالفة لكلام رسول الله عليه وآله وسلم.

ولكن قصد بلابل غير المتبادر من لفظه, فقصده أن يمنعهن لفساد الناس وكثرة الفتن.
(15/56)

((فأقبل عليه عبد الله)) يعني عبد الله بن عمر.

((فسبه سباً شديداً ما سمعته سبه مثله قط)) لماذا؟ لأن ظاهر لفظ بلابل مخالفة أمر النبي صلي الله عليه وسلم ومعارضته.

الجواب: جاء بلفظين لأن الرواة يجوزون الرواية بالمعنى فيكون بعضهم نقله بهذا الوجه, وبعضهم نقله على هذا الوجه والمعنى واحد.

ما يستفاد من هذا الحديث:

أولاً: أن المرأة لا تخرج إلى المسجد إلا باستئذان زوجها لقوله: ((إذا استأذنت)) ووجه الدلالة أن هذه الصيغة تدل على أن من عادتهم أن تستأذن المرأة من وليها أن تذهب إلى المسجد.

ثانياً: ليس للإنسان أن يمنع امرأة غيره فليس لي حق أن أمنع امرأة جارى أو امرأة قريبي إلا إذا كانت لي سلطة وولاية عليها.

ثالثاً: أن الرجل له أن يمنع زوجته من الخروج إلى المسجد لقوله: ((إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها)) دل أن في المسجد ربما تسمع ذكراً أو موعظة فتستفيد, وأما غير المسجد فالغالب أنه لا فائدة منه. فيجوز للرجل
(15/57)

أن يمنع زوجته من الخروج لغير المسجد. سؤال: هل للإنسان أن يمنع زوجته من الدراسة أو لا؟

الجواب: أن نقول إن كانت قد اشترطت عليه عند العقد أن تكمل الدراسة فإنه لا يجوز أن يمنعها لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وأما إذا لم تشترط عليه ذلك فله أن يمنع؛ لأن الظاهر أن المدارس حكمها حكم بقية الأمكنة بخلاف المساجد.

رابعاً: بيان حكم علة الحكم في تعبير النبي صلي الله عليه وسلم ((لا تمنعوا إماء الله, مساجد الله)) ووجه ذلك أنه إذا كانت النساء إماء لله والمساجد بيوتاً لله, فليس لأحد أن يتدخل بينهن وبين المساجد التي لله.

خامساً: قوله: ((مساجد الله)) ((إماء الله)) هذه إضافة فهل لله إماء, وهل لله مساجد؟

الجواب: الإضافة هنا من باب التكريم والعناية وإلا فمن المعلوم أن لله ملك السموات والأرض ولكن هذه الإضافة من باب التكريم والتشريف للمساجد.

وفي بعض ألفاظ هذا الحديث لكن في الصحيحين قال: ((وبيوتهن خير لهن)) فيستفاد من هذا أن المرأة كلما كانت في بيتها فهو أفضل, حتى لو قالت أنا أريد أن أخرج إلى المسجد لأصلي مع الجماعة, قلنا لها إن صلاتك في بيتك أفضل وأحسن؛ لأنه كلما بعدت المرأة عن الاختلاط بالرجال كان ذلك أبعد عن الفتنة.
(15/58)

والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين:

* * *

940 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الخروج للنزهة قبل المغرب مع أنه يستلزم أن لا يصلي الإنسان مع الجماعة؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بالخروج قبل المغرب للنزهة إذا لم يقصد الهرب من صلاة الجماعة, ولكن يجب عليه إذا سمع الأذان أن يحضر إلى المسجد.

* * *

941 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم صلاة الرجل بأهله في السفر؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يصلي الرجل بأهله ومحارمه في السفر فقد كان النساء يحضرن الصلاة في عهد النبي صلي الله عليه وسلم بأنس ,أمه , واليتيم (1) .
(15/59)

رسالة

فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين حفظه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة وبركاته وبعد:

فلا يخفى على فضيلتكم وضع بعض الدوائر الحكومية, أو الشركات, أو المؤسسات الأهلية خاصة التي يوجد بها أكثر من مسجد أو مصلى بمبنى واحد ونحن في الحقيقة نعيش نفس هذه المشكلة حيث يوجد لدينا مصلى بمبنى الإدارة بالمركز يصلي فيه أفراد الإدارة وبعض المراجعين والزوار صلاة الظهر أثناء الدوام الرسمي في الظروف العادية, وبقية الأوقات الأخرى في الظروف الطارئة, وأثناء المرابطة والتي تستدعي التواجد بالمركز خلال الأربع وعشرين ساعة, علماً أنه يوجد مسجد خاص بالفرقة المستلمة على مدار الأربع وعشرين ساعة تقام فيه جميع الصلوات الخمس في اليوم والليلة وهو يستوعب العدد كامل نظراً لاتساع مساحته ونحن في حيرة من أمرنا هل تجوز صلاتنا بالمصلى الذي بمبنى الإرادة مع وجود المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس, كما أنني أنتهز هذه الفرصة للاستفسار عن موضوع آخر ألا وهو: الأذان في المساجد التي في الدوائر الحكومية سواء التي تقام فيها جميع الصلوات أو التي تقام فيها صلاة الظهر أثناء الدوام الرسمي للموظفين هل يجب الأذان في هذه المساجد مع سماع المؤذن من المساجد القريبة والمجاورة أو لا؟
(15/60)

أفيدونا أفادكم الله, وجزاكم الله عنا وعن المسلمين عامة خير الجزاء, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فأجاب فضيلته بقوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الواجب عليكم أن تصلوا في المسجد المعد للصلاة فيه؛ لأنه تقام فيه الصلوات الخمس.

وأما الأذان فلا يجب عليكم إذا كنتم تسمعون أذان المساجد التي حولكم, لكن الأفضل أن تؤذنوا؛ لأن المسجد قائم فلا ينبغي أن يهمل الأذان فيه, ولأن آذانكم في مسجدكم أقرب إلى الانتباه للأفراد الذين عندكم. وفق الله الجميع لما فيه الصلاح والسلام عليكم ورحمة وبركاته.28/12/1411هـ.
(15/61)

942 سئل فضيلة الشيخ: من المعلوم أن صلاة الجماعة في حق النساء غير واجبة, ولكن عندما تصلي المرأة مع الجماعة في المسجد, أو في الحرمين سواء كان في رمضان أو في غيره, أوفي المصليات الخاصة بمدارس البنات فهل يكون لها فضل الجماعة كما هو الحال في حق الرجل؟ أرجو توضيح ذلك أحسن الله إليكم.

فأجاب فضيلته بقوله: المرأة ليست من ذوات الجماعة, أي ليست مأمورة بحضور الجماعة, وإنما ذلك على سبيل الإباحة فقط, إلا في صلاة العيد فإن النبي صلي الله عليه وسلم أمر أن تخرج النساء إلى صلاة العيد, ولكن غير متبرجات بزينة.

وإذا كان الأمر كذلك فإن التضعيف الحاصل في صلاة الجماعة يختص بالرجال؛ لأنهم هم المدعون إليها على سبيل الوجوب, ولهذا كان لفظ الحديث: ((صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه, خمساً وعشرين ضعفاً) (1) .

وعلى هذا فإن المرأة لا تنال هذا الأجر, بل إن العلماء اختلفوا في مشروعية صلاة الجماعة للنساء منفرادت عن الرجال في المصليات التي في البيوت, أو التي في المدارس.

فمنهم من قال: إنه تسن لهن الجماعة.

ومنهم من قال: إنه تباح لهن الجماعة.

ومنهم من قال: إنه تكره لهن الجماعة.

* * *
(15/62)

943 سئل فضيلة الشيخ: أناس لا يعرفون الصلاة مع الجماعة في المساجد إلا في شهر رمضان, وبقية الأشهر يصلون في المكتب, وقد أبلغناهم أنه لا يجوز هذا العمل. فلم يردوا علينا إلا بقولهم: إنكم أناس متشددون, ولا يعرفون الدين, وإن الدين يسر وليس عسراً, والأعمال بالنيات فهل من كلمة توجيهية حفظكم الله ورعاكم؟

فأجاب فضيلته بقوله: لابد أن ننظر لهؤلاء الذين يصلون في مكتبهم, هل عذر في ذلك أو لا, فإذا كان المسجد بعيداً عنهم والخروج إلى المسجد يشل حركة العمل, فإنهم في هذا معذرون ولهم أن يصلوا جماعة في مكاتبهم, ولكن يحسن أن يجتمع جميع من في المكتب على إمام واحد, وأما إذا لم يكن لهم عذر كأن كان العمل قليلاً, والمسجد قربياً منهم فإن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجماعة لابد أن تكون في المساجد.

أما قولهم (إن الدين يسر)) ,فقد صدقوا بل قاله من قبلهم رسول الله صلي الله عليه وسلم. ولكن يسر الدين ليس تبعاً للهوى, بل هو تبع لما جاءت به الشريعة, والشريعة كلها يسر سهولة, فإذا كان المسجد قريباً والشغل خفيفاً قليلاً, فأي عسر في أن يخرج الإنسان من مكتبه على المسجد ويصلي فيه, أما إذا كان بعيداً والشغل كثيراً بحيث إذا خرج الإنسان صار الشغل مشلولاً بخروجه فهنا التيسير أن يصلوا في مكاتبهم جماعة كما ذكرنا آنفاً.

* * *
(15/63)

944 سئل فضيلة الشيخ: شباب لديهم استراحة يجلسون بها وهم في الغالب يتعدون عشرة أشخاص والمسجد يبعد عنهم حوالي ثلاثمائة متر, هل تلزمهم صلاة الجماعة في الاستراحة مع الاعتراف بأفضيلة صلاة المسجد؟

فأجاب فضيلته بقوله: يرى بعض العلماء أن الواجب إقامة الجماعة سواء في المسجد أو في غيره, ولكن الراجح أنه يجب أن تقام صلاة الجماعة في المساجد مع المسلمين ولو كانوا لا يسمعون الأذان لولا مكبر الصوت ففي هذه الحال لا يلزمهم الحضور فإنهم يصلون جماعة في مكانهم سواء صلوا قبل صلاة الإمام بعده.

* * *

945 سئل فضيلة الشيخ: ابني في الحادية عشرة من عمره, فهل أنا ملزمة بإيقاظه لأداء صلاة الصبح مع الجماعة أو أتركه حتى يصل إلى سن البلوغ, الخامسة عشرة. خصوصاً وأنني أجد صعوبة في إيقاظه؟

فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر أنه يجب أن توقظيه للصلاة مع الجماعة لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع
(15/64)

واضربوهم عليها لعشر)) (1) فهي وإن وجدت صعوبة فإنها مأجورة على هذه التي تجدها.

* * *

946 سئل فضيلة الشيخ: يحضر بعض المصلين إلى المسجد ومعهم صبيانهم الذين لم يبلغوا سن التمييز وهم لا يحسنون الصلاة ويصفون مع المصلين في الصف وبعضهم يعبث ويزعج من حوله, فما حكم ذلك؟ وما توجيهكم لأولياء أمور أولئك الصبيان؟

فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أن إحضار الصبيان الذين يشوشون على المصلين لا يجوز؛ لأن في ذلك أذية للمسلمين الذين يؤدون فريضة من فرائض الله, وقد سمع النبي صلي الله عليه وسلم بعض أصحابه يصلون ويجهرون بالقراءة فقال صلي الله عليه وسلم ((لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن)) (2) .

وفي الحديث آخر قال صلي الله عليه وسلم (فلا يؤذين بعضكم بعضاً) (1) فكل ما فيه أذية للمصلين فإنه لا يحل للإنسان أن يفعله.

فنصيحتي لأولياء أمور هؤلاء الصبيان أن لا يحضروهم إلى المسجد وأن يسترشدوا بما أرشد إليه النبي صلي الله عليه وسلم حيث قال (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر)) .
(15/65)

كما أنني أيضاً أوجه النصيحة لأهل المسجد بأن تتسع صدورهم للصبيان الذين يشرع مجيئهم إلى المسجد, وأن لا يشقوا عليهم, أو يقيموهم من أماكنهم التي سبقوا إليها, فإن من سبق إلى شيء فهو أحق به, سواء كان صبياً, أو بالغاً, فأقامه الصبيان من أماكنهم في الصف فيه:

أولاً: إهدار لحقهم؛ لأن من سبق إلى ما لم يسبقه إليه أحد من المسلمين فهو أحق به.

وثانياً: فيه تنفير لهم عن الحضور إلى المساجد.

وثالثاً: فيه أن الصبي يحمل حقداً أو كراهية على الذي أقامه من المكان الذي سبق إليه.

ورابعاً: أنه يؤدي إلى اجتماع الصبيان بعضهم إلى بعض فيحصل منهم من اللعب والتشويش على أهل المسجد ما لم يكن ليحصل إذا كان الصبيان بين الرجال البالغين.
وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصبي يقام من مكانه حتى يكون الصبيان في آخر الصف, أو في آخر صف المسجد استدلالاً بقول النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)) (2) فإنه قول مرجوح معارض بقول النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (من سبق إلى ما لم يسبقه إليه فهو أحق به)) (3) .
والاستدلال بقول النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى)) لايتم؛ لأن معنى الحديث: حث أولي الأحلام والنهى
(15/66)

على التقدم حتى يلوا النبي صلي الله عليه وسلم لأنهم أقرب إلى الفقه من الصغار, وأتقن لوعي ما رأوه من النبي صلي الله عليه وسلم أو سمعوه, ولم يقل النبي صلي الله عليه وسلم لا يلني إلا أولو الأحلام والنهى. ولو قال (لا يلني إلا أولو الأحلام والنهى)) لكان القول بإقامة الصبيان من أماكنهم في الصفوف المتقدمة وجيهاً. لكن الصيغة التي جاء بها الحديث هي أمره لأولي الأحلام والنهى أن يتقدموا حتى يلوا رسول الله صلي الله عليه وسلم.

* * *

947 سئل فضيلة الشيخ: في هذا الزمان كثرت مكبرات الأصوات فنحن نسمع النداء للصلاة, ولكن من مساجد بعيدة جداً عن حينا. ويشق علينا الذهاب إليها, فهل ينطبق علينا قول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي (هل تسمع النداء)) ؟ قال: نعم, قال ((فأجب)) (1)

وما حكم إذا كان المسجد في منطقة جبلية وعرة والصعود إلى هذه المنطقة صعب جداً, وإذا حاولنا الصعود لا نصل إلا إذا أقيمت الصلاة وفاتنا بعض الركعات هل يكفينا أن نصلي في المنزل؟

فأجاب فضيلته بقوله: الأصل أن المرأة لا تحضر الصلاة. ولكن الرجل يلزمه أن يحضر الجماعة إذا سمع النداء, ولكن النداء ليس الذي عبر مكبر الصوت؛ لأن مكبر الصوت لو أخذنا به لكان يسمع من بعيد كما قلت, إنما المراد أنه لو كان الأذان بغير مكبر
(15/67)

الصوت لسمعه هؤلاء وحينئذ وجب عليهم الحضور, وكذلك إذا كان الطريق المسجد وعراً لا يتمكنون الوصول إلى المسجد إلا بمشقة شديدة, ولا يتمكنون من الوصول إلى المسجد إلا بعد أن تمت الجماعة الصلاة. فإنه لا يلزمهم بهذا الحال, ويصلون جماعة في مكانهم, لقول الله (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية16) .

* * *

948 سئل فضيلة الشيخ: يبعد المسجد عن مقر العمل قرابة أربعمائة متر, فبعض الأخوان في العمل قالوا: نضع مصلى في أحد المكاتب نصلي فيه؛ لأن المسجد بعيد وهم يتأذون من حرارة الشمس عند الذهاب إليه, فهل هذا العمل صحيح؟

فأجاب فضيلته بقوله: الأصل الصلاة في المساجد, ولا بأس أن يصلي أهل المكاتب في مكاتبهم إذا كان خروجهم إلى المسجد يؤدي إلى تعطل العمل, أو يؤدي إلى تلاعب بعض الموظفين الذين يخرجون للصلاة ويتأخرون, وإذا كان المسجد بعيداً أيضاً جاز لهم الصلاة في مكان عملهم, فالمهم إذا كان هناك مصلحة, أو حاجة إلى أن يصلوا في مكاتبهم فلا حرج.

* * *

949 وسئل فضيلة الشيخ: قال الخطيب في خطبة الجمعة: إن الصلاة في جماعة المسجد تعادل سبعاً وعشرين صلاة, وهذا معروف, لكنه قال: إن الله لا يقبل صلاة الفرد خارج المسجد
(15/68)

ويكون من المشركين والعياذ بالله. فهل هذا صحيح؟ مع ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة؟ وما حكم الصلاة في المنزل أو في أي مكان خارج المسجد؟

فأجاب فضيلته بقوله: الشق الأول من سؤالك تقول: إن الخطيب ذكر أن صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد بسبع وعشرين صلاة, وهو كما قال.

الشق الثاني قوله: (إن من صلى فإنه لا صلاة له, ويكون مشركاً)) .

وقوله: (يكون مشركاً)) لا يصح هذا الكلام, اللهم إلا بالمعنى الأعم, أن كل من اتبع هواه بمخالفة أمر الله عز وجل فإنه يكون فيه نوع من الإشراك, لكنه ليس هو الشرك الذي يطلق عليه أنه شرك في القرآن, والسنة, وكلام أهل العلم.

وأما قوله: (بأنها لا تقبل صلاته)) فإن هذا قول لبعض أهل العلم, أن من صلى في بيته بدون عذر فإنه لا صلاة له؛ وهذا القول ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله – وهو رواية عن الإمام أحمد, اختارها ابن عقيل أحد أتباع الإمام أحمد – رحمه الله- وحجة هؤلاء من الأثر والنظر.

أما الأثر فهو ما جاء في الحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر)) (1) .

وأما من النظر فقالوا: إن صلاة الجماعة واجبة, وإن من ترك
(15/69)

واجباً في العبادة بدون عذر بطلت تلك العبادة بهذا الترك.

ولكن هذا القول مرجوح, والراجح أن المصلي في بيته تاركاً للواجب من غير عذر آثم وعاص, وإذا أستمر على ذلك صار فاسقاً تسقط ولايته وشهادته, كما ذهب إليه كثير من أهل العلم, ولكن صلاته تصح, ويدل لذلك حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة (2) ,في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ, فإن التفضيل لصلاة الجماعة يدل على أن في صلاة الفذ أجراً, ومادام فيها أجر فإنه يدل على صحتها, لأن ثبوت الأجر فرع عن الصحة, إذ لو تصح لم

يكن فيها أجر, لكنه بلا شك آثم عاص يعاقب على ذلك إلا أن يتوب إلى الله عز وجل, أو يعفو الله عنه.

وعلى كل حال فإن البيت بدون عذر أمر محرم, لا يحل للمسلم فعله, ولهذا قال ابن مسعود – رضي الله عنه - (ما يتخلف عنها إلا منافق أو معذور)) (1) ,والمؤمن لا ينبغي له أن يتصف بعمل المنافقين, الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.

وأما إذا أقامها جماعة في البيت فهذا محل خلاف بين أهل العلم أيضاً.

فمهنم من رخص له في ذلك, وقال: إن الجماعة قد حصلت, وهذا هو المقصود, ولكن هذا القول الضعيف.

والصواب أنه لابد أن يصلي الإنسان في المسجد, ولا يجوز له التخلف حتى ولو صلى جماعة في البيت, وذلك لأن النبي صلي الله عليه وسلم
(15/70)

قال (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم)) (2) . فقوله ((إلى قوم)) يشمل ما إذا صلوا في بيوتهم جماعة, أو كل واحد منهم منفرداً.

ثم إنه ثبت في صحيح مسلم أن ابن أم مكتوم قال: يا رسول الله: إنني رجل أعمى, وليس قائد يقودني إلى المسجد, فرخص له النبي صلي الله عليه وسلم, فلما ولى دعاه وقال له صلي الله عليه وسلم (أتسمع النداء)) ؟ قال: نعم, قال صلي الله عليه وسلم (فأجب)) (3) , فلو كان يجوز أن يقيم الجماعة قي بيته لأرشده النبي صلي الله عليه وسلم إلى ذلك, ولم يأمره بالحضور إلى المسجد, ثم إن الجماعة إذا أقيمت في البيت, فات بعض المقصود من مشروعيتها وإيجابها على المسلمين.

فعلى المؤمن الناصح لنفسه أن يحضر إلى بيوت الله عز وجل ويؤدي الصلاة مع جماعة المسلمين, وأن يخرج من بيته متطهراً, قاصداً المسجد فإنه إذا فعل ذلك لم يخرجه إلا للصلاة, لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة, وحط عنه بها خطيئة, فإذا دخل المسجد وصلى فإن الملائكة تصلي عليه مادام في مصلاه, تقول: اللهم صل عليه, اللهم اغفر له, اللهم ارحمه, ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة, كما ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة (1) , فلا
(15/71)

ينبغي للمسلم أن يفرط في هذه المثوبة العظيمة, فإنه سوف يحتاج إليها في يوم لا يستطيع أن يحصل عليها, نسأل الله تعالى أن يعيننا وإخواننا المسلمين على ذكره, وشكره, وحسن, عبادته. والله الموفق.

* * *

50 سئل فضيلة الشيخ: عن الفرق بين المسجد والمصلى؟ وما هو ضابط المسجد؟ وماذا لو أذن جماعة من الناس للصلوات الخمس وأقاموا الصلاة وصلوا أيصبح هذا المكان مسجداً؟

فأجاب فضيلته بقوله: أما بالمعنى العام فكل الأرض مسجد, لقوله صلي الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) (1) .

وأما بالمعنى الخاص فالمسجد ما أعد للصلاة فيه دائماً, وجعل خاصاً بها سواء بني بالحجارة والطين والأسمنت أم لم يبن, وأما المصلى فهو ما اتخذه الإنسان ليصلي فيه, ولكن لم يجعله موضعاً للصلاة دائماً, إنما يصلي فيه إذا صادف الصلاة ولا يكون هذا مسجداً, ودليل ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في بيته النوافل, ولم يكن بيته مسجداً, وكذلك دعاه عتبان بن مالك إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى ولم يكن ذلك مسجداً (2) ,فالمصلى ما أعد للصلاة فيه دون أن يعين مسجداً عاماً يصلي فيه الناس ويعرف أنه قد خصص لهذا الشيء.

* * *
(15/72)

951 سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى الإنسان في بيته مع الأذان والإقامة جميع الفروض هل يعد ذلك مسجداً؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا يعد مسجداً.

* * *

952 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم من يتخلف عن صلاة الجماعة؟ وما حكم من يقول: إذا نصح (الصلاة بكيفي إن شئت صليت وإن لم شئت لم أصل) ؟

فأجاب فضيلته بقوله: المتخلفون عن الجماعة عاصون لله ورسوله لقوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء: من الآية102) .

ولقوله صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء, وصلاة الفجر, ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً, ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس, ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)) (1) ,وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق, ولقد كان الرجل يؤتي به يهادى بين الرجلين حتى في الصف)) (2) , وهذا دليل
(15/73)

على أن صلاة الجماعة من أجل الطاعات وأعظم القربات.

لكن العلماء اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال:

1. فمنهم من قال: إنها شرط لصحة الصلاة, أن من صلى في بيته بدون عذر شرعي فإن صلاته باطلة, وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن عقيل – رحمهما الله -.

2. ومنهم من قال: إنها فرض عين, وإن تركها يأثم.

3. ومنهم من قال: إنها فرض كفاية, فإذا قام بها البعض سقط عن الباقين.

4. ومنهم من قال: إنها مؤكدة وفسروها بأن تاركها يأثم.

والصواب أن صلاة الجماعة واجبة لا يجوز التخلف عنها, وأن المتخلف عنها آثم وعاص لله ولرسوله صلي الله عليه وسلم (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) (1) ولو كانت صلاة الفذ لا تصح ما كان فيها فضل, ولا يصح مع الجماعة يكتب له الأجر كاملاً إذا تخلف عن الجماعة لعذر.

وقول هذا الرجل الذي يدعوه صاحبه إلى الصلاة مع الجماعة يقول:بكيفي إن شئت صليت وإن شئت لم أصل) .
(15/74)

إن أراد بهذا ترك الصلاة بالكلية فهو على خطر عظيم يخشى أن تكون كلمته هذا كفراً, لأنه كالمنكر لوجوب الصلاة, ومنكر وجوب الصلاة كافر.

وإن عني بذلك صلاة الجماعة فيجب أن يعلم أن صلاة الجماعة ليست بكيف الإنسان, بل هي واجبة يجب أداؤها على المسلم مع المسلمين, إلا أن يكون من أهل الأعذار.

* * *
(15/75)

رسالة

من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. .وبعد:

كتابكم الكريم وصلني, سررت بصحتكم, وحسن أحوالكم, نحن ولله الحمد بخير, نسأل الله تعالى أن يزيدنا وإياكم من فضله, وأن يرزقنا شكر نعمته, وحسن عبادته.

سؤالكم عن حكم إقامة الجماعة في مبنى الكلية.

جوابه: وبالله التوفيق ومنه العصمة. هذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة أقوال:

أحدهما: أن الواجب إقامة الجماعة في أي مكان سواء في المساجد, أو البيوت, أو المدارس, أو مكان العمل, أو غير ذلك.

والثاني: أن الواجب إقامتها في المساجد خاصة.

والثالث: أن الواجب إقامتها في المساجد إن كانت قريبة وإلا فلا.

وهذه الأقوال عند القائلين بوجوب الجماعة.

وظاهر الأدلة يشهد للقول الثاني وهو أن الواجب إقامتها في المسجد إلا لعذر, كبعد يشق معه حضور الجماعة, وكإخلال في العمل كما يتعلل به من يقيمون الجماعة في محل أعمالهم بحجة أنهم لو خرجوا إلى المساجد لفات من العمل, أو تخلف بعض الموظفين فلم يرجعوا أو نحو ذلك مما يقال.
(15/76)

ويدل على ذلك:

1. ما أخرجه البخاري ص131 جـ 2 فتح ط السلفية عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمساً وعشرين ضعفاً, وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء, ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة)) وذكر تمام الحديث (1) ,فتأمل قولهصلي الله عليه وسلم (خرج إلى المسجد)) فدل على أن الجماعة هي جماعة المسجد, وأخرج ص141 من الجزء المذكور من حديثه أيضاًصلي الله عليه وسلم (ثم آخذ شعلاً من نار , فأحرق على من لا يخرُجُ إلى الصلاة بعدُ)) . فتأمل قوله (على من لا يخرج إلى الصلاة) .

2. ما أخرجه ص 156 من الجزء المذكور عن ابن عمر أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ثم قال: ألا صلوا في الحال , ثم قال (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرحال)) (2) .فخص الإذن الصلاة في الرحال, وعمومه ولو جماعة بما إذا كانت الليلة ذات برد ومطر فدل على وجوب حضور الجماعة في المسجد إذا لم يكن عذر. وحديث (إذا صليتما في رجالكما, ثم أتيتما مسجد جماعة
(15/77)

فصليا معهم)) (3) لا يدل على جواز إقامة الجماعة في الرحل مطلقاً لجواز أن يقيمها في الرحل خوفاً من فوات جماعة المسجد أو غير ذلك, وعلى كل حال فهو في محل احتمال واشتباه فلا يعارض به المحكم.

3. ما رواه مسلم ص 490 – 491 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال: (جمع النبي صلي الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر)) (1) . وجه الدلالة منه أن الصلاة في غير وقتها لا تجوز والجمع بينها وبين الأخرى إخراج لها عن وقتها, ومن الممكن تلافيه إذا صلى الناس في بيوتهم جماعة أو فرادى, فلولا وجوب الحضور للمسجد لفعل الجماعة فيه ما جاز الجمع الذي يتضمن إخراج الصلاة عن وقتها.

4. ما رواه البخاري ص 519 جـ 1 فتح ط السلفية عن محمود بن الربيع أن عتبان بن مالك قال: (يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي, فإذا كانت الأمطار سال الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي بهم)) (2) وذكر الحديث. وجه الدلالة منه أنه لو لم يكن حضور المسجد واجباً لأمكنه أن يقيم الجماعة في بيته, لاسيما على قول من يقول بانعقاد الجماعة بالأنثى فيمكنه أن يقيمها بأهله في بيته.
(15/78)

5. ما رواه البخاري ص 74 جـ 5 فتح ط السلفية عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلي الله عليه وسلم قال (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم أخالف إلى المنازل قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم)) , ولم يفرق النبي صلي الله عليه وسلم بين ما إذا صلوها قي منازلهم جماعة أو فرادى ... ورواه أبو داود ص 130 ج 1ط الحلبي وفيه (ثم آتي قوم يصلون في بيوتهم, ليست بهم علة فأحرقها عليهم)) . وظاهر كانوا يصلون جماعة.

6. ما رواه مسلم ص 452 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي عن أبي هريرة - رضي الله عنه قال: أتى النبي صلي الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله, إني ليس لي قائد يقودني إلى المسجد, فسأل رسول الله صلي الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له, فلما ولى دعاه فقال صلي الله عليه وسلم (هل تسمع النداء)) ؟ قال: نعم قال صلي الله عليه وسلم (فأجب)) (1) .ولو كانت الجماعة في البيت مجزئه لأرشده إليها لأنها أهون عليه وأسهل.

7. ما رواه مسلم ص 453 الكتاب المذكور عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى, وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه)) وفي رواية (ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم, وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور, ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله
(15/79)

له بكل خطوة يخطوها حسنة, ويرفعه بها درجة, ويحط عنه بها سيئة, ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق. ولقد كان الرجل يؤتي به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف)) (1)

وفي رواية أبي داود ص 130 جـ 1 ط الحلبي (وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته ولو صليتم في بيوتكم, وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم صلي الله عليه وسلم)) (2) .

فهذه الأدلة الأثرية تؤيدها الأدلة النظرية: فإن صلاة الجماعة لو لم تجب في المساجد لفاتت بها مصلحة هامة: من إظهار الشعائر واجتماع المسلمين, والتعارف بينهم, وهداية ضالهم, وتقويم معوجهم, وحصل بذلك مفاسد كبيرة: من تعطيل المساجد, وتفريق المسلمين, وفتورهم عن الصلاة, وغير ذلك لمن يتأمل.

وقال الإمام أحمد - رحمه الله - في رسالة الصلاة ص 373 مجموعة الحديث ط السلفية: وأمروا رحمكم الله بالصلاة في المساجد من تخلف عنها, وعاتبوهم إذا تخلفوا عنها, وأنكروا عليهم بأيديكم, فإن لم تستطيعوا فبألسنتكم, واعلموا أنه لا يسعكم السكوت عنهم؛ لأن التخلف عن الصلاة من عظيم المعصية, ثم ذكر الحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال: فلولا أن تخلفوا عن الصلاة في المسجد معصية كبيرة عظيمة ما تهددهم النبي صلي الله عليه وسلم بحرق منازلهم, ثم ذكر أثر عمر في المتخلفين وقوله: ليحضرن المسجد أو لأبعثن إليهم من يجافي رقابهم.ا. هـ.
(15/80)

وقال الإمام الشافعي – رحمه الله – في الأم ص 154 ج 1 ط دار المعرفة: فلا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر.ا. هـ.

وقال ابن قيم – رحمه الله – في كتاب الصلاة له ص 461 مجموعة الحديث ط السلفية: ومن تأمل السنة حق التأمل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة فترك حضور المسجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر, وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار, ثم ذكر خطبة عتاب بن أسيد في أهل مكة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: يا أهل مكة والله لا يبلغني أن أحداً منكم تخلف عن الصلاة في المسجد في الجماعة إلا ضربت عنقه, ثم قال ابن قيم: فالذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر ا. هـ.كلامه.

وقال المجد في المحرر ص 91 _ 92 ج 1 ط السنة المحمدية: وفعلها في المسجد فرض كفاية, وعنه فرض عين, قال في النكت عليه: وزاد غير واحد على أنها فرض عين على القريب منه, وقطع به في الرعاية ودليل هذا واضح.ا. هـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ص 225 مج 23 مجموع ابن قاسم: والمقصود هنا أن أئمة المسلمين متفقون على أن إقامة الصلات الخمس في المساجد هي من أعظم العبادات وأجل القربات.ا. هـ.

أما ابن حزم فإنه يرى أنها لا تجزئ صلاة فرض من رجل
(15/81)

يسمع الأذان إلا في المسجد مع الإمام, فإن كان لا يسمع الأذان صلى جماعة في مكانه إن وجد أحداً, وإلا أجزأته الصلاة وحده, صرح بذلك في المحلى ص 188 ج 4 ط المنيرية.

هذا ما تيسرت كتابته على سؤالكم نرجو الله تعالى أن يكون فيه البيان والشفاء إنه جواد كريم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حرر في 21/1/1401هـ.

* * *

953 سئل فضيلة الشيخ: إذا فاتت الركعة الأولى أو الثانية مع الجماعة فهل يقرأ القاضي لصلاته سور مع الفاتحة باعتبارها قضاء لما فاته أو يقتصر على قراءة الفاتحة؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن ما يقضيه المأموم من الصلاة بعد سلام إمامه هو آخر صلاته, وعلى هذا فلا يقرأ فيه إلا الفاتحة إذا كان الفائت ركعتين, أو ركعة في الرباعية, أو ركعة في المغرب, أما الفجر فيقرأ الفاتحة وسورة؛ لأن كلتا الركعتين تقرأ فيهما الفاتحة وسورة.

* * *

954 سئل فضيلة الشيخ: ماحكم من يقيم جماعة ثانية في المسجد, علماً بأن الجماعة الأولى لم تنته من الصلاة؟ وهل تعتبر صلاتهم باطلة؟

فأجاب فضيلته بقوله: الأولى إذا جئت والأمام في التشهد الأخير وأنت معك جماعة, أن لا تبدءوا بالصلاة حتى تتم الجماعة
(15/82)

الأولى, لئلا يجتمع جماعتان في آن واحد, ولكن إذا فعلوا ذلك وكانوا بعيدين من الجماعة الأولى, لا يشوشون عليهم فلا بأس بهذا.

وننتقل من هذه المسألة إلى المسألة أخرى وهي: ما إذا جئنا إلى المسجد ونحن لم نصل صلاة العشاء الآخرة, ووجدنا هم يصلون صلاة التراويح, فإننا ندخل معهم في صلاة التراويح بنية العشاء, ثم إن كنا مسافرين, فإننا نسلم مع الإمام إذا كنا قد صلينا الركعتين, وإن كنا مقيمين أتينا بما بقي من صلاة العشاء, ولا نقيم جماعة أخرى لصلاة العشاء, لأنه لا ينبغي أن يكون جماعتان في مسجد واحد, فأن هذا عنوان التفرق, حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما سلم ذات يوم ووجد رجلين معتزلين لم يصليا في رحالنا. قال (ما منعكما أن تصليا)) ؟ قالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا. قال (لا تفعلا, إذا صليتما في رحالكم, ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم)) فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يصليا مع الناس وإن كانا قد صليا في رحالهما, لئلا يحصل التفرق, وقال (إنها لكما نافلة) (1) .

* * *

955 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تكرر الجماعة في المسجد واحد؟

فأجاب فضيلته بقوله: إقامة جماعة ثانية في مسجد واحد على ثلاثة أقسام:
(15/83)

الأول: أن يكون المسجد مسجد طريق كالذي يكون على خطوط المسافرين فلا إشكال في إقامة جماعة ثانية إذا فاتت الأولى, لأنه ليس له إمام راتب بل من جاء صلى.

القسم الثاني: أن تكون إقامة الجماعتين راتبة بحيث يجعل للمسجد إمامان أحدهما يصلي أول الوقت, والثاني آخره, فهذا بدعة لا إشكال فيه, لأنه لم يرد عن السلف, وفيه تفريق الناس, وإدخال الكسل عليهم.

القسم الثالث: أن تكون إقامة الجماعتين عارضة بحيث يأتي جماعة بعد انتهاء الجماعة الأولى فإقامة الجماعة الثانية هنا أفضل من الصلاة فرادى لقول النبي صلي الله عليه وسلم (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده, وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل ,وما كان أكثر فهو أحب إلى الله)) (1) . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه (من يتصدق على هذا فيصلي معه)) (2) ؟ يريد رجلاً دخل وقد فاتته الصلاة, فقام أحد القوم فصلى معه, فهنا أقيمت الجماعة الثانية بعد الجماعة الأولى, ولو كانت غير مشروعة ما ندب النبي صلى الله عليه وسلم إليها.

ولا يصح القول بأن المبرر لها أن صلاة الثاني نفل؛ لأن المقصود الذي هو محل الاستدلال إقامة الجماعة الثانية وقد حصل, ولأنه إذا ندب إلى إقامة أولى, ثم إنه هل يمكن لو كان مع الرجل
(15/84)

الداخل الرجل آخر فأقاما الجماعة أن يمنعهما النبي صلى الله عليه وسلم من إقامتها مع أنه صلى الله عليه وسلم ندب من كان قد صلى أن يقوم مع الداخل ليقيما الجماعة؟!

وبهذا يتبين أنه لا وجه لإنكار إقامة الجماعة الثانية في هذا القسم وهو – أعني إقامتها – هو الذي درج عليه علماؤنا لوضوح الدليل فيه, والله أعلم. حرر 8/10/1417هـ.

* * *

956 سئل فضيلة الشيخ: ما رأيكم فيمن يقول في إقامة الجماعة الثانية وفي الحديث ((ألا رجل يتصدق على هذا)) (1) إن هذا الحديث فيه متصدق عليه, واللذان تأخر عن الصلاة فأقاما جماعة ثانية؛ لأن الأصل في العبادة المنع؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

فأجاب فضيلته بقوله: من قال إن الأصل في إقامة الجماعة الثانية المنع نطالبه بالدليل. فهل جاء عن رسول صلى الله عليه وسلم حرف واحد يقول: لا تعيدوا الجماعة؟ ثم إذا كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر واحداً يقوم ليصلي مع هذا المتخلف مع أنه أدى الواجب الذي عليه, فكيف إذا دخل اثنان فاتتهم الجماعة, فالاثنان مطالبان بالجماعة, فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أقام من لم يطالب بالجماعة أن يصلي مع هذا, فكيف نقول لمن تلزمه الجماعة لاتصل جماعة؟! هذا قياس منقلب. وأما تسميتها صدقة فنعم, لأن الرجل الذي يقوم معه قد أدى الواجب
(15/85)

الذي عليه, فصلاته الثانية تكون صدقة, ولو كانت إقامة الجماعة الثانية ممنوعة ما أجاز النبي صلي الله عليه وسلم الصدقة فيها, لأن الصدقة التي تستلزم فعل المحرم لا تجوز, فلا يمكن أن نفعل مستحباً بانتهاك محرم.

فالمهم أن هذا تعليل لا شك أنه عليل بل أقول: إنه تعليل ميت لا روح إطلاقاً, لكنهم استدلوا بأن ابن مسعود جاء مع أصحابه يوماً وقد فاتتهم الصلاة, فانصرف وصلى في بيته, لكن ليس في فعل ابن مسعود – رضي الله عنه – حجة مع وجود السنة, هذه واحدة.

ثانياً: روى ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه دخل المسجد وقد صلوا فجمع بعلقمة ومسروق والأسود. ذكره صاحب الفتح الرباني. وقال: إسناده صحيح.

ثالثاً: هل ابن مسعود – رضي الله عنه – رجع إلى بيته وصلى لأن الصلاة الثانية لا تقام في المسجد؟ أو لسبب آخر؟ لا ندري.

ربما ابن مسعود – رضي الله عنه – خاف أن يقيم الجماعة الثانية وهو من خواص أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فيغتدي به الناس, ويتهاونون بشأن الجماعة ويقولون هذا ابن مسعود – رضي الله عنه – تفوته الجماعة فنحن من باب أولى. وربما كان ابن مسعود – هـ – انصرف إلى بيته خشية أن يقع في قلب إمام المسجد شيء فيقول الإمام: ابن مسعود تأخر ليصلي بأصحابه؛ لأنه يكره إمامتي مثلاً, فيقع في قلبه شي.

فالحاصل أنه لم يعرف السبب الذي من أجله ترك ابن مسعود
(15/86)

رضي الله عنه – إقامة الجماعة الثانية, وإذا كنا لاندري ما السبب دخل مسألة الاحتمال, والعلماء يقولون: إن الدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال.

ولكن كما قلت أولاً: عندنا حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر فيه بإقامة الجماعة الثانية لفوات الأولى, وقال أيضاً (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده)) (1) .وهذا عام, ولهذا أود من طلبة العلم أن لا يأخذوا العلم من رجل واحد, فيعتقدوا أنه معصوم من الخطأ, لو كان أحد معصوماً لكان أول من يعصم الصحابة – رضي الله عنهم – وهم يقع منهم الخطأ.

وعلى كل حال الذي نرى أن إقامة الجماعة الثانية من السنة إذا لم يكن ذلك عادة, وأما جعل ذلك أمراً راتباً فهذا هو الذي يكون من البدعة, كما كان في السابق يصلي في المسجد الحرام أربعة أئمة؛ إمام للحنابلة, إمام للشافعية, إمام للمالكية, إمام للحنفية, لكن لما استولى الملك عبد العزيز – رحمه الله – على مكة ألغى هذا وقال: لايمكن أن يكون في المسجد واحد أربعة أئمة, لأربع جماعات, فثبت إماماً واحداً وهذا هو عين الصواب فرحمه الله.

957 سئل فضيلة الشيخ: هل تشرع الجماعة الفوائت؟ وهل يجهر الإمام في الفائتة؟
(15/87)

فأجاب فضيلته بقوله: صلاة الجماعة مشروعة في الفوائت يعني لو أن قوماً فاتتهم الصلاة فإنهم يصلونها جماعة, وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث, ومن ذلك حديث شغل عن صلاة العصر يوم الخندق, فعن جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش, وقال: يارسول الله ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب, فقال النبي صلي الله عليه وسلم (والله ما صليتها)) قال: فقمنا إلى بطحان فتوضأنا لها, فصلى العصر بعدما غربت الشمس, ثم صلى بعدها المغرب (2) .

وتقضي حسب الصلاة فإن كان يقضي صلاة جهرية جهر في القضاء ,وإن كان يقضي صلاة سرية سر بالقضاء, وهكذا جاءت السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أسفاره حين ناموا عن صلاة الفجر فاستيقظوا في حر الشمس فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلوا الصلاة فأمر بلابل فأذن, ثم صلوا سنة الفجر, ثم صلوا الفجر يجهر بها النبي صلى الله عليه وسلم , فدل ذلك على أن القضاء مثل الأداء.

ولهذا من العبارات المقررة عند الفقهاء (القضاء يحكي الأداء) أي يشابهه ويماثله.

* * *
(15/88)

958 سئل فضيلة الشيخ: عن مصل دخل والإمام في التشهد الأخير فهل يدخل مع الجماعة أو ينتظر جماعة أخرى؟ أفتونا جزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل الإنسان والإمام في التشهد الأخير فإن كان يرجو وجود جماعة لم يدخل معه, وإن كان لا يرجو ذلك دخل معه؛ لأن القول الراجح أن صلاة الجماعة لا تدرك إلا بركعة لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (1) . وكما أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة فكذلك الجماعة, فإذا أدرك الإمام في التشهد الأخير لم يكن مدركاً للجماعة, فينتظر حتى يصليها مع الجماعة التي يرجوها, أما إذا كان لا يرجو جماعة فإن دخوله مع الإمام ليدرك ما تبقى من التشهد خير من الانصراف عنه.

* * *

959 وسئل فضيلته – حفظه الله تعالى -:هل تدرك صلاة الجماعة بإدراك التشهد الأخير أم بإدراك ركعة كاملة؟ وهل الأفضل لمن لم يدرك إلا التشهد الأخير مع الإمام أن يدخل معه أم ينتظر, ولو أنه دخل قدر مع الإمام في التشهد الأخير ثم حضرت جماعة أخرى فهل يجوز له قطع صلاته أو قلبها نفلاً والدخول مع الجماعة الأخيرة؟ وهل يختلف الحكم إذا كان ناوياً
(15/89)

لذلك من الأول؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصواب أن جميع إدراكات الصلاة لا تكون إلا بركعة, لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من أرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) . فصلاة الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة, ولكن إدراك ما دون ركعة خير بعدم الإدراك بالكلية, وعلى هذا فإذا أتى والإمام في التشهد الأخير فالأولى الدخول معه ما لم يعرف أنه يدرك جماعة أخرى, فإن عرف ذلك لم يدخل مع الإمام وصلى مع الجماعة الأخرى سواء كانت جماعة لفي مسجد آخر أو في المسجد الذي أدرك فيه إمامه في التشهد الأخير.

وإذا قدر أن دخل مع الإمام في التشهد الأخير ثم حضرت جماعة فله قطع الصلاة ليدرك صلاة الجماعة من أولها في الجماعة الأخرى, وله أن يكمل صلاته وحده.

وقول السائل: هل يختلف الحكم فيما إذا كان ناوياً ذلك من الأول أم لا؟ لم يتبن لي معناه.

* * *

960 سئل فضيلة الشيخ: من صلى الفريضة منفرداً ثم وجد جماعة فهل يعيد الصلاة معهم؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا صلى الإنسان فريضته منفرداً ثم حضر جماعة بعد تمام صلاته فقد أدى الفريضة بصلاته الأولى, ولكنه يستحب أن يعيد الصلاة مع هؤلاء الجماعة الذين حضروا لقول النبي صلي الله عليه وسلم (إذا صليتما في رحالكما, ثم أتيتما مسجداً جماعة
(15/90)

فصليا معهم فإنها لكما نافلة)) (1) .

فعلى هذا نقول تعيد الصلاة مع هؤلاء الحاضرين وتكون الصلاة الثانية نفلاً, وأما الصلاة الأولى فإنها فرض.

* * *

961 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل دخل المسجد وقد فاتته الجماعة فهل يجوز أن يصلي به إمام المسجد؟ أفتونا وفقكم الله وجزاكم خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل رجل وقد فاتته صلاة الجماعة فلا بأس أن يصلي به إمام المسجد إماماً, فتكون لإمام المسجد نافلة وللداخل فريضة, وصلاة المتنفل بالمفترض جائزة على القول الصحيح ,لأن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يرجع إلى قوم فيصليها بهم, له نافلة, ولهم فريضة ثبت ذلك في الصحيحين (2) وغيرهما, ولم ينهه الله ولا رسوله عن ذلك.

* * *

962 سئل فضيلة الشيخ: - أعلى الله درجته في المهديين -:

عن إعادة الجماعة في المسجد لمن فاتتهم صلاة الجماعة مع الإمام؟

فأجاب فضيلته بقوله: إعادة الجماعة لمن فاتتهم صلاة
(15/91)

الجماعة الأم سنة؛ لأن رجلاً دخل المسجد ورسول الله صلى عليه وعلى أله وسلم جالس في أصحابه وقد صلوا فقال صلي الله عليه وسلم (من يتصدق على هذا)) فقام رجل فصلى معه (3) .

* * *
(15/92)

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم حفظه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . . وبعد:

سؤالكم إعادة الجماعة في المسجد الواحد بعد الجماعة الأولى.

جوابه: إعادة الجماعة في المسجد الواحد بعد الجماعة الأولى تقع على وجهين:

الوجه الأول: أن يكون ذلك معتاداً بحيث يكون في المسجد إمامان إذا صلى أحدهما صلى الثاني بعده فهذا منكر؛ لأنه يؤدي إلى تفريق الجماعة فيشبه مسجد ضرار, فإن في مسجد الضرار تفريقاً بين المؤمنين في المكان, وهذا تفريق بينهم في الزمان؛ ولأن ذلك من البدع التي لم تكن معروفة في عهد سلف الأمة.

الوجه الثاني: أن يكون ذلك لعارض مثل أن يدخل جماعة, وقد انتهت الجماعة الأولى, فالأفضل أن يصلوا جماعة ولا يتفرقوا لقول النبي صلي الله عليه وسلم (صلاة الرجل مع الرجل, أزكى من صلاته وحده, وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله)) (1) . وهذا عام في الجماعة الأولى والثانية التي أقيمت
(15/93)

لعارض, ويؤيد العموم ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وجماعة من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رجلاً دخل المسجد وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فقال النبي صلي الله عليه وسلم (من يتصدق على هذا فيصلي معه)) فقام رجل من القوم فصلى معه (2) ,فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقوم معه من يصلي لتحصل الجماعة لهذا الداخل, مع أن القائم معه قد أدى الفريضة, فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حث من أدى الفريضة أن يقوم مع هذا الداخل, فهل يقول قائل: إنه لو دخل رجلان فلا يشرع لهما أن يصليا جمعياً؟!

هذا من أبعد ما يقال, والشريعة الإسلامية لكمالها والتئامها لا يمكن أن تأتي بمشروعية شيء, وتدع ما كان مثله أو أولى منه.

فالجماعة أقيمت مرتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقراره بل بأمره, لكن كانت الثانية عارضة, فلو كان فيها مفسدة لم يكن فرق بين أن يكون الواحد من الجماعة متطوعاً أم مفترضاً, بل المفترض أولى أن يقيم الجماعة؛ لأنه لا يحصل منه شيء من المنة على الثاني؛ لأن كل واحد منهما انتفع بالآخر بحصول الجماعة لهما في فرضيتهما.

وقد جاءت الآثار عن الصحابة – رضي الله عنهم – مؤيدة لذلك فروى ابن شبية في مصنفه عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – أنه دخل المسجد وقد صلوا فجمع بعلقمة ومسروق والأسود (3) ذكره صاحب الفتح الرباني , وقال: إسناده صحيح.
(15/94)

وروى ابن شيبة أيضاً عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه دخل المسجد وقد صلوا فصلى بمن معه من جماعة (1) ,قال في المغني ((وهو قول ابن مسعود, وعطاء, والحسن, والنخعي, وقتادة, وإسحاق)) .ا. هـ. وهو مذهب الإمام أحمد - رحمه الله - وعليه تدل الأدلة كما سبق, وبها يعرف ضعف القول بعدم مشروعية إقامة الجماعة لمن فاتتهم مع الإمام الراتب, وقد علل الشيرازي صاحب المهذب كراهة الجماعة الثانية بأنه ربما اعتقد أنه قصد الكياد والإفساد, وهذا التعليل إنما ينطبق على من جعل ذلك أمراً معتاداً وهو الوجه الأول الذي ذكرناه, وأما إذا كان ذلك عارضاً فإنه لا ينطبق عليه ذلك, والله أعلم. في 16/3/1406هـ.
(15/95)

* قطع النافلة
* إدراك الجماعة
* إدراك الإمام في التشهد الأخير
* فرغ المأموم من القراءة عند إطالة الإمام
* مسابقة الإمام
* انتظار المصلي حتى ركوع الإمام
* إطالة الإمام للصلاة
* صلاة المرأة في المسجد
(15/97)

963 سئل فضيلة الشيخ: إذا أقيمت الصلاة وقد شرع الإنسان في نافلة فما العمل؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا أقيمت الصلاة المكتوبة وقد شرع الإنسان في النافلة فمن أهل العلم من يقول: يجب عليه قطعها فوراً وإن كان في التشهد الأخير.

ومن العلماء من يقول: لا يقطعها إلا أن يخاف أن يسلم والإمام قبل أن يدرك معه تكبيرة الإحرام, فعلى القول الأخير يستمر في الصلاة حتى لو فاتت جميع الركعات مادام يدرك تكبيرة الإحرام, قبل أن يسلم الإمام فيستمر في هذا النفل.

وعندي أن القول الوسط في ذلك: أنه إذا أقيمت الصلاة والمصلي في الركعة الثانية فيتمها خفيفة, فإن أقيمت وهو في الركعة الأولى فيقطعها مستنداً في ذلك إلى قول النبي صلي الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (1) . فإذا كان الإنسان قد صلى ركعة قبل إقامة الصلاة فقد أدرك ركعة قبل الحظر والمنع, وإذا أدرك ركعة قبل الحظر والمنع فقد أدرك الصلاة وصارت الصلاة كلها غير ممنوعة فيتمها لكن خفيفة, لأن إدراك جزء من الفرض خير من إدراك جزء من النفل, أما إذا كان في الركعة الأولى فإنه لم يدرك من الوقت الذي تباح فيه النافلة ما يدرك به الصلاة؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول (من أدرك ركعة من الصلاة)) . وبناء على هذا
(15/99)

فإنه يقطعها لقول النبي صلي الله عليه وسلم (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (2) .

* * *

964 سئل فضيلة الشيخ: ما العمل إذا أقيمت الصلاة المكتوبة, وقد شرع المصلي في النافلة؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا أقيمت الصلاة المكتوبة, وقد شرعت في النافلة, فمن أهل العلم من يقول: يجب عليك قطعها فوراً, وإن كنت في التشهد الأخير.

ومن العلماء من يقول: لا تقطعها إلا أن تخاف أن يسلم الإمام قبل أن تدرك معه تكبيرة الإحرام.

هذان قولان متقابلان:

فالقول الأول: إذا أقيمت الصلاة فاقطع النافلة ولو كنت في التشهد الأخير.

والقول الثاني: لا تقطعها إلا إذا بقي من صلاة الإمام بقدر تكبيرة الإحرام فاقطعها؛ يعني تستمر في الصلاة, ولا تقطعها إلا إن خفت أن يسلم الإمام قبل أن تدرك معه تكبيرة الإحرام.

هذان القولان: متقابلان, يعني على هذا القول الأخير, استمر في الصلاة حتى لو فاتتك جميع الركعات, مادمت تدرك جميع تكبيرة الإحرام, قبل أن يسلم الإمام, فاستمر في هذا النفل,
(15/100)

وعندي أن القول الوسط في ذلك, أنه إذا أقيمت الصلاة وأنت في الركعة الثانية فأتمها خفيفة, وإن أقيمت وأنت في الركعة الأولى فاقطعها, لقول النبي صلي الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (1) .فإذا كنت قد صليت ركعة قبل إقامة الصلاة فقد أدركت ركعة قبل الحظر والمنع.

وإذا أدركت ركعة قبل الحظر والمنع فقد أدركت الصلاة, وصارت الصلاة كلها غير ممنوعة فتتمها لكن خفيفة؛ لأن إدراك جزء من الفرض خير من إدراك جزء من النفل, أما إذا كنت في الركعة الأولى فإنك لم تدرك من الوقت ما تدرك به الصلاة؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) .

وبناء على هذا فإنك تقطعها لقول النبي صلي الله عليه وسلم (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (2) .

* * *

965 سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للإنسان أداء تحية المسجد والصلاة قد أقيمت؟ وما إذا أقيمت الصلاة وقد شرع الإنسان في نافلة؟

فأجاب فضيلته بقوله: قال النبي صلي الله عليه وسلم (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)) (3) ولا يحل لأحد أن يبدأ نافلة بعد إقامة الصلاة, فإن فعل فقد عصى رسول الله صلي الله عليه وسلم ,وإذا فعل فصلاته باطلة
(15/101)

لقوله عليه الصلاة والسلام (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) (4) . فكيف إذا عمل عملاً عليه نهي النبي صلى الله عليه وسلم فيكون أشد رداً, ولهذا نشاهد في بعض الأحيان جماعة إذا جاءوا لصلاة الفجر, والصلاة قد أقيمت, يصلون سنة الفجر, لأنهم يقولون: إن صلاة الفجر تطول فيها القراءة, ويمكننا اللحاق بالركعة مع الإمام وهذا حرام عليهم ولا يجوز, ونافلتهم التي صلوها باطلة لا تجزئهم عن راتبة الفجر.

وأما إذا أقيمت الصلاة وأنت في أثناء الصلاة فمن أهل العلم من يقول: إنك تكمل النافلة إلا إذا خشيت أن يسلم الإمام قبل أن تدرك معه تكبيرة الإحرام, ففي هذه الحال تقطع نافلتك وتلحق بالإمام وهذا هو المشهور من مذهب الإمام عند المتأخرين.

وقال بعض العلماء: إذا أقيمت الصلاة وأنت في أثناء النافلة فأقطعها حتى ولو كنت في التشهد الأخير.

والراجح في هذا: أنك إذا صليت ركعة من النافلة وقمت إلى الثانية ثم أقيمت الصلاة فكملها خفيفة, وإن أقيمت الصلاة وأنت في الركعة الأولى فاقطعها, ودليل هذا القول الراجح مركب من دليلين قال تعالى: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) وقال النبي عليه الصلاة والسلام (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (1) . فإذا كنت أدركت الركعة وقمت إلى الثانية فقد أدركت الركعة قبل وجود شرط النهي؛ لأن النهي عن النافلة يكون إذا أقيمت الصلاة, فأنت
(15/102)

الآن صليت ركعة قبل أن يقيم فقد صليت ركعة مأذوناً فيها؛ لأنها قبل إقامة فتكون أدركت ركعة من الصلاة فأدركت الصلاة فأتمها خفيفة, إما إذا أقيمت الصلاة وأنت في الركعة الأولى فإنك تقطعها؛ لأنك لم تدرك ركعة قبل وجود شرط النهي. وهذا القول وسط بين القولين.

* * *

966 سئل فضيلة الشيخ: إذا كنت أصلي تطوعاً ونادى الأمير في الجهاد بالجمع بأن نجمع عنده خلال دقائق فهل أكمل صلاتي أو أقطعها؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت في صلاة مفروضة الصلاة ولكن لا بأس أن تتمها خفيفة.

أما إذا كنت في نافلة وكان هذا الأمير معروفاً بالرزانة وأنه لا يدعو الجماعة إلا لحاجة فلا حرج أن تقطع النفل إلا إذا كنت تعلم أن هذا الأمير يعذرك مادمت على هذه الحال فلا حرج أن تكمل النافلة.

أما كان الأمير من قوم يريدون أن يفرضوا سيطرتهم على الناس فقط بحيث يدعوهم كلما شاء لأغراض لا تستوجب الجمع فإنك تكمل النافلة على كل حال.

* * *

967 سئل فضيلة الشيخ: عن مصل دخل والإمام في التشهد الأخير فهل يدخل معه في الصلاة أو ينتظر حتى يصلي مع
(15/103)

جماعة أخرى؟ أفتونا جزاكم الله عنا خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل الإنسان والإمام في التشهد الأخير فإن كان يرجو وجود جماعة لم يدخل معه وإن كان لا يرجو ذلك دخل معه؛ لأن القول الراجح أن صلاة الجماعة لا تدرك إلا بركعة لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) (2) وكما أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة فكذلك الجماعة فإذا أدرك الإمام في التشهد الأخير لم يكن مدركاً للجماعة فينتظر حتى يصليها مع الجماعة التي يرجوها, أما إذا كان لا يرجو جماعة فإن دخوله مع الإمام ليدرك ما تبقى من التشهد خير من الانصراف عنه.

* * *

968 سئل فضيلة الشيخ: عن شخص أتى إلى المسجد متأخراً وأدرك الجماعة وهم في التشهد الأخير هل يلحق بهم أو ينتظر للجماعة القادمة وإذا التحق بالجماعة في التشهد الأخير ثم سمع جماعة جديدة هل يقطع صلاته أو يتمها؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الذي جاء والإمام في التشهد الأخير يعلم أنه سيجد جماعة فإنه ينتظر ويصلي مع الجماعة؛ لأن القول الراجح أن الجماعة لا تدرك إلا بركعة كاملة أما إذا كان لا يرجو وجود أحد يصلي معه فإن الأفضل أن يدخل معهم ولو في التشهد الأخير؛ لأن إدراك بعض الصلاة خير من عدم
(15/104)

الإدراك كلية, وإذا قدر أنه دخل مع الإمام لعلمه أنه لا يجد جماعة, ثم حضر جماعة وسمعهم يصلون فلا حرج عليه أنه يقطع صلاته ويذهب معهم ويصلي, أو يحولها نفلاً ركعتين ثم يذهب مع هؤلاء القوم ويصلي معهم وإن استمر على ما هو عليه فلا حرج عليه.

* * *

969 سئل فضيلة الشيخ: إذا حضر الإنسان ومعه جماعة والإمام في التشهد الأخير فهل يدخلون معه أو يقيمون جماعة ثانية؟

فأجاب فضيلته بقوله: الأولى إذا جاء الإنسان ومعه جماعة والإمام في التشهد الأخير أن لا يبدأوا بالصلاة حتى تتم الجماعة الأولى لئلا تجتمع جماعتان في مكان واحد, ولكن إذا فعلوا ذلك وكانوا بعيدين الجماعة الأولى لا يشوشون عليهم فلا بأس بهذا.

وننتقل من هذه المسألة إلى مسألة أخرى وهي إذا جاء جماعة إلى المسجد وهم لم يصلوا صلاة العشاء الآخرة ووجدوهم يصلون صلاة التراويح فإنهم يدخلون معهم في صلاة التراويح بنية العشاء ثم إن كانوا مسافرين فإنهم يسلمون مع الإمام في صلاة التراويح إذا كانوا قد صلوا ركعتين وإن كانوا مقيمين جماعة أخرى لصلاة العشاء لأنه لا ينبغي أن يكون جماعتان في مسجد واحد فإن هذا عنوان التفرق حتى أن الرسول صلي الله عليه وسلم لما ذات يوم ووجد رجلين معتزلين
(15/105)

لم يصليا في القوم قال: (ما منعكما أن تصليا)) ؟ قالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا, قال صلي الله عليه وسلم (لا تفعلا, إذا صليتما في رحالكما, ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معه)) (1) . فأمرهما النبي صلي الله عليه وسلم أن يصليا مع الناس وإن كان قد صليا في رحالهما لئلا يحصل التفرق, وقال صلي الله عليه وسلم (إنها لكما نافلة)) ,فهكذا إذا دخلنا المساجد والناس يصلون صلاة التراويح فإننا ندخل معهم وننويها صلاة العشاء وهذا قد نص عليه الإمام أحمد – رحمه الله -.

* * *

970 سئل فضيلة الشيخ: عن مأموم دخل الصلاة بعد انتهاء تكبير الإمام للإحرام وقراءته للفاتحة, ثم شرع في القراءة ولكن ركع الإمام فهل يركع المأموم أو يكمل قراءة الفاتحة؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل المأموم والإمام يريد أن يركع, ولم يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة, إن كان لم يبق عليه إلا آية أو نحوها بحيث يمكنه أن يكملها ويلحق الإمام في الركوع فهذا حسن, وإن كان بقي عليه كثير بحيث إذا قرأ لم يدرك الإمام في الركوع فإنه يركع مع الإمام وإن لم يكمل الفاتحة.

* * *

971 سئل فضيلة الشيخ: إذا أراد الإنسان أن يدخل في الصف مع الجماعة وقد أقيمت الصلاة وهو يعلم أن الفاتحة
(15/106)

تفوته أو يفوته بعض منها إذا دخل في الصلاة وقرأ دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام فأيهما يقدم دعاء الاستفتاح أم الفاتحة؟ وإذا كبر الإمام للركوع والإنسان لم يكمل الفاتحة فهل يكملها ولو أدى ذلك إلى عدم المتابعة في الركوع؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا جاء الإنسان ودخل مع الإمام فإنه يكبر تكبيرة الإحرام ويستفتح ويشرع بقراءة الفاتحة, ثم إن تمكن من إتمامها قبل أن يفوته الركوع فعل, فإن لم يتمكن فإنها تسقط عنه؛ لأنه مسبوق في القيام, وحينئذ يكون قد أتى بالصلاة على ترتيبها المشروع. وإذا كبر الإمام للركوع وأنت لم تكمل الفاتحة فإن كان من عادته الإسراع ولا يمكن متابعته فإن الواجب أن تنفرد عنه, وتتم صلاتك على وجه الطمأنينة, وإن كان ليس عادته ذلك لكنك أنت نسيت أو غفلت فإنك تتمها وتلحقه ولو بعد أن قام من الركوع, ولا يفوتك الركوع في هذه الحال, لأنك داخل الصلاة من أولها لست مسبوقاً.

* * *

972 سئل فضيلة الشيخ: إذا دخل المصلي والإمام راكع فهل يجوز له الإسراع لإدراك الركعة؟ أفتونا جزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخلت والإمام راكع فلا تسرع, ولا تدخل في الصلاة قبل أن تصل إلى الصف؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال
(15/107)

لأبي بكرة رضي الله عنه حين فعل ذلك (زادك الله حرصاً ولا تعد)) (1) .

