Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 020


المجلد العشرون

صيام التطوع
سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما الفضل الوارد في صيام الأيام البيض من كل شهر؟ وإذا صادف وجود الدورة الشهرية فهل يجوز للمرأة أن تصوم ثلاثة أيام بدلاً منها من نفس الشهر؟
فأجاب فضيلته بقوله: أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله، ولكن الأفضل أن تكون في الأيام البيض: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. فإن لم يمكن بأن كانت المرأة حائضاً، أو حصل سفر، أو ضيق، أو ملل، أو مرض يسير، أو ما أشبه ذلك، فإنه يحصل الأجر لمن صام هذه الأيام الثلاثة، سواء كانت الأيام البيض الثالث عشر، والرابع عشر والخامس عشر، أو خلال أيام الشهر.
قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، لا يبالي أصامها في أول الشهر، أو وسطه، أو آخره» فالأمر في هذا واسع، فصيام ثلاثة أيام من كل شهر سنة سواء أول الشهر أو وسطه أو آخره. لكن كونها في الأيام الثلاثة أيام البيض أفضل. وإذا تخلف ذلك لعذر أو حاجة فإننا نرجو أن الله سبحانه وتعالى يكتب الأجر لمن كان من عادته صومها ولكن تركها لعذر.
(20/11)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، هل لابد أن تكون في الأيام البيض فقط؟ أم يجوز أن يصام منها ثلاثة أيام من أي يوم في الشهر؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للإنسان أن يصوم في أول الشهر أو وسطه، أو آخره متتابعة، أو متفرقة، لكن الأفضل أن تكون في الأيام البيض الثلاثة وهي: ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر.
قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، لا يبالي أصامها من أوله، أو آخر الشهر» .
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ورد في الحديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أوصى أبا هريرة رضي الله عنه بصيام ثلاثة أيام من كل شهر فمتى تصام هذه الأيام؟ وهل هي متتابعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الأيام الثلاثة يجوز أن تصام متوالية أو متفرقة، ويجوز أن تكون من أول الشهر، أو من وسطه، أو من آخره، والأمر واسع ولله الحمد، حيث لم يعين رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد سئلت عائشة رضي الله عنها: أكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: «نعم» . فقيل: من أي الشهر
(20/12)

كان يصوم؟ قالت: «لم يكن يبالي من أي الشهر يصوم» . لكن اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر أفضل، لأنها الأيام البيض.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يمكن الجمع في النية بين صيام الثلاثة أيام من الشهر وصيام يوم عرفة؟ وهل نأخذ الأجرين؟
فأجاب فضيلته بقوله: تداخل العبادات قسمان:
قسم لا يصح: وهو فيما إذا كانت العبادة مقصودة بنفسها، أو متابعة لغيرها، فهذا لا يمكن أن تتداخل العبادات فيه، مثال ذلك: إنسان فاتته سنة الفجر حتى طلعت الشمس، وجاء وقت صلاة الضحى، فهنا لا تجزىء سنة الفجر عن صلاة الضحى، ولا الضحى عن سنة الفجر، ولا الجمع بينهما أيضاً، لأن سنة الفجر مستقلة، وسنة الضحى مستقلة، فلا تجزىء إحداهما عن الأخرى، كذلك إذا كانت الأخرى تابعة لما قبلها، فإنها لا تداخل، فلو قال إنسان: أنا أريد أن أنوي بصلاة الفجر صلاة الفريضة والراتبة، قلنا: لا يصح هذا؛ لأن الراتبة تابعة للصلاة فلا تجزىء عنها.
والقسم الثاني: أن يكون المقصود بالعبادة مجرد الفعل، والعبادة نفسها ليست مقصودة، فهذا يمكن أن تتداخل العبادات
(20/13)

فيه، مثاله: رجل دخل المسجد والناس يصلون صلاة الفجر، فإن من المعلوم أن الإنسان إذا دخل المسجد لا يجلس حتى يصلي ركعتين، فإذا دخل مع الإمام في صلاة الفريضة أجزأت عنه الركعتين؛ لأن المقصود أن تصلي ركعتين عند دخول المسجد، وكذلك لو دخل الإنسان المسجد وقت الضحى وصلى ركعتين ينوي بهما صلاة الضحى، أجزأت عنه تحية المسجد، وإن نواهما جميعاً فأكمل، فهذا هو الضابط في تداخل العبادات، ومنه الصوم، فصوم يوم عرفة مثلاً المقصود أن يأتي عليك هذا اليوم وأنت صائم، سواء كنت نويته من الأيام الثلاثة التي تصام من كل شهر، أو نويته ليوم عرفة، لكن إذا نويته ليوم عرفة لم يجزىء عن صيام الأيام الثلاثة، وإن نويته يوماً من الأيام الثلاثة أجزأ عن يوم عرفة، وإن نويت الجميع كان أفضل.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يصح جمع نيتين في صيام يوم واحد، مثل أن يصوم أحد الأيام الست مع يوم واحد من الأيام البيض؟
فأجاب فضيلته بقوله: العبادات أحياناً تتساقط يعني يسقط بعضها بعضاً، وهذا فيما إذا علمنا أن المقصود حصول هذه العبادة في هذا الوقت دون النظر إلى ذات العبادة، فمثلاً إذا دخل الإنسان المسجد فإنه لا يجلس حتى يصلي ركعتين، فإذا دخل المسجد وهو يريد أن يصلي الراتبة فصلى الراتبة سقطت بذلك تحية المسجد؛ لأن المقصود أن لا تجلس حتى تصلي وقد
(20/14)

صليت، وكذلك لو دخلت والإمام يصلي فإن من المعلوم أنك سوف تدخل مع الإمام وتسقط عنك تحية المسجد. كذلك لو صام الإنسان أيام الست اكتفى بها عن صيام ثلاثة أيام من كل شهر. قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ولا يبالي في أول الشهر صامها، أو وسطه، أو آخره» . وإذا كنت تريد أن تصوم الأيام البيض بذاتها فإنك تصوم أيام الست في أول الشهر، ثم إذا جاءت أيام البيض قمت بصيامها؛ لأنك أردت أن يكون صيامك في هذا الوقت المعين، أما صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإن صيام الأيام الستة يجزىء عنها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم صيام يوم الاثنين والخميس؟ وأيهما أوكد؟
فأجاب فضيلته بقوله: صوم يوم الاثنين والخميس سنة، وذلك لأن الأعمال تعرض فيهما على الله عز وجل، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» وصوم الاثنين أوكد من صيام الخميس، وفي الحديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن صيام يوم
(20/15)

الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأنزل عليَّ فيه» .
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم من اعتاد صيام يومي الاثنين والخميس ووافق أحد أيام التشريق هل يصومهما أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا وافق يوم الاثنين أو الخميس أيام التشريق فإنه لا يصومهما، لحديث عائشة وابن عمر رضي الله عنهم قالا: «لم يُرخّص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي» يعني المتمتع والقارن في الحج، ومن المعلوم أنه لا ينتهك محرم لفعل سنة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: رجل نوى صيام الاثنين والخميس من كل أسبوع ولم ينذر ذلك فهل يلزمه صومهما طوال العمر أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: مجرد نية الفعل لا تلزم بالفعل، فإذا نوى الإنسان أن يصوم يوم الاثنين والخميس ولكنه لم يصم فلا شيء عليه، وكذلك لو شرع في الصوم ثم قطعه فلا شيء عليه أيضاً؛ لأن صوم النفل لا يلزم إتمامه حتى لو نوى الإنسان أن يتصدق بمال وفصل المال فإنه لا يلزمه أن يتصدق به، إذ أن النية
(20/16)

لا أثر لها في مثل هذه الأمور، وعلى هذا فنقول للأخ السائل: إنه لا يجب عليك أن تستمر في صيام يوم الاثنين والخميس، ولكن إن فعلت ذلك فهو خير، لأن يومي الاثنين والخميس يسن صيامهما.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما فضل صيام الست من شوال؟ وهل هو عام للرجال والنساء؟ وهل يحصل الفضل بصيامها متتابعة فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيام ستة أيام من شوال بعد صيام رمضان كصيام الدهر، وهو عام للرجال والنساء، وسواء صامها متتابعة أم متفرقة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل هناك أفضلية لصيام ست من شوال؟ وهل تصام متفرقة أم متوالية؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، هناك أفضلية لصيام ستة أيام من شهر شوال، كما جاء في حديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر» . يعني كصيام سنة كاملة.
وينبغي أن يتنبه الإنسان إلى أن هذه الفضيلة لا تتحقق إلا إذا انتهى رمضان كله، ولهذا إذا كان على الإنسان قضاء من رمضان
(20/17)

صامه أولاً ثم صام ستًّا من شوال، وإن صام الأيام الستة من شوال ولم يقض ما عليه من رمضان فلا يحصل هذا الثواب، سواء قلنا بصحة صوم التطوع قبل القضاء أم لم نقل. وذلك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ... » والذي عليه قضاء من رمضان يقال: صام بعض رمضان. ولا يقال: صام رمضان.
ويجوز أن تكون متفرقة أو متتابعة، لكن التتابع أفضل؛ لما فيه من المبادرة إلى الخير، وعدم الوقوع في التسويف الذي قد يؤدي إلى عدم الصوم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يحصل ثواب الست من شوال لمن عليه قضاء من رمضان قبل أن يصوم القضاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيام ستة أيام من شوال لا يحصل ثوابها إلا إذا كان الإنسان قد استكمل صيام شهر رمضان، فمن عليه قضاء من رمضان فإنه لا يصوم ستة أيام من شوال إلا بعد قضاء رمضان، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال ... » وعلى هذا نقول لمن عليه قضاء: صم القضاء أولاً، ثم صم ستة أيام من شوال، فإن انتهى شوال قبل أن يصوم الأيام الستة لم يحصل له أجرها إلا أن يكون التأخير لعذر، وإذا اتفق أن يكون صيام هذه الأيام الستة في يوم الاثنين أو الخميس، فإنه يحصل على الأجرين بنية أجر الأيام
(20/18)

الستة وبنية أجر يوم الاثنين والخميس لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى» .
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا كان على المرأة دين من رمضان فهل يجوز أن تقدم الست على الدين أم الدين على الست؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان على المرأة قضاء من رمضان فإنها لا تصوم الستة أيام من شوال إلا بعد القضاء، ذلك لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال» ومن عليها قضاء من رمضان لم تكن صامت رمضان فلا يحصل لها ثواب الأيام الست إلا بعد أن تنتهي من القضاء، فلو فرض أن القضاء استوعب جميع شوال، مثل أن تكون امرأة نفساء ولم تصم يوماً من رمضان، ثم شرعت في قضاء الصوم في شوال ولم تنته إلا بعد دخول شهر ذي القعدة فإنها تصوم الأيام الستة، ويكون لها أجر من صامها في شوال، لأن تأخيرها هنا للضرورة وهو متعذر، فصار لها الأجر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما رأيكم فيمن يصوم ستة أيام من شوال وعليه قضاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على ذلك من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
(20/19)

قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر» ، وإذا كان على الإنسان قضاء وصام الست قبل أن يصوم القضاء فهل يقال: إنه صام رمضان، وأتبعه بست من شوال؟ لا، ما صام رمضان إذ لا يقال صام رمضان إلا إذا أكمله، وعلى هذا فلا يثبت أجر صيام ستة من شوال لمن صامها وعليه قضاء من رمضان إلا إذا قضى رمضان ثم صامها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يقول كثير من الناس: صيام ست من شوال لابد أن يكون من ثاني العيد وإلا لا فائدة إذا لم ترتب من ثاني العيد ومتتابعة، أفيدونا؟
فأجاب فضيلته بقوله: ستة الأيام من شوال لا بأس أن تكون من ثاني العيد، أو من آخر الشهر، وسواء كانت متتابعة أو متفرقة، إنما المهم أن تكون بعد انتهاء الصيام، فإذا كان على الإنسان قضاء فإنه يقدمه على الستة أيام من شوال.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما هو الأفضل في صيام ستة أيام من شوال؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يكون صيام ستة أيام من شوال بعد العيد مباشرة، وأن تكون متتابعة كما نص على ذلك أهل العلم؛ لأن ذلك أبلغ في تحقيق الاتباع الذي جاء في الحديث «ثم أتبعه» ، ولأن ذلك من السبق إلى الخير الذي جاءت النصوص بالترغيب فيه والثناء على فاعله، ولأن ذلك من الحزم الذي هو
(20/20)

من كمال العبد، فإن الفرص لا ينبغي أن تفوّت، لأن المرء لا يدري ما يعرض له في ثاني الحال وآخر الأمر. وهذا أعني المبادرة بالفعل وانتهاز الفرص ينبغي أن يسير العبد عليه في جميع أموره متى تبين الصواب فيها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للإنسان أن يختار صيام ستة أيام من شهر شوال أم أن هذه الأيام لها وقت معلوم؟ وهل إذا صام المسلم هذه الأيام تصبح فرضاً عليه ويجب عليه صيامها كل عام؟
فأجاب فضيلته بقوله: ثبت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر» أخرجه مسلم في صحيحه، وهذه الست ليس لها أيام محدودة معينة من شوال، بل يختارها المؤمن من جميع الشهر، إن شاء صامها في أوله، وإن شاء صامها في أثنائه، وإن شاء صامها في آخره، وإن شاء فرقها، الأمر واسع بحمد الله، وإن بادر إليها وتابعها في أول الشهر كان ذلك أفضل من باب المسارعة إلى الخير، ولكن ليس في هذا ضيق بحمد الله، بل الأمر فيها واسع إن شاء تابع، وإن شاء فرق. ثم إذا صامها بعض السنين وتركها بعض السنين فلا بأس، لأنها تطوع وليست فريضة.
* * *
(20/21)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: صيام شهر محرم كله هل فيه فضل أم لا؟ وهل أكون مبتدعاً بصيامه؟
فأجاب فضيلته بقوله: بعض الفقهاء يقولون: يسنُّ صيام شهر الله المحرم كله ويستدلون بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» ولكن لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أعلم أنه يصومه كله، وأكثر ما يكون صيامه من الشهور بعد رمضان شهر شعبان، كما جاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها (2) ، ولا يقال لمن صامه كله: إنه مبتدع؛ لأن الحديث المذكور قد يحتمل هذا؛ أعني صيامه كله كما ذكره بعض الفقهاء.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم الصيام في شهر شعبان؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصيام في شهر شعبان سنة والإكثار منه سنة، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «ما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان» فينبغي الإكثار من الصيام في شهر شعبان لهذا الحديث.
قال أهل العلم: وصوم شعبان مثل السنن الرواتب بالنسبة للصلوات المكتوبة، ويكون كأنه تقدمة لشهر رمضان، أي كأنه
(20/22)

راتبة لشهر رمضان، ولذلك سن الصيام في شهر شعبان، وسن الصيام ستة أيام من شهر شوال كالراتبة قبل المكتوبة وبعدها. وفي الصيام في شعبان فائدة أخرى وهي توطين النفس وتهيئتها للصيام، لتكون مستعدة لصيام رمضان سهلاً عليها أداؤه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: نشاهد بعض الناس يخصون الخامس عشر من شعبان بأذكار مخصوصة وقراءة للقرآن وصلاة وصيام فما هو الصحيح جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن صيام النصف من شعبان أو تخصيصه بقراءة، أو بذكر لا أصل له، فيوم النصف من شعبان كغيره من أيام النصف في الشهور الأخرى، ومن المعلوم أنه يشرع أن يصوم الإنسان في كل شهر الثلاثة البيض: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، ولكن شعبان له مزية عن غيره في كثرة الصوم، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يكثر الصيام في شعبان أكثر من غيره، حتى كان يصومه كله أو إلا قليلاً منه، فينبغي للإنسان إذا لم يشق عليه أن يكثر من الصيام في شعبان اقتداء بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
* * *
(20/23)

كلمة حول شهر شعبان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين المعتدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فهذه كلمات يسيرة في أمور تتعلق بشهر شعبان.
الأمر الأول: في فضل صيامه ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان» ، وفي البخاري في رواية: «كان يصوم شعبان كله» . وفي مسلم في رواية: «كان يصوم شعبان إلا قليلاً» . وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «لم يكن (يعني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يصوم من الشهر ما يصوم من شعبان» ، فقال له: لم أرك تصوم من الشهر ما تصوم من شعبان قال: «ذاك شهر
(20/25)

يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين عز وجل فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» قال في الفروع ص 021 ج 3 ط آل ثاني: والإسناد جيد.
الأمر الثاني: في صيام يوم النصف منه، فقد ذكر ابن رجب - رحمه الله تعالى - في كتاب اللطائف (ص 341 ط دار إحياء الكتب العربية) أن في سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف عن علي رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإن الله تعالى ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا، ألا كذا حتى يطلع الفجر» قلت: وهذا الحديث حكم عليه صاحب المنار بالوضع، حيث قال (ص 226 في المجلد الخامس من مجموع فتاويه) : والصواب أنه موضوع، فإن في إسناده أبا بكر عبد الله بن محمد، المعروف بابن أبي بسرة، قال فيه الإمام أحمد ويحيى بن معين: إنه كان يضع الحديث.
وبناء على ذلك فإن صيام يوم النصف من شعبان بخصوصه ليس بسنة، لأن الأحكام الشرعية لا تثبت بأخبار دائرة بين الضعف والوضع باتفاق علماء الحديث، اللهم إلا أن يكون ضعفها مما
(20/26)

ينجبر بكثرة الطرق والشواهد حتى يرتقي الخبر بها إلى درجة الحسن لغيره، فيعمل به إن لم يكن متنه منكراً أو شاذًّا.
وإذا لم يكن صومه سنة كان بدعة، لأن الصوم عبادة فإذا لم تثبت مشروعيته كان بدعة، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كل بدعة ضلالة» .
الأمر الثالث: في فضل ليلة النصف منه، وقد وردت فيه أخبار قال عنها ابن رجب في اللطائف بعد ذكر حديث علي السابق: إنه قد اختلف فيها، فضعفها الأكثرون، وصحح ابن حبان بعضها وخرجها في صحيحه. ومن أمثلتها حديث عائشة رضي الله عنها وفيه: أن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب، خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه، وذكر الترمذي أن البخاري ضعفه، ثم ذكر ابن رجب أحاديث بهذا المعنى وقال: وفي الباب أحاديث أخر فيها ضعف. اه
وذكر الشوكاني أن في حديث عائشة المذكور ضعفاً وانقطاعاً.
وذكر الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى أنه ورد في فضلها أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها، وقد حاول بعض المتأخرين أن يصححها لكثرة طرقها ولم يحصل على
(20/27)

طائل، فإن الأحاديث الضعيفة إذا قدر أن ينجبر بعضها ببعض فإن أعلى مراتبها أن تصل إلى درجة الحسن لغيره، ولا يمكن أن تصل إلى درجة الصحيح كما هو معلوم من قواعد مصطلح الحديث.
الأمر الرابع: في قيام ليلة النصف من شعبان، وله ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: أن يصلي فيها ما يصليه في غيرها، مثل أن يكون له عادة في قيام الليل فيفعل في ليلة النصف ما يفعله في غيرها من غير أن يخصها بزيادة، معتقداً أن لذلك مزية فيها على غيرها، فهذا أمر لا بأس به، لأنه لم يحدث في دين الله ما ليس منه.
المرتبة الثانية: أن يصلي في هذه الليلة، أعني ليلة النصف من شعبان دون غيرها من الليالي، فهذا بدعة، لأنه لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أمر به، ولا فعله هو ولا أصحابه. وأما حديث علي رضي الله عنه الذي رواه ابن ماجه: «إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها» . فقد سبق عن ابن رجب أنه ضعفه، وأن محمد رشيد رضا قال: إنه موضوع، ومثل هذا لا يجوز إثبات حكم شرعي به، وما رخص فيه بعض أهل العلم من العمل بالخبر الضعيف في الفضائل، فإنه مشروط بشروط لا تتحقق في هذه المسألة، فإن من شروطه أن لا يكون الضعف شديداً، وهذا الخبر ضعفه شديد، فإن فيه من كان يضع الحديث، كما نقلناه عن محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى.
(20/28)

الشرط الثاني: أن يكون وارداً فيما ثبت أصله، وذلك أنه إذا ثبت أصله ووردت فيه أحاديث ضعفها غير شديد كان في ذلك تنشيط للنفس على العمل به، رجاء للثواب المذكور دون القطع به، وهو إن ثبت كان كسباً للعامل، وإن لم يثبت لم يكن قد ضره بشيء لثبوت أصل طلب الفعل. ومن المعلوم أن الأمر بالصلاة ليلة النصف من شعبان لا يتحقق فيه هذا الشرط، إذ ليس لها أصل ثابت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما ذكره ابن رجب وغيره. قال ابن رجب في اللطائف ص 541: فكذلك قيام ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا عن أصحابه شيء. وقال الشيخ محمد رشيد رضا (ص 857 في المجلد الخامس) : إن الله تعالى لم يشرع للمؤمنين في كتابه ولا على لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا في سنته عملاً خاصًّا بهذه الليلة اه.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: ما ورد في فضل الصلاة في تلك الليله فكله موضوع. اه
وغاية ما جاء في هذه الصلاة ما فعله بعض التابعين، كما قال ابن رجب في اللطائف ص 441: وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنهم بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف الناس في ذلك: فمنهم من قبله ووافقهم على تعظيمها، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، وقالوا: ذلك كله بدعة. اه
ولا ريب أن ما ذهب إليه علماء الحجاز هو الحق الذي لا
(20/29)

ريب فيه، وذلك لأن الله تعالى يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ولو كانت الصلاة في تلك الليلة من دين الله تعالى لبينها الله تعالى في كتابه، أو بينها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله أو فعله، فلما لم يكن ذلك علم أنها ليست من دين الله، وما لم يكن منه فهو بدعة، وقد صح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «كل بدعة ضلالة» .
المرتبة الثالثة: أن يصلى في تلك الليلة صلوات ذات عدد معلوم، يكرر كل عام، فهذه المرتبة أشد ابتداعاً من المرتبة الثانية وأبعد عن السنة. والأحاديث الواردة فيها أحاديث موضوعة، قال الشوكاني في الفوائد المجموعة (ص 15 ط ورثة الشيخ نصيف) : وقد رويت صلاة هذه الليلة، أعني ليلة النصف من شعبان على أنحاء مختلفة كلها باطلة وموضوعة.
الأمر الخامس: أنه اشتهر عند كثير من الناس أن ليلة النصف من شعبان يقدر فيها ما يكون في العام، وهذا باطل، فإن الليلة التي يقدر فيها ما يكون في العام هي ليلة القدر، كما قال الله تعالى: {حم" * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وهذه الليلة التي أنزل فيها القرآن هي ليلة القدر، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ} وهي في رمضان، لأن الله تعالى أنزل القرآن فيه،
(20/30)

قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى" أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فمن زعم أن ليلة النصف من شعبان يقدر فيها ما يكون في العام، فقد خالف ما دل عليه القرآن في هذه الآيات.
الأمر السادس: أن بعض الناس يصنعون أطعمة في يوم النصف يوزعونها على الفقراء ويسمونها عشيات الوالدين. وهذا أيضاً لا أصل له عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيكون تخصيص هذا اليوم به من البدع التي حذر منها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال فيها: «كل بدعة ضلالة» .
وليعلم أن من ابتدع في دين الله ما ليس منه فإنه يقع في عدة محاذير منها:
المحذور الأول: أن فعله يتضمن تكذيب ما دل عليه قول الله عز وجل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ، لأن هذا الذي أحدثه واعتقده ديناً لم يكن من الدين حين نزول الآية، فيكون الدين لم يكمل على مقتضى بدعته.
المحذور الثاني: أن ابتداعه يتضمن التقدم بين يدي الله ورسوله، حيث أدخل في دين الله تعالى ما ليس منه. والله سبحانه قد شرع الشرائع وحد الحدود وحذَّر من تعديها، ولا ريب أن من أحدث في الشريعة ما ليس منها فقد تقدم بين يدي الله ورسوله، وتعدى حدود الله ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون.
المحذور الثالث: أن ابتداعه يستلزم جعل نفسه شريكاً مع الله تعالى في الحكم بين عباده، كما قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ
(20/31)

وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
المحذور الرابع: إن ابتداعه يستلزم واحداً من أمرين، وهما: إما أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاهلاً بكون هذا العمل من الدين، وإما أن يكون عالماً بذلك ولكن كتمه، وكلاهما قدح في النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما الأول فقد رماه بالجهل بأحكام الشريعة، وأما الثاني فقد رماه بكتمان ما يعلمه من دين الله تعالى.
المحذور الخامس: أن ابتداعه يؤدي إلى تطاول الناس على شريعة الله تعالى، وإدخالهم فيها ما ليس منها، في العقيدة والقول والعمل، وهذا من أعظم العدوان الذي نهى الله عنه.
المحذور السادس: أن ابتداعه يؤدي إلى تفريق الأمة وتشتيتها واتخاذ كل واحد أو طائفة منهجاً يسلكه ويتهم غيره بالقصور، أو التقصير، فتقع الأمة فيما نهى الله عنه بقوله: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وفيما حذر منه بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} .
المحذور السابع: أن ابتداعه يؤدي إلى انشغاله ببدعته عما هو مشروع، فإنه ما ابتدع قوم بدعة إلا هدموا من الشرع ما يقابلها.
وإن فيما جاء في كتاب الله تعالى، أو صح عن رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الشريعة لكفاية لمن هداه الله تعالى إليه واستغنى به عن غيره، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مَّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} . وقال الله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى
(20/32)

هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} .
أسأل الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين. انتهى بقلم كاتبه الفقير إلى الله محمد الصالح العثيمين في 21/8/3041هـ.
(20/33)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم صيام يوم عاشوراء؟
فأجاب فضيلته بقوله: قدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وجد اليهود يصومون اليوم العاشر من شهر المحرم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه» . وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما المتفق على صحته أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه. وسئل عن فضل صيامه فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» . إلا أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بعد ذلك بمخالفة اليهود بأن يصام العاشر ويوماً قبله وهو التاسع، أو يوماً بعده وهو الحادي عشر.
وعليه فالأفضل أن يصوم يوم العاشر ويضيف إليه يوماً قبله أو يوماً بعده.
وإضافة اليوم التاسع إليه أفضل من الحادي عشر، فينبغي لك أخي المسلم أن تصوم يوم عاشوراء وكذلك اليوم التاسع.
(20/34)

* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل صيام يوم بعد يوم عاشوراء أفضل أم صيام اليوم الذي قبله؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال العلماء في صيام يوم عاشوراء: إما أن يكون مفرداً، أو يصوم معه التاسع، أو يصوم معه الحادي عشر، وهناك صورة رابعة، وهي أن يصوم التاسع والعاشر والحادي عشر، فيكون ثلاثة أيام من الشهر.
والأفضل لمن لا يريد أن يصوم إلا يومين أن يصوم التاسع والعاشر.
لكن في هذا العام - أعني عام خمسة عشر وأربع مائة وألف - اختلف الناس، لأنه لم يصل خبر ثبوت الشهر إلا متأخراً، فبنى بعض الناس على الأصل وهو أن يكمل شهر ذي الحجة ثلاثين يوماً، وقال: إن اليوم العاشر هو يوم الاثنين، فصام الأحد والاثنين. والذين بلغهم الخبر من قبل عرفوا بأن الشهر ثبت دخوله ليلة الثلاثين من ذي الحجة، فصام يوم السبت ويوم الأحد. والأمر في هذا واسع إن شاءالله، لكن إذا لم يثبت دخوله أعني شهر محرم ليلة الثلاثين من ذي الحجة فإنه يكمل شهر ذي الحجة ثلاثين ويبني عليه لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رمضان: «فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» وهذا مثله، لأن الأصل بقاء الشهر حتى يثبت خروجه برؤية هلال ما بعده أو إكماله ثلاثين.
وبهذه المناسبة أود أن أبين أنه قد ورد في حديث أخرجه أبو
(20/35)

داود؛ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه» . فهذا الحديث قال أبو داود: إن مالكاً رحمه الله وهو مالك بن أنس الإمام المشهور قال: إن هذا الحديث مكذوب على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا يصح. والحقيقة أن من تأمل هذا الحديث وجد أن فيه اضطراباً في سنده، وفيه شذوذ أو نكارة في متنه.
أما الاضطراب في سنده فقد تكلم عليه أهل العلم وبينوا سبب الاضطراب، ومن شاء أن يرجع إلى كلامهم فليفعل.
وأما الشذوذ في متنه والنكارة، فلأنه ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه البخاري في صحيحه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل على جويرية بنت الحارث رضي الله عنها يوم الجمعة فقالت: إنها صائمة، فقال: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «أتصومين غداً؟» قالت: لا. قال: «فافطري» . ومعلوم أن الغد من يوم الجمعة يكون يوم السبت، فهذا قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما رواه البخاري، أنه أذن في صوم يوم السبت، وكذلك ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تقول: «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام ويقول: «إنهما عيد المشركين فأحب أن
(20/36)

أخالفهم» .
فثبت من سنة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القولية والفعلية، أن صوم يوم السبت ليس حراماً. والعلماء مختلفون في حديث النهي عن صوم يوم السبت من حيث العمل به؛ فمنهم من قال: إنه لا يعمل به إطلاقاً، وأن صوم يوم السبت لا بأس به، سواء أفرد أم لم يفرد، لأن الحديث لا يصح، والحديث الذي لا يصح لا ينبني عليه حكم من الأحكام.
ومنهم من صحح الحديث أو حسنه وقال: إن الجميع بينه وبين الأحاديث الأخرى، أن المنهي عنه إفراده فقط، يعني أن يفرده دون الجمعة أو يوم الأحد، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله فقال: إذا صام مع يوم السبت يوماً آخر فلا بأس، كأن يصوم معه الجمعة أو يصوم معه الحد، كذلك نقول: إذا صادف يوم السبت يوماً يشرع صومه، كيوم عرفة، ويوم العاشر من شهر محرم فإنه لا يكره صومه، لأن الكراهة أن تصومه لأنه يوم السبت، أي تصومه بعينه، معتقداً فيه مزية عن غيره. وقد نبهت على ذلك لأنني سمعت أن بعض الناس صام يوم التاسع والعاشر من شهر المحرم، وكان أحدهما يوم السبت، فنهاهم بعض الإخوة وأمرهم بالفطر، وهذا خطأ، وكان على هذا الأخ أن يسأل قبل أن يفتي بغير علم.

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما تقولون في صيام يوم بعد عاشوراء والمشروع الصيام قبله، هل الصيام
(20/37)

بعد عاشوراء ثبت به حديث صحيح عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب فضيلته بقوله: في مسند الإمام أحمد: «صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده خالفوا اليهود» . ومخالفة اليهود تكون إما بصوم اليوم التاسع كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» . يعني مع العاشر، وتكون بصوم يوم بعده، لأن اليهود كانوا يفردون اليوم العاشر، فتحصل مخالفتهم بصيام يوم قبله أو يوم بعده، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أن صيام عاشوراء أربعة أنواع:
* إما أن يصوم اليوم العاشر وحده.
* أو مع التاسع.
* أو مع العاشر.
* أو يصوم الثلاثة، وصوم الثلاثة يكون فيه فائدة أيضاً، وهي الحصول على صيام ثلاثة أيام من الشهر.
* * *
(20/38)

كلمة في فضل صيام يوم عاشوراء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العلي الكبير، المتفرد بالخلق والتدبير، الذي أعز أولياءه بنصره، وأذل أعداءه بخذله، فنعم المولى ربنا ونعم النصير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
أما بعد، فإن في هذا الشهر شهر المحرم كانت نجاة موسى عليه الصلاة والسلام وقومه من عدو الله فرعون وجنوده. وإنها والله لنعمة كبرى تستوجب الشكر لله عز وجل، ولهذا لما قدم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة وجد اليهود يصومون اليوم العاشر من هذا الشهر، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أنا أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه، وسئل عن فضل صيامه فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» ، إلا أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بعد ذلك بمخالفة اليهود بأن يصام العاشر ويوماً قبله وهو التاسع، أو يوماً بعده وهو الحادي عشر. وعليه فالأفضل أن يصوم يوم العاشر ويضيف إليه يوماً قبله، أو يوماً بعده. وإضافة اليوم التاسع إليه أفضل من
(20/39)

الحادي عشر.
فينبغي لك أخي المسلم أن تصوم يوم عاشوراء، وكذلك اليوم التاسع لتحصل بذلك مخالفة اليهود التي أمر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها.
وفقني الله وإياكم لشكر نعمته، وحسن عبادته، وحمانا من شرور أنفسنا برعايته إنه جواد كريم.
لا مانع عندي من نشره. كتبه محمد الصالح العثيمين. 12/21/1409 هـ.
(20/40)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هناك ورقة توزع، وفيها بيان فضل صوم شهر المحرم وعاشوراء وهذا نص هذه الورقة فنأمل الإفادة هل هي صحيحة: عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه. متفق عليه.
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» . رواه مسلم.
وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئل ذات يوم عن صوم يوم عاشوراء فقال: «يكفر السنة الماضية» رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» رواه مسلم.
أخي المسلم: صم التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر من شهر محرم لتحصل على الأجر إن شاءالله. وإن صمتها جميعها فهو أكمل ليحصل لك به صيام ثلاثة أيام من الشهر، وقد أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر، وفقنا الله وإياك لما فيه الخير.
(20/41)

فأجاب فضيلته بقوله: ما ذكر في فضل صوم شهر المحرم وعاشوراء في هذه الورقة صحيح.
5/1/1414 هـ.

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز صيام يوم عاشوراء وحده من غير أن يصام يوم قبله أو بعده، لأنني قرأت في إحدى المجلات فتوى مفادها أنه يجوز ذلك لأن الكراهة قد زالت حيث اليهود لا يصومونه الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: كراهة إفراد يوم عاشوراء بالصوم ليست أمراً متفقاً عليه بين أهل العلم، فإن منهم من يرى عدم كراهة إفراده، ولكن الأفضل أن يصام يوم قبله أو يوم بعده، والتاسع أفضل من الحادي عشر، أي من الأفضل أن يصوم يوماً قبله لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» يعني مع العاشر.، وقد ذكر بعض أهل العلم أن صيام عاشوراء له ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده.
الحال الثانية: أن يفرده بالصوم.
الحال الثالثة: أن يصوم يوماً قبله ويوماً بعده.
وذكروا أن الأكمل أن يصوم يوماً قبله ويوماً بعده، ثم أن يصوم التاسع والعاشر، ثم أن يصوم العاشر والحادي عشر، ثم أن يفرده بالصوم. والذي يظهر أن إفراده بالصوم ليس بمكروه، لكن
(20/42)

الأفضل أن يضم إليه يوماً قبله أو يوماً بعده.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: من أتى عليها عاشوراء وهي حائض هل تقضي صيامه؟ وهل من قاعدة لما يقضى من النوافل وما لا يقضى جزاك الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: النوافل نوعان: نوع له سبب، ونوع لا سبب له. فالذي له سبب يفوت بفوات السبب ولا يُقضى، مثال ذلك: تحية المسجد، لو جاء الرجل وجلس ثم طال جلوسه ثم أراد أن يأتي بتحية المسجد، لم تكن تحية للمسجد، لأنها صلاة ذات سبب، مربوطة بسبب، فإذا فات فاتت المشروعية، ومثل ذلك فيما يظهر يوم عرفة ويوم عاشوراء، فإذا أخر الإنسان صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء بلا عذر فلا شك أنه لا يقضي، ولا ينتفع به لو قضاه، أي لا ينتفع به على أنه يوم عرفة ويوم عاشوراء.
وأما إذا مر على الإنسان وهو معذور كالمرأة الحائض والنفساء أو المريض، فالظاهر أيضاً أنه لا يقضي، لأن هذا خص بيوم معين يفوت حكمه بفوات هذا اليوم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ورد في الحديث صيام العشر من ذي الحجة وبعض الناس يقول: لا تصام. فما قولكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيام العشر من ذي الحجة من الأعمال الصالحة ولا شك، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما من أيام العمل
(20/43)

الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر» قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» ، فيكون الصيام داخلاً في عموم هذا الحديث، على أنه ورد حديث في السنن حسَّنه بعضهم أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصوم هذه العشر، يعني ماعدا يوم العيد، وقد أخذ به الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله والصحيح أن صيامها سنة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ورد في الحديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن يصوم عشر ذي الحجة فما الجواب عن ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحديث المشار إليه في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صائماً في العشر قط» وفي رواية: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يصم العشر» .
والجواب: أن هذا إخبار من عائشة رضي الله عنها عما علمت، وقول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مقدم على شيء لم يعلمه الراوي، وقد رجح الإمام أحمد رحمه الله أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصوم هذه العشر
(20/44)

فإن ثبت هذا الحديث فلا إشكال، وإن لم يثبت فإن صيامها داخل في عموم الأعمال الصالحة التي قال فيها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر» والصوم من العمل الصالح.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: من كان يعتاد صيام عشر ذي الحجة فأراد أن يحج فهل يصومهن؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيام عشر ذي الحجة ليس بفرض، فإن شاء الإنسان صامها، وإن شاء لم يصمها، سواء سافر إلى الحج أم بقي في بلده، لأن كل صوم يكون تطوعاً فالإنسان فيه مخير، وعلى هذا فإذا كان في بلده وأحب أن يصوم فليصم، فإذا سافر ورأى المشقة في الصوم فلا يصوم؛ لأنه لا ينبغي لمن شق عليه الصوم في السفر أن يصوم لا فرضاً ولا نفلاً، ولكن في عرفة لا يصوم، لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان مفطراً في يوم عرفة، وقد روي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه نهى عن صوم عرفة بعرفة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: امرأة كبيرة في السن تصوم العشر الأول من ذي الحجة دائماً في كل سنة إلا
(20/45)

هذه السنة، تقول: ما أنا بصائمة إلا ثلاثة أيام أو أربعة أيام فهل عليها إثم؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة التي كانت تعتاد أن تصوم العشر الأول من شهر ذي الحجة وهذه السنة كان فيها ما يمنع من مرض، أو تعب، أو كبر في السن أو ما أشبه ذلك.
نقول: إن النوافل لا تلزم الإنسان حتى وإن كان صحيحاً فلو كان من عادة الإنسان أن يصوم البيض مثلاً ولكن لم يتمكن هذا الشهر أو كسل عنها فلا حرج عليه أن يدعها لأنها نافلة، لكن إن ترك الإنسان هذه النافلة للعذر كُتب له أجرها، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيماً صحيحاً» .
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم صيام يوم عرفة لغير الحاج والحاج؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيام يوم عرفة لغير الحاج سنة مؤكدة، فقد سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن صوم يوم عرفة فقال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» وفي رواية: «يكفر السنة الماضية والباقية» .
وأما الحاج فإنه لا يسن له صوم يوم عرفة، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(20/46)

كان مفطراً يوم عرفة في حجة الوداع، ففي صحيح البخاري عن ميمونة رضي الله عنها أن الناس شكوا في صيام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم عرفة فأرسلت إليه بحلاب وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا اختلف يوم عرفة نتيجة لاختلاف المناطق المختلفة في مطالع الهلال فهل نصوم تبع رؤية البلد التي نحن فيها أم نصوم تبع رؤية الحرمين؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا يبنى على اختلاف أهل العلم: هل الهلال واحدفي الدنيا كلها أم هو يختلف باختلاف المطالع؟ والصواب أنه يختلف باختلاف المطالع، فمثلاً إذا كان الهلال قد رؤي بمكة، وكان هذا اليوم هو اليوم التاسع، ورؤي في بلد آخر قبل مكة بيوم وكان يوم عرفة عندهم اليوم العاشر فإنه لا يجوز لهم أن يصوموا هذا اليوم لأنه يوم عيد، وكذلك لو قدر أنه تأخرت الرؤية عن مكة وكان اليوم التاسع في مكة هو الثامن عندهم، فإنهم يصومون يوم التاسع عندهم الموافق ليوم العاشر في مكة، هذا هو القول الراجح، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» وهؤلاء الذين لم يُر في جهتهم لم يكونوا يرونه، وكما أن الناس بالإجماع يعتبرون طلوع الفجر وغروب
(20/47)

الشمس في كل منطقة بحسبها، فكذلك التوقيت الشهري يكون كالتوقيت اليومي.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا اجتمع قضاء واجب ومستحب وافق وقت مستحب فهل يجوز للإنسان أن يفعل المستحب ويجعل قضاء الواجب فيما بعد أو يبدأ بالواجب أو لا مثال: يوم عاشوراء وافق قضاء من رمضان؟
فأجاب فضيلته بقوله: بالنسبة للصيام الفريضة والنافلة لا شك أنه من المشروع والمعقول أن يبدأ بالفريضة قبل النافلة، لأن الفريضة دين واجب عليه، والنافلة تطوع إن تيسرت وإلا فلا حرج، وعلى هذا فنقول لمن عليه قضاء من رمضان: اقض ما عليك قبل أن تتطوع، فإن تطوع قبل أن يقضي ما عليه فالصحيح أن صيامه التطوع صحيح مادام في الوقت سعة، لأن قضاء رمضان يمتد إلى أن يكون بين الرجل وبين رمضان الثاني مقدار ما عليه، فمادام الأمر موسعاً فالنفل جائز، كصلاة الفريضة مثلاً إذا صلى الإنسان تطوعاً قبل الفريضة مع سعة الوقت كان جائزاً، فمن صام يوم عرفة، أو يوم عاشوراء وعليه قضاء من رمضان فصيامه صحيح، لكن لو نوى أن يصوم هذا اليوم عن قضاء رمضان حصل له الأجران: أجر يوم عرفة، وأجر يوم عاشوراء مع أجر القضاء، هذا بالنسبة لصوم التطوع المطلق الذي لا يرتبط برمضان، أما صيام ستة أيام من شوال فإنها مرتبطة برمضان ولا تكون إلا بعد قضائه، فلو صامها قبل القضاء لم يحصل على أجرها، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «
(20/48)

من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر» ومعلوم أن من عليه قضاء فإنه لا يعد صائماً رمضان حتى يكمل القضاء، وهذه مسألة يظن بعض الناس أنه إذا خاف خروج شوال قبل صوم الست فإنه يصومها ولو بقي عليه القضاء، وهذا غلط فإن هذه الستة لا تصام إلا إذا أكمل الإنسان ما عليه من رمضان.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: صيام القضاء مع صيام النافلة بنية واحدة مثل صيام يوم عرفة وقضاء رمضان بنية واحدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان المقصود أن تصوم يوم عرفة مع القضاء، أو عاشوراء مع القضاء بمعنى أن تصوم يوم القضاء في يوم عرفة، أو في يوم عاشوراء فلا بأس بذلك ويحصل لك الأجر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: امرأة نذرت أن تصوم شهر رجب من كل سنة إن شفى الله ولدها من الحادث وعجزت فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: تُسأل هذه المرأة: لماذا خصت شهر رجب بالنذر؟ إن قالت: لأنني أعتقد أن تخصيص رجب بالصوم
(20/49)

عبادة. قلنا لها: هذا نذر مكروه، ولا يجب الوفاء به؛ لأن تخصيص رجب بالصوم مكروه. أما إذا كانت نذرت شهر رجب، لأنه الشهر الموالي لحصول الحادث لا لعينه فإنها تصومه، فإن عجزت عجزاً لا يرجى زواله، فإن النذر الواجب يحذى به حذو الواجب بأصل الشرع، فتطعم عن كل يوم مسكيناً.
وهُنا سؤال: لو قال قائل: لله علي نذر أن ألبس هذا الثوب وعيَّنه. فهل يجب عليه أن يوفي به أم لا؟
قلنا: لا يجب أن يوفى به، لأن نذر المباح حكمه حكم اليمين، فإن شاء لبس الثوب ولا شيء عليه، وإن شاء لم يلبسه ووجب عليه أن يكفر كفارة يمين، وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة. وقد سبق لنا التحذير من النذر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما رأيكم في الصيام والقيام ما يأتي:
أفي اليوم السابع والعشرين من شهر رجب وليلته.
ب ليلة يوم عاشوراء.
فأجاب فضيلته بقوله: رأينا فيما ذكر:
أفي صيام اليوم السابع والعشرين من رجب وقيام ليلته وتخصيص ذلك بدعة، وكل بدعة ضلالة.
ب ليلة عاشوراء تخصيصها بالقيام بدعة.
* * *
(20/50)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم صيام يوم الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: صوم يوم الجمعة مكروه، لكن ليس على إطلاقه، فصوم يوم الجمعة مكروه لمن قصده وأفرده بالصوم، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام، ولا ليلتها بقيام» .
وأما إذا صام الإنسان يوم الجمعة من أجل أنه صادف صوماً كان يعتاده فإنه لا حرج عليه في ذلك، وكذلك إذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده فلا حرج عليه في ذلك، ولا كراهة. مثال الأول: إذا كان من عادة الإنسان أن يصوم يوماً ويفطر يوماً فصادف يوم صومه الجمعة فلا بأس، وكذلك لو كان من عادته أن يصوم يوم عرفة فصادف يوم عرفة يوم الجمعة فإنه لا حرج عليه أن يصوم يوم الجمعة ويقتصر عليه؛ لأنه إنما أفرد هذا اليوم لا من أجل أنه يوم الجمعة، ولكن من أجل أنه يوم عرفة، وكذلك لو صادف هذا اليوم يوم عاشوراء واقتصر عليه، فإنه لا حرج عليه في ذلك، وإن كان الأفضل في يوم عاشوراء أن يصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده.
ومثال الثاني: أن يصوم مع الجمعة يوم الخميس، أو يوم السبت، أما من صام يوم الجمعة لا من أجل سبب خارج عن كونه يوم جمعة فإننا نقول له: إن كنت تريد أن تصوم السبت فاستمر في صيامك، وإن كنت لا تريد أن تصوم السبت ولم تصم يوم
(20/51)

الخميس فأفطر كما أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك، والله الموفق.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا صام الإنسان يوم الجمعة ونوى صيام يوم السبت ثم حصل له مانع من صيامه فما الحكم؟ وكذلك لو صام السبت ونوى صيام الأحد ثم حصل له مانع؟
فأجاب فضيلته بقوله: النهي عن صيام يوم الجمعة للكراهة فقط وليس للتحريم، والنهي إنما هو فيما إذا صامه الإنسان مخصصاً يوم الجمعة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام، ولا ليلتها بقيام» فإذا صام الإنسان يوم الجمعة وحده لأنه يوم جمعة كان ذلك مكروهاً، فنقول له: صم يوم الخميس معه، أو يوم السبت. فلو صام يوم الجمعة على أنه يريد صوم يوم السبت ولكن حصل له مانع فلا إثم عليه، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى» .
وأما قول السائل: وكذلك يوم السبت. فليس يوم السبت كالجمعة لصحة النهي عن صوم الجمعة وحده دون يوم السبت، فإن الحديث في النهي عن صوم يوم السبت فيه نظر، فإن من العلماء من ضعفه لشذوذه، ومنهم من قال: إنه منسوخ. وعلى كل حال فإن تخصيص يوم السبت بالصوم ليس كتخصيص يوم
(20/52)

الجمعة، ولو صام أحد يوم السبت ويوم الأحد فليس فيه إشكال، وإن صام يوم السبت وحده فليس بمنهي عنه كالنهي عن يوم الجمعة، والله أعلم.

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: من نذر أن يصوم يوم الجمعة فهل يفي بنذره؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم من نذر أن يصوم يوم الجمعة فليصم يوم الجمعة ويضيف إليه يوم الخميس أو يوم السبت، وبذلك يكون الوفاء بالنذر على وجه لا كراهة فيه.
أما إفراد يوم الجمعة بالصوم لخصوصه لا لسبب آخر فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عنه إلا أن يصوم الإنسان يوماً قبله أو يوماً بعده.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا كان الإنسان يصوم يوماً ويفطر يوماً. ووافق يوم صومه يوم الجمعة فهل يصوم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للإنسان إذا كان يصوم يوماً ويفطر يوماً أن يصوم يوم الجمعة مفرداً، أو السبت، أو الأحد، أو غيرها من الأيام ما لم يصادف ذلك أياماً يحرم صومها، فإن صادف أياماً يحرم صومها وجب عليه ترك الصوم، فإذا قدر أن رجلاً كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فصار فطره يوم الخميس،
(20/53)

ويوم صومه يوم الجمعة فلا حرج عليه أن يصوم يوم الجمعة حينئذ، لأنه لم يصم يوم الجمعة لأنه يوم جمعة، ولكنه لأنه صادف اليوم الذي يصوم فيه، أما إذا صادف اليوم الذي يصوم فيه يوماً يحرم صومه فإنه يجب ترك الصوم، كما لو صادف عيد الأضحى، أو أيام التشريق، وكما لو كانت امرأة تصوم يوماً وتفطر يوماً، فأتاها ما يمنع الصوم من حيض، أو نفاس فإنها لا تصوم حينئذ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما العلة في النهي عن تخصيص الجمعة بصيام؟ وهل هذا خاص بالنفل أم يعم صيام القضاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام، ولا ليلتها بقيام» . والحكمة في النهي عن تخصيص يوم الجمعة بالصيام أن يوم الجمعة عيد للأسبوع، فهو أحد الأعياد الشرعية الثلاثة؛ لأن الإسلام فيه أعياد ثلاثة هي: عيد الفطر من رمضان، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع وهو يوم الجمعة، فمن أجل هذا نهي عن إفراده بالصوم، ولأن يوم الجمعة يوم ينبغي فيه للرجال التقدم إلى صلاة الجمعة، والاشتغال بالدعاء، والذكر فهو شبيه بيوم عرفة الذي لا يشرع للحاج أن يصومه؛ لأنه مشتغل بالدعاء والذكر، ومن المعلوم أنه عند تزاحم العبادات التي يمكن تأجيل بعضها يقدم ما لا يمكن
(20/54)

تأجيله على ما يمكن تأجيله.
فإذا قال قائل: إن هذا التعليل بكونه عيداً للأسبوع يقتضي أن يكون صومه محرماً كيوم العيدين لا إفراده فقط.
قلنا: إنه يختلف عن يوم العيدين؛ لأنه يتكرر في كل شهر أربع مرات، فلهذا لم يكن النهي فيه على التحريم، ثم هناك أيضاً معاني أخرى في العيدين لا توجد في يوم الجمعة.
وأما إذا صام يوماً قبله، أو يوماً بعده، فإن الصيام حينئذ يُعلم بأنه ليس الغرض منه تخصيص يوم الجمعة بالصوم؛ لأنه صام يوماً قبله وهو الخميس، أو يوماً بعده وهو يوم السبت.
أما قول السائل: هل هذا خاص بالنفل أم يعم القضاء؟
فإن ظاهر الأدلة العموم، وأنه يكره تخصيصه بصوم، سواء كان لفريضة، أو نافلة، اللهم إلا أن يكون الإنسان صاحب عمل لا يفرغ من العمل ولا يتسنى أن يقضي صومه إلا في يوم الجمعة، فحينئذ لا يكره له أن يفرده بالصوم؛ لأنه محتاج إلى ذلك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما الدليل على أن صوم السبت لابد أن يصام يوم قبله أو يوم بعده؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدليل على إنه لا يفرد يوم السبت في صومه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لأم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة، أو عود شجرة فليمضغه» أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث
(20/55)

اختلف فيه العلماء، بعضهم قال: إنه شاذ. فيكون ضعيفاً، لأنه يخالف الحديث الثابت في الصحيحين، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل على إحدى نسائه وهي صائمة في يوم الجمعة فقال لها: «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال: «أتصومين غداً؟» قالت: لا. قال: «فأفطري» وفي قوله: «أتصومين غداً؟» دليل على جواز صيام يوم السبت في غير الفريضة، فيكون هذا الحديث شاذًّا، ومن شرط صحة الحديث أن لا يكون معللاً ولا شاذًّا.
ومن العلماء من قال: إنه منسوخ.
ومنهم من قال: إنه يحمل على صومه منفرداً، وهذا ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله.
* * *
(20/56)

بسم الله الرحمن الرحيم

بحث حديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحاء شجرة فليمضغه» . قال أبو داود في السنن: قال مالك: هذا كذب الحديث.
وقال أبو داود رحمه الله: هو منسوخ.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: كان يحيى بن سعيد يتقيه وأبى أن يحدثني به. قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بشر (يشير إلى حديث النهي عن صومه) منها حديث أم سلمة رضي الله عنها حين سئلت أي الأيام كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر صياماً لها؟ فقالت: «السبت والأحد» اه. وذكر أحاديث أخرى تدل على جوازه إلى أن قال: فهذا الأثرم فهم من كلام أبي عبد الله أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في صومه، وذكر أن الإمام في علل الحديث يحيى بن سعيد كان يتقيه، وأبى أن يحدثه به، فهذا تضعيف للحديث إلى أن قال: وعلى هذا فيكون الحديث إما شاذًّا غير محفوظ، وإما منسوخاً. قال أبو داود: وأكثر أهل العلم على عدم الكراهة. ما بين القوسين من (اقتضاء الصراط المستقيم) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وليعلم أن صيام يوم السبت له أحوال:
(20/57)

الحال الأولى: أن يكون في فرض كرمضان أداء، أو قضاء وكصيام الكفارة، وبدل هدي التمتع، ونحو ذلك، فهذا لا بأس به ما لم يخصه بذلك معتقداً أن له مزية.
الحال الثانية: أن يصوم قبله يوم الجمعة فلا بأس به؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لإحدى أمهات المؤمنين وقد صامت يوم الجمعة: «أصمت أمس؟» قالت: لا، قال: «أتصومين غداً؟» قالت: لا، قال: «فأفطري» . فقوله: «أتصومين غداً؟» يدل على جواز صومه مع الجمعة.
الحال الثالثة: أن يصادف صيام أيام مشروعة كأيام البيض ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وستة أيام من شوال لمن صام رمضان، وتسع ذي الحجة فلا بأس، لأنه لم يصمه لأنه يوم السبت، بل لأنه من الأيام التي يشرع صومها.
الحال الرابعة: أن يصادف عادة كعادة من يصوم يوماً ويفطر يوماً فيصادف يوم صومه يوم السبت فلا بأس به، كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صيام يوم، أو يومين نهى عنه قبل رمضان إلا من كان له عادة أن يصوم فلا نهي وهذا مثله.
الحال الخامسة: أن يخصه بصوم تطوع فيفرده بالصوم، فهذا محل النهي إن صح الحديث في النهي عنه.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 17/1/1418 هـ.
(20/58)

614 سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم صوم يوم الشك؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيام يوم الشك أقرب الأقوال فيه أنه حرام، لقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ولأن الصائم في يوم الشك متعدٍّ لحدود الله عز وجل، لأن حدود الله أن لا يصام رمضان إلا برؤية هلاله، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه» . ثم إن الإنسان الذي تحت ولاية مسلمة يتبع ولايته، إذا ثبت عند ولي الأمر دخول الشهر فليصمه تبعاً للمسلمين، وإذا لم يثبت فلا يصمه. وقد سبق لنا ما إذا رأى الإنسان وحده هلال رمضان هل يصوم أو لا يصوم؟
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما صوم الوصال؟ وهل هو سنة؟
فأجاب فضيلته بقوله: صوم الوصال أن لا يفطر الإنسان في يومين، فيواصل الصيام يومين متتالين، وقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه
(20/59)

وقال: «من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر» والمواصلة للسحر من باب الجائز، وليست من باب المشروع، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حث على تعجيل الفطر، وقال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» لكنه أباح لهم أن يواصلوا إلى السحر فقط، فلما قالوا: يا رسول الله إنك تواصل فقال: «إني لست كهيئتكم» .
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز صيام أيام التشريق؟
فأجاب فضيلته بقوله: أيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي بعد عيد الأضحى، وسميت بأيام التشريق، لأن الناس يشرقون فيها للحم أي ينشرونه في الشمس، لييبس حتى لا يتعفن إذا ادخروه وهذه الأيام الثلاثة قال فيها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل فإذا كانت كذلك، أي كان موضوعها الشرعي الأكل والشرب والذكر لله، فإنها لا تكون وقتاً للصيام، ولهذا قال ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) يعني
(20/60)

للمتمتع والقارن فإنهما يصومان ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعا إلى أهلهما، فيجوز للقارن والمتمتع إذا لم يجدا الهدي أن يصوما هذه الأيام الثلاثة حتى لا يفوت موسم الحج قبل صيامهما. وما سوى ذلك فإنه لا يجوز صومها، حتى ولو كان على الإنسان صيام شهرين متتابعين فإنه يفطر يوم العيد والأيام الثلاثة التي بعده، ثم يواصل صومه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: سبق أن صمت في السنوات الماضية لقضاء دين علي فأفطرت متعمدة وبعد ذلك قضيت ذلك الصيام بيوم واحد، ولا أدري هل سيُقضى بيوم واحد كما فعلت؟ أم بصيام شهرين متتابعين؟ وهل تلزمني الكفارة؟ أرجو الإفادة.
فأجاب فضيلته بقوله: إذا شرع الإنسان في صوم واجب كقضاء رمضان، وكفارة اليمين، وكفارة فدية الحلق في الحج إذا حلق المحرم قبل أن يحل، وما أشبه ذلك من الصيام الواجب، فإنه لا يجوز له أن يقطعه إلا لعذر شرعي، وهكذا كل من شرع في شيء واجب فإنه يلزمه إتمامه، ولا يحل له قطعه إلا بعذر شرعي يبيح قطعه، وهذه المرأة التي شرعت في القضاء ثم أفطرت في يوم من الأيام بلا عذر، وقضت ذلك اليوم، ليس عليها شيء بعد ذلك، لأن القضاء إنما يكون يوماً بيوم، ولكن عليها أن تتوب وتستغفر الله عز وجل لما وقع منها من قطع الصوم الواجب بلا عذر.
(20/61)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: أخبرتي إحدى زميلاتي أنها كانت صائمة قضاء، وقد فوجئت بضيوف في منزلها، ومن باب المجاملة أرادت أن تفطر لتجاملهم بالأكل والشرب، فسألتني عن ذلك فأجبتها أن ذلك جائز. وأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يأتي إلى إحدى زوجاته وهو صائم. فيسألها إن كان عندها طعام أفطر وأكل معها، وإلا واصل صيامه، فهل هذا صحيح؟ وهل يجوز للصائم قضاءً إذا حصل ما يجعله يفطر أن يفطر أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا القضاء إذا كان قضاءً عن واجب كقضاء رمضان، فإنه لا يجوز لأحد أن يفطر إلا لضرورة، وأما فطره لنزول الضيف به فإنه حرام؛ ولا يجوز؛ لأن القاعدة الشرعية: «أن كل من شرع في واجب فإنه يجب عليه إتمامه إلا لعذر شرعي» .
وأما إذا كان قضاء نفل فإنه لا يلزمها أن تتمه؛ لأنه ليس بواجب.
فعلى هذا إذا كان الإنسان صائماً صيام نفل وحصل له ما يقتضي الفطر فإنه يفطر، وهذا هو الذي ورد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقال: «هل عندكم شيء؟» فقالت: أهدي لنا حيس فقال: «فأرينيه فلقد أصبحت صائماً» . فأكل منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا في النفل، وليس في الفرض.
وأنصح الأخت السائلة أن لا تفتي بشيء إلا وهي تعلمه؛
(20/62)

