Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 017


المجلد السابع عشر

كتاب الجنائز
التداوي وعياداة المريض
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم التداوي؟
فأجاب فضيلته بقوله: التداوي على أقسام:
فإذا غلب على الظن نفع الدواء مع احتمال الهلاك بتركه فالتداوي واجب.
وإن غلب على الظن نفع الدواء، ولكن ليس هناك احتمال للهلاك بترك الدواء، فالتداوي أفضل.
وإن تساوى الأمران فترك التداوي أفضل.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: أفيدكم بأنني أرقي بآيات الله مثل: فاتحة الكتاب، وآية الكرسي والمعوذات ... إلخ. وأدعو بالأدعية المأثورة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل: «اللهم ربّ الناس اذهب البأس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً» . وذلك على الناس المصابين بالأمراض النفسية والعصبية. وكذلك نقرأ على ما ورد ذكره في القرآن الكريم، مثل: العسل، وزيت الزيتون، وآمر الناس باستعمالها أكلاً ودهناً، وقد شفي على يدي بعد الله أناس كثير، ولا زلت مستمراً على ذلك ولم أطلب من أحد أجراً، ولي في هذا العمل فترة من الزمن ولله الحمد، أرجو من سماحتكم إذا كان هذا العمل جائزاً ولنا فيه أجر من
(17/13)

الله عز وجل في الا?خرة وفيه منفعة للناس نستمر على ذلك، وإذا كان علينا إثم في ذلك نتجنبه؛ حيث إن كثيراً من الناس يثير الشبهات حول التداوي بالقرآن الكريم ووروده عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويعتبرونه نوعاً من الشعوذة. أفتونا في ذلك ولتكن الفتوى خطية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله:
بسم الله الرحمن الرحيم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. التداوي بالقراءة على المريض بما ورد في القرآن، أو السنة، أو بالأدعية الشرعية، أو بالعسل، والحبة السوداء ونحو ذلك قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للذي قرأ على اللديغ بالفاتحة فبرىء: «وما يدريك أنها رقية» . وقال الله تعالى في العسل: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحبة السوداء: «إنها شفاء من كل داء إلا السام» . والسام: الموت. وما دام علاجك بمثل هذا فاستمر عليه، أسأل الله تعالى أن ينفع بك. 19/2/1418 هـ.
(17/14)

رسالة تتضمن أسئِلَة عن العلاج بالقرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم ... حفظه الله تعالى
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
سرني اطّلاعكم على بعض مؤلفاتنا، وحرصكم على تحقيق العقيدة الصحيحة.
وإليكم جواب أسئِلَتكم:
ج 1: تحقيق الفرق بين أسماء الله المتقاربة المعنى تارة يكون بحسب الصيغة، وتارة يكون بغير ذلك.
فمن الأول قوله تعالى: (الخالق) و (الخلاق) فالثاني أبلغ؛ لأن الأول يدل على مجرد الفعل وهوالخلق، والثاني يدل على الفعل والكثرة.
وتارة يكون بغير الصيغة، مثل: (الرؤوف) و (الرحيم) كلاهما متضمن الرحمة، لكن الأول أخص.
ج 2: لا أعلم أن (الطبيب) من أسماء الله لكن (الشافي) من أسماء الله، وهو أبلغ من (الطبيب) لأن الطب قد يحصل به الشفاء، وقد لا يحصل.
(17/15)

ج 3: ما ذكرناه من الأسماء الحسنى في (القواعد المثلى) قد شرح كثيراً منه ابن القيم في العقيدة النونية.
ج 4: الإلحاد الكفري: أن ينكر الاسم إنكار تكذيب، مثل أن يقول: (السميع) ليس من أسماء الله.
وأما الإلحاد الفسوقي فهو: أن يحرِّف معناه مع الإقرار بالاسم، مثل أن يقول (السميع) يعني: المسمع لغيره (أي خالق السمع في غيره) .
هذه أجوبة الطائفة الأولى من الأسئلة.
ج 5: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عدة مواضع من كتبه أنه تجوز الاستعانة بالجن الصالحين على الأعمال المشروعة، أو المباحة وهو واقع فكم من شخص أعانه صالحو الجن على أعماله الصالحة، أو المباحة فيما سمعنا من وقائع.
* وأما أسئلتكم الخاصة بالعلاج بالقرآن الكريم:
فقد قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الفاتحة: «وما يدريك أنها رقية» . وقال في المعوذتين الفلق والناس: «ما سأل سائل بمثلها، وما تعوذ متعوذ بمثلها» .
والقرآن كله خير وبركة، فإذا قرأ الإنسان به على المريض
(17/16)

فيما يناسب مرضه كان حسناً.
ج 1: ويجوز للشاب أن يقرأ على المريضة، بشرط أن لا يخلو بها، وأن لا يحس بشهوة عند قراءته عليها.
ج 2: والخلوة: أن يكون معها في غرفة ونحوها وليس معها محرم، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم» وإن كان معهما أحد تؤمن الفتنة بوجوده زالت الخلوة.
ج 3: يجوز أن يقرأ على ثلاث نسوة، إحداهن بها مس من الجن، لكن عزل المصابة بالجن عن السليمات أولى، ويكون معها وليها أي محرمها.
ج 4: لا يجوز وضع يد المعالج على رأس المرأة إلا أن تكون من محارمه.
ج 5: لا أرى بأساً أن يقرأ بإذن المريض في القراءة عليه الرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة، وأما رجل في أذن امرأة، أو امرأة في أذن رجل فلا.
ج 6: كان بعض العلماء يضرب المصروع الذي صرعه الجن ويرى الضرب واقعاً على المريض المصروع، وهو في الحقيقة على الجني الصارع.
وممن أثر عنه ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولكن هل نبيح ذلك لكل أحد؟
(17/17)

ج 7: لا أرى جواز خنق المريض عند القراءة لما في ذلك من الخطورة.
ج 8: ارجع إلى الجواب رقم 5 من الطائفة الأولى من الأسئلة.
ج 9: القراءة الجماعية على المصابين ليست طريقاً مأثوراً ولا موروثاً عن السلف، بل هو حادث.
ج 01: لا يقرأ على امرأة من غير محارمه إلا وهي متسترة تستراً كاملاً بالوجه والكفين وغيرها.
هذه أجوبة الطائفة الثانية من الأسئلة.
وأما جواب الطائفة الثالثة من الأسئلة:
ج 1: مراكز العلاج بالقرآن لا أرى فيها بأساً؛ لأن المقصود بها الدلالة على مكان الراقين، لكني لا أعلمه مأثوراً عمن سلف، لكن إن اتخذ لجلب المال ففي جوازه نظر.
ج 2: المشترك في المركز إذا كان يأخذ مالاً من المركز فإن كان ما يأخذه في مقابل القراءة حال الدوام فقط، ثم أعطي مكافأة من المريض على قراءته عليه خارج الدوام فهي له خاصة. وإن كان ما يأخذه من المركز على قراءته على المريض في أي وقت، كان ما يأخذه من المريض في أي وقت من نصيب المركز، فيرده في صندوق المركز. أمّا إذا لم يكن له مكافأة من المركز فإن ما يعطيه إياه المريض له خاصة.
ونفيدكم بأننا شرحنا كتاب التوحيد وهو الا?ن تحت الطبع نسأل الله أن ينفع به، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 22/4/1418 هـ.
(17/18)

س 3 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: انتشر بين أوساط النساء ظاهرة تسمى (تقشير الوجه) أو ما يسمى بين النساء (بصنفرة الوجه) وهي تتم إما عن طريق استخدام كريمات ومراهم، أو قد تلزم إجراء عملية عند طبيب وتتم تحت التخدير. وكل ذلك لتقشير الطبقة السطحية للوجه لإزالة ما عليه من بثور وندبات، حتى تبدو بشرة الوجه أكثر صفاء وجمالاً.
وقد يكون لهذا التقشير آثاراً سلبية في تشويه الوجه أحياناً إذا لم تنجح العملية كظهور آثار حروق على الوجه، أو عدم زوال ما كان على الوجه من بثور أو غير ذلك، والسؤال:
1 ما رأيكم في هذه الظاهرة؟ وهل تعد من تغيير خلق الله أم تعد من أنواع الزينة؟
2 ما صحة الحديث: «لعن الله القاشرة والمقشورة» ؟
3 وهل ثبت أن عائشة رضي الله عنها قد نهت عن تقشير الوجه باستخدام الزعفران ونحوه؟
نرجو من فضيلتكم التكرم بإجابة وافية عن هذا السؤال ليتم نشره بين النساء.
فأجاب فضيلته بقوله:
ج 1: رأيي في هذه الظاهرة أنها إن كانت من باب التجميل فحرام؛ قياساً على النمص والوشر ونحوهما.
وإن كانت لإزالة عيب كحفر في الوجه وسواد في الوجه
(17/19)

الأبيض ونحو ذلك فلا بأس به؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذن للرجل الذي قطع أنفه أن يتخذ أنفاً من ذهب.
ج 2: لا أعرف شيئاً عن هذا الحديث، ولا أظنه يصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ج 3: لا أعرف شيئاً عن أثر عائشة رضي الله عنها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: انتشر بين الناس وخاصة النساء استخدام بعض المواد الكيميائية والأعشاب الطبيعية التي تغيِّر من لون البشرة بحيث البشرة السمراء تصبح بعد مزاولة تلك المواد الكيميائية والأعشاب الطبيعية بيضاء وهكذا فهل في ذلك محذور شرعي؟ علماً بأن بعض الأزواج يأمرون زوجاتهم باستخدام تلك المواد الكيميائية والأعشاب الطبيعية بحجة أنه يجب على المرأة أن تتزين لزوجها. أفتونا مأجورين.
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا التغيير ثابتاً فهو حرام بل من كبائر الذنوب؛ لأنه أشد تغييراً لخلق الله تعالى من الوشم، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات
(17/20)

والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله» وقال: «ما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» .
فالواصلة: التي يكون شعر الرأس قصيراً فتصله إما بشعر أو بما يشبهه، والمستوصلة التي تطلب من يصل شعرها بذلك.
والواشمة: التي تضع الوشم في الجلد بحيث تغرز إبرة ونحوها فيه، ثم تحشي مكان الغرز بكحل أو نحوه مما يحول لون الجلد إلى لون آخر.
والمستوشمة: التي تطلب من يضع الوشم فيها.
والنامصة: التي تنتف شعر الوجه، كالحواجب وغيرها من نفسها أو غيرها.
والمتنمصة: التي تطلب من يفعل ذلك بها.
والمتفلجة: التي تطلب من يفلج أسنانها أي تحكها بالمبرد حتى يتسع ما بينها؛ لأن هذا كله من تغيير خلق الله.
وما ذُكر في السؤال أشد تغييراً لخلق الله تعالى مما جاء في الحديث، وأما إذا كان التغيير غير ثابت كالحناء ونحوه فلا بأس به لأنه يزول فهو كالكحل وتحمير الخدين والشفتين، فالواجب الحذر والتحذير من تغيير خلق الله، وأن ينشر التحذير بين الأمة لئلا ينتشر الشر ويستشري فيصعب الرجوع عنه. 61/2/8141هـ.
(17/21)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم إجراء عمليات التجميل؟ وما حكم تعلُّم عِلم التجميل؟
فأجاب فضيلته بقوله: التجميل نوعان:
النوع الأول: تجميل لإزالة العيب الناتج عن حادث أو غيره، وهذا لا بأس به ولا حرج فيه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أذن لرجل قُطعت أنفه في الحرب أن يتخذ أنفاً من ذهب..
والنوع الثاني: التجميل الزائد وهو ليس من أجل إزالة العيب، بل لزيادة الحُسن، وهو محرَّم ولا يجوز؛ لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لعن النامصة والمتنمصة والواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة..» لما في ذلك من إحداث التجميل الكمالي الذي ليس لإزالة العيب.
أما بالنسبة للطالب الذي يُقرر علم جراحة التجميل ضمن مناهج دراسته فلا حرج عليه أن يتعلمه ولكن لا ينفذه في الحالات المحرمة.. بل ينصح من يطلب ذلك بتجنبه لأنه حرام، وربما لو جاءت النصيحة على لسان طبيب كانت أوقع في أنفس الناس.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم عمليات تقويم الأسنان؟
فأجاب فضيلته بقوله: تقويم الأسنان على نوعين:
(17/22)

النوع الأول: أن يكون المقصود به زيادة التجمُّل فهذا حرام ولا يحل وقد لعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «المتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله» هذا مع أن المرأة مطلوب منها أن تتجمل وهي من يُنشأ في الحلية، والرجلُ من باب أولى أن يُنهَى عن ذلك.
النوع الثاني: إذا كان تقويمها لعيب فلا بأس بذلك فيها فإن بعض الناس قد يبرز شيء من أسنانه إما الثنايا أو غيرها تبرز بروزاً مُشيناً بحيث يستقبحه من يراه ففي هذا الحال لا بأس من أن يُعدلها الإنسان؛ لأن هذا إزالة عيب وليس زيادة تجميل، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أمر الرجل الذي قُطع أنفه أن يتخذ أنفاً من وَرِق أي فضة ثم أنْتَنَ فأمره أن يتخذ أنفاً من ذهب» لأن في هذا إزالة عيب وليس المقصود زيادة تجمُل.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم زراعة شعر المصاب بالصلع وذلك بأخذ شعر من خلف الرأس وزرعه في المكان المصاب فهل يجوز ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز؛ لأن هذا من باب رد ما خلق الله عز وجل ومن باب إزالة العيب، وليس هو من باب التجميل أو الزيادة على ما خلق الله عز وجل فلا يكون من باب تغيير خلق الله. بل هو من رد ما نقص وإزالة العيب، ولا يخفى ما في قصة الثلاثة
(17/23)

النفر الذي كان أحدهم أقرع وأخبر أنه يحب أن يَرُدَّ الله عزّ وجل عليه شعره فمسحه الملَك فرد الله عليه شعره فأُعطي شعراً حسناً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما رأي فضيلتكم بما يسمى: العزائم والتي تحتوي على آيات قرآنية ويقول: ضعها تحت مخدة أو بلها واشرب ماءها؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الاستشفاء بالقرآن فإنه مشروع، فقد ثبت من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: انطلق نفرٌ من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سفرةٍ سافروها، حتى نزلوا علي حيٍّ من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلُدِغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعُهُ شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرَّهط الذين نزلوا، لعلّه أن يكون عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لُدغ فهل فيكم من راقٍ؟ قالوا: نعم، ولكن لا نرقي لكم حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فصالحوهم على قطيعٍ من الغنم، فانطلق يَتْفُل عليه ويقرأ: «الحمد لله رب العالمين» فكأنما نشط من عقال، فأوفوهم جُعْلهم فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله فذكروا له فقال: «وما يدريك أنها رقية» ثم قال: «قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهماً» . فالاستشفاء بالقرآن أمر مطلوب وفيه مصلحة، ولكن
(17/24)

على أي صفة نستشفي به؟ نقول: يُستشفى به على الصفة الواردة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وذلك بقراءة القاريء على المريض، أمَّا أن يُعلّق على رقبته ما فيه شيء من القرآن فهذا أجازه بعض السلف ومنعه آخرون، فممن منعه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وأجازه بعض أهل العلم من السلف والخلف، وأما وضعه تحت الوسادة أو تعليقه في الجدار أو ما أشبه ذلك فهذه صفات لم ترد عن السلف ولا ينبغي أن نعمل عملاً لم يسبقنا إليه أحد من السلف، وكذلك من باب أولى ما يفعله بعض الناس. يقرأ في ماء فيه زعفران ثم يأتي بأوراق ويخطط فيها خطوطاً فقط من هذا الزعفران، خطوطاً لا يُقرأ ما فيها، فهذا أيضاً من البدع ولا يستقيم ولا يصح.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم التلقيح الصناعي طفل الأنابيب وهو أخذ ماء الزوج فيوضع في رحم الزوجة عن طريق أنابيب بواسطة طبيب أو طبيبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: التلقيح الصناعي: أن يُؤخَذ ماءُ الزوج ويُوضَع في رحم الزوجة عن طريق أنابيب (إبرة) ، وهذه المسألة خطيرة جداً، ومَن الذي يأمن الطبيب أن يلقي نطفة فلان في رحم زوجة شخص آخر؟! ولهذا نرى سدَّ الباب ولا نفتي إلا في قضية معينة بحيث نعرف الرجل والمرأة والطبيب، وأما فتح الباب
(17/25)

فيُخشى منه الشرُّ.
وليست المسألةُ هيِّنةً؛ لأنه لو حصل فيها غش لزم إدخال نسب في نسب، وصارت الفوضى في الأنساب وهذا مما يحرمه الشرع، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا توطأ حامل حتى تضع» ، فأنا لا أفتي في ذلك. اللهم إلا أن ترد إليّ قضية معينة أعرف فيها الزوج والمرأة والطبيب.
(17/26)

* * *

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الابن المكرم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتابكم الكريم وصل، وقد قرأته وفهمت ما تضمنه من السؤال عن حكم إيداع بويضة المرأة في أنبوبة، ثم تلقيحها بماء الرجل، ثم إعادتها إلى رحم المرأة لتأخذ مجراها في التكوين.
وجوابنا على ذلك:
أإذا لم تكن حاجة لهذا العمل فإننا لا نرى جوازه؛ لأنه يتقدمه عملية جراحية لإخراج البويضة كما ذكرتم في السؤال وهذه العملية تحتاج إلى كشف العورة بدون حاجة، ثم إلى جراحة يخشى أن يكون منها نتائج ولو في المستقبل البعيد من تغيير القناة، أو حدوث التهابات.
ثم إن ترك الأمور على طبيعتها التي خلقها عليها أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين، أكمل تأدباً مع الله سبحانه، وأولى وأنفع من طرق يستحدثها المخلوق ربما يبدو له حسنها في أول وهلة، ثم يتبين فشلها بعد ذلك.
ب إذا كان لهذا العمل حاجة فإننا لا نرى به بأساً بشروط ثلاثة:
الأول: أن يتم هذا التلقيح بمني الزوج، أو السيد (إن قدر الله تعالى أن توجد مملوكة على الوجه الشرعي) ولا يجوز أن يكون هذا
(17/27)

التلقيح بمني غير الزوج، أو السيد، لقول الله تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} ، فخص ذلك بالأزواج.
الثاني: أن تتم عملية إخراج المني من الرجل بطريق مباح بأن يكون ذلك عن طريق استمتاع الزوج أو السيد بزوجته أو مملوكته فيستمتع بين فخذيها، أو بيدها حتى يتم خروج المني ثم تلقح به البويضة.
الثالث: أن توضع البويضة بعد تلقيحها في رحم الزوجة أو المملوكة، فلا يجوز أن توضع في رحم امرأة سواهما بأي حال من الأحوال؛ لأنه يلزم منه إدخال ماء الرجل في رحم امرأة غير حلال له وقد قال الله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُو?اْ أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} ، فخص الحرث بامرأة الرجل، وهذا يقتضي أن تكون المرأة غير الزوجة غير محل لحرثه. وقد دلَّ الكتاب والسنة والإجماع على أن المملوكة مثل الزوجة في ذلك.
هذا والله يحفظكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حرر في 5/8/1420 هـ.
(17/28)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
فضيلة الشيخ الوالد محمد بن صالح العثيمين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
هناك امرأة لا تلد فكشف عليها الأطباء فوجدوا أن البويضات الأنثوية ميتة، ثم قاموا بعملية زراعة للبويضات، ثم حملت المرأة بأربعة فلما كشف عليها الأطباء وأخبروا زوجها قال: إنه لا يريد أربعة لأن المرأة قد تتعب وتوهن، فقال: يخرجوا اثنتين ويبقوا اثنتين، فقال الأطباء: لا نعمل هذا العمل إلا بفتوى من فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، علماً بأن مدة حملها ثلاثة أشهر فهل يجوز للأطباء أن يعملوا هذه العملية؟ حيث إنهم توقفوا لينظروا في رأي فضيلتكم. وجزاكم الله خيراً.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الجواب: زراعة البويضات لا نتكلم عنها لأن الأمر قد مضى.
أما تنزيل بعض ما في بطنها فإن كان يُخشَى على الأم ولم يتم للحمل أربعة أشهر فلا بأس، وإن كان قد تمَّ للحمل أربعة أشهر فإنه لا يجوز التنزيل بأي حال من الأحوال. حرر في 61/7/0241هـ.
(17/29)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم التداوي بالمُحرَّم؟ وهل يعتبر البنجُ وبعض المواد الكحولية التي توجد في بعض الأدوية من المحرَّم؟ وهل يستوي ذلك في الضرورة أو غير الضرورة؟
فأجاب فضيلته بقوله: التداوي بالمحرم حرامٌ لا يجوز؛ لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرَّمه عليها. ولأن الله لا يُحرم علينا الشيء إلا لضرره، والضار لا ينقلب نافعاً أبداً، حتى لو قيل: إنه اضطر إلى ذلك، فإنه لا ضرورة للدواء إطلاقاً؛ لأنه قد يُتداوى ولا يُشفى، وقد يُشفى بلا تداوي. إذًا لا ضرورة إلى الدواء، لكن لو جاع الإنسان وخاف أن يموت لو لم يأكل، جاز له أن يأكل المَيْتة، وأن يأكل الخنزير لأنه إذا أكل اندفعت ضرورته وزال عنه خطر الموت، وإن لم يأكل مات.
لكن الدواء لا ضرورة إليه كما سبق. اللهم إلا في شيء واحد وهو قطع بعض الأعضاء عند الضرورة، فلو حصل في بعض الأعضاء سرطان مثلاً، وقال الأطباء: إنه لا يمكن وقف انتشار هذا المرض إلا بقطع عضو، ومعلوم أن قطع الأعضاء حرام، لا يجوز للإنسان أن يقطع ولا أُنْمُلة من أنامله، فإذا قالوا: لابد من قطع العضو، كانت هذه ضرورة، إذا تأكدوا أنه إذا قطع انقطع هذا الداء الذي هو السرطان.
أما البنجُ فلا بأس به، لأنه ليس مُسكراً، السكر زوال العقل على وجه اللذة والطرب، والذي يُبنَّج لا يتلذذ ولا يطرب، ولهذا قال العلماء: إن البنج حلالٌ ولا بأس به، وأمّا ما يكون من مواد
(17/30)

الكحول في بعض الأدوية، فإن ظهر أثر ذلك الكحول بهذا الدواء بحيث يُسْكَر الإنسانُ منه فهو حرامٌ، وأما إذا لم يظهر الأثر وإنما جعلت فيه مادة الكحول من أجل حفظه، فإن ذلك لا بأس به، لأنه ليس لمادة الكحول أثر فيه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هناك بعض الناس إذا عضّه كلب أو ثعلب يذهب إلى قبيلة ... ويأخذ من دمهم ويشربه، أو يشتريه بثمن وهو يعلم أن الله تعالى هو الشافي ولكن يقول: إنه لا يوجد غير دم هؤلاء القبيلة يَصْلُح لهذا، حتى إن هناك امرأة سبَّلت دمها لمن أُصيب بمثل هذا، ويقولون: إن بعضهم يقول إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استضافهم فأكرموه ودعا لهم بأن يكون دمُهم شفاءً، هل هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بصحيح، أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استضافهم فأكرموه ودعا لهم.
أما ما ذكرت من أن دمهم يُسْتشفى به فهذا مشهور عند الناس لكن لا يجوز شرعاً، لأن الدم حرام بنص القرآن، قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَْزْلاَمِ ذَالِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} . وقال تعالى: {قُل لاّ? أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ? أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ? أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ? أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ
اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ مَّسْفُوحًا
(17/31)

أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
وإذا كان حراماً فإنه لا شفاء فيه، لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها فلذلك ننهى عن هذا الشيء، ونقول: هذا شيء لا أصل له وقد فتح الله، ولله الحمد الآن أبواباً كثيرة للطب وتنقية الدم. وبإمكانهم أن يذهبوا إلى المستشفيات، وينقوا دمهم من هذا الدم الخبيث، أو من هذه العضة الخبيثة.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: قلتم في الفتوى السابقة: إنه لا يجوز شرعاً التداوي بالدم، لكنهم يقولون: إنهم مضطرون إلى الذهاب إلى القبيلة وقد قال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} . فما تعليق فضيلتكم على ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: قلت سابقاً هذا الشيء محرم، والمحرم لا يجوزُ إلا عند الضرورة.
ولكن ما هي الضرورة؟ الضرورة أن نعلم أن الإنسان إذا فعل هذا الشيء زالت ضرورته. ونعلم كذلك أنه لا يمكن أن تزول ضرورته إلا بهذا الشيء. يعني ليس هناك ضرورة تُبيح المُحرَّم إلا بشرطين: أن نعلم أنه لا تزول ضرورته إلا بهذا الشيء، وأن نعلم أن ضرورته تزول به. ولهذا إذا كان الإنسان يخاف الموت فله أن يأكل مَيْتَة لتوفر الشرطين السابقين، أما هؤلاء فليست هناك ضرورة تدفعهم لفعل هذا الشيء المحرَّم.
(17/32)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هناك بعض الأدوية تساعد على إنبات اللحية بصورة كاملة فهل يجوز استعمالها؟
فأجاب فضيلته بقوله: يريد السائل أنه في بعض الأحيان يكون نبات اللحية متفرقاً على العارضين، وربما يكون على العارضين لحية، والذقن الذي هو مجمع اللحيين ليس فيه شيء، فهل يجوز أن يحاول الإنسان إنبات الشعر الذي لم ينبت؟
الجواب: إذا كان يرجو نباته بنفسه فلا يحاول، لأن هذا ليس بعيب؛ إذ إنَّ كثيراً من الشباب الذين هم في ابتداء نبات لحاهم لا تنبت اللحية مستوية جميعاً فهذا ينتظر.
أما إذا كان عيباً بحيث نعلم ونيأس أنه لن ينبت بنفسه، فلا حرج أن يعالج ذلك حتى يخرج الباقي، لاسيما إن كانت مشوَّهة، أما إذا كانت غير مشوهة، فالأفضل ألا يعالجها بشيء لتنبت نباتاً طبيعياً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نحنُ في حاجة إلى الدعوة إلى الله ومع ذلك فإننا قد انشغلنا بعلاج الممسوسين بالجن، هل يجوز تعطيل الدعوة لهذا العمل؟ وكيف يكون علاج الممسوس؟ وهل يُشترط أخذُ مالٍ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدعوة إلى الله عز وجل فرضُ كفاية إذا قام بها من يكفي صارت في حق الا?خرين سُنَّة، فإن تعينتْ على
(17/33)

الشخص بحيث لا يقوم غيره مقامه، فإنها مقدمة على القراءة على من به مس من الجن، وذلك لأن مصلحة الدعوة مصلحة متيقنة، ومصلحة القراءة على مَنْ به مس من الجن مصلحة غير متيقنة، وكم من إنسان قُرىء عليه ولم يستفد شيئاً، فيُنْظَر إذا كانت الدعوة مُتَعيَّنة على هذا الرجل، لا يقوم غيره مقامه فيها، فإنه يجب عليه أن يدعو ولو ترك القراءة على من به مس من الجن، أمَّا إذا كانت فرض كفاية، فيُنْظَر إلى الأصلح، وإذا أمكن أن يجمع بينهما، وهو الظاهر أنه يمكن الجمع بينهما، يخصص لهذا يوماً ولهذا يوماً أو أياماً حسب الأهمية، ويحصل منه الإحسان إلى إخوانه الذين أصيبوا بهذه المصيبة، ومع ذلك يستمر في الدعوة إلى الله عز وجل فإن حصل الجمع بينهما ما أمكن فهو الأولى.
أما العلاج الصحيح للممسوس بالجن فإنه يختلف من حال إلى حال لكن أحسن ما يكون أن يقرأ عليه القرآن؛ مثل قوله تعالى: {يامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ فَانفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ * فَبِأَىِّءَالا?ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَىِّءَالا?ءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} . لأن هذا تحدّ لهم أنهم لا يستطيعون الفرار من الله عز وجل. وكذلك يقرأُ عليهم المعوذتين، وقل هو الله أحد، وآية الكرسي.
وكذلك يتكلم عليه بالموعظة كما كان يفعل شيخ الإسلام رحمه الله يقول: «هذا حرام عليكم أن تؤذوا المسلمين أو تضربوهم أو ما أشبه ذلك» .
(17/34)

أمَّا أخذُ المال، فإذا لم يأخذ مالاً فهو أفضل، وإن أخذ بدون شرط فلا بأس، وإن كان هؤلاء الذين قرأ عليهم قد تركوا ما يجب عليهم للقارىء، وأبى أن يقرأ إلا بعوضٍ فلا بأسَ كما فعل أهلُ السَّرية الذين بعثهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنزلوا على قوم فلم يُضيِّفوهم، فأرسل الله تعالى على سيدهم عقرباً فلدغته، فطلبوا من يقرأ فقالوا: لعل هؤلاء القوم الذين نزلوا بكم يقرءون، فأتوا إليهم فقالوا: لا نقرأ عليه إلا بكذا وكذا بقطيع من الغنم وأجاز هذا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نريد إيضاح حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: «إنهم لا يسترقون ... » الحديث. فهل عموم العلاج يدخل في الحديث؟ وإذا كان لا يدخل فما الفرق بينه وبين الرقية؟ لأن كلاًّ منهما سبب. وكيف نفهم أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعائشة رضي الله عنها وغيرها أن يسترقوا من العين؟ وإذا علمنا رجلاً أصابته عين فهل نأمره بالرقية أم نرشده إلى الصبر
(17/35)

والاحتساب؟ أرجو الإفادة وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: قوله في حديث السبعين ألفاً: «ولا يسترقون» (أي لا يطلبون الرقية من غيرهم) لكنه عليه الصلاة والسلام أمر بالتداوي وأرشد إليه وقال: «ما أنزل الله داء، إلا أنزل له شفاء» ، «عَلِمه من عَلِمه وجَهِله من جَهِله» ، والفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن تعلُّق الإنسان بالراقي أكثر من تَعَلُّقه بالتداوي؛ لأن الراقي إذا قدّر الله تعالى أن ينتفع المريض برقيته، صارت العلاقة بينه وبين هذا المريض علاقة روحية فربما يُفتتن به ويقول: هذا من أولياء الله وما أشبه ذلك، وقد يحصل معه شيء من الشرك ولهذا جاء بعدها «وعلى ربهم يتوكلون» .
الثاني: أنه قد يطلب الرقية من شخص ليس أهلاً لذلك، لأنه يداوي بشيء حسي يعرف. فيرقى هذا الذي سئل الرقية ثم لا يحصل الشفاء بالرقية لأنها غير شرعية ولكن عند الرقية، فيفتتن الناس أيضاً بهذا الرجل، ويظنونه ممن تجاب دعوته، وممن يتبرك بقراءته وليس كذلك.
فلهذا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ولا يسترقون» ، ولم يقل: ولا يتداوون، وعلى هذا فالدواء مطلوب، وأما الاسترقاء فإن الأفضل تركه، لكن لو أنَّ أحداً من الناس هو الذي تقدم وقرأ عليك ولم تمنعه فإن هذا لا يمنع من دخول الإنسان في هذا الحديث، لأنك لم تطلب الرقية،
(17/36)

وكذلك لو أنك رقيت على أخيك فإنك محسن إليه ولا تخرج بهذه الرقية من صفات هؤلاء السبعين ألفاً، ولهذا نقول: إن ما ورد في «صحيح مسلم» من زيادة وهي قوله: «ولا يرقون» زيادة شاذة ليست بصحيحة، والصواب: «ولا يسترقون» فقط.
أما الرقية من العالم فلأن العالِم معروف، فتطلب منه الرقية، لأنه إذا رقي على الإنسان فإنه ينتفع بذلك بإذن الله عز وجل، كالطبيب الذي يداوي.
أما هل نأمر الذي أصيب بالعين بالرقية أو نأمره بالصبر؟ فنقول له: إن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرشد إلى طريقة الشفاء من العين، حيث أمر الذي عان أحد الصحابة أن يغتسل ويتوضأ، فيؤخذ من مائه فيصبُّ على المصاب حتى يُشفى.
* * *
(17/37)

بسم الله الرحمن الرحيم

فائدة من المنتقى من فرائد الفوائد
في الآداب الشرعية ص 103 104 ج3: روى أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت لا ترى بأساً أن تعوذ بالماء ثم يصب على المريض.
وفي ص 774 ج 3 من الكتاب المذكور، قال صالح يعني ابن الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى ربما اعتللت فيأخذ أبي قدحاً فيه ماء فيقرأ عليه، ويقول لي: اشرب منه، واغسل وجهك ويديك. وذكر نصوصاً أخرى.
قلت: وفي سنن أبي داود ص 733 ج 2 أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل على ثابت بن قيس رضي الله عنه وهو مريض فقال: «اكشف الباس، رب الناس» عن ثابت بن قيس بن شماس، ثم أخذ تراباً من بطحان فجعله في قدح، ثم نفث عليه بماء وصبه عليه.
(17/38)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بسبب ما انتشر الآن من تلبُّس الجني بالإنسي وجلوس بعض الناس وتفرغهم لأجل الرقية وأخذ المكافأة على ذلك ماذا ترون فيه، ويستدلون بحديث الرهط الذين رقوا الرجل بالفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما من جهة أخذ الأجر على الرقية على المريض فلا بأس بها، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله» ، وهذا القاريء مثل المداوي، بخلاف الذي يأخذ الأجرة على مجرد قراءته، مثل الرجل يقرأ ليتعبد لله بالقراءة، ويأخذ على هذا أجراً، فهذا حرام، ولكن رجل قرأ على غيره لينتفع به أو علَّم غيره القرآن فلا بأس أن يأخذ الأجرة. وأما دعوى أنهم يقرأون على الجن وأن الجن تخاطبهم وما أشبه ذلك فهذا يحتاج إلى إثبات، فإذا ثبت فليس ببعيد، أن الجن يخاطبون الإنسان، ويقولون: إنهم مسلمون، أو إنهم كافرون، لأن بعضهم حسب ما سمعنا من الإخوان الذين يقرأون يقول: إنه مسلم لكنه لا يريد أن يخرج من هذا الإنسي لأنه يحبه، وأحياناً يصرح أنه كافر يهودي أو نصراني أو بوذي أو ما أشبه ذلك، ولكن لا يريد أن يخرج، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله عن شيخه ابن تيمية رحمه الله أنه جيء إليه بمصروع قد صرعه جني، فقرأ عليه الشيخ فلم يخرج فضربه ضرباً شديداً فخاطبه الجني وهو امرأة فقالت: إني أحبه، قال: لكنه لا يحبك. فقالت له: إني أريد أن أحجَّ به، فقال: لكنه لا يريد أن يحج معك، ثم قالت: أخرجُ كرامةً للشيخ، قال الشيخ: لا تخرجي
(17/39)

كرامة لي، اخرجي طاعة لله ورسوله. فخرجت فأفاق الرجل فتعجب، ما الذي جاء بي إلى حضرة الشيخ يعني شيخ الإسلام ابن تيمية، وما أحس بالضرب؛ لأن الضرب يقع على المصروع في الظاهر، وفي الباطن على من صرعه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض المرضى يقول للراقي: لا أعطيك أجرة إلا إذا شفاني الله. فهل يجوز هذا الاشتراط؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز أن يشترط المريض أو المصاب على القاريء على أنه إن عُوفي من ذلك فله كذا وكذا، وإلا فلا شيء له.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض طلبة العلم يقول: إن الطيب لا يؤثر على الجروح، لأن هناك دراسة أثبتت أن الطيب ليس له أثر على ألم الجرح أو انتفاخه، ولكن من اعتقد أن الطيب يضر فإنه يوكل إلى ما اعتقد، فهل هذا صحيح جزاك الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: نحن نقول في هذا الأمر قاعدة مفيدة وهي: أن الشيء لا يثبت حكمه إلا عن طريق الوحي، أو عن طريق التجارب، ففي قوله تعالى عن النحل: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ
(17/40)

مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} . علمنا بأن فيه شفاء عن طريق الوحي، وكذلك قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحبة السوداء إنها «شفاء من كل داء إلا الموت» ، عرفنا ذلك عن طريق الوحي.
والطريق الثاني التجارب، وهذا يكون معلوماً بالحس، والمعلوم عند الناس بالتجارب أن الجرح قد يتأثر بنوع من الطيب ليس بكل الأطياب، وهذا الشيء عندهم مجرب متعارف، وأنه بمجرد ما يحصل هذا الطيب عند المريض بالجروح، تتفطر الجروح وتتورم، كما لو علمنا مثلاً أن تناول هذه الأعشاب مسهل للبطن أو موجب للحرارة بالتجارب، فكل الأدوية الا?ن الموجودة عند الناس المصنوعة التي لم ينزل فيها وحي كلها علمت بالتجارب، فالذي أعرف أن الجروح تتأثر ببعض الأطياب، والدليل على هذا أنهم يحتاطون، فيشرب الإنسان شيئاً من المر أو يضعه في أنفه، حتى لا تدخل الرائحة إلى مسام البدن، فما علمنا أنه سبب حسي فإنه لا بأس أن نعتمده سبباً، وليس هذا من الشرك، أما الذي يكون بمجرد الأوهام فهذا لا أثر له ولا يجوز.
* * *
(17/41)

رسالة
فضيلة الشيخ الوالد العلامة محمد بن صالح العثيمين سلمه لله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نرجو منكم الإجابة على هذا السؤال وهو:
ما حكم الحاوي؟ علماً أن الحاوي له صفات منها:
1 أن الحاوي رجل وضِعَ له في صغره مع حليب ثدي أمه العقربُ الميتُ، أو يوضع العقرب الميت فوق الثدي فقط، ويقولون: إنه بذلك يكتسب الطفل مناعة ضد العقرب والثعبان والدود.
2 أن الحاوي لا تلدغه العقرب ولا الثعبان ولا الدود، ولا تُأثِّر فيه بشيء.
3 أن الحاوي إذا تفل على اللديغ يشفى من السم بريق الحاوي فقط.
4 أن الحاوي إذا تبوَّل، أو تفل على العقرب، أو الثعبان يموت العقرب أوالثعبان مباشرة، ولكن بعد ذلك تُسْلَبُ من الحاوي الخاصِّية التي فيه فيصبح مثله مثل باقي الناس ولذلك الحاوي لا يتفل على العقرب ولا على الثعبان كما إنه لا يقتل الثعبان ولا العقرب.
5 أن الحاوي إذا كان في مجلس وفيه عقرب أو حية فإنه
(17/43)

يرسم في الأرض دائرة حول العقرب أو الحية فلا تستطيع أن تخرج منها حتى تموت داخله.
6 أن الرجل الكبير إذا أراد أن يصبح حاوياً يجب أن يذهب إلى حاوي لكي يحويه.
7 بعضهم يقول ذِكْراً فيه مخاطبة للدود. وبعضهم والده هو الذي يقول الذِّكْرَ لابنه عندما يضع له العقرب الميت عندما يكون صغيراً.
ولقد ذكرتُ لفضيلتكم صورة كاملةً بحسب ما أخبرني به ممن يعرفون الحاوي فنرجو منكم الإجابة قطعاً للنزاع ورفعاً للإشكال والله يرعاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هذه الكلمات غير صحيحة ولا يجوز اعتبارها ولا تبادلها بل يجب إتلافها.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 32/3/7141هـ.
* * *
(17/44)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم الدكتور ... وزميليه حفظهم الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم وصل، وما تضمنه من الأسئلة، فهذا جوابها:
جواب السؤال الأول: لا نرى نقل عضو آدمي محترم إلى آدمي آخر سواء كان ذلك في حياة الأول أم بعد وفاته وذلك:
أأن جسم الإنسان أمانة عنده يجب عليه حفظه وحمايته من التلف والضرر لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُو?اْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} . وقوله: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُو?اْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . ومن المعلوم أن قطع عضو من أعضائه إتلاف لذلك العضو يترتب عليه فقدان منفعته في الجسم، وربما يُعْطبُ العضو الباقي فيفقد جنس هذه المنفعة كلية، وربما يتعلق بالعضوين وظائف دينية لا تقوم أو لا تكمل إلا بوجودهما جميعاً، فتتعطل تلك الوظيفة بفقد أحدهما، أو تنقص، وهذا ضرر على المرء. وهذه الحكمة ظاهرة جداً فيما إذا كان الأول حيًّا.
أما إذا كان ميتاً فإن حُرْمَة الميت كحرمته حيًّا لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «
(17/45)

كسر عظم الميت ككسره حيًّا» قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام: رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم؛ ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بتغسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ولو أجزنا أخذ أعضائه لكان المُغسل، والمُكفن، والمُصلى عليه، والمدفون بعض الميت؛ ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن التمثيل بقتلى الكفار الحربيين مع ما في المثلة من مصلحة إغاظة الكفار التي جعلها الله تعالى من الأعمال الصالحة في قوله: {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} .
ب أن تركيب العضو في الثاني قد ينجح، وقد لا ينجح، فكم من جسم رفض العضو الجديد لغرابته عليه أو غير ذلك من الأسباب، إذن فمفسدة قطع العضو للتركيب محققة، ومصلحة تركيبه غير محققة، ومن المعلوم شرعاً وعقلاً أنه يمتنع ارتكاب مفسدة معلومة، لمصلحة موهومة، ولذلك لو اضطر الحي لأكل الميت جاز ذلك على خلاف فيه، وذلك لتحقق المصلحة من أكله فإن خوف الموت بالجوع يزول بالأكل كما هو معلوم.
وأما القول بأن حياة الثاني مهددة إذا لم نركب له فجوابه من
(17/46)

وجهين:
أحدهما: أن نقول إن ذلك ليس من فعلنا فلسنا الذين فعلنا به ما يهدد حياته، وأما نقل العضو من الأول فهو بفعلنا نحن الذين أتلفنا هذا العضو عليه.
الثاني: أن نقول إنه لا يلزم من تركيبنا العضو فيه أن يرتفع عنه الخطر فقد لا تنجح العملية.
جواب السؤال الثاني: لا نرى بأساً في التلقيح الصناعي على الوجه المشروح في السؤال بأن تخرج بويضة الزوجة فتلقح بمني زوجها في المختبر، ثم تعاد إلى رحم الزوجة؛ لأن هذا مصلحة لا محذور فيها من وجهة الشرع. لكن بشرط أن يكون الزوج حيًّا، لأنه بعد وفاته لا يكون زوجاً، ولذلك تحل زوجته لغيره. وعلى هذا يجب إبطال مشروع بنك الحيوانات المنوية وقتله في مهده لما يخشى به من فوضى اجتماعية لا يعلم مدى مفاسدها إلا الله تعالى.
جواب السؤال الثالث: تشريح جثث الموتى المحترمين حرام لما ذكرناه في الجواب رقم 1، لكن إذا دعت الحاجة لذلك جاز، مثل أن يكون التشريح لمعرفة سبب الوفاة إن كان هناك شك في سببها ونحو ذلك.
جواب السؤال الرابع: استخدام المخدرات للحاجة في ظاهر الجسم كالتخدير للعملية الجراحية، أو تخفيف ألم الجرح لا بأس به لما فيه من المصلحة بدون ضرر.
وخلط الكحول بالأدوية إن كان الخلط يسيراً بحيث لا يظهر أثر لهذه الكحول فهو جائز، وإن كانت كثيرة بحيث يظهر لها أثر فهو
(17/47)

حرام إذا كانت تستعمل في أكل أو شرب.
جواب السؤال الخامس: كلما كثر الأولاد فهو أحبُّ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعز للأمة ولهذا امتنَّ الله بالكثرة على بني إسرائيل فقال: {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} . وقال شعيب لقومه: {وَاذْكُرُو?اْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} ولا ينبغي للإنسان أن يحاول تقليل نسله فإن النسل نعمة، وقد يكونون صالحين فينفعونه بالدعاء له بعد موته، وإن كانوا سوى ذلك لم يضروه.
ولكن إذا دعت الحاجة إلى تأجيل الحمل حتى تنشط الأم ونحو ذلك فلا بأس به؛ لأن الصحابة كانوا يعزلون في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولا بأس بأكل حبوب منع العادة في الحج، وكذلك في الصوم لكن الأولى في الصيام تركها؛ لأن المرأة ستقضي الصوم.
جواب السؤال السادس: كشف عورة الرجل للمرأة، والمرأة للرجل عند الحاجة لذلك حال العلاج لا بأس به، بشرط أن تؤمن الفتنة، وأن لا يكون هناك خلوة.
والطبيبة النصرانية المأمونة أولى في علاج المرأة من الرجل المسلم؛ لأنها من جنسها بخلاف الرجل.
جواب السؤال السابع: إجراء عملية للتجميل حرام، لأنها كالوشم الملعون فاعله والنمص الملعون فاعله، وإذا كان اللعن
(17/48)

وارداً في الوشر وهو في الأسنان، وفي النمص وهو في الشعور، ففي الأجزاء الأخرى كالأنف ونحوه من باب أولى، والعلم عند الله تعالى.
وأما إجراءالعملية لإصلاح عيب حادث، أو أصلي كالإصبع الزائدة فلا بأس به؛ لأن عرفجة بن أسعد قطع أنفه فأذن له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتخذ أنفاً من ذهب.
جواب السؤال الثامن: بنك لبن الأمهات جائز بشرط أن تقيد أسماء المتبرعات به، ويمكن ضبط توزيعه على الأطفال، وعدد الرضعات وإلا فلا يجوز لما فيه من الفوضى.
جواب السؤال التاسع: إذا كان يمكن تعيين ممرضات مسلمات فلا ينبغي العدول إلى غير المسلمات، لقوله تعالى: {وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَائِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو?اْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ، أما إذا لم يمكن تعيين مسلمات ودعت الحاجة إلى تعيين غيرهن وأمنت الفتنة فلا بأس.
* جواب الأسئلة المختلفة:
ج 1: صفة الهرولة ثابتة لله تعالى كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي» فذكر الحديث وفيه: «وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» وهذه الهرولة صفة من صفات أفعاله التي يجب علينا الإيمان بها من غير تكييف ولا تمثيل؛
(17/49)

لأنه أخبر بها عن نفسه وهو أعلم بنفسه، فوجب علينا قبولها بدون تكييف؛ لأن التكييف قول على الله بغير علم وهو حرام، وبدون تمثيل؛ لأن الله يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
ج 2: الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء في الحضر جائز إذا كان في تركه مشقة، أو تفويت جماعة، مثال الأول: المرض، ومثال الثاني: الجمع حال المطر لجماعة المسجد، فإنَّ بإمكان كل واحد أن يصلي وحده في بيته في الوقت لكن لما كان ذلك تفوت به الجماعة أباح الشرع الجمع كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر.
ج 3: لا أعرف ما هي ربطة العنق.
هذا ما لزم والله يحفظكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
22/5/1404 هـ.
* * *
(17/50)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا كان الأنف كبيراً وضخماً هل يجوز إجراء عملية لتجميله بحيث يصبح مناسباً للوجه؟
فأجاب فضيلته بقوله: القاعدة في هذه الأمور أن العملية لإزالة العيب جائزة، والعملية للتجميل غير جائزة، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن المتفلجات في أسنانهن من أجل تجميل السن، ولكنه أذِنَ لأحد الصحابة رضي الله عنه لما أصيبت أنفه وقطع أن يتخذ أنفاً من ذهب، فالقاعدة: أن ما كان لإزالة عيب فهو جائز، وما كان لزيادة التجميل فهو ليس بجائز.
فمثلاً: لو كان الأنف أعوج وأجرى عملية لتعديله فلا بأس؛ لأن هذا إزالة عيب، أو كانت العين حولاء فأجرى عملية لتعديلها فلا بأس لأنه إزالة عيب.
هذا الأنف إذا كان كبره يعتبر عيباً فهذا عيب ولا بأس بإجراء عملية، أما إذا كان فيه كبر وتصغيره يكون أجمل فإن هذا يعتبر تجميلاً فهو كالتفلّج، والتفلج لا يجوز.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا رغب إنسان في التبرع لمريض بإحدى كليتيه وطلب من ذوي المريض مقابل ذلك تأمين بعض الأشياء مثل تأمين سيارة معينة ليمتلكها بحجة أنه أصبح في وضع غير الذي كان عليه
(17/51)

فهل يقبل منه ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة صدر فيها فتوى من هيئة كبار العلماء بأنها جائزة، أما أنا فلا أرى الجواز، وذلك لأن أعضاء الإنسان عنده أمانة وقد نص فقهاء الحنابلة رحمهم الله أنه لا يجوز التبرع بعضو من الأعضاء ولو أوصى به الميت من بعد موته، وإن كان بعض الأعضاء قد يكون النجاح فيها (09) أو أكثر من ذلك لكن المفسدة في نزعها من الأول محققة حتى في الكلى، قد يقوم البدن على كلية واحدة، لكن لا شك أن قيامه على واحدة ليس كقيامه على ثنتين؛ لأن الله لم يخلق شيئاً عبثاً. ثم هذه الواحدة لو فسدت هلك الإنسان، ولو كانت الكلية المنزوعة موجودة فيه وفسدت الباقية لم يهلك.
فلهذا أنا أرى عدم الجواز بخلاف نقل الدم، لأن نقل الدم يخلفه دم آخر ولا يتضرر به المنقول منه ولا يفقد به عضو.
ومع ذلك فإني أرى أن مَنْ أخذَ بقول الجماعة فلا حرج عليه؛ لأن المسألة مسألة اجتهاد، ومسائل الاجتهاد لا إلزام فيها، لكن نظراً لأنه لا يحل لي كتمان العلم الذي أعلمه من شريعة الله بينته هنا، وإلا لكان يسعني أن أقول قد صدر بها فتوى فمن أرادها فليرجع إليها، لكن نظراً إلى أن العلم أمانة، وأن الإنسان لا يدري ما يواجه به الله عز وجل فإنه لابد أن أبين ما عندي، وأسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم لما اختلف فيه من الحق بإذنه.
وأنقل لكم كلام الفقهاء السابقين كما في الإقناع (وهو كتاب مشهور عند فقهاء الحنابلة) ، قالوا: لا يجوز أبداً أن ينقل عضو من
(17/52)

شخص ولو أوصى به بعد موته، لو قال: إذا مت فأعطوا فلان كليتي أو يدي أو ما أشبه ذلك.
* * *

سُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض أطباء العيون يقولون: إن الكحل يضر بالعين وينصحون بعدم استعماله فماذا تقولون لهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإثمد معروف أنه جيد ونافع للعين، وغيره من أنواع الكحل لا أعرف عنه شيئاً، والأطباء الأمناء هم مرجعنا في هذه المسألة.
ويقال: إن زرقاء اليمامة التي تبصر من ثلاثة أيام لما قتلت رأوا أن عروق عينها كلها متأثرة بهذا الإثمد. والآن ظهرت أنواع من الكحل مثل: الأقلام، يكتحل بها النساء لا ندري من أي شيء ركب وقد يكون من شحم خنزير، أو من بلاء أشد. فهذه المسألة أرى أنها مهمة ولابد أن يكتب فيها تحقيق مفيد.
* * *
(17/53)

رسالة
سماحة شيخنا الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله
أحسن الله إليكم
انتشر بين بعض الناس ظاهرة التداوي بلحوم وشحوم ودماء السباع وخاصة الذئب، فنرجو من سماحتكم توضيح الحكم في ذلك والله يحفظكم.
بسم الله الرحمن الرحيم، يَحْرُم على الإنسان أن يتداوى بالحرام؛ لأن الله تعالى لم يجعل الشفاء فيما حرَّم على عباده، ولو كان في الحرام فائدة ما حرمه عليهم، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تداووا ولا تداووا بحرام» وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم، فلا يحل أكل لحوم الذئاب والسباع، أو شحومها، أو شرب دمائها للتداوي، فمن فعل ذلك فقد عصى الله ورسوله، وإذا قدر أنه شفي بتناولها فهو فتنة له، والشفاء ليس منها قطعاً فليتق الله امرىء آمن به وخاف يوم الحساب، أسأل الله أن يعصمنا وإخواننا من غضبه وعقابه.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 31/8/6141هـ.
(17/55)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يقوم بعض الأطباء بعمليات جراحية للنساء تتمثل في أشياء كثيرة في الجسم منها:
1 شد الوجه، ورفع الحاجب جراحياً، أو بالمنظار.
2 تصغير وتكبير الشفاه.
3 تجميل الصدر «رفع، تكبير، تصغير» .
والسؤال: هل يجوز للنساء الذهاب لهؤلاء الأطباء بغير ضرورة؟ وهل يجوز فعل هذه الأمور؟ وهل يُعد تصغير وتكبير الشفاه ورفع الحاجب من تغيير خلق الله؟ وهل يجوز الدعاية لمثل هؤلاء الأطباء؟ نرجو منكم الإجابة وفقكم الله.
فأجاب فضيلته بقوله: التجميل المذكور أعلاه محرم لما فيه من تغيير خلق الله تعالى، وهو يشبه النمص، والوشم، ووشر الأسنان لتفليجها، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنه لعن الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله، وقال: ما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فليحذر الطبيب أن يقوم بمثل هذا التجميل من شد الوجه ورفع الحاجب، وتصغير الشفاه وتكبيرها، ورفع الصدر، وتكبيره وتصغيره، وليتق الله ربه، وليعدل إلى ممارسة العمليات الحلال فقليل من حلال، خير من كثير حرام.
(17/56)

ولا تجوز الدعاية لمثل هذا العمل؛ لأنه من باب التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله تعالى عن ذلك.
ويحرم على النساء أن يقمن بمثل هذه العمليات، وعليهن أن يتقين الله تعالى في أنفسهن وفي بنات جنسهن.
ولا يحل لأولياء النساء من آبائهن وأزواجهن وغيرهم ممن له ولاية عليهن أن يمكنوهن من هذا العمل، قال الله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ قُو?اْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} . أسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين وأن يحميهم من أسباب سخطه وعقابه إنه جواد كريم. 28/7/1420 هـ.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا مرض المريض يُذهب به إلى بعض الناس المعروفين، بما يسميه العوام (أنه يجمع الجن ويفرقهم) ويقولون عن بعضهم إنه «سيد» فيقوم هذا الرجل بكتابة أوراق في بعضها آيات قرآنية، وأحياناً تكون هذه الآيات مكتوبة بالمقلوب، ويعطيها للمريض، ويقول له: لا تفتحها وضعها في مكان معين، أو أنه يكتب له في صينية من الفخار كتابات ونقوش غير معروفة، ثم يقول له: اغسلها بالماء حتى يذوب الحبر في الماء ثم اشربها. فهل الذهاب إلى مثل هذا يجوز؟ علماً بأن
(17/57)

بعض هؤلاء يسمون شيوخاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: يحرم الذهاب إلى مثل هؤلاء لطلب ما يكتبون مما لا يُعرف؛ لأننا لا ندري ما الذي كُتب، ولاسيما إذا كانوا يكتبون القرآن مقلوباً فإن هذا يدل على أنهم يُطيعون جنًّا يُسخرونهم لأن يكتبوا كتاب الله جلا وعلا على وجه مقلوب، وإذا كان العلماء رحمهم الله اختلفوا هل تجوز كتابة القرآن بغير الرسم العثماني فكيف بمن يكتبه مقلوباً؟!
وإني أنصح أولئك القوم الذين يسمون (الشيوخ) والذين يموِّهون على العباد بمثل هذا، أنصحهم من هذه الطريق المنحرفة وأقول: يا أيها الناس توبوا إلى ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تُنصرون، ارجعوا إلى الكتاب والسنة، وإذا كان فيكم خير لعباد الله فليكن عن طريق شرعي لا عن الطريق المحرم.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: انتشر في بعض القرى ما يسمى (برقية العقرب) ، وذلك كالا?تي: يأتي الراقي بزيت مع سكر ويخلطهما، ثم ينفخ فيه: بسم الله، آمنت بالله عن الأفاعي والرفاعي، ثم يقول الراقي لطالب الرقية: احفظ ما أقول: بسم الله، آمنت بالله عن الأفاعي والرفاعي. حتى يحفظها. ثم يقول الراقي بعد ذلك لطالب الرقية: العق من السكر المخلوط بالزيت قدر ما تشاء، ولا تخبر أحداً، ولا تقتل عقرباً إذا رأيتها، وحينئذ إذا لدغته
(17/58)

العقرب لا تضره، وثمن هذه الرقية ريال واحد. أفيدونا عن حكم ذلك نفع الله بكم الإسلام والمسلمين.
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الرقية للنجاة من لدغة العقرب رقية بدعية لا أساس لها من أثر أو نظر، فهي نوع من الشرك؛ لأنه سبب غير شرعي، ولا حسي، بل وهمي، ثم إن فيها محادة للسنة وهي الامتناع من قتل العقرب، مع أن قتل العقرب مأمور به وإن كان الإنسان يصلي، وإن كان في مكة، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خمسٌ من الدواب كلهن فواسق، يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» . وأخرج الخمسة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بقتل الأسودين في الصلاة: العقرب والحية. حرر في 16/2/1419 هـ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يوجد بعض الأشخاص يكتبون للمرضى بعض الكتابات التي لا يقرأ إلا اليسير منها، وقد لا يُقرأ شيء منها أحياناً ويسمون هذه الكتابة «
(17/59)

المحو» ويَدَّعُون أن الذي كتبها يعرف قراءتها.. ويقول للمريض: ضعها في ماء واشرب الماء، أو يقول: ضعها على ضرسك، أو تحت الوسادة ونحو ذلك. فضيلة الشيخ: ما حكم هذاالعمل؟ وما حكم الذهاب لهم؟ وهل هذا ورد في الكتاب والسنة؟ وما هو البديل وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تستعمل الرقى أو الكتابات التي لا تقرأ ولا يعرف ما فيها.
والبديل عن ذلك أن يقرأ القاريء على نفس المريض كما جاءت به السنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والا?ثار عن الصحابة رضي الله عنهم وذكر عن بعض السلف الصالح أنه كان يكتب آيات من القرآن في إناء بالزعفران فيخضخض بالماء ويشربه المريض، فلو فعل ذلك فلا بأس إن شاءالله تعالى. 91/11/5141هـ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: واجهتني في حياتي عدة مشاكل جعلتني أكره الحياة فكنت كلما أتضجر أتوجه إلى الله بأن يأخذ عمري في أقرب وقت وهذه هي أمنيتي حتى الا?ن لأنني لم أر حلاً لمشاكلي سوى الموت هو وحده الذي يخلصني من هذا العذاب فهل هذا حرام عليّ؟
(17/60)

فأجاب فضيلته بقوله: إن تمني الإنسان الموت لضر نزل به، وقوع في ما نهى عنه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: «لا يتمنَّينَّ أحدكم الموت من ضرٍّ أصابه، فإن كان لابدَّ فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيراً لي» فلا يحل لأحد نزل به ضر، أو ضائقة، أو مشكلة، أن يتمنى الموت، بل عليه أن يصبر ويحتسب الأجر عند الله تعالى وينتظر الفرج منه لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً» . وليعلم المصاب بأي مصيبة، أن هذه المصائب كفارات لما حصل منه من الذنوب، فإنه لا يُصيب المرء المؤمن هم ولا غم ولا أذى إلا كفَّر الله عنه به، حتى الشوكة يُشاكها. ومع الصبر والاحتساب ينال منزلة الصابرين، تلك المنزلة العالية التي قال الله تعالى في أهلها: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَْمَوَالِ وَالأَْنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُو?اْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} ، وكون هذه المرأة لا ترى حلاً لمشاكلها إلا الموت، أرى أن ذلك نظر خاطىء، فإن الموت لا تنحل به المشاكل، بل ربما تزداد به المصائب، فكم من إنسان مات، وهو مصاب بالمشاكل والأذى، ولكنه كان مسرفاً على نفسه، لم يستعتب من ذنبه، ولم يتُب إلى الله عز وجل، فكان في موته إسراع لعقوبته، ولو أنه بقي على الحياة ووفقه الله تعالى للتوبة
(17/61)

والاستغفار، والصبر وتحمل المشاق وانتظار الفرج لكان في ذلك خير كثير له.
فعليك أيتها السائلة أن تصبري وتحتسبي وتنتظري الفرج من الله عز وجل فإن الله تعالى يقول في كتابه: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} } والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول فيما صح عنه: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً» .

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تمني الموت؟
فأجاب فضيلته بقوله: نهى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يتمنى الإنسان الموت لضر نزل به، وقال: «إن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي» ، ولا يرد على هذا قول مريم رضي الله عنها: {فَأَجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَاذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} فإن هذا ليس تمنياً للموت، ولكنها تمنت أن تكون ماتت قبل هذه القضية التي حصلت عليها.
وكذلك قول يوسف عليه الصلاة والسلام: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأَْحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ أَنتَ وَلِىِّ فِى
(17/62)

الدُّنُيَا وَالأَْخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ الدُّنُيَا وَالأَْخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ} . ليس معناه أنه يسأل الله الموت، ولكنه يسأل الله أن يموت على هذه الحال؛ أي أن يموت مسلماً فلا يكون هذا معارضاً لنهي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تمني الموت.

سُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم الرقية؟ وعن حكم كتابة الآيات وتعليقها في عنق المريض؟
فأجاب فضيلته بقوله: الرقية على المريض المصاب بسحر أو غيره من الأمراض لا بأس بها إن كانت من القرآن الكريم، أو من الأدعية المباحة فقد ثبت عن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه كان يرقي أصحابه، ومن جملة ما يرقاهم به: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع» فيبرأ. ومن الأدعية المشروعة: «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك» ، ومنها أن يضع الإنسان يده على الموضع الذي يؤلمه من بدنه فيقول: «أعوذ بالله وعزته من شر ما أجد وأحاذر» ، إلى غير ذلك مما ذكره أهل العلم من الأحاديث الواردة عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(17/63)

وأما كتابة الآيات والأذكار وتعليقها فقد اختلف أهل العلم في ذلك: فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه، والأقرب المنع من ذلك، لأن هذا لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإنما الوارد أن يقرأ على المريض، أما أن تُعلق الآيات أو الأدعية على المريض في عنقه أو في يده، أو تحت وسادته وما أشبه ذلك، فإن ذلك من الأمور الممنوعة على القول الراجح لعدم ورودها.
وكل إنسان يجعل من الأمور سبباً لأمر آخر بغير إذن من الشرع، فإن عمله هذا يعد نوعاً من الشرك؛ لأنه إثبات سبب لم يجعله الله سبباً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل الرقية تنافي التوكل؟
فأجاب فضيلته بقوله: التوكل هو صدق الاعتماد على الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار مع فعل الأسباب التي أمر الله بها، وليس التوكل أن تعتمد على الله بدون فعل الأسباب، فإن الاعتماد على الله بدون فعل الأسباب طعن في الله عز وجل وفي حكمته تبارك وتعالى لأن الله تعالى ربط المسببات بأسبابها، وهنا سؤال: مَنْ أعظم الناس توكلاً على الله؟
الجواب: هو الرسول، عليه الصلاة والسلام.
(17/64)

وهل كان يعمل الأسباب التي يتقي بها الضرر؟
الجواب: نعم، كان إذا خرج إلى الحرب يلبس الدروع ليتوقى السهام، وفي غزوة أحد ظاهر بين درعين، أي لبس درعين كل ذلك استعداداً لما قد يحدث. ففِعْل الأسباب لا ينافي التوكل، إذا اعتقد الإنسان أن هذه الأسباب مجرد أسباب فقط لا تأثير لها إلا بإذن الله تعالى وعلى هذا فالقراءة قراءة الإنسان على نفسه، وقراءته على إخوانه المرضى لا تنافي التوكل، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يرقي نفسه بالمعوذات، وثبت أنه كان يقرأ على أصحابه إذا مرضوا، والله أعلم.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم تعليق التمائم والحجب؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المسألة أعني تعليق الحجب والتمائم تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يكون المُعلّق من القرآن وقد اختلف في ذلك أهل العلم سلفاً وخلفاً.
فمنهم من أجاز ذلك ورأى أنه داخل في قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} ، وقوله تعالى: {كِتَابٌ
(17/65)

أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُو?اْءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو الأَْلْبَابِ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُو?اْءَايَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو الأَْلْبَابِ} ، وأن من بركته أن يعلق ليدفع به السوء.
ومنهم من منع ذلك وقال: إن تعليقها لم يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه سبب شرعي يدفع به السوء أو يُرفع به، والأصل في مثل هذه الأشياء التوقيف، وهذا القول هو الراجح وأنه لا يجوز تعليق التمائم ولو من القرآن الكريم، ولا يجوز أيضاً أن تجعل تحت وسادة المريض، أو تعلق في الجدار وما أشبه ذلك، وإنما يدعى للمريض ويقرأ عليه مباشرة كما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل.
القسم الثاني: أن يكون المعلق من غير القرآن الكريم مما لا يفهم معناه فإنه لا يجوز بكل حال؛ لأنه لا يدرى ماذا يكتب فإن بعض الناس يكتبون طلاسم وأشياء معقدة، حروف متداخلة ما تكاد تعرفها ولا تقرأها فهذا من البدع وهو محرم ولا يجوز بكل حال. والله أعلم.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم النفث في الماء؟
فأجاب فضيلته بقوله: النفث في الماء على قسمين:
القسم الأول: أن يراد بهذا النفث التبرُّك بريق النافث فهذا لا شك أنه حرام ونوع من الشرك، لأن ريق الإنسان ليس سبباً للبركة والشفاء ولا أحد يُتبرَّك بآثاره إلا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما غيره فلا يتبرك بآثاره فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتبرك بآثاره في حياته وكذلك بعد مماته إذا بقيت
(17/66)

تلك الا?ثار كما كان عند أم سلمة رضي الله عنها جلجل من فضة فيه شعرات من شعر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يستشفي بها المرضى فإذا جاء مريض صبَّت على هذه الشعرات ماء ثم حركته ثم أعطته الماء، لكن غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يجوز لأحد أن يتبرك بريقه، أو بعرقه، أو بثوبه، أو بغير ذلك، بل هذا حرام ونوع من الشرك، فإذا كان النفث في الماء من أجل التبرك بريق النافث فإنه حرام ونوع من الشرك وذلك لأن كل من أثبت لشيء سبباً غير شرعي ولا حسي فإنه قد أتى نوعاً من الشرك، لأنه جعل نفسه مسبباً مع الله، وثبوت الأسباب لمسبباتها إنما يتلقى من قبل الشرع فلذلك كل من تمسك بسبب لم يجعله الله سبباً؛ لا حسًّا ولا شرعاً، فإنه قد أتى نوعاً من الشرك.
القسم الثاني: أن ينفث الإنسان بريق تلا فيه القرآن الكريم مثل أن يقرأ الفاتحة والفاتحة رقية وهي من أعظم ما يرقى به المريض فيقرأ الفاتحة وينفث في الماء فإن هذا لا بأس به وقد فعله بعض السلف وهو مجرب ونافع بإذن الله وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينفث في يديه عند نومه ب {قل هو الله أحد} ، و {قل أعوذ برب الفلق} ، و {قل أعوذ برب الناس} فيمسح بهما وجهه وما استطاع من جسده صلوات الله وسلامه عليه، والله الموفق.

