Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 024


س 1529: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما المنافع التي يشهدها الناس في الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين: المنافع التي يشهدها المسلمون في الحج منافع كثيرة منافع دينية، ومنافع إجتماعية، ومنافع دنيوية.
وأما منافع الدينية: فهي ما يقوم به الحجاج من أداء المناسك، وما يحصل من التعليم والتوجيه من العلماء من هنا ومن هناك، وما يحصل كذلك من الإنفاق في الحج، فإنه من الإنفاق في سبيل الله عز وجل.
وأما المنافع الإجتماعية: فهي ما يحصل من تعارف الناس بينهم، وأئتلاف قلوبهم، واكتساب بعضهم من أخلاق بعض، وحسن المعاملة والتربية بعضهم البعض، كما هو مشاهد لكل لبيب تأمل ذلك.
وأما الفوائد الدنيوية: فما يحصل من المكاسب لأصحاب السيارات وغيرها مما يستأجر لأداء الحج، وكذلك ما يحصل للحجاج من التجارة التي يوردونها معهم ويستوردونها من مكة وغير هذا من المنافع العظيمة، ولهذا قال الله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) فأتى فيها بالجمع الذي هو صيغة منتهى الجموع،
(24/7)

ولكن مع الأسف الشديد أن الحج في هذه الأزمنة عند كثير من الناس لا يستفاد منه هذه الفوائد العظيمة، بل كأن الحج أفعال وأقوال جرداء، ليس فيها إلا مجرد الصور فقط، ولهذا لا تكسب
القلب خشوعًا، ولا تكسب ألفة بين المؤمنين، ولا تعلمًا لأمور دينهم، بل ربما يكره بعضهم أن يسمع كلمة وعظ من ناصح لهم، بل ربما يكون مع بعضهم سوء نية في دعوة الناس إلى الباطل، إما
بالمقال، وإما بالفعال بتوزيع النشرات المضلة الفاسدة وهذا لا شك أنه مما يحزن، ومما يجعل هذا الحج خارجًا عن نطاقه الشرعي الذي شرع من أجله، لذا أنصح أخواني الحجاج بما يلي:
أولاً: إخلاص النية لله تعالى في الحج، بأن لا يقصدوا من حجهم إلا الوصول إلى ثواب الله تعالى ودار كرامته.
ثانياً: الحرص التام على اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجه، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "لتأخذوا عني مناسككم " (1) .
ثالثاً: الحرص التام على التألف والتقارب بين المسلمين، وتعريف بعضهم بعضاً بما ينبغي أن يعرفوه من مشاكل دينية واجتماعية وغيرها.
رابعاً: الرفق بالحجاج عند المشاعر، وعند الطواف، وعند السعي وعند رمي الجمرات، وعند الدفع من مزدلفة ومن عرفة وغير ذلك.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1218) .
(24/8)

خامساً: الحرص على أداء المناسك بهدوء وطمأنينة، وألا يكون الواحد كأنما أتى ليقابل جيشاً، أو جندياً محارباً، ويظهر ذلك عند رمي الجمرات فإن بعض الناس تجدهم مقبلين إلى الجمرات والواحد منهم ممتلىء غضباً وحنقاً، وربما يتكلم بكلمات نابية لا تليق بغير هذا الموضع فكيف بهذا الموضع؟!.
سادساً: أن يبتعد كل البعد عن الإيذاء الحسي، والمعنوي بمعنى أنه يجتنب إلقاء القاذورات في الطرقات، وإلقاء القمامة في الطرقات وغير ذلك، الإيذاء المعنوي أن يتجنب شرب الدخان مثلاً بين أناس يكرهون ذلك، مع أن شرب الدخان محرم في حال الإحرام وغير حال الإحرام، وإذا وقع في الإحرام أنقص الإحرام وأنقص أجر الحج والعمرة؟ لأن الله تعالى يقول: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) والدخان محرم، والإصرار عليه يؤدي إلى أن يكون كبيرة من الكبائر، فالمهم أن الإنسان ينبغي له في هذا الحج أن يكون على أكمل ما يكون من دين وخلق حتى يجد طعم وحلاوة هذا الحج.
س 1530: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يحتج كثير من شاربوا الدخان إذا نصحوا بان الله ابتلاهم به فما توجيهكم لمثل هؤلاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: شارب الدخان إذا نصح قال إن الله
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(24/9)

ابتلاه بهذا، هذا إقرار منه بأن الدخان بلوى وحرام، ولكن نقول هذا مردود عليه من القرآن والسنة، أما القرآن فقال الله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا) . (1) قال الله تعالى: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) فحجتهم باطلة بالقرآن. في السنة لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار" قالوا: يا رسول الله أفلا ندع العمل ونتكل؟ قال: "لا. اعملوا فكل ميسر لما خلق له " (2) . ونقول لهذا الرجل المبتلى بشرب الدخان اسأل الله العافية، اسأل الله العافية وجاهد نفسك بالامتناع عنه، وإن شيئاً فشيئاً قد لا يقدر الإنسان المبتلى بشرب الدخان الإقلاع عنه فوراً لكن شيئاً فشيئاً فإذا أقلعت عنه ابتغاء وجه الله ذقت بذلك حلاوة الإيمان فارتدت عليك الصحة ونشطت فحاول يا أخي أن تقلع عن الدخان، واعلم أنك إذا شربت الدخان وأنت محرم نقص حجك ونقصت عمرتك؛ لأن الله يقول: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (3) وشرب الدخان فسوق.
س 1531: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 148.
(2) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: (وأما من بخل واستغنى) (رقم 4947) ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه (رقم 2647) .
(3) سورة البقرة، الآية: 197.
(24/10)

"الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (1) بعض المراجع من كتب الفقه تقول: إنه لا يغفر بالحج إلا الصغائر وتأخير الفروض عن أوقاتها، أما الكبائر فلا تغفر بالحج، والبعض الآخر يقول: يغفر
بالحج كل شيء حتى الكبائر لكن بشرط التوبة من الكبائر وسداد التبعات فما رأيكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج المبرور هو الذي جمع عدة أوصاف:
الوصف الأول: أن يكون خالصاً لله عز وجل، بحيث لا يريد الإنسان بحجه ثناءً من الناس، أو استحقاق وصف معين يوصف به الحاج، أو شيئاً من الدنيا دون عمل الآخرة، أو ما أشبه ذلك.
الوصف الثاني: أن يكون متبعًا فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بحيث يأتي بالحج كما حج النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أذن فيه، ودليل هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (2) وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: " خذوا عني مناسككم " (3) ومن ثم يتبين ضرورة الإنسان إذا أراد الحج إلى أن يقرأ مناسك الحج قبل أن يحج حتى يحج على بصيرة وبرهان، وإذا كان لا يستطيع القرأة فليشتر ما يستمع إليه من أشرطة من علماء
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها (رقم 1773) ومسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة يوم عرفة (رقم 1349) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأكام الباطلة (1718) (18) .
(3) تقدم تخريجه ص (8) .
(24/11)

موثوق بهم وإن لم يتيسر ذلك فليسأل علماء بلده كيف يحج، ولا أظن العلماء يقصرون في بيان ذلك عند سؤالهم عنه.
الوصف الثالث: أن يكون من نفقات طيبة، أي من كسب طيب؟ لأن الكسب الخبيث خبيث؟ فليتحرى الإنسان أن تكون نفقاته في الحج من كسب طيب، لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا
طيبًا.
الوصف الرابع: أن يتجنب فيه المآثم سواءً كانت هذه المآثم، من خصائص الإحرام كمحظورات الإحرام، أو من المآثم العامة كالغيبة، والنميمة، والكذب وما أشبه ذلك، لقول الله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) .
ومن هذا أن يتجنب أذية الناس بالمزاحمة عند الطواف، أو السعي، أو الجمرات، أو غير ذلك؛ لأن أذية الناس من الأمور المحرمة قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)) (2) فلا يجوز أن يأتي لرمي الجمرات بانفعال وغضب وشد عضلات، وكأن بني آدم الذين أمامه خراف لا يهتم بهم، فإن هذا مما ينافي أن يكون الحج
مبروراً.
ومن ذلك أي مما يشترط للحج أن يكون مبروراً أن يتجنب
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 58.
(24/12)

شرب الدخان؛ لأن شرب الدخان محرم كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة العامة، وإذا كان محرمًا كان الإصرار عليه كبيرة من كبائر الذنوب، ولو أن الحجاج تجنبوا شرب الدخان في مواسم الحج، لاعتادت أبدانهم على تركه، ثم من الله عليهم بالإقلاع عنه إقلاعاً تاماً.
فالحج المبرور قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس له جزاء إلا الجنة" (1) وهذا لا يقتضي أن يغفر للإنسان التبعات التي لبني آدم، فالتبعات التي لبني آدم لابد من إيصالها إليهم، فمن أخذ مالاً للناس وحج - وإن حج بغير هذا المال الذي أخذه وإن أتقن حجه تماماً في الإخلاص والمتابعة- فإنه لا يغفر له الذنب، حتى يرد الحق إلى أهله، وإذا كانت الشهادة في سبيل الله، وهي من أفضل الأعمال (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) (2) (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (3) إذا كانت الشهادة في سبيل الله لا تكفر الدين، فالحج من باب أولى، ولهذا نقول: إذا كان على الإنسان دين فلا يحج حتى يقضي هذا الدين، إلا إذا كان ديناً مؤجلاً وهو واثق من قضائه إذا حل الأجل، فهنا لا بأس أن يحج، أما إذا كان الدين حالاً غير مؤجل، أو كان مؤجلاً لكنه لا يثق من نفسه أن يوفيه عند أجله فلا يحج، وليجعل المال الذي يريد الحج به وفاءً للدين، وبهذا علم أن الحج المبرور لا يسقط حقوق
__________
(1) تقدم تخريجه ص (11) .
(2) سورة الحديد، الآية: 19.
(3) سورة آل عمران، الآية: 169.
(24/13)

الآدميين، بل لابد من إيصالها إليهم إما بوفاء أو إبراء.
س 1532: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم فيمن يصطحب معه آلات اللهو المحرمة في الذهاب إلى الحج أو العمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: اصطحاب الآلات المحرمة إذا استعملها الإنسان لا شك أنه على معصية، والإصرار على المعصية كبيرة، وإذا استعملت حين تلبسه بالإحرام بالعمرة أو بالحج كان
ذلك أشد إثماً لقول الله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) فعلى الإنسان المسلم أن يتجنب كل ما حرم الله عليه لا في الذهاب إلى الحج ولا في الرجوع منه ولا في التلبس به.
س 1533: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل ما يفعله الحاج من المعاصي ينقص من أجر الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: المعصية مطلقاً تنقص من ثواب الحج لقول الله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) بل إن بعض أهل العلم قال: إن المعصية في الحج تفسد الحج؛ لأنه منهي عنها في الحج، ولكن جمهور أهل العلم على قاعدتهم المعروفة، (أن التحريم إذا لم يكن خاصا بالعبادة فإنه لا يبطلها) والمعاصي ليست خاصة بالإحرام إذ المعاصي حرام في
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(24/14)

الإحرام وغير الإحرام، وهذا هو الصواب وأن هذه المعاصي لا تبطل الحج، ولكنها تنقص الحج.
س 1534: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أول من حج البيت الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكر الأرزقي في تاريخ مكة أن آدم عليه الصلاة والسلام حج البيت الحرام، والله أعلم.
س 1535: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لماذا سميت الكعبة ببيت الله الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين: سميت الكعبة بيت الله؛ لأنها محل تعظيم الله عز وجل، فإن الناس يقصدونها من كل مكان ليؤدوا الفريضة التي فرضها الله عليهم، ولأن الناس يستقبلونها في صلواتهم في كل مكان ليؤدوا شرطاً من شروط صحة الصلاة، كما قال الله تعالى: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (1) .
وأضافها الله إليه تشريفاً وتعظيماً وتكريماً لها، فإن المضاف إلى الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون صفة من صفاته، وإما أن يكون خلقاً من مخلوقاته، فإن كانت صفة من
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 144.
(24/15)

صفاته فإنما أضيف إليه لأنه قائم به، والله عز وجل متصف به، كسمع الله وبصره، وعلمه، وقدرته، وكلامه وغير ذلك من صفات الله عز وجل، وإن كان مخلوقاً من مخلوقاته فإنما يضاف إلى الله عز
وجل من باب التكريم والتشريف والتعظيم، وقد أضاف الله تعالى الكعبة إلى نفسه في قوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) (1) وأضاف المساجد إليه في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (2) وقد يضيف الله تعالى الشيء إلى نفسه من مخلوقاته لبيان عموم ملكه كما في قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) (3) .
وخلاصة الجواب أن نقول: إن الله أضاف الكعبة إلى نفسه تشريفاً وتعظيمًا وتكريمًا لها، ولا يظن ظان أن الله أضاف الكعبة إلى نفسه لأنها محله الذي هو فيه، فإن هذا ممتنع عن الله عز وجل فهو
سبحانه وتعالى محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء من مخلوقاته بل (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (4) وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) (5) وهو سبحانه وتعالى فوق سماواته مستوٍ على عرشه، ولا يمكن أن يكون حالا في شيء من مخلوقاته أبداً.
__________
(1) سورة الحج، الآية: 26.
(2) سورة البقرة، الآية: 114.
(3) سورة الجاثية، الآية: 13.
(4) سورة البقرة، الآية: 255.
(5) سورة الزمر، الآية: 67.
(24/16)

س 1536: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من الذي بنى الكعبة، ومن الذي رفع قواعدها؟ ولماذا سميت بهذا الاسم؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال الله تبارك وتعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) (1) فإبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الذي بنى الكعبة ورفع قواعدها بمشاركة ابنه إسماعيل عليهما الصلاة والتسليم، وقد جاء في بعض الآثار أن الكعبة بنيت في عهد آدم عليه الصلاة والسلام، ولكنها اندثرت وتهدمت ثم جدد إبراهيم بناءها والله أعلم.
وأما لمَ سميت كعبة فلأنها بناء مربع، وكل بناء مربع له أركان أربعة يمسى كعبة، وقد أضاف الله تعالى هذا البيت إلى نفسه، فقال جل وعلا: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)) (2) وفرض الله سبحانه وتعالى على عباده أن يتوجهوا إليه في صلواتهم، وفرض أن يحجوا إليه مرة في العمر.
س 1537: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما صحة هذا الحديث: إن لله في كل يوم وليلة مائة وعشرين رحمة تنزل على هذا البيت، ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين
إليها أي إلى الكعبة؟
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 127.
(2) سورة الحج، الآية: 26.
(24/17)

فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والنظر إلى الكعبة ليس بعبادة، بل النظر إلى الكعبة إن قصد الإنسان بذلك أن يتأمل هذا البناء المعظم الذي
فرض الله على عباده أن يحجوا إليه، وازداد بهذا التفكير إيماناً فهو مطلوب من هذه الناحية، وأما مجرد النظر فليس بعبادة، وبهذا يتبين ضعف قول من يقول: إن المصلي يسن له إذا كان يشاهد
الكعبة أن ينظر إليها دون أن ينظر إلى موضع سجوده، فإن هذا القول ضعيف لأنه ليس عليه دليل، ولأن الناظر إلى الكعبة والناس يطوفون حولها لابد أن ينشغل قلبه، والسنة للمصلي أن ينظر إلى
موضع سجوده، إلا في حال التشهد فإنه ينظر إلى موضع إشارته، أي إلى إصبعه وهو يشير به، وكذلك الجلوس بين السجدتين فإنه يشير بإصبعه عند الدعاء فينظر إليه.
س 1538: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الحجاج يأتون إلى مكة في وقت مبكر وكل يوم ينزلون إلى المسجد الحرام للطواف والجلوس فيه مما يحدث زحمة في الحرم لكثرة القادمين
للحج فهل هذا من السنة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس من السنة للحاج أن يكثر الطواف بالبيت، والسنة في حقه أن يتبع في ذلك هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع قدم إلى مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة،
(24/18)

وطاف طواف القدوم، ثم طاف طواف الإفاضة يوم العيد، ثم طاف طواف الوداع صبيحة اليوم الرابع عشر، ولم يطف بالكعبة إلا ثلاث مرات، وكل هذه الأطوفة أطوفة نسك لابد منها، فعمل بعض الناس الآن بترددهم على البيت في أيام الحج هذا ليس مشروعاً، وقد أقول: إنهم إلى الإثم أقرب منهم إلى الأجر؛ لأنهم يضيقون المكان على من يؤدون مناسك الحج والعمرة، وليس ذلك من الأمور المشروعة فيحصل في فعلهم هذا أذية بدون قصد مشروع، فينبغي للمسلم أن يكون عابد لله تعالى بحسب الهدى لا بحسب الهوى، فالعبادة طريق مشروع من قبل الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وليس الطريق المشروع بحسب ما تهواه، وما أكثر المحبين للخير الذين يعبدون
الله تعالى بأهوائهم، ولا يتبعون في ذلك ما جاء في شرع الله، وهذا شيء كثير في الحج وفي غيره، ولكن الذي ينبغي للإنسان أن يعود نفسه على التعبد بما جاء عن الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فقط، ولو ذهبنا نضرب لذلك أمثلة لكثرت لكن لا بأس أن نذكر بعض الأمثلة:
بعض الناس إذا جاءوا والإمام راكع تجده يسرع لإدراك الركعة، وهذا خلاف المشروع، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: "فأمشوا عليكم السكينة" (1) وقال لأبي بكرة- رضي الله عنه- "لا تعد" (2) لما أسرع، وهنالك أيضاً أن بعض الناس في الطواف
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة (رقم 908) ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة (رقم 602) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب إذا ركع دون الصف (رقم 783) .
(24/19)

يبدؤون من قبل الحجر الأسود يقولون: نفعل هذا احتياطاً، ولكن الاحتياط حقيقة هو في اتباع السنة، فالمشروع أن يبدءوا من الحجر نفسه، وأن ينتهوا أيضاً بالحجر نفسه والذي أدعو إليه إخواننا المسلمين أن يكونوا في هذا العمل وغيره متبعين للسنة، ومن ذلك أيضاً أن بعض الناس يتسحر في يوم الصيام يمسك عن الأكل والشرب قبل الفجر معتقداً أن ذلك واجب عليه، حتى إن في بعض المواقيت يكتبون: (وقت الإمساك، وقت الفجر) فيجعلون وقتين: وقتًا للإمساك، ووقتًا للفجر، وهذا أيضاً خلاف المشروع فإن الله تعالى يقول: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (1) وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "كلوا وأشربوا حتى تسمعوا أذان أبن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" فلا (2) وجه لكون الإنسان يحتاط فيمسك قبل طلوع الفجر، وإنما السنة أن يكون كما أمر الله تعالى وكما أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولقد نبه النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن الاحتياط للعبادة بتقدمها أمر ليس بالمشروع ولا بمحبوب إلى الله عز وجل في قوله - صلى الله عليه وسلم -، "لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين، إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه " (3) فهذه ثلاثة أمثلة في الصلاة، وفي الحج، وفي الصيام.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 187.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب أذان الأعمي ... (617) ، ومسلم، كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (1091) (38) .
(3) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين (رقم 1914) ومسلم، كتاب الصيام، باب لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين (رقم 1082) .
(24/20)

س 1539: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من يبيع ويشتري ويكتسب وهو يؤدي الحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: جواب هذا السؤال بينه الله عز وجل في قوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) (1) فإذا كان الإنسان قد أتى بنية الحج، ولكنه حمل معه سلعة يبيعها في
الموسم، أو اشترى سلعة من الموسم لبيعها في بلده، فإن هذا لا بأس به، ما دام القصد الأول هو الحج أو العمرة، وهو من توسيع الله عز وجل على عباده، لم ينههم جل وعلا ويمنعهم من الاتجار
والتكسب، ومثل ذلك إذا كان الإنسان صاحب سيارة وأراد أن يحج ثم حمل عليها أناس بالأجرة فإن ذلك لا بأس به ولا حرج فيه، ويدخل في عموم قوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .
س 1540: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الجن قد آمنوا برسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا بالرسل من قبل؟ وأيضاً هل الحج مفروض عليهم وإن كان كذلك فأين يحجون؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على ذلك أن الجن مكلفون بلا شك، مكلفون بطاعة الله سبحانه وتعالى، وأن منهم المسلم والكافر، ومنهم الصالح ومنهم دون ذلك، كما ذكر الله تعالى في
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 198.
(24/21)

سورة الجن حيث قالوا: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11)) (1) وقالوا: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15)) وقد (2) صرف الله نفراً من الجن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستمعوا القرآن وآمنوا به، وذهبوا دعاة إلى قومهم، كما قال الله تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)) (3) وهذا يدل على أن الجن كانوا مؤمنين بالرسل السابقين وأنهم يعلمون كتبهم لقولهم: (كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30)) وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أكرم وفد الجن الذين وفدوا إليه بأن قال لهم: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، تجدونه أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة فهي علف لدوابكم " (4) ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاستجمار بالعظام، وعن الاستجمار بالروث وقال: "إن العظام زاد إخوانكم من الجن " (5) ،
__________
(1) سورة الجن، الآية: 11.
(2) سورة الجن، الآيتان: 14- 15.
(3) سورة الأحقاف، الآيات: 29- 31.
(4) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن (رقم 450)
(5) انظر: الحديث السابق.
(24/22)

والظاهر أنهم مكلفون بما يكلف به الإنس من العبادات ولاسيما أصولها كالأركان الخمسة.
وحجهم يكون كحج الإنس زمناً ومكاناً، وإن كانو قد يختلفون عن الإنس في جنس العبادات التي لا تناسب حالهم فتكون مختلفة عن التكليف الذي يكلف به الأنس.
س 1541: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من باب المحبة للرسول - صلى الله عليه وسلم - أو أحد الصحابة- رضي الله عنهم- هل يجوز للإنسان أن يحج عنهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الصحابة- رضي الله عنهم- فلا بأس أن يحج الإنسان عنهم كما يحج عن أي مسلم، لكن مع ذلك نرى أن الدعاء للأموات أفضل بكثير من الأعمال الصالحة، حتى الأب والأم إذا دعوت الله لهما فهو أفضل من أن تحج عنهما، إذا لم يكن فرضاً، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما تحدث عن عمل الإنسان بعد موته قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) ولم يقل عليه الصلاة والسلام: (يحج عنه، ولا يتصدق عنه، ولا يصوم عنه، ولا يزكي، ولا يحج) بل قال: "ولد صالح
يدعو له" وهل تظن أيها المؤمن أحداً أنصح للأحياء، والأموات من
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (1631)
(24/23)

الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! لا والله لا نظن، بل نظن ونعتقد أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنصح الخلق للأحياء والأموات، ومع ذلك قال: "أو ولد صالح يدعو له ".
ثانياً: أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فإهداء القرب له بنفسه من السفه من حيث العقل، ومن البدعة من حيث الدين، أما كونه بدعة في الدين فلأن الصحابة- رضي الله عنهم- الذين شاهدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولازموه وأحبوه أكثر منا، ما كانوا يفعلون ثم نأتي نحن في آخر الدنيا ونهدي للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالحج عنه، أو بالصدقة عنه هذا غلط من ناحية
شرعية، ومن الناحية العقلية هو سفه؛ لأن كل عمل صالح يقوم به العبد فالنبي - صلى الله عليه وسلم - مثله؛ لأن من دل على خير فله مثل فاعله، وإذا أهديت ثواب العمل الصالح للرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا يعني أنك حرمت نفسك فقط؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم منتفع بعملك، له مثل أجرك سواء أعطيته أم لم تعطه، وأظن أن هذه البدعة لم تحدث إلا في القرن الرابع، وعلى ذلك أنكرها العلماء، وقالوا: لا وجه لها، وإذا كنت صادقاً في محبة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأرجو أن تكون صادقاً- فعليك باتباعه وأتباع سنته وهديه، كن وأنت تتوضأ كأنما تشعر بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ أمامك، وكذلك في الصلاة وغيرها حتى تحقق المتابعة ولست أقول (أمامك) أنه عندك في البيت هذا لا أقوله، لكن المعنى
من شدة اتباعك له كأنه أمامك يتوضأ، ولهذا أوجه الآن إلى نقطة
(24/24)

مهمة، نحن نتوضأ للصلاة- والحمد لله- عندما نتوضأ أكثر الأحيان وأكثر الناس لا يشعرون، إلا أنهم يؤدون شرطاً من شروط الصلاة لكن ينبغي أن يلاحظ.
أولاً: أن نشعر بأننا نمتثل أمر الله عز وجل حيث قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (8)) (1) .
ثانياً: أن نشعر بأتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأننا توضأنا نحو وضوءه.
ثالثاً: أن نحتسب الأجر؛ لأن هذا الوضوء يكفر الله سبحانه وتعالى به كل خطيئة حصلت من هذه الأعضاء، الوجه إذا غسله آخر قطره يكفر بها عن الإنسان، وكذلك بقية الأعضاء، هذه ثلاثة أمور
غالباً لا نشعر بها إنما نعمل كأننا أدينا شرطاً من شروط الصلاة، فأسأل الله أن يعينني وأخواني المسلمين على ذلك حتى تكون العبادة طاعة لله تعالى واتباعاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحتساباً لثواب الله.
س 1542: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد أن يحج ومحمل عدة وصايا، وطلب منه مجموعة من الناس أن يأتي لهم بشيء من مكة أومن المدينة مثل حجر أو ماء أو تراب أو ما شابه
ذلك فهل يلزمه أن يفي بها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(24/25)

والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين: هذه الوصايا التي أشار إليها أن يأتي لمن أوصوه بتراب، أو ماء، أو أحجار من الحرم، لا يلزمه أن يفي بها، وله أن يردها عليهم، ولو كانت وصاياهم بأن يدعو الله لهم في هذه المشاعر لكان ذلك أولى وأجدر، فإذا استبدل هذه الوصايا بأن يدعو الله لهم في هذه المشاعر بما فيه خيرهم في دينهم ودنياهم كان ذلك أولى وأجدر وأحسن.
وأرى أن الإنسان يسأل الله تعالى بنفسه دون أن يجعل له واسطة بينه وبين الله، لأن ذلك أقوى في الرجاء وأقرب إلى الخشية.
س 1543: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم السير في المشاعر المقدسة ورفع اليدين والأصوات إشادة بزعيم من الزعماء؟
فأجاب فضيلته بقوله: حكمه أنه من الأمور المنكرة لأن هذه المشاعر ليست وسيلة لدعاية لشخص، أو لحكومة، أو لدولة وإنما هذه المشاعر كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (1) لا لإقامة ذكر فلان وفلان من الرؤساء، أو الزعماء، سواء كانوا زعماء دينيين، أو زعماء ذوي سلطان، فالواجب على الحجاج جميعاً أن يكون همهم وشأنهم في هذا المكان هو التعبد لله تبارك وتعالى، مع التداول فيما بينهم ولا سيما الزعماء منهم أمور المسلمين؛ لأن ذلك من المنافع
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك باب في الرمل (1888) والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء
في.. كيف يرمى بالجمار (902) وقال: حديث صحيح وصححه الحاكم (1/459) ووافقه الذهبي.
(24/26)

التي قال الله تعالى فيها: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) وقد ظن بعض الناس أن المنافع التي تحصل في الحج مقدمة على ذكر الله في الحج لأن الله تعالى قدم ذكرها فقال (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) وفي هذا نظر، بل إن قوله: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) من جملة المنافع المشهودة في هذا المشعر، وعلى هذا فيكون عطفها على شهود المنافع، من باب عطف الخاص على العام، الدال على العناية به، فيكون ذكر الله تعالى أهم من هذه المنافع،
ولكن مع ذلك لا تهمل هذه المنافع التي تحصل بإجتماع المسلمين، وتعارفهم وتناصحهم، ودراسة أمورهم وشئوونهم، أما من اتخذ هذا دعاية لحاجة أو حكومة أو طائفة من الناس فإن هذا من المنكر الذي كما أشرنا إليه قبل يجعل هذا المذكور شريكاً مع الله تعالى في هذه المواطن.
س 1544: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كم في الحج من وقفات؟
فأجاب فضيلته بقوله: فيه ست وقفات: وقفة على الصفا، ووقفة على المروة، ووقفة في عرفة، ووقفة في مزدلفة، ووقفة بعد رمي الجمرة الأولى، ووقفة بعد رمي الجمرة الثانية في أيام التشريق.
(24/27)

س 1545: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعت أن الحجاج رخص لهم في مشاهدة النساء من غير المحارم، والذي سمعت منه هذا الكلام روى لي دليلاً هو قصة الفضل- رضي الله عنه- مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - (1) فهل هذا فيه شيء من الصحة أثابكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس فيه شيء من الصحة، بل إن الواجب على الحاج أن يتحفظ من النظر أكثر من غيره، ولهذا لا يجوز للحاج أن يستمتع بزوجته مع أنها حلال لقوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (2) والأبلغ من ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التزوج في الحج، وعن الخطبة في الحج فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينكح المحرم، ولا ينكح، ولا يخطب " (3) فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن عقد النكاح الذي قد
يكون وسيلة إلى الاستمتاع بالزوجة، ونهى عن ما يكون وسيلة لعقد النكاح وهي الخطبة، فما بالك بالنظر والتمتع بالنظر ولا سيما إلى النساء الأجنبيات، فلا شك في تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات في الحج وفي غير الحج، وأما قصة الفضل- رضي الله عنه- فإن فيها دليلاً على من استدل بها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جعل الفضل ينظر إلى المرأة وتنظر إليه صرف النبي - صلى الله عليه وسلم - وجه الفضل إلى
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (رقم 1218) .
(2) سورة البقرة، الآية: 197.
(3) أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته (رقم 1409) .
(24/28)