لأن الإفتاء معناه القول على الله سبحانه وتعالى، والقول على الله بغير علم محرم، كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولائِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} ، وقال سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ، فلا يحل لأحد أن يفتي غيره إلا عن علم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: أحياناً أصوم الإثنين والخميس وأعقد النية على الصيام في الليل، وفي الصباح أذهب إلى عملي ولكن في بعض الأيام أشعر بالتعب والنعاس مما يضطرني إلى الإفطار فهل لي ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول لمن كان له عمل رسمي: إن كان صومه يخل بالعمل فإن صومه حرام، سواء الإثنين، أو الخميس، أو الأيام البيض، لأن القيام بعمل الوظيفة واجب، وصوم التطوع ليس بواجب، ولا يمكن أن يضيع الإنسان الواجب من أجل فعل المستحب، وهذه يخطىء فيها كثير من الناس يتهاونون في أداء الواجب، ويفعلون السنة، فهم كالذين يبنون قصراً ويهدمون مصراً، وهذا غلط.
أما إذا كان الإنسان عنده قوة على تحمل العطش والجوع، أو كان في فصل الشتاء نهار قصير وجو بارد ولا يؤثر على عمله فليصم.
وجواب السؤال نقول له: أفطر وجوباً،وقم بالعمل الواجب.
(20/63)

* * *

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من الولد.. إلى الوالد فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
أمتعني الله بحياتك، قول عائشة رضي الله عنها: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان لمكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. متفق عليه.
الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصوم نفلاً هل كانت تصوم معه؟ والفقهاء رحمهم الله لا يجوزون التطوع قبل الفرض أو لا تصوم النفل، أفتني أثابك الله الجنة بمنه وكرمه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
لما كان الصائم نفلاً لا يلزمه الإتمام فإنها تخشى أن يطلبها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حال صيامه، هذا ما يظهر لي في هذه المسألة، والعلم عند الله.
أما أنها تصوم النفل قبل الفرض فهذا بعيد، لأنها أفقه من أن تؤخر الواجب وتقوم بالنفل.
قاله كاتبه محمد الصالح العثيمين في 15/4/1406 هـ.
(20/65)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان؟ وهل تتنقل؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم. ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، والصحيح أنها تتنقل، كما قال ذلك ابن حجر رحمه الله في فتح الباري، وكما دلت عليه السنة أيضاً، فقد تكون في الواحد والعشرين، وفي الثالث والعشرين، وفي السابع والعشرين، وفي الخامس والعشرين، وفي التاسع والعشرين، وفي الثامن والعشرين، وفي السادس والعشرين، وفي الرابع والعشرين، وفي الثاني والعشرين كل هذا ممكن أن تكون فيه ليلة القدر، والإنسان مأمور بأن يحرص فيها على القيام، سواء مع الجماعة إن كان في بلد تقام فيه الجماعة، فهو مع الجماعة أفضل، وإلا إذا كان في البادية في البر فإنه يصلي ولو كان وحده، واعلم أيضاً أنه من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً نال أجرها، سواء علم بها أو لم يعلم، حتى لو فرض أن الإنسان ما عرف أماراتها، أو لم ينبه لها بنوم أو غيره، ولكنه قامها إيماناً واحتساباً فإن الله تعالى يعطيه ما رتب على ذلك، وهو أن الله تعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه ولو كان وحده.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: كثير من الناس يعتقد أن ليلة السابع والعشرين من رمضان هي ليلة القدر فيحيونها بالصلاة والعبادة ولا يحيون غيرها في رمضان فهل هذا موافق للصواب؟
(20/66)

فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بموافق للصواب، فإن ليلة القدر تتنقل قد تكون ليلة سبع وعشرين، وقد تكون في غير تلك الليلة كما تدل عليه الأحاديث الكثيرة في ذلك، فقد ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه ذات عام أري ليلة القدر فكان ذلك ليلة إحدى وعشرين، وثبت عنه أنه قال: «التمسوها في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى» ثم إن القيام لا ينبغي أن يخصه الإنسان في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر فقط، بل يجتهد في العشر الأواخر كلها، فذلك هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد كان إذا دخل العشر شد المئزر، وأيقظ أهله، وأحيا الليل عليه الصلاة والسلام، فالذي ينبغي للمؤمن الحازم أن يجتهد في ليالي هذه الأيام العشر كلها حتى لا يفوته الأجر.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: للعشر الأواخر فضل عظيم ومنزلة كبيرة، فنرجو بيان الفضل في هذه العشر الأواخر؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد، فهذه العشر الأواخر من رمضان هي أفضل شهر رمضان، ولهذا كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخصها بالاعتكاف طلباً لليلة القدر، ويكون فيها
(20/67)

ليلة القدر التي قال عنها الله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخص هذه الليالي بقيام الليل كله، فينبغي للإنسان في هذه الليالي العشر أن يحرص على قيام الليل، ويطيل فيه القراءة، والركوع، والسجود، وإذا كان مع إمام فليلازمه حتى ينصرف، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» وفي آخر هذه الأيام، بل عند انتهائه يكون تكبير الله عز وجل، ويكون دفع زكاة الفطر لقوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في زكاة الفطر: «من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة» وأمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تؤدى قبل الصلاة يوم العيد.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما رأي الشرع في نظركم فيمن قال بتفضيل ليلة الإسراء على ليلة القدر؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي نرى في هذه المسألة أن ليلة القدر أفضل من ليلة الإسراء بالنسبة للأمة، أما بالنسبة للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتكون ليلة الإسراء التي هي ليلة المعراج في حقه أفضل، لأنها خاصة به، ونال فيها من الفضائل ما لم ينله في غيرها، فلا نفضل ليلة القدر مطلقاً، ولا نفضل ليلة الإسراء التي هي ليلة
(20/68)

المعراج مطلقاً، وكأن السائل يريد أن يشير إلى ما يفعله بعض الناس ليلة السابع والعشرين من رجب من الاحتفال بهذه الليلة، يظنون أنها ليلة الإسراء والمعراج، والواقع أن ذلك لم يثبت من الناحية التاريخية، فلم يثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسري به في تلك الليلة، بل إن الذي يظهر أن المعراج كان في ربيع الأول، ثم على فرض أنه ثبت أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عرج به في ليلة السابع والعشرين من رجب، فإن ذلك لا يقتضي أن يكون لتلك الليلة احتفال واختصاص بشيء من الطاعة، وعلى هذا فالاحتفال بليلة سبع وعشرين من رجب لا أصل له من الناحية التاريخية ولا الشرعية، فإذا لم يكن كذلك كان من العبث ومن البدعة أن يحتفل بتلك الليلة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز تخصيص ليلة سبع وعشرين من رمضان بعمرة أفتونا مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عمرة في رمضان تعدل حجة» وهذا يشمل أول رمضان وآخر رمضان.
أما تخصيص ليلة سبع وعشرين من رمضان بعمرة فهذا من البدع، لأن من شرط المتابعة أن تكون العبادة موافقة للشريعة في أمور ستة:
1 السبب. 2 الجنس. 3 القدر. 4 الكيفية. 5 الزمان. 6 المكان.
وهؤلاء الذين يجعلون ليلة سبع وعشرين وقتاً للعمرة
(20/69)

خالفوا المتابعة بالسبب، لأن هؤلاء يجعلون ليلة سبع وعشرين سبباً لمشروعية العمرة، وهذا خطأ، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يحث أمته على الاعتمار في هذه الليلة، والصحابة رضي الله عنهم وهم أحرص على الخير منا لم يحثوا على الاعتمار في هذه الليلة، ولم يحرصوا على أن تكون عمرتهم في هذه الليلة، والمشروع في ليلة القدر هو القيام؛ لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» .
فإن قال قائل: إذا كان الرجل قادماً من بلده في هذه الليلة وهو لم يقصد تخصيص هذه الليلة بالعمرة، وإنما صادف أنه قدم من البلد في هذه الليلة واعتمر هل يدخل فيما قلنا أم لا؟
فالجواب: أنه لا يدخل؛ لأن هذا الرجل لم يقصد تخصيص هذه الليلة بعمرة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل وردت أحاديث تدل على أن العمرة في رمضان تعدل حجة، أو أن فضلها كسائر الشهور؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، ورد في صحيح مسلم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة» فالعمرة في رمضان تعدل حجة، كما جاء به الحديث، ولكن ليس معنى ذلك
(20/70)

أنها تجزىء عن الحجة، بحيث لو اعتمر الإنسان في رمضان، وهو لم يؤد فريضة الحج سقطت عنه الفريضة، لأنه لا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون مجزئاً عنه.
فهذه سورة {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} تعدل ثلث القرآن، ولكنها لا تجزىء عنه فلو أن أحداً في صلاته كرر سورة الإخلاص ثلاث مرات لم يكفه ذلك عن قراءة الفاتحة، وهذا قول الإنسان: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» ، عشر مرات. يكون كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل، ومع ذلك لو قالها الإنسان وعليه عتق رقبة، لم تجزىء عنها.
وبه تعرف أنه لا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون مجزئاً عنه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن فضل العمرة في رمضان؟ وهل هناك فرق بين أول الشهر وآخره؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمرة في رمضان تعدل حجة، سواء اعتمر الإنسان من أول الشهر، أو وسطه، أو آخره، ولا شك أن أيام العشر الأواخر من رمضان ولياليها أفضل من أيام أول الشهر ولياليه. وقد ذكر العلماء قاعدة وهي: «أن الحسنات تضاعف في الزمان والمكان الفاضل» ، فكلما كان الزمان أفضل كان العمل الصالح فيه أفضل، والله أعلم.
(20/71)

* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل الزكاة تفضل في رمضان مع أنها ركن من أركان الإسلام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الزكاة كغيرها من أعمال الخير تكون في الزمن الفاضل أفضل، لكن متى وجبت الزكاة وتم الحول وجب على الإنسان أن يخرجها ولا يؤخرها إلى رمضان، فلو كان حول ماله في رجب فإنه لا يؤخرها إلى رمضان، بل يؤديها في رجب، ولو كان يتم حولها في محرم فإنه يؤديها في محرم ولا يؤخرها إلى رمضان، أما إذا كان حول الزكاة يتم في رمضان فإنه يخرجها في رمضان.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: جرت عادة كثير من الناس أن يتصدقوا في شهر رمضان المبارك ويخرجوا زكاتهم أرجو الإفادة هل الزكاة والصدقات مقتصرة على شهر رمضان فقط؟ وهل هناك درجات متفاوتة في هذا الشهر الفضيل؟
فأجاب فضيلته بقوله: جوابنا على هذا السؤال: أن الصدقات والزكوات ليست مقتصرة على شهر رمضان، بل هي مستحبة في أي وقت توزع، ويجب إخراج الزكاة إذا تم حول على ماله ولا ينتظر رمضان إلا إذا كان رمضان قريباً مثل أن يكون حوله في شعبان، فينتظر رمضان فهذا لا بأس به. أما لو كان حوله مثلاً في محرم فإنه لا يجوز له أن يؤخرها إلى رمضان، ولكن يجوز له
(20/72)

أن يقدمها في رمضان ولا حرج، فأما تأخيرها عن وقتها فإن هذا لا يجوز، لأن الواجبات المقيدة بسبب يجب أن تؤدى عند وجوب سببها، ولا يجوز تأخيرها عنه، ثم إن المرء ليس عنده أمان إذا أخر الزكاة عن وقتها أن يبقى إلى الوقت الذي أخرها إليه، فقد يموت، وحينئذ تبقى الزكاة في ذمته، قد لا يخرجها الورثة، وقد لا يعلمون أنها عليه فبذلك يأثم.
والصدقات ليس لها وقت محدد، بل إنها في أي وقت، وبعض الناس ينفقونها في رمضان، وفي عشر ذي الحجة، فمن أنفق في ذلك فله أجر أكبر؛ لأن الحسنات تضاعف في الزمان والمكان الفاضل.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: نرى كثيراً من الناس يقضون أيام شهر رمضان المبارك في مكة طلباً للثواب ومضاعفة الأجر مستصحبين عوائلهم معهم، ولا شك أن هذا من حرصهم على طاعة ربهم عز وجل، ولكن يلاحظ على بعضهم إهماله، وغفلته عن أبنائه، أو بناته هناك، مما قد يتسبب في أمور لا تحمد عواقبها، مما تعلمونها، فهل من توجيه إلى هؤلاء ليكمل أجرهم ويسلم عملهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم فيه توجيه، والشكايات في هذا كثيرة، والناس أنواع: فبعض الناس يصطحب عائلته في العمرة،
(20/73)

لكنه يعتمر ويبقى في مكة يوماً أو يومين ثم يرجع إلى بلده فهذا حصَّل الأجر كاملاً، لأنه أدى عمرة في رمضان، ومن أدى عمرة في رمضان فكمن أدى حجة، ثم يرجع إلى بلده ويُنشِّط أهل مسجده، وربما يكون خشوعه في بلده أكثر من خشوعه في المسجد الحرام لكثرة الناس، هذا لا شك أنه على خير.
ورجل آخر ذهب بأهله وأدى العمرة وأبقاهم هناك ورجع إلى بلده، فهذا غلط عظيم، وهذا إهمال، وليس له من الأجر والله أعلم أكثر من الوزر إذا فعل أهله ما يوزرون به، لأنه هو السبب.
ورجل ثالث ذهب بأهله وبقي طيلة شهر رمضان، لكنه كما قال السائل: لا يبالي بأولاده ولا ببناته ولا بأهله، يتسكعون في الأسواق، وتحصل منهم الفتنة، وتحصل بهم الفتنة، ولا يهتم بشيء من ذلك، وتجده عاكفاً في المسجد الحرام، سبحان الله! تفعل شيئاً مستحبًّا وتدع شيئاً واجباً، هذا آثم بلا شك، وإثمه أكثر من أجره لأنه ضيع واجباً، والواجب إذا ضيعه الإنسان يأثم به، والمستحب إذا تركه لا يأثم.
فنصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله، فإما أن يرجعوا بأهلهم جميعاً، وإما أن يحافظوا عليهم محافظة تامة.
أسأل الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المسلمين لما يحب ويرضى، وأن يرزقنا البصيرة في دينه، إنه على كل شيء قدير.
إن هذا الكلام منقول من كلامنا في أحد لقاءاتنا وهو مطابق لما عندنا.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 1 رمضان 1417 هـ.
(20/74)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: بالنسبة لأيام رمضان الجليل يقول الرسول الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه: «تصفد الشياطين» . ومع ذلك نرى أناساً يصرعون في نهار رمضان، فكيف تصفد الشياطين وبعض الناس يصرعون؟ ثم هل معنى الحديث أنه إذا كان هناك بيت مسكون أو من الجن من يتعرض للناس في البر، ويظهر بأشكال مختلفة من حيات وكلاب أنها لا تظهر في رمضان مع العلم أن هناك منزلاً في منطقة ... يضع أهله الأغراض فيه، وإذا أتى المساء لا يجدون الأغراض، بل يجدونها خارج المنزل، فهل مثل هذه الحالات فقط تظهر في رمضان، وأن مسألة الصرع هي التي تظهر؟
فأجاب فضيلته بقوله: في بعض روايات الحديث: «تصفد فيه مردة الشياطين» أو «تغل» وهي عند النسائي، ومثل هذا الحديث من الأمور الغيبية التي موقفنا منها التسليم والتصديق، وأن لا نتكلم فيما وراء ذلك، فإن هذا أسلم لدين المرء وأحسن عاقبة، ولهذا لما قال عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل لأبيه: إن الإنسان يصرع في رمضان. قال الإمام: هكذا الحديث ولا تكلم في ذا.
ثم إن الظاهر تصفيدهم عن إغواء الناس، بدليل كثرة الخير
(20/75)

والإنابة إلى الله تعالى في رمضان.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: كيف يمكن التوفيق بين تصفيد الشياطين في رمضان ووقوع المعاصي من الناس؟
فأجاب فضيلته بقوله: المعاصي التي تقع في رمضان لا تنافي ما ثبت من أن الشياطين تصفد في رمضان، لأن تصفيدها لا يمنع من حركتها، ولذلك جاء في الحديث: «تصفد فيه الشياطين، فلا يخلصون إلى ما يخلصون إليه في غيره» وليس المراد أن الشياطين لا تتحرك أبداً، بل هي تتحرك، وتضل من تضل، ولكن عملها في رمضان ليس كعملها في غيره.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: قول الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين» فهل معنى ذلك أن من يموت في رمضان يدخل الجنة بغير حساب؟ نرجو من فضيلتكم توضيح هذا الأمر وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: ليس الأمر كذلك، بل معنى هذا أن أبواب الجنة تفتح تنشيطاً للعاملين، ليتسنى لهم الدخول، وتغلق
(20/76)

أبواب النار، لأجل انكفاف أهل الإيمان عن المعاصي، حتى لا يلجوا هذه الأبواب، وليس معنى ذلك أن من مات في رمضان يدخل الجنة بغير حساب، إنما الذين يدخلون الجنة بغير حساب هم الذين وصفهم الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: «هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون» مع قيامهم بما يجب عليهم من الأعمال الصالحة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل على المسلم من حرج إذا سافر من بلده الحار إلى بلد بارد أو إلى بلد نهاره قصير ليصوم شهر رمضان هناك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج عليه في ذلك إذا كان قادراً على هذا الشيء، لأن هذا من فعل ما يخفف العبادة عليه، وفعل ما يخفف العبادة أمر مطلوب، وقد كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصب على رأسه الماء من العطش أو من الحر وهو صائم، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يبل ثوبه وهو صائم، وذكر أن لأنس بن مالك رضي الله عنه حوضاً من الماء ينزل فيه وهو صائم، وكل هذا من أجل تخفيف أعباء العبادة، وكلما خفت العبادة على المرء صار أنشط له على فِعْلها، وفَعَلها وهو مطمئن مستريح،
(20/77)

ولهذا نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يصلي الإنسان وهو حاقن، أي محصور بالبول، أو حاقب أي محتاج للتغوط. فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» كل ذلك من أجل أن يؤدي الإنسان العبادة وهو مطمئن مستريح مقبل على ربه. وعلى هذا فلا مانع أن يبقى الصائم حول المكيف وفي غرفة باردة وما أشبه ذلك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما هي صورة مدارسة جبريل للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رمضان للقرآن؟ وهل يدل على أن الاجتماع أفضل من الانفراد على القرآن؟ وهل هناك مزية لليل على النهار؟ نرجو التوضيح.
فأجاب فضيلته بقوله: أما كيفية المدارسة فلا أعلم عن كيفيتها.
وأما هل المستحب أن يجتمع الناس على القرآن أو أن يقرأ كل إنسان بمفرده، فهذه ترجع إلى الإنسان نفسه، إن كان إذا اجتمع إلى إخوانه لتدارس القرآن صار أخشع لقلبه، وأنفع في علم فالاجتماع أفضل، يعني إذا كان الاجتماع صار هناك حضور قلب وخشوع وتدبر للقرآن، وتساؤل فيما بينهم فهذا أفضل، وإن كان الأمر بالعكس فالانفراد أفضل، وأما مدارسة جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام فهو من أجل تثبيت القرآن بقلب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وأما الفقرة الثالثة من السؤال وهي: هل هناك مزية لليل
(20/78)

على النهار فهذا نعم، لكن قد يكون للإنسان أعمال لا يستطيع معها أن يدرس القرآن في الليل، فيجعل أكثر دراسته في النهار، فالإنسان ينظر ما هو أنفع له، لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك» فما كان أنفع لك إذا لم يكن محظوراً شرعاً فهو أفضل.

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: صاحب شركة لديه عمال غير مسلمين، فهل يجوز له أن يمنعهم من الأكل والشرب أمام غيرهم من العمال المسلمين في نفس الشركة خلال نهار رمضان؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً نقول: إنه لا ينبغي للإنسان أن يستخدم عمالاً غير مسلمين مع تمكنه من استخدام المسلمين، لأن المسلمين خير من غير المسلمين. قال الله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَائِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو"اْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} ولكن إذا دعت الحاجة إلى استخدام عمال غير مسلمين، فإنه لا بأس به بقدر الحاجة فقط.
وأما أكلهم وشربهم في نهار رمضان أمام الصائمين من المسلمين فإن هذا لا بأس به، لأن الصائم المسلم يحمد الله عز وجل أن هداه للإسلام الذي به سعادة الدنيا والآخرة، ويحمد الله تعالى أن عافاه، فهو وإن حُرم عليه الأكل والشرب في هذه الدنيا شرعاً في أيام رمضان، فإنه سينال الجزاء يوم القيامة، حين يقال له: {كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى الأَْيَّامِ الْخَالِيَةِ} لكن يمنع غير
(20/79)

المسلمين من إظهار الأكل والشرب في الأماكن العامة لمنافاته للمظهر الإسلامي في البلد.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عمن يفطر على المحرمات مثل الخمر ما حكم صيامه؟
فأجاب فضيلته بقوله: من أفطر على شيء محرم فهو آثم، وصيامه صحيح، لأنه لم يحدث في صيامه ما يفسده، ولكنه يؤسفناً جداً أن يقع منهم هذا الأمر، وهم مسلمون، ويعلمون أن الخمر أم الخبائث ومفتاح كل شر، وأنها محرمة بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، فنصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله عز وجل، وأن يخشوا عقابه، وأن يقلعوا عن هذا الفعل المحرم، ومن تاب تاب الله عليه، وباب التوبة مفتوح، وكان الواجب عليهم والأجدر بهم إن كانوا مؤمنين أن يفطروا على ما أحل الله من الطيبات وأن يقوموا للصلاة مع المسلمين في المساجد صلاة المغرب وصلاة العشاء، وأن يتسلوا بما أباح الله لهم عما حرم الله عليهم، حتى يتربوا في هذا الشهر المبارك على الطيبات وترك المحرمات، فلعله يكون مدرسة مهيأة لهم لصلاحهم وفلاحهم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: سائل يقول: ابتلاني الله بشرب الدخان ويطلب الدعاء له بالعصمة منه، ثم يقول: إن آخر ما يتناوله من طعام السحور سيجارة من الدخان، وما أن يسمع أذان المغرب ومدفع الإفطار حتى
(20/80)

يتناول مثلها قبل الماء والطعام، فهل عليه من بأس في هذا وما حكم صيامه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، نسأل الله أن يعافي أخانا مما ابتلاه به من شرب الدخان، وأن يرزقنا وإياه العصمة من الخطأ والزلل والتوبة إليه، والدعاء للإنسان بالشيء لا يكفي وحده، بل لابد من عمل يعمله الإنسان حتى يكون ذلك موافقاً لحكمة الله سبحانه وتعالى، ولهذا لو دعا الرجل أن يرزقه الله ولداً لم يكن محصلاً لولد إلا بعد الزواج، ولو سأل الله الجنة لن يكون له الوصول إليها إلا بعد العمل الصالح الذي يوصله إليها، وكذلك الإنسان إذا دعا ربه أن يعصمه من شيء من الذنوب فلابد أن يعمل الأسباب حتى يكون من علامة إجابة الله دعاءه.
أما بالنسبة لعمله الذي يعمله كونه يختم سحوره بشرب الدخان، ويبدأ إفطاره بشربه، فإن شرب الدخان محرم، سواء على هذه الحال، أو على حال أخرى، لما فيه من الضرر البدني، والمالي، والديني، وما كان كذلك فإن الشرع يحرمه، لأن القاعدة العظيمة في هذا الدين الإسلامي هي: تحصيل المصالح وإزالة المضار، ولا يجوز له أن يفعل هذا الفعل حتى لو شرب الدخان قبل أن يتسحر فهو حرام عليه، ولو شربه بعد أن يفطر على تمر وماء فإنه حرام عليه أيضاً، فعلى العاقل المؤمن أن يستعين الله تعالى في التخلص منه، وفي شهر رمضان فرصة لمن وفق لذلك، حيث في النهار يمسك عنه فإذا جاء الليل أمكنه أن يتسلى عنه بما
(20/81)

أباح الله له من الطعام والشراب، وأن يبتعد عن الجلوس مع شاربيه، والسنة في الفطر أن يفطر الإنسان على رطب، فإن لم يجد فعلى تمر، فإن لم يجد فعلى ماء، فإن لم يجد ماء فليفطر على ما أباحه الله تعالى من أي طعام كان، وقد جرت عادة بعض العامة أنهم إذا كانوا في مكان لا أكل فيه ولا شرب أن يدخل إصبعه في فمه فيمصه، وبعضهم يبل ثوبه أو غترته بريقه ثم يعيده فيمصه، ويقولون: إن هذا إفطار، وليس كذلك، بل إنه إذا لم يجد ما يأكله ويشربه فإنه تكفي النية، أي نية أنه أفطر وأنهى صومه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: يعاني المسافر لبلاد الغرب مشكلة في الطعام عندما يضطر للسكن في الفنادق ثم الصيام فهو إن تحرج عن لحم الخنزير والخمور التي يراها بارزة فإن شحوم ودهن الخنزير الذي يضعونه في كل شيء في الخبز والكيك والبسكويت وأنواع الأطعمة ولا يقلى البيض إلا به إلى غير ذلك لكثرته ورخصه عندهم ولا يستطيع التحرز منها، بل لا يستطيع السيطرة على ذلك فبماذا تنصحونه؟ وما حكم صيامه؟
فأجاب فضيلته بقوله: ننصحه إذا كان الأمر كما ذكر أن يبتعد عن الفنادق ويكون في المطاعم الخاصة الخالية من ذلك إذا كان يتمكن، فإذا كان لا يمكن فإنه بإمكانه أن يشتري من غير
(20/82)

الفندق خبزاً أو نحوه مما يكون بعيداً عن هذا الشيء، ويؤدمه بحليب، أو بشاي، أو بشيء من المعلبات حتى يبتعد عما حرم الله عليه؛ لأن لحم الخنزير محرم بالنص والإجماع.
وعلى هذا فالمؤمن الذي يخاف ربه ويحذر من أن يربي بدنه على شيء محرم يعرف كيف يتصرف، وهذه الحال التي ذكرها السائل توجب للإنسان أن يقلل ما استطاع من الذهاب لبلاد الكفر، لأن الذهاب إلى بلاد الكفر فيه خطر عظيم على العقيدة والأخلاق والاتجاه، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلاد الكفر إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون عنده علم بشريعة الله يدفع به الشبهات التي يوردها عليه أعداء الله.
والثاني: أن يكون عنده دين يحميه من اتباع الشهوات والانزلاق في مهاوي الضلالات.
والثالث: أن يكون مضطراً للسفر إلى الخارج، أو محتاجاً إليه لا لمجرد النزهة أو الترفه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: شاب ملتزم ومتمسك بدينه يدرس في بلاد الغرب، ولكنه ابتلي بالسكنى مع زملاء لا يلتزمون بدينهم صوماً ولا صلاة، ويشربون الخمور، وصاروا يستهزؤون به وهو صائم، ويحاولون مضايقته وتفطيره، فماذا عليه؟ وبمَ تنصحونه وتنصحون من معه؟
(20/83)

فأجاب فضيلته بقوله: ننصحه أن يبتعد عن هؤلاء الرفقاء، لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حذر من جليس السوء، حيث أخبر أنه كنافخ الكير: إما أن يحرق الثياب، أو يحصل منه رائحة كريهة، فيبتعد عن هؤلاء وعليه أيضاً أن يناصحهم بقدر ما يستطيع، فإن لم يستقيموا فليبلغ السفارة سفارة البلد التي ينتمي إليها بحالهم، ليتخذوا معهم الإجراء الذي يجب اتخاذه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: قد ابتلي بعض الناس ببعض الخبائث كشرب الخمر أو تعاطي المخدرات، فإذا أفطروا في المغرب انتظموا في تناولها حتى منتصف الليل، ثم ينامون ليتناولوا السحور في آخر الليل، ويواصلوا صومهم فما حكم صيامهم؟ وبماذا تنصحهم لعل الله أن يهديهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما حكم صيامهم فصحيح، ولكنه يؤسفنا جداً أن يقع منهم هذا الأمر وهم مسلمون، ويعلمون أن الخمر أم الخبائث ومفتاح كل شر، وأنها محرمة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فنصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله عز وجل وأن يخشوا عقابه، وأن يقلعوا عن هذا الأمر المحرم، ومن تاب تاب الله عليه، وباب التوبة مفتوح، ورمضان فرصة مباركة للإقلاع عن هذه المحرمات والتوبة منها، والله الموفق.
(20/84)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يصح صوم من ينام عن الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيامه هذا اليوم صحيح، ولكن نومه عن الصلوات هو المحرم، لأنه لا يجوز للإنسان أن يتهاون بالصلاة إلى حد ينام عنها ولا يبالي بها، والواجب على الإنسان إذا نام ولم يكن عنده من يوقظه للصلاة أن يجعل عنده منبهاً ينبهه كالساعة إذا أذن ليقوم ويصلي ويرجع لينام إذا شاء، وإنني بهذه المناسبة أنصح إخواني المسلمين مما يفعله بعض الناس، يسهر الليل كله في رمضان بدون فائدة، وينام النهار كله، وهذا ليس شأن السلف في صيام شهر رمضان، بل كانوا رحمهم الله يحرصون على أن يستغلوا هذه الفرصة الثمينة بالتقرب إلى الله بأنواع الطاعات من الصلاة والذكر والصدقة والإحسان إلى الخلق. أما الذي لا يهمه في نهاره وليله إلا أن يقطع وقته بما لا فائدة فيه، فإن هذا ليس من شأن السلف الصالح.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم من يصوم ويصلي إذا جاء رمضان، فإذا انسلخ رمضان انسلخ من الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يتبين لي من الأدلة أن ترك الصلاة لا يكون كفراً إلا إذا تركها الإنسان تركاً مطلقاً، وأما من يصلي ويخلي فيصلي بعض الأحيان ويترك بعض الأحيان، فالذي يظهر لي من الأدلة أنه لا يكفر بذلك، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «العهد الذي
(20/85)

بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» أي الصلاة، ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» ولكن هذا الرجل الذي لا يصلي إلا في رمضان ويصوم في رمضان أنا في شك من إيمانه، لأنه لو كان مؤمناً حقًّا لكان يصلي في رمضان وفي غيره، أما كونه لا يعرف ربه إلا في رمضان فأنا أشك في إيمانه، لكنني لا أحكم بكفره، بل أتوقف فيه وأمره إلى الله عز وجل.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هناك من يصوم ولا يصلي فما نصيحتكم لهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نصيحتي لهؤلاء أن يفكروا ملياً في أمرهم، وأن يعلموا أن الصلاة أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وأن من ترك الصلاة متهاوناً، فإنه على القول الراجح الذي تؤيده دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة أنه يكون كافراً كفراً مخرجاً عن الملة مرتدًّا عن الإسلام، فالأمر ليس بالهين، ومن كان كافراً مرتدًّا عن الإسلام لا يقبل منه لا صيام، ولا صدقة، ولا أي عمل، لقوله تعالى {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاّ" أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ
(20/86)

كَارِهُونَ كَارِهُونَ} فبين الله سبحانه وتعالى أن نفقاتهم مع أنها ذات نفع متعدد للغير لا تقبل منهم مع كفرهم، وقال سبحانه وتعالى: {وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} وهؤلاء الذين يصومون ولا يصلون لا يقبل صيامهم، بل هو مردود عليهم، لأنهم كفار، فنصيحتي لهم أن يتقوا الله عز وجل، وأن يحافظوا على الصلاة، ويقوموا بها في أوقاتها ومع جماعة المسلمين، وأنا ضامن لهم بحول الله أنهم إذا فعلوا ذلك فسوف يجدون في قلوبهم الرغبة الأكيدة في رمضان وفيما بعد رمضان على أداء الصلاة في أوقاتها مع جماعة المسلمين، لأن الإنسان إذا تاب إلى ربه وأقبل عليه وتاب إليه توبة نصوحاً، فإنه قد يكون بعد التوبة خيراً منه قبلها، كما ذكر الله سبحانه وتعالى عن آدم عليه الصلاة والسلام أنه بعد أن حصل ما حصل منه من أكل الشجرة قال الله تعالى: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} .
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم الصوم مع ترك الصلاة في رمضان؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن الذي يصوم ولا يصلي لا ينفعه صيامه، ولا يقبل منه، ولا تبرأ به ذمته. بل إنه ليس مطالباً به مادام لا يصلي، لأن الذي لا يصلي مثل اليهودي والنصراني، فما رأيكم أن يهوديًّا أو نصرانيًّا صام وهو على دينه، فهل يقبل منه؟ لا. إذن نقول لهذا الشخص: تب إلى الله بالصلاة وصم، ومن تاب تاب الله عليه.
(20/87)

744 سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: نلاحظ بعض المسلمين يتهاونون في أداء الصلاة خلال أشهر العام، فإذا جاء رمضان بادروا بالصلاة والصيام وقراءة القرآن، فكيف يكون صيام هؤلاء؟ وما نصيحتكم لهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيام هؤلاء صحيح، لأنه صيام صادر من أهله، ولم يقترن بمفسد فكان صحيحاً، ولكن نصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم، وأن يعبدوا الله سبحانه وتعالى بما أوجب عليهم في جميع الأزمنة وفي جميع الأمكنة، والإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، فربما ينتظرون شهر رمضان ولا يدركونه، والله سبحانه وتعالى لم يجعل لعبادته أمداً إلا الموت، كما قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} . أي حتى يأتيك الموت الذي هو اليقين.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: النظر إلى النساء والأولاد المُرد هل يؤثر على الصيام؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم كل معصية فإنها تؤثر على الصيام، لأن الله تعالى إنما فرض علينا الصيام للتقوى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من لم يدع قول الزور، والجهل، والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» .
(20/88)

وهذا الرجل الذي ابتلي هذه البلية نسأل الله أن يعافيه منها هذا لا شك أنه يفعل المحرم، فإن النظر سهم من سهام إبليس والعياذ بالله، وكم من نظرة أوقعت في قلب صاحبها البلاء، فصار والعياذ بالله أسيراً لها، كم من نظرة أثرت على قلب الإنسان حتى أصبح أسيراً في عشق الصور، ولهذا يجب على الإنسان إذا ابتلي بهذا الأمر أن يرجع إلى الله عز وجل بالدعاء بأن يعافيه منه، وأن يعرض عن هذا، ولا يرفع بصره إلى أحد من النساء أو أحد من المرد، وهو مع الاستعانة بالله تعالى واللجوء إليه، وسؤال العافية من هذا الداء سوف يزول عنه إن شاءالله تعالى.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل للصوم فائدة اجتماعية؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم له فوائد اجتماعية منها: شعور الناس بأنهم أمة واحدة، يأكلون في وقت واحد ويصومون في وقت واحد، ويشعر الغني بنعمة الله، ويعطف على الفقير، ويقلل مزالق الشيطان لابن آدم. وفيه تقوى الله، وتقوى الله تقوي الأواصر بين أفراد المجتمع.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم الصدقة للأموات؟ وذبح الذبائح في رمضان وإهداء ثوابها للأموات؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصدقة للوالدين والأموات جائزة
(20/89)

ولا بأس بها إذا كانوا مسلمين، ولكن الدعاء أفضل من الصدقة لهما، لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ووجه إليه في قوله: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ولم يقل: ولد صالح يتصدق عنه، أو يصلي له، ولكن مع ذلك لو تصدق عن الميت لأجزأه، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سأله رجل عن أب له مات ولم يوص، فهل ينفعه أن يتصدق عنه؟ قال: «نعم» ، لكن ما يفعله بعض الناس في ليالي رمضان من الذبائح والولائم الكثيرة، والتي لا يحضرها إلا الأغنياء، فإن هذا ليس بمشروع، وليس من عمل السلف الصالح، فينبغي تركه، لأنه في الحقيقة ليس إلا مجرد ولائم يحضرها الناس، ويجلسون إليها على أن البعض منهم يتقرب إلى الله تعالى بذبح هذه الذبيحة، ويرى أن الذبح أفضل من شراء اللحم، وهذا يوجب أن يتقربوا إلى الله تعالى بنفس الذبح فيلحقها بالنسك في غير محله، لأن الذبائح التي يتقرب بها إلى الله هي الأضاحي، والهدايا، والعقائق، وهذه ليس منها، فلا يجوز إحداث شيء في دين الله تعالى.
* * *
(20/90)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أحد إخوانكم من أهل ... يسأل عن الحكم الشرعي لما يسمى (عشوة رمضان) والمقصود بها عندنا أن يذبح ذبيحة أو ذبيحتان ثم يدعو لها أقارب الميت، علماً أن هذا شبه واجب عند أغلب الناس وفي نظرهم أنه لا يجزىء غيرها من الصدقات، علماً أن الغالب عدم الفائدة من أكل هذه العشوة، وأن الناس يأتون مجاملة للداعي، وقد يتكرر وليمة أو وليمتان في ليلة واحدة، بينوا حفظكم الله لنا هل هذا العمل مناسب أو أن هناك طرقاً أخرى يمكن الاستفادة منها بدل هذه (العشوة) والله يحفظكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
هذه الذبيحة التي يسمونها العشوة، أو عشاء الوالدين يذبحونها في رمضان ويدعون الناس إليها تكون على وجهين:
الأول: أن يعتقد الذابح التقرب إلى الله بالذبح، بمعنى أن يعتقد أن مجرد الذبح قربة، كما يكون في عيد الأضحى فهذا
(20/91)

بدعة، لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بالذبح إلا في مواضعه: كالأضحية، والعقيقة، والهدي.
الثاني: أن يذبح الذبيحة لا للتقرب إلى الله بالذبح، ولكن من أجل اللحم أي أنه بدلاً من أن يشتري اللحم من السوق يذبح الذبيحة في بيته فهذا لا بأس به، لكن الإسراف في ذلك لا يجوز، لأن الله نهى عن الإسراف، وأخبر أنه لا يحب المسرفين، ومن ذلك أن يفعل كما يفعل بعض الناس من ذبح ما يزيد على الحاجة ودعوة الكثير من الناس، الذين لا يأتون إلا مجاملة لا رغبة، ويبقى الشيء الكثير من الطعام الذي يضيع بلا فائدة.
والذي أرى أن يصرف الإنسان ما ينفقه في ذلك إلى الفقراء دراهم، أو ملابس، أو أطعمة يعطونها للفقراء أو نحو ذلك، لأن في هذا فائدتين:
الأولى: أنه أنفع للفقراء.
والثانية: أنه أسلم من الوقوع في الإسراف والمشقة على الداعي والمدعو.
وقد كان الناس سابقاً في حاجة وإعواز، وكان صنع الطعام لهم له وقع كبير في نفوسهم، فكان الأغنياء يصنعونه ويدعون الناس إليه. أما اليوم فقد تغيرت الحال ولله الحمد. والله الموفق. كتبه محمد الصالح العثيمين في 25/8/1401 هـ.
(20/92)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ورد في الحديث: «من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً» ؟ فهل يكفي في ذلك تقديم الماء والتمر فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء رحمهم الله في ذلك. فقيل: المراد من فطره على أدنى ما يفطر به الصائم ولو بتمرة.
وقال بعض العلماء: المراد أن يشبعه، لأن هذا هو الذي ينفع الصائم في ليلته، وربما يستغني به عن السحور.
ولكن ظاهر الحديث أنه إذا فطر صائماً ولو بتمرة واحدة فإن له مثل أجره، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على تفطير الصوام بقدر المستطاع، لاسيما مع حاجتهم وفقرهم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: حينما يقع الصائم في معصية من المعاصي وينهى عنها يقول: «رمضان كريم» فما حكم هذه الكلمة؟ وما حكم هذا التصرف؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم ذلك أن هذه الكلمة «رمضان كريم» غير صحيحة، وإنما يقال: «رمضان مبارك» وما أشبه ذلك، لأن رمضان ليس هو الذي يعطي حتى يكون كريماً، وإنما الله تعالى هو الذي وضع فيه الفضل، وجعله شهراً فاضلاً، ووقتاً
(20/93)

لأداء ركن من أركان الإسلام، وكأن هذا القائل يظن أنه لشرف الزمان يجوز فيه فعل المعاصي، وهذا خلاف ما قاله أهل العلم بأن السيئات تعظم في الزمان والمكان الفاضل، عكس ما يتصوره هذا القائل، وقالوا: يجب على الإنسان أن يتقي الله عز وجل في كل وقت وفي كل مكان، لاسيما في الأوقات الفاضلة والأماكن الفاضلة، وقد قال الله عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فالحكمة من فرض الصوم تقوى الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» فالصيام عبادة لله، وتربية للنفس وصيانة لها عن محارم الله، وليس كما قال هذا الجاهل: إن هذا الشهر لشرفه وبركته يسوغ فيه فعل المعاصي.
* * *
(20/94)

نبذة في الصيام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد فهذه نبذ في الصيام، وحكمه، وأقسام الناس فيه، والمفطرات، وفوائد أخرى على وجه الإيجاز.
1 الصيام: هو التعبد لله تعالى بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
2 صيام رمضان أحد أركان الإسلام العظيمة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام» .
الناس في الصيام
1 الصوم واجب على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر، مقيم، سالم من الموانع.
2 الكافر لا يصوم، ولا يجب عليه قضاء الصوم إذا أسلم.
3 الصغير الذي لم يبلغ لا يجب عليه الصوم، لكن يؤمر به ليعتاده.
4 المجنون لا يجب عليه الصوم ولا الإطعام عنه وإن كان كبيراً ومثله المعتوه الذي لا تمييز له، والكبير المهذري الذي لا
(20/95)

تمييز له.
5 العاجز عن الصوم لسبب دائم كالكبير والمريض مرضاً لا يرجىء برؤه يطعم عن كل يوم مسكيناً.
6 المريض مرضاً طارئاً ينتظر برؤه يفطر إن شق عليه الصوم ويقضي بعد برئه.
7 الحامل والمرضع إذا شق عليهما الصوم من أجل الحمل أو الرضاع أو خافتا على ولديهما تفطران وتقضيان الصوم إذا سهل عليهما وزال الخوف.
8 الحائض والنفساء لا تصومان حال الحيض والنفاس وتقضيان ما فاتهما.
9 المضطر للفطر لإنقاذ معصوم من غرق، أو حريق يفطر لينقذه ويقضي.
01 المسافر إن شاء صام وإن شاء أفطر وقضى ما أفطره، سواء كان سفره طارئاً كسفر العمرة، أم دائماً كأصحاب سيارات الأجرة (التكاسي والمرسدس) فيفطرون إن شاؤوا ماداموا في غير بلدهم
مفطرات الصائم
1 لا يفطر الصائم إذا تناول شيئاً من المفطرات ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً، لقول الله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} وقوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وقوله: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} . فإذا نسي الصائم فأكل أو شرب لم
(20/96)

يفسد صومه؛ لأنه ناسي، ولو أكل أو شرب يعتقد أن الشمس قد غربت، أو أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه؛ لأنه جاهل، ولو تمضمض فدخل الماء إلى حلقه بدون قصد لم يفسد صومه؛ لأنه غير متعمد، ولو احتلم في نومه لم يفسد صومه؛ لأنه غير مختار.
2 المفطرات ثمانية وهي:
أالجماع: وإذا وقع في نهار رمضان من صائم يجب عليه الصوم، فعليه مع القضاء كفارة مغلظة، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
ب إنزال المني يقظة باستمناء، أو مباشرة، أو تقبيل، أو ضم، أو نحو ذلك.
ج الأكل أو الشرب سواء كان نافعاً، أم ضارًّا كالدخان.
د حقن الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الطعام، لأنها بمعنى الأكل والشرب، فأما الإبر التي لا تغذي فلا تفطر، سواء استعملها في العضلات أم في الوريد، وسواء وجد طعهما في حلقه أم لم يجده.
هـ حقن الدم، مثل أن يحصل للصائم نزيف فيحقن به دم تعويضاً عما نزف منه.
وخروج دم الحيض والنفاس.
ز إخراج الدم بالحجامة ونحوها. فأما خروج الدم بنفسه كالرعاف، أو خروجه بقلع سن ونحوه فلا يفطر، لأنه ليس
(20/97)

حجامة ولا بمعنى الحجامة.
ح القيء إن تقصده، فإن قاء من غير قصد لم يفطر.
فوائد
1 يجوز للصائم أن ينوي الصيام وهو جنب ثم يغتسل بعد طلوع الفجر.
2 يجب على المرأة إذا طهرت في رمضان من الحيض أو النفاس قبل الفجر أن تصوم، وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر.
3 يجوز للصائم قلع ضرسه، أو سنه ومداواة جرحه، والتقطير في عينيه، أو أذنيه، ولا يفطر بذلك ولو أحس بطعم القطور في حلقه.
4 يجوز للصائم أن يتسوك في أول النهار وآخره، وهو سنة في حقه كالمفطرين.
5 يجوز للصائم أن يفعل ما يخفف عنه شدة الحر والعطش كالتبرد بالماء والمكيف.
6 يجوز للصائم أن يبخ في فمه ما يخفف عنه ضيق التنفس الحاصل من الضغط أو غيره.
7 يجوز للصائم أن يبل بالماء شفتيه إذا يبستا، وأن يتمضمض إذا نشف فمه من غير أن يتغرغر بالماء
8 يسن للصائم تأخير السحور قبيل الفجر، وتعجيل الفطور بعد غروب الشمس، ويفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تمر، فإن لم يجد فعلى ماء، فإن لم يجد فعلى أي طعام حلال،
(20/98)

فإن لم يجد نوى الفطر بقلبه حتى يجد.
9 يسن للصائم أن يكثر من الطاعات ويجتنب جميع المنهيات.
01 يجب على الصائم المحافظة على الطاعات والبعد عن المحرمات، فيصلي الصلوات الخمس في أوقاتها، ويؤديها مع الجماعة إن كان من أهل الجماعة، ويترك الكذب والغيبة والغش، والمعاملات الربوية، وكل قول أو فعل محرم، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه الفقير إلى الله تعالى محمد الصالح العثيمين في 16 شعبان سنة 1410 هـ.
(20/99)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هدي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.
أما بعد: فإنه بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك فإننا نقدم إلى إخواننا المسلمين الفصول التالية سائلين الله تعالى أن يجعل عملنا خالصاً لله، موافقاً لشريعته، نافعاً لخلقه، إنه جواد كريم:
الفصل الأول: في حكم الصيام.
الفصل الثاني: في حكمه وفوائده.
الفصل الثالث: في حكم صيام المريض والمسافر.
الفصل الرابع: في مفسدات الصوم وهي المفطرات.
الفصل الخامس: في التراويح.
الفصل السادس: في الزكاة وفوائدها.
الفصل السابع: في أهل الزكاة.
الفصل الثامن: في زكاة الفطر.
(20/101)

الفصل الأول: في حكم الصيام
صيام رمضان فريضة ثابتة في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وإجماع المسلمين، قال الله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى" أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان» متفق عليه، وفي رواية لمسلم: «وصوم رمضان وحج البيت» .
وأجمع المسلمون على فرضية صوم رمضان، فمن أنكر فرضية صوم رمضان فهو مرتد كافر، يستتاب فإن تاب وأقر بفرضيته فذاك وإلا قتل كافراً.
وفرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسع رمضانات، والصوم فريضة على كل مسلم بالغ عاقل.
فلا يجب الصوم على الكافر، ولا يقبل منه حتى يسلم، ولا يجب الصوم على الصغير حتى يبلغ، ويحصل بلوغه بتمام خمس
(20/102)

عشرة سنة، أو نبات عانته، أو نزول المني منه باحتلام أو غيره، وتزيد الأنثى بالحيض، فمتى حصل للصغير أحد هذه الأشياء فقد بلغ، لكن يؤمر الصغير بالصوم إذا أطاق بلا ضرر عليه ليعتاده ويألفه.
ولا يجب الصوم على فاقد العقل بجنون، أو تغير دماغ أو نحوه، وعلى هذا فإذا كان الإنسان كبيراً يهذري ولا يميز فلا صيام عليه ولا إطعام.

الفصل الثاني: في حكم الصيام وفوائده
من أسماء الله تعالى (الحكيم) والحكيم من اتصف بالحكمة، والحكمة: إتقان الأمور ووضعها في مواضعها. ومقتضى هذا الاسم العظيم من أسمائه تعالى أن كل ما خلقه الله تعالى أو شرعه فهو لحكمة بالغة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها.
وللصيام الذي شرعه الله وفرضه على عباده حكم عظيمة وفوائد جمة:
فمن حكم الصيام: أنه عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه بترك محبوباته المجبول على محبتها من طعام وشراب ونكاح، لينال بذلك رضا ربه والفوز بدار كرامته، فيتبين بذلك إيثاره لمحبوبات ربه على محبوبات نفسه، وللدار الآخرة على الدار الدنيا.
ومن حكم الصيام: أنه سبب للتقوى إذا قام الصائم بواجب صيامه، قال الله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فالصائم مأمور بتقوى الله عز وجل، وهي امتثال أمره واجتناب نهيه، وذلك هو المقصود الأعظم بالصيام، وليس المقصود تعذيب الصائم بترك الأكل
(20/103)

والشرب والنكاح. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» رواه البخاري، وقول الزور: كل قول محرم من الكذب والغيبة والشتم وغيرها من الأقوال المحرمة. والعمل بالزور: العمل بكل فعل محرم من العدوان على الناس بخيانة، وغش، وضرب الأبدان، وأخذ الأموال ونحوها، ويدخل فيه الاستماع إلى ما يحرم الاستماع إليه من الأغاني والمعازف وهي آلات اللهو. والجهل: هو السفه، وهو مجانبة الرشد في القول والعمل، فإذا تمشى الصائم بمقتضى هذه الآية والحديث كان الصيام تربية نفسه، وتهذيب أخلاقه، واستقامة سلوكه، ولم يخرج شهر رمضان إلا وقد تأثر تأثراً بالغاً يظهر في نفسه وأخلاقه وسلوكه.
ومن حكم الصيام: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بالغنى حيث إن الله تعالى قد يسر له الحصول على ما يشتهي، من طعام، وشراب، ونكاح مما أباح الله شرعاً، ويسره له قدراً، فيشكر ربه على هذه النعمة، ويذكر أخاه الفقير الذي لا يتيسر له الحصول على ذلك، فيجود عليه بالصدقة والإحسان.
ومن حكم الصيام: التمرن على ضبط النفس والسيطرة عليها حتى يتمكن من قيادتها لما فيه خيرها وسعادتها في الدنيا والآخرة، ويبتعد عن أن يكون إنساناً بهيمياً لا يتمكن من منع نفسه عن لذتها وشهواتها، لما فيه مصلحتها.
ومن حكم الصيام: ما يحصل من الفوائد الصحية الناتجة عن تقليل الطعام وإراحة الجهاز الهضمي فترة معينة، وترسب بعض الفضلات والرطوبات الضارة بالجسم وغير ذلك.
(20/104)

الفصل الثالث: في حكم صيام المريض والمسافر
قال الله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
والمريض على قسمين:
أحدهما: من كان مرضه لازماً مستمراَ لا يرجى زواله كالسرطان فلا يلزمه الصوم؛ لأنه ليس له حال يرجى فيها أن يقدر عليه، ولكن يطعم عن صيام كل يوم مسكيناً، إما بأن يجمع مساكين بعدد الأيام فيعشيهم أو يغديهم كما كان أنس بن مالك رضي الله عنه يفعله حين كبر، وإما بأن يفرق طعاماً على مساكين بعدد الأيام لكل مسكين ربع صاع نبوي، أي ما يزن نصف كيلو وعشرة غرامات من البر الجيد، ويحسن أن يجعل معه ما يأدمه من لحم أو دهن، ومثل ذلك الكبير العاجز عن الصوم، فيطعم عن كل يوم مسكيناً.
الثاني: من كان مرضه طارئاً غير ميؤوس من زواله كالحمى وشبهها وله ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن لا يشق عليه الصوم ولا يضره، فيجب عليه الصوم؛ لأنه لا عذر له.
الحال الثانية: أن يشق عليه الصوم، ولا يضره، فيكره له الصوم لما فيه من العدول عن رخصة الله تعالى مع الإشقاق على نفسه.
الحال الثالثة: أن يضره الصوم، فيحرم عليه أن يصوم لما فيه من جلب الضرر على نفسه، وقد قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُو"اْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} . وقال: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُو"اْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . وفي الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا ضرر ولا ضرار» . أخرجه ابن ماجه، والحاكم، قال
(20/105)

النووي: وله طرق يقوي بعضها بعضاً، ويعرف ضرر الصوم على المريض إما بإحساسه بالضرر بنفسه، وإما بخبر طبيب موثوق به.
ومتى أفطر المريض في هذا القسم فإنه يقضي عدد الأيام التي أفطرها إذا عوفي، فإن مات قبل معافاته سقط عنه القضاء؛ لإن فرضه أن يصوم عدة من أيام أخر ولم يدركها.
والمسافر على قسمين:
أحدهما: من يقصد بسفره التحيل على الفطر، فلا يجوز له الفطر؛ لأن التحيل على فرائض الله لا يسقطها.
الثاني: من لا يقصد ذلك فله ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يشق عليه الصوم مشقة شديدة، فيحرم عليه أن يصوم؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كان في غزوة الفتح صائماً فبلغه أن الناس قد شق عليهم الصيام، وأنهم ينظرون فيما فعل فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشربه، والناس ينظرون، فقيل له: إن بعض الناس قد صاموا، فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» رواه مسلم.
الحال الثانية: أن يشق عليه الصوم مشقة غير شديدة، فيكره له الصوم لما فيه من العدول عن رخصة الله تعالى، مع الإشقاق على نفسه.
الحال الثالثة: أن لا يشق عليه الصوم فيفعل الأيسر عليه من الصوم والفطر، لقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} والإرادة هنا بمعنى المحبة، فإن تساويا فالصوم أفضل؛ لأنه فعل النبي ئصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كما في صحيح مسلم عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «خرجنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رمضان في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على
(20/106)

رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعبد الله بن رواحة» .
والمسافر على سفر من حين يخرج من بلده حتى يرجع إليها، ولو أقام في البلد التي سافر إليها مدة فهو على سفر مادام على نية أنه لن يقيم فيها بعد انتهاء غرضه الذي سافر إليها من أجله، فيترخص برخص السفر، ولو طالت مدة إقامته لأنه لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحديد مدة ينقطع بها السفر، والأصل بقاء السفر وثبوت أحكامه حتى يقوم دليل على انقطاعه وانتفاء أحكامه.
ولا فرق في السفر الذي يترخص فيه بين السفر العارض كحج وعمرة وزيارة قريب وتجارة ونحوه، وبين السفر المستمر كسفر أصحاب سيارات الأجرة (التاكسي) أو غيرها من السيارات الكبيرة فإنهم متى خرجوا من بلدهم فهم مسافرون يجوز لهم ما يجوز للمسافرين الآخرين من الفطر في رمضان وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، والجمع عند الحاجة إليه بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، والفطر أفضل لهم من الصيام، إذا كان أسهل لهم ويقضونه في أيام الشتاء؛ لأن أصحاب هذه السيارات لهم بلد ينتمون إليها، فمتى كانوا في بلدهم فهم مقيمون، لهم ما للمقيمين وعليهم ما عليهم، ومتى سافروا فهم مسافرون، لهم ما للمسافرين وعليهم ما على المسافرين.

الفصل الرابع: مفسدات الصوم وهي المفطرات
مفسدات الصوم سبعة:
الأول: الجماع، وهو إيلاج الذكر في الفرج، فمتى جامع الصائم فسد صومه، ثم إن كان في نهار رمضان والصوم واجب عليه لزمته الكفارة المغلظة لفحش فعله، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن كان الصوم غير واجب
(20/107)

عليه كالمسافر يجامع زوجته وهو صائم فعليه القضاء دون الكفارة.
الثاني: إنزال المني بمباشرة، أو تقبيل، أو ضم، أو نحوه، فإن قبل ولم ينزل فلا شيء عليه.
الثالث: الأكل والشرب وهو إيصال الطعام أو الشراب إلى الجوف، سواء كان عن طريق الفم، أم عن طريق الأنف أيًّا كان نوع المطعوم أو المشروب، ولا يجوز للصائم أن يستنشق دخان البخور بحيث يصل إلى جوفه، لأن الدخان جرم، وأما شم الروائح الطيبة فلا بأس بها.
الرابع: ما كان بمعنى الأكل أو الشرب مثل الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الأكل والشرب، فأما غير المغذية فلا تفطر؛ سواء كانت عن طريق العرق، أو العضل.
الخامس: إخراج الدم بالحجامة، وعلى قياسه إخراجه بالفصد ونحوه مما يؤثر على البدن كتأثير الحجامة، فأما إخراج الدم اليسير للفحص ونحوه فلا يفطر، لأنه لا يؤثر على البدن من الضعف تأثير الحجامة.
السادس: التقيؤ عمداً، وهو إخراج ما في المعدة من طعام، أو شراب.
السابع: خروج دم الحيض والنفاس.
وهذه المفسدات لا تفطر الصائم إلا بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون عالماً بالحكم، وعالماً بالوقت.
الثاني: أن يكون ذاكراً.
الثالث: أن يكون مختاراً، فلو احتجم يظن أن الحجامة لا تفطر فصومه صحيح، لأنه جاهل بالحكم، وقد قال الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} ، وقال الله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} فقال الله: قد فعلت، وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه جعل عقالين أسود
(20/108)

وأبيض تحت وسادته، فجعل يأكل وينظر إليهما، فلما تبين أحدهما من الآخر أمسك عن الأكل يظن أن ذلك معنى قوله تعالى: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ثم أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل» ولم يأمره بالإعادة، ولو أكل يظن أن الفجر لم يطلع أو أن الشمس قد غربت، ثم تبين خلاف ظنه فصومه صحيح، لأنه جاهل بالوقت. وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها
قالت: أفطرنا في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، في يوم غيم ثم طلعت الشمس. ولو كان القضاء واجباً لبينه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأن الله أكمل به الدين، ولو بينه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنقله الصحابة، لأن الله تكفل بحفظ الدين، فلما لم ينقله الصحابة علمنا أنه ليس بواجب، ولأنه مما توفر الدواعي على نقله لأهميته، فلا يمكن إغفاله، ولو أكل ناسياً أنه صائم لم يفطر، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» ، متفق عليه. ولو أكره على الأكل، أو تمضمض فتهرب الماء إلى بطنه أو قطر في عينه، فتهرب القطور إلى جوفه، أو احتلم فأنزل منياً فصومه صحيح في ذلك كله لأنه بغير اختياره.
ولا يفطر الصائم بالسواك بل هو سنة له ولغيره في كل وقت في أول النهار وآخره، ويجوز للصائم أن يفعل ما يخفف عنه شدة الحر والعطش كالتبرد بالماء ونحوه، فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كان يصب الماء على رأسه وهو
(20/109)

صائم من العطش» . وبلّ ابن عمر رضي الله عنهما ثوباً فألقاه على نفسه وهو صائم (1) ، وهذا من اليسر الذي كان الله يريده بنا ولله الحمد والمنة على نعمته وتيسيره.