س 32 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: جاء في
(17/67)

الفتوى السابقة أن التبرُّك بريق أحد غير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حرام ونوع من الشرك باستثناء الرقية بالقرآن وحيث إن هذا يشكل مع ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقول في الرقية: «بسم الله، تربة أرضنا بريقة بعضنا يُشفى سقيمنا بإذن ربنا» . فنرجو من فضيلتكم التكرم بالتوضيح.
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر بعض العلماء أن هذا مخصوص برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبأرض المدينة فقط وعلى هذا فلا إشكال.
ولكن رأي الجمهور أن هذا ليس خاصًّا برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا بأرض المدينة، بل هو عام في كل راق، وفي كل أرض، ولكنه ليس من باب التبرك بالريق المجردة، بل هو ريق مصحوب برقية وتربة للاستشفاء وليس لمجرد التبرك. وجوابنا في الفتوى السابقة هو التبرك المحض بالريق وعليه فلا إشكال لاختلاف الصورتين.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل تجوز كتابة بعض آيات القرآن الكريم «مثل آية الكرسي» على أواني الطعام والشراب لغرض التداوي بها؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب أن نعلم أن كتاب الله عز وجل أعز وأجل من أن يمتهن إلى هذا الحد ويبتذل إلى هذا الحد،
(17/68)

كيف تطيب نفس مؤمن أن يجعل كتاب الله عز وجل وأعظم آية في كتاب الله وهي آية الكرسي أن يجعلها في إناء يشرب فيه ويمتهن ويرمى في البيت ويلعب به الصبيان؟! هذا العمل لا شك أنه حرام، وأنه يجب على من عنده شيء من هذه الأواني أن يطمس هذه الآيات التي فيها، بأن يذهب بها إلى الصانع فيطمسها، فإن لم يتمكن من ذلك فالواجب عليه أن يحفر لها في مكان طاهر ويدفنها، وأما أن يبقيها مبتذلة ممتهنة يشرب بها الصبيان ويلعبون بها، فإن الاستشفاء بالقرآن على هذا الوجه لم يرد عن السلف الصالح رضي الله عنهم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم لبس السوار لعلاج الروماتيزم؟
فأجاب فضيلته بقوله: اعلم أن الدواء سبب للشفاء، والمسبب هو الله تعالى، فلا سبب إلا ما جعله الله تعالى سبباً والأسباب التي جعلها الله تعالى أسباباً نوعان:
النوع الأول: أسباب شرعية كالقرآن الكريم والدعاء كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سورة الفاتحة: «وما يدريك أنها رقية» ، وكما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرقي المرضى بالدعاء لهم فيشفي الله تعالى بدعائه من أراد شفاءه به.
النوع الثاني: أسباب حسية كالأدوية المادية المعلومة عن طريق الشرع كالعسل، أو عن طريق التجارب مثل كثير من الأدوية
(17/69)

وهذا النوع لابد أن يكون تأثيره عن طريق المباشرة لا عن طريق الوهم والخيال، فإذا ثبت تأثيره بطريق مباشر محسوس صحَّ أن يتخذ دواء يحصل به الشفاء بإذن الله تعالى، أما إذا كان مجرد أوهام وخيالات يتوهمها المريض فتحصل له الراحة النفسية بناء على ذلك الوهم والخيال ويهون عليه المرض وربما ينبسط السرور النفسي على المرض فيزول، فهذا لا يجوز الاعتماد عليه ولا إثبات كونه دواء؛ لئلا ينساب الإنسان وراء الأوهام والخيالات، ولهذا نُهي عن لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع المرض أو دفعه، لأن ذلك ليس سبباً شرعيًّا ولا حسيًّا، وما لم يثبت كونه سبباً شرعيًّا ولا حسيًّا لم يجز أن يجعل سبباً؛ لأن جعله سبباً نوع من منازعة الله تعالى في ملكه وإشراك به حيث شارك الله تعالى في وضع الأسباب لمسبباتها، وقد ترجم الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لهذه المسألة في كتاب التوحيد بقوله: «باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لدفع البلاء أو رفعه» .
وما أظن السوار الذي أعطاه الصيدلي لصاحب الروماتيزم الذي ذُكِر في السؤال إلا من هذا النوع، إذ ليس ذلك السوار سبباً شرعيًّا ولا حسيًّا تعلم مباشرته لمرض الروماتيزم حتى يبرئه فلا ينبغي للمصاب أن يستعمل ذلك السوار حتى يعلم وجه كونه سبباً، والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم عيادة المريض؟
(17/70)

فأجاب فضيلته بقوله: عيادة المريض فرض كفاية لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه يُسنُّ تذكير المريض التوبة والوصية، فقال بعض الناس إن هذا خاص بالأمراض الخطيرة دون اليسيرة فما رأي فضيلتكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أراه أن المريض يُذكر بالتوبة والوصية مطلقاً؛ لأن التوبة مشروعة كل وقت، والوصية مشروعة ولكن يكون ذلك على وجه لا يزعج المريض.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ماذا يفعل الجالس عند المُحتضر؟ وهل قراءة سورة «يس» عند المحتضر ثابتة في السنة أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. عيادة المريض من حقوق المسلمين بعضهم على بعض. وينبغي لمن عاد المريض أن يذكره بالتوبة، وبما يجب
(17/71)

عليه من الوصية. وبملء وقته بذكر الله عز وجل، لأن المريض في حاجة إلى مثل هذا الشيء، وإذا احتضر، وتيقن الإنسان أنه حضره الموت، فإنه ينبغي له أن يلقن: «لا إله إلا الله» كما أمر بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيذكر الله عنده بصوت يسمعه حتى يتذكر. ويذكر الله، قال أهل العلم: ولا ينبغي أن يأمره بذلك، لأنه ربما يكون لضيق صدره، وشدة الأمر عليه يأبى أن يقول «لا إله إلا الله» حينئذ تكون الخاتمة سيئة. وإنما يذكره بالفعل، أي بالذكر عنده حتى قالوا: وإذا ذكَّره فذكر فقال: «لا إله إلا الله» فليسكت، ولا يحدثه بعد ذلك ليكون آخر قوله «لا إله إلا الله» فإن تكلم أي المحتضر فليعد التلقين عليه مرة ثانية ليكون آخر كلامه «لا إله إلا الله» .
وأما قراءة «يس» عند المحتضر فإنها سنة عند كثير من العلماء لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقرأوا على موتاكم يس» ، لكن هذا الحديث تكلم فيه بعضهم وضعفه، فعند من صححه تكون قراءة هذه السورة سنة، وعند من ضعفه لا تكون سنة. والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يموت المؤمن بعرق الجبين» ؟
(17/72)

فأجاب فضيلته بقوله: أقرب ما قيل فيه أن معناه أن المؤمن يموت وهو يعمل العمل الصالح، أي أنه يستمر في عمله الصالح إلى الموت، لقول الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ الْيَقِينُ} .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل هناك صارف عن الوجوب في قوله عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله؟» .
فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر أن من الصارف عن الوجوب الحال الواقعة من الصحابة، فإن الظاهر من أحوالهم أنهم لا يلقنون كل ميت، والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم الأذان في أذن الميت؟ وتلقينه لا إله إلا الله عند الموت؟ وتلقينه إجابة الملكين بعد دفنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأذان في أُذن الميت بدعة.
وتلقينه عند الموت: لا إله إلا الله أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أما تلقينه إجابة الملكين بعد دفنه، فهذا ورد في حديث، لكنه
(17/73)

ضعيف، فلا يعتمد.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما صحة الحديث الذي يقول: «اقرأوا سورة يس على موتاكم» ؟ وبعض الناس يقرأونها على القبر.
فأجاب فضيلته بقوله: «اقرأوا على موتاكم يس» الحديث هذا ضعيف، فيه شيء من الضعف، ومحل القراءة إذا صح الحديث عند الموت إذا أخذه النزع، فإنه يقرأ عليه سورة يس، قال أهل العلم: وفيها فائدة وهو تسهيل خروج الروح، لأن فيها قوله تعالى: {قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يالَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُكْرَمِينَ} فيقرأها عند المحتضر هذا إن صح الحديث، وأما قراءتها على القبر فلا أصل له.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: متى وقت التلقين؟
فأجاب فضيلته بقوله: التلقين عند الموت وعند الاحتضار يلقن المُحتضر لا إله إلا الله، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام عند موت عمه أبي طالب حيث حضره فقال: «يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» ، ولكن عمه أبا طالب والعياذ
(17/74)

بالله لم يقل هذا ومات على الشرك.
وأما التلقين بعد الدفن فإنه بدعة لعدم ثبوت الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك، ولكن الذي ينبغي أن يفعل ما رواه أبو داود حيث كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: «استغفروا لأخيكم، اسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يُسأل» ، وأما القراءة عند القبر وتلقينه في القبر فهذا بدعة لا أصل له.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل ورد دليل على أنه يُسَن إذا مات الإنسان أن يُشد لحياه، وتُلين مفاصله، وتُغمض عيناه وتُوضع حديدة على بطنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: شد لحيي الميت وتليين مفاصله لم يرد فيه دليل، وإنما ذكره الفقهاء رحمهم الله لأن في شد اللحيين حفظ الميت من بقاء فمه مفتوحاً، ودرءاً عن تشويه وجهه، وتليين المفاصل ليسهل غسله وتكفينه.
وأما تغميض العينين فقد وردت به السنة الصحيحة من فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأبي سلمة رضي الله عنه حين أتاه وقد شَخُصَ بصره فأغمضه وقال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» .
(17/75)

وأما وضع حديدة على بطن الميت فليس من السنة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم نقل الميت من بلد إلى آخر؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز نقل الميت من بلد إلى آخر إذا كان هناك غرض صحيح، ولم يخف على الميت من التفسخ، لكن الأفضل دفنه في البلد الذي مات فيه لأنه أسرع في تجهيزه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يترك بعض الناس جثة الميت في البيت حتى يُمكَّنُ بعض الأقارب من توديعه فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل خلاف أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: «أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» . وهذا أيضاً جناية على الميت إذا كان صالحاً، لأن الميت إذا كان صالحاً وخرج من بيته فإن روحه تقول: قدموني قدموني، وذلك لأن الإنسان إذا احتضر وكان من أهل الخير فإنه يبشر بالجنة، وحينئذ يشتاق إليها ويرغب أن يقدم إلى الدفن، حتى ينعم بما أنعم الله به عليه، فإنه إذا كان
(17/76)

صالحاً وسأله الملكان عن ربه، ودينه، ونبيه، وأجاب بالصواب فإنه يفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من روحها ونعيمها، ويفسح له في قبره مدّ البصر، وقد ذكر أهل العلم أنه يسن الإسراع في تجهيز الميت، وأنه لا ينبغي تأخيره.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تأخير الصلاة على الجنازة حتى يحضر أقارب الميت؟ وما الضابط لذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: تأخير تجهيز الميت والصلاة عليه خلاف السنة، خلاف ما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» .
ولا ينبغي الانتظار اللهم إلا مدة يسيرة كما لو انتظر به ساعة أو ساعتين وما أشبه ذلك، وأما تأخيره إلى مدة طويلة فهذا مخالفة للسنة وجناية على الميت؛ لأن النفس الصالحة إذا خرج أهل الميت بها تقول: قدموني. قدموني، فتطلب التعجيل والتقديم؛ لأنها وعدت بالخير والثواب الجزيل. والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز للإنسان أن يُوصِي بدفنه في مكان ما؟
(17/77)

فأجاب فضيلته بقوله: نعم، يجوز أن يُوصِي بدفنه في مكان معين إذا كان مما يجوز الدفن فيه، أما إذا كان لا يجوز الدفن فيه كالمسجد فلا يجوز تنفيذ وصيته.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هناك امرأة أوصت أن تُدفن ببقعة معينة ولم ينفذ الورثة الوصية. ويسأل ولدها ويقول: إنها تعرض له في المنام كثيراً وتعرض لوالده والا?ن لهم سنة بعد. دفنها، فيسأل: هل يعتبر هذا عصياناً؟ ثم هل يجوز نبش القبر وإرجاعها إلى المكان الذي أوصت أن تدفن فيه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزم تنفيذ الوصية إذا أوصى الميت أن لا يدفن إلا في مكان معين؛ لأنه ليس فيه مقصود شرعي، بل يدفن مع المسلمين إذ أن الأرض كلها سواء، وكان الصحابة رضي الله عنهم إذا مات منهم ميت في أي مكان دفنوه، فهذه الوصية لا يلزم تنفيذها.
وكونها تعرض له في المنام لأنه يفكر فيها، ومعلوم أن الإنسان إذا فكر في الشيء قد يراه في المنام.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عما يفعله بعض الناس من كونه يحفر قبراً له؟
فأجاب فضيلته بقوله: حفر القبر له قبل الموت إن كان في
(17/78)

مقبرة مسبلة فلا يجوز؛ لأنه تحجر للمكان ومنع لغيره من الدفن فيه وهو لا يدري فربما لا يموت في هذا البلد، وأما إن كان في أرض غير مسبلة فإنه لا بأس به كما أعدت عائشة رضي الله عنها مكان قبرها في بيتها، ثم آثرت به عمر رضي الله عنه.
* * *
س 50 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نحن يا فضيلة الشيخ سكان أحد ضواحي ... عاصمة ... وفي ذلك الحي لا يوجد إلا مسجد واحد، وقد قام ببناء هذا المسجد أحد سكان ذلك الحي ولكنه أوصى قبل موته أن يُدفَن في المسجد وكان ذلك، فدفن الرجل ملاصقاً لجدار المصلى خلف المحراب، علماً بأن القبر مسوى بالأرض وغير مرفوع. ولقد طالب سكان هذا الحي ورثة الميت برفع جثته ونقلها إلى مقابر المسلمين فصار يُسوِّف ويُؤجِّل، ثم سأل بعض المعممين في بلدنا فأفتوا بجواز الصلاة، وقالوا: لا بأس وليس عليه رفع الجثة.
ولقد سألنا شيخنا العلامة ... فأفتى بوجوب رفع الجثة، وقال: علينا أن نصلي في غير هذا المسجد حتى لو في بيت أحدنا، وقال: إن علينا العمل على بناء مسجد آخر، ولكن الناس ظلوا يصلون في هذا المسجد فما الحكم
(17/79)

الشرعي في هذه الصلاة؟ وهل يجوز لأحدنا أن يصلي في بيته مفرداً أو يأتي هذا المسجد؟ ماذا علينا أن نفعل؟ أفيدونا أفادكم الله وبارك فيكم وزادكم علماً وتوفيقاً.
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الوصية لا يلزم الوفاء بها أعني وصية باني المسجد أن يدفن فيه بل ولا يجوز الوفاء بها؛ لأنه لما أوقف المسجد خرج عن ملكه، وليس له الحق بأن يدفن فيه، ودفنه فيه بمنزلة دفنه في أرض مغصوبة إن لم يكن أعظم، وعلى هذا فيجب على أولياء الميت من وصي، أو غيره أن ينبشوه ويدفنوه في مقابر المسلمين.
وأما بالنسبة للصلاة في هذا المسجد فإن وجدتم غيره فهو أولى منه، وإن لم تجدوا غيره فلا تصلوا إلى القبر؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الصلاة إلى القبور، ولكن اجعلوه عن اليمين أو الشمال، ولا مانع من الصلاة في هذا المسجد؛ لأنه سابق على القبر، ووضع القبر فيه عدوان عليه، والعدوان عليه لا يستلزم بطلان الصلاة فيه ولا يحوِّله إلى مقبرة، لكن إن خُشِي من فتنة في المستقبل بحيث تَظنُّ الأجيال المقبلة أن هذا المسجد قد بني على القبر فهَجْرُ هذا المسجد أولى ويكون الا?ثم مَنْ حرم المسلمين الصلاة فيه، وهم أولياء هذا الميت من وصي أو غيره.
ولذا فإني أكرر نصيحتي لهم أن ينبشوا الميت من المسجد ويدفنوه مع المسلمين. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى،
(17/80)

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(ملاحظة) : إذا كنتم سألتم الشيخ العلامة ... على وجه الاستفتاء والأخذ بما يفتي به فالتزموا بما أفتى به؛ لأنكم سألتموه معتقدين أن ما يقوله هو الحق الذي تدينون الله به. وإن كنتم سألتموه لمجرد استطلاع رأيه ومعرفة ما عنده فلا حرج عليكم بالعدول عما أجابكم به.
* * *
(17/81)

تغسيل الميت
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز للزوج أن يُغسِّل زوجته؟
فأجاب فضيلته بقوله: للزوج أن يغسل زوجته إذا ماتت، وللزوجة أن تغسل زوجها إذا مات؛ لأنه يُروى أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لعائشة رضي الله عنها: «لو مت قبلي فغسلتك» ولأن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نرى الناس يُغسِّلون موتاهم في المغاسل التي بُنيت لهذا الغرض مع أن الفقهاء رحمهم الله قالوا: الأولى بالتغسيل الوصي، ثم الأب، ثم الجد، ثم الأقرب فالأقرب؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى إنما هو عند المشاحة، أما عند عدم المشاحة فلا بأس أن يتولى التغسيل من تفرغ لذلك.
* * *

وسُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل للأب والأم تغسيل مَنْ مات مِنْ أولادهم دون السابعة؟
(17/85)

فأجاب فضيلته بقوله: للأب أن يُغسِّل ابنته إذا ماتت وكان لها أقل من سبع سنوات، وللأم أن تُغسِّل ابنها إذا مات وكان له أقل من سبع سنوات، لأن إبراهيم ابن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما مات غسَّلته امرأة، ولأن عورة من دون السبع لا حكم لها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هي صفة تغسيل الميت؟ وما هي نصيحتك لطلبة العلم حيال ذلك والإقدام على تغسيل الأموات؟
فأجاب فضيلته بقوله: صفة تغسيل الميت أن يجعل في مكان مستور لا تشاهده العيون، ولا يحضره أحد إلا من يباشر تغسيله، أو من يساعده، ثم يجرد من ثيابه بعد أن يوضع على عورته خرقة حتى لا يراها ولا الغاسل، ثم ينجيه وينظفه، ثم يوضأ كما يتوضأ للصلاة، إلا أن أهل العلم قالوا: لا يدخل الماء إلى فمه ولا إلى أنفه، وإنما يبل خرقة بالماء ويدلك بها أسنانه، وداخل أنفه، ثم بعد هذا يغسل رأسه، ثم يغسل سائر جسده، ويبدأ بالأيمن فالأيمن، وينبغي أن يجعل في الماء سدراً؛ لأنه ينظف ويغسل برغوة السدر رأسه ولحيته، وينبغي كذلك أن يجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً، أو شيئاً من كافور؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بذلك النساء اللائي يغسلن ابنته قال: «اجعلن في الغسلة الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور» ، ثم
(17/86)

ينشفه ثم يضعه على أكفانه، وتغسيل الميت فرض كفاية كما هو معروف إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وعلى هذا فمن قام به، قام بفرض كفاية يثاب عليه ثواب الفرض، ولا ينبغي أن يتولى تغسيله إلا من يعرف كيفية الغسل الشرعي، وليس من اللازم أن يباشر ذلك طلبة العلم؛ لأن طلبة العلم قد يكونون مشغولين بما هو أهم، حيث إن تغسيل الميت يقوم به من يكفي من الجهات المسؤولة. لكن يجب أن يفهَّم هؤلاء كيفية تغسيل الميت، وتكفينه، حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما رأيكم في هذه الحالة وهي أن بعض من يغسل الميت يخلعون جميع ملابسه ويكون عارياً وربما دخل عليه من ليس له حاجة؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال أهل العلم: لابد عند خلع ثياب الميت أن يكون عليه سترة تستر عورته، وقالوا إنه يكره لغير من يحتاج إليه أن يحضر التغسيل، وأما من احتيج إليه لصب الماء، أو غيره فلا بأس بحضوره.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تقليم أظفار الميت وقص شاربه ونتف إبطه وحلق عانته؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال أهل العلم إن تقليم الأظافر من الميت، وأخذ الشعور التي يطلب أخذها؛ كالعانة والإبط والشارب، حسن إذا طالت، أما إذا لم تطل فإنها تبقى ولا تؤخذ.
(17/87)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا كان في الميت أسنان ذهب فهل تخلع منه؟
فأجاب فضيلته بقوله: خلع أسنان الذهب من الميت إن أمكن بدون مُثلة أخذت، لأن بقاءها إضاعة للمال وهو منهي عنه، وإن لم يمكن خلعها إلا بمثلة فإنها تبقى حتى يبلى الميت ثم تؤخذ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا توفي إنسان وكان أحد أسنانه من ذهب هل يترك هذا السن أو يخلع؟ وإذا كان هذا الخلع يترتب عليه مضرة لبقية الأسنان فما الحكم؟ وهل ورد نص في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: يجب أن نعلم أن السن الذهب لا يجوز أن يركب إلا عند الحاجة إليه، فلا يجوز أن يركبه أحد للزينة، اللهم إلا النساء إذا جرت عادتهن التزين بتحلية الأسنان بالذهب فلا بأس، أما الرجال فلا يجوز أبداً إلا لحاجة.
ثانياً: إذا مات من عليه أسنان من ذهب، فإن كان يمكن خلع السن بدون مُثلة خُلع، لأن ملكه انتقل إلى الورثة، وإن كان لا يمكن خلعه إلا بمُثلة، بحيث تسقط بقية الأسنان فإنه يبقى ويدفن معه. ثم إن كان الوارث بالغاً عاقلاً رشيداً وسمح بذلك تُرك ولم يتعرض له، وإلا فقد قال العلماء: إنه إذا ظن أن الميت بلى حُفر القبر وأُخذ السن لأن بقاءه إضاعة مال. وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك.
(17/88)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم استعمال الصابون في تغسيل الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج في استعمال الصابون من أجل إزالة الوسخ؛ لأن الصابون مثل الأشنان، بل هو أقوى منه في التنظيف.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يرى بعض الناس أن الغريق والحريق والمبطون لا يُغسَّلون لأنهم شهداء فما قولكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن جميع الموتى من المسلمين يُغَسَّلُون، ويُكَفَّنون، ويُصلَّى عليهم، إلا شهداء المعارك من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل السقط يُصلى عليه ويُغسَّل ويُكفَّن؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يُصلَّى عليه إلا إذا نُفِخت فيه الروح، وتُنفَخ فيه الروح إذا بلغ أربعة أشهر، كما يدل عليه حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو الصادق المصدوق فقال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً،
(17/89)

ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله وشقي، أم سعيد» . فإذا كان السقط قد تم له أربعة أشهر صُلِّي عليه بعد أن يُغسَّل ويُكفَّن ويُدفَن مع المسلمين، وإن كان لم يبلغ أربعة أشهر فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ويُدفَن في أي مكان من الأرض، والعلم عند الله.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا تعذر غسل الميت فما العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان غسل الميت متعذراً فإن أهل العلم يقولون: ييمم. بمعنى أن الحي يضرب التراب بيديه، ويمسح بهما وجه الميت، وكفيه، ثم يكفن، ويصلى عليه، ويدفن.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عثرت على طفل ميت ومجرد من الثياب في ماء نهر جار، وهذا الطفل حديث الولادة وكان جسمه متهتكاً لم أستطع غسله مثل الموتى، وحسب شريعة الإسلام، فهل عليَّ إثم في دفني له دون غسل، وما الذي أفعله لو تكررت مثل هذه الحالة؟
(17/90)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا تكررت هذه الحالة وصار غسل الميت متعذراً فإن أهل العلم يقولون: ييمم، بمعنى أن الحي يضرب التراب بيديه، ويمسح بهما وجه الميت وكفيه، ثم يكفن ويصلى عليه ويدفنه.
وأما ما جرى منك فإنه لا ينبغي للإنسان في مثل هذه الأمور المشكلة أن يفعل الشيء قبل أن يسأل أهل العلم لقوله سبحانه وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} . لاسيما في مثل هذا الأمر الذي تعمله لغيرك لا لنفسك، فإنه يجب عليك الاحتياط ولا تتسرع حتى تسأل أهل العلم.
وهذا الطفل الذي فعلت فيه ما فعلت، إن كنت لم تصل عليه وأنت تعرف قبره، فصلّ على قبره، وإلا فصل عليه صلاة الغائب؛ لأنه يجب على المسلمين أن يُصلُّوا على أمواتهم، فالصلاة على الميت كما هو معلوم من فروض الكفايات.
وإذا تعذَّر غُسل الميت لاحتراق أو غيره فإنه ييمم، وإذا قُدِّر أنه تقطَّع أوصالاً كما يحصل والعياذ بالله من ذلك في بعض الحوادث فإن هذه الأوصال تُجمَع وتُغسَّل ويُربَط بعضُها ببعض وتكفَّن جميعاً ويُصلَّى عليها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض الذين يُغسِّلون الموتى يتحدثون عما يقابلهم أثناء التغسيل من أحوال الموتى فما توجيهكم؟
(17/91)

فأجاب فضيلته بقوله: المتعين على الغاسل أن يستر ما يراه إن لم يكن حسناً، إلا أن بعض العلماء قال: إذا كان الميت صاحب بدعة وداعياً إلى بدعته، ورأى الغاسل في وجهه مكروهاً فالأولى أن يذكره حتى يُحذِّر الناس.
وأما إذا كان الميت صاحب خير ورأى الغاسل خيراً فيحسن أن يخبر به، لما فيه من إحسان الظن والدعاء للميت.
* * *
(17/92)

25 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نرى الناس يُغسِّلون موتاهم في المغاسل التي بُنيت لهذا الغرض مع أن الفقهاء رحمهم الله قالوا: الأولى بالتغسيل الوصي، ثم الأب، ثم الجد، ثم الأقرب فالأقرب؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى إنما هو عند المشاحة، أما عند عدم المشاحة فلا بأس أن يتولى التغسيل من تفرغ لذلك.
* * *
35 وسُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل للأب والأم تغسيل مَنْ مات مِنْ أولادهم دون السابعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: للأب أن يُغسِّل ابنته إذا ماتت وكان لها أقل من سبع سنوات، وللأم أن تُغسِّل ابنها إذا مات وكان له أقل من سبع سنوات، لأن إبراهيم ابن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما مات غسَّلته امرأة، ولأن عورة من دون السبع لا حكم لها.
* * *
س 45 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هي صفة تغسيل الميت؟ وما هي نصيحتك لطلبة العلم حيال ذلك والإقدام على تغسيل الأموات؟

تكفين الميت
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كيف يُكفَّن الرجل والمرأة؟
فأجاب فضيلته بقوله: تُبخَّر الأكفانُ أولاً بالبخور المعروف، ثم يذر بينها شيء من الحنوط وهو أخلاط من الطيب يصنع للموتى وكذلك يجعل من هذا الحنوط على وجه الميت، ومغابنه، ومواضع سجوده ويوضع في قطن على عينيه، ومنخريه، وشفتيه وكذلك بين إليتيه، ثم يوضع الميت فوق الكفن، وهو للرجل ثلاث لفائف بيض، يوضع بعضها فوق بعض، ثم يرد طرف اللفافة العليا من جانب الميت الأيمن على صدره، ثم طرفها من جانبه الأيسر، ثم يفعل باللفافة الثانية ثم الثالثة كذلك، ثم يرد طرف اللفائف من عند رأس الميت ورجليه ويعقدها.
وأما المرأة فإنها تُكفَّن في خمسة أثواب: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين، وإن كُفِّنت المرأة كما يُكفَّن الرجل فلا حرج في ذلك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: متى تُحَلُّ عقد الكفن؟
فأجاب فضيلته بقوله: تُحَلُّ عقد الكفن عند وضع الميت في قبره، والله أعلم.
* * *

س 67 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: أريد أن
(17/95)

أحتفظ بملابس الإحرام لكي تكون كفناً لي فهل هناك مانع شرعي من ذلك مع العلم بأن على أحدهما بقع من دم الهدي؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول لهذا الأخ أما لو مت وأنت محرم لقلنا نكفنك في ثوب إحرامك؛ لأن الرجل الذي وقصته ناقته بعرفة مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمات فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه يعني في ثوبي إحرامه ولا تخمروا رأسه يعني لا تغطوا رأسه ولا تحنطوه يعني لا تجعلوا فيه طيباً، لأن من العادة أن الميت يطيب فإنه يبعث يوم القبيامة ملبياً"، فأنت يا أخي لو مت قبل أن تتحلل لكفناك في ثوبي الإحرام؛ لأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك، أما إذا مت بعد أن تحللت من الإحرام فإنه ليس من المشروع أن تُكفَّن في ثوبي الإحرام، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما كُفِّن في ثوبي إحرامه وإنما كُفِّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، هكذا كفن الرسول عليه الصلاة والسلام. فأنت لا تعمل هذا العمل لا تتخذ ثوب الإحرام للكفن، إذا مت تكفن كما كفن الرسول عليه الصلاة والسلام بثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل ورد تطييب جميع بدن الميت؟
(17/96)

فأجاب فضيلته بقوله: نعم، ورد عن بعض الصحابة رضي الله عنهم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض المغسلين للموتى إذا أراد تكفين الميت يضم يده اليمنى على اليسرى كالمصلي هل هذا العمل مشروع؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل ليس مشروعاً، وإنما تجعل يد الميت إلى جنبه.
* * *
(17/97)

بسم الله الرحمن الرحيم

فائدة من منتقى فرائد الفوائد
في حكم تضميخ الميت بالزعفران
كان كثير من الناس يضمخون جنائزهم بالزعفران، وقد كره ذلك الفقهاء رحمهم الله.
وفي (ص 403 ج 1) من فتح الباري الطبعة السلفية قوله: (ولأبي داود من حديث عمار رفعه: لا تحضر الملائكة جنازة كافر ولا مضمخ بالزعفران) ، ثم إني راجعت الحديث في سنن أبي داود في الباب الثامن من كتاب الترجل (ص 893 ج 3) وفي مختصر السنن (ص 19 ج 6) ، وفي مسند الإمام أحمد (ص 023 ج 4) فوجدته بلفظ: "إن الملائكة لا تحضر جنازة الكافر بخير، ولا المتضمخ بالزعفران ولا الجنب" وليست في لفظ أحمد (بخير) . وفي رواية لأبي داود: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة: جيفة الكافر، والمتضمخ بالخلوق، والجنب إلا أن يتوضأ".
والحديث الأول فيه عطاء الخرساني فيه كلام، والحديث الثاني منقطع. وعل كل حال فليس في ذلك ما يدل على أن التضمخ بالخلوق يختص بالميت، بل هو عام، بل ظاهره يدل على أن المراد به الحي.
(17/98)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هو الوضع الصحيح للميت عند الصلاة عليه؟ وهل هناك فرق بين الرجل والمرأة والطفل؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين.
الميت عند الصلاة عليه يوضع أمام المصلي، ويقف الإمام عند رأسه إن كان الميت ذكراً، وعند وسطها إن كان الميت أنثى، ولا فرق بين أن يكون رأس الميت عن يمين الإمام، أو عن شماله، خلافاً لما يظنه بعض العامة أنه لابد أن يكون عن يمين الإمام. ويكون الإمام وحده في الصف، ولا يصف معه أحد؛ لأن هذا هو هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الإمام إذا كان خلفه اثنان فأكثر. وأما الذين حملوا الجنازة وقدموها إلى الإمام فإن كانوا يجدون مكاناً في الصف تأخروا للصف، وإن كانوا لا يجدون مكاناً صاروا وراء الإمام بينه وبين الصف الأول.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل وضع رأس الميت عن يمين الإمام مشروع عند الصلاة عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم بهذا سنة، ولذلك ينبغي للإمام الذي يصلي على الجنازة أن يجعل رأس الجنازة عن يساره أحياناً حتى يتبين للناس أنه ليس واجباً أن يكون الرأس عن اليمين، لأن الناس يعتقدون أنه لابد أن يكون رأس الجنازة عن يمين الإمام،
(17/101)

وهذا لا أصل له.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما موقف الإمام عند الصلاة على الرجال، النساء، الأطفال؟
فأجاب فضيلته بقوله: موقف الإمام عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة سواء كانوا كباراً أو صغاراً، فالطفل الصغير الذكر يقف الإمام عند رأسه، والطفلة الصغيرة الأنثى يقف الإمام عند وسطها كما يفعل ذلك في الكبار.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عند وجود عدد من الأموات رجالاً ونساء كيف نرتبهم؟ وهل نقدم للإمام أعلمهم أم هم سواء؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا اجتمعت جنائز فإنه يُصلَّى عليهم صلاة واحدة، ويُقدَّم الرجال ثم النساء، ويقدم الصبي من الذكور على المرأة، فإذا كان رجل بالغ، وصبي لم يبلغ، وامرأة بالغة، وفتاة لم تبلغ رتبناهم هكذا: الرجل البالغ، ثم الصبي الذي لم يبلغ، ثم المرأة البالغة، ثم الفتاة التي لم تبلغ، ويكون وسط الأنثى بحذاء رأس الرجل.
وإذا اجتمعوا من جنس واحد يعني تعدد الرجال مثلاً نقدِّم إلى الإمام أعلمهم؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في شهداء أحد الذين يدفنون في قبر واحد كان يأمر أيهم أكثر قرآناً فيقدمه في اللحد، وهذا يدل على
(17/102)

أن العالم هو الذي يقدم مما يلي الإمام، والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم بيان جنس الميت أذكر هو أو أنثى عند الصلاة عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بالإخبار عن الميت أذكر أم أنثى عند تقديمه للصلاة عليه إذا لم يعرف المصلون ذلك، من أجل أن يدعوا له دعاء التذكير إن كان ذكراً، ودعاء التأنيث إن كان أنثى. وإن لم يفعل فلا بأس أيضاً، وينوي المصلون الذين لا يعلمون عن هذا الميت ينوون على الحاضر الذي بين أيديهم، وتجزؤهم الصلاة سواء قالوا بلفظ المذكر (اللهم اغفر له) أي لهذا الحاضر بين أيدينا أو بلفظ المؤنث (اللهم اغفر لها) أي لهذه الجنازة التي بين أيدينا.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هناك بعض الناس إذا قدم الميت للصلاة عليه يذكر اسم هذا الشخص، هل هذا الأمر فيه شيء، يقول مثلاً: هذا فلان بن فلان، أو الصلاة على فلان بن فلان؟
فأجاب فضيلته بقوله: إخبار الناس بالميت إذا قدم بأنه ذكر، أو أنثى من أجل أن يكون الدعاء بضمير المذكر إذا كان ذكراً، أو بضمير المؤنث إذا كانت أنثى، أو إذا كان هناك جنازة بالغ، أو صغير، لم يبلغ الحلم، فيخبر الناس من أجل أن يدعوا لكل واحد بما يناسبه، هذا لا بأس به لما فيه من المصلحة.
وأما الإخبار عن اسمه فلا أدري، أتوقفُ فيها، قد يكون فيه
(17/103)

مصلحة، وقد لا يكون فيه مصلحة. قد يكون مثلاً من الحاضرين من بينه وبين الميت المعين عداوة سابقة مثلاً، فينصرف عن الصلاة يقول: لا أصلي على هذا الرجل، ويكون في هذا تشويش، أو ربما يصلي عليه وبدلاً من أن يدعو الله له يدعو الله عليه، فلو أنه تُرك التعيين بالاسم لكان أحسن.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: في يوم الجمعة خاصة يوجد عددٌ من الأموات لا يُتَّسع لهم المكان، هل يصلى عليهم بشكل طولي أم يصلى عليهم مرات عديدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يصلى عليهم جميعاً صلاة واحدة عرضاً لا طولاً، ويتأخر الإمام، ويتأخرون خلفه، ولو تراص الناس في صفوفهم لأنهم لا يحتاجون إلى ركوع ولا إلى سجود.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل ورد شيء بإكثار صفوف الجنازة؟ وما الحكمة من ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفَّعهم الله فيه".
وكذلك ورد في فضل ثلاثة الصفوف، ولكن هل المقصود ثلاثة الصفوف الكثرة التي تبلغ ثلاثة صفوف؟ أو المراد ثلاثة صفوف ولو
(17/104)

كان كل صف رجلين رجلين؟ الأقرب الأول، والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يشترط في الأربعين رجلاً الذين يصلون على الميت أن لا يشركوا بالله شيئاً الشرك الأصغر أو الأكبر؟
فأجاب فضيلته بقوله: في الحديث قال عليه الصلاة السلام: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه".
فظاهر قوله: "لا يشركون بالله شيئاً" أنهم لا يشركون شركاً أصغر ولا أكبر.
ويُحتَمَلُ أن يُقالَ: إن المراد لا يشركون بالله شركاً أكبر، وأنا لم يترجَّح عندي شيء؛ لأنه لا شك أن المشرك شركاً أكبر لا يُصلي معهم، ولكن قد يقال: إنه ربما يصلي وهو مشرك شركاً أكبر وهو لا يعلم؛ مثل ما يفعل بعض المسلمين الآن يدعون الأولياء، وأهل القبور، وهم يظنون أنهم مسلمون، وعلى كل حال الخالي من الشرك الأصغر والأكبر هذا لا شك أنه يكون شافعاً، والمتلبس بالشرك الأكبر لا يكون شافعاً، والمتلبس بالشرك الأصغر فيه احتمال.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تسوية الصفوف في صلاة الجنازة؟
(17/105)

فأجاب فضيلته بقوله: عموم الأدلة تدل على تسوية الصفوف في كل جماعة، في الفريضة، أو النافلة كصلاة القيام، أو الجنازة، أو جماعة النساء، فمتى شرع الصف شرعت فيه المساواة.
وكثير من الناس يتهاونون في تسوية الصفوف مع أن الأدلة تدل أن تسوية الصفوف واجبة، ومن ذلك حرص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخلفائه على تسوية الصفوف، حتى إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يمسح بصدور أصحابه ومناكبهم ويقول: "استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم" وكان الخلفاء الراشدون كعمر، وعثمان رضي الله عنهما يُوكِّلون رجالاً يسوون الصفوف فإذا أخبروهم أن الصفوف استوت كبروا للصلاة.
ويجب على الإمام أن يعتني بتسوية الصف، ولا تأخذه في الله لومة لائم، لأن كثيراً من الجهلة إذا تأخر الإمام في التكبير لتسوية الصفوف أخذهم الحمق والغضب، فلا ينبغي أن يبالي الإمام بأمثال هؤلاء، لأن صلته بالله مادامت وثيقة فستقوى الصلة بالناس بإذن الله.
ويرد كثيراً سؤال عن أفضل صفوف النساء أولها أم آخرها؟
وقد جاء في الحديث أن "خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها". والظاهر أن هذا ليس عاماً، وأن النساء إذا كن في مكان منفرد عن الرجال فالأفضل في حقهن أن يبدأن بالأول فالأول؛ لأن
(17/106)

الحكمة من كون آخر صفوف النساء خيرها هو البعد عن الرجال، فإذا لم يكن هناك رجال بقين على الأصل وهو أن يكمل الصف الأول فالأول.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نرى كثيراً من أولياء الميت إذا أرادوا الصلاة على ميتهم وقفوا بجانب الإمام ما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أصل لهذا؛ لا من السنة، ولا من كلام أهل العلم. والسنة أن يتقدم الإمام ويتأخر المأمومون، ولكن إذا قدم أهل الجنازة الجنازة، ولم يكن في الصف الأول مكان لهم؛ فإنهم يكونون بين الجنازة وبين الصف الأول؛ أي أنهم يكونون وراء الإمام بينه وبين الصف الأول، فإن قُدِّر أن المكان ضيق فإنهم يكونون عن يمينه وعن شماله ولا حرج في ذلك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا كان عدد المصلين قليلاً هل يسن جعلهم ثلاثة صفوف؟
فأجاب فضيلته بقوله: ثَبُتَ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفَّعهم الله فيه". وكذلك صح عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا غفر له".
(17/107)

فمن العلماء من قال: يُسْتحَبُّ أن يجعلهم ثلاثة صفوف، ولو كانوا على رجلين رجلين.
ومنهم من قال: إن مراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك الكثرة؛ بدليل الحديث الثاني (أربعون رجلاً) وهذا هو الأقرب.
وعلى هذا فنقول: الأفضل أن يكمل الصف الأول فالأول، وإذا حصلت الكثرة كفى.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يوجد عندنا أمر يفعله بعض المصلين في صلاة الجنازة، ونرجو بيان الحكم الشرعي فيه: وهو أنه عند تقديم الجنازة للصلاة عليها يتدافع المأمومون ويصفُّون صفوفاً غير التي كانت في صلاة الفريضة، مما يخل بتراص الصفوف وتسويتها، ويقربون بين هذه الصفوف دون المسافة التي كانت بينها في صلاة الفريضة، ويعتقد بعضهم أنه لابد من إقامة ثلاثة صفوف ولو كان هنالك فراغ في الصف الأول والثاني فهل هذا من المشروع أو لا؟ وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(17/108)

ما يفعله بعض الناس إذا قُدّمت الجنازة، ذهبوا سراعاً حتى يكونوا حولها، ثم يصفون صفوفاً غير متساوية، بل تجد الواحد منهم ربما صف وحده في هذا المكان، وهذا لا شك خلاف السنة ولا أعلم له أصلاً لا في السنة، ولا في كلام العلماء رحمهم الله والأولى أن يبقى الناس على مصافهم، ثم تقدَّم الجنازة ويتأخر الذين قدموها في الصفوف، فإن كان يشق عليهم الدخول في الصفوف، فلا حرج أن يصفوا خلف الإمام، وأما كون الصفوف لا تنقص عن ثلاثة، فهذا قد ذهب إليه بعض أهل العلم، وقالوا: ينبغي ألا تنقص الصفوف عن ثلاثة، ولو كان في الصف الأول مكان. والذي يظهر لي خلاف ذلك، وأنه ينبغي أن يكمَّل الأول فالأول كسائر الصلوات، وما ورد من السنة في أن "من صلى عليه يعني جماعة يبلغ أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا غفر له" فإنما المعنى: أنها الصفوف الكاملة لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بإكمال الأول فالأول، أو المعنى ما يبلغ أن يكونوا ثلاثة صفوف، وإن كانوا في صف واحد وأدنى ما يمكن أن يكونوا ثلاثة صفوف أن يبلغوا ستة نفر ومع إمامهم سبعة نفر. والله الموفق. حرر 8/4/1415 هـ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عندما يُسلِّم الإمام من الفريضة يُسرع أهل الميت بإحضاره للصلاة عليه بحجة الإسراع بدفنه، نرجو بيان ما يجب عليهم وما هي نصيحتك للإمام حيالهم؟
(17/109)

فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنه إذا سلَّم الإمام من الفريضة فإن كان فيه أناس يقضون وهم كثيرون، فالأولى أن ينتظر في تقديم الجنازة من أجل كثرة المصلين عليها، حتى لا يفوتهم الثواب ولا يفوت الميت شفاعتهم، وربما يكون في الذين يقضون من هم خير من الذين سلَّموا مع الإمام.
أما إذا لم يكن هناك سبب فالمبادرة لذلك أفضل وأولى.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يُشتَرَطُ إتمام الصف الأول فالأول وسد الفرج بين الصفوف في صلاة الجنازة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصفوف في صلاة الجنازة ينبغي فيها تسوية الصفوف كغيرها من الصلوات، وأن يكمل الصف الأول فالأول، وأن تُسدَّ الفُرَجُ بين الصفوف.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما الحكم فيما لو تعددت الصفوف بدون أن تكتمل في صلاة الجنازة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا خلاف السنة، وإن كان بعض أهل العلم رأى أنه ينبغي أن لا تنقص الصفوف في صلاة الجنازة عن ثلاثة حتى لو لم يتم الصف الأول، وقال: إنه ينبغي للإمام إذا كانوا لا يملؤون الصفوف، أن يجزأهم ثلاثة صفوف. والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا تقدم أهل الميت أو من يحملونه عند الصلاة عليه وصاروا عن يمين
(17/110)

الإمام هل لذلك أصل في الشرع؟ وما السنة الثابتة في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا تقدم أهل الميت بالجنازة إلى الإمام فإنهم لا يصلون إلى جانب الإمام لا عن يمينه ولا عن يساره، ولكنهم يصلون في الصفوف مع الناس، فإن لم يتيسر لهم مكان فإنهم يصلون خلف الإمام بينه وبين الصف الأول؛ لأن الوقوف مع الإمام إذا كانوا اثنين فأكثر غير مشروع، بل المشروع إذا كان الجماعة ثلاثة فأكثر أن يتقدم الإمام، فإن قدر أنه لم يكن لهم مكان بين الإمام والصف الأول فإنهم يقفون عن يمين الإمام وعن يساره، ولا يقفون عن يمينه فقط إلا أن يكون واحداً أي الذي قدم الجنازة واحداً كما لو كانت الجنازة طفلاً صغيراً قدمها واحد ولم يجد له مكاناً في الصف فإنه يقف عن يمين الإمام والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم القيام للجنازة قبل أن توضع للصلاة وقبل أن توضع على الأرض عند الدفن؟ وما حكم القيام عند الدفن علماً بأن الناس إذا قاموا للصلاة على الجنازة عند دخولها إلى المسجد يتركون الذكر بعد الصلاة؟ وما رأيكم في أن بعض الأئمة يصلي على الجنازة فور انتهائه من صلاة الفريضة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يُسَنُّ للإنسان القيام للجنازة إذا مرَّتْ به لأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك.
(17/111)

وأما الصلاة عليها من حين أن يسلم الإمام فإننا نقول إن كان فيه أناس كثيرون يقضون انتظرهم حتى لا يفوت عليهم فضل صلاة الجنازة، وليكثر العدد على الجنازة، وإن لم يكن فيه أحد يقضي، أو كان العدد يسيراً فالأفضل أن تقدم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هو القول الراجح في القيام للجنازة ورفع اليدين عند التكبير على الجنازة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الراجح في هاتين المسألتين أن الإنسان إذا مرت به الجنازة قام لها، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بذلك وفعله أيضاً، ثم تركه، والجمع بين فعله وتركه، أن تركه ليبين أن القيام ليس بواجب.
وأما رفع اليدين في تكبيرة صلاة الجنازة فالصحيح أنه يكون في كل التكبيرات، لأنه صح عن ابن عمر موقوفاً، وروي أيضاً مرفوعاً، وقد صحح رفعه جماعة من أهل
(17/112)

العلم، فالصواب أن اليدين ترفعان في كل تكبيرة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: من أولى الناس بالصلاة على الميت الإمام أو الولي؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن صُلِّي عليه في المسجد فالإمام أولى (أعني إمام المسجد) لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يَؤُمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه"، وإمام المسجد سلطان في مسجده، وإن صلِّي عليه في مكان غير المسجد فأولى الناس به وصيّه، فإن لم يكن له وصي فأقرب الناس إليه، وإن صلى أحد الحاضرين فلا بأس.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: في المسجد الحرام ينادى للصلاة على الميت فهل يجوز للنساء أن يؤدين هذه الصلاة مع الرجال سواء على ميت حاضر أو غائب؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة كالرجل إذا حضرت الجنازة فإنها تصلي عليها ولها من الأجر مثل ما للرجل لأن الأدلة في هذا عامة ولم يستثن منها شيء، وقد ذكر المؤرخون أن المسلمين كانوا يصلون على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرادى الرجال، ثم النساء، وعلى هذا
(17/113)

فلا بأس، بل إنه من الأمور المطلوبة إذا حضرت الجنازة، والمرأة في المسجد أن تصلي مع الرجال على هذه الجنازة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم صلاة المرأة على الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمرأة أن تصلي على الميت كما يجوز للرجل؛ لأن ذلك فيه دعاء للميت، وأجر للمصلي، ومازال المسلمون كذلك، فإن النساء يصلين على الأموات في المساجد إذا حضرن.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل تصلي المرأة على الميت في بيتها أو في المسجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: صلاتها عليه في البيت أفضل، ولو خرجت وصلت مع الناس فلا بأس، لكنه لما لم يكن معروفاً عندنا فالأفضل أن لا تصليها؛ أي أن لا تخرج إلى المسجد لتصلي على الجنازة وإنما تصلي في البيت وهو عندها إذا كان الميت من أهل البيت. أما إذا كان الميت من الخارج فلا يمكن أن تصلي عليه صلاة الغائب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا دخل الرجل إلى المسجد وقد فاتته الصلاة المكتوبة مع الإمام وقد
(17/114)

قُدِّم الميت للصلاة عليه هل يُصلِّي مع الإمام على الجنازة أم يُصلِّي المكتوبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يُصلِّي مع الإمام على الجنازة لأن المكتوبة يمكن إدراكها بعد، أما الجنازة فإنه سوف يُصلَّى عليها ثم ينصرفون بها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا قُدِّم للإمام في صلاة الجنازة من يشكّ في إسلامه ماذا يصنع؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب أن يصلي عليه؛ لأن الأصل أن المسلم باقي على إسلامه، ولكنه عند الدعاء له يشترط فيقول: "اللهم إن كان مؤمناً فاغفر له وارحمه"، والله تعالى يعلم حاله هل هو مؤمن أم لا، وبهذا يسلم من التبعة، يسلم من أن يدعو لشخص كافر بالمغفرة والرحمة.
والاستثناء في الدعاء، أو الشرط فيه أمر وارد في القرآن، ففي آيات اللعان قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} . وقال في المرأة: {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَاللهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} . فالاسثتناء في الدعاء وارد كالاستثناء في العبادات أيضاً، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لضباعة بنت الزبير
(17/115)

رضي الله عنها حين أرادت الحج وهي شاكية (أي مريضة) فقال لها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حُجِّي واشترطي أن محلي حيث حبستني".
فالمهم أن الإنسان يستثني في مثل هذه الحال "اللهم إن كان مؤمناً فاغفر له"، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في أعلام الموقعين عن شيخه ابن تيمية رحمه الله أنه أشكل عليه مسائل من مسائل العلم فرأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام وكان من جملة ما أشكل عليه أنه تقدم له جنائز لا يدري هل هم مسلمون أو لا. فقال له: عليك بالشرط يا أحمد، يقوله النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، وهذا سند ابن القيم عن شيخه ابن تيمية سند صحيح، لأن الرجلين كليهما ثقة.
ولا يقول قائل: إننا اعتمدنا هنا على إثبات حكم شرعي برؤيا، لأن هذه الرؤيا يؤيدها القرآن كما سبق في قصة اللعان، فهذه الرؤيا موافقة لقواعد الشريعة فيعمل بها، والله أعلم.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما رأيكم فيما إذا قُدم للإمام شخص ليصلي عليه فأخذ يسأل عنه مَنْ هو؟ وهل هو يصلي أو غير ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: رأيي في هذا أن لا يسأل عنه، لأنه من التنطُّع في الدين، ولأنه يشبه تتبُّع عورات المسلمين، والسؤال من حيث هو بدعة، فلم يكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأل عن الرجل؛ مع أن المنافقين موجودون في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يكن يسأل يقول: هل
(17/116)

هو منافق أو مؤمن؟
نعم كان يسأل عن الرجل هل عليه دَيْن أو لا قبل أن يفتح الله عليه بكثرة الأموال، فإذا قالوا عليه دين وليس له وفاء، قال: "صلُّوا على صاحبكم"، ولما فتح الله عليه بكثرة الأموال صار هو الذي يقضي الديون عن المدينين، وأما ما يتعلق بالديانة فالسؤال عنه بدعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن الجنازة التي يشك في كون الميت يصلي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجنائز التي تقدم ويشك في كون الميت يصلي، ففي هذه الحال يُصلَّى عليه ويُستثنى فيقال: "اللهم إن كان مؤمناً، أو مسلماً فاغفر له وارحمه" إلخ، والاستثناء في الدعاء جائز كما في قوله تعالى في آيات اللعان في سورة النور يقول الزوج: {أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} وتقول الزوجة {أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} . وفي دعاء الاستخارة يقول: "اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرا لي ... " إلخ وفي قصة بني إسرائيل الثلاثة: الأبرص، والأقرع، والأعمى، قال الملك لكل من الأبرص، والأقرع: "إن كنت كاذباً
(17/117)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يُشْرَع دعاء الاستفتاح في الصلاة على الجنازة؟ وهل يُتعوَّذ قبل القراءة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر العلماء أنه لا يستحب، وعللوا ذلك بأن صلاة الجنازة مبناها على التخفيف، وإذا كان مبناها على التخفيف فإنه لا استفتاح.
أما التعوذ: فإنه يتعوذ لأنه سيقرأ القرآن، وقد قال الله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ركن، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، وهذا يعم صلاة الجنازة وغيرها، لأن صلاة الجنازة صلاة، فتدخل في عموم قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل تجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة؟ وهل تصح صلاة الجنازة إذا
(17/119)

لم يقرأ الإمام والمأموم سورة الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن صلاة الجنازة صلاة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فتدخل في عموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". فإذا صلى أحد على الجنازة ولم يقرأ بفاتحة الكتاب فإن الصلاة لا تصح، ولا تبرأ بها الذمة، ولا تقوم بما يجب قيامه جهة أخينا الميت من حق. وقد ثبت في صحيح البخاري أن ابن عباس رضي الله عنهما قرأ سورة الفاتحة في صلاة الجنازة وقال: "لتعلموا أنها سنة". ومراده بالسنة هنا (الطريقة) ، وليست السنة الاصطلاحية عند الفقهاء. وهي التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها. لأن السنة في عرف المتقدمين تطلق على (طريقة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سواء كانت واجبة أم مستحبة) ، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (أي أنس) : من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً. والمراد بالسنة هنا السنة الواجبة.
وعلى هذا فعلى المرء أن يتقي الله عز وجل في نفسه وأن يرجع فيما يتعبد به لله، أو يعامل به عباد الله إلى كتاب الله، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ففيهما الكفاية وفيما الهدى والنور والشفاء.
* * *
(17/120)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة آية بعد الفاتحة في صلاة الجنازة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يقرأ الإنسان في صلاة الجنازة شيئاً قليلاً من القرآن بعد الفاتحة، وإن اقتصر على الفاتحة فالأمر واسع، لأن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف. ولهذه لا يشرع فيها استفتاح، وإنما يتعوذ ويقرأ الفاتحة.
* * *

سُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل ثبت من السنة في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية (اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت وسلمت وباركت ورحمت وتراحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) كما هو مكتوب في رسالة باللغة الأردية "آسان غاز" يعني "الصلاة اليسرى"؟.
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الصفة في الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صفة مبتدعة، وبدعة لم ترد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأفضل ما يصلى عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما علّمه أمته حين قالوا: يا رسول الله علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد". هذه الصفة وما
(17/121)

صحَّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من غيرها هي التي ينبغي للإنسان أن يلازمها في الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أما مثل هذه الصفة التي ذكرت في السؤال فإنها بدعة لم يرد بها النص وعلى المؤمن أن يتجنب جميع البدع، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "كل بدعة ضلالة"، "وكل ضلالة في النار".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز الاشتراط عند الدعاء للميت في الصلاة عليه كأن نقول: "اللهم إن كان يشهد أن لا إله إلا الله ... " وهل لذلك أصل في الشرع؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان عنده شك قوي في هذا الميت فلا حرج أن يقول: "اللهم إن كان مؤمناً فاغفر له وارحمه"، وأما إذا لم يكن عنده شك قوي فلا يشترط؛ لأن الأصل في المسلمين أنهم على إسلامهم، والاشتراط في الدعاء له أصل، ومنه قوله تعالى في آية اللعان: {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} . والمرأة تقول: {اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِىُّ وَهُوَ يُحْىِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ يُحْىِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} وكذلك الاشتراط الذي وقع من سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال: اللهم إن كان هذا قام رياء وسمعة فاعم بصره وأطل عمره وعرضه للفتن، وهو أيضاً داخل في عموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لضباعة بنت الزبير رضي الله عنها: "حجي واشترطي".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز أن أشترط عندما أصلي على ميت، مثلاً أن أقول: اللهم إن كان مؤمناً فاغفر له، إلى آخر الدعاء؛ لأنني لا أعلم هل هو تارك للصلاة أم لا، وكما تعلمون أن تارك الصلاة كافر، ولا يجوز الصلاة عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال مهم جداً استفدنا منه فائدة حكم بها السائل، وهي أن تارك الصلاة كافر، الذي يترك الصلاة تركاً مطلقاً، ولا يصلي لا في الليل ولا في النهار، ولا في البيت، ولا في المسجد، ولا جمعة ولا غيرها، فهذا كافر خارج عن الإسلام، لا يجوز أن نزوجه امرأة مسلمة، ولا يجوز أن يتولى العقد لبناته؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلم، وإذا مات لا يجوز أن ندعو له بالرحمة والمغفرة؛ لأنه كافر والعياذ بالله.
أما سؤاله: هل يجوز أن نشترط في الدعاء للميت فنقول: اللهم إن كان
(17/122)

مؤمناً فاغفر له؟
فنقول: إن هذا لا يشترط وليس بمشروع؛ لأن الأصل في المسلمين أنهم مسلمون، إنما لو كنت تعرف شخصاً معيناً بعينه، وتشك في إسلامه مثل أن يكون داعية إلى بدعة مكفرة وتشك في
(17/123)

كفره، فهذا لك أن تشترط، فتقول: "اللهم إن كان مؤمناً فاغفر له وارحمه"، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام فسأله - أي ابن تيمية - سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن مسائل مشكلة عليه كان منها هذه المسألة فأرشده إلى الشرط.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل لسجود التلاوة والدعاء للميت أثناء الصلاة عليه دعاء معين؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم سجود التلاوة كغيره من السجود وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين نزلت هذه الا?ية: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأََعْلَى} قال: "اجعلوها في سجودكم". على ما في هذا الحديث من مقال بين أهل العلم، وعليه فنقول: إذا سجدت للتلاوة فقل: سبحان ربي الأعلى، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، اللهم لك سجدت وبك آمنت، وعليك توكلت، سجد وجهي لله الذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، اللهم اكتب لي بها أجراً وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود) .
وأما صلاة الجنازة فالأدعية للميت فيها كثيرة مشهورة، وأحيل القارىء إما إلى (منتقى الأخبار) ، وإما إلى (بلوغ المرام) ،
(17/124)

ففيهما أحاديث متعددة مثل: "اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا، وغائبنا، صغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، اللهم مَنْ أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومَنْ توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله وأوسع مدخله، واغسله بالثلج والماء والبرد، ونقه من الذنوب كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس أو من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس"، والأحاديث في هذا معروفة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللهم لا تحرمنا أجره"؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن الذي يصلي على الجنازة له أجر لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان"، قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين".
فمعنى لا تحرمنا أجره، أي لا تحرمنا أجر الصلاة عليه، وإذا كان الإنسان مصاباً به صار معنى لا تحرمنا أجره، أي أجر مصيبته، وأجر الصلاة عليه.
(17/125)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل ورد في السنة دعاء خاص يُدعَى به للطفل الميت في الصلاة عليه؟ وهل في السنة نهي عن استلقاء المرأة على ظهرها؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الأول فليس فيه سنة صحيحة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن وردت أحاديث في صحتها نظر، وهو أن الطفل الذي لم يبلغ يدعى لوالديه، وقد ذكر بعض الفقهاء دعاء مناسباً قالوا: اللهم اجعله فرطاً لوالديه، وذخراً وشفيعاً مجاباً، اللهم ثقل به موازينهما وأعْظِم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب جهنم.
وأما استلقاء المرأة على ظهرها، فإنه لا ينبغي، خصوصاً إذا كان في البيت أحد، فإنه قد يمر بها وهي على هذه الحال، وقد تحصل فتنة، وأما إذا كانت وحدها في بيتها فلا بأس. وأما النهي عن ذلك فلا أعلم.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هي صفة الدعاء للصغير وللمجنون؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر العلماء أن صفة الدعاء للميت الصغير أو المجنون بعد الدعاء العام يقول: "اللهم اجعله فرطاً لوالديه وذخراً، وشفيعاً مجاباً، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم"، فإن دعى بذلك وإلا فبأي
(17/126)

دعاء يستحضره. الأمر في هذا واسع وليس فيه سنة صحيحة يعتمد عليها في ذلك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ورد في الدعاء: "واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" فلماذا قال: بالماء، والثلج، والبرد، مع أن الماء الحار أبلغ في التنظيف؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، من المعروف أن الماء الساخن أبلغ في التنظيف من الماء البارد، لكن لما كانت الذنوب توجب العذاب الأليم في النار، وهي حارة ناسب أن يذكر ما يكون مقابلاً لها ومضاداً لها وهو: الثلج والبرد، حتى يحصل الأمران التنقية والبرودة في مقابلة ما حصل من الذنوب من الأوساخ والحرارة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن صفة الصلاة على الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: صفة الصلاة على الميت: يقف الإمام عند رأسه إن كان ذكراً سواءً كان صغيراً أم كبيراً يقف عند رأسه، ويكبِّر التكبيرة الأولى ثم يقرأ الفاتحة، وإن قرأ معها سورة قصيرة فلا بأس، بل قد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه من السنَّة.
ثم يكبِّر الثانية فيصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
(17/127)

اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ثم يكبر الثالثة، ثم يدعو بما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنه: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم مُنقلبنا ومثوانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته فتوفه على الإيمان. اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، واوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله. وغير ذلك مما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثم يكبِّر الرابعة، قال بعض أهل العلم يقول بعدها: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الا?خرة حسنة، وقنا عذاب النار.
وإن كبَّر خامسة فلا بأس لأنه قد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل إنه ينبغي أن يفعل ذلك أحياناً بأن يكبر خمساً لثبوت ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
(17/128)

