Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 022


باب الإحرام
(22/7)

س 464: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الاغتسال للمحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاغتسال للمحرم سنة، لثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء اغتسل مرة أو مرتين، ولكنه يجب أن يغتسل إذا احتلم وهو محرم فيغتسل من الجنابة، وأما الاغتسال للإحرام فهو سنة.
س 465: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم وضع الطيب قبل الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: التطيب عند الإحرام بعد الاغتسال سنة؟ وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تطيب لإحرامه، قالت عائشة رضي الله عنها: "كنت أطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم " (1) وكان يُرى وبيص المسك في مفارق رأسه - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم (2) .
س 466: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تطييب ثياب الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ولا الورس " (3) .
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام (رقم 1539) ومسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (1189) (133) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب الطيب في الرأس واللحية (رقم 5923) ومسلم، كتاب الحج باب استحباب الطيب قبل الإحرام في البدن (رقم 1189) (35) .
(3) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب ما لا يلبس المحرم من الثياب (رقم 1542) ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة (رقم 1177) .
(22/9)

س467: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على الإنسان أن يغتسل في اليوم الذي ينوي فيه العمرة، أم أن له أن يغتسل قبلها بيوم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاغتسال عند الإحرام سنة، فإنه - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإهلاله واغتسل (1) ، ولأن أسماء بنت عميس رضي الله عنها نفست فأمرها - صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل وتحرم (2) ، ومن اغتسل قبل الإحرام بيوم لم ينفعه ذلك، ولكن الحج أو العمرة صحيح، لأن الاغتسال ليس بشرط في الحج أو العمرة، بل إنه سنة إن فعله الإنسان أثيب عليه، وإن تركه فلا إثم عليه. والله الموفق.
س 468: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأيكم فيمن يغتسل في بيته ويسافر للحج أو العمرة وينوي إذ! وصل إلى الميقات خصوصاً في الأيام الباردة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يغتسل في بيته ويسافر إذا كان اغتساله عند السفر، ولكنه إن تمكن من أن يغتسل في الميقات فهو أفضل.
__________
(1) أخرجه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الاغتسال عند الإحرام (830) وابن خزيمة (رقم 2595) والبيهقي في سننه الكبرى (5/32) وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1218) .
(22/10)

س 469: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يوجد بعض المحرمين يحرم بإزار دون رداء. فما حكم عمرته؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإزار يستر عورته فإن نسكه صحيح، أما إذا كان الإزار لا يستر عورته فإن نسكه غير صحيح؛ لأن من شروط الطواف ستر العورة، كما جاء في الحديث الصحيح: "لا يطوف بالبيت عريان " (1) فإذا كان الإزار ساتراً للعورة فإنه يصح النسك، ولكن الأفضل أن يحرم بإزار ورداء.
س 470: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا وقع على ثوب الإحرام دم قليل أو كثير فهل يصلى فيه وفيه الدم، وماذا يفعل المحرم في الطواف والسعي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدم إذا كان طاهراً فإنه لا يضر إذا وقع على الإحرام أو غيره من الثياب، والدم الطاهر من البهيمة هو الذي يبقى في اللحم والعروق بعد ذبحها: كدم القلب ودم الفخذ
ونحو ذلك، وأما إذا كان الدم نجساً فإنه يغسل سواءً في ثوب الإحرام أو غيره، وذلك الدم المسفوح، فلو ذبح شاة مثلاً وأصابه من دمها فإنه يجب عليه أن يغسل هذا الذي أصابه، سواءً وقع على ثوبه أو على ثوب الإحرام، أو على بدنه، إلا أن العلماء رحمهم الله قالوا: يعفى عن الدم اليسير لمشقة التحرز منه.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك (رقم
1622) ومسلم، كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (رقم
1347) .
(22/11)

وأما قوله: "وماذا على المحرم في الطواف والسعي "، فعليه ما ذكره العلماء من أنه يطوف بالبيت ويجعل البيت عن يساره، ويبدأ بالحجر الأسود وينتهي عند الحجر الأسود، سبعة أشواط لا تنقص، وكذلك يسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط لا تنقص، يبدأ بالصفا وينتهي بالمروة، وما يفعله الحجاج معروف في المناسك فليرجع إليه هذا السائل.
س471: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما السنة في الإزار والرداء للمحرم وهل يشترط أن يكونا جديدين؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يشترط في الإزار والرداء أن يكونا جديدين، ولكن يستحب أن يحرم في ثوبين نظيفين أبيضين، وكلما كانا أنظف فهو أحسن، لأن الله تعالى جميل يحب الجمال.
س 472: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرمة أن تغير الثياب التي أحرمت فيها؟ وهل للإحرام ثياب تخصه؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمرأة المحرمة أن تغير ثيابها إلى ثياب أخرى، سواء كان ذلك لحاجة أم لغير حاجة، لكن بشرط أن تكون الثياب الأخرى ليست ثياب تبرج وجمال أمام الرجال، وعلى هذا فإذا أرادت أن تغير شيئاً من ثيابها التي أحرمت بها فلا حرج عليها.
وليس للإحرام ثياب تخصه بالنسبة للمرأة بل تلبس ما
(22/12)

شاءت، إلا أنها لا تلبس النقاب ولا تلبس القفازين، والنقاب هو الذي يوضع على الوجه ويكون فيه نقب للعين، وأما القفازان فهما اللذان يلبسان في اليد، ويسميان شراب اليدين.
وأما الرجل فإن له لباساً خاصاً في الإحرام وهو الإزار والرداء، فلا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا العمائم، ولا البرانس ولا الخفاف.

س 474 (*) : سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم أداء السنة في مسجد الميقات وكم عددها؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك سنة تختص بمسجد الميقات ولا بالإحرام، فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان إذا أراد أن يحرم صلى ركعتين، لكنه أهلّ بعد صلاة بمعنى أنه صلى الفريضة ثم أهل أي لبى، ولهذا كان القول الراجح ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- أنه ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن ينبغي أن يجعل الإحرام بعد صلاة: فإن كان وقت فريضة انتظر حتى يصلي الفريضة ويحرم، وإن كان في وقت نافلة كصلاة الضحى مثلاً، أوصلاة ركعتين بعد الوضوء، أو صلاة تحية المسجد فليكن إحرامه بعد هذه الصلاة، أما أن ينوي صلاة خاصة للإحرام فإن هذا لا أعلم فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
__________
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هكذا الترقيم في المطبوع (ليس هناك س 473)
(22/13)

س 475: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم ركعتي الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: ركعتا الإحرام وهما الركعتان اللتان يصليهما من أراد الإحرام غير مشروعتين؟ لأنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن للإحرام صلاة تخصه، وإذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام مشروعيتهما فإنه لا يمكن القول بمشروعيتهما، إذ إن الشرائع إنما تتلقى من الشارع فقط، ولكنه إذا وصل إلي الميقات وكان قريباً من وقت إحدى الصلوات المفروضة فإنه
ينبغي أن يجعل عقد إحرامه بعد تلك الصلاة المفروضة؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهل دبر الصلاة (1) ، كذلك لو أراد الإنسان أن يصلي سنة الوضوء بعد اغتسال الإحرام وكان من عادته أن يصلي سنة الوضوء فإنه يجعل الإحرام بعد هذه السنة.
س 476: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم يجعل الإحرام بعد سنة الوضوء إن كان من عادته أنه يصليها. فإذا لم يكن من عادته أنه يصليها فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرى أنه لا بأس، فلا يلزم أن الإنسان إذا فعل شيئاً أن يفعله في كل حال، فما دام السنة في الوضوء مشروعة وأراد أن يصلي فهذا لا بأس به ولا حرج حتى لو كان من
عادته أنه لا يصليها.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(22/14)

س 477: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عندي كتاب لفضيلتكم قلتم فيه: عند نية الإحرام يصلي ركعتين الفريضة إذا كان وقت فريضة وإلا صلى ركعتين يقصد بها سنة الوضوء فما
معنى هذا الكلام؟
فأجاب فضيلته بقوله: معنى هذا الكلام أن الإنسان إذا اغتسل عند الميقات يريد الإحرام بحج أو عمرة فإن كان في وقت صلاة فريضة مثل أن يكون قد حان صلاة الظهر أو صلاة العصر صلى تلك الفريضة ثم أحرم بعدها، وإن لم يكن وقت فريضة كما لو كان وصوله إلى الميقات في وقت الضحى أو في الليل بعد صلاة العشاء فإنه في هذه الحال بعد أن يغتسل ويتوضأ يصلي ركعتين سنة الوضوء؛ لأنه يسن بعد كل وضوء أن يصلي الإنسان ركعتين، فإذا صلى هاتين الركعتين فإنه يحرم بعدهما وبه يعلم أنه ليس للإحرام صلاة تخصه، لأنه لم يرد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى للإحرام صلاة تخصه، وعلى هذا فإذا لم يكن هذا وارداً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يقتصر على ما جاءت به السنة، وهو أن يحرم عقب صلاة مشروعة بغير الإحرام: إما سنة الوضوء، أو ركعتي الضحى، أو صلاة الفريضة إن كان وقت فريضة.
س 478: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: هل للإحرام صلاة تخصه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصواب أنه ليس للإحرام صلاة تخصه، لكن إن كان وقت فريضة جعل إحرامه بعدها كما فعل
(22/15)

النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) ، أما أن يتقصد للإحرام صلاة خاصة فلا. ولو أحرم بدون صلاة مفروضة كما لو صادف إحرامه ضحى ولم يصل فلا شيء عليه.
س 479: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: هل للإحرام صلاة تخصه؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس للإحرام صلاة تخصه لكن إذا وصل الإنسان إلى الميقات وهو قريب من وقت الفريضة فالأفضل أن يؤجل الإحرام حتى يصلي الفريضة ثم يحرم، أما إذا وصل إلى الميقات في غير وقت فريضة فإنه كما هو معلوم يغتسل كما يغتسل من الجنابة ويتطيب ويلبس ثياب الإحرام، ثم إن أراد أن يصلي صلاة الضحى فيما إذا كان في وقت الضحى، أو أن يصلي سنة الوضوء فيما إذا لم يكن في وقت الضحى وصلى سنة الوضوء وأحرم بعد ذلك فحسن، وأما أن يكون هناك صلاة خاصة للإحرام فإن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
س 480: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل ورد نص عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الركعتين عند الإحرام ولم يوافق ذلك فريضة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك صلاة خاصة للإحرام، ولهذا نقول إن كان في وقت فريضة أحرم بعد الفريضة، وإلا أحرم بدون صلاة، وإن صلى بنية الوضوء فهذا
__________
(1) تقدم وهو عند مسلم (رقم 1218) .
(22/16)

حسن، أو كان في وقت الضحى وصلى بها سنة الضحى فهذا حسن أيضاً.
س 481: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل للإحرام صلاة تخصه؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ فمنهم من قال: إن الإحرام له صلاة تخصه؛ لأن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة وحجة، أو عمرة في حجة (1) .
ومنهم من قال: إنه ليس له صلاة تخصه، وأن جبريل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: صلِّ في هذا الوادي المبارك؛ يعنى صلاة الفرض، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل دبر صلاة مفروضة.
ولكن إذا أراد الإنسان بعد اغتساله للإحرام، ووضوئه أن يصلي ركعتين سنة الوضوء فهذا خير ويكون الإحرام عقب سنة الوضوء.
ولكن هل يهل من حين أن يحرم؟ أم يهل إذا ركب؟
من العلماء من يقول: لا يهل إلا إذا ركب، ومنهم من قال: يهل عند إحرامه، ويهل إذا ركب، ويهل إذا علت به ناقته على البيداء، إذا كان محرماً من ميقات أهل المدينة.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: العقيق واد مبارك (رقم 1534) .
(22/17)

س 482: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز التلفظ بالنية لأداء العمرة أو الحج أو الطواف والسعي بالبيت الحرام؟ ومتى يجوز التلفظ بها؟
فأجاب فضيلته بقوله: التلفظ بالنية لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا في الصلاة ولا في الطهارة ولا في الصيام ولا في أي شيء من عباداته - صلى الله عليه وسلم -، حتى في الحج أو العمرة. لم يكن صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم إني أريد كذا وكذا: ما ثبت عنه ذلك ولا أمر به
أحداً من أصحابه، غاية ما ورد في هذا الأمر أن ضباعة بنت الزبير - رضي الله عنها- شكت إليه أنها تريد الحج وهي شاكية (مريضة) فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني، فإن لك على ربك ما استثنيتى" (1) وإنما كان الكلام هنا باللسان لأن عقد الحج بمنزلة النذر، والنذر يكون باللسان. لأن الإنسان لو نوى أن ينذر في قلبه لم يكن ذلك نذراً ولا ينعقد النذر، ولما كان الحج مثل النذر في لزوم الوفاء عند الشروع فيه أمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تشترط بلسانها، وأن تقول: (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) . وأما ما ثبت به الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومنه قوله: "إن جبريل أتاني وقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة أو عمرة وحجة" (2) ، فليس معنى ذلك أنه يتلفظ بالنية، ولكن معنى ذلك أنه يذكر نسكه في تلبيته،
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض وغيره (رقم 1257) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: العقيق واد مبارك (رقم 1534) .
(22/18)

وإلا فالنبي عليه الصلاة والسلام ما تلفظ بالنية.
س 483: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في شرحكم لرياض الصالحين قلتم: إن كل نية يتلفظ بها في كل عمل فهي بدعة، ومثلتم بالصلاة والصوم والحج، فهل التلفظ بنية الحج داخل في البدعة أم أن ذلك سهو؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بسهو، بل التلفظ بنية الحج كالتلفظ بنية الصوم والزكاة والصلاة، يعنى أنه لا يقول الإنسان: اللهم إني نويت الحج، لكن ينوي بقلبه ويعرب عما في قلبه بلسانه، فيقول: لبيك عمرة. وأما أن ينطق بالنية قبل أن يدخل في النسك فيقول: اللهم إني نويت كذا، فهذا بدعة؛ لأنه لم ينقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال حين أراد الإحرام بالعمرة أو الحج: اللهم إني نويت العمرة، أو اللهم إني نويت الحج.
س 484: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يشكل على بعض الناس النطق بالنية إذا قال الحاج لبيك عمرة مثلاً أو قول المضحي هذه عن فلان أي تسمية صاحب الأضحية عند الذبح فأرجو رفع الإشكال؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا إشكال في ذلك، لأن قول المضحي: هذه عني وعن أهل بيتي، إخبار عما في قلبه، لم يقل: اللهم إني أريد أن أضحي. كما يقوله من ينطق بالنية، بل أظهر ما
(22/19)

في قلبه فقط، وإلا فإن النية سابقة من حين أن أتى بالأضحية وأضجعها وذبحها فقد نوى، وكذلك يقال في النسك: لبيك حجاً، لبيك عمرة، وليس هذا من باب ابتداء النية، لأنه قد نوى من قبل، ولهذا لا يشرع أن نقول: اللهم إني أريد العمرة، اللهم إني أريد الحج، بل انوِ بقلبك ولبِّ بلسانك، وأما التكلم بالنية في غير الحج والعمرة والأضحية فهذا أمر معلوم أنه ليس بمشروع، فلا يسن للإنسان إذا أراد أن يتوضأ أن يقول: اللهم إني أريد أن أتوضأ، اللهم إني نويت أن أتوضأ أو بالصلاة: اللهم إني أريد أن أصلي، اللهم إني نويت أن أصلي. كل هذا غير مشروع، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -.
س 485: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عند الإحرام كانت نيتي عمرة متمتعة بها إلى الحج، ولكن لفظت حجاً متمتعة به إلى العمرة، والعمل كان بالنية لا باللفظ، فما هو الموقف من
هذا العمل وهذا الحج وهل هو صحيح بالنية أم باللفظ؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الذي لفظت به سبقة لسان غير مقصود منك فلا أثر له، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى" (1) . فإذا كانت نيتك أن تحرمي بالعمرة متمتعة بها إلى الحج ولكن غلطت وقلت: أحرمت بالحج متمتعة به إلى العمرة، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقم (1) . ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم -: إنما الأعمال بالنية (رقم 1907) .
(22/20)

يضر، لأن العبرة بما في القلب، وسبق اللسان بغير ما قصد الإنسان لا يضره شيئاً. والله الموفق.
س 486: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: قبل ثلاث سنوات ونصف نويت أداء فريضة الحج وقمت من منزلي بنية الحج، وذهبنا وأحرمت من الميقات وقلت: نويت نية العمرة،
وبعدها سألني زوجي فقال لي: ماذا نويت؟ فقلت له؟ نويت حجة. وهي حجة الفرض وبعدها ذهبت إلى منى وأديت جميع مناسك الحج، ووقفت بعرفة، وكانت كل أدعيتي في جميع المناسك أن يتقبل الله مني حجتي. فماذا تكون هذه حجة أم عمرة؟ وماذا عليّ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت أولاً نويت العمرة ثم نويت الحج فإنك تكونين قد أدخلت الحج على العمرة، فإذا فعلت ذلك فإنك تكونين قارنة وهذا كاف للحج والعمرة.
وما فعلتيه يكون أحد صفتي القران، لأن للقران صفتين:
الأولى: أن ينوي الإنسان العمرة والحج من أول إحرامه.
والثانية: أن ينوي العمرة أولاً ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها. والله الموفق.
س 487: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الذي يجب على المسلم الذي ينوي الحج والعمرة في وقت واحد؟ وهل يقبل أن يحج لنفسه والعمرة يهديها للوالد؟
(22/21)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان يريد الإحرام بالحج والعمرة جميعاً في آن واحد فإنه يقول عند الميقات: لبيك عمرة وحجة، ويبقى على إحرامه إلى يوم العيد، فإذا وصل إلى مكة أول ما يصل فإنه يطوف طواف القدوم، ويسعى بين الصفا والمروة للحج والعمرة جميعاً سعياً واحداً يكفيه لهما، ويبقى على إحرامه ويخرج مع الناس فيؤدي الحج، فإذا كان يوم العيد فرمى ونحر وحلق ذهب إلى مكة فطاف طواف الإفاضة ينوي به طواف العمرة والحج جميعاً هذا هو القارن، وعليه هدي يذبحه
يوم العيد أو في الأيام الثلاثة بعده، يأكل منه ويهدي ويتصدق منه، ويجوز الإنسان أن يجعل ثواب العمرة لأحد والديه، وثواب الحج له إذا كان قد أدى الفريضة من قبل، والأفضل للإنسان أن
يحرم أولاً بالعمرة ثم إذا انتهى منها حل وبقي حلالاً إلى اليوم الثامن ذي الحجة ثم يحرم بالحج، وهذا هو التمتع الذي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه به، وعليه فإذا وصل إلى الميقات أحرم بالعمرة، ثم إذا وصل إلى مكة طاف وسعى بين الصفا والمروة وقصر ولبس ثيابه، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج.
س 488: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: امرأة تسأل تقول أنها لا تعلم بأنساك الحج الثلاثة ولا تعلم النية فيها وتقول لها خمس حجج وهي تحج يوم التروية تذهب مع الناس إذا ذهبوا عرفة
ذهبت وكذلك مزدلفة وترمي الجمار ليس لها نية محددة من الأنساك الثلاثة فتسأل عن صحة حجها في هذه الأعوام؟
(22/22)

فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر أن حجها صحيح لأنها كأنها تقول: أحرمت بما الناس محرمون به، والإحرام بما أحرم به فلان جائز، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب في حجة الوداع وكان قد بعثه إلى اليمن مع أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما فقال له: "بم أهللت؟ " فقال: بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: فإن معي الهدي، فجعله قارناً، وأما أبو موسى الأشعري فقال: إنه أهل بما أهل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن لما
لم يكن معه هدي أمره أن يجعلها عمرة، لأن التمتع أفضل من القران، فهذه المرأة لا شك مما يظهر لنا أنها أحرمت بما أحرم به الناس، وإنها تقول: دربي درب الناس، لكن الواجب على الإنسان إذا أراد العبادة سواء حجًّا أو صوماً أو صدقة أو غير ذلك الواجب أن يتعلم قبل أن يتقدم، أما بعد أن فعل يأتي ويقول: ما الحكم؟ هذا لا شك أنه خلاف الأولى.
س 489: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من حج مع الناس دون تحديد نسكه؟
فأجاب فضيلته بقوله: ماذا قال هذا الحاج عند الإحرام: لبيك. ماذا؟ لبيك مع الناس؟ لابد أن يعين حج أو عمرة أو ما أشبه ذلك، لكن لو قال: لبيك بمثل ما أحرم به فلان، يعني معه طالب علم مثلاً، فقال لبيك بمثل ما أحرم به فلان، فيكفي وينظر فلان ماذا لبى به، ودليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا موسى الأشعري وعلى بن أبي طالب- رضي الله عنهما- إلى اليمن، وقدم عليه في
(22/23)

مكة في حجة الوداع فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب "بم أهللت؟ " قال. قلت: أهللت بما أهل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن معي الهدي، فقال: فلا تحل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشرك علي بن أبي طالب في الهدي (1) فصار علي كأنه قد ساق الهدي ومن ساق الهدي فلا يمكن أن يحل إلا يوم العيد، أما أبو موسى فقال: أهللت بما أهل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: اجعلها عمرة. اجعلها عمرة (2) ؛ لأن أبا موسى لم يسق الهدي، والشاهد من هذا أنه يجوز أن يحرم الإنسان بما أحرم به فلان، ويسأل أنت
أحرمت بحج أو بعمرة ويمشي على ما هو عليه.
س 490: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض العوام من الرجال والنساء حينما يأتون إلى المواقيت للعمرة يقولون: من أراد أن يدخل بشيء إلى مكة مثل شنطة أو بفلوس فليحرم بها معه،
فهل لهذا أصل وهل هو بدعة؟ وإذا نسي الإنسان أن يتطيب عند الإحرام فهل يتطيب بعد الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أصل لهذا إطلاقاً وهو غلط. ولا يسمى بدعة وإنما هو ناشىء عن الجهل، حتى لو فرضنا أن الإنسان أحرم بدون نعال ثم لبس النعال فلا شيء في ذلك.
أما قول بعض العوام: لا بد أن تحرم في نعالك ولا تفسخها
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب من أهل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كإهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم
1558) ومسلم، كتاب الحج، باب إهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - وهديه (رقم 1250) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب من أهل في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1559) ومسلم،
كتاب الحج، باب في فسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام (رقم 1221) .
(22/24)

حتى تنتهي من الإحرام يعني ما تغيرها، فهذا غلط، وتغير ثياب الإحرام إلى ثياب أخرى فالإحرام بها جائز، وتغير النعال ولبس النعال وإن كنت حين الإحرام غير لابس جائز.
أما الطيب إذا لم تتطيب قبل الإحرام فلا تتطيب بعد الإحرام.
س 491: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو الاشتراط؟ وما حكمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: صفة الاشتراط أن الإنسان إذا أراد الإحرام يقول: (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) يعنى فإنني أحل، فإذا حبسني حابس أى منعني مانع عن إكمال النسك،
وهذا يشمل أي مانع كان، لأن كلمة حابس نكره في سياق الشرط فتعم أي حابس كان، وفائدة هذا الشرط أنه لو حصل له حابس يمنعه من إتمام النسك فإنه يحل من نسكه ولا شيء عليه.
وقد اختلف أهل العلم في الاشتراط:
فمنهم من قال: إنه سنة مطلقاً، أي أن المحرم ينبغي له أن يشترط، سواء كان في حال خوف أو في حال أمن، لما يترتب عليه من الفائدة، والإنسان لا يدري ما يعرض له.
ومنهم من قال: إنه لايسن إلا عند الخوف، أما إذا كان الإنسان آمناً فإنه لا يشترط.
ومنهم من أنكر الاشتراط مطلقاً.
والصواب القول الوسط، وهو أنه إذا كان الإنسان خائفاً من
(22/25)

عائق يمنعه من إتمام نسكه، سواء كان هذا العائق عامًّا أم خاصًّا فإنه يشترط، وإن لم يكن خائفاً فإنه لا يشترط، وبهذا تجتمع الأدلة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم ولم يشترط، وأذن بل أرشد ضباعة بنت الزبير رضي الله عنها إلى أن تشترط حيث كانت شاكية (1) .
والشاكي أي المريض خائف من عدم إتمام نسكه، وعلى هذا فإننا نقول: إذا كان الإنسان خائفاً من طارىء يطرأ يمنعه من إتمام النسك فليشترط أخذا بإرشاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ضباعة بنت الزبير، وإن لم يكن خائفاً فالأفضل أن لا يشترط اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث أحرم بدون شرط.
س 492: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يلزم المشترط أن يأتي بالصيغة التي وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أم يشترط بأي كلام هو يعبر به عن نفسه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمه أن يأتي بالصيغة الواردة، لأن هذا مما لا يتعبد بلفظه، والشيء الذي لا يتعبد بلفظه يكتفى فيه بالمعنى.
س 493: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما فائدة الاشتراط في الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاشتراط في الحج هو أن يشترط الإنسان عند عقد الإحرام إن حبسه حابس فمحله حيث حبس.
__________
(1) تقدم ص 18.
(22/26)

وقد اختلف العلماء رحمهم الله في مشروعية الاشتراط، فمنهم من قال: إنه ليس بمشروع مطلقاً لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حج واعتمر ولم ينقل عنه أنه اشترط في حجه ولا في عمرته. ومن المعلوم أنه يكون معه المرضى ولم يرشد الناس إلى الاشتراط، فها هو كعب بن عجرة رضي الله عنه في عمرة الحديبية أتي به إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفيه مرض والقمل يتناثر على
وجهه من رأسه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى" وأمره أن يحلق رأسه وأن يفدي، أو يصوم، أو يطعم، والقصة معروفة في الصحيحين وغيرهما (1) .
من العلماء من قال: إنه مشروع مطلقاً، وأن الإنسان يستحب له عند عقد الإحرام أن يشترط: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وعللوا ذلك بأنه لا يأمن العوارض التي تحدث له في أثناء إحرامه وتوجب له التحلل، فإذا كان قد اشترط على الله سهل عليه التحلل.
ومن العلماء من قال: إن خاف من عائق اشترط وإلا فلا، والصحيح أن الاشتراط ليس بمشروع إلا أن يخاف الإنسان من عائق يحول دونه وإتمام نسكه، مثل أن يكون مريضاً ويشتد به المرض فلا يستطيع أن يتم نسكه فهنا يشترط، وأما إذا لم يكن خائفاً من عائق يمنعه، أو من عائق يحول بينه وبين إتمام نسكه فلا يشترط، وهذا القول تجتمع به الأدلة، ووجه ذلك أن النبي صلى
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب المحصر، باب الإطعام في الفدية نصف صاع (رقم 1816) ومسلم، كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى (رقم 1201) .
(22/27)

الله عليه وعلى آله وسلم اعتمر وحج ولم يشترط، ولم يقل للناس على سبيل العموم اشترطوا عند الإحرام، ولكن لما أخبرته ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب- رضي الله عنها- أنها تريد الحج وهي
شاكية أي مريضة قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: " حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني، فإن لك على ربك ما استثنيتي " (1) فمن كان في مثل حالها فإنه يشترط، ومن لم يكن فإنه لا يشترط.
أما فائدة الاشتراط فإن فائدته أن الإنسان إذا حصل له ما يمنع من إتمام نسكه تحلل بدون شيء، يعنى تحلل وليس عليه فدية ولا قضاء.
س 494: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في حديث ضباعة بنت الزبير- رضي الله عنها- عندما قالت للرسول - صلى الله عليه وسلم -: أريد الحج وأنا شاكية. فقال لها: "حجي واشترطي " وما معناه؟ وبعض الناس يقول: إنه مشروع على كل حال في هذا الزمان لكثرة الحوادث فما رأيكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: المعنى أنها تقول: إن حبسني حابس أي منعني مانع من إتمام النسك فإنني أحل وقت وجود ذلك المانع، وإنما أرشدها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الاشتراط لأنها كانت تخاف أن لا تتم النسك من أجل المرض، فأرشدها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن تشترط، وأما من لم يكن خائفاً من إتمام النسك فإنه لا يشترط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يكونوا اشترطوا عند الإحرام هذا
__________
(1) تقدم ص 18.
(22/28)

الشرط، ولهذا كان القول الراجح أن الاشتراط ليس بمستحب ولا مشروع إلا لمن كان خائفاً من عدم إتمام نسكه، وهذا القول هو القول الذي يجمع بين الأدلة، وأما من نفى الاشتراط مطلقاً، أو
أثبت الاشتراط مطلقاً فإنه لابد أن يقع في مخالفة لبعض النصوص.
وأما قول بعض الناس: إننا في هذا الزمن خائفون بكل حال لكثرة حوادث السيارات.
فجوابنا عن هذا: أن حوادث السيارات بالنسبة لكثرتها ليست بشيء، فإن السيارات تكون عشرات الآلاف وإذا حصل من عشرات الآلاف حادثة أو حادثتان أو عشرة أو عشرون حادثة فليست بشيء والحوادث كائنة حتى في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنه صح من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رجل وقصته راحلته يوم عرفة فمات (1) وهذا حادث وجد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالمهم أن الحوادث محتملة حتى في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك لم يرشد الأمة إلى الاشتراط إلا لمن كان خائفاً.
س 495: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: مع الحوادث التي تقع في الحج هل يستحسن أن نشترط عند الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرى أن لا يشترط الإنسان عند الإحرام لأن هذه الحوادث- والحمد لله- قليلة بالنسبة للحجاج
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب سنة المحرم إذا مات (رقم 1851) ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (رقم 1206) (99) .
(22/29)

قليلة بالنسبة للسيارات أيضاً متى تحدث في أي سنة، وكذلك أيضاً بالنسبة للحجاج حوالي مليونين ما أصيب منهم أحد ولا مائة ألف فالمصائب قليلة والحوادث قليلة- والحمد لله- وكون الإنسان لا يشترط اتباعاً للسنة وتوكلاً على الله عز وجل واحتساباً للأجر فيما لو حدث حادث أفضل من كونه يشترط، لكننا لا نمنعه من الاشتراط نقول: الأفضل أن لا تشترط، وإن اشترطت فلا بأس.
س 496: إذا وصلت المرأة الميقات قاصدة العمرة ولكنها حائض فماذا تفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمل في هذه الحال أنه ينبغي للمرأة إذا وصلت إلى الميقات وهي حائض وخافت أن لا تطهر قبل أن يرجع أهلها فتحرم وتشترط وتقول: "اللهم إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني "، فإن كانت هذه المرأة قد اشترط فإنها ترجع مع أهلها ولا شيء عليها، وإن لم تكن اشترطت فإنها تبقى على إحرامها ويبقى معها محرم حتى تطهر ثم تقضي عمرتها.
س 497: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة للاشتراط في الحج هل هناك حالات معينة يشترط فيها الحاج ويقول: إن حبسني حابس؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاشتراط في الحج أن يقول عند عقد
(22/30)

الإحرام: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، وهذا الاشتراط لا يسنّ إلا إذا كان هناك خوف من مرض، أو امرأة تخاف من الحيض، أو إنسان متأخر يخشى أن يفوته الحج، ففي هذه الحال ينبغي أن يشترط، وإذا اشترط وحصل ما يمنع من إتمام النسك، فإنه يتحلل ولا شيء عليه، أما إذا كان الإنسان غير خائف، فالسنة ألا يشترط. فيعزم ويتوكل على الله ويحسن الظن بالله عز وجل.
س 498: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي الأنساك التي يمكن أن يحرم بها الذي يريد الحج أو العمرة؟ وما أفضلها؟ وكيف يحرم من كان في الطائرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأنساك التي يخير فيها المحرم هي ثلاثة: التَّمتع، والإفْراد، والْقِران.
وصفة التمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويأتي بها كاملة ويحل منها، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج، وعليه فإذا وصل إلى الميقات اغتسل وتطيب ولبس ثياب الإحرام، ثم قال: لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، فإذا وصل إلى مكة طاف طواف العمرة، ثم سعى بين الصفا والمروة للعمرة أيضاً، ثم قصر من شعر رأسه وحل تحللاً كاملاً، فيباح له كل شيء كان محظوراً عليه في الإحرام من اللباس والطيب
والنساء، وغير ذلك.
(22/31)

فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم من مكانه الذي هو فيه، فاغتسل وتطيب، ولبس ثياب الإحرام ثم خرج إلى منى، فأدى بقية مناسك الحج.
وأما الإفراد فهو: أن يحرم بالحج مفرداً، فإذا وصل إلى الميقات أحرم قائلاً: لبيك حجاً فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم، ثم سعى للحج بين الصفا والمروة واستمر في إحرامه حتى يوم العيد.
أما القران فهو: أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً. فإذا وصل الميقات قال: لبيك عمرة وحجاً، فإذا دخل مكة طاف طواف القدوم ثم سعى للعمرة والحج واستمر في إحرامه إلى يوم العيد.
فالقارن والمفرد في الأفعال سواء لكنهما يختلفان من وجه آخر، فالقارن حصل له في نسكه عمرة وحج، ويجب عليه الهدي، كما يجب على المتمتع، وأما المتمتع فيختلف عنهما حيث إنه يفرد العمرة وحدها، ويفرد الحج وحده، وعليه الهدي وكذلك القارن.
والهدي شاة، أو سُبُع بدنة، أو سبع بقرة، يذبحها في أيام الذبح يأكل منها، ويهدي ويتصدق، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
وأفضل هذه الأنساك التمتع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به أصحابه وأكد عليهم، إلا إذا كان مع الإنسان هدي ساقه من الميقات فإن الأفضل أن يكون قارناً اقتداءً بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وهو يأمرهم أن يجعلوا نسكهم تمتعاً: "لولا أن معي الهدي
(22/32)

لأحللت معكم، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" (1) .
وبالنسبة للإحرام في الطائرة، يغتسل الإنسان في بيته ويأخذ معه ثياب الإحرام، فإذا ركب لبسها، وإذا كان من مطار القصيم مثلاً، ومضى خمس وثلاثون دقيقة، أو أربعون دقيقة من إقلاع الطائرة أحرم، بمعنى لبى، فيكون متهيئاً لابساً ثياب الإحرام قبل هذه المدة.
فإذا مضت يبدأ بالتلبية: لبيك عمرة، على ما سبق، أما المطارات الأخرى إذا لم يكن إعلان عند وصول الميقات فإن الإنسان يسأل المسؤولين: متى يكون الإحرام؟ وإذا خاف فوات الميقات لسرعة الطائرة فلا حرج عليه أن يحتاط ويحرم قبله.
س 499: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما أفضل نسك بالنسبة للحاج الذي يريد أن يحج لأول مرة بالتفصيل بارك الله فيكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أفضل نسك للحاج أن يحرم بالعمرة أولاً من الميقات، ثم إذا وصل إلى مكة طاف وسعى للعمرة وقصر ثم لبس ثيابه وحل من إحرامه إحلالاً تاماً، فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج من مكانه وخرج إلى منى وبات بها ليلة التاسع، فإذا كان يوم التاسع ذهب إلى عرفة ووقف بها إلى أن تغرب الشمس، ثم يدفع منها إلى مزدلفة فيبيت بها ويصلي
__________
(1) تقدم وهو عند مسلم (رقم 1218) .
(22/33)

الفجر فإذا أسفر جداً دفع إلى منى فيرمى جمرة العقبة، ثم ينحر هديه، ثم يحلق رأسه، ثم ينزل إلى مكة فيطوف ويسعى، ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، ويرمي في هذين اليومين بعد الزوال الجمرات الثلاث كلها يبدأ بالأولى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة، ثم إن شاء تعجل فخرج، وإن شاء بقي إلى اليوم الثالث عشر ورمى بعد الزوال، وإذا أراد أن يرجع إلى بلده فإنه لا يخرج حتى يطوف طواف الوداع، هذا أفضل الأنساك ويسمى عند أهل العلم التمتع؛ لأن الرجل تمتع فيما بين العمرة والحج حيث إنه أحل من إحرامه وتمتع بما أحل الله له بين العمرة والحج، فهذا هو أفضل الأنساك، فينبغي للحاج سواء كان حجه أول مرة أو فيما بعدها ينبغي له أن يحرم على
الوجه الذي ذكرناه وهو التمتع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من لم يسق الهدي من أصحابه به، وقال: "افعلوا ما أمرتكم به " (1) .
أما النوع الآخر من الأنساك فهو القران وهو: أن يحرم الإنسان بالحج والعمرة جميعاً من الميقات، فإذا وصل إلى مكة طاف للقدوم ثم سعى للحج وللعمرة وبقي على إحرامه لا يحل فإذا كان اليوم الثامن خرج إلى منى وفعل للحج كما ذكرنا أولاً لكنه ينوي بطوافه في طواف الإفاضة الذي يكون يوم العيد ينوي به أنه للحج والعمرة جميعاً كما ينوي بالسعي الذي سعاه بعد طواف القدوم أنه للحج والعمرة جميعاً، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة- رضي الله عنها- "طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لعمرتك
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (رقم 1216) (143) .
(22/34)

وحجك " (1) .
أما الإفراد وهو النوع الثالث من أنواع النسك فهو: أن يحرم بالحج وحده من الميقات ويبقى على إحرامه، وصفة أعمال المفرد كصفة أعمال القارن، إلا أنه يحصل به نسك واحد، والثاني نسكان، ولهذا وجب على القارن الهدي ولم يجب على المفرد؛ لأن القارن حصل له نسكان عمرة وحج ولذا وجب الهدي، أما المفرد فلم يحصل له إلا نسك واحد فقط فلا يلزمه الهدي.
س 500: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما صفة الْقِران؟
فأجاب فضيلته بقوله: القران له صورتان:
الصورة الأولى: أن يحرم بالحج والعمرة جميعاً من الميقات ويقول: لبيك عمرة وحجاً.
والصورة الثانية: أن يحرم بالعمرة أولاً ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها.
وهناك صورة ثالثة موضع خلاف بين العلماء وهي: أن يحرم بالحج وحده ثم يدخل العمرة عليه قبل أن يفعل شيء من أفعال الحج كالطواف والسعي مثلاً.
والقارن يبقى على إحرامه فإذا قدم مكة يطوف للقدوم، ويسعى للحج والعمرة ويبقى على إحرامه إلى أن يتحلل منه يوم العيد، ويلزمه هدي كهدي المتمتع.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (رقم 1211) (132) .
(22/35)

وأما المفرد فأن يحرم بالحج مفرداً من الميقات، فإذا قدم مكة طاف للقدوم وسعى للحج، ولم يحل إلا يوم العيد فيكون القارن والمفرد سواء في الأفعال لكنهما يختلفان في أن القارن يحصل له عمرة وحج ويلزمه هدي، وأما المفرد فلا يحصل له إلا الحج ولا يلزمه هدي.
س 501: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من ينتهي من الإفراد ثم يعتمر؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل لا أصل له في السنة فلم يكن الصحابة- رضي الله عنهم- مع حرصهم على الخير، يأتون بهذه العمرة بعد الحج وهم خير القرون، وإنما جاء ذلك في قضية معينة في قصة عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- حيث كانت محرمة بعمرة ثم حاضت قبل الوصول إلى مكة، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تحرم بالحج ليكون نسكها قِراناً، وقال لها: "طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك " (1) فلما انتهى الحج ألحت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تأتي بعمرة بدلاً من عمرتها التي حولتها إلى قران، فأذن لها وأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بها من الحرم إلى الحل، فخرج بها وأتت بعمرة (2) . فإذا وجدت الصورة التي حصلت لعائشة- رضي الله عنها- وأرادت المرأة أن تأتي بعمرة فحينئذ نقول: لا حرج أن تأتي المرأة بعمرة،
__________
(1) تقدم وهو عند مسلم (رقم 1211) .
(2) تقدم وهو عند مسلم (رقم 1211) .
(22/36)

كما فعلت أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويدل على أن هذا أمر ليس بمشروع أن عبد الرحمن بن أبي بكر - رضي الله عنه- وهو مع أخته لم يحرم بالعمرة لا بتفقهٍ من عنده ولا بإذن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولو كان هذا من الأمور المشروعة لكان رضي الله عنه يأتي بالعمرة، لأن ذلك أمر سهل عليه من حيث إنه قد خرج مع أخته.
والمهم أن ما يفعله بعض الحجاج كما جاء في السؤال ليس له أصل من السنة. نعم لو فرض أن بعض الحجاج يصعب عليه أن يأتي إلى مكة بعد مجيئه هذا وهو قد أتى بحج مفرد فإنه في هذه
الحال في ضرورة بأن يأتي بعد الحج بالعمرة ليؤدي واجب العمرة، فإن العمرة واجبة على القول الراجح من أقوال أهل العلم، وحينئذ يخرج إلى التنعيم أو إلى غيره من الحل فيحرم
بعمرة منه ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يقصر.
س 502: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأيكم فيمن استدل للأنساك الثلاثة بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "لَيُهِلَّنَّ عيسى ابْنُ مَرْيَمَ من فجِّ الرَّوْحاءِ بالحج والعمرة، أو ليثنينهما جمعاً" رواه مسلم (1) وفي رواية "فيحج منها، أو يعتمر، أو يجمعهما".
فأجاب فضيلته بقوله: يحتاج إلى تأمل.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب إهلال النبي - صلى الله عليه وسلم - وهديه (رقم 1252) .
(22/37)

س 503: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من اعتمر عن شخص وحج عن نفسه أيكون متمتعاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا اعتمر الإنسان عن شخص وحج عن نفسه فهو متمتع، فيجب عليه الهدي لقول الله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) قال العلماء: ولا يعتبر وقوع النسكين عن واحد فيكون متمتعاً ولو كانت العمرة لشخص والحج لشخص آخر.
س504: سئل فضيلة الشيخ- رحمة الله تعالى-: من فسخ القران وجعله تمتعاً بعدما اعتمر بأربعة أيام، هل عليه شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان قدم إلى مكة قارناً أو مفرداً ولم يسق الهدي قلنا له افسخ الحج واجعله عمرة، امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم مكة وكان الناس على ثلاثة أقسام: قسم مفرد، وقسم قارن، وقسم متمتع، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - القارنين والمفردين أن يفسخوا نيتهم إلى نية العمرة إلا من ساق الهدي، وسوق الهدي في وقتنا هذا غير موجود، وعلى هذا فنقول: كل من قدم مكة مفرداً أو قارناً فالأفضل أن
يجعل إحرامه عمرة امتثالاً لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وإعطاء النفس شيئاً من الراحة، لأن الإنسان إذا تحلل لبس وتطيب وإذا كانت زوجته معه تمتع بها، لكن لو بقي محرماً لكان في ذلك مشقة ومخالفة للأفضل أيضاً، فإذا طاف وسعى وهو قارن أو مفرد قلنا: الحمد لله الآن ينوها عمرة وقصر وتحلل ولو كان بعد أربعة أيام فلا مانع،
(22/38)

لكن من قدم إلى مكة في اليوم الثامن بعد أن خرج الناس إلى منى فهنا الأفضل أن يجعلها حجًّا مفرداً أو قارناً.
س 505: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قام بعض الناس بعمرة من المدينة بعد زيارتهم لقبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفي الطريق أوقفهم المرور لوجود الضباب، فأشار أحدهم بجعل حجهم إفراداً لأنهم لا يعلمون متى وصولهم ففعلوا. هل هذا صحيح أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يظهر لي من سؤال هذا الأخ أنهم كانوا أحرموا بالعمرة متمتعين، وخافوا أن لا يتمكنوا من أداء العمرة قبل الحج، فأحرموا بالحج، فهذا إن كان تغيير النية قبل
الإحرام فلا حرج في ذلك، وإن كان بعد الإحرام فإن حجهم كان قراناً، ولم يكن إفراداً، ومعنى أنه كان قراناً أنه لما أدخلوا الحج على العمرة صاروا قارنين، فإن القران له صورتان:
الأولى: أن يحرم بالحج والعمرة جميعاً من أول عقد الإحرام.
الثانية: أن يحرم بالعمرة أولاً ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها.
وعلى هذا ما دمتم أحرمتم بالعمرة أولاً ثم بدا لكم أن تجعلوها حجاً فإنكم تكونون قارنين، فإن كنتم قد ذبحتم هدياً في عيد الأضحى من حجكم ذلك العام فقد أتيتم بالواجب وتم لكم الحج والعمرة، فإن لم تكونوا قد ذبحتموه فإن عليكم أن تذبحوه الآن بمكة وتأكلوا منه وتتصدقوا. فمن لم يجد الهدي منكم -أي
(22/39)

ما يشتري به الهدي- فإن عليه أن يصوم عشرة أيام الآن. وقول السائل: (إنهم زاروا قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -) فلا ريب أن زيارة قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - من غير شد رحل إليه، من الأمور المشروعة، ولكن كيف يزور قبره - صلى الله عليه وسلم -؟ يقوم أمام قبره مستدبراً القبلة ووجهه إلى القبر فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وإن اقتصر على الأول وهو السلام كفى.
ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون تجاه أبي بكر رضي الله عنه، فيقول: السلام عليك يا خليفة رسول الله ورحمة الله وبركاته، ورضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً، وإن اقتصر على السلام أجزأ.
ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون تجاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً، وإن اقتصر على السلام فلا حرج.
وإن تيسر له زيارة شهداء أحد فحسن، لأن فيهم سيد الشهداء حمزة رضي الله عنه، أسد الله وأسد رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويدعو لهم هناك.
والقاصد إلى المدينة سواء من بلده أو من المملكة العربية السعودية يكون قصده من السفر هو السفر إلى مسجد رسول الله
(22/40)

- صلى الله عليه وسلم -، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (1) .
س 506: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص يحج حجاً متمتعاً هل يجوز أن يؤدي العمرة لنفسه والحج عن شخص آخر؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز ذلك، يجوز للمتمتع أن يجعل عمرته لنفسه والحج لشخص آخر، أو يجعل العمرة لشخص آخر والحج لنفسه، وهذا فيمن أدى الفريضة عن نفسه، أما من لم يؤدها فليحج عن نفسه ويعتمر عن نفسه أولاً ثم عن غيره ثانياً.
س 507: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يفرق في الفتوى السابقة بين من كان متبرعاً من نفسه ومن كان آخذاً حجاً عن غيره؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما المتبرع لغيره بالعمرة أو بالحج فالأمر إليه، وأما من أخذ نيابة عن غيره فإن المعروف عندنا أن النائب يجب عليه أن يعتمر ويحج، وتكون العمرة والحجة لمن أعطاه المال، والعمل بالعرف واجب عند الإطلاق، فيرجع في ذلك إلى العرف، والعرف عندنا كما أن العمرة والحج كلتيهما
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء (رقم 1864) ، ومسلم كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (رقم 827) (415) .
(22/41)

لمن أعطاه المال، وبناء على ذلك لا يحل له أن يجعل العمرة لنفسه، بل تكون للذي أعطاه المال، والحج للذي أعطاه المال.
س 508: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جئت في رمضان من أجل أداء العمرة وقد نويت البقاء للحج، وفي اليوم الرابع من شوال أديت عمرة عن أختي وهي متوفية علماً أني كنت لا أعلم أن من جاء بالعمرة في أشهر الحج يعتبر متمتعاً فهل عليَّ الآن هدي لأني قد صرت متمتعاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: المتمتع هو الذي يحرم بالعمرة في أشهر الحج بعد دخول شهر شوال بنية الحج هذا العام ثم يحج، ويجب على المتمتع ما استيسر من الهدي شاة ماعز ضأن تم له ستة أشهر، وسَلِمَ من العيوب الواجبة من الإجزاء وإذا لم تجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت تلك عشرة، ثلاثة أيام بالحج، تبتدىء من حين أن يحرم بالعمرة، يعني مثلاً الإنسان متمتع الآن وليس عنده فلوس، نقول: صم من الآن، صم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله وانتهى سفره، ولو قال: لا أستطيع أن أصوم تباعا؟
قلنا: يصوم يوماً ويفطر يوماً أو يومين، والدليل أن الله قال: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) ولم يقل: متتابعة، ولو أراد الله منا أن نتابع لقال متتابعة، ولو قال: لا أستطيع أن أصوم عندي سكر وأحتاج إلى ماء ولا أستطيع أن أصوم ثلاثة أيام ولا يوماً واحداً فليس عليه شيء، والدليل: قال الله- عز وجل-: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ
(22/42)

نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) هذه قاعدة عامة خذها معك في جميع العبادات (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) و (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فصار هدي التمتع سهلاً، فلماذا تفر من النسك الأكمل والأفضل إلى نسك مفضول خوفاً من الفدية أو الهدي؟ على الأصح هذا غلط وجهل، يا أخي إن كنت موسراً تستطيع أن تهدي بسهولة فهذا المطلوب، ثم اعلموا يا إخوان أنكم لن تنفقوا درهماً واحداً في طاعة الله إلا حصل لكم أمران عظيمان: الأول: الأجر العظيم مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ
سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261))
الأمر الثاني: الخلف العاجل، قال الله تعالى: (وَمَآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) أي يأتي بخلفه (وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) .
س 509: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما أفضل المناسك؟
فأجاب فضيلته بقوله: أفضل المناسك التمتع، وهو أن يأتي الحاج بالعمرة أولاً ويتحلل منها، ثم يحرم بالحج في اليوم الثامن، ودليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه به وقال: "لو
استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم " (1) ولأن التمتع يجمع بين نسكين مع تمام أفعالهما، فإن
__________
(1) تقدم وهو عند مسلم (رقم 1218) .
(22/43)

المتمتع يأتي بالعمرة كاملة وبالحج كاملاً، ولهذا كان القول الراجح الذي عليه جمهور أهل العلم أن على المتمتع طوافاً وسعياً للعمرة وطوافاً وسعياً للحج، كما جاء ذلك في حديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما (1) ، ولأن التمتع يحصل به متعة للحاج، لأنه بين العمرة والحج يتحلل تحللاً كاملاً ويتمتع بما أحل الله من محظورات الإحرام التي لو بقي على إحرامه لكان ممنوعاً منها، هذا إن لم يكن ساق الهدي، فإن كان الناسك قد ساق الهدي فإنه لا يأتي بالتمتع، وبل يكون قارناً كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك لأن من ساق الهدي لا يمكنه أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، كما قال الله تعالى: (وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (2) وكما قال عليه الصلاة والسلام: "إني سقت الهدي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أنحر" (3) .
س 510: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم يا فضيلة الشيخ أن أفضل الأنساك التمتع، وقلتم: إن أهل مكة لا تشرع لهم العمرة، فكيف يكون التمتع والعمرة لا تشرع لهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم ذهب أهل العلم أو أكثر أهل
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب التمتع والقران والإفراد بالحج (رقم 1561) ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (رقم 1211) .
(2) سورة البقرة: 196.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب التمتع والقران والإفراد بالحج (رقم 1566) ومسلم، كتاب الحج، باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد (رقم 1229)
(22/44)

العلم إلى أن أهل مكة لا متعة لهم، وإنما المتعة للقادم إلى مكة حتى لو كان من أهل مكة، وعلى هذا لو كان الرجل من أهل مكة يعمل في الرياض وقدم من الرياض إلى مكة فله أن يأخذ عمرة من
الميقات ويكون متمتعاً لكنه لا هدي عليه، لقوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (1) إلا إذا انتقل من مكة إلى البلد الآخر واستوطنها، فإنه إذا رجع متمتعاً بالعمرة يجب عليه هدي التمتع، لكن أهل مكة يمكن أن يقرنوا بين الحج والعمرة بمعنى أن الإنسان يحرم من مكانه من بيته للحج والعمرة جميعاً ويكون قارناً والقارن عليه هدي التمتع.
س 511: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أحرم مفرداً ثم طاف طواف القدوم، ثم أراد أن يسعى سعي الحج وأخبروه بأن التمتع أفضل، فسعى بنية العمرة وقصر وتحلل، علماً بأنه في
الطواف نوى طواف القدوم فهل عمرته صحيحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، حتى لو طاف وسعى وبعد السعي قيل له: الأفضل التمتع. فقصر وحل، فهذا هو الذي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه- رضي الله عنهم- به إلا من ساق الهدي.
س 512: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قدم للمملكة لأول مرة لأداء الحج فهل يجوز له أن يحج مفرداً مع أنه لم يسبق له أداء العمرة وذلك لأن له صحبة مفردين؟
__________
(1) سورة البقرة: 196.
(22/45)

فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يحج مفرداً ولكن تبقى عليه العمرة، وقوله: (لأن له رفقة مفردين) لا يمنع أن يتمتع فينزل مع الرفقة ويطوفون جميعاً ويسعون جميعاً، وهم يبقون على إحرامهم، وهو يقصر ويحل، وإذا كان يوم ثمانية من ذي الحجة أحرم بالحج وخرج مع إخوانه ووقف معهم في عرفة ومزدلفة ومنى، وينزلون إلى مكة لطواف الإفاضة فيمتاز عنهم بشيء واحد وهو السعي هم لا سعي عليهم لأنهم سعوا عند القدوم وهو عليه السعي، لأنه سعى عند القدوم للعمرة، فيجب
أن يسعى للحج مع الطواف.
س 513: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أردنا التمتع هل ننوي الحج والعمرة معاً في ميقات أو ننوي العمرة فقط، ثم من أين ننوي الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت تريد التمتع فتنوي العمرة فقط عند الميقات لأنك لو نويت العمرة والحج صرت قارناً. وتحرم بالحج من مكانك.
س 514: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم أن الحج على ثلاثة أقسام وذكرتم فيه الإفراد هل هناك خلاف بين العلماء في الأفراد؟
فأجاب فضيلته بقوله: بعض العلماء يقول: إن التمتع واجب ولا يجوز القِران إلا مع سوق الهدي، ولا يجوز الإفراد إلا
(22/46)

مع سوق الهدي، ولكن هذا القول ضعيف، والصواب أن الأنساك الثلاثة كلها جائزة، ولكنها تختلف في الأفضلية: فالتمتع أفضل والقِران أفضل لمن ساق الهدي، والإفراد هو آخرها.
س 515: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الفرق بين التمتع والإفراد والقِران وأيها أفضل؟
فأجاب فضيلته بقوله: القِران والإفراد سواء في الأفعال، لكن يمتاز القارن بأنه حصل على نسكين: العمرة والحج، وأنه يجب عليه الهدي إن استطاع وإلا صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وأما المتمتع فالفرق بينه وبين القارن والمفرد أن المتمتع يأتي بعمرة تامة مستقلة بطوافها وسعيها وتقصيرها، وبحج تام بطوافه وسعيه وبقية أفعاله، لكنه يشارك القارن بأن عليه الهدي فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
وأما أيها أفضل فأفضلها التمتع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر به أصحابه وحثهم عليهم، وغضب لما تباطئوا وراجعوه في هذا الأمر، فالممتع أفضل من القران ومن الإفراد.
س 516: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الفرق بين التمتع والإفراد والقران؟
فأجاب فضيلته بقوله: الفرق بينها كما يلي:
أولاً: التمتع أن يهل بالعمرة في أشهر الحج فيطوف ويسعى ويقصر ويحل حلاً كاملاً، ثم يحرم بالحج من عامه فتكون عمرة
(22/47)

منفصلة عن الحج.
وأما القران فهو أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً فيقول عند ابتداء إحرامه: لبيك عمرة وحجًّا وفي هذه الحال تكون الأفعال للحج وتدخل العمرة في أفعال الحج.
وأما الإفراد فهو أن يحرم بالحج مفرداً ولا يأتي معه بعمرة، فيقول: لبيك اللهم حجاً. عند الإحرام من الميقات هذا فرق من حيث الأفعال.
ثانياً: من حيث وجوب الدم فإن الدم يجب على المتمتع وعلى القارن دون المفرد، وهذا الدم ليس دم جبران ولكنه دم شكران، ولهذا يأكل الإنسان منه ويهدي ويتصدق.
ثالثاً: أما من حيث الأفضلية فالأفضل التمتع إلا من ساق الهدي، فالأفضل له القِران ثم يلي التمتع القِران ثم الإفراد.
س 517: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قدمت من بلدي السودان إلى المملكة العربية والسعودية وكان ذلك في شهر ذي القَعدة عام أربعة عشر وأربعمائة وألف من الهجرة ثم ذهبت إلى
المدينة حين مجيئي من السودان وقمت بزيارة المسجد النبوي الشريف وفي قدومي إلى مكة المكرمة أحرمت من الميقات آبار علي بنية الحج وكان ذلك في اليوم الثالث والعشرين من ذي القعدة وأتيت البيت الحرام فطفت وسعيت ثم حللت إحرامي حيث إنني لم أستطع البقاء على الإحرام وكانت المدة المتبقية على الصعود ليوم عرفة أربعة عشر يوما أرجو الإفادة؟
(22/48)

فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين:
قبل الجواب على هذا السؤال أبين أنه يلحقني الأسف الشديد في مثل هذه القصة التي ذكرها السائل، وذلك أن الإنسان يفعل الشيء ثم بعد فعله إياه يسأل وهذا خطأ، بل الواجب على الإنسان ألا يدخل في شيء حتى يعرفه، فمن كان يريد الحج مثلاً فيدرس أحكام الحج قبل أن يأتي للحج، كما أن الإنسان لو أراد السفر إلى بلد فإنه يدرس طريق البلد، وهل هو آمن أو خائف، وهل هو مستقيم أو معوج، وهل يوصل إلى البلد أو لا يوصل، هذا في الطريق الحسي فكيف بالطريق المعنوي وهو الطريق إلى الله عز وجل؟ فأنا آسف لكثير من المسلمين أنهم على مثل هذا الحال التي ذكرها السائل عن نفسه، والذي فهمته من هذا السؤال أن الرجل أتى من بلده قاصداً المدينة النبوية وأنه أحرم من محرم المدينة النبوية وهو ذي الحليفة أي آبار علي لكنه أحرم قارناً بين الحج والعمرة والمحرم القارن بين الحج والعمرة يبقى على إحرامه إلى يوم العيد لكنه لما طاف وسعى وكان قد بقي على الحج أربعة عشر يوما تحلل، وهذا هو المشروع له أن يتحلل ولو كان نوى القران يتحلل إذا طاف وسعى قصر ثم حل ولبس ثيابه فإذا كان اليوم الثامن أحرم بالحج، والذي فهمته من السؤال أن الرجل تحلل ولكنه لم يقصر فيكون تاركاً لواجب من واجبات العمرة وهو التقصير ويلزمه على ما قاله أهل العلم في ترك
(22/49)

الواجب دم يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء، ويكون حجه الذي حجه فيما مضى حجة صحيحة، وعليه فلا يلزمه في فعل ما سبق إلا هذا الدم الذي وجب عليه لتركه واجب التقصير، وما بقي من المناسك فإنه لم يسأل عنه، والظاهر جريانه على الصحة إن شاء الله.
س 518: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من اعتمر في رمضان وجلس في مكة، ولكنه يريد أن يحج متمتعاً، فهل يشرع له أن يخرج إلى التنعيم ليعتمر في أشهر الحج ويجعل حجه تمتعاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا يمكن؟ لأن التمتع لابد أن يحرم الإنسان للعمرة من الميقات، ومن أحرم من أدنى الحل لم يكن متمتعاً، بل ولا يشرع له أن يخرج ليحرم من التنعيم، فنقول: هذا الرجل الذي أتى إلى مكة في رمضان وأحرم بالعمرة وانتظر إلى الحج نقول: إنه مفرد؛ لأنه أتى بالعمرة في غير أشهر الحج، وأتى للحج مفرداً، وفي هذه الحال يرى بعض العلماء أن هذا أفضل من التمتع؟ لأنه أتى بعمرة منفردة عن الحج، ولكن في النفس من هذا شيء، والصواب أن التمتع لا يعدله شيء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه به إلا من ساق الهدي، فإن القِران في حقه
أفضل.
س 519: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل لا يعرف مناسك الحج ولا يعرف معنى التمتع والإفراد والقران
(22/50)

والهدي ويريد الحج فماذا يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: جوابي على هذا أن الله سبحانه وتعالي قد أجابه في قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)) (1) والواجب على من أراد عبادة يجهلها أن يسأل أهل العلم عنها حتى يعبد الله على بصيرة، لأن من شروط العبادة الإخلاص لله عز وجل، ولمتابعته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تمكن المتابعة إلا بمعرفة ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقوم به من أعمال العبادة القولية والفعلية، ولهذا أقول لهذا السائل: إذا أردت الحج وأنت لا تعرف أحكامه ولا تعرف المناسك فالواجب عليك أن تسأل أهل العلم بذلك، وإنني أؤكد على من أراد الحج أن يصحب أحداً من أهل العلم من طلبة العلم الذين عرفوا بمعرفة الأحكام التي تتعلق بالحج من أجل أن يكون مقتدياً فيما يرشدونه إليه.
س 520: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو الوقت الكافي للمتمتع، فأحياناً نحل من إحرامنا ضحى اليوم الثامن ثم نحرم بالحج في نفس اليوم فأرجو التوضيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا وصل الإنسان إلى مكة وهو متمتع فإن أمكنه أن يفصل بين الحج والعمرة فهو متمتع، وأما إذا دخل وقت الحج مثل أن يدخل مكة بعد ظهر اليوم الثامن فهذا انتهى وقت التمتع، لأنه دخل وقت الحج والله عز وجل يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) وهذا يدل على أن بينهما مسافة ووقتاً،
__________
(1) سورة النحل: 43.
(22/51)

وهذا قد وصل إلى مكة والناس في منى محرمون بالحج فنقول: إذا قدمت متأخراً فانو الحج مفرداً، وإن كنت تحب أن يحصل لك حجاً وعمرة فانو قِراناً، تقول: لبيك عمرة وحجًّا.
س 521: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يصح التمتع بعد دخول زمن الحج أي بعد ظهر اليوم الثامن؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول الله عز وجل: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) (1) وهذا يدل على أن العمرة تفعل قبل أن يأتي أوان الحج، فإذا قدمت مكة في اليوم الثامن فأمامك شيئان: الإفراد
والقران، أما التمتع فقد فات، والإنسان لا ينبغي له أن يتشاغل عن الخروج إلى منى، لأنه إذا جاء ضحى يوم الثامن فالمطلوب منه أن يكون في منى، فلو اعتمر لمضى وقت من أوقات الحج؛ لأن وقت الحج يدخل من ضحى يوم الثامن حيث إن الصحابة رضي الله عنهم أحرموا من ذلك الوقت، فإذا جئت متأخراً فالذي أختاره له أن يأتي بحج مفرد، أو بحج وعمرة مقرونين، أما التمتع فلا محل له في هذا الحال.
س 522: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من حج متمتعاً ولم يصل إلا اليوم الثامن هل له أن يحل الإحرام أو يحرم للحج بعد العمرة أو يبقى على إحرام العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نحن نرى أن التمتع ينقطع إذا دخل
__________
(1) سورة البقرة: 196.
(22/52)

وقت الحج، ووقت الحج يكون في ضحى اليوم الثامن فمن لم يصل إلى مكة إلا بعد خروج الناس إلى منى نقول: لا تأتي بعمرة انتهى وقت العمرة، لأن الله يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) فجعل عمرة وحجًّا، وجعل غاية بينهما مسافة، لقوله: (إلى الحج) .
فإذا وصل في هذا اليوم قلنا له: إما أن تحرم مفرداً وإما أن تحرم قارناً؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج بالمسلمين إلى منى وصلى بها الظهر يعني قبل الزوال بساعة أو ساعة ونصف أو ساعتين تقريباً.
س 523: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا انتهى المتمتع من عمرته قبل الزوال بساعة وقد أراد الحج فهل يلزمه خلع ثياب الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس بلازم أن يخلع ثياب الإحرام، بل يبقى على ثيابه ويعقد الحج بالنية.
س524: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من وصل إلى الميقات في اليوم الثامن هل له أن يتمتع وإذا كان له ذلك هل الأفضل التمتع أم الْقِران؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا وصل إلى الميقات في اليوم الثامن قبيل الظهر فلا أرى أن يأتي بعمرة، لأن الله يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) فلابد أن يكودن هناك وقت يفصل بين العمرة وبين الحج، والإنسان إذا وصل إلى الميقات بعد أن دخل وقت الحج هو مأمور أن يخرج إلى منى وأن يسعى في الحج ويكمل الحج، وبناء على ذلك أرى أن الأفضل لمن مر بالميقات في
(22/53)

الوقت الذي يخرج الناس فيه إلى منى أرى أن يأتي بقران وأن لا يأتي بتمتع، لأن التمتع في الحقيقة فات وقته، إذ إن الله يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) وهذا يدل على أن هناك وقتاً بين العمرة
والحج، والرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله عنهم خرجوا إلى منى في ضحى اليوم الثامن، ونقول: إذا كنت تريد أن يحصل لك حج وعمرة فاقرن، والقِران يحصل به الحج والعمرة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة- رضي الله عنها-: "طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك " (1) .
س 525: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أريد أن أحج متمتعاً إن شاء الله وأريد الذهاب في اليوم السابع أو الثامن هل يمكنني ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: المتمتع يأتي بالعمرة أولاً ويحل منها ويحرم بالحج، وقوله تبارك وتعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) يدل على أنه بينهما زمن، فإذا قدم الإنسان مكة يوم السابع فبينهما زمن
فيحل من العمرة وإذا كان اليوم الثامن أحرم بالحج، لكن إذا قدم بعد أن خرج الناس إلى منى يعنى في اليوم الثامن فهنا لا مكان للتمتع، لأن الزمن زمن حج، ومعنى أنه زمن الحج أنك لو كنت
في مكة محلاً قلنا لك: أحرم بالحج واخرج مع الناس، فمثل هذا إذا وصل في هذا الزمن إما أن يحرم مفرداً، وإما يحرم قارناً؛ لأن التمتع انتهى؛ لأنه دخل وقت الحج.
__________
(1) تقدم ص 34-35.
(22/54)

س 526: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يصح التمتع لمن لم يصل إلى مكة إلا بعد الزوال من يوم التروية ولم يحرم للحج إلا مع غروب اليوم نفسه أم كان الواجب عليه القران؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي ينبغي لمن قدم مكة بعد خروج الناس إلى منى وهو ضحى اليوم الثامن أن يخرج إلى منى للحج إما قراناً وإما إفراداً؛ لأن اشتغاله بالحج في زمن الحج أولى من اشتغاله بعمرة، إذ إن العمرة يمكن أن يشتغل بها في وقت آخر أما زمن الحج فيفوت، لهذا نقول لمن قدم ضحى اليوم الثامن إلى مكة: الأفضل لك أن تحرم بحج وعمرة قراناً أو بحج إفراداً، لأنه لا مكان للعمرة الآن، الزمن الآن هو للحج.
فإن قال قائل: أليس يجوز للإنسان أن يتأخر ولا يخرج إلى منى إلا في الليل أو لا يأتي منى أصلاً ويذهب إلى عرفة.
فالجواب: بلى يجوز ذلك، لكن ليس معنى هذا أن الوقت الذي هو وقت الحج إذا أخر الإنسان إحرامه بالحج أو خروجه إلى المشاعر ليس معناه أن يفعل في هذا ما شاء، بل نقول: الأفضل
إذا دخل وقت الحج ألا يشتغل الإنسان بغيره.
س 527: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل لي أن أؤدي العمرة في اليوم الثامن من ذي الحجة وبعد أن أحل من العمرة أحرم مباشرة بالحج، ولو لم يكن هناك وقت طويل من التحلل بين
العمرة والإحرام بالحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يظهر لي أن الإنسان إذا قدم
(22/55)

مكة بعد أن خرج الناس إلى الحج فلا يعتمر، لأن الله تعالى قال: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) فدل هذا أن هناك مسافة بين العمرة والحج يحصل بها التمتع، أما أن تقدم مكة في ضحى اليوم الثامن حين
يخرج الناس إلى الحج أو بعد ذلك ثم تأتي بعمرة، ففي نفسي من هذا شيء، وإن كان ظاهر كلام أهل العلم الجواز، لكني في نفسي من هذا شيء، لأن الآية: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) وإذا لم يكن هناك مسافة يحصل بها التمتع لم يكن مشروعاً للإنسان أن يتمتع، وعلى هذا فنقول: إذا قدمت في هذا الوقت بعد أن خرج الناس إلى منى، فاجعل نسكك قِراناً لتحصل على العمرة والحج جميعاً.
س 528: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا قدم الإنسان إلى مكة قبل أشهر الحج بنية الحج ثم اعتمر وبقي إلى الحج فهل حجه يعتبر تمتعاً أم إفراداً؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجه يعتبر إفراداً، لأن التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحرم بالحج من عامه، وأما من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج فإنه يكون مفرداً، إلا إذا قرن بأن يحرم بالحج والعمرة جميعاً فيكون قارناً، وإنما اختص التمتع بمن أحرم بالعمرة في أشهر الحج لأنه لما دخلت أشهر الحج كان الإحرام بالحج فيها أخص من الإحرام بالعمرة، فخفف الله تعالى عن العباد وأذن لهم، بل أحب أن يجعلوه عمرة يتمتعوا بها إلى الحج، فيفعلوا ما كان حراماً عليهم بالإحرام.
(22/56)

س 529: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل من أهل جدة اعتمر في شهر ذي القعدة ولم يكن في نيته أن يحج، ولكنه الآن يريد الحج فهل هو متمتع؟ وإذا لم يكن متمتعاً فبأي نسك
يحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمرة التي أداها السائل في أول هذا الشهر عمرة منفردة؛ لأنه لا ينوي بها التمتع إلى الحج، حيث لم يكن ناوياً الحج حينذاك، وعلى هذا فإنه إذا أراد أن يحج من جدة فإما أن يأتي بعمرة فيكون متمتعاً، وإما أن يحرم بالحج مفرداً من جدة في اليوم الثامن ويذهب إلى منى ويستمر مع الحجاج وحينئذ يكون حجه حجاً مفرداً.
س 530: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اعتمر في رمضان عمرتين وعمرة في شوال ثم تيسر له الحج ويريد أن يحج مفرداً فهل يجوز ذلك؟ وما الفرق بين الإفراد والقِران؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل الذي اعتمر عمرتين في رمضان وعمرة في شوال وهو الآن يريد أن يحج حجاً مفرداً لا حرج عليه أن يحج حجاً مفرداً، وذلك لأن أنواع النسك ثلاثة: إفراد وقران وتمتع، والإنسان فيها يخير، ولكن الأفضل فيه التمتع إلا لمن ساق الهدي فالأفضل القران، والفرق بين القارن والمفرد أما من حيث العمل فهما سواء فإن كلا منهما يؤدي النسك على حد سواء، كل منهما يحرم من الميقات فإذا وصل إلى مكة طاف طواف القدوم وسعى بين الصفا والمروة وبقي على إحرامه إلى
(22/57)

يوم العيد، ولكن الفرق بينهما من حيث الهدي فالمفرد ليس عليه هدي والقارن عليه الهدي، والمفرد لم يحصل له إلا الحج والقارن يحصل له الحج والعمرة جميعاً.
ولي ملاحظة على قول السائل: إنه اعتمر في رمضان عمرتين وهي أنه إذا كانت العمرة الثانية خرج بها من مكة أي أنه بعد أن أتى بالعمرة من الميقات أول ما قدم وحل منها خرج من مكة إلى التنعيم ليأتي بعمرة أخرى فإن هذا من العمل الذي ليس معروفا في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه- رضي الله عنهم- وهو غير مشروع، وأما إذا كان أتى بالعمرتين في رمضان يعني كل عمرة بسفرة كأن يكون اعتمر في أول الشهر وعاد إلى البلد الذي هو مقيم فيه ثم عاد آخر الشهر إلى مكة وأتى بعمرة فإن هذا لا بأس به.
س 531: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى-: ما الأولى بالنسبة للحاج المفرد الذي يعرف أن الإتيان إلى مكة مرة أخرى يصعب عليه ولم يعتمر من قبل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأولى أن يأتي بالعمرة بعد الحج، لأن هذا ضرورة.
س 532: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل معه نساء كبيرات في السن فأيهما أفضل التمتع أم القِران؟ لأن القِران يسقط منه سعي، ويمكن أيضاً أن تجمع المرأة بين طواف الإفاضة
(22/58)

وطواف الوداع فيكون ذلك أيسر على المرأة كبيرة السن وهل تنصحون كبيرات السن بالتمتع أم بالقران أجيبونا وفقكم الله؟ وهل يجوز القران بدون سوق الهدي؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أنه في هذه الأزمنة يصعب على كثير من الحجاج إذا كانوا متمتعين أن يأتوا بطواف للعمرة وسعي للعمرة، ثم طواف للحج وسعي للحج، ثم طواف للوداع، فيرى بعض النساء أن يكن قارنات، فإذا وصلن إلى مكة طفن طواف القدوم وسعين سعي الحج والعمرة، ولا يعيدن السعي مرة ثانية، فيكون من هذه الناحية أسهل من التمتع، كذلك هو أسهل من التمتع من وجه آخر لأنه إذا كان قارناً فله أن يؤخر الطواف إلى ما بعد انقضاء الحج يعنى يجوز أن لا يطوف للقدوم وأن لا يسعى، بل يحرم بالحج والعمرة ثم يخرج إلى منى ويكمل الحج ثم بعد ذلك يطوف ويسعى متى تيسر له حتى إن كان بعد اليوم الثالث عشر، أو بعد اليوم الرابع عشر، أو بعد اليوم الخامس عشر، أو في آخر الشهر. فصار القران أيسر من التمتع من وجهين:
الوجه الأول: أنه ليس فيه إلا طواف واحد وسعي واحد.
الوجه الثاني: أنه يمكن للقارن أن لا يطوف بالبيت أول ما يصل ولا يسعى بل يخرج إلى منى ويكمل الحج ومتى تيسر له طاف وسعى.
وبناء على ذلك نقول: إذا كان هذا أيسر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن
(22/59)

إثماً (1) . والقِران ليس بإثم، بل هو أحد مناسك الحج، وقد حصل على عمرة وحج وحصل أيضاً على هدي، لأن القارن يذبح الهدي كما يذبحه المتمتع.
وقول السائل: هل يجوز القران بدون سوق الهدي؟
نقول: نعم. يجوز القران بدون سوق الهدي؛ لأن الذين أحرموا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث عائشة منهم من أهل بحج، ومنهم من أهل بعمرة وحج، ومنهم من أهل بعمرة، ثم لما قدم مكة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من لم يسق الهدي فليجعلها عمرة" (2) وهذا
يشمل القارن الذي أحرم عند الميقات بحجة وعمرة ولم يسق الهدي.
س 533: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أحرم بالعمرة في شوال وأتمها وهو لم يرد الحج ثم تيسر له الحج فهل يكون متمتعاً؟
فأجاب فضيلته بقول: ليس بمتمتع فلا يجب عليه هدي.
س 534: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: القارن هل يكفيه في الحج طواف واحد وسعى واحد بالحج والعمرة مثل المفرد، أم أنه لابد من طوافين وسعيين أفيدونا مأجورين؟
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله (رقم 6786) ومسلم، كتاب الفضائل، باب مباعدته - صلى الله عليه وسلم - للآثام واختياره من المباح أسهله (رقم 2327) .
(2) تقدم وهو عند مسلم (رقم 1218) .
(22/60)

فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن القارن ليس عليه إلا طواف واحد وسعي واحد، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) ، ولكن القارن أول ما يقدم إلى مكة يطوف طواف القدوم ثم يسعى بين الصفا والمروة للحج والعمرة ويبقى على إحرامه، فإذا كان يوم العيد رمى جمرة العقبة ونحر وحلق ونزل إلى مكة فطاف طواف الإفاضة بنية العمرة والحج ثم عاد إلى منى لإكمال المناسك، فإذا أراد أن يسافر إلى بلده فلا يخرج حتى يطوف للوداع كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما كان كذلك؛ لأن العمرة في هذه الصورة دخلت في الحج، فهي كما لو نوى الجنب الغسل فإنه يكفيه الغسل عن الوضوء.
س 535: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص نوى الحج في يوم عرفة، أيهما أفضل له: أن يقرن أم يفرد؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يظهر لي أن القران أفضل، لأنه يحصل به نسكان عمرة وحج، فيقول: لبيك عمرة وحجاً.
س 536: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كنت أريد الحج وأنا عند أهل بلد لا يرون الإفراد، فهل الأفضل لي أن أفرد أم أتمتع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن تتمتع ويجوز الإفراد، ومن منع الإفراد فقوله ضعيف مخالف لهدي الخلفاء الراشدين،
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب جواز التمتع (رقم 1224) .
(22/61)

وليس أفقه من الخلفاء الراشدين- رضي الله عنهم-، ولا ابن عباس- رضي الله عنه- أفقه من أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما-، وقد سئل أبو ذر رضي الله عنه: هل ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم خاصة أم للناس عامة؟ فقال: لنا خاصة (1) .
والصواب ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- أن التمتع واجب على الصحابة الذين كلمهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - في ذلك اليوم حتى تثبت هذه الشعيرة وهي جواز العمرة في أشهر الحج لمن أراد الحج.
وأما من بعدهم، فالأمر في حقهم على سبيل الاستحباب، ولكن لو أفرد الإنسان فإن ذلك جائز، ثم على فرض، أن هؤلاء القوم يرون وجوب التمتع إلا على من ساق الهدي، فلهم رأيهم ولك رأيك، وأنت أفردت فقد فعلت جائزاً، لكن تركت مستحباً. فالأفضل لك التمتع على كل حال، أما أنه يحرم الإفراد فهذا ليس بصحيح.
س 537: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم إن أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتمتع واجب على الصحابة فقط، فما دليل الصرف مع أن القاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدليل حديث أبي ذر- رضي الله عنه- في صحيح مسلم كانت لنا خاصة (1) ، أنهم أعلم منا بمراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعلم من ابن عباس- رضي الله عنهما- بمراد
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب جواز التمتع (1224) (165) .
(22/62)

الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعلم ممن بعد ابن عباس إلى يومنا هذا، ولأن الصحابة- رضي الله عنهم- قدوة الأمة فلو امتنعوا عن التمتع حينئذٍ لكان امتناع غيرهم أولى فيبطل العمل بالتمتع.
س 538: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لماذا عدل الخلفاء الراشدون. رضوان الله عليهم. عن التمتع إلى الإفراد وهم من أحرص الناس على الخير؟
فأجاب فضيلته بقوله: عدل الخلفاء الراشدون- رضي الله عنهم- إلى الأمر بالإفراد بالحج تأولاً منهم رضي الله عنهم حيث رأوا أن الناس إذا تمتعوا وأخذوا الحج والعمرة في سفر واحد بقي
البيت ليس له من يعمره بالطواف والسعي، لأن الأسفار في ذلك الوقت كانت شاقة، فيصعب على الإنسان أن يتردد إلى البيت، فإذا حصل لهم عمرة وحج في سفر واحد واقتصروا على ذلك بقي
البيت في بقية السنة مهجوراً، فرأوا أن الإفراد أفضل من أجل أن يبقى البيت معموراً طول السنة، وتأولوا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه من أجل أن تزول العقيدة الفاسدة التي كانت في الجاهلية، وهي أن أهل الجاهلية يقولون: لا يمكن العمرة في أشهر الحج، ويقولون: (إذ انسلخ صفر، وبرىء الدبر، وعفى الأثر، حلت العمرة لمن اعتمر) ، يعنى لا تعمر إلا بعد أن تمضي مدة بعد الحج، والقصد في ذلك أن يبقى البيت دائماً معموراً، ولهذا قال شيخ الإسلام - رحمه الله- في منسكه: (إذا أفرد في سفر؛ فإن الإفراد أفضل بلا خلاف) هكذا قال رحمه الله.
(22/63)

ولعله أخذه من عمل الخلفاء الراشدين- رضي الله عنهم-، لكن في النفس من هذا شيء، فيقال: التمتع أفضل مطلقاً، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمر به وحث عليه، ولم يقل إنه خاص بمن لم يأت من قبل، فلما لم يستثن علم أن التمتع أفضل، وأن ما ذهب إليه الخلفاء الراشدون- رضي الله عنهم- إنما هو على سبيل التأويل، ولكن الأخذ بعموم كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - أولى.
س 539: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف يكون الجواب على من قال بوجوب التمتع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب يكون من وجهين:
الوجه الأول: في صحيح مسلم عن أبي ذر- رضي الله عنه- أنه سئل عن فسخ الحج مفرداً أو قارناً إلى العمرة ليصير متمتعاً، قيل له: ألكم خاصة أم للناس؟ فقال: بل لنا خاصة (1) .
الوجه الثاني: أن القائل بالوجوب ليس أعلم من أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما-، ولا أفقه في دين الله منهما ولم يقولا بوجوب التمتع.
فإذا قال قائل: أما الأول، فإنه معارض بأن سراقة بن مالك بن جعشم لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أحلوا واجعلوها عمرة" قال: ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: "بل لأبد الأبد" (2) . وهذا يدل على أنه ليس خاصاً بالصحابة. أجيب: بأن مراد أبي ذر- رضي الله عنه-:
__________
(1) تقدم ص 62.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران (رقم 1216) .
(22/64)

الوجوب للصحابة خاصة، وأما بقية الناس فللاستحباب. وبهذا تجمع بين قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمره بالتمتع وبين قول الخلفاء الراشدين- رضي الله عنهم- بأن الوجوب في حق الصحابة لأنهم الذين وجهوا بالخطاب، ومعصيتهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - تؤدي أن من
بعدهم يعصيه من باب أولى لأنهم أسوة، ثم إن الإشكال الذي يوجد عند الناس في ذلك الوقت، أنه لا يجمع بين العمرة والحج في سفر واحد قد زال بتحلل الصحابة رضي الله عنهم فزال سبب
الوجوب. هكذا الجواب.
س 540: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: وفقني الله لأداء فريضة الحج في العام الماضي علما بأنني قد أديت العمرة في الشهر الحرام فقال لي أحد الأخوة المسلمين إنك متمتع وأنه يجب عليك هدياً فذبحت هدياً بعد أن رميت الجمرة الأولى علما بأنني تحللت من الإحرام قبل أن أحلق أو أقصر أو آخذ شعيرات من رأسي وقبل الذبح كذلك جهلاً مني، فعلمت من أحد الحجاج يوم الجمرة الثالثة أن علي هدياً للمرة الثانية أو صيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة بعد رجوعي علما بأن ثلاثة الأيام مضى منها يومان والمبلغ الذي معي لا يتجاوز الألف ريال وكما وضحت لكم سابقا
فقد ذبحت منه هدياً وما بقي منه في حدود مصاريفي أيام الحج.
فأرجو منكم أن توضحوا لي ما حكم حجي هذا أصحيحٌ هو أم لا وماذا أعمل في هذه الحالة وقد فات الأوان أفيدوني جزاكم الله خيراً؟
(22/65)

فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد: فإنه وقبل أن أجيب على سؤالك أحب أن أوجه إلى إخواننا عامة المسلمين التحذير من الفتوى بغير علم، فإن الفتوى بغير علم جناية كبيرة حرمها الله عز وجل وقرنها بالشرك في قوله: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (1) فإن قوله سبحانه: (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) يشمل القول على الله في أسمائه وصفاته وفي أفعاله وأحكامه، فالذي يفتي الناس بغير علم قد قال على الله ما لا يعلم ووقع فيما حرم الله عليه، فعليه أن يتوب إلى الله، وعليه أن يمتنع عن صد الناس عن سبيل الله، فإن المفتي بغير علم يعتمد المستفتي فتواه فإذا كانت خاطئة
فقد صده عن سبيل الله ومنعه من سؤال أهل العلم، لأنه يعتقد أعني هذا المستفتي يعتقد أن ما أجابه به هذا المفتي الخاطىء صواب فيقف عن سؤال غيره، وحينئذ يكون هذا المفتي الخاطىء صاداً للناس عن سبيل ربهم، وما أكثر الفتاوى التي نسمعها في الحج خاصة وهي فتاوى خاطئة بعيدة عن الصواب، بل ليس فيها شيء من الصواب، تكاد تقول عند كل عمود خيمة عالم يفتي الناس، وهذا من الخطورة بمكان، فالواجب على المرء أن يتقي ربه وأن لا يفتي إلا عن علم يأخذه من كتاب الله، أو من سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو من أقول أهل العلم الذين يوثق بأقوالهم، فهذا
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(22/66)

الذي أفتاك بما فعلت بأن عليك هدياً أو صيام عشرة أيام أخطأ في ذلك، وعملك الذي عملته وهو بأنك تحللت بعد أن رميت جمرة العقبة ولبست ثيابك ظاناً أن ذلك جائز قبل الحلق لا شيء عليك
فيه، بل إن بعض أهل العلم يقول: إن من رمى جمرة العقبة يوم العيد قد حل من كل شيء إلا من النساء، ولكن الصواب أنه لا يحل حتى يرمي ويحلق أو يقصر، إلا أنك لما كنت جاهلاً في هذا الأمر فلا شيء عليك، ليس عليك هدي ولا صيام عشرة أيام، ثم إن فعل المحظور أيضاً إذا فعله الإنسان غير معذور فيه ليس هذه فديته، بل إن فعل المحظور- غير جزاء الصيد وفدية الجماع في الحج قبل التحلل الأول- كل المحظورات يخير فيها بين ثلاثة أشياء: إما أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح فدية يوزعها على الفقراء، لقوله تعالى في حلق الرأس: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (1) وبهذه المناسبة أود أيضاً أن أحذر كثيراً من الناس الذين كلما سئلوا عن محظور من محظورات الإحرام قالوا للسائل: عليك دم. عليك دم. عليك دم. مع أنه مما يخير فيه الإنسان بين هذه الثلاثة: بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة، وحينئذ يلزم الناس بما لا يلزمهم والواجب على المفتي أن يراعي أحوال الناس وأن تكون فتواه مطابقة لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(22/67)