* * *

973 سئل فضلة الشيخ: إذا أدرك المأموم الإمام ساجداً فهل ينتظر حتى يرفع أو يدخل معه؟

فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل الدخول مع الإمام على أي حال وجده ولا ينتظر, لعموم قوله صلي الله عليه وسلم (فما أدركتم فصلوا)) (2) .

* * *

974 سئل فضيلة الشيخ: إذا فرغ المصلي في الصلاة السرية من قراءة الفاتحة وسورة والإمام لم يركع فهل يسكت؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا يسكت المأموم إذا فرغ من قراءة الفاتحة وسورة قبل أن يركع الإمام, بل يقرأ حتى يركع الإمام حتى لو كان في الركعتين اللتين بعد التشهد الأول وانتهى من الفاتحة ولم يركع الإمام فإنه يقرأ سورة أخرى حتى يركع الإمام؛ لأنه ليس في الصلاة سكوت إلا في حال استماع المأموم لقراءة إمامه.

* * *

975 سئل فضيلة الشيخ: إذا دخل الإنسان في صلاة سرية وركع الإمام ولم يتمكن هذا الشخص من إكمال الفاتحة فما العمل؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مسبوقاً بمعنى أنه جاء والإمام
(15/108)

قد شرع في الصلاة ثم كبر واستفتح وقرأ الفاتحة وركع الإمام قبل انتائه منها فإنه يركع مع الإمام ولو فاته بعض الفاتحة؛ لأنه كان مسبوقاً فسقط عنه ما لم يتمكن من إدراكه قبل ركوع الإمام وأما إذا كان دخل والإمام في أول الصلاة وعرف من الإمام أنه لا يتأنى في صلاته, وأنه لا يمكنه متابعة الإمام إلا بالإخلال بأركان الصلاة ففي هذه الحال يجب أن يفرق الإمام, وأن يكمل الصلاة وحده؛ لأن المتابعة هنا متعذرة إلا بترك الأركان, وترك الأركان مبطل للصلاة.

* * *

976 سئل فضيلة الشيخ: إذا فرغ المأموم من قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية ولم يشرع الإمام في القراءة بعد الفاتحة فماذا يصنع المأموم في مثل هذه الحال؟

فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على ذلك أننا نقول للإمام

أولاً: لا ينبغي لك أن تسكت هذا السكوت الطويل بين قراءة الفاتحة وقراءة ما بعدها, والمشروع للإمام أن يسكت سكتة لطيفة بين الفاتحة والسورة التي بعدها ليتميز بذلك القراءة المفروضة والقراءة المستحبة, والمأموم يشرع في هذه السكتة اللطيفة بقراءة الفاتحة ويتم قراءة الفاتحة ولو كان الإمام يقرأ, وأما السكوت الطويل من الإمام فإن ذلك خلاف السنة, ثم على فرض أن الإمام كان يفعل ذلك ويسكت هذا السكوت الطويل فإن المأموم إذا قرأ الفاتحة وأتمها يقرأ بعدها سورة حتى يشرع الإمام في قراءة السورة التي بعد
(15/109)

الفاتحة وحينئذ يسكت؛ لأنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ والإمام يقرأ إلا قراءة الفاتحة فقط

* * *

977 سل فضيلة الشيخ: ما حكم السكتة التي يفعلها بعض الأئمة بعد قراءة الفاتحة؟ وهل يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية؟

فأجاب فضيلته بقوله: السكتة التي يسكتها الإمام بعد الفاتحة سكتة يسيرة للتميز بين قراء الفاتحة التي هي ركن, وبين القراءة التي بعدها وهي نفل, ويشرع فيها المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية لعموم قوله عليه الصلاة والسلام (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) (1) . ولأن النبي صلي الله عليه وسلم انصرف ذات يوم من صلاة الصبح فقال (لعلكم تقرءون خلف إمامكم)) ؟ قالوا: نعم. قال (فلا تفعلوا إلا بأم الكتاب, فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) (2) . وهذا نص في أن قراءة الفاتحة واجبة حتى في الصلاة الجهرية. والنفي هنا نفي للصحة, ويدل على ذلك قول الرسول صلي الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة صلي الله عليه وسلم (من صلى صلاةً لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج فهي
(15/110)

خداج)) (3) .يعني فاسدة, فالنفي هنا نفي للصحة. و (من) في حديث صلي الله عليه وسلم (لا صلاة لمن لم يقرأ. .)) اسم موصول, والاسم الموصول لعموم, فـ (لمن) لم يقرأ عام, يشمل الإمام, والمأموم, والمنفرد, فإذا كانت الصلاة سرية فواضح أن المأموم سيقرأ, أما إذا كانت جهرية فهل يقرأ المأموم الفاتحة أو الإمام يقرأ؟

الجواب: نعم, ولكن لا تقرأ غيرها.

* * *

978 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم مسابقة الإمام؟

فأجاب فضيلته بقوله: مسابقة الإمام محرمة لقول النبي صلي الله عليه وسلم (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار, أو يجعل صورته صورة حمار)) (1) . وهذا تهديد لمن سابق الإمام, ولا تهديد إلا على فعل محرم ,أو ترك واجب.

وثبت عنه أنه قال صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به, فإذا كبر فكبروا, ولا تكبروا حتى يكبر, وإذا ركع فاركعوا, ولا تركعوا حتى يركع)) (2) .الحديث

وأقول بهذه المناسبة: إن المأموم مع إمامه له أربع حالات:

1- مسابقة.

2- موافقة.
(15/111)

3- متابعة.

4- تخلف.

فالمسابقة: أن يبدأ بالشيء قبل إمامه, وهذا حرام, وإذا كان في تكبيرة الإحرام لم تنعقد صلاته إطلاقاً, ويجب عليه أن يعيد الصلاة من جديد.

والموافقة: أن يكون موافقاً للإمام يركع مع ركوعه, ويسجد مع سجود, وينهض مع نهوضه, وظاهر الأدلة أنها محرمة أيضاً لقوله صلي الله عليه وسلم (لا تركعوا حتى يركع)) .

وبعض العلماء يرى أنها مكروهة وليست محرمة إلا في تكبيرة الإحرام فإنه إذا وافق إمامه فيها لم تنعقد صلاته وعليه الإعادة.

والمتابعة: أن يأتي بأفعال الصلاة بعد إمامه بدون تأخر, وهذا هو المشروع.

والتخلف: أن يتخلف عن إمامه تخلفاً يخرجه عن المتابعة وهذا خلاف المشروع

* * *
(15/112)

فصل

قال فضيلة الشيخ - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -:

بسم الله الرحمن الرحيم

خلاصة الكلام في سبق المأموم إمامه: أن جميع أقسامه حرام أما من حيث بطلان الصلاة به فهو أقسام:

الأول: أن يكون السبق إلى تكبيرة الإحرام, بأن يكبر للإحرام قبل إمامه أو معه, فلا تنعقد صلاة المأموم حينئذ, فيلزمه أن يكبر بعد تكبيرة غمامه, فإن لم يفعل فعليه إعادة الصلاة.

الثاني: أن يكون السبق إلى ركن, مثل أن يركع قبل الإمامه, أو يسجد قبله, فليزمه أن يرجع ليأتي بعد ذلك إمامه.

الرابع: أن يكون السبق بركن غير الركوع مثل أن يسجد ويرفع قبل أن يسجد إمامه, فإن كان عالماً ذاكراً بطلت صلاته, وإن كان جاهلاً أو ناسياً فصلاته صحيحة.

الخامس: أن يكون السبق بركنين مثل أن يسجد ويرفع قبل سجود إمامه, ثم يسجد الثانية قبل إمامه من السجدة الأولى, أو
(15/113)

يسجد ويرفع ويسجد الثانية قبل سجود إمامه, فإن كان عالماً ذاكراً بطلت صلاته, وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلت ركعته فقط, إلا أن يأتي بذلك بعد إمامه.

هذه خلاصة أحكام السبق على المشهور على المذهب.

والصحيح: أنه متى سبق إمامه عالماً ذاكراً فصلاته باطلة بكل أقسام السبق, وإن كان جاهلاً أو ناسياً فصلاته صحيحة إلا أن يزول عذره قبل أن يدركه الإمام, فإنه يلزمه الرجوع ليأتي بما سبق فيه بعد إمامه, فإن لم يفعل عالماً ذاكراً بطلت صلاته, وإلا فلا.

وأما التخلف عن الإمام فعلى قسمين:

الأول: أن يدرك الإمام في الركن الذي سبقه به, فصلاته صحيحة, مثل أن يتأخر عن الإمام في السجود, ولكنه يسجد قبل أن يرفع الإمام فصلاته صحيحة, ولكنه خلاف السنة؛ لأن السنة المبادرة في متابعة الإمام.

الثاني: أن لا يدرك الإمام في الركن بحيث ينفصل منه الإمام قبل أن يصل إليه, فإن كان لعذر أتى بما تخلف فيه إلا أن يصل الإمام إلى مكان تخلفه فيبقى مع إمامه وتكون له ركعة ملفقة.

مثال ذلك: مأموم لم يسمع تكبير إمامه للركوع ,فلما قال: سمع الله لمن حمده, سمعه فحينئذ يركع ويتابع إمامه, لأن إمامه لم يصل إلى مكان تخلفه.

ومثال آخر: مأموم لم يسمع تكبير إمامه للركوع في الركعة الأولى فبقي قائماً حتى قام إمامه للركعة الثانية فحينئذ يبقى مع إمامه وتكون ثانية إمامه أولاه, وتكون ركعته ملفقه من ركعتي إمامه
(15/114)

الأولى والثانية؛ لأن إمامه وصل إلى مكان تخلفه.

وإن كان تخلفه عن إمامه لغير عذر فكالسبق على ما تقدم من التفصيل, ولا يخفى أن الصحيح أن الصلاة تبطل إذا تخلف بركن, أو أكثر لغير عذر سواء كان الركن ركوعاً أم غيره, والله أعلم.
(15/115)

979 سئل فضيلة الشيخ: عن علافة المأموم بإمامه؟

فأجاب فضيلته بقوله: علاقة المأموم بإمامه, علاقة متابعة, ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به, فلا تختلفوا عليه, فإذا كبر فكبروا, وإذا ركع فركعوا, وإذا سجد فاسجدوا, وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقالوا: ربنا ولك الحمد, وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً, وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين)) (1) . ومقام المأموم مع إمامه في هذه الناحية يتنوع إلى أربع مقامات: متابعة, وموافقه, ومسابقة, وتأخر.

فأما المتابعة: فأن يأتي الإنسان بأفعال الصلاة بعد إمامه مباشرة, إذا ركع ركع بدون تأخر, وإذا سجد, سجد بدون تأخر, وهكذا في بقية أفعال الصلاة.

وأما الموافقة: فأن يفعل هذه الأفعال مع إمامه, يركع مع ركوعه, ويسجد مع سجود ,ويقوم مع قيامه, ويقعد مع قعوده.

وأما المسابقة: فأن يتقدم إمامه في هذه الأفعال, فيركع قبله, ويسجد قبله, ويقعد قبله.

وأما التأخر: فأن يتوانى في متابعة الإمام, فإذا ركع الإمام, بقي واقفاً يقرأ, وإذا سجد بقي قائماً يحمد وهكذا. وكل هذه المقامات مذمومة إلا مقام المتابعة.

فالموافق لإمامه مخالف لقول الرسول عليه الصلاة
(15/116)

والسلام (لا تكبروا حتى يكبر الغمام ولا تركعوا حتى يركع)) (2) .

والسابق له, واقع

في التحذير الشديد الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله (إذا كبر الإمام فكبروا, وإذا ركع فاركعوا)) (3) .

جملة شرطية تقتضي أن يقع المشروط فور وجود الشرط, وأن لا يتأخر عنه, فهو منهي عنه.

فالمسابقة: حرام, والموافقة: قيل: إنها مكروهة, وقيل: إنها حرام, والتأخر: أقل أحواله الكراهة, أما المتابعة فهي الأمر الذي أمر به النبي صلي الله عليه وسلم.

وهنا مسألة: أي الحالات أشد: المسابقة, أم الموافقة ,أم التخلف عنه؟

الجواب: المسابقة أشدها؛ لأنه ورد فيه الوعيد المتقدم؛ ولأن القول الراجح؛ أن الإنسان إذا سبق إمامه عالماً ذاكراً, بطلت صلاته, سواء سبقه إلى ركن أو بالركن, لأنه إذا سبق إمامه فقد فعل فعلاً محرماً في الصلاة.

* * *
(15/117)

980 سئل فضيلة الشيخ: هل الأفضل الدخول مع الإمام في صلاة فوراً أو انتظاره حتى ينتصب قائماً أو يطمئن جالساً؟

فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل الدخول مع الإمام على أي حال وجده ولا ينتظر حتى يقوم من سجوده, أو قعود لعموم قوله صلي الله عليه وسلم (فما أدركتم فصلوا)) (1) . ولأنه إذا دخل معه حصل له أجر ما صلاه.

* * *

981 سئل فضيلة الشيخ: ما رأي فضيلتكم في رجل يجلس حتى يركع الإمام فيقوم ويدخل معه؟

فأجاب فضيلته بقوله: تأخير المأموم الدخول مع الإمام حتى يكبر للركوع تصرف ليس بسليم, بل إنني أتوقف هل تصح ركعته هذه أو لا تصح؟ لأنه تعمد التأخير الذي لا يتمكن معه من قراءة الفاتحة ركن لا تسقط عن الإمام, ولا عن المأموم, لولا عن المنفرد, فكونه يبقى حتى يركع الإمام, ثم يقوم فيركع معه هذا خطأ بلا شك, وخطر على صلاته, وعلى الأقل ركعته أن لا يكون أدركها.

* * *

982 سئل فضيلة الشيخ: ما رأي فضيلتكم في رجل يكبر مع الإمام وهو جالس لمرض كان فيه, فإذا قارب الإمام الركوع
(15/118)

قام فركع معه وإذا قام الإمام للركعة الثانية جلس أيضاً فإذا قارب الإمام الركوع قام فركع معه؟

فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا بأس به وقد كان النبي صلي الله عليه وسلم حين كبر وثقل يفعل هذا في صلاة الليل (1) ,يبدأ وهو جالس, ويقرأ, فإذا قارب الركوع قام, وقرأ ما تيسر من القرآن ثم ركع.

وكذلك إذا سجد مع الإمام, ثم قام الإمام إلى الثانية, وجلس هو فإذا قارب الإمام الركوع قان فركع معه كل هذا لا بأس به عند العذر لقوله:) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (التغابن: من الآية16) .

وقوله:) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286) وقوله:) وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: من الآية78)

* * *

983 سئل فضيلة الشيخ: ما رأيكم فيمن يجلس حتى يقارب الإمام الركوع فيقوم ويدخل معه؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان ذلك في صلاة النافلة كقيام رمضان فبقي الإنسان بعد أن كبر الإمام حتى قارب الركوع فقام ودخل مع الإمام فلا حرج عليه في ذلك؛ لأن صلاة القيام غير واجبة, بل لو انصرف من المسجد بعد التكبير الإمام وخرج فلا حرج عليه.

أما إذا كانت الفريضة فإن خلاف ما أمر النبي صلي الله عليه وسلم؛لأن
(15/119)

النبي صلي الله عليه وسلم يقول (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة, وعليكم السكينة والوقار, ولاتسرعوا, فما أدركتم فصلوا)) (2) .وهذا الذي جلس أدرك الصلاة من أولها فلماذا يبقى قاعداً لا يدخل مع الإمام؟!

فالذي يجب عليه ويدخل مع الإمام, لا سيما وأنه إذا أخر الدخول حتى ركع الإمام, ثم قام وركع معه فإني أشك في كونه مدركاً للركعة؛ لأنه ترك قراءة الفاتحة من غير عذر.

* * *

984 سئل فضيلة الشيخ: عن بعض الناس يتخلفون عن الإمام في صلاة القيام حتى يركع فيركعون معه, فهل تصح هذه الركعة؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا ينبغي للمسلم أن يتأخر عن تكبيرة الإحرام, وليذكر نفسه أن المسألة ليال محدودة معدودة, ليست طويلة, وقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتورم قدماه (1) مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, وما أخف التعب إذا وفق الإنسان لليلة القدر, والمرء يؤجر على قدر عزيمته وإخلاصه, ومتابعته لرسول الله صلي الله عليه وسلم, أما التكاسل, وإعطاء النفس حظها من الراحة, فيبقى الإنسان يتحدث حتى إذا قارب الإمام على الركوع ,فذها لا شك خطأ, وفيه حرمان من الأجر, وإن لم يكن فيه إثم لأنها تطوع.

* * *
(15/120)

985 سئل فضيلة الشيخ: هل مايقضيه المسبوق هو آخر صلاته؟

فأجاب فضيلته بقوله: ما يقضيه المسبوق اختلف العلماء فيه, والصواب أنه آخر صلاته لقوله صلي الله عليه وسلم (وما فاتكم فأتموا)) (2) .

وأما قوله: فاقضوا فالقضاء بمعنى الإتمام كما في قوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات) (فصلت: من الآية12) ولهذا إذا أدرك مع الإمام ركعة من الثلاثية أو الرباعية تشهد الأول في أول ركعة يقضيها ولو كان أول صلاته ما تشهد إلا بعد ركعتين.

* * *

986 سئل فضيلته أيضاً: هل ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن المسبوق يتم صلاته على ما أدرك مع إمامه ,فيكون ما أدركه مع الإمام أول صلاته, وما يأتي به بعد سلام الإمام آخر صلاته, لقول النبي صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا)) . وعلى هذا فيقتصر فيما يقضيه على الفاتحة إذا كان قد أدرك مع الإمام ركعتين.

وقال أكثر العلماء: بل يقرأ السورتين إن لم يكن قرأهما فيما أدرك مع الإمام, والأمر في ذلك واسع

* * *
(15/121)

987 سئل فضيلة الشيخ: شكا لي بعض المأمومين من أنني أطيل الوقوف بعد الرفع من الركوع لأنني أقرأ الذكر الوارد كله بعد الرف من الركوع صلي الله عليه وسلم (ربنا ولك الحمد, حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. . الخ)) فهل هناك دعاء مختصر يقرأ بعد الرفع من الركوع حتى لا نشق على الناس؟

فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على الإمام وكل من أقيم على عمل من الأعمال أن يراعي جانب السنة فيه وأن لا يخضع لأحد لمخالفة السنة ول بأس إذا دعت الضرورة والحاجة أحياناً أن يخفف كما كان النبي صلي الله عليه وسلم يفعل ذلك, أما في الأحوال الدائمة المستمرة فلزوم السنة هو مقتضى الإمامة, فكن ملازماً لفعل السنة وأخبر التاس أنهم إذا صبروا على هذا نالوا ثواب الصابرين على طاعة الله, ولو ترك التخفيف وعدمه إلى أهواء الناس لتفرقت الأمة شيعاً, ولكان الوسط عند قوم تطويلاً عند الآخرين, فعليك بما جاء بالسنة وهي معروفة ولله الحمد.

ولهذا أنصح كل إمام يتولى إمامة المسلمين في المساجد أن يحرص على قراءة ما كتبه العلماء في صفة صلاة النبي صلي الله عليه وسلم مثل كتاب الصلاة لابن القيم وهو كتاب معروف, وكذلك ما ذكره رحمه الله في كتاب ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) .

* * *.

988 سئل فضيلة الشيخ: عن بعض الناس إذا أطال الإمام في الصلاة الإطالة المشروعة ينكر عليه ويستدل بقوله صلي الله عليه وسلم (إذا
(15/122)

أم أحدكم الناس فليخفف, فإن فيهم الصغير, والكبير, والضعيف, والمريض, فإذا صلى وحده فليصل كيف يشاء)) رواه مسلم (1) ,فهل استدلاله صحيح؟

فأجاب فضيلته بقوله: استدلاله بهذا الحديث غير صحيح؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم إنما قاله في حق من يطيل إطالة زائدة على المشروع, فأما الإطالة الموافقة للمشروع فإنها إطالة مشروعة مستحبة.

ولهذا يأتي بعض الأئمة يقول: إن الناس يقول لي: لا تقرأ في الفجر يوم الجمعة سورة ((آلم تنزيل)) السجدة في الركعة الأولى و) هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ) (الانسان: من الآية1) في الركعة الثانية هذا يطول علينا, يأتي بعض الأئمة يشكو من بعض أهل المسجد لا الإمام, فالإمام إذا قرأ هاتين السورتين في فجر يوم الجمعة لا يعد مطيلا بل يعد ذا طول – بفتح الطاء – أي ذا فضل على الجماعة لكونه أتى بالسنة التي شرعها النبي صلي الله عليه وسلم.

كذلك بعض الناس في صلاة الجمعة إذا قرأ الإمام سورة الجمعة والمنافقين صار يشكو من الغمام ويقول: أطال بنا مع أن هذا مما ثبتت به السنة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ,ولا يعد إطالة, بل هو طول وفضل من الإمام يتفضل به على نفسه, وعلى من وراءه حيث أتى بالقراءة المشروعة عن النبي صلي الله عليه وسلم ,ربما نقول ينبغي للإمام أن يراعي حال الناس في أيام الصيف, وأيام الشتاء الباردة فإذا رأى أنه لو قرأ
(15/123)

بهاتين السورتين في الجمعه في أيام الصيف لحق الناس من الغم والحر ما يزعجهم، ويشغلهم عن صلاتهم ففي هذه الحال يعدل إلى سور أخري أقصر، وكذلك في أيام الشتاء الباردة إذا رأي أن بعض الناس قد يكون محتاجا إلى قضاء الحاجة بسبب البرد، وطول المكث في المسجد فإنه يعدل إلى قراءة سور أخري أقصر مراعاة لهذه الحال العارضة.

989 سئل فضيلة الشيخ: عن امرأة تود حضور الصلاة في المسجد الحرام ما دامت في مكة، ولكنها سمعت أن صلاة المرأة في بيتها أفضل حتى في المسجد الحرام، فهل يحصل لها عندما تصلي في بيتها من المضاعفة ما يحصل عندما تصلي في المسجد الحرام؟

فأجاب فضيلته بقوله: صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد الحرام، وصلاة الرجل النوافل في بيته أفضل من صلاتها في المسجد الحرام، ودليل ذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام) (1) . ولفظ مسلم أو في بعض ألفاظه: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة) (2) . ومع ذلك يقول في المراة: (بيوتهن خير لهن) ويقول في الرجل في النوافل: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) (3) . وكان هو صلوات الله
(15/124)

وسلامه عليه يصلي النافلة في بيته، ويصلي الرواتب في البيت، يصلي صلاة الليل في البيت يوتر في البيت، والمسجد عنده ليس بينه وبين مسجده إلا أن يفتح الباب، ويدخل في المسجد ومع ذلك يقول: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه) ويصلي النوافل في البيت.

وليعلم أن الفضل يكون بالكمية، ويكون بالكيفية، فصلاة المرأة في بيتها من حيث الكيفية أفضل من صلاتها في المسجد من حيث الكمية، وصلاة الرجل النوافل في بيته أفضل من حيث الكيفية من صلاته في المسجد من حيث الكمية، ولذلك نقول أن المرأة إذا صلت في البيت فهو أفضل من الصلاة في المسجد الحرام وثوابه أكثر من ثواب المسجد الحرام، لكن بالكيفية لا بالكمية.

فصلاتي النافلة في البيت أفضل من صلاتي في المسجد الحرام من حيث الكيفية.

ولكن بالنسبة لقول الرسول صلي الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام) (4) . ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بها صلاة الفريضة، وذهب آخرون إلى أن المراد بها الصلاة التي تشرع لها الجماعة، وهي صلاة الفريضة، وصلاة الاستسقاء، وما أشبهها إذا استسقوا في المسجد الحرام مثلاً.

ولكن الصحيح أن الحديث عام شامل للفرض والنفل، لكن
(15/125)

لا يعني ذلك أن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في البيت, لكن يعني ذلك أن الرجل لو دخل المسجد الحرام وصلى ركعتين فتسمى هذه تحية المسجد, ثم صلى في مسجد آخر في غير مكة ركعتي تحية المسجد, فتحية المسجد في المسجد الحرام أفضل بمائة ألف تحية في المساجد التي خارج الحرم.

فلو تقدم رجل إلى المسجد, والإمام لم يأت بعد, وجعل يتنفل ما بين المسجد إلى إقامة الصلاة صلى ما شاء الله أن يصلي في المسجد الحرام, ودخل رجل آخر في مساجد الأخرى, هذا هو معنى الحديث أن الصلاة متى كانت في المسجد الحرام فهي بمائة ألف صلاة فيما عداه, لكن لا يعني ذلك أن ندع بيوتنا ونأتي من صلي في المسجد الحرام فيما لا تشرع فيه الجماعة قال النبي صلي الله عليه وسلم (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)) (1) .

وأود أن أنهبه إلى مشهور بين الحجاج وبين العمار: اشتهر عندهم أن تحية المسجد الحرام الطواف, وهذا غير صحيح, فتحية المسجد الحرام, الطواف يعني إذا دخلت المسجد الحرام تريد الطواف أغناك الطواف عن تحية المسجد الحرام, أما إذا دخلت المسجد الحرام للصلاة, أو لسماع الذكر أو أشبه ذلك فتحيته كغيره, تكون بركعتين, وإذا دخل المعتمر المسجد الحرام فيبدأ
(15/126)

بالطواف؛ لأنه دخل للطواف, وإذا دخل من ينتظر الصلاة يصلي ركعتين؛ لأنه لم يدخل للطواف لكن مع ذلك لو ذهب وطاف قلنا: إن ذلك مجزئ عن الركعتين.

* * *
(15/127)

* أحكام الإمامة
- الصلاة خلف الفساق وأصحاب المعاصي واهل البدع
- إمامة المرأة
- إمامة الصبي
- إمامة العاجز عن القيام
- إمامة من لا يتقن القراءة والتجويد
- اختلاف النية بين الإمام والمأموم
(15/129)

990 سئل فضيلة الشيخ: إذا أقيمت الصلاة ولم يحضر إمام المسجد ووجد حالق للحيته, وشارب للدخان فمن يقدم للإمامة؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا اجتمع حالق لحية وشارب دخان, واتفقا في الصفات المقتضية لتقديم أحدهما في الإمامة, فشارب الدخان أولى بالإمامة؛ لأن معصيته أهون من عدة أوجه:

أحدهما: أن تحريم حلق اللحية دلت عليه السنة بخصوصه بخلاف تحريم شرب الدخان فليس فيه نص بخصوصه, بل هو داخل في العمومات.

الثاني: أن حالق اللحية مجاهر بمعصيته, وأثارها بادية عليه باستمرار في حالة نومه, ويقظته, وعبادته, وفراغه, أما شارب الدخان فإنما يشربه في فترات فليست السجارة دائماً في فمه, وقد يخفيه عن بعض الناس.

الوجه الثالث: أن حلق اللحية تغيير للمظهر الإسلامي في الفرد والجماعة, وعدول به عن مظهر الأنبياء والمرسلين, والذين اتبعوهم بإحسان, وهذا أمر زائد على كونه مجرد معصية.

الوجه الرابع: أن حلق اللحية تشبه بأعداء الله تعالى من المجوس, والمشركين, وتحويل للمظهر الإسلامي إلى مظهر شرك ومجوسية, فهو معصية لرسول الله صلي الله عليه وسلم, وتشبه بأعداء الله عز وجل, وهاتان مفسدتان: المعصية, والتشبه.
(15/131)

الوجه الخامس: أن في حلق اللحية تغييراً لخلق الله تعالى وهو من أوامر الشيطان كما قال تعالى عنه) وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مبينا يعدهم وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غرورا أولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً) (النساء, الآيات:119_121) .

فهذه الوجوه الخمسة كلها تدل على أن شارب الدخان أهون معصية من حالق اللحية فيكون أولى بالإمامة من حالق اللحية إذا تساوياً في الصفات المرجحة. في 24/11/1399هـ.

991 سئل فضيلة الشيخ: هل تجوز الصلاة خلف إمام يتعامل بالسحر؟

فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: السحر محرم, ومن ما هو كفر كما قال الله تبارك وتعالى:) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر) (البقرة: من الآية102) الآية.
فالسحر حرام, وإذا كان لا يتوصل إليه إلا بالأحوال الشيطانية أو بالأرواح الشيطانية فإنه يكون كفراً فقتله ردة, وإن كان لا يبلغ الكفر فقتله لدفع أذاه عن المسلمين, فمن ابتلي بشيء من ذلك
(15/132)

فعليه أن يتوب إلى الله, وعيه أن يدع هذا العمل, ومن تاب, وعمل صالحاً مؤمنا بالله عزوجل فإن الله يبدل سيئاته حسنات.

وليعلم أنه لا يمس أحداً بسوء إلا كان عليه وزره, وربما يملى لهذا الساحر فلا يعاجل بالعقوبة فتؤخر عقوبته إلى الآخرة نعوذ بالله.

أما سؤال السائل حيث يقول: ما حكم الصلاة خلف إمام يتعامل بالسحر؟

فإن كان هذا السحر يبلغ به الكفر فلا تجوز الصلاة خلفه؛ لأنه كافر, لا صلاة له, لا تقبل صلاته, ولا يصلح لأن يكون إماماً.

وأما إذا كان سحره لا يبلغ الكفر فهذا ينبني على خلاف العلماء في فاعل الكبيرة إذا لم يتب منها هل يصلي خلفه أم لا؟ ولكن يجب أن نصلح هذا الساحر قبل أن نسأل هل نصلي خلفه أم لا.

992 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة وراء حالق اللحية والمسبل؟ وهل يأثم من يقيم جماعة أخرى ((في مسجد واحد)) بسبب أن الإمام كان حالقاً لحيته ومسبلاً ثوبه؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بالصلاة خلفه, وإن وجد إمام أتقى منه في مسجد آخر فاذهب إليه

ولا تجوز إقامة جماعة أخرى في مسجد ذلك الإمام. حرر في 27/10/1409 هـ.

* * *
(15/133)

993 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -:هل تصح الصلاة خلف العاصي؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة خلف المسلم وإن فعل بعض المعاصي جائزة وصحيحة على القول الراجح, ولكن الصلاة خلف من كان مستقيماً أفضل بلا شك, أما إذا كان الإنسان يستعمل أشياء مكفرة تخرج من الملة الإسلامية فإنه لا تجوز الصلاة خلفه, وذلك لأنه صلاته غير صحيحة, فإن من لم يكن مسلماً فصلاته غير صحيحة, وإذا كانت صلاة الإمام غير صحيحة, فإنه لا يمكن الاقتداء به؛ لأنك تقتدي بغير إمام وتنوي الإمامة بغير إمام.

* * *

994 سئل فضيلة الشيخ: يفتي البعض بأنه لا يجوز الصلاة وراء الإمام المبتدع والذي ينكر من السنن, غير أن الحديث يقول (صلوا وراء بر وفاجر)) فهل تجوز الصلاة وراء هذا الإمام أم لا؟

فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث الذي أشار إليه السائل ((صلوا وراء كل بر وفاجر)) (1) لا أصل له بهذا اللفظ.

ولكن لا شك أن الصلاة خلف من هو أتقى لله, وأقوى في دين الله أفضل من الصلاة خلف المتهاون بدين الله.
(15/134)

وأهل البدع ينقسمون إلى قسمين: أهل بدع مكفرة, وأخرى غير مكفرة.

فأما أهل البدع المكفرة: فإن الصلاة خلفهم لا تصح, لأنهم كفار لا تقبل صلاتهم عند الله فلا يصح أن يكونوا أئمة المسلمين.

وأما أهل البدع غير المكفرة فالصلاة خلفهم تنبني على خلاف العلماء في الصلاة خلف أهل الفسق.

والراجح أن الصلاة خلف أهل الفسق جائزة, إلا إذا كان في ترك الصلاة خلفهم مصلحة, مثل أن يكون ذلك سبباً في ردعهم عن فسقهم, فإن الأولى هنا أن لا يصلي خلفهم.

* * *

995 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة خلف الإمام الذي يتداوى بالشعوذة؟

فأجاب فضيلته بقوله: الأصل في هذه المسألة أن نقول: إن كل من صحته صلاته من المسلمين صحت إمامته, لا سيما إذا كان الإنسان يجهل حال الإمام, وأما من لا تصح صلاته من أهل البدع الذين تصل بدعتهم إلى الكفر, فهؤلاء لاتصح الصلاة خلفهم لعدم صحة صلاتهم.

وهذا الرجل الذي يتداوى بالشعوذة والتمائم, نقول: هو يتداوى بأمرين: التمائم والشعوذة, أما الشعوذة فمحرمة بلا شك لما فيها من الخداع, وربما يكون فيها شيء يوصل إلى الكفر, كما لو استخدم الشياطين, وتقرب إليهم بالذبح والدعاء وما أشبه ذلك.
(15/135)

وأما التمائم: فإن كانت من القرآن, أو من الأدعية المشروعة فقد اختلف العلماء فيها: فمنهم من أباحها, ومنهم من منعها, والصحيح المنع, ولكن لا تصل إلى أن ينفر من الصلاة خلف الإمام الذي يستعملها.

أما إذا كانت التمائم من الرقى الشركية البدعية, فإنه لا يجوز استعمالها قولاً واحداً, وعلى الإنسان أن يتوب إلى الله تعالى من فعلها ويبتعد عنها.

* * *

996 سئل فضيلة الشيخ: هل تجوز الصلاة خلف من يجيز التوسل؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة خلف من يجيز التوسل إن كان يجيز التوسل الشركي كمن يدعو الأنبياء والأولياء ويزعم أن ذلك توسل فلا شك أنه لا تجوز الصلاة خلفه؛ لأن من أجاز الشرك فقد كفر.

وإن كان يجيز التوسل الجائز فلا إشكال في صحة الصلاة خلفه.

وإن كان يجيز التوسل المختلف فيه فهذا ينظر في حاله, ولا يمكن ضبط هذه المسألة إلا في كل قضية بعينها.

* * *

997 سل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة خلف إمام يحتفل بالمولد النبوي؟
(15/136)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الإمام لا يفعل أو يقول في المولد ما تقضي الكفر فإن الصلاة خلفه؛ لأن بدعته غير مكفرة.

وإن كان يقول ويفعل ما يقتضي الكفر, مثل أن يسجد للرسول صلي الله عليه وسلم أو يدعوه, أو يصفه بما لا يكون إلا لله تعالى, كأن يصفه بأنه يعلم الغيب أو ينقذ من الشدة, أو نحو ذلك, فإن الصلاة خلفه لا تصح, لأنه لا تصح صلاته, ومن لا تصح صلاته لا يصح أن يكون إماماً. حرر في 24/7/1407 هـ.

* * *

998 سئل فضيلة الشيخ: هل تصح إمامة شارب الدخان؟ وما الدليل؟

فأجاب فضيلته بقوله: جواب هذا السؤال يتوقف على شيئين:

الأول: هل شرب الدخان محرم؟

والثاني: هل الإصرار عليه يخرج من العدالة إلى الفسق؟

ويتفرع على هذا هل تصح إمامة الفاسق؟

فأما الشيء الأول: فإن الناس مختلفون في شربه هل يحرم, أم يكره, أم يختلف الحكم فيه؟ والذي يقتضيه ظاهر الأدلة التحريم لما فيه من التعرض للأضرار البدنية ,وإضاعة المال بلا فائدة, وملازمة الرائحة الخبيثة, وثقل كثير من العبادات على صاحبه وخصوصاً الصيام والتعرض لبذل ماء الوجه, وهذا الدخان إلى
(15/137)

الخبيث أقرب منه إلى الطيب, كما معترف به عند الجميع, وقد حرم الله علينا الخبائث.

وأما الشيء الثاني: وهو هل الإصرار عليه يعد فسقاً؟

فإنه متى تقرر تحريمه, فإنه ليس من الكبائر, ولكن من الصغائر, وقد نص العلماء على أن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة, لما في ذلك من الدلالة على أن صاحبها لم يقم في قلبه من تعظيم الله ما يوجب انكفافه عنها, وحينئذ فالمصر على الصغيرة يحكم بفسقه, وإمامة الفاسق فيها خلاف بين العلماء:

فالمشهور من المذهب أنها لا تصح إلا في الجمعة والعيد, إذا تعذر فعلهما خلف غيره.

والصواب جواز ذلك, لأنه لا دليل صحيح على المنع من الصلاة خلف الفاسق, والأصل عدم اشتراط العدالة؛ ولأن النبي صلي الله عليه وسلم قال (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم, وإن أخطئوا فلكم وعليهم)) (1) .

والصحابة – رضي الله عنهم – كانوا يصلون خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون كما كان ابن عمر وأنس يصليان خلف الحجاج (2) بن يوسف, وكذلك عبد الله بن مسعود كان يصلي خلف الوليد بن عتبة بن أبي معيط وهو يشرب الخمر (3) .
(15/138)

وعلى هذا فالصلاة خلف شارب الدخان صحيحة على القول الذي رجحناه.

ولكن لا ريب أن غيره أولى منه إذا كان يقيم واجبات الصلاة القولية والفعلية.

* * *

999:سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الصلاة خلف إمام جامع لا يثبت كل الصفات؟

فأجاب فضيلته بقوله: هذا الإمام الذي يصلي في الجامع إن كان يدعو إلى بدعته المخلفة لعقيدة السلف فلا تصل خلفه إلا أن تخشى الفتنة, وإن كان لا يدعو إلى بدعته فإن أصر عليها بعد بيان الحق له فلا تصل خلفه أيضاً, وإن لم يبين له الحق فصل خلفه؛ لأنه يظن أنه على صواب ول تقم عليه الحجة.

* * *

1000 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله ورعاه -:إمام مسجدنا يحضر الزيارات السنوية للقبور المشهورة في بلدنا وسمع فيها دعاؤه الأموات, وعندما سألناه عن ذلك قال: إنه لا يقصد دعاء الميت, وإنما الدعاء ببركته, فما حكم الصلاة خلفه؟

فأجاب فضيلته بقوله: الواجب عليكم نصيحة إمامكم وتخويفه من الله – عز وجل- وأن تبينوا له أن دعاء الأموات شرك أكبر مخرج من الملة مخالف للسمع والعقل, قال الله تعالى:
(15/139)

(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) (الأحقاف, الآتيان:5-6) .وقال تعالى:) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر, الآيتان:13-14) .إلى غير ذلك من الآيات.

فهذه وأمثالها أدلة سمعية تدل على بطلان دعاء غير الله وعلى ضلال فاعل ذلك. وأما الدليل العقلي فهذا المدعو بشر مثلك كان بالأمس وهو حي لا يستجيب لك فيما لا يقدر عليه فكيف وهو ميت.

وإني لأسأل الله تعالى أن يهديه الصراط المستقيم.

وأما الصلاة خلفه فتنبني على الحكم عليه.

* * *

1001 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة خلف الإمام حالق اللحية ومسبل الثوب؟

فأجاب فضيلته بقوله: إن حصل إمام أتقى لله منه فالصلاة خلفه أولى بلا شك, وإن لم يحصل, أو دخلت مسجد جماعة وكان الذي يصلي بهم هو هذا الرجل الحليق أو المسبل فلا حرج أن تصلي خلفه؛ لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الفاسق تصح إمامته, وأن كان الأتقى أولى منه.

* * *
(15/140)

1002 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة خلف مسبل الثوب, وحالق اللحية؟ وما حكم إمامتهما؟ وجزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: إسبال الثياب محرم, ولا فرق أن يسبل الإنسان خيلاء تيهاً وتبختراً, أو أن يسبله عادة سار عليها مقلداً فيها غيره, لكن إن كان خيلاء فإن الله لا يكلمه ولا يزكيه ولا ينظر إليه يوم القيامة, وله عذاب أليم كما ورد في الحديث (1) ,وإن كان لغير الخيلاء فيعذب بالنار فيما وقعت فيه المخالفة, ((فما أسفل من الكعبين ففي النار)) (2) .

فعلى هذا يجب على الرجل أن يرفع لباسه أعلى من كعبيه, وقد رأى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – شاباً قد نزل إزاره على الأرض, فقال (ردوا على الغلام, فقال: يابن أخي أرف ثوبك, فإنه أبقى لثوبك, وأتقى لربك)) (3) .

فإن رفع الثوب فائدتين:

الأولى: تقوى الله عز وجل.

الثانية: أنه أوفر للثوب له من التقطع والتمزق.

وإذا كان الإسبال حراماً فإن أهل العلم اختلفوا في صلاة المسبل.

فبعض أهل العلم يرى أن صلاته تبطل؛ لأن من شرط الساتر أن يكون مباحاً, ساتراً طاهراً, فالمحرم لا يحصل الستر به؛ لأنه
(15/141)

ممنوع من لبسه, والنجس لا يحصل الستر به؛ لأنه يجب اجتناب النجاسة, والشفاف لا يحصل الستر به كما هو ظاهر.

وقال بعض العلماء: إن صلاة المسبل تصح, ولكن مع إصراره على ذلك يكون فاسقاً, وإمامته لا تصح عند بعض العلماء, ولكن إذا وجدته يصلي فادخل معهم, والإثم عليه, وأنت صلاتك صحيحة؛ لأن من صحت صلاته صحت إمامته.

وأما حالق اللحية لا يجوز لأنه معصية للرسول صلي الله عليه وسلم فيما صح عنه بقوله صلي الله عليه وسلم (خالفوا المشركين وفروا اللحى وحفوا الشوارب)) (1) .وإذا كان حلق اللحية معصية فإن المصر عليها يكون من الفاسقين, والفاسق لا تصح لصلاته عند كثير من أهل العلم, ولكن الصواب صحة إمامته إلا لا ينبغي أن يكون إماماً راتباً, فإذا وجدت إماماًحالقاً لحيته يصلي بالناس فصل معهم والإثم عليه.

* * *

1003 سئل فضيلة الشيخ: إنني بعض الأحيان أحضر إلى الصلاة في المسجد فأجد الجماعة قد صلوا, إلا إنني ربما أجد جماعة بعدهم وهؤلاء قد يؤمهم من يكون مدخناً, ومن ثم أصلي معهم وأنا على مضض فهل هذه الصلاة سليمة؟ وما هي شروط الإمامه؟ نرجو إفادتنا مشكورين.
(15/142)

فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل سليم ولا بأس به؛ لأن الصلاة تصح خلف المدخن, وصلاة المدخن صحيحة, ومن صحت صلاته صحة إمامته؛ لأن المقصود أن يكون إماما لك وهذا يكون بصحة الصلاة, ولهذا لو وجدت شخصاً يشرب الدخان, أو حالق اللحية, أو يتعامل بالربا, أو ما أشابه ذلك فلا حرج عليك أن تصلي معه وصلاتك صحيحة.

وأما الصلاة خلف المسبل الذي ينزل ثوبه ففي صحة صلاته نظر عند بعض العلماء؛لأن الإسبال يعود إلى معنى يتعلق بالصلاة, فإن الثوب من شروط الصلاة – أي ستر العورة – لقوله تعالىصلي الله عليه وسلم يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (لأعراف: من الآية31) . وست العورة واجب, ولا بد أن يكون بالثوب مباح, فلو ستر بثوب محرم فإن وجوده كالعدم على المشهور من مذهب الإمام أحمد, ولهذا قالوا إذا صلى في ثوب محرم عليه فإن صلاته لا تصح, وإذا لم تصح صلاته فإن إمامته لا تصح.

وبهذه المناسبة أود أن أوجه النصيحة لكافة إخواني المسلمين أن يتوبوا إلى الله من إسبال ثيابهم ومشالحهم وسراويلهم, فإن هذا فيه وعيد ثابت عن النبي صلي الله عليه وسلم, فما سواء لبسه على سبيل الخيلاء, أو على غير سبيل الخيلاء, فما أسفل الكعبين ففي النار (1) ,أما إذا جر ثوبه خيلاء فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم.
(15/143)

وعلى ذلك فأنني أنصح مثل هؤلاء الأئمة الذين امتن الله عليهم بهذا اللباس – ومن شكر الله سبحانه وتعالى – أن لا يجعلوه وسيلة لما يخالف أوامر رسوله صلي الله عليه وسلم.

وأما شروط الإمامة فنقول من صحت صلاته صحت إمامته, اللهم إلا المرأة لا تكون إماماً للرجال, وبناء عليه فتصح إمامة الصبي ولو كان دون البلوغ.

* * *

1004 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل يعمل عملاً حراماً ويتمادى فيه ويصر عليه, وإذا أتاه في بيته من يعمل الحرام يستقبله ولا يرفض ذلك, مع العلم أنه يظهر التدين والانقياد لله ويقرأ القرآن ويصلي في المسجد كل الصلوات. ما حكم الصلاة خلف هذا الرجل؟

فأجاب فضيلته بقوله: إن أهل العلم اختلفوا في صلاة خلف الفاسق الذي يتمادى بالمعصية الصغيرة ويصر عليها, أو يقع في كبيرة ولم يتب منها, اختلفوا في الصلاة خلفه على قولين:

أحدهما: أن الصلاة خلفه لا تصح لما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه نهى أن يؤم الرجل المؤمن رجل فاجر (1) .ولأن هذا لا تقبل شهادته, ولاتصح ولايته, فلم يكن أهلاً لأن يتولى الإمامة على المسلمين.
(15/144)

الثاني: وذهب بعض أهل العلم إلى صحة صلاة خلف الفاسق مادام فسقه لم يخرجه إلى الكفر, وذلك لأن الأصل في المؤمن الذي تصح صلاته, أن تصح إمامته إلا إن قام الدليل على المنع منه, والدليل هنا غير قائم.

والحديث الذي احتج به المانعون ضعيف ليس بحجة.

وأما التعليل الذي عللوا به, فإنه في الجواب عنه إن الولاية على نوعين:

النوع الأول: ولاية يكون فيها الإنسان مطلق التصرف فهذه قد لا تصح للفاسق.

النوع الثاني: ولاية لا يكون

فيها مطلق التصرف, بحيث ينكر عليه كل أحد رآه مخالفاً لما يجب أن يكون عليه في هذه الولاية, فإن ولايته فيها تصح, فقد ثبت أن الصحابة – رضي الله عنهم -والصواب عندنا أن الصلاة خلف الفاسق, لكن الصلاة خلف غير أولى وأكمل.

عنهم – صلوا خلف أهل الفسوق, وهذا يدل على أن القول هو الصحيح الذي لا يسع الناس اليوم العمل إلا به.

ولأننا لو طبقنا هذا الشرط على الأئمة لما وجدنا إلا النادر النادر ممن تصح إمامته؛ لأن أكثر الناس لا يخلو من بعض المعاصي إصراراً عليها, أو من بعض الكبائر, فمن الذي يسلم من الغيبة مثلاً؟! ومن الذي يسلم من تقصير في وظيفته والمحافظة عليها؟! ومن الذي يسلم من بغض أهل الحق لمجرد هوى يهواه؟! إلى غير ذلك من أسباب الفسق, فإن الخلو منها والسلامة منها أمر نادر.
(15/145)

والصواب عندنا أن الصلاة تصح خلف الفاسق، لكن الصلاة خلف غيره أولي وأكمل.

أما بالنسبة لهذا الرجل الذي وصفت حاله, فإنه إذا كان مصراً على أمر ثبت تحريمه بالكتاب, والسنة يكون بذلك فاسقاً, فإن كان من كبائر الذنوب صار بمجرد فعله, إذا لم يتب منه, وإن كان من الصغائر لم يكن فاسقاً إلا إذا أصر عليه, هذا ما قرره أهل العلم, ونسأل الله لنا وله الهداية.

1005 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم إمامة المرأة للصبيان؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه لا يجوز أن تكون المرأة إماماً للرجل سواء كلن صغيراً أم كبيراً, وبناء على ذلك فإنه في هذه الحال إذا أرادت المرأة إذا أرادت أن تصلي جماعة فإنها تجعل هذا الصبي هو الإمام, وتصلي خلفه؛ لأن إمامة الصبي جائزة حتى في الفريضة, فقد ثبت من حديث عمرو بن سلمة الجرمي أنه قال: قال أبي: جئت من عند النبي صلي الله عليه وسلم حقاً- لأن أباه كان وافداً مع الوفود إلى النبي صلي الله عليه وسلم في سنة تسع من الهجرة – فقال: جئتكم من عند النبي صلي الله عليه وسلم حقاً ,وقال (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم, وليؤمكم أكثركم قرأنا)) ,قال: فنظروا فلم يجدوا أكثر مني قرأنا فقدموني, وأنا ابن ست, أو سبع سنين, وهذا الحديث ثابت في صحيح البخاري (1) وهو دليل على أن إمامة الصبي في الفريضة جائزة.
(15/146)

1006 وسئل فضيلة الشيخ: هل يجوز المرأة أن تؤم غيرها من النساء في الصلاة؟

فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للنساء أن يصلين جماعة.

ولكن هل هذا سنة في حقهن, أو مباح؟ بعض العلماء يقول: إنه سنة, وبعض العلماء يقول: إنه مباح.

والأقرب أنه مباح؛ لأن السنة ليست صريحة في ذلك, فإن أقمن الصلاة جماعة فلا بأس, وإذا لم يقمن الصلاة جماعة فهن لسن من أهل الجماعة.

* * *

1007 وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم إمامة المرأة للرجال؟

فأجاب فضيلته بقوله: المرأة لا تؤم الرجال مطلقاً ((فلن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) (1) .

* * *

1008 سئل فضيلة الشيخ: هل تصح إمامة الصبي بمن هو أكبر منه سناً؟

فأجاب فضيلته بقوله بقوله: نعم تصح إمامة الصبي بمن هو أكبر منه سناً, لكن إن كان الذي هو أكبر سناً منه قد بلغ فإن المشهور في المذهب أنها لا تصح إمامة الصبي به في الفرض خاصة, والصحيح
(15/147)

جواز ذلك, وصحته في الفرض والنفل, ويدل لذلك حديث عمرو بن سلمة الجرمي أنه كان يؤم قومه وهو ابن ست, أو سبع سنين, لأنه كان أكثرهم قرآناً, رواه البخاري وأبو داود والنسائي (2) ,وكان ذلك في عهد النبي صلي الله عليه وسلم ولا يمكن أن يقرر في زمن الوحي شيء لا يجوز.

* * *

1009 سئل فضيلة الشيخ: أنا شاب عمري سبعة عشرة عاماً وبقريتنا مسجد ولم يتقدم لخطبة الجمعة إلا أنا, وعند نهاية الخطبة يتقدم للإمامة شيخ كبير لا يعرف القراءة, فهل يصح لي الصلاة بالجماعة إماماً؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز لك أن تتقدم بهم إماماً؛ لأنك خطيبهم, والذي يطهر من حالك أنك أقرؤهم, ولذلك قال صلي الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب لله)) (1) .

ولكن إن كان الإمام هو الإمام هو الإمام الراتب فإنك لا تؤمهم إلا بعد موافقته, لقوله صلي الله عليه وسلم (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه, ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) (2) .فاستأذن منه إذا بدا لك أن تصلي بالناس باعتبار أنه يخطئ في بعض الآيات فإن سمح فذاك.
(15/148)

وإلا فإنه ينظر: فإن كان لديه لحن يحيل المعنى فإنه يعلم إن كان بالإمكان تعليمه, وإلا فإن الأمر يرفع للمسؤولين عن المساجد. والله الموفق.

* * *

1010 سئل فضيلة الشيخ: سافر أناس أميون لا يغرفون الفاتحة ومعهم إنسان مقعد يحسن القراءة ولكنه لا يستطيع القيام فهل يصلي بهم إماماً؟ وماذا نقول لمن قال: ولا يصلي خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي؟

فأجاب فضيلته بقوله: الواجب في مثل هذا أن يصلي بهم القارئ المقعد لقوله صلي الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرئهم لكتاب الله)) . ونقول لمن قال (ولا يصلي خلف عاجز عن القيام إلا إمام الحي)) ونقول له: لا دليل على قولك من كتاب ولا سنة, بل عموم الأدلة تدل على صحة إمامة مثل هذا, وهناك ذليل خاص في هذه المسألة وهو ((أن النبي صلي الله عليه وسلم صلى بأصحابه جالساً لا يقدر على القيام)) (1) .

فإن قيل: إن النبي صلي الله عليه وسلم هو إمام الحي ونحن نقول بصحة ذلك منه.

فالجواب: أن لا دليل على التفريق بين إمام الحي وغيره, ثم إن عموم قوله - صلي الله عليه وسلم - (إنما جعل الإمام ليؤتم به)) إلى قوله - صلي الله عليه وسلم - (وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً)) (2)

يدل على لا فرق بين إمام الحي وغيره,
(15/149)

فمن ادعى خروج غير الإمام الحي فعليه بالدليل.

وبهذا التقرير الذي ذكرنا يتبين أنه لا دليل على أنه لا يصح أن يأتم القادر على القيام بالعاجز عنه.

* * *

1011 سئل فضيلة الشيخ: عن إمامة من يعجز فعل بعض أركان الصلاة أو شروطها؟

فأجاب فضيلته بقوله: المشهور من المذهب أن العاجز عن الشرط, أو الركن لا يكون إماماً للقادر.

ولكن ليس في هذا دليل يطمئن إليه القلب, والراجح عندي: أنه يجوز, وأن من صحت صلاته صحت إمامته. إلا أن يقوم نص, أو إجماع خلاف ذلك, فيؤخذ بما يقتضيه النص, أو الإجماع, وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال الإمام (إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) ,والمصلي قاعداً عاجز عن القيام وهو ركن في الفريضة.

* * *

1012 وسئل فضيلة الشيخ - أعلى الله درجته في المهديين -:هل تجوز الصلاة خلف إمام يسرع في الصلاة كثيراً؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا تصل خلف إمام يسرع كثيراً بحيث لا يمكنك أن تأتي بالطمأنينة الواجبة.

حرر 5/9/1418هـ.

* * *
(15/150)

1013 سئل فضيلة الشيخ: إذا كان الغمام لا يستطيع الوقوف, فهل يجوز للمأمومين أن يصلوا جلوساً؟

فأجاب فضيلته بقوله: كنعم إذا كان الإمام لا يستطيع القيام وصلى قاعداً من أول الصلاة فإن من خلفه يصلون قعوداً, لقول النبي صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به)) حتى قال (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) (1) .

والنبي صلي الله عليه وسلم صلى ذات يوم يوم بأصحابه قاعداً وهم قيام, فأشار إليهم أن جلسوا, وهذا يدل على أن المأموم مأمور بمتابعة إمامه حتى في هذه الحال.

وإنما أسقطنا عنه القيام وهو ركن من أجل متابعة الإمام, كما يسقط عنه الواجب فيما لو أن قام الإمام عن التشهد الأول ناسياً, فإن المأموم يتابعه ويسقط عنه التشهد الأول في هذه الحال.

وبهذا عرف أن الإمام إذا كان لا يجلس للاستراحة نوع تخلف عن الإمام.

والمشروع للمأموم أن يتابع إمامه فور انتهائه من الركن الذي انتقل منه, ووصوله إلى الركن الذي انتقل إليه, ولا يتخلف, وبهذا تتم المتابعة فيسقط الركن عن المأموم في القيام إذا صلى الإمام جالساً, ويسقط الواجب إذا ترك الإمام التشهد الأول ناسياً, ويسقط المستحب إذا تركه الإمام وكان لا يرى الجلوس للاستراحة, فإن
(15/151)

المشروع في حق المأموم أن يتابعه لا يجلس, وأن كان يرى استحباب الجلوس.

فإن قلت: وهل مثل ذلك إذا كان الإمام يرى عدم رفع اليدين عند الركوع, وعند الرفع منه, وعند القيام من التشهد الأول, والمأموم يرى استحباب ذلك هل نقول للمأموم: لا ترفع يديك كالإمام؟

فالجواب: لا, ارفع يديك؛ لأن رفع يديك لا يقتضي مخالفة الإمام, فإنك سترفع معه, وتسجد معه وتقوم معه بخلاف الذي يقتضي المخالفة.

ولهذا لو كان الإمام لا يتورك في التشهد الأخير, أو كان يتورك في كل التشهد يعقبه تسليم, والمأموم يرى أنه يتورك في التشهد الأخير إذا كانت الصلاة ثلاثية, أو رباعية, فإنا نقول للمأموم: افعل ما ترى أنه سنة, وإن خالفت إمامك في صفة الجلوس؛ لأن هذا لا يعد اختلافاً على الإمام.

وخلاصة القول: أن الإمام إذا صلى جالساً, فإن المأمومين يصلون جلوساً لأمر النبي صلي الله عليه وسلم بذلك, ولأنه طبق هذا فعلاً حين صلى الصحابة خلفه قياماص فأشار إليهم أن جلسوا, هذا إذا ابتدأ الصلاة قاعداً, أما لو ابتدأ الإمام الصلاة قائما ثم حصلت له علة فجلس فهنا يتم المأمومين صلاتهم قياماً.

وهذا ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام حين جاء في مرضه وأبو بكر يصلي بالناس قائماً, فجلس النبي عليه الصلاة
(15/152)

والسلام إلى يسار أبي بكر, وأتم الصلاة بهم, وقد بقوا على قيامهم, ووجه ذلك انهم ابتدؤوا الصلاة قياما مع إمامهم, وحصلت العلة في أثناء فيجلس هو, أما هم فيصلون بقية صلاتهم قياماً على أول الصلاة.

* * *

1014 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل دخل المسجد للصلاة فوجد الإمام قد انتهى من الصلاة ووجد مقعداً يصلي وهو جالس, فأراد الدخول معه فهل يقف بجانبه أو يصلي جالساً؟

فأجاب فضيلته بقوله: صل مع هذا المقعد الذي يصلي جالساً؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه, فإذا كبر فكبروا, ولا تكبروا حتى يكبر, وإذا ركع فاركعوا, ولا تركعوا حتى يركع, وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد, وإذا سجد فاسجدوا, ولا تسجدوا حتى يسجد, وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً, وإذا صلى قاعدا فصلوا قعوداً أجمعون)) (1) .

ولاحرج عليك أن تدخل معه ولو كان قد بدأ الصلاة منفرداً على القول الراجح من أقوال أهل العلم, ودليل ذلك حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه بات خالته ميمونة - رضي الله عنها- في الليلة التي كان عندها رسول الله صلي الله عليه وسلم ,فلما قام رسول الله صلي الله عليه وسلم يصلي من الليل قام ابن عباس - رضي الله عنهما- عن يساره,
(15/153)

فأخذ رسول الله صلي الله عليه وسلم برأسه من ورائه فجعله عن يمينه (2) ,وقد نوى النبي صلي الله عليه وسلم الصلاة منفرداً, ثم نوى الإمامة, وما ثبت في النفل يثبت في الفرض إلا بدليل.

* * *

1016 سئل فضيلة الشيخ: ما العمل إذا انتقض وضوء الإمام أو تذكر أنه على غير طهارة وهو ساجد؟

فأجاب فضيلته بقوله: العمل فيهذه الحال أن ينصرف من الصلاة, ويأمر أحد المأمومين الذين خلفه بتكميل الصلاة بالجماعة, فإذا قدرنا أنه تذكر وهو في الركعة الثالثة من الظهر أن ليس على طهارة, فإن الواجب عليه أن ينصرف, ولا يجوز أن يكمل
(15/154)

الصلاة على غير طهارة ,ويأخذ أحد المأمومين الذين خلفه ليتم الصلاة فيكمل بهم الثالثة, ويأتي بالرابعة ويسلم. فإذا قدر أنه لم يتذكر إلا بعد السلام, بطلت صلاته, أما صلاة المأمومين فصحيحة وليست باطلة.

* * *

1017 سئل فضيلة الشيخ: عن إمام مسجد يكسر في القراءة القرآن وزيادة على ذلك فهو حالق للحيته, ما حكم الصلاة خلفه؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصواب من أقوال أهل العلم: أن الصلاة خلف العاصي صلاة صحيحة, إذا كانت الصلاة التي يصليها لم يفعل فيها ما يبطلها, فإن كان قد فعل فيها ما يبطلها فإن الصلاة خلفه لا تصح, مثل أن يكون هذا الإمام يصلي صلاة يسرع فيها, لا يطمئن فيها, ولا يدع من خلفه أن يطمئن, فهاهنا لا تجوز الصلاة خلفه, ويجب على من خلفه أن يفارقه ويتم الصلاة وحده؛ لأنه إذا كان تطويل الإمام إطالة مخالفة للسنة تبيح للمأموم أن يدع إمامه ويتم الصلاة وحده, إن ترك الإمام الطمأنينة يبيح الإنفراد, فإذا كان الإمام يسرع إسراعاً لا يتمكن المأموم فيه من القيام بواجب الطمأنينة فإنه يجب على المأموم في هذه الحال أن يفارق الإمام وأن يصلي وحده؛ لأن المحافظة على الطمأنينة ركن من أركان الصلاة, والمحافظة على الإمامة واجب للصلاة ولا تعارض بين الركن والواجب.
(15/155)

وأما إذا كان الإمام قد عصى معصية تتعلق بذاته ولا تؤثر على صلاته فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن صلاته خلفه صحيحة, وقد صلى الصحابة - رضي الله عنهم - خلف الحجاج بن يوسف الثقفي (1) وقد علم أنه كان ظالماً مهدراً لدماء المسلمين, ولكننا نقول: إذا كنت تتمكن من الصلاة خلف إنسان مستقيم فإنه لا ينبغي لك أن تصلي خلف إمام غير مستقيم, فالمسألة من باب الأولوية, وليست من باب المحرم هذا القول الذي نراه أرجح الأقوال, والعلم عند الله.

وأما مسألة تكسير القرآن: فإنه لا يجوز لإنسان أن يقرأ القرآن على غير الصواب, والقرآن - ولله الحمد - موجود بين أيدينا معرباً مصححاً واضحاً, فعلى الإنسان أن يقرأ القرآن سليماً حتى لو وقف عند الكلمة خمس دقائق, أو ربع ساعة وهو يتهجاها حتى يخريجها على الوجه الصحيح فإن هذا أولى من أن يقرأها على الوجه الخطأ هذا هو الواجب؛ لأن القرآن ليس كلام بشر, بل هو كلام الله عز وجل فأنت إذا نطقت به على غير ما صح, وعلى غير ما جاء عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فمعنى ذلك أنك حرفت كلام الله, وتحريف كلام الله محرم هذا ليس كلام بشر ينقله ومعناه, ويجب على الإنسان أن يتأتى ويتأمل حتى لو ردد الكلمة عدة مرات ليأتي بها مستقيمة كان هذا هو الواجب عليه.
(15/156)

ومثل هذا الإمام الذي أشار إليه السائل إن كان إماماً راتباً في المسجد فإن عليه أن يبلغ المسؤولين عن حال هذا الرجل ليبدلوه بغيره, وإن كان غير إمام راتب فإنه لا يجوز لأهل المسجد أن يمكنوه من الصلاة فيهم, وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سوء فأعلمهم بالسنة.....)) الحديث (2) .

* * *

1018 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم صلاة خلف إمام لا يرى قراءة الفاتحة في الركعة الأخيرة ويرى أن التسبيح يجزئ عن قراءة الفاتحة؟

فأجاب فضيلته بقوله: إن الصلاة خلف إمام لا يعرف هل هو يقرأ الفاتحة أم لا مع العلم أن ممن يرى أن آخر ركعة من الصلاة لا تجب فيها قراءة الفاتحة نقول: إن الصلاة صحيحة؛ ولو كان يرتكب ما تراه خطئاً, فإنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد التي نصاً صريحاً لا يحتمل التأويل.

أما إذا وجد شخص يعرف أنه يقرأ الفاتحة في كل ركعة فإن الأولى أن يصلي مع هذا الإمام الذي لا يقرأ الفاتحة في آخر ركعة.

وأما ذهب إليه الإمام من أن آخر ركعة يجزى فيها
(15/157)

التسبيح فإنني لا أعلم له أصلاً في السنة, والسنة على أنه لابد من قراءة الفاتحة في كل ركعة؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم لما علم المسيء في صلاته كيف يصلي قال له صلي الله عليه وسلم (وافعل ذلك في صلاتك كلها)) ,ومن بينها قراءة الفاتحة, فإن قراءة الفاتحة كما في الركعة الأولى تجب فيما بعدها من الركعات التي في آخر الصلاة لقوله صلي الله عليه وسلم (وافعل ذلك في صلاتك كلها)) (1) .

وخلاصة الجواب أن الصلاة خلف من يخالف في أمر من فروع الدين في صلاته لا بأس بها.