وما ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينبغي للمرء أن يفعله على الوجه الذي ورد، فيفعل هذا مرة وهذا مرة، وإن كان الأكثر أن التكبير أربع، ثم يسلِّم تسليمة واحدة عن يمينه.
أما إذا كانت أنثى فإنه يقف عند وسطها لا يقف عند رأسها وصفة الصلاة عليها كصفة الصلاة على الرجل، وإذا اجتمع عدة جنائز فإنهم ينبغي أن يكونوا مرتبين، فيكون الذي يلي الإمام الرجال البالغون، ثم الأطفال الذكور، ثم النساءالبالغات، ثم الجواري الصغار، هكذا بالترتيب، فعلى هذا يقدم الذكر ولو كان صغيراً على المرأة، بمعنى أنه يكون هو مما يلي الإمام، وأما رؤوسهم فيجعل رأس الذكر عند وسط المرأة، ليكون وقوف الإمام في المكان المشروع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هي صفة الصلاة على الميت؟ وإذا كبر الإمام خمساً فماذا يقول بعد التكبيرة الرابعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: صفة الصلاة على الميت أن يوضع الميت بين يدي المصلي ويقف الإمام عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة، ثم يكبر التكبيرة الأولى يقرأ فيها سورة الفاتحة ثم الثانية يصلي فيها على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم الثالثة يدعو فيها للميت. والدعاء معروف في كتب أهل العلم: يدعو أولاً بالدعاء العام. اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا ... إلخ، ثم بالدعاء الخاص الوارد
(17/129)

عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإن لم يتيسر له معرفة ذلك دعا بما يستحضره. المهم أن يخلص الدعاء للميت؛ لأنه في حاجة إلى ذلك، ثم يكبر الرابعة ويقف قليلاً، ثم يسلم. وذكر بعض أهل العلم أنه بعد الرابعة يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الا?خرة حسنة وقنا عذاب النار. وإن كبر خامسة فلا بأس بل هو من السنة، فينبغي أن تفعل أحياناً حتى لا تخفى السنة، وفي هذه التكبيرة لا أعرف شيئاً ورد، ولكن إذا كان في نيته أن يكبر خمساً فليقسم الدعاء بين الرابعة والخامسة، والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا سلم الإمام في الجنازة تسليمتين فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بذلك لأنه ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: رأيت في إحدى الدول الإسلامية في صلاة الجنازة أن الإمام يسلم تسليمتين وبعد السلام يقوم ويخطب بالمصلين بأن الموت سيأتي لكل واحد منهم ويذكرهم بهذا الشيء، هل هذا له أصل؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما التسليم مرتين في صلاة الجنازة
(17/130)

فقد ذهب إليه بعض أهل العلم، ولا حرج أن يسلم الإنسان مرتين.
أما الخطبة بعد ذلك قبل أن ترفع الجنازة أو الخطبة في المقبرة بالترغيب أو الترهيب فإن هذا ليس سنة، ولم يثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان إذا فرغ من الصلاة على الجنازة قام فذكَّر الناس، ولا أنه قام في المقبرة فذكَّر الناس. وغاية ما ورد أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى إلى البقيع وفيه قوم ينتظرون اللحد ليدفنوا ميتهم، فجلس وجلس الناس حوله، وجعل يذكرهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو جالس لا على سبيل الخطبة.
وكذلك كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذات يوم في المقبرة أيضاً فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتِب مقعده من الجنة ومقعده من النار" فقالوا: يا رسول الله، أفلا نَدَعَ العمل ونتكل على الكتاب؟ قال: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خُلق له: أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يرفع الإمام والمأموم يديه عند التكبير لصلاة العيدين، وصلاة
(17/131)

الجنازة أو لا يرفعهما إلا في التكبيرة الأولى؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الجنازة: فإنه يرفع يديه في كل تكبيرة؛ لأن ذلك صح من فعل ابن عمر رضي الله عنهما وهذا العمل لا مجال للاجتهاد فيه، حتى نقول: لعله من اجتهاد ابن عمر، بل هو لا يكون إلا على سبيل التوقيف. وفعل ابن عمر هذا له حكم الرفع، وعلى هذا فالسنة في الصلاة على الجنازة أن يرفع الإنسان يديه عند كل تكبيرة، كما أن السنة أيضاً في الرفع في الصلاة أن لا يرفع الإنسان يديه إلا عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول.
وأما الرفع عند كل تكبيرة، فقد ذكر المحقق ابن القيم رحمه الله: أن هذا من أوهام بعض الرواة، حيث وهم فنقل قوله: "إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكبر كلما خفض ورفع" فقال: (إنه كان يرفع يديه كلما خفض ورفع) .
والثابت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هو ما ذكرنا عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وثبت في البخاري ذلك عند القيام من التشهد الأول، وقال ابن عمر: "وكان لا يفعل ذلك في
(17/132)

السجود"، وابن عمر من أشد الناس حرصاً على معرفة السنة والتمسك بها، ولا يمكن أن ينفي مثل هذا النفي القاطع وهو عن غير علم، وليس هذا من باب ما يقال إنه: إذا تعارض المثبت والنافي قدم المثبت؛ لأن نفيه هنا مع إثباته الرفع عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، دليل على أن هذا النفي حكمه حكم الإثبات. وهذا ظاهر لمن تأمله، والقاعدة المعروفة عند أهل العلم (أن المثبت مقدم على النافي) ينبغي أن تقيد بمثل هذا وهو: أن الراوي إذا ذكر أشياء وفصلها، ثم أثبت لبعضها حكماً ونفى هذا الحكم عن البعض الا?خر، فإنه قد شهد الجميع وتيقن أن هذا الحكم ثابت في هذا، ومنتف في هذا.
أما صلاة العيد فلا يحضرني فيها الا?ن سنة لكن المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله أنه يرفع يديه في كل تكبيرة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل ثبت رفع الأيدي في تكبيرات صلاة الجنازة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما رفع الأيدي في تكبيرات صلاة الجنازة فقد صح ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما من فعله، وروي عنه مرفوعاً، وابن عمر صحابي حريص على تتبع السنة وفعلها ولا يمكن أن يحدث في العبادة ما لم يعلم أنه مشروع، وعلى
(17/133)

هذا فالسنة في التكبيرات في صلاة الجنازة أن ترفع يديك لكل تكبيرة. والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يرفع المصلي يديه في كل تكبيرة من تكبيرات صلاة الجنازة؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الصحيح أنه يرفع يديه في كل تكبيرة؛ لأنه صح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وأما قول بعضهم أنه في تكبيرة الإحرام فقط، فهذا قول لبعض أهل العلم، ولكن الصحيح أنه في كل تكبيرة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن عدد تكبيرات صلاة الجنازة؟ وكيف يقضي من سُبق في بعض التكبيرات؟
فأجاب فضيلته بقوله: تكبيرات الجنازة تكون أربعاً وتكون خمساً، وقد وردت أحاديث أوصلتها إلى السبع، لكن الثابت في صحيح مسلم إلى الخمس فيكبر أربعاً، أو خمساً، والذي ينبغي أن يكبر الإنسان في أكثر أحيانه أربعاً، وأن يكبر أحياناً
(17/134)

خمساً لأجل أن يأتي بالسنة؛ لأن العبادات الواردة على وجوه متنوعة الأفضل أن تفعل على هذه الوجوه تارة وتارة، ليكون الإنسان فاعلاً للسنة بجميع وجوهها.
وإذا جاء الإنسان وهو مسبوق بالتكبيرات فإذا صادف الإمام في التكبيرة الثالثة التي هي محل الدعاء للميت فليدع للميت لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أدركتم فصلوا"، ثم إذا سلم الإمام فقد ذكر أهل العلم أنه يُخيَّر أي المسبوق بين أن يسلم مع الإمام، أو يقضي ما فاته، فإن كانت الجنازة باقية وتمكن من قضاء ما فاته على صفته قضاه على صفته، وإن حملت الجنازة فليتابع التكبير ويسلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم من فاتته تكبيرة من تكبيرات صلاة الجنازة؟ وما حكم من يسلم تسليمتين في صلاة الجنازة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا جاء الإنسان والإمام يصلي على الجنازة بعد أن فاتته تكبيرة، أو تكبيرتان فلا أعلم في هذا سنة عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن الفقهاء رحمهم الله يقولون: إذا فاتك شيء من التكبيرات فإذا كانت الجنازة باقية فأكمل ما فاتك وسلم، وإن رفعت الجنازة، فإنك بالخيار: إما أن تسلم مع الإمام، وإما أن تتابع التكبير وتسلم إذا أنهيت التكبيرات، ولكني لا أعلم في هذا سُنة، ومن اطّلع على سنة في ذلك فليسعفنا بها جزاه الله خيراً.
(17/135)

وأما من سلم التسليمتين فلا حرج عليه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: لو دخلت مع الإمام في صلاة الجنازة وقد كبر بعض التكبيرات فما الحكم وماذا أصنع؟ نرجو التوضيح.
فأجاب فضيلته بقوله: صلاة الجنازة من فروض الكفايات والقائم بها يثابُ ثواب الواجب، فإذا دخل الداخل والإمام في التكبيرة الثالثة، والتكبيرة الثالثة هي التي يدعو فيها للميت، فإنه يدخل معه ويدعو للميت، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" ثم إذا سلم الإمام من صلاة الجنازة أتم المأموم ما فاته إن بقيت الجنازة حتى يُتم، فإن رُفعت قبل أن يتم فله أن يسلم، وله أن يكبر تكبيرات متوالية فيما بقي من التكبيرات ويسلم. هكذا قال أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: من فاتته التكبيرات أو إحداهن هل يقضيها؟ وكيف يدخل مع الإمام في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يدخل مع الإمام في الصلاة حيث أدركه، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا"، وإذا سلم الإمام أتمَّ ما فاته إن بقيت الجنازة لم ترفع، وأما إذا خشي رفعها فإن فقهائنا رحمهم الله يقولون: إنه يخير بين أن يتم ما
(17/136)

فاته، وأن يسلِّم مع الإمام.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا دخل المسبوق مع الإمام بعد التكبيرة الثالثة في صلاة الجنازة فهل يدعو للميت، أو يقرأ الفاتحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يدعو للميت لعموم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما أدركتم فصلوا".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا جاء رجل والإمام يصلي الجنازة وقد كبر تكبيرتين، فما العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا جاء الرجل وقد كبَّر الإمام على الجنازة التكبيرتين الأوليين، فإنه يكبر معه التكبيرة الثالثة، ويدعو للميت، وإذا سلم الإمام، فإن بقي الميت لم يرفع؛ أكمل ما مضى على صفته، وإن رفع الميت، فإنه يتابع التكبير ويسلم، وإن شاء سلم بدون متابعة التكبير.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم من فاتته تكبيرة من تكبيرات صلاة الجنازة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يتمكن المسبوق من قضاء ما فاته قبل أن ترفع الجنازة فإنه يقضي لعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وما فاتكم فأتموا".
الحال الثانية: أن يخشى أن ترفع الجنازة، أو ترفع بالفعل
(17/137)

فإنه مخير بين متابعة التكبير وبين أن يسلم ويسقط عنه ما بقي، هذا مقتضى ما ذكره الفقهاء رحمهم الله. والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم الصلاة على الجنازة في المقبرة سواء قبل الدفن أو بعد الدفن في أوقات النهي عن الصلاة خاصة بعد صلاة العصر لكثرة الصلاة على الجنائز في هذا الوقت؟ نرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: حكم الصلاة على الجنازة في المقبرة قبل الدفن جائز، سواء كان في وقت النهي عن الصلاة، أو في غير وقت النهي عن الصلاة.
أما حكم الصلاة على الجنازة بعد الدفن، فإنه إن كان في وقت النهي عن الصلاة مثل بعد صلاة العصر فإنه لا يجوز الصلاة على الجنازة بعد دفنها، ولكن يأتي ويصلي عليها في غير هذا الوقت.
وأما إن كانت الصلاة على الجنازة بعد دفنها في غير وقت النهي عن الصلاة فإن هذا جائز.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز تأخير دفن الميت في قبره بحجة إتيان جماعة يصلون عليه ولو لمدة أقل من عشر دقائق، إذا كان قد صلي عليه بالمسجد؟
(17/138)

فأجاب فضيلته بقوله: الإسراع في الجنازة هو السنة والأفضل ولا ينتظر أحد، والذين يأتون متأخرين يصلون عليه ولو بعد الدفن لأنه ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى على قبر المرأة التي كانت تقم المسجد.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل من صلى على قبر ميت يكون الأجر له كاملاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر والله أعلم أنه لا يدرك الأجر كاملاً، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان" قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين"، ولكن له أجر لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه صلى على قبر المرأة التي كانت تقمّ المسجد، فيكون صلاته على القبر اتباعاً لسنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
* * *

سُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم الصلاة على الميت في المقبرة لمن لم يصل عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم فيها سنة للرسول عليه الصلاة والسلام، ولا عن أصحابه؛ لكنها داخلة في عموم الترغيب في الصلاة على الميت، ويمكن أن يستدل لذلك بصلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على
(17/139)

قبر المرأة التي كانت تقم المسجد، فإذا جاء أحد قد فاتته الصلاة عليه في المسجد فصلى عليه فلا بأس، وله أجر إن شاء الله.
(17/140)

* * *

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
أرجو أن تجيب عن سؤالنا هذا، المرأة إذا سقط منها الجنين قبل أربعة شهور هل تصوم وتصلي وإذا لم تتأكد من الأيام التي عليها فماذا تفعل؟ وهل يصلى على هذا السقط؟ أفيدونا أفادكم الله وجزاكم خيراً.
بسم الله الرحمن الرحيم، الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قال أهل العلم: إذا سقط من المرأة جنين وقد تبيَّن فيه خلق إنسان أي خطط ورأت الدم فإنها تجلس لا تصوم ولا تصلي، وإن لم يخطط فلا تجلس.
وأما سؤالكم إذا لم تتأكد من الأيام التي عليها فإنها تبني على اليقين وغلبة الظن، وتقضي الصوم أو الصلاة التي عليها حتى تعلم أو يغلب على ظنها أن ذمتها برئت، ولا يصلى على الجنين إذا سقط وهو لم يتم له أربعة أشهر. والله الموفق. قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في 5/1/8931هـ.
(17/141)

رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
هل المرأة إذا أجهضت في الشهر الثالث وأسقطت طفلها تصلي، وإذا كان معها دم ماذا تفعل؟ وهل الجنين يُصلَّى عليه أم لا؟ وهل يدفن بدون صلاة؟ أرجو منكم الإجابة كتابة وجزاك الله خيراً.
بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
إذا كان الحمل لم يتم له أربعة أشهر فإنه لا يُغسَّل، ولا يكفَّن ولا يصلى عليه، ويدفن في أي مكان غير مملوك لأحد.
وإذا بلغ أربعة أشهر فإنه يغسَّل، ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ويدفن في المقابر.
وأما الدم الخارج عند ولادته فإن كان الجنين مخلقاً فهو دم نفاس، وإن كان لم يخلق فهو دم فساد لا تترك من أجله الصلاة. وليعلم أنه لا يمكن أن يخلق قبل أن يتم له ثمانون يوماً. كتبه محمد الصالح العثيمين في 32/5/2141هـ.
(17/143)

س 921 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: شخص علم بموت شخص آخر وقال: لن أصلي اليوم لأنني مشغول ولكن أصلي عليه غداً إذا دفن هل يشرع ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم في هذا شيئاً، ولكن إذا كان يريد الأجر فإنه يصلي عليه قبل أن يدفن؛ لأن هذه هي السنة الواردة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يصلِّ على القبر إلا حيث دفن وهو لم يعلم بموت صاحب القبر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم وضع مغسلة ومسجد في المقبرة لمن لم يصل على الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما المغسلة فلا بأس بأن يوضع في المقبرة، أو حولها مغسلة.
أما بناء المسجد في المقبرة فلا يجوز. نعم، لو وضع مصلى للجنائز؛ عند المغسلة فلا بأس: وأقول: "مصلى للجنائز" أي أنه لا تصلى فيه الصلوات الخمس فإن هذا لا بأس به ولا حرج.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض العوام يدخل المقبرة كل خميس ويصلي على كل من مات قريباً من هذا اليوم، وأحياناً بعضهم يصلي على أبيه كل جمعة ما رأيكم في هذا الأمر؟
(17/144)

فأجاب فضيلته بقوله: رأيي أن هذه الصلاة بدعة فقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يزور القبور ولا يصلي عليهم، وإنما يدعو لهم بالدعاء المشروع: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية"، "اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم".
وأما الصلاة عليهم صلاة الجنازة فهذا من البدعة، فيجب النهي عن هذا، وأن نبين للناس الذين يفعلونه أن هذا لا يزيدهم من الله قربة، ولا ينتفع به الميت أيضاً؛ لأنه بدعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: من فاتته الصلاة على الميت في المسجد سواء كان فرداً، أو جماعة هل يجوز لهم الصلاة على الميت في المقبرة قبل الدفن أو على القبر بعد الدفن؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأولى أن يصلوا عليه قبل الدفن، لأنه إذا أمكن أن يصلوا على الجنازة حاضرة بين أيديهم كان هذا هو الواجب لكن لو جاءوا وقد دفن فإنهم يصلون على القبر لأنه ثبت
(17/145)

عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه صلى على القبر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم صلاة الغائب، وكذلك الصلاة على القبر وهل لها حد؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الصلاة على الغائب فالصحيح أنها ليست بسنة إلا من لم يصل عليه؛ مثل أن يموت في بر، أو في دار كفر ولا يُعلم أنه صُلي عليه؛ فالصلاة عليه واجبة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى على النجاشي، وأمر أصحابه أن يصلوا عليه أيضاً، فخرج بهم إلى المصلى فصلى بهم عليه الصلاة والسلام.
وهذه القضية أي الصلاة على الغائب لم ترد إلا في النجاشي؛ لأنه لا يُعلم أنه صُلي عليه في بلده.
وأما من علم أنه صُلي عليه في بلده، فالصحيح أنه لا تسن الصلاة عليه.
أما الصلاة على القبر فهي سنة كما ثبت ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكن من العلماء من حددها بشهر، ومنهم من لم يحددها.
والصحيح أنها ليس لها حد؛ لكن يشترط أن يكون الميت الذي صلي عليه في قبره قد مات في حياة هذا المصلي؛ أي مات بعد ولادته وتمييزه.
أما لو مات قبل ذلك فلا تسن الصلاة على القبر، مثال هذا:
(17/146)

لو أن شخصاً مات في سنة 0041هـ وولد شخصاً آخر في هذه السنة؛ فإنه إذا كبر هذا المولود لا يصلي على القبر؛ لأنه حين موت الميت ليس من أهل الصلاة؛ أما لو مات سنة 0041هـ وجاء شخصٌ من مواليد سنة 0831هـ؛ فإنه يصلي عليه؛ لأنه حين موته كان المصلي من أهل الصلاة.
وإنما قلنا ذلك لئلا يبتدع أحد بدعة فيذهب يصلي صلاة الجنازة على قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى قبور الصحابة رضي الله عنهم في البقيع فإن هذا لم يرد.
والخلاصة أنه يصلى على القبر بدون تعيين مدة إذا كان صاحب القبر قد مات في زمن قد بلغ فيه المصلي أن يكون من أهل الصلاة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن الصلاة على الميت الغائب؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة على الميت الغائب جائزة، لكن بشرط أن يكون في غير بلد المصلي، أما في بلد المصلي فيذهب ويصلي على القبر، وليست لها مدة محددة بل يصلي عليه إذا كان لم يصل عليه من قبل وإن طالت المدة، لكن الذي نرى أنه يصلي عليه إذا كان هذا الميت قد مات في زمن يكون المصلي فيه مميزاً، أما لو كان هذا الميت قد مات قبل أن يخلق هذا الإنسان ويميز فإنه لا تشرع له الصلاة عليه، ولهذا لو قال قائل: الا?ن سوف صلي على أبي بكر، أو على عمر، أو على غيرهما ممن ماتوا قديماً. لقلنا إن هذا ليس بمشروع، لكن لو مات إنسان في زمن أنت فيه
(17/147)

موجود ومن أهل الصلاة يعني مميزاً فإن لك أن تصلي عليه صلاة الغائب. وقال بعض أهل العلم: إنه لا يصلى على الغائب إلا في حدود شهر واحد فقط، وما زاد على الشهر فإنه لا يصلي عليه. ولكن الصحيح أنه لا بأس أن تصلي عليه وإن زاد على الشهر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ثبت عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه صلى على النجاشي صلاة الغائب، وسبب ذلك أنه ما كان هناك أحد من المسلمين يصلي عليه، وواقع المسلمين الآن يموتون جماعة وبالتأكيد لم يصل عليهم كما هو حاصل في وقتنا الحاضر يعني أتأكد أنه ما يصلى عليهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا تأكدت أنه لم يصلّ عليهم فصل عليهم، لأن الصلاة فرض كفاية.
لكن ربما أهله صلوا عليه، لأن الصلاة على الميت تكون بواحد، على كل حال إذا تأكدت أن شخصاً ما لم يصل عليه فعليك أن تصلي عليه لأنها فرض كفاية ولابد منها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كيف يصلى على الغائب؟ وهل يصلى على كل ميت صلاة الغائب؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة على الغائب كالصلاة على الحاضر، ولهذا لما نعى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النجاشي وأخبرهم بموته، أمر
(17/148)

الناس أن يخرجوا إلى المصلى وصفهم صفوفاً، وكبر أربع مرات كما يكبر على الحاضر.
وأما هل يصلى على كل ميت صلاة غائب أم لا؟
في هذا خلاف بين أهل العلم:
منهم من يقول: يصلى على كل ميت غائب، حتى إن بعضهم قال: ينبغي للإنسان في كل مساء أن يصلي صلاة الميت، وينوي بها الصلاة على كل من مات من المسلمين في ذلك اليوم، في مشارق الأرض ومغاربها.
وآخرون قالوا: لا يصلَّى على أحد إلا من علم أنه لم يصل عليه أحد.
وفريق ثالث قالوا: يصلى على كل من كانت له يد على المسلمين من علم نافع وغيره.
والراجح: أنه لا يصلى على أحد إلا من لم يصل عليه، ففي عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم مات كثير ممن كانت لهم أياد على المسلمين ولم يصل صلاة الغائب على أحد منهم، والأصل في العبادات التوقيف حتى يقوم الدليل على مشروعيتها.
* * *

وسُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما القول الراجح في الصلاة على الغائب؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة على الغائب ليست مشروعة إلا على من لم يصل عليه، هذا هو القول الراجح.
(17/149)

س 831 وسُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كيف يُصلَّى على المسلمين الذين دُفنوا بغير صلاة عليهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: يُصلَّى على المسلمين الذين دفنوا بغير صلاة عليهم على قبورهم إن أمكن، وإلا صلى عليهم صلاة الغائب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن رجل قتل زوجته ثم قتل نفسه فهل يصلى عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يصلى عليه، لأن قتل النفس لا يخرج من الإسلام، والدليل على أنه لا يخرج من الإسلام قول الله تبارك وتعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُْنثَى بِالاُْنْثَى فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَالِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَالِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فجعل القاتل أخاً للمقتول، ولو كان يخرج من الإسلام لم يكن أخاً له، ولكن الأمر شديد وإن لم يخرج من الإسلام، وكذلك العقوبة شديدة، يقول الله عز وجل: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} خمس عقوبات: جهنم، والخلود فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً. فالأمر ليس بالهين، لكن لا يخرج من الإسلام، ويصلى عليه، ويدعى له بالمغفرة، وفضل الله واسع.
(17/150)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده، يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسمٍّ، فسمه بيده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً أبداً". ماذا يُقصد بهذه الأبدية؟ هل هي خاصة بقاتل نفسه؟ وهل يجوز الترحم على من فعل ذلك بنفسه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. هذا سؤال مهم جداً؛ وذلك أنه يأتي في الكتاب والسنة نصوص فيها فتح باب الرجاء والأمل الواسع؛ مثل أن يذكر الشارع بعض الأعمال الصالحة، ويرتب عليها تكفير السيئات، أو يرتب عليها دخول الجنة وما أشبه ذلك، فيأتي بعض الناس ويغلب جانب الرجاء على جانب الخوف، فيفرح ويستبشر بذلك ويقول: إذن فلا تضرني معصية، مادام هذا العمل اليسير يكفِّر عني السيئات، أو يكون سبباً في دخولي الجنة، وهذا فهم خاطىء لنصوص الرجاء.
وتأتي نصوص أخرى، تذكر بعض المعاصي، أو بعض الكبائر، وترتب عليها دخول النار، أو الخلود فيها، ولكنها لا
(17/151)

تخرج العبد من الإسلام، فتجد بعض الناس يتحسَّر وييأس، ويتمادى في ضلاله، وهذا فهم خاطىء أيضاً لنصوص الوعيد.
ولذلك انقسم أهل القبلة يعني الذين ينتسبون للإسلام انقسموا في هذه النصوص إلى ثلاثة أقسام: قسم غلَّب جانب نصوص الرجاء، وقال: لا تضر مع الإسلام معصية، وهؤلاء هم المرجئة، يغلبون جانب الرجاء على جانب الخوف، ويقولون: أنت مؤمن، اعمل ما شئت فلا يضرك مع الإيمان معصية.
وطائفة أخرى: غلبوا نصوص التخويف والزجر، وقالوا: إن فاعل الكبائر، مخلد في نار جهنم أبداً، ولو كان مؤمناً، ولو كان يصلي، ولو كان يزكي ويصوم ويحج، وهؤلاء هم (الوعيدية) من المعتزلة والخوارج، قالوا: إن الإنسان لو فعل كبيرة، كقتل نفسه مثلاً، أو قتل نفس غيره، أو زنى أو سرق، فهو خالد مخلد في نار جهنم.
وكل هؤلاء جانبوا الصواب، سواء الذين غلَّبوا نصوص الرجاء والرحمة، أو الذين غلبوا نصوص التخويف والوعيد.
وأهل السنة والجماعة وسط بين هذه الفرق، قالوا: نأخذ بالنصوص كلها؛ لأن الشريعة شريعة واحدة، صادرة عن مصدر واحد وهو الله عز وجل، إما في كتابه، أو على لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه يكمل بعضها بعضاً، ويُقيد بعضها بعضاً، ويخصص بعضها بعضاً، فيأتي نص عام، ونص خاص، فيجب أن نحمل العام على الخاص، ويأتي نص مطلق، ونص مقيد، فيجب أن نحمل المطلق على المقيد؛ لأن الشريعة واحدة،
(17/152)

والمشرع واحد، فإذا كان كذلك فلا يمكن أن نأخذ بجانب دون الا?خر.
وبهذا يسلم الإنسان من إشكالات كثيرة، فقد ورد في القرآن قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً عَذَاباً عَظِيماً} . هذه خمس عقوبات؛ جزاؤه جهنم، خالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذاباً عظيماً. عندما تقرأ هذه الا?ية تقول: إن قاتل المؤمن عمداً مخلدٌ في النار، ولا يمكن أن يخرج منها، لأن الله قال: {وغضب الله عليه ولعنه} . ومن لعنه الله فقد طرده وأبعده عن رحمته، وهذا يقتضي أنه لا يمكن أن يخرج من النار إلى الجنة أبداً.
وكذلك ما أشار إليه السائل فيمن قتل نفسه، أنه خالدٌ مخلدٌ أبداً، صرح في الحديث بالتأبيد، وهذا يقتضي ألا يخرج منها، لأن هذا خبر من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخبر الرسول صدق، ولا يمكن أن يعتريه الكذب، ولا يمكن أن يتخلف مدلوله، ولهذا نقول: هذه الأشياء تكون سبباً لذلك، فقتل النفس سبب للخلود المؤبد في نار جهنم، كما قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولكن هناك موانع من الخلود، دلَّت عليها النصوص الشرعية؛ منها أن يكون الإنسان معه شيء من الإيمان، ولو أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من الإيمان، فإنه لا يخلد في النار، فنحمل هذه النصوص على هذه النصوص، ونقول: نصوص الوعيد جاءت عامة من أجل التنفير من هذا العمل والهروب منه، ولكن
(17/153)

ليس هناك خلود مؤبد إلا للكافرين، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن بعض العلماء يقول: هذه النصوص على ظاهرها، وذلك أنه قد يصاب الذي يقتل نفسه بالانسلاخ من الإيمان، فيكون حين قتل نفسه غير مؤمن، وإذا كان غير مؤمن فهو كافر خالد في النار، لأنه إذا نحر نفسه فإن كان مجنوناً فلا شيء عليه، وإن كان عاقلاً، فلابد أنه فعل ذلك لسبب، وهذا السبب في الغالب لكي يستريح من النكبة أو الضائقة التي حلت به على زعمه.
ومن زعم أنه إذا قتل نفسه نجا من الضائقة التي ألمت به فقد أنكر البعث، وأنكر عقوبة الا?خرة، وإذا أنكر البعث، وعقوبة الا?خرة، كان بذلك كافراً، فيكون مستحقًّا للخلود المؤبد في النار، لأنه ليس من المعقول أن شخصاً يقتل نفسه ليستريح مما هو فيه، إلا لظنه أنه ينتقل إلى ما فيه الراحة له، ولا يمكن ذلك وقد قتل نفسه، فيكون شاكًّا في البعث أو جاحداً لعذاب الا?خرة، وبذلك يكون كافراً. هكذا قال بعض أهل العلم.
الوجه الثالث: يرى بعض العلماء أن قوله: "خالداً مخلداً" وهم من الراوي. والمهم أنه يجب أن نعلم أن نصوص الكتاب والسنة يقيد بعضها بعضاً، ويخصص بعضها بعضاً، ولا تناقض بين نصوص الكتاب والسنة أبداً.
(17/154)

وأما مسألة الترحُّم عليه، فيجوز الترحُّم عليه، لأنه ليس بكافر وإن كان يخلد في النار إلى أن يشاء الله.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما رأيكم فيمن يخرج من الصلاة إذا علم أن الميت من أصحاب المعاصي، وقصده في ذلك تعظيم هذه المعاصي وزجر الناس؟
فأجاب فضيلته بقوله: العاصي إذا لم تخرجه معصيته عن الإسلام فهو من أحق الناس بالصلاة عليه، لأنه محتاج للدعاء فينبغي أن يُصلَّى على العاصي ليدعو له، ويشفع له، ولا ينبغي الخروج وترك الصلاة، اللهم إلا إذا كان الرجل له أهمية في البلد، ويكون الميت قد أعلن فسقه، ورأى أن المصلحة أن لا يصلي عليه فلا بأس.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يصل على الذي في ذمته دين فهل هذا خاص به عليه الصلاة والسلام، أعني عدم الصلاة على المدين؟ ولماذا لا يكون من بعض الأئمة سؤال عن الموتى الذين يصلون عليهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان لا يصلي على من عليه دين لا وفاء له، لكن لما فتح الله عليه صار
(17/155)

يقول: "من كان عليه دين فعلي قضاؤه"، فصار يقضي عن الناس ديونهم ويصلي عليهم، أما بالنسبة لغيره فالصحيح أن في ذلك تفصيلاً، فإن كان الرجل له قيمته في المجتمع وإذاترك الصلاة على هذا المدين اتعظ الناس بذلك وخففوا من الديون عليهم فليفعل اقتداء برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما إذا كان من عامة الناس وإنه إذا ترك الصلاة على المدين لم ينته الناس عن الدين ولا يزيده ذلك إلا شماتة به وسبًّا له فلا يفعل، فهناك فرق بين رجل له قيمته واعتباره في المجتمع إذا فعل الشيء قبله الناس واقتدوا به، وشخص آخر ليس له هذه القيمة ولا يزيده فعل ذلك إلا سبًّا وشتماً، فلا يفعل هو في غنى عن هذا.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: لو دخل رجل ووجد جماعة يصلون على جنازة فصلى معهم، وهو يريد أن يبقى في المسجد؛ فهل تجزئه صلاته هذه عن تحية المسجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجلس حتى يصلي ركعتين؛ لأن صلاة الجنازة ليست من جنس صلاة الركعتين، فلا تجزئه عن تحية المسجد.
* * *

س 441 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هي
(17/156)

الساعات التي نُهينا أن نصلي فيها على موتانا؟ ولماذا لا يصلي الناس على الجنازة قبل صلاة الفجر أو قبل صلاة العصر إذا كانوا مجتمعين خصوصاً في الحرمين للخروج من النهي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الساعات التي نهينا عن الصلاة فيها وعن دفن الميت ثلاث ساعات: حين تطلع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وحين يقوم قائم الظهيرة أي قبل الزوال بنحو عشر دقائق إلى خمس دقائق وإذا بقي عليها أن تغرب مقدار رمح، هذه ثلاث ساعات ينهى عن الصلاة والدفن فيها، لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: "ثلاث ساعات نهانا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا". وذكر هذه الساعات الثلاث.
وأما ما بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العصر، فإنه ليس فيه نهي عن الصلاة على الميت ولهذا فلا حاجة أن نقدم الصلاة على الميت قبل صلاتي العصر والفجر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز للمرأة أن تجمع أهل البيت من النساء وتصلي بهن صلاة الجنازة على ميتهن في ذلك المنزل؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، لا حرج أن تصلي المرأة صلاة الجنازة، سواء صلتها في المسجد مع الناس، أو صلت عليها في
(17/157)

بيت الجنازة، لأن النساء لا يمنعن من الصلاة على الميت، وإنما يمنعن من زيارة القبور، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. هذا إن قصدت الزيارة، أما إن لم تقصد الزيارة بأن تكون ذهبت لشغل لها ومرت بالمقبرة فلا حرج عليها أن تقف وتسلم على أهل القبور وتدعو لهم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل تُقْطَعُ صلاة النافلة أو طواف التطوع للصلاة على الجنازة؟ وهل تقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" وظاهره أن النافلة لا تقطع إلا للفريضة، ولا تقطع لصلاة الجنازة، ولو قطعها المصلي فلا بأس؛ لأنه يجوز قطع النفل لغرض صحيح.
وكذلك من يطوف تطوعاً يقطع طوافه لصلاة الجنازة، لكن الأفضل أن لا يقطع.
وإذا أقيمت الفريضة وأنت في نافلة فالمسألة خلافية:
فمن العلماء من قال: تقطع على كل حال.
(17/158)

ومنهم من قال: لا تقطع إلا إذا بقي على انتهاء صلاة الإمام مقدار تكبيرة الإحرام.
والصحيح أن الصلاة إذا أقيمت وقد قمت للركعة الثانية فكملها خفيفة، وإن كنت في الأولى فاقطعها، بدليل قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة". فهذا المصلي المتنفل الذي صلى ركعة كاملة قبل وجود السبب المقتضي للقطع يكون قد أدرك الصلاة في وقت يحل له إقامتها فيها فيستمر هذا الحل ولكن يتجوز فيها؛ لأن الجزء من الفريضة أفضل من الجزء من النافلة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هناك جنازتان متجاورتان في المقبرة، ما كيفية الصلاة عليهما بعد الدفن؟ هل يصلى على كل جنازة على حدة، أو ينوي الصلاة عليهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كان القبران كلاهما بين يدي المصلي فإنه يصلي عليهما صلاة واحدة، وإن كان كل واحد بمكان فلكل واحد صلاة. حرر في 51/01/1416 هـ.
* * *

س 841 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما القول
(17/159)

الصحيح في حكم الصلاة على الميت في المسجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه لا بأس بالصلاة على الميت في المسجد؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى على سهل بن بيضاء في المسجد.
* * *
(17/160)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فلدينا جامع يصلى فيه على الجنائز ولكن مقدمته ضيقة جداً لاسيما عندما توجد أكثر من جنازة فتحصل مشقة كبيرة وعدم انتظام للقريبين من الجنازة ونريد أن نبني ملحقاً أمامياً في المسجد يكون على هيئة الغرفة وتكون مفتوحة على بناء المسجد لأصلى على النحو الموجود في هذا الرسم لتوضع فيها الجنازة أثناء الصلاة عليها.
فما هو رأيكم حفظكم الله وسدد خطاكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟
بسم الله الرحمن الرحيم
ج وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا بأس ببناء هذه الغرفة، ووضع الجنائز فيها، ولكن إذا كان فيها جنازة، أو جنازتان، فإنهما يحضران بين يدي الإمام؛ لأن ذلك أوقع في النفوس، وأقوى تأثيراً في اتعاظ المشاهدين.
أما إذا كثرت الجنائز وصار في إحضارهن، إرباك للصفوف؛ فلا بأس بالصلاة عليهن في هذه الغرفة ويكون بابها كما وصف أعلاه واسعاً، حرر في 01/11/1418 هـ.
(17/161)

دفن الميت
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما الحكم فيمن يقول عند اتباع الجنازة: "لا إله إلا الله، الدايم وجه الله" وذلك بصوت مسموع، وعند الدفن يقولون: "يا رحمن، يا رحمن"، فما الحكم في ذلك؟ وما هي السنة عند اتباع الجنازة وعند دفن الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا القول مُبتدَع. ولا شك أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يبقى إلا الله، لكن كونها تُتخذ على هذا الوجه الذي ذُكر في السؤال هذا من البدع؛ لأن كل طريق لم يفعله السلف مما يقرب إلى الله ويُتعبد لله فإنه بدعة، وكذلك عند الدفن قولهم "يا رحمن، يا رحمن" أيضاً هذا من البدع.
والسّنة لمن اتبع الجنازة أن يكون متأملاً متفكراً في مآله، وأنه الآن يمشي مشيعاً للجنازة وسيُمشى معه مشيعاً كما شُيعت هذه الجنازة، ويتأمل في أعماله وأحواله.
وأما عند الدفن فقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل"، فهذا هو المشروع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل جعل رأس الميت هو المقدم عند المشي به سنة أم لا؟
(17/165)

فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم في هذا سنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن كلام أهل العلم في كيفية التربيع في حمل الجنازة يقتضي أن يكون رأسه هو المقدم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: أيهما أفضل: حمل الجنازة على الأكتاف أو على السيارة؟
وأيهما أفضل: السير أمامها أو خلفها سواء كان ماشياً أو راكباً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل حملها على الأكتاف، لما في ذلك من المباشرة بحمل الجنازة، ولأنه إذا مرت الجنازة بالناس في الأسواق عرفوا أنها جنازة ودعوا لها، ولأنه أبعد عن الفخر والأبهة، إلا أن يكون هناك حاجة، أو ضرورة فلا بأس أن تحمل على السيارة، مثل: أن تكون أوقات أمطار، أو حر شديد، أو برد شديد، أو قلة المشيعين.
وأما السير فذكر أهل العلم أن يمينها، ويسارها، وخلفها، وأمامها يختلف، فيكون المشاة أمامها، والركبان خلفها، وبعض أهل العلم يقول: ينظر الإنسان ما هو أيسر سواء كان أمامها، أو عن يمينها، أو شمالها، أو خلفها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما معنى التربيع في حمل الجنازة؟ وهل لهذا أصل؟
فأجاب فضيلته بقوله: التربيع في حمل الجنازة أن يحملها
(17/166)

من أعواد السرير الأربعة، فيبدأ من عود السرير الأيمن بالنسبة للميت، الأيمن المقدم، ثم يرجع إلى المؤخر، ثم يذهب إلى العود الأيسر بالنسبة للميت، المقدم، ثم يرجع إلى المؤخر، وقد وردت فيه آثار عن السلف، واستحبه أهل العلم.
ولكن الأولى للإنسان إذا كان هناك زحام أن يفعل ما هو أيسر بحيث لا يَتْعب ولا يُتْعِب غيره.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تقديم الرجل اليمنى في الدخول إلى المقبرة وتقديم اليسرى في الخروج منها؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس في هذا سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وبناء على ذلك فالإنسان يدخل حيث صادف، إن صادف دخوله برجله اليمنى، فالرجل اليمنى، أو اليسرى فاليسرى حتى يتبين دليل من السنة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم اتباع جنازة المسلم؟ وهل هو حق واجب عيني؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال أهل العلم: إن تجهيز الميت من تغسيل، وتكفين، وحمل، ودفن، فرض كفاية؛ إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، ولكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رغَّب في اتباع الجنائز وقال: "من شهد جنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان"، قيل: وما القيراطان: قال: "مثل الجبلين
(17/167)

العظيمين".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: في بعض الأماكن، وعندما يحمل الناس الميت إلى الصلاة، ومن ثم إلى المقبرة يغطون الميت بغطاء مكتوب عليه آية الكرسي، أو آيات متفرقة من القرآن، فهل لهذا العمل أصل في الشرع؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس لهذا العمل أصل في الشرع (أي ليس لكتابة الآيات القرآنية على ما يغطى به الميت فوق النعش أصل في الشرع) ؛ بل هو في الحقيقة امتهان لكلام الله عز وجل، بجعله غطاء يتغطى به الميت، وهو ليس بنافع الميت بشيء، وعلى هذا فالواجب تجنبه:
أولاً: لأنه ليس من عمل السلف.
وثانياً: لأن فيه شيئاً من امتهان القرآن الكريم.
وثالثاً: لأن فيه اعتقاداً فاسداً وهو أن هذا ينفع الميت، وهو ليس بنافعه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم وضع الحديد على نعش المرأة بقصد إخفاء معالمها؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس به؛ لأن ذلك أستر لها.
* * *
(17/168)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كثير من الناس عند دفن الميت نجدهم كلهم مجتمعين حول القبر، وترى الكلام من كل شخص، ونجد الخلافات حول القبر حتى لا تجد سكينة ولا فائدة من حضوره للجنازة ما رأيكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا خلاف السنة، والذي ينبغي للإنسان في هذا الحال أن يكون مُفكِّراً في مآله، منتظراً ما سيؤول إليه، كما آل إليه هؤلاء الأموات، هذا هو الذي ينبغي، ولا ينبغي النزاع والشقاق ورفع الأصوات في هذا الحال.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا تأخر الرجل في متابعة الجنازة بسبب الزحام، أو لأداء الراتبة، أو لإتمام فريضة، أو غير ذلك فلم يسر معها، ولكنه أدرك الجنازة قبل أن تدفن هل يكون مشيعاً لها يثبت له أجر المشيع؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر السائل عدة مسائل في هذا السؤال:
1 إذا تأخر لأداء الراتبة، والذي يتأخر لأداء الراتبة ثم يلحق الجنازة لا يكتب له أجر المشيع، لأن ترك الراتبة ممكن، فيمكن أن تؤخر الراتبة حتى يرجع من الجنازة.
2 وأما من تأخر عنها لعذر كالزحام وإتمام الفريضة وقد أتى
(17/169)

وحرص على أن يشيع، ولكن حصل له مانع، أو تقدم الناس حتى صلوا عليها وخرجوا بها إلى المقبرة فالظاهر أنه يكتب له الأجر؛ لأنه نوى وعمل ما استطاع، ومن نوى وعمل ما استطاع فإنه يكتب له الأجر كاملاً. قال الله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِى الأَْرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: أيهما أفضل أن تكون الجنازة تابعة أم متبوعة؟ وما حكم الدعاء بصوت عال للميت، والناس يؤمنون خلفه حال الدفن؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر أهل العلم أن التابع للجنازة إن كان راكباً فالأفضل أن يكون خلف الجنازة، وإن كان ماشياً فالسنة أن يكون أمامها، أو يمينها، أو شمالها.
والأمر في هذا واسع، والعلماء قالوا: إن الركبان يكونون خلف الجنازة وذلك في عهدهم، لأن الناس كانوا يركبون على الإبل أو على الحمير أو ما أشبهها. أما الآن فالأولى للركبان إذا كانوا في السيارات أن يكونوا أمامها، لأن وجودهم خلف المشيعين على أرجلهم يزعجهم وربما يرغم المشيعين أن يسرعوا إسراعاً فاحشاً، يخشى على الميت مع قوة الرج أن يخرج منه شيء. فلهذا أرى أن الركبان في السيارات في الوقت الحاضر يكونون أمام الجنازة، فإن لم يتيسر لهم ذلك فليكونوا خلفها بعيداً عن المشاة
(17/170)

لئلا يزعجوا المشاة.
والأمر بالنسبة للمشاة واسع؛ إن كانوا عن أمامها، أو عن خلفها، أو عن يمينها، أو عن شمالها.
أما الدعاء للميت برفع الصوت عند الدفن فإنه بدعة، لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يُسأل"، ولو كان الدعاء بصوت جماعي سنة لفعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن يقال للناس: كلٌّ يدعو بنفسه لهذا الميت إذا دفن، يستغفر له، ويسأل الله له التثبيت، ويكفي مرة واحدة. لكن إن كررها ثلاثاً فهو خير، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا دعا، دعا ثلاثاً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يقوم بعض الناس بالإسراع في حمل الجنازة، والجري بها، ثم يتكلم أحدهم فجأة ويقول مثلاً: (وحِّدوه) فيقولون: "لا إله إلا الله"، ويقول: "اذكروا الله" فيذكرون الله فهل لهذا أصل؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس لهذا العمل أصل أي قول أحدهم: اذكروا الله، وحدوا الله فهو من الأمور البدعية، والذي ينبغي للمشيع أن يكون مفكراً في مآله، وأنه سوف يحمل كما حمل هذا الرجل، ويفكر في أمر الدنيا، وأن هذا الرجل الذي كان بالأمس
(17/171)

على ظهر الأرض أصبح الا?ن رهين عمله، هذا هو المشروع، أما وحدوه، واذكروا الله، فلم يرد عن السلف. وخير عمل يعمله الإنسان هو ما عمله السلف رحمهم الله أما الإسراع بالجنازة فهذا من السنة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أسرعوا بالجنازة"، إلا أن بعض العلماء قالوا: لا ينبغي الإسراع الذي يشق على المشيعين، أو يخشى منه تمزق الميت، أو خروج شيء من بطنه مع الحركة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: متى يجلس من يتبع الجنازة إلى المقبرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجلس إذا وضعت في القبر، أو إذا وضعت على الأرض لانتظار وإتمام حفر القبر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كثير من الناس يرفعون أصواتهم عند دفن الميت هل في هذا من حرج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس يعني إذا صوت أحدهم: "أعطني اللبن، أعطني الطين، أعطني الماء"، فلا بأس مادام الحاجة دعت إلى ذلك، وإلا فالصمت خير. هذا إذا كان الصوت في أمر غير تَعبُّدي، كطلب ماء ولَبن ونحوهما، أما أن يكون في أمر تعبدي مثل أن يرفعوا أصواتهم بقراءة، أو ذكر من تهليل، أو تكبير، أو غيرهما فإن ذلك بدعة.
(17/172)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تسجية قبر المرأة عند إنزالها القبر، وما مدة التسجية؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر بعض أهل العلم أنه يسجى يعني يغطى قبر المرأة إذا وضعت في القبر لئلا تبرز معالم جسمها، ولكن هذا ليس بواجب، ويكون هذا التخمير أو التسجية إلى أن يُصف اللبن عليها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما رأي فضيلتكم في المقصورة التي توضع على المرأة الميتة على نعشها لتسترها؟ وهل المرأة عورة حية وميتة وهل هذه المقصورة من السنة؟ فإن كانت من السنة فلماذا لا تُحيا ويعمل بها جزاكم الله خير الجزاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن المقصورة إذا وضعت على نعش الميتة الأنثى أنه أستر لها، لأنه أحياناً تقدم جنائز من النساء يشاهد الإنسان حجم الميتة تماماً، ويتبين بذلك مقاطع جسمها، وهذا أمر لا يرغب فيه، وما يوجد في الحجاز ولاسيما في مكة من وضع المكبة هذه التي تكون على النعش، لا شك أنه أستر وأبعد عن رؤية الميتة.
أما ما ظهر من المرأة من ثياب ونحوه فليس بعورة سواء كانت حية أو ميتة إلا إذا كان عليها ثياب لاصقة بالجسم ضيقة تبين مقاطع الجسم، فإنه لا يجوز لها أن تفعل ذلك.
(17/173)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض الناس عند إنزال المرأة إلى اللحد يغطي المرأة بعباءة حتى لا يراها الناس ما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا مما فعله السلف واستحبه العلماء رحمهم الله قالوا: لأن هذا أستر لها، لأنها إذا وضعت في اللحد بدون تغطية فإنها ربما تنكشف، ولكن الناس يعملون عندنا هنا في عُنيزة يضعون المرأة بعباءتها التي غطيت بها؛ ثم يأخذون العباءة شيئاً فشيئاً. كلما وضعوا لبنة أزالوا العباءة فيحصل بهذا الستر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعد الفراغ من دفن المرأة يقوم حافر القبر بوضع حجر بارز في وسط قبر المرأة حتى يُعرف هذا القبر أنه قبر امرأة، بحجة أنه لو نُبش القبر مثلاً فإنه يحرص على ستر عورة الميتة، أو غير ذلك من الحجج التي يحتجون بها فهل هذا الفعل من السنة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هذا من السنة، بل السنة أن يُدفن القبر ويرفع قدر شبر، لا فرق بين الرجال والنساء، لكن لا بأس بوضع علامة ليزوره قريبه فيعرفه، وأما التفريق بهذا الحجر فلا أصل له.
(17/174)

* * *

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما رأي فضيلتكم في قفص يوضع على نعش جنازة المرأة أثناء حملها للصلاة عليها وتشييعها؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم: رأينا أن هذا لا بأس به، بل قد استحبه أهل العلم، قال في (الروض المربع) (للحنابلة 1/843، ح العنقري) : "فإن كانت امرأة استحب تغطية نعشها بمكبة؛ لأنه أستر لها ويروى أن فاطمة رضي الله عنها صنع لها ذلك بأمرها، ويجعل فوق المكبة ثوب". ا. هـ
وقال في (جواهر الإكليل شرح مختصر خليل) (للمالكية 1/111 ط الحلبي) : "وندب سترها أي الميتة حال حملها للصلاة والدفن بقبة على النعش مبالغة في سترها". ا. هـ
وقال في المجموع شرح المهذب (للشافعية 5/122ط دار العلوم للطباعة) : فرع. قال أصحابنا: يستحب أن يتخذ للمرأة نعش، والنعش هو المكبة التي توضع فوق المرأة على السرير، وتغطى بثوب لتستر عن أعين الناس، وكذا قال صاحب الحاوي إلى
(17/175)

أن قال: واستدلوا له بقصة جنازة زينب، أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد روى البيهقي أن فاطمة رضي الله عنها أوصت أن يتخذ لها ذلك ففعلوه، فإن صح هذا فهي قبل زينب بسنين كثيرة". ا. هـ وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري (1/135) عن الحنفية أنهم قالوا: ويغطى نعش المرأة ندباً، كما يغطى قبرها عند الدفن إلى أن يفرغ من لحدها إذ المرأة عورة من قدمها إلى قرنها". ا. هـ
فهذا كلام أهل المذاهب الأربعة، معللين ذلك بأنه أستر للمرأة، وهذا شيء معلوم معمول به في الحجاز، لكن لو جعلتم هذا القفص على قدر نصف الجسم بإزاء وسط المرأة، ويربط الثوب الذي فوقه بأطراف النعش، لحصلت به الكفاية، وكان أخف من القفص الكبير، نسأل الله لنا ولكم التوفيق. كتبه محمد الصالح العثيمين في 2/2/1413 هـ.
(17/176)

صورة القفص
(17/177)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن جماعة يسكنون في منطقة رملية وقبورهم لا تلحد وإنما تشق فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الشق إذا احتيج إليه فإنه لا بأس به، بل قد يتعين كما في الأرض الرملية.
(17/178)

* * *

رسالة
فضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
حيث إن الأرض الطينية بمقابر ... قد امتلأت ولم يبق سوى أرض صلبة يصعب الحفر فيها يدويًّا لذا نرجو توجيهنا عن مدى جواز الاستعانة ب (الكبريشن) أو آلة مماثلة لحفر القبور، مع أحاطتكم بأن الا?لة سيراعى في إدخالها عدم المرور من فوق القبور داعين الله عز وجل لكم بدوام التوفيق لخدمة الإسلام والمسلمين؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 8/01/1411 هـ.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. إن أمكنكم الحصول على أرض طينية فانقلوا المقبرة إليها؛ لأن ذلك أسرع في الحفر، وأسهل، وأسلم من تسرب الأمطار إلى جوف اللحد من خلال الحصا، فالأرض الطينية أولى وإن بعدت عن الحجرية، وإن لم يمكن ذلك لكون الأراضي التي حولكم كلها حجرية فلا حرج في حفر القبر بالا?لات الثقيلة للضرورة إلى ذلك. وفق الله الجميع لما فيه الخير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتبه محمد الصالح العثيمين في 01/01/1141هـ.
(17/179)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عند وضع الميت يجلس كثير من الناس على طرف القبر قائمين ينظرون إلى الميت هل هذا الفعل مشروع؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الفعل الذي ذكرت أنهم يقومون على القبر لينظروا إلى الميت ليس بمشروع، وإنما المشروع أن الميت إذا وضع في القبر يوضع عليه اللبنات، ثم يدفن في الحال؛ لأن الإسراع في التجهيز هو الأفضل.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز دفن الأموات بالليل؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، يجوز دفن الأموات بالليل إذا قام الإنسان بالواجب من التغسيل، والتكفين، والصلاة عليه، فإنه يجوز أن يدفن بالليل، وقد دفن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلاً، وذكر أن أبا بكر رضي الله عنه دفن ليلاً، وكذلك المرأة التي كانت تقمّ بالمسجد دفنت ليلاً، والأصل الجواز، فدل هذا على جواز الدفن ليلاً بشرط أن يكون الدافن قد أدى ما ينبغي أن يؤدى من التغسيل، والتكفين، والصلاة عليه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: من أولى الناس بإنزال الميت إلى قبره: المُتعلِّم أو ولي الميت؟ وهل
(17/180)

هناك فرق بين الرجل والمرأة؟ وهل يشترط أن يكون الذي ينزل المرأة من محارمها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأولى بذلك وصيّه، إذا كان له وصي، فإن لم يكن له وصي فالأقرب ثم الأقرب من أوليائه، وإذا كان هناك متعلم فهو أولى، وإن لم يكن هناك متعلم ودفنها غير متعلم فإنه يتلقى التعليم من المتعلم، ويوجهه المتعلم.
ولا يشترط أن يكون الذي ينزل للقبر محرماً للمرأة. فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر أبا طلحة رضي الله عنه أن ينزل في قبر ابنته ويدفنها مع حضوره هو، وزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: مِنْ أي الجهات يُنزل الميت إلى قبره؟
فأجاب فضيلته بقوله: من الجهة المتيسرة، لكن بعض العلماء قالوا: يسن من عند رجليه، وبعض العلماء يقول: يُسنُّ من الأمام. والأمر في هذا واسع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ماذا يقال عند إدخال الميت إلى قبره؟
فأجاب فضيلته بقوله: نص الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنه يقول مدخله: "بسم الله، وعلى ملة رسول الله".
(17/181)

س 371 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى على أي جنب يوضع الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: يستحب أن يوضع على جنبه الأيمن ويجب أن يوضع مستقبل الكعبة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الكعبة قبلتكم أحياءً وأمواتاً".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: في بعض البلاد يدفنون الميت على ظهره ويده على بطنه فما الصواب في دفن الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصواب أن الميت يُدفن على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن الكعبة قبلة الناس أحياءً وأمواتاً، وكما أن النائم ينام على جنبه الأيمن كما أمر بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكذلك الميت يضجع على جنبه الأيمن فإن النوم والموت يشتركان في كون كل منهما وفاة، كما قال تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الأَْنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ
(17/182)

تَعْمَلُونَ يَتَوَفَّاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ
ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ تَعْمَلُونَ} . فالمشروع في دفن الميت أن يضجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة.
ولعل ما شاهده السائل كان نتيجة عن جهل من يتولى ذلك، وإلا فما علمت أحداً من أهل العلم يقول: إن الميت يضجع على ظهره، وتجعل يداه على بطنه.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم حل العقد في القبر، وكشف وجه الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: حل عقد اللفائف ورد فيه أثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إذا أدخلتم الميت القبر فحلوا العقد".
أما كشف وجه الميت كله فلا أصل له، وغاية ما ورد فيه إن صحّ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إذا مت ووضعتموني في قبري فأفضوا بخدي إلى الأرض".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم وضع القطيفة في القبر للميت بدليل ما رواه مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (جُعلَ في قبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(17/183)

قطيفة حمراء"؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر أهل العلم أنه لا بأس أن يجعل فيه قطيفة، ولكني أرى في هذا نظراً، لأنه لم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم فعلوا ذلك، ولعل هذا كان من خصائص الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولأنه لو فتح هذا الباب لتنافس الناس في ذلك، وصار كل إنسان يحب أن يجعل تحت ميته قطيفة أحسن من الآخر، وهكذا، حتى تكون القبور موضع المباهاة بين الناس، والذرائع ينبغي أن تسد إذا كانت تفضي إلى أمر محذور.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل هناك دليل يثبت أن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا وضع القطيفة على شُقران؟ وما صحة سند أن الصحابة رضي الله عنهم أخرجوا هذه القطيفة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم عن هذا شيئاً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى بالنسبة للحثيات الثلاث هل لها أصل أن تكون من جهة رأس الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لها أصل؛ لأن الحديث الوارد في ذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حثى من قبل رأسه ثلاث حثيات.
(17/184)

سُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هو المشروع عند مواراة الميت بالتراب؟ وهل يشرع قول: "منها خلقناكم، وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى"؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر بعض أهل العلم أنه يسن أن يحثي ثلاث حثيات.
وأما قول "منها خلقناكم، وفيها نعيدكم، ومنها نخرجكم تارة أخرى" فليس فيه حديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتمد عليه.
وأما ما يُسن فعله بعد الدفن فهو ما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يُسأل". فتقول: اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم ثبته، ثم تنصرف.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم رفع القبر؟
فأجاب فضيلته بقوله: رفع القبر خلاف السنة، ويجب أن يسوى بالقبور التي حوله إن كان حوله قبور، أو ينزل حتى يكون كالقبور المعتادة؛ لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لأبي الهياج الأسدي: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته".
* * *
(17/185)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما رأيكم فيمن يضع على قبر الرجل حجرين، وعلى قبر المرأة حجراً واحداً هل هذا التفريق مشروع؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا التفريق ليس بمشروع، والعلماء قالوا إن وضع حجر أو حجرين، أو لبنة أو لبنتين من أجل العلامة على أنه قبر لئلا يحفر مرة ثانية لا بأس به، وأما التفريق بين الرجل والمرأة في ذلك فلا أصل له.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما معنى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ولا قبراً مشرفاً إلا سويته"، والا?ن نرى كثيراً من القبور تزيد عن شبر؟
فأجاب فضيلته بقوله: القبر المشرف معناه الذي يكون عالياً على غيره من القبور؛ بحيث يتميز فهذا يجب أن يسوى بالقبور الأخرى؛ لئلا يفتتن الناس به، لأن الناس إذا رأوا هذا القبر المشرف العالي ربما يفتتنوا به، فلهذا بعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن لا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه.
* * *

سُئِلَ فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: جرت العادة كما شاهدت في بلادنا أن من الناس من ينذر إضاءة
(17/186)

المقامات بالشمع مثل قبور الأنبياء مثل النبي صالح عليه الصلاة والسلام والنبي موسى عليه الصلاة والسلام ومقام بعض الأولياء في بعض المناسبات أو عندما ينذرون نذورهم كأن يقول إنسان أو شخص إذا رزقت بولد إن شاءالله سوف أضيء المقام الفلاني مدة أسبوع مثلاً أو أذبح لوجه الله ذبيحة عند المقام الفلاني فهل تجوز مثل هذه النذور؟ وهل إنارة المقام بالشمع أو بالزيت جائزة وعادة ما تكون هذه الأيام التي يضيئون بها هي أيام الاثنين والخميس ليلة الجمعة فهل هذا ورد في زمن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أم أنه بدعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إضاءة المقامات يعني مقامات الأولياء والأنبياء التي يريد بها السائل قبورهم هذه الإضاءة محرمة فقد ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه لعن فاعليها، فلا يجوز أن تضاء هذه القبور لا في ليالي الاثنين ولا في غيرها، وفاعل ذلك ملعون على لسان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى هذا فإذا نذر الإنسان إضاءة هذا القبر في أي ليلة أو في أي يوم فإن نذره محرم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه"، فلا يجوز له أن يفتي بهذا النذر.
ولكن هل يجب عليه أن يكفر كفارة يمين لعدم وفائه بنذر، أو لا يجب؟
(17/187)

محل خلاف بين أهل العلم، والاحتياط أن يُكفِّر كفارة يمين، لعدم وفائه بهذا النذر.
وأما تعداده لقبور بعض الأنبياء مثل صالح وموسى عليهما الصلاة والسلام وما أشبهه فإنه لا يصح أي قبر من قبور الأنبياء إلا قبر النبي عليه الصلاة والسلام فإن الأنبياء لا تعلم قبورهم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في موسى عليه الصلاة والسلام أنه سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر" وليس معلوماً مكانه الا?ن، وكذلك قبر إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ليس معلوماً مكانه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: في بعض البلاد يوضع على بعض القبور قطع من الرخام وتكون مرتفعة قليلاً، وبعضهم يكتب على تلك القطع {يا أيتها النفس المطمئنة} الا?ية، ثم يكتب اسم الميت، فما رأي فضيلتكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا منكر وحرام، وتجب إزالته، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يُبنى على القبر، أو يجلس عليه، أو يجصص، أو يكتب عليه وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن لا
(17/188)

يدع قبراً مُشرفاً إلا سواه، أي جعله مثل القبور الأخرى، فيجب على هؤلاء القوم أن يزيلوا ما وضعوا من الرخام. وقال بعض أهل العلم: "إن الميت يتأذى بالمنكر إذا فُعل عند قبره"، وهذا منكر، ومقتضى قول العلماء هذا أن صاحب القبر يتأذى بما وُضع عليه، فبادر أخي السائل بهذا، وقل يجب إزالته، فإن فعلوا الإزالة فهو من نعمة الله عليهم وعلى ميتهم، وإن لم يفعلوا فالواجب على المسؤول عن المقبرة أن يزيل ذلك. ثم ما الذي أدراهم أنها نفس مطمئنة يقال: ارجعي إلى ربك راضية مرضية؟ ما يُدرى، هل كل أحد يعلم أن هذا الرجل مات على التوحيد والإيمان؟ إنما نحن علينا بالظاهر، لكن أمور الا?خرة لا ندري عنها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم الكتابة على القبور أو تعليمها بالألوان؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما التلوين فإنه من جنس التجصيص وقد نهى النبي عليه السلام عن تجصيص القبور، وهو أيضاً ذريعة إلى أن يتباهى الناس بهذا التلوين، فتصبح القبور محل مباهاة، ولهذا ينبغي تجنُّب هذا الشيء.
وأما الكتابة عليه فقد نهى النبي عليه السلام عن الكتابة على
(17/189)

القبر، لكن بعض أهل العلم خفف فيما إذا كانت الكتابة لمجرد الإعلام فقط، ليس فيها مدح ولا ثناء، وحمل النهي على الكتابة التي يكون فيها تعظيم لصاحب القبر، وقال بدليل أنه (أي النهي عن الكتابة) قرن بالنهي عن تجصيص القبور والبناء عليها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم وضع علامة على القبر أو كتابة الاسم عليه بحجة الزيارة له؟
فأجاب فضيلته بقوله: وضع العلامة عليه لا بأس به؛ كحجر أو خشبة أو ما شابه ذلك.
وأما الكتابة عليه فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "نهى أن يكتب على القبر".
لكن إذا كانت الكتابة مجرد كتابة الاسم فقط بدون أن يكون مدحاً، أو إطراء، أو كتابة قرآن وما أشبه ذلك فإن هذا لا بأس به عند بعض أهل العلم، وبعض العلماء يرى أن الكتابة ولو كتابة الاسم أنها داخلة في النهي ويقول بدلاً عن كتابة الاسم نجعل الوسم المعروف في القبيلة، ويجعل على الحجر الذي عند رأس الميت ويكفي، وإذا حصل هذا فهو أحسن أي إذا كانت علامة الوسم تكفي فلا حاجة للكتابة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نلاحظ بعض الناس أنهم يضعون على أحد جانبي قبر الميت علامة
(17/190)