الشق الآخر، فدل هذا على أن النظر لا يجوز، وإلا لما صرف النبي - صلى الله عليه وسلم - شقه إلى الشق الآخر.
س 1546: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم التمسك بالكعبة المشرفة ومسح الخدود عليها ولحسها باللسان ومسحها بالكفوف ثم وضعها على صدر الحاج؟
فأجاب فضيلته بقوله: التقرب إلى الله تعالى بتلك الأعمال من البدع التي تضر؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وغاية ما ورد في مثل هذا الأمر هو الالتزام بحيث يضع الإنسان صدره وخده ويديه على الكعبة فيما بين الحجر الأسود والباب، لا في جميع جوانب الكعبة كما يفعله جهال الحجاج اليوم.
وأما اللحس باللسان أو التمسح بالكعبة ثم مسح الصدر به، أو الجسد فهذا بدعة بكل حال؛ لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وبهذه المناسبة أود أن ألفت نظر الحجاج إلى أن المقصود بسمح الحجر الأسود، والركن اليماني هو التعبد لله تعالى بمسحهما، لا التبرك بمسحهما، خلافاً لما يظنه الجهلة، حيث يظنون أن المقصود هو التبرك، ولهذا ترى بعضهم يمسح الركن اليماني، أو الحجر الأسود ثم يسمح بيده على صدره، أو على وجهه، أو على صدر طفله، أو على وجهه، وهذا ليس بمشروع وهو اعتقاد لا أصل له، ويدل على أن المقصود التعبد المحض دون
(24/29)

التبرك، أن عمر- رضي الله عنه- قال وهو عند الحجر (إني لأعلم إنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك) (1) .
وبهذه المناسبة أيضاً أود أن أبين أن ما يفعله كثير من الجهلة، يتمسحون بجميع جدران الكعبة، وجميع أركانها فإن هذا لا أصل له، وهو بدعة ينهى عنه، ولما رأى عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما- معاوية- رضي الله عنه- يستلم الأركان كلها أنكر عليه، فقال له معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً. فأجابه ابن عباس: (لقد كان في رسول الله أسوة حسنة، وقد رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسح الركنين اليمانيين) (2) فرجع معاوية إلى قول ابن عباس رضي الله عنهما فدل هذا على أن التعبد لله تعالى بمسح الكعبة أو مسح أركانها إنما هو عبادة يجب أن تتبع فيه آثار النبي - صلى الله عليه وسلم - فقط.
س 1547: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في الحرم المكي بعض الناس يتعلق بأستار الكعبة وجدارها ويظل على هذه الحالة مدة من الزمن فما الحكم في ذلك وكذلك بعض الناس يمسح الحجر الأسود بالدراهم تبركاً؟
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود (1097) ، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف (1270) .
(2) أخرجه بلفظ قريب البخاري، كتاب الحج، باب من لم يستلم إلا الركنين اليمانيين (1608) .
(24/30)

فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين: التعلق بأستار الكعبة أو إلصاق الصدر عليها، أو ما أشبه ذلك بدعة لا أصل له، فلم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه يفعلون ذلك، وغاية ما ورد الالتزام فيما بين باب الكعبة والحجر الأسود فقط، وأما بقية جهات
الكعبة وأركانها فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أنهم كانوا يلتزمون بها، أو يلصقون صدورهم بها، وكذلك ما ذكره السائل من أن بعض الحجاج يأخذ الدراهم ويمسح
بها على الحجر الأسود. فهو أيضاً بدعة لا أصل له، والحجر الأسود لا يتبرك بمسحه، وإنما يتعبد لله وتعالى بمسحه، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وهو يقبل الحجر
الأسود (إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن يقبلك ما قبلتك) (1) .
وليعلم أن العبادات مبناها على الاتباع لا على الذوق والابتداع، فليس كل ما عنّ للإنسان واستحسنه بقلبه يكون عبادة لله حتى يأتي سلطان من الله عز وجل على أن ذلك مما يحبه ويقرب
إليه، وقد أنكر الله تعالى على الذين يتعبدون بشرع لم يأمر به فقال: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (2) وثبت
__________
(1) تقدم تخريجه ص 30.
(2) سورة الشورى، الآية: 21.
(24/31)

عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (1) أي
مردود على صاحبه غير مقبول منه، وغاية ما نقول لهؤلاء الجهال: أنهم معذورون لجهلهم، غير مثابين على فعلهم؛ لأن هذا بدعة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: () كل بدعة ضلالة" (2) فنصيحتي لإخواننا الحجاج والعمار أن يعبدوا الله تعالى على بصيرة، وأن لا يتقربوا
إلى الله تعالى بما لم يشرعه، وأن يصطحبوا معهم مناسك الحج والعمرة التي ألفها علماء موثوق بعلمهم وأمانتهم، والواجب على الموجهين لهم- الذين يسمون المطوفين- الواجب عليهم أن يتقوا الله عز وجل، وأن يتعلموا أحكام الحج والعمرة قبل أن يتصدروا لهدي الناس إليها، وإذا تعلموها فالواجب عليهم أن يحملوا الناس عليها أي على ما جاءت به السنة من مناسك الحج والعمرة، ليكونوا هداة مهتدين، دعاة إلى الله تعالى مصلحين، أما بقاء الوضع على ما هو عليه الآن من كون المطوفين لا يفعلون شيئاً يحصل به اتباع السنة وغاية ما عندهم أن يلقنوا الحجاج دعوات في كل شوط دون أن يهدوهم إلى مواضع النسك المشروعة محل نظر، ومن المعلوم أن تخصيص كل شوط بدعاء معين لا أصل له في السنة، بل هو بدعة نص على ذلك أهل العلم- رحمهم الله- فلم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جعل للشوط الأول دعاء خاصاً، وللثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وغاية ما ورد
__________
(1) تقدم تخريجه ص (11) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة الخطبة (رقم 867) .
(24/32)

عنه التكبير عند الحجر الأسود، وقول: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)) (1) بين الركن اليماني والحجر الأسود، وقد كان ابن عمر- رضي الله عنهما-
يقول في ابتداء طوافه: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
خلاصة الجواب على هذا السؤال: أنه لا يشرع للإنسان أن يتمسح بسترة الكعبة، أو بشيء من أركانها، أو بشيء من جهات جدرانها، أو يلصق صدره على ذلك، بل هذا بدعة لم يرد عن النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه- رضي الله عنهم- وغاية ما هنالك أنه ورد عنهم الالتزام، وموضعه بين الحجر الأسود وباب الكعبة، وكذلك ما يتعلق بتقبيل الحجر الأسود واستلامه واستلام الركن اليماني، نسأل الله تعالى لنا ولأخواننا أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين.
س 1548: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنوي الحج هذه السنة ولما أخبرت أقاربي حملوني أمانات عديدة وطلبوا مني مطالب وكانت يسيرة لكنها كثرت ولا أستطيع تحقيقها كلها وأنا تحملت
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 201.
(24/33)

لهم هذه الأمانات التي منها مجموعة أطوف لكل واحد منهم وهم كثير فهل يلزمه الوفاء بها؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يلزمه أن يفعل، ولو وصوه بذلك، ولو تعهد به لهم؛ لأن هذا اختلف أهل العلم في كونه نافعاً لمن جعل له، هل يصل الثواب أو لا يصل؟ ثم إن فيه أيام المواسم مخالفة للسنة؛ لأن السنة ألا يزيد الإنسان في موسم الحج على أطوفه النسك وهي: الطواف أول ما يقدم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، وعلى هذا فنقول: لا حرج عليك إذا لم تف لهم بهذه الوصايا التي أوصوك بها.
س 1549: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: مجموعة طلبوا مني أن اشتري لهم من الأماكن المقدسة حاجات مثل سجادة وكفن مغسول بماء زمزم، فما حكم الوفاء بتلك الطلبات؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما السجادات فإن كانوا أوصوك بها، لأن السجادات تتوفر في ذلك المكان أكثر من غيره، وقد تكون أرخص فلا حرج، وأما إذا كان الاعتقاد أن السجادات التي تشترى
من هناك لها مزية على غيرها في الفضل، فليس بصحيح، ولا تشتريها لهم بناءاً على هذا الاعتقاد.
وأما الكفن فإنه ليس بمشروع أن يشتري الإنسان كفنه من تلك المواضع، ولا أن يغسله بماء زمزم؛ لأن ذلك ليس وارداً عن النبي
(24/34)

عليه الصلاة والسلام ولا عن أصحابه- رضي الله عنهم- وإنما يتبرك بالكفن فيما ورد به النص، وهو ما ثبت به الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أهديت إليه جبة فسأله إياها رجل من الصحابة فلامه الناس وقالوا: كيف تسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وقد علمت أنه لا يرد سائلاً؟! فقال: إني أريد أن تكون كفني، فصارت كفنه، كذلك طلب عبد الله بن عبد الله
بن أبي من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكفن أباه عبد الله بن أبي بقميص الرسول عليه
الصلاة والسلام ففعل، فهذه الأكفان كانت من لباس الرسول عليه الصلاة والسلام لا بأس أن يتبرك بها الإنسان، وإما كونها من مكة أو من المدينة فهذا لا أصل للتبرك به.
س 1550: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الفرق بين طواف القدوم وطواف الإفاضة وطواف الوداع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الفرق بينها أن طواف القدوم إذا كان من القارن والمفرد سنة وليس بواجب، فلو تركه الحاج المفرد أو القارن فلا حرج عليه، ودليل ذلك أن عروة بن المضرس- رضي الله
عنه- وافق النبي - صلى الله عليه وسلم - في صباح يوم العيد وصلى معه في المزدلفة صلاة الصبح وأخبره أنه ما ترك جبلاً إلا وقف عنده، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليل أو نهارا فقد تم حجه " (1) ، ولم يذكر له النبي - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب من يدرك عرفة (195) ، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع (891) ، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب من=
(24/35)

طواف القدوم، وهذا يدل على أنه ليس بواجب.
أما إذا كان طواف القدوم للمعتمر فإنه ركن في العمرة سواء أكانت العمرة عمرة تمتع أو عمرة مفردة.
وأما طواف الإفاضة فإنه ركن في الحج، وهو الذي يكون من بعد الوقوف في عرفة، والوقوف في مزدلفة، ولا يتم الحج إلا به.
وأما طواف الوداع فهو واجب من واجبات الحج، وكذلك واجب من واجبات العمرة، لكنه ليس من ذات الحج ولا ذات العمرة، ولهذا لا يجب على من لم يغادر مكة، والفرق بين الطواف
الواجب والطواف الركن: أن طواف الركن لا يتم النسك إلا به، وأما طواف الواجب وهو طواف الوداع فإن النسك يتم بدونه، ولكن إذا تركه الإنسان فعليه ذبح شاة في مكة يوزعها على الفقراء، فصار الفرق كما يلي: طواف القدوم سنة إلا طواف المعتمر فإنه ركن في العمرة، طواف الإفاضة ركن في الحج لا يتم الحج إلا به، طواف الوداع واجب يتم النسك بدونه، ولكن في تركه فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء.
س 1551: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل في المملكة واستدعى زوجته لزيارته وبالفعل حضرت وكانت له مدة طويلة بعيداً عنها ووصلت في شهر رمضان وجامعها في نهار رمضان
__________
= أتى عرفة قبل فجر ليلة جمع (3016) ، وابن خزيمة (2820) والحاكم 1/463 وصححه الترمذي والحاكم.
(24/36)

ولم يدر ما كفارة ذلك؟ وبعد ذلك بثلاثة أشهر أديا فريضة الحج فهل الحج صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالنسبة للحج فالحج صحيح؛ لأن عدم القيام بالكفارة لا يوجب فساده، وأما الكفارة فيجب عليه أن يكفر هو وزوجته إذا كانت مطاوعة، والكفارة عتق رقبة على كل
واحد، فإن لم يوجد فعلى كل واحد منهما أن يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فأطعم ستين مسكيناً إلا إذا كانت الزوجة مكرهة فإنه لا شيء عليها لا قضاء ولا كفارة، وكذلك لو كانت
مسافرة، وكذلك لو كانت الزوجة تظن أنه يجب عليها إجابة الزوج في هذه الحال فإنه ليس عليها قضاء ولا كفارة؛ لأنها جاهلة، وهنا يجب أن نعلم الفرق بين الجهل بالحكم وبين الجهل بما يترتب على الحكم، فالجهل بالحكم يعذر فيه الإنسان ولا يترتب على فعله شيء، والجهل بما يترتب على الفعل لا يسقط ما يجب فيه، فمثلاً إذا كان رجل قد جامع في نهار رمضان وهو يعلم أنه حرام، لكن لا يعلم أن فيه هذه الكفارة المغلظة، فإن الكفارة لا تسقط عنه ويجب أن يكفر، وأما إذا كان يظن أنه لا شيء فيه أي ليس فيه تحريم، فهذا ليس عليه شيء، ويدل لهذا قصة الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال ماذا علي؟ فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكفارة، فهذا دليل على أن الرجل إذا جامع وهو يعلم أن الجماع
(24/37)

حرام ولكن لا يدري ماذا عليه، فإن عليه الكفارة ولابد، فإذا كانت المرأة مكرهة، أو تظن أن طاعة الزوج واجبة في تلك الحال، أو المرأة حين قدومها مفطرة على أنها مسافرة، ثم جامعها زوجها
فليس عليها هي شيء؛ لأن القول الراجح أن المسافر إذا قدم مفطراً فإنه لا يلزمه الإمساك بل يبقى على فطره.
س 1552: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل أتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - عمرة الحديبية أم لم يتمها؟ وكم عمرة أعتمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما هي؟
فأجاب فضيلته بقوله: عمرة الحديبية لم يكملها النبي بحسب الأمر الواقع؛ لأن قريش صدوه عن المسجد الحرام، لكنه أتمها حكماً. لأنه ترك العمل عجزاً، ومن شرع بالعمل وتركه عجزاً
عنه كتب له أجره قال الله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (1) .
وأما عُمْر النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنها كانت أربعاً: إحداها: عمرة الحديبية، والثانية: عمرة القضاء، التي قاضى عليها قريشاً فإن من جملة الشروط التي وقعت بينهم في الصلح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتمر من العام القادم، وقد فعل عليه الصلاة والسلام "، والثالثة: عمرة
الجعرانة فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين رجع من غزوة حنين، والرابعة: العمرة التي في حجة الوداع، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارناً جامعاً بين الحج
__________
(1) سورة النساء، الآية: 100.
(24/38)

والعمرة في إحرام واحد، فهذه أربع عمر أعتمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلها كانت في أشهر الحج، فعمرة الحديبية وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، كانت في ذي القعدة، وعمرته مع حجته كان الإحرام بها في آخر ذي القعدة وإتمامها في ذي الحجة لأن عمرة القارن تندرج في الحج أفعال الحج، ولهذا كان القول الراجح: أنه لا يلزم القارن طوافان وسعيان، وإنما يكفيه طواف واحد وسعي واحد، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يطف إلا طوافاً واحداً، ولم يسع إلا سعياً واحداً، وأما طوافه حين قدم فهو طواف قدوم، وطوافه عند خروجه طواف وداع.
س 1553: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا كل سنة أسافر بصالون كبير ويمتلئ هذا الصالون من أفراد العائلة ومن الأقارب تذهب علينا الأيام في مشاعر الحج نقضيها بالمزاح واللعب
والضحك، وأحياناً قد يأتي كلمات نابية، وفي هذه السنة أود أن أسافر إلى الحج الأخرى أي أن أركب مع وسائل النقل الأخرى لكي لا أسافر مع من أسافر معهم كل سنة حتى أحج حجاً تطمئن إليه نفسي وأرتاح فيه وأقبل على الله سبحانه وتعالى، فأيهما الأحسن لي والأفضل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان يمكنك أن تسافر مع أهلك وتوجههم إلى ما فيه الخير، وإلى ترك اللغو من الكلام والرفث فهذا
(24/39)

خير وأفضل، لما فيه من صلة الرحم والتقارب بين الأقارب واصلاح الأحوال، وإذا كان لا يمكنك إصلاح أحوالهم فإن الأفضل أن تختار لك جماعة من أهل العلم والدين وتسافر معهم إلى الحج ليكون حجكم أقرب إلى الصواب من غيره.
س 1554: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: اشتريت خيمتي وحزمت أمتعتي وأريد السفر للحج هذا العام لأكمل ما فعلته في الأعوام الماضية من المسيرة مع الصالحين لعل الله أن يرحمنا جميعاً
لكنني أريد أن أتزود بزاد في حجي هذا فما هو الزاد أثابكم الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول الله عز وجل: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (1) فخير الزاد أن تتقي الله سبحانه وتعالى بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، فتحرص على أداء الصلاة في أوقاتها مع الجماعة، وتحرص على الصدق في أقوالك وأفعالك، وتحرص على النصيحة لإخوانك، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وعلى إعانة من يحتاج إلى عون بالمال، أو البدن، أو الجاه، وكذلك تتجنب ما نهى الله عنه من تأخير الصلاة عن أوقاتها، أو ترك صلاة الجماعة، أو الإخلال بشيء من واجباتها، أو الكذب، أو الغيبة، أو النميمة، أو الإساءة للخلق بالقول أو الفعل، تتجنب جميع ما حرم الله عليك، فالتقوى اسم جامع لفعل ما أمر الله به، وترك جميع ما نهى
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(24/40)

عنه، لأنها مشتقة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان وقاية له من عذاب الله ولا وقاية من عذاب الله، إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
س 1555: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما يفعله كثير من الناس من حجز المكان في المسجد الحرام أو في غيره، يضع كرسي أو المصحف مثلاً على مكانه ويأتي بعد ست أو سبع ساعات ويحجز عن غيره من المسلمين الذين يأتون قبله، فهل هذا جائز أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي نرى في حجز الأماكن في المسجد الحرام أو في غيره من المساجد أنه إن حجز وهو في نفس المسجد، أو خرج من المسجد لعارض وسيرجع عن قرب فإنه لا بأس بذلك، لكن بشرط إذا اتصلت الصفوف يقوم إلى مكانه ولا يتخطى الرقاب.
وأما ما يفعله بعض الناس يحجز ويذهب إلى بيته وينام ويأكل ويشرب، أو إلى تجارته يبيع ويشتري، فهذا حرام ولا يجوز، هذا هو القول الصحيح في هذا المسألة، لكن قد يرد علينا مسألة الحجز في منى فإنه يذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قيل له: ألا نبني بناء يعني في منى، فقال: "منى، مناخ من سبق " (1) فنقول: إذا حجز الناس في منى فأحجز، لأنه لو لم تفعل ما وجدت مكاناً، ولو أن الناس كلهم
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب تحريم حرم مكة (رقم 2019) والترمذي، كتاب الحج، باب منى مناخ من سبق (رقم 881) وقال: حسن صحيح.
(24/41)

اتقوا الله عز وجل، وتركو الحجز، وصار من سبق فهو أحق، فهذا هو الخير، لكن الآن الأمر بالعكس، إلا أنه بحمد الله في ظني أن ما حصل أخيراً من الحملات التي تأخذ أرضاً بإذن المسئولين عن توزيع الأراضى هي أهون بكثير من الحجز؛ لأنه بذلك تكون البقاع منظمة، وكل إنسان يعرف مكانه.
س 1556: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل عند شخص براتب شهري فلو ذهب لأداء فريضة الحج هل يستحق الراتب الشهري أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا حسب العرف أو الشرط الذي بينهما فإن كان العرف أنه يستحق وجب إعطاؤه، أو كان الشرط بينه وبين المستأجر أنه إذا حج أجرته ماضية فعلى ما اشترط.
س 1557: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عند بعض الناس خادمة فإذا أرادوا أن يحجوا أو يعتمروا أخذوها معهم بقصد الخير؟
فأجاب فضيلته بقوله: الخادمة تابعة لأهل البيت، فإذا لم يكن عندها في البيت أحد إذا خرجوا للحج فإنهم يحجون بها؛ لأن حجها معهم أحفظ لها من بقاءها وحدها في البيت، وأحفظ لها مما لو جعلوها عند جيرانهم، أو عند أقاربهم، فمثل هذا يرخص به إن شاء الله، لأن سفرها معهم آمن من بقاءها.
(24/42)

س 1558: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يتطلب المسلم المشقة في الحج لحديث "أجرك على قدر نصبك " (1) ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحديث يقول فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: "على قدر نصبك " ولم يقل: (أتعبي فيها) والمعنى إذا تعبتي في العمرة وزاد عليك العمل فالأجر على قدر العمل، وعلى قدر التعب، فمثلاً: إنسان يذهب للمسجد ليصلي جماعة ويتعب بعض الشيء، وإنسان آخر يذهب بسهولة، فالأول يؤجر على مشقته، لكن لا نقول: اطلب الاشقاق على نفسك، بل إن طلب الاشقاق على النفس من الأمور المذمومة، ولهذا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عمرو ابن العاص- رضي الله عنهما- أن يصوم كل الدهر، وأن يقوم كل الليل (2) ، لما فيه من المشقة، الله تعالى يقول: (مَّا يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ......) (3) .
أما (أجرك على قدر نصبك) فالمعنى إذا تعبتي في نسكك فلك أجر على التعب، كإنسان يطوف والمطاف واسع، وإنسان آخر يطوف بمشقة، فالثاني أكثر أجرًا للمشقة، لكن لا نقول: انتظر
حتى يوجد الزحام الشديد ثم طف.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب العمرة، باب أجر العمرة على قدر النصب (رقم 1787) ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج (رقم 1211) (126) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب حق الجسم في الصوم (رقم 1975) ومسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقاً (رقم 1159) .
(3) سورة النساء، الآية: 147.
(24/43)

س 1559: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل العمل إذا كان شاقًّا على النفس أعظم للأجر، وما رأيك فيمن يقول أحج على بعير أو على قدمي لأنه أعظم للأجر؟ ويأخذ هذا من حديث عائشة عندما أمرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن تعتمر من التنعيم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب على هذا أن نقول المشقة إن كانت من لازم فعل العمل فإنك تؤجر عليها، وإن كانت من فعلك فإنك لا تؤجر عليها بل ربما تأثم عليها. مثلاً إذا كان الإنسان حج
على سيارة أو طيارة لكن في أثناء المناسك حصل له تعب من الشمس أو من البرد أيام الشتاء أو ما أشبه ذلك، فإنه يؤجر على هذه المشقة لأنها بغير فعله، أما لو كانت المشقة بفعله مثل أن يتعرض
هو بنفسه للشمس، فإنه لا يؤجر على هذا، ولهذا لما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلاً قد نذر أن يقف في الشمس منعه من ذلك ونهاه لأن تعذيب الإنسان لنفسه إساءة إليها وظلم لها، والله سبحانه وتعالى لا يحب الظالمين، فالحاصل أن المشقة الحاصلة في العبادة إن كانت بفعلك، فأنت غير مأجور عليها، وإن كانت بغير فعلك فأنت مأجور عليها، وأما حديث عائشة- رضي الله عنها-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تخرج إلى التنعيم، فليس هذا من طلب المشقة،
ولكن لأنه لا يمكن للإنسان أن يحرم بالعمرة من الحرم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الرحمن بن أبي بكر وقد أمره بأن يخرج بعائشة، قال: "اخرج بأختك من الحرم كي تهل
(24/44)

بعمرة" (1) فأشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن الحكمة من الخروج إلى التنعيم هو أن تخرج من الحرم، لتأتي بالعمرة من الحل، ولا يمكن للإنسان أن يحرم بالعمرة في الحرم.
س 1560: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اعتمر، وبعد ما أنهى العمرة ذهب إلى الطائف لشغل ما، وبعد ما أتم شغله أراد أن يعتمر لميت فهل هذا جائز؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا اعتمر الإنسان ثم خرج من مكة إلى الطائف أو إلى جدة لسبب، ثم بدا له أن يعتمر لميت فلا حرج في ذلك، ولو تكرر لا مانع، والذي ينهى عنه أن يكون في مكة ثم يخرج ليأتي بالعمرة، هذا هو الذي ينهى عنه.
س 1561: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل وجد كتاباً مرمياً في الطريق داخل مكة وأخذه فهل يعتبر لقطة أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: يعتبر هذا في حكم اللقطة، ولقطة الحرم- أي حرم مكة- والحرم إذا قيل: (الحرم) ليس هو المسجد، بل الحرم كل ما كان داخل الأميال فهو حرم، ولقطته ليست كغيره
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: في مكة "لا تحل ساقطتها إلا لمنشد" (2) يعنى أنك لا
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت (رقم 1362) ، ومسلم، كتاب الحج، باب وجوه الإحرام (1211) (112) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب لا ينفر صيد الحرم (1833) (رقم 4313) =
(24/45)

تأخذ شيئاً ساقطاً في مكة إلا إذا كنت تريد أن تنشده مدى الحياة، إما الساقطة في غير مكة فتنشد سنة، فإن وجد صاحبها وإلا فهي لمن وجدها.
ولكن لا ينبغي أن ندع هذا الكتاب تدهسه السيارات وتمزقه بل نأخذه ونعطيه المسؤلين عن مثل هذه الأمور في مكة.
س 1562: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا شاب نذرت على نفسي أن أترك معصية ونذرت سبع مرات كلما أنذر أعود لتلك المعصية، فأنذر على نفسي تركها، هل علي ذنب وهل له كفارة وهل يجوز لي الحج قبل الكفارة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً أنصح أخانا أن لا يجعل الحامل له على ترك المعصية النذر، لأنه يعتاد هذا حتى لا يدع المحرم إلا بنذر والله- عز وجل- يقول في كتابه: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) (1) يعنى أطيعوا طاعة معروفة بدون يمين، ولا حاجة للقسم، كذلك لا حاجة للنذر، فاجعل عندك عزيمة قوية تستطيع أن تدع هذه المعصية بدون نذر،
هذا هو الأفضل والأولى، ولكن إذا نذرت أن لا تفعل المعصية ثم فعلتها، فعليك أن تستغفر الله وتتوب من هذه المعصية، ولا تعود
__________
= ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد (رقم 1353) .
(1) سورة النور، الآية: 53.
(24/46)

إليها، وعليك أن تكفر عن النذر كفارة يمين وهي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أي عتق رقبة، وإطعامهم يكون مما يأكل الناس (مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) (1) ، وأوسط ما نطعم اليوم هو الرز، تطعم عشرة أنفار من الفقراء طعاماً أرزاً عشاءً، أو غداءً، وإن شئت وزعه عليهم غير مطبوخ، فتعطى كل واحد حوالي كيلو، ومعه شيء من اللحم يأدمه، وبذلك ينحل النذر، ولكني أعود فأكرر أنه ينبغي للإنسان أن تكون طاعته لله مربوطة بعزيمة وقوة فيدع المعاصي بدون نذر.
أما حجه قبل أن يكفِّر فلا بأس ولا حرج، لأن الكفارة يسيرة، وإذا لم يستطع إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة فإنه يصوم ثلاثة أيام متتابعة.
س 1563: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الأدعية المشروعة في الحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمى الجمار لإقامة ذكر الله " (2) فيشرع له عند ابتداء الطواف أن يقول: بسم الله، الله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم في أثناء طوافه يدعو بما أحب من أدعية القرآن والسنة
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 89.
(2) تقدم تخريجه ص 26.
(24/47)

وغيرها مما يريده في نفسه، ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار) ثم كلما حاذى الحجر الأسود كبر وفي السعي إذا صعد الصفا
رفع يديه وكبر الله وحده وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو، ثم يعيد هذا الذكر مرة ثانية ثم يدعو، ثم يعيد الذكر ثم ينزل متجهًا إلى المروة ويقول مثل ما قال في الصفا. وفي الوقوف بعرفة يكثر من ذكر الله عز وجل مثل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري
وعلانيتي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك إبتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه، اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، اللهم ربنا
(24/48)

آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ويدعو بما يحضره من أدعية الكتاب والسنة وبما يريده لأن رغبات الناس وحاجاتهم تختلف وكل إنسان يدعو بما يشاء لأنه لا توقيف في ذلك وأما عند رمى الجمرات فإنه يكبر عند كل حصاة يقول: الله أكبر، والذي ينبغي للحاج أن يصون حجه عن الرفث والفسوق والجدال قال تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) وأن يكون هادئا مطمئناً لا يؤذي.
س 1564: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فتاة تقول في شهر رمضان ذهبت بقصد العمرة في رمضان ولكنني لم أكمل العمرة فقد قمت بالطواف حول الكعبة والصفا والمروة وقد مرضت مرضاً شديداً هو الجنون ورجعنا إلى البلد بألم وحزن وبعد فترة قصيرة استيقظت من هذا المرض والحمد لله ولكنني منذ ذلك وحتى الآن يوجد في قلبي وسواس من إلحاد وعدم رضاء الله وآلمنى أن أقول هذا، مع العلم أنني أؤدي جميع الفرائض من صلاة وصوم وزكاة ولا أستطيع أن أمسح هذا الشعور من قبلي برغم محاولتي بالتوبة والدعاء لله فأرجو منكم حل هذه المشكلة لأنني في غاية الحيرة
والألم وهل أنا مذنبة وماذا أفعل وقد تركت الحجاب؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالنسبة لعمرتها فإن ظاهر كلامها أنها أدت العمرة؛ لأنها تقول: إنها طافت حول الكعبة وفي الصفا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(24/49)

والمروة، وما بقي عليها إلا التقصير إذا كانت لم تقصر. وأما بالنسبة لما تجده في قبلها من وساوس فإن ذلك لا يضرها، بل أن هذا من الدلالة على أن إيمانها خالص وصريح وصحيح، وذلك لأن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم بمثل هذه الوساوس إذا رأى في إيمانه قوة وصراحة، يريد أن يبطل هذه القوة ويضعفها، ويزيل هذه الصراحة إلى شكوك وأوهام، ودواء ذلك أن لا تلتفت إلى هذه الوساوس إطلاقاً ولا تهمها، ولا تكون لها على بال، ولتمض في عبادتها لله عز وجل من طهارة، وصلاة، وزكاة، وصيام، وحج وغيرها وبهذا يزول عنها إذا غفلت عنه، فالدواء ما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتهي الإنسان عن ذلك، ويعرض عنه، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يشتغل بفرائضه وسننه عن مثل هذه الأمور فسيزول بإذن الله.
وأما تركها للحجاب فإذا كان ذلك في زوال عقلها كما ذكرت فإنه لا إثم عليها؛ لأن المجنون قد رفع عنه التكليف، وأما إذا كان بعد أن زال عنها هذا البلاء، فإنه يجب عليها أن تتوب إلى الله
وتستغفره من ذنبها وتعود إلى حجابها.
س 1565: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شاب عاق لوالديه وهما خارج المملكة فهل له أن يحج قبل الرجوع إليهما مع أنه لو سافر قبل أن يحج ليسترضيهما فلا يتمكن من الرجوع إلى هنا
(24/50)

لصعوبة الطريق وهل تقبل منه الأعمال الصالحة وقد تاب إلى الله عز وجل وندم على ما حصل منه ندماً شديداً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن الأعمال الصالحة تقبل من هذا الرجل الذي تاب إلى الله سبحانه وتعالى من عقوق الوالدين، ولكن نظراً إلى أن العقوق من حقوق الآدميين فإنه لابد من استرضاه الوالدين واستسماحهما لأن من تحقيق توبته إلى الله سبحانه وتعالى أن يسترضي والديه ويستسمحهما عما جرى منه من العقوق. ولا حرج عليه لو حج قبل ذلك.
س 1566: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاجة تقول: في هذا الحج قلت كلمة خفت أن تكون أثرت في حجي وهذه الكلمة قلتها وأنا أصعد مكان في منى وتعبت فقلت: أعوذ بالله من هذا
المكان، وقلت ذلك جاهلة، ومن غير قصد وأريد أن أعرف هل هذا يؤثر في حجي؟ وأيضاً عند الجمرات دعوت بصوت مرتفع قليلاً وأظن أن الرجال سمعوا صوتي، هل إذا سمعوا صوتي عليّ إثم في
ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الأول وهو قولها: (أعوذ بالله من هذا المكان) فلا أظنها استعاذت بالله من هذا المكان من أجل أنه مشعر من مشاعر الحج، لكن تعوذت من هذا المكان لصعوبته ومشقته عليها وهذا لا ينقص شيئاً من حجها.
(24/51)

وأما الثاني وهو سماع الرجال صوتها فلا بأس به أصلاً سواءً في الحج أو في غيره، فإن صوت المرأة ليس بعورة لقول الله تبارك وتعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32)) (1) فنهي الله عز وجل عن الخضوع بالقول يدل على جواز أصل القول؛ لأن النهي عن الأخص يدل على جواز الأعم، وعلى هذا فالمرأة ليس صوتها عورة، فيجوز أن تتكلم بحضرة الرجال، إلا إذا خافت فتنة، فحينئذ يكون هذا السبب هو الذي يقتضي منع رفع صوتها.
فإذا قال قائل: أليست المرأة مأمورة بخفض الصوت عند التلبية مع أن الأصل في التلبية أن تكون جهراً؟ قلنا: بلى، الأمر كذلك، تؤمر المرأة بخفض الصوت في التلبية، وبخفض الصوت في أذكار الصلوات الفريضة إذا صلين مع الجماعة، وذلك لأن إظهار المرأة صوتها يخشى منه أن يتعلق بصوتها أحد من الرجال يسمعه، فيحصل بذلك فتنة، ولهذا قلنا: إنه لا بأس برفع المرأة صوتها في حضرة الرجال، ما لم تخش الفتنة، أما الخضوع بالقول فهذا حرام بكل حال.
س 1567: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيهما أفضل للمعتمر نوافل الصلاة أم نوافل الطواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنه إذا كان الاعتمار في
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 32.
(24/52)

وقت يكثر فيه العُمَّار، فإن الأفضل أن يتشاغل بالصلاة، من أجل أن يوفِّر مكان الطواف للطائفين.
س 1568: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بما أن النساء يمنعن من الطواف أثناء صلاة التراويح فهل الأفضل للرجل الطواف أم الاستمرار في صلاة التراويح؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يستمر في صلاة التراويح ليكتب له قيام الليلة كلها، والطواف له وقت آخر.
س 1569: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تسأل فتقول: كنت في مكة الكرمة، وصلني نبأ أن قريبتي قد توفيت فطفت لها سبعاً حول الكعبة ونويتها لها، فهل يجوز ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز لك أن تطوفي سبعاً تجعلين ثوابها لمن شئت من المسلمين، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن أي قربة فعلها المسلم وجعل ثوبها لمسلم ميت
أو حي فإن ذلك ينفعه، سواء كانت هذه القربة عملاً بدنيًا محضاً، كالصلاة والطواف، أم مالياً محضاً كالصدقة، أم جامعاً بينهما كالأضحية.
ولكن ينبغي أن يعلم أن الأفضل للإنسان أن يجعل الأعمال الصالحة لنفسه، وأن يخص من شاء من المسلمين بالدعاء له؛ لأن
(24/53)

هذا هو ما أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) .
س 1570: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيهما أفضل للمرأة الطواف في حالة ازدحام المطاف أو انشغالها بعبادة أخرى بعيداً عن الرجال؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان في مواسم العمرة، أو الحج فالأفضل أن لا يكرر الإنسان الطواف، حتى الرجل فكيف بالمرأة؟!
س 1571: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سمعت رجلاً يقول: (اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه) ، ما صحة هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الدعاء الذي سمعته، "اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، وإنما نسألك اللطف فيه " دعاء محرم لا يجوز، وذلك لأن الدعاء يرد القضاء كما جاء في الحديث: "لا يرد القدر إلا
الدعاء" (2) . وأيضاً كأن هذا السائل يتحدي الله يقول: اقض ما شئت ولكن الطف. والدعاء ينبغي للإنسان أن يجزم به وأن يقول: اللهم
__________
(1) تقدم تخريجه ص (23) .
(2) أخرجه الترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء (رقم 2139) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (رقم 7687) .
(24/54)

إني أسألك أن ترحمني، اللهم إني أعوذ بك أن تعذبني، وما أشبه ذلك، أما أن يقول: لا أسألك رد القضاء، فما الفائدة من الدعاء إذا كنت لا تسأله رد القضاء، والدعاء يرد القضاء، فقد يقضي الله
القضاء ويجعل له سبباً يمنع ومنه الدعاء، فالمهم أن هذا الدعاء لا يجوز، ويجب على الإنسان أن يتجنبه وأن ينصح من سمعه بأن لا يدعو بهذا الدعاء.
س 1572: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في منى بعد الرمي حصل خلاف أسر عبارة عن خصام بيني وبين أم زوج ابنتي. وبقيناً على هذا الخصام عدة أشهر، فهل الخصام يبطل الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يبطل الحج، ولكن ينبغي للإنسان المحرم بحج أو عمرة أن لا يجادل؛ لقوله سبحانه وتعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) .
س 1573: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: ذهبت إلى الحج وأنا مغتربة وحدث أن ابنة لي كانت تعاني نوعاً من المرض، وأخذت مدة على الدواء وترفض الأكل وألزمتها عدة مرات فرفضت فغضبت عليها وضربتها ضرباً شديداً، لكني ندمت على هذا الفعل وبكيت كثيراً عليها. فهل علي شيء في ذلك وهل يؤثر على حجي؟
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(24/55)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت هذه البنت التي أعطيتها الدواء بوصف من الطبيب، وكانت مريضة وضربتها ضرباً غير مبرح - أي ليس شديداً- بل ضرب تأديب، فإن هذا لا بأس به سواء في الحج، أو في غير الحج. والمقصود أن هذا الضرب مما سمح به الشرع: أن يكون للتأديب، وأن يكون غير مبرح، وحينئذ فليس عليك شيء.
س 1574: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حاج ومعه طفلة صغيرة فضربها للتأديب فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الضرب للتأديب لا بأس به، فقد ضرب أبو بكر- رضي الله عنه- غلامه وهو محرم.
س 1575: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: ذهبت إلى الحج وأنا مغتربة، وحدث أن ضللت الطريق ومعي أطفالي الثلاثة، الصغير منهم يبلغ من العمر عاماً، وسرنا سبع
ساعات نبحث عن الخيام، وحصل لنا تعب شديد، وعندما هدانا الله إلى خيامنا طلبت من إحدى النساء ماء ليشرب أولادي ويغتسلوا فرفضت، وقالت: نحن قد اشتريناه، لأن المخيم لم يحضروا فيه الماء منذ الصباح. فاستعطفتهم فأبوا، فتضايقت منهم، فتحدثوا إلى بعضهم بطريقة أحزنتني وحسبتهم يغتابونني، فرفعت صوتي
(24/56)

عليهم، فما الحكم في ذلك؟ وهل يدخل في الجدل ويبطل حجي به؟
فأجاب فضيلته بقوله: بالنسبة لمن طلبت منهم الماء فلم يعطوك، هؤلاء في الحقيقة حرموا أنفسهم خيراً كثيراً، ولو كانوا قد اشتروا الماء فهي تريد سقي أولادها العطاش، ولم تقل أريد الماء لأتوضأ أو ما شابه ذلك، بل تريد إرواء ظمأ أولادها، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من سقى مسلماً على ظمًّا سقاه الله من الرحيق المختوم " (1) ، فهؤلاء المساكين حرموا أنفسهم من هذا الأجر الذي بينه الرسول عليه الصلاة والسلام لمن سقى مسلماً على ظمأ، فلو سقوها وأولادها لكان خير اً لهم.
أما بالنسبة لها وتكلمها عليهم فهذا لا ينبغي منها، فعلى المرء أن يصبر ويحتسب الأجر من الله تبارك وتعالى، فتصبر وتحتسب حتى يجعل الله فرجاً ومخرجًا منه. والله الموفق.
س 1576: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل على الإنسان حرج إذا نام ورجلاه باتجاه الكعبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس على الإنسان حرج إذا نام ورجلاه باتجاه الكعبة، بل إن الفقهاء- رحمهم الله- يقولون: إن المريض الذي لا يستطيع القيام ولا القعود يصلي على جنبه ووجهه للقبلة،
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الزكاة، باب في فضل سقي الماء (رقم 1682) .
(24/57)

فإن لم يتمكن صلى مستلقياً، ورجلاه إلى القبلة.
س 1577: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عمن وكل شخصاً ليحج عن أمه ثم علم بعد ذلك أن هذا الشخص قد أخذ وكالات عديدة فما الحكم حينئذ أفتونا مغفوراً لكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي ينبغي للإنسان أن يكون حازما في تصرفه، وأن لا يكل الأمر إلا إلى شخص يطمئن إليه في دينه، بأن يكون أميناً، عالماً بما يحتاج إليه في مثل ذلك العمل الذي وكل
إليه، فإذا أردت أن تعطي شخصاً ليحج عن أبيك المتوفى، أو أمك فعليك أن تختار من الناس من تثق به في علمه وفي دينه؛ وذلك لأن كثيراً من الناس عندهم جهل عظيم في أحكام الحج، فلا يؤدون
الحج على ما ينبغي، وإن كانوا هم في أنفسهم أمناء، لكنهم يظنون أن هذا هو الواجب عليهم وهم يخطئون كثيراً، ومثل هؤلاء لا ينبغي أن يعطوا إنابة في الحج لقصور علمهم، ومن الناس من يكون عنده علم لكن ليس لديه أمانة، فتجده لا يهتم بما يقوله أو يفعله في مناسك الحج، لضعف أمانته ودينه، ومثل هذا أيضاً لا ينبغي أن يعطى، أو أن يوكل إليه أداء الحج، فعلى من أراد أن ينيب شخصاً في الحج عنه أن يختار أفضل من يجده علماً وأمانة، حتى يؤدي ما طلب منه على الوجه الأكمل.
وهذا الرجل ذكر السائل أنه أعطاه ليحج عن والدته وسمع
(24/58)

فيما بعد أنه أخذ حجات أخرى من غيره، ينظر فلعل هذا الرجل أخذ هذه الحجات عن غيره وأقام أناساً يؤدونها وقام هو بأداء الحج عن الذي استنابه.
ولكن هل يجوز للإنسان أن يفعل هذا الفعل، أي هل يجوز للإنسان أن يتوكل عن أشخاص متعددين في الحج، أو في العمرة ثم لا يباشر هو بنفسه ذلك بل يكلها إلى أناس آخرين؟
فنقول في الجواب: إن ذلك لا يجوز ولا يحل، وهو من أكل المال بالباطل، فإن كثيراً من الناس يتاجرون في هذا الأمر، تجدهم يأخذون عدة حجج وعدة عمر، على أنهم هم الذين سيقومون بها
ولكنه يكلها إلى فلان وفلان من الناس بأقل مما أخذ، هو فيكسب أموالاً بالباطل، ويعطي أشخاصاً قد لا يرضونهم من أعطوه هذه الحجج أو العمر، فعلى المرء أن يتقي الله عز وجل في إخوانه، وفي
نفسه؛ لأنه إذا أخذ مثل هذا المال فقد أخذه بغير حق، ولأنه إذا أؤتمن من قبل إخوانه على أنه هو الذي يؤدي الحج أو العمرة فإنه لا يجوز له أن يكل ذلك إلى غيره؛ لأن هذا الغير قد لا يرضاه من أعطاه هذه الحجج، أو هذه العمر.
س 1578: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: معتمر قبل سبع سنوات ترك السعي ليخرج مع رفقته معتقداً أنه إذا أبطل هذا العمل بطل حجه، وحج بعد ذلك واعتمر فماذا يلزمه جزاك الله خيراً؟
(24/59)

فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: أقول إن تأخير هذا السائل سؤاله إلى ما بعد سبع سنوات خطأ عظيم، يجب على المرء أن يسأل عن دينه أولاً قبل أن يعمل، ثم إذا عمل وشك في نفسه من بعض الأفعال
التي فعلها فليسأل عنها مباشرة، ولكن الأمر وقد وقع الآن، فالذي أرى أنه يجب عليه أن يذهب إلى مكة، ويأتي بعمرة فيطوف ويسعى ويقصر، ثم يأتي بالسعي الأول، لأنه ما زال ديناً في ذمته،
والحجات التي حجها بعد ذلك هي حجات منفصلة ما نواها قضاء عما سبق.
س 1579: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يستطيع الحج كل سنة وقال له بعض الناس إن في هذا إيذاء للحجاج فهل هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح أن الحج مشروع كل سنة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رغب فيه وقال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (1) .
لكن إذا كنت تخشى الفتنة من تكرار الحج، وذلك بما يحدث من مشاهدة النساء والمزاحمة الشديدة بين الرجال والنساء، وقد أديت الفريضة فهنا قد يقال: ترك الحج أفضل واصرف الدراهم التي
كنت تريد الحج بها على أعمال البر والصدقات، وذلك لأن درء
__________
(1) تقدم تخريجه ص (11) .
(24/60)

المفاسد أولى من جلب المصالح. أما الرجل الذي يحج ويؤدي الحج بتؤدة وبأدب شرعي، ويمكن أن يستفيد الناس من علمه، أو عمله وخلقه، فهذا يشرع له أن يحج كل عام.
س 1580: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يقصر الحاج من أهل مكة الصلاة في المشاعر؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشهور عند أصحاب الأئمة الثلاثة: الشافعي ومالك وأحمد- رحمهم الله- أن المكي لا يقصر ولا يجمع لأنه غير مسافر، إذ أن السفر ما بلغ ثلاثة وثمانين كيلو، أو أكثر، والمعروف أن عرفة هي أبعد المشاعر عن مكة لا تبلغ هذا المبلغ، فعلى هذا لا يجمع أهل مكة ولا يقصرون، بل يتمون ويصلون كل صلاة في وقتها، سواء في عرفة، أو في مزدلفة، أو في منى.
وذهب أبو حنيفة- رحمه الله- إلى أنهم يجمعون ويقصرون، وقال: إن هذا الجمع والقصر سببه النسك، وليس سببه السفر، فيقصرون. ولو كانوا في منى وهي أقرب المشاعر إلى مكة.
ولكن الصحيح أن القصر في منى وفي عرفة ومزدلفة، ليس سببه النسك بل سببه السفر، والسفر لا يتقيد بالمسافة، بل يتقيد بالحال وهو أن الإنسان إذا خرج وتأهب واستعد لهذا الخروج،
وحمل معه الزاد والشراب فهو مسافر.
وبناء على ذلك نقول: إن الناس في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا
(24/61)

يتزودون للحج، أهل مكة وغير أهل مكة، ولهذا كان أهل مكة مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، يجمعون ويقصرون تبعاً للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولم يقل: يا أهل مكة أتموا. وهذا القول هو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-.
س 1581: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة إلى الحاج المكي هل يقصر في منى وعرفة ومزدلفة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما بالنسبة للمكي إذا حج فإن الذين يقدرون السفر بالمسافة لا يرون له جمعاً ولا قصراً كالإمام أحمد والشافعي- رحمهما الله- ولهذا لا يجوزون للحاج المكي أن يقصر
أو يجمع، لكن القول الراجح أن السفر لا يتقيد بالمسافة، وإنما يتقيد بالعرف والتأهب له، فما تأهب الناس له وشدوا الرحل إليه فهو سفر، وعلى هذا القول فإنه يجوز للمكي أن يقصر ويجمع إذا
حج ويدل لهذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حج معه أهل مكة ولم يأمرهم بالإتمام، ولما فتح مكة وصار يصلي بهم في مكة كان يأمرهم بالإتمام، ويقول: "أتموا يما أهل مكة فإنما قوم سفر" (1) . وعلى هذا فنقول: إن مذهب الإمام أحمد- رحمه الله- على المشهور عنه والشافعي- رحمه الله- أن المكيين لا يجمعون ولا يقصرون في منى وفي عرفة وفي مزدلفة، وأما على القول الثاني الذي رجحناه فإن
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب متى يتم المسافر 2/23 (1229) .
(24/62)

الإنسان إذا كان في مزدلفة أو في عرفة يكون في مكان منفصل عن مكة فيترخص برخص السفر، أما إذا كان في منى فإن منى في الوقت الحاضر صارت كأنها حي من أحياء مكة، فلهذا نرى أن الاحتياط للمكي أن لا يجمع ولا يقصر في منى، مع أنه لا جمع في منى حتى لغير المكيين، إذ أن منى السنة فيها لغير المكيين القصر بدون جمع، أما مزدلفة وعرفة فهي منفصلة عن مكة ولم تتصل بها،
حسب ما رأيت أنه لم يتصل البناء، وعلى كل حال لو فرض أن مكة كبرت في المستقبل وصارت المزدلفة منها مثل منى فالحكم واحد.
س 1592 (*) : سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كثير من الحجاج أشكل عليهم اليوم عدم صلاة الجمعة في منى ولا يعرفون سبب ذلك، وكذلك مسألة الجمع بين الصلوات أفيدونا جزاكلم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الجمعة فإنها لا تصلى في هذا المكان بناء على أنه مشعر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل الجمعة يوم عرفة، ولذلك كان الناس يصلون ظهراً.
وأما الجمع بين الصلاتين فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجمع بين الصلاتين في منى لا قبل يوم عرفة ولا بعدها، وهذا هو السنة لكن لو كان هناك حاجة إلى الجمع يمكن أن تكون
الرفقة في تعب شديد ويشق عليهم عدم الجمع فلا بأس في الجمع.
وصلاة الجمعة للمسافرين حال السفر لا تجوز ولا تصح؛ لقول
__________
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هنا قفز في الترقيم في المطبوع
(24/63)

النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (1) . والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يصل صلاة الجمعة في السفر، أما إذا كان الجماعة في البلد وسمعوا نداء
الجمعة وجب عليهم أن يصلوا الجمعة.
س 1593: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أداء العمرة بعد مناسك الحج وقبل طواف الوداع حيث أني لم أنو إلا بالحج مفرداً وبعد نويت العمرة وأحرمت بالعمرة من جدة وجدة
ليست بلداً لي؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمرة بعد الحج إذا حصل مثل ما حصل لعائشة- رضي الله عنها- حينما أحرمت للعمرة فحاضت قبل أن تصل إلى مكة فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تحرم بالحج ففعلت وبعد انتهاء الحج طلبت من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تعتمر فأمر أخوها عبد الرحمن ابن أبي بكر- رضي الله عنهما- أن يخرج بها إلى التنعيم فأحرمت منه (2) ، فإذا جرى لامرأة مثل ما جرى لأم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- ولم تطب نفسها إلا بفعل العمرة بعد الحج، فهذا لا بأس به لورود السنة به، وأما من سواها فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه- رضي الله عنهم- لم يقم أحد منهم بعمل عمرة بعد أداء الحج، بل هذا عبد الرحمن بن أبي بكر كان مصاحباً أخته وخارجاً إلى التنعيم، ومع
__________
(1) تقدم تخريجه ص (11) .
(2) تقدم تخريجه ص (45) .
(24/64)

ذلك ما أتى بعمرة، ولو كانت العمرة بعد الحج من الأمور المشروعة، لكان عبد الرحمن بن أبي بكر يفعلها، لأنها متيسرة عليه حيث أنه قد ذهب مع أخته إلى التنعيم، فهذا دليل على أنه لا يشرع
للحاج أن يأتي بالعمرة بعد الحج، إلا إذا رجع إلى بلده ثم أتى بها من بلده، مثل لو كان من أهل جدة فلما انتهى الحج خرج إلى جدة، ثم رجع محرماً بالحج فلا حرج عليه هنا؛ لأنه أتى بالعمرة من بلده.
س 1594: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد استقدام أهله لأداء الحج لكن العملية مكلفة بالنسبة له ولا يطيقها، ولكن يمكن استقدامها للعمرة ويبقيها إلى موسم الحج، ثم تحج ثم يرجعها؛ هل هذا الأمر جائز يا شيخ أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا قدمت بمحرم فليس هناك مانع.
س 1595: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن يذهب رجل إلى مكة للتجارة بجانب أداء فريضة الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للإنسان أن يذهب إلى مكة بنية التجارة والحج؛ لقول الله تبارك تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) (1) لكن ينبغي أن يغلّب جانب الحج.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 198.
(24/65)

س 1596: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من حج بجواز سفر مزور فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجه صحيح؛ لأن تزوير الجواز لا يؤثر في صحة الحج، ولكن عليه الإثم وعليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وإن يعدل اسمه إلى الاسم الصحيح حتى لا يحصل تلاعب
لدى المسؤلين، ولئلا تسقط الحقوق التي وجبت عليه بالاسم الأول لاختلاف اسمه الثاني عن الاسم الأول، فيكون بذلك آكلاً للمال بالباطل مع الكذب في تغيير الاسم.
وبهذه المناسبة أود أن أنصح إخواني بإن الأمر ليس بالهين بالنسبة لأولئك الذين يزورون الأسماء، ويستعيرون أسماء لغيرهم من أجل أن يستفيدوا من إعانة الحكومة، أو من أمور أخرى، فإن ذلك تلاعب في المعاملات وكذب وغش وخداع للمسؤولين والحكام، وليعلموا أن من اتقى الله عز وجل جعل له مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب، وأن من اتقي الله جعل الله له من أمره يسراً،
وأن من اتقى الله وقال قولاً سديداً أصلح الله له عمله وغفر له ذنبه، كما قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (1) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (2) والله الموفق.
__________
(1) سورة الطلاق، الآية: 2.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 75.
(24/66)

س 1597: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة مرت بالميقات وهي حائض فأحرمت منه ونزلت إلى مكة وأخرت العمرة حتى طهرت فما حكم عمرتها؟
فأجاب فضيلته بقوله: العمرة صحيحة ولو أخرتها إلى يوم أو يومين، ولكن بشرط أن يكون ذلك بعد طهارتها من الحيض لأن المرأة الحائض لا يحل لها أن تطوف بالبيت، ولهذا لما حاضت عائشة- رضي الله عنها- وهي قد أقبلت إلى مكة محرمة بالعمرة قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - "أحرمي بالحج وافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " (1) ولما حاضت صفية- رضي الله عنها- قال - صلى الله عليه وسلم -: "أحاسبتنا هي " ظن أنها لم تطف طواف الإفاضة، فقالوا: "إنها قد أفاضت " فقال: "انفروا" (2) فالمرأة الحائض لا يحل لها أن تطوف بالبيت، فإذا قدمت إلى مكة وهي حائض وجب عليها الانتظار حتى تطهر ثم تطوف بالبيت.
أما إذا حصل الحيض بعد طواف العمرة وقبل السعي فلتكمل عمرتها ولا شيء عليها؛ وإذا أتاها الحيض بعد السعي، فلا يجب عليها طواف الوداع حينئذ؛ لأن طواف الوداع يسقط عن الحائض.
__________
(1) تقدم تخريجه ص (45) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها (رقم 1650) ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (رقم 1211) (119) .
(24/67)

س 1598: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لو ارتد الإنسان عن الإسلام- والعياذ بالله- وقد أدى فريضة الحج ثم عاد للإسلام فهل تكفيه فريضة الحج الأولى التي عملها. وبالنسبة للحديث: "وشاب نشأ في طاعة الله ". هل نقول: إن الإنسان مثلاً لو نشأ في طاعة الله في فترة سن الشباب ثم ارتد ثم رجع هل ينطبق عليه هذا الحديث؟
فأجاب فضيلته بقوله: من المعلوم أن الردة تحبط الأعمال لقول الله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) (1) ولقوله تعالى: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)) (2) لكن هذا مقيد بما إذا مات على الكفر لقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)) (3) . فلو ارتد ثم عاد إلى الإسلام فإن أعماله الصالحة السابقة للردة لا تبطل، وكذلك ما له من المزايا والمناقب والفضائل، فالشاب الذي نشأ في طاعة الله، ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يحصل له ثواب الشاب الذي نشأ في طاعة الله، وكذلك الصحابي لو ارتد ثم عاد إلى الإسلام فإن صحبته لا تبطل، بل هذه المنقبة له كسائر الأعمال الصالحة.
__________
(1) سورة الزمر، الآية: 65.
(2) سورة الأنعام، الآية: 88.
(3) سورة البقرة، الآية: 217.
(24/68)

س 1599: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص كلف بانتداب إلى الطائف، فأنهى العمل خلال ساعات وأراد أن يأخذ عمرة مع موافقة العمل على ذلك هل يصح له هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: يصح للإنسان إذا انتدب لعمل معين وأنهاه، ثم أراد أن يأتي بعمرة يصح له أن يأتي بذلك؛ لأن العمل الذي انتدب من أجله قد أتمه وبقي بقية وقت، فله أن يتصرف فيه بما
يشاء، لا سيما إذا كان قد استأذن من مسئوله وأذن له، فإن الأمر واضح بأن هذا جائز.
س 1600: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص له أولاد يشغلونه عن حج التطوع ويخشى عليهم من نقص الأخلاق في أثناء أداء حج التطوع فما الأفضل له؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن تربية أولاده واجبة، وحج التطوع ليس بواجب، وكذلك عمرة التطوع، فإذا كان يخشى على أولاده من الضياع إذا ذهب للعمرة في رمضان مثلاً، أو للحج تطوعاً
فإنه لا يجوز أن يذهب للحج، لأنه مسؤول عن أهله سؤالاً مباشراً.
س 1601: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يريد أن يعتمر عن الميت هل له أن يشرك نفسه في الثواب؟ وإذا اعتمر الصبية ونوى هو أجرهم للميت هل يكون ذلك؟
(24/69)

