Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 021


كتاب المناسك
(21/7)

س 1: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نأمل أن تحدثونا عن مكانة الحج في الإسلام، وشروط وجوبه؟
فأجاب فضيلته بقوله-: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الحج إلى بيت الله الحرام أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام " (1) وهو فرض بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإجماع المسلمين: قال الله تعالىِ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ
الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97)) .
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إن الله فرض عليكم الحج فحجوا" (3) ، وأجمع المسلمون على ذلك، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة، فمن جحد وجوبه وهو ممن عاش
بين المسلمين فإنه يكون كافراً، وأما من تركه تهاوناً فإنه على خطر عظيم؛ لأن من العلماء من قال: إنه يكفر. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد- رحمه الله-، ولكن القول الراجح: أنه لا يكفر
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان باب (دعاؤكم) إيمانكم لقوله عز وجل: (قل ما يعبأ بكم ربي) (رقم 8) ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام (رقم 16)
(2) سورة آل عمران، الآية: 97.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (رقم 1337)
(21/9)

بترك الأعمال إلا الصلاة فقط، قال عبد الله بن شقيق- رحمه الله- وهو من التابعين-: (ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) فمن تهاون
بالحج حتى مات فإنه لا يكفر على القول الراجح، ولكنه على خطر.
فعلى المسلم أن يتقي الله، وأن يبادر بأداء الحج إذا تمت شروط الوجوب في حقه، لأن جميع الواجبات تجب المبادرة بها إلا بدليل، فكيف تطيب نفس المسلم أن يترك الحج إلى بيت الله
الحرام مع قدرته عليه، وسهولة الوصول إليه؟! وكيف يؤخره وهو لا يدري لعله لا يستطيع الوصول إليه بعد عامه؟! فقد يكون عاجزاً بعد القدرة، وقد يكون فقيراً بعد الغنى، وقد يموت وقد
وجب عليه الحج، ثم يفرط الورثة في قضائه عنه.
أما شروط الوجوب فخمسة:
الشرط الأول: الإسلام، وضده الكفر، فالكافر لا يجب عليه الحج، بل لو حج الكافر لم يقبل منه.
الشرط الثاني: البلوغ، فمن لم يبلغ فلا حج عليه، ولو حج صح حجه تطوعاً وله أجره، فإذا بلغ أدى الفريضة، لأن حجه قبل البلوغ لا يسقط به الفرض.
الشرط الثالث: العقل، وضده الجنون، فالمجنون لا يجب عليه الحج، ولا يحج عنه.
الشرط الرابع: الحرية، فالرقيق المملوك لا يجب عليه الحج، ولو حج صح حجه تطوعاً، وإذا عتق وجب عليه أن يؤدي
(21/10)

الفريضة، لأن حجه قبل أن يتحرر لا يجزىء عن الفرض.
وقال بعض العلماء: إذا حج الرقيق بإذن سيده أجزأه عن الفريضة، وهذا القول هو الراجح.
الشرط الخامس: الاستطاعة بالمال والبدن، ومن الاستطاعة أن يكون للمرأة محرم، فإن لم يكن لها محرم فلا حج عليها.
س 2: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو النسك؟ وما حكم الحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: النسك يطلق ثلاثة إطلاقات؛ فتارةً يراد به العبادة عموماً. وتارةً يراد به التقرب إلى الله تعالى بالذبح، وتارةً يراد به أفعال الحج وأقواله.
فالأول كقولهم: فلان ناسك، أي عابد لله عز وجل.
والثاني كقوله تعالي (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)) (1) ويمكن أن يراد بالنسك هنا: التعبد، فيكون من المعنى الأول. والثالث كقوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا (2) هذا هو معنى النسك، وهذا الأخير هو الذي يخص شعائر الحج، والنسك المراد به الحج،
نوعان: نسك العمرة، ونسك الحج.
أما نسك العمرة: فهو ما اشتمل على هيئتها، من الأركان
__________
(1) سورة الأنعام، الآيتان 162، 163.
(2) سورة البقرة، الآية: 200.
(21/11)

والواجبات، والمستحبات؛ بأن يحرم من الميقات، ويطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق أو يقصر.
أما الحج: فهو أن يحرم من الميقات، أو من مكة إن كان بمكة، ويخرج إلى منى ثم إلى عرفة، ثم إلى مزدلفة، ثم إلى منى مرة ثانية، ويطوف ويسعى، ويكمل أفعال الحج على ما سيذكر إن شاء الله تعالى تفصيلاً.
والحج فرض بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين، وهو أحد أركان الإسلام، لقوله تعالىِ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)) (1) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله فرض عليكم الحج فحجوا" (2) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام " (3) فمن أنكر فريضة الحج فهو كافر مرتد عن الإسلام، إلا أن يكون جاهلاً بذلك، وهو ممن يمكن جهله به، كحديث عهد بإسلام، وناشىء في بادية بعيدة، لا يعرف من أحكام الإسلام شيئاً، فهذا يعذر بجهله، ويُعَرّف، ويبين له الحكم، فإن أصرّ على إنكاره حكم بردته.
وأما من تركه- أي الحج- متهاوناً مع اعترافه بشرعيته، فهذا لا يكفر، ولكنه على خطر عظيم، وقد قال بعض أهل العلم بكفره.
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (رقم 1337) .
(3) تقدم أخرجه البخاري، (رقم 8) ومسلم، (رقم 16) .
(21/12)

أما العمرة فقد اختلف العلماء في وجوبها، فمنهم من قال: إنها واجبة، ومنهم من قال: إنها سنةٌ، ومنهم من فرق بين المكي وغيره، فقال: واجبة على غير المكي، غير واجبةٍ على المكي،
والراجح عندي: أنها واجبة على المكي وغيره، لكن وجوبها أصغر من وجوب الحج. لأن وجوب الحج فرض مؤكد، لأن الحج أحد أركان الإسلام بخلاف العمرة.
س 3: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل وجوب الحج على الفور أم على التراخي؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الصحيح أنه واجب على الفور، وأنه لا يجوز للإنسان الذي استطاع أن يحج بيت الله الحرام أن يؤخره، وهكذا جميع الواجبات الشرعية، إذا لم تُقيّد بزمن أو
سبب، فإنها واجبة على الفور.
س 4: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما شروط وجوب الحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: شروط وجوب الحج والعمرة خمسة: مجموعة في قول الناظم:
الحجُّ والعمرةُ واجبان في العمر مرة بلا توان بشرط إسلام كذا حرية عقل بلوغ قدرة جلية
(21/13)

فيشترط للوجوب:
أولاً: الإسلام، فغير المسلم لا يجب عليه الحج، بل ولا يصح لو حج، بل ولا يجوز دخوله مكة، لقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (1) فلا يحل لمن كان كافراً بأي سبب كان سفره، لا يحل له دخول حرم مكة. ولكن يحاسب الكافر على ترك الحج وغيره، من فروع الإسلام على القول الراجح من أقوال أهل العلم، لقول الله تعالى:
(إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)) (2)
الشرط الثاني: العقل، فالمجنون لا يجب عليه الحج، فلو كان الإنسان مجنوناً من قبل أن يبلغ حتى مات، فإنه لا يجب عليه الحج ولو كان غنيًّا.
الشرط الثالث: البلوغ، فمن دون البلوغ فإن الحج لا يجب عليه، ولكن لو حج، فحجه صحيح، إلا أنه لا يجزئه عن فريضة الإسلام، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمرأة التي رفعت إليه صبيًّا وقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر" (3) لكنه لا يجزئه عن فريضة الإسلام، لأنه لم يوجه إليه الأمر بها حتى يجزيه عنه. إذ لا يتوجه الأمر إليه إلا بعد بلوغه.
__________
(1) سورة التوبة، الآية 28.
(2) سورة المدثر، الآيات: 39-47.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صحة حج الصبي (1336) (409) .
(21/14)

وبهذه المناسبة أحب أن أقول: إنه في مثل المواسم التي يكثر فيها الزحام، ويشق فيها الإحرام على الصغار، ومراعاة إتمام مناسكهم، فالأولى ألا يحرموا لا بحج لا بعمرة، أعني هؤلاء الصغار، لأنه يكون فيه مشقة عليهم وعلى أولياء أمورهم، وربما شغلوهم عن إتمام نسكهم، أي ربما شغل الأولاد آباءهم، أو أمهاتهم عن إتمام نسكهم، فبقوا في حرج، وما دام الحج لم يجب عليهم، فإنهم في سعة من أمرهم.
الشرط الرابع: الحرية، فالرقيق المملوك لا يجب عليه الحج، لأنه مملوك مشغولٌ بسيده، فهو معذور بترك الحج، لا يستطيع السبيل إليه.
الشرط الخامس: القدرة على الحج بالمال والبدن، فإن كان الإنسان قادراً بماله دون بدنه، فإنه ينيب من يحج عنه، لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن امرأة خثعمية سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج، شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: "نعم " (1) وذلك في حجة الوداع، ففي قولها: أدركته فريضة الله
على عباده في الحج، وإقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، دليل على أن من كان قادراً بماله دون بدنه، فإنه يجب عليه أن يقيم من يحج عنه، أما إن كان قادراً ببدنه دون ماله، ولا يستطيع الوصول إلى مكة ببدنه، فإن الحج لا يجب عليه.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله (رقم 1513) ، ومسلم، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز (رقم 1334) .
(21/15)

ومن القدرة: أن تجد المرأة محرماً لها، فإن لم تجد محرماً، فإن الحج لا يجب عليها، لكن اختلف العلماء: هل يجب عليها في هذه الحال أن تقيم من يحج عنها أو يعتمر، أو لا يجب، على قولين لأهل العلم، بناء على أن وجود المحرم هل هو شرط لوجوب الأداء، أو أن المحرم شرطٌ للوجوب، وأن المرأة التي لا تجد محرماً ليس عليها حج، ولا يلزمها أن تقيم من يحج عنها.
فهذه شروط خمسة لوجوب الحج، وعليها فأقول: هي الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة. وهذه الشروط تشمل الحج والعمرة معاً.
س 5: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما شروط الإجزاء في أداء الحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: شروط الإجزاء: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، عند بعض أهل العلم. والصواب أن الحرية ليست شرطاً للإجزاء، وأن الرقيق لو حج فإن حجه يجزئه إذا كان سيده قد أذن له، لأن سقوط الوجوب عن العبد ليس لمعنى فيه، ولكن لوجود مانع، وهو انشغاله بخدمة سيده، فإذا أذن له سيده بذلك، صار الحج واجباً عليه ومجزءاً عنه.
س 6: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما آداب السفر للحج؟
(21/16)

فأجاب فضيلته بقوله-: آداب سفر الحج تنقسم إلى قسمين: آداب واجبة، وآداب مستحبة. فأما الآداب الواجبة: فهي أن يقوم الإنسان بواجبات الحج وأركانه، وأن يتجنب محظورات الإحرام الخاصة، والمحظورات العامة، الممنوعة في الإحرام وفي غير الإحرام. لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) .
وأما الآداب المستحبة في سفر الحج: إن يقوم الإنسان بكل ما ينبغي له أن يقوم به؟ من الكرم بالنفس والمال والجاه، وخدمة إخوانه وتحمل أذاهم، والكفّ عن مساوئهم، والإحسان إليهم،
سواء كان ذلك بعد تلبسه بالإحرام، أو قبل تلبسه بالإحرام، لأن هذه الآداب عالية فاضلة، تطلب من كل مؤمن في كل زمان ومكان، وكذلك الآداب المستحبة في نفس فعل العبادة، كأن يأتي
الإنسان بالحج على الوجه الأكمل، فيحرص على تكميله بالآداب القولية والفعلية، التي ربما يتسنى لنا الكلام عليها إن شاء الله تعالى في أسئلة أخرى.
س 7: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف يستعد المسلم للحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الذي ينبغي أن يستعد به المسلم في حجه وعمرته، أن يتزود بكل ما يمكن أن يحتاج إليه في سفره، من المال، والثياب، والعتاد وغير ذلك، لأنه ربما يحتاج إليه في
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(21/17)

نفسه أو يحتاجه أحد من رفقائه، وأن يتزود كذلك بالتقوى وهي اتخاذ الوقاية من عذاب الله، بفعل أوامر الله تعالى واجتناب نواهيه، لقول الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)) (1) فالتقوى استعداد معنوي يستعد بها الإنسان في قرارة نفسه للقاء الله تعالى واليوم الآخر، فيحرص على أن يقوم بما أوجب الله عليه، ويدع ما حرم الله عليه.
وما أكثر ما نجد من الحاجة في الأسفار، حيث يحتاج الإنسان إلى أشياء يظنها هينة فلا يستصحبها معه في سفره، فإذا به يحتاج إليها، أو يحتاج إليها أحد من رفقائه، فليكن الإنسان حازماً شهماً مستعداً لما يتوقع أن يكون وإن كان بعيدًا.
س 8: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الحج عبادة عظيمة مبناها على الإخلاص، فيجب إخلاصها لله تعالى، فما توجيه فضيلتكم لمن أراد الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: الإخلاص شرط في جمِيع العبادات، فلا تصح العبادة مع الإشراك بالله تبارك وتعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)) (2) وقال الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(2) سورة الكهف، 110
(21/18)

مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (1) وقال الله تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (2) وفي الحديث القدسي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " (3) والإخلاص لله في العبادة معناه: ألا يحمل العبد إلى العبادة إلا حب الله تعالى وتعظيمه ورجاء ثوابه ورضوانه، ولهذا قال الله تعالى عن محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى اَله وسلم: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) (4) فلا تقبل العبادة حجاً كانت أم غيره إذا كان الإنسان يرائي بها عباد الله، أي يقوم بها من أجل أن يراه الناس فيقولون: ما أتقى فلاناً ما أعبد فلاناً لله. وما أشبه هذا. ولا تقبل العبادة إذا كان الحامل عليها رؤية الأماكن، أو رؤية الناس،
أو ما أشبه ذلك مما ينافي الإخلاص، ولهذا يجب على الحجاج الذين يؤمون البيت الحرام أن يخلصوا نيتهم لله- عز وجل-، وألا يكون غرضهم أن يشاهدوا العالم الإسلامي، أو أن يتجروا، أو أن
يقال: فلان يحج كل سنة وما أشبه ذلك.
ولا حرج على الإنسان أن يبتغي فضلاً من الله بالتجارة وهو قاصد البيت الحرام، لقول الله تبارك وتعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ
__________
(1) سورة البينة: 5.
(2) سورة الزمر: 2، 3.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الزهد، باب تحريم الرياء (2985) (46) .
(4) سورة الفتح: 29.
(21/19)

جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) (1) وإنما الذي يخل بالإخلاص ألا يكون له قصد إلا الاتجار والتكسب، فهذا يكون ممن أراد الدنيا بعمل الآخرة، وهذا يوجب بطلان العمل، أو نقصانه نقصاً شديداً: قال الله تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)) (2) .
س 9: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي الأمور التي تنبغي أن يعملها المسلم ليكون حجه مقبولاً إن شاء الله؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الأمور التي ينبغي أن يعملها ليكون حجه مقبولاً: أن ينوي بالحج وجه الله عز وجل وهذا هو الإخلاص. وأن يكون متبعاً في حجه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا هو المتابعة، وكل عمل صالح فإنه لا يقبل إلا بهذين الشرطين الأساسيين: الإخلاص، والمتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -. لقول الله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)) (3) ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى" (4) ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من عمل
__________
(1) سورة البقرة، الأية: 198.
(2) سورة الشورى، الآية: 25.
(3) سورة البينة، الآية: 5.
(4) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي (رقم1) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات " (رقم 1907) .
(21/20)

عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (1) (فهذا أهم ما يجب على الحاج أن يعتمد عليه: الإخلاص والمتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في حجته "لتأخذوا عني مناسككم " (2) .
ومنها أن يكون الحج بمال حلال، فإن الحج بمال حرام محرم، لا يجوز، بل قد قال بعض أهل العلم: إن الحج لا يصح في هذه الحالة، ويقول بعضهم:
إذا حججت بمال أصله سحت فما حججت ولكن حجّت العير
يعني حجت الإبل.
ومنها أن يتجنب ما نهى الله عنه، لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (3) . فيتجنب ما حرم الله عليه تحريماً عاماً في الحج وغيره
من الفسوق والعصيان، والأقوال المحرمة، والأفعال المحرمة والاستماع إلى آلات اللهو ونحو ذلك، ويجتنب ما حرم الله عليه تحريماً خاصًّا في الحج: كالرفث وهو إتيان النساء، وحلق الرأس. واجتناب ما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لبسه في الإحرام. وبعبارة أعم: يجتنب جميع محظورات الإحرام، وينبغي أيضاً للحاج أن يكون ليناً سهلاً كريماً في ماله وعمله، وأن يحسن إلى إخوانه
بقدر ما يستطيع، ويجب عليه أن يجتنب إيذاء المسلمين، سواء
__________
(1) أخرجه البخاري معلقاً، كتاب البيوع، باب النجش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع (ص 403) ط بيت الأفكار، ومسلم مرفوعاً، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة (رقم 1718/18) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1218) .
(3) سورة البقرة، الآية: 197.
(21/21)

كان ذلك في المشاعر، أو في الأسواق، فيجتنب الإيذاء عند الازدحام في المطاف، وعند الازدحام في المسعى، وعند الازدحام في الجمرات، وغير ذلك. فهذه الأمور التي ينبغي على الحاج، أو يجب للحاج أن يقوم بها، ومن أقرب ما يحقق ذلك: أن يصحب الإنسان رجلاً من أهل العلم حتى يذكره بدينه، وإذا لم يتيسر ذلك فليقرأ من كتب أهل العلم ما كان موثوقاً قبل أن يذهب إلى الحج، حتى يعبد الله على بصيرة.
س 10: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " (1) ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: معناه أن الإنسان إذا حج واجتنب ما حرم الله عليه من الرفث وهو إتيان النساء، والفسوق وهو مخالفته الطاعة، فلا يترك ما أوجب الله عليه ولا يفعل أيضاً ما حرم الله عليه، فإن خالف فهذا هو الفسوق. فإذا حج الإنسان ولم يفسق ولم يرفث فإنه يخرج من ذلك نقيًّا من الذنوب، كما أن الإنسان إذا خرج من بطن أمه فإنه لا ذنب عليه، فكذلك هذا
الرجل إذا حج بهذا الشرط فإنه يكون نقيًّا من ذنوبه.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور (رقم 1521) ومسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (رقم 1350) .
(21/22)

س 11: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من استطاع الحج ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا" (1) ما معنى ذلك؟ جزاكم الله خيراً
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا الحديث في صحته نظر، والمعنى (إن صح الحديث) أنه إذا مات فإنه يخشى أن يكون كافراً إما مع اليهود، وإما مع النصارى.
س 12: سئل فضيلة الشيخِ- رحمه الله تعالى-: ما معنى قول الله تعالى: (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غِنىُّ عَنِ اَلْعَالَمِينَ (97)) (2) ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: عبَّر الله تعالى بقوله: (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غِنىُّ عَنِ اَلْعَالَمِينَ (97)) لأنه لم يلتزم بأركان الإسلام. والكفر يطلق على ما دون الشرك، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام
قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت " (3) وبالاتفاق أن هذا لا يخرج من الدين، والذي جعلنا نرجح هذا أن عبد الله بن شقيق رحمه الله وهو من كبار التابعين المعروفين قال: ما كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة (4) .
__________
(1) أخرجه بنحوه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج (رقم 812) وقال: هذا حديث غريب، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (رقم 5860) .
(2) سورة آل عمران، الآية: 97.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة (رقم 67) .
(4) أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة (رقم 2622) .
(21/23)

س 13: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما السر في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو قلت نعم لوجبت " (1) لماذا لم يقل: لا بل مرة في العمر؟
فأجاب فضيلته بقوله-: السر- والله أعلم- كف مثل هذا السؤال، يعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو قال: نعم. لوجبت ولما استطعتم، فكأنه يقول: دعوني ما تركتكم، ولا تسألوا عن شيء فتجابوا بشيء لا تستطيعوه.
س 14: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الأمور التي تجعل المسلم ملزماً بالحج وجوباً من غير الفريضة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: من الأمور التي تجعل الحج واجبًا من غير الفريضة النذر، فلو نذر الإنسان أن يحج نذر تبرر وجب عليه أن يحج، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من نذر أن يطيع الله فليطعه " (2) والحج طاعة لله ورسوله، فإذا نذر أن يحج وجب عليه أن يحج، وقوله: نذر تبرر احترازاً مما لو كان نذر لجاج أو غضب، وهو الذي يقصد به المنع، أو الحث، أو التصديق، أو التكذيب، ويظهر بالمثال، مثل أن قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ أن أحج هذا العام. أو أن يحج ويطلق النذر، فهذا نذر في مقابلة نعمة، فيكون شكراً، وأما لو قال: إن كلمت فلانًا فلله عليَّ نذر
أن أحج كل عام. فهذا لا يلزمه الوفاء به، لأنه لم يقصد بذلك
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (رقم 1337) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة (رقم 6696) .
(21/24)

التقرب إلى الله بالحج، وإنما قصد بذلك أن يثقل على نفسه حتى يمتنع مما نذر عليه.
فالمهم أن الحج يكون واجباً بالنذر، كذلك أيضاً يكون واجباً إذا شرع فيه ولو كان نفلاً، لقول الله تعالى: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمرَةَ لِلَّهِ) (1) وهذه الآية نزلت قبل فرض الحج، لأنها نزلت في الحديبية عام ستة للهجرة، وفرض الحج إنما كان في السنة التاسعة، وعلى هذا فيجب الحج بأمرين: بالشروع فيه، وبالنذر.
وأما الفريضة فظاهر.
س 15: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يستفاد من قوله - صلى الله عليه وسلم -: " ما من أيام العمل الصالح " إلى أن قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل ... " (2) ، أن الحج أفضل من الجهاد في سبيل الله؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أما بعمومه "ما من أيام العمل الصالح " فهو يقتضي هذا، لكن إذا كان الجهاد في هذه الأيام صار أفضل من غيره، فقوله: "ولا الجهاد في سبيل الله " يعني في غير
هذه الأيام، وحينئذ يكون الجهاد في سبيل الله في هذه الأيام أفضل من غيره،
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(2) أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق (رقم 969) والترمذي كتاب الصوم، باب ما جاء في العمل في أيام العشر (رقم 757) .
(21/25)

س 16: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تستحب الاستخارة في الحج، وما هي الأشياء التي تستحب فيها الاستخارة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الاستخارة مشروعة في كل أمر يتردد فيه الإنسان، فمثلاً إذا تردد: هل يحج هذا العام أم لا يحج؟ فله أن يستخير. إذا قلنا: إن الحج ليس واجباً على الفور، أما إذا قلنا: إنه واجب على الفور. فالواجب عليه أن يحج بدون استخارة، كذلك أيضاً الأمور التي لا تحتاج إلى استخارة، مثل إذا هم الإنسان أن يصلي أو إذا أراد أن يتغدى فلا يصلي استخارة، وإنما الاستخارة فيما إذا كان الإنسان في تردد، ولهذا يقول في دعاء الاستخارة: اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي فاقدره لي ويسره لي.
س 17: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تشرع صلاة الاستخارة لمن أراد أن يحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أما إذا كان واجباً فلا يجوز أن يصلي صلاة الاستخارة، لأنه لابد أن يحج إذ إن أداء الفريضة على الفور، وأما إذا كان نافلة فله أن يستخير، يعني: هل يحج هذا العام أو الذي بعده؟ وأما الواجب فلا يستخير فيه، لأن الله قد حكم به وأوجبه.
(21/26)

س 18: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ورد عن الصحابة - رضي الله عنهم- أنهم قالوا: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة في كل أمر من أمورنا، كما يعلمنا السورة من القرآن (1) ، فهل الاستخارة في الأمور الدنيوية فقط، أو حتى في الأمور التعبدية
أيضاً، فمثلاً أستخير الله عندما أريد الذهاب إلى الحج أو الجهاد، وإذا كان الجواب بالإيجاب فكيف أوفق بينه وبين ما ورد في دعاء الاستخارة: اللهم إن كنت تعلم أن في سفري- إلى الحج أو
الذهاب مثلاً- خيراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن في هذا الأمر شرًّا لي في ديني الخ ... فكيف يكون في الحج وهو فرض شر لي في ديني، وكيف يكون في
الذهاب إلى الجهاد شر وهو فرض عين، أرجو توضيح ذلك جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله-: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه أجمعين؟ الحديث الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستخارة شامل عام في كل أمر يهم به الإنسان، ولا يدري الخيرة في فعله أم في تركه، فيستخير الله تعالى، ولكنه لا يتناول الأمور المفروضة على المرء، لأن فعل الأمور المطلوبة على المرء خير بلا تردد، وعلى هذا فإذا وجب
الحج على الإنسان وتمت شروط الوجوب فإن عليه أن يحج بدودن استخارة، كما أنه إذا أذن لصلاة الظهر مثلاً، فإنه يجب عليه أن يصلي بدون استخارة، وكذلك إذا وجب عليه الجهاد فصار فرض
__________
(1) أخرجه البخاري، أبواب التهجد، باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى (رقم 1162) .
(21/27)

عين عليه، فإنه يجب عليه أن يجاهد بدون استخارة، ولكن إذا كان الشيء مشروعاً وليس بواجب عليه فإنه يمكن أن تدخل فيه الاستخارة، بمعنى أن المشروعات بعضها أفضل من بعض، فقد
يريد الإنسان أن يعتمر عمرة تطوع، أو يحج حج تطوع، ولكن لا يدري: الحج أفضل أم بقاؤه في بلده للدعوة إلى الله والإرشاد وتوجيه المسلمين، والقيام بمصالح أهل بيته أفضل؟ فيستخير الله
سبحانه وتعالى، لا لأنه قد شك في فضل العصرة، ولكن لأنه قد شك هل الذهاب للعمرة أفضل أم البقاء في بلده أفضل؟ وهذا أمر وارد، ويمكن فيه الاستخارة، فمن تأمل حديث الاستخارة، وهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - علم أنها لا تشرع إلا في الأمر الذي يتردد فيه الإنسان. أما الأمر الذي ليس فيه تردد فإنه لا استخارة فيه، وكما أسلفت: أن الأمور الواجبة لا تحتمل التردد والشك في فعلها، لوجوب القيام بها على من توفرت فيه شروط الوجوب.
س 19: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حج الإنسان عدة مرات فهل الأفضل أن يترك الحج ويتصدق بنفقات الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا حسب ما تدعو الحاجة إليه، فإذا كان الناس في حاجة إلى الصدقة، فالصدقة أفضل، وإذا لم يكونوا في حاجة فالحج أفضل.
س20: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: تتوق النفس للحج ولكن نسمع كلمات من الناس لا ندري أهي صحيحة أم لا؟
(21/28)

يقولون: من حج فليترك المجال لغيره، مع أننا نعلم أن الله عز وجل أمرنا بالتزود، فهل قول الناس بأن من حج يترك المجال لغيره، صحيح؟ وإذا كان الإنسان إذا ذهب إلى الحج ربما نفع الله به عدداً كبيراً، سواء ممن يقدم إلى هذه البلاد أو من يصاحبهم من بلاده هو، فما تقولون وفقكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا القول ليس بصحيح، أعني القول بأن من حج فرضه فليترك المجال لغيره، لأن النصوص دالة على فضيلة الحج، وقد روي محن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "تابعوا بين الحج والعمرة: فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة" (1) والإنسان العاقل يمكن أن يذهب إلى الحج ولا يؤذي ولا يتأذى إذا كان يعامل الناس بالرفق فإذا وجد مجالاً فسيحاً فعل ما يقدر عليه من الطاعة، وإذا كان المكان ضيقاً عامل نفسه وغيره بما يقتضيه هذا الضيق، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حين دفع من عرفة يأمر الناس بالسكينة، وشنق لناقته الزمام يعنى جذبه حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله من شدة
جذبه للزمام، لكنه إذا وجد فجوة نصّ (2) . قال العلماء: يعني إذا وجد متسعًا أسرع، فدل هذا على أن الحاج ينبغي له أن يتعامل مع الحالة التي هو عليها، فإذا وجد الضيق فليتأن في مشيه وليرفق
بالناس وبهذا لا يتأذى ولا يؤذي، فهذا الذي نراه في هذه
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/387) والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في ثواب الحج والعمرة (رقم 810) وقال: حديث حسن غريب صحيح.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب السير إذا دفع من عرفة (رقم 1666) ومسلم، كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة ... (رقم 1286) (283) .
(21/29)

المسألة، يحج ويستعين الله تعالى على الحج، ويقوم بما يلزمه من واجبات، ويحرص على أن لا يؤذي أحداً، ولا يتأذى بقدر المستطاع.
ولو فرض أن هناك مصلحة أنفع من الحج مثل أن يكون بعض المسلمين محتاجاً إلى الدراهم للجهاد في سبيل الله، فالجهاد في سبيل الله أفضل من الحج النافلة، وحينئذ يصرف هذه الدراهم إلى المجاهدين، أو كان هناك مسغبة يعني جوعاً شديداً على المسلمين، فهنا صرف الدراهم في إزالة المسغبة أفضل من الحج بها.
س 21: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حدَّث عن ربه أنه قال: "إن عبداً أصححت له جسمه، ووسعت عليه يمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليَّ لمحروم " (1) هل هذا الحديث ثابت، وهل يشمل الحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا أدري عن صحته ولا يمكن أن يثبت هذا إذا كان مراده الحج والعمرة، لا يثبت أبداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صح عنه أنه لما ذكر الحج قال له الأقرع بن حابس: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: "لو قلت نعم لوجبت، الحج مرة فما زاد فهو تطوع " (2) ولو صح هذا الحديث لكان ما زاد فيه التطوع وفيه الواجب، فأظن هذا الحديث لا يصح.
__________
(1) مسند أبي يعلى (1031) والمطالب العالية لابن حجر (1161) قال البوصيري (4/296) رواه أبو بكر بن أبي شيبة وقال القرطبي في تفسيره: حديث باطل لا يصح.
(2) أخرجه الإمام أحمد (1/290) ، وأبو داود، كتاب المناسك، باب فرض الحج (رقم 1721) والنسائي، كتاب المناسك، باب وجوب الحج (5/111) وابن ماجه، كتاب المناسك، باب فرض الحج (رقم 2886) .
(21/30)

س 22: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم في أحد دروسكم أنه يشرع في أيام العشر الرحيل إلى بيت الله الحرام لأداء العمرة، أليس في ذلك مشقة ومضايقة لمن أتى مكة لأداء العمرة
والحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: نحن نريد لأداء العمرة والحج، ونريد أيضاً لأداء العمرة، لأن العمرة مشروعة في أشهر الحج التي أولها شوال وآخرها ذو الحجة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتمر إلا في أشهر الحج، حتى إن بعض العلماء تردد: هل العمرة في أشهر الحج أفضل، أو العمرة في رمضان أفضل؟ لأن عُمُرَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كلها في أشهر الحج: عمرة الحديبية في ذي الحجة في أشهر الحج، وعمرة القضاء في ذي القعدة في أشهر الحج، عمرة الجعرانة في ذي القعدة في أشهر الحج، وعمرة حجته في ذي الحجة أيضاً في أشهر الحج. فلو أن الإنسان تيسر له أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج في ذي القعدة أو في شوال يكون طيباً، لكن كلامنا حيث قلنا: يرتحل الناس إلى مكة لأداء العمرة والحج، أو لأداء العمرة وحدها. نريد الأمرين جميعاً.
وأما مسألة التضييق فقد قال بعض المعاصرين: ينبغي للإنسان إذا أدى الفريضة أن لا يحج لأنه يضيق على الناس، ولكننا لا نرى هذا الرأي، نقول: الحج رغب فيه الشرع وحث عليه، لكن بعد القدرة. والزحام والمشقة لا تكون إلا من سوء التصرف، ولو أن الناس عملوا بهدوء وطمأنينة وخشوع، ما
حصلت هذه الأذية، ولهذا نرى أن الناس إذا كانوا يؤدون
(21/31)

المناسك بهدوء وخشوع، وتعبد لله لا يحصل لهم أذية أبداً، لأنه كل ماشي على درجة الأذية تحصل من الجدال والمخاصمة والمغالبة لا من الكثرة.
س 23: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما قولكم بمقالة العامة: من حج فرضه فليقعد بأرضه. كذلك النساء هل يمنع الولي زوجته أو أبنته أو أخته من الحجِ بحجة الزحام وهي تريد
التطوع؟ أم أن الأفضل التزود خصوصاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه جهاداً، والجهاد يرغب فيه، ويتزود منه، وما رأيكم بمن يقول: (لا تزاحموا الناس) أرجو التفصيل.
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا السؤال سبق الجواب عنه، قلنا: الأفضل أن يحج، ولكن يحرص على أن لا يتأذى ولا يؤذي بالمزاحمة، وأن غالب المشقة التي تحصل إنما هي من سوء التصرف فيما بين الناس.
س24: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: يحصل لي الحج في كل عام- ولله الحمد- وقد قال لي بعض الناس بأن عملي هذا فيه أذية للمسلمين، حيث إني أضيق عليهم رغم أني أفيد من يذهب معنا من النساء بالتوجيه والإرشاد، فما رأي فضيلتكم وتوجيهكم لي جزاكم الله خيرًا؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أرى أن هذه المرأة التي يستفيد منها النساء بالتوجيه والإرشاد أن تحج، ومسألة التضييق إذا لم تضيق
(21/32)

هي ضيق غيرها، فإذا كانت في حملة توجه النساء وترشدهن فلا شك أن حجها أفضل من بقائها. أما إذا كانت من عامة النساء فإننا نقول: إعانة من أرادت الحج فريضة بالمال الذي تحج به أفضل،
لأن الإنسان إذا أعان أخاه في عبادة فكأنه فعلها، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من أعان غازياً فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا" (1) .
س 25: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس ينصح من حج أن لا يحج مرة ثانية وثالثة بحجة أن يفسح لغيره المجال، ما رأيك في هذا القول؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أنا أتوقف في هذا. فتارة أقول: إذا رأينا الزحام الشديد وأن الإنسان يتعب بنفسه في أمر قد يكون بقاؤه في بلده أخشع وأتقى لله، لأنه في بلده سوف يقيم على ذكر،
وتكبير وقراءة قرآن وصيام، وصدقة، وإحسان، ويؤدي العبادات مطمئناً فيه، فتارةً: أقول هذا أفضل. وتارةً إذا رأيت الأدلة على الحث على الحج وبيان فضله أقول: إن الحج أفضل، ثم إذا رأيت
أيضاً أن الحجاج بعضهم يحج فريضة وبعضهم نافلة، ولا شك أن أمكنة المناسك والمشاعر لمن يؤدي الفريضة أولى، لأنهم أحق بها، ممن يحج متطوعاً، وأنا متردد في هذا، أخشى أن قلت: لا تحجوا والنصوص جاءت بالحث على الحج أن يكون في هذا إثم
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل من جهز غازياً (رقم 2843) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله وغيره (رقم 1895) .
(21/33)

عظيم. وإذا نظرت إلى المفاسد وتخفيف الضرر على الناس قلت: عدم الحج أفضل، ومن عنده فضل مال فأبواب الخير كثيرة.
س 26: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا شاب سبق لي أداء الحج أكثر من مرة ولله الحمد والمنة، فما هو الأفضل في حقي الآن: أحج لنفسي أم أتبرع بتكاليف الحج لمسلم لم يؤدِ الفريضة
فأدفع ذلك المال إلى مكتب الجاليات أو غيره؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن تعطيه من يستعين به على أداء الفريضة، ولعله يكتب لك إن شاء الله أجره، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من جهز غازياً فقد غزى، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزى" (1) .
س 27: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل المتوكل بالحج عن شخص آخر يناله ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " (2) .
فأجاب فضيلته بقوله-: يتوقف الجواب على هذا السؤال: هل هذا الرجل حج عن نفسه أو عن غيره؟ الجواب: أنه إنما حج عن غيره، ولم يحج لنفسه، فلا يدرك الأجر الذي قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -: لأنه إنما قام بالحج عن غيره، لكنه إن شاء الله إذا قصد نفع أخيه، وقضاء حاجته فإن الله تعالى يثيبه.
__________
(1) تقدم ص 33.
(2) تقدم ص 22.
(21/34)

س 28: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل ورد شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل كون الحج يوم الجمعة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل الجمعة إذا صادف يوم عرفة، لكن العلماء يقولون: إن مصادفته ليوم الجمعة فيها خير: أولا: لتكون الحجة كحجة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادف وقوفه بعرفة يوم الجمعة.
وثانياً: أن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه الله إياه. فيكون ذلك أقرب إلى الإجابة.
وثالثاً: أن يوم عرفة عيد ويوم الجمعة عيد، فإذا اتفق العيدان كان في ذلك خير. وأما ما اشتهر من أن حجة الجمعة تعادل سبعين حجة فهذا غير صحيح.
س 29: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يعتقد بعض الناس أن العمرة أمر واجب على كل مسلم في رمضان، فهل هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا غير صحيح، والعمرة واجبة مرة واحدة في العمر، ولا تجب أكثر من ذلك، والعمرة في رمضان مندوب إليها؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "عمرة في رمضان تعدل حجة" (1) .
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء (رقم 1863) ، ومسلم، كتاب=
(21/35)

نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحب ويرضى، إنه جواد كريم.
س 30: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حج جماعة وأدوا جميع مناسك الحج، وعندما أرادوا أخذ العمرة بعد إتمام المناسك، قال لهم أحد الحجاج الذين معهم: لا داعي لأخذ العمرة فحجكم تام. فلم يعتمروا علما بأنهم مفردين، ولأول مرة يؤدوا الفريضة، فهل حجهم تام أم لا؟ وإذا لم يكن تامًا فماذا عليهم في ذلك، وفقكم الله لخدمة الإسلام والمسلمين.
فأجاب فضيلته بقول-: حجهم تام ما دام أنهم أتوا فيه على الأمر المشروع، وليس من شرط تمام الحج أداء العمرة، لكن العمرة ما داموا لم يعتمروا من قبل واجبة عليهم إن استطاعوا إليها سبيلا، فمتى تهيأ لهم السفر إلى مكة ليؤدوا العمرة في أي زمن وجب عليهم أداؤها.
س 31: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم عمرة المكي وهل هي بدعة كلما قيل؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا القول الذي ذكره السائل ذهب إليه بعض العلماء، وقالوا: إن المكي لا عمرة له. ولكن ظاهر الأدلة على خلافه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين وقت المواقيت "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج أو العمرة، ومن
__________
= الحج، باب فضل العمرة في رمضان (رقم 1256) (222) .
(21/36)

كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة" (1) فهذا يدل على أن العمرة قد تكون لأهل مكة، لكن إذا أرادوا العمرة فلا بد أن يخرجوا إلى التنعيم أو غيره من الحل، ليحرموا منه. والله أعلم.
س32: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقول السائل بعد أيام نستقبل عشرة ذي الحجة فما نصيحتك للجميع، ونرجو بيان فضلها والأعمال التي تسن فيها؟
فأجاب فضيلته بقوله-: عشرة ذي الحجة تبتدىء من دخول شهر ذي الحجة، وتنتهي بيوم عيد النحر، والعمل فيها قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (2) وعلى هذا فإني أحث إخواني المسلمين على اغتنام هذه الفرصة العظيمة، وأن يكثروا في عشر ذي الحجة من الأعمال الصالحة، كقراءة القرآن والذكر بأنواعه: تكبير، وتهليل، وتحميد، وتسبيح، والصدقة والصيام، وكل الأعمال الصالحة.
والعجب أن الناس غافلون عن هذه العشر تجدهم في عشر رمضان يجتهدون في العمل لكن في عشر ذي الحجة لا تكاد تجد أحداً
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب مهل أهل الشام (رقم 1526) ومسلم، كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة (رقم 1181) .
(2) تقدم ص 52.
(21/37)

فرق بينها وبين غيرها، ولكن إذا قام الإنسان بالعمل الصالح في هذا الأيام العشرة إحياء لما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الأعمال الصالحة. فإنه على خير عظيم. هذه العشرة
إذا دخلت والإنسان يريد أن يضحي فإنه لا يأخذ من شعره، ولا من ظفره، ولا من بشرته شيئاً، كل هذه لا يأخذ منها إذا كان يريد أن يضحي. فأما الذي يضحى عنه فلا حرج عليه، وعلى هذا فإذا أراد الإنسان أن يضحي عنه وعن أهل بيته بأضحية واحدة كما هي السنة، فإن أهل البيت لا يلزمهم أن يمسكوا عن الشعر، وعن الظفر، وعن البشرة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فإذا أراد أحدكمِ أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من بشرته ولا من ظفره شيئاً" (1) فوجه الخطاب لمن يريد أن يضحي.
ولكن لو قال قائل: إذا كان هذا الذي يريد أن يضحي سافر للحج فسوف يؤدي العمرة ويقصر مع أنه أوصى أهله أن يضحوا؟
نقول: هذا لا يضر، لأن التقصير في العمرة نسك لابد من فعله، وكذلك التقصير في الحج والحلق لا بأس به.
س 33: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي الفضائل في شهر ذي الحجة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: شهر ذي الحجة المراد العشر ينبغي للإنسان في هذا الشهر أن يكثر من الأعمال الصالحة من
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره وأظفاره شيئاً (رقم 1977) .
(21/38)

الصلاة، والصدقة والصيام أيضاً، لأنه سوف يصوم الأيام التسعة، وكذلك كل عمل صالح، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (1) .
س 34: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان الإنسان عليه ذنوب من كبائر، ثم حج فهل يمحو الله عنه هذه الذنوب بعد التوبة، أرشدني جزاك الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا تاب الإنسان من الذنوب وإن لم يحج، وكانت التوبة نصوحًا، فإن الله يمحوها عن آخرها، قال الله تبارك تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) هو أي يشرك بالله، أو يقتل النفس، أو يزني (يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) (2) فأنت إذا تبت إلى الله توبة نصوحًا وإن لم تحج فإن الله تبارك وتعالى يمحو سيئاتك.
__________
(1) تقدم ص 25.
(2) سورة الفرقان، الآيات: 68- 70.
(21/39)

س 35: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلنا عن الحج: إنه يكفر الذنوب، ويعود الحاج كيوم ولدته أمه. فالحديث الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه للصحابي الذي اشترط أن يغفر له ما سبق قال: "ألم تعلم أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الحج يهدم ما قبله " (1) أفي هذا
دليل على أن كبائر الذنوب كذلك تغفر بالحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: ظاهر الحديث "من حج فلم يرفث ولم يفسق " إذا أتى بهذا القيد "رجع كيوم ولدته أمه " (2) وكذلك حديث عمرو بن العاص الذي أشرت إليه هو: "أن الحج يهدم ما قبله " ظاهره العموم فهو يهدم كل شيء ما عدا الكفر، فلابد فيه من توبة.
س 36: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: قال بعض علماء الحديث إن كبائر الذنوب لا تغفر إلا بالتوبة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: يقال هذا ظاهر الحديث، وليس لنا أن نعدو الظاهر إلا بدليل، وهذا الذي ذكره السائل ذكره بعض العلماء، قالوا: إذا كانت الصلوات الخمس لا تكفر إلا إذا اجتنبت الكبائر، وهي أعظم من الحج وأحب إلى الله، فالحج من باب أولى، لكن نقول: هذا ظاهر الحديث: ولله تعالى في حكمه شئون، والثواب ليس فيه قياس، والحمد لله أنت احتسب على ربك هذا فلعل الله عز وجل أن يؤتيك إياه.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (رقم 121) .
(2) تقدم ص 22.
(21/40)

س 37: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: هل الكبائر يكفرها الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " (1) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" أن الحج المبرور يكفر الكبائر، ويؤيد هذا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (2) فإن تكفير العمرة إلى العمرة لما بينهما مشروط باجتناب الكبائر، ولكن يبقى النظر: هل يتيقن
الإنسان أن حجه كان مبروراً؟ هذا أمر صعب، لأن الحج المبرور ما كان مبروراً في القصد والعمل، أما في القصد فأن يكون قصده بحجه التقرب إلى الله تعالى والتعبد له بأداء المناسك بنية خالصة
لا يشوبها رياء، ولا سمعة، ولا حاجة من حوائج الدنيا، إلا ما رخص فيه في قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) (3) وكذلك المبرور في العمل بأن يكون متبعاً رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أداء المناسك، مجتنباً فيه ما يحرم على المحرم في العمل بخصوصه وما يحرم على عامة الناس، وهذا أمر صعب، لا سيما في عصرنا هذا، فإنه لا يكاد يسلم الحج من
__________
(1) تقدم ص 22.
(2) أخرجه البخاري، كتاب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها (رقم 1773) ، ومسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (رقم 1349) .
(3) سورة البقرة، الآية: 198.
(21/41)

تقصير وتفريط، أو إفراط ومجاوزة، أو عمل سيىء، أو نقص في الإخلاص؛ وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يعتمد على الحج، ثم يذهب يفعل الكبائر، ويقول: الكبائر يكفرها الحج. بل عليه أن
يتوب إلى الله سبحانه وتعالى من فعل الكبائر. وأن يقلع عنها ولا يعود، ويكون الحج نافلة أي زيادة خير في الأعمال الصالحة.
ومن الكبائر ما يكون لبعض الناس اليوم، بل لكثير من الناس من الغيبة، وهي أن يذكر أخاه غائباً بما يكره، فإن الغيبة من كبائر الذنوب، كما نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله، وقد صورها
الله عز وجل بأبشع صورة، فقال تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) (1) ومن المعلوم أن الإنسان لا يحب أن يأكل لحم أخيه لا حياً ولا ميتاً، وكراهته
لأكل لحمه ميتاً أشد، فكيف يرضى أن يأكل لحم أخيه بغيبته في حال غيبته، والغيبة من كبائر الذنوب مطلقاً، وتتضاعف إثماً وعقوبة كلما ترتب عليها سوءً أكثر، فغيبة القريب ليست كغيبة
البعيد؛ لأن غيبة القريب غيبة وقطع رحم، وغيبة الجار ليست كغيبة بعيد الدار؛ لأن غيبة الجار منافية لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره " (2) ووقوع في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن: من لا يأمن جاره بوائقه " (3) فإن غيبة الجار من البوائق، وغيبة العلماء ليست كغيبة عامة
__________
(1) سورة الحجرات، الآية: 12.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (رقم 6018) ومسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف (رقم 47) .
(3) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه (رقم 6016) .
(21/42)

الناس، لأن العلماء لهم من الفضل والتقدير والاحترام ما يليق بحالهم، ولأن غيبة العلماء تؤدي إلى احتقارهم وسقوطهم من أعين الناس، وبالتالي إلى احتقار ما يقولون من شريعة الله، وعدم اعتبارها، وحينئذ تضيع الشريعة بسبب غيبة العلماء، ويلجأ الناس إلى جهالٍ يفتون بغير علم، وكذلك غيبة الأمراء وولاة الأمور الذين جعل الله لهم الولاية على الخلق، فإن غيبتهم تتضاعف، لأن غيبتهم توجب احتقارهم عند الناس وسقوط هيبتهم، وإذا سقطت هيبة السلطان فسدت البلدان، وحلت
الفوضى والفتن، والشر والفساد، ولو كان هذا الذي يغتاب ولاة الأمور، يقصد الإصلاح، فإن ما يفسد أكثر مما يصلح، وما يترتب على غيبة ولاة الأمور أعظم من الذنب الذي ارتكبوه، لأنه
كلما هان شأن السلطان في قلوب الناس تمردوا عليه ولم يعبئوا بمخالفته ولا بمنابذته، وهذا بلا شك ليس إصلاحاً، بل هو إفساد وزعزعة للأمن ونشر للفوضى، والواجب مناصحة ولاة الأمور
من العلماء والأمراء على وجه تزول به المفسدة، وتحل به المصلحة، بأن يكون سرًّا وبأدب واحترام، لأن هذا أدعى للقبول وأقرب إلى الرجوع عن التمادي في الباطل، وربما يكون الحق فيما انتقده عليه منتقد، لأنه بالمناقشة يتبين الأمر، وكم من عالم أغتيب وذكر بما يكره، فإذا نوقش هذا العالم تبين أنه لم يقل ما نسب إليه، وأن ما نسب إليه كذب باطل، يقصد به التشويه والتشويش والحسد، وربما يكون ما نسب إليه حقاً، ولكن له وجهة نظر تخفى على كثير من الناس، فإذا نوقش وبين وجهة نظره
(21/43)

ارتفع المحظور. أما كون الإنسان بمجرد ما يؤتى له عن ولي الأمر من أمير، أو عالم يذهب فيشيع السوء ويخفي الصالح، فهذا ليس من العدل وليس من العقل، وهو ظلم واضح، قال الله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا) يعني لا يحملكم بغضهم على ترك العدل، (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)) (1) فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا أسباب الشر والفساد وأن يؤلف بين قلوبنا، وأن يجعلنا من المحتابين فيه، المتعاونين على البر والتقوى، إنه على كل شيء قدير.
س 38: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: كليف يكون الحج مبروراً؟ وكيف تكون العمرة صحيحة وهل لها طواف وداع؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الحج المبرور هو ما جمع الإخلاص والمتابعة لرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأن يكون من كسب طيب، وأن يتجنب فيه الرفث والفسوق والجدال، وأن يحرص على العلم
بصفة حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليطبقها.
وأما العمرة فإنها حج أصغر، فيها طواف وسعي وتقصير، ولها طواف وداع كالحج، إلا إذا سافر من حين انتهائها، مثل أن يطوف ويسعى ويقصر، ثم يمشي راجعاً إلى بلده، فهنا لا يحتاج إلى طواف وداع اكتفاءً بالطواف الأول، لأنه لم يفصل بينه وبين
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 8.
(21/44)

السفر إلا السعي والتقصير، وهما تابعان للطواف.
س 39: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: إذا حج من لا يصلي ولا يصوم فما حكم حجه وهو على تلك الحال؟ وهل يقضي ما ترك من العبادات إذا تاب إلى الله عز وجل؟
فأجاب فضيلته بقوله-: ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، موجب للخلود في النار، كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، وقول السلف- رحمهم الله- وعلى هذا فهذا الرجل الذي لا يصلي
لا يحل له أن يدخل مكة، لقوله تعالي: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (1) .
وحجه وهو لا يصلي غير مجزىء ولا مقبول، وذلك لأنه وقع من كافر، والكافر لا تصح منه العبادات، لقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) (2) .
وأما بالنسبة لما ترك من الأعمال السابقة فلا يجب عليه قضاؤها، لقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (3) فعلى من وقع في ذلك أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، ويستمر في فعل الطاعات والتقرب إلى الله عز وجل بكئرة الأعمال الصالحة، ويكثر من الاستغفار والتوبة، وقد قال
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 28.
(2) سورة التوبة، الآية: 54.
(3) سورة الأنفال، الآية: 38
(21/45)

الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)) (1) . وهذه الآية نزلت في التائبين، فكل ذنب يتوب العبد منه ولو كان شركاً بالله عز وجل فإن الله يتوب عليه.
س 40: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: أرى كثيراً من الناس يؤدون فريضة الحج ويصومون شهر رمضان مع أنهم لا يصلون، فما حكم ذلك؟ أفيدونا بارك الله فيكم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذه المسألة مسألة عظيمة وخطيرة، يقع فيها بعض الناس، بأن يكونوا يصومون، ويحجون، ويعتمرون، ويتصدقون، ولكنهم لا يصلون: فهل أعمالهم الصالحة هذه مقبولة عند الله عز وجل أم مردودة؟ هذا ينبني على الخلاف في تكفير تارك الصلاة، فمن قال: إنه لا يكفر. قال: إن هذه الإعمال مقبولة. ومن قال: إنه يكفر. قال: إن هذه الأعمال غير مقبولة. ومرجع خلاف العلماء ونزاعهم إلى كتاب الله تعالى وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لقوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (2) وقوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (3)
ونحن إذا رددنا نزاع العلماء في هذه المسألة إلى كتاب الله تعالى
__________
(1) سورة الزمر، الآية: 53.
(2) سورة الشورى، الآية: 10.
(3) سورة النساء، الآية: 59.
(21/46)

وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وجدنا أن كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - يدلان على أن تارك الصلاة كافر، وأن كفره أكبر مخرج عن الملة، فمن ذلك قوله تعالى في المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (1) فإن هذه الجملة الشرطية تدل على أنه لا تتم الإخوة لهؤلاء إلا بهذه الأمور الثلاثة: التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وإذا كانت هذه الجملة الشرطية فإن مفهومها أنه إذا تخلف واحد منها لم تثبت الأخوة الدينية بيننا وبينهم، ولا تنتفي الأخوة الدينية بين المؤمن وغيره إلا بانتفاء الدين كله، ولا تنتفي بالمعاصي وأن عظمت، لأن أعظم المعاصي قتل المؤمن، وقال الله تعالى فيه: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)) (2) فمع ذلك قال الله تعالى في آية القصاص: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (3) فجعل الله تعالى القتيل أخاً للقاتل، مع أن القاتل قتله وهو مؤمن، وقتل المؤمن من أعظم كبائر الذنوب بعد
الشرك، وهذا دليل على أن المعاصي وإن عظمت لا تنتفي بها الأخوة الدينية. أما الكفر فتنتفي به الأخوة الدينية، فإن قلت: هل تقول بكفر من منع الزكاة بخلاً؟ قلت: لولا الدليل لقلت به، بناء
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 11.
(2) سورة النساء، الآية: 93.
(3) سورة البقرة، الآية: 178.
(21/47)

على هذه الآية، ولكن هناك دليل رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- في مانع الزكاة حيثما ذكر عقابه، ثم قال بعد ذلك: "ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" (1) وكونه يرى سبيله إلى الجنة دليل على أنه لم يخرج من الإيمان، وإلا ما كان له طريق إلى الجنة. وأما من السنة فمثل قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه جابر- رضي الله عنه- "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (2) أخرجه مسلم في صحيحه، وقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما
رواه بريدة وأخرجه أهل السنن: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" (3) هذا هو الكفر المخرج عن الملة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل بين إسلام هذا الرجل وكفره فاصلاً وهو ترك الصلاة، والحد الفاصل يمنع من دخول المحدودين بعضهما ببعض، فهو إذا خرج من هذا دخل في هذا، ولم يكن له حظ من الذي خرج منه، وهو دليل واضح على أن المراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة، وليس هذا مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: () اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت " (4) لأنه قال: (هما بهم كفر) أي أن هذين العملين من أعمال الكفر،
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة (رقم 987) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على ترك الصلاة (رقم 82) .
(3) أخرجه الإمام أحمد (5/346) والترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة (رقم 2621) وقال: حسن صحيح غريب. والحاكم (1/6) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم 4143) .
(4) تقدم ص 23.
(21/48)

وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (1) فجعل الكفر منكراً عائداً على القتال، أي أن القتال كفر بالأخوة الإيمانية ومن أعمال الكافرين، لأنهم هم الذين
يقتلون المؤمنين، وقد جاء في الآثار عن الصحابة- رضي الله عنهم- كفر تارك الصلاة. فقال عبد الله بن شقيق وهو من التابعين الثقاة: "كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" ونقل إجماع الصحابة على أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة. إسحاق بن راهويه الإمام المشهور، والمعنى يقتضي ذلك فإن كل إنسان في قلبه إيمان يعلم ما للصلاة من أهمية، وما فيها من ثواب، وما في تركها من عقاب، من يعلم ذلك لا يمكن أن يدعها، خصوصاً إذا كان قد بلغه أن تركها كفر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، فإنه لا يمكن أن يدعها ليكون من الكافرين، وبهذا علمنا أن دلالة الكتاب والسنة، وآثار الصحابة، والاعتبار الصحيح كلها تدل على أن من ترك الصلاة فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة. وقد تأملت ذلك كثيراً، ورجعت ما أمكن مراجعة من كتب في هذه المسألة، وبحثت مع من شاء الله ممن تكلمت معه في هذا الأمر، ويتبين لي أن القول الراجح أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجّاً عن الملة. وتأملت الأدلة التي استدل بها من يرون أنه ليس بكافر، فرأيتها لا تخلو من أربع حالات: إما أن
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (رقم 48) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: سباب المسلم فسوق وقتاله
كفر (رقم 64) .
(21/49)

لا يكون فيها دليل أصلاً، وإما أن تكون مقيدة بوصف يمتنع معه ترك الصلاة، أو مقيدة بحال يعذر فيها من ترك الصلاة، لكون معالم الدين قد اندثرت، وإما لأنها عامة مخصصة بأحاديث أو بنصوص كفر تارك الصلاة، ومن المعلوم عند أهل العلم أن النصوص العامة تخصص بالنصوص الخاصة، ولا يخفى ذلك على طالب علم، وبناء على ذلك فإنني أوجه التحذير لإخواني المسلمين من التهاون بالصلاة وعدم القيام بما يجب فيها، وبناء على هذا القول الصحيح الراجح، وهو أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجاً عن الملة، فإن ما يعمله تارك الصلاة من صدقة، وصيام، وحج لا يكون مقبولاً منه، لأن من شرط قبول الأعمال الصالحة أن يكون العامل مسلماً، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) (1) فدل ذلك على أن الكفر مانع من قبول الصدقة، مع أن الصدقة عمل نافع متعدي النفع للغير، فالعمل القاصر من باب
أولى أن لا يكون مقبولاً، وحينئذ الطريق إلى قبول أعمالهم الصالحة أن يتوبوا إلى الله عز وجل مما حصل منهم من ترك الصلاة، وإذا تابوا لا يطالبون بقضاء ما تركوا بل يكثرون من
الأعمال الصالحة، ومن تاب تاب الله عليه، كما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا
__________
(1) سورة التوبة: 54.
(21/50)

فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)) (1) أسال الله أن يهدينا جميعا الصراط المستقيم، وأن يمن علينا بالتوبة النصوح التي يمحو بها ما قد سلف من ذنوبنا، إنه جواد كريم.
س 41: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: سائل يقول: أنا متزوج من امرأة ولي منها أربع بنات، ولكنها لا تصلي علماً أنها تصوم رمضان، وحينما طلبت منها أن تصلي أفادت بأنها لا تعرف
الصلاة ولا تعرف القراءة، فكيف يكون موقفي معها؟ فأنا أنوي إحضارها لتأدية فريضة الحج فهل يصح ذلك أم لا؟ وماذا عليّ أن أفعله نحوها؟
فأجاب فضيلته بقوله-: ذكر السائل أن زوجته لا تصلي ولكنها تصوم، وأنه إذا أمرها بالصلاة تقول: إنها لا تعرف القراءة، فالواجب عليه حينئذ أن يعلمها القراءة إذا لم يقم أحد بتعليمها، ثم يعلمها كيف تصلي، وما دام عذرها الجهل فإن من كان عذره الجهل يزول بالتعلم، فليعلمها ليرشدها إلى ذلك، ثم إن أصرت على ترك الصلاة بعد العلم فإنها تكون كافرة- والعياذ بالله- وينفسخ نكاحها، ولا يحل لها أن تأتي إلى مكة، ولكن عليها أن تصلي، إن لم تحسن القراءة فإنها تذكر الله وتسبحه وتكبره، ثم تستمر في صلاتها، ويكون هذا الذكر بدلاً عن القراءة حتى تتعلم ما يجب منها. وما مضى من أيام ليس عليها قضاء في
__________
(1) سورة الفرقان، الآيات: 68- 71.
(21/51)

ذلك، ولكن يجب على زوجها أن يبادر بإصلاح حالها.
س 42: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: ما حكم حج من لا يصلي؟ وما حكم إدخاله الحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الكافر لا يصح حجه، ولا يجوز أن يدخل حدود الحرم، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (1) فهذا الذي لا يصلي لا يحل له أن يدخل حدود الحرم.
فإذا كان معه رفقة يعرفون أنه لا يصلي، فالواجب عليهم إذا أقبل على حدود الحرم أن ينزلوه، فإن أبى كلموا السلطات عنه لأنه كافر، والكافر لا يجوز أن يدخل مكة وحرمها، ولا يصح إحرامه بالحج، ولا حجه، ولا صيامه، حتى يعود إلى الإسلام ويصلي.
س 43: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: عن امرأة كانت لا تصلي لمدة أربعين سنة والآن تريد أن تصلي وتحج فهل يشترط أن تشهد الشهادتين، لأن تارك الصلاة قد كفر؟
فأجاب فضيلته بقوله-: صلاتها توبة، فإذا صلت فقد تابت وصارت مسلمة، فنسأل الله تعالى أن يثبتها على ما تريد وأن يعينها على ذلك، وهي إذا تابت إلى الله وأنابت إليه وقامت بالصلاة
والزكاة والصيام والحج كفّر الله عنها، لقول الله تبارك وتعالى:
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 28.
(21/52)

(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)) (1) وقال
جل وعلا: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)) (2) وأبشرها إذا صدقت في توبتها مع الله أنها على خير، فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الرجل يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها (3) .
س 44: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: عن طفل بلغ منذ سبعة أعوام ولم يصل صلاة واحدة إلى الآن وهو يريد الحج فهل على الناس منعه من الحج لكونه كافراً أو أنه لا يمنع؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الواجب على هذا الذي بلغ منذ سبعة أعوام أن يصلي، والواجب على وليه أن يأمره بالصلاة، ولا أعتقد أن طفلاً بهذا السن يمتنع عن الصلاة، الذي يخشى عليه الامتناع عن الصلاة الكبير. أما هذا بمجرد ما يقول له أبوه: صل، ويلزمه بها فيصلي، وعلى هذا فسنلزمه بأن يصلي، ولا أظن أن
__________
(1) سورة الفرقان، الآيات: 68- 70.
(2) سورة الزمر، الآية: 53.
(3) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (رقم 3332) ، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (رقم 2643) .
(21/53)

من له سبعة أعوام بالغ، وربما يكون بلغ قبل خمس عشرة سنة لا أظن أنه يمتنع عن أبيه.
س 45: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: امرأة نذرت إن رزقها الله بمولود أن تحج ورزقها الله به فهل عليها الحج للنذر، علماً بأنها لم تحج الفرض؟
فأجاب فضيلته بقول-: يجب أن يعلم أن النذر منهي عنه، نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: "إنه لا يأتي بخير ولا يرد القضاء" (1) ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن النذر حرام. فلماذا تنذر؟ ولماذا تكلف نفسك؟ وهل الله عز وجل لا يمن عليك بالشفاء أو على قريبك بالشفاء إلا إذا اشترط له شرطاً؟ سبحان الله لا تنذر بل اسأل الله الشفاء والعافية، فإن كان الله أراد أن يشفي شفى سواء نذرت أم لم تنذر، فإذا فعلت ونذرت فإن كان نذر طاعة وجب عليك الوفاء به، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من نذر أن يطيع الله فليطعه " (2) وبناء على هذا نقول لهذه المرأة المذكورة: يجب أن تحج. لكن تبدأ بحج الفريضة، ثم تأتي بحج النذر وجوبًا فإن لم تفعل فقد عرضت نفسها لعقوبة عظيمة، ذكرها الله في قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76)) (3) عاهدوا الله إن الله
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب النذر، باب النهي عن النذر (رقم 1639) (4، 6) .
(2) تقدم ص 24.
(3) سورة التوبة، الآيتان: 75-76.
(21/54)

أغناهم أن يتصدقوا، وأن يكونوا من الصالحين أعطاهم الله ذلك، ولكنهم بخلوا بالمال وأعرضوا عن الصلاح (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ) "إلى متى" (إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) "إلى الموت " (بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)) . والخلاصة احذروا النذر، لا تنذروا فأنتم في عافية، ولا تلزموا أنفسكم ما لم يلزمكم الله به إلا بفعلكم فمن كان عنده مريض فليقل: اللهم اشفه. ومن
كان يريد الاختبار فليقل: اللهم نجحني، لأن بعض الطلبة إذا كانت الدروس صعبة وخاف من السقوط يقول: لله عليَّ نذر إن نجحت لأفعل كذا وكذا. من الطاعات، ثم إذا نجح أخذ يسأل
ويجيء للعالم الفلاني يقول: خلصوني خلصوني، ولكن لا مفر لابد من الوفاء بالنذر.
س 46: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: عن امرأة كبيرة السن وعندها أخت أكبر منها، وهذه المرأة تقوم بالعناية بأختها الكبيرة، حيث تغسلها وتلبسها وتطعمها وتسقيها، وهذه الأخت ما
فرضت الحج إلى الآن، فهل يجوز لها أن تحج مع العلم أنه لا يوجد أحد يقوم بالعناية بأختها؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان الأخت الكبيرة في ضرورة فليس عليها حج، وأما إذا كانت مجرد أنها أحسن رعاية، ويمكن أن يقوم أحد بالواجب، فإنه إذا استطاعت السبيل بأن وجدت
النفقة، والمحرم فيجب عليها أن تحج.
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 77.
(21/55)

س 47: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: عن رجل عنده عمال يريدون أن يؤدوا فريضة الحج فهل يسمح لهم مع العلم أنهم لا يشهدون صلاة الفجر؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أقول: إذا أذنت لهم في الحج فجزاك الله خيراً، وأبشر بالخلف العاجل، وأن ما تفقده من الأعمال في زمان حجهم سيعوضك الله تعالى خيراً منه، وأما كونهم لا يصلون صلاة الفجر فانصحهم وهددهم بأنهم إذا لم يحافظوا على الصلوات ترجعهم إلى بلادهم، وهو حق أن ترجع من لا يقيم الصلاة إلى بلده، فلا خير في إنسان لا يصلي، وأما الإذن لهم بالحج فهذا معروف منك، ونرجو الله لك الإثابة.
س 48: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: بعض الكفلاء يمنعون مكفوليهم من السفر لأداء فريضة الحج فهل يأثمون بذلك وما توجيهكم لهؤلاء الكفلاء؟
فأجاب فضيلته بقوله-: بالنسبة للكفلاء الذين يمنعون مكفوليهم من حج الفريضة إن كان مشروطًا عليهم في العقد أن يمكنوا العامل من الفريضة وجب عليهم أن يأذنوا له، وإن لم يكن مشروطاً فلهم الحق في هذا، لأن الأجير لا يملك أن يذهب عن من استأجره ليؤدي الحج، أو غيره، ثم نقول لهذا الرجل المكفول: إنه ليس عليك حج في هذه الحال، لأنك لا تستطيع.
ولكن أنصح إخواننا الكفلاء أن يحسنوا إلى هؤلاء المكفولين بأن يمكنوهم من الحج، وربما يكون هذا سبباً في بركة
(21/56)

إنتاجهم، لأن هؤلاء العمال ربما لا يحصل لهم المجيء إلى هذه البلاد مرة أخرى، فنصيحتي أن يحسن هؤلاء الكفلاء إلى مكفوليهم، ثم أبشرهم أنهم إذا أعانوا هؤلاء على الحج صار لهمِ مثل ما لهم من الحج في الأجر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "من جهز غازياً فقد غزى" (1) وكذلك من جهز حاجاً فإن له مثل أجره.
س 49: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: ما حكم من أدى العمرة فقط ولم يؤد فريضة الحج؟ وما صحة ما اشتهر عند بعض الناس من أن من أتى بالعمرة قبل الحج فإنه لا عمرة له؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكمه أن أداءه للعمرة واقع موقعه، وقد برئت ذمته من العمرة إذا أدى الواجب عليه فيها، ولكن بقيت عليه فريضة الحج التي هي فرض بالنص والإجماع، فعليه إذا
أدرك وقت الحج أن يحج البيت إذا كان مستطيعاً، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (2) .
وأما ظن بعض الناس أن من أتى بالعمرة قبل الحج فإنه لا عمرة له. فهذا لا أصل له، بل إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر بعد هجرته قبل أن يحج.
__________
(1) تقدم ص 33.
(2) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/57)