* * *

1019 سئل فضيلة الشيخ: هل تجوز إمامة الذي يتتعتع في قراءة القرآن الكريم؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب فضيلته بقوله: إمامة الذي يتتعتع في القرآن جائزة مادام يقيم الحروف والكلمات والحركات, فإن من الناس من يكون النطق ثقيلاً عليه ويتتعتع فيه. إلا أن من أهل العلم من قال إنه يكره إمامة الفأفاء الذي يكرر الفاء, والتماتم الذي يكرر التاء, وكذا من يكرر غيرها من الحروف, قالوا إنه تكره إمامته, ولا ريب أنه كلما كان الإنسان أقرأ أي وجود قراءة, وأكثر حفظاً للقرآن فهو أولى بالإمامة مع تقواه وصلاحه لقول النبي عليه الصلاة والسلام صلي الله عليه وسلم (يؤم
(15/158)

القوم أقرئهم لكتاب الله, فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة, فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة, فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما أو قال سناً) (2) .

* * *

1020 سئل فضيلة الشيخ: إذا كان الإمام لا يحسن القراءة فهل يصلي خلفه؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإمام لا يلحن لحناً يحيل المعنى فإن الصلاة خلفه تصح, ولكن يعلم حتى يتقن القراءة, أما إذا كان يلحن لحناً يحيل المعنى فإنه لا يصلي خلفه, ولا يجوز أن يبقى إماماً في هذه الحال.

* * *

1021 وسئل فضيلته – وفقه الله تعالى:عن حكم تقليد الإمام أحد القراء في قراءته؟

فأجاب بقوله: يجوز أن يقلد أحد القراء في قراءته, ما دام أداء القارئ الذي قلده جيداً.

أما الصوت فلا يقلده فيه. حرر في 14/4/1419هـ.

* * *
(15/159)

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لقد انتشر في مساجد المسلمين في السنوات الأخيرة تركيب جهاز يسبب التشويش والإزعاج لكثير من المسلمين يسمى جهاز ترديد الصدى يضاف إلى مكبر الصوت لتضخيمه وترديد صداه في جنبات المسجد, مع العلم بأن ذلك يؤدي إلى أن يسمع المأموم قراءة الإمام وكأنه يردد كلمتين والحرف حرفين وخصوصاُ حروف الصفير, ويحصل من ذلك إزعاج وتشويش على بعض المصلين, نرجو من فضيلتكم بيان رأيكم في هذا وتوجيه نصيحة لمن يتسبب في جلب ما يشوش على المصلين إلى المسجد.

جزاكم الله خيراً, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

إذا كان لا يحصل من جهاز ترديد الصدى إلا تحسين الصوت داخل المسجد فلا بأس به؛ أما إذا كان يحصل منه ترديد الحروف فحرام؛ لأنه يلزم منه زيادة حرف أو حرفين في التلاوة, فيغير كلام الله تعالى عما أنزل عليه, قال في كتاب ((الإقناع)) وكره أحمد قراءة الألحان وقال: وهي بدعة. فإن حصل معها تغيير نظم القرآن وجعل الحركات حروفاً حرم.ا. هـ كلامه
(15/160)

وأما كان الصوت يخرج عن المسجد من فوق المنارة فإن كان ليس حوله مساجد يشوش عليهم أو مساكن يتأذى أهلها بالصوت فأرجو أن لا يكون بذلك حرج, وأما إذا كان حوله مساجد يشوش عليهم أو مساكن يتأذى أهلها بالصوت فلا يرفعه من فوق المنارة لما في ذلك من أذية الآخرين والتشويش عليهم, وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: فكشف الستر وقال (ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضاً, ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة)) .أو قال في الصلاة.أخرجه أبو داود ونحوه عن البياضي فروة بن عمرو رواه مالك في الموطأ, قال ابن عبد البر حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس لأحد أن يجهر بالقراءة بحيث يؤذي غيره كالمصلين. ا.هـ.ولنا جواب طويل على هذه المسألة كتبناه سابقاً (1) . أرجو تعالى أن ينفع به. كتبه محمد الصالح العثيمين في 23/8/1419هـ.

* * *
(15/161)

1022 سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى بالناس من لا يجيد قراءة القرآن مع وجود من هو أجود منه فهل صلاتهم باطلة؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا بد تعرف ما معنى قولهصلي الله عليه وسلم (لا يجيد قراءة القرآن)) ,إن كان المعنى أنه لا يجيدها على الوجه جيد فالصلاة صحيحة.

أما إذا كان لا يجيد القراءة يلحن لحناً يغير المعنى, ولا يقيم الكلمات, فنعم لا تصح الصلاة خلفه مع وجود قارئ مجيد للقرآن.

* * *

1023 سئل فضيلة الشيخ: طلب مني بعض الزملاء في العمل أن أكون إماماً أصلي في مسجد العمل, فهل يجوز هذا مع أني لا أقرأ ولا أكبت وفيهم من هو أقرأ مني؟

فأجاب فضيلته بقوله: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله, فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة, فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة, فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً,-أو قال-سناً)) (1) .

فلا ينبغي أن تؤم قومك وأنت لا تقرأ ولا تكتب وفيهم من هو أقرأ منك؛ لأن هذا خلاف أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم, وأمره صلي الله عليه وسلم كله خير.

فمن كان أهلاً وأقرأ من غيره في هذا المكان يكون إماماً.

إما إذا تعذر, وأبى كل منهم أن يكون إماماً, ولم يبق إلا أن
(15/162)

تكون أنت الإمام, وأنت تعرف الفاتحة وما تيسر من القرآن ولو قليلاً, فإنه يصح أن تكون إماماً؛ لأن أهم شيء أن يكون الإمام يقرأ الفاتحة, ولا أظن أحداً من الناس يعجز عن قراءة الفاتحة.

والخلاصة: أنه ينبغي أن يؤمكم أكثركم قرآناً, ولا ينبغي أن يتقدم أحد وهناك من هو أقرأ منه إلا إذا تعذر. والله الموفق.

* * *

1024 سئل فضيلة الشيخ: دخلت المسجد لأصلي ففوجئت بإمام لا أحب أن أصلي وراءه, فماذا على أن أفعل لكي أكسب أجر صلاة الجماعة؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخلت المسجد لصلاة الجماعة ووجدتهم يصلون فصل معهم, حتى وإن كان الإمام ممن تكره؛ لأن صلاة الجماعة واجبة, وقد حصلت فلا يحل لك أن تفرط فيها.

ويبقى النظر في سبب كراهيتك لهذا الواجب على أن يزيل ما بينه وبين أخيه من أحقاد, وأن يبدل هذه الأحقاد ألفة ومحبة لأن الله تعالى قال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة) (الحجرات: من الآية10)

وأما تناصحه, وتبين له الخلل حتى يقوم بإصلاحه, وليستقيم على أمر الله.
(15/163)

أما ترك الناس بعضهم بعضاً إذا رأوا خللاً في دينهم, والإكتفاء بإضمار الحقد والعداوة لهم فإن هذا خلاف حال المؤمنين الذين قال الله فيهم: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: من الآية110) .

* * *

1025 سئل فضيلة الشيخ: لدينا مسجد يأخذ مرتباً من الدولة ولا يحضر بعض الفرائض في المسجد, ويؤم الناس بدلاً منه من لا يحسن القراءة, وفي نفس الوقت يوجد من لا يحسن القراءة؟ وهل تصح إمامة غير المتزوج؟ وإذا كانت لا تصح فهل لي أن أصلي في البيت؟

فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال تضمن مسألتين:

المسألة الأولى: هذا الإمام الذي يتخلف عن المسجد ويخلف من لا يصلح أن يكون إماماً.

وجواب هذا: أن مثل هذا الفعل محرم ولا يجوز؛ لأنه يأخذ على مرتباً شهرياً, وأيضاً الواجب في حقه إذا لم يستطع الإمامة أن يقدم استقالته حتى يدع المجال لمن يكون أهلاً, ويقوم بإمامة هذا المسجد.

أما المسألة الثانية: فسؤالك عن إمامة من لم يكن قد تزوج الشباب.
(15/164)

وجواب ذلك: أن إمامة غير المتزوج جائزة ولا حرج فيها, لقوله صلي الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله)) (1) .وقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن سلة الجرمي – رضي الله عنه – أنه كان يؤم قومه ابن ست أو سبع سنين حيث كان أقرأ قومه ,وكان عهد النبي صلي الله عليه وسلم (2) .

* * *
(15/165)

رسالة
نصيحة للأئمة والخطباء

قال فضيلة الشيخ - غفر له ولوالديه, ولجميع المسلمين -:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله, نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد:

الأئمة والخطباء هم الذين يقودون المجتمع؛ لأنهم يباشرون الناس مباشرة تامة في اليوم والليلة والأسبوع في خطبة كل جمعة, ولا شك أن لهذا تأثيراً كبيراً لا سيما مع وجود الصحوة التي لا تنكر بين الشباب المسلم..فقد كان الناس قبل نحو عشرين سنة لا تكاد تجد في المسجد من الشباب إلا اليسير, أما الآن ولله الحمد فأكثر من في المساجد هم الشباب وهذا يؤذن بمستقبل زاهر لهذه الأمة, وليس هذا في البلاد السعودية فقط بل في عامة البلاد الإسلامية, فكل من يأتي إلينا من جهات متعددة ونسأله عنها يثنون على الصحوة الموجودة في بلادهم, وهذا لا شك من نعم الله - عز وجل - ونشير إلى أن المستقبل لهذه الأمة, ولكن هذه الصحوة تحتاج إلى قيادة تجمع بين العلم الشرعي والعقل الواعي؛ لأن الكلام بلا علم جهل, والجاهل يفسد أكثر مما يصلح؛ ولأن الكلام
(15/166)

بلا عقل يؤدي إلى الاندفاع الجارف الذي تستولي عليه العاطفة, وإذا لم توزن العاطفة بميزان الشرع والعقل فإنها ستصير عاصفة تضر وهي وإن نجحت في إثارة الهمم والنشاط والإقبال في وقت ما, فإنها قد تكون العاقبة وخيمة, لكن إذا كانت الصحوة مميزة بالعلم الشرعي والعقل الواعي أمكن أن تسير على ما ينبغي بدون إزعاج وبدون نتائج عكسية, لهذا نحث إخواننا الخطباء والأئمة الذين يتكلمون أحياناً أدبار الصلاة أن يركزوا على هذا الأمر, على أن يكون الإنسان ناظراً للنتائج والمستقبل البعيد دون أن ينظر إلى الشيء الحاضر, فنار السعف لا شك أنها تشتغل بقوة وتضيء ما حولها لكن سرعان ما تخمد, أما نار الجمر فإنها تبقى ويحصل بها المقصود كثيراً؛ لأنها تنضج وتدفئ على وجه متأن ليس فيه ضرر.

أريد من أخواني الخطباء والأئمة التركيز على هذا الأمر ,أريد منهم أن يحرصوا دائماً على توحيد الكلمة, وتأليف القلوب والتحذير من التفرق لأشياء بسيطة هي من الأمور الخفيفة بالنسبة لغيرها من أصول الدين, لأن الإسلام جاء ليجمع الأمة لا ليفرقها, كما قال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) فتأليف القلوب مهم, ولا يمكن أن يصلح مع تنافر القلوب أبداً, ونحن نقول هذا لا نريد أن نسكت على خطإ لكن نريد أن نجاور الخطأ الذي يقع من بعضنا وذلك بالتثبت أولاً: هل وقع الخطأ؟ أم لم يقع؛ لأنا نسمع ولا سيما عند الضجة وعند الفوضى نسمع أشياء من أقوال أو أفعال تنسب إلى بعض الناس وعند التحقيق لا نجد شيئاً, عندما نحقق عن هذه الأشياء من أقوال أو أفعال لا نجد
(15/167)

شيئاً إذاً يجب علينا أن نتأدب بما أدبنا الله به (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36)

ثانياً: إذا ثبت لدينا ما نعتقده خطأ فلنتأمل قبل أن نتكلم مع صاحب هذا الخطأ الذي نعتقده خطأ, نتأمل هل هذا الخطأ؟ أو هل لهذا وجه؟ قد يكون له وجه, وهذا الوجه إما أن يكون قوياً أو ضعيفاً, وفي المرحلة الثالثة نتصل بهدوء واحترام مع صاحب الخطأ الذي اعتقدناه خطأ لنبحث معه لا على وجه الانتقاد ولا على وجه الانتقام ولكن على وجه الإصلاح, وإرادة الحق والله – سبحانه وتعالى – يقول في كتابه العظيم (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) (النساء: من الآية35) . ونحن إذا تكلمنا مع غيرنا بقصد الإصلاح واتباع الحق لا انتقاد وانتقاماً منه فإنه مع هذه النية الصالحة وسلوك الحكمة يحصل المقصود بإذن الله وعد الله لا يخلف الله وعده.

ولكن مع الأسف إن بعض الناس إذا سمع خطأ من أحد مجرد سماع دون أن يثبت طار به بعض الناس إذا سمع خطأ من أحد مجرد سماع دون أن يتبث طار به في الآفاق ثم ينسى ما لهذا الرجل من الحسنات الكثيرة التي تطفو بل التي تغمر هذه السيئة أو السيئات, وهل هذا من العدل؟ هل من العدل أن يأخذ الإنسان بالسيئات دون أن يقارنها بالحسنات؟ هذا هو الجور.والله تعالى يقول في كتابه: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ) (الأنبياء: من الآية47) .ويقول: (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) (الرحمن: من الآية9) يجب على الإنسان أن يوازن وأن نعلم أن الإنسان بشر وأنه لا يخلو من خطأ ولكن الدواء النافع هو أن نحسن النية وأن نحسن الطريقة التي يحصل بها تفادي ذلك الخطأ.
(15/168)

ثم هناك أشياء من الأمور التي تعتبر خفيفة بالنسبة للأصول العظيمة في الدين الإسلامي ومن الأصل العظيم بل هو أصل الأصول بعد التوحيد الاجتماع على كلمة الحق.

تجد رجلين مثلاً يختلفان في مسألة من مسائل الفقه ثم يحصل بينهما من العداوة واختلاف القلوب ما يحصل لأجل هذا, ثم كل واحد منهم يحاول أن يجمع حوله ما يجمع من الشباب أو غير الشباب فتتفرق الأمة وهذا والله ليس بالطريق السليم.

السليم أن نجتمع على الحق وأن يذهب أحدنا إلى أخيه الذي ظن أنه أخطأ ليتكلم معه بهدوء واحترام إن كان أكبر منه علماً أو سناً فليتأدب معه بلطف لا يتكلم معه مكالمة النظير؛ لأنه أكبر منه سناً أو أكبر منه علماً, حتى لا يحصل من الآخر الذي يرى نفسه أكبر منه شيء من الأمور.

فيجب على الإمام أن يكون أسوة حسنة في توجيهات الخلق فيما يرضي الله – عز وجل -.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتمسكين بكتابه وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم, ظاهراً وباطناً, وأن يتوفنا على ذلك, وأن يتولانا في الدنيا والآخرة وأن يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا, وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(15/169)

1026 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم صلاة الرجل بأهله في السفر؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يصلي الرجل بأهله ومحارمه في السفر, فقد كان النساء يحضرون الصلاة في عهد النبي صلي الله عليه وسلم, وصلى النبي صلي الله عليه وسلم بأنس وأمه واليتيم (1) .

* * *

1027 سئل فضيلة الشيخ: دخلنا المسجد ثلاثة فوجدنا الإمام انتهى من صلاة العشاء, فهل الأفضل أن يصلي نحن العشاء جماعة, أو ننتظر التراويح ونصلي خلف الإمام بنية العشاء ثم نتم صلاة العشاء؟

فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل لمن دخل جماعة والإمام في صلاة التراويح, وهم لم يصلوا العشاء, لكن يكونون في محل بعيد عن التشويش على المصلين, ثم إذا فرغوا من صلاة العشاء دخلوا مع الإمام.

أما إذا دخل رجل واحد فقط والإمام يصلي التراويح وهذا الرجل لم يصل العشاء فإنه يدخل مع الإمام فيصلي خلفه بنية العشاء. فمثلاً إذا كان قد أدرك الإمام في الركعة الأولى من التراويح فإنه إذا سلم الإمام يأتي هذا بركعتين, وإن دخل في الركعة الثانية فإذا سلم الإمام أتى بثلاث ركعات, وقد نص الإمام أحمد – رحمه الله – على جواز هذه المسألة.
(15/170)

1028 سئل فضيلة الشيخ: إذا كان الإنسان يصلي نافلة ودخل معه شخص فهل يجوز ذلك؟ وما حكم إذا امتنع من يصلي النافلة؟

فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز ذلك, فإذا دخل معه القادم نوى الجماعة, ولا ينبغي له أن يأبى فيحرم نفسه ويحرم الداخل ثواب الجماعة, وقد ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم قام يصلي من الليل وحده فجاء ابن عباس – رضي الله عنهما – فصلى معه (1) ,وما جاز في النفل جاز في الفرض؛ لأن الأصل تساوي أحكامهما إلا بدليل يدل على الخصوصية.

* * *

1029 سئل فضيلة الشيخ: هل تجوز صلاة المفترض خلف المتنفل, والمتنفل خلف المفترض؟

فأجاب فضيلته بقوله: يجوز ذلك, كما يجوز صلاة الظهر خلف إمام يصلي العصر, وصلاة العصر خلف إمام يصلي الظهر؛ لأن لكل امرئ ما نوى, ولهذا قال الإمام أحمد: إذا دخلت والإمام يصلي التراويح وأنت لم تصل العشاء فصل خلفه, فهي فريضة وله نافلة.

* * *
(15/171)

1030 سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى شخص صلاة الظهر خلف إمام يصلي العصر فما الحكم؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا صلى شخص صلاة الظهر خلف إمام يصلي العصر فلا حرج في ذلك, وصلاته صحيحة على القول الراجح النبي صلي الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) (1) .ولم يثبت عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ما يدل على وجوب اتحاد نيتي الإمام والمأموم فيكون لكل واحد منهما نيته كما يدل عليه الحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى)) .

* * *

1031 سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى رجل صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح فما الحكم؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا صلى رجل صلاة العشاء خلف من يصلي التراويح فلما سلم من الإمام التراويح أتم الرجل صلاة العشاء فهذا جائز ولا بأس به, وقد نص على جوازه الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – وصح عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه- أنه كان يصلي مع النبي صلي الله عليه وسلم العشاء الآخرة, ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة فتكون له نافلة ولمن خلفه فريضة (2) .

لكن إن كان مع هذا الرجل جماعة فالأولى أن يصلوا وحدهم
(15/172)

صلاة العشاء في جانب من المسجد ليدركوا الصلاة كلها من أولها إلى آخرها في الجماعة.

* * *

1032 سئل فضيلة الشيخ: إذا صلى الإنسان منفرداً فجاء شخص آخر يريد الائتمام به فهل يجوز ذلك؟ وهل يصلي مع المسبوق إذا قام لقضاء ما فاته؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا شرع الإنسان في الصلاة منفرداً ثم جاء آخر فصلى معه فلا بأس سواء في الفريضة أو في النافلة, أما في النافلة فقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه فعله, وذلك حين بات عنده عبد الله بن عباس – رضي اله عنهما – فقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي من الليل وحده, فقام ابن عباس وصلى معه فأقره (1) ,وما ثبت في النافلة ثبت في الفريضة إلا بدليل. وأما مسالة الثانية وهي إذا دخل الإنسان مع الإمام وقد فاته بغض الصلاة, ثم قام ليأتي بما بقي فدخل معه آخر فهو أيضاً لا بأس به, لكن الأفضل تركه؛ لأن هذا ليس من هدي الصحابة أن أحدهم إذا قام يقضي ما فاته معه آخر جماعة.

* * *

1033 سئل فضيلة الشيخ: إمام دخل في صلاة المغرب وذكر في أثناء الصلاة لم يصل العصر فما العمل؟

فأجاب فضيلته بقوله: هذا الإمام الذي نسي صلاة العصر
(15/173)

ودخل في صلاة العصر المغرب, وتذكر في أثناء الصلاة أنه لم يصل العصر, يستمر في صلاة المغرب, فإذا أتمها أتى بصلاة العصر, وتصح منه صلاة العصر حينئذ, وهذا الحكم عام حتى ولو كان المصلي منفرداً؛ لأن الفريضة إذا شرع فيها الإنسان لزمه إتمامها إلا لعذر شرعي.

* * *

1034 سئل فضيلة الشيخ: هل تصح إمامة المتيم بالمتوضئ؟

فأجاب فضيلته بقوله: نعم تصح, لكن المتوضئ أولى إذا تساووا في الصفات الأخرى المعتبرة في الإمامة وهي القراءة والعلم بالسنة, وقدم الهجرة والإسلام وكبر السن ونحو ذلك مما هو معروف في ترتيب الأئمة الأولوية.

* * *
(15/174)

- تخلف الإمام أو المؤذن عن القيام بالمسجد
- موقف الإمام والمأمومين
- صلاة المنفرد خلف الصف
- اقتداء المأموم بالإمام
- متابعة الإمام عبر مكبرات الصوت
- الصلاة خلف التلفاز والمذياع
(15/175)

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة الشيخ محمد بن صالح عثيمين حفظه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

هناك بعض أئمة المساجد والمؤذنين لهم وظائف وفي بعض الأحيان يتخلفون عن الإمامة والأذان ويبقون في الوظيفة وأحياناً يحضرون, وبعض المرات يوكلون من يصلي أو يؤذن بدلاً عنهم وبعض المرات لا يحضرون ولا يوكلون أحد, فما حكم ذلك؟

أفيدونا أثابكم الله.

بسم الله الرحمن الرحيم

وعليكم السلام ورحمة اله وبركاته.

الواجب على الموظف أن يقوم بواجب وظيفته سواء كانت إمامة أو أذاناً أو غيرهما لقوله تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة: من الآية1) وقوله:) وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (الإسراء: من الآية34) ولا يحل للإمام أو المؤذن أن يخل بواجب وظيفتهما.

وإذا كان الإمام أو المؤذن لا يستطيع أن يقوم بالوظيفتين فليترك إحداهما لغيره, ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

كتبه محمد الصالح العثيمين في28/4/1417هـ.
(15/177)

1035 سئل فضيلة الشيخ: بعض الأوقات يصلي عني المؤذن فأعطيه مبلغاً معيناً فيرضى به, هل ذلك جائز؟ أو أعطيه مبلغاً عن كل صلاة صلاها عني؟

فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: نسأل هذا الإمام لماذا يتخلف وقد التزم أما ولي الأمر, أو نائب ولي الأمر, وهو مدير الأوقاف, أن يكون في هذا المسجد؟ فلا يحل للإمام أن يتخلف فرضاً واحداً إلا بما جرت به العادة, كفرض أو فرضين في الأسبوع, أو إذا كان موظفاً ولا بد أن يغيب في صلاة الظهر فيخبر مدير الأوقاف ويرضى بذلك الجماعة, فلا بأس.

يعني لا بد من ثلاثة أمور, إذا كان يتخلف تخلفاً معتاداً كصلاة الظهر للموظف: لا بد أن يستأذن من دير الأوقاف, ولا بد أن يستأذن من أهل الحي – الجماعة – ولا بد أن يقيم من تكون به الكفاية سواء المؤذن, أو غير المؤذن, أما أن يهملهم ولا يحضر, ولا يوكل ويبقى الناس صل يا فلان, صل يافلان, وربما يتقدم من ليس أهلاً للإمامة فهذا إضاعة للأمانة.

فنخاطب من؟ نخاطب أول من نخاطب الإمام (لماذا تخلف؟) فإذا كان يتخلف عذر شرعي, أو بشيء معتاد كاليومين أو اليوم أو الثلاثة أيام في الأسبوع في فرض واحد, فلا بأس أما أن يبقى يتخلف أكثر الأوقات, ويقول أنا وكل المؤذن, أو فلاناً فهذا غلط, فليترك المسجد ويبري ذمته ويدعه لمن يتشوف له.

أملاه محمد الصالح العثيمين في 1417هـ.
(15/178)

1036 سئل فضيلة الشيخ: ما الأمور التي يتابع فيها الإمام؟ وما الأمور التي لا يتابع فيها؟ وما رأيكم فيمن جعل العلة في المتابعة هي العذر النبي صلي الله عليه وسلم حين أمرهم بمتابعته في الصلاة جالساً كان معذوراً, وعلى فكل من كان معذوراً في ترك أمر من أمور الصلاة فإنه يتابع فيه, فمثلاً إذا كان مجتهداً أو مقلداً فهو معذور فيتابع من أجل ذلك حتى وإن خالفك في رأيك؟

فأجاب فضيلته بقوله: أما الشيء الذي يؤدي تركه إلى مخالفة الإمام فإن الإمام يتابع عليه, وأما الذي لا يخالف الإمام لا يرى ذلك, ولامأموم يرى ذلك فإنه يرفع يديه ولا حرج؛ لأنه لا يحصل بذلك مخالفة للإمام ولا تخلف عنه, وكذلك في الجلوس إذا كان الإمام لا يرى التورك والمأموم يرى التورك أو بالعكس, فإنه لا يتابعه, لأنه لم يختلف عليه ولم يخالفه, وأما إذا كان يقتضي التخلف مثل أن يكون المأموم يرى جلسة الاستراحة والإمام لا يراها فإن المأموم لا يجلس؛ لأنه لو جلس لتخلف عن الإمام والنبي عليه الصلاة والسلام أمرنا بالمبادرة في متابعة الإمام فقال (إذا كبر فكبروا, وإذا ركع فاركعوا)) (1) .وكذلك الأمر بالعكس لو كان إمام يرى الجلسة والمأموم لا يراها فإذا جلس الإمام فليجلس وإن كان لا يراها, متابعة للإمام.
(15/179)

فهذا هو الضابط في المتابعة, أي أن المأموم لا يفعل ما تحصل به مخالفة الإمام أو التخلف عنه.

* * *

1037 سئل فضيلة الشيخ: متى يفتح على الإمام؟ وهل يرد عليه إن غير في الحركات كأن رفع المنصوب أو نصب المرفوع؟ وماذا يفعل المأموم إذا علم أن الإمام سوف يرتبك إذا رد عليه؟ وهل يرد عليه إذا زاد أو نقص شيئاً قليلاً كزيادة الواو أو ما شابهه؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا أخطأ الإمام في القراءة على وجه يخل بالمعنى فالواجب أن يرد عليه سواء في الفاتحة أو غيرها, وإذا كان لا يخل بالمعنى فإن الأفضل أن يرد عليه, ولا يجب.

* * *

1038 سئل فضيلة الشيخ: هل الأفضل للإمام التأخر عن الحضور إلى المسجد إلى وقت الإقامة أو التبكير في الحضور؟

فأجاب فضيلته بقوله: ظاهر فعل النبي صلي الله عليه وسلم أنه كان يتأخر في بيته إلى وقت الإقامة, وهذا هو الأفضل في حق الإمام إلا أن يكون في تقدمه مصلحة كتعليم علم ونحوه.

* * *

1039 سئل فضيلة الشيخ: عن إمام يكرهه معظم جماعة المسجد حتى إن بعضهم يهجر الجماعة بسبب هذا الإمام. فهل له الاستمرار في إمامة هذا المسجد؟
(15/180)

فأجاب فضيلته بقوله: لا بد أن ينظر سبب الكراهة لهذا الرجل أهي بحق كونه ليس على المستوى الديني الذي يخوله للإمامة, أو لكون سئ المعاملة للجماعة يتقدم أحياناً, أو يتأخر أحياناً, أو ما أشبه ذلك من الأسباب التي توجب كراهته على وجه شرعي, فإذا كان الأمر كذلك فإنه يكره أن يبقى إماماً لهم كما نص على ذلك بعض أهل العلم, وبعضهم يرى أنه يحرم عليه أن يكون إماماً لهم في هذه الحال.

أما إذا كانت كراهتهم بغير حق إنما يكرونه من أجل الحق الذي هو عليه لكونه يحرص على أدائهم للجماعة, ويغضب إذا تخلفوا عنها, فإننا ننصح من يتصف بهذه الصفة أن يبقى في إمامته, لكن إذا كانوا يكرهونه كراهة طبيعية فإن الأولى أن يحاول إزالة أسباب الكراهة, فإن لم تزل فالأولى أن لا يكون إماماً لهم.

وخلاصة الجواب أن نقول: إذا كانوا يكرهونه لكونه مخلاً بما تقتضيه الإمامة من دين, أو معاملة فإنه يكره أن يبقى إماماً لهم أو يحرم, وإذا كانوا يكرهونه لكونه آمراً بالمعروف, ناهياً عن المنكر, متفقداً لجماعته, وناصحاً لمن يحتاج فليبق على إمامته والعاقبة للمتقين.

وإن كانوا يكرهونه لا لهذا, ولا لهذا ولكن شخصية فالأولى أن يحاول جمع القلوب لإزالة فإن لم يفد فليدع الإمامة.

* * *
(15/181)

1040 سل فضيلة الشيخ: عن رجل يقوم بإمامة المسجد وإقامة الدروس والمواعظ وأهل الحي في حاجة إليه, وهو يريد أن يترك المسجد نظراً لظروف المعيشة فهل عليه شيء؟

فأجاب فضيلته بقوله: كأنك تقول إن هذا الرجل في حيه لا يقوم أحد مقامه, والناس محتاجون إليه, فهذا يكون تعليمه لهذه الطائفة فرض عين عليه, فإذا نظرنا إن كان في طرف البلد, وإن انتقل إلى بلد آخر, فإذا كان للضرورة فلا شيء عليه, كما لو سافر لطلب الرزق, وليس عنده ما يقتيه فمثل هذا لا حرج عليه, وعلى الجماعة أن يبحثوا لهم عن شخص آخر يقوم مقامه, أو يقوموا بكفاية هذا الرجل حتى يتفرع لهم.

1041 سئل فضيلة الشيخ: إمام مسجد يتأخر عن الجماعة في صلاتي الفجر والظهر ويؤخر أحياناً الصلاة حوالي ساعة بم تنصحونه؟

فأجاب فضيلته بقوله: يجب على الإمام أن لا يتأخر عن الصلاة لا في صلاة الظهر ولا الفجر, ولا في غيرهما من الأوقات, لأنه ملزم بذلك, وأما تأخره في الإقامة فإنه لا ينبغي إلا في الصلاة العشاء, فإن النبي صلي الله عليه وسلم ((كان إذا رآهم اجتمعوا عجل, وإذا رآهم أبطئوا تأخر)) (1) , وأما بقية الصلوات فالتقديم أفضل, لكن
(15/182)

يراعى في الصلوات التي يكون لها راتبه قبلها, فيهمل الناس حتى يتمكنوا من أداء الراتبة والوضوء والله الموفق.

* * *

1042 سئل فضيلة الشيخ: يوجد مسجد وجماعته قليلة وليس فيهم من يجيد القراءة حفظاً. فهل لمن أراد أن يؤمهم أن يقرأ بالمصحف نظراً في الصلاة كقيام رمضان مثلاً؟ أفتونا جزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: نعم إذا كان الإمام لم يحفظ شيئاً من القرآن فإنه هذا العمل يجوز له أن يقرأ بالمصحف, ولا حرج عليه في ذلك؛ لأن هذا عمل من أجل إتمام الصلاة, والعمل لإتمام الصلاة لا يضر. والله الموفق.

* * *

1043 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -:ما حكم الصلاة عن يسار الإمام؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة عن يسار الإمام خلاف المشروع, ((فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قام يصلي من الليل فجاء ابن عباس – رضي الله عنهما – فوقف عن يساره, فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسه من وراءه فجعله عن يمينه) (1) .

فنقول لمن صلى عن يساره الإمام: إن فعلك هذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم, وقد اختلف أهل العلم هل وقوفه هذا محرم, فتكون
(15/183)

صلاته باطلة يجب عليه إعادتها؟ أو هو خلاف الأولى, فتكون صلاته صحيحة لكنه ترك الأولى؟

وعلى كل حال فالأحوط للإنسان أن لا يصلي عن يسار الإمام, وأن يكون عن يمينه كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام بابن عباس – رضي الله عنهما -.

* * *

1044 سئل فضيلة الشيخ: أيهما أفضل الصلاة عن يمين الإمام أم يساره؟ وأيهما أفضل يمين الصف أو يساره؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان لا يصلي مع الإمام إلا رجل واحد فإن المأموم يقف عن يمينه, ولا يقف عن يساره, لحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه بات عند خالته ميمونة – رضي الله عنها – فقام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل, فقام ابن عباس عن يساره فأخذه من وراءه, وأقامة عن يمينه (2) ,فهذا دليل أن المأموم إذا كان واحداً فإنه يكون اليمين, ولا يكون عن اليسار, أما إذا كان المأموم أكثر من واحد فإنه يكون خلفه.

ويمين الصف أفضل من يساره, وهذا كانا متقاربين, فإذا بعد اليمين بعداً بيناً فإن اليسار والقرب من الإمام أفضل, وعلى هذا فلا ينبغي للمأمومين أن يكونوا عن يمين الإمام حتى لا يبقى في اليسار إلا رجل أو رجلان؛ وذلك لأنه لما كان المشروع في حق الثلاثة أن يكون إمامهم بينهم, كان أحدهما عن يمينه, والآخر عن
(15/184)

يساره ولم يكونوا عن اليمين, فدل هذا على أن الإمام يكون متوسطاً في الصف أو مقارباً.

والخلاصة: أن اليمين أفضل إذا كانا متساويين أو متقاربين, وأما مع بعد اليمين فاليسار أفضل لأنه أقرب إلى الإمام. والله الموفق.

* * *

1045 وسئل فضيلة الشيخ: أحياناً نكون في الخندق ويكون ضيقاً فلا يستطيع أن تقدم الإمام في الصلاة, بل نجعله في وسط الصف الأول فهل هذا صحيح؟ وإن كان غير صحيح فما هو الموضع الصحيح له؟ مع العلم أننا لو صلينا في الخارج ربما تأتينا قذيفة فنهلك؟

فأجاب فضيلته بقوله: تقدم الإمام على المأمومين سنة, فإذا كان لا يمكن لضيق المكان فلا بأس أن يكون بينهم في الوسط.

* * *

1046 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى-:هل هناك مسافة مقدرة بين الإمام والمأموم؟ وما حكم ارتفاع الإمام عن المأمومين؟

فأجاب فضيلته بقوله: المسافة التي بين الإمام والمأموم ينبغي أن تكون قريبة كالمسافة التي بين الصفوف؛ لأن من خلف الإمام صف فينبغي أن لا يكون بين الإمام والمأموم إلا مقدار ما يكون بين الصفوف بعضها مع بعض, وينبغي دنو الصفوف بعضها
(15/185)

من بعض, ودنو الإمام من المأمومين أيضاً؛ لأن الجماعة كلما قربت صارت أدل على الاجتماع إذا تباعدت, وأما ارتفاع المأموم عن الإمام فإن هذا لا بأس به, وأما ارتفاع الإمام على المأموم فإن هذا لا ينبغي إلا بمثل ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذراع أو نحوه فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فصار يصلي فوق المنبر قائماً وراكعاً, فإذا أراد السجود نزل وسجد في أصل المنبر وقال: إنما فعلت ذلك لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي.

وقد قيده بعض العلماء بما إذا لم يكن مع الإمام في موضعه أحد من المأمومين فإن كان معه أحد كما لو كان الإمام وبعض المأمومين في السطح في الأسفل فلا بأس.

* * *

1047سئل فضيلة الشيخ: عن رجل دخل المسجد فوجد أن الإمام دخل في صلاته ووجد الصف قد اكتمل وامتلأ, فهل للرجل أن يقف خلف الصف لوحده, أو يجذب رجلاً من الصف الأمامي, أو يقف عن يمين الإمام, أو يترك تلك الجماعة في هذا المسجد؟ أفيدونا مأجورين.

فأجاب فضيلته بقوله: الكلام على هذه المسألة في مقامين:

المقام الأول: هل تصح صلاة المنفرد خلف الصف أو لا.

والمقام الثاني: إذا قلنا لا تصح فوجد الصف تاما فماذا يصنع؟
(15/186)

فأما المقام الأول: فقد اختلف العلماء – رحمهم الله – فيه فقال بعضهم: تصح صلاة المنفرد خلف الصف لعذر ولغير عذر, لكن صرح بعضهم بكراهة ذلك لغير عذر ,وهذا هو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك, والشافعي, وأبي حنيفة, واستدلوا بصحة صلاة المرأة خلف الصف حيث قالوا: إن الرجال والنساء سواء في الأحكام الشرعية. وبأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أبا بكرة حين ركع قبل أن يدخل الصف أن يعيد الصلاة (1) .وبأن النبي صلى الله عليه وسلم أدار ابن عباس من ورائه في أثناء الصلاة (2) .فإذا جاز أن يكون الانفراد في جزء من الصلاة جاز أن يكون في جميعا, إذ لو كان مبطلاً للصلاة لم يكن بين قليله وكثيره فرق كالوقوف قدام الإمام.

وأجابوا عن الأحاديث النافية لصلاة المنفرد خلف الصف بأن المراد بها نفي الكمال فهي كقوله صلي الله عليه وسلم (لا صلاة بحضرة طعام) (3) ونحوه.

وقال بعض العلماء: إن صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح وهذا مذهب الإمام أحمد المشهور عند أصحابه وهو من مفرداته.

وعنه رواية ثانية تصح وفاقاً للأئمة الثلاثة.

أما الأثر: فما رواه الإمام أحمد عن علي بن شيبان – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف فلما انصرف ,
(15/187)

قال له النبي صلي الله عليه وسلم (استقبل صلاتك, فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف) (1) , وهو حديث حسن له شواهد تقتضي صحته.

وأما النظر: فإن الجماعة هي الاجتماع, ويكون بالمكان والأفعال, فالأفعال اجتماع المأمومين على متابعة إمامهم, والمكان اجتماعهم في صفوفهم, وإذا قلنا بجواز انفراد بعضهم عن بعض فمتى تكون الهيئة الاجتماعية كل واحد في صف منفرداً عن بقية الجماعة. وأجاب من الرجال قد دلت السنة على أنه من خصائصها كما في حديث أنس قال (فقمت أنا اليتيم وراءه – يعني وراء النبي صلى الله عليه وسلم - والعجوز من ورائنا) (2) , ولأنها ليست أهلاً لأن تكون إلى جانب الرجال.

وأما الحديث أبي بكرة فإنه لم ينفرد إلا جزءاً يسيراً وقد قال له النبي صلي الله عليه وسلم (لا تعد) (3) .

وأما حديث ابن عباس فإنه لم يقف خلف الصف بل كان ماراً غير مستقر.

وأما قولهم: إن المراد بنفي الصلاة نفي الكمال, فدعوى مردودة؛ لأن الأصل في النفي نفي الوجود, فإن لم يمكن فنفي الصحة, فإن لم يمكن فنفي الكمال. وحديث (لا صلاة لمنفرد)
(15/188)

يمكن أن يعود النفي فيه إلى صحة, فيجب أن يحمل عليه.

وأما تنظيرهم بحديث (لا صلاة بحضرة طعام) (1) فلا يصح لوجهين:

أحدهما: أن العلة في هذا هو انشغال القلب بحضور الطعام, وانشغال القلب لا يوجب بطلان الصلاة كما في حديث الوسوسة أن الشيطان يأتي إلى المصلي اذكر كذا؛ اذكر كذا؛ لما لم يكن يذكر؛ فيظل لا يدري كم صلى (2) .

الوجه الثاني: أن حديث (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) قد صرح أن المراد به نفي الصحة حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقبل صلاته وعلل ذلك بأنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف, وفي حديث وابصة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد صلاته (3) .

وبهذا تبين أن القول الراجح وجوب المصافة, وأن من صلى وحده خلف الصف فصلاته باطلة, وعليه أن يعيدها؛ لتركه واجب المصافة, ولكن هذا الواجب كغيره من الواجبات يسقط بفوات محله, أو بالعجز عنه عجزاً شرعياً, أو عجزا حسياً لقوله تعالى:
(15/189)

(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (التغابن: من الآية16)

وقول النبي صلي الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1) .فيجب أن يكون في الصف حيث وجد مكاناً فيه, فإن لم يجد مكاناً سقط عنه هذا الواجب, وكذلك إن لم يكن له مكان شرعاً فإنه يسقط عنه الواجب.

مثال الأول: إذا وجد الصف تاماً فله أن يصلي وحده لأنه لا واجب مع العجز.

ومثال الثاني: إذا كانت امرأة مع رجال فإنها تصلي وحدها خلف الصف كما ثبتت به السنة, وهذا الذي جاءت به السنة يمكن أن يكون أصلاً يقاس عليه صلاة الرجل وحده خلف الصف إذا لم يجد مكاناً فيه؛ لأن التعذر الحسي كالتعذر الشرعي.

ويوضح ذلك: أن الرجل إذا جاء ووجد الصف تاماً فأما أن يتقدم ويقف بجنب الإمام, أو يجذب واحداً من الصف ليقف معه, أو يصلي وحده منفرداً عن الجماعة أو يصلي مع الجماعة, خلف الصف.

فأما تقدمه إلى جنب الإمام ففيه:

1- مخالفة السنة بإفراد الإمام وحده ليتميز عن المأمومين بتقدمه عليهم مكاناً وأفعالاً, ولا يرد على هذا وقوف النبي صلي الله عليه وسلم إلى جانب أبي بكر (2) ,لأن الذي جاء ووقف هو الإمام وقف إلى جانب
(15/190)

نائبه, وأيضاً فإن أبا بكر لا يمكنه الرجوع إلى الصف, وأيضاً فإن من مصلحة الجماعة أن يكون إلى جنب النبي ليبلغهم تكبيره..

2- وفي المأموم الذي وجد الصف تاماً إلى جنب الإمام إيذاء للجماعة الذين سيتخطاهم ليصل إلى الإمام.

3- وفيه تفويت للمصافة لمن جاء بعده, فإنه لو قام وحده وجاء آخر صار صفاً.

وأما جذبه واحداً من المأمومين ليقف معه ففيه ثلاثة محاذير:

أحدهما: فتح فرجة في الصف, والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالمراصة ونهى أن ندع فرجات للشيطان.

الثاني: أنه ظلم للمجذوب بنقله من المكان الفاضل إلى المكان المفضول.

الثالث: أنه يشوش عليه صلاته, وربما ينازعه ويشاتمه إذا فرغ منها, ولا يرد على هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن رآه يصلي وحده خلف الصف (ألا دخلت معهم أو اجتررت أحداً) فإنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة (1) .

وأما تركه الجماعة وصلاته منفرداً فهو ترك لواجب الجماعة مع القدرة عليه فيكون وقوعاً في المعصية.
وأما صلاته مع الجماعة خلف الصف قيام بالواجب عليه بقدر المستطاع, فإن المصلي مع الجماعة يلزمه أمران:

أحدهما: الصلاة في الجماعة.
(15/191)

والثاني: القيام في الصف معهم, فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر.

فإن قيل: إن قوله صلي الله عليه وسلم (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) (2) عام ليس فيه تفصيل بين تمام, وعدم تمامه.

فالجواب: أن هذا دال على بطلان الصلاة للمنفرد لتركه واجب المصافة, فإذا لم يقدر عليه سقط عنه, والنبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يبطل صلاته لتركه ما لا قدرة له عليه ,ونظير هذا الحديث قوله صلي الله عليه وسلم (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) (3) ,وقوله صلي الله عليه وسلم (لا صلاة لمن لا وضوء له) (4) إن صح هذا, فإن لم يقدر على الفاتحة, أو على الوضوء صلى بدونهما, وأجزأته صلاته لكنه يقرأ من القرآن, ويتيمم إن عجز عن الوضوء.

وخلاصة الجواب: أن المصافة واجبة, وأن من جاء وقد كمل الصف فإنه يصلي مع الجماعة خلف الصف, ولا يتقدم إلى الإمام ليصلي إلى جنبه, ولا بجذب أحداً من الصف ليقف معه, ولا يترك صلاة الجماعة.

وجواز صلاته الجماعة منفرداً عن الصف للعذر هو اختيار
(15/192)

شيخ الإسلام ابن تيميه ,وشيخنا عبد الرحمن سعدي وبعض قول من يرى الجواز منطلقاً. والحمد لله رب العالمين.

* * *

1048 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة خلف الصف منفرداً؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة خلف الصف المنفرد لا تجوز ولا تصح على القول الراجح وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد – رحمه الله – وإن كان عنه رواية أخرى أنها تصح وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك, وأبي حنيفة, والشافعي.

ولكن الراجح أنها لا تصح خلف الصف المنفرد إلا إذا تعذر الوقوف في الصف بحيث يكون الصف تاماً, فإنه يصلي خلف الصف منفرداً تبعاً للإمام؛ لأنه معذور, ولا واجب مع العجز كما قاله أهل العلم – رحمهم الله – وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام جعل المرأة تقف خلف الصف منفردة عن الرجال للعذر الشرعي, وهو عدم إمكان وقوفها مع الرجال, فإن العذر الحسي أيضاً يكون مسقطاً لوجوب المصافة, وذلك لأنه في هذه الحال إذا لم يجد الرجل إلا موقفاً خلف الصف منفرداً فإما أن يصلي منفرداً وحده عن الجماعة, أو يجذب واحداً من الصف ليكون معه, أو يتقدم ليصلي إلى جانب الإمام هذه الأحوال الأربع التي يمكن أن تكون لهذا الرجل الذي لم يجد موقفاً في الصف.
(15/193)

فنقول له: أما التقدم إلى الإمام حتى يكون إلى جانبه فإن فيه محذورين أحدهما: الوقوف مع الإمام في صلاة الجماعة هذا خلاف السنة لأن الأفضل أن ينفرد الإمام في مكانه, ليكون إماماً متميزاً عن الجماعة منفرداً عنهم في المكان ليعرف إنه إمام, وأنه لا ثاني معه ولا يرد على هذه قصة أبي بكر (1) – رضي الله عنه – حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يصلي بالناس فكان على يسار أبي بكر وأبو بكر عن يمينه؛ لأن أبو بكر رضي الله عنه هو الإمام أولاً ويتعذر أن يرجع إلى صف وراءه لأنه متصل فوقوف أبو بكر هنا على سبيل الضرورة.

المحذور الثاني: أنه إذا تقدم مع الإمام فإنه سوف يتخطى الصف. أو الصفين, أو الثلاثة حسب ما يجد أمامه من الصفوف.

وفي هذه الحال – أي تقدمه إلى الإمام – يكون هناك فوات أمر مطلوب وهو أنه إذا تقدم وصلى مع الإمام, ثم دخل آخر ولم يجد مكاناً في الصف فمعناه أن سيتقدم إلى الإمام, ويكون مع الإمام رجلان, لكن لو أن هذا لم يتقدم إلى الإمام وبقي خلف الصف ثم جاء الثاني صار صفاً معه.

أما لجذبه لواحد من الصف الذي أمامه فهذا أيضاً يترتب عليه عدة محاذير:

المحذور الأول: فتح فرجة في الصف وهذا من قطع الصف وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (من قطع صفاً قطعه الله) (2) .
(15/194)

المحذور الثاني: أن هذه الفرجة التي حدثت في الصف فإن الغالب أن الناس يتقاربون, وحينئذ يؤدي إلى حركة جميع الصف, ولولا جذب هذا الرجل ما تحرك الصف ولبقي الناس على أمكنتهم.

المحذور الثالث: أنه ينقل صاحبه الذي جذبه من المكان الفاضل إلى المكان المفضول وفي هذا نوع اعتداء عليه.

أما الحالة الثالثة وهي: أن نقول انصرف ولا تصلي مع الجماعة لأن الصف تام, وحينئذ نحرمه من صلاة الجماعة, ويكون منفرداً في موقفه وفي صلاته أيضاً.

وتبقى عندنا الحالة الرابعة وهي: أن نقول له كن خلف الصف منفرداً في المكان, موافقاً في الأفعال, هذه الأخيرة هي خير الأقسام بلا شك فإذا كانت هي خير الأقسام فإنها تكون هي المطلوبة ونقول له قف خلف الصف وصل مع الإمام منفرداً؛ لأنك معذور.

وأما قول الرسول عليه الصلاة والسلام (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) (1) فهذا حمله من يرون أن المصافة ليست بواجبة حملوه على أنه بقي للكمال وليس نفياً للصحة, ولكن هذا الطريق ليس بصحيح؛ لأن الأصل في ما نفاه الشرع انتفاء الصحة. وهذا هو الأصل إلا إذا وجد دليل على أن المراد انتفاء الكمال, فيحمل على
(15/195)

انتفاء الكمال وإلا فالأصل أن النفي للصحة.

وبهذه المناسبة: أود أن أبين أن ما ورد نفيه للنصوص فله ثلاث حالات:

الحال الأولى: أن يكون نفياً لوجوده وهذا هو الأصل مثل: لا خالق إلا الله, هذا نفي لوجود خالق للخلق سوى الله – عز وجل – وهذا أعني نفي الوجود الذي يجب عليه حمل النفي أولاً؛ لأنه الأصل.

الحال الثانية: إن لم يمكن حمل النفي على نفي الوجود, وكان الشيء موجوداً, فإنه يحمل على نفي الصحة شرعاً مثل (لا صلاة بغير وضوء) (1) فالإنسان قد يصلي غير متوضئ وتوجد الصلاة, لكنها شرعاً منفية وهذا نفي للصحة.

الحال الثالثة: إن لم يمكن حمل على نفي الصحة لوجود دليل يمنع من ذلك فإنه يحمل على نفي الكمال مثل (لا صلاة بحضرة طعام, ولا وهو يدافع الأخبثان) (2) فإنها هنا محمولة نفي الكمال على أن بعضاً من أهل العلم يقول: إن الحديث محمول على نفي الصحة إذا كان ينشغل كاملاً لا يدري ما يقول في صلاته فإنه لا تصح صلاته حينئذ.
وعلى كل حال فهذه المراتب الثلاثة ينبغي لطالب العلم أن يلاحظها: أن الأصل في النفي نفي الوجود, فإن لم يمكن وكان الشيء موجوداً فهو محمول على نفي الصحة, فإن لم يمكن وكان
(15/196)

قد قام الدليل على الصحة فإنه يكون محمولاً على نفي الكمال.

وعلى هذا فقوله صلي الله عليه وسلم (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) (3) أو لفرد خلف الصف هو من القسم الثاني أي مما نفيت صحته فلا تصح صلاة منفرد خلف الصف, ولكن هذا يدل على وجوب المصافة ووجوب المصافة, عند التعذر يسقط بتعذره, لأن القاعدة المعروفة عند أهل العلم والتي دل عليه قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286) تدل على أنه لا واجب مع العجز, وبهذا تبين أنه إذا تعذر الوقوف في الصف لكماله فإن الداخل يصف وحده في هذه الحال صحيحة.

* * *
(15/197)

رسالة

إلى جناب الوالد المكرم الفاضل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله بطاعته آمين.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام, ونحن والحمد لله على ما تحبون وبعد:

وجدت في إعلام الموقعين الجزء الثاني ص 276 ما نصه (رد السنة الصحيحة في من أجاز صلاة الفذ خلف الصف) .

ونحن في حالة كما ترى أن أمرنا الفذ في إعادة الصلاة ونظرنا قول الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله تعالى - فهو قوي عن شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله - وإن نظرت إلى قول ابن القيم فإذا هو كذلك, وحديث وابصة (1) حديث علي بن شيبان (2) وتحيرت لقلة ما معي من البضاعة, فأرجو منكم إفادتي والله يحفظكم ويرعاكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

كلام ابن القيم وجدته في النسخة التي عندي المطبوعة مع حادي الأرواح في ص 416 ج2 ومراده به الرد على من قال بجواز الصلاة فذاً خلف الصف بدون عذر, واستدلوا بوقوف المرأة إلى
(15/198)

آخر ما نقل عنهم, ورد عليهم, وهو لا يناقض كلام شيخه شيخ الإسلام ابن تيميه حيث قال إن ابن القيم – رحمه الله – صرح في ص29 ج2 من نسختي بأن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذر عليه الدخول في الصف ووقف معه فذاً صحت صلاته نظير ما قاله شيخه – رحمهم الله – حكماً وتعليلاً فلا معارضة, ولا خلاف بينهما, وقولهما هو الحق إن شاء الله وهو صحة صلاة الفذ مع العذر.

كتبه محمد الصالح العثيمين في 28/3/1394 هـ والحمد لله رب العالمين.

* * *
(15/199)

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

من محبكم محمد الصالح العثيمين إلى الأخ. . . المكرم حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد::والحمد لله على ذلك ورزقنا الله تعالى وأياكم شكر نعمته, وحسن عبادته.

سؤالك عن رجل يصلي وحده فيدخل معه آخر ويكون إماماً له فهل تصح صلاتهما.

فالجواب: نعم تصح صلاتهما, ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس (أنه بات عند خالته ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل, ثم جاء ابن عباس فدخل معه ومضى في صلاته) (1) ,وهذا في صلاة الليل, وما جاز في النفل جاز في الفرض إلا بدليل, ولا دليل على التفريق بين الفرض والنفل في هذه المسألة, بل روى الإمام أحمد عن جابر - رضي الله عنه - قال (قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المغرب فجئت فقمت عن يساره فجعلني عن يمينه) (2) - الحديث - وهذا في الفرض, وذهب بعض العلماء إلى
(15/200)

أن ذلك لا يصح لا في الفرض ولا في النفل وهو المشهور من المذهب ,وقيل: يصح في النفل دون الفرض.

كذلك سؤالك عمن لم يجد من يصافه, ولا تيسر أحد يجذبه فهل تصح صلاته؟

فالجواب: نعم, تصح صلاته؛ لأنه معذور, والواجب يسقط بالعذر وهذا هو القول المتوسط الذي تؤيده الأدلة.

والقول الثاني: تصح صلاة المنفرد خلف الصف لعذر أو لغير عذر.

والقول الثالث: لا تصح لا لعذر ولا لغير عذر إذا صلى ركعة فأكثر.

هذا ما لزم , شرفونا بما يلزم, والسلام عليكم ورحمة وبركاته. 24/2/1387هـ.

* * *
(15/201)

1049 سئل فضيلة الشيخ: ظهر حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) يدل على جواز صلاة الفذ؛ لأنه جاء فيه لفظ ((تفضل) ,وتدل على اشتراك الفاضل والمفضول فما قولكم في ذلك؟ وهل في هذه المسألة حجة لمن يتهاون في الصلاة بغير جماعة؟ وكيف نرد عليه؟ وجزاك الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث لاشك أنه يدل على صحة صلاة الفذ يعني الذي يتخلف عن صلاة الجماعة وذلك لقوله صلي الله عليه وسلم (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ) (1) .ومن المعلوم بمقتضى اللغة العربية أن المفضل والمفضل عليه يشتركان في أصل الوصف, فإذا قلت صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ, دل ذلك على أن لصلاة الفذ فضلاً وهو كذلك, ولا يمكن أن يكون فيها فضل إلا إذا كانت صحيحة, ففي الحديث دليل على أن من صلى منفرداً فصلاته صحيحة فلا نأمره بالإعادة فيكون فيه رد لقول حبر من أحبار الأمة شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمة الله عليه – فإنه يرى أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة, وأن من صلى فذاً لغير عذر فصلاته باطلة غير مقبولة وغير مجزئه وهذه رواية عن إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – ولكن الحق أحق أن يتبع, فإن هذا الحديث دل على أن من صلى فذاً فصلاته صحيحة, وأن
(15/202)

الجماعة ليست شرطاً لصحة الصلاة بل هي واجبة كما في حديث أبي هريرة (2) .والثاني: الجواب عن الدليل المعارض) .

فإن قال قائل: ذكرنا قاعدة أم من رجح قولاً على قول لزمه شيئان:

الأول دليل الترجيح. فما جواب شيخ الإسلام ابن تيميه عن هذا الحديث؟

أجاب عنه – رحمه الله – بأن هذا في حق المعذور, أي أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ المعذور بسبع وعشرين درجة, فحمله – رحمه الله – على المصلي فذاً بعذر, ولكن قد نقول لشيخ الإسلام ابن تيميه إن المعذور إذا تخلف عن الجماعة وكان من عادته أن يصليها فإنه يكتب له الأجر كاملاً كما ثبت ذلك في الصحيح: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) (3) . وحينئذ لا يظهر لي جواب عن هذا الجواب.

أما قول القائل: وهل دليل على تهاون من يتهاون في صلاة الجماعة؟

فنقول: ليس فيه دليل على ذلك؛ لأن هناك أحاديث بل وهناك من القرآن ما يدل على وجوب صلاة الجماعة.؟

فنقول: ليس فيه دليل على ذلك،لأن هناك أحاديث بل وهناك من القرآن ما يدل على وجوب صلاة الجماعة.

* * *
(15/203)

1050 سئل فضيلة الشيخ: حصل نقاش بين جماعة من المصلين بأنه إذا دخل متأخراً إلى المسجد فوجد أن الصلاة قد أقيمت والصف مكتمل وليس له محل في الصف, فهل يجوز له أن يسحب رجلاً من ذلك الصف المكتمل كي يتمكن من صلاته؟ أو يصلي خلف الصف وحده؟ أو ماذا يفعل؟

فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة لها ثلاثة أوجه: إذا جاء الإنسان ووجد أن الصف قد تم.

فإما أن يصلي وحده خلف الصف.

وإما أن يجذب أحداً من الصف فيصلي معه.

وإما أن يتقدم فيصلي إلى جانب الإمام الأيمن.

وهذه الصفات الثلاث إذا دخل في الصلاة. وإما إن يدع الصلاة مع هذه الجماعة, فما المختار من هذه الأمور الأربعة؟

نقول: المختار من هذه الأمور الأربعة: أن يصف وحده خلف الصف ويصلي مع الإمام؛ وذلك لأن الواجب الصلاة مع الجماعة, وفي الصف, فهذان واجبان, فإذا تعذر أحدهما وهو المقام في الصف ,بقي الآخر واجباً, وهو صلاة الجماعة, فحينئذ نقول: صل مع الجماعة خلف الصف لتدرك فضيلة الجماعة, والوقوف في الصف في هذه الحال لا يجب عليك للعجز عنه, وقد قال الله سبحانه وتعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية16) .ويشهد لهذا أن المرأة تقف خلف الصف وحدها إذا لم يكن معها نساء, وذلك لأنه ليس لها مكان شرعاً في صف الرجال. فلما تعذر
(15/204)

مكانها الشرعي في صف الرجال صلت وحدها.

فهذا الرجل الذي أتى المسجد والصف قد تم ولم يكن له مكان حسي في الصف سقطت عنه حينئذ المصافة, ووجبت عليه الجماعة. فليصل خلف الصف, وأما أن يجذب أحداً ليصلي معه, فهذا لا ينبغي؛ لأنه يترتب عليه ثلاثة محاذير:

المحذور الأول: فتح فرجة في الصف ,وهذا خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في الرص وسد الخلل بين الصفوف.

الثاني: نقل هذا المجذوب من المكان الفاضل إلى المكان المفضول. وهو نوع من الجناية عليه.

والثالث: تشويش صلاته عليه, فإن هذا المصلي إذا جذب لا بد أن يكون في قلبه حركة, وهذا أيضاً من الجناية عليه.

والوجه الثالث أن يقف مع الإمام: فلا ينبغي له؛ لأن الإمام لابد أن يكون متميزاً عن المأمومين بالمكان, كما أنه متميز عنهم بالسبق بالأقوال والأفعال, فيكبر قبلهم, ويركع قبلهم, ويسجد قبلهم, فينبغي أن يكون متميزاً عنهم في المكان.

وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن الإمام يتقدم المأمومين, وهذه مناسبة ظاهرة لكونه متميزاً عنهم منفرداً بمكانه, فإذا وقف معه بعض المأمومين زالت هذه الخاصية التي لا ينبغي أن ينفرد بها إلا الإمام في الصلاة.

أما الوجه الرابع وهو أن يدع الجماعة, فهذا لا وجه له أيضاً؛ لأن الجماعة واجبة, والمصافة واجبة, فإذا عجز عم إحداهما لم تسقط الأخرى عن الأولى.
(15/205)

1051 سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز أن يصف الرجل وحده خلف الصف في حالة اكتمال الصف ولم يجد له مكاناً؟ وإذا كان هناك فراش قد استكمله المصلون فهل يصلي في الصف الثاني مع وجود فراغ متصل بالصف ولكنه بدون فراش؟ وما الذي يترتب على سحب شخص من الصف الأول؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا وجد الرجل الصفوف تامة فإنه يجوز له أن يصلي وحده خلف الصف, ويتابع الإمام لكونه معذوراً في مثل هذه الحالة ,لأنه لم يتمكن من دخول الصف مع المصلين, والواجبات تسقط بالعذر والعجز عنها.

ولا يسحب أحد من الصف؛ لأن الأحاديث الواردة في سحب أحد حديث ضعيف (1) لا تقوم به الحجة؛ ولأن السحب من الصف يؤدي إلى مفاسد منها:

نقل المسحوب من مكانه الفاضل إلى المكان المفضول.

ومنها التشويش عليه.

ومنها أن ذلك قد يوغر صدره الذي سحبه.

ومنها أنه يفتح في الصف فرجة فيقطع الصف.

ومنها أنه ربما يتحرك الصف كله فيكون ذلك سبباً لحركات المصلين كلهم أو أكثرهم.

وأما إذا وجد الصف لم يتم ولكنه لم يفرش فإنه يجب عليه أن حتى في المكان غير المفروش, ولا يجوز أن يصلي خلف
(15/206)

الصف؛ لأن هذا ليس بعذر, فإنه بإمكانه أن يصلي في هذا المكان الذي لم يفرش, وإذا كان يشق عليه مباشرة الأرض بجبهته وأنفه فإنه بإمكانه أن يضع منديلاً أو نحوه يتقي به الأرض, وكذلك إذا كان معه أحد فيكونا في الصف ولو بدون فراش ويتقيا الأرض كما أسلفنا بمنديل أو نحوه فيسجدا عليه. والله الموفق.

* * *

1052 سئل فضيلة الشيخ: ما الحكم إذا جاء شخصان والإمام راكع وصفا خلف الصف وفي الصف الأول فراغ يسع شخصاً واحداً هل صلاتهما صحيحة أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل اثنان فوجدا الصف الأول أو الثاني ليس فيه إلا مكان رجل واحد فإنهما يصفان جميعاً, فإنه لو دخل أحدهما لبقي الآخر منفرداً, ففي هذه الحالة الأفضل أن يصلياً معاً خلف الصف, أما إذا وجدا في الصف مكان رجلين فإنهما يتقدمان إليه, ولا يبقيان خلف الصف وحدهما, لأن هذا خلاف السنة, فإن النبي صلى الله عليه وسلم حث على تكميل الصف الأول فالأول, ولكن لو قدر أنهما فعلا ذلك فإن صلاتهما صحيحة لأن واحداً لم ينفرد عن الآخر.

* * *

1053 سئل فضيلة الشيخ: إذا أراد الرجل أن يصلي صلاة مفروضة هو وزوجته فقط لسبب من الأسباب المشروعة, فأين تقف الزوجة منه؟
(15/207)

فأجاب فضيلته بقوله: وقوف المرأة دائماً يكون خلف الرجل سواء كانت من محارم الرجل الذي يصلي بها أو من غيره محارمه, ومن المعلوم أن الصلاة بغير المحارم لا تجوز إذا كانت المرأة وحدها, اللهم إلا إذا لم يكن هناك خلوة كأن يحضر إمام المسجد إلى المسجد وليس فيه إلا امرأة كما يوجد في بعض المساجد في أيام العشر الأواخر من رمضان فإنه قد يحضر الإمام وليس في المسجد إلا امرأة ويشرع في صلاة القيام حتى يتجمع الناس.

المهم أن موقف المرأة مع الرجال خلفهم سواء من محارمها أو من غير محارمها.

وعلى هذا إذا صلى الرجل إماماً بزوجته فإنها تقف خلفه.

* * *

1054 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم صلاة الرجل خلف صفوف النساء؟ وما حكم مصافة الرجال للنساء؟

فأجاب فضيلته بقوله: أما الأول وهو: كون النساء يقمن صفاً أمام الرجال فإن هذا بلا شك خلاف السنة؛ لأن السنة أن يكون النساء متأخرات عن الرجال ,لكن الضرورة أحياناً تحكم على الإنسان بما لا يريد, فإذا كان أمام المصلي صف من النساء, أو طائفة من النساء فإن الصلاة خلفهن إذا أمن الإنسان على نفسه الفتنة جائزة, ولهذا من عبارات الفقهاء قولهم (صف تام من النساء لا يمنع اقتداء من خلفهن من الرجال) .