فأجاب فضيلته بقوله: هذان سؤالان في سؤال.
أما المسألة الأولى: فإنه لا يصح أن ينوي نسكاً واحداً عن اثنين، لأن النسك لا يجزئ إلا عن واحد، كما لو أردت أن تصوم قضاء عن نفسك وعن ميت فإنه لا يصح.
أما المسألة الثانية: فإن ثواب الأولاد لهم، لأن الصبي الذي لم يبلغ يكتب له الثواب، ولا يكتب عليه العقاب، لكن لك أجر لكونك أحرمت بهم، ودليل هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المرأة التي رفعت إليه الصبي: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" (1) الحج للصبي، وأنت لك أجر، أما ما اشتهر عند العامة أن أجره يكون لأبيه لا لمن حج له، فهذا لا أصل له.
س 1602: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس هداهم الله يلتقطون الصور في المشاعر المقدسة وربما رفع الشخص يديه في الدعاء من أجل التصوير فقط فهل هذا جائز؟ وهل يخل
بالحج أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: التقاط صور للحجاج في مكان العبادة غير جائز من وجهين:
الوجه الأول: أنهم يفعلون ذلك للاحتفاظ بالصور والذكرى، وكل تصوير يقصد منه الاحتفاظ للذكرى فإنه حرام.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صحة حج الصبي (1336) (409) .
(24/70)

الوجه الثاني: أنه لا يسلم غالباً من الرياء؛ لأن الإنسان يأخذ هذه الصور ليريها للناس أنه حج، ولهذا يفعل كما قال السائل يرفع يديه للدعاء، وهو لا يدعو ولكن من أجل أن تلتقط له صورة.
أما إذا احتيج إلى ذلك لكون هذا الرجل نائباً عن شخص فقال: التقط الصورة لأثبت أنني حججت، فإذا وصل إلى صاحبه الذي أنابه مزق الصورة، فإن ذلك لا بأس به؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، ولم يقصد به مجرد الذكرى، أو الاقتناء.
س 1603: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم إنه إذا كان نائباً عن الغير فلا بأس أن يصور لأن الحاجة داعية إلى ذلك ألا يمكن الاستغناء بالشهود عن الصور؟
فأجاب فضيلته بقوله: على كل حال الاستغناء بالشهود عن الصورة قد يكتفي به، ولكن الشهود قد يلحقهم مانع من أداء الشهادة، وقد لا يثق النائب بهم تمام الثقة.
س 1604: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدي معي في الحج ومعي كذلك أخي ولله الحمد، وأخي يريد أن يأخذ لنا صورة تذكارية لأن الوالدة مشتاقة لنا وهي لم ترانا منذ ستة أشهر وسنبقى مقيمين في هذه البلاد سنة كاملة فهل إذا تصورنا علينا شيء؛ وما حكم اقتناء الكتب التي فيها صور؟
(24/71)

فأجاب فضيلته بقوله: لا أرى هذا، لا أرى أن يصوروا أنفسهم للتذكار؛ لأن التذكار يعني اقتناء الصور، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة،
وليبلغوا الوالدة ويعتذروا منها ويقولوا: مضى ستة أشهر وباقي سنة فلتتحمل.
وأما الكتب التي فيها صور فلا بأس باقتنائها؛ لأن الإنسان لا يقتنيها لأجل الصورة إنما يقتنيها لأجل ما فيها من العلم، فلا بأس بها.
س 1605: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الحج من مالٍ لم تخرج منه زكاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج من مال لم تخرج زكاته صحيح. ولكن عجباً لهذا الرجل كيف يدع الزكاة ويؤدي الحج مع أن الزكاة سابقة للحج بإجماع المسلمين ولهذا أوجبها الله تعالى كل
عام، ولم يوجب الحج إلا مرة واحدة في العمر، وأعجب من ذلك وأغرب رجل لا يصلى ثم يحج، وهذا الذي لا يصلي أقول: لا يحل له أن يدخل مكة، ولا يقبل منه حج، ولا صدقة، ولا جهاد، ولا أي عمل صالح؛ لأن ترك الصلاة كفر يخرج من الملة، والكافر المرتد الخارج عن ملة الإسلام لا يقبل الله منه أي عمل صالح. فأنا أعجب من بعض المسلمين الذين إن شئت قلت: إن إسلامهم عاطفياً أكثر
(24/72)

من عقلياً واستسلاماً، نجدهم مثلاً يحرصون على الصوم وهم لا يصلون الصلاة في وقتها، يصوم ويتسحر في آخر الليل وينام ولا يصلي الفجر إلا مع الظهر، أو أنه لا يصلي أبداً. وفي الحج أيضاً
يحرص الإنسان غاية الحرص، حتى إنه يحرص على الحج مع عدم وجوب الحج عليه، وهو مضيع لكثير من الواجبات، والواجب أن يكون إسلام الإنسان استسلاماً لله وإسلاماً عقلياً يحكم فيه الإنسان العقل على العاطفة، وينظر ما قدمه الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ويقدمه، دون أن يقدم ما ترضاه نفسه ويدع ما لا ترضاه.
س 1606: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجب على الشخص إذا أراد الحج أن يختار من يثق بعلمه ودينه، وهل عليه إثم إذا حج مع أناس يدخنون ويغتابون وغير ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أنه من الحكمة والعقل أن يختار الإنسان رفقة ذات علم ودين؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "مثل الجليس الصالح كحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة" (1) ولا سيما في سفر الطاعة كسفر الحج، فإن الإنسان محتاج لأن يكون معه طالب علم يرجع إليه عند الإشكال، ويوجهه طالب العلم عند المشاعر، ولكن لا حرج أن يخرج مع أناس دون ذلك بشرط ألا يفعلوا محرماً في سفرهم، فإن
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب المسك (رقم 5534) ومسلم، كتاب البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين ... (رقم 2628) .
(24/73)

فعلوا محرماً حرم السفر إلا لمن أراد أن يمنعهم من المحرم، فلو اصطحبت رفقة تفتح الأغاني المحرمة، أو يشربون الدخان فإن ذلك محرم عليك، إلا إذا كان يمكنك أن تمنعهم من هذا فلا بأس
لأنك تكسب منعهم من المحرم.
س 1607: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل شرب الدخان حال الإحرام يكون من الفسوق الذي نهى الله عنه في قوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) .
فأجاب فضيلته بقوله: نعم شرب الدخان من الفسوق، فالإنسان المحرم إذا كان يشرب الدخان لم يمتثل حكم الله عز وجل لأنه فسق في شربه للدخان، لأن الإصرار على شرب الدخان يجعل
شرب الدخان من الفسوق، وكذلك لو ابتلى الإنسان بقوم يغتابون الناس ويسخرون بهم فإنه لا يجوز أن يصحبهم إلا إذا كان كما قلت أولاً يمكنه أن يمنعهم من ذلك.
س 1608: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج مع مخيم حكومي عن طريق قريب يعرفه دخل بواسطته إلى المخيم ومن ثم علم رئيس المخيم أنه غير مسجل في العمل فسكت عنه مقدراً للرجل الذي يعرفه فما حكم حجه؟
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(24/74)

فأجاب فضيلته بقوله: حجه صحيح لكن لا يجوز للإنسان أن يُدخل على جماعة من ليس منهم إلا بإذن رئيسهم ولا يجوز لرئيسهم أن يأذن له إلا إذا علم رضى الجميع، مثال ذلك: جماعة
اشتركوا في حملة عددهم مئة فلا يجوز لواحد منهم أن يدخل واحداً إلا بإذن رئيس الحملة، ولا يجوز لرئيس الحملة إذا استئذن في إدخال هذا الرجل أن يأذن إلا بإذن الجميع.
س 1609: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هناك مخيمات خاصة بالحج في بعض الجهات وفيها جميع الخدمات حتى الأكل والشرب، بدون مقابل، وقد يحدث أن يأتي حاج يعرف شخصاً من
منسوبي هذه الجهات، فيستطيع أن يدخله ضمن مخيمات الحج، فهل يحق له هذا، ويجوز فعله، وهل حجي صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله رب العالمين، الخيام التي تحجز ويتحجرها أصحابها في منى، لا حرج على الإنسان أن يطلب خيمة منها، لأن له الحق في أن ينزل في منى، وأما الأكل والشرب
والكهرباء وما أشبهها فإن أذن المسئول عن هذه المخيمات، فلا بأس بذلك، وإن لم يأذن، فإنه لا يجوز أن يأكل أو أن ينتفع بالكهرباء والمكيفات التي جعلت في هذه الأماكن. والغالب أن
المسئول عن هذه الخيام الغالب أنه يسمح للإنسان أن ينتفع ويأكل ويشرب ضمن الناس وتكون هذه بمنزلة الضيافة، وحينئذ يكون
(24/75)

الأكل والشرب والانتفاع بالكهرباء وكذلك بالنزول في الخيمة يكون أمراً جائزاً ما دام صدر الإذن به من المسئول عنها.
س 1610: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول أتيت إلى مكة لأداء العمرة لنفسي وبعد الانتهاء من العمرة أردت أن أسافر إلى المدينة ووالدتي لم تعتمر قط، مع العلم بأنها موجودة على قيد الحياة ولكن لا تستطيع الأداء فهل لي أن أعتمر لها إذا رجعت من المدينة إلى مكة، وهل هذا من التكرار الذي ذكرتموه؟
فأجاب فضيلته بقوله: أرجو أن لا يكون هذا من التكرار الذي ذكرنا أنه ليس على عهد السلف، فإن هذا الرجل حينما أدى العمرة عن نفسه في مكة، وذهب إلى المدينة إنما ذهب لغرض من
الإغراض فلا حرج أن يرجع من المدينة بعمرة ينويها لأمه أو لأبيه أو لمن شاء من المسلمين، ولكن أقول وأكرر مرة بعد أخرى أن الدعاء للوالدين أفضل من أن تهدى إليهما ثواب العمرة، أو ثواب
الطواف، أو ثواب القراءة، أو ثواب الصوم، أو ثواب الصدقة، أو قل ذلك استناداً إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) فالرسول عليه الصلاة والسلام يتحدث عن العمل ومع ذلك لم يقل: (أو ولد صالح يعمل له صلاة،
__________
(1) تقدم تخريجه ص 23.
(24/76)

أو صيام، أو صدقة) بل قال: (أو ولد صالح يدعو له) فالدعاء للوالدين أفضل من إهداء الصلاة، أو الصدقة، أو الصوم إلا ما كان واجباً كما لو مات الأب ولم يؤد الحج، أو الأم لم تؤد الحج، أو
يؤدي العمرة فهنا نقول إن أداء الواجب أفضل من الدعاء على أن في النفس من ذلك شيئاً.
س 1611: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا قلنا إن الرجل الذي لا يصلي لا يجوز له أن يدخل مكة واستدللنا بالآية التي تدل على تحريم دخول المشركين. فهل تارك الصلاة يعتبر مشرك؟
فأجاب فضيلته بقوله: تارك الصلاة يعتبر مشركاً لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بين الرجل وبين الكفر والشرك: ترك الصلاة" (1) ثم إن المشرك إنما منع لفساد عقيدته، والكافر: فإن العقيدة وفاسد العلم، ولا فرق بين المشرك والمرتد، بل إن المرتد أسوأ حالاً من المشرك، لأن المرتد لا يقرّ على عقيدته، ربما يكون بينه وبين المسلمين عهد لا يعتدون عليه، لكن المرتد ليس له عهد، بل يجبر على الرجوع إلى الإسلام، فإن لم يفعل قتل.
س 1612: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كثر في الآونة الأخيرة استخدام جهاز النداء الآلي والجوال ما يزعج المصلين في
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على ترك الصلاة (82) .
(24/77)

صلاتهم أو أثناء الخطبة بأجراسها فهلا نبهتهم على ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: أنا أنبه على هذا بأن كل شيء يؤذي المؤمنين فإنه ممنوع لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج على أصحابه ذات يوم وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال: "لا يؤذين بعضكم بعضاً في القراءة" (1) هذه وهي قراءة القرآن فكيف بهذا الجرس؟ فإذا حضرت الصلاة فأغلقها.
س 1613: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم استعمال الجوال أو الهاتف في المسجد للمعتكف وما ضوابط ذلك إذا كان جائزاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس باستعمال الجوال والهاتف للمعتكف في المسجد إذا لم يشوش على الناس، فإن شوش على الناس فإنه لا يستعمل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج على أصحابه ذات ليلة وهم يصلون في المسجد أوزاعاً ويجهرون في القراءة فقال: "لا يؤذين بعضكم بعضاً في القراءة، وكلكم يناجى ربه " وأمرهم ألا يجهروا لئلا يؤذي بعضهم بعضاً، فإذا كانت هذه الجوالات أو البياجر تشوش على المصلين فإن الواجب أن يغلقها الإنسان حتى لا يشوش على إخوانه.
وبهذه المناسبة أود أن أذكر إخواني الأئمة الذين يصلون
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (2/36) وصححه محققو المسند الشيخ شعيب وإخوانه (8/523 رقم 4928) .
(24/78)

بالميكرفون ويفتحونه على حافات المسجد أو في المنارة فإن ذلك يشوش على من بقربهم من المساجد ويشوش على أهل البيوت الذين يصلون وحدهم وربما يؤدي إلى الإضرار بأهل البيوت، قد يكون المريض متشوفاً للنوم فيذهب عنه النوم ويتأذى بهذا، فأدعوا أخواني الأئمة إلى إقفال الميكرفونات عن المنابر وقت الصلاة لأنها أذية لا شك فيها، وليس فيها فائدة للمصلين، لأن المصلين قد يستغنوا بالمكبرات الداخلية، لأن الذين خارج المسجد إذا سمعوا القراءة وظنوا أن الإمام قريباً يركع أسرعوا وركضوا لإدراك الركوع فخالفوا بذلك السنة ولأن بعض الناس- قد شكي إلينا هذا- يبقى
في بيته ويقول توه في الركعة الأولى والإنسان إذا أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ثم يبقى إلى أن يبقى ركعة فيخرج ثم قد يدرك ركعة وقد لا يدركها.
س 1614: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقول بعض الناس (هل حجي مقبول) ، هل صلاتي مقبولة، هل صيامي مقبول ما رأيكم في كلمة مقبول مع أن القبول علمه عند الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس في هذا شيء؛ لأن المراد بمقبول أنه جار على المناهج الشرعية، وأما قبول العمل ذاته من هذا الشخص المعين فهو عند الله، لكن كلامه على أنه مقبول بحسب الظاهر على ما تقتضيه قواعد الشريعة هذا المراد بالمقبول.
(24/79)

س 1615: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: السائلة تقول: حججت في العام الماضي أنا وزوجي وفي يوم عرفة ضاع زوجي ولم أره إلا بعد أن انتهى الحج في بلدي فهل حجي صحيح أم ناقص؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحج صحيح وليس به نقص لقول الله تبارك وتعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) وقول الله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (2) وماذا تصنع إذا فقدت زوجها؟ تستمر في حجها وترجع مع رفقتها.
س 1616: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو المرجع المناسب لمعرفة صفة الحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحمد لله الآن المناسك كثيرة لعلماء موثوقين والحمد لله، وأجمع حديث في صفة الحج حديث جابر بن عبد الله- رضي الله عنه- فإنه ذكر حج النبي - صلى الله عليه وسلم - من خرج من المدينة إلى أن عاد مفصلاً فهو أجمع حديث وأشمل حديث.
س 1617: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما تعليق فضيلتكم على عدم الاستفادة من أيام الحج الفاضلة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا صحيح كثير من الناس يجعل الحج كأنه نزهة ومزاح ولغو، ولا يستغل هذه الأيام الفاضلة،
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) سورة البقرة، الآية: 286.
(24/80)

ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشرة" وعلى رأسها يوم عرفة ويوم النحر. قالوا: "ولا الجهاد في سبيل الله " قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء" (1) فاستغل هذه الأيام
لأنك لا تدري أتدركها بعد هذا العام أو لا؟ ولا تدري أيحصل لك المجيء إلى مكة بعد هذا العام أولا؟
س 1618: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في الحملات يكثر الرجال والنساء فهل تصلي النساء مع الرجال في مكان منفصل في منى حال ما يكونون في المخيم سواء كانوا خلفهم أو بجوارهم أم يفرق بين من كانت على جانب ومن كانت خلف وإذا كان غير مشروع فهل من المشروع أن تصلي امرأة بتلك النساء أم ماذا يصنعن، هل يصلين فرادى ويتفرقن وقد يشوش الرجال على النساء حال الصلاة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للنساء أن يصلين تبع الرجال، كما يجوز لهن أن يصلين في مساجد البلد، وإذا لم يصلين مع إمام الرجال فلهن أن يصلين جماعة، ولهن أن يصلين فرادى، وذلك لأن
المرأة ليست من أهل الجماعة حتى يقال إننا نلزمها بأن تصلي مع جماعة الرجال، أو أن تقيم النساء جماعة لهن، ولهذا اختلف
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام التشريق (رقم 969) .
(24/81)

العلماء هل يسن للنساء أن يصلين جماعة سواء في السفر أو الحضر أو لا يسن؟.
فمنهم من قال: يسن لهن أن يقمن صلاة الجماعة إذا كن منفردات عن الرجال.
ومنهم قال: إنه لا يسن ذلك، والمخاطب بالجماعة هم الرجال فقط، لكن لو فعلن وأقمن الصلاة جماعة فلا حرج عليهن.
وخلاصة الجواب: أن نقول الحملات التي معها نساء يجوز للنساء أن يصلين مع الرجال جماعة، لكن بدون اختلاط، والأفضل أن يكون النساء خلف الرجال، ويجوز أن يكون النساء في خيمة محاذية لخيمة الرجال، إما يميناً وإما شمالاً لكن الإمام لابد أن يكون متقدماً في مكانه.
س 1619: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قلتم يجوز أن تصلي النساء مع الجماعة فهل وجود ممر بين مخيم الرجال والنساء يؤثر؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يؤثر وجود الممر؛ لأن المخيم واحد، ولكن كما قلت إن صلاة النساء وحدهن أولى من صلاتهن مع الرجال فيما إذا خشي من الاختلاط.
(24/82)

س 1620: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نطلب من فضيلتكم كلمة لأصحاب الحملات؟
فأجاب فضيلته بقوله: الكلمة التي أوجهها لإخواني أصحاب الحملات أن يتقوا الله عز وجل فيمن كان معهم من الحجاج، وأن يحرصوا غاية الحرص على أن يؤدوا المناسك على الوجه المطلوب
الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحسن أن يكون لهم تنظيم في رحلتهم، ماذا يقرؤون؟ ماذا يقولون حتى ينتفع الجميع.
س 1621: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما توجيهكم لأصحاب حملات الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: صاحب الحملة أمين وموجه للحجاج الذين معه، فالواجب عليه أن يتقي الله في هؤلاء الحجاج لأن الله قد استرعاه عليهم، فيجب أن يتقي الله فيهم في أداء مناسك الحج
والعمرة، بحيث يؤدونها على الوجه المشروع الذي جاء في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدر المستطاع، وأن يفي لهم بما التزم به، وإننا لنرى من بعض هؤلاء الذين يحجون بالحجاج تفريطاً يخل بحج هؤلاء القوم، وهذا ظلم وخطأ عظيم، وهو مسئول عن ذلك أمام الله عز وجل، فليتق الله فيمن ولاه عليهم، وليحاسب نفسه في الدنيا قبل أن يحاسب على ذلك في الآخرة.
(24/83)

س 1622: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يدفع مائة ريال لبعض الناس الذين لهم علاقة بإخراج الجوازات لكي يختم له الإقامة له بالحج فما حكم حجه هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجه صحيح إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، ولكن يبقى النظر هل يجوز للإنسان أن يرشي المسئول من أجل أن يخالف النظام من أجل هذه الرشوة.
س 1623: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أسألك يا فضيلة (1) الشيخ وأنا الآن في منى، كنت قبل خمس سنوات ممن يسب الصحابة رضي الله عنهم فرأيت في المنام الشيخ محمد بن صالح
العثيمين هذا الذي أمامي مع الرسول صلى الله عليه واَله وسلم فكان الرسول يعطيه حصيات في يده ويقول لك: سلمها للولد هذا ويقسمها على أصحابه تنفعهم، وبعد عدة أيام أتاني أناس فأخذوني معاهم حمداً لله قضيت معهم فترة أربعين يوماً فتبصرت الحمد لله ولكن يا شيخ الآن فيه ناس كلما سألتهم عن شيء قالوا هؤلاء أصحاب بدع فأنا أحبهم حباً شديداً ولا أريد أن أخرج عنهم فماذا رأيت يا شيخ أبقى معهم؟ وما تأويل هذه الرؤيا؟ وهل حجي صحيح؟ حيث حججت ثلاث مرات وأنا أعتقد أن سب الصحابة رضي الله عنهم طاعة؟
__________
(1) هذا السؤال كان في مخيم فضيلة الشيخ- رحمه الله- بمنى.
(24/84)

فأجاب فضيلته بقوله: على كل حال أنا أشكرك على هذا السؤال لأنه صريح، وسأجيب بإذن الله عز وجل، اعلموا أن سب الصحابة رضي الله عنهم منكر عظيم وإذا سبهم على سبيل العموم
كان كافراً بالله عز وجل، كيف يرضى الإنسان أن يسب أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، وسب الصحابة سب للرسول عليه الصلاة والسلام، وجه ذلك أنه إذا كان أصحاب هذا النبي الكريم موضع قدح وذم فإن الخليل للمرء يكون على دين المرء، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخال " (1) ، فإن الإنسان عندما يرى شخصاً يصاحب قرناء سوء فإنه يتهمه بالسوء أليس كذلك؟ فإذا كان هؤلاء الصحابة الكرام محل قدح وذم، فإن هذا يعني أن ذلك قدح في رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يخفى ما في قدح النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثالثاً: هو قدح في حكمة الله عز وجل، كيف يختار الله لأفضل البشر عنده عز وجل أصحاب سوء وقرناء فتنة، لا يمكن، لكن الذي يدعيه قادح بحكمة الله عز وجل.
رابعاً: القدح في الصحابة قدح في الشريعة الإسلامية كلها، لأن الذي نقل الشريعة هم الصحابة، فإذا كان ناقل الشيء محل قدح وذم فإنه لا يقبل ما روى، ولا يكون شريعة، فتبين الآن أن قدح
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب من يؤمر أن يجالس (رقم 4844) والترمذي، كتاب الزهد، باب الرجل على دين خليله (رقم 2378) وقال: حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (رقم 3545) .
(24/85)

الصحابة يستلزم أربع مفاسد:
الأول: أنه قدح في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الثاني: بأنه قدح برسول الله.
الثالث: أنه طعن في حكمة الله عز وجل.
الرابع: أنه قدح في الشريعة الإسلامية لأنهم الذين نقلوها.
وأما ما جرى بينهم من الفتن فهذا عن اجتهاد، المصيب منهم له أجران، والمخطىء له أجر واحد، ولا يمكن أبدأ أن يكون ذلك قدح فيه، فعلي رضي الله عنه أقرب بلا شك إلى الصواب من
معاوية، ولكننا لا نقدح بمعاوية لأنه مجتهد، ثم إن ما جرى بين الصحابة فالواجب الكف عنه، وألا يتحدث به ولا يسمع إلى أشرطة تنقل هذا الشيء، لأنكم تعلمون أن التاريخ كثير منه مبني على
السياسة، فإذا كان الخليفة وجدت المدح والثناء حتى جعلوه فوق الثريا، وإذا سقط حطوا من قدره، فالتاريخ خاضع للسياسة تماماً فلا يجوز أن نخوض فيما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم، تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، وأمر من الله عز وجل ولهذا قال الناظم:
ونسكت عن حرب الصحابة فالذي جرى بينهم كان اجتهاداً مجردا فعلينا أن نحب الصحابة رضي الله عنهم ونثني عليهم ونترضَّى عنهم، ولا يجوز أن نخوض فيما جرى بينهم من هذه الأمور.
(24/86)

أما بالنسبة لجماعة التبليغ، فجماعة التبليغ لا شك أنهم لهم تأثيراً كبيراً، فكم من إنسان هداه الله عز وجل على أيديهم، وكم من كافر أسلم، فهذا شيء مشاهد ولهم تأثير بالغ لكنهم يشوب دعوتهم
شيئان:
الشيء الأول: الجهل، فكثير منهم على جهل ليس عندهم علم، وهذا يمكن دواؤه بأن يحرصوا على التعلم.
الشيء الثاني: أن عندهم بعض البدع وهذا دواؤه أن يعالجوا في تركه، أما تأثيرهم فتأثير بالغ فنسمع قصصاً عظيمة في أناس هداهم الله وهم من أفسق الناس وأفجر الناس على أيدي هؤلاء، فأنت إن خرجت معهم لتصحح الخطأ في أوضاعهم فجزاك الله خيراً.
وأما الرؤيا لا أؤولها ولا أدري ما هي، الله أعلم.
أما صحة الحج فإننا نسأل هذا الرجل الذي أمامنا ونقول له: هذا الاعتقاد الذي اعتقدته هل كنت تظن أن هذا هو الحق؟
السائل: كنت أظن أن هذا هو الحق حسب ما تعلمت من المشايخ، وكذلك يا شيخ أنا أحبك في الله، وأول ما بدأت أحبك في الله من كنت أسب الصحابة لأني كنت أسمعك في الراديو تقول: (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) كنت أعتقد أن من قال (صلى الله عليه وسلم) أنه لا يحب أهل البيت فحبيتك حب لله عندما كنت أسمعك تقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولهذا رأيتك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(24/87)

وأعطيتني الحجرات.
الشيخ: على كل حال الحج مقبول مادمت ترى أنك على حق وجاهل بالأمر ثم لما تبين لك الحق تركت الباطل وأخذت بالحق، أسأل الله أن يثبتك على الحق، وأن يعيذنا وإياكم من الشيطان
الرجيم.
س 1624: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص مات وهو محرم ولم يعرف به إلا متأخراً فهل يكفن أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كان إحرامه باقياً كفن في إحرامه، وإن كان تالفاً ففي أي ثوب آخر؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المحرم الذي وقصته ناقته: "كفنوه في ثوبيه " (1) فدل هذا على أن الأفضل فيمن مات محرماً أن لا يؤتى له بكفن جديد، بل يكفن في إزاره وردائه.
س 1625: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل صحيح أن البيت المعمور يقع فوق الكعبة في السماء السابعة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم البيت المعمور في السماء السابعة، وهو كما جاء في الحديث بحيال الكعبة (2) ، وحيال الكعبة
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب سنة المحرم إذا مات (1851) ، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (1206) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (رقم 3207) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السماوات وفرض الصلوات (رقم 164) .
(24/88)

هل معناه أنه فوقها، وهذا ليس بغريب والله على كل شيء قدير، أو المعنى بحيال الكعبة أنه كما تعمر الكعبة من أهل الأرض يعمر البيت المعمور من أهل السماء، الذي يهمنا أن البيت المعمور في
السماء السابعة وأنه يدخله في اليوم سبعون ألف ملك.
س 1626: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يصح حديث أبي داود وسعيد بن منصور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأزواجه في حجة الوداع: "إنما هي هذه ثم ظهور الحصر " (1) ؟
فأجاب فضيلته بقوله: معنى (ثم ظهور الحصر) : أي ثم الزمن ظهور الحصر، والمعنى: هذه ثم الزمن بعد ذلك البيوت:
وهذا إشارة من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن أزواجه ينبغي ألا يحججن لمكة وفي آخر خلافة عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- خاف من التبعة فأذن لهن أن يحججن، فحج من أراد منهن الحج في آخر خلافة عمر ابن الخطاب لأنه خاف من منعهن، ومن ثم نقول: في هذا الزمان
الذي فيه الحجاج كثيراً جداً، ويحصل بالحج من المشقة والتعب والإختلاط بالرجال ومزاحمة الرجال ما يحصل، نقول: لو أن المرأة اكتفت بفرضها، وإذا كان عندها فضل مال تعين من أراد أن يحج فرضاً، فإنها إذا أعانت من يريد أن يحج فرضاً صار لها مثل أجره، خير من كونها تذهب وتزاحم وتتعب، وربما تهلك،
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب فرض الحج (رقم 1722) وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم 7008) .
(24/89)

وكذلك أيضاً لو جاءنا رجل يقول: أنا أريد أن أحج تطوعاً أو أبذل ما أحج به في مساعدة إخواننا المحتاجين في البوسنة والهرسك فنقول له: ساعد هؤلاء المجاهدين في سبيل الله الذين يدافعون عن
أوطانهم، ويدافعون عن دينهم، وعن أعراضهم، وعن صبيانهم، فهو أفضل من أن تجعل هذا في الحج والعمرة تطوعاً.
س 1627: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم تعليق بعض الإعلانات للحج والعمرة داخل المساجد؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تعلق الإعلانات للحج والعمرة داخل المساجد؛ لأن غالب الذين يأخذون هذه الرحلات يقصدون الكسب المالي، فيكون هذا نوع من التجارة ولكن بدلاً من
أن تكون بالمسجد تكون عند باب المسجد من الخارج.
س 1628: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يحج بمال حرام هل حجه مقبول؟
فأجاب فضيلته بقوله: القول الراجح أن حجه صحيح؛ لأنه ليس من شرط الحج المال، فيستطيع الإنسان أن يحج ببدنه، بخلاف الصدقة، إذا تصدق بمال حرام فلا تقبل منه؛ لأن الحرام وقع في عين العبادة، أما الحج فأعمال الإنسان حركته وطوافه وسعيه ورميه، فهي أفعال وليس دراهم ولا نفقة، فالصحيح أن
(24/90)