س 50: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: إذا خرجت المرأة حاجة وبعد وصولها إلى جدة سمعت بوفاة زوجها فهل لها أن تتم الحج أو أن تجلس للحداد؟
فأجاب فضيلته بقوله-: تتم الحج، لأنها إن رجعت سترجع بسفر، وإن بقيت بقيت بسفر مستمر، فتتم الحج لا سيما إذا كان فريضة، ثم ترجع، وحتى لو كان نافلة فإنها تتمه.
س 51: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل من أهل مكة نوى الحج مفرداً، فهل يلزمه أن يعتمر عمرة الإسلام؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أهل مكة يجب عليهم الحج، والسائل ذكر أنه أحرم بالحج مفرداً، وعلى هذا فإذا أداه فقد أسقط الواجب عنه، وأما العمرة فإنه يمكنه أن يؤديها في وقت آخر غير موسم الحج، فيخرج إلى التنعيم أو إلى غيره من الحل فيحرم من هناك- أي من الحل- ثم يدخل إلى مكة ويطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، وبذلك تمت عمرته.
س 52: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل موظف إذا أتى موسم الحج ذهب إلى مكة لعمل مكلف به في موسم الحج، ولم يؤد فريضة الحج بعد وهو مستطيع، فهل عليه شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان لا يستطيع أن يحج بناءً على وظيفته فإنه لا شيء عليه، لأنه لم يستطع إليه سبيلا، لكن أنا أسمع كثيراً ما يذهب الإخوان من أفراد الجنود أو غيرهم إلى مكة
(21/58)

مندوبين، وإذا دخل وقت الحج أذنوا لهم بالحج، فإذا أذنوا لك فحج ولا شيء عليك. أما إذا لم يأذنوا فأنت غير مستطيع ولا حج عليك (1) .
س 53: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص يعمل في الأمن العام وحاول الحصول على إجازة لأداء فريضة الحج، فلم يسمح له مرجعه بذلك، فتغيب عن العمل وذهب لأداء الفريضة
بدون إذن من مرجعه. وحيث إنه لم يسبق له أن حج فهل حجه صحيح أم لا؟ وهل عليه ذنب، علماً بأن مدة التغيب هذه لم يستلم مقابلها راتب..؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا السؤال جوابه من شقين: الأول: كون هذا الرجل يذهب إلى الحج مع منع مرجعه من ذلك أمر لا يحل ولا يجوز، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (2) وطاعة ولاة الأمور في غير معصية الله تعالى أمر واجب، أوجبه الله على عباده في هذه الآية الكريمة، وذلك لأن مخالفة ولاة الأمور يترتب عليها فساد وشر
وفوضى، لأنه لو وكل كل إنسان إلى رأيه لم يكن هناك فائدة في الحكم والسلطة.
وولاة الأمور عليهم أن يرتبوا الحج بين الجنود، حتى يهيئوا لمن لم يؤدّ الفريضة أن يؤديها بالطرق التي يرون أنها
__________
(1) انظر الفتاوى التالية.
(2) سورة النساء، الآية: 59.
(21/59)

كفيلة، مع تمكين هؤلاء الأفراد من أداء فريضة الحج، وهم فاعلون إن شاء الله تعالى.
أما الشق الثاني: فهو إبراء ذمتك بهذا الحج، فإنها قد برئت وقد أديت الفريضة، ولكنك عاص لله تعالى بمخالفة أوامر رئيسك، فعليك أن تتوب إلى الله تعالى، وأن لا تعود لمثلها، وليس لك الحق في أن تأخذ الراتب المقابل للأيام التي تغيبتها عن العمل، والله الموفق.
س54: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: موظف يعمل في تنظيم الحج ولم يحج حيث لم يسمح له بذلك: فهل يحج بدون إذن من مرجعه؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا يجوز الحج إلا بإذن مرجعك فإن الإنسان الموظف ملتزم بأداء وظيفته حسبما يوجه إليه، وقد قال الله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)) (1) وقال
تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (2) فالعقد الذي جرى بين الموظف وموظفه عهد يجب الوفاء به حسبما يقتضي العقد. أما أن يتغيب الموظف ويؤدي الفريضة وهو مطالب بالعمل ليس عنده إجازة، فإن هذا محرم.
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 34.
(2) سورة المائدة، الآية: 1.
(21/60)

س 55: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل يقول: أنا أعمل بقوة الحج والمواسم في مكة المكرمة ولا يسمح لنا في عملنا بإجازة لأداء فريضة الحج، فهل يحق لي أن أغيب بدون إذن
وأؤدي فريضة الحج مع العلم بأني لم أحج حجة الفريضة، وقد سألت بعض العلماء فقالوا لي: إنه لا يجوز لي الحج بدون إذن من مرجعي، فهل هذا صحيح أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله-: نعم هذا صحيح، فيمن كان موظفًا ملتزمًا بأداء وظيفته حسبما يوجه إليه، وقد قال الله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)) وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فالعقد الذي جرى بينك وبين الدولة عهد يجب أن توفي به على حسب ما يوجهونك به، ولكني أرجو أن يكون للمسئولين في هذه الأمور نظر، بحيث يوزعون هؤلاء الجنود: جنود المرور، وجنود الأمن، وجنود المطافىء، وغيرهم ينظمونهم بحيث يتمكنون من الحج، وأما أن تختفي
وتؤدي الفريضة وأنت مطالب بالعمل وليس عندك إجازة، فإن هذا محرم عليك.
س 56: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: زوجتي لم تؤد فريضة الحج إلى الآن، ولدينا طفل عمره أربعة أشهر، وهو يرضع من أمه، فهل تحج أم تبقى عند طفلها؟ أفيدونا
وفقكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان الطفل لا يتأثر ولا يتضرر
(21/61)

في سفرها عنه بأن يكون يرضع من اللبن غير لبن أمه، وعنده من يحضنه حضانة تامة، فلا حرج عليها أن تحج، خصوصاً إذا كانت فريضة. أما إذا كان يخشى على الطفل فإنه لا يحل لها أن تحج،
ولو كانت الحجة فريضة، لأن المرضع يباح لها أن تدع صيام الفرض إذا خافت على ولدها، فكيف لا تدع المبادرة بالحج إذا خافت على الولد، فإذا خافت على الولد فإن الواجب أن تبقى، وإذا كبر في العام القادم حجت، ولا حرج عليها إذا بقيت وتركت الحج، لأن الحج في هذه الحال لا يجب عليها على الفور.
س 57: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقول السائل: فضيلة الشيخ لم أحضر إلى هذه البلاد إلا من أجل الحج، وأخشى أن لا يوافق من أقوم بالعمل عنده بأدائي لهذه الفريضة، وأنا الآن
في السعودية وعلى بعد مسافة قليلة من مناسك الحج، وأتمنى أن يهدي الله كفيلي وأن يوافق على حجي، ولكن إذا لم يوافق على الحج فهل أكون بنيتي قد أديت الفريضة أم لا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى" (1) وهل هذا يعتبر من الاستطاعة أرجو التوضيح، وحث أخواننا الكفلاء على تمكين من عندهم من حج بيت الله الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله-: نحن نتمنى لكل إخواننا الكفلاء أن يهديهم الله عز وجل وأن يرخصوا لإخوانهم الذين يعملون عندهم بأداء فريضة الحج، لأن هذا من باب التعاون على البر
__________
(1) تقدم ص 20.
(21/62)

والتقوى، وقد أمر الله بذلك، فقال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)) (1) ولأن هذا قد يكون سبباً للبركة في أعمالهم
وأرزاقهم، لأن هذه الأيام العشرة إذا تعطل العمل عنده فإن الله قد ينزل له البركة فيما بقي من العمل، ويحصل على خير كثير، فإن تيسر هذا فهو المطلوب، وهو الذي نرجوه من إخواننا الكفلاء،
وإن لم يتيسر فإن هذا العامل لا يعتبر مستطيعاً، فيسقط عنه الحج، لأن الله تعالى قال: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (2) وهذا لم يستطع.
وأما قول السائل: هل يكون كالذي حج؟ فالجواب: لا.
لكنه يسقط عنه الحج حتى يستطيع، وهو لو مات قبل أن يتمكن من الحج فإنه يموت غير عاص لله، لأنه لا يجب الحج إلا بالاستطاعة.
س 58: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فضيلة الشيخ من المعلوم أن الامتحانات بعد الحج مباشرة فسبّب ذلك إحجام كثير من الشباب والفتيات عن الفريضة المفروضة عليهم مع استطاعتهم
لها وقدرتهم عليها، فهل يأثمون بذلك؟ وهل الحج واجب على الفور؟ وهل الامتحان سببٌ شرعي يبيح لهم تأخير الفريضة؟
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 2.
(2) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/63)

فأجاب فضيلته بقوله-: القول الراجح من أقوال أهل العلم: أن الحج واجب على الفور، وأنه لا يجوز للإنسان أن يؤخره إلا بعذر شرعي، ودليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تأخر
الصحابة- رضي الله عنهم- عن التحلل في غزوة الحديبية غضب. ودليل آخر أن الإنسان لا يدري ما يعرض له فقد يؤخر الحج هذه السنة ثم يموت ويبقى معلقاً، ولكن إذا كان حجه يؤثر عليه في الامتحان فله أن يؤخره إلى السنة القادمة، ولكني أشير عليه أن يأخذ دروسه معه ويحج، هذا إن كان يسافر إلى الحج مبكراً، أما إذا كان يتأخر بالحج فإني لا أظنه يضره، ومعلوم أن بإمكان الإنسان أن تكون أيام الحج التي يستغرقها أربعة أيام، يذهب يوم عرفة تاسع، والعاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، ويكون متعجلاً فإذا رمى في اليوم الثاني عشر بعد الزوال يخرج ويطوف الوداع ويمشي لأهله، وأربعة أيام لا أظن أنها تضره شيئاً، فالإنسان الحريص يمكنه أن يحج، ولا يؤثر ذلك عليه شيئاً، كما أن الإنسان إذا اعتمد على الله وتوكل عليه، وأتى بالحج واثقاً بالله عز وجل فإن الله سييسر له الأمر.
س 59: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقول: أنا عمري ثلاثون سنة هل يجوز لي أن أؤخر الحج إلى السنة القادمة، وأنا مستطيع الحج الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا يجوز، فمن وجب عليه الحج
(21/64)

وجبت عليه المبادرة، لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، ربما يفقد هذا المال، وربما يمرض في المستقبل، ربما يموت، فمن وجما عليه الحج وجبت عليه المبادرة، ولا يحل له أن يؤخره.
س 60: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شاب يقول أنا أريد الحج ووالدتي ترفض ذلك بحجة الخوف عليَّ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كنت قادرًا بمالك فحج ولو أنها منعتك، إلا أن تعرف أن أمك من النساء الرقيقات اللاتي لو ذهبت لم تنم الليل ولم تهنأ بعيش فهنا أجلس ولا تحج وأنو أنك جالس
من أجلها، وأنك في العام القادم تحج. أما إذا كانت تقول: لا تحج وأنت تعرف أنك لو عزمت وحججت فإنها لن تبالي فحج.
س 61: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل بذل المال لفقراء حتى يحجوا فهل يلزمهم الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان هؤلاء الفقراء ليس عندهم مال فلا حج عليهم، حتى لو قال. خذوا من المال ما شئتم وحجوا فلا يلزمهم، لأنه لا يجب عليهم الحج حتى يدركوا بأنفسهم. هل
يجب على الفقير الذي ليس عنه مال أن يزكي؟ لا يجب؟ فهذا مثله بالضبط، ولا فرق. ولهذا ذكر العلماء ضابطاً، فقالوا: إن الرجل لا يكون مستطيعاً ببذل غيره له.
(21/65)

س 62: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سائلة تقول: أريد أداء فريضة الحج لأول مرة وأنا متزوجة ولي أولاد صغار، أصغرهم تبلغ من العمر خمسة أشهر، وأقوم برضاعة طبيعية، ولكن باستطاعتها أن تتناول وجبة أخرى بجانب الحليب، وقد منعني زوجي من الحج بحجة الرضاعة الطبيعية، وأنا لا أريد اصطحابها معي خوفاً عليها من الأمراض وتغير الجو.
وأيضاً لأنها سوف تشغلني في وقتي، مع العلم أن موافقة زوجي متوقفة على إفتاء فضيلتكم، فهل هذا من الأمور التي تسمح لي بترك الحج هذا العام؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا حرج على هذه المرأة التي هذه حالها أن تؤخر الحج إلى سنة قادمة: أولاً لأن كثيراً من العلماء يقولون: إن الحج ليس واجباً على الفور، وإنه يجوز للإنسان أن يؤخر مع قدرته، وثانياً أن هذه محتاجة للبقاء من أجل رعاية أولادها، ورعاية أولادها من الخير العظيم، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "المرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها" (1) فأقول: تنتظر إلى العام القادم، ونسأل الله أن ييسر لها أمرها، ويقدر لها ما فيه الخير.
س 63: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب استئذان الوالدين في الذهاب إلى الحج، سواءً كان فرضاً أم تطوعاً؟
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن (رقم 893) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل (رقم 1829) .
(21/66)

فأجاب فضيلته بقوله-: أما إذا كان فرضاً فإنه لا يشترط رضاهما ولا إذنهما، بل لو منعاه من الحج وهو فرض وجب عليه أن يحج ولا يطيعهما، لموِل الله: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (1) ، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " (2) ، أما إذا كان نفلاً فلينظر إلى المصلحة: إن كان أبوه وأمه لا يستطيعان الصبر عنه، ولا أن يغيب عنهما فبقاؤه عندهما أولى، لأن رجلاً استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجهاد، فقال له: "أحي والداك؟ " قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" (3) ففي الفريضة لا يطاعان، والنافلة ينظر ما هو الأصلح.
س64: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس له أكثر من خمسين سنة وعنده أملاك ومزارع وأراضي وبيوت وعليه دين، وهو لم يؤد فريضة الحج، فإذا نصح بالحج تعذر بالدين مع
قدرته على سداد دينه ببيع بعض أملاكه، فهل له أن يوثق دينه بالرهن ثم يحج أم أن ذلك الدين عذر له؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أرى أنه يبيع من هذه الأملاك التي لا يحتاجها ويقضي دينه ويحج، لأن الرجل غني، والغنى ليس هو
__________
(1) سورة لقمان، الآية: 15.
(2) أخرجه الإمام أحمد (1/131) ، والحاكم (2/314) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (7520) .
(3) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الجهاد بإذن الأبوين (رقم 3004) ، ومسلم، كتاب البر والصلة، باب بر الوالدين وأنهما أحق به (رقم 2549) .
(21/67)

كثرة النقود، الغنى كثرة الأموال التي تزيد على حاجة الإنسان، وإذا كان عنده عقارات كثيرة يمكن أن يبيع واحدًا من عشرة منها ويحج، وجب عليه أن يبيع ويحج، هذا الواجب عليه، ولا يدري
هذا الرجل ربما يصبح ولا يمسي، أو يمسي ولا يصبح، فتبقى هذه الأملاك لغيره يتنعمون بها، وعليهِ وبالها.
س 65: سئل فضيلة الشيخ. - رحمه الله تعالى-: امرأة توفي عنها زوجها وأدركها حج الفريضة، وهي في الحداد وهي مستطيعة وقادرة وعندها محرم هل تحج أو لا؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا تحج، بل تبقى في بيتها، وفي هذه الحال لا يجب عليها الحج، لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) وهذه المرأة لا تستطيع شرعاً،
وإن كان معها محرم وتؤجل إلى السنة الثانية، أو الثالثة حسب استطاعتها.
س 66: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة من خارج هذه البلاد توفي زوجها وهم في السعودية وهي الآن محادة على زوجها وتريد الحج هذا العام فهل تحج وهي في العدة علماً أنها
بعد انتهاء العدة سوف تعود إلى بلادها ويصعب عليها الرجوع إلى السعودية مرة أخرى فماذا تعمل؟ نرجو إرشادها جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله-: هذه المرأة إذا لم تنتهي عدتها قبل
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/68)

الحج، فإن الحج ليس واجباً عليها، لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) والمرأة المحادة يلزمها البقاء في المسكن الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، لكن هذه
المرأة إذا كانت لا تستطيع البقاء في بيتها فلها أن تسافر إلى بلدها، لأنها إما في البلد الذي مات زوجها وهي فيها، وإما في بلدها الأصلى إذا كان يشق عليها البقاء. وأما الحج فليس واجباً
عليها في هذه الحال، لأنها لا يمكن أن تحج إلا بمحرم وليس لها محرم.
س 67: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تؤدي فريضة الحج وهي في العدة بعد زوجها للوفاة أو الطلاق؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أما بالنسبة للمتوفى عنها فإنه لا
يجوز لها أن تخرج من بيتها وتسافر للحج حتى تقضي العدة، لأنها في هذه الحال غير مستطيعة، إذ إنه يجب عليها أن تتربص في البيت، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (1) فلا بد أن تنتظر في بيتها حتى تنتهي العدة.
وأما المعتدة من غير الوفاة فإن الرجعية حكمها حكم الزوجة، فلا تسافر إلا بإذن زوجها، ولكن لا حرج عليه إذا رأى من المصلحة أن يأذن لها في الحج وتحج مع محرم لها.
وأما المبانة فإن المشروع أن تبقى في بيتها أيضاً، ولكن لها
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 234.
(21/69)

أن تحج إذا وافق الزوج على ذلك، لأن له الحق في هذه العدة، فإذا أذن لها أن تحج فلا حرج عليه، فالحاصل أن المتوفى عنها يجب أن تبقى في البيت ولا تخرج. وأما المطلقة الرجعية فهي في
حكم الزوجات فأمرها إلى زوجها. وأما المبانة فإنها لها حرية أكثر من الرجعية، ولكن مع ذلك لزوجها أن يمنعها صيانة لعدته.
س 68: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كثيراً ما نلاحظ بعضاً من المسلمين وخاصة من الشباب من يتساهلون في أداء فريضة الحج ويسوّف في ذلك، وأحياناً يتعذر بمشاغل فما حكم
ذلك؟ وبماذا تنصحون هذا؟
وأحياناً نلاحظ بعضاً من الآباء يمنعون أبناءهم من أداء فريضة الحج بحجة الخوف عليهم، أو أنهم صغار، مع أن شروط الحج متوفرة فيهم فما حكم فعل الآباء هذا؟ وما حكم طاعة الأبناء
لآبائهم في ذلك؟ جزاكم الله خيرا ووفقكم لما فيه خير الدنيا والآخرة.
فأجاب فضيلته بقوله-: من المعلوم أن الحج أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وأنه لا يتم إسلام الشخص حتى يحج إذا تمت في حقه شروط الوجوب.
ولا يحل لمن تمت شروط الوجوب في حقه أن يؤخر الحج، لأن أوامر الله تعالى ورسوله على الفور، ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فربما يفتقر، أو يمرض، أو يموت.
ولا يحل للآباء والأمهات أن يمنعوا أبناءهم من الحج إذا
(21/70)

تمت شروط الوجب في حقهم، وكانوا مع رفقة مؤتمنين في دينهم وأخلاقهم، ولا يجوز للأبناء أن يطيعوا آباءهم، أو أمهاتهم في ترك الحج مع وجوبه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق،
اللهم إلا أن يذكر الآباء والأمهات مبرراً شرعياً لمنعهم، فحينئذ يلزم الأبناء تأخير الحج إلى أن يزول هذا المبرر للتأخير.
أسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح.
س 69: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن الرجل في التاسعة والعشرين لم يتزوج بعد وينوي الزواج عن قريب إن شاء الله ولكن لم يود فريضة الحج فهل فريضة الحج مقدمة على
الزواج، لأن المبلغ الذي بحوزته لا يمكنه من الحج والزواج معاً في الوقت الحاضر.
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان الإنسان محتاجًا إلى الزواج ويشق عليه تركه فإنه يقدم على الحج، لأن النكاح في هذه الحال يكون من الضروريات، وقد قال الله عز وجل: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) والإنسان الذي يكون محتاجاً إلى الزواج، ويشق عليه تركه، وليس عنده من النفقة إلا ما يكفي للزواج أو الحج، ليس مستطيعاً إلى البيت سبيلا، فيكون
الحج غير واجب عليه، فيقدم النكاح أي الزواج على الحج، وهذا من تيسير الله سبحانه وتعالى على عباده، أنه لا يكلفهم من العبادة ما يشق عليهم، حتى وإن كان من أركان الإسلام كالحج،
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/71)

ولهذا إذا عجز الإنسان عن الصوم عجزاً مستمراً كالمريض الذي لا يرجى برؤه، والكبير، فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً. وفي الصلاة فيصلي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى
جنب، فإن تمكن من الحركة أومأ بالركوع والسجود وإن لم يتمكن صلى بقلبه.
س 70: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد أن يحج ولم يتزوج فأيهما يقدم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: يقدم النكاح إذا كان يخشى المشقة في تأخيره، مثل أن يكون شاباً شديد الشهوة، ويخشى على نفسه المشقة فيما لو تأخر زواجه، فهنا نقدم النكاح على الحج، أما إذا
كان عادياً ولا يشق عليه الصبر فإنه يقدم الحج، هذا إذا كان حج فريضة، أما إذا كان حج تطوع فإنه يقدم النكاح بكل حال، ما دام عنده شهوة وإن كان لا يشق عليه تأجيله، وذلك لأن النكاح مع الشهوة أفضل من نوافل العبادة، كما صرح بذلك أهل العلم.
س 71: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن شاب له من العمر اثنتان وعشرون سنة، ويقول: هل يجوز أن أحج بيت الله قبل الزواج وليس عندي رغبة في الزواج، ومن الناس من يقول: هذا لا يجوز وليس حجاً مقبولا؟
فأجاب فضيلته بقوله-: ليس من شرط صحة الحج أن يتزوج المرء، بل يصح الحج وإن لم يتزوج، ولكن إذا كان
(21/72)

الإنسان محتاجاً إلى الزواج، ويلحقه بتركه المشقة، وعنده دراهم إن حج بها لا يتمكن من الزواج، وإن تزوج لم يتمكن من الحج، فإن في هذه الحال يقدم الزواج، لأن الزواج في حقه حينئذ صار
من ضروريات حياته، والحج إنما يجب على من استطاع إليه سبيلا.
وما سمعه من العامة من أن الإنسان لا يحج حتى يتزوج فليس بصحيح.
س 72: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز تأجيل الحج إلى ما بعد الزواج للمستطيع، وذلك لما يقابل الشباب في هذا الزمن من المغريات والفتن، صغيرة كانت أم كبيرة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا شك أن الزواج مع الشهوة والإلحاح أولى من الحج، لأن الإنسان إذا كانت لديه شهوة ملحّة فإن تزوجه حينئذ من ضروريات حياته، فهو مثل الأكل والشرب، ولهذا يجوز لمن احتاج إلى الزواج، وليس عنده مال أن يدفع إليه من الزكاة ما يزوج به، كما يعطى الفقير ما يقتات به وما يلبسه ويستر به عورته من الزكاة.
وعلى هذا نقول: إنه إذا كان محتاجاً إلى النكاح فإنه يقدم النكاح على الحج، لأن الله سبحانه تعالى اشترط في وجوب الحج الاستطاعة فقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) أما من كان شاباً ولا يهمه أن يتزوج هذا العام، أو الذي
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/73)

بعده فإنه يقدم الحج، لأنه حينئذ ليس في ضرورة إلى تقديم النكاح. والله الموفق.
س 73: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للفتى الشاب أن يحج إلى بيت الله الحرام قبل الزواج أم لابد من زواجه ثم بعد ذلك الحج، وما هي الشروط الواجبة عليه وفقكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله-: يجوز للشاب أن يحج قبل أن يتزوج ولا حرج عليه في ذلك، ولكن إذا كان محتاجاً إلى الزواج ويخاف العنت والمشقة في تركه فإنه يقدمه على الحج، لأن الله تبارك وتعالى اشترط في وجوب الحج أن يكون الإنسان مستطيعاً، وكفاية الإنسان نفسه بالزواج من الأمور الضرورية، فإذا كان الرجل أو الشاب لا يهمه إذا حج وأخر الزواج فإنه يحج ويتزوج بعد، وأما إذا كان يشق عليه تأخير الزواج فإنه يقدم الزواج على الحج.
س74: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " (1) ولقد
هاجرت إلى المملكة العربية السعودية طلباً للرزق وأكملت مدة سنة فهل يصح لي أن أحج، أو أنا من الذين ينطبق عليهم هذا
__________
(1) تقدم ص 25.
(21/74)

الحديث وأنهم هاجروا إلى الدنيا؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إن المهاجر المسلم هو الذي خرج من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام لا يخلو من حالين: إما أن يكون غرضه بذلك إقامة دينه على الوجه الذي يرضي الله ورسوله، فهذا مهاجر إلى الله ورسوله، وله ما نوى.
وإما أن يكون مهاجراً إلى أمور دنيوية امرأة يتزوجها، أو دار يسكنها، أو مال يحصله، أو ما أشبه ذلك، فهذا هجرته إلى ما هاجر إليه. وأما أنت فإنك لم تهاجر الهجرة الشرعية المرادة في هذا الحديث، لأنك قدمت من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي، وغاية ما هنالك أن يقال: إنك سافرت لطلب الرزق والسفر لطلب الرزق، لا يسمى هجرة، قال الله تعالى: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) (1) أنت من القسم الثاني في هذه الآية من الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، وعلى هذا فليس عليك شيء فيما كسبت، ويجوز لك أن تحج وأن تتصدق منه، وأن تبنى منه مساجد وتشتري به كتباً نافعة تنفع المسلمين بها.
س 75: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الكثير من الأخوة الذين يقدمون للعمل في المملكة يقولون بأن قدومهم أصلاً ليس للحج، وإنما قدموا لطلب الرزق، فهل يجوز أن يعزموا النية
للحج من هذا البلد؟
__________
(1) سورة المزمل، الآية: 20.
(21/75)

فأجاب فضيلته بقوله-: نعم يجوز أن يعزموا النية للحج من هذا البلد، ويكون سفرهم من بلادهم إلى هنا في طلب الرزق، وطلب الرزق المباح الذي يقوم به الإنسان على الأرامل والمساكين من أبنائه وعياله، هذا لا شك أنه من الخير، وفي الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله " وأحسبه قال: "كالصائم لا يفطر والقائم لا يفتر" (1) فهم إذا أتوا لطلب الرزق الذي يسعون به على أنفسهم وأولادهم الذين لا يمكنهم التكسب هم من المساكين بلا شك، فإنهم في هذا يكونون كالمجاهدين في سبيل الله أو
كالصائم الذي لا يفطر والقائم الذي لا يفتر، ولهم أن ينشئوا نية الحج من هنا من المملكة العربية السعودية حتى لو كانوا في مكة مثلاً فلهم ذلك.
س 76: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل متزوج وله أربعة أطفال وقد غاب عنهم منذ ستة عشر شهراً ويريد أن يؤدي فريضة الحج، فهل يجوز له أن يؤدي فريضة الحج قبل أن يزور
أولاده في بلده؟
فأجاب فضيلته بقوله-: نعم يجوز له أن يؤدي فريضة الحج قبل أن يزور أهله في بلدهم، ولكن إن تيسر أن يزورهم ويعرف شئونهم وما هم عليه فإنه أولى، ثم يحج، وإذا صعب
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب النفقات، باب فضل النفقة على الأهل (رقم 5353) ، ومسلم، كتاب الزهد، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين (رقم 2982) .
(21/76)

عليه هذا أو تعسر فليؤد الحج أولاً ثم يذهب إليهم بعد ذلك.
س 77: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة لم تحج وأرادت أن تبعث بمال لمن يحج عن أخيها الذي توفي وكان عمره سبعة عشر وهو كان من العاشرة إلى السابعة عشرة كان مشلولاً
فهل يجوز لها ذلك أم لا يجوز؟
فأجاب فضيلته بقوله-: تبدأ بنفسها أما إذا كان لا يجب عليها بحيث لا يكون عندها محرم يحج معها فلا بأس أن تحج عن أخيها.
س 78: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل نذر نذراً فهل يجوز له أن يؤدي فريضة الحج قبل الوفاء بالنذر، حيث إن الوفاء بهذا النذر غير ممكن إلا في بلده وهو الآن موجود في المملكة العربية السعودية ولا يستطيع الوفاء بالنذر لظروف عمله؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا حرج عليه في مثل هذه الحال أن يحج قبل الوفاء بالنذر، إذا كان الوفاء بالنذر أمراً متيسراً بعد الحج، وأنه قبل الحج لا يمكن لأنه في بلدك وأنت الآن في بلد آخر، ولا يمكنك أن تذهب إلى بلدك قبل حلول موسم الحج.
ولكن ليت السائل بين لنا: لماذا لا يكون وفاء النذر إلا في بلده: هل هو لأنه نذره لأحد من أقاربه يوجد في البلد، أو ما الذي جعله يكون متعيناً في بلده، لأنه إذا كان المقصود المكان فقط فإن
وفاء النذر في مكة مثلاً أفضل من وفائه في أي بلد آخر، ويجوز
(21/77)

للإنسان أن ينقل النذر من المكان المفضول إلى المكان الفاضل، ودليل ذلك أن رجلاً جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني نذرت إن فتح الله عليك أن أصلي في المسجد الأقصى، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - "صل هاهنا" يعني في مكة فأعاد عليه، فقال "صل هاهنا" فأعاد عليه فقال له: "شأنك إذن " (1) وهذا يدل على أن نقل النذر من المكان المفضول إلى المكان الفاضل لا بأس به، لأن أصل النذر إنما يقصد به وجه الله، فكلما كان أشد تقرباً إلى الله كان أولى أن يوفى به النذر.
س 79: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حج الصبي قبل أن يبلغ ثم بلغ هل يلزمه أن يحج مرة أخرى؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا تجزئه الحجة الأولى، بل لابد أن يحج مرة ثانية، لأن الحجة التي وقعت منه أولاً وقعت على أنها نفل، لا على أنها فرض، وحج الإسلام حج فرض، فيجب عليه أن يعيد الحجة مرة ثانية، والأولى تكون تطوعاً.
س 80: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نويت الحج في هذا العام ولي ابن صغير عمره عامان نريد أن يحج معنا، فهل يجوز أن ينوي له والده ويحمله أثناء الطواف والسعي أم يطوف والده ويسعى ثم يطوف ويسعى عن الابن؟
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الأيمان والنذور، باب من نذر أن يصلي في بيت المقدس (رقم 3305) .
(21/78)

فأجاب فضيلته بقوله-: الذي أرى أنه في هذا العصر لكثرة الحجاج ومشقة الزحام ألا يعقد الإحرام للصغار، لأن هذا الحج الذي يحجونه ليس مجزياً عنهم، فإنهم إذا بلغوا وجب عليهم أن
يعيدوه وهو سنة، يعنى فيه أجر لولي الصبي، ولكن هذا الأجر الذي يرتقبوه قد يفوتون به أشياء كثيرة أهم، لأنه سيبقى مشغولاً بهذا الطفل في الطواف وفي السعي، ولا سيما إذا كان هذا الطفل
لا يميز فإنه لا يجوز له أن يحمله في طوافه ناوياً الطواف عن نفسه وعن هذا الصبي، لأن القول الراجح في مسأله حمل الأطفال في أثناء الطواف والسعي: أنهم إذا كانوا يعقلون النية وقال لهم
وليهم: أنوا الطواف. أنوا السعي. فلا بأس أن يحملهم حال طوافه وسعيه، وأما إذا كانوا لا يعقلون النية فإنه لا يجزئه أن يطوف بهم وهو يطوف عن نفسه، أو يسعى بهم وهو يسعى عن نفسه، لأن الفعل الواحد لا يحتمل نيتين لشخصين.
س 81: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم في حل إحرام الطفل بدون أن يقضي النسك؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذه المسألة فيها اختلاف بين العلماء، فمذهب أبي حنيفة- رحمه الله- أنه يجوز للصغير أن يتحلل من الإحرام بدون أي سبب، وعلل ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: "الصغير حتى يبلغ " وعلى هذا المذهب لا يلزم أهله شيء، ولكن المشهور من مذهب الحنابلة أن إحرام الصغير كإحرام الكبير، وأنه إذا أحرم به وليه صار الإحرام لازماً في حقه،
(21/79)

وبناء على هذا فإنه يجب على أهله أن يخلعوا عنه اللباس، وأن يلبسوه ثياب الإحرام، وأن يذهبوا به فيطوفوا به ويسعوا به، ويقصروا من رأسه حتى تتم عمرته، فإن لم يفعلوا ذلك فهم آثمون.
س 82: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اصطحب ابنه معه لأداء العمرة ولبس هذا الطفل ثياب الإحرام، وفي أثناء العمرة خلع الطفل إحرامه ولم يكمل هذه المناسك، فما عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله-: ليس عليه شيء؛ لأن الصحيح.
أن الذين لم يبلغوا إذا أحرموا بحج أو بعمرة فما جاء منهم فاقبل، وما لم يأت فلا تطلب، لأنهم غير مكلفين.
س 83: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف يحرم الصبي؟
فأجاب فضيلته بقوله: عند الإحرام نقول: انوِ الإحرام، ونأمره بالاغتسال والتجرد من المخيط إن كان ذكراً ونقول: انوِ الإحرام لأنه مميز يعرف. ويلزمه الطواف والسعي إلا إذا عجز فإنه يحمل وإن كان الصغير غير مميز: فإن وليه ينوب عنه في تعيين النسك فيقول: لبيك لفلان. لبيك لفلان: الصبي. مثلاً يذكر اسمه عبد الله: لبيك لعبد الله، ولا يقول عن عبد الله لأن لبيك عن فلان أنك أنت تحج عنه، لكن لبيك له يعني أن هذه التلبية لفلان يتلبس بها بالنسك. فيقول: لبيك لفلان، فإذا قال: لبيك
(21/80)

لعبد الله أو لهذا الصبي صار محرماً ويطوف به ويسعى به. لكن يطوف به وحده ويسعى به وحده؛ لأنه لا يعقل النية ولا يمكن لوليه أن يأتي بنيتين لفعل واحد، يعني فعل الوالد، والصبي ليس
منه فعل ولا نية، فلا ينوي عن نفسه وعن الصبي إذا كان الصبي لا يعقل النية.
فإذا قال قائل: هل أفضل أن يحج الصبيان ويعتمرون؟ أو الأفضل ألا نفعل؟
فالجواب: إن كان الحج بهم يؤدي إلى التشويش عليه وإلى المشقة التي تحول بينك وبين إتمام نسكك، فالأفضل ألا يحرموا وهذا حاصل في أيام المواسم: كالعمرة في رمضان وكأيام الحج، ولهذا نقول: الأفضل ألا تحججهم أو تعتمر بهم في هذه المواسم؛ لأن ذلك مشقة عليهم ويحول بينك وبين إتمام نسكك على الوجه الأكمل.
أما إذا كان في الأمر سعة، فإن الإنسان يحب الأجر، فالإنسان يعتمر بهم، وكذلك لو فرض أن الحج صار سعة فإنه يحج بهم، والمهم ألا تحج بهم فتفعل سنة لغيرك على وجهٍ يضر بك فيمنعك من إتمام النسك.
س 84: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من عليه دين هل يلزمه الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان على الإنسان دين يستغرق ما عنده من المال فإنه لا يجب عليه الحج، لأن الله تعالى إنما
(21/81)

أوجب الحج على المستطيع، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) ومن عليه دين يستغرق ما عنده لم يكن مستطيعاً للحج، وعلى هذا فيوفي الدين ثم إذا تيسر له بعد
ذلك فليحج. أما إذا كان الدين أقل مما عنده بحيث يتوفر لديه ما يحج به بعد أداء الدين فإنه يقضي دينه ثم يحج حينئذ، سواء كان فرضا أم تطوعاً، لكن الفريضة يجب عليه أن يبادر بها، وغير الفريضة هو بالخيار إن شاء تطوع وإن شاء أن لا يتطوع فلا إثم عليه. والله الموفق.
س 85: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الحج من مال لم يخرج منه زكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج من مال لم تؤخذ منه زكاة صحيح، ولكن: عجباً لهذا الرجل، كيف يحج ويدع الزكاة؟ مع أن الزكاة أوكد من الحج بإجماع المسلمين، لهذا أوجبها الله كل عام، ولم يوجب الحج إلا مرة واحدة في العمر، وأعجب من ذلك وأغرب: رجل لا يصلي ثم يحج، وهذا الذي لا يصلي أقول: لا يحل له أن يدخل مكة ولا يقبل منه حج ولا صدقة ولا جهاد ولا أي عمل صالح، لأن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، والكافر المرتد خارج عن ملة الإسلام، لا يقبل الله أي عمل صالح، فأنا أعجب من بعض المسلمين الذين إن شئت قلت إن إسلامهم عاطفياً أكثر من عقلياً واستسلاما تجدهم مثلا يحرصون
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/82)

على الصوم وهم لا يقيمون الصلاة في وقتها، يصوم فيتسحر في آخر الليل ينامٍ ولا يصلي الفجر إلا مع الظهر أين الصيام؟ أو ربما لا يصلي أبداً، وفي الحج أيضاً: يحرص الإنسان غاية الحرص حتى إنه يحرص على أن يحج مع عدم وجوب الحج عليه وهو مضيع لكثير من الواجبات.
الواجب أن يكون إسلام الإنسان استسلاما لله إسلاماً عقليًّا يحكم الإنسان فيه العقل على العاطفة، وينظر ما قدمه الله ورسوله فيقدمه دون أن يقدم ما تهواه نفسه ويدع ما لا تهواه، ولهذا قال العلماء: إن العبادة هي التذلل لله عز وجل بحيث يتبع الإنسان ما أمر الله دون ما نفسه تهواه.
س 86: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يصح حج من عليه دين وخصوصاً إذا كان الدين كثيراً، أي لا يستطيع القضاء إلا بعد فترة زمنية طويلة ولا يستطيع تحديدها؟
فأجاب فضيلته بقوله-: حج من عليه دين صحيح، ولكنه آثم إذا حج وعليه دين، لأن الدين يجب قضاؤه، والحج ليس واجباً عليه فيما إذا كان عليه دين، لأن الله تعالى اشترط في الحج
الاستطاعة فقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) ومن عليه دين فإنه لا يستطيع أن يحج إذا كان حجه يحتاج إلى مال، أما إذا كان حجه لا يحتاج إلى مال كرجل في مكة
يستطيع أن يحج على قدميه بدون أن يخسر من المال، ففي هذا
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/83)

الحال يجب عليه الحج وليس آثماً فيه، لأن ذلك لا يضر غرماءه شيئاً، فيفرق بين رجل يحج بلا نفق لكونه من أهل مكة وحج على قدميه، وشخص آخر لا يستطيع فلا يلزمه الحج ولا يحل له أن
يحج وعليه دين، لأن الدين قضاء واجب، والحج في حال ثبوت الدين على الإنسان ليس بواجب.
س 87: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: من حج وعليه دين ما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: حج من عليه دين صحيح، ولكن لا يجب الحج على من عليه دين حتى يؤدي دينه، لأن الله تعالى يقول: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) والمدين
الذي ليس عنده مال لا يستطيع الوصول إلى البيت، فيبدأ أولاً بقضاء الدين ثم يحج، والعجب أن بعض الناس،- نسأل الله لنا ولهم الهداية- يذهبون إلى العمرة، أو إلى الحج تطوعاً من غير فريضة، وهم مدينون وفي ذمتهم ديون، وإذا سألتهم لِمَ تأتون بالعمرة، أو الحج وأنتم مدينون؟ قالوا: لأن الدين كثير، وهذا جواب غير سديد، لأن القليل مع القليل يكون كثيراً، وإذا قدر أنك تعتمر بخمسمائة ريال فهذه الخمسمائة أبقها عندك لتوفي بها شيئاً من دينك، ومعلوم أن من أوفى من المليون ريالاً واحداً فإنه يسقط عنه، ويكون عليه مليون إلا ريالاً. وهذه فائدة يستفيد بها، فنصيحتي لإخواني الذين عليهم ديون أن لا يأتوا لتطوع حج أو
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/84)

عمرة، لأن قضاء الواجب أهم من فعل مستحب، بل حتى من لم يؤد الفريضة من حج وعمرة لا يجب أن يؤدي الفريضة، وعليه دين؟ لأن الدين سابق ولا يجب الحج أو العمرة إلا بعد قضاء الديون.
س 88: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل سأل رجلاً غنياً ميسور الحال أن يعطيه مالا ليبلغ به الحج إلى بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج فأعطاه مالا فهل حج الرجل صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله-: حجه صحيح، لكن سؤاله الناس من أجل الحج غلط، ولا يحل له أن يسأل الناس مالا يحج به ولو كانت الفريضة، لأن هذا سؤال بلا حاجة، إذ إن العاجز ليس عليه فريضة، وسؤال الناس بلا حاجة أخشى أن يقع السائل للناس بلا حاجة في هذا الوعيد الشديد "أن الرجل لا يزال يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم " (1) والعياذ بالله، لأنه
قشر وجهه بسؤال الناس فكانت العقوبة أن قشر وجهه من أجل هذا السؤال، وليتق الله المؤمن في نفسه، فلا يسأل إلا عند الضرورة التي لو لم يسأل لهلك أو تضرر.
س 89: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للإنسان أن يعطي شيئاً من زكاته لمن أراد أن يحج؟
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثراً (رقم 1474) ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس (رقم 1040) (104) .
(21/85)

فأجاب فضيلته بقوله-: أما إذا كان الحج نفلاً فلا يجوز أن يعطى من الزكاة، وأما إذا كان فريضة فذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك، وأن تعطيه ليحج الفريضة، وفي نفسي من هذا شيء،
لأنه لا فريضة عليه ما دام معسراً، وإذا كان لا فريضة عليه فلا يجوز أن يعطى من الزكاة.
س 90: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ثلاثة أخوة يعملون في المملكة ولكل واحد منهم رزقه وظروفه، وقد اتفقوا على المساهمة في نفقات الحج لوالدتهم، وذات يوم أرسلت أمهم
برسالة تطلب فيها أن يشتروا لها جنيهًا ذهبيًّا فأرسل إليها ابنها بالرد إنني أفضل شراء قطعة ذهب مكتوب عليها لفظ الجلالة سبحانه وتعالى، بدلاً من الجنيه، لأنه مرسوم عليه صورة جورج، فأرسلت له: بأنها ترغب الجنيه الذهب وإضافة بسلسلة، وبذلك أصبحت التكلفة مرتفعة بخلاف تصميمها على شراء الجنيه الذهب، فأرسل إليها بأن قيمة الذهب سوف أدفعها لك لكي تؤدي فريضة الحج بمساهمة من أشقائي ورفضت مبدأ شراء الذهب، علماً بأن قيمة تكلفة مساهمتي في الحج أكثر من شراء الذهب ولم يأت الرد منها ومضى على ذلك حوالي شهرين، وأشعر الآن بضيق نفسي شديد لعدم إرسالها لي أي خطاب، سؤالي هل بتصرفي معها أصبحت عاقّاً لأمي وماذا أفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إن فعلك هذا فعل حسن، وهو خير لأمك، ولكن مع ذلك لو أنك اشتريت لها ذهباً ليس عليه
(21/86)

رسم إنسان، ولا كتب عليه اسم الله عز وجل، لكان ذلك أحسن، لأن الذهب الذي كتب عليه اسم الله قد يكون ممتهناً من لابسه وهذا لا يليق بما كتب عليه اسم الله عز وجل، والذي رسم عليه
الصورة لا يحل لبسه، لأن لبس ما فيه الصورة سواء كان حلياً أو ثياباً محرم لا يجوز، لما فيه استصحاب الصورة التي قاله فيها رسوله الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة" (1) وأنت لاتقلق على تأخر الجواب، ولكن تابع المسألة واكتب إليها مرة أخرى، وأشر عليها، وخذ رأيها بعد ذلك، لكن إن اختارت شيئاً ممنوعاً فلا تطعها، واقنعها بأن هذا ممنوع، وأن الشيء المباح منه ما يغني عنه، ويسلم به الفاعل من الإثم، ولا يجوز قدومها للحج بدون محرم؛ لأن المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم.
س 91: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على الرجل القادر مادياً أن ينفق على زوجته لتأدية فريضة الحج وإذا لم يفعل فهل يأثم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا يجب على الزوج ولو كان غنياً نفقة زوجته في الحج إلا إذا كان ذلك مشروطاً عليه في عقد النكاح، وذلك لأن حج المرأة ليس من الإنفاق عليها، حتى نقول
إنه يجب عليه أن ينفق عليها للحج، والزوجة في هذه الحال إذا لم
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب من كره القعود على الصورة (رقم 5957، 5958) ، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم تصوير صورة الحيوان (رقم 2106) (85) .
(21/87)

يكن عندها مال تستطيع أن تحج به ليس عليها حج، لأن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العظيم: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) وكذلك جاء في الحديث الصحيح عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا بد من الاستطاعة، ومن ليس عنده مال لا يستطيع، فليستقر في ذهن أولئك الذين ليس عندهم مال يستطيعون الحج به بأنه ليس عليهم حج، كما أن الفقير ليس عليه زكاة، ومن المعلوم أن الفقير لا يندم لعدم وجوب الزكاة عليه، لأنه يعلم حاله أنه فقير، فكذلك ينبغي لمن لا يستطيع الحج أن لا يندم ولا يتأثر، لأنه ليس عليه حج أصلاً، ولقد رأيت كثيراً من الناس يتأثر كثيراً إذا لم يقدر على الحج، يظن أنه أهمل فرضاً عليه، فأقول: استقر واطمئن لا فرض عليك، وأنت ومن أدى الحج سواء عند الله عز وجل، لأنك أنت معذور ليس عليك جناح، والمستطيع مفروض عليه أن يحج فقام بالحج ومن عمل العبادة أفضل ممن لم يعملها وإن كان معذوراً.
س 92: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل عازم على الحج ولكن عليه دين لشخص آخر، وقد بحث عنه ولم يجده، يقول: ماذا أفعل؟ وهل لابد من موافقة صاحب الدين؟:
فأجاب فضيلته بقوله-: أولاً نقول: من كان عليه دين فلا حج عليه أصلاً حتى وإن لم يؤد الفريضة؛ لأنه لم يكن عليه الحج حتى يوفي الدين، فليشتغل بوفاء دينه، وإن أخر الحج سنة بعد
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/88)

أخرى حتى يقضي الدين، وإني لأعجب من حرص الناس على أداء الحج مع الديون التي عليهم وهم يعلمون، أو لا يعلمون أن حق الله عز وجل مبني على المسامحة، وأن من عليه دين فلا حج
عليه، ومع ذلك يماطلون أصحاب الديون، أو لا يماطلون ولكن يحجون، وهذا غلط منهم بلا شك، نقول: اقض دينك ثم حج، وإذا كنت لا تعرف صاحب الدين فابحث عنه بقدر المستطاع، فإذا
لم تجده وكان عندك مال واسع تعلم أنك تحج ويبقى لديك فضل زائد على الدين فحينئذ لا بأس أن تحج.
س 93: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأيكم في الذي لم يحج وتوفرت لديه جميع السبل ولكن عليه دين، فهل يتم عزيمته على الحج أم يبطله؟
فأجاب فضيلته بقوله-: قضاء الدين أهم من الحج، والريال الذي يصرفه في قضاء الدين خير من عشرة ريالات يصرفها في الحج، نعم لو فرض أن تهيأ له أن يحج مجاناً مثل أن يخرج ليخدم الحجاج معه، أو أن أحداً من أصدقائه أراد أن يتبرع له بالحج فحينئذ لا بأس، لأن الحج هنا لا ينال الدين منه ضرر.
س 94: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الحج للرجل الذي عليه دين؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان على الإنسان دين فالحج ليس واجباً عليه، وإذا لم يكن واجباً فإن الدِّين والعقل يقتضيان أن
(21/89)

يقدم الواجب الذي هو الدَّين، فاقض دينك أولا ثم حج، وإذا متَّ في هذه الحال فليس عليك إثم.
س 95: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: وإذا كان على الإنسان دين ورغب الحج واستسمح صاحب الدين فهل يحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا استسمح صاحب الدين فإن الحج ليس واجباً عليه، لأن صاحب الدين سوف يطالبه به، غاية ما هنالك أن صاحب الدين يسمح له أن يقدم الحج فقط، فنقول: حتى لو سمح لك: فالمسألة ليست تحريم المغادرة من أجل حق الدائن؟ المسألة إبراء الذمة قبل أن يحج.
س 96: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الدين يمنع من الحج، وإذا كان مانعاً من الحج فما الحكم بالنسبة لديون البنوك الطويلة لا سيما بنك التسليف التي ربما تستغرق العمر كله ولا
نستطيع سدادها؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الدين إذا كان حالاً فإنه مقدم على الحج، لسبقه وجوب الحج فيوفي الدين ويحج، وإذا لم يكن عنده شيء بعد وفاء الدين ينتظر حتى يغنيه الله، وإذا كان مؤجلاً نظامياً فإن كان الإنسان واثقاً من نفسه أنه إذا حل الأجل يسدده فإن الدين هنا لا يمنع وجوب الحج، سواءً أذن له الدائن أم لم يأذن، وإن كان لا يضمن القدرة على الوفاء فإنه ينتظر حتى يحل الأجل.
وبناءً على ذلك نقول: من عنده دين لصندوق التنمية العقارية إذا
(21/90)

كان يعلم من نفسه أنه إذا حل الأجل أوفى يجب عليه الحج ولو كان عليه دين.
س 97: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا رجل عليّ دين فهل يجوز لي أن أحج نيابة عن شخص مع العلم أني سآخذ مبلغاً على ذلك، وهل يجب عليَّ أن أستأذن من صاحب الدين الذي
علىَّ؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا بأس أن يحج الإنسان عن غيره إذا كان عليه دين، وذلك لأنه لا يضر أهل الدين شيئاً، بل قد يكون هذا من مصلحته أنه إذا أعطي مالا على هذا الحج قضى به من دينه، لكن إذا كان الدين حالاً فليستأذن من الدائن حتى لا يكون في قلبه شيء على هذا الدين.
س 98: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل راتبه أربعة آلاف وعليه إيجار ونفقة عيال، ويريد أن يسافر للحج مع حملة أو غير حملة، فهل للمحسنين أن يجمعوا له ما يجعله يستطيع
الذهاب إلى الحج لأداء الفريضة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الذي أرى أنه لا يجب عليه، لأن الجمع له إذلال له: أعطونا لفلان، أعطونا لفلان، هذا ذل، والله عز وجل لم يوجب عليه الحج ما دامت أربعة آلاف التي هي راتبه تذهب في إيجار البيت وفي النفقة على الأولاد، فمن فضل الله أن
(21/91)

الله خفف عنه ولم يوجب عليه الحج، لأن الله قال: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)
س 99: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حج الرجل بنفقة غيره وهو قادر على أن يحج بنفقته فهل يلزمه أن يحج حجة أخرى؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا حج الإنسان بنفقة من غيره وهي الفريضة فإنها مجزئة ولا يلزمه شيء.
س 100: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج وعليه دين مقسط من غير أن يستأذن من صاحب الدين ومتأخر عن بعض الأقساط فما حكم حجه؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان عنده مال ويعرف من نفسه أنه إذا جاء وقت القسط يوفي فهذا لا بأس، ولا يستأذن من صاحب الدين، إما إذا كان لا يثق من نفسه، أو كما قال السائل: عليه أقساط لم يؤدها فلا يحج، وإذا حج فهو آثم، لكن حجه صحيح إذ إن الله سبحانه وتعالى رخص له ولكنه كلف نفسه، أفلا يخشى أن يموت في طريقه إلى الحج، أو بعد رجوعه.
س 101: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- هل يجوز لمن اشترك في الجمعية الشهرية أن يحج بالمال الذي أخذه منها، علماً بأنه أول من استلمها؟
(21/92)

فأجاب فضيلته بقوله: الجمعية أن يتفق الموظفون على أن يخصم كل واحد منهم من راتبه ألف ريال مثلاً، وتعطى للأول، وفي الشهر الثاني للثاني، وفي الشهر الثالث للثالث، وهلم جرا.
فهذا جائز ولا بأس به، فإذا صار الإنسان أول من أخذ، فمعناه أنه لزمه دين بما أخذ، ولكن لا بأس بأن يحج بهذا المال، لأنه يمكن قضاء هذا الدين، ويعرف أنه متى حلَّ هذا الدين الذي أوفاه.
س 102: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض من الناس يأخذ سلفيات من الشركة التي يعمل بها يتم خصمها من راتبه بالتقسيط ليذهب إلى الحج، فما رأيكم في هذا الأمر؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أراه أنه لا يفعل؟ لأن الإنسان لا يجب عليه الحج إذا كان عليه في ين. فكيف إذا استدان ليحج؟ فلا أرى أن يستدين ليحج؛ لأن الحج في هذه الحال ليس واجباً عليه. والذي ينبغي له أن يقبل رخصة الله سبحانه وتعالى وسعة رحمته، ولا يكلف نفسه ديناً، لا يدري هل يقضيه أم لا؟ ربما يموت ولا يقضيه. فيبقى في ذمته.
س 103: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا طالب قد بلغت وليس لي مال خاص بي- فهل أطلب من والدي المال لأحج الآن أم أنتظر لحين تخرجي وعملي لأحج بمالي الخاص مع أن ذلك
سيطول. فبماذا تنصحونني؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج لا يجب على الإنسان إذا لم
(21/93)

يكن عنده مال، حتى وإن كان أبوه غنياً، ولا يلزمه أن يسأل أباه أن يعطيه ما يحج به، بل إن العلماء يقولون: لو أن أباك أعطاك مالاً لتحج به، لم يلزمك قبوله، ولك أن ترفضه وتقول: أنا لا أريد
الحج، والحج ليس واجباً عليّ. وبعض العلماء يقول: إذا أعطاك إنسان- الأب أو الأخ
الشقيق- مالاً لتحج به فإنه يجب عليك أن تأخذه وتحج به، أما لو أعطاك المال شخص آخر تخشى أن يمن به عليك يوماً من الدهر فإنه لا يلزمك أن تأخذه وتحج به، وهذا القول هو الصحيح.
س 104: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إنسان أعطاه شخص مالاً ليؤدي به الفريضة، فهل يلزمه أن يقبل هذا المال ويؤدي به الفريضة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمه، وله أن يرده خشية المنة - أي يمن عليه الذي أعطاه مالاً يحج به- حيث لم يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة.
أما إذا كان الذي أعطاه المال أباه أو أخاه الشقيق فهنا نقول: خذ المال وحج به؟ لأن أباك لا يمن عليك، والشقيق لا يمن عليك.
وعلى هذا نقول للأخ: انتظر حتى يغنيك الله- عز وجل- وتحج من مالك؟ ولست بآثم إذا تأخرت عن الحج.
(21/94)

س 105: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لزوجتي عندي مبلغ من المال وأريد أن أؤدي الحج منه فهل يجوز لي ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أذنت لك في هذا أي زوجتك بأن تحج من مالها الذي عندك لها فلا حرج عليك في هذا، ولكن إن خفت أن يكون عليك في ذلك غضاضة، وأن تمن عليك به في المستقبل وأن ترى لنفسها مرتبة فوقك من أجل هذا فلا تفعل، فإنه لا ينبغي للإنسان أن يذل نفسه لأحد إلا لله عز وجل.
س 106: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أن شخصاً اشترى بيتاً، أو أرضاً، أو سيارة تقسيطاً فهل يجوز له أداء الحج أو العمرة؟ علماً أنه بالإمكان تسديد الأقساط من راتبه دون أن يمتد
لسلف أو غيره؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا ينبغي أن يحج قبل قضاء الدين، وما يدريه فلعله لا يتمكن من أداء دينه في المستقبل لموت أو غيره؟ وأما الجواز فيجوز أن يحج إذا كان له ما يوفيه حاضراً بشرط أن يوثق المدين برهن يكفي، أو ضامن ملي.
س 107: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان الرجل مكسبه حرام ثم حج بابنته أو ولده الفرض فهل يقبل منهما أم عليهما إعادة الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا تيقن أن المال الذي حج به من المال المحرم، وكان عالماً بأن الحج بالمال المغصوب باطل ولم
(21/95)

يكن ناسياً حين حج منه فالحج باطل على المشهور من المذهب، وإن اختل شرط من هذه الشروط فالحج صحيح، فلو كان المحجوج به لا يدري عن المال، أو لا يعلم أن الحج بالحرام باطل فحجه صحيح.
مع أن بعض العلماء يرى أن الحج صحيح حتى مع وجود الشروط المذكورة، والله أعلم.
س 108: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عمن عليه قروض طويلة الأمد وهو يؤدي هذه القروض فهل له أن يتصدق وأن يحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: من عليه قروض مؤجلة وهو واثق من نفسه إذا حل الأجل أوفى فلا بأس أن يتصدق، ولا بأس أن يحج أيضاً بما عنده من المال، لأنه لا ضرر على الغريم في هذه الحال، ولأنه لا ينتفع الغريم بما عنده من المال الآن.
س 109: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا جمع شخص أموالاً كثيرة من تجارة في أشياء محرمة ثم تاب إلى الله، فهل يجوز له أن يحج من ذلك المال، أو يتصدق منه، أو يتزوج منه، أو يبني
منه مسجداً لله؟
فأجاب فضيلته بقوله: كل من كسب كسباً على وجه محرم فإن هذا الكسب لا يحل له، ويجب عليه التخلص منه، وذلك بأن يرده إلى أصحابه إن كان في أصله حلالاً ولكن أخذه بطريق محرم، فإن كان محرماً فإنه يتصدق منه أو يبني به مسجداً أو ما
(21/96)

أشبه ذلك من طرق الخير، ولكن لا بنية التقرب إلى الله لأن ذلك لا يفيده، فإن من تقرب إلى الله بكسب محرم لم يقبله الله منه، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ولا تبرأ ذمته منه أيضاً، لأنه لم يرد
الخلاص بهذه الصدقة منه، ولكن على من اكتسب مالاً محرماً وتاب إلى الله عليه أن يبذله فيمن يرضى الله سبحانه وتعالى تخلصاً منه لا تقرباً به وبهذا تبرأ ذمته.
س 110: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إدْا تبرع الكافر بدراهم لمسلم ليحج بها فهل للمسلم المحتاج أن يحج بها الفرض؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم له أن يحج بها الفرض والنفل، لأن الحج وقع ممن يصح منه.
س 111 سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إنني أريد أن أحج لكن عليّ سلفة وعندي قطعة أرض أريد أن أبنيها بيتاً. هل أحج أم أعطي السلفة أم أبني البيت؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت قد أديت الفرض وكانت هذه الحجة تطوعاً فاقض الدين أولاً، فالدين واجب، وحج التطوع ليس بواجب، والواجب مقدم على غيره، وأما إذا كان الحج فرضاً
فإنه لا يجب عليك الحج أيضاً حتى تقضي دينك، لأن الله تعالى يقول: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) وإذا
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/97)

كان عليك دين فأنت غير مستطيع، لذلك فاقض دينك أولا ثم حج.
س 112: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سائل يسكن مع أخيه منذ سبع سنوات، لم يجد منزلاً مع عائلته يستقل فيه، جاء إلى المملكة فأعطاه والد كفيله ألفي ريال ليحج فحج، ولكنه لم
يعمل بعد الحج ليرد السلف، وهو متضايق نفسياً، ويفكر في الخلاص من واقعه، ولكنه يخاف الله، ثم يخشى من جعل أولاده أيتاماً. أرجو من فضيلتكم حل مشكلتي وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل لك بأي حال من الأحوال أن تعدم نفسك وتقتلها، فإن هذا لا يزيدك إلا شراً ووبالاً، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم خالداً فيها مخلداً- والعياذ بالله- وعليك أن تصبر على أقدار الله، وتحتسب الأجر من الله تبارك وتعالى، وتنتظر الفرج منه سبحانه، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً" (1) . واسأل الله تعالى دائماً التيسير، وأن يفرج همومك، وأن يرزقك ما توفي به هذا الرجل الذي أحسن إليك وأقرضك.
وإن كان الذي ينبغي لك ألا تقترض لتحج، لأن الإنسان لا يجب عليه الحج إذا لم يجد ما يحج به، ولا ينبغي له أن يستلف ليحج فيلزم نفسه دينًا وهو في غنى عنه، وعلى صاحبك الذي
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/307)
(21/98)

أقرضك أن لا يطالبك ولا يطلبك إلا حيث يكون عندك مال تسدد به، وله في ذلك أجر عظيم. والله الموفق.
س 113: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد أديت فريضة الحج في الموسم الفائت عام 1404 هـ، نيابة عن والدي المتوفى، ولكن النقود التي ذهبت بها لم تكن كلها مني، بل استلفت من أحد أصدقائي لأكمل مصاريف الحج، والسبب في ذلك أنني أعمل في مؤسسة، ولم أستطع الحصول على المبلغ الذي يكفيني، مع العلم أنه يوجد لدى المؤسسة مبلغ كبير لي فهل الحج جائز مع العلم أنني حججت عن نفسي سابقا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج جائز فيما إذا استقرض الإنسان من أصحابه، إذا كان له وفاء، وهذا السائل يذكر أنه استقرض ما ينقصه من النفقة، حيث إنه له نقودًا في المؤسسة التي يعمل فيها،
وعلى هذا فعمله جائز ولا بأس به.
س 114: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أراد الإنسان الحج وعليه دين فهل يجوز له الحج قبل تسديده؟
فأجاب فضيلته بقوله: والإنسان الذي عليه دين ليس بمستطيع وإذا لم يكن مستطيعاً: فالحج ليس واجباً عليه، والدين واجب عليه. والإنسان العاقل: لا يأتي بالشيء الذي ليس بواجب ويدع الشيء الواجب. بل العاقل يبدأ أولاً بالواجب ثم يأتي بغير الواجب فنقول: الدين يجب عليك أداؤه، وأما الحج فليس
(21/99)

بفريضة عليك الآن ما دمت مدينا لا تقر على الوفاء، فاحمد الله على العافية ولا تحج، الدرهم أو الريال الذي تجعله في الحج، اجعله في قضاء الدين، لو قدر عليك: خمسمائة ألف، وأنك ستحج بخمسمائة ريال، نقول أوف شيء من الدين بخمسمائة ريال ولا تحج، أنت إذا أعطيت خمسمائة ريال من له عليك خمسمائة ألف، صار له عليك خمسمائة ألف إلا خمسمائة ريال، فنقص الدين، وهذه فائدة، نعم لو فرض أن المدين وجد من يحمله مجاناً، مثل أن يأتى إليه إنسان ويقول: حج معنا ساعدنا ونحن نقوم بنفقتك، ففي هذه الحالة حج لأنه لا يضر غرماءه شيئاً، أما إذا كان يريد أن يبذل المال فإننا نقول له: لا تحج واقض دينك، فهذا هو الأفضل لك.
س 115: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تسافر للحج من مال أخيها وزوجها موافق على سفرها؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز لها أن تحج بمال أخيها إذا وافق زوجها على السفر إلى الحج.
س 116: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ينوي أن يحج حج الفريضة وعليه ديون كثيرة يغلب على الظن بأنه إذا استأذن من أصحابها سوف يأذنون له، هو الآن يستطيع أن يوفر
تكاليف الحج من مصاريف سفر ومأكل ومشرب وغير ذلك فهل يأثم إذا لم يستأذن من أصحاب الديون؟
(21/100)

فأجاب فضيلته بقوله: المسألة ليست مسألة استئذان أو عدم استئذان، المسألة أن الإنسان إذا كان عليه ديون فإنه لا يجب عليه الحج أصلاً، ولا حرج عليه أن يدعه، ولا ينبغي أن يحج وتبقى
الديون عليه، حتى لو أذن له أهل الديون، وقالوا: حج وأنت منا في حل. فإننا نقول: لا تحج حتى تقضي الدين، احمد ربك أن الله عز وجل لم يوجب عليك الحج إلا بالاستطاعة التامة، والمدين ليس عنده استطاعة في الواقع، لأن ذمته مشغولة فلا يحج حتى يوفي الدين، سواء أذنوا له أو لا. وهو إذا لاقى ربه وهو لم يحج لأن عليه ديوناً فإنه لا يأثم بذلك، كما أن الفقير لا تجب عليه الزكاة ولا يأثم إذا لا قى ربه وهو لم يزك كذلك من لم يستطع الحج إذا لاقى ربه وهو لم يستطع فإنه يلقى ربه غير ملوم.
س 117: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل في إحدى المؤسسات وقد درجت المؤسسة على إيفاد بعض عامليها كل عام إلى الحج على نفقتها ويتم اختيار هذه المجموعة حسب كبر السن ومدة الخدمة في المؤسسة، فهل يصح هذا الحج أم لا يصح؟
فأجاب فضيلته بقوله: يصح هذا الحج، ويجوز للإنسان أن يقبل التبرع له بأداء فريضة الحج من هذا المال، ومثل هذه المسألة التي ذكرها السائل لا يكون فيها في الغالب منة، لأنه نظام الشركة يذهب فيه فلان وفلان، أما لو كان التبرع لشخص معين، فهنا قد نقول: لا ينبغي أن تقبل هذا، لأنه يخشى أن يمن به عليك يوما من الدهر، فيقول: أنا الذي أعطيتك ما تؤدي به فريضة الحج وما
(21/101)

أشبه ذلك، وعلى كل حال فمن قبل من إنسان تبرعاً ليؤدي به الحج فلا بأس به، لكن كما قلت إذا كان من شخص معين فالأولى أن لا تقبل، وإذا كان من شركة على وجه العموم والنظام لها فلا
بأس.
س 118: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يملك مبلغاً من المال ولم يؤد فريضة الحج وعنده ابن شاب ليس لديه مال ليتزوج به لأنه ما زال يدرس، وقد خاف الأب على ابنه الفتنة
والانحراف، ما هو الأفضل للأب أن يحج بهذا المال أم يزوج هذا الابن الشاب؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على الأب أن يحج بهذا المال، لأن الحج فريضة عليه، وحالة الابن ليست تتعلق بذات الأب، أما لو كان الأب نفسه يحتاج إلى نكاح ويخشى على نفسه إن لم يزوج وليس في يده إلا هذه الدراهم، فهو إما أن يحج بها وإما أن يتزوج فحينئذ نقول: قدم الزواج، لأن الزواج هنا يتعلق بنفس الرجل، ولا تعجب إذا قلت: إن الأب محتاج إلى الزواج وليس عنده هذه الدراهم، لأن هذا يقع كثيراً قد يكون الرجل قوي الشهوة لم تغنه المرأة الأولى، أو تكون المرأة الأولى قد ماتت أو طلقت فيحتاج إلى زوجة أخرى.
س 119: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة كانت في حاجة فدفع لها زكاة فهل لها أن تحج منها أم لا جزاكم الله خيراً؟
(21/102)

فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز الحج بمال الزكاة وبمال الصدقة، ويجوز لآخذ الزكاة أن يهديها إلى من لا تحل له الزكاة بشرط أن يكون حين أخذه للزكاة من أهل الزكاة أي مستحق لها، وما جاء في السؤال فهو كذلك، أي أن المرأة أخذت هذه الأموال من الزكاة والصدقات وهي أهل لذلك ثم إن الله تعالى أغناها وأرادت أن تحج بما عندها من أموال الزكاة والصدقات، فنقول: لا بأس بهذا، لأن الفقير إذا أخذ الصدقة وهو من أهلها، أو الزكاة وهو من أهلها فإنه يملكها ملكاً تاماً يتصرف فيها بما يشاء.
س 120: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لي أن أحج بمال والدي، علماً بأني لا أملك مالا؟
فأجاب فضيلته بقول: نعم يجوز للإنسان أن يحج بما يتبرع به أبوه، أو أخوه، أو ابنه، أو أحد من إخوانه الذين لا يلحقه منهم منة، فإن كان يخشى أن يلحقه منهم منة فإن الأولى أن لا يحج بشيء من ماله، لأن المنان يقطع عنق صاحبه بمنته عليه، كلما حصلت مناسبة قال: أنا الذي حججت بك. أنا الذي فعلت. فإذا أمن الإنسان من المنة عليه في المستقبل فلا حرج عليه أن يقبل من أحد من أقاربه، أو أصحابه أن يتبرع له بما يحج به.
س 121: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل في شركة بالمملكة وصاحب هذه الشركة يقيم مخيمات للحج كل عام ويحج هذا الرجل وزوجته على نفقة صاحب العمل رغم أن حالته
(21/103)