وأما مصافة الرجال للنساء فهذه فتنة عظيمة ولا يجوز للرجل
(15/208)

أن يصف إلى جنب المرأة فإذا وجد الإنسان امرأة ليس له مكان إلا بجانبها فينصرف ولا يقف جنبها؛ لأن هذا فيه فتنة عظيمة والشيطان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يجري من ابن آدم مجرى الدم) (1) .وربما يدخل في الصلاة آمناً على نفسه فلا يزال الشيطان حتى يغويه ويفسد عليه صلاته واستقامته, ونسأل الله العافية.

* * *

1055 سئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -:يلاحظ من بعض الرجال في المسجد الحرام أنهم يصفون خلف النساء في الصلاة المفروضة فهل تقبل صلاتهم؟ وهل من توجيه لهم؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا صلى الرجال خلف النساء فإن أهل العلم يقولون لا بأس ,لكن هذا خلاف السنة؛ لأن السنة أن تكون النساء خلف الرجال, إلا أنكم كما تشاهدون في المسجد الحرام يكون هناك زحام وضيق, فتأتي النساء وتصف, ويأتي رجال بعدهن فيصفون وراءهن, ولكن ينبغي للإنسان أن يتحرز عن هذا بقدر ما يستطيع؛ لأنه ربما يحصل من ذلك فتنة للرجال, فليتجنب الإنسان الصلاة خلف النساء, وإن كان هذا جائزاً حسب ما قرره الفقهاء, لكننا نقول: ينبغي للإنسان أن يتجنب هذا بقدر المستطاع. وينبغي للنساء أن لا يصلين في موطن يكون قريباً من الرجال.

* * *
(15/209)

1056 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل دخل المسجد ووجد رجلين يصليان. فهل يقدم الإمام, أو يسحب المأموم؟

فأجاب فضيلته بقوله: يقدم الإمام ثم يصلي مع المأموم, وإن شاء سحب المأموم ثم يصل.

وهذا على حسب المكان, قد يكون المكان واسعاً. وقد يكون ضيقاً؛ قد يكون واسعاً من جهة الإمام فهنا يدفع الإمام, وقد يكون واسعاً من جهة المأموم فهنا يجذب المأموم.

* * *

1057 سئل فضيلة الشيخ: عن صلاة الطلبة في السكن الجامعي مع أن من في الأدوار العليا يتابعون الإمام بواسطة مكبرات الصوت؟

فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على من كان حوله مسجد أن يذهب إلى المسجد ويصلي فيه, ولا يحل له أن يصلي في بيته ولو جماعة على القول الراجح, ولكن إذا لم يكن حولهم مسجد وكانوا في مكان واحد في عمل, أو دراسة, وان المكان الذي يكون فيه الإمام ضيقاً ولكن هناك مكبرات صوت تؤدي الصوت إلى من كانوا في محل آخر فإنه لا حرج عليهم أن يتابعوه إذا كان متصلاً بعضهم ببعض, أما لو كانوا متفرقين بحيث لا يتصل بعضهم ببعض فإن هذا موضع نزاع بين أهل العلم.

فمنهم من قال: إن الإتمام لا يصح إلا إذا رأوا الإمام, أو رأوا المأمومين.
(15/210)

ومنهم من قال: إنه يصح؛ لأن المقصود المتابعة وهي حاصلة بهذا الصوت.

وعلى القول بأن لا يصح فإن كل طائفة تعقد الجماعة في محلها.

* * *

1058 سئل فضيلة الشيخ: يوجد مسجد من دورين والذين يصلون في الدور الأعلى لا يرون من تحتهم فهل صلاتهم صحيحة أم لا؟ أفيدونا بارك الله فيكم.

فأجاب فضيلته بقوله: ما دام المسجد واحداً فلا يشترط أن يرى بعضهم بعضاً إذا كانوا يسمعون تكبير الإمام.

كتبه محمد الصالح العثيمين في 25/8/1410 هـ.

* * *

1059 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم صلاة النساء في المساجد التي لا يرين فيها الإمام ولا المأمومين وإنما يسمعن الصوت فقط؟ أفتونا جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمرأة وللرجل أيضاَ أن يصلي مع الجماعة في المسجد وإن لم ير الإمام ولا المأمومين إذا أمكن الاقتداء, فإذا كان الصوت يبلغ النساء في مكانهن من المسجد ويمكنهن أن يقتدين بالإمام فإنه يصح أن يصلين الجماعة مع الإمام؛ لأن المكان واحد, والاقتداء ممكن سوء كان عن طريق مكبر الصوت, أو عن طريق مباشر بصوت الإمام نفسه, أو بصوت المبلغ عنه, ولا يضر إذا كن لا يرين الإمام ولا المأمومين, وإنما
(15/211)

اشترط بعض العلماء رؤية الإمام أو المأمومين فيما إذا كان الذي يصلي خارج المسجد, فإن الفقهاء يقولون يصح اقتداء المأموم الذي خارج المسجد أن رأى الإمام أو المأمومين, على أن القول الراجح عندي أنه لا يصح للمأموم أن يقتدي بالإمام في غير المسجد وإن رأى الإمام المأموم إذا كان في المسجد مكان يمكنه أن يصلي فيه, وذلك لأن المقصود بالجماعة الاتفاق في المكان وفي الأفعال, أما لو امتلأ المسجد وصار من كان خارج المسجد يصلي مع الإمام ويمكنه المتابعة فإن الراجح جواز متابعته للإمام وإتمامه به سواء رأى الإمام أم لم يره إذا كانت الصفوف متصلة.

وزيادة في بيان المسألة أقول:

أولاً: إذا كان المأموم في المسجد فإتمامه بالإمام صحيح بكل حال, سواء رأى الإمام أم لم يره, رأى المأمومين أم لم يرهم؛ لأن المكان واحد.

ومثاله: أن يكون المأموم في الطابق الأعلى, أو في الطابق الأسفل, والإمام فوق, أو يكون بينهم حاجز من جدار أو سترة.

ثانياً: إذا كان المأموم خارج المسجد فإن كان في المسجد سعة فإتمامه بالإمام لا يصح سواء رأى الإمام, أو المأموم, أو لم يرهما؛ لأن الواجب أن يكون مكان الجماعة واحداً.

ثالثاً: إذا لم يجد مكانا ً في المسجد وكان خارج المسجد فإن كانت الصفوف المتصلة كأنهم في المسجد.

* * *
(15/212)

1060 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة خلف التلفزيون؟

فأجاب فضيلته بقوله: إن كان السائل يريد أن يصلي الإنسان مؤتماً بمن يصلون, كما لو كان الجهاز مفتوحاً على صلاة الحرم, وقال إنه سيصلي مؤتما بإمام الحرم فإن هذا لا يجوز. أما إذا كان القصد أن يصلي والتلفزيون أما على الماصة فإن هذا لا بأس به ولا حرج إذا كان لا يشتغل, فإن كان يشتغل فإنه لا ينبغي أن يصلي وبين يديه شيء يشغله عن الصلاة.

* * *

1061 سئل فضيلة الشيخ: هل للمسلم أن يصلي مع الصلاة التي تنقل في التلفزيون أو الإذاعة من دون أن يرى الإمام خصوصاً للنساء؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للإنسان أن يقتدي بالإمام بواسطة الراديو أو بواسطة التلفزيون؛ لأن صلاة الجماعة يقصد بها الاجتماع, فلا بد أن تكون في موضع واحد, أو تتصل الصفوف بعضها ببعض, ولا تجوز الصلاة بواسطتهما, وذلك لعدم حصول المقصود بهذا, ولو أننا أجزنا ذلك لأمكن كل واحد أن يصلي في بيته الصلوات الخمس, بل الجمعة أيضاً, وهذا مناف لمشروعية الجمعة والجماعة, وعلى هذا فلا يحل للنساء ولا لغيرهن أن يصلي أحد منهم خلف المذياع أو خلف التلفاز. والله الموفق.

* * *
(15/213)

1062 سئل فضيلة الشيخ: هل تصح صلاة المقتدي بالصوت فقط أو لا؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان في المسجد فإنه يجوز أن يقتدي بالإمام إذا سمع صوته وإن لم يره, أما إذا كان خارج المسجد لعدم وجود مكان في المسجد فلا بد أن تتصل الصفوف حيث أمكن, وذلك لأن المقصود بالجماعة اجتماع الناس, وأن يكونوا جماعة واحدة, فإذا تفرقوا فإنه ليس ذلك بجماعة, وعلى هذا فإذا اتصلت الصفوف في المسجد إلى السوق فإنه يجوز أن يصلي الإنسان ولو كان خارج المسجد, وذلك لإمكان المتابعة, وأما إذا لم تتصل الصفوف لا يصلي خلف الإمام, فإن كان معذوراً عذراً شرعياً فلا إثم عليه, وإن كان غير معذور فإنه يجب أن يذهب إلى المسجد ويصلي مع الجماعة. والله الموفق.

* * *

1063 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم قطع بأعمدة المسجد إذا كان مزدحماً بالمصلين؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا ريب أن الأفضل في الصفوف أن تكون متراصة غير متباعدة, هذا هو السنة (1) .

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتراص, وسد الخلل. وكان الصحابة
(15/214)

رضي الله عنهم – يتقون الصفوف بين السواري – أي بين الأعمدة – (2) لما في ذلك من فصل الصف عن بعض.ولكن إذا دعت الحاجة إليه كما في السؤال بأن يكون المسجد مزدحماً المصلين, فإنه لاحرج في هذه الحال أن يصطفوا بين الأعمدة؛ لأن الأمور العارضة لها أحكام خاصة, وللضرورات والحاجات أحكام تليق بها.

* * *

1064 سئل فضيلة الشيخ: عن شخص يشكو من كثرة الغازات التي تخرج منه, وقد عالجها في كثير من المستشفيات ولكن مع ذلك مازالت هذه الغازات مستمرة فهل يجوز له أن يدافع هذه الغازات في الصلاة؟ وإن لم يستطيع مدافعة الغازات فماذا يفعل؟ فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج عليه أن يصلي وهو يدافعها؛ لأن هذا بغير اختياره ,ثم لو حصل أن تنفس ثم توضأ لعادت إليه فلا فائدة. نعم إن كانت تهون عليه إذا تنفس فتنفس ثم توضأ ثم صل. على كل حال مدافعته إياها في الصلاة لا تضر ما دامت هذه منتهى قدرته.

* * *

1065 سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -:هل عمل الطعام للأخوة المجاهدين عذر لترك الجماعة لخوف فساد الطعام؟
(15/215)

فأجاب فضيلته بقوله: ذكر أهل العلم أنه من خاف فوات ماله, أو تلف ماله فإنه معذور بترك الجماعة, ولا سيما إذا كان هذا المال مشتركاً بين أناس كثيرين كطعام المجاهدين أو غيرهم وهذا له وجهة نظر.

ولكن ينبغي أن يحتاط الإنسان بحيث يجعل وقت طبخ هذا الطعام في غير وقت الصلاة حتى يحصل له المصلحتان جميعاً.

* * *
(15/216)

رسالة

المكرم صاحب الفضيلة الشيخ محمد الصالح عثيمين حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

فإن بعض أعضاء الهيئة يتحرجون من بقائهم إلى بعد خروج بعض المساجد من الصلاة, وتعلم يا فضيلة الشيخ أننا نضطر في بعض الأحيان إلى التأخر, نرجو من فضيلتكم التكرم بإفتائنا في هذا الموضوع علما لا يخرج وقت الصلاة , وجزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, وبعد:

ليس عليكم حرج إذا بقيتم في توجيه الناس إلى الصلاة ولو تأخرتم عن الصلاة في المساجد؛ لأن هذا للمصلحة العامة وتوجيه للخير فإن أدركتم آخر المسجد فصليتم فيه فذاك, وإلا فأنتم تصلون جماعة,

وفق الله الجميع لما فيه رضاه.
كتبه محمد الصالح العثيمين

***
(15/217)

1066 سئل فضيلة الشيخ: إذا ذكر الإمام أنه محدث فخرج من الصلاة واستخلف فهل تصح صلاة المأمومين أو يستأنفون الصلاة؟

فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم, فمنهم من يرى أن يجب على المأمومين في هذه الحال أن يستأنفوا الصلاة من جديد, لأن إمامهم لا تصح صلاته, وإذا لم تصح صلاة الإمام لم تصح صلاة المأمومين, إلا إذا بقي الإمام ناسياً حدثه حتى انتهت الصلاة المأمومين حينئذ تصح صلاتهم هذا هو القول الأول.

والقول الثاني: أن صلاة المأمومين صحيحة في هذه الحال وذلك لأن المأمومين معذورون, لم يطلعوا على حدث الإمام, وهم غير مكلفين بما لا يعلمون؛ لأن سبحانه وتعالى يقول: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) فهم مأمورون بأن يجعلوا لهم إماماً وأن يقتدوا بإمامهم وفعلاً جعلوا لهم إماماً, واقتدوا بإمامهم, وكون الصلاة تذكر حدثه هذا أمر يتعلق به نفسه, فيجب عليه أن يستأنف الصلاة من جديد, أما المأمومون فإنهم لا يستأنفون الصلاة من جديد, وإنما يستمرون في صلاتهم يتمونها, ويبنون على ما مضى من صلاتهم سواءً أتموها فرادى, أم قدموا واحداً منهم, أم قدمه الإمام الذاهب كما في هذه المسألة ففعله صحيح إن شاء الله, ولا حرج فيه, وهذا القول هو الراجح؛ لأنه أقوى تعليلاً.

* * *
(15/218)

1067 سل فضيلة الشيخ: إذا انتقض وضوء الإمام أو تذكر أنه على غير طهارة وهو ساجد فما الهمل؟

فأجاب فضيلته بقوله: العمل في هذه الحال أن ينصرف من الصلاة, ويأمر أحد المأمومين الذين خلفه بتكميل الصلاة بالجماعة, فإذا قدرنا أنه تذكر وهو في الركعة الثالثة من الظهر أنه ليس على طهارة, فإن الواجب عليه أن ينصرف ولا يجوز أن يكمل الصلاة على غير طهارة, وليأخذ أحد المأمومين الذين خلفه ليتم الصلاة فيكمل بهم الثالثة, ويأتي بالرابعة ويسلم.

فإذا قدر أنه لم يتذكر إلا بعد السلام, بطلت صلاته, وأما صلاة المأمومين فصحيحة وليست باطلة.

* * *

1068 سئل فضيلة الشيخ: إذا حصل للمأموم عذر قاهر فهل يجوز له قطع الصلاة, أو ينفرد عن الإمام ويتمها خفيفة؟

فأجاب فضيلته بقوله: له الخيار بين الأمرين, بدليل ما جاء في قصة الرجل الذي انفرد وصلى وحده حين أطال معاذ بن جبل – رضي الله عنه – بهم القراءة, فلما سلم معاذ بن جبل قال إن هذا الرجل قد نافق وشكاه الرسول الله صلي الله عليه وسلم, فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم لمعاذ: (يا معاذ أفتان أنت, فلولا صليت بسبح اسم ربك, والشمس وضحاها, والليل إذا يغشى فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو
(15/219)

الحاجة) (1) .وهذا دليل على أن المأموم إذا كان له عذر أن ينفرد عن الإمام. وقال بعض العلماء: له أن يتمها خفيفة, وله أن يقطعها, والأولى أن يتمها خفيفة إن تمكن ,وإلا قطعها ولا حرج عليه.

* * *

1069 سئل فضيلة الشيخ: إذا قطع الإمام صلاته ولم يستخلف أحداً فما العمل؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا قطع المصلي صلاته الفريضة فإما أن يكون لسبب شرعي, أو لغير سبب شرعي, فإن كان لسبب شرعي فلا إثم عليه, وإن كان لغير سبب شرعي فعليه الإثم, فإذا كان إماماً ولم يستخلف فإن للمأمومين واحداً من أمرين:

إما أن يكملوا فرادى, وإما أن يقدموا أحدهم, أو يتقدم أحد منهم ليكمل بهم الصلاة, ولا حرج عليهم في هذا مع أن الأولى إذا حصل للإمام ما يسوغ الخروج من الصلاة أن يستخلف هو حتى لا يحصل ارتباك بينهم. والله الموفق.

* * *
(15/220)

رسالة

فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه ورعاه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:

لدنيا في المسجد رجل سقيم فيه رائحة كريهة تنفر المصلين, وقد جرى نصحه بإزالة هذه الروائح فلم يفعل, فهل يجوز إخراجه من المسجد؟ أفتونا جزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

إذا كان في هذا الرجل السقيم الذي ذكر السائل رائحة كريهة فلا بأس من إخراجه من المسجد إذا لم يزل هذه الرائحة عنه؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى من أكل ثوماً أو نحوه مما له رائحة كريهة أن يقرب المساجد, وعلى هذا فإذا قرب المسجد من كان فيه رائحة كريهة فقد عصى النبي صلى الله عليه وسلم, ومعصية النبي صلى الله عليه وسلم منكر, وقد قال صلي الله عليه وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (1) .وإخراج صاحب الرائحة الكريهة من المسجد من إزالة المنكر فيكون مأموراً به.

بل في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما - يعني البصل
(15/221)

والثوم – من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليتمها طبخاً (2) .

ولهذا قال في شرح المنتهى وفي شرح الإقناع: يستحب إخراجه من المسجد – يعني إخراج من فيه رائحة كريهة – من إصنان أو بصل أو نحوهما, والله الموفق.

قاله وكتبه محمد الصالح العثيمين في 22/3/1399 هـ.
(15/222)

1070 سئل فضيلة الشيخ: أعاني من وجود رائحة كريهة من الأنف والفم, وأتحرج من الاختلاط بالناس وأثناء تأدية الصلاة في المسجد؛ لأنني سمعت حديثاً أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم (1) .فهل لي الصلاة في المنزل؟ علماً أنني أصلي معظم الأوقات في المنزل إلا يوم الجمعة فإنني أصليه في المسجد؟ أفيدوني وفقكم الله لما فيه الخير.

فأجاب فضيلته بقوله: نسأل الله أن يمن عليك الشفاء, وأنت لا حرج عليك إذا صليت في البيت الجمعة وغير الجمعة, لأنك معذور, وإذا علم الله من نيتك أنه لولا هذا الذي فيك لصليت في الجماعة فإنه يكتب لك أجر, لقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو في غزوة تبوك (إن أقواماً بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعباً ولا وداياً إلا وهو معنا فيه, حبسهم العذر) (2) . ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يشفيك.

ولكن أرجو أن تنظر هل إذا تطيبت بطيب زكي قوي الرائحة هل رائحته تغطي على ما عندك من الرائحة؟ إن كان الأمر كذلك
(15/223)

فاحرص على هذا وتطيب به, أما إذا لم يفد فيه ذلك فأنت معذور, وإذا تطيبت بالطيب القوي الزكي الرائحة الذي تضمحل معه الرائحة الكريهة, فإنك تصلي في المسجد الصلوات الخمس وصلاة الجمعة. والله الموفق.

* * *
(15/224)

باب صلاة أهل الأعذار
(15/225)

* باب صلاة أهل الأعذار
- صلاة المريض
- صلاة المسافر
- قصر الصلاة
- جمع الصلاة
- رسائل حول رخص السفر
- صلاة الخوف
(15/227)

قال فضيلة الشيخ - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء-:

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف يصلي المريض؟

أولاً: يجب على المريض أن يصلي الفريضة قائماً ولو منحنياً, أو معتمداً على جدار, أو عصا يحتاج إلى الاعتماد عليه.

ثانياً: فإن كان لا يستطيع القيام صلى جالساً, والأفضل أن يكون متربعاً في موضع والركوع.

ثالثاً: فإن كان لا يستطيع الصلاة جالساً صلى جنبه متوجهاً إلى القبلة, والجنب الأيمن, فإن لم يتمكن من التوجه إلى القبلة صلى حيث كان اتجاهه, وصلاته صحيحة, ولا إعادة عليه.

رابعاً: فإن كان لا يستطيع الصلاة على جنبه صلى مستلقياً رجلاه إلى القبلة, والأفضل أن يرفع رأسه قليلاً ليتجه إلى القبلة, فإن لم يستطع أن تكون رجلاه إلى القبلة صلى حيث كانت, ولا إعادة عليه.

خامساً: يجب على المريض أن يركع ويسجد في صلاته, فإن لم يستطع أومأ بهما برأسه, ويجعل السجود أخفض من الركوع, فإن استطاع الركوع دون السجود ركع حال الركوع, وأومأ بالسجود, وإن استطاع السجود دون الركوع سجد حال السجود, وأومأ بالركوع.
(15/229)

سادساً: فإن كان لا يستطيع الإيماء برأسه في الركوع والسجود أشار في السجود بعينه, فيغمض قليلاً للركوع, ويغمض تغميضاً للسجود. وأما الإشارة بالإصبع كما يفعله بعض المرضى فليس بصحيح ولا أعلم له أصلاً من الكتاب, والسنة, ولا من أقوال أهل العلم.

سابعاً: فإن كان لا يستطيع الإيماء بالرأس, ولا الإشارة بالعين صلى بقلبه, فيكبر ويقرأ, وينوي الركوع, والسجود, والقيام, والقعود بقلبه ((ولكل امرئ ما نوى) (1) .

ثامناً: يجب على المريض أن يصلي كل صلاة في وقتها ويفعل كل ما يقدر عليه مما يجب فيها, فإن شق عليه فعل كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء, إما جمع تقديم بحيث يقدم العصر إلى الظهر, والعشاء إلى المغرب, وأما الجمع تأخير بحيث يؤخر الظهر إلى العصر, والمغرب إلى العشاء حسبما يكون أيسر له. أما الفجر فلا تجمع لما قبلها ولا لما بعدها.

تاسعاً: إذا كان المريض مسافراً يعالج في غير بلده فإنه يقصر الصلاة الرباعية فيصلي الظهر, والعصر, والعشاء على ركعتين, ركعتين حتى يرجع إلى بلده سواء طالت مدة سفره أم قصرت.

والله الموفق.

كتبه إلى الفقير إلى الله: محمد الصالح العثيمين.
(15/230)

1071 سئل فضيلة الشيخ: عن امرأة تعاني من ألم في المفاصل, وتصلي وهي جالسة, فهل يجب عليها أن تضع شيئاً تسجد عليه مثل الوسادة ونحوها؟

فأجاب فضيلته بقوله: إن الألم الذي في مفاصل هذه المرأة ولا تستطيع معه القيام في الصلاة وتصلي جالسة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى عمران بن حصين فقال صلي الله عليه وسلم (صل قائماً ,فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى جنب) (1) .

فإن كانت لا تستطيع القيام, قلنا لها: صلي جالسة وتكون في حال القيام متربعة, كما صح ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم (2) ,ثم تومئ بالركوع وهي متربعة. ثم إن استطاعت السجود سجدت, وإلا أومأت برأسها أكثر من إيماء الركوع.

وليس في السنة أن تضع وسادة أو شيئاً تسجد عليه, بل هذا إلى الكراهة أقرب؛ لأنه من التنطع والتشدد في دين الله. وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم ¸أنه قال (هلك المتنطعون هلك المتنطعون, هلك المتنطعون) (3) .

* * *
(15/231)

1072 سئل فضيلة الشيخ: أعرض على فضيلتكم حالتي, فقد سقطت من الدور الثاني فانشل جسدي من الصدر وأسفل, وفقدت الإحساس في هذه المنطقة, ولم أعد أتحكم في البول, ووضع لي جهاز على القضيب في أسفله كيس بلاستيك يتجمع فيه البول, أما البراز فينزل في الحمام بواسطة لبوس أضعه فتعودت على تنظيمه, أما الريح فليس في استطاعتي التحكم فيها, كما أنني لم أستطيع الجلوس على الأرض, ولا غسل الفرج, ولا الرجلين, وأذهب إلى المسجد في الجمعة بواسطة عربة فأجد صعوبة في الدخول من عتب المسجد لكثرة الدرج, ولا يوجد مسجد قربي به مدخل للعربات, كما أنني أقوم بإفراغ الكيس من البول عند الذهاب إلى المسجد, ولكن بعد الصلاة ألمس الكيس فأجد أنه قد نزل فيه شيء من البول, فكيف أتوضأ؟ وكيف؟ أصلي؟ وهل يلزم أن أذهب إلى المسجد؟ وكان من أثر هذا الحادث أن الكلى والمسالك البولية ضعفت ولا تعمل كما في الأصحاء, ويأمرني الأطباء بشرب الماء بكميات كبيرة, وعدم تأخير شرب الماء أكثر من ست ساعات, فهل يلزمني الصيام؟ وماذا علي علماً بأنني حاولت الصيام فحصل لي النزيف؟

فأجاب فضيلته بقوله: نسأل الله تعالى أن يرزقك الصبر والاحتساب على ما أصابك حتى تنال أجر الصابرين.

وأما ذكرت من جهة الوضوء والصلاة فإن الله - عز وجل - يقول: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) ,ويقول جل ذكره
(15/232)

(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقال النبي صلي الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1) .

وعلى هذا فإن وضوءك يكون كالتالي:

إذا دخل وقت صلاة الفريضة فاغسل ما يمكنك غسله من المكان الذي تنجس بالبول, أو الغائط, ثم ضع هذا الكيس الذي تضعه على القضيب, وكذلك تحفظ بالنسبة للغائط, ثم بأن تتمضمض, ثم استنشق, واستنثر, ثم اغسل وجهك ويديك إلى المرفقين, ثم امسح رأسك, واغسل رجليك إن استطعت بنفسك, أو أحد أولادك, أو أهلك يغسلونها, لأن الظاهر أن غسلها لا يؤثر, ثم تصلي ما شئت من فروض ونوافل, وكذلك إذا أردت صلاة النافلة فإنك تعمل كما ذكرت لك وتصلي بحسب استطاعتك.

وأما الذهاب إلى المساجد فإنه لا يلزمك أن تذهب إلى غير الجمعة, فالجمعة هي الواجبة عليك أن تصليها في المسجد, وأنت قد ذكرت أنك تذهب إلى مسجد في وسط البلد وتصلي فيه الجمعة, أما غيرها فلمشقة الذهاب لا يلزمك الذهاب إلى المسجد, لا سيما وأن المساجد التي حولك فيها درج كما أفاد سؤالك, ولأنه يتعذر عليك الدخول إلى المسجد بالعربة التي أنت عليها. والله الموفق.

وبالنسبة للصيام فالذي تبين من حالك أنه لا يمكنك الصوم لأنك لا بد أن تشرب الماء بكثرة, وحاولت الصيام فحصل لك
(15/233)

نزنفاً, وعليه فلا يجب عليك الصوم, وإنما الواجب عليك إطعام مسكين لكل يوم, ولا يجزئ دفع الدراهم عن إطعام المسكين, فالآن يجب عليك أن تطعم كل شهر تفطره, ولك في الإطعام طريقان:

الأول: أن تصنع طعاماً وتدعو إليه فقراء بعدد أيام شهر رمضان, وبهذا تبرئ ذمتك.

الثاني: أن تعطيهم ستة أصواع من الرز, تقسمها على الثلاثين ومعها اللحم الذي يكفيها من لحم أو دجاج أو غيره, وذلك عن كل شهر تفطرها.

* * *

1073 وسئل فضيلة الشيخ: لنا والد يبلغ من العمر مائة سنة ويقول لنا كل يوم جمعة أوصلوني للمسجد, ولا يستطيع المشي ومريض, فهل إذا قلنا له لن نوصلك علينا إثم؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان لا يستطيع الذهاب إلى المسجد فإنه ينبغي أن يخبر أنه لا يلزمه أن يكلف نفسه ويتعبها بأمر يشق عليه ولا يتحمله, وأما إذا كان يتحمله ولكن بمشقة فإن من بره أن توافقه على طلبه, وتكونا مأجورين من وجهين: البر لأبيكم, ومن جهة أن هذا عون على طاعة الله, والمعين على الطاعة يرجى له الخير والثواب, وقد ذكر ابن مسعود - رضي الله عنه - أن الصحابة
(15/234)

- رضي الله عنهم - ((كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف) (1) .

* * *

1074 سئل فضيلة الشيخ: عن امرأة كبيرة في السن, وقدماها لا تساعداها على القيام, تصلي المغرب مع العشاء جمعاً, وتصلي الركعتين الأولى والثانية واقفة, أما الثالثة والرابعة فتجلس متربعة, أو مادة لرجلها اليمنى لعدم القدرة على ثنيها, فهل فعلها صحيح, وما حكم عملها هذا؟ والله يحفظكم ويرعاكم.

فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال تضمن أمرين:

الأول: أن هذه المرأة تجمع بين فرضين, المغرب والعشاء, وهذا لا يجوز إلا إذا دعت الحاجة إليه, وحصل بتركه مشقة, فإن الجمع حينئذ يجوز فلتنتبه هذه المسألة إلى أن تصلي المغرب في وقتها, والعشاء في وقتها إلا أن يكون هناك مشقة.

الأمر الثاني: فهو مسألة القيام, فالفريضة القيام فيها ركن من أركان الصلاة, قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فلا يجوز الجلوس في حال القيام في أول الصلاة أو آخرها إلا إذا كان الإنسان عاجزاً, أما إذا كان عاجزاً في بعض الصلاة دون بعضها, فإن يقوم الحال التي يستطيع القيام فيها, ويجلس في الحال التي يعجز عن القيام فيها,
(15/235)

فأنت أيتها السائلة صلي على حسب الاستطاعة, لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها, والله يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقال النبي صلي الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فآتوا منه ما استطعتم) (2) .والله الموفق.

* * *

1075 سئل فضيلة الشيخ: أنا أشكو من مرض في يدي اليسرى, فلا أستطيع أن أحركها ولا أستطيع استخدام إلا يدي اليمنى في الوضوء, ولذلك لا أغسل وجهي ورأسي كاملين, وإذا أردت الصلاة فأسجد بيدي اليمنى فقط, وإني أصلي كل الصلوات لكن أشك في هذه الصلاة وكذلك في الوضوء, فما حكم ذلك؟ وإذا لا يجوز فهل علي قضاء لهذه الصلوات؟

فأجاب فضيلته بقوله: الواجب عليك أن تتوضأ وضوءاً كاملاً, فتغسل وجهك غسلاً كاملاً, وتمسح رأسك مسحاً كاملاً, وهو أمر ليس بممتنع, فيمكن أن تغسل بيدك اليمنى السليمة بعض وجهك, ثم تغسل بعضه الآخر وهكذا بالتناوب فتغسل الأيمن بغرفة والأيسر بغرفة والوسط بغرفة, ثم تعيد ذلك ثلاث مرات حتى تعم وجهك على الوجه الأكمل, وإن اقتصرت على غسلة واحدة لكل جانب غرفة أجزأ ذلك, وكذلك الرأس يمكن أن تدير عليه بيدك من جميع جوانبه وتمسح أذنيك. وأما السجود فبإمكانك أن تضع يدك المصابة على
(15/236)

الأرض, والمهم أن يكون الكف على الأرض في حالة السجود سواء على باطنها, أو ظهرها, أو أطراف أصابعها, وهذا أمر ممكن لا أظنه يتعذر عليك, قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) .أما ما مضى من الصلوات فإن كنت قد سألت صاحب علم تثق به فلا شيء عليك, وإلا فعليك أن تعيدها من أولها تباعاً. والله الموفق.

1076 سئل فضيلة الشيخ: عن امرأة تقيم في المملكة مع زوجها منذ سنوات ولم تذهب إلى بلادها, وقبل الحج حضر والدها ووالدتها وأختها, ثم مرضت أختها فلم تصل لشدة المرض لأنها لا تستطيع أن تقف على قدميها, وكانت أمها عن الحج حتى توفيت, وتقول: أنها جاءت تائبة لله- عز وعلا - وقد لبست الحجاب وتحشمت, ولكن عندما مرضت ونقلت إلى المستشفى اطلع عليها بعض الأطباء والممرضات الأجنبيات وماتت وهي بينهم فهذا مما يقلقني. وقبل موتها تلت آيات من القرآن ثم جاءتها غيبوبة ففاضت روحها معها. فهل تعتبر على نية الحج الذي أتت من بلادها لأجله؟ وماذا عليها؟ وهل في موتها شيء على هذه الهيئة في المستشفى وبين الأجانب؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا السؤال من وجهين:
(15/237)

الوجه الأول: أن هذه المرأة تركت الصلاة حسب السؤال لأنها لا تقوى على الوقوف وهذا جهل عظيم, فإن الواجب على المؤمن إذا عجز عن الصلاة قائماً أن يصلي قاعداً, فإن عجز عن القعود صلى على جنبه لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) ولقوله تعالى في هذه الأمة (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) . وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين (صل قائماً, فإن لم تسطع فقاعداً, فإن لم تسطع فعلى جنبك) (1) .

فالواجب على المريض أن يصلي قائماً, فإن لم يستطع فقاعداً, يومئ بالركوع, ويومئ بالسجود إن عجز عن السجود, ويجعل السجود أخفض من الركوع, فإن لم يستطع الجلوس صلى على جنبه ووجهه إلى القبلة, يومئ بالركوع والسجود ويجعل السجود أخفض, فإن لم يستطع الإيماء صلى بعينه يغمض للركوع ويغمض للسجود أكثر, فإن لم يستطع ذلك أيضاً يصلي بقلبه فينوي الركوع والرفع منه بقلبه, والسجود بقلبه, والجلوس بقلبه, حتى يتم الصلاة.

ولا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتاً لقول تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولقوله صلي الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (2) .

الوجه الثاني: فمن جهة هذه المرأة التي جاءت إلى هذه البلاد نادمة على ما وقع منها تائبة من الذنوب, فإنها يرجى لها خير كثير,
(15/238)

لا سيما وأنها بادرت بالإقلاع عما كانت تعهده من كشف الوجه, حتى صارت تغطي وجهها, والتزمت بالواجب؛ لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن ستر الوجه واجب, ولابد منه؛ لأن الوجه مظهر المرأة, ومحل الفتنة, وحل الرغبة من الناس, والناس لا تتعلق نفوسهم بشيء بأكثر مما تتعلق من الوجه, وهذا الأمر يشهد به الحس والطبع, ولا يمكن لأحد إنكاره, وإذا كان الوجه محل الرغبة والفتنة كان ستره واجباً, وإذا كان الله سبحانه يقول: (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنّ) فأفاد بقوله: (لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ) إلى الرجل مستورة, وأن ما فيها من الخلاخيل قد ستر وأخفي, لكن خوفاً من أن يظهر لها صوت نهاها الله أن تضرب برجلها, وهذا أقل بكثير فتنة من الوجه, فكيف لا يكون ستر الوجه واجباً؟!!

وإذا كان الله قد نهى المرأة أن تضرب برجلها لئلا يعلم ما تخفي من الزينة, فإنه لا يمكن أن يقال: إن إبداء الوجه الذي هو أشد تعلقاً وفتنة من صوت الخلخال , إنه أمر جائز.

والصواب الذي لا شك فيه أن كشف الوجه المرأة محرم, وأنه لا يجوز أن تكشفه ,والإنسان إذا نظر إلى الأدلة الشرع وجد أن هذا هو الصواب المتعين.

وإذا نظر إلى الواقع أيضاً, وما جرى عليه القول, أو ما جرى عليه افتتان بعض الناس بأنه يجوز كشف الوجه من الويلات والبلاء وتعدي النساء إلى كشف الرقاب, والنحور, والرؤوس, والأذرع, بل والعضدين أحياناً, علم أنه لابد أن تمنع النساء من كشف
(15/239)

الوجوه, لأنه من المعلوم المتفق عليه عند أهل العلم سد الذرائع الموصلة إلى شيء محرم, ولهذا قال الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) فنهى الله عن سب آلهة المشركين مع أن سبها قربة وطاعة وواجب؛ لأنها تفضي إلى مفسدة أعظم وهي سب الله عز وجل.

والمهم أن هذه المرأة التي حضرت إلى هذه البلاد التي مازال علماؤها المحققون - ولله الحمد - يفتون بما هو حق في هذه المسألة من وجوب ستر الوجه, ثم إن هذه المرأة قد قدمت إلى الحج فهي بنية عبادة من أفضل العبادات, فيرجى لها أجر عظيم.

وأما ما جرى لها حين علاجها في المستشفى فإنه أمر تعذر به؛ لأنها بحاجة إليه, ولا يلحقها بذلك حرج إن شاء الله تعالى. والله ولي التوفيق.

* * *

1077 سئل فضيلة الشيخ: والدتي نومت في المستشفى لمدة خمسة أشهر ولم تستطع أداء الصلاة لأجل المرض الذي أصابها وأثر عليها في طهارة جسمها وملابسها وإني خائفة عليها من الإثم لأجل إني ما ذكرتها الصلاة لعلمي بحالتها, أرجو من الله ثم منكم أن تفتيني في هذا الأمر؟ وجزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال تضمن سؤالين:

الأول: أنك لم تذكري أمك بما يجب عليها من الصلاة, وهذا تهاون منك خطأ, والواجب عليك أنك ذكرتيها وساعدتيها
(15/240)

على الوجه الأكمل, وعليك التوبة.

وأما السؤال الثاني: فهو أن هذه المرأة مريضة وعليها ثياب نجاسة ولا تستطيع أن تغيرها, فالواجب على المريض أن يصلي بحسب حاله, يصلي بوضوء, فإن عجز عن الوضوء تيمم, فإن عجز عن الوضوء والتيمم صلى ولو بدون وضوء ولا تيمم, ويصليها بثياب طاهرة, فإن عجز صلاها ولو بثياب نجسة, ولا حرج عليه, ويصلي على فراش طاهر إن تمكن, فإن لم يتمكن فإنه يفرش عليه شيئاً طاهراً, فإن لم يتمكن صلى ولو كان نجساً للضرورة.

والمهم أن على المريض أن لا يؤخر الصلاة بل يصليها على أي حال كان, لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) ولقوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) وما اعتاده بعض العوام أنه إذا كان على بدنه أو ثيابه نجاسة قال: لا أصلي حتى أشفى, فإن هذا خطر عظيم, وخطأ جسيم, فإن مات على هذه الحال فإن عليه إثماً كبيراً.

فالواجب أن يؤدي الصلاة بحسب الصلاة حاله, قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين - رضي الله عنه - (صل قائماً, فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى على جنب) (1) .فعلى المريض أن يقوم, فإن لم يقدر صلى جالساً إن أمكن أن يسجد سجد وإلا أومأ, ويجعل ,والسجود أخفض من الركوع, فإن لم يستطع صلى مضطجعاً ووجهه إلى
(15/241)

القبلة, فإن لم يتمكن صلى ورجلاه إلى القبلة ويومئ برأسه, فإن عجز أومأ بعينيه, فإن عجز نوى بقلبه فيكبر للقيام والركوع ويقول: سمع الله لمن حمده, ربنا ولك الحمد وهكذا يتم الصلاة, وأما تركها فلا يجوز, والله الموفق.

* * *

1078 سئل فضيلة الشيخ: كيف يصلي المريض؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا مرض الإنسان قلنا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين صلي الله عليه وسلم (صل قائماً, فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى جنب) (1) فإن لم يستطع أومأ برأسه, أما الإيماء بالإصبع فلا أعلم قائلاً به من العلماء, ولا فيه سنة أيضاً, فهو عبث يعني من الحركة مكروهة, لأنها ليست بسنة ولا مشروعة, وأما الحركة بالعين أو الإشارة بالعين فقد قال بها بعض العلماء, قال: إذا لم يستطع برأسه أومأ بعينه فيغمض قليلاً للركوع ثم أكثر للسجود, وأما الإصبع فبناء على أنه اشتهر عند العامة فيكون فاعله جاهلاً ولا شيء عليه, لا يعيد صلاته, لكن يجب على طلبة العلم إذا اشتهر عند العامة ما ليس بمشروع أن يكرسوا جهودهم في التنبيه عليه؛ لأن العامة يريدون حقاً لكنهم جهال, فإذا سكت عن هذه الأشياء بقيت على ما هي عليه, لكن إذا نشرت في المجالس, في الخطب, في المواعظ, في المحاضرات, نفع الله بها.

* * *
(15/242)

1079 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تأخير الصلاة بسبب ركوب الطائرة؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة في الطائرة إذا كان لا يمكن الهبوط قبل خروج الوقت, أو خروج الوقت للصلاة الثانية تجمع إليها ما قبلها أقول: الصلاة في هذه الحال واجبة, ولا يجوز تأخيرها عن الوقت, ويصلي الراكب متجهاً إلى القبلة قائماً إن أمكنه ويركع, وعند السجود يجلس ويومئ به, لأن السجود غير ممكن فيما أعرف؛ لأن المقاعد قريب بعضها من بعض, وقد قال الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ,وقال النبي صلي الله عليه وسلم (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) (1) .وقال الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) .

أما إذا كان يمكن هبوط الطائرة قبل خروج الوقت للصلاة الحاضرة, أو التي تليها إن كانت تجمع إليها فإنه لا يصلي في الطائرة لأنه لا يمكنه الإتيان بما يجب, فعليه أن يؤخر الصلاة حتى يهبط ويصليها على الأرض ليتمكن من فعل الواجب.

* * *
(15/243)

فصل
قال فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى -:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, وأصلى على نبينا محمد وعلى آله, وصحبه أجمعين, أما بعد:

كيف يصلي الإنسان في الطائرة؟

أولاً: يصلي في الطائرة وهو جالس على مقعدة حيث كان اتجاه الطائرة ويومئ بالركوع والسجود, ويجعل السجود أخفض.

ثانياً: لا يصلي الفريضة في الطائرة إلا إذا كان يتمكن من الاتجاه إلى القبلة في جميع الصلاة, ويتمكن أيضاً من الركوع, والسجود, والقيام, والقعود.

ثالثاً: إذا كان لا يتمكن من ذلك فإنه يؤخر الصلاة حتى يهبط في المطار فيصلي على الأرض, فإن خاف خروج الوقت قبل الهبوط أخرها إلى وقت الثانية إن كانت مما يجمع إليها كالظهر مع العصر, والمغرب مع العشاء, فإن خاف خروج وقت الثانية صلاهما قبل أن يخرج الوقت. (مثلاً) لو أقلعت الطائرة قبيل الغروب الشمس وغابت الشمس وهو في الجو فإنه لا يصلي المغرب حتى تهبط في المطار وينزل فيصلي على الأرض, فإن خاف خروج وقت المغرب أخرها إلى وقت العشاء فصلاهما جمع تأخير بعد
(15/244)

نزوله, فإن خاف خروج وقت العشاء, ذلك عند منتصف الليل صلاهما قبل أن يخرج الوقت.

رابعاً: كيفية صلاة الفريضة في الطائرة: أن يقف ويستقبل القبلة فيكبر ويقرأ الفاتحة وما تسن قراءته قبلها من الاستفتاح أو بعدها من القرآن, ثم يركع, ثم يرفع من الركوع ويطمئن قائماً, ويسجد ثم يرفع من السجود ويطمئن جالساً, ثم يسجد الثانية, ثم يفعل كذلك في بقية صلاته فإن لم يتمكن من السجود جلس, وأومأ بالسجود جالساً.

كيف يحرم بالحج والعمرة من سافر في الطائرة (1) ؟

أولاً: يغتسل في بيته ويبقى في ثيابه المعتادة, وإن شاء لبس ثياب الإحرام.

ثانياً: فإذا قربت الطائرة من محاذاة الميقات لبس ثياب الإحرام إن نواه من حج أو عمرة.

رابعاً: فإن أحرم قبل محاذاة الميقات احتياطاً خوفاً من الغفلة أو النسيان فلا بأس.

كتب ذلك محمد الصالح العثيمين في 2/5/1409هـ.
(15/245)

1080 وسئل فضيلة الشيخ:أعمل سائق بالطائرة بصفة مستمرة, أيجوز لي أن أصلي جالساً على الكرسي في مكان العمل؟ وهل يجوز أن أصلي قصراً بصفة مستمرة كلما كنت في أثناء العمل؟

فأجاب فضيلته بقوله: هذا القائد للطائرة سأل عن مسألتين:

المسألة الأولى: هل يجوز له القصر مع أنه دائماً في سفر؟

والمسألة الثانية: هل يجوز أن يصلي جالساً في مكان القيادة؟

المسألة الأولى: فإنه يقصر لأنه مسافر, والآيات والأحاديث الواردة في القصر لم تخص سفراً دون سفر, وعلى هذا يجوز له أن يقصر لأن هذا الرجل مسافر وله بلد يأوي إليه وأهلاً يقيم فيهم, فإذا فارقهم فهو مسافر, فيجوز له القصر. ويجوز له الفطر في رمضان أيضاً, لكونه على سفر.

وأما المسألة الثانية: عن جواز الصلاة في مكان القيادة: فإن كانت الصلاة نافلة فلا حرج عليه في ذلك ويتجه حيث كان اتجاه الطائرة؛ لأنه ثبت عن النبي أنه كان يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به (1) ,وهكذا من كان في الطائرة أو في السيارة.

أما إذا كانت الصلاة فرضاً فإنه لا يجوز له أن يصلي في هذا المكان, إذا كانت الطائرة يمكن أن تهبط في المطار قبل خروج
(15/246)

وقت الصلاة, أو قبل خروج وقت الثانية إذا كانت الصلاة التي أدركته مما تجمع إليها, مثلاً لو أدركه وقت صلاة الظهر وهو يعرف أنه سوف يهبط في المطار في وقت صلاة العصر, قلنا له: اجمع صلاة الظهر مع العصر, لتصليهما جميعاً على الأرض, أما إذا كانت الرحلة طويلة فلا يمكن أن ينزل في الأرض قبل خروج وقت الصلاة فإنه لا يجوز له أن يصلي في مكان القيادة لأنه يحتاج إلى ملاحظة الطائرة وطيرانها فحينئذ نقول له للضرورة صل ولو كنت في مكانك وأت بما يقدر عليه من واجبات الصلاة ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها, أما إذا كان الجو لطيفاً ولا خطر فإنه يجب أن يصلي في مكان يتمكن فيه من القيام والركوع, والسجود, والقعود, استقبال القبلة.

* * *

1081 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -:ما حكم الصلاة على الراحلة في الحضر؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة في الراحلة إن كانت فريضة فإنها لا تصح لا في الحضر ولا في السفر إلا للضرورة, مثل أن تكون السماء تمطر, والأرض مبتلة, لا يمكنهم النزول عليها والسجود عليها, وأما النافلة فإنها تجوز في السفر خاصة على الراحلة, لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي النافلة على
(15/247)

راحلته حيثما توجهت به (1) .وأما في الحضر فلا يجوز.

* * *

1082 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل ركب الطائرة وحان وقت الصلاة فكيف يصلي؟ أفتونا وفقكم الله.

فأجاب فضيلته بقوله: إذا حان وقت الفريضة وأنت في الطائرة فلا تصلها في الطائرة بل انتظر حتى تهبط في المطار إن اتسع الوقت, إلا أن يكون في الطائرة محل خاص يمكنك أن تصلي فيه صلاة تامة تستقبل فيها القبلة, وتركع, وتسجد, وتقوم وتقعد فصلها في الطائرة حين يدخل الوقت فإن لم يكن في الطائرة مكان خاص يمكنك أن تصلي فيه صلاة تامة وخشيت أن يخرج الوقت قبل هبوط الطائرة, فإن كانت الصلاة مما يجمع إلى ما بعدها كصلاة الظهر مع العصر, وصلاة المغرب مع العشاء, ويمكن أن تهبط الطائرة قبل خروج وقت الثانية فأخر الصلاة الأولى واجمعها إلى الثانية جمع تأخير, ليتسنى لك الصلاة بعد هبوط الطائرة فإن كانت الطائرة لا تهبط إلا بعد خروج وقت الثانية فصل الصلاتين حينئذ في الطائرة على حسب استطاعتك فتستقبل القبلة, وتصلي قائماً, وتركع إن استطعت, وإلا فأومئ بالركوع وأنت قائم, ثم اسجد إن استطعت, وإلا فأومئ بالسجود جالساً

وخلاصة الجواب كما يلي:
(15/248)

أ – إن استطعت أن تصلي في الطائرة صلاة تامة فصلها حين يدخل الوقت كما لو كنت على الأرض.

ب - إن لم تستطع فأخر الصلاة حتى تهبط الطائرة.

جـ - إن خشيت خروج الوقت قبل هبوط الطائرة فصل الصلاة وائت بما تستطيع من واجباتها وأركانها وشروطها, إلا إذا كانت مما يجمع إلى ما بعدها, وصارت الطائرة تهبط قبل خروج وقت الثانية فأخر الأولى إلى الثانية ودليل هذا كله قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) وقول النبي صلي الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (2) .

حرر في 24رجب 1407هـ.

* * *

1083 سئل فضيلة الشيخ: متى تجب الصلاة في الطائرة؟ وعن كيفية الصلاة الفريضة في الطائرة؟ وعن كيفية صلاة النافلة في الطائرة؟

فأجاب فضيلته بقوله: تجب الصلاة إذا دخل وقتها, لكن إذا كان لا يتمكن من أداء الصلاة في الطائرة إذا كان يمكن هبوط الطائرة قبل خروج وقت الصلاة, أو خروج وقت التي بعدها مما يجمع إليها. فمثلاً لو أقلعت الطائرة من جدة قبيل غروب الشمس, وغابت الشمس وهو في الجو فإنه لا يصلي المغرب حتى تهبط
(15/249)

الطائرة في المطار, وينزل منها, فإن خاف خروج وقتها نوى جمعها إلى العشاء جمع تأخير وصلاهما إذا نزل, فإن استمرت الطائرة حتى خاف أن يخرج وقت العشاء, وذلك عند منتصف الليل فإنه يصليهما قبل أن يخرج الوقت في الطائرة.

وكيفية صلاة الفريضة في الطائرة أن يقوم مستقبل القبلة فيكبر, ثم يركع, ثم يرفع من الركوع, ثم يسجد فإن لم يتمكن من السجود جالساً, وهكذا يفعل حتى تنتهي الصلاة وهو في ذلك كله مستقبل القبلة.

أما كيفية صلاة النافلة على الطائرة فإنه يصليها قاعداً على مقعده في الطائرة ويومئ بالركوع والسجود, ويجعل السجود أخفض. والله الموفق.حرر في 22/4/1409 هـ.

* * *

1084 سئل فضيلة الشيخ: في بعض الأحيان أكون مسافراً بالطائرة أو بالسيارة, ثم يدخل وقت الصلاة أثناء الرحلة, وهناك لا أعرف اتجاه القبلة ولا أتمكن من الركوع أو السجود, ولست على وضوء ولا أجد ما أتيمم به, فيؤخر الصلاة عن وقتها واقضيها متى وجدت الماء وتمكنت من الصلاة فهل فعلى هذا صحيح؟

فأجاب فضيلته بقوله: فعلك هذا ليس بصحيح, فإن الصلاة يجب أن تؤدي وتفعل في وقتها لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى
(15/250)

الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) .وإذا وجب أن تفعل في وقتها فإنه يجب على المرء أن يقوم بما يجب فيها بحسب المستطاع, لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) .ولقول النبي صلي الله عليه وسلم (صل قائماً, فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى جنب) (1) .

ولأن الله – عز وجل – أمرنا بإقامة الصلاة حتى في حال الحرب والقتال, ولو كان تأخير الصلاة عن وقتها جائزاً لمن عجز عن القيام بما يجب فيها من شروط, وأركان, وواجبات, ما أوجب الله تعالى الصلاة في حال الحرب.

وعلى هذا يتبين أن ما فعله الأخ السائل من كونه يؤخر الصلاة إلى ما بعد الوقت ثم يصليها قضاء بناء على أنه لا يعرف القبلة, وأنه ليس عنده ماء وأنه لا يتمكن من الركوع والسجود يتبين أن فعله هذا خطأ.

ولكن ماذا يصنع المرء في مثل هذه الحال؟ نقول: يتقي الله ما استطاع, فبالنسبة إلى القبلة يمكنه أن يسأل المضيفين في الطائرة عن اتجاه القبلة, فيتجه حيث وجهوه إليه, وهذا في الصلاة الفريضة. أما النافلة فيصلي حيث كان وجهه كما هو ما معروف.

وبالنسبة للقيام, وللركوع, والسجود نقول له: قم؛ لأن القيام ممكن والطائرة في الجو, ونقول له: اركع؛ لأن الركوع ممكن لا سيما في بعض الطائرات التي يكون ما بين المقاعد فيها واسعاً,
(15/251)

فإن لم يتمكن من الركوع نقول له: تومئ بالركوع وأنت قائم, وفي حال السجود نقول: اسجد, والغالب أن لا يتمكن إن لم يكن في الطائرة مكان معد للصلاة, فإذا لم يتمكن من السجود قلنا له: اجلس بعد أن تقوم من الركوع وتأتي بالواجب اجلس وأومئ بالسجود وأنت جالس, وأما الجلوس بين السجدتين والتشهد فأمرهما واضح ,وبهذا تنتهي الصلاة ويكون قد اتقى الله فيها ما استطاع.

وأما ما يتعلق بالوضوء فنقول: إذا لم يكن ماء لديك وليس هناك ماء يمكن أن تتوضأ به أو شيء يتيمم به فإنك تصلي ولو بلا وضوء ولا تيمم؛ لأن ذلك هو منتهى استطاعتك وقدرتك, ولكن لا تؤخر الصلاة عن وقتها إلا إذا كانت الصلاة مما يجمع إلى ما بعده, كما لو كانت الرحلة في وقت الظهر وبإمكانك أن تؤخر الظهر إلى العصر فتجمعهما جمع تأخير في صلاة العصر. فهذا جائز, بل يكون واجباً في هذه الحال.

* * *

1085 سئل فضيلة الشيخ: متى وكيف تكون صلاة المسافر وصومه؟

فأجاب فضيلته بقوله: صلاة المسافر ركعتان من حين أن يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه, لقول عائشة – رضي الله عنها - (الصلاة أول ما فرضت ركعتين, فأقرت صلاة السفر, وأتمت صلاة
(15/252)

الحضر) .وفي رواية (وزيد في صلاة الحضر) (1) وقال أنس ين مالك – رضي الله عنه - (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فصلى ركعتين، ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة) (2) .

لكن إذا صلى مع إمام يتم صلى أربعاً سواء أدرك الصلاة من أولها, أم فاته شيء منها لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة, وعليكم السكينة والوقار, ولا تسرعوا, فما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) (3) .فعموم قوله (ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) يشمل المسافرين الذين يصلون وراء الإمام الذي يصلي أربعاً وغيرهم. وسئل ابن عباس – رضي الله عنهما – ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد, وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟! فقال: تلك السنة (4) .

ولا تسقط صلاة الجماعة عن المسافر؛ لأن الله تعالى أمر بها في حال القتال فقال: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) (النساء: من الآية102) .الآية. وعلى هذا فإذا كان المسافر في بلد غير بلده وجب عليه أن يحضر الجماعة في المسجد إذا سمع النداء إلا أن يكون
(15/253)

بعيداً أو يخاف فوت رفقته, لعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة على من سمع النداء أو الإقامة.

وأما التطوع بالنوافل: فإن المسافر يصلي جميع النوافل سوى راتبه الظهر, والمغرب, وراتبه الفجر وغير ذلك من النوافل غير الرواتب المستثناة.

أما الجمع: فإن كان سائراً فالأفضل له أن يجمع بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء, إما الجمع تقديم, وإما جمع تأخير حسب الأيسر له, وكلما كان فهو أفضل.

وإن كان نازلاً فالأفضل أن لا يجمع, وإن جمع فلا بأس لصحة الأمرين عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.

وأما صوم المسافر في رمضان فالأفضل الصوم أفطر فلا بأس ويقضي عدد الأيام التي أفطرها, إلا أن يكون الفطر أسهل له, فالفطر أفضل؛ لأن الله يحب أن تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه, والحمد لله رب العالمين.

كتبه محمد الصالح العثيمين في 5/12/1409هـ.

* * *

1086 سئل فضيلة الشيخ: من خرج للنزهة هل يجوز له القصر في الصلاة والجمع؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان خروجهم يعد سفراً فلهم القصر, لكن بدون جمع, إلا أن يحتاجوا إلى الجمع بحيث يشق
(15/254)

عليهم أن يصلوا كل صلاة في وقتها, إما لشدة البرد, أو قلة الماء ونحو ذلك, وأما مع عدم الحاجة فلا يجمعون بل يصلون كل صلاة في وقتها.

فإذا كانت المسافة بين البلد وبين محل النزهة ثلاثة فراسخ – أي تسعة أميال – وصاروا يقيمون إقامة يحملون من أجلها الزاد والمزاد كاليومين والثلاثة فهم مسافرون, يترخصون برخص السفر, لما رواه مسلم عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال, أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين) (1) .وقد ذكر فقهاؤنا رحمهم الله: كأنه لا فرق بين أن يكون السفر لعبادة كسفر الحج والعمرة, أو لتجارة, أو لزيارة صديق أو لنزهة؛ لأن النصوص جاءت مطلقة غير مقيدة.

وأما من يخرج يوماً ويرجع في يومه, أو في أول الليل ويرجع في آخره فلا يترخص. حرر في 17/7/1412هـ.

* * *

1087 سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز القصر في السفر بعد الوصول إلى المدينة المراد السفر لها لقضاء حاجة منها ثم الرجوع؟

فأجاب فضيلته بقوله: الإنسان يجوز له أن يقصر الصلاة من حين أن يفارق بلده إلى أن يرجع إليها, هكذا كان صلى الله عليه وسلم يفعل, ((وقد
(15/255)

أقام صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة) (2) ,و ((أقام عليه الصلاة والسلام في تبوك عشرين يوماً يقصر) (3) ,وأقام عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – ((بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة, حيث حبسه الثلج) (4) .

ولكن إذا كنت في بلد تسمع النداء فيه, فعليك أن تجب النداء, وإذ صليت مع الإمام عليك الإتمام, لعموم قوله صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) (5) . ولقوله صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به) (6) . ولأن ابن عباس – رضي الله عنهما – سئل: عن الرجل إذا كان مسافراً وصلى مع الإمام يصلي أربعاً وإذا كان وحده يقصر؟ قال: تلك هي السنة (7) ,فإذا سمعت النداء فأجب وأتم مع الإمام, فلو صليت معه ركعتين وسلم فإن عليك أن تتم الركعتين الباقتين. ولكن لو أنك لم تسمع النداء, أو كنت في مكان ناء عن المساجد, أو فاتتك الجماعة, فإنك تصلي ركعتين مادمت في البلد الذي سافرت إليه بنية الرجوع إلى بلدك, الله الموفق.

* * *
(15/256)

1088 سئل فضيلة الشيخ: نحن من سكان مكة المكرمة ولنا جماعة يبعدون عن مكة مسافة ستين وثلاثمائة كيلو متر, نذهب لزيارتهم فنقصر في الطريق, وإذا وصلنا إليهم فإننا نصلي معهم بدون قصر أو جمع, فهل علينا حرج ف ذلك؟

فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليكم في هذا حرج؛ لأن المسافة مسافة بعيدة, وأنتم تقيمون عندهم أياماً, فما دمتم على هذه الحال فإنكم مسافرون, ولكن إذا صليتم معهم فلا بد أن تتموا أربعاً.

* * *

1089 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -:عن رجل قدم إلى مكة ليقضي بها العشر الأواخر من رمضان فهل يجوز له الفطر وقصر الصلاة وترك الرواتب؟

فأجاب فضيلته بقوله: الذي قدم إلى مكة ليقضي فيها العشر الأواخر هو في حكم المسافر. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ((قدم عام الفتح في اليوم التاسع عشر, أو اليوم العشرين وبقي فيها تسعة عشر يوماً) (1) ,وفي صحيح البخاري من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم بقية الشهر) (2) ,فكان الرسول صلى الله عليه وسلم مفطراً في العشر الأواخر من رمضان وهو في مكة.
(15/257)

وأما القصر, فإن كان رجلاً فإن الواجب عليه أن يحضر الجماعة في المساجد, وإذا حضر لزمه الإتمام, لكن لو فاتته الصلاة فإنه يصلي ركعتين, والمرأة إذا صلت في بيتها فإنها تصلي ركعتين, وإن صلت في المسجد وجب عليها أن تصلي أربعاً.

وأما الرواتب, فإنني قد تأملت ما جاءت به السنة في النوافل وتبين لي أن راتبه الظهر, والمغرب ,والعشاء لا تصلي, وما عدا ذلك النوافل فإنه يصلي مثل سنة الفجر, وسنة الوتر, وصلاة الليل, وصلاة الضحى, وتحية المسجد حتى النفل المطلق أيضاً.

* * *

1090 سئل فضيلة الشيخ: كيف الجمع والقصر للمسافر بالطائرة؟

فأجاب فضيلته بقوله: القصر للمسافر في الطائرة وغيرهما وكذلك الجمع لكن الأفضل أن لا يجمع إلا إذا كان سائراً غير نازل حرر في 22/4/1409هـ.

* * *

1091 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل دعي لعزيمة خارج بلده فهل يعتبر هذا سفراً يأخذ أحكام السفر من قصر الصلاة وجمعها وغير ذلك من أحكام أو لا؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا دعي الشخص لعزيمة خارج البلد وبلغ مسافة تعتبر سفراً فإنه لوجود حقيقة السفر في حقه, ولكنه لا يقصر حتى يبلغ المسافة التي تعتبر سفراً, أما لو خرج من
(15/258)

بلده وهو يعلم أنه إلى مسافة تعتبر سفراً فإنه يقصر من حيث خروجه من بلده؛ لأنه قد تحقق السفر من حيث خرج.

* * *

1092 سئل فضيلة الشيخ: سافرت مع أصدقائي للبر من أجل النزهة, وكانت المسافة أكثر من مائة كيلو, فهل يجوز أن نقصر الصلاة ونجمعها؟

فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة آكد الأركان الإسلام بعد الشهادتين, ولا يحل لمسلم أن يتركها حضراً ولا سفراً مادام معه فكره.

وأما بالنسبة لسفرك مع أصدقائك فإنه يجوز لكم القصر والجمع وخاصة إذا كنتم مستمرين بالمسير. أما إذا نزلتم في مكان قررتم البقاء فيه حتى دخول وقت الصلاة الأخرى, فالأولى في حقكم عدم الجمع بل القصر فقط. والله أعلم.

* * *

1093 سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -:ما السفر المبيح للفطر والقصر؟

فأجاب فضيلته بقوله: السفر المبيح للفطر وقصر الصلاة عند بعض العلماء هو واحد وثمانون كيلو متراً ونصف تقريباً, ومن العلماء من لم يحدد مسافة للسفر بل كان كل ما كان في عرف الناس سفراً فهو سفر, ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان ((إذا سافر ثلاثة فراسخ قصر
(15/259)

الصلاة) (1) . والسفر المحرم ليس مبيحاً للقصر ولا للفطر؛ لأن سفر المعصية لا تناسبه الرخصة, وبعض أهل العلم يرى أنه مبيح لذلك ولا يفرق بين سفر المعصية وسفر الطاعة لعموم الأدلة والعلم عند الله.
(15/260)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين يحفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:

خرجت أنا ومجموعة معي إلى البر في نزهة وذلك يوم الخميس الموافق 29/6/1418 هـ ,وعندما حان وقت صلاة الظهر أذن أحدنا فصلينا, إلا أن الإمام قصر الصلاة, وعند ذلك قمت فأتممت ركعتين لوحدي - أي تممت أربعاً - فحصل جدال بيننا وكلام غير لائق ,فطلبت من الإمام أن يكون الكلام بيني وبينه فقط ,فسألته: كهل نحن مسافرون؟ وهل خرجنا من أهلنا بنية السفر؟ أجاب بقوله:لا, نحن في نزهة ولكننا مشينا أكثر من ثمانين كيلو متر بالسيارة, قلت له: هذا ليس بحجة شرعية, فنحن أفطرنا في مكان وسوف نتغدى هنا والعشاء في مكان آخر, ولربما تمشي السيارة أكثر من مائتي كيلو متر فلم يقنع الجميع, وحضرت صلاة العصر فكان الوضع مثل صلاة الظهر تماماً, قصراً وأتممت أنا, فقال أحدهم: أنت متزمت, والعلماء أفتوا بذلك, ومنهم الشيخ ابن عثيمين, فطلبت الفتوى فقال: ما عندي فتوى, ولكن كل يقوله, فقلت له: اتق الله لا تتكلم بغير علم, ولا تنقل عن العلماء إلا وأنت متأكد, وغادرنا المكان إلى مكان آخر, وغربت الشمس ونحن
(15/261)

بالقرب من جبل ابانات, مع العلم أنه يبعد عن الرس 70 كم تقريباً, فصلينا المغرب, فقام الجميع بنية صلاة العشاء جمعاً وقصراً إلا أنا واثنان صلينا العشاء عندما وصلنا إلى الرس.