من الإسمنت يكتب عليها اسم الميت وتاريخ وفاته وقد يرفع بناؤها؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من المنهي عنه، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى أن يكتب على القبر، ورخص بعض العلماء أن يكتب علامة فقط كالوسم، أو الاسم فقط. أما أن يكتب تاريخ الموت والاسم واسم الأب والجد وما أشبه ذلك، أو يكتب شيء من القرآن فإن هذا كله من البدع التي تزال إذا وجدت، يستبدل الحجر بغيره، ثم إن الحجر الذي يوضع لا يكون مشرفاً على غيره من القبور، بل يكون مماثلاً لها، لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل وضع شيء على القبور من أشجار رطبة وغيرها من السنة بدليل صاحبي القبرين اللذين يعذبان أم أن ذلك خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام وما دليل الخصوصية؟
فأجاب فضيلته بقوله: وضع الشيء الرطب من أغصان، أو غيرها على القبر ليس بسنة، بل هو بدعة، وسوء ظن بالميت، لأن النبي عليه السلام لم يكن يضع على كل قبر شيئاً من ذلك، وإنما وضع على قبرين علم عليه الصلاة والسلام أنهما
(17/191)

يعذبان. فوضع الجريدة على القبر جناية عظيمة على الميت، وسوء ظن به، ولا يجوز لأحد أن يسيء الظن بأخيه المسلم، لأن هذا الذي يضع الجريدة على القبر يعني أنه يعتقد أن هذا القبر يعذب، لأن النبي عليه السلام لم يضعها على القبرين إلا حين علم أنهما يعذبان.
وخلاصة الجواب أن وضع الجريدة ونحوها على القبر بدعة وليس له أصل، وأنه سوء ظن بالميت حيث يظن الواضع أنه يُعذب، فيريد التخفيف عليه، ثم ليس عندنا علم بأن الله تعالى يقبل شفاعتنا فيه إذا فعلنا ذلك، وليس عندنا علم بأن صاحب القبر يعذب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز للإنسان إذا زار المقبرة أن يضع على القبر جريدة رطبة أو غصن شجرة؟
فأجاب فضيلة بقوله: لا يجوز أن نصنع ذلك لأمور:
أولاً: أننا لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثانياً: أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميت، لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب وما يدرينا فلعله ينعم، لعل هذا الميت ممن منَّ الله عليه بالمغفرة قبل موته لوجود سبب من أسباب المغفرة الكثيرة فمات وقد عفا رب العباد عنه، وحينئذ لا يستحق عذاباً.
(17/192)

ثالثاً: أن هذا الاستنباط مخالف لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلم الناس بشريعة الله فما فعل هذا أحد من الصحابة رضي الله عنهم فما بالنا نحن نفعله.
رابعاً: أن الله تعالى قد فتح لنا ما هو خير منه فكان النبي عليه الصلاة والسلام، إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الا?ن يسأل".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم وضع الحشيش والبرسيم على قبر الميت علماً بأن بعضهم يدعي بأن هذا البرسيم يمنع من دخول التراب داخل القبر؟
فأجاب فضيلته بقوله: في بعض البلاد لابد من وضع الإذخر، أو ما يقوم مقامه بين خلل اللبنات، ولذلك لما حرم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حش حشيش مكة وقطع الشجر، قال ابن عباس: إلا الإذخر، فإنه لبيوتهم وقبورهم، فقال: "إلا الإذْخِر" فإذا كان لابد من وضع هذا بين اللبنات، فإنه يوضع ولا حرج فيه ولا بأس.
وأما وضع الحشيش على القبر فإن هذا ليس من هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإنما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما مر بقبرين، فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان لا يستتر من البول، وأما الا?خر: فكان يمشي بالنميمة"، فأخذ
(17/193)

جريدة رطبة فشقها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة فقالوا: لم فعلت ذلك يا رسول الله؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". فهذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه علم بأن هذين القبرين يعذبان، ولو وضع أحد مثل هذا على قبر لكان معنى ذلك أنه أساء الظن بالميت وأنه يعذب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض الناس يقول إن التراب الذي يخرج من القبر حال حفره لابد حال الدفن أن يوضع جميعه لأنه حق للميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بصحيح، بل إنه إذا كان التراب كثيراً بحيث يزيد على الشبر فإنه لا ينبغي أن يدفن به، لأن رفع القبور أكثر من الشبر خلاف السنة، وأما الزيادة على تراب القبر فقد قال العلماء: إنه لا يزاد عليه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم رش القبر بالماء بعد الدفن بحجة أنه يمسك التراب؟ وهل هو يبرد على الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يرش؛ لأن الماء يمسك التراب فلا يذهب يميناً ويساراً.
أما ما يعتقد العامة من أنهم إذا رشوا برّدوا على الميت فإن هذا ليس له أصل.
(17/194)

رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله:
يوجد عندي أرض تقع في ... بجوار جملة أملاك لغيري وقد أحييت تلك الأرض بغرس شجر الأثل فيها منذ ما يقارب الثلاث والأربعون سنة، وحين إحيائي لها وهي رمال عالية وقد أخرجت حجة استحكام للأرض المذكورة وكذلك حصلت على رخصة بناء منزل فيها من بلدية ... والذي حصل أن فيه جماعة اعترضوا على إقامتي البناء عليها بحجة أنه يوجد فيها قبور علماً أن المعترضين عليّ لهم أملاك بجوار أرضي قد اشتروها منذ عهد قريب وقد طلبوا مني شراء تلك الأرض ورفضت لأنني أرغب إقامة مبنى سكني عليها وعلى ذلك أدلة وليطمأن خاطري وتطيب نفسي فقد عملت على حفر الأرض لأرى إذا كان عليها أثر قبور فلم أعثر على أي أثر يدل على وجود قبور فيها، لذا أرجو من فضيلتكم إفادتي شرعاً لكي أقيم عليها سكني أو أتركها، وفقكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إذا كان حفرك الأرض حفراً عميقاً بحيث لو كان فيها قبور لتبينت فلا حرج عليك في إقامة السكن فيها ما لم يثبت أنها من أرض المقبرة. حرر في 12/11/1399 هـ.
(17/195)

رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
نحيط فضيلتكم علماً بأنه يوجد لدى قيادة الدفاع المدني سيارة إنارة وعدد من المولدات المحمولة والمقطورة التي تستخدم أيضاً للإنارة وذلك أثناء الحاجة لها في الحوادث التي تقع ليلاً لإضاءة مسارح العمليات الليلية أثناء مجابهة الحوادث بأنواعها وكذلك الكوارث في حالة وقوعها لا قدر الله.
وفي بعض الأحيان وإذا كانت الظروف عادية وليس هناك حاجة لها يطلب منا بعض المواطنين إنارة المقبرة في حالات الدفن ليلاً لأنه كما لا يخفى على فضيلتكم أن جميع مهامنا إنسانية ونهتم بالجوانب الإنسانية بجميع أشكالها.
وقد حدث في إحدى الليالي أن انتقلت سيارة الإنارة لإضاءة المقبرة الواقعة بحي ... أثناء دفن جثة أحد المواطنين الذي انتقل إلى رحمة الله وأثناء ذلك تدخل أحد المواطنين طالباً إطفاء الإنارة أثناء الدفن؛ لأن هذا غير جائز حسب رأيه، ولكن الرائد ... لم ينفذ واكتفى بأن قال له:
(17/197)

انتظر حتى ننتهي من عملية الدفن وبعد ذلك جرت مفاهمة بينهما فقال له الرائد فيما معناه: أنه ما كان ينبغي أن تتدخل بهذا الأسلوب والأمر الجاف أثناء هذا الظرف، وكان المفروض أن تنتظر حتى ننتهي من الدفن جزاك الله خيراً وتبلغنا ما أمرت به بأسلوب لبق يتفق مع تعاليم ديننا الحنيف. لذا أرجو من والدنا أن يزودنا بفتوى نستند عليها في جواز إضاءة المقبرة أثناء الدفن بواسطة سيارات ومقطورات الدفاع المدني المخصصة لغرض الإضاءة من عدمه علماً أن جميع المجالات التي سبق أن تدخلنا بها كانت السيارة تقف في الشارع وتوجه الكواشف الموجودة بها للمقبرة، كما أرجو إفادتنا أيضاً عن جواز إضاءة المقبرة أثناء الدفن بواسطة سلك كهربائي يمد من خارجها ويوصل بمصدر كهربائي سواء كان المصدر ثابتاً أو متحركاً وذلك لنتمكن من التنسيق مع البلديات إذا كان جائزاً. وختاماً أضرعُ إلى الله جل وعلا أن يمد في عمرك ويوفقكم دائماً لما فيه خير الإسلام والمسلمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أما وقوف السيارة خارج المقبرة أو داخلها من أجل إضاءة المكان ليسهل الدفن وحركة الناس فلا بأس لأن في ذلك مصلحة بلا مضرة.
(17/198)

وأما إضاءة المقبرة بواسطة سلك كهربائي يمد من خارجها أثناء الدفن فأخشى من الغفلة عن إطفائه بعد انتهاء الدفن، فتبقى المقبرة مضيئة في غير حاجة، فترك ذلك أولى سدًّا للباب. وفقكم الله وجزاكم خيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 13/5/1413 هـ.
* * *
(17/199)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم المرور بين القبور بالنعال؟ وما صحة الدليل الذي ينهى عن ذلك: "يا صاحب السبتتين اخلع نعليك"؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر أهل العلم أن المشي بين القبور بالنعال مكروه، واستدلوا بهذا الحديث، إلا أنهم قالوا: إذا كان هناك حاجة كشدة حرارة الأرض، ووجود الشوك فيها، أو نحو ذلك فإنه لا بأس أن يمشي في نعليه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يا صاحب السبتتين، اخلع نعليك فقد آذيت" كما نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أن يمتشط الرجل إلا غبًّا، ظاهر الحديث الأول الوجوب، والثاني التحريم. لكن من العلماء من يرى الندب في الأول، والكراهة في الثاني دون أن يذكروا صارفاً لذلك. فما هو الراجح عندكم مع ذكر الدليل وتبيين قواعد الأصوليين في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: حديث "اخلع نعليك فقد آذيت" لا أعرفه بلفظ: "فقد آذيت". والقول بأن المشي بالنعال بين القبور للكراهة هو قول جمهور العلماء، وهو عندي أظهر من القول بالتحريم، لأن النهي عن ذلك من باب إكرام قبور المسلمين
(17/200)

واحترامها، والقول بأن ذلك إهانة لها فنهي عنه، غير ظاهر، وهذا هو الذي صرف النهي إلى الكراهة.
وأما النهي عن الترجل إلا غبًّا فهو من باب الإرشاد إلى ترك الترف وإضاعة الوقت فيه.
وعلماء الأصول مختلفون في الأمر المجرد هل هو للوجوب، والنهي المجرد هل هو للتحريم؟ على أقوال ثلاثة:
القول الأول: أن الأمر للوجوب لقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} والنهي للتحريم لقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً} .
القول الثاني: أن الأمر للاستحباب؛ لأن الأمر به رجح فعله، والأصل براءة الذمة وعدم التأثيم بالترك، والوعيد بالا?ية يراد به الأمر الذي ثبت أنه للوجوب لا كل أمر.
والنهي للكراهة؛ لأن النهي عنه رجح تركه، والأصل عدم التأثيم بالفعل، وهذا حقيقة المكروه.
وأما وصف العاصي بالضلال المبين فالمراد من عصى معصية يأثم بمخالفتها، أو يقال وهو بعيد إن الضلال مخالفة الهدى، وقد يكون معصية، وقد يكون دونها، لكن هذا الجواب ضعيف.
القول الثالث: أن ما يتعلق بالا?داب فالأمر فيه للاستحباب،
(17/201)

والنهي للكراهة، وما كان يتعلق بالعبادات فالأمر فيه للوجوب، والنهي للتحريم؛ لأن الأول يتعلق بالمروءة، والثاني بالشريعة.
وهذا الخلاف ما لم تكن قرينة تعين الوجوب، أو الاستحباب، والكراهة أو التحريم، فإن كان ثم قرينة عمل بما تقتضيه من إيجاب، أو استحباب أو كراهة، أو تحريم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم خلع الحذاء عند الدخول إلى المقبرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشي بين القبور بالنعال خلاف السنة، والأفضل للإنسان أن يخلع نعليه إذا مشى بين القبور إلا لحاجة، إما أن يكون في المقبرة شوك، أو شدة حرارة، أو حصى يؤذي الرجل فلا بأس به، أي يلبس الحذاء ويمشي به بين القبور.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم المشي على القبور؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشي على القبور لا يجوز؛ لأن فيه إهانة للميت، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه، وقال في الجلوس على القبر: "لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتمضي إلى جلده، خير له من أن يجلس على القبر".
(17/202)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: المقبرة إذا جعلت طريقاً أو جلس الناس عليها ما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تجعل مقابر المسلمين طرقاً يتطرق الناس بها، أو يجلسون عليها، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن الجلوس على القبر وقال: "لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتمضي إلى جلده، خير له من أن يجلس على القبر"، والواجب أن تزال تلك الطرق من المقابر وتحترم مقابر المسلمين. والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز نبش القبور من أجل الطريق العام كأن يكون الطريق لا يصلح إلا من المقبرة، فهل يجوز نبشها ووضعها في مقبرة ثانية من أجل المصلحة العامة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نبش القبور عند الضرورة إلى الطريق، أفتت اللجنة الدائمة أو بعض علمائها في المملكة العربية السعودية بجواز ذلك بشرط أن لا يمكن صرف الطريق عن الاتجاه إلى المقبرة فتُنبش القبور وتؤخذ العظام وتوضع في مقبرة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: في ذات يوم اشتعلت النيران داخل الحجرة ويوجد بها بنت
(17/203)

فاحترقت، فغسلناها وقبرناها وتبين لنا أن عليها ذهب في يديها وخروص في أذنيها فهل يجوز نبش القبر لأخذ الذهب؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزم أن ينبشوا قبر البنت من أجل أخذ الذهب الذي عليها، ولكن لو أرادوا نبش القبر في زمن قريب فإن لهم ذلك، لأن الذهب ملكهم بعد وفاة البنت، ولكن بعد مراجعة الجهة المختصة حتى لا تكون الأمور فوضى.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يوجد قبر خارج القرية، فنبتت على هذا القبر شجرة، فجاءت الإبل تأكل من هذه الشجرة وتدوس على هذا القبر، وحفاظاً على هذا القبر وضعوا على هذا القبر سوراً فهل هذا العمل جائز أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الشجرة تقلع من أصلها. وإذا قلعناها من أصلها لم تأت الإبل وسلمنا من شرها، وبقي القبر على ما هو عليه، وأما البناء حفاظاً عليه فأخشى إن طال بالناس زمان أن يضلوا بهذا فيعتقدوا أنه قبر ولي أو صالح ثم تعود مسألة القبور إلى هذه البلاد بعد أن طهرها الله منها على يد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.
فالا?ن لابد من تبليغ القاضي بالموضوع، خصوصاً إذا كان البناء كأنه حجرة فهذا لابد أن يزال، والقبر ينقل إلى مكان آخر إن خيف عليه في مكانه.
(17/204)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: لدي مزرعة عليها سور، وفي طرفها قبر من داخل السور، وقد ظهرت اللحود على ظهر الأرض، سألت كبار السن عنها فقالوا: إنها على هذه الطريقة، ولا نعرفها منذ أن ولدنا، فقمت بمسح هذا المحل لتوسعة المزرعة، فاتضح فيها خمسة قبور أخرى، وتمت التوسعة في هذه المزرعة من داخل السور وزراعتها، فهل علي شيء في هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: القبور إذا دفن فيها الميت فإنها تبقى محترمة إلى أن يبلى الميت، وهذه القصة التي ذكرت أرى أن تذهب إلى القاضي في المحكمة التي لديكم حتى يرى المسألة رأي عين ويشاهد بنفسه، ثم ما يقضي به فهو خير إن شاءالله تعالى. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يقول السائل: لقد ورثت بيتاً عن المرحومة والدتي وقد انهدم هذا المنزل وجددت عمارته ويوجد بجانبه قبور كثيرة وبينما كنا نحفر أساسه عثرنا على عظام بالية يبدو أنها من القبور المجاورة فأخذت هذه العظام فدفنتها في مكان بعيد عن البيت وقد اكتملت عمارته مع العلم أن بيوتنا تقع كلها بجوار قبور، وقد ورثنا هذه البيوت من أجدادنا ولا نملك بيوتاً غيرها ولا أرضاً لنبني بعيداً عن هذه القبور فهل يحق لنا السكن في هذا
(17/205)

البيت؟ وهل نقلي لهذه العظام إلى مكان جديد ليس فيه إثم أم لا؟ أفيدوني بارك الله فيكم.
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت هذه القبور قبور مسلمين فإن أصحابها أحق بالأرض منكم؛ لأنهم لما دفنوا فيها ملكوها، ولا يحل لكم أن تبنوا بيوتكم على قبور المسلمين، ويجب عليكم إذا تيقنتم أن هذا المكان فيه قبور يجب عليكم أن ترفعوا البناء، وأن تدعو القبور لا بناء عليها، وكونه لا بيت لكم لا يقتضي أن تحتلوا بيوت غيركم من المسلمين، فإن القبور بيوت الأموات، ولا يحل لكم أن تسكنوها مادمتم عالمين بأن فيها أموات.
بقي مسألة وهي قول السائل: "المرحومة والدتي" فإن بعض الناس ينكر هذا اللفظ يقولون: إننا لا نعلم هل هذا الميت من المرحومين، أو ليس من المرحومين؟ وهذا إنكار في محله إذا كان الإنسان يخبر خبراً عن هذا الميت أنه قد رحم؛ لأنه لا يجوز أن تخبر أن هذا قد رحم، أو عذب بدون علم، قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} لكن الناس لا يريدون الإخبار قطعاً فالإنسان الذي يقول: "المرحوم الوالد" أو "المرحومة الوالدة" أو "المرحومة الأخت"، أو الأخ وما أشبه ذلك لا يريدون بهذا الجزم، أو الإخبار أنهم من المرحومين، إنما يريدون بذلك الدعاء أن الله تعالى قد رحمهم والرجاء، وفرق بين الدعاء والخبر، ولهذا تقول: "فلان رحمه الله، فلان غفر الله له" ولا فرق من حيث اللغة العربية بين قولنا "فلان المرحوم" و"فلان رحمه الله" لأن جملة "رحمه الله"
(17/206)

جملة خبرية "والمرحوم" بمعنى الذي رحم فهي أيضاً خبرية، فلا فرق بينهما أي بين مدلولهما في اللغة العربية فمتى منع المرحوم يجب أن يمنع "فلان رحمه الله".
على كل حال نقول لا إنكار في هذه الجملة، أي قولنا: "فلان المرحوم وفلان المغفور له" وما أشبه ذلك لأننا لسنا نخبر بذلك خبراً، ونقول: إن الله قد رحمه، وإن الله قد غفر له، ولكننا نسأل الله ونرجو، فهو من باب الرجاء والدعاء، وليس من باب الإخبار، وفرق بين هذا وهذا.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نرى من الناس من لا يهتم بالقبور فيمشي عليها ويجلس عليها ومن الناس من يبالغ فيبني على القبور ويكتب عليها ويسرج المقابر فما توجيهكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أصحاب القبور من المسلمين لهم حقوق فتزار المقابر، ويسلم على أهلها، ويدعى لهم بالرحمة والمغفرة، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يمشى على القبر أو أن يجلس عليه، فقال عليه الصلاة والسلام: "لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر". ونهى عليه الصلاة والسلام عن البناء على القبور وأن يكتب عليها، ولعن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من
(17/207)

إسراج القبور، فيجب أن لا نفرط فيما يجب للمقابر من الاحترام فلا تجوز إهانتها ولا الجلوس عليها وما أشبه ذلك، وأن لا نغلو فيها فنتجاوز الحد.
والواجب على المرء أن يتمشى في كل أموره على ما جاءت به الشريعة، وأن يحذر فتنة القبور والغلو في أصحابها، والله المستعان.
* * *

سُئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم إسراج المقابر؟
فأجاب فضيلته بقوله: المقبرة التي لا يحتاج الناس إليها كما لو كانت المقبرة واسعة، وفيها موضع قد انتهى الناس من الدفن فلا حاجة إلى إسراجه، أما الموضع الذي يقبر فيه فيسرج ما حوله فقد يقال بجوازه لأنها لا تسرج إلا بالليل فليس في ذلك ما يدل على تعظيم القبر بل اتخذت للحاجة. ولكن الذي نرى المنع مطلقاً للأسباب الا?تية:
السبب الأول: أنه ليس هناك ضرورة.
السبب الثاني: أن الناس إذا وجدوا ضرورة لذلك فيمكنهم أن يحملوا سراجاً معهم.
السبب الثالث: أنه إذا فتح هذا الباب فإن الشر سيتسع في قلوب الناس ولا يمكن ضبطه فيما بعد.
أما إذا كان في المقبرة حجرة يوضع فيها اللبن ونحوه، فلا
(17/208)

بأس بإضاءتها لأنها بعيدة عن القبور، والإضاءة داخلة لا تشاهد.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن رجل توفي وبعد مدة رآه رجل في المنام وطلب منه أن يخرجه من القبر ويبني له مقاماً ففعل، فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم في هذا أنه فعل محرم، وأن المرائي التي ترى في المنام إذا كانت مخالفة للشرع فإنها باطلة، وهي من ضرب الأمثلة التي يضربها الشيطان ومن وحي الشيطان فلا يجوز تنفيذها أبداً، لأن الأحكام الشرعية لا تتغير بالمنامات، والواجب عليهم الا?ن أن يهدموا هذا المقام الذي بنوه له وأن يردوه إلى مقابر المسلمين.
ونصيحتي لهؤلاء وأمثالهم أن يعرضوا كل ما رأوه في المنام على الكتاب والسنة، فما خالف الكتاب والسنة، فمطرح مردود ولا عبرة به، ولا يجوز للإنسان أن يعتمد في أمور دينه على هذه المرائي الكاذبة؛ لأن الشيطان أقسم بعزة الله عز وجل أن يغوي بني آدم إلا عباد الله المخلصين، فمن كان مخلَصاً لله ومخلِصاً لله، متبعاً لدينه مبتغياً لدينه فإنه يسلم من إغواء الشيطان وشره، وأما من كان على خلاف ذلك فإن الشيطان يتلاعب به في عبادته، وفي اعتقاداته، وفي أفكاره، وفي أعماله، فليحذره يقول الله عز وجل: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} .
(17/209)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن مقبرة قديمة أصبحت طريقاً للناس والبهائم كيف يعمل بها؟
فأجاب فضيلته بقوله: أود أن أبين بهذه المناسبة أن لأصحاب القبور حقوقاً لأنهم مسلمون، ولهذا نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يوطَ على القبر وأن يجلس عليه وقال: "لأَنْ يجلس أحدكم على جمرة فتخرق ثيابه فتمضي إلى جلده خير له من أن يجلس على القبر". وكما نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن امتهان القبور فإنه نهى أيضاً عن تعظيمها بما يفضي إلى الغلو والشرك، فنهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه، وأن يكتب عليه.
وهذه القضية التي ذكرت في السؤال المقبرة القديمة التي أصبحت ممرًّا وطريقاً للمشاة والسيارات ومرعى للبهائم يجب أن يرفع أمرها إلى ولاة الأمور لاتخاذ اللازم في حمايتها وصيانتها وفتح طرق حولها يعبر الناس منها إلى الجهات الأخرى.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم دفن الموتى في المساجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدفن في المساجد نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونهى عن اتخاذ المساجد على القبور ولعن من اتخذ ذلك وهو
(17/210)

في سياق الموت يحذر أمته ويذكر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هذا من فعل اليهود والنصارى، ولأن هذا وسيلة إلى الشرك بالله عز وجل لأن إقامة المساجد على القبور ودفن الموتى فيهاوسيلة إلى الشرك بالله عز وجل في أصحاب هذه القبور، فيعتقد الناس أن أصحاب هذه القبور المدفونين في المساجد ينفعون، أو يضرون، أو أن لهم خاصية تستوجب أن يُتقرب إليهم بالطاعات من دون الله سبحانه وتعالى فيجب على المسلمين أن يحذروا من هذه الظاهرة الخطيرة، وأن تكون المساجد خالية من القبور، مؤسسة على التوحيد والعقيدة الصحيحة قال الله تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَداً} فيجب أن تكون المساجد لله سبحانه وتعالى خالية من مظاهر الشرك تؤدى فيها عبادة الله وحده لا شريك له هذا هو واجب المسلمين. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن رجل بنى مسجداً وأوصى أن يدفن فيه فدفن فما العمل الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الوصية أعني الوصية أن يدفن في المسجد غير صحيحة، لأن المساجد ليست مقابر، ولا يجوز الدفن في المسجد، وتنفيذ هذه الوصية محرم، والواجب الا?ن نبش هذا
(17/211)

القبر وإخراجه إلى مقابر المسلمين.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم البناء على القبور؟
فأجاب فضيلته بقوله: البناء على القبور محرَّم وقد نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لما فيه من تعظيم أهل القبور، وكونه وسيلة وذريعة إلى أن تعبد هذه القبور، وتتخذ آلهة مع الله، كما هو الشأن في كثير من الأبنية التي بنيت على القبور فأصبح الناس يشركون بأصحاب هذه القبور، ويدعونها مع الله تعالى ودعاء أصحاب القبور والاستغاثة بهم لكشف الكربات شرك أكبر وردة عن الإسلام. والله المستعان.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم الدين في بناء المقابر بالطوب والأسمنت فوق ظهر الأرض؟
فأجاب فضيلة بقوله: أولاً أنا أكره أن يوجه للشخص مثل هذا السؤال بأن يقال: ما حكم الدين، ما حكم الإسلام وما أشبه ذلك؛ لأن الواحد من الناس لا يُعبر عن الإسلام إذ قد يُخطىء ويصيب ونحن إذا قلنا إنه يعبر عن الإسلام معناه أنه لا يخطىء، لأن الإسلام لا خطأ فيه، فالأولى في مثل هذا التعبير أن يقال: ما ترى في حُكم من فعل كذا وكذا، أو ما ترى فيمن فعل كذا وكذا، أو ما ترى في
(17/212)

الإسلام هل يكون كذا وكذا حكمه، المهم أن يُضاف السؤال إلى المسئول فقط.
أما بالنسبة لما أراه في هذه المسألة أنه لا يجوز أن يبنى على القبور فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أنه نهى عن البناء على القبور، ونهى أن يجصص القبر وأن يجلس عليه"، فالبناء على القبور محرم؛ لأنه وسيلة إلى أن تُعبد ويُشرك بها مع الله عز وجل.
* * *

سُئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن رجل حفر لتأسيس بيته فوجد عظاماً فأخرجها فما حكم عمله هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا تيقن أو غلب على ظنه أنها عظام موتى مسلمين فإنه لا يجوز له نقل العظام، وأصحاب القبور أحق بالأرض منه، لأنهم لما دفنوا فيها ملكوها، ولا يحل له أن يبني بيته على قبور المسلمين، ويجب عليه إذا تيقن أن هذا المكان فيه قبور أن يزيل البناء، وأن يدع القبور لا بناء عليها. وفي مثل هذه الحال الواجب مراجعة ولاة الأمور.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم دفن أكثر من واحد في قبر واحد؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشروع أن يدفن كل إنسان في قبر
(17/213)

وحده كما جرت به سنة المسلمين قديماً وحديثاً، ولكن إذا دعت الحاجة، أو الضرورة إلى جمع اثنين فأكثر في قبر واحد فلا بأس به فإن النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد كان يدفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد، وفي هذه الحال ينبغي أن يقدم للقبلة أكثرهم قرآناً؛ لأنه الأفضل، ويكون بعضهم إلى جنب بعض، قال الفقهاء: وينبغي أن يجعل بين كل اثنين حاجز من تراب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: حصل وماتت طفلة وعمرها ستة أشهر وقبرت مع طفل قد سقط وهو في الشهر السادس ومن بطن أمه فهل هذا يجوز أم لا؟ وإن كان لا فما حكم الذين قبروهما في قبر واحد؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشروع أن يدفن كل ميت في قبر وحده، هذه هي السنة التي عمل المسلمون بها من عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عهدنا هذا، ولكن إذا دعت الحاجة إلى قبر اثنين، أو أكثر في قبر واحد فلا حرج في هذا، فإنه ثبت في الصحيح وغيره أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يجمع الرجلين والثلاثة من شهداء أحد بقبر واحد إذ دعت الحاجة إلى ذلك.
وهذه الطفلة وهذا السقط اللذان جمعا في قبر واحد لا يجب الا?ن نبشهما؛ لأنه قد فات الأوان.
ومن دفنهما في قبر واحد جاهلاً بذلك فإنه لا إثم عليه، ولكن
(17/214)

الذي ينبغي لكل من عمل عملاً من العبادات أو غيرها أن يعرف حدود الله تعالى في ذلك العمل قبل أن يتلبس به حتى لا يقع فيما هو محذور شرعاً.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: توفيت والدتي عن عمر يناهز (58 عاماً) ، ودفنت مع أخرى توفيت قبل ثلاث سنوات فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز الدفن مع الميت مادام قد بقي من جثته شيء، وعلى هذا يجب دفن كل ميت في قبر مستقل، فإذا حفروا ووجد شيئاً من رفات الأموات، وجب دفنه بإعادة ترابه عليه، والتماس قبر آخر ولو بعيداً، لحرمة المسلم ولو ميتاً، فقد ورد في الحديث: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم دفن غير أهل السنة مع أهل السنة في مقبرة واحدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان صاحب البدعة كافراً ببدعته فإنه لا يجوز أن يدفن في مقابر المسلمين، لأن الكفار يجب أن تكون مقابرهم منفردة عن المسلمين، وأما إذا كان لا يكفر ببدعته فلا بأس أن يدفن مع المسلمين.
* * *

س 612 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم
(17/215)

قراءة القرآن الكريم على الميت ووضع المصحف على بطنه؟ وهل للعزاء أيام محدودة حيث يقال: إنها ثلاثة أيام فقط، أرجو من سماحة الشيخ الإفادة جزاه الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس لقراءة القرآن على الميت أو على القبر أصل صحيح، بل ذلك غير مشروع، بل من البدع، وهكذا وضع المصحف على بطنه ليس له أصل وليس بمشروع، وإنما ذكر بعض أهل العلم وضع حديدة، أو شيء ثقيل على بطنه بعد الموت حتى لا ينتفخ.
وأما العزاء فليس له أيام محدودة، والله ولي التوفيق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز لولي الميت أن يطلب من المشيعين أن يحللوا الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: طلب ولي الميت من المشيعين أن يحللوه من البدع، وليس من السنة أن تقول للناس: "حللوه"؛ لأن الإنسان إذا لم يكن بينه وبين الناس معاملة فليس في قلب أحد عليه شيء، ومن كان بينه وبين الناس معاملة فإن كان قد أدى ما يجب عليه فليس في قلب صاحب المعاملة شيء، وإن كان لم يؤد فربما لا يحلله، وربما يحلله، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله".
(17/216)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تلقين الميت بعد دفنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح أن لا يلقن بعد الدفن وإنما يُستغفر له ويسأل له التثبيت؛ لأن الحديث الوارد في التلقين حديث ضعيف.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما يجري عند بعض المسلمين من طلب الشهادة على الميت قبل دفنه فيقول قريبه أو وليه: ماذا تشهدون عليه ... فيشهدون له بالصلاح والاستقامة هل لهذا أصل في الشرع؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس له أصل في الشرع، ولا ينبغي للإنسان أن يستشهد الناس على الميت؛ لأنه من البدعة؛ ولأنه قد يثني عليه شرًّا فيكون في ذلك فضيحة له، ولكن الذي جاءت به السنة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه فمرت جنازة فأثنوا عليه خيراً، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وجبت"، ثم مرت جنازة أخرى فأثنوا عليه شرًّا، فقال عليه الصلاة السلام: "وجبت"، فسألوه ما معنى قوله: "وَجَبت"؟ فقال: "هذا أثنيتم عليه خيراً، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض".
(17/217)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعد دفن الميت هناك حديث يرشد إلى أن يبقى الإنسان عند الميت بعد دفنه قدر ما يذبح البعير، فما معنى ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا أوصى به عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال: "أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها"، لكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرشد إليه الأمة، ولم يفعله الصحابة رضي الله عنهم فيما نعلم، بل إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يسأل"، فتقف على القبر وتقول: اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، ثم تنصرف، أما المكث عنده فليس بمشروع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة القرآن على القبر بعد دفن الميت؟ وما حكم استئجار من يقرأون في البيوت ونسميها رحمة على الأموات؟
فأجاب فضيلته بقوله: الراجح من أقوال أهل العلم أن القراءة على القبر بعد الدفن بدعة؛ لأنها لم تكن في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يأمر بها ولم يكن يفعلها. بل غاية ما ورد في ذلك أنه كان عليه الصلاة والسلام بعد الدفن يقف ويقول: "استغفروا لأخيكم،
(17/218)

واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يسأل". ولو كانت القراءة عند القبر خيراً وشرعاً لأمر بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى تعلم الأمة ذلك.
وأيضاً اجتماع الناس في البيوت للقراءة على روح الميت لا أصل له، وما كان السلف الصالح رضي الله عنهم يفعلونه، والمشروع للمسلم إذا أصيب بمصيبة أن يصبر ويحتسب الأجر عند الله، ويقول ما قاله الصابرون "إنا لله وإنا إليه راجعون.. اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها" وأما الاجتماع عند أهل الميت، وقراءة القرآن ووضع الطعام وما شابه ذلك فكلها من البدع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل تجوز قراءة الفاتحة على الموتى؟ وهل تصل إليهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة الفاتحة على الموتى لا أعلم فيها نصًّا من السنة، وعلى هذا فلا تُقرأ، لأن الأصل في العبادت الحظر والمنع حتى يقوم دليل على ثبوتها، وأنها من شرع الله عز وجل، ودليل ذلك أن الله أنكر على من شرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله، فقال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ اللهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، وإذا كان مردوداً كان باطلاً وعبثاً يُنزه الله عز وجل أن
(17/219)

يُتقرب به إليه.
وأما استئجار قارىء يقرأ القرآن ليكون ثوابه للميت فإنه حرام، ولا يصح أخذ الأجرة على قراءة القرآن، ومن أخذ أجرة على قراءة القرآن فهو آثم ولا ثواب له؛ لأن قراءة القرآن عبادة، ولا يجوز أن تكون العبادة وسيلة إلى شيء من الدنيا، قال الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة القرآن كله على الميت؟ سواء كان من اليوم السابع من وفاته أو في آخر السنة؟ وهل في ذلك ثواب للميت؟ أفيدوني بارك الله فيكم.
فأجاب فضيلته بقوله: القراءة على القبر بدعة لم ترد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم وإنما كان عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يُسأل" هذا الذي ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأما القراءة للميت بمعنى أن الإنسان يقرأوينوي أن يكون ثوابها للميت، فقد اختلف العلماء رحمهم الله هل ينتفع بذلك أو لا ينتفع؟ على قولين مشهورين.
(17/220)

والصحيح أنه ينتفع، ولكن الدعاء له أفضل، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ولم يذكر القراءة ولا غيرها من الأعمال الصالحة، ولو كانت من الأمور المشروعة لبينها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث، ثم إن اتخاذ القراءة في اليوم السابع خاصة أو على رأس السنة من موته بدعة ينكر على فاعلها، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إياكم ومحدثات الأمور".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة سورة (يس) عند المقبرة، أو قراءة سورة الإخلاص، فأحد الناس يقول: اقرأوا سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: القراءة عند القبور من البدع سواء (يس) أو (قل هو الله أحد) ، أو الفاتحة، فلا ينبغي أن يقرأ الإنسان على المقبرة، وإنما يقتصر الإنسان على ما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيقول: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية"، "اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا
(17/221)

بعدهم، واغفر لنا ولهم"، ثم ينصرف ولا يزد على هذا، لا قراءة ولا غيرها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة يس بعد دفن الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة يس على قبر الميت بدعة لا أصل لها، وكذلك قراءة القرآن بعد الدفن ليست بسنة؛ بل هي بدعة وذلك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت فإنه الا?ن يسأل". ولم يرد عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقرأ على القبر ولا أمر به.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم استئجار قارىء ليقرأ القرآن الكريم على روح الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من البدع وليس فيه أجر لا للقارىء ولا للميت، ذلك لأن القارىء إنما قرأ للدنيا والمال فقط وكل عمل صالح يقصد به الدنيا فإنه لا يقرب إلى الله ولا يكون فيه ثواب عند الله، وعلى هذا فيكون هذا العمل ضائعاً ليس فيه سوى إتلاف المال على الورثة فليحذر منه فإنه بدعة ومنكر.
* * *

س 722 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم
(17/222)

التلاوة لروح الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: التلاوة لروح الميت يعني أن يقرأ القرآن وهو يريد أن يكون ثوابه لميت من المسلمين، هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم على قولين:
القول الأول: أن ذلك غير مشروع وأن الميت لا ينتفع به أي لا ينتفع بالقرآن في هذه الحال.
القول الثاني: أنه ينتفع بذلك وأنه يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن بنية أنه لفلان أو فلانة من المسلمين سواء كان قريباً أو غير قريب.
والراجح القول الثاني لأنه ورد في جنس العبادات جواز صرفها للميت، كما في حديث سعد بن عبادة رضي الله عنه حين تصدَّق ببستانه لأمه، وكما في قصة الرجل الذي قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إن أمي أفتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها؟ قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نعم" وهذه قضايا أعيان تدل على أن صرف جنس العبادات لأحد من المسلمين جائز وهو كذلك، ولكن أفضل من هذا أن تدعو للميت، وتجعل الأعمال الصالحة لنفسك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". ولم يقل أو ولد صالح
(17/223)

يتلو له أو يصلي له أو يصوم له أو يتصدَّق عنه بل قال: "أو ولد صالح يدعو له" والسياق في سياق العمل، فدل ذلك على أن الأفضل أن يدعو الإنسان للميت، لا أن يجعل له شيئاً من الأعمال الصالحة، والإنسان محتاج إلى العمل الصالح، أن يجد ثوابه له مدخراً عند الله عز وجل.
أما ما يفعله بعض الناس من التلاوة للميت بعد موته بأجرة، مثل أن يحضروا قارئاً يقرأ القرآن بأجرة، ليكون ثوابه للميت فإنه بدعة ولا يصل إلى الميت ثواب؛ لأن هذا القارىء إنما قرأ لأجل الدنيا ومن أتى بعبادة من أجل الدنيا فإنه لا حظ له منها في الا?خرة كما قال الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الأَْخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} .
وإني بهذه المناسبة أوجه نصيحة لإخواني الذين يعتادون مثل هذا العمل أن يحفظوا أموالهم لأنفسهم أو لورثة الميت، وأن يعلموا أن هذا العمل بدعة في ذاته، وأن الميت لا يصل إليه ثواب، وحينئذ يكون أكلاً للأموال بالباطل ولم ينتفع الميت بذلك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم الاجتماع عند القبر والقراءة؟ وهل ينتفع الميت بالقراءة أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل من الأمور المنكرة التي لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح وهو الاجتماع عند القبر والقراءة.
(17/224)

وأما كون الميت ينتفع بها فنقول: إن كان المقصود انتفاعه بالاستماع فهذا منتف؛ لأنه قد مات وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فهو وإن كان يسمع إذا قلنا بأنه يسمع في هذه الحال فإنه لا ينتفع، لأنه لو انتفع لزم منه أن لا ينقطع عمله، والحديث صريح في حصر انتفاع الميت بعمله بالثلاث التي ذكرت في الحديث.
وأما إن كان المقصود انتفاع الميت بالثواب الحاصل للقارىء، بمعنى أن القارىء ينوي بثوابه أن يكون لهذا الميت فإذا تقرر أن هذا من البدع فالبدع لا أجر فيها "كل بدعة ضلالة" كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يمكن أن تنقلب الضلالة هداية، ثم إن هذه القراءة في الغالب تكون بأجرة، والأجرة على الأعمال المقربة إلى الله باطلة، والمستأجر للعمل الصالح إذا نوى بعمله الصالح هذا الصالح من حيث الجنس وإن كان من حيث النوع ليس بصالح كما سيتبين إن شاءالله إذا نوى بالعمل الصالح أجراً في الدنيا، فإن عمله هذا لا ينفعه ولا يقربه إلى الله ولا يثاب عليه لقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَائِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الأَْخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ، فهذا القارىء الذي نوى
(17/225)

بقراءته أن يحصل على أجر دنيوي نقول له: هذه القراءة غير مقبولة، بل هي حابطة ليس فيها أجر ولا ثواب وحينئذ لا ينتفع الميت بما أهدي إليه من ثوابها لأنه لا ثواب فيها، إذن فالعملية إضاعة مال، وإتلاف وقت، وخروج عن سبيل السلف الصالح رضي الله عنهم لاسيما إذا كان هذا المال المبذول من تركة الميت وفيها حق قُصّر وصغار وسفهاء فيأخذ من أموالهم ما ليس بحق فيزاد الإثم إثماً. والله المستعان.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم إهداء القراءة للميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الأمر يقع على وجهين:
أحدهما: أن يأتي إلى قبر الميت فيقرأ عنده، فهذا لا يستفيد منه الميت؛ لأن الاستماع الذي يفيد من سمعه إنما هو في حال الحياة حيث يكتب للمستمع ما يكتب للقارىء، وهنا الميت قد انقطع عمله كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
الوجه الثاني: أن يقرأ الإنسان القرآن الكريم تقرُّباً إلى الله سبحانه وتعالى ويجعل ثوابه لأخيه المسلم أو قريبه فهذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم:
فمنهم: من يرى أن الأعمال البدنية المحضة لا ينتفع بها الميت ولو أهديت له؛ لأن الأصل أن العبادات مما يتعلق بشخص
(17/226)

العابد، لأنها عبارة عن تذلل وقيام بما كلف به وهذا لا يكون إلا للفاعل فقط، إلا ما ورد النص في انتفاع الميت به فإنه حسب ما جاء في النص يكون مخصصاً لهذا الأصل.
ومن العلماء: من يرى أن ما جاءت به النصوص من وصول الثواب إلى الأموات في بعض المسائل، يدل على أنه يصل إلى الميت من ثواب الأعمال الأخرى ما يهديه إلى الميت.
ولكن يبقى النظر هل هذه من الأمور المشروعة أو من الأمور الجائزة بمعنى هل نقول: إن الإنسان يطلب منه أن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بقراءة القرآن الكريم، ثم يجعلها لقريبه أو أخيه المسلم، أو أن هذا من الأمور الجائزة التي لا يندب إلى فعلها؟
الذي نرى أن هذا من الأمور الجائزة التي لا يندب إلى فعلها وإنما يندب إلى الدعاء للميت والاستغفار له وما أشبه ذلك مما نسأل الله تعالى أن ينفعه به، وأما فعل العبادات وإهداؤها فهذا أقل ما فيه أن يكون جائزاً فقط وليس من الأمور المندوبة، ولهذا لم يندب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته إليه بل أرشدهم إلى الدعاء للميت فيكون الدعاء أفضل من الإهداء.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم قراءة القرآن الكريم على القبور؟ والدعاء للميت عند قبره؟ ودعاء الإنسان لنفسه عند القبر؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة القرآن الكريم على القبور بدعة ولم ترد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا عن أصحابه وإذا كانت لم ترد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(17/227)

ولا عن أصحابه، فإنه لا ينبغي لنا نحن أن نبتدعها من عند أنفسنا، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال فيما صح عنه: "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، والواجب على المسلمين أن يقتدوا بمن سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان حتى يكونوا على الخير والهدى لما ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
وأما الدعاء للميت عند قبره فلا بأس به، فيقف الإنسان عند القبر ويدعو له بما يتيسر مثل أن يقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم أدخله الجنة، اللهم أفسح له في قبره، وما أشبه ذلك.
وأما دعاء الإنسان لنفسه عند القبر فهذا إذا قصده الإنسان فهو من البدع أيضاً؛ لأنه لا يخصص مكان للدعاء إلا إذا ورد به النص وإذا لم يرد به النص ولم تأت به النسة فإنه أعني تخصيص مكان لدعاء أيًّا كان ذلك المكان يكون تخصيصه بدعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم دعاء الجماعة عند القبر بأن يدعو أحدهم ويُؤمِن الجميع؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هذا من سُنة الرسول عليه الصلاة والسلام ولا من سنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وإنما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يرشدهم إلى أن يستغفروا للميت،
(17/228)

ويسألوا له التثبيت، كل بنفسه وليس جماعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض المقابر يوجد بها مصاحف لمن أراد القراءة على الميت ما رأيكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: رأينا أن هذا بدعة، وأن الواجب أن تنقل هذه المصاحف إلى المساجد، لينتفع بها المسلمون ويقرأوا فيها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما رأيكم فيمن يلقون المواعظ عند تلحيد الميت؟ وهل هناك حرج في المداومة على ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أن هذا ليس بسنة؛ لأنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم وغاية ما هنالك أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج مرة في جنازة رجل من الأنصار فجلس، وجلس الناس حوله ينتظرون حتى يلحد، وحدثهم عليه الصلاة والسلام عن حال الإنسان عند الموت وبعد الدفن، وكذلك كان عليه الصلاة والسلام ذات مرة عند قبر وهو يدفن فقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة، ومقعده من النار"، ولكن لم يقم بهم خطيباً واقفاً كما يفعل بعض الناس،
(17/229)

وإنما حدثهم بها حديث مجلس، ولم يتخذها دائماً. فمثلاً لو أن إنساناً جلس ينتظر تهيئة القبر، أو دفن الميت، وحوله أناس في المقبرة وتحدث بمثل هذا الحديث فلا بأس به، وهو من السنة، أما أن يقوم قائماً يخطب الناس فليس هذا من السنة، ثم إن فيه عائقاً عن المبادرة بالدفن إن صار يعظهم قبل الدفن، والله نسأل أن يهدينا صراطه المستقيم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ: ما حكم الموعظة عند القبر، وفي قصور الأفراح، وفي العزايم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الموعظة عند القبر جائزة على حسب ما جاء في السنة، وليست أن يخطب الإنسان قائماً يعظ الناس، لأن ذلك لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خصوصاً إذا اتخذت راتبة، كلما خرج شخص مع جنازة قام ووعظ الناس، لكن الموعظة عند القبر تكون كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وعظهم وهو واقف على القبر، وقال: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتِب مقعده من الجنة والنار"، وأتى مرة وهم في البقيع في جنازة ولما يلحد القبر، فجلس وجلس الناس حوله، وجعل ينكت بعود معه على الأرض، ثم ذكر حال الإنسان عند احتضاره، وعند دفنه، وتكلم بكلام هو موعظة في حقيقته، فمثل هذا لا بأس به، أما أن يقوم خطيباً يعظ الناس، فهذا لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(17/230)

وأما في الأعراس فكذلك أيضاً لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقوم خطيباً يخطب الناس، ولا عن الصحابة فيما نعلم، بل إنه لما ذكر له أن عائشة رضي الله عنها زفت امرأة لرجل من الأنصار قال: "يا عائشة ما كان معكم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو"، فدل ذلك على أن لكل مقام مقالاً، ولأن الإنسان إذا قام خطيباً في الأعراس، فإنه قد يثقل على الناس، وليس كل أحد يتقبل، قد يكون أحد الناس ما رأى أقاربه أو أصحابه إلا في هذه المناسبة، فيريد أن يتحدث إليهم ويسألهم ويأنس بهم، فإذا جاءتهم هذه الموعظة وهم متأهبون للحديث مع بعضهم، ثقلت عليهم، وأنا أحب أن تكون المواعظ غير مثقلة للناس؛ لأنها إذا أثقلت على الناس كرهوها، وكرهوا الواعظ ولكن: لو أن أحداً في محفل العرس طلب من هذا الرجل أن يتكلم، فحينئذ له أن يتكلم، ولاسيما إذا كان الرجل ممن يتلقى الناس قوله بالقبول. كذلك لو رأى منكراً، فله أن يقوم ويتكلم عن هذا المنكر ويحذر منه ويقول: إما أن تكفُّوه أو خرجنا. فلكل مقام مقال، وإذا تلقى الناس الموعظة بانشراح وقبول كان أحسن، ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتخول أصحابه بالموعظة مخافة السآمة يعني الملل.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما مشروعية الموعظة عند القبر؟ فقد سمعنا من يقول: إنها ما
(17/231)

وردت عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن يقول: إنها سنَّة؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول بأنها ما وردت على إطلاقه غير صحيح، والقول بأنها سنة غير صحيح، ووجه ذلك أنه لم يرد أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقف عند القبر، أو في المقبرة إذا حضرت الجنازة ثم يعظ الناس ويذكرهم كأنه خطيب جمعة، وهذا ما سمعنا به، وهو بدعة وربما يؤدي في المستقبل إلى شيء أعظم، ربما يؤدي إلى أن يتطرق المتكلم إلى الكلام عن الرجل الميت الحاضر، مثل أن يكون هذا الرجل فاسقاً مثلاً، ثم يقول: انظروا إلى هذا الرجل، بالأمس كان يلعب، بالأمس كان يستهزىء، بالأمس كان كذا وكذا، والا?ن هو في قبره مرتهن، أو يتكلم في شخص تاجر مثلاً، فيقول: انظروا إلى فلان، بالأمس كان في القصور، والسيارات والخدم، والحشم وما أشبه ذلك، والا?ن هو في قبره.
فلهذا نرى ألا يقوم الواعظ خطيباً في المقبرة، لأنه ليس من السنة، فلم يكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقف إذا فرغ من دفن الميت أو إذا كان في انتظار دفن الميت، يقوم ويخطب الناس، أبداً ولا عهدنا هذا من السابقين، وهم أقرب إلى السنة منا. ولا عهدناه أيضاً فيمن قبلهم من الخلفاء، فما كان الناس في عهد أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي رضي الله عنهم فيما نعلم يفعلون هذا، وخير الهدي هدي من سلف إذا وافق الحق.
وأما الموعظة التي تعتبر كلام مجلس، فهذا لا بأس بها، فإنه قد ثبت في السنن. أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى بقيع (الغرقد) في
(17/232)

جنازة رجل من الأنصار ولم يلحد القبر، فجلس وجلس حوله أصحابه، وجعل يحدثهم بحال الإنسان عند موته، وحال الإنسان بعد دفنه حديثاً ليس على سبيل الخطبة.
وكذلك ثبت عنه في صحيح البخاري وغيره أنه قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار"، فقالوا: يا رسول الله، ألا نتكل؟ قال: "لا، اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له".
والحاصل أن الموعظة التي هي قيام الإنسان يخطب عند الدفن، أو بعده ليست من السنة ولا تنبغي لما عرفت، وأما الموعظة التي ليست كهيئة الخطبة كإنسان يجلس ومعه أصحابه فيتكلم بما يناسب المقام فهذا طيب، اقتداءً برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: الموعظة بصفة دائمة على القبر، ما حكمها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنها خلاف السنة؛ لأنها ليست على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي هو أنصح الخلق للخلق، وأحرصهم على إبلاغ الحق، ولم نعلم أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعظ على القبر قائماً يتكلم كما يتكلم الخطيب أبداً، إنما وقع منه كلمات:
أولاً: مثل ما وقع منه حين انتهوا إلى القبر ولما يلحد فجلس عليه الصلاة والسلام وجلس الناس حوله، وفي يده عود ينكت في الأرض ويحدثهم، ماذا يكون عند الموت؟ وهذه ليست خطبة، ما
(17/233)

قام خطيباً في الناس يعظهم ويتكلم معهم.
ثانياً: حينما كان قائماً على شفير القبر فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة أو النار" فقالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل، قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له".
وأما أن يتَّخذ هذا عادة، كلما دُفن ميت قام أحد الناس خطيباً يتكلم فهذا ليس من عادة السلف إطلاقاً، وليرجع إلى السنة في هذا الشيء، وأخشى أن يكون هذا من التنطع لأن المقام في الحقيقة مقام خشوع وسكون ليس المقام إثارة للعواطف. ومواضع الخطبة هي المنابر والمساجد كما كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل هذا، ولا يمكن أن نستدل بالأخص على الأعم، يعني لو قال قائل: سنجعل حديث حينما وقف على شفير القبر، وكذلك الحديث الا?خر حينما جلس، ينتظر أن يُلحد القبر وتحدَّث إليهم، لو قال قائل: نريد أن نجعله أصلاً في هذه المسألة قلنا: لا صحة لذلك لأنه لو كان أصلاً في هذه المسألة لاستعمله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته فلما تركه كان تركه هو السنة.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن الوعظ عند دفن الميت على وجه الخطابة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الوعظ عند دفن الميت على وجه الخطابة، بأن يقوم الواعظ خطيباً في الناس لتذكير بحال الميت عند موته وبعد دفنه، لا أعلم له أصلاً، فلم يكن من هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يقوم خطيباً في المقبرة عند دفن الميت يعظ الناس، لكنه أحياناً يذكِّر
(17/234)

من حوله بكلام مناسب للحال في طوله وقصره، كما في الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع (الغرقد) فأتانا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة"، فقال رجل: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ قال: "اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى لِلْعُسْرَى} .
وفي حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود قال: خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد بعد، فجلس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجلسنا كأنما على رؤسنا الطير وبيده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثاً وذكر الحديث، وهو مذكور بتمامه في الترغيب والترهيب 4/563 وقال
(17/235)

الحافظ المنذري عقبه: هذا الحديث حديث حسن، رواته محتج بهم في الصحيح.
والمهم أنه لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقوم خطيباً في المقبرة يعظ الناس.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم ذكر محاسن الميت؟ وما حكم الدعاء له بعد الدفن؟ وما حكم طلب الدعاء له من الحاضرين؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر محاسن الميت لا بأس به إذا لم يكن على سبيل الندب، فقد روى الحاكم في مستدركه عن جابر رضي الله عنه قال: شهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جنازة في بني سلمة وكنت إلى جانب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال بعضهم: والله يا رسول الله لنعم المرء كان، لقد كان عفيفاً مسلماً، وأثنوا عليه خيراً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أنت بما تقول"، فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر. انظر تفسير ابن كثير 1/843.
وأما الدعاء للميت بعد الدفن، أو طلب الدعاء فقد روى أبو داود عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الا?ن يسأل"، فإذا فعل شخص ذلك أو نحوه فلا بأس به.
(17/236)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم (عشوة رمضان) والمقصود بها أن يذبح ذبيحة أو ذبيحتان ثم يُدعى لها، علماً أن هذا شبه واجب من أغلب الناس، وفي نظرهم أن لا يجزىء غيرها من الصدقات، علماً أن الغالب عدم الفائدة من أكل هذه العشوة وأن الناس يأتون مجاملة للداعي، وقد يتكرر وليمة أو وليمتان في ليلة واحدة، بيِّنوا حفظكم الله لنا هل هذا العمل مناسب، أو أن هناك طرقاً أخرى يمكن الاستفادة منها بدل هذه (العشوة) ؟ وفقكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الذبيحة التي يسمونها (العشوة) أو (عشاء الوالدين) يذبحونها في رمضان ويدعون الناس إليها تكون على وجهين:
الأول: أن يعتقد الذابح التقرب إلى الله بالذبح، بمعنى أن يعتقد أن مجرد الذبح قُربة كما يكون في عيد الأضحى فهذا بدعة؛ لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بالذبح إلا في مواضعه كالأضحية، والعقيقة والهدي.
الثاني: أن يذبح الذبيحة لا للتقرب إلى الله بالذبح، ولكن من أجل اللحم أي أنه بدلاً من أن يشتري اللحم من السوق يذبح الذبيحة في بيته فهذا لا بأس به، لكن الإسراف في ذلك لا يجوز، لأن الله نهى عن الإسراف، وأخبر أنه لا يحب المسرفين.
ومن ذلك أن يفعل كما يفعل بعض الناس من ذبح ما يزيد على
(17/237)

الحاجة، ودعوة الكثير من الناس الذين لا يأتون إلا مجاملة لا رغبة، ويبقى الشيء الكثير من الطعام الذي يضيع بلا فائدة.
والذي أرى أن يصرف الإنسان ما ينفقه في ذلك إلى الفقراء دراهم، أو ملابس، أو أطعمة يعطونها الفقراء، أو نحو ذلك؛ لأن في هذا فائدتين:
الأولى: أنه أنفع للفقراء.
والثانية: أنه أسلم من الوقوع في الإسراف والمشقة على الداعي والمدعو.
وقد كان الناس سابقاً في حاجة وإعواز، وكان صنع الطعام لهم له وقع كبير في نفوسهم، فكان الأغنياء يصنعونه ويدعون الناس إليه، أما اليوم فقد تغيرت الحال ولله الحمد فلا تقاس على ما سبق. والله الموفق. 52/8/1410 هـ.
(17/238)

* * *

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم ... حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتابكم الكريم المؤرخ ... من الشهر الحالي، وصل. سرنا صحتكم، الحمد لله على ذلك.
سؤالكم عما يقوم به بعض الناس من الصدقات عن أمواتهم صدقات مقطوعة أو دائمة هل لها أصل في الشرع إلى آخر ما ذكرتم؟
نفيدكم بأن الصدقة عن الميت سواء كانت مقطوعة، أم مستمرة لها أصل في الشرع، فمن ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم".
وأما السعي في أعمال مشروعة من أجل تخليد ذكرى من جعلت له فاعلم أن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له، موافقاً لشرعه، وأن كل عمل لا يقصد به وجه الله تعالى فلا خير
(17/239)

فيه، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ الهكُمْ اله وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا إِلَىَّ أَنَّمَآ الهكُمْ اله وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا} .
وأما السعي في أعمال مشروعة نافعة لعباد الله تقرباً إلى الله تعالى ورجاء لوصول الثواب إلى من جعلت له فهو عمل طيب، نافع للحي والميت إذا خلا من شوائب الغلو والإطراء.
وأما الحديث الذي أشرتم إليه في كتابكم وهو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" فهو حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
والمراد بالصدقة الجارية كل ما ينفع المحتاجين بعد موته نفعاً مستمراً، فيدخل فيه الصدقات التي توزع على الفقراء، والمياه التي يشرب منها، وكتب العلم النافع التي تطبع، أو تشترى وتوزع على المحتاجين إليها، وغير ذلك مما يقرب إلى الله تعالى وينفع العباد.
وهذا الحديث يراد به ما يتصدق به الميت في حياته، أو يوصي به بعد موته، لكن لا يمنع أن يكون من غيره أيضاً كما في حديث عائشة السابق.
وأما الأعمال التطوعية التي ينتفع بها الميت سوى الصدقة فهي كثيرة تشمل كل عمل صالح يتطوع به الولد ويجعل ثوابه
(17/240)

لوالده، أباً كان أم أمًّا، لكن ليس من هدي السلف فعل ذلك كثيراً، وإنما كانوا يدعون لموتاهم ويستغفرون لهم، فلا ينبغي للمؤمن أن يخرج عن طريقتهم. وفق الله الجميع لما فيه الخير والهدى والصلاح. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
52/7/1400 هـ.
(17/241)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد بحثت مسألة الأضحية عن الأموات وقد اتضح لي من هذا البحث أن الأضحية المستقلة للميت لا تخرج عن حالين وكلاهما خطأ فيما يظهر لي والله أعلم بالصواب لأن الشيء وإن كان صحيحاً فإن وضعه في غير موقعه يجعله غير صحيح، فهي إما أن يقال: إنها أضحية، أو صدقة. فإن قيل: إنها أضحية فالأضحية المستقلة للميت ليس على مشروعيتها دليل صحيح صريح من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليست من عمل السلف الصالح رحمهم الله وقياسها على الصدقة غير صحيح؛ لأن القياس في العبادة لا يجوز.
وإن قيل: إنها صدقة، فالصدقة لا يشترط فيها ما يشترط في الأضحية فسواء ذبحت يوم العيد أو قبله، وسواء كانت صغيرة أو معيبة لا يؤثر ذلك عليها شيئًاً مادام أنها صدقة، وتختلف الأضحية عن الصدقة في أشياء كثيرة، وأيضاً فقد قالت اللجنة الدائمة للإفتاء: إن تخصيص الصدقة للميت بزمن معين بدعة، فإن قيل: نريد فضل عشر ذي
(17/243)

الحجة. قلنا: الفضل يشمل العشر كلها وأنتم خصصتم منها يوماً واحداً فقط وهذا التخصيص مثل تخصيص بعض الناس العمرة في رمضان بليلة سبع وعشرين منه، وهذا التخصيص بدعة، فإن قيل: نريد العمل بحديث: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من اهرَاقَةِ دم"، قلنا: هذا حث للأحياء على الأضاحي المشروعة، وأنها أفضل لهم في ذلك اليوم من التصدق بثمنها، وليس فيه ما يدل على تخصيص الميت بأضحية؛ لأن القائل لهذا الكلام عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام رضي الله عنهم الذين رووا هذا الحديث ونقلوه إلينا كان لهم أموات، وكانت الأموال متوفرة لديهم وتوفر أسبابها لديهم ومع علمهم بهذا الحديث لم يفعلوها وهم أحرص الأمة على الخير واتباع السنة. أفيدونا بارك الله فيكم هل هذا صحيح أم خطأ؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته:
الأضحية عن الميت إن كانت بوصية منه مما أوصى به وجب تنفيذها؛ لأنها من عمله وليست جنفاً ولا إثماً.
وإن كانت بتبرع من الحي فليست من العمل المأثور عن السلف الصالح؛ لأن ذلك لم ينقل عنهم، وعدم النقل عنهم مع توافر الدواعي وعدم المانع دليل على أن ذلك ليس معروفاً بينهم،
(17/244)

وقد أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين ذكر انقطاع عمل ابن آدم بموته إلى الدعاء له، ولم يرشد إلى العمل له، مع أن سياق الحديث في ذكر الأعمال الجارية له بعد موته.
وقد قرأت ما كتبته أنت أعلاه فأعجبني ورأيته صحيحاً. وفق الله الجميع للعمل بما يرضيه.
لكن لا ننكر على من ضحَّى عن الميت وإنما ننبه على ما كان يفعله كثير من الناس سابقاً فإن الواحد يضحي تبرعاً عن الأموات ولا يضحي عن نفسه وأهله، بل كان بعضهم لا يعرف أن الأضحية سنة إلا عن الأموات إما تبرعاً، أو بوصية، وهذا من الخطأ الذي يجب على أهل العلم بيانه. كتبه محمد الصالح العثيمين في 16/8/1419 هـ.
(17/245)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا تبرع ابن من ماله الخاص لوالده المتوفى، هل يصله أجر ذلك؟ وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه يصله أجره، لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن رجلاً أتاه فقال: إن أمي أفتُلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفتصدق عنها؟ قال: "نعم". وكذلك استأذنه سعد بن عبادة أن يتصدق في محراثه أي في بستانه لأمه وهي ميتة فأذن له، ولكن الأفضل أن يجعل الصدقات لنفسه وأن يجعل لوالديه الدعاء، هكذا أرشدنا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". فقال: "أو ولد صالح يدعو له"، ولم يقل: يتصدق له، أو يعمل له، مع أن السياق في ذكر الأعمال.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل أجر الأضحية يصل إلى الميت إذا لم تكن من ماله الخاص، فمثلاً من مال ابنه، وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه يصله أجرها، لكن مع ذلك ليس من السنة أن تضحي عن الميت وحده إلا بما أوصى به، أما إذا كنت تريد أن تضحي من مالك فضح عنك وعن أهل بيتك، وإذا
(17/246)