المادية ميسرة فهل يجوز هذا الحج أم لابد أن يكون الحج على نفقتنا أرجو الإفادة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أذن صاحب الشركة فإنه جائز.
س 122: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: إني حائرة جذا أديت فريضة الحج والحمد لله، ولكن الذي يحيرني ويوسوس لي بنقصان حجي، أنني لم أدفع للحملة أي تكاليف مالية، حيث قام بدفع ذلك أحد المحسنين، لأن راتب زوجي كان قليلاً وكنت أملك قليلاً من الذهب، وأخشى أن تكون حجتي ناقصة، لأني لم أقم ببيع هذا الذهب ودفعه لتلك الحملة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أقول: الحج إن شاء الله ليس بناقص، وأرجو الله أن يكودن مقبولاً، ولا يلزمها أدن تبيع ذهبها لتحج، فأقول لهذه المرأة: اطمئني حجك صحيح مبرىء للذمة، وقد سقط عنك.
س 123: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عمن عليه دين غير حال ويريد الحج فهل يحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج على الإنسان أن يحج وعليه دين إذا كان لم يحل، ولكننا نقول: الحج لا يجب عليك حتى تقضي الدين تيسيراً من الله عز وجل، فنقول للإنسان: أقض دينك أولاً،
ثم حج ثانياً. والإنسان لو مات في هذا الحال فإنه لا إثم عليه.
(21/104)

س 124: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا امرأة تزوجت قبل خمس عشرة سنة ولم أحج لظروف ويسر الله عز وجل لي في هذا السنة جاءتني صدقة مبلغ من المال وأنا لا أملك أجرة الحج،
وهذا المبلغ من رجل معروف بالربا، والناس يعرفون ذلك عنه، فله بنوك ربوية، السؤال يا فضيلة الشيخ: هل أحج علماً بأنني لا أعلم عن هذا المال الذي أخذته هل هو من الربا أم من الحلال؟
وماذا أعمل علماً بأن أخي سوف يكون محرماً لي؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج على الإنسان إذا تصدق عليه أحد من المرابين أن يحج بما تصدق به عليه، ولا حرج عليه أن يقبل ما أهدي إليه، لأن ذنب الربا على صاحبه. أما الذي أخذه بطريق شرعي: بطريق الهبة، بطريق الصدقة. والدليل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل الهدية من اليهود، وأكل طعام اليهود، واشترى من اليهود، مع أن اليهود معروفون بالربا وأكل السحت، نعم لو فرضنا أن شخصاً سرق شاة من غنم رجل، وجاء وأهداها إليه، فهنا تحرم لأنك تعرف أن هذه الشاة ليس ملكا له، أما إذا كان يتعامل بالربا فإثمه على نفسه، ومن أخذ منه بطريق شرعي فهو مباح له، فنقول لهذه المرأة: لا حرج عليك أن تحجي بالمال الذي أعطاك إياه من كان معروفًا بالربا.
س 125: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما صحة ما ينسب إليكم من أن الرجل إذا كان عليه دين فاستأذن من صاحب الدين في الحج فلا حرج عليه؟
(21/105)

فأجاب فضيلته بقوله: هذا غير صحيح، والذي عليه الدين يجب أن يقضي الدين أولاً حتى لو أذن له الدائن أن يحج، فإنه لا يجب عليه الحج، لأنه إذا أذن له أن يحج هل يسقط الدين؟ لا يسقط إذا ليس في الإذن فائدة ولكن لو كان الإنسان عليه دين يسير، ويعلم أنه إذا جاء الراتب في نهاية شهر ذي الحجة فسوف يوفيه فحينئذ لا بأس، لأنه واثق من نفسه، أما الديون الكثيرة فمن الأولى أن يقضيها قبل أن يحج.
س 126: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كنت مخصصاً مبلغًا من المال للحج وعليّ دين، ولكن هذا الدين مفتوح التسديد من قبل المدين، وفي هذا الشهر صرفت الفلوس على اعتبار أني
سأعوضها قبل الحج، ولكن لم يتيسر لي المبلغ الآن مع العلم بأني لم أفرط، فهل ما فعلته من التفريط، وهل هناك فرق بين الدين الذي للوالد أو الوالدة أو الأجنبي؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول للأخ: الحج ليس فرضاً عليك. وأي إنسان عليه دين فالحج ليس فرضاً عليه، وليطمئن ويسترح باله، وليعلم أنه لو واجه ربه فإنه لا يعاقب، لأن الدين وفاءه أهم من الحج، فعلى الإنسان أن يحمد وبه على الرخصة وعلى التوسعة، فمثلاً لو كان الإنسان عنده ألف ريال يمكن أن يحج بها، لكن عليه ألف ريال، فنقول له: أوفي بها وحج بعد، لأن الحج الآن ليس فرضاً عليك، لقول الله تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ
(21/106)

إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) والإنسان يريد أن يبرىء ذمته من الناس، فاقبل رخصة الله، والله تعالى أكرم من الدائن، فالدائن سيؤذيك ويقول: أعطيني، لكن الله رخص لك وأذن لك أن لا تحج، ولم يفرض
عليك الحج، فلماذا تذهب تحج وتدع الدين الذي عليك؟ إذا مات الإنسان والدين عليه من يوفيه، ليس عنده مال؟ ثم إذا كان عنده مال فإن بعض الورثة- والعياذ بالله- ظلمة لا يبالون ببقاء الدين في ذمة الميت؟ وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نفس المدين معلقة بدينه حتى يقضى عنه (2) فالمسألة خطيرة، ولهذا نقول لإخواننا الذين عليهم دين: إن الحج ليس فرضاً عليكم أصلاً، لأنكم لا تستطيعون، والله تعالى إنما فرض الحج على من استطاع إليه سبيلا، أرأيت الفقير هل عليه زكاة؟! ولو لاقى ربه على هذه الحال أيعاقب؟ لا، كذلك الذي عليه الدين فإنه ليس عليه الحج حتى يؤدي الدين، لكن لو فرض الإنسان أن عليه لكنه مؤجل ويحل مثلاً بعد شهرين، وهو موظف واثق أنه بعد الشهرين سوف يوفي، وبيده الآن مال، فيحج لأن هذا ليس عليه ضرر.
لو قال قائل: أنا عليَّ دين حال، وصاحب الدين أذن لي أن أحج، فهل يجب عليَّ أن أحج؟
فالجواب: لا يجب عليك الحج؟ لأنه وإن أذن لك فإنه لن يسقط شيئًا من دينك.
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(2) أخرجه النسائي، كتاب البيوع، باب التغليظ في الدين (7/314- 316 رقم 4681) .
(21/107)

فإذا قال المدين: أنا أريد أن أصاحب رفقة مجاناً هل يلزمه الحج. لا يلزمه الحج، لأن هؤلاء الرفقة يمنون عليه في المستقبل، يقولون: نحن حججنا بك. هل هذا جزاؤنا مثلاً.
ثانيا: إذا قدر أن الرفقة من أهله ولا يمكن أن يمنوا عليه يوماً من الدهر، قلنا: ننظر إذا كان هذا المدين صاحب عمل ويحصل في أيام الحج، أجرة تنفع الدائنين، لكن لو ذهب يحج لم يحصل أجرة نقول له: تحج، فمثلاً لو قدرنا أن هذا الرجل يوميته ثلاثمائة ريال وهو سيحج في خلال عشرة أيام، فيفقد ثلاثة آلاف، وهذه تنفع الدائن، فنقول: لا تحج أما لو كان الرجل عاطلاً عن العمل ولو ذهب يحج لم يتعطل ولم يضر صاحب الدين، فحينئذ نقول: إذا وفق الله لك قوماً يحملونك مجاناً ولا
يخشى من منتهم في المستقبل فتوكل على الله.
ولا فرق بين الدين الذي للوالد، أو للوالدة، أو الأجنبي، فالذمة مشغولة.
س 127: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من دفع نفقة شخص لم يؤد الحج وهي فريضة فهل له مثل أجره وهل هو أفضل من أن ينيب من يحج عنه.
فأجاب فضيلته بقوله: نعم إن شاء الله له مثل أجر حجه، يعنى أجر حج فريضة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من جهز غازياً فقد غزا" والحج نوع من الجهاد، وإعطاء هذا الفقير ليحج حج
(21/108)

الفريضة أفضل من كونه يعطي الدراهم لشخص يحج عنه حجة نافلة، لأنه سيأتي أجر فريضة إلى أخيه لأداء ركن من أركان الإسلام عنه.
س 128: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل لديه أبناء ذكور وإناث مكلفون وليس لديهم الاستطاعة المالية، فهل يلزم والدهم أن ينفق عليهم ما يكفيهم لأداء الحج؟ أم ينتظرون حتى
يكون لديهم الاستطاعة بأنفسهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزم الوالد أن يحج بأولاده ولو كان عنده مال كثير، لأن هذا دين، فإن تحقق فيهم الشرط وهو الاستطاعة بأنفسهم وجب عليهم، لكن إن تطوع الأب وحج بهم فهذا طيب، وله أجر بلا شك، ولا يجب وربما نقول: يجب فيما لو حج ببعضهم وترك الآخرين. فنقول: يجب أن تحج بالآخرين، بناءً على وجوب العدل. فإذا سمح الآخرون وقالوا: يا والدنا إن شئت فحج بنا، وإن شئت فلا تحج. سقط عنه الوجوب.
س 129: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: يطالبني البنك العقاري بأقساط كثيرة لم أسددها، وقد جاء تعميم جديد بأنه يمكن للشخص أن يسدد الأقساط الحاضرة، والباقي يؤجل إلى
آخر الأقساط فهل أسدد الحاضر وأحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: جزاهم الله خيراً هذا طيب وهو نظام
(21/109)

جيد، فأقول: سدد الآن ما تستطيع مما مضى، ولكن لا تستدن من أحد لتسدد، لأن هذا الذي يستدين يكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، فأد ما عليك بما تقدر عليه، وأبق الباقي إلى أجله، وإن
كان في ظنك أنك ستوفي فحج ولا بأس، وإلا فلا تضيق على نفسك.
س 130: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للإنسان أن يحج وهو عليه دين، وذلك الدين عبارة عن صبرة في البيت ولم يجد صاحب الصبرة فماذا يعمل؟ وهل يحج وهذا الدين في ذمته؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا يحج لأن صاحب الدين مجهول، ولكني أرى للأخ أن يذهب للقاضي ويعرض عليه المسألة، ويقول: ماذا أفعل بهذه الصبرة؟ أأجعلها في بيت المال؟
أأتصدق بها على الفقراء؟ أأجعلها في المساجد؟ حتى يبرىء ذمته منها وهو حي ولايتهاون، فالأيام تمشي والأزمان تمضي، فلعل أجله قريب، فلينظر إلى نفسه قبل رمسه، وليذهب إلى القاضي
غدا قبل اليوم الذي يليه ليخلص نفسه.
س 131: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من شروط الحج الاستطاعة. ونجد أن الكثير ممن يأتي من غير أهل هذه البلاد يأتون ولا استطاعة لهم، بل تجدهم يستدينون ويشق عليهم الحج أشد
المشقة، ولكنهم يخشون أن لا تتيسر لهم الفرصة فهل يمنعون من أداء الحج لهذا السبب أم يقال لهم إذا جاءتكم الفرصة فحجوا ثم
(21/110)

ييسر الله لكم سداد ديونكم فيما بعد؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول لهم: إن الشرع والرأي يقتضي أن لا تحجوا، وعليكم الدين، وأن لا تستقرضوا للحج، نقول: اقبلوا رخصة الله حيث خفف عنكم، وأنتم إذا وافيتم الله، ولم تحجوا لعدم استطاعتكم فلا إثم عليكم.
س 132: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يفرق بين الدين الحال والدين الذي له أجل، حيث إن عليَّ دينًا لأحد أقاربي ولو استأذنته لأذن، ولكني أريد الزواج بعد سنة، وأريد أن أؤدي
الفريضة قبل الزواج هذا العام، فهل أحج مع وجود الدين عليّ أم ماذا أصنع.
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الدين مؤجلاً وأنت تعلم أنه إذا حل الأجل فسوف تكون قادراً على قضائه فلا حرج عليك أن تحج. أما إذا كان الدين حالاً فنقول لك: أد الدين أولاً ثم حج
ثانياً، فإذا كان مالك لا يتسع لقضاء الدين والحج فالدين أهم، والحج في هذه الحال غير واجب عليك، فاحمد الله على النعمة وعلى التيسير، واقض دينك الذي ثبت قبل وجوب الحج عليك.
س 133: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا عامل أتيت إلى هذه البلاد بمرتب قدره ثمانمائة ريال ولما قدمت قال لي كفيلي: ليس عندي مؤسسة، إن كنت تريد أن تعمل بالنسبة وإلا
سفرتك فاضطررت إلى الجلوس، لأن قدومي كلفني أكثر من
(21/111)

خمسة آلاف ريال، فقلت: أقوم بتسديد الدين ثم أسافر، فلما أردت الحج، قال لي أحد الإخوة: لا يجوز لك أن تحج بهذا المال، لأن مالك حرام فسألته: لماذا؟ قال لأنك رضيت بالنسبة وخالفت النظام الذي أتيت عليه، والآن أنا أريد الحج وإنما أخذت ذلك المال لسداد ديني وقد سددته ولله الحمد، فهل يجوز لي أن أحج بذلك المال أم ماذا أصنع؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت جاهلاً لا تدري أن هذا العمل الذي اتفق مع كفيلك عليه محرم فلا شيء عليك، لقول الله تبارك وتعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (1) فحج بهذا المال وهو حلال لاك، لأن الله تعالى قال: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) (2) .
س 134: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس عليه ديون ولم يحج حجة الإسلام، لكن الحج بالنسبة له لا يكلفه، لأنهم يأخذون معهم خيمة ومعهم طعام من بيوتهم ولا يتكلفون إلا
سعر البنزين، وإذا فرق على المجموعة لن يدفع إلا ما يقارب عشرين ريالاً هل يجب عليه الحج ويحجوا مفردين لأنه ليس عليه في هذه الحالة هدي؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجب عليهم الحج ما دام باقي
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(2) سورة البقرة، الآية: 275،
(21/112)

عليهم دين، فإن الحج لا يجب عليهم وإن كانت تكاليفه يسيرة، اللهم إلا رجل يذهب مع الحجاج ويخدمهم ويعطونه أجرة على هذه الخدمة، فهذا قد نقول: اكتسب مالاً يستطيع أن يوفي به دينه
من هذا الحج. فهذا نقول: لا بأس أن يحج. وأما شخص يأخذ من الحج ولو شيئاً يسيراً فليحمد الله على العافية وليقضي دينه قبل حجه.
س 135: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج لله تبارك وتعالى حجة الفريضة بمبلغ من المال حصل عليه عن طريق أنه كان يريد الزواج ولا يستطيع لأنه فقير فساعده بعض أهل العلم
بمبلغ من المال ثم أخذ من المال وحج الفريضة وهو لم يتزوج حتى الآن فما حكم حجه جزاك الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما حجه فصحيح، وأما عمله فخطأ، ولكن عليه الآن أن يذهب إلى الرجل الذي أعانه على الزواج، ويخبره بالواقع ويقول: إني حججت ببعض المال الذي أعطيتني، وأرجو من الأخ الذي ساعده أن يسامحه، حتى يحصل أجرين: أجر الإعانة على الحج، وأجر الإعانة على الزواج.
س 136: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس أراد أن يحج على الإبل مع أن المسافة ألف وثلاثمائة كيلو مع توفر السيارة عنده هل يعتبر هذا من التنطع في الدين؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرى أن لا يفعل، وأن الله تعالى لما
(21/113)

يسر الأمر فليتيسر، قال الله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12)) (1) فبدأ بالفلك، والسيارات فلك البر والطيارات فلك الجو، والسفن فلك البحر، فليحمد الله على العافية، وأخشى أن يقع في قلوبهم أحد أمرين: إما ما يعرف بالآثار وإحياء الآثار وما أشبه ذلك، وإما أن يكون هناك رياء، وكلاهما شر، لذلك أنصح إخواننا بأن لا يشقوا على أنفسهم، وعليهم بالتيسير حيث يسر الله عليهم، وأن يحجوا بما يحج الناس عليه.
س 137: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لي زوجة ولم تحج فهل يلزمني أن أحج بها؟ وهل تلزمني نفقتها في الحج؟ وإذا لم يجب عليَّ فهل يسقط عنها؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كانت الزوجة قد اشترطت عليه في العقد أن يحج بها وجب عليه أن يوفي بهذا الشرط وأن يحج بها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج " (2) وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (3) وقال: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (4) أما إذا لم تشترط عليه ذلك، فإنه لا يلزمه أن يحج بها، ولكني أشير عليه أن يحج بها لأمور:
__________
(1) سورة الزخرف، الآية: 12.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في المهر عند عقدة النكاح (رقم 2721) ، ومسلم، كتاب النكاح، باب الوفاء بالشروط في النكاح (رقم 1418) .
(3) سورة المائدة، الآية: 1.
(4) سورة الإسراء، الآية: 34.
(21/114)

أولاً: طلباً للأجر، لأنه يكتب له من الأجر مثل ما كتب لها، وهي قد أدت فريضة.
ثانياً: أن ذلك سبب للألفة بينهما، وكل شيء يوجب الألفة بين الزوجين فإنه مأمور به.
ثالثاً: أنه يمدح ويثنى عليه بهذا العمل، ويقتدى به، فليستعن بالله ويحج بزوجته. سواء شرطت عليه أم لم تشترط. وأما إذا اشترطت فيجب عليه أن يوفي به.
س 138: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا منع الزوج زوجته فهل يأثم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يأثم إذا منع زوجته من الحج الذي تمت شروطه، فهو آثم يعنى لو قالت: هذا محرم هذا أخي يحج بي وأنا عندي نفقة، ولا أريد منك قرشاً. وهي لم تؤد الفريضة فيجب أن يأذن لها، فإن لم يفعل حجت ولو لم يأذن، إلا أن تخاف أن يطلقها فتكون حينئذ معذورة.
س 139: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا طالب فهل لي أن أحج وآخذ من والدي أم أنتظر حتى أتوظف، فيكون عندي ما يمكنني من الحج، أيهما الأفضل لي؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن الطالب الذي ليس عنده مال لا يلزمه أن يسأل والده ويقول: أعطني ما أحج به. لأنه لم حما عليه الحج، لكن إن رأى أبوه أن يعطيه ما يحج به إحساناً
(21/115)

إليه لا وجوباً على الأب، فهذا لا حرج، وهذا من الإعانة على البر والتقوى، ومن صلة الرحم أيضاً، فأشير على جميع الآباء الذين عندهم قدرة أن يساعدوا أبناءهم في أداء فريضة الحج، وإن كان
غير مفروض عليهم، لأن هذا من الإحسان ومن صلة الرحم.
س 140: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لي أن أحج نيابة وأنا مستأجر من قبل حملة حج للعمل، وقد أذنوا لي بالحج، ومن المعلوم أني لن أدفع من المال شيئًا، بل ربما أقبض مالاً من تلك الحملة، فما حكم ذلك المال الذي دفع لي؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا علم بذلك الذي دفع المال وأذن فلا بأس، لكن إذا لم يعلم وأعطاه الدراهم وحج هذا الرجل مجاناً: إما لكونه عاملا في الحملة، أو لغير ذلك، وحج مجاناً لابد أن يستأذن منه بعد الحج، ويقول: هل رخصت لي؟ إن قال: لم أرخص لك فيرد عليه ما أخذه والحج للموكل. مثال ذلك: زيد أعطى عمراً دراهم ليحج بها. فحج عمرو بالسيارات التي تبرع بها
أهلها، أو صار عاملاً في حملة ولم يسلم شيئاً، فهنا نقول: يجب عليك أن تخبر من أعطاك المال، فإن أذن لك وقال: ما أتاك من المال فهو لك، والحج الحمد لله ثبت لي فله ذلك. وإن قال: لا، أنت الآن حججت عني مجاناً، فإنه يكون الحج عن نفس الذي أخذ الدراهم، ويرد الدراهم إلى صاحبها.
(21/116)

س 141: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل للإنسان أن يستدين ليحج وعليه دين حال؟ وهل يصح حجه، سواء سمح له صاحب الدين أو لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: يجب أن نشكر الله عز وجل، ونثني عليه أنه لم يوجب الحج على من عليه دين رأفة بالناس، فإذا كان عليك دين فلا تحج، لأن الحج لم يجب عليك أصلاً، ولو لقيت ربك لقيته وأنت غير مفرط، لأنه لم يجب عليك الحج، فاحمد الله أن الله يسر لك، واعلم أن حق الآدمي مبني على المشاحة. والآدمي لا يسقط شيئًا من حقه، وحق الله مبني على المسامحة، أترد فضل الله عليك؟ وتقول: أحج وعليّ دين؟ ويبقى الدين عالق في ذمتك، مع أن الحج ليس واجب عليك،
فالحج لا يجب على من عليه دين أبداً. إلا إذا كان الدين مؤجلاً وكان الإنسان واثقاً أنه إذا حل القسط فإنه يوفي، وكان بيديه دراهم يمكن أن يحج بها، فهنا نقول: حج لأنك قادر بلا ضرر،
وعلى هذا فالذي عليه دين للبنك العقاري وهو واثق من نفسه أنه إذا حل القسط أوفاه، وبيده الآن دراهم يمكن أن يحج بها فليحج، وأما إذا كان لا يثق أنه يوفي الدين إذا حل القسط فلا يحج
ويبقى الدراهم عنده حتى إذا حل القسط أدى ما عليه.
س 142: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يوجد عندي ولدان أنوي أن أسافر بهما لأداء فريضة الحج، ولكن عند مراجعة إحدى الحملات طلبوا مبالغ كثيرة قد تصل تكاليفها إلى قرابة
(21/117)

عشرين ألف ريال وأنا دخلي محدود، فهل تسقط عنهما فريضة الحج حتى يدركا هذا المبلغ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أقول إذا كان مفهوم النظام أن الإنسان يجب أن يعقد مع الحملة من بلده حتى يرجع وهذا يكلفه مالاً لا يستطيعه فإنه لا يجب عليه الحج، لأنه غير مستطيع.
س 143: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد صدر تنظيم الحج عن طريق الحملات وهذا مكلف مادياً لمن عنده أربع بنات، حيث يكلف ذلك حوالي خمسة عشر ألف ريال على أقل تقدير،
فهل يسقط الحج عنهن وفي سؤالهم الآخر يقول: إن هذه السنة نويت الحج وأنا وبعض من أقاربنا على سيارتنا؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن الحكومة وفقها الله سنت سنتين: السنة الأولى: أنه لا يحج أحد إلا بعد خمس سنوات، وهذا التنظيم في محله، وذلك من أجل التخفيف على الحاج الذي حج تطوعاً وعلى الآخرين، والحكومة- وفقها الله- لم تمنع الحج، لم تقل: لا تحجوا الفريضة. وفرق بين المنع
والتنظيم، ونقول للأخوة: لا تحزنوا على هذا النظام، لأن أسباب المغفرة- والحمد لله- لا تنحصر في الحج، فالإنسان إذا أسبغ الوضوء وصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم
من ذنبه (1) . وإذا قال: "سبحان الله وبحمده مائة مرة، حطت
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب الوضوء ثلاثاً (رقم 159) ومسلم، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله (رقم 226) (4) .
(21/118)

خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر" (1) وإذا قال: "سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين وأتم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء
قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" (2) وإذا صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وكذلك إذا قام ليلة القدر (3) ، فأسباب المغفرة والحمد لله كثيرة، فلا تحزن يا
أخي، وساعد الحكومة على النظام الذي فيه الخير، وإذا كنت ولابد فانظر لأخيك الذي لم يفرض، وساعده على فرضه وأعطه النفقة تحز أجر فريضة الحج.
وأما بالنسبة للنظام الثاني، وهو أنه لابد أن يكون الناس يحجون مع الحملات، فالذي أرى أن الناس فهموه على غير المراد، وذلك أن الخيام الآن في منى أخذتها الحملات، فما بقي مكان للخيمة التي تذهب بها العائلة وينصبونها هناك، فرأوا حفظاً للنظام وعدم الفوضى أن يكون الإنسان في أيام الحج خاصة مع حملة، لأنه إذا وصل إلى منى ووجد أن الخيام قد وزعت فأين يذهب، فظني أن النظام هذا يريد أن يكون الإنسان في أيام الحج
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب فضل التسبيح (رقم 6405) ومسلم، كتاب الذكر والدعاء باب فضل التهليل والتسبيح (رقم 2691) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته (رقم 597) .
(3) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً (رقم 1901) ، ومسلم كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان وصلاة التراويح (رقم 760) .
(21/119)

خاصة مع حملة، أما الوسيلة التي تنقله إلى مكة فلا أظن أنه لابد أن يكون مع الحملة فله أن يذهب على سيارته.
س 144: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد أن يحج وعليه أقساط سيارة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الرجل الذي يريد الحج وعليه أقساط سيارة نقول: إن كانت الأقساط حالة فليوفها أولاً ثم يحج، لأن وفاء الدين واجب، والحج ليس بواجب حتى لو كان حج فريضة، فإنه لا يجب عليك حتى تقضي دينك. وأما إذا كانت الأقساط لم تحل فينظر هل له ما يقضي به الدين إذا حل فحينئذ يحج، وإن كان ليس عنده إلا هذا المال الذي يريد الآن أن يحج به فلا يحج، ويدخره ويبقيه ليوفي به دينه.
س 145: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أرجو النصيحة لي: لقد عرض عليّ الحج بتكلفة لا تذكر، لأنها يسيرة جداً وتبرع بها فاعل خير لي، كلما عرض عليّ الحج عن غيري مقابل مبلغ من
المال مع العلم أني قد أديت الفريضة منذ سنوات، وأنا الآن عليَّ دين وهذا المبلغ الذي سوف أتقاضاه مقابل قيامي بالحج عن غيري سوف يسدد أكثر ديني إن لم يكن كله، فما الأفضل في حقي الحج تطوعاً طلباً للمغفرة وخصوصاً أن ذنوبي كثيرة، وأيضاً أنا مشتاق للحج، أم أن الأفضل الحج عن غيري حتى أسدد ديني؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرى أن تحج بالمال اليسير لنفسك،
(21/120)

وأن تدع هذا، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فأنت بتركك الوكالة التي فيها مال، هذا لا شك أنك تركته لله، وإذا تركته لله فسوف يعوضك الله سبحانه وتعالى خيراً منه، فالذي أشير به على الأخ السائل أن يحج لنفسه بالمال الذي تبرع به فاعل الخير إذا لم يكن عليه منة، وأن يسأل الله عز وجل أن يقضي دينه، وأن يقول: "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك
شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عني الدين وأغنني من الفقر" (1) .
س 146: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأيكم في إنسان يأخذ حجة عن غيره وهو عليه دين وسينفعه ذلك المبلغ المتبقي في سداد دينه أو في معيشته؟
فأجاب فضيلته قوه: هذا من حيث إنه لا يضر بأهل الدين قد نقول: إنه جائز، لأن هذا الذي أخذ دراهم ليحج بها سينتفع بها في قضاء الدين، لكن يشكل على هذا مسألة وهي النية، فإن هذا الرجل حج من أجل المال، ولم يأخذ المال من أجل الحج، فإذا حج الإنسان من أجل المال فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: من حج ليأخذ المال فليس له في الآخرة من خلاق. يعني ما له نصيب في الآخرة، لأن الله قال في كتابه: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (رقم 2713) .
(21/121)

يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) (1) فالمشكلة هنا أن هذا الحاج حجِ ليأخذ المال، فصارت نيته بعمل الآخرة الدنيا، فجعل عمل الآخرة وسيلة للدنيا، والعكس هو الصحيح: أن يجعل الدنيا وسيلة لعمل الآخرة، إذن نقول لهذا الأخ: لا تحج لتأخذ المال وتقضي دينك في هذه الحال، فأنت إنما أردت المال فجعلت
الحج كأنه تجارة وكأنه سلعة تريد أن تتكسب بها.
س 147: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان عند الإنسان مال وكان في حاجة إلى النكاح ويخاف على نفسه فماذا يقدم الحج أو النكاح؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان عند الإنسان مال وكان في حاجة إلى النكاح ويخاف المشقة بعدم النكاح، أو يخاف الزنا على نفسه إن لم يتزوج فهنا يقدم النكاح على الحج، لأن حاجة الإنسان إلى النكاح كحاجته إلى الأكل والشرب، وفي بعض الأحيان يكون أشد، لذلك قال العلماء: إنه يقدم النكاح على الحج إذا خاف المشقة بتركه.
س 148: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ذهب للعمل في مكة في موسم الحج فنوى الحج، فقال له بعض زملاء العمل: لا يصح حجك، لأنك حججت بنية العمل، مع العلم بأنه
__________
(1) سورة هود، الآيتان: 15، 16.
(21/122)

نوى الحج منذ زمن؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس للعامل الذي يصطحبه صاحب العمل إلى مكة أن ينوي بذلك الحج أو العمرة، لأن الله تعالى قال في الحج: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) (1) ومن المعلوم أنه لا يلزم من اتباع صاحبه أن يعتمر ويحج، فهو بإرادته، فإذا أراد الحج مع الإتيان بالعمل الواجب لصاحبه، فإن له أجراً في ذلك بلا شك، والحج يجزىء عنه، ويسقط به الواجب. وكذلك العمرة.
وأما قول أصحابه: إنه ليس لك حج. هذا قول صادر عن جهل، وبهذه المناسبة أقول إنه ينبغي للإنسان أن لا يعتمد قول العامة وأن يسأل أهل العلم، لأن هذا هو الذي أمر الله به، فقال
تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)) (2) ، كما أنصح من ليس عنده علم أن لا يتكلم بما لا يعلم، وأقول: إن القول بما لا يعلمِ محرم، وقال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)) (3) وقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)) (4) .
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 198.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 7.
(3) سورة الأعراف، الآية: 33.
(4) سورة الإسراء، الآية: 36.
(21/123)

س 149: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عندما حججت أعطاني أخي نفقة الحج وكانت ثلاثمائة ريال عماني، فهل حجي صحيح، أرجو منكم الإفادة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج على الإنسان أن يقبل هدية من أخيه، يستعين بها على أداء الحج، إذا علم أن ذلك عن طيب نفس منه، فإن الهدية توجب المودة والمحبة، وتبعد سخيمة النفوس، وفيها شرح الصدر للمهدي، وقضاء حاجة ومدونة للمهدى إليه، وهذا لا ينقص شيئاً، لأن هذا كسب طيب، والكسب الطيب لا يؤثر في العبادات.
س 150: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان الإنسان قادراً ببدنه عاجزاً بماله فهل يجب عليه الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان قادراً ببدنه مثل من كان من أهل جدة قادر على أن يمشي من جدة إلى مكة، أو من أهل مكة نفسها وقادر على أن يخرج إلي المشاعر فيجب عليه، لأن الله تعالى قال: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) فأطلق ولم يقيد.
س 151: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عامل لم يحج أبداً ويريد الحج، وأنا أريد أن أتكفل بكامل حجه، فهل أدفع قيمة الفدية أم أن عليه دفعها، وما هو الأجر الذي سأحصل عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل تكفل بالعامل في جميع مؤنته إلا الهدي، فنمْول: يا أخي جزاك الله خيرًا كمّل الهدي،
(21/124)

حتى يتم الأجر لك، فإن لم تفعل وكان العامل فقيراً، فالله تعالى قد يسر عليه فيصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وزال الإشكال، لكنْ أنا أشير على هذا الكفيل- جزأه الله خيراً- أن يكمل إحسانه، وأن تكون جميع مؤن الحج عليه من نفقة الحج، والهدي، والإحرام وغير ذلك.
وأما الأجر الذي يحصل عليه إن شاء الله ما بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "من جهز غازياً فقد غزا" (1) ونقول نحن إن شاء الله بدون تأل على الله: إن جهز حاجاً فقد حج، لأن الحج في سبيل الله، حتى إن بعض العلماء يقولون: إن الفقير إذا كان عاجزاً ولم يؤد الفريضة يعطى من الزكاة؛ لدخوله في قوله تعالى (وفي سبيل الله) وعائشة- رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال. "عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة" (2) فنرجو أن يكون لهذا الذي تكفل بحج العامل مثل أجر العامل.
س 152: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت وعليَّ دين فقمت بسداده بعد الحج فهل هذا الحج صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم الحج صحيح ومقبول- إن شاء الله- وتبرأ به الذمة، لكن من نعمة الله وتيسيره أن الإنسان إذا كان عليه دين فإنه يوفى الدين قبل أن يحج، لأن الدين سابق، ولأن
__________
(1) تقدم ص 33.
(2) أخرجه الإمام أحمد (6/71، 165) وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج جهاد النساء (رقم 2901) وابن خزيمة (رقم 3074) والبيهقي في سننه الكبرى (4/350) وصححه الألباني.
(21/125)

الحج إنما يجب على المستطيع، ومن عليه دين وليس عنده مال إلا بقدر الدين الذي عليه فإنه لا يستطيع الحج، لو خالف وحج فحجه صحيح.
س 153: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من حج وعليه دين فهل حجه مقبول؟ ومن حج لزوجته بعد موتها فهل حجه مقبول لها؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم من حج وعليه دين فحجه مقبول، لأنه ليس من شروط صحة الحج خلو الذمة من الدين، ولكننا نقول: من عليه دين حال فليوفه قبل أن يحج لسبق وجوب قضاء الدين على قضاء وجوب الحج: وإن كان مؤجلاً وله وفاء، فله أن يحج أيضاً ولا حرج عليه، لأنه قادر على وفائه في المستقبل.
أما حجه عن زوجته فهو أيضاً مقبول إذا حج عنها، ويقول عند إحرامه: لبيك عن زوجتي فلانة. وإذا لم يعينها باسمها كفته النية.
س 154: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أشرتم إلى الدين ووقوع الناس في التساهل فيه أرجو التعليق فهناك عدد من الشباب يقنتي الآن سيارات بغالي الأثمان ديناً وهو لم يحج ويأخذها
بالأقساط، ويستطيع أن يبيعها ويسدد هذه الأقساط ويحج، ولكنه يجعل ذلك عذراً له ومانعاً عن الحج، وهو لا يدري لعلها تكون
(21/126)

قبراً له، فما حكم عمله هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرى أن الواجب على الإنسان العاقل إذا كان عنده مال يمكنه أن يشتري به سيارة، أن يشتري سيارة ينتفع بها ويحج بالباقي، فإنه يجب عليه أن يفعل ذلك، ولا يجوز أن يشتري شيئاً بثمن رفيع ويدع الحج؛ لأنه غني يستطيع أن يحج، فالسيارة التي يشتريها بخمسين ألف مثلاً يغني عنها سيارة بعشرين ألف، ويحج بثلاثين، وربما تكون البقية تكفيه للزواج فيحصل له سيارة يركبها ويقضي حاجته ويحج، ويتزوج، وهذه نعمة.
س 155: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للإنسان الحج وعليه دين، لأن من شروط الحج الاستطاعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان على الإنسان دين فلا يجب عليه الحج، لقوله تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) ولا استطاعة لمن عليه دين، لأن إبراء الذمة واجب، لكن إذا كان الدين موثقًا برهن، وكان عنده فضل مال فإنه يجب عليه الحج في هذه الحال، مثل أن يكون الإنسان مديناً لصندوق التنمية العقارية ولم يحل عليه قسط من الأقساط، بل كان قد أوفى جميع أقساطه الحالة، وكان عنده مال فإنه في هذه الحال يجب عليه الحج لأنه بقية دين لصندوق قد وثق بالرهن. وأما القرض الذي هو السلف فإنه دين عند أهل العلم، فأهل العلم يرون أن الدين كل ما وجب في ذمة الإنسان، أو كل ما ثبت في ذمة الإنسان من غرض أو ثمن مبيع أو
(21/127)

غير ذلك، فعلى هذا فإنه لا فرقا بين السلف وغيره في اصطلاح الشرع، فكله يسمى ديناً، لأن الدين شرعاً كل ما ثبت في الذمة للغير من مال.
س 156: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل عليه ديون هل الأفضل أن يقضي ديونه ثم يحج هو وزوجته؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب على الإنسان الذي يريد الحج أن يقضي ديونه أولاً ثم يحج. اللهم إذا كان هذا الدين موثق برهن يكفيه وعنده مال يمكنه أن يحج به، في هذه الحال يجب عليه الحج، كما لو كان الإنسان مديناً لصندوق التنمية العقارية وقد رهن بيته لهم، وعنده مال يمكنه، ففي هذه الحال يجب عليه الحج، وإما إذا كان عليه دين، ليس له مقابل، يوفي به فإن الواجب عليه البراءة بقضاء دينه، وفي هذه الحال لا يكون الحج واجباً عليه، دلو قُدِّر، ومات قبل أن يحج فإنه لا إثم عليه، لأن الله اشترط في وجوب الحج أن يكون مستطيعّاً لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) فنقول للسائل: لا يحج إلا بعد أن يقضي الدين الذي عليه.
س 157: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إنني أعمل في أحد الدوائر الحكومية فإذا شملتني إجازة العيد هل يصح لي الحج دون إذن الجهة المختصة، أو لابد من الإذن؟
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/128)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الموظف لا يستدعي سفره للحج استئذاناً من الجهة المسؤولة عنه فإن له أن يسافر للحج بدون إذن الجهة، أما إذا كان من الموظفين الذين لا يمكنهم السفر إلى الحج إلا بإذن تلك الجهة فليستأذن، وذلك لأن الموظف بمجرد عقد الوظيفة ملزم بما يقتضيه نظام تلك الوظيفة لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1) و (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)) (2) .
س 158: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن أستدين للحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: أشير عليه أن لا يفعل، لأن في الاستدانة إشغال لذمته، ولا يدري هل يتمكن من الوفاء فيما بعد أو لا يتمكن، وإذا كان الحج لا يجب على من كان عليه دين فكيف يستدين الإنسان ليحج؟ وعلى كل حال فإذا كان الرجل ليمس عنده مال يمكن منه الحج فإنه لا حج عليه أصلاً، وإذا مات في هذه الحال لا يعد عاصياً، لأنه لا يجب عليه الحج.
س 159: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا شخص لم أؤد فريضة الحج، وعلىّ ديون تقدر بعشرين ألف ريال، وقال أخ لي في الله: حج وأنا أتحمل دينك، وأنا في شوق إلى الحج فهل لي أن أحج؟
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 1.
(2) سورة الإسراء، الآية: 34.
(21/129)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الأخ في الله يريد أن يتحمل نفقة الحج بحيث لا يضرك الذهاب معه فلا بأس أن تذهب، ولا يجب عليك أيضاً، ولكن نقول: لا بأس. لأن فيه منة عليك يخشى يوماّ من الأيام أن لا يكون أخاً لك في الله، ثم بعد ذلك يمنّ عليك، ويقول: هذا جزائي حججت بك في العام الفلاني، والآن تفعل فيّ ما تفعل، أما إذا قدر أنه يخدمهم في القهوة والشاي وما أشبه ذلك فليس لهم عليه منة، إذ إنه هو الذي له المنة عليهم لأنه يخدمهم.
س 160: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لي أن أدفع تكاليف الحج كاملة لوالدتي، مع العلم أن والدتي تملك تكاليف الحج، لأنني كنت وعدتها بذلك إن وفقني الله إلى ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز لك أن تعطي والدتك نفقة الحج، ولو كانت غنية تستطيع أن تحج من مالها، وهذا من البر والوفاء بالوعد الذي وعدتها من قبل. والله الموفق.
س 161: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا عندي زوجتان فهل حجهما واجب عليَّ؟
فأجاب فضيلته بقوله: حج الزوجة ليس واجباً على زوجها، إلا إذا كان مشروطاً عليه في عقد النكاح.
(21/130)

س 162: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عامل عليه دين عشرة آلاف، ويعمل في حرفة ويكسب كل يوم مثلاً خمسمائة ريال، فإذا ذهب يحج يبقى على الأقل عشرة أيام، بدون عمل
فيفوته خمسة آلاف، وتبرع رجل بنفقة الحج فهل له أن يحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الرجل عاطلاً ويقول: سافرت إلى الحج أو بقيت فأنا لم أكسب شيئاً فهذا نقول: لا مانع، خذ من صاحبك، وحج به بشرط ألا يخشى فيما بعد أن هذا الذي تبرع له بالمال يمن عليه، وأما إذا كان يمكنه العمل أيام الحج لسداد دينه فلا يحج حتى يقضي دينه.
س 163: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل عليه دين هل يجوز له أن يستأذن من دائنه بالحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لو أذن الدائن في الحج فهل إذنه هذا إسقاط للدين؟ الجواب: لا، ليس إسقاطاً للدين، فليست العلة في عدم حج المدين أن دائنه يأذن أو لا يأذن، العلة أن ذمته مشغولة بالدين، فإذاً سواء أذن أو لم يأذن نقول: لا تحج حتى تقضي دينك، لأن الحج لم يجب عليك، والريال الذي تصرفه في الحج اصرفه في الدين.
س 164: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من عليه دين ويجد من يحج معهم على نفقتهم بدون منة قلتم بأنه يحج أفلا يسقط عنه الحج إذا أراد أن يعمل في أيام الحج في سداد دينه؟
(21/131)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان يمكنه أن يعمل في أيام الحج لسداد دينه فهنا نقول: لا تحج، وليس عليك حج، لأنك سوف تستغل هذه الأيام بما تقضي به الدين.
س 165: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل عليه دين وهو يريد الحج، وفي الحج يشهد منافع ويعمل ويكتسب ولا يصرف من جيبه شيئاً بل يكتسب ويحج، هل يحج أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يحج، لأن هذا لن يخسر في حجه شيئاً، وكما قال عن نفسه إنه يستفيد، فيكون في الحج فائدتان: الفائدة الأولى: أنه يسقط الفريضة عن نفسه. والفائدة الثانية: أنه يكتسب مالاً يستعين به على قضاء دينه.
س 166: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أراد الحج وعليه دين، ولكنه متفق مع صاحب الدين على أنه إذا مات قبل السداد فلا شيء عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا على كل حال دين هين، والدائن - جزاه الله خيرًا- على هذه الأريحية والنفسية الطيبة، أنه يقول للأخ: إذا مت وأنت لم توف فإنني أسقط عنك الدين. ولكن يشكل علينا مسألة، ربما يموت الدائن قبله. ويطالب بالدين الورثة، فيقع في المشكلة، ولهذا نرى أن لا يتهاون الإنسان بالدين أبداً، فالدين هم في الليل وذل في النهار.
(21/132)

س 167: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول لي أمٌّ لم تحج وهي تريد الحج في هذا العام وطلبت مني أن أحضر إليها وأحج بها وأنا في القصيم بعيداً عنها، كذلك علىّ دين، وهذا
الدين معي وأستطيع رده الآن: وأنا أريد أن أحج وحدي من هنا، فما رأيك في هذا الأمر وفقك الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: السائل يقول: إنه قادر على وفاء الدين. فنقول لهذا الأخ: أوف الدين، لأن الذي ينبغي للإنسان أن يبادر بوفاء الدين قبل أن يموت، ثم يلعب الورثة في ماله ولا يوفون دينه. فأوف الدين، وحج بأمك، وهذا من تمام البر أن تحج بها، ولقد شاهدت أنا بعيني أناساً قد حملوا أمهاتهم على ظهورهم في الحج من عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى مع شدة الزحام، ومشقة السير، والله رأيتهم يحملون أمهاتهم على ظهورهم، الأم حقها كبير، وعظيم، سهرها ليلة من الليالي من أجل أن ترتاح وتنام تساوي الدنيا كلها، ألم تعلم أن الأم تسهر بالليل من أجل أن تنام أنت، ثم تنام بعدك، تعبها في الحمل، تعبها في الولادة شيء لا يطاق، فلها حق عظيم عليك، فإذا أمرتك أن تأتي إليها من القصيم إلى بلدها ولو كانت في أمريكا وأنت قادر فاذهب إليها وحج بها، وستجد من الله عز وجل كل خير، لأن البر شأنه كبير وأمره عظيم، ومن بر بوالديه بر به أولاده.
(21/133)

س 168: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل عليه ديون كثيرة وأمه تطلب منه أن يحج بها فماذا يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا نرى أن يحج بأمه وعليه الدين إلا إذا قالت أمه: أنا أتحمل جميع نفقات الحج، فحينئذ نقول: حج معها، لأنك في هذه الحال لن تضر أصحاب الدين شيئاً، وتبر أمك.
س 169: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: قد حججت والحمد لله ولكن والدي ماتا ولم يحجا وأنا أريد أن أحج، فهل أبدأ بأمي؟ وإن حججت عن أحدهما فأنا أريد أن أتدين
للآخر بالتوكيل عنه ليتم فريضة الحج أفتونا مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول حج عن أمك أولاً، لأن الأم أحق بالبر عن الأب، وهذا في الفريضة، أما لو كان حج الأم نفلاً والأب فريضة فتبدأ بالفريضة للأب، لكن ولا تتدين لتنيب من يحج عن أبيك، فإذا كان العام القادم وأنت قادر فحج عن أبيك، وكونك الذي تؤدي الحج خير من كونك تنيب غيرك، لأن إخلاصك لأبيك أكبر من إخلاص غيرك لأبيك، لهذا نقول: لا يجوز لك أن تتدين من أجل أن تنيب من يحج عن أبيك، بل حج عن أمك هذا العام ما دمت قادراً، وفي العام القادم إن كنت قادراً فحج عن أبيك.
(21/134)

س 170: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت من زكاة أحد المحسنين، وهذه الزكاة كانت بعض مؤونة فهل يجزىء حجي أم أحج حجاً آخر؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت الحجة فريضة، فقد قال بعض العلماء: إن الزكاة تصرف في حج الفريضة. أما إذا كانت نافلة فإنه لا يحل لك أن تأخذ من الزكاة لتحج، مع أن القول الراجح أن الزكاة لا تصرف لحج الفقير الفريضة والنافلة، وذلك لأن الفقير لم يجب عليه الحج فليس فريضة في حقه، حتى إن كان أول مرة يحج، فهذا الذي أخذ الزكاة بناءً على أنه يحتاجها ثم حج وصرف منها نقول له: حجك صحيح وليس عليك إثم، لأنك أخذتها باعتبار أنك فقير، وأدخلتها مع مالك الذي تنفقه على نفسك وحججت بها.
س 171: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا امرأة لم آتِ بفريضة الحج حتى الآن. وزوجي لديه في هذه السنة مال يمكن أن نحج به، ولكن هذا المال هو رصيدنا كله فإذا حججنا به فأننا
سوف نضطر ويكون علينا قصور في النفقة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أقول لها انتظري للعام القادم لعل الله أن يفتح لكم برزق يمكنكم الحج به، أما الآن ما دام هذا المال الذي عندكم لو أنكم حججتم به لصار عليكم قصور في النفقة والحاجات فإن الحج لا يلزمكم.
(21/135)

س 172: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الاستنابة في الحج أو العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: توكيل الإنسان من يحج عنه لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يكون ذلك في فريضة.
والحال الثانية: أن يكون ذلك في نافلة، فإن كان ذلك في فريضة فإنه لا يجوز أن يوكل غيره ليحج عنه ويعتمر، إلا إذا كان في حال لا يتمكن بنفسه من الوصول إلى البيت لمرض مستمر لا يرجى
زواله، أو لكبر ونحو ذلك، فإن كان يرجى زوال هذا المرض فإنه ينتظر حتى يعافيه الله ويؤدي الحج بنفسه، وإن لم يكن لديه مانع من الحج بل كان قادراً على أن يحج بنفسه فإنه لا يحل له أن يوكل
غيره في أداء النسك عنه، لأنه هو المطالب به شخصيّاً. قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) فالعبادات يقصد بها أن يقوم الإنسان بنفسه فيها، ليتم له التعبد والتذلل لله سبحانه وتعالى، ومن المعلوم أن من وكل غيره فإنه لا يحصل على هذا المعنى العظيم الذي من أجله شرعت العبادات.
وأما إذا كان الموكل قد أدى الفريضة وأراد أن يوكل عنه من يحج أو يعتمر فإن في ذلك خلافاً بين أهل العلم: فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه، والأقرب عندي: المنع، وأنه لا يجوز لأحد أن يوكل أحداً يحج عنه، أو يعتمر إذا كان ذلك نافلة، لأن الأصل في العبادات أن يقوم بها الإنسان بنفسه، وكما أنه لا يوكل
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/136)

أحداً يصوم عنه، مع أنه لو مات وعليه صيام فرض صام عن وليه، فكذلك في الحج، والحج عبادة يقوم فيها الإنسان ببدنه، وليست عبادة مالية يقصد بها نفع الغير، وإذا كان عبادة بدنية يقوم الإنسان فيها ببدنه فإنها لا تصح من غيره عنه، إلا فيما وردت به السنة، ولم ترد السنة في حج الإنسان عن غيره حج نفل، وهذه إحدى الروايتين، وعن الإمام أحمد- رحمه الله- أعني أن الإنسان لا يصح أن يوكل غيره في نفل حج أو عمرة سواءً كان قادراً أو غير قادر.
ونحن إذا قلنا بهذا القول صار في ذلك حث للأغنياء القادرين على الحج بأنفسهم، لأن بعض الناس تمضي عليه السنوات الكثيرة ما ذهب إلى مكة، اعتماداً على أنه يوكل من يحج عنه كل عام، فيفوته المعنى الذي من أجله شرع الحج، بناء على أنه يوكل من يحج عنه. والله أعلم.
س 173: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يلزم أن يكون من يحج عنه ميتًا أو عاجزًا؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن يستنيب القادر من يؤدي عنه فريضة الحج، إما إذا كان نافلة فقال بعض أهل العلم: إنه يجوز إذا جازت الاستنابة في الفريضة. يعنى بأن يكون عاجزاً لا يستطيع. وأما القادر فلا. وقال بعض العلماء: النفل ليس فيه استنابة لا في حق العاجز ولا في حق القادر، لأن هذه عبادات مطلوبة من الإنسان نفسه، إن كان قادراً فذلك المطلوب، وإن لم
(21/137)

يكن قادراً فإما أن تسقط عنه، وإما أن ينيب غيره إذا كان ممن تصح له النيابة، وهذا في نظري أقرب إلى الصواب، لأننا لو فتحنا الباب صار كل إنسان إذا كان ولا سيما الغني إذا جاء وقت الحج نام على سريره وأعطى الناس يحجون عنه، فنقول: هذه عبادة إما أن تقوم بها أنت وإلا فاتركها، وخير من ذلك أن يعين من احتاج إلى حج الفريضة، أو في النافلة فهو أفضل من أن يقول: يا فلان حج عني.
س 174: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عرض رجل مبلغًا من المال مقابل حجة عن الغير فهل يجوز له أخذ المبلغ، علماً أنه لولا هذا المبلغ لا ينوي الحج لوجود ظروف مانعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أعطى الإنسان مالاً يحج به فلا بأس، لا سيما إذا قصد الإنسان بهذا خيراً، يقصد أولاً: قضاء حاجة أخيه، لأن كثيراً من الناس يتمنى أن يجد من يحج عنه، أو عن ميته مثلاً. ثانياً: أن ينوي بذلك التقوي بهذا المال على الوصول إلى المشاعر، لعله يصاب برحمه الله عز وجل في ذلك المكان. ثالثاً: إذا كان طالب علم ينوي بذلك أن يذهب إلى تلك المشاعر ليهدي الله على يده من شاء من عباده، وبهذه النيات الثلاث كلها نيات طيبة لا تضر.
أما من حج من أجل المال فهذا هو الخاسر، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: من أخذ المال ليحج به فلا حرج، ومن حج ليأخذ المال فما له في الآخرة من خلاق. يعني:
(21/138)

ما له نصيب من الآخرة، فالذي ينبغي لمن أخذ مالاً ليحج به عن الغير أن ينوي ما ذكرت.
س 175: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: صاحب سيارة من عادته يأخذ ركاب ويحج، فهل له أن يأخذ نيابة عند عرضها عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس؛ لأن هذا الرجل حاج على كل حال.
س 176: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تجوز العمرة عن الرجل الحي أو الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمرة والحج عن الحي إن كان فريضة والحي لا يستطيع أن يأتي بنفسه إلى مكة فلا بأس؛ لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يقدر على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم" (1) وأما إذا كان نفلاً وكان من حججت عنه عاجزاً، فالظاهر إن شاء الله أنه جائز، وإن كان قادراً ففيها خلاف بين العلماء، فمن العلماء من يقول: لا يصح أن يحج عن القادر لا فريضة ولا نفلاً، لأن الفريضة يلزم الإنسان أن يحج بنفسه، والنفل لا ينفع أن تقول
لواحد؛ اعبد الله عني. وهذا عندي أقرب من القول بالجواز، لكن
__________
(1) تقدم ص 15.
(21/139)

عمل الناس الآن أن الإنسان يحج عن غيره ولو كان الغير قادراً في النافلة.
س 177: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: توسع الناس في الاستنابة في الحج فما هي الطريقة السليمة، أرجو بيان ذلك بوضوح وجزاك الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: توسع الناس في الاستنابة في الحج أمر يؤسف له في الواقع، وقد يكون غير صحيح شرعاً، وذلك لأن الاستنابة في النفل في جوازها روايتان عن الإمام أحمد - رحمه الله- رواية: أن الإنسان لا يجوز أن ينيب عنه أحداً في النفل ليحج عنه أو يعتمر عنه، سواء كان مريضاً، أو صحيحاً، وما أجدر هذه الرواية بالصحة والقوة، لأن العبادات يطلب من المكلف أن يقوم بها بنفسه، حتى يحصل له من العبادة والتذلل لله ما يحصل، وأنت ترى الفرق بين الإنسان يحج بنفسه، وإنسان يعطي دراهم ليحج عنه. الثاني ليس له فضل من العبادة في إصلاح قلبه وتذللا لله عز وجل، وكأنه عقد صفقة بيع، وكَّل فيها من يشترى له أو يبيع له، وإذا كان مريضاً وأراد أن يستنيب في النفل، فيقال: هذا لم تأتِ به السنة، وإنما جاءت السنة في الاستنابة في الفرض فقط، والفرق بين الفرض والنفل أن الفرض أمر لازم على الإنسان، فإذا لم يستطعه وكَّل من يحج عنه ويعتمر، لكن النفل ليس بواجب، فيقال: ما دمت مريضاً وأديت الفريضة فاحمد الله على ذلك، وأبذل المال الذي تريد أن تعطيه من يحج عنك أو
(21/140)

يعتمر، في مصارف أخرى، أعن إنساناً فقيراً لم يحج الفرض بهذا المال، فهو خير لك من أن تقول: خذ هذا حج عني، ولو كنت مريضاً. أما الفرض فالناس والحمد لله لم يتهاونوا فيه، لا تكاد
تجد أحداً يوكل عنه من يحج فريضة إلا وهو غير قادر، وهذا جاءت به السنة، كما في حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده بالحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم ".
والخلاصة أن الاستنابة في النفل فيها روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما أنها لا تصح الاستنابة. والرواية الثانية: أنها تصح الاستنابة من القادر وغير القادر. والأقرب للصواب بلا شك عندي أن الاستنابة في النفل لا تصح لا للعاجز ولا للقادر. وأما الفريضة للعاجز الذي لا يرجو زوال عجزه فقد جاءت بها السنة.
س 178: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كثرت في الآونة الأخيرة النيابة عن الغير في الحج، فهل تكرمت يا فضيلة الشيخ ببيان النيابة المشروعة في الفرض والنفل وما صفتها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأصل في العبادات أن تكون من الفاعل المخاطب بها، لأن المقصود بها إصلاح القلب، والتقرب إلى الله عز وجل، وإذا أناب الإنسان غيره فيها، فإنه لا يستفيد هذه
الفائدة العظيمة، فمثلاً: إذا استناب الإنسان شخصاً في الحج، تجده محرمًا متجنباً للمحظورات، وتجد المنيب على كل ما يريد
(21/141)

من الشهوات، وربما يكون على المعاصي، فأين العبادة، ولذلك نقول: الاستنابة في الحج إن كانت عن فريضة والمنيب لا يستطيع أن يقوم بها على وجه لا يرجي زواله، فهذا لا بأس به، لأن امرأة
سألت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أبيها وكان شيخاً كبيراً أدركته فريضة الحج، فقالت: يا رسول الله أفأحج عنه؟ قال: "نعم " وهذا واضح لعجزه، وكذلك لو كان ميتاً ولم يحج
وأراد أحد أن يحج عنه فلا بأس، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألته امرأة فقالت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت قال: "حجي عنها" (1) .
أما الاستنابة في النفل ففي ذلك روايتان عن الإمام أحمد: - رحمه الله- إحداهما: أن ذلك جائز، والثانية: أن ذلك ليس بجائز، وفرق بينها وبين الفريضة، بأن الفريضة لابد من فعلها: إما بنفس الإنسان أو بنائبه. وأما النافلة فلا، فتهاون الناس الآن في النيابة في الحج أمر ليس من عادة السلف، ولا كانوا يتجاسرون على هذه النيابة على هذا الوجه، ثم إن بعض الناس ينوب في بعض أفعال الحج مثل بعض الناس يوكل من يرمي عنه وهو قادر على الرمي، تجده جالساً في الخيمة مع أصحابه يتحدث وكأنه في نزهة، ويقول: يا فلان خذ حصاي وارمي عني. أين العبادة؟ فالحج عبادة، ليمس مجرد أفعال تفعل، عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه عز وجل، ولذلك كان الحج المبرور ليمس له جزاء إلا الجنة، فلا ينبغي الإكثار من الاستنابات، ولكن خير من ذلك
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحج والنذور عن الميت (رقم 1852) .
(21/142)

إذا كان الإنسان قد أدى الفريضة أن يرى رجلاً لا يستطيع أن يؤدي الفريضة فيعطيه دراهم ليحج بها، فيكون قد أعان على حج واجب، وله مثل أجر الفاعل، يعني له أجر الفريضة لقول النبي
- صلى الله عليه وسلم - "من جهز غازياً فقد غزا".
س 179: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يوجد عندنا رجل من أقاربنا له والد كبير في السن لا يقدر على أداء الحج، وفي السنة الماضية حج هذا الابن عن والده، ولكن ابنه لم يحج عن
نفسه، فلما علمت بذلك قلت له: إن هذه الحجة التي حججتها عن أبيك ليست مقبولة، لأنك حججت عنه قبل أن تحج عن نفسك، فقال: أنا متأكد أنها مقبولة عند الله، فحاولت أن أقنعه أنه
لا يجوز للمسلم أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (1) . ولكنه رفض ذلك، وحاول أن يضربني بسبب قولي هذا له. فهل قولي صحيح؟ إنه لا يجوز أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؟ وهل حجته عن والده صحيحة؟ وهل يلحقني شيء من ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الذي حج عن أبيه لم يكن حج عن نفسه فإن الحجة تكون له، هكذا قال أهل العلم، وعلى هذا فإن عليه أن يحج عن أبيه مرة أخرى، هذا إذا كان قد
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره (رقم 1811) وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره (رقم 2903) والبيهقي في سننه الكبرى (3/155) وقال: إسناده صحيح، ليس في الباب أصح منه. وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (3128) .
(21/143)

حج عن أبيه من ماله أي مال نفسه.
أما إذا كان الابن فقيراً ولا يستطيع أن يحج، ولكن أباه أعطاه ما يحج به عنه فإن هذا لا بأس به، وتكون الحجة لوالده؛ لأنه في هذه الحالة لا يلزمه الحج عن نفسه لكونه غير مستطيع، وقد قال الله تعالي: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)) (1) .
أما كونه يغضب من نصيحتك حتى كاد يضربك فإن هذا لا ينبغي، فالمسلم إذا نصحه أخوه فإنه ينبغي أن يشكر له، وأن يدعو له، وأن يمتثل نصيحته، إذا كان صاحب علم وفقه، وإذا لم يكن
كذلك فإنه يظهر له الشكر والاتعاظ وعدم الغضب، ثم بعد ذلك يسأل أهل العلم عما نصحه فيه أخوه، حتى يكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والله الموفق.
س 180: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، ولمن تكون حجه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حج الإنسان عن غيره وقد وجبت عليه الفريضة بأن كان مستطيعاً، ولكنه لم يحج ثم حج عن غيره فإن ذلك غير صحيح، قال أهل العلم: وتكون الحجة لنفسه، لا
لمن نواها له، وإذا كان قد أخذ شيئاً ممن نوى الحج عنه فإنه يرده إليه.
أما إذا كان لم يحج عن نفسه لعدم استطاعته وحج عن غيره
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/144)

فإن هذا لا بأس به، وذلك لأنه إذا لم يكن مستطيعاً فالحج في حقه غير فريضة، فيكون قد أدى عن غيره حجاً في محله فيجزىء عنه.
س 181: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: والدتي كبيرة السن وفقيرة وعندها مشاكل تمنعها من السفر لأداء فريضة الحج أو العمرة، وقد عرضت عليها أن تسافر على نفقتي،
ولكن بسبب المشاكل رفضت وأجلت الحج، فهل يصح لي أن أحج أو أعتمر لكلا والديّ؟ علما بأن وادي متوفى أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تحجي عن أمك ما دامت قادرة، لأن هذه فريضة لا بد أن يباشرها الإنسان بنفسه، فالواجب على أمك إذا كانت تستطيع أداء الحج بنفسها وعندها مال تقدر أن تحج به ولديها محرم أن تباشر الحج بنفسها، أما إذا لم يكن لها مال فليس الحج بواجب عليها، ولكن إذا بذلت لها المال فإنه يجب عليها أن تقوم بأداء الفريضة، لأن بذل الولد لوالديه ليس فيه
منة.
وأما والدك الذي توفي فلا حرج أن تحجي عنه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألته امرأة فقالت: يا رسول إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - "نعم " (1) ، وعلى ذلك فلا حرج أن تحجي عن أبيك الميت. والله أعلم.
__________
(1) تقدم ص 142.
(21/145)

س 182: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل موجود في المملكة وإخوانه خارج المملكة ولا يستطيعون أن يعتمروا أو يحجوا وذلك للغلاء فهل يصح أن يعتمر عنهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان فريضة فإنه لا يصح أن يعتمر عنهم، لأنهم إن كانوا قادرين فلا بد أن يأتوا إلى العمرة، أو الحج، وإن كانوا غير قادرين فلم تجب عليهم العمرة ولا الحج، لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) أما إذا كانوا قد حجوا من قبل واعتمروا وتريد أن تأتي لهم بعمرة نافلة، فإن هذا لا بأس به عند كثير من أهل العلم، ويرى آخرون أن ذلك لا يصح، ويعللون هذا بأن الاستنابة في الحج إنما جاءت في الفريضة ولم تأت في النافلة، وجاءت في الفريضة للضرورة، لأنها واجبة ولا يتمكن من فرضت عليه من أدائها فجازت الاستنابة فيها للضرورة. وأما التطوع فليس هناك ضرورة تدعو إلى أن يستنيب الإنسان غيره فيه، وعلى هذا فالذي أرى أن لا تعتمر عنهم أيضاً حتى وإن كان نافلة: إن تيسر لهم الوصول إلى البيت فهذا من فضل الله عز وجل، وإن لم يتيسر فالله سبحانه وتعالى حكيم بما يفعل.
س 183: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من المكلف بالحج عن الأب والأم إذا كانوا موجدين، ولكن لا يستطيعون الحج؟
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/146)

فأجاب فضيلته بقوله: ليس أحد من الناس مكلفاً عن غيره لأن العبادات تجب على المكلف ولا تجب على غيره. ولو وجبت عبادة شخص على غيره لزم أن يكون آثماً بتركها، وقد قال الله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (1) والوالدان إذا لم يستطيعا الحج فإن كانا لا يستطيعان ببدنيهما مع وجود المال لديهما فإنه يحج عنهما أحد أولادهما، وإذا كانا يستطيعان الحج بأبدانهما فإنه لا يجوز لأحد أن يحج عنهما فريضة الإسلام.
س 184: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم النيابة في الحج، حيث اشترط عليَّ هذا النائب مبلغاً كبيراً من المال هل أعطيه؟
فأجاب فضيلته بقوله: النيابة في الحج إنما تكون لشخص لم يؤد الفريضة وهو عاجز ببدنه أن يذهب إلى مكة عجزاً لا يرجى زواله، أما من كان صحيحًا فلا يستنيب غيره: لا في فريضة ولا في نافلة. وكذلك من كان مريضاً يرجو أن يشفيه الله من مرضه فإنه لا ينيب غيره حتى يشفيه الله من مرضه، فيؤدي الفريضة بنفسه.
س 185: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الاستنابة في الحج عن الحي هل تجوز؟
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 15.
(21/147)

فأجاب فضيلته بقوله: الاستنابة في الفرض عن العاجز عجزاً لا يرجى زواله لا بأس بها، لأنها جاءت بها السنة، وكذلك عن الميت الذي لم يؤد فريضته جاءت بها السنة، أما عن الحي في النفل فأرى أنه لا تصح الاستنابة لا للعاجز ولا للقادر، لأنها إنما جاءت في الفريضة للضرورة بالنسبة للعاجز، والنافلة لا ضرورة فيها، ولهذا أجاز بعض العلماء أن يصرف من الزكاة في حج الفقير، ولا يصرف في نفله، لأن الحج فريضة، والصرف فيه ضرورة بخلاف النفل، فلا أرى الاستنابة في النفل، لأن الحج عبادة أما أن يفعلها الإنسان بنفسه حتى يتأثر بها قلبه ويشعر بأنه متعبد لله، فإن حصل ذلك وإلا فلا حاجة إذا كان لديه مال فليصرفه لمن لم يحج فريضة، فهو أفضل، لأنه أعان في فرض.
س 186: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص يرغب أن يحج نافلة ولكنه لا يستطيع لكبر سنه: فهل الأفضل أن ينيب عنه، أو أن يتصدق بالقيمة جزاك الله خيرًا.
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يعين من يؤدي الفريضة بهذه الدراهم، ولا يوكل أحدًا يحج عنه، لأن التوكيل في الحج إنما جاء في الفريضة دون النافلة، وإذا لم يجد أحداً يحتاج إلى أداء الفريضة فليصرف هذه الدراهم: إما في بناء مسجد يساهم فيه، أو في أعمال صالحة أخرى، أو يتصدق به على فقير، أو قريب.
(21/148)

س 187: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الذي ينوب عن العاجز لمرض أو وفاة في أداء المناسك، ما هي صفة ما يقوم به هذا النائب؟ وهل يلزمه أن يختار حج التمتع أو الإفراد؟
فأجاب فضيلته بقوله: النائب يقول: (لبيك عن فلان) ويجب على النائب أن يتمتع، لأن التمتع هو أفضل الأنساك، وكل إنسان وُكِّلَ في شيء فالواجب عليه اتباع الأفضل، إلا إذا اختار
موكله خلاف ذلك، لأن الوكيل مؤتمن، ويجب عليه فعل الأصلح.
س 188: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لديَّ قريب يبلغ من العمر سبع عشرة سنة وهو مشلول لا يستطيع المشي، فهل أحج عنه؟ رغم أن عليه بعض الملاحظات مثل تأخير الصلاة أحيانًا عن وقتها؟ أم أأخر الحج إلى الأعوام القادمة بعد أن يكبر؟
فأجاب فضيلته بقول: لا بأس أن تحج عن هذا المشلول الذي أيس من قدرته على الحج في
المستقبل، ولكن الأولى أن تستأذن منه لتكون نائباً عنه قائماً مقامه في هذا النسك، وإن لم تفعل، فلا حرج لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل المرأة التي قالت: إن أباها أدركته فريضة الله عباده في الحج لا يستطيع الركوب على الراحلة (1) ، لم يقل: هل استأذنت منه؟ فدل هذا على أنه يجوز للإنسان أن ينوب عن غيره في أداء النسك، وإن لم يستأذن منه.
لكن الأفضل أن يستأذن، أما كون هذا الرجل المشلول مقصراً في
__________
(1) تقدم تخريجه ص (15) .
(21/149)