حجه صحيح، ولكن لا يحل له أن يستهلك الأموال المحرمة في عبادة ولا غيرها ويجب عليه أن يتخلص منها.
س 1629: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هناك مدرس يشرح للطلاب صفة الحج والعمرة ولكن يقول: لا يستوعب الطلاب استيعاباً جيداً فهل يجوز أن أجعل في المدرسة مجسماً للكعبة والمشاعر حتى يطبقونها تطبيقاً عملياً؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا يجوز، ولا ينبغي إطلاقاً ويستطيع أنه يرسم في السبورة صورة كعبة، ويقول: تطوف عليها هكذا، أما أن يجعل مجسماً، فهذا في ظني أنه يجعل العبادات مجرد طقوس وحركات فقط، ليس لها تأثير في القلب.
س 1630: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل صلاة الجنازة في الحرم المكي تضاعف بقية الصلوات في أجر القيراط؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا محل خلاف بين العلماء فبعض العلماء يقول: الذي يضاعف في المسجد الحرام هو الصلوات الخمس فقط وغيرها لا يضاعف.
والذي يظهر من الحديث العموم، وتكون الصلاة على الجنازة داخلة في العموم تضاعف في المسجد الحرام، والله أعلم.
(24/91)

س 1631: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الجدال في الحج؟ حيث يقع بين الرفقة في الحج خلاف حول بعض الأمور؟
فأجاب فضيلته بقوله: يقول الله عز وجل في الحج: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) والجدال أنواع:
الأول: جدال يراد به إثبات الحق، فهذا واجب حتى وإن كان الإنسان في الحج، ما دام يريد إثبات الحق ولكن بالتي هي أحسن؛ لقول الله تبارك وتعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (2) ولا يقول إن هذا جدال والله يقول: (وَلَا جِدَالَ في اَلحَجِّ) بل نقول: هذا جدال لابد منه، واجب، وهو دفاع في الواقع عن الحق أو إثبات له.
الثاني: جدال في أمور ليست حقاً ولا باطلاً، مثل أن يقول: الشيء الفلاني الذي في الجبل إنسان، وهذا يقول: شجرة، وهذا يقول: حجر وما أشبه ذلك، ويتجادلون هذا منهي عنه لما فيه من
تحريك النفس وصدها عما هي بصدده من الإقبال على النسك.
الثالث: أن يكون جدال بالباطل بمعنى إنه يجادل وهو يعلم أن الحق بخلاف ما يقول، لكن يريد أن ينتصر لنفسه، وأن تكون كلمته هي العليا، فهذا آثم من جهة إنه جادل وهو محرم بالحج، ومن جهة إنه أراد أن يحق الباطل ويبطل الحق.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(2) سورة النحل، الآية: 125.
(24/92)

وفي هذه الحالة لو أن القافلة جعلت لها أمير يحدد لها المصالح، حتى لا يحصل نزاع؛ لأنه أحياناً يكون جدال فإذا كان هناك أمير فصل، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسافرين إذا كانوا ثلاثة أن يأمروا أحدهم (1) ، وتأمير هذا الواحد ليس معناه أنه أمير بلا أمارة، بل هو أمير له أمارة، وله كلمة يجب قبولها، لأنه لم كان أميراً صار من أولياء الأمور، وقد أمر الله بطاعة ولي الأمر إذا لم يأمر بمعصية.
س 1632: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جماعة بعد رمي جمرة العقبة لم يؤدوا جميع الصلوات حتى قدموا إلى أهلهم، فعند قدومهم جمعوا الصلوات كلها يعني الأربعة أيام جمعوها مرة
واحدة، فما حكم عملهم هذا وعذرهم التعب؟
فأجاب فضيلته بقوله: هؤلاء الذين ذكرت أنهم لما رموا جمرة العقبة تركوا الصلاة حتى رجعوا إلى أهلهم، وعذرهم في ذلك أنهم متعبون، نقول: إن هؤلاء أثموا لأنهم أخروا الصلاة بلا عذر شرعي، ولا ينفعهم قضاؤهم، فلو قضوها ألف مرة فإنها لا تقبل منهم، لأنهم أخرجوها عن الوقت الذي حدده الله سبحانه وتعالى بلا عذر وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (2) أي مردود عليه، فعليهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل، وأن
__________
(1) رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم (2608) .
(2) تقدم تخريجه ص 11.
(24/93)

يرجعوا إليه مما صنعوا وأن لا يقدموا على شيء في العبادات إلا بعد أن يسألوا أهل العلم.
س 1633: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لا يخفى على فضيلتكم ما يقوم به الكشافة في الحج من أعمال وخدمات نرجو منكم إبداء رأيكم حول هذا الموضوع من خلال ما شاهدتموه وما
تتمنوا أن تكون عليه برامجهم مستقبلاً جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الكشافة في الواقع لهم سعي مشكور في أيام الحج؛ لأنهم يقومون بتنظيم المرور من جهة، وبإرشاد الضائع من جهة أخرى، وبمساعدة من يحتاج إلى مساعدة، وهم بأنفسهم أيضاً حسب ما بلغنا مستقيمون يقومون بالنوافل التي يستطيعونها، وبالعبادات التي يستطيعونها، وفيه أيضاً من التألف والتعارف بين أفراد الأمة الذين أتوا من أنحاء شتى ما يحصل به الخير الكثير فنصيحتي لهم:
أولاً: أن يخلصوا عملهم لله عز وجل، بحيث يريدون بذلك التقرب إلى الله عز وجل.
ثانيا: أن ينووا بهذا الإحسان على الله عز وجل؛ لأن الله تعالى يجزي المحسنين، ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه؛ لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون
(24/94)

أخيه " (1) وقال: "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته " (2) .
ثالثاً: أوصيهم كذلك بغض البصر عن إطلاقه في مشاهدة النساء المتبرجات، فإنه كما تعلمون في موسم الحج يكون فيه نساء متبرجات بناء على عادتهن فيغضون البصر.
رابعاً: إذا شاهدوا هؤلاء النساء فينصحون أولياءهن إذا كانوا معهن بأن يلزموا نساءهم بالحجاب الشرعي، أهمه تغطية الوجه، وليس الحجاب الشرعي كما يفعله بعض الناس تغطي المرأة كل شيء منها إلا وجهها، لأن هذا ناقص، فإن الأدلة تدل على وجوب ستر الوجه إلا من المحارم والزوج.
ولا شك أن الإنسان إذا رأى أعمال هؤلاء الكشافة فإنه يسر بذلك، فنوصيهم بأن لا يتأخروا إذا طلب منهم المشاركة في ذلك وأن يلاحظوا الإخلاص لله تعالى، والرفق بعباد الله، والإحسان
إليهم.
س 1634: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أناب آخر في الحج ثم هرب بالمال قبل أن يؤدي الحج؟
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن (رقم 2699)
(2) أخرجه البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه (رقم 2442) ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم (رقم 2580) .
(24/95)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان حجه واجباً ينيب غيره ويسعى في طلب هذا الهارب.
س 1635: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا قلنا إن المقصود من إشعار البدن وتقليدها تعظيم شعائر الله عز وجل، وبيان ما يختص به الفقراء هل يمكن أن يقوم مقام ذلك الأصباغ الموجودة بأن يكتب عليها هذه هدي أو ما أشبه ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أولى أن تتبع.
س 1636: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في النيابة في الحج يدفع بعض الناس للنائب أكثر من تكلفه الحج ويقول: هذا المال كله لك فما حكم هذا المبلغ الزائد؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذين يدفعون أكثر من التكلفة إما أنهم يريدون الإحسان إلى هذا المستنيب الذي استناب عن غيره، وإما أنهم يقولون: نحن لا نقدر مجرد النفقة: بل نقدر النفقة وتعب الرجل ومخاطرته.
س 1637: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للإنسان أن يبحث عن النيابة في الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن علم هذا الشخص أن معينًا يبحث
(24/96)

عن أحد، فلا بأس أن يذهب بقصد الإحسان إليه، أما أن يذهب إلى الناس ويحرج على نفسه فلا أرى هذا.
س 1638: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم فيمن يمشون بأحذيتهم على أرض المسجد الحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشي على أرض المسجد الحرام بالحذاء لا ينبغي، وذلك لأنه يفتح باباً للعامة الذين لا يقدرون المسجد، فيأتون بأحذية وهي ملوثة بالمياه، وربما تكون ملوثة بالأقذار يدخلون بها المسجد الحرام فيلوثونه بها، والشيء المطلوب شرعاً إذا خيف أن يترتب عليه مفسدة فإنه يجب مراعاة هذه المفسدة وأن يترك، والقاعدة المقررة عند أهل العلم أنه إذا تعارضت المصالح والمفاسد مع التساوي، أو مع ترجح المفاسد، فإن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، وهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يهدم الكعبة، وأن يجدد بناءها على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولكن لما كان الناس حديثى عهد بكفر، ترك هذه الأمر المطلوب، خوفاً من المفسدة، فقال لعائشة- رضي الله عنها-: "لولا أن قومك حديثو عهد بكفر، لهدمت الكعبة، وبنيتها على قواعد إبراهيم، وجعلت لها بابين، باباً يدخل منه الناس، وباباً يخرجون منه " (1) ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - توفي وبقيت الكعبة على ما هي
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه (رقم 126) ومسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها=
(24/97)

عليه لم تؤسس على القواعد التي أرادها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولما تولى عبد الله بن الزبير- رضي الله عنه- الخلافة في الحجاز بناها على قواعد إبراهيم وجعل له بابين، ثم لما عادت ولاية الحجاز إلى بني أمية أعادوها على ما توفي عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعلوها على هذا الوجه الموجود الآن، بناية مستقلة لها باب وحِجْر من جانبها له بابان، وانظر إلى الحكمة الألهية حيث تحقق ما أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - من أن يكون للكعبة بابان، باب يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه فالحجر من الكعبة- ستة أذرع ونصف كله من الكعبة- فيه باب
يدخل منه الناس، وباب يخرجون منه، مع الفضاء وعدم التسقيف، فما ظنك لو كانت الكعبة بناية واحدة، ولها بابان، ما ظنك أفلا تكون سبباً لموت كثير من الناس؟! بلى تكون سبباً في موت الكثير
من الناس عند ازدحامهم فيها وعند دخولها، والله أعلم.
س 1639: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سائلة تقول: حججت قبل خمس سنوات ثم قلت إن يسر الله لي حجة أخرى فسأجعل تلك الحجة السابقة سنة، وأجعل هذه فريضة لأني في تلك الحجة في أيام جهل وعدم إدراك، فهل يجوز لها هذا العمل؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول فريضتها هي الحجة الأولى، والحجة الثانية هي التطوع.
__________
= (رقم 1333) (402) .
(24/98)

واعلم أخي المسلم أن جميع النوافل تكمل بها الفرائض، فالصلاة لها رواتب فإن كان في الفريضة خلل فهذه الراتبة تجبر الخلل والحمد لله، كذلك هذه المرأة نقول: إذا كان في حجها الأول خلل فحجها الثاني يرقع ذلك الخلل، فإن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة إذا كان في الفرائض نقص، والسائلة لم تبين ما وقع منها في حجها السابق حتى يحكم عليه بما تقتضيها الأدلة الشرعية، والله الموفق.
س 1640: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نذرت أن أحج للفريضة إذا توظفت في نفس العام فتوظفت والحمد لله وأنا الآن أحج حجة الفريضة فهل علي شيء في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شيء عليك، مادمت وفيت بالنذر لا شيء عليك، ولكني أنصحكم عن النذر، لا تنذروا مهما كانت الظروف، لأن النبي نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير وإنما
يستخرج به من البخيل ". وفي رواية أخرى: "إنه لا يرد قضاء" (1) ، وبعض الناس إذا أيس من الشيء، قال: إن حصل فللَّه علي كذا وكذا. نقول: لا تفعل. إن كان الله قد قضاه لك حصل بدون النذر، وإن لم يكن فإنه لا يحصل حتى لو نذرت، فاترك النذر، إن كثيراً من الذين ينذرون تجدهم يندمون على هذا ويطلبون أن يفتيهم الناس
__________
(1) البخاري، كتاب القدر، باب إلقاء العبد النذر إلى القدر (رقم 6608، 6609) ومسلم، كتاب النذر، باب النهي عن النذر وأنه لا يرد شيئاً (رقم 1639، 1640) .
(24/99)

من كل باب لعلهم يسلمون من النذر، وبعضهم- والعياذ بالله- يترك النذر ولا يبالي، وكأنهم لم يقرأوا قول الله عز وجل: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76)) (1) لا صاروا صالحين ولا منفقين، قال الله عز وجل: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) نعوذ بالله، أعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه يعني إلى الموت بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ايكذبون.
س 1641: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل ذهب إلى المسعى وسعى وهو يظن أنه مكان الطواف فلما وصل إلى العلم الأخضر عرف أنه في المسعى فنوى السعي فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب عليه أن يعود من الأول فإن لم يكن فعل ذلك فليعد السعي الآن، لأن السعي الأول لم يصح، حيث إنه لم ينوه من أوله، نواه من أثناءه فعليه الآن أن يعيد السعي.
س 1642: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم طواف الإنسان محمولاً؟ والسعي بعربية؟
فأجاب فضيلته بقوله: طواف الإنسان محمولاً أو الطواف بالعربية وكذلك السعي بالعربية ففيه خلاف بين العلماء منهم من
__________
(1) سورة التوبة، الآيتان: 75-76.
(24/100)

يقول: لا يجزي إلا لعذر. ومنهم من يقول يجوز للحاجة كتعليم الناس. والذي يظهر لي أنه لا يجوز إلا لعذر كالمريض، أو رجل تعبان أيضاً ورجل يعلم الناس يطاف به محمولاً يعلم الناس كيفية
الطواف كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حين طاف على بعيره ليراه الناس ليتأسوا به، وأما بدون عذر فلا يجوز.
س 1643: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا من أهل مكة هل أصلي الجمعة أم أصلي في منى الظهر؟
فأجاب فضيلته بقوله: صل مع الناس هنا في منى لأن بقاء الحاج في منى أفضل من نزوله إلى مكة، فهذا مكان في وقته أفضل من مكة؛ لأن بقاءك في هذا المكان عبادة مطلوبة منك لكن في مكة
تجدها في أي وقت.
س 1644: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه طاف ببرد أخضر؟ وهل يستحب ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا أدري عن الجملة الأولى هل طاف ببرد أخضر، وأما الثانية فالأفضل البياض، والجديد أفضل، ثم الغسيل ثم المستعمل.
(24/101)

س 1645: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: القاعدة تقول إن الحكم يدور مع علته فكيف بقيت سنة الاضطباع والرمل في الأشواط الثلاثة من الطواف الأول وقد انتهتا العلة؟
فأجاب فضيلته بقوله: بقيت لأن السنة دلت على هذا والسنة مقدمة على التعليل؛ لأن التعليل دليل عقلي قياسي والسنة خبر أثري. إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حج حجة الوداع
وليس هناك مشركون يريد أن يغيظهم ومع ذلك اضطبع في الطواف كله ورمل في الأشواط الثلاثة ولهذا لما أورد عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا على نفسه وقال فيما الرمل الآن؟ قال: لا أدع سنة سنها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يقال في الجواب: إن هذه القاعدة على صواب لكن لما دلت السنة على أن الرمل مشروع حتى في غير إغاظة الكفار قلنا ببقاء الرمل حتى في غير إغاظة الكفار، وفائدته أن يتذكر الإنسان ما جرى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه من مغايظة الكفار.
س 1646: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يفلسفون قضية الاختلاط ويستدلون على أنه جائز ومباح بالاختلاط الموجود في الطواف في المسجد الحرام وكذلك ما جاء وورد عن بعض مجالس النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها يفهم منها أنها
(24/102)

كانت مختلطة بين النساء والرجال لقوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (1) فكيف الجواب عن ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الجواب عن هذا أن نقول: إن النصوص تنقسم إلى قسمين محكمة ومتشابه، وطريق الراسخين في العلم أن يحملوا المتشابه على المحكم؛ ليكون النص كله محكماً، فإذا وجدنا نصوصاً تدل على أن الشريعة الإسلامية تحبذ على ابتعاد النساء عن الرجال، فالنصوص الأخرى التي تكون فيها إشارة إلى اختلاط النساء والرجال تكون من المتشابه وتحمل على قضايا معينة خاصة لا يحصل فيها مفسدة، ومعلوم أنه لا يمكن أن يعزل النساء عن الرجال في الطواف؛ لأنك إن عزلت النساء عن الرجال في الطواف في الزمان صار في هذا إشكال، لو قلت مثلاً في النهار للنساء، وفي الليل للرجال، أو في الليل للنساء، وفي النهار للرجال أشكل على الناس، النساء لهن محارم فكيف يصنع محرم المرأة إذا قيل لا تطوف امرأتك إلا في الليل وهو يريد أن يسافر مثلاً ماذا يصنع ثم عند انتهاء الوقت سوف يقدم الرجال، والنساء يخرجن، فيحصل بذلك اختلاط، وإن فصلنا بينهن وبين الرجال في المكان وقلنا الكعبة للنساء، والخارج البعيد للكعبة للرجال، أو بالعكس، فلابد من الاختلاط، فالاختلاط في الطواف ضرورة لابد منه، ولكن يبعد كل البعد أن أحداً من الناس يفتتن في هذه الحال، هذا بعيد جداً، وذلك لأن المقام مقام عبادة، ولا يمكن لأحد أن
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 71.
(24/103)

يخطر بباله فتنة في هذه الحال إلا من أزاغ الله قلبه- والعياذ بالله- ومن أزاغ الله قلبه فلا حول ولا قوة إلا بالله.
س 1647: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نرى كثيراً من الحجاج أصلحهم الله يشربون الدخان، هل يؤثر شرب الدخان على الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: شرب الدخان حرام على الحاج وغير الحاج، ومعصية، ولا يغرنكم كثرة الشاربين، والدليل على أنه حرام ومعصية قول الله تبارك وتعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (1) ومعلوم أن شرب الدخان والإدمان عليه سبب للهلاك، والعجب أن بعض الدول الكافرة التي لا تؤمن بالإسلام حرموه على شعوبهم ومنعوهم منه، لأنه ضار بلا شك، والله عز
وجل يقول: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) وليس المراد بقوله لا تقتلوا أنفسكم أنه يأخذ الإنسان خنجراً ويقتل نفسه هذا معروف حرام، لكن يشمل قتل النفس التي تزهق به الروح والضرر أيضاً، والدليل
على أنه شامل للضرر أن عمرو بن العاص رضي الله عنه بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - في سرية فأجنب أصابته جنابة، وكانت الليلة باردة فتيمم فصلى، فلما قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ " قال يا رسول الله ذكرت قول الله عز وجل: (وَلَا تَقْتُلُوا
__________
(1) سورة النساء، الآية: 29.
(24/104)

أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) يعني وخفت من البرد، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقر (1) ، فالدخان فيه ضرر على الإنسان.
ثانياً: فيه إضاعة للمال، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال (2) ، وفي القرآن ما يدل على النهي عن إضاعة المال كما في قوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) (3) لا نؤتيهم الأموال لأنهم سفهاء يبذلونها في غير فائدة فنهى الله عنها في ذلك.
ثالثاً: المدخن مؤذ للغير يؤذي الناس برائحته وبدخانه وما آذى المسلمين فهو حرام لقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)) (4) .
رابعاً: اسأل المدخن، هل الصوم سهل عليه أم صعب؟ سيقول: إنه صعب، لا لأنه يجوع ويعطش، بل لأنه فقد شرب الدخان، فيكون شرب الدخان مثقلاً للعبادات على الإنسان، فيأتي بالعبادات على وجه الكراهية، وهذا خطر على الدين، أي إنسان يكره شيئاً من فرائض الله فإن عمله حابط، قال الله تعالى: (ذَلِكَ
__________
(1) أبو داود، كتاب الطهارة، باب إذا خاف الجنب البر د يتيمم (1640) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب لا يسألون الناس إلحافاً. ومسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة.
(3) سورة النساء، الآية: 5.
(4) سورة الأحزاب، الآية: 58.
(24/105)

بِأَنَّهُم كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُم (9)) (1) وإذا كان كذلك فإن الله تعالى يقول في القرآن: (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (2) وهذا أتى الفسوق فيكون نسكه ناقصاً، فالذي يدخن وهو محرم نسكه ناقص ينقص أجره وثوابه، ولهذا أرى أن الإنسان العاقل يتخذ من الإحرام فرصة لترك الدخان؛ لأنه إذا بقي هذه المدة لم يشرب الدخان سهل عليه تركه والمضي في ذلك فتكون هذه فرصة لمن أراد أن ينتهي عن الدخان. والله الموفق.
س 1648: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الرجوع للمعاصي بعد أداء فريضة الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الرجوع إلى المعاصي بعد أداء فريضة الحج نكسة عظيمة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع "يعني من ذنوبه "كيوم ولدته أمه " (3) وقال صلى الله عليه وسلم: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (4) فإذا نقى صحيفته بهذا الحج فإن من السفه أن يسود الصحيفة بسيئات أعماله بعد الحج، وهكذا أيضاً موسم الصوم في رمضان إذا عاد الإنسان إلى المعاصي فقد خسر خاسرة عظيمة، وانتكس نكسة عظيمة، فعليه
__________
(1) سورة محمد، الآية: 9.
(2) سورة البقرة، الآية: 197.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور (1521) ، ومسلم، كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (1350) .
(4) تقدم تخريجه ص 11.
(24/106)

أن يعود إلى الله مرة أخرى، وأن يستغفر ويتوب، والتائب من الذنب كالذي لم يفعل الذنب أو أشد، فقد يكون الإنسان بعد ذنبه إذا تاب إلى الله واستغفر أحسن حالاً منه قبل ذلك ألم تروا إلى آدم عليه الصلاة والسلام قال الله عنه (وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)) (1) وهذا الاجتباء والتوبة والهداية حصلت بعد الذنب، فقد يكون الإنسان بعد الذنب أحسن حالاً منه قبل الذنب إذا تاب إلى الله، وعرف أنه مفتقر إلى الله عز وجل.
س 1649: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الذي ينبغي لمن وفقه الله لإتمام نسكه من حج وعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي ينبغي لمن منّ الله عليه بعبادة أن يشكر الله سبحانه وتعالى لتوفيقه لهذه العبادة، وأن يسأل الله تعالى قبولها، وأن يعلم أن توفيق الله تعالى إياه لهذه العبادة نعمة يستحق
سبحانه وتعالى الشكر عليها، فإذا شكر الله وسأل الله القبول، فإنه حري بأن يقبل؛ لأن الإنسان إذا وفق للدعاء فهو حري بالإجابة، وإذا وفق للعبادة فهو حرى بالقبول، وليحرص غاية الحرص أن
يكون بعيداً عن الأعمال السيئة بعد أن منّ الله عليه بمحوها، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (2) ويقول - صلى الله عليه وسلم -: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى
__________
(1) سورة طه، الآيتان: 121-122.
(2) تقدم تخريجه ص (11) .
(24/107)

رمضان، كفارة لما بينهن ما أجتنبت الكبائر" (1) ويقول - صلى الله عليه وسلم -: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما" (2) وهذه وظيفة كل إنسان يمن الله تعالى عليه بعبادة أن يشكر الله على ذلك، وأن يسأله القبول.
س 1650: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك علامات تظهر على المقبولين في أداء الحج والعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: قد يكون هناك علامات لمن تقبل الله منهم من الحجاج، والصائمين، والمتصدقين، والمصلين وهي انشراح الصدر وسرور القلب، ونور الوجه، فإن للطاعات علامات
تظهر على بدن صاحبها، بل على ظاهره وباطنه أيضاً، وذكر بعض السلف أن علامة قبول الحسنة أن يوفق الإنسان لحسنة بعدها، فإن توفيق الله إياه لحسنة بعدها يدل على أن الله عز وجل قبل عمله
الأول، ومنَّ عليه بعمل آخر يرضى به عنه.
س 1651: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الذي يجب على المسلم إذا انتهى من حجه وسافر تجاه أهله ومن يعيش في وسطهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الواجب نحو الأهل واجب على من حج ومن لم يحج، واجب على كل من ولاه الله تعالى على رعيه
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة (233) .
(2) رواه البخاري، كتاب العمرة، باب وجوب العمرة وفضلها، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة.
(24/108)

أن يقوم بحق هذه الرعية، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن "الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته " (1) فعليه أن يقوم بتعليمهم وتأديبهم كما أمر بذلك الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكما يأمر بذلك الوفود الذين يفدون إليه أن يرجعوا إلى أهلهم ويعلموهم ويؤدبوهم، والإنسان مسئول عن أهله يوم القيامة؛ لأن الله تعالى ولاه عليهم، وأعطاه الولاية فهو
مسئول عن ذلك يوم القيامة، ويدل لهذا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا) فقرن الله تعالى الأهل بالنفس، فكما أن الإنسان مسئول عن نفسه، يجب عليه أن يحرص كل الحرص على ما ينفعها، فإنه مسئول عن أهله كذلك يجب عليه أن يحرص كل الحرص على أن يجلب لهم ما ينفعهم، ويبعد عنهم قدر ما يستطيع ما يضرهم.
س 1652: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي آثار الحج على المسلم؟
فأجاب فضيلته بقوله: سبق لنا الإشارة لشيء منها في علامات قبول الحج فمن آثار الحج أن الإنسان يرى من نفسه راحة وطمأنينة وإنشراح صدر ونور قلب، وكذلك قد يكون من آثار
الحج: ما يكتسب الإنسان من العلم النافع الذي يسمعه في المحاضرات، وجلسات الدروس في المسجد الحرام، وفي
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن (893) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل ... (1829) .
(24/109)

المخيمات في منى وعرفة، وكذلك من آثاره: أن يزداد الإنسان معرفة بأحوال العالم الإسلامي، إذا وفق لشخص ثقة يحدثه عن أوطان المسلمين، وكذلك من آثاره: غرس المحبة في قلوب المؤمنين بعضهم لبعض، فإنك ترى الإنسان في الحج وعليه علامات الهدى والصلاح فتحبه وتسكن إليه وتألفه، ومن آثاره أيضاً: أن الإنسان قد يكتسب أمراً مادياً بالتكسب بالتجارة وغيرها،
لقوله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) (1) ولقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) (2) وكم من إنسان اكتسب مالاً بالتجارة في حجة شراء وبيعاً وهذا من المنافع التي ذكرها الله تعالى.
ومن آثار الحج: أن يعود الإنسان نفسه على الصبر على الخشونة والتعب، لا سيما إذا كان رجلاً عادياً من غير أولئك الذين تكثر لهم الرفاهية في حجهم، فالذي يكون حجه عادياً يكتسب خيراً
كثيراً بتعويد نفسه على الصبر والخشونة.
س 1653: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما نصيحة فضيلتكم لمن أدى فريضة الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: نصيحتي له أن يتقي الله عز وجل في
__________
(1) سورة الحج، الآية: 28.
(2) سورة البقرة، الآية: 198.
(24/110)

أداء ما ألزمه الله به من العبادات الأخرى، كالصلاة، والزكاة، والصيام، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الخلق، وإلى المملوكين، أو المملوكات من البهائم، وغير هذا مما أمر الله
به وإجمال ذلك كله قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91)) (1) .
__________
(1) سورة النحل، الآيتان: 90- 91.
(24/111)

[سؤال من حاج]
س 1654: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل اعتمر ولما جاء الميقات أحرم وقبل أن يركب سيارته ليمشي قص أظافره (1) ؟
الشيخ: هل قصها ناسياً؟
السائل: قصها جاهلاً بالحكم مع أنه بعد أن قص أظافرة وتقدم ليركب السيارة لبى وقال: اللهم لبيك عمرة على أساس أنه من الآن بدأ إحرامه ولم يكن يعلم؟
الشيخ: هل نوى بعد أن ركب؟
السائل: لا هو نوى قبل الركوب، بل هو ناوي العمرة أصلاً منذ أن خرج من ديرته.
الشيخ: لكن لما اغتسل في الميقات ولبس الإحرام هل قال لبيك عمرة؟
السائل: نعم قال لبيك اللهم عمرة قبل أداء السنة في الميقات.
فأجاب فضيلته بقوله: على كل حال، مادام أن الرجل جاهلاً بالحكم فلا شيء عليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (2) فقال الله عز وجل: "قد فعلت "،
ويقول سبحانه: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (3) .
__________
(1) هذه الفتاوى من برنامج سؤال من حاج، وقد رأى فضيلة الشيخ رحمه الله بعد مراجعة هذه الفتاوى أن تبقى كما هي مناقشة بين فضيلة الشيخ والسائل.
(2) سورة البقرة، الآية: 286.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(24/115)