نويت أن الأموات يدخلون فلا حرج.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هناك من يولم في رمضان ويذبح ذبيحة ويقول عنها عشاء الوالدين فما حكمها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصدقة للوالدين الأموات جائزة ولا بأس بها، ولكن الدعاء لهما أفضل من الصدقة لهما؛ لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجه إليه في قوله: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، ولم يقل: ولد صالح يتصدق عنه، أو يصلي له، ولكن مع ذلك لو تصدق عن ميته لجاز، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن ذلك فأجازه.
لكن ما يفعله بعض الناس في ليالي رمضان من الذبائح والولائم الكثيرة والتي لا يحضرها إلا الأغنياء، فإن هذا ليس بمشروع، وليس من عمل السلف الصالح، فينبغي أن لا يفعله الإنسان؛ لأنه في الحقيقة ليس إلا مجرد ولائم يحضرها الناس ويجلسون إليها على أن البعض منهم يتقرب إلى الله تعالى بذبح هذه الذبيحة، ويرى أن الذبح أفضل من شراء اللحم، وهذا خلاف الشرع، لأن الذبائح التي يتقرب بها إلى الله هي الأضاحي، والهدايا، والعقائق، فالتقرب إلى الله بالذبح في رمضان ليس من السنة.
(17/247)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هناك أمر منتشر بين عامة الناس وخصوصاً أهل القرى والهجر وهو أن يذبحوا ذبيحة أو ذبيحتين في رمضان لأمواتهم ويدعون الناس للإفطار والعشاء وهي ما تعرف ب (العشوة) وهي من الأمور الهامة عندهم ويقولون: إنها صدقة عن الميت يحصل له الأجر بتفطير الصائمين منها، نرجو بيان هذا الأمر وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصدقة في رمضان صدقة في زمن فاضل، وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن.
وأفضل ما تكون الصدقة على المحتاجين إليها، وما كان أنفع لهم فهو أفضل، ومن المعلوم أن الناس اليوم يفضلون الدراهم على الطعام، لأن المحتاج إذا أعطي الدراهم تصرف فيها حسبما تقتضيه حاجته من طعام، أو لباس، أو وفاء غريم أو غير ذلك، فيكون صرف الدراهم للمحتاجين في هذه الحال أفضل من صنع الطعام ودعوتهم إليه.
وأما ما ذكره السائل من الذبح للأموات في رمضان، ودعوة الناس للإفطار والعشاء، فلا يخلو من أحوال:
الأولى: أن يعتقد الناس التقرُّب إلى الله بالذبح، بمعنى أنهم يعتقدون أن الذبح أفضل من شراء اللحم، وأنهم يتقربون بذلك
(17/248)

الذبح إلى الله تعالى كما يتقربون إلى الله في ذبح الأضحية في عيد الأضحى، ففي هذه الحال يكون ذبحهم بدعة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن يذبح الذبائح في رمضان تقرباً إلى الله كما يفعل في عيد الأضحى.
الحال الثانية: أن يؤدي هذا الفعل إلى المباهاة والتفاخر أيُّهم أكثر ذبائح وأكثر جمعاً، ففي هذه الحال يكون إسرافاً منهياً عنه.
الحال الثالثة: أن يحصل في هذا الجمع اختلاط النساء بالرجال وتبرجهن وكشف وجوههن لغير محارمهن، ففي هذه الحال يكون حراماً؛ لأن ما أفضى إلى الحرام كان حراماً.
الحال الرابعة: أن يخلو من هذا كله ولا يحصل به محذور فهذا جائز، ولكن الدعاء للميت أفضل من هذا، كما أرشد إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: "أو ولد صالح يدعو له" ولم يقل: يتصدق عنه.
وأيضاً فإن دفع الدراهم في وقتنا أنفع للفقير من هذا الطعام فيكون أفضل. والمؤمن الطالب للخير سوف يختار ما كان أفضل، ومن سنَّ في الإسلام سنة حسنة بترك ما يخشى منه المحذور والعدول إلى الأفضل فله أجرها وأجر من عمل بها. كتبه محمد الصالح العثيمين في 3/9/1411 هـ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز أن يتصدق الرجل بمال ويشرك معه غيره في الأجر؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز أن يتصدق الشخص بالمال وينويها لأبيه وأمه وأخيه، ومن شاء من المسلمين؛ لأن الأجر
(17/249)

كثير، فالصدقة إذا كانت خالصة لله تعالى، ومن كسب طيب تضاعف أضعافاً كثيرة، كما قال تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} . وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز للإنسان أن يصلي نافلة عن والده المتوفى ونحو ذلك من العبادات أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للإنسان أن يصلي تطوعاً عن والده أو غيره من المسلمين، كما يجوز أن يتصدق عنه، ولا فرق بين الصدقات، والصلوات، والصيام، والحج وغيرها.
ولكن السؤال الذي ينبغي أن نقوله: هل هذا من الأمور المشروعة، أو من الأمور الجائزة غير المشروعة؟
فنقول: إن هذا من الأمور الجائزة غير المشروعة، وأن المشروع في حق الولد أن يدعو لوالده دعاء إلا في الأمور المفروضة فإنه يؤدي عن والده ما جاءت السنة بأدائه عنه، كما لو مات وعليه صيام، فقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه".
(17/250)

ولا فرقَ في ذلك بين أن يكون الصيام صيام فرض بأصل الشرع كصيام رمضان، أو صيام فرض بإلزام الإنسان نفسه كما في صيام النذر، فهنا نقول: إن إهداء القرب أو ثوابها إلى الأقارب ليس من الأمور المشروعة، بل هو من الأمور الجائزة، والمشروع هو الدعاء لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". فقال: "ولد صالح يدعو له"، ولم يقل أو ولد صالح يصلي له، أو يصوم له، أو يتصدق عنه، فدلّ هذا على أن أفضل ما نحله الولد لأبيه، أو أمه بعد الموت هو الدعاء.
فإذا قال قائل: إننا لا نستطيع أن نفهم كيف يكون الشيء جائزاً وليس بمشروع؟ وكيف يمكن أن نقول: إنه جائز وليس بمشروع؟
فنقول: نعم، إنه جائز وليس بمشروع، فهو جائز لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذن فيه، فإن رجلاً جاء إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت أفتصدق عنها؟ قال: "نعم"، وكذلك سعد بن عبادة رضي الله عنه حيث جعل لأمه نخلة صدقة لها، فأقره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك، ولكن النبي لم يأمر أمته بهذا أمراً يكون تشريعاً لهم، بل أذن لمن استئذنه أن يفعل هذا، ونظير ذلك في أن الشيء يكون جائزاً وليس بمشروع قصة الرجل الذي بعثه
(17/251)

النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سرية فكان يقرأ لأصحابه ويختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا أخبروا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك فقال: "سلوه لأي شيء كان يصنعه"؟ فقال: إنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأها، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أخبروه أن الله يحبه". فأقر النبي عليه الصلاة والسلام عمله هذا، وهو أنه يختم قراءة الصلاة بقل هو الله أحد، ولكن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يشرعه؛ إذ لم يكن عليه الصلاة والسلام يختم صلاته بقل هو الله أحد، ولم يأمر أمته بذلك، فتبين بهذا أن من الأفعال ما يكون جائزاً فعله، ولكنه ليس بمشروع، بمعنى أن الإنسان إذا فعله لا ينكر عليه، ولكنه لا يطلب منه أن يفعله. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما درجة هذا الحديث: "من بر الوالدين بعد مماتهما أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك"؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث لا يصح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن مِنْ بر الوالدين بعد مماتهما أن تستغفر لهما، وتدعو الله لهما، وتكرم صديقهما، وتصل الرحم التي هم الصلة بينك وبينهما، هذا من بر الوالدين بعد موتهما، وأما أن يصلي لهما مع صلاته الصلاة الشرعية المعروفة، أو أن يصوم لهما، فهذا لا أصل له.
(17/252)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز تثويب قراءتي القرآن في رمضان لميت، وكذلك الطواف له، أفيدونا جزاكم الله خيراً ووفقكم لما يحب ويرضى؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا يعني أنك تعمل عملاً صالحاً وتجعل ثوابه لشخص ميت، والجواب أن ذلك لا بأس به، فإذا أراد شخص أن يصلي ويجعل ثوابها لميته، أو يتصدق، أو يحج، أو يقرأ القرآن، أو يصوم، ويجعل ثواب ذلك لميته فلا بأس به.
وذلك لما ورد في الحديث الصحيح أن رجلاً أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، إن أمي افتُلتت نفسها، وإنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم". وكذلك أذن لسعد بن عبادة رضي الله عنه أن يتصدق لأمه، وسائر العبادات كالصدقة إذ لا فرق بينهما.
والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرد عنه نص يمنع مثل ثواب هذه للميت، حتى نقول: إننا نقتصر على ما ورد، فإذا جاءت السنة بجنس العبادات فإنه يكون المسكوت عنه مثل المنطوق به، لاسيما وأن هذا ليس بنطق من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل إنه استفتاء في قضايا أعيان، وإفتاء الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنه يجوز أن يتصدق الإنسان عن أمه لا يدل على أن ما سواه ممنوع.
ولكن الذي أرى أن يجعل الإنسان العمل الصالح لنفسه، وأن يدعو لأمواته، فالدعاء أفضل من التبرع لهم، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم
(17/253)

ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، ولم يقل: يتعبد له.
وبناء على ذلك فالدعاء لأبيك، أو لأمك أفضل من أن تهدي لهم الصلاة، أو القرآن، أو ما أشبه ذلك، واجعل الأعمال لنفسك كما أرشد إلى ذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل تصل الصدقة الجارية والمال المتبرع به إلى الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصدقة الجارية يجب أن نعلم أن الذي قام بها هو الميت نفسه قبل أن يموت، كرجل بنى مسجداً فهذا صدقة جارية، ورجل أوقف برادة ماء، ورجل حفر بئراً ليسقي به الناس هذه صدقة جارية، ورجل أصلح طرقاً وعرة ليسهلها على الناس هذه صدقة جارية.
وأما الصدقة التي تكون من بعض الأقارب من بعد الإنسان فهذه تصل إلى الميت، لكن ليس هي المرادة بقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صدقة جارية". وحينئذ يبقى النظر هل الأولى والأفضل للإنسان أن يتصدق عن والديه، أو يصلي عن والديه، أو يصوم عن والديه بعد موتهما، أو الأفضل الدعاء لهما؟
الجواب: الأفضل الدعاء لهما، عملاً بتوجيه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك حين قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
(17/254)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم الصلاة عن الميت والصوم له؟
فأجاب فضيلته بقوله: هناك أربعة أنواع من العبادات تصل إلى الميت بالإجماع، وهي:
الأول: الدعاء.
الثاني: الواجب الذي تدخله النيابة.
الثالث: الصدقة.
الرابع: العتق.
وما عدا ذلك فإنه موضع خلاف بين أهل العلم:
فمن العلماء من يقول: إن الميت لا ينتفع بثواب الأعمال الصالحة إذا أهدي له في غير هذه الأمور الأربعة.
ولكن الصواب: أن الميت ينتفع بكل عمل صالح جعل له إذا كان الميت مؤمناً، ولكننا لا نرى أن إهداء القرب للأموات من الأمور المشروعة التي تطلب من الإنسان، بل نقول: إذا أهدى الإنسان ثواب عمل من الأعمال، أو نوى بعمل من الأعمال أن يكون ثوابه لميت مسلم فإنه ينفعه، لكنه غير مطلوب منه أو مستحب له ذلك، والدليل على هذا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرشد أمته إلى هذا العمل، بل ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنه قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". ولم يقل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أو ولد صالح يعمل له، أو يتعبد له بصوم أو صلاة أو غيرهما،
(17/255)

وهذا إشارة إلى أن الذي ينبغي والذي يشرع هو الدعاء لأمواتنا، لا إهداء العبادات لهم، والإنسان العامل في هذه الدنيا محتاج إلى العمل الصالح، فليجعل العمل الصالح لنفسه، وليكثر من الدعاء لأمواته، فإن ذلك هو الخير وهو طريق السلف الصالح رضي الله عنهم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} يدل على أن الثواب لا يصل إلى الميت إذا أهدي له؟
فأجاب فضيلته بقوله: قوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} المراد به والله أعلم أن الإنسان لا يستحق من سعي غيره شيئاً، كما لا يحمل من وزر غيره شيئاً، وليس المراد أنه لا يصل إليه ثواب سعي غيره؛ لكثرة النصوص الواردة في وصول ثواب سعي الغير إلى غيره وانتفاعه به إذا قصده به فمن ذلك:
1 الدعاء فإن المدعو له ينتفع به بنص القرآن والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإَيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} فالذين سبقوهم بالإيمان
(17/256)

هم المهاجرون والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم: التابعون فمن بعدهم إلى يوم القيامة، وثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أغمض أبا سلمة رضي الله عنه بعد موته وقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، وافسح له في قبره، ونور له فيه". وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على أموات المسلمين ويدعو لهم، ويزور المقابر ويدعو لأهلها، واتبعته أمته في ذلك، حتى صار هذا من الأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، وصح عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفَّعهم الله فيه".
وهذا لا يعارض قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، رواه مسلم، لأن المراد به عمل الإنسان نفسه لا عمل غيره له، وإنما جعل دعاء الولد الصالح من عمله؛ لأن الولد من كسبه حيث أنه هو السبب في إيجاده، فكأن دعاءه لوالده دعاء من الوالد نفسه. بخلاف دعاء غير الولد لأخيه فإنه ليس من عمله وإن كان ينتفع به، فالاستثناء الذي في الحديث من انقطاع عمل الميت نفسه لا عمل غيره له، ولهذا لم يقل: "انقطع العمل له" بل قال: "انقطع عمله". وبينهما فرق بيّن.
2 الصدقة عن الميت، ففي صحيح البخاري عن عائشة
(17/257)

رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أمي افتلتت نفسها (ماتت فجأة) وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم". وروى مسلم نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه والصدقة عبادة مالية محضة.
3 الصيام عن الميت، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه"، والولي هو الوارث، لقوله تعالى: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} ، ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". متفق عليه. والصيام عبادة بدنية محضة.
4 الحج عن غيره، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم". وذلك في حجة الوداع. وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة قالت للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟
(17/258)

قال: "نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء".
فإن قيل: هذا من عمل الولد لوالده، وعمل الولد من عمل الوالد كما في الحديث السابق "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث" حيث جعل دعاء الولد لوالده من عمل الوالد.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعلل جواز حج الولد عن والده بكونه ولده، ولا أومأ إلى ذلك، بل في الحديث ما يبطل التعليل به، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شبهه بقضاء الدين الجائز من الولد وغيره، فجعل ذلك هو العلة، أعني كونه قضاء شيء واجب عن الميت.
الثاني: أنه قد جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يدل على جواز الحج عن الغير حتى من غير الولد فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: "مَن شبرمة"؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: "أحججت عن نفسك"؟ قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة". قال في البلوغ: رواه أبو داود وابن ماجه. وقال في الفروع: إسناده جيد احتج به أحمد في رواية صالح. لكنه رجح في كلام آخر أنه موقوف. فإن صح المرفوع فذاك، وإلا فهو قول صحابي لم يظهر له مخالف فهو حجة ودليل على أن هذا العمل كان من المعلوم جوازه عندهم. ثم إنه قد
(17/259)

ثبت حديث عائشة رضي الله عنها في الصيام: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". والولي هو الوارث سواء كان ولداً أم غير ولد، وإذا جاز ذلك في الصيام مع كونه عبادة بدنية محضة، فجوازه بالحج المشوب بالمال أولى وأحرى.
5 الأضحية عن الغير، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "ضحى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما". ولأحمد من حديث أبي رافع رضي الله عنه "أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين، أقرنين أملحين، فيذبح أحدهما ويقول: اللهم هذا عن أمتي جميعاً، من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ، ثم يذبح الآخر ويقول: هذا عن محمد وآل محمد". قال في مجمع الزوائد: إسناده حسن، وسكت عنه في التلخيص.
والأضحية عبادة بدنية قوامها المال، وقد ضحى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أهل بيته وعن أمته جميعاً، وما من شك في أن ذلك ينفع المضحى عنهم، وينالهم ثوابه ولو لم يكن كذلك لم يكن للتضحية عنهم فائدة.
6 اقتصاص المظلوم من الظالم بالأخذ من صالح أعماله،
(17/260)

ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها، فإنه ليس ثَمَّ دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه". وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أتدرون ما المفلس"؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار". فإذا كانت الحسنات قابلة للمقاصة بأخذ ثوابها من عاملها إلى غيره، كان ذلك دليلاً على أنها قابلة لنقلها منه إلى غيره بالإهداء.
7 انتفاعات أخرى بأعمال الغير، كرفع درجات الذرية في الجنة إلى درجات آبائهم، وزيادة أجر الجماعة بكثرة العدد، وصحة صلاة المنفرد بمصافة غيره له، والأمن والنصر بوجود أهل الفضل كما في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبيه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفع رأسه إلى السماء وكان كثيراً ما يرفع رأسه إلى السماء فقال: "النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة
(17/261)

لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون". وفيه أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيوجد الرجل فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيكم من رأى أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثالث فيقال: انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم يكون البعث الرابع فيقال انظروا هل ترون فيهم أحداً رأى من رأى أحداً رأى أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيوجد الرجل فيفتح لهم به".
فإذا تبين أن الرجل ينتفع بغيره وبعمل غيره، فإن من شرط انتفاعه أن يكون من أهله وهو المسلم، فأما الكافر فلا ينتفع بما أهدي إليه من عمل صالح، ولا يجوز أن يهدى إليه، كما لا يجوز أن يدعى له ويستغفر له، قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَءَامَنُو?اْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُو?اْ أُوْلِى قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن جده (العاص بن وائل السهمي) أوصى أن يعتق عنه مئة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة، وأراد ابنه عمرو بن العاص أن يعتق عنه الخمسين الباقية، فسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "إنه لو
(17/262)

كان مسلماً فأعتقتم أو تصدقتم عنه، أو حججتم بَلَغَه ذلك". وفي رواية: "فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه". وذلك رواه أحمد وأبو داود.
فإن قيل: هلا تقتصرون على ما جاءت به السنة من إهداء القرب وهي: الحج، والصوم، والصدقة، والعتق؟
فالجواب: أن ما جاءت به السنة ليس على سبيل الحصر، وإنما غالبه قضايا أعيان سئل عنها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأجاب به، وأومأ إلى العموم بذكر العلة الصادقة بما سئل عنه وغيره وهي قوله: "أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته". ويدل على العموم أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". ثم لم يمنع الحج والصدقة والعتق فعلم من ذلك أن شأن العبادات واحد والأمر فيها واسع.
فإن قيل: فهل يجوز إهداء القرب الواجبة؟
فالجواب: أما على القول بأنه لا يصح إهداء القرب إلا إذا نواه المهدي قبل الفعل، بحيث يفعل القربة بنية أنها عن فلان، فإن إهداء القرب الواجبة لا يجوز لتعذر ذلك، إذ من شرط القرب الواجبة أن ينوي بها الفاعل أنها عن نفسه، قياماً بما أوجب الله تعالى عليه. اللهم إلا أن تكون من فروض الكفايات، فربما يقال: بصحة ذلك، حيث ينوي الفاعل القيام بها عن غيره لتعلق الطلب بأحدهما لا بعينه. وأما على القول بأنه يصح إهداء القرب بعد الفعل، ويكون
(17/263)

ذلك إهداء لثوابها بحيث يفعل القربة ويقول: اللهم اجعل ثوابها لفلان، فإنه لا يصح إهداء ثوابها أيضاً على الأرجح، وذلك لأن إيجاب الشارع لها إيجاباً عينياً دليل على شدة احتياج العبد لثوابها وضرورته إليه، ومثل هذا لا ينبغي أن يؤثر العبد بثوابه غيره.
فإن قيل: إذا جاز إهداء القرب إلى الغير فهل من المستحسن فعله؟
فالجواب: أن فعله غير مستحسن إلا فيما وردت به السنة كالأضحية والواجبات التي تدخلها النيابة كالصوم والحج، وأما غير ذلك فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتاوى ص 223 323 ج 42 مجموع ابن قاسم: "فالأمر الذي كان معروفاً بين المسلمين في القرون المفضلة، أنهم كانوا يعبدون الله بأنواع العبادات المشروعة، فرضها ونفلها،.... وكانوا يدعون للمؤمنين والمؤمنات كما أمر الله بذلك لأحيائهم وأمواتهم. قال: ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعاً وصاموا وحجوا، أو قرأوا القرآن يهدون ثواب ذلك لموتاهم المسلمين ولا لخصوصهم بل كان عادتهم كما تقدم، فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريقة السلف، فإنه أفضل وأكمل" اه. وأما ما روي أن رجلاً قال يا رسول الله إن لي أبوين، وكنت أبرهما في حياتهما فكيف البر بعد موتهما؟ فقال: "إن من البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك، وتصدق لهما مع صدقتك". فهو حديث مرسل لا
(17/264)

يصح، وقد ذكر الله تعالى مكافأة الوالدين بالدعاء فقال تعالى: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا} . وعن أبي أسيد رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: "نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما". رواه أبو داود وابن ماجه. ولم يذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من برهما أن يصلي لهما مع صلاته، ويصوم لهما مع صيامه.
فأما ما يفعله كثير من العامة اليوم حيث يقرؤون القرآن في شهر رمضان أو غيره، ثم يؤثرون موتاهم به، ويتركون أنفسهم، فهو لا ينبغي لما فيه من الخروج عن جادة السلف، وحرمان المرء نفسه من ثواب هذه العبادة فإن مهدي العبادة ليس له من الأجر سوى ما يحصل من الإحسان إلى الغير، أما ثواب العبادة الخاص فقد أهداه، ومن ثم كان لا ينبغي إهداء القرب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له ثواب القربة التي تفعلها الأمة، لأنه الدال عليها والا?مر بها، فله مثل أجر الفاعل، ولا ينتج عن إهداء القرب إليه سوى حرمان الفاعل نفسه من ثواب تلك العبادة. وبهذا تعرف فقه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حيث لم ينقل عن واحد منهم أنه أهدى شيئاً من القرب إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أنهم أشد الناس حبًّا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأحرصهم على فعل الخير، وهم أهدى الناس
(17/265)

طريقاً، وأصوبهم عملاً، فلا ينبغي العدول عن طريقتهم في هذا وغيره، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين. تم تحريره في 27/3/1400 هـ.
* * *
(17/266)

بسم الله الرحمن الرحيم
لقد سألني المكرم ... عن رجل عنده دراهم يريد أن يتصدق بها عن ميت من أقاربه، أو يضحي بها عن هذا الميت فأيهما أفضل الصدقة بها عنه أو الأضحية؟
فأجبته بما يلي: الصدقة بالدراهم عن الميت، أو وضعها في بناء مسجد، أو أعمال خيرية أفضل من الأضحية، وذلك لأن الأضحية عن الميت استقلالاً غير مشروعة؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا من قوله، ولا من فعله، ولا من إقراره، وقد مات للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولاده، سوى فاطمة رضي الله عنها وماتت زوجتاه خديجة وزينت بنت خزيمة رضي الله عنهما ومات عمه حمزة رضي الله عنه ولم يضح عن واحد منهم، ولم نعلم أن أحداً من الصحابة رضي الله عنهم ضحى في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أحد من الأموات قريب ولا بعيد.
ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الميت لا ينتفع بالأضحية عنه، ولا يأتيه أجرها إلا أن يكون قد أوصى بها.
ولكن الصحيح: أنه ينتفع بها ويأتيه الأجر إن شاءالله، إلا أن الصدقة عنه بالدراهم والطعام أفضل؛ وذلك لأن الصدقة عن الميت قد ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقوعها في عهده، وإقراره عليها بخلاف الأضحية، ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن رجلاً أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "
(17/267)

نعم". والذين أجازوا الأضحية عن الميت استقلالاً إنما قاسوها على الصدقة عنه، ومن المعلوم أن ثبوت الحكم في المقيس عليه أقوى من ثبوته في المقيس، فتكون الصدقة عن الميت أولى من الأضحية عنه.
قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في 7/1/1403 هـ.
* * *
(17/268)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم ... حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم المؤرخ 29 من الشهر الماضي وصل، سرنا صحتكم الحمد لله على ذلك.
أما سؤالكم عما كثر من أقوال العامة والخاصة ممن ينتسبون إلى العلم أنه ليس للموتى أضحية، وليس لهم صدقة إلا الصدقة الجارية فقط، وكذلك ما يصح لهم حج ولا غيره إلا الذي ما قضى فرضه فهو يحج عنه؟
فجوابه: أما الأضحية عن الأموات فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يوصي بها الميت، فيضحي عنه تنفيذاً لوصيته، لأن الله تعالى لم يبح تغيير الوصية إلا إذا كانت جنفاً أو إثماً قال الله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} والأضحية ليست جنفاً ولا إثماً، بل هي عبادة مالية من أفضل العبادات والشعائر، وقد روى الترمذي وأبو داود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يضحي
(17/269)

بكبشين أحدهما عن نفسه والا?خر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وفي رواية أبي داود أنه قال: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوصاني أن أضحي عنه فأنا أضحي عنه، وقد ترجم لذلك الترمذي وأبو داود فقال الترمذي: باب ما جاء في الأضحية عن الميت، وقال أبو داود: باب الأضحية عن الميت. ثم ساقا الحديث، لكن الحديث سنده ضعيف عند أهل العلم، وعلى كل حال فالعمدة على آية الوصية.
القسم الثاني: أن يضحي عن الميت تبعاً، مثل أن يضحي الرجل عن نفسه وأهل بيته وفيهم من هو ميت، فهذا جائز ويحصل للميت به أجر، وقد جاءت بمثله السنة فقد ضحى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بكبشين، أحدهما عنه وعن آله، والثاني عن أمته وهو شامل للحي والميت عن آله وأمته.
القسم الثالث: أن يضحي عن الميت وحده بدون وصية منه، مثل أن يضحي الإنسان عن أبيه وأمه، أو ابنه، أو أخيه، أو غيرهم من المسلمين فلا أعلم لذلك أصلاً من السنة إلا ما جاء في بعض روايات مسلم لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه في قصة أبي بردة بن نيار رضي الله عنه أنه قال: "يا رسول الله قد نسكت عن ابن لي". فإن صحت هذه الزيادة فقد يتمسك بها من يثبت جواز الأضحية عن الميت وحده حيث لم يسأله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ابنه أحيّ أم ميت. ولو كان الحكم يختلف بين الحي والميت لاستفصل
(17/270)

منه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن في هذا نظر؛ لأن المعهود أن الأضحية كانت في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الأحياء، والأموات تبع لهم ولا نعلم أنه ضحى عن الميت وحده في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولذلك اعتمد من يجيزون الأضحية عن الميت وحده بدون وصية منه على قياس الأضحية على الصدقة حيث إن الكل عبادة مالية، قال ابن العربي المالكي في شرح صحيح الترمذي (ص 092 ج 6) : اختلف أهل العلم هل يضحى عن الميت مع اتفاقهم على أنه يتصدق عنه، والضحية ضرب من الصدقة، لأنها عبادة مالية وليست كالصلاة والصيام. اه.
والخلاصة: أن الأضحية عن الميت وحده بدون وصية منه لا أعلم فيها نصًّا صريحاً بعينها، لكن إذا فعلت فأرجو أن لا يكون بها بأس، إلا أن الأفضل والأحسن أن يجعل المضحي الأضحية عنه وعنه أهل بيته الأحياء والأموات اقتداء بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفضل الله واسع يكون الأجر بذلك للجميع إن شاء الله تعالى.
وأما قول بعض الذين ينتسبون للعلم عندكم "إن الصدقة لا تصح للموتى إلا أن تكون صدقة جارية". فهذا غير صحيح، فإن الصدقة للموتى تصح ويصل إليهم ثوابها إذا كانت خالصة لله تعالى ومن مال طيب، سواء كانت جارية أم منقطعة فقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن أمي افتلتت نفسها (أي ماتت فجأة) وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال "نعم". وروى نحوه مسلم من
(17/271)

حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ففي هذا الحديث دليل على جواز الصدقة على الميت مطلقاً وأن له بذلك أجراً سواء كانت الصدقة جارية أم منقطعة.
ولعل الذين توهموا أن الميت لا ينفعه إلا الصدقة الجارية فهموا ذلك من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، رواه مسلم، وليس في هذا الحديث دلالة على ما توهموه فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "انقطع عمله" ولم يقل: (انقطع العمل له) ، ثم إن هذا الحديث الذي استند إليه هؤلاء فيما فهموا منه ليس على عمومه بالنص والإجماع إذ لو كان على عمومه لكان الميت لا ينتفع بغير دعاء ولده له، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على انتفاع الميت بدعاء غير ولده له، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإَيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} والذين سبقوهم بالإيمان في هذه الآيات هم المهاجرون والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم شامل لمن بعدهم إلى يوم القيامة فهم يدعون بالمغفرة لهم وإن لم يكونوا من أولادهم وينفعهم ذلك، وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أغمض أبا سلمة رضي الله عنه حين مات وقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، وافسح له
(17/272)

في قبره ونور له فيه". وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على أموات المسلمين ويدعو لهم، وصح عنه أنه قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفَّعهم الله فيه"، وصح عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يزور المقابر ويدعو لأهلها ويأمر أصحابه بذلك.
فهذه دلالة الكتاب والسنة على انتفاع الإنسان بدعاء غير ولده له. وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على ذلك إجماعاً قطعياً فما زالوا يصلون على موتاهم، ويدعون لهم وإن لم يكونوا من آبائهم.
وكذلك صح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وليس ذلك من الصدقة الجارية، ولا من العلم، ولا من دعوة الولد.
وكذلك صح عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن من مات وعليه صيام صام عنه وليه. ووليه وارثه سواء كان ولداً أم غيره لقوله تعالى: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} . وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" متفق عليه. والصيام عبادة بدنية وقد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بصومه عن الميت وهو دليل
(17/273)

على أنه ينتفع به وإلا لم يكن للأمر به فائدة.
والأمثلة أكثر من هذا ولا حاجة لاستيعابها إذ المؤمن يكفيه الدليل الواحد.
والمقصود أن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله" إلى آخر الحديث إنما يعني به عمل نفسه لا عمل غيره له، ولهذا قيد الصدقة بالجارية لتكون مستمرة له بعد الموت. وأما عمل غيره له فقد عرفت الأمثلة والأدلة على انتفاعه به سواء من الولد أو غيره، ولكن مع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يكثر من إهداء العمل الصالح لغيره؛ لأن ذلك لم يكن من عادة السلف وإنما يفعله أحياناً.
وأما قول بعض المنتسبين للعلم عندكم: "إنه ما يصح الحج للميت إلا إذا كان ما قضى فرضه فهو يحج عنه" فهذا موضع خلاف بين العلماء والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يجوز أن يحج عن الميت الفرض والنفل، لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال: لبيك عن شبرمة، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب لي، قال: "حججت عن نفسك؟ " قال: لا، قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، قال في الفروع [ص 562 ج 3 ط آل ثاني] إسناده جيد احتج به أحمد في رواية صالح، قال البيهقي: إسناده صحيح، ومن العلماء من أعله بالوقف لكن الرافع له ثقة، وهو يدل بعمومه على جواز حج النفل عن الميت، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يستفصل هذا الرجل عن حجه عن شبرمة هل هو نفل أو فرض؟ وهل كان شبرمة حيًّا أو ميتاً؟
(17/274)

قالوا: وإذا جاز أن يحج عنه الفرض بالنص الصحيح الصريح فما المانع من النفل، فإن جواز حجه الفرض عنه دليل على أن الحج لا تمتنع فيه النيابة، وهذا لا فرق فيه بين الفرض والنفل إذا كان الذي يحج عنه ميتاً أوعاجزاً عجزاً لا يرجى زواله، أما القادر أوالعاجز عجزاً يرجى زواله فلا يوكل من يحج عنه. هذا ما لزم والله يحفظكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 51/1/1400 هـ.
* * *
(17/275)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما أفضل الأعمال التي تقدم إلى الميت؟ وما معنى قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الصلاة عليهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: أفضل ما يقدم إلى الميت الدعاء لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فالدعاء للميت أفضل من كل شيء، أفضل من أن تصلي، أو تتصدق، أو تحج، أو تعتمر عن الميت، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر هذا: "ولد صالح يدعو له". في سياق الأعمال، فلو كانت الأعمال مشروعة للميت لقال: أو ولد صالح يتصدق له، أو يصوم عنه أو ما أشبه هذا، فلما عدل عن ذلك إلى الدعاء علم أن الدعاء أفضل من إهداء الأعمال.
وأما قوله: "الصلاة عليهما" يعني الدعاء، لأن الصلاة تأتي بمعنى الدعاء كقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم رجل يذبح عند القبر لله سبحانه وتعالى وهي صدقة عن الميت الذي في القبر ولكنه يعتقد أنه إذا ذبحت عند القبر يصل الأجر والثواب لصاحب القبر بسرعة هل هذا شرك؟
(17/276)

فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بشرك؛ لأنه لا يريد بذلك التقرب إلى صاحب القبر، إنما يريد التقرب إلى الله لكنه ظن جهلاً منه أن هذا أسرع في إيصال الثواب للميت فيُنبه على هذا، ويقال: هذا خطأ، والثواب يصل إلى الميت بإيصال الله عز وجل سواء كنت بعيداً عن الميت أم لا. على أنه ليس بمشروع أن يذبح الإنسان للميت ذبيحة؛ لأن الذبائح الشرعية مخصوصة بالأضحية، والعقيقة، والهدي. ولا يشرع للإنسان أن يذبح ذبيحة يتقرب بها إلى الله في غير هذه المواضع الثلاثة، نعم لو كان يريد أن يذبح لكن يقول: أنا لا أريد أن أتقرب بالذبح، ولكن أريد أن أتصدق باللحم. فهذا لا بأس.
ثم إننا ننهى أن يذبح عند القبر، وإن لم يكن شركاً؛ لأنه قد يؤدي إلى الاقتداء به.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم صنع الطعام لأهل الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن أهل الميت إذا اشتغلوا بسبب المصيبة، وانشغلوا عن إصلاح الطعام لهم، فإنه يسن لمن علم بمصيبتهم أن يبعث إليهم بطعام لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم"، وفي قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فقد أتاهم ما يشغلهم" إشارة إلى أن ذلك ليس مستحباً على سبيل الإطلاق، ولكنه مستحب إذا كان أهل الميت قد انشغلوا عن إصلاح الطعام، أما إذا كان الأمر طبيعياً كما هو المعروف في عهدنا الا?ن فإنه لا يسن أن يبعث إليهم بطعام؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينما قال "ابعثوا لا?ل جعفر طعام" لم يقل: (فإنه قد مات لهم ميت) ، وإنما قال: "فقد أتاهم ما
(17/277)

يشغلهم". وعلى هذا فإذا لم يكن هناك إشغال فإنه ليس هناك طعام، وإذا صنع الطعام وبعث إليهم وعندهم أحد من أقاربهم فله أن يأكل معهم، وأما أن يدعو الناس إليه، فإن هذا نوع من النياحة، ولهذا يكره لأهل الميت أن يصنعوا طعاماً ويدعوا الناس إليه، وبهذا يعلم أن ما يصنعه بعض المسلمين من صنع الطعام والشاي ودعوة الناس إليه أن هذا من البدع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: مسألة العزاء توسع الناس فيها فإذا مات عند الناس ميت اجتمعوا ويصنع لهم طعام ويأتي بالذبائح وإذا قلنا في ذلك يقولون: أناس يزوروننا أفلا نغديهم!! وكذلك إذا كلمناهم في الجلوس للعزاء قالوا: أين نستقبل الناس؟
فأجاب فضيلته بقوله: التعزية ليست تهنئة كما يهنأ الإنسان القادم، التعزية يراد بها أننا إذا رأينا شخصاً مصاباً متأثراً نكلمه بما
(17/278)

يهون عليه المصيبة، هذا هو المقصود منها، فنقول له مثلاً كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإحدى بناته: "اصبر واحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى". ولا حاجة إلى الاجتماع في البيت فإن الاجتماع في البيت خلاف ما كان عليه السلف الصالح. حتى قالوا أي السلف الصالح كنا نعد الاجتماع عند أهل الميت وصنعة الطعام من النياحة. والنياحة من كبائر الذنوب، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن النائحة والمستمعة. ولكن إذا سمعنا أن شخصاً من الناس تأثر بموت قريبه أو صديقه أو ما أشبه ذلك فإننا نحرص على أن نصل إليه. ونقول: اصبر واحتسب. أما مجرد أن يموت القريب نجتمع ويجتمع الناس. وربما توقد الأنوار، وتصف الكراسي، ويؤتى بالقراء وما أشبه ذلك فهذا لا يجوز. وكان الناس إلى عهد قريب لا يفعلون هذا إطلاقاً يموت الميت للإنسان فإذا فرغوا من دفنه ورأوه متأثراً عزوه ورجعوا إلى أهلهم، ثم من وجده في السوق أو في المسجد عزاه. وأما الاجتماع فلا شك أنه بدعة، وأنه ينهى عنه، لاسيما إن صحبه ندب بأن تجتمع النساء تقول: والله هذا كان كذا وكذا، هذا أبو العائلة هذا صاحب البيت، مَن للعائلة؟ مَن للبيت؟ وما أشبه ذلك فإنه يكون من الندب المحرم. وعلى طلبة العلم أن يُبصِّروا الناس قبل أن يتسع الخرق على الراتق.
* * *
(17/279)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: انتشرت وبشكل ملفت للنظر ومتزايد ظاهرة الولائم والبذخ بقصد طلب الأجر والمواساة إكراماً لذوي المتوفى، ما هي وجهة نظركم حول هذه الظاهرة وأسباب تزايدها؟ وما موقف الشريعة الإسلامية من ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الظاهرة أعني صنع الطعام والولائم لأهل الميت أيام وفاته ظاهرة غير مشروعة، بل قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. رواه الإمام أحمد. قال في شرح المنتقى: وإسناده صحيح، فبين جرير رضي الله عنه أن ذلك نوع من النياحة. وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لعن النائحة والمستمعة، وأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم"، فقد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصنع لا?ل جعفر طعاماً، وعلل ذلك بأنه أتاهم ما يشغلهم عن كلفة صنع الطعام، لا لأجل تسليتهم بإقامة الولائم عندهم، ثم إنه أمر أن يصنع لا?ل جعفر، وهذا يكون بقدر آل البيت، وهذا يدل على أنه إنما أمر بذلك للحاجة وبقدر الحاجة، لاعلى ما ذكر في السؤال، وغالب الناس اليوم لا
(17/280)

يحتاجون لصنع الطعام لهم؛ لأن كثيراً من البيوت مملوءة من الأطعمة الجاهزة ولله الحمد. حرر في 16/2/1418 هـ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم صنع الطعام لأهل الميت؟ بحيث يكون في كل يوم الطعام على أناس معينين يتبرعون بذلك؟ ويكون الطعام في العادة ذبائح مطبوخة مقدمة لأهل الميت، ويحتجون أنه قد جاء أهل البيت ما يشغلهم من عمل الطعام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي ثبت في السنة أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه لما استشهد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأهله: "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم"، ولكن ليس على هذا الوجه الذي يفعله بعض الناس اليوم؛ حيث تكون الذبائح التي تهدى إلى أهل البيت ذبائح كثيرة، يجتمع عليها الناس كثيراً، فإن هذا خلاف المشروع؛ ثم إن الانشغال الذي كان في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس موجوداً الا?ن ولله الحمد؛ هناك مطاعم كثيرة قريبة، خصوصاً في المدن، فهم ليسوا في حاجة إلى أن يُهدى لهم الطعام.
* * *
(17/281)

الزيارة والتعزية
سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم زيارة المقابر؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة القبور سنة أمر بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن نهى عنها كما ثبت ذلك عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكركم الا?خرة". رواه مسلم، فزيارة القبور للتذكر والاتعاظ سنة، فإن الإنسان إذا زار هؤلاء الموتى في قبورهم، وكان هؤلاء بالأمس معه على ظهر الأرض يأكلون كما يأكل، ويشربون كما يشرب، ويتمتعون بدنياهم، وأصبحوا الا?ن رهناً لأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شرًّا فشر، فإنه لابد أن يتعظ ويلين قلبه ويتوجه إلى الله عز وجل بالإقلاع عن معصيته إلى طاعته، وينبغي لمن زار المقبرة أن يدعو بما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو به وعلمه أمته "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية"، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم، يقول هذا الدعاء ولم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقرأ الفاتحة عند زيارة القبور، وعلى هذا فقراءة الفاتحة عند زيارة القبور خلاف المشروع عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأما زيارة القبور للنساء فإن ذلك محرَّم؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن
(17/285)

زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج، فلا يحل للمرأة أن تزور المقبرة هذا إذا خرجت من بيتها لقصد الزيارة، أما إذا مرت بالمقبرة بدون قصد الزيارة فلا حرج عليها أن تقف وأن تسلم على أهل المقبرة بما علمه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته، فيفرق بالنسبة للنساء بين من خرجت من بيتها لقصد الزيارة، ومن مرت بالمقبرة بدون قصد فوقفت وسلمت، فالأولى التي خرجت من بيتها للزيارة قد فعلت محرماً وعرضت نفسها للعنة الله عز وجل، وأما الثانية فلا حرج عليها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا توفي أحد المشهود لهم بالصلاح والعلم يكثر زوار قبره زيارة شرعية ولكن بعض طلبة العلم ينهون عن ذلك سدًّا للذريعة وخوفاً من الشرك، ما قول فضيلتكم في هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى ما ذهب إليه بعض طلبةالعلم وهو أن الإكثار من زيارة أهل العلم والعبادة ربما يؤدي في النهاية إلى الغلو الموقع في الشرك، ولهذا ينبغي أن يدعى لهم بدون أن تزار قبورهم على وجه كثير، والله عز وجل إذا قبل الدعوة فهي نافعة للميت سواء حضر الإنسان عند قبره ودعا له عند قبره، أو دعا في بيته، أو في المسجد كل ذلك يصل إن شاءالله عز وجل، ولا حاجة إلى أن يتردد إلى قبره؛ لأن المحظور الذي حذره بعض طلبة العلم وارد، ولاسيما إذا تطاول الزمن.
(17/286)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تخصيص العيدين والجمعة لزيارة المقابر؟ وهل الزيارة للأحياء أم للأموات فيهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس لتخصيص الجمعة والعيدين أصل من السنة، فتخصيص زيارة المقابر في يوم العيد، واعتقاد أن ذلك مشروع يعتبر من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا علمت أحداً من أهل العلم قال به.
أما يوم الجمعة فقد ذكر بعض العلماء أنه ينبغي أن تكون الزيارة في يوم الجمعة، ومع ذلك فلم يذكروا في هذا أثراً عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: زيارة المقابر هل تختصُّ بيوم معين كالعيدين والجمعة أو في وقت معين من اليوم أم إنها عامة؟ وماذا يجاب عما ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب (الروح) من أنها تزار في يوم الجمعة؟ وهل يعلم الميت بزيارة الحي له؟ ثم أين يقف الزائر من القبر؟ وهل يشترط أن يكون عنده أم يجوز ولو كان بعيداً عنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة المقابر سنة في حق الرجال، لأنها ثبتت بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وفعله، فقال قال عليه الصلاة والسلام: "زوروا القبور فإنها تذكر بالموت"، وثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان
(17/287)

يزورها، ولا تتقيد الزيارة بيوم معين، بل تستحب ليلاً ونهاراً في كل أيام الأسبوع، ولقد ثبت في الصحيح أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى البقيع ليلاً فزارهم وسلم عليهم، والزيارة مسنونة في حق الرجال، أما النساء فلا يجوز لهن الخروج من بيوتهن لزيارة المقبرة، ولكن إذا مررن بها ووقفن وسلمن على الأموات بالسلام الوارد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن هذا لا بأس به؛ لأن هذا ليس مقصوداً، وعليه يُحمل ما ورد في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها وبه يجمع بين هذا الحديث الذي في صحيح مسلم، والحديث الذي في السنن أن الرسول عليه الصلاة والسلام "لعن زائرات القبور".
وأما تخصيص الزيارة يوم الجمعة وأيام الأعياد فلا أصل له وليس في السنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما يدل على ذلك.
وأما هل يعرف من يزوره فقد جاء في حديث أخرجه أهل السنن وصححه ابن عبد البر، وأقره ابن القيم في كتاب الروح "أن من سلَّم على ميت وهو يعرفه في الدنيا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام".
وأما أين يقف الزائر فنقول: يقف عند رأس الميت مستقبلاً إياه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اللهم اغفر له
(17/288)

وارحمه، وعافه واعف عنه، ويدعو له بما شاء ثم ينصرف، وهذا غير الدعاء العام الذي يكون لزيارة المقبرة عموماً. فإنه يقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هي أقسام زيارة المقابر؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة القبور نوعان:
النوع الأول: يقصد الإنسان شخصاً معيناً فهنا يقف عنده، ويدعو بما شاء الله عز وجل، كما فعل عليه الصلاة والسلام حين استأذن الله عز وجل أن يستغفر لأمه فلم يأذن الله له، واستأذنه أن يزورها فأذن له، فزارها صلوات الله وسلامه عليه ومعه طائفة من أصحابه رضي الله عنهم.
النوع الثاني: أن تكون زيارته لعموم المقبرة فهنا يقف أمام القبور ويسلم كما كان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك إذا زار البقيع. يقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية".
(17/289)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز زيارة قبر أمي حيث ماتت منذ أكثر من عشر سنوات؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة القبور أمر بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الا?خرة"، فينبغي للإنسان أن يزور المقابر، ويعتبر ويتعظ، ويدعو لهم بما ورد مثل: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم".
وزيارة قبر أمك بخصوصه لا بأس به، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأل الله عز وجل أن يزور قبر أمه فأذن له سبحانه وتعالى، واستأذن أن يستغفر لها فلم يأذن له، لأن أم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماتت على الكفر قبل أن يُبعث النبي عليه الصلاة والسلام. فدل هذا على أنه يجوز للإنسان أن يزور قبر أبيه، أو أمه، أو قريبه على وجه الخصوص.
إلا أن أهل العلم لا يجوزونه على القول الراجح، إذا احتاج إلى شد رحل وسفر، لكن إذا كانت أمك في بلدك جاز لك زيارة قبرها، كما علمت، أما في بلد آخر فادع الله لها وأنت في بلدك، والله قريب مجيب، ولا تسافر من أجل زيارة قبرها، والله الموفق.
* * *
(17/290)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم زيارة قبور الأقرباء؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة القبور عامة سُنة أمر بها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، فإنها تذكر الا?خرة"، والزائر للقبور يزورها لمصلحة أهل القبور، ولمصلحته هو بالأجر الذي يناله من زيارتها، وبالعبرة والعظة.
وليس يقصدهم من أجل الدعاء عند قبورهم لنفسه أو لغيره، وليس يقصدهم من أجل أن يتبرك بهم، وليس يقصدهم من أجل أن يدعوهم من دون الله، أو يدعوهم ليكونوا له وسطاء بينه وبين الله فكل هذا من الزيارات البدعية، وقد تكون زيارات شركية مخرجة عن الإسلام حسب ما تقتضيه نصوص الشريعة.
وإنما يزور الإنسان المقبرة للسلام عليهم، كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم".
ولا بأس أن يزور أحد قبر أمه، أو أبيه، أو أحد من أصحابه، فيسلم عليه ويدعو له بما يتيسر، سواء طال عهد موته أم قصر، ولكن إذا رأى أن زيارته لأبيه، أو أمه، أو أحد من أقربائه أنها تبعث الأحزان في نفسه والهم والغم، أو ما هو أشد من ذلك من النياحة،
(17/291)

فإنه حتى في مثل هذه الحالة يتجنب الزيارة، ويدعو لهم بما يستطيع ولو كان في بيته. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل لزيارة القبور وقت محدد بالنسبة للرجال وهل هناك وقت نهي لزيارة القبور؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة القبور ليس لها وقت محدد أي ساعة من الليل أو النهار، تزورها فلا بأس، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه زارها ليلاً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عندنا في القرية وفي ليلة عيد الفطر، أو ليلة عيد الأضحى المبارك عندما يعرف الناس أن غداً عيد يخرجون إلى القبور في الليل ويضيئون الشموع على قبور موتاهم ويدعون الشيوخ ليقرأوا على القبور، ما صحة هذا الفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا فعل باطل محرم، وهو سبب للعنة الله عز وجل، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج، والخروج إلى المقابر في ليلة العيد ولو لزيارتها بدعة فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يرد عنه أنه كان يخصص ليلة العيد، ولا يوم العيد لزيارة المقبرة وقد ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إياكم
(17/292)

ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، فعلى المرء أن يتحرى في عباداته، وكل ما يفعله مما يتقرب به إلى الله عز وجل أن يتحرى في ذلك شريعة الله تبارك وتعالى؛ لأن الأصل في العبادات المنع والحظر، إلا ما قام الدليل على مشروعيته، وما ذكره السائل من إسراج القبور ليلة العيد، قد دل الدليل على منعه، وعلى أنه من كبائر الذنوب كما أشرت إليه قبل قليل من أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز شد الرحال إلى قبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب فضيلته بقوله: من يشد الرحال إلى قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل ذلك من أجل السلام عليه، ونقول: إن الله قد كفاك، فأي إنسان يسلم على الرسول عليه الصلاة والسلام في أي مكان فإن تسليمه يبلغه، فلا يجوز أن يشد الرحال من أجل زيارة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن ذلك أقل ما فيه إضاعة مال، وإضاعة المال محرمة.
لكن لو شد الرحل للمسجد النبوي فهذا جائز، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"، وإذا وصلت إلى المسجد
(17/293)

فصل تحية المسجد وقم بزيارة قبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقم بزيارة قبر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه بالبقيع، وقم بزيارة أهل البقيع كلهم، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يزور البقيع.
والحكمة من زيارة البقيع وسائر القبور من أجل تذكر الا?خرة والدعاء لهم، لا من أجل الدعاء عند القبر أو الاستغاثة بأهل القبور. قال عليه السلام وهو المشرع للأمة المبين لحكم الشريعة قال: "زوروا القبور فإنها تذكركم الموت"، وفي لفظ: "تذكركم الا?خرة" هذا المقصود، فهؤلاء القوم هم الا?ن في باطن الأرض لا يملكون زيادة حسنة ولا نقص سيئة من أعمالهم، وأنت الا?ن على ظهر الأرض تستطيع أن تزيد حسنة في حسناتك، أو أن تستغفر من سيئة. فتذكر الموت، وتذكر الا?خرة، وهي دار الجزاء فإن هذا هو المقصود. والعبد ليس له عهد من الله أنه سيبقى مدة بعد هذه الزيارة، وأنت يا أخي لا تدري لعلك تزور هؤلاء الموتى صباحاً، ويزورك أقاربك في هذه القبور مساء، فاستعد للموت، تب إلى الله عز وجل مما فرطت في حق الله، وفرطت في حق عباد الله. فهذا هو المقصود من زيارة القبور.
أما إذا أردت أن تدعو الله، فادع الله في بيوته وهي المساجد.
وأقبح من الدعاء عند القبور! دعاء أهل القبور، فيقول: يا
(17/294)

ربي الله، يا سيدي، يا فلان، افعل كذا وكذا، ارزقني مثلاً وهذا شرك أكبر يستحق فعله ما ذكره الله في قوله: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} . نسأل الله تعالى أن يختم لنا ولكم بالتوحيد والإخلاص والسنة إنه على كل شيء قدير.
(17/295)

فصل في زيارة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقبري صاحبيه رضي الله عنهما
بعد أن يُصلي في المسجد النبوي أول قدومه ما شاء الله أن يُصلي، يذهب للسلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
1 فيقف أمام قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مستقبلاً للقبر مستدبراً للقبلة، فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وإن زاد شيئاً مناسباً فلا بأس مثل أن يقول: السلام عليك يا خليل الله وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.
وإن اقتصر على الأول فحسنٌ.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سلم يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتِ، ثم ينصرف.
2 ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام أبي بكر رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا خليفة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
(17/296)

3 ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام عمر رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا عمر، السلام عليك يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
وليكن سلامه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحبيه بأدب، وخفض صوت، فإن رفع الصوت في المساجد منهيٌّ عنه، لاسيما في مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعند قبره.
وفي "صحيح البخاري" عن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً أو نائماً في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما فقال: مَن أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما جلداً، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولا ينبغي إطالة الوقوف والدعاء عند قبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقبري صاحبيه، فقد كرهه مالك وقال: هو بدعة لم يفعلها السلف، ولن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي إلى قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، بل كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون فيه خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وهم يقولون في الصلاة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل.
(17/297)

قال: وكان أصحابه خير القرون، وهم أعلم الأمة بسنته، وأطوع الأمة لأمره.
قلت: وأقواهم في تعظيمه ومحبته، وكانوا إذا دخلوا إلى مسجده لا يذهب أحد منهم إلى قبره، لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، وكانت الحجرة في زمانهم يُدخَلُ إليها من الباب إلى أن بُني الحائط الا?خر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه، لا لسلام، ولا لصلاة عليه، ولا لدعاء لأنفسهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم!
ولم يكن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم يأتيه ويسأله عن بعض ما تنازعوا فيه، كما أنهم أيضاً لم يطمع الشيطان فيهم فيقولُ: اطلبوا منه أن يأتي لكم بالمطر، ولا أن يستنصر لكم، ولا أن يستغفر كما كانوا في حياته يطلبون منه أن يستسقي لهم، وأن يستنصر لهم.
قال: وكان الصحابة إذا أراد أحدٌ أن يدعو لنفسه، استقبل القبلة ودعا في مسجده كما كانوا يفعلون في حياته، لا يقصدون الدعاء عند الحجرة، ولا يدخل أحدهم إلى القبر.
قال: وكانوا يقدمون من الأسفار للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك، فيصلون في مسجده، ويسلمون عليه في الصلاة، وعند دخولهم المسجد والخروج منه، ولا يأتون القبر؛ إذ كان هذا عندهم مما لم يأمرهم به. ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر، وقد يكون فعله غير ابن عمر أيضاً، ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل ابن عمر
(17/298)

رضي الله عنهما.
ولا يتمسَّح بجدار الحجرة، ولا يقبله، فإن ذلك إن فعله عبادة لله وتعظيماً لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وقد أنكر ابن عباس رضي الله عنهما على مُعاوية رضي الله عنه مسح الركنين الشامي والغربي من الكعبة، مع أن جنس ذلك مشروع في الركنين اليمانيين. وليس تعظيم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومحبته بمسح جدران حجرة لم تبن إلا بعد عهده بقرون، وإنما محبته وتعظيمه باتباعه ظاهراً وباطناً، وعدم الابتداع في دينه ما لم يشرعه.
قال الله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} .
وأما إن كان مسح جدار الحجرة وتقبيله مجرد عاطفة أو عبث فهو سفه وضلال لا فائدة فيه، بل فيه ضرر وتغرير للجهال.
ولا يدعو رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجلب منفعة له، أو دفع مضرة، فإن ذلك من الشرك، قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى? أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ دَاخِرِينَ} . وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَداً} ، وأمر الله نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يعلن لأمته بأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فقال تعالى: {قُل لاّ? أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَآءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّو?ءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ، وإذا كان لا يملك ذلك لنفسه، فلا يمكن أن يملكه
(17/299)

لغيره.
وأمره سبحانه أن يعلن لأمته أنه لا يملك مثل ذلك لهم، فقال تعالى: {قُلْ إِنِّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً} .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَْقْرَبِينَ} قام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملكُ لكم من الله شيئاً، سَلُوني من مالي ما شئتم"، رواه مسلم.
ولا يطلب من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يدعو له، أو يستغفر له، فإن ذلك قد انقطع بموته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لما ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "إذا مات ابن آدمَ انقطع عمله".
فأما قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُو?اْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} فهذا في حياته، فليس فيها دليل على طلب الاستغفار منه بعد موته؛ فإن الله قال: {إذ ظلموا} ولم يقل: إذا ظلموا أنفسهم، (وإذ) ظرف للماضي لا للمستقبل، فهي في قوم كانوا في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا تكون لمن بعده.
فهذا ما ينبغي في زيارة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقبري صاحبيه
(17/300)

والسلام عليهم.
وينبغي أن يزور مقبرة البقيع، فيسلم على من فيها من الصحابة والتابعين، مثل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فيقف أمامه ويسلم عليه فيقول: السلام عليك يا عثمان بن عفان، السلام عليك يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
وإذا دخل المقبرة فليقل ما علمه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمته كما في "صحيح مسلم" عن بُريدة رضي الله عنه قال: "كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاءالله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية".
وفيه أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد".
وإنْ أحبَّ أن يخرج إلى (أُحد) ويزور الشهداء هناك فيسلم عليهم ويدعو لهم ويتذكر ما حصل في تلك الغزوة من الحكم والأسرار فحسن.
* * *
(17/301)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نرى بعض الناس في المسجد النبوي يقف مستقبلاً قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أي مكان في المسجد فهل هذه الصفة مشروعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان يريد بذلك أن يسلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنقول له: أدن من القبر، فإن زيارة القبر لابد فيها من الدنو، وإذا كنت تريد أن تدعوه فهو شرك أكبر يخرجك من ملة الرسول عليه الصلاة والسلام، أو أن تدعو الله متوجهاً إلى القبر فهذا بدعة ووسيلة للشرك، وليس من المعقول أن تنصرف من بيت الله إلى قبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن بيت الله الذي يجب على كل مسلم أن يتجه إليه في صلاته أفضل من قبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأفضل بقعة على وجه الأرض هو بيت الله عز وجل الكعبة فلا يليق بك وأنت تدعي أنك تعبد الله أن تتوجه بدعائك إلى قبر الرسول عليه الصلاة والسلام دون أن تتوجه إلى بيت الله، هذا من تسفيه ومن إضلال الشيطان لبني آدم وإغوائه إياهم، وإلا فبمجرد أن يفكر الإنسان بقطع النظر عن الدليل الشرعي يعلم أن هذا ضلال وسفه، حينئذ نقول للواقف على هذا الوجه يريد التسليم على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نقول له: ادن من القبر. والذي يدعو الله متوجهاً إلى القبر، نقول: هذا بدعة ووسيلة للشرك وضلال في الدين وسفه في العقل؛ لأن توجهك إلى بيت الله أولى من توجهك إلى قبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وإذا كان يتوجه هذا التوجه يدعو الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو مشرك شركاً أكبر يخرجه عن ملة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
* * *
(17/302)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما بالنا نتخذ من قبر الرسول عليه الصلاة والسلام مسجداً؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا سؤال تلبيس وتشبيه على الناس يريد هؤلاء القوم الذين يبنون المساجد على قبورهم، أو يدفنون موتاهم في مساجدهم يريدون أن يلبسوا على العامة أن قبر الرسول عليه الصلاة والسلام بني عليه المسجد، مع أن القبر منفرد في حجرة منفصلة، فالمسجد لم يبن على قبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا شك في هذا؛ لأن المسجد سابق على القبر، فالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يدفن في المسجد. إذن انتفت الشبهة، والمسجد لم يبن على القبر وإنما دفن عليه الصلاة والسلام في حجرة عائشة رضي الله عنها ثم لما زيد في المسجد في عام (أربعة وتسعين) هجرية أدخلوا الحجرة، ولعل هذا من نعمة الله عز وجل؛ لأن وجودها في المسجد على فرض أنها في المسجد أحمى لها مما لو كانت خارج المسجد، وأحمى للأمة من الشرك مما لو كانت خارج المسجد، ولهذا تقول عائشة رضي الله عنها لما ذكرت بناء الأمم السابقة على قبور أنبيائهم قالت: "ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً" وعلى هذا فلا شبهة في هذا إطلاقاً والأمر ولله الحمد واضح.
(17/303)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كيف نجيب عبَّاد القبور الذين يحتجون بدفن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد النبوي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن المسجد لم يبن على القبر بل بني في حياة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الوجه الثاني: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يدفن في المسجد حتى يقال إن هذا من دفن الصالحين في المسجد؛ بل دفن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بيته.
الوجه الثالث: أن إدخال بيوت الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق الصحابة، بل بعد أن انقرض أكثرهم، وذلك في عام (أربعة وتسعين) هجرية تقريباً، فليس مما أجازه الصحابة؛ بل إن بعضهم خالف في ذلك وممن خالف أيضاً سعيد بن المسيب.
الوجه الرابع: أن القبر ليس في المسجد حتى بعد إدخاله، لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد فليس المسجد مبنيًّا عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظاً ومحوطاً بثلاثة جدران، وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة أي أنه مثلث، والركن في الزاوية الشمالية حيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى لأنه منحرف، وبهذا يبطل احتجاج أهل القبور بهذه الشبهة.