بعض الطاعات فإنه ربما إذا رأى أن هذا الرجل حج عنه: ربما يكون ذلك سبباً في هدايته على يده.
س 189: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل لي أن أحج أو أعتمر نافلة عن جد لي متوفى مع العلم أن له أبناء؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأموات إذا ماتوا انقطعت أعمالهم إلا على حسب ما جاءت به الشريعة، ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (1) وانتبه إلى كلمة (يدعو له) مع أن الحديث في الأعمال، وجريان الأعمال بعد الموت يقول: ينقطع إلا من ثلاثة: صدقة جارية، يعني هو يضعها، أو علم ينتفع به يكون عالماً معلماً للخلق ينتفع الناس بعلمه، الثالث أو ولد صالح يدعو له، فلماذا عدل النبي عليه الصلاة والسلام عن العمل للميت- والحديث في سياق العمل- إلى الدعاء؟ لأنه يريد من الأمة أن تكون أعمالهم الصالحة لهم أنفسهم، فهم سوف يحتاجون إلى الأعمال، كما احتاج إليه هذا الميت، فاجعل العمل الصالح لنفسك، واهتدِ بنبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -: ادع لجدك، في الحج والعمرة، وهو أفضل من الحج والعمرة، لكن ما جاءت به السنة لا بأس به مثل الصدقة عن الميت، فإن سعد بن عبادة- رضي الله عنه- أراد أن يجعل بستاناً له صدقة لأمه، فأذن له الرسول
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (رقم 1631) .
(21/150)

(1) ، وكذلك الرجل الذي قال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها يعني ماتت بغتة، وأظن أنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم " (2) كذلك ورد حج الفريضة عن الميت، كما في
الصحيحين عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن امرأة أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: "نعم " (3) فما جاءت به السنة، بالنسبة للعمل للأموات فافعل، وما لم تأت به السنة فاعدل عنه إلى ما وجهك إليه الرسول
عليه الصلاة والسلام، وهو الدعاء فأوصيك أن تجعل العمرة لنفسك والحج لنفسك، وأن تدعو لجدك، ولأبيك، وأمك أيضاً في المواقف التي يرجى فيها إجابة الدعاء كعرفة، وصبيحة ليلة مزدلفة، وكذلك عند رمي الجمرات وفي الطواف وفي السعي، فهذا خير لك وللميت.
س 190: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم النيابة بعوض في الحج وهل تنوب المرأة عن الرجل؟
فأجاب فضيلته بقوله: النيابة في الحج جاءت بها السنة، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام سألته امرأة قالت: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة لله (رقم 2756) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة البغتة (رقم 1388) ومسلم، كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت (رقم 1004) .
(3) تقدم ص 142.
(21/151)

أفأحج عنه؟ قال: "نعم " والاستنابة في الحج بعوض إن كان الإنسان قصده العوض فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: من حج ليأخذ فليس له في الآخرة من خلاق يعني ليس له نصيب من الآخرة. وأما من أخذ ليحج فلا بأس، فينبغي لمن أخذ مالاً ليحج به نيابة أن ينوي الاستعانة بهذا الذي أخذه على الحج، وأن ينوي أيضاً قضاء غرض صاحبه، لأن الذي استنابه محتاج ويفرح إذا وجد أحداً يقوم مقامه، فينوي بذلك إحسانا إليه بقضائه وتكون نيته طيبة.
س 191: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو الضابط لمن يحج عنه، خاصة أننا نجد كثيراً من المحسنين يخص جزءاً من ماله لبعض الناس لكي يحج به، وبعضهم يكون عليه دين فهل لآخذ المال أن يسدد الدين من هذا المال أم يجب عليه أن يحج به كله؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الإنسان الذي يحج عنه، فإن السنة إنما جاءت في حج الفريضة فيمن لا يستطيع أن يحج بنفسه، ولم تأت في حج النافلة أبداً، غاية ما هنالك ما جاء في حديث عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة فقال: "من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي قال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج نفسك ثم حج عن شبرمة" (1)
__________
(1) تقدم ص 143.
(21/152)

قد يتمسك بعض الناس بهذا الحديث، فيقول: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يسأل: هل حج عن شبرمة فريضة أم نافلة؟ فيقال: الحج محتمل، لكن قوله: (حج عن نفسك ثم عن شبرمة) يدل على أن هذا الحج فريضة فالاستنابة بالفريضة عند العجز جاءت بها السنة، والاستنابة في النافلة لم ترد بها السنة إطلاقاً، لكن بعض العلماء قاسها على الفريضة. ثم إن بعض العلماء توسع في هذا، وقال: يجوز للقادر أن يوكل من يحج عنه نفلاً، أما الفرض فإنه لا يجوز، أما أنا فلا أحب أن يتوسع الناس في هذا، ونقول لمن عنده فضل مال يريد أن يعطيه لمن يحج عنه: أعطه لمن يحج فريضة،
وتكون أنت قد ساعدت شخصاً في أداء فرض فيكتب لك مثل أجره، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من جهز غازياً فقد غزا" (1) ، وكذلك من جهز حاجاً فإنه يرجى أن يكون كالذي جهز غازياً، أي يكتب له أجر الحج، وهذا أفضل من أن تقول: خذ هذه الدراهم حج عني، وأنت قادر على أن تحج بنفسك، أرأيت لو قلت لإنسان: أنا اليوم متعب قد أديت الفريضة في صلاة الظهر ولا أستطيع أداء النافلة، فخذ هذه الدراهم وصلّ عني الراتبة؟! فلا شك أن هذا لا يجزىء، فلذلك ينبغي ألا نتوسع في هذه المسألة، وإنما نقول لمن كان عنده فضل مال: الأفضل أن تعين من يحج أو يعتمر، ثم يكون لك أجر إن شاء الله تعالى.
وأما من أخذ للحج وعليه دين وقضى به شيئاً من دينه، فلا بأس إذا أدى الحج على الوجه الذي ينبغي.
__________
(1) تقدم ص 33.
(21/153)

س 192: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لي أن أؤدي العمرة عن أمي التي توفيت، وما هي الشروط في ذلك إن وجدت؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز أن تؤدي العمرة عن أمك التي توفيت، سواء كانت هذه العمرة واجبة أو غير واجبة.
وأما الشروط فإنه لا بد أن يكون الذي يريد أن يؤدي الحج أو العمرة عن والديه أو أحدهما قد أدى الواجب عليه، ودليل ذلك حديث عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة فقال: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب لي. قال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (1) .
س 193: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عمن وكل شخصاً ليحج عن أمه، ثم علم بعد ذلك أن هذا الشخص قد أخذ وكلات عديدة، فما الحكم حينئذ أفتونا مغفوراً لكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي ينبغي للإنسان أن يكون حازماً في تصرفه، وأن لا يكل الأمر إلا إلى شخص يطمئن إليه في دينه، بأن يكون أميناً عالماً بما يحتاج إليه في مثل ذلك العمل الذي وكل
إليه، فإذا أردت أن تعطي شخصاً ليحج عن أبيك المتوفى أو أمك، فعليك أن تختار من الناس من تثق به في علمه وفي دينه؛ وذلك لأن كثيراً من الناس عندهم جهل عظيم في أحكام الحج،
__________
(1) تقدم ص 143.
(21/154)

فلا يؤدون الحج على ما ينبغي، وإن كانوا هم في أنفسهم أمناء، لكنهم يظنون أن هذا هو الواجب عليهم، وهم يخطئون كثيراً، ومثل هؤلاء لا ينبغي أن يعطوا إنابة في الحج لقصور علمهم، ومن الناس من يكون عنده علم لكن ليس لديه أمانة فتجده لا يهتم بما يقوله أو يفعله في مناسك الحج، لضعف أمانته ودينه، ومثل هذا أيضا لا ينبغي أن يعطى، أو أن يوكل إليه أداء الحج، فعلى من
أراد أن ينيب شخصاً في الحج عنه أن يختار أفضل من يجده علماً وأمانة، حتى يؤدي ما طلب منه على الوجه الأكمل.
وهذا الرجل الذي ذكر السائل أنه أعطاه ليحج عن والدته، وسمع فيما بعد أنه أخذ حجات أخرى لغيره، ينظر: فلعل هذا الرجل أخذ هذه الحجات عن غيره وأقام أناساً يؤدونها وقام هو بأداء الحج عن الذي استنابه، ولكن هل يجوز للإنسان أن يفعل هذا الفعل؟ أي هل يجوز للإنسان أن يتوكل عن أشخاص متعددين في الحج، أو في العمرة ثم لا يباشر هو بنفسه ذلك، بل يكلها إلى ناس آخرين؟
فنقول في الجواب: إن ذلك لا يجوز ولا يحل: وهو من أكل المال بالباطل، فإن كثيراً من الناس يتاجرون في هذا الأمر، تجدهم يأخذون عدة حجج، وعدة عمر، على أنهم هم الذين سيقومون بها، ولكنه يكلها إلى فلان وفلان من الناس بأقل مما أخذ هو، فيكسب أموالاً بالباطل، ويعطي أشخاصا قد لا يرضونهم من أعطوه هذه الحجج أو العمر، فعلى المرء أن يتقي الله عز وجل في إخوانه وفي نفسه، لأنه إذا أخذ مثل هذا المال فقد
(21/155)

أخذه بغير حق، ولأنه إذا اؤتمن من قبل إخوانه على أنه هو الذي يؤدي الحج أو العمرة فإنه لا يجوز له أن يكل ذلك إلى غيره، لأن هذا الغير قد لا يرضاه من أعطاه هذه الحجج أو هذه العمر.
س 194: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد أنعم الله عليَّ وأديت فريضة الحج واعتمرت وأريد أن أؤدي عمرة عن والدتي مع العلم بأنها على قيد الحياة ولكنها كبيرة في السن ولا تستطيع القيام بذلك، ولي أخ يحتاج إلى هذا المبلغ الذي سوف أنفقه في العمرة فهل أؤدي العمرة أو أعطي أخي هذا المبلغ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن تعطي أخاك هذا المبلغ، لأن ذلك من صلة الرحم الواجبة. وأما العمرة عن أمك فإذا كانت عاجزة لا تستطيع فتؤدي عنها العمرة في وقت آخر إن شاء الله.
س 195: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج العام الماضي ولله الحمد ويريد هذا العام أن يحج عن والدته مع العلم أنها على قيد الحياة ولكن لا تستطيع أن تحج هي لكبر سنها
ولأسباب أخرى مرضية، هل يجوز أن يحج عنها أفيدونا أفادكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز أن يحج عنها إذا كان قد حج عن نفسه، وذلك لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما- أن امرأة جاءت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج، أفأحج
(21/156)

عنه؟ قال: "نعم حجي عنه " (1) وسمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال: "من شبرمة؟ " فقال: أخ لي أو قريب لي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (2) فهذا يدل على جواز الحج عن الغير إذا كان لا يستطيع الوصول إلى مكة، ولكن بشرط أن يكون الحاج قد أد الفريضة عن نفسه.
س 196: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي شروط النائب؟
فأجاب فضيلته بقوله: النائب يشترط أن يكون قد أدى الفريضة عن نفسه إن كان قد لزمه الحج، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. فقال: "من شبرمة؟ " فقال الرجل: أخ لي أو قريب لي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحججت عن نفسك؟ " قال:
لا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة". ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ابدأ بنفسك "، ولأنه ليس من النظر الصحيح أن يؤدي الإنسان الحج عن غيره مع وجوبه عليه.
قال أهل العلم: ولو حج عن غيره مع وجوب الحج عليه فإن الحج يقع عن نفسه، أى عن نفس النائب، ويرد للمستنيب ما
__________
(1) تقدم ص 15.
(2) تقدم ص 143.
(21/157)

أخذه من الدراهم والنفقة. أما بقية الشروط فمعروفة مثل الإسلام والتمييز.
س 197: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من أخذ نقودًا ليحج أو من أخذها لمجرد النقود أو حج لمجرد النقود؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول العلماء: إن الإنسان إذا حج للدنيا لأخذ الدراهم فإن هذا حرام عليه، ولا يحل له أن ينوي بعمل الآخرة شيئاً من الدنيا؛ لقوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)) (1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من حج ليأخذ فليس له في الآخرة من خلاق " وأما إذا أخذ ليحج ليستعين به على الحج فإن ذلك لا بأس به ولا حرج عليه، وهنا يجب على الإنسان أن يحذر من أن يأخذ الدراهم للغرض الأول، فإنه يخشى أن لا يقبل منه، وأن لا يجزىء الحج عمن أخذه عنه، وحينئذ يلزمه أن يعيد النفقة والدراهم إلى صاحبها، إذا قلنا: إن الحج لم يصح ولم يقع عن المستنيب، ولكن يأخذ الإنسان الدراهم والنفقة
ليحج بها عن غيره ليستعين بها على الحج، ويجعل نيته في ذلك أن يقضي غرض صاحبه، وأن يتقرب إلى الله تعالى بما يتعبد به في المشاعر وعند بيت الله.
__________
(1) سورة هود، الآيتان: 15، 16.
(21/158)

س 198: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل من الممكن أن تكون بعض الأعمال للنائب؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لأن النائب لا يلزمه إلا أن يقوم بالأركان والواجبات، وكذلك المستحبات بالنسبة للنسك، وأما ما يحصل من ذكر دعاء فما كان متعلقاً بالنسك فإنه لصاحب
النسك المستنيب، وما كان خارجاً عن ذلك فإنه لصاحبه النائب.
س 199: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي النيابة الجزئية في الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: النيابة الجزئية في الحج معناها أن يوكل الإنسان من يقوم ببعض أفعال الحج، مثل: أن يوكل من يطوف عنه، أو يسعى عنه، أو يقف عنه، أو يبيت عنه، أو يرمي عنه، أو ما أشبه ذلك من جزئيات الحج، والراجح أنه لا يجوز للإنسان أن يستنيب من يقوم عنه بشيء من أجزاء الحج، أو العمرة، سواءً كان ذلك فرضاً أو نفلاً" وذلك لأن من خصائص الحج والعمرة أن الإنسان إذا أحرم بهما صار فرضاً ولم كان الحج أو العمرة نفلاً لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) وهذه الآية نزلت قبل فرض الحج أي قبل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) وهذا يدل على أن تلبس الإنسان بالحج أو العمرة يجعله فرضاً عليه، وكذلك يدل على أنه فرض إذا شرع فيه لقوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ
(21/159)

وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)) وهذا يدل على أن الشروع في الحج يجعله كالمنذور، وبناء على ذلك فإنه لا يجوز لأحد أن يوكل أحدًا في شيء من جزئيات الحج، ولا أعلم في السنة أن الاستنابة في شيء من أجزاء الحج قد وقعت إلا فيما يروى من كون الصحابة- رضي الله عنهم- يرمون عن الصبيان، ويدل لهذا أن أم سلمة- رضي الله عنها- لما أرادت الخروج قالت: يا رسول الله إني أريد الخروج وأجدني شاكية، فقال: "طوفي من وراء الناس وأنتِ راكبة" (1) وهذا يدل على أنه لا يجوز التوكيل في جزئيات الحج.
س 200: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز إعطاء المال لشخص يحج عني وأنا مستطيع؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما إذا كان الحج فريضة، فإنه لا يجوز أن تعطي من يحج عنك وأنت مستطيع، لأن الفرض مطالب به الإنسان أن يقوم به بنفسه وأما إذا كان نفلاً، فقد اختلف العلماء
في ذلك، فمنهم من قال: إنه لا استنابة في النفل، لأن الاستنابة إنما وردت في الفرض، والفرض أمر ملزم به الإنسان فإذا تعذر القيام به فلينيب عنه من يقوم به، أما النفل فليس هناك ضرورة إلى
أن تنيب عنك من يحج عنك أو يعتمر، وعلى هذا لا يجوز أن تنيب من يحج عنك أو يعتمر نفلا وأنت قادر على ذلك، وهذا القول هو الصحيح، لأن الشرع حكمه وهدفه في أن يقوم الإنسان
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب المريض يطوف راكباً (رقم 1633) ومسلم، كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير وغيره (رقم 1276) ..
(21/160)

بنفسه بعبادة الله عز وجل، وكما أنه لا يجوز أن تقول لإنسان: صلّ عني تطوعاً بدراهم أو صم عني بدراهم. فكذلك لا يجوز أن تقول: حج عني تطوعاً بدراهم وأنت قادر على أن تحج، أما إذا
كنت عاجزاً عن الحج ولا يمكنك أن تحج، لا حاضراً ولا مستقبلاً فهو أيضاً محل نظر، هل يجوز أن تقيم من يحج ويعتمر عنك أو لا يجوز، وذلك أنه قد يقول قائل: إنه لا يجوز، لأن الاستنابة إنما
وردت في حج الفرض دون الحج النفل، وليس هناك ضرورة في أن تقيم من يحج عنك حج نفل، وقد يقول قائل: إذا كانت الاستنابة قد جازت في حج الفرض وهو أوكد للعاجز فجوازها في
حق النفل الذي هو أخف من باب أولى. والذي أرى أنه للاحتياط لا يوكل من يحج عنه حج النفل ولو كان غير قادر، وإذا أحب أن يكون له أجر الحج، فليعن عليه، أي فليدفع دراهم لإنسان يحج
بها لنفسه، فإن من جهز غازيا فقد غزا، وكذلك من جهز حاجاً فقد حج، لأن الحج نوع من الجهاد في سبيل الله عز وجل.
س 201: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدي في السودان كبير السن لكنه يستطيع الحركة قريباً مثل أن يذهب إلى المسجد ويذهب إلى البيوت القريبة، لكنه لا يستطيع العمل لكبر
سنه وبه مرض يلازمه سنين طويلة، وإذا استطاع المجيء إلى الحج فيمكن أن يؤدي الطواف والسعي، ولكن ليس له مال وأنا من هنا لا أستطيع أن أرسل له المبلغ الذي يأتي به وهو يكلف ما يقارب من ثمانية عشر ألف جنيه سوداني فهل يجوز لي أن أحج وأضحي عنه
(21/161)

أفتوني بذلك مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن والدك إذا كان على الحالة التي وصفت ليس عنده مال فإنه لا يلزمه الحج، ولو مات مات غير عاص لله وهو قد كمل دينه، لأن الله تعالى اشترط في وجوب
الحج الاستطاعة، فقال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) ومن ليس عنده مال فإنه لا يستطيع الحج، وإذا لم يستطع الحج فلا حج عليه فاطمئن على والدك ولا تخف عليه،
ولا تقلق من عدم حجه، لأن الحج ليس واجباً في حقه.
والتضحية للميت جائزة كالصدقة عنه، لكن الأفضل أن يتصدق، فالصدقة عن الميت أفضل من الأضحية، لأن الصدقة عن الميت أذن بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما الأضحية فلم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ضحى عن أحد من أقاربه، ولهذا من أجاز الأضحية عن الميت إنما أجازها قياساً على الصدقة.
س 202: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يرغب أن يحج عن مطلقته حج الفريضة لأنها مريضة رداً للفضل الذي بينه وبينها فهل هذا جائز؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت قادرة أن تحج بنفسها فلا، وإذا كانت عاجزة لا تستطيع فلا بأس أن يحج عنها حج الفريضة، ولكن يخبرها قبل أن يحج من أجل أن توكله.
(21/162)

س 203: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدتي قد تجاوزت سن الخامسة والستين وقد انتحل جسمها وضعف، إلا أنها والحمد لله تتمتع ببصر جيد وقدرة على المشي أيضاً، وأرغب
في أداء فريضة الحج نيابة عنها إن شاء الله، خاصة أنها لا تقوى على الزحام والمشي لمسافات طويلة وشفقة مني عليها وحباً في عمل الخيرات والتقرب للمولى عز وجل بطاعة الوالدين أرغب في
تأدية هذه الفريضة نيابة عنها، وأفيدكم أنني وفقت ولله الحمد في أداء الحجة المفروضة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، إذا كانت أمك بهذه المثابة لا تستطيع الوصول إلى مكة والقيام بمناسك الحج إلا بمشقة شديدة فلا بأس أن تؤدي عنها الفريضة، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي سألته امرأة فقالت: إن أبي شيخاً وقد أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم " وذلك في حجة الوداع، فلا حرج أن تقضي فريضة الحج عن أمك.
س 204: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل في دولة إسلامية يريد أن يؤكل من يحج عنه وهو قادر على الحج، ولكن دولته لا تسمح له بالذهاب إلى الحج، لأنه لم يصل إلى سن الحاج
(21/163)

الذي حددته الدولة فهل يصح أن أحج عنه أم ماذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يصح أن تحج عنه، لأن هذا المانع يرجى زواله إذا بلغ السن النظامي عندهم، فإذا كان يرجى زواله فإنه لا يجوز لمن وجب عليه الحج أن ينيب غيره، ولهذا نقول: إذا جاء وقت الحج والإنسان مريض مرضاً عاديا يرجى أن يشفى منه فليس له أن يوكل، لكن لو كان مريضاً مرضاً مستمراً لا يرجى الشفاء منه فله أن يوكل. وليخبر صاحبه بأنه لا حج عليه لأنه عاجز، وأنه لا يجوز أن يوكل؛ لأنه يرجى زوال عجزه.
س 205: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عندي ولد مشلول، وأفكر في حجه لأنه لو حج بنفسه فأخاف أن يأتيه الضرر فهل يجوز أن أحج عنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الولد مشلولاً- كما قلت- فإنه يجوز أن تحج عنه الفريضة إذا كنت حججت عن نفسك.
س 206: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص مرض قبل سنة ونصف بمرض حاد، وذلك بسبب ضربة الشمس وهو لم يحج، وهو يخشى من أشعة الشمس الحارة، فهل يجوز له أن
يوكل شخصاً ليحج عنه مع أنه الآن في عافية، ولكن الأطباء يقولون له: إحذر من الشمس؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب عليه أن يحج بنفسه ولا يجوز أن يوكل ما دام فريضة، ولكن يذهب ويحرم من الميقات ويغطي
(21/164)

رأسه لقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (1) فيذهب ويحرم ويغطي رأسه بالغترة والطاقية، ويطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يذبح شاة يوزعها على الفقراء في مكة، فالأمر سهل، والحمد لله.
س207: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-. رجل أقعده المرض عن أداء فريضة الحج، وليس له أولاد، وحالته المادية صعبة جداً ما حكم هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج لا يجب إلا على من استطاع إليه سبيلا، كما قال الله سبحانه وتعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (2) فإذا كنت لا تستطيع السبيل إلى الحج لقلة المال فإنه لا حج عليك، ولو مت في هذه الحال فإنه لا إثم عليك، لأن الواجب يسقط بالعجز.
س 208: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدتي كبيرة في السن ولا تستطيع المشي إلا بصعوبة بالغة بسبب مرض في مفاصلها، فهل عليها الحج أم نحج عنها مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجوا عنها ما دامت لا تستطيع،
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(2) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/165)

وهذا مرض لا يرجى زواله فيحج عنها، لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما- أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم حجي عنه ".
س 209: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تريد الحج ولكنها إذا رأت الزحام تصرع فهل ينوب عنها في الحج، علماً بأنها لم تؤد الفريضة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا مؤكداً أنها إذا رأت كثرة الناس انصرعت فهنا نقول: لا تحجي، ولكن إذا كان عندها مال تستطيع أن تدفعه ليحج عنها وجب عليها أن تنيب من يحج عنها،
فإن لم يكن عندها مال فليس عليها شيء.
س 210: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما وصيتكم لمن يقوم بالحج عن غيره؟
فأجاب فضيلته بقوله: نوصيه بتقوى الله عز وجل، وأن يشعر أنه مسئول سؤال أمانة عن هذا النسك، وأنه يجب عليه أن يأتي به على أكمل الوجوه بقدر المستطاع، لأن الذي يحج عن غيره ليس كالذي يحج عن نفسه، والذي يحج عن غيره يجب عليه أن يعتني بالواجبات والسنن: كل الواجبات، وأما الذي يحج عن نفسه فله أن يقتصر على الواجب.
(21/166)

س 211: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لي والدة في مصر مريضة بالقلب ولا تستطيع أن تأتي بالحج هل أحج عنها وكيف يكون توكيلها بالحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت تجما عن نفسك فحج عن والدتك، لأنها في هذه الحال لا يرجى أن تقدر على الحج، ومن كانت هذه حاله يوكل من يحج ويعتمر عنه، ولكن بشرط أن يكون الحاج النائب، أو المعتمر النائب قد أدى الواجب من الحج والعمرة.
س 212: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شاب مريض بالفشل الكلوي حيث يعمل له غسيل ثلاث مرات في الأسبوع، وكذلك فهو ضعيف البنية، فهل عليه الحج بنفسه، أو ينيب غيره، أو ينتظر؟
فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر أن مثل هذا المرض عافاه الله منه- وعافانا- الظاهر أنه لا يبرأ، وعلى هذا إذا كان عنده مال وجب عليه أن يوكل من يحج عنه بالمال الذي عنده.
س 213: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل مريض بمرض الصرع منذ ثلاث عشرة سنة ويستعمل دواءً يمنع بقدرة الله تعالى حودث نوبة الصرع، ولكن إذا تعب واجهد حدث له الصرع
فهل يجوز له أن يوكل أحدًا يحج عنه أم يحج ويتحمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا لا يرجى أن يزول
(21/167)

فليوكل من يحج ويعتمر عنه إن كان عنده مال، وإن لم يكن عنده مال فالحج غير واجب عليه. أما إذا كان يرجى زواله باستمرار الدواء فلينتظر حتى يشفيه الله، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يشفيه
ويعافيه ويرفع عنه ما يجد.
س 214: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة بالغة حصل عليها حادث، وأصبح بها حالة نفسية فهي تخاف من السيارة وأصواتها، وصار في عقلها شيء من التخلف، فهل يحج عنها أم
لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: نسأل: هل عندها مال فيحج عنها أم ليس عندها مال فلا يجب أن يحج عنها إذا كان ليس عندها مال، لأنها غير قادرة. وأما إذا كان عندها مال فالظاهر أن مثل هذا المرض لا يزول، فنسأل الله لها الشفاء والعافية، وأن يعينها ويقدرها على أداء الحج.
س 215: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت حجة الإسلام ولله الحمد، ونويت أن أحج لأمي هذا العام، لأنها مسنة مريضة بالقلب والسكر والضغط، فاتصلت بها هاتفياً طمعاً في
توكيلها لي بالحج عنها، لكنها رفضت وقالت: لي أريد أن أحج بنفسي، وأموت في مكة، فهل أساعدها على المجيء والحج وهذه هي حالتها ونيتها أرجو توجيهي في أمري؟
فأجاب فضيلته بقوله: التوجيه أن نقول: إذا كنت لا تخشى
(21/168)

عليها أن تموت فإنها إذا رضيت بالمشقة لا بأس دها تحضر وتؤدي المناسك بنفسها. أما إذا كنت تخشى أن تموت إذا سافرت، لأنها لن تتحمل السفر فلا تطعها، وفي هذه الحال لا تكون عاصياً ولا عاقاً، لأنك إنما تريد مصلحتها.
س 216: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لي والدة مقعدة لا تستطيع القيام بأعمال الحج، هل أحج عنها مع العلم أن السفر يشق عليها للحج محمولة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان فريضة، وعندها مال فإنك تحج عنها، لأنه إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يؤدي الفريضة وعنده مال فإنه يقيم من يحج عنه ويعتمر.
س 217: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص يريد الحج وقد حج فرضه وتنفل، فهل يجوز له أن يشرك معه في حجته وعمرته أحداً من أقاربه كوالديه؟ وهل الأفضل الحج للوالدين
والعمرة لهما أم الأفضل أن يحج عن نفسه ويدعو لهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما إشراك أحد في حج أو عمرة فهذا لا يصح ولا يمكن أن تقع العمرة لشخصين، أو الحج لشخصين.
وأما كونه يحج عن أمه وأبيه، أو يحج عن نفسه ويدعو لأمه وأبيه، فحجه عن نفسه ودعاؤه لأمه وأبيه أفضل وأحسن، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو
(21/169)

له " (1) ولم يذكر الحج، ولا الصوم، ولا الصلاة، مع أن سياق الحديث في العمل، فدل هذا على أن الدعاء للوالد أفضل من أن يصلي الإنسان له، أو يعتمر أو أن يحج، فمشورتي لهذا الأخ
السائل أن يحج عن نفسه ويدعو لوالديه.
س 218: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل لم يحج الفريضة طيلة السنوات الماضية، حيث إن جهة عمله لم تسمح له بذلك، والآن أحيل للتقاعد ولكنه أصيب بمرض يشق معه الحج
فماذا عليه أفتونا جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليه شيء حتى يستطيع، لقول الله تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (2) لكن إن كان هذا المرض لا يرجى زواله وعنده مال وجب عليه أن يوكل من يحج عنه، وإن
كان يرجى زواله فإنه ينتظر حتى يزول.
س 219: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا اعتمر الابن عن أبيه فهل يجوز له أن يدعو لنفسه؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز أن يدعو لنفسه في هذه العمرة، ولأبيه، ولمن شاء من المسلمين، لأن المقصود أن يأتي بأفعال العمرة لمن أرادها له. أما مسألة الدعاء فإنه ليس بركن ولا
__________
(1) تقدم ص 150.
(2) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/170)

بشرط في العمرة، فيجوز أن يدعو لنفسه، ولمن كانت له هذه العمرة ولجميع المسلمين.
س 220: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص حج عن آخر ولكنه يدعو لنفسه فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج في هذا، يعني لو أن الإنسان حج عن غيره، ولكنه عند الميقات قال: لبيك عن فلان ونوى أن هذا النسك عن فلان، وفي طوافه وسعيه ووقوفه: ويدعو لنفسه فحجه صحيح، لأن الدعاء ليس شرطاً في صحة الحج، ولكننا نرى أن الأولى أن يدعو لنفسه ولأخيه، ولأن أخاه هو الذي تكفل بمؤنة الحج فلا يحرمه من الدعاء، وأما النسك فقد تم بدون دعاء.
س 221: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا توكل الإنسان عن آخر في الحج فهل يجعل الدعاء له ويدعو له بضمير الغائب أو باسمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أخذ نيابة في الحج فجمع ما يتعلق بالنسك ثوابه وأجره لصاحبه، والنائب له أجر فيه، وأما الدعاء فللنائب أن يدعو لنفسه، لكن الأفضل أن يشرك صاحبه الذي استنابه، ويقول: رب اغفر لي ولأخي الذي أعطاني النيابة.
وما أشبه ذلك، لكن لو دعا لنفسه فقط فلا حرج عليه.
(21/171)

س 222: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ملتحى يأخذ أموالاً ليحج عن الناس ولا يصلي أبداً هل يصح الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الرجل الذي لا يصلي أبداً لا في المسجد ولا في البيت، هذا كافر مرتد يجب أن يدعى للصلاة فإن صلى وإلا قتل كافراً لأنه مرتد، ولا يصح حجه حتى لو حج لغيره، فإنه لا يصح، لأنه كافر، وقد قال الله تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) (1) مع أن النفقات نفعها متعدٍ ومع ذلك لا تقبل منهم لكفرهم، وعلى من علم أن هذا الرجل كافر عليه أن يغرمه ما أعطاه من الأموال، وأن يحج بدل هذه الحجة إذا كانت فرضاً، وإن كان تطوعاً فلا ليس عليه شيء يعني إن شاء أقام من يحج عنه إن شاء حج بنفسه، وإن شاء لم يحج.
س 223: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حج الإنسان عن غيره بأجرة فبقي منها شيء فهل يأخذه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أخذ دراهم ليحج بها وزادت هذه الدراهم عن نفقة الحج فإنه لا يلزمه أن يردها إلى من أعطاه هذه الدراهم، إلا إذا كان الذي أعطاه قال له: حج منها، ولم يقل: حج بها، فإذا قال: حج منها: فإنه إذا زاد شيء عن النفقة يلزمه أن يرده إلى صاحبه، فإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذه. وإما إذا قال: حج بها، فإنه لا يلزمه أن يرد شيئاً إذا بقي، اللهم إلا أن يكون
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 54.
(21/172)

الذي أعطاه رجلاً لا يدري عن أمور الحج، ويظن أن الحج يتكلف مصاريف كثيرة، فأعطاه بناء على غرته وعدم معرفته، فحينئذ يجب عليه أن يبين له وأن يقول: إني حججت بكذا وكذا، وأن
الذي أعطيتني أكثر مما استحق، وحينئذ إذا رخص له فيه وسمح له فلا حرج. والله أعلم.
س 224: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أخذ رجل مالاً ليحج عن الغير وزاد هذا المال عن نفقة الحج، فما حكم هذا المبلغ الزائد؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قلت لرجل: حج بهذا الألف. وقلت لآخر: حج من هذا الألف، فالأول له الألف كله ولو حج بنصفه، والثاني لا يزيد على ما أنفق؟ لأنه قال له حج من هذا الألف.
س 225: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص أعطاني مبلغًا من المال لأبحث له عن شخص يؤدي فريضة الحج، ويسر الله لي شاباً لكن المبلغ فقد وأنا في الطريق لا أدري: أسرق من
الحقيبة؟ والشاب حج ولله الحمد، ودفعت عنه الهدي واستمحت من حججت عنه وأخبرته بالقصة، فقال: لا حرج، ولكن حيث إن حجة هذا الشاب لم تكلف إلا نصف المبلغ فهل أضمن من المبلغ
ما أتصدق به أم أعيده أم أحجج به شخصاً آخر، أرجو إنقاذي أنقذك الله ووالديك من النار؟
(21/173)

فأجاب فضيلته بقوله: ما دام هذا الرجل لم يفرط في حفظ الدراهم، ووضعها في مكان أمين، وضعها أيضاً في جيبه الذي على صدره لا في جيبه الذي على جنبه، لأن الجيب الذي على الجنب
في الزحام ليس حرزًا في الواقع، لأن كل واحد عند الزحام يمكن أن يدخل يده فيها ويخرج ما شاء، لكن يكون الجيب في الصدر، فأقول: إذا لم يفرط فلا بأس، وأما إذا كان مفرطاً فإن عليه أن
يضمن هذه الدراهم، ويرد ما زاد إلى صاحبه الذي أعطاه إياه.
س 226: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أعطي دراهم ليحج عن غيره هل يجوز أن ينوب عنه إنساناً آخر؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للإنسان إذا أعطى حجاً أن يقيم غيره مقامه إلا بعد مراجعة صاحبه، أو إذا قيل له خذ هذه الدراهم أعطها من تراه صالحاً. أما إذا عقد معه على أنه هو الذي سيحج، فإنه لا يجوز أن يعطيها غيره؛ لأن هذا ربما يختار رجلاً لا يحسن أداء المناسك.
س 227: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص وكَّل آخر في الحج ودفع له النفقة فهل لهذا النائب أن يقيم غيره؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا استأذن من الدافع وقال: أنا لست بحاج وسأقيم غيري يحج عنك، وأذن فلا بأس، وإما بدون إذنه وعلمه فلا يجوز.
(21/174)

س 228: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من أخذ نقوداً من أجل أن يحج عن غيره، وكان مقصده التكسب من هذه الحجة وقصر في النفقة في الحج واقتصد وعاد بأكثر من نصف المبلغ الذي أُعطي إياه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حج الإنسان عن غيره من أجل الفلوس فأخشى أن لا يقبل الله منه، لقول الله تبارك وتعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) (1) نعوذ بالله، وقال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)) (2) فإذا علمت من نفسك إنك تأخذ الدراهم لتحج عن غيرك من أجل الدراهم فلا تفعل، لا تخيب نفسك وتخيب أخاك، أتركها، أما إذا أردت أن تحج عن الغير إحسانًا لأنه يرغب هذا، واستعانة بما يعطيك على أداء النسك، فهذا لا بأس به، وإذا أعطاك شيئاً وبقي مما أعطاك فهو لك، إلا إذا قال ما زاد عن النفقة فرده عليَّ فيجب عليك أن ترده.
س 229: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا رجل أعطيت حجة قبل سنتين وقبل الذهاب إلى الحج حصل عليَّ حادث أدى إلى كسور في رجلي وإحدى يدي منعني من الحج فبقيت الحجة
__________
(1) سورة هود، الآيتان: 15، 16.
(2) سورة الشورى، الآية: 20.
(21/175)

عندي خلال سنتين لأن صاحبي رفض آخذها فأمتنع عني السنتين كلها، وهذه السنة إن شاء الله أنوي الحج فيها. وبقي بعض أثر الحادث فهل يجوز لي أن أوكل في رمي الجمرة لشدة الزحام وهل
المال الذي بقي عندي السنتين فيه زكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: تحج هذا العام ولا إشكال، وأما الرمي فإن الزحام ليس مستمرا أربعًا وعشرين ساعة، فالزحام غالباً ما يكون في النهار في أيام التشريق الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. إن تأخرت، أما في الليل ولا سيما بعد منتصف الليل يخف الزحام، ولا يحل لإنسان أن يوكل على رمي الجمرات وهو قادر على المزاحمة، أو عاجز ويمكنه أن يري في الليل، أما إذا كنت لا تستطيع أن ترمي لا في الليل ولا في النهار لمرض أو نحوه فهذا لا بأس، أن توكل من يرمي عنك.
والزكاة على صاحبها، لأنه ملك له فلو شاء أخذها منك وتصرف فيها.
س 230: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أعزم على أن أحج في هذه السنة لشخص من أقاربي تبرعاً فما وصيتكم أن أفعل في هذا الحج من ناحيتين: أولاً: هل لي أن آخذ أجرة على هذه
الحجة؟ ثانياً: ماذا أفعل إذا أردت أن أنوي الحج؟ وهل يكون الدعاء لي أو لصاحب الحجة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول ممن تأخذ الأجرة إذا كنت تريد أن تتبرع لأحد أقاربك بالحج والعمرة فمن الذي يعطيك المال؟!
(21/176)

فهذه الفقرة من السؤال غير واردة، لأن من أراد أن يتبرع لا يأخذ عن تبرعه شيئاً.
وعند التلبية تقول: لبيك عن فلان وتسميه، فإن أحببت أن لا يشعر أحد بأنك تحج عن غيرك فقل: لبيك اللهم لبيك. وأضمر في نفسك أنك تريد التلبية عن الشخص المعين.
أما الدعاء فهو لنفسه، ولكن من الأحسن أن يشرك غيره وخاصة الذي حج عنه، أو اعتمر بالدعاء، فيقول: اللهم اغفر لي ولمن كانت له هذه الحجة. أو كانت له هذه العمرة، اللهم اغفر له ولي وارحمنا. ويدعو بالدعاء الذي يشمل نفسه ومن أعطاه المال ليحج به، أما بقية الأعمال كالطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمرات، والمبيت بمنى، وطواف الوداع فكل هذا للذي حج عنه وليس له منه شيء.
س 231: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل كبير في السن لا يستطيع أن يؤدي فريضة الحج لعجزه عن ذلك فطلب من أحد أقاربه أن حج له وأعطاه المال اللازم للحج، ولكن هذا
الشخص الموكل في حجه ارتكب بعض الذنوب والمعاصي، فما حكم هذا الحج بالنسبة للرجل كبير السن: هل هو صحيح أم أن تلك الذنوب والمعاصي يلحقه شيء منها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج صحيح مادام لم يف محذوراً يفسده، وأما المعاصي التي فعلها هذا الحاج فإن إثمها عليه، وليس على الكبير الذي حج عنه شيء من إثمها، لأنه لم يفعلها
(21/177)

وبالتأكيد لا يرضى بها، فيكون إثمها على من فعلها، وإن الواجب على من أخذ نيابة عن غيره أن يتقي الله عز وجل، وأن يؤدي الأمانة على ما ينبغي، فإن الله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)) (1) .
س 232: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل عاجز ببدنه أناب غيره ليحج عنه، ولكن هذا النائب توفي في الحريق الذي حصل بمنى، فمن الذي يأخذ أجر شهيد الحريق؟
وهل يعتبر الحج قضي عن صاحبه، علماً بأنه توفي بعد الوقوف بعرفة؟
فأجاب فضيلته بقوله: شهيد الحريق هو المحترق، والحج انتهى ولا يقضى عنه.
س 233: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حجت المرأة بدون محرم فهل حجها صحيح؟ وهل الصبي المميز يعتبر محرماً؟ وما الذي يشترط في المحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجها صحيح، لكن فعلها وسفرها بدون مَحْرَم مُحَرَّمٌ ومعصية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه عليه الصلاة والسلام قال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " (2) والصغير الذي
__________
(1) سورة النساء، الآية: 58.
(2) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء (رقم 1862) ، ومسلم، كتاب=
(21/178)

لم يبلغ ليس بمحرم، لأنه هو نفسه يحتاج إلى ولاية وإلى نظر، ومن كان كذلك فلا يمكن أن يكون ناظراً أو ولياً لغيره.
والذي يشترط في المحرم أن يكون مسلماً، ذكراً، بالغاً، عاقلاً، فإذا لم يكن كذلك فإنه ليس بمحرم.
وهاهنا أمر نأسف له كثيراً وهو تهاون بعض النساء في السفر بالطائرة بدون محرم، فإنهن يتهاون بذلك، تجد المرأة تسافر في الطائرة وحدها وتعليلهم لهذا الأمر يقولون: إن محرمها يشيعها في المطار الذي أقلعت منه الطائرة، والمحرم الآخر يستقبلها في المطار الذي تهبط فيه الطائرة، وهي في الطائرة آمنة، وهذه العلة عليلة في الواقع، فإن محرمها الذي شيعها ليس يدخلها في الطائرة، وإنما يدخلها في صالة الانتظار، وربما تتأخر الطائرة عن الإقلاع فتبقى هذه المرأة ضائعة.
وربما تطير الطائرة ولا تتمكن من الهبوط في المطار الذي تقصده لسبب من الأسباب وتهبط في مكان آخر، فتضيع هذه المرأة، وربما تهبط في المطار الذي قصدته، ولكن لا يأتي محرمها الذي يستقبلها لسبب من الأسباب لمرض، أو نوم، أو حادث في سيارته منعه من الوصول أو غير ذلك، وإذا انتفت هذه الموانع كلها ووصلت الطائرة في وقت وصولها، ووجد المحرم الذي يستقبلها فإنه من الذي يكون إلى جانبها في الطائرة؟ قد يكون إلى جانبها رجل لا يخشى الله تعالى، ولا يرحم عباد الله، فيغريها وتغتر به، ويحصل بذلك الفتنة والمحظور كما هو معلوم.
__________
= الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (رقم 1341) .
(21/179)

فالواجب على المرأة أن تتقي الله عز وجل، وأن لا تسافر إلا مع ذي محرم، والواجب أيضاً على أولياء النساء من الرجال الذين جعلهم الله قوامين على النساء أن يتقوا الله عز وجل، وأن لا
يفرطوا في محارمهم وأن لا تذهب غيرتهم ودينهم، فإن الإنسان مسؤول عن أهله، لأن الله تعالى جعلهم أمانة عنده، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)) (1) .
س 234: سئل فضيلة الشيخ- رحمه اله تعالى-: هل العمرة للمرأة من دون محرم جائزة أم لا، وهل العمرة للمرأة مع نساء أخريات مع ذي محرم جائزة أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: سفر المرأة بدون مَحرم مُحرم لا يجوز لا للعمرة ولا للحج ولا لغيرهما، ودليلنا على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يقول: "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، ولا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " (2) وأرجو أن تتأملوا كلمة (تسافر) وكلمة (امرأة) امرأة نكرة في سياق النهي، والنكرة في سياق النهي تفيد العموم، كما قرر ذلك في أصول الفقه، وهذا أمر معروف في اللغة العربية، وكلمة (لا تسافر) نهي عن مطلق السفر، لأن الفعل يدل على الإطلاق كما هو معروف. قال - صلى الله عليه وسلم -:
__________
(1) سورة التحريم، الآية: 6.
(2) تقدم ص 178.
(21/180)

"لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فقال رجل: يا رسول الله أن امرأتي خرجت حاجة وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: "انطلق فحج مع امرأتك " (1) فنعه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الغزو بعد- أن كتب في الغزو، وقال: "انطلق فحج مع امرأتك ". ولم يسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - هل هي مع رفقة مأمونة أم لا؟ هل هي عجوز أم شابة؟ هل هي قبيحة أم جميلة؟ هل آمنة أم خائفة؟ كل هذه لم يسأل عنها رسول الله، ولو كان الحكم يختلف بها لسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - لكي لا يفوت عليه أجر الغزوة، ولما لم يستفصل أنصح الخلق، وأعلم الخلق،
عُلم أن الأمر عام وأنه لا يحل لامرأة أن تسافر لا لحج، ولا لعمرة، ولا للزيارة، ولا للعلاج، ولا لأى سبب إلا مع ذي محرم، حتى لو كان معها نساء ومعهن محرمهن، فإنه لا يجوز لها أن تسافر إلا مع ذي محرم، هذا ما أطلقه النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجب علينا أن نأخذ بإطلاقه وعمومه.
ولقد قال بعض الناس: إنه يجوز للمرأة أن تسافر في الطائرة بدون محرم إذا كان محرمها يوصلها إلى المطار الذي تقوم منه الطائرة، ومحرمها الثاني يستقبلها في المطار الذي تهبط فيه الطائرة، ونقول لهم: من أين أخرجتم هذه الصورة عن عموم حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟! الحديث عام ليس فيه تخصيص، والسفر على الطائرة يسمى سفراً لغة وعرفاً، والمرأة المسافرة على الطائرة تسمى امرأة لغة وعرفاً، فما الذي يخرج هذا السفر من قوله: "لا تسافر "، وما الذي يخرج هذه المرأة من قوله: "امرأة"،
__________
(1) تقدم ص 178.
(21/181)

إذا قالوا: السفر قصير نصف ساعة من القصيم إلى الرياض، وساعة من القصيم إلى جدة، وساعة وربع من جدة إلى الرياض؟ قلنا؟ هذه الساعة، أو النصف ساعة كلها تسمى سفراً، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يفصّل في السفر، ثم نقول: إن الإنسان يوصل امرأته إلى المطار، وتأخذ بطاقة دخول الطائرة وتذهب إلى الطائرة، وينصرف المحرم، ثم لا تقوم الطائرة لسبب، ثم ينزل الركاب إلى المطار قبل أن تقلع الطائرة، فمع من تكون هذه المرأة؟
ثانياً: لو فرضنا أن الطائرة أقلعت أليس من الممكن أن ترجع لخلل فني، ثم تهبط في المطار الذي طارت منه، وحينئذ تضيع المرأة.
ثالثاً: لو فرضنا أن الطائرة استمرت في السفر ووصلت إلى المطار الذي تقصده وهبطت، فنزلت المرأة من سيصحبها من الطائرة إلى صالة المطار، ثم إذا وصلت إلى صالة المطار: هل نحن نضمن أن المحرم الذي يريد استقبالها يكون في المطار؟ لو تأخر في السير بسبب الزحام بقيت المرأة لا تدري أين تذهب في هذه الصالة، وربما تخدع ويحملها شخص يقول لها: أنا أوصلك إلى بيتك. ثم يضرب بها المهالك، والإنسان يجب أن يكون لديه غيرة على محارمه، ثم بعد هذا أيضاً نقول: لو زالت كل هذه
الأسباب، أو هذه الفتن، فمن الذي يكون إلى جنبها في الطائرة؟ قد يكون إلى جنبها في الطائرة رجل من أفسق الناس، فيغرر بها وحينئذ تحصل الهلكة يأخذ منها رقم الهاتف ويعطيها رقم هاتفه،
(21/182)

ويضحك إليها وتضحك إليه، ويحصل بذلك البلاء ومهما كان يجب علينا معشر المسلمين أن نقول: إذا سمعنا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقول: سمعنا وأطعنا. ولا ندع امرأة منا تسافر بدون محرم، سواء كان معها نساء أم لا، وسواء كانت آمنة أم لا، وسواء كانت شابة أم عجوزاً، وسواء كانت جميلة أم قبيحة.
س 235: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تريد السفر إلى جدة للعمرة، وودعها محرم لها من الرياض، وركبت الطائرة واستقبلها في جدة محرم آخر هل يجوز ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الأمر قد وقع فقد انتهى، ومع ذلك فإن هذا حرام عليها، لأنها داخلة في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " (1) وهذه امرأة سافرت بدون محرم، فصدق عليها الوقوع فيما نهى عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد تقول: إن محرمها إذا شيعها إلى المطار واستقبلها المحرم الآخر زال المحذور، والرسول عليه الصلاة والسلام ما نهى عن ذلك إلا خوف المحذور فلا بأس، فالجواب أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أطلق النهي قال: " لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: "انطلق فحج مع امرأتك " (2) فأمره الرسول عليه الصلاة والسلام أن يلغي الغزوة وأن يذهب مع امرأته. وهل استفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - من
__________
(1) تقدم ص 178.
(2) تقدم ص 178.
(21/183)

هذا الرجل، وقال: هل امرأتك آمنة أو غير آمنة؟ هل قال: معها نساء أو لا؟ هل قال: هي عجوز أو شابة؟ لم يقل ذلك، فالأصل بقاء اللفظ على عمومه، لا سيما أن قصة هذا الرجل وقعت مؤيدة
للعموم، وأما كون محرمها يشيعها للمطار، فأرجو أن تكونوا معي في هذه المسألة إن كنت أخطأت فصححوا خطئي، وإن كنت أصبت فوافقوني على هذا وحذروا الناس، هذا الذي ذهب معها
إلى المطار من العادة أن الصالة التي للمسافرين لا يدخلها إلا المسافر وحده وهو سيشيعها إلى هذه الصالة ويرجع هذا الغالب، وإذا رجع هل من المؤكد مئة في المئة أن الطائرة ستقلع في الوقت المحدد؟ فقد تتأخر، ثم إذا أقلعت في الوقت المحدد وسارت في الجو هل من المضمون بالتأكيد أنه سيبقى الجو ملائماً، أو قد تحدث حالات توجب رجوع الطائرة؟ الجواب: قد تحدث مثل هذه الحالات. ثم لو فرض أنها استمرت ووصلت إلى البلد الذي فيه الهبوط، فقد لا يتسنى ذلك فتذهب إلى مكان آخر، فمن يقابلها في المطار الثاني؟ وإذا قدر أنها هبطت في المطار الذي تريد الهبوط فيه، فهل المحرم الذي كان من المقرر أن يقابلها هل مقابلته إياها مضمونة، وفي نفس الوقت هي غير مضمونة، فقد
يعتريه مرض وقد يضيع، وقد تكون السيارات مزدحمة، فينحبس بازدحام السيارات كل هذا وارد، ولو سلمنا أن كل هذه الموانع فقدت وجاءت المسألة على ما يرام، ولكن من الذي يجلس إلى
جانبها في الطائرة؟ وقد يجلس إلى جانبها رجل عفيف وغيور على محارم المسلمين فيحميها، وقد يكون أحسن من محرمها، وقد
(21/184)

يجلس إلى جانبها فاجر ماكر مخادع يغرها ويغريها، وما دامت المسألة خطيرة، والشارع له تشوف بالغ لحفظ الأعراض حتى قال الله عز وجل: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا) (1) ولم يقل: ولا تزنوا حتى نبتعد
عن كل ما قد يكون سبباً للوصول إلى الزنا، فإن الواجب على المؤمن الخائف من الله عز وجل الغيور على محارمه أن لا يمكن أحداً من محارمه من السفر إلا بمحرم، وما أيسر الأمر اذهب معها
وأوصلها وارجع والحمد لله أنت مثاب على ذلك.
س 236: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأ تقول: أنا أنوي أن أؤدي العمرة في رمضان ولكن برفقة أختي وزوجها ووالدتي، فهل يجوز لي أن أذهب للعمرة معهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز لك أن تذهبي للعمرة معهم، لأن زوج أختك ليس محرماً لك وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: سمعتما النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يقول: "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، ولا تسافر
امرأة إلا مع ذي محرم " فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وأني أكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "انطلق فحج مع امرأتك" (2) ولم يستفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل مع هذه المرأة نساء، وهل كانت شابة أم عجوزاً؟ وهل كانت آمنة أم غير آمنة؟ وهذه السائلة إذا تخلفت عن العمرة من أجل أنه لا محرم لها فإنه
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 32.
(2) تقدم ص 178.
(21/185)

لا إثم عليها، حتى ولو كانت لم تعتمر من قبل، لأن من شروط وجوب العمرة والحج أن يكون للمرأة محرم.
س 237: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سائلة تقول: أنا أخت مستقيمة على دين الله ومتحجبة، وأريد الحج إلى بيت الله الحرام، وأعرف أنه لا يجوز لي الحج بدون محرم، وأنا لا يوجد
معي محرم، فهل أذهب إلى الحج وحدي فأنا متشوقة إلى مكة المكرمة ومسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم لا للحج ولا غير الحج، وهي إذا تخلفت عن الحج لعدم وجود محرم لها فليس عليها إثم، ويدل لهذا أنه ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يقول: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وأني أكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "انطلق فحج مع امرأتك " مع أن هذه المرأة
خرجت للحج، ومع ذلك أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجها أن يحج معها، وأنت لا تتعبي نفسك وضميرك، أنك إذا بقيت من أجل عدم المحرم فقد تركت الحج بأمر الله عز وجل، لأن السفر بدون محرم قد نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فالإقامة من أجل عدم المحرم تكون
استجابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(21/186)

س 238: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدتي في المغرب وأنا أعمل في السعودية، وأنا أريد أن أرسل لها حتى تحضر لتقوم بأداء فريضة الحج وليس معها محرم، لأن والدي متوفى وإخواني وأخوالي ليس عندهم القدرة على الذهاب إلى فريضة الحج، هل يجوز أن تحضر لوحدها وتحج لوحدها؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تأتي إلى الحج وحدها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب الناس فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وأني أكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "انطلق فحج مع امرأتك " فإذا لم يكن لها محرم فإن الحج لا يجب عليها، إما أن الفريضة سقطت عنها لعدم القدرة على الوصول إلى البيت، وعدم القدرة هنا عجز شرعي، وإما أنه لا حما عليها أداءها بمعنى أنها لو ماتت حج عنها من تركتها، وعلى كل حال إني أقول لهذا السائل: لا تضيق المرأة ذرعاً بعدم قدرتها على الحج، لعدم وجود المحرم، فإن ذلك لا يضرها، ولا يلحقها إثم إذا ماتت وهي لم تحج، لأنها معذورة شرعاً لأنها غير مستطيعة شرعاً، وقد قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) .
س 239: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من هم المحارم للمرأة؟
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 79.
(21/187)

فأجاب فضيلته بقوله: المحارم للمرأة زوجها وكل رجل تحرم عليه تحريماً مؤبداً بقرابة، أو رضاع، أو مصاهرة فهؤلاء هم المحارم، فأما من تحرم عليه تحريما غير مؤبد فليس بمحرم لها، مثل: أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها، فإن أخت الزوجة، وعمتها، وخالتها يحرمنّ على الرجل ما دامت الزوجة في عصمته تحريماً غير مؤبد، فلا يكن محارم له، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان أن ينظر إلى أخت زوجته ولا إلى عمة زوجته، ولا إلى خالة زوجته، لأنهنّ من غير المحارم وقوله بنسب أي بقرابة،
والمحرمات بالقرابة سبع مذكورات في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) (1) والمحرمات بالرضاعة كالمحرمات
بالنسب سواء بسواء، لقوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب " (2) فيحرم على الرجل أمه من
الرضاع، وبنته من الرضاع، وأخته من الرضاع، وعمته من الرضاع، وخالته من الرضاع، وبنت أخيه من الرضاع، وبنت أخته من الرضاع.
وأما المحرمات بالمصاهرة فإنهنّ أربع: أم الزوجة، وبنتها، وزوجة الابن، وزوجة الأب، فأما زوجة الأب، وزوجة
__________
(1) سورة النساء، الآية: 23.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب (رقم 2654) ، ومسلم، كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة (رقم 1446) (13) .
(21/188)

الابن، وأم الزوجة فيكنّ محارم بمجرد العقد، وأما بنات الزوجة فلا يكن محارم إلا بعد الدخول بالزوجة أي بعد وطئها، وبناء على ذلك فلو أن رجلاً تزوج امرأة ثم طلقها قبل أن يجامعها، وكان لها بنت من غيره فله أن يتزوج هذه البنت بعد أن تنتهي عدة أمها التي طلقها، ولو كان لهذه الزوجة أم لم يحل له أن يتزوج أمها بل هي من محارمه، لأن أم الزوجة لا يشترط لكونها محرمة أن يدخل
بالزوجة بخلاف بنت الزوجة.
س 240: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم سفر المرأة مع غير محرم لها، وهذا الرجل معه أخته مسافة ثلاثمائة كيلومتر؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تسافر المرأة إلا مع محرم، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذك، فقال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فسأله رجل وقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " انطلق فحج مع امرأتك "
س 241: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا أعمل بالمملكة وأريد أن أحضر الوالدة لكي تحج معي، وهي تبلغ من العمر الخامسة والخمسين ولا يوجد محرم لها يحضرها من مصر أريد بهذا العمل أن أبرها فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم هذا أن أمه ليس عليها فريضة
(21/189)

ما دامت لا تجد محرماً، ولا يحرج لا يضيق صدره، فإن الله تعالى قد يسر العبادة، ولهذا نص الله تبارك وتعالى على شرط الاستطاعة في الحج فقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) والمرأة إذا لم يكن لها محرم فإنها لا تستطيع الحج، إذن أنه لا يجوز لها أن تسافر إلا مع ذي محرم، فإن تيسر له أن يذهب إلى مصر وأن يأتي بها، أو أن تأتي أمه مع محرم لها من هناك ويتلقاهم فهذا خير، وإن لم يتيسر فلا حرج على الجميع.
س 242: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حجت المرأة بدون محرم فهل عليها الحج مرة أخرى؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حجّت المرأة بلا محرم فهي عاصية لله ورسوله، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا قال: "انطلق فحج مع امرأتك " (2) لكن الحج مجزىء، يعني لا يلزمها أن تعيده مرة أخرى، بل عليها أن تتوب إلى الله وتستغفر مما حصل منها.
س 243: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل المرأة محرم لامرأة أخرى مع رجل أجنبي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(2) تقدم ص 178.
(21/190)

وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، المرأة لا تكون محرماً للمرأة، لكن تزول بها الخلوة، وعلى هذا فإذا سافرت امرأة مع رجل ليس من محارمها ومعها امرأة، فإن ذلك حرام على المرأتين جميعاً، إلا إذا كان الرجل محرماً لإحداهما، فإنه لا يحرم على المرأة التي كان محرماً لها أن تسافر معه، لكنه حرام على المرأة الأخرى، هذا بالنسبة للسفر، لأنه لا يجوز لامرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم. وتهاون بعض الناس في هذه المسألة اليوم مما يؤسف له، فإن بعض
الناس صار يتهاون فتسافر المرأة بلا محرم، ولا سيما في الطائرات (1) ، فالمسألة هذه خطيرة خطيرة جداً، والخلاصة أن أي امرأة تريد سفراً فيجب أن يكون معها محرم بالغ عاقل. أما الخلوة في البلد فلا يجوز للمرأة أن تخلو بالسائق في السيارة، ولو إلى مدى قصير، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم " (2) ولكن إذا كان مع المرأة امرأة أخرى وكان السائق أميناً فهنا لا خلوة فلا حرج أن تركب في السيارة هي والمرأة ما دام أن ركوبها ليس سفراً، وحينئذ نقول: زالت الخلوة بالمرأة المصاحبة ولا نقول: إن المرأة المصاحبة تعتبر محرماً، بل نقول: إن الممنوع في البلد أن يخلو الرجل بالمرأة، في خلاف السفر، فالسفر الممنوع أن تسافر المرأة بلا محرم، وبين المسألتين فرق واضح.
__________
(1) تقدم تعليق فضيلة الشيخ -رحمه الله- على سفر المرأة بالطائرة بدون محرم.
(2) تقدم ص 178.
(21/191)

س 244: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم السفر بالطائرة بدون محرم علماً بأن محرمي ودعني في المطار الأول، ثم أستقبلني المحرم الثاني، في المطار الثاني، وذلك بأن سفري كان
ضروريا؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أري جواز سفر المرأة بلا محرم، لا في الطائرة، ولا في السيارة، لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم "
فإن قال قائل: إن الطائرة لم تكن معروفة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قلنا: نعم إنها غير معروفة، لكنها معلومة عند الله عز وجل، ولو كان الحكم يختلف لبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيانا شافياً: إما تصريحاً أو إشارة، فلما لم يصدر فيه شيء من ذلك علمنا بأن سفر المرأة بلا محرم محرّم في الطائرة وغيرها.
وأما قول بعضهم: إن الطائرة بمنزلة السوق بالنسبة للأسواق التي يجتمع فيها الرجال والنساء بدون محرم، فجوابه أن يقال: السوق ليس بسفر، والحكم الشرعي معلق بالسفر، فما دام ركوب الطائرة من بلد إلى بلد يسمى سفراً فهي مسافرة، وأما تعلل بعضهم بأنها في الطائرة آمنة لكون محرمها يشيعا حتى تركب، والآخر يستقبلها إذا وصلت. فهذا ليس بصحيح، أي ليس تعللا صحيحاً، أولاً: أن المحرم يشيع والغالب أنه لا يصل معها إلى ذات الطائر وأنها تبقى في صالة الانتظار ثم تركب مع الناس.
ثانياً: أنه على فرض أنه أوصلها إلى باب الطائرة وركبت أمام عينه، فإن الطائرة قد يعتريها ما يمنعها من الاقلاع إما لخلل فني،
(21/192)

أو لتغير جوي، أو لأي سبب، وهذا يقع، فإذا قيل للركاب: تفرقوا فمن الذي يؤويها، وإذا قدر أنها أقلعت في الوقت المحدد فهل استمرار سيرها مضمون إلى المطار الذي قصدته؟ غير مضمون، قد يحدث في الجو في أثناء طيرانها ما يمنع هبوطها في المطار الذي قصدته، وقد يكون فيها خلل فني مما يجعلها تذهب يميناً أو شمالا إلى مطارات أخرى، فإذا ذهبت إلى مطارات أخرى، وهبطت في المطار فمن الذي ينتظرها هناك، ثم إذا سلمنا وفرضنا أنها وصلت إلى المطار المقصود بسلام، فمحرمها الذي يقابلها هل نحن نضمن أن يأتي في الوقت المحدد؟ لا، لا نضمن ذلك قد يعتريه نوم، أو مرض، أو خلل في سيارته، أو زحام في الطريق، أو ما أشبه ذلك من الموانع، دلا يأتي في الوقت المحدد، وتبقى إذا نزلت المطار أين تذهب فيحصل بذلك شر، وهذه المسائل وإن كانت نادرة وبالألف مرة واحدة، أو بعشرة آلاف مرة واحدة، لكن ما الذي يمنعنا أن نقول: لا تركب الطائرة إلا بمحرم امتثالا لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قال: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " ونسلم من هذه التقديرات كلها.
فنصيحتي لأخواتي ولإخواني المسلمين أن يتقوا الله عز وجل وأدن يمنعوا نساءهم من السفر إلا بمحرم، والحمد لله الأمر متيسر حتى وإن كان المحرم عنده شغل يمكنه أن يركب بهذه الطائرة ويوصلها إلى أهلها، أو إلى المكان الذي تريده ثم يرجع بطائرة أخرى، أو يكون المحرم الثاني مستقبلاً لها يأخذها معه ويرجع بطائرته. والله الموفق.
(21/193)

س 245: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة عزمت على أداء فريضة الحج وقطعت تذكرة الطائرة ثم مات زوجها فهل يجوز لها أن تذهب إلى الحج في أثناء عدتها وليس لها محرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحق لها أن تذهب إلى الحج في أثناء عدتها، بل يجب عليها أن تبقى في البيت الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، ثم تحج في العام القادم. أما لو مات في أثناء الطريق فلا حرج عليها أن تكمل المشوار وتكمل حجها، ثم تعود إلى بلدها فور انتهاء الحج لتقضي العدة في بيتها.
س 246: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للزوج أن يمنع زوجته من أداء فريضة الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للرجل أن يمنع زوجته من فريضة الحج، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإذا كانت الزوجة عندها مال ولها محرم ومستعد بأن يحج بها، وهي لم تؤد الفريضة، فغلط من زوجها أن يمنعها ولها أن تحج مع غيره من محارمها، لكن إن خافت أن يطلقها فإن لها أن تتأخر، لأن طلاقها ضرر عليها، وقد قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) .
س 247: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كانت المرأة لا يوجد لها محرم ولم تؤد فريضة الحج، ويوجد نساء يردن الحج
__________
(1) سورة آل عمران الآية: 97.
(21/194)

فهل تحج معهن وهن ملتزمات وموثوقات جداً جداً أم يسقط عنها الحج في هذه الحالة، أرجو الإجابة مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الحج لا يجب على هذه المرأة التي لم تجد محرماً، لقول الله تبارك وتعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) وهذه المرأة وإن كانت مستطيعة استطاعة حسية فإنها غير مستطيعة استطاعة شرعية، وذلك أنه لا يحل للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم، لقول ابن عباس- رضي الله عنهما- سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يقول: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فقام رجل قال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "انطلق فحج مع امرأتك " (1) فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدع الغزوة، وأن ينطلق فيحج مع امرأته، ولم يستفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحال: هل المرأة معها نساء ملتزمات؟ وهل هي آمنة أو غير آمنة؟ هل هي شابة أو عجوز؟ فلما لم يستفصل، بل أمر هذا الرجل أن يدع الغزوة ويذهب ليحج مع امرأته. دل ذلك على العموم، وأنه لا يحل لامرأة أن تسافر للحج ولا لغيره إلا مع ذي محرم، حتى وإن كانت آمنة على نفسها، وإن كانت مع نساء، وفي هذه الحال هي غير مستطيعة شرعاً، فلو توفيت ولاقت الله عز وجل فإنها لا تكون مسئولة عن هذا الحج، لأنها معذورة، لكن من العلماء من قال:
__________
(1) تقدم ص 178.
(21/195)

إن المحرم ليس شرط لوجوب الحج. وعلى هذا فلا يلزمها أن تستنيب من يحج عنها إذا كانت قادرة بمالها، لأن شرط الوجوب إذا انتفى يسقط مثل ما يسقط بانتفاء الوجوب، ومن العلماء من قال: إن المحرم شرط لوجوب الأداء، أي للزوم حجها بنفسها، وبناء على هذا يلزمها أن تستنيب من يحج عنها إذا كان عندها مال، وإذا توفيت فإنه يجب إخراج الحج عنها من تركتها.
فنقول لهذه السائلة: اطمئني فأنت الآن لست آثمة إذا لم تحجي، بل إذا حججتي فأنت آثمة، وإذا مت ليس في ذمتك شيء، لأنك غير مستطيعة شرعاً، وكثير من الناس يكون مشتاقاً إلى الحج ومحباً للحج، فيرتكب بعض المحرمات من أجل تحقيق رغبته وإرادته ومحبته، وهذا غير صحيح، بل الصحيح أن تتبع ما جاء به الشرع في هذه الأمور وفي غيرها، فإذا كان الله تعالى لم يلزمك بالحج فلا ينبغي أن تلزم نفسك بما لا يلزمك، ومثال ذلك: أن بعض الناس يكون في ذمته دين لأحد فتجده يذهب للحج وذمته مشغولة بهذا الدين، مع أن الحج، في هذه الحال لا يجب عليه، بل هو بمنزلة الفقير لا تجب عليه الزكاة، فكذلك هذا الذي عليه الدين لا يجب عليه الحج، ولا يكون آثماً بتركه، ولا مستحقاً للعقاب إذا لاقى الله عزّ وجلّ، لأنه معذور، فوفاء الدين واجب، والحج مع الدين ليس بواجب، والعاقل لا يقوم بما ليس بواجب ويدع ما هو واجب، لذلك نصيحتي لإخواني
الذين عليهم ديون ولم يحجوا من قبل نصيحتي لهم أن يدعو الحج حتى يغنيهم الله عزّ وجلّ، ويقضوا ديونهم ثم يحجوا.
(21/196)