وكل المحظورات: أي محظورات الإحرام إذا فعلها الإنسان جاهلاً أو ناسياً فلا شيء عليه، لكن إذا علم أو ذكر وجب عليه التخلي عن هذا المحظور فوراً.
س 1655: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لدينا خادمة مسلمة نريد أن نرسلها للحج فهل يجوز لها ذلك من غير محرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا لا يمكن إلا بمحرم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " (1) .
السائل: يعني الخادمة ما نقدر نوديها؟
الشيخ: ما تقدرون، إلا إذا كان البيت ما باق فيه أحد.
السائل: إذا كان البيت يبقى فيه ناس، تبقى في البيت؟
الشيخ: إذا كان كل البيت يريد الحج ولا يوجد في البيت أحد فهي تذهب معهم للضرورة وتحج.
السائل: لا. إحنا جالسين، لكن بعضهم ذاهبين للحج وبعضهم ليس بذاهب.
الشيخ: تبقى في البيت إذا أمن عليها وإلا فتسافر مع من سافر حيث يكون أشد أمناً لها.
س 1656: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا في رمضان أفطرت متعمدة بسبب ذهابي للعمرة، لأنني أخذ حبوب لكي تمنع
__________
(1) أخرجه البخاري، باب حج النساء (1862) ، ومسلم، باب سفر المرأة (1341) .
(24/116)

الدورة، وأفطرت متعمدة لأنني نسيت حبة، فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا يجوز.
السائلة: لأنه كان في وقت الدورة.
الشيخ: ولكنك أفطرت وأنت في بلدك، هذا لا يجوز، والمسافر لا يجوز له أن يفطر إلا إذا خرج من البلد، عليك الآن أن تتوبي إلى الله مما حصل، واستغفري الله، وهذا اليوم الذي أفطرتيه لابد أن
تقضيه. ولا يوجد كفارة، الكفارة هي التوبة والاستغفار وألا تعودي لمثل هذا.
س 1657: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هناك امرأة تريد أن تحج ولكن لا يوجد لها محرم وهي فريضة، فهل يصح لها ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يمكن أن تحج إلا بمحرم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فقال له رجل: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال: "انطلق فحج مع امرأتك " (1) ، والمرأة إذا لم تجد محرماً فإنه لا إثم عليها بتأخير الحج، بل إن المشهور من مذهب الحنابلة أنه لا حج عليها، وأنها كالفقير ليس عليها حج، ولا يقضى عنها من تركتها، فلتطمئن ولا تتكدر، ولتعلم أنه لا حج عليها مادامت لا تجد محرماً.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء (1862) ، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره (1341) .
(24/117)

السائل: وإذا كانت في سفر من جدة إلى الرياض أو من الرياض إلى جدة مثلاً؟
الشيخ: لا. لا تسافر أي سفر كان.
السائل: ولو بالطائرة؟
الشيخ: ولو بالطائرة.
السائل: وإذا ذهبت مع نساء؟
الشيخ: حتى لو ذهبت مع نساء؛ لأن الحديث الذي أشرت إليه عام، ولو كانت الأحوال تختلف لاستفصل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعند أهل العلم قاعدة معروفة: "أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال " فلما لم يستفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذه المرأة بل قال لزوجها: اترك الغزو واذهب وحج معها دل ذلك على أنه لا فرق بين أن تكون وحدها أو معها نساء، أو أن تكون آمنة أو خائفة.
س 1658: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت واعتمرت، وكانت في كل مرة عند الوضوء تمسح رأسها فوق الغطاء هل هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم بعض العلماء يرى أن المرأة يجوز أن تمسح على خمارها مادام معصوباً على رأسها، وبناء على هذا فإن طهارة هذه المرأة صحيحة.
السائل: فيه ناس قالوا لا، غلط، فيه بعض العلماء يرى أنه يصح
(24/118)

المسح على الخمار خوفاً من أن يسقط شعر.
الشيخ: لا، لا هذا غلط كونها تخاف أن يسقط الشعر هذا ليس بصواب، لأن الإنسان إذا سقط منه الشعر بغير قصد منه فلا شيء عليه.
س 1659: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إن شاء الله إني ناوي أحج وأريد أن أنزل مكة بدون إحرام هل هذا ممكن؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَّت المواقيت، وألزم من مر بها وهو يريد الحج أو العمرة أن يحرم منها ولا يجوز للإنسان أن يتأخر عن الإحرام فيتعدى حدود الله، فإن من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.
س 1660: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا نويت أحج لجدتي أم أمي كانت متوفية، وبعدين جدتي أم أبي كانت طيبة في الأعوام الماضية، وما حصل ولا حجيت، ثم توفيت جدتي أم أبي،
وهي عزيزة علي والآن أقول جدتي أم أبي أولى فما رأيك؟
الشيخ: هل كل الجدتين لم يؤديا الفريضة؟
السائل: لا، لم يؤدوا الفريضة.
فأجاب فضيلته بقوله: ابدأ بأم أبيك إن كنت قد حججت عن نفسك، ثم بعد ذلك بجدتك أم أمك.
(24/119)

س 1661: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن إن شاء الله ذاهبين للحج ومعنا أطفال سن 7، 9 سنوات فهل يحج هؤلاء الأطفال أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأطفال لا يحجون، يروحون معكم فقط ولا يحجون، ليس بلازم.
س 1662: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الوالدة أوصت بملغ من المال ليحج عنها، فحججنا عنها ببعض من المال، والباقي موجود الآن، فهل يحج عنها مرة أخرى أو نصرفه في عمل خيري لها؟
الشيخ: هل قالت: حجوا عني بهذا المال؟
السائل: نعم أوصت بهذا المبلغ في حجة، فصار المبلغ أكثر يعني دفعنا جزء منه.
الشيخ: أوصت بهذا المال في حج، فيحج عنها مرة ثانية، مادامت ما قالت حجة واحدة.
السائل: لا، قالت: يحج عني.
الشيخ: مادام قالت يحج عني بهذا المال، يصرف حتى ينفد، فيحج عنها مرة بعد أخرى حتى ينتهي.
السائل: هي لم تحدد واحدة ولا اثنتين ولا ثلاث لكن قالت يحج عني بهذا المال.
(24/120)

الشيخ: إذاً يصرف كله في الحج.
س 1663: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لمن تحج أن تستعمل حبوب منع الحمل مدة الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، مدة الحج فقط للضرورة.
س 1664: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججنا مرة، فمرضت الوالدة، وكانت متعبة جداً وقت صلاة الجمعة وصلتها لكن لم تفهم ما قال الإمام من شدة التعب والنوم، فتسأل هل صلاتها جائزة أو تعيد الصلاة مرة ثانية؟
الشيخ: هل صلت ذلك الوقت أم لا؟
السائل: نعم صلت ولكنها كانت نائمة فلم تفهم ما قال الإمام.
الشيخ: لكن صلت صلاة تامة.
السائل: نعم.
الشيخ: إذاً يكفي مادام قرأت الفاتحة وأتت بما يجب.
س 1665: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عندنا واحد مسافر السودان، وهو ينوي العمرة من جدة لأنه سيقيم في جدة الأربعاء والخميس، وهو مسافر من الرياض؟
(24/121)

فأجاب فضيلته بقوله: لا، لا بل يغتسل في بيته في الرياض، فإذا ركب الطائرة غير ثيابة ولبس ثياب الإحرام، وإذا مضى نصف ساعة تقريباً من إقلاع الطائرة من الرياض يقول: لبيك عمرة، ولا
يجوز أن يؤخر الإحرام إلى جدة.
السائل: حتى لو بقي في جدة ثلاثة أيام؟
الشيخ: ولو كان يقيم ثلاثة أيام، وحينئذ إما أن يبقى في إحرامه في جدة وإلا يطلع إلى مكة ويطوف ويسعى ويقصر ويرجع فوراً، وهذا لا يستغرق أكثر من ثلاث ساعات.
س 1666: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل طواف الوداع ضروري للذي في جدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، ضروري للذي في جدة.
س 1667: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا كنت سألت فضيلتك فقلت: الرمي يصح بالليل من الساعة كم إلى كم أول يوم، وأنا أرغب في الرمي ليلاً بسبب الشمس؟
فأجاب فضيلتهَ بقوله: أول يوم (يوم أحد عشر) من الظهر إلى الفجر.
السائل: قبل الفجر ممكن أرجم أول يوم؟
الشيخ: نعم قبل الفجر بساعة، وثاني يوم بعد المغرب والعشاء إلى
(24/122)

الفجر.
السائل: وثالث يوم متى أرجم؟
الشيخ: نفس الشيء من الظهر إلى الغروب.
س 1668: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا لا أريد المبيت ثالث يوم هل أرمي الصبح باكراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، لا يصلح، ثالث يوم قبل الظهر لا يصلح.
س 1669: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة لطواف الوداع ممكن أعود لجدة ثم أذهب أعمل طواف الوداع؟ يعني يمكن أرجع بيتي في جدة لأستحم ثم أذهب مرة أخرى لكي أطوف طواف الوداع أم لا يجوز؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، لا يجوز.
السائلة: ضروري وأنا قادمة من منى أطوف طواف الوداع؟
الشيخ: نعم.
س 1670: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا متمتعة هل علي طواف قدوم أم انتظر في السيارة بسبب الزحمة؟
الشيخ: هل أتيت من جدة؟
(24/123)

السائلة: أنا عملت عمرة التمتع ليس علي طواف قدوم فيها، طواف واحد فقط، يعني يوم أذهب إلى عرفة ليس على طواف قدوم أذهب فوراً إلى عرفة أو إلى منى أليس كذلك؟
الشيخ: هل أنت متمتعة أم مفردة؟
السائلة: لا، متمتعة.
الشيخ: المتمتع لابد إذا وصل مكة يطوف ويسعى ويقصر ويحل.
السائلة: وبعدين سوف أروح أحج هل علي أن أطوف مرة ثانية؟
الشيخ: لا، إذا كنت تريدين تحجين فقط، فالذي يحج ليس بلازم أن يطوف طواف القدوم وإنما طواف القدوم في حقه سنة.
س 1671: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في منى ألا يمكنني أن أصلي صلاة الليل وأكتفي بذكر الله أم لي أن أصلي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصلاة أفضل وإذا لم تصل ما فيه شي.
السائل: يعني التسبيح أفضل؟
الشيخ: لا، الصلاة أفضل.
السائل: لكن يقولون: إن الصلاة تقصر ولذا لا أصلي السنة؟
الشيخ: لا، أقول: الفريضة الظهر اثنتان، والعصر اثنتان، والعشاء اثنتان، والنوافل صل ما شئت، إلا راتبة الظهر والمغرب والعشاء فالأفضل تركها، وكذلك بالليل يمكن أن تصليه، والوتر أيضاً وهو
(24/124)

قبل الفجر آخر الصلاة.
س 1672: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا امرأة نفاس منذ عشرة أيام وأريد حج الفريضة هذا العام فهل لو انقطع عني الدم قبل الأربعين أقدر أن أطوف بالبيت؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا انقطع الدم قبل الأربعين اغتسلي وصلي وطوفي.
السائلة: يعني لا يلزم أن انتظر الأربعين؟
الشيخ: تنتظر حتى تطهر ولا يلزم أربعين، فإذا طهرت المرأة من النفاس ولو لعشرة أيام يجب أن تصلي.
س 1673: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا حججت حجة الإسلام وأريد الحج عن والدي وهو حي لكنه مسن وضرير، فهل يصح أن أؤدي الحج بالنيابة عنه؟
فأجاب فضيلته بقوله: ألا يستطيع الحج هو؟
السائل: ما يستطيع الحج.
الشيخ: نعم، لا بأس أن تحج عنه.
السائل: والدتي أيضاً حية هل يصح أن أحج عنها؟
الشيخ: أمك ما تقدر تأتي؟
السائل: ما تقدر تأتي للحج؟
(24/125)

الشيخ: هي كبيرة السن؟
السائل: سبعون عاماً.
الشيخ: لا بأس تحج عنها أولاً، وتحج عن أبيك بعد ذلك، فتبدأ بالأم هذا العام، والأب بعد ذلك.
س 1674: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تريد السفر للحج وتريد معها محرم، هل يجوز أن يكون زوج ابنتها محرم لها وهي كانت تتغطى عنه؟
الشيخ: أليس هو زوج ابنتها؟
السائل: نعم.
الشيخ: يكون محرماً لها.
السائل: ما يخالف إذا تغطت عنه، وليس عليها ذنب؟
الشيخ: لا يجب عليها أن تتغطى عنه، وليس عليها شيء إذا تغطت وإذا كشفت وجهها عنه فلا بأس لأنه محرم لها.
س 1675: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يوجد عندي حجج وأجر عليها بواسطة واحد من مكة المكرمة فهل يجوز ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحجج لغيرك أم لك؟
السائل: الحجج لغيري، وهي حجج ناس متوفين، وأجر عليها من مكة بواسطة واحد هل يجوز ذلك؟
(24/126)

الشيخ: لا بأس إذا كان الرجل الذي يحج ثقة مأمون فلا بأس.
س 1676: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أراد مكة لغير حج أو عمرة فقط لزيارة بعض الأقارب هل يجب عليه الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، إذا ذهب إلى مكة لغير حج ولا عمرة فلا يجب عليه الإحرام؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقيت وقال: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة" (1) فالذي لا يريد الحج ولا العمرة ليس عليه إحرام.
س 1677: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للإنسان أن يوكل إنساناً في رمي الجمار؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، لا يجوز أن يوكل في رمي الجمار إلا إذا كان لا يستطيع أن يرمي: إما كبير أو مريض، أما الزحام فهو يمكن أن يرمي بالليل.
س 1678: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: خمسة أشخاص وكلوا واحداً يرمي لهم الجمار، ثم إن هذا الشخص قصر ولم يرمها على التمام، والآن هو نادم وقد مضى وقت طويل فماذا عليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: يذبح لكل واحد فدية في مكة ويوزعها
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب مهل أهل الشام (1526) ، ومسلم كتاب الحج، باب المواقيت (1181) .
(24/127)

على الفقراء.
وأقول: لا يجوز للواحد أن يوكل أحداً يرمي عنه بل يلزم أن يرمي هو بنفسه إلا إذا كان مريضاً أو كبيراً لا يستطيع، وأما إذا كان يستطيع فيرمي، وإذا خاف من الزحام يرمي بالليل.
س 1679: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا اعتمرت العام الماضي في رمضان، وجلست في مكة يومين، وخرجت بدون أن أطوف طواف الوداع لأني ما كنت أعلم الحكم ولم أسأل أحداً بل كنت أعرف فقط أن علي أن أعتمر وأجلس وأمشي فهل علي دم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كانت أمورك متيسرة فالأحسن أنك تذبح فدية بمكة وتوزعها على الفقراء؛ لأن القول الراجح أن طواف الوداع للعمرة واجب؛ لأن العمرة حج أصغر كما جاء في حديث عمرو بن حزم، وإذا كانت الأمور غير متيسرة فلا حرج عليك لكن إن شاء الله فيما بعد إذا اعتمرت لا تخرج حتى تطوف طواف الوداع.
س 1680: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أدى عمرة في رمضان هل تجزئه عن عمرة الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم تجزئه العمرة متى أتى بها الإنسان في رمضان أو في غيره فقد أدى فريضة الإسلام، فإذا رجع إلى مكة فإن شاء أحرم متمتعاً وأتى بالعمرة ثم تحلل منها ثم أحرم بالحج وإن
(24/128)

شاء قرن بين العمرة والحج، وإن شاء أفرد الحج، والتمتع أفضل.
س 1681: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك دعاء نقوله عند الإحرام للعمرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك دعاء، إنما ينوي الإنسان فيقول: لبيك اللهم عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
س 1682: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لي أخت وأردت أن أحج بها لكنها عرجاء شديدة العرج فإذا أردت أن أحج عنها فهل يجوز؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت هذه الأخت لم تؤد الفريضة فإننا ننظر إن كانت عرجاء عرجاً لا يمكنها أن تحج معه فلا حرج عليك أن تؤدي عنها الفريضة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما:
أن امرأة قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن فريضة الله على عباده أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم " (1) فهذه الأخت إذا كانت لا تتمكن من أداء الحج من أجل العرج الذي فيها فلك أن تحج عنها الفريضة، أما إذا كان الحج نفلاً وقد أدت الفريضة من قبل فالأمر في هذا أسهل ولا حرج عليك أن تحج عنها، ويشترط أن تكون قد أديت حجة الفريضة عن نفسك؛ لأن الإنسان لا يحج عن
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله رقم (1513) ومسلم، كتاب الحج عن العاجز رقم (1334) .
(24/129)

غيره إذا كان الحج فرضاً عليه حتى يؤدي الفريضة عن نفسه. السائل: إذا كانت تستطيع أن تركب الراحلة لكن يصعب عليها المشي فقط؟
الشيخ: تستطيع أن تركب الراحلة فالطواف والسعي يمكن أن تطوف محمولة، وتسعى على العربة هذا إذا كان حج فريضة، أما النافلة فالأمر فيها أسهل كما قلت لك.
السائل: هو الحج فريضة.
الشيخ: إذاً لابد أدن تذهب بنفسها وعند الطواف تحمل، أما بالنسبة للجمرات فإنه يُرمى عنها، توكل محرمها ويرمي عنها، ولا حرج عليها.
س 1683: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا حججت العام الماضي حجة الفريضة، ولم أرم الجمرة الثالثة بل وكلت عنها لأنه قيل لنا أنه لا بأس أن توكل عن الثالثة، ولم يكن فيه سبب فهل علي فدية؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا خطأ، لا يجوز للإنسان أن يوكل أحداً في الرمي عنه لا في الفريضة ولا في النافلة إلا لمن لا يستطيع لمرض أو كبر، وبناء على أنه ليس لك عذر فاذبحي فدية في مكة،
وتصدقي بها على الفقراء، ويتم حجك إن شاء الله.
(24/130)

س 1684: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذهبت إلى العمرة وعمري ثمانية عشر سنة، فأتاني الحيض قبل أن أدخل الحرم بلحظات فما استطعت أن أترك أهلي فطفت معهم واعتمرت فماذا علي أن أفعل؟
الشيخ: هل طفت معهم وأنت على غير طهارة؟
السائلة: نعم على غير طهارة.
فأجاب فضيلته بقوله: عمرتها ما تمت حتى الآن، والواجب عليها الآن أن تذهب وتطوف وتسعى وتقصر لتتم عمرتها.
س 1685: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا أنوي الحج فهل علي أن أحج وأشترط أن محلي حيث حبسني؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم إذا كنت تخشين من شيء لا يتم به النسك فاشترطي، وإن ما كان فيه شيء تخافين منه فلا تشترطي.
س 1686: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نوينا الحج إن شاء الله فكيف أحرم وأنا متجه بالطائرة من الرياض إلى جدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: تغتسل في بيتك وإذا قامت الطائرة تلبس ثياب الإحرام، وإن شئت أن تلبسها في بيتك فلا حرج، فإذا مضى نصف ساعة من إقلاع الطائرة تقريباً احرم، يعني قل: لبيك عمرة، ولا تؤخر الإحرام إلى جدة. فتكون بعد إقلاع الطائرة بنصف
(24/131)

ساعة متجهزاً خالصاً وتقول: لبيك عمرة، وإذا وصلت إلى مكة تطوف وتسعى وتقصر وتحل، تلبس ثيابك أي تكون متمتعاً وهذا هو الأفضل.
س 1687: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للطفل الصغير الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأطفال الصغار يجوز لهم الإحرام، ولكن نظراً للظروف الحاضرة الآن، والمشقة التي تحصل عليهم وعلى أهلهم أرى أن الأولى ألا يحرموا لما في ذلك من التعب
والمشقة، ولا حرج عليهم إذا تركوا الإحرام لأنه قد رفع القلم عنهم. فإذا لم يمكن ترك الطفل الصغير لعدم وجود من يقوم بمصالحه فيذهب مع أهله للحج ولا يحرم.
س 1688: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة للهدي في الحج هل الواحد يجزئ عن اثنين مثلاً المتمتع وزوجته؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، المتمتع يلزمه هدي واحد، وزوجته عليها هدي آخر، كل شخص عليه هدي واحد كامل، ويجوز أن يشترك السبعة في البدنة أو في البقرة.
س 1689: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المرأة إذا مات
(24/132)

زوجها وكانت في أول أيام العدة هل يجوز لها أن تحج أو تعتمر؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز لها أن تحج ولا تعتمر؛ لأن الواجب على المرأة إذا مات زوجها أن تبقى في البيت الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه، لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (1) . ولا يحل لها أن تسافر لا لحج ولا لغيره بل ولا تخرج من بيتها إلا لضرورة ليلاً أو الحاجة نهاراً.
السائل: وإذا كانت المرأة وحيدة في بيتها ومحتاجة إلى علاج؟
الشيخ: هي تخرج للطبيب في النهار ولا حرج عليها.
السائل: والانتقال من بيتها إلى بيت آخر؟
الشيخ: لا يجوز إلا لضرورة. إذا كانت وحيدة في منزلها وتخشى على نفسها، أو على عقلها، أو على مالها فلها أن تخرج إلى بيت آخر تأمن فيه.
س 1690: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن في المدينة ونذهب إلى العمرة ونرجع فوراً وما كنا نعرف أنه يلزمنا طواف الوداع؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا رجعتم فوراً ما بقيتم في مكة بعد العمرة فلا طواف عليكم للعمرة؛ لأنه لا طواف وداع للعمرة إذا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 234.
(24/133)

خرج المعتمر فور انتهاء عمرته.
أقول: إذا اعتمر الإنسان متمتعاً أو غير متمتع وخرج من مكة فوراً فلا وداع عليه، وأما إذا أقام ولو ساعة أو ساعتين فعليه طواف الوداع حتى لو لم يبت بعد طواف الوداع، لا تشترون إلا حاجة
للبيت أو السفر- لا تجارة- وأنتم مارون في الطريق هذا لا بأس به.
س 1691: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا حججت منذ ست سنين، ولم أطف طواف الوداع لأني لم أكن أعرف ورفقائي في الحج نووا نية طواف الإفاضة وطواف الوداع معاً، وأنا نويت فقط طواف الإفاضة ولم أتمكن بعدها من طواف الوداع، لم أعرف إلا بعد أن رجعت، وكان طواف الإفاضة عند السفر.
فأجاب فضيلته بقوله: إذا طفتم طواف الإفاضة عند السفر فإنه يكفي عن طواف الوداع، إذا طاف الحاج طواف الإفاضة عند السفر كفاه عن طواف الوداع.
س 1692: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لمن حج أن يوكل في الرمي أول مرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للحاج أن يوكل على أي شيء من النسك لا على الرمي ولا غيره سواء فريضة أو غير فريضة؛ لأن الله عز وجل يقول: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (1) والرمي من الحج أما
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/134)

إذا كان عاجزاً فإنه يوكل من يرمي عنه ولا حرج عليه سواء في الفريضة أو في النافلة لقوله تعالى: (فَأتَّقَوُأ اللَّهَ مَا أستَطَعْتمْ) (1) ولا بأس أن يوكل في الهدي في شرائه أو ذبحه.
س 1693: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أراد الإنسان العمرة وذهب إلى جدة ولديه هناك شغل يومين أو ثلاثة فكيف يعمل بالنسبة للإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لابد أن يحرم من الميقات، حتى لو أراد البقاء في جدة عدة أيام والمسألة يسيرة يحرم من الميقات وينزل إلى مكة ويقضي عمرته ويرجع في خلال ثلاث ساعات، وإلا يبقى في إحرامه في جدة مهما طالت المدة ثم إذا نزل إلى مكة أتم عمرته.
السائل: هل تصح الوكالة في الطواف؟
الشيخ: لا تصح الوكالة في الطواف، ولهذا لما قالت أم سلمة أنها تريد أن تطوف وكانت مريضة أمرها الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن تركب وأن تطوف من وراء الناس وهي راكبة، ولو حصل عليه مشقة من الطواف يُحمل.
س 1694: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: القارن إذا أدى العمرة هل يحلق أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحلق، لكن الأفضل أن القارن
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(24/135)

يحول قرانه إلى عمرة ليصير متمتعاً.
القارن إذا وصل إلى مكة يطوف ويسعى ويبقى على إحرامه إلى يوم العيد، نقول له: الأفضل إذا طفت وسعيت أن تقصر وأن تحل، وإذا كان يوم ثمانية تحرم بالحج، هذا هو الأفضل.
وإذا بقي على قرانه فلا يحلق، ولكن الأفضل أن يكون متمتعاً وليس هناك فرق بينهما من جهة الهدي كلهم عليهم هدي، فأنت اختر الأفضل وهو التمتع.
س 1695: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل جاء من اليمن بعمرة ونيته أن يحج لنفسه، لما وصل مكة حصل حجة بفلوس، فأحرم من مكة بدون ما يرجع للميقات، وهو أتى بعمرة من
قبل من الميقات وتحلل منها، وحج من مكة لغيره، وهو قد حج لنفسه من قبل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان قد أتى بعمرة من الميقات وتحلل منها وحج من مكة لغيره وكان قد حج لنفسه من قبل فلا مانع.
س 1696: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا امرأة وأخي يشتغل في جيزان وأرغب في الحج معه فهل يصح أن أذهب من الرياض إلى جدة ويقابلني هناك في جدة؟
(24/136)

فأجاب فضيلته بقوله: لا، هو إن شاء الله يأتي من جيزان إلى الرياض وتسافرين معه جميعاً.
س 1697: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا أشتغل مع أناس فجئت معهم من مصر وليس معي محرم فهل سفري هذا حرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، والله هذا حرام.
السائلة: وهل إقامتي عندهم حرام؟
الشيخ: لا يحل للمرأة أن تسافر إلا بمحرم سواء كان للحج أو للعمرة أو لغير ذلك.
السائلة: أنا سافرت معهم للعمرة في رمضان فهل يصلح؟
الشيخ: لا، ما يصلح- بارك الله فيك- لكن عليك الآن أن تتوبي إلى الله عز وجل عن هذا وأن تعلمي أنه لا سفر للمرأة إلا بمحرم كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه، أما عمرتك فصحيحة إن شاء الله.
س 1698: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يوجد أناس ينظمون حملات للحج فهل يصح أن أذهب معهم وأتقابل هناك مع محرمي الذي سيأتي من جيزان؟
فأجاب فضيلته بقوله: أبداً، خلي المحرم الذي في جيزان يأتي واذهبي معه.
(24/137)

س 1699: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الحبوب التي تمنع الدورة حرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحبوب التي تمنع الدورة ثبت عندي من طرق متعددة عن الأطباء أنها مضرة، وأنها بالنسبة للمرأة التي لم تتزوج ربما تؤدي إلى العقم وعدم الولادة وهذا شيء يضر، فالذي
أنصح به نساء المؤمنين أن يتجنبن هذه الحبوب، اللهم إلا عند الضرورة القصوى وبعد مراجعة الطبيب.
س 1700: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أرجو أن تبينوا باختصار أنواع النسك التمتع والإفراد والقران؟
فأجاب فضيلته بقوله: أنواع النسك ثلاثة: التمتع والإفراد والقران، التمتع معناه: أن يحرم أولاً بالعمرة في أشهر الحج التي أولها شهر شوال، ويأتي بها كاملة ويتحلل ثم يحرم بالحج في نفس السنة،
وسمي تمتعاً لأن الإنسان يتمتع فيما بين العمرة والحج بما أحل الله له.
وأما القران: فأن يحرم بالعمرة والحج جميعاً، أو يحرم بالعمرة أولاً ثم يدخل الحج عليها قبل أن يشرع في طوافها.
وأما الإفراد فأن يحرم بالحج مفرداً.
التلبية في النوع الأول أن يقول: لبيك عمرة، فإذا شرع في الطواف قطع التلبية، وإذا أحرم بالحج في اليوم الثامن قال: لبيك حجًا.
(24/138)

والتلبية في النوع الثاني أن يقول: لبيك عمرة وحجاً.
والتلبية في النوع الثالث أن يقول: لبيك حجًّا.
س 1701: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة للرمي والحلق والتقصير هل يجوز حل الإحرام بعدهما مع العلم أنه لم يطف طواف الإفاضة في يوم العيد؟
فأجاب فضيلته بقوله: في يوم العيد يفعل الإنسان خمسة أنساك:
رمي جمرة العقبة، ثم النحر، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف، ثم السعي بالنسبة للمتمتع مطلقاً، وبالنسبة للقارن والمفرد إن لم يكونا سعيا بعد طواف القدوم، فإذا رمى الإنسان يوم العيد جمرة العقبة وحلق أو قصر حل التحلل الأول، وإذا طاف وسعى مع الحلق أو التقصير والرمي فإنه يحل التحلل الثاني.
س 1702: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: على من يجب طواف الإفاضة؟ وهل هناك سعي بعد الطواف يوم النحر؟
فأجاب فضيلته بقوله: ذكرنا أن المتمتع عليه سعي ولابد، وأما القارن والمفرد فإن سعيا بعد طواف القدوم لم يعيدا السعي مرة ثانية وإلا سعيا بعد طواف الإفاضة.
(24/139)