س 072 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عندما
(17/304)

يدفن الميت يتركه أهله أربعون يوماً لا يزورونه وبعد ذلك يذهبون لزيارته بحجة أنه لا يجوز زيارة الميت قبل أربعين يوماً فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: قبل الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نبين أن زيارة القبور سنة في حق الرجال أمر بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن نهى عنها، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم بالا?خرة". والزائر الذي يزور القبور يزورها.
أولاً: امتثالاً لأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثانياً: اعتباراً بحال هؤلاء الأموات الذين كانوا بالأمس معه على ظهر الأرض، يأكلون كما يأكل، ويشربون كما يشرب، ويلبسون كما يلبس، ويتنعمون في الدنيا كما يتنعم، فأصبحوا الا?ن مرتهنين في قبورهم بأعمالهم، ليس عندهم صديق ولا حميم، وإنما جليسهم عملهم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله" فيعتبر الزائر بحال هؤلاء.
والفائدة الثالثة: أنه يتذكر الا?خرة، وأنها المقر والمرجع، وأن الدنيا دار ممر وليست دار مقر، ومع ذلك فليست القبور هي المثوى الأخير فبعدها ما بعدها من اليوم الا?خر، وأما البقاء في
(17/305)

القبور فهو زيارة كما قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} .
وقد ذُكِر أن أعرابياً سمع قارئاً يقرأ هذه الا?ية {حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} فقال: والله ما الزائر بمقيم وإن وراء هذه الزيارة لأمر إقامة.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى كلمة يقولها بعض الناس من غير روية وتدبر لمعناها وهو أنهم إذا تحدثوا عن الميت قالوا: "ثم آووه إلى مثواه الأخير". "أو دفن في مثواه الأخير"، وكلمة (مثواه الأخير) لو دُقق في معناها لكانت كفراً؛ لأنه إذا كان القبر هو المثوى الأخير فمعناه (أنه لا بعد ذلك من مقر) ، وهذا أمر خطير لأن الإيمان بالله واليوم الا?خر من أركان الإيمان، لكن الذي يظهر لي أن العامة يقولونها من غير تدبر لمعناها، لكن يجب التنبه لذلك لخطورة ذلك، فمن اعتقد أن القبر هو المثوى الأخير وأنه ليس بعده شيء فقد أخطأ.
الفائدة الرابعة من زيارة القبور: أن الزائر يسلِّم على أهل القبور ويدعو لهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية.
وأما من يزور القبور للدعاء عندها فإن ذلك من البدع فالمقبرة ليست مكاناً للدعاء حتى يذهب ليدعو الله عندها، كالدعاء عند قبر رجال صالح أو ما أشبه ذلك، وأشد من ذلك من يذهب إلى
(17/306)

المقبرة ليدعو أصحاب القبور ليستغيث بهم ويستعين بهم فإن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله. قال الله عز وجل: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى? أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} . وقال الله عز وجل: {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللهِ أَحَداً} . فمن دعا غير الله لقضاء حاجته من هؤلاء الأموات فقد أشرك بالله شركاً أكبر.
وليعلم أن زيارة القبور لا تختص بوقت معين، ولا بليلة معينة بل يزورها الإنسان ليتذكر، ولقد زار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البقيع ذات مرة في الليل وهو دليل على أن الزيارة لا يشترط لها يوم معين.
أما فيما يتعلق بسؤال السائل وهو أن أهله لا يزورونه إلا إذا تم له أربعون يوماً، فهذا لا أصل له، بل للإنسان أن يزور قبر قريبه من ثاني يوم دفن، ولكن لا ينبغي للإنسان إذا مات له الميت أن يعلق قلبه به وأن يكثر التردد إلى قبره؛ لأن هذا يجدد له الأحزان، وينسيه ذكر الله عز وجل، ويجعل أكبر همه أن يكون عند هذا القبر، وربما يبتلى بالوساوس والخرافات والأفكار السيئة بسبب هذا.
(17/307)

* * *

رسالة
سماحة الشيخ الوالد الشيخ محمد بن صالح العثيمين وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
بعض الناس يذهب لزيارة مكان في الأبواء يزعمون أنه مكان قبر أم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويتوسلون بها، وبعضهم يطلب منها كشف الكربات وتنفيس الشدائد وإجابة الدعوات، وربما اقترن بعملهم ذلك اعتقاد بأن أم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أحياها الله فآمنت به ثم ماتت. والسؤال: ما حكم زيارة قبرها إن صح معرفة مكانه؟ وهل ما ذكر من إحيائها وإيمانها صحيح؟
وما حكم دعاء المخلوق وسؤاله كشف الكربة وإجابة الدعاء؟
وهل كون الميت من الأنبياء أو الصالحين يبيح للإنسان دعائه وسؤاله، نرجو بسط الجواب لمسيس الحاجة إلى ذلك، نفع الله بكم.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
إن هذا المكان الذي يدعى أنه قبر أم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غير مشهور في السابقين، وإذا كان غير مشهور في السابقين كان تعيينه دعوى من المتأخرين لا دليل عليها، فيكون تعيينه من اتباع الظن، والظن
(17/309)

لا يغني من الحق شيئاً، ويكون الزائرون له على الوجه المذكور في السؤال مخطئين من وجوه:
الأول: أنه لم يثبت أن هذا قبرها فيكونون اتبعوا ما ليس لهم به علم.
الثاني: أن زيارته ليست مستحبة، ولهذا لم يفعلها الصحابة رضي الله عنهم وهم أشد حباً منا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأقوى اتباعاً لسنته، وإنما كانت زيارة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من باب شفقة الولد لأمه، ومع ذلك لم يؤذن له أن يستغفر لها، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي".
الثالث: أن التوسل بها من باب التوسل الممنوع، فإن التوسل بأموات المسلمين من باب الشرك، فكيف التوسل بمن مات قبل البعثة، وبمن مُنع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يستغفر له.
الرابع: أن طلب كشف الكربات من الأموات شرك أكبر مخرج عن ملة الإسلام، وهو سفه وضلال، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} . وقال تعالى: {وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ
(17/310)

وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الأَْخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} .
وأما اعتقاد أن أم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحياها الله تعالى فآمنت به ثم ماتت، فاعتقاد باطل لا أساس له، والحديث المروي في ذلك موضوع.
وكون الإنسان من الأنبياء، أو الصالحين لا يبيح دعاء الناس، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصالح لا يرضى بذلك.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 14/2/1419 هـ.
* * *
(17/311)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم زيارة المرأة للقبور؟ وما الحكمة من منع النساء من زيارة القبور؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة ليس لها زيارة القبور، بل القول الراجح من أقوال أهل العلم أن زيارتها للقبور محرمة، بل هي من الكبائر، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور، ولا يكون اللعن إلا على إثم كبير، ولهذا جعل أهل العلم من علامات الكبيرة أن يترتب عليها اللعن، لأنه عقوبة عظيمة، والعقوبة العظيمة لا تكون إلا على ذنب عظيم.
ولكن إذا مرت المرأة على المقابر فلا حرج عليها أن تقف وتدعو لأصحاب القبور، أما أن تخرج من بيتها قاصدة الزيارة فهذا هو المحرم.
والحكمة من ذلك أن في زيارة النساء للقبور مفاسد، منها أن المرأة ضعيفة الإرادة، قوية العاطفة، وربما لا تتحمل إذا وقفت على قبر قريبها كأمها، أو أبيها، فيحدث منها البكاء والنواح والعويل مما يكون له ضرر عليها في دينها وبدنها.
ومن الحكمة أيضاً: أن المرأة إذا مكنت من زيارة القبور التي غالباً ما تكون خالية من الناس فإنها قد يتعرض لها الفساق، وأهل الفجور في هذا المكان الخالي فيحصل لها ما لا تحمد عقباه.
ومن الحكمة أيضاً: أن المرأة وهي الضعيفة العزيمة، القوية العاطفة قد تتخذ من زيارة القبور ديدناً لها فتضيع بذلك مصالح
(17/312)

دينها ودنياها، وتبقى نفسها معلقة بهذه الزيارة.
ولو لم يكن من الحكمة في منع زيارة النساء للقبور إلا أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور لكان هذا كافياً في الحذر منها، وفي البعد عنها؛ لأن الله تعالى إذا قضى أمراً في كتابه أو على لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه لا خيرة لنا. {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً} .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: أرجو من سماحتكم التفصيل في مسألة زيارة المرأة للمقابر؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة المرأة للمقابر محرمة، بل من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول عليه السلام لعن زائرات القبور، ولكن إذا مرت المرأة بالمقبرة من غير أن تخرج من أجل الزيارة فلا حرج عليها أن تقف وتدعو لهم، كما يفيده ظهر حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: روى مسلم من حديث محمد بن قيس قال: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله كيف أقول لهم؟ قال عليه الصلاة والسلام: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاءالله بكم للاحقون"، ألا يدل هذا الحديث مع حديث أم عطية رضي الله عنها "نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعْزَمْ علينا"، وغيرها من الأحاديث دلالة واضحة على جواز زيارة النساء للمقابر إذا كن لا يفعلن ما حرم الله، وإذا لم يكن كذلك كيف توجهون حديث محمد بن قيس؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكرنا في ما سبق جواباً يدل على حكم هذه المسألة وأشرنا إلى حديث عائشة هذا، وقلنا: إن السنة تدل على أن المرأة إذا خرجت تريد زيارة القبور فإن هذا من كبائر الذنوب، وأما إذا مرت بها بدون قصد ووقفت وسلمت فإن هذا لا بأس به وعلى هذا ينزل حديث عائشة رضي
(17/313)

الله عنها حتى تلتئم السنة ولا يحصل فيها تناقض.
وأما حديث أم عطية رضي الله عنها "نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا" فإن كثيراً من أهل العلم قال: إن الاعتبار بما روت "نهينا عن اتباع الجنائز" وكونها تقول: "ولم يعزم علينا" هذا تفقه منها، قد يكون هذا مراد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد لا يكون، ولأن الاتباع غير الزيارة؛ لأن اتباع الجنائز يبعد أن
(17/314)

يكون فيه محذور لوجود الرجال مع الجنازة، ومنعهن من المحذور فيما لو أراد النساء أن يفعلن ذلك بخلاف الزيارة.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن زيارة النساء لقبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة المرأة للقبور محرمة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور، واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله ولا لعن على فعل إلا من كبائر الذنوب، ولهذا قال العلماء: كل ذنب كانت عقوبته اللعنة فهو من كبائر الذنوب.
أما زيارة النساء لقبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فيرى بعض العلماء أنه لا بأس أن تزور المرأة قبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن زيارتها لقبره ليست زيارة حقيقية؛ لأن القبر محاط بجدران منفصل، حتى لو وقفت عنده تريد الزيارة فهي لم تزر القبر؛ لأن بينها وبين القبر كما قال ابن القيم: أحاطه بثلاثة جدران. بينها وبينه جدار وليست كالتي تقف على القبر بدون أن يحول بينها وبينه شيء، ولهذا استثنى بعض العلماء هذه الزيارة، وقال: إنها حقيقة ليست زيارة؛ لأن المرأة لا تباشر القبر، ولكن لا شك أن الاحتياط والأولى أن لا تزور، ونقول للمرأة هوني عليك إذا قلت السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فهناك أمناء ينقلون هذا السلام إلى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "فأكثروا عليّ من الصلاة فإن صلاتكم
(17/315)

معروضة عليّ"، فهي وإن كانت في أبعد ما يكون عن القبر إذا سلمت على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن السلام يبلغه فلتهون على نفسها، ولتعلم أنها لم تحرم الخير، وعندها الروضة فيها زيارة وقد قال فيها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة"، وهذا عام للرجال والنساء.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما الفرق بين زيارة النساء لقبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيره؟ وهل النهي عام أم يستثنى منه قبر النبي عليه السلام؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك ما يدل على تخصيص قبر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراجه من النهي عن زيارة القبور بالنسبة للنساء، ولهذا نرى أن زيارة المرأة لقبر الرسول عليه الصلاة والسلام كزيارتها لأي قبر آخر، والمرأة يكفيها والحمد لله أنها تسلم على النبي عليه الصلاة والسلام في صلاتها، وإذا سلمت فإن تسليمها يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام أينما كانت.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم زيارة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للنساء والسلام عليه؟
(17/316)

فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أن زيارة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كزيارة غيره، وأنه لا يجوز للمرأة أن تزور قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما لا يجوز لها أن تزور قبر غيره لعموم الحديث وهو: "لعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: امرأة تسأل تقول: هل مجيء العادة الشهرية عند زيارة الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام دليل على أن الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد غضبا عليها؟ ماذا أفعل لكي أنال محبة الله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لي؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال تضمن مسألتين:
الأولى: قولها إتيان العادة الشهرية عند زيارة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجواباً على هذا فنقول: إنه لا يشرع للمرأة زيارة قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن ذلك بقوله: "لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج"، فعلى هذا لا تزور المرأة قبره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإذا صلت المرأة عليه في مكانها وسلمت عليه في مكانها فإن ذلك يبلغه مهما كان مكانها.
وأما المسألة الثانية: فهي عن سؤالها عما يوجب محبة الله لها ورضاه عنها فنقول: إن الذي يوجب ذلك هو محبتها له، واتباع أمره وأمر رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قال سبحانه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِى
(17/317)

يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} . فعليك أيتها السائلة أن تحرصي على طاعة الله، وطاعة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مخلصة في ذلك لله عز وجل، متبعة لهدي رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبهذا تنالين الحياة الطيبة، والأجر الحسن في الا?خرة، كما قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} . والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم زيارة النساء للقبور عامة وقبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما زيارة المرأة للقبور فهي محرمة بل من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج، ولأن المرأة ضعيفة، وسريعة العاطفة، وسريعة التأثر فزيارتها للقبور يحصل بها محاذير عديدة، ولأن المرأة إذا زارت القبور فإنها لعاطفتها ولينها ربما تكرر هذه الزيارة فتبدو المقابر مملوءة بالنساء، ولأنه إذا حصل ذلك ربما يكون هذا مرتعاً لأهل الخبث والفجور يترصدون النساء في المقابر، والغالب أن المقابر تكون بعيدة عن محل السكن فيحصل بذلك شر عظيم، لذلك كان لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لزائرات القبور مبنياً على حكم عظيمة توجد في زيارة المرأة للمقبرة، لكن لو أن المرأة مرت
(17/318)

بالمقبرة من غير قصد لزيارتها ووقفت وسلمت السلام المشروع، وهو: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، فإن ذلك لا بأس به لأن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ماذا تقول إذا مرت بالقبور، فبين لها الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الذكر. أما أن تتعمد الزيارة فإن ذلك محرم، ومن كبائر الذنوب.
أما زيارة النساء لقبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن الظاهر أنها داخلة في العموم، وأن المرأة لا تزور قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقال بعض العلماء: إنها تزور قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليسا بارزاً كالقبور الأخرى، بل هو محاط بثلاثة جدران، فهي إذا زارته لم تكن في الحقيقة زائرة له، بل وقفت حوله، ولكن لا شك أن هذا يسمى زيارة عرفاً، وإذا كان يسمى زيارة فلا تزور، ويكفيها أن تقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وهي تصلي فإن تسليمها هذا يبلغ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويحصل لها به الثواب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز للمرأة زيارة مقبرة البقيع؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة المرأة للقبور حرام سواء البقيع أو غيره لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لعن زائرات القبور) وهو بهذا اللفظ صحيح أو حسن.
(17/319)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل أستطيع أن أزور قبر ابني حيث إنه مات وقد سمعت من بعض الناس أنهم يقولون: إن الوالدة إذا ذهبت إلى القبر قبل طلوع الشمس من اليوم الجمعة ولم تبك وقرأت سورة الفاتحة يمكن لولدها أن يراها بحيث تكون المسافة بينهما مثل ثقوب المنخل وإذا بكت عليه حُجبت عنه، ما صحة هذا؟ وما حكم زيارة النساء للقبور؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الذي ذكر من عمل المرأة إذا زارت قبر ابنها يوم الجمعة قبل طلوع الشمس وقرأت الفاتحة ولم تبك فإنه يكشف لها عنه حتى تراه كأنما تراه من خلال المنخل، نقول: إن هذا القول ليس بصحيح، وهو قول باطل لا يعول عليه.
* وأما حكم زيارة النساء للقبور فقد اختلف العلماء فيه:
فمنهم: من كرهها.
ومنهم: من أباحها إذا لم تشتمل على محظور.
ومنهم: من حرمها.
والصحيح: الراجح عندي من أقوال أهل العلم رحمهم الله أن زيارة النساء للقبور حرام لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، واللعن لا يكون على فعل مباح، ولا يكون على فعل مكروه، بل يكون اللعن على فعل محرم، بل إن القاعدة المعروفة عند أهل العلم تقتضي أن تكون
(17/320)

زيارة النساء للقبور من كبائر الذنوب؛ لأنه ترتب عليها اللعنة، والذنب إذا رتبت عليه اللعنة صار من كبائر الذنوب كما هو الأصل عند كثير من أهل العلم أو أكثرهم، وعلى هذا فإن نصيحتي لهذه المرأة التي توفي ولدها أن تكثر من الاستغفار والدعاء له في بيتها، وإذا قبل الله تعالى ذلك منها فإنه ينتفع به الولد وإن لم تكن عند قبره.
* * *
(17/321)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم ... حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد
الصواب أن زيارة المرأة للقبور إن كانت استقلالاً بأن خرجت من بيتها لذلك فهو حرام؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور، وفي حديث آخر: زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج، وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عما أعل به هذان الحديثان فيما بين صفحتي 843 353 مج 42 من مجموع الفتاوى لابن قاسم، وأجاب عن لفظ (زوارات) بأنه قد يكون لتعدد الزائرات لا لتعدد الزيارة من الواحدة، واستشهد لذلك بقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وفتّحت أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} في قراءة من شدد التاء.
أما إذا كانت زيارة المرأة للمقبرة عرضاً بأن مرت بها في طريقها إلى غرض آخر فوقفت عندها للسلام على أهلها فلا بأس بذلك إن شاءالله تعالى، ولعله يستدل له بما رواه مسلم ص 176 ج 1 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي من حديث عائشة رضي الله عنها أن جبريل أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "إن ربك يأمرك أن تأتي أهل
(17/323)

البقيع فتستغفر لهم"، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون"، فإن ظاهر هذا أنها سألت كيف أقول لهم إذا زرتهم، وليس صريحاً فيه لاحتمال أن يكون هذا دعاء لهم بدون زيارة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ص 543 مج 42 من مجموع الفتاوى: وما علمنا أن أحداً من الأئمة استحب لهن زيارة القبور، ولا كان النساء على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وخلفائه الراشدين يخرجن إلى زيارة القبور كما يخرج الرجال. ا. هـ.
* * *
(17/324)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
في 7/1/1339 هـ
من محبكم محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم ... حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم الكريم المؤرخ 42 الماضي وصل، سرنا صحتكم الحمد لله على ذلك، ودعاؤكم لنا بقبول العمرة والصلاة في المسجدين الشريفين نرجو الله قبوله، وأن يجزيكم عنا خيراً. وسؤالكم عن حكم زيارة النساء لقبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فبعض العلماء يرى أن لا بأس بها، لا لمعنى يختص بقبره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن قبره كغيره من القبور يثبت له ما يثبت لها، ولكن لأن قبره محاط ومحجوب بالبناء، فلا يمكن الوقوف على القبر، ولا الوصول إليه، فلا تتحقق الزيارة فيه.
والأولى منع النساء من زيارته؛ لأن الزيارة ليس لها مسمى شرعي، وذهابهن إلى القبر ووقوفهن أمامه يسمى زيارة عرفاً، فثبت لذلك حكم الزيارة وإن كان ثم بناء، كما لو ذهبن إلى البقيع ووقفن عند المقبرة فإنه ينبغي منعهن من ذلك؛ لأنه يسمى زيارة عرفاً.
وربما يقول قائل: إن الوقوف عند المقبرة مع الحائل لا يكون زيارة للقبور لعدم الوصول إلى القبور، ولكن الأول أحوط وأسلم، وإذا أرادات المراة أن تسلم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو تدعو لأهل المقابر
(17/325)

فعلت ذلك وهي في بيتها فإن بيوتهن خير لهن.
وأما سؤالكم عن الحديث الذي في المجلد الأول من المشكاة [ص 555 ط آل ثاني] فقد رجعت إليه في صحيح مسلم، وسنن النسائي، ومسند الإمام أحمد فلم أجده صريحاً في زيارة القبور، وإنما هو في قصة طويلة وفيها أن جبريل أتى النبي فقال: "إن الله يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم"، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين" إلى آخر الحديث. وهذا اللفظ كما ترى ليس صريحاً في الزيارة فلا ينبغي أن يعارض به الأحاديث الدالة على تحريم زيارة القبور للنساء.
ولا شك أن المرأة إذا مرت بالمقبرة غير قاصدة للزيارة فسلمت على أهل القبور فإن ذلك جائز، ولا يدخل في النهي، وعلى هذا فيحمل حديث عائشة رضي الله عنها المذكور على من مرت بالمقبرة، ويبقى النهي محكماً لا معارض له، وقول صاحب المشكاة تعني في زيارة القبور تصرف غير جيد؛ لأنه ليس صريحاً فيه، فلا ينبغي الجزم به.
* وبعد فإن العلماء مختلفون في حكم زيارة النساء للمقبرة على ثلاثة أقوال:
أحدها: الجواز، ودليلهم هذا الحديث، وادعوا أن أحاديث النهي منسوخة.
الثاني: الكراهة، ودليلهم حديث أم عطية رضي الله عنها (
(17/326)

نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا) .
الثالث: التحريم، ودليلهم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج، قالوا: والأحاديث التي استدل بها المجيزون ليست صريحة في الزيارة حتى تكون معارضة لأحاديث النهي، ولو فرض أنها صريحة فإن أحاديث النهي أحوط؛ لأنها دالة على تحريم الزيارة وتلك دالة على جوازها، واجتناب المحرم أولى من فعل المباح، وقول المجيزين: (إن أحاديث النهي منسوخة) مردود؛ لأن من شرط النسخ أن نعلم التاريخ بتأخر الناسخ، ولا دليل على تأخر أحاديث الجواز، وهذه الدعوى التي قالوها يمكن أن يقولها من قال بالتحريم، فيقول: إن أحاديث الإباحة قبل أحاديث النهي فهي منسوخة بها، فالقول بالتحريم أرجح من حيث الدليل، ومن حيث التعليل أيضاً؛ لأن زيارة النساء للقبور يترتب عليها من الشر والفساد ما يقتضي المنع لو لم يرد النهي، فكيف وقد ورد لعن زائرات القبور؟! والله يحفظكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* * *
(17/327)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما الحكم في تخصيص يوم العيد بزيارة المقابر؟ وما حكم زيارة النساء للمقابر وهن يبكين؟
فأجاب فضيلته بقوله: تخصيص يوم العيد بذلك بدعة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن يخصص المقابر بالزيارة يوم العيد، ولا يمكن للمرء أن يخصص وقتاً من الأوقات لعبادة من العبادات إلا بدليل من الشرع، لأن العبادة تتوقف على الشرع في سببها، وفي جنسها، وفي قدرها، وفي هيئتها، وفي زمانها، وفي مكانها، لابد أن يكون الشرع قد جاء في كل هذه الأشياء فإذا خصصنا عبادة من العبادات بزمن معين بدون دليل كان ذلك من البدع، فتخصيص يوم العيد بزيارة المقبرة بدعة ليست واردة من الرسول عليه الصلاة والسلام ولا عن أصحابه رضي الله عنهم.
وأما بالنسبة لزيارة النساء للمقابر فهي محرمة لا يجوز للنساء أن يزرن القبور، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور، فكيف إذا حصل من زيارتهن من البكاء والنياحة فإنه يكون ظلماً فوق ظلم، وقد ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن النائحة والمستمعة، وأخبر أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب والعياذ بالله فعلى النساء أن يتقين الله عز وجل، وأن يبتعدن عن محارمه، ولا يزرن المقابر، والله عليم
(17/328)

بكل شيء.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا كانت المقبرة في طريق المرأة فسلمت عليهم وقرأت الفاتحة وسورة الإخلاص فهل عليها من حرج في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليها حرج في هذا إذا سلمت على أهل القبور ودعت لهم بالرحمة والمغفرة، كما جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم.
وأما قراءة الفاتحة والإخلاص وغيرها من القرآن فإن هذا من البدع فلا ينبغي ذلك، ويكفي السلام والدعاء الوارد في السنة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم زيارة النساء للقبور والنياحة على الميت ومتابعة النساء للجنازة ولبس الثوب الأسود وعمل شادر (صيوان) لقراءة القرآن ليلة الوفاة وليلة الأربعين والسنوية هذا ما يحدث كثيراً في بعض الدول العربية المجاورة والإسلامية نرجو إيضاح هذا الأمر للمسلمين وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير
(17/329)

الجزاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة النساء للقبور حرام بل من كبائر الذنوب إذا خرجن إلى المقابر بقصد ذلك، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن زائرات القبور، أي دعا عليهن باللعنة. واللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا يكون إلا في كبيرة من كبائر الذنوب.
أما إذا خرجت المرأة لحاجة فمرت بالمقابر فلا حرج عليها أن تقف وتسلم على أهل القبور، وعلى هذا يحمل ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله، كيف أقول لهم؟ قال: "قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاءالله بكم للاحقون".
وأما النياحة على الميت فحرام، بل من الكبائر أيضاً، لأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لعن النائحة والمستمعة، أي التي تستمع لها.
وأما اتباع النساء للجنائز فحرام لقلة صبرهن، ولما في ذلك من التعرض للفتنة والاختلاط بالرجال.
وأما لبس السواد عند المصيبة فمن البدع، وكذلك عمل الشادر لقراءة القرآن ليلة الوفاة، أو ليلة الأربعين أو على مدار السنة؛ لأن مثل هذه الأشياء لم تكن تفعل في عهد السلف الصالح،
(17/330)

ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
جعلنا الله جميعاً من الصالحين المصلحين إنه جواد كريم. حرر في 31/01/0241هـ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل ترد أرواح الموتى إليهم يومي الاثنين والخميس ليردوا السلام على الزوار؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا أصل له، وزيارة المقابر مشروعة كل وقت لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "زوروا القبور فإنها تذكركم الا?خرة"، وينبغي للزائر أن يفعل ما كان يفعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السلام عليهم دون القراءة فقد كان يقول عليه الصلاة والسلام: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم للاحقون، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم". ولا تنبغي القراءة على القبر؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما لم يرد عنه فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يعمله.
واعلم أن المقصود بالزيارة أمران:
أحدهما: انتفاع الزائر بتذكر الا?خرة والاعتبار والاتعاظ، فإن هؤلاء القوم الذين الا?ن في بطن الأرض كانوا بالأمس على ظهرها وسيجري لهذا الزائر ما جرى لهم، فيعتبر ويغتنم الأوقات
(17/331)

والفرص، ويعمل لهذا اليوم الذي سيكون في هذا المثوى الذي كان عليه هؤلاء.
الأمر الثاني: الدعاء لأهل القبور بما كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو به من السلام، وسؤال الرحمة، وأما أن يسأل الأموات ويتوسل بهم فإن هذا محرم ومن الشرك، ولا فرق في هذا بين قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقبر غيره، فإنه لا يجوز أن يتوسل أحد بقبر النبي عليه الصلاة والسلام، وبالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد موته، فإن هذا من الشرك. لأنه لو كان هذا حقًّا لكان أسبق الناس إليه الصحابة رضي الله عنهم ومع ذلك فإنهم لا يتوسلون به بعد موته فقد استسقى عمر رضي الله عنه ذات يوم فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، ثم قام العباس رضي الله عنه فدعا وهذا دليل على أنه لا يتوسل بالميت مهما كانت درجته ومنزلته عند الله تعالى، وإنما يتوسل بدعاء الحي الذي ترجى إجابة دعوته لصلاحه واستقامته في دين الله عز وجل، فإذا كان الرجل ممن عرف بالدين والاستقامة وتوسل بدعائه فإن هذا لا بأس به، كما فعل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأما الأموات فلا يتوسل بهم أبداً، ودعاؤهم شرك أكبر مخرج عن الملة، قال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِى? أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} .
(17/332)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يشرع استقبال القبلة عند السلام على الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، يسلم على الميت تجاه وجهه ويدعو له وهو قائم هكذا بدون أن ينصرف إلى القبلة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل السنة أن يسلم الرجل على الأموات عند الدخول في المقبرة فقط أم يشرع ذلك إذا مر بها في الشارع؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال الفقهاء: إن السلام على الأموات يشمل ما إذا قصد الزيارة بالقبور، وعلى هذا فإذا مر بالقبور فليقل ما يقول إذا زارها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يسلم على أهل القبور داخل المقبرة أم في الشارع عند المرور بالمقابر؟
فأجاب فضيلته بقوله: السلام على أهل القبور يكون داخل المقبرة، أي إذا دخل المقبرة، أما إذا مر بها فإن كانت المقبرة مسورة فإنه لا يسلم، وإن لم تكن مسورة فقد قال بعض العلماء: إذا مر بها فليسلم ليحصل على الأجر، لأنه سيدعو لإخوانه فيكون محسناً إليهم، وفي ذلك أجر وخير إن شاءالله.
(17/333)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما كيفية السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند قبره؟
فأجاب فضيلته بقوله: أحسن ما يُسلم به على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند زيارة قبره ما علمه أمته وهو: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. هذا أحسن ما يسلم به على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عند المرور بجانب سور المقبرة هل نسلم على أهل المقابر؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، يقول العلماء يُسنُّ السلام على أهل المقابر سواء مررت أو وقفت، لكن كونك تقف وتسلم وتدعو بما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير من أن تمر، ومرور الناس الا?ن في الغالب بالسيارات ويكون سريعاً ولا يكمل الإنسان ربع الوارد إلا تجاوز المقبرة، أما إذا هناك سور ولا ترى المقابر فلا يكون ذلك زيارة.
* *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كتب على جدران بعض المقابر بالدعاء للمقابر والسلام عليهم، فهل حين المرور على هذه المقابر مع أنها في أسوار محاطة، لا نرى القبور ولا نشاهدها هل يشرع لنا السلام على أهلها أم ماذا نصنع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر أن الذين كتبوا هذا يريدون
(17/334)

تنبيه الداخل إلى المقبرة أن يقول هذا الذكر.
ولكن يبقى النظر فيما لو مر الإنسان هل يسلِّم أو لا؟ يحتمل في ذلك وجهين: إما أن نقول يُسلم، لأنه صدق عليه أنه مر بالمقبرة، وإما أن نقول إنه لا يُسلم، لأنه كما قال السائل لا يشاهد القبور ولم يدخل عليها، ولهذا لو مر الإنسان ببيت إنسان داخل بيته. وهو يعلم أنه في بيته فهل يسلم عليه؟ لا يسلم لكن لو دخل سلم عليه.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تسوير المقابر؟ وهل يشرع السلام على أهل المقابر من خلف الحواجز أو يشترط الدخول للمقبرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: تسوير المقبرة لا بأس به، وربما يكون مأموراً به إذا كانت المقبرة حول مكان يكثر فيه امتهانها لأنه قد يؤمر بذلك لكي لا تمتهن القبور. وأما السلام على أهل القبور من وراء هذا الحائط فأنا متردد فيه، ولكن لو سلم فإنه لا يضر؛ لأن أقل ما نقول فإنه فيه دعاء للأموات وهو محتمل المشروعية.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه الروح أن الميت يعلم بزيارة الزائر في يوم الجمعة وخص ذلك بيوم الجمعة فما دليله؟ وهل الا?ثار التي أوردها صحيحة أم فيها ضعف؟
(17/335)

فأجاب فضيلته بقوله: أما الا?ثار التي أوردها لا أدري عنها، وأما تخصيص ذلك بيوم الجمعة فلا وجه له، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: "زوروا القبور فإنها تذكر الموت"، وثبت عنه أنه زار البقيع ليلاً كما في حديث عائشة رضي الله عنها الطويل المشهور، وعلى هذا فتخصيص معرفته للزائر يوم الجمعة لا وجه له.
كذلك يروي أصحاب السنن بسند صححه ابن عبد البر، وأقره ابن القيم في كتاب الروح، أنه: "ما من رجل يسلم على مسلم يعرفه في الدنيا إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام" في أي وقت.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل المسلم إذا ألقى السلام على الميت في قبره يرد الله عليه روحه ويرد السلام؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الذي ذكر السائل جاء فيه حديث مرفوع صححه ابن عبد البر وهو أنه: "ما من مسلم يمر بقبر رجل مسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا ردَّ الله عليه روحه فردَّ عليه السلام".
* * *

س 492 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ماذا
(17/336)

يستحب عند زيارة القبور؟ وما رأيكم في الكتيبات التي فيها أدعية تقال عند زيارة البقيع؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة القبور نهى عنها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أول الأمر دفعاً للشرك، فلما وضح الإيمان في قلوب الناس أمر بها، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الا?خرة"، وفي رواية "فإنها تذكر الموت" فإذا زار الإنسان القبور فليزرها متعظاً لا عاطفة فبعض الناس يزور قبر أبيه، أو قبر أمه عاطفة، أو حناناً ومحبة، وإن كان هذا من طبيعة البشر لكن الأولى أن تزورها للعلة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام وهي تذكر الا?خرة، تذكر الموت، هؤلاء الذين في القبور الا?ن هم كانوا بالأمس مثلك على ظهر الأرض، والا?ن أصبحوا في بطونها مرتهنين بأعمالهم، لا يملكون زيادة حسنة، ولا إزالة سيئة فتذكر وليس بينك وبين من في القبر مدى معلوم؛ لأنك لا تدري متى يفجؤك الموت، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يوشك أن يأتيني داعي الله فأجيب".
فالإنسان لا يدري متى يموت، فإذن تذكّر! أليس من الناس من خرج إلى عمله حاملاً حقيبته ورجع محمولاً ميتاً؟!
إذن تذكر الموت، وتذكر الا?خرة، وهذا هو المطلوب من زيارة القبور، وليس للدعاء عند القبور مزية عن الدعاء عند غيرها
(17/337)

ومن قصد القبور ليدعو الله عندها فقد ابتدع وأخطأ لأن أقرب مكان يجاب فيه الدعاء هو المساجد بيوت الله أما القبور فلا.
فإذا كان هذا هو حال القلب عند الزيارة التذكر فيقول بلسانه:
السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم. وينصرف.
وأما ما يوجد الا?ن من كتيبات تقال عند زيارة البقيع فكلها بدعة إلا ما وافق السنة، ولا ينبغي للإنسان أن يتعب نفسه بشيء لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقصد التعبد به لله؛ لأنه إذا فعل ذلك فإنه لا ينفعه؛ لأنه مردود عليه "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هناك من يزور القبور ويدعو الأموات وينذر لهم ويستغيث بهم ويستعين بهم لأنهم كما يزعم أولياء لله فما نصيحتكم لهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نصيحتنا لهؤلاء وأمثالهم أن يرجع الإنسان إلى عقله وتفكيره فهذه القبور التي يُزعم أن فيها أولياء تحتاج:
أولاً: إلى إثبات أنها قبور إذ قد يوضع شيء يشبه القبر ويقال هذا قبر فلان كما حدث ذلك مع أنه ليس بقبر.
ثانياً: إذا ثبت أنها قبور فإنه يحتاج إلى إثبات أن هؤلاء
(17/338)

المقبورين كانوا أولياء لله؛ لأننا ما ندري هل هم أولياء لله أم أولياء للشيطان.
ثالثاً: إذا ثبت أنهم من أولياء لله فإنهم لا يزارون من أجل التبرك بزيارتهم، أو دعائهم، أو الاستغاثة بهم، وإنما يزارون كما يزار غيرهم للعبرة، والدعاء لهم فقط، على أنه إن كان في زيارتهم فتنة أو خوف فتنة بالغلو فيهم، فإنه لا تجوز زيارتهم دفعاً للمحظور، ودرءاً للمفسدة.
فأنت أيها الإنسان حكم عقلك فهذه الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها لابد أن تتحقق وهي:
أثبوت القبر.
ب ثبوت أنه ولي.
ج الزيارة لأجل الدعاء لهم، فهم في حاجة إلى الدعاء مهما كانوا، فهم لا ينفعون ولا يضرون، ثم إننا قلنا: إن زيارتهم من أجل الدعاء لهم جائزة ما لم تستلزم محظوراً.

أما من زارهم ونذر لهم وذبح لهم أو استغاث بهم فإن هذا شرك أكبر مخرج عن الملة يكون صاحبه به كافراً مخلداً في النار.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما صفة التعزية؟
فأجاب فضيلته بقوله: أحسن ما يعزى به من الصيغ ما عزى به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحدى بناته حيث أرسلت إليه رسولاً يدعوه ليحضر، وكان لها ابن أو صبية في الموت. فقال عليه الصلاة والسلام لهذا
(17/339)

الرسول: "مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى".
وأما ما اشتهر عند الناس من قولهم: "عظَّم الله أجرك، وأحسن الله عزاءك، وغفر الله لميتك"، فهي كلمة اختارها بعض العلماء، لكن ما جاءت به السنة أولى وأحسن.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هو وقت التعزية؟
فأجاب فضيلته بقوله: وقت التعزية من حين ما يموت الميت، أو تحصل المصيبة إذا كانت التعزية بغير الموت إلى أن تنسى المصيبة وتزول عن نفس المصاب، ولأن المقصود بالتعزية ليست تهنئة أو تحية، إنما المقصود بها تقوية المصاب على تحمل هذه المصيبة واحتساب الأجر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل تجوز التعزية قبل الدفن؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، تجوز قبل الدفن وبعده؛ لأن وقتها من حين ما يموت الميت إلى أن تنسى المصيبة، وقد ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عزى ابنة له حين أرسلت تخبره أن صبياً لها في الموت فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ارجع إليها، فأخبرها أن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر
(17/340)

ولتحتسب".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يقول بعض الناس إنه لا تجوز التعزية قبل دفن الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بصحيح، التعزية متى حصلت المصيبة، أي الموت فإنها مشروعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل المصافحة والتقبيل سنة في التعزية؟
فأجاب فضيلته بقوله: المصافحة والتقبيل ليست سنة في التعزية، وإنما المصافحة عند الملاقاة، فإذا لاقيت المصاب وسلمت عليه وصافحته فهذه سنة من أجل الملاقاة لا من أجل التعزية، ولكن الناس اتخذوها عادة فإن كانوا يعتقدون أنها سنة فينبغي أن يعرفوا أنها ليست سنة، وأما إذا كانت عادة بدون أن يعتقدون أنها سنة فلا بأس بها وعندي فيها قلق. وتركها بلا شك أولى.
* ثم هاهنا مسألة ينبغي التفطُّن لها وهي: أن التعزية يقصد بها تقوية المصاب على الصبر واحتساب الأجر من الله عز وجل، وليست كالتهنئة يهنىء بها كل من حصلت له مناسبة، فمناسبة
(17/341)

الموت إذا أصيب بها الإنسان يُعزى أي بما يقوي صبره واحتسابه الأجر من الله سبحانه وتعالى وقد صارت عند كثير من الناس كالتهاني يأتون إليها أرسالاً، ويعد أهل الميت مكاناً ينتظرون فيه المعزين، وربما صفوا الكراسي، وأوقدوا أنوار الكهرباء، وكل هذا مخالف لهدي السلف الصالح فإنهم لم يكونوا يجتمعون للعزاء، أو يحدثون شيئاً غير عادي من الأنوار، أو غيرها، وقد صرح علماؤنا رحمهم الله بكراهة الجلوس للتعزية، فقال في (المنتهى) وشرحه: وكره جلوس لها أي التعزية بأن يجلس المصاب بمكان ليعزى. وقال في (الإقناع) وشرحه مثل ذلك. وقال النووي في (شرح المهذب) : وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته، قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها. انتهى كلامه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم القصد إلى التعزية والذهاب إلى أهل الميت في بيتهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس له أصل من السنة ولكن إذا كان الإنسان قريباً لأهل الميت ويخشى أن يكون من القطيعة أن لا يذهب إليهم فلا حرج أن يذهب، ولكن بالنسبة لأهل الميت لا يشرع لهم الاجتماع في البيت، وتلقي المعزين؛ لأن هذا عده بعض السلف من النياحة، وإنما يغلقون البيت، ومن صادفهم في السوق أو في المسجد عزاهم، فهاهنا أمران:
الأول: الذهاب إلى أهل الميت، وهذا ليس بمشروع، اللهم إلا كما قلت: إذا كان من الأقارب ويخشى أن يكون ترك ذلك قطيعة.
الثاني: الجلوس لاستقبال المعزين، وهذا لا أصل له، بل عده بعض
(17/342)

السلف من النياحة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم التعزية بالصحف وأحياناً يكتبون آيات كقوله تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة} ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من النعي الذي نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن المقصود به إشهار موته وإعلانه، وهذا من النعي الذي نهى عنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم التعزية بالجرائد؟ وهل هو من النعي المنهي عنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر لي أن إعلان الموت في الجرائد بعد موت الإنسان والتعزية من النعي المنهي عنه، بخلاف النعي قبل أن يصلى على الميت من أجل الصلاة عليه فلا بأس به،
(17/343)

كما نعى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النجاشي حين موته، وأمر الصحابة أن يخرجوا للمصلى فصلى بهم. وأما بعد موته فلا حاجة إلى الإخبار بموته لأنه مات وانتهى، فالإعلان عنه بالجرائد من النعي المنهي عنه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: انتشر في الآونة الأخير التعازي عن طريق الجرائد والمجلات والرد عليها بالشكر على التعزية من قبل أهل الميت، ما حكم هذا العمل؟ وهل يدخل في النعي الممنوع علماً بأن التعزية والرد عليها في الجريدة قد يكلف صفحة كاملة تأخذ الجريدة عليها عشرة آلاف ريال فهل يدخل ذلك في الإسراف والتبذير؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، الذي أرى أن مثل هذا قد يكون من النعي المنهي عنه، وإذا لم يكن منه فإن فيه كما أشرت إليه تبذيراً وإضاعة للمال، والتعزية في الحقيقة ليست كالتهنئة حتى يحرص الإنسان عليها سواء كان الذي فقد ميته حزيناً أم غير حزين.
التعزية إنما يقصد بها أنك إذا رأيت مصاباً قد أثرت فيه المصيبة فإنك تقويه على تحمل المصاب، هذا هو المقصود من التعزية، وليست من باب المجاملات، وليست من باب التهاني، فلو علم الناس المقصود من التعزية ما بلغوا بها هذا المبلغ الذي أشرت إليه من نشرها في الصحف أو الاجتماع لها، وقبول الناس وضع الطعام وغير ذلك.
(17/344)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم السفر من أجل العزاء بحيث يسافر الإنسان من مكانه الذي هو فيه إلى مكان التعزية؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أرى السفر للتعزية، اللهم إلا إذا كان الإنسان قريباً جداً للشخص، وكان عدم سفره للتعزية يعتبر قطيعة رحم، ففي هذه الحال ربما نقول: إنه يسافر للتعزية لئلا يُفضي ترك سفره إلى قطيعة رحم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل العزاء محدد بمكان معين أو بوقت معين؟
فأجاب فضيلته بقوله: العزاء ليس محدداً بمكان؛ بل حيث ما وجدت المصاب: في المسجد، في الشارع، في أي مكان تعزيه، وليس محدداً بزمن أيضاً؛ بل مادامت المصيبة باقية في نفسه فإنه يعزى، ولكن ليس على التعزية التي اعتادها بعض الناس، بحيث يجلسون في مكان، ويفتحون الأبواب، وينيرون اللمبات، ويصفون الكراسي، وما أشبه ذلك فإن هذا من البدع التي لا ينبغي للناس أن يفعلوها، فإنها لم تكن معروفة في عهد السلف الصالح رضي الله عنهم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم التعزية؟ وبأي لفظ تكون مع الدليل؟
(17/345)

فأجاب فضيلته بقوله: تعزية المصاب سنة، وفيها أجر وثواب، ومن عزى مصاباً كان له مثل أجره، ولكن اللفظ الذي يعزى به أفضله ما جاء في السنة: "اصبر واحتسب فإن لله ما أخذ، وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى".
فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أرسلت له إحدى بناته تخبره بطفل، أو طفلة عندها في سياق الموت، فقال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مُرْها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى"، وإن عزى بغير هذا اللفظ مثل أن يقول: أعظم الله لك الأجر، وأعانك على الصبر، وما أشبه فلا حرج؛ لأنه لم يرد شيء معين لابد منه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: مسألة العزاء والاجتماع عليه فبعض الناس لو كلَّمتهم في هذا، يقولون: نحن نفعل هذا ولا نقصد به التعبُّد وإنما نقصد به العادة، كيف الرد عليهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا: إن التعزية سُنَّة، فالتعزية من العبادة، فإذا صيغت العبادة على هذا الوجه الذي لم يكن معروفاً في عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، صارت بدعة، ولهذا جاء الثواب في فضل من عزى المصاب، والثواب لا يكون إلا على العبادات.
(17/346)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل للتعزية وقت محدد؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم نصًّا في هذه المسألة يحددها، والتعزية سببها المصيبة فمادامت آثار المصيبة باقية على المصاب فإن التعزية مشروعة، والناس يختلفون، فمنهم من لا تؤثر فيه المصيبة إطلاقاً، ومنهم من يتأثر، فنحن نعزي المصاب مادام متأثراً بمصيبته، والمقصود بالتعزية التقوية، وليس المقصود بالتعزية النياحة والندب وترقيق القلوب، بل المقصود التقوية، وأحسن ما يعزى به الإنسان ما عزى به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحدى بناته وقد أرسلت إليه رسولاً تطلب منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحضر فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لهذا الرسول: "مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ، وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى". فما أعظم كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وما ألذه على السمع، وما أشد تأثيره على القلب، فقوله: "مرها فلتصبر ولتحتسب" هاتان الجملتان جملتان دالتان على الحكم، وهو وجوب الصبر والاحتساب، وقوله: "فإن لله ما أخذ وله ما أبقى" هذه جملة تطمئن الإنسان بأن كل شيء ملك لله، وقوله: "وكل شيء عنده بأجل مسمى" هذا الإيمان بالقدر، فإذا أردنا أن نعزي مصاباً فأحسن ما نعزيه به ما عزَّى به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنته، ولكن مع ذلك لو أننا رأينا هذا المصاب لم يتأثر بمثل هذا الحديث، فنأتي بكلمات أخرى تناسب، فنقول: يا أخي هذا أمر الله، هذه حال الدنيا، وما أشبه ذلك حتى تزول عنه هذه المصيبة، أما أن نأتي
(17/347)

بالعبارة المثيرة للأحزان فهذا لا يجوز.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: توفي أحد الأفراد وكان ضمن المعزين بعض النصارى فهل يجوز الاجتماع معهم في هذا العزاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز أن يعزى المصاب سواء كان المعزى له مسلماً أو كافراً، ولكن الاجتماع في البيت لتلقي المعزين بدعة لم يكن في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا أصحابه رضي الله عنهم وإنما تغلق الأبواب، أي أبواب الذين مات ميتهم، ومن وجدهم في السوق، أو في المسجد ورآهم مصابين، عزَّاهم، لأن المقصود بالتعزية ليست التهنئة، المقصود بالتعزية تقوية الإنسان على الصبر، ولهذا أرسل النبي عليه الصلاة والسلام رسول ابنته الذي أرسلته لتخبره عن ابن لها كان في سياق الموت فرد النبي عليه الصلاة والسلام الرسول وقال له: "مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى"، ولم يذهب يعزيها حتى ردته وألحت عليه أن يحضر، ليس من أجل العزاء، ولكن من أجل حضور هذا الغلام أو الطفل المحتضر، ولم يكن معروفاً في عهد الصحابة رضي الله عنهم أن يجتمع أهل الميت ليتلقوا العزاء من الناس، بل كانوا يعدون صنعة الطعام في بيت أهل الميت، والاجتماع على ذلك من النياحة، والنياحة من
(17/348)

كبائر الذنوب، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن النائحة والمستمعة وقال: "النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب"، نعوذ بالله، فلهذا نحن ننصح إخواننا المسلمين عن فعل هذه التجمعات التي ليست خيراً لهم بل هي شر لهم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة الفاتحة عند التعزية مع رفع اليدين وماذا يقال عند التعزية؟
فأجاب فضيلته بقوله: قراءة الفاتحة عند التعزية مع رفع اليدين بدعة، ولم يكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعزي أصحابه بذلك، وإنما التعزية معناها التقوية، أي تقوية المصاب على تحمل المصيبة، فكل لفظ يدل على المقصود يكفي، وقد عزى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعض بناته حيث قال للرسول الذي أرسلته إليه: "مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى". فمثل هذه الكلمات من أحسن ما يكون للتعزية أن يأمر المصاب بالصبر واحتساب الأجر على الله عز وجل، وأن يبين له أن الكل ملك لله سبحانه وتعالى، له ما أخذ، وله ما أبقى، وأن كل شيء عنده بأجل مسمى معين، لا يتقدم ولا يتأخر، فالحزن والتسخُّط ونحو ذلك من الأشياء التي تنافي الشرع هي لا ترد قضاءً، ولا تزيل مصيبة، فالواجب أن يصبر الإنسان ويحتسب، وأحسن ما يعزى به الإنسان
(17/349)

هو ما عزى به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابنته من هذه الكلمات. والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن تعزية النساء للنساء بما فيها من تبرج وخروج أمام الرجال فأيهما أفضل أن تخرج النساء لتعزي النساء وتعزي الرجال أم الأفضل لها أن تبقى في البيت؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: يجب أن نعرف أن العزاء ليس تهنئة، حتى يجتمع الناس عليه ويسهرون، وربما يوقدون الأنوار وتجد المسكن كأنه في حفلة زواج، كما شاهدنا في بعض البلدان وكما نسمع أيضاً.
فالعزاء المقصود به تقوية المصاب على الصبر، وتقوية المصاب على الصبر لا تكون في الأمور الظاهرية والحسية، إنما يكون بتذكيره باليقين بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن هذا من عند الله. وكما عزَّى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعض بناته حين قال للرسول الذي بعثه إليها بعد أن أرسلت إليه قال: "مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى"، هذا العزاء وليس المقصود به إظهار الفرح لنطرد الحزن، هذه تعزية حسية فقط أو ظاهرية لا تعطي القلب يقيناً، وإنابة إلى الله ورجوعاً إليه.
التعزية أن نقول للرجل المصاب: يا أخي اصبر، احتسب، هذه الدنيا والملك لله، له ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء مقدر
(17/350)

بأجل لا يتقدم ولا يتأخر وننصرف. فهذا الاجتماع الذي أشرت إليه غير مشروع، بل كان الصحابة رضي الله عنهم يعدون الاجتماع لأهل الميت وصنع الطعام من النياحة والنياحة من كبائر الذنوب.
وإذا كان أهل الميت أقرابها بحيث إذا لم تأتوا تعزونهم صار في نفوسهم شيء، يذهب بهن خمس دقائق ثم يقول لها: نمشي، ارجعي.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تعزية أهل الكتاب وغيرهم من الكفار إذا مات لهم ميت مما يفهم منه إكرامهم؟ وما حكم حضور دفنه والمشيء في جنازته؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز تعزيته بذلك، ولا يجوز أيضاً شهود جنائزهم وتشييعهم، لأن كل كافر عدو للمسلمين، ومعلوم أن العدو لا ينبغي أن يواسى أو يشجع للمشي معه، كما أن تشييعنا لجنائزهم لا ينفعهم؛ ومن المعلوم أيضاً أنه لا يجوز لنا أن ندعو لهم لقول الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَءَامَنُو?اْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُو?اْ أُوْلِى قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} .
* * *
(17/351)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم اصطفاف أهل الميت عند باب المقبرة لتلقي تعازي الناس بعد دفن الميت مباشرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأصل أن هذا لا بأس به؛ لأنهم يجتمعون جميعاً من أجل سهولة الحصول على كل واحد منهم ليعزى، ولا أعلم في هذا بأساً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تقبيل أقارب الميت عند التعزية؟
فأجاب فضيلته بقوله: تقبيل أقارب الميت عند التعزية لا أعلم فيه سنة، ولهذا لا ينبغي للناس أن يتخذوه سنة، لأن الشيء الذي لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عن أصحابه رضي الله عنهم ينبغي للناس أن يتجنبوه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل نقبل تعزية أهل الكتاب أو غيرهم من الكفار للمسلمين في حالة موت المسلم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم نقبل منهم التعزية، يعني إذا عزونا فلا حرج أن نقبل منهم التعزية، وندعو لهم بالهداية.
* * *

س 713 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا مات
(17/352)

للكافر قريب فهل يعزى؟
فأجاب فضيلته بقوله: تعزية الكافر إذا مات له من يعزى به من قريب أو صديق في هذا خلاف بين العلماء.
فمن العلماء من قال: إن تعزيتهم حرام.
ومنهم من قال: إنها جائزة.
ومنهم من فصل في ذلك فقال: إن كان في ذلك مصلحة كرجاء إسلامهم، وكف شرهم الذي لا يمكن إلا بتعزيتهم، فهو جائز وإلا كان حراماً.
والراجح أنه إن كان يفهم من تعزيتهم إعزازهم وإكرامهم كانت حراماً وإلا فينظر في المصلحة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض العامة يقولون إن إقامة التعزية والوليمة من حقوق الميت وما هي حقوق الميت على أهله؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس على أهل الميت حقوق بعد موته إلا أن يجهزوه بالتغسيل، والتكفين، والصلاة عليه، ودفنه، وقضاء دينه، وإنفاذ وصيته، وينبغي لهم أن يدعوا له ويستغفروا له، وأما أن يلزموا بشيء فلا أعلم سوى ما ذكرت لك، وأما الدعاء له فهو من بره ومن الإحسان إليه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم قراءة القرآن؟ وخاصة سورة (يس) في العزاء؟
(17/353)

فأجاب فضيلته بقوله: العزاء ليس فيه قراءة قرآن، وإنما هو دعاء يدعى به للمعزى، وللميت عند الحاجة إليه، وأما قراءة القرآن سواء سورة (يس) أم غيرها من كلام الله عز وجل، فهو بدعة ومنهي عنه لقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كل بدعة ضلالة".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم وضع الكراسي في المسجد لتقبل العزاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: العزاء داخل المسجد غير مشروع، فالمساجد لم تُبن للعزاء، إنما بنيت للصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، وما أشبه ذلك، ويمنع من وضع الكراسي فيها للعزاء لما فيه من تضييق على المسجد وحدوث فوضى فيه، فإن كل أناس يريدون أن يضعوا فيه كراسي عزاء، مع أن أصل وضع الكراسي من أجل الاجتماع للعزاء غير معروف عند السلف، سواء كان في المسجد، أو في غيره.
(17/354)

* * *

رسالة
فضيلة الشيخ الوالد محمد بن صالح العثيمين سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد.
في بعض مدن.... نرى الناس اتخذوا التقبيل في العزاء عادة لزموها، وبما أن العزاء سنة توقيفية، بحثت عن دليل شرعي لهذا الفعل أعني التقبيل في العزاء فلم أجد نصاً شرعياً ولا رأياً اجتهادياً في ذلك فيما وقفت عليه من الكتب، وغاية ما وجدته ما نقله ابن قدامة رحمه الله في المغني عن الإمام أحمد رحمه الله حيث قال: إن شئت أخذت بيد الرجل في التعزية، وإن شئت لم تأخذ. وقال الدكتور الزحيلي (في فقه الإسلام وأدلته) : ولا تكره المصافحة، أو أخذ المعزي بيد من عزاه.
والشيخ الألباني على ما له من الباع الطويل في الحديث وعلومه لم ينقل لنا في كتابه أحكام الجنائز في هذه المسألة شيئاً. بل نقل في كتابه (سلسلة الأحاديث الصحيحة الجزء الأول ص 842 252) ما فهمت منه أن التقبيل لا يشرع إلا فيما دل عليه نص شرعي كتقبيل القادم من السفر والأولاد والزوجة ونحو ذلك مما جاءت به السنة، فنرغب من فضيلتكم إبداء رأيكم في هذه المسألة حيث تتوفر الدواعي
(17/355)

لبيانها للناس، بارك الله فيكم وسددكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الأمر كما ذكرتم فليس في التقبيل عند العزاء سنة متبعة، ولا نقله أحد من أهل العلم عن السلف، فتركه أولى وأحوط، لاسيما أنه يحصل به تأذي المعزى - بفتح الزاي - أحياناً، ثم إنه ربما يحصل به تطور إلى أبعد من ذلك كما يفعل في بعض الجهات من الاجتماعات المذمومة. ونسأل الله لنا ولإخواننا الهداية والتوفيق لما يرضاه. كتبه محمد الصالح العثيمين في 82/3/1413 هـ.
(17/356)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هناك عادة في بعض البلاد أنه إذا مات الميت يؤخذ من المعزين نقود تسجل في سجل وتكون لأهل الميت فما حكم هذه العادة؟ وهل يحل هذا المال؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه العملية بدعة لم تكن معروفة عند السلف، وإنما المعروف الذي جاءت به السنة أنه لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم". فإذا علمنا أن المصابين بهذا الميت قد انشغلوا عن إصلاح غدائهم، أو عشائهم بما أصابهم من الحزن، فإنه من السنة أن يبعث إليهم طعام.
وأما أن يسجل المعزون، وأن يرى المعزون أن عليهم ضريبة يدفعونها فهذا من البدع، وإذا كان كذلك فإن المال المأخوذ على هذا العمل بدعة لا يحل ولا يجوز.
والواجب على الإنسان أن يصبر ويحتسب عوض مصيبته من الله عز وجل، فإن المشروع للمؤمن إذا أصيب بمصيبة أن يقول ما أثنى الله على قائليه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُو?اْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} ، وكما ثبت في الحديث الصحيح أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "ما من مسلم يصاب بمصيبة، ثم يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها،
(17/357)

إلا آجره الله وأخلف له خيراً منها".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نلاحظ كثيراً من الناس أنهم يخصصون ثلاثة أيام للعزاء، يبقى أهل الميت في البيت فيقصدهم الناس، وقد يتكلف أهل الميت في العزاء بأعراف الضيافة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا أصل له، فالعزاء يمتد مادامت المصيبة لم تزل عن المصاب لكنه لا يكرر بمعنى أن الإنسان إذا عزى مرة انتهى. أما تقييده بالثلاث فلا أصل له.
وأما الاجتماع للتعزية في البيت فهذا أيضاً لا أصل له، وقد صرح كثير من أهل العلم بكراهته، وبعضهم صرح بأنه بدعة. والإنسان لا يفتح الباب للمعزين، يغلق الباب، ومن صادفه في السوق وعزاه فهذا هو السنة، ما كان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أصحابه رضي الله عنهم يجلسون للعزاء أبداً، وهذا أيضاً ربما يفتح على الناس أبواباً من البدع كما يحدث في بعض البلاد الإسلامية.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عند العزاء يصافح الناس أهل الميت، وقد يقبلونهم فهل لهذا أصل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا أيضاً ليس له أصل. المصافحة إذا كان الإنسان لم ير صاحبه من قبل مسنونة عند اللقاء، وأما التقبيل فلا وجه له إطلاقاً.
(17/358)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هي الأدعية المأثورة في التعزية؟ وبم يرد المعزَّى؟
فأجاب فضيلته بقوله: أحسن ما يعزَّى به ما قاله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإحدى بناته: "إن لله ما أخذ، وله ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فاصبر واحتسب"، هذا أحسن شيء.
والمعزَّى يقول: شكر الله لك، وأعاننا الله على التحمل والصبر.
(17/359)

* * *

رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين سلمه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
يوجد لدينا عادة منتشرة وهي: أنه إذا مات الميت اجتمع أهل القرية وربما شاركهم غيرهم من القرى الأخرى في بيت الميت بما فيهم بعض أهل الوظائف أحياناً لمدة ثلاثة أيام، ويكون الحضور ما بين الخمسة عشر إلى الستين أحياناً، ويأتون معهم بالقهوة والشاي، فيحضر كل واحد منهم ثلاجة شاي، أو قهوة، ويستقبلون المعزين الذين يأتون من قرى أخرى، وهذا برضا قريب الميت، بل بطلبه أحياناً، علماً أن هؤلاء الحضور قد عزوا صاحب المصيبة عند الدفن، أو في اليوم الأول. وعندما قلنا لهم: هذه بدعة، بدليل حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه الذي قال فيه: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد الدفن من النياحة". وهذه ما عملها السلف. قالوا: هذه عادتنا ولا فيها نياحة ولا فيها بكاء، وإنما استقبال المعزين من القبائل والقرى الأخرى، وتصبير أهل الميت، وكيف يأتي الناس ولا نكون في استقبالهم؟! علماً أن المعزين إذا أتوا من قرية أو قبيلة أخرى قام هؤلاء جميعاً وقوفاً لاستقبالهم
(17/361)

وهكذا. فما حكم هذا العمل؟ وما حكم من جلس فيه؟ وما حكم جلوس أهل الميت وأقاربهم فقط لاستقبال المعزين؟ وهل يحد العزاء بهذه الثلاثة الأيام؟ وكيف كان السلف يعزي بعضهم بعضاً؟ نرجو توضيح السنة في ذلك بشيء من التفصيل وذكر الأدلة حتى نقوم بتوزيع الفتوى على الأهالي وقراءتها في المساجد إن شاءالله.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا شك أن تعزية المصاب بموت قريب أو غيره من الأمور المطلوبة شرعاً، فقد روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة، إلا كساه الله عز وجل من حلل الكرامة يوم القيامة". أخرجه ابن ماجه، والمقصود من التعزية تقوي المصاب على تحمل المصيبة والصبر عليها، ومن أحسن ما يعزى به المصاب أن يقال له: "اصبر واحتسب إن لله ما أخذ وله ما أعطى، كل شيء عنده بأجل مسمى. فإن رأى منه شدة في الحزن فلا بأس أن يزيد على ذلك قولاً مناسباً.
وأما اجتماع أقارب الميت في بيت واحد، وتوافد الناس عليهم من كل جهة، وصنع الطعام، وتهيئة الكراسي، وإيقاد
(17/362)

الكهرباء ونحو ذلك، فكله خلاف السنة، وخلاف ما كان عليه الصحابة الكرام رضي الله عنهم بل إن ذلك يعد من النياحة عندهم، قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة، رواه أحمد. وقال الشوكاني (في نيل الأوطار) : أخرجه أيضاً ابن ماجه، وإسناده صحيح.
وإذا كان الصحابة رضي الله عنهم يعدون ذلك من النياحة، وهم أعلم الأمة بمقاصد الشريعة، وأقومهم عملاً بها، وأسدهم رأياً، وأطهرهم قلوباً فإنه قد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" فهل يرضى أحد أن يعذب أبوه، أو أمه، أو ابنه، أو بنته، أو أحد من أقاربه بشيء من صنعه؟! وهل يرضى أحد أن يسيء إلى هؤلاء وهو الذي أصيب بهم؟! إذا كان صادقاً في محبتهم ومصيبتهم فليتجنب ما يكون سبباً في تعذيبهم.
ومن مفاسد هذا الاجتماع إلى أهل الميت المشقة على الناس في الحضور من كل جهة، لاسيما في أيام الحر والبرد والأمطار والرياح، وذلك أنه لما صار هذا الشيء عادة عندهم صار المتخلف عنه عرضة للقدح بالسب في حضوره، والغيبة في غيبته، وصار يأتي كالمكره، وربما ترك أشغالاً تهمه، وربما تعرض للخطر في الطرقات الوعرة.
(17/363)

ومن مفاسد هذا الاجتماع: أنه يحضر إليه الرجال والنساء فيحصل للنساء من البكاء والنحيب والعويل ما ينافي الصبر، وربما وصل إلى النياحة التي جعلها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الكفر، ولعن النائحة والمستمعة، وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب".
ومن مفاسد هذا الاجتماع: ما يحصل به من إضاعة المال، حيث ينفق عليه أموال في أمر غير مشروع، وربما تكون من تركة الميت وفيها وصية، أو ميراث ليتامى، أو غير مرشدين، وقد قال الله تعالى في الوصية {فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . وقال في أموال اليتامى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} ، ومن المعلوم أن إنفاقه في هذا الأمر ليس بالتي هي أحسن.
ومن مفاسد هذا الاجتماع: أنه ربما يحضر قارىء يقرأ القرآن يرتله بصوت يهيج الأحزان، ويثير كوامن النفوس، والقرآن إنما نزل ليسكن النفوس، ويطمئن القلوب، ويهدىء الأحزان.
وربما أخذ القارىء على قراءته أجرة من تركة الميت أو غيرها وهو إذا قرأ من أجل أخذ الأجرة لم يكن له ثواب عند الله تعالى، بل هو آثم بذلك، فيكون أهل الميت قد أعانوا هذا الا?ثم على إثمه فاشتركوا في ذلك، وغرموا ما غرموا من المال.
(17/364)

وربما كان هذا القارىء يقرأ والناس من حوله ولاسيما الصغار ومن لا يهتمون باستماع القرآن في ضجيج وكلام وغفلة، ولا تليق مثل هذه الحال في مجلس يتلى فيه كلام الله عز وجل.
ومن مفاسد هذا الاجتماع: أنه يحصل فيه أحياناً إضاعة الصلاة مع الجماعة، لاسيما مع كثرة الناس، وانشغال بعضهم ببعض، وضعف أصوات المؤذنين، ولا يخفى وجوب صلاة الجماعة على الرجال.
ولهذا وغيره أنصح إخواني المسلمين إلى ترك هذه الأعمال والرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح فإن الخير في هديهم، قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} ، وقد عرفت ما سبق في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه.
ومن أكبر العون على ترك ذلك أن ينظر إخواننا طلبة العلم في هذا الأمر، ويقيسوه بعمل السلف الصالح، ويبينوا للناس ما هو الحق فإن قاصدي الحق من العامة لا يحيدون عنه إذا تبين لهم.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً من دعاة الحق وأنصاره وممن رأى الحق حقًّا واتبعه، ورأى الباطل باطلاً واجتنبه، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. كتبه محمد بن صالح العثيمين في 31/1/1421 هـ.
(17/365)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن العادة الموجودة في أكثر القرى وهو أنه إذا مات ميت قام أهل بيته ويكون ذلك من أولاده بدعوة الناس إلى وليمة غداء أو عشاء بقصد أن هذه الدعوة صدقة عن الميت ويجتمع الناس على تلك العزيمة، ثم بعد ذلك يقوم أقارب الميت بعزيمة أبناء الميت وأقاربه ويستمر ذلك في بعض الأحيان إلى ثلاثة أيام أو أربعة، ويقوم النوع الثاني: أنه في حالة إذا مات ميت قام أقاربه أو أصدقاؤه في عزيمة أبناء ذلك الميت ثم يجتمع الناس عند أقاربه ويعزون أبناء الميت في غير بيتهم وبعد ذلك تستمر عزائم على وجبه غداء أو عشاء لمدة ثلاثة أيام فأكثر، لذا يا فضيلة الشيخ نرجو توضيح الحكم الشرعي فيما سبق وما هي طريقة العزاء الصحيح هذا والله يحفظكم ويرعاكم.
فأجاب فضيلته بقوله: صنع أهل الميت الوليمة ودعوة الناس إليها يعد من النياحة، كما جاء ذلك في حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. رواه الإمام أحمد. وقال في (نيل الأوطار) : أخرجه أيضاً ابن ماجه، وإسناده صحيح. قال البناء في شرح ترتيب المسند: واتفق الأئمة الأربعة على كراهة صنع أهل الميت طعاماً للناس يجتمعون عليه، مستدلين بحديث جرير بن عبد الله المذكور في الباب وظاهره التحريم، لأن النياحة حرام، وقد
(17/366)