وخلاصة جوابي هذا هي في شيئين:
الشيء الأول: التحذير من التسرع في الفتوى التي لا تعتمد على كتاب الله ولا سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولا أقوال أهل العلم الموثوق بهم عند تعذر أخذ الحكم من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
الشيء الثاني: أن ما فعلته أنت أيها الأخ حيث لبست حين رميت جمرة العقبة قبل أن تحلق جهلاً هذا لا شيء عليك فيه؛ لأنك جاهل والجاهل الذي لا يدري فلا شيء عليه فيه.
ثم إنه وقع في سؤالك قلت قبل أن أحلق أو أقصر أو آخذ شعيرات. وهذا يدل على أنك ترى أن أخذ شعيرات كاف عن التقصير، وهذا غير صحيح فإن أخذ شعيرات لا يجزىء بل لابد من تقصير يعم كل الرأس: إما حلق يعم جميع الرأس، وإما تقصير يعم الرأس أيضاً، أما أخذ شعيرات من جانب كما يفعله عامة الجهال فإن هذا لا يجزىء ولا يجوز الاقتصار عليه.
س 541: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يكون متمتعاً من نوى العمرة لشخص والحج لشخص آخر؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يكون متمتعاً، فإن العلماء - رحمهم الله- نصّوا على أنه لا يعتبر في التمتع أن يكون النسكان لشخص واحد، بل يجوز أن تكون العمرة لشخص والحج لشخص آخر، أو تكون العمرة لنفسه، والحج لآخر، أو تكون العمرة لآخر والحج لنفسه، كل هذا يرونه جائزاً ولا يبطل التمتع.
(22/68)

س 542: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يكون متمتعاً من اعتمر في أشهر الحج وفي نيته إن تيسر له حج ولا هو متيقن من هذا ثم تيسر له حج فحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يكون متمتعاً لأنه لم يتمتع بالعمرة إلى الحج، إذ إنه ليس عنده نية حج، لكن إذا كان يغلب على ظنه أنه سيحصل له الحج، فإنه يحتاط ويذبح الهدي (هدي التمتع) .
س 543: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: طالب يدرس خارج مكة وأهله بمكة وقدم إلى مكة وأدى العمرة في شهر ذي الحجة ولكن لم ينو التمتع وإنما نوى التقرب ثم أحرم بالحج مفرداً
فهل يعتبر مفرداً أو متمتعاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أتى الإنسان بعمرة وهو لم ينوِ الحج ثم بدا له بعد ذلك أن يحج فليس بمتمتع، لأنه لم ينو الحج حين أتى بالعمرة بل يكون مفرداً، أما إذا نوى الحج حين أتى بالعمرة فهو متمتع، لكن أهل مكة ليس عليهم هدي؛ لقوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .
فهذا السائل من أهل مكة؛ لأنه إنما غادر مكة للدراسة فقط لا للاستيطان، فهو من أهل مكة، وعليه فليس عليه هدي؛ لأن الله اشترط لوجوب الهدي أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام.
س 544: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إنسان حج واعتمر، ونوى العمرة لغيره، والحج له، هل يكون متمتعاً؟
(22/69)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا اعتمر الإنسان لنفسه وأراد الحج لغيره في سنة واحدة فإنه يعتبر متمتعاً، لأن الفائدة واحدة، جمع بين العمرة والحج، ولكننا نسأل هل هو متبرع أم قد وكله غيره في الحج؟ إذا كان موكلاً ولم يكن متبرعاً فالمعروف عندنا في عرفنا أن الإنسان إذا وكلك بالحج وأعطاك نفقة المعروف أنه يريد العمرة والحج جميعاً.
س 545: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل من خارج مكة أناب شخصاً من أهل مكة للحج متمتعاً فهل في مثل هذه الحالة يلزم الهدي للتمتع أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا يلزم، وكيف يكون أهل مكة متمتعين؛ لأنهم لم يأتوا بالعمرة من الميقات إنما أحرموا من مكة بالحج، وعلى هذا فمن أراد أن ينيب من يمكنه التمتع فلينب من أهل الطائف أو من أهل جدة، أما أهل مكة فلا.
س 546: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قال الله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (1) من هم حاضرو المسجد الحرام هل هم أهل مكة أم أهل الحرم؟ وما رأيكم فيمن قال: إن المكي لن يتمتع ولن يقرن بدون أهله؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين هذا الذي
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(22/70)

ذكره السائل هو جزء من آية ذكرها الله سبحانه وتعالى فيمن تمتع فقال: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (1) وقد اختلف العلماء رحمهم الله في المراد بحاضري المسجد الحرام.
فقيل: هم من كان داخل حدود الحرم، فمن كان خارج حدود الحرم فليسوا من حاضري المسجد الحرام.
وقيل: هم أهل المواقيت ومن دونهم.
وقيل: هم أهل مكة ومن بينه وبينها دون مسافة القصر.
والأقرب أن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرم.
فمن كان من حاضري المسجد الحرم فإنه إذا تمتع بالعمرة إلى الحج فليس عليه هدي مثل: لو سافر الرجل من أهل مكة إلى المدينة مثلاً في أشهر الحج ثم رجع من المدينة فأحرم من ذي الحليفة بالعمرة مع أنه قد نوى أن يحج هذا العام فإنه لا هدي عليه هنا؛ لأنه من حاضري المسجد الحرام، وكذلك أهل مكة يمكن أن يقرنوا ولكن لا هدي عليهم مثل: أن يكون أحد من أهل مكة في المدينة ثم يحرم من ذي الحليفة في أيام الحج بعمرة وحج قارناً بينهما فهذا قارن ولا هدي عليه أيضاً لأنه من حاضري المسجد الحرام.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(22/71)

س 547: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل له بيت في الطائف يسكن فيه هو وأهله في الصيف لمدة أربعة أشهر تقريباً وبيت آخر في مكة يسكن فيه بقية العام فإذا تمتع فهل عليه هدي؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليه هدي لأنه من حاضري المسجد الحرام، إذ إن أكثر إقامته بمكة.
س 548: سئل فضيلة الشيخ:- رحمه الله تعالى- رجل قدم مكة للدراسة وسكن مكة من أجل الدراسة فقط ومتى انتهت الدراسة رجع إلى وطنه وتمتع فهل عليه هدي؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم عليه الهدي لأن إقامته في مكة ليست إقامة استيطان، والذي يسقط عنه هدي التمتع هو المستوطن في مكة، قال الله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (1) .
س 549: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أحرم بالحج متمتعاً واعتمر ولم يتحلل من إحرامه إلى أن ذبح الهدي جاهلاً فماذا عليه؟ وهل حجه صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب أن يعرف أن الإنسان إذا أحرم متمتعاً فإنه إذا طاف وسعى قصر من شعره من جميع الرأس وحل من إحرامه هذا هو الواجب، فإذا استمر في إحرامه فإن كان قد
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(22/72)

نوى الحج قبل أن يشرع في الطواف -أي طواف العمرة- فهذا لا حرج عليه؛ لأنه في هذه الحال يكون قارناً، ويكون ما أدى من الهدي عن القران.
وإن كان قد بقي على نية العمرة حتى طاف وسعى فإن كثيراً من أهل العلم يقولون: إن إحرامه بالحج غير صحيح؛ لأنه لا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الشروع في طوافها.
ويرى بعض أهل العلم أنه لا بأس به، وحيث إنه جاهل فالذي أرى أنه لا شيء عليه، وأن حجه صحيح إن شاء الله. والله الموفق.
س 550: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اعتمر في أشهر الحج فهل يلزمه هدي التمتع إذا حج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الرجل أتى بالعمرة في أشهر الحج وكان ناوياً أن يحج من عامه فإنه يكون متمتعاً، أما إذا كان أتى بها في أشهر الحج ولم يكن ينوي الحج ثم طرأ عليه من بعد
أن يحج فإنه لا يكون متمتعاً بالعمرة السابقة، لكن إن أتى بعمرة ثم يحج كان متمتعاً ولزمه الهدي، والأفضل أن يحرم متمتعاً من جديد، فيحرم بالعمرة ويحل إحلالاً كاملاً، فإذا كان اليوم الثامن
من ذي الحجة أحرم بالحج، ويلزمه هدي فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.
(22/73)

س 551: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة نووا الحج تمتعاً فلم يتيسر لهم الوصول إلى البيت الحرام بسبب عدم وجود حافلة من المطار، فذهبوا من المطار إلى منى مباشرة يوم الثامن
فحولوا النية إلى الإفراد فقيل لهم: لا يجوز تحويل نسككم إلى الإفراد وإنما إلى القران فحولوا النية إلى القران فماذا يكون حجهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لما نووا القرآن فهم مقرنين والحمد لله.
س 552: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل متمتع قدم إلى مكة صباح اليوم الثامن من ذي الحجة فطاف وسعى للعمرة وقصر من شعر رأسه ثم اغتسل ولبس ثياب إحرامه ولبى بالحج
فهل عليه شيء حيث لم يلبس ملابسه العادية بعد العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لاشيء عليه.
(22/74)

رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم ... حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
كتابكم الكريم في 30/351/1401 هـ وصل وتأخر الرد عليه في وقته فنرجوكم المعذرة.
سؤالكم عمن قدم مكة متمتعاً ... الخ
من قدم مكة متمتعاً ثم سافر إلى مسافة القصر منها كالمدينة ثم رجع إلى مكة، فقد قيل: يحرم بالحج ويكون مفرداً لسقوط التمتع بالسفر بين العمرة والحج، وقيل: يحرم بعمرة أخرى لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (1) وهذا يريد الحج فيلزمه الإحرام به أو بالعمرة ليكون متمتعاً.
ولو قيل: لا يلزمه الإحرام بهما، وإنما يحرم بالحج من مكة يوم التروية؛ لأنه إنما نوى الحج حين مروره بالميقات على أساس أنه يحرم به يوم التروية لأنه متمتع، كما لو سافر مكي إلى المدينة وهو يريد الحج من عامه ثم رجع إلى مكة فإنه لا يلزمه الإحرام بالحج إلا حين نيته النسك؛ لأنه يفرق بين من أراد الحج بهذه السفرة التي مرفيها بالميقات؛ وبين من أراد الحج من عامه
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب مهل أهل مكة للحج والعمرة (رقم 1524) ومسلم كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة (رقم 1181) .
(22/75)

ولم يرده في سفرته التي مر فيها بالميقات، وهذا القول تطمئن إليه نفسي إن لم يمنع منه إجماع من أهل العلم فحينئذ يحرم بالحج أو العمرة.
(22/76)

س 553: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أحرم متمتعاً ولما انتهى من عمرته ذهب خارج مكة إلى جدة أو الطائف فما الحكم؟ وهل هو متمتع؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج على الإنسان إذا أتى بالعمرة وهو متمتع أن يخرج إلى بلد آخر فيما بين العمرة والحج ويبقى على تمتعه، إلا إذا رجع إلى بلده، فإذا عاد من بلده محرماً بالحج فمثلاً إذا كان الرجل من أهل جدة وأتى بعمرة في أشهر الحج على أنه سيحج هذا العام ثم رجع إلى جدة وفي اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج فإن هذا لا يكون متمتعاً؛ لأنه عاد إلى بلده وقطع سفره الأول، والله عز وجل يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) فظاهر هذا أنه في سفر واحد، فإذا قطع السفر وأنشأ سفراً جديداً إلى الحج لم يكن متمتعاً بالعمرة إلى الحج، بل هو محرم بالحج رأساً، وهذا هو المروي عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وأظنه أيضاً عن ابنه عبد الله- رضي الله عنه- وهو مقتضى النظر والقياس. والله الموفق.
س 554: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أريد الذهاب إلى مكة في هذه الأيام للحج فإذا أخذت عمرة في الأسبوع الأول من ذي القعدة وسأعود إلى بلدي فهل أكون متمتعاً إلى الحج ومن أين أحرم أمن الميقات أو من داخل مكة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أتى بالعمرة في أشهر الحج ورجع إلى بلده ثم رجع إلى مكة فإن رجع إلى مكة بإحرام الحج
(22/77)

فهو مفرد؛ لأن رجوعه إلى بلده حال بينه وبين التمتع حيث إنه أفرد العمرة بسفر وأفرد الحج بسفر وأما إذا أحرم بعد رجوعه بعمرة أخرى فإنه يكون متمتعاً بالعمرة الثانية لا بالعمرة الأولى.
وإذا قدر أنه لم يأت بالعمرة في السفر الثاني وأراد الحج وجب عليه أن يحرم من الميقات، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن " أو قال:
"ولمن مر عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (1) .
س555: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أدى العمرة في أشهر الحج متمتعاً ثم زار المسجد النبوي بين العمرة والحج أو خرج إلى الطائف هل يلزمه الإحرام إذا رجع إلى مكة وهو متمتع؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمه الإحرام، فإذا أدى المتمتع العمرة وخرج من مكة إلى الطائف، أو إلى جدة، أو إلى المدينة، ثم رجع، فإنه لا يلزمه الإحرام بالحج لأنه رجع إلى مقره، فإنه لما جاء حاجاً صار مقره مكة، فإذا سافر إلى المدينة ثم رجع فقد رجع إلى مقره؛ فيحرم بالحج يوم التروية من مكة، كما لو كان من أهل مكة وذهب إلى المدينة في أشهر الحج ثم رجع من المدينة وهو في نيته أن يحج في هذا العام، فإنه لا يلزمه الإحرام بالحج إلا من مكة.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب مهل أهل الشام (رقم 1526) ، ومسلم، كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة (رقم 1181) .
(22/78)

س 556: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أراد الإنسان التمتع فأتى بعمرة في أشهر الحج فهل يخرج من الحرم ثم يعود لمنى يوم التروية أم يبقى في الحرم ولا يخرج منه ولو خرج إلى جدة أو رجع إلى بلده ليأتي بأهله فهل الأفضل أن يحرم بالعمرة من جديد فينقطع تمتعه الأول؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أحرم الإنسان بالتمتع ووصل إلى مكة فالواجب عليه أن يطوف ويسعى ويقصر وبذلك يحل من عمرته، وله بعد ذلك أن يخرج إلى جدة وإلى الطائف وإلى المدينة وإلى غيرها من البلاد، ولا ينقطع تمتعه بذلك حتى لو رجع محرماً بالحج فإن التمتع لا ينقطع، أما لو سافر إلى بلده ثم عاد من بلده محرماً بالحج فإن تمتعه ينقطع، فإن عاد محرماً بعمرة ثانية صار متمتعاً بالعمرة الثانية لا بالعمرة الأولى، لأن العمرة الأولى انقطعت عن الحج بكونه رجع إلى بلده، وخلاصة القول
إن من كان متمتعاً فله أن يسافر بين العمرة والحج إلى بلده وغيرها، لكن إن سافر إلى بلده ثم عاد محرماً بالحج فقد انقطع تمتعه ويكون مفرداً، وإن عاد إلى بلده ثم أحرم بعمرة جديدة فهو متمتع، وإن سافر إلى غير بلده ثم عاد محرماً بالحج فإنه لا يزال على تمتعه وعليه الهدي كما هو معروف.
س 557: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من كان متلبساً بشي من أحكام الحج أو العمرة فهل يجوز له أن يخرج من مكة إلى جدة والطائف؟
(22/79)

فأجاب فضيلته بقول: لا بأس إن كان محرماً وبقي على إحرامه وإن كان قد تحلل بالعمرة وخرج إلى الشرائع، أو إلى جدة، أو إلى الطائف فلا بأس وإذا رجع يحرم مع الناس في اليوم الثامن، فلو أنك
قدمت في اليوم الثالث من شهر ذي الحجة وأتيت بعمرة ثم خرجت إلى جدة وبقيت فيها فتحرم يوم الثامن من جدة ولا تطلع من جدة إلا وأنت محرم، ولكن لو أنك في هذه المدة ترددت على مكة إما لزيارة إخوانك، أو لغرض من أغراضك، فهل يلزمك أن تحرم قبل اليوم الثامن؟ لا، لا يلزمك أن تحرم إلا في اليوم الثامن.
س 558: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من اعتمر في أشهر الحج ثم سافر إلى المدينة وأحرم بالحج من أبيار علي فهل يكون متمتعاً؟
فأجاب فضيلته بقول: ما دام هذا الرجل حين أتى بالعمرة في أشهر الحج قد عزم أن يحج من عامه فإنه يكون متمتعاً، لأن سفره بين العمرة والحج لا يبطل التمتع، إلا إذا رجع إلى بلده وأنشأ السفر من بلده إلى الحج فحينئذ ينقطع تمتعه؟ لأنه أفرد كل نسك بسفر مستقل، فهذا الرجل الذي ذهب إلى المدينة بعد أن أدى العمرة ثم أحرم بالحج من آبار علي يلزمه هدي التمتعِ لعموم قوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (1)
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(22/80)

س 559: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أراد أن يحج هذا العام وأخذ عمرة متمتعاً بها إلى الحج فهل يجوز أن يذهب إلى جدة والطائف قبل الحج وهل يكون متمتعاً، علماً بأن جدة
والطائف ليسا بلداً له؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمتمتع أن يسافر إلى جدة والطائف بين عمرته وحجه، ولا ينقطع بذلك تمتعه.
س 560: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اعتمر في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده بعد العمرة، وبلده تبعد مسافة قصر، وهو يريد أن يحج في نفس العام. فهل يعد متمتعاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن أتى بعمرة ثانية وحل منها ثم أحرم بالحج صار متمتعاً بالعمرة الثانية، أما إذا لم يأت بعمرة ثانية فإنه لا يكون متمتعاً بالعمرة الأولى؛ لأنه رجع إلى بلده، والمتمتع إذا رجع إلى بلده ثم عاد محرماً بالحج صار مفرداً؛ لأنه فصل بينهما بفاصل الإقامة في بلده، فأنشأ للحج سفراً جديداً.
س 561: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أحرم من ميقات أهل المدينة للحج وذهب إلى مكة واعتمر في الثالث من ذي الحجة وبعد انتهائه من العمرة ذهب إلى جدة حيث هناك أهله
ويعود في اليوم الثامن من ذي الحجة إلى مكة، هل يجوز سفره من مكة إلى جدة بعد انتهائه من العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أحرم الإنسان متمتعاً بالعمرة إلى
(22/81)

الحج وانتهى منها فله أن يسافر إلى بلده أو غيره، لكنه إذا سافر إلى بلده ثم عاد من بلده محرماً بالحج انقطع تمتعه وصار مفرداً، لأن سفره الأول انقطع برجوعه إلى بلده، فإذا أنشأ للحج سفراً
جديداً صار مفرداً، أما إذا كان سفره إلى بلد آخر غير بلده ثم رجع من هذا البلد محرماً بالحج فإنه لا يزال متمتعاً هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة.
ومن العلماء من قال: إذا سافر بين العمرة والحج مسيرة قصر انقطع التمتع، سواء سافر إلى بلده أوإلى غير بلده.
ومن العلماء من قال: إذا سافر لم ينقطع تمتعه سواء سافر إلى بلده أو إلى غير بلده، ولكن القول الوسط هو الذي نختاره وهو التفريق بين رجوعه إلى بلده وبين رجوعه إلى بلد آخر، وهو المروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وهو الذي يقتضيه المعنى، لأن حقيقة الأمر أنه إذا رجع إلى بلده ثم عاد منه محرماً بالحج، حقيقة الأمر أنه لم يحصل له التمتع بين العمرة والحج في سفر واحد، بل هما سفران مستقلان، أي مستقل كل واحد منهما عن الآخر.
وفي مثالك الذي ذكرته: هو إذا ذهب إلى جدة، فلا بد إذا رجع إلى مكة أن يحرم بالحج من جدة.
س 562: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يشرع لمن اعتمر وأحل أن يسافر للحاجة إلى جدة أو المدينة ولربما إلى الرياض علما أنه متمتع وإذا رجع إلى بلده هل يبطل هذا التحلل؟
(22/82)

فأجاب فضيلته بقوله: قوله هل يشرع يريد هل يجوز للإنسان المتمتع إذا أنهى عمرته أن يسافر إلى جدة، أو إلى الرياض أو إلى المنطقة الجنوبية مثلاً، أو إلى المدينة، والجواب: نعم له أن يسافر وإذا رجع فإنه يبقى على تمتعه، أما لو رجع إلى بلده ثم رجع من بلده محرماً بالحج فقد بطل التمتع وصار حجه إفراداً؛ لأنه برجوعه إلى بلده انقطع السفر وأنشأ للحج سفراً جديداً، إذن الخلاصة أن سفر المتمتع بين العمرة والحج لا يقطع التمتع إلا إذا رجع إلى بلده ورجع من بلده محرماً بالحج فإنه يبطل
تمتعه ويكون مفرداً.
س 563: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: اعتمر رجل من أفريقيا في أشهر الحج ثم ذهب إلى المدينة ينتظر فهل يعتبر متمتعاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن رجع بعمرة صار متمتعاً بالعمرة الأخيرة، وإن رجع بحج يعني إن أحرم بالحج من ذي الحليفة، فقال بعض أهل العلم: إنه مفرد لأنه قطع بين الحج والعمرة بسفر، والصحيح أنه ليس بمفرد وأنه متمتع؛ لأن السفر الذي يقطع التمتع هو أن يسافر الإنسان إلى بلده، وأما إذا سافر إلى بلد آخر فإنه ليس متمتعاً ما زال في سفره الأول إذ إن الإنسان إذا سافر إلى مكة من بلده فهو مسافر حتى يرجع إلى بلده فسفره من مكة إلى المدينة ومن المدينة إلى مكة هو عبارة عن سفر واحد، والخلاصة أنه إذا كان من أهل أفريقيا وأدى العمرة في أشهر الحج
(22/83)

وذهب إلى المدينة ورجع من المدينة محرماً بالحج، أو بعمرة جديدة فإنه لا يزال متمتعاً، وعليه هدي التمتع، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
س 564: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا رجع المتمتع إلى بلده ثم أنشأ سفراً للحج من بلده فهل يعتبر مفرداً؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم إذا رجع المتمتع إلى بلده ثم أنشأ سفراً للحج من بلده فهو مفرد، وذلك لانقطاع ما بين العمرة والحج برجوعه إلى أهله، فإنشاؤه السفر معناه أنه أنشأ سفراً جديداً للحج، وحينئذ يكون حجه إفراداً، فلا يجب عليه هدي التمتع حينئذ، لكن لو فعل ذلك تحيلاً على إسقاط الهدي فإنه لا يسقط عنه، لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يقتضي إسقاطه، كما أن التحيل على المحرم لا يقتضي حله.
س 565: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل نوى الحج والعمرة في العام الماضي وعندما وصل الميقات أحرم ولبى بعمرة لأن الحج بقي عليه خمسة عشر يوماً وعندما سافر إلى جدة مكث
فيها حتى جاء الحج وأحرم للحج من هناك وأدى فريضة الحج ولكنه لم يهدِ عن التمتع وسأل عن ذلك فقيل له: إن سفرك من مكة إلى جدة يسقط عنك فدية التمتع فهل هذا صحيح أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: المتمتع هو الذي يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويحل منها ثم يحرم بالحج من عامه ويلزمه هدي بنص
(22/84)

القرآن لقوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (1) واختلف أهل العلم هل يسقط هذا الهدي إذا سافر بين العمرة والحج مسافة قصر أو لا يسقط؟
والصحيح أنه لا يسقط لعدم وجود دليل صحيح يسقطه، والهدي قد ثبت بالتمتع بمقتضى الدليل الشرعي فلا يسقط إلا بمقتضى دليل شرعي آخر، ولكن إذا رجع الإنسان إلى بلده وليس غرضه إسقاط الهدي ثم رجع من بلده فأحرم بالحج فإن الصحيح أنه لا هدي عليه في هذه الحالة، لأنه أنشأ سفراً جديداً للحج من بلده مفرداً.
وأما بالنسبة لما جرى منك وقولك: إنه قيل لك: إن سفرك إلى جدة يسقط الهدي. فإن كان قال لك ذلك من أهل العلم الموثوق بعلمه ودينه فلا شيء عليك، لأن هذا قد قال به بعض أهل العلم، ولعل هذا المفتي ممن يرى ذلك والعامي فرضه أن يسأل أهل العلم، لقوله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (2) فإذا سألهم وأفتوا فإن الفتوى إذا كانت خطئاً كانت على ما أفتاه، أما إذا كان الذي قال لك: إنه ليس عليك شيء من عامة الناس الذين لا يفهمون، فإنه لا يجوز لك الاعتماد على قولهم، والواجب عليك أن تسأل أهل العلم، وحينئذ أي في هذه الحال يلزمك الآن أن تذبح هدياً عن تمتعك في العام الماضي
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(2) سورة النحل، الآية: 43.
(22/85)

تذبحه في مكة وتأكل منه وتهدي وتصدق.
س 566: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فيمن صار متمتعاً وأتم أعمال العمرة ثم خرج إلى المدينة بنية الرجوع هل يلزمه الإحرام في هذا الحالة من آبار علي؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمه الإحرام لأنه متمتع وبقي على حله وفي اليوم الثامن يحرم بالحج.
س 567: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص أخذ عمرة في أشهر الحج ثم رجع إلى بلده وعزم على الحج فهل يلزمه حج التمتع نافلة أم غير ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمه إن شاء حج وإن شاء لم يحج، وهو مخير بين الأنساك.
س 568: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أدى العمرة في شوال ثم عاد بنية الحج مفرداً فهل يعتبر متمتعاً ويجب عليه الهدي أم لا أجيبونا مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أدى العمرة في شوال فقد أداها في أشهر الحج، لأن أشهر الحج: شوال، وذوالقعدة، وذوالحجة، فإذا أدى العمرة في شوال فقد أداها في أشهر الحج ثم إن بقي في مكة أو سافر إلى غير بلده وأتى بالحج فهو متمتع، وإن سافر إلى بلده ثم رجع من بلده مفرداً بالحج فليس بمتمتع،
(22/86)

ووجه ذلك أنه أفرد العمرة بسفر وأفرد الحج بسفر آخر، فإن الإنسان إذا عاد إلى بلده انقطع سفره فيكون بذلك قد أنشأ للحج سفراً جديداً منفصلاً عن السفر الأول الذي أدى فيه العمرة، وهذا
هو آكد الأقوال في هذه المسألة.
والقول الثاني: أنه لا يزال متمتعاً ولو رجع إلى بلده ثم عاد مفرداً.
والقول الثالث: أنه إذا سافر من مكة مسافة القصر إلى بلده أو غير بلده فإنه يكون بذلك مفرداً وينقطع التمتع.
ولكن ما ذكرناه من التفصيل والتفريق بين حضوره من بلده وغيره هو الصحيح وهو المروي عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-.
س 569: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل متمتع أدى العمرة ثم ذهب إلى جدة وفي اليوم الثامن أتى إلى مكة فطاف وسعى بقصد أن يسقط عنه السعي يوم العيد أيسقط عنه أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: المتمتع من المعلوم أنه يحل بالعمرة يطوف ويسعى ويقصر ويحل، فإذا كان يوم الثامن أحرم بالحج وخرج إلى منى، ولا ينفعه إذا سعى قبل ذلك، لأن سعي الحج لا يجوز تقديمه على الوقوف بعرفة أو مزدلفة، إلا إذا كان قارناً أو مفرداً وسعى بعد طواف القدوم، وعلى هذا فهذا الرجل الذي فعل السعى قبل وقته أن يتجنب أهله إن كان عنده أهل، ويجب عليه أن يسافر إلى مكة ويأتي بالسعي؛ لأنه سعى في غير وقته، والأفضل
(22/87)

أن يحرم بعمرة إذا وصل الميقات ويطوف ويسعى ويقصر ثم يأتي بسعي الحج.
س 570: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الانتقال من نسك إلى نسك آخر؟
فأجاب فضيلته بقوله: الانتقال من نسك إلى نسك آخر في القران من الممكن أن يحرم الإنسان أولاً بعمرة ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في الطواف، فيكون انتقل من العمرة إلى الجمع بينها وبين الحج، وكذلك يمكن أن ينتقل من الحج المفرد، أو من القران إلى عمرة ليصير متمتعاً، كما أمر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه من لم يكن منهم ساق الهدي، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان قارناً وكان قد ساق الهدي وساقه معه أغنياء الصحابة رضي الله عنهم، فلما طاف وسعى أمر من لم يسق الهدي أن يجعلها عمرة (1) فانتقلوا من الحج المفرد أو المقرون بالعمرة إلى أن يجعلوا ذلك عمرة، ولكن هذا مشروط بما إذا تحول من حج أو قران إلى عمرة ليصير متمتعاً، أما من تحول من قِران أو إفراد إلى عمرة ليتخلص من الإحرام ويرجع إلى أهله فهذا لا يجوز
س 571: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن يتحول من التمتع إلى الإفراد؟
فأجاب فضيلته بقوله: التحول من التمتع إلى الإفراد لا
__________
(1) تقدم ص 24.
(22/88)

يجوز ولا يمكن، وإنما يجوز أن يتحول من الإفراد إلى التمتع، بمعنى أن يكون محرماً للحج مفرداً، ثم بعد ذلك يحول إحرامه بالحج إلى عمرة ليصير متمتعاً. وكذلك القارن يجوز أن يحول نيته من القران إلى العمرة ليصير متمتعاً إلا من ساق الهدي في الصورتين، فإنه لا يجوز له ذلك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه الذين معه أن يجعلوا إحرامهم بالحج المفرد أو المقرون بالعمرة أن
يجعلوه عمرة ليصيروا متمتعين إلا من ساق الهدي.
س 572: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أحرم بالحج مفرداً فقيل له يفسخ حجه إلى العمرة ولم يفسخ هل يعد عاصياً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن الأنساك ثلاثة، وهي: التمتع والإفراد والقران، وكلها جائزة، وأن الإنسان مخيَّرٌ فيها، لكن الأفضل التمتع إلا إذا ساق الهدي، فإنه يقرن لتعذر حله، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن معي الهدي فلا أحل حتى أنحر" (1) . فإذا قيل لهذا الرجل المفرد: افسخ نية الإفراد إلى تمتع أي اجعل حجك عمرة، وتحلل منه ثم أحرم بالحج في اليوم الثامن من ذي الحجة، ولكنه أبى إلا أن يبقى على إحرامه فلا بأس ولا يعد عاصياً.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب التمتع والقران والإفراد بالحج (رقم 1566) ومسلم، كتاب الحج، باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد (رقم 1229) .
(22/89)

س 573: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ماذا تفعل المرأة إذا حاضت قبل الإحرام أو بعده أثناء المناسك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حاضت المرأة قبل الإحرام فإنها تحرم إذا وصلت الميقات ولو كانت حائضاً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عميس رضي الله عنها حين نفست في الميقات أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم (1) ، وهذا دليل على أن النفاس لا يمنع من الإحرام وكذلك الحيض، وأما إذا حاضت بعد الإحرام ففيه تفصيل: فإذا كانت في العمرة فإن حاضت قبل الطواف انتظرت حتى تطهر ثم تطوف بعد ذلك وتسعى، وإن حاضت بعد الطواف سعت ولو كانت حائضاً وقصرت وتتم عمرتها.
وإن كان ذلك في الحج وحاضت بعدما أحرمت للحج فإن كان هذا بعد طواف الإفاضة أتمت حجها ولا شيء عليها، كأن يأتيها الحيض في يوم النحر بعد أن تطوف طواف الإفاضة فإنها تتم
حجها فتبيت في منى وترمي الجمرات ولو كانت حائضاَ، وإذا أرادت أن تخرج والحيض لا زال باقيا فهنا تخرج بلا وداع، وأما إن أتاها الحيض قبل طواف الإفاضة كأن أتاها في عرفة مثلاً فإنها تبقى على إحرامها وتقف بعرفة وتبيت بمزدلفة وترمي الجمرات لكنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر، ودليل امتناع طواف الحائض أن صفية- رضي الله عنها- حاضت فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أحابستنا هي؟ " قالوا: إنها قد أفاضت (2) وهذا دليل على أن الحائض لا
__________
(1) تقدم ص 10.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت (رقم 1757) .
(22/90)

تطوف؛ لأنها لو كانت تطوف لم تكن لتحبس النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك حديث عائشة- رضي الله عنها- حين حاضت بسرف فدخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي فقال: "ما يبكيك لعلك نفست؟ " قالت: نعم. قال: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم " ثم أمرها أن تحرم للحج وأن تفعل ما يفعله الحاج غير أن لا تطوف بالبيت ولا بالصفا والمروة (1) وإنما تركت الطواف بالصفا والمروة لأنه يكون بعد الطواف بالبيت، وإلا فإن الطواف بالصفا والمروة لا يمتنع بسبب الحيض..
س574: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المرأة الحائض إذا حاضت في الميقات فماذا تعمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت المرأة حائضاً ووصلت إلى الميقات فإنها تغتسل وتحرم، وتبقى حتى تطهر، وإذا طهرت طافت وسعت وقصرت، وإذا كانت تخشى أن يرجع أهلها قبل أن تطهر فلا تحرم فإن قدر أنهم بقوا حتى طهرت فإنها تخرج إلى التنعيم وتحرم منه.
س 575: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة استعملت مانعاً للحيض من أجل الحج ومع التعب نزل عليها شي مثل الكدرة فما حكمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بشي قالت أم عطية- رضي
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب الأمر بالنفساء إذا نفست (رقم 294) ومسلم، كتاب
الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران (رقم 1211) (119) .
(22/91)

الله عنها- "كنا لا نعد الصفرة والكدرة شيئاً" (1) حتى وإن استمر ما دام لم يكن دماً خالصاً فليس بشي.
س 576: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للحائض أن تعتمر أو تحج؟ وما هي الأمور التي يجب عليها أثناء ذلك عندما تحرم من الميقات؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحائض لها أن تحج وتعتمر وعند الميقات تفعل ما يفعله غيرها: تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم كغيرها من الناس، وتفعل ما يفعله الناس سواء بسواء إلا الطواف بالبيت؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عميس- رضي الله عنها- زوج أبي بكر رضي الله عنه حين ولدت في ذي الحليفة محمد بن أبي بكر أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم (2) ، وقال لعائشة- رضي الله عنها- حين حاضت "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت " (3) فلم تطف بالبيت ولا بالصفا والمروة، وبقية أفعال النسك تفعله الحائض والنفساء كغيرها وتقف في عرفة وفي مزدلفة وترمي الجمرات وتدعو في عرفة وفي مزدلفة وبين الجمرات كسائر الناس.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض (رقم 326) .
(2) تقدم ص 10.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف (رقم 1650) ،
ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران (رقم 1211) .
(22/92)

س 577: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد قدمت للعمرة أنا وأهلي ولكن حين وصولنا إلى جدة أصبحت زوجتي حائضاً ولكني أكملت العمرة بمفردي دون زوجتي فما الحكم
بالنسبة لزوجتي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم بالنسبة لزوجتك أن تبقى حتى تطهر ثم تقضي عمرتها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حاضت صفية رضي الله عنها قال: "أحابستنا هي؟ " قالوا: إنها قد أفاضت.
قال: "فلتنفر إذن " (1) فقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أحابستنا هي؟ " دليل على أنه يجب على المرأة أن تبقى إذا حاضت قبل طواف الإفاضة حتى تطهر ثم تطوف، وكذلك طواف العمرة مثل طواف الإفاضة لأنه ركن من أركان العمرة، فإذا حاضت قبل الطواف انتظرت حتى
تطهر ثم تطوف.
س 578: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ذهبت للعمرة ومرت بالميقات وهي حائض فلم تحرم وبقيت في مكة حتى طهرت فأحرمت من مكة فهل هذا العمل جائز؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل ليس بجائز، والمرأة التي تريد العمرة لا يجوز لها مجاوزة الميقات إلا بإحرام حتى لو كانت حائضاً فإنها تحرم وهي حائض وينعقد إحرامها ويصح. والدليل على ذلك أن أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر- رضي الله عنهما-
__________
(1) تقدم ص 90.
(22/93)

ولدت والنبي - صلى الله عليه وسلم - نازل في ذي الحليفة يريد حجة الوداع فأرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي "، ودم الحيض كدم النفاس فنقول للمرأة الحائض إذا مرت بالميقات وهي تريد العمرة أو الحج نقول لها: (اغتسلي
واستثفري بثوب وأحرمي) . والاستثفار معناه أنها تشد على فرجها خرقة وتربطها ثم تحرم سواء بالحج أو العمرة، ولكنها إذا أحرمت ووصلت إلى مكة لا تأتي إلى البيت ولا تطوف به حتى تطهر،
ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة- رضي الله عنها- حين حاضت في أثناء العمرة قال لها: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري " هذه رواية البخاري ومسلم (1) ، وفي صحيح البخاري أيضاً ذكرت عائشة رضي الله عنها أنها لما طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة (2) فدل هذا على أن المرأة إذا أحرمت بالحج أو العمرة وهي حائض، أو أتاها الحيض قبل الطواف فإنها لا تطوف ولا تسعى حتى تطهر وتغتسل، أما لو طافت وهي طاهر وبعد أن انتهت من الطواف جاءها الحيض فإنها تستمر وتسعى ولو كان عليها الحيض، وتقصر من رأسا وتنهي عمرتها؛ لأن السعي بين الصفا والمروة لا يشترط له الطهارة.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها (رقم 1655) ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران (رقم 1211) (119) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف (رقم 1651) .
(22/94)

س 579: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا نوت المرأة العمرة أو الحج وكانت حائضاً أو نفساء ماذا تعمل؟ وما الحكم لو حاضت بعد إحرامها أو بعد نهاية طوافها؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا مرت المرأة بالميقات وهي تريد العمرة أو الحج وهي نفساء أو حائض، فإنها تفعل ما يفعله الطاهرات، أي تغتسل ولكنها تستثفر بثوب أي تتلجم به، وتحرم، فإذا طهرت طافت وسعت وقصَّرت وانتهت عمرتها، وأما إذا أتاها الحيض أو النفاس بعد الإحرام فإنها تبقى على
إحرامها حتى تطهر ثم تطوف وتسعى وتقصر. وأما إذا أتاها الحيض بعد الطواف فإنها تمضي في عمرتها ولا يضرها شيء، لأن ما بعد الطواف لا يشترط فيه الطهارة من الحدث ولا الطهارة
من الحيض.
س 580: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قد يحمل المرأة حبها للخير أن تستعمل بعض الموانع لمنع الدورة الشهرية لأجل العمرة أو لأجل صلاة رمضان فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما من أجل صلاة رمضان أو الصيام فلا تستعملها؛ لأن الأمر واسع- والحمد لله- وهذا شيء كتبه الله على بنات آدم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) وهذه الحبوب بلغني من أطباء مخلصين صادقين أن فيها أضراراً عظيمة، وأما العمرة فهذه ربما يرخص فيها؛ لأن العمرة مشكلة تفوت لو جاء الحيض من
__________
(1) تقدم ص 91.
(22/95)

حين الإحرام قبل الطواف ورجعوا قبل أن تطوف فهي مشكلة، فالعمرة ربما يرخص فيها، وأما من أجل الصيام والقيام وقراءَة القرآن فلا.
س 581: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم فيمن حاضت بعد وصولها لمكة وأهلها يريدون السفر من مكة فهل ينتظرون أم يسافرون سواء كانت مسافة قصر أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حاضت قبل أن تطوف فإنها تبقى حتى تطهر ثم تطوف وتكمل العمرة إلا إذا كانت قد اشترطت عند الإحرام إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني، فإنها في هذه
الحال تتحلل وتخرج مع أهلها ولا حرج عليها.
س 582: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما صفة التلبية وهل تستحب على كل حال أم أن لها مواطن تستحب فيها؟ وما هو القول الراجح في وقتها؟
فأجاب فضيلته بقوله: صفة التلبية أن يقول الإنسان: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ومعنى قول الإنسان: (لبيك) أي إجابة لك يا رب، لإرادة التكرار، وليس المعنى أن الإنسان يجيب ربه مرتين فحسب، بل المعنى أنه يجيبه مرة بعد أخرى، فالتثنية هنا مراد بها مجرد التكرار والتعدد، فمعناها إجابة الإنسان ربه وأقامته على طاعته، ثم أنه بعد هذه الإجابة يقول: "إن الحمد والنعمة لك
(22/96)

والملك " الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، فإذا كرر صار ثناء والنعمة هي ما يتفضل الله به على عباده من حصول المطلوب ودفع المكروه، فالله سبحانه وتعالى وحده هو المنعم كما قال الله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) (1) وقوله: (الملك) يعني والملك لك، فالله تبارك تعالى هو المالك وحده، كما يدل على هذا قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (2) وقوله: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (3) .
وقوله: (لا شريك لك) أي لا أحد يشاركك بما يختص بالله عز وجل من صفاته الكاملة بما في ذلك انفراده بالملك والخلق والتدبير والألوهية، هذا موجز لمعنى التلبية التي يلبي بها كل مؤمن حاج أو معتمر، وهي مشروعة من ابتداء ارتداء الإحرام إلى رمي جمرة العقبة في الحج، وفي العمرة من ابتداء الإحرام إلى الشروع في الطواف.
س 583: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- ما هي التلبية التي صحت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ومتى تقطع التلبية؟
__________
(1) سورة النحل، الآية: 53.
(2) سورة آل عمران، الآية: 189.
(3) سورة سبأ، الآيتان: 22، 23.
(22/97)

فأجاب فضيلته بقوله: التلبية التي صحت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك " (1) وروى الإمام أحمد زيادة "لبيك إله الحق " (2) . وإسناده حسن.
وتقطع التلبية في العمرة إذا شرع في الطواف، وفي الحج إذا شرع في رمي جمرة العقبة يوم العيد، لما روى الترمذي من حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- يرفع الحديث: أنه كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر (3) . صححه الترمذي، لكن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعفه الأكثرون، وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن أسامة رضي الله عنه كان رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل - رضي الله عنه- من مزدلفة إلى منى فكلاهما قال: (لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) أخرجاه في الصحيحين (4) وعند مالك
يقطع التلبية في العمرة إذا وصل الحرم، وقيل: إذا وصل البيت أو رآه.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب التلبية (رقم 1549) ومسلم، كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها (رقم 1184) .
(2) أخرجه الإمام أحمد (1/476) والحاكم (1/449) ، والبيهقي في السنن الكبرى (5/45) .
(3) أخرجه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء متى تقطع التلبية في العمرة (رقم 919) وهو ضعيف مرفوعاً صحيح موقوفاً على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(4) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب النزول بين عرفة وجمع (رقم 1675) ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتي يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر (رقم 1281) .
(22/98)

ومعنى (لبيك) : إقامة على طاعتك وإجابة لدعوتك. ولفظه لفظ المثنى ومعناه الكثرة.
س 584: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف تكون صفة الإحرام بالحج أو العمرة هل يحرم الإنسان وهو في المسجد أم وهو فى السيارة، وما حكم رفع اليدين واستقبال القبلة عند قوله
لبيك اللهم حجاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء رحمهم الله من أين يبتدىء الإحرام.
فقال بعضهم: من حين أن يصلي في المسجد يعقد النية.
وقال بعضهم: إذا ركب السيارة.
وقال بعضهم: إذا كان محرماً من ذي الحليفة إذا علا البيداء، والأقرب أنه يلبي إذا ركب السيارة.
ولا يشرع له عند التلبية أن يتوجه إلى القبلة ويرفع يديه؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
س 585: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الأفضل أن يلبي الإنسان نية النسك إذا ركب السيارة أو بعد الركعتين في الميقات وما هي صيغة التلبية إذا ركب السيارة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأظهر أنه يلبي إذا ركب السيارة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبى حين ركب، وإن لبى قبل ذلك بعد الصلاة فلا
(22/99)

حرج، لكن ما دام الأمر فيه سعة فإنه إذا أخر حتى يركب السيارة فيكون أفضل.
وصفة التلبية أن تقول: لبيك اللهم حجاً، إن كنت بحج أو لبيك عمرة، إن كنت بعمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
س 586: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل نتلفظ بنية الدخول في النسك في التلبية؟ وهل يشرع أن يقول: اللهم إني أريد العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: التلبية هي أن تقول لبيك عمرة إذا كانت عمرة، ولبيك حجاً إذا كانت حجّاً، وأما أن يقول: اللهم إني أريد العمرة: أو أريد الحج. فهذا لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
س 587: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ماذا يقول الإنسان في بداية الإحرام إذا كان الحاج وكيلاً عن غيره؟ وماذا يقول كذلك في يوم عرفة ويوم النحر وعند رمي الجمار وغير ذلك
من المواقف؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول: لبيك عن فلان، لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة فقال: "من شبرمه؟ " قال: أخ لي أو قريب لي. فقال: "أحججت عن نفسك؟ " قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حج
(22/100)

عن شبرمة" (1) فتقول: لبيك عن فلان فإذا نسيت اسمه فقل لبيك عمن أعطاني وكالة في الحج أو ما أشبه هذا من العبارات، والله تعالى يعلمه، ولا يلزم أن تقول هذا عند الطواف، أو السعي، أو
الوقوف، أو المبيت بمزدلفة، أو رمي الجمار، فإذا نويته من أول الإحرام كفى، أو العمرة ما دام محرماً بحج أو عمرة.
س 588: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة لتلبية النساء ما مدى صحة حديث عائشة رضي الله عنها الذي قيل: إن عائشة سمع صوتها وهي تلبي فسأل: من هذه؟ فقالت عائشة هل ترفع المرأة صوتها في التلبية أم ليس لها تلبية؟
فأجاب فضيلته بقوله: التلبية سنة للرجال والنساء وهي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. وينبغي أن يذكر نسكه إن كان محرماً بعمرة أو حج فيقول مع التلبية: لبيك عمرة إن كان محرماً بعمرة، أو لبيك بحجة إن كان محرماً للحج، أو لبيك عمرة وحجاً إن كان محرماً بالقران.
والرجل يرفع صوته بذلك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره (رقم 1811) ، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره (رقم 2903) ، والبيهقي في سننه الكبرى (3/155) ، وقال: إسناده صحيح ليس في الباب أصح منه. وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم 3128) .
(22/101)

بالإهلال " (1) أما المرأة فلا ترفع صوتها بذلك لما يخشى من رفع صوتها من الفتنة، وأما الحديث الذي ذكره السائل عن عائشة - رضي الله عنها- فلا أعلم عنه شيئاً.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (4/55، 56) وأبو داود في كتاب المناسك، باب كيف التلبية (رقم 1814) ، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية (رقم 829) وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(22/102)

باب محظورات الإحرام
* حلق الشعر.
* تقليم الأظافر.
* تغطية الرأس.
* لبس المخيط.
* الإزار المخيط.
* حكم من عجز عن لبس الإحرام.
* تغيير لباس الإحرام.
* الطيب.
* قتل الصيد.
* عقد النكاح.
* الجماع.
* المباشرة.
* إحرام المرأة.
* البرقع والنقاب.
* القفازات والشراب.
*تغطية الوجه ولبس الحلي.
(22/103)

س 589: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي محظورات الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: محظورات الإحرام هي الممنوعات بسبب الإحرام، بمعنى المحرمات التي سببها الإحرام، وذلك أن المحرمات نوعان: محرمات في حال الإحرام وحال الحج، وإليها أشار الله تعالى بقوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) فكلمة (فسوق) عامة تشمل ما كان الفسق فيه بسبب الإحرام وغيره بمحرمات خاصة بسبب الإحرام إذا تلبس الإنسان بالإحرام فإنها تحرم عليه وتحل له في حال الحل.
فمن محظورات الإحرام: الجماع وهو أشد المحظورات إثماً وأعظمها أثراً، ودليله قوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) فإن الرفث هو الجماع ومقدماته، وإذا وقع الجماع قبل التحلل الأول في الحج فإنه يترتب عليه أمور خمسة:
الأول: الإثم، والثاني: الفساد للنسك، والثالث: وجوب الاستمرار فيه، والرابع: وجوب فدية يذبحها ويفرقها على الفقراء. والخامس: وجوب القضاء من العام القادم.
وهذه آثار عظيمة تكفي المؤمن في الانزجار عنه، والبعد عنه.
ومن المحظورات أيضاً: المباشرة لشهوة والتقبيل والنظر
__________
(1) سورة البقرة: 197.
(22/105)

بشهوة، وكل ما كان من مقدمات الجماع؛ لأن هذه المقدمات تفضي إلى الجماع.
ومن محظورات الإحرام: عقد النكاح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب " (1) .
ومن محظوراته: الخطبة فلا يجوز لإنسان أن يخطب امرأة وهو محرم لحج أو عمرة.
ومن محظورات الإحرام: قتل الصيد، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) (2) .
ومن محظوراته أيضاً: الطيب بعد عقد الإحرام سواء في البدن، أو الثوب، أو المأكول، أو المشروب، فلا يحل لمحرم استعمال الطيب على أي وجه كان بعد عقد إحرامه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرجل الذي وقصته ناقته في عرفة فمات: "لا تحنطوه " (3) والحنوط أطياب تجعل في الميت عند تكفينه، فأما أثر الطيب الذي تطيب به عند الإحرام فإنه لا بأس به ولا تجب إزالته، لقول
عائشة- رضي الله عنها-: "كنت أطيِّب النبي - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم ". وقالت: "كنت أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم " (4) .
ومن محظورات الإحرام لبس الرجل القميص والبرانس
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته (رقم 1409) .
(2) سورة المائدة، الآية: 95.
(3) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب سنة المحرم إذا مات (رقم 1851) ، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (رقم 1206) .
(4) تقدم ص 9.
(22/106)

والسراويل والعمائم والخفاف، هكذا أجاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - حينما سئل ماذا يلبس المحرم؟ فقال: "لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف " (1) إلا من لا يجد إزاراً فليلبس السراويل، ومن لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وما كان بمعنى هذه المحظورات فهو مثلها فالكوت والفانيلة والصدرية والغترة والطاقية والمشلح كل هذه بمعنى المنصوص عليه، فيكون لها حكم المنصوص عليه، وأما لبس الساعة والخاتم وسماعة الأذن، ونظارة العين، والكمر الذي تكون فيه النقود وما أشبهها فإن ذلك لا يدخل في المنهي عنه لا بالنص ولا
بالمعنى، وعلى هذا فيجوز للمحرم أن يلبس هذه الأشياء، وليعلم أن كثيراً من العامة فهموا من قول أهل العلم (إن المحرم لا يلبس المخيط) ، أن المراد بالمخيط ما فيه خياطة، ولهذا تجدهم كثيراً يسألون عن لبس الكمر المخيط، وعن لبس الإزار أو الرداء المرقع وعن لبس النعال المخروزة وما أشبه ذلك، ظنّاً منهم أن العلماء يريدون بلبس المخيط لبس ما كان فيه خياطة، والأمر ليس كذلك، وإنما مراد العلماء بذلك ما يلبس من الثياب المفصلة على الجسم على العادة المعروفة.
وتأمل قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " لا يلبس القميص ولا السراويل " إلى آخره، يبين لك أن الإنسان لو تلفف بالقميص بدون لبس فإنه لا حرج عليه، فلو جعل القميص إزاراً لفه على ما بين سرته
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب البرانس (رقم 5803) ، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لم يبح (رقم 1177) .
(22/107)

وركبته فإنه لا حرج عليه في ذلك؛ لأن ذلك لا يعد لبساً للقميص.
ومن المحرمات في الإحرام: تغطية الرجل رأسه بملاصق معتاد كالطاقية والعمامة والغترة، فأما تظليل الرأس بالشمسية، أو سقف السيارة أو بثوب يرفعه بيديه على رأسه فهذا لا بأس به، لأن المحرم تغطية الرأس لا تظليله، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث لأم الحصين- رضي الله عنها- قالت: (رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - راكباً وأسامة وبلال أحدهما آخذ بخطام ناقته، والثاني رافع ثوبه) (1) .
أو قال: (ثوباً يظلله به من الحر حتى رمى جمرة العقبة) ، ولا يحرم على المحرم أن يحمل عفشه على رأسه، لأن ذلك لا يعد تغطية، وإنما المراد به الحمل.
ومن محظورات الإحرام: أن تنتقب المرأة أي تضع النقاب على وجهها؛ لأن النقاب لباس الوجه، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المرأة أن تنتقب وهي محرمة (2) . فالمشروع للمرأة في حال الإحرام أن تكشف وجهها إلا إذا كان حولها رجال غير محارم لها فإنه يجب عليها أن تستر الوجه، وفي هذه الحال لا بأس أن يلاصق الساتر بشرتها ولا حرج عليها في ذلك.
ومن محظورات الإحرام: لبس القفازين وهما جوارب اليدين، وهذا يشمل الرجل والمرأة فلا تلبس المرأة القفازين في حال الإحرام، وكذلك الرجل لا يلبس القفازين لأنهما لباس كالخفين بالنسبة للرجل.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر (رقم 1298) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب ما ينهى عن الطيب للمحرم والمحرمة (رقم 1838) .
(22/108)

ومن محظورات الإحرام أيضاً: حلق الرأس.
وحكم هذه المحظورات: الصيد، بين الله سبحانه وتعالى ما يترتب عليه، فقال: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) (1) فإذا كان هذا الصيد مما له مثل من النعم أي من الإبل، أو البقر، أو الغنم فإنه يذبح مثله في مكة ويتصدق به على الفقراء، أو يجعل بدل المثل طعاماً يشترى ويوزع على الفقراء، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً. أما إذا لم يكن له مثل فإن العلماء يقولون: يخيَّر بين الإطعام والصيام فيقوَّم الصيد بدراهم ويطعم ما يقابل هذه الدراهم الفقراء في مكة، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.
وفي حلق الرأس بيَّن الله- عز وجل- أن الواجب فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك، وبيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الصيام ثلاثة أيام، وأدت الصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك شاة يذبحها (2) ، وهذه الشاة توزع على الفقراء، وحلق الرأس حرام إلا لمن تأذى بالشعر كما سنتعرض له. وهذه الفدية لا يؤكل منها شيء، وتسمى عند أهل العلم فدية الأذى، لأن الله تعالى ذكرها في ذلك حين قال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (3) .
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 95.
(2) أخرجه البخاري، كتاب المحصر، باب الإطعام في الفدية (1816) .
(3) سورة البقرة، الآية: 196.
(22/109)

قال أهل العلم: فدية الأذى واجبة في كل محظور من محظورات الإحرام ما عدا الجماع قبل التحلل الأول في الحج وجزاء الصيد؛ لأن في الأول بدنة، وفي الثاني المثل، أو ما يقوم مقامه، فكل المحظورات عندهم ما عدا ما ذكرنا التي فيها فدية فديتها فدية الأذى، فدخل في ذلك لبس القميص، والسراويل، والبرانس وما أشبهها، وتغطية الرأس للرجل، وتغطية الوجه للمرأة، والطيب والمباشرة وما أشبه ذلك، هكذا قال أهل العلم في هذه المحظورات.
س 590: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تشمل تغطية الرأس أن يضع الناس ورقة أو كرتوناً أو بطانية مثلاً على رأسه؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، يشمل هذا، ولهذا إذا احتاج لتظليل رأسه فليرفع هذا عن رأسه قليلاً حتى لا يباشره.
س 591: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو الفرق بين النقاب وبين البرقع للمرأة؟ وهل يجوز لبس البرقع؟
فأجاب فضيلته بقوله: البرقع أخص من النقاب؛ لأن النقاب خمار معتاد يتدلى من رأسها ويفتح لعينيها، أما البرقع فإنه قد فصل للوجه خاصة، وغالباً يكون فيه من التجميل والنقوش ما لا يكون في النقاب ولا يجوز لها أن تلبسه أيضاً؛ لأنه إذا منعت من النقاب فالبرقع من باب أولى.
(22/110)

س 592: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم ارتكاب المحظورات ناسياً أو جاهلاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا أن نقول: إن محظورات الإحرام تنقسم إلى أقسام: منها ما لا فدية فيه أصلاً، ومثَّل له العلماء: بعقد النكاح والخطبة قالوا: إن هذا ليس فيه فدية، ومنها ما فديته فدية الأذى، ومنها ما فديته بدنة، ومنه ما فديته جزاء، وكل شيء فيه فدية فإن فاعله لا يخلو من ثلاث حالات.
الأولي: أن يفعله عالماً ذاكراً مختاراً بلا عذر، وفي هذه الحال يترتب عليه الإثم، وما يجب فيه من الفدية.
الثانية: أن يفعله متعمداً عالماً مختاراً، لكن لعذر فهذا ليس عليه إثم، ولكن عليه فدية، مثل أن يحلق رأسه لأذى أو شبهه.
الثالثة: أن يفعل هذه المحظورات ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فهذا ليس عليه شيء لا إثم ولا فدية أيّاً كان المحظور، لعموم قول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) .
وقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (2) . وقوله تعالى في جزاء الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (3) . فإذا اشترطت العمدية في
جزاء الصيد مع أن قتل الصيد إتلاف فما عداه من باب أولى،
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(3) سورة المائدة، الآية: 95.
(22/111)

وعلى هذا فنقول: إذا فعل أحد شيئاً من هذه المحظورات ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فليس عليه شيء لا إثم ولا فدية، ولا يفسد نسكه، ولا يتعلق بذلك شيء أصلاً حتى ولو كان الجماع.
س 593: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نرجو توضيح محظورات الإحرام التي يجب على الإنسان تجنبها خلال فترة الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: محظورات الإحرام هي الممنوعات التي يمنع منها الإنسان بسبب الإحرام، ومنها:
أولاً: حلق شعر الرأس، لقوله تعالى: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ، وألحق العلماء بحلق الرأس حلق الشعر من جميع الجسم، وألحقوا به أيضاً تقليم الأظفار، وقصها.
ثانياً: استعمال الطيب بعد عقد الإحرام؛ سواء في ثوبه أو بدنه أو في أكله، أو في تغسيله، أو في أي شيء يكون. فاستعمال الطيب محرم في الإحرام، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الرجل الذي وقصته ناقته: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه " (1) . والحنوط أخلاط من الطيب تجعل في الميت. ثالثاً: الجماع، لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (2) .
رابعاً: المباشرة لشهوة، لدخولها في عموم قوله: (فلا
__________
(1) تقدم ص 156.
(2) سورة البقرة، الآية: 197.
(22/112)

رفث) ولأنه لا يجوز للمحرم أن يتزوج ولا أن يخطب، فلأن لا يجوز أن يباشر من باب أولى.
خامساً: قتل الصيد، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) (1) وأما قطع الشجر فليس بحرام على المحرم إلا ما كان داخل الأميال، سواء كان محرماً أم غير محرم، ولهذا يجوز في عرفة أن يقلع الأشجار ولو كان محرماً، ولا يجوز في مزدلفة
ومنى أن يقلعها ولو كان غير محرم، لأن قطع الشجر متعلق بالحرم لا بالإحرام.
سادساً: ومن المحظورات في الإحرام أيضاً، وهي خاصة بالرجل لبس القميص، والبرانس، والسراويل، والعمائم، والخفاف، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد سئل ما يلبس المحرم؟ فقال: "لا يلبس القميص ولا البرانس، ولا السراويل، ولا العمائم، ولا الخفاف " (2) إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - استثنى من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين.
وهذه الأشياء الخمسة صار العلماء يعبرون عنها بلبس المخيط، وقد توهم بعض العامة أن لبس المخيط هو لبس ما فيه خياطة، وليس الأمر كذلك، وإنما قصد أهل العلم بذلك أن يلبس
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 95.
(2) تقدم ص 107.
(22/113)

الإنسان ما فصل على البدن، أو على جزء منه كالقميص والسراويل، هذا هو مرادهم، ولهذا لو لبس الإنسان رداءً مرقعاً، أو إزاراً مرقعاً فلا حرج عليه، ولو لبس قميصاً منسوجاً بدون
خياطة كان حراماً.
سابعاً: ومن محظورات الإحرام وهو خاص بالمرأة النقاب، وهو أن تغطي وجهها، وتفتح لعينيها ما تنظر به، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه (1) ، ومثله البرقع، فالمرأة إذا أحرمت لا تلبس النقاب ولا البرقع، والمشروع أن تكشف وجهها إلا إذا مر الرجال غير المحارم بها، فالواجب عليها أن تستر وجهها ولا يضرها إذا مس وجهها هذا الغطاء.
وبالنسبة لمن فعل هذه المحظورات ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه، لقول الله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)) (2) ، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (3) ، فهذه النصوص تدل على أن من فعل المحظورات ناسياً أوجاهلاً فلا شيء عليه.
وكذلك إذا كان مكرهاً لقوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)) فإذا
__________
(1) تقدم ص 108.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(3) سورة المائدة، الآية: 95.
(22/114)

كان هذا في الإكراه على الكفر، فما دونه أولى.
ولكن إذا ذكر من كان ناسياً وجب عليه التخلي عن المحظور، وإذا علم من كان جاهلاً وجب عليه التخلي عن المحظور، وإذا زال الإكراه عمن كان مكرهاً وجب عليه التخلي عن المحظور، مثال ذلك لو غطى المحرم رأسه ناسياً ثم ذكر فإنه يزيل الغطاء، ولو غسل يده بالطيب ثم ذكر وج عليه غسلها
حتى يزول أثر الطيب وهكذا.
س 594: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حجت والدتي قبل أربع سنوات، ولكن قبل أدائها لفريضة الحج أي في يوم الخامس من ذي الحجة جاءتها العادة الشهرية وقد فكرت هذه الوالدة في تأجيل أداء الفريضة إلا أننا أصررنا على أن تؤديها لأننا كنا على أهبة الاستعداد حيث سمعنا بأنه يجوز للحائض أن تعتمر وتحج إلا أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر، وبناء على ذلك اتجهنا إلى مكة المكرمة ولكن الوالدة ارتكبت العديد من المحظورات وهي جاهلة في ذلك فقد قامت بتمشيط شعرها ولا شك بأنه سوف يتساقط الشعر أثناء التمشيط، كلما أنها تنقبت وبعد ذلك قامت بأداء جميع الأركان والواجبات إلا أنها وعندما حان وقت طواف الإفاضة اغتسلت وطافت بالبيت على اعتقادها أنها قد طهرت إلا أنها اكتشفت بأنها لم تطهر حيث عاد نزول الدم مرة أخرى، وعند
ذلك تركت طواف الوداع حيث كانت تعتقد بأنه غير واجب عليها، أفتونا مأجورين؟
(22/115)

فأجاب فضيلته بقوله: كل ما فعلته والدة السائلة عن جهل من المحظورات فليس عليها إثم ولا فدية، فمشط رأسها لا يضرها، وانتقابها لا يضرها لأنها كانت في ذلك جاهلة وبقية أركان الحج وهي حائض لا يضرها الحيض شيئاً، ولم يبق عندنا إلا طواف الإفاضة وقد طافت كما في السؤال قبل أن تطهر من الحيض، وحينئذ يجب عليها الآن أن تسافر إلى مكة لأداء طواف الإفاضة، ولا يحل لزوجها أن يقربها حتى تطوف طواف الإفاضة ولكن ينبغي أن تحرم بالعمرة من الميقات وتطوف وتسعى وتقصر للعمرة، ثم بعد هذا تطوف طواف الإفاضة، وإنما قلنا ذلك: لأنها مرت بالميقات وهي تريد أن تكمل الحج، فالأفضل والأولى لها أن تحرم بالعمرة وتتم العمرة، ثم تطوف طواف الإفاضة، ثم
ترجع إلى بلدها، فإن رجعت من حين أن طافت طواف الإفاضة فهو كان عن الوداع إلا أن بقيت بعده في مكة فلا تخرج حتى تطوف للوداع.
والواجب على الإنسان ألا يقوم بعبادة ولا سيما الحج الذي لا يكون إلا نادراً في حياة الإنسان حتى يعرف ما يجب في هذه العبادة، وما يمتنع فيها، وينبغي أن يعرف أيضاً ما يسن فيها، وما يكره، وأما كونه يمشي بدون هدى فهذا على خطر عظيم، وإذا كان الإنسان لو أراد السفر إلى بلد من البلدان لن يسافر إلا وقد عرف الطريق، فكيف بالسفر إلى الآخرة كيف يخاطر ويمشي في طريق إلى الله؟ ثم إن من الناس من يبقى مدة بعد فعل العبادة ثم يسأل بعد ذلك، وهذا قد يكون معذوراً من جهة أنه لم يخطر بباله
(22/116)

أنه أساء فيها ثم مع كلام الناس والمناقشات يتبين له أنه أخطأ فيسأل، ونضرب لهذا مثلاً: كثير من الناس يخفى عليه أن الإنسان إذا جامع زوجته وجب عليه الغسل وإن لم ينزل، فتجده قد عاشر
أهله مدة طويلة على هذا الوجه ولا يغتسل ثم بعد سنتين أو ثلاث يسأل، وهذا خطرعظيم؛ لأن هذه الصلاة آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، ولهذا نقول:- وإن لم ترد في السؤال- إن الإنسان إذا أنزل المني بشهوة وجب عليه الغسل في جماع أو غير جماع، حتى بالتفكير وإذا جامع وجب عليه الغسل سواء أنزل أم لم ينزل، فلذلك ننصح إخواننا إذا أرادوا العبادة أن يتعلموها قبل أن يفعلوها، وإذا قدر أنهم فعلوها بدون سؤال ثم أساءوا فيها فليبادروا بالسؤال حتى تبرأ ذممهم، وحتى يلقوا الله- عز وجل- وهم لا يطالبون بشيء ما أوجب الله عليهم.
س 595: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من فعل شيئاً من محظورات الإحرام بعد أن لبس إحرامه هل عليه شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام بعد أن لبس إحرامه وهو لم يعقد النية بعد فلا شيء عليه؛ لأن العبرة بالنية لا بلبس الثوب، ولكن إذا كان قد نوى ودخل في النسك فإنه إذا فعل شيئاً من المحظورات ناسياً، أو جاهلاً فلا شيء عليه، ولكن يجب عليه مجرد ما يزول العذر، ويذكر إن كان ناسياً ويعلم إن كان جاهلاً يجب عليه أن يتخلى من ذلك المحظور، مثال هذا: لو أن رجلاً نسي فلبس ثوباً وهو محرم فلا
(22/117)

شيء عليه ولكن من حين ما يذكر يجب عليه أن يخلع هذا الثوب، وكذلك لو نسي فأبقى سراويله عليه ثم ذكر بعد أن عقد النية ولبى فإنه يجب عليه أن يخلع سراويله فوراً ولا شيء عليه، وكذلك لو كان جاهلاً فإنه لا شيء عليه، مثل أن يلبس فنيلة ليس فيها خياطة بل منسوجة نسجاً يظن أن المحرم لبس ما فيه خياطة فإنه لا شيء عليه، ولكن إذا تبين له أن الفنيلة وإن لم يكن فيها توصيل فإنها
من اللباس الممنوع فإنه يجب عليه أن يخلعها.
والقاعدة العامة في هذا أن جميع محظورات الإحرام إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه لقوله: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) فقال الله تعالى: قد فعلت، لقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (2) . ولقوله تعالى في خصوص الصيد وهو من محظورات الإحرام: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (3) ولا فرق في ذلك بين أن يكون محظور الإحرام من اللباس والطيب ونحوهما، أو من قتل الصيد وحلق شعر الرأس ونحوها، وإن كان بعض العلماء فرق بين هذا وهذا، ولكن الصحيح عدم التفريق؛ لأن هذا من المحظور الذي يعرض الإنسان فيه للجهل والنسيان والإكراه، واعلم أن الفدية في حلق الرأس ذكرها الله تعالى في القرآن في قوله: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(3) سورة المائدة، الآية: 95.
(22/118)

صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) الصيام ثلاثة أيام، والإطعام إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة.
س 596: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأي فضيلتكم في رجل حج بنية القِران فلما طاف القدوم سعى وقصر حيث رأى الناس يقصرون وبقي على إحرامه حتى كمَّل الحجة؟
فأجاب فضيلته بقوله: رأينا أنه لا شيء عليه. فهذا الرجل الذي أحرم قارناً ثم طاف وسعى ورأى الناس يقصرون فقصَّر لا بنية التحلل واستمر على إحرامه، فليس عليه شيء، لأن غاية ما حصل منه أنه قص شعره جاهلاً؛ ففعل محظوراً من محظورات الإحرام جاهلاً، ومحظورات الإحرام إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أومكرهاً فلاشيء عليه.
س 597: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج قصر من بعض شعره جهلاً منه وتحلل فما يلزمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحاج الذي قصر من بعض شعره جاهلاً بذلك ثم تحلل لا شيء عليه في هذا التحلل لأنه جاهل ولكن يبقى عليه إتمام التقصير لشعر رأسه.
وإني بهذه المناسبة أنصح إخواني إذا أرادوا شيئاً من العبادات أن لا يدخلوا فيها حتى يعرفوا حدود الله- عز وجل- فيها، لئلا يتلبسوا بأمر يخل بهذه العبادة، لقوله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -:
(22/119)

(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)) . وقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) . فكون الإنسان يعبد الله عز وجل على بصيرة عالماً بحدوده في هذه العبادة خير بكثير من كونه يعبد الله سبحانه وتعالى على جهل، بل مجرد تقليد لقوم يعلمون أو لا يعلمون.
س 598: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم تمشيط شعره؟
فأجاب فضيلته بقوله: تمشيط المحرم شعره لا ينبغي، لأن الذي ينبغي للمحرم أن يكون أشعث أغبر، ولا حرج عليه أن يغسله، وأما تمشيطه فإنه عرضة لتساقط الشعر، ولكن إذا سقط شعر من المحرم بدون قصد إما لحك رأسه أو لفركه وما أشبه ذلك فإنه لا حرج عليه في هذا؛ لأنه غير متعمد إزالته، وليعلم أن جميع محظورات الإحرام إذا لم يتعمدها الإنسان ووقعت منه على سبيل الخطأ، أو على سبيل النسيان فإنه لا حرج عليه فيها، لأن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)) (1) .
وقال سبحانه وتعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (2) فقال الله تعالى: قد فعلت.
وفي خصوص الصيد وهو من محظورات الإحرام قال الله
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(2) سورة البقرة، الآية: 286.
(22/120)

تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)) (1) وهذا القيد وهو قوله (متعمداً) يفيد أن من قتله غير متعمد فليس عليه جزاء، وهذا القيد قيد احترازي؛ لأنه قيد مناسب للحكم، وذلك أن المتعمد هو الذي يناسبه إيجاب الجزاء، وأما غير المتعمد فلا يناسبه إيجاب الجزاء لما علم من هذا الدين الإسلامي من أنه دين السماحة والسهولة واليسر، وعلى هذا فنقول: جميع محظورات الإحرام بدون استثناء إذا فعلها الإنسان جاهلاً، أو ناسياً، فإنه لا يترتب عليه شيء من أحكامها لا من وجوب الفدية، ولا من فساد النسك فيما يفسد النسك كالجماع ولا غير ذلك.
هذا هو الذي تقتضيه الأدلة الشرعية التي أشرنا إليها، والله الموفق.
س 599: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تقليم الأظافر في الحج والشخص متلبس بالإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشهور عند أهل العلم أن تقليم الأظافر في حال الإحرام لا يجوز، قياساً على تحريم الترفه بحلق شعر الرأس، وعلى هذا القول وهو قول جمهور أهل العلم يجب أن نبتعد عن تقليم أظافر اليدين وأظافر الرجلين.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 95.
(22/121)

س 600: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قمت بتقليم أظافري في اليوم الثامن في منى وعلي إحرامي لأنني كنت أعتقد أن المحظور هو قص الشعر فقط وأن تقليم الأظافر لا شيء فيه، إلا
أن شخصاً نبهني على ذلك جزاه الله خيراً لكنه شدد علي تشديداً جداً لأنه قال: لابد من عودتك إلى الميقات أو إلى مكة المكرمة لتحرم من جديد هل هذا صحيح؟ وما الذي يلزمني؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمك شيء في قص الأظافر؛ لأنك قصصتها وأنت تظن أن ذلك لا بأس به، ومن فعل شيئاً من محظورات الإحرام جاهلاً، أو ناسياً، أو غير مختار فلا شيء عليه، ولا فرق بين إزالة الشعر، وتقليم الأظافر والطيب واللبس وغيرها، كلها على حد سواء، إذا فعل الإنسان شيئاً من محظورات الإحرام جاهلاً، أو ناسياً، أو غير مختار له فلا شيء عليه، لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وهذا عام، ولقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)) (1) . فهذا عام، ولقوله تعالى في المكره: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ) (2) فإذا كان المكره على الكفر وهو أعظم المحرمات لا شيء عليه، فما دونه من المحرمات من باب أولى، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(2) سورة النحل، الآية: 106.
(22/122)

صومه " (1) . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ليس في النوم تفريط " (2) .
وقال تعالى في خصوص الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (3) وبهذه النصوص وغيرها من النصوص نستفيد أن فعل المحظور في العبادة أيّاً كانت إذا كان صادراً عن نسيان، أو جهل فإنه لا شيء فيه ولا يؤثر في العبادة شيئاً، فها هو معاوية بن الحكم- رضي الله عنه- تكلم في صلاته وهو جاهل ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة الصلاة، والحاصل أن هذا الذي قلم أظافره في اليوم الثامن بعد إحرامه لا شيء عليه إطلاقاً.
وأما من أفتاه بأنه يجب أن يرجع إلى الميقات، أو إلى مكة ليحرم منها، فإن هذه فتوى باطلة لا أصل لها، وأحذر هنا وفي كل المناسبات أحذر المسلمين من طلبة العلم وغيرهم أن لا يتكلموا في الفتوى إلا إذا كان لهم مستند شرعي؛ لأن المقام مقام خطير والمفتي معبر عن الله سبحانه وتعالى فيما أفتى به فليتق الله.
س 601: ما حكم تقليم الأظافر في الحج والشخص متلبس بالإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: تقليم الأظافر في الحج لا ينبغي؛ لأن ذلك من الترفه والحج موضوعه أن يكون الإنسان أشعث أغبر، فلا ينبغي له أن يقلم أظافره، وقد ذهب كثير من أهل العلم
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً (رقم 1933) ومسلم، كتاب الصيام باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر. (رقم 1155) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة (رقم 681) .
(3) سورة المائدة، الآية: 95.
(22/123)

أو أكثرهم إلى أن تقليم الأظافر من محظورات الإحرام وأن ذلك حرام عليه، وأنه إذا قلم ثلاثة أظفار فأكثر وجب عليه إما فدية يذبحها ويتصدق بها على الفقراء، وإما إطعام ستة مساكين لكل
مسكين صاع، وإما صيام ثلاثة أيام، فعلى كل حال لا ينبغي للمرء أن يعرض نفسه لمثل هذه الأمور التي هي موضع خلاف بين أهل العلم، والتي أجمع العلماء على أنه ينبغي وأنه من المشروع أن يتجنبها.
س 602: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أديت فريضة الحج في العام الماضي، وقبل أداء الفريضة يوم ستة من ذي الحجة وأنا محرم قمت بتقصير أظافري، فهل عليَّ كفارة؟ مع العلم بأنني
ليس عندي معرفة بذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليك كفارة ولا فدية؛ لأنك جاهل لا تدري، وليعلم أن هناك قاعدة شرعية في كتاب الله- عز وجل- وهي رفع المؤاخذة بالذنب لمن كان جاهلاً أو ناسياً،
وذلك بقول الله- عز وجل-: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) ، فقال الله: " قد فعلت " أي رفع عنا المؤاخذة بالنسيان والخطأ.
وهذا عام في جميع محظورات الإحرام، وفي جميع محظورات الصلاة، وفي جميع محظورات الصيام. كل من فعل محظوراً في هذه العبادات عن نسيان أو جهل فإنه غير مؤاخذ به ولا إثم عليه ولا كفارة.
(22/124)

فطبق هذه على جميع المحظورات، في العبادات، فلو تكلم الإنسان في الصلاة وهو جاهل فصلاته صحيحة، ولو أكل أو شرب وهو جاهل فصيامه صحيح، أو احتجم وهو صائم وهو يحسب أن الحجامة لا شيء فيها فصيامه صحيح، ولو أفطر الصائم قبل غروب الشمس يظنها غربت ولم تغرب فصيامه صحيح. فهذه القاعدة من الله سبحانه وتعالى وليست من قول البشر، قاعدة من الله عز وجل لعباده، (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله: " قد فعلت ".
س 603: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قمت بثقليم أظافري في اليوم الثامن وأنا جاهل، وأثناء تقليمي لها قال لي أحد الجالسين معي في الخيمة: إن هذا حرام وقد بطل إحرامك وعليك
أن تعود إلى مكانك في مكة وتحرم من جديد، ولما عرفت منه أن إحرامي بطل أكملت تقليم الأظافر ثم سألت شخصاً فقال لي: لم يفسد إحرامك وإنما عليك نسك وأنا لا أعرف النسك، وخجلت
أن أسأله فلم أسأله، أرجو إفادتي عما يأتي أولاً: حكم تقليم الأظافر. ثانياً: حكم المضي وتكميلها. ثالثاً: ما الذي يلزمني؟
فأجاب فضيلته بقول: تقليم الأظافر حال الإحرام ذكر أهل العلم أنه لا يجوز إلحاقاً بذلك في حلق الرأس لما في الجميع من الترفه وإزالة الأذى، وأما بالنسبة لما جرى منك فإنه لا شيء عليك وإحرامك صحيح لا شيء عليك؛ لأنك جاهل لا تدري أن التقليم في هذه الحالة حرام، وكل إنسان يفعل شيئاً من محظورات
(22/125)

الإحرام وهو جاهل لا يدري، أو ناسي لا يذكر فإنه لا شيء عليه لا نسك، ولا صدقة، ولا صيام لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) وقوله تعالي: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (2) وقوله تعالى في خصوص الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (3) . فقوله (متعمداً) يدل على أن غير المتعمد لا جزاء عليه.
وأما بالنسبة للذي أفتاك بأن إحرامك فاسد ويجب عليك أن ترجع فتحرم من موضعك فهذه الفتوى خطأ، وإنني أوجه إلى هذا المفتي المتجرىء وإلى أمثاله ممن يتجرأون على الحكم والإفتاء
للناس بغير علم إنني أوجه لهم النصيحة بأن يخافوا الله عز وجل وأن يحذروا عقابه، فإن الله تعالى يقول في كتابه الكريم: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)) (4) فالقول
على الله بما لا يعلم منه القول في شريعته بما لا يعلم، فلا يحل لأحد أن يفتي أحداً في شيء إلا عن علم بأن هذا الشيء حكمه كذا وكذا، وأما أن يفتيه بجهل فإن ذلك حرام عليه فليتق الله هؤلاء
الجاهلون الذي يفتون الناس بغير علم فيضلوا ويضلوا، فالواجب على المسلم إذا أشكل عليه شيء أن يسأل أهل العلم الذين عرفوا بالعلم والورع والاستقامة، فإنه ليس أيضاً كل من عرف بأنه مفتي
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(3) سورة المائدة، الآية: 95.
(4) سورة الأعراف، الآية: 33.
(22/126)

يكون أهلاً للفتوى، فإننا نرى كثيراً من العوام يعتمدون في استفتاءاتهم على من ليس عندهم علم، وإنما هم تقدموا مثلاً في إمامة مسجد أو ما أشبه ذلك فظنوا أن عندهم علماً فصاروا يستفتونهم، وهؤلاء بحكم منصبه وإمامته صار الواحد منهم يستحي أن يقول: لا أعلم. وهذا لا شك أنه من جهلهم أيضاً، فإن الواجب على من سئل عن علم وهو لا يعلمه أن يقول: لا أعلم.
وقد ذكر بعض من تكلموا عن حياة الإمام مالك بن أنس- رحمه الله- إمام دار الهجرة، أن رجلاً أتاه من بلد بعيد في مسألة أرسله أهل البلد بها إلى الإمام مالك ليسأله فأقام عند مالك ما شاء الله،
ثم سأله عن هذه المسألة فقال له مالك: لا أعلم، فقال: إن أهل بلدي أرسلوني إليك، وكيف أقول لهم لا أعلم وأنت إمام دار الهجرة؟ قال: اذهب إليهم وقل: إني سألت مالك فقال: لا أعلم. هذا مع ما أعطاه الله من العلم والإمامة في الدين، فكيف بمن دونه؟!
النبي عليه الصلاة والسلام أحياناً يسأل عن الشيء ولا يجيب عليه، ويجيب الله عنه، وانظر إلى ما في القرآن كثيراً يسألونك فيجيب الله عنه (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (1) . (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) (2) (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) (3) فإذا كان النبي عليه
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 189.
(2) سورة البقرة، الآية: 222.
(3) سورة المائدة، الآية: 4.
(22/127)

الصلاة والسلام يتوقف عن الإجابة في ما لم يعلم فيه حكم الله فكيف بغيره من الناس؟!
على كل حال نصيحتي لإخواني المسلمين أن يتقوا الله سبحانه وتعالى وأن لا يتجرئوا على الفتوى من غير علم، فإن ذلك ضلال وإضلال، وأسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً الثبات والاستقامة، وأن يجعلنا هداة مهتدين.
س 604: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغطي رأسه عند النوم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كان أنثى فمعروف أنه يجوز أن تغطي رأسها، أما إذا كان رجلاً فلا يجوز لا عند النوم ولا في حال اليقظة، لكن لو أنه غطاه وهو نائم ثم استيقظ وجب عليه كشف رأسه ولا شيء عليه؛ لأن النائم مرفوع عنه القلم.
س 605: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغطي رأسه للبرد؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن يغطيه لكن من خاف ضرراً فهو كالذي يكون به أذى من رأسه يغطيه ويفدي: إما بصيام ثلاثة أيام، وإما بإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما بذبح شاة.
(22/128)

س 606: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تغطية المحرم لرجليه أثناء النوم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بذلك، لأنه يجوز للمحرم أن يلتحف بما يغطي جميع بدنه إلا الرأس هذا بالنسبة للرجل، أما المرأة فلها أن تلتحف بكل ما يغطي بدنها ولا حرج عليها، إلا أنها منهية عن لبس النقاب.
س 607: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغتسل بدون جنابة؟ وهل يجوز له أن ينغمس في الماء وهل يدخل ذلك في حكم تغطية الرأس؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز أن يغتسل المحرم وإن لم يكن عليه جنابة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل وهو محرم (1) .
ويجوز أن ينغمس في الماء ويغمس رأسه ولا حرج في ذلك ولو كان محرماً، لأن الأصل الحل، وليس هذا من تغطية الرأس وذلك أن الانغماس في الماء لا يعد ستراً للرأس والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لا تخمروا رأسه " (2) .
س 608: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد منَّ الله عليَّ وأديت فريضة الحج وحين انتهيت من رمي جمرة العقبة فحلقت رأسي رأيت صديقاً لي وضع رداءه على رأسه فوضعت ردائي على
__________
(1) تقدم ص 10.
(2) تقدم ص 106.
(22/129)

رأسي فهل عليَّ إثم في ذلك يا فضيلة الشيخ؟ وإذا حصل في العمرة بعد الطواف والسعي قبل الحلق أو التقصير؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الذي صنعت وهو تغطية رأسك وكان ذلك في الحج وبعد أن رميت جمرة العقبة يوم العيد وحلقت رأسك فلا حرج عليك، لأن الرجل الحاج إذا رمى جمرة العقبة
يوم العيد وحلق أوقصر تحلل من كل شيء من محظورات الإحرام إلا من النساء، وكذلك لو كنت في يوم العيد رميت جمرة العقبة وذهبت إلى مكة وطفت وسعيت ثم وضعت رداءك على رأسك
فإنه لا حرج عليك؛ لأنك قد تحللت التحلل الأول.
أما إذا كان في العمرة وبعد الطواف والسعي غطى رأسه قبل الحلق أو التقصير جاهلاً فلا شيء عليه؛ لأن الجاهل بالمحظورات ليس عليه شيء، أما إذا تعمد ذلك عن علم فإن أهل العلم رحمهم الله يقولون: إن الإنسان إذا فعل محظوراً لا يفسد النسك ويوجب شاة فإنه في هذه الحال مخير بين أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة يفرقها على الفقراء.
س 609: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم لبس الكمامة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الكمامة للمحرم للحاجة لا بأس بها مثل أن يكون في الإنسان حساسية في أنفه فيحتاج للكمام، أو يمر بدخان كثيف فيحتاج للكمام، أو يمر برائحة كريهة فيحتاج للكمام
(22/130)

فلا بأس. أما مجرد رفاهية فإن التحرز هذا يضر البدن ويفقده المناعة بحيث يكون أدنى شيء يؤذيه، فإياك أن تتوهم فإن المرض إلى المتوهم أقرب من السيل إلى منتهاه.
س 610: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أثناء السير نهاراً وأنا محرم وضعت طرف الإحرام على رأسي وحينما تيقظت لذلك رفعته من على رأسي ولم أعد لذلك مرة أخرى فهل عليَّ شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليك شيء لأنك وضعته ناسياً، والإنسان إذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام ناسياً فإنه لا شيء عليه، ولكن يجب عليه إذا ذكر أن يتخلى عن ذلك المحظور، والدليل على أنه لا شيء عليه قول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) فقال الله تعالى: (قد فعلت) وقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (2) .
س 611: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن تغطية الرجل المحرم رأسه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للرجل أن يغطي رأسه بملاصق وهو محرم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجل الذي وقصته
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(22/131)