س 1703: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز تأخير طواف الإفاضة مع طواف الوداع؟
فأجاب فضيلته بقول: يجوز ذلك يعني أنه يجوز أن يؤخر الإنسان طواف الإفاضة عند خروجه، فإذا طاف للإفاضة أجزأه عن طواف الوداع، كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد لمن صلى الفريضة حين دخول المسجد.
س 1704: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أيها أفيد للمرأة أن توكل بالرمي أم ترمي بنفسها مع العلم أن هناك مشقة بالنسبة للمرأة كما تعلمون؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للمرأة ولا لغير المرأة أن توكل في الرمي مادامت قادرة عليه، لأن الله تعالى يقول: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (1) والرمي كما نعلم جميعاً جزء من أجزاء الحج فيجب على القادر أن يقوم به ولا يحل له أن يوكل، سواء كان رجلاً أو امرأة، وتهاون بعض الناس اليوم في ذلك لا شك أنه خطأ، وأنه كما لا ينيب الإنسان أحداً في المبيت عنه في المزدلفة، أو في المبيت عنه في منى، أو في السعي عنه فإنه لا يجوز أن ينيب في الرمي، ولولا أنه روي عن الصحابة- رضي الله عنهم- أنهم كانوا يرمون عن الصبيان لولا ذلك لقلنا: إن من عجز عن الرمي فإنه لا ينيب أحداً بل يسقط عنه كغيره من الواجبات التي يعجز عنها، إذاً
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/140)

فالأمر ليس بذاك الهين كما يتصوره بعض الناس بالنسبة للرمي، وأما الزحام فكما نعلم جميعاً فهو موجود في الطواف، وموجود في السعي، مع أنه يمكن التخلص من الزحام بأن ترمي المرأة أو من
كان غير نشيط في الليل، ولهذا لم يرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لضعفة أهله أن يوكلوا بل أمرهم أن يتقدموا في آخر الليل في ليلة المزدلفة حتى يرموا قبل حطمة الناس.
المهم أني أريد منك أن تعرف أنت ومن سمع بأنه لا يجوز أن نتهاون في الرمي وأن هناك متسعاً لفعله في الليل بدلاً من النهار، وأما رمي جمرة العقبة يوم العيد فإنه جائز لكن لم تثبت السنة بتقييده بنصف الليل، وإنما جاءت السنة بأنه في آخر الليل أو في السحر وكانت أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنها- تنتظر غروب القمر فإذا غاب القمر دفعت من مزدلفة، ومعلوم أن غروب القمر في الليلة العاشرة لا يكون إلا حوالي ثلثي الليل، والحاصل أنه من كان يخشى من الزحام فإنه لا حرج عليه أن يدفع من مزدلفة في آخر الليل ليلة العيد ويرمي الجمرة إذا وصل، وإذا شاء أن ينزل إلى مكة
ويطوف ويسعى فله ذلك.
س 1705: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن في جدة وقد نحج نافلة فهل يجوز أن ننزل جدة بعد رمي جمرة العقبة والقص بغرض تغيير الملابس ثم نعود إلى مكة؟
(24/141)

فأجاب فضيلته بقوله: لا شيء في ذلك، لكن الأفضل لجميع الحجاج أن يبقوا يوم النحر وفي أيام منى أن يبقوا في منى ليلاً ونهاراً.
س 1706: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنوي الحج متمتعاً وأرغب في أداء العمرة قبل الزحام يوم (5) أو (4) ثم أرجع بلدي ثم أعود يوم (8) أو (7) للحج هل يجوز هذا؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس فيه بأس، لا حرج على الإنسان أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج ثم يرجع إلى بلده ثم يأتي بعد ذلك للحج، وإن بقي في مكة فهو أكمل.
س 1707: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لو أحرمت ونزلت على جدة مع الحملة بالسيارات وأمر على وادي السيل متجهاً إلى مكة للعمرة ثم البقاء في مكة هل هذا أفضل؟
فأجاب فضيلته بقوله: على كل حال لا يمكن أن تتجاوز الميقات حتى تحرم مادمت قد أردت الحج أو العمرة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقت المواقيت قال: "هن لهن ولمن أتى عليهم من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة" (1) .
فتحرم من وادي السيل وتنزل مكة وتقضي العمرة فتخرج إلى جدة
__________
(1) تقدم تخريجه ص 125.
(24/142)

السائل: هل يمكن أن أنزل جدة ثم آتي منها إلى مكة في حافلة بسبب منع السيارات الصغيرة؟
الشيخ: وهو كذلك.
س 1708: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نوينا الحج هذا العام أنا والعائلة ومعنا طفلة صغيرة عمرها عشرة أشهر فهل على هذه البنت ما على الحاج من تغطية الشعر؟
فأجاب فضيلته بقوله: أبداً ليس عليها شيء، وأرى أنكم لا تخلوها تحرم لأن فيه مشقة عليكم وعليها، وتعرف أن هذه المواسم فيها زحام شديد وتعب، والحمد لله مادام لم يجب عليها الحج بعد
فلا يلزم، ويمكن أن تصطحبوها معكم بدون إحرام، ولا أشير عليكم بالإحرام لها لأنه يترتب عليها طواف وسعي ورمي جمرات كما أنها لا تعقل النية، وإذا كانت كذلك فإن أهل العلم يقول بعضهم يلزم أن يطوف الولي لنفسه أولاً ثم يطوف بها ثانية أو يستأجر واحداً يطوف بها ويمشي معها.
السائل: ولو كانت الطفلة متبولة أو متبرزة ولكنها محفظة فهل يجوز الطواف بها؟
الشيخ: لاشيء في ذلك أبداً.
س 1709: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حبس المرأة
(24/143)

الحاجة الحيض يوم وقفة عرفة أو قبل الوقفة بيوم وهي لم تطف بالبيت ولم تسع بين الصفا والمروة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه إذا مررتم بالميقات وعليها العذر (أي الحيض) تحرم كما تحرمون، فإذا وصلت إلى مكة فإن طهرت قبل الطلوع فإنها تؤدي العمرة تطوف وتسعى وتقصر وتحل، وإن
جاء وقت الخروج إلى منى وهي على حيضها فإنها تدخل الحج على العمرة وتكون قارنة، ويلزمها بعد الوقوف بعرفة طواف واحد وسعي واحد تنويهما عن الحج والعمرة جميعاً، وهذا بعد وقفة
عرفة يعني يوم العيد، وعليها هدي القران.
س 1710: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لمن حاضت أيام التشريق أن تطوف طواف الوداع؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حاضت المرأة بعد أن طافت طواف الإفاضة فإنها تخرج بدون وداع مادام جاء وقت السفر وعليها الحيض، وقد أدت طواف الإفاضة يعني طواف الحج فإنها تخرج بدون وداع.
س 1711: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حالياً نسمع أن طاعة أولي الأمر واجبة وزوجتي حجت منذ سنتين وترغب في الحج هذا العام وإقامتها لم تختم ختم الحج فهل في هذا مخالفة شرعية؟
(24/144)

فأجاب فضيلته بقوله: هذا شيء يرجع إلى نظام الدولة، وأنتم بينوا للمسؤولين الأمر على وجهه فإذا بينتم الأمر على وجهه فسيجعل الله لكم من أمركم يسراً، كل إنسان يبين الأمور على وجهها ويوضحها فالله ييسر أمره.
السائل: من هم المسؤولين؟
الشيخ: هم الذين ينظرون في الجوازات.
س 1712: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المفرد بالحج هل يجوز له دخول مكة قبل الإحرام؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز له لأنه إذا مر الإنسان بالميقات وهو يريد الحج أو العمرة وجب عليه أن يحرم من الميقات.
س 1713: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي أعمال الحاج المفرد؟
فأجاب فضيلته بقوله: أول ما يصل مكة يطوف طواف القدوم ويسعى للحج بعد طواف القدوم ويبقى على إحرامه إلى يوم العيد، ويكفيه السعي الأول عن السعي بعد طواف الإفاضة.
السائل: هل يجوز أن يعتمر من التنعيم بعد أن يتحلل من الحج؟
الشيخ: يكفي الحج.
(24/145)

السائل: وإذا أراد أن يعتمر عن والده أو والدته مثلاً؟
الشيخ: لا، والدته ووالده الأحسن أن يدعو لهما في عرفة وفي مزدلفة وعند الجمرات في أيام التشريق.
س 1714: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز النقاب (غطاء الوجه) للمرأة في الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تنتقب، ولكن إذا مر من عندها رجال أجانب يعني غير محارم وجب عليها أن تغطي وجهها فإذا كانت تطوف، أو تسعى، أو تذهب لرمي الجمرات، أو في
الطريق فيجب عليها أن تغطي وجهها، أما إذا كانت في الخيمة مع زميلاتها فلا يجوز أن تنتقب، والله أعلم.
س 1715: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن يعتمر عمرة ويهبها لشخص متوفى لم يؤد فريضة الحج ولا العمرة في حياته، وهذا الواهب قد أدى فريضة الحج والعمرة عن نفسه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج، ما فيه مانع، امرأة جاءت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تحج عن أمها لما ماتت.
س 1716: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز الرجوع
(24/146)

للسكن أثناء النهار في منى ثم العودة للمبيت بها فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس فيه شيء. الذي يذهب في النهار إلى سكنه ويرجع في الليل إلى منى ليس عليه شي؛ لأن الواجب أن يبيت في منى وقد حصل، ولكن الأفضل والأكمل أن يبقى الإنسان في منى في كل أيام الحج؛ لأن هذا هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام، والإنسان ما ترك بلده وعمله وجاء إلى هذه المشاعر إلا يرجو ثواب الله عز وجل ويقتدي بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، فالأفضل أن يبقى في منى حتى ينتهي الحج.
س 1717: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل كبير مسن أوصله السائق في يوم العيد بعد النزول من المزدلفة إلى الحرم وتركه هناك فبات به اليوم الأول يوم العيد وهو لا يعرف؟
فأجاب فضيلته بقوله: عليه أن يتصدق بشيء، بما شاء، عشرة ريالات، عشرين ريالاً أو ما أشبه ذلك، ولا يعود، ما عليه إلا هذا، لأنه ما يعرف، ولأن ترك الليلة الواحدة من منى ما فيه دليل
على أنه يجب فيه شاة، فيتصدق بالميسور.
س 1718: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز لي أن أرمي ليلاً مع العلم أن زوجي سيكون معي لأنه يرفض أن يذهب مرتين في الصباح ثم في الليل؟
(24/147)

فأجاب فضيلته بقوله: لا مانع، ترميان جميعاً في الليل.
س 1719: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أريد أن أعمل عمرة في أشهر الحج ثم أسافر إلى القاهرة ثم أرجع لكي أحج فهل يكون حجي تمتعاً أم غيره مع العلم أنني سأحرم من هناك بالحج فهل العمرة السابقة تعتبر عمرة التمتع؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، لأن التمتع الذي فيه الهدي يشترط ألا يرجع الإنسان إلى بلده، فإن رجع الإنسان إلى بلده ثم عاد محرماً بالحج فليس عليه هدي.
س 1720: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا بيتي في جدة، ولذا فسأرجع من القاهرة إلى جدة ثم أحرم من بيتي في جدة هل يجوز أم ينبغي أن آتي محرمة من القاهرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن أحرمت بعد رجوعك من القاهرة بتمتع، أو قران فعليك الهدي.
س 1721: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في رمضان هل يصح أن أفصل بين طواف العمرة والسعي حوالي ثلاث ساعات بغرض الإفطار مثلاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا مانع، الموالاة بين الطواف والسعي
(24/148)

أفضل ولكن لو لم يوال بينهما فلا شيء عليه.
س 1722: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أفضل أن أحلق رأسي للتحلل من العمرة اتباعاً للرسول - صلى الله عليه وسلم - لكن والدي يعارض فهل أطيع والدي، وحجته أن هذا يشوه شكلي؟
فأجاب فضيلته بقوله: أعوذ بالله، افعل الأخير واقنع الوالد، ولا تطعه في ترك الطاعة إلا إذا كان هناك ضرر عليه هو، وهنا لا ضرر عليه، فالطاعات إما واجبة أو مستحبة، فالواجبة لابد من
تنفيذها رضي أم لم يرض، والمستحبة انظر الذي ترى أنه أصلح ولكن لا يلزمك أن تطيع والديك في ترك المستحب إذا لم يكن عليه ضرر، والحلق في الحج أو العمرة مستحب إلا المتمتع إذا قدم مكة
متأخراً فالتقصير في حقه أفضل ليبقى في رأسه شعر للحج.
س 1723: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت العام الماضي قارناً وأديت أعمال الحج غير أني لم أعرف أن على المقرن هدي فلم أذبح هدياً فماذا أفعل الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: اذبح الهدي هناك في مكة، ولا حرج في أن توكل شخصاً يذبح عنك هذا الهدي، ويأكل منه، ويتصدق، ويهدي، وإذا لم يأكل منه بل وزعه كله على الفقراء فلا حرج.
(24/149)

س 1724: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من المتبع عند بعض الناس أن يوكل شخصاً يحج عن فلان المتوفى لقاء مبلغ معين من المال فهل يصل ثواب الحج للميت مع العلم أن هذا الحج نافلة؟
فأجاب فضيلته بقوله: حج النافلة يرى بعض العلماء أن النافلة لا يحج فيها أحد عن أحد، ويقول إن الذي ورد فيه الحديث إنما هو الفريضة، ويفرق بين الفريضة والنافلة بأن الفريضة لابد من فعلها بخلاف النافلة، وعلى هذا فإن الإنسان قد يتوقف في جواز حج النافلة عن الميت، وقد يقول قائل: مادام عملاً صالحاً قام به مسلم بنية أنه لشخص مسلم فإن هذا لا بأس به، ولو كان بمبلغ معين
لا حرج.
السائل: وهل الذي أوصى بذلك له أجر؟
الشيخ: نعم إن شاء الله له أجر؛ لأنه أوصى بفعل خير، كما لو أوصى أن يتصدق عنه أو ما أشبه ذلك.
س 1725: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يكبر الإنسان بعد الانتهاء من الطواف أي بعد الانتهاء من الشوط السابع؟
فأجاب فضيلته بقوله: التكبير مشروع في أول الشوط، وعلى هذا يكون آخر الشوط ليس فيه تكبير عند مرورك بالحجر.
أولاً: لأن السنة إنما وردت بالتكبير عند أول الأشواط.
الثاني: أنه في آخر شوط ينتهي الطواف عند محاذاة الحجر
(24/150)

وحينئذ فلا تكون مررت به.
س 1726: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعد الانتهاء من العمرة وحلق الرأس بالمكينة هل يعتبر هذا حلق أو تقصير؟
فأجاب فضيلته بقوله: الظاهر أنه تقصير حتى لو كانت المكينة تأخذ شيئاً كثيراً، وأن الحلق يختص بالحلق بالموس.
س 1727: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا قدم أحدنا من اليمن وعمل بالسعودية مدة سنة أو أكثر وأراد أن يحج فهل حجه صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يكون حجه صحيح.
السائل: بعض الناس يقولون: لا يصح حجه إلا إذا أتى من بلاده مباشرة؟
الشيخ: لا، هذا غلط، وليس بصحيح.
س 1728: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قدمت إلى المملكة للعمل ونويت أني إذا اشتغلت وحصلت على فلوس أن أحج من فلوسي ولكني مرضت وصرفت نقوداً للعلاج، وأيضاً علي دين في البلاد فهل أبدأ بقضاء الدين أم أحج؟ مع العلم أن الدين لوالدتي وزوجتي وقد استأذنت والدتي في الحج فوافقت بشرط أن
(24/151)

أجد رفيقاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: اقض الدين أولاً ثم حج، وإذا وافقت كل من والدتك وزوجتك لك بالحج قبل وفاء الدين فلا مانع من الحج، أما إذا طالبتك إحداهما بالدين فأعطها أولاً لأن الدين مقدم
على الحج.
س 1729: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عندما يعود الحاج يقومون بذبح ذبيحة له أمام باب البيت يقولون لا يمر الحاج يدخل البيت إلا على دم؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا غلط ما يصلح، هذه عقائد فاسدة.
السائل: وفي الليلة الثانية يجتمعون في بيته ويقومون بأداء مولد يسمونه مولد حجازي، ويعملون له مولد ميرغني، ثم يقومون بترديد أناشيد وتوسلات ومدح ويضربون بالدفوف ويتمايلون وينحبون نحباً يسمونه.
الشيخ: هذا كله خطأ أيضاً، ونصيحتي لهؤلاء أن يدعوا ذلك، وأن يقتصروا على الترحيب بالقادم، ويسلمون عليه سلاماً عادياً.
س 1730: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في العام الماضي حججت ورميت جمرة العقبة صباح العيد وثاني يوم لم أرم الجمرات
(24/152)

الثانية بسبب الزحمة ورميت ثالث يوم، وأريد الحج هذا العام أيضاً فهل حج هذا العام يجبر ذلك؟ وما هو الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: في العام الماضي عليك فدية تذبحها في مكة وتوزعها على الفقراء حيث إنك تركت الرمي ويتم حجك، وأما حج هذا العام فلا يجبره بل هو حج مستقل يكون لك نافلة.
السائل: أنا فقير ما أقدر.
الشيخ: مادام ما عندك فلوس فيكفي أن تتوب إلى الله عز وجل.
س 1731: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: اعتمرت قبل فترة أحرمنا وطفنا وسعينا وحللنا وأقمنا ثلاثة أيام في مكة، وجامعت زوجتي بعد حل الإحرام فهل علي في ذلك شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: أبداً، لا شيء عليك مادام أنك طفت وسعيت وقصرت يحل لك كل شيء.
السائل: وقيل لي أن طواف الوداع لا يلزم أن تحرم ويمكن أن تطوف لو بثيابك؟
الشيخ: نعم صحيح.
س 1732: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للرجل المحرم أن يلبس حزام على وسطه به مخيط؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز أن يلبس الحزام لو كان فيه
(24/153)

خياط، وكذلك الساعة إذا فيها مخيط؛ لأن المخيط عند العلماء هو الثياب المعروفة هذه القميص والفنيلة وما أشبه ذلك، ليس المخيط هو الذي فيه خياط.
س 1733: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا تجاوز الحاج أو المعتمر الميقات ولم يحرم فهل عليه أن يرجع ويحرم من الميقات أم يحرم من مكانه؟ وهل عليه دم في هذه الحالة أم لا؟ مع العلم أنه لا يستطيع الرجوع للميقات؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب عليه أن يرجع إلى الميقات ويحرم منه، وإذا لم يستطع أحرم من مكانه وعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء.
فهذه ضرورة حيث لم يستطيع أن يعود إلى الميقات فيحرم من مكانه ويجبر هذا بدم يذبحه في مكة ويوزعها على الفقراء.
س 1734: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة ملبية بالعمرة في رمضان، سكبت إحداهن على ثيابها طيباً، وذلك بعد أن نوت العمرة ولبت؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب عليها إذا كبت عليها الطيب أن تغير ثيابها فوراً وإذا كانت لا تدري فليس عليها شيء.
(24/154)

س 1735: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص حج لكنه بعد الحج كان يترك الصلاة كثيراً ثم تاب الآن وواظب على الصلاة فهل مفروض عليه أن يحج مرة ثانية أم تكفيه حجة الفريضة
الماضية؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجه الأول صحيح ولا يلزمه حج آخر بل يسأل الله الثبات.
س 1736: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن تذبح وأنت محرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز للمحرم أن يذبح الشاة والدجاجة وغيرهما ماعدا الصيد.
س 1737: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الشهر الماضي ذهبت من الرياض إلى جدة وأحرمت من جدة فهل علي شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: عليك فدية تذبح في مكة وتوزع على الفقراء، لأن الواجب أن يحرم الإنسان من الميقات إذا مر به وهو يريد الحج أو العمرة.
س 1738: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل مفرد بالحج فهل عليه عمرة، وأدى العمرة مرات من قبل؟
(24/155)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان قد أدى العمرة سابقاً لم تلزمه عمرة ثانية.
س 1739: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تتغطى المرأة في الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم، لازم تتغطى في الحج إذا كانت تطوف وتسعى، لأن حولها رجال، أما في الخيمة فلا تغطي وجهها لأنه ليس عندها رجال، وإذا كانت خارجها في طواف أو سعي أو رمي جمرات لازم تغطي وجهها.
س 1740: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يوم العيد طفنا ولم نسع وحجنا تمتع فهل علينا دم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لازم تسعون، لأن المتمتع عليه طوافان وسعيان، طواف وسعي للعمرة، وطواف وسعي للحج.
والدم يوزع في مكة وليس في عرفة لأن عرفة خارج الحرم.
س 1741: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن طالعين الحج مع حملة هل الأفضل أن أعطيهم فلوس الأضحية من هنا أو ما أضحي إلا هناك؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، الأحسن ما تضحي إلا هناك إذا
(24/156)

كنت تريد بالأضحية الهدي، ولا تعطهم الفلوس لأنه قد يذبحونها قبل أن يصلوا مكة.
السائل: سمعت يقولون أن الراجحي يأخذ فلوس ويضحي هناك.
الشيخ: نعم الراجحي لا بأس أعطه.
س 1742: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: غالبية الحجيج لا يقفون بالمشعر الحرام حال الرجوع من عرفات فما الحكم وبعضهم لا يبيت بالمزدلفة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الأول فكل مزدلفة مشعر حرام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بعد أن صلى الفجر عند المشعر الحرام وقال: "وقفت هاهنا وجمع كلها موقف " (1) وجمع يعني مزدلفة، فإذا وقف الإنسان في أي مكان من مزدلفة من الشرق منها، أو الغرب، أو الجنوب، أو الشمال فقد حصل على الخير والأجر.
وأما ترك المبيت بها فهذا حرام لا يجوز، بل يجب على الإنسان أن يبقى في مزدلفة إلى آخر الليل على الأقل إلى أن يغيب القمر يعني حوالي ثلثي الليل وينصرف بعد ذلك إذا كان يخشى من
مشقة الزحام إذا تأخر، وإن كان قوياً يتحمل مشقة الزحام فإنه يبقى حتى يصلي الفجر، ثم يذكر الله عز وجل ويدعوه بما أحب، ثم
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف (1218) (149) .
(24/157)

ينصرف من مزدلفة إذا أسفر جداً، فحال الناس إذاً:
أولاً: من لم يبت بمزدلفة فقد أخطأ، وعليه فدية دم يذبحها في مكة، أو في منى ويوزعها على الفقراء.
ثانياً: من بات في مزدلفة إلى آخر الليل فإنه يدفع إذا كان يخشى من مشقة الزحام، وإن كان لا يخشى وكان رجلاً قوياً فالأفضل أن يبقى حتى يصلي الفجر ويدعو الله عز وجل حتى يسفر
جداً، ثم ينصرف فإن تيسر له أن يكون وقوفه عند المشعر الحرام فذاك، وإن لم يتيسر حصل له الأجر، ولو كان في مكانه، للحديث الذي ذكرناه قبل قليل وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وقفت هاهنا وجمع كلها موقف " (1) .
س 1743: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا حججت العام الماضي وعند رمي الجمرات سقطت مني حوالي أربع حصوات، وأنا راجع لقيت صديقاً فطلبت منه حصوات ورجعت كملت الرمي فهل هذا جائز؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا جائز، لا حرج، ولكن لو أخذت من مكانك لا مانع، وهذا الذي مضى إن شاء الله لا شيء فيه، لكن في المستقبل إذا سقطت منك حصاة، أو حصاتان، أو كل الحصى
فخذ مما تحت رجلك في المكان الذي سقط منك وأنت في مكانك خذ الحصى وارم به؟ لأن الحجر حجر سواء كان حول الجمرات،
__________
(1) تقدم تخريجه ص (157) .
(24/158)

أو بعيداً عنها، ولا يؤخذ من مزدلفة، بل أخذه كله من مزدلفة ليس له أصل، لكن بعض السلف قد استحب أن يأخذه من مزدلفة لكي يبدأ برمي الجمرات بمجرد أن يصل إلى منى.
أما السنة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يأخذ حصى الجمرات من مزدلفة، ولهذا أقول أيضاً خذ الحصى من منى وأنت ذاهب في طريقك إلى الجمرات، أو من خيمتك في منى، ولا حرج عليك في هذا.
س 1744: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت في عام 1404 هـ أنا وزوجتي وكانت زوجتي حامل لا تستطيع أن ترمي الجمرات فوكلتني في الرمي عنها، وكان معنا شيخ كبير وزوجته وكلوني أيضاً في رمي الجمرات لهم، وفي اليوم الأول للرمي ذهبت إلى رمي الجمرات وأنا أنوى أن أرمي الصغرى فالوسطى فالكبرى، ولكني دخلت الساحة من تحت خطأ فرميت الكبرى فالوسطى فالصغرى ظناً مني أن الكبرى هي الصغرى فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الذين وكلوك لا يستطيعون الرمي أبداً لا ليلاً ولا نهاراً فتوكيلهم هذا لا بأس به، إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يرمي بنفسه لا ليلاً ولا نهاراً فإنه لا بأس أن يوكل من يرمي عنه، ولكن يرمي الوكيل عن نفسه أولاً فيقف مثلاً على الجمرة الأولى فيرمي سبعاً عن نفسه، ثم سبعاً عن موكله، ثم يرمي
(24/159)

الوسطى سبعاً عن نفسه، ثم سبعاً عن موكله، ثم جمرة العقبة سبعاً عن نفسه وسبعاً عن موكله.
وأما الإنسان القادر على الرمي فإنه لا يجوز أن يوكل بل يجب أن يرمي بنفسه، فإن كان يشق عليه مزاحمة الناس فليؤخر الرمي إلى الليل، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن لضعفة أهله أن يوكلوا بل قدمهم ودفعوا من مزدلفة بليل لأجل أن يرموا جمرة العقبة، كذلك الرعاة الذين يرعون الإبل في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن لهم أن يوكلوا من يرمي عنهم، بل أذن لهم ورخص لهم أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً يرمونه مع اليوم الثالث، فتهاون الناس بالتوكيل في الرمي خطأ عظيم فإن الله يقول: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (1) ومن إتمام الحج والعمرة أن يقوم الإنسان بجميع أجزائهما، ولا يحل له أن يوكل من يرمي عنه إلا إذا كان عاجزاً لا يستطيع لا ليلاً ولا نهاراً
كالشيخ الكبير والمريض والمرأة الحامل التي لا تستطيع أن ترمي. وأما مسألة الزحام فالزحام والحمد لله الآن وجد الجسر الذي يرمي الناس فيه من فوق ويمكن للإنسان أن يؤخر الرمي عن النهار
إلى الليل مثلاً يوم أحد عشر يؤخره إلى ليلة اثني عشر، ويوم اثني عشر لابد أن يرميه قبل أن تغرب الشمس إذا كان يريد أن يتعجل فإن كان يريد أن يتأخر فيرميه أيضاً ليلة ثلاثة عشر.
السائل: أنا رميت خطأ الكبرى فالوسطى فالصغرى ما الحكم؟
الشيخ: لم يصح، ما صح منه إلا رمي الأولى الصغرى، ولكن إذا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/160)

كان الإنسان جاهلاً ولا يدري فأرجو أن يكون رميه صحيحاً، وأنه لا شيء عليه.
س 1745: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن وقت الوقوف بعرفات هل يمكن أن يقف بالليل ليلة العاشر؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن يقف من بعد الظهر إلى غروب الشمس، والذي لم يدرك ذلك له إلى طلوع الفجر من الليلة العاشرة.
س 1746: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الذي يحج عن ميت ما هو الدعاء الذي يقوله هل يدعو لنفسه أم يدعو للميت؟
فأجاب فضيلته بقوله: يدعو لنفسه وللميت في الطواف والسعي وغيره، وهذا أحسن لكي يكون نافعاً للميت الذي حج من أجله.
س 1747: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل للعمرة طواف وداع؟ وما الحكم لو تركه؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم للعمرة طواف وداع إلا إذا كان الإنسان من نيته أن يطوف ويسعى ويقصر ويمشي ومشى، فهذا لا وداع عليه اكتفاء بالطواف الأول، أما إذا أقام بعد الطواف والسعي
(24/161)

فإنه لا يخرج حتى يطوف طواف الوداع لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " (1) والعمرة حج أصغر كما في حديث عمرو بن حزم الحديث المشهور أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "والعمرة الحج الأصغر " (2) .
س 1748: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: سيدة مريضة ولا تستطيع أن تحج هل ينفع أن يحج عنها ابنها الفريضة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أولاً: قلت إنها (سيدة مريضة) والذي ينبغي لنا أن نسمي النساء بأسمائهن فنقول (امرأة مريضة) أما إطلاق السيدة على المرأة فهذا جاءنا من الغرب، وليس من كلام الله
ورسوله أن تسمى المرأة سيدة، وإنما تسمى امرأة وأنثى وما أشبه ذلك، ونحن مسلمون والحمد لله ينبغي لنا أن نلتزم بالألفاظ التي جاء بها الشرع خصوصاً إذا كانت الألفاظ البديلة توحي بأمر يخالف
الشرع وهو تسويد المرأة وتقديمها على الرجال.
أما بالنسبة للسؤال فإن كانت المرأة هذه لا تستطيع الحج لكبر أو مرض لا يرجى برؤه فلا حرج أن يحج عنها ابنها إذا كان قد أدى الفريضة عن نفسه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من
خثعم أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض (1327) .
(2) أخرجه ابن حبان كما في الموارد (793) والحاكم (1/395- 397) والدارقطني (1/121) ، والبيهقي (1/88) وصححه إسحاق بن راهويه والشافعي وابن عبد البر، انظر التلخيص الحبير (175) .
(24/162)