عده الصحابة رضي الله عنهم من النياحة فهو حرام. ا. هـ.
وكذلك النوع الثاني مخالف لهدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه فإنهم لم يكونوا يدعون أهل الميت ويصنعون لهم الولائم المتتابعة، وهو مع كونه مخالفاً لهدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه رضي الله عنهم مكلف لصانعي الطعام الداعين، وللمدعوين أيضاً لما فيه من إنفاق المال على وجه غير مشروع، وإضاعة الأوقات في غير فائدة.
وطريقة العزاء المشروع إذا رأيت مصاباً محزوناً أن تقول له: اصبر واحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، وإن زاد دعاء مناسباً قليلاً فلا بأس. 42/1/9141هـ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يوجد لدينا عادة وهي أنه إذا دفن ميت يقوم أقرب الناس إليه بتوجيه دعوة للناس في المقبرة بأن العشاء أو الغداء هذه الليلة عنده، وكذلك يقوم أحدهم ويقول: اقرؤوا الفاتحة وذلك بعد الانتهاء من الدفن مباشرة، ثم يذهبون بعد ذلك لشراء البقر والغنم ويقومون بذبحها ويقسمونها على الجماعة حسب العادة المتداولة بينهم ولو لم يفعلوا هذا (أي أقرباء الميت) لقال الناس عنهم: إنهم لا يحبون ميتهم.. فهل ما ذُكِر صحيح؟ أفتونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل يتضمن ثلاثة أشياء:
(17/367)

أولاً: دعوة المشيعين إلى الطعام لبيت الميت، أو أحد أقربائه.
ثانياً: طلب قراءة الفاتحة بعد الدفن.
ثالثاً: شراء البقر والأغنام أو غيرها مما يذبح ويوزع وكل هذه الأعمال بدع منكرة، وذلك لأن خير الهدي هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشر الأمور محدثاتها، ومن المعلوم أن هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يتضمن مثل هذا، بل إن الصحابة رضي الله عنهم يعدون الاجتماع عند أهل الميت وصنع الطعام من النياحة، والنياحة لا يخفى حكمها على من اطلع على السنة فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن النائحة والمستمعة وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب"، فالواجب الكف عن هذه العادة المنكرة، وأن تحفظ الأموال عن بذلها في هذا العمل المحرم.
وأما العمل الثاني: وهو طلب قراءة الفاتحة من الحاضرين فهو أيضاً بدعة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن إذا دفن الميت يقول للناس: اقرؤوا عليه الفاتحة، أو شيئاً من القرآن، بل كان إذا فرغ من دفنه وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يسأل". ولم يكن هوالذي يستغفر بهم لهذا الميت فيدعو ويؤمنون. بل قال: "استغفروا لأخيكم" وكل واحد يقول: اللهم اغفر له، اللهم ثبته.
(17/368)

والمشروع بعد الدفن أن يقف الناس عليه، وكل واحد يقول على انفراد: اللهم اغفر له، اللهم ثبته، يقولها ثلاثاً، ثم ينصرف، فإن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا دعا دعا ثلاثاً.
وأما العمل الثالث: وهو شراء البقر والغنم وغيرها من الأنعام فتذبح وتوزع فهو أيضاً بدعة منكرة، ولم يكن من هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أصحابه رضي الله عنه وفيه أيضاً إضاعة للمال، وقد ثبت عن النبي أنه نهى عن إضاعة المال.
وعلى هذا فيجب منعه والإعراض عنه، وأما لوم الناس لأهل الميت إذا لم يفعلوا هذا بقولهم: إنهم لا يحبون ميتهم، فهذا جهل منهم.. بل إن الذي يتجنب هذه الأشياء هو الذي يحب ميته حقيقة، وهو الذي يحب ما أحبه الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو الذي يبتعد عن البدع التي سماها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضلالة.
لهذا أنصح إخواني المسلمين أن يرجعوا في أمورهم كلها إلى ما كان عليه سلفهم الصالح ففيهم الخير، وفيهم البركة، وأما ما اعتاده الناس من الأمور التي تخالف الشرع فإن الواجب على طلبة العلم خصوصاً، وعلى كل من علم حكمها عموماً أن يحذروا الناس منها، وأن يبينوا لهم الحق. فالناس ولله الحمد على فطرهم؛ لأن غالبهم إذا ذُكِّر تذكَّر ورجع إلى الصواب وترك ما هو عليه من المخالفة.
* * *

س 723 سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: في بعض
(17/369)

البلاد إذا مات الميت يأتون بسيارة عليها مكبر صوت ويطوفون في القرى ويقولون: توفي إلى رحمة الله فلان الفلاني ويعدون مكاناً يستقبلون فيه الناس ويصنعون لهم الطعام ويأتون بالمقرىء يقرأ فما حكم هذه الأشياء؟ وهل الميت يستفيد من قراءته على أنه يأخذ أجراً على قراءته؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا محرم من عدة أوجه:
أولاً: هو من النعي الذي نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه. فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان ينهى عن النعي، وهو الإخبار بموت الميت، إلا إذا كان الميت لم يدفن وأخبرنا بموته، من أجل كثرة المصلين عليه، فإنه قد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وأمر الناس فخرجوا فصلوا عليه.
ثانياً: أن هذا العمل من عمل الجاهلية، وقد نهينا عن التشبه بهم.
ثالثاً: أنه نياحة حيث يجتمع الناس إلى أهل الميت ويصنعون الطعام ويأكلونه.
رابعاً: أنه متضمن لمحرم وهو الاستئجار في قراءة القرآن فإن هذا عمل محرم، لأن القرآن لا تقع تلاوته إلا قربة لله. وما لا يقع إلا قربة لا يصح أن تؤخذ عليه الأجرة.
وأما انتفاع الميت بذلك فإنه لا ينتفع قطعاً بل قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الميت ليعذب بما نيح عليه"، فهو
(17/370)

يعذب من هذا الصنيع، ولا ينتفع بالقراءة قراءة المقرىء لأن هذا المقرىء لا أجر له، قد استعجل أجره بما أخذ من الأجرة، فليس له في الا?خرة من خلاق. وإذا لم يكن له أجر في الا?خرة فإن الميت لا ينتفع بشيء. لذلك يجب أن يُنبه الفاعلون لهذا الأمر، وأن يحذروا منه، وأن يعلموا أنه ليس فيه إلا إضاعة المال، وإضاعة الأوقات، والوقوع في السيئات، والعياذ بالله.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هو العزاء المشروع؟ وما رأيكم حفظكم الله فيما يفعله بعض الناس من الاجتماع في بيت أحد أقارب الميت وانتظار المعزين فيه، وقراءة الفاتحة للميت في نفس المكان؟
فأجاب فضيلته بقوله: العزاء مشروع لكل مصيبة، فيعزى المصاب وليس الأقارب فقط، فقد يصاب الإنسان بموت صديقه أكثر مما يصاب بموت قريبه، وقد يموت القريب للشخص ولا يصاب به ولا يهتم بموته، فالعزاء في الأصل إنما هو لمن أصيب فيعزى يعني يقوى على تحمل الصبر، فمعنى عزيته أي: قويته على تحمل الصبر، وأحسن ما يعزى به ما فعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث أرسل إلى إحدى بناته فقال: "مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى".
وأما اجتماع الناس للعزاء في بيت واحد فإن ذلك من البدع، فإن انضم إلى ذلك صنع الطعام في هذا البيت كان من النياحة،
(17/371)

والنياحة كما يعلمه كثير من طلبة العلم من كبائر الذنوب فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن النائحة والمستمعة وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب". وعلى هذا يجب على طلبة العلم أن يبينوا للعامة أن هذا غير مشروع، وأنهم إلى الإثم أقرب منهم إلى السلامة، وأن الواجب على خلف الأمة أن يتبعوا سلفها، فهل جلس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للعزاء في أبنائه؟ أو في زوجته خديجة أو زينت بنت خزيمة رضي الله عنهم هل جلس أبو بكر الصديق رضي الله عنه؟ هل جلس عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ هل جلس عثمان بن عفان رضي الله عنه؟ هل جلس علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ هل جلس أحد من الصحابة رضي الله عنهم ينتظر من يعزيه؟ أبداً كل ذلك لم يحصل، ولا شك أن خير الهدي هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما ما تُلقي من الا?باء وجرت به العادة فهذا يعرض على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهدي السلف رضي الله عنهم فإن وافقه فهو مقبول، لا لأنه عادة بل لأنه وافق السنة، وما خالف فيجب أن يرفض، ولا ينبغي لطلبة العلم أن يخضعوا للعادات، وأن يقولوا كيف ننكر على آبائنا، وأمهاتنا، وإخواننا شيئاً معتاداً؛ لأننا لو أخذنا بهذه الطريقة وهي عدم الإنكار ما صلح شيء، ولبقيت الأمور على ما هي عليه بدون إصلاح.
وأما قراءة الفاتحة فهي بدعة أيضاً، بدعة على بدعة فما كان
(17/372)

الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعزي بقراءة الفاتحة أبداً، ولا غيرها من القرآن، وأما قولهم إنه يقرأ بها على المريض ليشفى لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "وما يدريك أنها رقية" فهي يقرأ بها على المرضى فيشفون بإذن الله، لكن الميت ميت ولن يشفى ولن يبعث إلا يوم القيامة، وكل هذه الأشياء يجب على طلبة العلم أن ينزعوها من مجتمعاتهم وأن يعيدوا الناس إلى ما كان عليه السلف الصالح.
فإن قيل: إذاً متى نعزي؟
قلنا:
أولاً: العزاء ليس بواجب، وغاية ما فيه أنه سنة.
ثانياً: العزاء إنما يكون للمصاب الذي نعرف أنه تأثر بالمصيبة فنعزيه وندلي عليه بالمواعظ حتى يطمئن.
ثالثاً: أن العزاء المشروع ليس بالاجتماع في البيت، بل في أي مكان نلاقيه نعزيه سواء كان في المسجد، أو في السوق، أو في غير ذلك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: مسألة العزاء والاجتماع عليه، بعض الناس لو كلَّمناهم في هذا يقول: نحن نفعل هذا ولا نقصد به التعبد وإنما نقصد به العادة، وأن ترك المشاركة في الاجتماع يعتبر قطيعة رحم فكيف الرد عليهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا أن التعزية سنة،
(17/373)

التعزية من العبادة، فإذا صيغت العبادة على هذا الوجه الذي لم يكن معروفاً في عهد الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صارت بدعة، ولهذا جاء الثواب في فضل من عزى المصاب، والثواب لا يكون إلا على العبادت.
مسألة العزاء، فالعزاء إنما كان تركه قطيعة رحم، لأن الناس اعتادوه فصار الذي يتخلف عنه عندهم قاطع رحم، لكن لو أن الناس تركوه كما تركه الصحابة رضي الله عنهم والتابعون رحمهم الله ما صار تركه قطيعة رحم، صار تركه عادة، ولهذا لو أن طلبة العلم بينوا للناس هذا الأمر وبدأوا بأنفسهم هم، كما بدأنا بأنفسنا، والدنا توفي ولم نجلس للعزاء، ووالدتنا توفيت ولم نجلس للعزاء، لو أن أهل العلم فعلوا ذلك لكان فيه خير كثير، ولترك الناس هذه العادات، لاسيما في بعض البلاد إذا مررت ببيت مات فيه ميت تقول: هذا بيت فيه زواج، لأنك ترى فيه من الأنوار في الداخل والخارج والكراسي والأشياء التي تنافي الشرع، وفيها إسراف وفيها بذخ.
فالواجب على الإنسان أن يعرف الحق من الكتاب والسنة لا من عادات الناس، لو أن الناس تركوا هذه العادات وصار العزاء إن وجدوا في السوق، أو في المسجد عزي، وأيضاً يعزيه إذا كان مصاباً لا إذا كان قريباً، بعض الأقارب لا يهتم بموت قريبه، وربما يفرح إذا مات قريبه، قد يكون بينه وبين قريبه مشادات ومنازعات وخصومات فإذا مات قال: الحمد لله الذي أراحني من هذا.
فالتعزية للمصاب فقط كما جاء في الحديث: "من عزى
(17/374)

مصاباً فله مثل أجره" فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مصاباً" ولم يقل: "من عزى من مات له ميت" فمثل هذه المسائل يجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس الحق فيها، حتى يسير الناس فيه على الهدى لا على الهوى.
* * *
(17/375)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم ... سلمه الله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
إليكم أجوبة الأسئلة التي ذكرتم في كتابكم إلينا.
* جواب السؤال الأول: اجتماع أهل الميت للعزاء واستئجار قارىء يقرأ شيئاً من القرآن بدعة منكرة لوجوه:
الأول: أن اجتماع أهل الميت للعزاء لم يكن معروفاً في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه رضي الله عنهم ومن المعلوم أن تعزية المصاب من العبادات، وإذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه رضي الله عنهم لم يجتمعوا لها، كان الاجتماع لها بدعة؛ لأن الأصل في العبادات المنع إلا ما قام عليه الدليل، وإذا ثبت أنه بدعة فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التحذير من البدع، وأن كل بدعة ضلالة. وقوله: "كل بدعة ضلالة" كلمة عامة من أقوى صيغ العموم، صادرة من أعلم الناس بشريعة الله ومدلولات الألفاظ التي يتكلم بها، ومن أنصح الناس لعباد الله، ومن أفصحهم نطقاً، وأبلغهم بياناً، لا يمتري بذلك مؤمن، ولم يأت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حرف يستثني شيئاً من هذه القاعدة العامة.
وأما قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" فليس المراد به أن يحدث في
(17/377)

شرع الله ما ليس منه قطعاً، إذ لو كان هذا هو المراد لكان مناقضاً لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كل بدعة ضلالة"، ولكانت الأمة تختلف في دينها كل حزب بما لديهم فرحون، ولحق عليها قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} .
والمراد بالحديث: "من سن في الإسلام" أحد أمرين قطعاً:
1 فإما أن يراد به من سبق إلى العمل بسنة ثبتت مشروعيتها، ويدل لذلك سبب الحديث، فإن سببه كما في صحيح مسلم في باب الحث على الصدقة عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن قوماً من مضر أتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حفاة عراة، مجتابي النِّمار أو العباء، فتمعَّر وجه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما رأى ما بهم من الفاقة، وفيه: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتهلل كأنه مُذْهَبَةٌ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء".
2 وأما أن يراد به إعادة سنة مشروعة بعد تركها، ومن ذلك قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "نعمت البدعة هذه" يعني إقامة الجماعة في قيام رمضان، وعلى هذا يكون معنى قوله: "من سن" أي من أحيا سنة بعد أن تركت.
(17/378)

وقد ذكر كثير من العلماء رحمهم الله حكم هذه المسألة، أعني الاجتماع للعزاء:
ففي (المنتهى) ، وهو عمدة المتأخرين من الحنابلة في المذهب: وكره جلوس لها أي للتعزية، قال في شرحه: يعني أنه يكره للمصاب أن يجلس في مكان ليعزوه، ويكره للمعزي أن يجلس عند المصاب للتعزية.
وفي (المقنع) : ويكره الجلوس لها يعني للتعزية قال في الشرح الكبير: وذكره أبوالخطاب؛ لأنه محدث. اه
وقال النووي في (شرح المهذب) : وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته وذكر تعليل ذلك ثم قال: واستدل له المصنف وغيره بدليل آخر وهو أنه محدث. اه
وقال الألباني في (أحكام الجنائز) : وينبغي اجتناب أمرين وإن تتابع الناس عليهما:
أالاجتماع للتعزية في مكان خاص كالدار، أو المقبرة، أو المسجد.
ب اتخاذ أهل الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء، وذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا نعد وفي رواية: نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة. وذكر الألباني في حاشية الكتاب المذكور عن ابن الهمام أن هذا بدعة قبيحة.
(17/379)

وبهذا يتبين حكم الاجتماع للتعزية.
وأما قول من ابتلي بها: "إنها حسنة" فمردود بقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كل بدعة ضلالة".
وأما قوله: هناك أشياء كثيرة لم تكن على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وليست ببدعة.
فيقال: هذه الأشياء إن فعلها فاعلها على وجه القربة والتعبُّد فإنها بدعة وضلالة، وإن كانت من باب الوسائل إلى أمر مشروع كتصنيف العلوم، وطباعة الكتب ونحو ذلك فهي مشروعة مشروعية الوسائل.
وأما إحضار قارىء يقرأ للعزاء فإن كان بأجرة فلا ثواب له، بل هو آثم، وحينئذ لا ينتفع الميت بقراءته، وإن كان بغير أجرة فالقراءة للعزاء بدعة لا ثواب فيها.
والواجب على المؤمن أن يرجع إلى ما كان عليه سلف الأمة، فإنهم خير القرون، وأن لا يلتفت إلى ما أحدثه الناس في دين الله تعالى لا في هذا ولا غيره، فالخير كله في اتباع السلف، والشر كله في ابتداع من خلف. وفقنا الله وإياكم لاتباع السنة، والبعد عن البدعة.
والواجب على أهل العلم بيان الحق في هذا وغيره على نحو ما ذكره الله عز وجل في قوله: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} ولا يجوز لهم الذهاب إلى المجتمعين للعزاء إلا على سبيل النصيحة لهم.
(17/380)

جواب السؤال الثاني: كيف تعاملون النصارى المشاركين لكم في العمل والمجاورين لكم في المنازل أن تعاملوهم بمثل ما يعاملونكم، فإن هذا من العدل الذي أمر الله تعالى به، كما قال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ولا بأس بالإحسان إليهم تأليفاً لهم على الإسلام لا تودداً وتقرباً إليهم لقول الله تعالى: {لاَّ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُو?اْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} .
وأما موادتهم وموالاتهم فلا يحل لنا ذلك لقوله تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَْخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُو?اْءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَائِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ أُوْلَائِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الا?ية، وقوله: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِى سَبِيلِى وَابْتِغَآءَ مَرْضَاتِى تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآ أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ} . وقوله: {يَ ?اأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} .
وأما تهنئتهم فإن كان لمناسبات دينية عندهم فهذا حرام بلا شك؛ لأنه يتضمن الرضا بما هم عليه من الكفر وتثبيتهم عليه وإدخال السرور عليهم، به وإن كان لمناسبات غير دينية كحصول مال أو ولد فلا بأس به إذا كانوا يفعلون ذلك معنا، لما فيه من العدل والإنصاف وإلا فلا نهنئهم به إلا أن يتضمن ترك ذلك إضراراً بنا.
وأما تعزيتهم فنعزيهم إذا كانوا يعزوننا لما فيه من العدل
(17/381)

والإنصاف لكن ينبغي أن تكون تعزيتنا مفتاحاً لوعظهم ودعوتهم للإسلام.
هذا ما نراه في هذه المسائل ونسأل الله تعالى أن ينصر عباده المؤمنين على أعدائه الكافرين.
كتب هذه الأجوبة بيده محمد الصالح العثيمين في 7/01/7141هـ.
(17/382)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم زيارة قبور الكفار وما يسمى بقبر الجندي المجهول ووضع الزهور عليها؟
فأجاب فضيلته بقوله: زيارة قبور الكفار للاتعاظ لا بأس بها، ولهذا استأذن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، واستأذنه أن يزور قبرها فأذن له.
أما زيارته تعظيماً كما يفعل وتوضع عليها الزهور فهذا حرام ولا يجوز؛ لأنه تعظيم لهؤلاء الكفار.
والجندي المجهول إن كان مجهولاً فعلاً فلا يستحق أن يكرم، ولكن هؤلاء سلب الله عقولهم، فكما أنهم بهذا العمل مخالفون للشريعة فهم مخالفون للمعقول، إذ المستحق للإكرام هو الجندي المعروف بالشجاعة والدفاع سواء عن وطنه أو دينه، وهم أهل دين، وما أظن هذه وقعت إلا من رجل أحمق ثم تتابع الناس عليها.
وإن كان المقصود مجهول القدر وهو معلوم العين فإن كان كافراً فإنه لا يجوز أيضاً وحرام، وإن كان مسلماً فهو تكريم مبتدع، ولا يكرم جماد من الجمادات بأي اسم كان؛ لأن التحية إنما هي للحي الذي يستحقها. أما أشياء جماد تعظم فهذا أشبه ما يكون بفعل قوم نوح عليه الصلاة والسلام حين نصبوا أصناماً لقوم صالحين وصاروا يعظمون هذه الأصنام. والله المستعان.
* * *
(17/383)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم شد الرحل والسفر لأجل تشييع جنازة أو لأجل تعزية مصاب في ميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما تشييع الجنازة فلا بأس بذلك، لأنه ليس كشد الرحل لزيارة القبور.
وأما للتعزية فأقله أن يكون مكروهاً، لأن هذا يستلزم تجمع الناس إلى دار المصابين، وقد قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ذكرتم في التعزية أنها قد تكون في غير الميت هل تسن التعزية في غير الميت وما صفة التعزية؟
فأجاب فضيلته بقوله: التعزية هي تقوية المصاب على تحمل الصبر، وانتظار الثواب سواء كان في ميت أو غيره، مثل أن يصاب بفقد مال كبير له، أو ما أشبه ذلك، فتأتي إليه وتعزيه وتحمله على الصبر حتى لا يتأثر تأثراً بالغاً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل الاجتماع على العزاء، وإقامة ولائم الطعام، وقراءة الفاتحة
(17/384)

على روح الميت جائزة؟ ما رأيكم جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاجتماع للعزاء بدعة مكروهة، وإذا حصل معه إطعام المجتمعين، وإقامة ولائم الطعام لحضور المعزين صار من النياحة، قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: كنا نعد وفي رواية نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام بعد دفنه من النياحة.
ولم يكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا خلفاؤه الراشدون ولا أصحابه المهتدون رضي الله عنهم فيما نعلم يجتمعون لتلقي المعزين أبداً. غاية ما في الأمر أنه لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم"، ولم يجتمع من آل جعفر، علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أخوه، ولا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ابن عمه، ولا أحد من أقاربه فيما نعلم، لم يجتمعوا إلى آل جعفر ليأكلوا من هذا الطعام.
ولا شك أن خير الهدي هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن شر الأمور محدثاتها، والتعزية من العبادة، والعبادة لابد أن تكون على وفق ما جاءت به الشريعة، وقد صرح بعض أئمة العلم بأن الاجتماع بدعة، وصرح فقهاء الحنابلة رحمهم الله في كتبهم بأن الاجتماع مكروه، ومن العلماء من حرمه.
وإنك لتعجب في بعض البلدان، أنه إذا مات لهم الميت وضعوا السرادقات الطويلة العريضة، وعليها أنوار كبيرة كاشفة
(17/385)

وغير كاشفة، والمقاعد، وهذا يخرج وهذا يدخل، كأنهم في وليمة عرس أو أشد. من قال هذا؟ من فعل هذا؟
أليس لنا في محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسوة حسنة؟ ولهذا نجى الله بعض البلاد من هذه البدعة المكلفة مالياً، المهلكة للزمن وقتياً، المتعبة للأبدان، حتى إنهم يأتون من أطراف البلاد إلى هذا الاجتماع. سبحان الله لو كان هذا مشروعاً على سبيل الوجوب، أو الاستحباب لرأيت أنه ثقيل على النفوس. لكن لما كان مما لم يأمر به الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صار هيناً على النفوس. فتجد الناس يأتون من بعيد ليجتمعوا عند أهل الميت.
* أما ما ذكره السائل من قراءة الفاتحة، وسورة الإخلاص، وهذه الأذكار لا تزيد الأمر إلا شدة، ولا تزيده إلا بعداً من السنة، فهي بدعة.
فإذا قال قائل: فكيف نعزي الناس؟
فالجواب: التعزية ليست واجبة حتى نقول: لابد منها وأنها ضرورة، التعزية سنة، ولا تكون إلا للمصاب الذي نعلم أنه تأثر بموت هذا الميت، فنذهب إليه بدون ما يفتح الباب ويجمع الناس نذهب إليه إذا كان من أقاربنا الذي لابد أن نذهب إليهم، وأننا لو لم نذهب لقيل: هذا قاطع، نذهب إليه ونقول: اتق الله، واصبر واحتسب.
وأقول: نذهب إليه ليس على سبيل الاستحباب لكن خوفاً من معرة القطيعة، وإلا فها هو النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسلت إليه إحدى بناته تخبره أن طفلاً لها، أو طفلة في سياق الموت، فجاء الرسول يخبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(17/386)

ويطلب منه أن يأتي فقال له الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى".
ثم عاد الرسول إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنها تلح عليه أن يأتي فذهب إليها الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لكن لما اعتاد الناس أنه لابد للأقارب أن يأتوا ويعزوا أهل الميت صار ترك هذا قد يؤدي إلى القطيعة للرحم، ويكون الإنسان لوكاً للألسن فيذهب يدرأ عن نفسه مغبة الغيبة، فيكون إتيانه هنا لا على سبيل أنه تطوع به، ولكن على سبيل أنه درء للمفسدة فقط، بدون أن يكون هناك فتح باب، هذا يدخل وهذا يخرج، وإنما للقريب، القريب. فاذهب إلى البيت واستأذن، وادخل وتكلم معهم إذا رأيتهم تأثروا تأثراً كبيراً. أحياناً لا يتأثر أهل الميت للميت لأي سبب من الأسباب، وليس هذا موضع تمثيل بشيء، لكن أحياناً فعلاً لا تجدهم متأثرين للميت هؤلاء لا يعزون؛ لأن التعزية تقوية المصاب على تحمل المصيبة. وقد يكفي الهاتف في ذلك فيمن لا يرى من حقه أن تأتي إليه بنفسك كالأقارب القريبين الذين ذكرنا آنفاً.
هذا معنى التعزية ونسأل الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المسلمين لما فيه الخير والصلاح اللهم آمين.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض العامة يضعون في بيوت العزاء أو مكان التجمع للتعزية
(17/387)

مسجلاً ويقرأ أحد القراء قرآناً وأحياناً مواعظ وأشعار وبعض المعزين يحضرون معهم أنواعاً من الطعام والهدايا أو غيره ما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: أصل جلوس التعزية خلاف السنة، ولم يكن الصحابة رضي الله عنهم يجلسون للتعزية، بل كانوا يعدون الاجماع عند أهل الميت وصنع الطعام من النياحة، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التحذير من النياحة، حتى إنه لعن النائحة والمستمعة، وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب"، فالواجب الحذر مما يكون مخالفاً للسنة، وموجب للعقوبة والإثم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل اجتماع أهل الميت في بيت واحد من أجل العزاء، ومن أجل أن يصبر بعضهم بعضاً لا بأس به؟
فأجاب فضيلته بقوله: سبق لنا نظير هذا السؤال، وقلنا: إن الاجتماع في بيت الميت ليس له أصل من عمل السلف الصالح وليس بمشروع، لاسيما إذا اقترن بذلك إشعال الأضواء، وصف الكراسي، وإظهار البيت وكأنه في ليلة زفاف عرس، فإن هذا من البدع التي قال عنها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كل بدعة
(17/388)

ضلالة".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم ما يفعله الناس في الوقت الحاضر من استقبال الناس في بيوتهم من أجل العزاء لمدة ثلاثة أيام أو أكثر، هذا مع وضعهم للأضواء التي تبين مكان العزاء وكذلك استئجار شقة أو بيت لوضع العزاء فيها؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم ذلك أنه من إضاعة الوقت وإضاعة المال، وإظهار البدعة، لأن هذا لم يكن معروفاً في عهد السلف الصالح رضي الله عنهم فإذا اجتمع في هذه الأمور: إضاعة الوقت، وإضاعة المال، وإظهار البدعة، فإنه لا يليق بمسلم أن يفعلها، وخير الهدي هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخير الأتباع الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان كما ثبت عن النبي بقوله: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، وعلى هذا فالذي أرى الكف عن هذا العمل، وأن تكون التعزية تعزية لا يحصل فيها هذا الاجتماع، وهذه الأضواء وما أشبه ذلك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعد الفراغ من دفن الميت وتعزية أهله يقوم الناس بالذهاب إلى بيت
(17/389)

الميت وعادة ما يكون ذلك بعد صلاة المغرب، ثم يشربون القهوة ويعزون أهل الميت مرة أخرى، ثم ينصرفون، فما الحكم في هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم أن هذا من البدع، فما كان الصحابة رضي الله عنهم في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا فيما بعده ينتظرون الناس في بيوتهم ليعزوهم، والحقيقة أن هذا يُشعر أن المصاب جزع من المصيبة كأنه يقول: يا أيها الناس إني جالس في بيتي محزوناً فتقدموا لي بالعزاء.
والسنة أن الإنسان يغلق بيته، ثم من وجده في السوق، أو وجده في المسجد يعزيه إذا رآه مصاباً حزيناً، فيسليه بالتعزية، ويقول: اصبر احتسب، الأمر أمر الله عز وجل، لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى.
* * *
(17/390)

رسالة
فضيلة الشيخ الوالد: محمد بن صالح العثيمين حفظه الله وسدد خطاه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
أرجو من فضيلتكم بيان حكم الشرع في حالتي هذه:
فما أن علم أقاربي وأقارب زوجتي وهم كثر جداً ولله الحمد ما إن علموا بوفاة ولدي حتى أتوا يعزونني ويصبرونني مواساة في ابني، وحيث إن منزلي صغير ومتواضع ولا يسعني أن أستقبلهم فيه، قمت باجتهادي الخاص باستئجار بعض الكراسي والفرش وفرشها أمام منزلي كما قمت بوضع عقد من الأنوار في ذلك المكان حيث إنه مظلم، وقمت بالانتظار والمكوث في هذا المكان ما بين المغرب والعشاء أستقبل هذه الوفود، وأصبح منزلي مكان استقبال النساء، ويعلم الله يا فضيلة الشيخ أنني ما فعلت هذا الأمر عن قصد، أو عن اعتقاد في مشروعيته، ولكن هذه هي حالتي كما ذكرت لك، وأحب أن أشير يا فضيلة الشيخ إلى أن هذا الأمر أصبح عندنا عادة متعارف عليها، ويصعب في الوقت الحاضر أن أمتنع عن استقبال هذه الوفود، وإلا لأصبحت محل نقد الناس بأنني امتنعت عن استقبال من جاء لمواساتي، كما أنني أخشى إن فعلت ذلك من وقوع فرقة بين الأهل وحصول تنازع، أو بعض
(17/391)

الكراهية منهم تجاهي، فهل اجتهادي هذا صائب؟ وهل يعارض هذا الفعل مرضاة الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما أرجو من فضيلتكم بيان التصرف الصحيح إن كان اجتهادي خاطئاً في مثل هذه الحالة؟ أرشدوني أرشدكم الله وسدد خطاكم إلى ما يحبه ويرضاه وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أرى أن تلغي ما فعلت فوراً؛ لأنه بدعة، ولأنه إضاعة مال في غير طاعة، ولا منفعة دنيوية، ولأن العزاء ليس حفل فرح تضاء له الأنوار، وتصف الكراسي، وتصنع الأطعمة ويجتمع له الناس، وقد قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت بعد دفنه وصنع الطعام من النياحة، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الميت يعذب بما نيح عليه.
وإذا كنت تخشى من انتقاد بعض الناس فقل لهم: إن الحق في العزاء لي، ولا أريد أن أفعل شيئاً لم يفعله السلف الصالح من الصحابة رضي الله عنه والتابعين لهم بإحسان، وأنت إذا قطعت هذه العادة ابتغاء مرضاة الله، أرضى الله عنك الناس، وانقلب غضبهم عليك رضا عنك، وبإمكانك إذا حضروا أن تبين لهم وتقول أنا الا?ن أكرمكم بالضيافة ولكن لا اجتماع بعد ذلك وفقك الله للخير وأعانك عليه. كتبه محمد الصالح العثيمين في 7/01/1414 هـ.
(17/392)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
العزاء المشروع أنه إذا أصيب شخص بموت قريبه، أو صديقه هُدىء باله وقيل له: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فاصبر واحتسب، واعلم أنه ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها.
وأما هذه التجمعات المذكورة في السؤال فليست من عمل السلف الصالح رضي الله عنهم فلا ينبغي أن نقوم بها، حتى قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة. أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه. قال في (نيل الأوطار) : وإسناده صحيح. وعلى هذا يجب على طلبة العلم والعلماء بيان المشروع للناس في ذلك، وتحذيرهم مما يخالفه حتى يستقيم الناس على المنهج الصحيح. 16/01/1415 هـ.
* * *
(17/393)

رسالة
سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبكراته وبعد:
فأبعث لفضيلتكم هذا السؤال من خارج المملكة: ماذا يفعل صاحب الميت بعد دفن ميته هل يجلس له في المنزل ثلاثة أيام ويقرأ القرآن على روحه، ويأخذ الشيخ القارىء مبلغاً من المال نظير قراءته في المنزل، أم يقبل العزاء على القبر فقط، أم يجلس ويتقبل العزاء في داره دون وجود شيخ لقراءة القرآن وأخذ الأجرة؟ وهل ثواب هذه القراءة تصل للميت أم لا؟ وما الطريق الصحيح والحل الصحيح لأهل الميت بعد دفن موتاهم؟ أفيدونا أفادكم الله وجعلكم لنا عوناً.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الجلوس في البيت لاستقبال المعزين بدعة محدثة، لم تكن في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عهد أصحابه رضي الله عنهم بل قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه: كانوا يعدون الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام من النياحة.
وأقبح من ذلك أن يستأجر قارىء يقرأ القرآن على روح الميت
(17/395)

كما يزعمون فإن القراءة أعني قراءة القرآن من العبادات، وليست مشروعة بهذه المناسبة، ثم إن العبادات لا يصح أخذ الأجرة عليها، والأجير القارىء ليس له ثواب عند الله؛ لأنه استعجل ثوابه، وحينئذ لا ينتفع الميت بقراءته.
والطريق الصحيح بعد الدفن أن يوقف على القبر ويستغفر للميت، ويسأل الله له التثبيت، كما كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا فرغ من دفن الميت قال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يسأل"، فيقف الإنسان على القبر ويقول: اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له. اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم ثبته، ثم ينصرف.
أما العزاء فمن كان متأثراً من أقارب الميت، أو أصدقائه فإنه يعزى، فيؤمر بالصبر واحتساب الأجر ويقال له: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، بدون اجتماع، وإيقاد أنوار وصف كراسي، وحضور قارىء كما يفعله بعض الناس اليوم، فإن ذلك من البدع المحدثة. نسأل الله لنا ولإخواننا الثبات على السنة، والنجاة من البدعة إنه سميع مجيب. كتبه محمد الصالح العثيمين في 19/01/1415 هـ.
(17/396)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: نحن أهل قرية من قرى ... التابعة لمنطقة.... قد اشتهر أو وجد عندنا في الا?ونة الأخيرة أنه إذا مات الميت قام أهله بتعطيل أعمالهم، وأخذ إجازات لاستقبال المعزين من الأقارب والجيران ما يقارب ثلاثة أيام، وفي أول يوم من أيام العزاء يذبح ذبيحة فيؤتى بها إلى أهل الميت مطبوخة، ثم بعد ذلك يقوم الجيران والأقارب بذبح الذبائح في بيوتهم لأهل الميت موزعة على الوجبات، ويقولون: نريد أن نواسيهم ونذهب عنهم بعض الحزن فنرجو من فضيلتكم الإجابة على الأسئلة الا?تية:
* أولاً: حكم الجلوس للعزاء بهذه الصفة؟
* ثانياً: حكم هذه الذبائح التي تذبح وتؤخذ على شكل دورية بين الجيران والأقارب.
* ثالثاً: ومما انتشر عندنا أيضاً أن أهل الميت أو غيرهم لابد أن يصفوا عن يمين الإمام في صلاة الجنازة فما الحكم؟
* رابعاً: ما حكم وضع البلك في القبر بدلاً من اللبن الطين؟
*
(17/397)

خامساً: ما حكم وضع الإضاءة على المقبرة لأجل الدفن؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
جواب السؤال الأول: أصل الجلوس للعزاء غير مشروع، فإنه ليس من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه رضي الله عنه بل قد روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة".
قال النووي رحمه الله: وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته.
وإذا لزم من ذلك تعطيل الأعمال وإنفاق الأموال كان ذلك أشد وأعظم، وقد كان السلف الصالح لا يجلسون من أجل التعزية، بل ينصرفون إلى أعمالهم وشؤون حياتهم، ثم من رآهم في أي مكان عزاهم.
جواب السؤال الثاني: هذه الذبائح حلال أكلها، لكن ذبحها على حسب الوصف المذكور في السؤال بدعة منكرة، لأن السلف لم يكونوا يفعلونه كذلك، وغاية ما فيه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اصنعوا لا?ل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم" وكان هذا في أول يوم.
(17/398)

جواب السؤال الثالث: السنة في صلاة الجماعة أن يكون الإمام صفاً وحده، لا يصف معه أحد إلا لحاجة كضيق المسجد، أو عدم وجود مكان في الصف للذين يقدمون الجنازة.
جواب السؤال الرابع: وضع اللبن أفضل من وضع البلك؛ لأن البلك قد مسته النار، وقد كره بعض العلماء أن يكون في القبر شيء مما مسته النار، لكن إن كان هناك حاجة إلى البلك، مثل أن يكون اللبن يتفتت ولا يصمد للتراب الذي يهال عليه جاز وضع البلك موضعه.
جواب السؤال الخامس: لا بأس باستعمال السراج ونحوه لإضاءة القبر عند الدفن لأنه حاجة ولا يستمر.
كتب هذه الأجوبة الخمسة محمد الصالح العثيمين في 8/10/1414 هـ.
* * *
(17/399)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله آمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
أحيطكم علماً أن والدي مات رحمه الله من حوالي أربعة وعشرين عاماً، وقد تبين أنه لدى أحد أقاربه صورة مصورة بالكمرة، وقد سمح لبعض أقارب الميت رحمه الله بتصوير هذه الصورة ليس تقديساً لها ولكن بقصد الذكرى حتى زعم بعضهم أن هذا بر لذلك الميت، لذا آمل التكرم ببيان حكم ما يأتي:
1 ما حكم من صوّر هذه الصورة بواسطة آلة تصوير؟
2 ما الحكم بالنسبة للشخص الذي بيّن صورة الميت بعد سنوات طويلة ولم يتلفها بل سمح بنشرها؟
3 هل يسلم الميت من الإثم؟ وهل يعتبر السحب على هذه الصورة برًّا كما زعم البعض أم عقوقاً؟
4 وما حكم اتخاذ الصور للذكرى؟ وما نصائحكم وفقكم الله وتوجيهاتكم للجميع؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
من أخيكم محمد الصالح العثيمين:
جواب السؤال الأول: التصوير لقصد الذكرى محرم سواء
(17/401)

كان بآلة تصوير أو غيرها لكنه باليد من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن المصورين، واللعن لا يكون إلا على كبيرة.
جواب السؤال الثاني: هذا الذي بيّن صورة الميت لأجل أن تنشر يكون عليه من الإثم بقدر ما أثم الساحبون عليها وإن كثروا؛ لأنه معين على الإثم والعدوان.
جواب السؤال الثالث: أخشى أن يكون هذا من جنس النياحة وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الميت يعذب بما نيح عليه، وليس هذا من بر الميت، وأين البر في هذا؟ فماذا يستفيد الميت، بل في هذا خطورة على الحي، فربما وقع في قلبه تعلق بالميت أو تقديس له أو تجديد لأحزانه، ولا يخفى ما ذكر من خطورة صور الأموات كما ذكروا أن أصل شرك قوم نوح كان بسبب احتفاظهم بالصور التي كانت لقوم صالحين.
جواب السؤال الرابع: اتخاذ الصور للذكرى محرم؛ لأن اقتناء الصورة يمنع دخول الملائكة البيت كما صح ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلى هذا فإني أنصح إخواني عن هذا العمل وأحثهم على التوبة إلى الله تعالى وتمزيق ما عندهم من الصور أو تحريقها ليسلموا من الإثم، {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} .
حرر في 18/5/1408 هـ.
(17/402)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
في 30/9/1379 هـ
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم.... حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد تبين لي البارحة حين اتصلت بكم هاتفيًّا للتعزية بالأخ ... رحمه الله تعالى أن في نفوسكم شرهاً علي إذ لم أحضر إلى البيت، وهذا جزاكم الله خيراً يدل على أن لي منزلة في نفوسكم؛ لأنه لو لم يكن لي منزلة لم تشرهوا علي.
والله يعلم أني لم أترك الحضور إلى البيت، احتقاراً لكم، ولا استخفافاً بالمصاب، ولكني تركت ذلك؛ لأنه لم يكن من سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا من عادة السلف الصالح، اجتماع أهل الميت، أو جلوسهم للتعزية، فقد مات للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوجتان في حياته إحداهما فريدته وأم أكثر أولاده خديجة رضي الله عنها ومات جميع أولاده ما عدا فاطمة رضي الله عنها وقال في ابنه إبراهيم: "العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون". ولم يحفظ عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه جلس ليعزى بهؤلاء، وأما جلوسه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المسجد يعرف فيه الحزن حين جاء خبر قتل زيد
(17/403)

وجعفر وعبد الله بن رواحة، فليس فيه أنه جلس لقصد التعزية. ومن أجل أن الجلوس للتعزية لم يكن من سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا من عادة السلف الصالح كرهه الإمام أحمد رحمه الله فقال: ما ينبغي، ومرة قال: ما يعجبني، وقد ذكر في الفروع أن الإمام أحمد إذا قال: (لا ينبغي) فهو للتحريم، ولذلك نقل عنه المنع من الجلوس، ونقل عنه الرخصة فيه، والذي استقر عليه مذهبه عند المتأخرين من أصحابه أن الجلوس للتعزية مكروه، قال (في الفروع) : ويكره الجلوس لها، نص عليه واختاره الأكثر وفاقاً لمالك والشافعي، وقال في (المنتهى) و (الإقناع) وهما عمدة المتأخرين في المذهب: ويكره الجلوس لها، قال في الشرح أي للتعزية بأن يجلس المصاب بمكان ليعزى أو يجلس المعزي عند المصاب بعدها. ا. هـ.
وقال في (المهذب) ، وهو من أكبر كتب الشافعية قدراً: يكره الجلوس للتعزية؛ لأن ذلك مُحْدَث والمحدث بدعة، قال في الشرح في تفسير الجلوس لها: هو أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من يريد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم. ا. هـ.
وهذا الكلام الذي سقته إليكم هو الذي جعلني لم أحضر إلى البيت للتعزية، وليس الاحتقار لكم، أو الاستخفاف بالمصاب، بل لكم عندي ما تستحقونه من التقدير، ولقد تعرضت لمصادفتكم آخر الليل قبل البارحة عند انتهاء القيام بعد صلاة الفجر ولم تقدر لي مصادفتكم. أما الميت فنسأل الله له المغفرة والرحمة. هذا ما أردت
(17/404)

بيانه لكم لتكونوا على بصيرة من أمرى والله الموفق. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.
(17/405)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل صحيح أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه؛ لأن ذلك ثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن العلماء اختلفوا رحمهم الله في تخريج هذا الحديث:
فحمله بعضهم على أن المراد به الكافر أنه يعذب ببكاء أهله عليه دون المؤمن.
ولكن هذا خلاف ظاهر الحديث، لأن الحديث عام، وحمل هؤلاء الحديث على الكافر فراراً من أن يعذب الإنسان بذنب غيره لا يحصل به الخصوص، لأن تعذيب الكافر ببكاء أهله عليه هو تعذيبه بذنب غيره.
وقال بعض العلماء: المراد بذلك أن يُوصي، يعني أن يكون الميت أوصى أهله بأن يبكوا عليه، فيكون هو الا?مر بهذا الشيء فيلحقه من عذابه.
وقال آخرون: هو في الرجل الذي يعلم من أهله أنهم يبكون على أمواتهم ولم ينههم عن ذلك قبل موته؛ لأن رضاه وسكوته مع علمه بأنهم يفعلونه دليل على رضاه به، والراضي عن المنكر كفاعل المنكر.
فهذه ثلاثة أوجه في تخريج الحديث، ولكن كلها مخالفة لظاهر الحديث؛ لأن الحديث ليس فيه قيد، إن المراد به من أوصى
(17/406)

بذلك، أو رضي به.
والحديث على ظاهره أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ولكنه ليس عذاب عقوبة؛ لأنه لم يفعل ذنباً حتى يعاقب عليه، لكنه عذاب تألم وتضجر من هذا البكاء، لأنه يعلم بذلك فيتألم ويتضجر، والتألم والتضجر لا يلزم منه أن يكون ذلك عذاب عقوبة. ألا ترى إلى قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السفر: "إنه قطعة من العذاب" وليس السفر عقوبة ولا عذاب، لكنه هم واستعداد وقلق نفسي، فكذلك عذاب الميت في قبره من هذا النوع؛ لأنه يحصل به تألم وقلق وتعب، وإن لم يكن ذلك عقوبة ذنب.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"؟
فأجاب فضيلته بقوله: معناه أن الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يعلم بذلك ويتألم، وليس المعنى أن الله يعاقبه بذلك لأن الله تعالى يقول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ} . والعذاب لا يلزم أن يكون عقوبة ألم تر إلى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن السفر قطعة من العذاب" والسفر ليس بعقوبة، لكن يتأذى به الإنسان ويتعب، وهكذا الميت إذا بكى أهله عليه فإنه يتألم ويتعب من ذلك، وإن كان هذا ليس بعقوبة من الله عز وجل له، وهذا التفسير للحديث تفسير واضح
(17/407)

صريح، ولا يرد عليه إشكال، ولا يحتاج أن يقال: هذا فيمن أوصى بالنياحة، أو فيمن كان عادة أهله النياحة ولم ينههم عند موته، بل نقول: إن الإنسان يعذب بالشيء ولا يتضرر به.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا بكى الإنسان لوفاة قريبه بغير اختياره فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما توفي ابنه إبراهيم بكى وقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن ... " فالبكاء غير المتكلف لا شيء فيه وهو من طبيعة الإنسان.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن تعذيب الميت ببكاء أهله؟
فأجاب فضيلته بقوله: تعذيب الميت ببكاء أهله ليس معلقاً بالبكاء، فالبكاء الطبيعي لا يعذب به الباكي، ولا المبكي عليه، وإنما الحديث فيمن يناح عليه، فإنه يعذب على ذلك في قبره صح بذلك الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحمله بعض العلماء على من أوصى بالنياحة عليه بعد موته، أو على من يرضى به في حياته ولم ينه أهله عنه، والصحيح أن الحديث على ظاهره يعذب وإن لم يوص، وأن لم يرض، ولكن العذاب غير العقاب، فقد يراد به القلق والتعب كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السفر: "أنه قطعة من العذاب" مع أنه ليس
(17/408)

عقوبة، فمعنى تعذيب الميت بما نيح عليه أن النياحة تعرض عليه في قبره فيتأذى بها ويتعذب بها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم النياحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أعلمه من الشرع أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن النائحة والمستمعة، والنائحة هي التي تبكي على الميت برنة تشبه نوح الحمام، وإنما لعنها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما يترتب على النوح من تعاظم المصيبة، وشدة الندم، وإلقاء الشيطان في قلوب النساء ما يلقيه من التسخط على قدر الله عز وجل وقضائه، وهذه الاجتماعات التي تكون بعد موت الميت، ويكون فيها الندب والنياحة كلها اجتماعات محرمة، اجتماعات على كبائر الذنوب، فالواجب على المسلمين الرضا بقضاء الله وقدره، وإذا أصيب الإنسان بمصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها، فإن الإنسان إذا قال ذلك بصدق نية، وتصديق لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن الله سبحانه وتعالى يخلف عليه خيراً من مصيبته، ويأجره عليها، ولقد جرى ذلك لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها حين مات عنها زوجها أبو سلمة رضي الله عنها فقالت رضي الله عنها مؤمنة مصدقة بكلام النبي عليه الصلاة والسلام قالت هذا القول: "اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منه" فأخلف الله لها خيراً منها، فإنها حين انقضت عدتها تزوجها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان
(17/409)

النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيراً لها من أبي سلمة، ولها الأجر عند الله تعالى، فوظيفة الإنسان عند المصائب الصبر والتحمل واحتساب الأجر من الله سبحانه، والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض النساء إذا أتت إلى أهل الميت لتعزيتهم أول ما يكون منها صياح وعويل وتبكي كل الحاضرين هل يعد هذا من النوح؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم هذا من النوح بلا شك، وقد لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النائحة والمستمعة، فلا يحل لهذه أن تفعل هذا الفعل، ولا يحل لأهل الميت أن يمكنوها منه، ويجب عليهم إذا رأوا أنها مستمرة في هذا العمل أن يخرجوها من البيت.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم تخصيص لباس معين للتعزية كلبس السواد للنساء؟
فأجاب فضيلته بقوله: تخصيص لباس معين للتعزية من البدع فيما نرى، ولأنه قد ينبىء عن تسخط الإنسان على قدر الله عز وجل، وإن كان بعض الناس يرى أنه لا بأس به، لكن إذا كان السلف لم يفعلوه، وهو ينبىء عن شيء من التسخط فلا شك أن تركه أولى؛ لأن الإنسان إذا لبسه فقد يكون إلى الإثم أقرب منه إلى السلام.
(17/410)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل رثاء الميت من النعي المحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس رثاء الميت من النعي المحرم إذا لم يتضمن غلواً يخرج به الراثي عن الحد، ومازال المسلمون يستعملونه من زمن الصحابة رضي الله عنهم إلى اليوم بدون نكير، وانظر ما قيل في غزوة أحد من رثاء حمزة والشهداء رضي الله عنهم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم المآتم؟
فأجاب فضيلته بقوله: المآتم كلها بدعة، سواء كانت ثلاثة أيام، أو على أسبوع، أو على أربعين يوماً، لأنها لم ترد من فعل السلف الصالح رضي الله عنهم ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ولأنها إضاعة مال، وإتلاف وقت، وربما يحصل فيها شيء من المنكرات من الندب والنياحة ما يدخل في اللعن فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن النائحة والمستمعة.
ثم إنه إن كان من مال الميت من ثلثه أعني فإنه جناية عليه لأنه صرف له في غير الطاعة، وإن كان من أموال الورثة فإن كان فيهم صغار أو سفهاء لا يحسنون التصرف فهو جناية عليهم أيضاً، لأن الإنسان مؤتمن في أموالهم فلا يصرفها إلا فيما ينفعهم، وإن كان لعقلاء بالغين راشدين فهو أيضاً سفه، لأن بذل الأموال فيما لا
(17/411)

يقرب إلى الله أو لا ينتفع به المرء في دنياه من الأمور التي تعتبر سفهاً، ويعتبر بذل المال فيها إضاعة له، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن إضاعة المال. والله ولي التوفيق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هناك عادة في بعض البلاد وهي أنه إذا مات الميت رفعوا أصواتهم بالقرآن ومن خلال المسجلات في بيت الميت فما حكم هذا العمل؟ وكذا ما يحصل من النياحة والبكاء على الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب أن نقول: إن هذا العمل بدعة بلا شك فإنه لم يكن في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عهد أصحابه رضي الله عنهم والقرآن إنما تخفف به الأحزان إذا قرأه الإنسان بنفسه بينه وبين نفسه، لا إذا أعلن به على مكبرات الصوت التي يسمعها كل إنسان، حتى اللاهون في لهوهم، حتى الذين يستمعون المعازف وآلات اللهو تجده يسمع القرآن ويسمع هذه الا?لات، وكأنما يلغون في هذا القرآن ويستهزؤون به، ثم إن اجتماع أهل الميت لاستقبال المعزين هو أيضاً من الأمور التي لم تكن معروفة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى إن بعض العلماء قال: إنه بدعة، ولهذا لا نرى أن أهل الميت يجتمعون لتلقي العزاء بل يغلقون أبوابهم، وإذا قابلهم أحد في السوق، أو جاء أحد من معارفهم بدون أن يعدوا لهذا اللقاء عدته، ودون أن يفتحوا الباب لكل أحد فإن هذا لا بأس به، وأما اجتماعهم وفتح الأبواب لاستقبال الناس فإن هذا شيء لم يكن معروفاً في عهد
(17/412)

النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى كان الصحابة رضي الله عنهم يعدون الاجتماع عند أهل الميت وصنع الطعام من النياحة، والنياحة كما هو معروف من كبائر الذنوب، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعن النائحة والمستمعة وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب". نسأل الله العافية.
فنصيحتي لإخواني المسلمين أن يتركوا هذه الأمور المحدثة، فإن ذلك أولى بهم عند الله، وهو أولى بالنسبة للميت أيضاً، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر: أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وبنياحة أهله عليه، ومعنى "يعذب" أي: يتألم من هذا البكاء وهذه النياحة، وإن كان لا يعاقب عقوبة الفاعل، لأن الله تعالى يقول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ} ولا يلزم من العذاب أن يكون عقوبة ألا ترى إلى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "السفر قطعة من العذاب" وليس السفر عقوبة بل إن الألم والهم وما أشبه ذلك يعد عذاباً، ومن كلمات الناس العابرة يقول: "عذبني ضميري" إذا اعتراه الهم والغم الشديد، والحاصل أنني أنصح إخواني عن مثل هذه العادات التي لا تزيدهم من الله إلا بعداً، ولا تزيد موتاهم إلا عذاباً.
(17/413)

* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم لبس السود حداداً على الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: لبس السواد حداداً على الميت من البدع وإظهار الحزن، وهو شبيه بشق الجيوب ولطم الخدود الذي تبرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فاعله حيث قال: "ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم ما يسمى ب (الموالد النسائية) حيث إنه إذا مات الميت يجتمع النساء في بيت الميت وتكون هناك مقرئة تقرأ لهن بعض الآيات والأذكار ويكررن هذا العمل بعد مضي ثلاثة أيام على موت الميت، وكذلك بعد مرور سبعة أيام وأيضاً بعد شهر وهكذا حتى تنقضي عدة المرأة المتوفى عنها زوجها فهل هذا العمل جائز؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل لا يجوز، وهو بدعة، والإنسان مأمور أن يسترجع عند المصيبة ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها، ثم يتناسها.
وأما ما يفعل هؤلاء النساء مما ذكرت فهو أصلاً بدعة، ثم تجديده لكل ثلاثة أيام، أو كل أسبوع، أو كل شهر بدعة أخرى.
(17/414)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما المقصود "بدرع من جرب" في قوله عليه السلام: "النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب"، والحديث رواه مسلم من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: المراد بالدرع من الجرب، أي أن جلدها والعياذ بالله يكون فيه جرب يكسوه كالدرع، وذلك من أجل أن تتألم كثيراً بما يحصل لها من عذاب النار.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عندنا في القرية عادة إذا مات عندهم أحد، تقوم النساء بشق الجيوب ولطم الخدود والنياحة، فيقوم بعض طلبة العلم بنصيحتهن ولكن دون فائدة، وعلاوة على ذلك فإنهن يتبعن الجنائز إلى المقبرة بحالتهن تلك. ويقمن بحثو التراث على رؤوسهن في الطريق، وكذلك الرجال إذا وصلت الجنازة إلى المقبرة ودفنوها، فإنهم يجلسون على القبر يبكون وينوحون، وبعد مضي أربعين يوماً يعملون عشاء للميت يدعون إليه كل من حولهم بدون استثناء وينتهي العزاء بأن تراق القهوة والشاي على الأرض، فما رأيكم في هذه العادة؟ وما الحكم فيمن يفعلها؟
(17/415)

فأجاب فضيلته بقوله: هذه العادة منكرة وبدعة ضلالة. والواجب على المسلم عند المصيبة أن يرضى بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، وأن يعلم أن هذه المصيبة لابد أن تقع مهما عمل؛ لأنها قد كتبت، وجفت الأقلام، وطويت الصحف، ومهما كان فلابد أن يقع ما قدر الله عز وجل، ويكون كما كان المسلمون يقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
فإذا اطمأن الإنسان إلى هذا، وعلم أنه من الله عز وجل رضي وسلم كما قال علقمة رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} قال: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم.
فوظيفة الإنسان عند المصائب الصبر واحتساب الأجر حتى لا يحرم الثواب؛ فإن المصاب حقيقة من حرم الثواب، وإذا وقعت بك مصيبة فقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، فإنك إذا قلت ذلك آجرك الله في مصيبتك وأخلف لك خيراً منها.
وهذا أمر قاله النبي عليه الصلاة والسلام وشهد به الواقع، فأم سلمة رضي الله عنها كانت تحت أبي سلمة، وكانت تحبه حبًّا شديداً، فلما توفي أبو سلمة رضي الله عنه قالت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها. وكانت تقول في نفسها: من خيرٌ من أبي سلمة، فلما انقضت عدتها تزوجها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان رسول
(17/416)

الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيراً لها من أبي سلمة.
وهذا أيضاً تشهد به وقائع كثيرة، فالإنسان إذا صبر واحتسب فإن الله سبحانه وتعالى يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب، والجزع والحزن والنياح لا ترد المصيبة، بل توجب الوقوع في الإثم، فإن النياحة على الميت من كبائر الذنوب، فقد لعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النائحة والمستمعة.
والنائحة هي التي تنوح على الميت، والمستمعة التي تستمع لها، وكذلك يجب على الرجال أولياء أمور هؤلاء النساء أن يمنعوهن من النياحة، وعلى ولاة الأمور في البلد أي ذوي السلطة يجب عليهم أن يمنعوا مثل هذا في المقابر وفي الأسواق. وأن يمنعوا النساء من اتباع الجنائز حتى يكون المجتمع مجتمعاً إسلاميًّا، عارفاً بالله سبحانه وتعالى، راضياً بقضاء الله وقدره.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض الناس يقيمون الحداد على الميت لمدة أسبوع، يقرأون القرآن بحيث تقوم امرأة بالقراءة ويرددون خلفها، ويقسم أهل الميت التمر، وأحياناً يمتد ذلك لمدة شهر، فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحداد على الميت معناه ترك المألوف مما يتجمل به الإنسان عادة، وتجتنب المرأة التحلي، وما أشبه
(17/417)

ذلك، ما يقوم به الحزين عادة، وقد أباح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحداد لمدة ثلاثة أيام إلا الزوجة، فإنها تحاد مدة العدة، أربعة أشهر وعشرة أيام إن لم تكن حاملاً، وإلى وضع الحمل إن كانت حاملاً.
وأما الاجتماع عند أهل الميت وقراءة القرآن، وتوزيع التمر واللحم فكله من البدع التي ينبغي للمرء تجنبها، فإنه ربما يحدث مع ذلك نياحة، وبكاء، وحزن، وتذكر للميت حتى تبقى المصيبة في قلوبهم لا تزول.
وأنا أنصح هؤلاء الذين يفعلون مثل هذا أنصحهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل، وأن يسلكوا طريق السلف الصالح عند المصائب، فيقول الإنسان إذا أصيب بمصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها، فإذا فعل ذلك آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها، وليتذكروا قصة أم سلمة رضي الله عنها حين مات عنها زوجها رضي الله عنه فقالت: "اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها" وكانت تقول في نفسها: مَن خير من أبي سلمة، فلما انقضت عدتها خطبها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتزوجها فكان خيراً لها من أبي سلمة.
والذي ينبغي للمصاب أن لا يجلس في انتظار من يأتون للعزاء، لأن ذلك ليس من هدي الصحابة رضي الله عنهم بل ينصرف إلى عمله، أو إلى دراسته، أو إلى تجارته، أو إلى صناعته، أو إلى أي عمل يكابده في هذه الدنيا حتى ينسى المصيبة، وحق
(17/418)

الميت علينا أن ندعو له بالمغفرة والرحمة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم الحزن على الميت؟ وهل يعارض الرضا بالقضاء والقدر؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحزن على الفائت من طبيعة الإنسان، ولا يؤاخذ الإنسان به، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال حين مات ابنه إبراهيم: "العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، ولكن إن اقترن بالحزن شيء من المحرم؛ كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور صار من هذه الناحية حراماً؛ لأنه اقترن بفعل محرم.
أما مجرد الحزن الذي لا يصحبه شيء فقد حصل من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "لا نقول إلا ما يرضي الرب" فلا نقول يا ويلاه، واثبوراه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض الناس إذا مات لهم ميت وجاء العيد بعد ذلك فإنهم لا يقدمون لمن يزورهم حق الضيافة بل يعتادون نوعاً من الأكل كالتمر فقط إظهاراً لحزن أهل الميت عليه ما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: السؤال غير واضح، أما إذا كان يوم العيد لا يقدمون الضيافة المشروعة، وإنما يقدمون نوعاً من الطعام
(17/419)

إظهاراً للحزن على الميت فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا يشبه شق الجيوب، ولطم الخدود، ونتف الشعر عند المصيبة. والواجب على الإنسان أن يرضى بالله عز وجل، وبما قدر عليه، ويصبر ويحتسب، ولا يجوز أن يعتاد هذا العمل الذي ذكر في السؤال.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: امرأة تقول: توفيت لي بنت تبلغ من العمر عشر سنوات تقريباً، وحزنت عليها حزناً شديداً وأخذت من ملابسها ثوباً واحداً واحتفظت به حتى إذا جاء موتي يوضع على رأسي، وجمعت من الشعر الذي يأتي بعد التمشيط من شعرها وشعر رأسي ومن شعر رؤوس جميع الأسرة، ووضعته في منديل وقلت يوضع تحت رأسي عند موتي. فهل في ذلك شيء من وضع الثوب على رأسي ومن تجميع الشعور ووضعها معي في قبري؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: كل هذه الأعمال التي ذكرتها السائلة بدعة، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كل بدعة ضلالة"، وهذا الثوب الذي احتفظت به إن كان يمكن الانتفاع به، أو التصدق به فإنه ينتفع به ويتصدق به، وإن كان لا يمكن الانتفاع به فإنه يحرق، أو يلقى في القمامة، وكذلك ما حفظته من الشعور من هذه البنت ومن غيرها من الأهل فإنها تدفن في مكان، أو تلقى، والمهم أن هذا العمل وهو
(17/420)

جعلها معها في القبر عمل خاطىء، بدعي لا أصل له في الشرع، فعليك أن تتجنبي ذلك كله. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عمي قتل في المعركة وقد بلغ بنا الحزن عليه أن قررنا زيارة قبره كل خميس وجمعة ولبسنا السواد مدة خمسة وثلاثين يوماً وقد رفع أهله قبره عن الأرض فما الحكم في هذه الأعمال هل هي صحيحة أم مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الأعمال غير صحيحة، والواجب على المرء إذا أصابته مصيبة أن يتلقاها بالصبر والاحتساب، لأن الحزن لا يرد شيئاً من المقدور، وقد قال الله تعالى في القرآن: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَْمَوَالِ وَالأَْنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُو?اْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ} .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لإحدى بناته وقد مات لها طفل، قال للرسول الذي أرسلته إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مرها فلتصبر ولتحتسب، فإن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى"، فالواجب عليكم أيها المصابون بفقد حبيبكم الصبر والاحتساب، والدعاء له بالمغفرة والرحمة، حيث إنه مسلم، وعلى هذا فإن زيارتكم لقبره،
(17/421)

أو تكرير هذه الزيارة لقبره كل خميس وجمعة ليس بمشروع ولا ينبغي، وكذلك لبسكم السواد فإنه من البدع وإظهار الحزن، وهو شبيه بشق الجيوب ولطم الخدود الذي تبرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فاعله حيث قال: "ليس منا من شق الجيوب، ولطم الخدود، ودعا بدعوى الجاهلية".
أما رفع القبر فإنه أيضاً خلاف السنة، ويجب أن يسوى بالقبور التي حوله إذا كان حوله قبور، أو ينزل حتى يكون كالقبور المعتادة؛ لأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لأبي الهياج الأسدي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: في قول الرسول عليه الصلاة والسلام في ما يرويه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الروح والنفس بمعنى واحد، والحديث قوله عليه الصلاة والسلام: "ألم تروا أن الإنسان إذا مات شخص بصره"؟ قالوا: بلى، قال: "فذلك حيث يتبع بصره نفسه"، والحديث الثاني حديث أم سلمة رضي الله عنها: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" رواه مسلم أيضاً،
(17/422)

هل الروح هي النفس؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم الروح هي النفس التي تقبض كما قال الله تعالى: {اللهُ يَتَوَفَّى الأَْنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الاُْخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الا?ية.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يموت أحياناً من فيه شر فيأخذ الناس في بيان ما فيه من الشر بالرغم من ورود الحديث في صحيح البخاري: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدَّموا"، هل هم وقعوا في محذور؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، إذا كان الغرض من ذلك السب والشماتة بالميت فهذا لا يجوز، وإذا كان الغرض منه التحذير من صنيعه وطريقه الذي يمشي عليها، فإن هذا لا بأس به؛ لأنه يقصد به المصلحة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: قال عليه الصلاة والسلام في ما يرويه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "إذا خرجت روح المسلم تلقاها ملكان يصعدانها" قال حماد فذكر من طيب ريحها، وذكر المسك، قال: "ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت من قبل الأرض
(17/423)

صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه، ثم يقول الله: انطلقوا به إلى آخر الأجل، وكذلك الكافر، يقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل"؟ ما المقصود بآخر الأجل؟
فأجاب فضيلته بقوله: المقصود بذلك قيام الساعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يجوز النظر إلى شريط الفيديو الذي يصور طريقة تغسيل وتكفين ودفن الميت بقصد الاتعاظ وإحياء الغفلة؟ ويصاحب هذه الصورة إرجوزة مطلعها: ليس الغريب غريب الشام واليمن ... إلخ؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن إحياء القلوب بالمواعظ من الأمور المطلوبة، ولكن المواعظ بالأمور المحرمة لا تفيد، ولا يمكن الإصلاح بالأمر المحرم.
وإنما تكون المواعظ من كتاب الله عز وجل، وبما صح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي ذلك خير وكفاية لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مَّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} . فمواعظ القرآن كافية لكل ذي قلب، كما قال سبحانه وتعالى في سورة (ق) لما ذكر المواعظ العظيمة من ابتداء
(17/424)

خلق الإنسان إلى انتهاء جزائه بالثواب أو العقاب قال تعالى: {إِنَّ فِى ذَالِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} . أما ما ذكره السائل عن ظهور الميت والغاسل يغسله وترنم من حوله بهذه الأبيات السالفة الذكر:
ليس الغريب غريب الشام واليمن إن الغريب غريب اللحد والكفن فهذا أمر لا يصح أن يكون طريقاً للموعظة، وعلى هذا فليتجنب، وليأت ببدله بما هو من كتاب الله جل وعلا، وما صح عن رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ففيهما الشفاء والنور. والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: فكرت طويلاً في حفر قبر لي ولكني متردد خشية أن أحرم من يحضر موتي من أجر الحفر أرجو الإفادة؟
فأجاب فضيلته بقوله: المقبرة إن كانت مسبلة فإنه يحرم عليه أن يحفر له قبراً فيها، وذلك لأنه يتحجر مكاناً السابق إليه أولى به من غيره، والأماكن العامة لا يجوز لأحد أن يختص فيها مكاناً، بل هي لمن سبق، وقد روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قيل له: ألا نبني لك بيتاً يعني خيمة في منى، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "منى مناخ من سبق".
وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يحفر له قبراً في مقبرة مسبلة،
(17/425)

وهذا هو الغالب عندنا في بلادنا.
أما لو كانت المقبرة ملكاً خاصاً له كما يوجد في بعض البلاد الإسلامية يشتري أرضاً يدفن فيها من يموت من أقاربه فإن له أن يحفر ذلك قبل موته.
وأقول: إن هذا ليس أمراً مشروعاً وإن كان جائزاً، ولا أعلم فيه سنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم ثم إنه من الجهل فإن الإنسان لا يدري بأي أرض يموت، كما قال تعالى: {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} . فإنه قد يحفر هذا القبر ويموت في أرض أخرى. والله الموفق.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عندما يموت الشخص ويوضع في قبره هل يعلم أنه انتقل إلى الدار الا?خرة، وهل يذكر أهله وأولاده؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما كونه يشعر إذا انتقل إلى الدار الا?خرة فإنه يشعر من حين يأتيه ملك الموت ليقبض روحه، ويعلم أن روحه خرجت من جسده بنظره إليها. فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر أن الروح إذا قبضت تبعها البصر ولهذا يشخص بصر الميت. دخل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أبي سلمة رضي الله عنه وقد شخص بصره يعني انفتح فأغمضه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: "إن الروح إذا قبض تبعه البصر" ثم قال: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين،
(17/426)

وافسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه".
دعا له بخمس دعوات عظيمة. اللهم اغفر له، وارفع درجته في المهديين، وافسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه. وما كان في الدنيا فقد أدرك فإن الله تعالى خلفه في عقبه بأن تزوجت أم سلمة رضي الله عنها بعد انقضاء عدتها من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم صار أولاد أبي سلمة في حجر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخلفه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في عقبه استجابة لدعوة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وخلاصة القول: إن الميت يدري أنه مات، وأنه انتقل إلى الدار الا?خرة.
أما كونه يدري إذا وضع في قبره وما أشبه ذلك فهذا لم يثبت به سنة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو من أمور الغيب التي لا يجوز الجزم بها إلا بنص من الكتاب والسنة الصحيحة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما هو القرين؟ وهل يرافق الميت في قبره؟
فأجاب فضيلته بقوله: القرين هو الشيطان مسلط على الإنسان بإذن الله عز وجل، يأمره بالفحشاء وينهاه عن المعروف، كما قال عز وجل: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .
ولكن إذا منّ الله سبحانه وتعالى على العبد بقلب سليم،
(17/427)

صادق متجه إلى الله عز وجل، مريد للا?خرة، مؤثر الله على الدنيا فإن الله تعالى يعينه على هذا القرين حتى يعجز عن إغوائه.
ولذلك ينبغي للإنسان كلما نزغه من الشيطان نزع أن يستعذ بالله من الشيطان الرجيم، كما أمر الله، حيث قال تعالى: {وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} . والمراد بنزغ الشيطان أن يأمرك بترك الطاعة، ويأمرك بفعل المعصية.
فإذا أحسست من نفسك الميل إلى ترك الطاعة، فذلك من الشيطان، أو الميل إلى فعل المعصية فهذا من الشيطان، فبادر بالاستعاذة بالله منه يعيذك الله عز وجل منه، وأما كون هذا القرين يمتد بأن يكون مع الإنسان في قبره، فلا، فالظاهر والله أعلم بمجرد أن يموت الإنسان يفارقه؛ لأن مهمته التي كان مسخراً لها قد انتهت: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: قال أحد أئمة المساجد: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر أن مدة بقاء الميت المؤمن في قبره يجعلها الله له كصلاة العصر أو الظهر فهل هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: اعلم أن الزمن بالنسبة للميت
(17/428)

يذهب سريعاً كأنه ليس بشيء، أمات الله رجلاً مائة عام فلما بعثه قال: {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَءَايَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وهي مائة سنة. كذلك أهل الكهف لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعاً، وهو نوم، والنوم ليس كالموت، الموت أسرع في ذهاب الوقت، وهؤلاء الأموات الذين ماتوا لهم منذ سنين طويلة تجدهم كأنهم ما مرت عليهم دهور طويلة، كأنهم الا?ن ماتوا قال الله تعالى: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ * إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُو?اْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "يتبع الميت ثلاثة: فيرجع اثنان ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله" كيف أن ماله يتبعه؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال أهل العلم رحمهم الله تعالى: هذا في الميت الذي له أرقاء يتبعونه، والأرقاء أمواله يباعون ويشترون.
وقال بعض العلماء: المراد بماله هو ما يكرم من أجله، يعني أن الناس غير أقاربه وغير أهله يخرجون معه من أجل ماله إذا كان
(17/429)

تاجراً فعبر بالمال عن التابعين من أجل المال، ولهذا نجد الفقير إذا صلي عليه في المسجد لا يتبعه إلا الذين يحملون النعش فقط، أربعة، أو خمسة، أو ستة، لكن إذا كان غنيًّا ملأوا المسجد إلا ما شاءالله، فهذا تبع المال.
وربما يقال: المال ما يغطى به من أكسية أو نحوها يرجع فيكون هذا هو المراد بالمال لكن هذا ضعيف. فالمعنى إما أن يقال: إن المراد بالمال العبيد الأرقاء، أو يراد بالمال ما يكرم به من أجله، وهو كثرة الناس الذين ليسوا من أهل الميت. والله أعلم.