لكن لو كان الدين مؤجلاً، وكان عند الإنسان مال وافر بحيث يضمن لنفسه أنه كل ما حل قسط من هذا الدين فإنه يقضيه، فإنه يحج به ولا بأس بذلك.
س 248: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يتعلل بعض الناس في سفر المرأة لوحدها في الطائرة أن هذه الطائرة موجود فيها كثير من النساء وكثير من الرجال، فيقول: إن الفتنة
مأمونة فما تعليقكم على ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: التعليق على ذلك ليس المقصود الأمن وعدم الأمن، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل في الحديث الذي ذكرناه آنفاً، ولو كان المدار على الأمن لاستفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا، ثم إن الأمن ليس مأموناً في سفر الطائرة: أولاً لأن
الطائرة ربما تقلع في الموعد المقرر وربما تتأخر لأسباب فنية أو جوية، فتبقى المرأة في المطار هائمة تائهة، لأن محرمها قد رجع إلى بيته، بناء على أنها دخلت الصالة، أو أذن لهم بركوب الطائرة، ثم تأخرت الطائرة، وإذا قدر أن هذا المحظور زال وأن الطائرة أقلعت متجهة إلى محل هبوطها، فغير المأمون أن تهبط في المكان الذي حدد فيه الهبوط، لأنه يجوز أنه تغير الجو فلا يمكنها الهبوط في المكان المقرر، ثم تذهب الطائرة لمكان آخر لتهبط فيه، وحينئذٍ تبقى هذه المرأة هائمة تائهة، أو تتعلق بمن لا
يؤمن من فتنته، وإذا قدرنا أنها وصلت إلى المطار التي قرر هبوطها فيه، فإن محرمها الذي سيستقبلها قد يعيقه عائق عن
(21/197)

وصوله للمطار: إما زحام في السيارات، وإما عطل في سيارته وإما نوم، وإما غير ذلك. فلا يأتي في موعد هبوط الطائرة، وتبقى هذه المرأة هائمة تائهة، وإذا كان الحج ليس واجب لمن ليس عندها محرم فالأمر والحمد لله واسع، وليس فيه إثم، ولا ينبغي للمرأة أن تتعب نفسياً من أجل هذا، لأنها في هذه الحال غير مكلفة به، فإذا كان الفقير العادم للمال ليس عليه زكاة وقلبه مطمئن بكونه لا يزكي، فكذلك هذه المرأة التي ليس عندها محرم ينبغي أن يكون قلبها مطمئناً لعدم حجها.
س 249: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم في سفر المرأة علماً بأنه سوف يكون معها محرم حتى المطار الذي تسافر منه، ثم ينتظرها محرم في المطار الذي سوف تصل إليه، فهل يحل لها السفر أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمرأة أن تسافر بدون محرم لا في الطائرة، ولا في السيارة، ولا في السفينة، لعموم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثابت في الصحيحين من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما-: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " أو "إلا ومعها ذي محرم " وهذا النهي للتحريم، لأن ذلك هو الأصل فيما نهى الله عنه ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
س 250: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل متزوج وله بنت من غير زوجته فهل والد زوجته محرم لابنته بالنسب
(21/198)

والمصاهرة أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: والد الزوجة ليس محرماً لبنت زوج ابنته، لأنه لا علاقة بينه وبينها، بل لو شاء أن يتزوجها فله ذلك، نعم ليس بينهما نسب ولا مصاهرة. فالمصاهرة تنحصر في أصول الزوج وفروعه، وأصول الزوجة وفروعها فقط، فأصول الزوج وفروعه حرام على الزوجة، وأصول الزوجة وفروعها حرام على الزوج، وهذا الأربعة يثبت فيها التحريم بمجرد العقد، إلا بنات
الزوج، فلا بد من الدخول لقوله تعالى: (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) إلى قوله تعالى: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) (1)
فأنت إذا أردت أن ييسر عليك الأمر فانظر هل من أصول الزوجة وفروعها، أو من أصول الزوج
وفروعه فإذا لم يكن كذلك فلا تحريم.
س 251: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يوجد لدينا خادمة في المنزل بدون محرم، وسوف أقوم بأداء فريضة الحج في العام القادم إن شاء الله، وأود أن اصطحب الخادمة مع عائلتي لأداء
الفريضة متكفلاً بجميع لوازمها، فهل يجوز اصطحابها حيث إن الحج قد لا يتوفر لها أداؤه إلا معنا، أفيدونا وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: قبل الرد على هذا السؤال أحذر إخواننا الذين أنعم الله عليهم في هذه البلاد بوفرة المال والخيرات
__________
(1) سورة النساء، الآية: 23.
(21/199)

من الانهماك في جلب الخادمات، لأن هذا من الترف، بل من الإسراف، حتى إننا نسمع أن بعض الناس لا يكون إلا هو وزوجته في البيت مع تمكن المرأة من القيام بجميع شؤون المنزل، ومع
ذلك يجلب خادمة لهما، فأنا أحذر إخواني من هذا الأمر الجارف الذي أصبح لدينا أمراً يتسابق الناس إليه، تقول زوجته: أريد خادمة. فيذهب ويأتي لها بخادمة. لذا أنصح ألاّ يأتي أحد بخادمة
إلا للضرورة التي لابد منها.
ثم الذي أرى أنه إذا كان هناك ضرورة فلا يجلب الإنسان إلا خادمة مسلمة، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وإذا أتى بخادمة، فالذي أراه ألّا تكون شابة جميلة، لأنها محل فتنة لا سيما إذا كان عنده شباب، لأن الشيطان يجر من ابن آدم مجرى الدم (1) ، وألا يجلب الخادمة إلا ومعها محرم، لأنه - صلى الله عليه وسلم -: نهى أن تسافر المرأة بلا محرم.
وإذا كانت بمحرم فلا يرد الإشكال الذي سأل عنه، فمحرمها سوف يحج معها، أما إذا لم يكن معها محرم بأن أتى بها المحرم ثم عاد فلا يحجون بها، بل تبقى عند من يثقون به، فإن لم يكن هناك من يثقون به فتحج معهم للضرورة، وحجها صحيح. والله الموفق.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب التكبير والتسبيح عند التعجب (رقم 6219) ، ومسلم، كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رؤي خالياً بامرأة وكانت زوجته أو محرما له أن يقول: هذه فلانة (رقم 2174، 2175) .
(21/200)

س 252: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: ابتلينا بالخادمات في البيوت فإذا جاءت الخادمة كان من الشروط أن تؤدي فريضة الحج، فماذا يصنع من كان كفيلاً لها هل يقوم بتنفيذ هذا الشرط ولو كان مخالفًا لأوامر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أم يطلب منها إحضار محرماً
لها ليحج بها، أم يدفع لها مالاً مقابل عدم الوفاء بهذا الشرط.
فأجاب فضيلته بقوله: نعم هذه ثلاثة أمور بينها السائل لكن هناك أمر رابع لم يبينه، وهو الواجب من الأصل: الواجب أن الخادم إذا اشترطت أن يحج بها يقول: نعم أنا ألتزم بهذا بشرط المحرم، أما إذا لم يكن معك محرم فإنه لا يجوز أن تحجي أنت، ولا يجوز أن أسمح لك أنا ما دام الأمر في يدي، ثم إن هؤلاء مسكينات، الحج عندهن أغلى من كل شيء، فلو أنها أيست منه من الأول وقيل ليس هناك حج إلا بمحرم، لدخلت على بصيرة، ثم نقنع هذه المسكينة نقول لها: إن الحج فريضة، لكنه فريضة على من؟ على المستطيع، وأنت لا تستطيعين الآن بدون محرم، فليس عليك حج واطمئني ليس عليك إثم، وإذا لقيت ربك فإنك تلقينه بدون أن تكون عاصية أو آثمة، ونهون عليك الأمر فإن أبت إلا الوفاء قلنا: لا يمكن هذا، لكن اختاري إما أن ننتظر حتى يقدم لك أحد من محارمك، وإما أن نعطيك عوضاً عن الحج الذي اشترطي علينا.
لكن هنا مسألة: لو كان الأهل سيحجون جميعاً وعندهم خادم ليس لها محرم فهنا لا بأس أن تحج معهم، لأن وجودها في البيت كوجودها معهم في السفر ولا فرق، ولأنها إذا بقيت في
(21/201)

البيت فهو أخطر عليها مما إذا ذهبت معهم بلا شك، والواجب دفع أعلى المفسدتين بأدناهما.
س 253: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بينتم في السؤال السابق في سؤال الخادمة أنها يمكنها أن تحج معهم إذا كانوا سيؤدون فريضة الحج، فهل يأثمون بذلك؟ وهي هل عليها إثم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نحن ذكرنا أن هذا من باب الضرورة، لأن ذهابها معهم أسلم من بقائها في البيت، وعللنا ذلك بأنه من باب دفع أعلى المفسدتين، بأدناهما وأقلهما، لكن كما قيل: إذا لم يكن إلا الأسنة مركبة فما حيلة المضطر إلا ركوبها.
س 254: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لدينا خادمة في البيت فإذا أردنا أن نحج أو نعتمر أو نسافر إلى أي بلد فهل يجوز أن نأخذها وليس لها محرم أفيدونا جزاكم الله خيرا؟
فأجاب فضيلته بقوله: أليست هذه الخادمة امرأة؟ بلى امرأة إذن ما الذي يخرجها عن قول الرسول: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " (1) نعم لو فرض أن خادمة لا يمكن أن تبقى بعدهم في
البيت لأن ليس في البلد من يحميها ففي هذه الحال تذهب معهم للضرورة.
__________
(1) تقدم ص 178.
(21/202)

س 255: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم سفر الخادمة مع الرجل الذي ليس محرماً لها، وما رأيك بمن يستعمل حملة خاصة بالخادمات فيحج بهن، وهو ليس من محارمهن وليس
معها لا كفيل ولا محرم فما رأيك بهذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " (1) . وليس لنا أن نخرج عن قول الله وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم - مهما كان الأمر، لكن الخادمة إذا كانت في البيت وليس معها محرم واضطر الناس للسفر بها لأنه لم يبق في البيت أحد، فحينئذ يسمح لها أن تسافر معهم، لأن هذا ضرورة، وبقاءها في البيت وحدها أشد ضرراً مما إذا سافرت معهم وأشد خطرا.
فإذا قال قائل: لماذا لا نقول له: أعطها أقاربك، أو أصدقائك، حتى ترجع؟ نقول: نفس الشيء أيضا ربما إذا أعطيتها أقاربي، أو أصدقائي ربما يكون قلبي مشوشاً ماذا حصل على هذه المرأة، فيبقى الإنسان غير مطمئن، فهذه المسألة تجوز في حالة واحدة، وهي: إذا كان الناس معهم خادمة ولا يمكن أن يبقوها وحدها في البيت فهنا تسافر معهم، ولا إثم فيه- إن شاء الله تعالى- على أني أقول هذا، وأنا أستغفر الله أتوب إليه.
والحملة من باب أولى لا تجوز، لكن مع الأسف أن الناس تهاونوا في هذا الأمر، وصاروا يودعون هؤلاء النساء كأنهن غنم مع راعي لا يدرون عنها، نسأل الله السلامة.
__________
(1) تقدم ص 178.
(21/203)

س 256: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقول رجل وامرأة مسنين عندهما خادمة تريد الذهاب إلى الحج، وقد أصرت عليهما مع أنه ليس لها محرم، وقد حجز لها في إحدى حملات هذا البلد، ويسألان هل عليهما إثم في ذلك، مع أنها جاءت إليهم بدون محرم، ويصعب عليها أن تأتي مرة أخرى مع محرم لأداء فريضة الحج أفتنا جزاك الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرى أن لا يجوز أن تذهب الخادمة بدون محرم حتى مع نساء، وإن كان بعض العلماء يقول: إذا كانت المرأة مع نساء آمنة فلا بأس أن تحج، لكن إذا نظرنا إلى الحديث الصحيح، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب وقال: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا كذا؟ فقال: "انطلق
فحج مع امرأتك " فأمره أن يدع الغزو ويحج مع امرأته، ولم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: هل معها نساء؟ هل هي شابة؟ هل هي عجوز؟ هل هي جميلة؟ هل هي قبيحة؟ لم يستفسر. ومن
قواعد العلماء: (أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال) لذلك أرى أن لا يسمح لها بالذهاب إلى الحج، ثانيا: أرى أن عليهما أن يطمئناها ويقول لها: إن الحج غير واجب عليها، وأنت في حل، وإذا لقيتي ربك فإنك تلقينه غير ناقصة ركن من أركان الإسلام، وانتظري حتى يأذن الله تعالى بتيسيره أمرك مع محرم. وأما الاعتذار أنها جاءت بلا محرم فهذا عجيب أن يعتذر عن الداء بداء مثله أو أشد، كونها جاءت بلا
(21/204)

محرم لا يبرر أن تحج بلا محرم لأن مجيئها بلا محرم غلط، وكم من بلية حصلت لكون الخادمة ليس لها محرم في البيت، نسأل الله السلامة والعافية.
س 257: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الحج والعمرة بالخادمة إذا لم يكن معها محرم: وما حكم استقدام الخادمة بدون محرم أو نقل كفالتها ممن استقدمها مسبقاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذان سؤالان: الأول إذا حج أهل البيت وعندهم خادمة وليس معها محرم فليحجوا بها. وذلك لأن حجهم بها أحفظ لها من أن تبقى في البيت وحدها، أو يعيروها لأحد من الناس، فنرى أن تذهب معهم، لأنها باقية معهم في البيت بلا محرم.
وأما النسبة لاستقدام النساء بلا محرم فكنت بالأول أتساهل فيه بعض الشيء، وأقول: إذا جاء بها محرمها ثم رجع، فالأمر سهل، لكن حصلت وقائع من بعض ضعيفي الإيمان، وأوجبت لي أن أقول: لا يجوز أن تستقدم خادمة إلا بمحرمها الذي يبقى معها.
س 258: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استقدام الخادمة من الخارج بغير محرم إذا كانت مسلمة، حيث إن هذا الأمر حاصل عند كثير من الناس حتى ممن يعتبرون من طلاب العلم. ويحتجون بأنهم مضطرون إلى ذلك. وبعضهم يحتج بأن
(21/205)

إثم سفرها بغير محرم عليها هي. أو على مكتب الاستقدام. أرجو تبيين ذلك والله يحفظكم ويجزيكم خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: استقدام الخادمة بدون محرم معصية للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنه صح عنه أنه قال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " (1) ولأن قدومها بلا محرم قد يكون سبباً للفتنة منها وبها، وأسباب الفتنة ممنوعة، فإن ما أفضى إلى المحرم محرم.
وأما تساهل بعض الناس في ذلك فإنه من المصائب، ولا حجة لهم في قولهم: إنه ضرورة، لأننا لو قدرنا الضرورة للخادمة فليس من الضرورة أن تأتي بلا محرم.
كما أنه لا حجة لقول بعضهم: إن إثم سفرها بلا محرم عليها هي، أو على مكتب الاستقدام. لأن من فتح الباب لفاعل المحرم كان شريكاً له في الإثم لإعانته عليه، وقد أمر الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واستقدام الخادمة بلا محرم إقرار للمنكر لا إنكار له. وأسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إنه سميع قريب.
س 259: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن مجموعة من الشابات المسلمات من جنسيات مختلفة، نعمل بإحدى الدول الخليجية معلمات وطبيبات، والدولة توفر لنا سكن جماعي للمعلمات العازبات، علما بأن السفر من وإلى الدولة هذه
__________
(1) تقدم ص 178.
(21/206)

بالطائرة، فهل نعتبر مخالفات لحديث المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بأنه: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاث ليال من غير ذي محرم؟ وهل المال الذي نجمعه يعتبر مالا حراماً؟ وما حكم سفرنا وإقامتنا من غير محرم لمدة عام في جماعة من النسوة المسلمات؟ نرجوا منكم التوجيه جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، من المعلوم أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ويقول: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " ولم يقيده بثلاث، والتقييد اختلف مقداره، فبعضه يوم وليلة، وبعضهم ثلاثة أيام، ولهذا اعتبر العلماء- رحمهم الله- أن السفر مطلق، فكل ما يسمى سفراً فإنه لا يجوز للمرأة أن تقوم به إلا مع ذي محرم، لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، وفي حديث ابن
عباس الذي ذكرته قال فقال رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني أكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ فقال: "انطلق فحج مع امرأتك " فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدع الغزو، وأن يخرج مع امرأته يحج معها، وهذا دليل على تأكد المحرم، وفي هذا الحديث لم يستفصل النبي، هل مع زوجتك نساء؟ هل هي آمنة؟ أو هل هي شابة أم عجوز؟ كل ذلك لم يكن، فدل على أن الأمر عام، وأن الحكم لا يختص بحال دون حال، وأنه لا يجوز للمرأة أن
تسافر إلا مع ذي محرم.
(21/207)

أما ما ذكر في السؤال من أنهن نساء من أجناس شتى حضرن إلى بعض الدول الخليجية للتعليم والطب وغير ذلك فإن هذا الأمر كما قلنا: في صدر السؤال إنهن حائرات، فأنا أيضاً حائر فيه، ولا أفتي فيه بشيء، والله أعلم.
س 260: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: هل يجب على الرجل أن يحج بزوجته فيكون محرما لها، وهل هو مطالب بنفقة زوجته أيام الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجب على الزوج أن يحج بزوجته إلا أن يكون مشروطاً عليه حال عقد الزواج، فيجب عليه الوفاء به، وليس مطالباً بنفقة زوجته، إلا أن يكون الحج فريضة، ويأذن
لها فيه، فإنه يلزمه الإنفاق عليها بقدر نفقة الحضر فقط.
س 261: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيها أكثر تقربا لله عز وجل الحج نافلة أم الحج عن الآخرين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج نافلة أكثر تقربًا لله عز وجل، والحج عن الآخرين ليس فيه فضل إلا الإحسان الذي حججت عنه، أما أجر الحج فليس لك منه شيء، لأنك رغبت عنه وأهديته
لهذا الشخص فليس لك إلا الإحسان، فلو أن الإنسان حج عن شخص فإنه ليس له أجر الحج، لأن هذا الرجل رغب عن ثواب هذا الحج وجعله لآخر، لكن له أجر الإحسان إلى الغير، كما لو
أحسن إليه بهديه، ولذلك نعلم أن من السفه في العقل والضلال
(21/208)

في الدين ما يفعله بعض الناس يصلي ركعتين أو يصوم يومين ويقول: إنهما عن محمد - صلى الله عليه وسلم - يعني يهدي الطاعات إلى رسول الله صلى الله عليه واَله وسلم نقول: هذا ضلال في الدين وسفه في العقل. أما كونه سفها في العقل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحتاج إلى
هديتك كل عمل خير تفعله فللنبي - صلى الله عليه وسلم - مثل أجره، فلا يحتاج أن تهدي إليه طاعة، وأما كونه ضلالاً في الدين فإنا نقول لهذا الرجل المبتدع أنت أشد حباً للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أبي بكر؟ إن قال نعم. قل له: كذبت، وإن قال: لا أبو بكر أشد حبًا للرسول - صلى الله عليه وسلم - مني وكذلك بقية الخلفاء وكذلك بقية الصحابة - رضي الله عنهم- فقل: هل أهدوا القرب والطاعات للرسول عليه الصلاة والسلام؟ لا. ولهذا فأنت ضال في دينك لأنك ابتدعت ما لم يفعله السلف الصالح.
س 262: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المرأة إذا لم يوجد لها محرم وهي لم تؤد فرضها فأيهما أفضل لها أن توكل أو تحج مع خالتها أو عمتها؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا لم تجد المرأة محرماً لها، فإن الحج غير واجب عليها، لأنها لا تستطيعه شرعاً والحج لا يجب إلا على المستطيع، ولا يجوز لها أن تحج بلا محرم مع خالتها، أو عمتها.
(21/209)

س 263: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ليس لها محرم إلا أخوها من الرضاع، وهي تحتجب منه حياءً فهل يجوز لها أن تحج معه أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لها أن تحج معه، لأنه محرم لها شرعاً وكونها تحتجب منه لا يمنع ذلك.
س 264: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: تزوجت والدتي من رجل بعد وفاة والدي، وكان والدي قد حجج أمي، أما الرجل الذي تزوجها فوعدها بالحج فتجهزت له، ولما دخل شهر ذي
الحجة طلبت منه فرفض، بحجة أنه سوف يقوم بالحج مع أحد أصدقائه، فاقتنعت أمي، ولكنه لم يحج إنما قصد أن لا يحجج أمي، ومر بها أهلها وهم في طريقهم إلى مكة فسافرت معهم دون علم منه، أو رضاه، وذلك من اثنتي عشرة سنة، وقد طلقها منذ خمس سنوات، فهل هذا الحج صحيح؟ أم ماذا عليها؟
فأجاب فضيلته بقوله: قبل الإجابة أود أن أبين أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج بدون رضا زوجها، حتى ولو كان في البلد، فكيف تحج بدون رضاه، فهذا حرام، ولا يجوز لها، ويجب على الزوج الذي وعد زوجته بالحج أن يوفي بوعده، فيحج بها، لا سيما إن كان هذا مشروطاً عليه في العقد، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن أحق الشروط أن توفوا به، ما استحللتم به الفروج " (1) .
وإذا كان هذا الوعد بعد العقد، فإن العلماء اختلفوا في
__________
(1) تقدم ص 114.
(21/210)

الوفاء به، والصواب: وجوب الوفاء به إذا لم يكن على الواعد ضرر، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل إخلاف الوعد من صفات المنافقين (1) تحذيراً من إخلافه، أما بالنسبة لما وقع من أمك من الحج فإنه صحيح تبرأ به الذمة، ولكن عليها أن تتوب إلى الله وتستغفره.
س 265: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: قد حججت حجتين؟ الأولى: مع أختي وأمي بواسطة زوج أختي، وقد أحرمت مع أمي وأختي فهل حجي هذا صحيح؟ والحج الثاني مع رجل قد عقد عليّ أبوه عقداً لا غير، وقد طلقني قبل الدخول، لأن زوجي لم تحصل له رخصة لكي يحججني، وقد أوصى الرجل الذي عقد عليّ أبوه لكي يحججني وكان معه زوجته وخالته فهل حجي هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب الأول: أن المرأة لا تكون محرماً للمرأة، فكونك حججت مع زوج أختك بمصاحبة أمك فهذا لا يجوز؟ لأن زوج أختك ليس محرماً لك، ولكنه محرم لزوجته ولأمك؟ لأنها أم زوجته، ولكن عليك أن تتوبي إلى الله، وأن تستغفري من ذنبك، وأما الحج فهو صحيح.
الشق الثاني من السؤال: إن حجك صحيح؛ لأن ابن الرجل الذي عقد عليك ولم يحصل منه دخول يكون محرماً لك؛ لأن
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق (رقم 33) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق (رقم 59) .
(21/211)

الرجل إذا عقد على المرأة عقداً صحيحاً يكون أبوه محرماً لها، وصار آباؤه محارم لها، وأبناؤه أيضاً محارم لها، وكذلك تكون أم الزوجة وجداتها محرماً للزوج، وهذه الأطراف الثلاثة تثبت فيهم
المحرمية بمجرد العقد.
وأما بنات الزوجة، وبنات أولادها، وبنات بناتها فإنهن لا يكن محارم للزوج إلا إذا كان قد دخل بالأم، أي قد جامعها، فلو عقد إنسان على المرأة ولها بنات من غيره ثم طلقها قبل الدخول بها، فإنه يجوز له أن يتزوج من بناتها، لأنه لم يدخل بها، وكذلك لو جاءها بنات من بعده من زوج آخر فإنه يجوز له أن يتزوج بهؤلاء البنات اللاتي لم يدخل بأمهن، أما لو دخل بالأم فإنه يحرم عليه بناتها من غيره، سواء من زوج سابق، أو زوج لاحق. والله الموفق.
س 266: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تترك زوجها وأولادها الصغار وتذهب للعمل في دولة أخرى بعيدة عنهم؟ وما هي المدة التي يسمح بها الإسلام في بعد الزوجة
عن بعلها؟ وهل هناك ضرر من ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمرأة أن تسافر إلا بإذن زوجها، ولا يحل لها أن تسافر إلا بمحرم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تصوم المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه، فكيف بسفرها ومغادرتها وترك أولادها عند الزوج يتعب فيهم، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن
تسافر المرأة بدون محرم، وللزوج أن يمنع زوجته من السفر،
(21/212)

سواء كان سفرها للعمل أو لغير العمل، لأن الزوج مالك، بل قد قال الله تعالى: (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) (1) سيدها يعني زوجها، فله السيادة عليها، وله أن يمنعها من السفر، بل له أن يمنعها من
مزاولة العمل حتى في البلد إلا إذا كان مشروطاً عليه عند العقد، فإن المسلمين على شروطهم، وعلى هذه المرأة أن تتقي الله عز وجل، وأن تكون مطيعة لزوجها غير مغضبة له، حتى يكون الله
عليها راضياً، وبهذا يتبين الجواب عن قولها. وكم مدة تبقى بعيدة عن زوجها فإنه ليس هناك مدة، بل لابد أن تبقى مع زوجها، فإن أذن لها في وقت من الأوقات وسافرت مع محرم وأمنت الفتنة،
بالخيار بيده يأذن لها ما شاء.
س 267: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض النساء من داخل مكة يذهبن إلى الحج بدون محرم مع جماعات من النساء عن طريق النقل الجماعي فهل هذا جائز؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه لا يجوز للمرأة أن تحج إلا بمحرم، حتى وإن كانت من أهل مكة، لأن ما بين مكة وعرفات سفر على القول الراجح؛ ولهذا كان أهل مكة يقصرون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في المشاعر.
س 268: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المتوفى عنها هل يجوز لها الحج وهي في العدة؟ وكذلك المعتدة من غير الوفاة؟
__________
(1) سورة يوسف، الآية: 25.
(21/213)

فأجاب فضيلته بقوله: بالنسبة للمتوفى عنها فإنه لا يجوز لها أن تخرج من بيتها وتسافر للحج، حتى تقضي العدة، لأنها في هذه الحال غير مستطيعة، لأنه يجب عليها أن تتربص في البيت، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) (1) فلابد أن تنتظر حتى تنتهي العدة.
وأما المعتدة من غير الوفاة فإن الرجعية حكمها حكم الزوجة فلا تسافر إلا بإذن زوجها، ولكن لا حرج عليه إذا رأى أن من المصلحة أن يأذن لها في الحج، وتحج مع محرم لها.
وأما المبانة فإن المشروع في حقها أن تبقى في بيتها أيضاً، ولكن لها أن تحج إذا وافق الزوج على ذلك، لأن له الحق في هذه العدة، فإذا أذن لها أن تحج فلا حرج عليه.
س 269: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الرجل عندما يمر بحادث سيارة هل يتقدم لينقذ المصابين في الحادث، وإذا كان من بينهم نساء هل يجوز حمل هؤلاء النساء في سيارته مع عدم وجود
محرم لهن أم ماذا يفعل؟ فربما لو تركهن لتضاعف الألم وربما تحدث نتائج غير طيبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول إنه يجب على المرء المسلم إذا رأى أخاه المسلم في أمر يخشى منه الهلاك يجب عليه أن يسعى لإنقاذه بكل وسيلة، حتى إنه لو كان صائماً صيام الفرض في رمضان وحصل شيء يخشى منه الهلاك على أخيه المسلم واضطر
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 234.
(21/214)

إلى أن يفطر لإنقاذه فإنه يفطر لإنقاذه، وعلى هذا فإذا مررت بحادث سيارة ورأيت الناس في حال يخشى عليهم من التلف، أو من تضاعف الضرر فإنه يجب عليك إنقاذهم بقدر ما تستطيع، وفي هذه الحال لا بأس أن تحمل النساء، وإن لم يكن معهن محارم لأن هذه ضرورة.
س 270: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم ركوب المرأة مع السائق وحدها؟
فأجاب فضيلته بقوله: ركوب المرأة مع السائق وحدها محرم، لأنه لا يجوز للمرأة أن تخلو برجل في السيارة غير محرم لها، لقول النبي: "لا يخلون رجل بامرأة" (1) وهذا النهي عام.
أما السفر فلا تسافر المرأة بلا محرم ولو كان معها غيرها، فهنا أمران: خلوة، وهذه حرام في الحضر والسفر، وسفر بلا خلوة، وهذا حرام أيضاً لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم "
والحاصل أن ما يفعله بعض الناس من ركوب المرأة وحدها حرام، ولا يحل، لأنها في خلوة مع رجل، ويقول بعض الناس: إن هذا ليس بخلوة لأنها تمشي في السوق، فنقول: بل هو خلوة من أشد الخلوات خطراً، لأن غالب السيارات الآن تغلق الزجاجات فلو تكلم معها بكل كلام لم يسمعه أحد، ولأنه في
__________
(1) تقدم ص 178.
(21/215)

الواقع خال بها، لأن السيارة بمنزلة الغرفة، ولأننا نسأل كثيراً عن مسائل يحدث فيها حوادث خطيرة جداً، فلا يستريب عاقل بأن ركوب المرأة مع السائق وحدها حرام لدخوله في الخلوة، ولأنه
يفضي إلى مفاسد، وفتن كثيرة.
س 271: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: تضطر المرأة أحياناً للسفر وحدها في الطائرة كأن يرسلها زوجها لزيارة أهلها، حيث لا يستطيع الذهاب معها.. فما حكم الشرع في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الضرورة تحتاج إلى بيانها وتقديرها. وأما إرسالها للزيارة، فإننا نقول لك: لا ترسلها إلى زيارة أهلها بدون محرم ولو بالطائرة، والناس يتهاونون في مسألة الطائرة وهذا خطأ (1)
س 272: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا سافر الزوج مع زوجته في الحج أو غيره، هل يجب عليه أن يركب معها في نفس السيارة التي هي فيها، إذا كان هناك أكثر من سيارة في هذا
السفرة فقد جرت عادة بعض الناس أن تركب النساء في سيارة والرجال في سيارة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن ركوب الإنسان مع محرمه من زوجة أو قريبة في نفس السيارة أحسن وأحوط، ولكن إذا كانت القافلة سيارات تمشي جميعاً، تنزل منزلاً واحدًا، وتيسير
__________
(1) تقدم تفصيل ذلك.
(21/216)

سيرا واحداً، فلا بأس أن يجعل النساء في سيارة، وأن يكون الرجال في السيارة الأخرى، ولكن لابد أن يحرص قائد السيارة على أن لا يغيب عن السيارة التي فيها الرجال المحارم، حتى يكون المحرم مراقباً للسيارة التي فيها محرمه.
س 273: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة في بلاد بعيدة لا يتوفر لها المحرم، ولكن يتوفر لها الرقة المأمونة فمن الصعب أنها تجد محرمًا يحرم معها، ولكن تجد ابن عمها ويكون في سن كبير وهي كبيرة أيضاً، ففي هذه الحال هل عليها حج مع قدرتها؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت المرأة قادرة على الحج بمالها لكنها لم تجد محرماً فإن الحج ساقط عنها، وليس عليها إثم لتركها، لأن الله تعالى يقول: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) وهذه المرأة لا تستطيع إليه سبيلا بحكم الشرع، إذ لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم، ويقال لها: اطمئني بأنه لا شيء عليك وإن وجدت الرفقة وإن كانوا أمناء.
س 274: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قادر على الحج ووالدته تقيم خارج المملكة فطلبت أمه أن يؤجل الحج إلى السنة القادمة لأنه إذا حج هذه السنة لم يسمح له بالحج إلا بعد
خمس سنوات فهل يجوز له أن يؤخر الحج مع قدرته عليه علماً بأن
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/217)

أمه على طريقة صوفية تدعو فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما عن سؤاله ينتظر أمه ليحج معها في السنة القادمة بناءً على طلب أمه وإشارته إلى أن والدته على طريقة غير مرضية من الطرق التي يدعو فيها صاحبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من المخلوقين فإني أشير بل أنصح لهذه المرأة ومن أمثالها أن يتوبوا إلى الله عما هم عليه، وذلك لأن دعاء غير الله شرك وضلال وكفر. كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)) وقال الله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5)) فدعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن دونه من الخلق شرك وضلال؛ لأن هؤلاء لا يستطيعون أن يستجيبوا له، والواجب على المرء أن يتوب إلى الله من هذا الشرك، وألا يدعو إلا الله، وكلنا نعلم أن رسول الله نفسه كان لا يملك نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، وقد أمره الله تعالى أن يعلن ذلك لأمته، فقال الله له: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)) (1) وقال الله تعالى له آمراً أياه (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحي إلي) وكان الرسول نفسه يدعو الله سبحانه بنفسه بالمغفرة
والرحمة، ويدعو لأصحابه كذلك، ولو كان قادراً على أن يغفر لأحد أو يرحمه ما احتاج إلى دعاء الله سبحانه في هذا، فكل
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 188.
(21/218)

الخلق مفتقرون إلى الله، والله هو الغني الحميد، كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)) (1) ولولا أن الشيطان تلاعب بعقول هؤلاء وأفكارهم لعلموا أن
الرسول - صلى الله عليه وسلم - وغيره لا يملكون لأحد نفعاً ولا ضراً ولا دعوا الله سبحانه وحده لا شريك له: (أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) (2) فإذا تابت هذه المرأة من هذا الشرك وأصلحت العمل فلتتجه إلى مكة لتؤدي
فريضة الحج إن كانت لم تؤدها قبل.
س 275: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: إنني مقيمة في المملكة بحكم عملي بها، وقد ذهبت للحج العام الماضي 1404 هـ وكان معي اثنتان من زميلاتي وليس معنا محرم.
فما حكم فعلنا وهل حجنا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل وهو الحج بدون مَحْرَمٍ مُحَرَّمٌ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو يخطب: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم "، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي
خرجت حاجة، وإني قد أكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"انطلق فحج مع امرأتك " (3) .
__________
(1) سورة فاطر، الآية: 15.
(2) سورة النمل، الآية: 62.
(3) تقدم ص 178.
(21/219)

فلا يجوز للمرأة السفر بدون محرم، والمحرم من تحرم عليه على التأبيد بنسب، أو سبب مباح، ويشترط أن يكون بالغاً عاقلاً، وأما الصغير فلا يكون محرماً، وغير العاقل لا يكون محرماً أيضاً، والحكمة من وجود المحرم مع المرأة: حفظها وصيانتها، حتى لا تعبث بها أهواء من لا يخافون الله عز وجل، ولا يرحمون عباد الله.
ولا فرق بين أن يكون معها نساء أو لا، أو تكون آمنة أو غير آمنة، حتى ولو ذهبت مع نساء من أهل بيتها وهي آمنة غاية الأمن، فإنه لا يجوز لها أن تسافر بدون محرم، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر الرجل بالحج مع امرأته لم يسأله ما إذا كان معها نساء أم لا، وهل هي آمنة أم لا؟ فلما لم يستفصل عن ذلك، دل على أنه لا فرق، وهذا هو الصحيح.
وقد تساهل بعض الناس في وقتنا الحاضر، فسوغ أن تذهب المرأة في الطائرة بدون محرم، وهذا لا شك أنه خلاف النصوص العامة الظاهرة، والسفر في الطائرة كغيره تعتريه الأخطار (1) .
والحاصل أن المرأة عليها أن تخشى الله وتخافه، فلا تسافر لا إلى الحج ولا إلى غيره إلا مع محرم يكون بالغاً عاقلاً. والله المستعان.
س 276: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يشترط في المحرم أن يكون بالغاً، فهناك رجل يعمل في الخارج ومعه زوجته وابنه الذي يبلغ التاسعة من العمر، فأرادت الزوجة أن تحضر
__________
(1) تقدم الكلام على ذلك.
(21/220)

زواجاً لأخيها فأرسلها زوجها عن طريق الطائرة مع هذا الابن واتصل على أهلها لاستقبالها في مطار المملكة فهل له ذلك وهل يكفي هذا الصبي في المحرمية جزاك الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: المحرم ذكر العلماء أنه لابد فيه من شرطين: البلوغ، والعقل، وأن من دون البلوغ لا يصح أن يكون محرماً، ومن ليس بعاقل لا يصح أن يكون محرماً، لأن المقصود بالمحرم هو صيانة الزوجة وحمايتها ومنع الاعتداء عليها، والصغار لا يقومون بهذا، فأقول الآن: المرأة حسب السؤال وصلت البلد فلا ترجع إلى زوجها إلا مع أحد محارمها الدْين بلغوا وعقلوا، أو يأتي زوجها ويأخذها معه أما الصغير الذي في التاسعة من عمره فإنه لا يكفي أن يكون محرماً.
س 277: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: متى يكن الابن محرما لأمه هل هو بالبلوغ أم بالتمييز؟
فأجاب فضيلته بقوله: يكون محرماً إذا كان بالغاً عاقلاً، فمن لم يبلغ فليس بمحرم، ومن كان في عقله خلل فليس بمحرم.
س 278: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم سفر المرأة من مدينة إلى مدينة بدون محرم، وإذا كانت في طلب العلم؟
فأجاب فضيلته بقول: لا يحل للمرأة أن تسافر بلا محرم لا للعلم، ولا للحج، ولا للعمرة، ولا للزيارة، ولا لغير ذلك،
(21/221)

لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " لكن قد يظن بعض الناس أن هذا سفر، وليس بسفر مثل بعض النساء الآن يذهبن من بلدهن إلى بلد قريب للتعلم أو للتعليم فيرجعن بيومهن فهذا ليس بسفر، فإذا ذهبت امرأة من عنيزة إلى بريدة للتعلم، أو التعليم ومعها نساء ويرجعن بعد انتهاء الدرس إلى بيوتهن، فهذا ليس بسفر لكن لا يجوز لها أن تخلو بالسائق إذا لم يكن محرماً لها.
س 279: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة متزوجة منذ ما يقارب من سنة هي عند أهلها لمرضها وقامت بأداء العمرة في شهر رمضان والحج في العام الماضي ولم تأخذ إذن الزوج ولم
تستمح منه مع العلم بأنها حاولت أن تخبره لكنه لم يكن موجوداً ولم تعرف مكانه فهل تأثم بذلك، وهل العمرة والحج صحيحان مع العلم بأنه لا يوجد بينها وبين زوجها خلاف، ولكنه أخبرت
والده وأهله بذهابها مع والديها؟
فأجاب -رحمه الله- بقوله: أما الحج والعمرة فصحيحان، لأنهما فرض، والفرض لا يملك الزوج أن يمنع زوجته منه إذا تمت الشروط، وأما كونها آثمة أو غير آثمة فإذا علمت أن زوجها يرضى بذلك فلا إثم عليها.
س 280: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على الزوجة الغنية التي ليس لها محرم يحج بها أن تتزوج ولو كانت عجوزاً لغرض الحج؟
(21/222)

فأجاب فضيلته بقوله: لا يجب عليها لأن القاعدة عند العلماء (أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب) فهذه المرأة لا يجب عليها الحج لكن لو تزوجت وصار محرماً وجب عليها الحج، فلا يجب عليها أن تحصل على محرم كما نقول: لا يجب على الرجل أن يتجر من أجل أن تجب عليه الزكاة، ولا يجب عليه أيضاً أن يتجر من أجل أن يجب عليه الحج، فهنا فرق بين ما لا يتم الواجب إلا به، وما لا يتم الوجوب إلا به، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وعليه فنقول هذه المرأة: لا يجب عليها أن تطلب الزوج من أجل أن يكون لها محرم فتحج.
س 281: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: امرأة توفيت قبل أن تؤدي فريضة الحج، ولقد رزقت والحمد لله بأولاد ويريدون الحج لوالدتهم المتوفية، ولكنهم لم يؤدوا فريضة الحج، فهل
يجوز أن يوكلوا من يحج عن والدتهم وإعطائه جميع مصاريف الحج أم يجوز لهم الحج عن والدتهم قبل أن يؤدوا الفريضة هم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً يجب تصحيح العبارة، فالصواب أن يقال: المتوفاة. لأن الله يتوفى الأنفس، وليست الأنفس متوفية وإن كان لها وجه في اللغة العربية، لكن الأفصح المتوفاة، فيقال: فلان متوفى، وفلانة متوفاة.
أما بالنسبة للإجابة على السؤال، فإن أمهم إن كانت لم تستطع الحج في حياتها فليس عليها حج، لأن الله اشترط لوجوب
(21/223)

الحج الاستطاعة، فقال: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1)) والغالب على الناس فيما مضى هو الفقر وعدم الاستطاعة، وحين إذن يكون حجهم عن أمهم نفلاً لا فريضة،
وأما إذا كان قد وجب عليها الحج، ولكنها أخرت وفرطت فهنا يؤدون عنها الحج على أنه فريضة، ولكن لا يحجون بأنفسهم عنها حتى يحجوا عن أنفسهم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يلبي يقول: لبيك عن شبرمة فقال: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب لي قال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "هذه عنك ثم حج عن شبرمة" أما إذا أرادوا أن يعطوا غيرهم يحج عنها، وهم لم يؤدوا الحج عن أنفسهم فإن كانت الدراهم التي يعطونها غيرهم ليحج عن أمهم تكفيهم لو حجوا هم عن أنفسهم، وليس عندهم غيرها، وجب عليهم أن يحجوا عن أنفسهم، ولا يجوز أن يعطوا أحداً يحج عن أمهم، فإن كان عندهم مال واسع لكنهم لم يحصل لهم أن يحجوا هذا العام وأعطوا أحداً يحج عن أمهم فلا حرج في ذلك.
س 282: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة طلقها زوجها بعد ما تلبست بالإحرام وهو محرم هل تتم نسكها أم تعود وتعتبر حصرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تعود، لأنه إذا طلق الإنسان زوجته الطلقة الأولى أو الثانية فهو محرم لها، يجوز أن تتجمل له وأن تتزين له وأن تفعل المغريات التي توجب أن يراجعها، ولهذا
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(21/224)

قال الله عز وجل في الرجعيات: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) (1) .
كثير من الناس اليوم مع الأسف إذا طلق زوجته طردها من البيت، وهذا حرام عليه إلا أن تأتي بفاحشة مبينة. وكثير من النساء إذا طلقت ذهبت إلى أهلها، وهذا حرام عليها، (لَا تُخْرِجُوهُنَّ) . ثم قال في الآخر: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) . إذن المطلقة الرجعية تبقى في بيت زوجا تتجمل له وتتطيب وتفعل جميع المغريات لرجوعها إلى زوجها. وبالنسبة لهذه المرأة التي طلقها زوجها وهو محرمها نقول: إذا كان الطلاق الأول أو الثاني هو محرم لها. وإذا كان الثالث فليس بمحرم ولكن تمضي في حجها معه للضرورة.
س 283: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- امرأة لها ولد يبلغ من العمر الخامسة والعشرين مات في حادث سيارة تريد أن تحج له وتتصدق عنه وتضحى عنه هل هذه الصدقات والحج تذهب إليه وتفيده في مماته؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا الابن لم يحج الفريضة فلا بأس بالحج عنه، لأن امرأة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أمها أنها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، فأذن لها صلى الله عليه وسلم أن
__________
(1) سورة الطلاق، الآية: 1.
(21/225)

تحج عن أمها (1) . أما إذا كان قد حج الفريضة فإن الدعاء له أفضل من الحج عنه، وأفضل من الصدقة عنه، وأفضل من الأضحية عنه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو
له " (2) فأرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الدعاء، ولم يرشد إلى غيره مما يفعله الناس اليوم من صدقة، وأضحية، وصوم، وصلاة، ولكن لو فعلت هذا فلا بأس، ولا حرج عليها أن تتصدق عن ابنها، أو أن تحج عنه. أما الأضحية فالأفضل أن تكون أضحية واحدة عن أهل البيت جميعاً الأحياء والأموات، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بشاة واحدة عنه، وعن أهل بيته (3) .
س 284: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من مات ولم يحج وهو في الأربعين وكان مقتدراً على الحج مع أنه محافظ على الصلوات الخمس، وكان في كل سنة يقول: سوف أحج هذه
السنة، ومات وله ورثة هل يحج عنه وهل عليه شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء في هذا، فمنهم من قال: إنه يحج عنه وأن ذلك ينفعه، ويكون كمن حج لنفسه،
__________
(1) تقدم ص 142.
(2) تقدم ص 150.
(3) عن أنس رضي الله عنه قال: ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبشين أملحين، فرأتيه واضعاً قدمه على صفاحهما يسمِّي ويكبر فذبحهما بيده.
أخرجه البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح الأضاحي بيده (رقم 5558) ومسلم، كتاب الأضاحي، باب استحباب الضحية وذبحها مباشرة بلا توكيل (رقم 1966) .
(21/226)

ومنهم من قال: لا يحج عنه، وأنه لو حج عنه ألف مرة لم تقبل.
يعني لم تبرأ بها ذمته، وهذا القول هو الحق، لأن هذا الرجل ترك عبادة واجبة عليه مفروضة على الفور بدون عذر، فكيف يذهب عنها، ثم نلزمها إياها بعد الموت، ثم التركة الآن تعلق بها حق
الورثة، كيف نحرمهم من ثمن هذه الحجة وهي لا تجزىء عن صاحبها، وهذا هو ما ذكره ابن القيم- رحمه الله- في تهذيب السنن، وبه أقول: إن من ترك الحج تهاوناً مع قدرته عليه لا يجزىء عنه الحج أبداً، لو حج عنه الناس ألف مرة، أما الزكاة فمن العلماء من قال: إذا مات وأديت الزكاة عنه أبرأت الذمة، ولكن القاعدة التي ذكرتها تقتضي ألا تبرأ ذمته من الزكاة، لكني أرى أن تخرج الزكاة من التركة، لأنه تعلق بها حق الفقراء والمستحقين للزكاة، بخلاف الحج، فلا يؤخذ من التركة، لأنه لا يتعلق به حق إنسان، والزكاة يتعلق بها حق الإنسان، فتخرج الزكاة لمستحقيها، ولكنها لا تجزىء عن صاحبها، سوف يعذب بها عذاب من لم يزك، نسأل الله العافية، كذلك الصوم إذا علم أن
هذا الرجل ترك الصيام وتهاون في قضائه، فإنه لا يقضى عنه، لأنه تهاون وترك هذه العبادة، التي هي ركن من أركان الإسلام بدون عذر، فلو قضي عنه لم ينفعه، وأما، قوله - صلى الله عليه وسلم -: " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " (1) فهذا فيمن لم يفرط، وأن من ترك القضاء جهراً وجهاراً بدون عذر شرعي فما الفائدة أن نقضي عنه.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم (رقم 1952) ، ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت (رقم 1147) .
(21/227)

س 285: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا مات الإنسان وهو قادر على الحج ولم يحج فهل يحج عنه بعد موته من ماله أو لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا. لأن هذا الرجل لو حججنا عنه لم يقبل إذ إنه أخر الحج بدون عذر، لو حججنا عنه ألف مرة لن يقبل، ومثل ذلك إذا كان على الإنسان صوم قضاء من رمضان وقدر على القضاء ولكنه فرط حتى مات هل يقضى عنه؟ الجواب: لا، لأنه لا ينفعه، الرجل مصمم على أنه لن يصوم، ومثل ذلك إذا كان على الإنسان زكاة، زكاة مال ومات ولم يؤدها هل تؤدى من تركته؟ نقول: تؤدى من تركته لكنه لم ينتفع بذلك، وإنما تؤدى من تركته لأن الزكاة هي حق للغير، فيعطى أهل الزكاة حقهم، فأما هذا الرجل فلن تبرأ ذمته أمام الله عز وجل، وفي هذا دليل أنه يجب على الإنسان أن يبادر بأداء الواجب لأنه لا يدري متى يفاجئه الموت، فكم إنسان سقط وهو يمشي فمات، وكم إنسان مات وهو يأكل كم إنسان مات على فراشه وكم إنسان مات وبيده القلم، فبادر يا أخي، بادر بأداء الواجبات قبل أن يأتي يوم لا تتمكن فيه من أداء الواجب.
س 286: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- إذا لم يحج الشخص وهو قادر ولكنه مات ولم يحج فهل يحج عنه وإذا مات هل يحكم بأنه من أهل النار أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: يرى بعض أهل العلم أن ترك الحج
(21/228)

كفر، ويستدل بقول الله تبارك وتعالي: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (1) قال: (وَمَن كَفَرَ) يعنى فلم يحج، وهذا رواية عن الإمام أحمد- رحمه الله- ويروى عنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه قال: لقد هممت أن أبعث إلى هذه الأمصار فمن وجدوه ذا سعة، ولم يحج فليضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم
بمسلمين وإن كان هذا الأثر فيه شيء من الضعف، ولكن إذا فرط ومات فهل يحج عنه أم لا؟ الإنسان يتوقف في هذا هل يحج عنه أو لا، لأنه قد يقول قائل: إذا حج عنه فإنه لا ينفعه، لأن الرجل تارك مفرط، بخلاف من مات ولم يؤد الزكاة، فهذا يجب أن تؤدى الزكاة إن كان له مال، لأن الزكاة حق الفقراء بخلاف الحج، فعلى كل حال هو على خطر عظيم إذا وجد سعة ولم يحج، هو على خطر عظيم.
س 287: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يسر الله له كافة سبل الحج وعنده مال، ولكنه متساهل بهذا مع كبر سنه فما حكم صلاته وزواجه وغير ذلك، وهل هو آثم بهذا التأخير؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم هو آثم بهذا التأخير، وإذا مات، فمن العلماء من قال: إنه يموت كافراً، وإن كان يصلي نسأل الله العافية، ولكن القول الراجح أنه لا يكفر بترك الحج، إذ ليس شيء
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97
(21/229)

من الأعمال يكفر بتركه إلا واحدة وهي الصلاة، فإذا تهاون بالحج ومات فهو آثم وعاص ومستحق للعقاب، لكنه ليس بكافر.
واختلف العلماء: هل يقضى عنه الحج بعد موته في هذه الحال، أو لا يقضى؟ فجمهور العلماء على أنه يقضى عنه، وقال ابن القيم- رحمه الله- إنه لا يقضى عنه، لأنه رجل عازم على الترك متهاون، كيف نقضي عنه؟! وماذا ينفع عند الله، والحج عبادة إن لم يقم بها بنفسه فلا فائدة من ذلك، فعلى كل حال الأمر خطير، والواجب على هذا الذي أغناه الله وأعطاه القدرة على الحج أن يحج قبل أن يموت، فليتب إلى الله وليبادر.
س 288: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أخ تعرض لحادث توفي بعده هل يجوز لنا أن نضحي له، أو نحج عنه إلى بيت الله الحرام نرجو الإفادة؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح من أقوال أهل العلم أنه يجوز للإنسان أن يتعبد لله عز وجل بطاعة بنية أنها لميت من أموات المسلمين، سواء كان هذا الميت من أقاربه، أو من ليس من أقاربه، هذا هو القول الراجح، سواء في الصدقة، أو في الحج، أو في الصوم، أو في الصلاة، أو في غير ذلك، فيجوز للإنسان أن يتبرع بالعمل الصالح لشخص ميت من المسلمين، ولكن هذا ليس من الأمور المطلوبة الفاضلة، بل الأفضل أن يدعو له بدلا من أن يتصدق عنه، أو أن يضحي عنه، أو أن يحج عنه، لأن الدعاء له هو الذي أرشد إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه ثبت عنه أنه
(21/230)

قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " فذكر الولد الصالح الذي يدعو له، ولم يقل: أو ولد صالح يتصدق له، أو يصلي له، أو يحج له، أو يصوم له، أو ما أشبه ذلك من الأعمال الصالحة، مع أن الحديث في سياق العمل، فلما عدل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذكر العمل للميت بالدعاء، علم أن الدعاء هو المختار وهو الأفضل، ولهذا فإني أنصح إخواني المسلمين أن يحرصوا على الدعاء لأمواتهم، بدلا عن إهداء القربة لهم، وأن يجعلوا القربة لأنفسهم، لأن الحي محتاج إلى العمل الصالح، فإنه ما من ميت يموت إلا ندم، إن كان محسناً أن لا يكون ازداد، ِ وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون استغفر قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) (1) وقال الله عز وجل: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)) (2) فأنت أيها الحي محتاج إلى العمل الصالح، فاجعل العمل لنفسك وادع لأمواتك من
الآباء، والأمهات، والأخوان، والأخوات، وغيرهم من المسلمين، هذا هو الذي تدل عليه سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولكن مع هذا لو أن الإنسان تصدق عن ميت، أو صام عنه، أو صلى، وقصد بأن يكون الثواب للميت فلا بأس بذلك إذا تبرع به.
__________
(1) سورة المؤمنون، الآيتان: 99، 155.
(2) سورة المنافقون، الآيتان: 10، 11.
(21/231)

س 289: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل نوى الحج وعندما أراد الذهاب وافته المنية وقد كان قد باع ما عنده من أجل الحج فما حكم هذا وهل يكتب له حج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبيه محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، هذا الرجل الذي عزم على الحج فباع ما عنده ليحج به فوافته المنية قبل أن يقوم بالحج، نرجو الله عز وجل أن يكتب له أجر الحاج، لأنه نوى العمل الصالح، وفعل ما قدر عليه من أسبابه، ومن نوى للعمل وفعل ما قدر عليه من أسبابه فإنه يكتب له، قال الله تبارك تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (100)) (1) وإذا كان هذا الرجل الذي باع ماله ليحج، لأن الحج فريضة الإسلام فإنه يحج عنه بعد موته بهذه الدراهم التي هيأها ليحج بها عنه. إما أن يحج عنه أحد من أوليائه أو أحد من غيرهم، ففي حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت فأحج عنها؟ قال: "نعم " وكان ذلك في حجة الوداع.
س 290: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لي أن أحج وأعتمر عن قريبي الذي مات وهو لا يصلي تهاوناً منه، علما بأنني قد أديت فريضة الحج واعتمرت أكثر من مرة عن نفسي؟
__________
(1) سورة النساء، الآية: 100.
(21/232)

فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن يحج ولا يعتمر عنه، لأن ذلك لا ينفعه.
س 291: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى-: نشأت من صغري وأبي يصلي ويتلو القرآن ولكن قبل وفاته بحوالي خمس سنوات قطع الصلاة نهائيا وهو قادر، وأنا أريد الآن أن أحج عنه هل
يجوز؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ينظر في سبب قطعه للصلاة، لأن الظاهر من حال هذا الرجل الذي كان يقرأ القرآن ويصلي، ويصوم، الظاهر أنه لم يدع الصلاة إلا لسبب، فقد يكون هذا الرجل اختل عقله وصار لا يطيق الصلاة ولا يحس، وفي هذه الحال لا تجب عليه الصلاة إذا كان قد اختل عقله، ولا يشعر ولا يدري، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "رفع القلم عن ثلاثة" وذكر منهم "المجنون حتى يفيق " (1) إما إذا كان ترك الصلاة ومعه تمييزه وعقله فإنه حينئذ يكون كافراً والعياذ بالله، وإذا كان كافرا فإنه لا يجوز الحج عنه، ولا الدعاء له لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)) (2) . فإن قال قائل: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، أعني مسألة ترك الصلاة: هل يكفر الإنسان
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/140) والحاكم (4/389) وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم 3512) .
(2) سورة التوبة، الآية: 113.
(21/233)

بذلك أو لا؟ فجوابه أن نقول: نعم هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: هل يكفر تارك الصلاة أو لا؟ ولكن الميزان كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لقول الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)) (1)
ولقوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (2) وإذا رددنا هذه المسألة- أعني مسألة تكفير تارك الصلاة- إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ونحن لا نعتقد لا قول هؤلاء ولا قول هؤلاء، وإنما ننظر إلى مقتضى الدليل، فإن كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأقوال الصحابة- رضي الله عنهم- والنظر الصحيح كل هذه الأربعة تدل على أن تارك الصلاة كافر.
أما القراَن: فقال الله تعالى في المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) (3) فاشترط للأخوة في الدين ثلاثة شروط: التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن المعلوم أن الحكم المشروط بشيء لا يتم إلا باجتماع شروطه، فلا تتم الإخوة في الدين إلا بهذه الثلاثة، التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإن بقوا مشركين فليسوا إخوة لنا في الدين، وإن أسلموا ولكن تركوا الصلاة فليسوا إخوة لنا في الدين، وإن أسلموا وأقاموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخوة لنا في الدين، ولا تنتفي الأخوة في الدين إلا بالكفر، لأن
__________
(1) سورة النساء، الآية: 59.
(2) سورة الشورى، الآية: 10.
(3) سورة التوبة، الآية: 11.
(21/234)

المعاصي مهما عظمت لا تخرج الإنسان من أخوة الدين، كما قال الله تعالى في القتل العمد، وهو من أعظم الذنوب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (1) فقال: (فمن عفي له من أخيه شيء) والقاتل فاعل كبيرة عظيمة، ومع هذا لم يخرج من الأخوة الإيمانية، وقال الله تعالى في الطائفتين المقتتلتين: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (2) والقتال بين المؤمنين من أعظم الكبائر، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: يا رسول الله هذا هو القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه " (3) وقال عليه الصلاة والسلام: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (4) وقال - صلى الله عليه وسلم - "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض " (5) ومع كونه من أعظم الذنوب وأطلق عليه الشارع
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 178.
(2) سورة الحجرات، الآيتان: 9، 10.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) (رقم 31) ومسلم، كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (رقم 2888) .
(4) أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله (رقم 48) ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: سباب المسلم فسوق (رقم 64) .
(5) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب الإنصات للعلماء (رقم 121) ومسلم، كتاب=
(21/235)

الكفر فإنه لا يخرج من الدائرة الإيمانية، لقول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) وترك الصلاة وترك إيتاء الزكاة كما في آية التوبة التي صدرنا بها الجواب مخرج عن الدائرة
الإيمانية، لأن الله اشترط الأخوة، هذه الشروط الثلاثة: (إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) فإن قال قائل: هل تقول بتكفير مانع الزكاة؟ فالجواب قد قيل بذلك أي أن مانع الزكاة بخلا يكفر،
وقيل: ولا يكفر وهو رواية عن الإمام أحمد- رحمه الله- لكن القول الراجح، أنه لا يكفر، لحديث أبي هريرة- رضي الله عنه- الذي رواه مسلم في صحيحه قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح
من نار، فيحمى عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى
النار" (1) وكونه يرى سبيلا إلى الجنة يدل على أنه ليس بكافر، فيقال: إن إيتاء الزكاة دلت السنة على أنه إن لم يقم به فليس بكافر، والسنة كما هو معلوم لأهل العلم تخصص القرآن،
وتقيده، وتفسره وتبينه.
أما الدليل من السنة على أن تارك الصلاة كافر فيما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك
__________
= الإيمان، باب بيان معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ترجعوا بعدي كفاراً ... " (رقم 65) .
(1) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة (رقم 987) .
(21/236)

الصلاة" (1) وما رواه بريدة بن حصين- رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (2) أخرجه أهل السنن، هذان الحديثان يدلان على كفر تارك الصلاة، ووجه ذلك لفظ البينية الدالة على الانفصال: انفصال
الشرك من الإيمان، وأن هذا هو الحد الفاصل، فمن أقام الصلاة فهو في جانب الإيمان، ومن تركها فهو في جانب الكفر والشرك، ومن أقام الصلاة فهو من المسلمين، ومن لم يقمها فهو من الكافرين. "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" وأما أقوال الصحابة- رضي الله عنهم- فقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة (3) . حظ أي نصيب، وهو منفي بلا النافية للجنس الدالة على العموم، وإذا انتفى الحظ القليل والكثير في الإسلام لم يبق إلا الكفر، وقد قال عبد الله بن شقيق- رحمه الله- وهو من التابعين: (كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) .
وأما النظر الصحيح وهو الدليل الرابع، فإنه يقال: كيف نقول لشخص محافظ على ترك الصلاة لا يصلي، وهو يسمع النداء، ويرى المسلمين يقومون بالصلاة وهو غير مبالٍ بها، ولا مكترث بها؟ كيف نقول لمن هذا حالة: إنه مسلم، هذا من أبعد ما
__________
(1) تقدم ص 48.
(2) تقدم ص 48.
(3) أخرجه مالك، كتاب الطهارة، باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف (رقم 51) وقال الهيثمي في المجمع (1/300) : رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.
(21/237)

يكون، فالنظر الصحيح يدل على كفر هذا الرجل، وإن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وليس كل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يكون مسلماً، فلو قال أحد: لا إله إلا الله، وكفر بآية
من القرآن، أو بحكم من أحكام الله عز وجل، وهو يعلم أنه من أحكام الله فهو كافر.
فإن قال قائل: أفلا يمكن حمل الحديث "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" على أن المراد بذلك كفر النعمة؟ فالجواب: هذا لا يصح لما أشرنا إليه من قبل، وهو كلمة البينية فإن كلمة (بين) تعتبر حداً فاصلا، لا يمكن أن يختلط هذا بهذا إطلاقاً، والبينية المطلقة تدل على التباين المطلق فترك الصلاة مباين للإسلام، لا يمكن أن يكون الإنسان مسلما وهو تارك لصلاته.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن نحمل النصوص الدالة على الكفر على أن المراد من تركها جاحداً لها؟ فجوابه: أن هذا لا يمكن، لأن مجرد جحد الصلاة كفر، سواء فعلها أم لم يفعلها، فلو أن أحداً كان يحافظ على الصلاة ويأتي بها مع الجماعة، ولكنه يعتقد أنها ليست بفرض، وأن الإنسان مخير فيها إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعل فإنه كافر، ومع ذلك فهو لم يتركها.
وحمل النصوص على أن المراد به الجحد لا يصح من وجهين: الوجه الأول: إننا ألغينا الوصف الذي قيد الشارع الحكم به وهو الترك.
الوجه الثاني: أننا أثبتنا وصفاً لم يعتبره الشرع وهو الجحد.
(21/238)

وهناك وجه ثالث أنه لا ينطبق على الحديث، لأنه كما قلنا آنفاً: لو صلى وداوم على الصلاة وهو جاحد كان كافراً مع أنه لم يترك، فتبين بهذا أن تارك الصلاة كافر، وأن تأويل نصوص الكفر
على أن المراد به كفر النعمة لا يصح، وتأويلها على أن المراد به الجحود لا يصح أيضاً، وينبغي أن يعلم طالب العلم أنه مسئول أمام الله عز وجل يوم القيامة عن الحكم بما تقتضيه ظواهر الكتاب
والسنة، ويعلم أيضاً أن الحكم على الناس، وعلى أقوالهم، وأفعالهم، ومعتقداتهم ليس إلى أحد إلا إلى الله ورسوله، فما بالنا نتهيب أن نحكم على شخص بكفر دل الكتاب والسنة على أنه وصفه، وأنه مستحق له، إن التهيب من هذا مع دلالة النصوص كالتهيب من تحريم شيء دل الشارع على تحريمه مع وضوح أدلته، ولسنا نحن الذين نحكم على عباد الله، وعلى أفعال عباد الله، وإنما الذي يحكم هو الله عز وجل، سواء في كتابه، أو فيما جاء عن نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وعلى هذا فالواجب على الإنسان أن ينظر إلى النصوص على أنها متبوعة، لا على أنها تابعة، حتى يسلم من
التأويل، سواء أكان هذا التأويل قريباً أم بعيداً، إذا لم يدل عليه دليل من الكتاب والسنة، وبناء على هذا فإننا نقول: هذا الرجل الذي سألت عنه المرأة إذا كان ترك الصلاة لمدة خمس سنوات قبل وفاته مع سلامة بدنه وصحته وعقله فإنه يكون كافراً ميتاً على الكفر، إلا إذا علم أنه في آخر حياته تاب وصلى، وإذا قدر أنه مات على ترك الصلاة فإنه لا يجوز لها أن تحج عنه ولا أن تدعو له. فعليها أن تتحرى في أمرين:
(21/239)

الأمر الأول: هل كان حين ترك الصلاة عاقلاً، معه عقله وشعوره، لأني أستبعد أن يدع الصلاة ومعه عقله وشعوره، مع أنه كان في الأول محافظاً عليها وعلى بقية العبادات.
وثانياً: هل رجع قبل موته أو لم يرجع، لأنه يمكن أن يكون رجع قبل أن يموت، كما يوجد في كثير من الناس، يحصل منهم تفريط وتهاون، ثم يوقظهم الله عز وجل في آخر حياتهم، قال عبد
الله بن مسعود- رضي الله عنه- حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق فقال: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون نطفة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع لمات بكتب رزقه وعمله وشقي أم سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فلم يبق بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" (1) فالإنسان قد ييسر الله له اليقظة في آخر حياته، وتكون خاتمته خاتمة خير وسعادة، وليعلم أن قوله في الحديث (ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع) لقرب أجله، ثم بعد ذلك يغلب عليه ما في قلبه من السيئات الخبيثة- أعوذ
بالله- حتى يعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (رقم 3208) ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ... (رقم 2643) .
(21/240)

س 292: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: توفي والدي منذ ما يقارب من عشرين عاما ولم يؤد فريضة الحج، وأخي يريد أن يحج عنه مع إن الإمكانيات المادية عنده ضعيفة جداً ولديه بيت
وزوجة وأولاد، وقلت له: لا يجب عليك أن تحج عنه، لأنك غير قادر، فهل كلامي هذا صحيح؟ علما بأنني أنوي أن أحج عنه عندما تتحسن ظروفي المادية؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان أبوك في حياته لا يستطيع الحج لكون المال الذي في يده لا يكفيه، أو لا يزيد على مئونته وقضاء ديونه، فإن الحج لا يجب عليه، وذمته بريئة منه، قال الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) .
وأما إذا كان أبوك يمكنه أن يحج في حال حياته لأن عنده دراهم فاضلة وزائدة عن حاجاته وقضاء ديونه، فإن الواجب عليكم أن تحجوا عنه من تركته، لأن الحج يكون ديناً في ذمته مقدماً على الوصية والإرث، لقول الله تعالى في آية المواريث: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (1) وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قضى بالدين قبل الوصية، وأما إذا أراد أحد منكم أن يحج عنه تطوعاً لكن لا يكون هذا على حساب نفقته ونفقة أولاده، فإذا كان المال الذي بيده قليلاً لا يزيد عن حاجاته فإنه لا ينبغي له أن يحج عن والده، لأنه لو كان هو نفسه لم يحج لم يجب عليه حج،
فكيف يحج عن غيره، ويمكنكم إذا أردتم لأبيكم الخير أن
__________
(1) سورة النساء، الآية: 11.
(21/241)

تستغفروا له، وأن تدعوا له بالرحمة والرضوان، فإن ذلك ينفعه إذا تقبل الله منكم.
س 293: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: لي والدة توفيت وكان عندها مال وليس لها أولاد غيري وليس لها ورثة غيري، وقصدي لها حجة، هل تجوز الحجة من مالها الخاص، أو
أحج لها من مالي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، هذا المال الذي ورثته من أمك وليس لها وارث سواك هو مالك، ورثك الله إياه، ولك أن تفعل فيه ما تفعل في مالك، ولكن إن كانت أمك قد وجبت عليها حجة الإسلام في حياتها، ولم تحج وجب عليك أن تحج عنها. وأما إن كانت قد أدت الفريضة، أو لم تجب عليها في حياتها لكون هذا المال الذي ورثته منها ثمناً لحوائجها الأصلية التي بعتها بعد موتها، فإن الحج لا يجب عليك، ولكن إن حججت عنها فنرجوا أن يكون في ذلك خير، وسواء حججت عنها من مالك الخاص، أو من هذا المال الذي ورثته منها، لأن المال الذي ورثته منها بمجرد موتها صار داخلاً في ملكك، فلا فرق بينه وبين الذي كان عندك سابقاً.
س 294: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى-: قد أجرت إنسانًا لكي يحج عن والدتي التي قد توفيت منذ أمد بعيد، لكن اختصار
(21/242)

برقيتي يقول: إنني قد أجرت له وإنني قد سمعت أن الإنسان لا يجوز له أن يؤجر من أجل الحج عن الآخر فما حكم الحج عن والدتي وهذه الحالة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول ينبغي لك إذا أردت الحج عن والدتك أن تحج بنفسك، أو تتفق مع شخص بدون عقد الإجارة على أن يحج لك، وهذا الحاج عنك، أو عن أمك إذا كانت نيته بحجه قضاء حاجتك وحل مشكلتك، وكان يريد مع ذلك أيضاً أن يتزود من الأعمال الصالحة من مشاعر الحج فإن هذه نية طيبة ولا حرج عليه فيها، أما إذا كان حج عنك، أو عن والدتك من أجل الدراهم فقط، فإن هذا حرام عليه ولا يجوز، لأنه لا يجوز للإنسان أن يريد بعمل الآخرة شيئاً من أمور الدنيا، فهنا الكلام في مقامين:
أولا: بالنسبة لمن أعطى غيره أن يحج عنه، أو عن ميت من أمواته. فنقول: إذا أعطيت غيرك شيئاً يحج به عن ميتك، فإنه لا حرج عليك في هذا، وأما إذا أعطيته يحج عنك، فهذا إن كان فريضة فلا يجوز لك أن تنيب من يحج عنك إلا إذا كنت عاجزاً عنها عجزاً لا يمكن زواله، وإن كانت نافلة فقد اختلف العلماء في جوازها، والذي يظهر لي أنه لا يجوز للإنسان أن ينيب غيره يحج عنه نافلة، لأن الأصل في العبادات أن يؤديها الإنسان بنفسه حتى يحصل له التعبد والتذلل لله سبحانه وتعالى، وإنما أجزنا ذلك في الفريضة لورود الحديث به، وإلا الأصل المنع.
ثانيًا: بالنسبة للحاج عن غيره، فإن أراد بذلك الدنيا وما
(21/243)