الفصل الخامس: في التراويح
التراويح: قيام الليل جماعة في رمضان، ووقتها من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وقد رغب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قيام رمضان، حيث قال: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» . وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: «قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان» .
والسنة أن يقتصر على إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، لأن عائشة رضي الله عنها سئلت: كيف كانت صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رمضان؟ فقالت: «ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» . متفق عليه. وفي الموطأ عن محمد بن يوسف (وهو ثقة ثبت) عن السائب بن يزيد (وهو صحابي) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر
(20/110)

أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشر ركعة.
وإن زاد على إحدى عشرة ركعة فلا حرج، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن قيام الليل فقال: «مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة، توتر له ما قد صلى» أخرجاه في الصحيحين.
لكن المحافظة على العدد الذي جاءت به السنة مع التأني والتطويل الذي لا يشق على الناس أفضل وأكمل.
وأما ما يفعله بعض الناس من الإسراع المفرط فإنه خلاف المشروع، فإن أدى إلى الإخلال بواجب أو ركن كان مبطلاً للصلاة.
وكثير من الأئمة لا يتأنى في صلاة التراويح وهذا خطأ منهم، فإن الإمام لا يصلي لنفسه فقط، وإنما يصلي لنفسه ولغيره، فهو كالولي يجب عليه فعل الأصلح. وقد ذكر أهل العلم أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن، فكيف بمن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يجب.
وينبغي للناس أن يحرصوا على إقامة هذه التراويح، وأن لا يضيعوها بالذهاب من مسجد إلى مسجد، فإن من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة وإن نام بعد على فراشه.
ولا بأس بحضور النساء صلاة التراويح إذا أمنت الفتنة بشرط أن يخرجن محتشمات غير متبرجات بزينة ولا متطيبات.

الفصل الثامن: زكاة الفطر
زكاة الفطر فريضة فرضها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند الفطر من رمضان. قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زكاة الفطر من
(20/111)

رمضان على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين» . متفق عليه. وهي صاع من طعام مما يقتاته الا"دميون. قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «كنا نخرج يوم الفطر في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صاعاً من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر» ، رواه البخاري، فلا تجزىء من الدراهم والفرش واللباس، وأقوات البهائم والأمتعة وغيرها، لأن ذلك خلاف ما أمر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» أي مردود عليه.
ومقدار الصاع كيلوان وأربعون غراماً من البر الجيد، هذا هو مقدار الصاع النبوي الذي قدر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفطرة.
ويجب إخراج الفطرة قبل صلاة العيد، والأفضل إخراجها يوم العيد قبل الصلاة، وتجزىء قبله بيوم أو يومين فقط، ولا تجزىء بعد صلاة العيد لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» ، رواه أبو داود وابن ماجه، لكن لو لم يعلم بالعيد إلا بعد الصلاة، أو كان وقت إخراجها في بر، أو بلد ليس فيه مستحق أجزأ إخراجها بعد الصلاة عند تمكنه من إخراجها، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
(20/112)

فوائد تتعلق بالصيام
بسم الله الرحمن الرحيم
تعريف الصيام:
هو التعبد لله عز وجل بالإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن أشياء مخصوصة وهي المفطرات.
فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسع رمضانات بالإجماع، وكان أول ما فرض الصيام أن الإنسان مخير: إن شاء صام، وإن شاء افتدى، لقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} .
والشاهد على التخيير في بداية الأمر قوله تعالى: {فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} .
والحكمة في ذلك التخيير: أنه لما كان الصيام قد يشق على النفس، لكونه يتضمن ترك المحبوبات، صار الناس فيه أول الأمر مخيرين بين الصيام والإطعام، وهذا من حكمة الله عز وجل.
ثم وجب الصيام فيما بعد هذا التخيير في الآية التي تلت آية التخيير، وهي قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى" أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
(20/113)

شروط وجوب الصيام:
لا يجب أداء إلا على من جمع أوصافاً ستة هي:
1 الإسلام:
وضده الكفر، فلا يجب الصيام على الكافر، ولو صام فإنه لا يصح منه، ومعنى القول بعدم وجوب الصيام على الكافر هو أننا لا نلزمه بالصوم حال كفره، ولا نلزمه بقضائه بعد إسلامه، أما في الآخرة فيعذب على تركه الصيام وعلى جميع العبادات، حتى الأكل والشرب واللباس.
2 البلوغ:
فالصغير لا يجب عليه الصوم، ولكن إن كان يطيقه فقد قال أهل العلم: إن وليه يأمره ليعتاد.
ويحصل البلوغ بواحد من أمور ثلاثة وهي:
أتمام خمس عشرة سنة. ب إنزال المني. ج إنبات العانة.
وهذه الثلاثة تكون في الذكر والأنثى، وتزيد الأنثى بأمر رابع وهو الحيض، فإذا حاضت فقد بلغت، ولو لم يكن لها إلا عشر سنوات.
3 العقل:
ففاقد العقل لا صوم عليه، وليس عليه إطعام.
4 القدرة:
وضد القدرة العجز، وقد ذكر العلماء أن العجز عن الصيام ينقسم إلى قسمين:
1 عجز مستمر لا يرجى زواله، فهذا عليه الإطعام عن كل يوم مسكين، مثل الكبير الذي لا يستطيع الصوم.
(20/114)

2 عجز عارض يرجى زواله، فهذا لا يلزمه الصوم أداء، ولكن يلزمه الصوم قضاء، كالمريض مرضاً طارئاً لقوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
5 أن يكون مقيماً:
وضد المقيم المسافر، فالمسافر لا يلزمه أن يصوم، للدليل السابق.
6 الخلو من الموانع:
وهذا الشرط يختص بالإناث، والذي يمنع الصوم هو الحيض والنفاس، فالحائض والنفساء لا يجب عليهما الصوم ولا يصح منهما، وهناك أسباب أخرى مبيحة للفطر غير هذه: كفطر المرأة الحامل خوفاً على حملها، والمرضع خوفاً على رضيعها، ومن أفطر لإنقاذ معصوم من الهلكة حتى ينقذه وما أشبه ذلك.
مفطرات الصوم: (مفسدات الصوم)
1 الأكل. 2 الشرب. 3 الجماع.
ودليلها قوله تعالى: {فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} .
4 التقيؤ عمداً: أي أن يقذف ما في بطنه عمداً؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمداً
(20/115)

فليقض» .
5 الحجامة: إذا ظهر الدم، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أفطر الحاجم والمحجوم» .
6 ما كان بمعنى الأكل والشرب: مثل الحقن التي يحقن بها المريض ويستغنى بها عن الأكل والشرب.
7 إنزال المني بشهوة إلا أن يكون بغير فعل منه.
أما المذي فلا يفطر، لأن المذي دون المني، ولهذا لا يوجب الغسل، ولا يحرم به ما يحرم على الجنب.
8 خروج دم الحيض والنفاس: وهذا خاص بالمرأة، فمتى خرج من المرأة حيض أو نفاس في أثناء الصوم فسد صومها، ولكن لابد من الخروج، أما إذا أحست به ولم يخرج إلا بعد الغروب فإن صومها صحيح. والدليل على أن الحيض والنفاس مفطر قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» .
والمفطرات التي تكون باختيار المرء وهي السبعة الأولى لا يفطر بها الإنسان إلا بشروط ثلاثة هي:
الشرط الأول: أن يكون عالماً، وضد العالم الجاهل.
فإذا أكل الإنسان وهو جاهل فإنه لا قضاء عليه، والجهل نوعان:
1 جهل بالحكم: مثل أن يتقيأ الإنسان متعمداً لكن لا
(20/116)

يدري أن القيء مفسد للصوم، فهذا لا قضاء عليه لأنه جاهل، والدليل على أن الجاهل بالحكم لا يفطر ما ثبت في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه جعل تحت وسادته عقالين أحدهما أسود، والثاني أبيض، والعقالان هما الحبلان اللذان تعقل بهما الإبل، فجعل ينظر إليهما، فلما تبين له الأبيض من الأسود، أمسك عن الأكل والشرب، فلما غدا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبره بذلك فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن وسادك لعريض أن وسع الخيط الأبيض والأسود، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل» . ولم يأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقضاء، لأنه كان جاهلاً بمعنى الآية الكريمة.
ب جهل بالوقت: مثل أن يأكل الإنسان يظن أن الفجر لم يطلع، فيتبين أنه قد طلع، فهذا لا قضاء عليه، ومثل أن يفطر في آخر النهار يظن أن الشمس قد غربت ثم يتبين أنها لم تغرب، وهذا أيضاً لا قضاء عليه، والدليل ما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه قالت: «أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم طلعت الشمس» (1) .
ووجه الدلالة من هذا لو كان الصوم فاسداً لكان القضاء واجباً، ولو كان القضاء واجباً لأمرهم بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولو أمرهم بذلك لنقل إلينا، لأن ذلك من حفظ الشريعة، فلما لم ينقل علم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأمرهم به، ولما لم يأمرهم به علم أن الصوم غير فاسد، فلا قضاء في هذه الحال، ولكن يجب على الإنسان متى علم أن يمسك عن الأكل والشرب، حتى لو كانت اللقمة في فمه وجب عليه لفظها.
(20/117)

الشرط الثاني:
أن يكون ذاكراً، فإن كان ناسياً فلا قضاء عليه وصومه صحيح، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» .
ولكن متى ذكر وجب عليه الكف، ومن رأى الصائم يأكل أو يشرب فليذكره، لأنه من التعاون على البر والتقوى ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فإذا نسيت فذكروني» حين نسي في صلاته.
الشرط الثالث:
أن يكون مختاراً، فإن كان غير مختار لذلك، مثل أن يكره على الأكل والشرب، أو أن يتمضمض فينزل شيء من الماء إلى جوفه، فإنه لا قضاء عليه، ومثل ذلك لو أن الرجل أكره امرأته وهي صائمة على الجماع فجامعها، وهي لا تستطيع مدافعته فإنه لا قضاء عليها، لأنها مكرهة بغير اختيارها.
قاعدة هامة:
كل من أفطر لعذر يبيح الفطر فله أن يستمر على فطره إلى الليل ولا حرج عليه، ولو كان ذلك في نهار رمضان.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/118)

مسائل من كتاب الفروع
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وبعد، فهذه مسائل اخترناها من الفروع، وزدنا عليها ما شاء الله، وذلك أثناء قراءتنا كتاب الصيام في شعبان سنة 1931هـ نسأل الله التوفيق في الدنيا والآخرة.
المسألة الأولى:
إذا غم الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ففي صيام يوم الإغماء أقوال:
القول الأول: وجوب صومه، اختاره الأصحاب وجعلوه المذهب عندهم، وقالوا: نصوص أحمد تدل عليه، قال المؤلف: كذا قالوا، ولم أجد عن أحمد أنه صرح بالوجوب، ولا أمر به، فلا تتوجه إضافته إليه، ثم رد جميع ما احتج به الأصحاب للوجوب.
القول الثاني: أن صومه مباح، وأنه لا يجب صيام رمضان إلا برؤية هلاله، أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً، وهو رواية عن أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وقال: هو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه.
القول الثالث: يستحب صومه.
القول الرابع: يكره صومه، ذكره ابن عقيل رواية.
القول الخامس: يحرم صومه، ونقله حنبل عن أحمد، وهو مذهب مالك والشافعي.
(20/119)

القول السادس: الناس تبع للإمام إن صام صاموا، وإلا فلا، وهو رواية عن الإمام أحمد.
القول السابع: العمل بالعادة الغالبة: كمضي شهرين كاملين فيكون الثالث ناقصاً، عمل بذلك ابن عقيل في موضع من الفنون، وجعله معنى التقدير في قوله: «فإن غم عليكم فاقدروا له» .
وأصح الأقوال أن صومه محرم، لقول عمار بن ياسر: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» . ذكره البخاري تعليقاً، ووصله الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وهذا اختيار صاحب تصحيح الفروع، حيث قال: ظاهرالنهي التحريم، إلا أن يصرفه عن ذلك دليل اه.
المسألة الثانية:
إذا ثبت الهلال ببلد فهل يشمل الحكم جميع الناس في ذلك أقوال:
القول الأول: يشمل الحكم جميع الناس، فيلزمهم الصيام في هلال رمضان، والفطر في هلال شوال، وهو المشهور من المذهب، وكأن صاحب الفروع يميل إلى تضعيفه، حيث تعقب في معرض سياق أدلته جميع ما احتجوا به، وقال: دليل المسألة من العموم يقتضي التسوية. يعني بين اختلاف الأحكام بالغروب والطلوع والزوال، حيث كان لكل بلد حكمه وبين اختلافها في مطالع القمر.
القول الثاني: يشمل الحكم ما اتفقت مطالعه من البلاد دون
(20/120)

ما اختلفت، وهو الأصح للشافعية، وذكره صاحب الفروع والاختيارات اختيار الشيخ تقي الدين، لكن نقل ابن القاسم في مجموع الفتاوى عن الشيخ (ص 501 ج 52) : أنه متى شهد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنه رآه بمكان من الأمكنة قريب أو بعيد لزم الصوم. وفي (ص 701 من المجلد المذكور) : والضابط أن مدار هذا الأمر على البلوغ لقوله: «صوموا لرؤيته» ، فمن بلغه أنه رؤي ثبت في حقه من غير تحديد بمسافة أصلاً، وفي (ص 901 منه) : ولو قيل: إذا بلغهم الخبر في أثناء الشهر لم يبنوا إلا على رؤيتهم، بخلاف ما إذا بلغهم في اليوم الأول لكان له وجه. وفي (ص 111 منه) : فتلخص أن من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم، أو الفطر، أو النسك وجب اعتبار ذلك بلا شك. والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك. ومن لم يبلغه إلا بعد الأداء وهو مما لا يقضى كالعيد المفعول، والنسك، فهذا لا تأثير له، وأما إذا بلغه في أثناء المدة فهل يؤثر في وجوب القضاء، وفي بناء الفطر عليه، وبقية الأحكام والقضاء؟ يظهر لي أنه لا يجب، وفي بناء الفطر عليه نظر. اه كلام الشيخ رحمه الله.
وهذا القول أعني القول بأن الحكم يختلف باختلاف المطالع هو الراجح أثراً ونظراً.
القول الثالث: يشمل الحكم من دون المسافة، فإن كان بين البلدين مسافة قصر لم يثبت لأحدهما حكم الآخر. اختاره في
(20/121)

الرعاية، وذكره في شرح مسلم أنه الأصح للشافعية.
القول الرابع: إن كان الإقليم واحداً شمل الحكم الجميع وإلا فلا، اختاره بعض الشافعية.
القول الخامس: يشمل الحكم بلد الرؤية وما كان تابعاً له في العمل دون غيره، إلا أن يحمل الإمام الناس على ذلك.
القول السادس: يختص الحكم ببلد الرؤية فقط، حكاه النووي في المجموع نقلاً عن ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق بن راهويه.
القول السابع: إنه إذا كان البلدان يشتركان في جزء من الليل اشتركا في حكم الهلال وإلا فلا. قاله محمد إسماعيل إبراهيم، ويتفرع على ذلك: ما لو سافر من بلد إلى بلد خالفه في ثبوت الشهر، فالمشهور من مذهب أحمد أنه يبنى على أسبق البلدين، لأنه متى ثبت بمكان شمل الحكم جميع الناس، فإذا سافر من بلد ثبت فيه الشهر ليلة الجمعة إلى بلد ثبت فيه ليلة السبت وتم شهر ولم ير الهلال لزمه الفطر. وإن سافر من بلد ثبت فيه ليلة السبت إلى بلد ثبت فيه ليلة الجمعة فأفطروا أفطر معهم وقضى يوماً.
وأما الشافعية فعندهم في ذلك وجهان:
أحدهما: اعتبار البلد المنتقل إليه فيفطر معهم وإن لم يكمل، ويقضي يوماً، وكذلك إن أكمل الثلاثين ولم يفطروا فيصوم معهم.
والثاني: اعتبار البلد المنتقل منه، فيلزمه الصوم في المسألة الأولى وإن كانوا مفطرين، والفطر في الثانية وإن كانوا صائمين.
(20/122)

المسألة الثالثة:
إذا ثبتت الرؤية في أثناء النهار فماذا يلزم؟ في هذا خلاف على أقوال:
القول الأول: يلزمه الإمساك والقضاء، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
القول الثاني: يلزمه القضاء دون الإمساك، قاله عطاء، وحكاه أبو الخطاب رواية.
القول الثالث: يلزمه الإمساك دون القضاء، قاله الشيخ تقي الدين.
وهذا القول أرجح الأقوال، لأنه لا تكليف إلا بعد العلم، وقد أفطر الناس في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظانين غروب الشمس، ولم يأمرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقضاء فإذا لم يؤمروا بالقضاء في هذه الحال التي الأصل فيها بقاء اليوم وعدم الغروب، فكذلك إذا أكلوا في يوم الأصل فيه بقاء شعبان بل هذا أولى.
المسألة الرابعة:
إذا طرأ شرط التكليف والصوم في أثناء اليوم كإسلام كافر وبلوغ صبي، وإفاقة مجنون، ففي حكم ذلك اليوم أقوال:
القول الأول: وجوب الإمساك والقضاء وهو المشهور من مذهب أحمد.
القول الثاني: وجوب الإمساك دون القضاء، وهو مذهب أبي حنيفة. قال الزركشي: وحكاه أبو العباس رواية فيما أظن،
(20/123)

واختارها اه وهذا هو القول الوسط وأقرب إلى الصحة.
القول الثالث: لا يجب الإمساك ولا القضاء، وهو مذهب الشافعي، ومالك، ورواية عن أحمد.
المسألة الخامسة:
إذا زال مانع الوجوب في أثناء اليوم وهو مفطر: كقدوم المسافر وطهارة الحائض وبرء المريض، ففي حكم ذلك قولان:
القول الأول: وجوب الإمساك والقضاء، وهو المشهور من المذهب ومذهب أبي حنيفة.
القول الثاني: وجوب القضاء دون الإمساك، وهو رواية عن أحمد، ومذهب مالك والشافعي، وهذا القول أصح، لأن الإمساك لا يستفيدون به شيئاً. ووقت الوجوب كانوا فيه غير أهل له، وعلى هذا فلو قدم المسافر مفطراً ووجد امرأته طاهراً من الحيض يوم قدومه فله وطؤها.
أما إذا زال مانع الوجوب وهو صائم كقدوم المسافر صائماً، وبرء المريض فيلزمهم الإتمام قولاً واحداً.
المسألة السادسة:
إذا طرأ مانع الوجوب أو الصحة في أثناء اليوم، وفي ذلك عدة مسائل:
1 إذا ارتد في أثناء اليوم بطل صومه ولزمه القضاء، وقال أبو حنيفة: لا يقضي، وقال صاحب المحرر: ينبني على الروايتين فيما إذا وجد الموجب في بعض اليوم، فإن قلنا: يجب وجب هنا، وإلا فلا اه. والأصح وجوب القضاء عليه، لأنه من أهل
(20/124)

الوجوب حين تعين الإمساك.
2 إذا حاضت المرأة في أثناء اليوم فقال الإمام أحمد: تمسك، قال في الفروع: وظاهر كلامهم لا إمساك مع المانع، وهو أظهر. قلت: وهذا هو المذهب وهو المقطوع به، ويلزمها القضاء.
3 إذا جنّ في أثناء النهار فهل يلزمه القضاء؟ ينبني على الروايتين في إفاقته في أثناء النهار بجامع أنه أدرك جزءاً من الوقت، وسبق في المسألة الرابعة، والذي يظهر هنا أنه يقضي، لأنه كان حين تعين الإمساك من أهل الوجوب. هذا إذا قلنا بأن الجنون مبطل للصوم قليله وكثيره، كما هو اختيار المجد وابن البناء، ولكن قال في الفروع: الجنون كالإغماء، فعلى هذا القول لا يبطل الصوم بالجنون، وهو المذهب.
4 إذا سافر في أثناء النهار جاز له الفطر، والأفضل عدمه، وهذا هو المذهب، لكن لا يفطر قبل خروجه من البلد، خلافاً للحسن وإسحاق وعطاء، وعن أحمد رواية ثانية: لا يجوز له الفطر إذا سافر في أثناء النهار، فالأقوال ثلاثة.
5 إذا مرض في أثناء النهار، أو خاف المرض بعطش ونحوه فله الفطر بالإجماع، قاله في الفروع ص 12 ج 2.
المسألة السابعة في النية:
النية إما أن تكون في صوم واجب، أو في صوم تطوع.
فإن كانت في صوم واجب، ففيها أقوال:
الأول: أنها تجب من الليل، وفاقاً لمالك والشافعي.
(20/125)

الثاني: إن كان الصوم في رمضان، أو نذر معين أجزأت قبل الزوال لا بعده. ومذهب أبي حنفية.
الثالث: أن النية تجزىء في كل صوم من الليل وفي النهار قبل الزوال أو بعده، قاله الأوزاعي، وحكي عن ابن المسيب.
ولا تصح نية صوم يوم قبل ليلته، فلا تصح في نهار يوم لصوم الغد وفاقاً للأئمة الثلاثة، وعن أحمد تصح. وعن أحمد أيضاً تصح في أول رمضان نية واحدة لجميعه، فإن أفطر منه يوماً لعذر أو غيره لم يصح صيام الباقي إلا بنية مجددة، وقيل: يصح.
وأما إن كانت النية في صوم تطوع فإنها تصح قبل الزوال وبعده، وعنه لا تصح بعده، ومذهب مالك وداود هو كالفرض تسوية بينهما.
واختلف القائلون بصحة النية في النهار هل يثاب على الصوم من النية، أو من أول النهار، على ثلاثة أقوال:
أحدها: من النية، اختاره الموفق وغيره، وهو أظهر.
الثاني: من أول النهار، اختاره صاحب المحرر.
الثالث: إن نوى قبل الزوال فالثواب من أول النهار، وإلا فمن النية.
المسألة الثامنة:
هل يشترط في النية التعيين، أو يكفي نية الصوم، في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: اشتراط التعيين، وفاقاً لمالك والشافعي، وهو المشهور من المذهب.
(20/126)

الثاني: لا يشترط التعيين في رمضان خاصة وفاقاً لأبي حنيفة، وعلى هذا يصح بنية مطلقة ونية نفل ونحوه، وبنية فرض تردد فيها بأن نوى ليلة الشك إن كان من رمضان فهو فرض وإلا فهو نفل، فيجزىء إن تبين منه، وهذه رواية عن أحمد، وعنه رواية ثالثة تصح نية فرض تردد فيها مع الغيم لا مع الصحو.
الثالث: لا يشترط التعيين إن كان جاهلاً، وإن كان عالماً فهو شرط، اختاره الشيخ تقي الدين.
المسألة التاسعة: المفطرات:
المفطرات هي:
1 الأكل والشرب بالإجماع، أي ما وصل إلى الجوف من طريق الفم، سواء كان يغذي أو لا. وقال الحسن بن صالح: لا يفطر فيما ليس بطعام ولا شراب مثل أن يستف تراباً. وقال بعض المالكية: لا يفطر فيما لا يغذي ولا يماع في الجوف كالحصاة ونحوها.
2 الاستعاط بدهن أو غيره إن وصل إلى حلقه أو دماغه، وقال مالك: لا يفطر فيما وصل إلى الدماغ، وقال في الكافي: يفطر بما وصل من ذلك إلى خياشيمه. وقال الحسن بن صالح وداود: لا يفطر بواصل من غير الفم؛ لأن النص إنما حرم الأكل والشرب والجماع. وقال الشيخ تقي الدين في رسالته «حقيقة الصيام» : ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطراً هو ما كان واصلاً إلى دماغ، أو بدن، أو ما كان داخلاً من منفذ، أو واصلاً إلى الجوف،
(20/127)

ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله وعند رسوله اه.
3 الاكتحال بكحل يعلم وصوله إلى حلقه، ومذهب مالك والشافعي: لا يفطر بذلك، واختاره الشيخ تقي الدين، وقال: فإن قيل: بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دماً. قيل: هذا كما يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ فيستحيل دماً. وكالدهن الذي يشربه الجسم، والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة فيستحيل دماً ويتوزع على البدن.
4 التقطير في الأذن إن دخل دماغه، وقال مالك: إن دخل حلقه أفطر وإلا فلا، وقال الأوزاعي، والليث، والحسن بن صالح وداود: لا يفطر إن وصل إلى دماغه.
5 الحقنة، وقاله الشافعي، وعن مالك خلاف، واختار الشيخ تقي الدين: أنه لا فطر بالحقنة، وقال به الحسن بن صالح وداود. قال الشيخ محمد رشيد رضا عن قول الشيخ تقي الدين: إن قوله حق، ولكن يوجد في هذا الزمان حقن أخر، وهو إيصال بعض المواد المغذية إلى الأمعاء، يقصد بها تغذية بعض المرضى، والأمعاء من الجهاز الهضمي كالمعدة، وقد تغني عنها، فهذا النوع من الحقن يفطر الصائم فهو لا يباح له إلا في المرض المبيح للفطر. اه
6 وصول الدواء إلى جوفه، أو دماغه من دواء جرح، أو جائفة، أو مأمومة. ومذهب مالك: لا فطر بذلك، وهو قول
(20/128)

أبي يوسف ومحمد، واختاره الشيخ تقي الدين.
ومثل ذلك لو طعنه أحد بأمره، أو طعن نفسه بما يعلم وصوله إلى جوفه أو دماغه، إلا أن مالكاً لم يذكر عنه أنه خالف في ذلك.
7 الجماع بذكر أصلي في فرج أصلي.
8 الحجامة إن ظهر دم فيفطر الحاجم والمحجوم، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا فطر بذلك، وقال الشيخ تقي الدين: لا يفطر الحاجم إلا أن يمص القارورة. وقال ابن عقيل: يحصل الفطر بالحجامة وإن لم يخرج دم، وجزم به في المستوعب والرعاية.
ولا فطر بخروج الدم في غير الحجامة، سواء خرج بنفسه، أو بمحاولة، وقال الشيخ تقي الدين: يفطر من أخرج دمه برعاف أو غيره، وقاله الأوزاعي في الرعاف، وذكر في التلخيص وجهين في الفطر بالفصد، وأن أصحهما عدم الفطر، وقال في الرعاية: يحتمل التشريط وجهين. وقال: الأولى إفطار المفصود والمشروط، دون الفاصد والشارط. اه.
9 القيء إذا استقاء فقاء أي شيء كان. وقال به مالك والشافعي وعن أحمد: يفطر بملء الفم، وقال به أبو حنيفة، واختاره ابن عقيل، وقال القاضي: إن فحش أفطر. قال في الفروع: ويتوجه احتمال لا يفطر القيء، وذكره البخاري عن أبي هريرة، ويروى عن ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة،
(20/129)

وقاله بعض المالكية. وقال ابن عقيل في مفرداته: إنه إذا قاء بنظره إلى ما يغثيه يفطر كالنظر والفكر.
01 الإمناء بالمباشرة ونحوها كالاستمناء، وقال به أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقد نقض في الفروع ما احتج به على الفطر، ثم قال: ويتوجه احتمال لا يفطر بذلك. وقاله داود، وإن صح إجماع قبله كما قد ادعى تعين القول به. اه
11 الإمذاء بالمباشرة ونحوها كالاستمناء، وقاله مالك، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا فطر به اختاره الا"جري، وأبو محمد الجوزي، والشيخ تقي الدين. قال في الفروع: وهو أظهر.
21 الإمناء بتكرار النظر خلافاً لأبي حنيفة والشافعي والا"جري وإن أمذى بذلك لم يفطر خلافاً لمالك. وإن لم يكرر النظر لم يفطر وفاقاً لمالك والشافعي. وقيل: يفطر وفاقاً لمالك، ونص أحمد يفطر بالمني دون المذي.
31 الإمناء بالتفكير وظاهر كلامه: لا يفطر، خلافاً لمالك، وابن عقيل، وأبي حفص البرمكي، وهو أشهر، لأنه دون المباشرة وتكرار النظر.
41 الموت فيطعم من تركته في نذر وكفارة، كذا في الفروع ولم يذكر خلافاً، والصواب: أنه لا يجب الإطعام، لأن هذا قام بالواجب ما استطاع.
51 المباشرة بتقبيل، أو نحوه لمن تحرك شهوته، حكاه ابن
(20/130)

المنذر عن ابن مسعود، وحكاه الخطابي عنه وعن المسيب، وجمهور العلماء: لا يفطر، وحكاه ابن عبد البر إجماعاً.
شروط الفطر بما ذكر:
يشترط للفطر بهذه المفطرات شروط:
الأول: أن يكون ذاكراً، فلا يفطر الناسي، خلافاً لمالك، إلا في الجماع فيفطر، وعنه لا، وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي، اختاره الا"جرى وأبو محمد الجوزي، والشيخ تقي الدين، وذكره في شرح مسلم قول جمهور العلماء، وقيل: يفطر الناسي بالوطء دون الفرج، والاستمناء ومقدمات الجماع، والحجامة.
الثاني: أن يكون مختاراً، فإن كان مكرهاً فلا فطر، خلافاً لأبي حنيفة ومالك، وسواء أكره على الفعل حتى فعل، أو فعل به بأن صب في حلقه الماء مكرهاً، وإن أوجر المغمى عليه معالجة لم يفطر، وقيل: يفطر لرضاه به ظاهراً، فكأنه قصده. وإن أكره الصائم على الوطء أفطر، فاعلاً كان أو مفعولاً به في ظاهر المذهب. وعن أحمد ما يدل على أنه لا فطر، حيث قال: كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفارة، وقيل: يفطر من فعل، لا من فعل به.
ولا يشترط أن يكون عالماً فيفطر الجاهل بالتحريم وفاقاً للأئمة الثلاثة. وقيل: لا يفطر، لأنه لم يتعمد المفسد كالناسي، فلو أكل ناسياً فظن أنه أفطر بذلك فأكل عمداً، فيتوجه أنها مسألة الجاهل بالحكم فيها الخلاف، قاله في الفروع. وهذا هو الصواب.
(20/131)

ويفطر الجاهل بالوقت فلو أكل يظن بقاء الليل، أو غروب الشمس، فتبين أنه في النهار لزمه القضاء وفاقاً للأئمة الثلاثة، وقيل: لا يلزمه القضاء، قاله الحسن، وإسحاق، والظاهرية، واختاره الشيخ تقي الدين.
وقيل: يلزمه في الثانية، وهي إذا ظن الغروب دون الأولى، وهي إذا ظن بقاء الليل، قاله مجاهد، وعطاء، واختاره صاحب الرعاية، وبعض الشافعية.
الموجب للكفارة من هذه المفطرات:
الموجب للكفارة من هذه المفطرات هو الجماع إذا كان في نهار رمضان وأفطر به بدون عذر، والمرأة المطاوعة كالرجل، وعنه لا كفارة عليها وفاقاً للشافعي، وعنه يلزمه كفارة واحدة عنهما، وأما المكرهة فلا كفارة عليها، وذكر القاضي رواية: تكفر، وعنه ترجع بها على الزوج، وكذا المعذورة بجهل أو نسيان، وعنه يكفر الواطىء عن المعذورة بإكراه، أو جهل، أو نسيان.
وجماع البهيمة كالا"دمية، وقيل: لا فطر ولا كفارة، وفاقاً لأبي حنيفة، ولا كفارة بغير الجماع المذكور وفاقاً للشافعي، وعن أحمد: يكفر للفطر بالحقنة، وبالاحتجام إن بلغه الخبر، وقيل عنه: يكفر للفطر بأكل، وشرب، واستمناء. ومذهب مالك: يكفر من أكل وشرب، ومذهب أبي حنيفة يكفر منهما إن كان مما يتغذى به، أو يتداوى به.
(20/132)

ذكر أشياء في الفطر بها خلاف:
1 إذا أصبح في فيه طعام يمكنه لفظه بأن يتميز عن ريقه، وهو أقل من الحمصة أفطر، خلافاً لأبي حنيفة ومالك.
2 إذا زاد على الثلاث في مضمضة، أو استنشاق، أو بالغ فدخل الماء حلقه بلا قصد لم يفطر، وقيل: يفطر، واختار صاحب المحرر يفطر بالمبالغة للنهي الخاص وعدم ندرة الوصول فيها، بخلاف المجاوزة، وأنه ظاهر كلام أحمد في المجاوزة، يعني أنه يعيد.
3 إذا جمع ريقه فابتلعه لم يفطر، وفاقاً للأئمة الثلاثة، وقيل: يفطر.
4 إذا مضغ علكاً لا يتحلل منه أجزاء كره، وفاقاً للأئمة الثلاثة ويتوجه احتمال لا، لأنه روي عن عائشة، وعطاء، وعلى الأول لو وجد طعمه في حلقه فهل يفطر أم لا؟ على وجهين، وعلة عدم الفطر أن مجرد الطعم لا يفطر، كمن لطخ باطن قدمه بحنظل إجماعاً، بخلاف الكحل فإنه تصل أجزاؤه إلى الحلق.
5 الغيبة لا يفطر بها، قال أحمد: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم، قال في الفروع: وذكر شيخنا وجهاً في الفطر بغيبة ونميمة ونحوها، فيتوجه منه احتمال يفطر بكل محرم، ويتوجه احتمال تخريج من بطلان الأذان بكل محرم، واختار ابن حزم يفطر بكل معصية.
(20/133)

بسم الله الرحمن الرحيم

الصيام
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
صيام رمضان هو أحد أركان الإسلام، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام، وفرض صيامه في السنة الثانية من الهجرة، وكان أول ما فرض على التخيير، يخير الإنسان فيه بين أن يصوم أو يفدي، أي يطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم تعين الصيام ولم يرخص لأحد في تركه إلا من عذره الله عز وجل، فيكون للصوم مرحلتان:
* المرحلة الأولى: التخيير بين الصيام والفدية.
* المرحلة الثانية: تعيين الصيام.
قال تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى" أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .
ثم إن الصيام ليس خاصًّا بهذه الأمة، بل هو عام لها
(20/135)

ولغيرها، كما قال تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} . وفي قوله: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فائدتان:
الفائدة الأولى: تسلية هذه الأمة، حيث لم يكلفهم الله عز وجل هذا الصيام إلا لأن غيرهم كلفوا به.
الفائدة الثانية: بيان فضل هذه الأمة، حيث استكملت من الفضائل ما كمُل لغيرها.
ثم اعلم أن الصيام كف الإنسان عن المحبوب، والزكاة بذل الإنسان للمحبوب، والصلاة والحج تكليف بدني وعمل وجهد بدني.
فاستكملت هذه الأركان الخمسة جميع أنواع التكليف:
جهد بدني. وبذل للمحبوب. وكف عن المحبوب.
والحكمة من الصيام ليس أن يمنع الإنسان نفسه عن الطعام والشراب والنكاح، ولكن الحكمة منه ما أشار إلله إليه في قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وما أشار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» . فمن لم يصنه صومه عن محارم الله فإن صومه ناقص، وقد فاته الحكمة منه.
قال: «من لم يدع قول الزور» فما هو قول الزور؟
كل قول محرم. «والعمل به» أي: بالزور يعني كل فعل محرم. والجهل يعني العدوان على الناس وعدم الحلم، كما قال الشاعر:
(20/136)

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا ثم اعلم أن صيام رمضان إنما يجب على الإنسان بشروط ستة:
1 الإسلام. 2 العقل. 3 البلوغ. 4 القدرة. 5 الإقامة.
6 الخلو من الموانع.
أولاً: الإسلام وضده الكفر: فإذا كان الإنسان كافراً فلا يلزمه الصوم بمعنى أننا لا نلزمه أن يصوم، لأنه ليس أهلاً للعبادات، فلو صام لم يقبل منه صومه، قال تعالى: {وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} . وقال تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاّ" أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} الآية.
ومن ذلك إذا كان الرجل لا يصلي فإن صومه لا يصح، وهو غير مقبول منه، لأن من لا يصلي كافر، والكافر لا يقبل الله منه العبادة.
ثانياً: العقل: وضده الجنون، فالمجنون لا يجب عليه الصوم، لأن من شرط صحة الصوم النية، والمجنون ليس أهلاً للنية، لأنه لا يعقل، وفي الحديث عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق» .
ومما يلحق بالجنون فقد العقل لكبر، فإن الإنسان إذا كبر ربما يفقد عقله حتى لا يميز بين الليل والنهار، والقريب والبعيد،
(20/137)

ويكون أدنى حالاً من الصبي، فإذا وصل الإنسان إلى هذه الحال فإنه لا يلزمه الصوم كما لا تلزمه الصلاة والطهارة.
الثالث: البلوغ: وضده الصغر: ويكون البلوغ بواحد من ثلاثة بالنسبة للذكر، وبواحد من أمور أربعة بالنسبة للأنثى:
الأول: تمام خمس عشرة سنة.
والثاني: إنبات شعر العانة.
والثالث: إنزال المني بشهوة باحتلام، أو يقظة.
فإذا وجد واحد من هذه الأمور الثلاثة صار الإنسان بالغاً، سواء كان ذكراً أم أنثى، وتزيد الأنثى أمراً رابعاً وهو الحيض، فإذا حاضت فهي بالغة حتى لو حاضت لعشر سنوات فإنها بالغة يلزمها الصوم.
وهنا أقف لأنبه على هذه المسألة التي تخفى على كثير من الناس. فإن بعض الناس إذا بلغت المرأة وهي صغيرة يظن أنها لا تلزمها العبادات، لأنها صغيرة السن، وهذا خطأ، فلو حاضت وعمرها عشر سنين لزمها ما يلزم المرأة التي لها ثلاثون سنة، وبعض النساء تبلغ وهي صغيرة وتخفي الأمر عن أهلها حياء أو خجلاً، وتدع الصوم، أو تصوم في أيام الحيض؟
فهذه المرأة يلزمها قضاء ما تركت من الصوم، وكذلك يلزمها إعادة ما صامته في أيام الحيض.
الرابع: القدرة: وضدها العجز، والعجز عن الصيام ينقسم إلى قسمين:
1 عجز طارىء يرجى زواله كالمرض العادي.
2 عجز دائم مستمر لا يرجى زواله: كالأمراض التي لا يرجى
(20/138)

زوالها كالسرطان، والكبر لأن الكبر لا يرجى زواله، هذا النوع من العجز لا يلزم العاجز فيه الصوم، لأنه غير قادر عليه، ولكن يطعم عن كل يوم مسكينا بعدد الأيام، فإذا كان الشهر تسعة وعشرين لزمه أن يطعم تسعة وعشرين مسكيناً، وإذا كان الشهر ثلاثين لزمه أن يطعم ثلاثين مسكيناً، وكيفية الإطعام على وجهين:
الوجه الأول: أن يدعو مساكين بعدد الأيام في آخر الشهر على الغداء إن كان بعد رمضان، أو على العشاء.
الوجه الثاني: أن يطعمهم حبًّا ولحماً يؤدم هذا الحب، ومقدار الحب الذي يجب أن يعطى كل مسكين ربع الصاع، لأن الصاع في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أربعة أمداد. وقد حررت الصاع فبلغ «كيلوين وأربعين غراماً» . والصاع لأربعة سيكون مقدار إطعام كل مسكين «نصف كيلو وعشرة جرامات» وإذا زاد الإنسان احتياطاً فلا حرج عليه، لكن هذا هو المقدار الواجب.
أما النوع الثاني من العجز: فهو العجز الطارىء الذي يرجى زواله: كالمرض الطارىء كالزكام والحمى وما أشبهها، فالواجب على هذا المريض أن يقضي إذا أفطر ما أفطره، لقوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} فهذا المريض الذي يرجى زواله نقول له: أفطر إذا كان الصوم يشق عليك واقض ما أفطرت.
الخامس: أن يكون مقيماً: وضد المقيم المسافر فلا يلزمه الصوم للدليل السابق.
(20/139)

السادس: الخلو من الموانع: وهذا خاص بالأنثى بأن لا تكون حائضاً ولا نفساء، لأن الحيض والنفاس يمنع من صحة الصوم، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحائض: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» ، وأجمع المسلمون على أن الصوم لا يصح من الحائض ولا يلزمها، بل يحرم عليها وكذلك النفساء.
ووقت الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أي من حين أن يتبين الفجر إلى غروب الشمس، لقوله تعالى: {فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} . ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» ،ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأشار إلى المشرق وأدبر النهار من هاهنا وأشار إلى المغرب وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» . ففي هذه الآية وهذين الحديثين تحديد لوقت الصيام، وأنه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
والمفطرات هي: 1 الأكل. 2 الشرب. 3 الجماع.
ودليل هذه الثلاثة في قوله تعالى: {فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ
(20/140)

الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} .
والأكل والشرب لا فرق بين أن يكون المأكول نافعاً، أم غير نافع، حلالاً أم حراماً.
وعلى هذا فلو قدر أن رجلاً ابتلع خرزة عمداً فإنه يفطر، لأن هذا أكل، ولو أن أحداً شرب دخاناً فإنه يفطر لأن هذا شرب.
ولا فرق أيضاً أن يصل هذا الطعام عن طريق الفم، أو عن طريق الأنف، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» وهذا يدل على أن ما دخل من الأنف إلى الجوف كالذي دخل من الفم.
4 ما كان بمعنى الأكل والشرب.
مثل: الإبر المغذية التي يستغنى بها عن الأكل والشرب، فهذه مفطرة.
لكن قد يقول قائل: ما هو الدليل على أنها مفطرة، لأن كل إنسان يدعي أن هذا الشيء مفطر فإنه يلزم بالدليل، فإن أتى بدليل وإلا فقوله غير مقبول، لأن الأصل في العبادات الصحة حتى يقوم دليل على إفساده، وهذه قاعدة.
وأيضاً: كل ما ثبت بدليل فإنه لا يرتفع إلا بدليل، فقد ثبت هذا الصوم بمقتضى الدليل الشرعي، فلا يمكن أن يرتفع ويفسد إلا بدليل شرعي.
(20/141)

فبناءً على هذه القاعدة بل القاعدتين أين الدليل على أن الإبر التي يستغنى بها عن الأكل والشرب تكون مفطرة؟
ج: نقول: الدليل على ذلك أن الله تعالى قال في القرآن: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ} . وقال تعالى: {اللهُ الَّذِى" أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} والميزان هو الذي توزن به الأشياء ويقارن بينها، ونحن إذا وازنا بين هذه الإبر التي يستغنى بها عن الأكل والشرب والأكل والشرب. تكون سواءً في الحكم.
فيكون القول بأنها مفطرة مبنيًّا على القياس، أي قياسها على الأكل والشرب.
فإن قال: هذا القياس غير تام، لأن بينها وبين الأكل والشرب فرقاً عظيماً. وهذا الفرق أن الأكل والشرب يحصل بهما من المنفعة أكثر مما يحصل بهذه الإبر المغذية.
ثانياً: أن الأكل والشرب يحصل به من التلذذ ما لا يحصل بهذه الإبر المغذية، ولهذا تجد الإنسان الذي يتغذى بهذه الإبر في أعظم ما يكون شوقاً إلى الأكل والشرب، أي ينتظر سماح الأطباء له بالأكل والشرب بفارغ الصبر. فما هو الجواب على هذه الشبهة؟
الجواب: أن قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» يدل على أنه لا يشترط أن يتلذذ الإنسان بما يكون مفطراً، فإن ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف لا يحصل به من التلذذ ما يحصل بما
(20/142)

إذا وصل عن طريق الفم، وبهذا نعرف أن القياس تام، وأن الإبر التي يستغنى بها عن الطعام والشراب مفطرة، ولأن هذا من باب الاحتياط، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» .
ولأن الغالب أن الإنسان لا يحتاج إلى هذه الإبر إلا وهو مريض مرضاً يبيح له الفطر.
5 إنزال المني بشهوة بفعل من الصائم:
فإذا أنزل الصائم المني بشهوة بفعل منه فقد فسد صومه، والدليل أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين قال: «وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟» قالوا: نعم، قال: «فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» . والذي يوضع من الشهوة هو المني، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي في الصائم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» . هذا هو ما ظهر لي من الدليل على أن المني مفطر.
مسألة: لو أنزل الصائم مذي، كما لو قبَّل زوجته فأمذى فهل يفسد صومه؟
ج: لا يفسد صومه، لأن المذي لا يصح قياسه على المني، لأنه دونه، ولهذا المني يوجب الغسل، والمذي لا يوجب الغسل.
(20/143)

وبناء على ذلك نقول: إن المذي لا يفطر ولو بتعمد من الصائم.
قلنا عن المني بشهوة. فإن نزل بغير شهوة مثل أن يكون بالإنسان مرض ينزل معه المني فإنه لا يفطر.
وقلنا: بفعلٍ من الصائم أي باختيار منه. فإن لم يكن بفعل منه فإنه لا يفطر، كما لو فكَّر في الجماع فأنزل، فهذا الذي أنزل بالتفكير لكن ما حرك أي شيء لم يعبث بذكره، ولم يتمرغ على الأرض فقط فكر فأنزل فلا يفسد صومه، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل، أو تتكلم» . وهذا الرجل لم يعمل ولم يتكلم.
6 القيء عمداً:
فإذا تقيأ الإنسان عمداً بأن أخرج الطعام من معدته فإنه يفطر، وإن غلبه القيء بدون قصد فإنه لا يفطر، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من ذرعه القيء فلا قضاء، ومن استقاء عمداً فليقض» .
«من ذرعه القيء» يعني غلبه، هذا هو الدليل الأثري، وهناك دليل نظري وهو أن التقيؤ يضعف البدن، لأنه يخرج الطعام والشراب الذي في المعدة، وإذا خلت المعدة من الطعام والشراب فإن البدن يضعف بالصوم، فكان من مقتضى حكمة الله عز وجل أن يكون القيء مفطراً. فنقول للصائم: لا تتقيأ في صيام الفرض،
(20/144)

فإن اضطررت إلى ذلك وصار لابد من التقيؤ فإنك في هذه الحال تفطر، ويجوز لك الأكل والشرب لتعيد للبدن ما فات من قوته.
7 الحجامة:
إذا احتجم الصائم وظهر منه الدم فإنه يفطر والدليل: حديث شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أفطر الحاجم والمحجوم» . وهذا دليل أثري أي ثبت به الأثر عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهناك أيضاً دليل نظري وهو ضعف المحجوم بالحجامة، لأن المحجوم يخرج منه الدم بكثرة، وإذا خرج منه الدم بكثرة فإن بدنه يضعف، ويكون الصوم مؤثراً في هذا البدن الذي أصابه الضعف في نزول الدم الكثير منه.
ولهذا نقول: من كان صومه واجباً فإنه لا يجوز أن يحتجم، فإن هاج به الدم واحتاج إلى الحجامة احتجم وأفطر، وله الأكل والشرب لأجل أن يعيد القوة لبدنه.
هل يقاس على الحجامة ما كان بمعناها؟
ج: نعم. يقاس عليها ما كان بمعناها، ومنه أن يسحب من الصائم دم كثير، وهذا يقع أحياناً إذا احتيج إلى دم الصائم ليحقن في إنسان آخر، فإنه يسحب منه دم كثير، ولهذا يضعف البدن، ويعطيه الأطباء شيئاً من السوائل ليرد عليه هذا الضعف الذي حصل بسحب الدم منه، أما ما كان دون الحجامة كسحب الدم للتحليل فهذا لا يضر أي لا يفطر حتى وإن كان عمداً، وكذلك لو رعف أنف الصائم فإنه لا يفطر ولو كثر الدم، لأنه بغير اختياره.
(20/145)

8 خروج دم الحيض:
فإذا حاضت المرأة وهي صائمة فسد صومها.
مسألة: لو حاضت المرأة ولم يبق من النهار إلا خمس دقائق فإنه يفسد صومها.
مسألة: لو حاضت بعد غروب الشمس بخمس دقائق فإنه لا يفسد صومها.
والمعروف عند النساء أن المرأة إذا حاضت بعد الغروب وقبل صلاة المغرب فإن صومها يفسد، وهذا غير صحيح، ولهذا أنا أرجو أن تنبهوا النساء على هذه المسألة، فإن هذا يقع عنه السؤال كثيراً.
وبعضهن تقول: إذا حاضت قبل صلاة العشاء فإن صومها ذلك اليوم يكون فاسداً، وهذا خطأ وأشد خطأ من الأول.
مسألة: إذا انتقل وأحست بانتقاله ولكن لم يخرج إلا بعد غروب الشمس فهل صومها صحيح؟
ج: الصحيح أن صومها صحيح، وأنه لا عبرة بانتقاله حتى يخرج، ودليل ذلك أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل هل عليها من غسل؟ فقال: «نعم إذا هي رأت الماء» .
وهذا يدل على أن الموجبات للغسل، أو المفسدات للصوم فيما يخرج لابد أن يخرج ويرى، وعليه: فلو أحست بانتقال
(20/146)

الحيض قبل غروب الشمس بعشر دقائق، أو أقل ولكن لم يخرج الحيض إلا بعد غروب الشمس فإن صومها صحيح.
شروط المفطرات:
1 العلم. 2 الذكر. 3 الإرادة، أي الاختيار.
العلم ضده الجهل، فالجاهل لا يفطر ولو تناول هذه المفطرات، سواء كان جاهلاً بالحكم، أو جاهلاً بالحال.
الجاهل بالحكم أن يظن أن هذا الشيء لا يفطر، مثل أن يحتجم الصائم وهو لا يعلم أن الحجامة تفطر، فنقول: إن هذا الذي احتجم صيامه صحيح.
الجاهل بالحال أن يظن أن الوقت وقت أكل وشرب، فيأكل ويشرب ظانًّا أنه في وقت يباح له الأكل والشرب.
مثل أن يأكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد طلع الفجر، فهذا جاهل بالحال «الوقت» .
وآخر سمع صوتاً في آخر النهار وهو لا يرى الشمس يقول: الله أكبر، فظنه المؤذن، فأفطر ظانًّا أن الشمس قد غربت، ثم تبين له أن النهار باقٍ وأن الشمس لم تغرب فلا يفسد صومه.
الذكر ضده النسيان: فلو أن الإنسان أكل، أو شرب، أو جامع زوجته ناسياً أنه صائم فصومه صحيح، والدليل على اشتراط العلم والذكر، وأن من كان جاهلاً أو ناسياً لم يفسد صومه نوعان:
عام وخاص، فالعام كقوله تعالى: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} والخطأ هو الجهل. وهذه الآية عامة في الصوم
(20/147)

وغيره، وقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} وهذه الآية عامة.
والخاص في النسيان قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما صح عنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» . متفق عليه. وهذا نص صريح بأن الصوم لا يفسد. وذَكر الأكل والشرب لا ينافي ما عداهما، لأنهما ذكرا على سبيل التمثيل.
ودليل الجهل بالحكم حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه حينما أراد أن يصوم، وكان في القرآن الكريم: {وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} فأخذ عقالين: أحدهما أبيض والآخر أسود، وجعلهما تحت وسادته، وجعل يأكل ويشرب وينظر إلى العقالين حتى تبين الأبيض من الأسود فأمسك، فلما أصبح أخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذلك فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن وسادك لعريض أن وسع الخيط الأبيض والأسود» ثم قال: «إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل» . ومعنى قوله وسادك لعريض: أي يسع الأفق، لأن الخيط الأبيض والأسود، يكون مائلاً للأفق، لأن الخيط الأبيض الذي يحرم به الأكل والشرب على الصائم هو الفجر الصادق الذي يكون مستطيلاً من الشمال إلى الجنوب، ولم يأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقضاء، لأنه كان جاهلاً بالحكم، يظن أن هذا هو معنى الآية الكريمة وليس كذلك.
(20/148)

وأما الجهل بالحال:
فالدليل الخاص فيه حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما الذي أخرجه البخاري، قالت: «أفطرنا في يوم غيم على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم طلعت الشمس» ، فيكون الصحابة رضي الله عنهم أفطروا قبل غروب الشمس لقولها: «ثم طلعت الشمس» وهذا الجهل بالحال لأنهم لم يعلموا أن الشمس باقية، ولم يأمرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقضاء، لأنه لو أمرهم بالقضاء لنقل إلينا، إذ أنه أي القضاء يكون من الشريعة، والشريعة لابد أن تنقل وتحفظ فلما لم ينقل أن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم بالقضاء علم أنه لم يأمرهم به، وإذا لم يأمرهم به فليس بواجب، لأنه لو وجب لأمرهم به.
إذا حصلت هذه المفطرات بغير اختيار من الإنسان فإن صومه صحيح، لو أنه احتلم وهو صائم ونزل منه المني فإن صومه صحيح، لأن ذلك بغير اختياره، ولو توضأ الإنسان وتمضمض ثم نزل شيء من الماء إلى جوفه فصومه صحيح، لأنه لم يتعمد ذلك، ولو مرَّ الصائم بشارع فيه غبار وتطاير شيء من الغبار إلى أنفه فصومه صحيح، لأنه بغير اختياره.
والدليل على هذا الشرط الثالث قوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَّحِيماً} ، وهذا لم يتعمد، وقوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَاكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . ووجه الدلالة من هذه الآية أنه إذا عذر الإنسان بالإكراه في الكفر فما دونه من باب أولى.
(20/149)

هذه المفطرات إذا فعلها الإنسان وقد تمت الشروط الثلاثة، كما لو أكل عالماً، ذاكراً، مختاراً ترتب عليه:
أولاً: الإثم إذا كان الصوم واجباً.
ثانياً: فساد الصوم.
ثالثاً: وجوب الإمساك إن كان في رمضان.
رابعاً: القضاء، هذا إذا كان صومه واجباً.
أما إذا كان الصوم تطوعاً وأفسده فإنه لا يترتب عليه إلا شيء واحد وهو فساد الصوم، وليس عليه إثم ولا قضاء، لأنه تطوع.
ينفرد الجماع بأمر خامس وهو الكفارة، وعلى هذا فمن جامع في نهار رمضان والصوم واجب عليه ترتب على جماعه خمسة أمور:
1 الإثم. 2 فساد الصوم. 3 لزوم الإمساك. 4 وجوب القضاء. 5 وجوب الكفارة.
والكفارة: كفارة مغلظة وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
الأدلة على ذلك:
أولاً: الإثم. الدليل فيه ظاهر، لأن هذا صوم واجب أفسده، وكل إنسان يفسد ما وجب فهو آثم.
ثانياً: لزوم الإمساك عقوبة له، لأن نهار رمضان لا يستباح فيه المفطرات إلا بعذر شرعي.
ثالثاً: أما القضاء فواضح، لأنه واجب، والواجب يجب قضاؤه.
(20/150)

رابعاً: أما الكفارة بالنسبة لمن جامع في نهار رمضان والصوم واجب عليه فدليله حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله، هلكت، فقال: «ما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا. قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكيناً؟» قال: لا. فكل خصاص الكفارة تعذرت في حقه، ثم جلس الرجل فأتي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعرق فيه تمر، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تصدق بهذا» فقال: أعلى أفقر مني، فضحك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى بدت أنيابه ثم قال: «اذهب فأطعمه أهلك» .
مسألة: لو جامع الإنسان أهله في غير رمضان ولو في قضاء رمضان فهل عليه كفارة؟
ج: لا، ليس عليه كفارة.
مسألة: لو جامعها في نهار رمضان والصوم غير واجب عليه، مثل أن يكون هو وزوجته مسافرين وصائمين في السفر ثم جامعها في رمضان فليس عليه كفارة، لماذا؟
ج: لأنه يباح له الفطر.
مسألة: هل الكحل يفطر؟
ج: لا، لأنه ليس من المفطرات فالمفطرات، محصورة.
مسألة: هل التقطير في الأذن يفطر؟
(20/151)

ج: لا، لأنه ليس من المفطرات.
مسألة: هل استنشاق الفيكس يفطر؟
ج: لا يفطر، لأن ليس فيه أجزاء تتصاعد حتى تنزل إلى الجوف، لكن فيه رائحة قوية لا تضر.
قطرة العين كذلك لا تفطر، استنشقاق البخور يفطر إذا وصل إلى الجوف، أما إذا لم يصل إلى الجوف، فإنه لا يفطر، لكن لا شك أن البُعد عنه أولى، لأن الإنسان لا يأمن أن يصل إلى جوفه، ولهذا قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» .
مسألة: هل السعوط يفطر أم لا؟
ج: نعم، يفطر إذا وصل إلى الجوف، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للقيط بن صبرة: «بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» .
واعلم يا أخي أنك إذا قلت هذا مفطر، والله لم يجعله مفطراً فكما لو قلت عن الشيء الذي جعله الله مفطراً: إن هذا غير مفطر؛ لأن تحليل الحرام كتحريم الحلال، وإيجاب ما لم يجب كإسقاط ما وجب، فالحكم واحد، لأن الشريعة إنما تتلقى من الكتاب والسنة، فالواجب أن نقتصر على ما دل عليه الكتاب والسنة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/152)