ناقته فمات، قال: "لا تخمروا رأسه "، فلا يجوز للمحرم أن يغطي رأسه بملاصق حال الإحرام لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
فإذا قال قائل: هذا في الميت، فإننا نقول: لا فرق بين الميت والحي، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً". فدل هذا أن من حالة التلبية يثبت له هذا الحكم، ولا يشترط أن يكون معتاداً، فلو وضع منديلاً على رأسه فإنه يحرم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: "لا تخمروا رأسه " فلا فرق بين المعتاد: كالطاقية والغترة والعمامة، وغير المعتاد كالمنديل مثلاً، فإن كان غير ملاصق فهو جائز مثل الشمسية والخيمة ونحو ذلك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن تغطية الرأس لا عن تظليل الرأس، والشيء البائن عن الرأس المبتعد عنه لا يقال إنه غطى الرأس، بل ظلل الرأس، ولهذا قالت أم الحصين: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى يوم العيد راكباً على ناقته ومعه بلال وأسامة وأحدهما يظلله بثوب من الحر حتى رمى جمرة العقبة. فدل هذا على أن التظليل ليس تغطية.
فإذا قال قائل: لو وضع الإنسان يده على رأسه هل يحرم؟ الجواب: لا؛ لأن هذا لا يعد ستراً في العادة ولا تغطية، فلو وضع إنسان يده على رأسه من شدة الحر مثلاً وهو محرم فلا بأس. ولو
وضع أو حمل عفشه على رأسه وهو محرم فإنه يجوز، لأن هذا لا يسمى ستراً في العادة ولا جرت العادة أن الإنسان إذا أراد أن يخمر رأسه ذهب يحمل المتاع، لكن بعض أهل العلم قال: إن أراد
بالحمل أي بحمل المتاع على رأسه إن أراد الستر فإن ذلك حرام؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى"
(22/132)

ولكن الظاهر أن ذلك لا يضر مطلقاً، لأن هذا يسمى حملاً ولا يسمى ستراً.
س 612: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أخذ عمرة ثم نسي أن يحلق شعره فلبس المخيط وعندما تذكر حلق شعره؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شيء عليه لأنه لبس المخيط قبل أن يحل من إحرامه وهو ناسي فلا شيء عليه.
س 613: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعنا عنكم جواز لبس الإحرام الذي قد خيط عليه ربقة كالوزرة فهل هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا صحيح، فالإزار جائز سواء كان مربوطاً بتكة- يعنى ربقة- كما يقول السائل: أو مخيوطاً أو فيه مخابىء أيضاً فيجوز أن يلبس الإنسان إزاراً فيه ربقة، وأيضاً مخيوطاً وأما توهم بعض العوام أن كل ما فيه خياطة فهو حرام فهذا غلط وليس بصحيح، ولذلك يسألون كثيراً عن الحذاء المخروزة هل يجوز لبسها أو لا؟ لأن فيها خياطة فيقال: الإزار جائز على أي صفة كان، والقميص حرام على الرجال على أي صفة كان.
س 614: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم وضع لباس الإحرام على هيئة الوزرة؟
(22/133)

فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج فيه، فلو أن الإنسان خاط الإزار ولبسه فلا حرج في هذا، حتى لو جعل فيه تكة يعنى ربقة يشده بها، وذلك لأنه لم يخرج عن كونه إزاراً والمشروع للمحرم أن يحرم بإزار ورداء، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل " ولم يقل: إزاراً لم يخط، أو ليس فيه خياطة فإذا خاط الإنسان إزاره ووضع فيه الربقة وشده على بطنه فلا حرج في هذا.
س 615: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت في إزار مغلق من جميع النواحي غير مفتوح فكان الناس ينكرون ويقولون: هذا لايجوز فما حكمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الناس ينكرون ما لا يعرفون، وهل الإزار حينما أغلق خرج عن كونه إزاراً؟ أبداً فما دام إزاراً والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "فمن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل " فأباح الإزار على كل حال، ومن قال: لا يباح الإزار إذا كان كالوزرة فعليه الدليل، والحديث مطلق غير مقيد، ونظير هذا الشراب الذي فيه شقوق بعض الناس ينكر عليك أن تمسح عليه فنقول ما هو الدليل؟ ما دام يسمى جوربا، والشرع أطلق ولم يقيد- الحمد لله- والله تعالى يعلم كل شيء فلو كان هناك قيود يحتاج إليها المسلم في عباداته لبينها الله عز وجل: إما في الكتاب أو في السنة. ومن أنكر الإزار المسكر فيقال له، ما دليلك على أن الإزار المسكر حرام؟ والسنة جاءت بإباحة الإزار مطلقاً؟
وبعض الناس يتعلق بكلمة مخيط، وهذه ما جاءت في
(22/134)

السنة أبداً، لما سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ماذا يلبس المحرم؟ قال: "لا يلبس القميص ".
والقميص لو كان منسوجاً بدون أي خياطة فهو حرام، والإزار والرداء لو كله مرقع وكله خياطة حلال فكلمة المخيط هذه ما وردت في لسان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا في لسان أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الصحابة- رضي الله عنهم- أول من نطق بها إبراهيم النخعي وهو من فقهاء التابعين- رحمه الله- وهي كلمة لا تصح بدليل أن الإزار المخيط والرداء المخيط المرقع يجوز وهو مخيط، وأن القميص المنسوج بدون خياطة حرام، وانظر إلى هذه الكلمة كيف أوجبت الإشكال بين الناس الآن يأتي الناس يستفتون يقولون: هل لبس النعل المخروزة والكمر هل يجوز لبسه لأنه مخيط؟ فلو أننا بقينا على ما جاءت به النصوص لسلمنا من الإشكالات.
س 616: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم ما يفعله بعض الناس من مسك الإحرام بالدبابيس أو المشابك حتى يصل البعض أن يجعلها كالثياب؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأولى ألا يشبك الإنسان رداءه، بل ينسفه على كتفيه، لكن إذا كان يعمل كالطباخ والقهوجي وما أشبه ذلك وأراد أن يزره بمشبك، فلا بأس بذلك، أما ما أشار إليه السؤال من أن بعض الناس يزرّه بمشابك من الرقبة إلى السرة، حتى يكون كأنه قميص، فأنا أشك في جواز هذا؛ لأنه حينذاك
(22/135)

يشبه القميص، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المحرم: "لا يلبس القميص ".
س 617: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكمة من تجرد المحرم من المخيط في الحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: ما معنى غير المخيط، المخيط هو القميص، والسراويل، والبرانس، والعمائم والخفاف لأنها هي التي نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن لبسها، وليس المراد ما فيه خياطة.
والحكمة من التجرد من أجل أن يكمل ذل الإنسان لربه عز وجل ظاهراً وباطناً، لأن كون الإنسان يبقى في رداء وإزار ذل، تجد أغنى الناس الذي يستطيع أن يلبس أفخر اللباس تجده مثل أفقر الناس لكمال الذل، وأيضاً من أجل إظهار الوحدة بين المسلمين وأنهم أمة واحدة حتى في اللباس، ولهذا يطوفون على بناء واحد، ويقفون في مكان واحد، ويبيتون في مكان واحد، ويرمون في موضع واحد.
الفائدة الثالثة: أن الإنسان يتذكر أنه إذا خرج من الدنيا فلن يخرج إلا بمثل هذا، لن يخرج بفاخر اللباس وإنما سيخرج في كفن والله المستعان.
س 618: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الجزمات التي تحت الكعبين تعتبر خفافاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجزمات تحت الكعبين بعض
(22/136)

العلماء يقول: لا بأس بها؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما "من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين " (1) قال: لأنهما لو قطعا من أسفل الكعبين صارا بمنزلة النعلين.
ولكن ظاهر السنة العموم (ولا الخفين) فالصواب أنه حرام وأنه لا يجوز للمحرم أن يلبس كنادر ولو كانت تحت الكعب.
س 619: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا لم يجد نعلين وهو لابس الحذاء فماذا يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا لم يجد النعلين فإنه يلبس الخفين كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -. لكن في وقتنا- والحمد لله- سيجد نعالاً كثيرة عند الميقات، ولكن ربما لا يجد دراهماً يشتري بها.
س 620: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: مع شدة الحر وكثرة المشي يصاب بعض الرجال بالحرق الذي يكون بين الفخذين فهل يجوز للرجل إذا أصابه ذلك أن يلبس السراويل أو يلبس شيئاً
قريباً منه لكي يفصل بين لحمه ليقي نفسه لأننا نرى بعض الناس ربما يسيل دمه من ذلك الحرق وهو قد تأذى بذلك فما الحكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للإنسان في هذه الحال أن يلف على فخذه لفافة ويربطها من فوق ويسلم من هذا الحرق، فإن لم يتمكن فله أن يلبس السراويل ولكن يطعم ستة مساكين لكل
__________
(1) تقدم ص 157.
(22/137)

مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يذبح شاة يوزعها على الفقراء، لقول الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (1) وفي هذه الحال ليس عليه إثم لأنه فعل ذلك للعذر.
س 621: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يرغب في أداء العمرة ولكن لا يستطيع لبس الإحرام لأنه معاق ومشلول: فهل يستطيع العمرة بثيابه وهل عليه كفارة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يلبس ثياب الإحرام فإنه يلبس ما يناسبه من اللباس الآخر والجائز وعليه عند أهل العلم إما أن يذبح شاة يوزعها على الفقراء، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يصوم ثلاثة أيام.
هكذا قال أهل العلم قياساً على ما جاء في حلق الرأس حيث قال الله تعالى: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (2) وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصيام صيام ثلاثة أيام، وأن الصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك ذبح. شاة. ويكون الذبح والإطعام في هذه المسألة بمكة احتياطاً، لأن انتهاك محظور اللبس سيستمر إلى التحلل.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(2) سورة البقرة، الآية: 196.
(22/138)

س 622: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمعتمر أن يضع رباطاً على ركبته لأنه يشعر بألم فيها؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للمعتمر وللحاج أيضاً أن يربط رجله بسير يشده عليها إن كانت تؤلمه، بل إن لم تؤلمه إذا كان له مصلحة في ذلك، والسير وشبهه لا يعد لباساً.
وبالمناسبة أود أن أنبه إلى أمر اغتر فيه كثير من العامة وهو أن بعض العوام يظنون أن المحرم لا يلبس شيئاً فيه خياطة يقول: لا تلبس شيئاً فيه خياطة، حتى إنهم يسألون عن النعل المخروزة يقولون: هل يجوز لبسها؛ لأن فيها خياطة؟ ويسألون عن الرداء أو الإزار إذا كان مرقعاً، هل يجوز لبسه لأن فيه خياطة، وهذا مبني على العبارة التي يعبر بها الفقهاء: أن من المحظور لبس المخيط، فظن بعض العامة أن معناها لبس ما فيه خياطة، بل مراد أهل العلم أن يلبس اللباس المعتاد الذي خيط على البدن
كالقميص والسراويل والفنيلة والكوت وما أشبه ذلك، ولو اقتصرنا على تعبير النبي - صلى الله عليه وسلم - ما حصل عندنا إشكال، فقد سئل ما يلبس المحرم- أي ما هو الذي يليه المحرم فقال: "لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرانس ولا العمائم، ولا
الخفاف " (1) .
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب البرانس (رقم 5803) ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لم يبح (رقم 1177) .
(22/139)

س 623: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استخدام الحزام الطبي وذلك أثناء الطواف، فبعض الناس لا يمكنه التحرك والمشي بدونه وهذا الحزام مخيط، فهل يجوز له أن يستخدم ذلك الحزام في الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز أن يستخدم الإنسان هذا الحزام في الحج وفي العمرة أيضاً ولو كان مخيطاً. ويجب أن نعلم أن قول العلماء- رحمهم الله-: يحرم على الرجل لبس المخيط. أن مرادهم لبس القميص والسراويل وما أشبهه، فلهذا يجب أن نفهم كلام العلماء على ما أرادوه، ثم هذه العبارة: "لبس المخيط " ليست مأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد قيل: إن أول من قال بها أحد فقهاء التابعين إبراهيم النخعي،- رضي الله عنه- وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقل للأمة لا تلبسوا المخيط. بل سئل: ما يلبس المحرم؟ قال: " لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا العمائم ولا البرانس، ولا الخفاف " (1) ولم يذكر لفظ المخيط إطلاقاً، فيجب أن نفهم النصوص على ما أرادها المتكلم.
س 624: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا دخل الأفاقي مكة بدون إحرام من أجل أن يتحايل على ولاة الأمر بعدم إرادة الحج، ثم أحرم من مكة فهل حجه صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما حجه فصحيح وأما فعله فحرام من وجهين:
__________
(1) تقدم ص 107.
(22/140)

أحدهما: تعدي حدود الله سبحانه وتعالى بترك الإحرام من الميقات.
والثاني: مخالفة أمر ولاة الأمور الذي أمرنا بطاعتهم في غير معصية الله.
وعلى هذا يلزمه أن يتوب إلى الله ويستغفره مما وقع، وعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء لتركه الإحرام من الميقات على ما قاله أهل العلم من وجوب الفدية على من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة.
س 625: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز تغيير لباس الإحرام وذلك لغسله؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمحرم أن يغير لباسه إلى لباس آخر مما يجوز له لبسه، سواء كان ذلك لحاجة أو لغير حاجة؛ لأن الثوب لا يتعين بالإحرام فيه، أي أنه لو أحرم في ثوب فإنه لا يتعين أن يبقى عليه هذا الثوب حتى ينتهي نسكه، بل له أن يغير الثياب، ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة، وأما ما يظنه بعض الناس من أن الإنسان إذا أحرم بثوب لزمه أن يبقى فيه حتى ينتهي النسك فإن هذا لا أصل له في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا في أقوال الصحابة- رضي الله عنهم- بل ولا في كلام أهل العلم، فإذا اتسخ الثوب الذي أحرم فيه الإنسان فلبس غيره مما يجوز له لبسه وغسله أي غسل الثوب الأول فلا بأس.
(22/141)

س 626: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من لبس الإحرام وكان تحت الإحرام منشفة فهل عليه في ذلك شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليه شيء؟ لأن المنشفة ليست من الثياب التي منعها الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث سئل: ماذا يلبس المحرم؟ قال: "لا يلبس القميص ولا البرانس ولا العمائم ولا الخفاف " فهي ليست من الثياب التي منعها الرسول عليه الصلاة والسلام.
س 627: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يلبس المشلح؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز؛ لأنه يشبه البرنس.
س 628: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج يشعر بشيء من البول بعد التبول لمدة ربع ساعة ويخشى على ملابس الإحرام، فهل يجوز له أن يرتدي سروالاً قصيراً ثم يخلعه لمدة ربع ساعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: قد يكون هذا من الوساوس، يعني قد يوسوس الشيطان للإنسان بأنه أحدث ولم يُحدث، وقد سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل له: الرجل يخيل إليه يعني أنه أحدث، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (1) يعني
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن (رقم 137) ومسلم، كتاب الحيض، باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث ... (رقم 361) .
(22/142)

حتى يتيقن، قد تُحس بدبيب في ذكرك من داخل فتظن أنه بول نزل، ولكن لا تلتفت لهذا تلهَّى عنه، وأعرض عنه، إذا كنت تريد أن يعافيك الله منه لا تهتم به، استمر في عبادتك ولا تقل إنك
أحدثت، فإنك لم تحدث في الواقع، لكن إذا تيقنت يقيناً مثل الشمس أنه خرج منك شيء فلابد أن تغسل الملابس وتغسل ما أصابه البول من بدنك، وتعيد الوضوء، ولبس السراويل في الإحرام لا يمنع من هذا حتى ولو لبست فإنه لا يمنع أن ينزل البول مع السراويل أيضاً فأبق على الإزار ولا تلبس السراويل، وإذا قدّر أن الإزار تنجس فاخلعه واغسله؛ لأنه يجوز للإنسان أن يخلع
ثياب إحرامه ويعيدها مرة ثانية.
س 629: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استبدال المحرم لباس الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: تبديل المحرم لباس الإحرام بثوب يجوز لبسه في الإحرام لا بأس به، سواء فعله لحاجة أو لضرورة، أو لغير حاجة ولا ضرورة. فأما فعله للضرورة فمثل أن ينجس ثوب الإحرام وليس عنده ماء يغسله به فهنا يضطر إلى تبديله بثوب طاهر؛ لأنه لا تصح منه صلاة إلا بثياب طاهرة، ومثال الحاجة أن يتسخ ثوب الإحرام فيحتاج إلى غسل فهنا يخلعه ويلبس ثوباً آخر مما يجوز لبسه في الإحرام، ومثال ما لا حاجة ولا ضرورة أن يبدو للإنسان أن يغير لباس الإحرام بدون أي سبب فله ذلك ولا حرج إذا غيره بما يجوز لبسه.
(22/143)

س 630: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغتسل من أجل النظافة؟ وهل يجوز أن يغير ثياب الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: المحرم يجوز له أن يغتسل من أجل النظافة، لأنه ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل وهو محرم (1) ، ويجوز للمحرم أن يغير ثياب الإحرام إلى ثياب أنظف منها أو أجدد ويجوز له أيضاً أن يترفه بالتكييف وغيرها من أسباب الراحة.
س 631: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يغير ثوب الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز أن يغيره، فيجوز أن يغير الرداء أو الإزار أو المرأة تغير ثيابها إلى لباس جائز ولا حرج في ذلك. لأن الأصل الحل والجواز حتى يقوم الدليل على المنع.
س 632: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اتسخ رداؤه فأراد أن يخلعه ليغسله هل هذا جائز؟ وهل يجوز أن يجعل فيه طيباً قبل أن يلبسه ثانياً؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز أن يخلع رداء ليغسله وإذا خلعه فلا يجوز أن يضع فيه طيباً؛ لأنه لا يجوز للمحرم أن يستعمل الطيب ابتداءً، فإذا خلع رداءه فلا يجوز أن يعيده مطيباً
__________
(1) تقدم ص 10.
(22/144)

لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ولا المسك " (1)
س 633: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من محظورات الإحرام لبس المخيط فما حكم لبس النعال المخروزة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أهل العلم عندما ذكروا من محظورات الإحرام لبس المخيط لم يريدوا بذلك لبس ما كان فيه خياطة، وإنما أرادوا بذلك ما يصنع على البدن من الملبوسات كالسراويل والقميص، وأما ما فيه خياطة فإنه جائز إذا كان يجوز لبسه في الإحرام مثل النعال التي فيها خرازة، ومثل الكمر الذي يجعل فيه النفقة، وكذلك إذا انشق الإزار وخاطه فإنه لا بأس في ذلك، وكثير من العامة يفهمون من لبس المخيط أنه لبس ما فيه خياطة وليس الأمر كذلك، وإنما لبس المخيط أن يلبس الإنسان ما يصنع على البدن من الملبوسات، أو على جزء منه كما مثلنا أولاً، وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يلبس المحرم؟ قال: "لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا البرانس، ولا العمائم، ولا الخفاف ".
س 634: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص أحرم بالعمرة ونسي أن يخلع السراويل فما حكمه؟
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم من الثياب (رقم 1542) ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة (رقم 1177) .
(22/145)

فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليه شيء، لقول الله تبارك وتعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وهنا قاعدة مفيدة (جميع المحرمات في العبادات وغير العبادات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه) فلو تكلم الإنسان وهو يصلي ناسياً فصلاته صحيحة، لو أكل وهو صائم ناسياً فصيامه صحيح، جميع المحرمات سواء كانت في العبادات أو خارج العبادات إذا فعلها الإنسان جاهلاً، أو ناسياً، أو مكرهاً فلا شيء عليه لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) . فقال الله تعالى: قد فعلت.
س 635: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل في الحج يوم النحر ذهب ليرمي جمرة العقبة وقبل أن يرمي جمرة العقبة أصيب بحجر في رأسه وسال الدم ففسخ ملابس الإحرام ولبس المخيط جاهلاً فهل عليه شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليه شيء أبداً، وكل محظورات الإحرام، ومحظورات الصيام، ومحظورات الصلاة كلها إذا فعلها الإنسان جاهلاً، أو ناسياً فلا شيء عليه، قال الله عز وجل: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) . وقال الله تعالى: (قد فعلت) .
(22/146)

س 636: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل مصاب بشرخ في الشرج ويلبس السراويل ويضع القطن حتى لا يحصل التهاب فهل يجوز له إذا أحرم أن يلبس السراويل من أجل هذا العذر؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز له أن يلبس السراويل في الحج من أجل هذا العذر، ولكن عليه أن يفدي: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو أن يذبح شاة يوزعها على فقراء مكة، وذلك، لأن الله سبحانه تعالى يقول: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) وهذه نزلت في كعب بن عجرة- رضي الله عنه- عندما مرض وكثر الأذى في رأسه فأباح الله له ولأمثاله أن يحلق رأسه ويفدي بأحد هذه الأمور الثلاثة بالتخيير إن شاء الإنسان صام ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو ذبح شاة في مكة وتصدق بها على الفقراء.
س 637: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال المظلة للمحرم؟ وكذلك الحزام مع العلم أن فيه خياطة؟
فأجاب فضيلته بقوله: حمل المظلة على الرأس وقاية من حر الشمس لا بأس به ولا حرج فيه، ولا يدخل هذا في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تغطية الرأس- رأس الرجل- لأن هذا ليس تغطية بل هو تظليل من الشمس والحر، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معه أسامة بن زيد، وبلال أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - والآخر رافع ثوباً يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة، وفي
(22/147)

رواية (والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الشمس) وهذا دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد استظل بهذا الثوب وهو محرم قبل أن يتحلل
أما وضع الحزام على إزاره فإنه لا بأس به ولا حرج فيه وقول السائل: مع أنه مخيط. هذا القول مبني على فهم خاطىء من بعض العامة حيث ظنوا أن معنى قول العلماء: "يحرم على المحرم لبس المخيط " ظنوا أن المراد به ما كان فيه خياطة، وليس كذلك بل مراد أهل العلم بلبس المخيط ما كان مصنوعاً على قدر العضو ولبس على هيئته المعتادة كالقميص والسراويل والفنيلة وما أشبه ذلك؛ وليس مراد أهل العلم ما كان به خياطة، ولهذا لو أن الإنسان أحرم برداء مرقع، أو بإزار مرقع لم يكن عليه في ذلك بأس، وإن كان قد خيط بعضه ببعض.
س 638: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أحرمت بابني الصغير الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات وواجهته صعوبات فألبسته المخيط. فما العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإحرام بالصغار جائز، فقد رفعت امرأة صبيّاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ألهذا الحج؟ قال: "نعم ولك أجر" (1) وإذا ثبت له الحج فالعمرة كذلك، لأن العمرة حج أصغر - كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال عليه الصلاة والسلام: "دخلت
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صحة حج الصبي (رقم 1336) .
(22/148)

العمرة في الحج " (1) وقال ليعلي بن أمية: "اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك " (2) .
وإذا كان الصغير ذكراً فإنه يلبس إزاراً ورداءً، وإن كانت أنثى فتلبس ما تلبس الأنثى، وليس للمرأة ثوب معين للإحرام بخلاف الرجل.
وقد اختلف أهل العلم فيما يحدث من كثير من الأطفال، حيث يجدون المشقة في النسك فيمتنعون عن إكماله، فذهب بعضهم إلى أنه يلزم إتمامه، وبعضهم إلى أنه لا يلزم، فإذا طرأت مشقة أو تعب على وليه أو عليه جاز أن يتحلل، وهذا مذهب أبي حنيفة- رحمه الله-، وهو قول قوي جداً، ذلك لأن الصبي مرفوع عنه القلم، كما جاء في الحديث: "رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ ... " (3) .
س 639: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يكثر سؤال بعض الركاب على الرحلات الجوية أنهم تركوا ملابس الإحرام في حقائب السفر، فكيف يحرمون؟
فأجاب فضيلته بقوله: يحرم هؤلاء الذين تركوا ملابس الإحرام في حقائب السفر في جوف الطائرة بخلع الثياب العليا
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1812) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب غسل الخلوق ثلاث مرات (رقم 1536) ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح ... (رقم 1180) .
(3) أخرجه الإمام أحمد (6/100) والحاكم (2/59) وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في إرواء الغليل (رقم 297) .
(22/149)

وهي القميص ويبقون في السراويل، ويجعلون الثوب الأعلى بمنزلة الرداء، يعنى يلفه على بدنه، ويلبي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي لم يجد الإزار: "فليلبس السراويل ".
فإذا نزلوا فليبادروا بلباس الإزار، وإذا كان عليه بنطلون فيخلع القميص بلازم أن يخلع الملابس الداخلية من السراويل.
س 640: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم في الفتوى السابقة: يخلع الثياب العليا ويبقى في السراويل لكنه يخشى إذا فعل ذلك أن يتهم في عقله مما يسبب له الإحراج أمام الناس فما
رأيكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: رأيي أنه لا يتهم بأنه مصاب في عقله؛ لأنه سيقول: لبيك اللهم لبيك. وإذا قال هذا عرف حاله.
س 641: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم لبس الساعة للمحرم في يده هل هو من محظورات الإحرام أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس من المحظورات لبس الساعة، لأن الأصل هو الحل، ونقول لمن قال: إنه من المحظورات هات الدليل فإذا جاء بالدليل وإلا فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يلبس القميص، والسراويل، ولا العمائم، ولا البرانس ولا الخفاف " (1) . ومعناه ما سوى ذلك حلال يلبس، ولا يجوز لأحد أن يضيق على عباد الله فيمنعهم مما لم يحرمه الله؛ لأن الله يقول:
__________
(1) تقدم ص 107.
(22/150)

(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) والحاكم بين عباده هو الله تعالى، فليس لنا أن نقول هذا ممنوع إلا بدليل؛ لأن الله سوف يسألنا لماذا منعتم عبادي من كذا وأنتم لا تعلمون.
ونقول أيضاً لبس الخاتم أنتم تقولون إنه جائز، وأي فرق بين لبس الخاتم الذي يوضع على الإصبع محيطاً به، وبين وضع الساعة التي توضع على الذراع محيطة بها. هل هناك فرق كل منهما محيط.
ولو جاءنا رجل وقال: ما تقولون في لبس نظارة العين حلال أم حرام؟
فنقول: حلال، والدليل عدم الدليل، فإذا لم يكن هناك دليل على المنع فالأصل الحل، فإذا جاء رجل آخر وقال: إنه لا يسمع سمعاً قوياً وأنه يلبس سماعة في إذنه فهل يجوز؟ فنقول: نعم يجوز.
فإذا قال قائل: هذا ممنوع. قلنا: هات الدليل وإلا فالأصل الحل. وإذا جاءنا رجل وقال: أنا ما عندي أسنان أسناني ساقطة وقد اتخذت أسناناً مركبة صناعية فهل يجوز أن ألبسها وأنا محرم؟
نعم يجوز، فإذا قال قائل: ما الدليل نقول له الدليل عليك أنت، إذ قلت إنه ممنوع فعليك الدليل وإلا فالأصل هو الحل، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل ماذا يلبس المحرم؟ أجاب عما لا يلبس، فكأنه قال للسائل: البس كل شيء ما عدا هذه الأشياء، فإذا ادعى مدعٍ أن هذا ممنوع فإن كان من هذه الأشياء أو بمعنى هذه الأشياء قبلنا
(22/151)

قوله بأنه ممنوع، وإلا رفضنا قوله إنه ممنوع. ولتعلم أن العطاء أحب إلى الله من المنع، وأن الحل أحب إلى الله من التحريم، وأن التيسير أحب إلى الله من التعسير. وهذه ثلاث قواعد أحب أن
تفهم؛ لأنها تفيد فائدة عظيمِة في كثير من مسائل الدين.
س 642: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تطيبت وتكحلت بعد أن أحرمت ناسية فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليها شيء، لكن الطيب تزيله متى ذكرت، أما الكحل فلا يضر لأنه ليس محرماً في الإحرام، ثم إنني أقول إن جميع المحرمات في العبادات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه، سواء في الصلاة، أو في الصيام، أو في الحج، فلو قدر أن الإنسان في الحج جامع زوجته ليلة مزدلفة بناء على أنه لما وقف بعرفة انتهى الحج متوهماً معنى فاسداً من الحديث الصحيح "الحج عرفة" (1) قال وقفنا بعرفة وانتهى الحج وجامع زوجته ليلة مزدلفة فلا شيء عليه، لا فدية، ولا فساد حج، ولا قضاء حج، لأنه جاهل، هكذا نقول في جميع المحظورات فلو قتل صيداً وهو جاهل، فلا شيء عليه، ولو تكلم في الصلاة يظن أن الكلام لا بأس به، مثل نادته أمه وهو يصلي فظن أن جواب الأم واجب ولو في الفريضة فتكلم وهو لا يعتقد أنه
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (4/309، 335) وأبو داود، كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة (رقم 1949) ، والترمذي، كتاب الحج، باب فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (رقم 889) ، والحاكم (1/464) ، والبيهقي في سننه الكبرى (5/116) .
(22/152)

يبطل الصلاة فصلاته صحيحة، وفي الصيام لو أكل يظن أن الشمس قد غربت ثم تبين أنها لم تغرب فصيامه صحيح، فهذه قاعدة (كل من فعل شيئاً محرماً في العبادة ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فليس عليه شيء، لا إثم، ولا قضاء، ولا كفارة) لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالى "قد فعلت "، ولقوله تعالي: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)) ولقوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) .
س 643: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت هذا العام المنصرم وبعد ما نويت العمرة وأنا جالس في السيارة ركب أحد الركاب وطيب من بجواري ثم وضع على يدي الطيب وأنا
أعرف الحكم ولكني جاملته فقط وبعدما ما ذهب مسحته بقماش فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للإنسان أن يجامل أحداً في معصية الله عز وجل، فيعصي الله من أجل المجاملة، فالواجب عليك حين عرض عليك الطيب، أن تقول إنه لا يجوز للمحرم الطيب. وهذا الرجل قد يخفى عليه أن المحرم يحرم عليه استعمال الطيب، وربما ينسى فيطيبك، ففي هذه الحال يجب عليك أن تقول: يا أخي إن الطيب محرم على المحرم، وبناء على
(22/153)

أنك لم تفعل هذا وجاملته في معصية الله فإنه يجب عليك أن تتوب إلى الله مما صنعت، والعلماء يقولون: يجب عليك واحد من أمور ثلاثة: إما ذبح شاة في مكة تتصدق بها على الفقراء، وإما إطعام
ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع بمكة أيضاً، وإما أن تصوم ثلاثة أيام ولو في بلدك، وقالوا أيضاً: يجوز أن يذبح الشاة وأن يطعم المساكين في مكة، ويجوز في المكان الذي فعل فيه المحظور.
س644: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعد ما لبست ملابس الإحرام ونويت وأنا في الميقات جاء أحد الأخوان وناولني الطيب فطيب رأسي ولحيتي وأنا جاهل فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يتطيب الإنسان بعد لبس الإحرام إذا كان لم يعقد النية، أما إذا عقد فإنه لا يتطيب.
أما في تلك المسألة فليس عليك شيء؟ لأن الله يقول: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وأنت لم تتعمد أن تأخذ الطيب، وظننت أن هذا جائز فلا شيء عليك، لكن في المستقبل متى نويت فلا تطيب حتى ولو أنك في الميقات.
س 645: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال المناديل المبللة بالطيب وكذلك معجون الأسنان والصابون؟
فأجاب فضيلته بقوله: المناديل المبللة بالطيب لا يجوز استعمالها، في حال الإحرام إلا إذا حل التحلل الأول بأن رمى جمرة العقبة وحلق أو قصر.
(22/154)

وأما معجون الأسنان فلا بأس به لأن رائحته ليست رائحة طيب، ولكنها رائحة زكية ونكهة طيبة، وكذلك الصابون لا بأس باستعماله؛ لأنه ليس طيباً ولا مطيباً، ولكن فيه رائحة زكية طيبة
من أجل إزالة ما يعلق باليد منه من الرائحة التي قد تكون كريهة.
س 646: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال المناديل المعطرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: المناديل المعطرة إذا كانت رطبة وفيها طيب رطب يعلق باليد فلا يجوز للمحرم أن يستعملها، أما إذا كانت جافة وكانت مجرد رائحة تفوح كرائحة النعناع والتفاح
فلا بأس.
س 647: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج مس الركن اليماني وكان مطيباً فهل عليه شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان فيه طيب يعلق باليد فإنه لا يجوز للمحرم أن يمسحه بيده لأنه إذا مسحه علق الطيب بيده، والمحرم يحرم عليه استعمال الطيب، لكن لو فرض أن الرجل لم يعلم ومسحه ووجده عالقاً بيده فإنه يمسح يده بكسوة الكعبة.
س 648: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم شرب المحرم للماء الذي وضع فيه ماء الورد أو النعناع؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما ماء الورد فلا يجوز أن يشرب
(22/155)

الإنسان من الماء الذي فيه ماء الورد متى كانت رائحته باقية وأما النعناع فلا بأس؛ لأنه رائحته ليست طيباً ولكنها رائحة نكهة طيبة فهي من جنس رائحة التفاح والاترنج وما أشبهها.
س 649: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ذهبت مع أهلها لأداء العمرة فلم يتسنَّ لها القص بعد السعي فذهبت إلى جدة مع أهلها فأبدلت ملابسها وشكّت أنها تطيبت ثم قصَّت بعد ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المرأة ليس عليها شيء لأنها لم تفعل محظوراً من محظورات الإحرام، حيثما إنها تقول: شكَّت هل تطيبت أم لا؟ والأصل براءة الذمة وعدم التطيب، والتقصير والحلق ليس له مكان، يجوز في كل مكان سواء في مكة أوفي بلد آخر، ولكن إذا لم يحلق أو يقصر بقي عليه من محظورات الإحرام ما بقي والأولى المبادرة حتى لا ينسى
س 650: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا تطيب الرجل قبل أن يلبس لباس الإحرام ولكن أثره لا يزال باقياً فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإنسان إذا تطيب قبل الإحرام وبقي أثر الطيب عليه بعد الإحرام فلا بأس، قالت عائشة- رضي الله عنها- كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم (1) .
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب الطيب في الرأس واللحية (رقم 5923) ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب الطيب قبل الإحرام في البدن (رقم 1189) .
(22/156)

س 651: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز وضع الطيب على ثياب الإحرام قبل الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تطيب ثياب الإحرام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لا يلبس المحرم ثوباً مسه الزعفران " (1) والزعفران نوع من الطيب، قال بعض أهل العلم: إنه يكره للإنسان أن يطيب ثياب الإحرام وهذا قبل عقد الإحرام، وقال بعض أهل العلم: إنه يحرم أن يطيب ثياب الإحرام قبل عقد الإحرام.
أما تطييب بدنه فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اغتسل للإحرام طيب رأسه ولحيته. وهذا سنة قالت عائشة- رضي الله عنها- "كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، ولطوافه قبل أن يطوف بالبيت " وقالت: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو محرم.
والخلاصة أن ثياب الإحرام لا تطيب، وأما بدن المحرم فإنه يتطيب في رأسه ولحيته وهذا كله قبل عقد الإحرام، أما بعد عقد الإحرام، فلا يتطيب لا في بدنه ولا في ثيابه ولا يمس شيئاً فيه
طيب.
س 652: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الحلاقين عندما ينتهي المعتمر أو الحاج من العمرة والحج يضع نوعاً من الطيب فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان جاهلاً فلا شيء عليه سواءً
__________
(1) تقدم ص 9.
(22/157)

كان الجاهل هذا الحلاق أو المحلوق، أما إذا كان المحلوق عالماً بأن فيه طيباً فإنه يمنعه؛ لأنه لا يحل إلا إذا حلق أو قصر بعد السعي.
س 653: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: حاج بعد أن رمى جمرة العقبة يوم العيد وقبل الحلق والطواف وجد رجلاً يبيع طيباً فشمه بقصد الشراء فهل عليه شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، ثم إن شم الطيب بعض العلماء يقول: إذا كان شم الطيب من أجل أن يعرف جودته وهل هو طيب أو رديء، فلا بأس
به، هذا إذا لم يقصد التمتع برائحته.
س 654: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس إذا انتهى من العمرة وأراد الحلق وقبل حلق رأسه يضع عليه الحلاقون شيئاً من العطر أو الصابون وله رائحة زكية فه يعتبر هذا من
محظورات الإحرام أو أنه في طريق الإزالة فيعفى عنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان طيباً فيمنعه منه، أما إذا كان مجرد رائحة زكية كرائحة النعناع وأشباه ذلك فلا بأس بها حتى لو كان في صلب الإحرام.
س 655: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يستعمل المحرم الصابون؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمحرم أن يتنظف بالصابون
(22/158)

بشرط أن لا يكون الصابون مطيباً، فإن كان الصابون مطيباً فإنه لا يجوز للمحرم (1) أن يتنظف به لا في يديه ولا في رأسه ولا في بقية جسده؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المحرم الذي وقصته ناقته وهو واقف بعرفة فمات رضي الله عنه فجاؤا يسألون النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه فقال - صلى الله عليه وسلم -: " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه "
وفي رواية " ولا وجهه ولا تحنطوه " وفي هذا الحديث أمران ونهيان، فالأمران: " اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه " والنهيان في قوله: "لا تخمروا رأسه ولا تحنطوه " وعلة ذلك بينها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً (2) " وهذا دليل على أن المحرم لا يجوز أن يستعمل الطيب، وفيه أيضاً دليل على مسألة مفيدة جداً وهي أن الحاج إذا مات محرماً فنكفنه بإزاره وردائه الذي هو محرم فيهما، ونبقي رأسه مكشوفاً كالمحرم سواء؛ لأن هذا الثوب مات فيه متلبساً بالعبادة، فهو كثياب الشهداء، فإن ثياب الشهداء لا تنزع، وإنما يكفن الشهيد في ثوبه كما أمر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في شهداء أحد، والمهم أن المحرم لا يتنظف بالصابون المطيب، ولا يستعمل طيباً، ولكن يشرع للمحرم أن يتطيب قبل إحرامه لقول عائشة
رضي الله عنها: "كنت أطيّب النبي - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت " متفق عليه (3) .
__________
(1) هذا ما كان يراه فضيلة شيخنا- رحمه الله-. وانظر الفتاوى التالية.
(2) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب سنة المحرم إذا مات (رقم 1851) ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (رقم 1206) .
(3) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام (رقم 1539) ومسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (رقم 1189) .
(22/159)

س 656: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم التنظف للمحرم بصابون أو شامبو ذي الرائحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس باغتسال المحرم فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل وهو محرم (1) .
وأما الشامبو فالظاهر أن رائحته ليست عطرية، وإنما هي رائحة ونكهة محبوبة للنفس كما في النعناع وورق التفاح وما أشبه ذلك، والمهم أن ما كان طيباً لا يجوز استعماله للمحرم.
س 657: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الاغتسال بالصابون المعطر وقت الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس به؛ لأن هذه الرائحة ليست طيباً ولا تستعمل للطيب إنما هي لتطييب النكهة فقط.
س 658: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أن يشرب القهوة التي بها زعفران؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت قد بقيت رائحة الزعفران فلا يجوز استعماله للمحرم؛ لأن الزعفران من الطيب، أما إذا كانت ذهبت رائحته بالطبخ فلا بأس به.
__________
(1) تقدم ص 10.
(22/160)

س 659: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كنا محرمين وفي طريقنا إلى مكة شربنا الشاي والقهوة وكان في القهوة زعفران فهل يلزمنا شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان ذلك عن جهل منهم فإنه لا يلزمهم شيء، وإذا كان عندهم شك في هل هذا زعفران أو لا فلا يلزمهم شيء، وإن تيقنوا أنه زعفران وقد علموا أن المحرم لا يجوز أن يشرب القهوة التي فيها الزعفران فإنه إن كانت الرائحة موجودة فقد أساءوا، وإن كانت غير موجودة وليس فيه إلا مجرد اللون فلا حرج عليهم في هذا.
فإنني وبهذه المناسبة أود أن يعلم أن جميع محظورات الإحرام إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه، لا إثم، ولا فدية، ولا جزاء. فلو أن أحداً قتل صيداً في الحرم، أو بعد إحرامه وهو لا يدري أنه حرام، أو يدري أن قتل الصيد حرام لكن لا يدري أن هذا الصيد مما يحرم صيده فإنه لا شيء عليه، كذلك لو أن رجلاً جامع زوجته قبل التحلل الأول يظن أن لا بأس به فلا شيء عليه، وهذا ربما يقع في ليلة مزدلفة بعد الانصراف من عرفة، فإن بعض العوام يظنون أن معنى
الحديث "الحج عرفة" (1) أنه إذا وقف الإنسان بعرفة فقد انتهى حجه وجاز له أن يجامع زوجته ليلة مزدلفة ظناً منه بأن الحج انتهى، فهذا ليس عليه شيء، لا فدية، ولا قضاء، ودليل هذا قوله
تبارك وتعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله
__________
(1) تقدم ص 152.
(22/161)

تعالى: (قد فعلت) . وقوله تبارك وتعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) وقوله تبارك وتعالى في الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) وفي الصيام قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " فهذه القاعدة العامة التي منّ الله بها على عباده تشمل كل المحرمات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فليس عليه إثم، وليس فيها فدية ولا كفارة.
س 660: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم قتل الصيد حال الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمحرم أن يقتل الصيد سواء في داخل الحرم أو في خارج الحرم، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أي محرمين، وعلى هذا فلو أنه رأى صيداً وهو واقف بعرفة وأراد أن يصطاده فإن هذا حرام، ولو رآه وهو في الحرم وأراد أن يصطاده قلنا: هذا حرام من وجهين:
الوجه الأول: أنك محرم.
الوجه الثاني: أنك في الحرم.
والصيد هو حيوان البر الحلال المتوحش أصلاً، فقولنا حيوان البر، يخرج به حيوان البحر، فلا يحرم على المحرم أن يصطاد السمك، فلو فُرض أن هذا الرجل أحرم في جده وذهب إلى البحر واصطاد سمكاً فإن ذلك جائز؛ لأن هذا ليس حيوان بر
(22/162)

بل هو حيوان بحر، ولهذا قال الله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) . اشترطنا أن يكون حيوان، البر
الحلال، احتياطاً من الحرام، فلا يحرم على المحرم أن يقتل حيواناً حراماً كالذئاب والسباع وشبهها، لأنها ليست صيداً شرعاً.
واشترطنا أن يكون متوحشاً أصلاً والمتوحش الذي ليس بأليف، الذي ينفر من الناس ولا يألفهم ولا يركن إليهم بل يفر ويهرب مثل: الظباء والأرانب والحمام والوز وغير ذلك من الأشياء التي تعتبر متوحشة، وقولنا أصلاً دخل فيه ما لو استأنس الصيد وصار أليفاً فإنه لا يجوز صيده أو لا يجوز ذبحه، فلو استأنس الأرنب فلا جوز للمحرم أن يذبحه، لأن أصله صيد، ولهذا قلنا: المتوحش
أصلاً، فأصل هذا صيد، فلا يجوز للمحرم أن يذبحه، ولو توحش حيوان أليف مثل أن يهرب الكبش ويكون كالصيد يفر إذا رأى الناس فلا يعتبر صيداً يحرم قتله على المحرم، لأنه غير متوحش في أصله والتوحش طارىء عليه، فإذا ند البعير أو هرب الكبش وأدركه الإنسان وهو محرم فإنه يحل له أن يرميه ويكون حلالاً لأنه ليس بصيد، لأن كون الصيد والمتوحش أصلاً.
س 661: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يحرم على المحرم صيد البحر فمثلاً لو أحرم ومر بالبحر فصاد سمكاً فهل يحرم عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحرم على المحرم صيد البحر
(22/163)

لقول الله عز وجل: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) (1) .
س 662: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم قتل النمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا آذى النمل فيجوز قتله سواء في عرفة أو في منى، أو في مزدلفة، أو في وسط الحرم أو في أي مكان، ولكن بدون سبب فلا تقتل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد (2) .
س 663: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم عقد النكاح للمحرم وإذا وقع فهل يصح العقد؟
فأجاب فضيلته بقوله: يحرم عقد النكاح سواء كان المحرم الولي، أو الزوج، أو الزوجة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينكح المحرم ولا ينكح " (3) ولايصح العقد لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل لابد من عقد جديد، ولو قدر أنه دخل بالزوجة بعد الإحلال وأنجبت فيكون
وطؤه بشبهة وأولاده شرعيون.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 96.
(2) أخرجه ابن ماجه، كتاب الصيد، باب ما ينهى عن قتله (رقم 3223) وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم 6975) .
(3) أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم (رقم 1411) .
(22/164)

س 664: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم عقد النكاح للمحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمحرم أن يعقد النكاح لنفسه، ولا لغيره، ولا يجوز أن يُعقد عليه فلا يزوَّج الرجل ابنته وهو محرم، فإن ذلك حرام عليه والنكاح فاسد غير صحيح، ولو تزوج هو بنفسه، فإنه حرام عليه والنكاح فاسد، ولو عقد على ابنته المحرمة وهو محرم فالنكاح فاسد ولا يصح وهو آثم والنكاح غير صحيح. وكذلك الخطبة، فلا يحل لإنسان أن يخطب امرأة وهو محرم؛ لحديث عثمان بن عفان- رضي الله عنه-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ينكح محرم، ولا يُنكح، ولا يخطب، ولا يخطب عليه " (1) أيضاً فلا يجوز لإنسان محرم أن يخطب امرأة ولا يجوز
أن تخطب المرأة المحرمة فإن فعل وخطب امرأة وهو محرم، فليس له حق في هذه الخطبة، يعني فيجوز لإنسان آخر أن يخطب هذه المرأة، لأن خطبة هذا الرجل المحرم فاسدة غير مشروعة فلا حق له، مع أن الخطبة على خطبة أخيه في الأصل حرام، لكن لما كانت الخطبة خطبة المحرم خطبة فاسدة صار لا حق له في ذلك، وجاز لغيره أن يخطب هذه المرأة، يعني خطبة المحرم لها خطبة منهي عنها لا أثر لها ولا يترتب عليها أحكام الخطبة.
س 665: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعنا أنك سئلت عن رجل رجع عن عمرته وهو لم يحلق إما ناسياً أو جاهلاً
__________
(1) تقدم ص 106.
(22/165)

ثم عقد على امرأة فلما سئلت قلت: العقد باطل فهل هذه الفتوى صحيحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الفتوى غير صحيحة لكن من حج ورمى وحلق وطاف وسعى حل التحلل كله، وجاز أن يعقد على النساء، فأما إذا رمى وطاف وسعى ولم يحلق فإنه لم يحل التحلل الثاني، وحينئذ إذا عقد على امرأة كان عقده غير صحيح هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة أنه إذا عقد على امرأة قبل أن يتحلل التحلل الثاني فالعقد غير صحيح فلابد من إعادته، لكنْ هناك قول يقول بالصحة، وأنه إذا حل التحلل الأول حرم عليه جماع النساء دون العقد عليهن، فعلى المذهب نقول: يجب عليك أن تجدد العقد، وعلى القول الثاني لا يجب، فمن جدد العقد احتياطاً فهو أحسن، ومن لم يجدده فأرجو أن لا يكون في نكاحه بأس.
س 666: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ورد في حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة- رضي الله عنها- وهو محرم، ومن المعلوم أن المحرم يحرم عليه عقد النكاح فما الجواب عن هذا الحديث؟
فأجاب فضيلته بقوله: الراجح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة - رضي الله عنها- وهو حلال، وذلك أن ميمونة نفسها أخبرت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو حلال كما ثبت ذلك في صحيح مسلم (1)
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته (رقم 1411) .
(22/166)

وأيضاً فإن أبا رافع- رضي الله عنه- السفير بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وميمونة رضي الله عنها أخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو حلال، وصاحب القصة أدرى بها من غيره.
وأما حديث ابن عباس- رضي الله عنهما- فهو حديث صحيح ولكن ابن عباس- رضي الله عنهما- لم يعلم بالزواج إلا بعد إحرام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فظن أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو محرم.
س 667: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ماذا يجب على الرجل إذا واقع زوجته وهو محرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا واقع الرجل زوجته وهو محرم فإما أن يكون محرماً بعمرة أو محرماً بحج.
فإن كان محرماً بعمرة عليه شاة يذبحها ويتصدق بها على الفقراء، وإما أن يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما أن يصوم ثلاثة أيام، هو في ذلك على التخيير.
لكن إن كان مواقعته لامرأته قبل تمام سعي العمرة فإن عمرته تفسد، ويجب عليه قضاؤها؛ لأنها أصبحت فاسدة.
أما إذا كان الوطء في الحج قبل التحلل الأول فإنه يجب عليه بدنة يذبحها ويتصدق بها للفقراء، ويفسد نسكه أيضاً فيلزمه قضاؤه، مثل لو جامع زوجته في ليلة مزدلفة فإنه يكون قد جامعها قبل التحلل الأول، وحينئذ يفسد حجه، ويلزمه الاستمرار فيه حتى يكمله، ويلزمه أن يقضيه من العام القادم، ويلزمه ذبح بدنة
(22/167)

يذبحها ويوزعها على أهل الحرم.
أما إذا كان مواقعته لزوجته في الحج بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني مثل أن يجامعها بعد أن رمى جمرة العقبة يوم العيد وبعد أن حلق أو قصر فإنه لا يفسد حجه، ولكن الفقهاء - رحمهم الله- ذكروا أنه يفسد إحرامه أي ما بقي منه فيلزمه أن يخرج إلى الحل فيحرم ثم يطوف الإفاضة وهو محرم ويسعى سعي الحج.
وفي هذه الحال لا تلزمه بدنة، إنما يجب عليه شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع؛ لأن فقهاءنا- رحمهم الله- يقولون: كل ما أوجب شاة من مباشرة، أو وطء فإن حكمه كفدية الأذاء، أي أنه يخير فيه بين أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة يوزعها على الفقراء.
ثم إن كلامنا هذا فيما يجب على الفاعل. وليس معنى هذا أن الأمر سهل وهين بمعنى أنه إن شاء فعل هذا الشيء وقام بالتكفير والقضاء، وإن شاء لم يفعله، بل الأمر صعب ومحرم، بل هو من الأمور الكبيرة العظيمة؛ حيث يتجرأ على ما حرم عليه، فإن الله يقول: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) .
وفي هذه المناسبة أريد أن أنبه بها على مسألة يظن بعض الناس أن الإنسان فيها مخير، وهي ترك الواجب والفدية؛ يظن
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(22/168)

بعض الناس أن العلماء لما قالوا: (في ترك الواجب دم) أن الإنسان مخير بين أن يفعل هذا الواجب، أو أن يذبح هذا الدم ويوزعه على الفقراء، مثال ذلك؛ يقول بعض الناس: إذا كان يوم العيد سوف أطوف وأسعى وأسافر إلى بلدي ويبقى عليّ المبيت في منى، ورمي الجمرات وهما واجبان من واجبات الحج. فأنا أفدي عن كل واحد منها بذبح شاة، يظن أن الإنسان مخير بين فعل واجب وبين ما يجب فيه من الفدية. والأمر ليس كذلك، ولكن إذا وقع وصدر من الإنسان ترك واجب فحينئذ تكون الفدية مكفرة له مع التوبة والاستغفار.
س 668: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل رمى جمرة العقبة يوم العيد وحلق وجامع زوجته قبل أن يطوف طواف الإفاضة فماذا يلزمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الجماع حصل بعد التحلل الأول، فيكون بذلك آثماً ويفسد الإحرام بدون النسك، إذاً ماذا يفعل إذا فسد الإحرام؟ قال العلماء: يجدد إحرامه من الحل، يعني ذهب إلى التنعيم أو إلى عرفة ويحرم بإزار ورداء ثم يطوف طواف الإفاضة وعليه الإزار والرداء ويسعى كذلك.
س 669: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا جامع وهو محرم بالعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا جامع الرجل زوجته وهو محرم
(22/169)

بالعمرة فإن العمرة تفسد وعليه إعادتها، وعليه عند العلماء شاة يذبحها ويفرقها على الفقراء إما في مكة وإما في المكان الذي حصل فيه المحظور، أو صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.
س 670: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من احتلم وهو محرم هل يفسد حجه؟
فأجاب فضيلته بقوله: من احتلم وهو محرم فإن حجه لا يفسد؛ لأن النائم مرفوع عنه القلم، كما أنه لو احتلم وهو صائم فإن صومه لا يفسد، ولكن يجب على المحرم إذا احتلم أن يبادر بالاغتسال قبل أن يصلي، ولا يحل له أن يتيمم اللهم إلا أن لا يجد الماء، وذلك لقول الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) (1) فاشترط الله سبحانه وتعالى للتيمم أن لا نجد ماء، وكثير من الناس يتهاون في الغسل من الجنابة إذا كان على سفر، فتجده يمكنه أن يغتسل لكن يستحي أن يغتسل أمام الناس، وهذا خطأ، فالواجب أن الإنسان يغتسل ما دام قد وجد الماء ولا يضره استعماله، ولا ضرر عليه إذا اغتسل عن احتلام؛ لأن الناس كلهم يقع منهم هذا الشيء، ثم على فرض أنه لا يقع
وهو أمر مفروض لا واقع فإن الله لا يستحي من الحق، فيأخذ الإنسان معه ماء ويبتعد عن الأنظار ويغتسل.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(22/170)

س 671: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عمن جامع وهو محرم بالحج جاهلاً تحريم الجماع؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن الجماع من محظورات الإحرام، بل هو أعظم محظورات الإحرام قال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) والرفث الجماع ومقدماته، فالجماع أعظم محظورات الإحرام، وإذا جامع الإنسان وهو
محرم بالحج فإما أن يكون قبل التحلل الأول، أو بعد التحلل الأول فإن كان قبل التحلل الأول ترقب على جماعه أمور:
أولاً: الإثم.
ثانيا: فساد النسك، بحيث لا يجزئه عن نافلة ولا عن فريضة.
ثالثاً: وجوب المضي فيه، أي أنه مع فساده يستمر ويكمله ويبقى هذا النسك الفاسد كالنسك الصحيح في جميع أحكامه.
رابعاً: وجوب القضاء من العام القادم سواءً كان ذلك الحج فريضة أم نافلة. إما إذا كان فريضة فوجوب القضاء ظاهر؛ لأن الحج الذي جامع فيه لم تبرأ به ذمته، وأما إذا كان نافلة فلأن نافلة الحج
يجب المضي فيها لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (2) .
وقد سمى الله تعالى التلبس بالحج فرضاً فقال: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (3) ، فلهذا قلنا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(2) سورة البقرة، الآية: 196.
(3) سورة البقرة، الآية: 197.
(22/171)

إنه يجب عليه قضاء هذا الحج الفاسد سواء كان فرضاً أم نافلاً.
الأمر الخامس مما يترتب عليه: أنه يذبح بدنة كفارة عن فعله يوزعها على الفقراء، وإن ذبح عنها سبعاً من الغنم فلا بأس.
هذا حكم الجماع قبل التحلل الأول.
وأما إذا كان الجماع بعد التحلل الأول فإنه يرتب عليه الإثم وفساد الإحرام فقط، وعليه شاة يذبحها ويوزعها على الفقراء، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من البر أو غيره، أو
يصوم ثلاثة أيام فيخير بين هذه الثلاثة، ويجدد الإحرام فيذهب إلى أدنى الحل ويحرم منه؛ ليطوف طواف الإفاضة محرماً، هكذا قال فقهاؤنا.
فإن قيل: متى يحصل التحلل الأول؟
قلنا: التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة يوم العيد والحلق أو التقصير، فإذا رمى الإنسان جمرة العقبة يوم العيد وحلق أو قصر، فقد حل التحلل الأول، وحل من كل المحظورات إلا النساء قالت عائشة- رضي الله عنها-: "كنت أطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت " (1) وهذا الحديث دليل على أن الإحلال يليه الطواف بالبيت، وهو يقتضي أن يكون الحلق سابقاً على الإحلال كما قررناه آنفاً بأن التحلل الأول يكون برمي جمرة العقبة يوم العيد مع الحلق أو التقصير، فالجماع الذي قبل ذلك يترتب عليه الأمور الخمسة التي ذكرناها آنفاً، والذي بعد ذلك يترتب عليه ما ذكرناه
__________
(1) تقدم ص 9.
(22/172)

من الإثم وفساد الإحرام دون النسك، ووجوب فدية، أو إطعام، أو صيام سواء في مكة أو في غيرها، وسواء كان متتابعاً أو متفرقاً.
وإذا كان هذا الإنسان جاهلاً بمعنى أنه لا يدري أن هذا الشيء حرام فإنه لا شيء عليه، سواء كان ذلك قبل التحلل الأول، أو بعده؛ لأن الله عز وجل يقول: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) فقال الله: (قد فعلت) ، ويقول تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (2) .
فإن قيل: إذا كان هذا الرجل عالماً بأن الجماع حرام في حال الإحرام، لكنه لم يظن أنه يترتب عليه كل هذه الأمور، ولو ظن أنه يترتب عليه كل هذه الأمور ما فعله فهل هذا عذر؟
فالجواب: أن هذا ليس بعذر؛ لأن العذر أن يكون الإنسان جاهلاً بالحكم لا يدري أن هذا الشيء حرام، وأما الجهل بما يترتب على الفعل فليس بعذر، ولذلك لو أن رجلاً محصناً يعلم أن الزنا حرام، وهو بالغ عاقل وقد تمت شروط الإحصان في حقه لوجب عليه الرجم، ولو قال: أنا لم أعلم أن الحد هو الرجم ولو علمت أن الحد هو الرجم ما فعلت، قلنا له: هذا ليس بعذر فعليك الرجم وإن كنت لا تدري ما عقوبة الزنى، ولهذا لما جاء الرجل الذي جامع في نهار رمضان يستفتي النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا يجب عليه ألزمه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكفارة مع أنه كان حين جماعه جاهلاً بما
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(22/173)

يجب عليه، فدل ذلك على أن الإنسان إذا تجرأ على المعصية وانتهك حرمات الله عز وجل ترتب عليه آثار تلك. المعصية وإن كان لا يعلم بآثارها حين فعلها.
س 672: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم فيمن جامع زوجته في الحج يوم العيد؟
فأجاب فضيلته بقوله: جماع الزوجة في الحج يوم العيد إذا كان الإنسان قد رمى جمرة العقبة وحلق وطاف وسعى إذا فعل هذه الأربعة فإن زوجته تحل له؛ لأنه إذا رمى وحلق وطاف طواف الإفاضة وسعى بين الصفا والمروة حل له كل شيء.
س 673: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج وعندما رمي جمرة العقبة حلق رأسه وجامع زوجته ولم يكن يعلم أن الجماع حرام وكان يعتقد أنه إذا رمى وحلق حل له كل شيء
فهل حجه صحيح؟ وهل يلزمه شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجه صحيح، ولا شيء عليه مادام جاهلاً؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) ، وقال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا َعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) ويقول سبحانه وتعالى في جزاء الصيد:
(وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) فكل هذه الآيات وكثير من النصوص سواها يدل على أن فاعل المحذور إذا كان
(22/174)

جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، وعلى هذا نقول للرجل لا تعد لمثل مافعلت.
س 674: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول جامعت زوجتي بعد أن تلبست بالإحرام للعمرة متمتعاً بها للحج فهل يبطل الحج أم تبطل العمرة فقط وأعود للميقات لأخذ عمرة
ثانية أما ماذا أعمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله أما حجه فلا يبطل لأن هذه العمرة منفصلة عنه بإحرام مستقل وتحلل فحجه صحيح ولا شيء فيه، أما عمرته التي أفسدها فإن الواجب عليه قضاؤها، فإن كان
قد قضاها قبل الحج فأحرم من الميقات بدلا عن التي أفسدها فقد أدى ما عليه، وعليه في هذا الحال شاة يذبحها من أجل وطئه؛ لأن الوطء في العمرة- كما قال أهل العلم- يجب فيه شاة، أوإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، لأن القاعدة عندهم أن كل ما أوجب شاة بإجماع أو مباشرة فإنه يلحق به من فدية الأذى ويخير الإنسان فيها بين ثلاثة أشياء، كما قال الله عز وجل: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) وقد بين
النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصيام ثلاثة أيام، وأن الصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك ذبح شاة.
فإن كان لم يقض العمرة التي أفسدها فعليه أن يفعلها الآن ويذبح الشاة التي هي دم جبران إن شاء، وإن شاء أطعم لكل مسكين نصف صاع، أو صام ثلاثة أيام.
(22/175)

وبهذه المناسبة أنصح إخواني المسلمين أن يصبروا، فالمدة وجيزة ويسيرة وهم ما دخلوا في الحج والعمرة إلا وهم ملتزمون بأحكام الله تعالى فيهما، فعلى المرء أن يصبر ويحتسب، والحج نوع من الجهاد، أما كون الإنسان لا يحبس نفسه عما حرم الله عليه في هذه المدة الوجيزة فهذا نقص في عزمه، وعقله، ودينه، والواجب عليه أن يصبر ويحتسب الأجر من الله عز وجل.
س 675: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج هو وزوجته وبعد التحلل الأول جامع زوجته وكانت هي غير موافقة بل منعته من ذلك فاستفتى ولكن من يفتي بغير علم قال: حجك باطل وعليك الإكمال والقضاء؟ فتكاسل لما سمع ببطلان حجه وقال: سأحج من العام المقبل وهو الآن يسأل ماذا عليه قبل أن يأتي وقت الحج علما أنهما لم يكملا السعي والطواف وهما من أهل الحرم؟
فأجاب فضيلته بقول: نعم الفتوى التي أفتى بها خطأ؛ لأن الذي أفتاه وقال: إن حجك فاسد مخطىء، والحج لا يفسد إذا كان الجماع بعد التحلل الأول ولكن الذي يفسد هو الإحرام، بمعنى أننا نقول: إذا جامع بعد التحلل الأول اذهب إلى الحل يعني إلى أدنى الحل إلى عرفة أو إلى مسجد التنعيم وأحرم منه وطف وأنت في إحرامك واسع وأنت في إحرامك، ولا شيء عليك سوى هذا، إلا أنك تذبح شاة توزعها على الفقراء، وإن شئت تصوم ثلاثة أيام، وإن شئت تطعم ستة مساكين، لكل
مسكين نصف صاع، وحجك صحيح.
(22/176)

وإنني بهذه المناسبة أحذركم من شيئين:
الشيء الأول: أن تستفتوا من لا تعلموا أنه أهل للفتوى؛ لأنه مع الأسف صار كثير من الناس يكون معه نقطة من العلم ويرى أنه البحر العلامة الفهامة، فيفتي في كل شيء أتاه، مثل هذا الرجل أفتى بفساد الحج وهو لم يفسد، فاحذروا أمثال هؤلاء.
الأمر الثاني: أحذركم أن تحجوا دون أن تعرفوا أحكام الحج، أو إذا أخطأتم في الحج أن تسكتوا حتى إذا مضى سنوات جئتم تسألون، فهذا ليس بصواب، فإذا أردت أن تحج اعرف أحكام الحج أولاً، ثم إذا وقعت منك أخطاء، فلا تتأخر بالسؤال، بل بادر بالسؤال حتى يمكنك أن تتلافى الخطأ في وقت قصير، فهذان أمران أحذركما منهما.
الأمر الأول: استفتاء من لا تعلمونه أنه أهل للفتوى. والثاني: أن تبادروا إذا أخطأتم بالسؤال عن حكم هذا الخطأ، لكن قبل ذلك أن تتعلموا أحكام الحج والعمرة.
وقوله: (علما أنهما لم يكملا السعي والطواف) معناه أن الجماع حصل قبل الطواف والسعي، على كل حال هذا الذي فهمته من السؤال، والجواب على أنهما مضيا في إتمام النسك وطافا وسعيا، وأما إذا كانا لم يطوفا ولم يسعيا فالواجب عليهما الآن أن يذهبا إلى مكة فيحرما من الميقات للعمرة ويطوفا ويسعيا ويقصرا، ثم يطوفا طواف الإفاضة وسعي الحج، فيجب أن يذهبا الآن قبل أن يجامعها وقبل كل شيء ويطوف ويسعى لكن يتقدم الطواف والسعي عمرة.
(22/177)

س 676: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إنسان حج متمتعاً وطاف طوافاً ناقصاً أي أربعة أشواط ثم سعى وقصر وحل وحصل منه جماع وأكمل حجه ثم حج بعد هذه الحجة حجتين
ليست له والحجة الأولى هي الفرض هل يصح هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا يصير قارناً لأنه أدخل الحج على العمرة قبل طوافها، لأن الطواف الأول لاغٍ وإدخال الحج على العمرة قبل الطواف يجعل النسك قراناً، ويبقى النظر الآن في كونه حل ولبس وجامع، لكنه جاهل فلا شيء عليه، وعلى هذا فيكون حجه تاماً، لكنه قارن وليس متمتعاً.
س 677: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في العام الماضي أديت فريضة الحج ولكني بعد أن أحرمت من الميقات بتنا قبل دخول مكة المكرمة وجامعت زوجتي فما الذي يترتب عليّ بالتفصيل علماً بأني قد ذبحت شاة العام الماضي وحيث إني قد نويت الحج هذا العام أرجو أن أكون على بينة من أمري وفقكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله لا أدري عن هذا الرجل حين أحرم من الميقات هل هو أحرم بالحج أو أحرم بالعمرة، وكلامنا مع هذا الرجل إذا كان هذا الرجل محرماً بالحج فإنه يكون قد أفسد
حجه، وعليه بدنة يذبحها هناك ويوزعها على الفقراء وعليه أيضاً أن يقضي ذلك الحج الفاسد في هذه السنة هو وزوجته إلا إذا كانت زوجته مكرهة، أو كانت جاهلة لا تعلم فليس عليها شيء.
(22/178)

س 678: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج نظر إلى امرأة أجنبية وقد تحلل الحل الكامل وكان نظره بشهوة فأنزل وندم بعد ذلك واستغفر فهل عليه شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للإنسان المحرم أن ينظر إلى المرأة سواء أجنبية منه، أو غير أجنبية إذا كان يخشى أن ينزل، أما إن كان غير محرم فإن نظر إلى زوجته وأنزل فهو جائز؛ لأنها زوجته، أما النظر إلى الأجنبية فهذا حرام ولا يجوز، بل عليه أن يصرف بصره، ولهذا لما سئل النبي يم عن نظر الفجأة قال: "اصرف بصرك، فإنما لك النظرة الأولى، وليست لك الثانية " (1) .
س 679: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل مقدمات الجماع لها فدية مثل الجماع؟
فأجاب فضيلته بقوله: المباشرة والتقبيل من المحظورات؛ لأنها وسائل للجماع، فإن الإنسان إذا قبل أو باشر كان من اليسير عليه أن يجامع، لأنها تثور شهوته فيجامع فقد لا يملك نفسه، ولهذا منع المسلم من المباشرة والتقبيل، فإن فعل: باشر أو قبل ولم يُنزل فعليه فدية مخير فيها بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع أو ذبح شاة. وإن أنزل: فإن كان قبل التحلل الأول فقد قال بعض العلماء: إن عليه بدنة، وقال
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (4/361) ، ومسلم مختصراً، كتاب الآداب، باب نظر الفجأة (رقم 2159) ، والترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء في نظرة المفاجأة (رقم 2777) وقال: هذا حديث حسن غريب. الحاكم (2/396) .
(22/179)

آخرون: ليس عليه بدنة، بل عليه فدية أذى فيخير بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه لا سواء بين الجماع وبين الإنزال بالمباشرة، بل بينهما فرق
عظيم، فكيف نلزمه بفدية الجماع بدون دليل.
س 680: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن تلبس المرأة اللباس الأسود الشرعي في حالة إحرامها للحج بدل الأبيض علما بأنها تلبس ذلك من بيتها وهل نساء الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو نساء الصحابة- رضي الله عنهن- كلن يلبسن اللباس الأبيض في
حالة الإحرام أرجو الإفادة؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة إذا أحرمت ليست كالرجل يلبس لباساً خاصاً إزاراً ورداء، بل المرأة تلبس ما شاءت من الثياب التي يباح له لبسها قبل الإحرام، فتلبس الأسود أو الأحمر، أو الأصفر، أو الأخضر وما شاءت، أما الأبيض فلا أعلم أن المرأة مطلوب منها أن تحرم بأبيض، بل إن الأبيض في الحقيقة من التبرج بالزينة فإن اللباس الأبيض للمرأة يكسوها جمالاً ويوجب انطلاق النظر إليها، لذلك كونها تلبس اللباس الأسود مع العباءة أفضل لها وأكمل، ولها أن تلبس الجوارب شراب
الرجلين، وأما القفازان شراب اليدين فإنه لا يجوز لها لبسهما، وعليها أن تغطي وجهها إذا قرب الرجال الأجانب الذين ليسوا من محارمها، وفي هذه الحال تغطي وجهها ولا يضرها إذا مس
بشرتها خلافاً لقول بعض العلماء الذين يقولون: إنها تغطي
(22/180)

وجهها بساتر لا يمس بشرتها، فإن هذا القول ضعيف ولا دليل عليه، ولكنها لا تنتقب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى المحرمة أن تنتقب (1) والحاصل أن لباس المرأة إذا أحرمت يكون أسود أو ما أشبه مما يبعد النظر إليها.
س 681: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لبس المرأة الثوب الأحمر أو الأصفر وغيرهما من الألوان في الحج ما حكمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس للمرأة أن تلبس ما شاءت إلا ما يعد تبرجاً وتجملاً فإنها لا تفعل، لأنها سوف يشاهدها الرجال، وقد قال الله تعالى: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ) فمثلاً الثوب الأبيض يعتبر ثوب تجمل ومن ثياب الجمال، فلا تلبسن المرأة في حال الإحرام ثوباً أبيض، لأن ذلك يلفت النظر
ويرغب في النظر إليها؛ لأن المعروف عندنا أن الثوب الأبيض بالنسبة للمرأة ثوب تجمل، والمرأة مأمورة بألا تتبرج في لباسها.
س 682: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تلبس في الحج ملابس ملونة كالأبيض والأخضر والأسود؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للمرأة في الإحرام أن تلبس ما شاءت من الثياب غير أن لا تتبرج بزينة أمام الرجال الأجانب؛ لأنه ليس للمرأة ثياب مخصوصة بالإحرام، خلافاً
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب ما ينهى عن الطيب للمحرم والمحرمة (رقم 1838) .
(22/181)

للرجل فإن الرجل لا يلبس القميص، ولا السراويل، ولا العمائم، ولا البرانس ولا الخفاف، أما المرأة فالممنوع في حقها لبس القفازين والانتقاب والتبرج بالزينة.
س 683: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة لثوب المرأة في الحج هل يلزم أن يكون أخضر؟
فأجاب فضيلته بقوله: تلبس ما شاءت من الثياب غير أنها لا تلبس ثياب التجميل أو الزينة سواء كانت سوداء، أو خضراء أو أي لون.
س 684: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة أحرمت من الميقات وهي حائض ثم طهرت في مكة وخلعت ملابسها فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة إذا أحرمت من الميقات وهي حائض ثم وصلت مكة وطهرت فإن لها أن تغير ما شاءت من الثياب وتلبس ما شاءت من الثياب، ما دامت الثياب من الثياب المباحة، وكذلك الرجل يجوز أن يغير ثياب الإحرام بثياب إحرام أخرى ولا حرج عليه.
س 685: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف تتحجب المرأة المحرمة وهل يشترط أن لا يمس الغطاء وجهها؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة المحرمة إذا مرت من عند
(22/182)

الرجال، أو مر الرجال من عندها وهم من غير محارمها يجب عليها أن تغطي وجهها، كما كانت نساء الصحابة- رضي الله عنهم أجمعين- وفي هذه الحال لا فدية عليها؛ لأن هذا أمر مأمور به،
والمأمور به لا ينقلب محظوراً.
ولا يشترط أن لا يمس الغطاء وجهها، بل لو مس الغطاء وجهها فلا حرج عليها، فيجب عليها أن تغطي وجهها ما دامت عند الرجال وإذا دخلت الخيمة أو كانت في بيتها كشفت الوجه؛ لأن المشروع في حق المحرمة أن تكشف وجهها.
س 686: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على المرأة تغطيه وجهها في جميع مناسك العمرة وهل يستثنى شيء من أعمال العمرة تكشف المرأة وجهها فيه؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما إذا لم يكن حولها رجال فلتكشف وجهها هذا هو الأفضل، وإذا كان حولها رجال لا يحل لها الكشف عندهم فالواجب عليها أن تستر وجهها، ومعلوم أنها في المطاف وفي المسعى وفي الأسواق عندها رجال لا يحل لها أن تكشف وجهها أمامهم فلتحتجب، أما في السيارة أو في البر فإن المشروع في حقها أن تكشف وجهها ما دام الذين معها من محارمها.
س 687: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد حججت أكثر من مرة وكنت مرتدية الحجاب الشرعي الكامل إلا أنني لم
(22/183)

ألبس قفازين وذلك لأنه من محظورات الإحرام وإنما أخفيت اليدين داخل العباءة وغطيت وجهي كاملاً فهل في تغطية وجهي محظور؟
فأجاب فضيلته بقوله: لبس القفازين في حال الإحرام نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو من محظورات الإحرام كما قالت السائلة، وأما تغطية الوجه فالمشروع في حق المحرمة أن تكشفه إلا إذا كان حولها رجال غير محارم لها، ففي هذه الحال يجب عليها أن تغطيه كما حكت ذلك عائشة- رضي الله عنها- أنهم كانوا إذا مر بهم ركبان وحاذوهم فإنهن يغطين وجوههن، فإذا جاوزهن كشفن وجوههن. وليس على المرأة حرج فيما لو مس حجابها وجهها، خلافاً لقول بعض أهل العلم الذين يقولون: لابد أن يكون الحجاب غير مماس لوجهها، لأن هذا الشرط ليس له دليل من الكتاب أو السنة.
س 688: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يعاني الدعاة والناصحون من أمر عظيم وهو أنهم يرون النساء كاشفات في الحج والعمرة حتى في حال الطواف أو في الوقوف بعرفة أو غير ذلك.
فما هو المشروع في حق النساء إذا أحرمن بالنسبة لتغطية الوجه، خاصة أننا نرى بعض من يتحجبن في غير الإحرام إذا أحرمن كشفن عن وجوههن بحجة أن إحرام المرأة في وجهها، ويحتجون بقوله
- صلى الله عليه وسلم -: " لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين " (1) فيقولون: إذا كانت
__________
(1) تقدم ص 108.
(22/184)

المرأة ممنوعة من النقاب فمن باب أولى تغطية الوجه. فما توجيه فضيلتكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن الدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، يتضايقون من فعل بعض النساء، سواء في موسم الحج أم في غير موسم الحج من التبرج والتطيب وكشف الوجه والكف وربما كشف بعض الذراع، وهذا أمر يحتاج إلى الصبر والمصابرة، لقول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)) (1) .
ولقول لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)) (2) .
والواجب على النساء إذا خرجن إلى الأسواق أن يخرجن غير متطيبات، ولا متبرجات بزينة، ولا كاشفات لوجوههن، ولا لأكفهن، ولا لأبدانهن بقدر المستطاع، والمرأة إذا أحرمت فإنه يحرم عليها أن تنتقب، لأن لبس النقاب في وجهها كلبس الرجل العمامة على رأسه، ولهذا أطلق بعض العلماء قولهم: إحرام المرأة في وجهها، يعنى أن لباس الوجه للمرأة بمنزلة لباس الرأس للرجل فلا تنتقب، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل لا تغطي وجهها، وإنما قال: لا "تنتقب ". والنقاب أخص من تغطية الوجه، والنهي عن الأخص لا يقتضي النهي عن الأعم.
وعلى هذا فالمرأة يجب عليها إذا مرت من حول الرجال،
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 200.
(2) سورة لقمان، الآية: 17.
(22/185)

أو مر من حولها الرجال أن تستر وجهها، وهذا يتعين في الطواف، وفي السعي، وفي المشي في الأسواق؛ لأنها ستمر بالرجال وسيمر الرجال من عندها، فالواجب عليها أن تتقي الله- عز
وجل- لا سيما وأنها في أمكنة معظمة، وفي أزمة معظمة، وفي عبادة الله عز وجل؛ إذا كانت محرمة فعليها أن تتقي ربها، وقد قال الله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) وكشف المرأة وجهها أمام الرجال من الفسوق؛ فلتتق الله المرأة المسلمة، ولتحافظ على دينها وعلى حيائها وعلى سترها، حتى تكون ممتثلة لأمر الله ورسوله.
وأما لبس القفازين فإنه مشروع في غير الإحرام، أما في الإحرام فإنه منهي عنه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين " (2) وأقول: إن لبس القفازين مشروع؛ لأنه كان من عادة نساء الصحابة- رضي الله عنهم- في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأقرَّه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما فيه من تمام الستر.
س 689: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم لبس المرأة البرقع واللثام حال الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما البرقع فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تنتقب المرأة وهي محرمة، والبرقع من باب أولى، وعلى هذا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(2) تقدم ص 108.
(22/186)

فتغطي وجهها غطاء كاملا بخمارها إذا كان حولها رجال أجانب، فإن لم يكن حولها رجال أجانب فإنها تكشف وجهها هذا هو الأفضل والسنة.
س 690: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل صحيح أنه لا يجوز للمرأة أثناء أداء فريضة الحج أو العمرة أن تضع النقاب أو البرقع على وجهها بهذا اللفظ كلما كتب في الجريدة؟ وإذا كان هذا صحيحاً فلماذا ينهانا أولياء أمورنا عن كشف الوجه أثناء الحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الذي قرأته صحيح فإنه لا يجوز للمحرمة أن تنتقب، وذلك لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن النقاب في إحرام الحج أو العمرة، والبرقع مثله أو أشد، فالمحرمة لا تنتقب ولا تتبرقع.
ولكن إذا مر الرجال من حولها، أو مرت من حولهم وهم ليسوا من محارمها فيجب عليها ستر وجهها، فتدلي الخمار على وجهها ولا حرج عليها في ذلك، ولو مس وجهها، وكون أولياء
الأمور لا يسمحون لهن بكشفه في حال الإحرام هو الحق، كما جاء ذلك في حديث عائشة- رضي الله عنها-، إذا حاذى الركبان النساء سدلن خمرهن على وجوههن، وذلك لكونه لا يجوز للمرأة
كشف وجهها لغير الزوج والمحارم. والله الموفق.
(22/187)

س 691: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تغطية الوجه بالنقاب في الحج، فقد كنت قرأت حديثاً بما معناه لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين، وقرأت قولاً آخراً عن عائشة
- رضي الله عنها- وهم في الحج تقول: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. فكيف تربط بين القولين وأيهما أصح؟ فإذا طبقنا قول عائشة ففي هذه الأيام كثيراً ما تختلط المرأة بالرجال في أثناء سيرها في الحج وفي صلاتها فهل تغطي وجهها دائماً أم ماذا تفعل؟ وهناك قول سمعته عن الإمام أبي حنيفة- رحمه الله تعالى- أن المرأة إذا غطت وجهها فعليها دم فما الصواب في هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصواب في هذا مادلّ عليه الحديث وهو نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تنتقب المرأة (1) ، فالمرأة المحرمة منهية عن النقاب مطلقاً سواء مرّ بها الرجال الأجانب أم لم يمروا بها، وعلى هذا فيحرم على المرأة المحرمة أن تنتقب سواء كانت في حج أو في عمرة، والنقاب معروف عند الناس وهو أن تغطي وجهها بغطاء يكون فيه فتحة واحدة من عينيها.
أما حديث عائشة- رضي الله عنها- فلا يعارض النهي عن الانتقاب، وذلك لأن حديث عائشة- رضي الله عنها- ليس فيه أن النساء ينتقبن، وإنما يغطين الوجه بدون نقاب، وهذا أمر لابد منه
إذا مرّ الرجال بالنساء فإنه يجب عليهن أن يسترن وجوههن؛ لأن
__________
(1) تقدم ص 108.
(22/188)

ستر الوجه عن الرجال الأجانب واجب، وعلى هذا فنقول: لبس النقاب للمحرمة حرام عليها مطلقاً، وأما ستر وجهها فالأفضل لها كشف الوجه ولكن إذا مرّ الرجال قريباً منها فإنه يجب عليها أن تغطيه، ولكن تغطية بغير النقاب.
س 692: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عندما ذهبت لأداء العمرة ولم يكن معي غطاء للوجه، وإنما كنت ألبس النقاب الساتر لكل الوجه مع غطاء خفيف على العينين لضعف بصري،
وكنت أرفعه عندما يخلو المكان من الرجال الأجانب، ولكن عندما دخلت الحرم كنت لابسة هذا النقاب، فهل عليّ شيء حيث يصعب عليّ غطاء الوجه بدون فتحة للعينين لضعف بصري فما
الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لبس النقاب محرم على المحرمة لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه، ولكن يبدو أن هذه المرأة كانت جاهلة، أو متأولة بأنه يجوز لها، وحينئذ لا يكون عليها فدية. والواجب على المرأة إذا مر الرجال قريباً منها وهي محرمة أن تستر وجهها، ولا حرج أن تظهر إحدى عينيها إذا دعت الحاجة إليها.
س 693: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أمي امرأة كبيرة قد ضعف بصرها فهل يجوز لها أن تلبس النقاب في الحج وتضع غطاء خفيفاً على عينها وذلك لتستطيع الإبصار؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز لها ذلك لعموم نهي النبي
(22/189)

- صلى الله عليه وسلم - المرأة النقاب، ولكن من الممكن أن تغطي وجهها وإذا كانت لا تبصر تمسك بيد بنتها، أو أختها أو ما أشبه ذلك، وأما أن نجيز للمرأة ما نهى عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلا.
س 694: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لي لبس النقاب وأنا في حج أو عمرة لكن يكون على العينين غطاء خفيف؟
فأجاب فضيلته بقوله: المحرمة لا يجوز لها أن تنتقب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تنتقب المرأة" وأما تغطية وجهها بغير نقاب فلا بأس به إذا مر الرجال الأجانب عنها قريباً، بل يجب عليها في هذه الحال أن تستر وجهها، ولا بأس عليها إذا مست الغطوة وجهها فالمرأة في حال الإحرام يشرع لها كشف الوجه إلا إذا مر الرجال قريباً منها فإنه تستره، وأما النقاب فحرام عليها لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك.
س 695: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد حججت أول عمري ولم أكن أعرف واجبات الحج ولا أركانه وأنا لا أقرأ ولا أكتب ولبست النقاب، وفوق ذلك غطوة. وعندما وصلت منى
مشطت شعري ليلاً فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجتك هذه صحيحة ما دام الإخلال الذي حصل منك هو هذا؛ لأن غاية ما فيه أنك فعلت هذه الأشياء جهلاً منك، والجاهل لا يؤاخذه الله عز وجل بما فعله حال جهله،
(22/190)

لقول الله سبحانه وتعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قال الله تعالى: " قد فعلت ".
وهذه قاعدة عامة في جميع المحظورات في العبادات أن الإنسان إذا فعلها ناسياً، أو جاهلاً فإنه لا يؤاخذ في ذلك، وليس عليه في ذلك فدية، ولا كفارة، ولا إثم.
وهذا من تيسير الله سبحانه وتعالى على عباده ولمقتضى حكمه ورحمته، وكون رحمته سبقت عذابه.
س 696: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ذهبت إلى مكة وفي الميقات لبست النقاب بدون أن تخرج عينيها لعدم وجود غطاء الوجه فهل عليها شيء في ذلك؟ وهل عمرتها صحيحة وماذا يلزمها؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم عمرتها صحيحة ولا يلزمها شيء لأنها مجتهدة إن أصابت فلها أجران وإن أخطأت فلها أجر.
والنقاب إذا لم تخرج العينان بمعنى أنها وضعت بعض الخمار على بعض حتى تغطت عيناها لا بأس به، والمقصود من النهي عن النقاب. النقاب الذي ينتقب على حسب العادة يغطي الوجه ويفتح للعينين هذا هو الذي لا يجوز للمحرمة (1) .
س 697: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم النقاب في العمرة علماً بأن فوقه غطوة؟
__________
(1) هذه الفتوى منقولة بعد وفاة فضيلة الشيخ رحمه الله، من أشرطة نور على الدرب رقم الشريط (365) .
(22/191)

فأجاب فضيلته بقوله: النقاب نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - المحرمة، وأطلق فلا فرق بين أن يكون فوقه غطوة أو لا، وإذا كان فوقه غطوة فما الفائدة منه، لكن بعض الناس مولع بما لا فائدة فيه.
س 698: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة نظرها ضعيف ولا ترى إذا لبست الغطوة فلبست النقاب وهي محرمة ولبست فوقه غطوة من طبقة واحدة لتتمكن من الرؤية فهل عليها
شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمحرمة أن تنتقب وإذا كان نظرها ضعيفاً فنقول: ضعي هذه السترة الخفيفة بدون نقاب، أما النقاب فمحرم على المرأة، وإذا كانت قد فعلت ذلك جاهلة فلا شيء عليها، لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وهذه قاعدة عامة في جميع المحظورات إذا فعلها الإنسان ناسياً أوجاهلاً فلا شيء عليه.
س 699: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قدمت مع والدتي وجدتى للعمرة ولما طفنا تبين لي أنهما تلبسان البرقع فأمرتهما بنزعه وإسدال الغطاء فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم هذا أن المرأة إذا أحرمت لا يجوز لها أن تلبس البرقع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تنتقب المرأة" (1) . فلا يجوز لها النقاب، ولا البرقع لأنه أعظم من
__________
(1) تقدم ص 108.
(22/192)