يأخذ من أجر فهو حرام عليه، وإن أراد بذلك قضاء حاجة أخيه، وما يحصل له بالانتفاع بالدعاء في تلك المشاعر فإنه لا حرج عليه في ذلك.
س 295: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقول خرجت حاجاً من بلدي، وأرسل معي أخ قيمة حجتين عن شخصين وأعطيت المبلغ لشخصين من أهل المدينة، وأنا لا أعرف الأشخاص معرفة جيدة، وقلت لصاحب المال لا أعرف أحداً.
فقال: أعطي أي شخص على ذمتي، وذمتك بريئة، أرجو التوضيح وفقكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: تصرف الوكيل بحسب ما أذن له موكله فيه إذا لم يكن ما يخالف الشرع نافذ، ولا حرج عليه، ولا ضمان عليه، ولا تبع إذا لم يتعد ما وكل فيه، فالسائل ليس عليه
تبعة، ولكن قد تكون التبعة على هذا الذي قال مثل هذا الكلام المطلق إذا كانت الحجتان وصية لميت أو لحي وكل موكل السائل بذلك، ولهذا ينبغي للإنسان إذا كان يريد أن يعطي من يحج عنه
فلتيحر في أمانة الآخذ ودينه، فإن بعض الناس قد لا يكون عنده تقوى لله عز وجل ولا رحمة لخلقه، فيأخذ هذه الدراهم ليحج بها، ولكنه لا يحج بها ويصرفها فيما يريد من متاع الدنيا، فيكون
بذلك خائناً لله وخائناً لأمانته وواقعاً في الإثم.
(21/244)

س 296: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يستطيع الحج ولم يحج، ودفع دراهم في حجه لوالده الميت فهل يصح مع أنه لم يحج عن نفسه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن المشروع في حق هذا الرجل أن يبدأ بنفسه لحديث "ابدأ بنفسك " (1) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (2) .
وأما الصحة فإن كان هذا الرجل يستطيع أن يحج ببدنه، أي يقدر أن يصل إلى مكة بنفسه فتحجيجه لوالده صحيح، وإن كان لا يستطيع الوصول إلى مكة بنفسه فتحجيجه لوالده غير صحيح، وتكون الحجة له هو لا لوالده، والفرق بينهما أنه إذا كان يقدر على الوصول بنفسه ففرضه أن يصل بنفسه، فإذا أناب عن غيره فإنه لم يزاحم فرض نفسه، أما إذا كان لا يستطيع الوصول بنفسه فإن فرضه أن ينيب عن نفسه، فإذا أناب عن غيره قبل نفسه، فقد زاحم فرض نفسه، فيقع الحج عن فرض نفسه.
س 297: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: توفي والدي - رحمه الله- وكان قد أوصى في حياته أن يؤدي عنه الحج وخصص قطعة أرض من أملاكه لمن يحج عنه، وبعد أن بلغنا سن
الرشد أنا وأخي قدمنا إلى المملكة للعمل واتفقنا مع شخص أن يحج عن والدنا مقابل مبلغ من المال ولم ندفع إليه قطعة الأرض
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله.. (رقم 997) .
(2) تقدم ص 143.
(21/245)

التي جعلها والدي لمن يحج عنه. فهل الحج صحيح، وهل علينا شيء في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الأب الذي أوصى بهذه القطعة للحج بها عنه يجب صرفها جميعاً في الحج إذا كانت من الثلث فأقل، وإن كانت أكثر من الثلث فما زاد عن الثلث فأنتم فيه بالخيار، لكن إذا علمتم أن مقصود والدكم هو الحج فقط، أي أن المقصود أن يؤتى له بحجة وأنه عين هذه الأرض من أجل التوثق، فإنه لا حرج عليكم أن تعطوا دراهم يحج بها، وتبقى هذه الأرض لكم، فالمهم أن هذا يرجع إلى ما تعلمونه من نية أبيكم، فإن كنتم تعلمون أن من نية أبيكم أن تصرف هذه الأرض كلها بالحج عنه فتنفق كلها في الحج عنه، ولو كانت عدة حجات إذا كانت لا تزيد عن الثلث، وما زاد على الثلث فأنتم فيه بالخيار، وإذا كنتم تعلمون أن والدكم يريد الحج ولو مرة، لكن عين هذه الأرض من أجل التوثقة فإنه لا حرج عليكم أن تقيموا من يحج عنه بدراهم وأن تبقوا هذه الأرض لكم.
والحج الذي أدي صحيح بكل حال، لكن يبقى إن كان الوالد يريد أن تصرف كل الأرض في الحج عنه فإذا كان ما بذلوه أقل من قيمة الأرض فحجة أخرى، ثم أخرى حتى تستكمل قيمة الأرض.
س 298: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للبنت أن تحج عن أبيها المتوفى بعد أن حجت لنفسها، وماذا يشترط لذلك؟
(21/246)

فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للبنت أن تحج عن أبيها المتوفى، وكذلك للابن أن يحج عن أبيه، وكذلك للأخ أن يحج عن أخيه، ولا حرج في ذلك، إذا كان هذا الحاج قد أدى فريضة الحج عن نفسه، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن امرأة سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أمها نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، فأذن لها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تحج عن أمها (1) .
س 299: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تحج عن والدها ولو كان لها أخوة ذكور بالغون؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمرأة أن تحج عن والدها ولو كان لها أخوة ذكور بالغون، والنيابة يقوم بها الرجال والنساء، ولهذا سألت امرأة من خثعم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخاً لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: "نعم " فأذن لها أن تحج، وهي امرأة عن رجل.
ولكن لابد من المحرم في كل سفر، سواء سفر الحج أو غيره، وسواء سافرت المرأة لحجها عن نفسها، أو لحجها عن غيرها.
س 300: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في العام الماضي 1417 هـ وفقني الله عز وجل إلى حج بيته الحرام وأديت الفريضة متمتعاً عن نفسي، وإذا رغبت في الحج عن والدي المتوفى حج
مفرد وليس متمتعاً فهل يجوز ذلك أفيدوني مأجورين؟
__________
(1) تقدم ص 142.
(21/247)

فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج على الإنسان إذا أدى واجب النسك من حج وعمرة أن يحج عن غيره، أو يعتمر عن غيره، ودليل ذلك حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجل يقول: لبيك عن شبرمة. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من
شبرمة؟ " قال: أخ لي أو قريب لي. قال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (1) واختلف هذا الحديث في ألفاظه، وهذا يدل على أن الإنسان إذا حج عن
نفسه جاز أن يحج عن غيره، وإذا اعتمر عن نفسه جاز أن يعتمر عن غيره.
س 301: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: توفي أحد الأشخاص وهو أحد أقارب والدتي، وليس له ابن ولا بنت، وكان في حياته غير عاقل أي مختل العقل ولا يعامل معاملة العاقل، علما بأنه كان يصوم ويصلي، وسؤالنا هو: نحن لا ندري هل هو أدى فريضة الحج أم لا فماذا نفعل تجاهه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل لا فريضة عليه، لأنه مجنون، إلا أن يكون جنونه حدث بعد أن وجب عليه الحج، أما إذا كان قد جن- والعياذ بالله- قبل وجوب الحج عليه فإنه لا حج عليه، وحينئذ لا يلزمكم أن تحجوا عنه، أو أن تأخذوا من تركته ليحج عنه.
(21/248)

س 302: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للرجل أن يحج أو يعتمر عن أخيه بعد وفاته؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج على الإنسان أن يحج ويعتمر عن أخيه بعد وفاته، وإن لم يوصه بذلك، لأن ابن عباس - رضي الله عنهما- ذكر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من شبرمة" قال: أخ لي، أو قريب لي فقال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" ولم يقل له: هل أوصاك بذلك، أو أذن لك بهذا، ولو كان هذا شرطاً لبينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
س 303: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: توفي والدي ووالدتي وأنا صغير، ولا أعرف هل أديا فريضة الحج أم لا، مع أن حالتهما كما ذكر لي كانت فقيرة جداً فماذا أعمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: نفيدك بأن والديك ليس عليهما حج في هذه الحال، وليس في دينهما نقص يلامان عليه، وذلك أن الحج لا حما إلا على المستطيع، لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) فلا تقلق ولا تغتم من أجل عدم حجهما ما داما فقيرين، لكن إن أردت أن تحج وتعتمر عنهما فتبدأ أولاً بالأم، ثم ثانياً بالأب، بعد أن تكون أديت الفريضة عن نفسك فهذا حسن.
(21/249)

س 304: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يتوفى والده ووالدته فيريد أن يقدم لهما عملاً صالحاً، فأول ما يتبادر إلى ذهنه أن يحج وهما قد حجا فهل الأفضل في هذه الحال أن يدعو لهما ويكثر الدعاء في الأماكن الطيبة والأزمنة الطيبة أو أنه يحج ويعتمر عنهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يدعو لهما، ويجعل الحج والعمرة لنفسه، ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" ولم يقل يحج عنه ولا يعتمر عنه، ولا شك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدع الأفضل ويذكر المفضول أبداً بل لا يذكر للأمة إلا الأفضل لأننا نعلم أنه أنصح الخلق للخلق، وأنت أيها الإنسان محتاج إلى العمل الصالح، سيأتيك يوم تتمنى أن في ميزانك حسنة واحدة فاجعل العمل الصالح لك، وادع لميتك.
س 305: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يدفع مبلغاً من المال يقول: حج عن أبي أو أمي أو خالي المتوفى نافلة فما حكم هذا وما هو الأفضل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن لا يفعل والفلوس التي يعطيها هذا الرجل ويحج عن أبيه وأمه يعطيها إنساناً لم يؤد الفريضة ليؤد الفريضة أفضل بكثير، لأنه إذا أعطى هذه الدراهم لشخص لم يؤد الفريضة صار له مثل هذا الذي أدى الفريضة.
(21/250)

س 306: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة أرادت أن تحج عن والدتها وهي متوفاة ووالدتها قد أفرضت فما هو الأفضل أن تحج أو تدعو لها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن تحج لنفسها وأن تدعو إلى أمها، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) ، لم يقل ولد صالح يحج عنه، أو يصوم عنه، أو يتصدق عنه، أو يصلي عنه، فإذا سألنا سائل: أيهما أفضل أن أصلي وأجعل الثواب لأبي، أو أتصدق وأجعل الثواب لأبي، أو أن أدعو لأبى؟ قلنا: الأفضل أن تدعو إلى أبيك، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعلم منا، وأنصح منا، وأفصح منا، ولم يقل: أو ولد صالح يعمل له، بل قال: ولد صالح يدعو له. هذا ما أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
س 307: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص أراد أن يحج عن ميت أو ميتة وأخذ مبلغاً من المال اتفقوا عليه، فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن تتفق مع شخص أن يحج عنك، أو عن الميت بدراهم. أما عن الميت فواضح لا يمكن أن يحج بنفسه، أما أنت فنقول: تحج بنفسك النافلة إن كنت قادراً، وإن لم تكن قادراً، لا فأعطي أحداً لم يؤد الفريضة وهو عاجز،
__________
(1) تقدم ص 150.
(21/251)

فتساعده أنت بمالك في أداء الفريضة، ومساعدتك أنت بمالك في أداء الفريضة أفضل.
س 308: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: صبي عمره أربعة عشر عاماً وتوفي فهل يحج عنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحج عنه، لأنه صغير لم يبلغ، إلا إذا كان قد بلغ بإنبات العانة، أو بالاحتلام، فحينئذ يكون من أهل الوجوب إن كان قادراً، فإن لم يكن له مال فليس بواجب عليه.
س 309سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل جاء من بلده للحج ثم تحطمت الطائرة قبل أن يصل هل يعتبر حاجاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا هلك من سافر للحج قبل أن يحرم فليس بحاج، لكن الله عز وجل يثيبه على عمله، أما إذا أحرم وهلك فهو حاج، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرجل الذي وقصته ناقته وهو واقف بعرفة فقال: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" (1) ولم يأمرهم بقضاء حجه، وهذا يدل على أنه يكون
حاجاً.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب سنة المحرم إذا مات (رقم 1851) ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (رقم 1206) .
(21/252)

س 310: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص زوج ابنته شخصا آخر واشترط عليه أن يحج بها، وبعد ذلك توفيت هذه البنت وزوجها لم يحج بها، فأخ الأب مالا من الزوج ليحج عنها
وبعد فترة توفي الأب ولم يحج كذلك، فالاَن ابنه يسأل يقول هل أحج عن أبي حتى أبرىء ذمته أم ماذا أفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا واجب في تركة أبيه ودين على أبيه فإن تبرع وحج من نفسه ووفر المال للورثة فلا بأس.
س 311: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص توفي ولم يؤد العمرة هل يؤخذ من ماله لأداء العمرة، وقد سبق أن حج مفرداً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان ماله لتسع للعمرة أخذ من ماله، لأن القول الراجح أن العمرة واجبة، وأنه إذا لم يؤدها في حياته مع قدرته تؤخذ من تركته بعد وفاته.
س 312: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يُقضى الصوم والحج عن المتوفى؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصوم يقضى عنه إذا فرط فيه، بحيث يكون قد قدر على أن يصومه ولكنه لم يصم حتى مات، وهذا يقع كثيراً، مثل: أن يكون الإنسان مسافراً في رمضان فيفطر، ثم ينتهي رمضان ويتمكن من القضاء ولكنه يموت قبل القضاء، فهذا يقضى عنه فعن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول
(21/253)

الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه " (1) فإن لم يصم عنه وليه فلا إثم عليه، ولكن يكفر عن الميت عن كل يوم بإطعام مسكين " وأما الحج فيقضى عنه أيضاً إذا كان قد فرط في أدائه، مثل أن يكون مستطيعاً على الحج، ولكنه فرط فلم يحج فإنه يقضى عنه.
س 313: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل توفي والده وهو صغير ولا يعلم هل والده حج الفريضة أم لا، فطلب من أحد أبنائه أن يحج عنه وابنه هذا له ابن فأوصى أن يحج وقد حج هذا الابن عن نفسه؟
فأجاب فضيلته بقوله: ينوي تنفيذا لوصية والده، ولكن أعلم أن الإنسان إذا حج عن شخص نافلة وهو لم يفرض صارت فريضة حتى لو ما نوى الحج، لأن من خصائص الحج أن الإنسان إذا لم يؤد الفريضة فما حجه فهو الفريضة حتى لو حججت عن غيرك وأنت لم تؤد الفريضة صارت فريضتك أنت، والإنابة هذه لا شيء فيها ما دام الإنسان يعلم أن قصد والده أن يحج عنه فقط، أما إذا كان يعلم أن والده يقصده هو بنفسه، لأنه طالب علم فلا يوصي بها أحداً.
س 314: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل توفي ولم يحج، ولكنه اعتمر فهل تجب عليه حجة الإسلام؟
__________
(1) تقدم ص 227.
(21/254)

فأجاب فضيلته بقوله: حجة الإسلام لا تجب إلا على من استطاع إليه سبيلا فمن لم يكن عنده مال فإنه لا يستطيع إليه، فهذا الأخ الذي مات إذا لم يكن له مال فليس عليه حج، لأنه لا يمكن أن يصل إلى البيت ماشياً، وإذا لم يكن عنده مال فلا حج عليه، وعلى هذا فاطمئنوا ولا تقلقوا من كونه لم يحج، لأنه لا حج عليه، ونظير ذلك الرجل الفقير ليس عليه زكاة، إذا مات وهو لم يزك، فإننا لا نقلق من أجل ذلك، فالذي ليس عنده مال فلا زكاة عليه، ويلقى ربه وهو غير آثم، ومن لم يستطع أن يصل البيت لعدم المال فلا حج عليه، فيلقى ربه وهو غير آثم، لكن إذا أراد أحد منكم أن يتطوع ويحج عن هذا الميت فلا حرج، لأن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قالِ "نعم " (1) .
س 315: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الحج عن المتوفى إذا كان جداً للإنسان؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج أن يحج الإنسان عن جده الذي لم يحج، لأن ذلك قد جاءت به السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
س 316: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز الاعتمار عن الميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز الاعتمار عن الميت، كما
__________
(1) تقدم ص 142.
(21/255)

يجوز الحج عنه، وكذلك الطواف عنه يجوز، وكذلك جميع الأعمال الصالحة تجوز عن الميت، قال الإمام أحمد - رحمه الله-: كل قربة فعلها وجعل ثوابها لحي أو ميت مسلم نفعه.
ولكن الدعاء للميت أفضل من إهداء الثواب له، والدليل على هذا قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) ووجه الدلالة من الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل: (أو ولد صالح يتعبد له، أو يقرأ، أو يصلي، أو يعتمر، أو يصوم، أو ما أشبه ذلك مع أن الحديث في سياق العمل) فهو يتحدث عن العمل الذي ينقطع بالموت، فلو كان المطلوب من الإنسان أن يعمل لأبيه أو لأمه، لقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أو ولد صالح يعمل له. ولكن لو عمل الإنسان عملاً صالحاً، وأهدى ثوابه لأحد من المسلمين فإن ذلك جائز.
س 317: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدتي توفيت قبل ثلاث سنوات ولم تؤد فريضة الحج، وأريد أن أؤدي فريضة الحج عنها، وأنا لم أتزوج ولم أحج عن نفسي، فهل يصح أن أحج
لها والأمر كذلك، أفتونا بذلك جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولا: لا بد أن نسأل عن هذه الوالدة هل الحج فريضة عليها أم لا؟ لأنه ليس كل من لم يحج يكون الحج فريضة عليه. إذ إن من شرط الحج أن يتوفر عند الإنسان مال يستطيع به أن يحج بعد قضاء الواجبات، والنفقات الأصلية،
__________
(1) تقدم ص 150.
(21/256)

فنسأل: هل أمك كان عندها مال يمكنها أن تحج به، إذا لم يكن عندها مال يمكنها أن تحج به فليس عليها حج، فالذي ليس عنده مال يحج به ليس عليه حج، كالفقير الذي ليس عنده مال، ليس
عليه زكاة، وقد ظن بعض الناس أن الحج فريضة على كل حال، ورأوا أن الإنسان إذا مات ولم يحج أن الحج باق في ذمته فريضة، وهذا ظن خطأ. فالفقير لا حج عليه ولو ما لا نقول: إنه مات
وترك فريضة، كما أن الفقير لو مات لا نقول: إنه مات ولم يزك.
بل نقول: من ليس عنده مال فلا زكاة عليه، فنحن نسأل أولا: هل أمك كانت قادرة على الحج ولم تحج حتى ماتت، أو أنها عاجزة ليس عندها مال، فالحج ليس فريضة عليها، وحينئذ لا تكن في قلق، ولا تكن منزعجاً من ذلك، لأنها ماتت، وكأنها حجت ما دامت لا تستطيع الحج.
وعلى الاحتمال الأول أن عندها مالاً تستطيع أن تحج به، ولكنها لم تحج فيحج عنها من تركتها، لأن ذلك دين عليها، وإذا لم يمكن كما هو ظاهر السؤال فإنه لا يحل لك أن تحج عنها حتى تحج عن نفسك، لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رجلاً كان يقول: لبيك عن شبرمة. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من شبرمة؟ " قال: أخ لي، أو قريب لي، قال له: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا.
قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ابدأ بنفسك " فلا يحل أن تحج عن أمك حتى تؤدي الفريضة عن نفسك، تم إذا أديت الفريضة عن نفسك، فإن كنت في حاجة شديدة إلى النكاح فقدم النكاح، لأن النكاح
(21/257)

من الضروريات أحياناً، ثم إن تيسر لك أن تحج عن أمك بعد ذلك فحج.
س 318: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدي توفي من مدة طويلة، وأعلم أنه كان لا يصلي، وقد حضرت إلى السعودية وقمت بأداء فريضة الحج ثلاث مرات، وقد نويت في المرة
الأخيرة أن تكون لوالدي المتوفى ولكنني سمعت منكم عن حكم من لم يصل أنه في حكم الشرع كافر، وقد حزنت كثيراً عندما فكرت في موقف والدي، وسؤالي: هل تجوز له هذه الحجة؟
وهل تكفر عنه هذا التقصير في الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن هذه السائلة ذكرت في سؤالها أنها قد أدت فريضة الحج ثلاث مرات، والصحيح أن فريضة الحج مرة واحدة في العمر، لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الحج مرة فما زاد فهو تطوع " (1) وكونها عبرت بهذا التعبير (ثلاث مرات) فهذا خطأ.
وأما كونك قد حججت لوالدك وهو لا يصلي، فالكفار لا ينتفعون بالأعمال الصالحة، ولا يجوز الاستغفار لهم، لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)) (2) ولكن نظراً لأن والدك قد يصلي في بعض الأحيان، أو يُشك في
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/290) وأبو داود، كتاب المناسك، باب فرض الحج (رقم 1721) وابن ماجه، كتاب المناسك، باب فرض الجج (رقم 2886) ، والحاكم (1/441) وصححه ووافقه الذهبي.
(2) سورة التوبة، الآية: 113.
(21/258)

كفره، فإنه لا حرج أن تفعلي شيئاً وتقولي: اللهم اجعل أجر ذلك لوالدي إن كان مؤمناً، وتعلقي ذلك بكون أبيك مؤمنا، فمثل ذلك لا حرج فيه، فإن تعليق الأمر جائز في العبادات وفي الدعاء.
أما في العبادات فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لضباعة بنت الزبير- رضي الله عنهما-، وقد أرادت أن تحج وهي مريضة قال لها - صلى الله عليه وسلم -: "حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما استثنيت " (1) ، وأما في الدعاء فلقوله تعالى في آية اللعان: (وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)) (2) وتقول المرأة: (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)) (3) والله الموفق.
س 319: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ماتت أمه وأراد أن يحج عنها فتوفر ذلك فما الشروط التي لا بد أن تكون في الرجل الذي سوف يحج عنها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الشروط أنه لابد أن يكون قد حج عن نفسه، الثاني أنه يجب عليه أن يتقي الله عز وجل ما استطاع في أداء النسك على الوجه المطلوب.
س 320: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من مات في حريق منى هذه السنة وهذه حجة الإسلام فهل يحج عنه؟
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحليل بعذر المرض (رقم 1207) .
(2) سورة النور، الآية: 7.
(3) سورة النور، الآية: 9.
(21/259)

فأجاب فضيلته بقوله: نعم من مات في الحريق بعد إحرامه فإنه لا يحج عنه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجل الذي مات يوم عرفة: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" (1) وقال الله تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (2) وعلى هذا إذا كان قد أحرم فلا يحج عنه، وتكون ذمته قد
برئت ولا ينبغي أن يكمل عنه النسك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر أن يكمل عن الرجل الذي مات في عرفة نسكه، ولأنه إذا أتمه فمقتضى إتمام النسك عن الميت لو قيل بذلك لكان ذلك جناية على الميت في الواقع.
أما إذا كان احترق قبل أن يحرم فينظر إذا كان فيما مضى من السنوات قادرًا على الحج، ولكنه أخره لهذا العام فإنه يقضي عنه من تركته، وأما إذا كان لم يقدر على الحج إلا سنته هذه، فإنه لا
يقضي عنه لأنه لم يتمكن منه.
س 321: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أكثر المسائل التي يسأل عنها مسألة الحج عن الميت، هل هناك فرق بين من أوصى أن يحج عنه، أو لم يوص، أرجو الجواب بالتفصيل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أوصى أن يحج عنه وكان المال
__________
(1) تقدم ص 252.
(2) سورة النساء، الآية: 100.
(21/260)

وصية فإنه يحج عنه، لأن الحج بر، وقد قال الله تبارك وتعالى: (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)) (1) بعد قوله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)) (2) فيجب أن تنفذ وصيته لأنه أوصى
بها، أما إذا لم يوص بها فلا بأس أن يحج عنه بعد موته، ولكن الدعاء له أفضل من الحج عنه، ولهذا نقول لمن أراد أن يحج عن أبيه نافلة، اجعلها عن نفسك، وادع لأبيك في الطواف والسعي وفي الوقوف بعرفة والوقوف في مزدلفة، فذلك خير لك، لأن نبيك محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد
صالح يدعو له " (3) ، لم يقل (يعمل له) ومعلوم أن سياق الحديث في العمل، فلما عدل - صلى الله عليه وسلم - عن العمل إلى الدعاء علمنا أن الدعاء له أفضل.
س 322: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل توفيت زوجته ولم تحج وزوجها الآن قادر على الحج ويريد دفع قيمة الحج، لمن يقوم بأداء الحج عنها، فهل يؤجر على ذلك، وهل الأفضل أن يقوم هو بالحج عنها أم يوكل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يقوم هو بالحج عنها من
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 182.
(2) سورة البقرة، الآية: 181.
(3) تقدم ص 150.
(21/261)

أجل أن يأتي بالنسك على الوجه الأكمل الذي يحبه، ولكن إذا كان لا يرغب في ذلك، ووكل من يحج عنها فهو على خير، فقد أحسن إليها، وليس بغريب أن يحسن الإنسان إلى زوجته التي كانت قرينته في الحياة، وشريكته في الأولاد، أما الوجوب فلا يجب عليه.
س 323: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا ولي على أيتامٍ قصر ولهم مال عندي، فهل يحق لي أن أحج لأبيهم من ماله، علماً أنهم يرغبون في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل أن يحج من مال الأيتام لأبيهم تطوعًا لأنه لا يجوز أن يبذل مال الأيتام إلا في شيء واحد وهو الأضحية إذا كان ترك الأضحية يكسر قلوبهم، فهذا لا بأس أن يشتري لهم أضحية ويضحي لهم.
أما إذا كان لم يحج الفرض فليس لهم ولا لغيرهم من الميراث شيء حتى تؤدى عنه الفريضة، لأن الفريضة دين، والدين مقدم على الميراث.
س 324: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: مات شخص تارك الصلاة ورأى ابنه في المنام أنه يحج عنه فهل يحج عنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحج عنه، ولا يحل أن يحج عنه، ولا أن يقول: اللهم اغفر لأبي وارحمه، لأن من مات وهو لا يصلي مات كافرًا والعياذ بالله، ويحشر يوم القيامة مع فرعون،
(21/262)

وهامان، وقارون، وأبي بن خلف، وإذا مات على الكفر فقد قال الله عز وجل: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)) (1) إذا لا يحج عنه، ولا يتصدق عنه، ولا يعتمر عنه، ولا يدعو له بالمغفرة، ولا بالرحمة، لأنه مات كافراً والعياذ بالله..
س 325: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيهما الأفضل الحج للميت، أو صدقة بتكاليف الحج على المحتاجين؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الميت لم يؤد الفريضة فلا شك أنه إذا وكل من يحج عنه أفضل، لأنه يؤدي فريضة، أما إذا كانت نافلة فهنا ينظر للمصالح، إذا كان الناس في حاجة شديدة ومسغبة فالصدقة أفضل، وإلا فالحج عنه أفضل.
س 326: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل وصل الميقات يريد الحج فسأل المشايخ في الميقات وقال: إن أمي تستطيع الحج ولكن أريد أن أقضي عنها فرضها فقالوا له: لا يصح الحج عنها ما دامت قادرة، فنوى الحج عن أبيه المتوفى نافلة حيث أدى الحج فهل هذا جائز؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما قيل لك: من أن المرأة المستطيعة لا يصح الحج عنها فصواب: وحجك نافلة عن أبيك جائز، ولكن
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 113.
(21/263)

لو جعلت الحج لك ودعوت لأبيك وأمك ولمن شئت لكان الدعاء أفضل، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرشد إليه، فقال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) فقال: (أو ولد صالح يدعو له) ولم يقل: أو ولد صالح يعمل له. مع أن السياق في سياق العمل، فعدل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الدعاء.
س 327: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج عن آخر بمبلغ وقدره خمسة آلاف ريال وهو ما حج إلا من أجل هذا المال، فهل هذا المال حلال له؟ وهل الحج يصل للمحجوج عنه
وهو ميت إذا كانت هذه نية الحاج، نأمل الإجابة على هذا السؤال بالتفصيل، وذلك لشدة الحاجة إلى هذه الإجابة، لأن أحد الخطباء في إحدى المدن خطب حول هذا الموضوع وعارضه بعض العوام
بعد الصلاة، فكتبت هذا السؤال لفضيلتكم لتجيبوا عنه بالتفصيل لأرسله إليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لم يذكر السائل ماذا قال هذا الخطيب، وعلى كل حال لنفرض أن الخطيب قال: لا يجوز، وأن الذي عارضه قال: هذا يجوز: لنفرض هذا، ونحن لا ندري ماذا قال كل واحد، يقول العلماء رحمهم الله: من حج ليأخذ المال فليس له نصيب في الآخرة، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- فمن حج ليأخذ المال فليس له نصيب في الآخرة لقول الله
__________
(1) تقدم ص 150.
(21/264)

تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)) (1) .
وأما من أخذ ليحج ويقضي حاجة أخيه، وينتفع هو بالدراهم، أو بما زاد منها فلا بأس بذلك، فالإنسان ونيته، فأنت إذا أخذت دراهم لتحج بها عن غيرك فاجعل نيتك إنك تريد قضاء حاجة أخيك، وتريد أيضاً أن تنتفع أنت بالأعمال الصالحة في المشاعر وتستغل الوقت بالدعاء، ولكن إذا دعوت فاجعل لمن وكلك نصيباً من الدعاء.
س 328: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل طاعة الوالدين مطلقة إذا أمراني بترك النافلة كصيام تطوع أو صلاة النافلة فهل طاعتهم واجبة؟ فقد عزمت على أن أحج عن جدتي لأمي
فرفض والدي وقال: أولادها أحق بها فهل تلزمني طاعته في هذا الأمر؟
فأجاب فضيلته بقوله: طاعة الوالدين تجب في كل ما فيه منفعة لهما ولا ضرر عليك فيه، فأما إذا أمراك بترك النوافل نظرنا إذا كانا يحتاجان إلى عمل لا تقوم به إذا كنت مشتغلاً بهذه النافلة فأطعهما
مثل أن يقول لك أبوك: يا فلان انتظر الضيوف ولا تصل النافلة، فهنا يجب عليك أن تطيعه لأن هذا لغرض له، وأما إذا قال: لا تصل الضحى. لأنه يكره مثل هذه الأمور، يكره النوافل رجل ما
__________
(1) سورة هود، الآيتان: 15، 16.
(21/265)

عنده إيمان قوي فلا تطعه، ولكن داره ما استطعت، بمعنى أن تخفي عنه ما تفعله من الخير.
فنقول للسائل: حج عنها. وإذا قال: لا تحج، فقل: لا بأس. وحج، وليس في هذا كذب إذا كنت تستطيع التأويل، والتأويل معناه: أن تقول له: لا أحج، يعني العام القادم، لأن هذا الأب يأمر بقطيعة الرحم، أو هو جاهل: فأقول: قل: نعم لا أحج عنها إرضاء لك، وتنوي لا أحج عنها في العام القادم. لأنك سوف تحج هذا العام، ومثل ذلك بعض الأمهات إذا رأت العلاقة بين ابنها وزوجته طيبة، قالت: يا ولدي إما أنا وإلا هي، ليطلقها، كذلك الأب ربما يكون معه سوء تفاهم من الزوجة يقول طلقها.
فلا يطلقها. وسأل رجل الإمام أحمد بن حنبل- رحمه الله- فقال: إن أبي أمرني أن أطلق امرأتي وأنا أحبها. قال: لا تطلقها. فقال السائل: إن ابن عمر لما أمره أبوه عمر- رضي الله عنه- أن يطلق
زوجته وسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: طلق زوجتك، فأمر عبد الله بن عمر أن يطيع والده في تطليق زوجته، فقال له الإمام أحمد قولاً سديدًا، (وهل أبوك عمر؟) وهذه الكلمة لها معنى، لأن عمر - رضي الله عنه- لم يأمر ابنه أن يطلق زوجته إلا أنه رأى سببًا شرعياً يقتضي ذلك، لكن أباك لعله لحاجة شخصية بينه وبين المرأة.
س 329: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل مصاب بالسرطان وتوفي وعمره تسع عشرة سنة ولم يؤد فريضة الحج،
(21/266)

علما أنه أصيب بهذا المرض منذ خمس سنوات فهل يحج عنه وهل هناك كفارة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لابد أن نسأل هل هذا الشاب عنده مال يستطيع أن يحج به إن كان الأمر كذلك فلابد أن يحج عنه، وإذا لم يكن عنده مال فالحج ليس بواجب عليه وقد مات بريئاً من
الفريضة، لكن إن أرادوا أن يطوعوا ويِحجوا فلا حرج.
س 330: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة كبيرة في السن وفقيرة مات والدها ولم يحج وتريد أن توكل شخصاً ليحج عنه من المال الذي تتحصل عليه من الصدقات والزكاة من أهل
الخير فهل يجوز لها ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تجمع الصدقات من شخص، أو من الناس عمومًا من أجل أن تحج بها عن شخص آخر؛ لأن الحج ليس من الأمور الضرورية التي يسأل الإنسان الناس فيها إلحافاً، وإذا كان كذلك فإن الواجب على هذه المرأة أن تكف عن أخذ الصدقة، أما بالنسبة لوالدها فإنها تدعو له، والدعاء يغني عن ذلك.
س 331: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الأفضل لمن أراد أن يبر بوالديه بعد موتهما أن يحج عنهما بنفسه وماله أو أحد أبنائه أو يضحي عنهما، وكلل ذلك تطوعًا وليس بوصية، أو يصرف ذلك في بناء المساجد والجهاد في سبيل الله؟
(21/267)

فأجاب فضيلته بقوله: أحسن ما يبر به الوالدان ما أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو الدعاء لهما، والاستغفار لهما وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا صلة لك فيها إلا بهما. هذه هي التي نص عليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين سأله السائل: فقال يا رسول الله: هل عليَّ من بر أبوي شيء بعد موتهما؟ فأجابه بذلك، وأما الحج عنهما والأضحية عنهما والصدقة عنهما فهي جائزة لاشك، ولا نقول: إنها حرام، لكنها مفضولة، إذ إن الدعاء لهما أفضل من هذا،
واجعل هذه الأعمال التي تريد أن تجعلها لوالديك اجعلها لنفسك، حج أنت بنفسك، تصدق لنفسك، ضحِّ لنفسك وأهلك، ابذل في المساجد والجهاد في سبيل الله لنفسك، لأنك سوف تكون محتاجاً إلى العمل الصالح كما احتاج إليه الوالدان، والوالدان قد أرشدك النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ما هو أنفع وأفضل. هل تظنون أن الرسول عليه الصلاة والسلام غاب عنه أن الأفضل أن تحج وتتصدق؟
أبدًا لا نعتقد أن الرسول غاب عنه ذلك، فلنعلم أن الرسول اختار هذه الأشياء الأربعة: الدعاء، والاستغفار، وإكرام الصديق، وصلة الرحم، لأنها هي البر حقيقة، ولهذا صح عنه أنه قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) لم يقل: أو ولد صالح يتصدق عنه، أو يضحي عنه، أو يحج عنه، أو يصوم عنه، مع أن الحديث عن الأعمال، فعدل النبي عليه الصلاة
__________
(1) تقدم ص 150.
(21/268)

والسلام عن جعل الأعمال للميت إلى الدعاء، ونحن نشهد الله ونعلم علم اليقين أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لن يعدل إلى شيء مفضول ويدع الشيء الفاضل أبدًا، لأنه صلوات
الله وسلامه عليه أعلم الخلق وأنصح الخلق، فلو كانت الصدقة أو الأضحية، أو الصلاة، أو الحج، لو كانت مشروعة لأرشد إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا أقول: إنه ينبغي لطلبة العلم في مثل هذه الأمور التي يكون فيها العامة سائرين على الطريق المفضول ينبغي لطالب العلم أن يبين وأن يوضح، وأن يقول هذه الأصول ايتوني بنص واحد يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتطوع الإنسان لوالديه بصوم أو صدقة، أبدًا لا يوجد، لكن قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه " (1) فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نصوم الفرض عن الميت، ولكن التطوع أبدًا، قلّب في السنة كلها من أولها إلى آخرها هل تجد أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أن يتصدق الإنسان عن والديه، أو يصوم تطوعاً عن والديه، أو يحج تطوعاً عن والديه، أو يبذل دراهم في المصالح العامة لوالديه؟ أبدًا، لا يوجد، غاية ما هنالك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقرّ هذا الشيء، وإقرار الشيء لا يعني أنه مشروع، فقد أقرّ سعد بن عبادة حين استأذن منه أن يجعل مخرافه يعنى بستانه الذي هو مخرافه صدقة لأمه، قال: (نعم) ، وكذلك أقرّ عليه الصلاة والسلام الرجل الذي قال: إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم " (2) ،
__________
(1) تقدم ص 227.
(2) تقدم ص 151.
(21/269)

لكن هل أمر أمته أن يتطوعوا لله ويجعلوها للأموات؟ هذا لا يوجد، ومن عثر على شيء من ذلك فليتحفنا به، إلا بالشيء الواجب، فالواجب لابد منه.
(21/270)

س 332: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- ما هي مواقيت الحج المكانية؟
فأجاب فضيلته بقوله: المواقيت المكانية خمسة وهي: ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، وذات عرق، أما ذو الحليفة فهي المكان المسمى الآن بأبيار علي، وهي قريبة من المدينة، وتبعد عن مكة بنحو عشر مراحل، وهي أبعد المواقيت عن مكة، هي لأهل المدينة ولمن مر به من غير أهل المدينة، وأما الجحفة فهي قرية قديمة في طريق أهل الشام إلى مكة وبينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل، وقد خربت القرية وصار الناس يحرمون بدلا منها من رابغ، وأما يلملم فهو جبل أو مكان في طريق أهل اليمن إلى مكة، ويسمى اليوم السعدية، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين، وأما قرن المنازل فهو جبل في طريق أهل نجد إلى مكة ويسمى الآن السيل الكبير، وبينه وبين مكة نحو مرحلتين، وأما
ذات عرق فهي مكان في طريق أهل العراق إلى مكة وبينه وبين مكة نحو مرحلتين أيضاً.
أما الأربعة الأولى وهي ذو الحليفة والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، فقد وقتها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأما ذات عرق فقد وقتها النبي - صلى الله عليه وسلم - كما رواه أهل السنن عن عائشة- رضي الله عنها- (1) وصح عن عمر- رضي الله عنه- أنه وقتها لأهل الكوفة والبصرة
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب في المواقيت (رقم 1739) وعند مسلم من حديث جابر: "ومهل أهل العراق من ذات عرق". أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة (رقم 1183) .
(21/273)

حين جاءوا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل نجد قرن وإنها جور عن طريقنا. فقال عمر- رضي الله عنه-: انظروا إلى حذوها من طريقكم (1) . وعلى كل حال فإن ثبت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالأمر ظاهر، وإن لم يثبت فإن ذلك ثبت بسنة عمر- رضي الله عنه- وهو أحد الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا باتباعهم، والذي جرت موافقاته لحكم الله عز وجل في عدة مواضع ومنها هذا إذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقتها، وهو أيضاً مقتضى القياس فإن من أراد الحج أو العمرة إذا مر بميقات لزمه الإحرام منه فإذا حاذاه صار كالمار به، وفي أثر عمر- رضي الله عنه- فائدة عظيمة في وقتنا هذا وأنه إن كان الإنسان قادمًا إلى مكة بالطائرة يريد الحج أو العمرة فإنه يلزمه إذا حاذى الميقات من فوقه أن يحرم منه عند محاذاته، ولا يحل له تأخير الإحرام إلى أن يصل إلى جدة كما يفعل كثير من الناس، فإن المحاذاة لا فرق بين أن تكون في البر، أو في الجو، أو في البحر، ولهذا يحرم أهل البواخر التي تمر من طريق البحر فتحاذي يلملم أو رابغ.
س 333: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "هن لهن ولمن مر عليهنّ من غير أهلهن " (2) ما معنى الحديث؟
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب ذات عرق للعراق (رقم 1531) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب مهل أهل الشام (رقم 1526) ومسلم، كتاب الحج، باب المواقيت (رقم 1181) .
(21/274)

فأجاب فضيلته بقوله: معنى هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت مواقيت الحج والعمرة المكانية، فوقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرن المنازل، وقال: "هنّ لهنّ " أي هذه المواقيت لأهل هذه البلاد، "ولمن مر عليهنّ من غير أهلهنَّ " فأهل المدينة يحرمون من ذي الحليفة إذا أرادوا الحج أو العمرة، وإذا مر أحد من أهل نجد عن طريق
المدينة أحرم من ذي الحليفة؛ لأنه مر بالميقات، وكذلك إذا مرَّ أحد من أهل الشام عن طريق المدينة فإنه يحرم من ذي الحليفة لأنه مر بها، وكذلك لو أن أحداً من أهل المدينة جاء من قبل نجد ومر
بقرن المنازل فإنه يحرم منه، هذا معنى قوله: "ولمن مر عليهن من غير أهلهن " ومن تأمل هذه المواقيت تبين له فيها فائدتان: الفائدة الأولى: رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده حيثما جعل لكل ناحية ميقات عن طريقهم حتى لا يصعب عليهم أن يجتمع الناس من كل ناحية في ميقات واحد.
والفائدة الثانية: أن تعيين هذه المواقيت من قبل أن تفتح هذه البلاد فيه آية للنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث إن ذلك يستلزم أن هذه البلاد ستفتح وأنها سيقدم منها قوم يأمون هذا البيت للحج والعمرة، ولهذا قال ابن عبد القوي في منظومته الدالية المشهورة: وتوقيتها من معجزات نبينا بتعيينها من قبل فتح معدد فصلوات الله وسلامه عليه.
(21/275)

س 334: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان الإنسان لا يمر بهذه المواقيت فمن أين يحرم؟ وإذا أحرم الحاج قبل الميقات فما حكم علمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان لا يمر بشيء من هذه المواقيت فإنه ينظر إلى حذو الميقات الأقرب إليه فإذا مر في طريق بين يلملم وقرن المنازل ينظر أيهما أقرب إليه فإذا حاذا أقربهما إليه أحرم من محاذاته، ويدل لذلك أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- جاءه أهل العراق وقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل نجد قرنا، وإنها جور عن طريقنا- يعنى فيها ميول
وبعد عن طريقنا- فقال- رضي الله عنه-: انظروا إلى حذوها من طريقكم فأمرهم أن ينظروا إلى محاذاة قرن المنازل ويحرمون، هكذا جاء في صحيح البخاري (1) ، وفي حكم عمر- رضي الله
عنه- هذا فائدة جليلة وهي أن الذين يأتون عن طريق الطائرات وقد نووا الحج أو العمرة ويمرون بهذه المواقيت إما فوقها أو عن يمينها أو يسارها يجب عليهم أن يحرموا إذا حاذوا هذه المواقيت،
ولا يحل لهم أن يؤخروا الإحرام حتى ينزلوا في جدة كما يفعله كثير من الناس، فإن هذا خلاف ما حدده النبي عليه الصلاة والسلام، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (2) وقال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (3) فعلى الإنسان
__________
(1) تقدم وهو عند البخاري (رقم 531)
(2) سورة الطلاق، الآية: 1.
(3) سورة البقرة، الآية: 229.
(21/276)

إذا جاء عن طريق الجو وهو يريد الحج أو العمرة أن يكون متهيئاً للإحرام في الطائرة، فإذا حاذا أول ميقات يمر به وجب عليه أن يحرم أي أن ينوي الدخول في النسك ولا يؤخر هذا حتى يدخل في
مطار جدة.
(21/277)

رسالة
سماحة الوالد الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله ورعاه السلام عليكم رحمة الله وبركاته، وبعد:
أعرض لسماحتكم موقع محافظة بدر بالمدينة النبوية، حيث اختلف الناس في تحديد ميقاتهم المكاني للإحرام، وقد ذكر بعضهم فتوى لسماحتكم تتضمن إحرامهم من منازلهم ببدر.
سماحة الشيخ:
إن محافظة بدر تقع في الجنوب الغربي من المدينة النبوية، وتبعد عن المدينة وعن ميقات أبيار على (150) كيلو متراً، وهذه المحافظة تقع على خط مكة المدينة القديم. وهذه المحافظة تبعد عن محافظة رابغ وعن ميقات الجحفة قرابة (120) كيلو متراً.
والترتيب المكاني من مكة إلى المدينة كالآتي:
نسير من مكة المكرمة إلى ميقات الجحفة ثم إلى مفترق طريق إلى ينبع وبلاد الشام، أو إلى بدر والمتجه إلى بدر يقطع 150 كليلو مترًا ثم إلى أبيار علي، ثم إلى المدينة النبوية، وبدر تقع على طريق أهل الشام ويمرون بجوار بدر ثم يسيرون مع أهل بدر في نفس الطريق حتى يصلون إلى ميقات الجحفة، علما أن بدرًا لا تحاذي أي ميقات من المواقيت بل تقع بعد ميقات أبيار علي من جهة مكة وقبل ميقات أهل الشام.
سماحة الوالد:
آمل الإحاطة بذلك والتوجيه بما ترون هل يكون ميقات بدر
(21/279)

من ميقات أهل الشام (الجحفة) أم من منازلهم ليكون الناس على بصيرة من أمرهم ويبتعد الإشكال الحاصل لديهم حفظكم الله ورعاكم.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الواجب على أهل بدر أن يحرموا من بدر إذا كان بدر بين الجحفة وأبيار علي.
أما إذا لم تكن كذلك وكانت- أعنى بدرًا- تقع شمالاً وهي إلى طريق أهل الشام أقرب من طريق أهل المدينة فيحرمون من الجحفة، وحينئذ نحتاج إلى خارطة تبين ذلك ويرجع إليها.
كتبه محمد الصالح العثيمين
في 10/2/1419 هـ
(21/280)

رسالة
سماحة الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
إلحاقاً لخطابي رقم 161 وتاريخ 1/2/1419 هـ وما تفضلتم به من الإجابة على ما جاء فيه، لذا فإنني أبعث لسماحتكم بطيه خطابي آنف الذكر وصورة من الخارطة الموضح عليها جميع المواقع المذكوره وميقاتي أبيار علي والجحفة، والطريق فيما بينهما.
آمل الاطلاع وإكمال ما ترونه لازماً شكر الله سعيكم وأجزل أجركم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
بعد الاطلاع على الخارطة الموفقة يتبين أن ميقات أهل بدر هي الجحفة لأنها أي بدراً مائلة عن طريق المدينة مكة فلا تكون بين ذي الحليفة ومكة.
بارك الله فيكم على التوضيح في الخريطة.
أخوكم:
محمد الصالح العثيمين
في 19/4/1419 هـ
(21/281)

س 335: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- عمن أتى من السودان لزيارة أهله في جدة فأحرم من جدة فما الحكم؟ وما هي المواقيت؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان أتى من السودان إلى جدة لزيارة ولما وصل إلى جدة أنشأ نية جديدة بالعمرة أي أنه لم يطرأ عليه إلا بعد أن وصل إلى جدة فإن إحرامه من جدة صحيح ولا شيء فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقت المواقيت قال: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" (1) أما إذا كان قدم من السودان إلى جدة يريد العمرة لكنه أتى جدة مارا بها مرورا فإن الواجب عليه أن يحرم من الميقات- وسنذكر المواقيت إن شاء الله- ولكن في بعض الجهات السودانية إذا اتجهوا إلى الحجاز لا يحاذون المواقيت إلا بعد نزولهم في جدة بمعنى أنهم يدخلون إلى جدة قبل محاذاة
المواقيت مثل أهل سواكن فهؤلاء يحرمون من جدة كما قال ذلك أهل العلم، لكن الذي يأتي من جنوب السودان، أو من شمال السودان هؤلاء يمرون بالميقات قبل أن يصلوا إلى جدة فيلزمهم
الإحرام من الميقات الذي مروا به ما داموا يريدون العمرة أو الحج.
والمواقيت التي طلب السائل أن نبينها خمسة:
الأول: ذو الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة ومن مر به من غيرهم ممن يريد الحج أو العمرة ويسمى الآن أبيار علي.
والثاني: رابغ، وهو ميقات أهل الشام، وكان الميقات أولا
__________
(1) تقدم وهو عند البخاري، (1526) ومسلم، (1181) .
(21/282)

هو الجحفة لكنها خربت وصار الناس يحرمون من رابغ بدلاً عنها.
والثالث: يلملم، وهو ميقات أهل اليمن ومن مر بهم وغيرهم ممن يريد الحج أو العمرة، ويسمى الآن السعدية.
والرابع: قرن المنازل، وهو لأهل نجد ومن مرَّ به من غيرهم ممن يريد الحج أو العمرة.
والخامس: ذات عرق، وتسمى الضريبة وهو لأهل العراق ومن مر بها من غيرهم، هذه المواقيت الخمسة لا يجوز لأحد أن يتجاوزها وهو يريد الحج والعمرة حتى يحرم بالنسك الذي أراده، فإن تجاوزها بدون إحرام وأحرم من دونها، فقد قال أهل العلم: إنه يلزمه فدية، أي شاة يذبحها في مكة، ويوزعها على فقراء أهل مكة.
س 336: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- أين ميقات أهل أثيوبيا والصومال؟ وما حكم من أتى منهما للعمرة ولغيرها بدون إحرام ثم أحرم بعد أيام وذهب إلى مكة مباشرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ميقات أثيوبيا والصومال إذا جاءوا من جنوب فإنهم يحاذون يلملم التي وقتها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل اليمن، وإن جاءوا من شمال جدة فميقاتهم الجحفة التي وقتها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل الشام، وجعل الناس بدلاً منها رابغ، أما إذا جاءوا من بين
ذلك قصداً إلى جدة فإن ميقاتهم جدة؛ لأنهم يصلون إلى جدة قبل محاذات الميقاتين المذكورين، هذا إذا جاءوا للعمرة أو للحج.
أما من جاء للعمل وقد أدى فريضة العمرة والحج فإنه لا
(21/283)

يجب أن يحرم؛ لأن الحج والعمرة لا يجبان إلا مرة واحدة في العمر فإذا أداهما الإنسان لم يجبا عليه مرة أخرى، اللهم إلا بنذر.
ومن قدم للحج أو للعمرة ولم يحرم إلا بعد أن جاوز الميقاتين وقد مر بأحدهما فإن أهل العلم يقولون: إن إحرامه صحيح، ولكن عليه دم يذبح في مكة ويوزع على الفقراء؛ لأنه ترك واجباً من
واجبات الإحرام وهو كونه من الميقات، فمن حصل له مثل ذلك فعليه ذبح الدم في مكة يوزع على الفقراء إن كان غنياً، وإن كان فقيراً فليس عليه شيء، لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) .
س 337: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو ميقات أهل السودان؟
فأجاب فضيلته بقوه: أهل السودان إذا جاءوا قصداً إلى جدة فميقاتهم جدة، وإن كانوا أتوا من الناحية الشمالية، أو الجنوبية فإن ميقاتهم قبل أن يصلوا إلى جدة: إن جاءوا من الناحية الشمالية فإن ميقاتهم إذا حاذوا الجحفة أو رابغاً، وإن جاءوا من الجهة الجنوبية فإن ميقاتهم إذا حاذوا يلملم وهو ميقات أهل اليمن، فيكون ميقات أهل السودان مختلف بحسب الطريق الذي جاءوا منه.
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(21/284)

س 338: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أراد الحج أو العمرة فمن أين يحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: يكون الإحرام من الميقات الذي وقته النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن جاء منه وهي: من جاء عن طريق المدينة فإن ميقاته أبيار علي، ومن جاء من طريق الطائف فإن ميقاته السيل الكبير، ومن جاء عن طريق اليمن فميقاته يلملم وهو السعدية.
ومن جاء عن طريق الشام فإن ميقاته الجحفة ويحرم الناس بدلاً عنها من رابغ، ومن جاء عن طريق العراق فإن ميقاته ذات عرق، ولا يجوز للإنسان الذي يريد حجاً أو عمرة أن يتجاوز الميقات
الذي مر به حتى يحرم.
س 339: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل تجاوز ميقاته ودخل مكة وسأل ماذا يصنع؟ فقيل له: ارجع إلى أقرب ميقات وأحرم منه وفعل فهل يجزىء هذا أم لابد من الرجوع إلى
ميقاته الذي في قدومه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا مر الإنسان بالميقات ناوياً النسك إما حجاً أو عمرة فإنه لا يحل له مجاوزته حتى يحرم منه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (1) وهذا المسألة التي ذكرها السائل أنه تجاوز الميقات بلا إحرام حتى وصل مكة ثم قيل له:
__________
(1) تقدم، البخاري (1526) ومسلم (1181) .
(21/285)

ارجع إلى أقرب ميقات فأحرم منه، نقول له: إن هذه الفتوى ليست بصواب، وأن عليه أن يذهب إلى الميقات الذي مر به؛ لأنه الميقات الذي يجب الإحرام منه كما يدل على ذلك حديث عبد الله
ابن عباس- رضي الله عنهما- الذي أشرنا إليه آنفاً، ولكن إن كان الذي أفتاه من أهل العلم الموثوق بعلمهم واعتمد على ذلك فإنه لا شيء عليه؛ لأنه فعل ما يجب من سؤال أهل العلم، وخطأ
المفتي ليس عليه فيه شيء.
س 340: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا أنوي السفر إلى بلدي ولكني أريد قبل أن أسافر أن أؤدي عمرة تطوعاً لله تعالى وقد أقمت بعض الأيام في جدة وأنا قادم من القصيم فهل يجوز أن أحرم بالعمرة من جدة أم ماذا يجب عليَّ أن أفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت سافرت إلى جدة بدون نية العمرة ولكن طرأت لك العمرة وأنت في جدة فإنك تحرم منها ولا حرج عليك؛ لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- حين ذكر المواقيت قال: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، فأهل مكة من مكة" (1) أما إذا كنت سافرت من القصيم بنية العمرة عازماً عليها فإنه يجب عليك أن تحرم من الميقات الذي مررت به، ولا يجوز
لك الإحرام من جدة؛ لأنها دون الميقات، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما وقت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (1) فعليك إن كنت لم تفعل شيئاً
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(21/286)

الآن أن ترجع إلى الميقات الذي مررت به أولا وتحرم منه، ولا تحرم من جدة، وليس عليك شيء.
أما إذا كان عازماً على أن يحرم بالعمرة ولكنه تجاوز الميقات قبل الإحرام، ثم أحرم من جدة فإن عليه عند أهل العلم فدية دم يذبحه في مكة ويتصدق به على الفقراء، وعمرته صحيحة.
س 341: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من تجاوز الميقات بدون إحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: من تجاوز الميقات بدون إحرام فلا يخلو من حالين: إما أن يكون مريداً للحج أو العمرة فحينئذ يلزمه أن يرجع إليه ليحرم منه بما أراد من النسك الحج أو العمرة، فإن لم يفعل فقد ترك واجباً من واجبات النسك، وعليه عند أهل العلم فدية: دم يذبحه في مكة، ويوزعه على الفقراء هناك.
واما إذا تجاوزه وهو لا يريد الحج أو العمرة فإنه لا شيء عليه، سواء طالت مدة غيابه عن مكة أو قصرت؛ لأننا لو ألزمناه بالإحرام من الميقات بمروره هذا لكان الحج يجب عليه أكثر من مرة أو العمرة، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة، أما ما زاد فهو تطوع (1) ، وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم فيمن تجاوز الميقات بغير إحرام، أي أنه إذا كان
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب فرض الحج (رقم 1721) وابن ماجه، كتاب المناسك، باب فرض الحج (رقم 2886) .
(21/287)

لا يريد الحج ولا العمرة فليس عليه شيء ولا يلزمه الإحرام من الميقات.
س 342: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الفرق بين الإحرام كواجب والإحرام كركن من أركان الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإحرام كواجب أن يقع الإحرام من الميقات. والإحرام كركن أن ينوي النسك، فمثلاً إذا نوى النسك بعد مجاوزة الميقات مع وجوب الإحرام منه، فهذا ترك واجبًا وأتى بالركن وهو الإحرام، وإذا أحرم من الميقات فقد أتى بالواجب والركن، لأن الركن هو نية الدخول في النسك. وأما الواجب فهو أن يكون الإحرام من الميقات.
س 343: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أدى مناسك العمرة في النصف من شهر رمضان، وعاد لبلده ثم عاد إلى مكة في نفس الشهر من العام نفسه، وبمروره للميقات نوى أداء
العمرة عن والده المتوفى. ولكنه لم يحرم من الميقات.
فلما سئل وهو يطوف بملابسه العادية. قال: إن بعض الناس أفتاه بأن من أدى العمرة في شهر رمضان بالإحرام ثم كرر أداءها في نفس الشهر فلا يلزمه الإحرام، فأبلغه من سأله عن ذلك أن يعود للميقات ويحرم من هناك، وقال له أيضاً: يلزمك دم، ولكن اسأل لعلك تجد رخصة فيما عملته جهلاً، ولكن ذلك الرجل لم يسأل فماذا يلزمه أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
(21/288)

فأجاب فضيلته بقوله: قبل الجواب على السؤال أحب أن أبين أن الإنسان يجب أن يتحرى في السؤال عن دينه، وأن لا يسأل إلا من يثق منه أنه عالم وموثوق بعلمه وفتواه، لأن الدين شريعة
الله، وإذا تعبد الإنسان ربه بغير شريعته فإنه يكون على ضلال، وكونه يسأل عامة الناس فيعتمد على كلامهم هذا غلط وما أكثر الجهل من العامة الذين يقولون مالا يعلمون.
ثم إنه لما أخبره صاحبه وهو في المطاف بأن يذهب إلى الميقات كان عليه أن يبحث ويسأل عن صحة هذا القول، وعلى كل حال فعلى المرء أن يتأكد في السؤال عن دينه حتى يعبد ربه على علم وبصيرة موافقة لشريعة الله سبحانه وتعالى.
وأما الجواب على هذا السؤال حيث أحرم هذا الرجل عن والده بالعمرة ولم يتجرد من الثياب بناء على الفتوى الخاطئة التي أفتاه بعض الناس بها، وهي أن الإنسان إذا أتى بعمرة في رمضان ثم أتى بعمرة أخرى في نفس الشهر، فإنه لا يلبس ثياب الإحرام فهذه الفتوى خطأ، فإن الإنسان إذا أحرم فإنه قبل أن يغتسل يتجرد من ملابسه ويلبس ثياب الإحرام، وهذا الذي فعل ذلك ولما ينزع ثيابه ويلبس الإحرام عليه أن يتوب إلى الله ويستغفره، وأن لا يعود لمثلها، ويعلم أنه لا بد من لبس ملابس الإحرام وهي الإزار والرداء، وحيث إن هذا الأمر وقع منه جهلاً فإنه لا شيء عليه ولكنه أخطأ بعدم سؤاله أهل العلم.
وأما عمرته فإنها صحيحة؟ لأن غاية ما فيها أنه ترك التجرد من الملابس.
(21/289)

كما أن فتوى الأخ الذي طلب منه حين قابله في الطواف أن يخرج فيحرم من الميقات فهي فتوى غير صحيحة، لأن الرجل أحرم ولا يمكنه أن يرجع فيحرم مرة أخرى.
وإنما عليه لو كان عالماً بتحريم استمراره بثيابه فدية، وهي كما ذكره أهل العلم أنه مخير بين ثلاثة أمور: فإما أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة
يفرقها على الفقراء، فيكون عليه لهذا فدية لتغطية رأسه، وفدية للبس الثياب، ولكن حيث إنه كان جاهلاً فإنه يعفى عنه، وإن أخرجها احتياطاً لتفريطه بعدم السؤال فهو أحوط وأفضل. والله
الموفق.
س 344: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما كيفية إحرام القادم إلى مكة جواً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإحرام للقادم إلى مكة جواً هو كما أسلفنا من قبل يجب عليه إذا حاذى الميقات أن يحرم وعلى هذا فيتأهب أولا بالاغتسال في بيته، ثم يلبس الإحرام قبل أن يصل إلى الميقات، ومن حين أن يصل إلى الميقات ينوي الدخول في النسك ولا يتأخر، لأن الطائرة مرورها سريع فالدقيقة ممكن أن تقطع فيها مسافات طويلة، وهذا أمر يغفل عنه بعض الناس فتجد
بعض الناس لا يتأهب، فإذا أعلن موظف الطائرة أنهم وصلوا الميقات ذهب يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام، وهذا تقصير جداً، على أن الموظفين في الطائرة- في ما يبدو- بدأوا ينبهون
(21/290)

الناس قبل أن يصلوا إلى الميقات بربع ساعة أو نحوها، وهذا عمل يشكرون عليه؛ لأنهم إذا نبهوهم قبل هذه المدة جعلوا للناس فرصة في تغيير ثيابهم وتأهبهم، ولكن في هذه الحال يجب على من أراد الإحرام أن ينتبه للساعة فإذا أعلن الموظف بأنه قد بقي ربع ساعة فينظر إلى ساعته حتى إذا مضى هذا الجزء الذي، هو ربع الساعة أو قبله بدقيقتين أو ثلاث لبى بما يريده من النسك.
س 345: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- عمن سافر من بلده إلى جدة ثم أراد العمرة فهل يحرم من جدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يخلو الأمر من حالين:
الحال الأولى: أن يكون الإنسان قد سافر إلى جدة بدون نية العمرة، ولكن طرأت له العمرة وهو في جدة، فإنه يحرم من جدة ولا حرج في ذلك، لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- حيث ذكر المواقيت قال: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" (1) .
الحال الثانية: أن يكون سافر من بلده بنية العمرة عازماً عليها فإنه يجب في هذه الحالة أن يحرم من الميقات الذي يمر به، ولا يجوز الإحرام من جدة؛ لأنها دون الميقات، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه وقت المواقيت فقال: "هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة".
فإن أحرم من جدة ونزل إلى مكة في هذه الحال فإن عليه
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(21/291)

عند أهل العلم فدية دماً يذبحه في مكة ويتصدق به على الفقراء وعمرته صحيحة.
فإن لم يحرم من جدة بعد وصوله إليها وهو ناوٍ العمرة قبل وصوله فإنه يرجع إلى الميقات ويحرم منه ولا شيء عليه. والله أعلم.
س 346: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: مجموعة من الحجاج عقدوا العزم على الحج بإذن الله وهم من الرياض وقد كلفوا للعمل في مطار جدة وبعضهم عقد نية الإفراد وبعضهم تمتع
والآخرون بالقران لكنهم تجاوزوا الميقات ولم يحرموا حيث أن هناك زمن طويلاً بين بداية عملهم وبين موسم الحج بما يقارب الشهر فهل عليهم دم كلهم أو بعضهم حسب النية؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما من أراد منهم التمتع فإن عدم إحرامه من الميقات خطأ مخالف للحكمة؛ لأن الأولى به أن يحرم من الميقات ويأتي بالعمرة ويخرج إلى جدة، وأما من أراد القران والإفراد فصحيح أنه يشق عليه أن يجلس شهراً كاملاً في إحرامه، لكن نقول: إنه لا حرج عليهم في أن يبقوا في جدة بدون إحرام، وإذا جاء وقت الحج خرجوا إلى الميقات الذي تجاوزوه وأحرموا منه، فإن قدر أن تعذر هذا ولم يتمكنوا من الذهاب إلى الميقات فلهم أن يحرموا من جدة، وعليهم عند أهل العلم دم يذبح في مكة ويوزع على الفقراء، والمتمتع مثلهم ما دام إلى الآن لم يحرم فإذا
(21/292)

أراد الإحرام بالعمرة فلا بد أن يذهب إلى السيل ويحرم منه ويطوف ويسعى ويقصر ويحل.
س 347: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد الحج لكن يريد أن يذهب إلى مدينة جدة أولاً فهل يجوز أن يحرم من جدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: كل من أراد الحج أو العمرة فإنه يجب عليه إذا مر بأول ميقات أن يحرم منه؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن
ممن يريد الحج أو العمرة" (1) فلا يجوز لمن مر بميقات وهو يريد نسك الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات حتى يحرم، والأمر سهل إذا أحرم من الميقات ووصل إلى مكة فإنه في خلال ثلاث
ساعات أو أقل أو أكثر قليلاً ينهي عمرته ثم يذهب إلى جدة بعد أن أدى عمرته ويمكث فيها حتى وقت الحج فإذا جاء الحج أحرم من جدة.
س 348: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من سافر بالطائرة من الرياض إلى جدة بنية العمرة لكنه لم يحرم ولما وصل المطار ذهب إلى السيل الكبير وأحرم منه هل عمله صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا سافر من الرياض إلى جدة بالطائرة فإن أقرب ميقات تمر به الطائرة هو السيل الكبير فيجب
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(21/293)

عليه أن يحرم من السيل الكبير إذا حاذاه في الجو، وعلى هذا يكون متأهباً فيغتسل في بيته ويلبس ثياب الإحرام فإذا قارب الميقات بنحو خمس دقائق فليكن على أتم تأهب وليلب بالعمرة، فإن لم يفعل فمن الواجب عليه إذا هبط المطار في جدة أن يذهب إلى السيل الكبير ويحرم منه، وفي هذا الحال لا يكون عليه شيء لأنه أدى ما يجب عليه وهو الإحرام من الميقات.
س 349: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قابل زوجته في مطار جدة وهي محرمة بالعمرة وهو مقيم بمكة فأحرم من المطار بجدة فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما المرأة فهي محرمة كما ذكر السائل والظاهر أنها قد أحرمت من الميقات فيكون إحرامها صحيحًا ولا شيء فيه، وأما الرجل فإحرامه أيضاً صحيح؛ لأنه إذا كان مقيماً بمكة وأحرم من جدة فقد أحرم من الحل فيكون إحرامه صحيحاً ولا حرج عليه.
س 350: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: تلقيت خطاب من بلدي بأن زوجتي ستحضر من مصر لأداء فريضة الحج وذهبت إلى جدة واستقبلتها في المطار على أمل أننا سنذهب
إلى المدينة لزيارة المسجد النبوي لكن المسئول عن ترتيب البعثة قال: إن المدينة المنورة زيارتها بعد أداء مناسك الحج فأحرمنا من مكة وطفنا وسعينا وأدينا شعائر الحج فهل حجنا صحيح وما حكم
(21/294)

عدم إحرامنا من الميقات؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالنسبة للحج فهو صحيح لأن الإنسان أتى بأركانه، وأما بالنسبة لعدم الإحرام من الميقات فإنه إساءة ومحرم، ولكنه لا يبطل به الحج، ويجبر بفدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء هناك، ولو أن هذا الرجل لما قدمت زوجته جدة وقدم هو أيضاً جدة وأراد أن يذهب إلى المدينة ليحرما من ذي الحليفة من أبيار علي ثم لم يحصل ذلك، لو أحرم من جدة لكان هذا هو الواجب عليه، لكنه أساء إن كان ما ذكر في السؤال صحيحاً وهو أنه أحرم من مكة، وإن كان المقصود أنه أحرم من جدة فإنه ليس عليه شيء؛ لأنه أحرم من حيث أنشأ، وقد ذكر الأخ السائل أن امرأته أتت من مصر إلى الحج وظاهر كلامه أنه ليس معها محرم وهذا حرامٌ عليها ولا يحل لها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب الناس "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فقال رجل: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن امرأتي خرجت حاجة وإني أكتتبت في غزوة
كذا وكذا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "انطلق فحج مع امرأتك " (1) فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدع الغزوة التي اكتتب فيه، وأن يذهب مع زوجته ولم يستفصل هل كانت الزوجة آمنة، أو غير آمنة وهل هي جميلة يخشى الفتنة منها أو بها أم لم تكن، وهل معها نساء، وهذا دليل على العموم وأنه لا يجوز للمرأة أن تسافر لا لحج ولا لغيره إلا بمحرم، وإذا لم تجد المرأة محرماً ليهيأ لها السلامة فإنه لا يجب
__________
(1) تقدم ص 178.
(21/295)