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل الميت يسمع السلام والكلام ويشعر بما يفعل لديه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم والسنة قد بينت فيها بعض الأشياء، فقد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أن العبد إذا وضع في قبره وانصرف الناس عنه فإنه يسمع قرع نعالهم"، وأخبر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه ما من مسلم يمر بقبر مسلم فيسلم عليه، وهو يعرفه في الدنيا، إلا رد الله عليه روحه، فرد عليه السلام. وهذا الحديث صححه ابن عبد البر رحمه الله وذكره ابن القيم رحمه الله في كتاب (الروح) ولم يتعقبه، وربما يؤيد هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج إلى المقابر قال: "السلام عليكم دار
(17/430)

قوم مؤمنين".
وعلى كل تقدير مهما قلنا بأن الميت يسمع فإن الميت لا ينفع غيره ولو سمعه، يعني أنه لا يمكن أن ينفعك الميت إذا دعوت الله عند قبره كما أنه لا ينفعك إذا دعوته نفسه، ودعاؤك الله عند قبره، معتقداً لذلك مزية وبدعة من البدع، ودعاؤك إياه شرك أكبر مخرج من الملة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل عذاب القبر على البدن أو على الروح؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأصل أنه على الروح لأن الحكم بعد الموت للروح، والبدن جثة هامدة، ولهذا لا يحتاج البدن إلى إمداد لبقائه، فلا يأكل ولا يشرب، بل تأكله الهوام، فالأصل أنه على الروح، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الروح قد تتصل بالبدن فيعذب أو ينعم معها، وإن لأهل السنة قولاً آخر بأن العذاب أو النعيم يكون للبدن دون الروح، واعتمدوا في ذلك على أن هذا قد رُئي حسًّا في القبر فقد فتحت بعض القبور ورُئي أثر العذاب على الجسم، وفتحت بعض القبور ورئي أثر النعيم على الجسم.
وقد حدثني بعض الناس أنهم في هذا البلد هنا في (عنيزة) كانوا يحفرون لسور البلد الخارجي، فمروا على قبر فانفتح اللحد فوجد فيه ميت قد أكلت كفنُه الأرض وبقي جسمه يابساً لكن لم تأكل منه شيئاً، حتى إنهم قالوا: إنهم رأوا لحيته وفيها الحنا وفاح عليهم
(17/431)

رائحة كأطيب ما يكون من المسك، فتوقفوا وذهبوا إلى الشيخ وسألوه فقال دعوه على ما هو عليه واجنبوا عنه، احفروا من يمين أو من يسار.
فبناء على ذلك قال العلماء إن الروح قد تتصل بالبدن فيكون العذاب على هذا وهذا، وربما يستأنس لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن القبر ليضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه"، فهذا يدل على أن العذاب يكون على الجسم لأن الأضلاع في الجسم، والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما المراد بالقبر هل هو مدفن الميت أو البرزخ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أصل القبر مدفن الميت، قال الله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} ، قال ابن عباس: أي أكرمه بدفنه. وقد يراد به البرزخ الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة وإن لم يدفن كما قال تعالى: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ، يعني من وراء الذين ماتوا؛ لأن أول الا?ية يدل على هذا {حَتَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّى? أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَقَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} .
(17/432)

ولكن هل الداعي إذا دعا "أعوذ بالله من عذاب القبر" يريد من عذاب مدفن الموتى، أو من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة؟
الجواب: يريد الثاني؛ لأن الإنسان في الحقيقة لا يدري هل يموت ويدفن، أو يموت وتأكله السباع، أو يحترق ويكون رماداً ما يدري {وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ} فاستحضر أنك إذا قلت من عذاب القبر أي من العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل عذاب القبر ثابت؟
فأجاب فضيلته بقوله: عذاب القبر ثابت بصريح السنة وظاهر القرآن وإجماع المسلمين هذه ثلاثة أدلة:
أما صريح السنة فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر، تعوذوا بالله من عذاب القبر".
وأما إجماع المسلمين فلأن المسلمين يقولون في صلاتهم: "أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر" حتى العامة الذين ليسوا من أهل الإجماع ولا من العلماء.
(17/433)

وأما ظاهر القرآن فمثل قوله تعالى في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُو?اْءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} . ولا شك أن عرضهم على النار ليس من أجل أن يتفرجوا عليها، بل من أجل أن يصيبهم من عذابها، وقال تعالى: {وَلَوْ تَرَى? إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو?اْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُو?اْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} الله أكبر إنهم لشحيحون بأنفسهم لا يريدون أن تخرج {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} . فقال: {اليوم} و"ال" هنا للعهد الحضوري اليوم يعني اليوم الحاضر الذي هو يوم وفاتهم {تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} .
إذن فعذاب القبر ثابت بصريح السنة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين، وهذا الظاهر من القرآن يكاد يكون كالصريح لأن الا?يتين اللتين ذكرناهما كالصريح في ذلك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل عذاب القبر يشمل المؤمن العاصي أو هو خاص بالكفار؟
فأجاب فضيلته بقوله: عذاب القبر المستمر يكون للمنافق والكافر. وأما المؤمن العاصي فإنه قد يعذب في قبره لأنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر
(17/434)

بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الا?خر فكان يمشي بالنميمة". وهذا معروف أنهما كانا مسلمين.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: إذا لم يدفن الميت فأكلته السباع أو ذرته الرياح فهل يعذب عذاب القبر؟
فأجاب فضيلة بقوله: نعم، ويكون العذاب على الروح، لأن الجسد قد زال وتلف وفني، وإن كان هذا أمراً غيبيًّا لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله من هذا العذاب ولو كان قد فني واحترق؛ لأن الأمر الأخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدنيا.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كيف نجيب من ينكر عذاب القبر ويحتج بأنه لو كشف القبر لوجده لم يتغير ولم يضق ولم يتسع؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجاب من أنكر عذاب القبر بحجة أنه لو كشف القبر لوجد أنه لم يتغير بعدة أجوبة منها:
أولاً: أن عذاب القبر ثابت بالشرع، قال الله تعالى في آل فرعون: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُو?اْءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} ، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فلولا أن تدافنوا
(17/435)

لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع" ثم أقبل بوجهه فقال: "تعوذوا بالله من عذاب النار"، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: "تعوذوا من عذاب القبر"، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر". وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المؤمن: "يفسح له في قبره مد بصره" إلى غير ذلك من النصوص فلا يجوز معارضة هذه النصوص بوهم من القول بل الواجب التصديق والإذعان.
ثانياً: أن عذاب القبر على الروح في الأصل، وليس أمراً محسوساً على البدن، فلو كان أمراً محسوساً على البدن لم يكن من الإيمان بالغيب ولم يكن للإيمان به فائدة لكنه من أمور الغيب، وأحوال البرزخ لا تقاس بأحوال الدنيا.
ثالثاً: أن العذاب والنعيم وسعة القبر وضيقه، إنما يدركه الميت دون غيره، والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنه قائم وذاهب وراجع، وضارب ومضروب، ويرى أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، والذي حوله لا يرى ذلك ولا يشعر به.
والواجب على الإنسان في مثل هذه الأمور أن يقول: سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل عذاب القبر دائم أو منقطع؟
(17/436)

فأجاب فضيلته بقوله: أما إن كان الإنسان كافراً والعياذ بالله فإنه لا طريق إلى وصول النعيم إليه أبداً ويكون عذابه مستمرًّا.
وأما إن كان عاصياً وهو مؤمن، فإنه إذا عذب في قبره يعذب بقدر ذنوبه وربما يكون عذاب ذنوبه أقل من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة وحينئذ يكون منقطعاً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل يخفف عذاب القبر عن المؤمن العاصي؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، قد يخفف، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرَّ بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير بلى إنه كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستبرىء" أو قال: "لا يستتر من البول، وأما الا?خر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة، وقال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا". وهذا دليل على أنه قد يخفف العذاب، ولكن ما مناسبة هاتين الجريدتين لتخفيف العذاب عن هذين المعذبين؟
1 قيل: لأنهما أي الجريدتين تسبحان ما لم ييبسا، والتسبيح يخفف من العذاب على الميت، وقد فرّعوا على هذه العلة المستنبطة التي قد تكون مستبعدة أنه يسن للإنسان أن يذهب إلى القبور ويسبح عندها من أجل أن يخفف عنها.
2 وقال بعض العلماء: هذا التعليل ضعيف؛ لأن الجريدتين تسبحان سواء كانتا رطبتين أم يابستين، لقوله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ
(17/437)

السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَْرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَاكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَْرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَاكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} ، وقد سُمع تسبيح الحصى بين يدي الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مع أن الحصى يابس، إذن ما العلة؟
العلة: أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ترجى من الله عز وجل أن يخفف عنهما من العذاب مادامت هاتان الجريدتان رطبتين، يعني أن المدة ليست طويلة وذلك من أجل التحذير من فعلهما، لأن فعلهما كبير كما جاء في الرواية "بلى إنه كبير" أحدهما لا يستبرىء من البول، وإذا لم يستبرىء من البول صلى بغير طهارة، والا?خر يمشي بالنميمة يفسد بين عباد الله والعياذ بالله ويلقي بينهم العداوة، والبغضاء، فالأمر كبير، وهذا هو الأقرب أنها شفاعة مؤقتة تحذيراً للأمة لا بخلاً من الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالشفاعة الدائمة.
ونقول استطراداً: إن بعض العلماء عفا الله عنهم قالوا: يسن أن يضع الإنسان جريدة رطبة، أو شجرة، أو نحوها على القبر ليخفف عنه، لكن هذا الاستنباط بعيد جدًّا ولا يجوز أن نصنع ذلك لأمور:
أولاً: أننا لم يكشف لنا أن هذا الرجل يعذب بخلاف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثانياً: أننا إذا فعلنا ذلك فقد أسأنا إلى الميت، لأننا ظننا به ظن سوء أنه يعذب وما يدرينا فلعله ينعم، لعل هذا الميت ممن منَّ الله عليه بالمغفرة قبل موته لوجود سبب من أسباب المغفرة الكثيرة فمات وقد عفا رب العباد عنه، وحينئذ لا يستحق عذاباً.
(17/438)

ثالثاً: أن هذا الاستنباط مخالف لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلم الناس بشريعة الله فما فعل هذا أحد من الصحابة رضي الله عنهم فما بالنا نحن نفعله.
رابعاً: أن الله تعالى قد فتح لنا ما هو خير منه، فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الا?ن يسأل".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل عذاب القبر من أمور الغيب أو من أمور الشهادة؟
فأجاب فضيلته بقوله: عذاب القبر من أمور الغيب، وكم من إنسان في هذه المقابر يعذب ونحن لا نشعر به، وكم جار له منعم مفتوح له باب إلى الجنة ونحن لا نشعر به، فما تحت القبور لا يعلمه إلا علام الغيوب، فشأن عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا الوحي الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ما علمنا عنه شيئاً، ولهذا لما دخلت امرأة يهودية إلى عائشة وأخبرتها أن الميت يُعذَّب في قبره فزعت حتى جاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخبرته وأقر ذلك عليه الصلاة والسلام، ولكن قد يطلع الله تعالى عليه من شاء من عباده، مثل ما أطلع نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على الرجلين اللذين يعذبان، أحدهما يمشي بالنميمة، والا?خر لا يستنزه من البول.
*
(17/439)

والحكمة من جعله من أمور الغيب هو:
أولاً: أن الله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين فلو كنا نطلع على عذاب القبور لتنكد عيشنا، لأن الإنسان إذا اطلع على أن أباه أو أخاه، أو ابنه، أو زوجه، أو قريبه يعذب في القبر ولا يستطيع فكاكه، فإنه يقلق ولا يستريح وهذه من نعمة الله سبحانه.
ثانياً: أنه فضيحة للميت، فلو كان هذا الميت قد ستر الله عليه ولم نعلم عن ذنوبه بينه وبين ربه عز وجل ثم مات وأطلعنا الله على عذابه، صار في ذلك فضيحة عظيمة له ففي ستره رحمة من الله بالميت.
ثالثاً: أنه قد يصعب على الإنسان دفن الميت كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: "لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر". ففيه أن الدفن ربما يصعب ويشق ولا ينقاد الناس لذلك، وإن كان من يستحق عذاب القبر عذب ولو على سطح الأرض، لكن قد يتوهم الناس أن العذاب لا يكون إلا في حال الدفن فلا يدفن بعضهم بعضاً.
رابعاً: أنه لو كان ظاهراً لم يكن للإيمان به مزية؛ لأنه يكون مشاهداً لا يمكن إنكاره، ثم إنه قد يحمل الناس على أن يؤمنوا كلهم لقوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُو?اْءَامَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} فإذا رأى الناس هؤلاء المدفونين وسمعوهم يتصارخون لا?منوا وما كفر أحد لأنه أيقن بالعذاب، ورآه رأي العين
(17/440)

فكأنه نزل به، وحكم الله سبحانه وتعالى عظيمة، والإنسان المؤمن حقيقة هو الذي يجزم بخبر الله أكثر مما يجزم بما شاهده بعينه؛ لأن خبر الله عز وجل لا يتطرق إليه احتمال الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينك يمكن أن تتوهم فيه، فكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال، وإذا هي نجمة، وكم من إنسان شهد أنه رأى الهلال وإذا هي شعرة بيضاء على حاجبه وهذا وهم، وكم من إنسان يرى شبحاً، ويقول: هذا إنسان مقبل وإذا هو جذع نخلة، وكم من إنسان يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً، لكن خبر الله لا يتطرق إليه الاحتمال أبداً.
نسأل الله لنا ولكم الثبات، فخبر الله بهذه الأمور أقوى من المشاهدة، مع ما في الستر من المصالح العظيمة للخلق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل سؤال الميت في قبره حقيقي وأنه يجلس في قبره ويُناقش؟
فأجاب فضيلته بقوله: سؤال الميت في قبره حقيقي بلا شك والإنسان في قبره يجلس ويناقش ويُسأل.
فإن قال قائل: إن القبر ضيق فكيف يجلس؟!
فالجواب:
أولاً: أن الواجب على المؤمن في الأمور الغيبية أن يقبل ويصدق، ولا يسأل كيف؟ ولم؟ لأنه لا يسأل عن كيف ولم إلا من شك، وأما من آمن وانشرح صدره لأخبار الله تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيسلم ويقول الله أعلم في كيفية ذلك.
(17/441)

ثانياً: أن تعلّق الروح بالبدن في الموت ليس كتعلقها به في حال اليقظة، فللروح مع البدن شئون عظيمة لا يدركها الإنسان، وتعلقها بالبدن بعد الموت لا يمكن أن يقاس بتعلقها به في حال الحياة، وها هو الإنسان في منامه يرى أنه ذهب، وجاء، وسافر، وكلم أناساً، والتقى بأناس أحياء وأموات، ويرى أن له بستاناً جميلاً، أو داراً موحشة مظلمة، ويرى أنه راكب على سيارة مريحة، ويرى مرة أنه راكب على سيارة مقلقة كل هذا يمكن مع أن الإنسان على فراشه ما تغير حتى الغطاء الذي عليه لم يتغير ومع ذلك فإننا نحس بهذا إحساساً ظاهراً، فتعلق الروح بالبدن بعد الموت يخالف تعلقها به في اليقظة أو في المنام ولها شأن آخر لا ندركه نحن، فالإنسان يمكن أن يجلس في قبره ويسأل ولو كان القبر محدوداً ضيقاً.
هكذا صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمنه البلاغ، وعلينا التصديق والإذعان قال الله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى? أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} .
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: كلنا يعرف مصير المشركين في الآخرة لكن ما مصير أطفالهم الصغار إذا ماتوا وهم لم يدركوا بعد؟ وهل يُغسَّلون ويكفَّنون ويصلى عليهم؟
(17/442)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا مات أطفال الكفار وهم لم يبلغوا سن التميز وكان أبواهم كافرين فإن حكمهم حكم الكفار في الدنيا أي لا يغسلون، ولا يكفنون، ولا يصلى عليهم، ولا يدفنون مع المسلمين؛ لأنهم كفار بوالديهم. هذا في الدنيا، أما في الا?خرة فالله أعلم بما كانوا عاملين، وأصح الأقوال فيهم أن الله سبحانه وتعالى يختبرهم يوم القيامة بما يشاء من تكليف، فإن امتثلوا أدخلهم الله الجنة، وإن أبوا أدخلهم النار، وهكذا نقول في أهل الفترة، ومن لم تبلغهم الرسالات فالله أعلم بما كانوا عاملين، يختبرون ويكلفون بما يشاء الله عز وجل، وما تقتضيه حكمته، فإن أطاعوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل صحيح أنه إذا أدخل المؤمن القبر تأتيه حورية ينقطع عقدها فينظم هذا العقد حتى تقوم الساعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بصحيح، الصحيح أن الإنسان إذا أدخل في قبره وسأله الملكان، وأجاب بالصواب، فسح له في قبره مد البصر، وأتاه من روح الجنة ونعيمها، ويأتيه عمله الصالح في أحسن صورة ويبقى عنده.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض من يموت لهم ميت يحرصون أن يدفنوه بجانب طفل ويتفاءلون بذلك وأن له مزية ما حكم هذا الشيء؟
(17/443)

فأجاب فضيلته بقوله: هذا الشيء لا أصل له، والإنسان في قبره يعذب، أو ينعم بحسب عمله، لا بحسب من كان جاراً له، فلذلك لا أصل لهذه المسألة إطلاقاً، فالإنسان في الحقيقة في قبره يعذب، أو ينعم بحسب أعماله، سواء كان جاره من أهل الخير، أو من غير أهل الخير.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: ما حكم إلقاء الموعظة في العزاء لتذكير الناس؟ أو إلقاء موعظة عند الدفن في المقبرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: سبق بيان أن الاجتماع في العزاء ليس له أصل عند السلف الصالح، وأصله غير مشروع وبناء على ذلك فإذا كان غير مشروع، فلا اجتماع ولا خطبة.
أما الخطبة عند الدفن في المقبرة، فلم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قام خطيباً يخطب الناس، إنما ورد أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انتهى إلى المقبرة، والقبر لم يلحد بعد، فجلس وحوله أصحابه فجعل يحدثهم عن الإنسان حين احتضاره، وبعد دفنه، وكذلك كان قائماً على قبر إحدى بناته وهي تدفن فحدثهم، عليه الصلاة والسلام ولكن ليس بحديث قام فيه خطيباً، أو واعظاً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض العوام إذا حضر إلى المقبرة اتخذها موطناً للقيل والقال في
(17/444)

أمور الدنيا فما نصيحتكم لمن زار المقبرة وذهب تبعاً للجنازة وبماذا يشتغل؟
فأجاب فضيلته بقوله: نصيحتنا لمن زار المقبرة أن يدعو بما جاء في السنة: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاءالله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم"، ولا ينبغي لمن زارها أن يتحدث بشيء من أمور الدنيا أو شيء يوجب الضحك والقهقهة، وما أشبه ذلك؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "زوروا القبور فإنها تذكر بالا?خرة"، فالسنة في زيارة القبور أن يكون متذكراً، خاشعاً متخشعاً، متذكراً مآله، وأنه سوف يؤول إلى ما آل إليه هؤلاء. والله المستعان.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض العوام في القرى يتخذ مقبرة خاصة لنسائه وإخوانه وأبنائه ولنفسه وغير عامة للمسلمين ما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس في هذا بأس، ولكن قد يخشى أن كل طائفة من الناس الذين اتخذوا هذه المقابر تشيد مقبرة، ويحصل في هذا تفاخر، فالذي ينبغي لولاة الأمور أن يمنعوا مثل هذا، وأن يجعلوا المقبرة عامة لجميع المسلمين، كما كانت المقبرة مقبرة أهل المدينة البقيع عامة لجميع المسلمين، يدفن هذا الرجل،
(17/445)

ويدفن إلى جنبه من هو أكبر منه وأعظم قدراً، وهذا هو السنة المتبعة في مقابر المسلمين.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: بعض الناس إذا مات لهم ميت خارج المدينة النبوية أو بداخلها يحرصون على دفنه بالبقيع ويحرصون على أن يكون ميتهم بمقدمة المقبرة ولعلهم يعتقدون أن المقدمة أفضل من المؤخرة ما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الميت قريباً من المدينة فإحضاره للبقيع طيب وحسن، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد"، أما إذا كان بعيداً فلا.
أما اختيارهم بأن يكون في مقدمة المقبرة ظنًّا منهم أنه أفضل، فهذا لا أصل له، فالمقبرة سواء أولها وآخرها.
* * *
(17/446)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
يوجد في بعض المناطق ظاهرة منتشرة وهي: أنه بعد موت الميت ودفنه يقوم أحد الحاضرين عند القبر ويطلب من الناس الجلوس على الركب فيلقي كلمة يحث فيها الناس على الالتزام بالدين، وبعد ذلك يدعو للميت بصوت مرتفع فيؤمن الحاضرون على دعائه فما حكم هذا العمل أثابك الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
إن طلب أحد الحاضرين من مشيعي الجنازة أن يجثوا على الركب، ثم يلقي كلمة يحث الناس فيها على الالتزام بالدين، ثم يدعو للميت ويؤمن الحاضرون على ذلك، أقول إن طلب ذلك، وإلقاء الموعظة عليهم، ثم الدعاء للميت، من البدع المحدثة التي لم تكن معروفة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عهد السلف الصالح، وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التحذير من البدع، وبيان أن كل بدعة ضلالة، ولم يكن يعرف عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يقوم خطيباً يعظ الناس لا قبل دفن الميت، ولا بعده، وغاية ما ورد عنه في الموعظة أنه أتى أصحابه رضي الله عنهم وهم في البقيع في جنازة يلحد لها فجلس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجلس أصحابه حوله كأن على رؤوسهم الطير،
(17/447)

ومعه عود ينكت به الأرض فرفع رأسه وقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين، ثم حدثهم عن حال الميت حين موته، وبعد دفنه، في حديث طويل رواه الإمام أحمد رحمه الله وغيره عن البراء بن عازب رضي الله عنه وروى البخاري رحمه الله نحوه من حديث علي رضي الله عنه.
وأما دعاؤه للميت بعد الدفن فقد كان إذا فرغ من دفنه وقف عليه وقال: "استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الا?ن يسأل". ولم يكن صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو بصوت مرتفع يؤمن الناس عليه. ولا ريب أن خير الهدي هدي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولو كانت هذه الأمور المحدثة خيراً لكان أسبق الناس إليها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه رضي الله عنهم. فعلى إخواننا المسلمين أن يتمشوا في أحيائهم وأمواتهم على ما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه لقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَالِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} وقوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الأَْخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً} . وفق الله الجميع للإخلاص في القصد والاتباع في العمل، وأعاذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن إنه سميع الدعاء. كتبه محمد الصالح العثيمين في 14/3/1418 هـ.
(17/448)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يوجد في بعض المناطق ظاهرة وهي زراعة الأشجار وبعض النباتات على القبر أو حوله ويتعاهد بعض الناس سقايتها ورشها بالماء بحيث إن الداخل إلى المقبرة يجدها مليئة بالأشجار والنباتات الأخرى المزروعة، فما حكم ذلك جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: المقبرة مدفن الموتى، وليست أرض زراعة، ولكن لعل هؤلاء يريدون أن يتشبهوا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين مر بقبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير أي في أمر شاق عليهما أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول، وأما الا?خر فكان يمشي بالنميمة" ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، وغرز في كل قبر واحدة فقيل: لم صنعت هذا؟ قال: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا".
فإن كان هذا مرادهم فقد أخطأوا من وجوه:
الأول: أنه ليس من هدي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يفعل ذلك في كل قبر وإنما فعله في قبرين كشف له أنهما يعذبان، ففعل هذا في كل ميت بدعة مخالفة لما كان عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
الثاني: أنه إساءة ظن بالميت بأنه يعذب، فيكون قدحاً في الميت، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علل وضع الجريدة بأنهما يعذبان، أفيعتقد هؤلاء أن آباءهم، أو أمهاتهم، أو أبناءهم، أو أقاربهم، أو أصحابهم كانوا يعذبون؟!
(17/449)

الثالث: أن الماء الذي تسقى به هذه الأشجار سوف ينزل إلى قاع قبر الميت، وقد ذكر بعض العلماء أن القبر ينبش إذا كان حوله ماء تلحق الميت منه نداوة، كما في الغاية وشرحها 1/719 فكيف بمن يصبون الماء حوله فينزل إليه؟!
فنصيحتي لهؤلاء أن يتركوا هذا الفعل ويريحوا ميتهم وأنفسهم من هذا العناء، والله الموفق. 14/3/1418 هـ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل المسلم إذا دخل الجنة يتعرف على أقاربه الذين في الجنة؟ وهل يذكر أهله بعد موته ويعرف أحوالهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الشطر الأول من السؤال وهو إذا دخل الإنسان الجنة هل يتعرف على أقاربه فجوابه: نعم، يتعرف على أقاربه وغيرهم من كل ما يأتيه سرور قلبه لقول الله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَْنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَْعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتَلَذُّ الأَْعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ فِيهَا خَالِدُونَ} . بل الإنسان يجتمع بذريته في منزلة واحدة، إذا كان في الذرية دون منزلته، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَءَامَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ كُلُّ امْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} .
وأما الشق الثاني من السؤال وهو: معرفة الميت ما يصنعه أهله في الدنيا، فإنني لا أعلم في ذلك أثراً صحيحاً يعتمد عليه،
(17/450)

ولكن بعض الوقائع تدل على أن الإنسان قد يعرف ما يأتي على أهله، فقد حدثني شخص أنه بعد موت أبيه أضاع وثيقة له، وصار يطلبها ويبحث عنها فرأى في المنام أن أباه يكلمه من نافذة المجلس ويقول له: إن الوثيقة مكتوبة في أول صفحة من الدفتر الفلاني، لكن الورقة لاصقة بجلدة الدفتر فافتح الورقة تجد الوثيقة في ذلك المكان. ففعل الرجل فرآها كما ذكر أبوه. وهذا يدل على أن الإنسان قد يكون له علم بما يصنعه أهله من بعده. والله أعلم
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل تصح كلمة المرحوم للأموات مثلاً أن نقول المرحوم فلان؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان القائل وهو يتحدث عن الميت قال: "المرحوم، أو المغفور له" أو ما أشبه ذلك، خبراً فإنه لا يجوز؛ لأنه لا يدري هل حصلت له الرحمة أم لم تحصل له، والشيء المجهول لا يحل للإنسان الجزم به؛ لأن هذه شهادة له بالرحمة والمغفرة من غير علم، والشهادة من غير علم محرمة.
وأما إذا قال ذلك على وجه الدعاء والرجاء، بأن الله سبحانه وتعالى يرحمه، فإن ذلك لا بأس به، ولا حرج فيه، ولا فرق بين أن تقول المرحوم، أو فلان رحمه الله؛ لأن كلتا الكلمتين صالحتان للخبر وللدعاء، فهو على حسب نية القائل، ولا شك أن الذين يقولون: "فلان المرحوم، أو المغفور له" لا يريدون بذلك الخبر والشهادة بأنه مرحوم أو مغفور له، وإنما يريدون بذلك الرجاء والتفاؤل والدعاء، وعلى هذا فهذه الكلمة لا حرج ولا بأس فيها.
(17/451)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن قول "فلان المرحوم" أو "تغمده الله برحمته" أو "انتقل إلى رحمة الله"؟
فأجاب فضيلته بقوله: قول "فلان المرحوم" أو "تغمده الله برحمته" لا بأس بها؛ لأن قولهم: "المرحوم" من باب التفاؤل والرجاء، وليس من باب الخبر، وإذا كان من باب التفاؤل والرجاء فهو لا بأس به.
وأما قولهم: "انتقل إلى رحمة الله" فهو كذلك فيما يظهر لي أنه من باب التفاؤل، وليس من باب الخبر، إلا أن هذا من أمور الغيب ولا يمكن الجزم به، وكذلك لا يقال: "انتقل إلى الرفيق الأعلى".
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم قول: "البقية في حياتك" عند التعزية ورد أهل الميت بقولهم: "حياتك الباقية"؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أرى فيها مانعاً إذا قال الإنسان "البقية في حياتك"، ولكن الأولى أن يقال: "إن في الله خلفاً من كل هالك، إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فاصبر واحتسب" لأن المحافظة على الألفاظ النبوية في التعزية وغيرها أولى، كذلك الرد عليه إذا غير المعزي هذا الأسلوب فسوف يتغير الرد.
* * *
(17/452)

سئل فضيلة الشيخ: ما حكم قولهم "دفن في مثواه الأخير"؟
فأجاب فضيلته بقوله: قول القائل "دفن في مثواه الأخير" حرام ولا يجوز؛ لأنك إذا قلت في مثواه الأخير فمقتضاه أن القبر آخر شيء له، وهذا يتضمن إنكار البعث، ومن المعلوم لعامة المسلمين أن القبر ليس آخر شيء، إلا عند الذين لا يؤمنون باليوم الا?خر، فالقبر آخر شيء عندهم، أما المسلم فليس آخر شيء عنده القبر، وقد سمع أعرابي رجلاً يقرأ قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَّاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} فقال: "والله ما الزائر بمقيم" لأن الذي يزور يمشي فلابد من بعث وهذا صحيح.
لهذا يجب تجنب هذه العبارة فلا يقال عن القبر إنه المثوى الأخير، لأن المثوى الأخير إما الجنة، وإما النار في يوم القيامة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن قول الإنسان إذا سئل عن شخص قد توفاه الله قريباً قال: "فلان ربنا افتكره"؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان مراده بذلك أن الله تذكر ثم أماته فهذه كلمة كفر، لأنه يقتضي أن الله عز وجل ينسى، والله سبحانه وتعالى لا ينسى، كما قال موسى عليه الصلاة والسلام، لما سأله فرعون: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الاُْولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى
(17/453)

فِىكِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى} . فإذا كان هذا جاهلاً ولا يدري ويريد بقوله: "أن الله افتكره" يعني أخذه فقط فهذا لا يكفر، لكن يجب أن يُطهر لسانه عن هذا الكلام، لأنه كلام موهم لنقص رب العالمين عز وجل ويجيب بقوله: "توفاه الله" أو نحو ذلك.
* * *
(17/454)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عن حكم قول: (إلى روح الفقيد، أيتها الروح المقيمة فينا) ؟
فأجاب فضيلته بقوله: بعض الناس يقول إذا عمل عملاً صالحاً هذا هدية إلى روح فلان أو لروح فلان، وهذه الكلمة لا حاجة لها؛ لأن الإنسان ينوي العمل للشخص المسلم قبل أن يبدأ به، ونيته في قلبه تغني عن التلفظ، لكن لو تلفظ وقال: اللهم اجعل ثواب ما أعمله لفلان فلا حرج.
أما قولهم: روح الفقيد بيننا، فلا يحل لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} ونحن لا نعلم أن روح الفقيد بيننا، أو فينا، لذلك يكون هذا القول داخلاً فيما نهى الله عنه.
* * *

رسالة
من ... إلى سماحة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين وفقه الله إلى كل خير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
لقد انتشر في هذا الزمن كثير من الأمور المشتبه فيها والتي تتعلق بالجنازة وتشييعها، نرجو من سماحتكم أن تبينوا للناس الحكم الشرعي فيها وجزاكم الله خيراً، وهي كما يأتي:
1 نقل الميت من بلد إلى آخر وتكرار الصلاة عليه في أكثر من مسجد.
2 اصطفاف أقارب الميت أو من سيقوم بدفنه مع الإمام حال الصلاة مع سعة المكان.
3 دخول المشيعين المقبرة بسياراتهم من غير حاجة وسبق الجنازة إليها مما يسبب ازدحام السيارات وإذهاب الخشوع المقصود من تشييع الجنازة وزيارة القبور.
4 تسليم الناس بعضهم على بعض وتبادل التحيات مع المعانقة والمصافحة في داخل المقبرة.
5 التحدُّث في أمور الدنيا.
6 بقاء أهل الميت في المنزل لاستقبال المعزين لمدة ثلاثة أيام مع الإعلان في الصحف عن مكان العزاء وكتابة
(17/455)

المراثي فيها وإقامة الولائم أثناء العزاء لأهل الميت من أقاربهم وغيرهم.
أثابكم الله ونفعنا وجميع المسلمين بعلمكم.
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم الشيخ ... حفظه الله تعالى
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
كتابكم المؤرخ 22/21 من السنة الماضية وصل، وما تضمنه من الأسئلة فإليكم جوابها سائلين الله تعالى أن يوفقنا للصواب.
1 نقل الميت من بلد إلى آخر وتكرار الصلاة عليه، إن كان المقصود به تكرار الصلاة عليه فهذا بدعة منكرة مخالفة لهدي السلف الصالح، ومخالفة لأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإسراع بالميت، وفيها فتح باب لتباهي الناس بأمواتهم، حتى يكون تشييع الميت كأنه حفل عرس. ويغني عنه أن يصلى عليه في البلد الآخر صلاة الغائب إن قلنا بمشروعيتها.
والصحيح أنه لا يصلى على الميت صلاة الغائب إلا من مات في محل لم يصل عليه فيه، أو بأمر الإمام.
أما الأول فلأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى على النجاشي صلاة الغائب، وأما الثاني فلئلا يشق عصا الطاعة في أمر اجتهادي.
وإن قصد بنقل الميت اختيار أن يدفن في بلد آخر إما لكون
(17/456)

الدفن فيه أفضل، أو لكون أهله فيه ونحو ذلك فهذا لا بأس به، لكن إن منع منه الإمام خوفاً من تزاحم الناس على المكان الفاضل، وضيق المكان، والعجز عن القيام بواجب الدفن فلا ينقل، وكذلك لو كان يتحمل نفقات باهظة تضر بحق الورثة في التركة ونحو ذلك.
وربما يكون النقل واجباً كما لو مات بدار كفار ليس فيها مقابر للمسلمين ولا يمكن دفنه في هذه الدار في مكان آخر فإنه لابد من نقله إلى بلاد المسلمين.
وأما نقل الميت من مسجد إلى آخر في البلد ليصلى عليه في عدة مساجد فهو أيضاً من البدع المنكرة، وفيه من المحذور ما سبق والميت يؤتى إليه، ولا يطاف به بين الناس ليصلى عليه.
2 اصطفاف أقارب الميت مع الإمام حين الصلاة عليه إن كان المكان ضيقاً لا يمكنهم أن يصطفوا خلف الإمام ولو بينه وبين الصف الأول فلا بأس، لأن هذا حاجة، ويقفون عن يمين الإمام وعن شماله، وإن كان المكان واسعاً فلا يصفون مع الإمام، لأن هذا خلاف السنة في صلاة الجماعة، لكن رأينا بعض أقارب الميت يتقدمون عمداً ليصفوا مع الإمام ظنًّا منهم أن هذا سنة، وهذا غلط ينبغي للأئمة أن ينبهوا عليه، ويبينوا للناس أن هذا ليس من السنة.
3 دخول السيارات للمقبرة من غير حاجة لا ينبغي؛ لأنها أحياناً تضيق على الناس، وتجعل مشهد الجنائز كمشهد الأعراس مما ينسي الناس تذكرة الا?خرة.
4 لا أعلم أصلاً عن السلف فيما يصنعه الناس أخيراً من المصافحة والمعانقة عند التعزية، وكذلك الاصطفاف للمعزين
(17/457)

لكن بعض الناس قالوا: إنهم يصطفون من أجل راحة المعزين حتى لا يتعبوا في طلب أهل الميت، لاسيما إذا كان المشيعون كثيرين، وأهل الميت ذوي عدد، وهذا ربما يكون غرضاً صحيحاً، وإن كان لا يعجبني فعلهم.
5 التحدُّث في أمر الدنيا لمتبعي الجنازة مخالف لما ينبغي أن يكون المتبع عليه من التفكُّر في حاله ومآله، وأنه الا?ن يشيع الموتى وغداً يشيعه الأحياء، ولا يدري متى يكون، ثم إن فيه كسراً لقلوب المصابين بالميت من أقاربه وأصدقائه، وقد كره بعض العلماء لمتبع الجنازة أن يتحدث في أمر الدنيا، وأن يجلس إلى صاحبه يمازحه ويضاحكه، ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجلس إلى أصحابه رضي الله عنهم في المقبرة قبل أن يتم اللحد، فيحدثهم بما يناسب، ففي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس (أي رأسه) فجعل ينكت بمخصرته وذكر الحديث، وفي المسند وسنن أبي داود وغيرهما من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثاً، ثم حدثهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن حال المؤمن وحال الكافر عند الموت، وبعده. وهو
(17/458)

حديث طويل عظيم، وبه وبحديث علي نعرف أن المشروع لمتبعي الجنائز أن يكون حديثه فيما يتعلق بالموت وما بعده.
هذا وقد أخذ بعض الناس من الحديثين أنه ينبغي أن يعظ الناس في هذه الحال، فيقوم خطيباً بين الناس يتكلم بما يتكلم به، لكن لا وجه لأخذه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقم خطيباً في أصحابه، بل كان جالساً بينهم يتحدث إليهم حديث الجالس إلى من كان بجنبه؛ لأنه إما أن يسكت، أو يتكلم بأمر لا يناسب المقام، أو يتكلم بما يناسب المقام وهذا هو الحاصل من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
6 بقاء أهل الميت في المنزل لاستقبال المعزين ليس معروفاً في عهد السلف الصالح، ولهذا صرح بعض العلماء بأنه بدعة، وقال في (الإقناع وشرحه) : ويكره الجلوس لها أي للتعزية بأن يجلس المصاب في مكان ليعزوه. ولما ذكر حكم صنع الطعام لأهل الميت قال: وينوي فعل ذلك لأهل الميت لا لمن يجتمع عندهم فيكره؛ لأنه معونة على مكروه، وهو اجتماع الناس عند أهل الميت، نقل المروذي عن أحمد، هو من أفعال الجاهلية، وأنكره شديداً، ثم ذكر حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة". وقال النووي في (شرح المهذب) : وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته،
(17/459)

ونقله أبو حامد في (التعليق) وآخرون عن نص الشافعي قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم. ا. هـ.
ثم إن فتح أهل الميت الباب ليأتيهم من يعزيهم كأنما يقولون للناس بلسان الحال: يا أيها الناس إنا قد أصبنا فعزونا، وكونهم يعلنون في الصحف عن مكان العزاء هو دعوة بلسان المقال أيضاً. وهل من السنة إعلان المصيبة ليعزى لها؟ أليس الواجب على المرء أن يصبر لحكم الله وقضائه، وأن يجعل ذلك بينه وبين ربه، وأن يتعزى بالله تعالى عن كل هالك؟! ثم إن الأمر قد تطور في بعض المناطق إلى أن تُهيأ السرادق، وتصف الكراسي، وتضاء الأنوار، ويكثر الداخل والخارج حتى لا تكاد تفرق بين هذا وبين وليمة العرس، وربما استأجروا قارئاً يقرأ كما يزعمون لروح الميت مع أن الإجارة على هذا فاسدة، والقارىء الذي قرأ من أجل المال لا ثواب له، فيكون في هذا إضاعة للمال، وإغراء لهؤلاء القرَّاء على الإثم.
فإن قال قائل: أليس قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاء خبر قتل جعفر وصاحبيه جلس في المسجد يعرف فيه الحزن؟
فالجواب: بلى، ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجلس ليعزيه الناس، ولذلك لم يبلغنا أن أحداً جلس عنده
(17/460)

ليعزيه، فليس فيه دليل لفتح أبواب البيوت والجلوس لتلقي العزاء.
وأما الإعلان عن موت الميت في الصحف فإن كان لمصلحة مثل أن يكون الميت واسع المعاملة مع الناس بين أخذ وإعطاء وأعلن موته لعل أحداً يكون له حق عليه فيقضى أو نحو ذلك فلا بأس. كتبه محمد الصالح العثيمين في 24/1/1418 هـ.
* * *
(17/461)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد:
فقد كتب أحد الكتاب مقالاً دعا فيه أحد المصابين بحادث للتوبة إلى الله عز وجل، وجاء فيه العبارة الا?تية: (.. أتمنى بعد أن يمن الله بالشفاء العاجل على (فلان) أن يولي وجهه إلى البيت الحرام يؤدي شعيرة العمرة شكراً لمولاه وينطلق زائراً للمسجد النبوي الشريف ويصلي في الروضة ويقف أمام قبر المصطفى يجدد البيعة القلبية والفكرية ويعلن البراء من كل تقصير) انتهى. فما رأيكم في هذا؟ والله يحفظكم.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا شك أن الإنسان إذا منَّ الله عليه بحصول نعمة، أو اندفاع نقمة، فأخرج مالاً، أو صلى، أو عمل عملاً صالحاً، شكراً لله تعالى على منته بذلك فلا حرج؛ لأن العمل الصالح من الشكر؛ ولأن أبا لبابة أخرج بعض ماله لما منَّ الله عليه بالتوبة، لكن كونه يقف أمام
(17/463)

قبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجدد البيعة، ويعلن البراء من كل تقصير هو البدعة المنكرة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ميت ولا يمكن أن يبايع أحداً بعد موته، ويعلن أمام قبره البراء من كل تقصير، فالتوبة تكون بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى. كتبه محمد الصالح العثيمين في 14/4/1418 هـ.
(17/464)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: هل لمن يموت بسبب إصابته بعين، فضل أو زيادة أجر؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم أن له زيادة أجر أو فضل؛ لأن هذا من الأمور التي يبتلي الله بها العبد، اللهم إلا أن يقال هذا يشبه مَنْ مات بغرق أو حرق، وعلى كل يرجى له الخير، أما الجزم بذلك فلا نستطيع الجزم به.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: شخص مصاب بمرض أعصاب مزمن حسب كلام الطبيب، وسبب له هذا المرض كثيراً من المشاكل، منها: رفع الصوت على الوالدين، وقطيعة الرحم، ووجود القلق والخجل والخوف، فهل تُرفَع عنه التكاليف الشرعية؟ وهل عليه شيء في أعماله تلك؟ وبماذا تنصحونه جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تُرفَع عنه الأحكام الشرعية مادام عقله باقياً، أما لو فقد عقله ولم يستطع السيطرة على عقله حينئذ يكون معذوراً، والذي أنصحه به أن يكثر من الدعاء، ومن ذكر الله عز وجل، ومن الاستغفار، ومن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عندما يثور غضبه لعل الله أن يكشف عنه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: يصاب الإنسان أحياناً بهموم وغموم فما الأشياء التي تزيل الهموم
(17/465)

والغموم التي تصيب المسلم؟ وهل يشرع أن يرقي الإنسان نفسه؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: يجب أن تعلم أن الهموم والغموم التي تصيب المرء هي من جملة ما يُكفّر عنه بها ويُخفّف عنه من ذنوبه، فإذا صبر واحتسب أثيب على ذلك، ومع هذا فإنه لا حرج على الإنسان أن يدعو بالأدعية المأثورة لزوال الهم والغم، كحديث ابن مسعود رضي الله عنه الذي أخرجه أهل السنن بسند صحيح: "اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي". فإن هذا من أسباب فرج الهم والغم. وكذلك قوله تعالى: {لاَّ اله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} . فإن يونس عليه الصلاة والسلام قالها: قال الله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذالِكَ نُنجِى الْمُؤْمِنِينَ} . ولا حرج أن يرقي الإنسان نفسه، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يرقي نفسه بالمعوذات عند منامه ينفث بيديه، فيمسح بهما وجهه وما استطاع من جسده.
(17/466)

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: عمن يتسخَّط إذا نزلت به مصيبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الناس حال المصيبة على مراتب أربع:
المرتبة الأولى: التسخُّط، وهو على أنواع:
النوع الأول: أن يكون بالقلب، كأن يسخط على ربه يغتاظ مما قدره الله عليه فهذا حرام، وقد يؤدي إلى الكفر، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالأَْخِرَةَ ذالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالأَْخِرَةَ ذالِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} .
النوع الثاني: أن يكون باللسان، كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وهذا حرام.
النوع الثالث: أن يكون بالجوارح، كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور وما أشبه ذلك، وكل هذا حرام مناف للصبر الواجب.
المرتبة الثانية: الصبر، وهو كما قال الشاعر:
والصبر مثل اسمه مر مذاقته لكن عواقبه أحلى من العسل فيرى أن هذا الشيء ثقيل عليه لكنه يتحمله، وهو يكره وقوعه ولكن يحميه إيمانه من السخط، فليس وقوعه وعدمه سواء عنده وهذا واجب لأن الله تعالى أمر بالصبر فقال: {وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ
(17/467)

تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُو?اْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُو?اْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} .
المرتبة الثالثة: الرضا، بأن يرضى الإنسان بالمصيبة بحيث يكون وجودها وعدمها سواء فلا يشق عليه وجودها، ولا يتحمل لها حملاً ثقيلاً، وهذه مستحبة وليست بواجبة على القول الراجح، والفرق بينها وبين المرتبة التي قبلها ظاهر؛ لأن المصيبة وعدمها سواء في الرضا عند هذا، أما التي قبلها فالمصيبة صعبة عليه، لكنه صبر.
المرتبة الرابعة: الشكر، وهو أعلى المراتب، وذلك بأن يشكر الله تعالى على ما أصابه من مصيبة، حيث عرف أن هذه المصيبة سبب لتكفير سيئاته، وربما لزيادة حسناته كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ، ولا همٍّ ولا حَزَن، ولا أذى، ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه".

سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى: أحد الصحابة رضي الله عنه لما مات حضر جنازته سبعون ألف ملك، وعندما دفنه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "لقد ضُمَّ ضمة ثم فرج عنه" هل هذا حاصل لكل واحد منا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الصحابي هو سعد بن معاذ
(17/468)

رضي الله عنه وهو سيد الأوس ومعروفة قصته مع بني قريظة الذين كانوا حلفاءه حين غدروا بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فغزاهم وحاصرهم أكثر من عشرين ليلة، فلما تعبوا من الحصار سألوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأعطاهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، وكان سعد رضي الله عنه في خيمة له في المسجد؛ لأنه أصيبت أكحله في يوم الأحزاب فبنى عليه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قبة يعني خيمة في المسجد ليزوره عن قُرب.
وكان رضي الله عنه لما سمع أن بني قريظة وهم حلفاؤه قد نقضوا العهد قال: اللهم لا تمتني حتى تُقر عيني بهم، يعني بأن يؤخذوا بما نقضوا العهد.
بعد ذلك أرسل إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال له: إن حلفاءك أرادوا أن ينزلوا على حكمك، فجاء رضي الله عنه من مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى مكان بني قريظة راكباً على حمار، فلما أقبل قال: "قوموا إلى سيدكم"، فقاموا إليه، ونزل ثم اجتمع رؤساء اليهود بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أجل أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، وكان اليهود ينتظرون أن يحكم سعد فيهم بما حكم به عبد الله بن أبي في بني النضير، لكن فرق بين عبد الله بن أبي رأس المنافقين وبين سعد بن معاذ رضي الله عنه.
لما حضروا قال: حكمي نافذ عليكم؟ قالوا: نعم. قال: وعلى مَن هنا؟ ولم يقل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهذا من أدبه ما قال: حكمي نافذ على الرسول قال: وعلى من هنا، قال: أحكم فيهم أن تُقتل مقاتلتهم، وتُسبى نساؤهم وذريتهم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات"، ثم نفذ حكمه فقتل
(17/469)

المقاتلة وسبى النساء والذرية.
وبعد ذلك انبعث الدم من جرح سعد بن معاذ ومات رضي الله عنه يعني بقي حتى استجاب الله دعوته؛ أقر الله عينه ببني قريظة حتى صار حكمهم بيده، ولما حكم وانتهت قضيتهم انبعث الدم فمات رضي الله عنه وورد في الصحيح أن عرش الرب جل وعلا اهتز لموته. الله أكبر! وفي ذلك يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه:
وما اهتز عرش الله من أجل هالك سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو أما الضمة فقد ورد أن القبر ضمه رضي الله عنه ولكن فيما أظن أن هذا الحديث فيه ضعف؛ لأن الأحاديث الصحيحة تدل على أن الرجل إذا سأله الملكان وأجاب بالصواب فسح له في قبره، فإن صح الحديث فالمعنى أنه أول ما دخل ضمه القبر ثم يفسح له، وقد ذكر أن ضمة القبر للمؤمن كضمة الأم الرحيمة لولدها، يعني ليس هو ضمٌّ يُؤلم أو يُؤذي، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من السعداء.
* * *
(17/470)

بسم الله الرحمن الرحيم

نبذة في تغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والا?خرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، وإمام المتقين، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً.
أما بعد: فهذه نبذ تتعلق بتغسيل الميت، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه.
وقبل أن نشرع في المقصود نقدم هذه الفقرات:
1 غسل الميت المسلم وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية، فينبغي لمن قام بذلك أن ينوي أنه مؤد لهذه الفريضة، لينال أجرها وثوابها من الله تعالى. أما الكافر فلا يجوز تغسيله، ولا تكفينه، ولا دفنه مع المسلمين.
2 الغاسل مؤتمن على الميت فيجب عليه أن يفعل ما يلزم في تغسيله وغيره.
3 الغاسل مؤتمن على الميت فيجب عليه أن يستر ما رآه فيه من مكروه.
4 الغاسل مؤتمن على الميت فلا ينبغي أن يمكن أحداً من الحضور عنده إلا من يحتاج إليه لمساعدته في تقليب الميت وصب الماء ونحوه.
5 الغاسل مؤتمن على الميت فينبغي أن يستعمل الرفق به والاحترام، وأن لا يكون عنيفاً، أو حاقداً عليه عند خلع ثيابه
(17/471)

وتغسيله وغير ذلك.
6 لا يغسل الرجل المرأة إلا أن تكون زوجته، ولا المرأة الرجل إلا أن يكون زوجها، إلا من دون سبع سنين فيغسله الرجل والمرأة سواء كان ذكراً أم أنثى.
7 يستحب للغاسل إذا فرغ أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، فإن لم يغتسل فلا حرج عليه.
* كيفية تغسيل الميت
الواجب في تغسيل الميت أن يغسل جميع جسده بالماء حتى ينقى، والأفضل أن يعمل ما يلي:
1 يضع الميت على الشيء الذي يريد أن يغسله عليه منحدراً نحو رجليه.
2 يلف خرقة على عورة الميت من السرة إلى الركبة قبل أن يخلع ثيابه لئلا ترى عورته بعد الخلع.
3 يخلع ثياب الميت برفق.
4 يلف الغاسل على يده خرقة فيغسل عورة الميت من غير كشف حتى ينقيها، ثم يلقي الخرقة.
5 يبل خرقة بماء فينظف بها أسنان الميت ومناخره.
6 يغسل وجه الميت، ويديه إلى المرفقين، ورأسه ورجليه إلى الكعبين، يبدأ باليد اليمنى قبل اليسرى، وبالرجل اليمنى قبل اليسرى.
7 لا يدخل الماء في فم الميت ولا أنفه اكتفاء بتنظيفهما بالخرقة.
8 يغسل جسده كله ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك
(17/472)

حسب حاجة الجسم إلى التنظيف والتنقية، يبدأ بالجانب الأيمن من الجسم قبل الأيسر.
9 الأفضل أن يخلط الماء الذي يغسله به بسدر؛ لأنه أبلغ في الإنقاء فيضرب الماء المخلوط بالسدر بيده حتى تظهر رغوته، فيغسل بالرغوة رأسه ولحيته، وبالباقي بقية الجسم.
01 الأفضل أن يخلط بالغسلة الأخيرة كافوراً (وهو نوع معروف من الطيب) .
11 إذا كان للميت شعر فإنه يسرح ولا يلبد ولا يقص شيء منه.
21 إذا كان الميت امرأة نقض شعرها إن كان مجدولاً، فإذا غسل ونقي جدل ثلاث جدائل، وجعلن خلف ظهرها.
31 إذا كانت بعض أعضاء الميت منفصلة فإنها تغسل وتضم إليه.
41 إذا كان الميت متفسخاً بحروق أو غيرها، ولا يمكن تغسيله فإنه ييمم عند كثير من أهل العلم، فيضرب الميمم يديه بالأرض ويمسح بهما وجه الميت وكفيه.
* كيفية تكفين الميت
الواجب في تكفين الميت خرقة تغطي جميع بدنه، لكن الأفضل كما يلي:
1 يكفن الرجل في ثلاث خرق بيض، يوضع بعضها فوق بعض، ثم يوضع الميت عليها، ثم يرد طرف العليا من جانب الميت الأيمن على صدره، ثم طرفها من جانبه الأيسر، ثم يفعل باللفافة الثانية، ثم الثالثة كذلك، ثم يرد طرف اللفائف من عند رأسه ورجليه ويعقدها.
(17/473)

2 تبخر الأكفان بالبخور، ويذر بينها شيء من الحنوط (والحنوط أخلاط من الطيب يصنع للموتى) .
3 يجعل من الحنوط على وجه الميت، ومغابنه، ومواضع سجوده.
4 يوضع شيء من الحنوط في قطن فوق عينيه، ومنخريه، وشفتيه.
5 يوضع شيء من الحنوط في قطن بين إليتيه، ويشد بخرقة.
6 تكفن المرأة في خمس قطع: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين. وإن كفنت كما يكفن الرجل فلا حرج في ذلك.
7 تحل عقد الكفن عند وضع الميت في قبره.
* كيفية الصلاة على الميت
1 يصلى على الميت المسلم صغيراً كان أم كبيراً، ذكراً كان أم أنثى.
2 يصلى على الحمل إذا سقط وقد بلغ أربعة أشهر، ويفعل به كما يفعل بالكبير فيغسل، ويكفن قبل الصلاة عليه.
3 لا يصلى على الحمل إذا سقط قبل تمام أربعة أشهر؛ لأنه لم تنفخ فيه الروح، ولا يغسل، ولا يكفن، وإنما يدفن في أي مكان.
4 يقف الإمام في الصلاة على الميت عند رأس الرجل، وعند وسط المرأة، ويصلي الناس وراءه.
5 يكبر في الصلاة على الميت أربع تكبيرات، يقرأ في التكبيرة الأولى بعد التعوذ والبسملة سورة الفاتحة.
(17/474)

ويصلي على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد التكبيرة الثانية فيقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ويدعو للميت بعد التكبيرة الثالثة. والأفضل أن يدعو بما ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك، فإن لم يعرفه دعا بما يعرف.
ويقف بعد الرابعة قليلاً، ثم يسلم، وإن قال قبل السلام: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الا?خرة حسنة، وقنا عذاب النار فلا بأس بذلك.
* كيفية دفن الميت
1 الواجب أن يدفن الميت في قبر يمنعه من السباع متوجهاً إلى القبلة، وكلما عمقه فهو أفضل.
2 الأفضل أن يكون القبر لحداً، وذلك بأن يحفر للميت حفرة في عمق القبر مما يلي القبلة.
3 يجوز أن يكون القبر شقًّا، وذلك بأن يحفر للميت حفرة في عمق القبر في وسطه، إذا دعت الحاجة لذلك، بأن تكون الأرض رخوة.
4 يوضع الميت في قبره على جنبه الأيمن متوجهاً إلى القبلة.
5 ينصب عليه اللبن نصباً، ويسد ما بينها بالطين المثرى لئلا ينهال التراب على الميت.
6 يدفن القبر بعد ذلك، ولا يرفع، ولا يشيد بجص أو غيره.
7 لا يجوز الدفن في ثلاثة أوقات:
1
(17/475)

إذا طلعت الشمس حتى ترتفع قدر رمح.
2 إذا وقفت عند الزوال حتى تزول.
3 إذا بقي عليها مقدار رمح عند الغروب حتى تغرب.
ومقدار الوقتين الأول والأخير نحو ربع ساعة، ومقدار الثاني نحو سبع دقائق.
كتب ذلك محمد الصالح العثيمين في 2/2/1420 هـ
والحمد لله رب العالمين
(17/476)