النقاب، ولكن إذا لبست البرقع جاهلة تظن أنه لا بأس فإنه ليس عليها شيء، ليس عليها فدية ولا إثم، وليس في عمرتها نقص؛ لأنها جاهلة؛ وهكذا جميع محظورات الإحرام كحلق الرأس جاهلاً، أو ناسياً، وكلبس المخيط والطيب وغيره إذا فعله الإنسان جاهلاً، أو ناسياً، أو مكرهاً فإنه ليس عليه بذلك إثم ولا فدية.
(فائدة)
قول الأصحاب -رحمهم الله-: في المحرمة تغطي جانباً من وجهها؛ لأنه لا يمكنها تغطية جميع الرأس إلا بجزء من الوجه، فستر الرأس كذلك أولى، وعللوا بأنه لا يختص ستره بالإحرام بل هو عام بخلاف كشف الوجه فإنه خاص.
وكلامهم هذا يدل على أن مراعاة الحكم العام مقدم على ما كان مختصاً بحالة دون أخرى.
ومثل ذلك النصان إذا كانا عامين وتعارضا فيقدم ما كان عمومه محكماً على ما كان فيه تخصيص كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-
س 700: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم كشف الحاجة والمعتمرة لوجهها مع وجود الرجال الأجانب؟
فأجاب فضيلته بقوله: حرام عليها ذلك، فلا يجوز للمرأة
(22/193)

أن تكشف وجهها عند الرجال الأجانب لا في حج ولا في عمرة ولا في غيرهما.
س 701: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل بإمكان المرأة أن تربط غطاء الوجه أو تضع غطاءً على الرأس دون أن تربطه، ذلك أنه أثناء الطواف والسعي ليس من السهل الرؤيا بوضوح حينما نسدل الجلباب على الوجه؟
فأجاب فضيلته بقول: نقول لا بأس بربط غطاء الوجه إذا كان يمكن إلا بشده أو ربطه في حال الإحرام أو غيره.
س 702: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تغطي وجهها بدون نقاب؟
فأجاب فضيلته بقول: يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن الانتقاب، والانتقاب لباس الوجه ولم ينه عن تغطية الوجه بل نهى عن النقاب، فيجوز للمرأة أن تغطي وجهها وهي محرمة، ولهذا لو أن الإنسان لف على رجليه خرقة فلا يحرم عليه؛ لأنها ليست خفاً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينه عن ستر الرجل، بل نهى عن لبس الخف وفرق بين الأمرين: فإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تنتقب المرأة أي أن تلبس النقاب فإنه لا يلزم من ذلك أن تنهي عن ستر الوجه، لكن أكثر أهل العلم يقولون: إنها منهية عن ستر الوجه إلا إذا كان حولها رجال غير محارم فيجب عليها أن تستر الوجه لأنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها ورجل أجنبي ينظر إليها أو يمكن أن ينظر
(22/194)

إليها بل عليها أن تستره لأنها مأمورة بذلك، وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها- أنها قالت: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه ".
س 703: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة اعتمرت قبل ثلاث سنوات ولكن تقول أثناء الطواف والسعي كانت مغطية لوجهها لحيائها مع علمها بأنه لا يجوز تغطية الوجه أثناء العمرة
فهل عليها شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه المرأة أصابت الحق في كونها قد غطت وجهها في الطواف والسعي؛ لأن حولها رجال ليسوا من محارمها فيجب عليها أن تغطي وجهها، فهي مصيبة فيما فعلت إلا أن المحرمة يحرم عليها النقاب، وأما تغطية الوجه فإنها واجبة إذا كان حولها رجال من غير محارمها، وإن لم يكن حولها رجال من غير محارمها فكشف الوجه أولى، وقد ذكرت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها- أن الرجال إذا مروا قريباً منهن سدلت إحداهن خمارها على وجهها.
س 704: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تغطية الوجه بالنسبة للمرأة المحرمة إذا كان الرجال الأجانب في كل مكان في الشارع وفي السيارة وفي الحرم نفسه وما المخرج من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين " هل
(22/195)

يجوز كشف الوجه حال الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمحرمة ولا لغير المحرمة أن تكشف وجهها وحولها رجال أجانب، بل الواجب ستر الوجه حتى في الإحرام، فقد ذكرت عائشة- رضي الله عنها- أنه إذا مر الرجال قريباً منهن أسدلت إحداهن خمارها على وجهها لئلا يراها الرجال الأجانب، وأما نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النقاب فنعم هو نهي عن النقاب لكن إذا كان حولها رجال فلابد من ستر الوجه، وإذا سترت وجهها في هذه الحال فلا شيء عليها.
س 705: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قبل حوالي خمس سنوات نوينا أداء العمرة وعندما وصلنا إلى الحرم قمت أنا وإحدى أخواتي بعمل غطاء الوجه بحيث صار أشبه يشبه النقاب بمعنى أنه كان يغطي الجبهة وبقية الوجه أما العينان فقد كانتا مكشوفتين وقد قمنا بذلك ونحن نجهل حكم النقاب فماذا نفعل الآن بعد ما عرفنا أن النقاب غير جائز للمحرمة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليكن شىء؛ لأن كل إنسان يفعل محرماً في العبادة وهو لا يدري ليس عليه شىء، ولهذا لو تكلم الإنسان في الصلاة جاهلاً أن الكلام حرام فصلاته صحيحة، كما لو دخل شخص على رجل يصلي فسلم فقال المصلي: عليك السلام وهو لا يدري أنه حرام فليس عليه شىء، فقد ثبت في الصحيح أن معاوية بن الحكم- رضي الله عنه- دخل المسجد وصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فعطس رجل من القوم وقال: الحمد لله.
(22/196)

فقال: معاوية- رضي الله عنه- يرحمك الله. يخاطبه فرماه الناس بأبصارهم منكرين عليه فقال: " واثكل أمي " زاد على ما سبق فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه، فسكت، فلما سلم دعاه
النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: معاوية (فبأبي هو وأمي ما كهرني، وما نهرني، وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي للتكبير وقراءة القرآن أو كما قال ولم يأمره بإعادة الصلاة، وقال في الصيام "من نسي هو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " وهكذا جميع المحرمات في جميع العبادات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً فليس عليه شيء.
س 706: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرمة أن تلبس القفازين والجورب؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما لبس المرأة الجورب فلا بأس، وأما لباسها القفازين فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك فقال في المحرمة لا تلبس القفازين.
س 707: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة التي تريد أن تحرم أن تلبس القفازين على يديها في أثناء العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمرأة إذا أحرمت بحج أو عمرة أن تلبس القفازين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك والقفازان هما شراب اليدين التي تلبسها المرأة، أما لبس القفازين في غير الإحرام فحسن؛ لأنه أكمل في الستر.
(22/197)

س 708: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شاهدت امرأة تطوف وعليها قفازات فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا شاهدت المرأة امرأة أخرى تطوف وعليها قفازات فلتسألها قبل أن تنكر عليها ولتقل لها: هل أنت محرمة؟ إذا قالت نعم فلتقل لها: اخلعي القفازات؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المحرمة: "لا تلبس القفازين " وإن قالت: إنها غير محرمة وإنما هذا طواف تطوع، فلا حرج عليها أن تلبس القفازين في طواف التطوع.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه على المسألة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي: أنك لا تنكر على أحد منكراً حتى تعلم أنه منكر؛ لأن إنكارك قبل ذلك تعجل وتسرع، ولهذا لم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرجل الذي دخل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم
جمعة وجلس لم ينكر عليه الجلوس حتى سأله: "أصليت؟ " قال: لا. قال: "قم وصل ركعتين وتجوز فيهما" (1) وانظر كيف كان هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن فعل فعلاً يحتمل أنه منكر في حقه ويحتمل أنه غير منكر وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير أسوة، وأما من أنكر على الشخص مجرد فعل يراه منكراً فإن هذا تسرع وتعجل.
س 709: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت وهي لابسة للقفازات ولم تكن تعلم بحكمها فهل حجها صحيح؟
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب إذا رأى الإمام رجلاً جاء وهو يخطب (رقم 930) ومسلم، كتاب الجمعة، باب التحية والإمام يخطب (رقم 875) .
(22/198)

فأجاب فضيلته بقوله: هذه المرأة التي لبست القفازات وهي لا تعلم أنها حرام حجها صحيح وليس عليها إثم ولا فدية، وذلك لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالي: (قد فعلت) ولقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)) وليعلم أن جميع المحرمات التي تكون في العبادات إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه وهذه قاعدة لسنا نأخذها من قول فلان وفلان، أو من مؤلف فلان وفلان، وإنما نأخذها من الكتاب والسنة: أن كل من فعل محرماً وهو لا يعلم أنه محرم أو فعله وهو ناسي فلا شيء عليه، لكن إذا علم من جهل وجب عليه أن يدع هذا المحرم، وإذا ذكر بعد النسيان وجب عليه أن يترك هذا المحرم، وهذه القاعدة مأخوذة من قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالي: (قد فعلت) ومن قوله تعالي: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)) ومن قوله تعالى في قتل الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصيام: "من نسي وهو صائم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " (1) . ولأن الصحابة- رضي الله عنهم-: أفطروا في رمضان في يوم غيم ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم بالقضاء لأنهم كانوا
جاهلين بالوقت. ولهذه القاعدة
__________
(1) تقدم ص 122-123.
(22/199)

العظيمة أدلة وشواهد نكتفي فيها بما ذكرنا، فهذه المرأة التي لبست القفازين جاهلة أو ناسية ليس عليها شيء لا فدية، ولا إثم، وحجها صحيح.
س 710: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للرجل المحرم أن يلبس القفازين لأن النهي خاص بالمرأة المحرمة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للرجل أن يلبس القفازين، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاه أن يلبس الخفين ففي الخفين ستر الرجل، وفي القفازين ستر اليدين.
فإذا قال قائل: ما وجه تخصيص النهي بالمرأة؟
فالجواب: لأن المرأة جرت العادة بلبسها للقفازين، أما الرجل فلم تجر العادة بأنه يلبس القفازين، ولهذا فإن النساء في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبسن القفازين لأجل ستر اليد، وقد بدأ النساء - ولله الحمد- منذ عهد قريب يلبسن القفازين كعادة نساء الصحابة رضي الله عنهن.
س 711: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف تستر المرأة كفيها إذا أحرمت؟
فأجاب فضيلته بقوله: تستر كفيها بعباءتها أو بخمار واسع طويل، أو بثوب له أكمام طويلة، المهم أنه يمكنها أن تستر الكفين دون أن تلبس القفازين.
(22/200)

س 712: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على المرأة أن تلبس شراباً لأرجلها إذا أرادت الحج أو العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمها ذلك لكن تستر قدميها بثوب طويل يكون ضافيا على القدمين، وقولنا: إن ذلك لا يجب عليها لا يعني أنه يحرم عليها أن تلبس الخفين بل لها أن تلبس الخفين، دون لبس القفازين، وهما شراب اليدين، فإنه لا يجوز للمحرمة أن تلبسهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى المحرمة أن تلبس القفازين.
س 713: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم لبس المرأة للذهب من خواتم وغيرها في حال الإحرام علماً بأنها تبرز لغير المحارم في كثير من الأحوال؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن تلبس المرأة حال الإحرام من الذهب ما شاءت إذا لم يخرج إلى حد الإسراف حتى الخواتم والأساور في اليدين، لكن في هذا الحال تستره عن الرجال الأجانب خوفاً من وقوع الفتنة.
(22/201)

باب الفدية وجزاء الصيد
*فدية الحلق وتقليم الأظافر وتغطية الرأس والطيب.
*جزاء الصيد.
*دم المتعة والقِران.
*فدية الجماع.
*من كرر محظوراً من جنس ولم يفد.
*من كرر محظوراً من أجناس.
*حكم النسيان في فعل المحظور.
*كل هدي أو إطعام فلمساكين الحرم.
*صيد الحرم المكي.
*صيد الحرم النبوي.
*قطع الشجر.
*وصف مكة بالمكرمة والمدينة بالمنورة والمسجد الأقصي بثالث الحرمين.
*العمرة في رمضان.
*تكرار العمرة في رمضان.
*اصطحاب العوائل للعمرة في رمضان والبقاء في مكة وما ينتج عن ذلك.
*العمرة في شهر رجب
(22/203)

س 714: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- ما فدية من فعل محظوراً من محظورات الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يخلو فاعل المحظور من أحوال:
الأولى: أن يفعله ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً، أو نائماً، فلاشيء عليه.
الثانية: أن يفعله عمداً، ولكن لعذر يبيح فعل المحظور، فلا إثم عليه ويلزمه فدية ذلك المحظور، ويأتي بيانها.
الثالثة: أن يفعله عمداً بلا عذر، فهو آثم، وفديته على أقسام:
القسم الأول: ما ليس فيه فدية وهو عقد النكاح.
القسم الثاني: ما فديته بدنة وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.
القسم الثالث: ما فديته صيام ثلاثة أيام إن شاء متوالية وإن شاء متفرقة، أو ذبح شاة مما يجزىء في الأضحية أو ما يقوم مقامه من سبع بدنة، أو سبع بقرة ويفرق اللحم على الفقراء ولا يأكل منه
شيئاً، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع مما يطعم.
فهو مخير بين هذه الأشياء الثلاثة في إزالة الشعر، والظفر، والطيب، والمباشرة لشهوة ولبس القفازين، وانتقاب المرأة، ولبس الذكر المخيط، وتغطية رأسه.
القسم الرابع: ما فديته جزاؤه أو ما يقوم مقامه وهو قتل الصيد، فإن كان للصيد مثل خير بين ثلاثة أشياء:
1- إما ذبح المثل وتفريق لحمه على فقراء الحرم.
(22/205)

2- أن ينظركم يساوي المثل ويخرج ما يقابل قيمته طعاماً يفرق على المساكين لكل مسكين نصف صاع.
3- أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.
أما إذا لم يكن للصيد مثل فإنه يخير بين شيئين:
1- أن ينظركم يساوي الصيد المقتول ويخرج ما يقابلها طعاماً يفرقه على المساكين لكل مسكين نصف صاع.
2- أن يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.
س 715: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل فدية فعل المحظورات على التخيير أم على الترتيب؟ وما توجيهكم لحديث كعب بن عجرة- رضي الله عنه- الذي قال فيه عليه الصلاة
والسلام: "تجد شاة؟ " قال: لا. قال: "فصم ثلاثة أيام "؟ (1) فأجاب فضيلته بقوله: محظورات الإحرام التي ورد فيها الفدية ليست كلها على طريق واحد، فمثلاً حلق الرأس قال الله تعالى فيه: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) فبدأ الله تعالى بالصيام لأنه أهون الخصال الثلاث، ثم بالصدقة، وقد فسرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنها إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، ثم قال الله عز وجل: (أو نسك) وهو ذبح شاة.
أما حديث كعب بن عجرة- رضي الله عنه- فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرشده إلى الأكمل، ولا شك أن ذبح الشاة أكمل من إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب المحصر، باب الإطعام في الفدية (1816) .
(22/206)

س 716: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من دعس هرّاً وهو محرم في مكة ماذا عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا من كلام الله- عز وجل- قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)) (1) وهذا الذي قتل هرّاً ليس عليه شيء؛ لأنه ليس من الصيد، لكن لو قتل حمامة بغير قصد فلا شيء عليه لأن الله اشترط في وجوب الجزاء أن يكون القتل عمداً. والله أعلم.
س 717: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سائق ذهب للحج مع حملة وأخبروه بأن كل شيء عليهم وعند إتمام المناسك طلبوا منه قيمة الهدي، فالبعض رفض بحجة أنه قارن، ويبقى السؤال: هل يلزم القارن الهدي حيث أن السائق امتنع عن ذبح الهدي بحجة أنه قارن ورجع إلى بلده ولم يذبح فماذا يلزمه إذا كان يجب عليه الهدي؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، القارن يجب عليه الهدي كالمتمتع، وهذا السائق الذي لم يفعل يجب عليه الآن أن يبعث بدراهم إلى أحد يعرفه بمكة ليشتري له شاة ويذبحها هناك في مكة يأكل منها ويتصدق.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 95.
(22/207)

س 718: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل حج تمتعاً وحصل الحريق فاحترقت أغراضه وفلوسه في الخيمة فلم يفدِ فهل عليه شيء؟ وهل يمكن في هذه الحال أن يحول نسكه إلى
إفراد لأن الحريق كان في اليوم الثامن؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا ندري ماذا صنع الأخ هل صام؛ لأن الحريق وقع في اليوم الثامن؛ فإذا جاء يوم النحر فليس معه شيء فيصوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر وإذا رجعِ إلى أهله صام السبعة الباقية، لقول الله تبارك وتعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) (1) فإذا لم يفعل هذا فعليه الآن أن يتوب إلى الله وأن يصوم عشرة أيام ثلاثة قضاء وسبعة أداء.
ولا يمكن أن يحول الإنسان تمتعه إلى إفراد أبداً، ولا يمكن أيضاً أن يحول قِرانه إلى إفراد، لكن لو أحرم بعمرة ثم أدخل الحج عليها قبل شروعه في طوافها جاز ذلك وصار قارناً.
س 719: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الحجاج يكون معه دراهم، وهو ممن يجب عليه الهدي فتسرق منه أو تضيع، فهل له أن يقترض من أحد يعرفه لأجل شراء الهدي؟
فأجاب فضيلته بقوله: له أن يقترض إذا كان يجد وفاءً في بلده عن قرب، أما إذا كان معسراً ولا يرجو الوفاء عن قرب فلا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(22/208)

يقترض، بل يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، وأما وجوب الاقتراض فلا يجب.
س 720: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أكثر الحجاج يذبح هديه ثم يتركه في المكان الذي ذبح فيه ولا يوزعه فتأخذه البلدية فترميه في المحرقة، فما حكم هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على من ذبح الهدي أن يبلغه إلى أهله لقول الله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)) (1) . وكونه يذبحها ثم يُلقيها تُحرق، لا تبرأ به الذمة، فيجب عليه أن يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم يعني كيلو أو ما شابهه، يتصدق به في مكة.
س 721: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الشرع في رجل حج عن أبيه، هل يلزمه الهدي أو لا يلزمه؟ وإذا لم يجد الهدي هل يصوم؟ وهل يجزىء صيام العشرة أيام عنها في حالة
عدم القدرة؟ وفي حالة القدرة على دفع ثمن الأضحية هل يجوز له الصيام لأنه في حاجة إلى هذا المال؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: لا ينبغي أن يوجه السؤال إلى شخص بهذا اللفظ- ما حكم الشرع- لأن المجيب قد يخطىء في جوابه فلا يكون من الشرع، وإنما يقال: ما رأيكم، أو ما ترون،
__________
(1) سورة الحج، الآية: 28.
(22/209)

أو ما حكم الشرع في رأيكم، أو في نظركم أو ما أشبه ذلك. وأما الجواب عن المسألة: فإذا كان أبوه عاجزاً عن الحج عجزاً لا يُرجى زواله كالكبير والمريض مرضاً لا يرجى برؤه فإنه لا بأس أن يحج عنه ولده؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سألته امرأة قالت: يا رسول الله، إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج، شيخاً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم " (1) . فيحج عنه، ثم إن كان الحج تمتعاً أو قراناً وجب عليه الهدي، وإن كان الحج إفراداً لم يجب عليه الهدي، وإذا كان عاجزاً عن الهدي، إما لعدم الدراهم معه، أو أن معه دراهم لكنه يحتاج إليها للنفقة فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
س 722: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد حججت أنا وزوجتي قبل عشرة أعوام وفي ذلك الحين لم يكن لنا نقود لشراء الفدية وقمنا بصيام ثلاثة أيام في الحج، وعندما عدنا إلى البلد
حصل منا الإهمال بسبب مشاكل الدنيا ولم نكمل الصوم، وبقينا على هذا الحال حتى ما قبل خمسة أعوام فحججت أنا وحدي مرة أخرى وذبحت فدية ولكن لم أدرِ كيف حال حجتنا الأولى أنا
وزوجتي حيث بقي علينا صيام سبعة أيام، وأحيطكم علماً أن زوجتي قد توفيت رحمها الله وأنا الآن محتار كيف أعمل هل يجب
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله (رقم 1513) ومسلم، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز (رقم 1334) .
(22/210)

عليَّ الصوم في الوقت الحاضر عني وعن زوجتي المتوفاة أم ماذا أعمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل الذي فعلتم من صيام ثلاثة أيام في الحج حين كنتم لا تجدون هدياً هو عمل صحيح، لكن تأخيركم صيام الأيام السبعة إلى هذه المدة أمر لا ينبغي، والذي ينبغي للإنسان أن يسارع في إبراء ذمته وأن يقضي ما عليه، والواجب الآن أن تصوم أنت عن نفسك سبعة أيام، أما المرأة فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه " (1) ماذا صام عنها أحد أولادها، أو أبوها، أو أمها، أو صمت عنها أنت فإن ذلك يكفي، فإن لم يصم منكم أحد فأطعموا عن كل يوم مسكيناً، ولكن أحب أن أنبه على أن الدم لا يجب على الحاج إلا إذا كان متمتعاً أو قارناً، فأما المتمتع فهو الذي يأتي بالعمرة قبل الحج في أشهر الحج يحرم بها بعد دخول أشهر الحج فيحج في عامه، وأما القارن فهو الذي يحرم بالعمرة والحج جميعاً، أو يحرم بالعمرة أولاً، ثم يدخل الحج عليها لسبب من الأسباب، أما إذا كان الإنسان قد حج مفرداً بأن أتى بالحج فقط ولم يأتِ بعمرة فإنه لا يجب عليه الهدي؛ لأن الله تعالى أوجب الهدي على
المتمتع في قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) والمتمتع في هذه الآية ذكر أهل العلم أنه يشمل المتمتع الذي يفرد العمرة، والقارن الذي يأتي بهما جميعاً.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم (رقم 1952) ومسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت (رقم 1147) .
(22/211)

أما حجته الثانية فلم يذكر فيها شيئاً يوجب النقص، أو يوجب الهدي، ولا يؤثر عليه ما بقي من حجته الأولى.
س 723: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سبق أن حججت قبل سبع سنوات وكان حجاً تمتعاً صمت ثلاثة أيام في مكة حيث لم أستطع حين ذاك أن أهدي ورجعت لمقر عملي ولكن مضت
سنتان ولم أستطع أن أكمل صيام سبعة أيام الباقية عليَّ وفي السنة الثالثة راسلت أحد معارفي بمكة وطلبت منه أن يذبح عني وقد قام بذلك مشكوراً ودفعت له قيمة الهدي وكانت بنية الهدي الذي
فاتني سابقاً ولم أستطع الصيام عنه أيضاً، والآن أريد أن أستفسر هل أجزأت تلك الأضحية المتأخرة أم يلزمني أن أكمل صيام سبعة أيام أم يلزمني شيء آخر غير ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، هذا السؤال الذي ساقه السائل ظهر لي أنه كان متمتعاً ولم يجد الهدي، وأنه صام ثلاثة أيام في الحج وبقي عليه سبعة أيام، ثم إنه تشاغل عن هذه السبعة أو تثاقلها وأراد أن يذبح الهدي، والجواب على ذلك أنه لو كان هذا في وقت الهدي قبل مضي أيام التشريق لكان تقربه صحيحاً، أي لو أنه بعد أن صام ثلاثة أيام أراد أن يذبح الهدي الذي هو الأصل وكان ذلك في وقت ذبحه لكان هذا التصرف صحيحاً، أما بعد أن فات وقت الذبح بانتهاء أيام التشريق فإنه ليس عليه إلا الصيام، وحينئذ فيلزمه أن
(22/212)

يصوم بقية الأيام العشرة وهي سبعة أيام نسأل الله له العفو.
س 724: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: اشتريت هدياً في أيام الحج فأثناء إنزاله من السيارة انكسرت يده فماذا علي؟
فأجاب فضيلته بقوله: اشتر شيئاً سليماً واذبحه، وإذا لم تجد ثمنه فتصوم ثلاثة أيام في الحج أيام التشريق، وسبعة إذا رجعت.
س 725: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: تمتعت في العمرة والحج ولم أذبح هدياً ولم أصم فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، يقول السائل إنه متمتع بالعمرة إلى الحج ولم يهد هدياً ولم يصم؟ يجب أولاً أن نعلم ما هو التمتع بالعمرة إلى الحج الذي ينبني عليه وجوب الهدي؟ التمتع بالعمرة إلى الحج أن يشرع الإنسان بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ويتحلل تحللاً كاملاً ثم يحرم بالحج من عامه فيكون عند إحرامه بالعمرة قد نوى أن يحج هذا هو المتمتع، ويلزمه الهدي بشرط أن لا يرجع إلى بلده، فإن رجع إلى بلده ثم أنشأ السفر إلى الحج وأحرم بالحج فقط فإنه يكون مفرداً لا متمتعاً والهدي الواجب هو ما يجزىء في الأضحية ويشترط له شروط:
الأول: أن يكون من بهيمة الأنعام، فلا يجزىء الهدي من
(22/213)

غيرها، لقول الله تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) (1) .
الثاني: أن يكون بالغاً للسن المجزىء وهو الثني من الإبل والبقر والنعاج، أو الجذعة من الضأن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن " (2) .
الثالث: أن يكون سليماً من العيوب المانعة للإجزاء وهي التي ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين
ضلعها، والعجفاء- يعني الهزيلة- التي لا تنقى" (3) .
الرابع: أن يكون في الزمان الذي يذبح فيه الهدي وهو يوم العيد، وثلاثة أيام من بعده فلا يجزىء ذبح الهدي قبل يوم العيد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذبح هديه إلا يوم العيد حين رمى جمرة العقبة. (4)
الخامس: أن يكون في الحرم، أي داخل أميال الحرم، إما في منى، أو مزدلفة، أو في مكة، وكل طريق مكة وكل فجاج مكة طريق ومنحر، فلا يجزىء أن يذبح في عرفة، أو في غيرها من أماكن الحل، وقد سمعنا أن بعض الناس ذبحوا هداياهم خارج
__________
(1) سورة الحج، الآية: 28.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية (رقم 1963) .
(3) أخرجه الإمام أحمد (4/284، 289، 300) وأبو داود، كتاب الأضاحي، باب ما يكره من الضحايا (رقم 2802) ، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما لا يجوز من الأضاحي (رقم 1497) .
(4) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1218) .
(22/214)

الحرم، إما في عرفة أو في جهات أخرى ليست من الحرم، وهذا لا يجزىء عند أكثر أهل العلم، بل لابد أن يكون الذبح في نفس الحرم أي في حدود الحرم، فإذا ذبح في الحرم فلا بأس أن ينقل من لحمها إلى خارج الحرم.
ويشترط لوجوب الهدي على المتمتع ألا يكون من حاضري المسجد الحرام، فإن كان من حاضري المسجد الحرام فإنه ليس عليه هدي؛ لقول الله تبارك وتعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي ذلك الحكم ثابت لمن لم يكن حاضري المسجد الحرام، والحكم المذكور هو وجوب الهدي أو بدله ممن عدمه، وحاضري المسجد الحرام هم أهل مكة أو الحرم، أي هم من كانوا داخل حدود الحرم، أو كانوا من أهل مكة، ولو كانوا خارج حدود الحرم، وإنما قلت: أو كانوا من أهل مكة ولو كانوا خارج حدود الحرم؛ لأن جهة التنعيم الآن قد صارت من مكة فإن الدور والمباني تعدت التنعيم الذي هو مبتدأ الحرم ومنتهى الحل، وعلى هذا فمن كان من أهل التنعيم الذين هم خارج الحرم فهم وراءهم البيوت متصلة كبيوت مكة
فإنهم يعدون من حاضري المسجد الحرام، ومن كان من الجهة الأخرى داخل حدود الحرم وغير متصل بمكة فإنه من حاضري المسجد الحرام أيضاً، فحاضرو المسجد الحرام إذن هم أهل مكة
أو أهل الحرم فإن كانوا من حاضري المسجد الحرام فإنه ليس عليه هدي ولا صوم، وهذا السائل يقول: إنه حج متمتعاً ولم يهد
(22/215)

ولم يصم نقول له: الآن عليك أن تتوب إلى الله، فإن كنت من القادرين على الهدي في عام حجك وجب عليك أن تذبحه اليوم، ولكن في مكة، وإن كنت من غير القادرين على الهدي في عام حجك فعليك الصوم فصم الآن عشرة أيام ولو في بلدك.
س 726: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت متمتعاً ومعي مبلغ يسير من المال ظننت أن لا يكفي للهدي فصمت ثلاثة أيام وأنفقت المال الذي عندي بصورة فيها كثير من التبذير، ثم
ظهر لي في اليوم الحادي عشر أن المال الذي كان عندي قبل إنفاقه كان كافياً لشراء الهدي فندمت على ما حدث مني من تفريط، ثم صمت السبعة أيام بعد العودة من الحج فهل بقي الهدي في ذمتي
بسبب التفريط الذي حدث مني أم لا؟ وضحوا لنا ذلك جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذمتك برئت بالصوم؛ لأنك إنما صمت بناء على أن المال الذي معك لا يكفي، لكن نظراً لأنك أسرفت في الإنفاق وأنفقت في غير وجهه أرى من الاحتياط أن تذبح هدياً في مكة يقوم مقام هدي التمتع الذي كان واجباً عليك مع القدرة.
س 727: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج ضاعت نفقته هل عليه أن يستدين للفدية؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا ضاعت نفقة الحاج فإنه ليس عليه
(22/216)

أن يستدين للفدية ولكن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ لأنه صار عاجزاً عن الهدي، وقد قال الله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)) (1) .
س 728: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل يقول: لقد وقعت في جريمة نكراء وداهية دهياء في حج العام الماضي حيث سول لي الشيطان ووقعت على زوجتي وجامعتها جماعاً في
منى ولكن هذا وقع في الليل، وقال بعض طلبة العلم: إن حجك قد فسد فصرعوني بهذا القول، وركبت سيارتي وهربت إلى بلدي وتركت زوجتي مع أخيها وأنا لم أهرب إلا خوفاً من الله تعالى أن
أبقى في مشاعره المقدسة وأنا قد عصيته وليس لي حج أرجو الإفادة والمخرج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب يحتاج إلى تفصيل وذلك أن جماعه إياها في منى إن كان بعد التحلل مثل أن يكون بعد يوم العيد بعد أن رمى وحلق أو قصر وطاف وسعى فهذا لا شيء عليه إطلاقاً؛ لأنه قد تحلل من الحج، أما إذا كان بعد الرمي والحلق وقبل الطواف يعني بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني فإن الحج لا يفسد، ولكن يفسد الإحرام، فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل ليحرم من جديد ليطوف طواف الإفاضة محرماً، وعليه
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(22/217)

مع ذلك شاة يذبحها ويفرقها على الفقراء.
أما إذا كان الوطء في منى قبل الذهاب إلى عرفة فمعناه أنه جامع قبل التحلل الأول وهذا يفسد حجه وعلى ما قاله أهل العلم يجب عليه المضي فيه، ويجب عليه بدنة يذبحها ويفرقها على الفقراء، ويجب عليه القضاء من العام القادم، ولكن هذا الرجل في الحقيقة لا ندري أي الأحوال كان عليه، فلا نستطيع أن نحكم على فعله وذهابه إلى بلده. وذهابه بعد الجماع إلى بلده لا يجوز ويجب عليه الرجوع لو فرض أنه سأل في ذلك الوقت قبل أن ينتهي الحج وجب عليه الرجوع ليكمل الحج الفاسد ثم يقضيه العام التالي، أما وقد فات الأوان الآن فإنه يجب عليه على ما تقضيه قواعد الفقهاء يجب عليه أن يمضي في الحج هذا العام تكميلاً للحج الفاسد الأول لأنه لازال على إحرامه لم يتحلل منه، أو يتحلل بعمرة حيث فاته الحج بفوات الوقوف ثم يقضي الحج الفاسد الذي تحلل منه بعمرة بالفوات ولا يلزمه شيء عن لبس الثياب لأنه جاهل.
س 729: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سائلة تقول: أنا امرأة قدمت من بلدي إلى جدة وكنت محرمة، وقبل أداء العمرة جاءني ما يأتي النساء فأدى زوجي العمرة ورجعنا حيث إنه مرتبط
بعمل، وسارت بنا الحياة الطبيعية كزوجين ثم نزلنا وأدينا مناسك العمرة والحج بعد ذلك، وكان ذلك منذ ثلاث سنوات ولم نعلم أنه كان ينبغي علي أداء العمرة إلا قريباً، فماذا علي الآن؟ مع العلم
(22/218)

أنني عندما أديت مناسك العمرة لم أنوِ أنها عن العمرة التي لم يتيسر لي القيام بها؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: نسأل نقول للسائلة: إذا كنت لا تدرين أن الجماع في الإحرام حرام فلا شيء عليك، وإذا كنت تعلمين أنه حرام ووافقت الزوج عليه فأنت آثمة والعمرة التي وقع
فيها الجماع عمرة فاسدة ويجب عليك شاة تذبح في مكة وتوزع على الفقراء، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، ويجب أيضاً أن تقضي عمرة بدل العمرة التي
فسدت.
س 730: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض أهل العلم يرون أن جماع الحاج لزوجته ناسياً محرم يفسد الحج ويستدل أنه يجب عليه غسل الجنابة وإنما المرفوع هو الإثم فما الجواب عن
ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: نجيب على هؤلاء الذين يقولون إن الإنسان إذا جامع وهو صائم في رمضان أو جامع وهو محرم فعليه كفارة ويسقط عنه الإثم نجيب عليهم بأمرين: أمر أثري وأمر نظري، أما الأثري نقول: إن الله تعالى قال في كتابه: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالى: " قد فعلت "، وقال تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) وهذا لم يتعمد وحصل تطبيق عملي لهذا القاعدة وهي عدم المؤاخذة بالجهل والنسيان، فقد أفطر الصحابة- رضي الله
(22/219)

عنهم- في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم بالقضاء؛ لأنهم كانوا جاهلين ظنوا أن الشمس قد غربت، وعدي بن حاتم- رضي الله عنه- أراد أن
يصوم فجعل تحت وسادته عقالين وهما الحبلان اللذان تشد فيهما يد البعير، أحدهما أسود، والثاني أبيض، فجعل ينظر إليهما فلما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود أمسك، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالإعادة، ومعاذ بن الحكم- رضي الله عنه- تكلم في الصلاة ولم يأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعادة، فالمهم أن نقول: إن هذه الأدلة تدل على أن الإنسان إذا صنع شيئاً محرماً جاهلاً أو ناسياً فلاشيء عليه.
أما الدليل النظري فنقول: إذا سقط الإثم لزم سقوط الكفارة؛ لأن الكفارة إنما تكون من أجل اتقاء عقوبة هذا الإثم، فإذا لم يكن هناك إثم فلا عقوبة، وعموم العفو في قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) يشمل العفو عن الذنب والعفو عن الكفارة.
س 731: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى-: من فعل شيئاً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام بعد أن لبس إحرامه وهو لم يقعد النية بعد فلا شيء عليه؛ لأن العبرة بالنية لا بلبس ثوب الإحرام، ولكن إذا كان قد نوى ودخل في النسك فإنه إذا فعل شيئاً من المحظورات ناسياً، أو جاهلاً فلا
(22/220)

شيء عليه، ولكن يجب عليه بمجرد ما يزول العذر فيذكر إن كان ناسياً، ويعلم إن كان جاهلاً يجب عليه أن يتخلى من ذلك المحظور.
مثال هذا: لو أن رجلاً نسي فلبس ثوباً وهو محرم، فلا شيء عليه، ولكن من حين ما يذكر يجب عليه أن يخلع هذا الثوب، وكذلك لو نسي فأبقى سراويله عليه، ثم ذكر بعد أن عقد النية ولبى، فإنه يجب عليه أن يخلع سراويله فوراً، ولا شيء عليه، وكذلك لو كان جاهلاً فإنه لا شيء عليه، مثل أن يلبس فنيلة ليس فيها خيط بل منسوجة نسجاً يظن أن المحرم لبس ما فيه خياطة فإنه لا شيء عليه، ولكن إذا تبين له أن الفنيلة وإن لم يكن بها توصيل فإنها من اللباس الممنوع فإنه يجب عليه أن يخلعها.
والقاعدة العامة في هذا أن جميع محظورات الإحرام إذا فعلها الإنسان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا شيء عليه لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) . فقال الله تعالي: " قد فعلت "، ولقوله تعالي: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)) . ولقوله تعالى في خصوص الصيد وهو من محظورات الإحرام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)) ولا فرق في ذلك بين أن يكون محظور الإحرام من اللباس والطيب ونحوهما، أو من قتل الصيد، وحلق
(22/221)

شعر الرأس ونحوهما، وإن كان بعض العلماء فرق بين هذا وهذا، ولكن الصحيح عدم التفريق؛ لأن هذا من المحظور الذي يعذر فيه الإنسان بالجهل والنسيان. والله أعلم.
س 732: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج وقع في بعض الأخطاء في أداء نسكه ولم يكن معه ما يكفر به وسافر إلى بلده فهل يخرج ما وجب عليه في بلده أم يلزمه أن يكون في مكة؟
وإذا كان يلزم في مكة فهل يجوز التوكيل؟
فأجاب فضيلته بقوله: لابد أن نعرف ما هو هذا الشيء الذي حصل، إن كان ترك واجباً ففيه فدية يذبحها في مكة؛ لأنها تتعلق بالنسك ولا يجزىء في غير مكة.
وإن كان فعل محظوراً فإنه يجزىء فيه واحدة من ثلاثة أمور:
إما إطعام ستة مساكين ويكون في مكة أو في مكان فعل المحظور.
وإما صيام ثلاثة أيام، وفي هذه الحال يصوم ثلاثة أيام في مكة أو غيرها.
وإما ذبح شاة.
إلا أن يكون هذا المحظور جماعاً قبل التحلل الأول في الحج فإن الواجب فيه بدنة يذبحها في مكان فعل المحظور، أو في مكة ويفرقها على الفقراء، أو أن يكون جزاء صيد فإن الواجب مثله أو إطعام، أو صيام، فإن كان صوماً ففي أي مكان.
(22/222)

وإن كان إطعاماً أو ذبحاً فإن الله تعالى يقول: (هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) فلابد أن يكون في الحرم.
وله أن يوكل فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكَّل عليّاً- رضي الله عنه- في ذبح ما بقي من هديه (1) .
س 733: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من ترك واجباً من واجبات الحج فعليه دم، والسؤال هل لهذا الدم زمن معين من العام؟ وهل له مكان معين؟ ومن لم يجد هذا الدم فهل له من صيام بدلاً من الدم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على من وجب عليه فدية بترك واجب، أو بفعل محظور أن يبادر بذلك؛ لأن أوامر الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على الفور إلا بدليل؛ ولأن الإنسان لا يدري ما يحدث له في المستقبل، فقد يكون اليوم قادراً وغداً عاجزاً، وقد يكون اليوم صحيحاً وغداً مريضاً، وقد يكون اليوم حيّاً وغداً ميتاً، فالواجب المبادرة، أما في أي مكان فإنه يكون في الحرم في مكة ولا يجوز في غيره، وأما إذا لم يجد الدم في ترك الواجب، فقيل: إنه يصوم عشرة أيام، والصحيح أنه لا يجب عليه صوم بل إذا لم يجد ما يشتري به الفدية فلا شيء عليه؛ لأنه ليس هناك دليل على وجوب الصيام، ولا يصح قياسه على دم المتعة لظهور الفرق العظيم بينهما، فدم ترك الواجب دم جبران، ودم المتعة دم شكران.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1218) .
(22/223)

س 734: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعنا عنكم يا فضيلة الشيخ أنكم قد حذرتم من إعطاء الهدي الشركات ولكن يا فضيلة الشيخ ما الحل فيما مضى، فإنا قد حججنا أكثر من مرة
ونعطيها هذه الشركات ولا يأخذون أسماءنا فما الحكم فيما مضى هل يجزىء؟ فإن كان لا يجزىء فماذا يلزمنا؟
فأجاب فضيلته بقوله: إننا لم نحذر من إعطاء الهدي؛ لأن الهدي في الحقيقة ضرورة؛ لأن الإنسان بين أمرين: إما أن يعطي هذه الشركات، وإما أن يذبحه ويدعه في الأرض لا ينتفع به لا هو ولا غيره، أما إذا حصل أن الإنسان يذبح هديه ويأكل منه ويهدي ويتصدق فهذا لا شك أنه أفضل بكثير، وهذا يمكن لبعض الناس الذين لهم معارف في مكة فيوكلوهم على ذبح الهدى وإحضار بعضه وتفريق الباقي، أو هو ينزل إلى مكة ويذهب إلى المسلخ ويشتري ويذبح هناك فسيجد من يتزاحمون عنده ليأخذوا منه، لكنني الذي أرى أنه خطأ عظيم هو أن يرسل بقيمة الأضاحي إلى بلاد أخرى ليضحي بها هناك هذا هو الذي ليس له أصل، والنبي - عليه الصلاة والسلام- كان يبعث بالهدي إلى مكة ليذبح في مكة، ولم ينقل عنه لا بحديث صحيح ولا ضعيف أنه أرسل أضحيته إلى أي مكان بل كان يذبحها في بيته ويأكلون ويهدون ويتصدقون.
س 735: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من ذبح الهدي أو حلق رأسه خارج منطقة الحرم في عرفات مثلاً؟
(22/224)

فأجاب فضيلته بقوله: أما الحلق فلا بأس يحلق في عرفات أو غيرها؛ لأن الحلق ليس له مكان، وأما الهدي هدي التمتع فلابد أن يكون داخل الحرم فلو ذبح هديه في عرفات لم يصح ولم يجزئه، حتى لو دخل باللحم وأعطاه أهل منى لم يقبل منه؛ لأنه ذبحه في غير مكانه، وإذا كان هذا قد وقع فالأمر والحمد لله سهل يوكل أحد الذاهبين إلى مكة ليشتري له شاة يذبحها بنية الهدي الذي ذبحه في غير مكانه، وإن كان هو يريد أن يذهب بنفسه ليحج فليباشر ذلك بنفسه.
س 736: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا نسي الحاج الفدية فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا نسي الحاج الفدية فإنه يقضيها إما بنفسه، أو يوكل من يذبحها في مكة، ولا يجوز أن يذبح خارج الحرم على ما نص عليه الأصحاب.
س 737: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أراد أن يحج متمتعاً أو قارناً، نسمع أن البنك الإسلامي يستقبل المبالغ ليقوم بذبح الهدي والفدية يوم العاشر من ذي الحجة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بمن عليه هدي، هدي التمتع، أو قران، أو عليه فدية محظور، أو ترك واجب أن يوكل من يقوم به، لكن بشرط أن يكون الوكيل ثقة أميناً، فإذا كان ثقة أميناً فلا بأس إلا فلا توكِّل، على أنه لو كان ثقة، أميناً فالأفضل
(22/225)

أن تباشر ذلك أنت بيدك، هذا هو الأفضل؛ لأن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذبح هديه بيده، وذبح أضحيته بيده، وإن كان قد أعطى علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أن يُتمِّم ذبح
هداياه؛ لأن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أشركه في هديه.
س 738: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز نحر هدي التمتع خارج الحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول أهل العلم: إن الواجب نحر هدي التمتع داخل حدود الحرم لقوله تعالى: (ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)) ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر هديه في منى وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (1) . ولأن هذا دم يجب للنسك فوجب أن يكون في مكانه وهو الحرم، وعلى هذا فمن نحر خارج الحرم لم يجزئه الهدي وتلزمه إعادته في الحرم، ثم إن كان جاهلاً فلا إثم عليه، وإن كان عالماً فعليه الإثم.
وقد أشار صاحب الفروع (ص 465 ج 3 ط آل ثاني) إلى أن وجوب ذبحه في الحرم باتفاق الأئمة الأربعة، لكن قال الشيرازي في المهذب (ص 411 ج 7 ط مكتبة الإرشاد) : إذا وجب على
المحرم دم لأجل الإحرام كدم التمتع والقران، ودم الطيب وجزاء الصيد وجب عليه صرفه لمساكين الحرم لقوله تعالى: (هَدْيًا بَالِغَ
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكباً (رقم 1297) .
(22/226)

الْكَعْبَةِ) فإن ذبحه في الحل وأدخله الحرم نظرت فإن تغير وأنتن لم يجزئه؛ لأن المستحق لحم كامل غير متغير فلا يجزئه المنتن المتغير، وإن لم يتغير ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئه؛ لأن الذبح أحد مقصودي الهدي فاختص بالحرم كالتفرقة.
والثاني: يجزئه؛ لأن المقصود هو اللحم، وقد أوصل ذلك إليهم. اهـ.
قال النووي: وهو الصحيح.
ولكن الأحوط المنع؛ للأدلة التي ذكرناها في صدر الجواب.
س 739: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حدثونا عن خصائص البيت الحرام، وهل دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمدينة؟ وما أجر من صلى بالمدينة من الثواب؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، من خصائص البيت الحرام التي لا يشركه فيها غيره أنه يجب على كل مسلم أن يحج إليه، ولكن إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يوجد في الأرض مكاناً يجب على المسلم أن يقصده بحج أو عمرة إلا البيت الحرام، ومن خصائص هذا البيت تضعيف الصلوات فيه، فالصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، ومن خصائصه تحريم قطع أشجاره وحش حشيشه وقتل صيده، وله
(22/227)

خصائص كثيرة لا يسع المقام لذكرها، لكن في ذلك كتب معروفة يمكن للسائل أن يرجع إليها.
وأما المسجد النبوي فمن خصائصه أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وله نوع من التحريم لكنه دون حرم مكة.
س 740: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الصيد في الحرم النبوي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أنه محرم، لكنه ليس كالصيد في حرم مكة، فإن حرم مكة إذا صاده الإنسان فإثمه أكبر مما لو صاد صيداً في حرم المدينة، وحرم المدينة ليس في صيده جزاء، وحرم مكة يحصل فيه جزاء، وحرم المدينة إذا أدخل الإنسان الصيد فيه من خارج الحرم فله إمساكه وذبحه، وحرم مكة فيه خلاف، فمن العلماء من يقول: إذا أدخل الإنسان صيداً إلى حرم مكة وجب عليه إطلاقه، ومنهم من يقول: لا يجب، والصحيح أنه لا يجب عليه إطلاقه، فلو أدخل الإنسان أرنباً أو
حمامة من خارج الحرم إلى الحرم فله استبقاؤها وذبحها؛ لأنها ملكه، بخلاف ما إذا صادها في الحرم، فإنه ليس له إبقاؤها وليس له ذبحها، إنما يجب عليه أن يطلقها.
س 741: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي الفواسق الخمس التي تقتل في الحل والحرم؟ وهل معنى هذا أننا لو
(22/228)

وجدناها أو بعضها ونحن محرمين في داخل حدود الحرم أنه يجوز قتلها؟ ولماذا هذه الخمس دون غيرها مع أنه قد يكون هناك من الدواب والسباع ما هو أخطر منها ومع ذلك لم تذكر أم أنه يقاس
عليها ما شابهها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الفواسق الخمس هي: الفأرة، والعقرب، والكلب العقور، والغراب، والحدأة، هذه هي الخمس التي قال فيها النبي- عليه الصلاة والسلام- "خمس كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم " (1) ، فيسن للإنسان أن يقتل هذه الفواسق الخمس وهو محرم، أو محل داخل أميال الحرم أو خارج أميال الحرم، لما فيها من الأذى والضرر في بعض الأحيان، ويقاس على هذه الخمس ما كان مثلها أو أشد منها، إلا أن الحيات التي في البيوت لا تقتل إلا بعد أن يحرج عليها ثلاثاً؛ لأن يخشى أن تكون من الجن إلا الأبتر وذو الطفيتين فإنه يقتل ولو في البيوت؟ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل الجنان التي في البيوت إلا الأبتر وذو الطفيتين (2) . فإذا وجدت في بيتك حية فإنك لا تقتلها إلا أن تكون أبتر أو ذا الطفيتين، الأبتر يعني قصير الذنب، وذو الطفيتين هما خطان أسودان على ظهره فهذان النوعان يقتلان مطلقاً، وما عداهما فإنه لا يقتل ولكنه يحرج عليه ثلاث مرات بأن
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب (رقم 1829) ومسلم، كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم (رقم 1198) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال (رقم 3308) ومسلم، كتاب السلام، باب قتل الحيات وغيرها (رقم 2232) .
(22/229)

يقول لها: أحرج عليك أن تكوني في بيتي، أو كلمة نحوها مما يدل على أنه ينذرها ولا يسمح لها بالبقاء في بيته، فإن بقيت بعد هذا الإنذار فمعنى ذلك أنها ليست بجن، أو أنها وإن كانت جنّاً أهدرت حرمتها حينئذ يقتلها، ولكن لو اعتدت عليه في هذه الحال فإن له أن يدافعها لو بأول مرة فإن لم يندفع أذاها إلا بقتلها أو لم تندفع مهاجمتها إلا بقتلها فله أن يقتلها حينئذ، لأن ذلك من باب
الدفاع عن النفس.
ومشروعية قتل الفواسق لا تختص بهذه الخمس بل يقاس عليها ما كان مثلها أو أشد ضرراً منها، وهذا الاجتهاد لمن كان أهلاً لذلك بأن يكون عنده علم في موارد الشريعة ومصادرها، وعلم بالأوصاف والعلل التي تقتضي الإلحاق أو عدمه.
س 742: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم صيد الطيور في الأشهر الحرم أو في الحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: صيد الطيور في الأشهر الحرم جائز؛ لأن الأشهر الحرم إنما يحرم فيها القتال على أن كثيراً من العلماء أو أكثر العلماء يقولون: إن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ، ولكن إذا كانت الطيور داخل حدود الحرم فإنه لا يجوز صيدها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حين فتح مكة: "لا ينفر صيدها" (1) أي مكة، وإذا منع من التنفير فالقتل من باب أولى، وقال- عز
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب لا ينفر صيد الحرم (رقم 1833) ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها ... (رقم 1353) .
(22/230)

وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) . وقال- عز وجل-: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) . فإذا كان الإنسان محرماً أو دخل حدود الحرم فإنه لا يحل له الصيد.
س 743: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أخذ النحل أو العسل من المشاعر المقدسة أو من الجبال الواقعة بين المزدلفة وعرفات؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس في هذا أن يجني الإنسان العسل في داخل حدود الحرم، وذلك لأن النحل ليس من الصيد الذي يحرم قتله في الحرم وإذا لم تكن من الصيد فالأصل الحل.
س 744: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة كانت محرمة فجاءت على يدها بعوضة فمن شدة ألمها ضربتها فماتت فهل عليها شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليها شيء، وإن لم تقرص الإنسان يستحب له أن يقتلها سواء كان محرماً أو محلاًّ؛ لأنها من الحشرات المؤذية، وقد قال العلماء: يستثنى قتل كل مؤذٍ للمحرم وغير المحرم، ولمن كان في مكة ولمن كان خارج مكة، فنقول: أعظم الله أجر هذه السائلة حيث تركتها حتى آلمتها بالقرص ولو أنها قتلتها من أول ما رأتها لكان في ذلك كف لأذاها.
(22/231)

س 745: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم قتل الحشرات في الحرم، وخاصة البعوض؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحشرات ونحوها ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أمر الشرع بقتله فهذا يقتل في الحل وفي الحرم حتى لو تجده في وسط الكعبة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خمس من الدواب يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" (1) . والوزغ أيضاً أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله، وقال: "إنه كان ينفخ النار على إبراهيم " (2) وسبحان الله هذه الحشرة الضعيفة سلطت تنفخ النار على إبراهيم لذلك نحن نقتلها امتثالاً لأمر الله تعالى وانتصاراً لأبينا إبراهيم- عليه الصلاة
والسلام- لأنها تنفخ النار عليه.
القسم الثاني: ما نهى عن قتله فهذا لا يقتل لا في الحل ولا في الحرم، مثل: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد، فهذا لا يقتل لا في الحل ولا في الحرم إلا إذا آذى فإنه يدافع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل قتل.
القسم الثالث: ما سكت الشرع عنه وكالخنفساء وما أشبهها فهذه قال بعض العلماء: إنه يحرم قتلها، وقال بعضهم: إنه يكره، وقال بعضهم: إنه يباح، لكن تركه أولى، وهذا القول الثالث
الأخير هو الصواب والدليل أنه لم ينه عن قتلها ولم يؤمر أي
__________
(1) تقدم ص 229.
(2) أخرجه الإمام أحمد (6/83، 109) ، والبخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلاً) (رقم 3359) .
(22/232)

بقتلها، فهي مسكوت عنها، لكن الأولى عدم القتل لأن الله تبارك وتعالى قال: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) . فدعها تسبح الله- عز وجل- لا تقتلها لكن لو قتلتها فلا إثم عليك.
ومكة شرفها الله- عز وجل- لا يجوز فيها قتل الصيد كالحمام، والبط، والأرانب والغز لان وما أشبه ذلك.
والبعوض مما أمر بقتله قياساً على الخمس؛ لأن البعوض مؤذ بلا شك، وأذيته واضحة، فأحياناً تقرصك البعوضة وينتفخ الجلد، وربما يسبب جروحاً فهي مما أمر بقتله، وإذا لم نتوصل إلى قتله إلا بالصعق كما يوجد الآن مما يعلق فلا حرج.
س 746: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن نقيم على بعد أربعين كليلو عن الحرم، ويوجد بعض العمال يقدمون لنا الحمام الموجود في المنطقة للأكل، وبعض الناس يقولون: بأن
هذا الحمام تابع للحرم هل أكل هذا الحمام حلال أم حرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما دمتم تبعدون عن حدود الحرم أربعين كيلو فإنكم في الحل، وصيد مكان الحلال حلال، وعلى هذا فما يقدمه العمال لكم من هذا الحمام يكون حلالاً؛ لأنه لم يصد في الحرم، نعم لو قال لك العامل: إنه صاده في الحرم فإنه حرام عليك وعلى العامل أيضاً، وينبغي درءاً للشبهة وطرداً للشك أن تخطروا العمال بأنه لا يجوز الصيد داخل حدود الحرم حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم.
(22/233)

س 747: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أحرم من بلده، وفي الطريق إلى الميقات وجد صيداً فقتله ولم يعقد النية إلا في الميقات ولكن لبس ملابس الإحرام فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: مادام لم ينوِ وعليه ثياب الإحرام فلا محظور عليه لا صيد، ولا طيب، ولا أخذ من شعر، ولا جماع امرأته ولا شيء حتى ينوي، فإذا نوى ولو في بيته صار محرماً.
س 748: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الذي يحرم على المحرم أن يقتله في إحرامه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يحرم على المحرم قتله هو الصيد، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) قال أهل العلم: والصيد كل حيوان بري مأكول متوحش مثل الضباع،
والأرانب، والحمام وغيرها، فهذه يحرم على المحرم أن يقتلها، وإذا قتلها كانت حراماً عليه وعلى غيره، وأما إذا صادها غيره فإن كان صادها من أجل المحرم فهي حرام على المحرم نفسه أي على
الذي صيدت من أجله وليس حراماً على غيره؛ لأن الذي صادها غير محرم، وأما إذا صيدت لغير المحرم مثل أن يصطادها رجل غير محرم فيطعم منه أناس محرمين فإن ذلك لا بأس به.
س 749: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم إخراج تربة مكة منها وكذلك إخراج ماء زمزم من مكة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس بإخراج تراب مكة إلى
(22/234)

الحل، ولا بأس بإخراج ماء زمزم إلى الحل.
س 750: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: تقول إحداهن: لا يجوز الاستجمار بالحصى في مكة وقد ورد النهي عن ذلك فهل هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاستجمار بالأحجار ثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما ذكره السائل لا صحة له.
س 751: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت ولما نزلت إلى منى قمت بنصب الخيمة ثم نزعت الأشجار التي في مكان الخيمة ولم أكن أعلم أن منى من حدود الحرم فما الحكم في
ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم أنه لا شيء على الإنسان إذا فعل شيئاً من المحظورات جاهلاً، أو ناسياً، أو مكرهاً، وهذا قاعدة عامة، فكل المحظورات في الإحرام أو في الحرم إذا فعلها الإنسان ناسياً، أو جاهلاً، أو مكرهاً فلا شيء عليه، ولهذا لو انفرش الجراد في طريقه والجراد صيد يحرم إذا كان داخل حدود الحرم أو إذا كنت محرماً ولو خارج حدود الحرم لكن لو انفرش في طريقك ورأيت أن الأرض مملوءة من الجراد فلا نقول توقف ولا تمشي حتى يرتحل الجراد عن الأرض، بل نقول: امشِ وإذا أصبت شيئاً لم تقصده فلا شيء عليك؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، كذلك أيضاً الأشجار في منى أو في مزدلفة إن قلعتها
(22/235)

قصداً فهذا حرام عليك، وإن لم تقلعها ولكن فرشت عليها الفراش وتكسرت من أجل فرش الفراش وأنت ما أردت ذلك فلا حرج عليك.
س 752: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل قطع الشجر في الحرم من محظورات الإحرام؟ وإذا وجد الإنسان شيئاً ساقطاً على الأرض سواء كان ثميناً أو غير ذلك هل يأخذه؟
فأجاب فضيلته بقوله: قطع الشجر لا علاقة له بالإحرام، وإنما علاقته بالحرم الذي هو خلاف الحل، وعلى هذا فمن كان داخل الحرم حرم عليه قطع أشجار الحرم قبل التحلل وبعد التحلل، ومن كان خارج الحرم حل له قطع الشجر قبل أن يحل وبعد أن يحل، فالحاج بعرفة يحل له قطع الشجر. وعلى هذا فالحاج بعرفة يحل له قطع الشجر، وإن كان في مزدلفة أو مِنى فلا يحل له قطع الشجر.
أما اللقطة فإن كان في الحرم أي داخل الأميال فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تحل ساقطتها" (1) - يعني مكة- إلا لشخص يريد أن ينشدها أي أن يطلب صاحبها مدى الدهر، أما إذا كانت خارج الحرم فإن التقاطها كالتقاط أي لقطة في أي مكان إن تعهد الإنسان على نفسه وظن أن يعرفها لمدة سنة التقطها وعرفها لمدة سنة فإن جاء صاحبها وإلا فهي له، وإن لم يلزم نفسه عليها فليتركها لكن إن كان هنالك لجنة أو طائفة من قبل أولي الأمر لتلقي الضائع
__________
(1) تقدم ص 230.
(22/236)

فيأخذها وليؤدها إلى هذه اللجنة التي عينها أولو الأمر؛ لأن أخذها وتسليمها لهؤلاء خير من أن تبقى في الأرض وتضيع أو يأخذها إنسان لا يهتم بها ويملكها.
س 753: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم قلع المحرم للنبات الذي ينبت في مكة أو التعرض له بإتلاف؟
فأجاب فضيلته بقوله: النبات والشجر لا علاقة للإحرام بهما؛ لأن تحريمهما لا يتعلق بالإحرام، وإنما يتعلق بالمكان بالحرم، فما كان داخل أميال الحرم فإنه لا يجوز قطعه ولا حشه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في مكة: "إنه لا يختلى خلاها" (1) فقطع شجرها وحشيشها حرام على المحرم وغيره، وأما ما كان خارج الحرم فإنه حلال للمحرم وغير المحرم، وعلى هذا فيجوز للحاج أن يقطع
الشجر في عرفة ولا حرج عليهم في ذلك، ولا يجوز أن يقطع الحشيش أو الشجر في مزدلفة وفي منى؛ لأن مزدلفة ومنى داخل الحرم، ويجوز للحجاج أن يضعوا البساط على الأرض ولو كان فيها أعشاب إذا لم يقصدوا بذلك إتلاف الحشيش الذي تحتها؛ لأن تلفه حينئذ حصل بغير قصد، فهو كما لو مشى الإنسان في طريقه وأصاب حمامة أو شيئاً من الصيد بغير قصد منه فإنه ليس عليه فيه شيء.
__________
(1) تقدم ص 230.
(22/237)

س 754: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمحرم أخذ بعض أوراق الشجر ليوقدها للتدفئة إذا كان الجو بارداً؟
فأجاب فضيلته بقوله: اعلم أن قطع الشجر ليس من محظورات الإحرام ولا تعلق له بالإحرام، وإنما قطع الشجر متعلق بالمكان، فما كان داخل حدود الحرم فأخذه حرام للمحرم ولغير المحرم، وما كان خارج حدود الحرم فأخذه حلال للمحرم وغيره. ولهذا فالأشجار في عرفة مثلاً لا بأس بأخذها للمحرم ولغير المحرم، والتي في منى ومزدلفة حرام على المحرم وغير المحرم، إلا الأشجار التي غرسها الإنسان فهذه حلال، ولو كانت داخل حدود الحرم.
وأما قولك: إنه يأخذ الأشجار للتدفئة فالأشجار الخضراء لا تدفئة فيها ليس فيها إلا الدخان، أما اليابس فخذه ولا حرج عليك.
س 755: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اشترى قطعة أرض داخل حدود الحرم وبنى عليها عمارة ولكن عند البدء في العمل قلع من الأرض شجرة فهل عليه شيء في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للإنسان أن يقطع شيئاً من شجر الحرم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرم ذلك (1) . ومن قطع شيئاً جاهلاً فإن أمكن رد الشجرة إلى مكانها ردها، وإن لم يمكن فليس عليه
__________
(1) تقدم ص 230.
(22/238)

شيء، والذي يظهر من حال السائل أنه كان يجهل كون هذا حراماً، بمعنى أنه يعرف أن قطع الشجرة محرم، لكن يظن أنها إذا كانت في مكان يريد البناء عليه فهو جائز، فعلى كل حال أرجو الله
سبحانه وتعالى أن لا يكون على هذا الرجل شيء، لاسيما وأن الظاهر أنه تاب إلى الله وندم مما صنع.
س 756: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يطلق على المسجد الأقصى اسم الحرم؟ وما تعليق فضيلتكم على كلمة (المسجد الأقصى ثالث الحرمين) وهل للمدينة حرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما المسجد الأقصى فإنه لا يطلق عليه حرم وليس بحرم.
وقولهم: ثالث الحرمين. توهم أنه منها وليس كذلك. وأما المدينة فلا شك أن لها حرماً، وحرم المدينة ما بين عير إلى ثور، ولكنه لا يساوي حرم مكة، بل حرم مكة أعظم حرمة منه، ولهذا يحرم صيده وفيه الجزاء، وأما صيد المدينة فيحرم وليس فيه الجزاء، وكذلك شجر مكة يحرم قطعه، وشجر المدينة يباح منه ما تدعو الحاجة إليه في الحرث ونحوه، وكذلك على المشهور من مذهب الإمام أحمد- رحمه الله- من أدخل صيداً إلى مكة من خارج الحرم وجب عليه إطلاقه، بخلاف من أدخل صيداً إلى المدينة فإنه لا يجب عليه إطلاقه، والصحيح أنه لا يجب إطلاقه في الموضعين، وأيضاً حرم مكة يشرع لمن دخله أن يحرم
(22/239)

إما وجوباً أو استحباباً بخلاف المدينة، وأيضاً حرم مكة لا يجوز دخول المشركين فيه بخلاف حرم المدينة.
س 757: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل إضافة كلمة (المكرَّمة) إلى مكة أو (المنورة) إلى المدينة من البدع وهل من الأفضل أن يقال مكة المحرمة والمدينة النبوية؟
فأجاب فضيلته بقول: لا أعلم أن مكة تعرف بمكة المكرمة في كلام السلف، وكذلك المدينة لا توصف بأنها المنورة في كلام السلف، وإنما يسمونها المدينة، لكن حدث أخيراً بأن يقال في
مكة المكرمة وفي المدينة المنورة ومكة سماها الله بلداً آمنا، وسماها بلداً محرماً، كما قال تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا) وكذلك مباركة.
وأما المدينة فهي لا شك أنها المدينة النبوية وأنها طيبة كما سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - بطيبة. لكن الناس اتخذوا هذا عادة بأن يقولوا: المدينة المنورة، ومكة المكرمة، وليتهم يقولون: مكة فقط، لأننا لسنا أشد تعظيماً لهذين البلدين ممن سلفنا.
س 758: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن وصف مكة بالمكرمة والمدينة بالمنورة هل له أصل من الشرع؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعرف أصلاً من الشرع لوصف مكة بالمكرمة، ووصف المدينة بالمنورة، وكلتاهما في الحقيقة مكرمتان معظمتان محرمتان، وكلتاهما منورتان بالوحي مكة
(22/240)

بابتدائه، والمدينة بانتهائه، وتلك مكان ولادة النبي - صلى الله عليه وسلم - وابتداء دعوته، وهذه مكان وفاته وكمال رسالته، والله لطيف خبير.
س 759: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل ورد حديث صحيح في فضل الاعتمار في شهر رمضان؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم ورد حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، في فضل الاعتمار في شهر رمضان أخرجه مسلم في صحيحه حيث قال النبي، عليه الصلاة والسلام: "عمرة في رمضان تعدل حجة" (1) وفي رواية " تعدل حجة معي ".
س 760: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما صحة هذا الحديث "عمرة في رمضان تعدل حجة معي "؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه بلفظين، أحدهما: "عمرة في رمضان تعدل حجة"، والثاني: "عمرة في رمضان تعدل حجة معي " وهو دليل على أن العمرة في رمضان لها مزية عن غيره من الشهور، فإذا ذهب الإنسان إلى مكة في رمضان وأحرم للعمرة وأداها فإنه يحصل له هذا الثواب الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء (رقم 1863) ، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل العمرة في رمضان (رقم 1256) (222) .
(22/241)

س 761: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل وردت أحاديث تدل على أن العمرة في رمضان تعدل حجة أو أن فضلها كسائر الشهور؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم ورد في صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " عمرة في رمضان تعدل حجة" فالعمرة في رمضان تعدل حجة كما جاء به الحديث، ولكن ليس معنى ذلك أنها تجزىء عن الحجة، بحيث لو اعتمر الإنسان في رمضان وهو لم يؤد فريضة الحج سقطت عنه الفريضة، لأنه لا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون مجزئاً عنه.
فهذه سورة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)) تعدل ثلث القرآن، ولكنها لا تجزىء عنه، فلو أن أحداً في صلاته كرر سورة الإخلاص ثلاث مرات لم يكفه ذلك عن قراءة الفاتحة، وهكذا قول الإنسان، "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات " يكون كمن أعتق أربع أنفس من ولد إسماعيل. ومع ذلك لو قالها الإنسان وعليه عتق رقبة لم تجزىء عنها، وبه تعرف أنه لا يلزم من معادلة الشيء للشيء، أن يكون مجزئاً عنه.
س 762: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نأمل شرح حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "عمرة في رمضان تعدل حجة" فأجاب فضيلته بقوله: معنى ذلك إن الإنسان إذا اعتمر في
(22/242)

شهر رمضان فإن هذه العمرة تعدل حجة في الأجر لا في الإجزاء، وقولي: لا في الإجزاء، يعني أنها لاتجزىء عن الحج فلا تسقط بها الفريضة، ولا يعتبر حاجاً متنفلاً، وإنما يعتبر هذه العمرة من
أجل وقوعها في هذا الشهر تعدل في الأجر حجة فقط لا في الإجزاء، ونظير ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأن من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل، وهذا بلا شك بالأجر وليس بالإجزاء، ولهذا لو كان عليه أربع رقاب وقال هذا الذكر لم يجزئه، ولا عن رقبة واحدة، فيجب أن تعرف الفرق بين الإجزاء، وبين المعادلة في الأجر، فالمعادلة لا يلزم منها إجزاء وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: "قل والله أحد تعدل ثلث القرآن " ولو أن الإنسان قرأها ثلاث مرات في ركعة ولم يقرأ الفاتحة ما أجزأته مع أنها عدلت القرآن كله حينما قرأها
ثلاث مرات.
س 763: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: العمرة في رمضان هل الفضل فيها محدد بأول رمضان أو وسطه أو آخره؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمرة في رمضان ليست محددة بأوله ولا بوسطه ولا بآخره بل هي عامة في أول الشهر ووسطه وآخره لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عمرة في رمضان تعدل حجة" ولم يقيدها
(22/243)

صلوات الله وسلامه عليه، فإذا سافر الإنسان في رمضان وأدى فيه عمرة كان كمن أدى حجة.
وهنا أنبه بعض الأخوة الذين يذهبون إلى مكة لأداء العمرة، فإن منهم من يتقدم قبل رمضان بيوم أو يومين فيأتي بالعمرة قبل دخول الشهر فلا ينال الأجر الذي يحصل فيمن أتى بالعمرة في رمضان، فلو أخر سفره حتى يكون يوم إحرامه بالعمرة في رمضان لكان أحسن وأولى.
كذلك يوجد بعض الناس يخرجون إلى التنعيم فيأتون بعمرة ثانية وهذا العمل لا أصل له في الشرع، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما ولم يخرج إلى التنعيم ليأتي بعمرة مع أنه - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة في رمضان ولم يخرج بعد انتهاء القتال إلى
التنعيم ليأتي بعمرة، بل أتى بالعمرة حين رجع من غزوة الطائف ونزل الجعرانة وقسم الغنائم هناك دخل ذات ليلة إلى مكة وأتى بعمرة من الجعرانة ثم خرج من ليلته- عليه الصلاة والسلام-.
وفي هذا دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يخرج من مكة من أجل أن يأتي بعمرة من التنعيم أو غيره من الحل؛ لأن هذا لو كان من الخير لكان أول الناس عملا به وأولاهم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأننا نعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحرص الناس على الخير؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مشرع ومبلغ عن الله سبحانه وتعالى ولو كان هذا من الأمور المشروعة لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته إما بقوله، وإما بفعله، وإما بإقراره، وكل
ذلك لم يكن والاتباع وإن قل خير من الابتداع.
(22/244)

س 764: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نشاهد كثيراً من الناس يقومون بتكرار العمرة في رمضان، هل في ذلك بأس؟ جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: نعم في ذلك بأس؛ وذلك لأنه مخالف لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهدي أصحابه- رضي الله عنهم أجمعين-؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة في العشرين من رمضان، وبقي في مكة آمناً مطمئناً ولم يخرج هو وأصحابه ولا أحد منهم إلى التنعيم من أجل أن يأتي بعمرة، مع أن الزمن هو رمضان وذلك في عام الفتح، ولم يعهد عن أحد من الصحابة أنه أتى بعمرة من الحل من التنعيم أبداً. إلا عائشة- رضي الله عنها- بسبب من الأسباب؛
وذلك أن عائشة- رضي الله عنها- قدمت من المدينة في حجة الوداع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانت محرمة بالعمرة، فحاضت قبل أن تصل إلى مكة، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تحرم بالحج لتكون قارنة ففعلت.
ومن المعلوم أن القارن لا يأتي بأفعال العمرة تامة، بل تندرج أفعال العمرة في أفعال الحج. فلما انتهى الناس من الحج، طلبت عائشة- رضي الله عنها- من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تعتمر، فأمرها أن تخرج مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى الحل: التنعيم وتحرم بعمرة ففعلت.
ولما كان هذا السبب ليس موجوداً في أخيها عبد الرحمن لم يحرم بعمرة بل جاء حلاً ولم يحرم. وهذا أكثر ما يعتمد عليه الذين يقولون بجواز العمرة من التنعيم لمن كان في مكة وليس فيه
(22/245)

دليل على ذلك، لأنه خاص بحال معينة أذن بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها-.
أما تكرار العمرة فإن شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- نقل أنه مكروه باتفاق السلف، ولقد صدق رحمه الله في كونه مكروهاً؛ لأن عملاً لم يعمله الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه- رضي الله عنهم- وهو من العبادة؛ كيف يكون مطلوباً ولم يفعله عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ولو كان مشروعاً لبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه مشروع، إما بقوله، أو بفعله، وإما بإقراره، وكل هذا لم يكن.
فلو أن هؤلاء بقوا بمكة وطافوا حول البيت لكان ذلك خيراً لهم من أن يخرجوا ويأتوا بعمرة. ولا فرق بأن يأتوا بالعمرة لأنفسهم أو لغيرهم كآبائهم وأمهاتهم.
فإن أصل الاعتمار للأب والأم نقول فيه: إن الأفضل هو الدعاء لهما إن كانا ميتين، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) .
فأرشد - صلى الله عليه وسلم - إلى الدعاء عن الأب والأم، ولم يرشد إلى أن نعمل لهما عمرة أو حجاً أو طاعة أخرى.
وخلاصة القول: إن تكرار العمرة في رمضان أو غير رمضان ليس من عمل السلف، وإنما هو من أعمال الناس الذين
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (رقم 1631) .
(22/246)

لم يطلعوا على ما تقتضيه السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه.
س 765: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كم الوقت الذي يجب أن يفصل بين العمرة والعمرة الأخرى؟
فأجاب فضيلته بقوله: يرى بعض العلماء أن العمرة لا تتكرر في السنة وإنما تكون عمرة في كل سنة، ويرى آخرون أنه لا بأس من تكرارها، لكن قدروا ذلك بنبات الشعر لو حلق، وقد
روي ذلك عن الإمام أحمد- رحمه الله- أنه إذا حمم رأسه أي إذا نبت واسود فحينها يعتمر؛ لأن الواجب في العمرة الحلق أو التقصير ولا يكون ذلك بدون شعر، وقد ذكر شيخ الإسلام - رحمه الله- في إحدى فتاويه أنه يكره الإكثار من العمرة والموالاة بينها باتفاق السلف فإذا كان بين العمرة والعمرة شهرٌ أو نحوه فهذا لا بأس به ولا يخرج عن المشروعية إن شاء الله، وأما ما يفعله بعض الناس في رمضان من كونه يكرر العمرة كل يوم فبدعة ومنكر ليس لها أصل من عمل السلف، ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فتح مكة وبقي فيها تسعة عشر يوما ولم يخرج يوماً من الأيام إلى الحل ليأتي بعمرة، وكذلك في عمرة القضاء أقام ثلاثة أيام في مكة ولم يأت بعمرة كل يوم، ولم يعرف عن السلف الصالح- رضي الله عنهم- أنهم كانوا يفعلون ذلك، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنكر من ذلك أن بعضهم إذا اعتمر العمرة الأولى حلق جزءاً من رأسه لها ثم تحلل، فإذا أعتمر الثانية حلق جزءاً آخر ثم تحلل، ثم يوزع
(22/247)

رأسه على قدر العمر التي كان يأخذها، وقد شاهدت رجلاً يسعى بين الصفا والمروة وقد حلق شطر رأسه بالنصف وباقي الشطر الآخر وعليه شعرٌ كثيف، فسألته لماذا؟ فقال: إني حلقت هذا الجانب لعمرة أمس، والباقي لعمرة اليوم، وهذا يدل لا شك على الجهل لأن حلق بعض الرأس وترك بعضه من القزع المنهي عنه، ثم ليس هو نسكاً أعني حلق بعض الرأس وترك بعضه ليس نسكاً يتعبد به لله بل هو مكروه، لكن الجهل قد طبق على كثير من الناس - نسأل الله العافية- وله سببان:
السبب الأول: قلة تنبيه أهل العلم للعامة في مثل هذه الأمور، وأهل العلم مسئولون عن هذا ومن المعلوم أن العامي لا يقبل قبولاً تاماً من غير علماء بلده فالواجب على علماء بلاد المسلمين أن يبينوا للعامة في أيام المناسبات في قدومهم لمكة ماذا يجب عليهم وماذا يشرع لهم وماذا ينهون عنه، حتى يعبدوا الله على بصيرة.
السبب الثاني: قلة الوعي في العامة وعدم اهتمامهم بالعلم، فلا يسألوا العلماء، ولا يتساءلون فيما بينهم، وإنما يأتي الواحد منهم يفعل كما يفعله العامة الجهال، وكأنه يقول: رأيت الناس يفعلون شيئاً ففعلت، وهذا خطأ عظيم فالواجب على الإنسان إذا أراد أن يحج أو يعتمر أن يتفقه في أحكام الحج
والعمرة على يد عالم يثق به حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، وإنك لتعجب أيما عجب أن الإنسان إذا أراد أن يسافر إلى مكة مثلاً فإنه لن يسافر إليها حتى يبحث عن الطريق، أين الطريق
(22/248)

الموصل إلى مكة؟ أين الطريق الأمثل من الطرق؟ حتى يسلكه، لكن إذا أراد أن يأتي إلى مكة لحج وعمرة لا يسأل كيف يحج وكيف يعتمر مع أن سؤاله كيف يحج وكيف يعتمر، أهم لأنه سؤال عن دين وعن عبادة، فالذين يريدون الحج نقول لهم: ابحثوا عن أحكام الحج قبل أن تحجوا، كونوا صحبة مع طالب علم يبين لكم ويرشدكم، واستصحبوا كتباً تبحث في الحج والعمرة من العلماء الذين تثقون بعلمهم وأمانتهم وديانتهم، أما أن تذهبوا إلى مكة والواحد منكم فارغ من أحكام الحج فهذا تهاون وتساهل، نسأل الله أن يرزقنا علما نافعاً وعملاً صالحاً.
س 766: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يشرع للحاج أن يعتمر أكثر من عمرة في أيام الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يشرع للحاج أن يعتمر إلا عمرة المتمتع إذا كان متمتعاً، أو عمرة القارن التي تندمج في الحج إذا كان قارناً، أما إذا كان مفرداً فلا يشرع له بعد انتهاء الحج أن يأتي بعمرة؛ لأن ذلك لم يكن معروفاً في عهد الصحابة- رضي الله عنهم- وغاية ما هنالك أن عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- حاضت قبل أن تصل إلى مكة وهي قادمة من المدينة فدخل عليها
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي تبكي ثم أخبرته بما حصل لها فأمرها أن تحرم بالحج فأحرمت بالحج وبقيت على إحرامها حتى انتهى الحج، فأصبحت بذلك قارنة، فقال لها النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إن طوافك بالبيت وبالصفا
(22/249)

والمروة يسعك لحجك وعمرتك " ولما انقضى الحج طلبت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تأتي بعمرة مستقلة كما أتى الناس المتمتعون بعمرة مستقلة فأذن لها وأخرجها مع أخاها عبد
الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فأحرمت عائشة ولم يحرم عبد الرحمن لأن ذلك لم يكن معروفاً عنده، فأي امرأة حصل لها مثل ما حصل لعائشة فلا حرج أن تأتي بعمرة بعد الحج، وأما ما عدا هذه الصورة فإن ذلك ليس من السنة ولا ينبغي للإنسان أن يفعل شيئاً لم يفعله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا الصحابة رضي الله عنهم.
س 767: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن الوقت بين أداء العمرة والأخرى؟ وهل يجوز بعد أداء العمرة الأولى أن آتي بعمرة ثانية لأحد أقاربي؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا نرى أن هذا من السنة بل هو من البدعة أن الإنسان إذا أنهى العمرة التي أتى بها حين قدومه أن يذهب إلى التنعيم فيأتي بعمرة أخرى فإن هذا ليس من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، فقد مكث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما لم يخرج أحد منهم إلى التنعيم ليأتي بعمرة، وكذلك في عمرة القضاء أتى بالعمرة التي أتى بها حين قدم ولم يعد العمرة مرة ثانية من التنعيم، وعلى هذا فلا يسن للإنسان إذا أنهى عمرته التي قدم بها أن يخرج إلى التنعيم ليأتي بعمرة لا لنفسه ولا لغيره
(22/250)

وإذا كان يحب أن ينفع غيره فليدع له؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) ولم يقل: ولد صالح يأتي له بعمرة، أو يصوم، أو يصلي، أو يقرأ، فدل ذلك على أن الدعاء أفضل من الأعمال الصالحة التي يهديها الإنسان إلى الميت، فإن كان لابد أن يفعل ويهدي إلى قريبه شيئاً من الأعمال الصالحة فليطف بالبيت وطوافه بالبيت لهذا القريب أفضل من خروجه إلى التنعيم ليأتي له بعمرة؛ لأن الطواف بالبيت مشروع كل وقت، وأما الإتيان بالعمرة فإنما هو للقادم إلى مكة، وليس للذي في مكة يخرج ثم يأتي بالعمرة إلى التنعيم.
فإن قال قائل: ما الجواب عن قصة عائشة- رضي الله عنها- حيث أذن لها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تذهب وتأتي بعمرة بعد انقضاء الحج؟
قلنا: الجواب عن ذلك أن عائشة- رضي الله عنها- حين قدا مكة كانت قد أحرمت للعمرة ولكنه أتاها الحيض في أثناء الطريق ولم تتمكن من إنهاء عمرتها، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تحرم بالحج لتكون قارنة ففعلت فلما أنهت الحج طلبت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تأتي بعمرة مستقلة كما أتي بها زوجاته - صلى الله عليه وسلم - قبل الحج فأذن لها مع ذلك كان معها أخوها عبد الرحمن بن أبي بكر- رضي الله عنهما- ولم يأت هو بعمرة مع أن الأمر متيسر، ولم يرشده النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك فإذا وجد حال كحال عائشة
__________
(1) تقدم ص 246.
(22/251)

رضي الله عنها قلنا لا حرج أن تخرج المرأة من مكة إلى التنعيم لتأتي بعمرة، وفيما عدا ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يخرج من مكة ليأتي بعمرة من التنعيم لا هو ولا
أصحابه فيما نعلم.
س 768: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تكرار العمرة في رمضان؟
فأجاب فضيلته بقوله: تكرار العمرة في سفر واحد ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام ولا من هدي أصحابه- رضي الله عنهم- فيما نعلم، فها هو النبي عليه الصلاة والسلام فتح مكة في
رمضان في العشرين من رمضان أو قريباً من ذلك وبقي عليه الصلاة والسلام تسعة عشر يوما في مكة ولم يحفظ عنه أنه خرج إلى التنعيم ليأتي بالعمرة مع تيسر ذلك عليه وسهولته، وكذلك أيضاً في عمرة القضاء التي صالح عليها المشركين قبل فتح مكة دخل مكة وبقي فيها ثلاثة أيام ولم يأت بغير العمرة الأولى مع أننا نعلم علم اليقين أنه ليس أحد من الناس أشد حباً لطاعة الله من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونعلم علم اليقين أنه لو كان من شريعة الله أن يكرر الإنسان العمرة في سفرة واحدة في هذه المدة الوجيزة لو كان ذلك من شريعته لبينه لأمته إما بقوله، أو فعله، أو إقراره نعلم هذا، فلما لم يكن ذلك لا من قوله، ولا من فعله، ولا من إقراره علم أنه ليس من شريعته، وأنه ليس من السنة أن يكرر الإنسان العمرة في سفرة واحدة، بل تكفي العمرة
(22/252)

الأولى التي قدم بها من بلاده، ويدل إلى هذا أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أرسل عبد الرحمن بن أبي بكر مع عائشة- رضي الله عنها- إلى التنعيم أحرمت عائشة بالعمرة
ولم يحرم عبد الرحمن ولو كان معروفاً عندهم أن الإنسان يكرر العمرة لكان يحرم لئلا يحرم نفسه الأجر مع سهولة الأمر عليه ومع ذلك لم يحرم، والعجب أن الذين يفعلون ذلك أي يكررون العمرة
في سفر واحد يحتجون بحديث عائشة- رضي الله عنها- والحقيقة أن حديث عائشة حجة عليهم وليس لهم، لأن عائشة- رضي الله عنها- إنما فعلت ذلك حيث فاتتها العمرة فهي- رضي الله عنها- أحرمت من الحديبية أول ما قدم النبي عليه الصلاة والسلام مكة بعمرة، وفي أثناء الطريق حاضت بسرف فدخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي وأخبرته أنه أصابها ما يصيب النساء من الحيض، فأمرها صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تدخل الحج على العمرة، فأحرمت بالحج ولم تطف ولم تسع حين قدومهم على مكة وإنما طافت وسعت بعد ذلك، فصار نساء الرسول عليه الصلاة والسلام أخذن عمرة مستقلة وحجاً مستقلاً، فلما فرغت من الحج طلبت من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تأتي بعمرة، وقالت: (يذهب الناس بعمرة وحج وأذهب بحج) فأذن لها النبي عليه الصلاة والسلام أن تأتي بعمرة فذهبت وأحرمت بعمرة ومعها أخوها عبد الرحمن ولم يحرم معها ولو كان هذا من السنة المطلقة لعامة الناس لأرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن أن يحرم مع أخته، أو لأحرم عبد الرحمن مع أخته حتى يكون في ذلك إقرار الرسول صلى الله
(22/253)

عليه وعلى آله وسلم على هذه العمرة التي فعلها عبد الرحمن، وكل ذلك لم يكن، ونحن نقول: إذا حصل لامرأة مثل ما حصل لعائشة- رضي الله عنها- يعني أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج ولكن جاءها الحيض قبل أن تصل إلى مكة وأدخلت الحج على العمرة ولم يكن لها عمرة مستقلة ولم تطب نفسها أن ترجع إلى أهلها إلا بعمرة مستقلة فإن لها أن تفعل ذلك كما فعلت عائشة - رضي الله عنها- فتكون القضية قضية معينة وليست عامة لكل أحد، وحينئذ نقول لهذا السائل: لا تكرر العمرة في سفر واحد وائت بالعمرة الأولى التي قدمت بها إلى مكة وكفى، وخير الهدي هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا هو الحق في هذه المسألة.
وبهذه المناسبة أرى كثيراً من الناس يحرصون على العمرة في ليلة سبع وعشرين من رمضان ويقدمون من بلادهم لهذا، وهذا أيضاً من البدع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يحض
يوما من الأيام على فعل العمرة في ليلة سبع وعشرين في رمضان، ولا كان الصحابة- رضي الله عنهم- يترصدون ذلك فيما نعلم، وليلة القدر إنما تخص بالقيام الذي حث عليه النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم حيث قال: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له اتقدم من ذنبه " (1) والقيام في ليلة السابع والعشرين من رمضان أفضل من العمرة خلافاً لمن يخرج من مكة إلى العمرة في هذه
الليلة، أو يقدم فيها من بلده قاصداً هذه الليلة، أما لو كان ذلك
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيماناً واحتساباً (رقم 1951) ، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان (رقم 760) .
(22/254)