باب الاعتكاف
* حكم الاعتكاف.
* حكم الاعتكاف بلا صوم.
* اعتكاف المرأة.
* تضعيف الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى.
* حكم خروج المعتكف.
* مستحبات الاعتكاف.
(20/153)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن الاعتكاف وحكمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف هو لزوم الإنسان مسجداً لطاعة الله سبحانه وتعالى، لينفرد به عن الناس، ويشتغل بطاعة الله، ويتفرغ لذلك، وهو في كل مسجد، سواء كان في مسجد تقام فيه الجمعة، أو في مسجد لا تقام فيه، ولكن الأفضل أن يكون في مسجد تقام فيه، حتى لا يضطر إلى الخروج لصلاة الجمعة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل للاعتكاف أقسام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف ليس إلا قسماً واحداً، وهو كما أسلفنا لزوم مسجد لطاعة الله عز وجل، لكن قد يكون أحياناً بصوم، وقد لا يكون بصوم، وقد اختلف أهل العلم: هل يصح الاعتكاف بدون صوم، أو لا يصح إلا بصوم، ولكن الاعتكاف المشروع إنما هو ما كان في ليالي العشر عشر من رمضان، لأن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعتكف هذه العشر رجاءً لليلة القدر، ولم يعتكف في غيرها إلا سنة لم يعتكف في رمضان، فقضاه في شوال.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم الاعتكاف؟ وهل يجوز للمعتكف الخروج لقضاء الحاجة
(20/155)

والأكل وكذلك الخروج للتداوي؟ وما هي سنن الاعتكاف؟ وكيفية الاعتكاف الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف لزوم المساجد للتخلي لطاعة الله عز وجل، وهو مسنون لتحري ليلة القدر، وقد أشار الله تعالى إليه في القرآن بقوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ، وثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعتكف، واعتكف أصحابه معه، وبقي الاعتكاف مشروعاً لم ينسخ، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده» . وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: «إني أعتكف العشر الأول ألتمس هذه الليلة (يعني ليلة القدر) ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف» . فاعتكف الناس معه. وقال الإمام أحمد رحمه الله: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافاً أن الاعتكاف مسنون.
(20/156)

وعلى هذا يكون الاعتكاف مسنوناً بالنص والإجماع.
ومحله المساجد التي تقام فيها الجماعة في أي بلد كان لعموم قوله تعالى: {وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} . والأفضل أن يكون في المسجد الذي تقام فيه الجمعة، لئلا يحتاج إلى الخروج إليها، فإن اعتكف في غيره فلا بأس أن يبكر إلى صلاة الجمعة.
وينبغي للمعتكف أن يشتغل بطاعة الله عز وجل من صلاة وقراءة قرآن، وذكر الله عز وجل، لأن هذا هو المقصود من الاعتكاف، ولا بأس أن يتحدث إلى أصحابه قليلاً، لاسيما إذا كان في ذلك فائدة.
ويحرم على المعتكف الجماع ومقدماته.
وأما خروجه من المسجد فقد قسمه الفقهاء إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: جائز، وهو الخروج لأمر لابد منه شرعاً، أو طبعاً، كالخروج لصلاة الجمعة، والأكل، والشرب إن لم يكن له من يأتيه بهما، والخروج للوضوء، والغسل الواجبين، ولقضاء حاجة البول والغائط.
القسم الثاني: الخروج لطاعة لا تجب عليه كعيادة المريض، وشهود الجنازة، فإن اشترطه في ابتداء اعتكافه جاز، وإلا فلا.
القسم الثالث: الخروج لأمر ينافي الاعتكاف كالخروج للبيع والشراء، وجماع أهله ونحو ذلك فهذا لا يجوز لا بشرط، ولا بغير شرط.
(20/157)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم الاعتكاف في شهر رمضان؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف في رمضان سنة فعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته، واعتكف أزواجه من بعده، وحكى أهل العلم إجماع العلماء على أنه مسنون، ولكن الاعتكاف ينبغي أن يكون على الوجه الذي من أجله شرع وهو أن يلزم الإنسان مسجداً لطاعة الله سبحانه وتعالى، بحيث يتفرغ من أعمال الدنيا إلى طاعة الله، بعيداً عن شؤون دنياه، ويقوم بأنواع الطاعة من صلاة وقرآن وذكر وغير ذلك، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتكف ترقباً لليلة القدر، والمعتكف يبعد عن أعمال الدنيا فلا يبيع ولا يشتري، ولا يخرج من المسجد إلا لما لابد منه، ولا يتبع جنازة، ولا يعود مريضاً، وأما ما يفعله بعض الناس من كونهم يعتكفون ثم يأتي إليهم الزوار أثناء الليل وأطراف النهار، ويضيعون أوقاتهم بما لا فائدة فيه، وقد يتخلل ذلك أحاديث محرمة، فذلك مناف لمقصود الاعتكاف، ولكن إذا زاره أحد من أهله وتحدث عنده فذلك لا بأس به، فقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن زوجته صفية رضي الله عنها زارته وهو معتكف فتحدث معها، المهم أن يجعل الإنسان اعتكافه تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى وينتهز فرصة خلوته في طاعة الله عز وجل.
(20/158)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما الحكم إذا لم يسمح الوالد لولده بالاعتكاف وبأسباب غير مقنعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف سنة، وبر الوالدين واجب، والسنة لا يسقط بها الواجب، ولا تعارض الواجب أصلاً، لأن الواجب مقدم عليها، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه» فإذا كان أبوك يأمرك بترك الاعتكاف ويذكر أشياء تقتضي أن لا تعتكف، لأنه محتاج إليك فيها، فإن ميزان ذلك عنده وليس عندك، لأنه قد يكون الميزان عندك غير مستقيم وغير عدل، لأنك تهوى الاعتكاف، فتظن أن هذه المبررات ليست مبرراً، وأبوك يرى أنها مبرر، فالذي أنصحك به أن لا تعتكف، لكن لو لم يذكر مبررات لذلك، فإنه لا يلزمك طاعته في هذه الحال؛ لأنه لا يلزمك أن تطيعه في أمر ليس فيه منفعة له، وفيه تفويت منفعة لك.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يشرع الاعتكاف في غير رمضان؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشروع أن يكون في رمضان فقط، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يعتكف في غير رمضان إلا ما كان منه في شوال حين ترك الاعتكاف عاماً في رمضان فاعتكف في شوال، ولكن
(20/159)

لو اعتكف الإنسان في غير رمضان لكان هذا جائزاً، لأن عمر رضي الله عنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: «إني نذرت أن أعتكف ليلة، أو يوماً في المسجد الحرام» فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «أوف بنذرك» لكن لا يؤمر الإنسان ولا يطلب منه أن يعتكف في غير رمضان.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة، والمساجد الثلاثة هي: المسجد الحرام، ومسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والمسجد الأقصى، ودليل ذلك عموم قوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} فإن هذه الآية خطاب لجميع المسلمين، ولو قلنا: إن المراد بها المساجد الثلاثة لكان أكثر المسلمين لا يخاطبون بهذه الآية، لأن أكثر المسلمين خارج مكة والمدينة والقدس، وعلى هذا فنقول: إن الاعتكاف جائز في جميع المساجد، وإذا صح الحديث أنه: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» فإن المراد الاعتكاف الأكمل والأفضل، ولا شك أن الاعتكاف في المساجد الثلاثة أفضل من غيره، كما أن الصلاة في المساجد الثلاثة أفضل من غيرها، فالصلاة في المسجد
(20/160)

الحرام بمئة ألف صلاة، والصلاة في مسجد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام، والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن حكم الاعتكاف في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة وهي المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى مشروع في وقته، ولا يختص بالمساجد الثلاثة، بل يكون فيها وفي غيرها من المساجد، هذا قول أئمة المسلمين أصحاب المذاهب المتبوعة كالإمام أحمد، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة وغيرهم رحمهم الله لقوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ولفظ المساجد عام لجميع المساجد في أقطار الأرض، وقد جاءت هذه الجملة في آخر آيات الصيام الشامل حكمها لجميع الأمة في جميع الأقطار، فهي خطاب لكل من خوطبوا بالصوم، ولهذا ختمت هذه الأحكام المتحدة في السياق والخطاب بقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} . ومن البعيد جداً أن يخاطب الله الأمة بخطاب لا يشمل إلا أقل القليل منهم، أما حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» فهذا إن سلم من القوادح فهو نفي للكمال،
(20/161)

يعني أن الاعتكاف الأكمل ما كان في هذه المساجد الثلاثة، وذلك لشرفها وفضلها على غيرها. ومثل هذا التركيب كثير، أعني أن النفي قد يراد به نفي الكمال، لا نفي الحقيقة والصحة مثل قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا صلاة بحضرة طعام» وغيره. ولا شك أن الأصل في النفي أنه نفي للحقيقة الشرعية أو الحسية، لكن إذا وجد دليل يمنع ذلك تعين الأخذ به، كما في حديث حذيفة. هذا على تقدير سلامته من القوادح، والله أعلم.
كتبه الفقير إلى الله محمد الصالح العثيمين في 11/9/ 1409 هـ.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن أركان الاعتكاف وشروطه، وهل يصح بلا صوم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف ركنه كما أسلفت لزوم المسجد لطاعة الله عز وجل تعبداً له، وتقرباً إليه، وتفرغاً لعبادته، وأما شروطه فهي شروط بقية العبادات فمنها: الإسلام، والعقل، ويصح من غير البالغ، ويصح من الذكر، ومن الأثنى، ويصح بلا صوم، ويصح في كل مسجد.
(20/162)

* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: المرأة إذا أرادت الاعتكاف فأين تعتكف؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة إذا أرادت الاعتكاف فإنما تعتكف في المسجد إذا لم يكن في ذلك محذور شرعي، وإن كان في ذلك محذور شرعي فلا تعتكف.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: تفضيل الصلاة في المسجد الحرام هل يشمل النفل والفريضة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يشمل النفل والفريضة، فكل صلاة في المسجد الحرام خير من مئة ألف صلاة فيما عداه، فمثلاً تحية المسجد إذا دخلت المسجد الحرام خير من مئة ألف تحية فيما عداه.
وهنا مسألة: وهي هل تحية المسجد الحرام الطواف، أو تحية المسجد الحرام صلاة ركعتين؟
اشتهر عند كثير من الناس أن تحية المسجد الحرام الطواف، وليس كذلك، ولكن تحيته الطواف لمن أراد أن يطوف، فإذا دخل الإنسان المسجد الحرام يريد الطواف فإن طوافه يغني عن تحية المسجد، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل المسجد الحرام للطواف ولم يصل التحية. لكن إذا دخل المسجد الحرام بنية انتظار الصلاة، أو حضور مجلس العلم، أو ما أشبه ذلك فإن تحيته أن يصلي ركعتين كغيره من المساجد، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» وهذا يشمل المسجد الحرام.
(20/163)

464 سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: من جاء للحج أو العمرة وصلى في مساجد مكة فهل يدرك من المضاعفة في تلك المساجد ما يدركه في المسجد الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يدرك من المضاعفة ما يدركه من المسجد الحرام، لأنه ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة» فخص ذلك بمسجد الكعبة.

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل تضعيف أجر الصلاة في المسجد الحرام خاص بالمسجد أو يعم سائر الحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: تضعيف الأجر في الصلاة في المسجد الحرام خاص بالمسجد الذي فيه الكعبة فقط، ولا يشمل ذلك جميع الحرم، لما رواه مسلم في صحيحه باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة عن ميمونة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «صلاة فيه أي المسجد النبوي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد
(20/164)

الكعبة» . هذا هو القول الراجح، وهو ظاهر كلام أصحابنا فقهاء الحنابلة، كما ذكر ذلك صاحب الفروع عنهم، قال في الفروع (ص 006 ج 1 ط آل ثاني) : وظاهر كلامهم في المسجد الحرام أنه نفس المسجد، ومع هذا فالحرم أفضل من الحل فالصلاة فيه أفضل. اه. وذلك لأن المسجد الحرام عند الإطلاق يختص بالمسجد الذي فيه الكعبة، لقوله تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَالِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ} وقوله: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْءَامَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَْخِرِ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} وقوله: {فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَاذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وقوله: {وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفاً
أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللهُ فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} ولم يصدوه عن الحرم، وكقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» . فإن المرء لو شد الرحل إلى مسجد الشعب، أو مسجد الجودرية، أو مسجد الخيف، أو غيرهن من مساجد الحرم لم يكن له ذلك، فإذا كان شد الرحل خاصًّا بالمسجد الذي فيه الكعبة كان التضعيف خاصًّا به أيضاً، لأنه إنما جاز شد الرحل من أجل هذا التضعيف ليدركه من شد الرحل، ولكن لا شك أن الصلاة في الحرم أفضل من الصلاة في الحل، إلا أنه ليس فيها التضعيف الذي في المسجد الحرام. هذا هو القول الراجح.
(20/165)

والقول الثاني: أن التضعيف يشمل جميع الحرم، واستدلوا بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَاذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عَامِهِمْ هَاذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} وقوله سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْءْايَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} وقد روي أنه أسري به من بيت أم هانىء. واستدلوا بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في الحديبية مقيماً في الحل ويصلي في الحرم. ولكن لا دلالة فيما ذكروا لقولهم، لأن الآية الأولى قال فيها سبحانه: {فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَاذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} لم يقل: فلا يدخلوا. وعليه فالمراد بالمسجد الحرام فيها مسجد الكعبة نهوا عن قربانه، وذلك بأن لا يدخلوا حدود الحرم، ولو كان المراد بالمسجد الحرام جميع الحرم لكان المشركون منهيين عن قربان الحرم، لا عن الدخول فيه، ولكان بين حدود الحرم والمكان المباح لهم مسافة تفصل بينهم وبين الحرم، بحيث لا يكونون قريبين منه.
وأما الآية الثانية فإن المراد بالمسجد الحرام فيها مسجد الكعبة أيضاً، وذلك لأن الرواية الصحيحة أنه أسري به من الحجر لا من بيت أم هانىء.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هناك بعض الناس يقدمون من مناطق مختلفة ليعتكفوا العشر الأواخر من رمضان في المسجد الحرام، ولكنهم يتركون السنن
(20/166)

الرواتب أرجو التفصيل والله يحفظكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: في الحقيقة أن الإنسان إذا منّ الله عليه أن يصل إلى هذا المسجد فإنه ينبغي له أن يكثر من الصلاة، سواء كانت من الصلاة المشروعة، أو من الصلوات الأخرى الجائزة، والإنسان الذي يكون في هذا المكان أمامه النوافل المطلقة يعني إذا قلنا: إن المسافر لا يصلي راتبة الظهر، ولا راتبة المغرب، ولا راتبة العشاء فليس معنى ذلك أن نقول: لا تصلي أبداً بل نقول: صلِّ وأكثر من الصلاة، والصلاة خير موضوع، وهي كما قال عز وجل: {إِنَّ الصلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} ، ولهذا نحن نحث إخواننا على أن يكثروا من النوافل والصلاة في هذا المسجد وإن كانوا مسافرين، لأن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يمنعه السفر من أن يتطوع بالصلاة، بل كان عليه الصلاة والسلام يدع سنة الظهر، وسنة العشاء، وسنة المغرب، وباقي النوافل باقية على استحبابها، وحينئذ لا يكون في المسألة إشكال.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يضاعف أجر الصوم في مكة كما حصل في أجر الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: جوابنا على هذا السؤال أن نقول: الصلاة في مكة أفضل من الصلاة في غيرها بلا ريب، ولهذا ذكر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينما كان مقيماً في الحديبية في غزوة الحديبية كان في الحل، ولكنه يصلي داخل أميال الحرم، وهذا يدل على أن
(20/167)

الصلاة في الحرم أي داخل أميال الحرم أفضل من الصلاة في الحل، وذلك لفضل المكان، وقد أخذ العلماء من ذلك قاعدة قالوا فيها: «إن الحسنات تضاعف في كل مكان أو زمان فاضل» كما أن الحسنات تتضاعف باعتبار العامل كما ثبت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» إذاً فالعبادات تتضاعف باعتبار العامل، وباعتبار الزمان والمكان، كما تختلف أيضاً في ثوابها باعتبار جنسها وهيئتها. وقد أخذ أهل العلم من ذلك أن الصيام يضاعف في مكة، ويكون أفضل من الصيام في غيرها، وذلك لشرف مكانه، على أن الصيام إمساك وليس بعمل يحتاج إلى زمان ومكان، سوى الزمان الذي شرع فيه وهو من طلوع الفجر الثاني إلى مغيب الشمس، وقد ورد في حديث عند ابن ماجه بسند ضعيف «أن من صام رمضان بمكة وقام ما تيسر منه كتب له أجر مئة ألف رمضان» وهذا إسناده ضعيف، ولكنه يستأنس به، ويدل على أن صوم رمضان في مكة أفضل من صومه في غيرها.
* * *
(20/168)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل تتضاعف السيئات في مكة وما كيفية مضاعفتها؟
فأجاب فضيلته بقوله: المضاعفة في مكة بالنسبة للسيئات ليست من ناحية الكمية، ولكنها تتضاعف من ناحية الكيفية، بمعنى أن العقوبة تكون أشد وأوجع، والدليل أنها لا تضاعف كمية قوله تعالى: {مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى" إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} ، وهذه الآية مكية، لأنها في سورة الأنعام، لكن كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} يعني أن إيلام العقوبة في مكة أشد من إيلام العقوبة إذا فعلت هذه المعصية خارج مكة. وفي هذا التحذير الشديد من المعاصي في مكة.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: متى يبتدىء الاعتكاف؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب فضيلته بقوله: جمهور أهل العلم على أن ابتداء الاعتكاف من ليلة إحدى وعشرين لا من فجر إحدى وعشرين، وإن كان بعض العلماء ذهب إلى أن ابتداء الاعتكاف من فجر إحدى وعشرين مستدلاًّ بحديث عائشة رضي الله عنها عند
(20/169)

البخاري: «فلما صلى الصبح دخلمعتكفه» لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأن الرسول عليه الصلاة والسلام انفرد من الصباح عن الناس، وأما نية الاعتكاف فهي من أول الليل، لأن العشر الأواخر تبتدىء من غروب الشمس يوم عشرين.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: متى يخرج المعتكف من اعتكافه أبعد غروب شمس ليلة العيد أم بعد فجر يوم العيد؟
فأجاب فضيلته بقوله: يخرج المعتكف من اعتكافه إذا انتهى رمضان، وينتهي رمضان بغروب الشمس ليلة العيد.
* * *
(20/170)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم.... حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم الكريم المؤرخ 12 من الشهر الحالي وصل، وإليكم جواب الأسئلة التي فيه، سائلين الله تعالى أن يلهمنا الصواب.
المسألة الأولى: دخول المعتكف للعشر الأواخر يكون دخوله عند غروب الشمس من ليلة إحدى وعشرين، وذلك لأن ذلك وقت دخول العشر الأواخر، وهذا لا يعارضه حديث عائشة ولا حديث أبي سعيد رضي الله عنه لأن ألفاظهما مختلفة، فيؤخذ بأقربها إلى المدلول اللغوي، وهو ما رواه البخاري من حديث عائشة أول حديث في (باب الاعتكاف في شوال) ص 382 ج 4 من الفتح) قالت: «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتكف في كل رمضان فإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه» ، الحديث. وما رواه من حديث أبي سعيد (ثاني حديث في (باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر) ص 952 منه) قال: «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان حين
(20/171)

يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه، وأنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله، ثم قال: «كنت أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه» ، قال: «وقد رأيتني أسجد في ماء وطين» ، فاستهلت السماء في تلك الليلة فأمطرت فوكف المسجد في مصلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة إحدى وعشرين فبصرت عيني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونظرت إليه انصرف من الصبح ووجهه ممتلىء طيناً وماء.
ففي حديث عائشة: «دخل مكانه الذي اعتكف فيه» وهو يقتضي أنه سبق مكثه دخوله، لأن قولها: «اعتكف» فعل ماض، والأصل استعماله في حقيقته.
وفي حديث أبي سعيد: «فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي ويستقبل إحدى وعشرين» والمساء آخر النهار وهو وقت استقبال الليلة التالية، وعلى هذا فتكون خطبته آخر نهار يوم العشرين، ويؤيده الرواية الثانية في حديثه وهو الحديث الثالث من (باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها) ص 172 منه، فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين قال: «من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من
(20/172)

صبيحتها» ، قال: فمطرت السماء تلك الليلة فبصرت عيناي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين.
(20/173)

174 سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عن أقسام خروج المعتكف من معتكفه؟
فأجاب فضيلته بقوله: خروج المعتكف من معتكفه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون خروجاً لما ينافي الاعتكاف كما لو خرج ليجامع أهله، أو خرج ليبيع ويشتري وما أشبه ذلك مما هو مضاد للاعتكاف ومنافٍ له، فهذا الخروج لا يجوز وهو مبطل للاعتكاف، سواء شرطه أم لم يشترطه، ومعنى قولنا: «لا يجوز» أنه إذا وقع في الاعتكاف أبطله، وعلى هذا فإذا كان الاعتكاف تطوعاً وليس بواجب بنذر فإنه إذا خرج لا يأثم، لأن قطع النفل ليس فيه إثم ولكنه يبطل اعتكافه فلا يبنى على ما سبق.
القسم الثاني: من خروج المعتكف: أن يخرج لأمر لابد له منه وهو أمر مستمر كالخروج للأكل إذا لم يكن له من يأتِ به، والخروج لقضاء الحاجة إذا لم يكن في المسجد ما يقضي به حاجته، وما أشبه ذلك من الأمور التي لابد منها وهي أمور مطردة مستمرة فهذا الخروج له أن يفعله، سواء اشترط ذلك أم لم يشترطه، لأنه وإن لم يشترط في اللفظ فهو مشترط في العادة، فإن كل أحدٍ يعرف أنه سيخرج لهذا الأمور.
القسم الثالث: ما لا ينافي الاعتكاف، ولكنه له منه بد، مثل الخروج لتشييع جنازة، أو لعيادة مريض، أو لزيارة قريب، أو ما أشبه ذلك مما هو طاعة، ولكنه له منه بد، فهذا يقول أهل العلم: إن اشترطه في ابتداء اعتكافه فإنه يفعله، وإن لم يشترطه، فإنه لا
(20/174)

يفعله، فهذا هو ما يتعلق بخروج المعتكف من المسجد. والله أعلم.

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما مستحبات الاعتكاف؟
فأجاب فضيلته بقوله: مستحباته أن يشتغل الإنسان بطاعة الله عز وجل من قراءة القرآن والذكر والصلاة وغير ذلك، وأن لا يضيع وقته فيما لا فائدة فيه، كما يفعل بعض المعتكفين تجده يبقى في المسجد يأتيه الناس في كل وقت يتحدثون إليه ويقطع اعتكافه بلا فائدة، وأما التحدث أحياناً مع بعض الناس أو بعض الأهل فلا بأس به، لما ثبت في الصحيحين من فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين كانت صفية رضي الله عنها تأتي إليه فتتحدث إليه ساعة ثم تنقلب إلى بيتها.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: عما ينبغي أن يفعله المعتكف؟
فأجاب فضيلته بقوله: المعتكف كما أسلفنا يلتزم المسجد للتفرغ لطاعة الله عز وجل وعبادته، فينبغي أن يكون أكثر همه اشتغاله بالقربات من الذكر وقراءة القرآن وغير ذلك، ولكن المعتكف أفعاله تنقسم إلى أقسام: قسم مباح، وقسم مشروع ومستحب، وقسم ممنوع.
(20/175)

فأما المشروع: فهو أن يشتغل بطاعة الله وعبادته والتقرب إليه، لأن هذا لب الاعتكاف والمقصود منه، ولذلك قيد بالمساجد.
وقسم آخر وهو القسم الممنوع وهو ما ينافي الاعتكاف مثل أن يخرج الإنسان من المسجد بلا عذر، أو يبيع، أو يشتري، أو يجامع زوجته، ونحو ذلك من الأفعال التي تبطل الاعتكاف لمنافاتها لمقصوده.
وقسم ثالث جائز مباح، كالتحدث إلى الناس والسؤال عن أحوالهم وغير ذلك مما أباحه الله تعالى للمعتكف، ومنه خروجه لما لابد له منه كخروجه لإحضار الأكل والشرب إذا لم يكن له من يحضرهما، وخروجه إلى قضاء الحاجة من بول وغائط، وكذلك خروجه لأمر مشروع واجب، بل هذا واجب عليه كما لو خرج ليغتسل من الجنابة.
وأما خروجه لأمر مشروع غير واجب فإن اشترطه فلا بأس، وإن لم يشترطه فلا يخرج، وذلك كعيادة المريض وتشييع الجنازة وما أشبههما، فله أن يخرج لهذا إن اشترطه، وإذا لم يشترطه فليس له أن يخرج، ولكن إذا مات له قريب، أو صديق وخاف إن لم يخرج أن يكون هناك قطيعة رحم أو مفسدة، فإنه يخرج ولو بطل اعتكافه، لأن الاعتكاف المستحب لا يلزم المضي فيه.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للمعتكف التنقل في أنحاء المسجد؟
(20/176)

فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمعتكف أن يتنقل في أنحاء المسجد من كل جهة، لعموم قوله تعالى: {وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} وفي للظرفية فتشمل جميع أنحاء المسجد.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: أنا معتكفة في المسجد الحرام، وكنت أبحث عن أخت لي أحببتها في الله، وكنت أتمنى رؤيتها منذ سنوات، واليوم قدر الله لي أن رأيت أخواتها، وأرادوا أن يذهبوا بي إلى بيتها لرؤيتها، وإذا لم أرها اليوم ربما لا أستطيع رؤيتها بعد ذلك بسهولة، وهي لا تستطيع أن تأتي إلى المسجد بسبب الحيض فأرجو إجابتي الآن، وهل يعتبر خروجي من الاعتكاف لرؤيتها ضرورة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: يجب أن نعلم أن الاعتكاف سنة، يعني لو أن الإنسان أبطله بدون عذر فلا إثم عليه، فالآن اعتكاف العشر الأواخر سنة لا شك فيه، ولكن لو أن الإنسان خرج من المسجد وأبطل الاعتكاف فلا شيء عليه، لأنه سنة، والسنة يجوز للإنسان أن يدعها ولو بلا عذر، لكنه لا ينبغي أن يدعها بلا عذر. وهذه المرأة التي تقول: إنها تحب أن تقابل أختاً لها في الله، ولكن ذلك لا يتيسر لها، إلا إذا خرجت من الاعتكاف، نقول لها: الأفضل أن تبقي في اعتكافك وإن خرجت فلا حرج عليك، ولكن الاعتكاف يبطل؛ لأن الخروج لغير
(20/177)

ضرورة في الاعتكاف يبطل الاعتكاف.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للمعتكف أن يذهب إلى منزله لتناول الطعام والاغتسال؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمعتكف أن يذهب إلى منزله لتناول الطعام إذا لم يكن عنده من يحضر الطعام إليه، فإن كان عنده من يحضر الطعام إليه في المسجد فإنه لا يخرج، لأن المعتكف لا يخرج إلا لأمر لابد له منه.
وأما الاغتسال فإن كان من جنابة وجب عليه أن يخرج، لأنه لابد من الاغتسال، وإن كان عن غير جنابة للتبرد فلا يخرج، لأن هذا أمر له منه بد، وإن كان لإزالة رائحة يشق عليه بقاؤها فله الخروج، فصار الخروج للاغتسال ثلاثة أقسام: واجباً، وجائزاً، وممنوعاً.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: شخص عليه التزامات لأهله فهل الأفضل له أن يعتكف؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاعتكاف سنة وليس بواجب، ومع ذلك إذا كان على الإنسان التزامات لأهله فإن كانت الالتزامات واجبة عليه وجب عليه القيام بها، وكان آثماً بالاعتكاف الذي يحول دونها، وإن كانت غير واجبة فإن قيامه بتلك الالتزامات قد يكون أفضل من الاعتكاف، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما
(20/178)

عشت، فدعاه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: أنت قلت ذلك؟ قال: نعم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صم وأفطر، ونم وقم، فإن لنفسك عليك حقًّا، ولربك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا» فكون الإنسان يدع التزاماته ليعتكف قصور منه في العلم، وقصور في الحكمة أيضاً، لأن قيام الإنسان بحاجة أهله أفضل من كونه يعتكف، أما الإنسان المتفرغ فالاعتكاف في حقه مشروع، فإذا كان عليه التزامات في أول العشر ولكنه يفرغ منها في أثنائها، وأراد أن يعتكف البقية فلا بأس، لأنه يدخل في قوله: {فَاتَّقُواْ اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَِنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: متى يخرج المعتكف من معتكفه؟
فأجاب فضيلته بقوله: يخرج المعتكف إذا انتهى رمضان، ورمضان ينتهي بغروب الشمس ليلة العيد، فإذا غربت الشمس ليلة العيد انتهى وقت الاعتكاف، كما أنه يدخل المعتكف عند غروب الشمس ليلة العشرين من رمضان، فإن العشر الأواخر تبتدىء بغروب الشمس ليلة العشرين من رمضان وتنتهي بغروب الشمس ليلة العيد.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للمعتكف الاتصال بالهاتف لقضاء حوائج بعض
(20/179)

المسلمين؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمعتكف أن يتصل بالهاتف لقضاء حوائج بعض المسلمين إذا كان الهاتف في المسجد الذي هو معتكف فيه، لأنه لم يخرج من المسجد، أما إذا كان خارج المسجد فلا يخرج لذلك، وقضاء حوائج المسلمين إذا كان هذا الرجل معنيًّا بها فلا يعتكف، لأن قضاء حوائج المسلمين أهم من الاعتكاف، لأن نفعها متعدٍّ، والنفع المتعدي أفضل من النفع القاصر، إلا إذا كان النفع القاصر من مهمات الإسلام وواجبات الإسلام.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجوز للمعتكف في المسجد الحرام أن يطوف حول الكعبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: المعتكف له أن يذهب ويجيء مادام في المسجد الذي اعتكف فيه، فله أن ينتقل من جهة إلى جهة، وله أن يصلي في أي مكان من المسجد، وله إذا كان في المسجد الحرام أن يطوف، لأنه ليس معنى الاعتكاف أن الإنسان يبقى في نفس المكان لا يتعداه، ولكن معنى الاعتكاف أن يكون ملازماً للمسجد.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا دعي المدرس المعتكف إلى اجتماع في المدرسة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الاجتماع الذي قرر في
(20/180)

المدرسة إذا كان معلوماً قبل دخول الاعتكاف واشترط الإنسان أن يخرج له فلا بأس، أما إذا لم يكن معلوماً فإن دعي الإنسان إلى حضور هذا الاجتماع فيخرج من الاعتكاف، لأن دعوة ولي الأمر مدير المدرسة في هذا تقتضي أن يحضر الإنسان ويكون له الأجر فيما سلف من الاعتكاف، وأصل الاعتكاف سنة وليس بواجب، فللإنسان أن يخرج من الاعتكاف بدون أي سبب، لأن جميع العبادات التي ليست بواجبة يجوز للإنسان أن يخرج منها بدون سبب إلا عبادة الحج والعمرة لقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَالِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُو"اْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لكن أهل العلم يقولون: يكره أن يخرج من التطوع إلا لغرض صحيح.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل للمعتكف في الحرم أن يخرج للأكل أو الشرب؟ وهل يجوز له الصعود إلى سطح المسجد لسماع الدروس؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، يجوز للمعتكف في المسجد الحرام أو غيره أن يخرج للأكل والشرب، إن لم يكن في إمكانه أن يحضرهما إلى المسجد، لأن هذا أمر لابد منه، كما أنه سوف يخرج لقضاء الحاجة، وسوف يخرج للاغتسال من جنابة إذا كانت عليه الجنابة.
وأما الصعود إلى سطح المسجد فهو أيضاً لا يضر لأن الخروج من باب المسجد الأسفل إلى السطح ما هي إلا خطوات قليلة ويقصد بها الرجوع إلى المسجد أيضاً، فليس في هذا بأس.
(20/181)

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم التزام مكان معين في المسجد الحرام لغير المعتكف ليصلي فيه طيلة شهر رمضان مع وضعه للوسائد والفرش على الأعمدة في الحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: المسجد الحرام كغيره من المساجد يكون لمن سبق، ولا يحل لأحد خارج المسجد أن يتحجر مكاناً له في المسجد.
أما إذا كان في نفس المسجد، ولكنه أحب أن يبتعد عن ضوضاء الناس وجلس في مكان واسع فإذا قربت الصلاة جاء ليصلي في مكانه الذي احتجزه فهذا لا بأس به، لأن له الحق في أن يجلس في أي مكان في المسجد، ولكن إذا قدرنا أنه يضع شيئاً ثم ذهب ليصلي في مكان آخر أوسع له، ثم لحقته الصفوف فإنه يجب عليه أن يتقدم إلى مكانه، أو يتأخر لمكان واسع، لأنه إذا وصلته الصفوف وكان في مكانه هذا فقد اتخذ لنفسه مكاناً آخر من المسجد، والإنسان لا يملك أن يتخذ مكانين له.
وأما التزام مكان معين لا يصلي إلا فيه فإن هذا منهي عنه، بل ينبغي للإنسان أن يصلي حيث ما وجد المكان.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: ما حكم المبيت في المسجد عموماً وفي الاعتكاف خصوصاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: المبيت في المسجد في الاعتكاف لابد منه، لأن المعتكف كما قال الله تعالى محله المسجد {وَلاَ
(20/182)

تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذالِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} .
وأما غير المعتكف فإنه يجوز للإنسان أن ينام في المسجد أحياناً عند الحاجة، وأما اتخاذه مناماً دائماً فهذا ليست مما بنيت المساجد من أجله، المساجد بنيت لإقامة الصلاة، وقراءة القرآن والعلم، لكن لا بأس أن يتخذه الإنسان أحياناً مكاناً ينام فيه.

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: إذا ارتكب المعتكف شيئاً لا يجوز في الاعتكاف فهل يبطل اعتكافه؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم إذا ارتكب المعتكف شيئاً يبطل الاعتكاف فإن اعتكافه يبطل، ولا ينبني آخره على أوله، وليس كل شيء محرم يبطل الاعتكاف، بل هناك أشياء خاصة تبطل الاعتكاف، فالمعتكف مثلاً لو أنه اغتاب أحداً من الناس فقد فعل محرماً، ومع ذلك فإن اعتكافه لا يبطل، إلا أن أجره ينقص.
وخلاصة الجواب: أن الإنسان المعتكف إذا فعل ما يبطل الاعتكاف فمعناه أن آخر اعتكافه لا ينبني على أوله، ولا يكتب له أجر من اعتكف العشر الأواخر من رمضان، وذلك لأنه أبطل ما سبق. والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: من نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان وأراد الخروج في الليلة الأخيرة فهل عليه حرج؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن الاعتكاف في العشر
(20/183)

الأواخر ليس بواجب إلا لمن نذره، فإنه يجب عليه أن يوفي بنذره، لأنه طاعة، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه» . وإذا لم يكن نذره وقطعه في آخر يوم أو قبله فلا إثم عليه، ولكن من أحب أن يكمله حتى يحصل على سنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه لا يخرج من معتكفه حتى يثبت دخول شهر شوال، فإذا ثبت دخوله بإتمام رمضان ثلاثين يوماً، أو بشهادة يثبت بها دخول شوال، فقد انقضى زمن الاعتكاف، فليخرج الإنسان من معتكفه، ويكون بذلك قد أدى السنة التي جاءت عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن بعض السلف استحب أن يبقى في معتكفه حتى يخرج لصلاة العيد، واستحب بعض العلماء أن لا يتجمل المعتكف ويصلي بثياب اعتكافه، ولكن هذا غير صحيح، فالمعتكف يتجمل للعيد كما يتجمل غيره من الناس، والله أعلم.
* * *

سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: هل يجب على الصائم ختم القرآن في رمضان؟
فأجاب فضيلته بقوله: ختم القرآن في رمضان للصائم ليس بأمر واجب، ولكن ينبغي للإنسان في رمضان أن يكثر من قراءة القرآن، كما كان ذلك سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد كان عليه الصلاة والسلام يدارسه جبريل القرآن كل رمضان.
(20/184)

884 سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله تعالى -: قال بعض العلماء: ينبغي للإنسان إذا دخل المسجد أن ينوي الاعتكاف فهل لهذا القول دليل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا القول لا دليل عليه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يشرعه لأمته لا بقوله، ولا بفعله، وإنما كان عليه الصلاة والسلام يعتكف العشر الأواخر من رمضان تحرياً لليلة القدر.
* * *
(20/185)

مجالس شهر رمضان
مقدمة
(20/187)

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما.
أما بعد: فهذه مجالس لشهر رمضان المبارك تستوعب كثيرا من أحكام الصيام والقيام والزكاة، وما يناسب المقام في هذا الشهر الفاضل، رتبتُها على مجالس يومية أو ليلية، انتخبت كثيرا من خطبها من كتاب " قرة العيون المبصرة بتلخيص كتاب التبصرة " مع تعديل ما يحتاج إلى تعديله، وأكثرت فيها من ذكر الأحكام والآداب لحاجة الناس إلى ذلك. سميته (مجالس شهر رمضان) ، وقد سبق أن طبع عدة مرات، ثم بدا لي أن أعلق عليه بصفة مختصرة تخريج أحاديثه، وإضافة ما رأيته محتاجا إلى إضافة، وحذف ما رأيته مستغْنًى عنه، وهو يسير لا يخل بمقصود الكتاب. أسأل الله تعالى أن يجعل عملنا خالصا لله، وأن ينفع به، إنه جواد كريم.
(20/189)

المجلس الأول: في فضل شهر رمضان
الحمد لله الذي أنشأ وبرا، وخلق الماء والثرى، وأبدع كل شيء وذرا، لا يغيب عن بصره صغير النمل في الليل إذا سرى، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى} {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 6 - 8] ، خلق آدم فابتلاه ثم اجتباه فتاب عليه وهدى، وبعث نوحا فصنع الفُلْك بأمر الله وجرى، وَنَجَّى الخليل من النار فصار حرها بردا وسلاما عليه، فاعتبِروا بما جرى، وآتى موسى تسع آيات فما ادَّكر فرعون وما ارعوى، وأيَّد عيسى بآيات تبهر الورى، وأنزل الكتاب على محمد فيه البيِّنات والهدى، أحمده على نعمه التي لا تزال تترى، وأصلي وأسلم على نبيه محمد المبعوث في أم القرى , صلى الله عليه وعلى صاحبه في الغار أبي بكر بلا مرا، وعلى عمر الملهَم في رأيه فهو بنور الله يرى , وعلى عثمان زوج ابنته ما كان حديثا يُفْتَرَى , وعلى ابن عمه علي بحر العلوم وأسد الشرى , وعلى بقية آله وأصحابه الذين انتشر فضلهم في
الورى , وسلم تسليما.
إخواني: لقد أظلنا شهر " كريم " وموسم " عظيم "، يعظم الله فيه الأجر ويجزل المواهب , ويفتح أبواب الخير فيه لكل راغب , شهر
(20/191)

الخيرات والبركات , شهر المنح والهبات , {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} , شهر " محفوف " بالرحمة والمغفرة والعتق من النار, أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، اشتهرت بفضله الأخبار، وتواترت فيه الآثار، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة وغُلِّقت أبواب النار وصُفِّدت الشياطين» (1) ، وإنما تفتح أبواب الجنة في هذا الشهر لكثرة الأعمال الصالحة وترغيبا للعاملين، وتغلق أبواب النار لقلة المعاصي من أهل الإيمان، وتصفد الشياطين فتُغَلُّ فلا يخلصون إلى ما يخلصون إليه في غيره.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أُعْطِيَتْ أمتي خمس خصال في رمضان لم تُعْطَهُنَّ أمة من الأمم قبلها: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك , وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا , ويزين الله كل يوم جنته ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك , وتصفد فيه مَرَدَة الشياطين فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره , ويغفر لهم في آخر ليلة " , قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: " لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله» (2) .
إخواني: هذه الخصال الخمس ادخرها الله لكم وخصكم بها
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه أحمد والبزار والبيهقي وأبو الشيخ في كتاب الثواب، وإسناده ضعيف جدا لكن لبعضه شواهد.
(20/192)

من بين سائر الأمم , ومنَّ بها عليكم ليتمم بها عليكم النعم , وكم لله من نعم وفضائل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} [آل عمران: 110] .
* الخصلة الأولى: «أن خُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (1) , والخلوف بضم الخاء أو فتحها تغير رائحة الفم عند خلو المعدة من الطعام , وهي رائحة مستكرهة عند الناس لكنها عند الله أطيب من رائحة المسك؛ لأنها ناشئة عن عبادة الله وطاعته , وكل ما نشأ عن عبادته وطاعته فهو محبوب عنده سبحانه يعوِّض عنه صاحبه ما هو خير وأفضل وأطيب , ألا ترون إلى الشهيد الذي قُتِل في سبيل الله يريد أن تكون كلمة الله هي العليا يأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دما لونه لون الدم وريحه ريح المسك؟ وفي الحج يباهي الله الملائكة بأهل الموقف فيقول سبحانه: «انظروا إلى عبادي هؤلاء جاءوني شُعثا غُبرا» (2) ، وإنما كان الشَّعَث محبوبا إلى الله في هذا الموطن لأنه ناشئ عن طاعة الله باجتناب محظورات الإحرام وترك الترفه.
* الْخَصلة الثانية: «أن الملائكة تستغفر لهم حتى يفطروا» ، والملائكة عباد مكرَمون
__________
(1) رواه البخاري ومسلم بدون تخصيص بهذه الأمة.
(2) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه وهو صحيح بشواهده.
(20/193)

عند الله لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم جديرون بأن يستجيب الله دعاءهم للصائمين حيث أذن لهم به، وإنما أذن الله لهم بالاستغفار للصائمين من هذه الأمة تنويها بشأنهم، ورفعة لذكرهم، وبيانا لفضيلة صومهم , والاستغفار طلب المغفرة , وهي ستر الذنوب في الدنيا والآخرة والتجاوز عنها , وهي من أعلى المطالب وأسمى الغايات , فكل بني آدم خطاءون مسرفون على أنفسهم مضطرون إلى مغفرة الله عز وجل.
الخصلة الثالثة: «أن الله يزين كل يوم جنته ويقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى ويصيروا إليك» فيزين الله تعالى جنته كل يوم تهيئة لعباده الصالحين وترغيبا في الوصول إليها , ويقول سبحانه: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤونة والأذى , يعني مؤونة الدنيا وتعبها وأذاها، ويُشَمِّروا إلى الأعمال الصالحة التي فيها سعادتهم في الدنيا والآخرة، والوصول إلى دار السلام والكرامة.
* الخصلة الرابعة: «أن مردة الشياطين يُصَفَّدون» (1) «بالسلاسل والأغلال» ، فلا يصلون
__________
(1) رواه البخاري ومسلم بلفظ: صفدت الشياطين , وابن خزيمة بلفظ: الشياطين مردة الجن، وفي رواية للنسائي: مردة الشياطين. وكلهم من حديث أبي هريرة بدون تخصيص بهذه الأمة.
(20/194)

إلى ما يريدون من عباد الله الصالحين من الإضلال عن الحق والتثبيط عن الخير , وهذا من معونة الله لهم أن حبس عنهم عدوهم الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير , ولذلك تجد عند الصالحين من الرغبة في الخير والعزوف عن الشر في هذا الشهر أكثر من غيره.
* الخصلة الخامسة: «أن الله يغفر لأمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في آخر ليلة من هذا الشهر» (1) إذا قاموا بما ينبغي أن يقوموا به في هذا الشهر المبارك من الصيام والقيام تفضلا منه سبحانه بتوفية أجورهم عند انتهاء أعمالهم , فإن العامل يوفى أجره عند انتهاء عمله) .
وقد تفضل سبحانه على عباده بهذا الأجر من وجوه ثلاثة:
__________
(1) رواه البخاري ومسلم بلفظ: صفدت الشياطين , وابن خزيمة بلفظ: الشياطين مردة الجن، وفي رواية للنسائي: مردة الشياطين. وكلهم من حديث أبي هريرة بدون تخصيص بهذه الأمة.
(2) روى نحوه البيهقي من حديث جابر , قال المنذري: وإسناده مقارب أصلح مما قبله يعني حديث أبي هريرة الذي في الأصل.
* الوجه الأول: أنه شرع لهم من الأعمال الصالحة ما يكون سببا لمغفرة ذنوبهم ورفعة درجاتهم , ولولا أنه شرع ذلك ما كان لهم أن يتعبدوا لله بها؛ إذ العبادة لا تؤخذ إلا من وحي الله على رسله , ولذلك أنكر الله على من يُشَرِّعون من دونه، وجعل ذلك نوعا من الشرك فقال سبحانه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 21] .
* الوجه الثاني: أنه وفَّقَهم للعمل الصالح وقد تركه كثير من الناس , ولولا معونة الله لهم وتوفيقه ما قاموا به , فلله الفضل والمنة بذلك.
__________
(1) روى نحوه البيهقي من حديث جابر , قال المنذري: وإسناده مقارب أصلح مما قبله يعني حديث أبي هريرة الذي في الأصل.
(20/195)

{يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17] .
* الوجه الثالث: أنه تفضل بالأجر الكثير , الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة , فالفضل من الله بالعمل والثواب عليه، والحمد لله رب العالمين.
إخواني: بلوغ رمضان نعمة كبيرة على من بلغه وقام بحقه بالرجوع إلى ربه من معصيته إلى طاعته , ومن الغفلة عنه إلى ذكره , ومن البعد عنه إلى الإنابة إليه.

يا ذا الذي ما كفاه الذنبُ في رجبٍ ... حتى عصى ربه في شهر شعبانِ
لقد أظلَّك شهر الصوم بعدهما ... فلا تُصَيِّرْهُ أيضا شهرَ عصيانِ
واتل القُرَان وسبح فيه مجتهدا ... فإنه شهر تسبيح وقرآنِ
كم كنت تعرف ممن صام في سَلَفٍ ... من بين أهل وجيران وإخوانِ
أفناهمُ الموت واستبقاك بعدهمو ... حَيًّا فما أقرب القاصي من الداني

اللهم أيقِظْنا من رقدات الغفلة , ووفقنا للتزود من التقوى قبل النُّقْلة , وارزقنا اغتنام الأوقات في ذي المهلة , واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/196)

المجلس الثاني: في فضل الصيام
الحمد لله اللطيف الرؤوف المنان , الغني القوي السلطان , الحليم الكريم، الرحيم الرحمن، الأول فلا شيء قبله والآخر فلا شيء بعده , والظاهر فلا شيء فوقه , الباطن فلا شيء دونه , المحيط علما بما يكون وما كان , يُعِز ويُذِل , ويُفْقِر ويُغْنِي , ويفعل ما يشاء بحكمته , كل يوم هو في شأن , أرسى الأرض بالجبال في نواحيها , وأرسل السحاب الثقال بماء يحييها , وقضى بالفناء على جميع ساكنيها , ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي المحسنين بالإحسان.
أحمده على الصفات الكاملة الْحِسان , وأشكره على نِعَمه السابغة وبالشكر يزيد العطاء والامتنان , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الديَّان، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى الإنس والجان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما توالت الأزمان , وسلم تسليما.
إخواني: اعلموا أن الصوم من أفضل العبادات وأَجَلِّ الطاعات , جاءت بفضله الآثار , ونقلت فيه بين الناس الأخبار.
* فمن فضائل الصوم: أن الله كتبه على جميع الأمم وفرضه عليهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا
(20/197)

كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] ، ولولا أنه عبادة عظيمة لا غنى للخلق عن التعبد بها لله وعما يترتب عليها من ثواب ما فرضه الله على جميع الأمم.
* ومن فضائل الصوم في رمضان: أنه سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات , فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدم من ذنبه» (1) ، يعني إيمانا بالله ورضا بفرضيَّة الصوم عليه واحتسابا لثوابه وأجره , ولم يكن كارها لفرضه ولا شاكًّا في ثوابه وأجره , فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه.
* وعن أبي هريرة أيضا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة مكَفِّرات لما بينهن إذا اجْتُنِبَت الكبائر» (2) .
ومن فضائل الصوم: أن ثوابه لا يتقيد بعدد معين بل يُعْطَى الصائم أجره بغير حساب , فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم , والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك , للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره , وإذا لقي ربه فرح بصومه» (3) ،
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) متفق عليه.
(20/198)

وفي رواية لمسلم: «كل عمل ابن آدم له يضاعَف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يَدَعُ شهوته وطعامه من أجلي» .
وهذا الحديث الجليل يدل على فضيلة الصوم من وجوه عديدة:
- الأول: أن الله اختص لنفسه الصوم من بين سائر الأعمال؛ وذلك لشرفه عنده ومحبته له وظهور الإخلاص له سبحانه فيه؛ لأنه سر بين العبد وبين ربه، لا يطَّلع عليه إلا الله , فإن الصائم يكون في الموضع الخالي من الناس متمكِّنا من تناول ما حرم الله عليه بالصيام فلا يتناوله؛ لأنه يعلم أن له ربا يطَّلِع عليه في خلوته , وقد حرم عليه ذلك فيتركه لله خوفا من عقابه ورغبة في ثوابه، فمن أجل ذلك شكر الله له هذا الإخلاص، واختص صيامه لنفسه من بين سائر أعماله؛ ولهذا قال: «يدع شهوته وطعامه من أجلي» ، وتظهر فائدة هذا الاختصاص يوم القيامة كما قال سفيان بن عُيَيْنة رحمه الله: إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى إذا لم يبقَ إلا الصوم يتحمل الله عنه ما بقي من المظالم، ويدخله الجنة بالصوم.
- الثاني: أن الله قال في الصوم: «وأنا أجزي به» , فأضاف الجزاء إلى نفسه الكريمة؛ لأن الأعمال الصالحة يضاعف أجرها بالعدد , الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة , أما الصوم فإن الله أضاف الجزاء عليه إلى نفسه من غير اعتبار عدد ,
(20/199)

وهو سبحانه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين.
والعطيَّة بقدر معطيها فيكون أجر الصائم عظيما كثيرا بلا حساب , والصيام صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله , وصبر على أقدار الله المؤلمة من الجوع والعطش وضعف البدن والنفس , فقد اجتمعت فيه أنواع الصبر الثلاثة، وتحقَّقَ أن يكون الصائم من الصابرين , وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .
- الثالث: أن الصوم جُنَّة أي: وقاية وستر يقي الصائم من اللغو والرفث , ولذلك قال: «" فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب» ، ويقيه أيضا من النار , ولذلك رُوي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الصيام جنة يَسْتَجِنُّ بها العبد من النار» (1) .
- الرابع: أن خَلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؛ لأنها من آثار الصيام فكانت طيبة عند الله سبحانه ومحبوبة له , وهذا دليل على عظيم شأن الصيام عند الله حتى إن الشيء المكروه المستخْبَث عند الناس يكون محبوبا عند الله وطيبا لكونه نشأ عن طاعته بالصيام.
- الخامس: أن للصائم فرحتين: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه , أما فرحه عند فطره فيفرح بما أنعم الله عليه من القيام بعبادة الصيام الذي هو من أفضل الأعمال الصالحة , وكم من أناس حرموه فلم يصوموا , ويفرح بما أباح الله له من الطعام والشراب
__________
(1) رواه الإمام أحمد بإسناد حسن.
(20/200)

والنكاح الذي كان مُحَرَّما عليه حال الصوم. وأما فرحه عند لقاء ربه فيفرح بصومه حين يجد جزاءه عند الله تعالى مُوَفَّرا كاملا في وقت هو أحوج ما يكون إليه حين يقال: أين الصائمون ليدخلوا الجنة من باب الريَّان الذي لا يدخله أحد غيرهم؟
وفي هذا الحديث إرشاد للصائم إذا سابَّه أحد أو قاتله أن لا يقابله بالمثل لئلا يزداد السباب والقتال , وأن لا يضعف أمامه بالسكوت، بل يخبره بأنه صائم إشارة إلى أنه لن يقابله بالمثل احتراما للصوم لا عجزا عن الأخذ بالثأر , وحينئذ ينقطع السباب والقتال: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34 - 35] .
- ومن فضائل الصوم: أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة , فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة , يقول الصيام: أي رب منعتُه الطعام والشهوة فَشَفِّعْنِي فيه , ويقول القرآن: منعتُه النوم بالليل فَشَفِّعْنِي فيه , قال: فيشفعان» (1) .
إخواني: فضائل الصوم لا تُدْرَك حتى يقوم الصائم بآدابه , فاجتهِدوا في إتقان صيامكم وحفظ حدوده، وتوبوا إلى ربكم من تقصيركم في ذلك،
__________
(1) رواه أحمد والطبراني والحاكم , وقال: صحيح على شرط مسلم , وقال المنذري: رجاله محتج بهم في الصحيح.
(20/201)

اللهم احفظ صيامنا واجعله شافعا لنا , واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
(20/202)

المجلس الثالث: في حكم صيام رمضان
الحمد لله الذي لا مانع لما وهب , ولا معطيَ لما سلب، طاعته للعالمين أفضل مكتسب , وتقواه للمتقين أعلى نسب، هيأ قلوب أوليائه للإيمان وكتب، وسهل لهم في جانب طاعته كل نَصَب , فلم يجدوا في سبيل خدمته أدنى تعب.
أحمده على ما منحنا من فضله ووهب , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هزم الأحزاب وغلب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي اصطفاه الله وانتخب، صلى الله عليه وعلى صحبه أبي بكر الفائق في الفضائل والرتب , وعلى عمر الذي فر الشيطان منه وهرب , وعلى عثمان ذي النورين التقي النقي الحسب , وعلى علي صهره وابن عمه في النسب , وعلى بقية أصحابه الذين اكتسبوا في الدين أعلى فخر ومكتسَب , وعلى التابعين لهم بإحسان ما أشرق النجم وغرب , وسلم تسليما.
إخواني: إن صيام رمضان أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام , قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
(20/203)

تَعْلَمُونَ} {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 183 - 185] .
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الإسلامُ على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» (1) ولمسلم: «وصوم رمضان وحج البيت» ، وأجمع المسلمون على فرضيَّة صوم رمضان إجماعا قطعيا معلوما بالضرورة من دين الإسلام , فمن أنكر وجوبه فقد كفر , فَيُسْتَتَاب فإن تاب وأقر بوجوبه وإلا قُتِلَ كافرا مُرْتَدًّا عن الإسلام، لا يُغَسَّل ولا يُكفَّن ولا يُصلَّى عليه ولا يُدْعَى له بالرحمة ويدفَن لئلا يؤذي الناس برائحته ويتأذى أهله بمشاهدته.
فُرِضَ صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، فصام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسع سنين , وكان فرض الصيام على مرحلتين:
* المرحلة الأولى: التخيير بين الصيام والإطعام مع تفضيل الصيام عليه.
* المرحلة الثانية: تعيين الصيام بدون تخيير ,
__________
(1) متفق عليه.
(20/204)

فعن سَلَمَةَ بن الأكوع رضي الله عنه قال: لما نزلت: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] كان من أراد أن يفطر ويفتدي (يعني فَعَلَ) حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، يعني بها قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] ، فأوجب الله الصيام عَيْنًا بدون تخيير (1) ، ولا يجب الصوم حتى يثبت دخول الشهر، فلا يصوم قبل دخول الشهر لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يتقدمن أحدكم بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلٌ كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم» (2) ، ويُحْكَم بدخول شهر رمضان بواحد من أمرين:
* الأول: رؤية هلاله لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} , وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا رأيتم الهلال فصوموا» (3) ، ولا يشترط أن يراه كل واحد بنفسه، بل إذا رآه من يثبت بشهادته دخول الشهر وجب الصوم على الجميع.
ويُشترط لقبول الشهادة بالرؤية أن يكون الشاهد بالغا عاقلا مسلما موثوقا بخبره لأمانته وبصره، فأما الصغير فلا يثبت الشهر بشهادته لأنه لا يُوثَق به وأَوْلَى منه المجنون، والكافر لا يثبت الشهر بشهادته أيضا لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء أعرابي إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: إني رأيت الهلال - يعني رمضان -. فقال: " أتشهد أن لا إله إلا الله؟ " قال: نعم. قال: " أتشهد أن محمدا رسول الله؟ " قال: نعم. قال: " يا بلال أَذِّنْ في الناس فليصوموا غدا» (4) ،
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه البخاري.
(3) متفق عليه.
(4) أخرجه الخمسة إلا أحمد.
(20/205)

ومن لا يُوثَق بخبره بكونه معروفا بالكذب أو بالتسرع أو كان ضعيف البصر بحيث لا يمكن أن يراه فلا يثبت الشهر بشهادته للشك في صدقه أو رجحان كذبه، ويثبت دخول شهر رمضان خاصة بشهادة رجل واحد «لقول ابن عمر رضي الله عنهما: تراءى الناس الهلال فأخبرتُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه» (1) ، ومن رآه متيقنا رؤيته وجب عليه إخبار ولاة الأمور بذلك , وكذلك من رأى هلال شوال وذي الحجة؛ لأنه يترتب على ذلك واجب الصوم والفطر والحج - وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب -، وإن رآه وحده في مكان بعيد لا يمكنه إخبار ولاة
الأمور فإنه يصوم ويسعى في إيصال الخبر إلى ولاة الأمور بقدر ما يستطيع.
وإذا أُعْلِن ثبوت الشهر من قِبَل الحكومة بالمذياع أو غيره وجب العمل بذلك في دخول الشهر وخروجه في رمضان أو غيره؛ لأن إعلانه من قِبَلِ الحكومة حجة شرعية يجب العمل بها، ولذلك أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلالا أن يؤذن في الناس معلنا ثبوت الشهر ليصوموا حين ثبت عنده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخوله، وجعل ذلك الإعلام ملزما لهم بالصيام.
وإذا ثبت دخول الشهر ثبوتا شرعيا فلا عبرة بمنازل القمر؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَّق الحكم برؤية الهلال لا بمنازله فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا» (2) ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا» (3) .
__________
(1) رواه أبو داود والحاكم وقال: على شرط مسلم.
(2) متفق عليه.
(3) رواه أحمد , وإسناده لا بأس به على اختلاف فيه , وله شاهد عند أبي داود والدارقطني وقال: هذا إسناد متصل صحيح.
(20/206)