عليها الحج حينئذ لقول الله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) وهي إذا لم تجد محرماً لا تستطيع الوصول إلى البيت لأنها ممنوعة شرعاً من السفر بدون محرم وحينئذ تكون
معذورة في عدم الحج وليس عليها إثم.
س 351: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل في مدينة الرياض وسافر إلى مدينة جدة يوم الخميس مساءً ثم في صباح يوم الجمعة أحرم من جدة وذهب إلى مكة وقام بأداء مناسك
العمرة مع العلم بأنه كان في نيته العمرة قبل خروجه من الرياض فماذا يلزمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان قاصداً مكة يريد العمرة أو الحج فإن الواجب عليه أن لا يتجاوز الميقات حتى يحوم لحديث ابن عمر- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل اليمن من يلملم " (2) وذكر الحديث وهذا خبر بمعنى الأمر، وعلى هذا ما فعله هذا الرجل من ترك الإحرام من الميقات ولم يحرم إلا من جدة فعل غير صحيح، والواجب عليه عند أهل العلم أن يذبح فدية في مكة، ويوزعها على الفقراء.
أما لو كان مسافراً إلى جدة وليس من نيته أن يعتمر ولكن بعد أن وصل إلى جدة طرأ عليه أن يعتمر فهنا يحوم من المكان
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(2) تقدم ص 36-37.
(21/296)

الذي نوي فيه العمرة، لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حين وقت المواقيت "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة".
ولكن كيف يكون الإحرام في الطائرة؟ الإحرام في الطائرة أن يغتسل الإنسان في بيته ويلبس ثياب الإحرام، وإذا حاذى الميقات وهو في الجو لبى وأحرم أي دخل في النسك، وإذا كان يحب أن لا يلبس ثياب الإحرام إلا بعد الدخول في الطائرة فلا حرج، المهم أن لا تحاذي الطائرة الميقات إلا وقد تهيأ واستتم ولم يبق عليه إلا النية، والمعروف أن قائد الطائرة إذا قارب الميقات ينبه الركاب بأنه بقي على الميقات كذا وكذا ليكونوا متهيئين.
س 352: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أراد زيارة مدينة جدة مع أسرته، ثم يأخذ بعد يوم أو يومين عمرة، فهل يحرم من الميقات الذي مر به أو يحرم من جدة؟ وما الأولى له أن يذهب
بقصد زيارة أهله في جدة وينوي العمرة بعد ذلك، أو ينوي العمرة من خروجه من بلده؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان عازماً على العمرة فإنه لا يجوز أن يتجاوز الميقات إلا بإحرام، وأرغب أن ينوي العمرة من حين أن يركب من بيته لينال أجر السعي للعمرة ولا ينو جدة، إنما
ينوي أن سفره للعمرة، وإذا وصل إلى الميقات أحرم منه وقضى عمرته، ثم انصرف إلى شغله في جدة لينال أجر العمرة وأجر السعي إليها من بلده.
(21/297)

س 353: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذهبنا من جدة إلى الطائف لزيارة أحد الأقارب وفي أثناء ذهابنا مررنا على مكة وفي نيتنا أن نأخذ عمرة عند الرجوع، وفي أثناء رجوعنا من
الطائف إلى مكة مررنا بالميقات وأحرمنا من السيل فهل عمرتنا صحيحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا مر الإنسان بالميقات وهو لا يريد العمرة، يريد الطائف مثلاً، ودخل مكة وخرج إلى الطائف وفي نيته أن يأتي بالعمرة بالرجوع من الطائف فلا حرج عليه، يحرم من السيل، وعمرته تامة.
س 354: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل مشى إلى مكة المكرمة ناوياً العمرة ثم مرض في الطريق قبل أن يصل الميقات فذهب إلى المستشفى بجدة بدون إحرام فأخذ يومين في المستشفى ثم أتى مكة وهو غير محرم فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما دام عدل عن النية قبل أن يبدأ بالإحرام فلا بأس، أما إذا أحرم ثم جاءه المرض فهذا يبقى على إحرامه حتى يشفى إلا أن يتوقع طول المرض فيكون حينئذ محصراً على القول الراجح فيتحلل وعليه دم ويحلق أو يقصر، إلا إن كان قد اشترط عند إحرامه فإنه يحل ولا شيء عليه.
(21/298)

س 355: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: قدمت من خارج المملكة قاصداً العمرة، وقبل وصولي إلى مطار جدة غيرت ملابسي للإحرام في الطائرة، وكان في الطائرة شيخ
أعرفه يعتمد عليه في العلم، ولما سألته قال لي: بإمكاننا الإحرام من مطار جدة فتمسكت برأيه وأحرمت من المطار، وبعدما قضيت العمرة ذهبت للمدينة المنورة حيث مكثت هناك شهري شوال وذي القعدة، وسألت بعض من أثق بعلمهم من أصدقائي هل أنا متمتع بهذه الحالة حيث قد وافق إحرامي بالعمرة الأول من شوال، وهل يلزمني دم، إذ قد سمعت وتأكدت من أفواه العلماء أن مطار جدة لا يصح أن يكون ميقاتاً لمن يمر عليه، وأفتاني بأن التمتع قد زال بمغادرة الحرم المكي. مع أنني لم أقصد التمتع عندما أحرمت بالعمرة، وأنه يمكنني الآن أن أحرم بالحج كما يحرم المقيم بالمدينة
المنورة فأحرمت بالحج مفرداً، وأما تجاوز الميقات فقال لي: ليس عليك شيء لأنك جاهل وقد اقتديت برأي هذا الشيخ واطمأننت بذلك، وأديت مناسك حجي، ولكن بعض زملائي لا يزالون
يشككونني ويناقشوني بأنه كان يلزمني الدم بأحد الأمرين أرجو أن تزيلوا عني هذا الشك بإجابة شافية ونصيحة كافية جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد: هذا السؤال يتضمن شيئين:
الشيء الأول: أنك لم تحرم وأنت في الطائرة حتى وصلت إلى جدة.
(21/299)

والشيء الثاني: أنك عندما أحرمت بالعمرة تذكر أنك لم تنو التمتع وأنك سافرت إلى المدينة وأحرمت من ذي الحليفة بالحج.
فأما الأول فاعلم أن من كان في الطائرة وهو يريد الحج أو العمرة فإنه يجب عليه أن يحرم إذا حاذى الميقات ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (1) وقال: عمر- رضي الله عنه- وقد جاءه أهل العراق يقولون له: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل نجد قرناً، وإنها جور عن طريقتنا يا أمير المؤمنين. فقال:- رضى الله عنه- "انظروا إلى حذوها من طريقكم " فقوله- رضي الله عنه- (انظروا إلى حذوها) يدل على أن المحاذاة معتبرة سواء كنت في الأرض وحاذيت الميقات عن يمينك أو شمالك، أو كنت من فوق فحاذيته من فوقه، وتأخيرك الإحرام إلى جدة معناه أنك تجاوزت الميقات بدون إحرام وأنت تريد عمرة، وقد ذكر أهل العلم أن هذا موجب للفدية وهي دم تذبحه في مكة وتوزعه على الفقراء، ولكن ما دمت قد سألت هذا الشيخ، وقد ذكرت أنه قدوة، وأنه ذو علم، وأفتاك بأنه يجوز الإحرام من مطار جدة وغلب على ظنك رجحان قوله على ما تقرر عندك من قبل بأنه يجب عليك الإحرام إذا حاذيت الميقات فإنه لا شيء عليك؟ لأنك أديت ما أوجلا الله عليك في قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (2) ومن سأل من يظنه أهلاً للفتوى فأفتاه فأخطأ فإنما إثمه على من
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(2) سورة النحل، الآية 43
(21/300)

أفتاه، أما هو فلا يلزمه شيء؛ لأنه أتى بما أوجب الله عليه.
وأما الثاني وهو أنك ذكرت أنك لم تنو التمتع وسافرت إلى المدينة وأحرمت بالحج من ذي الحليفة أي من أبيار علي فإنه يجب أن تعلم أن من قدم إلى مكة في أشهر الحج وهو يريد أن يحج فأتى بالعمرة قبل الحج فإنه متمتع؛ لأن هذا هو معنى التمتع فإن الله تعالى يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (1) ومعنى ذلك أن الإنسان إذا قدم مكة في أشهر الحج وكان يريده
فإن المفروض أن يحرم بالحج ويبقى على إحرامه إلى يوم العيد، فإذا أتى بعمرة وتحلل منها صدق عليه أنه تمتع بها- أي بسببها أي العمرة- إلى الحج أي إلى أن أتى وقت الحج، ومعنى تمتع بها أنه
تمتع بما أحل الله له، حيث تحلل من عمرته فأصبح حلالاً الحل كله يتمتع بكل محظورات الإحرام وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى أنه خفف عن العبد حتى أباح له أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ليتحلل منها، ويتمتع بما أحل الله له إلى أن يأتي وقت الحج، وعلى هذا فما دمت قادما من بلادك وأنت تريد الحج وأحرمت بالعمرة في أشهر الحج فأنت متمتع سواء نويت أنك متمتع أم لم تنوه؛ لأن هذا الذي فعلته هو التمتع.
بقي أن يقال: هل سفرك إلى المدينة مسقط للهدي عنك أم لا؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمن العلماء من يرى أن الإنسان إذا سافر بين العمرة والحج مسافة قصر انقطع تمتعه
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(21/301)

وسقط عنه دم التمتع، ولكن هذا القول قول ضعيف؛ لأن هذا الشرط لم يذكره الله تعالى في القرآن، ولم ترد به سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا يسقط الدم إذا سافر المتمتع بين العمرة والحج إلا إذا رجع إلى بلده، فإنه إذا رجع إلى بلده انقطع سفره برجوعه إلى بلده وصار
منشئاً للحج سفراً جديداً غير سفره الأول، وحينئذ يسقط عنه هدي التمتع لأنه في الواقع أتى بالحج في سفر جديد غير السفر الأول، فهذه الصورة فقط هي التي يسقط بها هدي التمتع؛ لأنه لا
يصدق عليه أنه تمتع بالعمرة إلى الحج حيث إنه انقطع حكم السفر في حقه وأنشأ سفراً جديداً لحجه.
س 356: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من نسي الإحرام أو انشغل عنه في الطائرة حتى تجاوز الميقات فلم يحرم وأراد الرجوع بالسيارة إلى الميقات الذي تجاوزه فهل يجوز له ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله-: نعم يجوز والقاعدة إذا تجاوز الإنسان الميقات وقد أراد الحج أو العمرة ولم يحرم منه فإن أحرم من مكانه الذي دون الميقات لزمه الدم، وإذا رجع إلى الميقات وأحرم منه فلا شيء عليه، وبناءً على ذلك لو فرضنا أنه ركب طائرة من مطار القصيم وهو يريد العمرة ثم نزل إلى جدة قبل أن يحرم نقول له: إما تذهب إلى ذي الحليفة وتحرم منه، وإن أحرمت من جدة فعليك دم.
(21/302)

س 357: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إنني أعمل في حفر الباطن ومقر سكن الأهل في جدة وقد نويت وأنا في حفر الباطن أن أخذ عمرة وحين ذهبت إجازة أحرمت من منزل أهلي في
جدة وأخذت عمرة هل ينبغي علي أن أحرم من ميقات الطائف أم من المنزل أفيدونا جزاكم الله خير؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان أصل ذهابك للأهل فاذهب إلى الأهل بدون إحرام، ومتى أردت أن تحرم أحرم من جدة، أما إذا كان ذهابك في هذا الوقت للعمرة ولكن تريد أن تمر في طريقك بأهلك في جدة فإنك تحرم من الميقات.
س 358: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة انطلقوا من الرياض لأداء العمرة ولكنهم ذهبوا إلى جدة وبقوا ثم أحرموا من جدة وبعد ذلك ذهبوا إلى مكة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هؤلاء أخطأوا والواجب عليهم أن يحرموا من الميقات ويؤدوا العمرة ثم يذهبوا إلى جدة، أو إذا انتهوا من جدة عادوا إلى أول ميقات مروا من عنده وأحرموا منه، فإذا كانوا أتوا من الرياض فالواجب عليهم أنه لما أرادوا الدخول في النسك أن يذهبوا إلى السيل وهو قرن المنازل ويحرموا منه، أما والأمر كما قال السائل أحرموا من جدة فإن العلماء يقولون:
إن من أحرم من غير الميقات يلزمه دم يذبح فدية في مكة ويوزعها على الفقراء هذا إن كان غنياً وإن كان فقيراً فعليه أن يتوب إلى الله ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
(21/303)

س 359: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ذهب هو وزوجته من مطار القصيم إلى جدة بنية العمرة، ولكنه رغب أن يبقى في جدة فلم يحرم من الميقات ثم ذهب للطائف للنزهة وبعد
ذلك أحرما من السيل الكبير فماذا يلزمهما؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لما سافر من القصيم وهو ناوٍ العمرة فإن ميقاته ميقات أهل المدينة ذو الحليفة، ولكنه لم يفعل وأحرم من السيل الكبير، فإن احتاط وذبح فدية في مكة عنه واحدة
وعن زوجته واحدة توزع على الفقراء فهذا طيب، إبراء للذمة، وإن لم يفعل فإن كان عاجزاً فلا حرج عليه.
س 360: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أحد الناس تجاوز الميقات ثم أحرم من جدة وأفهم بأن عليه دماً ولكن زوجته بصحبته فهل على كل منهما دم أم يكفي أن يفدى بشاة واحدة عن الجميع؟
فأجاب فضيلته بقوله: على كل واحد منهما دم، لأن ترك الواجب كما قال العلماء يلزم فيه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء: إن ذبحها بنفسه فبنفسه ذبح وإلا يوكل من يثق به يذبحها ويفرقها على الفقراء في مكة، فعلى زوجته فدية وعليه فدية ولكن إذا قدر أنهم فقراء لا يملكان شيئاً فإنه لا شيء عليهما فكل فدية وجبت لترك واجب إذا لم يجد الإنسان هذه الفدية أو ثمنها فإنه لا شيء عليه، ومن قال من العلماء أنه يلزمه أن يصوم عشرة أيام فإنه قال قولا ليس عليه دليل.
(21/304)

س 361: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- مرت بالميقات وهي مريضة فلم تحرم، وقالت: إن شفيت اعتمرت وشفيت في مكة فمن أين تحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليها شيء، وذلك أنها لما وصلت الميقات رأت نفسها مريضة لا تستطيع أن تؤدي العمرة، ثم بعد ذلك رأت نفسها نشيطة وأحبت أن تؤدي العمرة، فنقول: أحرمي من حيث كنت إلا إذا كنت في الحرم فاخرجي إلى التنعيم أو غيره من الحل فأحرمي منه.
س 362: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- من جاء جوّاً إلى المدينة مباشرة وقد مر على ميقات بلده، فهل يجوز له تجاوز ميقاته دون إحرام ثم الإحرام من المدينة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان قاصدًا المدينة لا مكة على نية أن يخرج من المدينة ويحرم من ميقاتها أي من ذي الحليفة فلا بأس حتى لو مر بالميقات، فمثلاً إذا قدرنا أنه من أهل مصر ومر بالميقات على السيارة أو على الطائرة يعني إذا كانت الطائرة سوف تنزل رأسا في المدينة أو نزلت في جدة وذهب بالسيارة إلى المدينة على نية أنه إذا رجع من المدينة أحرم، فهذا لا حرج عليه ولو تجاوز ميقاته، وإذا رجع من المدينة وجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة أي من أبيار علي.
(21/305)

س 363: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل نوى أداء العمرة من بلده ثم جاء إلى جدة من دون إحرام فنصحه أحد الناس بالإقامة في جدة ثلاثة أيام حتى لا يقع عليه فدية ثم يحرم من جدة
لأداء العمرة فهل هذه الفتوى التي أفتي بها صحيحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الفتوى غير صحيحة، والإنسان إذا مرَّ بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة يجب أن يُحرم من الميقات؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل اليمن من يلملم، وأهل نجد من قرن، وأهل الشام من الجحفة" فلا يجوز لمن مرَّ بهذه المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة، إلا أن يحرم من الميقات، وإذا كان تجاوز الميقات ونزل في جدة وأراد أن يُحرم نقول: ارجع للميقات إن كنت أتيت من قبل المدينة فارجع إلى ذي الحليفة. (أبيار علي) وإن كنت جئت من طريق الشام فارجع إلى الجحفة، وإن كنت أتيت من طريق اليمن فارجع إلى يلملم وأحرم منه وجوباً، فإن شقّ عليه الرجوع أحرم من مكانه، وعليه عند العلماء دم يذبح في مكة ويوزع على الفقراء، لكن ذكر أهل العلم أن بعض بلاد السودان يحرمون من جدة، وهم الذين يقدمون من جهة سواكن؛ لأنهم إذا أتوا من قبل سواكن وصلوا إلى جدة قبل أن يحاذوا يلملم، وقبل أن يحاذوا الجحفة فيحرمون من جدة ولاشيء عليهم.
س 364: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: ذهبت إلى العمرة ولم أحرم حتى نزلت في مطار جدة فأحرمت
(21/306)

وأتممت عمرتي، فقيل لي: عليك دم، لكني رجعت ولم أذبح وأردت هذه السنة أن أحج فمتى أذبح هذا الدم الذي وجب عليَّ بترك الإحرام في الميقات؟ هل يجوز لي ذبحه في يوم النحر من الهدي، وهل يجوز أن اشترك مع خمسة رجال في بدنة فيكون لي نصيبان من هذه البدنة نصيب للهدي ونصيب لما وجب علي من تجاوزي للميقات؟ ثم هل يجوز لي أن أوكل شخصاً غيري يذبح لي في الحرم. وأنا في بلدي؟ وهل المقصود بالدم هي الشاة فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله-: نقول لهذا الذي ترك الإحرام من الميقات عليك عند جمهور العلماء دم تذبحه في مكة إما بنفسك أو بوكيلك، ويجوز أن تشارك غيرك في بدنة، وأن يكون لك منها سبعان وللآخرين خمسة أسباع؛ لأن سبعي البعير يجزئان عن شاتين والبعير الكامل يجزىء عن سبع أشياه، ولكني كما قلت سابقاً أحذر من ترك السؤال إلى مدة طويلة، وأنت إذا فعلت خطأ فبادر بتصحيحه؛ لأنك لا تدري ربما تموت قبل أن تبحث عن هذا الفعل فيلحقك في هذا إثم؛ لأنك مقصر.
س 365: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل خرج من بلده إلى جدة وكان عند خروجه يريد أخذ العمرة ولكن بعض النساء اللآتي معه كانت حائضًا فذهب إلى جدة ولم يحرم وجلس في جدة حتى طهرت تلك المرأة ولكن انتهت الدراهم التي كانت معه فلم يستطع الذهاب إلى مكة وأخذ العمرة فماذا عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا حرج على الإنسان إذا نوى
(21/307)

العمرة أو الحج أن يفسخ النية ما دام لم يتلبس بالإحرام، حتى لو عزم وسافر فإنه لا شيء عليه، لأن العمل لا يلزم إلا بالشروع فيه، لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) والإتمام إنما يؤمر به من تلبس بالشيء وأما قبل ذلك فلا حرج عليه، أما إذا كان الحج فريضة فالواجب عليهم أن يكملوها؛ لأن الفريضة فرض على الإنسان قبل أن يوجبها على نفسه بالسعي فيها.
س 366: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل ركب الطائرة من الرياض لجدة بنية العمرة، ثم أعلن قائد الطائرة أنه بعد خمس وعشرين دقيقة سوف نمر فوق الميقات، ولكنه غفل عن
زمن المرور بالميقات بمقدار أربع أو خمس دقائق ثم أحرم بالعمرة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الحكم أنه على ما ذكره العلماء يلزمه هذا السائل أن يذبح شاة في مكة ويوزعها على الفقراء، وإن لم يجد فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لكنني أنصح الأخوة أنه إذا
أعلن القائد أنه بقي خمس وعشرون دقيقة، أو خمس دقائق أن يحرموا؛ لأن بعض الناس ينام بعد هذا الإعلان ولا يشعر إلا وهو قريب من مطار جدة، وأنت إذا أحرمت قبل الميقات بخمس دقائق
أو عشر دقائق، أو ساعة، أو ساعتين فلا شيء عليك، إنما المحظور أن تأخر الإحرام حتى تتجاوز الميقات وخمس دقائق للطائرة تبلغ مسافة طويلة، فأقول للأخ السائل: اذبح فدية في مكة ووزعها للفقراء ولكن في المستقبل انتبه إذا أعلن قائد الطائرة
(21/308)

فالأمر واسع أحرم حتى إذا نمت بعد ذلك لم يضرك.
س 367: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل سافر بالطائرة يريد العمرة وأعلن المضيف عن وقت الإحرام إلا أنه لم يسمعه لضعف الصوت ولم يحرم إلا بعد مجاوزة الميقات فماذا يلزمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: من لم يسمع المضيف ولم يحرم إلا بعد تجاوز الميقات فعليه دم يذبح في مكة ويوزع على فقرائها، ولكنه ليس عليه إثم لأنه جاهل.
س 368: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص ذهب للعمرة بالطائرة وأعلن قائد الطائرة أن محاذاة الميقات سيكون بعد ثلث ساعة ولكنه نام ولم يستيقظ إلا في المطار فذهب إلى السيل
وأحرم من هناك وأتى بعمرته فهل عليه شيء أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان هذا من أهل الرياض وذهب إلى السيل وأحرم فلا شيء عليه؛ لأنه أحرم من ميقاته، وأما إذا كان جاء من المدينة فالواجب أن يذهب إلى ميقات أهل المدينة ويحرم منه، فإن أحرم من السيل فعليه فدية؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " (1) فتجاوز ميقات أهل المدينة لمن مر به من غيرهم، كتجاوز أهل نجد ميقات أهل نجد وهم لم يحرموا.
__________
(1) تقدم ص 36.
(21/309)

س 369: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ذهب للعمرة بالطائرة وأعلن المضيف أن المرور بالميقات سيكون في ساعة كذا وكذا فانشغل عن ذلك حتى مضى الوقت وكان بين إعلانه وبين الوقت خمس دقائق من الميعاد المحدد فلما وصل مكة ذهب إلى التنعيم ونوى مرة أخرى بالعمرة ثم أدى العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الواجب على الإنسان أن يحتاط لدينه، فإذا قال المضيف: إنه بقي عشر دقائق على الميقات فلتحرم وتحتاط، لأنك إذا تقدمت قبل الميقات بخمس دقائق فلا ضرر عليك، لكن لو تأخرت بعد الميقات بدقيقة واحدة فاتك الإحرام من الميقات؛ لأن الطائرة سريعة، هذا هو الذي ينبغي لمن سافر بالطائرة أن يتأهب، ويلبس الإزار والرداء، وإذا أعلن المضيف بأنه بقي عشر دقائق فلا حرج عليه أن يحرم ولو قبل الوصول إلى الميقات، لئلا يقع في مثل هذا الخطأ الذي ذكره
السائل.
أما النسبة للجواب على سؤاله فنقول: إن الواجب عليك أن تذبح فدية في مكة وتوزعها على الفقراء، هكذا قال العلماء - رحمهم الله- إن من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة وجب عليه فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء، فإذا كنت تريد أن تذهب إلى العمرة هذا العام فتذبحها أنت بنفسك هناك وتوزعها على الفقراء، وإلا فلا حرج عليك أن توكل أحداً يقوم بالواجب
سواء ممن سافروا من بلدك، أو ممن كانوا في مكة.
(21/310)

س 370: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل خرج يتنزه في جدة لمدة أسبوعين وقد نوى العمرة عند خروجه من بلده ولكنه لا يحرم من الميقات وإنما يحرم بعد ذلك من جدة ثم يأتي بعمرة
فهل يصح ذلك، فقد نقل عنكم أنكم تجيزون ذلك، وبالأخص من تزوج حديثاً؟
فأجاب فضيلته بقول-: ما نسب إلينا من جواز تجاوز الميقات لمن أراد أن يأتي بعمرة من أجل أن يبقى بجدة أياماً ثم يحرم من جدة فهذا كذب علينا، بل نقول ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - حين وقت هذه المواقيت وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن يريد الحج أو العمرة" (1) ونقول: سبحان الله كيف يستهوي الشيطان بني آدم حتى يوقعهم في هذا الشيء، فلو أحرم
للعمرة من الميقات وذهب إلى مكة وأدى العمرة خلال وقت قصير ثم ذهب إلى جدة وبقي فيها ما شاء، ويكون سفره من بيته إلى مكة سفر طاعة، لأنه أراد عمرة، ولكن الشيطان يغوي بني آدم
ويوقعهم في التهاون، فنقول: نرخص للإنسان إذا كان يريد العمرة أن يذهب إلى جدة ولو مر بالميقات ولا يحرم من الميقات لكن يجب إذا أراد أن يحرم أن يرجع إلى الميقات ويحرم منه، فإن كان الإنسان على استعداد لذلك فيفعل، أما أن يتجاوز الميقات وهو يريد عمرة ويبقى في جدة ما شاء الله ثم يحرم من جدة فهذا لا يجوز.
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(21/311)

س 371: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما ميقات أهل القصيم؟ وإذا سافر بالطائرة من القصيم ونام عن الإحرام ونزل مطار جدة فمن أين يحرم؟
فأجاب فضيلته بقول-: ميقات أهل القصيم إذا جاءوا من طريق الطائف هو السيل، وإذا جاءوا من طريق المدينة فهو ذو الحليفة المعروف بأبيار علي. والطائرة تمر بأبيار علي، فإذا نزل إلى جدة ولم يحرم وأراد أن يحرم فليرجع إلى أبيار علي ويحرم منها.
س 372: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- هل يجوز للطالب الذي جاء من الرياض وله زملاء في جدة أن يزور زملاءه في جدة ثم يحرم معهم للحج من جدة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا يجوز أن يؤخر الإحرام عن الميقات وهو قد ذهب إلى الحج، أما لو كان ذهب للزيارة وليس عنده نية أن يحج أو يعتمر ثم إن زملاءه دعوه إلى أن يحج معهم ونوى من مكانه فلا باس أن يحرم معهم، أما إن كان قاصداً أن يعتمر أو يحج فلا بد أن يحرم من الميقات، ونقول للأخ: الأمر سهل أحرم من الميقات متمتعاً بالعمرة إلى الحج ثم تحل منها وتحرم مع إخوانك بالحج، وإذا كان وقت الحج قريباً وأردت أن تحرم بقران أو بإفراد فلا بأس عليك.
(21/312)

س 373: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- رجل قدم من بلده بالطائرة يريد الحج ومر بالميقات، ولكنه يريد إذا نزل إلى جدة أن يذهب إلى المدينة أولاً فلم يحرم في الطائرة ولما نزلت الطائرة ذهب بالسيارة إلى المدينة ثم رجع من المدينة محرمًا فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بهذا، فمن قدم من بلده قاصدًا المدينة أولاً ونزل في جدة ثم سافر من جدة إلى المدينة ثم رجع من المدينة محرمًا من ميقات أهل المدينة فلا بأس.
س 374: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص سافر إلى جدة لقضاء شغل له وفي نيته أن يحرم للعمرة عندما ينتهي هذا العمل هل يجوز له الإحرام من جدة والحال هذه؟
فأجاب فضيلته بقوه-: لا يجوز له الإحرام من جدة ويجبا عليه إذا انتهى شغله أن يرجع إلى الميقات الذي مر به أولاً فيحرم منه، فمثلاً إذا كان جاء بالطائرة من القصيم وأنهى شغله في جدة يجب أن يرجع إلى المدينة ليحرم من ميقات أهل المدينة لأنه يكون حاذاه، وإذا كان جاء من الرياض فيجب عليه إذا أنهى شغله في جدة أن يرجع إلى السيل الذي هو قرن المنازل ويحرم منه، ولكني أقول: يا إخواني إن الشيطان يستهوي ابن آدم، لماذا لا يحرم من الميقات وإذا وصل جدة ذهب إلى مكة وخلال ثلاث ساعات وإذا هو راجع إلى جدة. قد يقول: إن شغلي من حين ما أصل يبدأ فنقول: الحمد لله قدم الرحلة قبل هذا الوقت حتى تتمكن من العمرة.
(21/313)

س 375: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا رغب رجل الحج أو العمرة عن طريق الجو بالطائرة من الرياض مثلاً، فهل هناك من حرج لو لبس ثياب الإحرام في بيته؟
فأجاب فضيلته بقوله-: ليس هناك حرج أن يلبس الإنسان ثياب الإحرام من بيته إذا كان ينوي السفر بالطائرة، ثم إذا قارب الميقات أحرم، ولا يقال: إن هذا الرجل أحرم قبل الميقات؛ لأنه لم يحرم، فليس الإحرام لبس الرداء والإزار وإنما الإحرام هو عقد النية، وهذا لم يعقد نيته، ولكن بعض الناس لا يحب أن يكون لابساً ثياب الإحرام في المطار وأمام الناس ويلبس ذلك داخل الطائرة وهذا لا حرج فيه.
س 376: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد أن يذهب إلى جدة مع عائلته وذلك لزواج أحد أقاربه وعنده النية بعد الزواج أن يعتمر، فهل يجوز له أن يتجاوز الميقات ويحرم بعد
الزواج من جدة أم ماذا يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا يجوز له أن يؤخر الإحرام من الميقات ما دام عازماً على العمرة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المواقيت: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل اليمن من يلملم، وأهل نجد من قرن، وأهل الشام من الجحفة" (1) فأمر بالإهلال من هذه المواقيت، أما من سافر لحاجة، وقال: إن تيسر لي أتيت بالعمرة
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(21/314)

وإلا فلا، فهذا نقول له: إن تيسر لك أن تأتي بالعمرة فأحرم من المكان الذي تيسر لك منه، وإن لم يتيسر فلا شيء عليك.
ولكن لو سألنا رجل قال: إنه قدم إلى جدة لحاجة وهو قد عزم على العمرة وهو الآن في جدة وانتهت حاجته فماذا يصنع أيحرم من جدة أم يلزمه أن يذهب إلى الميقات؟
قلنا: يلزمه أن يذهب إلى الميقات ويحرم منه وإذا ذهب إلى الميقات وأحرم منه سقط عنه الدم.
س 377: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت منذ ثمانية وثلاثين عاما وكانت هي الحجة الأولى وكانت تسكن في المنطقة الشمالية عرعر واتجهت إلى جدة بالطائرة ولم تحرم وبذلك تكون تجاوزت الميقات وكانت جاهلة فماذا يلزمها وقد لا تستطيع الذهاب لمكة لأداء ما يجب؟
فأجاب فضيلته بقوله-: ذكر عن العلماء- رحمهم الله- أن من أحرم دون الميقات الذي مر به فعليه فدية، أي شاة يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء، وتكون عمرته صحيحة وحجه صحيحاً، وعلى هذا نقول للمرأة: عليك الفدية بأن تذبحي في مكة شاة وتوزعيها على الفقراء ولا يؤكل منها شيء، وإذا كانت لا تستطيع أن تفعل ذلك بنفسها فلا حرج عليها أن توكل من تثق به ليقوم بهذا العمل في مكة.
(21/315)

س 378: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد العمرة وسافر من القصيم في الطائرة ويحب أن يبقى في جدة أيامًا ثم يعود إلى ميقات السيل فيحرم منه، وينزل إلى مكة ويعتمر فهل
في ذلك من بأس؟
فأجاب فضيلته بقوله-: نعم في هذا من بأس، ولا يحل الإنسان الذي أراد العمرة أن يمر بميقات ويتجاوزه بلا إحرام سواء كان ميقاته أو ميقات غيره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقيت وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" وإني أنصح إخواني المسلمين الذي ابتلوا بمثل هذا الحال إذا كانوا ذاهبين يريدون العمرة فلماذا لا يجعلون مرادهم الأصلي الذي هو قربة إلى الله عز وجل لماذا لا يجعلونه هو الأول فيحرمون بالعمرة من الميقات ويذهبون إلى مكة ويؤدون العمرة ويرجعون إلى جدة، والمسألة لا تستوعب ثلاث ساعات أو أربع
ساعات، لكن الشيطان يثبط الإنسان عن الخير، فهذا الذي ذهب من بيته إلى مكة يريد العمرة له أجر من حين أن ينطلق من بيته إلى أن يرجع، لكن الشيطان يحرمه ويجعل المراد الأول هو جدة للزيارة فيحرمه من أجر السعي إلى العمرة، ولا يكون له أجر العمرة إلا من الميقات الذي أحرم منه، لذلك أقول: أولاً: أنصح إخواني المسلمين الذين يكون لهم شغل في جدة وهم يريدون العمرة أن يبدؤا بالعمرة أولاً حتى يكون لهم الأجر من حين أن ينطلقوا من بيوتهم إلى أن يرجعوا.
ثانيا: لا يحل للإنسان أن يدع الإحرام من الميقات وهو
(21/316)

يريد الحج أو العمرة، فإن قدر أنه تجاوز الميقات، قلنا له: ارجع إلى الميقات الذي تجاوزت وأحرم منه فإذا مر جماعة مثلا بميقات أهل المدينة وبقوا في جدة وأنهوا شغلهم، نقول: ارجعوا إلى ميقات أهل المدينة، ولا يحل لكم أن تحرموا من السيل، وإن كان السيل هو ميقات أهل نجد الأصلي لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الميقات الفرعي إذا مر به الإنسان كالأصل يجب عليه أن يحرم منه، فإذا قدر أنهم ذهبوا إلى السيل وأحرموا منه، فقد ذكر العلماء رحمهم الله- أن من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة لزمه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء.
س 379: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الإحرام من جدة للقادم لغرض الحج أو العمرة؟
فأجاب- رحمه الله بقوله-: إذا كان قادماً من بلد يصل إلى جدة قبل أن يحاذي المواقيت مثل الذي يأتي من السودان رأساً فهذا يحرم من جدة؛ لأنه يصل إلى جدة قبل أن يحاذي رابغاً، وقبل أن يحاذي يلملم، وأما الذي يأتي من الشمال، أو من الجنوب، فإنه يحرم إذا حاذى الميقات، وكذلك الذي يأتي من الشرق، فمثلاً الذي يأتي من الرياض يحرم إذا حاذى قرن المنازل في الطائف، والذي يأتي من القصيم يحرم إذا حاذى ذا الحليفة، فليس أحد يحرم من جدة إلا الذين يأتون من الغرب رأسًا، ومثل
العلماء لهم بأهل سواكن من السودان، وقالوا: هؤلاء يصلون إلى جدة قبل أن يحاذوا المواقيت.
(21/317)

س 380: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قدم من دمشق للعمرة ولم يكن يعرف مكان الإحرام فأحرم من مطار جدة فماذا يلزمه؟
فأجاب فضيلته بقول-: المسافر على الطائرة إلى مكة يريد العمرة يجب عليه أن يحرم عند أول ميقات يحاذيه من فوق، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقيت وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (1) ولما سأل أهل العراق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن يجعل لهم ميقاتًا، قال: "انظروا إلى حذوها- يعني قرن المنازل- من طريقكم " فدل هذا الأثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن محاذاة الميقات كالوصول إلى الميقات بالفعل، وعلى هذا فمن حاذى الميقات من فوق بالطائرة فإنه يجب عليه الإحرام منه، ولا يحل له أن يؤخر الإحرام حتى يصل إلى جدة، فإن فعل فإن كان متعمداً فهو آثم وعليه الفدية: شاة يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء، وإن فعل ذلك جاهلاً كما يفيده السائل فإنه لا إثم عليه؛ لأنه معذور بجهله، لكن عليه الفدية جبراً لما نقص من إحرامه شاة يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء، وعلى هذا فنقول للسائل: يذبح فدية في مكة ويوزعها على الفقراء إما بنفسه إن ذهب، أو بوكيل ممن هو في مكة أو قريب منها يذبحها عنه ويوزعها على الفقراء، هذا إذا كان قادراً على ذلك قدرة مالية، أما
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(21/318)

إذا كان غير قادر فإنه لا شيء عليه لا إطعام، ولا صيام، وهذا الحكم في كل من ترك واجبًا من واجبات الحج أو العمرة فإن عليه الفدية كما قال أهل العلم يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء،
فإن لم يجد فلا شيء عليه لا إطعام ولا صيام.
س 381: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قدمت لأداء فريضة الحج وذهبت بالطائرة ولم يكن معي إحرام في الطائرة وعند وصولي إلى مطار جدة أحرمت منه فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله-: عليه أن يتوب إلى الله تعالى مما صنع لأنه فرط في أمر واجب عليه، فإن الواجب على من أراد أن يفعل عبادة أن يكون متأهباً لفعل ما يجب فيها، علماً واستعداداً،
فيجب عليك أن تعلم أنه لابد أن تحرم من الميقات إذا حاذيته في الطائرة، وأنه لابد أن يكون معك إحرام وأنت في الطائرة، فأنت الآن مفرط، فعليك أن تتوب إلى الله، وعليك أيضاً أن تذبح فدية
في مكة وتوزعها على الفقراء عوضاً عن عدم الإحرام من الميقات، ثم إن الحقيقة أنه يمكن للإنسان أن يحرم وهو في الطائرة بحيث يخلع قميصه ويبقى على سراويله؛ لأن السراويل يجوز لبسها في الإحرام إذا لم يكن معه إزار، ويجعل محل الرداء قميصه الذي عليه إذا خلعه لفه على صدره، وكان هذا بمنزلة الرداء وهذا أمر سهل، ويسير جدًا وليس بالصعب، لكن أكثر
(21/319)

الناس يجهلون هذا، ويظنون أن الإحرام لابد أن يكون بالإزار والرداء المعروفين.
س 382: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص جاء من الشام وهو ليس من أهلها وأراد الحج وعند قدومه إلى جدة لا يدري من أين يحرم هل له أن يحرم من ذي الحليفة أم يحرم من جدة لأنه من بلاد تحرم من جدة لكنه ذهب إلى بلاد الشام لطلب العلم؟
فأجاب فضيلته بقول-: أهل الشام لا يحرمون من ذي الحليفة بل أهل الشام وقت لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الجحفة (1) ، وأظن طريق الطائرات إذا كان في الطائرات من عند الساحل، فيحاذون الجحفة وهم بعيدون عن ذي الحليفة، فيحرم كما يحرم أهل الشام تماماً، إلا إذا كان هذا الرجل من أهل جدة ورجع من الشام إلى جدة باعتبار أنه راجع إلى أهله لا أنه قاصد للحج، فحين إذن يرجع إلى أهله بلا إحرام، وإذا جاء وقت الحج أحرم. وإذا كان قاصداً الحج فلابد أن يحرم من ميقات أهل الشام.
س 383: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قدم جماعة من أهل اليمن للعمرة والمفروض أن الميقات في يلملم بالطائرة، ولكنهم أحرموا في جدة وبعضهم أحرموا في التنعيم وقال: لأني
أبحث عن فندق فهل صحت العمرة؟
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(21/320)

فأجاب فضيلته بقوله-: إذا أحرم إنسان بحج أو عمرة من غير الميقات الذي عينه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالإحرام لازم وصحيح، والحج والعمرة صحيح، لكن العلماء يقولون: إن إيقاع الإحرام من الميقات من واجبات الحج أو العمرة وأن من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة فعليه فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء ولا يأكل منه شيئاً، ثم إن كان لا يستطيع فبعضهم قال: يصوم عشرة أيام. وبعضهم قال: لا شيء عليه، والصحيح لا شيء عليه إذا لم يستطع؛ لأنه ليس هناك دليل صحيح على أن من عجز عن فدية ترك الواجب يصوم عشرة أيام.
س 384: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد الفسحة في المنطقة الغربية، ويريد البقاء في جدة عدة أيام، ويحب أن يعتمر، وآخر قادم من الخارج من مصر وأهله في المملكة طريقه على جدة ويحب أن يعتمر، هل يعتمران من جدة أو يلزمهما الإحرام من الميقات؟ وجزاك الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الميزان فيِ هذا هو الإرادة، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقَّت المواقيت وقال: "هُنَّ لهُنَّ وَلِمَنْ أتى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَاْدَ اَلْحَجَّ وَالعُمْرَةَ" (1) أي من غير أهل البلاد التي وقتت لهم ممن أراد الحج أو العمرة. فمن أراد العمرة فعليه أن يحرم إذا مر بالميقات، أو حاذاه، ثم إذا قضى عمرته أتى بغرضه الذي أراد، ولكن من كان أهله في جدة مثلاً وسافو من البلد التي
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(21/321)

سافر منها إلى جدة لأهله، ولكن في نيته أنه في يوم من الأيام يأتي بعمرة، فلا يلزمه الإحرام، لأن سفرته هذه في الواقع سفرة إلى أهله.
وأما من أراد العمرة ولكنه قال: أقضي شغلي أولاً ثم أحرم من المكان الذي قضيت به الشغل فلا يحل له ذلك، وعليه أن يرجع إلى الميقات الذي مر به ويحرم منه.
هذا بالنسبة لمن سافر من بلد في المملكة إلى المنطقة الغربية لشغل، وأما القادم من مصر إلى المملكة فإننا أيضاً نسأل عن إرادته، إذا كان يريد أن يقدم للعمل الذي هو يعمله في المملكة، ولكن في نيته أنه في يوم من الأيام يأتي بعمرة، فهذا لا يلزمه الإحرام، وأما إذا كانت نيته في هذه السفرة الاعتمار
والذهاب إلى الشغل فإنه يجب عليه أن يحرم من الميقات.
س 385: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أراد الإنسان أداء العمرة فذهب إلى جدة بالطائرة ثم جلس يوما في جدة وبعدها أحرم من جدة فماذا يلزمه؟
فأجاب فضيلته بقوله-: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما ذكر المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (1) فإذا أردت الحج أو العمرة ومررت بأول ميقات فأحرم منه، فإن تجاوزته وأحرمت من دونه فإن أهل العلم
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(21/322)

يقولون: هذا ترك واجب، وفي ترك الواجب دم يذبح في مكة ويوزع على الفقراء هناك.
س 386: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من أتى من بلده بالطائرة ولم يحرم من الميقات وأحرم من جدة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إن كان عالماً فهو آثم وعليه الفدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء لتركه الواجب، وهو الإحرام من الميقات، وإن كان جاهلاً فليس بآثم، ولكن عليه الفدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء لتركه الواجب؛ لأن كل من أراد الحج والعمرة ومرّ بالمواقيت فإنه يجب عليه أن يحرم من أول ميقات يمرُّ به.
س 387: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجال سافروا من عنيزة في رمضان قاصدين العمرة فما رأيكم لو سافروا عن طريق المدينة ثم جدة ولم يحرموا من المدينة بل من جدة مع جلوسهم
بالمدينة وجدة على يومين، أو أكثر؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى جدة؛ لأنهم إذا مروا بالمدينة قاصدين العمرة لم يكن لهم مجاوزتها بدون إحرام؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقيت وقال:
"هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " فيجب عليهم الإحرام من ميقات أهل المدينة، وإن كانوا يريدون البقاء في جدة يومين أو أياما فيبقون في جدة على إحرامهم أو ينزلون إلى مكة ويقضون
(21/323)

عمرتهم ويرجعون إلى جدة.
وإذا كان هذا الأمر قد وقع منهم وأخروا الإحرام إلى جدة فعلى كل واحد منهم، فدية تذبح بمكة، وتفرق على فقراء أهل مكة وتكون دم جبران لا يأكلون منها شيئاً. قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في 10/10/1390 هـ.
س 388: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخصان قادمان للعمرة: أحدهما من مصر والآخر من أبو ظبي ولم يحرما إلا من جدة فهل عمرتهما صحيحة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا الذي حصل من هذين السائلين يحصل من كثير من الناس، يأتون من بلادهم بنية العمرة على الطائرة، ولكنهم لا يحرمون إلا من جدة، وهذا لا يجوز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين وقت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " (1) ، ولما شكا أهل العراق إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن قرن المنازل جور عن طريقهم، قال رضي الله عنه: "انظروا إلى حذوها من طريقكم " وهذا يدل على أن الإنسان إذا كان في الطائرة وجب عليه أن يحرم إذا حاذى الميقات، ولا يجوز له أن يؤخر الإحرام حتى ينزل إلى جدة، فإن فعل ولم يحرم ونزل في جدة فإننا نأمره أن يرجع إلى الميقات الذي مرَّ به فيحرم منه، فإذا كان مرَّ من طريق المدينة قلنا له:
__________
(1) تقدم 36-37.
(21/324)

يجب أن ترجع إلى ذي الحليفة- أبيار علي- وتحرم منها، وإذا كان جاء عن طريق المغرب أو مصر قلنا له: يجب عليك أن ترجع إلى الجحفة، التي هي رابغ الآن وتحرم منها، ماذا كان جاء من أبي ظبي فالظاهر أنه يمر من قرن المنازل، فإذا كان يمر من قرن المنازل قلما: يجب أن تذهب إلى قرن المنازل فتحرم منه.
فإذا قال السائل: أنا لا أستطيع أن أرجع إلى هذه المواقيت.
قلنا له: إذن أحرم من جدة، وعليك عند جمهور أهل العلم فدية تذبحها في مكة وتوزعها على الفقراء.
بعد هذا فنقول لهذين الرجلين اللذين أحرما من جدة: إن العمرة صحيحة، ولكن على كل واحد منكما أن يذبح فدية ويوزعها على الفقراء في مكة. فإن قالا: ليس معنا نقود، نقول لهما: استغفرا الله وتوبا إليه، وليس عليكما سوى ذلك.
س 389: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أحد الإخوة المقيمين في جدة انتقل إلى الرياض بطبيعة العمل العسكري ومكث ثلاث سنين، ويأتي إلى جدة يعتمر وقد اعتمر حوالي عشر مرات وحج حجتين، إلا أنه أحياناً كان يحرم من الميقات وأحياناً لا يحرم من الميقات، وأحياناً لم يكن ناوياً العمرة، فإذا وصل إلى جدة طرأت عليه النية فذهب واعتمر فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أما العمرات والحجتان فهي صحيحة، غاية ما هنالك أن العمرة التي أحرم فيها من غير الميقات، وقد تجاوز الميقات وهو ينوي العمرة فعليه فدية تذبح
(21/325)

في مكة، وتوزع على الفقراء مع القدرة، وأما مع العجز فلا شيء عليه. وكذلك يقال في الحج إن كان لم يحرم من الميقات.
أما لو كان تجاوز الميقات وهو لا ينوي العمرة، أو كان متردداً هل يعتمر أم لا، ثم لما وصل إلى جدة أنشأ النية فهذا يحرم من جدة ولاشيء عليه.
س 390: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا خرج المكي إلى جدة مثلاً ثم رجع إلى مكة في اليوم الخامس من ذي الحجة وهو يريد الحج من عامه فهل يلزمه الإحرام من جدة؟ وهل له أن
يحرم بعمرة ويكون متمتعاً؟
فأجاب فضيلته بقوله-: له أن يحرم بالعمرة ويكون متمتعاً، وإذا كان يريد الحج لم يلزمه؛ لأن أهله في مكة.
س 391: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: اعتمرنا في رمضان وقد أحرمنا بعد وصولنا مطار جدة وكنا جاهلين ولسنا متعمدين حيث أخذنا سائق سيارة الأجرة إلى مكان في جدة به مسجد صغير وأحرمنا من هناك فهل إحرامنا صحيح وإذا كان ليس بصحيح فهل يلزمنا شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إحرامكم صحيح ولازم، ولكنكم أخطأتم في عدم الإحرام من الميقات حيث أخرتم الإحرام إلى جدة، وبناء على كونكم جاهلين فإنه لا شيء عليكم ولا يلزمكم شيء من فدية ولا غيرها، ولكن عليكم أن لا تعودوا لمثل هذا،
(21/326)

وأن تحرموا من محاذاة الميقات وأنتم في الطائرة.
س 392: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل من أهل جدة سكن في الجبيل ويريد الحج متمتعًا فمن أين يحرم للعمرة هل يحرم من الميقات أو من بيت أهله في جدة؟ وإذا كان اليوم
الثامن من ذي الحجة فمن أين يحرم بالحج وهل يلزمه أن يرجع للميقات فيحرم منه؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان الإنسان من أهل جدة وكان يعمل في بلاد أخرى كالجبيل، أو الظهران، أو الرياض وغيرها فإنه إذا أراد الحج يحرم من أول ميقات يمر به يحرم بالعمرة فإذا وصل إلى مكة طاف وسعى وقصر، ثم خرج إلى أهله في جدة، فإذا كان في اليوم الثامن أحرم من جدة، ولا يلزمه أن يأتي إلى الميقات مرة أخرى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقيت وقال: "من كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" فيكون جواب هذا السؤال: أن السائل يجوز له إذا أحل من عمرته أن يذهب إلى أهله في جدة فإذا كان اليوم الثامن أحرم مع أهله أو أحرم بنفسه من جدة وخرج إلى منى.
س 393: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل من أهل جدة انتقل بسبب العمل فإذا أراد الحج متمتعاً فمن أين يحرم هل يحرم من بيت أهله إذا قدم إلى جدة أو يحرم من الميقات الذي مر
به؟ ومن أين يحرم للحج؟
(21/327)

فأجاب فضيلته بقوله-: وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - المواقيت ذو الحليفة لأهل المدينة، والجحفة لأهل الشام، ويلملم لأهل اليمن، وقرن المنازل لأهل نجد، وكذلك وقت ذات عرق لأهل
العراق، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين وقت هذه المواقيت "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " فنقول لهذا السائل: إذا أردت أن تذهب إلى مكة للعمرة أو للحج فإنه يجب عليك أن تحرم من أول ميقات تمر به فإن ذهبت عن طريق المدينة كان ميقاتك ذا الحليفة، وإن ذهبت من طريق الطائف كان ميقاتك قرن المنازل، ويسمى السيل الكبير، ولا يحل لك أن تؤجل الإحرام حتى تصل إلى جدة، ثم إذا أديت العمرة تخرج إلى أهلك في جدة، وإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة أحرمت من جدة وذهبت إلى منى، نسأل الله لنا ولكم القبول.
س 394: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل سافر من القصيم إلى جدة لزيارة أهله وهو من أهل جدة وقد نوى الاعتمار في هذا السفر فهل يجوز له أن يؤخر إحرامه حتى يصل إلى أهله؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الرجل الذي أهله في جدة وأنشأ السفر لأجل زيارة أهله سواء اعتمر أم لم يعتمر، لكن يقول: سأعتمر إذا بقيت أسبوعاً، أو شهراً، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجب عليه أن يحرم من الميقات، كما أن الرجل من أهل مكة لو سافر من القصيم إلى مكة، يريد أهله، وهو يريد أن يحج هذا العام فإننا لا نلزمه أن يحرم إذا مر بالميقات، لأن هذا الرجل ذاهب إلى
(21/328)

أهله، وكذلك المسألة الأولى الذي ذهب إلى أهله في جدة.
أما الذي من أهل الرياض فهو في جدة مسافر غير مستوطن، فإذا ذهب إلى جدة لغرض شغل، أو زيارة، أو تجارة، أو وظيفة، وهو يريد أن يعتمر في هذا السفر، فهذا السفر كان للأمرين، فإذن نقول: لا تتجاوز الميقات حتى تحرم؛ لأنك مسافر حتى وأنت في جدة.
س 395: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل متزوج ويسكن مع زوجته وأولاده في الرياض وأمه وأبوه في جدة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا إذا جاء إلى جدة فهو مسافر، فهنا إذا أراد أن يذهب إلى أهله للزيارة، وهو مريد أن يعتمر نقول لابد أن تحرم من الميقات، لأن وطنك الرياض.
أما جدة في وطن أبيه وأمه. ولهذا لو كان في رمضان فله أن يفطر إذا سافر إلى مقر أبيه وأمه وهو ساكن في بلد آخر والله تعالى أعلم.
س 396: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل بالمنطقة الشرقية ويرغب قضاء الإجازة عند أهله في جدة ولكن في نفس الوقت يريد أن يحج فهل يحرم من جدة لأنه سوف يذهب إلى أهله في جدة قبل الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان مجيئه إلى أهله على أنه
(21/329)

استوطن المكان الذي يقيم فيجب عليه أن يحرم من الميقات، أما إذا كان جلس في المنطقة الشرقية ويقول: أنا ما جلست في هذا البلد إلا للدراسة أو العمل وأهلي هم أهلي في جدة، وأنا سوف
أذهب إلى أهلي وإذا جاء الوقت أحرمت من جدة فلا بأس، ففرق بين إنسان انتقل من بلده جدة إلى الشرقية، وإنسان لم ينتقل ولم ير نفسه أنه استوطن الشرقية، فالذي يرى نفسه أنه استوطن
الشرقية فهذا لا يتجاوز الميقات، والذي يقول: أنا لم أستوطن الشرقية ولكن بقيت للعمل فقط، وإن حصل لي أن أرجع إلى أهلي اليوم لرجعت، وكان في رجوعه من الشرقية إلى جدة رجوعاً إلى أهله فهذا يحرم من جدة.
س 397: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قدم من مصر إلى جدة ونوى أن يأخذ العمرة، ولكنه يقول: إن كفيلي سوف يكون في المطار، وهو يعرف أن هذا الكفيل شديد يقول:
فلا أنوي العمرة إلا إذا أذن لي، فلما نزل المطار أذن له وقد كان نوى أن يأخذ العمرة فأحرم من المطار، ومثل ذلك: بعض الناس يذهب إلى جدة لعمل، ويقول: إن بقي وقت فأنا آخذ عمرة، يعني
ينوي من جدة فما حكم هاتين المسألتين؟
فأجاب فضيلته بقوله-: العامل الذي قدم فقال: إن أذن لي كفيلي أتيت بعمرة وإلا فلا، نقول: إذا وصل إلى جدة وأذن له كفيله فليحرم من جدة ولا شيء عليه.
وكذلك الآخر الذي قدم إلى جدة لعمل، وقال: إن تيسر لي
(21/330)

عمرة أتيت بها وإلا فلا، نقول: إن تيسر له فيحرم من جدة ولا شيء عليه، لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: "ومن كان دون ذلك- أي دون المواقيت- فمن حيث أنشأ" (1) .
س 398: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف يحرم من كان في الطائرة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا سافر الإنسان بالطائرة فأولا يغتسل في بيته، ويلبس لباس الإحرام إما في بيته أو الطائرة، فإذا حاذى الميقات فإنه يجب عليه أن ينوي النسك الذي يريد أن يحرم به، إما عمرة أو حجاً، ولا يجوز له أن يؤخر الإحرام إلى جدة مع مروره بالمواقيت؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقيت وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج والعمرة" (2) ولأن أهل الكوفة والبصرة جاءوا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- فقالوا: "يا أمير المؤمنين إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل نجد قرن المنازل، وإنها جور عن طريقنا" أي بعيدة فقال- رضي الله عنه- "انظروا إلى حذوها من طريقكم " فدل هذا أن الإنسان إذا
حاذى الميقات سواء عن طريق البر، أو البحر، أو الجو فإنه يجب عليه أن يحرم عند محاذاته.
__________
(1) تقدم 36-37.
(2) تقدم 36-37.
(21/331)

فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:-
نأمل من فضيلتكم التكرم بالإجابة على الأسئلة التالية:
1- كيفية الإحرام بالطائرة؟
2- متى تجب الصلاة بالطائرة؟
3- جمع وقصر الصلاة للمسافر بالطائرة؟
أثابكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ج-1: المسافر بالطائرة من مطار القصيم إذا كان يريد الحج أو العمرة فإنه يغتسل في بيته ويبقى في ثيابه المعتادة إن شاء، فإذا قربت الطائرة من محاذاة المحرم (ذو الحليفة- أبيار علي) لبس ثياب الإحرام، وتحديد ذلك بالزمن خمس وعشرون دقيقة من إقلاع الطائرة تقريباً، فإذا حاذت الطائرة الميقات نوى الدخول في النسك فلبى بما يريده من الحج أو العمرة، وتحديد محاذاة الميقات بالزمن خمس وثلاثون دقيقة تقريباً من إقلاع الطائرة، وإن احتاط فأحرم قبل ذلك خوفاً من الغفلة، أو النسيان فلا حرج عليه.
ج- 2: تجب الصلاة في الطائرة إذا دخل وقتها، لكن إذا كان لا يتمكن من أداء الصلاة في الطائرة كما يؤديها في الأرض فلا يصلي
(21/333)

الفريضة في الطائرة إذا كان يمكن هبوط الطائرة قبل خروج وقت الصلاة، أو خروج وقت التي بعدها مما يجمع إليها. فمثلاً: لو أقلعت الطائرة من جدة قبيل غروب الشمس وغابت الشمس وهو
في الجو فإنه لا يصلي المغرب حتى تهبط الطائرة في المطار وينزل منها، فإن خاف خروج وقتها نوى جمعها إلى العشاء جمع تأخير وصلاهما إذا نزل، فإن استمرت الطائرة حتى خاف أن يخرج وقت العشاء وذلك عند منتصف الليل فإنه يصليهما قبل أن يخرج الوقت في الطائرة، وكيفية صلاة الفريضة في الطائرة: أن يقوم مستقبل القبلة فيكبر ويقرأ الفاتحة وما تسن قراءته قبلها من الاستفتاح، أو بعدها من القرآن، ثم يركع، ثم يرفع من الركوع، ثم يسجد فإن لم يتمكن من السجود جلس وأومأ بالسجود جالساً، وهكذا يفعل حتى تنتهي الصلاة وهو في ذلك كله مستقبل القبلة.
أما كيفية صلاة النافلة على الطائرة فإنه يصليها قاعداً على مقعده في الطائرة، ويومىء بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض.
ج- 3: القصر للمسافر في الطائرة وغيرها وكذلك الجمع، لكن الأفضل أن لا يجمع إلا إذا كان سائراً غير نازل. والله الموفق.
كتبه
محمد الصالح العثيمين
في 22/4/1409 هـ
(21/334)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كيف يصلي الإنسان في الطائرة؟
1- يصلي النافلة في الطائرة وهو جالس على مقعده، حيث كان اتجاه الطائرة، ويومىء بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض.
2- لا يصلي الفريضة في الطائرة إلا إذا كان يتمكن من الاتجاه إلى القبلة في جميع الصلاة ويتمكن أيضاً من الركوع والسجود والقيام والقعود.
3- إذا كان لا يتمكن من ذلك فإنه يؤخر الصلاة حتى يهبط في المطار، فيصلي على الأرض، فإن خاف خروج الوقت قبل الهبوط أخرها إلى وقت الثانية إن كانت مما يجمع إليها كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء. فإن خاف خروج وقت الثانية صلاهما في الطائرة قبل أدن يخرج الوقت، ويفعل ما يستطيع من شروط الصلاة وأركانها وواجباتها.
(مثلاً) لو أقلعت الطائرة قبيل غروب الشمس وغابت الشمس وهو في الجو فإنه لا يصلي المغرب حتى تهبط في المطار وينزل فيصلي على الأرض، فإن خاف خروج وقت المغرب أخرها إلى وقت العشاء فصلاهما جمع تأخير بعد نزوله، فإن خاف خروج وقت العشاء وذلك عند منتصف الليل صلاهما قبل
(21/335)

أن يخرج الوقت في الطائرة.
4- وكيفية صلاة الفريضة في الطائرة أن يقف ويستقبل القبلة فيكبر ويقرأ الفاتحة وما تسن قراءته قبلها من الاستفتاح، أو بعدها من القرآن، ثم يركع، ثم يرفع من الركوع ويطمئن قائماً، ثم يسجد،
ثم يرفع من السجود ويطمئن جالساً، ثم يسجد الثانية، ثم يفعل كذلك في بقية صلاته، فإن لم يتمكن من السجود جلس وأومأ بالسجود جالساً، وإن لم يعرف القبلة، ولم يخبره أحد يثق به اجتهد وتحرى وصلى حيث كان اجتهاده.
5- تكون صلاة المسافر في الطائرة قصراً فيصلي الرباعية ركعتين كغيره من المسافرين.
كيف يحرم بالحج والعمرة من سافر في الطائرة؟
1- يغتسل في بيته ويبقى في ثيابه المعتادة، وإن شاء لبس ثياب الإحرام.
2- فإذا قربت الطائرة من محاذاة الميقات لبس ثياب الإحرام إن لم يكن لبسها من قبل.
3- فإذا حاذت الطائرة الميقات نوى الدخول في النسك، ولبى بما نواه من حج أو عمرة.
4- فإن أحرم قبل محاذاة الميقات احتياطاً خوفاً من الغفلة أو النسيان فلا بأس.
كتب ذلك محمد الصالح العثيمين في 2/5/1409 هـ.
(21/336)

س 399 سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هناك أناس يأتون من بلادهم قاصدين المدينة فيمرون بالميقات، فهل يلزمهم الإحرام من الميقات ويذهبون إلى المدينة محرمين أو يذهبون إلى
المدينة دون إحرام ثم إذا رجعوا من المدينة إلى مكة أحرموا من ميقات أهل المدينة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: يذهبون بلا إحرام إلى المدينة؛ لأن هؤلاء لم يقصدوا مكة، وإنما قصدوا المدينة، فيذهبون إلى المدينة، وإذا رجعوا من المدينة حينئذ يكونون قد توجهوا إلى مكة، فيحرمون من ميقات أهل المدينة، وهي "ذو الحليفة" التي تسمى الآن "أبيار علي "
س 400: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل جاء عن طريق البحر ماراً بجدة ولم يحرم وذهب للمدينة للزيارة ثم أحرم من ذي الحليفة وأدى العمرة وهو الآن يمكث في مكة لأداء الحج
فهل عليه فدية أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله-: ليس عليه شيء ما دام الرجل جاء قاصداً المدينة ثم تجاوز الميقات متجهاً إلى المدينة ثم عاد فأحرم من ميقات ذي الحليفة فليس عليه شيء، وما دام منتظرًا للحج فهو متمتع وقد قال الله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (1) فعليه الهدي إذا قدر على ذلك، وإن لم يقدر فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع أي إذا انتهى من أعمال الحج،
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(21/337)

وله أن يصوم الأيام الثلاثة من الآن ما دام يعرف نفسه أنه لن يستطيع الهدي أما السبعة فبعد الرجوع من الحج.
س 401: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أتيت من الرياض في طريقي إلى المدينة ثم إلى مكة وهذه رحلة عمل حيث إنني أتوقف في كل بلدة أمر بها في طريقي حسب طبيعة عملي فأنا مندوب مبيعات ويصعب علي الإحرام وأداء العمل في نفس الوقت ونهاية رحلة العمل في الجنوب داخل حدود الميقات فإذا أردت أداء عمرة حيث أنويها من الآن فمن أين أحرم هل أعود بعد انتهاء
العمل إلى الميقات؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا مر الإنسان بالميقات وهو صاحب عمل فإما أن لا ينوى العمرة فلا حرج عليه أن يدخل مكة بلا عمرة ويطوف إن شاء، أو لا يطوف، ما دام أدى العمرة الواجبة عمرة الإسلام، أما إذا مر بالميقات وهو يريد الأمرين: العمل والعمرة فلا بد أن يحرم من الميقات، ثم يكمل العمرة وينهي عمله، فإذا قال: هذا يشق علي؛ لأني سأبقى في جدة مثلا، وفي الجنوب قبل أن أصل إلى مكة. قلنا: لا تنوي العمرة في هذا السفر، اجعل العمرة في سفر آخر، والأمر ولله الحمد
واسع.
س 402: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل صعد الطائرة من مطار القصيم يريد الذهاب إلى أبها، والطائرة لابد أن
(21/338)

تنزل في مطار الطائف، فلبس ملابس الإحرام في مطار القصيم، يريد أن يعتمر عند توقف الطائرة في الطائف ثم يعود للمطار ويواصل رحلته فلما نزل مطار الطائف قالوا: إن الطائرة سوف تقلع بعد نصف ساعة فخلع الملابس ولبس ملابسه العادية فماذا يلزمه علماً بأنه تزوج بعد ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله-: ما دام هذا الرجل لم يعقد النية وإنما تأهب، ويريد إذا نزل الطائف ذهب إلى مكة ومر بالميقات أحرم منه فالأمر في هذا سهل؛ لأنه لم يعقد النية، فإذا وصل إلى مطار الطائف وقد لبس ثياب الإحرام، وبدا له أن لا يأتي بعمرة فلا حرج عليه.
أما إذا كان قد تلبس بالإحرام أي عقد النية- ولا أظن أن هذا يقع كيف ينوى وهو لم يصل إلى الميقات- لكن إذا قدر أنه فعل ونوى فإنه يجب عليه الآن أن يكمل عمرته، فيخلع الثياب المعتادة، ويلبس ثياب الإحرام، ويكمل العمرة، فإذا كملها أعاد تجديد عقد النكاح؛ لأن العقد وقع عليه وهو في إحرام لم يحل من عمرته، وعقد المحرم النكاح باطل لا يصح، فهذه الطريقة الآن يذهب، يلبس ثياب الإحرام فوراً، ويذهب إلى مكة ويطوف ويسعى ويقصر وبهذا تتم عمرته، ثم يعيد عقد النكاح بعد التحلل من هذه العمرة؛ لأن عقده الإحرام وهو في عمرة عقد باطل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح ولا يخطب " (1) .
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم (رقم 1409) .
(21/339)

س 403: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شاب سافر يريد العمرة عن طريق المدينة ومعه زوجته كانت في عدة النفاس فقالت: إن طهرت أحرمت وإلا لم أحرم. ولم يحرم إلا من جدة
ومعه صبي صغير عمره ست سنوات لبس الإحرام ولم يؤد العمرة فماذا يلزمهم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أما بالنسبة للصبي فلا شيء عليه، لأن الصبي قد رفع عنه القلم، فلو أحرم ثم بعد ذلك سأم من الإحرام وتحلل فلا حرج.
وأما بالنسبة له هو فقد خالف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإحرام من الميقات، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يحرم من أراد الحج والعمرة من الميقات، والرجل تجاوز الميقات ولم يحرم إلا في جدة، فعليه عند أهل العلم فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء لأنه ترك واجباً.
أما بالنسبة للزوجة فلا شيء عليها ما دامت تخشى ألا تطهر إلا متأخرة وقالت: إن طهرت أحرمت وإلا لم أحرم، فلا حرج عليها أن تحرم حيث طهرت.
س 404: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- أنا مقيم في مكة وأريد أن أزور المدينة فهل إذا رجعت من المدينة يلزمني أن أحرم؟ وهل تجوز زيارة المدينة في أشهر الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: تجوز زيارة المدينة في أشهر الحج وغيرها، وإذا رجعت من المدينة إلى مكة فلا يلزمك أن تحرم.
(21/340)

س 405: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل مقيم في المملكة وله زوجة سوف تحضر لأداء فريضة الحج في هذا العام من خارج المملكة وسوف يذهب إليها ويجلس معها بالمدينة لمدة
ثلاثة أيام أو أربعة فهل عليه شيء إذا جامعها خلال هذه المدة مع العلم بأنها سوف تكون محرمة وهو سوف يحرم في اليوم السابع من ذي الحجة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هي محرمة على حد قول السائل فلا يجوز أن تمكنه من نفسها، لكن الطريق، إذا جاءت المدينة وهي قاصدة المدينة أن لا تحرم لأنه يجوز للإنسان الذي يقدم مثلاً من مصر أو سورية أو غيرهما وهو يريد الحج ولكنه يريد أن يبدأ أولاً بالمدينة أن يؤجل الإحرام إلى أن يمر بذي الحليفة بعد انتهاء زيارة المدينة فيحرم منه، فنقول للأخ: اتصل بزوجتك وقل لا: لا تأتي محرمة بل تقصد المدينة رأساً، وإذا قابلها هناك فله أن يستمتع بها ثم يرجعان جميعاً إلى مكة ويحرمان من ذي الحليفة. وأنبه إلى أنه لابد للزوجة من محرم في قدوما من بلدها.
س 406: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة خرجوا من الدمام وفي نيتهم أن يؤدوا العمرة فمروا بالقصيم ثم المدينة ثم تجاوزوا الميقات ولم يحرموا، وذلك لأن في نيتهم البقاء في
الطائف لمدة خمسة أيام ثم بعدها يذهبون إلى الميقات وهو السيل ويحرمون منه فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله-: نسأل هل نية هؤلاء الأخوة أن
(21/341)