على وجه المصادفة بأن يكون الإنسان سافر من بلده في وقت صادف أن وصل إلى مكة ليلة سبع وعشرين فهذا لا نقول له شيئاً، لا نقول له: لا تؤدِ العمرة، وفرق بين أن نقول يستحب أن يأتي
بالعمرة ليلة سبع وعشرين، وبين أن نقول لا تأتي بالعمرة في ليلة سبع وعشرين، نحن لا نقول: لا تأت بالعمرة ليلة سبع وعشرين لكن لا تتقصد أن تكون ليلة سبع وعشرين لأنك إذا قصدت أن
تكون ليلة سبع وعشرين فقد شرعت في هذه الليلة ما لم يشرعه الله ورسوله، والمشروع في ليلة سبع وعشرين إنما هو القيام كما أسلفنا، لذلك أرجو من إخواني طلبة العلم أن ينبهوا العامة على
هذه المسألة حتى نكون داعين إلى الله على بصيرة، داعين إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، وحتى يتبصر العامة؛ لأن العامة يحمل بعضهم بعضاً ويقتدى بعضهم ببعض، فإذا وفق طلبة العلم في البلاد وكل إنسان في بلده إلى أن ينبهوا الناس على مثل هذه المسائل التي اتخذها العامة سنة وليس بسنة حصل بهذا خير كثير، والعلماء هم قادة الأمة وهم سرج الأمة كما كان نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم سراجاً منيراً فإنه يجب أن يرثوه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الوصف الجليل، وأن يكونوا سرجاً منيرة لمن حولهم، ونسأل الله تعالى أن يبصرنا جميعاً في ديننا.
س 769: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تكرار العمرة في رمضان؟ وهل هناك مدة معينة بين العمرتين؟
فأجاب فضيلته بقوله: تكرار العمرة في شهر رمضان من
(22/255)

البدع، لأن تكرارها في شهر واحد خلاف ما كان عليه السف، حتى إن شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- ذكر في الفتاوى أنه يكره تكرار العمرة والإكثار منها باتفاق السلف. ولا سيما من
يكررها في رمضان هذا لو كان من الأمور المحبوبة لكان السلف أحرص منا على ذلك ولكرروا العمرة؛ وهذا النبي عليه الصلاة والسلام أتقى الناس لله عز وجل وأشد الناس حبّا للخير بقي في
مكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة، ولم يأت بعمرة، وهذه عائشة- رضي الله عنها- حين ألحت على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تعتمر أمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بها من الحرم إلى الحل لتأتي بعمرة ولم يرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن أن يأتي بعمرة ولو كان هذا مشروعاً لأرشده النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان هذا معلوم المشروعية
عند الصحابة لفعله عبد الرحمن بن أبي بكر لأنه خرج إلى الحل.
أما المدة المعينة لما بين العمرتين فقد قال الإمام أحمد - رحمه الله- (ينتظر حتى يحمم رأسه) بمعنى يسود كالحممة، والحممة هي العيدان المحترقة.
س 770: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الخروج من الحرم إلى الحل للإتيان بعمرة في رمضان وغيره؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-، أنه يكره تكرار العمرة، والإكثار منها باتفاق السلف.
وسواء سلم هذا القول أو لم يسلم، فإن خروج المعتمر الذي أتى بالعمرة من بلده، خروجه من الحرم إلى الحل ليأتي بعمرة ثانية
(22/256)

وثالثة في رمضان أو غيره، هو من الأمور المبتدعة التي لم تكن معروفة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرد من هذا النوع سوى قضية واحدة في مسألة خاصة وهي قضية أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- حينما أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج، فحاضت فدخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي وسألها عن سبب البكاء، فأخبرته، فطمأنها بأن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، ثم أمرها أن تحرم بالحج فأحرمت به وصارت قارنة، ولكنها لما فرغت منه ألحت- رضي
الله عنها- على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تأتي بعمرة منفردة عن الحج، فأذن لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر- رضي الله عنهما- أن يخرج بها إلى التنعيم فخرج بها واعتمرت، ولو كان هذا من الأمور المشروعة على سبيل الإطلاق لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرشد إليه أصحابه بل لكان يحث عبد الرحمن بن أبي بكر الذي خرج مع أخته أن يأتي بعمرة، لأن فيها أجراً، ومن المعلوم للجميع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوما ولم يأت بعمرة مع تيسر ذلك عليه الصلاة والسلام، فدل هذا على أن المعتمر إذا أتى بعمرة في رمضان أو في غيره فإنه لا يكررها بالخروج من الحرم إلى الحل، لأن هذا ليس من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا من هدي خلفائه الراشدين ولا من هدي
أصحابه أجمعين.. أيضاً كثير من الناس يقول: أنا أتيت للعمرة في هذا الشهر وأحب أن أعتمر لأمي، أو لوالدي، أو ما أشبه ذلك.
فنقول: أصل إهداء القرب إلى الأموات ليس من الأمور المشروعة، يعني لا يطلب من المرء أن يعمل طاعة لأمه، أو
(22/257)

لأبيه، أو لأخته، ولكن لو فعل ذلك فإنه جائز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لسعد بن عبادة- رضي الله عنه- أن يتصدق في نخله لأمه (1) .
واستأذنه رجل فقال: يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت. أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم " (2) ، ومع ذلك لم يقل لأصحابه على سبيل العموم: تصدقوا عن موتاكم، أو عن آبائكم، أو أمهاتكم، ويجب أن يعرف طالب العلم وغيره الفرق بين الأمر المشروع وبين الأمر الجائز، فالأمر المشروع هو الذي يطلب من كل مسلم أن يفعله، والأمر الجائز هو الذي تبيحه
الشريعة، ولكنها لا تطلبه من كل إنسان، وأضرب مثلاً يتبين به الأمر: في قصة الرجل الذي بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - في سرية، فكان يقرأ لأصحابه، ويختم بقل هو الله أحد، كلما صلى بهم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه، فقال سلوه لأي شيء كان يصنع ذلك، فقال الرجل: إنها صفة الرحمن وأنا أحب أن أقرأها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "اخبروه أن الله يحبه " ومع ذلك فلم يكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يختم قراءة الصلاة بقل هو الله أحد ولا أرشد أمته لذلك.
ففرق بين الأمر المأذون فيه، وبين الأمر المشروع الذي يطلب من كل إنسان أن يفعله، فإذا أذن النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن عبادة- رضي الله عنه- أن يتصدق ببستانه عن أمه، وأذن
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب إذا قال: أرضي أو بستاني صدقة لله (رقم 2756) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب موت الفجأة البعتة (رقم 1388) ، ومسلم كتاب
الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت (رقم 1004) .
(22/258)

لهذا السائل الذي افتلتت نفس أمه أن يتصدق عنها، فليس معنى ذلك أنه يشرع لكل إنسان أن يتصدق عن أبيه وأمه، ولكن لو تصدق لنفعه، إنما الذي نحن مأمورون به أن ندعو لآبائنا وأمهاتنا
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) .
س 771: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل ورد حديث صحيح في فضل صيام رمضان في مكة؟ وهل وردت أحاديث صحيحة في فضل الإكثار من الطواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الأول فليس فيه حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل الصيام في مكة، ولكن ورد فيه حديث ضعيف في تفضيل الصيام في مكة كالصلاة. أما كثرة الطواف فيؤخذ من كون الطواف من الأعمال الصالحة، والأعمال الصالحة كلَّما أكثر الإنسان منها فهي خير، قال الله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (2) . ولكن إذا كان في وقت المواسم: موسم الحج، أو موسم العمرة فإنه لا ينبغي للإنسان أن يكثر من الطواف، اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه حين حج لم يطف إلا طواف النسك، طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، وذلك من أجل إفساح المجال للطائفين.
__________
(1) تقدم ص 246.
(2) سورة البقرة، الآية: 197.
(22/259)

س 772: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل إنفاق نفقة عمرة التطوع في الجهاد ونشر العلم وقضاء حوائج الضعفاء أفضل من الاعتمار أو الاعتمار أفضل؟ وهل يشمل ذلك عمرة رمضان؟ وجزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: يمكن الجمع بينهما فيما يظهر إذا اقتصد في نفقات العمرة ولا سيما العمرة في رمضان، فإن لم يمكن الجمع فما كان نفعه متعدياً فهو أفضل، وعلى هذا يكون الجهاد ونشر العلم وقضاء حوائج المحتاجين أولى.
س 773: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من اعتمر في رمضان وأقام في مكة بعض أيام رمضان فهل الأفضل في حقه تكرار العمرة أم البقاء وتكرار الطواف، وكذلك في أيام الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل ألا يكرر العمرة، بل إن تكرارها ليس معروفاً في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عهد أصحابه، والعمرة إنما تكون عن سفر، ولا يكرر الطواف أيضاً لئلا يضيّق على الناس الذين يريدون أن يطوفوا بالبيت طواف نسك، بل يشتغل بالصلاة وقراءة القرآن والذكر وغير ذلك مما يقرُّب إلى الله عز وجل.
س 774: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز تخصيص ليلة سبع وعشرين من رمضان بعمرة أفتونا مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عمرة في رمضان
(22/260)

تعدل حجة" (1) وهذا يشمل أول رمضان وآخر رمضان، أما تخصيص ليلة سبع وعشرين من رمضان بعمرة فهذا من البدع لأن من شرط المتابعة أن تكون العبادة موافقة للشريعة في أمور ستة:- 1- السبب. 2- الجنس. 3- القدر. 4- الكيفية. 5- الزمان. 6- المكان.
وهؤلاء الذين يجعلون ليلة سبع وعشرين وقتاً للعمرة خالفوا المتابعة بالسبب؛ لأن هؤلاء يجعلون ليلة سبع وعشرين سبباً لمشروعية العمرة، وهذا خطأ فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحث أمته على
الاعتمار في هذه الليلة والصحابة- رضي الله عنهم- وهم أحرص على الخير منا لم يحثوا على الاعتمار في هذه الليلة، ولم يحرصوا على أن تكون عمرتهم في هذه الليلة، والمشروع في ليلة القدر هو القيام لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (2) .
فإن قال قائل: إذا كان الرجل قادماً من بلده في هذه الليلة وهو لم يقصد تخصيص هذه الليلة بالعمرة وإنما صادف أنه قدم من البلد في هذه الليلة واعتمر هل يدخل فيما قلنا أم لا؟
فالجواب: أنه لا يدخل؛ لأن هذا الرجل لم يقصد تخصيص هذه الليلة بعمرة.
__________
(1) تقدم ص 241.
(2) تقدم ص 254.
(22/261)

س 775: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أريد أن أذهب إلى مكة لأداء عمرة لي هل يجوز لي بعد أن أتحلل من العمرة أن أحرم بعمرة أخرى لوالدي المتوفى أهبها له؟ ثم هل يجوز أن أتحلل من عمرة والدي وأحرم بعمرة أخرى لوالدتي؟ أفتونا مأجورين يعنى ثلاث عمرات في وقت واحد عمرة لي، وعمرة لوالدي، وعمرة لوالدتي؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من البدع أن يأتي الإنسان بأكثر من عمرة في سفر واحد؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عن أصحابه - رضي الله عنهم- أنهم كانوا يترددون إلى التنعيم ليحرموا مرة ثانية وثالثة ورابعة، وهاهو النبي - صلى الله عليه وسلم - حين دخل مكة في عمرة القضاء مكث ثلاثة أيام ولم يعد العمرة مرة أخرى، وفي فتح مكة بقي تسعة عشر يوما ولم يأت بعمرة، وأما حديث عائشة- رضي الله عنها- فقضية خاصة، لأن عائشة- رضي الله عنها- أحرمت مع نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع أحرمت بعمرة وفي أثناء الطريق حاضت فدخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي تبكي فقال لها: "ما يبكيك؟ " فأخبرته أنها حاضت فقال لها: "إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم " قال ذلك يسليها، وأن هذا ليس خاصاً بها فكل النساء تحيض، ثم أمرها أن تحرم بالحج ففعلت ولم تأت بأفعال العمرة لأنها لم تطهر إلا في يوم عرفة وانتهى الحج فقالت: يا رسول الله يرجع الناس بعمرة وحج وأرجع بحج قال لها: "طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك " فصار طوافها وسعيها
(22/262)

أدى عن نسكين ولكن رآها مصرة على أن تأتي بعمرة فأذن لها - صلى الله عليه وسلم - أن تأتي بعمرة وأمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج بها إلى التنعيم وتأتي بعمرة، ولم يأمر أخاها أن يعتمر، ولا اعتمر أخوها أيضاً؛ لأن ذلك ليس بمشروع فدخل أخوها محلا، ودخلت هي محرمة بعمرة فطافت وسعت وقصرت ومشت إلى المدينة، فهذا قضية معينة في أوصاف معينة فكيف يفتح الباب؟! ويقال: من شاء تردد إلى التنعيم وأتى بعمرة فنقول: لا عمرتان في سفر واحد.
س 776: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تكرار العمرة عدة مرات إذا حج الإنسان إلى مكة المكرمة؟
فأجاب فضيلته بقوله: تكرار العمرة عدة مرات إذا حج الإنسان إلى مكة من الأمور غير المشروعة، قال شيخ الإسلام - رحمه الله- إن ذلك غير مشروع باتفاق المسلمين، وعلى هذا فلا ينبغي للإنسان أن يكرر العمرة أثناء وجوده في مكة أيام الحج، بل إن السنة ألا يكرر حتى الطواف بالبيت، وإنما يطوف طواف النسك فقط، وهو طواف أول ما يقدم، وطواف الإفاضة، وطواف
الوداع كما فعل ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا ريب أن خير ما يتمسك به
المرء في عبادته ووصوله إلى رضوان الله سبحانه وتعالى ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -.
(22/263)

س 777: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل العمرة يوم الوقفة في عرفات مكروهة؟
فأجاب فضيلته بقول: إذا كان الإنسان لم يحج وأتى بعمرة يوم عرفة أو يوم العيد فإن هذا لا بأس به، فإن العمرة جائزة في كل وقت ليس لها وقت محدد كالحج، ففى أي وقت جاء بها الإنسان
فيها عمرة صحيحة ونسأل الله لنا وله القبول.
س 778: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيهما أفضل اعتكاف الإنسان في بلده أما العمرة في رمضان؟
فأجاب فضيلته بقول: يمكن للإنسان أن يأتي بهما جميعاً بمعنى أنه يذهب إلى مكة يوم وليلة قبل دخول العشر الأواخر؛ لأن الاعتكاف إنما يكون في العشر الأواخر فقط، ويرجع ويعتكف في بلده.
س 779: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تكرار العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما" استحباب الإكثار من العمرة لأن كفارة الذنوب مطلوبة كل وقت، لكن ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- أن الموالاة بينها عن قرب مثل أن يعتمر كل يوم، أو كل يومين، أو في الشهر خمس عمر، أو ست عمر، أو يعتمر من يرى العمرة من
(22/264)

مكة كل يوم عمرة أو عمرتين، ذكر أن هذا مكروه باتفاق سلف الأمة ولم يفعله أحد منهم، وذكر عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنه كان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر. وقال عكرمة: يعتمر إذا
أمكن الموسى من رأسه. وهو قريب من فعل أنس، لأن تحميم الرأس اسوداده. وقال الإمام أحمد- رحمه الله- إذا اعتمر فلابد من أن يحلق أو يقصر وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس.
وذكر شيخ الإسلام- رحمه الله- أن المراد بالعمرة التي ورد الحديث بها هي عمرة القادم إلى مكة لا الخارج منها إلى الحل، ونقل عن أبي طالب أنه قيل لأحمد: ما تقول في عمرة المحرم، والمراد بها العمرة التي يخرج فيها المقيم بمكة إلى الحل- قال أحمد: أي شيء فيها العمرة عندي التي تعمد لها من منزلك، قال الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) وذكر حديث علي وعمر: إنما إتمامهما أن تحرم بها من دويرة أهلك.
قلت: وذكر ابن كثير قول ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس، ثم ذكر شيخ الإسلام حديث العمرة في رمضان وألفاظه، وقال: إنها تبين أنه - صلى الله عليه وسلم - اراد بذلك العمرة التي كان
المخاطبون يعرفونها، وهي قدوم الرجل إلى مكة معتمراً، فأما أن يخرج المكي فيعتمر من الحل فهذا أمر لم يكونوا يعرفون، ولا يفعلون، ولا يأمرون به، قال: ونظير هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - "تابعوا بين الحج والعمرة" الحديث رواه النسائي والترمذي وقال: حسن صحيح، فإنه لم يرد به العمرة من مكة، ولو أراده لكان الصحابة يقبلون أمره ولا يظن بهم أنهم تركوا سنته وما رغبهم فيه وقال
(22/265)

صاحب المغني: فأما الإكثار من الاعتمار بالموالاة بينهما فلا يستحب في ظاهر قول السلف الذي حكيناه. قال: وقال بعض أصحابنا: يستحب الإكثار من الاعتمار.
وأقوال السلف وأحوالهم تدل على ما قلناه؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم ينقل عنهم الموالاة بينها، وإنما نقل عنهم إنكار ذلك والحق في اتباعهم.
س 780: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعنا بأن للمرأة حجة واحدة وعمرة واحدة فهل هذا صحيح وإذا رغبت في تكرار العمرة فهل لها ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم المرأة كالرجل في الحج والعمرة، ولهذا سألت أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هل على النساء جهاد قال: "نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" (1) لكن لا ينبغي للمرأة أن ترهق زوجها، أو وليها بتكرار العمرة أو الحج؛ لأن هناك أبواباً كثيرة للخير قد تكون أكثر من العمرة أو الحج فإطعام الجائع، وكسوة العاري،
وإزالة المؤذي عن المسلمين قد تكون أفضل من الحج والعمرة وأعني بذلك الحج والعمرة إذا كان تطوعاً، أما الفريضة فلا بد منها.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/71، 165) ، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج جهاد النساء (رقم 2901) ، وابن خزيمة (رقم 3074) ، والبيهقي في سننه الكبرى (4/350) وصححه الألباني.
(22/266)

س 781: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي المدة المحددة بعد أخذ العمرة لأخذ عمرة أخرى؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر الإمام أحمد- رحمه الله- حداً مقارباً قال: إذا حمم رأسه. يعنى إذا أسود رأسه بعد حلقه فإنه يأخذ العمرة؛ لأن العمرة لا بد فيها من تقصير أو حلق، ولا يتم ذلك إلا بعد نبات الشعر، وأما ما يفعله بعض الناس الآن في رمضان أو في أيام الحج من تكرار العمرة كل يوم فهذا بدعة، وهم إلى الوزر أقرب منهم إلى الأجر، فلذلك يجب على طلبة العلم أن يبينوا لهؤلاء أن ذلك أمر محدث، وأنه بدعي وليسوا أحرص من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا من الصحابة- رضي الله عنهم- ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقي في مكة تسعة عشر يوما في غزوة الفتح ولم يحدث نفسه ويخرج ويعتمر وكذلك في عمرة القضاء أدى العمرة وبقي ثلاثة أيام ولم يعتمر وكذلك الصحابة- رضي الله عنهم- لو يكونوا يكررون العمرة.
س 782: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم أنه لا يعتمر الإنسان في سفره أكثر من عمرة فهل يجوز لمن اعتمر ثم خرج لبلده لحاجة أن يعود بعمرة أخرى: كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رجوعه من الطائف وهو لم ينشىء سفراً من بلده؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا اعتمر الإنسان ثم خرج من مكة لحاجة ثم عاد إلى مكة فلا بأس أن يأتي بعمرة، لكن كلامنا في هؤلاء القوم الذين يأتون بعمرة في مكة ويبقون في مكة ثم يخرج
(22/267)

إلى التنعيم ويأتي بعمرة هذا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام ولم يفعله الصحابة- رضي الله عنهم- غاية ما هنالك ما حصل لعائشة - رضي الله عنها-. في حجة الوداع وقد سبق ذكر ذلك. والله الموفق.
س 783: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يأتي من مكان بعيد للعمرة ثم يعتمر ويحل ثم يحرمون يذهب إلى التنعيم ثم يؤدي العمرة يعني في سفرة عدة عمرات فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من البدع في دين الله؛ لأنه ليس أحرص من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا من الصحابة- رضي الله عنهم- والرسول - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة فاتحاً في آخر رمضان وبقي تسعة عشر يوما في مكة ولم يخرج إلى التنعيم ليحرم بعمرة وكذلك الصحابة
- رضي الله عنهم- فتكرار العمرة في سفر واحد من البدع، ويقال للإنسان: إذا كنت تحب أن تثاب فطف بالبيت خير لك من أن تخرج إلى التنعيم، ثم نقول: أيضاً طف بالبيت إذا لم يكن موسم
حج، فإن كان موسم حج فيكفيك طواف النسك ودع المطاف للمحتاجين إليه، ولهذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عمره كلها لا يكرر الطواف، ولا يخرج إلى التنعيم ليأتي بعمرة، ونجده في حجة الوداع لم يطف إلا طواف النسك فقط: طواف القدوم: وطواف الإفاضة وطواف الوداع، ومن المعلوم أننا لسنا أشد حرصاً على طاعة الله من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فنقول: لهذا خفف على نفسك تكفيك العمرة الأولى، وإذا أردت أن تخرج من مكة فطف طواف الوداع والحمد لله.
(22/268)

س 784: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم أن الصحابة- رضي الله عنهم- لم يعتمروا في رمضان إلا مرة واحدة فما الطريقة الصحيحة لمن أراد أن يأخذ عمرة لأحد والديه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الطريق الصحيح أن يأتي من بلده لوالد أو لأمه من الأصل، لكن مع ذلك الأفضل أن يعتمر الإنسان لنفسه وأن يدعو لوالده في الطواف وفي السعي وفي الصلاة كل ما
دعا لنفسه؛ لأن هذا هو الذي اختاره النبي - صلى الله عليه وسلم - ووالله إن اختيار الرسول - صلى الله عليه وسلم - خير لنا من اختيارنا.
حدث النبي علي الصلاة والسلام "أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " بالله ربك هل قال: أو ولد صالح يصوم عنه؟ أو يتصدق
عنه؟ أو يحج عنه؟ عدل عن العمل كله وقال: "أو ولد صالح يدعو له " ولهذا لو سألنا أيهما أفضل عنه أتصدق لأبي أتصدق بألف ريال أو أدعو دعوة تستجاب إن شاء الله؟ فالثاني أفضل، وأنت بنفسك محتاج للعمل، والله ليأتين عليك يوم تتمنى أن في صحيفتك تسبيحة، أو تحميدة، أو تكبيرة، أو تهليلة، فاجعل العمل لك وأسترشد بإرشاد الرسول عليه الصلاة والسلام واجعل الدعاء لأمك ولأبيك ونحن لا نتكلم بهذا عن فراغ إنما عن أدلة، وإذا كان كذلك فالواجب علي طلبة العلم أن يبينوا للناس، والعامة إذا أرشدوا استرشدوا، ولكن الغفلة وتتابع الناس على هذه الأمور جعلت كأن هذا هو أفضل شيء.
(22/269)

س 785: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا هم الإنسان بالسيئة وخاصة في مكة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا هم ولم يعملها فإن تركها لله أثيب على ذلك، وإن تركها لأن نفسه طابت منها فإنه لا يثاب على الترك تكتب عليه. وفي مكة (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) .
س 786: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقوم بالذهاب إلى مكة بغرض العمرة في كل سنة وتقوم بأخذ أولادها وأعمارهم من الرابعة عشرة والثالثة عشرة فما رأيكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا يرجع إلى حال الأم وحال الأولاد إن كان الأولاد يخشى عليهم من السفه هناك والتجول في الأسواق يميناً وشمالاً فالأفضل أن تبقى في بلدها، وإن كان الأولاد لا يخشى عليهم، وهي ترى أن هناك أخشع لها وأحضر لقلبها فتفعل، فالأمر واسع، نعم لو كان في البيت زوج لها ولم يسافر معها ويرغب أن تبقي معه حرم عليها أن تذهب إلى العمرة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه " فإذا كان هذا في الصوم وهي عند زوجها لا تصوم إلا بإذنه، فكيف أن تسافر؟ وعلى هذا يجب على المرأة إذا كان زوجها لم يسافر أن تبقى معه إلا إذا أذن لها، فإذا أذن لها مرغما فإذنه غير معتبر ويجب أن تبقى، فإذا علمت أنه لم يقل هذا إلا عن إكراه أوخوف فلا تسافر.
(22/270)

س 787: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نرى كثيراً من الناس يقضون أيام شهر رمضان المبارك في مكة طلباً للثواب، مضاعفة الأجر مستصحبين عوائلهم معهم ولا شك أن هذا من
حرصهم على طاعة ربهم عز وجل ولكن يلاحظ على بعضهم إهماله أو غفلته عن أبنائه أو بناته هناك مما يتسبب في أمور لا تحمد مما تعلمونها فهل من توجيه إلى هؤلاء ليكمل أجرهم ويسلم عملهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: والشكايات في هذا كثيرة والناس في هذا أقسام:
القسم الأول: فبعض الناس يصطحب عائلته للعمرة، لكنه يعتمر ويبقى في مكة يوم أو يومين ثم يرجع إلى بلده وينشط أهل مسجده، وربما يكون خشوعه في بلده أكثر من خشوعه في المسجد الحرام لكثرة الناس، وكثرة الضوضاء والأصوات، وما أشبه ذلك فهذا لا شك أنه على خير وحصل الأجر كاملاً، لأنه أدى عمرة في رمضان وقد قال عليه الصلاة والسلام: "عمرة في رمضان تعدل حجة" وفي رواية: "حجة معي ".
القسم الثاني: رجل ذهب بأهله وأدى العمرة وأبقاهم هناك ورجع إلى بلده وهذا غلط عظيم وإهمال وليس له من الأجر- والله أعلم- أكثر من الوزر، إذا فعل أهله ما يوزرون به لأنه هو السبب.
القسم الثالث: رجل ذهب بأهله وبقي طيلة شهر رمضان، ولكن كما قال السائل: لا يبالي بأولاده ولا ببناته ولا بزوجاته، يتسكعون في الأسواق وتحصل منهم الفتنة ولا يهتم بشيء من
(22/271)

ذلك وتجده عاكفاً في المسجد الحرام، سبحان الله تفعل شيئاً مستحباً وتدع شيئاً واجباً فهذا آثم بلا شك وإثمه أكثر من أجره؛ لأنه ضيع واجباً والواجب إذا ضيعه الإنسان يأثم به، والمستحب
إذا تركه لم يأثم به.
فنصيحتي إلى هؤلاء أن يتقوا الله فإما أن يرجعوا بأهلهم جميعاً وإما أن يحافظوا عليهم محافظة تامة، والله المستعان.
س 788: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأي فضيلتكم في العمرة في شهر ذي القعدة؟ وهل نقول بأنها سنة مؤكدة لورودها عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - اعتمر في ذي القعدة. ثلاث عمر منفردة: في عمرة الحديبية التي صُدَّ عنها، وفي عمرة القضاء في السنة التي تليها. وفي عمرة الجعرانة في السنة التي تليها أيضاً، وفي عمرة حجه حيث كان قارناً في السنة العاشرة.
والعمرة في أشهر الحج في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت مؤكدة لأنه كان عند العرب عقيدة فاسدة في الجاهلية أنه لا اعتمار في أشهر الحج. وأن أشهر الحج للحج، حتى إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما أمر أصحابه- رضي الله عنهم- الذين لم يسوقوا الهدي أن يجعلوها عمرة، استغربوا ذلك وقالوا: يا رسول الله، كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج؟ وقد استحب بعض العلماء أن يعتمر الإنسان في أشهر الحج اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى إن بعض العلماء تردد هل العمرة في أشهر الحج أفضل أم العمرة في رمضان.
(22/272)

س 789: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تخصيص شهر رجب بالعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: شهر رجب أحد الأشهر الأربعة الحرم وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، هذه أربعة أشهر حرم ورجب منها بلا شك، والله حرم القتال فيها، أما الثلاثة: ذو القعدة، ذو الحجة، ومحرم، فلأنها أشهر الحج: القعدة للقادمين إلى مكة، والحجة للذين في مكة، ومحرم
للراجعين من مكة، فجعل الله هذه الأشهر الحرم يحرم فيها القتال حتى يأمن الناس الذين يأتون إلى الحج، وشهر رجب كان في الجاهلية يعظمونه ويعتمرون فيه فجعله الله محرم.
واختلف السلف- رحمهم الله- هل العمرة فيه سنة أو لا؟ فقال بعضهم: سنة وقال الآخرون: ليست سنة لأنها لو كانت سنة لبينها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إما بقوله، وإما
بفعله.
والعمرة في أشهر الحج أفضل من العمرة في رجب؟ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعتمر في أشهر الحج، ولما ذكر ابن عمر- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعتمر في رجب، وهمته عائشة وقالت: (لقد وهم أبو عبد الرحمن) قالت له: وهو يسمع. فسكت. فعلى كل حال لا أرى دليلاً واضحاً على استحباب العمرة في رجب.
كذلك أيضاً يوجد في رجب أن بعض الناس يخصه بالصوم يقول: إنه يسن الصيام فيه. وهذا غلط فإفراده بالصوم مكروه، أما
(22/273)

صومه مع شعبان ورمضان فهذا لا بأس فيه، وفعله بعض السلف، ولكن مع ذلك لا نراه، نرى أن لا يصوم الثلاثة أشهر يعني رجب وشعبان ورمضان.
وأما ما يسمى بصلاة الرغائب وهي ألف ركعة في ليلة أول رجب، أو في أول ليلة جمعة منه فأيضاً لا صحة له وليست مشروعة.
وأما العتيرة التي تذبح في رجب فهي أيضاً منسوخة كانت في الأول مشروعة ثم نسخت فليست مشروعة.
وأما الإسراء والمعراج الذي اشتهر عند كثير من الناس أو أكثرهم أنه في رجب وفي ليلة السابع والعشرين منه، فهذا لا صحة له إطلاقاً، وأحسن وأظهر الأقوال أن الإسراء والمعراج كان في ربيع الأول، ثم إن إقامة في ليلة سبع وعشرين من رجب بدعة لا أصل لها، والبدع أمرها عظيم جداً، أمرها شديد؛ لأن البدع الدينية التي يتقرب بها الناس إلى الله فيها مفاسد عظيمة منها:
أولاً: أن الله لم يأذن بها وقد أنكر الله على الذين شرعوا بلا إذن فقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) .
ثانياً: أنها خارجة عن هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "عليكم بسنتي وإياكم ومحدثات الأمور".
ثالثاً: أنها تقتضي إما جهل النبي صلى الله عليه وعلى آله
(22/274)

وسلم وأصحابه بهذه البدعة، وإما عدم عملهم بها، وكلا الأمرين خاطىء.
رابعاً: أنها تستلزم عدم صحة قول الله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ) لأنك إذا أتيت بشيء جديد يعني أن الدين في الأول ناقص ما كمل، وهذا خطير جداً أن نقول هذه البدعة
تقتضي أن الدين لم يكمل.
خامساً: ومنها أن هؤلاء المبتدعون جعلوا أنفسهم بمنزلة الرسل الذين يشرعون للناس وهذه أيضاً مسألة خطيرة، ولو تأملت لوجدت أكثر من هذه الخمسة في مضار البدع، ولو لم يكن منها إلا أن القلوب تتعلق بهذه البدعة أكثر مما تتعلق بالسنة كما هو مشاهد تجد هؤلاء الذين يعتنون بالبدع ويحرصون عليها لو فكرت في حال كثير منهم لوجدت عنده فتوراً في الأمور المشروعة المتيقنة، ربما يبتدع هذه البدعة وهو حليق اللحية مسبل الثياب شارب للدخان، مقصر في صلاة الجماعة، ويقول بعض السلف: ما ابتدع قوم بدعة إلا تركوا من السنة مثلها، أو أشد، حتى أن بعض العلماء قال: المبتدع لا توبة له؛ لأنه سن سنة يمشي الناس عليها إلى يوم القيامة، أو إلى ما شاء الله،
بخلاف المعاصي الخاصة، فهي خاصة بفاعلها، وإذا تاب ارتفعت، لكن البدعة لو تاب الإنسان منها فالذين يتبعونها فيها لم يتوبوا، فلذلك قال بعض العلماء إنه لا توبة لمبتدع، لكن الصحيح أن له توبة، وإذا تاب توبة نصوحاً تاب الله عليه، ثم يسر الله أن تمحى هذه البدعة ممن اتبعوه فيها.
(22/275)

س 790: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: العمرة في رجب هل لها أصل في السنة وقول بعض الناس العمرة الرجبية وهل لها مثل فضيلة العمرة في رمضان؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن شهر رجما أحد الأشهر الحرم الأربعة، والأشهر الحرم الأربعة هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، هذه الأشهر كان تحريمها معروفاً حتى في الجاهلية، فكانوا في الجاهلية يحرمون فيها القتال حتى إن الرجل ليجد قاتل أبيه في هذه الأشهر ولا يتعرض له، وجاءت الشريعة الإسلامية بتأييد هذا، فحرم الله القتال في هذه الأشهر الأربعة، وإنما كانت قريش تحرم هذه الأشهر الأربعة، لأن الشهور الثلاثة للحج ذو القعدة، شهر قبل الحج، ومحرم شهر بعد الحج وذو
الحجة شهر الحج فكانوا يحرمون القتال فيها ليأمن الناس الذاهبين إلى الحج والراجعين منه، وفي رجب كانوا يعتمرون، ولذلك حرموه، لكن لم تأت السنة باستحباب الاعتمار في رجب، بل قال عمر- رضي الله عنه- أن ذلك شهر كان يعتمر فيه أهل الجاهلية فأبطله الإسلام، يعني أبطل استحباب العمرة فيه، ومن السلف من كان يعتمر فيه، حتى قال عبد الله بن عمر- رضي الله
عنهما-: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - اعتمر في شهر رجب، ولكن عائشة- رضي الله عنها- قالت: إنك وهمت، وقالت: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يعتمر إلا في أشهر الحج، وهي أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، وعمرة حجه فسكت عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما-، وعلى هذا فنقول: إن ابن
(22/276)

عمر- رضي الله عنهما- وهم في كون الرسول عليه الصلاة والسلام اعتمر في رجب، لكن روي عن بعض السلف أنهم يعتمرون فيه فمن اعتمر دون أن يعتقد أن ذلك سنة فلا بأس، وأما أن نقول إنها من السنن التابعة للشهر فلا ولم ترد العمرة في شهر من الشهور إلا في أشهر الحج وفي شهر رمضان.
وبهذه المناسبة أود أن أقول: هناك من يخص رجب بالصيام فيصوم رجب كله، وهذا بدعة وليس بسنة، حتى إن أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- دخل على أهله فوجدهم قد جمعوا كيزاناً للماء مستعدين للصيام في رجب فكسر الكيزان وقال: أتريدون أن تشبهوا رجب برمضان. وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- يضرب الناس إذا رآهم صائمين حتى يضع أيديهم في الطعام في رجب، فليس للصوم في رجب فضيلة بل هو كسائر الشهور، من كان يعتاد أن يصوم الاثنين والخميس استمر، ومن كان يعتاد أن يصوم الأيام البيض استمر، وليس له صيام مخصوص.
كذلك يوجد في بعض البلاد الإسلامية صلاة في أول ليلة جمعة من رجب بين المغرب والعشاء يسمونها صلاة الرغائب اثنتا عشرة ركعة وهذه أيضاً لا صحة لها، وحديثها موضوع مكذوب
على الرسول عليه الصلاة والسلام، قال شيخ الإسلام:- رحمه الله- إنه موضوع مكذوب باتفاق أهل المعرفة، إذن لا صلاة مخصوصة في رجب لا في أول جمعة منه، ولا في ليلة النصف منه. ورجب في الصلوات كغيره من الشهور.
(22/277)

كذلك زيارة المسجد النبوي يعتقد بعض الناس أن لزيارة المسجد النبوي في رجب مزية ويفدون إليه من كل جانب ويسمون هذه الزيارة (الزيارة الرجبية) وهذه أيضاً بدعة لا أصل لها، ولم يتكلم فيها السابقون حتى من بعد القرون الثلاثة لم يتكلموا فيها؛ لأن الظاهر إنها حدثت متأخرة جداً فهي بدعة لكن من زار المدينة في رجب لا لأنه شهر رجب فلا حرج عليه، لكن أن يعتقد أن للزيارة في رجب مزية فقد أخفق وضل، وهو من أهل البدع.
كذلك يعتقد كثير من الناس أن المعراج الذي حصل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السموات كان في رجب في ليلة سبع وعشرين منه، وهذا غلط، ويحتفلون بتلك الليلة، والاحتفال بها بدعة؛ لأنهم يحتفلون بها يعتقدون ذلك ديناً وقربى إلى الله عز وجل، فهو من البدع ولا يجوز الاحتفال بها لعدم صحتها من الناحية التاريخية، ولعدم مشروعيتها من الناحية التعبدية، ومن المؤسف جداً أن بعض المسلمين يحتفلون بهذه الليلة ويعطلون العمل في صباحها وربما يحضر بعض رؤساء الدول، وهذا من الغلط الذي عاش فيه المسلمون مدة طويلة، والواجب على طلبة العلم بعد أن استبانت السنة- والحمد لله- أن يبينوا للناس، والناس قريبون، إن كثيراً من هؤلاء لا يحتفلون هذا الاحتفال إلا محبة لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا كان هذا هو الحامل لهم على الاحتفال فإنه بمجرد ما يبين لهم الحق وهم قاصدون للحق سيرجعون إلى الحق.
(22/278)

س 791: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل لشهر رجب مزية عن غيره من الشهور؟ وهل العمرة في شهر رجب أفضل أم في شهر شعبان؟ أيهما أثر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟
فأجاب فضيلته بقوله: شهر رجب كغيره من الأشهر الحرم، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم هذه ثلاثة متوالية ورجب منفرد، والأشهر الحرم المعاصي فيها أعظم من غيرها، لقول الله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .
وشهر رجب صار بعض السلف يعتمرون فيه لأنه نصف الحول إذا أسقطنا الثلاثة الحرم الأول: ذو القعدة، ذو الحجة، المحرم، وبدأنا بصفر صار رجب هو الشهر السادس نصف السنة، وإن بدأنا من محرم صار شهر رجب هو السابع فبعض السلف فكانوا يعتمرون في هذا الشهر لئلا يتأخروا عن زيارة البيت الحرام، حتى يبقى البيت الحرام معموراً في آخر السنة، وفي وسط السنة، أما النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه لم يعتمر فيه، فكل عمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت في أشهر الحج، ولم يعتمر لا في رمضان ولا في رجب، لكن رمضان ورد فيه أن عمرة في رمضان تعدل حجة، أما رجب فلم يعتمر فيه، ورجب يظن بعض الناس أنه تسن فيه زيارة المسجد النبوي ويسمونها الرجبية، وهذا لا أصل له، ولا يعرفه السلف ولا قدماء الأمة فهو بدعة محدثة،
(22/279)

ليست من دين الله عز وجل، وزيارة المسجد النبوي مشروعة في كل وقت.
كذلك رجب يظن بعض الناس أن الإسراء والمعراج كان في رجب في ليلة سبع وعشرين وهذا غلط ولم يصح فيه أثر عن السلف أبداً، حتى إن ابن حزم- رحمه الله- حكى الإجماع على أن الإسراء والمعراج كان في ربيع الأول، ولكن الخلاف موجود حقيقة، فلا إجماع، وأهل التاريخ اختلفوا في هذا على نحو عشرة أقوال، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: كل الأحاديث في ذلك ضعيفة منقطعة مختلفة، لا يعول عليها، إذن ليس المعراج في رجب وأقرب ما يكون أنه في ربيع، هذه. ثانياً: لو فرضنا أنه في رجب وفي ليلة سبع وعشرين هل لنا أن نحدث في هذه الليلة احتفالاً وفي صبيحتها تعطيلاً للأعمال؟ أبداً، فهذه بدعة دينية قبيحة وبدعة منكرة، حتى إن بعض الناس يظنون أن ليلة المعراج أفضل للأمة من ليلة القدر،- والعياذ بالله-، وهذا غلط محض، فلذلك يجب علينا نحن أواخر هذه الأمة أن ننظر إلى ما فعله سلف الأمة قبل ظهور البدع وأن نبين للناس، ومن بان له الحق ولم يتبعه فهو على خطر لقوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)) .
(22/280)

باب دخول مكة
*دخول مكة.
*دخول المسجد الحرام وآداب الدخول.
*صفة الطواف وواجباته وسننه.
*تقبيل الحجر الأسود واستلامه.
*استلام الركن اليماني.
*التكبير في آخر شوط.
*ذكر الطواف.
*استعمال الهاتف الجوال في الطواف أو السعي.
*من ترك شيئاً من الطواف.
*الطهارة للطواف.
*الصلاة بعد الطواف.
*مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
*حكم الموالاة بين الطواف والسعي.
*الخروج للصفا.
*صفة السعي.
*التحلل من العمرة بالحلق أو التقصير.
(22/281)

س 792: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك أخطاء يقع فيها الحجاج في مسيرهم من الميقات إلى المسجد الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، هناك أخطاء بعد الإحرام من الميقات إلى الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك في التلبية، فإن المشروع في التلبية أن يرفع الإنسان صوته بها؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "أتاني جبريل وأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال " (1) يعنى التلبية وترى أفواج الحجيج بأعداد ضخمة لا تسمع أحداً يلبي، فلا يكون للحج مظهر في ذكر الله عز وجل، بل إنه تمر بك الأفواج وكأنهم ما ينطقون والمشهور للرجال أن يرفعوا أصواتهم بما يستطيعون من غير مشقة في التلبية؛ لأن الصحابة- رضي الله عنهم- كانوا يفعلونها هكذا في عهد النبي
- صلى الله عليه وسلم -، امتثالاً لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، كما أشرنا إليه آنفاً.
وخطأ آخر في التلبية أن بعض الحجاج يلبون بصوت جماعي، فيتقدم أحد منهم، أو يكون في الوسط، أو في الخلف ويلبي، ثم يرفعون أصواتهم بصوت واحد، وهذا لم يرد عن الصحابة - رضي الله عنهم- بل قال أنس بن مالك- رضي الله عنه-: "كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ومنا المكبر، ومنا المهلل، ومنا
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب كيف التلبية (رقم 1814) والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية (رقم 829) وابن ماجه، كتاب المناسك، باب رفع الصوت بالتلبية (رقم 2922) وابن خزيمة (رقم 2625) والبيهقي (5/41) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(22/283)

الملبي " (1) وهذا هو المشروع أن يلبي كل واحد لنفسه، وأن لا يكون له تعلق بغيره.
س 793: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- هل هناك أخطاء يقع فيها بعض الحجاج عند دخول المسجد الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأخطاء التي تأتي عند دخول الحرم:
أولاً: أن بعض الناس يظن أنه لابد أن يدخل الحاج أو المعتمر من باب معين في المسجد الحرام، فيرى بعض الناس مثلاً أنه يدخل إذا كان معتمراً من باب يسمى باب العمرة، وأن هذا أمر لابد منه، أو أمر مشروع، ويرى آخرون أنه لابد أن يدخل من باب السلام، وأن الدخول من غيره يكون إثماً أو مكروهاً، وهذا لا أصل له، فللحاج والمعتمر أن يدخل من أي باب كان، وإذا دخل المسجد فليقدم رجله اليمنى، وليقل ماورد في الدخول لسائر المساجد فيسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقول: "اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك " (2) .
ثانياً: أن بعض الناس يبتدع أدعية معينة عند دخول المسجد ورؤية البيت، يبتدع أدعية لم ترد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو الله بها، وهذا من البدع، فإن التعبد لله تعالى بقول، أو فعل، أو اعتقاد لم يكن
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة (رقم 1659) ومسلم، كتاب الحج، باب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات (رقم 1285) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب صلاة السافرين، باب ما يقول إذا دخل المسجد (رقم 713) .
(22/284)

عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه- رضي الله عنهم- بدعة ضلالة حذر منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ثالثاً: يعتقدون أن تحية المسجد الحرام الطواف، بمعنى أنهم يسنون لكل من دخل المسجد الحرام أن يطوف، اعتماداً على قول بعض الفقهاء في أن سنة المسجد الحرام الطواف، والواقع أن الأمر ليس كذلك، فالمسجد الحرام كغيره من المساجد التي قال فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " (1) ولكن إذا دخلت المسجد الحرام سواء كان الطواف طواف نسك كطواف العمرة والحج، أو كان طواف تطوع كالأطوفة في غير النسك فإنه يجزئك أن تطوف وإن لم تصل ركعتين، هذا هو معنى قولنا: (إن المسجد الحرام تحيته الطواف) وعلى هذا فإذا دخلت لغير نية الطواف ولكن لانتظار الصلاة، أو لحضور مجلس علم، أو ما أشبه ذلك فإن المسجد الحرام كغيره يُسن فيه أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس، لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
س 794: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا قدم إلى مكة وهو متعب ولم يتمكن من أداء العمرة إلا في اليوم التالي فما حكم ذلك؟ وهل يشترط أداء العمرة فور الوصول للمسجد الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل للإنسان الذي أتى معتمراً أن
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين (رقم 444) ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحية المسجد بركعتين (رقم 714) (70) .
(22/285)

يبدأ قبل كل شيء بالعمرة حتى قبل أن يذهب إلى بيته ويبتدىء بالعمرة لأنها هي المقصودة، ولكنه إذا أخرها ولا سيما عند التعب حتى يستريح فلا حرج عليه في ذلك وعمرته تامة.
س 795: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المعتمر والمتمتع متى يقطع التلبية في العمرة وفي الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: المعتمر يقطع التلبية إذا شرع في الطواف. والحاج القارن، أو المفرد، أو المتمتع يقطع التلبية عند شروعه في رصي جمرة العقبة.
س 796: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تحية المسجد الحرام صلاة ركعتين أو الطواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: المسجد الحرام كغيره من المساجد من دخل ليصلي، أو ليستمع الذكر، أو ما أشبه ذلك من الإرادات فإنه يصلي ركعتين كغيره من المساجد، لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " (1) أما إذا دخل ليطوف كإنسان معتمر دخل ليطوف طواف العمرة، أو يطوف تطوعاً فهنا يغني الطواف عن ركعتي تحية المسجد؛ لأنه إذا طاف فسوف يصلي ركعتين بعد الطواف.
__________
(1) تقدم ص 285.
(22/286)

س 797: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نرى كثيراً من الناس في المطاف يعمد بعضهم إلى أن يتحلقوا حول نسائهم فتكون ظهور بعضهم إلى الكعبة فهل هذا جائز وهل حجهم صحيح؟ وما تنصحون من كان معه نساء هل يكونون جماعات أو أن يكونوا فرادى؟
فأجاب فضيلته بقوله: صورة المسألة أن بعض الناس يكون معه نساء ثم يدورون حول نسائهم وفي هذه الحال سيكون بعضهم ظهره إلى الكعبة، أو صدورهم إلى الكعبة والطواف يجب أن تكون الكعبة عن يسار الطائف فهؤلاء الذين ظهورهم نحو الكعبة، أو صدورهم نحو الكعبة يجب أن ينتبهوا لها لأن من شروط صحة الطواف أن تكون الكعبة عن يسار الطائف..
أما الشق الثاني من السؤال وهو: هل الأولى أن الناس يجتمعون جميعاً على نسائهم، أو أن كل واحد منهم يمسك بيد امرأته، أو أخته، أو المرأة التي معه من محارمه ويطوف بها وحده؟
هذا يرجع إلى حال الإنسان فقد يكون الإنسان ضعيفاً لا يستطيع المزاحمة فيحتاج إلى أن يكون حوله أحد من رفقته ليدافع عنه ما يخشى من الهلاك، وقد يكون الإنسان قوياً فهنا نرى أن كونه يأخذ بيد امرأته ويطوف بها وحدها أيسر له، وأيسر لها، وأيسر للناس أيضاً.
س 798: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يعمد كثير من الرجال إذا كان معهم نساء أن يمسك بعضهم بيد بعض في الطواف
(22/287)

ويتحلقوا على من معهم من النساء حتى إن بعضهم ربما طاف على قفاه أو الكعبة عن يمينه ثم إنهم قد تكون النساء ليس كلهن محارم لهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا من الأمر الخطير من وجه والمؤذي من وجه آخر أما كونه مؤذياً فلأنه إذا جاءوا هكذا مجتمعين آذوا الناس ومن المعلوم أنه لا يحل للإنسان أن يتعمد ما فيه أذية المسلمين.
وأما الخطر فلأنه كما قال السائل بعض الناس يطوف والكعبة خلف ظهره، أو الكعبة أمام وجهه، ومن شرط الطواف أن تجعل الكعبة عن يسارك، وإذا جعلتها خلف ظهرك، أو عن يمينك، أو أمامك فإن الطواف لا يصح.
س 799: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل طاف في سطح المسجد الحرام وفي أثناء الطواف نزل إلى المسعى ولم يكن ذلك عن شدة زحام حيث كان هناك زحام ولكن كان يطيقه ولكن نزل وطاف في المسعى عدة أشواط فما حكم طوافه هذا وهو طواف وداع الحج؟
فأجاب فضيلته بقول: حكم طوافه هذا أنه لم يصح لأنه طاف خارج المسجد، وإذا طاف خارج المسجد لم يصدق عليه أنه طاف بالبيت والله عز وجل يقول: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ) (1) وإذا طاف خارج المسجد صار طائفًا بالمسجد لا بالبيت؛ لأنه
__________
(1) سورة الحج، الآية: 29.
(22/288)

حال بينه وبين البيت جدار المسجد، فعلى هذا يكون طوافه هذا غير صحيح، وإذا كان طواف الوداع فقد ترك واجباً، والمشهور عند العلماء أن من ترك واجباً فعليه فدية يذبحها في مكة،
ويوزعها على الفقراء.
س 800: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل في طواف الوداع في الحج طاف من ناحية المسعى على الجدار الذي بين المسعى والمطاف وفي أحد الأشواط طاف مع المسعى، فسأل
أحد الحجاج: هل يجوز الطواف مع المسعى، فأجاب: أنه يجوز، فهل هذا صحيح أم لا وإن كان غير صحيح فما يلزمه وكذلك الرجل الذي أجاب. علما أنه لا يعرفه؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الطواف على سطح المسعى فلا يجوز؛ لأن المسعى خارج المسجد الحرام، ولذلك لو أن امرأة طافت للعمرة ثم حاضت قبل السعى جاز لها أن تسعى لأن السعي لا يشترط له الطهارة، والمسعى ليس مسجداً حتى نقول لا تمكث فيه، وكذلك لو أن امرأة جاءت مع أهلها وعليها الحيض وجلست في المسعى تنتظرهم وهي حائض فلا بأس، وكذلك الجنب يمكث فيه بدون وضوء؛ لأنه ليس بمسجد، وكذلك المعتكف في المسجد الحرام لا يخرج إلى المسعى، لأن المسعى خارج المسجد فلا يجوز الطواف خارِج المسجد، لأن الله تعالى قال: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)) (1) ومن طاف خارج حدود
__________
(1) سورة الحج، الآية: 29.
(22/289)

المسجد يقال طاف بالمسجد لا طاف بالبيت، لكن نرى في هذه الأزمنة المتأخرة وكثرة الحجاج والزحام الشديد نرى أنه إذا طاف في سطح المسجد وامتلأ المضيق الذي بجانب المسعى ولم يجد
بداً من النزول إلى المسعى أو الطواف فوق الجدار نرى إن شاء الله تعالى أنه لا بأس به، لكن يجب أن ينتهز الفرصة من حين ما يجد فرجة يدخل في المسجد.
أما إفتاؤه للرجل بغير علم فهو حرام عليه لقول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)) (1)
وليعلم المفتون أن من أفتى أحداً بغير علم فترك واجباً فإثمه على الذي أفتاه، وإن فعل محرماً فإثمه على الذي أفتاه، والفتوى ليست سلعاً تباع وتشترى ويجلب لها الزبائن، الفتوى أمرها خطير؛ لأن
المفتي سفير بين الله وبين خلقه في إبلاغ شرعه، فهو أمر عظيم جداً، وأجرأ الناس على الفتيا أجرأهم على النار والعياذ بالله فعلى كل واحد أن يتقي ربه وأن لا يستعجل إن قدر الله تعالى أن يكون
أمة يهدي الله به الناس، فسوف يكون، فليصبر حتى ينضج، والإنسان إذا أكل العنب وهو حصرم قبل أن ينضج فإنه يضره، فنقول: تأنى حتى تصل إلى الغاية التي تؤهلك للفتوى، أما أن تعرف مسألة من العلم وتظن أنك عرفت جميع المسائل أو تحمل برأيك فهذا لا يجوز.
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(22/290)

س 801: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يطوف الناس في سطح المسجد الحرام وهو يضيق من قبل المسعى إلى ستة أمتار فيضطر الناس للخروج إلى سطح المسعى فهل في ذلك مانع وما
التعليل والدليل؟
فأجاب فضيلته بقوله: المسعى ليس من المسجد الحرام بل هو خارجه، ولهذا يجوز للمرأة الحائض أن تنتظر أهلها في المسعى، لكنها لا تدخل المسجد، ولا يجوز للمعتكف في المسجد الحرام أن يخرج إلى المسعى؛ لأن المسعى خارج المسجد الحرام، وإذا كان كذلك فإنه لا يجوز الطواف في سطح المسعى؛ لأنه خارج المسجد، لكن لو حصل ضرورة كالزحام الشديد الذي لا يتمكن الإنسان معه أن يستمر في طوافه فأرجو ألا يكون به بأس؛ لأن المطاف من جهة المسعى في السطح ضيق، فقد يأتي الناس وهم قد ملئوا ما قبلها فإذا جاءوا منها ضاقت عليهم فيضطر الإنسان أن ينزل إلى سطح المسعى فلكون هذه الضرورة أرجو ألا يكون فيه بأس، أما الدليل على أنه لا يجوز الطواف في المسعى أو خارج المسجد الحرام فإن الله تعالى يقول: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (1) وإذا طاف الإنسان من
وراء المسجد فقد طاف بالمسجد لا بالبيت فلا يصح طوافه.
__________
(1) سورة الحج، الآية: 29.
(22/291)

س 802: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الطواف في سطح المسجد الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الطواف من فوق سطح المسجد جائز، كما نص على ذلك أهل العلم، لأن جميع المسجد الحرام ما أدخلت أبوابه فهو محل للطواف، أما المسعى وما وراء الأبواب فليس بمحل للطواف. والله أعلم.
س 803: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل طاف خمسة أشواط وشعر بتعب شديد من شدة الزحام عند الساعة العاشرة مساءً فارتاح إلى بعد صلاة الفجر ونام نوماً خفيفاً وبعد الصلاة أكمل الطواف فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بد أن يستأنف الطواف إذا فصل بين أجزائه فاصل طويل، أما الفاصل اليسير كما لو أقيمت الصلاة فصلى فهنا يبني على ما سبق، ولا يحتاج على القول الراجح أن
يبدأ الشوط من أول الشوط، بل يكمل من المكان الذي توقف فيه، وكذلك لو حضرت جنازة فصلى عليها فإنه لا ينقطع، أما لو انتقض وضوؤه على القول بأنه شرط لصحة الطواف ثم ذهب
يتوضأ فلابد من استئناف الطواف من أوله، وعلى هذه المسألة التي ذكرها السائل نقول: يجب عليه أن يعيد الطواف من الأول، وهذا الرجل لا زال الآن في عمرته، ويجب عليه أن يخلع الثياب الآن، ويتجنب جميع محظورات الإحرام، ويذهب إلى مكة ويطوف من أول الطواف ويسعى ويقصر. أما ما فعله من
(22/292)

محظورات في هذه الحال فهو جاهل ولا شيء عليه.
س 804: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل طاف من الطواف شوطين ولكثرة الزحام خرج من الطواف وارتاح لمدة ساعة أو ساعتين ثم رجع للطواف ثانية فهل يبدأ من جديد أو يكمل
طوافه من حيث انتهى؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الفصل طويلاً كالساعة والساعتين فإن الواجب عليه إعادة الطواف، وإذا كان قليلاً فلا بأس، وذلك لأنه يشترط في الطواف وفي السعي الموالاة وهي تتابع الأشواط، فإذا فصل بينها بفاصل طويل بطل أول الأشواط، ويجب عليه أن يستأنف الطواف من جديد، أما إذا كان الفصل ليس طويلاً جلس لمدة دقيقتين أو ثلاث ثم قام وأكمل فلا بأس.
س 805: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن سيدة طافت طواف الإفاضة ستة أشواط وكانت تعتقد أنها سبعة وبعد السعي والتقصير قامت بطواف الشوط الواحد فهل هذا جائز؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً كلمة (سيدة) أنا لا أوافق عليها، وكلمة (السيدة) جاءتنا من الغرب، من الذين يقدسون النساء أكثر من الرجال، ونحن نسميها ما سماها الله به وهي امرأة، والذكر رجل.
لكن سؤالها تقول: إنها طافت طواف الإفاضة ستة أشواط.
ونقول: هل هي متيقنة؛ لأنه أحياناً يظن الإنسان أنه طاف ستة
(22/293)

أشواط وهو قد طاف سبعة، فإن كانت متيقنة أنها ستة أشواط فإن إلحاق الشوط السابع بعد هذا الفصل الطويل لا ينفع فعليها الآن أن تعيد الطواف سبعة أشواط من أوله، أما إذا كان مجرد شك بعد أن انتهى الطواف ظنت أنها لم تكمل فلا تلتفت إلى هذا، وهذه قاعدة تنفعك في الصلاة وفي الطواف: إذا شككت بعد الفراغ من العبادة فلا تلتفت إلى الشك أبداً حتى تتيقن.
س 806: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل طاف ثلاثة أشواط وهو صائم ثم قطع الطواف لأجل الافطار ولم يكمله إلى الآن (أي بعد صلاة التراويح) فهل يكمله؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول: لا يمكن أن يكمله الآن لطول الفص بين أجزاء الطواف، والطواف لابد أن يكون متوالياً، فإذا قطعه على غير وجه شرعي فلا بد من إعادته، ولكن الذي يظهر من حال السائل أن هذا الطواف نفل وليس بطواف عمرة، وإذا كان نفلاً فلا حرج عليه أن يقطعه ولا يكمله، ونقول له: الآن أنت قطعته للإفطار وتركته حتى الآن فليس عليك وزر، ولكن فاتك أجر الطواف، لأن الطواف لم يكمل.
س 807: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الأفضل للطائف الصائم إذا أذن المغرب وهو يطوف أن يفطر ويعيد الطواف من جديد؟
فأجاب فضيلته بقوله: حيث إنه ورد في الحديث: "لا يزال
(22/294)

الناس بخير ما عجلوا الفطر" (1) فالأولى أن يبادر بالفطر، لكن لا يضُر إذ يمكن أن يأكل وهو يطوف، ومثل هذا إذا كان المغرب قريباً فليستعد لذلك يأخذ معه تمرات من أجل أن يبادر بالفطر.
ولا حاجة إلى أن يقطع الطواف.
س 808: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول نويت الحج متمتعاً هذا العام وهي المرة الأولى أحج فيها وعندما قمت بأداء العمرة وعند الطواف بالكعبة طفت أكثر من سبعة أشواط لأني ما كنت أعلم من أين يبدأ الطواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل يقول إنه مكة أول ما قدم هذه السنة وأنه طاف بالبيت أكثر من سبعة أشواط لأنه لا يدري من أين يبتدىء الطواف، وعلى كل حال الإنسان أول ما يقدم يخفى عليه الشيء لكن من فضل الله وتيسيره ونعمته أنه يوجد الآن خط بني يبتدىء منه الطواف وينتهي إليه، هذا الخط موضوع على قدم الحجر الأسود، فلذلك ابتدىء الطواف منه وانتهي به، أما كونه طاف أكثر من سبعة أشواط فلله منها سبعة والباقي لا شيء عليه فيها لأنه جاهل كما يوجد بعض الناس يطوف بالصفا المروة أربعة عشر شوطاً، يرون أن الشوط لا يكون إلا من الصفا إلى الصفا فلو فعل الإنسان هذا جاهلاً فلا شيء عليه، لكن ينبغي على الإنسان بل يجب على الإنسان إذا أراد أن يحج أو يعتمر أن يفهم قبل أن يبدأ.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب تعجيل الإفطار (رقم 1957) ومسلم، كتاب الصيام، باب فضل السحور وتأكيد استحبابه ... (رقم 1098) .
(22/295)

س 809: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا طاف الإنسان أربعة أشواط ثم قطع الطواف من أجل الصلاة أو الزحام ثم أتمه بعد ذلك بعد خمس وعشرين دقيقة من الفصل فما حكم هذا
الطواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الطواف قد انقطع بطول الفصل بين أجزائه؛ لأنه إذا قطعه لأجل الصلاة فإن المدة تكون قليلة، الصلاة لا تستغرق إلا عشر دقائق، أو ربع ساعة، أو نحو ذلك أما خمس وعشرون دقيقة فهذا فصل كثير يبطل بناء الأشواط بعضها على بعض، وعلى هذا فليعد طوافه حتى يكون صحيحاً؛ لأن الطواف عبادة واحدة فلا يمكن أن تفرق أجزاؤها أشلاًء ينفصل بعضها عن بعض بمقدار خمس وعشرين دقيقة أو أكثر، فالموالاة بين أشواط الطواف شرط لا بد منه، لكن رخص بعض العلماء بمثل صلاة الجنازة أو التعب ثم يستريح قليلاً ثم يواصل وما أشبه ذلك.
س 810: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم إذا أقيمت الصلاة أثناء الطواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أقيمت الصلاة والإنسان يطوف سواء طواف عمرة، أو طواف حج، أو طواف تطوع فإنه ينصرف من طوافه ويصلي، ثم يرجع ويكمل الطواف ولا يستأنفه من جديد؛ ويكمل الطواف من الموضع الذي انتهى إليه من قبل، ولا حاجة إلى إعادة الشوط من جديد، لأن ما سبق بني على أساس
(22/296)

صحيح وبمقتضى إذن شرعي، فلا يمكن أن يكون باطلاً إلا بدليل شرعي.
س 811: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قمت بأداء العمرة مع أهلي وأنا مصابة في ألم بالساق نتيجة إصابتي بكسر يسير والحمد لله، ولكن الآلام تعاودني مع كثرة المشي، وسؤالي هنا يا فضيلة الشيخ هو: أثناء الطواف بدأت أطوف وأجلس قليلاً لأريح قدمي وهكذا ولكن الألم اشتد عليَّ حتى جعلني أترك الشوط الأخير ماذا عليّ الآن وما الحكم إذا كان والدي قد طاف عني في
الشوط الأخير في نفس الوقت؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الطواف الذي وقع من هذه المرأة لم يصح، وإذا لم يصح الطواف لم يصح السعي، وعلى هذا فهي لا تزال الآن في عمرتها، يجب عليها الآن أن تتجنب جميع محظورات الإحرام، ومنه معاشرة الزوج، إن كان لها الزوج، ثم تذهب إلى مكة وهي على إحرامها وتطوف وتسعى وتقصر من أجل أن تكمل العمرة، إلا إذا كانت قد اشترطت عند ابتداء الإحرام "إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني " (1) فإنها قد تحللت الآن، ولكن ليس لها عمرة لأنها تحللت منها.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم والتحليل بعذر المرض (رقم 1207) .
(22/297)

وإنني بهذه المناسبة أنصح إخواني المسلمين من التهاون في هذه الأمور، فإن من الناس الآن من يسأل عن حج أو عمرة لها سنوات أخل فيها بركن وجاء يسأل، سبحان الله إن الإنسان لو ضاع له شاة لم يبت ليلته حتى يجدها، فكيف بمسائل الدين والعلم؟! فأقول: إن الإنسان يجب عليه:
أولاً: أن يعلم قبل أن يعمل.
ثانياً: إذا قدر أنه لم يتعلم وحصل خلل فالواجب المبادرة، لكن بعض الناس يرى أن ما فعله صواباً فلا يسأل عنه، ولكن هذا ليس بعذر؛ لأنه إذا فعل ما يخالف الناس فقد خالف فلابد أن يسأل، إذ إن الأصل أن مخالفة الناس خطأ فلو قدر مثلاً: أن إنسانًا سعى وبدأ بالمروة وختم بالصفا فهذا خالف الناس، وإذا خالف الناس فلا بد أن يسأل، فهو غير معذور في الواقع ما دام فعل ما يخالف الناس فليس معذورا بتأخير السؤال، فعلى المرء أن يسأل ويبادر بالسؤال، وأحياناً لا يسأل ثم تتزوج المرأة أو الرجل وهو على إحرامه، وحينئذ نقول: لا يصح النكاح لابد أن يعاد عقد النكاح، فهذه المرأة لو فرضنا أنها تزوجت بعد أداء العمرة فالنكاح غير صحيح، فيجب أن تذهب وتكمل عمرتها، ثم يعاد العقد؛ لأنها تزوجت وهي على إحرامها فالمسألة خطيرة خطيرة.
س 812: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن شباب ذهبنا إلى مكة للعمرة ووجدنا في أثناء الطواف بعض إخواننا الشباب فخرج منا ثلاثة خارج الحرم في أثناء الطواف لأخذ أغراض منهم
(22/298)

قبل إكمال الطواف ثم رجعوا وأكملوا طوافهم فما حكم عملهم وماذا عليهم الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: عليهم الآن أن يخلعوا ثيابهم ويلبسوا ثياب الإحرام، ويذهبوا إلى مكة لإتمام النسك، لأن نسكهم ما تم، حيث فرقوا في الطواف بين أوله وآخره، ومن شروط صحة الطواف الموالاة بين أشواطه، وهؤلاء لم يوالوا بين أشواطه، وخرجوا أيضاً من المسجد الحرام، وربما تكون السيارة بعيدة، لذلك نقول لهؤلاء الذين خرجوا ثم رجعوا وأتموا: يجب عليكم الآن أن تخلعوا الثياب وتسافروا إلى مكة وتطوفوا الطواف من أوله، وتسعوا، وتقصروا، وتتحللوا.
س 813: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الأفضل للحجاج تكرار الطواف بالبيت؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تكرر الطواف بالبيت ودع الطواف للمعتمرين والحجاج الذين لم يحلوا من أحرامهم، فإذا قال الإنسان: ما الدليل؟ قلنا: الدليل سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة حاجاً حجة الوداع، قدمها في اليوم الرابع من ذي الحجة وبقي قبل الخروج إلى منى أربعة أيام ولم يطف إلا ثلاث مرات فقط، طواف القدوم أول ما قدم، وطواف
الإفاضة يوم العيد، وطواف الوداع حين سافر فقط، ما طاف غير هذا وإذا لم يكن طاف غير سوى ثلاثة أطوفة فلنا فيه أسوة ولا سيما في أوقاتنا هذه زحام شديد والإنسان يؤدي الطواف وكأنه
(22/299)

يطادر الموت فدع المطاف لأهل الطواف، وتطوع بما شئت من الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن وغير ذلك.
س 814: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقول فضيلة الشيخ ذكرتم في إحدى الفتاوى (1) أن من طاف بولده لم يجزىء الطواف حتى يطوف عن نفسه أولاً، ثم يطوف بولده فما دليل ذلك من الكتاب أو السنة؟ وما رأيكم بمن يقول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل للمرأة التي رفعت صبيها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقالت ألهذا حج؟ قال: "نعم " فلم يقل لها بالتفصيل هذا، أرجو إقناع من يعترض على ذلك بهذا الحديث؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً نحن قلنا إن بعض العلماء يقول بهذا، أما رأيى في الموضوع فإنه إذا كان الولد المحمول يعقل النية، وقال له أبوه، أو حامله الذي يطوف، قال له: انو الطواف، فحمله ونوى
الطواف عن نفسه، والحامل نوى الطواف عن نفسه فيجزىء عن الاثنين، وذلك لأن المحمول استقل بنيته، أما إذا كان المحمول لا يعقل النية ونوى الحامل عنه وعن المحمول فلا يمكن أن يكون نيتان في فعل واحد ويجزىء عن اثنين هذا ما نراه في هذه المسألة.
وأما حديث المرأة فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يذكر لها إلا أن له حجة فقط، ولم يقل غير ذلك، فلم يتعرض للطواف، ولا للسعي، ولا للوقوف بعرفة ولا لغيرها، فليس فيه
__________
(1) انظر الفتوى رقم (83) ص (85) ج (21) .
(22/300)

دليل على أنه يجزىء أن يحمل الإنسان صبياً لا يعقل النية ثم يجزيء عنه وعن الصبي.
س 815: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل التكبير عند الحجر الأسود ركن من أركان الطواف، وإذا مررت من عند الحجر الأسود ولم أكبر هل أعيد ذلك الشوط؟
فأجاب فضيلته بقوله: التكبير عند محاذاة الحجر الأسود سنة، وليس بواجب، فلو تركته ولو عمداً فطوافك صحيح.
س 816: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأيكم فيما يفعله كثير من الطائفين الذين يقفون على الخط المحاذي للحجر الأسود لأجل التكبير، ويظنون أنه لابد من التكبير على الخط، وأنه لا يجوز تجاوزه إلا بعد التكبير مما يكون سبباً للزحام ومضايقة الطائفين؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: أقول هذا الخط الذي وضع على قلب الحجر الأسود هو من نعمة الله عز وجل على كل الحجاج والمعتمرين، ذلك لأن الإنسان لا يتيقن محاذاة الحجر بدون هذا الخط، وما أكثر ما كنا نقف هل حاذينا الحجر؟ هل تقدمنا؟ هل تأخرنا؟ لكن لما جاء هذا الخط صرنا نتيقن أن بدأنا الطواف من حيث يبدأ، وانتهينا به من حيث ينتهي.
أما مسألة الوقوف فقد طفنا نحن في أيام السعة، وفي أيام الضيق لم نجد هذا الذي يقوله بعض الناس- وإن كان الحج في
(22/301)

الحقيقة كالبحر أمواج- لكن ما لقينا أحد، بعض العوام ربما يقفون، ولكن مع ذلك إذا كان الزحام شديداً لا يتمكنون من الوقوف طويلاً، لأن الناس يدفعونهم، وكان الناس في الزمن السابق يقفون في مساحة أوسع من هذه المساحة، لأن كل واحد منهم يقول: حاذيت الحجر ويقف ويشير إلى الحجر، أما الآن فانحصر الموقف عند هذا الخط، فأرى أنه من نعمة الله، ومن حسنات الحكومة- وفقها الله عز وجل- وكان بالأول خطان أحدهما عن يمين الحجر والثاني عن يساره، أرادوا به أن يحتاط
الإنسان عند ابتداء الطواف أن يبدأ من الخط اليسار، ويحتاط في انتهاء الطواف فيصل إلى الخط اليمين، وحصل في ذلك إشكال، لأن هذين الخطين يكون الحجر بينهما فيحصل إشكال تجد بعف
الناس يبتدىء من الخط الثاني الأيمن فينقص الشوط الأول، وبعض الناس ينتهي في الشوط الأخير عند الخط الأيسر، فينقص الشوط الأخير ثم بعد ذلك رأى أن تزال الخطان، وأن تجعلا خطاً
واحداً، فإذا أردت أن تعرف ضرورة الناس إلى هذا الخط فانظر منتهاهم عند باب الصفا، فالذي يقف عند منتهاه من عند باب الصفا، يقول: سبحان الله هذا من محاذاة الحجر؛ لأنه يظن أن
محاذاة الحجر قبل هذا بأمتار، وإذا ظن هذا ووقف في الشوط الأخير قبل أن يصل إلى المنتهى ما صح الشوط الأخير فيرجع بدون طواف، فالمهم أن هذا والحمد لله آثاره حسنة جداً وحفظ
للطواف لا نظير له، وإذا وقف الناس ثلاث ثواني فإنهم لا يمكنهم الوقوف طويلاً مع زحام الناس لهم، مع أني وأقول ذلك
(22/302)

مشهداً أياكم على هذا ما رأيت هذا الشيء، بمعنى أن كثيراً منهم يشير بيده وهو ماشي والذي يقف ثواني ولا دقيقة واحدة.
س 817: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يسن الاضطباع في الطواف في الثلاثة أشواط الأول فقط أو في جميع الطواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاضطباع في السبعة أشواط كلها، والذي في الثلاثة الأولى هو الرمل فقط، أما الاضطباع فهو جميع الطواف، ولا اضطباع قبل الطواف ولا بعد الطواف، وهذه المسألة ينبغي لنا أن نعرفها وأن نعلم إخواننا المسلمين، فأكثر المسلمين اليوم من حين أن يحرم تجده مضطبعاً، وهذا ليس من السنة، فالاضطباع لا يكون قبل الطواف ولا بعده، إنما يكون في حال الطواف فقط.
س 818: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكمة من الطواف؟ وما الجواب عما أورده بعض الزنادقة من أن الطواف بالبيت كالطواف على القبور؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكمة من الطواف بيَّنها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (1) .
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب في الرمل (رقم 1888) والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في كيف يرمي الجمار (رقم 902) وقال: هذا حديث صحيح.=
(22/303)

فالطائف الذي يدور على بيت الله تعالى يقوم بقلبه من تعظيم الله تعالى ما يجعله ذاكراً لله تعالى، وتكون حركاته بالمشي والتقبيل، واستلام الحجر والركن اليماني، والإشارة إلى الحجر ذكراً لله تعالى، لأنها من عبادته، وكل العبادات ذكر لله تعالى بالمعنى العام، وأما ما ينطق به بلسانه من التكبير والذكر والدعاء فظاهر أنه من ذكر الله تعالى.
وأما تقبيل الحجر فإنه عبادة حيث يقبل الإنسان حجراً لا علاقة له به سوى التعبد لله تعالى، بتعظيم واتباع رسوله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، كما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه قال حين قبّل الحجر "إني لأعلم أنك حجر لاتضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك " (1) .
وأما ما يظن بعض الجهال من أن المقصود بذلك التبرك فإنه لا أصل له فيكون باطلاً.
وأما ما أورده بعض الزنادقة من أن الطواف بالبيت كالطواف على قبور أوليائهم وأنه وثنية، فذاك من زندقتهم وإلحادهم، فإن المؤمنين ما طافوا به إلا بأمر الله وما كان بأمر الله فالقيام به عبادة لله
تعالى، ألا ترى أن السجود لغير الله شرك أكبر، ولما أمر الله تعالى الملائكة أن يسجدوا لآدم كان السجود لآدم عبادة لله تعالى وكان ترك السجود له كفراً. وحينئذ يكون الطواف بالبيت عبادة من أجل
__________
= وصححه الحاكم (1/459) ووافقه الذهبي.
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود (رقم 1597) ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف (رقم 1270) .
(22/304)

العبادات، وهو ركن في الحج، والحج أحد أركان الإسلام، ولهذا يجد الطائف بالبيت إذا كان المطاف هادئاً من لذة الطواف، وشعور قلبه بالقرب من ربه ما يتبين به علو شأنه وفضله، والله
المستعان. كتبه محمد الصالح العثيمين في 21/1/1406 هـ
س 819: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن في بلاد غير إسلامية يكثر فيها غير المسلمين وكان بينهم وبين المسلمين مناظرة وفي هذه المناظرة أثيرت شبهة وهي أن أهل الكتاب قالوا: إنكم
أيها المسلمون تشركون بالله؛ لأنكم تطوفون بالكعبة ومن ضمنها الحجر الأسود، فكيف نرد على هذه الشبهة علما بأنهم رفضوا قبول النصوص بتاتا؟
فأجاب فضيلته بقوله: نرد على هذه الشبهة بأننا ندور على الكعبة لا تعظيماً للكعبة لذاتها، ولكن تعظيماً لله عز وجل " لأنه رب البيت، وقد قال الله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)) (1) والذين يطوفون بالبيت ليسوا يسألون البيت يقولون: يا أيتها الكعبة أقضي حوائجنا، اغفري ذنوبنا، أرحمينا أبداً، بل هم يدعون الله عز وجل، ويذكرون الله، ويسألون الله المغفرة والرحمة، بخلاف النصارى عابدو الصلبان الذين يعبدون الصليب ويركعون له، ويسجدون له، ويدعونه، ومن سفههم أن الصليب- كما يدعون- هو الذي صلب عليه المسيح عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فكيف يعظمون ما
__________
(1) سورة الحج، الآية: 26.
(22/305)

كان المقصود به تعذيب نبيهم عليه الصلاة والسلام وكيف يعظمونه؟! ولكن هذا من جملة ضياع النصارى وسفاهتهم، على أننا نحن المسلمين لا نرى أن عيسى عليه الصلاة والسلام قتل، أو صلب، لأن ربنا عز وجل يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) (1) وهات أي واحد من المسلمين حقاً يقول: إنه يطوف بالكعبة من أجل أن تكشف ضره، أو تحصل ما يطلب، لن تجد أحداً كذلك.
س 820: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكمة من تقبيل الحجر؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكمة من تقبيل الحجر بينها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- حيث قال: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك " (2) فهذه الحكمة التعبد لله عز وجل باتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تقبيل هذا الحجر، وإلا فهو حجر لا يضر ولا ينفع، كما قال أمير المؤمنين، ومع ذلك فإنه لا يخلو من ذكر الله عز وجل، لأن المشروع أن يكبر الإنسان عند ذلك، فيجمع بين التعبد لله تعالى بالتكبير والتعظيم، والتعبد لله عز وجل بتقبيل هذا الحجر باتباع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبه يعرف أن ما يفعله بعض الناس من كونه يمسح الحجر بيده ثم
__________
(1) صورة النساء، الآية: 157.
(2) تقدم ص 304.
(22/306)

يمسح على وجهه وصدره تبركاً بذلك، فإنه خطأ وضلال وليس بصحيح، وليس المقصود من استلام الحجر أو تقبيله التبرك، بل المقصود به التعبد لله باتباع شريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله
وسلم، وكذلك يقال: استلام الركن اليماني المقصود به التعبد لله باتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث كان يستلمه، ولهذا لا يشرع استلام بقية الأركان فالكعبة القائمة الآن فيها أركان
أربعة: الحجر، والركن اليماني، والركن الغربي، والركن الشمالي، فالحجر يستحب فيه الاستلام والتقبيل فإن لم يمكن فالإشارة، والركن اليماني يسن فيه الاستلام دون التقبيل فإن لم يمكن الاستلام فالإشارة، والركن الغربي والشمالي لا يسن فيهما استلام ولا تقبيل ولا إشارة، وقد رأى ابن عباس- رضي الله عنهما- أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنه- يطوف ويستلم الآركان الأربعة، فأنكر عليه، فقال له معاوية: (إنه ليس شيء من البيت مهجوراً) يعني كل البيت معظم، فقال له ابن عباس: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستلم الركنين اليمانيين- يعنى الحجر الأسود والركن اليماني- (1) فتوقف معاوية- رضي الله عنه- وصار لا يستلم إلا الركنين اليمانيين اتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا واجب على كل أحد سواء كان صغيراً، أو كبيراً، كل الناس أما الشرع سواء، وفيه فضيلة ابن عباس- رضي الله- عنهما وفضيلة معاوية- رضي الله عنه- نسأل
__________
(1) أخرجه بلفظ قريب البخاري، كتاب الحج، باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين رقم (1608) .
(22/307)

الله أن يوفق رعيتنا ورعاتنا لما فيه الخير والسداد والتعاون على البر والتقوى.
س 821: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل السنة الإشارة إلى الحجر إذا لم يستطع الاستلام في كلل شوط باليدين أم بيد واحدة؟ وما حكم المرور بين يدي المصلى في الحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن تشير بيد واحدة فقط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستلمه بيد واحدة، ففي ذلك الإشارة إلى أن تكون الإشارة بيد واحدة وهي اليمنى.
ولا يجوز المرور بين يدي المصلي في الحرم، كما لا يجوز المرور بين يدي المصلي في غيره، والأحاديث الواردة في تحريم المرور بين يدي المصلي عامة لم يخصص منها شيء، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلم المار بين يدي المصلي لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه " (1) وقد فسر أربعين بأنها أربعين سنة لكان خيراً من أن يمر بين يديه، وبإمكان الإنسان أن لا يمر بين
يدي المصلي، بل يمر بينه وبين صاحبه الذي إلى جنبه فيشق الصفوف شقاً، ولا يمر بينها عرضا.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إثم المار بين يدي المصلى (رقم 510) ومسلم، كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي (رقم 507) .
(22/308)

س 822: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الاضطباع ومتى يشرع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاضطباع أن يكشف الإنسان كتفه الأيمن، ويجعل طرفي الرداء على الكتف الأيسر، وهو مشروع في طواف القدوم، وأما في غيره فإنه ليس بمشروع.
س 823: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: متى يكون الاضطباع؟ هل هو من الميقات أو عند بداية طواف القدوم؟ وهل يستر عاتقيه قبل ركعتي الطواف أو بعدهما؟ وهل يشرع الاضطباع في الطواف فقط أم في الطواف والسعي؟ وما الحكم فيمن ترك الاضطباع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاضطباع هو أن يخرج الإنسان الطائف كتفه الإيمن، ويجعل طرف الرداء على الكتف الأيسر، وهو سنة في طواف القدوم خاصة، وليس بواجب فلو لم يفعله الإنسان فلا حرج عليه، ولا يشرع إلا في الطواف، فإذا أتم الطواف قبل أن يصلى ركعتي الطواف ستر منكبه، ويكون في جميع الأشواط السبعة، بخلاف الرمّل فإنه يكون في الثلاثة الأشواط لأولى فقط. ومن ترك الاضطباع فلا شيء عليه.
س 824: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الاضطباع في طواف الوداع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة
(22/309)

والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين: طواف الوداع لا اضطباع فيه؛ لأن الإنسان ليس بمحرم، فالإنسان يطوف طواف الوداع وعليه ثيابه المعتادة، ليس عليه إزار ورداء، وحتى
لو فرض أنه ليس لديه ثياب معتاد كالقميص وأن عليه رداءً وإزاراً فإنه لا يضطبع، لأن الاضطباع إنما هو في الطواف أول ما يقدم الإنسان إلى مكة.
س 825: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: جعلت طواف الإفاضة يقوم مقام طواف الوداع وكان علىَّ إحرامي فاضطبعت في هذه الحال فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا اضطباع، لأن الاضطباع إنما هو في الطواف أول ما يقدم الإنسان إلى مكة كطواف العمرة، أو طواف القدوم.
س 826: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: سبق أن حججت من مدة خمس سنوات أو ست سنوات تقريباً، وبدل أن أعمل السنة في الاضطباع عكست الأمر فجعلت طرف ردائي تحت إبطي الأيسر وغطيت منكبي الأيمن فهل عليّ شيء في ذلك من هدي أو فدي؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليك هدي ولا فدي، فإن كان ذلك نسيانًا منك فنرجو أن يكتب لك الأجر كاملاً؛ لأنك قصدت الفعل وأخطأت في صفته، وإن كان هذا عن تخرص فنرجو الله
(22/310)

تعالى أن يعفو عنك، وأن لا تعود إلى التخرص في الدين، بل تسأل أهل العلم حتى تعبد الله على بصيرة.
س 827: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الاضطباع في طواف الوداع، وسبق أن حججت وعكست الأمر فجعلت طرفي ردائي تحت إبطي الأيسر وغطيت منكبي الأيمن، فهل عليَّ شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: الاضطباع إنما يكون في طواف القدوم وهو الطواف أول مايصل الإنسان إلى مكة، سواء كان طواف عمرة، أو طواف قدوم في حق القارن والمفرد، وليس في طواف الوداع اضطباع لأن الإنسان في طواف الوداع قد لبس ثيابه المعتادة فلا محل للاضطباع هنا، وعلى كل حال فكون هذا الرجل أيضاً يعكس الاضطباع فيبدي الكتف الأيسر بدلا عن الكتف الأيمن هذا أمر هو معذور فيه، والله تعالى يثيبه على نيته، ولكن الفعل لم يحصله فلا ثواب له على الفعل نفسه، إنما له ثواب على النية التي أراد منها أن يوافق الصواب في فعله، ولم يوفق له.
س 828: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل لبس ملابس الإحرام لكنه لم يترك الذراع الأيمن مكشوفاً وغطى الصدر والظهر والذراعين فهل عليه شيء؟ وإذا أمسك بمظلة لحماية رأسه
من الشمس فهل عليه شيء؟ وكذلك لو لبس حزاماً من الجلد حول وسطه فوق الإزار وهو مخيط فهل يؤثر هذا على صحة الإحرام؟
(22/311)