- الأمر الثاني: مما يُحْكَم فيه بدخول الشهر: إكمال الشهر السابق قبله ثلاثين يوما؛ لأن الشهر القمري لا يمكن أن يزيد على ثلاثين يوما، ولا ينقص عن تسعة وعشرين يوما , وربما يتوالى شهران أو ثلاثة إلى أربعة ثلاثين يوما , أو شهران أو ثلاثة إلى أربعة تسعة وعشرين يوما , لكن الغالب شهر أو شهران كاملة والثالث ناقص، فمتى تم الشهر السابق ثلاثين يوما حُكِمَ شرعا بدخول الشهر الذي يليه وإن لم يُرَ الهلال لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمِّيَ عليكم الشهر فعدوا ثلاثين» (1) ، وعند البخاري: «فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين» ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان , فإن غمَّ أتم عليه ثلاثين يوما ثم صام» (2) .
وبهذه الأحاديث تبَيَّن أنه لا يصام رمضان قبل رؤية هلاله , فإن لم يُرَ الهلال أُكْمِلَ شعبانُ ثلاثين يوما، ولا يصام يوم الثلاثين منه سواء كانت الليلة صحوا أم غيما لقول عمار بن ياسر رضي الله عنه: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (3) .
اللهم وَفِّقْنَا لاتباع الهدى، وجنِّبْنا أسباب الهلاك والشقاء، واجعل
__________
(1) رواه مسلم.
(2) أخرجه ابن خزيمة وأبو داود والدارقطني وصححه.
(3) رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وذكره البخاري تعليقا.
(20/207)

شهرنا هذا لنا شهر خير وبركة، وأعنا فيه على طاعتك، وجنِّبْنا طرق معصيتك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
(20/208)

المجلس الرابع: في حكم قيام رمضان
الحمد لله الذي أعان بفضله الأقدام السالكة، وأنقذ برحمته النفوس الهالكة، ويسَّر من شاء لليسرى فرغب في الآخرة، أحمده على الأمور اللذيذة والشائكة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو العزة والقهر فكل النفوس له ذليلة عانية، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله القائم بأمر ربه سرا وعلانية، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الذي تُحَرِّض عليه الفرقة الآفكة، وعلى عمر الذي كانت نفسه لنفسه مالكة، وعلى عثمان منفق الأموال المتكاثرة، وعلى علي مفرِّق الأبطال في الجموع المتكاثفة، وعلى بقية الصحابة والتابعين لهم بإحسان ما قرعت الأقدام السالكة، وسلم تسليما.
إخواني: لقد شرع الله لعباده العبادات ونوَّعها لهم ليأخذوا من كل نوع منها بنصيب، ولئلا يملوا من النوع الواحد فيتركوا العمل فيشقى الواحد منهم ويخيب، وجعل منها فرائض لا يجوز النقص فيها ولا الإخلال، ومنها نوافل يحصل بها زيادة التقرب إلى الله والإكمال.
* فمن ذلك الصلاة: فرض الله منها على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة خمسا في الفعل وخمسين في الميزان، وندب الله إلى
(20/209)

زيادة التطوع من الصلوات تكميلا لهذه الفرائض وزيادة في القُربى إليه، فمن هذه النوافل الرواتب التابعة للصلوات المفروضة: ركعتان قبل صلاة الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، ومنها صلاة الليل التي امتدح الله في كتابه القائمين بها فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] ، وقال: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16، 17] ، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (1) ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (2) .
ومن صلاة الليل الوتر، أقله ركعة وأكثره إحدى عشرة ركعة، فيُوتِر بركعة مفردة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» . " (3) ، فإن أحب سردها بسلام واحد لما روى الطحاوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوتر بثلاث ركعات لم يسلم إلا في آخرهن , وإن أحب صلى ركعتين وسلم ثم صلى الثالثة لما روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يسلم بين الركعتين والركعة في الوتر حتى كان يأمر ببعض حاجته، ويوتر بخمس فيسردها جميعا لا يجلس ولا يسلم
__________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح وصححه الحاكم.
(3) رواه أبو داود والنسائي.
(20/210)

إلا في آخرهن لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من أحب أن يوتر بخمس فليفعل» . " (1) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء منهن إلا في آخرهن» . (2) ، ويوتر بسبع فيسردها كالخمس لقول أم سلمة رضي الله عنها: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام» (3) .
ويُوتِر بتسع فيسردها لا يجلس إلا في الثامنة، فيقرأ التشهد ويدعو ثم يقوم ولا يسلم فيصلي التاسعة ويتشهد ويدعو ويسلم لحديث عائشة رضي الله عنها في وِتر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: «كان يصلي تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليما يسمعنا» (4) ويصلي إحدى عشرة ركعة، فإن أحب سلَّم من كل ركعتين وأوتر بواحدة لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة» (5) ، وإن أحب صلى أربعا ثم أربعا ثم ثلاثا لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي أربعا» (6) «فلا تسأل عن حسنهن
__________
(1) رواه أبو داود والنسائي.
(2) متفق عليه.
(3) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه.
(4) رواه أحمد ومسلم.
(5) رواه الجماعة إلا الترمذي.
(6) يحتمل أن تكون الأربع بتسليم واحد وهو ظاهر اللفظ، ويحتمل أن تكون بتسليم من كل ركعتين، لكنه إذا صلى أربعا فصل، ثم صلى أربعا كذلك، وهذا هو الموافق لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صلاة الليل مثنى مثنى» .
(20/211)

وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا» (1) وقال الفقهاء من الحنابلة والشافعية: يجوز في الوتر بإحدى عشرة أن يسردها بتشهد واحد أو بتشهدين في الأخيرة والتي قبلها.
وصلاة الليل في رمضان لها فضيلة ومزية على غيرها لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» . (2) ومعنى قوله: " إيمانا " أي: إيمانا بالله وبما أعَدَّه من الثواب للقائمين، ومعنى قوله: " احتسابا " أي: طلبا لثواب الله لم يحمله على ذلك رياء ولا سمعة ولا طلب مال ولا جاه، وقيام رمضان شامل للصلاة في أول الليل وآخره، وعلى هذا فالتراويح من قيام رمضان، فينبغي الحرص عليها والاعتناء بها واحتساب الأجر والثواب من الله عليها، وما هي إلا ليالٍ معدودة ينتهزها المؤمن العاقل قبل فواتها، وإنما سُمِّيَتْ تراويحَ لأن الناس كانوا يطيلونها جدا فكلما صلوا أربع ركعات استراحوا قليلا.
__________
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
(20/212)

وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول من سَنَّ الجماعة في صلاة التراويح في المسجد، ثم تركها خوفا من أن تُفْرَض على أمته، فعن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى في المسجد ذات ليلة وصلى بصلاته ناس ثم صلى من القابلة، وكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما أصبح قال: " قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفْرَض عليكم» (1) وذلك في رمضان. «وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: صمنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثم لم يقم بنا في السادسة ثم قام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل أي: نصفه، فقلنا: يا رسول الله لو نَفَلْتَنَا بقية ليلتنا هذه؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كُتِبَ له قيام ليلة» (2) .
واختلف السلف الصالح في عدد الركعات في صلاة التروايح والوتر معها فقيل: إحدى وأربعون ركعة، وقيل: تسع وثلاثون، وقيل: تسع وعشرون، وقيل: ثلاث وعشرون، وقيل: تسع عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: إحدى عشرة، وقيل غير ذلك، وأرجح هذه الأقوال أنها إحدى عشرة أو ثلاث عشرة لِمَا رُوِيَ عن عائشة رضي الله عنها «أنها سُئِلَتْ: كيف كانت صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة» (3) ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كانت صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثلاث عشرة ركعة يعني من الليل» (4)
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه أهل السنن بسند صحيح.
(3) متفق عليه.
(4) رواه البخاري.
(20/213)

وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُبَيَّ بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة (1) ، وكان السلف الصالح يطيلونها جدا، ففي حديث السائب بن يزيد رضي الله عنه قال: كان القارئ يقرأ بالمئين يعني بمئات الآيات حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وهذا خلاف ما عليه كثير من الناس اليوم حيث يصلون التراويح بسرعة عظيمة لا يأتون فيها بواجب الهدوء والطمأنينة التي هي ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونها، فيخلون بهذا
الركن ويتعبون من خلفهم من الضعفاء والمرضى وكبار السن، يجنون على أنفسهم ويجنون على غيرهم، وقد ذكر العلماء رحمهم الله أنه يُكْرَه للإمام أن يُسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن، فكيف بسرعة تمنعهم فعل ما يجب؟ نسأل الله السلامة.
ولا ينبغي للرجل أن يتخلف عن صلاة التراويح لينال ثوابها وأجرها , ولا ينصرف حتى ينتهي الإمام منها ومن الوتر ليحصل له أجر قيام الليل كله، ويجوز للنساء حضور التراويح في المسجد إذا أمنت الفتنة منهن وبهن لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» . " (2) ، ولأن هذا من عمل السلف الصالح رضي الله عنهم، لكن يجب أن تأتي متسترة متحجبة غير متبرجة ولا متطيبة ولا رافعة صوتا ولا مبدية زينة لقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [
__________
(1) رواه الإمام مالك في الموطأ.
(2) متفق عليه.
(20/214)

النور: 31] ، أي: لكن ما ظهر منها فلا يمكن إخفاؤه وهو الجلباب والعباءة ونحوهما، ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لما أمر النساء بالخروج إلى الصلاة يوم العيد قالت أم عطية: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب. قال: " لِتُلْبِسْهَا أختُها من جلبابها.» (1) والسنة للنساء أن يتأخرن عن الرجال ويبعدن عنهم، ويبدأن بالصف المؤخَّر فالمؤخر عكس الرجال، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» (2) ، وينصرفن من المسجد فور تسليم الإمام، ولا يتأخرن إلا لعذر «لحديث أم
سلمة رضي الله عنها قالت: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه وهو يمكث في مقامه يسيرا قبل أن يقوم، قالت: نرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال» (3) .
اللهم وفقنا لما وفقت القوم إليه، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه البخاري.
(20/215)

المجلس الخامس: في فضل تلاوة القرآن وأنواعها
الحمد لله الداعي إلى بابه، الموفق من شاء لصوابه، أنعم بإنزال كتابه، يشتمل على مُحْكَم ومتشابه، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به، أحمده على الهدى وتيسير أسبابه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها النجاة من عقابه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل الناس عملا في ذهابه وإيابه، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر أفضل أصحابه، وعلى عمر الذي أعز الله به الدين واستقامت الدنيا به، وعلى عثمان شهيد داره ومحرابه، وعلى علي المشهور بحل المشكِل من العلوم وكشف نقابه، وعلى آله وأصحابه ومن كان أولى به، وسلم تسليما.
إخواني: قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29 - 30] .
تلاوة كتاب الله على نوعين: تلاوة حُكْميَّة وهي تصديق أخباره وتنفيذ أحكامه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وسيأتي الكلام عليها
(20/217)

في مجلس آخر إن شاء الله.
والنوع الثاني
تلاوة لفظية
وهي قراءته وقد جاءت النصوص الكثيرة في فضلها إما في جميع القرآن، وإما في سور أو آيات معينة منه , فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (1) ، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» (2) .
والأجران أحدهما على التلاوة، والثاني على مشقتها على القارئ، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَثَل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجَّة ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو» (3) ، وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» (4) .
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم أو فيقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع ومن أعدادهن من الإبل» (5) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة،
__________
(1) رواه البخاري.
(2) متفق عليه.
(3) متفق عليه.
(4) رواه مسلم.
(5) رواه مسلم.
(20/218)

وذكرهم الله فيمن عنده» (1) وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تَفَلُّتًا من الإبل في عُقُلها» (2) ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يقل أحدكم: نسيت آية كيت وكيت بل هو نُسِّيَ» (3) ؛ وذلك أن قوله: نَسِيت قد يُشْعِر بعدم المبالاة بما حفظ من القرآن حتى نسيه، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» (4) وعنه رضي الله عنه أيضا أنه قال: «إن هذا القرآن مأدُبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله المتين والنور
المبين، والشعاع النافع، عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه لا يزيغ فيُسْتَعْتَب ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي عجائبه ولا يخْلَق من كثرة الترداد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، أمَا إني لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» (5) .
إخواني: هذه فضائل قراءة القرآن , وهذا أجره لمن احتسب الأجر من الله والرضوان، أجور كبيرة لأعمال يسيرة، فالمغبون من فرَّط فيه، والخاسر من فاته الربح حين لا يمكن تلافيه، وهذه الفضائل شاملة لجميع القرآن، وقد وردت السنة بفضائل سور معينة مخصصة.
* فمن تلك السور سورة الفاتحة، فعن أبي سعيد بن الْمُعلى رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه» (6)
__________
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(3) رواه مسلم.
(4) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد صححه بعض المتأخرين موقوفا على عبد الله.
(5) رواه الحاكم.
(6) رواه البخاري.
(20/219)

، ومن أجل فضيلتها كانت قراءتها ركنا في الصلاة لا تصح الصلاة إلا بها، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (1) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِداج» يقولها ثلاثا , فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسك (2) .
ومن السور المعينة سورة البقرة وآل عمران، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران؛ فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو كأنهما فِرْقان من طير صواف تُحَاجَّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإن أَخْذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَة - يعني السَّحَرَة -» (3) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن البيت الذي تُقْرَأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان» (4) ؛ وذلك لأن فيها آية الكرسي، وقد صح عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا قربه شيطان حتى يُصْبِح.
» «وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن جبريل قال وهو عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هذا باب قد فُتِحَ من السماء ما فُتِحَ قط، قال: فنزل منه مَلَك
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه مسلم.
(4) رواه مسلم.
(20/220)

فأتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: أَبْشِرْ بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته» (1) .
ومن السور المعينة في الفضيلة {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} ، فعن أبي سعيد الخدري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال فيها: «والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن» (2) ، وليس معنى كونها تعدله في الفضيلة أنها تجزئ عنه، ولذلك لو قرأها في الصلاة ثلاث مرات لم تجزئه عن الفاتحة , ولا يلزم من كون الشيء معادلا لغيره في الفضيلة أن يجزئ، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الْمُلْك وله الحمد عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل» (3) ومع ذلك فلو كان عليه أربع رقاب كفارة فقال هذا الذكر لم يُجْزِئه عن هذه الرقاب وإن كان يعادلها في الفضيلة.
ومن السور المعينة في الفضيلة سورتا المعوذتين {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} : فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ألم تر آيات أُنْزِلت لم يُرَ مثلهن: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} » (4) ، وعنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أنه أمر عقبة أن يقرأ بهما ثم قال: " ما سأل سائل بمثلها ولا استعاذ مستعيذ بمثلها» (5)
__________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه البخاري.
(3) متفق عليه.
(4) رواه مسلم.
(5) رواه النسائي.
(20/221)

فاجتهدوا إخواني في كثرة قراءة القرآن المبارك لا سِيَّمَا في هذا الشهر الذي أنزل فيه، فإن لكثرة القراءة فيه مزية خاصة، وكان جبريل يعارض النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القرآن في رمضان كل سنة مرة، فلما كان العام الذي توفي فيه عارضه مرتين تأكيدا وتثبيتا، وكان السلف الصالح رضي الله عنهم يُكْثِرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها، وكان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان يقول: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام، وكان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم وأقبل على قراءة القرآن من المصحف، وكان قتادة رحمه الله يختم القرآن في كل سبع ليالٍ دائما وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأخير منه في كل ليلة، وكان إبراهيم النخعي رحمه الله يختم القرآن في رمضان في كل ثلاث ليالٍ وفي العشر الأواخر في كل ليلتين، وكان الأسود رحمه الله يقرأ القرآن كله في ليلتين في جميع الشهر.
فاقتدوا رحمكم الله بهؤلاء الأخيار واتَّبِعوا طريقهم تلحقوا بالبَرَرَة الأطهار، واغتنموا ساعات الليل والنهار بما يُقَرِّبكم إلى العزيز الغفار، فإن الأعمار تُطْوَى سريعا والأوقات تمضي جميعا وكأنها ساعة من نهار.
اللهم ارزقنا تلاوة كتابك على الوجه الذي يرضيك عنا، واهدنا به سبل السلام، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، واجعله حجة لنا لا علينا يا رب العالمين.
(20/222)

اللهم ارفع لنا به الدرجات، وأنقذنا به من الدركات، وكفر عنا به السيئات، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/223)

المجلس السادس: في أقسام الناس في الصيام
الحمد لله الذي أتقن بحكمته ما فطر وبَنَى، وشرع الشرائع رحمة وحكمة طريقا وسننا، وأمرنا بطاعته لا لحاجته بل لنا، يغفر الذنوب لكل من تاب إلى ربه ودنا، ويجزل العطايا لمن كان محسنا {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] . أحمده على فضائله سرا وعلنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أرجو بها الفوز بدار النعيم والهنا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي رفعه فوق السماوات فدنا، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر القائم بالعبادة راضيا بالعنا، الذي شرفه الله بقوله: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] ، وعلى عمر الْمُجِدِّ في ظهور الإسلام فما ضعف ولا ونى، وعلى عثمان الذي رضي بالقدر وقد حل في الفِناء الفنا، وعلى علي القريب في النسب وقد نال المنى، وعلى سائر آله وأصحابه الكرام الأمناء، وسلم تسليما.
إخواني: سبق في المجلس الثالث أَنَّ فَرْضَ الصيامِ كان في أول الأمر على مرحلتين، ثم استقرت أحكام الصيام فكان الناس فيها أقساما عشرة:
* القسم الأول: المسلم البالغ العاقل المقيم القادر السالم من الموانع، فيجب
(20/225)

عليه صوم رمضان أداء في وقته لدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] ، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إذا رأيتم الهلال فصوموا» (1) وأجمع المسلمون على وجوب الصيام أداء على مَنْ وصفنا.
فأما الكافر فلا يجب عليه الصيام ولا يصح منه لأنه ليس أهلا للعبادة، فإذا أسلم في أثناء شهر رمضان لم يلزمه قضاء الأيام الماضية , لقوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] ، وإن أسلم في أثناء يوم منه لزمه إمساك بقية اليوم؛ لأنه صار من أهل الوجوب حين إسلامه، ولا يلزمه قضاؤه لأنه لم يكن من أهل الوجوب حين وقت وجوب الإمساك.
* القسم الثاني: الصغير فلا يجب عليه الصيام حتى يبلغ لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُفِعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق» (2) ، لكن يأمره وليه بالصوم إذا أطاقه تمرينا له على الطاعة ليألفها بعد بلوغه اقتداءً بالسلف الصالح رضي الله عنهم , فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يُصَوِّمُون أولادهم وهم صغار، ويذهبون إلى المسجد فيجعلون لهم اللعبة من العِهْن (يعني الصوف أو نحوه)
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الحاكم.
(20/226)

فإذا بكوا من فقد الطعام أعطوهم اللعبة يَتَلَهَّوْنَ بها.
وكثير من الأولياء اليوم يغفلون عن هذا الأمر ولا يأمرون أولادهم بالصيام , بل إن بعضهم يمنع أولاده من الصيام مع رغبتهم فيه , يزعم أن ذلك رحمة بهم , والحقيقة أن رحمتهم هي القيام بواجب تربيتهم على شعائر الإسلام وتعاليمه القَيِّمة , فَمَنْ منعهم مِنْ ذلك أو فرط فيه كان ظالما لهم ولنفسه أيضا، نعم إن صاموا فرأى عليهم ضررا بالصيام فلا حرج عليه في منعهم منه حينئذ.
ويحصل بلوغ الذكر بواحد من أمور ثلاثة:
* أحدهما:
إنزال المني باحتلام أو غيره لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 59] ، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (1) .
* الثاني: نبات شعر العانة وهو الشعر الخشن ينبت حول القبل , لقول عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ رضي الله عنه: «عُرضنا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم قُرَيْظَة فمن كان محتلما أو أنبت عانته قُتِلَ ومن لا تُرِكَ» (2) .
* الثالث:
بلوغ تمام خمس عشرة سنة لقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «عُرِضْتُ على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يُجِزْني» (يعني للقتال) ، زاد البيهقي وابن حبان في صحيحه بسند صحيح: «ولم يرني بلغت، وعُرضت عليه يوم الخندق وأنا
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه أحمد والنسائي , وهو صحيح.
(20/227)

ابن خمس عشرة سنة فأجازني» ، (زاد البيهقي وابن حبان في صحيحه بسند صحيح: ورآني بلغت) (1) ، قال نافع: فَقَدِمْتُ على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته الحديث فقال: إن هذا الحد بين الصغير والكبير وكتب لِعُمَّالِهِ أن يفرضوا (يعني من العطاء) لمن بلغ خمس عشرة سنة (2) .
ويحصل بلوغ الأنثى بما يحصل به بلوغ الذكر وزيادة أمر رابع وهو الحيض، فمتى حاضت الأنثى فقد بلغت، فيجري عليها قلم التكليف وإن لم تبلغ عشر سنين، وإذا حصل البلوغ أثناء نهار رمضان فإن كان من بلغ صائما أتم صومه ولا شيء عليه , وإن كان مفطرا لزمه إمساك يومه؛ لأنه صار من أهل الوجوب، ولا يلزمه قضاؤه لأنه لم يكن من أهل الوجوب حين وجوب الإمساك.
* القسم الثالث:
المجنون
وهو فاقد العقل فلا يجب عليه الصيام، لما سبق من قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رفع القلم عن ثلاثة» (الحديث) ، ولا يصح منه الصيام لأنه ليس له عقل يعقل به العبادة وينويها، والعبادة لا تصح إلا بنية لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» . . . "، فإن كان يُجَنُّ أحيانا ويفيق أحيانا لزمه الصيام في حال إفاقته دون حال جنونه، وإن جُنَّ في أثناء النهار لم يبطل صومه كما لو أُغْمِيَ عليه بمرض أو غيره؛ لأنه نوى الصوم وهو عاقل بنية صحيحة، ولا دليل على البطلان خصوصا إذا كان معلوما أن الجنون ينتابه في
__________
(1) رواه الجماعة.
(2) رواه البخاري.
(20/228)

ساعات معينة، وعلى هذا فلا يلزم قضاء اليوم الذي حصل فيه الجنون، وإذا أفاق المجنون أثناء نهار رمضان لزمه إمساك بقية يومه؛ لأنه صار من أهل الوجوب، ولا يلزمه قضاؤه كالصبي إذا بلغ والكافر إذا أسلم.
* القسم الرابع: الْهَرِم الذي بلغ الهذيان وسقط تمييزه فلا يجب عليه الصيام ولا الإطعام عنه؛ لسقوط التكليف عنه بزوال تمييزه فَأَشْبَهَ الصبي قبل التمييز، فإن كان يميز أحيانا ويهذي أحيانا وجب عليه الصوم في حال تمييزه دون حال هذيانه , والصلاة كالصوم لا تلزمه حال هذيانه وتلزمه حال تمييزه.
* القسم الخامس: العاجز عن الصيام عجزا مستمرا لا يرجى زواله كالكبير والمريض مرضا لا يرجى برؤه كصاحب السرطان ونحوه , فلا يجب عليه الصيام لأنه لا يستطيعه وقد قال الله سبحانه: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، لكن يجب عليه أن يطعم بدل الصيام عن كل يوم مسكينا؛ لأن الله سبحانه جعل الإطعام معادلا للصيام حين كان التخيير بينهما أول ما فُرِضَ الصيام , فتعين أن يكون بدلا عن الصيام عند العجز عنه لأنه معادل له.
(20/229)

ويُخَيَّر في الإطعام بين أن يفرقه حبا على المساكين لكل واحد مُدٌّ من البُّر ربع الصاع النبوي، ووزنه - أي: المد - نصف كيلو وعشرة غرامات بالبر الرزين الجيد، وبين أن يُصْلِح طعاما فيدعو إليه مساكين بقدر الأيام التي عليه، قال البخاري - رحمه الله -: وأما الشيخ الكبير إذا لم يُطِق الصيام فقد أطعم أنس بعدما كبر عاما أو عامين كل يوم مسكينا خبزا ولحما وأفطر، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا (1) .
إخواني: الشرع حكمة من الله تعالى ورحمة رحم الله بها عباده؛ لأنه شرع مبني على التسهيل والرحمة وعلى الإتقان والحكمة، أوجب الله به على كل واحد من المكلفين ما يناسب حاله ليقوم كل أحد بما عليه منشرحا به صدره ومطمئنة به نفسه، يرضى بالله ربا وبالإسلام دينا
__________
(1) رواه البخاري.
(20/230)

وبمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبيا؛ فاحمدوا الله أيها المؤمنون على هذا الدين القيم، وعلى ما أنعم به عليكم من هدايتكم له وقد ضل عنه كثير من الناس، واسألوه أن يثبتكم عليه إلى الممات.
اللهم إنا نسألك بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، يا ذا الجلال والإكرام يا منان يا بديع السماوات والأرض، يا حي يا قيوم، نسألك أن توفقنا لما تحب وترضى، وأن تجعلنا ممن رضي بك ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبيا، ونسألك أن تثبتنا على ذلك إلى الممات، وأن تغفر لنا الخطايا والسيئات، وأن تهب لنا منك رحمة إنك أنت الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.
(20/231)

المجلس السابع: في طائفة من أقسام الناس في الصيام
الحمد لله المتعالي عن الأنداد , المقدَّس عن النقائص والأضداد، المتنَزِّه عن الصاحبة والأولاد، رافع السبع الشداد , عالية بغير عماد، وواضع الأرض للمهاد , مُثَبَّتة بالراسيات الأطواد، المطَّلع على سر القلوب ومكنون الفؤاد، مقَدِّر ما كان وما يكون من الضلال والرشاد، في بحار لطفه تجري مراكب العباد، وفي ميدان حبه تجول خيل الزهَّاد، وعنده مبتغى الطالبين ومنتهى القصَّاد، وبعينه ما يتحمل المتحملون من أجله في الاجتهاد، يرى دبيب النمل الأسود في السواد، ويعلم ما توسوس به النفس في باطن الاعتقاد، جاد على السائلين فزادهم من الزاد، وأعطى الكثير للعاملين المخلصين في المراد، أحمده حمدا يفوق على الأعداد، وأشكره على نعمه وكلما شُكِرَ زاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الرحيم بالعباد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى جميع الخلق في كل البلاد، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الذي بذل من نفسه وماله وجاد، وعلى عمر الذي بالغ في نصر الإسلام وأجاد، وعلى عثمان الذي جَهَّزَ جيش العُسْرة فيا فخره يوم يقوم الأشهاد، وعلى علي المعروف بالشجاعة والجلاد، وعلى جميع الآل
والأصحاب والتابعين لهم بإحسان إلى يوم التناد، وسلم تسليما.
(20/233)

إخواني: قدمنا الكلام عن خمسة أقسام من الناس في أحكام الصيام، ونتكلم في هذا المجلس عن طائفة أخرى من تلك الأقسام:
* فالقسم السادس:
المسافر إذا لم يقصد بسفره التَّحَيُّل على الفطر، فإن قصد ذلك فالفطر عليه حرام والصيام واجب عليه حينئذ، فإذا لم يقصد التحيل فهو مخير بين الصيام والفطر سواء طالت مدة سفره أم قصرت , وسواء كان سفره طارئا لغرض أم مستمرا كسائقي الطائرات وسيارات الأجرة لعموم قوله تعالى: {فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نسافر مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يعب الصائمُ على المفطر ولا المفطر على الصائم (1) ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن (2) ، «وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه قال: يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأنا شاب فأجد بأن الصوم يا رسول الله أهون علي من أن أؤخره فيكون دينا علي , أفأصوم يا رسول الله أعظم لأجري أم أفطر؟ قال: " أي ذلك شئت يا حمزة» (3) .
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه أبو داود وفي إسناده ضعف وله شواهد، وأصله في صحيح مسلم عن حمزة أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هي رخصة من الله من أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» .
(20/234)

فإذا كان صاحب سيارة الأجرة يشق عليه الصوم في رمضان في السفر من أجل الحر مثلا فإنه يؤخره إلى وقت يبرد فيه الجو ويتيسر فيه الصيام عليه، والأفضل للمسافر فعل الأسهل عليه من الصيام والفطر، فإن تساويا فالصوم أفضل لأنه أسرع في إبراء ذمته وأنشط له إذا صام مع الناس، ولأنه فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: «خرجنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رمضان في حر شديد، حتى أن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعبد الله بن رواحة» (1) ، وأفطر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مراعاة لأصحابه حين بلغه أنهم شق عليهم الصيام، فعن جابر رضي الله عنه «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج إلى مكة عام الفتح فصام حتى بلغ كُرَاع الغميم، فصام الناس معه فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه» (2) ، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى على نهر من السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بغلة له، فقال: "
اشربوا أيها الناس " فأبوا، فقال: " إني لست مثلكم، إني أيسركم، إني ركْبٌ، فأبوا، فثنى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخذه فنزل فشرب وشرب الناس، وما كان يريد أن يشرب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» (3) .
وإذا كان المسافر يشق عليه الصوم فإنه يفطر ولا يصوم في
__________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه أحمد وسنده جيد قاله في الفتح الرباني.
(20/235)

السفر، ففي حديث جابر السابق أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أفطر حين شق الصوم على الناس قيل له: إن بعض الناس قد صام، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» (1) .
وعن جابر أيضا «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظُلِّل عليه، فقال: " ما هذا؟ " قالوا: صائم. فقال: " ليس من البر الصيام في السفر» (2) ، وإذا سافر الصائم في أثناء اليوم وشق عليه إكمال صومه جاز له الفطر إذا خرج من بلده؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صام وصام الناس معه حتى بلغ كراع الغميم، فلما بلغه أن الناس قد شق عليهم الصيام أفطر وأفطر الناس معه، وكراع الغميم جبل أسود في طرف الْحَرَّة يمتد إلى الوادي المسمى بالغميم بين عُسْفان ومَرِّ الظَّهْران.
وإذا قدم المسافر إلى بلده في نهار رمضان مفطرا لم يصح صومه ذلك اليوم؛ لأنه كان مفطرا في أول النهار، والصوم الواجب لا يصح إلا من طلوع الفجر، ولكن هل يلزمه الإمساك بقية اليوم؟ اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم: يجب عليه أن يمسك بقية اليوم احتراما للزمن، ويجب عليه القضاء أيضا لعدم صحة صوم ذلك اليوم، وهذا المشهور من مذهب أحمد رحمه الله، وقال بعض العلماء: لا يجب عليه أن يمسك بقيه ذلك اليوم؛ لأنه لا يستفيد من هذا الإمساك شيئا لوجوب القضاء عليه، وحرمة الزمن قد زالت بفطره المباح له أول النهار ظاهرا وباطنا، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
__________
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(20/236)

من أكل أول النهار فليأكل آخره، أي: من حل له الأكل أول النهار بعذر حل له الأكل آخره، وهذا مذهب مالك والشافعي ورواية عن الإمام أحمد، ولكن لا يُعلِن أكله ولا شربه لخفاء سبب الفطر فيُساء به الظن أو يُقتدَى به.
* القسم السابع: المريض الذي يرجى برء مرضه وله ثلاث حالات:
* إحداها: أن لا يشق عليه الصوم ولا يضره، فيجب عليه الصوم لأنه ليس له عذر يبيح الفطر.
* الثانية: أن يشق عليه الصوم ولا يضره فيفطر لقوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] ، ويُكْرَه له الصوم مع المشقة لأنه خروج عن رخصة الله تعالى وتعذيب لنفسه , وفي الحديث: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» (1) * الحال الثالثة: أن يضره الصوم فيجب عليه الفطر ولا يجوز له الصوم لقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] ، وقوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] ، ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن لنفسك عليك حقا» (2) ، ومن حقها أن لا تضرها مع وجود رخصة الله سبحانه، ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا ضرر ولا ضرار» (3) .
__________
(1) رواه أحمد وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما وفي سنده شيء من الاضطراب لكن له شواهد من الحديث وأصول الشريعة.
(2) رواه البخاري.
(3) أخرجه ابن ماجه والحاكم، قال النووي: وله طرق يقوي بعضها بعضا.
(20/237)

وإذا حدث له المرض في أثناء رمضان وهو صائم وشق عليه إتمامه جاز له الفطر لوجود المبيح للفطر , وإذا برئ في نهار رمضان وهو مفطر لم يصح أن يصوم ذلك اليوم لأنه كان مفطرا في أول النهار , والصوم لا يصح إلا من طلوع الفجر , ولكن هل يلزمه أن يمسك بقية يومه؟ فيه خلاف بين العلماء سبق ذكره في المسافر إذا قدم مفطرا.
وإذا ثبت بالطب أن الصوم يجلب المرض أو يؤخر برءه جاز له الفطر محافظة على صحته واتقاء للمرض , فإن كان يُرْجى زوال هذا الخطر انتظر حتى يزول ثم يقضي ما أفطر , وإن كان لا يرجى زواله فحكمه حكم القسم الخامس , يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينا.
اللهم وفقنا للعمل بما يرضيك , وجنبنا أسباب سخطك ومعاصيك , واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/238)

المجلس الثامن: في بقية أقسام الناس في الصيام وأحكام القضاء
الحمد لله الواحد العظيم الجبار، القدير القوي القهار، المتعالي عن أن تدركه الخواطر والأبصار، وسم كل مخلوق بسمة الافتقار، وأظهر آثار قدرته بتصريف الليل والنهار، يسمع أنين المدنف يشكو ما به من الأضرار، ويبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الغار، ويعلم خفي الضمائر ومكنون الأسرار، صفاته كذاته والمشبهة كفار، نُقِرُّ بما وصف به نفسه على ما جاء في القرآن والأخبار: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ} [التوبة: 109] . أحمده سبحانه على المسارِّ والمضارِّ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتفرد بالخلق والتدبير {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68] ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الأنبياء الأطهار، صلَّى الله عليه وعلى أبي بكر رفيقه في الغار، وعلى عمر قامع الكفار، وعلى عثمان شهيد الدار، وعلى علي القائم بالأسحار، وعلى آله وأصحابه خصوصا المهاجرين والأنصار، وسلم تسليما.
إخواني: قدمنا الكلام عن سبعة أقسام من أقسام الناس في الصيام وهذه بقية الأقسام:
*
(20/239)

القسم الثامن: الحائض فيحرم عليها الصيام ولا يصح منها لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في النساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب لِلُبِّ الرجل الحازم من إحداكن ". قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: " أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال: " فذلك نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: " فذلك من نقصان دينها» (1) .
والحيض دم طبيعي يعتاد المرأة في أيام معلومة.
وإذا ظهر الحيض منها وهي صائمة ولو قبل الغروب بلحظة بطل صوم يومها ولزمها قضاؤه إلا أن يكون صومها تطوعا فقضاؤه تطوع لا واجب.
وإذا طهرت من الحيض في أثناء نهار رمضان لم يصح صومها بقية اليوم لوجود ما ينافي الصيام في حقها في أول النهار، وهل يلزمها الإمساك بقية اليوم؟ فيه خلاف بين العلماء سبق ذكره في المسافر إذا قدم مفطرا.
وإذا طهرت في الليل في رمضان ولو قبل الفجر بلحظة وجب عليها الصوم؛ لأنها من أهل الصيام وليس فيها ما يمنعه فوجب عليها الصيام، ويصح صومها حينئذ وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر كالجنب إذا صام ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر فإنه يصح صومه
__________
(1) متفق عليه.
(20/240)

لقول عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان» (1) .
والنفساء كالحائض في جميع ما تقدم.
ويجب عليهما القضاء بعدد الأيام التي فاتتهما لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] ، وسئلت عائشة رضي الله عنها: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فَنُؤْمَر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (2)
* القسم التاسع: المرأة إذا كانت مُرضعا أو حاملا وخافت على نفسها أو على الولد من الصوم فإنها تفطر لحديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام» (3) ، ويلزمها القضاء بعدد الأيام التي أفطرت حين يتيسر لها ذلك ويزول عنها الخوف كالمريض إذا برأ.
* القسم العاشر: من احتاج للفطر لدفع ضرورة غيره كإنقاذ معصوم المعصوم: الآدمي المحرم قتله. من غرق أو حريق أو هدم أو نحو ذلك، فإذا كان لا يمكنه إنقاذه إلا بالتَّقَوِّي
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم، وهو من أحاديث العمدة وعزاه في المنتقى للجماعة.
(3) أخرجه الخمسة وهذا لفظ ابن ماجه , وهو حسن.
(20/241)

عليه بالأكل والشرب جاز له الفطر، بل وجب الفطر حينئذ لأن إنقاذ المعصوم من الهلكة واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قضاء ما أفطره.
ومثل ذلك من احتاج إلى المطر للتَّقَوِّي به على الجهاد في سبيل الله في قتاله العدو فإنه يفطر ويقضي ما أفطر سواء كان ذلك في السفر أم في بلده إذا حضره العدو؛ لأن في ذلك دفاعا عن المسلمين وإعلاء لكلمة الله عز وجل، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «سافرنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى مكة ونحن صيام فنزل منزلا فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم "، فكانت رخصة فَمِنَّا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنكم مُصَبِّحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا "، وكانت عزمة فأفطرنا» (1) . ففي هذا الحديث إيماء إلى أن القوة على القتال سبب مستقل غير السفر؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جعل علة الأمر بالفطر القوة على قتال العدو دون السفر، ولذلك لم يأمرهم بالفطر في المنزل الأول.
وكل من جاز له الفطر بسبب مما تقدم فإنه لا يُنكَر عليه إعلان فطره إذا كان سببه ظاهرا كالمريض والكبير الذي لا يستطع الصوم، وأما إن كان سبب فطره خفيا كالحائض ومن أنقذ معصوما من هلَكة فإنه يفطر سرا ولا يعلن فطره لئلا يجر التهمة إلى نفسه، ولئلا يغتر به الجاهل فيظن أن الفطر جائز بدون عذر.
__________
(1) رواه مسلم.
(20/242)

وكل من لزمه القضاء من الأقسام السابقة فإنه يقضي بعدد الأيام التي أفطر لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 185] ، فإن أفطر جميع الشهر لزمه جميع أيامه، فإن كان الشهر ثلاثين يوما لزمه ثلاثون يوما، وإن كان تسعة وعشرين يوما لزمه تسعة وعشرون يوما فقط.
والْأَوْلَى المبادرة بالقضاء من حين زوال العذر لأنه أسبق إلى الخير وأسرع في إبراء الذمة.
ويجوز تأخيره إلى أن يكون بينه وبين رمضان الثاني بعدد الأيام التي عليه لقوله تعالى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة 185] . ومن تمام اليسر جواز تأخير قضائها، فإذا كان عليه عشرة أيام من رمضان جاز تأخيرها إلى أن يكون بينه ويبن رمضان الثاني عشرة أيام.
ولا يجوز تأخير القضاء إلى رمضان الثاني بدون عذر لقول عائشة رضي الله عنها: كان يكون علي الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان (1) . ولأن تأخيره إلى رمضان الثاني يوجب أن يتراكم عليه الصوم، وربما يعجز عنه أو يموت، ولأن الصوم عبادة متكررة فلم يجز تأخير الْأُولَى إلى وقت الثانية كالصلاة، فإن استمر به العذر حتى مات فلا شيء عليه لأن الله سبحانه أوجب عليه عدة من أيام أخر، ولم يتمكن منها فسقطت عنه، كمن مات قبل دخول شهر رمضان لا يلزمه صومه، فإن تمكن من القضاء ففرط فيه حتى مات صام وليه عنه جميع الأيام التي تمكن من قضائها،
__________
(1) رواه البخاري.
(20/243)

لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (1)
ووليه وارثه أو قريبه، ويجوز أن يصوم عنه جماعة بعدد الأيام التي عليه في يوم واحد، قال البخاري: قال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا جاز، فإن لم يكن له ولي أو كان له ولي لا يريد الصوم عنه أُطْعِمَ من تركته عن كل يوم مسكينٌ بعدد الأيام التي تمكن من قضائها، لكل مسكين مُدّ بُرّ وزنه بالبر الجيد نصف كيلو وعشرة غرامات.
إخواني: هذه أقسام الناس في أحكام الصيام شرع الله فيها لكل قسم ما يناسب الحال والمقام فاعرفوا حكمة ربكم في هذه الشريعة، واشكروا نعمته عليكم في تسهيله وتيسيره، واسألوه الثبات على هذا الدين إلى الممات.
اللهم اغفر لنا ذنوبا حالت بيننا وبين ذكرك، واعف عن تقصيرنا في طاعتك وشكرك، وأدم علينا لزوم الطريق إليك، وهب لنا نورا نهتدي به إليك، اللهم أذقنا حلاوة مناجاتك، واسلك بنا سبيل أهل مرضاتك، اللهم أنقذنا من دركاتنا , وأيقظنا من غفلاتنا , وألهمنا رشدنا , وأحسن بكرمك قصدنا، اللهم احشرنا في زمرة المتقين، وألحقنا بعبادك الصالحين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
__________
(1) متفق عليه.
(20/244)

المجلس التاسع: في حِكَم الصيام
الحمد لله مدبر الليالي والأيام، ومصرِّف الشهور والأعوام، الملك القدوس السلام، المتفرِّد بالعظمة والبقاء والدوام، الْمُتَنَزِّه عن النقائص ومشابهة الأنام، يرى ما في داخل العروق وبواطن العظام، ويسمع خفي الصوت ولطيف الكلام، إله رحيم كثير الإنعام، ورب قدير شديد الانتقام، قدَّر الأمور فأجراها على أحسن نظام، وشَرَع الشرائع فأحكمها أيما إحكام، بقدرته تهب الرياح ويسير الغمام، وبحكمته ورحمته تتعاقب الليالي والأيام، أحمده على جليل الصفات وجميل الإنعام، وأشكره شكر من طلب المزيد ورام، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي لا تحيط به العقول والأوهام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل الأنام، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر السابق إلى الإسلام، وعلى عمر الذي إذا رآه الشيطان هام، وعلى عثمان الذي جهز بماله جيش العسرة وأقام، وعلى علي البحر الخضم والأسد الضرغام، وعلى سائر آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان على الدوام، وسلم تسليما.
عباد الله: اعلموا رحمكم الله أن الله سبحانه له الحكم التام والحكمة البالغة فيما خَلَقَهُ وفيما شَرَعَهُ، فهو الحكيم في خَلْقِهِ وفي شَرْعِهِ، لم يخلق عباده لعبا، ولم يتركهم سُدًى، ولم يُشَرِّع لهم الشرائع
(20/245)

عبثا، بل خلقهم لأمر عظيم، وهيَّأهم لخطب جسيم، وبيَّن لهم الصراط المستقيم، وشرع لهم الشرائع يزداد بها إيمانهم، وتكمل بها عبادتهم، فما من عبادة شرعها الله لعباده إلا لحكمة بالغة، عَلِمَها مَنْ عَلِمَها وجَهِلَها مَنْ جَهِلَها، وليس جهلنا بحكمة شيء من العبادات دليلا على أنه لا حكمة لها، بل هو دليل على عجزنا وقصورنا عن إدراك حكمة الله سبحانه {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] .
وقد شرع الله العبادات ونظَّم المعاملات ابتلاء وامتحانا لعباده ليتبين بذلك من كان عابدا لمولاه ممن كان عابدا لهواه، فمن تقبَّل هذه الشرائع وتلك النظم بصدر منشرح ونفس مطمئنة فهو عابد لمولاه، راض بشريعته مقدِّم لطاعة ربه على هوى نفسه، ومن كان لا يقبل من العبادات، ولا يتبع من النظم إلا ما ناسب رغبته , ووافق مراده فهو عابد لهواه , ساخط لشريعة الله , معرض عن طاعة ربه، جعل هواه متبوعا لا تابعا، وأراد أن يكون شرع الله تابعا لرغبته مع قصور علمه وقلة حكمته: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71] .
ومن حكمة الله سبحانه أن جعل العبادات متنوعة ليتحمص القبول والرضا {وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا} [آل عمران: 141] ، فإن من الناس من قد يرضى بنوع من العبادات ويلتزم به، ويسخط نوعا آخر ويفرِّط فيه، فجعل
(20/246)

الله من العبادات ما يتعلق بعمل البدن كالصلاة، ومنها ما يتعلق ببذل المال المحبوب إلى النفس كالزكاة، ومنها ما يتعلق بعمل البدن وبذل المال جميعا كالحج والجهاد، ومنها ما يتعلق بكف النفس عن محبوباتها ومشتَهَياتها كالصيام، فإذا قام العبد بهذه العبادات المتنوعة وأكملها على الوجه المطلوب منه دون سخط أو تفريط فتعب وعمل وبذل ما كان محبوبا إليه وكف عما تشتهيه نفسه طاعة لربه وامتثالا لأمره ورضا بشرعه كان ذلك دليلا على كمال عبوديته وتمام انقياده ومحبته لربه وتعظيمه له، فتحقَّق فيه وصف العبودية لله رب العالمين.
إذا تبين ذلك فإن للصيام حكما كثيرة استوجبت أن يكون فريضة من فرائض الإسلام وركنا من أركانه.
فمن حِكَم الصيام: أنه عبادة لله تعالى يتقرَّب العبد فيها إلى ربه بترك محبوباته ومشتَهَيَاته من طعام وشراب ونكاح، فيظهر بذلك صدق إيمانه وكمال عبوديته لله وقوة محبته له ورجائه ما عنده، فإن الإنسان لا يترك محبوبا له إلا لما هو أعظم عنده منه، ولما علم المؤمن أن رضا الله في الصيام بترك شهواته المجبول على محبتها قَدَّم رضا مولاه على هواه فتركها أشد ما يكون شوقا إليها؛ لأن لذته وراحة نفسه في ترك ذلك لله عز وجل، ولذلك كان كثير من المؤمنين لو ضُرِب أو حُبِس على أن يفطر يوما من رمضان بدون عذر لم يُفْطِر، وهذه الحكمة من أبلغ حكم الصيام وأعظمها.
(20/247)

ومن حِكَم الصيام: أنه سبب للتقوى كما قال سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] ، فإن الصائم مأمور بفعل الطاعات واجتناب المعاصي كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (1) . وإذا كان الصائم متلبِّسا بالصيام فإنه كلما هَمَّ بمعصية تذكر أنه صائم فامتنع عنها؛ ولهذا أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصائم أن يقول لمن سابَّه أو شاتمه: «إني امرؤ صائم» ، تنبيها له على أن الصائم مأمور بالإمساك عن السب والشتم، وتذكيرا لنفسه بأنه متلبس بالصيام فيمتنع عن المقابلة بالسب والشتم.
* ومن حكم الصيام: أن القلب يتخلى للفكر والذكر، لأن تناول الشهوات يستوجب الغفلة، وربما يُقَسِّي القلب ويُعْمِي عن الحق، ولذلك أرشد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى التخفيف من الطعام والشراب، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يُقِمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» (2) ، وفي الحديث «أن حنظلة الأسيدي - وكان من كُتَّاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نافق حنظلةُ. فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وما ذاك؟ " قال: يا رسول الله نكون عندك تذَكِّرنا بالنار والجنة حتى كأنا
__________
(1) رواه البخاري.
(2) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه , وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وصححه أيضا الحاكم.
(20/248)

رأيُ عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا» (1) . وفيه: «ولكن يا حنظلة ساعة وساعة» ثلاث مرات، وقال أبو سليمان الدارني: إن النفس إذا جاعت وعطشت صفا القلب ورق، وإذا شبعت عَمِيَ القلب.
* ومن حكم الصيام: أن الغني يعرف به قدر نعمة الله عليه بالغنى حيث أنعم الله تعالى عليه بالطعام والشراب والنكاح، وقد حُرِمَها كثير من الخلق فيحمد الله على هذه النعمة ويشكره على هذا التيسير , ويذكر بذلك أخاه الفقير الذي ربما يبيت طاويا جائعا فيجود عليه بالصدقة يكسو بها عورته ويسد بها جوعته , ولذلك «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيُدارِسه القرآن» .
ومن حكم الصيام: التَّمَرُّن على ضبط النفس , والسيطرة عليها , والقوة على الإمساك بزمامها حتى يتمكن من التحكم فيها ويقودها إلى ما فيه خيرها وسعادتها , فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي , فإذا أطلق المرء لنفسه عنانها أوقعته في المهالك , وإذا ملك أمرها وسيطر عليها تمكن من قيادتها إلى أعلى المراتب وأسنى المطالب.
* ومن حكم الصيام: كسر النفس والحد من كبريائها حتى تخضع للحق وتلين للخلق، فإن الشبع والري ومباشرة النساء يحمل كل منها على الأشَر والبطر والعلو والتكبر على الخلق وعن الحق، وذلك أن النفس عند احتياجها لهذه الأمور تشتغل بتحصيلها، فإذا تمكَّنَت
__________
(1) رواه مسلم.
(20/249)

منها رأت أنها ظفرت بمطلوبها فيحصل لها من الفرح المذموم والبطر ما يكون سببا لهلاكها، والمعصوم من عصمه الله تعالى.
* ومن حكم الصيام: أن مجاري الدم تضيق بسبب الجوع والعطش فتضيق مجارى الشيطان من البدن فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان، وتنكسر سَوْرَة الشهوة والغضب، ولذلك قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء» ، فجعل الصوم وجاء لشهوة النكاح وكسرا لحدتها.
* ومن حكم الصيام: ما يترتب عليه من الفوائد الصحية التي تحصل بتقليل الطعام وإراحة جهاز الهضم لمدة معينة ومنع ترسب بعض الرطوبات والفضلات الضارة بالجسم وغير ذلك.
فما أعظم حكمة الله وأبلغها وما أنفع شرائعه للخلق وأصلحها.
اللهم فَقِّهْنَا في دينك، وألهمنا معرفة أسرار شريعتك، وأصلح لنا شؤون ديننا ودنيانا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/250)

المجلس العاشر: في آداب الصيام الواجبة
الحمد لله الذي أرشد الخلق إلى أكمل الآداب، وفتح لهم من خزائن رحمته وجوده كل باب، أنار بصائر المؤمنين فأدركوا الحقائق وطلبوا الثواب، وأعمى بصائر المعرضين عن طاعته فصار بينهم وبين نوره حجاب.
هدى أولئك بفضله ورحمته وأضل الآخرين بعدله وحكمته، إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك العزيز الوهاب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بأَجَلِّ العبادات وأكمل الآداب، صلى الله عليه وعلى جميع الآل والأصحاب، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم المآب، وسلم تسليما.
إخواني: اعلموا أن للصيام آدابا كثيرة لا يتم إلا بها ولا يكمل إلا بالقيام بها، وهي على قسمين: آداب واجبة لا بد للصائم من مراعاتها والمحافظة عليها، وآداب مستحبة ينبغي أن يراعيها ويحافظ عليها.
فمن الآداب الواجبة أن يقوم الصائم بما أوجب الله عليه من العبادات القولية والفعلية، ومن أهمها الصلاة المفروضة التي هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، فتجب مراعاتها بالمحافظة
(20/251)

عليها والقيام بأركانها وواجباتها وشروطها، فيؤديها في وقتها مع الجماعة في المساجد، فإن ذلك من التقوى التي من أجلها شُرِع الصيام وفُرِض على الأمة، وإضاعة الصلاة مُنَافٍ للتقوى وموجب للعقوبة، قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا} [مريم: 59 - 60] .
ومن الصائمين من يتهاون بصلاة الجماعة مع وجوبها عليه، وقد أمر الله بها في كتابه فقال: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا} (يعني أتموا صلاتهم) {فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] .
فأمر الله بالصلاة مع الجماعة في حال القتال والخوف، ففي حال الطمأنينة والأمن أَوْلَى، وعن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رجلا أعمى قال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فرخص له، فلما وَلَّى دعاه وقال: " هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم. قال: " فأجب» (1) ، فلم يُرَخِّص له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ترك الجماعة مع أنه رجل أعمى وليس له قائد، وتارك الجماعة مع إضاعته الواجب قد حرم نفسه خيرا كثيرا من مضاعفة الحسنات , فإن صلاة الجماعة مضاعفة , كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (2) .
__________
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(20/252)

وفوت المصالح الاجتماعية التي تحصل للمسلمين باجتماعهم على الصلاة من غرس المحبة والألفة وتعليم الجاهل ومساعدة المحتاج وغير ذلك.
وبترك الجماعة يعرض نفسه للعقوبة ومشابهة المنافقين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حَبْوا , وقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حِزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار» (1)
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادَى بهن، فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، قال: ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يقام في الصف (2) .
ومن الصائمين من يتجاوز بالأمر فينام عن الصلاة في وقتها، وهذا من أعظم المنكرات وأشد الإضاعة للصلوات حتى قال كثير من العلماء: إن من أخر الصلاة عن وقتها بدون عذر شرعي لم يقبل وإن صلى مائة مرة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (3) . والصلاة بعد وقتها ليس عليها أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتكون مردودة غير مقبولة.
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه مسلم.
(20/253)

* ومن الآداب الواجبة: أن يجتنب الصائم جميع ما حرم الله ورسوله من الأقوال والأفعال , فيجتنب الكذب وهو الإخبار بخلاف الواقع , وأعظمه الكذب على الله ورسوله , كأن ينسب إلى الله أو إلى رسوله تحليل حرام أو تحريم حلال , قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} {مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 - 117] .
وعن أبي هريرة وغيره أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (1) . وحذر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الكذب فقال: «إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكْتَب عند الله كذابا» (2) .
* ويجتنب الغيبة , وهي ذكرك أخاك بما يكره في غيبته , سواء ذكرته بما يكره في خلقته كالأعرج والأعور والأعمى على سبيل العيب والذم، أو بما يكره في خُلُقه كالأحمق والسفيه والفاسق ونحوه، وسواء كان فيه ما تقول أم لم يكن؛ لأن «النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن الغيبة فقال: " هي ذكرك أخاك بما يكره " قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّهُ» (3) . ولقد نهى الله عن الغيبة في القرآن وشبَّهَهَا بأبشع صورة، شبَّهَهَا بالرجل يأكل لحم أخيه ميتا فقال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
__________
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
(3) رواه مسلم.
(20/254)

مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات: 12] ، «وأخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه مر ليلة المعراج بقوم لهم أظافر من نُحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقال: " من هؤلاء يا جبريل؟ " قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» رواه أبو داود.
* ويجتنب النميمة، وهي نقل كلام شخص في شخص إليه ليُفسد بينهما , وهي من كبائر الذنوب , قال فيها رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا يدخل الجنة نمام» (1) ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بقبرين فقال: " إنهما لَيعذَّبان وما يعذَّبان في كبير (أي: في أمر شاق عليهما) أما أحدهما فكان لا يسْتَنْزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (2) ، والنميمة فساد للفرد والمجتمع وتفريق بين المسلمين، وإلقاء للعداوة بينهم {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 10 - 11] ، فمن نَمَّ إليك نَمَّ فيك فاحذره.
* ويجتنب الغش في جميع المعاملات من بيع وإجارة وصناعة ورهن وغيرها , وفي جميع المناصحات والمشورات؛ فإن الغش من كبائر الذنوب، وقد تبرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فاعله فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من غشنا فليس منا» ، وفي لفظ: «من غش فليس مني» (3) ، والغش: خديعة وخيانة وضياع للأمانة وفقد للثقة بين الناس , وكل كسب من الغش فإنه كسب خبيث حرام لا يزيد صاحبَه إلا بعدا من الله.
* ويجتنب المعازف وهي آلات اللهو بجميع أنواعها كالعود والربابة
__________
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
(3) رواه مسلم.
(20/255)

والقانون والكمنجة والبيانو والكمان وغيرها؛ فإن هذه حرام وتزداد تحريما وإثما إذا اقترنت بالغناء بأصوات جميلة وأغاني مثيرة , قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان: 6] , صح عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية فقال: والله الذي لا إله غيره هو الغناء، وصح أيضا عن ابن عباس وابن عمر , وذكره ابن كثير عن جابر وعكرمة وسعيد بن جُبَيْر ومجاهد، وقال الحسن: نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير، وقد حذر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المعازف وقَرَنَهَا بالزنا فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ليكونن من أمتي أقوام يستحِلُّون الْحِر والحرير والخمر والمعازف» (1) .
فالحر: الفرج والمراد به الزنا، ومعنى يستحلون أي: يفعلونها فعل المستحل لها بدون مبالاة، وقد وقع هذا في زمننا فكان من الناس من يستعمل هذه المعازف أو يستمعها كأنها شيء حلال، وهذا مما نجح فيه أعداء الإسلام بكيدهم للمسلمين حتى صدّوهم عن ذكر الله ومهامِّ دينهم ودنياهم، وأصبح كثير منهم يستمعون إلى ذلك أكثر مما يستمعون إلى قراءة القرآن والأحاديث وكلام أهل العلم المتضمن لبيان أحكام الشريعة وحكمها، فاحذروا أيها المسلمون نواقض الصوم ونواقصه , وصُونوه عن قول الزور والعمل به، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» ، وقال جابر رضي الله عنه: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع عنك أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة،
__________
(1) رواه البخاري.
(20/256)

ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء.
اللهم احفظ علينا ديننا، وكف جوارحنا عما يغضبك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/257)

المجلس الحادي عشر: في آداب الصيام المستَحَبَّة
الحمد لله مبلِّغ الراجي فوق مأموله، ومعطي السائل زيادة على مسؤوله، أحمده على نيل الهدى وحصوله، وأقر بوحدانيته إقرار عارف بالدليل وأصوله، وأصلي وأسلم على نبينا محمد عبده ورسوله، وعلى صاحبه أبي بكر الملازم له في ترحاله وحلوله، وعلى عمر حامي الإسلام بعزم لا يخاف من فلوله، وعلى عثمان الصابر على البلاء حين نزوله، وعلى علي بن أبي طالب الذي أرهب الأعداء بشجاعته قبل نصوله، وعلى جميع آله وأصحابه الذين حازوا قصب السبق في فروع الدين وأصوله، ما تردد النسيم بين جَنوبه وشماله وغربه وقَبوله.
إخواني: هذا المجلس في بيان القسم الثاني من آداب الصوم، وهي الآداب المستحَبَّة، فمنها: السحور وهو الأكل في آخر الليل، سُمِّيَ بذلك لأنه يقع في السحر، فقد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به فقال: «تسَحَّروا فإن في السحور بركة» (1) ، وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكْلة السحر» (2) ، وأثنى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سحور التمر فقال: «نِعْمَ سحور المؤمن التمر» (3) ،
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه أبو داود وإسناده حسن وله شواهد يصل بها إلى درجة الصحة.
(20/259)