يذهبوا إلى الطائف، أو أن يذهبوا إلى العمرة؟ إذا كان نيتهم أن يذهبوا إلى الطائف فيعني ذلك أنهم مروا بالمدينة في طريقهم إلى الطائف لا إلى مكة فيحرمون من السيل، وأما إذا كانوا إنما أرادوا
العمرة فإنه يجب عليهم أن يحرموا من ذي الحليفة التي تسمى أبيار علي، وإذا أخروا الإحرام إلى الطائف فإن عليهم عند أهل العلم فدية على كل واحد بتركه واجب الإحرام إلا من لم يكن
قادراً فإن الله تعالى يقم ل: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا) (1) فمن ليس قادراً على ذبح الفدية فليس عليه شيء.
س 407: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج متمتع أحرم من الميقات للعمرة، وبعد أداء العمرة قام بزيارة المسجد النبوي وفي العودة ما بين المدينة ومكة مر بالميقات وهو يريد الحج ولم
يحرم منه لكونه سيحرم من مكة لأنه متمتع فما الحكم في عدم إحرامه من ذي الحليفة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقيت وقال: "هن لهن ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (2) فإذا مررت بميقات وأنت تريد الحج أو العمرة فإن الواجب عليك أن تحرم منه، وأن لا تتجاوزه، وبناء على هذا فإن
__________
(1) سورة الطلاق، الآية: 7.
(2) تقدم ص 36-37.
(21/342)

المشروع في حق هذا الرجل أن يحرم من ذي الحليفة حين رجع من المدينة؟ لأنه راجع بنية الحج فيكون مارًا بميقات وهو يريد الحج، فيلزمه الإحرام، فإذا لم يفعل، فالمعروف عند أهل العلم أنه من ترك واجباً من واجبات الحج فعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء.
والقول الثاني: أنه لا يلزمه أن يحرم من ذي الحليفة؟ لأنه مر بالميقات قاصدًا مكة التي هي محط رحله، والتي ينوي الإحرام منها لكونه متمتعًا بالعمرة إلى الحج فبناء على ذلك لا بأس بما عمله السائل والله أعلم.
س 408: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد أديت فريضة الحج قبل سنوات مضت وكنت متمتعاً، فبعد أن أديت مناسك العمرة تحللت وخلعت ملابس الإحرام وذهبت إلى المدينة المنورة لزيارة قبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وعند الرجوع إلى مكة من المدينة لم أحرم
إلا يوم التروية بمكة فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله-: قبل أن نجيب على سؤاله أود أن أنبه على ملاحظة قالها في سؤاله يقول: (إنه بعد أن أدى العمرة ذهب إلى المدينة ليزور قبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم -) فأقول: الذي يذهب للمدينة ينبغي له أن ينوي شد الرحل إلى المسجد النبوي، لأن هذا هو المشروع، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا،
(21/343)

والمسجد الأقصى" (1) فالذي ينبغي لقاصد المدينة أن ينوي بشد الرحل للمسجد النبوي فيصلي فيه، فإن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام يعنى مسجد الكعبة، هذه
ملاحظة ينبغي الاهتمام بها.
أما ما صنعه من كونه حج متمتعاً ثم أدى العمرة تامة، ثم خرج إلى المدينة بنية الرجوع إلى مكة للحج، ثم رجع إلى مكة ولم يحرم إلا يوم التروية مع الناس فلا أرى في ذلك بأسًا عليه؛ لأنه إنما مر بميقات أهل المدينة قاصداً مكة التي هي محط رحله، والتي لا ينوي الإحرام إلا منها لكونه متمتعاً بالعمرة إلى الحج.
ولكن هنا سؤال: هل يسقط عنه هدي التمتع لفصله بين العمرة والحج بسفر أو لا يسقط؟
في هذا خلاف ين أهل العلم- رحمهم الله- والراجح من أقوال أهل العلم أن دم الهدي لا يسقط عنه إذا لم يكن من أهل المدينة، فإن كان من أهل المدينة سقط عنه، لكنه إذا كان من أهل المدينة فلا يتجاوز الميقات حتى يحرم منه؛ لأنه أنشأ سمرًا جديداً للحج، وأما إذا لم يكن من أهل المدينة فإن التمتع لم ينقطع لكون السفر واحداً، ويبقى عليه الهدي كما لو لم يسافر إلى المدينة، وهذا هو المروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن المتمتع إذا رجع إلى بلده ثم أنشأ سفراً جديداً للحج فإنه غير متمتع، وإن سافر إلى غير بلده فإنه لا يزال متمتعاً.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (رقم 1189) ومسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (رقم 1397) .
(21/344)

س 409: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قدم للحج وميقاته يلملم ولكنه لم يحرم من الميقات ونزل بجدة وذهب إلى المدينة للزيارة ثم عاد إلى مكة وأحرم من ذي الحليفة فيهل عليه
شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا فيه تفصيل إن كان قصده المدينة من الأصل ثم يرجع فيحرم من ذي الحليفة فلا شيء عليه، وإن لم يقصد بأن كان يريد أن يذهب إلى مكة، لكن طرأ عليه في جدة أن يذهب إلى المدينة فهذا عليه دم لتركه الإحرام من الميقات الذي مر به وهو مريد للحج.
س 410: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل مقيم بالرياض يريد الحج ولكنه يرغب أن يهب إلى المدينة لزيارة بعض أقاربه فيهل يحرم من ميقات أهل نجد أو من ميقات أهل المدينة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا ندري هل هو سيذهب إلى المدينة أولاً عن طريق المدينة إن كان كذلك فإنه يحرم من ميقات أهل المدينة من ذي الحليفة المسماة بأبيار علي، أما إذا كان يريد أن يذهب من طريق الرياض الطائف فليحرم من قرن المنازل ميقات أهل نجد، ثم يأتي بالعمرة، ثم يخرج إلى المدينة، هذا هو التفصيل في جواب سؤاله: أنه إن كان يريد الذهاب عن طريق المدينة إلى مكة أحرم من ذي الحليفة التي تسمى أبيار علي، وإن كان يريد الذهاب من الرياض إلى الطائف أو إلى مكة عن طريق
(21/345)

الطائف فليحرم من قرن المنازل، المعروف بالسيل الكبير.
س 411: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم فيمن تجاوز الميقات بدون إحرام وهو يريد العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الواجب على من أراد الحج أو العمرة ومرّ بالميقات أدن لا يتجاوز الميقات حتى يحرم منه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة" وكلمة "يهل " خبر بمعنى الأمر، وعلى هذا فيجب على من أراد الحج أو العمرة إذا مرّ بالميقات أن يهل منه ولا يتجاوزه، فإن فعل وتجاوز وجب عليه أن يرجع ليحرم منه، وإذا رجع وأحرم منه فلا فدية عليه، فإن أحرم من مكانه ولم يرجع فعليه عند أهل العلم فدية يذبحها ويوزعها على فقراء مكة.
س 412: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- رجل دخل مكة غير محرم فهل عليه شيء في دخول مكة غير محرم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان قد أدى الفريضة فلا شيء عليه، وإن لم يؤد وجب عليه أن يؤدي العمرة.
س 413: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حائض مرت بميقات المدينة في أواخر شهر رمضان ولجهلها ظنت أن الحائض لا يصح منها العمرة فلم تنوِ العمرة عند الميقات مع أنها
(21/346)

كانت ناوية قبل أن يأتيها الحيض. فإذا طهرت هذه المرأة من الحيض في شهر شوال فمن أين تحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا وصلت المرأة إلى الميقات وهي حائض ثم ألغت العمرة- يعنى فسخت نيتها- وقالت: ما دام جاءها الحيض فإنها تلغي العمرة، وتأتي بها في سفر آخر، فهذه إذا قدر أنها طهرت في وقت يمكنها تأتي بعمرة فإنها تحرم من المكان الذي نوت فيه العمرة، فمثلاً مرت بميقات أهل المدينة ذي الحليفة المسماة (بأبيار علي) وهي حائض، فقالت: ما دام أن الحيض قد أتاها فأنها ستفسخ النية، وتلغي العمرة فألغتها نهائيا ولما وصلت جدة طهرت، فقالت: ما دمت طهرت فإني سأعتمر، ففي هذه الحال تحرم من جدة، ولا حرج عليها، لأنها ألغت النية الأولى نهائيا. أما لو لم تلغِ النية الأولى، يعنى مرت بالميقات وهي حائض وظنت أن الحائض لا يصح منها التلبس بالإحرام
فقالت: سألغي التلبس بالإحرام الآن، فإذا طهرت أحرمت بالعمرة فإن هذه يجب عليها إذا طهرت أن ترجع إلى الميقات التي تجاوزته، وتحرم منه، ولا يحل لها أن تحرم من مكانها الذي طهرت فيه؛ لأن هذه لم تلغِ العمرة إنما ألغت الإحرام من الميقات، وفرق بين من ألغى النسك نهائيا، وبين من ألغى
الإحرام من الميقات، فالعمل الصحيح أنه إذا مرت المرأة وهي تنوي العمرة بالميقات وهي حائض أن تحرم وهي حائض، لأن إحرام الحائض صحيح، ولهذا لما ولدت أسماء بنت عميس - رضي الله عنها- أرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف أصنع؟ فقال:
(21/347)

"اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " (1) فلم يجعل النبي عي النفاس مانعاً من الإحرام، بل قال: "اغتسلي واستثفرى بثوب وأحرمي " فنقول للمرأة التي مرت بالميقات وهي حائض تريد العمرة:
أحرمي بالعمرة، ولكن لا تطوفي بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1218) .
(21/348)

رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
هناك أسرة سافرت إلى مكة المكرمة، تريد العمرة، وعندما وصلت إلى الميقات كانت إحدى النساء قد حاضت فلم تحرم معتقدة أن الحائض لا تحرم، ثم عندما طهرت أحرمت من جدة واعتمرت، وأنا أعرف أن من تجاوز الميقات وهو يريد العمرة عليه دم، لكن لا أدري هل هذا مطرد في جميع الحالات حتى في حالة الجهل كمثل هذه الحالة. أرجو التكرم بالإجابة جزاكم الله خيراً.
بسم الله الرحمن الرحيم
نعم هو مطرد، لكن إن كان عالماً ذاكرًا فهو آثم مع الفدية، وإن كان معذوراً ففدية بلا إثم.
محمد الصالح العثيمين
22/7/1412 هـ
(21/349)

س 414: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ذهبت للعمرة ومرت بالميقات وهي حائض فلم تحرم وبقيت في مكة، حتى طهرت فأحرمت من مكة فهل هذا جائز؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا العمل ليس بجائز، والمرأة التي تريد العمرة لا يجوز لها مجاوزة الميقات، بلا إحرام، حتى لو كانت حائضاً فإنها تحرم وهي حائض، وينعقد إحرامها ويصح. والدليل على ذلك أن أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر - رضي الله عنهما- ولدت والنبي - صلى الله عليه وسلم - نازل في ذي الحليفة يريد حجة الوداع فأرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " (1) ودم الحيض كدم النفاس، فنقول للمرأة الحائض إذا مرت بالميقات وهي تريد العمرة أو الحج نقول لها: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي، والاستفثار: معناه أنها تشد على فرجها خرقة وتربطها، ثم تحرم سواء بالحج أو بالعمرة، ولكنها إذا أحرمت ووصلت إلى مكة لا تأتي إلى البيت ولا تطوف به حتى تطهر ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة- رضي الله عنها- حين حاضت في أثناء العمرة، قال لها: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي في بالبيت حتى تطهري "، هذه رواية البخاري ومسلم (2) وفي صحيح البخاري أيضاً ذكرت عائشة
__________
(1) تقدم وهو عند مسلم (رقم 1218) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف (رقم 1650) ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران (رقم 1211) .
(21/350)

- رضي الله عنها- "أنها لما طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة" (1) فدل هذا على أن المرأة إذا أحرما بالحج، أو العمرة وهي حائض أو أتاها الحيض قبل الطواف فإنها لا تطوف ولا تسعى حتى تطهر وتغتسل، أما لو طافت وهي طاهر، وبعد أن انتهت من الطواف جاءها الحيض فإنها تستمر وتسعى ولو كان عليها الحيض، وتقص من رأسها وتنهي عمرتها؛ لأن السعي بين الصفا والمروة لا يشترط له الطهارة.
س 415: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة نوت العمرة وهي في بلدها في الجنوب قبل شهر رمضان بثلاثة أيام وبعد أن أحرمت ونوت العمرة غيرت نيتها على أن تفسخ النية وتعتمر في
رمضان وذلك قبل وصولها للميقات، ثم وصلت مكة ولم تعتمر إلا في رمضان وأحرمت من الشرائع، فهل هذا العمل صحيح؟ وهل يترتب على فسخها للنية شيء وما حكم ما فعلته من المحظورات؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هذا العمل غير صحيح؛ لأن الإنسان إذ دخل في عمرة أو حج حرم عليه أن يفسخه إلا لسبب شرعي قال الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (2) فعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله عز وجل مما صنعت.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف (رقم 1651) .
(2) سورة البقرة، الآية: 196.
(21/351)

وعمرتها صحيحة لأنها وإن فسخت العمرة فإنها لا تنفسخ العمرة، وهذا من خصائص الحج، والحج له خصائص عجيبة لا تكون في غيره، فالحج إذا نويت إبطاله لم يبطل، وغيره من العبادات إذا نويت إبطاله بطل، فلو أن الإنسان وهو صائم نوى إبطال صومه بطل صومه، ولو أن المتوضىء أثناء وضوئه نوى إبطال الوضوء بطل الوضوء.
لو أن المعتمر أثناء العمرة نوى إبطالها لم تبطل، أو نوى إبطال الحج أثناء تلبسه بالحج لم يبطل.
ولهذا قال العلماء: إن النسك لا يرتفض برفضه.
وعلى هذا نقول: إن هذه المرأة ما زالت محرمة منذ عقدت النية إلى أن أتمت العمرة، ويكون نيتها الفسخ غير مؤثرة فيه، بل هي باقية عليه.
وسؤالنا الآن: هل هذه المرأة أدركت عمرة في رمضان أم لم تدرك؟
الجواب: لم تدرك عمرة في رمضان لأن إحرامها كان قبل رمضان بثلاثة أيام، والمعتمر في رمضان لا بد أن تكون عمرته من ابتداء الإحرام إلى انتهائه في رمضان، وبناء على ذلك نأخذ مثالاً آخر:
لو أن رجلاً وصل إلى الميقات في آخر ساعة من شعبان وأحرم بالعمرة تم غربت الشمس ودخل رمضان بغروب الشمس، ثم قدم مكة وطاف وسعى وقصر هل يقال: إنه اعتمر في رمضان؟
الجواب: لا؛ لأنه ابتدأ العمرة قبل دخول شهر رمضان.
مثال ثالث: رجل أحرم بالعمرة قبل غروب الشمس من آخر
(21/352)

يوم من رمضان وطاف وسعى للعمرة في ليلة العيد فهل يقال: إنه اعتمر في رمضان؟
الجواب: لا، لأنه لم يعتمر في رمضان؛ لأنه أخرج جزءاً من العمرة عن رمضان، والعمرة في رمضان من ابتداء الإحرام إلى انتهائه.
وخلاصة الجواب: بالنسبة للمرأة نقول: إن عمرتها صحيحة، ولكنها لم تدرك العمرة في رمضان، وإن عليها أن لا تعود لرفض الإحرام مرة ثانية، لأنها لو رفضت الإحرام لم تتخلص منه.
وأما ما فعلته من المحظورات ولنفرض أن زوجها جامعها، والجماع في النسك هو أعظم المحظورات فإنه لا شيء عليها؛ لأنها جاهلة، وكل إنسان يفعل محظورًا من محظورات الإحرام جاهلاً، أوناسياً، أومكرهاً فلا شيء عليه.
س 416: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ذهبت إلى العمرة وهي حائض وبعد أن طهرت أحرمت من البيت فهل يجوز ذلك؟ وإذا كان لا يجوز فماذا عليها أن تفعل وما الكفارة؟ تقول مع العلم بأنني لا أعلم بحكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا يجوز الإحرام من البيت في مكة للعمرة لا لأهل مكة ولا لغيرهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أرادت عائشة- رضي الله عنها- أن تأتي بعمرة من مكة أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر- رضي الله عنهما- أن
(21/353)

يخرج معها إلى التنعيم وعلى هذا فهذه المرأة يجب عليها على ما ذكره أهل العلم دم، أي ذبح شاة بمكة توزع جميع لحمها على الفقراء، ولما كانت جاهلة لا تعلم سقط عنها الإثم، لكن الفدية لا تسقط، لأنها عمن ترك واجبًا، ثم إن المشروع في حقها أنها لما وصلت الميقات أحرمت ولو كانت حائضاً، فإن إحرام الحائض لا بأس به؛ لأن أسماء بنت عميس زوج أبي بكر- رضي الله عنهما-
ولدت في ذي الحليفة عام حجة الوداع فأرسلت إلى النبي كيف تصنع؟ قال لها: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " (1) وعلى هذا إذا مرت المرأة بالميقات وهي حائض أو نفساء فإنها تغتسل وتحرم كسائر الناس إلا أنها لا تطوف بالبيت ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهر فتطوف ثم تسعى.
س 417: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل تجاوز الميقات بدون إحرام وهو مريد للحج ولكنه كان جاهلاً فماذا يلزمه؟
فأجاب فضيلته بقوله-: من ترك الإحرام من الميقات مع أنه مر به وهو يريد النسك فإن هذا لا يجوز؛ لأنه من تعدى حدود الله؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقت هذه المواقيت وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (2) فمن جاوزها وهو يريد الحج والعمرة بدون إحرام فقد تعدى حدود
__________
(1) تقدم ص 350.
(2) تقدم ص 36-37.
(21/354)

الله: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) فعليه أن يتوب إلى الله مما صنع. وعلى ما تقتضيه قواعد أهل العلم يجب عليه أن يذبح فدية بمكة يوزعها على الفقراء، والفدية واحدة من الغنم، أو سبع
بدنة، أو سبع بقرة، وذلك لأن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: "من ترك شيئاً من نسك أو نسيه فليهرق دماً" (1) ولكن هذا السائل ذكر أنه كان جاهلاً بالحكم الشرعي وإذا كان جاهلاً فلا إثم عليه ولكن عليه الفدية التي ذكرناها من قبل.
س 418: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أصبح الحج عن طريق الحملات، فهل يجوز لي إن لم أستطع دفع تكاليف الحملة وخاصة أن معي أهلي، أن أذهب إلى مكة وأحرم من هناك وما
الأمور التي تترتب على ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كان حجُّك فريضة وكان يمكنك أن تذهب إلى مكة فيجب عليك الذهاب، ولكن لابد أن تحرم من الميقات، لأنك تريد الحج والعمرة. ولا يحل لمن أراد الحج، أو
العمرة أن يتجاوز الميقات بلا إحرام. وإذا كان لا يستطيع دفع تكاليف الحملة فليس عليه حج، لأنه غير مستطيع.
__________
(1) أخرجه مالك في موطأ كتاب الحج، باب ما يفعل من نسي من نسكه شيئاً (1/383 رقم 977) والبيهقي في سننه الكبرى (5/152- 153) وقال في التعليق المغني "رواته كلهم ثقات".
(21/355)

س 419: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المقيمون في هذه البلاد لا يسمح لهم بالحج إلا بعد مضي خمس سنوات على آخر حجة فهل يجوز لنا أن نحج بالوصول إلى مكة من طريق ليس فيه
تفتيش، أو نمشي على الإقدام، وإن منعنا فهل نعتبر من المحصرين أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الأولى لمن حج ولا ينطبق عليه الترخيص أن يقول عند الإحرام، إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، حتى إذا منع تحلل ورجع بدون إحرام، أو تحلل وبقي في مكة، المهم أنه يحل بدون أن يكون عليه دم إحصار هذا هو الأولى حتى يسلم من الأمور التي قد تكون عاقبتها له غير حميدة، ثم نقول: إذا أدى الإنسان الفريضة فالباقي تطوع، ولا ينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للخطر، أو أن يتخذ آيات الله هزوا فيحرم بثيابه المعتادة.
س 420: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا دخل الأفاقي مكة بدون إحرام من أجل أن يتحايل على ولاة الأمر بعدم إرادة الحج، ثم أحرم من مكة فهل حجه صحيح؟ أفتونا جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيرًا.
فأجاب فضيلته بقوله-: أما حجه فصحيح، وأما فعله فحرام، من وجهين:
أحدهما: تعدي حدود الله سبحانه وتعالى بترك الإحرام من الميقات.
(21/356)

والثاني: مخالفة أمر ولاة الأمور الذين أمرنا بطاعتهم في غير معصية الله، وعلى هذا فيلزمه أن يتوب إلى الله ويستغفره مما وقع، وعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء، لتركه الإحرام من الميقات، على ما قاله أهل العلم من وجوب الفدية على من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة.
س 421: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أتيت إلى العمرة مرتين ولم أحرم من الميقات فما يلزمني؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: لا يجوز للإنسان إذا مر بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزه إلا بإحرام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض هذه المواقيت فقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (1) فإن تجاوز الميقات بدون إحرام وأحرم من دونه، فإن أهل العلم يقولون: إن عليه فدية يذبحها في مكة، ويوزعها على الفقراء، ولا يأكل منهما شيئاً.
ثم إنني بهذه المناسبة أود أن أحذر إخواننا من التهاون بهذا الأمر؛ لأن بعض الناس يتهاون- ولا سيما الذين يقدمون مكة عن طريق الجو- فإن منهم من يتهاون ولا يحرم إلا من جدة، وهذا غلط؛ لأن محاذاة الميقات من فوق كالمرور به من تحت، ولهذا لما شكا أهل العراق إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(21/357)

الله عنه- أن قرن المنازل جور عن طريقهم- أي بعيد عن طريقهم- قال: انظروا إلى حذوها من طريقكم فالواجب على من أراد الحج أو العمرة أن لا يتجاوز الميقات حتى يحرم سواء أكان ميقاته، أو ميقات البلد الذي مر به، فإذا قدر أن شخصاً أقلع من مطار القصيم يريد العمرة فإن الواجب عليه أن يحرم إذا حاذى ميقات أهل المدينة ولا يتجاوزه، وفيما إذا كان يخشى من أن لا يحرم من
الميقات فليحرم من قبل ولا يضره؛ لأن الإحرام من قبل الميقات لا يضره شيئاً، ولكن تأخير الإحرام بعد الميقات هو الذي يضر الإنسان، فينبغي للإنسان أن ينتبه لهذه الحال حتى لا يقع في الخطأ، وكذلك لو جاء عن طريق البر ماراً بالمدينة فإن الواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة، ولا يجوز أن يؤخر الإحرام إلى ما بعد الميقات.
س 422: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: اعتمرت في أول شوال ثم ذهبت إلى تبوك وقدمت إلى الحرم بدون إحرام لأنني أعتبر نفسي متمتعاً بالعمرة إلى الحج فما حكم تجاوزي للميقات
على هذه النية بدون إحرام؟
فأجاب فضيلته بقول-: مثل هذا نقول إذا كان اعتماره في شوال بنية الحج هذا العام فهو متمتع؟ لأنه تمتع بالعمرة إلى الحج وحينئذ إذا ذهب إلى تبوك لعذر أو لغرض وبنيته أن يرجع إلى مكة
سريعاً فلا حرج عليه أن يدخل إلى مكة، ويبقى إلى أن يأتي
(21/358)

يوم الثامن من ذي الحجة فيحرم من مكانه، وإما إذا كان دخل مكة في شوال وليس نيته أن يحج هذا العام وإنما جاء معتمراً فقط، ثم رجع إلى تبوك فإنه إذا رجع إلى مكة لا يتجاوز الميقات إلا
محرماً، لأنه ليس من نيته الرجوع إلى مكة في هذا السفر. أما إذا ذهب إلى تبوك للعمل فإنه إذا رجع إلى مكة يحرم من الميقات.
س 423: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن من موظفي الدولة كل سنة ننتدب من قبل الدولة إلى مكة المكرمة من أول شوال فإذا ذهبنا إلى مكة أخذنا العمرة ثم وزعتنا الدولة أو وزعنا
رؤساؤنا في الدولة فمنا من يذهب إلى جدة. ومنا من يذهب إلى الليث، والطائف، والمدينة، قبل اليوم الثامن بيومين أو ثلاثة نعود إلى مكة فهل يلزمنا الإحرام قبل الدخول إلى مكة أم نحرم من
أماكننا التي نعيش فيها؟
فأجاب فضيلته بقوله-: تحرمون في هذه الحال من الميقات، لأنكم حينما خرجتم من مكة خرجتم إلى أداء عمل فإذا رجعتم إلى مكة فقد مررتم بالميقات وأنتم تريدون الحج، فعليكم أن تحرموا من الميقات، فالذي في الطائف يحرمون من السيل، الذين في الجهة الأخرى يحرمون إذا مروا من مواقيتهم.
س 424: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فرقتم في الجواب السابق والذي قبله بين من خرج لغرض ورجع سريعًا وبين
(21/359)

من خرج للعمل فما هو الفرق؟
فأجاب فضيلته بقوله: الفرق بين الخروجين أنه إذا خرج إلى عمل فقد انفصل الدخول الأول والثاني، أما إذا خرج إلى غرض ورجع سريعاً فإنه لا يكون هذا السفر منقطعًا عن هذا السفر؛ لأنه في الحقيقة بمنزلة الباقي في مكة حكماً.
س 425: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- الذي يأتي للعمل في مكة قبل الحج بأيام ثم يأتيه الحج هل له أن يحج مفرداً، وإن كان قد اعتمر في أشهر الحج ثم سافر؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده ورجع من بلده مفرداً فهو مفرد، أما إذا اعتمر وذهب إلى بلد آخر، فهذا اختلف العلماء فيه إذا سافر بين العمرة والحج مسافة
قصر لغير بلده، فمنهم من يرى أنه إذا سافر إلى بلد مسافة قصر بين العمرة والحج إلى غير بلده أو إلى بلده فإن التمتع ينقطع، ويسقط عنه هدي المتمتع، ومنهم من يرى أن من سافر إلى بلده انقطع عنه التمتع؛ لأنه في الحقيقة انشأ سفراً جديداً، وأما إذا ذهب إلى غير بلده، لو فوق المسافة فإنه لا ينقطع؛ لأنه ما زال في سفر وهذا هو الراجح.
س 426: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد قمنا بأداء فريضة الحج العام الماضي وكان من المفروض أن نحرم من أبيار علي ولكننا لم نتمكن من ذلك وأحرمنا من مكة فما الحكم في
(21/360)

ذلك، علماً بأني أديت الفريضة مع زوجتي وأخي وزوجته فإذا كان هناك حكم فهل أأديه عن أخي أم هو يؤديه عن نفسه وعن زوجته علما بأنه غير موجود بالمملكة أفيدونا وجزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الإحرام من الميقات لمن أراد الحج والعمرة واجب؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيما صح عنه من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة" (1) وذكر تمام الحديث، وهذا الخبر بمعنى الأمر، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذي الحليفة) (2) الحديث وعلى هذا فلا يحل لمن أراد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات بدون إحرام، فإن فعل وتجاوز الميقات بغير إحرام وأحرم من مكة، أو ما بين مكة والميقات فعليه على ما ذكر أهل العلم فدية يذبحها في مكة ويفرقها على المساكين، والفدية شاة أنثى من الضأن أو ذكر من الضأن، أو أنثى من الماعز، أو ذكر من الماعز، وعلى هذا فيجب على هذا السائل عن نفسه شاة، وعن زوجته شاة، وعلى أخيه شاة وعلى زوجة أخيه شاة، وإذا كان أخوه وزوجته خارج البلد فلا حرج أن يبلغهما بما يجب عليهما يوكلاه هو في أداء الواجب عليهما من الفدية، لأن التوكيل في مثل هذا جائز.
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(2) تقدم ص 36-37.
(21/361)

س 427: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: توجهنا من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة نريد العمرة فتجاوزنا الميقات لجهلنا بمكانه ولم ينبهنا الناس إلا على بعد مائة وخمسين كيلو مترًا ولكننا لم نعد وإنما توجهنا إلى الجعرانة وأحرمنا منها فهل عمرتنا صحيحة وإذا لم تكن كذلك فماذا يجب علينا فعله؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين: جوابنا على هذا السؤال أن العمرة صحيحة، لأنكم أتيتم بأركانها تامة أتيتم بالإحرام والطواف والسعي، ولكن عليكم عند أهل العلم فدية وهي شاة تذبحونها في مكة وتوزعونها على الفقراء، وذلك لأنكم تركتم الإحرام من الميقات، والإحرام من الميقات من الواجبات لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت هذه المواقيت وقال: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة" قال (يهل) وكلمة يهل خبرٌ بمعنى الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، وعلى هذا فقد تركتم واجباً، لكن
نظراً لكونكم معذورين للجهل فيسقط عنكم الإثم، ولكن بدل هذا الواجب وهو الفدية شاة تذبحونها توزعونها بمكة لابد منه عند أهل العلم، فعلى هذا تكون العمرة صحيحة ويلزمكم الدم كما قال ذلك العلماء.
س 428: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة قصدت مكة عن طريق الطائرة بنية العمرة وعندما قرب المكان الذي يحرم الناس منه نادى أن أحرموا ولكن لم تنتبه لذلك إلا بعد فوات مكان
(21/362)

الإحرام ثم بعد مدة نوت الإحرام وقضت العمرة فهل هذه العمرة صحيحة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: نعم العمرة صحيحة وليس فيها شيء، إلا أنها تركت الواجب وهو الإحرام من الميقات فعليها عند أهل العلم فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء، إن كانت قادرة وإن لم تكن قادرة فليس عليها شيء.
س 429: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذهبت إلى مكة للعمرة فمررت بالميقات السيل الكبير فلم أحرم منه بل اتجهت إلى مكة مباشرة واستأجرت فيها ثم ذهبت من مكة إلى الميقات
السيل الكبير وأحرمت منه وأديت العمرة، وقد قال لي بعض الإخوان: عليك دم؛ لأنك لم تحرم من الميقات قبل دخول مكة فهل هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله-: ليس عليك دم لأنك لم تحرم دون الميقات، بل رجعت إلى الميقات وأحرمت منه، وبهذا زال موجب الدم، أما لو أحرمت من مكة أو ما دون الميقات ولو خارج مكة، فإن عليك دماً تذبحه في مكة وتوزعه على الفقراء، لكن ما دمت رجعت إلى الميقات وأنت محل ثم أحرمت من الميقات فلا شيء عليك.
ونوجه إخواننا الذين يتسرعون في الفتوى ونقول لهم: إن الأمر خطير؛ لأن المفتي يعبر عن شريعة الله، فهل هو على استعداد إذا لاقي الله عز وجل وسأله عما أفتى به عباده من أين لك
(21/363)

الدليل؟ إن المفتي بلا علم وليس عنده دليل حتى لو أصاب فقد أخطأ لقول الله تبارك وتعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)) (1) والقول على الله بلا علم يشمل
القول عليه في ذاته وأسمائه وصفاته وأحكامه، وقال الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)) (2) وقال تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ) (3) وفي الحديث: "أجرؤكم على الفتيا
أجرؤكم على النار" (4) وكان السلف- رحمهم الله- يتباعدون الفتيا حتى تصل إلى من يتعين عليه الإجابة، وإني أقول لهؤلاء الذين يريدون أن يسبقوا إلى السؤدد والإمامة أقول لهم: اصبروا
فإن كان الله قد أراد بكم خيراً ورفعة حصلتم ذلك بالعلم، وإن كانت الأخرى فإن جرأتكم على الفتيا بلا علم لا تزيدكم إلا ذلا بين العباد وخزيًا يوم المعاد، وإني لأعجب من بعض الأخوة الذين
أوتوا نصيباً قليلًا من العلم أن يتصدروا للإفتاء، وكأن الواحد منهم إمام من أئمة السلف، حتى قيل لي عن بعضهم حين أفتى بمسألة شاذة ضعيفة إن الإمام أحمد بن حنبل يقول سوى ذلك، فقال هذا المفتي لمن أورد عليه هذا الإيراد: (ومن أحمد بن
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(2) سورة الإسراء، الآية: 36.
(3) سورة الأنعام، الآية: 144.
(4) أخرجه الدارمي، في المقدم، باب الفتيا وما فيه من الشدة (رقم 159) وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (رقم 1814) وضعيف الجامع (رقم 147) .
(21/364)

حنبل؟! أليس رجلاً؟! إنه رجل، ونحن رجال) . ولم يعلم الفرق بين رجولته التي ادعاها، ورجولة الإمام أحمد إمام أهل السنة - رحمه الله- وأنا لست أقول إن الإمام أحمد قوله حجة، لكن لا
شك أن قوله أقرب إلى الصواب من قول هذا المفتي الذي سلك بدايات الطريق والله أعلم بالنيات.
س 430: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: ذهبت لتأدية العمرة وتجاوزت ميقات الإحرام، ودخلت مكة المكرمة عند أذان الفجر، فدخلت المسجد الحرام وصليت الفجر
وأنا في هذا الوقت لا أعرف الميقات، وعندما خرجت من الحرم سألت عن مسجد الإحرام فدلني أحد الأشخاص على مسجد التنعيم، فذهبت إليه وأحرمت من هناك ورجعت وأديت مناسك
العمرة، وأنا في اعتقادي بأن هذا هو ميقات الإحرام، وعندما رجعت حيث أقيم قال لي أحد الأشخاص: إن عمرتك غير صحيحة، وقال آخر: عمرتك صحيحة وعليك فدية، أما الثالث فقال: يكفيك الإحرام من التنعيم فهل العمرة صحيحة أم علي فدية؟
فأجاب فضيلته بقوله-: العمرة صحيحة؛ ولأنك أتيت بأركانها أحرمت وطفت وسعيت وقمت بالتقصير أيضاً أو الحلق؛ لكن عليك فدية؛ لأنك تركت واجباً، وهو الإحرام من الميقات، فالواجب عليك حين قدمت أن تحرم من الميقات الذي تمر به فلتركك هذا الواجب أوجب العلماء عليك فدية تذبحها في مكة وتوزعها على الفقراء هناك.
(21/365)

وتوجيهنا لمن يفتي بغير علم أنه يحرم على الإنسان أن يسارع في الفتيا بغير علم لقول الله تبارك وتعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)) (1) ولقول الله تبارك
وتعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)) (2) ولقول الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)) (3) وربما يدخل هذا في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" (4) وفي الأثر "أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" (5) وكان السلف- رحمهم الله- يتدافعون الفتيا كل منهم يحيلها على الآخر، ولكن الذي يظهر لي أن هذا السائل لم يفته أحد من العلماء، لكنها فتوى مجالس من العامة، أي قاله كل واحد منهم أظن أن عليك كذا ومع ذلك فإننا لا نعذره؛ لأن الواجب عليه أن يسأل أهل العلم الذين هم أهل للإفتاء، لكنني أحذر صغار الطلبة الذين يسرعون في الإفتاء فتجد الواحد منهم يعرف دليلاً في مسألة وقد يكون هذا الدليل عاما مخصوصاً،
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(2) سورة الأنعام، الآية: 144.
(3) سورة الإسراء، الآية: 36.
(4) أخرجه الترمذي كتاب تفسير القرآن، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه (رقم 2950، 2951) وقال: هذا حديث حسن.
(5) تقدم ص 364.
(21/366)

أو مطلقاً مقيداً، أو منسوخاً غير محكم، فيتسرع في الفتيا على ضوئه دون أن يراجع بقية الأدلة، وهذا غلط محض يحصل به إضلال المسلمين عن دينهم، ويحصل به البلبلة والإشكال حتى فيما يقوله العلماء الذين يفتون عن علم؛ لأن هذا الإفتاء الذي حصل لهم بغير علم والذي فيه مخالفة الحق ربما يضعه الشيطان في قلوبهم موضع القبول، فيحصل بذلك عندهم التباس وشك، لهذا نقول لإخواننا: إياكم والتسرع في الفتيا واحمدوا ربكم أنه ألزمكم أن لا تقولوا بشيء إلا عن علم أو عن بحث تصلونا فيه على الأقل إلى غلبت في الظن، وكم من مفسدة حصلت بالإفتاء بغير علم، فربما يحصل بذلك إفطار في صوم، أو قضاء صوم غير واجب، أو ربما تصل إلى حد أبلغ وأكبر مما ذكر، ويرد علينا أمور كثيرة في هذا الباب والله المستعان.
س 431: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل منتدب لمكة للعمل في موسم الحج وقال: إن أذن لي مرجعي بالحج فسوف أحج. وأخذ معه ملابس الإحرام، والغالب على ظنه أن مرجعه سوف يأذن له، فإذا أذن مرجعه فمن أين يحرم؟ وهل يلزمه الرجوع للميقات الذي مر به؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الرجل الذي في مهمة لا يدري أيؤذن له أو لا، لا يلزمه الإحرام من الميقات، فإن أذن له أحرم من المكان الذي فيه الإذن.
(21/367)

س 432: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة ذهبوا للحج بالنقل الجماعي ولم ينتبه السائق للميقات إلا بعد أن تجاوزه بمائة كيلو فطالبه الركاب بالرجوع للميقات ليحرموا منه فرفض
العودة إليه وواصل الرحلة حتى وصلوا إلى جدة فماذا يلزمهم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الواجب على السائق أن يتوقف عند الميقات ليحرم الناس منه؛ فإن نسي ولم يذكر إلا بعد مائة كيلو كما قال السائل فإن الواجب عليه أن يرجع بالناس حتى يحرموا من الميقات، لأنه يعلم أن هؤلاء يريدون العمرة أو يريدون الحج فإذا لم يفعل وأحرموا من مكانهم أي بعد تجاوز الميقات بمائة كيلو فإن عليهم على كل واحد فدية يذبحها في مكة، ويوزعها على الفقراء لأنهم تركوا واجباً من واجبات النسك سواء في حج أو عمرة، وفي هذه الحال لو حاكموا هذا السائل لربما حكمت المحكمة عليه بغرم ما ضمنوه من هذه الفدية، لأنه هو الذي تسبب لهم في غرمها، وهذا يرجع إلى المحكمة إذا رأى القاضي أن من المصلحة أن يقول للسائق: عليك قيمة الفدا التي ذبحها هؤلاء؟ لأنك أنت الذي اعتديت عليهم والنسيان منك أنت فرطت أولا ثم اعتديت عليهم ثانيا بمنعهم من حق الرجوع.
س 433: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل لم يعقد نية الإحرام إلا بعد أن تجاوز الميقات جاهلاً، وكذلك لبس ثوبه قبل أن يحلق شعره ناسياً؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أما المسألة الأولى: الذي لم يحرم
(21/368)

من الميقات جاهلاً فلا إثم عليه، لكن عليه عند العلماء أن يذبح فدية في مكة توزع على الفقراء لأنه ترك واجباً. والثانية وهي كونه لبس قبل أن يقصر ناسياً فلا شيء عليه أيضًا.
س 434: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد الذهاب إلى مكة في أول يوم من أيام الحج بدون أن يحرم فإذا جاء اليوم الثامن أحرم مفردا فهل يصح هذا الفعل ومن أين يحرم؟
لْأجاب فضيلته بقوله-: الواجب على من أراد الحج والعمرة إذا مر بالميقات أن يحرم منه، ولا يحل له أن يؤخر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام
من الجحفة، وأهل اليمن من يلملم، وأهل نجد من قرن " (1) وفي لفظ "أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يهل أهل المدينة من ذي الحليفة" (2) إلى آخره، فلا يحل للإنسان إذا مر بالميقات وهو يريد الإحرام بالحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات بلا إحرام، فإن فعل قلنا له: ارجع وأحرم من الميقات، فإن أحرم من غير الميقات لزمه عند العلماء دم يذبح في مكة ويوزع على الفقراء في مكة.
س 435: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: رجل ترك الإحرام من الميقات للعمرة فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أولا: يجب أن نعلم أنه لا يحل
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(2) تقدم ص 36-37.
(21/369)

لإنسان أن يتجاوز الميقات وهو يريد الحج أو العمرة إلا أن يحرم منه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقيت، وأمر بالإحرام منها لمن أتاها وهو يريد الحج أو العمرة.
ثانيا: إذا فعل الإنسان هذا- أي تجاوز الميقات بلا إحرام وهو يريد الحج أو العمرة- فإنه آثم عاص لله ورسوله، وعليه عند أهل العلم فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء، ولا يأكل منها شيئاً، جبراً لما ترك من واجب الإحرام حيث ترك واجباً في الإحرام، وهو ألن يكون الإحرام من الميقات.
س 436: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أديت فريضة الحج ولم أحرم بالحج من الميقات إلا بعد أن تجاوزت هذا الميقات، لأنني كنت أجهل مناسك الحج، وقرأت بأن الإحرام من أركان الحج، ومن ترك الإحرام فلا حج له، فماذا يلزمني هل أعيد الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن المواقيت التي وقتها الرسول عليه الصلاة والسلام يجب على كل من مر بها وهو يريد الحج أو العمرة أن يحرم منها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بذلك، فمن تجاوزها وهو يريد الحج أو العمرة ولم يحرم وأحرم من دونها فإن عليه عند أهل العلم فدية جبراً لما ترك من الواجب، يذبحها بمكة ويوزعها كلها على الفقراء، ولا يأكل منها شيئاً.
وأما قول العلماء: إن الإحرام ركن، فمرادهم بالإحرام نية
(21/370)

النسك، لا أن يكون الإحرام من الميقات؛ لأن هناك فرقاً بين نية النسك وبين كون النية من الميقات، فمثلاً قد يتجاوز الإنسان الميقات ولا يحرم ثم يحرم بعد ذلك فيكون هنا أحرم وأتى بالركن، لكنه ترك واجباً وهو كون الإحرام من الميقات، والرجل حسب ما فهمنا من سؤاله قد أحرم بلا شك، لكنه لم يحرم من الميقات فيكون حجه صحيحاً، ولكن عليه فدية عند أهل العلم تذبح في مكة وتوزع على الفقراء، إن استطاع أن يذهب هو بنفسه وإلا فليوكل أحداً، وإن لم يجد من يوكله ولم يستطع أن يذهب فمتى وصل إلى مكة في يوم من الأيام أدى ما عليه.
وأوجه هؤلاء وغيرهم ممن يعبدون الله تعالى على غير علم فإن كثيراً من الناس يصلون ويخلون بالصلاة وهم لا يعلمون وإن كان هذا قليلاً؛ لأن الصلاة والحمد لله تتكرر في اليوم خمس مرات ولا نخفى على أحكامها الكلية العامة على أحد، لكن الحج هو الذي يقع فيه الخطأ كثيراً لا من العامة ولا من بعض طلبة العلم الذين يفتون بغير علم، لذلك أنصح إخواني المسلمين وأقول: إذا أردتم الحج فاقرأوا أحكام الحج على أهل العلم الموثوقين بعلمهم وأمانتهم، أو ادرسوا من مؤلفات هؤلاء العلماء ما تهتدون به إلى كيفية أداء الحج، وأما أن تذهبوا إلى الحج مع الناس ما فعل الناس فعلتموه، وربما أخللتم بشيء كثير من الواجب فهذا خطأ، وإني أضرب لهؤلاء الذين يعبدون الله تعالى على غير علم مثلاً برجل أراد أن يسافر إلى المدينة وهو لا يعرف الطريق فهل هو يسافر بدون أن يعرف الطريق؟ أبداً لا يمكن أن يسافر إلا إذا عرف
(21/371)

الطريق، إما برجل يكون دليلاً له يصاحبه، وإما بوصف دقيق يوصف له المسير، وإما بخطوط مضروبة على الأرض ليسير الناس عليها، وإما أن يذهب هكذا يعوم في البر فإنه لا يمكن أن يذهب، وإذا كان هذا في الطريق الحسي فلماذا لا نستعمله في الطريق المعنوي الطريق الموصل إلى الله؟! فلا نسلك شيئاً مما يقرب إلى الله إلا ونحن نعرف أن الله تعالى قد شرعه لعباده، هذا هو الواجب على كل مسلم أن يتعلم قبل أن يعمل، ولهذا بوَّب البخاري- رحمه الله- في كتابه الصحيح فقال: (باب العلم قبل القول والعمل) ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (1) .
س 437: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد العمرة ولكنه ذهب إلى قريب له في الشرائع ولم يحرم من الميقات يريد الراحة عند قريبه ثم يرجع إلى الميقات ويحرم منه فهل هذا جائز
وما الأفضل في حقه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن لا يتجاوز الميقات حتى يحرم، ويمكنه أن يستريح عند أقاربه وهو محرم، والناس لا يرون في هذا بأسًا ولا خجلاً ولا حياءً، لكن لو فعل وقال: أستريح ثم
أرجع إلى الميقات وأحرم منه فلا حرج.
__________
(1) سورة محمد، الآية: 19.
(21/372)

س 438: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قدم مكة في أشهر الحج للعمل ولم يحرم ثم نوى الحج وهو بمكة فمن أين يحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قدم الإنسان إلى مكة لا يريد الحج ولا العمرة، وإنما يريد العمل أو التجارة أو زيارة قريب أو عيادة مريض، ثم بدا له أن يحج أو يعتمر فإنه يحرم من المكان الذي بدا له أن يحج أو يعتمر فيه، إلا أنه إذا نوى العمرة وهي في الحرم فإنه يخرج إلى الحل.
س 439: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- رجل قدم للعمل وأحرم بالحج وهو عرفة يشتغل فهل يجوز؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يحرم الإنسان بالحج في عرفة ولا بأس أن يشتغل وهو محرم، سواء اشتغل لنفسه أو اشتغل لغيره بأجرة، لقول الله تبارك وتعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .
س 440: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قدمت إلى مكة الكرمة من أجل العمل فيها وأديت فريضة الحج عن نفسي، وفي السنة الثانية أردت أن أحج عن والدتي المتوفاة وقد سألت بعض الناس عن كيفية الإحرام، فقالوا لي: اذهب إلى جدة وأحرم من هناك وفعلاً ذهبت إلى جدة وأحرمت من هناك، وأتممت مناسك الحج فهل حجتي هذه صحيحة أم يلزمني شيء آخر أفعله أفيدوني بارك الله فيكم؟
(21/373)

فأجاب فضيلته بقوله-: إذا كنت في مكة فإن إحرامك بالحج يكون من مكانك الذي أنت فيه بمكة، ولا حاجة أن تخرج إلى جدة ولا إلى غيرها، ففي حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقّت المواقيت ثم قال: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة".
أما إذا كنت تريد أن تحرم بعمرة وأنت في مكة فإنه لابد أن تخرج لأدنى الحل- أي إلى خارج حدود الحرم- حتى تهلَّ بها، ولهذا لما طلبت عائشة- رضي الله عنها- من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تأتي بعمرة أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر- رضي الله عنهما- أن يخرج بها إلى التنعيم حتى تهلَّ منه (1) .
وعلى هذا الذي قال لك: لابد أن تخرج إلى جدة لا وجه لقوله، وحجك صحيح إن شاء الله تعالى ما دام متمشياً على منهاج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويكون لأمك كما أردته.
س 441: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل بمكة المكرمة وينزل إلى مصر في إجازة سنوية فهل يلزمه الإحرام من الميقات إذا رجع إلى مكة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا رجع الإنسان من بلده إلى مكة وكان قد أدى فريضة العمرة فإنه لا يلزمه الإحرام بعمرة ثانية لأن العمرة لا تجب في العمر أكثر من مرة كالحج، ولكنه إذا شاء أن
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب قول الله تعالى (الحج أشهر معلومات) (1560) ، ومسلم، كتاب الحج، باب وجوه الإحرام (1211) (112) .
(21/374)

يحرم فإنه يجب عليه أن يكون إحرامه من أول ميقات يمر به؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقيت وقال: "هن لهن ولا من أتى عليهن من غير أهلهن " فمثلاً إذا كان من أهل مصر وذهب في الإجازة إلى مصر، ثم رجع إلى مقر عمله في السعودية ففي هذه الحال يجب أن يحرم من الميقات إذا كان يريد العمرة، وإن كان لا يريد العمرة فلا بأس أن يدخل بدون إحرام إلا إذا كان لم يؤد العمرة أولاً فإنه يجب عليه أن يبادر ويحرم بالعمرة من الميقات.
س 442: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل لأهل مكة أن يحرموا من بيوتهم أم من مسجد التنعيم؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا يجوز لأحد أن يحرم من مكة لا أهل مكة ولا غيرهم إلا في الحج فقط، وأما العمرة فلا بد أن يخرجوا إلى التنعيم، أو إلى غيره من الحل، فمثلاً إذا كان في الرصيفة أو في غربي مكة ورأى أن الأسهل عليه أن يخرج عن طريق جدة ويحرم من الحديبية من جانبها الذي في الحل فلا بأس، أو كان في العوالي وأراد أن يخرج إلى عرفة ويحرم منها فلا بأس، لأن المقصود أن يحرم من الحل سواء من التنعيم أو من غيره.
س 443: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يسكن في جدة وأهله في مكة وأحرم من بيت أهله في مكة ثم قضى حجه فما الواجب عليه وهل يجب عليه طواف الوداع؟
(21/375)

فأجاب فضيلته بقوله-: إذا نوى أن يذهب إلى أهله ويحج معهم فليس عليه شيء ويحرم من مكة.
وإذا أراد أن يخرج إلى جدة فيجب عليه أن يطوف طواف الوداع.
س 444: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل منتدب للعمل في مكة ولما وصل مكة أذن له مرجعه بالحج فمن أين يحرم هل يلزمه الرجوع للميقات؟
فأجاب فضيلته بقوله-: يحرم من مكانه بالحج. فإن أذنوا له في منى أحرم من منى، وإن أذنوا له في عرفة أحرم من عرفة.
س 445: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد مكة من أجل العمل ولكن يريد إذا دخل مكة أن يسمح له رؤساؤه أن يعتمر، فإذا تجاوز الميقات هل يدخل محرماً أو لابسًا ثوبه؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا قصد الإنسان مكة للعمل فمر بالميقات وكان أدى من قبل فريضة الحج والعمرة فإنه لا يجب عليه الإحرام من الميقات لأن الحج والعمرة واجبان مرة واحدة في العمر، فإن كان قد أداهما ومر بالميقات وهو لم يرد الحج ولا العمرة فإنه لا يلزمه الإحرام؛ لأنه وجوب الإحرام من الميقات إنما يكون على من أراد الحج والعمرة، كما يدل على حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- لما ذكر المواقيت فقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو
(21/376)

العمرة" (1) أما الداخل لمكة للعمل وكان أدى الحج والعمرة ولكنه أراد الإحرام فيما بعد فإنه يحرم من مكة إن كان يريد الحج، وإن كان يريد العمرة فإنه لابد أن يخرج إلى الحل ويحرم من الحل، إما التنعيم، أو الجعرانة، أو الحديبية على طريق جدة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما طلبت عائشة- رضي الله عنها- منه أن تأتي بالعمرة أمر أخاه عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم فتهل بالعمرة من هناك (2) .
س 446: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من خرج من الرياض إلى مكة ولم يقصد لا حجاً ولا عمرة ثم بعد وصوله مكة أراد الحج فأحرم من جدة قارناً فهل يجزئه الإحرام من جدة أم لابد من ذهابه إلى المواقيت المعلومة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا تجاوز الإنسان الميقات وهو لا يريد حجاً ولا عمرة فليس عليه شيء، وإذا تجددت له النية للحج بعد أن تجاوز المواقيت فإنه يحرم من المكان الذي تجددت له فيه
النية، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ" (1) .
س 447: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سافرت إلى الحجاز ولم يكن عندي نية للعمرة وعندما وصلت إلى جدة ومكثت فيها أياما وجدت ما يشجعني على أداء العمرة فهل أعتمر
__________
(1) تقدم ص 36-37.
(2) تقدم ص 374.
(21/377)

مع العلم أني لم أعتمر قبل ذلك أبداً؟
فأجاب فضيلته بقوله-: نقول في هذا الحال لك أن تحرم من جدة؛ لأنك في الأول لم ترد العمرة، ولكن يجب أن تعلم أن العمرة واجبة على الفور، وأن الواجب عليك أن تنوي العمرة حين مررت بالميقات ثم تؤدي العمرة وترجع إلى جدة، ولكن ما دام الأمر كما قال السائل: إنه قد ذهب إلى جدة وهناك وجد من يشجعه على العمرة فأحرم من هنالك وأدى العمرة نقول: لا حرج عليه، وليس عليه فدية، وعمرته هذه مجزئة عن عمرة الإسلام.
س 448: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة سافروا للحج ثم تعطلت السيارة دون الميقات وقطع الغيار لا توجد إلا في مكة فهل المرسل من قبل الجماعة لشراء قطع الغيار يجب عليه
الإحرام لكونه سيمر بالميقات وهو مريد للحج والعمرة وبعد خروجه من مكة وإصلاح السيارة يؤدي نسكاً مرة ثانية أم يبقى في إحرامه ويشتري قطع الغيار ويؤدي مع الجماعة؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا يجب عليه الإحرام حين دخوله لشراء قطع الغيار؛ لأنه مر بالميقات وهو لا يريد الحج ولا العمرة وإنما يريد شراء حاجته ثم يرجع، وإذا رجع مع أصحابه أحرم معهم.
س 449: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي مواقيت الحج الزمانية؟ وهل للعمرة ميقات زماني؟
(21/378)

فأجاب فضيلته بقوله-: مواقيت الحج الزمانية تبتدىء بدخول شهر شوال، وتنتهي إما بعشر ذي الحجة أي بيوم العيد، أو بآخر يوم من شهر ذي الحجة وهو القول الراجح لقول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) وأشهر جمع، والأصل في الجمع أن يراد به حقيقته، ومعنى هذا الزمن أن الحج يقع في خلال هذه الأشهر الثلاثة، وليس يفعل في أي يوم منها، فإن الحج له أيام معلومة، إلا أن مثل الطواف والسعي- إذا قلنا بأن شهر ذي الحجة كله وقت للحج- فإنه يجوز للإنسان أن يؤخر طواف الإفاضة وسعي الحج لآخر يوم من شهر ذي الحجة، ولا يجوز له أن يؤخرهما عن ذلك، اللهم إلا لعذر، كما لو نفست المرأة قبل طواف الإفاضة وبقى النفاس عليها حتى خرج ذي الحجة فهي معذورة في تأخير طواف الإفاضة، هذه هي المواقيت الزمانية للحج.
أما العمرة فليس لها ميقات زمني، فتفعل في أي يوم من أيام السنة، لكنها في رمضان تعدل حجة، وفي أشهر الحج اعتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فكل عمره عليه الصلاة والسلام في أشهر الحج، فعمرة الحديبية كانت في ذي القعدة، وعمرة القضاء كانت في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة، وعمرة الحج كانت مع الحج في ذي القعدة. وهذا يدل عن أن العمرة في أشهر الحج لها مزية وفضل لاختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الأشهر لها.
(21/379)

س 450: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي أشهر الحج؟.
فأجاب فضيلته بقوله-: أشهر الحج كما قال الله عز وجل: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) (1) وأشهر جمع شهر، والجمع أقله ثلاثة والثلاثة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة.
س 451: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الإحرام قبل المواقيت المكانية؟
فأجاب فضيلته بقوله-: حكم الإحرام قبل المواقيت مكروه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقتها، وكون بعض الناس يحرم قبل أن يصلها فيه شيء من التقدم على حدود الله تعالى، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصيام: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم، أو يومين، إلا رجل
كان يصوم صوما فليصمه " (2) وهذا يدل على أنه ينبغي لنا أن نتقيد بما وقته الشرع من الحدود الزمانية والمكانية، ولكنه إذا أحرم قبل أن يصل إليها فإن إحرامه ينعقد.
وهنا المسألة أحب أن أنبه إليها وهي: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما وقت هذه المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (3) فمن كان من أهل نجد ومر بالمدينة
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين (رقم 1914) ومسلم، كتاب الصيام، باب لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين (رقم 1082)
(3) تقدم ص 36-37.
(21/380)

فإنه يحرم من ذي الحليفة، ومن كان من أهل الشام ومر بالدينة فإنه يحرم من ذي الحليفة، ولا يحل له أن ينتظر إلى أن يصل إلى ميقات أهل الشام الأصلي، هذا القول الراجح من أقوال أهل العلم.
س 452: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الإحرام بالحج قبل دخول المواقيت الزمانية؟
فأجاب فضيلته بقوله-: اختلف العلماء- رحمهم الله- في الإحرام بالحج قبل دخول أشهر الحج، فمنهم من قال: إن الإحرام بالحج قبل أشهره ينعقد ويبقى محرماً بالحج إلا أنه يكره أن يحرم بالحج قبل دخول أشهره.
ومن العلماء من قال: إنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره فإنه لا ينعقد، ويكون عمرة- أي يتحول إلى عمرة- لأن العمرة كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - "دخلت في الحج " وسماها الرسول - صلى الله عليه وسلم - الحج الأصغر كما في حديث عمرو بن حزم المرسل المشهور الذي تلقاه الناس بالقبول (1) .
س 453: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يصح الإحرام بالحج قبل أشهره؟
فأجاب فضيلته بقوله-: في هذا خلاف بين أهل العلم مع الاتفاق أنه لا يشرع أن يحرم بالحج قبل أشهره، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فإذا أحرم الإنسان بالحج في
__________
(1) انظر: إرواء الغليل (رقم 972)
(21/381)

رمضان مثلاً فمن أهل العلم من يقول: إن إحرامه ينعقد ويكون متلبسا بالحج، لكنه يكره، ومنهم من يقول: إنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج، لقول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) . فجعل الله تعالى ترتب أحكام الإحرام على من فرضه في أشهر الحج فدل ذلك على أن أحكام الإحرام لا تترتب على من فرضه في غير أشهر الحج، وإذا لم تترتب الأحكام فمعنى ذلك أنه لم يصح الإحرام.
س 454: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: اعتمرنا في شهر رمضان وقد أحرمنا قبل وصول الطائرة مطار الملك عبد العزيز بجدة بنصف ساعة أو أكثر فما حكم هذا الإحرام وما هو ميقات
أهل الخليج العربي؟
فأجاب فضيلته بقوله-: الحمد لله رب العالمين وأصلى وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد: فإنه قبل الجواب على هذا السؤال نقدم مقدمة وهي: أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يؤدي عبادة أن يفهم أحكامها أولاً قبل أن يتلبس بها، لئلا يقع في محظور منها، أو في ترك واجب؛ لأن هذا هو الذي أمر الله به (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (1) فبدأ بالعلم قبل العمل (اعلم واستغفر) ثم إن هذا الطريق هو الواقع النظري العقلي أن يعرف الإنسان طريق البلد قبل أن يسير إليه، ولا يختص هنا بالحج والعمرة اللذين يجهل كثير من الناس
__________
(1) سورة محمد، الآية: 19.
(21/382)

أحكامهما، بل يتناول جميع العبادات أن لا يدخل الإنسان فيها حتى يعرف ما يجب فيها، وما يمنع.
وأما بالنسبة لما ذكره السائل فإن الإحرام قبل الوصول إلى مطار الملك عبد العزيز الذي هو مطار جدة الجديد بنصف ساعة يبدو أنه إحرام صحيح، لأن المواقيت لا نظن أنها تتجاوز نصف ساعة بالطائرة من مطار جدة، فعلى هذا يكون إحرامهم بالعمرة قبل الوصول للمطار بنصف ساعة إحراماً صحيحاً ليس فيه شيء إن شاء الله.
وأما بالنسبة لميقات أهل الخليج فإن ميقات أهل الخليج هو ميقات غيرهم، وهي المواقيت الخمسة التي وقتها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن أتى إلى مكة يريد الحج أو العمرة، وهي ذو الحليفة المسماة أبيار علي لأهل المدينة ولمن مر بها من غيرهم، والجحفة وهي لأهل الشام ولمن مر بها من غيرهم، وقد خربت الجحفة وصار الناس يحرمون بدلاً عنها من رابغ. وقرن المنازل لأهل نجد ومن مر به من غيرهم ويسمى الآن السيل الكبير، ويلملم لأهل اليمن ومن مر بها من غيرهم، وتسمى الآن السعدية، وذات عرق لأهل العراق (1) وقتها عمر- رضي الله- عنه وفي السنن عن النبي أنه وقتها وهي المسماة بالضريبة، هذه المواقيت لمن مر بها يريد الحج أو العمرة من أي قطر من أقطار الدنيا، فإذا مرَّ من طريق لا يمر بهذه المواقيت فإنه يحرم إذا حاذى هذه المواقيت؛ لأن عمر
- رضي الله عنه- أتاه أهل العراق وقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي
__________
(1) تقدم تخريجه ص 36.
(21/383)

- صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل نجد قرناً، وإنها جور عن طريقنا- يعني مائلة عن طريقنا- فقال أمير المؤمنين عمر: (انظروا إلى حذوها من طريقكم) فقوله رضي الله عنه (انظروا إلى حذوها) يدل على أنه من حاذى هذه المواقيت براً، أو بحراً، أو جواً أن يحرم، فإذا حاذى أقرب ميقات له وجب عليه الإحرام.
والظاهر لي أن طرق الخليج الجوية تمر من محاذاة قرن المنازل، وهو أقرب المواقيت إليها، وإذا لم يكن هذا صحيحاً فيسأل قائد الطائرة أين يكون طريقها، فإذا علم أنه حاذى أقرب ميقات إليه وجب عليه الإحرام منه، ولا يجوز لأهل الخليج ولا لغيرهم أن يؤخروا الإحرام حتى ينزلوا إلى جدة فإن هذا- وإن قال به من قال من الناس- قولٌ ضعيفٌ لا يعول عليه، وما ذكرناه عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وهو أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباعهم يدل على بطلان هذا القول إلا من وصل إلى جدة قبل أن يحاذي ميقاتاً مثل أهل سواكن في السودان، فإن أهل العلم يقولون: إنهم يصلون إلى جدة قبل أن يحاذوا رابغاً، أو يلملم؛ لأن جدة في زاوية بالنسبة لهذين الميقاتين فعلى هذا فيحرم أهل سواكن ومن جاء من هذه الناحية من جدة.
س 455: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف يحرم المسافر بالجو؟
فأجاب فضيلته بقوله-: يحرم المسافر بالجو كما ذكرنا قبلا
(21/384)

أي إذا حاذى الميقات يحرم، ولكن كي يصنع قبل إحرامه نقول: ينبغي له أن يغتسل في بيته، وأن يلبس ثياب الإحرام سواءً في بيته أو في الطائرة حين تستقل به الطائرة، وإذا بقي عليه إلى مطار جدة
حوالي نصف الساعة فليحرم، أي فليلبي يقول. لبيك عمرة إن كان محرماً بعمرة، أو لبيك حجًّا إن كان محرماً بحج.
س 456: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم: إن أشهر الحج ثلاثة شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فهل ينعقد الحج، أيام التشريق؟
فأجاب فضيلته بقوله-: أشهر الحج: يرى بعض العلماء أنها شهران وعشرة أيام، ويرى الآخرون أنها شهران وثلاثة عشر يوما تنتهي بآخر أيام التشريق، والظاهر أنها ثلاثة أشهر شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، ولا ينعقد الحج في أيام التشريق؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحج عرفة" (1) . وقد فات يوم عرفة.
س 457: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للإنسان أن يحرم بالحج وقد فات يوم عرفة في أيام التشريق أو بعد انتهاء أيام التشويق للعام القادم لأنه في أشهر الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله-: إذا أحرم للعام للقادم فقد أحرم
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك باب من لم يدرك عرفة (رقم 1949) والترمذي، كتاب الحج، باب فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (رقم 889) ، والنسائي، كتاب الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام في مزدلفة (رقم 3047) ، وابن ماجه، كتاب الحج، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (رقم 3015) ، والحاكم (1/464) وصححه ووافقه الذهبي.
(21/385)

بالحج قبل أشهره، فينبني هذا على الخلاف: هل ينعقد الحج قبل أشهره؟ من العلماء من قال: ينعقد لكن مع الكراهة، ومنهم من قال: لا ينعقد، وعلى هذا يحول الإحرام إذا أحرم بالحج قبل أشهره
إلى العمرة ويطوف ويسعى ويقصر، وفي العام القادم يأتي بالحج.
س 458: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز الإحرام قبل الميقات؟
فأجاب فضيلته بقوله-: لا ينبغي للإنسان أن يحرم بعمرة أو حج إلا من الميقات الذي وقت النبي - صلى الله عليه وسلم -. والمواقيت خمسة وهي: ذو الحليفة والمسماة أبيار علي وهي لأهل المدينة ولمن مر بها. والجحفة وهي قرية خربت وصار الناس يحرمون بدلاً عنها من رابغ وهي لأهل الشام ولمن مر بهم، ويلملم ويقال لها: السعدية فهي ميقات أهل اليمن لمن مر بها، وقرن المنازل وهو
السيل الكبير وهو لأهل نجد ولمن مر به، وأما ذات عرق فهي التي تسمى الضريبة وهي لأهل العراق ولمن مر بها من غيرهم، وهذه المواقيت من أراد الحج والعمرة لا يجوز أن يتجاوزها حتى
يحرم منها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة"، فقوله (يهل) خبر بمعنى الأمر، ولا ينبغي للإنسان أن يحرم قبل الوصول إلى هذه المواقيت، وقد نص أهل العلم على أن هذا مكروه.
(21/386)

س 459: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للإنسان إذا سافر للعمرة أو الحج بالطائرة أن يحتاط ويحرم قبل الميقات بقليل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإحرام بالطائرة ينبغي للإنسان أن يحتاط فيه، وذلك لأن الطائرة سريعة المرور فلهذا ينبغي أن يحتاط ويحرم قبل خمس دقائق أو دقيقتين ونحو ذلك.
س 460: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في بعض البلاد الأفريقية يحرمون في المطار قبل المغادرة إلى مكة لأن الطائرات في بلدانهم لا يعرفون شيئاً عن الميقات فلذلك يسيرون بهؤلاء ولا
يخبرونهم عن الميقات فهم يحرمون في المطار قبل المغادرة بهذا السبب فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله-: هؤلاء الذين يأتون بالطائرة من بلادهم ولا يقوم أهل الطائرة بتبليغهم نقول: لا بأس أن تحرموا من المطار.
س 461: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المسافر للحج أو العمرة بالطائرة إذا أخذ بالأحوط وذلك لسرعة الطائرة وأحرم قبل الوصول للميقات فما حكمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يكون في الطائرة نرى أنه يحتاط أي يحرم قبل خمس دقائق؛ لأنه لو أخر حتى يحاذي الميقات فالطائرة في دقيقة واحدة تأخذ مسافة طويلة، لهذا نقول:
(21/387)

احتاط، ومن ثم كان القائمون على الطائرة- جزاهم الله خيراً- يعلنون قبل الوصول إلى الميقات أولاً بنصف ساعة أو ثلث ساعة، ثم بعشر دقائق.
س 462: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس من باب الاحتياط وخوفاً من مرور الطائرة بالميقات بسرعة يحرمون عند صعود الطائرة مع أن قائد الطائرة يعلن بوقت كاف قبل
الوصول إلى محاذاة الميقات فما حكم هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بحسن، والعلماء قالوا: يكره أن يحرم قبل الميقات، ولا داعي للاحتياط هنا.
س 463: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض سكان جدة إذا أرادوا العمرة يأتون مكة ويحرمون منها فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا فيه تفصيل فإذا كان الإنسان ساكناً في جدة ونزل إلى مكة لغير العمرة لغرض من الأغراض ثم بدا له في مكة أن يحرم، نقول: أحرم من التنعيم، أو من عرفة، المهم من أدنى الحل، وأما الذي قصد أن يعتمر وهو من أهل جدة فيجب أن يحرم من جدة ولا يؤخر.
تم بحمد الله تعالى
المجلد الحادي والعشرون
ويليه بمشيئة الله عز وجل
المجلد الثاني والعشرون.
(21/388)