فأجاب فضيلته بقوله: المسألة الأولى إذا لم يكشف كتفه الأيمن، والواقع أن أكثر الحجاج يغلطون في هذه المسألة حيث يكشفون الكتف من حين الإحرام إلى أن يحلوا من الإحرام، وهذا سببه الجهل، وذلك لأن كشف الكتف الأيمن إنما يشرع في حال طواف القدوم فقط، وعلى هذا فإذا أحرمت فإنك تغطي جميع الكتفين حتى تشرع في طواف القدوم، فإذا شرعت في طواف القدوم اضطبعت بأن تكشف الكتف الأيمن، وتجعل طرف الرداء على الكتف الأيسر، فإذا فرغت من الطواف أعدت الرداء على ما كان عليه- أي غطيت الكتفين جميعاً- وبهذا يزول الإشكال الذي ذكره السائل.
وأما المسألة الثانية وهي: حمل المظلة على الرأس وقاية من حر الشمس فإن هذا لا بأس به ولا حرج، ولا يدخل هذا في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تغطية رأس الرجل، لأن هذا ليس تغطية، بل هو تظليل من الشمس والحر، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
كان معه أسامة بن زيد وبلال- رضي الله عنهما- أحدهما يقود به راحلته، والثاني رافع ثوبه يظلله من الشمس، حتى رمى جمرة العقبة (1) وهذا دليل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد استظل بهذا الثوب وهو محرم قبل أن يتحلل.
وأما المسألة الثالثة وهي: وضع الحزام على وسطه فإنه لا بأس به ولا حرج فيه، وقوله (مع أنه مخيط) هذا القول مبني على
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا ... (رقم 1298) .
(22/312)

فهم خاطىء من بعض العامة، حيث ظنوا أن معنى قول العلماء (يحرم على المحرم لبس المخيط) ظنوا أن المراد به ما كان فيه خياطة، وليس كذلك ومراد أهل العلم بلبس المخيط ما كان مخيطاً على قدر العضو، ولبسه على هيئته المعتادة، كالقميص والسراويل والفنيلة وما أشبهها، وليس مراد أهل العلم ما كان فيه خياطة، ولهذا لو أن الإنسان أحرم برداء مرقع أو بإزار مرقع لم يكن عليه في ذلك بأس، وإن كان خيط بعضه ببعض، وعلى هذا يجوز جميع أنواع الأحزمة، وما يسمى منها بالكمر لحفظ النقود وغير ذلك.
س 829: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم فيمن قدّم سعي عمرته على الطواف؟ وما الحكم فيمن بدأ السعي بالمروة وانتهى بالصفا؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الأول: فإن سعيه لا يصح وعليه أن يعيد مرة ثانية، لأنه وقع في غير محله.
أما الثاني: وهو بدأته بالمروة فإنه يلغى الشوط الأول، ويكون الشوط الثاني هو الشوط الأول ثم يتم عليه سبعة.
س 830: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الطواف يومياً تطوعاً وجعله أحياناً للأقارب الأحياء أو الأموات؟
فأجاب فضيلته بقوله: الطواف بلا شك من العبادات قال الله تعالى: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)
(22/313)

والإكثار منه سنة هل الطواف أفضل أم الصلاة أفضل؟ فمنهم من قال: الصلاة أفضل، ومنهم من قال: الطواف أفضل، منهم من فصل وقال: الطواف لغير أهل مكة أفضل، لأنه لا يحصل لهم كل
ما شاءوا، والصلاة لأهل مكة أفضل لأنه متى شاءوا طافوا بالبيت، والصواب أن يقال: انظر ما هو أخشع لقلبك وأنفع، فقد يكون الطواف أحياناً أنفع للإنسان وأخشع للإنسان، ويكون الطواف أفضل، ويكون أحيانا الطواف أخشع للقلب وأنفع للعبد فتكون الصلاة أفضل وفي وقتنا الحاضر كما تشاهدون المطاف يكون مزدحما ويزاحمك فيه النساء، وربما يكون الإنسان ممن لا يملك نفسه فيقع في الفتنة، فإذا انزوى في زاوية من المسجد الحرام وأبعد عن الضوضاء وعن مرور الناس بين يديه وقام يصلى بخشوع وخضوع فإن هذه الصلاة أفضل من الطواف، أما إذا لم يكن هناك فتنة في الطواف ولا مزاحمة نساء وهو بعيد في مثل أوقاتنا هذه وكان يخشع في الطواف أكثر ما يخشع في الصلاة فالطواف أفضل.
س 831: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- الحجر الأسود يطيب فهل يجوز للمحرم أن يمسه ويقبله؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان على الحجر الأسود طيب ويلصق باليد إذا مسه الإنسان فإن المحرم لا يمسه، لأن المحرم لا يجوز أن يمس شيئاً فيه طيب يعلق بيده، لأن هذا تعمد للتطيب والمحرم ممنوع عن التطيب، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجل
(22/314)

الذي وقصته ناقته وهو واقف بعرفة فمات قال: "لا تحنطوه " أي: لا تجعلوا فيه طيباً، فالطيب حرام على المحرم، فإذا تيقن أن في الحجر الأسود طيباً وأنه يعلق باليد فلا يمس الحجر، لكن قد يكون جاهلاً ويمس الحجر ويكون قد طيب ويعلق بيده، ففي هذه الحال يجب عليه فوراً أن يزيل هذا الطيب إما بمسحه بمنديل أو بغير ذلك من الأشياء التي تزيله.
س 832: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- يكون الركن اليماني أو الحجر الأسود مطيبين أحياناً فما حكم استلامهما للمعتمر وهما بهما هذا الطيب؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحجر الأسود والركن اليماني يطيبهما بعض الناس تعظيماً لبيت الله عز وجل، وهو يشكر على هذه النية، لكن إذا كان الطيب لا يعلق باليد وإنما هو رائحة فإنه لا يضر المحرم شيئاً، لأنه لا يعلق بيده، وإن كان الطيب كثيراً بحيث يعلق باليد فليتجنب المحرم استلام الحجر الأسود والركن اليماني، وحينئذ يكون فوت على نفسه سنة من السنن، وسبب تفويت هذه السنة تطيب هذين الركنين، وعلى هذا فيكون الذي يطيبها بطيب يعلق بأيدي الماسحين قد جنا على المحرمين بحرمانهم من هذه السنة، فيكون الذي طيب هذين الركنين أراد خيراً، ولكنه وقع في منع المحرمين من فعل سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهذا ينبغي لمن طيب هذين الركنين أن يمسحهما أولاً حتى لا يبقى إلا الرائحة.
(22/315)

س 833: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- رجل لم يتمكن من استقبال الحجر الأسود من شدة الزحام فنوى إلغاء هذا الشوط وأتى بشوط آخر بدل من هذا الشوط وأتم الأشواط السبعة فهل هذا صحيح؟ وبعض الأشواط استدبر الكعبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: يجب أن نعلم أن استقبال الحجر ليس بواجب فلو مر الإنسان وهو يطوف ولم يستقبل الحجر ولم يشر إليه، ولم يستلمه، فطوافه صحيح، لأن استقبال الحجر ليس بواجب وتقبيله ليس بواجب، ما دام دار سبع مرات على الكعبة فقد تم طوافه، ثم إني أقول: إن هذا الخط البني الذي وضع في محاذاة الحجر المقصود منه العلامة فقط، وليس الوقوف عنده وإنما هو علامة لمبتدأ الطواف ومنتهاه، لأنه لولا هذه العلامة لتشكك الناس: هل أنا ابتدأت من مبتدأ
صحيح أو لا؟ فوضع هذا الخط ليتيقن الإنسان أنه ابتدأ مبتدأ صحيحاً، وليس المراد أن تقف وتدعو، فهذا غلط وقوفك يعوق الطائفين، فلا تقف لأن هذا غير مشروع، وأما كون هذا الرجل الأخ السائل زاد شوطاً من أجل أنه لم يستقبل الحجر فهذا تفقه باطل وجهل مركب، لأنه لا يدري فزاد شوطاً ثامناً بناء على أن هذا هو المشروع، وليس كذلك إذن فهو جاهل جهلاً مركباً والجاهل
البسيط أحسن حالاً من الجاهل المركب، ونحن نضرب مثالاً: سأل سائل متى كانت غزوة بدر؟ فقال المسؤول: كانت في رمضان في السنة الثانية من الهجرة. فهذا صحيح، وهذا الجواب مبني على علم، وسأل سائل: متى كانت غزوة بدر؟ فقال
(22/316)

المسؤول: لا أدري فالمسؤول جاهل لكن جهله بسيط يقول: لا أعلم، لأن الله يقول: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) أنا لا أدري، وسأل سائل ثالث: متى كانت غزوة بدر؟ فقال المسؤول: كانت غزوة بدر في رجب في السنة الثالثة من الهجرة. فهذا جاهل جهلاً مركباً، لأنه أخبر بخلاف الصواب وهو لا يدري أنه أخطأ، فجهله مركب من أمرين: الجهل بالواقع،
والجهل بحاله يظن أنه يدري وهو لا يدري. والجاهل البسيط خير من الجاهل المركب. فعلى كل حال نقول: لهذا الأخ الذي زاد شوطاً ثامناً لعدم استقبال الحجر نقول: إنك إن شاء الله مأجور،
لأنك اجتهدت ولكنك أخطأت والمجتهد إذا عمل العمل فإن الله لا يضيع أجره، خرج رجلان من الصحابة- رضي الله عنهم- فحضرت الصلاة ولم يجدا ماء فتيمما وصليا ثم وجد الماء بعد
الصلاة، أما أحدهما فتوضأ وأعاد الصلاة، وأما الآخر فتوضأ ولم يعد الصلاة، فذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال للذي لم يعد "أصبت السنة". وقال للآخر: "لك الأجر مرتين " (1) ، فالذي أصاب السنة لا شك أنه أصح، أما الثاني فأجر لأنه عمل العمل يظنه واجباً عليه فأجره الله على عمله لكنه لم يصب السنة، ولهذا لو أن الإنسان بعد أن بلغه هذا الحديث ذهب وأعاد الصلاة بعد أن تيمم وصلاها، لقلنا: إنه لا أجر لك؛ لأنك علمت أن الصلاة لا تعاد.
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المتيمم يجد الماء (338) .
(22/317)

ص 834: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان الإنسان يطوف وسلم عليه أحد فهل يرد عليه؟ وإذا أطال الحديث فماذا يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا سلم عليك إنسان وأنت تطوف فقل عليك السلام، ولو صار يحدثك: أنا سافرت من أهلي وأتيت إلى مكة وأحرمت عند الميقات، وفعلت وفعلت، واشغلك عن الطواف. فتقول: يا أخي دعني أنا في عبادة، لكن لو سألك إنسان سؤال مضطر فقال: ما تقول فيما إذا طفت ودخلت مع باب الحجر، فذا تجيبه؛ لأن هذا ضرورة ولا بأس.
ص 835: هل يجوز للطائف أن يقرأ القرآن وهو يطوف بالمصحف أو عن ظهر قلب، ولو قال: أنا أريد أن أقرأ القرآن بصوت مرتفع وبتجويد أيجوز أو لا يجوز؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للإنسان أن يرفع صوته بالقرآن ليشوش على الآخرين، ولا في الدعاء من باب أولى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج على أصحابه ذات يوم وهم يقرءون ويجهرون بالقراءة فقال: "لا يؤذي بعضكم بعضاً بالقراءة" لا تجهر به فتؤذي غيرك، فكيف بالدعاء؟ ربما يكون صوتك قوياً فاتق الله، قال الله تبارك تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) وأنت إذا دعيت وجهرت على إخوانك شوشت عليهم لا يدرون ماذا يقولون، فأتق الله يا أخي واعلم أن الله يسمع وإذا كان يسمع
(22/318)

فلماذا ترفع صوتك هذا الرفع؟! ثم إني أقول: هؤلاء الذين يرفعون أصواتهم ليسمعهم من خلفهم إن هؤلاء الذين يدعون خلفهم- وأظن والعلم عند الله- أن هذا الذي يجيب الداعي برفع الصوت لا يدري ما يقول وإنما يمشي معه ويتبعه بدون دليل، والمشروع للمسلمين في الطواف وفي المسعى أن يدعوا ربهم تضرعاً وخفية، تضرعاً في القلوب، وخفية في اللسان بدون صوت مزعج، وإذا أتى الإنسان إلى المطاف في غير أيام المواسم والناس يدعون الله كل يدعو لنفسه يخفى ويتضرع فيجد
لذة عظيمة في الطواف، وكذلك في السعي تجد هذا لذلك جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (1) . فينبغي للحجاج أن يتأملوا في هذا الحديث ويفكروا لا أن يأتوا من بلادهم تاركين أهليهم وأولادهم وباذلين الأموال الكثيرة من أجل أن يأتوا ويؤدوا هذا الحركات وهذه الأقوال دون أن تتأثر القلوب نسأل الله تعالى أن يجعل حجنا مبروراً، وذنبنا مغفوراً، وسعينا مشكوراً، وأن يجعلنا أخوة صادقين متألفين في دين الله.
__________
(1) تقدم ص 303.
(22/319)

س836: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: أديت فريضة الحج في عام مضى ولكن حينما دخلنا الحرم بقصد الطواف والسعي للعمرة كان معنا أحد إخواننا ممن سبقونا بأداء
الفريضة وبعد أن طفنا أربعة أشواط اعترض طريقنا، وقال: يكفي هذا الطواف. فقلت له: الذي أعرف أن الطواف سبعة أشواط.
فقال: الطواف حول الكعبة أربعة أشواط والباقي في المسعى وفعلاً اتجهنا إلى المسعى وسعينا سبعة أشواط وأكملنا بقية مناسك الحج فما الحكم في عملنا هذا وهل يلزمنا شيء لتصحيحه الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الفتوى التي أفتاكم بها هذا الرجل فتوى غلط وخطأ، وهو بهذا آثم؛ لأنه قال على الله ما لا يعلمه، ولا أدري كيف يجرؤ هذا على مثل هذه الفتيا بدون علم ولا برهان؟! أن يتوب إلى الله من هذا الأمر، وأن لا يفتي إلا عن علم بإدراكه لكتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - إن كان أهلاً لذلك، وإما بتقرير من يثق به من العلماء، وأما الفتوى هكذا فلا ينبغي بل لا يجوز أن يفتي بغير علم لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)) (1) ، وقال سبحانه وبحمده: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)) (2) . وما أكثر الذين يفتون فتاوى بغير علم ولا سيما في الحج، ولكن عليهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل، وأن لا يتجرؤا
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(2) سورة الإسراء، الآية: 36.
(22/320)

على الفتوى إلا بعلم؛ لأن المفتي يعبر عن حكم الله عز وجل ويقول على الله وفي دينه فعليه أن يتقي الله تعالى في نفسه، وفي عباد الله، وفي دين الله تبارك وتعالى، وينبغي لكم أنتم- أيها السائل ومن معه- حين قال لكم: إن أربعة أشواط تكفي أن لا تعتدوا بقوله، وقد كان عندكم شبهة " لأنه لابد من سبعة أشواط، ولو أنكم سألتم في ذلك الوقت لأخبرتم بالصواب، ولكن مع الأسف إن كثيراً من الناس يتهاون في هذه الأمور، ثم إذا مضى الوقت وانفلت الأمر جاء يسأل.
وأما الجواب عن مسألتكم هذه: فإن عمرتكم لم تصح؛ لأنكم لم تكملوا الواجب في طوافها، فيكون حلكم منها في غير محله وإحرامكم للحج يكون إحراماً بحج قبل تمام العمرة، وتكونون في هذا الحال قارنين، بمعنى أن حكمكم حكم القارن؛ لأنكم أدخلتم الحج على العمرة، وإن كان إدخالكم هذا بعد الشروع في الطواف لكن هذا الطواف لم يكن صحيحاً حينما قطعتموه قبل إكماله، فيكون حجكم حج قران بعد أن أردتم التمتع، ويكون الهدي الذي ذبحتموه هدياً عن القرآن لا عن
التمتع، ويكون عملكم هذا مجزئاً ومؤدياً للفريضة فريضة الحج وفريضة العمرة، وأما ما فعلتموه بعد التحلل من العمرة فإنه لا شيء عليكم فيه، لأنكم فعلتموه عن جهل، والجاهل لا شيء عليه إذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام؛ لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) ولقوله عز وجل: (وَلَيْسَ
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(22/321)

عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (1) إلا أنني ألومكم حيث قصرتم في عدم السؤال في حينه ولو أنكم سألتم حين أنهيتم أعمال العمرة حتى يتبين لكان هذا هو الواجب
عليكم.
س 837: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو طواف القدوم وما كيفيته؟
فأجاب فضيلته بقوله: طواف القدوم هو الطواف بالبيت العتيق أول ما يقدم مكة، فإن كان محرماً بالحج مفرداً فهذا طوافه طواف سنة وليس بواجب، ودليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله عروة بن المضرس- رضي الله عنه- وهو في مزدلفة في صلاة الصبح سأله بأنه لم يدع جبلاً إلا وقف عنده، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حج وقضى تفثه " (2) ولم يذكر عروة أنه طاف بالبيت، فدل هذا على أن طواف القدوم للحاج المفرد سنة وليس بواجب.
وكذلك من طواف القدوم إذا طاف للعمرة أول ما يقدم سواء كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج، أو كان محرماً بعمرة مفردة،
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(2) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب من يدرك عرفة (رقم 195) والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع (رقم 891) وابن ماجه، كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل فجر ليلة جمع (رقم 3016) وابن خزيمة (رقم 2820) والحاكم، 1/463 وصححه الترمذي والحاكم.
(22/322)

فإن هذا الطواف -القدوم- كان ركناً في العمرة يسمى طواف القدوم أيضاً؛ لأنه متضمن لطواف العمرة الذي هو الركن، ولطواف القدوم، وهذا بمنزلة من يدخل المسجد فيصلي الفريضة، فتكون هذه الفريضة فريضة وتحية المسجد في آن واحد.
كذلك يكون لمن حج قارناً لأن الحاج القارن أفعاله كأفعال المفرد تماماً إلا أنه يمتاز عنه بأنه يحصل على نسكين، وأنه يجب عليه الهدي هدي التمتع، لقول الله تبارك وتعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) (1) وقد ذكر العلماء أو أكثرهم أن القارن كالمتمتع، وبعضهم أطلق على القارن اسم المتمتع.
س 838: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: لقد أحرمت بالعمرة وأديت مناسكها غير أني طفت بالبيت الحرام أكثر من سبع مرات؛ لأنني كنت مشغولة بالدعاء، ولا أستطيع حصر
العدد، فكنت أعد من الأول في كل مرة وتقريباً طفت أكثر من عشرين مرة، وقلت في نفسي: أطوف أكثر من باب الخير، فهل هذا يجوز وهل عمرتي صحيحة أم غير صحيحة نرجو التوضيح
يافضيلة الشيخ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأولى بالمسلم والأجدر به أن يكون
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(22/323)

مهتماً بعبادته، وأن يكون حاضر القلب فيها حتى لا يزيد فيها ولا ينقص، ومن المعلوم أن المشروع في الطواف أن يكون سبعة أشواط فقط بدون زيادة، ولا تنبغي الزيادة على سبعة أشواط، ولكن إذا شك هل أتم سبعة أو ستة ولم يترجح عنده أنها سبعة فإنه يأتي بواحد أي بشوط واحد يكمل به الستة، ولا ينبغي أن يزيد عن العدد الذي شرعه الله عز وجل، في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكون الإنسان يشتغل بالذكر والدعاء في الطواف لا يمنع أبداً أن يكون حاضر القلب في عدد الطواف، لكن لو فرض أن الإنسان زاد على سبعة أشواط فإن طوافه لا يبطل، لانفصال كل شوط عن الآخر، بخلاف الصلاة فإنه لو صلى الرباعية خمساً لم تصح صلاته لأنها جزء واحد، فإنه في صلاة من حين أن يكبر يدخل في تحريم الصلاة إلى أن يسلم، أما الطواف فإن كل شوط مستقل بنفسه وإن كان سبعة أشواط متوالية، لكن إذا زاد ثمانية أو تسعة أو عشرة فإن ذلك لا يبطل الطواف.
س 839: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم خاص بالرجال أم عام للنساء والرجال؟ وهل يشرع الرمل في الشوط كله أو بعضه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الرمل خاص بالرجال، فالنساء لا يسن في حقهن الرمل، ولا السعي الشديد بين العلمين في المسعى.
وهو خاص بالأشواط الثلاثة الأولى، ويستوعب جميع
(22/324)

الشوط، يعني من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، لأنه آخر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع (1) ، أما في عمرة القضية فكانوا يرملون من الحجر إلى الركن اليماني، ويمشون ما بين الركنين لأجل إغاظة قريش (2) ، وقد كانت قريش في الجهة الشمالية من الكعبة فإذا اختفى الصحابة- رضي الله عنهم- صاروا يمشون مشياً، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع رمل في الأشواط كلها أي الأشواط الثلاثة الأولى كلها.
س 840: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الطواف والسعي عبادة مستقلة أو هما جزء من العمرة والحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الطواف بالبيت عبادة مستقلة تارة، وجزء من عبادة تارةً أخرى، فهو جزء من الحج والعمرة، وعبادة مستقلة يتعبد لله تعالى به في كل وقت بدون إحرام.
وأما السعي بين الصفا والمروة فليس عبادة مستقلة، بل هو جزء من العبادة، جزء من الحج والعمرة، ولا يتعبد لله تعالى به وحده بدون حج ولا عمرة.
س 841: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن تزاحم النساء علي الحجر ومزاحمة الرجال واختلاطهن بالرجال؟
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1218) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب كيف كان بدء الرمل (رقم 1602) ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف في الحج والعمرة (رقم 1266) .
(22/325)

فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن التزاحم على الحجر إلى هذا الحد المشاهد خلاف السنة، هؤلاء الذين يتزاحمون هذا الزحام على الحجر هل يكون في قلوبهم خشوع واستحضار أنهم يقيمون ذكر الله؟! أبداً، بل رأينا من الجهال من هو في صلاة الفريضة يقوم يركض قبل أن يسلم الإمام من أجل أن يقبل الحجر ولا يطوف أيضاً، وتقبيل الحجر بدون طواف ليس مشروعاً فيما نعلم؛ لأن تقبيل الحجر من مسنونات الطواف لكن الجهل يغلب على الناس.
س842: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تقبيل الحجر الأسود مشروع بدون طواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يظهر لي أن تقبيل الحجر الأسود من سنن الطواف، وأن تقبيله بدون طواف ليس بمشروع.
س843: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يحصل الزحام الشديد لتقبيل الحجر فهل هذه مشروع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الزحام لتقبيل الحجر غير مشروع وغير مسنون، فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعمر: "إنك رجل قوي فلا تزاحم، فتؤذي الضعيف، إن وجدت فرجة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر" (1) والزحام يحصل به أذية على الطائف
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند (1/28) والبيهقي (5/80) وحسنه محققو المسند الشيخ شعيب الأرناؤوط وإخوانه (1/321 رقم 190) .
(22/326)

وعلى الآخرين، ويذهب عن القلب الخشوع الذي يراد للعبادة؛ لأنه يكون مشغولاً بنفسه لا يدري هل يستطيع الخروج أو لا، فلذلك نرى أنه ليس من السنة أن تزاحم لتقبيل الحجر، والحمد لله
يكفي عن التقبيل أن تشير إليه.
س 844: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يلاحظ التحلق على النساء في المطاف حتى يستدبر بعضهم الكعبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: التحلق على النساء في المطاف صورته: إذا كانوا يطوفون يتحلقون على النساء حتى إن بعضهم يمشي في الطواف وقد جعل الكعبة خلف ظهره، والثاني جعل الكعبة أمام وجهه، وكلا الرجلين لا يصح طوافه؛ لأنه لابد أن يكون البيت عن يسارك وأنت تطوف، فلذلك يجب التنبه لهذا.
س 845: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رأيت بعض الطائفين يدفع نساءه لتقبيل الحجر فأيهما أفضل تقبيل الحجر أو البعد عن مزاحمة الرجال؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا السائل رأى هذا الأمر العجيب، فأنا رأيت أمراً أعجب منه، رأيت من يقوم قبل أن يسلم من الفريضة ليسعى بشدة إلى تقبيل الحجر، فيبطل صلاته الفريضة
المفروضة التي هي أحد أركان الإسلام، لأجل أن يفعل هذا الأمر الذي ليس بواجب، وليس ابمشروع أيضاً إلا إذا قرن بالطواف، وهذا من جهل الناس الجهل المطلق الذي يأسف الإنسان له،
(22/327)

فتقبيل الحجر واستلام الحجر ليس بسنة إلا في الطواف، لأني لا أعلم أن استلامه مستقلاً عن الطواف من السنة، وأنا أقول في هذا المكان- المسجد الحرام- لا أعلم، وأرجو ممن عنده علم خلاف ما أعلم أن يبلغنا به جزاك الله خيرا.
إذا فهو من مسنونات الطواف، ثم إنه ليس بمسنون إلا حيث لا يكون بذلك أذية لا على الطائف ولا على غيره، فإن كان في ذلك أذية على الطائف أو على غيره، فإننا ننتقل إلى المرتبة الثانية
التي شرعها لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحيث إن الإنسان يستلم الحجر بيده ويقبل يده. فإن كانت هذه المرتبة لا يمكن أيضاً إلا بأذى أو مشقة فإننا ننتقل إلى المرتبة الثالثة التي شرعها لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي الإشارة إليه، فنشير إليه بيدنا، لا بيدينا الاثنتين، ولكن بيدنا الواحدة اليمنى نشير إليه ولا نقبلها هكذا كانت سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وإذا كان الأمر أفضع وأشد كما يذكر السائل أن الإنسان يدفع نساءه وربما تكون المرأة حاملاً، أو عجوزاً، أو فتاة لا تطيق، أو صبياً يرفعه بيده ليقبل الحجر، كل هذا من الأمر المنكر، لأنه يحصل بذلك ضرر على الأهل، ومضايقة ومزاحمة للرجال، وكل هذا مما يكون دائراً بين التحريم أو الكراهة، فعلى المرء أن لا يفعل ذلك ما دام الأمر ولله الحمد واسعاً فأوسع على نفسك، ولا
تشدد فيشدد الله عليك.
(22/328)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله ورعاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
لقد وصلني نسخة مما كتبته إحدى الأخوات في مسائل تتعلق بالنساء خصوصاً في رمضان، ومن ضمن ذلك مسألة خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، وأن ذلك قد أُلغِيَ بسبب وجود السترة في هذه الأزمان، وزمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس فيه سترة، وقد قرضتم تلك النصيحة.
وحيث إنه مر علينا في قراءتنا لمناسك الحج هذه الأيام مسألة الرمل في الأشواط الثلاثة من طواف القدوم، وأن سببه إظهار القوة والجلد عند المشركين في تلك العمرة، ورد ما قالوه من ضعف المسلمين من حمى يثرب. وحيث إن هذه العلة زالت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والحكم باقٍ إلى قيام الساعة. فما الذي يزيل الحكم في مسألة صفوف النساء إذا زال سببه علماً بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر السبب؟ بينوا لنا وجه الصواب. وفقكم الله وسدد
خطاكم، ونفع بكم الإسلام والمسلمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(22/329)

بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
مسألة الرمل بقيت المشروعية فيه في حجة الوداع مع زوال السبب، بل زيد في ذلك ما بين الركنين اليماني والأسود، حيث كان قبل ذلك لا رمل فيما بينهما، وقد صح في البخاري أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه قال: "مالنا وللرمل إنما كنا راءينا به المشركيين، وقد أهلكهم الله " ثم قال: "شيء صنعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا نحب أن نتركه " (1) ثم إن من حكمة بقاء هذه السنة أن يتذكر المسلمون أن إغاظة الكفار من الأمور المقصودة شرعاً، وأن الكفار أعداء للمسلمين يحبون لهم الضعف والعجز، ويظهرون الشماتة فيهم، نسأل الله أن يخذلهم وينصرنا عليهم.
أما من جهة صفوف النساء فلم تتغير الحال في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا فهمنا الحكمة من حثهن على التأخر بعدهن عن الرجال كما كن يصلين مع الرجال في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا صلين وحدهن عادت فضيلة الصف الأول كما لو صلين جماعة فإن الصف الأول في حقهن أفضل، هذا ما تبين لي والعلم عند الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه
محمد الصالح العثيمين
في 19/11/1410 هـ
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب في الرمل (رقم 1887) .
(22/330)

س 846: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم أن الطائف يشرع له في طوافه أن يقبل الركن الأسود إن أمكن وإلا يلمس أو يكبر وهذا في الشوط الأول فما حكم بقية الأشواط؟ وما
الحكم لو لم يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: جميع الأشواط حكمها واحد، وإن لم يفعل فليس عليه شيء، لأن التكبير والتقبيل والمسح سنة، والمقصود الطواف.
س 847: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا انتهى الإنسان من الشوط السابع في الطواف فهل يسن له استلام الحجر والتكبير؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يسن له استلام الحجر، ولا التكبير في نهاية الشوط الأخير، لأن الطواف انتهى، والاستلام والتكبير إنما هما في أول الشوط لا في آخره.
س 848: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك ذكر مشروع عند مسح الركن اليماني؟
فأجاب فضيلته بقوله: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستلمه ولم يكن يكبر كما ثبت ذلك من حديث جابر- رضي الله عنه- (1) وعلى هذا فلا يسن التكبير عند استلامه.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1218) .
(22/331)

س 849: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الدعاء المشروع للطائف بين الركن اليماني والحجر الأسود؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشروع: أن يقول: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أما تكملة الدعاء (وأدخلنا الجنة مع الأبرار) . فهذا لا أصل له، وبعضهم يزيد: (يا عزيز يا غفار يارب العالمين) وهذا لا أصل له.
ولكن إذا قدر أن الإنسان قال هذا الدعاء ولم يصل إلى الحجر بأن كان المطاف مزحوماً مثلاً، فإنه يكرر هذا الدعاء مرة بعد أخرى حتى يصل إلى الحجر الأسود.
س 850: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة للركن اليماني كثير من الناس وخاصة أيام الزحام لا يستطيعون أن يمسحوه فيكبرون إذا حاذوه فما حكم التكبير والإشارة إليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا التكبير لا أعلم له أصلاً، ولا أعلم للإشارة أصلاً أيضاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا لم يعلم لذلك أصل لا لأشارة ولا لتكبير، فإن الأولى أن لا يكبر الإنسان ولا يشير.
وأما الحجر الأسود فقد ثبت فيه التكبير والإشارة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبما أننا نتحدث عن الطواف فإن من البدع أيضاً ما يوجد في هذه الكتيبات التي تجعل لكل شوط دعاء خاصاً، فإن هذا ليس وارداً عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا ينبغي للمسلم التزامه ولا العمل به أيضاً؛ لأن كل شيء لم يرد عن الرسول عليه الصلاة
(22/332)

والسلام مما يتعبد لله به فإنه بدعة ينهى عنها، وهو كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "كل بدعة ضلالة" ولو أن الإنسان اتخذ دعاء عاماً مما وردت به السنة غير مخصص بكل شوط، لقلنا: إن هذا لا بأس به، بشرط أن لا يعتقد مشروعيته في الطواف، ولو أن الإنسان دعا لنفسه بما يريد وذكر الله تعالى بما يحضره من الأذكار المشروعة لكان هذا أولى فالوجوه إذن ثلاثة: تارة يذكر الإنسان ربه بما تيسر ويدعوه بما يحب، هذا خير الأقسام، وتارة يذكر الله تعالى بما ورد ويدعوه بما ورد غير مقيد بشوط معين فهذا لا بأس به إذا لم يعتقد الإنسان أنه سنة في الطواف، والقسم الثالث: أن يدعو الله سبحانه وتعالى في كل شوط بدعاء مخصص له فهذا بدعة، ولا ينبغي للإنسان أن يتخذه ديناً يتقرب به إلى الله عز وجل، وهذه الطريقة يحصل بها في الحقيقة مفسدة من الناحية العملية- غير الناحية الاعتقادية والمشروعية- وهي أن كثيراً ممن يأتون بهذا الدعاء لا يفهمون
معناه ولا يدرون، ولهذا نسمعهم أحياناً يأتون بالعبارة على وجه تكون دعاءً عليهم لا دعاءً لهم، لأنهم لا يفهمون ولا يعرفون، وأحياناً يكونون غير عرب فلا يعرفون الحروف العربية فيكسرونها
ويغيرون معناها، ولهذا لو أن علماء المسلمين وجهوا إلى الطريق السليم، وقالوا: إن هذا الطواف لا حاجة إلى أن تدعو بهذه الطريقة التي ليست من السنة، وإنما تدعون الله تعالى بما تحبون أنتم، ولكل إنسان رغبة خاصة ومطلب خاص يسأله ربه، لكان هذا أولى وأحسن، وأسلم أيضاً من هذا التهويش الذي يحصل
(22/333)

برفع الأصوات، وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه وهم يصلون ويجهرون فقال - صلى الله عليه وسلم -: "كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة" أو قال: "في القرآن " (1) والحديث رواه مالك في الموطأ، وهو صحيح كما قاله ابن عبد البر، وعلى هذه فنسلم إذا تجنبنا هذه الطريقة التي عليها كثير من الحجاج اليوم نسلم من التشويش، ويكون الطواف هادئاً، ويكون خاشعاً، وكل إنسان يدعو ربه بما يريد، وأسأل الله تعالى أن يحقق ذلك للأمة
الإسلامية.
س 851: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك دعاء خاص لمناسك الحج والعمرة من طواف وسعي وغيرهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك دعاء خاص بالحج والعمرة بل يقول الإنسان ما شاء من دعاء، ولكن إذا أخذ بما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو أكمل، مثل الدعاء بين الركن اليماني والحجر الأسود: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) وكذلك ما ورد من الدعاء في يوم عرفة، وما ورد من الذكر على الصفا والمروة وما أشبه ذلك، فالشيء الذي
يعلمه من السنة ينبغي أن يقوله، والشيء الذي لا يعلمه، يكفي عنه ما كان في ذهنه مما يعمله، وهذا ليس على سبيل الوجوب أيضاً، بل هو على سبيل الاستحباب.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (2/36) وصححه محققو المسند الشيخ شعيب وإخوانه (8/523 رقم 4928) .
(22/334)

وبهذه المناسبة أود أن أقول: إنما يكتب في المناسك الصغيره التي تقع في أيدي الحجاج والعمار من الأدعية المخصصة لكل شوط، أقول: إن هذا من البدع، وفيها من المفاسد ما هو معلوم فإن هؤلاء الذين يقرؤنها يظنون إنها أمر وارد عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يعتقدون التعبد بتلك الألفاظ
المعينة، ثم إنهم يقرؤنها ولا يعلمون المراد بها، ثم إنهم يخصون هذا الدعاء بكل شوط، فإذا انتهى الدعاء قبل تمام الشوط كما يكون في الزحام سكتوا في نهاية الشوط، وإذا انتهى الشوط قبل انتهاء هذا الدعاء قطعوا الدعاء وتركوه، حتى لو أنه قد وقف على قوله (اللهم) ولم يأتِ بما يريد قطعه وتركه، وكل هذا من الأضرار التي تترتب على هذه البدعة، وكذلك ما يوجد في هذه المناسك
من الدعاء عند مقام إبراهيم، فإن هذا لم يرد عن النبي عليه السلام والسلام أنه دعا عند مقام إبراهيم وإنما قرأ حين أقبل عليه (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (1) وصلى خلفه ركعتين، وأما هذا الدعاء الذي يدعون به يشوشون به على المصلين عند المقام فإنه منكر من جهتين:
الأولى: أنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهو بدعة.
الثانية: أنهم يؤذون به هؤلاء المصلين الذين يصلون خلف المقام.
وغالب ما يوجد في هذه المناسك مبتدع: إما في كيفيته، وإما في وقته، وإما في موضعه. نسأل الله الهداية.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 125.
(22/335)

س 852: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم التزام دعاء معين لكل شوط من أشواط الطواف أو السعي؟ وما حكم ترديد بعض الأدعية وراء المطوف بصوت مرتفع إذا حصل من رفع
الصوت تشويش على المصلين والطائفين وغيرهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك دعاء معين لكل شوط، بل تخصيص كل شوط بدعاء معين من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وغاية ما ورد التكبير عند استلامِ الحجر الأسود وقول: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)) بين الركن اليماني والحجر الأسود، وأما الباقي فهو ذكر مطلق وقرآن ودعاء لا يخصص به شوط دون آخر.
وأما الدعاء من شخص يتبعه فيه نفر خلفه، أو عن يمينه، أو عن شماله فلا أصل له أيضاً من عمل الصحابة- رضي الله عنهم-.
وأما رفع الصوت به فإن كان فيه تشويش على الطائفين وإزعاج لهم فيكون منهياً عنه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه وقد سمعهم يقرأون جهراً وهم يصلون في المسجد فقال- عليه الصلاة والسلام- "لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن " أو قال: "في القراءة" (1) فهكذا نقول لهؤلاء الطائفين لا تجهروا على الناس فتؤذوهم، ولكن كل يدعو بما يحب، ولهذا لو أن هؤلاء
المطوفين وجِّهوا إلى أن يقولوا للناس: طوفو فكبروا عند الحجر الأسود وقولوا: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً
__________
(1) تقدم ص 318.
(22/336)

وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) وادعوا بما شئتم في بقية الطواف، واذكروا الله، واقرأوا القرآن وصاروا يتابعونهم على هذا، لكان هذا أحسن، وأفيد للناس، لأن كل إنسان يدعو ربه بما يحتاج إليه، وهو يعرف المعنى الذي يتكلم به بخلاف ما يفعله المطوفون الآن بالدعاء الذي لا يعرفه الداعي خلفه، فلو سألت هذا الداعي خلف المطوّف ما معنى ما يقول؟ لم يفدك -في الغالب- فكون الناس يدعون ربهم دعاء يعرفون معناه ويستفيدون منه خير من هذا.
س 853: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم في القراءة من كتاب المناسك التي تخصص لكل شوط دعاءً؟
فأجاب فضيلته بقوله: القراءة من الكتيبات التي توزع كل شوط له دعاء معين هذا بدعة بلا شك، وهو إشغال للمسلمين عما أتوا من أجله وهو دعاء الله عز وجل، فالإنسان يقرأ الكتيب وربما
لا يدري ما معناه لا يدري وهو كذلك، وسمع بعضهم وهو يقول: (اللهم أغنني بجلالك- بالجيم- وعن جرامك) ولا يدري ما معنى ما يقول، وسمع بعضهم وهو يقول: اللهم أعطنا في الدنيا حسنتوا، وفي الآخرة حسنتوا من أجل حرف العطف ولا يدري، صد المسلمين عن دعائهم الذي يريدون بلية، وهل من المعقول أن تقرأ دعاء لا تدري ما معناه، أو أن تدعو الله بشيء في قلبك تريده من أمور الدنيا والدين، إن الثاني أولى ادع الله بما تريد، كل إنسان يريد حاجة، الفقير يريد غنى والمريض يريد صحة، والشاب يريد زوجة، وهكذا كل إنسان له غرض، والعجيب أنه
(22/337)

إذا وصل إلى حد الحجر لو باقي كلمة واحدة من الدعاء وقف لو قال (ربنا آتنا) ووصل الحجر فلا يقول (في الدنيا حسنة) لأنه انتهى الشوط، وربما ينتهي الدعاء قبل تمام الشوط فيسكت، وهذا شيء نسمعه ونسمع به أيضاً، فوصيتي لكم أن تنهوا عن هذه الكتيبات وان تناصحوا عباد الله فإن ذلك من باب النصيحة لله ولكتابه، ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللأئمة المسلمين وعامتهم.
س 854: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: ما حكم هذا الكتاب الذي يستخدمه الناس للقراءة منه أثناء الأشواط في العمرة أو الحج ولم يرد هذا الدعاء الذي فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
فأجاب فضيلته بقوله: السائل يشير إلى مناسك صغيرة يقوم بها بعض الحجاج والعمار مكتوب فيها لكل شوط: دعاء: الشوط الأول، دعاء الشوط الثاني، دعاء الشوط الثالث.. الخ، وهذه بدعة باتفاق الفقهاء، بدعة لا تزيدك من الله إلا بعداً، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
ولذلك أقول للأخ السائل: إن استعمال هذه الأدعية لا تزيد الإنسان من الله إلا بعداً ولا تزيده إلا ضلالة، لكن قد يقول الطائف ماذا أقول؟ فنقول: اسأل ربك تبارك وتعالى ما تريد فلك حاجات
في نفسك تريد الدعاء بها لأهلك، ولأخوانك المسلمين فادع ما شئت، ليسأل أحدكم ربه حتى شراك نعله. وإذا كان نفد ما عندك
(22/338)

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سئمت اقرأ القرآن فالأمر واسع، أما أن تحمل هذه البدعة تتقرب بها إلى الله فهذا خطأ. ثم إن في هذه الكتيبات من الأدعية ما ليس بمشروع أصلاً، ومنها ما لا يعرف معناه من قرأه، حتى ما يعرف معناه، حتى نسمع في بعض الأحيان أناسا يقلبون الكلمات، وأنا سمعت رجلاً يريد أن يقول: (اللهم اغنني بحلالك عن حرامك) فقال: (اللهم اغنني بجلالك) ولا أدري هل قال عن حرامك أو قال عن جرامك المهم أنه أخطأ؛ لأنه لا يدري ما يقول ولا يعرف معناه.
س 855: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان المعتمر أو الحاج لا يعرف إلا القليل من الأدعية فهل يقرأ من كتب الأدعية في طوافه وسعيه وغير ذلك من المناسك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن الحاج أو المعتمر يكفيه من الأدعية ما يعرفه، لأن الأدعية التي يعرفها يدعو بها وهو يعرف معناها يسأل الله حاجته فيها، وأما إذا أخذ كتاباً أو مطوفاً يلقنه ما لا يدري عنه فإن ذلك لا ينفعه، وكثير من الناس يتبعون المطوف بما يقول وهم لا يدرون معنى ما يقول:- وكثير من الناس يأخذ هذه الكتيبات ويقرؤها وهو لا يدري ما معناها، وهذه الكتيبات التي فيها لكل شوط دعاء معين هي من البدع التي لا يجوز للمسلم أن يستعملها؛ لأنها ضلالة؛ والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوقت لأمته دعاءً لكل شوط وإنما قال - صلى الله عليه وسلم - "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر
(22/339)

الله " (1) إذا كان كذلك فإن الواجب على المؤمن الحذر من هذه الكتيبات، وأن يسأل الله حاجته التي يريدها، وأن يذكر الله بما يستطيع وبما يعرف فذلك خير له من أن يستعمل هذه الكتيبات
التي قد لا يعرف معناها، بل قد لا يعرف لفظها فضلاً عن معناها.
س 856: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لو قال قائل سأحمل كتيباً لأتذكر الأدعية ولا أجعلها ديدناً لي بل مجرد التذكر أو أحمل ورقة مكتوب فيها بعض الأدعية المأثورة للتذكر فقط فما
حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا بأس فيه، فإذا كان الإنسان لا يعرف دعاء مأثورا، وأراد أن يحمل أدعية مأثورة يقرأ بها يكون مقصوداً له ولم يخصص كل شوط بدعاء معين فهذا لا بأس به.
ولا حرج فيه.
س 857: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأيكم في استئجار مطوف يطوف بالمعتمر والحاج؟
فأجاب فضيلته بقوله: المطوف هادي ودال؛ لأنه يهدي الناس كيف يصنعون، ويدلهم ماذا يقولون وماذا يعملون، ولهذا ينبغي أن يكون على جانب من الفقه، وعلى جانب من الأمانة، ليس كل من هب ودب يصح أن يكون مطوفاً، بل لابد أن يكون على جانب من الفقه والأمانة، لكي لا يغرهم جهلاً أو عمدا،
__________
(1) تقدم ص 303.
(22/340)

وينبغي أن لا يشارط على العمل، يعنى لا يقول لا أطوفك إلا بكذا وكذا، بل يطوف وأن أعطى أخذ، وأن لم يعط لم يطلب؛ لأنه هادي ودليل ومعلم.
وبهذه المناسبة أرى كثيراً من الحجاج بأيديهم كتيبات بها أدعية ما أنزل الله بها من سلطان: دعاء للشوط الأول، ودعاء للثاني، ودعاء للثالث، والرابع إلى آخره، وحتى إني سمعت معتمرًا يقول (اللهم اجعله حجاً مبروراً) فأمسكته وقلت له (أنت حاج وإلا معتمر) فأنبهر وقال: لا أنا معتمر. فقلت أما الآن حاج؛ لأنك تقول: اللهم اجعله حجاً مبروراً. فعدل العبارة، فقال: أنا أردد خلف المطوف فقلت للمطوف: كيف تقول للناس اللهم اجعله حجاً مبروراً وهم لم يحجوا؛ قال:
سيحجون إن شاء الله. قلت: إذا حجوا فقل لهم حجاً مبروراً، أما الآن لا تقل حجاً مبروراً هذا خطأ، قل: اللهم اجعلها عمرة مقبولة، فالحمد لله فعل وتابع، فهذه مشكلة إذا كان المطوف جاهلاً لا يدري، وهذه الكتيبات فيها أدعية لكل شوط ولهذا تجد بعضهم إذا صار المطاف ضيقاً ينتهون من الدعاء قبل أن يصلوا إلى الركن اليماني فماذا يصنعون، إن كانوا فقهاء أعادوا من جديد، وإن
كانوا غير فقهاء سكتوا يبقى يطوف بلا دعاء وإذا وصل الحجر الأسود قبل أن ينتهي الشوط قطع الكلمة، وإذا قال (اللهم ارزقني الجنة) ووصل الحجر على حد قوله (اللهم ارزقني) حذف كلمة
(الجنة) لأنه انتهى الشوط ولا يمكن أن يأتي بالدعاء زائداً على الشوط، ولهذا أرى من واجب طلبة العلم أن ينبهوا الناس على
(22/341)

هذا الشيء، ويقال: يا أخي أنت تقرأ الآن في كتاب لا تدري معناه ربما يحرف فيه الكلام وهذا ليس قرآناً نتعبد بتلاوته ادع الله بما شئت، لكن يجيبك بكل سهولة: أنا لا أجيد الدعاء. فنقول: قل
ما تعرف، قل اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار وكلنا يعرف هذا لو تكررها مئة في الشوط فلا مانع. وكل الناس الذين يدعون الله ويعبدون الله يريدون دخول الجنة والنجاة من النار،
- نسأل الله أن يحقق هذا لنا جميعاً- كل الناس في عباداتهم يريدون الجنة والنجاة من النار، فلو أن الناس نبهوا لهذا الأمر لكان حسناً، في المسعى أيضاً نسمع بعِض الناس إذا صعد إلى الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) وإذا صعد المروة قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) وإذا جاء الصفا المرة الثانية قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) وإذا جاء الثانية إلى المروة قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) هكذا سبع مرات، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قرأها على الصفا وعلى المروة ولا مرة واحدة، يقول جابر - رضي الله عنه- فلما دنا من الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ابدأ بما بدأ الله به (1) .
. لم يقل: فلما صعد الصفا، والدنو من الشيء ليس صعوداً علِي الشيء، لما دنا يعني قرب قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ليبين للناس لماذا تقدم إلى الصفا دون المروة، ليبين أنه فعل ذلك امتثالاً لأمر الله فقط، ولهذا قال: (أبدأ بما بدأ الله به) أذن لا يشرع أن أقرأ هذه الآية وأنا فوق الصفا، وإن إذا دنوت من
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1218) .
(22/342)

الصفا، ولا تشرع في كل مرة بل في أول مرة فقط. وهناك غلط آخر يقول: (حجر إسماعيل) ويعتقد أن هذا الحجر حجره إسماعيل عليه الصلاة والسلام، والذي يسمع هذه العبارة يظن أن إسماعيل هو الذي بناه، وليس كذلك والذي بنته قريش، فإن قريشاً لما بنت الكعبة قصرت النفقة ما كان عندهم نفقة فقالوا: ماذا نصنع وقرروا أن يقطعوا بعض الكعبة ويبنون البقية التي قدروا عليها، والباقي أحاطوه بجدار حجر، وبجدار فسمي الحجر ولهذا لا تجد لا في السنة ولا في كلام السلف تسمية هذا بحجر إسماعيل، لكن الخطأ من العامة فإسماعيل عليه الصلاة والسلام لا يدري عنه ولا عرف الكعبة إلا كلها مبنية؛ لأن قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام تشمل أكثر الحجر، فهذه من
الغلطات أيضاً، فينبغي لطلبة العلم أن يبينوا للناس مثل هذه الأمور ولكن باللطف واللين.
س 858: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يلاحظ في الوقت الحاضر بشكل ظاهر كثرة استخدام الجوال عند تأدية المشاعر خاصة في الحرم في الطواف والسعي فما توجيهكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله أديت العمرة في رمضان ولا رأيت في هذا إشكالاً، وحضرت المساجد في الجماعة ولا رأيت إشكالاً، وأنا أتعجب من كثرة السؤال في هذا الموضوع والإشكالات، حتى إني سمعت من بعض الناس أن الإمام يقول:
(22/343)

اعتدلوا استوو، طفوا البياجر، وكلاماً هذا معناه، فالمسألة لم تصل لهذا إطلاقاً (1) ، لكن لا شك أن الإنسان إذا عرف أن الاتصالات عليه كثيرة وإبقاؤه الهاتف، أو البيجر مفتوحاً لا شك أنه يؤذي، فهذا نقول: قفلها حتى لا يؤذى، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج على أصحابه- رضي الله عنهم- وهم يقرؤون القرآن ويجهرون بالقرآن فنهاهم عن ذلك وقال: "لا يؤذين بعضكم بعضاً في الجهر بالقراءة" فكيف بهذه الأصوات؟! وعلى كل حال من عرف بنفسه أن الاتصالات تكثر عليه فيقفل هذا الأجهزة.
س 859: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يلاحظ على بعض الحجاج والمعتمرين:
1- الحديث والضحك والممازحة أثناء السعي.
2- يلاحظ الحديث بالجوال والضحك أثناء الطواف.
3- يلاحظ أن بعض الناس لا يكتفي برد السلام بل يسترسل في الحديث عن أمور الدنيا. فما حكم السلام ورده أثناء الطواف؟
فنأمل من فضيلتكم التكرم بالتوضيح والبيان حول ما تقدم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:
1- السعي من شعائر الله تعالى، لقول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) فهو من شعائر الله المشروعة في الحج والعمرة، وهو عبادة من العبادات، واللائق بالمسلم إذا كان في
__________
(1) انظر الفتوى التالية.
(22/344)

عبادة أن يكون وقوراً خاشعاً لله سبحانه وتعالى، مستحضراً عظمة من يتعبد له، ومستحضراً بذلك الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (1) فكون الإنسان يعبث ويضحك ويصوت فهذا، وإن كان لا يبطل السعي، لكنه ينقصه نقصاً بالغًا، وربما يصل إلى درجة الإبطال إذا فعل ذلك استخفافاً بهذا المشعر أو بهذه الشعيرة، ولهذا يروى: "الطواف بالبيت
صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير ".
2- الكلام في الطواف أشد من الكلام في السعي؛ لأن الطواف مشروع في كل وقت، والطهارة فيه واجبة، أو شرط على قول جمهور العلماء، وأما السعي فإنما يشرع في العمرة، أو في الحج ويقول الله عز وجل: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (2) ويقول تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (3) والأفضل للإنسان أن يشتغل في طوافه وسعيه بالدعاء وذكر الله عز وجل.
3- السلام ورده لا بأس به لأنه من الخير، وأما كونهم يسترسلون في الحديث، فهذا لا ينبغي، ثم إن كان الأمر توسع حتى حصل بيع أو شراء كان ذلك محرماً؛ لأن البيع والشراء في المساجد حرام، لاسيما في أفضل المساجد وهو بيت الله الحرام.
__________
(1) تقدم ص 303.
(2) سورة الحج، الآية: 30.
(3) سورة الحج، الآية: 32.
(22/345)

س 860: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم المناقشة العلمية بين شخصين فأكثر في أثناء الطواف أو السعي؟
فأجاب فضيلته بقوله: المناقشة العلمية في الطواف أو السعي لا بأس بها، لا تبطل الطواف ولا السعي، لكن الأفضل أن يشتغل الإنسان بالذكر؛ لأن الطواف ينتهي ويزول، والمناقشة لها وقت، أما الإجابة الخاطفة على سؤال من الأسئلة في أثناء الطواف أو السعي فإنها لا يفوت بها شيء ما لم يكثر السائلون، ولهذا نقول: لا حرج على الإنسان إذا سأله سائل في الطواف أن يقول: انتظر حتى أفرع من الطواف من أجل أن يفرِّغ نفسه للذكر.
س 861: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا نسي الرجل كم طاف حول الكعبة أو كم سعى ستة أو سبعة فماذا يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الطواف فنسيانه وارد، يطوف الإنسان فلا يدري هل هذا الخامس، أو السادس، أو السابع، وإذا شك فإن كان عنده غلبة ظن فليبني على غلبة الظن، مثلاً: إذا غلب على ظنه إنها سبعة أشواط يجعلها سبعة وينهي الطواف، وإذا غلب على ظنه أنها ستة يجعلها ستة، أما إذا لم يغلب على ظنه شيء بل هو شك محتمل فليبني على الأقل؛ لأنه يقين، فإذا شك هل هي خمسة أو ستة بدون أن يرجح فليجعلها خمسة.
أما السعي فالخطأ فيه قليل لأن فيه علامة فإن ختمت بالصفا فأنت إما زائد شوطاً وإما ناقص شوطاً، وإن ختمت بالمروة فأنت أما مصيب، أو زائد، أو ناقص على كل حال نقول فيه ما قلنا في
(22/346)

الطواف إذا غلب على ظنك أحد العددين فاعمل به وإذا كان الشك متساوياً فخذ بالأقل.
س 862: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا شك الإنسان في الطواف فهل يسجد للسهو باعتبار أن الطواف بالبيت صلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يسجد؛ لأنه لا يتعبد في الطواف بالسجود، فإذا كان الأصل ليس فيه سجود، فكيف إذا كان فيه شك؟! كيف يجبر بالسجود وهو أصلاً ليس فيه سجود؟!.
س 863: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة بدأت الطواف للعمرة فنقص عليها شوط كامل جهلاً منها بعد أن ضاع وليها فماذا عليها؟
فأجاب فضيلته بقوله: عليها إن وجدت وليها عن قرب أن تأتي بما نقص من أشواط، واحداً كان، أو أكثر، وأما إذا لم تجده إلا بعد مدة تنقطع بها الموالاة فإن عليها أن تعيد الطواف من جديد؛ لأن الطواف عبادة واحدة لابد أن يكون متوالياً، ولا يسمح بقطعه إلا إذا أقيمت الصلاة المفروضة، أو حضرت جنازة، أو تعب فاستراح قليلاً ثم استأنف وأكمل.
س 864: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة حجت مع زوجها حج تمتع وفي الشوط السادس من طواف العمرة قال زوجها إنه السابع وأصر على رأيه فهل عليها شيء؟
(22/347)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت هي تتيقن أنها في الشوط السادس وأنها لم تكمل الطواف، فإن عمرتها لم تتم حتى الآن؛ لأن الطواف ركن من أركان العمرة، ولا يمكن أن تتم العمرة إلا به. فإذا أحرمت بالحج بعدُ صارت قارنة، لأنها أدخلت الحج على العمرة قبل انتهائها، وإن حصل عندها شك حين رأت زوجها مصمماً على أن هذا هو الشوط السابع، فإنه لا شيء عليها؛ لأنه
إذا حصل عندها شك وعند زوجها اليقين فإنها ترجع إلى قول زوجها لترجحه. والله أعلم.
س 865: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من نسي شيئاً من أشواط الطواف أو السعي؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا نسي الإنسان شيئاً من أشواط الطواف والسعي فإن ذكر قريباً أتم ما بقي عليه، فلو طاف ستة أشواط بالبيت ثم انصرف إلى مقام إبراهيم ليصلي، وفي أثناء انصرافه ذكر أنه لم يطف إلا ستة أشواط، فإنه يرجع من الحجر الأسود ليأتي بالشوط السابع ولا حرج عليه، أما إذا لم يذكر إلا بعد مدة طويلة، فإن كان الطواف طواف نسك وجب عليه إعادة الطواف من جديد؛ لأن طوافه الأول لم يصح لكونه ناقصاً، ولا يمكن بناء ما تركه على ما سبق بدون الوصل بينهما، فيستأنف الطواف من جديد، وهكذا نقول في السعي أنه إذا نسي شوطاً من السعي فإن ذكر قريباً أتى بالشوط الذي نسيه، وإن طال الفصل أستأنفه من جديد، هذا إذا قلنا: إن الموالاة في السعي شرط، أما
(22/348)

إذا قلنا: إنها ليست بشرط، كما هو قول بعض أهل العلم فإنه يأتي بما نسي ولو طال الفصل، ولكن الأحوط أن يبدأ السعى من جديد إذا طال الفصل؛ لأن ظهور كون الموالاة شرط أبلغ من عدم كونها شرطاً.
س 866: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ماذا يفعل الحاج أو المعتمر إذا أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو السعي؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أقيمت الصلاة وهو في الطواف أو السعي فإنه يدخل مع الجماعة، وإذا انتهت الصلاة أتم الشوط من حيث وقف، ولا يلزمه أن يأتي به من أول الشوط، فإذا قدر أنه
أقيمت الصلاة وهو في منتصف الشوط الثالث من السعي فليقف مكانه ويصلي، ثم إذا سلم الإمام أتم السعي من مكانه، وإن لم يكن حوله أحد يصلي معه في المسعى، فإنه يتقدم ويصلي حيث يجد من يصافه، وإذا سلم من الصلاة خرج إلى المسعى وأتم من المكان الذي قطعه منه ولا يلزمه أن يعيد الشوط من ابتدائه، وهكذا في الطواف لو أقيمت الصلاة وأنت بمحاذاة الحجر من الناحية الشمالية مثلاً فإنك تصلي في مكانك؛ فإذا انتهت الصلاة أتم الشوط من المكان الذي وقفت فيه، ولا حاجة أن تعيد الشوط من الحجر الأسود.
س 867: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يلزم الحاج أو المعتمر قطع الطواف أو السعي للصلاة؟
(22/349)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت الصلاة فريضة وجب عليه أن يقطع الطواف أو السعي ليصلي؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وقد رخص للإنسان أن يقطع سعيه من أجلها فيكون خروجه من
السعي أو الطواف خروجاً مباحاً، ودخوله مع الجماعة دخولاً واجباً، أما إذا كانت الصلاة نافلة كما لو كان ذلك في قيام الليل في التراويح في رمضان فلا يقطع السعي أو الطواف من أجل ذلك،
لكن الأفضل أن يتحرى فيجعل الطواف بعد القيام أو قبله، وكذلك السعي لئلا يفوت على نفسه فضيلة قيام الليل مع الجماعة.
س 868: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في أثناء الطواف يشاهد بعض الناس يتمسحون بجدران الكعبة وكسوتها وبالمقام والحجر فما حكم ذلك العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا العمل يفعله الناس يريدون به التقرب إلى الله عز وجل والتعبد له، وكل عمل تريد به التقرب والتعبد لله ليس له أصل في الشرع فإنه بدعة حذر منه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إياكم ومحدثات الأمور، وكل بدعة ضلالة" (1) ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه مسح سوى الركن اليماني والحجر الأسود، فإذا مسح الإنسان أي ركن من أركان الكعبة، أو جهة من جهاتها غير الركن اليماني والحجر الأسود فإنه يعتبر مبتدعاً، ولما رأى عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- معاوية بن أبي سفيان
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة (867) .
(22/350)

- رضي الله عنه- يمسح الركنين الشماليين نهاه، فقال له معاوية - رضي الله عنه- ليس شيء من البيت مهجوراً فقال ابن عباس - رضي الله عنهما- (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، وقد
رأيت الرسول عليه الصلاة والسلام يمسح الركنين اليمانيين) يعنى الركن اليماني والحجر الأسود، فرجع معاوية رضي الله عنه إلي قول ابن عباس لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (1) ومن باب أولى في البدعة التمسح بمقام إبراهيم فإن ذلك لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه تمسح بأي جهة من جهات المقام، وكذلك ما يفعله بعض الناس من التمسح بزمزم،
والتمسح بأعمدة الرواق وغير ذلك مما لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام فكل ذلك بدعة وكل بدعة ضلالة.
س 869: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الذين يتمسحون بأستار الكعبة ويدعون طويلاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: هؤلاء أيضاً عملهم لا أصل له في السنة، وهو بدعة يجب على طالب العلم أن يبين لهم هذا، وأنه ليس من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأما الالتزام بين الحجر الأسود وباب الكعبة فهذا قد ورد عن الصحابة- رضي الله عنهم- فعله، ولا بأس به لكن ما يحدث من مزاحمة والضيق كما يشاهد اليوم فلا ينبغي على الإنسان أن
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 21.
(22/351)

يفعل ما يتأذى به غيره في أمر ليس من الواجبات.
س 870: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الالتزام هل هو تعلق بهذا الجزء بين الحجر الأسود والبيت أم أنه وقوف ودعاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، هو وقوف والتصاق، يلصق الإنسان يديه وذراعيه ووجهه، أو خده على هذا الجدار.
س 871: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في عام مضى حججنا متمتعين وفي أحد الأطوفة لا أتذكر بالضبط هل هو طواف العمرة أو الإفاضة أو الوداع طفنا من داخل الحجر جهلاً منا بعدم
جواز ذلك ولا نتذكر عدد الأشواط التي حصل فيها الطواف من داخل الحجر، وقد حججنا بعد ذلك وتلافينا ما حصل، فماذا يجب علينا تجاه ما حصل في الحج السابق مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عندي جواب على هذا.
س 872: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة وزوجها أخذا عمرة وطافا ستة أشواط وفي الشوط السابع دخلا ما بين الكعبة والحجر ثم رجعا إلى بلدهما. فما الحكم في هذه الحالة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الطواف الذي يدخل فيه الإنسان بين الحجر وبين الكعبة طواف ناقص، لأن الواجب أن يكون الطواف بجميع الكعبة مع الحجر لقول الله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ
(22/352)

الْعَتِيقِ) (1) وإذا كان طوافاً ناقصاً لم يكن عليه أمر الله ورسوله. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (2) أي مردود عليه.
وبهذا يتبين أن طواف هذين الشخصين- الرجل وزوجته- طواف غير صحيح، فيجب عليهما الآن، فوراً أن يلبسا ثياب الإحرام، وأن يذهبا إلى مكة فيطوفا بنية العمرة، ويسعيا ويقصرا، أو يحلق الرجل وتقصر المرأة. وبذلك يحلان من إحرامهما. هذا هو الواجب عليهما الآن.
وأما ما ارتكباه من فعل المحظور وهو صادر عن جهل منهما فلا إثم عليهما فيه ولا فدية، لقول الله تبارك وتعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (3) وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى قال: (قد فعلت) (4) .
س 873: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الرجل والمرأة في السؤال السابق عرفا أن العمرة باطلة ومع ذلك يرتكبان كثيراً من المحظورات بعد علمهما أنها باطلة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا عن جهل أيضاً، لأنهما ظنا أنها بطلت وحلا منها، كما أن الصلاة إذا بطلت خرج الإنسان منها، فهو أيضاً صادر عن جهل، لكن لو علما أنها باطلة وأنهما ما زالا
__________
(1) سورة الحج، الآية: 29.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة (1718) .
(3) سورة البقرة، الآية: 286.
(4) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق (رقم 126) .
(22/353)

محرمين وفعلا شيئاً من المحظورات لزمهما ما يترتب على فعل ذلك المحظور.
س 874: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم طواف من دخل مع وسط حجر إسماعيل بحيث يضع حجر إسماعيل على يمينه والكعبة على يساره؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً تعبير السائل بحجر إسماعيل خطأ، لأن هذا الحجر ليس لإسماعيل ولا يعرفه إسماعيل- عليه الصلاة والسلام- وهذا الحجر إنما كان من فعل قريش حين أرادوا بناء الكعبة فلم يجدوا أموالاً تكفي لبنائها على أساسها الأول على قواعد إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- فاحتجر منها هذه الجهة، ولهذا سُمِّي الحجر، وتسمى الحطيم أيضاً، لأنه حطّم من الكعبة، وأكثر هذا الحجر من الكعبة، وعلى هذا فإذا طاف الإنسان من دونه بأن دخل من الباب الذي بينه وبين البناية القائمة وخرج مما يقابل فإن شوطه لم يتم؛ لأن الشوط لابد فيه من استيعاب الكعبة والحجر أيضاً، وعلى هذا فمن طاف على هذا الوجه فإن طوافه غير صحيح فعليه إعادته، ولا يترتب عليه ما يترتب على الطواف فلا يحصل به التحلل إذا كان التحلل يتوقف عليه.
وإنني بهذه المناسبة أود أن أنبه أنه يجب على من أراد الحج أو العمرة أن يتعلم أحكامهما قبل أن يدخل فيهما لئلا يقع في مثل هذا الخطأ العظيم.
(22/354)

س 875: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل حاج وفي طواف الإفاضة دخل مع حجر إسماعيل فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: طواف الإفاضة مشكلة فهذا معناه أن الرجل الآن حل التحلل الأول فقط، ويجب عليه أن يذهب إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، ثم إن شاء أحرم من الميقات بعمرة وطاف وسعى وقصر، ثم طاف طواف الإفاضة عن حجة السابق، وإن شاء طاف طواف الإفاضة فقط ورجع.
ثم إننا ننصح إخواننا الحجاج وغيرهم أن يبقوا مدة بدون سؤال، وقد يتعلل بعض الناس فيقول: ما طرأ على بالي أني أخطأت، لكن بعد ما سمعت من الناس عرفت الخطأ، فنقول: نسأل الله أن يعين هؤلاء، ويعين العلماء أيضاً؛ لأن هذه تحدث مشاكل عند العلماء، ولذلك لو سألت عالمين أو ثلاثة تجد بينهم اختلافاً في الإجابة.
ثم إن السائل يقول: (حجر إسماعيل) وهذا غلط هنا ليس حجر إسماعيل ولم يعلم به ولم يدفن به، هذا الحجر لما هدمت قريش الكعبة وأرادت أن تبنيها قصرت عليهم النفقة فأرادوا أن يخرجوا بعض الكعبة من البناء، ورأوا أن الجهة الشمالية أولى؛ لأن ليس فيها الحجر الأسود فحطموها وأخرجوا منها نحو ستة أذرع ونصف، وأما إسماعيل- عليه الصلاة والسلام- فلا علم له به ولم يدفن به ولا يمكن أن يدفن به وهو بيت الله عز وجل الذي يأمه المسلمون من جميع أقطار الدنيا فتكون قبلتهم قبر آدمي.
(22/355)

س 876: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل انتقض وضوؤه في الطواف هل يعيد الطواف من البداية أم يبدأ من الشوط الذي انتقض فيه الوضوء؟ وهل هذا الحكم ينطبق على السعي بين الصفا والمروة.
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أحدث الإنسان في أثناء الطواف فمن قال من العلماء: إن الوضوء شرط لصحة الطواف قال: يجب عليه أن ينصرف ويتوضأ ويعيد الطواف من أوله؛ لأن الطواف بطل بالحدث، ومن قال: إنه لا يشترط الطهارة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- قال: إنه يستمر ويكمل بقية الطواف ولو كان محدثاً؛ لأنه ليس هناك دليل صحيح صريح في اشتراط الوضوء في الطواف، وإذا لم يكن هناك دليل صريح صحيح فلا ينبغي أن نبطل عبادة شرع فيها الإنسان إلا بدليل شرعي، ثم إننا في هذه العصور المتأخرة لو أوجبنا على هذا الذي أحدث أثناء الطواف في أيام المواسم، وقلنا: اذهب وتوضأ وارجع ثم ذهب وتوضأ ورجع وبدأ من الأول فانتقض وضوؤه نقول اذهب وهكذا والمشقة لا يتصورها الإنسان إلا من وقع فيها، فمتى يخرج من صحن الطواف، ثم متى يجد ماءً يسيراً تناوله، فالحمامات كلها مملوءة، ثم إذا رجع متى يدخل؟ وإلزام الناس بهذا المشقة الشديدة بغير دليل صحيح صريح يقابل الإنسان به ربه يوم القيامة ليس جيداً، ولهذا نرى أن الإنسان إذا أحدث في طوافه لا سيما في هذه الأوقات الضنكة أنه يستمر في طوافه، وطوافه صحيح، وليس عند الإنسان دليل يلاقي به ربه إذا شق على عباده
(22/356)

في أمر ليس فيه شيء واضح، غاية ما هنالك (الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام وهذا لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو موقوف على ابن عباس- رضي الله عنهما- ومعلوم أن الطواف يفارق الصلاة ليس في أن الله أباح فيه الكلام، بل في أشياء كثيرة
ليس في أوله تكبير للإحرام ولا في آخره تسليم، ولا فيه قراءة قرآن واجبة، ويجوز فيه الأكل والشرب وأشياء كثيرة يخالف فيها الصلاة.
س 877: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل طاف بالبيت طواف الإفاضة وخلال الطواف أحدث ثم ذهب فتوضأ فرجع فأكمل الطواف بدون استئناف الطواف ظناً منه أن هذا الفعل صحيح فماذا عليه الآن أثابكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: الطواف الذي أحدث فيه ثم ذهب فتوضأ إذا قلنا: بأن الطهارة شرط للطواف فإن طوافه الذي حصله فيه الحدث بطل، وبناء آخره على الأول لا يصح، وعلى هذا
فيعتبر الآن غير طائف طواف الإفاضة، أما إذا قلنا: بأنه لا يشترط للطواف الوضوء فإننا ننظر هل طال طلبه للماء ووضوؤه استغرق وقتاً طويلاً، فإن طوافه لم يصح أيضاً؛ لأنه يشترط للطواف
الموالاة أما إذا كان وجد الماء قريباً ثم توضأ ورجع بسرعة فطوافه صحيح.
(22/357)

س 878: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: أديت الحج العام الماضي، وأكملت شعائر الحج، غير أني في طواف الوداع انتابني القيء قبل دخولي الحرم، وكنت لا أعرف أن القيء
ينقض الوضوء، فقمت بتأدية الطواف وصليت ركعتين عند مقام إبراهيم، فهل حجي كامل؟ أم علىّ فدية؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: نقول إن القيء لا ينقض الوضوء؛ لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك الدم غير الخارج من السبيلين، والقاعدة أن كل ما خرج من البدن من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، وعلى هذا فطوافك صحيح، وكذلك صلاتك ركعتي الطواف خلف المقام صحيحة، وليس عليه فدية، وحجك تام، والله الموفق.
س 879: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل في طواف الوداع في الشوط الثاني أحس أنه دعس على شيء أكرمكم الله مثل البراز في المطاف فشك وفي الشوط الخامس حصل أن الناس
انزاحوا وكلهم يقولون: نجاسة! نجاسة! فحضر عمال النظافة ونظفوا المكان، وفي الطواف كانت زحمة شديدة فعندما انتهى من الطواف رجع وتوضأ ثم صلى ركعتين فما حكم الطواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: الطواف صحيح ولا شيء فيه والنجاسة لا توجب الوضوء وإنما تغسل فقط، وإذا كان الإنسان على وضوئه بقي على وضوئه.
(22/358)

س 880: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الطهارة في الطواف شرط؟
فأجاب فضيلته بقوله: جمهور العلماء على أن الطهارة شرط في الطواف لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام واختار شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- أنها ليست بشرط وأنه يجوز للمحدث حدثا أصغر أن يطوف وطوافه صحيح، واستدل بأدلة قوية من راجعها تبين له أنه الحق، وحديث (الطواف بالبيت صلاة) (1) لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما هو موقوف على ابن عباس وأراد ابن عباس- والله أعلم- أن له حكم الصلاة في كون الإنسان يخشع فيه ويذكر الله وما أشبه ذلك، لأن قوله (إلا أن الله أباح فيه الكلام) لا ينطبق فالطواف يجوز فيه الكلام، ويجوز فيه الأكل والشرب، ويجوز فيه السرعة وعدم السرعة، ولا يشترط فيه استقبال القبلة بل لو استقبل الكعبة ما صح طوافه، وليس فيه الفاتحة، ولا تكبيرة
الإحرام، ولا سلام، فكلام شيخ الإسلام في هذا أقرب إلى الصواب، ولكن مع ذلك لا نقول للإنسان: إن طوافه بوضوء وبغير وضوء سواء، بل بالوضوء أفضل بلا شك، وإنما أحياناً يحدث مع الزحمة الشديدة إما بغازات أو بإطلاق بول أو ما أشبه ذلك، فهنا لا يستطيع الإنسان أن يلزم عباد الله فيقول له: اذهب وتوضأ وأعد الطواف، في هذه الزحمة الشديدة متى يجد ماء
__________
(1) أخرجه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الكلام في الطواف (960) ، انظر نصب الراية (3/57) والتلخيص الحبير (174) .
(22/359)

يتوضأ به، والمواضع كلها مملوءة، ثم إذا توضأ ورجع هل يؤمن أن لا يحدث؟
لا يؤمن، فيمكن يحدث مرة ثانية، فإذا قلنا: بطل وضوؤك اذهب وتوضأ وذهب متى يجد مكاناً يتوضأ فيه فإذا توضأ وعاد لا يؤمن أن يحدث مرة ثالثة وهلم جرا، فإن جاء شيء لم يتبين في الكتاب والسنة أنه واجب لا سيما مع مشقة التحرز فينظر في إلزام الناس به.
س 881: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الطهارة في الطواف واجبة إذا كان هناك ازدحام شديد؟
فأجاب فضيلته بقوله: أكثر العلماء على أنها واجبة وأن الإنسان إذا طاف محدثاً فلا طواف له، وإذا أحدث أثناء الطواف فيجب عليه الخروج، لكن يرى شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- أنها ليسب واجبة وأن الطواف على طهارة أكمل وأفضل لكن ليست الطهارة بواجبة، ولا شك أن كلام شيخ الإسلام في الوقت الحاضر في أيام الزحام هو الأنسب؛ لأنه أحياناً في طواف الإفاضة في الحج يحدث الإنسان رجلاً كان أو امرأة في أثناء الطواف، فعلى رأي جمهور العلماء يجب أن يخرج من الطواف
ويتوضأ، وعلى رأي الشيخ- رحمه الله- يستمر في طوافه ويكمل ما عليه، ولا شك أن هذا القول أرفق بالناس؛ لأنه لا دليل على أن الطواف لابد فيه من الوضوء، فعلى رأي الشيخ- رحمه الله-
يستمر ويكمل ولا شيء عليه، وهذا الذي نراه ونفتي به، وعلى
(22/360)

رأي الجمهور إذا قلنا: اذهب توضأ فسيعاني من الزحام للخروج، وإذا طلع من الزحام فسيعاني من الزحام في دورات المياه، لأن الحمامات كلها مزحومة من الناس، وإذا قدر وتوضأ ثم رجع يطوف وأحدث، نقول: اذهب ثانية، وكلما رجع وأحدث، قلنا اذهب، وهذا وارد في أيام الزحام كثير من الناس لا يتحمل الزحام إطلاقاً ويصيبه الحدث إما قطرة من بوله تخرج، وإما ريح، فنحن نقول؛ فتوانا أن الأفضل وبلا شك أن يطوف على طهارة لأنه إذا طاف سيصلي ركعتين بعد الطواف، وهذا لابد أن يكون على طهارة، لكن في حال المشقة نرى أنه لا بأس أن يطوف على غير طهارة، كذلك لو جاءنا إنسان وأخبرنا أنه طاف على غير طهارة فلا نقول: هل فيه مشقة أو لا؟ نقول الطواف صحيح.
س 882: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لو انتقض الوضوء في أثناء الطواف فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا انتقض وضوء الطائف فإن الواجب عليه أن يخرج من الطواف فيتوضأ ثم يعود ويستأنف الطواف من جديد هذا ما عليه جمهور العلماء؛ لأن من شرط الطواف الطهارة، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- إذا انتقض وضوؤه وهو يطوف فإنه يستمر في طوافه ولا يلزمه الوضوء؛ لأن الطواف ليس من شرطه الوضوء، وما قاله شيخ الإسلام- رحمه الله- هو الصحيح؛ لأنه ليس هناك دليل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أن الطواف يشترط له الطهارة، غاية ما فيه أن الرسول عليه
(22/361)

الصلاة والسلام حين أراد أن يطوف توضأ ثم طاف، وهذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب، كذلك أيضاً في حديث عائشة - رضي الله عنها- لما حاضت قال عليه الصلاة والسلام: "افعلي
ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت " (1) وهذا لأنها حائض، والحيض يلوث المسجد في الغالب، وأيضاً الحائض لا تمكث في المسجد، وكذلك الجنب لا يمكث في المسجد، أيضاً حديث صفية- رضي الله عنها- أنها حاضت بعد الحج فقال: "أحابستنا هي "؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال "فانفروا" (2) فهو دليل على أنها لو كانت حائضاً ما طافت، فيقال: الحيض غير الحدث الأصغر، ولو كانت الطهارة واجبة في الطواف لكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينها للناس؛ لأن كثيرًا من الناس قد لا يكونوا، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام- رحمه الله- وهو الصحيح وهو الذي نفتي به، لكنه لا شك أنه أن كون الإنسان يطوف على طهارة أفضل وأحوط وأبرأ للذمة، لكن أحياناً يقع شيء لا يستطيع الإنسان ويشق عليه، مثل أيام الزحمات الكبيرة يحدث ولو قلنا: اذهب وتوضأ فذهب وتوضأ ثم رجع فسوف يستأنف ثم في أثناء الطواف أيضاً أحدث لأن معه غازات مثلاً، فنقول: اذهب وتوضأ ثم ارجع وابتدىء الطواف والوضوء في أيام الزحمة شاق جداً أولاً متى يتهيأ الإنسان لأن يخرج، ثم إذا خرج متى يجد مكان الوضوء خالياً، ثم إذا توضأ ورجع متى يتيسر له أن يدخل فكون نوجب على عباد الله
__________
(1) تقدم ص 92.
(2) تقدم ص 90.
(22/362)

شيئاً ليس فيه دليل واضح من الكتاب والسنة مع هذه المشقة العظيمة، الحقيقة أنه لا يسوغ، يعني يجد الإنسان نفسه غير مباح أن يوجب على عباد الله مثل هذا الشيء بدون دليل واضح، نعم لو
كان الأمر سهلاً مثل أيام عدم المواسم يخرج ويتوضأ ويرجع ويعيد الطواف فهذا أمر سهل، نقول: الأحوط أن تفعل هذا، على كل حال الذي نرى ما رآه شيخ الإسلام- رحمه الله- لا يشترط
الوضوء للطواف.
س 883: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج أصابته جنابة ليلة عرفة ومضى في حجه حتى انتهى ورجع إلى بلده فماذا عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وبعد: على هذا الإثم العظيم الكبير حيث أمضى كل هذه الأيام وهو يصلي على غير طهارة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (1) . فالواجب عليه نحو صلاته أن يعيد كل ما صلى قبل اغتساله.
أما بالنسبة للحج فعليه أن يعيد طواف الإفاضة، لأنه طاف وعليه جنابة ولا يصح الطواف من الإنسان وهو عليه جنابة، لأن من عليه جنابة ممنوع من اللبث في المسجد كما قال تعالى: (وَلَا
__________
(1) أخرجه البخاري، بلفظ قريب، كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور (رقم 135) ومسلم، كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة (رقم 224، 225) .
(22/363)

جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) (1) ، وعليه إذا كان متزوجاً أن يتجنب أهله حتى يرجع إلى مكة ويطوف طواف الإفاضة، وفي هذا الحال يحرم من الميقات بالعمرة، ثم يطوف ويسعى ويقصر، ثم يأتي
بطواف الإفاضة وعليه- مع ذلك كله- التوبة إلى الله بالندم على ما حصل منه، وأن يرى نفسه مقصراً، مفرطاً في حق الله، وأن يعزم على أن لا يعود إلى مثل هذا.
س 884: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج في طواف الحج أحدث في الشوط الرابع وطلع للوضوء ثم عاد وأكمل الشوط الرابع وما بعده فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: المسألة خطيرة وهذا الطواف غير صحيح؛ لأن الذين يقولون لابد من وضوء يقولون: لما انتقض الوضوء بطل الطواف، ولا يمكن أن يبنى عليه، والذين يقولون: إن الوضوء ليس بشرط، يقولون: هذه المدة قطعت الموالاة، لأنه متى يخرج، ومتى يجد مكاناً خالياً ليتوضأ فيه، ومتى يرجع؟ فعلى هذا الرجل الآن أن يذهب إلى مكة، وإن كان صاحب زوجة لا يقربها حتى يذهب إلى مكة ويطوف بثيابه طواف الإفاضة، ويرجع وإن أحب أن يحرم من الميقات بعمرة فيطوف ويسعى
ويقصر، ثم يطوف طواف الإفاضة فلا بأس.
__________
(1) سورة النساء، الآية: 43.
(22/364)

س 885: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل نقض الوضوء مثل خروج الريح أثناء الطواف يفسد الطواف ويلزم منه الإحرام مرة ثانية؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا انتقض وضوء الطائف أثناء الطواف فإن طوافه يبطل عند جمهور العلماء، كما لو أحدث في أثناء الصلاة فإن صلاته تبطل بالإجماع، وعلى هذا فيجب عليه أن يخرج من الطواف ويتوضأ، ثم يعيد الطواف من أوله، لأن ما صح بالطهارة من الحدث بطل بالحدث، ولا يلزمه أن يعيد الإحرام وإنما يعيد الطواف فقط، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- إلى أن الطائف إذا أحدث في طوافه، أو طاف بغير وضوء فإن طوافه صحيح، وعلى هذا فليستمر إذا أحدث في طوافه ولا يلزمه أن يذهب فيتوضأ، وعلل ذلك بأدلة من طالعها تبين له رجحان قوله- رحمه الله-، ولكن إذا قلنا بهذا القول الذي اختاره شيخ الإسلام لقوة دليله ورجحانه، فإنه إذا فرغ من طوافه لا يصلي ركعتي الطواف؛ لأن ركعتي الطواف صلاة يشترط لها الطهارة بإجماع العلماء.
س 886: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أذن للصلاة وأنا أطوف أو أسعى. فكيف أتصرف؟ أأقطع أم أكمل؟ وكذلك لو خرج مني ريح. ماذا أفعل؟ وكيف أتصرف لو كنت واقفاً بعرفة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما السؤال عن الصلاة إذا أقيمت والإنسان يطوف، فإنه يجب عليه قطع الطواف، والصلاة مع
(22/365)

الجماعة، ثم إذا أتم صلاته قام بإتمام طوافه أو سعيه من المكان الذي وقف عليه، ولا حاجة إلى إعادة الشوط الذي قطعه، لأن الشوط الذي فعله قبل الإقامة واقع في محله، ولا دليل على بطلانه.
وعلى هذا فلا تستطيع أن تلزم الناس بشيء إلا بدليل تطمئن إليه النفس، لاسيما في أوقات المواسم، حيث يشق على الإنسان أن يرجع من أول الشوط.
وأما عن خروج الريح في عرفة أو الطواف أو السعي، فإن عرفة لا يشترط للوقوف بها الطهارة، وأما الطواف فإن الإنسان يخرج ويتوضأ ويبدأ الطواف من جديد، وأما السعي فلا تلزم له الطهارة، فلو أحدث في أثناء السعي لم يبطل السعي.
س 887: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج العام الماضي وأجل طواف الإفاضة مع طواف الوداع يقول: وأديت طواف الإفاضة ولم أكن على وضوء وأديت صلاة العشاء والمغرب
أيضاً ولم أكلن على وضوء فأفيدوني بذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: نفيدك بأن صلاة المغرب والعشاء باطلة، وأنك آثم بذلك إن كنت تعلم بأن هذا حرام، وعليك أن تعيدها الآن فتصلي المغرب ثلاثاً والعشاء أربعاً لأنك صليت خلف الإمام، والمسافر إذا صلى خلف الإمام المقيم وجب عليه الإتمام، وأما بالنسبة للطواف فالراجح عندي أنه لا يلزمك إعادته؛ لأنه ليس هناك دليل على وجوب الطهارة من الحدث
(22/366)

الأصغر عند الطواف وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- وانتصر له وأيده ببراهين من راجعها علم أن الصواب هذا القول، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في هذا الأمر فيطوف بغير وضوء، إنما لو وقع مثل هذه الحالة التي سأل عنها السائل فإنه لا يلزمه إعادة الطواف وحجه قد تم.
س 888: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كثير من الناس أو الرجال يحملون أطفالهم وهم يطوفون والطفل في الغالب يكون نجسًا فهل يكون طواف حامله صحيحاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يكون صحيحاً ولا حرج في ذلك.
س 889: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل بعد الفراغ من عمرته وجد في ثياب إحرامه نجاسة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا طاف الإنسان للعمرة وسعى وبعد ذلك وجد في ثوب إحرامه نجاسة فإن طوافه صحيح وسعيه صحيح وعمرته صحيحة، وذلك لأن الإنسان إذا كان على ثوبه نجاسة لم يعلم بها، أو كان عالماً بها ولكن نسي أن يغسلها وصلى في ذلك الثوب فإن صلاته صحيحة، وكذلك لو طاف بهذا الثوب فإن طوافه صحيح والدليل لذلك قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) وهذا دليل عام يعتبر قاعدة عظيمة من قواعد الشرع، وهناك دليل خاص في المسألة وهو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلى
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(22/367)