آمل من فضيلتكم الإجابة المفصلة الكافية في مثل هذا الأمر, وجزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

من العلماء من يرى أن مسافة القصر بالمساحة, فمتى بلغ خروجه بضعاً وثمانين كيلو فهو مسافر يحل له القصر والجمع, ومن العلماء من يرى أن المعتبر العرف, فما عده الناس سفراً يستعدون له استعداد السفر ويودع عند خروجه ويستقبل عند قدومه فهو سفر, وما لا فلا.

ومنهم من قال: من أواه الليل إلى أهله فليس بمسافر.

وإذا كانت المسألة خلافية فلا ينبغي أن تكون المخالفة فيها مثاراً للنزاع واللجاج, فإتمامك الصلاة لكونك لا ترى أنكم في سفر لا ينكر عليك, وقصر الإمام صلاته لا ينكر, لكن من أشكل عليه الأمر وجب عليه الإتمام؛ لأنه الأصل.

كتبه محمد الصالح العثيمين في 2/8/1481هـ.

***
(15/262)

1094 سئل فضيلة الشيخ: نحن مجموعة ندعى إلى بعض الولائم في مزرعة تبعد عن موقعنا من خمسين كيلو إلى ستين كيلو متراً ويقرب من المزرعة قرى تبعد 10إلى 15 كم فهل يجوز لنا قصر الصلاة بحجة أنه سفر, أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسافة لا تعد سفراً, ولا عند الذين يحددون السفر بالمسافة, ولا على ما يظهر لنا من القول بأن مرجع السفر إلى العادة؛ وذلك لأن من يخرج ويرجع في يوم لا يعد مسافراً غرفاً, اللهم إلا أن تبعد المسافة كما لو سافر من الرياض إلى مكة ورجع في يومه, فإن هذا يسمى مسافراً لبعد المسافة.

أما ما ذكره السائل فإنه لا يعد سفراً لا عند المحددين بمسافة ولا عند القائلين إنه يرجع في ذلك إلى العرف.

* * *

1095 سئل فضيلة الشيخ: تكثر الاستراحات القريبة من مدينة الرياض, فهل يجوز لمن يذهب إلى هذه الاستراحات قصر وجمع الصلاة وخصوصاً إن المسافة تتفاوت؟ وما السافة المحددة لجواز قصر الصلاة؟ وهل تحتسب المسافة من منزل من أراد الذهاب إلى تلك الأماكن أو من آخر بنيان في المدينة؟

فأجاب فضيلته بقوله: ليس من السفر؛ لأن الذين يخرجون لهذه المنتزهات لا يعدون أنفسهم من المسافرين, ثم على القول بأن مسافة القصر مقدرة بالكيلوات فإن المعتبر أطراف البلد,
(15/263)

فمتى بعدوا عن أطراف البلد مسافة الكيلومترات المعتبرة فإنهم يقصرون. ولو قصرت مدة إقامتهم في هذا المكان.

* * *

1096 سئل فضيلة الشيخ: عل يجوز للمسافر قصر صلاة الظهر وإتمام صلاة العصر كاملة؟ وما هي المدة التي يجوز قصر الصلاة فيها؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مسافراً فإن العلة موجودة في الصلاتين فلماذا يفرق بينهما؟ وعلى كل حال فإنه جائز أن يقصر إحدى الصلاتين ويتم الأخرى, ولكنه بخلاف السنة, فالسنة أن يقصر الصلاتين جميعاً مادام مسافراً.

أما المدة التي ينقطع بها حكم بها حكم السفر فإنها محل خلاف بين أهل العلم, وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – في الفتاوى هذه المسألة بسطاً فليرجع إليه من أراد الوقوف عليه.

* * *

1097 سئل فضيلة الشيخ: أعمل سائق شاحنة ويتطلب ذلك مني سفراً دائماً فهل يجوز لي قصر الصلاة؟

فأجاب فضيلته بقوله: قصر الصلاة متعلق بالسفر فما دام الإنسان مسافراً فإنه يشرع له قصر الصلاة, سواء كان سفره نادراً أم دائماً, إذا كان له وطن يأوي إليه ويعرف أنه وطنه, وعلى هذا فيجوز لسائق الشاحنة أن يترخص برخص السفر من قصر الصلاة,
(15/264)

والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها والفطر في رمضان وغيرها من رخص السفر.

* * *

1098 سئل فضيلة الشيخ: ما مقدار المسافة التي يقصر المسافر فيها الصلاة؟ وهل يجوز الجمع دون قصر؟

فأجاب فضيلته بقوله: المسافة التي تقصر فيها الصلاة حددها بعض العلماء بنحو ثلاثة وثمانين كيلو متراً, وحددها بعض العلماء بما جرى به العرف, أنه سفر وإن لم يبلغ ثمانين كيلو متراً, وما قال الناس عنه: إنه ليس بسفر, فليس بسفر ولو بلغ مائة كيلو متر.

وهذا الأخير هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – وذلك لأن الله تعالى لم يحدد مسافة معينة لجواز القصر وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد مسافة معينة. وقال أنس بن مالك – رضي الله عنه - (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة وصلى ركعتين) (1) . وقول شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله تعالى – أقرب إلى الصواب.

ولا حرج عند اختلاف العرف فيه أن يأخذ الإنسان بالقول بالتحديد؛ لأنه قال به بعض الأئمة والعلماء المجتهدين, فليس عليهم به بأس إن شاء الله تعالى, أما مادام الأمر منضبطاً فالرجوع إلى العرف هو الصواب. وأما هل يجوز الجمع إذا جاز القصر فنقول: الجمع ليس
(15/265)

مرتبطاً بالقصر, الجمع مرتبط بالحاجة؛ فمتى احتاج الإنسان للجمع في حضر في أو سفر فليجمع؛ ولهذا يجمع الناس إذا حصل مطر يشق على الناس من أجله الرجوع إلى المساجد, ويجمع الناس إذا كان هناك ريح باردة شديدة أيام الشتاء يشق على الناس الخروج إلى المساجد من أجلها, ويجمع إذا كان يخشى فوات ماله أو ضرراً فيه, أو ما أشبه ذلك يجمع الإنسان. وفي الصحيح مسلم عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – قال (جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر) (1) .

فقالوا: ما أراد؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته؛ أي: لا يلحقها حرج في ترك الجمع. وهذا هو الضابط كلما حصل للإنسان حرج في ترك الجمع جاز له الجمع, وإذا لم يكن عليه حرج فلا يجمع, لكن السفر مظنة الحرج بترك الجمع, وعلى هذا يجوز للمسافر أن يجمع أن جاداً في السفر أو مقيماً؛ إلا أنه إن كان جاداً افي السفر فالجمع أفضل, وإن كان مقيماً فترك الجمع أفضل. ويستثنى من ذلك ما إذا كان الإنسان مقيماً في بلد تقام فيه الجماعة فإن الواجب عليه حضور الجماعة, وحينئذ لا يجمع ولا يقصر, لكن لو فاتته الجماعة فإنه يقصر بدون جمع؛ إلا إذا احتاج إلى الجمع.

* * *
(15/266)

1099 سئل فضيلة الشيخ: عن طلاب يذهبون للدراسة في بلد تبعد عن بلدهم المقيمين فيه ما يقرب من تسعين كيلو متراً, مع العلم بأنهم يذهبون ويرجعون في نفس اليوم, فهل لهم قصر الصلاة؟

فأجاب فضيلته بقوله: أرى أن لا يقصروا الصلاة؛ لأن هذا لا يعد سفراً, إذ أنهم يفطرون في بيوتهم, ويتغدون في بيوتهم, ويرى بعض العلماء الذين يقدرون السفر بالمسافة فيقولون: مسافة القصر حوالي واحد ثمانين كيلو, أو ثلاث وثمانين كيلو, أن يقصروا؛ لأنهم مسافرين على قولهم, لكني لا أرى أن يفعلوا, وأن عليهم أن يتموا الصلاة, والمسألة سهلة وهي زيارة ركعتين, فلا تضر ولا يحصل بها تعب.

* * *

1100 سئل فضيلة الشيخ: إذا كنت على سفر فأدركت الإمام في الركعة الثالثة وصليت معه ركعتين فهل إذا سلم الإمام أسلم لأنني قاصرٌ للصلاة؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان مسافراً وأدرك الإمام من أول الصلاة وجب عليه أن تتم مع الإمام, وكذلك إذا أدرك الإمام في أثناء الصلاة وجب عليه أن يقضي ما فاته مع الإمام, فإذا جاء ودخل مع الإمام في الركعة الثالثة من الرباعية وجب عليه أن يصلي مع الإمام ركعتين, وإذا سلم الإمام أتم صلاته بركعتين أيضاً, وذلك لقول النبي صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم
(15/267)

به) (2) .ولقوله صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) (3) فقوله صلي الله عليه وسلم (ما فاتكم فأتموا) عام للمسافرين وغير مسافرين وكذلك جاء ابن عباس – رضي الله عنهما – أن هذا هو السنة (4) .

* * *

1101 سئل فضيلة الشيخ: إذا كنت مسافرا إلى مكة ثم وقفت بمدينة من المدن وقد أذن العصر ثم دخلت إلى المسجد فوجدت الإمام الراتب قد صلي ركعتين أثنين فدخلت معه وصليت الركعتين الباقيتين معه فهل أسلم معه على اعتبار أنني مسافر وللمسافر قصر الرباعية أو آتي بركعتين أخريين لأتم أربعاً على اعتبار قولهم (وإن ائتم بمن يلزمه الإتمام به أتم) ؟

فأجاب فضيلته بقوله: قال أصحابنا (وإن ائتم بمن يتم أتم) وعلى هذا فمتى ائتم المسافر بإمام مقيم لزمه إتمام الصلاة, سواء أكان مسبوقاً أم غير مسبوق, ولا فرق في ذلك بين الظهر, والعصر والعشاء, ونحن نرى هذا القول حقاً بدليل عموم النبي صلي الله عليه وسلم (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (4) .ولأن المأموم صلاته مرتبطة بصلاة إمامه ومأمور بالاقتداء به وهذا منه. والله أعلم.

* *
(15/268)

1102 سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز للمقيم أن يصلي خلف المسافر وهو يقصر ثم يتم بعد الصلاة؟

فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للمسافر أن يكون إماماً للمقيمين, وإذا سلم يقوم المقيمون فيتمون الصلاة بعده, ولكن ينبغي للمسافر الذي أم المقيمين أن يخبرهم قبل أن يصلي فيقول لهم إنا مسافرون فإذا سلمنا فأتموا صلاتكم؛ لأن النبي صلى بمكة عام الفتح وقال (أتموا يأهل مكة فإنا قوم سفر) (1) . فكان يصلي بهم ركعتين وهم يتمون بعده.

* * *

1103 سئل فضيلة الشيخ: كنت مسافراً ودخلت مسجداً على الطريق وكان الوقت عصراً فصليت وحدي خلف الصفوف وقصرت الصلاة, فهل تصح صلاتي أم أن الواجب علي الدخول مع الإمام حتى إذا قام من التشهد الأول جلست وسلمت من الصلاة؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل المسجد ووجد الناس يصلون فإن الواجب عليه أن يصلي معهم إذا كان لم يؤد تلك الفريضة, وإذا كان مسافراً والإمام متم فإن الواجب عليه أن يتم الصلاة سواء أدركها من أولها في أثنائها لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) (2) .
(15/269)

ولأن ابن عباس – رضي الله عنهما – سئل: عن الرجل المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين, وإذا صلى مع الإمام صلى أربعاً؟ فقال – رضي الله عنه - صلي الله عليه وسلم (تلك هي السنة) (3) .نعم لو دخل ووجد الناس في التشهد الأخير فإنه في هذه الحال لا يلزمه الدخول معهم؛ لأن الصلاة قد فاتته لقول النبي صلي الله عليه وسلم (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) (4) .وهذا لم يدرك ركعة فتكون الصلاة فاتته.

* * *

1104 سئل فضيلة الشيخ: عن المسافر إذا صلى خلف الإمام المقيم هل يلزمه الإتمام أو يجوز أن يقصروا الصلاة على ركعتين؟

فأجاب فضيلته بقوله: يجب على المسافر إذا صلى مع الإمام المقيم أن يتم صلاته سواء أدرك الإمام في أول الصلاة, أو أدرك الركعتين الأخيرتين فقط؛ وذلك لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به) (1) .وقوله صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) (2) .ولأن ابن عباس سئل ((عن الرجل المسافر إذا صلى وحده صلى ركعتين, وإذا صلى مع الإمام, يصلي أربعاً؟ فقال:تلك هي السنة) (3) .
وقول الصحابي عن أمر من الأمور: إنه من السنة, أو هذا هو
(15/270)

السنة له حكم الرفع. فيجب على المسافر إذا صلى مع إمام مقيم أن يتم أربعاً سواء دخل مع الإمام في أول الصلاة, أم في الركعة الثالثة, أم في الرابعة, وأما بالعكس لو صلى المقيم خلف مسافر فإنه يجب عليه أن يتم أربعاً بعد سلام الإمام المسافر, فإذا صلى الإمام ركعتين وأنت مقيم فإذا سلم فأتم ما عليك؛ لقول النبي صلي الله عليه وسلم لأهل مكة عام الفتح (أتموا فإنا قوم سفر) (4) .أي مسافرون.

1105 سئل فضيلة الشيخ: مسافر أخر صلاة المغرب ليجمعها مع صلاة العشاء وأدرك الناس في المدينة يصلون العشاء فكيف يصنع؟ أفتونا مأجورين.

فأجاب فضيلته بقوله: ينضم معهم صلاة المغرب, وفي هذه الحال إن كان قد دخل مع الإمام في الركعة الثانية فالأمر ظاهر ويسلم مع الإمام؛ لأنه يكون صلى ثلاثاً, وإن دخل في الثالثة أتى بعده بركعة, أما إن دخل في الركعة الأولى من صلاة العشاء وهو يصلي بنية المغرب فإن الإمام إذا قام إلى الرابعة يجلس هو يتشهد ويسلم, ثم يدخل مع الإمام في بقية صلاة العشاء حتى يدرك الجماعتين في الصلاتين, وهذا الانفصال جائز لأنه لعذر, والانفصال لعذر جائز كما ذكر ذلك أهل العلم, ومن الانفصال لعذر ما لو طرأ على الإنسان في أثناء الصلاة طارئ يستلزم السرعة في الصلاة فإن له أن ينفرد عن الإمام ويكمل صلاته خفيفة ثم يذهب
(15/271)

لهذا الطارئ مثل لو حصل له آلام في بطنه, أو اضطرار إلى التبول, أو تغوط, أو حصل في معدته روجان يخشى أن يقئ في صلاته وما أشبه ذلك.

والمهم أن الانفراد لعذر عن الإمام جائز وهذا انفراد لعذر, ولا حرج عليه أن يدخل معهم بنية صلاة العشاء ثم بعد ذلك يأتي بالمغرب؛ لأن من أهل العلم من يقول إن الترتيب يسقط بخوف فوت الجماعة, ولكن الوجه الأول عندي أولى.

* * *

1106 سئل فضيلة الشيخ: عن جماعة يعملون في إحدى الإدارات الحكومية وقد نقلوا قريباً من الحدود لمدة شهر أو شهرين أو أكثر أو أقل ويحملون في هذا السفر ما يحمله المسافر من الزاد والمتاع على السيارات بمسافة تبعد 470 كيلو أو أكثر, ومع ذلك فنحن نقصر الصلاة ونجمع أحياناً إذا اشتد بنا السير عملاً بسنة الرسول الله صلي الله عليه وسلم ولكن بعض الأفراد يتمون الصلاة في هذه المسافة النائية والغربة الطارئة فنرجو منكم بيان سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم في أسفاره الثابتة عنه؟ وهل يصح أن المسافر يتم الصلاة؟ وهل صح أن المسافر يصلي الرواتب المقرونة بالصلاة في سفره؟ وهل يصح أن المدة المقصودة للمسافر يتم فيها صلاته؟ وهل صح أن البعيد عن أهله وأولاده ووطنه في مثل هذه المسافة يقصر صلاته ويأخذ في رخص السفر؟ نرجو من سماحتكم بيان الحكم، والله يحفظكم ويرعاكم.
(15/272)

فأجاب فضيلته بقوله: القول الصواب أن من كان في مثل حالكم فله القصر والجمع؛ لأنكم في سفر, لكن ترك الجمع أفضل إلا عند الحاجة, وهذا ما تقتضيه الأدلة الشرعية, فقد قال الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) (النساء: من الآية101) ولم يقيد ذلك بمدة, وكان النبي صلي الله عليه وسلم إذا سافر يقصر الصلاة حتى يرجع إلى المدينة مع إقامته في أسفاره تختلف, فأقام عام الفتح بمكة تسعة عشر يوماً (1) ,وأقام بتبوك عشرين يوماً (2) ,وقدم مكة عام حجة الوداع في الرابع ذي الحجة, وخرج منها صباح الرابع عشر, فتلك عشرة أيام كما قال أنس بن مالك حين سئل كم أقام؟ قال أنس – رضي الله عنه – خرجنا مع النبي صلي الله عليه وسلم من المدينة, قلنا: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً) (3) ولم يحدد لأمته حداً ينقطع به السفر مع علمه بأن الناس يقدمون مكة للحج قبل اليوم الرابع. وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه وجماعة من أهل العلم, وبناء عليه يكون لكم أحكام السفر من القصر والجمع ومسح الخفين, ثلاثة أيام.

وأما التطوع بالصلاة فتطوعوا بما شئتم كالمقيمين إلا سنة الظهر, والمغرب, والعشاء فالأفضل أن لا تصلوها بنية الراتبة ولكم أن تصلوا تطوعاً لو حضرتم إلى المصلى قبل الإقامة.
(15/273)

وإذا رأى إمامكم أن لا يجمع ولا يقصر فلا تختلفوا عليه؛ لأن الأمر واسع ولله الحمد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حرر في 9/5/1411هـ.

* * *

1107 سئل فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نحن من العاملين بالخليج العربي مؤقتاً نرجو أن تجيبوا على أسلتنا في موضوع الصلاة مع تبيان ما ترجحون من أقوال العلماء:

1-هل الأفضل في حقنا القصر أو الإتمام؟

2-كيفية القصر والحال أن الصلاة جماعة؟

3-هل يجوز لمثلنا إذا فاتته جماعة الظهر مثلاً أن تؤدي الصلاة مع العصر قصراً أو جمعاً؟

فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

مسألتكم هذه ليس فيها سنة صريحة تبين حكمها, وإنما فيها نصوص عامة وقضايا اختلف العلماء في القول بها.

فذهب أصحاب المذاهب المتبوعة إلى أن من عزم على الإقامة مدة معينة انقطع حكم سفره, ولزمه إتمام الصلاة, والصوم في رمضان وجميع أحكام الإقامة التي لا يشترط لها الاستيطان, ثم اختلف هؤلاء في المدة التي تقطع أحكام السفر:

فذهب بعضهم إلى أنها أربعة أيام, وذهب آخرون منهم إلى أنها فوق أربعة أيام, وذهب آخرون منهم إلى أنها ما بلغ خمسة
(15/274)

عشر يوماً فأكثر, وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنها ما بلغ تسعة عشر يوماً فأكثر, وفيها أقوال أحرى تبلغ أكثر من عشرة أقوال ذكرها النووي في شرح المهذب, وإنما كثرت فيها الأقوال لعدم وجود دليل فاصل صريح كما أسلفنا, ولهذا كان القول الراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيميه أن أحكام السفر لا تنقطع إلا بإنهاء السفر, والسفر هو مفارقة محل الإقامة, فما دام الرجل مفارقاً لمحل إقامته فهو مسافر حتى يرجع, ولا يقطع سفره أن يقيم في المحل الذي سافر إليه مدة معينة لعمل أو حاجة, ويدل على ذلك أن اسم السفر في حقه باق, وأن النبي صلي الله عليه وسلم أقام في عدة أسفار له إقامات مختلفة يقصر الصلاة فيها, فأقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة (1) ,وأقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (2) ,وأقام في حجة الوداع عشرة أيام مكة في صحيح البخاري (3) عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه سئل عن إقامتهم مع النبي صلي الله عليه وسلم في حجته؟ فقال (أقمنا بها عشراً) يعني أربعة أيام قبل الخروج إلى منى, وستة بعد ذلك, فإنه قدم يوم الأحد صبيحة رابعة من ذي الحجة إلى مكة, وخرج منها راجعاً إلى المدينة يوم الأربعاء صبيحة الرابعة عشرة, وكان صلي الله عليه وسلم في هذه المدة يقصر الصلاة بلا ريب كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عمر (4)
(15/275)

وأنس (5) وغيرهما, ومن المعلوم أن وصوله صبيحة الرابعة وقصر الصلاة كان اتفاقاً لا قصداً, وأنه لو كان قدومه صبيحة الثالثة لم يتغير الحكم, إذ لو كان الحكم يتغير بذلك لبينه النبي صلي الله عليه وسلم لدعاء الحاجة إلى بيانه, إذ المعلوم أن من المعلوم أن من الحجاج من يقدم مكة قبل ذلك, ولا يمكن أن يسكت النبي صلي الله عليه وسلم عن بيان الحكم فيهم لو كان الحكم فيهم مخالفاً لحكم من قدم في اليوم الرابع فما بعده, ثم إن كون النبي يقيم بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة, وفي تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة, وأقام بمكة في حجه عشرة أيام يقصر يدل على أنه لا فرق بين طول مدة الإقامة وقصرها. وأما قول من قال: إن إقامته عام الفتح, وفي تبوك لا يدري متى تنتهي إقامته لم ينو مدة معينة تقطع حكم السفر.

فيقال: من أين لك أن لم ينو ذلك؟ والمدة التي تقطع حكم السفر عندك هي أربعة أيام مثلاً؟ ثم لو كان الحكم يختلف فيما إذا نوى الإقامة التي تقطع حكم السفر على قول من يرى ذلك, وفيما إذا نوى إقامة لا يدري متى تنتهي لبينه النبي صلي الله عليه وسلم, لأنه يعلم أن أمته ستغتدي به وتأخذ بمطلق فعله. وقد وردت آثار عن الصحابة والتابعين تدل على أن حكم السفر لا ينقطع بنية إقامة مقيدة وإن طالت, فروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن أبي حمزة نصر بن عمران قال: قلت لابن عباس (إنا نطيل المقام بالغزو بخرا سان فكيف ترى؟ فقال: صل
(15/276)

ركعتين وإن أقمت عشرين سنين) (1) .وروى الإمام أحمد في مسنده عن ثمامة بن شراحيل قال: خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ قال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثاً. قلت: أرأيت إن كنا بذي المجاز؟ قال: وما ذو المجاز؟ قلت: مكان نجتمع فيه ونبيع فيه نمكث عشرين ليلة, أو خمس عشرة ليلة, قال: يا أيها الرجل كنت بأذربيجان لا أدري قال أربعة أشهر, أو شهرين فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين) (2) .وروى عبد الرزاق عن محمد بن الحارث قال: قدمنا المدينة فأرسلت إلى ابن المسيب أنا مقيمون أياما في المدينة أفنقصر؟ قال: نعم، ولم يستفصل (3) ، وعن علقمة أنه اقام بخوارزم سنتين فصلى ركعتين (4) . وروي نحو هذا عن أنس بن مالك، وعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنهما (5) ، وعن مسروق والشعبي رحمهما الله. (6)
واختار هذا القول أيضا من المتأخرين الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، وشيخنا عبد الرحمن السعدي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ص 138 مج 24 من
__________
(1) رواه في باب: في المسافر يطيل المقام في المصر 2/210 (8208)
(2) المسند 2/83 (5553)
(3) المصنف، أبواب: صلاة المسافر، باب الرجل يخرج في وقت الصلاة 2/535 (4349)
(4) رواه ابن أبي شيبة، باب: في المسافر يطيل المقام في المصر 2/210 (8208)
(5) المرجع السابق ن رقم (8204) و (8303) وراجع مصنف عبد الرزاق الموضع السابق (4355) و (4354)
(6) المرجع السابق 2/210 (8206)
(15/277)

مجموع ابن قاسم: " والتمميز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس أمرأ معلوماً، لا بشرع، ولا لغة، ولا عرف " وفي ص 184 من المجلد المذكور " وقد بين في غير هذا الموضع أنه ليس في كتاب الله ولا في سنة نبية صلى الله عليه وسلم إلا مقيم ومسافر والمقيم هو المستوطن ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة " اهـ. وقال الشيخ محمد رشيد رضا في مجموع فتاويه ص 1180 " المسافر الذي يممكث في بلد أربعة أيام أو أكثر وهو ينوي أن يسافر بعد ذلك لا يعد مقيما منتفياً عنه وصف السفر لا لغة ولا عرفاً وإنما يعد مقيماً من نوى قطع السفر، واتخاذ مسكن له في ذلك البلد " إلى أن قال: " فالمكث المؤقت لا يسمى إقامة غلا بقيد التوقيت ". اهـ
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في كتابة المختارات الجلية ص 30 " والصحيح أيضاً أن المسافر إذا أقام في موضع لا ينوي فيه قطع السفر فإنه مسافر وعلى سفر وإن كان ينوي إقامة أكثر من أربعة أيام، أو أقل، أو أكثر حكمهما واحد فلم يرد المنع من الترخيص في شيء منها بل ورد عنه صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه ما يدل على الجواز " اهـ.
وعلى هذا فإن إقامتكم للتدريس في الخليج لا تنقطع بها أحكام السفر من القصر، والجمع، ومسح الخفين ثلاثة أيام ونحوهما لكن لا يسقط عنكم حضور الجماعة في المساجد لعموم الأدلة الموجبة لحضور الجماعة حضراً وسفراً، في حال الأمن والخوف وإذا صليتم وراء إمام يتم وجب عليكم الإتمام تبعا له لقول
(15/278)

النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما جعل الإمام ليؤتم به " (1) . وقوله صلى الله عليه وسلم: " (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار , ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (2) .
متفق عليه وهذا عام في جميع المؤتمنين بالإمام، وفي مسند الإمام أحمد (3) عن موسى بن سلمة قال: كنا مع ابن عباس بمكة فقلت: " إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين؟ قال: تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم " قال في التلخيص وأصله في مسلم والنسائي (4) بلفظ: " " فقلت لابن عباس كيف أصلى إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ قال: ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ".
فقوله: " إذا لم أصل مع الإمام " دليل على أنه كان من المعروف عندهم أنه إذا صلى مع الإمام أتم.
فإذا فاتتكم الصلاة مع الجماعة فلكم القصر، وإما الجمع فلا ينبغي الجمع لكم إلا عند الحاجة إليه لأن الجمع يكون عند الحاجة في حق المسافر وغيره، وإما إذا لم يكن حاجة فإنه وأن جاز للمسافر فلا ينبغي له إلا عند الحاجة مثل أن يكون قد جد به السير، أو يكون محتاجا للنوم، أو حط رحل ونحوه، والله الموفق، قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في 16/ 10/ 1399 هـ.
__________
(1) متفق عليه، وتقدم ص 111.
(2) متفق عليه، وتقدم ص 51.
(3) المسند 1/ 290 (2632) .
(4) تقدم تخريجه ص 253، ورواه النسائي في التقصير (الصلاة) باب: الصلاة بمكة ح (1442) .
(15/279)

وبعد ان كتبت هذا الجواب رأيت في مجلة الجامعة الإسلامية في العدد الرابع من السنة الخامسة الصادر في ربيع الثاني سنة 1393 هـ ص 125 في ركن الفتاوى للشيخ عبد العزيز بن باز قال: أما إذا نوى إقامة معينه تزيد على أربعة أيام وجب عليه الأتمام عند الأكثر، وقال بعض أهل العلم: له القصر مادام لم ينو الاستيطان في ذلك الموضع وإنما أقام لعارض متى زال سافر وهو قوي تدل عليه أحاديث كثيرة. اهـ. المراد منه.
(15/280)

فصل
قال فضيلة الشيخ ـ أعلى الله درجته في المهديين ـ:
بسم الله الرحمن الرحيم
بيان السفر الذي تقصر فيه الصلاة في ثلاثة فصول:
الفصل الأول: السفر الذي تقصر فيه.
الفصل الثاني: مدته.
الفصل الثالث: متى ينقطع؟
أما الفصل الأول:
فقال في فتح الباري ص 561 ج 2 " قال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وعن أبي حنيفة والثوري في كل سفر سواء كان طاعة أو معصية " أ.هـ
قلت: واختاره الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ونقله عن ابن حزم ورجحه بأدلة قوية مع الإجابة عن حجج الاخرين ص 60 من رسالته في أحكام السفر والإقامة.
واما الفصل الثاني:
فقال في شرح المهذب ص 191 ج 4 ـ ما ملخصه ـ: مذهبنا أنه مرحلتان وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: ثلاثة أيام، وقال الأوزاعي وآخرون يوم تام، وقال داود في طويل السفر وقصيره.
(15/281)

قلت: واختاره الشيخ تقي الدين وجعل مناط الحكم ما يسمى سفراً وعرفاً، وقال في رسالة أحكام السفر والإقامة ص 80: فالتحديد بالمسافة لا أصل له في شرع، ولا لغة، ولا عرف ولا عقل، ولا يعرف عموم الناس مساحة الأرض فلا يجعل ما يحتاج إليه عموم المسلمين معلقاً بشيء لا يعرفونه، ولم يمسح أحد الأرض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا قدر النبي صلى الله عليه وسلم الأرض لا بالأميال، ولا فراسخ، والرجل قد يخرج من القرية إلى الصحراء لحطب يأتي به فيغيب اليومين والثلاثة فيكون مسافراً وأن كانت المسافة أقل من ميل بخلاف من يذهب ويرجع من يومه فإنه لا يكون في ذلك مسافراً، فإن الأول يأخذ الزاد والمزاد، بخلاف الثاني، فالمسافة القريبة في المدة الطويلة تكون سفراً، والمسافة البعيدة في المدة القليلة لا تكون سفراً. أهـ ,
وفي المغني ص 255 ـ ج 2 ـ حين ذكر اختلاف العلماء في ذلك ـ قال: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف ـ ثم قال ـ: وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذي ذكروه لوجهين:
أحدهما: أنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها ولظاهر القرآن.
الثاني: أن التقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير غليه برأي مجرد لا سيما وليس له اصل يرد إليه، ولا نظير يقاس عليه، والحجة
(15/282)

مع من اباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه. أ.هـ
أما الفصل الثالث: فقال في شرح المهذب ص 219ـ 220 ج 4: مذهبنا أن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج القطع، وأن نوى دون ذلك لم ينقطع، وهو مذهب مالك، وقال ابو حنيفة: أن نوى خمسة عشر يوماً مع يوم الدخول وقال الأوزاعي: إن نوى اثنى عشر يوماً، وقال ابن عباس: تسعة عشر يوماً، وقال الحسن بن صالح: أن نوى عشرة أيام، وقال أنس: أن نوى أكثر من خمسة عشر يوماً، وقال أحمد: إن نوى إقامة تزيد على أربعة أيام، وعنه تزيد على أحدى وعشرين صلاة، وعن ابن المسيب: أن أقام ثلاثاً، وقال الحسن: إن دخل مصراً، وقال ربيعة: أن نوى يوماً وليلة، وعن إسحاق بن راهويه: يقصر أبداً حتى يدخل وطنه أو بلداً له فيه أهل أو مال. أ. هـ
فهذه اثنا عشر قولاً، قال شيخ افسلام ابن تيمية في رسالته الآنفة الذكر ص82: فمن جعل للمقام حداً من الأيام فإنه قال قولاً لا دليل عليه من جهة الشرع، وهي تقديرات متقابلة تتضمن تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: مسافر، مقيم مستوطن، ومقيم غير مستوطن، وتقسيم المقيم إلى مستوطن وغيره لا دليل عليه من جهة الشرع، قال: والتمييز بين المقيم والمسافر بنية ايام معدودة يقيمها ليس أمراً معلوما لا بشرع ولا لغة فقد خرج عن حد السفر ممنوع بل مخالف للنص والإجماع والعرف.
(15/283)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد نشر لي في (المسلمون) يوم السبت 28شعبان 1405هـ جواب حول ترخص المبتعث برخص السفر من القصر والفطر، ومسح الخفين ثلاثة أيام، وكان الجواب مختصراً، وقد طلب مني بعض الأخوان أن أبسط القول في ذلك بعض البسط، فأقول وبالله التوفيق ومنه الهداية والصواب ك
المغتربون عن بلادهم لهم ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن ينووا الإقامة المطلقه بالبلاد التي اغتربوا إليها كالعمال المقيمين للعمل، والتجار المقيمين للتجارة، ونحوهم ممن يقيمون إقامة مطلقه فهؤلاء في حكم المستوطنين في وجوب الصوم عليهم في رمضان، وإتمام الصلاة، والاقتصار على يوم وليلة في مسح الخفين، لن إقامتهم مطلقه غير مقيدة بزمن ولا يخرجون منها إلا أن يخرجوا.
الحالة الثانية: أن ينوو الإقامة المقيدة بغرض معين لا يدرون متى تنتهي، ومتى انتهى رجعوا إلى بلادهم كالتجار الذين يقدمون لبيع السلع ن أو شرائها ثم يرجعون، وكالقادمين لمراجعة دوائر
(15/284)

حكومية او غيرها لا يدرون متى تنتهي غرضهم حتى يرجعوا غلى بلادهم، فهؤلاء في حكم المسافرين فلهم الفطر، وقصر الصلاة الرباعية ومسح الخفين ثلاثة أيام، ولو بقوا سنوات، هذا قول جمهور العلماء، بل حكاه ابن المنذر إجماعاً ,
لكن لو ظن هؤلاء ان الغرض لا ينتهي إلا بعد المدة التي ينقطع بها حكم السفر فهل لهم الفطر والقصر على قولين.
الحالة الثالثة: أن ينوو الإقامة المقيدة بغرض معين يدرون متى تنتهي، ومتى انتهى رجعوا غلى بلادهم بمجرد انتهائة فقد اختلف أهل العلم ـ رحمهم الله ـ في حكم هؤلاء، فالمشهور عن مذهب الإمام أحمد انهم أن نووا إقامة أكثر من أربعة ايام أتموا ن وأن نووا دونها قصروا، وقيل: أن نووا إقامة أربعة ايام أتموا، وإن نووا دونها قصروا، قال في المغني (صفحة 288 المجلد الثاني) وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور قال: وروي هذا القول عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن اقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر، انتهى.
وهناك اقوال أخرى ساقها النووي في شرح المهذب صفحة 220 المجلد الرابع تبلغ عشرة أقوال، وهي أقوال اجتهادية متقابلة ليس فيها نص يفصل بينهما، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم إلى أن هؤلاء في حكم المسافرين لهم الفطر، وقصر الصلاة الرباعية، والمسح على الخفين ثلاثة ايام، انظر 24 مجموع الفتاوى جمع ابن قاسم صفحة 137، 138، 184،مجلد 24 والاختيارات صفحة 73 وانظر زاد المعاد لابن القيم صفحة 29
(15/285)

مجلد 3 اثناء كلامه على فقه غزوة تبوك.
وقال في الفروع لابن مفلح احد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية صفحة 64 مجلد 2 بعد أن ذكر الخلاف فيما غذا نوى مدة فوق أربعة أيام قال: " واختار شيخنا وغيره القصر والفطر وأنه مسافر ما لم يجمع على غقامة ويستوطن كإقامته لقضاء حاجة بلا نية إقامة " انتهى.
واختار هذا القول الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، انظر صفحة 372، 375 مجلد 4 من الددر السنية، واختاره أيضاً الشيخ محمد رشيد رضا صفحة 1180 المجلد الثالث من فتاوى المنار، وكذلك اختاره شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي صفحة 47 من المختارات الجلية، وهذا القول هو الصواب لمن تأمل نصوص الكتاب والسنة، فعلى هذا يفطرون ويقضون كاهل الحال الثانية، لكن الصوم أفضل إن لم يشق، ولا ينبغي أن يؤخرورا القضاء إلى رمضان ثان، لأن ذلك يوجب تراكم الشهور عليهم فيثقل عليهم القضاء أو يعجزوا عنه.
والفرق بين هؤلاء وأهل الحال الأولى أن هؤلاء أقاموا لغرض معين ينتظرون انتهاءه ولم ينووا الإقامة المطلقه، بل لو طلب منهم أن يقيموا بعد انتهاء غرضهم لأبوا ذلك، ولو انتهى غرضهم قبل المدة التي نووها ما بقوا في تلك البلاد، أما أهل الحال الأولى فعلى العكس من هؤلاء فهم عازمون على الإقامة المطلقة مستقرون في محل الإقامة لا ينتظرون شيئا معيناً ينهون لإقامتهم بانتهائه، فلا يكادون يخرجون من مغتربهم هذا إلا بقهر النظام، فالفرق ظاهر للمتأمل، والعلم عند الله تعالى فمن تبين له رجحان
(15/286)

هذا القول فعمل به فقد اصاب، ومن لم يتبين له فأخذ بقول الجمهور فقد أصاب، لأن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد التي من اجتهد فيها فأصاب فله أجران ومن اجتهد فيها فاخطأ فله أجر واحد والخطأ مغفور، قال الله تعالى ( {لا يُكَلّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَها} [البقرة، الآية: 286] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " " إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران , وإذا
حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ".أخرجه البخاري (1) .
نسأل الله تعالى أن يوفقنا للصواب عقيدة وقولاً وفعلا إنه جواد كريم والحمد الله رب العالمين، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. 10/ 9 / 1405 هـ.
__________
(1) متفق عليه من حديث عمرو بن العاص، رواه البخاري في الاعتصام، باب: أجر الحاكم غذا اجتهد ح (7352) ومسلم في الأقضية، باب: بيان أجر الحاكم..... ح 15 (1716) .
(15/287)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وحجة الله تعالى على خلقه المبعوث إليهم إلى يوم الدين.
وبعد: فقد سألني بعض المسافرين للدراسة في الخارج هل تنقطع أحكام السفر في حقهم أو تبقى حتى يرجعوا إلى بلادهم، فأجبت: بأن قول جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة أنهم في حكم المقيم لا يترخصون برخص السفر، وأن بعض العلماء يقول أنهم في حكم المسافرين فيترخصون برخص السفر، وإن هذا أختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ عبد الله بن الشيخ، محمد بن عبد الوهاب، والشيخ محمد رشيد رضا، وقال عنه شيخنا عبد العزيز ابن باز في مجلة الجامعة الإسلامية في العدد الرابع من السنة الخامسة الصادر في ربيع الثاني سنة 1393هـ ص 125 في ركن الفتاوى: " إنه قول قوي تدل عليه أحاديث كثيرة ". ا. هـ.
المراد منه، وأن ذلك ظاهر النصوص وهو ما نراه، وقد يستغرب كثير من الناس هذا القول، ويظنونه قولاً بعيداً عن الصواب، وهذا من طبيعة الإنسان أن يستغرب شيئاً لم يتبين له وجهه، ولكن إذا
(15/288)

كشف له عن نقابه، لاح له وجه صوابه، لأن له قلبه وانشرح به صدره، واطمأنت إليه نفسه، وصار هذا القول الغريب عنده من آلف الأقوال، لذلك رأيت أن أكتب ما تيسر لي في هذا الموضوع سائلاً الله تعالى أن ينفع به فأقول:
المغتربون عن بلادهم لهم ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن ينووا الإقامة المطلقه في بلاد الغربة كالعمال المقيمين للعمل، والتجار المقيمين للتجارة، وسفراء الدول ونحوهم ممن عزموا على الإقامة إلا لسبب يقتضي نزوحههم إلى أوطانهم فهؤلاء في حكم المستوطنين في وجوب الصوم عليهم، وإتمام الصلاة الرباعية، والاقتصار على يوم وليلة في المسح على الخفين،
الحالة الثانية: أن ينوو الإقامة لغرض معين غير مقيد بزمن فمتى انتهي غرضهم عادوا إلى أوطانهم، كالتجار القادمين لبيع السلع ن أو شرائها أو القادمين لمهمات تتعلق بأعمالهم الرسمية أو لمراجعة دوائر حكومية ونحوهم ممن عزموا على العودة إلى أوطانهم بمجرد انتهاء غرضهم، فهؤلاء في حكم المسافرين وأن طالت مدة اتظارهم فلهم الترخص برخص السفر من الفطر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية ومسح الخفين ثلاثة أيام وغير ذلك، ولو بقوا سنوات عديدة، هذا قول جمهور العلماء، بل حكاه ابن المنذر إجماعاً ,
لكن لو ظن هؤلاء ان غرضهم لا ينتهي إلا بعد المدة التي ينقطع بها حكم السفر كما لو ظنوا أنه لا ينتهي إلا بعد أربعة أيام مثلاً
(15/289)

فهل لهم الترخيصر على قولين ذكرهما في الإصناف 330/ 2 وقال عن القول بالجواز جزم به في الكافي، ومختصر ابن تيمية، قال في الحواشي: وهو الذي ذكره ابن تيمية وغيره. اهـ.
الحالة الثالثة: أن ينوو الإقامة لغرض معين مقيدة بزمن ومتى انتهى غرضهم عادوا إلى أوطانهم فقد اختلف أهل العلم ـ رحمهم الله ـ في حكم هؤلاء، فالمشهور عن مذهب الحنابلة انهم أن نووا إقامة أكثر من أربعة ايام أتموا ن وأن نووا دونها قصروا قال في المغني 288/ 2: وهذا قول مالك، والشافعي، وأبي ثور قال: وروي هذا القول عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن اقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يخرج فيه أتم، وإن نوى دون ذلك قصر،اهـ.
وهناك اقوال أخرى ساقها النووي في شرح المهذب 219/ 220 تبلغ عشرة أقوال (1) ، وكلها اقوال متقابلة اجتهادية ليس فيها نص يفصل بينهما،قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى جمع ابن قاسم 137/ 24: " فمن جعل للمقام حدامن الأيام إما ثلاثة، وإما أربعة، وإما عشرة، وإما اثنى عشر وإما خمسة عشر فإنه قال قولاً لا دليل عليه من جهة الشرع، وهي تقديرات متقابلة، فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة
__________
(1) انظر آخر الرسالة.
(15/290)

أقسام: إلى مسافر، وإلى مقيم مستوطن وهو الذي ينوي المقام في المكان، وهذا هو الذي تنعقد به الجمعه وتجب عليه، وهذا يجب عليه اتمام الصلاة بلا نزاع فإنه المقيم المقابل للمسافر، والثالث مقيم غير مستوطن أوجبوا عليه أتمام الصلاة، والصيام، وأوجبوا عليه الجمعة بمستوطن، وهذا التقسيم هو تقسيم المقيم إلى مستوطن وغير مستوطن تقسيم لا دليل عليه من جهة الشرع. اهـ كلامه.
وحيث أن هذه الأقوال ليس لها دليل يفصل بينهما فقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، والشيخ عبد الله بن الشيخ، محمد بن عبد الوهاب والشيخ محمد رشيد رضا، وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي، ذهب هؤلاء إلى أن حكم السفر لا ينقطع في هذه الحال فيجوز لأصحابها أن يترخصوا برخص السفر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى جمع ابن قاسم 184/ 24: " وقد بين في غير هذا الموضع أنه ليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله إلا مقيم، ومسافر، والمقيم هو المستوطن، ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة ".
وفي الاختيارات 72ـ 73: " وتقصر الصلاة في كل ما يسمى سفراً سواء قل أو كثر، ولا يتقدر بمدة " إلى أن قال: " وسواء نوى إقامة أكثر من أربعة ايام أو لا، وروي هذا عن جماعة من الصحابة ".
وفي الفروع لابن مفلح 46/ 2 قال بعد أن ذكر الخلاف فيما إذا نوى المسافر الإقامة مدة معينة قال: " واختار شيخنا وغيره القصر والفطر، وأنه مسافر مالم يجمع على إقامة ويستوطن كإقامته
(15/291)

لقضاء حاجة بلا نية إقامة " أهـ. وابن مفلح أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وهو من أعلم الناس بأقواله وفتاويه، حتى قيل إن ابن القيم يرجع إليه في ذلك أحياناً، وفي الأنصاف عن الشيخ كما في الفروع.
وقال ابن القيم في زاد المعاد 29/ 3 أثناء كلامه على فوائد غزوة تبوك: " ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم اقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (1) ، ولم يقل للأمة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفقت إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر، سواء طالت أو قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم الإقامة بذلك الموضع، وقد اختلف السلف والخلف في ذلك أختلافاً كثيراً " وذكر تمام كلامه.
وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جواب له في الدرر السنية 372/ 4: " وأنت رحمك الله إذا تأملت هديه صلى الله عليه وسلم في أسفاره، وأنه يقيم في بعضها المدة الطويلة والقصيرة بحسب الحاجة والمصلحة، ولم ينقل أحدا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا إقام أحدكم أربعة أيام في مكان أو بلد أو أكثر أو أقل من ذلك فليتم صلاته، وليصم، ولا يترخص برخص السفر التي جاءت بها الشريعة السمحة، مع أن الله تعالى فرض عليه البلاغ المبين، فبلغ الرسالة وأدى الأمانه، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، تبين لك أن الصواب في هذه المسألة ما اختاره غير
__________
(1) رواه أبو داود، وتقدم ص24
(15/292)

واحد من الصحابه والتابعين لهم بأحسان أن المسافر يجوز له القصر والفطر مالم يجمع على إقامة استوطن (كذا في الطبعة القديمة وفي الجديدة: " أو يستوطن " وكأن فيها تعديلاً) فحينئذ يزول عنه حكم السفر، ويكون حكمه حكم المقيم، وهذا هو الذي دل عليه هديه صلى الله عليه وسلم كما قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في فؤائد غزوة تبوك " ثم نقل كلام ابن القيم إلى أن قال 375 " فإذا تقرر أن إقامة المسافر مدة غير معلومة، أو معلومة لكنه لم ينو الاستقرار والاستيطان أن ذلك لا يقطع حكم السفر بقي الكلام في استحباب الصيام في السفر، أو جوازه " وذكر تمام الكلام، وبهذا الكلام يظهر أن صواب العبارة الأولى: " ما لم يجمع على إقامة ويستوطن " كعبارة صاحب الفروع فيما نقله من اختيار شيخه.
وقال الشيخ محمد رشيد رضا في فتاويه جمع صلاح الدين المنجد 1180/ 3 " وإنما يسألنا عن الراجح المختار عندنا فيها فنحن نصرح له به تصريحاً مع بيان أننا لا نجيز لأحد أن يقلدنا فيه تقليداً وهو أن المسافر الذي يمكث في بلد اربعة أو أكثر وهو ينوي أن يسافر بعد ذلك منها لا يعد مقيماً منتفياً عنه وصف السفر لا لغة، ولا عرفاً، وإنما يعد مقيماً من نوى قطع السفر واتخاذ سكن له في ذلك البلد، وأن لم يتم له فيه إلا يوم أو بعض يوم " إلى أن قال: " فالمكث المؤقت لا يسمى إقامة إلا بقيد التوقيت " أهـ.
وقال شيخنا عبد الرحمن بن سعدي في المختارات الجلية 47: " والصحيح أيضاً أن المسافر إذا أقام بموضع لا ينوي فيه قطع السفر فإنه مسافر وعلى سفر، وإن كان ينوي إقامة أكثر من أربعة
(15/293)

أيام " أهـ.
وقال شيخنا عبد العزيز بن باز في جواب له صدر في العدد الرابع من مجلة الجامعة الإسلامية من السنة الخامسة في ربيع الثاني سنة 1393هـ عن القول بإنه يقصر مالم ينو الاستيطان وإنما أقام لعارض متى زال سافر " هو قول تدل عليه أحاديث كثيرة " وقال عن الإتمام: " إنه قول الأكثر وأخذ بالأحوط ".
وهذا القول الذي ذهب إليه هؤلاء العلماء الأجلاء هو القول الراجح عندي، لأنه مقتضى دلالة الكتاب، والسنة، والآثار، والنظر والقياس:
أما الكتاب: فقد قال الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [النساء: الآية: 101] فأطلق الله تعالى الضرب في الأرض وعمم في وقته والضرب في الأرض هو السفر فيها ويكون للجهاد والتجارة وغيرها، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا) [النساء: الآية: 94) وقال تعالى (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [المزمل: الآية: 20] فإذا كان الله تعالى قد أباح القصر للضاربين في الأرض ومنهم المجاهدون والتجار وهو سبحانه يعلم أن منهم من يبقى أياماً وشهوراً للقتال والحصار، وبيع السلع وشرائها كما هو الواقع، ولم يستثن الله ـ عز وجل ـ ضارباً من ضارب ولا حلاً من حال.
إذا كان الأمر كذلك علم أن الحكم لا يختلف من ضارب إلى ضارب، ولا في حال دون حال، ولو كان ثمت ضارب أو حال
(15/294)

تخرج من هذا الحكم لبينه الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله، لأن الله تعالى أوجب بفضله على نفسه البيان فقال تعالى: (إن علينا للهدى) لأ الليل، الآية: 12] وقال (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [القيامة، الآيتان: 18، 19] وبيانه شامل لبيان لفظه وبيان معناه وحكمه.
ولو كانت ثمت ضارب، أو حال تخلفت عن هذا الحكم لكان حكمها المخالف من شرع الله تعالى، وإذا كان من شرعه فلابد أن يحفظ وينقل إلينا كما قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر، الآية: 9] وهو شامل لحفظ لفظه وما يتضمنه من الأحكام فلما لم يحفظ في ذلك حكم مخالف ولم ينقل علم أنه لا وجود له.
وهذه القاعدة تنفعك في هذه المسألة وغيرها وهي: أن كل نص جاء مطلقاً، أو عاماً فإنه يجب إبقاءه على إطلاقه وعمومه حتى يقوم دليل على تقييده وتخصيصه لقوله تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) [النحل، الآية: 89] فلو كان مقيد أو مخصص لما ورد مطلقاً أو عاماً لبينه الله تعالى.
وأما السنة ففيها أدلة:
الأول: ما ثبت في صحيح البخاري عن جابر، وابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ قالا: " صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبح رابعة مضت من ذي الحجة مهلين (1) بالحج "، الحديث. وكان النبي صلى الله عليه وسلم في
__________
(1) رواه البخاري في كتاب تقصير الصلاة، باب: ماجاء في التقصير ح (1085) حديث ابن عباس، ورواه مسلم من حديث جابر في الحج، باب: بيان وجوه الإحرام ح 141
(15/295)

حجته يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينه، قال أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ: " خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة ". متفق عليه. وفي رواية لمسلم " خرجنا من المدينة إلى الحج " (1) .
ووجه الدلالة منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام إقامة لغرض الحج مقيدة بزمن معين، وقد نواها بلا ريب، ومع ذلك بقي يصلي ركعتين حتى وصل المدينة، فدل ذلك على ان الإقامة لغرض معين متى انتهى رجع إلى وطنه، لا ينقطع بها حكم السفر وإن كانت المدة محددة.
فإن قلت: إنما أقام النبي صلى الله عليه وسلم قبل الخروج إلى منى أربعة أيام وهذه المدة لا ينقطع بها حكم السفر.
فالجواب أن يقال: من أين لك العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لو قدم في اليوم الثالث من ذي الحجة فأقام خمسة أيام لم يقصر؟! بل الظاهر الغالب على الظن أنه لو قدم حينئذ لقصر، لأن قدومه لليوم الرابع وقع اتفاقاً لا قصداً بلا ريب، وما وقع اتفاقاً لم يكن مقصوداً فلا يتعلق به حكم منع أو إيجاب.
ويقال ثانياً: من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن من الحجاج من يقدم في اليوم الثالث، والثاني، والأول من ذي الحجة، بل وقبل ذلك، فالحج أشهر معلومات تبتدئ من دخول شوال، ولم يقل للأمة (من قدم للحج قبل اليوم الرابع من ذي الحجة
__________
= (1216)
(1) متفق عليه، تقدم تخريجه ص 253.
(15/296)

فليتم صلاته) فلو كان هذا حكم الله في خلقه لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لوجوب البلاغ عليه، ودعاء الحاجة إلى بيانه، والقول بإن هذا حكم الله تعالى مع سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن بيانه، الموجود مقتضيه قول فيه نظر لا يخفى.
فإن قلت فما وجه احتجاج المحددين بأربعة أيام بهذا الحديث؟
فالجواب: أن وجه احتجاجهم به قولهم: أن مجرد الإقامة ينقطع بها السفر خولف في الأيام الأربعة لورود النص به فبقي ما زاد على ذلك على الأصل وهو انقطاع السفر.
وهذه الدعوة ممنوعة شرعاً وعرفاً، قال شيخ الإسلام في الفتاوى جمع ابن القاسم 140/ 24: " وهذا الدليل مبني على أنه من قدم المصر فقد خرج عن حد السفر وهو ممنوع، بل هو مخالف للنص، والإجماع، والعرف " أهـ.
أما وجه منعها شرعاً: فإن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة في حجة الوداع عشرة أيام كما ذكره أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أربعة قبل الخروج إلى منى وستة بعد ذلك، وأقام بها في غزوة الفتح تسعة عشر يوماً (1) وأقام في تبوك عشرين يوماً (2) وكان يقصر الصلاة مع هذه الإقامات المختلفة.
وأما وجه منعها عرفاً: فإن الناس يقولون في الحاج أنه مسافر للحج، وإن كان قد سافر في أول أشهر الحج، ويقولون للمسافر
__________
(1) رواه البخاري، وتقدم ص24.
(2) رواه أبو داود، تقدم ص24.
(15/297)

للدراسة إنه مسافر إلى الدراسة في الخارج ونحو ذلك فيسمونه مسافراً وإن كان مقيماً لغرضه الذي يريده مدة معينه، وعلى هذا فالأصل أن المسافر باق على سفره حقيقة وحكماً حتى يقطعه باستيطان أو إقامة مطلقة.
الدليل الثاني من السنة: ما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بمكة تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين " (1) وفيه عن ابن عباس أيضاً قال: " صام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ الكديد ـ الماء الذي بين قديد وعفسان ـ أفطر فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر " (2) .
وفي هذين الحديثين القصر والفطر مع إقامة تزيد على أربعة أيام.
الدليل الثالث: ما رواه جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم: " أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة " (3) . أخرجه أبو داود والبيهقي وأعله بتفرد معمر بوصله، لكن قال النووي: هو حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم، وتفرد معمر بوصله لا يقدح فيه فإنه ثقه حافظ. أهـ. (4)
ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر مع أنه أقام عشرين يوماً. فلما ثبت قصر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث مع اختلاف المدد التي
__________
(1) تقدم تخريجه ص24.
(2) رواه البخاري، وتقدم ص24,
(3) تقدم تخريجه ص24.
(4) المجموع شرح المهذب 4م 360ـ 361.
(15/298)

أقامها علم علم أن تحديد المدة التي ينقطع بها بها حكم السفر بأيام معلومة قول ضعيف، ولو كان الحكم مختلفاً بين مدة وأخرى لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته لئلا يتأسوا به فيما لا يحل لهم.
فإن قلت: أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في غزوة الفتح، وفي غزوة تبوك فيما زاد على أربعة أيام، لأنه لم يعزم على إقامة هذه المدة، فهو يقول أخرج اليوم، أخرج غداً، حتى تمادى به الأمر إلى هذه المدة.
فالجواب أن يقال: من أين لك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعزم على ذلك؟ وهل يمكنك أن تشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا؟ مع أن العوم قصد القلب، لا يطلع عليه إلا بوحي من الله تعالى، أو أخبار من العازم، ولم يحصل واحد منهما في هذه المسألة فتكون دعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعزم الإقامة هذه المدة قولاً بلا علم.
ويقال ثانياً: بل الظاهر الذي يغلب على الظن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عازماً على الإقامة أكثر من أربعة أيام، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى جمع ابن قاسم 136/ 24: " وإقام (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) في غزوة الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وأقام بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة، ومعلوم بالعبادة أن ما كان يفعل بمكة وتبوك لم يكن ينقضي في ثلاثة أيام ولا أربعة حتى يقال إنه كان يقول: اليوم أسافر، غداً أسافر، بل فتح مكة، وأهلها وما حولها كفار محاربون له، وهي اعظم مدينة فتحها، وبفتحها ذلت الأعداء، وأسلمت العرب وسرى السرايا إلى النواحي ينتظر قدومهم، ومثل هذه الأمور مما يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة أيام، فعلم أنه أقام لأمور يعلم أنها لا تنقضي في أربعة وكذلك في تبوك ".
(15/299)

وذكر نحو ذلك تلميذه ابن القيم في زاد المعاد 30/ 3 وأن في حمله على أنه لم يجمع الإقامة نظراً لا يخفى.
فإذا تبين ضعف القول بتحديد المدة التي ينقطع بها حكم السفر بأربعة أيام أو نحوها فإن أي مدة تزيد على ذلك في تحديد مدة الإقامة التي تمنع الترخص برخص السفر تحتاج إلى دليل، فإذا قال قائل: إذا نوى إقامة شهر أتم، وإن نوى دون ذلك قصر، قيل: ما دليلك على ما قلت؟ وإذا قال آخر: إذا نوى إقامة سنة أتم، وإن نوى دون ذلك قصر، قيل له اين الدليل لما قلت؟ وهكذا.
وحينئذ يكون مناط الحكم هو المعنى والوصف فما دام الإنسان مسافراً مفارقاً لوطنه فأحكام السفر في حقه باقيه ما لم يقطعه باستيطان أو إقامة مطلقه، وأنت لو سألت المغتربين من أصحاب هذه الحال هل نويتم الاستيطان، أو الإقامة المطلقه لقالوا: لا، وإنما ننتظر انتهاء مهمتنا، فمتى انتهت رجعنا إلى أوطاننا سواء انتهت في الوقت المقرر، أم قبله، فليس لنا غرض في الإقامة في هذا المكان أو البلد وإنما غرضنا الأول والأخير الحصول على مهمتنا، فهم متشابهون في القصد لأصحاب الحال الثانية، وإن كانوا يختلفون عنهم بتحديد مدة الإقامة التي قد علن بمقتضى الأدلة السابقة أنها ليست مناط الحكم، ولهذا جعل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ الحكم فيهما واحداً كما نقله عنه تلميذه ابن مفلح في كتاب الفروع.
وبهذا يتبين لك الفرق بين أصحاب هذه الحال والحال الأولى، لأن أصحاب هذه الحال لم ينووا الإقامة إلا لهذا الغرض،
(15/300)

أما أصحاب الجال الأولى فقد نووا الإقامة المطلقه إلا أن يحصل لهم ما يقتضي الخروج، والفرق بين من يريد الإقامة إلا أن يحصل له ما يقتضي الخروج، وبين من يريد الخروج لولا ما يقتضي الإقامة فرق ظاهر لمن تأمله.
فإن قلت: إن بعض المغتربين من أصحاب هذه الحال يصطحبون زوجاتهم وربما يتزوجون في أماكن غربتهم، أو يشترون بيوتاً للسكنى.
فالجواب: أن أصطحاب الأهل والزوجات غير مؤثر في الحكم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد اصطحب زوجاته في حجة الوداع، وكان من هديه: إذا أراد السفر أن يقرع بين زوجاته فأيتهن خرج سهمها خرج بها (1) . ومع هذا قصر في حجته وكان يقصر في كل أسفاره.
وأما التزوج في مكان الغربة فإن كان المتزوج يقصد طلاقها عند مغادرته ـ وقلنا بصحة هذا العقد ـ فإنه لم يتأهل التأهل المطلق بل هو تأهيل مقيد، وهو لا يؤثر على حال المتزوج.
وإن كان المتزوج يقصد بقاء النكاح وحمل وزوجته معه، فإنه أيضاً لم يقصد اتخاذ هذا المكان مقراً ووطناً له، بل يريد مغادرته بأهله بمجرد انتهاء غرضه.
وانتبه لقولي: " يقصد طلاقها " وقولي " وقلنا بصحة هذا العقد " لأن محترز القيد الأول أن يكون شرط طلاقها في العقد عند
__________
(1) متفق عليه من حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ رواه البخاري في الهبه، باب: هبة المرأة لغير زوجها....ح (2593) ، ومسلم، التوبه، باب: حديث الأفك....ح56 (2770) .
(15/301)

انتهاء المدة، أو تزوجها إلى أجل ينتهي بالمدة فإنه في هذه الحال يكون نكاح متعة محرماً فاسداً لا تستحل به الفروج.
أما محترز القيد الثاني فهو أن بعض أهل العلم يرى أن نية الطلاق كشرطه قياساً على نية التحليل، وعلى هذا فلا يصح العقد.
وعلى القول بصحة العقد فإن هذه النية في العقد حرام على المتزوج لما فيها من خديعة الزوجة وأهلها فإنهم لو علموا بنيته هذه لم يتزوجوه في الغالب، وأما شراء البيوت فإنما يشترونها لسكانها إلى أنتهاء غرضهم لا للإقامة المطلقة فهم بمنزلة المستأجرين الظاعنين لا المستوطنين.
وأما الآثار: فروى مسلم في صحيحه عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم اصل مع الإمام؟ قال: " ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم " (1) .
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن أبي جمرة نصر بن عمران قال: قلت لابن عباس: إنا نطيل المقام بخرسان فكيف ترى؟ قال " صل ركعتين وإن أقمت عشر سنين " (2) .
وروى الإمام أحمد في مسنده (3) عن ثمامة بن شراحبيل قال: خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ قال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثاً: قلت: أرايت إن كنا بذي المجاز؟ قال: وماو المجاز؟ قلت: مكان نجتمع فيه ونبيع فيه نمكث
__________
(1) تقدم تخريجه ص 253.
(2) تقدم تخريجه ص 277.
(3) تقدم تخريجه ص 277.
(15/302)

عشرين ليلة، أو خمس عشرة ليلة، قال: يا أيها الرجل كنت بأذربيجان لا أدري قال أربعة أشهر أو شهرين فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين، ورأيت نبي الله صلي الله عليه وسلم نصب عيني يصليها ركعتين ركعتين, ثم نزع هذه الآية: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21)

وروى البيهقي (1) عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال (ارتج علينا الثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة, وكنا نصلي ركعتين) ,قال النووي وهذا سند على شرط الصحيحين (2) .ورواه عبد الرزاق بلفظ (أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة) (3) .

وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين فكان لا يجمع ولا نزيد على ركعتين (4) .

وروى أيضاً من أنس بن مالك - رضي الله عنه -:- ((أنه أقم بالشام شهرين مع عبد الملك مروان يصلي ركعتين، ركعتين) (5) ,وذكر في المغني, والفتاوى, وزاد المعاد أن أنس بن مالك - رضي
(15/303)

الله عنه - ((أقام بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر) (6) .

وروى البيهقي (7) عن أنس بن مال - رضي الله عنه - (أن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة) ,قال النووي: إسناده صحيح (8) , وقال ابن حجر: صحيح.

فهذا آثار عن أربعة من الصحابة عبد الله بن عباس, وعبد الله بن عمر, وعبد الرحمن بن سمرة, وأنس بن مالك كلها تدل على جواز القصر مع المدة الطويلة. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال (أقام النبي صلي الله عليه وسلم تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا وإن زدنا أتممنا) (9) . وهذا يخالف ما أفتى به نصر بن عمران فيكون لابن عباس - رضي الله عنهما - في ذلك قولان.

وأما الآثار عن التابعين: فمنها ما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن علقمة وهو من أصحاب ابن مسعود أنه أقام بخوار زم سنتين فصلى ركعتين (10) .وروى عن أبي وائل أنه خرج مع مسروق إلى السلسة فقصر وأقام سنتين يقصر, قلت:يا أبا عائشة ما يحملك على هذا؟ قال:
(15/304)

التماس السنة وقصر حتى رجع (11) .وروي عن معمر عن أبي إسحاق قال: أقمنا مع وال قال: أحسبه بسجستان سنتين, ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود, فصلى بنا ركعتين، ركعتين حتى انصرف, ثم قال: كذلك كان ابن مسعود يفعل (12) .وروي عن الشعيب أنه قال (كنت أقيم سنة أو سنتين أصلي ركعتين, أو قال: ما أزيد على ركعتين) (13) .