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «السحور كله بركة فلا تَدَعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يُصَلُّون على المتسحرين» (1) .
* وينبغي للمتسحر أن ينوي بسحوره امتثال أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , والاقتداء بفعله , ليكون سحوره عبادة , وأن ينوي به التَّقَوِّي على الصيام ليكون له به أجر، والسنة تأخير السحور ما لم يَخْشَ طلوعَ الفجر؛ لأنه فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فعن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه «أن نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وزيد بن ثابت تَسَحَّرَا , فلما فرغا من سحورهما قال نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إلى الصلاة " فصلى , قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية» (2) ، وعن عائشة رضي الله عنها أن بلالا كان يؤذن بليل فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر» (3) ، وتأخير السحور أرفق بالصائم وأسلم من النوم عن صلاة الفجر، وللصائم أن يأكل ويشرب ولو بعد السحور ونية الصيام حتى يتيقن طلوع الفجر لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] ، ويحكم بطلوع الفجر إما بمشاهدته في الأفق أو بخبر موثوق
به بأذان أو غيره، فإذا طلع الفجر أمسك وينوي بقلبه ولا يتلفظ بالنية لأن التلفظ بها بدعة.
*
__________
(1) رواه أحمد، وقال المنذري: إسناده قوي، والجملة الأولى منه لها شاهد في الصحيحين.
(2) رواه البخاري.
(3) رواه البخاري.
(20/260)

ومن آداب الصيام المستحبة تعجيل الفطور إذا تحقق غروب الشمس بمشاهدتها أو غلب على ظنه الغروب بخبر موثوق به بأذان أو غيره، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا يزال الناس بخير ما عَجَّلوا الفطر» (1) ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما يرويه عن ربه عز وجل: «إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا» (2) ، والسنة أن يفطر على رطب، فإن عُدِم فتمر، فإن عدم فماء، لقول أنس رضي الله عنه: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من ماء» (3) ، فإن لم يجد رطبا ولا تمرا ولا ماء أفطر على ما تيسَّر من طعام أو شراب حلال، فإن لم يجد شيئا نوى الإفطار بقلبه، ولا يمص إصبعه أو يجمع ريقه ويبلعه كما يفعل بعض العوام.
* وينبغي أن يدعو عند فطره بما أحب، فعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إن للصائم عند فطره دعوة ما تُرَدُّ» (4) ، وعن معاذ بن زهرة مرسلا مرفوعا: كان إذا أفطر يقول: «اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت» (5) ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا أفطر يقول: «
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه أحمد والترمذي , وإسناده ضعيف , وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وإسناده حسن جدا.
(4) رواه ابن ماجه، وقال في الزوائد: إسناده صحيح وضعَّفه بعضهم، وسبب اختلافهم في صحته اختلافهم في تعيين أحد رواته، لكن له شواهد في إجابة دعوة الصائم مطلقا فالحديث بذلك حسن.
(5) رواه أبو داود، ومعاذ بن زهرة تابعي وَثَّقَهُ ابن حبان، فالحديث ضعيف لإرساله لكن له شاهد ربما يقوى به.
(20/261)

ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله» (1) .
* ومن آداب الصيام المستحبة كثرة القراءة والذكر والدعاء والصلاة والصدقة، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتُفتَح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» (2) ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن» (3) فلَرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان جوده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يجمع أنواع الجود كلها من بذل العلم والنفس والمال لله عز وجل في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق , من تعليم جاهلهم وقضاء حوائجهم وإطعام جائعهم , وكان جوده يتضاعف في رمضان لشرف وقته ومضاعفة أجره وإعانة العابدين فيه على عبادتهم , والجمع بين الصيام وإطعام الطعام وهما من أسباب دخول الجنة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من أصبح منكم صائما؟ " فقال أبو بكر: أنا. قال: " فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر:
أنا. قال: " فمن أطعم منكم اليوم
__________
(1) رواه أبو داود وإسناده حسن.
(2) رواه أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان، وفي الحديث ضعف ولبعضه شواهد.
(3) متفق عليه.
(20/262)

مسكينا؟ " قال أبو بكر: أنا. قال: " فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ " قال أبو بكر: أنا. قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» (1) .
ومن آداب الصيام المستحبة: أن يستحضر الصائم قدر نعمة الله عليه بالصيام حيث وفقه له ويسره عليه حتى أتم يومه وأكمل شهره، فإن كثيرا من الناس حُرِمُوا الصيام إما بموتهم قبل بلوغه أو بعجزهم عنه أو بضلالهم وإعراضهم عن القيام به، فليحمد الصائم ربه على نعمة الصيام التي هي سبب لمغفرة الذنوب وتكفير السيئات ورفعة الدرجات في دار النعيم بجوار الرب الكريم.
إخواني: تَأَدَّبُوا بآداب الصيام، وتخلوا عن أسباب الغضب والانتقام، وتحلوا بأوصاف السلف الكرام، فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها من الطاعة واجتناب الآثام.
قال ابن رجب رحمه الله: الصائمون على طبقتين:
* إحداهما: من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى يرجو عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله وعامله، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يخيب معه من عامله، بل يربح أعظم الربح، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لرجل: «إنك لن تدع شيئا اتقاء الله إلا آتاك الله خيرا منه» (2) ، فهذا الصائم يُعْطَى في الجنة ما شاء الله من طعام وشراب ونساء، قال الله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24] ،
__________
(1) رواه مسلم.
(2) أخرجه الإمام أحمد وهو صحيح.
(20/263)

قال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين، وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة الذي رآه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في منامه قال: «ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما دنا من حوض مُنِعَ وطُرِدَ فجاءه صيام رمضان فسقاه وأرواه» (1) .
يا قوم ألا خاطِبٌ في هذا الشهر إلى الرحمن؟ ألا راغب فيما أعدَّ الله للطائعين في الجنان؟

مَنْ يُرِدْ مُلْكَ الْجِنَانِ ... فَلْيَدَعْ عَنْهُ التَّوَانِي
وَلْيُقِمْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْـ ... ـلِ إِلَى نُورِ الْقُرَانِ
وَلْيَصِلْ صَوْمًا بِصَوْمٍ ... إِنَّ هَذَا الْعَيْشَ فَانِ
إِنَّمَا الْعَيْشُ جِوَارُ الْـ ... ـلَّهِ فِي دَارِ الْأَمَانِ

* الطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عما سوى الله فيحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى , ويذكر الموت والبلى ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا، فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه برؤيته.
من صام بأمر الله عن شهواته في الدنيا أدركها غدا في الجنة، ومن صام عما سوى الله فعيده يوم لقائه {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت: 5] .
__________
(1) أخرجه الطبراني وهو ضعيف الإسناد، لكن قال ابن القيم بعد أن ساقه بتمامه في المسألة العاشرة من كتاب (الروح) : سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يعظم أمر هذا الحديث وقال - يعني شيخ الإسلام -: أصول السنة تشهد له وهو من أحسن الأحاديث اهـ.
(20/264)

يا معشر التائبين صوموا اليوم عن شهوات الهوى لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء.
اللهم جَمِّل بواطننا بالإخلاص لك، وحَسِّن أعمالنا باتباع رسولك والتأدب بآدابه، اللهم أيقظنا من الغفلات، ونَجِّنَا من الدركات، وكفر عنا الذنوب والسيئات، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(20/265)

المجلس الثاني عشر: في النوع الثاني من تلاوة القرآن
الحمد لله معطي الجزيل لمن أطاعه ورجاه، وشديد العقاب لمن أعرض عن ذكره وعصاه، اجتبى من شاء بفضله فقربه وأدناه، وأبعد من شاء بعدله فولاه ما تولاه، أنزل القرآن رحمة للعالمين ومنارا للسالكين، فمن تمسك به نال مناه، ومن تعدَّى حدوده وأضاع حقوقه خسر دينه ودنياه، أحمده على ما تفضل به من الإحسان وأعطاه، وأشكره على نعمه الدينية والدنيوية وما أجدر الشاكر بالمزيد وأَوْلَاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الكامل في صفاته، العالي عن النظراء والأشباه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي اختاره على الخلق واصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما انشق الصبح وأشرق ضياه، وسلم تسليما.
إخواني: سبق في المجلس الخامس أن تلاوة القرآن على نوعين: تلاوة لفظه وهي قراءته، وتقدم الكلام عليها هناك.
والنوع الثاني: تلاوة حكمه بتصديق أخباره واتباع أحكامه فعلا للمأمورات وتركا للمنهيات.
وهذا النوع هو الغاية الكبرى من إنزال القرآن كما قال تعالى: {
(20/267)

كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] ، ولهذا درج السلف الصالح رضي الله عنهم على ذلك يتعلَّمون القرآن، ويصدِّقون به، ويطبِّقون أحكامه تطبيقا إيجابيا عن عقيدة راسخة , قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله: حدثنا الذين كانوا يُقْرِئُوننا القرآن: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل , قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا.
وهذا النوع من التلاوة هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة , قال الله تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 123 - 127] ، فبَيَّنَ الله في هذه الآيات الكريمة ثواب المتَّبِعين لهداه الذي أوحاه إلى رسله، وأعظمه هذا القرآن العظيم، وبيَّن عقاب المعرضين عنه.
أما ثواب المتبعين له فلا يضلون ولا يشقون، ونَفْيُ الضلال والشقاء عنهم يتضمن كمال الهداية والسعادة في الدنيا والآخرة.
وأما عقاب المعرضين عنه المتكبِّرين عن العمل به، فهو الشقاء والضلال في الدنيا والآخرة، فإن له معيشة ضنكا، فهو في دنياه في هم وقلق نفس، ليس له عقيدة صحيحة، ولا عمل صالح {أُولَئِكَ
(20/268)

كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] ، وهو في قبره في ضيق وضنك، قد ضُيِّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، وهو في حشره أعمى لا يبصر {وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97] ، فهم لما عموا في الدنيا عن رؤية الحق وصموا عن سماعه وأمسكوا عن النطق به {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} [فصلت: 5] ، جازاهم الله في الآخرة بمثل ما كانوا عليه في الدنيا، وأضاعهم كما أضاعوا شريعته {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ
بَصِيرًا} {قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 125 - 126] ، {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ: 26] ، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84] ، وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا صلى صلاة - وفي لفظ: صلاة الغداة - أقبل علينا بوجهه فقال: " من رأى منكم الليلة رؤية؟ " قال: فإن رأى أحد قَصَّها. فيقول: " ما شاء الله ". فسألنا يوما فقال: " هل رأى أحد منكم رؤية؟ " قلنا: لا. قال: " لكني رأيت الليلة رجلين أتياني " (فساق الحديث وفيه:) " فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيَتَدَهْدَه الحجر هاهنا فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إلى الرجل حتى يصبح رأسُه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثلما فعل به المرة الأولى، فقلت: سبحان الله! ما هذا؟ فقالا لي:
(20/269)

انطلِق " (فذكر الحديث وفيه:) " أما الرجل الذي أتيت عليه
يُثْلغ رأسُه بالحجر فهو الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة» (1) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطب الناس في حجة الوداع فقال: " إن الشيطان قد يئس أن يُعْبَد في أرضكم ولكن رضي أن يُطَاع فيما سوى ذلك مما تَحاقرون من أعمالكم فاحذروا، إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه» (2) ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُمَثَّل القرآن يوم القيامة رجلا فيُؤْتَى بالرجل قد حمله فخالف أمره فيُمَثَّل له خصما فيقول: يا رب حَمَّلته إياي فبئس الحامل تعدَّى حدودي، وضيع فرائضي , وركب معصيتي , وترك طاعتي , فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال: شأنك به , فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار» (3) ، وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «القرآن حجة لك أو عليك» (4) ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: القرآن شافع مُشفَّع، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار (5) .
__________
(1) رواه البخاري.
(2) رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وقد روى الإمام أحمد نحو الجملة الأولى منه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) ضعيف ونقل عن الحافظ ابن حجر تحسينه، فإن ثبت أنه حسن فالممثل قراءة القارئ أو جزاؤها وهما مخلوقان، أو يقال: إن التمثيل يقتضي أن الممثل به غير الممثل فلا يستلزم أن يخلق القرآن.
(4) رواه مسلم.
(5) وقد رُوِيَ عنه مرفوعا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(20/270)

فيا من كان القرآن خصمه كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟ ويل لمن شفعاؤه خصماؤه يوم تربح البضاعة. عباد الله هذا كتاب الله يُتْلَى بين أيديكم ويُسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا يتصدع، ومع هذا فلا أذن تسمع، ولا عين تدمع، ولا قلب يخشع، ولا امتثال للقرآن فيُرْجَى به أن يَشْفَع، قلوب خلت من التقوى فهي خراب بلقع، وتراكمت عليها ظلمة الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع، كم تُتْلَى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة، وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة، لا الشباب منا ينتهي عن الصبوة، ولا الشيخ ينتهي عن القبيح فيلحق بأهل الصفوة، أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة، وإذا تُلِيَتْ عليهم آياته وجلت قلوبهم وجَلتْها جَلْوَة؟ أولئك قوم أنعم الله عليهم فعرفوا حقه فاختاروا الصفوة.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: ينبغي لقارئ القرآن أن يُعْرَف بليله إذ الناس ينامون , وبنهاره إذ الناس يُفْطِرون , وببكائه إذ الناس يضحكون , وبورعه إذ الناس يخلطون، وبصمته إذ الناس يخوضون , وبخشوعه إذ الناس يختالون , وبحزنه إذ الناس يفرحون.
يا نفس فاز الصالحون بالتقى ... وأبصروا الحق وقلبي قد عَمِي
يا حسنهم والليل قد أَجَنَّهُمْ ... ونورهم يفوق نور الأنجمِ
تَرَنَّمُوا بالذكر في ليلهمو ... فعيشهم قد طاب بالتَّرَنُّمِ
(20/271)

قلوبهم للذكر قد تفَرَّغَتْ ... دموعهم كلؤلؤ منتظمِ
أسحارهم بنورهم قد أشرقت ... وخِلَعُ الغفران خير القِسَمِ
قد حفظوا صيامهم من لغوهم ... وخشعوا في الليل في ذكرهِمِ
ويحكِ يا نفس ألا تَيَقَّظِي ... للنفع قبل أن تَزِلَّ قدمي
مضى الزمان في تَوَانٍ وهَوًى ... فاستدركي ما قد بَقِي واغتنمي

إخواني: احفظوا القرآن قبل فوات الإمكان، وحافظوا على حدوده من التفريط والعصيان، واعلموا أنه شاهد لكم أو عليكم عند الملك الديان.
ليس مِنْ شكر نعمة الله بإنزاله أن نتخذه وراءنا ظهريا، وليس من تعظيم حرمات الله أن تتخذ أحكامه سخريا، {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} {يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 27 - 31] .
اللهم ارزقنا تلاوة كتابك حق التلاوة، واجعلنا ممن نال به الفلاح والسعادة، اللهم ارزقنا إقامة لفظه ومعناه، وحفظ حدوده ورعاية حرمته، اللهم اجعلنا من الراسخين في العلم، المؤمنين بمحكمه ومتشابهه، تصديقا بأخباره وتنفيذا لأحكامه، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/272)

المجلس الثالث عشر: في آداب قراءة القرآن
الحمد لله الذي لشرعه يخضع من يعبد، ولعظمته يخشع من يركع ويسجد , ولطيب مناجاته يسهر المتهجد ولا يرقد، ولطلب ثوابه يبذل المجاهد نفسه ويجهد، يتكلم سبحانه بكلامٍ يَجِلُّ أن يُشابه كلام المخلوقين ويبعد، ومن كلامه كتابه المنزل على نبيه أحمد نقرؤه ليلا ونهارا ونردد، فلا يخلق عن كثرة الترداد ولا يُمَلُّ ولا يُفَنَّد، أحمده حمد من يرجو الوقوف على بابه غير مُشَرَّد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من أخلص لله وتعبَّد، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قام بواجب العبادة وتَزَوَّد، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الصديق الذي ملأ قلوب مبغضيه قرحات تنفد , وعلى عمر الذي لم يزل يُقَوِّي الإسلام ويعضد , وعلى عثمان الذي جاءته الشهادة فلم يتردد , وعلى علي الذي ينسف زرع الكفر بسيفه ويحصد , وعلى سائر آله وأصحابه صلاة مستمرة على الزمان المؤبَّد , وسلم تسليما.
إخواني: إن هذا القرآن الذي بين أيديكم تتلونه وتسمعونه وتحفظونه وتكتبونه، هو كلام ربكم رب العالمين، وإله الأولين والآخرين، وهو حبله المتين، وصراطه المستقيم، وهو الذكر المبارَك والنور المبين، تكلَّم الله به حقيقة على الوصف الذي يليق
(20/273)

بجلاله وعظمته، وألقاه على جبريل الأمين أحد الملائكة الكرام المقربين، فنزل به على قلب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وصفه الله بأوصاف عظيمة لتعظموه وتحترموه فقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] ، {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 58] ، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} [النساء: 174] ، {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} {يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} [المائدة: 15 - 16] ، {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللهِ
وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 37] ، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] .
{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] ، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] ، {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 87 - 88] ، {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] ، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} {وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإسراء: 9 - 10] ، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] ، {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا
بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ
(20/274)

كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] ، {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} {إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا} [طه: 2 - 4] .
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] ، {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} {عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 192 - 197] ، {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} {وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [الشعراء: 210 - 211] ، {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49] ، {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 69 - 70] ، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29] .
{قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} [ص: 67] ، {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} [الزمر: 23] ، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41 - 42] ، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52] ، {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 4] ، {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20] ، {وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1] ، {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} {
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ} {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الواقعة: 75 - 80] ، {
(20/275)

لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21] ، وقال تعالى عن الجن: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن: 1] ، وقال تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ} {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21 - 22] .
فهذه الأوصاف العظيمة الكثيرة التي نقلناها وغيرها مما لم ننقله تدل كلها على عظمة هذا القرآن، ووجوب تعظيمه والتأدب عند تلاوته، والبعد حال قراءته عن الْهُزْء واللعب.
فمن آداب التلاوة إخلاص النية لله تعالى فيها؛ لأن تلاوة القرآن من العبادات الجليلة كما سبق بيان فضلها، وقد قال الله تعالى: {فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 14] ، وقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] ، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقرءوا القرآن وابتغوا به وجه الله عز وجل من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه» (1) ، ومعنى يتعجلونه يطلبون به أجر الدنيا.
* ومن آدابها: أن يقرأ بقلب حاضر يتدبر ما يقرأ ويتفهم معانيه، ويخشع عند ذلك قلبه، ويستحضر بأن الله يخاطبه في هذا القرآن لأن القرآن كلام الله عز وجل.
*
__________
(1) رواه أحمد , وإسناده حسن.
(20/276)

ومن آدابها: أن يقرأ القرآن على طهارة لأن هذا من تعظيم كلام الله عز وجل، ولا يقرأ القرآن وهو جنب حتى يغتسل إن قدر على الماء، أو يتيمم إن كان عاجزا عن استعمال الماء لمرض أو عدم، وللجنب أن يذكر الله ويدعوه بما يوافق القرآن إذا لم يقصد القرآن، مثل أن يقول: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
* ومن آدابها: أن لا يقرأ القرآن في الأماكن المستقذرة، أو في مجمع لا يُنْصَت فيه لقراءته لأن قراءته في مثل ذلك إهانة له، ولا يجوز أن يقرأ القرآن في بيت الخلاء ونحوه مما أعد للتبول أو التغوط لأنه لا يليق بالقرآن الكريم.
* ومن آدابها: أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند إرادة القراءة لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] ، ولئلا يصده الشيطان عن القراءة أو كمالها، وأما البسملة فإن كان ابتداء قراءته من أثناء السورة فلا يُبَسْمِل، وإن كان من أول السورة فليبسمل إلا في سورة التوبة فإنه ليس في أولها بسملة؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم حين كتابة المصحف هل هي سورة مستقلة أو بقية الأنفال؟ ففصلوا بينهما بدون بسملة , وهذا الاجتهاد هو المطابِق للواقع بلا ريب , إذ لو كانت البسملة قد نزلت في أولها لبقيت محفوظة بحفظ الله عز وجل , لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
(20/277)

* ومن آدابها: أن يُحَسِّن صوته بالقرآن ويَتَرَنَّمَ به , لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما أذن الله لشيء (أي: ما استمع لشيء) كما أذن لنبي حسن الصوت يَتَغَنَّى بالقرآن يجهر به» (1) ، «وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحد أحسن صوتا أو قراءة منه» صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) ، لكن إن كان حول القارئ أحد يتأذى بجهره في قراءته كالنائم والمصلي ونحوهما فإنه لا يجهر جهرا يشوش عليه أو يؤذيه؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خرج على الناس وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال: «إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض في القرآن» (3) .
* ومن آدابها: أن يرتل القرآن ترتيلا , لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4] ، فيقرأه بتمهل بدون سرعة؛ لأن ذلك أعون على تدبر معانيه وتقويم حروفه وألفاظه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه «أنه سئل عن قراءة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: كانت مَدًّا , ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم , يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم» (4) ، «وسئلت أم سلمة رضي الله عنها عن قراءة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: كان يُقَطِّع قراءته آية آية , {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} * {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} * {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} * {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} » (5) ، وقال ابن مسعود رضي
__________
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
(3) رواه مالك في الموطأ , قال ابن عبد البر: وهو حديث صحيح.
(4) رواه البخاري.
(5) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
(20/278)

الله عنه: لا تنثروه نثر الرمل ولا تهذُّوه هَذَّ الشعر , قفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب , ولا يكن هَمُّ أحدكم آخر السورة، ولا بأس بالسرعة التي ليس فيها إخلال باللفظ: بإسقاط بعض الحروف أو إدغام ما لا يصح إدغامه , فإن كان فيها إخلال باللفظ فهي حرام لأنها تغيير للقرآن.
* ومن آدابها: أن يسجد إذا مر بآية سجدة وهو على وضوء في أي وقت كان من ليل أو نهار , فيكبِّر للسجود ويقول: سبحان ربي الأعلى , ويدعو , ثم يرفع من السجود بدون تكبير ولا سلام , لأنه لم يرد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إلا أن يكون السجود في أثناء الصلاة فإنه يكبر في الصلاة إذا سجد وإذا قام «لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يكبر كلما خفض ورفع، ويُحَدِّث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يفعل ذلك» (1) ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود» (2) ، وهذا يعم سجود الصلاة وسجود التلاوة في الصلاة.
هذه بعض آداب القراءة فتأَدَّبوا بها واحرصوا عليها وابتغوا بها من فضل الله.
اللهم اجعلنا من المعظِّمين لحرمتك , الفائزين بهباتك , الوارثين لجناتك , واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
(20/279)

المجلس الرابع عشر: في مفطرات الصوم
الحمد لله المطَّلِع على ظاهر الأمر ومكنونه , العالم بسر العبد وجهره وظنونه , المتفرد بإنشاء العالم وإبداع فنونه , المدبِّر لكل منهم في حركته وسكونه، أحسن كلَّ شيء وخلق، وفتق الأسماع وشق الْحَدَق , وأحصى عدد ما في الشجر من ورق , في أعواده وغصونه، مد الأرض ووضعها، وأوسع السماء ورفعها , وسَيَّرَ النجوم وأطلعها , في حندس الليل ودجونه، أنزل القطر وبلا رذاذا , فأنقذ به البذور من اليبس إنقاذا {هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [لقمان: 11] ، أحمده على جوده وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وسلطانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المؤيد ببرهانه، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر في جميع شأنه , وعلى عمر مقلق كسرى في إيوانه , وعلى عثمان ساهر ليله في قرآنه , وعلى علي قالع باب خيبر ومُزَلْزِل حصونه , وعلى آله وأصحابه المجتهدِ كُلٌّ منهم في طاعة ربه في حركته وسكونه , وسلم تسليما.
إخواني: قال الله تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] . ذكر الله في هذه الآية الكريمة
(20/281)

أصول مُفَطِّرات الصوم , وذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السُّنَّة تمام ذلك.
والْمُفَطِّرات سبعة أنواع:
* الأول: الجماع وهو إيلاج الذكر في الفرج، وهو أعظمها وأكبرها إثما , فمتى جامع الصائم بطل صومه فرضا كان أو نفلا، ثم إن كان في نهار رمضان والصوم واجب عليه لزمه مع القضاء الكفّارة المغلّظة، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما إلا لعذر شرعي كأيام العيدين والتشريق , أو لعذر حسي كالمرض والسفر لغير قصد الفطر , فإن أفطر لغير عذر ولو يوما واحدا لزمه استئناف الصيام من جديد ليحصل التتابع، فإن لم يستطع صيام شهرين متتابعين فإطعام ستين مسكينا، لكل مسكين نصف كيلو وعشرة غرامات من البُرّ الجيد ويجزي الرز عن البر لكن تجب ملاحظة الوزن، فإن كان الرز أثقل زِيدَ في وزنه بقدره، وإن كان أخف نقص من وزنه بقدر. وفي الحديث: «أن رجلا وقع بامرأته في رمضان فاستفتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك فقال: " هل تجد رقبة؟ " قال: لا. قال: هل تستطيع صيام شهرين؟» (يعني متتابعين كما في الروايات الأخرى) ، «قال: لا. قال: " فأطعم ستين مسكينا» (1) ، وهو في الصحيحين مطَوَّلا.
* الثاني: إنزال المني باختياره بتقبيل أو لمس أو استمناء أو غير ذلك؛ لأن هذا من الشهوة التي لا يكون الصوم إلا باجتنابها كما جاء في الحديث القدسي: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» (2) ،
__________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه البخاري.
(20/282)

فأما التقبيل والمس بدون إنزال فلا يفطِّر، لحديث عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُقَبِّل وهو صائم ويباشر وهو صائم ولكنه كان أَمْلَكَكُمْ لإربه» (1) ، وعن عمر بن أبي سلمة «أنه سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أيُقَبِّل الصائم؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سل هذه " - يعني أم سلمة - , فأخبرته أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر , فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له» (2) ، لكن إن كان الصائم يخشى على نفسه من الإنزال بالتقبيل ونحوه أو من التدرج بذلك إلى الجماع لعدم قوته على كبح شهوته، فإن التقبيل ونحوه يحرم حينئذ سدا للذريعة وصونا لصيامه عن الفساد , ولذلك أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المتوضئ بالمبالغة في الاستنشاق إلا أن يكون صائما خوفا من تسرب الماء إلى جوفه.
وأما الإنزال بالاحتلام أو بالتفكير المجرد عن العمل فلا يفطِّر؛ لأن الاحتلام بغير اختيار الصائم , وأما التفكير فمعفو عنه لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» (3) .
الثالث: الأكل أو الشرب، وهو إيصال الطعام أو الشراب إلى الجوف من طريق الفم أو الأنف أيا كان نوع المأكول أو المشروب، لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] ، والسَّعُوط في الأنف كالأكل والشرب لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث لقيط بن صبرة: «وبالغ
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) متفق عليه.
(20/283)

في الاستنشاق، إلا أن تكون صائما» (1) فأما شم الروائح فلا يفطِّر لأنه ليس للرائحة جرم يدخل إلى الجوف.
* الرابع: ما كان بمعنى الأكل والشراب وهو شيئان:
* أحدهما: حقن الدم في الصائم مثل أن يصاب بنزيف فيحقن به دم فيفطر بذلك؛ لأن الدم هو غاية الغذاء بالطعام والشراب، وقد حصل ذلك بحقن الدم فيه (2) .
الشيء الثاني: الإبر المغذِّية التي يُكْتَفَى بها عن الأكل والشرب فإذا تناولها أفطر؛ لأنه وإن لم تكن أكلا وشربا حقيقة , فإنها بمعناهما , فثبت لها حكمهما، فأما الإبر غير المغذية فإنها غير مفطرة سواء تناولها عن طريق العضلات أو عن طريق العروق , حتى ولو وجد حرارتها في حلقه فإنها لا تفطر؛ لأنها ليست أكلا ولا شربا ولا بمعناهما فلا يثبت لها حكمهما , ولا عبرة بوجود الطعم في الحلق في غير الأكل والشرب , ولذا قال فقهاؤنا: لو لطخ باطن قدمه بحنظل فوجد طعمه في حلقه لم يفطر، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة (حقيقة الصيام) : ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطرا هو ما كان واصلا إلى دماغ أو بدن , أو ما كان داخلا من مَنْفَذ , أو واصلا إلى جوف ونحو ذلك من المعاني
__________
(1) رواه الخمسة وصححه الترمذي.
(2) هذا ما كنت أراه من قبل ثم ظهر لي أن حقن الدم لا يفطر؛ لأنه ليس أكلا ولا شربا ولا بمعناهما، والأصل بقاء صحة الصوم حتى يتبين فساده؛ لأن من القواعد المقررة أن اليقين لا يزول بالشك.
(20/284)

التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مَنَاط الحكم عند الله ورسوله , قال: وإذا لم يكن دليل على تعليق الله ورسوله الحكم على هذا الوصف، كان قول القائل: إن الله ورسوله إنما جعلا هذا مفطرا لهذا قولا بلا علم. انتهى كلامه رحمه الله.
* النوع الخامس: إخراج الدم بالحجامة , لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْطَرَ الحاجم والمحجوم» (1) ، وهذا مذهب الإمام أحمد وأكثر فقهاء الحديث، وفي معنى إخراج الدم بالحجامة إخراجه بالفصد ونحوه مما يُؤَثِّر على البدن كتأثير الحجامة , وعلى هذا فلا يجوز للصائم صوما واجبا أن يتبرع بإخراج دمه الكثير الذي يؤثر على البدن تأثير الحجامة إلا أن يوجد مضطر له لا تندفع ضرورته إلا به، ولا ضرر على الصائم بسحب الدم منه فيجوز للضرورة ويفطر ذلك اليوم ويقضي، وأما خروج الدم بالرعاف أو السعال أو الباسور أو قلع السن أو شق الجرح أو تحليل الدم أو غرز الإبرة ونحوها فلا يفطر لأنه ليس بحجامة ولا بمعناها إذ لا يؤثر في البدن كتأثير الحجامة.
* السادس: التقيؤ عمدا وهو إخراج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض» (2) ، ومعنى ذرعه: غلبه، ويفطر إذا تعمد القيء إما بالفعل كعصر بطنه أو غمز حلقه، أو بالشم مثل أن بشم شيئا ليقيء به،
__________
(1) رواه أحمد وأبو داود من حديث شداد بن أوس، قال البخاري: ليس في الباب أصح منه.
(2) رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم.
(20/285)

أو بالنظر كأن يتعمد النظر إلى شيء ليقيء به فيفطر بذلك كله، أما إذا حصل القيء بدون سبب منه فإنه لا يضر، وإذا راجت معدته لم يلزمه منع القيء لأن ذلك يضره , ولكن يتركه فلا يحاول القيء ولا منعه.
* السابع: خروج دم الحيض والنفاس، لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المرأة: «أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟» ، فمتى رأت دم الحيض أو النفاس فسد صومها سواء في أول النهار أم في آخره ولو قبل الغروب بلحظة , وإن أحست بانتقال الدم ولم يبرز إلا بعد الغروب فصومها صحيح.
ويحرم على الصائم تناول هذه المفطرات إن كان صومه واجبا كصوم رمضان والكفارة والنذر إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كسفر ومرض ونحوهما؛ لأن من تلبس بواجب لزمه إتمامه إلا لعذر صحيح , ثم إن تناولها في نهار رمضان لغير عذر وجب عليه الإمساك بقية اليوم والقضاء , وإلا لزمه القضاء دون الإمساك، أما إن كان صومه تطوعا فإنه يجوز له الفطر ولو بدون عذر ولكن الْأَوْلَى الإتمام.
إخواني: حافظوا على الطاعات، وجانبوا المعاصي والمحرمات، وابتهلوا إلى فاطر الأرض والسماوات، وتعرضوا لنفحات جوده فإنه جزيل الهبات، واعلموا أنه ليس لكم من دنياكم إلا ما أمضيتموه في طاعة مولاكم، فالغنيمة الغنيمة قبل فوات الأوان، والمرابحة المرابحة قبل حلول الخسران.
(20/286)

اللهم وفقنا لاغتنام الأوقات، واشغلنا بالأعمال الصالحات، اللهم جُدْ علينا بالفضل والإحسان، وعاملنا بالعفو والغفران، اللهم يسِّرْنا لليسرى، وجنبنا العسرى، واغفر لنا في الآخرة والْأُولَى، اللهم ارزقنا شفاعة نبينا وأوردنا حوضه، واسقنا منه شربة لا نظمأ بعدها أبدا يا رب العالمين.
اللهم صَلِّ وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(20/287)

المجلس الخامس عشر: في شروط الفطر بالمفطِّرات وما لا يفطِّر وما يجوز للصائم
الحمد لله الحكيم الخالق، العظيم الحليم الصادق، الرحيم الكريم الرازق، رفع السبع الطرائق بدون عمد ولا علائق، وثبَّت الأرض بالجبال الشواهق، تعرَّف إلى خلقه بالبراهين والحقائق، وتكفَّل بأرزاق جميع الخلائق، خلق الإنسان من ماء دافق، وألزمه بالشرائع لوصل العلائق، وسامحه عن الخطأ والنسيان فيما لا يوافق، أحمده ما سكت ساكت ونطق ناطق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص لا منافق، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي عمَّت دعوته النازل والشاهق، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى صاحبه أبي بكر القائم يوم الردة بالحزم اللائق، وعلى عمر مُدَوِّخ الكفار وفاتح المغالق، وعلى عثمان ما استحل حرمته إلا مارق، وعلى علي الذي كان لشجاعته يسلك المضايق، وعلى آله وأصحابه الذين كل منهم على من سواهم فائق، وسلم تسليما.
إخواني: إن المفطرات السابقة ما عدا الحيض والنفاس، وهي الجماع والإنزال بالمباشرة والأكل والشرب وما بمعناهما والحجامة
(20/289)

والقيء، لا يُفَطِّر الصائم شيء منها إلا إذا تناولها عالما ذاكرا مختارا، فهذه ثلاثة شروط:
* الشرط الأول: أن يكون عالما، فإن كان جاهلا لم يفطر، لقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] ، فقال الله: قد فَعَلْتُ (1) ، وقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5] ، وسواء كان جاهلا بالحكم الشرعي مثل أن يظن أن هذا الشيء غير مفطر فيفعله، أو جاهلا بالحال أي بالوقت مثل أن يظن أن الفجر لم يطلع فيأكل وهو طالع , أو يظن أن الشمس قد غربت فيأكل وهي لم تغرب , فلا يفطر في ذلك كله , لما رُوِيَ عن عَدِي بن حاتم رضي الله عنه قال: «لما نزلت هذه الآية: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة: 187] , عَمدْتُ إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر إليهما , فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت , فلما أصبحت غدوت إلى رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فأخبرته بالذي صنعت , فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن وسادك إذن لعريض إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك، إنما
ذلك بياض النهار وسواد الليل» (2) ، فقد أكل عدي بعد طلوع الفجر ولم يمسك حتى تبين له الخَيْطان , ولم يأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالقضاء لأنه كان جاهلا بالحكم، وعن أسماء بنت أبي بكر
__________
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(20/290)

رضي الله عنهما قالت: «أفطرنا في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم غيم ثم طلعت الشمس» (1) ، ولم تذكر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمرهم بالقضاء؛ لأنهم كانوا جاهلين بالوقت , ولو أمرهم بالقضاء لَنُقِلَ لأنه مما تُوَفَّرُ الدواعي على نقله لأهميته , بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة (حقيقة الصيام) : إنه نقل هشام بن عروة أحد رواة الحديث عن أبيه عروة أنهم لم يؤمروا بالقضاء، لكن متى عُلِمَ ببقاء النهار وأن الشمس لم تغب أمسك حتى تغيب.
ومثل ذلك لو أكل بعد طلوع الفجر يظن أن الفجر لم يطلع فتبين له بعد ذلك أنه قد طلع , فصيامه صحيح ولا قضاء عليه لأنه كان جاهلا بالوقت , وقد أباح الله له الأكل والشرب حتى يتبين له الفجر، والمباح المأذون فيه لا يؤمر فاعله بالقضاء، لكن متى تبين له وهو يأكل أو يشرب أن الشمس لم تغرب أو أن الفجر قد طلع أمسك ولفظ ما في فمه إن كان فيه شيء لزوال عذره حينئذ.
* الشرط الثاني: أن يكون ذاكرا , فإن كان ناسيا فصيامه صحيح ولا قضاء عليه لما سبق في آية البقرة , ولما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (2) ، فَأَمْرُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإتمامه دليل على صحته، ونسبة إطعام الناسي وسقيه إلى الله دليل على عدم المؤاخذة عليه، لكن متى ذَكَرَ أو ذُكِّرَ أمسك ولفظ ما في فمه إن كان فيه شيء لزوال عذره حينئذ , ويجب على
__________
(1) رواه البخاري.
(2) متفق عليه واللفظ لمسلم.
(20/291)

من رأى صائما يأكل أو يشرب أن ينَبِّهه لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] .
* الشرط الثالث: أن يكون مختارا، أي: متناولا للمفطر باختياره وإرادته، فإن كان مكرها فصيامه صحيح ولا قضاء عليه؛ لأن الله سبحانه رفع الحكم عمن كفر مكرها وقلبه مطمئن بالإيمان فقال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106] ، فإذا رفع الله حكم الكفر عمن أكره عليه فما دونه أولى، ولقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (1) ، فلو أكره الرجل زوجته على الوطء وهي صائمة فصيامها صحيح ولا قضاء عليها، ولا يحل له إكراهها على الوطء وهي صائمة إلا إن صامت تطوعا بغير إذنه وهو حاضر، ولو طار إلى جوف الصائم غبار أو دخل فيه شي من الماء بغير اختياره فصيامه صحيح ولا قضاء عليه.
ولا يُفْطِر الصائم بالكحل والدواء في عينه ولو وجد طعمه في حلقه؛ لأن ذلك ليس بأكل ولا شرب ولا بمعناهما، ولا يُفطر بتقطير دواء في أذنه أيضا ولا بوضع دواء في جرح ولو وجد طعم الدواء في حلقه؛ لأن ذلك ليس أكلا ولا شربا ولا بمعنى الأكل والشرب،
__________
(1) رواه ابن ماجه والبيهقي وحسَّنه النووي.
(20/292)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة (حقيقة الصيام) : ونحن نعلم أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الإفطار بهذه الأشياء، فعلمنا أنها ليست مفطِّرة، قال: فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمه الله ورسوله في الصيام ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلَّغوه الأمة كما بلَّغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك لا حديثا صحيحا ولا ضعيفا ولا مسندا ولا مرسلا عُلِمَ أنه لم يذكر شيئا من ذلك، والحديث المروي في الكحل يعني «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بالإثمد الْمُرَوّح عند النوم وقال: " لِيَتَّقِهِ الصائم» (1) ، وقال شيخ الإسلام أيضا: والأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبَيِّنها
النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيانا عاما، ولا بد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا عُلِمَ أن هذا ليس من دينه. انتهى كلامه رحمه الله، وهو كلام رصين مبني على براهين واضحة وقواعد ثابتة.
ولا يُفْطِر بذوق الطعام إذا لم يبلعه، ولا بشم الطيب والبخور، لكن لا يستنشق دخان البخور لأن له أجزاء تصعد فربما وصل إلى المعدة شيء منه، ولا يفطر بالمضمضة والاستنشاق لكن لا يبالغ في ذلك لأنه ربما تهرَّب شيء من الماء إلى جوفه، وعن لقيط
__________
(1) ضعيف رواه أبو داود في السنن ولم يروه غيره، قال أبو داود: قال لي يحيى بن معين: هذا حديث منكر.
(20/293)

بن صبرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» (1)
ولا يُفْطِر بالتسوك , بل هو سنة له في أول النهار وآخره كالمفطرين لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (2) ، وهذا عام في الصائمين وغيرهم في جميع الأوقات , «وقال عامر بن ربيعة رضي الله عنه: رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم» (3)
ولا ينبغي للصائم تطهير أسنانه بالمعجون لأن له نفوذا قويا ويُخْشَى أن يتسرب مع ريقه إلى جوفه، وفي السواك غُنْيَة عنه.
ويجوز للصائم أن يفعل ما يخفِّف عنه شدة الحر والعطش كالتبرُّد بالماء ونحوه , لما رُوِيَ عن بعض أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنهم قالوا: «رأيتُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالعُرَج (اسم موضع) يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش أو من الحر» (4) ، وبلَّ ابن عمر رضي الله عنهما ثوبا فألقاه على نفسه وهو صائم , وكان لأنس بن مالك رضي الله عنه حجر منقور يشبه الحوض إذا وجد الحر وهو صائم نزل فيه وكأنه والله أعلم مملوءٌ ماءً، وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم (5)
__________
(1) رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة.
(2) رواه الجماعة.
(3) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وذكره البخاري معلقا بصيغة التمريض، وحسَّنه الترمذي، وقال الحافظ ابن حجر في موضع من التلخيص: إسناده حسن.
(4) حديث صحيح رواه مالك وأبو داود.
(5) ذكر هذه الآثار البخاري في صحيحه تعليقا.
(20/294)

إخواني: تفقَّهوا في دين الله لتعبدوا الله على بصيرة فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون , ومن يُرِدِ الله به خيرا يُفَقِّهْهُ في الدين.
اللهم فَقِّهْنَا في ديننا، وارزقنا العمل به , وثَبِّتْنَا عليه وتَوَفَّنَا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/295)

المجلس السادس عشر: في الزكاة
الحمد لله الذي يمحو الزَّلَل ويصفح , ويغفر الخَطَل ويسمح، كل من لاذ به أفلح , وكل من عامله يربح، رفع السماء بغير عمد فتأملْ والمح، وأنزل القطر فإذا الزرع في الماء يسبح، والمواشي بعد الجدب في الخصب تسرح، وأقام الوُرْق على الوُرْق تُسَبِّح، أغنى وأفقر وربما كان الفقر أصلح، فكم من غني طرحه الأشر والبطر أقبح مطرح، هذا قارون مَلَكَ الكثير لكنه بالقليل لم يسمح، نُبِّه فلم يستيقظ وَلِيمَ فلم ينفعه اللوم إذ قال له قومه: لا تفرح، أحمده ما أمسى النهار وما أصبح، وأشهد أن لا إله إلا الله الغني الجواد مَنَّ بالعطاء الواسع وأفسح , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي جاد لله بنفسه وماله وأبان الحق وأوضح، صلى الله عليه وعلى أصحابه أبي بكر الذي لازمه حضرا وسفرا ولم يبرح , وعلى عمر الذي لم يزل في إعزاز الدين يكدح , وعلى عثمان الذي أنفق الكثير في سبيل الله وأصلح , وعلى علي ابن عمه وأبرأ ممن يغلو فيه أو يقدح , وعلى بقية الصحابة والتابعين لهم بإحسان , وسلم تسليما.
إخواني: قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] ، وقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا
(20/297)

لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} [المزمل: 20] ، وقال تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] ، والآيات في وجوب الزكاة وفَرْضِيَّتها كثيرة، وأما الأحاديث فمنها ما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «بُنِيَ الإسلام على خمس: على أن يُوَحَّدَ اللهُ , وإقام الصلاة , وإيتاء الزكاة , وصيام رمضان , والحج , فقال رجل: الحج وصيام رمضان؟ قال: لا. قال: صيام رمضان والحج» ، هكذا سمعته من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . وفي رواية: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» (الحديث بمعناه) .
فالزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام , وهي قرينة الصلاة في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل , وقد أجمع المسلمون على فرضيتها إجماعا قطعيا , فمن أنكر وجوبها مع علمه به فهو كافر خارج عن الإسلام , ومن بخل بها أو انتقص منها شيئا فهو من الظالمين المتعرضين للعقوبة والنكال، وتجب الزكاة في أربعة أشياء:
* الأول: الخارج من الأرض من الحبوب والثمار لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة 267] ، وقوله سبحانه: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] ، وأعظم حقوق المال الزكاة، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فيما
__________
(1) رواه مسلم.
(20/298)

سقت السماء أو كان عَثَريا العُشْر، وفيما سُقِيَ بالنضح نصف العشر» (1) ، ولا تجب الزكاة فيه حتى يبلغ نصابا وهو خمسة أوْسق , لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ليس في حَبٍّ ولا ثمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» (2) . والوَسَق ستون صاعا بصاع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي تبلغ زنته بالبر الجيد ألفين وأربعين جراما , أي: كيلوين وخمسيْ عُشر الكيلو , ولا زكاة فيما دونها , ومقدار الزكاة فيها العُشْر كاملا فيما سُقِيَ بدون كُلْفة ونصفه فيما سُقِيَ بكلفة, ولا تجب الزكاة في الفواكه والخضروات والبطيخ ونحوها , لقول عمر:
ليس في الخضروات صدقة، وقول علي: ليس في التفاح وما أشبه صدقة، ولأنها ليست بحب ولا ثمر، لكن إذا باعها بدراهم وحال الحول على ثمنها ففيه الزكاة.
* الثاني: بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم ضأنا كانت أم معزا إذا كانت سائمة وأُعِدَّت للدَّر والنسل وبلغت نصابا، وأقل النصاب في الإبل خمسون، وفي البقر ثلاثون، وفي الغنم أربعون، والسائمة هي التي ترعى الكلأ النابت بدون بذر آدمي كل السنة أو أكثرها، فإن لم تكن سائمة فلا زكاة فيها، إلا أن تكون للتجارة، وإن أُعِدَّت للتكسب بالبيع والشراء والمناقلة فيها فهي عروضُ تجارةٍ تُزَكَّى زكاةَ تجارةٍ سواء كانت سائمة أو معلفة إذا بلغت نصاب التجارة بنفسها أو بضمها إلى تجارته.
__________
(1) رواه البخاري.
(2) رواه مسلم.
(20/299)

* الثالث: الذهب والفضة على أي حال كانت لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34 - 35] ، والمراد بكنزها عدم إنفاقها في سبيل الله، وأعظم الإنفاق في سبيل الله إنفاقها في الزكاة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحَت له صفائح من نار فأُحْمِيَ عليها في نار جهنم، فيُكْوَى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقْضَى بين العباد» (1) .
والمراد بحقها زكاتها كما تفسره الرواية الثانية: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته» (الحديث) (2) .
وتجب الزكاة في الذهب والفضة سواء كانت نقودا أو تبرا أو حليا يُلْبَس أو يُعَار، أو غير ذلك، لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة فيهما بدون تفصيل، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما «أن امرأة أتت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مَسكَتَان غليظتان من ذهب (أي: سواران غليظان) ، فقال لها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أتعطين زكاة هذا؟ " قالت: لا. قال: " أيَسُرُّك أن يُسَوِّرَكِ الله بهما يوم القيامة سوارين
__________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه مسلم.
(20/300)

من نار؟ " قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالت: هما لله ورسوله» (1) ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل علي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرأى في يدي فَتَخَات من وُرْق (تعني: من فضة) , فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما هذا؟ " فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله. قال: " أتؤدين زكاتهن؟ " قالت: لا، أو ما شاء الله. قال: " هو حسبك من النار» (2) .
ولا تجب الزكاة في الذهب حتى يبلغ نصابا وهو عشرون دينارا؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الذهب: «ليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارا» (3) .
المراد الدينار الإسلامي الذي يبلغ وزنه مثقالا، وزنة المثقال أربعة غرامات وربع، فيكون نصاب الذهب خمسة وثمانين غراما يعادل أحد عشر جنيها سعوديا وثلاثة أسباع الجنيه.
ولا تجب الزكاة في الفضة حتى تبلغ نصابا وهو خمس أواقٍ،
__________
(1) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي.
(2) أخرجه أبو داود والبيهقي والحاكم وصححه وقال: على شرط الشيخين، وقال ابن حجر في التلخيص: على شرط الصحيح، وقال ابن دقيق: على شرط مسلم.
(3) رواه أبو داود وفي سنده ضعف، لكن له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن فيكون حجة، وقد أخذ به عامة أهل العلم.
(20/301)

لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (1) ، والأوقيَّة أربعون درهما إسلاميا، والدرهم سبعة أعشار مثقال فيبلغ مائة وأربعين مثقالا وهي خمسمائة وخمسة وتسعون غراما تعادل ستة وخمسين ريالا عربيا من الفضة، ومقدار الزكاة في الذهب والفضة ربع العشر فقط.
وتجب الزكاة في الأوراق النقدية لأنها بدل عن الفضة فتقوم مقامها، فإذا بلغت نصاب الفضة وجبت فيها الزكاة، وتجب الزكاة في الذهب والفضة والأوراق النقدية سواء كانت حاضرة عنده أم في ذمم الناس، وعلى هذا فتجب الزكاة في الدَّيْن الثابت سواء كان قرضا أم ثمن مبيع أم أجرة أم غير ذلك، إذا كان على مليء باذل فيُزَكِّيهِ مع ماله كل سنة أو يؤخر زكاته حتى يقبضه ثم يزكيه لكل ما مضى من السنين , فإن كان على معسر أو مماطل يصعب استخراجه منه فلا زكاة عليه فيما قبلها من السنين.
ولا تجب الزكاة فيما سوى الذهب والفضة من المعادن وإن كان أغلى منهما إلا أن يكون للتجارة فيُزَكَّى زكاة تجارة.
* الرابع: مما تجب فيه الزكاة عروض التجارة , وهي كل ما أعده للتكسب والتجارة من عقار وحيوان وطعام وشراب وسيارات وغيرها من جميع أصناف المال , فيُقَوِّمها كل سنة بما تساوي عند رأس الحول ويخرج رُبْع عُشْر قيمتها سواء كانت قيمتها بقدر ثمنها
__________
(1) متفق عليه.
(20/302)

الذي اشتراها به أم أقل أم أكثر، ويجب على أهل البقالات والآلات وقطع الغيارات وغيرها أن يحصوها إحصاء دقيقا شاملا للصغير والكبير ويخرجوا زكاتها، فإن شق عليهم ذلك احتاطوا وأخرجوا ما يكون به براءة ذمهم.
ولا زكاة فيما أعده الإنسان لحاجته من طعام وشراب وفرش ومسكن وحيوانات وسيارة ولباس سوى حلي الذهب والفضة لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (1)
ولا تجب الزكاة فيما أُعِدَّ للأجرة من عقارات وسيارات ونحوها، وإنما تجب في أجرتها إذا كانت نقودا وحال عليها الحول وبلغت نصابا بنفسها أو بضمها لما عنده من جنسها.
إخواني: أدوا زكاة أموالكم وطِيبُوا بها نفسا فإنها غُنْم لا غرم، وربح لا خسارة، وأَحْصُوا جميع ما يلزمكم زكاته، واسألوا الله القبول لما أنفقتم والبركة لكم فيما أبقيتم , والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________
(1) متفق عليه.
(20/303)

المجلس السابع عشر: في أهل الزكاة
الحمد لله الذي لا رافع لما وضع، ولا واضع لما رفع، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا قاطع لما وصل، ولا واصل لما قطع، فسبحانه من مُدَبِّر عظيم، وإله حكيم رحيم، فبحكمته وقع الضرر وبرحمته نفع، أحمده على جميع أفعاله، وأشكره على واسع إقباله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحكم ما شرع وأبدع ما صنع، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله والكفر قد علا وارتفع، وصال واجتمع، فأهبطه من عليائه وقمع، وفرَّق من شَرِّهِ ما اجتمع، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الذي نَجَمَ نَجْمُ شجاعته يوم الردة وطلع، وعلى عمر الذي عز به الإسلام وامتنع، وعلى عثمان المقتول ظلما وما ابتدع، وعلى علي الذي دحض الكفر بجهاده وقمع، وعلى جميع آله وأصحابه ما سجد مُصَلٍّ وركع، وسلم تسليما.
إخواني: قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] .
في هذه الآية الكريمة بَيَّن الله تعالى مصارف الزكاة وأهلها المستحِقِّين
(20/305)

لها بمقتضى علمه وحكمته وعدله ورحمته، وحصرها في هؤلاء الأصناف الثمانية، وبين أن صرفها فيهم فريضة لازمة، وأن هذه القسمة صادرة عن علم الله وحكمته، فلا يجوز تَعَدِّيها وصرف الزكاة في غيرها؛ لأن الله تعالى أعلم بمصالح خلقه وأحكم في وضع الشيء في موضعه {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .
* فالصنف الأول والثاني: الفقراء والمساكين وهم الذين لا يجدون كفايتهم، وكفاية عائلتهم لا من نقود حاضرة، ولا من رواتب ثابتة، ولا من صناعة قائمة، ولا من غلة كافية، ولا من نفقات على غيرهم واجبة، فهم في حاجة إلى مواساة ومعونة، قال العلماء: فيُعْطَوْن من الزكاة ما يكفيهم وعائلتهم لمدة سنة كاملة حتى يأتي حول الزكاة مرة ثانية، ويعطى الفقير لزواج يحتاج إليه ما يكفي لزواجه، وطالب العلم الفقير لشراء كتب يحتاجها، ويعطى من له راتب لا يكفيه وعائلته من الزكاة ما يُكَمِّل كفايتهم لأنه ذو حاجة، وأما من كان له كفاية فلا يجوز إعطاؤه من الزكاة وإن سألها، بل الواجب نصحه وتحذيره من سؤال ما لا يحل له، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله عز وجل وليس في وجهه مُزْعَة لحم» (1) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من سأل الناس أموالهم تَكَثُّرًا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر» (2) .
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(20/306)

وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال له: «إن هذا المال خَضِرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى» (1)
وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر» (2) ، وإن سأل الزكاة شخص وعليه علامة الغنى عنها وهو مجهول الحال جاز إعطاؤه منها بعد إعلامه أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب؛ «لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتاه رجلان يسألانه فقَلَّب فيهما البصر فرآهما جلدين فقال: " إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» (3) .
* الصنف الثالث من أهل الزكاة: العاملون عليها وهم الذين يُنَصِّبهم ولاة الأمور لجباية الزكاة من أهلها وحفظها وتصريفها، فيُعْطَوْن منها بقدر عملهم وإن كانوا أغنياء، وأما الوكلاء لفرد من الناس في توزيع زكاته فليسوا من العاملين عليها فلا يستحقون منها شيئا من أجل وكالتهم فيها، لكن إن تبرعوا في تفريقها على أهلها بأمانة واجتهاد كانوا شركاء في أجرها، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الخازن المسلم الأمين الذي يُنَفِّذ» ، أو قال: «يعطي ما أُمِرَ به كاملا موفَّرا طيبا به نفسه، فيدفعه
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه أحمد , وروى نحوه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري وقال: حسن صحيح.
(3) رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وقال أحمد: ما أجوده من حديث.
(20/307)

إلى الذي أمر به أحد المتصدقين» (1) ، وإن لم يتبرعوا بتفريقها أعطاهم صاحب المال من ماله لا من الزكاة.
* الصنف الرابع: المؤَلَّفة قلوبهم وهم ضعفاء الإيمان أو من يُخْشَى شرُّهم، فيعطون من الزكاة ما يكون به تقوية إيمانهم أو دفع شرهم إذا لم يندفع إلا بإعطائهم.
* الصنف الخامس: الرقاب وهم الْأَرِقَّاء المكاتَبون الذين اشتروا أنفسهم من أسيادهم، فيعطون من الزكاة ما يوفون به أسيادهم ليحرِّروا بذلك أنفسهم، ويجوز أن يُشْتَرَى عبدٌ فيُعْتَق وأن يُفَك بها مسلم من الأسر لأن هذا داخل في عموم الرقاب.
* الصنف السادس: الغارمون الذين يتحملون غرامة وهم نوعان:
* أحدهما: من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين وإطفاء الفتنة فيعطى من الزكاة بقدر حمالته تشجيعا له على هذا العمل النبيل الذي به تأليف المسلمين وإصلاح ذات بينهم وإطفاء الفتنة وإزالة الأحقاد والتنافر، عن قبيصة الهلالي قال: «تحملت حمالة فأتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسأله فيها فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ". ثم قال: " يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك» ، وذكر تمام الحديث (2) .
* الثاني: من تحمل حمالة في ذمته لنفسه وليس عنده وفاء فيُعْطَى من الزكاة ما يُوَفِّي به دينه وإن كثر أو يوفي طالبه وإن لم يسلَّم للمطلوب؛
__________
(1) رواه البخاري.
(2) رواه مسلم.
(20/308)

لأن تسليمه للطالب يحصل به المقصود من تبرئة ذمة المطلوب.
* الصنف السابع: في سبيل الله وهو الجهاد في سبيل الله الذي يُقْصَد به أن تكون كلمة الله هي العليا لا لحمية ولا لعصبية، فيُعْطَى المجاهد بهذه النية ما يكفيه لجهاده من الزكاة، أو يُشْتَرَى بها سلاح وعتاد للمجاهدين في سبيل الله لحماية الإسلام والذود عنه وإعلاء كلمة الله سبحانه.
* الصنف الثامن: ابن السبيل وهو المسافر الذي انقطع به السفر ونفد ما في يده فيُعْطَى من الزكاة ما يوصله إلى بلده وإن كان غنيا فيها ووجد من يقرضه، لكن لا يجوز أن يستصحب معه نفقة قليلة لأجل أن يأخذ من الزكاة إذا نفدت لأنه حيلة على أخذ ما لا يستحق، ولا تُدْفَع الزكاة للكافر إلا أن يكون من المؤلَّفة قلوبهم، ولا تدفع لغني عنها بما يكفيه من تجارة أو صناعة أو حرفة أو راتب أو مَغَلٍّ أو نفقة واجبة إلا أن يكون من العاملين عليها، أو المجاهدين في سبيل الله، أو الغارمين لإصلاح ذات البين، ولا تدفع الزكاة في إسقاط واجب سواها، فلا تدفع للضيف بدلا عن ضيافته، ولا لمن تجب نفقته من زوجة أو قريب بدلا عن نفقتهما، ويجوز دفعها للزوجة والقريب فيما سوى النفقة الواجبة، فيجوز أن يقضي بها دينا عن زوجته لا تستطيع وفاءه، وأن يقضي بها عن والديه أو أحد من أقاربه دينا لا يستطع وفاءه، ويجوز أن يدفع الزكاة لأقاربه في سداد نفقتهم إذا لم تكن واجبة عليه لكون ماله لا يتحمل الإنفاق
(20/309)