ذات يوم بأصحابه وكان من سنته عليه الصلاة والسلام أن يصلي في نعليه فخلع نعاله، فخلع الناس نعالهم، فلما أتم صلاته قال: "ما شأنكم " قالوا: رأيناك يارسول الله خلعت نعليك فخلعنا نعالنا.
قال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها خبثاً" (1) يعني نجاسة، ولم يستأنف النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة مع أن أول صلاته كان قد لبس حذاءً نجساً، فدل هذا على أن من صلى بثوب نجس ناسياً، أو جاهلاً فإن صلاته صحيحة، وهنا مسألة إذا أكل الإنسان لحم جزور وقام يصلي
ولم يتوضأ بناء على أنه أكل لحم غنم فهل يعيد الصلاة إذا علم؟
فنقول: إنه يعيد الصلاة بعد أن يتوضأ.
وإذا قال قائل: لماذا قلتم في من صلى بثوب نجس جاهلاً لا يعيد، وفيمن أكل لحم إبل جاهلاً إنه يعيد؟
قلنا: لأن لدينا قاعدة مفيدة مهمة وهي: أن المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان، والمنهيات تسقط بالجهل والنسيان، ودليل هذه القاعدة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (2) ولما سلم من ركعتين في إحدى صلاتي العشي ونسي بقية الصلاة أتمها لما ذكر، فهذا دليل على أن المأمورات لا تسقط بالنسيان، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر من
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (3/20) والحاكم (1/260) وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
(2) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها.. (رقم 597) ومسلم، كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة.. (رقم 684) .
(22/368)

نسي صلاة أن يصليها إذا ذكر ولم يسقط عنه بالنسيان، وكذلك أتم الصلاة ولم يسقط بقيتها بالنسيان، والدليل على أن المأمورات لا تسقط بالجهل أن رجلاً جاء فصلى صلاة لا يطمئن فيها ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسلم عليه فقال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل " ورده
ثلاث مرات وهو يصلي ويأتي فيقول: "ارجع فصل فإفك لم تصل " (1) حتى علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلى صلاة صحيحة فهذا الرجل ترك واجباً جاهلاً، لأن الرجل قال: "والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني " ولو كان الواجب يسقط بالجهل لعذره النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه القاعدة مهمة مفيدة لطالب العلم.
س 890: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان الرجل في الطواف بالبيت العتيق وخرج من أنفه دم ثلاث أو أربع نقاط فهل يمكن أن يتم الطواف أو يتوقف ويعيد الوضوء أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا خرج من أنفه نقطتان أو ثلاث أو أربع أو أكثر فإنه يتم الطواف؛ لأن الذي يخرج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء مهما كثر، فالدم الخارج من الأنف وهو الرعاف لا
ينقض الضوء ولو كثر، والدم الخارج من جرح سكين، أو زجاجة، أو حجر لاينقض الوضوء ولو كثر، والحجامة لا تنقض الوضوء ولو كثر الدم، والقيء لا ينقض الوضوء، فكل ما خرج من غير السبيلين فإنه ليس بناقض للوضوء وذلك على القول
__________
(1) أخرجه البخاري، باب وجوب القراءة (757) ومسلم، كتاب الصلاة، باب وجوب القراءة (397) .
(22/369)

الراجح، وذلك لعدم الدليل على أنه ناقض، ومن المعلوم أن المتوضىء قد أتم طهارته بمقتضى الدليل الشرعي، فلا يمكن أن تنتقض هذه الطهارة إلا بالدليل الشرعي، ولا يوجد في الكتاب ولا في السنة أن ما خرج من غير السبيلين يكون ناقضاً للوضوء، ومثل ذلك لو حصل له هذا في الصلاة يعني لو كان الإنسان يصلي فأرعف أنفه فإنه يستمر في الصلاة إذا كان يمكنه إكمالها، فإن لم يمكنه إكمالها لغزارة الدم وعدم تمكنه من الخشوع فليخرج منها، ثم إذا انتهى الدم عاد فابتدأ الصلاة من جديد.
س 891: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان الإنسان معتمراً واغتسل ثم خرج من جرح فيه بعض الدم فهل يكمل عمرته وهل هذا الدم ينقض الوضوء؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان معتمراً وكان به جرح فخرج منه دم فإن ذلك لا تؤثر على عمرته شيئاً، وكذلك لو كان حاجاً وكان به جرح فخرج منه دم فإن ذلك لا يؤثر في حجه شيئاً،
وكذلك لو جرح حال أحرامه فخرج منه دم فإن ذلك لا يؤثر في نسكه شيئاً، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه احتجم وهو محرم (1) ، ولم يؤثر ذلك على نسكه شيئاً.
وأما بالنسبة لنقض الوضوء مما خرج من الجرح من الدم فإننا نقول: إنه لا ينقض الوضوء مهما كثر، فالدم الخارج من غير
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب الحجامة للمحرم (رقم 1835) ومسلم كتاب الحج، باب جواز الحجامة للمحرم (رقم 1202) .
(22/370)

السبيلين لا ينقض الوضوء قل أوكثر وذلك لعدم الدليل الصحيح الصريح في نقض الوضوء بذلك، وإذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح في نقض الوضوء به، فإن الأصل بقاء طهارته، ولا يمكن
أن نعدل عن هذا الأصل وننقض الطهارة إلا بشيء متيقن؛ لأن القاعدة (أن اليقين لا يزول بالشك) وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيمن وجد في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ قال: "لا يخرج- يعنى من المسجد وكذلك من صلاته- حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحًا" (1) وذلك لأن هذا الشك الطارىء على يقين الطهارة لا يؤثر، كذلك الحدث المشكوك في ثبوته شرعاً لا يؤثر على الطهر المتيقن، وخلاصة القول. إن الدم الخارج من الجرح في أثناء الإحرام بحج أو عمرة لا يؤثر، وأن الدم الخارج من غير السبيلين من غير القبل أو الدبر لا ينقض الوضوء سواء قل أم كثر، وكذلك لا ينتقض الوضوء بالقيء أو الصديد الخارج من الجروح أو غير ذلك؛ لأن الخارج من البدن لا ينقض الوضوء إلا ما كان من السبيلين، أي من القبل أو من الدبر.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين، رقم (177) ، ومسلم، كتاب الحيض، باب: الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك رقم (361) .
(22/371)

بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين المحترم حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أرجو التكرم بالإجابة سريعاً على هذا السؤال: هذا شخص تذكر أنه كان عليه جنابة وهو مسافر في حجته الأولى، فلما وصل الميقات نسي أن عليه جنابة واغتسل للإحرام فقط، ولم ينو الاغتسال للجنابة، وهكذا أحرم للحج أيضاً فلم ينو الاغتسال من الجنابة، وبالإضافة إلى ذلك فقد رمى الجمرات آخر الليل من يوم العيد، والآن هو يسأل هل من الممكن أن يعتبر تلك الحجة ملغاة
ويحج في هذه السنة بدلها، علماً بأنه كان قد حج بعد تلك الحجة المشار إليها، أو يمكن أن نعتبر تلك الحجة صحيحة بحيث نعتبر الغسل عن الجنابة يكفي عنه الغسل للإحرام؟
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
اغتساله للإحرام يجزىء عن اغتساله للجنابة؛ لأنه غسل مشروع، خصوصاً مع النسيان، وقد نص على ذلك الفقهاء بقولهم (وإن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن واجب) وقيده بعضهم بما إذا كان ناسياً، وحالة الرجل المذكور منطبق على كلا القولين بأن ذلك يجزئه.
وأما كونه رمى الجمرات آخر الليل يوم العيد فالمعروف أن
(22/373)

يوم العيد ليس فيه إلا جمرة العقبة فقط، فعلى هذا يكون صاحبنا على ما يظهر قدم الرمي قبل وقته، والأحوط أن يذبح هدياً يفرق كله على فقراء مكة، هذه قاعدة المذهب.
أما كونه يستبدل الحجة السابقة بحجة آخرى هذه السنة فلا داعي له، وليس ذلك بمشروع والله أعلم.
كتبه
أخوك: محمد الصالح العثيمين
في 19/11/1384 هـ
(22/374)

س 892: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أحدث الإنسان في طواف الوداع فما حكم حجه؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما حجه فإنه صحيح؛ لأن طواف الوداع منفصل عنه، فهو واجب مستقل، وعلى هذا فلا يكون في الحج نقص، ولكن إحداثه في إثناء الطواف مبطل له على قول من يرى أنه تشترط الطهارة من الحدث للطواف، وإذا كان مبطلاً له فإن هذا الشخص يعتبر غير طائف طواف الوداع، وطواف الوداع على القول الراجح من أقوال أهل العلم واجب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به فقال: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " (1) وقال ابن عباس- رضي الله عنهما- أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض (2) . فقوله: "خفف عن الحائض " يدل على أنه على غيرها واجب، ولو كان غير واجب لكان مخففاً عنها وعن غيرها، وعند أهل العلم أن من ترك واجباً فعليه دم يذبحه في مكة ويوزعه على الفقراء.
س 893: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل انتقض وضوؤه في أثناء الطواف فما الحكم أفتونا مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل لما انتقض وضوؤه في
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض (رقم 1327)
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب طواف الوداع (رقم 1755) ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض (1328) .
(22/375)

أثناء الطواف كان الواجب عليه إذا كان الطواف طواف عمرة، أو حج أن ينصرف، وأن يتوضأ ويعيد الطواف من جديد؛ لأن طوافه بطل لما انتقض وضوؤه بناء على قول جمهور أهل العلم في أن
الطواف تشترط له الطهارة، وإذا استمر في طوافه بعد الحدث والطواف طواف عمرة ثم سعى وحلق وحل، فإنه يلزمه أن يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام ويطوف من جديد ويسعى ويحلق أو يقصر.
فإن قدر أن الرجل قد ذهب إلى بلده فإننا نقول: لا يلزمه شيء؛ لأن القول بعدم اشتراط الطهارة بالوضوء للطائف قول له وجه، وهو قول قوي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- وقال: إن الإنسان إذا طاف على غير وضوء فطوافه صحيح. وعند التأمل في دليل هذا القول يتبين أنه قول قوي، ولكن متى أمكن أن يطوف الإنسان على طهارة فإنه بلا شك أفضل.
س 894: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فتاة تقول: أديت فريضة الحج هذه السنة والحمد لله، وما يشغل بالي هو أنني في يوم النحر ذهبنا إلى رمي الجمار سيراً على الأقدام وكانت الشوارع متسخة وفيها مياه ونحن لا نستطيع الابتعاد عن الأماكن المتسخة من شدة الزحام ولما وصلنا إلى الحرم دخلت الحرم والجوارب متبللة ولا أستطيع خلعها لأنها من لباس الإحرام ودخلت وسعيت وهي نجسة وأنا لا أدري هل حجي صحيح أرشدوني جزاكم الله خيراً؟
(22/376)

فأجاب فضيلته بقوله: حجها صحيح، والماء الذي تطؤه بقدمها إذا لم تتيقن نجاسته فالأصل فيه الطهارة، ولا فرق في هذا بين أن يكون الماء كما ذكرت مما يضطر الإنسان إلى خوضه، أو في أماكن السعة فإن الماء الذي لم يعلم الإنسان نجاسته ولا يتيقنها حكمه أنه طاهر لا ينجس ثوبه، ولا ينجس نعله ولا شيء أبداً.
وأما قولها: إنها لم تخلعها؛ لأنها من لباس الإحرام فلعلها تعتقد كما يعتقد كثير من الناس أن من أحرم بثوب لا يمكنه أن يخلعه، وهذا ليس بصحيح، فإن المحرم يجوز له أن يغير ثياب الإحرام سواء لحاجة أم لغير حاجة إذا غيرها إلى ما يجوز لبسه حال الإحرام، وأما ما اشتهر عند العامة أنه لا يغيرها، فهذا لا أصل له، ولو أن هذه المرأة خلعت هذا الجوارب إذا كانت قلقة منها ثم لبست جوارب نظيفة لم يكن عليها في ذلك بأس.
س 895: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد قدمت للعمرة أنا وأهلي، ولكن حين وصولي إلى جدة أصبحت زوجتي حائضاً، ولكن أكملت العمرة بمفردي دون زوجتي فما الحكم
بالنسبة لزوجتي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم بالنسبة لزوجتك أن تبقى محرمة حتى تطهر ثم تقضي عمرتها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حاضت صفية- رضي الله عنها- قال: "أحابستنا هي "؟ قالوا: إنها قد
أفاضت. قال: "فلتنفر إذن " (1) فقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أحابستنا هي؟ " دليل
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت (رقم 1757) =
(22/377)

على أنه يجب على المرأة أن تبقى إذا حاضت قبل طواف الإفاضة لا تطوف حتى تطهر فإذا حاضت قبل الطواف فإنها تبقى محرمة حتى تطهر وتغتسل وتطوف، أما لو طافت طاهرة ثم حاضت قبل
السعي فإنها تسعى ولو كانت حائضاً ولا حرج. وكذلك طواف العمرة مثل طواف الإفاضة، لأنه ركن من أركان العمرة.
س 896: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قدم من داخل المملكة للعمرة وقبل دخول الحرم حاضت زوجته فاجتهد وقال لها: تحفظي جيداً وطوفي وأتمي العمرة حيث إننا لا نستطيع
المكث والانتظار أو العودة مرة أخرى فما رأي فضيلتكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أن هذا فتوى من جاهل وأنه لا يحل للإنسان أن يفتي إلا بعلم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له إن صفية زوجته حاضت قال: "أحابستنا هي " ستحبس القوم: الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحابة- رضي الله عنهم- حتى تطهر "أحابستنا هي " قالوا: إنها قد أفاضت. قال: (انفروا) لأن طواف الوداع لا يجب على الحائض، فهذه الفتوى التي أفتاها غلط وخطأ، والواجب عليها الآن أن تتجنب جميع محظورات الإحرام ومن معاشرة الزوج؛ لأنها لم تزل على إحرامها، ولتذهب إلى مكة وتكمل العمرة لأنها لاتزال محرمة فلا تذهب إلى الميقات بل
__________
= ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض (رقم 1211) (382) .
(22/378)

تذهب إلى مكة وتطوف وتسعى وتقصر.
وأما مسألة الاستثفار والطواف وهي حائض فيجب أن يعلم أنه لم يقل بها إلا قليل من العلماء، ولم يقولوا بها في مثل حالنا الآن قالوا بها: إذا جاءت امرأة على بعير من بلاد بعيدة من الشام، أو العراق، أو مصر، أو ما وراء ذلك، ولم تتمكن من إبقاء الناس معها، ولا تتمكن من الرجوع، فبعض العلماء يقول: تبقى على إحرامها إلى يوم القيامة لا تتزوج ولا يأتيها زوجها ولا شيء من المحظورات لأنها ما كملت فتبقى. وبعض العلماء يقول: تكون محصرة ومعنى محصره، أنها تذبح هدياً ولم تكن أتت بالفريضة عليها، فترجع بدون أداء الفريضة، والمسألة فيها ثمانية أقوال للعلماء، وذهب شيخ الإسلام- رحمه الله- مذهباً جيداً، قال: إذا كانت لا تستطيع أن ترجع ولا تستطيع أن تبقى حتى تطهر فلها أن تستثفر بثوب وتطوف ولا حرج عليها، لكن الذي في أطراف المملكة إذا كان لا يمكن أن يبقى في مكة يستطيع أن يذهب بأهله وهي حائض قبل أن تؤدي النسك، وإذا طهرت رجع به، فليتق الله أخانا وليعلم أن الإقدام على الفتوى بلا علم ليس بالهين قال الله
تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (1) وقال الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)) (2) فليتق الله
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(2) سورة الإسراء، الآية: 36.
(22/379)

وليبادر الآن قبل أن يكثر الزحام للحج في مكة ويذهب بامرأته لتكمل عمرتها.
س 897: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة أحرمت مع زوجها وهي حائض وعندما طهرت اعتمرت بدون محرم ثم إنها رأت الدم بعد ذلك فما الحكم؟ أفتونا جزاكم الله عنا وعن
المسلمين خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول إن هذه المرأة فيما يبدو قدمت إلى مكة هي ومحرمها وقد كانت أحرمت من الميقات وهي حائض، وإحرامها من الميقات وهي حائض إحرام صحيح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استفتته أسماء بنت عميس- رضي الله عنها- وهو في ذي الحليفة قالت: يا رسول الله إني نفست قال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " (1) وإذا قدمت مكة وطهرت وأدت العمرة بدون محرم فلا حرج عليها لأنها في وسط البلد، لكن رجوع الدم إليها بعد قد يورث إشكالاً في هذه الطهارة التي رأتها فنقول لها: إذا كنت قد رأيت الطهر يقيناً فإن عمرتك صحيحة،
وإن كنت في شك من هذا الطهر فأعيدي العمرة من جديد لكن ليس معنى إعادة العمرة من جديد أن تذهبي إلى الميقات فتحرمي من جديد، وإنما نريد أن تعيدي الطواف والسعي والتقصير.
__________
(1) تقدم ص 10.
(22/380)

س 898: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج وعندما وصلت مكة حاضت فطافت للعمرة وسعت وهي حائض حياءً ثم طهرت بعد الوقوف
بعرفة فما حكم حجها؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجها هذا يكون قراناً لا متعة؛ لأن طوافها الأول غير صحيح، وسعيها المبني عليه غير صحيح، فتكون باقية على إحرامها، وإذا أحرمت بالحج في اليوم الثامن صارت أدخلت الحج على العمرة فتكون قارنة، والقارن مثل المتمتع عليه هدي يذبح يوم العيد، أو ثلاثة أيام بعد العيد، فالحمد لله حجها صحيح، وذمتها بريئة إن شاء الله.
س 899: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذهبت إلى مكة من أجل أداء العمرة، وبعد الإحرام، وحين وصولي إنا وزوجتي باب الحرم، أصاب امرأتي دم. فاعتقدت أنها العادة الشهرية، فلم
تؤد عمرتها وعدنا إلى بلدنا ثم توقف الدم، فما الحكم في مثل هذه الحال؟
فأجاب فضيلته بقوله: جواب سؤالك ينقسم إلى شقين:
الشق الأول: أن زوجتك لا تزال باقية على إحرامها.
الشق الثاني: أنه يجب عليك أن لا تقربها حتى تكمل عمرتها، وعليها أن تعود إلى مكة لتكمل العمرة، وليتك سألت قبل خروجك من مكة حتى تعلم الحكم. والله الموفق.
(22/381)

س 900: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للحائض دخول المسجد الحرام أم لا؟ وإذا أحست المرأة بنزول دم الحيض في أثناء الطواف فماذا تصنع؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز لها أن تدخل المسجد الحرام إلا مارة به فقط، وإما المكث للطواف، أو لسماع الذكر، أو التسبيح، أو التهليل فإنه لا يجوز.
وإذا أحست بنزول دم الحيض في أثناء الطواف فتستمر في طوافها ما دامت لم تتيقن أنه خرج الحيض، فإن تيقنت أن الحيض قد خرج منها فيجب عليها أن تنصرف، وتنتظر حتى تطهر، فإذا
طرت ابتدأت الطواف من جديد.
س 901: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت وجاءتها الدورة الشهرية فاستحيت أن تخبر أحداً ودخلت الحرم فصلت وطافت طواف الإفاضة وسعت فماذا يلزمها؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمرأة إذا كانت حائضاً أو نفساء أن تصلي سواء في مكة، أو في بلدها، أو في أي مكان؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المرأة: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم " (1) وقد أجمع المسلمون على أنه لا يحل للحائض أن تصوم، ولا يحل لها أن تصلي، وعلى هذه المرأة التي فعلت ذلك
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب الحائض تترك الصوم والصلاة (رقم 1951) .
(22/382)

أن تتوب إلى الله، وأن تستغفر مما وقع منها.
وأما طوافها حال الحيض فهو غير صحيح، وأما سعيها فصحيح؛ لأن القول الراجح جواز تقديم السعي على الطواف في الحج، وعلى هذا فيجب عليها أن تعيد الطواف؛ لأن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، ولا يتم التحلل الثاني إلا به، وبناء عليه فإن هذه المرأة لا يباشرها زوجها إن كانت متزوجة حتى تطوف، ولا يعقد عليها النكاح إن كانت غير متزوجة حتى تطوف.
والله تعالى أعلم.
س 902: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت وجاءتها الدورة الشهرية فلم تخبر أحداً حياءً ودخلت الحرم وصلت وطافت وسعت فماذا يلزمها علما بأن الدورة جاءت بعد
النفاس؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمرأة إذا كانت حائضاً أو نفساء أن تصلي لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحائض: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم " وقد أجمع المسلمون على أنه لا يحل للحائض أن تصوم ولا يحل لها أن تصلي فعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله وأن تستغفر مما وقع منها.
وأما طوافها فإنه إن كان هذا في أول ما قدمت مكة وهي حاجة فإن هذا الطواف يقع غير صحيح عند جمهور أهل العلم، وإذا لم يكن صحيحاً لم يصح السعي الذي بعده، وحينئذ تكون قارنة؛ لأنها أحرمت بالحج قبل أن تحل من العمرة، إذ إنها لا
(22/383)

يمكن أن تحل من العمرة إلا بطواف وسعي وتقصير، وهذه لم يكن لها طواف وسعي صحيح، فإذا أحرمت للحج بعد ذلك صارت قارنة بدل أن تكون متمتعة، وحينئذ لا يكون عليها شيء
فيما فعلت بين العمرة والحج لأنها جاهلة، أما إذا كان الطواف طواف الإفاضة أيضاً غير صحيح إلا أن السعي صحيح لأن الراجح جواز تقديم السعي على الطواف في الحج، فعليه فهذه المرأة إن كان الطواف طواف الإفاضة لم تحلل التحلل الثاني فليزمها أن تذهب لتطوف طواف الإفاضة، ولا يحوز لزوجها أن يعاشرها حتى تطوف.
وبهذه المناسبة أحب أبين للنساء مسألة هامة في حال الحيض، فالمرأة إذا حاضت بعد دخول وقت الصلاة فإنه يجب عليها إذا طهرت أن تقضي تلك الصلاة التي حاضت في وقتها إذا لم تصلها قبل أن يأتيها الحيض، وذلك لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (1) فإذا أدركت المرأة من وقت الصلاة مقدار ركعة ثم حاضت قبل أن تصلي فإنها إذا طهرت يلزمها القضاء.
ثانيا: إذا طهرت من الحيض قبل خروج وقت الصلاة فإنه يجب عليها قضاء تلك الصلاة، فلو طهرت قبل أن تطلع الشمس بمقدار ركعة وجب عليها قضاء صلاة الفجر، ولو طهرت قبل
منتصف الليل بمقدار ركعة وجب عليها قضاء صلاة العشاء وقد
__________
(1) أخرجه البخاري كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الفجر ركعة (رقم 579) ومسلم، كتاب المساجد، باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الركعة (رقم 608) .
(22/384)

قال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (1) أي فرض موقت بوقت محدد، فلا يجوز للإنسان أن يخرج الصلاة عن وقتها ولا أن يبدأ قبل وقتها. والله الموفق.
س 903: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فتاة ذهبت مع أهلها إلى مكة للعمرة فأحرمت وهي حائض وعندما وصلوا إلى الحرم انتهت الدورة فطافت وأكملت مع أهلها ولم تخبرهم لأنها
خجلت من ذلك فماذا عليها؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليها شيء إذا كانت قد أحرمت من الميقات؛ لأن هذا هو الصحيح، لكن إن كانت طافت وسعت قبل أن تغتسل فطوافها وسعيها غير صحيح، أما الطواف فإنها
طافت على غير طهارة طافت على حيض، وأما السعي فلأنه لا يصح السعي قبل الطواف في العمرة، وعلى هذا فالواجب عليها إن كانت طافت وسعت قبل أن تغتسل أن تذهب الآن إلى مكة
لتطوف وتسعى وتقصر، وأن تعتبر نفسها الآن في إحرام فلا يحل لها ما يحرم على المحرم من الطيب وغيره حتى تنهي عمرتها، والذي يظهر لي من سؤالها أنها لم تغتسل لأنها مشت مع أهلها ولم تغتسل.
س 904: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أحرمت المرأة للعمرة ثم أتتها العادة الشهرية قبل الطواف وبقيت في مكة
__________
(1) سورة النساء، الآية: 103.
(22/385)

ثم طهرت وأرادت أن تغتسل فهل تغتسل في مكة أم تذهب لتغتسل من التنعيم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أحرمت المرأة بالعمرة وأتاها الحيض، أو أحرمت بالعمرة وهي حائض فعلاً، ثم طهرت فإنها تغتسل في مكان إقامتها في بيتها، ثم تذهب وتطوف وتسعى وتؤدي عمرتها، ولا حاجة إلى أن تخرج إلى التنعيم، ولا إلى الميقات؛ لأنها قد أحرمت من الميقات، لكن بعض النساء إذا مرت بالميقات وهي حائض وهي تريد عمرة لا تحرم وتدخل مكة، وإذا طهرت خرجت إلى التنعيم فأحرمت منه، وهذا خطأ؛ لأن الواجب على كل من مر بالميقات وهو يريد العمرة أو الحج
أن يحرم منه حتى المرأة الحائض تحرم وتبقى على إحرامها حتى تطهر إلا إذا قدر أنها لما مرت بالميقات فرأت نفسها حائضاً ألغت النية تماماً، ثم طهرت في مكة وأرادت العمرة فإنها تحرم من الحل.
ويشكل على النساء في هذه المسألة أنهن يظنن أن المرأة إذا أحرمت بثوب لا تغيره، وهذا خطأ؛ لأن المرأة في الإحرام ليس لها لباس معين كالرجل، فالرجل لا يلبس القميص والبرانس والعمائم والسراويل والمرأة يحل لها ذلك تلبس ما شاءت من الثياب غير ثياب الزينة، فإذا أحرمت بثوب وغيرته إلى آخر فلا حرج، لذلك نقول للمرأة: أحرمي إذا مررت بالميقات وأنت تريدين العمرة أو الحج، وإذا طهرت فاغتسلي، ثم اذهبي للطواف والسعي والتقصير، وتغيير الثياب لا يضر ولا أثر له في هذا الأمر أبداً.
(22/386)

س 905: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حاضت المرأة في أثناء الطواف في الحج فماذا تفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حاضت في أثناء الطواف إن كان الطواف طواف الوداع خرجت ولا شيء عليها، وإن كان طواف الإفاضة خرجت ثم أعادت الطواف إذا طهرت.
س 906: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة أحرمت بالعمرة ثم حاضت فخرجت من مكة بدون عمرة فماذا عليها؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أحرمت المرأة بالعمرة وأتاها الحيض فإن إحرامها لا يبطل، بل تبقى على إحرامها، وهذه المرأة التي أحرمت بالعمرة وخرجت من مكة ولم تطف ولم تسع لا تزال في عمرتها، وعليها أن ترجع إلى مكة وأن تطوف وتسعى وتقصر، حتى تحل من إحرامها، ويجب عليها أن تتجنب جميع محظورات الإحرام من الطيب، وأخذ الشعر، أو الظفر، وعدم قربها من زوجها إن كانت ذات زوج حتى تقضي عمرتها، اللهم إلا أن تكون قد خافت من مجىء الحيض فاشترطت عند إحرامها، أن محلها حيث حبست، فإنها لا شيء عليها إذا تحللت من إحرامها حينئذ.
س 907: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة طافت حول الكعبة طواف الإفاضة وهي حائض ولم تخبر والدها وأهلها بذلك وقد توفي والدها فماذا عليها؟
(22/387)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان طواف الإفاضة فإنها الآن فيما بقي من إحرامها، يعني لم تحل إلا التحلل الأول، وجب إذا كانت ذات زوج يجب على زوجها أن يتجنبها، وإذا كانت قد عقد
عليها النكاح بعد الطواف الذي طافته وهي حائض فعقد النكاح غير صحيح يجب أن يفارقها زوجها، وتذهب الآن إلى مكة فإن أتت بعمرة من الميقات فحسن، فتأتي بالعمرة وتطوف وتسعى
وتقصر، ثم تطوف طواف الإفاضة للحج الماضي، وإن لم تأت بعمرة فلا حرج فتأتي مكة وتطوف الإفاضة للحج الماضي ثم ترجع، فإن كانت قد تزوجت بعد الطواف الذي طافته وهي حائض
فيجب إعادة العقد، وإذا أعيد العقد فله أن يدخل بها فوراً؛ لأن العدة له.
س 908: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة طافت طواف العمرة وهي حائض، ولم تخبر أحداً خجلاً ثم حجت واعتمرت بعد ذلك فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكمها حكم المرأة السابقة لأن طواف العمرة ركن، وهذه أشد؛ لأنها لم تحل- تحللاً أول ولا ثانياً، فهي الآن على إحرامها تماماً فيجب عليها أن تتجنب جميع محظورات الإحرام.
وأما عمرتها بعد ذلك فإن نوت القضاء فهذا المطلوب، وإن لم تنوِ القضاء فيبقى هل صحت عمرها التي وقعت في جوف العمرة الأولى أم لم تصح، أنا أقول -وأسأل الله لي العفو العافية-
(22/388)

إن هذه العمر صحيحة -إن شاء الله- لأنها جاهلة، فنقول: إحرامها- إن شاء الله- صحيح وعمرتها صحيحة، وما دامت لم تنوِ القضاء فعليها القضاء.
س 909: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة حجت مفردة وهي في السادسة عشرة من عمرها مع أحد محارمها وفي اليوم الثاني نزلت الدورة ولم تخبر أحداً من محارمها خجلاً منها
وأدت جميع المناسك فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: أحذر إخواني المسلمين من التهاون بدينهم، وعدم المبالاة فيه، حيث إنهم يقعون في أشياء كثيرة مفسدة للعبادة، ولا يسألون عنها ربما يبقى سنة، أو سنتين، أو أكثر غير مبال بها، مع أنها من الأشياء الظاهرة، لكن يمنعه التهاون أو الخجل أو ما شابه ذلك، والواجب على من أراد أن يقوم بعبادة من صلاة، أو زكاة، أو صيام، أو حج أن يعرف أحكامها قبل أن يتلبس بهماِ حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، قال الله تبارك تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (1)
قال البخاري- رحمه الله-: العلم قبل القول والعمل. ثم استدل بهذه الآية.
ثانياً: بالنسبة للجواب على السؤال نقول: هذه المرأة لا تزال في بقية إحرامها لأنها لم تحل التحلل الثاني، حيث طافت وهي حائض، وطواف الحائض فاسد، فهي لم تحل التحلل الثاني إلا إذا
__________
(1) سورة محمد، الآية: 19.
(22/389)

أتمت الطواف والسعي مع الرمي والتقصير، وعليه فنقول: يلزمها الآن أن تتجنب الزوج إن كانت متزوجة؛ لأنها لم تحل التحلل الثاني، وتذهب الآن إلى مكة فإذا وصلت الميقات أحرمت للعمرة
ثم طافت وسعت وقصرت، ثم طافت طواف الإفاضة الذي كان عليها فيما سبق، وإن أحبت أن لا تحرم بعمرة فلا بأس؛ لأنها لا تزال في بقية من بقايا إحرامها الأول، فلابد أن تذهب وتطوف؛
لأنها لم يتم حجها حتى الآن، وأن لا يقربها زوجها إن كانت قد تزوجت، فإن كانت قد عقدت النكاح في أثناء هذه المدة، فللعلماء في صحة نكاحها قولان:
القول الأول: أن النكاح فاسد، ويلزم على هذا القول أن يعاد العقد من جديد.
والقول الثاني: ليس بفاسد، بل هو صحيح.
فإن احتاطت وأعادت العقد فهذا خير، وإن لم تفعل فأرجو أن يكون النكاح صحيحاً.
س 910: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ذهبت لأداء العمرة في نهاية شهر رمضان وفي طريقها إلى مكة نزلت عليها قطرات من الدم فاعتقدت أنها استحاضة ولم تلتفت لذلك؛ لأن دورتها جاءتها في بداية الشهر، فكانت تتوضأ لكل فرض وتصلي بالمسجد الحرام، وقد أدت العمرة كاملة، وقد لاحظت أن هذه القطرات استمرت لمدة ثمانية أيام، وهي الآن لا تدري هل كانت استحاضة أو دورة شهرية فماذا تفعل وهل هي آثمة في دخولها المسجد
(22/390)

الحرام؟ وما حكم عمرتها هل هي صحيحة أفتونا مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: القطرات لا تعتبر حيضاً؛ لأن الحيض هو الدم السائل كما يدل على ذلك الاشتقاق؛ لأن الحيض مأخوذ من قولهم (حاض الوادي) إذا سأل، وعلى هذا فعمرة هذه السائلة عمرة صحيحة، وبقاؤها في المسجد الحرام إذا كانت تأمن من نزول الدم إلى المسجد جائز لا إثم فيه، وصلاتها صحيحة أيضاً.
س 911: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة من خارج البلاد أتت للعمرة فعندما أتت المسجد الحرام طافت بالبيت وعند انتهاء الطواف باشرها الحيض- أي حاضت- قبل أن تبدأ في
السعي فما الحكم؟ وما تعليقكم على كثرة الأخطاء من الحجاج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب تسعى؛ لأن السعي لا يشترط له طهارة من الحيض.
والأخطاء التي يرتكبها الحجاج لها سببان أو أكثر:
السبب الأول: الجهل فإن كثيراً من الحجاج يخرجون إلى الحج، كأنما يقولون إذا فعل الناس فعلناه.
السبب الثاني: أن عدم تذكير العلماء للعامة بما ينبغي أن يفعلوه في الحج، فصار التفريط والتقصير من الحجاج لا يسألون، ولهذا بعض الناس لا يسأل عن شيء فعله في حجه إلا بعد عشر سنين، أوخمس عشرة سنة وما أشبه ذلك، والثاني: التقصير من طلبة العلم فاجتمع هذا وهذا.
(22/391)

السبب الثالث: تهاون الناس بأداء العبادات على الوجه الذي ينبغي، ولهذا تجد التقصير حتى في الصلاة، وحتى في الصيام وحتى في الزكاة، ولهذا نحن ننصح إخواننا إذا أرادوا الحج أن لا يحجوا حتى يعرفوا كيف يحجون، وأن يصطحبوا معهم الكتب من علماء موثوق بعلمهم ودينهم، وأن يصحبوا طلبة العلم ليعلموهم وير شدوهم.
س 912: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال الإبرة الموقفة للعادة الشهرية أو الحبوب الموقفة للعادة الشهرية علماً بأنها توقف لمدة ساعات فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: كأن السائلة تريد هذا أيام الحج فنقول إنه لا بأس به للضرورة، لكن بشرط أن يكون هذا بعد موافقة الطبيب، فإذا قال الطبيب لا بأس أن تستعملي هذه الإبرة أو الحبوب فلا بأس أن تستعملها من أجل الضرورة. سواء كان لساعات أو لأيام.
س 913: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال الحبوب لإيقاف دم الحيض في الحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: استعمال الحبوب في الحج أو في العمرة لا بأس بها؛ لأن هذه حاجة، ولكن يجب أن تستأذن من الطبيب وأن تراجعه؛ لأنه قد تكون الحبوب ضارة، فتضرها.
(22/392)

س 914: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الأحكام المتعلقة بالمرأة إذا حاضت وهي تؤدي المناسك؟ وهل يجوز لها أن تأخذ حبوب منع الدورة في أثناء هذه الفترة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حاضت المرأة بعد إحرامها، فإنها تفعل كل ما يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت والسعي الذي بعده، فإذا حاضت مثلاً بعد أن أحرمت ولم تصل بعد إلى مكة، فإنها إن غلب على ظنها أنها تطهر قبل اليوم الثامن فتبقى على إحرامها، ولكنها لا تطوف ولا تسعى حتى تطهر وحينئذ تحل من العمرة.
وإن غلب على ظنها أنها لا تطهر إلا بعد اليوم الثامن فإنها تحرم بالحج فتدخل الحج على العمرة، وتصير قارنة، كما جرى ذلك لأم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها-.
وأما أخذ الحبوب من أجل منع العادة فلا بأس به هنا للحاجة بشرط موافقة الطبيب.
س 915: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة في أثناء طواف الإفاضة نزلت عليها العادة فأخبرت طبيبة الحملة بذلك فقالت: سوف أعطيك إبرة توقف عنك الدم لمدة ست ساعات
وفعلاً توقف الدم ست ساعات، فطافت من جديد وسعت بعد ست ساعات جاءت الدورة فهل ما فعلته صحيح أم ماذا؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إذا كان الوقوف طهراً كاملاً - والنساء يعرفن الطهر- فلا بأس، ويكون طوافها صحيحاً، وأما
(22/393)

إذا لم يكن طهراً صحيحاً فقد طافت قبل أن تطهر، وطواف المرأة قبل طهرها غير صحيح.
س 916: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال حبوب منع الحمل لغرض العمرة أو الحج أو لمنع الحمل لكونها تتضرر بذلك؟.
فأجاب فضيلته بقوله: استعمال حبوب منع الحمل لا أرى أن المرأة تستعملها، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، مثل أن تكون المرأة ضعيفة الجسم، أو مريضة، أو ما أشبه ذلك، مما يحوجها إلى استعمال هذه الحبوب، وإذا جاز لها أن تستعمل هذه الحبوب لكونها تتضرر بالحمل، فلا بد من موافقة الزوج على ذلك، لأن الزوج له حق في النسل كما أن لها حقاً في النسل.
ولهذا قال العلماء: لا يجوز للرجل أن يعزل عن الحرة إلا بإذنها، والعزل من أسباب منع الحمل، فنصيحتي لكل امرأة أن تتجنب هذا، وكلما كثر الأولاد كان ذلك أبرك وأنفع، وكان أشد امتثالا لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأما استعمال ذلك للتمكن من أداء العمرة والحج، فلا بأس به لأنه أمر عارض.
وفي كل حال من هذه الأحوال لابد من أخذ رأي الطبيب في ذلك.
(22/394)

س 917: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيهما أفضل الطواف أثناء صلاة التراويح لأن المطاف في ذلك الوقت خالٍ من النساء أو صلاة صلاة التراويح جماعة المسلمين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل صلاة التراويح؛ لأن الصلاة مع جماعة المسلمين أفضل من الانفراد عنهم بعبادة، والشارع له نظر عظيم في مسألة الاجتماع على العبادة، فالأفضل أن تصلي مع
المسلمين صلاة التراويح، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (1) وهذه التراويح هي قيام رمضان، وفي الحديث "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" فالأفضل أن تؤدي مع المسلمين صلاة التراويح وإذا انتهيت تطوف بالبيت إن شاءت.
س 918: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقع بعض الحجاج في أخطاء أثناء الطواف فنأمل من فضيلتكم التكرم بذكر شيء منها؟
فأجاب فضيلته بقوله: في الطواف أخطاء خطيرة تقع من الحجاج وغير الحجاج فمنها:
الخطأ الأول: النطق بالنية عند إرادة الطواف، فتجد الحاج يقف مستقبلا الحجر إذا أراد الطواف، ويقول: اللهم إني نويت أطوف
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان (رقم 2009) ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الترتيب في قيام رمضان وهو التراويح (رقم 759) .
(22/395)

سبعة أشواط للعمرة، اللهم إني نويت أن أطوف سبعة أشواط للحج، اللهم إني نويت أن أطوف سبعة أشواط تقربا إليك، وما أشبه هذا، فالتلفظ بالنية بدعة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ولم يأمر أمته به، وكل من تعبد لله تعالى بأمر لم يتعبد به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يأمر أمته به فقد ابتدع في دين الله ما ليس منه، فالتلفظ بالنية عند الطواف خطأ وبدعة، وكما أنه خطأ من ناحية الشرع، فهو خطأ من ناحية العقل، فما الداعي أن تتلفظ بالنية مع أن النية بينك وبين ربك، والله سبحانه وتعالى عالم بما في الصدور، وعالم بأنك سوف تطوف هذا الطواف؟! وإذا كان الله تعالى عالم بذلك فلا حاجة أن تظهر هذا لعباد الله.
فإن قلت: أنا أقوله بلساني ليطابق ما في قلبي قلنا: العبادات لا تثبت بالأقسية، والنبي عليه الصلاة والسلام قد طاف قبلك، ولم يتكلم بالنية عند طوافه، والصحابة- رضي الله عنهم- قد طافوا قبلك ولم يتكلموا بالنية عند طوافهم، ولا عند غيره من العبادات. والخير في اتباعهم.
الخطأ الثاني: أن بعض الطائفين يزاحم مزاحمة شديدة عند استلام الحجر والركن اليماني، مزاحمة يتأذى بها، وقد يؤذي غيره، والمزاحمة قد تكون مع امرأة، ويحصل في قلبه إذا نزغه من الشيطان نزغ، يحصل في قلبه شهوة عندما يزاحم المرأة في هذا المقام، والإنسان بشر قد تستولي عليه النفس الأمارة بالسوء، فيقع في هذا الأمر المنكر تحت بيت الله عز وجل، وهذا أمر يكبر ويعظم باعتبار مكانه، كما أنه فتنة في أي وضع كان، والمزاحمة
(22/396)

الشديدة عند استلام الحجر، أو الركن اليماني ليست مشروعة، بل إن تيسر لك بهدوء فهذا هو المطلوب، وإن لم يتيسر فإنك تشير إلى الحجر الأسود، أما الركن اليماني فلم يرد عن الرسول
- صلى الله عليه وسلم - أنه أشار إليه، ولا يمكن قياسه على الحجر الأسود؛ لأن الحجر الأسود أعظم منه، وثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه أشار إليه، والمزاحمة كما أنها غير مشروعة في هذه الحال، وكما أنها يخشى منها الفتنة إذا ما كان زحام مع امرأة، فهي أيضاً تحدث تشويشاً في القلب والفكر؛ لأن الإنسان عند المزاحمة لابد أن يسمع كلاماً يكرهه، أو يسمع هو كلاماً يكرهه ويتندم عليه، فتجده يشعر بامتعاض وغضب على نفسه إذا فارق هذا المحل، والذي ينبغي للطائف أن يكون دائماً في هدوء وطمأنينة من أجل أن يستحضر ما هو متلبس به من طاعة الله، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (1) .
الخطأ الثالث في الطواف: أن بعض الناس يظنون أن الطواف لا يصح بدون استقبال الحجر وتقبيله، وأن تقبيل الحجر شرط لصحة الطواف ولصحة الحج أو العمرة أيضاً، وهذا ظن خطأ، وتقبيل الحجر سنة، وليست سنة مستقلة أيضاً، بل هي سنة للطائف ولا أعلم أن تقبيل الحجر يسن في غير الطواف، وعلى هذا فإذا كان تقبيل الحجر سنة وليس بواجب ولا بشرط، فإن من لم يقبل الحجر لا نقول: إن طوافه غير صحيح، أو إن طوافه ناقص نقصاً يأثم به، بل طوافه صحيح، بل نقول: إنه إذا كان
__________
(1) تقدم ص 303.
(22/397)

هناك مزاحمة شديدة فالإشارة أفضل من الاستلام؛ لأنه هو العمل الذي فعله الرسول عليه الصلاة والسلام عند الزحام، ولأن الإنسان يتقى به أذى يكون منه لغيره ويكون من غيره له، فلو سألنا
سائل. وقال: إن المطاف مزدحم فما ترون هل الأفضل أن أزاحم واستلم الحجر وأقبله أم الأفضل أن أشير إليه، قلنا: الأفضل أن تشير إليه؛ لأن السنة هكذا جاءت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -.
الخطأ الرابع: من الأخطاء التي يفعلها بعض الطائفين: تقبيل الركن اليماني، وتقبيل الركن اليماني لم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والعبادة إذا لم تثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي بدعة وليست بقربة، وعلى هذا فلا يشرع للإنسان أن يقبل الركن اليماني؛ لأن ذلك لم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما ورد فيه حديث ضعيف لا تقوم به
الحجة.
الخطأ الخامس: نجد بعض الناس عندما يمسح الحجر الأسود أو الركن اليماني يمسحه باليد اليسرى كالمتهاون به، وهذا خطأ فإن اليد اليمنى أشرف من اليد اليسرى، واليد اليسرى لا تقدم إلا للأذى كالاستنجاء بها، والاستجمار بها، والامتخاط بها وما أشبه ذلك، وأما مواضع التقديس والاحترام فإنه يكون باليد اليمنى.
الخطاء السادس: أنهم يظنون أن استلام الحجر والركن اليماني للتبرك لا للتعبد فيتمسحون به تبركاً، وهذا بلا شك خلاف ما قصد به، فإن المقصود بمسحه وتقبيله بالنسبة للحجر الأسود تعظيم الله عز وجل، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا استلم الحجر قال:
(22/398)

"الله أكبر" إشارة إلى أن المقصود بهذا تعظيم الله عز وجل، وليس المقصود التبرك بمسح هذا الحجر. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- "والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك " هذا الظن الخاطىء من بعض الناس، وهو أنهم يظنون أن المقصود من مسح الركن اليماني والحجر الأسود التبرك أدى إلى بعضهم إلى أن يأتي بابنه الصغير فيمسح الركن أو الحجر بيده ثم يمسح ابنه الصغير أو طفله بيده التي مسح بها الحجر أو الركن اليماني، وهذا من الاعتقاد الفاسد الذي يجب أن ينهى عنه، وأن يبين للناس أن مثل هذه الأحجار لا تضر ولا تنفع، وإنما المقصود بمسحها تعظيم الله عز وجل، وإقامة ذكره، والاقتداء برسوله - صلى الله عليه وسلم -، وننتقل من هذا إلى خطأ يقع في المدينة عند حجرة قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم -، حيث كان بعض العامة يتمسحون بالشباك الذي على الحجرة، ويمسحون بأيديهم وجوههم، ورؤوسهم وصدورهم اعتقاداً منهم أن في هذا بركة، وكل هذه الأمور وأمثالها مما لا شرعة فيه، بل بدعة ولا ينفع صاحبه بشيء، لكن إذا كان صاحبه جاهلاً ولم يطرأ على باله أنه من البدع فيرجى أن يعفى عنه، وإن كان عالماً أو متهاوناً لم يسأل عن دينه فإنه يكون آثماً، فالناس في هذه الأمور التي يفعلونها: إما جاهل جهلًا مطبقًا لا يطرأ بباله أن هذا محرم، فهذا يرجى أنه لا شيء عليه، وإما عالم متعمد يضل ويضل الناس، فهذا آثم بلا شك، وعليه إثم من تبعه واقتدى به، وإما
(22/399)

جاهل ومتهاون بالسؤال عن العلم فيخشى أن يكون آثماً لتفريطه وعدم سؤاله.
الخطأ السابع: الرمل في جميع الأشواط مع أن يكون الرمل في الثلاثة الأشواط الثلاثة الأولى فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رمل هو وأصحابه في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، وأما الأربعة الباقية فيمشي على عادته، وكذلك الرمل لا يكون إلا للرجال، وفي الطواف أول ما يقدم إلى مكة، سواء كان ذلك طواف قدوم أم طواف عمرة.
الخطأ الثامن: أن بعض الناس يخصص كل شوط بدعاء معين، وهذا من البدع التي لم ترد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه - رضي الله عنهم- فلم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخص كل شوط بدعاء، ولا أصحابه أيضاً، وغاية ما في ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)) وقال عليه الصلاة والسلام: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله " (1) . وتزداد هذه البدعة خطأ إذا حمل الطائف كتيباً، كتب فيه لكل شوط دعاء، وهو يقرأ هذا الكتيب، ولا يدري ماذا يقول، إما لكونه جاهلاً باللغة العربية ولا يدري ما المعنى وإما لكونه عربيًا ينطق باللغة العربية ولكنه لا يدري ما يقول، حتى إننا نسمع بعضهم يدعو بأدعية هي في الواقع محرفة تحريفاً بينا، من ذلك
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الدعاء في الطواف (رقم 1892) والحاكم 1/455، والبيهقي 5/84 وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(22/400)

إننا سمعنا من يقول: (اللهم أغنني بجلالك عن جرامك) والصواب: بحلالك عن حرامك.
ومن ذلك: إننا نشاهد بعض الناس يقرأ هذا الكتيب، فإذا انتهى دعاء الشوط وقف ولم يدع في بقية شوطه، وإذا كان المطاف خفيفاً، وانتهى الشوط قبل انتهاء الدعاء قطع الدعاء.
ودواء ذلك أن يبين للحاج بأن الإنسان في الطواف يدعو بما يشاء وبما أحب، ويذكر الله تعالى بما شاء، فإذا بين للناس هذا زال الإشكال.
الخطأ التاسع: وهو خطأ عظيم جداً: أن بعض الناس يدخل في الطواف من باب الحجر- أي المحجر الذي على شمال الكعبة- ويخرج من الباب الثاني في أيام الزحام، يرى أن هذا أقرب وأسهل، وهذا خطأ عظيم؛ لأن الذي يفعل ذلك لا يعتبر طائفًا بالبيت؟ لأن الله تعالى قال: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)) (1) والنبي - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت من وراء الحجر، فإذا طاف الإنسان من داخل الحجر، فإنه لا يعتبر طائفاً بالبيت، فلا يصح طوافه، وهذه مسألة خطيرة لاسيما إذا كان الطواف ركناً، كطواف العمرة وطواف الإفاضة.
ودواء ذلك أن يبين للحجاج أنه لا يصح الطواف إلا بجميع البيت، ومنه الحجر.
وبهذه المناسبة: أود أن أبين أن كثيراً من الناس يطلقون على هذا الحجر اسم (حجر إسماعيل) والحقيقة أن إسماعيل عليه
__________
(1) سورة الحج، الآية: 29.
(22/401)

السلام لا يعلم به وأنه ليس حجراً له، وإنما هذا الحجر حصل حين قصرت النفقة على قريش حين أرادوا بناء الكعبة، فلم تكف النفقة لبناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام، فحطموا منها
هذا الجانب، وحجروه بهذا الجدار، وسمى حطيماً وحجراً، وإلا فليس لإسماعيل فيه أي علم أو أي عمل.
الخطأ العاشر. أن بعض الناس لا يلتزم بجعل الكعبة عن يساره فتجده يطوف معه نساؤه، ويكون قد وضع يده مع يد زميله لحماية النساء، فتجده يطوف والكعبة خلف ظهره، وزميله الآخر يطوف
والكعبة بين يديه، وهذا خطأ عظيم أيضاً؛ لأن أهل العلم يقولون: من شرط صحة الطواف أن يجعل الكعبة عن يساره، فإذا جعلها خلف ظهره، أو جعلها أمامه، أو جعلها عن يمينه، أو عكس الطواف، فكل هذا طواف لا يصح، والواجب على الإنسان أن يعتني بهذا الأمر، وأن يحرص على أن تكون الكعبة عن يساره في جميع طوافه.
ومن الناس من يتكيف في طوافه حين الزحام، فيجعل الكعبة خلف ظهره، أو أمامه، لبضع خطوات من أجل الزحام، فهذا خطأ.
الخطأ الحادي عشر: أن بعض الطائفين يستلم جميع أركان الكعبة الأربعة. الحجر الأسود، والركن اليماني، والركن الشامي والركن العراقي، يزعمون أنهم بذلك يعظمون بيت الله عز وجل،
بل من الناس من يتعلق بأستار الكعبة من جميع الجوانب، وهذا أيضاً من الخطأ، وذلك لأن المشروع استلام الحجر الأسود
(22/402)

وتقبيله إن أمكن وإلا فالإشارة إليه.
أما الركن اليماني فالمشروع استلامه وبدون تقبيل إن تيسر، وإن لم يتيسر فلا يشير إليه أيضاً؛ لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
أما استلام الركن العراقي، وهو أول ركن يمر به بعد الحجر الأسود، والشامي وهو الركن الذي يليه فهذا من البدع، وقد أنكر عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- على معاوية بن أبي سفيان
- رضي الله عنه- استلام جميع الأركان، وقال له: "لقد رأيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستلم الركنين اليمانيين، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" فقال معاوية- رضي الله عنه- (صدقت) ورجع إلى قول ابن عباس بعد أن كان- رضي الله عنه- يستلم الأركان الأربعة، ويقول: "ليس شيء من البيت مهجوراً".
الخطأ الثاني عشر: رفع الصوت بالدعاء، فإن بعض الطائفين يرفع صوته بالدعاء رفعاً مزعجاً، يذهب الخشوع ويسقط هيبة البيت، ويشوش على الطائفين، والتشويش على الناس في عباداتهم أمر منكر، فقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه- رضي الله عنهم- ذات ليلة وهم يقرأون، ويجهرون بالقراءة في صلاتهم، فأخبرهم عليه الصلاة والسلام بأن كل مصل يناجي ربه، ونهاهم
أن يجهر بعضهم على بعض في القرآن وفي القراءة وقال: "لا يؤذين بعضكم بعضاً" (1) ولكن بعض الناس في المطاف يدعون ويرفعون أصواتهم بالدعاء، وهذا كما أن فيه المحذورات التي
__________
(1) تقدم ص 318.
(22/403)

ذكرناها، وهي إذهاب الخشوع، وسقوط هيبة البيت، والتشويش على الطائفين، فهو مخالف لظاهر قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)) (1) الخطأ الثالث عشر: وهو من الأخطاء العظيمة في الطواف: أن بعض الناس يبتدىء من عند باب الكعبة، ولا يبتدىء من الحجر الأسود، والذي يبتدىء من عند باب الكعبة ويتم طوافه على هذا الأساس، لا يعتبر متماً للطواف لأن الله تعالى يقول: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم من الحجر الأسود، وقال للناس: "لتأخذوا عني مناسككم " (2) وإذا ابتدأ من عند الباب، أو من دون محاذاة الحجر الأسود ولو بقليل، فإن هذا الشوط الأول الذي ابتدأه يكون لاغياً، لأنه لم يتم، وعليه
أن يأتي ببدله إن ذكر قريباً وإلا فليعد الطواف من أوله، والحكومة السعودية- وفقها الله- قد وضعت خطاً بينًا ينطلق من حذاء قلب الحجر الأسود إلى آخر المطاف، ليكون علامة على ابتداء
الطواف، والناس من بعد وجود هذا الخط صار خطؤهم في هذه الناحية قليلاً، ولكنه يوجد من بعض الجهال وعلى كل حال فعلى المرء أن ينتبه لهذا الخطأ لئلا يقع في خطر عظيم من عدم تمام
طوافه.
هذه الأخطاء التي تحدث في الطواف نرجو الله سبحانه وتعالى أن يهدي إخواننا المسلمين لإصلاحها، حتى يكون طوافهم موافقاً
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 55.
(2) تقدم ص 226.
(22/404)

لما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن خير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وليس الدين يؤخذ بالعاطفة والميل، ولكن يؤخذ بالتلقي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فالواجب على المرء أن يحتاط لدينه، وأن يعرف حدود الله تعالى في العبادة قبل أن يتلبس بها حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، وإنك لتعجب أن الرجل إذا أراد أن يسافر إلى بلد يجهل طريقها،
فإنه لا يسافر إليها حتى يسأل ويبحث عن هذا الطريق: وعن الطريق السهل، ليصل إليها براحة وطمأنينة، وبدون ضياع أو ضلال، أما في أمور الدين فإن كثيراً من الناس- مع الأسف- يتلبس بالعبادة هو لا يدري حدود الله تعالى فيها، وهذا من القصور، بل من التقصير، نسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين الهداية، وأن يجعلنا ممن يعلمون حدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
س 919: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الوقوف على الخط الموضوع حذاء الحجر الأسود والدعاء طويلاً؟ والذي يسبب حجزاً لإخوانه في أن يستمروا في الطواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: الوقوف عند هذا الخط لا يحتمل وقوفاً طويلاً، بل يستقبل الإنسان الحجر ويشير إليه ويكبر ويمشى، وليس هذا الموقف موقفاً يُطال فيه الوقوف، لكني أرى بعض الناس يقفون ويقولون: نويت أن أطوف سبعة أشواط للعمرة، أو تطوعًا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يرجع إلى الخطأ في النية، وقد نبهنا عليه، وأن ما التكلم بالنية في العبادات بدعة، لم
(22/405)

يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحد من أصحابه- رضي الله عنهم- وأنت تعمل العبادة لله تعالى، وهو تعالى يعلم بنيتك فلا يحتاج إلى أن تجهر بها.
س 920: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ركعتا الطواف هل يلزم أن تكون خلف المقام؟
فأجاب فضيلته بقوله: خلف المقام هو الأفضل، وإن صلى في مكان آخر بعيداً وهو أيسر له فهو أفضل؛ لأن المحافظة على ذات العبادة أولى من المحافظة على مكانها.
س 921: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكر بعض المفسرين في قول الله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بعد الطواف يتجه إلى مقام إبراهيم ويتلو هذه الآية ثم يصلي خلفه، والسؤال: هل يمكن أن يقال إنه يشرع أن تتلى هذه الآية للمعتمر وهل الحديث في ذلك صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحديث عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- الطويل في صحيح مسلم وفيه (كان إذا فرغ من الطواف تقدم إلى مقام إبراهيم، وقرأ حين تقدم (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (2) وذلك ليشعر نفسه أنه إنما تقدم إلى هذه المقام ليصلي
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 125.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(22/406)

خلفه امتثالاً لأمر الله، وكذلك أيضاً حينما دنا من الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (1) أبدأ بما بدأ الله به، ليشعر نفسه أن هذا السعي من شعائر الله، وأنه يبدأ بالصفا لأن الله بدأ به،
وهكذا أيضاً ينبغي لنا في كل طاعة أن نشعر بأننا نفعلها امتثالاً لأمر الله، مثل الوضوء، أكثرنا يتوضأ الآن، على أن الوضوء شرط من صحة الصلاة، هذا هو الذي يكون على ذهن الإنسان، لكن ينبغي أن ينوي بذلك أنه ممتثل لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (2) حتى يشعر بالعبادة والتذلل لله عز وجل، كذلك أيضاً هو يتوضأ الآن على صفة مخصوصة ينبغي أن يشعر بأنه يتبع بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى يكون جامعاً بين الإخلاص والمتابعة، هذه المسألة والله إننا نغفل عنها كثيراً.
على هذا ينبغي للإنسان إذا فرغ من الطواف وتقدم إلى مقام إبراهيم أن يتلو هذه الآية، وإذا دنا من الصفا أوِل مرة، لا إذا صعد إليه أن يقول: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) هو ولا يعيدها مرة
ثانية. لا عند الصفا ولا عند المروة.
س 922: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الصلاة التي بعد الطواف تكون بعد كل طواف أم في طواف خاص؟
فأجاب فضيلته بقوله: المعروف عند العلماء- رحمهم الله- أنها بعد كل طواف حتى طواف التطوع، لكن قالوا: للإنسان أن
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 158.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
(22/407)

يجمع أسبوعين، أو ثلاثة ثم يصلي بعد ذلك لكل أسبوع ركعتين، يعنى مثلاً طاف أربعة عشر مرة ينوي سبعاً وسبعاً، نقول: لا حرج وصلى ركعتين للسبع الأول، وركعتين للسبع الثاني.
س 923: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الدليل على مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف النافلة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعلم له دليلاً إلا ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما طاف طواف القدوم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وصلى خلفه ركعتين (1) ، فالعلماء- رحمهم الله- ألحقوا بذلك جميع الطواف، كطواف الإفاضة، وطواف الوداع، والطواف المستحب، ولكني أنا لا أعلم دليلاً خاصاً، وأن كل طواف فإنه يصلى بعده ركعتين، وإنما ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه بعد طواف القدوم في حجة الوداع تقدم إلى مقام إبراهيم وقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وصلى ركعتين، وهذا ثابت في صحيح مسلم (1) ، فالعلماء ألحقوا به جميع الأطوفة، ولا يحضرني الآن أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان كلما طاف صلى ركعتين، ولا في طواف الإفاضة، ولا في طواف الوداع، بل لو قال قائل: إن طواف الإفاضة ظاهر حديث جابر، أنه لم يصل؛ لأنه ذكر أنه طاف وأنه أتى على زمزم وشرب منه، وذكر الحديث، لكنه في حديث جابر أنه صلى بمكة الظهر، فيمكن أن يكون صلى بعد الطواف واكتفى بالفريضة عن النافلة، والله أعلم.
__________
(1) تقدم ص (406) .
(22/408)

س 924: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تجزىء الفريضة عن ركعتي الطواف أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: اختلف فيها العلماء فإن قيل: المراد إيجاد صلاة بعد الطواف كتحية المسجد فإنها تجزىء، وإذا قيل: إنها صلاة مستقلة مطلوبة فإنها لا تجزىء، والاحتياط أن يصلي الركعتين.
س 925: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يكون في المطاف زحام كثير فيصلى بعض الجهال قريباً من المقام ويحولون بين الناس وبين طوافهم وقد يتحلق بعضهم على بعض فهل علينا من شيء إذا دفعناهم خصوصاً في حال الزحام الشديد؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن أولئك الذين يصلون خلف المقام، ويصرون على أن يصلوا هناك مع احتياج الطائفين إلى مكانهم، قد ظلموا أنفسهم، وظلموا غيرهم، وهم آثمون معتدون ظالمون، ليس لهم حق في هذا المكان، ولك أن تدفعهم، ولك أن تمر بين أيديهم، ولك أن تتخطاهم وهم ساجدون؛ لأنه لا حق لهم في هذا المكان أبداً، وكونهم يصرون على أنهم يكونون في هذا المكان من جهلهم لا شك؛ لأن ركعتي الطواف تجوز في كل المسجد، فمن الممكن أن الإنسان يبتعد عن مكان الطائفين، ويصلي ركعتين، حتى إن أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه- صلى ركعتي الطواف بذي طوى، وذي طوى بعيدة عن المسجد
(22/409)

الحرام، فضلاً عن أن تكون في المسجد الحرام، فالإنسان يجب عليه أن يتقي الله في نفسه، ويتقي الله في إخوانه، فلا يصلي خلف مقام إبراهيم، والناس محتاجون إلى هذا المكان في الطواف، فإن فعل فلا حرمة له، ولنا أن ندفعه، ولنا أن نقطع صلاته عليه، ولنا أن نتخطاه وهو ساجد، لأنه هو المعتدي الظالم- والعياذ بالله-.
ولكن مع ذلك فلا بد من التراحم، ونصيحتي لإخواني المسلمين في هذا المقام أن يتأسوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن هديه خير الهدي.
س 926: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تشرع صلاة ركعتي الطواف خلف المقام وإن كان المطاف مزدحماً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل في ركعتي الطواف أن تكون خلف المقام، ولكن إذا كان المطاف مزدحماً ووصل الطائفون إلى المقام، فلا يجوز أن تصلي في المكان الذي يحتاج إليه الطائفون؛ لأن في ذلك إيذاء لهم وتضييقاً عليهم، ويحصل لك انشغال وتشويش، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي الإنسان وهو مشوش البال فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الإخبثان " ومدافعة الطائفين وأنت تصلي أشد من مدافعة الأخبثين، وفي هذا الحال نقول: صل في أي مكان بالمسجد، ولكن الأفضل أن تجعل المقام بينك وبين الكعبة ولو كنت بعيداً عنه.
(22/410)

س 927: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من حج ولم يأت بركعتي الطواف فهل حجه تام، أو يجب عليه إعادته؟
فأجاب فضيلته بقوله: ركعتا الطواف ليست ركناً من أركان الحج ولا العمرة، وإنما هما من الأمور التي أمر بها، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما انتهى تقدم طوافه تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (1) والذي حج ولم يأت بهما فحجه تام، ولا يجب عليه إعادته ولا يجب في ذلك دم. والله أعلم.
س 928: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حدِّد لنا يا فضيلة الشيخ المكان الذي تصلى فيه ركعتا الطواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: ركعتا الطواف يسن أن يصليهما خلف المقام، بأن يجعل المقام بينه وبين البيت، وإن قرب من المقام فهو أفضل، وإن لم يتيسر له فإنه يجزىء أن يصليهما وإن كان بعيداً عن المقام، المهم أن يجعل المقام بينه وبين البيت، فإن لم يتيسر ذلك أيضاً وصلاهما في أي مكان من المسجد فلا حرج.
س 929: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الأثر الذي في مقام إبراهيم هو أثر قدمي إبراهيم عليه الصلاة والسلام أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن مقام إبراهيم ثابت وأن هذا الذي بني عليه الزجاج هو مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لكن الحفر الذي فيه، لا يظهر أنه أثر القدمين؛ لأن المعروف من
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 125.
(22/411)

الناحية التاريخية أن أثر القدمين قد زال منذ أزمنة متطاولة، ولكن حفرت هذه، أو صنعت للعلامة فقط، ولا يمكن أن نجزم بأن هذا الحفر هو موضع قدمي إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
وبالمناسبة أحب أن أنبه على مسألة وهي أن بعض المعتمرين والحجاج يقف عند مقام إبراهيم ويدعو بدعاء لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، وربما يدعو بصوت مرتفع، فيشوش على الذين يصلون ركعتي الطواف خلف المقام، وليس للمقام دعاء، بل السنة تخفيف الركعتين خلفه، ثم يقوم بعد
التسليم مباشرة، ليترك المكان لمن هو أحق به منه، من الذين يريدون صلاة ركعتي الطواف.
س 930: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك أخطاء في ركعتي الطواف تقع من الحجاج يجب التنبيه إليها؟
فأجاب فضيلته بقوله: من الأخطاء أن بعض الناس يظنون أن هاتين الركعتين لابد أن تكونا خلف المقام وقريباً منه أيضاً، ولهذا تجدهم يزاحمون زحاماً شديداً يؤذون الطائفين، وهم ليس لهم حق في هذا المكان؛ لأن الطائفين أحق به منهم مادام المطاف مزدحماً؛ لأن الطائفين ليس لهم مكان سوى هذا، وأما المصلون للركعتين بعد الطواف- فلهم مكان آخر، المهم أننا نجد بعض الناس يتحلقون خلف المقام ويشغلون مكاناً كبيراً واسعاً من أجل رجل واحد، أو امرأة واحدة تصلي خلف المقام، ويحصل في ذلك من قطع الطواف للطائفين وازدحامهم، لأنهم يأتون من
(22/412)

مكان واسع، ثم يضيق بهم المكان من أجل هذه الحلقة التي تحلق بها هؤلاء، فيحصل بذلك ضنك وضيق، وربما يحصل مضاربة ومشاتمة، وهذا كله إيذاء لعباد الله عز وجل، وتحجر لمكان غيرهم به أولى، وهذا الفعل لا يشك عاقل عرف مصادر الشريعة ومواردها أنه محرم، وأنه لا يجوز لما فيه من إيذاء المسلمين وتعريض طواف الطائفين للفساد أحياناً، لأن الطائفين أحياناً باشتباكهم بهؤلاء يجعلون البيت إما خلفهم، وإما أمامهم، مما يخل بشرط من شروط الطواف، فالخطأ هنا أن بعض الناس يعتقد
أنه لابد أن تكون ركعتا الطواف خلف المقام وقريباً منه، والأمر ليس كما ظن هؤلاء، فالركعتان تجزئان في كل مكان من المسجد، ويمكن للإنسان أن يجعل المقام بينه وبين الكعبة ولو كان بعيداً منه، ويحصل بذلك على السنة من غير إيذاء للطائفين ولا لغيرهم.
الخطأ الثاني: ومن الأخطاء في هاتين الركعتين: أن بعض الناس يطولهما؛ يطيل القراءة فيهما، ويطيل الركوع، والسجود، والقيام، والقعود، وهذا مخالف للسنة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخفف هاتين الركعتين، ويقرأ في الأولى (قل يا أيها الكافرون) ، وفي الثانية (قل هو الله أحد) ، وينصرف من حين أن يسلم تشريعاً للأمة، ولئلا لا يحجز المكان عمن هو أحق به منه، فإن هذا
المكان إنما يكون للذين يصلون ركعتين خلفه بعد الطواف، أو للطائفين إن ازدحم المطاف، ولهذا يخطىء بعض الناس الذين يطيلون هاتين الركعتين خلف المقام، لمخالفتهم السنة وللتضيق
(22/413)

على إخوانهم من الطائفين إذا كان المطاف مزدحمًا، ولاحتجاز المكان الذي غيرهم أولى به ممن أتموا طوافهم ويريدون أن يصلوا ركعتين خلف المقام.
الخطأ الثالث: ومن الأخطاء في هاتين الركعتين: أن بعض الناس إذا أتمهما جع يده مرفوعة ويدعو دعاء طويلاً، والدعاء بعد الركعتين هنا ليس بمشروع؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يفعله، ولا أرشد أمته إليه، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا ينبغي للإنسان أن يبقى بعد الركعتين ليدعو، لأن ذلك خلاف السنة، ولأنه يؤذي الطائفين إذا كان الطواف مزدحمًا، ولأنه يحجز مكاناً غيره أولى به ممن أتم الطواف وأرادوا أن يصلوا في هذا المكان.
الخطأ الرابع: وهو من البدع أيضاً ما يفعله بعض الناس، يقوم عند مقام إبراهيم ويدعو دعاء طويلاً، يسمى دعاء المقام، وهذا الدعاء لا أصل له أبدا في سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهو من البدع التي نهى عنها، وفيه مع كونه بدعة وكل دعة ضلالة، أن بعض الناس يمسك كتاباً فيه هذا الدعاء، ويبدأ يدعو به بصوت مرتفع، ويؤمن عليه من خلفه، وهذا بدعة إلى بدعة، وفيه أيضاً تشويش على المصلين حول المقام، والتشويش على المصلين سبق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه، وكل هذه الأخطاء التي ذكرناها في الركعتين وما بعدهما تصويبها أن الإنسان يمشي في ذلك على هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن خير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، فإذا مشينا عليه زالت عنا هذه الأخطاء.
(22/414)

س 931: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم من الأخطاء في ركعتي الطواف أن يدعو الإنسان بعدهما، وهناك من يدعو طويلاً ثم يمسح وجهه بعد ركعتي الطواف فهل هذا المسح
خاص بركعتي الطواف أم في جميع السنن التي يصليها الإنسان؟
فأجاب فضيلته بقوله: في السؤال مسألتان: المسألة الأولى: وهي مسح الوجه باليدين بعد الدعاء. والمسألة الثانية: الدعاء بعد النافلة.
أما الأول وهو مسح الوجه باليدين بعد الدعاء، فإنه وردت فيه أحاديث ضعيفة، اختلف فيها أهل العلم، فذهب شيخ الإسلام ابن تيمية- رحم الله- إلى أن هذه الأحاديث لا تقوم بها حجة،
لأنها ضعيفة مخالفة لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين وغيرهما فإنه روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدعاء بأحاديث صحيحة، وأنه رفع يديه في ذلك، ولم يذكر أنه مسح بهما وجهه، وهذا يدل على أنه لم يفعله؛ لأنه لو فعله لتوافرت الدواعي على نقله وممن رأى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية- رحم الله- فقال: إن مسح الوجه بالدعاء باليدين بعد الفراغ من الدعاء بدعة.
ومن العلماء من يرى أن هذه الأحاديث الضعيفة بمجموعها ترتقي إلى درجة الحديث الحسن لغيره؛ لأن الطرق الضعيفة إذا كثرت على وجه ينجبر بعضها ببعض صارت من القسم الحسن لغيره، ومن هؤلاء ابن حجر العسقلاني- رحم الله- في كتابه (بلوغ المرام) .
والذي يظهر لي أن الأولى عدم مسح الوجه باليدين بعد
(22/415)

الفراغ من الدعاء، لأنه وإن قلنا: أن هذا الحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن لغيره، فإنه يبقى متنه شاذا، لأنه مخالف لظاهر الأحاديث الصحيحة التي وردت بكثرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يرفع يديه بالدعاء، ولم يرد أنه مسح بهما وجهه، وعلى كل حال فلا أتجاسر على القول بأن ذلك بدعة، ولكني أرى أنه من الأفضل أن لا يمسح، ولو مسح فلا ينكر عليه هذا بالنسبة للفقرة الأولى من السؤال.
أما المسألة الثانية وهي: الدعاء بعد النافلة، فإن الدعاء بعد النافلة إن اتخذه الإنسان سنة راتبة بحيث إنه يعتقد أنه يُشرع كلما سلم من النافلة أن يدعو، فهذا أخشى أن يكون بدعة؛ لأن ذلك لم
يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فما أكثر ما صلى النبي عليه الصلاة والسلام من نافلة، ولم يرد عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بعدها، ولو كان هذا من المشروع لسنه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته، إما بقوله، أو بفعله، أو بإقراره، ثم إنه ينبغي أن يعلم أن الإنسان مادام في صلاته فإنه يناجي ربه، فكيف يليق بالإنسان أن يَدَعَ الدعاء في الحال التي يناجي فيها
ربه، ثم يأخذ بالتضرع بعد انصرافه عن صلاته، وانقطاع مناجاته لله عز وجل في صلاته، فكان الأولى والأجدر بالإنسان أن يجعل الدعاء قبل السلام، ما دام في الحال التي يناجي فيها ربه، وهذا
المعنى أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- وهو معنى حسن جيد، فإذا أردت أيها الأخ المسلم أن تدعو الله عز وجل فاجعل دعاءك قبل السلام؛ لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي صلى
الله عليه وسلم في قوله في حديث عبد الله بن مسعود- رضي الله
(22/416)

عنه- حين ذكر التشهد قال: "ثم يتخير من الدعاء ما شاء" ولأنه أليق بحال الإنسان لما أسلفناه من كونه في حال صلاته يناجي ربه.
س 932: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم التعلق بأستار الكعبة أو الانكباب عليها؟
فأجاب فضيلته بقول: التعلق بأستار الكعبة، أو الانكباب عليها ليس له أصل في الشريعة، ولهذا لما رأى ابن عباس معاوية - رضي الله عنهما- يطوف بالكعبة ويستلم الأركان الأربعة بيَّن له أن الاستلام خاص بالحجر الأسود، والركن اليماني. فقال له معاوية: "ليس شيء من البيت مهجوراً" فأجاب ابن عباس بقوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، ولم يستلم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا الركنين اليمانيين) فرجع معاوية إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما.
س 933: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز التبرك والتمسح بثوب الكعبة؟
فأجاب فضيلته بقول: التبرك بثوب الكعبة والتمسح به من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولما طاف معاوية بن أبي سفيان- رضي الله عنه- بالكعبة وجعل يمسح جميع أركان البيت أنكر عليه عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- فأجاب معاوية ليس
(22/417)

شيء من البيت مهجور، فرد عليه ابن عباس بقوله (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، وقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح الركنين) يعنى الحجر الأسود والركن اليماني، وهذا دليل على أننا نتوقف في مسح الكعبة وأركانها على ما جاءت به السنة؛ لأن هذه هي الأسوة الحسنة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وأما الملتزم الذي بين الحجر الأسود والباب، فإن هذا قد ورد عن الصحابة- رضي الله عنهم- أنهم قاموا به فالتزموه يدعون، والله أعلم.
س 934: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الوقوف في الملتزم، فإن كان مشروعاً فما هو الدعاء المستحب في ذلك، وما هو المكان المحدد من الكعبة للالتزام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الوقوف في الملتزم لم يرد فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة، ولكن كان من فعل الصحابة- رضي الله عنهم- ويدعو فيه بما أحب، وموضعه من الكعبة ما بين الحجر الأسود والباب.
س 935: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم التزام ما بين الحجر والباب وكذا جميع أركان البيت؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالنسبة للالتزام فإن الالتزام فعله الصحابة- رضي الله عنهم- وهو أن يلصق الإنسان صدره وخده ويمد يديه ما بين الحجر الأسود والباب هذا هو محل الالتزام،
(22/418)

وبقية أركان الكعبة وبقية جدران الكعبة ليست محلاً للالتزام، فلا يسن التزامها؛ لأنه ليس من السنة.
س 936: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رأيت بعض الناس بعد الطواف وقفوا بجوار باب الكعبة ووضعوا أيديهم على جدار الكعبة ويبكون هل يجوز ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا يسمى الالتزام، والالتزام خاص بالملتزم، والملتزم: ما بين الباب والحجر الأسود، فالمكان ضيق جداً، وفي أيامنا هذه وأيام المواسم لا يمكن للإنسان أن يلتزم أولاً لأنه يتأذى تأذياً عظيماً، وأحياناً يعوق الطائفين فيؤذي الطائفين، وأيضاً أصل الالتزام لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا توقف فيه بعض العلماء.
وأما الالتزام في غير هذا المكان، حيث نجد بعض الناس في كل مكان من الكعبة يلتزم ويلصق صدره ويمد يديه على كسوة الكعبة، وهذا بدعة، فصار مكان الالتزام مما بين الباب والحجر
فقط، ولا ينبغي للإنسان أن يفعله في أيام المواسم والزحام لما في ذلك من الأذية على نفسه وغيره.
س 937: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقف بعض الناس للدعاء عند مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام فما قولكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا كله من الجهل، وكذلك نجد
(22/419)

أناساً يقفون على ما يقال: (إن هذا بئر زمزم) ويدعون دعاءً طويلاً.
وبالمناسبة، قال لي بعض الناس اليوم إنه إذا فرغ من الصلاة، قال لصاحبه تقبل الله، حرماً، فقال الثاني: تقبل الله، جمعاً، فسألته أنا: ما معنى: (حرمًا، جمعًا) هل جمع مزدلفة؛ لأنها تسمى جمعاً، فقال: جمعاً يعنى نحن وإياك نصلي في الحرم، إذًا الصواب أن تقول: جميعاً وقال أيضاً: إنه إذا توضأ.
يقول: زمزم ومعنى زمزم أي نشرب من زمزم، وهذا لا أصل له، وكونها تتخذ راتبة خلف الصلاة بدون دليل ليس بصحيح.
س 938: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكر بعض العلماء- رحمهم الله تعالى- أن استلام الحجر بعد الركعتين تحية للمسعى ما توجيه هذا القول؟
فأجاب فضيلته بقول: هذا غير صحيح، فكيف يحيا السعي في مكان ليس هو المسعى.
س 939: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تشترط الموالاة بين الطواف والسعي؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تشترط الموالاة بين الطواف والسعي، فيجوز للإنسان أن يطوف ثم يستريح، ثم يسعى، أو يطوف في أول النهار، ويسعى في آخر النهار، ولكن الموالاة أفضل.
(22/420)

س 940: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل للفصل بين الطواف والسعي زمن محدود؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس للفصل بين الطواف والسعي زمن محدود، فالموالاة بينهما ليست بشرط، لكن لا شك أن الأفضل أنه إذا طاف يسعى، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - والى بين سعيه
وطوافه، ولكن لو أخر فطاف في أول النهار وسعى في آخره، أو بعد يوم أو يومين، فلا حرج عليه في هذا، لأن الموالاة بين الطواف وبين السعي سنة، وليست واجبة.
س 941: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل السعي بعد طواف القدوم للقارن والمفرد والمتمتع يجزىء عن سعي الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما القارن والمفرد فسعيه بعد طواف القدوم يجزىء؛ لأن أفعال العمرة دخلت في الحج، إذ إن القارن أفعاله كأفعال المفرد تماماً، ومن المعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم- الذين كانوا معه- أي قارنين- لم يسعوا مرتين.
وأما المتمتع فلا يكفيه سعي العمرة عن سعي الحج؛ لأن النسكين انفصلا، وتميز بعضهما عن الآخر، فيجب على المتمتع طواف العمرة حين يقدم مكة وسعي العمرة، ويجب عليه طواف الإفاضة، وسعي الحج، فالطواف والسعي الأول للعمرة، والطواف والسعي الثاني للحج ولا بد.
(22/421)

س 942: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا سعى المعتمر قبل الطواف ثم طاف فماذا يلزمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا سعى المعتمر قبل أن يطوف ثم طاف فإنه لا يعيد إلا السعي فقط، وذلك لأن الترتيب بين الطواف والسعي واجب، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رتب بينهما وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (1) وإذا أخذنا عنه - صلى الله عليه وسلم - مناسكه بدأنا بالطواف أولاً ثم بالسعي ثانياً، ولكن لو قال: أنا تعبت في السعي الأول، قلنا: إنه يؤجر على تعبه، ولكن لا يقر على الخطأ.
وذهب بعض التابعين، وبعض العلماء إلى أنه إذا سعى قبل الطواف في العمرة ناسياً، أو جاهلاً، فلا شيء عليه، كما لو كان ذلك في الحج. والله أعلم.
س 943: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذهبت أنا وزوجتي للعمرة فلما بلغنا الحرم حاضت زوجتي فأجلستها في المسعى، ثم ذهبت وطفت ثم سعيت أنا وهي جميعاً فلما طهرت
طافت فهل هذا الفعل صحيح، حيث قدمت سعي العمرة على طواف العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الفعل ليس بصحيح، لأنه لا يجوز تقديم سعي العمرة على طوافها، بخلاف الحج، فالحج يجوز أن تقدم سعيه على طوافه، وأما العمرة فلا، وبناء على هذا نقول: الواجب الآن عليك أن تتجنب زوجتك، أن تذهب بها من
__________
(1) تقدم ص 226.
(22/422)

أجل أن تسعى بين الصفا والمروة، وهي لا زالت باقية على إحرامها، فعليها أن تتجنب محظورات الإحرام حتى تصل إلى مكة، وتسعى بين الصفا والمروة، وتقصر لتحل من إحرامها.
س 944: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أثناء العمرة، أدى السعي بالزيادة لأنه كان يظن أن السعي من الصفا إلى الصفا واحدة فأرجو منكم الإفادة حول هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإفادة حول هذا أن سبعة من هذه الأشواط هي صحيحة، والموافقة للشرع، والسبعة الباقية فعلها عن اجتهاد، ونرجو الله تعالى أن يثاب عليها، لكنها ليست مشروعة، فالسعي من الصفا للمروة شوط، والرجوع من المروة إلى الصفا شوط آخر، وعلى هذا فيكون ابتداؤك من الصفا وانتهاؤك بالمروة.
س 945: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل سعى بدأ بالصفا ويرجع من المروة ويعتبره شوطاً واحداً جهلاً منه هل يصح سعيه؟
فأجاب بقوله: نعم يصح منه سعيه، والباقي يأجره الله على التعب، مع أن إبن القيم- رحمه الله- ذكر أن بعض العلماء توهم في هذا، وظن أن السعي دورة كاملة، فعلى هذا يسعى أربعة عشر
شوطاً، وقد اشتهر بين الطلبة أن هذا عن ابن حزم- رحمه الله- وليس كذلك، والذي عن ابن حزم أن الرمل في الأشواط الثلاثة
(22/423)

فقط في السعي كالطواف، وسبب وهمه -رحمه الله- أنه لم يحج والإنسان الذي لم يحج لا يتصور الحج كما يمكن، والعجب أنه لم يحج ويتكلم عن أحكام الحج بأحسن ما يكون من الكلام من
العلماء الذين حجوا، وليس بغريب على فطاحلة العلماء، فها هو شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- لم يتزوج وإذا تكلم فيما يتعلق بالنساء وعشرتهن وغير ذلك قلت: هذا من المتزوجين.
س 946: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يعتبر السعي من الصفا إلى المروة شوطًا ومن المروة إلى الصفا شوطًا أم شوطين. أفيدونا وفقكم الله وقد كنا نحتسب الذهاب من الصفا إلى المروة والعكس شوطاً واحداً ونحن نجهل ذلك وفقكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما عملكم هذا فهو خلاف المشروع، لكن نظرًا لجهلكم يجزئكم، ويكون السعي المشروع الذي تثابون عليه هو السبعة الأشوط الأولى فقط، التي هي في حسابكم ثلاثة أشواط ونصفًا والسعي بين الصفا والمروة من الصفا إلى المروة شوط، والرجوع من المروة إلى الصفا هو الشوط الثاني، وهكذا حتى تتم الأشواط السبعة، ويكون الانتهاء بالمروة لا بالصفا، وهذا هو ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجمع المسلمون عليه، ولم يقل أحد بخلافه إلا قولاً يكون وهما من قائله.
س 947: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قدمت زوجتي للحج متمتعة وقامت بأداء عمرة الحج ثم تحللت بنية التمتع، ثم
(22/424)

قمنا بأداء فريضة الحج غير أنها لم تكرر السعي واكتفينا بالسعي الأول في العمرة عملاً بقول من قال بذلك من العلماء حيث قرأنا أن في المسألة خلافاً بين العلماء وأرشدنا أحد الأخوة إلى كلام شيخ
الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- بأن سعي العمرة يجزىء عن سعي الحج، وبناء عليه لم تسع وعدنا إلى جدة فنرجو من فضيلة الشيخ إرشادنا إلى الصواب جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواقع أن كثيرًا من مسائل الفقه في الدين لا تخلو من خلاف، وإذا كان العامي الذي لا يعرف يطالع كتب العلماء ويعمل بالأسهل عنده فإن هذا حرام، وقد قال العلماء: من تتبع الرخص فقد فسق، أي صار فاسقاً، والمعلوم أن اختيار شيخ الإسلام- رحمه الله- هو ما ذكره السائل، من أن المتمتع يكفيه السعي الأول الذي في العمرة، وله أدلة فيها شبهة، ولكن الصحيح أن المتمتع يلزمه سعيان، سعي للحج، وسعي للعمرة، ويدل لذلك حديثا عائشة، وابن عباس- رضي الله عنهم- وهما في صحيح البخاري، والنظر يقتضي ذلك؛ لأن كل عبادة منفردة عن الأخرى، ولهذا لو أفسد العمرة لم يفسد الحج، ولو أفسد الحج لم تفسد العمرة، ولو فعل محظوراً من المحظورات في العمرة لم يلزمه حكمه بالحج، بل الحج منفرد بأركانه وواجباته ومحظوراته، والعمرة منفردة بأركانها وواجباتها ومحظوراتها، فالأثر والنظر يقتضي انفراد كل من العمرة والحج
بسعي في حق المتمتع، وعلى هذا فإن كنت متبعاً لقول شيخ الإسلام- رحمه الله- بناء على استفتاء من نثق به لعلمه وأمانته
(22/425)