فهذه آثار عن جماعة من التابعين وكلها تدل على جواز القصر مع المكث الطويل.

وأما النظر فيقال: لو نوى نية إقامة مدة تزيد على أربعة أيام أو خمسة عشر يوماً, أو غير ذلك مما ذكر في تحديد المدة قاطعة لحكم السفر لكانت إقامة هذه المدة بالفعل قاطعة له أيضاً, بل أولى لأن وجود الإقامة القاطعة بالفعل أبلغ في التأثير من نيتها لو قدر أن للنية تأثيراً؛ لأن الإقامة إذا حصلت لم يمكن رفعها, بخلاف نيتها فإنه يمكن فسخها وتجديد نية للسفر, ولهذا كان أحد أقوال الشافعية أن المسافر إذا أقام المدة التي تقطع نيتها حكم السفر لزمه الإتمام وإن لم ينو الإقامة, وهذا عين الفقه والنظر الصحيح ,فإنه إذا كانت إقامته هذه المدة غير مؤثرة كان مقتضى النظر الصحيح أن لا تؤثر نيتها, وإن كانت نيتها كان وقوعها بالفعل أولى بالتأثير.
(15/305)

وأيضاً فإن القائلين بتأثير نية الإقامة يقولون: إنها تمنع القصر والفطر, ورخص السفر, ولا تعطي المقيم حقاً في انعقاد الجمعة به وتوليه إمامتها وخطابتها, ولهذا قالوا: لا يصح أن يكون إماماً في الجمعة في مكان إقامته, ولا خطيباً فيها, ولا يحسب من العدد المعتبر لها.

ومقتضى النظر الصحيح أن تطرد القاعدة في حقه لئلا يحصل التناقض.

وأما القياس فمن وجهين:

أحدهما: أن يقال فرق بين رجلين كلا هما قدم البلد متى ينتهي والثاني لا يعرف؟! فنقول: للأول لا تترخص برخص السفر إذا علمت أنه لا ينتهي إلا بعد كذا وكذا من الأيام, ونقول للثاني: لك أن تترخص وإن أقمت سنين حتى وإن ظننت أنه لا ينتهي إلا بعد تمام المدة على القول الذي حكاه في الإنصاف عن الكافي ومختصر أبي تميم.

فإن قلت: الفرق أن الأول حدد مدة إقامته بخلاف الثاني.

فالجواب: أن تحديد المدة لا أثر له في نية قطع السفر؛ لأن السبب فيهما واحد وهو الإقامة لانتظار انتهاء الغرض, لكن الأول حدد مدة إقامته باعتبار طبيعة الغرض, ربما تحدث له موانع يتأخر بها عن الوقت المحدد, وربما تجدد له أسباب يتقدم بها, وقد سبق لك أن النبي صلي الله عليه وسلم أقام إقامة محددة في حجة الوداع فقصر, وأقام أطول منها في غزوة الفتح, وتبوك فقصر؛ لأن العلة في الإقامتين
(15/306)

واحدة وهي انتظار انتهاء ما أقام من أجله. وعلى هذا فيكون الفرق غير مفرق.

الوجه الثاني من القياس: أن يقال أي فرق بين رجلين قدما بلداً لغرض يغادران البلد بمجرد انتهائه, لكن أحدهما نوى أن يقيم ستاً وتسعين ساعة فقط, والثاني نوى يقيم سبعاً وتسعين ساعة, ثم نقول للأول حكم السفر في حقك فليس لك أن تترخص برخص السفر, ومع أن كل واحد منهما لا يريد إقامة مطلقة وإنما يريد إقامة مرتبطة بغرض متى انتهى عاد إلى وطنه, وكل منهما يعتبر نفسه غريباً في محل إقامته وظاعناً عنه, ولو قيل له بعد انتهاء غرضه أقم ما أقام, فكيف يمكن أن نفرق بينهما سفراً وإقامة بفرق ساعة؟!

فإن قلت: إن التفريق بين الشيئين في مثل هذا لازمن ممكن فهذه المرأة المستحاضة إذا كان لها عادة فإنها تجلس مدة عادتها فقط فتكون مدة العادة حيضاً وما بعدها استحاضة, فإذا كانت عادتها تنقضي في الساعة الثانية عشرة كان ما قبل الثانية عشرة حيضاً وما بعدها استحاضه ومن المعلوم ما بين الحيض الاستحاضه من الفروق في الأحكام. وهذا الشخص إذا حصل بلوغه بالسن وكان تمامه الخامسة عشرة سنة في الساعة الثانية عشرة كان بعد الساعة عشرة بالغاص وقبلها غير بالغ, والفرق بين أحكام البالغين وغيرهم معلومة.

فالجواب: أن هاتين المسألتين قد فرق الشارع بين الحالين فيهما بخلاف الإقامة في السفر.
(15/307)

ففي المستحاضة قال النبي صلي الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش - رضي الله عنها -

(إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة, وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) رواه البخاري (1) .

وفي البلوغ قال ابن عمر - رضي الله عنهما - (عرضت على النبي صلي الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني, وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمسة عشرة سنة فأجازني) .متفق عليه (2) .

زاد البيهقي (3) وابن حبان (4) (ولم يرني بلغت) - بعد قوله - ((فلم يجزني) . ((ورآني بلغت) بعد قوله ((فأجازني) وصححه ابن خزيمة.

وبهذا التفريق والبيان في هاتين المسألتين من النبي صلي الله عليه وسلم يظهر جلياً كمال تبليغ النبي صلي الله عليه وسلم شريعته لأمته وتمام تبيانه, وأنه لو كان فرق في إقامة المسافر 96 ساعة وإقامته 97 ساعة لبينه صلي الله عليه وسلم لأمته لأهميته وكثرة وقوعه, فالحمد لله رب العلمين, صلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.

فإن قلت: إننا إذا أبحنا رخص السفر لمن أقام مدة طويلة لغرض متى انتهى عاد إلى وطنه احتمل أن يترك صيام رمضان بعض
(15/308)

من أقام في الغربة للدراسة عدة سنوات فيسقطوا ركناً من أركان الإسلام.

فالجواب من وجهين:

الأول أن يقال: الأحكام الشرعية العامة لا يسوغ إلغاؤها في عامة الناس باحتمال أن يتوصل أحد من الناس بها إلى إسقاط الواجب, ولو ساغ ذلك لقلنا: إن الفطر لا يباح للمسافر إذا وجد من الناس من يسافر لأجل ترك الصوم كما هو موجود الآن, ومن سفر بعض المترفين إذا أقبل رمضان ثم لا يصومون أداء ولا قضاء, لهذا قال بعض أهل العلم - إما على سبيل الواقع, أو سبيل الفرض - قالوا: لو الفطر لغيره من المسافرين بشرطه.

الثاني أن يقال: إن هذا الاحتمال وارد أيضاً فيمن أقام عدة وطنه - وهم أصحاب الحال الثانية - وقد سبق لك أن جمهور العلماء على جواز ترخيصهم برخص السفر ومنها ترك الصيام, بل حكاه ابن المنذر إجماعاً, وإن كان نقل الإجماع فيه نظراً كما يعلم من رشح المهذب 115/4 وتفصيل مذهب الشافعية في ذلك.

ولهذا نقول في مسألة الصيام إن المغترب الذي يباح له الترخص برخص السفر ثلاث حالات:

الحال الأولى: أن لا يشق عليه فالأفضل له أن يصوم لما فيه من المبادرة إلى إبراء الذمة, ولأنه أيسر على الصائم غالباً لمشاركته الناس في زمن صومهم؛ ولأنه ثبت من حديث أبي
(15/309)

الدرداء رضي الله عنه قال (خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في شهر رمضان, في حر شديد, حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر, وما فينا صائم إلا رسول الله صلي الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة) .رواه مسلم (5) ,ورواه البخاري - أيضاً - بدون ذكر الشهر (6) .

الحال الثاني: أن يشق عليه الصيام فله أن يفطر ويقضيه في وقت لا يشق عليه, ولا ينبغي أن يؤخره إلى ما بعد رمضان التالي لئلا تتراكم عليه الشهور فيثقل عليه الصوم أو يعجز عنه.

وهاتان الحالان فيما إذا أمن نفسه من التفريط وترك الصيام أما إذا خاف على نفسه التفريط وترك الصيام وهي:

الحال الثالثة: فإنه يجب عليه الصوم ولهذا أمر الله تعالى بالاقتصار على الزوجة إذا خاف عدم العدل, مع أن تعدد الزوجات إلى أربع مباح في الأصل قال الله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) (النساء:3) .قال النبي صلي الله عليه وسلم في الوتر (من خشي منكم أن لا يقوم من آخر الليل, فليوتر من أول الليل, ثم ليرقد, ومن طمع منكم في أن يقوم من آخر الليل, فيوتر من آخر الليل, فإن قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل) .رواه مسلم (1) , فأمر النبي صلي الله عليه وسلم بتقديم الوتر في
(15/310)

الوقت المفضول لمن خاف أن لا يقوم به آخر الليل.

وقال الفقهاء - رحمهم الله تعالى - فيمن وجد لقطة له أخذها إن أمن نفسه عليها, وإلا حرم عليه أخذها وصار بمنزلة الغاصب.

فمن خاف من فعل المباح أن يترك به واجباً, أو يفعل به محرماً كان ذلك المباح حراماً عليه سداً للذريعة, لكن ذلك يحكم الناس يتوصل بالمباح إلى شيء محرم كان ذلك المباح في حقه وحده حراماً دون سائر الناس.

فإن قلت: هل لديك علم بما قاله شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى جمع ابن قاسم 17/24 حيث قال (إذا نوى أن يقيم بالبلد أربعة أيام فما دونها قصر الصلاة, وإن كان أكثر ففيه نزاع, والأحوط أن يتم الصلاة) وبما ذكر عنه صاحب الاختيارات 107 (وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أقل من أربعة أيام فله الفطر؟ وهل يقاوم هذا ما نقلت عنه أو يبطله؟

فالجواب: ليس لدي علم بذلك, وهو لا يقاوم ما نقلته عنه, ولا يبطله.

أما الفتوى فقد ذكر النزاع ثم قال (والأحوط أن يتم الصلاة) والحكم الاحتياطي لا يقتضي الوجوب.

وانظر ما نقله الشيخ نفسه في هذا المجلد 141 عن الأثرم قلت (يعني الإمام أحمد) فلما لم يقصر على ما زاد من ذلك قال: لأنهم اختلفوا فيأخذ بالأحوط فيتم, قال الشيخ (فأحمد لم يذكر
(15/311)

دليلاً على وجوب الإتمام إنما أخذ بالاحتياط, وهذا لا يقتضي الوجوب) .أهـ.

وأما ما في الاختيارات فإن دلالته على أن من نوى إقامة أربعة أيام فأكثر فليس له أن يفطر من باب دلالة المفهوم, وهي لا تقاوم دلالة المنطوق فكيف تبطلها؟

فإن أبى إلا أن يكون ذلك مقاوماً لما نقلت عنه فإن أعلى مراتبه أن يكون دالاً على أن شيخ الإسلام في ذلك قولين, ولكن من تأمل قوة تأييد للقول بالترخص؛ وتزييف للقول بعدمه, ظهر له أن القول المتأخر له هو القول بالترخص؛ لأنه يبعد أن يؤيد القول بالترخص هذا التأييد ويزيف مقابله ذلك التزييف, ثم يرجع عن ذلك ولهذا اقتصر عليه صاحبا الفروع والإنصاف.

وقد قال الفتاوى 18 من المجلد المذكور جواباً من سؤال شخص يعلم أنه يقيد مدة شهر فهل يجوز له القصر؟ إن فيه نزاعاً, فمن العلماء من يوجب الإتمام, ومنهم من يوجب القصر, والصحيح أن كليهما سائغ فمن قصر لا ينكر عليه, ومن أتم لا ينكر عليه, وكذلك تنازعوا في الأفضل فمن كان عنده شك في جواز القصر فأراد الاحتياط فالإتمام أفضل, وأما من تبينت له السنة وعلم أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يشرع للمسافر أن يصلي إلا ركعتين, ولم يحد السفر بزمان أو مكان, ولا حد الإقامة أيضاً بزمن محدود فإنه يقصر - إلى أن قال-: (وإذا كان التحديد لا أصل له فما دام المسافر مسافراً يقصر الصلاة ولو أقام في مكان شهوراً) .

وهذا أيضاً يدل على أن الذي تبين لشيخ الإسلام من السنة
(15/312)

جواز القصر لمن حدد إقامته ولو طالت المدة وتقييده بالشهور في جوابه؛ لأنه جواب عن سؤال من علم أن يقيم مدة شهرين.

وإلى هذا انتهى ما أردنا كتابته في هذه المسألة التي قد استغرب كثير من الناس القول فيها بالترخص مع أنه عند التأمل في أيضاً كما عرفت, فمن تبين له رجحانه فعمل به فقد أصاب, ومن لم يتبن له فأخذ بقول الجمهور فقد أصاب, لأن هذه المسألة من مسائل الاجتهاد التي من اجتهد فيها فأصاب فله أجران, ومن اجتهد فيها فأخطأ فله أجر واحد, والخطأ مغفور له, قال الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: من الآية286) .وقال النبي صلي الله عليه وسلم (إذا حكم الحاكم فاجتهد, ثم أصاب فله أجران, وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) .متفق عليه (1) .

فنسأل الله تعالى أن يوفقنا للصواب فيما نأتي ونذر عقيدة وقولاً, وعملاً, وأن يجعلنا مهتدين, وصالحين مصلحين, وأن يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا, وأن يهب لنا منه رحمة, إنه هو الوهاب, وصلى الله على نبينا محمد, وعلى آله, وصحبه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

تم بقلم كاتبه الفقير إلى الله تعالى محمد الصلح العثيمين في ليلة الأحد الموافق 13/10/1405هـ.
(15/313)

الأقوال التي ساقها النووي - رحمه الله -:

إليك الأقوال التي ساقها النووي رحمه الله في شرح المهذب فرع في مذاهب العلناء في إقامة المسافر في بلد. قال رحمه الله تعالى: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إن نوى إقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج انقطع الترخص, وإن نوى دون ذلك لم ينقطع, ومذهب عثمان بن عفان, وابن المسيب, ومالك, وأبي ثور.

وقال أبو حنيفة, والثوري, والمزني: إن نوى إقامة خمسة عشر يوماً مع الدخول أتم, وإن نوى أقل من ذلك قصر.

قال ابن المنذر: وروي مثله عن ابن عمر. قال: وقال الأوزاعي وابن عمر في رواية عنه, وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة: إن نوى إقامة اثني عشر يوماً أتم وإلا فلا.

وقال ابن عباس, وإسحاق بن راهويه: إن نوى إقامة تسعة عشر يوماً أتم, وإن نوى دونها قصر.

وقال الحسن بن صالح: إن نوى إقامة عشر أيام أتم, قال ابن المنذر:وبه قال محمد بن علي.

وقال أنس, وابن عمر في رواية عنه وسعيد بن جبير, والليث: إن نوى أكثر من خمسة عشر يوماً أتم.

وقال أحمد: إن نوى إقامة تزيد على أربعة أيام أتم, وإن نوى أربعة قصر في أصح الروايتين, وبه قال داود.

وعن أحمد رواية: أنه نوى إقامة اثنتين وعشرين صلاة
(15/314)

أتم, وإن نوى إحدى وعشرين قصر وحسب عنده يوما الدخول والخروج.

قال ابن المنذر وروي عن ابن المسيب قال: إن أقام ثلاثاً أتم قال: وقال الحسن البصري: يقصر إلا أن يدخل مصراً من الأمصار, وعن عائشة نحوه. قال: وقال ربيعه:إن نوى إقامة يوم وليلة أتم.

قال: وحكي عن إسحاق بن راهويه أنه يقصر أبداً حتى يدخل وطنه, أو بلداً له فيه أهل أو مال. قال القاضي أبو الطيب: وروي هذا عن بن عمر وأنس.

أما إذا أقام في بلد لانتظار حاجة يتوقعها حاجة قبل أربعة أيام فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه يقصر إلى ثمانية عشر يوماً.

وقال أبو حنيفة, ومالك ,وأحمد: يقصر أبداً. وقال أبو يوسف ومحمد هو مقيم. اهـ من المجموع شرح المهذب (1) .
(15/315)

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم..... حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كتابكم غير المؤرخ وصلني يوم الاثنين 14 الجاري, وقرأته بمشقة لخفاء حروفه بضعف مداده, وما تضمنه من الأسئلة فإليكم جوابها سائلين الله أن يلهمنا فيها الصواب:

جواب السؤال الأول: تعريف السفر عندنا ما سماه الناس سفراً, ولا يتحدد ذلك بمسافة معينة, ولا مدة معينة وذلك لأنه لم يرد عن النبي صلي الله عليه وسلم في ذلك تحديد, فما دام الإنسان مفارقاً لمحل إقامته, وهو عند الناس مسافر فهو في سفر, وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أيام أو فراسخ صلى ركعتين (1) .وفي صحيح البخاري عنه ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة, قيل له: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً, وكان ذلك في حجة الوداع (2) .

وفيه أيضاً عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: أقام النبي صلي الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين, وكان ذلك عام
(15/316)

الفتح (3) .قال في الفتح ص 567جـ2 ط السلفية عن حديث أنس الأول: وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه.

قلت: ولا يصح حمله على أن المراد به المسافة التي يبتدئ منها القصر لا غاية السفر؛ لأن أنس بن مالك أجاب به من سأله عن خروجه من البصرة إلى الكوفة أيقصر الصلاة؟ وأيضاً فقد نقل في الفتح عن ابن المنذر إجماع أهل العلم على أن لمريد السفر أن يقصر إذا خرج عن جميع بيوت قريته يعني وإن لم يتجاوز ثلاثة أميال أو فراسخ.

وقد أقام النبي صلي الله عليه وسلم ((بتبوك عشرين يوماً الصلاة) (4) ولم يكن ذلك تحديداً منه, فلما لم يحدد ذلك لأمته أنه ليس فيه تحديد وأن المسافر ما دام لم يعزم على الإقامة المطلقة فإن حكم السفر في حقه باق.

وقد كتبنا في ذلك أجوبة مبسوطة ومختصرة لأسئلة متعددة اخترنا أن نبعث لكم صورة من التوسط منها نسأل الله أن ينفع بها.

وأما من انتقلت وظيفته إلى بلد فانتقل إليها مطمئناً بذلك فإن البلد الثاني هو محل إقامته؛ لأن الأصل بقاء وظيفته وعدم نقله مرة أخرى, وأما إذا لم يطمئن وإنما حدد عمله وإقامته في البلد المنقول إليه, أو كان ذلك لم يحدد ولكن هو يطالب برده إلى وطنه الأول وهو عازم على الرجوع إليه ولو أدى ذلك إلى استقالته فإنه حينئذ مسافر على ما نراه.
(15/317)

وأما ظنكم أن المقيم الذي له الحكم المسافر لا يشهد الجمعة ولا الجماعة فاعلموا أن من سمع النداء وجبت عليه الإجابة لعموم الأدلة الدالة على ذلك.

وأما من له أهلان أحدهم في الرياض والآخرون في جدة فإن كلا البلدين وطنه فمتى جاء إلى جدة فقد انقطع سفره, ومتى جاء إلى الرياض فقد انقطع سفره, والفرق بين هذا وبين المبتعثين للدراسة ظاهر فإن هؤلاء المبعوثين لم يتأهلوا في البلاد التي بعثوا إليها وإنما هم فيها لحاجة متى انتهت رجعوا.

وأما ترك إقامة الجمعة من غير المستوطنين ولو كانوا مقيمين فهذا ما ذكره فقهاء الحنابلة, وهو موضع خلاف بين أهل العلم, ففقهاء الحنابلة يرون أنه لا تصح الجمعة من هؤلاء, وهو المشهور عند الشافعية, وفيه وجه للشافعية بالجواز, فإن رأيتم أن في إقامتها مصلحة للإسلام والمسلمين فأرجو أن لا يكون في ذلك بأس إن شاء الله تعالى مع أني - والله - أرجح عدم إقامتها, إلا إذا كان معهم مستوطنون.

ومصلحة الاجتماع تحصل بدون إقامة الجمعة مثل أن تنظم ندوات شهرية, أو أسبوعية تلقى فيها الخطب, وتحصل المناقشات التي فيها الفائدة الحاصلة بخطبة الجمعة والاجتماع لها.

وأسال الله لي ولكم العافية, والتوفيق للصواب, وليست هذه الأمور الشرعية تؤخذ بما يبدو من المصالح التي قد تحصل بغيرها بدون تعد لقانون الشريعة والله تعالى أحكم الحاكمين.

حرر في 17/2/1403 هـ.
(15/318)

رسالة
جواب السؤال الرابع (1) :

قصر الصلاة للمقيمين في غير بلدهم للدراسة, أو لمدة تدريبية تبلغ ستة أشهر ونحوها مختلف فيه عند أهل العلم, وإتماماً للفائدة نقول:

إن إقامة الإنسان في بلد غير بلده الأصلي تنقسم ثلاثة أقسام:

القسم الأول: أن يقيم فيه إقامة استيطان بحيث ينتقل عن بلده الأصلي انتقالاً كاملاً, فحكم هذا حكم المستوطنين الأصليين في كل شيء, لا يترخص رخص السفر في هذا البلد الذي انتقل إليه, بل يترخص إذا سافر منه, ولو إلى بلده الأصلي, كما لو كان بلده الأصلي مكة فانتقل للسكنى في المدينة, فإنه يعتبر في المدينة كأهلها الأصليين, فلو سافر إلى مكة للعمرة, أو الحج, أو طلب العلم, أو زيادة قريب, أو تجارة أو غيرها فحكمه في مكة حكم المسافرين, وإن كان قد تزوج فيها من قبل وتأهل كما فعل النبي صلي الله عليه وسلم في مكة في غزوة الفتح وحجة الوداع, مع أنه قد تزوج في مكة وتأهل فيها من قبل.

القسم الثاني: أن يقيم في البلد إقامة انتظار لحاجة يريدها ولم يعين مدة إقامة لا قليلة ولا كثيرة فحكم هذا حكم المسافرين لا ينقطع سفره ولو بقي سنين طويلة في انتظار حاجته, هذا هو مذهب
(15/319)

الإمام أحمد, مالك, وأبي حنيفة, والشافعي في أحد أقوال.

والقول الثاني للشافعية أنه يقصر إلى ثمانية عشر يوماً فقط وهو المشهور عندهم. والقول الثالث إلى تمام أربعة أيام فقط.

القسم الثالث: أن يقيم في البلد إقامة انتظار لحاجة مقيدة بمدة معينة, فهذا موضع خلاف بين أهل العلم بلغ الخلاف بينهم إلى أكثرة من عشرة أقوال حكاها النووي في شرح المهذب, ونذكر منها ثلاثة:

أحدها: إذا كانت المدة أربعة أيام أو أكثر أتم الصلاة, وإن كانت أقل قصر, وهذا مذهب أحمد, ومالك, والشافعي إلا أن الشافعي لا يحتسب منها يومي الدخول والخروج.

الثاني: إذا كانت المدة خمسة عشر يوماً فأكثر أتم, وإن كانت أقل من خمسة عشر يوماً قصر وهذا مذهب أبي حنيفة.

الثالث: أنه يقصر ولو زادت المدة على ذلك وبلغت سنوات ما دام الذي حبسه هو الحاجة لا نية إنهاء السفر, وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه ,وتلميذه ابن القيم ,وشيخنا عبد الرحمن السعدي, والشيخ محمد رضا صاحب المنار, وهو الراجح لدلالة ظاهر الكتاب, والسنة عليه, وآثار الصحابة, والتابعين, والنظر, والقياس الصحيح.

وأما الكتاب: فقد قال الله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً) (النساء:101) والضرب في الأرض هو السفر فيها ويكون للتجارة وغيرها. قال الله تعالى:
(15/320)

(عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّه) . فإذا كان الله تعالى قد أباح القصر للضاربين في الأرض, ومنهم التجار الذين يبتغون من فضل الله, وهو يعلم سبحانه أن من الضاربين التجار من يمكث في البلاد عدة أيام لطلب التجارة, أو عرضها

والواقع شاهد بذلك, ولم يخصص في جواز القصر ضارباً من ضارب علم أن الحكم عام, ولو كان ثمة حال تخرج من هذا العموم لبينها الله ورسوله, لأن الله تعالى بفضله ورحمته أوجب على نفسه البيان في قوله: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل:12) وقوله: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة, الآيتان:18,19) وهذا البيان شامل لبيان لفظه وبيان معناه, ولو كان الله ورسوله قد بين ذلك لنقل إلينا؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظ القرآن كما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)

وهو شامل لحفظ لفظه, وما يتضمنه من أخبار وأحكام؛ ولأن الحاجة داعية إلى نقل ذلك لكثرة ذلك من الضاربين في الأرض.

وأما السنة: فقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلي الله عليه وسلم (أقام بمكة تسعة عشر يوماً) - يعني عشرين يوماً إلا يوماً - (1) يقصر الصلاة) .

وفيه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال (خرجنا مع النبي صلي الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة, فكان يصلي ركعتين ركعتين, حتى رجعنا إلى المدينة, فسئل: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال أقمنا بها
(15/321)

عشراً) (2) ,يعني بإدخال أيام الحج فيها, وبذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم قدم في حجة الوداع مكة صبيحة يوم الأحد الموافق للرابع من ذي الحجة سنة عشرة من الهجرة, وخرج منها بعد أداء الحج صبيحة اليوم الرابع عشر من الشهر المذكور.

وعن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلي الله عليه وسلم ((أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة) (3) ,أخرجه أبو داود, والبيهقي وأعلاه بتفرد معمر بوصله لكن قال النووي: وهو حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم, وتفرد معمر بوصله لا يقدح فيه فإنه ثقة حافظ (4) .قلت: وقد رواه أيضاً أحمد في مسنده (5) .

قال ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد ص 29جـ3في الكلام على فقه غزوة تبوك وفوائدها (لم يقل صلي الله عليه وسلم للأمة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك لكن اتفقت إقامته هذه المدة. وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم قصرت إذا كان غير المستوطن, ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع) .اهـ ويدل على عدم التحديد من هذه السنن أن إقامة النبي صلي الله عليه وسلم اختلفت: ففي حجة الوداع أقام عشرة أيام, أربعة أيام قبل الحج في مكة وستة أيام في المشاعر, وفي عام الفتح أقام تسعة عشر يوماً,
(15/322)

وفي تبوك عشرين يوماً, ولو كان الحكم يختلف فيها, أو فيما سواها لبينه النبي صلي الله عليه وسلم للأمة حتى لا يتأسوا فيه بما لا يجوز لهم.

ومن حدد بالأربعة, وقال: إن النبي صلي الله عليه وسلم قصر فيما زاد عليها؛ لأنه لم يعزم على إقامة.

فإننا نقول لهم: ومن أين لكم أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يعزم على الإقامة هذه المدة, أو كان عازماً على أقل منها, أو أكثر ولم يتفق له سوى هذه المدة؟!

ونقول ثانياً: من أين لكم أن الأربعة الأيام هي التي ينقطع بها حكم السفر دون ما عداها؟!

فسيقولون: إن الأصل أن المسافر إذا أقام في بلد أي إقامة كانت انقطع حكم سفره خولف في الأيام الأربعة لأن النبي صلي الله عليه وسلم قصر وهو مقيمها فعلم أن هذه المدة لا ينقطع بها السفر.

فنقول: بل الأصل أن المسافر باق على سفره حقيقة عرفية وشرعية حتى ينتهي برجوعه إلى محل إقامته:

أما الحقيقة العرفية: فإن الناس يقول للمسافر إنه مسافر للحج أو للدراسة ونحو ذلك, وإن كان سفره محدداً فيه الإقامة أكثر من أربعة أيام فالحاج يسافر من أول أشهر الحج ويبقى حتى يحج ويرجع وهو عند الناس مسافر ولو بقي في مكة شهر أو شهرين.

وأما الحقيقة الشرعية: ففعل النبي صلي الله عليه وسلم دليل ظاهر على بقاء حكم السفر شرعاً وإن أقام أكثر من أربعة أيام حيث قصر في مكة عام الفتح, وفي تبوك مع إقامة أكثر من أربعة أيام والقول بأنه لم يعزم على الإقامة لا دليل عليه فلا يعول عليه.
(15/323)

قال شيخ الإسلام ص 140جـ24 من مجموع الفتاوى لابن قاسم (وهذا مبني على أن من قدم المصر فقد خرج من حد السفر وهو ممنوع بل مخالف للنص والإجماع والعرف) .

وقال ابن القيم - رحمه الله - في زاد المعاد ص 30جـ3 عن هذا القول (إن فيه نظر لا يخفى النبي صلي الله عليه وسلم فتح مكة وهي ما هي وأقام فيها مؤسس قواعد الإسلام, ويهدم قواعد الشرك, ويمهد أمر ما حولها من العرب, ومعلوم قطعاً أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتى في يوم واحد, ولا يومين, وكذلك إقامته في تبوك فإنه أقام ينتظر العدو ومن المعلوم قطعاً أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل يحتاج قطعها إلى أيام وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة - ثم عذر قول الأصحاب إنه إذا أقام لجهاد عدو ونحوه قصر, وقال - لكنهم شرطوا شرطاً لا دليل عليه من كتاب, ولا سنة, ولا إجماع, ولا عمل الصحابة فقالوا: شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر وهي ما دون الأربعة الأيام, فيقال: من أين لكم هذا الشرط, والنبي صلي الله عليه وسلم لما أقام زيادة على أربعة أيام في مكة, وتبوك لم يقل لهم شيئاً, ولم يبين أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام.اهـ.

ونقول ثالثاً: إن إقامة النبي صلي الله عليه وسلم وقعت اتفاقاً فماذا تكون الحال لو كان قدومه مكة يوم السبت لثلاث من ذي الحجة, أفيقال إنه لا يقصر؟ إنه لو قيل ذلك لكان قولا بلا علم لأنه لم يبين ذل بقوله ولا فعله, فلم يقل للناس إنما قصرت لأن مدة إقامتي أربعة أيام فيتم بعدها حتى يتبين الحكم
(15/324)

بفعله, بل الظاهر أو المتعين أنه لو كان قدومه يوم السبت أو قبله لقصر كما فعل عام الفتح؛ لأنه لو كان الحكم يختلف لبينه لدعاء الحاجة إلى بيان, فإن قدوم الحاج يختلف, ومنهم من يقدم لليوم الرابع, ومنهم من يقدم قبله, ومنهم من يقدم بعده. وأما آثار الصحابة: فروى الإمام أحمد في مسنده (1)

عن ثمامة بن شراحيل قال (خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ قال: ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثاً. قلت: أرأيت إن كنا بذي المجاز؟ قال: وما ذو المجاز؟ قلت: مكان نجتمع فيه ونبيع فيه نمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة, قال يا أيها الرجل كنت بأذربيجان لا أدري قال أربعة أشهر أو شهرين فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين, ورأيت نبي الله صلي الله عليه وسلم نصب عيني يصليها ركعتين، ركعتين ثم نزع هذه الآية: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21)

وروى البيهقي عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال (ارتج علينا ثلج ونحن بأذربيجان ستة أشهر في غزاة وكنا نصلي ورواه عبد الرزاق بلفظ (أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة) (2) .
(15/325)

وعن أبي المنهال قال: قلت لابن عباس إني أقيم بالمدينة حولاً لا أشد على سير قال: صل ركعتين (1)

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن أبي حمزة نصر عمران قال: قلت لابن عباس: إنا نطيل القيام بالغزو بخراسان فكيف ترى؟ قال صلى ركعتين وإن أقمت عشر سنين (2)

وروى عبد الرزاق عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين فكان لا يجمع، ولا يزيد على ركعتين (3) .

وروي أيضا عن انس بن مالك - رضي الله عنه - أنه أقام بالشام شهرين مع عبد الملك بن مروان يصلي ركعتين، ركعتين (4) .

وذكر في المغني، والفتاوى، وزاد المعاد أن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه أقام بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر (5) .

وروى البيهقي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- أن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة. قال ابن حجر: صحيح، وقال النووي: إسناده صحيح (6) .
__________
(1) المصنف لابن أبي شيبة باب: في المسافر يطيل المقام في المصر 2/209 (8201) .
(2) تقدم تخريجه ص277.
(3) تقدم تخريجه ص277.
(4) تقدم تخريجه ص 303.
(5) تقدم تخريجه ص 304.
(6) تقدم تخريجه ص 304.
(15/326)

وأما الآثار عن التابعين: فروى عبد الرزاق عن محمد بن الحارث قال: قدمنا المدينة فأرسلت إلى ابن المسيب أنا مقيمون أياما في الدينة أفنقصر؟ قال: نعم (1) .

وروي عن علقمة أنه، أنه أقام بخوارزم سنتين فصلى ركعتين (2) .

وروي عن أبي وائل أنه خرج مع مسروق إلى السلسلة فقصر وأقام سنين يقصر، قلت: يا أبا ما يحملك على هذا؟ قال: التماس السنة، وقصر حتى رجع (3) .

وروي عن الشعبي أنه قال: كنت أقيم سنة، أو سنتين أصلي ركعتين، أو قال ما أزيد على ركعتين، ركعتين (4) .

فهؤلاء الأربعة من الصحابة: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن سمرة، وأنس بن مالك -رضي الله عنه-.

وأربعة من التابعين: سعيد بن المسيب، وعلقمة، ومسروق، والشعبي -رحمهم الله تعالى-.

وأما النظر فيقال: لو كانت نية الإقامة مدة تزيد على أربعة أيام أو على خمسة عشر يوما قاطعة لحكم السفر لكانت إقامة هذه المدة قاطعة له أيضا، بل أولى؛ لأن فعل الإقامة أبلغ من نيتها في التأثير -لو فرض أن ذلك تأثيرا- إذ الإقامة إذا حصلت بالفعل لم يمكن
__________
(1) تقدم تخريجه ص 277.
(2) تقدم تخريجه ص 277.
(3) تقدم تخريجه ص 277.
(4) تقدم تخريجه ص 277.
(15/327)

رفعها بخلاف نيتها فيمكن رفعها بفسخها ونية السفر، ولهذا أن أحد الأقوال للشافعية إنه إذا أقام هذه المدة لزمه الإتمام وإن لم ينو الإقامة، وهذا عين الفقه، والنظر الصحيح، ومع ذلك فإن المحددين يقولون: إذا نوى الإقامة مدة أكثر مما حددوا انقطع حكم السفر، وإذا أقام هذه المدة ولم ينو الإقامة إلا لانتظار حاجته لم ينقطع. وهذا ضعيف جدًّا لمن تأمله.

وأما القياس فيقال: أي فرق بين من أراد أن يقيم ستاًّ وتسعين ساعة ومن أراد أن يقيم سبعا وتسعين ساعة؟! حيث ينقطع حكم السفر في حق الثاني دون الأول، مع أن كل واحد منهما لا يريد إقامة مطلقة وإنما أراد إقامة مربوطة بحاجة أو عمل متى حصل واصل سفره، وكل منهما يعتبر نفسه غريبا في محل إقامته، وظاعناً عنه فأي فرق بينهما؟! ولا يرد على هذا التنظير بالفرق بين شخص له خمس عشرة سنة إلا ساعة، وشخص له خمس عشرة سنة كاملة حيث يقضي للثاني بالبلوغ دون الأول؛ لأن مسألة البلوغ فرق الشارع فيها بين حال البلوغ وعدمها، وجعل لكل حال حكماً، فلابد من التمييز بين الحالين بضابط يفصل بينهما، وهو تمام خمس عشرة سنة عند من اعتبر البلوغ بهذا السن، وإلا لما أمكن معرفة ذلك، بخلاف إقامة المسافر فإن الشارع لم يفرق فيها بين الحالين، ولم يجعل لكل حال حكماً، قال شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى ص 138 ج 24: ((والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها 184 من المجلد المذكور: ((وقد بين في غير هذا الموضع أنه
(15/328)

ليس في كتاب الله، ولا سنة رسوله صلي الله عليه وسلم إلا مقيم ومسافر، والمقيم هو المستوطن، ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة) ، وقد قال قبل ذلك ص 137 من المجلد المذكور: ((فمن جعل للمقام حدًّا من الأيام: إما ثلاثة، وإما أربعة، وإما عشرة، وإما اثني عشر، وهي تقديرات متقابلة، وقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام إلى مسافر، وإلى مقيم مستوطن -إلى أن قال- والثالث مقيم غير مستوطن، وأوجبوا عليه إتمام الصلاة، والصيام، وأوجبوا عليه الجمعة وقالوا: (لا تنعقد به وإنما تنعقد بمستوطن، وغير مستوطن، وغير مستوطن تقسيم لا دليل عليه من جهة الشرع) .أهـ.

ومن العجب أن بعض المحددين بأربعة أيام قال: إذا لم نوجب الإتمام على من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام لزم أن يقصر الصلاة من نوى إقامة سنين متعددة ولا قائل به.

والجواب على هذا نقول إذا أن هذا مقتضى النص فلا حاجة إلى أن نعلم قائلاً به؛ لأن النص وحده كاف عن كل قول، وقد سبق لك أن هذا هو مقتضى النصوص في ظاهر عموماتها وإطلاقاتها.

وأيضا فقد قال به من نقلنا قوله من الصحابة، والتابعين في ظاهر ما روي عنهم. وأيضا هو مذهب الأئمة الثلاثة مالك، وأبي حنيفة، وأحمد فيما إذا أقام لحاجة لا يدري متى تنقضي ولو أقام سنين، وأحد
(15/329)

الأقوال في مذهب الشافعي، وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة، وإن أتى عليه سنون نقله عنه ابن القيم في زاد المعاد ص 30 ج 3.

وبهذا تبين أن مقتضى النصوص، وأقوال السلف، والنظر، والقياس الصحيح: أن المسافر إذا كانت إقامته مقيدة بحاجة، أو زمن ومتى زال ذلك القيد رجع إلى وطنه، فإن إقامته هذه لا تقطع حكم السفر، وله أن يترخص فيها ترخص المسافر ولو طالت مدة الإقامة ولو نواها من قبل، فمن طابت نفسه بذلك فليعمل به فإنه حق -إن شاء الله- ومن لم تطب نفسه به وأراد أن يعمل بقول من يفرق بين تقييد الإقامة بزمن وتقييدها بحاجة أو عمل على ما سبق تقريره فنرجو أن لا يكون عليه حرج في ذلك إن شاء الله تعالى.

وهذا بالنسبة لقصر الصلاة وتقدير مدة المسح على الخفين بثلاثة أيام واضح لدينا لا نتوقف في الإفتاء فيه وأما في صيام رمضان فلا ريب أن من جاز له القصر جاز له الفطر، وأن الإنسان مادام على سفر فله الفطر بالنص والإجماع، لكن تأكد الفطر ليس كتأكد القصر ولذلك لم يصح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه أتم الصلاة في سفره أربعاً، ولا صح عن أحد من أصحابه معه، وأما الصوم فصح أن الصحابة معه منهم الصائم، ومنهم المفطر، ولم يعب بعضهم بعضا، بل صح عنه صلي الله عليه وسلم أنه كان مع أصحابه في سفر في يوم شديد الحر وليس فيهم صائم سوى رسول الله صلي الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة (1) .
__________
(1) متفق عليه، وتقدم تخريجه ص 310.
(15/330)

وكان ابن حزم -رحمه الله- يرى أن المسافر إذا أقام في خلال السفر يوماً وليلة وجب عليه الصوم، وإن جاز له القصر إلى تمام واحد وعشرين يوماً تم الصلاة على رأيه.

وعلى هذا فنقول: ينبغي للمقيم من المسافرين أن يصوم رمضان في قوته، ولا يؤخره إلا أن يصادف ذلك أيام حر ويكون عليه فيه شيء من المشقة فله الفطر ويقضيه في الأيام الباردة من السنة ولا يؤخره إلى رمضان الثاني خشية أن تتراكم عليه الشهور فيثقل عليه قضاؤها أو يعتذر. والله أعلم.

جواب السؤال الخامس:

هؤلاء الطيارون الذين يبقون لمدة ثلاث سنوات ونحوها لتعلم الطيران والتدرب عليه في حكم المسافرين على القول الراجح، الذي قررناه بأدلته في جواب السؤال الرابع، لكن الأولى أن يحصلوا على فرصة يصومون بها رمضان في سنته ولو متقطعاً، ولا يؤخرونه للسنة الثانية لئلا تتراكم عليهم الشهور فيثقل عليهم قضاؤها أو يتعذر.

جواب السؤال السادس:

إذا حانت صلاة المغرب وأنت تجوب طرق المدينة الكبيرة، ولم يتيسر لك الوقوف في مكان تؤدي به صلاة المغرب، فلا حرج عليك أن تؤخرها بنية الجمع بينها وبين صلاة العشاء؛ لأنك معذور بعذرين:

أحدهما: السفر على القول الراجح الذي قررناه.
(15/331)

والثاني: الحرج والمشقة عليك بصلاة المغرب في وقتها، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس: أنه خطب يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدرت النجوم، فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني يقول: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة. رأيت النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وفي رواية عنه قال: جمع النبي صلي الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(15/332)

رسالة

من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم.... حفظه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله..... وبعد.

المسافرون للدارسة مسافرون تثبت في حقهم أحكام السفر على القول الصحيح إذ لا دليل على انقطاع حكم السفر في حقهم، وعلى هذا فتجري عليهم أحكام السفر وهي:

الجمع بين الصلاتين اللتين يجمع بعضهما إلى بعض، وهما الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، ولا يجوز تأخير المجموعتين عن وقت الأخيرة منهما، فلا يجوز تأخير الظهر والعصر المجموعتين إلى غروب الشمس، ولا تأخير المغرب والعشاء المجموعتين إلى ما بعد نصف الليل.

قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين.

المسح على الجوربين ثلاثة أيام.

واعلم أن المسافر لا تسقط عنه الجمعة إذا كان في مكان تقام فيه الجمعة، ولم يكن عليه مشقة في حضورها لعموم قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) (الجمعة: من الآية9) فيجب عليه حضور الجمعة ليصلي مع المسلمين.

ولا تسقط عنه صلاة الجماعة لعموم الأدلة أيضا، ومنها قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ
(15/333)

مَعَكَ) (النساء: من الآية102) الآية، وهذا في صلاة الخوف وكانت في السفر، فأوجب الله تعالى فيها الجماعة ولم يسقطها مع اجتماع الخوف والسفر، فكيف إذا انفرد أحدهما أفلا يكون وجوبها أولى؟

وإذا صلى المسافر خلف من يتم الصلاة وجب عليه إتمام الصلاة سواء أدرك الصلاة من أولها أم في أثنائها لقول النبي صلي الله عليه وسلم: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (1) .

ويصلكم إن شاء الله صورة جواب حول الموضوع، أرجو الله تعالى فيه النفع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 21/7/1407هـ.
__________
(1) متفق عليه، وتقدم ص 51.
(15/334)

رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ ... حفظه الله

السلام عليم ورحمة الله وبركاته.

فقد بعث إلي أحد الإخوان من الرياض رسالتكم التي سميتموها (....) وحقيقتها التعليق على فتوى صدرت مني لبعض الإخوان حول تحديد المدة التي ينقطع بها حكم السفر حيث رجحت فيها ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيميه، وتلميذه ابن القيم وشيخنا عبد الرحمن بن سعدي، والشيخ محمد رشيد رضا -رحمهم الله تعالى جميعاً- من أن الإقامة التي ينقطع بها حكم السفر لا تتحدد بأيام، بل متى كان الإنسان في سفره فحكم السفر باق في حقه ولو أقام مدة طويلة إذا كانت إقامته مربوطة بعمل، أو حاجة، أو زمن محدد ولم ينو إقامة مطلقة.

وذلك لأنه ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أن نية الإقامة لغرض لا ينقطع بها حكم السفر، سواء علم متى تنقضي تلك المدة أم لم يعلم، فقد ثبت أنه أقام في حجة الوداع أربعة أيام بمكة قبل أن يخرج إلى منى وان يقصر الصلاة، وهذه الإقامة كانت اتفاقاً لا قصداً، ولو كانت قصداً يختلف الحكم فيما زاد عليها لبين ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم فقد كان صلي الله عليه وسلم أعلم الناس بما تقتضيه أقواله، وأفعاله، وأحواله من دلالات، وأنصحهم للخلق، وأبلغهم في بيان الحق.

وليس لدينا لفظ عام يقتضي أن مطلق إقامة المسافر في غير
(15/335)

بلده ينقطع به حكم السفر حتى نقول إن هذه المدة التي أقامها النبي صلي الله عليه وسلم في مكة عام الحج مستثناة من العموم فيبقى ما زاد على حكم العام، ثم إن هذه المادة (س ف ر) أصل كما في مقاييس اللغة لابن فارس على الانكشاف والجلاء. قال ((من ذلك السفر سمي بذلك لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم) . وإذا كان كذلك فليس في الشرع، ولا في اللغة ما يدل على تحديد المدة التي لا ينقطع بها السفر.

وقد قرأت رسالتكم المذكورة، ولا ريب أن من قصد الحق وبذل جهده في الحصول عليه فهو مأجور، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وخطؤه مغفور لحسن قصده وبذل سعيه.

وقد نقلتم في الرسالة عن شيخ الإسلام في كتاب الصيام من الاختيارات أن المسافر متى عزم على إقامة أقل من أربعة أيام جاز له الفطر. أهـ.

وهو كما نقلتم، لكن لا يخفى فضيلتكم أن ما يدل عليه هذا الكلام بخصوصه لا يعارض ما صرح به في غير موضع من الفتاوى، ومنها ما أشرنا إليه في الفتوى في المجلد الرابع والعشرين من مجموعة ابن قاسم ص 137، 138، 184 حيث ذكر أنه قد بين أنه ليس في كتاب الله تعالى، ولا في سنة رسوله صلي الله عليه وسلم إلا مقيم، ومسافر، والمقيم هو المستوطن، ومن سوى هؤلاء فهو مسافر، وأن من جعل حد للمقام من الأيام إما ثلاثة، وإما أربعة، وإما عشرة، وإما اثني عشر، وهي تقديرات متقابلة، وأن تقسيم المقيم إلى مستوطن،
(15/336)

وغير مستوطن لا دليل عليه من جهة الشرع، وأن التمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس هو أمراً معلوماً لا بشرع، ولا لغة، ولا عرف.

ولا يخفى على فضيلتكم أيضاً ما قاله في الاختيارات نفسها في باب صلاة أهل الأعذار من أن الصلاة تقصر في كل ما يسمى سفراً سواء قل أو كثر، وسواء نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أو لا، وروى هذا عن جماعة من الصحابة.

ولا يخفى على فضيلتكم أيضا ما نقله عنه تلميذه ابن مفلح في كتابه الفروع حيث قال ص63-64 ج 2 ط آل ثاني: ((وإن نوى مسافر إقامة مطلقة، وقيل بموضع يقام فيه ذكر أبو المعالي (وه) أتم، وكذا عن نوى مدة فوق أربعة أيام...... واختار، واختار شيخنا القصر والفطر، وأنه مسافر ما لم يجمع على إقامة ويستوطن إقامته لقضاء حاجة بلا نية إقامة (و) لا يعلم فراغ الحاجة قبل المدة.ا.هـ. المقصود منه.

فهذه التصريحات من كلام شيخ الإسلام، ونقل صاحب الفروع عنه وهو من أعلم تلاميذه باختياراته في الفقه لا يمكن أن تعارض بمفهوم كلامه في الصيام في الاختيارات؛ لأن المفهوم لا يعارض المنطوق.

وأما ما ذكر في الفتوى من كلام ابن القيم حيث قال ص 29ج 3: وهذه الإقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الإقامة في ذلك الموضع أهـ.
(15/337)

فلا يخفى على فضيلتكم أن هذا الكلام من ابن القيم - كما تفضلتم في تعليقكم في الرسالة- يدل على قرن المقيم في البلد بالمستوطن بها، وككلامها لا يسوغ له استباحة رخص السفر. ولكن ماذا يعني ابن القيم - رحمه الله- بالإقامة؟ أيعني بها مطلق الإقامة الصادق بإقامة اليوم واليومين والساعة والساعتين؟ أم يعني بها الإقامة المحددة بمدة تبلغ أربعة أيام أو أقل أو أكثر حسب أقوال المحددين؟ أم يعني بها الإقامة المطلقة التي ينهى المسافر بها سفره ويلقي عصا التسيار ولا يقيدها بعمل ولا زمن؟ هذه هي الاحتمالات التي يحتمل أن يعني بها الإقامة:

أما الاحتمال الأول: فلا يمكن لمخالفته النص.

وأما الاحتمال الثاني: فلا يمكن أيضاً إذ لو كان معيناً لحدد الإقامة به، ولأنه صرح في صرح في كلامه هذا أن طول هذه المدة وقصرها سواء، ولأنه قال في نفس الصفحة، فهذا هدي رسول الله صلي الله عليه وسلم ما ترى، وهو الصواب، ثم ذكر في الصفحة التالية والتي بعدها مذاهب الناس في التحديد، ومنها ما قاله عن عائشة -رضي الله عنها- يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد.

وإذا لم يمكن أن يعني ابن القيم بالإقامة الاحتمالين الأولين تعين الاحتمال الثالث وهو أن يعني بها الإقامة المطلقة التي ينهي بها المسافر سفره، ويلقى عصا التسيار ولا يقيدها بزمن ولا عمل، وذلك لأنه أنهى سفره وصار كالمستوطن، إلا أن الفرق بينهما أن المستوطن يتخذ البلد وطناً يأتي بأهله إليها إن كان ذا أهل ويقطع بنيته صلته ببلده، أما المقيم بدون استطيان فهو الذي يقيم في البلد
(15/338)

ولا يعتبرها وطناً له, ولا ينقل أهله إليها غالباً يقيم في البلد الذي أنهى بها سفره إقامة مطلقة إما للعمل, أو للتجارة, أو للزراعة أو نحو ذلك, كما يوجد في كثير من البلاد الأوربية التي يعمل فيها كثير من المسلمين ولم يقيدوا مدة بقائهم فيها بعمل ينتظرون إنجازه, ولا بمدة ينتظرون انتهاءها, فهؤلاء وأمثالهم مقيمون في البلاد التي يعملون فيها لا يترخصون برخص السفر وإن كانوا غير مستوطنين.

هذا يدل عليه كلام ابن القيم - رحمه الله - والفرق بين هؤلاء ومن حددوا إقامتهم بزمن أو عمل ينتظرون انتهاءه ظاهر.أسأل الله تعالى رب جبرائيل وميكائيل, وإسرافيل, فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, الحاكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون أن يهدينا جميعاً لما اختلف فيه من الحق بإذنه, إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم, أسأله تعالى أن يهب لنا منه رحمة وفرقاناً, ورسوخاً في العلم, وثباتاً على الحق, وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا, ونعوذ به تعالى أن نضل, أو نضل, أو نزل, أو نزل, أو نجهل, أو يجهل علينا. ثم أرجو أن يكون هذا فاتحة اتصال بيننا للتعاون فيما يهم المسلمين من أمور دينهم وديناهم, فإن العلماء اليوم في حاجة ماسة بل ضرورة ملحة إلى تفهم دينهم, واتفاق كلمتهم, واجتماع قوتهم في الرد على أعداء الله تعالى ليعظم شأنهم, وتملأ القلوب هيبتهم وتنفذ كلمتهم. والله الموفق, والحمد رب العلمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين, وآله وصحبه أجمعين.

والله يحفظكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/339)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم. . . حفظك الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم الكريم المؤرخ. . . وصل, سرنا صحتك, وصحة الوالد, والأخوان, والأهل, الحمد لله على ذلك, ونسأل الله تعالى أن يزيدنا وإياكم من نعمه, ويرزقنا شكرها.هذا قد قرأت الشيخ. . . . التي أرفقتموها بكتابكم, وهي بعنوان رسالة أحكام قصر الصلاة في السفر) وهي في الحقيقة تعليق على الفتوى الصادرة مني في 23/5/1398هـ ,ولكن هذا التعليق لم يتضمن التعليق على كل ما فيها من التدليل والتعليل ,كما هو واضح لمن قارن بينها وبين الفتوى, وعلى كل فما منا إلا راد ومردود عليه ,والإنسان لا يكلف فوق طاقته التي فهم بها نصوص الشريعة, والشيخ لا يلام لا أحب من أهل العلم أن يجهد كل واحد نفسه في الرد على الآخر في المسائل الاجتهادية التي تتجاذبها الأدلة؛ لأن قول كل واحد ليس حجة على الآخر, وفهمه للنصوص ودلالاتها, وعلمه بمصادرها ومواردها لا يلزم أن يكون مساوياً للثاني, ثم إن الإنسان قد ينفر من قول سمعه لغرابته عنده,
(15/340)

ثم يأخذ يفكر فيه ويردده حتى يتبين له وجهه, فتطمئن نفسه إليه ويقلبه, وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - راجع أبا بكر - رضي الله عنه - في قتال مانعي الزكاة, احتج بقول النبي صلي الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله, فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) . فقال أبو بكر (والله لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة, فإن الزكاة حق المال, والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله (وفي رواية عقالاً) رواه قتيبة بن سعيد عن الليث قال البخاري, قال ابن بكير, وعبد الله عن الليث: عناقاً وهو أصح لقاتلتهم على منعها) . قال عمر (فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه للحق) (1) وأفيدكم بأنني لن أرد على رسالة الشيخ. . . حول الفتوى وذلك للأسباب التالية:

1- أنني لا أحب أن يجهد الإنسان نفسه في الأخذ والرد بين إخوانه من أهل العلم في المسائل الاجتهادية التي تتجاذبها الأدلة لما في ذلك من ضياع الوقت, وفتح باب الجدل والانتصار للرأي, وإنما على المرء أن ينظر في كلام من رد عليه فإن تبين أن الصواب معه وجب عليه أن يحمد الله تعالى حيث هيأ له من يبين له الصواب ويفتح له باب الحق, ووجب عليه أن يرجع إلى الصواب, فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
(15/341)

2- أن الشيخ. . . . لم يعلق على جميع ما فيها من دليل وتعليل حتى يتبين لي صواب رده أو خطؤه.

3- أن الإنسان يدين الله تعالى فيما يقول ويفتي به منطوقاً أو مكتوباً, فإذا قال أو أفتى بما يرى أنه الحق فليس عليه أن يقبل أو يرد, وربما يرى أن من نعمة الله تعالى عليه - إذا كان مخطئاً - أن ييسر له من يرد عليه حتى لا يرتكب الناس خطأه.
وأنا كلما تأملت هذه المسألة أعني مسألة انقطاع حكم السفر بتعيين مدة الإقامة لم يتبين لي فيها تفريق بين مدة ومدة, ولم أجد في النصوص ما تطمئن إليه نفسي من التفريق, فإن المقيم في بلد ما للدراسة مدة معينة كالمقيم فيها للعلاج هذه المدة إذ كل منهما ينتظر متى تنتهي مهمته, وكل منهما لو حصل أن يحجز على أول رحلة بعد انتهاء مهمته لفعل, وكل منهما لم يلق عصا التسيار بل عصاه على عاتقه ينتظر متى ينتهي فيغادر, فلا والله أجد فرقاً, وأسأل الله تعالى فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, والحاكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون أن يهديني لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
هذا ملزم, والله يحفظكم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 7/7/1399هـ.
(15/342)

رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم. . . . حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتابكم إلينا من الولايات المتحدة غير المؤرخ وصل إلينا قبل أيام وفيه تطلبون الإجابة على الأسئلة الواردة فيه, فهذه هي الإجابة مرتبة حسب الأسئلة (1) نرجو الله تعالى التوفيق فيها للصواب.

جـ1:الطلبة المسافرون إلى أمريكا أو غيرها ليسوا ينوون الإقامة حتى ينتهي دراستهم فمتى انتهت رجعوا إلى بلادهم سواء طالت مدة دراستهم أم قصرت.

وقد اختلف فلا يترخصون برخص السفر من القصر, والجمع, والفطر في رمضان, والمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها بدلاً من يوم وليلة, أو أن حكم السفر باق في حقهم؛ لأن حد السفر ينطبق عليهم فهم غرباء في غير بلادهم, ويعتبرون أنفسهم مسافرين ما أقاموا في تلك البلاد إلا للحاجة, وعلى هذا فيترخصون برخص السفر من القصر والجمع, والفطر في رمضان, ومسح الخفين ثلاثة أيام؟

والقول الراجح عندي: أن السفر لا ينقطع حكمه في حقهم وأنهم يترخصون برخصة وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيميه ,
(15/343)

وتلميذه ابن القيم, والشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الدرر ص 375/4,وشيخنا عبد الرحمن الناصر السعدي, والشيخ محمد رشيد رضا وذلك لأن النبي صلي الله عليه وسلم أقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة (2) ,وأقام في تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (3) وأقام في مكة عام حجة الوداع عشرة أيام أربعة قبل الخروج إلى منى, وستة بعد ذلك كما في صحيح البخاري عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال (خرجنا مع النبي صلي الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين، ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة, فسئل أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً) (4)

ولما كانت هذه الإقامات مختلفة المدد, ولم يختلف حكمها ولم ينقطع حكم السفر بها دل على أنه لا ينقطع حكم السفر بمدة وإن طالت ما دامت إقامة المسافر لحاجة, ولو كان لانقطاع حكم السفر مدة معينة لبينها الله ورسوله؛ لأن الله تعالى يعلم أن المسافرين تتفاوت مدد إقامتهم في البلاد التي سافروا إليها, والنبي صلي الله عليه وسلم يعلم ذلك وأيضاً وقد قدم عام حجة الوداع في اليوم الرابع من ذي الحجة فبقي يقصر الصلاة (5) وقد كان يعلم أن من الحجاج من يقدم قبل ذلك إما السنة, أو قبلها, أو بعدها, ولم يقل ((من قدم قبل اليوم الرابع فقد انقطع حكم سفره فليتم الصلاة) ولو كانت
(15/344)

شريعة الله تعالى أن المسافر إذا أقام أكثر من أربعة أيام انقطع حكم سفره ولزمه إتمام الصلاة وغيره من أحكام الإقامة لوجب على النبي صلي الله عليه وسلم أن يبلغه لأمته فلما لم يقع ذلك علم أنه ليس من الشريعة.

وأن من قدم بلداً لحاجه دينية, أو دنيوية ومن نيته أن يرجع إلى بلده بعد انقضائها فهو مسافر بدون تحديد مدة قال شيخ الإسلام ابن تيميه في رسالته (أحكام السفر والإقامة) ص 82صلي الله عليه وسلم (فمن جعل للمقام حداً من الأيام فقد قال قولاً لا دليل عليه من جهة الشرع, وهي تقديرات متقابلة تتضمن تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام مسافر, ومقيم, ومستوطن, ومقيم غير مستوطن ,وتقسيم المقيم إلى مستوطن وغيره لا دليل عليه من جهة الشرع) .قال (والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس أمراً معلوماً بشرع, ولا لغة, ولا عرف) قال (والقول بأن من قدم المصر فقد خرج عن حد السفر ممنوع, بل مخالف للنص والإجماع والعرف) . ا. هـ.

إذا تبين ذلك فإن المقيمين للدراسة أو للعلاج ونحوه في أمريكا وغيرها من المسافرين يجوز لهم قصر الصلاة الرباعية إلى الظهر والعصر, أو بين المغرب والعشاء, لكن الأفضل عدم الجمع إلا من حاجة, ويجوز لهم الفطر في رمضان لكن الصوم أفضل , ومع المشقة يؤخرونه إلى أيام الشتاء, ولا أرى أن يؤخروا صوم سنة إلى أخرى لئلا تتراكم عليهم الشهور فتثقل عليهم فيعجزوا عنها.

حرر في 10/1/1403 هـ

***
(15/345)

1108 سئل فضيلة الشيخ: نحن نعمل في مدينة ينبع وخلال فترة الإجازة نقوم بزيارة الأهل في بلدنا فهل تنطبق علينا أحكام المسافرين؟ وهل للقصر مدة معينة؟ ومتى تبدأ أحكام السفر؟ وهل يجوز الجمع قبل السفر؟ وهل نصلي السنن الرواتب في السفر؟ أفتونا جزاكم الله خيراً وحفظكم من كل مكروه.

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت ينبع هي محل سكناكم فإن زيارتكم لأهلكم سفر يحل لكم أن تترخصوا برخص السفر من قصر الصلاة والفطر في رمضان, والمسح على الخفين ثلاثة أيام ونحو ذلك, ولكن إذا كنتم في مكان تقام الصلاة جماعة فصلوا مع الجماعة, فإن فاتتكم الصلاة, أو كنتم بعيدين فصلوا قصراً. وليس للقصر أو الإقامة مدة معينة على القول الصحيح ما دمتم عازمين على الرجوع إلى أوطانكم, أما إن نويتم الإقامة المطلقة فقد انقطع حكم السفر في حقكم.

وتبدأ أحكام السفر إذا فارق المسافر وطنه وخرج من عامر قريته أو مدينته. ولا يحل لكم أن تجمعوا بين الصلاتين حتى تغادروا البلد إلا أن تخافوا أن لا يتيسر لكم صلاة الثانية أثناء سفركم.

وأما السنن الرواتب فإنه يسقط منها عن المسافر راتبه الظهر, والمغرب, والعشاء, وما عدا ذلك من النوافل فإنه باق على حكمه.14/2/1414هـ.
(15/346)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم. . . . . حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتابكم الكريم المؤرخ الشهر الماضي سرنا صحتكم الحمد لله على ذلك.

سؤالكم عن المبعوثين للدراسة هل ينقطع حكم السفر في حقهم حيث إنهم مقيمون لمدة تزيد على الحد المحدود عند كثير من أهل العلم أو أكثرهم, أو يبقى حكم السفر في حقهم فيجوز لهم الجمع والقصر.

وجوابه: أن العلماء اختلفوا في حكم هذه المسألة على أقوال تزيد على العشرة, وذلك لأنه ليس فيها سنة صحيحة صريحة تفضل بين المختلفين في حكمها, وغالب هذه الأقوال تقديرات ليس عليها دليل بل الدليل على خلافها.

والصواب: أن المقيمين لحاجة ينتظرون متى تنقضي حاجتهم ثم يرجعون إلى بلادهم أن سفرهم لا ينقطع, وأنهم يترخصون برخص السفر من القصر, والجمع, وغيرهما سواء أقاموا للدراسة, أو علاج, أو زيارة قريب أو غير ذلك, وسواء علموا متى تنتهي حاجتهم, أم لم يعلموا, لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يحدد لأمته حداً ينتهي به
(15/347)

حكم السفر, وقد أقام في سفره إقامات مختلفة يقصر فيها الصلاة, ولو كان الحكم يختلف بين إقامة وإقامة لبينه, لدعاء الحاجة إلى بيانه, فقد أقام صلي الله عليه وسلم في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة (1) ,وأقام في تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة (2) ,وأقام عام حجة الوداع في مكة عشرة أيام كما في الصحيح البخاري عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - منها أربعة قبل خروجه لمنى, وستة في مشاعر الحج (3) . وهذا القول الذي اخترناه هو الذي يدل عليه ظاهر السنة, وقال به من الصحابة: عبد الله بن عمر, وعبد الله بن عباس في أحد القولين عنه, وعبد الرحمن بن سمرة, وأنس بم مالك, ومن التابعين: سعيد بن المسيب, وعلقمة, ومسروق, والشعبي (4) . واختاره شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله - وقال صلي الله عليه وسلم (إن التمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معدودة يقيمها ليس معلوماً لا بشرع, ولا لغة, ولا عرف, وليس في كتاب الله, ولا سنة رسوله صلي الله عليه وسلم إلا مقيم ومسافر والمقيم هو المستوطن, ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة) . ذكر هذا في موضعين في الفتاوى. اختاره أيضاً الشيخ محمد رشيد رضا وشيخنا عبد الرحمن الناصر السعدي - رحمهم الله تعالى جميعاً -. هذا ملزم والله يحفظكم.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/348)

رسالة
قال فضيلة الشيخ - حفظه الله ورعاه -:

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة قصر المسافر الصلاة إذا طالت مدته: من تأمل عمومات الكتاب, والسنة, وراجع لام شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم تبين له قوة هذا القول, وأن رخص السفر ثابتة للمسافر وإن طالت مدة إقامته ما دام لم ينو استيطاناً, ولا إقامة مطلقة وقد ذكر شيخنا عبد العزيز بن باز من السنة الخامسة في ربيع الثاني سنة 1393هـ ص 125 ما نصه (أما إذا نوى إقامة معينة تزيد على أربعة أيام وجب عليه الإتمام عند الأكثر, وقال أهل العلم: له القصر ما دام لم ينو استيطان في ذلك الموضع وإنما أقام لعارض متى زال سافر وهو قول قوي تدل عليه أحاديث كثيرة وبكل حال فقد أحسنت فيما فعلت (وكان السائل قد أكد أنه حين عزم على الجلوس مدة معينة أتم الصلاة) لأنك بالإتمام لما نويت الإقامة المعينة الزائدة على أربعة أيام خرجت من الخلاف وأخذت بالأحوط. أهـ.