عليهم أو نحو ذلك، ويجوز دفع الزوجة زكاتها لزوجها في قضاء دين عليه ونحوه؛ وذلك لأن الله سبحانه علق استحقاق الزكاة بأوصاف عامة تشمل
من ذكرنا وغيرهم، فمن اتصف بها كان مستحقا، وعلى هذا فلا يخرج أحد منها إلا بنص أو إجماع، فعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر النساء بالصدقة، فسألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت: يا رسول الله إنك أمرت بالصدقة وكان عندي حلي فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق مَنْ تصدَّقْتُ به عليهم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم» (1) . وعن سلمان بن عامر رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الصدقة على الفقير صدقة وعلى ذوي الرحم صدقة وصلة» (2) ، وذوو الرحم هم القرابة قربوا أم بعدوا.
ولا يجوز أن يُسْقِط الدَّيْن عن الفقير وينويه عن الزكاة لأن الزكاة أخذ وإعطاء. قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] . وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم» ، وإسقاط الدين عن الفقير ليس أخذا ولا ردا، ولأن ما في ذمة الفقير دين غائب لا يتصرف فيه فلا يُجْزِئ عن مال حاضر يتصرف فيه، ولأن الدين أقل في النفس من الحاضر وأدنى، فأداؤه عنه كأداء الرديء عن الجيد، وإذا اجتهد صاحب الزكاة
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه النسائي والترمذي وابن خزيمة والحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
(20/310)

فدفعها لمن يظن أنه من أهلها فتبين بخلافه فإنها تجزئه؛ لأنه اتقى الله ما استطاع ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «قال رجل: والله لَأَتَصَدَّقَنَّ (فذكر الحديث وفيه:) فوضع صدقته في يد غني، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ على غني، فقال: الحمد لله على غني، فأتي فقيل: أما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله» (1) ، وفي رواية لمسلم: «أما صدقتك فقد تُقُبِّلَتْ» ، وعن معن بن يزيد رضي الله عنه قال: «كان أبي يُخْرِج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في
المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت فخاصمتُه إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لك ما نويتَ يا يزيد، ولك ما أخذتَ يا معن» (2) .
إخواني: إن الزكاة لا تجزئ ولا تُقْبَل حتى توضع في المحل الذي وضعها الله فيه، فاجتهدوا رحمكم الله فيها واحرصوا على أن تقع موقعها وتحل محلها؛ لتُبْرِئوا ذممكم وتُطَهِّروا أموالكم، وتُنَفِّذوا أمر ربكم، وتُقْبَل صدقاتكم، والله الموفِّق، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه البخاري.
(20/311)

المجلس الثامن عشر: في غزوة بدر
الحمد لله القوي المتين، القاهر الظاهر الملك الحق المبين، لا يخفى على سمعه خفيف الأنين، ولا يعزب عن بصره حركات الجنين، ذل لكبريائه جبابرة السلاطين، وقضى القضاء بحكمته وهو أحكم الحاكمين، أحمده حمد الشاكرين , وأسأله معونة الصابرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على العالمين , المنصور ببدر بالملائكة المنزلين , صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين , وسلم تسليما.
إخواني: في هذا الشهر المبارك نصر الله المسلمين في غزوة بدر الكبرى على أعدائهم المشركين، وسَمَّى ذلك اليوم يوم الفرقان؛ لأنه سبحانه فرق فيه بين الحق والباطل بنصر رسوله والمؤمنين وخذل الكفار المشركين , كان ذلك في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة , وكان سبب هذه الغزوة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلغه أن أبا سفيان قد توجه من الشام إلى مكة بِعِيرِ قريش , فدعا أصحابه إلى الخروج إليه لأخذ العير؛ لأن قريشا حَرْبٌ لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وأصحابه ليس بينه وبينهم عهد , وقد أخرجوهم من ديارهم وأموالهم وقاموا ضد دعوتهم دعوة الحق , فكانوا مستحقين لما أراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه
(20/313)

بعيرهم , فخرج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا على فرسين وسبعين بعيرا يعتقبونها , منهم سبعون رجلا من المهاجرين , والباقون من الأنصار , يقصدون العير لا يريدون الحرب، ولكن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ليقضي الله أمرا كان مفعولا ويتم ما أراد، فإن أبا سفيان علم بهم فبعث صارخا إلى قريش يستنجدهم ليحموا عيرهم وترك الطريق المعتادة وسلك ساحل البحر فنجا.
أما قريش فإنهم لما جاءهم الصارخ خرجوا بأشرافهم عن بكرة أبيهم في نحو ألف رجل معهم مائة فرس وسبعمائة بعير {بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47] ، ومعهم القيان يغنين بهجاء المسلمين، فلما علم أبو سفيان بخروجهم بعث إليهم يخبرهم بنجاته ويشير عليهم بالرجوع وعدم الحرب، فأبوا ذلك وقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نبلغ بدرا ونقيم فيه ثلاثا، ننحر الْجَزور، ونطعم الطعام , ونسقي الخمر , وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا.
أما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنه لما علم بخروج قريش جمع من معه من الصحابة فاستشارهم وقال: " إن الله قد وعدني إحدى الطائفتين: إما العير أو الجيش "، فقام المقداد بن الأسود وكان من المهاجرين وقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله عز وجل فوالله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا
(20/314)

قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] ، ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك , وقام سعد بن معاذ الأنصاري سيد الأوس فقال: يا رسول الله لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم , وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم فاظعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالهم ما شئت، وأعطنا منها ما شئت , وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت , وما أمرت فيه من أمر فأمرنا فيه تبع لأمرك , فوالله لئن سرت بنا حتى تبلغ البِرَك من غَمدان لنسيرن معك , ولئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك , وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غدا , إننا لصبر عند الحرب، صُدْقٌ عند اللقاء، ولعل الله يُرِيكَ منا ما تقر به عينك.
فَسُرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سمع من كلام المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، وقال: " سيروا وأبشروا فوالله لَكَأَنِّي أنظر إلى مصارع القوم "، فسار النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بجنود الرحمن حتى نزلوا أدنى ماء من مياه بدر، فقال له الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل؟ أمنزل أَنْزَلَكَهُ الله ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بل هو الرأي والحرب والمكيدة " فقال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل، فانهض بنا حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ونُغَوِّر ما وراءه من القُلُب ثم نبني عليه حوضا فنملأه فنشرب ولا يشربون، فاستحسن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الرأي ونهض هذه القصة أعني نزولهم أدنى ماء من مياه بدر وإشارة الحباب ضعيفة جدا سندا ومتنا. فنزل بالعدوة
(20/315)

الدنيا مما يلي المدينة وقريش بالعدوة القصوى مما يلي مكة، وأنزل الله تلك الليلة مطرا كان على المشركين وابلا شديدا ووحلا زلقا يمنعهم من التقدم، وكان على المسلمين طَلًّا طهرهم ووطَّأ لهم الأرض وشد الرمل ومهد المنزل وثبت الأقدام.
وبنى المسلمون لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عريشا على تل مُشْرِف على ميدان الحرب، ثم نزل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العريش فسوى صفوف أصحابه، ومشى في موضع المعركة، وجعل يشير بيده إلى مصارع المشركين ومحلات قتلهم، يقول: " هذا مصرع فلان إن شاء الله، هذا مصرع فلان "، فما جاوز أحد منهم موضع إشارته، ثم نظر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أصحابه وإلى قريش فقال: " اللهم هذه قريش جاءت بفخرها وخيلائها وخيلها تُحَادُّك وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تُعْبَد، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تُعْبَد "، واستنصر المسلمون ربهم واستغاثوه فاستجاب لهم: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ
عَذَابَ النَّارِ} [الأنفال: 12 - 14] .
ثم تقابل الجمعان , وحَمِيَ الوطيس واستدارت رَحَي الحرب , ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في العريش، ومعه أبو بكر وسعد بن معاذ يحرسانه، فما زال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يناشد ربه ويستنصره ويستغيثه، فأغفى إغفاءة ثم خرج
(20/316)

يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ، وحَرَّضَ أصحابه على القتال وقال: " والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيُقْتَل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة "، فقام عمير بن الحمام الأنصاري وبيده تمرات يأكلهن فقال: يا رسول الله جنةً عرضها السماوات والأرض؟ قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نعم "، قال: بَخٍ بَخٍ يا رسول الله ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء , لئن حَيِيتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم ألقى التمرات وقاتل حتى قُتِلَ رضي الله عنه.
وأخذ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفا من تراب أو حصا فرمى بها القوم فأصابت أعينهم، فما منهم واحد إلا ملأت عينه وشُغِلوا بالتراب في أعينهم , آيةً من آيات الله عز وجل , فهُزِمَ جمعُ المشركين , وولوا الأدبار , واتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون فقتلوا سبعين رجلا وأسروا سبعين، أما القتلى فأُلْقِيَ منهم أربعة وعشرون رجلا من صناديدهم في قليب من قلبان بدر , منهم أبو جهل وشيبة بن ربيعة وأخوه عتبة وابنه الوليد بن عتبة , عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استقبل الكعبة فدعا على هؤلاء الأربعة قال: " فأشهد بالله لقد رأيتُهم صرعى قد غَيَّرتهم الشمسُ» (1) , وكان يوما حارا , وعن أبي طلحة رضي الله عنه أن نبي الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقُذِفوا في طَويٍّ من أطواء
__________
(1) رواه البخاري.
(20/317)

بدر خبيث مُخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرْصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشُدَّ عليها ثم مشى واتبعه أصحابه حتى قام على شَفَة الرَّكِي فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: " يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أَيَسُرُّكم أنكم أطعتم الله
ورسوله , فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ " قال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ".
وأما الأسرى فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استشار الصحابة فيهم , وكان سعد بن معاذ قد ساءه أمرهم وقال: كانت أول وقعة أوقعها الله في المشركين وكان الإثخان في الحرب أحب إلي من استبقاء الرجال. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه , وتمكنني من فلان - يعني قريبا له - فأضرب عنقه , فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها.
وقال أبو بكر رضي الله عنه: هم بنو العم والعشيرة وأرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار , فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فأخذ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الفدية، فكان أكثرهم يفتدي بالمال من أربعة آلاف درهم إلى ألف درهم، ومنهم من افتدى بتعليم صبيان أهل المدينة الكتابة والقراءة، ومنهم من كان فداؤه إطلاق مأسور عند قريش من المسلمين , ومنهم من قتله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صبرا لشدة
(20/318)

أذيته , ومنهم مَنْ مَنَّ عليه بدون فداء للمصلحة.
هذه غزوة بدر انتصرت فيها فئة قليلة عن فئة كثيرة {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} [آل عمران: 13] , انتصرت الفئة القليلة لأنها قائمة بدين الله تقاتل لإعلاء كلمته والدفاع عن دينه فنصرها الله عز وجل، فقوموا بدينكم أيها المسلمون لِتُنْصَروا على أعدائكم , واصبروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون.
اللهم انصرنا بالإسلام واجعلنا من أنصاره والدعاة إليه، وثبتنا عليه إلى أن نلقاك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(20/319)

المجلس التاسع عشر: في غزوة فتح مكة شرَّفها الله عز وجل
الحمد لله خلق كل شيء فقدَّره، وعلم مورد كل مخلوق ومصدره، وأثبت في أم الكتاب ما أراده وسطَّره، فلا مُؤَخِّر لما قدَّمه ولا مُقَدِّم لما أخَّره، ولا ناصر لمن خذله ولا خاذل لمن نصره، تفرَّد بالملك والبقاء، والعزة والكبرياء، فمن نازعه ذلك أحقره، الواحد الأحد الرب الصمد، فلا شريك له فيما أبدعه وفطره، الحي القيوم فما أقومه بشؤون خلقه وأبصره، العليم الخبير فلا يخفى عليه ما أسرَّه العبد وأضمره، أحمده على ما أَوْلَى من فضله ويَسَّره.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قَبِلَ توبة العاصي فعفا عن ذنبه وغفره، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أوضح به سبيل الهداية ونوَّره، وأزال به ظلمات الشرك وقَتَّرَه، وفتح عليه مكة فأزال الأصنام من البيت وطهَّره، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الكرام البررة، وعلى التابعين لهم بإحسان ما بلغ القمر بدره وسرره، وسلم تسليما.
إخواني: كما كان في هذا الشهر المبارك غزوة بدر التي انتصر فيها الإسلام وعلا مناره، كان فيه أيضا غزوة فتح مكة البلد الأمين
(20/321)

في السنة الثامنة من الهجرة، فأنقذه الله بهذا الفتح العظيم من الشرك الأثيم، وصار بلدا إسلاميا حل فيه التوحيد عن الشرك، والإيمان عن الكفر، والإسلام عن الاستكبار، أُعْلِنَت فيه عبادة الواحد القهار، وكُسِرَت فيه أوثان الشرك فما لها بعد ذلك انجبار، وسبب هذا الفتح العظيم أنه لما تم الصلح بين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقريش في الحديبية في السنة السادسة، كان مَنْ أحب أن يدخل في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش فعل، فدخلت خُزَاعة في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وكان بين القبيلتين دماء في الجاهلية، فانتهزت بنو بكر هذه الهدنة فأغارت على خزاعة وهم آمنون، وأعانت قريش حلفاءها بني بكر بالرجال والسلاح سرا على خزاعة حلفاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقدم جماعة منهم إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبروه بما صنعت بنو بكر وإعانة قريش لها، أما قريش فسقط في أيديهم ورأوا أنهم بفعلهم هذا نقضوا عهدهم , فأرسلوا زعيمهم
أبا سفيان إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليشد العقد ويزيد في المدة، فكلم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذلك، فلم يَرُدَّ عليه، ثم كلم أبا بكر وعمر ليشفعا له إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يُفلح، ثم كلم علي بن أبي طالب فلم يفلح أيضا، فقال له: ما ترى يا أبا الحسن؟ قال: ما أرى شيئا يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة فقم فأَجِرْ بين الناس، قال: أترى ذلك مُغْنِيًا عني شيئا؟ قال: لا والله , ولكن ما أجد لك غيره. ففعل أبو سفيان , ثم رجع إلى مكة فقالت له قريش: ما وراءك؟ قال: أتيت محمدا فكلمته فوالله ما رَدَّ علي شيئا , ثم أتيت ابن أبي قحافة
(20/322)

وابن الخطاب فلم أجد خيرا , ثم أتيت عليا فأشار علي بشيء صنعتُه أَجَرْتُ بين الناس , قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: ويحك , ما زاد الرجل (يعنون عليا) أن لعب بك.
وأما النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد أمر أصحابه بالتَّجَهُّز للقتال , وأخبرهم بما يريد , واستنفر مَنْ حوله من القبائل وقال: " اللهم خذ الأخبار والعيون عن قريش حتى نَبْغَتَها في بلادها " , ثم خرج من المدينة بنحو عشرة آلاف مقاتل , وولَّى على المدينة عبد الله بن أم مكتوم , ولما كان في أثناء الطريق لقيه في الْجُحْفَة عمه العباس بأهله وعياله مهاجرا مسلما , وفي مكان يسمى الأبواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وابن عمته عبد الله بن أبي أمية , وكانا من أشد أعدائه فأسلما فقَبِلَ منهما , وقال في أبي سفيان: " أرجو أن يكون خَلَفا من حمزة ".
ولما بلغ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكانا يسمى مَرَّ الظَّهْرَان قريبا من مكة أمر الجيش فأوقدوا عشرة آلاف نار , وجعل على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وركب العباس بغلة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلتمس أحدا يُبَلِّغ قريشا ليخرجوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيطلبوا الأمان منه ولا يحصل القتال في مكة البلد الأمين، فبينما هو يسير سمع كلام أبي سفيان يقول لبُديل بن ورقاء: ما رأيت كالليلة نيرانا قط، فقال بُديْل: هذه خزاعة، فقال أبو سفيان: خزاعة أقل من ذلك وأذل، فعرف العباس صوت أبي سفيان فناداه فقال: ما لك أبا الفضل؟ قال: هذا رسول
(20/323)

الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الناس، قال: فما الحيلة؟ قال العباس: اركب حتى آتي بك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأستأمنه لك، فأتى به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: " ويحك يا أبا سفيان أما آن أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ " فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! لقد علمت أن لو كان مع الله غيره لأغنى عني. قال: " أما آن لك أن تعلم أني رسول الله؟ " فتَلَكَّأ أبو سفيان، فقال له العباس: ويحك أَسْلِمْ فأَسْلَمَ وشهد شهادة الحق.
ثم أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العباس أن يوقف أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى يمر به المسلمون، فمر به القبائل على راياتها ما تمر به قبيلة إلا سأل عنها العباس فيخبره فيقول: ما لي ولها؟ حتى أقبلت كتيبة لم يُرَ مثلها فقال: من هذه؟ قال العباس: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عُبَادة معه الراية، فلما حاذاه سعد قال: أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحَلُّ الكعبة، ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب وأجَلُّها فيهم رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه ورايته مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأبي سفيان أخبره بما قال سعد فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كذب سعد ولكن هذا يوم يُعَظِّم اللهُ فيه الكعبة ويوم تُكْسَى فيه الكعبة» (1) ، ثم أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن تُؤْخَذَ الراية من سعد وتُدْفع إلى ابنه قيس , ورأى أنها لم تخرج عن سعد خروجا كاملا إذا صارت على ابنه.
ثم مضى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأمر أن تُرْكَز رايته بالحجون، ثم دخل مكة فاتحا
__________
(1) رواه البخاري من قوله: ثم أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ العباس.
(20/324)

مُؤَزَّرا منصورا قد طأطأ رأسه تواضعا لله عز وجل حتى إن جبهته تكاد تمس رحله وهو يقرأ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1] ، ويُرَجِّعها، وبعث صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على إحدى الْمُجَنِّبتين خالدَ بن الوليد وعلى الأخرى الزبيرَ بن العوام وقال: " من دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته وأغلق بابه فهو آمن "، ثم مضى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أتى المسجد الحرام فطاف به على راحلته، وكان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم، فجعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطعنها بقوس معه ويقول: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] ، {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] (1) ، والأصنام تتساقط على وجوهها، ثم دخل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكعبة فإذا فيها صور فأمر بها فمُحِيَت ثم صلى فيها، فلما فرغ دار فيها وكبر في نواحيها ووحد الله عز وجل ثم وقف على باب الكعبة وقريش تحته ينتظرون ما يفعل، فأخذ بعِضادتي الباب
وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وَتَعَظُّمَهَا بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] , يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: " فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم} [يوسف: 92] ,
__________
(1) رواه مسلم.
(20/325)

اذهبوا فأنتم الطلقاء " (1) .
ولما كان اليوم الثاني من الفتح قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خطيبا في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن الله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» (2) ، «وكانت الساعة التي أحلت فيها لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من طلوع الشمس إلى صلاة العصر يوم الفتح» (3) ، ثم «أقام صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تسعة عشر يوما يقصر الصلاة ولم يصم بقية الشهر» (4) .؛ لأنه لم ينو قطع السفر، أقام ذلك لتوطيد التوحيد ودعائم الإسلام وتثبيت الإيمان ومبايعة الناس، وفي الصحيح: عن مجاشع قال: «أتيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأخي بعد الفتح ليبايعه على الهجرة فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ذهب أهل الهجرة بما فيها ولكن أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد» .
وبهذا الفتح المبين تم نصر الله ودخل الناس في دين الله أفواجا، وعاد بلد الله بلدا إسلاميا أعلن فيه بتوحيد الله وتصديق
__________
(1) هذه القصة من قوله: ثم وقف على باب الكعبة من زاد المعاد وغيره من كتب السيرة. وكلمة الطلقاء وردت في صحيح البخاري في غزوة الطائف، قال في فتح الباري: والمراد بالطلقاء - جمع طليق - من حصل من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المنَّ عليه يوم فتح مكة من قريش وأتباعهم.
(2) رواه البخاري.
(3) رواه أحمد.
(4) رواه البخاري مفرقا.
(20/326)

رسوله وتحكيم كتابه , وصارت الدولة فيه للمسلمين واندحر الشرك وتبدد ظلامه , ولله الحمد، وذلك من فضل الله على عباده إلى يوم القيامة.
اللهم ارزقنا شكر هذه النعمة العظيمة، وحَقِّق النصر للأمة الإسلامية كل وقت في كل مكان، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/327)

المجلس العشرون: في أسباب النصر الحقيقية
الحمد لله العظيم في قَدْره، العزيز في قهره، العالم بحال العبد في سره وجهره، الجائد على المجاهد بنصره، وعلى المتواضع من أجله برفعه، يسمع صريف القلم عند خط سطره، ويرى النمل يدب في فيافي قفره، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، أحمده على القضاء حلوه ومره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقامةً لذكره، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالبر إلى الخلق في بره وبحره، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر السابق بما وقر من الإيمان في صدره، وعلى عمر معز الإسلام بحزمه وقهره، وعلى عثمان ذي النورين الصابر من أمره على مره، وعلى علي ابن عمه وصهره، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما جاد السحاب بقطره، وسلم تسليما.
إخواني: لقد نصر الله المؤمنين في مواطن كثيرة في بدر والأحزاب والفتح وحنين وغيرها، نصرهم الله وفاء بوعده: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] ، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 51 - 52] ، نصرهم الله لأنهم قائمون بدينه وهو الظاهر على الأديان كلها، فمن تمسك به فهو ظاهر على
(20/329)

الأمم كلها {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 9] , نصرَهم الله تعالى لأنهم قاموا بأسباب النصر الحقيقية المادية منها والمعنوية، فكان عندهم من العزم ما برزوا به على أعدائهم أخذا بتوجيه الله تعالى لهم وتمشيا مع هديه وتثبيته إياهم {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ
نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 139 - 140] ، {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104] ، {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 35] .
فكانوا بهذه التقوية والتثبيت يسيرون بقوة وعزم وجد وأخذوا بكل نصيب من القوة امتثالا لقول ربهم سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] ، من القوة النفسية الباطنة والقوة العسكرية الظاهرة نصرهم الله تعالى لأنهم قاموا بنصر دينه {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40 - 41] ، ففي هاتين الآيتين الكريمتين وعد الله بالنصر من ينصره وعدا مؤكدا بمؤكدات لفظية ومعنوية، أما المؤكدات اللفظية فهي القسم المقدَّر، لأن التقدير: والله لينصرن الله من ينصره، وكذلك اللام والنون في لينصرن كلاهما يفيد التوكيد، وأما التوكيد المعنوي ففي
(20/330)

قوله: {إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] ، فهو سبحانه قوي لا يضعف وعزيز لا يذل وكل قوة وعزة تُضَادُّه فستكون ذلا وضعفا , وفي قوله: {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41] , تثبيت للمؤمن
عندما يستبعد النصر في نظره لبعد أسبابه عنده، فإن عواقب الأمور لله وحده يُغَيِّر سبحانه ما شاء حسب ما تقتضيه حكمته.
وفي هاتين الآيتين بيان الأوصاف التي يُسْتَحَقُّ بها النصر , وهي أوصاف يتحلى بها المؤمن بعد التمكين في الأرض، فلا يُغريه هذا التمكين بالأشَر والبطر والعلو والفساد، وإنما يزيده قوة في دين الله وتمسكا به.
* الوصف الأول: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ} [الحج: 41] ، والتمكين في الأرض لا يكون إلا بعد تحقيق عبادة الله وحده كما قال تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] ، فإذا قام العبد بعبادة الله مخلصا له في أقواله وأفعاله لا يريد بها إلا وجه الله والدار الآخرة , ولا يريد بها جاها ولا ثناء من الناس ولا مالا ولا شيئا من الدنيا، واستمر على هذه العبادة المخلصة في السراء والضراء والشدة والرخاء مكَّنَ الله له في الأرض , وإذن فالتمكين في الأرض يستلزم وصفا سابقا عليه وهو عبادة الله وحده لا شريك له وبعد التمكين والإخلاص يكون.
(20/331)

* الوصف الثاني: وهو إقامة الصلاة بأن يؤدي الصلاة على الوجه المطلوب منه قائما بشروطها وأركانها وواجباتها , وتمام ذلك القيام بمستحَبَّاتها , فيحسن الطهور , ويقيم الركوع والسجود والقيام والقعود , ويحافظ على الوقت وعلى الجمعة والجماعات , ويحافظ على الخشوع وهو حضور القلب وسكون الجوارح , فإن الخشوع روح الصلاة ولبها , والصلاة بدون خشوع كالجسم بدون روح، وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إن الرجل لينصرف وما كُتِبَ له إلا عُشْر صلاته تُسعها ثُمنها سُبعها سُدسها خُمسها رُبعها ثُلثها نِصفها» (1) .
الوصف الثالث: إيتاء الزكاة وآتوا الزكاة بأن يعطوها إلى مستحِقِّيها طَيِّبَة بها نفوسهم كاملة بدون نقص يبتغون بذلك فضلا ورضوانا، فيزكون بذلك أنفسهم، ويطهرون أموالهم، وينفعون إخوانهم من الفقراء والمساكين وغيرهم من ذوي الحاجات , وقد سبق بيان مستحِقِّي الزكاة الواجبة في المجلس السابع عشر.
الوصف الرابع: الأمر بالمعروف وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ والمعروف: كل ما أمر الله به ورسوله من واجبات ومستحبات , يأمرون بذلك إحياء لشريعة الله وإصلاحا لعباده واستجلابا لرحمته ورضوانه , فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا , فكما أن المؤمن يحب لنفسه أن يكون قائما بطاعة ربه فكذلك يجب أن يحب لإخوانه من
__________
(1) رواه أبو داود والنسائي، وقال العراقي: إسناده صحيح.
(20/332)

القيام بطاعة الله ما يحب لنفسه.
والأمر بالمعروف عن إيمان وتصديق أن يكون قائما بما أمر به عن إيمان واقتناع بفائدته وثمراته العاجلة والآجلة.
* الوصف الخامس: النهي عن المنكر {وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} , والمنكر كل ما نهى الله عنه ورسوله من كبائر الذنوب وصغائرها مما يتعلق بالعبادة أو الأخلاق أو المعاملة، ينهون عن ذلك كله صيانة لدين الله وحماية لعباده واتقاء لأسباب الفساد والعقوبة.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعامتان قويتان لبقاء الأمة وعزتها ووحدتها حتى لا تتفرق بها الأهواء وتتشتت بها المسالك , ولذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائض الدين على كل مسلم ومسلمة مع القدرة {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 104 - 105] ، فلولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتفَرَّق الناس شِيَعًا، وتمزقوا كل ممزق كل حزب بما لديهم فرحون، وبه فُضِّلت هذه الأمة على غيرها {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ} [آل عمران: 110] ، وبتركه {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ
لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78 - 79] ،
(20/333)

فهذه الأوصاف الخمسة متى تحققت مع القيام بما أرشد الله إليه من الحزم والعزيمة وإعداد القوة الحسية حصل النصر بإذن لله {وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 6 - 7] , فيحصل للأمة من نصر الله ما لم يخطر لهم على بال , وإن المؤمن الواثق بوعد الله ليعلم أن الأسباب المادية مهما قويت فليست بشيء بالنسبة إلى قوة الله الذي خلقها وأوجدها، افتخرت عاد بقوتها وقالوا: من أشد منا قوة؟ فقال الله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا
يُنْصَرُونَ} [فصلت: 15 - 16] ، وافتخر فرعون بِمُلْك مصر وأنهاره التي تجري من تحته فأغرقه الله بالماء الذي كان يفتخر بمثله، وأورث ملكه موسى وقومه وهو الذي في نظر فرعون مهين ولا يكاد يُبِين.
وافتخرت قريش بعظمتها وجبروتها فخرجوا من ديارهم برؤسائهم وزعمائهم بطرا ورئاء الناس يقولون: لا نرجع حتى نقدم بدرا فننحر فيها الجزور ونسقي الخمور وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا، فهُزِموا على يد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه شر هزيمة وسحبت جثثهم جِيَفًا في قليب بدر، وصاروا حديث الناس في هذا العصر.
لو أخذنا بأسباب النصر وقمنا بواجب ديننا وكنا قدوة لا مقتدين ومتبوعين لا أتباعا لغيرنا، وأخذنا بوسائل الحرب العصرية بصدق وإخلاص
(20/334)

لنصرنا الله على أعدائنا كما نصر أسلافنا , صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده {سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 62] .
اللهم هيئ لنا من أسباب النصر ما به نصرنا وعزتنا وكرامتنا ورفعة الإسلام وذل الكفر والعصيان، إنك جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/335)

المجلس الحادي والعشرون: في فضل العشر الأخير من رمضان
الحمد لله المتفرد بالجلال والبقاء، والعظمة والكبرياء، والعز الذي لا يرام، الرب الصمد، الملك الذي لا يحتاج إلى أحد، العلي عن مداناة الأوهام، الجليل العظيم الذي لا تدركه العقول والأفهام، الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، فكل من سواه مفتقر إليه على الدوام، وفق من شاء فآمن به واستقام، ثم وجد لذة مناجاة مولاه فهجر لذيذ المنام، وصحب رفقة تتجافى جنوبهم عن المضاجع رغبة في المقام، فلو رأيتهم وقد سارت قوافلهم في حندس الظلام، فواحد يسأل العفو عن زلته، وآخر يشكو ما يجد من لوعته، وآخر شغله ذكره عن مسألته، فسبحان من أيقظهم والناس نيام , وتبارك الذي غفر وعفا , وستر وكفى , وأسبل على الكافة جميع الإنعام، أحمده على نِعَمِهِ الجسام، وأشكره وأسأله حفظ نعمة الإسلام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عز من اعتز به فلا يضام، وذل من تكبر عن طاعته ولقي الآثام، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بَيَّنَ الحلال والحرام، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الصديق، الذي هو في الغار خير رفيق، وعلى عمر بن الخطاب، الذي وُفِّقَ للصواب، وعلى عثمان مصابر البَلا، ومن نال الشهادة العظمى من أيدي العدا، وعلى ابن عمه علي بن أبي طالب وعلى
(20/337)

جميع الصحبة والتابعين لهم بإحسان ما غاب في الأفق غارب، وسلم تسليما.
إخواني: لقد نزل بكم عشر رمضان الأخيرة فيها الخيرات والأجور الكثيرة، فيها الفضائل المشهورة والخصائص العظيمة:
* فمن خصائصها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها، فعن عائشة رضي الله عنها «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره» (1) ، وعنها: قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخل العَشرُ شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله» (2) ، وعنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر» (3) .
ففي هذه الأحاديث دليل على فضيلة هذه العشر؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يجتهد فيه أكثر مما يجتهد في غيره، وهذا شامل للاجتهاد في جميع أنواع العبادة من صلاة وقرآن وذكر وصدقة وغيرها، ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحيي ليله بالقيام والقراءة والذكر بقلبه ولسانه وجوارحه لشرف هذه الليالي وطلبا لليلة القدر التي من قامها إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وظاهر هذا الحديث أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحيي الليل كله في عبادة ربه من الذكر والقراءة والصلاة والاستعداد لذلك والسحور وغيرها، وبهذا يحصل الجمع بينه وبين ما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما أعلمه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قام ليلة
__________
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(3) رواه الإمام أحمد.
(20/338)

حتى الصباح؛ لأن إحياء الليل الثابت في العشر يكون بالقيام وغيره من أنواع العبادة، والذي نفته إحياء الليل بالقيام فقط، والله أعلم.
ومما يدل على فضيلة العشر من هذه الأحاديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يوقظ أهله فيه للصلاة والذكر حرصا على اغتنام هذه الليالي المباركة بما هي جديرة به من العبادة، فإنها فرصة العمر وغنيمة لمن وفقه الله عز وجل، فلا ينبغي للمؤمن العاقل أن يفوت هذه الفرصة الثمينة على نفسه وأهله، فما هي إلا ليال معدودة ربما يدرك الإنسان فيها نفحة من نفحات المولى فتكون سعادة له في الدنيا والآخرة، وإنه لمن الحرمان العظيم والخسارة الفادحة أن ترى كثيرا من المسلمين يُمْضُون هذه الأوقات الثمينة فيما لا ينفعهم، يسهرون معظم الليل في اللهو الباطل , فإذا جاء وقت القيام ناموا عنه وفوَّتوا على أنفسهم خيرا كثيرا لعلهم لا يدركونه بعد عامهم هذا أبدا، وهذا من تلاعب الشيطان بهم ومكره بهم وصده إياهم عن سبيل الله وإغوائه لهم، قال الله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42] ، والعاقل لا يتخذ الشيطان وليا من دون الله مع علمه بعداوته له؛ فإن ذلك مناف للعقل والإيمان قال الله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50] , وقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .
* ومن خصائص هذه العشر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يعتكف فيها، والاعتكاف:
(20/339)

لزوم المسجد للتفرغ لطاعة الله عز وجل، وهو من السنن الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الله عز وجل: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ، واعتكف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واعتكف أصحابه معه وبعده، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: " إني أعتكف العشر الأول ألتمس هذه الليلة ثم أعتكف العشر الأوسط "، ثم أتيت فقيل لي: " إنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف» (1) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده» (2) ، وعنها أيضا قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يوما» (3) ، وعن أنس رضي الله عنه قال: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يعتكف العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين» (4) ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه فاستأذنته عائشة فأذن لها فضربت لها خِبَاء، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها ففعلت فضربت خباء، فلما رأت ذلك زينب أمرت بخباء، فضُرِبَ لها، فلما رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأخبية قال: " ما هذا؟ " قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " آلْبِرَّ أردن بهذا؟ انزعوها فلا أراها "،
__________
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(3) رواه البخاري.
(4) رواه أحمد والترمذي وصححه.
(20/340)

فنُزِعَتْ وترك الاعتكاف في رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال» (1) ، وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا أن الاعتكاف مسنون.
والمقصود بالاعتكاف: انقطاع الإنسان عن الناس ليتفرغ لطاعة الله في مسجد من مساجده طلبا لفضله وثوابه وإدراك ليلة القدر، ولذلك ينبغي للمعتكف أن يشتغل بالذكر والقراءة والصلاة والعبادة، وأن يتجنب ما لا يَعنيه من حديث الدنيا، ولا بأس أن يتحدث قليلا بحديث مباح مع أهله أو غيرهم لمصلحة، لحديث صفية أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت لأنقلب (أي: لأنصرف إلى بيتي) فقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معي» (الحديث) (2) .
ويحرم على المعتكف الجماع ومقدِّماته من التقبيل واللمس لشهوة لقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] ، وأما خروجه من المسجد فإن كان ببعض بدنه فلا بأس به لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِج رأسه من المسجد وهو معتكف فأغسله وأنا حائض» (3) ، وفي رواية: «كانت ترجِّل رأس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهي حائض وهو معتكف في المسجد وهي في حجرتها يناولها رأسه» ، وإن كان خروجه بجميع بدنه فهو ثلاثة أقسام:
__________
(1) من البخاري ومسلم في روايات.
(2) متفق عليه.
(3) رواه البخاري.
(20/341)

* الأول: الخروج لأمر لا بد منه طبعا أو شرعا كقضاء حاجة البول والغائط والوضوء الواجب والغسل الواجب لجنابة أو غيرها والأكل والشرب، فهذا جائز إذا لم يمكن فعله في المسجد، فإن أمكن فعله في المسجد فلا، مثل أن يكون في المسجد حمام يمكنه أن يقضي حاجته فيه وأن يغتسل فيه، أو يكون له من يأتيه بالأكل والشرب فلا يخرج حينئذ لعدم الحاجة إليه.
* الثاني: الخروج لأمر طاعة لا تجب عليه كعيادة مريض وشهود جنازة ونحو ذلك، فلا يفعله إلا أن يشترط ذلك في ابتداء اعتكافه، مثل أن يكون عنده مريض يحب أن يعوده أو يخشى من موته، فيشترط في ابتداء اعتكافه خروجه لذلك فلا بأس به.
* الثالث: الخروج لأمر ينافي الاعتكاف كالخروج للبيع والشراء وجماع أهله ومباشرتهم ونحو ذلك، فلا يفعله لا بشرط ولا بغير شرط؛ لأنه يناقض الاعتكاف وينافي المقصود منه.
* ومن خصائص هذه العشر أن فيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فاعرفوا رحمكم الله لهذه العشر فضلها , ولا تضيِّعوها فوقتها ثمين وخيرها ظاهر مبين.
اللهم وفِّقْنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا، وأحسن عاقبتنا وأكرم مثوانا، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(20/342)

المجلس الثاني والعشرون: في الاجتهاد في العشر الأواخر وليلة القدر
الحمد لله عالم السر والجهر، وقاصم الجبابرة بالعز والقهر، مُحْصي قطرات الماء وهو يجري في النهر، وباعث ظلام الليل ينسخه نور الفجر، موفِّر الثواب للعابدين ومكمِّل الأجر، العالم بخائنة الأعين وخافية الصدر، شمل برزقه جميع خلقه فلم يترك النمل في الرمل ولا الفرخ في الوكر، أغنى وأفقر وبحكمته وقوع الغنى والفقر، وفضَّل بعض المخلوقات على بعض حتى أوقات الدهر، ليلة القدر خير من ألف شهر، أحمده حمدا لا منتهى لعدده، وأشكره شكرا يستجلب المزيد من مدده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص في معتقده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي نبع الماء من بين أصابع يده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلى أبي بكر صاحبه في رخائه وشدائده، وعلى عمر بن الخطاب كهف الإسلام وعَضُده، وعلى عثمان جامع كتاب الله وموحِّده، وعلى علي كافي الحروب وشجعانها بمفرده، وعلى آله وأصحابه المحسن كل منهم في عمله ومقصده، وسلم تسليما.
إخواني: في هذه العشر المباركة ليلة القدر التي شرَّفها الله على غيرها ومَنَّ على هذه الأمة بجزيل فضلها وخيرها، أشاد الله بفضلها في كتابه المبين فقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} {
(20/343)

فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} {رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الدخان: 3 - 8] ، وصفها الله سبحانه بأنها مباركة لكثرة خيرها وبركتها وفضلها، ومن بركتها أن هذا القرآن المبارك أُنْزِل فيها، ووصفها سبحانه بأنه يفرق فيها كل أمر حكيم، يعني يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكَتَبَة ما هو كائن من أمر الله سبحانه في تلك السنة من الأرزاق والآجال والخير والشر وغير ذلك من كل أمر حكيم من أوامر الله المحكمة المتقنة، التي ليس فيها خلل ولا نقص ولا سفه ولا باطل ذلك تقدير العزيز العليم.
وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [سورة القدر: 1 - 5] . القدر بمعنى الشرف والتعظيم، أو بمعنى التقدير والقضاء؛ لأن ليلة القدر شريفة عظيمة يقدِّر الله فيها ما يكون في السنة ويقضيه من أموره الحكيمة، {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} يعني في الفضل والشرف وكثرة الثواب والأجر، ولذلك كان مَنْ قامها إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدم من ذنبه، {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} الملائكة عباد من عباد الله قائمون بعبادته ليلا ونهارا {لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19 - 20] ، يتنزلون في ليلة القدر إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة، (والروح) هو جبريل عليه السلام خصه بالذكر لشرفه وفضله. {سَلَامٌ هِيَ} يعني أن ليلة القدر
(20/344)

ليلة
سلام للمؤمنين من كل مخوف لكثرة من يُعتق فيها من النار، ويسلم من عذابها، {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} يعني أن ليلة القدر تنتهي بطلوع الفجر لانتهاء عمل الليل به.
وفي هذه السورة الكريمة فضائل متعددة لليلة القدر:
* الفضيلة الأولى: أن الله أنزل فيها القرآن الذي به هداية البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
* الفضيلة الثانية: ما يدل عليه الاستفهام من التفخيم والتعظيم في قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} .
* الفضيلة الثالثة: أنها خير من ألف شهر.
* الفضيلة الرابعة: أن الملائكة تتنزل فيها وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة والرحمة.
* الفضيلة الخامسة: أنها سلام لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب بما يقوم به العبد من طاعة الله عز وجل.
* الفضيلة السادسة: أن الله أنزل في فضلها سورة كاملة تُتْلَى إلى يوم القيامة.
* ومن فضائل ليلة القدر ما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» (1) ، فقوله: (إيمانا واحتسابا) يعني إيمانا بالله وبما أعد الله من الثواب للقائمين فيها، واحتسابا للأجر وطلب الثواب، وهذا حاصل لمن علم بها ومن لم يعلم؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يشترط العلم بها في حصول هذا الأجر.
__________
(1) متفق عليه.
(20/345)

وليلة القدر في رمضان؛ لأن الله أنزل القرآن فيها، وقد أخبر أن إنزاله في شهر رمضان، قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ، وقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] ، فبهذا تعيَّن أن تكون ليلة القدر في رمضان، وهي موجودة في الأمم وفي هذه الأمة إلى يوم القيامة لما رُوِيَ «عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن ليلة القدر أهي في رمضان أم في غيره؟ قال: " بل هي في رمضان ". قال: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قُبِضُوا رُفِعَت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: " بل هي إلى يوم القيامة» (الحديث) (1) ، لكنْ فضلها وأجرها يختص والله أعلم بهذه الأمة كما اختصت هذه الأمة بفضيلة يوم الجمعة وغيرها من الفضائل، ولله الحمد.
وليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَحَرَّوْا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (2) ، وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (3) ، وهي في السبع الأواخر أقرب؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما «أن رجالا
__________
(1) رواه أحمد والنسائي والحاكم، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه , ونقل عن الذهبي أنه أقره، والله أعلم.
(2) متفق عليه.
(3) رواه البخاري.
(20/346)

من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أرى رؤياكم قد تواطأت (يعني اتفقت) في السبع الأواخر، فمن كان مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السبع الأواخر» (1) ، ولمسلم عنه: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «التمسوها في العشر الأواخر (يعني ليلة القدر) ، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يُغْلَبَنَّ على السبع البواقي، وأقرب أوتار السبع الأواخر ليلة سبع وعشرين لحديث أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال: والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين» (2) ، ولا تختص ليلة القدر بليلة معينة في جميع الأعوام، بل تتنقل فتكون في عام ليلة سبع وعشرين مثلا، وفي عام آخر
ليلة خمس وعشرين تبعا لمشيئة الله وحكمته , ويدل على ذلك قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «التمسوها في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى» (3) ، قال في فتح الباري: أرجح الأقوال أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل اهـ.
وقد أخفى سبحانه علمها على العباد رحمة بهم؛ ليكثر عملهم في طلبها في تلك الليالي الفاضلة بالصلاة والذكر والدعاء فيزدادوا قربة من الله وثوابا، وأخفاها اختبارا لهم أيضا ليتبين بذلك من كان جادا في طلبها حريصا عليها ممن كان كسلان متهاونا، فإن من حرص على شيء جد في طلبه وهان عليه التعب في سبيل الوصول إليه والظفر به , وربما يُظْهِر الله علمها لبعض العباد بأمارات وعلامات يراها كما رأى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علامتها أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، فنزل المطر في تلك الليلة فسجد في صلاة الصبح في ماء وطين.
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه البخاري.
(20/347)

إخواني: ليلة القدر يُفْتَح فيها الباب , ويُقَرَّب فيها الأحباب , ويُسْمَع الخطاب , ويرد الجواب، ويكتب للعاملين فيها عظيم الأجر، ليلة القدر خير من ألف شهر، فاجتهدوا رحمكم الله في طلبها فهذا أوان الطلب، واحذروا من الغفلة ففي الغفلة العطب.
تولَّى العمر في سهوٍ ... وفي لهو وفي خسرِ
فيا ضيعةَ ما أنفقْـ ... ـتُ في الأيام من عمري
وما لي في الذي ضَيَّعْـ ... ـتُ من عمري من عذرِ
فما أغفلنا عن وا ... جبات الحمد والشكرِ
أمَا قد خصنا اللـ ... ـه بشهر أيما شهرِ
بشهر أنزل الرحمـ ... ـن فيه أشرف الذكرِ
وهل يشبهه شهرٌ ... وفيه ليلة القدرِ
فكم من خبر صحَّ ... بما فيها من الخيرِ
رَوَيْنَا عن ثقاتٍ ... أنها تُطْلَب في الوِترِ
فطُوبى لامرئ يطلبها ... في هذه العشرِ
ففيها تنزل الأملا ... ك حتى مطلع الذُّخْرِ
وقد قال سلام هِـ ... ـيَ حتى مطلع الفجرِ
ألا فادَّخِروها إنَّـ ... ـها من أنْفَسِ الذُّخْرِ
فكم من معتَقٍ فيها ... من النار ولا يدري

اللهم اجعلنا ممن صام الشهر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بالثواب الجزيل والأجر.
(20/348)

اللهم اجعلنا من السابقين إلى الخيرات، الهاربين عن المنكرات، الآمنين في الغرفات، مع الذين أنعمت عليهم ووقيتهم السيئات، اللهم أعذنا من مُضِلَّات الفتن، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
اللهم ارزقنا شكر نعمتك وحسن عبادتك، واجعلنا من أهل طاعتك وولايتك، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/349)

المجلس الثالث والعشرون: في وصف الجنة جعلنا الله من أهلها
الحمد لله مبلِّغ الراجي فوق مأموله، ومعطي السائل زيادة على سُؤْله، المنان على التائب بصفحه وقبوله، خلق الإنسان وأنشأ دارا لحلوله، وجعل الدنيا مرحلة لنزوله، فتوطنها من لم يعرف شرف الأخرى لخموله، فأخذ منها كارها قبل بلوغ مأموله، ولم يُغْنه ما كسبه من مال وولد حتى انهزم في فلوله , أوما ترى غربان البين تنوح على طلوله، أما الموفَّق فعرف غرورها فلم ينخدع بمثوله، وسابق إلى مغفرة من الله وجنة عرضها السماوات والأرض أُعِدَّت للذين آمنوا بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عارف بالدليل وأصوله، وأشهد أن محمدا عنده ورسوله، ما تردد النسيم بين شماله وجنوبه ودبوره وقبوله، صلى الله عليه وعلى أبي بكر صاحبه في سفره وحلوله، وعلى عمر حامي الإسلام بسيف لا يخاف من فلوله، وعلى عثمان الصابر على البلاء حين نزوله، وعلى علي الماضي بشجاعته قبل أن يصول بنصوله، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما امتد الدهر بطوله وسلم تسليما.
إخواني: سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
(20/351)

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35] ، وقال تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد: 15] ، وقال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25] ، وقال تعالى: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا
} {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ} {قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا} {عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} [الإنسان: 14 - 20] .
وقال تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} {لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} {وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ} {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} [الغاشية: 10 - 16] ، وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] ، وقال تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان: 13] ، وقال تعالى: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] ، وقال تعالى: {مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} [الرحمن: 76] ، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} {يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ} {كَذَلِكَ
وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} [الدخان: 51 - 55] ، وقال تعالى: {ادْخُلُوا
(20/352)

الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} [الزخرف: 70] .
وقال تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 56 - 58] ، وقال تعالى: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} [الرحمن: 70 - 72] ، وقال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ، وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26] ، فالحسنى هي الجنة لأنه لا دار أحسن منها , والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، رزقنا الله ذلك بِمَنِّهِ وكرمه، والآيات في وصف الجنة ونعيمها وسرورها وأنسها وحبورها كثيرة جدا.
وأما الأحاديث: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: " لَبِنَة ذهب ولبنة فضة، ومِلاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه» (1) ، وعن عتبة بن غزوان رضي الله عنه أنه خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حَذَّاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يصطبُّها صاحبها،
__________
(1) رواه أحمد والترمذي.
(20/353)

وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما يحضرنكم , ولقد ذُكِرَ لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة أربعين سنة , وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام " (1) ، وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون» (2) ، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ألا هل مُشَمِّر إلى الجنة، فإن الجنة لا خطر لها» (3) ، «هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار
وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في مَحَلَّة عليه بهية " , قالوا: يا رسول الله نحن المشمرون لها. قال: " قولوا: إن شاء الله "، فقال القوم: إن شاء الله» (4) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن» (5) ، وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن أهل الجنة يتراءَوْن أهل الغُرَف فوقهم كما تتراءَوْن الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم ". قالوا:
__________
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(3) أي: لا مثل لها ولا عديل.
(4) رواه ابن ماجه والبيهقي وابن حبان في صحيحه، وإسناده ضعيف.
(5) رواه البخاري.
(20/354)

يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: " بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين» (1) ، وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن في الجنة غرفا يُرَى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام» (2) .
وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوّفة، طولها في السماء ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم فلا يرى بعضهم بعضا» (3) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر , ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة , ثم هم بعد ذلك منازل لا يتغوَّطون , ولا يبولون , ولا يمتخِطون , ولا يبصُقون , أمشاطهم الذهب , ومجامرهم الألُوَّة , ورشحهم المسك , أخلاقهم على خَلْق رجل واحد على طول أبيهم آدم ستون ذراعا» (4) ، وفي رواية: «لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبِّحون الله بكرة وعشيا» ، وفي رواية: «وأزواجهم الحور العين» .
وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفُلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون "
__________
(1) رواه البخاري.
(2) أخرجه الطبراني , رواه أحمد بزيادة: «وألان الكلام» .
(3) متفق عليه.
(4) رواه مسلم.
(20/355)

قالوا: فما بال الطعام؟ قال: " جُشَاءٌ ورَشْحٌ كرشح المسك، يُلْهَمُون التسبيح والتحميد كما يُلْهَمُون النَّفَس» (1) ، وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «والذي نفس محمد بيده إن أحدهم (يعني أهل الجنة) لَيُعْطَى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة، تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فَيَضْمُرُ بطنه» (2) . وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لَقَابُ قوسِ أحدِكم أو موضع قدم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحا وَلَنَصِيفُهَا (يعني الخمار) خير من الدنيا وما فيها» (3) ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن في الجنة لسُوقا يأتونها كل جمعة فتهب رياح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم فيقولون لهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا ,
فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا» (4) ، وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تَحْيَوْا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدا، وذلك قول الله عز وجل: {وَنُودُوا أَنْ
__________
(1) رواه مسلم.
(2) أخرجه أحمد والنسائي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: رواته محتج بهم في الصحيح، ورواه الطبراني بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه والحاكم.
(3) رواه البخاري.
(4) رواه مسلم.
(20/356)

تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} » [الأعراف: 43] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «قال الله عز وجل: أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} » [السجدة: 17] (1) . وعن صهيب رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن يُنْجِزَكُمُوهُ، فيقولون: ما هو؟ ألم يُثَقِّلْ موازيننا ويبيِّض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه , فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم منه» (2) ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «أن الله يقول لأهل الجنة: " أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (3) .
اللهم ارزقنا الخلد في جنانك , وأحِل علينا فيها رضوانك , وارزقنا لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ ولا فتنة مُضِلَّة.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
__________
(1) الحديث متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه مسلم.
(20/357)

المجلس الرابع والعشرون: في أوصاف أهل الجنة جعلنا الله منهم بمنه وكرمه
الحمد لله الذي كوَّن الأشياء وأحكمها خلقا، وفتق فأسعد وأشقى , وجعل للسعادة أسبابا فسلكها من كان أتقى , فنظر بعين البصيرة إلى العواقب فاختار ما كان أبقى، أحمده وما أقضي له بالحمد حقا، وأشكره ولم يزل للشكر مستحقا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مالك الرقاب كلها رقا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أكمل البشر خُلُقًا وخَلْقًا، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر الصديق الحائز فضائل الأتباع سبقا، وعلى عمر العادل فما يحابي خلقا، وعلى عثمان الذي استسلم للشهادة وما تَوَقَّى، وعلى علي بائع ما يفنى ومشتري ما يبقى، وعلى آله وأصحابه الناصرين لدين الله حقا، وسلم تسليما.
إخواني: سمعتم أوصاف الحنة ونعيمها وما فيها من السرور والفرح والحبور، فوالله إنها لجديرة بأن يعمل لها العاملون ويتنافس فيها المتنافسون، ويُفني الإنسان عمره في طلبها زاهدا في الدون، فإن سألتم عن العمل لها والطريق الموصل إليها فقد بيَّنه الله فيما أنزله من وحيه على أشرف خلقه. قال الله عز وجل: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} {
(20/359)

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 133 - 135] ، فهذه أوصاف في أهل الجنة:
* الوصف الأول: (المتقين) وهم الذين اتقوا ربهم باتخاذ الوقاية من عذابه بفعل ما أمرهم به طاعة له ورجاء لثوابه، وترك ما نهاهم عنه طاعة له وخوفا من عقابه.
* الوصف الثاني: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} فهم ينفقون ما أُمِروا بإنفاقه على الوجه المطلوب منهم من الزكاة والصدقات والنفقات على من له حق عليهم، والنفقات في الجهاد وغيره من سبل الخير ينفقون ذلك في السراء والضراء، لا تحملهم السراء والرخاء على حب المال والشح فيه طمعا في زيادته، ولا تحملهم الشدة والضراء على إمساك المال خوفا من الحاجة إليه.
الوصف الثالث: الكاظمين الغيظ وهم الحابسون لغضبهم إذا غضبوا، فلا يعتدون ولا يحقدون على غيرهم بسببه.
* الوصف الرابع: العافين عن الناس يعفون عمن ظلمهم واعتدى عليهم، فلا ينتقمون لأنفسهم مع قدرتهم على ذلك. وفي قوله تعالى: والله يحب المحسنين إشارة إلى أن العفو لا يُمْدَح إلا
(20/360)

إذا كان من الإحسان، وذلك بأن يقع موقعه ويكون إصلاحا، فأما العفو الذي تزداد به جريمة المعتدي فليس بمحمود ولا مأجور عليه، قال الله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ} [الشورى: 40] .
* الوصف الخامس: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} ، الفاحشة: ما يُسْتَفْحَش من الذنوب وهي الكبائر كقتل النفس الْمُحَرَّمة بغير حق، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتَّوَلِّي يوم الزحف، والزنا، والسرقة، ونحوها من الكبائر، وأما ظلم النفس فهو أعم، فيشمل الصغائر والكبائر، فهم إذا فعلوا شيئا من ذلك ذكروا عظمة من عَصَوْهُ فخافوا منه، وذكروا مغفرته ورحمته فسعوا في أسباب ذلك، فاستغفروا لذنوبهم بطلب سترها والتجاوز عن العقوبة عليها. وفي قوله: {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ} إشارة إلى أنهم لا يطلبون المغفرة من غير الله لأنه لا يغفر الذنوب سواه.
الوصف السادس: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي: لم يستمروا على فعل الذنب وهم يعلمون أنه ذنب، ويعلمون عظمة من عصوه، ويعلمون قرب مغفرته , بل يبادرون إلى الإقلاع عنه والتوبة منه، فالإصرار على الذنوب مع هذا العلم يجعل الصغائر كبائر ويتدرج بالفاعل إلى أمور خطيرة صعبة.
وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ
(20/361)

أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ} {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 - 11] ، فهذه الآيات الكريمة جمعت عدة أوصاف من أوصاف أهل الجنة.
* الوصف الأول: (المؤمنون) الذين آمنوا بالله وبكل ما يجب الإيمان به من ملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره , آمَنوا بذلك إيمانا يستلزم القبول والانقياد بالقول والعمل.
* الوصف الثاني: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} حاضرة قلوبهم، ساكنة جوارحهم، يستحضرون أنهم قائمون في صلاتهم بين يدي الله عز وجل يخاطبونه بكلامه ويتقربون إليه بذكره ويلجؤون إليه بدعائه , فهم خاشعون بظواهرهم وبواطنهم.
* الوصف الثالث: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} ، واللغو كل ما لا فائدة فيه ولا خير من قول أو فعل , فهم معرضون عنه لقوة عزيمتهم وشدة حزمهم، لا يمضون أوقاتهم الثمينة إلا فيما فيه فائدة , فكما حفظوا صلاتهم بالخشوع حفظوا أوقاتهم عن الضياع , وإذا كان من وصفهم الإعراض عن اللغو وهو ما لا فائدة فيه فإعراضهم عما فيه مضرة من باب أولى.
* الوصف الرابع: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} يحتمل أن المراد بالزكاة القسط الواجب دفعه من المال الواجب زكاته , ويحتمل أن
(20/362)

المراد بها كل ما تزكو به نفوسهم من قول أو عمل.
* الوصف الخامس: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} {إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} فهم حافظون لفروجهم عن الزنا واللواط لما فيهما من معصية الله والانحطاط الْخُلُقي والاجتماعي , ولعل حفظ الفرج يشمل ما هو أعم من ذلك فيشمل حفظه عن النظر واللمس أيضا، وفي قوله: {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} إشارة إلى أن الأصل لوم الإنسان على هذا الفعل إلا على الزوجة والمملوكة لما في ذلك من الحاجة إليه؛ لدفع مقتضى الطبيعة وتحصيل النسل وغيره من المصالح , وفي عموم قوله: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} دليل على تحريم الاستمناء الذي يسمى [العادة السرية] لأنه عملية في غير الزوجات والمملوكات.
* الوصف السادس: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} الأمانة ما يُؤْتَمَنُ عليه من قول أو فعل أو عين , فمن حدثك بسر فقد ائتمنك , ومن فعل عندك ما لا يحب الاطلاع عليه فقد ائتمنك , ومن سلَّمك شيئا من ماله لحفظه فقد ائتمنك، والعهد ما يلتزم به الإنسان لغيره كالنذر لله والعهود الجارية بين الناس، فأهل الجنة قائمون برعاية الأمانات والعهد فيما بينهم وبين الله وفيما بينهم وبين الخلق، ويدخل في ذلك الوفاء بالعقود والشروط المباحة فيها.
* الوصف السابع: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} يلازمون على حفظها من الإضاعة والتفريط، وذلك بأدائها في وقتها على الوجه
(20/363)

الأكمل بشروطها وأركانها وواجباتها.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أوصافا كثيرة في القرآن لأهل الجنة سوى ما نقلناه هنا، ذكر ذلك سبحانه ليتصف به من أراد الوصول إليها، وفي الأحاديث عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من ذلك شيء كثير: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما سَهَّلَ الله له به طريقا إلى الجنة» (1) . وعنه أيضا أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: " إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الْخُطَا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة» (2) . وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فُتِحَت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» (3) ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضا «فيمن تابع المؤذن من قلبه دخل الجنة» (4) .
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة» (5) ، وعن عُبَادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن ولم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة» (6) ،
__________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه مسلم.
(4) رواه مسلم.
(5) متفق عليه.
(6) رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي , وله طرق يُقَوِّي بعضها بعضا.
(20/364)