فليس عليك شيء، لكن لا تعد لمثل ذلك، والتزم سعيين: سعياً في الحج، وسعياً في العمرة، إذا كنت متمتعاً.
س 948: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا طاف من عليه سعي ثم خرج ولم يسع وأخبر بعد خمسة أيام بأن عليه سعياً فهل يجوز أن يسعى فقط ولا يطوف قبله؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا طاف الإنسان معتقداً أنه لا سعي عليه، ثم بعد ذلك أخبر بأن عليه سعياً فإنه يأتي بالسعي فقط، ولا حاجة إلى إعادة الطواف، وذلك لأنه لا يشترط الموالاة بين الطواف والسعي، حتى لو فرض إن الرجل ترك ذلك عمداً- أي أخر السعي عن الطواف عمداً- فلا حرج عليه. ولكن الأفضل أن يكون السعي موالياً للطواف.
س 949: سئل فضيلة الشيخ -رحمه الله تعالى-: رجل جاء بالإفراد فطاف طواف القدوم وبدا له أن يسعى بعد يومين من طوافه للقدوم فهل له ذلك أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين: نعم يجوز للمفرد الذي قدم إلى مكة بنية الحج وحده أن يطوف للقدوم ويؤخر السعي يوما، أو يومين، أو أكثر، وله أن يؤخر السعي أيضاً إلى ما بعد طواف الإفاضة في يوم العيد، ولكن الأفضل أن يكون السعي موالياً للطواف؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه- رضي الله عنهم-
(22/426)

طافوا أول ما قدموا وسعوا، فهذا هو الأفضل، ولكن تأخيره لا حرفيه.
س 950: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حجت والدتي متمتعة لكنها لم تسع بين الصفا والمروة إلا أربعة أشواط؛ لأنها مريضة وطلبت أن أحضر لها العربة لحملها عليها وأكمل معها
السعي، ولكنها رفضت لجهلها وظنا منها أنها تشعر بالحرج والعجز مع العلم بأنني في العام التالي ذبحت هديًا في مكة المكرمة ولكن هل يجزىء ذلك أم نكمل لها الأشواط المتبقية مع العلم
بأنها مصرة، ومن الصعب أن تحضر مرة أخرى وذلك لمرضها جزاكم الله خيراً
فأجاب فضيلته بقوله: مسألتها مشكلة على قواعد الفقهاء - رحمهم الله- وذلك لأن عملها هذا يتضمن أنها أحرمت بالحج قبل أن تتم العمرة في وقت لا يصح فيه إدخال الحج على العمرة؛
لأن إدخال الحج على العمرة إنما يكون قبل الشروع في طوافها، وهذه قد طافت وسعت أربعة أشواط، فيكون إدخال الحج على العمرة في هذه المسالة خطأ، فمن العلماء من يقول: إن إحرامها
بالحج غير منعقد، وأنه لا حج لها، وفي هذه الحال يجب أن ترجع إلى مكة على إحرامها وتسعى وتقصر، لكن لو قال قائل: إنه في مثل هذه الضرورة بحكم بصحة إدخال الحج على العمرة،
وتكون بذلك قارنة ويكفيها سعي واحد، وكنت أرجو أن لا بأس بذلك.
(22/427)

ثم إنه يقول إن أمه أبت أن يأتي بالعربة لتكمل عليها أشواط السعي. أقول في مثل هذه الحال: حتى لو أبت الأم يجب عليه أن يبين أن عمرتها لم تتم، وأنه يلزمها أن تتم عمرتها، ويؤكد عليها حتى لو غضبت، ولو زعلت؛ لأن هذا أمر عبادة لا يمكن أن يراعى فيها جانب المخلوق.
س 951: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للحاج أن يسعى ماشياً لبعض الأشواط وراكباً في بعضها الآخر إذا كان يتعب من السير المتواصل؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز، ولا حرج عليه في ذلك، والدليل على هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن لأم سلمة- رضي الله عنها- أن تطوف وهي راكبة، حيث اشتكت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: "طوفي وراء الناس وأنتِ راكبة" (1) .
س 952: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للحاج وهو يسعى أن يجلس ليستريح ثم يواصل ويجلس وهكذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز له هذا، وقد ذكر أهل العلم أن الموالاة بين أشواط السعي سنة وليست بشرط، وعلى هذا فله أن يستريح ولو طال الزمن، ثم يبتدىء السعي، ولكن كلما كانت الأشواط متوالية فهو أفضل بحسب ما يستطيع.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب المريض يطوف راكباً (رقم 1633) ومسلم، كتاب الحج، باب الطواف على بعير (رقم 1276) .
(22/428)

س 953: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا توقف الإنسان للاستراحة أثناء السعي فهل يباح له أن يخرج من المسعى؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يباح له أن يخرج يعني يذهب لقضاء حاجته أو يشرب وما أشبه ذلك.
س 954: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم السعي في سطح المسعى، أو في الطابق الثاني، أو في الخلوة (القبو) وهل يصح السعي في تلك الحال؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما السعي فوق سواء في السطح الأعلى، أو في الأوسط فهذا لا بأس به.
وأما في الخلوة أو في القبو فلا أعرف أن تخط المسعى قبوًا فليس تحته قبو، فعلى هذا يكون محل الطواف ومحل السعي ثلاثة: الأرض، والسطح الذي فوقها، والسطح الأعلى، ولو بنوا سطحاً رابعا فلا حرج، ولو بنوا خامساً فلا حرج؛ لأن الهواء تابع للقرار، كما أنه لو قدر أنه فتح قبو على طول المسعى فإنه يجزىء السعي فيه.
س 955: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل سعى فأكمل الشوط الأول ومن شدة الزحام انتقل إلى السطح هل يلغي الشوط الأول أو يبني عليها؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن يبني على الأول إذا كان سعى ثم شق عليه للزحام فانتقل إلى فوق فلا حرج، ويكمل على
(22/429)

الشوط الأول؛ لأنه كله مسعى، وليس هناك مدة طويلة بين انتقاله إلى السطح الأعلى من السطح الأسفل.
س 956: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان الرجل معه امرأة أو نساء في المسعى فهل يهرولن معه أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر بعض أهل العلم أن العلماء أجمعوا بأن المرأة لا تهرول لا في الطواف ولا في السعي وكان يترائى لي في الأول أن المرأة في السعي تسعى بين العلمين- أي تركض- لأن أصل السعي من أجل أم إسماعيل، فأم إسماعيل لما تركها إبراهيم عليه الصلاة والسلام وولدها في مكة، وترك عندهما جراباً من التمر ووعاءً من الماء، فلما نفد التمر والماء قل لبنها على ابنها، وصار الابن يجوع فجعل يصيح، فضاقت عليها الأرض بما رحبت، فنظرت أقرب جبل إليها؛ لأن الولد كان عند محل الكعبة، فأقرب جبل إليها هو الصفا، فذهبت فصعدت تتسمع لعل الله يأتي بأحد، وفي هذا الوقت لم يكن أحد، فلم تسمع، فنزلت متجهة إلى المروة؛ لأنه أقرب جبل أيضاً، وفي أثناء مسيرها مرت بالوادي، وهو عادة يكون منخفضاً، فلما هبطت الوادي أسرعت لئلا يغيب عنها ولدها، فلما صعدت مشت على العادة، حتى أتت المروة فلما أتمت سبع مرات، نزل الفرج من رب الأرض والسماوات، نزل جبريل- عليه الصلاة والسلام- فركل برجله أو جناحه محل زمزم، حتى نبع الماء، فجعلت من شفقتها تحجره لئلا ينساب في الأرض، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " يرحم الله
(22/430)

أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً" (1) وجعلت تشرب من هذا الماء وكان ماءُ زمزم لما شرب له فكان يغنيها عن الطعام والشراب، فدرت على والدها، فمر ركب من جرهم ورأوا الطيور
تنزل على هذه الجهة لتشرب من الماء، فتعجبوا فقالوا: ليس في هذا المكان ماء فكيف يكون؟ فذهبوا نحو ما تأوي إليه الطيور، فإذا بأم إسماعيل وولدها فنزلوا عندها، وصارت قرية- سبحان
الله- بعد أن لم يكن فيها إلا الوحش، وإسماعيل وأمه.
كان يترائى لي أن المرأة تسعى بين العلمين؛ لأن أصله من سعي أم إسماعيل، لكن لما رأيت بعض أهل العلم نقل إجماع العلماء على أن المرأة تمشي ولا تسعى رأيت أن الصواب أن تمشي بلا سعي.
بقي علينا المحرم الذي معها هل يرمل في الطواف، وهل يسعى ويتركها أم يمشى معها حسب مشيها؟
نقول: إن كانت المرأة تهتدي بنفسها وامرأة مجربة ولا يخشى عليها فلا حرج أن يرمل في الأشواط الثلاثة، ويقول لها في آخر الطواف: نلتقي عند مقام إبراهيم، وإن كانت لا تستقل بنفسها ويخشى عليها فإن مشيه معها أفضل من الرمل، وأفضل من السعي الشديد بين العلمين.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب المساقاة، باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه (رقم 2368) .
(22/431)

س 957: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حاضت وقد تحفظت تحفظاً كاملا فهل يجوز لها الجلوس بالمسعى من أجل البراد حتى ينتهي أهلها من عمرتهم أم تخرج خارج المسجد في التوسعة الجديدة أم ماذا تفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج عليها أن تجلس في المسعى؛ لأن المسعى ليس من المسجد خارج المسجد، فله حدود معينة وجدر تحجزه عن المسجد الحرام، فليس من المسجد، وإذا جلست فيه الحائض فلا حرج عليها تنتظر أهلها، أو ما أشبه ذلك.
س 958: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل المسعى من المسجد الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يظهر أن المسعى ليس من المسجد الحرام، ولذلك جعلوا جداراً فاصلا بينهما، لكنه جدار قصير كما هو مشاهد في الدور الأرضي، أما الدور الأعلى فهو جدار قائم طويل فيه أبواب. وهذا لا شك أنه خير للناس لأنه لو أدخل في المسجد وجعل منه، لكانت المرأة إذا حاضت بين الطواف والسعي امتنع عليها أن تسعى.
والذي أفتي به أنها إذا حاضت بعد الطواف وقبل السعي فإنها تسعى؛ لأن المسعى لا يعتبر من المسجد. والله أعلم.
(22/432)

س 959: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة طافوا للعمرة بعد صلاة العصر ثم سعوا بعد صلاة المغرب وفي السعي حاضت أمهم فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال تضمن مسألتين:
المسألة الأولى: فيما ظهر لي منها: الفصل بين الطواف والسعي، والفصل بين الطواف والسعي لا بأس به، وإن كان الأفضل الموالاة بينهما، ولكن لو طاف أول النهار وسعى في الليل، أو
آخر النهار فلا حرج.
المسألة الثانية: أن أمه حاضت بعد الطواف في أثناء السعي وهذا أيضاً لا بأس به، وعمرتها تامة ولا حرج عليها؛ لأن السعي ليست من شرطه الطهارة، بخلاف الطواف، فإذا أكملت المرأة الطواف
وجاءها الحيض ولو قبل الركعتين خلف المقام، فإن عمرتها صحيحة ولا حرج عليها في ذلك.
س 960: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لو قطع الساعي سعيه في منتصف الشوط الرابع للحاجة كالصلاة فهل يعيد الشوط الرابع من أوله؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قطع الشوط سواء في الطواف، أو السعي قطعاً يبيح له المواصلة فيما بعد، فإنه يبدأ من المكان الذي قطعه منه، ولا يلزمه إعادة الشوط، حتى في الطواف فمثلاً لو أقيمت الصلاة وهو عند باب الكعبة، فإنه إذا فرغ من الصلاة
(22/433)

يبتدأ من باب الكعبة، ولا يلزمه أن يبتدأ من الحجر؛ لأنه لا دليل على بطلان ما سبق.
س 961: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قدمنا للحج ولما دخلنا السعي وجدنا الزحام ولم نستطع إكماله إلا شوطاً واحداً وخوفاً على أنفسنا وأطفالنا وبعد مضي ساعة تقريباً صعدنا إلى
الدور الثاني وأكملنا السعي مبتدئين من الشوط الثاني فهل يجوز هذا أم لا نرجو منكم إفتاءنا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل لو أعدتم الشوط الأول حتى تكون الأشواط متوالية، ولكن الأمر قد وقع وفات فليس عليكم شيء، إنما لو وقع مثل هذا الأمر فإن إعادة الأشواط السابقة أولى وأحسن، خروجًا من خلاف من يرى أن الموالاة في السعي شرط وليست بسنة.
س 962: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يشترط رؤية البيت إذا سعى؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس بشرط، لكن جابرًا- رضي الله عنه- يقول (حتى رأى البيت) ليبين مقدار ارتفاعه
س 963: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من حج مع رفقائه، وهو جاهل بمناسك الحج والعمرة، وبعدما قضى
(22/434)

حجه ومضى على ذلك مدة، عرف مناسك الحج والعمرة، وشك بقوة في أنه لم يسع فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي نرى أنه إذا شك الإنسان في أنه طاف، أو سعى، أو رمى مع طول المدة، فإنه لا يلتفت لهذا الشك، وذلك لأن النسيان يرد كثيراً على الإنسان، فليطرح الشك وليبعده عن قلبه؛ لأن الإنسان إذا طرأت عليه الشكوك وكثرت عليه، تذبذب في حياته وتعب، ولحقه الوسواس في طهارته وصلاته، بل وفي أهله، فالذي أرى أن يعرض عن هذا الشك ويتلهى عنه. أما إذا تيقن فحينئذ يفتى بما يقتضيه الحال، وأما إذا كان مجرد شك: هل سعى أو لم يسع، فالأصل أنه سعى، وأن هؤلاء الرفقة سيسعون وسيسعى معهم، فأرى أن يتلهى عن ذلك ولا يخطر على باله، والأصل السلامة.
ولهذا قال العلماء قاعدة ينبغي أن نفهمها، وهي: (أن الشك بعد فراغ العبادة لا يؤثر ما لم يتيقن) فمثلاً لو سلمت من الصلاة ثم بعد السلام شككت هل صليت ثلاثاً، أو أربعاً، فلا تلتفت إلى هذا الشك، إلا إذا تيقنت بأنك صليت ثلاثاً فحينئذ تأتي بما يلزمك في هذه المسألة.
س 964: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أدى عمرة ولكن سعيه ناقص شوطًا فماذا يلزمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل لا يزال على إحرامه يجب أن يخلع ثيابه ويتجنب محظورات الإحرام ويلبس ثياب الإحرام
(22/435)

من بلده الذي هو فيها فوراً، ويذهب إلى مكة ويسعى من جديد؟ لأنه إلى الآن في عمرته.
س 965: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي السنة عند الصعود على الصفا للمعتمر؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أعرف بالنسبة للعمرة سنة في ذلك، ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع لما أقبل على الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أبدأ بما بدأ الله به والأصل أن ما ثبت في الحج ثبت في العمرة إلا ما دل الدليل، أو الإجماع على خلافه. والدليل على هذا الأصل أن النبي قال للمتغمس في الخلوق "واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك " (1) وأخذ من هذا الحديث العام أن كل ما ثبت في الحج ثبت في العمرة، إلا مادل الدليل أو الإجماع على خلافه، وهذا أوجب لي أن أذهب إلى ما ذهب إليه الشافعي وكثير من أهل العلم- رحمهم الله- من وجوب طواف الوداع للمعتمر كما يجب ذلك للحاج.
س 966: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم رفع اليدين عند التكبير فوق الصفا أو المروة؟ وأقصد رفع اليدين كهيئة من يريد الدخول في الصلاة فأنا أرى الناس يفعلون ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هؤلاء الذين يرفعون أيديهم على
__________
(1) تقدم ص 149.
(22/436)

الصفا والمروة ويشيرون بها كأنما يريدون أن يكبروا في الصلاة ليس عندهم علم، والمشروع في رفع اليدين على الصفا وعلى المروة أن يرفعهما رفع دعاء، وهكذا أيضاً عند إشارة إلى الحجر الأسود كثير من الناس يشيرون إليه كأنما يريدون الدخول في الصلاة، وهذا أيضاً لا أصل له، الإشارة بيد واحدة وهي اليمنى.
س 967: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قد يشق على الساعي الصعود على الصفا والمروة من الزحام فهل يوجد حد أدنى للصعود عليهما، نأمل تحديده تماماً؟
فأجاب فضيلته بقوله: حد السعي الواجب استيعابه هو الحد الفاصل بالعربيات، فنهاية طريق العربيات هو منتهاه، هو حد المكان الذي يجما استيعابه في السعي لأن الذين وضعوا طريق العربيات وضعوه على منتهى ما يجب السعي فيه، ومع هذا فلو أن الإنسان إذا وصل إلى حد طريق العربيات تقدم قليلاً نحو متر ثم رجع فقد تم سعيه، وإن لم ينته من الصعود إلى أعلى الصفا وأعلى المروة.
س 968: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يلزم الإنسان إذا سعى في الدور الثاني أو السطح أن يدور على قبة الصفا وقبة المروة أو أن ذلك ليس بلازم حيث نرى الزحام في الدوران
عليهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: الدوران على قبة الصفا أوالمروة
(22/437)

ليس بلازم؛ لأن الواجب استيعاب المسعى إلى نهاية ممر العربيات، وممر العربيات دون مكان الدوران بكثير.
س 969: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- ما هي السنة في سعي المرأة بين العلامتين الخضراوين هل تسرع في السعي أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: المرأة لا تسرع لا في الطواف في الثلاثة أشواط الأولى ولا بين العمودين الأخضرين في السعي، وقد حكى بعض العلماء إجماع أهل العلم على أن المرأة لا يلزمها ركض ولا رمل، وعلى هذا يكون الدليل المخصص هو إجماع العلماء- رحمهم الله- أن المرأة لا تسعى ولا ترمل.
س 970: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- هل يجوز للحائض أن تسعى قبل طواف الإفاضة ويبقى عليها طواف الإفاضة إذا طهرت؟ وهل تطوف في نفس الوقت طواف وداع؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للحائض وغير الحائض أن تقدم السعي على طواف الإفاضة، ولكن الأفضل أن يبدأ بالطواف ويسعى بعده، وطواف الإفاضة مجزىء عن طواف الوداع، إذا جعله الإنسان عند خروجه، يعنى أن السعي بعد الطواف لا يمنع من كون الطواف آخر ما يكون؛ لأن هذا السعي تابع للطواف.
س 971: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أديت العمرة ونظراً لمرضي لم أستطع السعي، فطفت وصليت ركعتين
(22/438)

وتحللت، فهل عمرتي صحيحة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه العمرة ليس صحيحة؛ لأن السعي ركن في العمرة، فلابد أن تسعى، ولهذا فعلى السائل أن يذهب الآن ويلبس ثياب الإحرام، ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر رأسه؛ لأن التقصير الأول في غير محله، أو يحلق رأسه.
ويجب على الإنسان أن لا يقدم على شيء يخل بالعبادة إلا بعد سؤال أهل العلم؛ لئلا يقدم على أمر منكر عظيم وهو لا يشعر، والعبادات ليست على هوى الإنسان، يحذف منها ما يشاء ويقتصر على ما يشاء.
وهذا السائل لا يترتب على عمله هذا إثم لأنه جاهل، فحتى لو جامع أهله وهو جاهل فلا شيء عليه، وهكذا جميع المحظورات إذا فعلها الإنسان جاهلاً، أو ناسياً، أو غير قاصد كالمكره فلا إثم عليه، ولا كفارة.
س 972: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هذا الرجل الذي ترك السعي هل يلزمه غير القضاء وهو متزوج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمه غير القضاء، ولكن يحرم عليه النساء فيتجنب زوجته حتى يسعى.
س 973: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أذن للصلاة وهو في المسعى بين الصفا والمروة وهو على غير طهارة فهل
(22/439)

يجوز له أن يخرج خارج الحرم ليتوضأ ويرجع ليصلي مع الناس ثم يكمل سعيه؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لابد أن يخرج ويتوضأ ويصلي مع الجماعة، وفي هذه الحال إن كان الفصل طويلاً استأنف السعي، وإن كان قصيراً فلا يستأنف، فإذا قدر أن الميضأة قريبة من المسعى، ولن يستغرق وقتاً، وأنه من حين جاء أقيمت الصلاة فهذا زمن قليل فليتم السعي، وأما إذا كان الزمن طويلاً مثل أن تكون الميضأة بعيدة، بحيث يكون الفاصل بين أجزاء السعي فاصلاً طويلاً فإنه يأتي بالسعي من أوله.
س 974: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- رجل خرج منه ريح أثناء السعي بين الصفا والمروة فهل عليه شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا خرج من الإنسان ريح وهو يسعى فلا إثم عليه، لأن السعي لا تشترط له الطهارة وكذلك لو خرج منه ريح وهو يطوف فلا شيء عليه على ما اختاره شيخ الإسلام ابن
تيمية- رحمه الله- ولا سيما في مثل هذه الأوقات التي يكون فيها الزحام شديداً ولو ذهب الإنسان يتوضأ ثم عاد وبدأ في الطواف من الأول لكان فيه مشقة عليه وأذية لغيره، وأما السعي فلا إشكال
فيه أنه إذا أحدث يتم ولا شيء عليه.
س 975: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قام أخي بأداء العمرة في أول شهر رمضان، ولكنه بدأ من المروة في السعي
(22/440)

وانتهى في الصفا ثم تحلل وحلق ولقد سافر إلى بلده وهي بعيدة فهل يحق لي أن أكمل الشوط الأخير بدلا عنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا سؤال غريب يقول إن أخاه في السعي بدأ بالمروة وختم بالصفا إذن ما بقي عليه إلا شوط واحد وهو أن يرجع من الصفا إلى المروة فيتم له سبعة أشواط ويلغي الشوط الأول الذي ابتدأه من المروة لكن هذا يسأل هل يجوز بعد أن تحلل أخوه وذهب إلى بلده وربما يكون قد تزوج أو ربما جامع زوجته أن كانت له زوجة أن أكمل عنه هذا الشوط، أقول لهذا
السائل: لو أن أخاك توضأ وبقي على وضوئه أن يغسل إحدى يديه ثم ذهب وصلى وانتهى من صلاته ثم غسلت يدك هل يجزي هذا أو لا يجزيء؟
لا يجزيء هذا أيضاً مثله، ولهذا أقول: يجب عليك الآن أن تتصل بأخيك هاتفياً وتقول له اخلع ثيابك لأنك لم تزل محرماً اخلع ثيابك وأت بثياب الإحرام إلى مكة واسع من أول الأمر من جديد وقصر أو أحلق ثم إذا أردت أن تطوف إلى بلدك تطوف للوداع لأن العمرة لابد فيها من وداع ثم تسافر، وإنني بهذه المناسبة أن لا يقدموا على عمل صالح يتعبدون به لله إلا وقد عرفوا كيف يعملون من أجل أن يعبد الله على بصيرة لأنه إذا عملوا عملاً مخلاً ثم جاءوا يسألون لا فائدة من ذلك ليسأل أو لا، ثم يعمل، ولهذا قال البخاري- رحمه الله- في صحيحه. باب العلم قبل القول والعمل. ثم استدل بقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) أرأيتم لو أن إنساناً أراد
(22/441)

أن يسافر من هنا إلى المدينة وليس هناك خط مسفلت هل يخرج من مكة ويقول أنا متجه إلى المدينة وهو لا يعرف الطريق أو لابد أن يسأل قبل أن يسافر؟ لابد أن يسأل وإذا كان الإنسان لابد يسأل
في الطريق الحسي فكذلك في الطريق المعنوي وهو الطريق الموصل إلى الله، نسأل الله أن يهدينا وإياكم إلى الصراط المستقيم.
س 976: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اعتمر هو وزوجته فهل يسعى هو سعياً شديداً بين العلمين؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يسعى لاسيما في أيام المواسم والزحام؛ لأنه لو سعى ضيعها، فلا يسعى مطلقاً، لكن ذكر بعضهم هنا إشكالاً وهو إذا كان أصل سعينا بين العلمين من أجل سعي أم إسماعيل وهي امرأة فلماذا لا نقول إن النساء أيضاً يسعين.
فالجواب من وجهين:
الأول: أن أم إسماعيل سعت لوحدها، ليس معها رجال.
الثاني: أن بعض العلماء كابن المنذر حكى الإجماع على أن المرأة لا ترمل في الطواف، ولا تسعى بين العلمين، وحينئذ لا يصح لأنه قياس مع الفارق، والثاني: مخالفة الإجماع إن صح.
س 977: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو الدعاء والذكر المشروع عند الصفا والمروة، وهل يرفع يديه عند الدعاء
(22/442)

والتكبير. وما كيفية ذلك وما القدر المجزىء صعوده في كل من الصفا والمروة. وهل تسرع النساء، أو من معه نساء بين العلمين الأخضرين، وهل هناك دعاء مشروع في أثناء السعي، وما الحكمة
في السرعة بين العلمين الأخضرين؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا السؤال يشتمل على عدة نقاط: أما النقطة الأولى: فإن المشروع عند الصفا والمروة أن الإنسان إذا دنا من الصفا في أول ابتداء السعي فإنه يقرأ قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أبدأ بما بدأ الله به، ثم يصعد الصفا حتى يرى البيت، ثم يرفع يديه كرفعهما في الدعاء ويكبر، ويقول: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو بما شاء، ثم يعيد الذكر مرة ثانية، ثم يدعو بما شاء، ثم يعيد الذكر مرة ثالثة، ثم ينزل ماشيًا إلى العلم الأخضر، فإذا وصل العلم الأخضر سعى سعياً شديداً، أي ركض ركضاً شديداً إلى العلم الآخر، ثم مشى على عادته، إلا النساء فإنهنَّ لا يسعين بين العلمين، وكذلك من كان مصاحباً للمرأة لا يسعى من أجل مراعاة المرأة والحفاظ عليها، وإذا أقبل على المروة لا يقرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) . وكذلك إذا أقبل علِ الصفا في المرة الثانية لا يقرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) لأن ذلك لم يرد.
ويدعو في سعيه بما أحب، وله أن يقرأ القرآن، وأن يذكر الله عز وجل، ويسبِّح ويهلل ويكبِّر، فإذا وصل إلى المروة صعد
(22/443)

عليها، وفعل مثل ما فعل على الصفا.
أما الفقرة الثانية وهي قوله: ما هو القدر الذي يكفي للصعود على الصفا والمروة فنقول: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ارتقى على الصفا حتى رأى البيت، أو رأى الكعبة، وهذا يحصل بأدنى قدر من الصعود.
وأما الحكمة من السعي بين العلمين اتباع سنة النبي، - صلى الله عليه وسلم - وتذكر حال أم إسماعيل، حيث كانت إذا هبطت الوادي وهو ما بين العلمين أسرعت لكي تلاحظ ابنها إسماعيل، والقصة مطولة في صحيح البخاري (1) .
س 978: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم لا يدعو بعد التكبيرة الثالثة عند السعي فما الدليل؟
فأجاب فضيلته بقوله: لأن حديث جابر- رضي الله عنه- قال: "ثم دعا بين ذلك " ولم يقل دعا بعد ذلك.
س 979: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء على الصفا والمروة أو بعد الدعاء مطلقاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن مسح الوجه باليدين بعد الدعاء ليس بمشروع؛ لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيء.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (رقم 3364) .
(22/444)

س 980: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي الأخطاء الواقعة عند الذهاب إلى المسعى وفي المسعى والدعاء فيه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في هذه الأمور. أما بالنسبة للخروج إلى المسعى فلا يحضرني شيء من ذلك الآن، وأما في المسعى فإنه يحضرني الأخطاء التالية:
الخطأ الأول: النطق بالنية فإن بعض الحجاج إذا أقبل على الصفا قال: إني نويت أن أسعى سبعة أشواط لله تعالى، ويعين النسك الذي يسعى فيه، يقول ذلك أحياناً إذا أقبل إلى الصفا، وأحياناً إذا
صعد على الصفا، وقد سبق أن النطق بالنية من البدع، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم ينطق بالنية لا سراً ولا جهراً، وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)) (1) وقال النبي: "إن خير الحديث كتاب الله،
وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها" وهذا الخطأ يتلافى بأن يقتصر الإنسان على ما في قلبه من النية، وهو إنما ينوي إلى الله عز وجل، والله تعالى عليم بذات الصدور.
الخطأ الثاني: أن بعض الناس إذا صعد إلى الصفا واستقبل القبلة جعل يرفع يديه ويشير بهما، كما ذلك في تكبيرات الصلاة صلاة الجنازة، أو تكبيرات الإحرام، أو في الركوع والرفع منه، أو القيام من التشهد الأول، يرفعهما إلى حذو منكبيه ويشير،
__________
(1) سورة الأحزاب: 21.
(22/445)

وهذا خطأ فإن الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أنه رفع يديه وجعل يدعو، وهذا يدل على أن رفع اليدين هنا رفع دعاء، وليس رفعاً كرفع التكبير، وعليه فينبغي للإنسان إذا صعد الصفا أن يتجه إلى القبلة، ويرفع يديه للدعاء، ويأتي بالذكر الوارد عن النبي في هذا المقام، ويدعو كما ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الخطأ الثالث: أن بعض الحجاج يمشي بين الصفا والمروة مشياً واحداً، مشيه المعتاد، ولا يلتفت إلى السعي الشديد بين العلمين الأخضرين، وهذا خلاف السنة، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسعى سعياً شديدًا في هذا المكان، أعني المكان الذي بين العلمين الأخضرين، وهما إلى الصفا أقرب منهما إلى المروة، فالمشروع للإنسان إذا وصل إلى العلم الخضر الأول الذي يلي الصفا أن
يسعى شديداً بقدر ما يتحمله، بشرط أن لا يتأذى أحداً بذلك، وهذا إنما يكون حينما يكون المسعى خفيفاً فيسعى بين هذين العلمين، ثم يمشي إلى المروة مشيه المعتاد، هذه هي السنة.
الخطأ الرابع: على العكس من ذلك فإن بعض الناس إذا كان يسعى تجده يرمل في جميع السعي من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا فيحصل في ذلك مفسدتان، أو أكثر:
المفسدة الأولى: مخالفة السنة.
والمفسدة الثانية: الإشقاق على نفسه، فإن بعض الناس يجد المشقة الشديدة في هذا العمل، لكنه يتحمل بناء على اعتقاده أن ذلك هو السنة، فتجده يرمل من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا، وهكذا حتى ينتهي سعيه، ومن الناس من يفعل ذلك
(22/446)

لا تحريًا للخير، ولكن حبًا للعجلة، وإنهاءً للسعي بسرعة، وهذا شر مما قبله؛ لأن هذا ينبىء عن تبرم الإنسان بالعبادة، وملله منها، وحبه الفرار منها، والذي ينبغي للمسلم أن يكون قلبه مطمئناً، وصدره منشرحا، بالعبادة يحب أن يتأنى فيها على الوجه المشروع الذي جاءت به سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أما أن يفعلها وكأنه يريد الفرار منها، فهذا دليل على نقص إيمانه، وعدم اطمئنانه بالعبادة.
والمفسدة الثالثة: في الرمل في جميع أشواط السعي: أنه يؤذي الساعين، فأحياناً يصطدم بهم ويؤذيهم وأحياناً، وأحيانًا يكون مضيقًا عليهم، ومزاحمًا لهم فيتأذون بذلك، فالنصيحة لإخواني المسلمين في هذا المقام أن يتأسوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن هديه خير الهدي، وأن يمشوا في جميع الأشواط إلا في ما بين العلمين، فإنهم يسعون سعياً شديداً، كما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مالم يتأذوا بذلك، أو يؤذوا غيرهم.
الخطأ الخامس: أن بعض الناس يتلو قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) في كل شوط كلما أقبل على الصفا، وكلما أقبل على المروة، وهذا خلاف السنة، فإن السنة الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلاوة هذه الآية أنه تلاها حين دنا من الصفا، بعد أن أتم الطواف وركعتي الطواف، وخرج إلى المسعى، فلما دنا من الصفا قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ، أبدأ بما بدأ الله به إشارة منه - صلى الله عليه وسلم - أنه إنما جاء ليسعى، لأن هذا من شعائر
(22/447)

الله عز وجل، وأنه إنما بدأ من الصفا؛ لأن الله تعالى بدأ به، فتكون تلاوة هذه الآية مشروعة عند ابتداء السعي إذا دنا من الصفا وليست مشروعة كلما دنا من الصفا في كل شوط، ولا كلما دنا من المروة، وإذا لم تكن مشروعة فلا ينبغي للإنسان أن يأتي بها إلا في الموضع الذي أتى بها فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الخطأ السادس: أن بعض الذين يسعون يخصصون كل شوط بدعاء، وقد سبق أن هذا من البدع، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يخصص كل شوط بدعاء معين، لا في الطواف، ولا في السعي أيضاً، وإذا كان هذا من البدع، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل بدعة ضلالة" وعليه فاللائق بالمؤمن أن يدع هذه الأدعية، وأن يشتغل بالدعاء الذي يرغبه ويريده، فيدعو بما شاء من خير الدنيا والآخرة، ويذكر الله ويقرأ القرآن، وما أشبه ذلك من الأقوال المقربة إلى الله
سبحانه وتعالى فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ".
الخطأ السابع: الدعاء من كتاب لا يعرف معناه، فإن كثيراً من الكتب التي بأيدي الحجاج لا يعرف معناها بالنسبة لحاملها، وكأنهم يقرؤونها تعبداً لله تعالى بتلاوة ألفاظها؛ لأنهم لا يعرفون المعنى، لاسيما إذا كانوا غير عالمين باللغة العربية، وهذا من الخطأ أن تدعو الله سبحانه وتعالى بدعاء لا تعرف معناه.
والمشروع لك أن تدعو الله سبحانه وتعالى بدعاء تعرف
(22/448)

معناه، وترجو حصوله من الله عز وجل، وعليه فالدعاء بما تريده أنت بالصيغة التي تريدها، ولا تخالف الشرع أفضل بكثير من الدعاء بهذه الأدعية التي لا تعرف معناها، وكيف يمكن لشخص
أن يسأل الله تعالى شيئاً وهو لا يدري ماذا يسأله، وهل هذا إلا من إضاعة الوقت والجهل؟ ولو شئت لقلت: إن هذا من سوء الأدب مع الله عز وجل أن تدعو الله سبحانه وتعالى بأمر لا تدري ما تريده منه.
الخطأ الثامن: البداءة بالمروة، فإن بعض الناس يبدأ بالمروة جهلاً منه، يظن أن الأمر سواء فيما إذا بدأ من الصفا أو بدأ من المروة، أو يسوقه تيار الخارجين من المسجد حتى تكون المروة أقرب إليه من الصفا، فيبدأ بالمروة جهلاً منه، وإذا بدأ الساعي بالمروة فإنه يلغى الشوط الأول، فلو فرضنا أنه بدأ بالمروة، فأتم سبعة أشواط فإنه لا يصح منها إلا ستة؛ لأن الشوط الأول يكون لاغياً، وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى وجوب البداءة بالصفا حيث قال: "أبدأ بما بدأ الله به ".
الخطأ التاسع: أن بعض الناس يعتبر الشوط الأول من الصفا إلى الصفا، يظن أنه لابد من إتمام دورة كاملة كما يكون في الطواف من الحجر إلى الحجر، فيبدأ بالصفا وينتهي إلى المروة ويجعل هذا نصف الشوط لا كله، فإذا رجع من المروة إلى الصفا اعتبر هذا شوطاً واحد، وعلى هذا فيكون سعيه أربعة عشر شوطاً، وهذا أيضاً خطأ عظيم وضلال بَيَّن، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سعى بين الصفا
(22/449)

والمروة سبعة أشواط، لكنه ابتدأ بالصفا، واختتم بالمروة، وجعل الذهاب من الصفا إلى المروة شوطاً، والرجوع من المروة إلى الصفا شوطاً آخر، وهذا الذي يقع من بعض الحجاج إنما يكون جهلاً منهم بالسنة وتفريطاً منهم في عدم التعلم، وقد أشرنا مراراً إلى أنه ينبغي، بل يجب على المسلم إذا أراد أن يفعل العبادة أن يعلم حدود الله فيها قبل أن يفعلها، وهذا التعلم من فروض الأعيان؛ لأنه لا يستقيم دين المرء إلا به، فيجب عليه أن يتعلم حدود ما أنزل الله في هذه العبادة، ليعبد الله تعالى على بصيرة.
الخطأ العاشر: السعي في غير النسك، يعنى أن بعض الناس يتعبد الله تعالى بالسعي بين الصفا والمروة في غير حج ولا عمرة، يظن أن التطوع بالسعي مشروع كالتطوع بالطواف، وهذا أيضاً خطأ،
والذي يدلنا على هذا، أنك تجد بعض الناس في زمن العمرة- أي في غير زمن الحج- يسعى بين الصفا والمروة بدون أن يكون عليه ثياب الإحرام، مما يدل على أنه محل فإذا سألته: لماذا فعلت؟
قال: لأني أتعبد الله عز وجل بالسعي كما أتعبد بالطواف. وهذا جهل مركب؛ لأنه صار جاهلاً بحكم الله، وجاهلاً بحاله، حيث ظن أنه عالم وليس بعالم، أما إذا كان السعي في زمن الحج بعد
الوقوف بعرفة فيمكن أن يسعى الإنسان وعليه ثيابه المعتادة؛ لأنه يتحلل برمي جمرة العقبة يوم العيد، بالحلق أو التقصير، ثم يلبس ثيابه، ثم يأتي إلى مكة ليطوف ويسعى بثيابه المعتادة.
على كل حال أقول: إن بعض الناس يتعبد لله تعالى بالسعي
(22/450)

بغير حج ولا عمرة، وهذا لا أصل له، بل هو بدعة، وهو لا يقع غالباً إلا من شخص جاهل، لكنه يعتبر من الأخطاء في السعي.
الخطأ الحادي عشر: التهاون بالسعي على العربة من غير عذر، فإن بعض الناس يتهاون بذلك، ويسعى على العربة بدون عذر، مع أن كثيراً من أهل العلم قالوا: إن السعي راكباً لا يصح إلا
بعذر، وهذه المسألة مسألة خلاف بين العلماء، أي هل يشترط في السعي أن يكون الساعي ماشياً إلا من عذر أو لا يشترط؟ ولكن الإنسان ينبغي له أن يحتاط لدينه، وأن يسعى ماشياً مادام قادراً،
فإن عجز فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -لأم سلمة- رضي الله عنها- حين قالت: إني أريد أن أطوف وأجدني شاكية، قال: "طوفي من وراء الناس وأنت راكبة" فأذن لها بالركوب في الطواف؛ لأنها مريضة، وهكذا نقول في السعي: إن الإنسان إذا كان لا يستطيع، أو يشق عليه مشقة تتعبه فلا حرج عليه أن يسعى على العربة. هذا ما يحضرني من الأخطاء في السعي.
س 981: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل من السنة صعود المرأة إلى الصفا؟
فأجاب فضيلته بقوله: المعروف عند الفقهاء أنه لا يسن للمرأة أن تصعد الصفا والمروة، وإنما تقف عند أصولهما، ثم تنحرف لتأتى ببقية الأشواط، لكن لعل هؤلاء النساء اللاتي يشاهدن صاعدات على الصفا والمروة يكن مع محارمهن، ولا
(22/451)

يتسنى لهن مفارقة المحارم؛ لأنهن يخشين من الضياع، وإلا فإن الأولى للمرأة أن لا تزاحم الرجال في أمر ليس مطلوبًا منها.
س 982: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يلزم السعي الشديد في العودة من المروة إلى الصفا بين العلمين الأخضرين؟
فأجاب فضيلته بقوله: السعي الشديد ليس بلازم، لكن الأفضل أن يسعى سعياً شديداً بين العلمين في ذهابه من الصفا إلى المروة، وفي رجوعه من المروة إلى الصفا؛ لأن كل مرة من هذه شوط، والسعي بين العلمين مشروع في كل شوط.
س 983: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يشرع للحاج عندما يصعد للصفا أن يقرأ قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ) إلى آخر الآية، أم يقتصر على قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) وهل يشرع أن يقول: "أبدأ بما بدأ الله به " كلما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
فأجاب فضيلته بقوله: الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث جابر قوله- أي جابر رضي الله عنه فلما دنا من الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) فيتحمل أنه قرأ الآية كلها، ويحتمل أنه قرأ هذا الجزء منها، فإن كمل الآية فلا حرج عليه.
وأما قوله (أبدأ بما بدأ الله به) فيقولها الإنسان أيضاً اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإشعاراً لنفسه أنه فعل ذلك طاعة لله عز وجل، حيث ذكر الله تعالى أنهما من شعائر الله وبدأ بالصفا.
(22/452)

س 984: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم من الأخطاء في الطواف والسعي الدعاء من الكتب فهل ينطبق هذا على الناس الذين يطوفون ويسعون بهم ويقولون أدعية يرددها الناس
خلفهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، هو ينطبق على هؤلاء؛ لأن هؤلاء أيضاً كانوا قد حفظوا هذه الأدعية من هذا الكتاب، ولعلك لو ناقشت بعضهم- أي بعض هؤلاء المطوفين- عن معاني ما يقول لم يكن عنده من ذلك خبر ولكن مع ذلك قد يكون من خلفه لا يعلمون اللغة العربية، ولا يعرفون معنى ما يقولون، وإنما يرددونه تقليداً لصوته فقط، وهذا من الخلل الذي يكون من المطوفين، ولو أن المطوفين أمسكوا الحجاج الذين يطوفونهم، وعلموهم تعليماً عند كل طواف، وعند كل سعي، فيقولون لهم مثلاً: أنتم الآن ستطوفون فقولوا كذا، وافعلوا كذا، وادعوا بما شئتم، ونحن معكم نرشدكم إن ضللتم فهذا طيب، وهو أحسن من أن يرفعوا أصواتهم بتلقينهم الدعاء الذي لا يعرفون معناه، والذي قد يكون فيه تشويش على الطائفين، فهم إذا قالوا: نحن أمامكم وأنتم افعلوا كذا أشيروا مثلاً إلى الحجر، أو استلموه إن تيسر لكم، أو ما أشبه ذلك، وقولوا كذا، وكبروا عند محاذاة
الحجر الأسود وقولوا بينه وبين الركن اليماني (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) إلى غير ذلك من التوجيهات لكان هذا أنفع للحاج وأخشع، أما أن يؤتى بالحاج
وكأنه ببغاء يقلد بالقول والفعل هذا المطوف، ولا يدري عن شيء
(22/453)

أبدًا، وربما لو قيل له بعد ذلك: طف. ما استطاع أن يطوف لأنه لا يعرف الطواف، وإنما كان يمشى يردد وراء هذا المطوف، فهذا هو الذي أرى أنه أنفع للمطوفين والطائفين أيضاً.
س 985: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة للتقصير والحلق بعد السعي للعمرة أو الإحلال من الحج في منى هل هناك أخطاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، في الحلق أو التقصير في العمرة يحصل أخطاء منها:
الخطأ الأول: أن بعض الناس يحلق بعض رأسه حلقاً تاماً بموسى ويبقى البقية، وقد شاهدت ذلك بعيني، فقد شاهدت رجلاً يسعى بين الصفا والمروة، وقد حلق نصف رأسه تماماً، وأبقى بقية
شعره، وهو شعر كثيف بيَّن، فأمسكت به وقلت له: لماذا صنعت هذا؟ فقال: صنعت هذا؛ لأني أريد أن أعتمر مرتين، فحلقت نصفه للعمرة الأولى، وأبقيت نصفه لعمرتي هذه.
وهذا جهل وضلال لم يقل به أحد من أهل العلم.
الخطأ الثاني: أن بعض الناس إذا أراد أن يتحلل من العمرة، قصر شعرات قليلة من رأسه، ومن جهة واحدة، وهذا خلاف ظاهر الآية الكريمة، فإن الله تعالى يقول: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (1)
فلابد أن يكون للتقصير أثر بيَّن على الرأس، ومن المعلوم أن قص شعرة، أو شعرتين، أو ثلاث شعرات لا يؤثر، ولا يظهر على
__________
(1) سورة الفتح، الآية: 27.
(22/454)

المعتمر أنه قصّر، فيكون مخالفًا لظاهر الآية الكريمة.
ودواء هذين الخطأين أن يحلق جميع الرأس إذا أراد حلقه، وأن يقصر من جميع الرأس إذا أراد تقصيره، ولا يقصر على شعرة أو شعرتين.
وهناك خطأ ثالثاً وذلك أنه إذا فرغ من السعي، ولم يجد حلاَّقاً يحلق عنده أو يقصر، ذهب إلى بيته فتحلل ولبس ثيابه، ثم حلق أو قصر بعد ذلك، وهذا خطأ عظيم؛ لأن الإنسان لا يحل من العمرة إلا بالحلق، أو التقصير؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أمر أصحابه في حجة الوداع، أمر من لم يسق الهدي أن يجعلها عمرة، قال: "فليقصر ثم ليحلل " وهذا يدل على أنه لا حل إلا بعد
التقصير.
وعلى هذا فإذا فرغ الحاج من السعي ولم يجد حلاَّقًا، أو أحداً يقصر رأسه، فليبق على إحرامه حتى يحلق أو يقصر، ولا يحل له أن يتحلل قبل ذلك، فلو قدر أن شخصاً فعل هذا جاهلاً بأن تحلل قبل أن يحلق أو يقصر ظناً منه أن ذلك جائز، فإنه لا حرج عليه لجهله، ولكن يجب عليه حين يعلم أن يخلع ثيابه، ويلبس ثياب الإحرام، لأنه لا يجوز له التمادي في الحل مع علمه بأنه لم يحل ثم إذا حلق أو قصر تحلل.
هذا ما يحضرني الآن من الأخطاء في الحلق والتقصير.
(22/455)

س 986: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الحلق أو التقصير في العمرة؟ وأيهما أفضل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة واجب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم مكة في حجة الوداع وطاف وسعى، أمر كل من لم يسق الهدي أن يقصر ثم يحل، فلما أمرهم
أن يقصروا، والأصل في الأمر الوجوب، دل على أنه لابد من التقصير، ويدل لذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم حين أحصروا في غزوة الحديبية أن يحلقوا، حتى إنه - صلى الله عليه وسلم - غضب حين توانوا في ذلك.
وأما هل الأفضل في العمرة التقصير أو الحلق؟ فالأفضل الحلق إلا للمتمتع الذي قدم متأخراً، فإن الأفضل في حقه التقصير من أجل أن يوفر الحلق للحج.
س 987: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج متمتع طاف وسعى للعمرة ولبس ملابسه العادية ولم يقصر ولم يحلق وسأل بعد الحج فأخبر أنه أخطأ فماذا يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل يعتبر تاركاً لواجب من واجبات العمرة وهو الحلق أو التقصير، وعليه عند أهل العلم أن يذبح فدية في مكة، ويوزعها على فقراء مكة، وهو باق على تمتعه
وعمرته صحيحة.
س 988: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: قمت بعمل عمرة وهي أول عمرة لي، ونسيت أن أقص من شعري،
(22/456)

فقلت: عندما أذهب للبيت سوف أقصه: ولكنني عندما ذهبت إلى البيت نسيت ذلك فماذا على الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: كان الواجب عليها أن تسأل في وقت العمرة، والآن كم لها من وقت، فلا أستطيع أن أفتيها وهي لم تبين لي متى كان ذلك؟
س 989: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة اعتمرت هذا العام ونسيت أن تقصر من شعرها، وحلت من الإحرام بعد الطواف والسعي، ولم تذكر التقصير إلا في الرياض، فما الحكم
جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، إذا نسيت أن تقصر في العمرة ولم تذكر إلا وهي في الرياض فإنها تقصر، ولا حرج عليها إن شاء الله.
وإنني بهذه المناسبة: أود أن أذكر إخواننا المسلمين أنهم إذا أرادوا أن يفعلوا عبادة- أي عبادة كانت- فليقبلوا عليها بجد، وليشغلوا قلوبهم بها، وليهتموا بها.
والناحية الثانية: أن يتعلموا أحكامها، وماذا يجب عليهم فيها، حتى يعبدوا الله تعالى على بصيرة، وما أكثر الذين يسألون عن أشياء أخلوا بها في مناسكهم في الحج أو العمرة، وربما يمضي عليهم سنوات كثيرة لم يتفطنوا إلا بعد مضي هذه
(22/457)

السنوات، وهذا لا شك أنه نقص. فالإنسان لو أراد أن يسافر إلى بلد فإنه لن يسافر إلا بهاد يدله الطريق، أو بهاد يصف له الطريق حتى يعرف كيف يسير إلى هذه البلاد، وإلى أين يتجه، فما بالك
بالسير إلى جنات النعيم أليس الأجدر بالإنسان أن يهتم به اهتماماً بالغاً؟! وهكذا في المعاملات ينبغي للتاجر أن لا يشتغل بالتجارة حتى يعرف ما الذي يجوز منها، وما الذي لا يجوز، وهكذا في ما
يسمونه بالأحوال الشخصية كالنكاح، والطلاق، فالإنسان لا يطلق حتى يعرف حدود الله تعالى في الطلاق، إلى غير ذلك من شرائع الدين. وشعائره، فإنه ينبغي للإنسان أن يتلقاها بهمة وعزيمة، ونشاط، واحضار قلب، وأن يقوم بها على علمِ وبصيرة، فقد قال الله تبارك تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) .
س 990: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أحرمنا للعمرة من ميقات المدينة ثم قدمنا إلى مكة ودخلنا الحرم وطفنا حول الكعبة سبع مرات ثم صلينا ركعتين قبل السعي ثم سعينا سبعة أشواط ثم خرجنا من الحرم هذا كل ما فعلنا في العمرة، إلا أن واحداً منا خرج من الحرم بعد إكمال الطواف وقبل السعي وقص شيئاً من شعر رأسه ولم ينزع لباس إحرامه، وبعد ذلك عاد إلى الحرم وسعى، وبعد إكماله للسعي خرجنا من مكة إلى المدينة ولم نطف طواف الوداع، فما الحكم فيمن قص شيئاً من شعره في السعي وما حكم ترك طواف الوداع جهلاً؟
(22/458)

فأجاب فضيلته بقوله: الذي فهمته من هذا السؤال أنه لم يقصر أحد منهم إلا هذا الذي قصر قبل أن يسعى، فإن كان هؤلاء كذلك فقد تركوا التقصير، والتقصير من واجبات العمرة، فإذا كانوا تركوه جهلاً فلا حرج عليهم أن يقصروا ولو في مكانهم في بلدهم الذي يقيمون فيه.
وأما هذا الذي قصر قبل السعي جاهلاً فلا شيء عليه؛ لأن جميع محظورات الإحرام إذا فعلها المحرم جاهلاً، أو ناسياً، أو مكرهاً فإنه لا شيء عليه، ولكن على هذا الرجل الذي قصر قبل السعي أن يقصر الآن؛ لأنه قصر في غير محل التقصير.
وأما خروجكم بعد قضاء العمرة إلى المدينة مباشرة فإنه لا شيء عليكم، أما لو أقام المعتمر في مكة ولو قليلاً فإنه يجب عليه طواف الوداع لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت ". ويقول - صلى الله عليه وسلم -: "اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك " (1) . وهذا عام إلا فيما خصه الدليل كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والمبيت بمنى، فإن هذا لا يجب في العمرة بالنص والإجماع. والله الموفق.
س 991: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: اعتمرت لوالدي المتوفي وفي نهاية العمرة نسيت أن أقصر من شعري، ثم قمت مباشرة بالطواف لأختي أي أخذت لها سبع، وأختي مقيمة في
__________
(1) تقدم ص 149.
(22/459)

الرياض ويمنعها زوجها من العمرة، ولا أعلم هل يستمر في منعها أم لا، بحجة أنه لا يحب السفر، وبعد الانتهاء من الطواف لأختي قمت بالتقصير من شعري مرة واحدة فقط عن العمرة لوالدي
وأسأل يا فضيلة الشيخ حكم الطواف لأختي في هذه الحالة والفقرة الأخرى هل أقصر من شعري بعد السبع؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم الطواف لأختك صحيح وكونك قصرتي بعد هذا الطواف عن العمرة صحيح أيضاً.
وأما كون زوج أختك يمنعها من العمرة فهذا أمر يعود إليه هو أعلم بشأن زوجته، قد يرى أنه من المصلحة أن يمنعها فيمنعها، فله الحق في ذلك؛ لأن النبي قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه " (1) هذا الحديث أو معناه، فمنع النبي - صلى الله عليه وسلم - المرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه؛ لأنها إذا صامت تمنعه من كمال ما يريد منها، وإن فعل
ما يريد صار في قلبه حرج وقلق، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الصوم الذي يكون به منع الزوج مما يريد، فما بالك في السفر، فإن منعه زوجته من السفر حق له ولا لوم عليه في
ذلك، لكن ينبغي للزوج أن يراعي الأحوط، فإذا قدر أن هذه المرأة لم تعتمر من قبل وصار أهلها سيذهبون للعمرة وهو لا يشق عليه فراقها فليأذن لها في العمرة لتؤدي واجباً لله، ويا حبذا لو
اصطحبها أيضاً فإن هذا تكون فيه الفة بين الأصهار بعضهم مع
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب لا تأذن المرأة في بيت زوجها إلا بإذنه (رقم 5195) ومسلم، كتاب الزكاة، باب ما أنفق العبد من مال مولاه (رقم 1026)
(22/460)

بعض، ويكون فيه الخير الكثير إن شاء الله.
س 992: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أحرم بالحج متمتعاً واعتمر ولم يتحلل من إحرامه بتقصير شعره إلى أن ذبح الهدي جاهلاً فماذا عليه؟ وهل حجه صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب أن يعرف أن الإنسان إذا أحرم متمتعاً فإنه إذا طاف وسعى قصر من شعره من جميع الرأس وحل من إحرامه، هذا هو الواجب، فإذا استمر في إحرامه فإن كان قد
نوى الحج قبل أن يشرع في الطواف- أي طواف العمرة- فهذا لا حرج عليه؛ لأنه في هذه الحال يكون قارناً، ويكون ما أدى من الهدي عن القران.
وإن كان قد بقي على نية العمرة حتى طاف وسعى فإن كثيرًا من أهل العلم يقولون: إن إحرامه بالحج غير صحيح؛ لأنه لا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الشروع في طوافها، ويرى بعض أهل العلم أنه لا بأس به، وحيث إنه جاهل فالذي أرى أنه لا شيء عليه وأن حجه صحيح إن شاء الله. والله الموفق.
س 993: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججنا مع والدي عام 1401 هـ أول مرة نحج فيها ولما أحرمنا وطفنا طواف القدوم قصينا من شعر الرأس وكنا محرمين بالحج مفردين، والوالد رجع إلى السودان وأنا حضرت إلى الرياض وأعمل هنا وقد صمت عشرة أيام في الرياض والوالد لم يصم، أرجو إفادتي في
(22/461)

ذلك وما هو المطلوب مني ومن والدي بارك الله فيكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليك وعلى والدك شيء وذلك أن تقصيركما للرأس كان عن جهل، لم تريدا به التحلل من الإحرام، لأنكما مفردان للحج، والمفرد للحج لا يحل من إحرامه إلاَّ يوم العيد إذا رمى وحلق وقصر، وكل من فعل شيئاً من محظورات الإحرام جاهلاً فليس عليه إثم، وليس عليه فدية لقوك الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) وقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (2) وقوله تعالى في الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (3) والجاهل غير متعمد للإثم فهو غير آثم، وإذا كان غير آثم
لم يترتب عليه كفارة الإثم، والخلاصة أنه لا شيء عليك ولا على أبيك.
س 994: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: أدينا العمرة ثم قصرنا من بعض الشعر ولم نقصر منه كله وتحللنا من إحرامنا فما العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب في التقصير أن يكون شاملاً لجميع الرأس لقول الله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (4) فلابد أن
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(3) سورة المائدة، الآية: 95.
(4) سورة الفتح، الآية: 27.
(22/462)

يعم كل الرأس، ومن قصر من بعضه فإنه لم يقم بالواجب إلا على رأي بعض العلماء، فمن قصر تبعاً لهؤلاء الذين أفتوه في ذلك فلا شيء عليه، يعني من قصر بعض الرأس تابعاً للعلماء الذين أفتوه
فلا شيء عليه، وإلا وجب عليه الآن أن يخلع ثيابه، لأنه لم يحل له لبسها حتى الآن، ثم يلبس ثياب الإحرام ثم يقصر التقصير الواجب.
س 995: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أحرم متمتعاً ولم يقصر أو يحلق لعمرته وأكمل مناسك الحج ماذا عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحاج ترك التقصير في عمرته، والتقصير من واجبات العمرة، وفي ترك الواجب عند أهل العلم دم يذبحه الإنسان في مكة، ويوزعه على الفقراء، وعلى هذا فنقول لهذا الحاج: يجب عليك على ما قاله أهل العلم أن تذبح فدية بمكة، وتوزعها على الفقراء، وبهذا تتم عمرتك وحجك، وإن كان خارج مكة فإنه يوصي من يذبح له الفدية بمكة.
س 996: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: متمتع لم يجد الهدي فصام ثلاثة أيام في الحج ولم يصم السبعة الباقية ومضى على ذلك ثلاث سنوات فماذا يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: يلزمه أن يصوم بقية الأيام العشرة وهي سبعة أيام، ونسأل الله له العون.
(22/463)

س 997: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص يحلق شعره للعمرة في بلده فما حكم عمرته؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول أهل العلم: إن حلق الرأس لا يختص بمكان فإذا حلق في مكة، أو في غير مكة فلا بأس، لكن الحلق في العمرة بتوقف عليه الحل، وأيضاً سيكون بعد الحلق طواف وداع، فالعمرة هكذا ترتيبها: طواف، وسعي، وحلق أو تقصير، وطواف وداع إذا أقام الإنسان بعد أداء العمرة، وأما إذا سافر من حين أن أتى بأفعال العمرة فلا وداع عليه، إذًا معناه لابد أن يحلق رأسه أو يقصره وهو في مكة إذا كان يريد الإقامة لأنه سيأتي بعده طواف الوداع، أما إذا طاف وسعى وخرج إلى بلده فوراً، فإنه لا حرج عليه أن يقصر أو يحلق في بلده، لكنه سيبقى على إحرامه حتى يقصر أو يحلق. والله أعلم.
س 998: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن أقص شعري في المروة بعد نهاية السعي؟ وهل يجزىء حلق أو قص بعض الرأس؟ وماذا يفعل من كان أصلعاً أو محلوق الرأس؟
وهل يجوز للساعي والطائف الاستراحة إذا تعب أثناء السعي، أو الطواف؟ وأيهما أفضل الحلق أو التقصير مع دليل ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا فرغ الإنسان من السعي وكان في عمرة فإنه يحلق أو يقصر، والحلق أفضل؛ لأنه أبلغ في تعظيم الله؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة (1) .
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال (رقم 1727) =
(22/464)

ومن كان أصلعًا أو قد حلق رأسه فإنه يسقط عنه الحلق، أو التقصير؛ لأنه لا شعر له، وهذا في الأصلع ظاهر، لأن الأصلع لا ينبت شعره، وأما من حلق، فإنه قد يقال: إنه يجمب عليه أن ينتظر
حتى ينبت أدنى نبات ثم يحلق.
وأما حلق بعض الرأس أو تقصير بعض الرأس فلا يجزىء لأن الله تعالى قال: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (1) فلا بد من أن يكون الحلق أو التقصير شاملاً جميع الرأس، وأحسن ما يقصر به
وأعمَّه أن يكون التقصير في المكائن المعروفة التي يستعملها الناس اليوم لأنها يحصل بما التقصير العام، وعلى وجه متساوٍ فهي أحسن من المقص.
وقولنا إن الحلق أفضل، هذا بالنسبة للرجال، أما النساء فليس في حقهن إلا التقصير.
أما قول السائل: إذا تعب الساعي أو الطائف وجلس فهل يضر ذلك؟
والجواب: أنه لا يضره، ولكن يلاحظ أنه لا يجلس جلوساً طويلاً، ولكن يجلس قليلاً حتى يرتد إليه نفسه وترتاح أعصابه، ثم يواصل، وإن احتاج إلى جلسة أخرى فلا بأس، أو ثالثة، أو رابعة.
__________
= ومسلم، كتاب الحج، باب تفصيل الحلق والتقصير وجواز التقصير (1301)
(1) سورة الفتح، الآية: 27.
(22/465)

س 999: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أخذت عمرة فطفت وسعيت ولكنني لم أحلق ولم أقصر لأنني اعتقدت أن التقصير قبل ذلك فقصرت قبل وصولي إلى مكة وأنا في مدينة الرياض فماذا عليّ؟ علمًا بأني لما علمت الحكم حلقت بنية النسك؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
فأجاب فضيلته بقوله: ما دمت كنت جاهلاً بوجوب الحلق أو التقصير بعد الطواف والسعي للعمرة، ثم لما علمت حلقت بنية النسك فإنه لا شيء عليك، وإن قدر أنك فعلت شيئاً من
محظورات الإحرام قبل الحلق أو التقصير، فإنه ليس عليك شيء أيضاً لأن هذا صدر عن جهل، قال الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) ..
س 1000: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من اعتمر ولم يحلق أو لم يقصر ناسياً أو جاهلاً فما حكم عمرته؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمرة صحيحة وإن لم يحلق أو يقصر، وذلك لأن الحلق أو التقصير ليس من أركان العصرة، وإنما هو من الواجبات، وإذا تركه الإنسان ناسياً فإنه يحلق متى ذكر إلا إذا فات الأوان، فإنه يذبح في مكة فدية يتصدق بها على الفقراء، وإذا تركه جاهلاً، وعَلِم فإنه يحلق، إلأَ إذا فات الأوان فإنه يذبح في مكة فدية يتصدق بها على الفقراء، ولا إثم عليه هذه الحال ما دام ناسياً أو جاهلاً. والله أعلم.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286
(22/466)

س 1001: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من نسي التقصير في العمرة وتحلل من إحرامه وفعل بعضر محظورات الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكم من نسي التقصير في العمرة حتى تحلل من إحرامه وفعل شيئاً من محظورات الإحرام أن تحلله من إحرامه ليس عليه فيه شيء، وما فعله من محظورات ولو كان
الجماع ليس عليه فيه شيء، لأنه ناس للحلق، وجاهل في فعل المحظور، فليس عليه شيء، ولكن إذا ذكر وجب عليه أن يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام لأجل أن يقصر وهو محرم، هذا إذا كان رجلاً، إما إذا كانت امرأة فإنه لا يلزمها أن تخلع ثيابها بل تقصر وإن لم يكن عليها ثيابها التي أحرمت بها؛ لأن المرأة ليس لها ثياب خاصة للإحرام، فالمرأة تلبس في الإحرام ما شاءت من الثياب إلا أنها لا تتبرج بالزينة. والله أعلم.
س 1002: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج قدم متمتعاً فلما طاف وسعى لبس ملابسه العادية ولم يقصر أو يحلق وسأل بعد الحج وأخبر أنه أخطأ فكيف يفعل وقد ذهب الحج بعد وقت
العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل يعتبر تاركاً لواجب من واجبات العمرة وهو الحلق أو التقصير، وعليه عند اهل العلم أن يذبح فدية في مكة، ويوزعها على فقراء مكة، وهو باق على تمتعه.
(22/467)

س 1003: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل طاف طواف العمرة وسعى ولم يحلق رأسه ناسياً وغادر مكة أو أثناء الطريق تذكر فخلع ثيابه وحلق رأسه وتحلل؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرجو أن لا شيء عليه.
س 1004: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل تحلل من عمرته بعد أن طاف وسعى ولم يحلق ولم يقصر ثم أحرم بالحج، ماذا يلزمه جزاك الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر أنه باقٍ على تمتعه، ولكنه يلزمه عن ترك الحلق أو التقصير فدية، بناء على ما هو مشهور عند الفقهاء من أن ترك الواجب تلزم فيه الفدية، فإذا كان موسراً قادراً
وجب عليه أن يذبح فدية في مكة وتوزع كلها على الفقراء، وإن لم يكن قادراً فلا شيء عليه، أما النسك فهو تمتع، لأن هذه هي نيته.
س 1005: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل أحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج ولم يصل مكة إلا في اليوم الثامن من ذي الحجة فعند فراغه من العمرة هل يحلق رأسه أو يقصر؟ وما
حكم الاغتسال بعد العمرة للإحرام بالحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أحرم الإنسان بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج ولم يصل إلى مكة إلا في اليوم الثامن، فإنه في هذه الحال لا يحلق شعر رأسه عند الإحلال، ولكنه يقصره، من أجل
(22/468)

أن يبقى الشعر للحج، فإذا أنهى العمرة بالطواف والسعي والتقصير فإنه يغتسل للإحرام بالحج، وهذا الاغتسال ليس بواجب؛ لأن الاغتسال عند النسك سنة، وليس بواجب.
س 1006: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل يقول: ذهبت أنا وعائلتي للعمرة وبعد الفراغ من الطواف والسعي حللنا ولم ثقصر ولم نحلق وخرجنا من مكة لأننا كنا نعتقد أن الحلق أو
التقصير خاص بالحج وقد مضى على ذلك زمن فماذا يلزمنا الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: يلزم كل واحد منهم فدية تذبح بمكة وتوزع على الفقراء، وأنصح كل إنسان أخل بشيء من المناسك أن يسأل فوراً، وأن لا يتأخر.
س 1007: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- هل يجوز أن يوصي من يذبح الفدية عنه وعن عائلته بمكة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز، وإن ذهب فهو طيب يأخذ عمرة ويفدي.
س 1008: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: يقول صاحب السؤال أعلاه: إنه ليس من أهل المملكة ولا يعرف أحداً فما الحل؟
فأجاب فضيلته بقوله: يعطينا أربعمائة ريال عن كل فرد، وإن شاء الله نجد أحداً والله الموفق.
(22/469)

س 1009: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قام بأداء العمرة ونسي أن يقصر أو يحلق ولبس ثيابه وذكر في مكة أنه لم يقصر ولم يحلق وسافر إلى بلده فما حكم عمرته وماذا يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: عمرته صحيحة، لكن بقي عليه الحلق أو التقصير، ولكن من العلماء من يقول: يحلق ويقصر يعنى يخلع ثيابه الآن لأنه يحرم عليه أن يلبس الثياب قبل الحلق أو التقصير، فيخلع الثياب، ويلبس ثياب الإحرام، فيحلق ويقصر.
ومنهم من قال: إنه ثبت عليه الدم بمغادرة مكة، ويذبح بمكة فدية توزع على الفقراء، وأرى الأخير أحسن أن يذبح فدية في مكة وتوزع على الفقراء، هذا إن كان غنياً أما إذا كان فقيراً فلا شيء
عليه.
س 1010: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- حاج أتم الطواف والسعي ولبس ملابسه ولم يقصر ولم يحلق فماذا يفعل الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال العلماء- رحمهم الله- إن الحلق أو التقصير إنه من واجبات الحج وقالوا قاعدة: (كل من ترك واجباً من واجبات الحج فعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء) وعلى هذا فنقول لهذا الأخ اذبح فدية في مكة ووزعها على الفقراء وفي هذا يتم حجك.
س 1011: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- رجل يقول: اديت أنا وزوجتي العمرة ثم حلقت شعري بعد الانتهاء من العمرة ولكن
(22/470)

زوجتي لم تقصر لعدم وجود مقص وأخبرتني بذلك بعد خروجي من مكة وبعد فترة جامعتها نسياناً وجهلاً منها في الشرع فما الحكم في ذلك؟ وإذا لم تقصر حتى الآن فما العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب عليها أن تبادر من حين أن ذكرت أنها لم تقصر وتقصر رأسها، ولايحل لها التهاون في هذا الأمر الخطير، أما ما حصل من المباشرة بينكما وهو صادر عن جهل أو
نسيان فإن ذلك لا يؤثر على النسك شيئاً؛ لأن لدينا قاعدة مهمة يجب لطالب العلم أن يفهمها وهي: (أن ارتكاب المحظور نسياً أو جهلاً لا أثر له) كل المحظورات: محظورات الإحرام ومحظورات
الصيام ومحظورات الصلاة كلها إذا وقعت عن جهل أو نسيان فإنها لا تؤثر شيئاً، فلو أن الإنسان في صلاته تكلم يظن أن الكلام لا يبطل الصلاة فصلاته صحيحة؛ لأنه فعل المحظور جاهلاً، ولو أن
الإنسان احتجم وهو صائم يظن أن الحجامة لاتفطر فصيامه صحيح، وإن جامع الرجل زوجته وهو يظن أن المحرم الجماع بالإنزال دون الجماع بلا إنزال فصيامه صحيح؛ لأن بعض الناس يظن هذا؛ حتى حدثني بعض الناس أنه كان يجامع زوجته ولا يغتسل بناء على أن الاغتسال إنما يجب بناءً على الإنزال؛ وأن الجماع بلا إنزال ليس فيه شيء، وأنه كالقبلة، ولا شك أن هذا جهل عظيم، ولا ينبغي للمسلم أن يجهل مثل هذه الحال لكن إذا وقع جهلاً فلا حكم له، ولهذا يجب أن نتفطن فالغسل يجب بواحد من أمرين: إما الإنزال، أو الجماع ولو بدون إنزال، فإن حصل جماع وإنزال فيجب الغسل من باب أولى. فينبغي للشباب
(22/471)

الذين يتزوجون حديثاً أن ينتبهوا لهذه المسألة فبعضهم يقول بعد مضي سبع سنين أو ما أشبه ذلك كان يجامع زوجته دائماً لكن بلا إنزال ولا يغتسل لا الزوج ولا الزوجة، وهذا خطأ عظيم، فمتى
حصل الجماع ولو بدون إنزال وجب الغسل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل " (1) .
س 1012: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ذهبت للعمرة مع ابنها وهو صغير لم يبلغ فلما اعتمرت لم تقصر شعره فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يظهر لي أن الصغير لا يلزمه شيء من أحكام الحج، لأنه غير مكلف، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يفيق " (2) فإذا فعل محظوراً في الإحرام، أو ترك واجباً فلا شيء عليه، لأنه غير مكلف، بل ولو تخلص من الإحرام وقال: أنا لا إريد أن أكمل، فله ذلك، لأنه غير مكلف.
س 1013: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة اعتمرت في رمضان وعندما طافت طواف الوداع خرجت من مكة وقصرت من شعرها لتحل من العمرة علماً بأن هذا كله كان في نفس اليوم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما إذا تعمدت فلا شك أنها قد
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء (348) .
(2) تقدم ص 149.
(22/472)

أساءت إذ أخرت التقصير عن طواف وداع وأما إذا كانت ناسية وتذكرت بعد طواف الوداع، فإنه لا حرج عليها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذها" (1) . فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة المنسية تصلى إذا ذكرت. وهذا التقصير نقول: لها قصري متى ذكرتي.
س 1014: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص حلق شعره وبعده بيوم ذهب إلى العمرة فلما انتهى من السعي لم يحلق فلما وصل إلى بلده قيل له: إنك أخطأت لأنك لم تمر الموسى
على رأسك، فهل يجب عليه شيء في هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول: لابد أن يمر الموسى على رأسه، لأن الحلق وإن كان قريباً لابد أن ينبت الشعر، فالشعر ينبت بسرعة، إلا أنه لم يفعل، فأرى أنه من باب الاحتياط أن يذبح فدية في مكة، ويوزعها على الفقراء، ولا يحلق، لأن الفدية بدل عن الحلق، والحلق فاته وقد تحلل، واعتقد أنه انتهى من العمرة، وإن حلق حين علم، ولم يذبح فدية فأرجو أن لا حرج.
س 1015: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اعتمر ونسي أن يحلق رأسه وهو لا يزال الآن في مكة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لابد أن يخلع ثيابه ويلبس ثياب
__________
(1) تقدم ص 368.
(22/473)

الإحرام، ويتجنب جميع محظورات الإحرام، لأنه لم يحل بعد، ثم يحلق ويحل من إحرامه.
س 1016: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل صحيح أن العمرة لها تحللان وأن التقصير يصح في أي مكان خارح مكة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج ثبت أن له تحللين: أما العمرة لم يثبت، ولا يمكن أن يتحلل الإنسان منها إلا بالحلق بعد السعي، والسعي بعد الطواف، ثلاثة مرتبة: طواف، سعي، حلق أوتقصير.
لكن هل يلزم أن يكون الحلق في مكة أو التقصير؟
ليس بلازم، فلو خرج من مكة وهو باق على إحرامه وحلق في جدة مثلاً فلا حرج عليه، مع أن الأفضل أن يحلق من حين ما ينهي من السعي.
س 1017: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المتمتع إذا نسي التقصير من شعره ثم دخل في الحج وتذكر بعد ما دخل في الحج فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه مسألة عظيمة، بعض العلماء يقول: لا حج له؛ لأنه أحرم بالحج في غير موضعه، إذ إنه لو كان يريد أن يكون قارناً لأحرم بالحج قبل الطواف، فهو الآن لا قارن، ولا متمتع، والذي نرى أنه متمتع، وأنه يلزمه فدية لترك الحلق،
(22/474)

أو لترك التقصير، وعمرة المتمتع ما فيها حلق فيلزمه فدية لترك التقصير وحجه صحيح إن شاء الله.
س 1018: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم في الفتوى السابقة إنه يكون متمتعاً ويدخل في أعمال الحج فكيف يكون متمتعاً وهو لم يحل من العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نسي التقصير فنقول له: تمتع. إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، ولكنه يبقى الآن أنه لا يمكن أن يحلق؛ لأنه دحْل في الإحرام فالأحوط فيما أراه أنه يذبح فدية في مكة، يوزعها على الفقراء في الحرم، بالإضافة إلى هدي التمتع.
س 1019: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأى فضيلتكم فيمن يقصر للعمرة من بعض الرأس فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لم يتم تقصيره والواجب عليه أن يخلع ثيابه، ويلبس ثياب الإحرام، ويقصر تقصيراً صحيحاً، ثم بعد ذلك يتحلل.
وإننى بهذه المناسبة: أود أن أنبه إلى أنه يجب عل كل مؤمن أراد أن يتعبد لله بعبادة يجب عليه أن يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله فيها، ليعبد الله على بصيرة، لا على جهل، قال الله تعالى
لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ
(22/475)

اتَّبَعَنِي) ولو أن إنسانًا أراد أن يسافر من مكة إلى المدينة وليس هناك خطوط مسفلتة فإنه لا يخرج حتى يسأل عن الطريق، فإذا كان هذا في الطرق الحسية، فلماذا لا يكون في الطرق المعنوية التي
هي الطرق الموصلة إلى الله؟!.
والتقصير هو الأخذ من الشعر جميعه، وأفضل ما يكون في التقصير أن يستعمل الماكينة لأنها تعم الرأس كله، وإن كان يجوز أن يقصر بالمقص، لكن بشرط أن يمر على جميع الرأس، كما أنه في الوضوء يمر على جميع الرأس، فكذلك في التقصير. والله أعلم.
س 1020: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج قصر من بعض شعره جهلاً منه وتحلل فما يلزمه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الحاج الذي قصر من بعض شعره جاهلاً بذلك ثم تحلل لا شيء عليه في هذا التحلل، لأنه جاهل، ولكن يبقى عليه إتمام التقصير لشعر رأسه.
وإنني بهذه المناسبة: أنصح إخواني إذا أرادوا شيئاً من العبادات أن لا يدخلوا فيها حتى يعرفوا حدود الله عز وجل فيها، لئلا يتلبسوا بأمر يخل بهذه العبادة، لقوله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)) (1) وقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ
__________
(1) سورة يوسف، الآية: 108.
(22/476)

لَا يَعْلَمُونَ) (1) فكون الإنسان يعبد الله عز وجل على بصيرة عالماً بحدوده في هذه العبادة خيرًا بكثير من كونه يعبد الله سبحانه وتعالى على جهل، بل مجرد تقليد لقوم يعلمون أو لا يعلمون.
س 1021: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعد السعي للعمرة قمت بقص شعرات من رأسي هل يصح ذلك أو يكون التقصير للشعر كله؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب أن يكون التقصير للشعر كله في العمرة وفي الحج، بأن يكون التقصير شاملاً لجميع الرأس، لا لكل شعرة بعينها، وما يفعله بعض الناس من كونه يقص عند
المروة شعرات إما ثلاث، أو أربعاً، فإن ذلك لا يجزىء؛ لأن الله تعالى قال: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) ومعلوم أن أخذ شعرات ثلاث، أو أربع من الرأس، لا يترك فيه أثرًا للتقصير، فلابد من
تقصير يظهر له أثر على الرأس، وهذا لا يمكن إلا إذا عم التقصير جميع الرأس وتبين أثره، وعليه فالذي أرى أن من الأحوط لك أن تذبح فدية في مكة توزع على الفقراء هناك، لأنك تركت واجبًا
وهو التقصير، وقد ذكر أهل العلم أن ترك الواجب فيه فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء هناك.
س 1022: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أديت فريضة الحج ولم أقصر من رأسي من جميع النواحي ولكنني أخذت
__________
(1) سورة الزمر، الآية: 9.
(22/477)

البعض فما الحكم وهل الحج صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم الحج صحيح إن شاء الله، والحكم أن عليك فدية تذبحها في مكة، وتوزعها على الفقراء هناك، كما قال هذا أهل العلم فيمن ترك واجباً من واجبات الحج، والحلق أو التقصير من واجبات الحج.
س 1023: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا قصر الحاج والمعتمر من جانب رأسه ثم حل إحرامه وهو لم يعمم الرأس فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم إن كان في الحج وقد طاف ورمى فإنه يبقى في ثيابه، ويكمل حلق رأسه أو تقصيره، وإن كان في عمرة فعليه أن يخلع ثيابه ويعود إلى ثياب الإحرام، ثم يحلق أو يقصر تقصيراً يعم جميع الرأس، وهو محرم أي وهو لابس ثياب الإحرام.
س 1024: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل طاف للعمرة وسعى ثم قصر من جانب واحد من رأسه ثم ذهب إلى أهله فماذا يلزمه في الحالين: في حال تعذر عودته لمكة، وفي حال
عدم تعذر عودته لذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب عليه أن يحلق الآن أو يقصر، ويكون ما فعله من المحظورات قبل ذلك في محل العفو؛ لأنه كان جاهلاً، والحلق أو التقصير لا يشترط أن يكون في مكة،
(22/478)

بل يجوز في مكة وفي غيرها، فنقول لهذا السائل: الآن اخلع ثيابك التي عليك؛ لأنك لم تحل بعد، ثم قصر تقصيراً صحيحاً، أو احلق، هذا ما لم تكن حين تقصيرك الأول تعتقد أن هذا هو
الواجب عليك بناء على فتوى سمعتها مثلاً، فإنه في هذه الحال ليس عليك شيء؛ لأن الله تعالى يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ، وبعض أهل العلم يرى أن التقصير من بعض الرأس كالتقصير من كل الرأس.
س 1025: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن رجل اعتمر وقصر من مقدمة الرأس ومؤخرته فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الذي ذهب إلى العمرة وقصر يجب أن يكون التقصير شاملاً لكل الرأس، ومن الخطاء أن يقص من جانب واحد، أو من جانبين، أو من ثلاثة، أو من أربعة، بل لابد أن يكون التقصير شاملاً لكل الرأس، ولهذا نرى أنه لو استعمل الإنسان هذه المكائن على نمرة أربعة، أو ما أشبه ذلك لحصل المقصود، فينظر إذا كان التقصير لأكثر الرأس كفى، وإلا فعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء.
س 1026: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نشاهد وبكثرة من بعض الحجاج- هداهم الله- أنه إذا أراد أن يقصر من شعر رأسه في حج أو عمرة أخذ من كل جانب شعرات واكتفى بذلك، ولربما أخذ من عارضيه فما حكم عمله ذلك في الحالات التالية: أولاً:
(22/479)

إذا رأيناه يفعل ذلك وهم كثير على المروة، ثانياً: إذا فعل ذلك ورجع إلى أهله، ثالثاً: إذا فعل ذلك قبل سنوات كثيرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: سألني سائل مرة، وقال: إني اعتمرت وكل شيء فعلته إلا أنني لم أحلق، ويقول: هكذا.
بلحيته لم أحلق، يعنى ما حلقت اللحية، ظن أن حلق اللحية من شعائر الله، فقال: كل شيء عملته، إلا أنني لم أحلق ويشير كذا بلحيته يمسحها أمامي، فقلت: الحمد لله الذي هداك إلى هذا، هذا هو الحق أن لا تحلق لحيتك؛ لأن حلق اللحية حرام بكل حال، فهؤلاء القوم الذين نراهم عند المروة، يقصرون من بعض الرؤوس، هم على قول قاله بعض العلماء؛ لأن العلماء- رحمهم الله- مختلفون: هل الحلق والتقصير نسك، أو الحلق والتقصير علامة على أن النسك انتهى؟ فالذي يقول: إنه علامة على أن النسك انتهى يقول: إذا قصرت أدنى شيء لو شعرتين، أو ثلاث فقد كفى؛ لأن المحرم لا يجوز أن يحلق رأسه فإذا حلقت معناه إنك انتهيت، ومن قال: إنه نسك وهو الصحيح، قال: يجب أن يقصر من جميع الرأس عموماً، وهذا هو الحلق، فإذا رأيت شخصاً قابلاً للنصيحة والتوجيه وجهه، أما إذا رأيت شخصاً لا يعرفك، ولا يأخذ بقولك، ولا يبالي وتكلمت معه ولكنه لم يلتفت إليك فلا تلح عليه
س 1027: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اعتمر أو حج وعند الحلق لم يعمم جميع شعره، وكان قد مضى على حجه
(22/480)

أو عمرته سنوات فما الحكم في ذلك، ونريد أيضاً قاعدة متى يؤمر الحاج أو المعتمر إذا ترك شيئاً من نسكه أن يرجع إلى مكة للإتيان به؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل ترك واجباً، وترك الواجب يجب فيه فدية تذبح في مكة، وتوزع على الفقراء، وبهذا يتم حجه، وإما ما يلزم الحاج فعله إذا تركه فهي الأركان، أما الواجبات فإذا فات وقتها تجبر بدم.
س 1028: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قمت بأداء فريضة العمرة ولكنني لم أقصر من رأسي ظناً منى بأنها سنة للرجال فقط، وأن النساء ليس عليهن تقصير، وبعد أن رجعت من العمرة
علمت بأن عليَّ دمًا ولكن زوجي لا يريد أن يذبح عني وأنا لا أملك المال لكي أذبح عن نفسي فماذا أفعل يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب فضيلته بقوله: أقول لا تفعل شيئاً؛ لأن الإنسان إذا وجب عليه شيء ولم يقدر عليه سقط لقول الله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقال العلماء- رحمهم الله- (لا واجب مع العجز) .
ولكني أنصح هذه المرأة وغيرها بنصيحة وأرجو أن تكون نافعة وهي: أن الإنسان إذا أراد أن يحج فليعرف أحكام الحج قبل أن يحج، وإذا أراد أن يعتمر فليعلم أحكام العمرة قبل أن يعتمر، وهكذا بقية العبادات، حتى يعبد الله على بصيرة وعلى علم، لئلا يقع في الزلل والخطأ، ثم بعد ذلك يفتش عن من ينتشله من هذا
(22/481)

الخطأ، أنصح إخواننا المسلمين كلهم هذه النصيحة أن لا يقوموا بشيء من العبادات حتى يتعلموها قبل أن يعملوها، ولهذا ترجم البخاري رحمه الله في صحيحه على هذه المسألة فقال: (باب العلم قبل القول والعمل) وصدق.
أما هذه فكما قلت أولاً: لا شيء عليها لأنها عاجزة عن الفدية فتسقط عنها، وليس هناك دليل على أن من عجز عن الفدية في ترك الواجب أنه يصوم عشرة أيام، وما دام أنه لا دليل على ذلك، فلا نلزم عباد الله بما لم يلزمهم الله به، فنقول: من وجب عليه دم وهو قادر عليه فليفعل، ومن لم يجد سقط عنه، إلا دم المتعة والقران، فإن الله تعالى صرح بأن من لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
س 1029: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان شعر المرأة قصيراً بحيث لا يمكنها أن تضفره ضفائر فكيف تقصر منه في الحج أو العمرة؟
فأجاب بقوله: هذه المرأة إذا لم يكن لها ضفائر فإنها تأخذ من أطراف الشعر بقدر أنملة، والأنملة هي فصلة الأصبع.
س 1030: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أين تقص المرأة شعرها بعد فك الإحرام أهو من مؤخرة الضفيرة أم من مقدمة الرأس جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: تقص المرأة من رأسها إذا كانت
(22/482)

محرمة بحج أو عمرة من أطراف الشعر، من أطراف الضفائر إن كانت قد ضفرته أي جدلته، أو من أطرافه إذا لم تجدله من كل ناحية من الأمام، ومن اليمين، ومن الشمال، ومن الخلف.
س 1031: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا قصرت المرأة شعرها بنفسها فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قصرت امرأة شعرها بنفسها، أو حلق الرجل رأسه بنفسه، أو حلقه له محرم، أو حلقه محل كل هذا جائز.

تم بحمد الله تعالى
المجلد الثاني والعشرون
ويليه بمشيئة الله عز وجل
المجلد الثالث والعشرون
(22/483)