فقد ذكر الشيخ - حفظه الله - أن القول بجواز القصر قول قوي تدل عليه أحاديث كثيرة, وقد بلغني أخيراً أنه كان يفتي بقول أكثر أهل العلم وهو المنع من القصر في هذا.

والفقهاء - رحمهم الله - لا يعطون مثل هذا حكم المقيم من
(15/349)

كل وجه, فتراهم يقولون: إن الحكم السفر ينقطع في حقه, ويعطي حكم المقيم في وجوب الإتمام, والصوم, والاقتصار على يوم وليلة في مسح الخفين, ولكن لا يعطونه حكم المقيم في وجوب صلاة الجمعة والقيام بخطبتها, فيقولون: إن الجمعة لا تلزمه بنفسه, وأنه لو اجتمع في بلد ما عدد كثير ليس معهم من المستوطنين من تلزمه الجمعة فلا جمعة عليهم, بل ولا تصح منهم الجمعة, ولا أن يقوم أحد منهم بخطبتها, ولا يحسبون من العدد الذي تنعقد بهم الجمعة فقد قسموا الناس في هذه المسألة ثلاثة أقسام: مسافر, ومقيم, ومستوطن, فالمسافر غير المقيم لا تلزمه الجمعة بنفسه ولا بغيره, والمسافر المقيم إقامة تمنع القصر تلزمه بغيره لا بنفسه ولا تنعقد به ولا يكون إماماً ولا خطيباً فيها, والمستوطن تلزمه بنفسه وتنعقد به ويكون إماما وخطيباً فيها, قال شيخ الإسلام ابن تيميه - رحمه الله - 21/137 من مجموع الفتاوى لابن قاسم: فقد تضمنت هذه الأقوال تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام إلى: مسافر, وإلى مقيم مستوطن......, والثالث مقيم غير مستوطن أوجبوا عليه إتمام الصلاة, والصيام, وأوجبوا عليه بمستوطن, وهذا التقسيم وهو تقسيم المقيم إلى: مستوطن ,وغير مستوطن, ولا دليل عليه من جهة الشرع, وقال أيضاً 24/184: وقد بين في غير هذا الموضع أنه ليس في كتاب الله, ولا سنة رسوله إلا مقيم ومسافر, والمقيم هو المستوطن, ومن سوى هؤلاء فهو مسافر يقصر الصلاة.أهـ.
(15/350)

وهذا يقتضي أن الناس ينقسمون إلى قسمين فقط: مسافر ,ومستوطن ,فالمسافر له أحكام السفر, والمستوطن له أحكام الاستيطان, أما يكون هناك قسم ثالث يكون بين، بين ويأخذ من أحكام هؤلاء وهؤلاء فهذا يحتاج إلى دليل.
(15/351)

1109 سئل فضيلة الشيخ: في أحد أشرطتكم المسجلة ذكرتم أن القول الراجح عندكم (أن حكم السفر لا ينقطع بأربعة أيام أو أكثر ما دام نيته الرجوع إلى بلده) فهل هذا هو القول الصحيح عندكم ومازلتم تفتون به؟ أفتونا جزاكم الله خيراً وحفظكم.

فأجاب فضيلته بقوله: ما سمعتم في الشريط من أن القول الصحيح عندي أن حكم السفر لا ينقطع بأربعة أيام يقيمها, أو أكثر ما دام نيته الرجوع إلى بلده للأدلة التي سمعتم, وما زال ذلك هو القول الصحيح عندي.

ولكني أرى أن من سمع النداء وجبت عليه الإجابة سواء كان مسافراً أم مقيماً لعموم الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة, ولا دليل على استثناء المسافر من ذلك, ومتى ائتم المسافر بالقيم وجب عليه الإتمام, لقول النبي صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (1) .

* * *
(15/352)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ,أما بعد:

فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين حفظه الله ورعاه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فضيلة الشيخ: المرابطون في سبيل الله في الثغور يسألون عن كيفية الصلاة هل يصلون جماعات أو فرداً؟ وهل يقصرون ويجمعون أم يقصرون فقط أم يجمعون فقط؟ نرجو الإجابة مشكورين إذ أنهم مختلفون, فمنهم من يصلي جماعة, ومنهم من يقصر, ومنهم من يجمع, فنرجو منكم حفظكم الله ورعاكم أن تجيبونا بالدليل, ولكم منا جزيل الشكر والعرفان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

الجواب على هؤلاء أن يصلوا جماعة ولا يحل لهم أن يصلوا فرادى؛ لأن الله تعالى أمر المجاهدين بالصلاة جماعة أمام العدو, فقال تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُم
(15/353)

وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء: من الآية102) . فأوجب عليهم صلاة الجماعة مع أنهم في مواجهة العدو, فما بالك فيمن هم مرابطون غير مواجهين. وأما القصر فإنهم يصلون قصراً؛ لأنهم مسافرون لم يقيموا بمكانهم بنية الإقامة الدائمة, وإنما أقاموا لحاجة متى انتهت رجعوا قد صح عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه أقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين. وأقام ابن عمر – رضي الله عنهما – بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة, قد حبسه الثلج. ورواه البيهقي بسند قال فيه النووي إنه شرط الصحيحين, وروى البيهقي أيضاً عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم أقاموا برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة, قال النووي: إسناده صحيح, وكذلك صححه الحافظ ابن حجر – رحمه الله -. وهذا القول هو الصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيميه وتلميذه ابن القيم والشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب, والشيخ محمد رشيد رضا, وشيخنا عبد الرحمن الناصر سعدي.

والمسألة فيها خلاف بين العلماء فيما إذا عزموا على إقامة أكثر من أربعة, فلا يكن بينهم – أي بين المرابطين – اختلاف من أجل القصر أو الإتمام؛ لأنه لا حرج في هذا ولا هذا فإن قصروا فعلى خير, وهذا أقرب إلى السنة, وإن أتوا فلا حرج, وقد بسطنا هذه المسألة في رسالة مستقلة (1) .
(15/354)

وأما الجمع فالأفضل أن لا يجمعوا إلا لحاجة وإن جمعوا فلا حرج على القول الصحيح.

كتبه محمد الصالح العثيمين في 30/4/1411هـ.
(15/355)

1110 سئل فضيلة الشيخ: عن طالبات يسكن في بلد للدراسة فقط ومتى انتهت الدراسة رجعن إلى بلدهن ووطنهن فهل لهن قصر الصلاة؟

فأجاب فضيلته بقوله: قصر الصلاة للطالبات اللاتي بقين للدراسة فقط لاتخاذ بلد الدراسة وطناً فيه خلاف بين أهل العلم – رحمهم الله تعالى – ومن الحسن أن يراجع في ذلك كلام شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى جمع ابن قاسم 24/137_ 184 وككلام ابن القيم في الهدى 3/29 وتفسير القرطبي 5/357 والمجموع شرح المهذب 4/219,220 لتتبين آراء العلماء في ذلك, وأن القول الصحيح ما رجحه شيخ الإسلام وابن القيم – رحمهما الله – من أن المسافر يقصر ولو زادت مدة إقامته على أربعة أيام.

وقد كتبت في ذلك رسالة بينت فيها أدلة الكتاب, والسنة والآثار على ذلك, ومع هذا فلا إنكار على من يتم ولا يقصر, ولا على من يقصر ولا يتم؛ لأن المسألة مسألة اجتهاد, ولهذا حصل فيها الخلاف بين العلماء حتى بلغ أكثر من عشرة أقوال. ولا ينبغي أن تكون هذه المسألة ونحوها من مسائل الخلاف مثاراً للجدل الطويل أو سبباً للعداوة والبغضاء, فمن اطمأنت نفسه إلى قول من هذه الأقوال وانشرح به صدره ورآه أقرب إلى الحق
(15/356)

لا طلاعه على سبب رجحانه بأدلته, أو لترجح ثقته فليأخذ به ولا يكون بذل متتبعاً للرخص بل هو بذلك متحر للحق طالب للصواب. والله والموفق والسلام.

* * *

1111 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل مسافر دخل المسجد, ووجد جماعة يصلون المغرب, وهو قد صلى المغرب, فصلى معهم بنية العشاء, ولما قام الإمام للركعة الثالثة, وجلس وتشهد وسلم. فما حكم ذلك؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخل رجل مسافر قد صلى المغرب, فوجدهم يصلون المغرب, فدخل معهم بنية صلاة العشاء. فمن العلماء من قال: لا يصح دخوله؛ لاختلاف الصلاتين نية وعملاً. ومنهم من قال: يصح ذلك, فإذا قام الإمام للثالثة أكمل الداخل التشهد وسلم من ركعتين, وهذا هو الصحيح. وله أن يقوم معه في الثالثة ويتم العشاء أربعاً.

وإذا دخل المسجد وهم يصلون العشاء وهو لم يصل المغرب. فعلى القول الأول لا يدخل معهم. وعلى القول الثاني يدخل معهم, فإذا قام الإمام للرابعة, وقد دخل معه من أول الصلاة, فإنه ينوي المفارقة, ويتشهد ويسلم, ويدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء, وإن دخل معه في الثانية فما بعده, فالأمر ظاهر. كتبه محمد الصالح العثيمين في 16/8/1418هـ.
(15/357)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
نحن طلبة مبتعثون للدراسة في الخارج, هل تنطبق علينا أحكام السفر القصر وعدم وجوب صلاة الجمعة والجماعة ونحو ذلك؟

نرجو التكرم بالإيضاح والتفصيل. جزاكم الله خيراً ووفقكم لما يحبه ويرضاه.

بسم الرحمن الرحيم
إذا أقام المسافر في مكان لحاجة ينتظرها ومتى انتهت رجع إلى بلده فله حالان: الحال الأولى: أن لا يحدد مدة إقامته بزمن معين فله الترخص برخص السفر من القصر, والجمع, والفطر برمضان, والمسح على الخفين ثلاثة أيام, وإن طالت مدة إقامته, قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في زاد المعاد في كلام على فقه غزوة تبوك:والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها يقول: اليوم أخرج, وغداً أخرج, فإنه يقصر أبداً إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر يوماً ولا يقصر بعدها. وقال قبل ذلك: وقد قال أصحاب أحمد إنه لو أقام لجهاد عدو أو حبس سلطان أو مرض, قصر سواء غلب على ظنه انقضاء
(15/358)

الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة, وهذا هو الصواب, ولكنهم شرطوا فيه شرطاً لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة, فقالوا: شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر, وهي ما دون الأربعة أيام, فيقال: من أين لكم بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئاً, ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام, وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته, فلم يقل لهم حرفاً واحداً لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال, وبيان هذا من أهم المهمات, وكذلك اقتدى الصحابة به بعده, ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئاً من ذلك. انتهى كلامه – رحمه الله -. الحال الثانية: أن يحدد مدة معينة في إقامته للحاجة التي ينتظرها حال القادمين إلى مكة للحج أو العمرة أو لبلد يشترون منه تجارة أو يبيعونها ثم يرجعون إلى أوطانهم, أو للدراسة متى انتهت عادوا إلى أوطانهم, ونحو ذلك فقد اختلف أهل العلم – رحمهم الله تعالى – في حكم هذا هل يترخص برخص السفر سواء طالت مدة إقامته أم قصرت, أو لا يترخص إلا في مدة محدودة, وذكر النووي في ذلك أكثر من عشرة أقوال, وهي ما شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – تقديرات متقابلة. والراجح عندي أنه يترخص برخص السفر؛ لأنه مسافر حقيقة ما لم ينو استيطاناً أو إقامة مطلقة غير مقيدة بزمن ولا حاجة
(15/359)

للأدلة التي ستراها – إن شاء الله تعالى – بصحبة هذا الجواب, لكنه لا يسقط عنه وجوب الجماعة لا وجوب الجمعة إذا أقيمت بل يجب عليه حضور الجماعة والجمعة, ولا يحل له التخلف عنهما إلا بعذر شرعي يبيح التخلف للمستوطن. فإن أدلة وجوب الجماعة عامة في السفر وغيره وأدلة وجوب الجمعة على من كان في مكان تقام فيه الجمعة عامة لم يستثن منها المسافر.

أما أدلة وجوب الجماعة فمنها قوله تعالى في سورة النساء: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا) - أي أتموا صلاتهم – (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء: من الآية102) . فأوجب الله الصلاة جماعة في حال مواجهة العدو, ومن المعلوم أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يقاتل أعداءه وهو مسافر خارج المدينة فتبين بذلك أن السفر لا يسقط وجوب الجماعة حتى في حال القتال, ومواجهة الأعداء, ففي حال الأمن والاستقرار من باب أولى.

وفي صحيح مسلم (1) من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرس – أي نزل للنوم والراحة – فذكر القصة, وفيها أنهم لم يستيقظوا حتى طلعت الشمس, لا أمرهم أن يقتادوا رواحلهم إلى
(15/360)

مكان آخر, ثم توضأ النبي صلي الله عليه وسلم وصلى بهم الصبح, فأنت ترى أنه لم يترك الجماعة بهم حتى في هذه الحال.

وأما أدلة وجوب الجمعة فمنها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الجمعة:9) .

فوجه الله تعالى الأمر بالسعي إلى الجمعة إلى المؤمنين عموماً, ولم يستثن أحداً. وفي صحيح مسلم (1) عن أبي هريرة وابن عمر – رضي الله عنهم – أنهما سمعا رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات – أي عن تركهم إياها – أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) . وإذا كانت الجماعة واجبة على المسافر مع كونها أقل جمعاً من الجمعة عليه من باب أولى؛ لأنها لا تكون في الأسبوع إلا مرة؛ ولأنها أكثر جمعاً ولما يحصل من الفائدة في خطبتيها.

وقد نص فقهاؤنا – رحمهم الله تعالى – على وجوب صلاة الجماعة على المسافرين, فقال في الروض المربع – وهو من أخصر كتب الفقه – قال: قول الماتن: تلزم الرجال صلي الله عليه وسلم ولو سفراً في شدة خوف) . وهكذا في الإقناع والمنتهى والفروع وغيرها.
(15/361)

ونصوا أيضاً على وجوب صلاة على المبتعثين ونحوهم ممن نوى إقامة أكثر من أربعة أيام.

وعلى هذا فلا يحل لأحد من المبتعثين للدراسة أن يدع الجمعة والجماعة بحجة أنه مسافر؛ لأن عمومات الأدلة على وجوب الجماعة والجمعة إذا أقيمت تشلهم ولا دليل على التخصيص.

ومن ظن أن قولنا بجواز الترخص برخص السفر لهؤلاء المبتعثين يقتضي سقوط الجماعة والجمعة عنهم ويبيح لهم الصلاة في بيوتهم فقد أخطأ في ظنه, فنحن نقول بوجوب الجماعة عليهم, ووجوب الجمعة إذا أقيمت في البلد الذي هم فيه, ولا يحل لهم التخلف عنهما إلا بعذر يبيح التخلف للمستوطنين. والله الموفق, والحمد لله رب العلمين, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه محمد الصالح العثيمين في 5/1/1407هـ.
(15/362)

1112 سئل فضيلة الشيخ: هل ينطبق حكم المسافر على سائقي السيارات والحافلات لعملهم المتواصل في نهار رمضان؟

فأجاب فضيلته بقوله: نعم ينطبق حكم السفر عليهم فلهم القصر, والجمع, والفطر. فإذا قال قائل: متى يصومون وعملهم متواصل؟

قلنا: يصومون في أيام الشتاء, لأنها قصيرة وباردة, أما السائقون داخل المدن فليس لهم حكم المسافر ويجب عليهم الصوم.

* * *

1113 سئل فضيلة الشيخ: أختي تدرس بجامعة بعيدة عنا بحوالي مائة كيلو متر تقريباً, وبعد مضي عدة أيام تأتي إلينا وتمكث حوالي يومين أو ثلاث, فهل يجوز لها قصر الصلاة في هذه المدة؟

فأجاب فضيلته بقوله: في هذه المدة التي ترجع فيها إليكم لا يجوز لها أن تقصر الصلاة؛ وذلك لأنها رجعت إلى وطنها, والمسافر إذا رجع إلى وطنه يجب عليه إتمام الصلاة حتى وإن كان لا يمكث إلا أياماً يسيرة؛ لأنه عاد إلى الأصل. وأما إذا كان الإنسان مسافراً فإنه يجوز له قصر الصلاة.

فعلى هذا يلزم أختك إذا رجعت إليكم يلزمها أن تصلي صلاة تامة غير مقصورة.

* * *
(15/363)

1114 سئل فضيلة الشيخ: عن رجل يسافر للدراسة في الرياض يذهب مساء الجمعة ويرجع عصر الاثنين, فهل يأخذ أحكام المسافر في الصلوات وغيرها؟

فأجب فضيلته بقوله: هو مسافر لا شك, لأنه يتخذ الدراسة وطناً, ولم ينو الإقامة مطلقاً, بل إقامته لغرض, ولكنه إذا كانت إقامته في بلد تقام فيه الجماعة, فيجب عليه أن يحضر الجماعة, وأما ما اشتهر عند بعض العوام أن المسافر لا جماعة، ولا جمعة، فهذا لا أصل له، فالجماعة واجبة على المسافر ولو كان في القتال كما في قوله تعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ) (النساء: من الآية102) . والجمعة واجبة على كل من سمع النداء لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الجمعة: من الآية9) . لكن إذا فاتتك الصلاة هناك أو كنت في مكان بعيد عن المساجد، فإنك تصلي الرباعية ركعتين.

* * *

1115 فضيلة الشيخ: نحن طلاب ندرس في إحدى الجامعات، فإذا سافرنا من مدينتنا إلى الجامعة نجلس أحياناً أربعة أشهر أو ثلاثة أشهر، فهل يجوز لنا تركك صلاة الجماعة والفطر في رمضان وترك السنن الرواتب؟

فأجاب فضيلته بقوله: الذين يدرسون في خارج بلدهم مسافرين؛ لأنهم لا ينوون الإقامة المطلقة إطلاقاً، فلو أن أحدهم
(15/364)

أعطي شهادته اليوم لرجع إلى بلده، لأنه مربوط بهذا العمل المؤقت المحدد، فهؤلاء وإن كانوا مسافرين إلا أننا نقول لا يجوز لهم ترك صلاة الجماعة في المساجد مع المسلمين إلا لعذر، وإذا صلوا خلف إمام يتم الصلاة صلوا أربعاً، سواء أدركوا مع الإمام ركعة، أو أكثر، أو أقل، لعموم قوله صلي الله عليه وسلم: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) (1) .

ولا ينبغي لهم تأخير صيام رمضان إلى رمضان الثاني، لأنه إذا أخر صيام رمضان في هذا العام مثلاً، وجاء العام الثاني وأخره للعام الثالث، تراكمت عليه الشهور، وربما يعجز، وربما يترك، فلذلك نرى أن الصيام وإن جاز له أن يفطر لأنه مسافر، لكن لا يؤخره إلى السنة الثانية، لئلا تتراكم عليه فيعجز.

أما بالنسبة للرواتب: فالمشهور عند العوام أن المسافر لا يتنفل، وهذا غلط، فالمسافر يتنفل كما يتنفل المقيم بذلك شيء صلاة الليل، وصلاة الضحى، والوتر، إلا ثلاث نوافل، وهي راتبه الظهر، وراتبه المغرب، وراتبه العشاء، فالسنة أن لا يصليها، وأما بقية النوافل فهي على ما كانت عليه، وهناك عبارة غير صحيحة يقول بعض الناس: ((السنة في السفر تركك السنة) ، فالسنة تركك راتبه الظهر، والمغرب، والعشاء فقط، أما الباقي فعلى ما هو عليه، يفعله المسافر كما يفعله المقيم تماماً.

* * *
__________
(1) متفق عليه، وتقدم ص51.
(15/365)

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

إلى سماحة الشيخ: محمد الصالح العثيمين حفظه الله

السلام عليم ورحمة الله وبركاته.

شيخنا الفاضل، لدي بعض الأسئلة الرجاء منك الإجابة عليها.

س1: خرجت من بلادي مهاجراً في سبيل الله، ومررت بعدة دول إسلامية، ولم أتمكن من الحصول على الإقامة بها، والآن تحصلت على الإقامة في إحدى الدول الكافرة، وإلى الآن أقصر الصلاة ولم أتمها، ونيتي عدم الإقامة فما حكم قصر صلاتي، هل أستمر في القصر إلى حد مغادرتي البلاد أو أتم صلاتي نظراً لوجود إقامة لدي مع عدم وجود النية للإقامة في هذه البلاد؟

س2:ما حكم صلاة ركعتي سنة الفجر بالفاتحة فقط في الركعتين بدون قراءة أي آيات معها؟

س3:توجد هنا في ديار الكفر المواد الغذائية المستخرجة من الحيوانات, فهل يجب علينا السؤال عن كيفية ذبح هذه الحيوانات؟ وإذا كان المكتوب فقط أنها مأخوذة من الحيوانات فهل يجب علينا السؤال عن نوع الحيوان؟ هل هو خنزير أو حيوان
(15/366)

آخر مع العلم أنه كثير من الأحيان يتعذر علينا السؤال؟

س4:هاجرت من بلدي ورزقني الله بأطفال في هجرتي, ولم يرهم أهلي وكثيراً ما يلحون علي أن أبعث لهم صورهم الشخصية, ولأني أعرف أن التصوير حرام فلم أرسل لهم, ولكني علمت مؤخراً أن بعض المشايخ أفتوا بجواز التصوير بكاميرا الفيديو فهل أستطيع أن أبعث لهم شريط مصور أم هذا حرام أيضاً؟

س5:هل يجوز للأم أن تبيع ذهب طفلتها؟ وهل يجب عليها الزكاة فيه؟

س6:هل يجوز للمرأة أن تصبغ حاجبيها؟ وهل هو داخل في جواز صبغ الشعر؟

س7:أتسلى أحياناً بلعب الورق عبر شاشة الكمبيوتر بدون لعب أي شخص معي في أوقات فراغي, ولا تلهيني عن صلاتي أو عبادتي فما حكم ذلك؟ جزاكم الله خيراً, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم

فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

جـ 1:لك القصر حتى تغادر البلاد.

جـ 2:لا حرج أن تقصر على الفاتحة في ركعتي الفجر, لكن الأفضل أن تقرأ مع الفاتحة في الركعة الأولى: الكافرون, وفي الثانية (قل هو الله أحد) .

جـ 3:لا يجب عليك السؤال إذا كان اللحم من حيوان حلال
(15/367)

والذابح من أهل الكتاب, وإذا كنت لا تدري فاجتنب ذلك إلى لحم الأسماك.

جـ 4:بعض العلماء يرخص في تصوير الفيديو.

جـ 5:المسئول عن أموال الأطفال أبوهم وليس للأم أن تتصرف بشيء من أموالهم إلا بأذن والدهم, والزكاة على ذهب الطفلة واجبة إن بلغ مجموعة نصاباً وهو خمسة وثمانون جراماً, ويتولى إخراجها أبوها أو أمها بإذن أبيها.

جـ 6:صبغ الحواجب كصبغ الرأس إذا كان بغير السواد وبدون تشبه بالكافرات فهو جائز.

جـ 7:لو تسليت بقراءة سيرة النبي صلي الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين كان خيراً لك.

وفقك الله للخير, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(15/368)

1116 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم جمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة؟ وهل يجوز لمن كان خارج البلد الجمع؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا تجمع العصر إلى الجمعة لعدم ورود ذلك في السنة, ولا يصح قياس ذلك على جمعها إلى الظهر للفروق الكثيرة بين الجمعة والظهر.والأصل وجوب فعل كل صلاة في وقتها إلا بدليل يجيز جمعها إلى الأخرى.

ويجوز الجمع لمن كان خارج البلد يقيمون اليومين والثلاثة لأنهم مسافرون, أما إذا كانوا في ضواحي البلد القريبة بحيث لا يعدون مسافرين فلا يجوز لهم الجمع. والكلام هنا في الجمع بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء لا بين الجمعة والعصر فلا يجوز بل حال. 8/10/1417 هـ.

* * *

1117 وسئل فضيلة الشيخ - حفظه الله ورعاه -:يحصل من بعض الناس بل الكثير وهو على الطريق أن يجمع صلاة الجمعة مع صلاة العصر جمع تقديم معللاً ذلك بأنه يصلي ظهراً وليست نيته صلاة جمعة بل الظهر حيث أنه مسافر تسقط عنه الجمعة, ثم لو لم يصل الظهر بل أخرها مع صلاة العصر هل يصح فعله أم لا؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا حضر المسافر الجمعة وجب أن يصليها جمعة, لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُم
(15/369)

تَعْلَمُون *فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْض) (الجمعة: الآيتان:9, 10) . الآية.

والمراد بالصلاة هنا صلاة الجمعة بلا ريب, والمسافر داخل في الخطاب فإنه من الذين آمنوا, ولا يصح أن ينوي بها الظهر ولا أن يؤخرها إلى العصر؛ لأنه مأمور بالحضور إلى الجمعة.

وأما قول السائل: إنه مسافر تسقط عنه الجمعة فصحيح أن المسافر ليس عليه جمعة ,بل ولا يصح منه الجمعة لو صلاها في السفر؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم كان لا يقيم الجمعة في السفر, فمن أقامها في السفر فقد خالف هدي النبي صلي الله عليه وسلم, فيكون عمله مردوداً بقول النبي صلي الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . أما إذا مر المسافر ببلد يوم الجمعة وأقام فيه حتى حان وقت صلاة الجمعة وسمع النداء الثاني الذي يكون إذا حضر الخطيب فعليه أن يصلي الجمعة مع المسلمين, ولا يجمع العصر إليها, بل ينتظر حتى يأتي وقت العصر فيصليها في وقتها متى دخل.

كتبه محمد الصالح العثيمين في 10/1/1418هـ.
(15/370)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد:

فقد كثر السؤال عن جمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة في الحال التي يجوز فيها جمع العصر إلى الظهر.

فأجيب مستعيناً بالله سائلاً منه الهداية والتوفيق:

لا يجوز جمع العصر إلى الجمعة في الحال التي يجوز فيها الجمع بين الظهر والعصر.

فلو مر المسافر ببلد وصلى معهم الجمعة لم يجز أن يجمع العصر إليها.

ولو نزل مطر يبيح الجمع - وقلنا بجواز الجمع بين الظهر والعصر للمطر - لم يجز جمع العصر إلى الجمعة ولو حضر المريض الذي يباح له الجمع إلى صلاة الجمعة فصلاها لم يجز أن يجمع إليها صلاة العصر.

ودليل ذلك قوله تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية103) أي مفروضاً لوقت معين, وقد بين الله تعالى هذا الوقت إجمالاً في قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الإسراء:78) .

فدلوك الشمس زوالها, إلى غسق الليل اشتداد ظلمته, وهذا
(15/371)

منتصف الليل, ويشمل هذا الوقت أربع الصلوات: الظهر, والعصر, والمغرب, والعشاء, جمعت في وقت واحد؛ لأنه لا فصل بين أوقاتها, فكلما خرج وقت صلاة كان دخول وقت الصلاة التي تليها وفصل صلاة الفجر؛ لأنها لا تتصل بها صلاة العشاء ولا تتصل بصلاة الظهر.

وقد بينت السنة هذه الأوقات بالتفصيل في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص, وجابر وغيرهما, وهو أن الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله, ووقت العصر من حين أن يصير ظل كل شيء مثله إلى غروب الشمس لكن ما بعد اصفرارها وقت ضرورة, ووقت المغرب من غروب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر, ووقت صلاة العشاء من غروب الشفق الأحمر إلى نصف الليل, ووقت الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس, وهذه حدود الله تعالى لأوقات الصلوات في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم.

فمن صلى صلاة قبل وقتها المحدد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله فهو آثم وصلاته مردودة, لقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ,ولقوله صلي الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (1) . وكذلك من صلاها بعد الوقت لغير عذر شرعي.فمن صلى الظهر قبل زوال الشمس فصلاته باطلة مردودة وعليه قضاؤها.
ومن صلى العصر قبل أن يصير ظل كل شيء مثله فصلاته
(15/372)

باطلة مردودة, عليه قضاؤها إلا أن يكون له عذر شرعي يبيح له جمعها تقديماً إلى الظهر.

ومن صلى المغرب قبل غروب الشمس فصلاته باطلة مردودة, وعليه قضاؤها.

ومن صلى العشاء قبل مغيب الشفق الأحمر فصلاته باطلة مردودة, وعليه قضاؤها إلا أن يكون له عذر شرع يبيح له جمعها تقديماً إلى المغرب.

ومن صلى الفجر قبل طلوع الفجر فصلاته مردودة, وعليه قضاؤها. هذا ما تقتضيه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم.وعلى هذا فمن جمع صلاة العصر إلى صلاة الجمعة فقد صلاها قبل أن يدخل وقتها ,وهو أن يصير ظل كل شيء مثله فتكون باطلة مردودة. فإن قال قائل: أفلا يصح قياس جمع العصر إلى الجمعة على جمعها إلى الظهر؟

فالجواب: لا يصح ذلك لوجوه:

الأول: أنه قياس في العبادات.

الثاني: أن الجمعة صلاة مستقلة منفردة أحكامها تفترق مع الظهر بأكثر من عشرين حكماً, ومثل هذه الفروق تمنع أن تلحق إحدى الصلاتين بالأخرى.

الثالث: أن هذا القياس مخالف لظاهر السنة, فإن في صحيح مسلم عن عبد الله عباس - رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع
(15/373)

بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر, فسئل عن ذلك, فقال: أراد أن لا يحرج أمته (1) .

وقد وقع المطر الذي فيه المشقة في عهد النبي صلي الله عليه وسلم ولم يجمع فيه بين العصر والجمعة كما في صحيح البخاري وغيره عن أنس بن مالك أن النبي صلي الله عليه وسلم استسقى يوم الجمعة وهو على المنبر, وفما نزل من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته, ومثل هذا لا يقع إلا من مطر كثير يبيح الجمع لو كان جائزاً بين العصر والجمعة, قال: وفي الجمعة الأخرى دخل رجل فقال: يا رسول الله! غرق المال, وتهدم البناء, فادع الله يمسكها عنا (2) ,ومثل هذا يوجب أن يكون في الطرقات وحل يبيح الجمع لو كان جائزاً بين العصر والجمعة. فإن قال قائل: ما الدليل على منع جمع العصر والجمعة؟

فالجواب: أن هذا السؤال غير وارد؛ لأن الأصل في العبادات المنع إلا بدليل, فلا يطالب من منع التعبد لله تعالى بشيء من الأعمال الظاهرة أو الباطنة, وإنما يطالب بذلك من تعبد به لقوله تعالى منكراً على من تعبدوا الله بلا شرع: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه) .وقال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً) وقال النبي صلي الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس فيه أمرنا فهو رد) . وعلى هذا:

فإذا قال قائل: ما الدليل على منع جمع العصر مع الجمعة؟ قلنا: ما الدليل على جوازه, فإن الأصل وجوب فعل صلاة العصر
(15/374)

في وقتها خولف هذا الأصل في جمعها عند وجود سبب الجمع فبقي ما عداه على الأصل, وهو منع تقديمها على وقتها.

فإن قال قائل: أرأيتم لو نوى بصلاة الجمعة صلاة الظهر ليتم له الجمع؟ فالجواب: إن كان ذلك إمام الجمعة في أهل البلد أي أن أهل البلد نووا بالجمعة صلاة الظهر فلا شك في تحريمه وبطلان الصلاة؛ لأن الجمعة واجبة عليهم, فإذا عدلوا عنها إلى الظهر فقد عدلوا عما أمروا به إلى ما لم يؤمر به, فيكون عملهم باطلاً مردوداً لقول النبي صلي الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (1) . وأما إن كان الذي نوى بالجمعة الظهر كمسافر صلى الجمعة وراء من يصليها فنوى بها الظهر ليجمع إليها العصر فلا يصح أيضاً, لأنه لما حضر الجمعة لزمته, ومن لزمته الجمعة فصلى الظهر قبل سلام الإمام منها لم تصح ظهره. وعلى تقدير صحة ذلك فقد فوت على نفسه خيراً كثيراً وهو أجر صلاة الجمعة.

هذا, وقد نص صاحباً المنتهى والإقناع على أن الجمعة لا يصح جمع العصر إليها ذكراً ذلك في أول باب صلاة الجمعة.

وإنما أطلت في ذلك للحاجة إليه, والله أسأل أن يوفقنا للصواب, ونفع العباد, إنه جواد كريم. كتبه محمد الصالح العثيمين في 12/6/1419هـ.
(15/375)

فصل
قال فضيلة الشيخ - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -:

الفروق بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر

بسم الله الرحمن الرحيم

1- صلاة الجمعة لا تنعقد إلا بجمع على خلاف بين العلماء في عدده, وصلاة الظهر تصح من الواحد والجماعة.

2- صلاة الجمعة لا تقام إلا في القرى والأمصار, وصلاة الظهر في كل مكان.

3- صلاة الجمعة لا تقام في الأسفار, فلو مر جماعة مسافرون ببلد قد صلوا الجمعة لم يكن لهؤلاء الجماعة أن يقيموها, وصلاة الظهر تقام في السفر والحضر.

4- صلاة الجمعة لا تقام إلا في مسجد واحد في البلد إلا لحاجة, وصلاة الظهر تقام في كل مسجد.

5- صلاة الجمعة لا تقضي إذا فات وقتها, وإنما تصلي ظهراً؛ لأن من شرطها الوقت, وصلاة الظهر تقضى إذا فات وقتها لعذر.

6- صلاة الجمعة لا تلزم النساء, بل هي من خصائص الرجال, وصلاة الظهر تلزم الرجال والنساء.

7- صلاة الجمعة لا تلزم الأرقاء على خلاف في ذلك وتفصيل, وصلاة الظهر تلزم الأحرار والعبيد.

8- صلاة الجمعة تلزم من لم يستطيع الوصول إليها إلا راكباً,
(15/376)

وصلاة الظهر لا تلزم من لا يستطيع الوصول إليها راكباً.

9. صلاة الجمعة لها شعائر قبلها, كالغسل, والطيب, ولبس أحسن الثياب ونحو ذلك, وصلاة الظهر ليست كذلك.

10.صلاة الجمعة إذا فاتت الواحد قضاها ظهراً لا جمعة, وصلاة الظهر إذا فاتت الواحد قضاها كما صلاها الإمام إلا من له القصر.

11. صلاة الجمعة يمكن فعلها قبل الزوال على قول كثير من العلماء, وصلاة الظهر لا يجوز فعلها قبل الزوال بالاتفاق.

12. صلاة الجمعة تسن القراءة فيها جهراً, وصلاة الظهر تسن القراءة فيها سراً. 13. صلاة الجمعة تسن القراءة فيها بسور معينة إما سبح والغاشية وإما الجمعة والمنافقون, وصلاة الظهر ليس لها سور معينة.

14.صلاة الجمعة ورد في فعلها من الثواب وفي تركها من العقاب ما هو معلوم, وصلاة الظهر لم يرد فيها مثل ذلك.

15. صلاة الجمعة ليس لها راتبه قبلها, وقد أمر النبي صلي الله عليه وسلم من صلاها أن يصلي بعدها أربعاً, وصلاة الظهر لها راتبه قبلها ولم يأت الأمر بصلاة بعدها.

16. صلاة الجمعة تسبقها خطبتان, وصلاة الظهر ليس لها خطبة.

17.صلاة الجمعة لا يصح البيع والشراء بعد ندائها الثاني ممن تلزمه, وصلاة الظهر يصح البيع والشراء بعد ندائها ممن تلزمه.

18. صلاة الجمعة إذا فاتت في مسجد لا تعاد فيه ولا غيره,
(15/377)

وصلاة الظهر إذا فاتت في مسجد أعيدت فيه وفي غيره.

19. صلاة الجمعة يشترط لصحتها إذن الإمام على القول بعض أهل العلم, وصلاة الظهر لا يشترط لها ذلك بالاتفاق.

20. صلاة الجمعة رتب في السبق إليها ثواب خاص مختلف باختلاف السبق, والملائكة على أبواب المسجد يكتبون الأول فالأول, وصلاة الظهر لم يرد فيها مثل ذلك.

21. صلاة الجمعة لا إبراد فيها في شدة الحر, وصلاة الظهر يسن غيها الإبراد في شدة الحر

22. صلاة الجمعة لا يصح جمع العصر إليها في الحال التي يجوز فيها جمع العصر إلى الظهر, وصلاة الظهر يصح جمع العصر إليها حال وجود العذر المبيح.

هذا وقد عداها بعضهم إلى أكثر من ثلاثين حكماً, لكن بعضها أي الزائد عما ذكرنا فيه نظراً أو داخل في بعض ما ذكرناه.

كتبه محمد الصالح العثيمين وتم ذلك في 15/6/1419هـ.
(15/378)

1118 سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الجمع بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء في الحضر؟

فأجاب فضيلته بقوله: الجمع بين الظهر في العصر, أو بين المغرب والعشاء في الحضر جائز إذا كان في تركه مشقة, أو تفويت جماعة مثال الأول: المرض, ومثال الثاني: الجمع حال المطر لجماعة المسجد, فإن بإمكان كل واحد أن يصلي وحده في بيته في الوقت, لكن لما كان ذلك تفوت به الجماعة أباح الشرع الجمع كما في حديث ابن عباس – رضي الله عنهما - (أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر) (1) .

* * *

1119 سئل فضيلة الشيخ: ركبت الطائرة من جيزان الساعة الثانية ظهراً, وأردت أن أجمع في الطائرة بين صلاتي الظهر والعصر فقيل لي لا بد أن تجمع في وقت أحدهما فانتظر دخول وقت العصر ونظراً لأني متوجه للقصيم من جدة فوجئت بإعلان الرحلة فصليت على متن الطائرة لأنها لن تصل القصيم إلا بعد غروب الشمس, فهل صلاتي صحيحة؟ وهل صحيح أنه لابد من الجمع في وقت أحد الصلاتين؟

فأجاب فضيلته بقوله: الإنسان إذا كان مسافراً فيسن له القصر
(15/379)

بل هو الأفضل من الإتمام, كذلك الجمع إذا احتاج إليه, وما ذكرت عن نفسك فإنك محتاج إلى الجمع, وقول الذي أفتاك بوجوب الجمع في وقت أحدهما قول ليس بصحيح, فإذا جاز الجمع بين الصلاتين صار وقت الصلاتين وقت واحد, فيجوز لك أن تصلي في وقت الأولى, أو في وقت الثانية, أو في آخر الأولى وأول الثانية.

فأنت بالخيار ولو أنك أديت الصلاة في مطار جدة قبل ركوب الطائرة لكان هذا هو الواجب عليك, ولكن نظراً لأنك لم تتمكن من أدائهما بناء على فتوى الذي أفتاك ,وصليتهما في الطائرة فهذا منتهى مقدورك, ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها, وصلاتك صحيحة ولا إعادة عليك.

* * *
(15/380)

رسالة
فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين

حفظه الله تعالى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نحن مجموعة مشاركين في مؤتمر. . . . والمنعقد في منطقة. . . . وقد قدمنا من خارج المنطقة وحددت مهمة البعض منا بخمسة أيام, والبعض الآخر بثلاثة أيام, ولا نعلم أحكام الصلاة في حال السفر هذا ,هل نصلي جمع وقصر أم قصر بدون جمع أم يلزمنا أداء الصلاة المساجد؟ أفيدونا أفادكم الله.

بسم الله الرحمن الرحيم

الجواب: الأصل أن الجماعة تلزمكم في المساجد مع الناس حيث كنتم في مكان تسمعون فيه النداء بدون مكبر صوت؛ لقربكم من المسجد. فإن كنتم في مكان بعيد لا تسمعون فيه النداء لولا مكبر الصوت, فصلوا جماعة في أماكنكم, وكذلك إذا كان في ذهابكم إلى المسجد إخلال بمهمتكم التي قدمتم من أجلها, فصلوا جماعة في أماكنكم.

ولكم قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين؛ لأنكم في سفر وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قدم عام الفتح في مكة تسعة عشر يوماً يقصر
(15/381)

الصلاة (1) ,وأقام في تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة (2) وإقامتكم أنتم ذلك.

أما الجمع فالأفضل أن لا تجمعوا؛ إلا أن يشق عليكم ترك الجمع فاجمعوا, وإن جمعتم بدون مشقة فلا حرج لأنكم على سفر, وفقكم الله وبارك فيكم.

كتبه محمد الصالح العثيمين 18/4/1413هـ.
(15/382)

1120 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الجمع بين الصلاتين في حال الحرب والخوف من العدو؟ وما هي سنة النبي صلي الله عليه وسلم في الجمع في حاله الحرب؟ وهل يجوز لنا الجمع ولو طالت المدة عدة سنوات؟

فأجاب فضيلته بقوله: الجمع له ميزان وهو المشقة, فإذا شق على الإنسان أن يفرد كل صلاة في وقتها فله الجمع لحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال (جمع رسول الله صلي الله عليه وسلم بين الظهر والعصر, والمغرب والعشاء, بالمدينة في غير خوف ولا مطر) . قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يخرج أمته (1) . فهذا يدل على أن مدار الجمع على الحرج والمشقة. ويجوز لهم الجمع ولو بقوا عدة سنوات, ولا أعلم في هذه سنة سوى حديث ابن عباس السابق, وهو قاعدة عامة وهي المشقة, فإنه يجوز الجمع سواءً في الحرب أو في السلم, وفي الحضر والسفر.

* * *

سئل فضيلة الشيخ: إذا غادر الإنسان بلده مسافراً فهل يجوز له الجمع والقصر مع أنه يشاهد بنيان البلد؟

فأجاب فضيلته بقوله: ذكر العلماء – رحمهم الله – أنه لا يشترط لفعل القصر والجمع – حيث أبيح فعلهما – أن يغيب الإنسان عن البلد, بل متى خرج من سور البلد جاز له ذلك, وإن كان يشاهدها, وكذلك الحال فيمن قدم إليها له أن يفعل رخص السفر
(15/383)

حتى يدخل في سورها, ومتى ثبت هذا فإن للمسافر أن يقصر ويجمع ويفطر. والله أعلم.

* * *

1122 سئل فضيلة الشيخ: إذا سافر أناس ثم أراد الله فتعطلوا في الوادي فهل لهم أن يفطروا ويجمعوا ويقصروا على اعتبار أنهم مسافرون أو لا على اعتبار أن الوادي جزء من عنيزة؟

فأجاب فضيلته بقوله: جواب هذا السؤال يفهم مما سبق, فإنه وإن كان الوادي ينسب إلى عنيزة لا يمنتع أن يقصروا فيه من سافر من عنيزة, وله أن يفعل بقية رخص السفر ما دام عازماً على السفر, ولو بقي أكثر من يوم ,والله أعلم.

* * *

1123 سئل فضيلة الشيخ: إذا كنت سأسافر بعد أذان المغرب فهل أجمع المغرب والعشاء وأقصر؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت في بلدك لم تخرج وأردت أن تسافر بعد صلاة المغرب مباشرة فإنك لا تجمع, لأنه ليس لك سبباً يبيح للجمع إذ أنك لم تغادر بلدك, أما إذا كنت في بلد قد سافرت إليه مثل أن تكون قد أتيت إلى مكة للعمرة, ثم أردت أن تسافر بين المغرب والعشاء فإنه لا بأس إذا صلى الإمام المغرب أن تصلي بعده العشاء مقصورة إلى بلدك.

* * *
(15/384)

1124 سئل فضيلة الشيخ: عن امرأة تعاني من مرض الربو وفي بعض الأحيان لا يستطيع أن تتوضأ ولا تتيمم لوصول الغبار لأنفها, فكيف تصلي؟ هل تجمع الصلاة بعد أن تأتي عليها الأزمة علماً بأن هذه الأزمة تستمر ليومين أو ثلاثة؟

فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز لها وهي مريضة بهذا المرض الذي يلزم منه أن تتعب عند الوضوء لكل صلاة يجوز لها أن تجمع بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء وأنا أشير عليها ما دامت هذه حالها أن تجمع بين الظهر والعصر جمع تأخير وتتوضأ لهما وتجمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم لتكون متطهرة بطهارة واحدة لجميع الصلوات الأربع, ويبقى عليها طهارة واحدة للفجر؛ لأن هذا أيسر, والله تبارك وتعالى يحب من عباده أن يفعلوا ما هو الأيسر كما قال الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْر) (البقرة: من الآية185) وقال نبيه صلي الله عليه وسلم (إن الدين يسر) (1) وقال أبو برزة – رضي الله عنه - (لقد صحبت النبي صلي الله عليه وسلم ورأيت من تيسيره) (2) .يعني رأيت أنه يحب اليسر والتيسير على الأمة؛ لأن التيسير على الأمة فيه فائدتين عظيمتين:

أولاً: أنه هو الموافق لروح الدين الإسلامي.

الثاني: أن النفوس تقبل الدين بانشراح وسعة وقبول وإذ عان تام ,بخلاف ما إذا شدد عليها بدون بينة وبرهان.
(15/385)

رسالة

فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى ورعاه.

السلام عليم ورحمة الله وبركاته.

لا حظنا كثرة الجمع في الأيام الماضية وتساهل الناس فيه فهل ترون مثل هذا البرد مبرراً للجمع أثابكم الله؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

لا يحل تساهل الناس في الجمع؛ لأن الله تعالى قال: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية103) . وقال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الإسراء:78) . فإذا كانت الصلاة مفروضة موقوتة، فإن الواجب أداء الفرض في وقته المحدد له، المجمل في قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) إلى آخرها وبين النبي صلي الله عليه وسلم ذلك مفصلاً فقال: ((وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل طوله ما لم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل) (1) .
__________
(1) رواه مسلم في المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس ح 174 (612) .
(15/386)

وإذا كان النبي صلي الله عليه وسلم حدد الأوقات تحديداً مفصلاً فإن إيقاع الصلاة في غير وقتها من تعدي حدود الله (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: من الآية229) فمن صلى الصلاة قبل وقتها عالماً عامداً فهو آثم وعليه الإعادة، وإن لم يكن عالماً عامداً فليس بآثم لكن عليه الإعادة، وهذا حاصل بجمع التقديم بلا سبب شرعي فإن الصلاة المقدمة لا تصح وعليه إعادتها.

ومن أخر الصلاة عن وقتها عالماً عامداً بلا عذر فهو آثم ولا تقبل صلاته على القول الراجح وهذا حاصل بجمع التأخير بلا سبب شرعي، فإن الصلاة المؤخرة لا تقبل على القول الراجح.

فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى ولا يتساهل في هذا الأمر العظيم الخطير.

وأما ما ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: ((أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر) فلا دليل فيه على التساهل في هذا الأمر، لأن ابن عباس -رضي الله عنهما- سئل: (ماذا أراد إلى ذلك؟ يعني النبي صلي الله عليه وسلم؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته) (1) ، وهذا دليل على أن السبب المبيح للجمع هو الحرج في أداء كل صلاة في وقتها، فإذا لحق المسلم حرج في أداء ككل صلاة في وقتها جاز له الجمع أو سن له ذلك، وإن لم يكن عليه حرج وجب عليه أن يصلي كل صلاة في وقتها.
__________
(1) رواه مسلم، تقدم تخريجه ص 266.
(15/387)

وبناء على ذلك فإن مجرد البرد لا يبيح الجمع إلا أن يكون مصحوباً بهواء يتأذى به الناس عند خروجهم إلى المساجد، أو مصحوباً بنزول يتأذى به الناس.

فنصيحتي لإخواني المسلمين ولا سيما الأئمة أن يتقوا الله في ذلك، وأن يستعينوا الله تعالى في أداء هذه الفريضة على الوجه الذي يرضاه. قاله كاتبه محمد الصالح العثيمين في 8/7/1413هـ.
(15/388)

خطبة الجمعة 13/7/1412هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً.

أما بعد:

أيها الناس اتقوا ربكم وصلوا خمسكم، وأطيعوا إذا أمركم، واعلموا أن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، ووصف من تعدى حدوده بأنه ظالم، ظلم نفسه وعصى ربه، فقال: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة: من الآية229) . وقال: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (النساء:13، 14) .

أيها المسلمون: إن مما فرضه الله وأوجبه وبيّن حدوده وأظهره صلواتكم هذه التي هي ركن من أركان الإسلام، بل هي أعظم أركانه بعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فلا
(15/389)

ركن أعظم وأوجب منها بعد دخول الإنسان في الإسلام، وقد أمر الله بالمحافظة عليها، وتوعد من أضاعها، فقال جل ذكره: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) (البقرة: من الآية238) وقال (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً) (مريم:59،60) .

وإن مما حده لله لهذه الصلوات الوقت، حيث بيّن سبحانه أن فرضها فرض موقت غير مطلق، فقال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية103) ولهذا كانت المحافظة على الوقت أوكد من المحافظة على غيره، فالمريض يصلي في الوقت على أي حال كان بقدر استطاعته ولا ينتظر البرء، وعدم الماء يصلي في الوقت بالتيمم ولا ينتظر وجود الماء، فإن لم يجد ما يتيمم به صلى على حاله ولا ينتظر وجود ما يتيمم به، ومن احترقت ثيابه ولم يجد ثوباً صلى عارياً ولا ينتظر الحصول على الثوب. وهذا وأمثاله يدل على أهمية وقوع الصلاة في وقتها. وقد بين الله تعالى أوقات الصلاة مجملة في كتابه في سنة رسوله صلي الله عليه وسلم، فقال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الإسراء:78) وفي مسند الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله –رضي الله عنه- (أن جبريل أتى النبي صلي الله عليه وسلم فقال: قم فصّلى، فصلى به الظهر حين زالت الشمس، ثم العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم المغرب حين غابت الشمس، ثم العشاء حين غاب الشفق، ثم الفجر حين
(15/390)

سطع الفجر، ثم جاءه في اليوم الثاني فصلى به الظهر حين صار ظلّ كل شيء مثله، ثم العصر حين صار ظلّ كل شيء مثليه، ثم المغرب وقتاً واحداً لم يزُلْ عنه، ثم العشاء حين ذهب نصف الليل، أو ثلث الليل، ثم الفجر حين أسفر جدًّا، ثم قال: ما بين هذين وقت) (1) ، قال البخاري: هو أصح شيء في المواقيت (2) .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس....) (3) فهذه أوقات الصلوات محددة معلومة لا يحل لمسلم أن يقدم صلاة على وقتها بإجماع المسلمين، فإن فعل ذلك متعمداً فهو آثم وصلاته باطلة، وإن فعل ذلك جاهلاً فليس بآثم ولكن عليه الإعادة وتكون صلاته قبل الوقت نافلة. ومن تقديم الصلاة على وقتها أن يجمع العصر إلى الظهر، أو العشاء إلى المغرب بدون عذر شرعي يبيح له الجمع، فإن ذلك من تعدي حدود الله تعالى والتعرض لعقوبته؛ لأنه إضاعة لفريضة من أركان الإسلام، ووقوع في كبيرة من كبائر الذنوب، فقد كتب
__________
(1) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) 3/330 (14522)
(2) نيل الأوطار1/372.
(3) رواه مسلم، وتقدم ص386.
(15/391)

عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى عامل له: (ثلاث من الكبائر: الجمع بين صلاتين إلا من عذر، والنهب، والفرار من الزحف) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيميه بعد ذكر الجملة الأولى من هذا الأثر: رواه الترمذي (1) مرفوعاً، وقال: العمل عليه عند أهل العلم والأثر أهـ. (مختصر الفتاوى المصرية 164) .وقد تهاون بعض الناس في هذه المسألة فصاروا يجمعون بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في أيام المطر بدون عذر، قال مسلم في صحيحه ((أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء في غير خوف ولا مطر, فقيل له: ما راد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته) (2) . وهذا الحديث إذا تأمله المتأمل يتبين له أن مجرد نزول المطر ليس عذراً يبيح الجمع بين الصلاتين بل لا يكون عذراً حتى يكون في تركك الجمع مشقة وحرج. قال شيخ الإسلام ابن تيميه في حديث ابن عباس: هذا وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته, فإذا احتجوا إلى الجمع جمعوا. وقال أيضاً: فالأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته, فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة.وببيان عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - وكلام شيخ
__________
(1) أخرجه البيهقي في ((سننه)) 3/169.
(2) رواه مسلم، وتقدم تخريجه ص226.
(15/392)

الإسلام ابن تيميه يتبين جلياً أنه لا يحل الجمع بين الصلاتين حتى يوجد الحرج في ترك الجمع.وقد بين أهل العلم - رحمهم الله - المطر الذي يبيح الجمع ويحصل به في ترك الجمع مشقة. فقال في المغني 2/375: والمطر الذي يبيح الجمع هو ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه, فأما الطل والمطر الخفيف الذي لا يبل الثياب فلا يبيح, وأما الوحل بمجرده ففيه خلاف بين المذاهب, وبين أصحاب الإمام هل هو عذر أو لا؟ والصحيح: أنه عذر متى كانت المشقة.

وهنا سؤالان:

الأول: إذا كانت السماء غائمة ولم يكن مطر ولا وحل ولكن المطر متوقع فهل يجوز الجمع؟

الجواب: أنه لا يجوز الجمع في هذه الحال لأن المتوقع غير واقع, وكم من حال يتوقع الناس فيها المطر لكثافة السحاب ثم يتفرق ولا يمطر.

الثاني: إذا كان مطر ولكن شكنا هل هو مطر يبيح الجمع أو لا؟

والجواب: أنه لا يجوز الجمع في هذه الحال, لأن الأصل وجوب فعل الصلاة في وقتها فلا يعدل عن الأصل إلا بيقين العذر. فاتقوا الله عباد الله, والتزموا حدود الله ,ولا تتهاونوا في دينكم واسألوا العلماء قبل أن تقدموا على شيء تحملون به ذممكم مسؤولية عباد الله في عبادة الله, واعلموا أن الأمر خطير, وأن الصلاة في وقتها أمر واجب بإجماع المسلمين, وأما الجمع فرخصة
(15/393)

حيث وجد السبب المبيح: إما مباح وفعله أفضل, أو مباح وتركه أفضل, وما علمت أحداً من العلماء قال: إنه واجب. فلا تعرضوا أمراً أجمع العلماء على وجوبه لأمر اختلف العلماء في أفضليته. اللهم وفقنا للعمل لما يرضيك عنا, اللهم اجعلنا هداة مهتدين, وصالحين مصلحين, إنك جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(15/394)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى جناب الوالد المكرم الفاضل الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله بطاعته آمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتابك الشريف وصل ومن ضمنه الأجوبة وصلت أثاب الله الجنة وغفر ذنبك, وسلك بك طريق رشده وهاده آمين يا رب العالمين, وبعد:

بارك الله فيك إذا كان هناك جمع بين المغرب والعشاء للمطر وصلى الناس المغرب, وقام الإمام لصلاة العشاء المجموعة؛ وقام رجل لم يسلم من صلاة المغرب ولم يحرم لصلاة العشاء فهل تجزيه صلاته مع الإمام على هذه الصفة؟ أفتني أثابك الله الجنة بمنه وكرمه.

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم. . . . حفظه الله

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. . . . . وبعد:

الحمد لله على وصول الأجوبة ونسأل النفع بها. الرجل المذكور الذي قام مع الإمام في الجمع بدون سلام من صلاة المغرب, وبدون تكبيرة إحرام للعشاء هذا الرجل صلاته المغرب باطلة لأنه لم يسلم منها بل قرنها بصلاة أخرى, والسلام ركن, وقرن الصلاة أخرى بدون سلام من الأولى لا يجوز.
(15/395)

وكذلك صلاته العشاء باطلة؛ لأنه لم يكبر لها تكبيرة الإحرام ووصلها بصلاة ثانية. وعلى هذا فيجب عليه إعادة الصلاتين صلاة المغرب, وصلاة العشاء مع التوبة إلى الله من هذا العمل.

هذا ما لزم والله يحفظكم والسلام ورحمة الله وبركاته.

حرر في 28/2/1394هـ.
(15/396)

1125 سئل فضيلة الشيخ: ما قولكم فيمن يجمع الصلاة مريد للسفر لكنه لم يغادر بلده؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا وجه لجمع من أراد السفر قبل أن يغادر البلد, اللهم إلا أن يخشى من مشقة إذا نزل للصلاة أثناء سفره, ومن جمع لغير هذه الخشية واستدل بحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - فقد أبعد النجعة؛ لأن ابن عباس حين سئل لم صنع رسول الله صلي الله عليه وسلم ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته (1) .

* * *
__________
(1) رواه مسلم، وتقدم تخريجه ص226.
(15/397)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد صالح العثيمين حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, وبعد:

فإننا نسكن في منطقة كثيرة الأمطار, والناس يختلفون كثيراً في الأسباب التي بسببها يجمع بين الصلاة المغرب والعشاء, فنرجو توضيح ذلك لنا, علماً أنه في أحد الأيام كانت هناك ظلمة شديدة والمطر ينزل من قبل صلاة المغرب إلى بعد العشاء, ولكنه كان خفيفاً والشوراع مضاءة معبدة, فمن المساجد من جمع, ومنها من لم يجمع, واختلف الناس وأعاد صلاة العشاء البعض حتى اختلف أئمة المساجد فيها بين مرخص ومشدد, ونظراً لتكرار هذا الأمر دائماً عندنا نرجو منكم إفادتنا, وجزاكم الله خيراً.

بسم الله الرحمن الرحيم

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

الأصل: وجوب فعل الصلاة في وقتها, فلا يحل تقديمها على وقتها, ولا تأخيرها عنه, لقول الله تعالى: (كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية103) ,وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم أوقاتها بياناً كاملاً, لكن إذا كان هناك عذر يبل الثياب, أو وحل في الأسواق, أو نقع ماء يتأذى بها الناس فالجمع سنة, لقول
(15/398)

ابن عباس - رضي الله عنهما -:جمع النبي صلي الله عليه وسلم في المدينة من غير خوف ولا مطر بين الظهر والعصر ,وبين المغرب والعشاء, فسألوه: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج على أمته (1) ,أي أن لا يلحقها حرجاً بترك الجمع. واختلاف الناس عندكم في الجمع إما لأن بعض الأسواق يكون فيها العذر المبيح للجمع, وبعضها لا يكون فيها ذلك, وإما لأن بعض الأئمة يرى قيام العذر فيجمع, وبعضهم لا يرى ذلك فلا يجمع. والأمر واسع في هذا الاختلاف.

ومتى شك الإنسان هل تحقق العذر أم لا, فلا يجمع, لأن الأصل وجوب فعل كل صلاة في وقتها ولكن يقول للناس: من شق عليه الحضور للمسجد فليصل في بيته, لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة فيقول: صلوا في رحالكم, وهذا من يسر الإسلام, وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى.

كتبه محمد الصالح العثيمين في 25/7/1418هـ.
(15/399)

1126 سئل فضيلة الشيخ: كنت إماماً وصليت المغرب والعشاء جمعاً وصليت العشاء ركعتين جهلاً مني, وكنت شاكاً في ذلك, وبعد خروجي من المسجد علمت أن الجمع والقصر للمسافر, أما المقيم فيجمع ولا يقصر أثناء المطر والريح الشديدة, فهل على ذنب أو كفارة؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.

فأجاب فضيلته بقوله: الواجب عليك في هذه الحالة أن تعيد صلاة العشاء, وأن تنبه الجماعة الذين صلوا معك ركعتين أن يعيدوها, وأن تبين لهم أنه لا تلازم بين القصر أبداً, وربما يجوز له الجمع إذا وجدت أسباب جوازه, وعلى كل حال فعليك أن تعيد أنت وجماعتك الصلاة التي صليتموها ركعتين. وإذا وجد الجماعة الذين صلوا معه لينبههم على ما حصل, ينبه من يجدهم, وهم بدورهم ينبهون من يرونه من المصلين. والله الموفق

* * *

1127 سئل فضيلة الشيخ: ما هي رخص السفر؟

فأجاب فضيلته بقوله: رخص السفر أربع:

1- صلاة الرباعية ركعتين.

2- الفطر في رمضان, ويقضيه عدة من أيام أخر.

3- المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها ابتداء من أول مرة مسح.

4- سقوط المطالبة براتبه الظهر, والمغرب, والعشاء, أما راتبه
(15/400)

الفجر وبقية النوافل على مشروعيتها واستحبابها. فيصلي المسافر صلاة الليل, وسنة الفجر, وركعتي الضحى وسنة الوضوء, وركعتي دخول المسجد, وركعتي القدوم من السفر, فإن من السنة إذا قدم الإنسان من سفر أن يبدأ قبل دخول بيته بدخول المسجد فيصلي فيه ركعتين (1) . وهكذا بقية التطوع بالصلاة فإنه لا يزال مشروعاً بالنسبة للمسافر ما عدا ما قلت سابقاً وهي:راتبه الظهر, وراتبه المغرب, وراتبه العشاء, لأن النبي صلي الله عليه وسلم كان لا يصلي هذه الرواتب الثلاث.

* * *

1128 سئل فضيلة الشيخ: ما هي أحكام السفر من حيث القصر في الصلاة والإفطار في الصيام؟

فأجاب فضيلته بقوله: السفر سبب مبيح لقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين, بل إنه أي السفر سبب يقتضي قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين, إما وجوباً وإما ندباً على خلاف في ذلك.
والصحيح أن القصر مندوب, وليس بواجب, وإن كان في النصوص ما ظاهره الوجوب, ولكن هناك نصوص أخرى تدل على أنه ليس بواجب.
والسفر الذي يبيح القصر, ويبيح الفطر, ويبيح مسح الخفين
(15/401)

أو الجوربين ثلاثة أيام, قد اختلف العلماء فيه:

فمنهم من جعله مقروناً بالمسافة, وهي واحد وثمانين كيلو تقريباً, فإذا خرج الإنسان من بلده المسافة, أو عزم على قطع هذه المسافة من بلده, فإنه يكون مسافراً يباح له جميع رخص السفر

ومن العلماء من يقول: إن السفر لا يحد بالمسافة وإنما يحد بالعرف والعادة, لأن الشرع لم يرد بتحديده, وما لم يرد الشرع بتحديده فإنه يرجع فيه إلى العرف والعادة كما قال الناظم:

وكل ما أتى ولم يحدد بالشرع كالحرز فبالعرف أحدد وعلى كل حال فإذا ثبتت أحكام السفر, سواء قلنا إنه مقيد بالمسافة أو مقيد بالعرف, فإن أحكام السفر ينبغي للإنسان أن يفعلها, سواء كانت قصراً, أو أفطر في رمضان, أو مسحاً على الجوربين ثلاثة أيام, إلا أن الأفضل للمسافر هو الصيام ما لم يشق عليه فالفطر أفضل.

وبهذه المناسبة أود أن أذكر إخواننا المعتمرين الذين يقدمون إلى مكة لأداء العمرة ,إلى أن بعضهم يقضي عمرته في النهار, ويشق عليه الصوم مع ذلك مشقة عظيمة, حتى إن بعضهم يغمى عليه, وينقل, هذا خطأ عظيم جداً, لأن المشروع في حق هؤلاء أن يفطروا. فإذا قال قائل: هل الأفضل أن أفطر وأؤدي العمرة من حين أن أصل؟ أو الأفضل أن أمسك ولا أؤدي العمرة إلا في الليل؟

فالجواب: أن الأول أفضل, وهو أن يفطر ويؤدي العمرة في
(15/402)

النهار, لأن النبي صلي الله عليه وسلم كان إذا أعتمر بادر بأداء العمرة, حتى إنه ((كان إذا قدم حاجاً أو معتمر لا ينيخ بعيره إلا عند باب المسجد) عليه الصلاة والسلام فيؤدي عمرته (1) .