وعن ثوبان رضي الله عنه أنه «سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن عمل يدخله الله به الجنة فقال: " عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة» (1) ، وعن أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة» (2) . وهن أربع قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الصبح.
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار قال: " لقد سألت عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت» (3) ، وعن سهل بن سعد رضي الله عنه «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم» متفق عليه. وعن أبى هريرة رضي الله عنه «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (4) .
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من كان له ثلاث بنات يؤويهن ويرحمهن ويكفلهن وجبت له الجنة البتة ". قيل: يا رسول الله فإن كانتا اثنتين؟ قال:
__________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه أحمد والترمذي وصححه.
(4) متفق عليه.
(20/365)

فرأى بعض القوم أن لو قال: واحدة لقال واحدة رواه أحمد وإسناده ضعيف، لكن له شواهد صحيحة منها قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من ابْتُلِيَ من البنات بشيء فأحسنَ إليهم كُنَّ له سترا من النار» (1) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن أكثر ما يُدْخِل الناس الجنة؟ فقال: " تقوى الله وحسن الخلق» (2) ، وعن عياض بن حمار المجاشعي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقْسِط متصدِّق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم عفيف متعفِّف ذو عيال» (3) .
فهذه أيها الإخوان طائفة من أحاديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبين شيئا كثيرا من أعمال أهل الجنة لمن أراد الوصول إليها. أسأل الله أن ييسر لنا ولكم سلوكها ويثبتنا عليها إنه جواد كريم , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
__________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه، وإسناده ليس بذلك لكن متنه صحيح.
(3) رواه مسلم في حديث طويل.
(20/366)

المجلس الخامس والعشرون: في وصف النار أعاذنا الله منها
الحمد لله الحي القيوم، الباقي وغيره لا يدوم، رفع السماء وزيَّنها بالنجوم، وأمسك الأرض بجبال في التخوم، صوَّر بقدرته هذه الجسوم، ثم أماتها ومحا الرسوم، ثم ينفخ في الصُّور فإذا الميت يقوم , ففريق إلى دار النعيم وفريق إلى نار السَّموم , تفتح أبوابها في وجوههم لكل باب منهم جزء مقسوم , وتوصد عليهم في عَمَد ممددة فيها للهموم والغموم، يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم فما منهم مرحوم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من للنجاة يروم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله , الذي فتح الله بدينه الفرس والروم. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ما هَطَلت الغيوم , وسلم تسليما.
إخواني: لقد حذرنا الله تعالى في كتابه من النار وأخبرنا عن أنواع عذابها بما تتفطَّر منه الأكباد وتتفجر منه القلوب، حذرنا منها وأخبرنا عن أنواع عذابها رحمة بنا لنزداد حذرا وخوفا، فاسمعوا ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أنواع عذابها لعلكم تذكرون، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب
(20/367)

ثم لا تُنْصَرُون، قال تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131] ، وقال تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} [الإنسان: 4] ، وقال تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29] ، وقال تعالى مخاطبا إبليس: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} [الحجر: 42 - 44] ، وقال تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ
أَبْوَابُهَا} [الزمر: 71] ، وقال تعالى: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ} {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} [الملك: 6 - 8] ، وقال تعالى: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [العنكبوت: 55] ، وقال تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16] .
وقال تعالى: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ} {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} {لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} [الواقعة: 41 - 44] ، وقال تعالى: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} [التوبة: 81] ، وقال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} {نَارٌ حَامِيَةٌ} [القارعة: 10 - 11] ، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} [القمر: 47 - 48] ، وقال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ} {لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ} {لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ} [المدثر: 27 - 29] ، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] ، وقال تعالى: {إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} {كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ} [المرسلات: 32 - 33] ، وقال
تعالى: {
(20/368)

وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} {سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [إبراهيم: 49 - 50] ، وقال تعالى: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ} [غافر: 71] .
وقال تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} [الحج: 19] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56] ، وقال تعالى: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ} {طَعَامُ الْأَثِيمِ} {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ} {كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان: 43 - 46] ، وقال في تلك الشجرة: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} [الصافات: 64 - 65] .
وقال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ} {لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ} {فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ} {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ} {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} [الواقعة: 51 - 55] ، وقال تعالى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف: 29] ، وقال تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: 15] ، وقال تعالى: {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} [إبراهيم: 16 - 17] ، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ} {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ
(20/369)

عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف: 74 - 77] ، وقال تعالى: {مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ
كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء: 97] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا} {إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا} [النساء: 168 - 169] ، وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا} [الأحزاب: 64] ، وقال تعالى: {إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 23] ، وقال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ} {نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ} {الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ} {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ} {فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} [الهمزة: 5 - 9] .
والآيات في وصف النار وأنواع عذابها الأليم الدائم كثيرة.
أما الأحاديث فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف مَلَك يجرونها» (1) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ناركم هذه ما يُوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنم "، قالوا: يا رسول الله إنها لكافية؟ قال: " إنها فُضِّلَت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» (2) ، وعنه رضي الله عنه قال: «كنا عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسمعنا وَجْبَة فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أتدرون ما هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: " هذا حجر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفا (يعني سبعين سنة) فالآن حين انتهى إلى قعرها» (3) .
__________
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(3) رواه مسلم.
(20/370)

وقال عُتْبَة بن غزوان رضي الله عنه وهو يخطب: لقد ذُكِرَ لنا أن الحجر يُلْقَى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا والله لَتُمْلأن أَفَعَجِبْتُم؟ (1) . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لو أن قطرة من الزقوم قَطَرَت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم» (2) .
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشِراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا» (3) .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يُؤْتَى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيُصْبَغ في النار صبغة ثم يقال: يا بن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ، ويُؤْتَى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال: يا بن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك من شدة قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ ما رأيت بؤسا ولا مر بي من شدة قط» (4) ، يعني أن أهل النار ينسون كل نعيم مر بهم في الدنيا، وأهل الجنة ينسون كل بؤس مر بهم في الدنيا، وعنه رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت تفتدي
__________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه النسائي والترمذي وابن ماجه، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
(3) رواه مسلم وللبخاري نحوه.
(4) رواه مسلم.
(20/371)

به؟ قال: فيقول: نعم. قال: فيقول: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا أن تشرك بي» (1) .
وروى ابن مَرْدَوَيْهِ عن يَعْلَى ابن مُنْيَة وهو ابن أمية ومنية أمه أنه قال: يُنْشِئ الله لأهل النار سحابة فإذا أشرفت عليهم ناداهم: يا أهل النار أيُّ شيء تطلبون؟ وما الذي تسألون؟ فيذكرون بها سحائب الدنيا والماء الذي كان ينزل عليهم، فيقولون: نسأل يا رب الشراب، فيمطرهم أغلالا تزيد في أغلالهم وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرا يُلْهِب النار عليهم، وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر وقاطع رحم ومصدِّق بالسحر، ومن مات مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوْطة ". قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: " نهر يجري من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريح فروجهن» (2) ، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن على الله عهدا لمن شرب الْمُسْكِرات لَيَسْقِيه من طينة الخبال ". قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: " عَرق أهل النار أو عصارة أهل النار» (3) . وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «يقال لليهود والنصارى: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطِشنا ربَّنا فاسْقِنَا. فيُشار إليهم: ألا تَرِدُون؟ فيُحْشَرون إلى جهنم
كأنها سراب يحطم بعضها
__________
(1) رواه أحمد ورواه البخاري ومسلم بنحوه.
(2) رواه أحمد وصححه الحاكم وأقره الذهبي.
(3) رواه مسلم.
(20/372)

بعضا فيتساقطون في النار» (1) قال الحسن: ما ظنك بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف سنة لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شَرْبة حتى انقطعت أعناقهم عطشا، واحترقت أجوافهم جوعا، ثم انصرف بهم إلى النار فيُسْقَون من عين آنية قد آن حرها واشتد نضجها.
وقال ابن الجوزي رحمه الله في وصف النار: دار قد خُصَّ أهلها بالبعاد، وحُرِموا لذة المنى والإسعاد، بُدِّلَت وضاءة وجوههم بالسواد، وضُرِبُوا بمقامع أقوى من الأطواد، عليها ملائكة غلاط شداد، لو رأيتهم في الحميم يسرحون، وعلى الزمهرير يُطْرَحون، فحزنهم دائم فما يفرحون، مُقَامهم محتوم فما يبرحون أبد الآباد، عليها ملائكة غلاط شداد، توبيخهم أعظم من العذاب، تأسُّفهم أقوى من الْمُصاب، يبكون على تضييع أوقات الشباب، وكلما جاد البكاء زاد، عليها ملائكة غلاظ شداد، يا حسرتهم لغضب الخالق، يا محنتهم لعِظَم البوائق، يا فضيحتهم بين الخلائق، على رؤوس الأشهاد، أين كسبهم للحُطام؟ أين سعيهم في الآثام؟ كأنه كان أضغاث أحلام، ثم أُحْرِقت تلك الأجسام، وكلما أُحْرِقت تُعَاد، عليها ملائكة غلاظ شداد.
اللهم نَجِّنا من النار، وأَعِذْنَا من دار الخزي والبوار، وأسْكِنَّا برحمتك دار المتقين الأبرار، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________
(1) متفق عليه.
(20/373)

المجلس السادس والعشرون: في أسباب دخول النار
الحمد لله القوي المتين، الظاهر القاهر المبين، لا يعزب عن سمعه أقل الأنين، ولا يخفى على بصره حركات الجنين، ذل لكبريائه جبابرة السلاطين، وبطل أمام قدرته كيد الكائدين، قضى قضاءه كما شاء على الخاطئين، وسبق اختيارُه مَنِ اختاره من العالمين، فهؤلاء أهل الشِّمال وهؤلاء أهل اليمين، جرى القدر بذلك قبل عمل العاملين، ولولا هذا التقسيم لبطل جهاد المجاهدين , وما عُرِفَ أهل الإيمان من الكافرين , ولا أهل الشك من أهل اليقين، ولولا هذا التقسيم ما امتلأت النار من المجرمين، {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13] . تلك يا أخي حكمة الله وهو أحكم الحاكمين، أحمده سبحانه حمد الشاكرين، وأسأله معونة الصابرين، وأستجير به من العذاب المهين، وأشهد أن لا إله إلا الله، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر أول تابع من الرجال على الدين، وعلى عمر القوي في أمر الله فلا يلين، وعلى عثمان زوج ابنتي الرسول ونِعْمَ القرين،
وعلى علي بحر العلوم الأنزع البطين، وعلى جميع آل بيت الرسول الطاهرين، وعلى سائر أصحابه الطيبين،
(20/375)

وعلى أتباعه في دينه إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
إخواني: اعلموا أن لدخول النار أسبابا بيَّنها الله في كتابه وعلى لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليحذر الناس منها ويجتنبوها، وهذه الأسباب على نوعين:
* النوع الأول: أسباب مُكَفِّرة تُخْرِج فاعلها من الإيمان إلى الكفر، وتوجب له الخلود في النار.
* النوع الثاني: أسباب مُفَسِّقة تُخْرِج فاعلها من العدالة إلى الفسق، ويستحق بها دخول النار دون الخلود فيها.
فأما النوع الأول فنذكر منه أسبابا:
* السبب الأول: الشرك بالله بأن يجعل لله شريكا في الربوبية أو الألوهية أو الصفات , فمن اعتقد أن مع الله خالقا مشاركا أو منفردا , أو اعتقد أن مع الله إلها يستحق أن يعبد , أو عبد مع الله غيره فصرف شيئا من أنواع العبادة إليه , أو اعتقد أن لأحد من العلم والقدرة والعظمة ونحوها مثل ما لله عز وجل , فقد أشرك بالله شركا أكبر واستحق الخلود في النار , قال الله عز وجل: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] .
* السبب الثاني: الكفر بالله عز وجل أو بملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أو قضاء الله وقدره , فمن أنكر شيئا من ذلك تكذيبا أو جحدا أو شك فيه فهو كافر مخلد في النار , قال الله تعالى: {إِنَّ
(20/376)

الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 150 - 151]
وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا} {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ} {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ} {رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} {يَا أَيُّهَا} [64 - 69] .
* السبب الثالث: إنكار فرض شيء من أركان الإسلام الخمسة , فَمَنْ أنكر فرضِيَّة توحيد الله أو الشهادة لرسوله بالرسالة أو عمومها لجميع الناس أو فريضة الصلوات الخمس أو الزكاة أو صوم رمضان أو الحج، فهو كافر لأنه مكذِّب لله ورسوله وإجماع المسلمين، وكذلك من أنكر تحريم الشرك أو قتل النفس التي حرم الله أو تحريم الزنا أو اللواط أو الخمر أو نحوها مما تحريمه ظاهر صريح في كتاب الله أو سنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لأنه مكذِّب لله ورسوله، لكن إن كان قريب عهد بإسلام فأنكر ذلك جهلا لم يَكْفُر حتى يُعَلَّم فينكر بعد علمه.
* السبب الرابع: الاستهزاء بالله سبحانه أو بدينه أو رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65 - 66] ، والاستهزاء هو السخرية، وهو من أعظم الاستهانة بالله
(20/377)

ودينه ورسوله , وأعظم الاحتقار والازدراء , تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
* السبب الخامس: سب الله تعالى أو دينه أو رسوله، وهو القدْح والعيب وذكرهم بما يقتضي الاستخفاف والانتقاص كاللعن والتقبيح ونحو ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: من سبَّ الله أو رسوله فهو كافر ظاهرا وباطنا سواء كان يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحِلًّا له، أو كان ذاهلا عن اعتقاد. وقال أصحابنا: يكفر من سب الله سواء كان مازحا أو جادا، وهذا هو الصواب المقطوع به، ونقل عن إسحاق بن راهويه: أن المسلمين أجمعوا على أن من سب الله أو سب رسوله أو دفع شيئا مما أنزل الله فهو كافر وإن كان مقرا بما أنزل الله. وقال الشيخ أيضا: والْحُكْم في سب سائر الأنبياء كالحكم في سب نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمن سبَّ نبيا مسمّى باسمه من الأنبياء المعروفين المذكورين في القرآن أو موصوفا بالنبوة بأن يذكر في الحديث أن نبيا فعل أو قال كذا فيسب ذلك الفاعل أو القائل مع علمه أنه نبي فحكمه كما تقدم. اهـ.
وأما سبُّ غير الأنبياء فإن كان الغرض منه سب النبي مثل أن يسب أصحابه يقصد به سب النبي لأن المقارِن يقتدي بمن قارنه , ومثل أن يقذف واحدة من زوجات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالزنا ونحوه فإنه يكفر؛ لأن ذلك قدح في النبي وسب له، قال الله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} [النور: 26] .
*
(20/378)

السبب السادس: الحكم بغير ما أنزل الله معتقدا أنه أقرب إلى الحق وأصلح للخلق، أو أنه مساو لحكم الله، أو أنه يجوز الحكم به , فمن حكم بغير ما أنزل الله معتقدا ذلك فهو كافر لقول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] ، وكذا لو اعتقد أن حكم غير الله خير من حكم الله أو مساو له أو أنه يجوز الحكم به، فهو كافر وإن لم يحكم به؛ لأنه مكذِّب لقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] ، ولما يقتضيه قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} .
* السبب السابع: النفاق وهو أن يكون كافرا بقلبه ويظهر للناس أنه مسلم إما بقوله أو بفعله، قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] ، وهذا الصنف أعظم مما قبله، ولذلك كانت عقوبة أصحابه أشد، فهم في الدرك الأسفل من النار وذلك لأن كفرهم جامع بين الكفر والخداع والاستهزاء بالله وآياته ورسوله، قال الله تعالى عنهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} {يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا
يَعْلَمُونَ} {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} {اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
(20/379)

وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 8 - 15] .
وللنفاق علامات كثيرة:
* منها الشك فيما أنزل الله وإن كان يُظْهِر للناس أنه مؤمن، قال الله عز وجل: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة: 45] ، ومنها كراهة حكم الله ورسوله , قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61] .
* ومنها كراهة ظهور الإسلام وانتصار أهله والفرح بخذلانهم، قال الله تعالى: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} [التوبة: 50] ، {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 119 - 120] .
* ومنها طلب الفتنة بين المسلمين والتفريق بينهم ومحبة ذلك , قال الله تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 47] .
* ومنها محبة أعداء الإسلام وأئمة الكفر ومدحهم ونشر آرائهم
(20/380)

المخالفة للإسلام , قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [المجادلة: 14] .
* ومنها لمز المؤمنين وعيبهم في عبادتهم , قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79] ، فيعيبون المجتهدين في العبادة بالرياء ويعيبون العاجزين بالتقصير.
ومنها الاستكبار عن دعاء المؤمنين احتقارا وشكا، قال الله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [المنافقون: 5] .
* ومنها ثقل الصلاة والتكاسل عنها , قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142] ، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر» (1) .
* ومنها أذية الله ورسوله والمؤمنين , قال الله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 61] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 57 - 58] .
__________
(1) متفق عليه.
(20/381)

فهذه طائفة من علامات المنافقين ذكرناها للتحذير منها وتطهير النفس من سلوكها.
اللهم أَعِذْنَا من النفاق، وارزقنا تحقيق الإيمان على الوجه الذي يرضيك عنا , واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين يا رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(20/382)

المجلس السابع والعشرون: في النوع الثاني من أسباب دخول النار
الحمد لله الذي أنشأ الخلائق بقدرته، وأظهر فيهم عجائب حكمته، ودلَّ بآياته على ثبوت وحدانيته، قضى على العاصي بالعقوبة لمخالفته، ثم دعا إلى التوبة ومَنَّ عليه بقبول توبته، فأجيبوا داعي الله وسابقوا إلى جنته، يغفر لكم ذنوبكم ويؤتكم كفلين من رحمته، أحمده على جلال نعوته وكمال صفته، وأشكره على توفيقه وسوابغ نعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ألوهيته وربوبيته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى جميع بَرِيَّته، بشيرا للمؤمنين بجنته، ونذيرا للكافرين بناره وسطوته، صلى الله عليه وعلى أبي بكر خليفته في أمته، وعلى عمر المشهور بقوته على الكافرين وشدته، وعلى عثمان القاضي نحبه في محنته، وعلى علي ابن عمه وزوج ابنته، وعلى سائر آله وأصحابه ومن تبعه في سنته، وسلم تسليما.
إخواني: سبق في الدرس الماضي ذكر عدة أسباب من النوع الأول من أسباب دخول النار الموجبة للخلود فيها. وها نحن في هذا الدرس نذكر بمعونة الله عدة أسباب من النوع الثاني، وهي الأسباب التي يستحق فاعلها دخول النار دون الخلود فيها.
* السبب الأول: عقوق الوالدين وهما الأم والأب , وعقوقهما أن
(20/383)

يقطع ما يجب لهما من بر وصلة، أو يسيء إليهما بالقول أو الفعل , قال الله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23 - 24] ، وقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14] ، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر والعاق لوالديه والدَّيُّوث الذي يقر الخبث في أهله» (1) .
* السبب الثاني: قطيعة الرحم وهي أن يقاطع الرجل قرابته فيمنع ما يجب لهم من حقوق بدنية أو مالية، فعن جبير بن مطعم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا يدخل الجنة قاطع» (2) . قال سفيان: يعني قاطع رحم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الرحم قامت فقالت لله عز وجل: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم أما ترضين أن أَصِلَ من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك "، ثم قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اقرؤوا إن شئتم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} » [محمد: 22 - 23] (3) .
ومن المؤسف أن كثيرا من المسلمين اليوم غفلوا عن القيام بحق الوالدين والأرحام وقطعوا حبل الوصل، وحجة بعضهم أن أقاربه
__________
(1) رواه أحمد والنسائي وله طرق يقوى بها.
(2) متفق عليه.
(3) الحديث متفق عليه.
(20/384)

لا يصلونه، وهذه الحجة لا تنفع لأنه لو كان لا يصل إلا من وصله لم يكن صلته لله، وإنما هي مكافأة كما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطِعَت رحمه وصلها» (1) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: «يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي. فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم الملَّ» (2) ، «ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» (3) .
وإذا وصل رحمه وهم يقطعونه فإن له العاقبة الحميدة، وسيعودون فيصلونه كما وصلهم إن أراد الله بهم خيرا.
* السبب الثالث: أكل الربا، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} {وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 130 - 132] ، وقد توعد الله تعالى مَنْ عَادَ إلى الربا بعد أن بلغته موعظة الله وتحذيره , توعده بالخلود في النار فقال سبحانه: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] .
__________
(1) رواه البخاري.
(2) تسفهم: تدخل في أفواههم، والمل: الرماد الحار.
(3) رواه مسلم.
(20/385)

* السبب الرابع: أكل مال اليتامى ذكورا كانوا أم إناثا والتلاعب به , قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] ، واليتيم هو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ.
* السبب الخامس: شهادة الزور، فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «لن تزول قدم شاهد الزور حتى يوجب الله له النار» (1) ، وشهادة الزور أن يشهد بما لا يعلم أو يشهد بما يعلم أن الواقع خلافه؛ لأن الشهادة لا تجوز إلا بما علمه الشاهد، وفي الحديث قال لرجل: «تَرَى الشمس؟ " قال: نعم. قال: " على مثلها فاشهد أو دع» .
* السبب السادس: الرشوة في الحكم، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الراشي والمرتشي في النار» (2) . قال في النهاية: الراشي من يُعْطِي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ، فأما ما يُعْطَى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه اهـ.
* السبب السابع: اليمين الغموس، فعن الحارث بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحج بين الجمرتين وهو يقول: «من
__________
(1) رواه ابن ماجه والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وهذا تساهل منه رحمه الله، والصواب أنه ضعيف الإسناد جدا، لكن روى الإمام أحمد ما يؤيده بسند رواته ثقات غير أن تابعيه لم يسم.
(2) رواه الطبراني ورواته ثقات معروفون، قاله في الترغيب والترهيب.
(20/386)

اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار لِيُبَلِّغْ شاهدُكم غائبَكم " مرتين أو ثلاثا» (1) ، وسميت غموسا لأنها تَغْمِس الحالف بها في الإثم ثم تغمسه في النار، ولا فرق بين أن يحلف كاذبا على ما ادعاه فيُحْكَم له به أو يحلف كاذبا على ما أنكره فيُحْكَم ببراءته منه.
* السبب التاسع: القضاء بين الناس بغير علم أو بجور وميل، لحديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» (2) .
* السبب التاسع: الغش للرعية وعدم النصح لهم بحيث يتصرف تصرفا ليس في مصلحتهم ولا مصلحة العمل، لحديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «ما من عبد يسترعيه الله على رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة» (3) ، وهذا يعم رعاية الرجل في أهله والسلطان في سلطانه وغيرهم لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «كلكم راع ومسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في
__________
(1) رواه أحمد والحاكم وصححه.
(2) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه , وقال في بلوغ المرام: أخرجه الأربعة وصححه الحاكم.
(3) متفق عليه.
(20/387)

بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته» (1) .
* السبب العاشر: تصوير ما فيه روح من إنسان أو حيوان، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «كل مُصَوِّر في النار يجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم» (2) ، وفي رواية للبخاري: «من صور صورة فإن الله مُعَذِّبُه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبدا» . فأما تصوير الأشجار والنبات والثمرات ونحوها مما يخلقه الله من الأجسام النامية فلا بأس به على قول جمهور العلماء، ومنهم من منع ذلك لما رُوِيَ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة» (3) .
* السبب الحادي عشر: ما ثبت عن حارثة بن وهب أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جَوَّاظ مستكبر» (4) ، فالعتل: الشديد الغليظ الذي لا يلين للحق ولا للخلق، والجواظ: الشحيح البخيل فهو جَمَّاع مَنَّاع، والمستكبر هو الذي يَرُدُّ الحق ولا يتواضع للخلق، فهو يرى نفسه أعلى من الناس، ويرى رأيه أصوب من الحق.
* السبب الثاني عشر: استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب للرجال والنساء، فعن أم سلمة
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه البخاري.
(4) متفق عليه.
(20/388)

رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الذي يشرب في آنية الفضة إنما تُجَرْجِر في بطنه نارَ جهنم» (1) ، وفي رواية لمسلم: «إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» .
فاحذروا إخواني أسباب دخول النار، واعملوا الأسباب التي تبعدكم عنها لتفوزوا في دار القرار. واعلموا أن الدنيا متاع قليل سريعة الزوال والانهيار. واسألوا ربكم الثبات على الحق إلى الممات، وأن يحشركم مع الذين أنعم الله عليهم من المؤمنين والمؤمنات.
اللهم ثبتنا على الحق وتوَفَّنا عليه، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________
(1) متفق عليه.
(20/389)

المجلس الثامن والعشرون: في زكاة الفطر
الحمد لله العليم الحكيم، العلي العظيم، خلق كل شيء فقدره تقديرا، وأحكم شرائعه ببالغ حكمته بيانا للخلق وتبصيرا، أحمده على صفاته الكاملة، وأشكره على آلائه السابغة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله البشير النذير، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المآب والمصير، وسلم تسليما.
إخواني: إن شهركم الكريم قد عزم على الرحيل ولم يبق منه إلا الزمن القليل، فمن كان منكم محسنا فليحمد الله على ذلك وليسأله القبول، ومن كان منكم مهملا فليتب إلى الله وليعتذر من تقصيره، فالعذر قبل الموت مقبول.
إخواني: إن الله شرع لكم في ختام شهركم هذا أن تؤدوا زكاة الفطر قبل صلاة العيد، وسنتكلم في هذا المجلس عن حُكْمها وحكمتها وجنسها ومقدارها ووقت وجوبها ودفعها ومكانها.
فأما حكمها فإنها فريضة فرضها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المسلمين، وما فرضه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو أمر به فله حكم ما فرضه الله تعالى أو
(20/391)

أمر به، قال الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80] ، وقال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] ، وقال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] . وهى فريضة على الكبير والصغير والذكر والأنثى والحر والعبد من المسلمين، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين» (1) .
ولا تجب عن الحمل الذي في البطن إلا أن يتطوع بها فلا بأس، فقد كان أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه يخرجها عن الحمل، ويجب إخراجها عن نفسه وكذلك عمن تلزمه مؤونته من زوجة أو قريب إذا لم يستطيعوا إخراجها عن أنفسهم، فإن استطاعوا فالأولى أن يخرجوها عن أنفسهم؛ لأنهم المخاطبون بها أصلا، ولا تجب إلا على من وجدها فاضلة زائدة عما يحتاجه من نفقة يوم العيد وليلته، فإن لم يجد إلا أقل من صاع أخرجه لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] ، وقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (2) .
وأما حكمتها فظاهرة جدا، ففيها إحسان إلى الفقراء وكف لهم عن السؤال في أيام العيد؛ ليشاركوا الأغنياء في فرحهم وسرورهم به
__________
(1) متفق عليه.
(2) متفق عليه.
(20/392)

ويكون عيدا للجميع، وفيها الاتصاف بخلق الكرم وحب المواساة، وفيها تطهير الصائم مما يحصل في صيامه من نقص ولغو وإثم، وفيها إظهار شكر نعمة الله بإتمام صيام شهر رمضان وقيامه وفعل ما تَيَسَّر من الأعمال الصالحة فيه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زكاة الفطر طُهْرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة , ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» (1) .
وأما جنس الواجب في الفطرة فهو طعام الآدميين من تمر أو بُرٍّ أو رز أو زبيب أو أقط أو غيرهما من طعام بني آدم , فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «فرض رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير» (2) ، وكان الشعير يومذاك من طعامهم كما قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «كنا نُخْرِج يوم الفطر في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صاعا من طعام وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر» (3) .
فلا يجزئ إخراج طعام البهائم لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرضها طعمة للمساكين لا للبهائم.
ولا يجزئ إخراجها من الثياب والفرش والأواني والأمتعة وغيرها مما سوى طعام الآدميين؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرضها من الطعام فلا تتعدى
__________
(1) رواه أبو داود وابن ماجه، وأخرجه أيضا الدارقطني والحاكم وصححه.
(2) متفق عليه.
(3) رواه البخاري.
(20/393)

ما عيَّنه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولا يجزئ إخراج قيمة الطعام؛ لأن ذلك خلاف ما أمر به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد ثبت عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» ، وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (1) ، ومعنى رَدّ: مردود، ولأن إخراج القيمة مخالف لعمل الصحابة رضي الله عنهم، حيث كانوا يخرجونها صاعا من طعام، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (2) ، ولأن زكاة الفطر عبادة من جنس معين فلا يجزئ إخراجها من غير الجنس، كما لا يجزئ إخراجها في غير الوقت المعين، ولأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عينها من أجناس مختلفة وأقيامها مختلفة غالبا، فلو كانت القيمة معتبرة لكان الواجب صاعا من جنس وما يقابل قيمته من الأجناس الأخرى، ولأن إخراج القيمة يُخْرِج الفطرة عن كونها شعيرة ظاهرة إلى كونها صدقة خفية، فإن إخراجها صاعا من طعام يجعلها ظاهرة بين المسلمين معلومة للصغير والكبير يشاهدون كَيْلها وتوزيعها ويتعارفونها بينهم بخلاف ما لو كانت دراهم يُخْرِجها الإنسان خفية بينه وبين الآخذ.
وأما مقدار الفطرة فهو صاع بصاع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي يبلغ وزنه بالمثاقيل أربعمائة وثمانين مثقالا من البر الجيد , وبالغرامات كيلوين اثنين وخُمُسَيْ عُشْر كيلو من البر الجيد , وذلك لأن زنة المثقال أربعة
__________
(1) رواه مسلم وأصله في الصحيحين.
(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، والترمذي وقال: حسن صحيح، وقال أبو نعيم: حديث جيد من صحيح حديث الشاميين.
(20/394)

غرامات وربع، فيكون مبلغ أربعمائة وثمانين مثقالا ألفي غرام وأربعين غراما، فإذا أراد أن يعرف الصاع النبوي فليزن كيلوين وأربعين غراما من البر ويضعها في إناء بقدرها بحيث تملؤه ثم يكيل به.
وأما وقت وجوب الفطرة فهو غروب الشمس ليلة العيد، فمن كان من أهل الوجوب حينذاك وجبت عليه وإلا فلا، وعلى هذا فإذا مات قبل الغروب ولو بدقائق لم تجب الفطرة، وإن مات بعده ولو بدقائق وجب إخراج فطرته، ولو وُلِدَ شخص بعد الغروب ولو بدقائق لم تجب فطرته، لكن لا بأس بإخراجها كما سبق، وإن وُلِدَ قبل الغروب ولو بدقائق وجب إخراج الفطرة عنه.
وإنما كان وقت وجوبها غروب الشمس من ليلة العيد لأنه الوقت الذي يكون به الفطر من رمضان، وهي مضافة إلى ذلك فإنه يقال: زكاة الفطر من رمضان، فكان مناط الحكم ذلك الوقت.
وأما زمن دفعها فله وقتان: وقت فضيلة ووقت جواز.
فأما وقت الفضيلة: فهو صباح العيد قبل الصلاة لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كنا نُخْرِج في عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الفطر صاعا من طعام» (1) ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (2) .
ولذلك كان من الأفضل تأخير صلاة العيد يوم الفطر ليتسع الوقت لإخراج الفطرة.
وأما وقت الجواز فهو قبل العيد بيوم أو يومين ,
__________
(1) رواه البخاري.
(2) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
(20/395)

فعن نافع قال: كان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير حتى إن كان يعطي عن بنِيَّ، وكان يعطيها الذين يقبلونها، وكانوا يُعْطَوْن قبل الفطر بيوم أو يومين (1) .
ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد , فإن أخَّرها عن صلاة العيد بلا عذر لم تُقْبَل منه لأنه خلاف ما أمر به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وقد سبق من حديث ابن عباس رضي الله عنهما «أن من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات.
» أما إن أخرها لعذر فلا بأس , مثل أن يصادفه العيد في البَر ليس عنده ما يدفع منه أو ليس عنده من يدفع إليه، أو يأتي خبر ثبوت العيد مفاجئا بحيث لا يتمكن من إخراجها قبل الصلاة , أو يكون معتمدا على شخص في إخراجها فينسى أن يُخْرِجها فلا بأس أن يخرجها ولو بعد العيد لأنه معذور في ذلك.
والواجب أن تصل إلى مستحقها أو وكيله في وقتها قبل الصلاة , فلو نواها لشخص ولم يصادفه ولا وكيله وقت الإخراج فإنه يدفعها إلى مستحق آخر ولا يؤخرها عن وقتها.
وأما مكان دفعها فتدفع إلى فقراء المكان الذي هو فيه وقت الإخراج سواء كان محل إقامته أو غيره من بلاد المسلمين , لا سيما إن كان مكانا فاضلا كمكة والمدينة , أو كان فقراؤه أشد حاجة، فإن كان في بلد ليس فيها من يدفع إليه، أو كان لا يعرف المستحقين فيه وَكَّلَ من يدفعها عنه في مكان مستحِقٍّ.
__________
(1) رواه البخاري.
(20/396)

والمستحقون لزكاة الفطر هم الفقراء، ومن عليهم ديون لا يستطيعون وفاءها فيُعْطَوْن منها بقدر حاجتهم، ويجوز توزيع الفطرة على أكثر من فقير، ويجوز دفع علب من الفِطر إلى مسكين واحد؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّر الواجب ولم يقدر من يُدْفَع إليه، وعلى هذا لو جمع جماعة فطرهم في وعاء واحد بعد كيلها وصاروا يدفعون منه بلا كيل ثانٍ أجزأهم ذلك، ولكن ينبغي إخبار الفقير بأنهم لا يعلمون مقدار ما يدفعون إليه لئلا يغتر به فيدفعه عن نفسه وهو لا يدري عن كيله، ويجوز للفقير إذا أخذ الفطرة من شخص أن يدفعها عن نفسه أو أحد من عائلته إذا كالها أو أخبره دافعها أنها كاملة ووثق بقوله.
اللهم وفقنا للقيام بطاعتك على الوجه الذي يرضيك عنا، وزَكِّ نفوسنا وأقوالنا وأفعالنا وطهِّرنا من سوء العقيدة والقول والعمل، إنك جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(20/397)

المجلس التاسع والعشرون: في التوبة
الحمد لله الذي نصب من كل كائن على وحدانيته برهانا، وتصرف في خليقته كما شاء عزا وسلطانا، واختار المتقين فوهب لهم أمنا وإيمانا، وعم المذنبين بحلمه ورحمته عفوا وغفرانا، ولم يقطع أرزاق أهل معصيته جودا وامتنانا، روَّح أهل الإخلاص بنسيم قربه، وحذر يوم الحساب بجسيم كربه، وحفظ السالك نحو رضاه في سربه، وأكرم المؤمن إذ كتب الإيمان في قلبه، حكم في بَرِّيته فأمر ونهى، وأقام بمعونته ما ضعف ووهى، وأيقظ بموعظته من غفل وسها، ودعا المذنب إلى التوبة لغفران ذنبه، ربٌّ عظيم لا يشبه الأنام، وغني كريم لا يحتاج إلى الشراب والطعام، الخلق مفتقرون إليه على الدوام، ومضطرون إلى رحمته في الليالي والأيام.
أحمده حمد عابد لربه، معتذر إليه من تقصيره وذنبه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص من قلبه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى من حزبه، صلى الله عليه وعلى أبي بكر خير صحبه، وعلى عمر الذي لا يسير الشيطان في سربه، وعلى عثمان الشهيد لا في صفِّ حَرْبِهِ، وعلى علي معينه في حربه، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، وسلم تسليما.
إخواني: اختموا شهر رمضان بالتوبة إلى الله من معاصيه، والإنابة
(20/399)

إليه بفعل ما يُرْضِيه، فإن الإنسان لا يخلو من الخطأ والتقصير، وكل بني آدم خَطَّاء، وخير الخطائين التوابون، وقد حث الله في كتابه وحث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خطابه على استغفار الله تعالى والتوبة إليه فقال سبحانه: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3] ، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت: 6] ، وقال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] ، وقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [
التحريم: 8] ، وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] ، والآيات في ذكر التوبة عديدة.
وأما الأحاديث فمنها عن الْأَغَرِّ بن يَسَار الْمُزنِيِّ رضي الله عنه قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مائة مرة» (1) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (2) ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَلَّهُ أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فَأَيِسَ منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بِخِطامها
__________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه البخاري.
(20/400)

ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» (1) ، وإنما يفرح سبحانه بتوبة عبده لمحبته للتوبة والعفو ورجوع عبده إليه بعد هربه منه , وعن أنس وابن عباس رضي الله عنهم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» (2) .
فالتوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته؛ لأنه سبحانه هو المعبود حقا، وحقيقة العبودية هي التذلل والخضوع للمعبود محبة وتعظيما، فإذا حصل من العبد شرود عن طاعة ربه فتوبته أن يرجع إليه ويقف ببابه موقف الفقير الذليل الخائف المنكسر بين يديه.
والتوبة واجبة على الفور لا يجوز تأخيرها ولا التسويف بها؛ لأن الله أمر بها ورسوله، وأوامر الله ورسوله كلها على الفور والمبادرة لأن العبد لا يدري ماذا يحصل له بالتأخير، فلعله أن يَفْجَأَهُ الموت فلا يستطيع التوبة , ولأن الإصرار على المعصية يوجب قسوة القلب وبعده عن الله عز وجل وضعف إيمانه، فإن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان، ولأن الإصرار على المعصية يوجب إلفها والتشبث بها، فإن النفس إذا اعتادت على شيء صَعُبَ عليها فراقه، وحينئذ يعسر عليه التخلص من معصيته، ويفتح عليه الشيطان باب معاصٍ أخرى أكبر وأعظم مما كان عليه؛ ولذلك قال أهل العلم وأرباب السلوك: إن المعاصي بريد الكفر ينتقل الإنسان فيها مرحلة مرحلة
__________
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(20/401)

حتى يزيغ عن دينه كله، نسأل الله العافية والسلامة.
والتوبة التي أمر الله بها هي التوبة النصوح التي تشتمل على شرائط التوبة وهي خمسة:
* الأول: أن تكون خالصة لله عز وجل بأن يكون الباعث لها حب الله وتعظيمه ورجاء ثوابه والخوف من عقابه، فلا يريد بها شيئا من الدنيا ولا تزلفا عند مخلوق، فإن أراد هذا لم تقبل توبته لأنه لم يتب إلى الله، وإنما تاب إلى الغرض الذي قصده.
* الثاني: أن يكون نادما حَزِنًا على ما سلف من ذنبه يتمنى أنه لم يحصل منه؛ لأجل أن يُحْدِث له ذلك الندمُ إنابة إلى الله وانكسارا بين يديه ومقتا لنفسه التي أمرته بالسوء، فتكون توبته عن عقيدة وبصيرة.
* الثالث: أن يُقْلِع عن المعصية فورا، فإن كانت المعصية بفعل محرم تركه في الحال , وإن كانت المعصية بترك واجب فعله في الحال إن كان مما يمكن قضاؤه كالزكاة والحج , فلا تصح التوبة مع الإصرار على المعصية , فلو قال: إنه تاب من الربا مثلا وهو مستمر على التعامل به لم تصح توبته , ولم تكن توبته هذه إلا نوعَ استهزاء بالله وآياته لا تزيده من الله إلا بعدا , ولو تاب من ترك الصلاة مع الجماعة وهو مستمر على تركها لم تصح توبته، وإذا كانت المعصية فيما يتعلق بحقوق الخلق لم تصح التوبة منها حتى يتخلص من تلك الحقوق , فإذا كانت معصيته بأخذ مالٍ
(20/402)

للغير أو جحده لم تصح توبته حتى يؤدي المال إلى صاحبه إن كان حيا , أو إلى ورثته إن كان ميتا , فإن لم يكن له ورثة أَدَّاهُ إلى بيت المال , وإن كان لا يدري من صاحب المال تصدق به والله سبحانه يعلم به , وإن كانت معصيته بغيبة مسلم وجب أن يستحله من ذلك إن كان قد علم بغيبته إياه أو خاف أن يعلم بها , وإلا استغفر له وأثنى عليه بصفاته المحمودة في المجلس الذي اغتابه فيه , فإن الحسنات يذهبن السيئات.
وتصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره , لأن الأعمال تتبعض والإيمان يتفاضل , لكن لا يستحق الوصف المطلق للتوبة وما يستحقه التائبون على الإطلاق من الأوصاف الحميدة والمنازل العالية حتى يتوب إلى الله من جميع الذنوب.
الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود في المستقبل إلى المعصية؛ لأن هذه ثمرة التوبة ودليل صدق صاحبها، فإن قال: إنه تائب وهو عازم أو متردِّد في فعل المعصية يوما ما لم تصح توبته؛ لأن هذه توبة مؤقتة يَتَحَيَّنُ فيها صاحبها الفرص المناسبة، ولا تدل على كراهيته للمعصية وفراره منها إلى طاعة الله عز وجل.
* الشرط الخامس: أن لا تكون بعد انتهاء وقت قبول التوبة , فإن كانت بعد انتهاء وقت القبول لم تقبل، وانتهاء وقت القبول نوعان: عام لكل أحد، وخاص لكل شخص بنفسه.
فأما العام فهو طلوع الشمس من مغربها , فإذا طلعت الشمس
(20/403)

من مغربها لم تنفع التوبة , قال الله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] ، والمراد ببعض الآيات طلوع الشمس من مغربها، فسرها بذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طُبِعَ على كل قلب بما فيه وكفي الناسَ العملُ» (1) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» (2) .
وأما الخاص فهو عند حضور الأجل , فمتى حضر أجل الإنسان وعاين الموت لم تنفعه التوبة ولم تقبل منه , قال الله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 18] ، وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (3) يعني بروحه.
ومتى صحت التوبة باجتماع شروطها وقُبِلَت محا الله بها ذلك الذنب الذي تاب منه وإن عَظُمَ، قال الله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .
وهذه الآية في التائبين المنيبين إلى ربهم المسلمين له , قال الله
__________
(1) قال ابن كثير: حسن الإسناد.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن.
(20/404)

تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] .
فبادروا رحمكم الله أعمارَكم بالتوبة النصوح إلى ربكم قبل أن يفجأكم الموت فلا تستطيعون الخلاص.
اللهم وفقنا للتوبة النصوح التي تمحو لهها ما سلف من ذنوبنا، ويسِّرنا لليسرى , وجنِّبنا العسرى، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين في الآخرة والأولى , برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(20/405)

المجلس الثلاثون: في ختام الشهر
الحمد لله الواسع العظيم، الجواد البر الرحيم، خلق كل شيء فقدَّره، وأنزل الشرع فيسَّره وهو الحكيم العليم، بدأ الخلق وأنهاه، وسيَّر الفَلَك وأجراه، {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 38 - 40] .
أحمده على ما أَوْلَى وهدى، وأشكره على ما وهب وأعطى، وأشهد أنه لا إله إلا هو الملك العلي الأعلى، الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، وهو بكل شيء عليم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المصطفى على العالمين، صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر أفضل الصِّدِّيقين , وعلى عمر المعروف بالقوة في الدين، وعلى عثمان المقتول ظلما بأيدي المجرمين، وعلى علي أقربهم نسبا على اليقين، وعلى جميع آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما.
إخواني: إن شهر رمضان قرب رحيله وأزف تحويله، وإنه شاهد لكم أو عليكم بما أودعتموه من الأعمال، فمن أودعه عملا صالحا
(20/407)

فليحمد الله على ذلك وليبْشِر بحسن الثواب، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ومن أودعه عملا سيئا فليتب إلى ربه توبة نصوحا، فإن الله يتوب على من تاب، ولقد شرع الله لكم في ختام شهركم عبادات تزيدكم من الله قربا، وتزيد في إيمانكم قوة، وفي سجل أعمالكم حسنات، فشرع الله لكم زكاة الفطر وتقدم الكلام عليها مفصلا، وشرع لكم التكبير عند إكمال العدة من غروب الشمس ليلة العيد إلى صلاة العيد، قال الله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] ، وصفته أن يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، ويُسَنُّ جهر الرجال به في المساجد والأسواق والبيوت إعلانا بتعظيم الله وإظهارا لعبادته وشكره، ويُسِرُّ به النساء لأنهن مأمورات بالتستر والإسرار بالصوت.
ما أجمل حال الناس وهم يكبِّرون الله تعظيما وإجلالا في كل مكان عند انتهاء شهر صومهم , يملؤون الآفاق تكبيرا وتحميدا وتهليلا , يرجون رحمة الله ويخافون عذابه.
وشرع الله سبحانه لعباده صلاة العيد يوم العيد، وهى من تمام ذكر الله عز وجل، أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بها أمته رجالا ونساء، وأمره مطاع لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] ، وقد أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النساء أن يخرجن إلى صلاة العيد، مع أن البيوت خير لهن فيما عدا هذه الصلاة، وهذا دليل على تأكيدها، قالت أم عطية رضي الله عنها: «أمرنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نُخْرِجهن في الفطر والأضحى، العَوَاتِق والْحُيَّض
(20/408)

وذوات الخدور , فأما الْحُيَّض فيعتزلن الْمُصَلَّى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب , قال: " لِتُلْبِسْها أختها من جلبابها» (1) ، والجلباب: لباس تلتحف فيه المرأة بمنزلة العباءة.
ومن السنة أن يأكل قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر تمرات وترا ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك , يقطعها على وتر لقول أنس بن مالك رضي الله عنه: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا» (2) .
ويخرج ماشيا لا راكبا إلا من عذر كعجز وبُعْدٍ لقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا (3) ، ويسن للرجل أن يتجَمَّل ويلبس أحسن ثيابه لما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «أخذ عمر جبة من إستبرق - أي: حرير - تباع في السوق، فأتى بها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول ابْتَعْ هذه (يعني اشْتَرِها) تجمَّل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنما هذه لباس من لا خلاق له» ، وإنما قال ذلك لكونها حريرا، ولا يجوز للرجل أن يلبس شيئا من الحرير أو شيئا من الذهب؛ لأنهما حرام على الذكور من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأما المرأة فتخرج إلى العيد غير متجمِّلة ولا متطيِّبة ولا متبرجة ولا سافرة لأنها مأمورة بالتستر مَنْهِيَّة عن التبرج بالزينة وعن التطيب حال الخروج.
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه أحمد والبخاري.
(3) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفيه الحارث الأعور وأكثر الحفاظ على توهينه ووثقه بعضهم.
(20/409)

ويؤدي الصلاة بخشوع وحضور قلب، ويكثر من ذكر الله ودعائه ويرجو رحمته ويخاف عذابه، ويتذكر باجتماع الناس في الصلاة على صعيد المسجد اجتماع الناس في المقام الأعظم يبن يدي الله عز وجل في العيد يوم القيامة، ويرى إلى تفاضلهم في هذا المجتمع فيتذكر به التفاضل الأكبر في الآخرة، قال الله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21] ، وليكن فرحا بنعمة الله عليه بإدراك رمضان وعمل ما تيسر فيه من الصلاة والصيام والقراءة والصدقة وغير ذلك من الطاعات؛ فإن ذلك خير من الدنيا وما فيها {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] ، فإن صيام رمضان وقيامه إيمانا واحتسابا من أسباب مغفرة الذنوب والتخلص من الآثام، فالمؤمن يفرح بإكمال الصوم والقيام، لِتَخَلُّصِهِ به من الآثام، وضعيف الإيمان يفرح بإكماله لتخلصه من الصيام الذي كان ثقيلا عليه ضائقا به صدره، والفرق بين الفريقين عظيم.
إخواني: إنه وإن انقضى شهر رمضان فإن عمل المؤمن لا ينقضي قبل الموت، قال الله عز وجل: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] ، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] ، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا مات العبد انقطع عمله» ، فلم يجعل لانقطاع العمل غاية إلا الموت، فلئن انقضى صيام شهر رمضان فإن المؤمن لن ينقطع من عبادة الصيام بذلك، فالصيام لا يزال مشروعا ولله الحمد في العام كله،
(20/410)

فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر» (1) .
وصيام ثلاثة أيام من كل شهر قال فيها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله» (2) ، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «أوصاني خليلي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بثلاث، وذكر منها صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والْأَوْلَى أن تكون أيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر» ، لحديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» (3) ، وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه سئل عن صوم يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» (4) ، وسئل عن صيام عاشوراء فقال: «يُكَفِّر السنة الماضية» ، وسئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يومٌ وُلِدْتُ فيه ويومٌ بُعِثْتُ فيه أو أُنْزِلَ علي فيه» ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: " أفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم» (5) ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استكمل شهرا قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياما منه في شعبان، وفي لفظ: كان
يصومه إلا قليلا» (6) ، وعنها رضي
__________
(1) رواه أحمد ومسلم.
(2) رواه أحمد ومسلم.
(3) رواه أحمد والنسائي وابن حبان وصححه وله شواهد يتقوى بها.
(4) رواه مسلم.
(5) رواه مسلم.
(6) متفق عليه.
(20/411)

الله عنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتحرَّى صيام الاثنين والخميس» (1) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «تُعْرَض الأعمال يوم الاثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» (2) .
ولئن انقضى قيام شهر رمضان فإن القيام لا يزال مشروعا ولله الحمد في كل ليلة من ليالي السنة ثابتا من فعل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقوله، فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «إن كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه، فيقال له فيقول: " أفلا أكون عبدا شكورا؟» (3) ، وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصِلُوا الأرحام وصَلُّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام» (4) ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (5) ، وصلاة الليل تشمل التطوع كله والوتر فيصلي مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدة فأوتَرتْ ما صلى، وإن شاء صلى على صفة ما سبق في المجلس الرابع.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث
__________
(1) رواه الخمسة إلا أبا داود فهو له من حديث أسامة بن زيد.
(2) رواه الترمذي وهو ضعيف لكن له شاهد يعضده , وقد ثبت في صحيح مسلم أن الأعمال تعرض كل يوم اثنين وخميس.
(3) رواه البخاري.
(4) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح , ورواه الإمام أحمد أيضا وله شواهد يرتقي بها إلى الصحة.
(5) رواه مسلم.
(20/412)

الليل الآخِر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» (1) والرواتب التابعة للفرائض اثنتا عشرة ركعة، أربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الفجر، فعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة "، وفي لفظ: " من صلى ثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُنِيَ له بهن بيتٌ في الجنة» (2) .
والذكر أدبار الصلوات الخمس أمر الله به في كتابه وحث عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قال الله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] ، «وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سلم استغفر ثلاثا وقال: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام "، وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من سبَّح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثا وثلاثين فتلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غُفِرَت خطاياه وإن كانت مثل زَبَدِ البحر» (3) .
فاجتَهِدوا إخواني في فعل الطاعات، واجتنِبُوا الخطايا والسيئات لتفوزوا بالحياة الطيبة في الدنيا، والأجر الكبير بعد الممات، قال الله
__________
(1) متفق عليه.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه مسلم.
(20/413)

عز وجل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
اللهم ثبِّتْنَا على الإيمان والعمل الصالح، وأحْيِنا حياة طيبة، وألحقنا بالصالحين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وإلى هنا انتهى ما أردنا كتابته في هذا، نسأل الله أن يجعل عملنا خالصا لوجهه ومقربا إليه ونافعا لعباده، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، ويهدينا لما اخْتُلِف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وكان الفراغ منه يوم الجمعة الموافق 29 محرم من عام ست وتسعين وثلاثمائة وألف على يد مؤلفه الفقير إلى مولاه محمد بن صالح بن عثيمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(20/414)

ختام شهر رمضان المبارك
بسم الله الرحمن الرحيم

ختام شهر رمضان المبارك (1)
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فإن هذه الليلة هي الليلة الموفية للثلاثين من شهر رمضان
المبارك عام واحد وعشرين وأربعمائة وألف، والله أعلم أنه يكون
هو آخر اللقاء في هذا الشهر المبارك في المسجد الحرام.
أيها الأخوة الكرام: لقد منَّ الله على عباده باستكمال هذا
الشهر المبارك، وبما تيسَّر من الأعمال الصالحة المقرِّبة إلى الله
- عز وجل- وأسأل الله أن يجعلها وديعة لنا عنده، ومغفرة
للذنوب، وتكفيراً للسيئات، ورفعة للدرجات.

السنة الهجرية ليس فيها إلا ثلاثة أعياد فقط:
العيد الأول: عيد الفطر من رمضان.
العيد الثاني: عيد النحر.
العيد الثالث: عيد الأسبوع، وهو يوم الجمعة.
هذه الأعياد لها مناسبات عظيمة، فعيد الفطر مناسبته واضحة
وهو أنه ختام لاستكمال ركن من أركان الإسلام وهو الصيام، وحق
للمسلمين أن يفرحوا باستكمال هذا الركن؟ لأن الإنسان إذا
__________
(1) آخر درس ألقاه فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته إنه سميع قريب.
(20/415)

استكمله ومنَّ الله عليه بالقبول فإنه يغفر له ما تقدم من ذنبه كما جاء
عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (1) ، وهذه مناسبة عظيمة،
وللصائم عند فطره من رمضان، بل وعند فطره من كل يوم فرحتان:
الفرحة الأولى: فرحة بإكمال يومه، أو شهره، وهذه الفرحة فرحة
بما منَّ الله به عليه من استكمال الشهر أو اليوم، وبما منَّ الله به عليه
من الثواب الجزيل على هذا اليوم.
وأما الأضحى فهو عيد عظيم يجتمع فيه المسلمون من كل
وجه على صعيد واحد على، عرفة، ويرتدون لباساً واحداً، لا يمتاز
به أحدهم عن الآخر، ويدعون الله- عز وجل- بما ييسر لهم من
الدعاء، فهو يوم عظيم يجتمع فيه المسلمون على عبادة واحدة
يدعون ربهم، فحق لهم أن يضعوا لهذه المناسبة عيداً يفرحون به.
وأما يوم الجمعة فهو عيد الأسبوع، وحق له أن يكون عيداً،
لأن فيه صلاة الجمعة التي ميَّزها الله- عز وجل- بميزات عظيمة لا
تكون لغيرها، فمنها:
ا- وجوب الغسل لها، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم: "غسل الجمعة واجب على كل مسلم " (2) ، أي على كل
بالغ.
2- ومنها أنها صلاة منفردة لا يشاركها غيرها، فلا يجوز
جمع صلاة العصر إليها؟ لأن الجمع إنما ورد بين الظهر والعصر، لا
__________
(1) تقدم تخريجه ص (70) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل ... (879) ومسلم، كتاب
الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة (846) .
(20/416)

بين الجمعة والعصر، وعلى هذا لو كنت تصلي في مكة صلاة
الجمعة، وأنت تريد أن تسافر بعد الصلاة فلا تصلِّ العصر جمعاً إلى
الجمعة؟ لأن الجمعة صلاة منفردة لا يجمع إليها غيرها، بل سافر
فإذا جاء وقت صلاة العصر فصل العصر، هذا هو الواجب.
اللهم اختم لنا شهر رمضان بغفرانك، وجُدْ علينا بفضلك
وامتنانك، واجعل مآلنا إلى جنانك، وأعد علينا شهر رمضان
والأمة الإسلامية ترفل بالعز والكرامة والسلامة، إنك على كل شيء
قدير.
وإلى الأسئلة، أسأل الله أن يوفقني لصواب الجواب.

الأسئلة:
السؤال الأول: ما المشروع للمسلم فعله في يوم العيد (1) .
السؤال الثاني: من صام قبل المملكة بيوم وتم الشهر في
المملكة فهل يصوم (2) ؟
السؤال الثالث: هل يجوز صرف الزكاة لحلقات تحفيظ
القرآن الكريم (3) ؟
السؤال الرابع: من أحرمت وهي حائض ثم رأت الطهر وبعد
العمرة رأت كدرة فما الحكم (4) ؟
__________
(1) أجاب فضيلة الشيخ رحمه الله على السؤال وتقدم نظيره في المجلد السادس عشر ص (216) .
(2) تقدم نظيره في المجلد التاسع عشر ص (69) .
(3) تقدم نظيره في المجلد السابع عشر.
(4) تقدم نظيره في المجلد الحادي عشر ص (281) .
(20/417)

السؤال الخامس: ما حكم صلاة العيد للمرأة (1) ؟
السؤال السادس: هل يجب الطواف كلما دخل الإنسان
المسجد الحرام (2) ؟
السؤال السابع: هل يشترط التتابع في صيام الست من
شوال (3) ؟
السؤال الثامن: توفي والدي وفي ذمته نذر لا أستطيع الوفاء
به، فما الحكم؟
الجواب: لابد أن أعرف التفصيل في هذا، وكيف كان النذر؟
وكيف كان العجز عن قضائه؟
السؤال التاسع: متى يجوز للمعتكف الخروج من
المسجد (4) ؟
السؤال العاشر: متى ينتهي وقت الاعتكاف؟
السؤال الحادي عشر: من عليه قضاء من رمضان هل يجوز أن
يصوم الست قبل الفراغ من القضاء (6) ؟
السؤال الثاني عشر: ما أصح ما جاء في التكبير ليلة العيد
ويومه (7) ؟
__________
(1) تقدم نظيره في المجلد السادس عشر ص (215) .
(2) تقدم نظيره في المجلد الرابع عشر ص (284) .
(3) تقدم نظيره ص (17) .
(4) تقدم نظيره ص (174) .
(5) تقدم نظيره ص (170) .
(6) تقدم نظيره ص (18) .
(7) تقدم نظيره في المجلد السادس عشر ص (259) .
(20/418)

السؤال الثالث عشر: لي أقارب لديهم معاصٍ كثيرة
ونصحتهم فلم يستجيبوا فهل أصِلَهم؟
الجواب: يجب عليك أن تصلهم، وأن تنصحهم وتكرر
لهم، وأن تبين لهم فضل طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأن تحذرهم من
مخالفة الله ورسوله، ولا تيأس ربما لا يستجيبون في أول مرة
ويستجيبون في المرات الأخرى.
السؤال الرابع عشر: هل يجوز تقديم طواف الوداع على صلاة
العشاء ثم السفر بعد انقضاء الصلاة؟
الجواب: إذا كان حين طاف للوداع أقيمت الصلاة وصلى
ودفع فلا بأس.

وإلى هنا ينتهي هذا اللقاء المبارك، أسأل الله أن يعيدني
وإياكم معاد الخير، وأن يتوفانا على الإسلام، وأن يجعلنا من دعاة
الخير، وأنصار الحق، إنه على كل شيء قدير.

تم بحمد الله تعالى
المجلد العشرون
ويليه بمشيئة الله عز وجل
المجلد الحادي والعشرون
(20/419)