وهذا يحصل من بعض الناس في هذا البلد أو في غيره من الصيام في رمضان مع المشقة, إنما يكون عن اجتهاد منهم, ولكن الشرع ليس بالهوى, وإنما هو بالهدى, فكون الإنسان يشق على نفسه وهو مريض فيصوم, أو يشق على نفسه وهو مسافر فيصوم, فإن ذلك خلاف السنة, وخلاف ما يحب الله عز وجل, كما في حديث ابن عمر 0 رضي الله عنهما - قال الرسول صلي الله عليه وسلم (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته) (2) .

* * *
(15/403)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم

من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم مدير الشؤون الدينية. . . . حفظه الله تعالى وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, وإليك الجواب على ما سألتم عنه:

الأول: سؤالكم عن جواز الجمع والقصر لكم.

وجوابه: أن القصر والجمع جائز لكم, لكن الأفضل ترك الجمع إلا لحاجة مثل أن يكون الماء قليلاً, وإن جمعتم بدون حاجة فلا بأس لأنكم مسافرون فإنكم انتدبتم لعمل موقت لا تنوون استيطاناً, ولا إقامة مطلقة, وإنما إقامتكم لحاجة متى انتهت رجعتم إلى بلادكم. وقد ثبت (أن النبي صلي الله عليه وسلم أقام في تبوك عشرين يوماً يصلي ركعتين) (1) وأقام عام الفتح في مكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة (2) ,وما زال المسلمون يقيمون في الثغور الأشهر وربما السنة والسنتين (3) ويقصرون الصلاة, ولم يحد النبي صلي الله عليه وسلم لأمته حداً ينقطع به حكم السفر لمن كان مسافراً. هذا هو القول الصحيح.
(15/404)

ويرى بعض العلماء أن من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام لزمه أن يتم.

السؤال الثاني: عن صلاتكم الجمعة.

جوابه: أنه ليس من هدي النبي صلي الله عليه وسلم صلاة الجمعة في السفر, وبناء على ذلك فلا تشرع لكم صلاة الجمعة, وإنما تصلون ظهراً مقصورة. وقد كتب الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – إلى الملك سعود – رحمه الله – كتاباً قال فيه (من خصوص أبا العلا والجنود الذين معه في البرود يصلون الجمعة, وهم ليس في حقهم جمعة, ولا يشرع لهم ذلك, فينبغي المبادرة في تنبيههم على ذلك ومنعهم من التجميع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) .

السؤال الثالث: هل نعتبر مسافرين وعلى ذلك نفطر؟

وجوابه: أنه متى جاز لكم قصر الصلاة جاز لكم الفطر, وقد سبق في الجواب الأول أن القول الصحيح جواز القصر في حقكم ولكن الصوم للمسافر أفضل إذا لم يشق عليه. السؤال الرابع: عن ضابط المشقة:

جوابه: أن المشقة هي أن يحصل للإنسان شيء من التكلف والتحمل, وأما موضوع التدخين فتعلمون – بارك الله فيكم – أن عمومات الكتاب والسنة تدل على تحريمه حيث ثبت ضرره, وعلى هذا فلا يجوز للإنسان شرب الدخان, وينبغي أن يستغل فرصه شهر رمضان للتخلص منه, فإن الصائم في النهار قد خماه منه بالصوم, فليتصبر في الليل عنه حتى يستعين بذلك على التخلص منه, بالإضافة إلى استعانته بالله ودعائه.
(15/405)

السؤال الخامس: هل الأفضل بقاؤكم في عملكم أو استئذانكم للسفر إلى مكة؟

جوابه: أن الأفضل بقاؤكم في عملكم؛ لأنه عمل مهم, وقيام بواجب, وسفركم إلى مكة من قبيل التطوع والقيام بالواجب أفضل من القيام بالتطوع.

السؤال السادس: هل تصلون التراويح وأنتم تقصرون الصلاة؟

وجوابه: نعم, تصلون التراويح, وتقومون الليل, وتصلون صلاة الضحى وغيرها من النوافل, لكن لا تصلون راتبه الظهر أو المغرب أو العشاء.

السؤال السابع: عن التيمم لصلاة الفجر من الجناية إذا كان الجو بارداً.

جوابه: إذا وجب الغسل على أحدكم وكان الماء بارداً, ولم يكن عنده ما يسخن به الماء وخاف على نفسه من المرض فلا بأس أن يتيمم, فإذا تمكن من الغسل بعد دفء الجو والماء أو وجود ما يسخن به الماء وجب عليه أن يغتسل؛ لأن التيمم إنما يطهر حال وجود العذر, فإذا زال العذر عاد الحدث ووجب استعمال الماء.

كتب هذه الأجوبة السبعة محمد الصالح العثيمين في 30/8/1411 هـ.

***
(15/406)

1137 سئل فضيلة الشيخ: عن صلاة المسافر؟ وهل يلزمه الإتمام إذا صلى خلف مقيم؟ وهل تلزمه الجماعة؟ وهل يتطوع بالنوافل؟ وهل يجمع؟ وهل يصوم؟

فأجاب فضيلته بقوله: صلاة المسافر ركعتان من حين أن يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه, لقول عائشة – رضي الله عنها - صلي الله عليه وسلم (أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين, فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر) . وفي رواية (وزيد في صلاة الحضر) (1) وقال أنس بن مالك – رضي الله عنه - (خرجنا مع النبي صلي الله عليه وسلم من المدينة إلي مكة فصلى ركعتين، ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة) (2) . لكن إذا صلى مع إمام يتم صلى أربعاً سواء أدرك الصلاة من أولها أم فاته شيء منها, لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا, فما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) (3) . فعموم قوله (ما أدركتم فصلوا, وما فاتكم فأتموا) يشمل المسافرين الذين يصلون وراء الإمام الذي يصلي أربعاً وغيرهم.وسئل ابن عباس – رضي الله عنهما -:ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: ((تلك السنة) (4) .
(15/407)

ولا تسقط صلاة الجماعة عن المسافر؛ لأن الله تعالى أمر بها في حال القتال فقال: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) الآية.

وعلى هذا فإذا كان المسافر في بلد غير بلده وجب عليه أن يحضر الجماعة في المسجد إذا سمع النداء, إلا أن يكون بعيداً, أو يخاف فوت رفقته لعموم الأدلة على وجوب صلاة الجماعة على من سمع النداء أو الإقامة. وأما التطوع بالنوافل فإن المسافر يصلي جميع النوافل سوى راتبه الظهر, والمغرب, والعشاء, فيصلي الوتر, وصلاة الليل, وصلاة الضحى, وراتبه الفجر وغير ذلك من النوافل غير الرواتب المستثناة. أما الجمع فإن كان سائراً فالأفضل له أن يجمع بين الظهر والعصر, وبين المغرب والعشاء, إما جمع تقديم, وإما جمع تأخير حسب الأيسر له, وكلما أيسر فهو أفضل.

وإن كان نازلاً فالأفضل أن لا يجمع, وإن جمع فلا بأس لصحة الأمرين عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.وأما صوم المسافر في رمضان فالأفضل الصوم, وإن أفطر فلا بأس, ويقضي عدد الأيام التي أفطرها إلا أن يكون الفطر أسهل له, فالفطر أفضل لأن الله يحب أن تؤتي رخصه. والحمد لله رب العالمين. 5/12/1409هـ.

* * *
(15/408)

1130 سئل فضيلة الشيخ: إذا جئت وقد فرغ الإمام من الجمع بين العشاءين فهل لي أن أجمع منفرداً؟

فأجاب فضيلته بقوله: إن كنت تظن أنك تجد مسجداً قريباً منك ولم يجمع فلا تجمع, وإن كنت لا تظن ذلك فإن حضر جماعة وصليتم جميعاً فلا بأس بالجمع, وإن لم يحضر جماعة فالأظهر عدم جواز ذلك؛ لأن الجمع حينئذ لا فائدة منه فإنك سوف ترجع إلى بيتك ولا تخرج منه, والجمع إنما أبيح للحاجة ,وفي مثل هذه الصورة لا حاجة, بخلاف ما لو حضر جماعة فإن في الجمع فائدة وهو حصول الجماعة, والله أعلم.

* * *

1131 سئل فضيلة الشيخ: في صلاة الخوف بعد أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعة يقوم ويثبت قائماً حتى يتموا لأنفسهم وفي أثناء ذلك يقرأ الإمام ولكن هل يعيد قرءاته إذا جاءت الطائفة لتصلي وراءه؟

فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر أنه لا يعيد قراءته وإنما يقرءون هم لأنفسهم سورة الفاتحة فقط إن كان الإمام يجهر, ثم ينصتون لقراءته, وإن كانت الصلاة سرية قرءوا الفاتحة وسورة أخرى

* * *
(15/409)

رسالة
جواب أسئلة الطيارين

قال فضيلة الشيخ - جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -:

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإنني أشكر الله - سبحانه وتعالى - أن وفقني للقاء بإخواني الملاحين الجويين من الطيارين والمهندسين الجويين والمضيفين, والإجابة على استفساراتهم ,خاصة أننا نرى في إخواننا قواد الطائرات من على وجوههم سيما الخير, ونسمع أيضاً ما يسرنا نحو هم وإني أوصيهم بتقوى الله - عز وجل - والحرص التام على راحة الركاب وعلى ما فيه مصلحة الذين والدنيا؛من مراعاة الأمور الشرعية كأوقات الصلوات إذا حلت وهو في الأجواء, وكذلك أوقات الإحرام بالحج والعمرة بحيث ينبهوا الركاب قبل محاذاة الميقات بمدة يتمكنون بها من خلع الثياب العادية ولبس الثياب التي تلبس في الإحرام وليتوسعوا في ذلك, بمعنى إذا قدر أم الوقت الذي يكفي لهذا العمل عشر دقائق فلينبهوا على ذلك قبل هذا الوقت بخمس الدقائق أو أكثر, لأن من الناس من لا يستطيع أن يخلع ملابسه ويلبس ثياب الإحرام بسهولة ويحتاج إلى مدة أطول, ثم إني أقول
(15/410)

الاحتياط في الإحرام قبل الميقات أهون من أن يتجاوز الميقات بدقيقة واحدة؛ لأن الدقيقة واحدة؛ بالنسبة لطائرة تبلغ مسافة كبيرة, كذلك أيضاً لو قدموا التنبيه على الدخول في النسك على الميقات لأنهم إذا لم ينبهوا الإنسان إلا الطائرة في حذاء الميقات لم يتمكن من عقد النية إلا بعد مجاوز الميقات بحكم سرعة الطائرة, ومن المعلوم أنه لا يضر تقدم الإحرام على الميقات ولكن الذي يضر التأخر ولو كان يسيراً, وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من قادة الخير والإصلاح إنه على كل شيء قدير.وإلى الأسئلة:-
(15/411)

1132 سئل فضيلة الشيخ: إذ عدم الماء أو تجمد, أو حيل بين استعماله خشية تسربه ووقوع إضرار منه في الطائرة أو لم يكن كافياً, فكيف يكون الوضوء عدم وجود التراب؟

فأجاب فضيلته بقوله: الوضوء حسب ما ذكرت متعذر أو متعسر والله تعالى يقول: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) . فتيمم الراكب على فراش إن كان فيه غبار وإن لم يكن فيه غبار فإنه يصلي ولو غير طهارة للعجز عنها, وقدر الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) . لكن إذا كان يمكن أن يهبط في المطار في آخر الوقت الثانية وهي مما يجمع إليها ما قبلها, فالعصر يجمع مع الظهر والعشاء يجمع مع المغرب, فليؤخر أي: فلينو جمع التأخير ويصل صلاتين إذا هبط في المطار, والسنة في حق من يجمع بين الصلاتين أن يؤذن لهما أذاناً واحداً وأن يقيم لكل لصلاة إقامة مستقلة بها إقتداء بالنبي صلى الله وسلم حين جمع بين الظهر والعصر يوم عرفة (1) ,أما إذا كان لا يمكن كما لو كان هذا هو وقت الثانية في المجموعتين أو كانت الصلاة لا تجمع إلى ما بعدها كصلاة العصر مع المغرب وصلاة العشاء مع الفجر مع الظهر فهذا يصلي على حسب حاله.

* * *
(15/412)

1133 وسئل فضيلته: يحدث أثناء الرحلات الطويلة أن ينام بعض المسافرين على مقاعدهم فيحتلم أو يصعد إلى الطائرة وهو ناس جنابته أو أن تطهر المرأة من حيضها أو نفاسها مع دخول وقت الفجر, ووصول الطائرة إلى البلد الآخر لا يكون إلا بعد خروج الوقت مع العلم أن أنظمة السلامة في الطائرة تمنع الاغتسال في حمام الطائرة منعاً باتاً لعدم أهليتها لذلك, فما العمل؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان يمكن أن يتيمم على فراش الطائرة تيمم, وإذا لم يمكن بأن كان خالياً من الغبار فإنه يصلي ولو على غير طهر, فإذا قدر هذا الطهر تطهر.

* * *

1134 وسئل – جزاه الله خيراً -:جماعات الطائرة ضيقة وتكون في بعض الأحيان أرضيتها وجدرانها نجسة ظاهرة, وفي حالة الدخول لقضاء الحاجة أو للوضوء أشك في أن ملابسي نجست بالملامسة ولكني أصلي وعند وصولي إلى البلد المسافر إليه أصلي الصلاة مرة أخرى بعد تغيير ملابسي علماً بأن إعادتي للصلاة تكون بعد خروج وقتها ,فما الحكم؟

فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: لا بد أن نتيقن أن جدران الحمام نجسة.

ثانياً: إذا تيقنا ذلك فإنها لا تنجس الثوب بمجرد الملامسة إلا إذا كان الثوب رطباً أو كانت الجدران رطبة بحيث تعلق النجاسة
(15/413)

بالثوب, وإذا كانت النجاسة ظاهرة فبالإمكان إزالتها وتطهير المكان بالماء أو تجفيفه حتى لا تعلق النجاسة بالثوب.

ثالثاً: وإذا تيقنا فيصلي بالثوب النجس, وفي هذه الحالة يجب عليه أن يحول إزالة عين النجاسة عن الثوب يغسل البقعة المراد تطهيرها, وإذا لم يجد ثوباً طاهراً صلى ولا إعادة عليه, لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .

* * *

1135 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم المسح على الجزمة والشراب؟ وما الفرق بين الخف والجزمة؟

فأجاب فضيلته بقوله: الجزمة هي الخف, لكن الجزمة لها ساق قصيرة والخف ساقة أطول, وأما الجوارب فهي الشراب ,فإذا مسح الإنسان على الجزمة تعلق الحكم بها بحيث لو خلعها بعد ذلك, فإنه لا بد أن يتوضأ وضوءاً كاملاً عند إرادة الصلاة, وبعد انتقاض وضوئه, بمعنى أن الإنسان لو مسح على الجزمة ثم صلى ثم خلعها بعد ذلك, فله أن يصلي ما دام على طهارته, لكن إذا انتقض وضوئه فلا بد من أن يخلع الجزمة ويغسل قدميه؛ لأن القاعدة التي ينبغي أن تفهم (أن كل ممسوح إذا نزع بعد مسحه فإنه لا يمكن إعادة المسح عليه إلا بعد الطهارة الكاملة) .

* * *

1136 وسئل – وفقه الله تعالى -:البعض يمسح على الجزمة ويخلعها ويصلي بالجورب فهل فعله صحيح؟ أم هل يجب
(15/414)

المسح على الجورب؟ وما هو الفرق بين الخف والحذاء؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان من عادة الإنسان أن يخلع الخف, فإننا ننصحه أن يمسح على الجوارب من الأول حتى لا يؤثر عليه خلع الخف بعد ذلك, أما إذا مسح على الخف ثم نزعه فإنه يبقى على طهارته كما قلنا في الجواب السابق, فإذا انتقضت طهارته فلا بد من أن يخلع الخف والجوارب التي تحته ويتوضأ وضوءاً كاملاً, والفرق بين الخف والحذاء, أن الخف ساتر للقدم, بخلاف الحذاء.

* * *

1137 وسئل فضيلة الشيخ: هل يبطل الصلاة عدم تحري القبلة خلال السفر بالطائرة؟ وما المقصود بقوله تعالى: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) ؟

فأجاب فضيلته بقوله: يجب على الإنسان أن يتحرى القبلة ما أمكن ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها, ولا يجوز أن يصلي حيث ما بدا له بدون اجتهاد وقوله تعالى: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) يعني: في أي مكان كنتم, ولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام؛ سواء كنتم في البر أو في البحر أو الجو أو في مكان , لكن القاعدة الشرعية أن جميع الواجبات إنما تجب مع القدرة عليها, ثم إن كثيراً من العبادات يكتفي فيها بغلبة الظن ولا يجب فيها اليقين إما لتعذره أو لتعسره وهذا مثل الاتجاه إلى القبلة في الطائرة, فيتحرى القبلة ويستقلها بقدر الإمكان
(15/415)

1138 وسئل فضيلة الشيخ: يتغير اتجاه الطائرة حسب خطوط الملاحة الجوية وهذا التغير بغير اتجاه القبلة فما حكم الصلاة في الطائرة؟

فأجاب بقوله: حكم الصلاة فيما إذا تغير اتجاه الطائرة أن يستدير المصلي في أثناء صلاته إلى الاتجاه الصحيح, كما قال ذلك أهل العلم في السفينة في البحر , أنه إذا تغير اتجاهها فإنه يتجه إلى القبلة ولو أدى ذلك إلى الاستدارة عدة مرات, الواجب على قائد الطائرة إذا تغير اتجاه الطائرة أن يقول للناس قد تغير الاتجاه فانحرفوا إلى الاتجاه الصحيح, هذا في صلاة الفريضة, أما النافلة في السفر على راحلته أينما توجهت به, كما في حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال (كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته, القبلة فكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه) (1) .

* * *

1139 وسئل فضيلته: إذا سأل الراكب في الطائرة عن اتجاه القبلة ثم ذهب إلى الوضوء وأثناء وضوئه تغير اتجاه القبلة بتغير اتجاه الطائرة فما حكم صلاة ذلك الراكب؟ معتمداً في ذلك على ما أخبر حين سؤاله؟

فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على القائد الطائرة إذا تغير اتجاه القبلة أن يقول للناس: قد تغير اتجاه القبلة فانحرفوا إلى
(15/416)

الاتجاه الصحيح أو من الممكن أن يخبر المضيفون الركاب بتغير اتجاه القبلة.

* * *

وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً الجزاء – اجتهدت في معرفة القبلة وأنا على سفر صليت, عند الانتهاء أخبرت بأني صليت إلى غير القبلة فما حكم؟ فأجاب بقوله: إن كنت في البلد ليس محل اجتهاد؛لأنه بالإمكان أن تسأل من حولك, وأما في البر فإذا اجتهدت فأخطأت فصلاتك صحيحة ,ولا إعادة عليك.

* * *

1141 وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -:إذا كنت في بلد المسافة بينه وبين مكة من جهة المشرق هي نفس المسافة بينه وبين مكة من جهة المغرب فعلى أي اتجاه أصلي؟ فأجاب فضيلته بقوله: الذي يظهر في هذه الحال أن يكون مخيراً بين أن يتجه شرقاً أو غرباً؛ لأن الكل سواء, فإذا كان بالإمكان قياس المسافة بينهما فإلى أي الجهتين أقرب يتجه, ولا أظن أن أحداً يحيط بذلك على وجه التحديد, وأنتم ربما مر عليكم قصة (1) الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم سأل عابداً هل لي من توبة فاستعظم العابد هذا الأمر وقال: ليس لك توبة, تقتل تسعاً وتسعين نفساً ثم تقول هل لي من توبة؟ فقتل العابد فأكمل به المائة, ثم سأل عالماً فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة ,ولكنك في أرض
(15/417)

أهلها ظالمون اذهب إلى القرية الفلانية فإن أهلها صالحون, فذهب, وفي أثناء الطريق مات, فأنزل الله ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فتخاصموا أيهم يقبض روحه ,فبعث الله ملكاً يحكم بينهم فقال: قيسوا ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب فهو من أهلها, فقاسموا بينهما فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بنحو شبر, حتى قيل: إنه نأى بصدره عند الموت فلم يكن بينهما إلا هذا الفرق اليسير ,فقبضته ملائكة الرحمة, فدل ذلك على أن الفرق معتبر لما بين الشيئين فإلى أيهما أقرب أن به أولى.

* * *

1142 سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -:قبل كل رحلة جوية يكون هناك اجتماع بين قائد الطائرة والملاحين, وفي بعض الأحيان أثناء ذلك تقام الصلاة فهل يجوز لي تركك الجماعة حتى ينتهي الاجتماع؟ مع العلم أن هذا الاجتماع لا يحتمل التأخير؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الاجتماع مما تقتضيه الرحلة ولا بد, وأنه يفوت لو ذهبتم إلى المسجد فلا بأس أن تبقوا وتنهوا موضوعكم ثم تصلوا جماعة قي مكانكم.

* * *

1143 وسئل فضيلة الشيخ: نحن من سكان مدينة جدة, فهل يجوز لنا القصر في المطار؟ وماذا عن الصلاة في مطار الرياض؟

فأجاب فضيلته بقوله: المطار الداخلي أصبح من أحياء
(15/418)

جدة, فلا يجوز القصر فيه وأنتم من أهل جدة, وأما المطار الحالي فلكم القصر فيه؛لأنه خارج البلد, وأما مطار الرياض فلكم القصر فيه سواء الجديد أو القديم لأنكم لستم من أهل الرياض

* * *

1144 سئل فضيلة الشيخ: هل من الواجب على في السفر إذا سمعت الأذان أن أصلي في المسجد جماعة أم أن صلاة الجماعة في المسجد تسقط عن المسافر؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان المسافر مقيماً في مكان فإنه يجب أن يصلي مع الناس في المسجد, أما إذا كان ماشياً وتوقف لحاجة؛ فلا تلزمه الجماعة في المسجد, بل يصليها مع أصحابه جماعة.

* * *

1145 وسئل فضيلة الشيخ: ما هو الأفضل للمسافر أن يصلي في مكان إقامته يجمع الظهر مع العصر مع المغرب مع العشاء أم يصلي كل صلاة في وقتها؟

فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يصلي كل صلاة في وقتها, فإن شق عليه, فله أن يجمع؛ لأن القول الراجح أن الجمع في السفر جائز وإن لم يكن سائراً.

* * *
(15/419)

1146 وسئل فضيلته: أنا أحد ملاحي الخطوط السعودية وتدركني الصلاة وأنا أقوم بأداء عملي فهو يجوز لي أن أقطع عملي وأقوم بأداء الصلاة أم أكمل أداء مهام عملي في الطائرة ثم أصلي حتى وإن خرج الوقت؟

فأجاب فضيلته بقوله: إذا أوشك الوقت على الخروج فصل على أي حال كانت ,أما إذا كان في الأمر سعة, فلا بأس أن تشغل بما أنت ملزم به ثم تصلي قبل الخروج الوقت.

* * *

1147 وسئل فضيلته بقوله: كنت في سفر وصليت مع إمام مقيم, فهل أتم صلاتي معه أم أقصر الصلاة فأصل ركعتين معه ثم أخرج من الصلاة وأسلم؟

فأجاب فضيلته بقوله: يجب على من ائتم بمقيم وهو مسافر, أن يتم الصلاة, سواء أدرك الصلاة من أولها, أو أدرك الركعتين الأخيرتين, أو أدرك ركعة أو حتى لو أدرك التشهد الأخير يجب عليه أن يتم صلاته لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (1) .

* * *
(15/420)

1148 وسئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -:ما حكم من يصلي الصلوات في البلاد الكافرة على حساب توقيت الصلوات في المملكة؟ وما حكم الصلاة قبل دخول الوقت؟

فأجاب قائلاً: الذي يصلي الصلوات في البلاد الكافرة على حسب توقيت المملكة ,قد أخطأ خطأ كبيراً؛ إلا إذا كان من المملكة بحيث لا يخرج وقت الصلاة, إن كان شرقاً عن المملكة أو يكون قد دخل وقت الصلاة إن كان غرباً عن المملكة, أما إذا كان يخرج وقت الصلاة في المملكة قبل أن يدخل في البلد الآخر, فإنه إذا صلى فيها بالحال على حسب توقيت المملكة, يكون قد صلى قبل الوقت, وإذا صلى قبل الوقت فإنه لا صلاة له لقوله تعالى: (كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) .وحدد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذا الوقت بقوله (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر, ووقت العصر إلى أن تصفر الشمس, ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق الأحمر, وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط, وقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس) (1) ,وكذلك من أخر الصلاة عن وقتها عمداً حتى يخرج وقتها بلا عذر فإنه لا صلاة له, لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) (2) .ومن المعلوم لكل أحد
(15/421)

أن الصائمين في بلادهم لا يصومون على حساب توقيت المملكة وإنما يصومون على حسب طلوع الفجر وغروب الشمس في بلادهم, فكذلك الصلاة.

* * *

1149 وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -:البعض يأخذ برخصه السفر في الجمع بين الصلاتين مثل الظهر والعصر فيجمعهما جمع تقديم وهو يعلم أن سيصل إلى مكان إقامته قبل صلاة العصر فهل هذا جائز؟

فأجاب فضيلته بقوله: نعم هذا جائز, لكن إن كان يعلم أو يغلب على ظنه أنه سيصل قبل صلاة العصر؛ فالأفضل أن لا يجمع لأنه ليس هناك حاجة للجمع.

* * *

1150 وسئل – حفظه الله ورعاه -:إذا كنت في سفر وسمعت النداء للصلاة فهل يجب علي أن أصلي في المسجد, ولو صليت في مكان إقامتي فهل في ذلك شيء؟ إذا كانت مدة السفر أكثر من أربعة أيام متواصلة فهل أقصر الصلاة أم أتمها؟

فأجاب قائلاً: إذا سمعت الأذان وأنت في محل الإقامة وجب عليك أن تحضر إلى المسجد, لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال للرجل الذي استأذنه في ترك الجماعة (أتسمع النداء؟ قال:نعم، قال: فأجب) (1) .وقال عليه الصلاة والسلام (من
(15/422)

سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر) (2) .وليس هناك دليل يدل على تخصيص المسافر من هذا الحكم؛ إلا إذا كان في ذهابك للمسجد تفويت مصلحة لك في السفر, مثل: أن تكون محتاجاً إلى الراحة والنوم فتريد أن تصلي في مقر إقامتك من أجل أن تنام, أو كنت تخشى إذا ذهبت إلى المسجد أن يتأخر الإمام في الإقامة وأنت تريد أن تسافر وتخشى من فوات الرحلة عليك, وما أشبه ذلك.

وأما تحديد مدة الإقامة فلا حد لها على القول الراجح, بل مادمت مسافراً فأنت مسافر ولو بقيت خمسة أيام, أو عشرة أيام, أو أسبوعاً, أو شهراً, لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يحدد للأمة وقتاً معيناً ينقطع به حكم السفر, بل هو عليه الصلاة والسلام قد أقام عدة إقامات مختلفة وصار يقصر الصلاة, فيها فأقام في تبوك عشرين يوما يقصر الصلاة (3) ,وأقام في مكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة (4) وأقام في حجة الوداع عشرة أيام وهو يقصر الصلاة؛ أربعة أيام في مكة, والبقية في المشاعر (5) .

فالصحيح: أنه ليس في ذلك حد مادمت على سفر فأنت على سفر تترخص برخص السفر ولو طالت المدة.
(15/423)

1151 وسئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -:أغادر في بعض الأحيان من مطار جدة إلى الرياض عصراً فأصل إلى الرياض قبل الغروب ولا اصلي العصر في الطائرات بل أؤخر حتى أصل الفندق, فهل عملي هذا صحيح؟ وهل لي أن أجمع في بيتي قبل السفر بدون أن أقصر الصلاة إذا خشيت خروج وقت العصر؟

فأجاب قائلاً: عملك صحيح, مادمت تقوم من مطار جدة قبل دخول الوقت وتصل إلى المطار في أثناء الوقت, بل وحتى في آخر الوقت فلا حرج أن تؤخر الصلاة حتى يهبط في المطار, فإذا قدر أنك لن تصل إلى المطار الثاني إلا بعد خروج الوقت, فإنه لا بأس أن تجمع بين الظهر والعصر في بيتك, فتقدم صلاة العصر وإن كنت لم تبدأ الرحلة؛ لأن تأخير صلاة العصر في هذه الحالة فيه نوع من المشقة والخوف من خروج الوقت, وقد قال ابن عباس – رضي الله عنهما -:جمع النبي صلي الله عليه وسلم في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر, فقالوا: ما أراد ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته (1)

* * *

1152 وسئل الشيخ – غفر الله له -:في الرحلات الطويلة التي قد يستمر قرابة اثنتي عشرة ساعة يجعل لها طاقمان من الطيارين
(15/424)

فيقوم الأول بقيادة الطائرة إلى نصف المسافة تقريباً ويأخذ الطاقم الثاني قسطاً من الراحة بالنوم أثناء ذلك استعداداً لتكمله الرحلة بعد منتصف الوقت فيصادف في الشتاء أنه بعد إقلاع الطائرة بساعتين أو ثلاث تقريباً يحصل طلوع الشمس فيفوت على الطاقم الثاني وقت صلاة الفجر فما الحكم علماً بأنه إذا استيقظ هؤلاء من النوم قد لا يستطيعون النوم مرة أخرى بذلك لا يأخذون قسطاً كافياً من الراحة فما هو حل هذه المشكلة من وجهة الشرع؟

فأجاب قائلاً: ّإذا كانوا ينامون قبل دخول الوقت, ويمكن إيقاظهم عند دخول الوقت فلا أرى إشكالاً, وأرى لو أنه يحصل تنسيق إذا أمكن, بحيث يكون استيقاظ هؤلاء عند دخول الوقت, ولكن كما جاء السؤال, قد لا يكون الفرق إلا ساعتين فقط ,فأرى أن قولهم بأنه لا يمكن أن نستريح, لا يبرر لهم أن يؤخروا الصلاة عن وقتها؛فلا بد أن يصلوا في الوقت, وهم إذا فعلوا ذلك ابتغاء وجه الله أعانهم الله؛ لأن الله قال في كتابه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) .

* * *

1153 وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -:هل لقائد الطائرة أو مساعده أو المهندس الجوي رخصة في صلاة الفريضة على المقعد وإلى غير القبلة عند عدم تمكنهم من استقبالها, مع أن وجودهم على المقعد مطلوب لطبيعة عملهم ولأهمية تواجدهم
(15/425)

طيلة وقت الرحلة داخل مقصورة القيادة لما يتعرضون له خلال سفرهم من حالات مفاجئة تلزم ذلك.منها على سبيل المثال المطبات الهوائية المفاجئة أو الأعطال الفنية الحادثة أو لكون توقيت بعض الرحلات مع وقت صلاة الفجر بحيث يتعذر القيام للصلاة مع انشغال ملاحي غرفة القيادة بتجهيز الطائرة للإقلاع, وخشية خروج وقت الصلاة, علماً أنهم يخرجون لقضاء الحاجة والطهارة؟

فأجاب قائلاً: الواجب أن يتقي الإنسان ربه ما استطاع في صلاة الفريضة في الطائرة, حتى في الحالات التي ذكرت, كالمطبات الهوائية, والخلل الفني, وما أشبه ذلك, التي هي في ظني لا تستدعي الضرورة إلى وجود القائد ومساعده في المقعد, وكما تعلمون أن الصلاة ركعتان لا تزيد فالمدة يسيرة, ثم إذا قلنا إنه يجب أن يصلي مستقبلاً القبلة, فلو قدر أنه حصل في أثناء الصلاة خلل, يخشى منه الخطر, فإنه لا بأس أن يصلحه وهو يصلي؛ لأن هذه الحركة للضرورة, والحركة للضرورة لا بأس بها, أي لا تبطل الصلاة, وفي مثل هذه الحوادث التي يتيقن أنه لا بد من بقاء الإنسان على الكرسي مربوطاً, فإنه يبقى مربوطاً ويصلي على حسب حاله, حتى لو فرض أنه ابتدأ الصلاة مستقبل القبلة وقائماً, ثم حصلت هذه الهزات ولم يتمكن إلا من الجلوس على المقعد فلا بأس, وكما يقال لكل حادث حديث, فنقول اتق الله ما استطعت, ومتى وجدت الاستطاعة, وجب القيام بالمأمور ,ومتى تعذرت الاستطاعة سقط الوجوب.
(15/426)

1154 وسئل فضيلة الشيخ وفقه الله تعالى -:طاقم الطائرة مكون من قائد للطائرة ومساعد له ومهندس جوي لبعض الطائرات ولأهمية هؤلاء لا يغادرون غرفة القيادة طوال الرحلة؛ لأن ملاحي الطائرة تشتد أهميتهم في حالة حدوث الطارئ مفاجئ يهدد أمن وسلامة الركاب, كعطل فني, أو اختلال في الضغط الجوي والتوازن في داخل الطائرة, مما يتطلب منهم اتخاذ الإجراءات اللازمة في ثوان معدودة, وإلا تكون الطائرة قد تعرضت للخطر, فهل يصلي طاقم الطائرة واحداً تلو الآخر قياماً مستقبلي القبلة, وإذا كان هناك متسع في المكان في داخل غرفة القيادة, وإذا لم يكن هناك متسع فهل يصلون على مقاعدهم غير مستقبلي القبلة؛ علماً أنه بعض الأحيان تحدث مطبات هوائية مفاجئة قد تسقط القائم وقد يرتطم بالأجهزة التي من حوله مما يخشى أن يحدث أضراراً جسدية بالغة الخطورة وفقدان للوعي لا سمح الله فبقاؤه على كرسيه أسلم له؟

فأجاب قائلاً: إذا كان الأمر يقتضي أن يصلوا فرادى, كل واحد يصلي وحده من أجل أن يراقب الآخر أحوال الطائرة, فإن هذا عذر في ترك الجماعة؛ لأنه إذا كان حارس الغنم وحارس البستان يعذر في ترك الجماعة, فحارس أرواح الناس من باب أولى.

أما استقبال القبلة, فهو واجب ولا أظن ذلك يمنع من مراقبة الآخرين وكذلك الركوع والسجود إذا كان يمكن, وإذا لم يمكن الركوع ولا السجود, أومأ بالركوع قائماً وبالسجود قاعداً.
(15/427)

1155 سئل فضيلة الشيخ: في بعض الأحيان أقوم بتأخير صلاة المغرب والعشاء بعد وصولي من الرحلة, فأصليها في منزلي, فهل أقصر الصلاة أم أتمها؟

فأجاب قائلاً: أنا سأعطيكم قاعدة: وهي: أن العبرة بفعل الصلاة, فإن فعلتها في الحضر فأتم, وإن فعلتها في السفر فاقصر سواء؛ دخل عليك الوقت في هذا المكان أو قبل. مثلاً: إنسان سافر من بلده بعد أذان الظهر لكن صلى الظهر بعد خروجه من البلد ففي هذه الحال يصلي ركعتين, وأما إذا رجع من السفر ودخل عليه الوقت وهو في السفر ثم وصل بلده فإنه يصلي أربعاً, فالعبرة بفعل الصلاة إن كنت مقيماً فأربع وإن كنت مسافراً فركعتين.

1156 وسئل – غفر الله له -:تمر بعض الرحلات في نفس المدينة التي يقيم بها الملاح ثم تقلع مرة أخرى لتواصل رحلة أخرى فإذا دخل وقت صلاة الظهر مثلاً في نفس بلد الإقامة فهل يجب على الملاح الإتمام أم يجوز له قصر الصلاة مثل رحلة جدة – المدينة – جدة وهو من أهل جدة وبعدها يواصل إلى أبها؟

فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال جزء الذي قبله, والعبرة بفعل الصلاة إن صليت بعد أن غادرت وطنك فصل ركعتين, فإذا وصلت إلى مطار بلدك فصل أربعاً, إذا كان المطار
(15/428)

متصلاً بالبلد, وإذا كان خارج البلد فصل ركعتين, وعلى كل حال إذا كان المطار خرج البلد فصل ركعتين, وعلى كل حال إذا كان المطار خارج البلد ومررت به فأنت مسافر, حتى لو خرجت من البلد بعد أن أذن, وصليت في المطار وهو خارج البلد ركعتين.

* * *

1157 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة داخل غرفة القيادة مع أن بعض أفراد طاقم الطائرة يدخن؟

فأجاب بقوله: الصلاة لا بد من أن يصليها الإنسان ولو في مكان فيه رائحة كريهة ,ولكن أرى أن الذي ابتلي بشرب الدخان يراعي شعور الآخرين؛ فلا يدخن مطلقاً ما دام في الطائرة, فإن الدخان يتصاعد وينتشر بين الركاب فيتأذون برائحته, وقد يسبب أمراضاً للآخرين, وقد بلغني أن الولايات المتحدة تمنع شرب الدخان في الطائرة فوق أجوائها, فأقول لو أننا أخذنا بمقتضى ما عندنا من العلم, من أن شرب الدخان محرم, وممنوع حسب قواعد الشريعة الإسلامية, لقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة) . وقول الرسول صلي الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ابن عباس – رضي الله عنهما – أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال (لا ضرر ولا ضرار) (1) .لكان هذا السيف أقوى من سيف النظام الذي سنته الولايات المتحدة ونمنع الناس من التدخين مطلقاً لكان ذلك إعانة لهم على حفظ أنفسهم مما يضرهم ويضر الآخرين.

* * *
(15/429)

1158 وسئل فضيلته: رجل مسافر صلى الجمعة في الحضر فهل يجمع معه العصر قصراً؟

فأجاب فضيلته بقوله: لا يجمع معها العصر؛ لأن السنة إنما وردت في الجمع بين الظهر والعصر, والجمعة ليست ظهراً بل هي صلاة مستقلة في هيئتها وشروطها وأركانها فلا تجمع إليها العصر (1) ,فإن قال قائل: هل يصح أن ينوي الجمعة ظهراً ليجمع إليها العصر؟ فالجواب: إذا نواها ظهراً فإنها لا تصح الظهر منه؛؟ لأنه صلى الظهر قبل تمام الإمام لصلاة الجمعة, وصلاة الظهر قبل تمام الجمعة لا تصح, ولا يقال مثلاً أليس المريض يصلي في بيته الظهر قبل أن يصلي الناس الجمعة؟ نقول بلى, ولا حرج أن يصلي المريض قبل أن يصلي الناس الجمعة لكن هذا قد حضر صلاة الجمعة فوجبت عليه الجمعة, فالواجب عليه أن يصلي الجمعة لا يمكن أن يجمع إليها العصر.

مثلاً: أنت مسافر ومن أهل جدة وصلت الرياض, وذهبت وصليت مع الناس الجمعة فإذا نويتها ظهراً لم تصح؛ لأنك لما حضرت الجمعة لزمتك الجمعة, فإن نويتها جمعة ما صح جمع العصر إليها. ثم نقول: لو قدرنا أنها تصح وهي لا تصح, لكان هذا من سفه الإنسان أن يعدل عن نية الجمعة التي هي أفضل من الظهر إلى
(15/430)

نية الظهر ولم يحصل على أنه أجر الجمعة الذي ثبت لهذه الأمة, وعلى كل حال فالمسألة ليس فيها صعوبة, لا تصل العصر مع الجمعة وصل العصر إذا دخل وقتها.

* * *

1159 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم المسافر النازل في بلد ولا يحضر الجمعة لرغبته في الجمع بين الظهر والعصر فيجلس في غرفته ويستمع إلى الخطبة؟

فأجاب بقوله: لا يحل له ذلك لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الجمعة: من الآية9) .وهي عامة لكل من سمع نداء الجمعة من المسافرين وغيرهم, والآية نزلت في المدينة, والمدينة فيها مسافرون ومقيمون, ولم يستثن الله المسافرين فيجب على من سمع النداء يوم الجمعة ولو كان مسافراً أن يصلي مع المسلمين, وإلا رجلاً يقول: أنا لا أستطيع؛ لأنني سأواصل رحلتي وسفري, فهذا يعذر؛ لأنه يفوته مقصوده لو بقي لصلاة الجمعة.

فالصحيح: أن الجمعة لا تسقط عن المسافر إلا إذا كان ماراً بالبلد مواصلاً للسير, ووقف لحاجة, وسمع النداء الجمعة فلا جمعة عليه, أما المقيم إلى العصر مثلاً أو الليل فلا تسقط عنه الجمعة.

* * *

1160 وسئل الشيخ – حفظه الله ورعاه -:رجل أراد أن
(15/431)

يسافر من بلده وحانت صلاة الظهر مثلاً فهل يصليها ويجمع العصر ثم يسافر؟

فأجاب قائلاً: لا يصليها ويجمع إليها العصر, إلا إذا علم أنه لا يمكن أن يصلي العصر في الطريق, مثل النقل الجماعي لا يتوقف فحينئذ يجمع العصر إلى الظهر, كذلك في الطائرة تقلع قبل العصر بوقت يسير, ولا تصل إلى المطار الثاني إلا بعد غروب الشمس فهذا يجب أن يجمع بدون قصر لأنه في بلده.

* * *

1161 وسئل فضيلة الشيخ: رجل مسافر صلى مع جماعة في الحضر فهل يجمع معها الصلاة التي بعدها؟

فأجاب قائلاً: نعم يجمع إليها الصلاة التي بعدها, مثال ذلك أنا من أهل القصيم وجئت إلى جدة وأريد أن أسافر بعد الظهر فأصلي الظهر مع الإمام أربعاً وأصلي العصر جمعاً ركعتين.

* * *

1162 وسئل فضيلة الشيخ: هل الأفضل للمسافر أن يترك قيام الليل والنوافل والسنن الراتبة أم يصليها كما اعتادها؟

فأجاب قائلاً: الأفضل للمسافر أن يتنفل بالنوافل كلها صلاة الليل وصلاة الضحى والوتر وراتبه الفجر والتطوع المطلق ولا يترك إلا راتبه الظهر والمغرب والعشاء فقط والباقي يصليها كما يصلي في الحضر.
(15/432)

1163 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر؟

فأجاب بقوله: إذا كان هذا المسجد مبنياً على القبر فإن الصلاة فيه محرمة ويجب هدمه؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد تحذيراً مما صنعوا (1) ,أما إذا كان المسجد سابقاً على القبر فإنه يجب إخراج القبر من المسجد ويدفن فيما يدفن فيه الناس, ولا حرج علينا في هذه الحال إذا نبشنا هذا القبر؛ لأنه دفن في مكان لا يحل أن يدفن فيه, فإن المساجد لا يحل دفن الموتى فيها, والصلاة في المسجد إذا كان سابقاً على القبر صحيحة, بشرط ألا يكون القبر في ناحية القبلة فيصلي الناس إليه؛لأن النبي صلي الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور.

1164 وسئل فضيلته: هل يجوز الصلاة في مكان فيه خمر؟

فأجاب بقوله: نعم تجوز الصلاة في مكان فيه خمر, لعموم قوله صلي الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجداً وطهرواً) (2) .

1165 وسئل فضيلته: إذا كنت مسافراً ووصلت رحلتي الساعة العاشرة صباحاً إلى البلد الآخر وكنت مجهداً فهل
(15/433)

بإمكاني أن أنام وعندما أستيقظ أصلي الظهر مع العصر جمع تأخير إذا لم يخرج وقت العصر؟

فأجاب قائلاً: لا بأس بذلك.

* * *

1166 وسئل فضيلته: بعض المسافرين ينتظرون الإمام المقيم حتى ينتهي من الركعتين الأوليين ثم يدخلون معه ليصلوا ركعتين ثم ليسلموا قاصدين بذلك فهل هذا جائز؟

فأجاب قائلاً: هذا غير جائز, وإذا دخلوا مع المقيم كما قلت, يجب أن يكملوا أربع ركعات بعد التسليم الإمام لعموم قول النبي صلي الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (1) .

* * *

1167 وسئل الشيخ – حفظه الله ورعاه -:أذن المؤذن لصلاة العصر وأنا على سفر ولم أصل الظهر فهل يجوز لي أن أصلي الظهر قصراً ثم أذهب لأصلي العصر مع الجماعة؟

فأجاب بقوله: نعم يجوز لك ذلك

* * *

1168 وسئل فضيلته أيضاً: وماذا لو أتيت مع الإقامة؟

فأجاب بقوله: تصلي مع الإمام ظهراً, وهم يصلون العصر, ثم إذا سلم تصلي العصر قصراً.
(15/434)

1169 وسئل فضيلة الشيخ: وصلت من الرحلة الماضية إلى رحلة أخرى حتى الصباح ولم أنم وانتظرت صلاة الظهر وكنت متعباً جداً فهل يجوز لي أن أصلي العصر مع الظهر جمع تقديم مع أنني في بلدي؟

فأجاب قائلاً: نعم يجوز لك ذلك, لأن الجمع بين الظهر والعصر ,أو بين المغرب والعشاء يجوز مع المشقة بتركه, سواء كان جمع تقديم أو جمع تأخير.

* * *

1170 وسئل فضيلة الشيخ: أنا قائد طائرة وطبيعة عملي بعض الأحيان تحتم علي في حالة إقامتي ببلدي أن آخذ قسطاً من الراحة لا يقل عن ثماني ساعات للاستعداد لرحلة أخرى طويلة قد تستمر اثني عشر ساعة وخلال نومي يمر وقت صلاة المغرب والعشاء فما الحكم هل أقوم لكل صلاة في وقتها علماً أن هذا سيفوت علي الراحة المطلوبة استعداد للسفر القادم أم أجمع الصلاتين جمع تأخير؟

فأجاب قائلاً: اجمع الصلاتين جمع تأخير؛ لأن الجمع أمره سهل يحصل بأدنى مشقة, لحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال صلى رسول الله صلي الله عليه وسلم الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر, وسئل ابن عباس – رضي الله عنهما – لم فعل ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم؟ فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أمته, أي لا يوقع
(15/435)

أحداً من أمته في ضيق (1) .

* * *

1171 وسئل فضيلة الشيخ: إذا أذن المؤذن في المسجد للصلاة ونحن على سفر فهل يجوز لنا أن نصلي جماعة قبل أن تقام الصلاة في المسجد مع الإمام الراتب إذا خشينا فوات الرحلة أو تأخيرها؟

فأجاب بقوله: يجوز لكم ذلك, لكن تصلون في غير مسجد الجماعة, لئلا تشوشوا على الناس.

* * *

1172 وسئل – حفظه الله ورعاه -:كنت أصلي صلاة العصر وتذكرت أنني لم أصل الظهر فهل يجوز لي تغيير النية العصر؟ فأجاب بقوله: لا تغير النية, بل أكمل صلاة العصر, ثم صل الظهر.

* * *

1173 سئل فضيلة الشيخ: هل الصيام أفضل للمسافر أم الإفطار؟ (2)

فأجاب بقوله: الأفضل فعل ما تيسر له, إن كان الأيسر له الصيام فالأفضل الصيام, وإن كان الأيسر الإفطار فالأفضل
(15/436)

الإفطار, وإذا تساوي الأمران, فالأفضل الصيام؛ لأن هذا فعل النبي صلي الله عليه وسلم وسنته وهو أسرع في إبراء الذمة وأهون على الإنسان, فإن القضاء يكون ثقيلاً على النفس, إذن فله ثلاثة أحوال:

1- أن يكون الإفطار أسهل له فليفطر.

2- الصيام أسهل فليصم.

3- إذا تساوي الأمران فالأفضل أن يصوم.

* * *

1174 سئل فضيلة الشيخ: في شهر رمضان يكون إقلاع بعض الرحلات وقت أذان المغرب فنفطر ونحن على الأرض وبعد الإقلاع عن مستوى الأرض نشاهد قرص الشمس ظاهراً فهل نمسك أم نكمل إفطارنا؟

فأجاب قائلاً: أكمل إفطارك, ولا تمسك؛ لأنك أفطرت بمقتضى الدليل الشرعي لقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) (البقرة: من الآية187) . وقوله صلي الله عليه وسلم (إذا أقبل الليل من هاهنا وأشار إلى المشرق وأدبر النهار من هاهنا وأشار إلى المغرب وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) (1) .

* * *

1175 وسئل فضيلته: في شهر رمضان نكون على سفر ونصوم خلال هذا السفر فيدركنا الليل ونحن في الجو فهل نفطر
(15/437)

حينما نرى اختفاء قرص الشمس من أمامنا أم نفطر على توقيت أهل البلد الذين نمر فوقهم؟

فأجاب قائلاً: افطر حين ترى الشمس قد غابت, لقوله عليه الصلاة والسلام (إذا أقبل الليل من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم) .

* * *

1176 وسئل فضيلته أيضاً: لو كان هناك غيم ونحن صيام فكيف نفطر في الطائرة؟

فأجاب قائلاً: إذا غلب على ظنك أن الشمس غائبة أفطر؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم أفطر ذات يوم هو وأصحابه بالمدينة, وفي يوم غيم, ثم طلعت الشمس بعد إفطارهم, ولم يأمرهم بالقضاء.رواه البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق – رضي الله عنها -.

* * *

1177 وسئل الشيخ – غفر الله له -:في إحدى المرات كنت في السعودية ورؤى هلال العيد وكنت مسافراً في تلك الليلة إلى باكستان حوالي الساعة الثانية ليلاً وعلمت أنهم لم يروا هلال شوال وبالتالي فهم صائمون فهل أصوم معهم؟ فأجاب بقوله: صم معهم؛ لأنك وقت الإمساك أنت في بلد صائم حتى لو زاد صيامك على شهر, فالزائد تبع كما أنك لو صمت في بلدك إلى قريب المغرب ثم أقلعت الطائرة إلى أمريكا وطالت رؤيتك للشمس أكثر من اليوم؛ فإنك لا تفطر حتى تغيب الشمس ,
(15/438)

وكذلك خروج الشهر وإن صمت ثلاثين يوماً, ثم سافرت إلى بلد فوجدت شوال لم يدخل فصم معهم, وصومك هذا للتبعية, لقوله عليه الصلاة والسلام (الصوم يوم يصومون, والفطر يوم يفطرون, والأضحى يوم يضحون) (1) .

* * *

1178 وسئل فضيلة الشيخ أيضاً: هل على شيء إذا كان في تنقلي من بلد إلى بلد إن صمت رمضان ثمان وعشرين يوماً؟

فأجاب قائلاً: عليك أن تأتي بيوم واحد فقط تكملة لشهر رمضان.

* * *

1179 وسئل الشيخ – حفظه الله ورعاه -:يحصل أن بعض البلدان يرى أهلها الهلال قبلنا أو بعدنا فهل نلتزم برؤيتهم أم برؤية بلادنا؟ وكيف نفعل في البلاد الكافرة؟

فأجاب بقوله: إذا كنت في بلد لا تدري أرأوا الهلال, أم لا فإنك تبني على الأصل, فإن كنت في شعبان فلا يلزمك الصوم, وإن كنت في رمضان فلا تفطر, فلو أن الإنسان سافر من المملكة العربية السعودية إلى باكستان, ونزول في باكستان, وباكستان لم يروا الهلال, والسعودية ثبت عندها رؤية الهلال, نقول في هذه
(15/439)

الحال تبقى صائماً؛ لأنك في مكان لم ير فيه الهلال, لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) (1) . فلو فرض أنك رجعت في اليوم نفسه, فلك أن تفطر, والعكس إذا ذهبنا إلى الغرب ونزلنا في بلد رأوا الهلال, ولم يرى في السعودية فإننا نصوم؛ لأن المكان رؤيا فيه الهلال لأن الله تعالى قال: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة: من الآية185) .وقال النبي صلي الله عليه وسلم (إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فافطروا) (2) .فالعبرة بمكانك الذي أنت فيه, فمتى رؤى الهلال فاعمل به إفطاراً وصوماً, وأما في البلاد الكافرة إذا رأيته فصم وإذا لم تره فابن على الأصل, فإذا كنت في شعبان فالأصل بقاؤه, فلا يلزم الصوم, وإن كنت في رمضان فالأصل بقاؤه فلا تفطر, فإذا أشكل عليكم فابنوا على اليقين, وفي الحقيقة أنتم مسافرون ولكم أن تفطروا, وليعلم أن الهلال إذا رؤى في السعودية فسيري في أمريكا قطعاً, لأن البلاد الشرقية ترى الهلال قبل البلاد الغريبة, والعكس إذا كنتم في الباكستان أو اليابان وما أشبه ذلك.

1180 وسئل الشيخ – وفقه الله -:يكثر سؤال بعض الركاب على الرحلات الجوية أنهم تركوا ملابس الإحرام في حقائب
(15/440)

السفر ,فكيف يحرمون, حفظكم الله؟

فأجاب قائلاً: يحرم هؤلاء الذين تركوا ملابس الإحرام في حقائب السفر في جوف الطائرة, بخلع الثياب العليا, وهي القميص ويبقون في السراويل, ويجعل الثوب الأعلى هذا بمنزلة الرداء, يعني يلفه على بدنه ويلبي, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي لم يجد الإزار قال: فليلبس السراويل (1) ,وهذه المسألة تقع كثيراً, حتى في العمرة إذا جاء بالطائرة فيقول: الثياب أسفل فنقول: اخلع القميص واجعله رداء وتبقى في السراويل ولا حرج, فإذا نزلتم فبادروا بلباس الإزراء وإذا كان عليه بنطلون يخلع الأعلى منه يعني القميص.

* * *

1181 سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الأكل في آنية الكفار؟

فأجاب بقوله: قال عليه الصلاة والسلام (لا تأكلوا في آنيتهم إلا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها) (2) . وقال عليه الصلاة والسلام ذلك من أجل أن يبتعد المسلم عن مخالطة الكفار, وإلا فالطاهر منها طاهر, يعني لو طهي فيها الطعام, أو غيره فهي طاهرة, لكن النبي صلي الله عليه وسلم أراد أن لا نخالطهم, وألا تكون أوانيهم أواني لنا, فقال صلي الله عليه وسلم (لا تأكلوا فيها إلا ألا تجدوا غيرها
(15/441)

فاغسلوها وكلوا فيها) ,وكلما ابتعد الإنسان عن الكفار فهو خير ولا شك.

* * *

1182 وسئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -:لا يخفى على فضيلتكم أن دول أهل الكتاب في هذه الأيام خليط من أجناس وديانات مختلفة, وشبهة الذبح على غير الطريقة الشرعية قوية, فما الحكم في أكل ذبائحهم؟ وهل هناك تفصيل في هذه المسألة؟ نرجو منكم توضيح هذا الأمر فإنه محير لنا؟

فأجاب قائلاً: يشترط في الذبح أن يعلم, أو يغلب على الظن أن الذابح ممن تحل ذبيحته, وهم المسلمون وأهل الكتاب اليهود والنصارى, فإذا شككنا هل الذابح من اليهود, أو النصارى فإن غلب على الظن أن الذابح يهودي, أو نصراني فالذبيحة حلال, وإذا أن غالب الظن أن الذين يتولون الذبح ليسوا من أهل الكتاب, فالذبيحة حرام, وإذا شككنا فالذبيحة حرام فصارت المراتب الآن خمس حالات:

1ـ إذا علمنا أن الذابح من أهل الكتاب, فالذبيحة حلال.

2ـ إذا غلب الظن أن الذابح من أهل الكتاب, فالذبيحة حلال.

3ـ إذا شككنا, فالذبيحة حرام.

4ـ إذا غلب على الظن أن الذابح من غير أهل الكتاب فالذبيحة حرام.

5ـ إذا علمنا أن الذابح من غير أهل الكتاب فالذبيحة حرام.
(15/442)

فهي خمسة أحوال تحرم بثلاثة أحوال منها وتحل في حالتين. وسمعنا في أمريكا أنهم يذبحون بالصعق, لكنهم ينهرون الذم قبل أن تموت, وهذا يوجب حل الذبيحة ما دام يدركها قبل أن تموت, فالذبيحة حلال؛ لأن الله تعالى قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُم) (المائدة: من الآية3) . وسمعت أيضاً من بعض الشباب الذين ذهبوا إلى هناك, يقولون الآن بدءوا يعلمون أنه لا يمكن أن تكون الذبيحة طيبة إلا بإنهار الدم, لكن صاروا ينهرونه على غير الوجه الذي ينهر به المسلمون, فيقولون إنهم يخرقون الوريد العرق الغليظ في الرقبة ,ويدخلون في الثاني شيئاً ينفخون به الدم من أجل أن يخرج بغزارة من العرق الآخر, وهي في الحقيقة إنهار للدم لكن على وجه آخر, ولعلهم في يوم من الأيام يرجعون إلى طريقة المسلمين, يعني يقطعون الودجين, حتى يسيل الدم منهما جميعاً ,وعلى كل حال إذا أشكل عليك وأردت أن يكون مطعمك طيباً فعليك بالسمك.

* * *

1183 وسئل الشيخ: نحن نذهب إلى بعض المطاعم الإسلامية في بلاد الكفر أثناء الرحلات الخارجية ثم نجد أنهم يقومون بتقديم الخمور فما حكم الأكل في هذه المطاعم؟ كما أننا نجد خموراً إما بصورة مخيفة أو بصورة ظاهرة في غرف الفندق التي ننزل بها فما الواجب علينا فعله تجاه هذا الأمر؟
(15/443)

فأجاب قائلاً: أولاً: لا تسكنوا في هذه الفنادق إلا للحاجة, مادام يعلن فيها شرب الخمر, ولا تأكلوا في هذه المطاعم إلا لحاجة, وإذا احتجتم فمن السهل أن تقولوا للخدم انزعوا هذا وابعدوه سواء في الفندق أو المطعم.

* * *

1184 وسئل فضيلته: يتبقى بعد انتهاء الرحلة بعض الأطعمة الزائدة عن حاجة الركاب وغالباً ما تتلف, فهل يجوز أخذ هذه الأطعمة من قبل ملاحي الطائرة بعد الانتهاء من الرحلة؟ وهل لي أن آخذ من الطعام والماء المقرر لي إن لم آكله في الطائرة؟

فأجاب قائلاً: أرى أن لا تأخذ شيئاً مما تأكله, لأن هناك فرقاً بين التمليك, وبين الإباحة, فهم يبيحون لك أن تأكل وتشرب ما شئت, لكن لا يملكونك هذا, ولذلك رخص الشارع لمن مر ببستان فيه نخل أن يأكل وهو على النخل لكن لا يحمل, وأما إذا أنت تتلف فلك أن تأخذها وتأكلها أو تتصدق بها.

* * *

1185 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم غسل ملابسنا في البلاد الكافرة مع ملابس الكفار؟

فأجاب قائلاً: الغالب على ملابس الكفار النجاسة, لأنهم لا يستنجون ولا يستجمرون, فإذا كان بالإمكان غسلها بمفردها, فهذا هو المطلوب, وإذا لم يمكن فلا بد أن نعلم أو يغلب على ظننا أن
(15/444)

هذا الغسال يصب عليها عدة مرات بحيث تطهر في المرة الأولى أو الثانية وتبقى طاهرة.

* * *

1186 وسئل فضيلة الشيخ: يقوم بعض الطيارين باصطحاب زوجاتهم أثناء أداء عملهم إلى البلاد الكافرة أو غيرها خاصة إذا كانت مدة سفرهم ثلاثة أيام أو خمسة أو أطول فما نصيحتكم لهم؟

فأجاب قائلاً: هذه في الواقع تختلف باختلاف الناس, فقد يكون هذا الرجل شاباً يخشى على نفسه هناك أن تسول له بشيء لا يرضي الله ورسوله, وقد يكون رجلاً لا يهتم لهذه الأمور, أما الثاني فنقول له: لا تسافر بها لأن بقاءها في بلدها أفضل, وأحفظ لها, وأنت لست بحاجة إليها, وأما الأول فنقول: سافر بها؛ لأن فيها مصلحة ,وكفاً عن الشر والفساد, وربما تكون أيضاً مثلك وتحتاج أن تسافر معك فالفتوى في هذه المسألة تختلف بحسب حال الناس.

* * *

وسئل فضيلة الشيخ: في حقل الطيران يعمل معنا موظفون ذووا جنسيات متعددة بديانات مختلفة, وطبيعة عملنا تتطلب منا أن نكون متعاونين معهم غاية التعاون داخل الطائرة حتى تسير الرحلة بسلام بحفظ الله لها, فحددوا لنا ضوابط الشرعية في التعاون والتعامل معهم؟
(15/445)

فأجاب قائلاً: الضوابط في هذا أن نقول: إن عمل الجميع لمصلحة العمل, فأنت لا تستخدمه إلا لطبيعية العمل, وهو إذا قدرنا أنه فوقك لا يستخدمك إلا لطبيعة العمل, وهذا لا بأس به ولا حرج فيه, أما لو أنك خدمته في أمر لا يتعلق بالعمل, مثل أن تقرب له ملابسه أو تغسلها له, فهذا لا ينبغي أن يذل المسلم نفسه إلى هذا الحد, فالخلاصة: أن ما كان خدمة للعمل, فليس خدمة للعامل وهذا جائز ,وأنا لا أنصح بالغلظة في رجل يشاركك في العمل, لكن أنصح بعدم الإكرام لقول النبي صلي الله عليه وسلم (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام, وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) (1) .فهناك فرق بين الإكرام والإهانة, أنا لا أهينه ولا أكرمه ولكن من باب المكافأة, أن تقول له مثل ما يقول لك, لقوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8) .وأما في سبيل دعوته عندما تحسن إليهم, من باب المعاملة الحسنة, كي يقبل منك شريطاً أو كتاباً قد يقرأه, ويطلع عليه, وقد لا يقرأه فلا بأس, أما من باب الإكرام, فلا يفعل والتأليف له باب آخر, ولهذا قالوا في المؤلفة قلوبهم هم من يرجى إسلامه.

* * *

1188 وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم حمل القرآن للبلاد الكافرة؟
(15/446)

فأجاب قائلاً: حمل القرآن إذا حمله الإنسان ليقرأ فيه فلا بأس كان مسافراً إلى بلاد كافرة أو مسلمة.

1189 وسئل الشيخ – حفظه الله ورعاه -:البعض يقوم بأداء ما أمر الله عز وجل وحين يشكل عليه أمر فإنه يتخذ فيه رأياً وفق ما يظهر له من فهمه وتقديره ويقول: استفت قلبك, مع قلة علمه الشرعي, فهل يجوز له هذا؟ وعندما ينبه إلى أنه يجب عليه أن يسأل أهل العلم فإنه يقول: كل إنسان ونيته؟

فأجاب قائلاً: هذا لا يجوز له, والواجب على من لا يعلم أن يتعلم ومن كان جاهلاً أن يسأل, أما يخاطب به رجلاً صحابياً قلبه صاف, ليس ملطخاً بالبدع والهوى, ولو أن الناس أخذوا هذا الحديث على ظاهره, لكان لكل واحد مذهب, ولكان لكل واحد ملة, لقلنا إن أهل البدع كلهم على حق؛ لأن قلوبهم استفتوها فأفتتهم بذلك, والواجب على المسلم أن يسأل عن دينه, ويحرم على الإنسان أن يقول على الله بلا علم, أو على رسوله, ومن ذلك أن يفسر الآيات أو الأحاديث بغير ما أراد الله ورسوله.

* * *

1190 وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -:من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يطرق الرجل أهله ليلاً ونحن كثيروا السفر, بل
(15/447)

السفر هو طبيعة عملنا وكثيراً ما تصادف الرجوع ليلاً من رحلاتنا, فكيف العمل؟

فأجاب قائلاً: النهي ليس وارداً على هذا, فالنهي على إنسان يطرق أهله بغير أن يخبرهم, أما إذا أخبرهم فلا حرج في ذلك, وليس فيه نهي, لأن النبي عليه الصلاة والسلام علل النهي فقال صلي الله عليه وسلم (حتى تمشط الشعثة, وتستحد المغيبة) (1) ,وهذا يدل على أن النهي إنما هو لمن لا يعلم أهله بذلك, أما من علموا وباتفاق بينه وبينهم ويقول سآتي في الساعة الثانية عشر ليلاً فلا شيء عليه.

تم

بحمد الله تعالى المجلد الخامس عشر

ويليه بمشيئة الله - عز وجل - المجلد السادس عشر
(15/448)