على عباده في الحج شيخاً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم " (1) .
س 1749: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة كبيرة في السن لا تستطيع الحج فهل يجوز لابنتها أن تحج عنها؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز أن تحج عنها بعد أن تؤدي الحج عن نفسها هي، فإذا كانت البنت لم تحج عن نفسها من قبل تبدأ بالحج عن نفسها أولاً ثم تحج عن أمها.
س 1750: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي الأدعية الواردة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في يوم عرفة؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأدعية الواردة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كثيرة منها ذكر الله عز وجل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وقد ذكر ابن القيم- رحمه الله- جملة كثيرة منها في زاد المعاد فارجع إليها. وليس بلازم أن الإنسان يتقيد بما ورد، إن كان يدركه ويحفظه فذلك المطلوب، وإن كان لا يدركه فليدع بما شاء، وكل إنسان له حاجة في نفسه يرفعها إلى الله عز وجل ويدعوه ويسأله، لكن المهم هو صدق اللجوء إلى الله عز
وجل والافتقار إليه، وأن يدعو الإنسان بقلب حاضر وأن يؤمل الإجابة من الله عز وجل، وأن يشعر بأنه يناجي ربه سبحانه وتعالى
__________
(1) تقدم تخريجه ص 127.
(24/163)

في ذلك الدعاء، وأن يحرص على أن يكون الدعاء في آخر النهار يتفرغ له تفرغاً كاملاً.
س 1751: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن قص الشعر بحج أو بغير حج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الرجل في الحج يشرع له أن يحلق رأسه حلقاً كاملاً، فإن قصر من جميع الرأس أجزأه، لكن الحلق أفضل، أما المرأة فإنها تقصر من شعر رأسها بقدر أنملة، شيء يسير
قدر أنملة الأصبع من جميع ظفائر الرأس.
س 1752: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن تدخل المرأة المسجد الحرام وعليها العادة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تمكث المرأة في المسجد الحرام ولا في غيره من المساجد وهي حائض، أما تدخل مارة فتمر مروراً فلا بأس بذلك إذا أمنت تلويث المسجد، فإن كانت مع أهلها
وكان عليها العادة وأهلها دخلوا إلى المسجد فهي تبقى في المسعى تنتظرهم فيه.
س 1753: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رمي الجمرات هل يكون الرمي باليد اليمنى أم بالشمال؟
(24/164)

فأجاب فضيلته بقوله: يكون باليد اليمنى أفضل لأنها عبادة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله، لكن إذا كان الإنسان أعسر يعني لا يعمل
بيده اليمنى وإنما يعمل بيده اليسرى فلا حرج عليه أن يرمي باليسرى.
السائل: والإشارة باليد عند تعسر استلام الحجر؟
الشيخ: أيضاً باليمنى، وكذلك استلام الحجر، واستلام الركن اليماني يكون باليمنى ما يكون باليسرى، والإشارة تكون باليمنى فقط، ولا تكون باليدين جميعاً، بل تكون بيد واحدة فترفع اليد
اليمنى فقط كأنك تشير إلى أحد تسلم عليه، والإشارة تكون إلى الحجر، أما الركن اليماني فلم يرد فيه إشارة.
س 1754: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أديت فريضة الحج منذ سنتين وأنا الآن في مكة، وقد أديتها متمتعاً، وذبحت هدياً ولكني بعد طواف الإفاضة لم أسعَ فما الحكم؟ والآن عملت عمرة
في مكة وتمتعت للحج الثاني والسبب في أنني لم أسع هو أنني فهمت خطأ من الكتاب لأنه قال (تطوف طواف الإفاضة ثم تذهب إلى منى) .
فأجاب فضيلته بقوله: كان ينبغي أن تسأل. المهم عليك أن تسعى الآن مادمت في مكة، تسعى السعي الذي تركته في حجتك
(24/165)

الأولى وتتوب إلى الله عز وجل ولا تتعود، يجب على الإنسان أن يسأل عن دينه مبادراً بذلك.
على كل حال ما قلت (من أنك جاهل بالحكم ولم تكن مهملاً) يرفع الله به الأثم إن شاء الله، والآن عليك أن تقضي السعي الذي تركته في الحجة الأولى بملابسك العادية، وكذلك من كان معك من أهلك إذا كانوا لم يسعوا.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فأنتم الآن تركتم السعي جهلاً وعلمتم الآن فأتوا به، وما عليكم إلا أن تتوبوا إلى الله بتأخير السؤال، الذي ينبغي أن تسألوا في وقته.
س 1755: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: جاءت والدتي من مصر في شهر ذي القعدة الحالي ونزلت في مطار جدة وأحرمت من جدة وعملت عمرة والآن هي في زيارتنا في الرياض وتريد أن تحج هذا العام إن شاء الله فهل عليها هدي لأنها عملت عمرة في أشهر الحج وهي حينما جاءت من القاهرة كانت تنوي الحج في هذا العام؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم عليها الهدي؛ لأنها متمتعة، وعليها أيضاً فدية دم تذبحها في مكة وتوزعها على الفقراء لترك الإحرام من الميقات؛ لأنها ما أحرمت إلا من جدة، كان يجب عليها أن تحرم من محاذاة أول ميقات تمر به في الطائرة.
(24/166)

س 1756: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل سوداني مقيم في الرياض عمل عمرة في الأسبوع الماضي ورجع إلى الرياض ويريد الحج هذا العام هل عليه هدي لأنه عمل عمرة في أشهر الحج كذلك، ولما أتى بالعمرة نيته أن يحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذاً الأحوط أن يذبح الهدي؛ لأن الرياض ليست بلده، والمتمتع إذا سافر بين العمرة والحج لغير بلده فإنه يبقى على تمتعه ويجب عليه الهدي، أما لو رجع إلى بلده ثم أنشأ السفر من بلده بالحج فقط فهو مفرد ولا هدي عليه، كما لو كان واحد من أهل الرياض مثلاً أتى بعمرة في أشهر الحج وقد نوى أن يحج هذا العام ثم عاد إلى الرياض ثم رجع من الرياض بحج فقط
فهو مفرد ولا هدي عليه لأنه أنشأ سفراً جديداً للحج، أما السوداني المقيم في الرياض فإن الرياض لا تعتبر بلده ولذلك قلت لك أن الأحوط أن يذبح الهدي لأنه متمتع.
س 1757: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنوي إن شاء الله الحج هذا العام ووالدي ووالدتي متوفية، وأنا حججت عن نفسي فهل أحج عن الوالد أو أحج عن الوالدة وكلاهما لم يحج الفريضة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ابدأ بالأم أولاً؛ لأن بر الأم مقدم على بر الأب.
(24/167)

س 1758: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة لميقات أهل المدينة هل يجوز لي أن أحرم من المدينة أو من أبيار علي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن تحرم من أبيار علي لأنه الميقات الذي وقته النبي - صلى الله عليه وسلم -، تخرج من المدينة وتنزل في أبيار علي وتغتسل ثم تحرم من هناك أفضل، وإذا كنت تخشى من الزحام والضيق واغتسلت في المدينة وخرجت إلى أبيار علي ولبست إحرامك هناك وأحرمت فلا حرج.
س 1759: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة للصلوات التي تصلى في المدينة هل يجب أن تكون خمس صلوات أم أقل؟
فأجاب فضيلته بقوله: أبداً ليس لها أصل، ولا يلزم أن تكون خمس صلوات، صل صلاة واحدة أو ثنتان أو خمس أو عشر حسب إقامتك في المدينة وليس هناك شيء محدد.
س 1760: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا معي زوجتي وطفلة صغيرة عمرها أربعة شهور هل يجوز أن توكلني زوجتي في رمي الجمار؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان لا يمكنها أن ترمي هي فلها أن توكلك، وأما إذا كان يمكنها أن ترمي ولو في الليل فلترم هي.
بالنسبة للطفلة لا تحرم لأن إحرامها الآن فيه مشقة عليكم
(24/168)

وعليها، تعرف زحام وهذا الأمر ليس بواجب والحمد لله.
س 1761: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل أثناء الحج وقبل أن يذهب إلى عرفات حصلت له حادثة فلم يستطع صعود جبل عرفات فما الحكم في ذلك مع أنه وصل عرفات؟
فأجاب فضيلته بقوله: استمع بارك الله فيك، الصعود إلى جبل الرحمة كما يسمونه- جبل الرحمة- غير مشروع وليس هو مسنون، وليس عليه شيء إذا لم يصعد، وأقول لك: لا تصعد إلى الجبل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصعد إلى الجبل، إنما الجهال الذين لا يعرفون هم الذين يقولون يجب صعوده، ولو سألتني هل الأفضل أن أصعد الجبل أو ما أصعد؟ لقلت لك الأفضل ألا تصعد، ومتى وصل أرض عرفات يكفي فيقف هناك ولو بقي فيها في السيارة.
س 1762: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججنا قبل خمس سنوات وجلسنا في عرفات إلى الساعة التاسعة بسبب الزحام ولم نصل المغرب وذهبنا إلى مزدلفة ولم نصلها إلا الساعة الواحدة ليلاً هل علينا شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حصل هذا وخفتم أن ينتصف الليل فصلوا في مكانكم في عرفة أو في غيرها؛ لأنه لا يجوز أن تؤخر صلاة العشاء إلى ما بعد نصف الليل، والذي مضى منكم نرجو الله
(24/169)

أن يعفو عنكم وليس عليكم فيه شيء، لكن في المستقبل يجب أن تصلوا العشاء قبل نصف الليل، فالواجب عليكم لما وصلت الساعة التاسعة أن تصلوا المغرب والعشاء ولو في عرفة.
س 1763: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز التوكيل للحريم في الجمار بسبب الزحمة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للحريم أن يوكلن في الجمار، يجب أن يرمين هن بأنفسهن، وأما عند الزحمة فيذهبن بالليل لا يكون هناك زحمة.
التوكيل لا يجوز إلا للإنسان المريض والكبير الذي ما يقدر يمشي، والجمرات التي ترمى بالنهار ترمى ليلاً، جمرات الحادي عشر ترمى ليلة اثنتي عشر لا مانع لأنه يجوز الرمي ليلاً للحاجة.
س 1764: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أخرنا طواف الإفاضة مع طواف الوداع يوم نزلنا من منى طفنا مرة واحدة وسعينا فهل يكفي؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس، يكفي لأنه إذا طاف الإنسان طواف الإفاضة عند السفر أجزأ عن الوداع.
(24/170)

س 1765: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الناس يستطيعون الحج لكنهم لا يحجون يقولون لم ينادي المنادي بعد أو لم يرد الله تعالى، فما الحكم في ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: الصحيح من أقوال أهل العلم أن الحج واجب على الفور، وأن الإنسان إذا صار مستطيعاً وجب عليه أن يبادر بالحج؛ لأن أوامر الله عز وجل وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم - يجب أن يبادر بها الإنسان، إذ لا يدري ماذا يعرض له، ربما يموت، ربما يفتقر، ربما يمرض، فالواجب على كل إنسان استطاع الحج أن يبادر به إذا كان فرضه، لأن الله تعالى يقول: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (1) وفي
الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر من وجب عليه الحج أن يبادر ويعجل إلى الفريضة فإنه لا يدري ما يعرض له.
س 1766: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يعمل بالمملكة ويريد أن يحج هذا العام وعليه مبلغ ألف ريال دين ولا يستطيع الوفاء به الآن هل الأفضل أن يحج أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان بعد أن يرجع من الحج يجد دراهم يعطيهم فإنه يستأذن منهم، فإذا وافق أصحاب الدين وكان عنده دراهم يعطيهم بعد الرجوع فلا بأس.
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(24/171)

س 1767: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك فترة زمنية بين الاغتسال والإحرام يعني هل يمكن أن أغتسل للإحرام في الصباح وأحرم في المساء؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن الاغتسال يكون عند الإحرام ما يكون هناك فارق زمني.
س 1768: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة اغتسلت للإحرام ثم تطيبت وسرحت شعرها قبل أن تحرم فهل هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: مادام قبل الإحرام فلا شيء عليها.
س 1769: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا شخص مقيم في المملكة وأريد أن أحج مفرداً، الهدي الذي يكون للقارن والمتمتع هل هو فضيلة أم يكون جبراً لخلل؟ وهل علي هدي؟
فأجاب فضيلته بقوله: هو فضيلة وهو من باب الشكر لله؛ لأن المتمتع والقارن حصل لهما نسكان في سفر واحد فكان من شكر نعمة الله عليهما أن يذبحا هدياً، والمفرد ليس عليه هدي لكن التمتع
مع الهدي أفضل.
س 1770: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن التلفظ بالنية عند الصلاة والحج؟
(24/172)

فأجاب فضيلته بقوله: لا يتلفظ بالنية، والنية تكون في القلب لا في اللسان.
س 1771: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا الآن أغتسل وأفارق بلدي وألبس الإحرام فلماذا أتلفظ بالنية في الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك تلفظ بالنية في الحج أيضاً إنما تلبي، تقول: لبيك عمرة، لبيك حجاً، أما أن تقول: اللهم إني نويت العمرة أو نويت الحج فهذا ما ورد عن الرسول عليه الصلاة
والسلام.
س 1772: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حجت والدتي الفريضة ولم يتيسر لها أن ترمي الجمرة مع أنها وصلت إلى الجمرة لكنها لم تقدر ووكلت من يرمي عنها فهل عليها شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليها شيء.
س 1773: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في المرة الثانية لم ترم أيضاً لأن الرجال منعوها وبقية النساء من الدخول فلم تستطيع الدخول ووكلت فهل عليها شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: الواجب على المرأة وغير المرأة إذا كانت قادرة أن ترمي بنفسها، ولا يحل لها أن توكل، وإذا كان زحام
(24/173)

فلترم بالليل، ولهذا لم يأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لسودة بنت زمعة ولضعفة أهله أن يوكلوا، ولا أذن للرعاة أن يوكلوا. وجعلهم يرمون بأنفسهم فقدم الضعفة من أهله ليلة المزدلفة ولم يأذن لهم أن يتأخروا ويولكوا.
والرعاة جعلهم يرمون يوماً بعد يوم، وما فعله الناس اليوم من التهاون بالرمي والتوكيل خطأ مخالف لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (1) .
السائل: فعلت ذلك عن جهل لأنهم لم يعرفوا ذلك الحكم؟
الشيخ: على كل حال إذا كانت وكلت عن جهل فليس عليها إثم، لكن إذا كانت موسرة تستطيع أن تذبح فدية في مكة وتوزعها على الفقراء هناك فهذا طيب، سواء ذهبت هي بنفسها أو وكلت أحداً يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء، وإذا ما عندها فلوس فنرجو الله لها العفو والمغفرة.
س 1774: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أديت فريضة الحج منذ سنوات، وخرجت من الرياض إلى جدة أولاً بقصد زيارة والد زوجتي ثم كان في نيتي أن أذهب إلى المدينة وأحرم من الميقات (أبيار علي) ولكن لما ذهبت إلى جدة وسألت أحد الشيوخ هناك فقال لي ممكن تحرم من جدة وتذهب إلى مكة، ثم سألت للتأكد شيخاً آخر فقال: لا يصح لأنه يجب أن تحرم من الميقات، فرجعت
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/174)

إلى الشيخ الأول وقال: هذا خطأ احرم من هنا، فأحرمت من جدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: مادمت أنك خرجت من الرياض تنوي الحج فيلزم أن تحرم من الميقات، والذي قال لك أحرم من جدة فهو غلطان، وأما أنت فلا شيء عليك لأنك فعلت ما أوجب الله عليك من سؤال أهل اعلم؛ لأن الله عز وجل يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (1) وإذا أفتى الإنسان مفت وأخطأ فلا إثم على المستفتي ولا لوم، الإثم إذا كان هناك إثم فهو على من أفتاه.
س 1775: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنوي الحج هذا العام فهل إذا كان علي كفارة أو دفع أؤديها؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يمكن أن تذبحها هذا العام وتوزعها على الفقراء.
س 1776: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: زوجتي قادمة للحج هذا العام، وأنا ذاهب من الرياض إلى مكة للعمرة فهل يصح أن أخرج من مكة لاستقبالها في جدة بعد أداء طواف القدوم؟
فأجاب فضيلته بقوله: تحرم بالعمرة وإذا وصلت مكة تطوف وتسعى وتقص شعر رأسك من جميع الرأس لا من جانب واحد ثم تخرج إلى جدة لاستقبال أهلك ولا شيء في ذلك.
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(24/175)

س 1777: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كم عدد الجمرات؟
فأجاب فضيلته بقوله: عدد الجمرات ثلاث، ترمي يوم العيد جمرة العقبة فقط، وترمي بقية الأيام جميع الثلاث. عدد الجمرات أول يوم (يوم العيد) سبع حصيات فقط. واليوم الحادي عشر واحد
وعشرون حصاة، ترمي بها الأولى، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة كل واحدة بسبع حصيات. واليوم الثاني عشر واحد وعشرون حصاة ترميها كاليوم الحادي عشر.
س 1778: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا مقرنة الحج مع العمرة، وذلك لأني ما أستطيع أن أمشي كثيراً فهل يلزم على كل واحد منا فدية أو تكفي فدية واحدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، على كل واحد هدي.
السائل: يوم النحر يذبح لكل واحد أضحية؟
الشيخ: على كل واحد هدي، أما الأضحية فلغير الحجاج، والحجاج عليهم هدي فقط لكنه ليس بواجب إلا على المتمتع والقارن.
س 1779: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا سعى الحاج سعي الحج والعمرة معاً فهل يسعى مرة ثانية بين الحج والعمرة؟
(24/176)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان قارناً يكفيه سعي واحد، أما المتمتع فعليه سعيان سعي للعمرة وسعي للحج، وليس هناك سعي بين الحج والعمرة.
س 1780: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا مقيم هنا للعمل ونويت تأدية فريضة الحج هذا العام، وعلي ديون لبعض الناس في بلدي واستأذنتهم وتعهدت لهم بأدائه إذا رجعت إن شاء الله وقد أذنوا لي بذلك فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس ما دامت ديوناً يمكن أن توفيها في المستقبل إن شاء الله وسمحوا فلا بأس.
س 1781: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنوي أن أزور مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل أن أحج ففي هذه الحالة من أين أحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: تحرم من أبيار علي بعد أن تزور المسجد النبوي فإذا اتجهت إلى مكة تحرم من أبيار علي.
س 1782: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هي أقل مدة يمكن أن يجلسها الحاج في عرفة ويعتبر حجه مقبول؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحاج في عرفة يجب أن يبقى حتى غروب الشمس، إذا غربت الشمس سار إلى مزدلفة، أما قبل
(24/177)

الغروب فلا يجوز أن يخرج، ولكني أقول لك انتبه لحدود عرفة؛ لأن بعض الناس ينزلون خارج حدود عرفة، ومن لم يقف بعرفة فلا حج له.
س 1783: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الحجاج وقفوا خارج عرفة ولكن قبل ساعة من نفرة الحجيج اتضح لهم أنهم خارج عرفة فلم يمكثوا فيها إلا مدة ساعة فهل يعتبر حجهم مقبول في هذه الحالة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا دخلوا إلى عرفة قبل الغروب ولم يخرجوا إلا بعد الغروب فحجهم صحيح ولا شيء فيه.
س 1784: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الحجاج لا يستطيعون المبيت في مزدلفة من أصحاب العوائل والأعذار هل في ذلك شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، لابد أن يبيتوا بها، ولكن إذا كانوا عوائل وضعفاء يخرجون في آخر الليل، إذا غاب القمر خرجوا من مزدلفة إلى منى ورموا جمرة العقبة.
س 1785: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض الحجاج يطوفون طواف الوداع في اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق قبل
(24/178)

رمي الجمرات هل هذا صحيح أرجو التنبيه؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، هذا غير صحيح؟ لأن طواف الوداع لا يجوز إلا إذا انتهى النسك، ولا ينتهي النسك إلا برمي الجمرات في اليوم الثاني عشر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " (1) .
ومن طاف ثم رجع ورمى فآخر عهده بالجمار لا بالبيت.
س 1786: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في شهر رمضان كنتم تجيبون على بعض الأسئلة في الحرم المكي وكان السؤال حول لبس المخيط وفهمنا نحن الحضور أنه يجوز لبس السراويل أو
الفنايل الداخلية، أرجو تفسير هذه النقطة يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب فضيلته بقوله: السراويل لا يجوز لبسها إلا إذا كان الإنسان ما معه إزار، إذا لم يجد إزاراً فليلبس السراويل، أما إذا وجد الإزار فلا يجوز أن يلبس السراويل، لكن الذي يجب التنبه له
أن بعض العوام يفهمون من قول العلماء البس المخيط (أن المراد: ما فيه خياطة، وهذا خطأ؛ لأن مراد أهل العلم بقولهم لبس المخيط ما فصل على البدن أو على جزء منه، وأما الذي فيه الخياطة فهذا إذا كان إزاراً أو رداءً، أو نعلين، أو حزاماً، أو كمراً فهذا كله لا بأس به، فمراد العلماء بلبس المخيط ما لا يحل لبسه مما صنع على هيئة
__________
(1) تقدم تخريجه ص 162.
(24/179)

البدن، أو على هيئة جزء من البدن، وأما ما فيه الخياطة فلا بأس به إذا كان مما يجوز لبسه.
س 1787: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أريد أن أحج عن أخت لي توفيت فكيف أعقد نية الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: تقول: لبيك عن أختي، وتنوي عنها الأفعال كالطواف والسعي، وكل شيء تفعله تنويه عن أختك.
س 1788: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يقولون: إنه إذا أدى شخص العمرة خلال هذه السنة ممكن يؤدي الحج مفرداً هل هذا صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم صحيح يمكن أن يؤديه مفرداً، لكن الأفضل التمتع، ولو كان قد أخذ عمرة؛ لأن التمتع أفضل.
س 1789: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حج شخص منذ سنتين، وطاف طواف الحج لكنه لم يسع سعي الحج فماذا عليه وقد تركه جاهلاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليسع الآن بملابسه وليس عليه شيء لأنه جاهل.
(24/180)

س 1790: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كيف يتم إحرام الولد الذي عمره أقل من سنتين؟
فأجاب فضيلته بقوله: يتم إحرامه بنية وليه عنه، فينوي عقد الإحرام له، ولكن أخشى أن يكون في إحرامه مشقة عليكم وعليه، فالأحسن أن لا تحرموا له.
س 1791: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يصح أن أرمي عن زوجتي وولدي الجمار بسبب الزحام؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما الولد فإن كان صغيراً فلا يلزمكم أن تحرموا له، وحينئذ ليس عليه رمي جمرات ولا غيره، وأما الزوجة فيجب أن ترمي الجمرات بنفسها ولو في الليل، ولا يجوز أن ترمي عنها إلا أن تكون عاجزة لا تستطيع الوصول إلى الجمرات إلا بمشقة.
س 1792: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أرغب في النزول إلى جدة عند أهلي والبقاء عندهم كم يوم قبل الطلوع إلى مكة فهل يجب أن أحرم من الميقات أم يصح أن أحرم من جدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجب أن تحرم من الميقات.
س 1793: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا وصلت إلى منى يوم الثامن من ذي الحجة قريباً من العصر أو قريباً من المغرب فهل
(24/181)

أصبت السنة أم يجب أن أصلها صباحاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن تصلها ضحى اليوم الثامن وتصلي فيها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر قصراً للرباعية بدون جمع.
س 1794: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا رميت جمرة العقبة يوم النحر وجئت إلى مكة لطواف الإفاضة ثم رجعت إلى منى قريب المغرب أو بعده فهل يجب أن أصل إلى منى قبل المغرب؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، لا يلزم فلو وصلتها مثلاً بعد المغرب لا مانع، لكن لابد أن تقضي معظم الليل في منى، والمقصود المبيت فقط.
س 1795: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنوي الحج هذا العام عن الوالدة رحمها الله، وسمعت البارحة في برنامج نور على الدرب يقول: أنه لا يجوز أن يحج الشخص وعليه دين؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لا تحج وعليك دين؛ لأن الدين مقدم على الحج، إذا كانت الفريضة تسقط عن المدين فغير الفريضة من باب أولى، فلا تحج عن والدتك قبل أن تقضي الدين الذي
عليك.
السائل: هذا الدين على أقساط أسددها شهرياً، وعندي ما يكفيني ولله الحمد.
(24/182)

الشيخ: مادام أنه أقساط شهرية، وأنت عندك ما توفي به فلا بأس.
السائل: هل أنوي العمرة والحج كلها صدقة عن الوالدة؟
الشيخ: نعم.
س 1796: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نحن من سوريا نريد أن نضحي لكن سنصل بلدنا بعد العيد ممكن نوكل أحد يضحي عنا؟ وما هي الشروط التي يلزم توفرها في الشخص الذي لازم يضحي؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم ممكن توكلون أحداً يضحي عنكم في سوريا.
أما الشروط التي يلزم توفرها فيمن يضحي فهي أن يكون قادراً على الأضحية مع أن الأضحية سنة مؤكدة، وقال بعض العلماء: إنها واجبة.
س 1797: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت قبل سنتين وصار في أثناء الحج جدال فهل أعيد الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تعيده، ولكن تتوب إلى الله وتستغفر الله.
س 1798: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدتي توفيت ولم تحج الفريضة وكانت ترغب في الحج هل أحج عنها أم الأفضل أن
(24/183)

أتصدق عنها؟ وهل يصل ثواب الحج لها؟
فأجاب فضيلته بقوله: حج عنها، وإن شاء الله يصل ثواب الحج لها.
س 1799: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: منذ سنين ذهبنا إلى مكة ولما وصلنا مرضت إحدانا فلم تعتمر وبقيت في إحرامها لمدة يومين ثم اعتمرت؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا حرج عليها.
س 1800: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعد أن يطوف الحاج طواف الوداع هل يحق له أن يقيم في مكة ليأخذ بعض الراحة كأن ينام عند قريب له سواء في العمرة أو الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز، إذا نام يجب عليه أن يعيد الطواف.
س 1801: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: طاف شخص ثلاثة أشواط ثم أحدث فخرج ليتوضأ فهل يبدأ من الأول أم يتم ويبني على ما قدم؟
فأجاب فضيلته بقوله: يبدأ من الأول.
(24/184)

س 1802: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص من سكان الرياض أدى العمرة في أشهر الحج هل يكون متمتعاً وقد رجع إلى الرياض وسيعود إن شاء الله لأداء الحج وهو مقيم في الرياض؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا لم يكن من أهل الرياض المواطنين وكان ينوي أن يعود إلى مكة لأداء الحج فالأحوط أنه يذبح هدياً؛ لأن الرياض ليست بلده، أما إن كان من أهل الرياض ورجع محرماً
بالحج فإن الهدي يسقط عنه.
السائل: ولكنه مقيم لسنوات طويلة في الرياض؟
الشيخ: نعم إقامة وليست سكنى فالأحوط أن يذبح هدياً ويكون متمتعاً وينال أجر المتمتع.
السائل: وإذا نوى أن يحج مفرداً.
الشيخ: لكنه أتى بعمرة في أشهر الحج فيكون متمتعاً.
س 1803: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا لبس الرجل ملابس الإحرام فهل يجوز له أن يغطي رأسه قبل التلفظ بالنية؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم مادام أنه لم يدخل في النسك فله أن يغطي رأسه ويتطيب؛ لأن النسك ما يلزم إلا إذا نوى ودخل.
السائل: إذا نسي التلفظ بالنية ولم يذكرها إلا بعد تعدي الميقات بمسافة؟
الشيخ: نية القلب تكفي، إذا نوى أنه الآن دخل في النسك فقد دخل
(24/185)

سواء تلفظ بالنية أم لم يتلفظ.
س 1804: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك فرق عملي بين الإفراد والقران سوى نحر الهدي؟
فأجاب فضيلته بقوله: أبداً لا فرق بينهما عملياً، إلا أن القران فيه الهدي، وأيضاً القران يحصل فيه حج وعمرة، بخلاف الإفراد.
س 1805: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من نحر الهدي يوم العيد لكن في عرفة خارج حدود الحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز على ما قاله أهل العلم؛ لأنه يجب أن يكون هدي التمتع والقران في نفس الحرم، يعني داخل الأميال.
السائل: ألا تدخل في عموم قوله في الحديث فجاج مكة؟
الشيخ: لا، هذا خارج فجاج مكة؛ لأن عرفة من الحل وليست من مكة، ولا تعتبر من فجاج مكة.
س 1806: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل على الحاج المفرد فدي أم لا؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا، ليس عليه هدي.
(24/186)

س 1807: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجزئ طواف القدوم عن طواف الإفاضة للحاج المفرد؟
فأجاب فضيلته بقوله: طواف القدوم لا يجزئ عن طواف الإفاضة؟ لأن طواف الإفاضة يجب أن يكون بعد عرفة.
س 1808: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الحاج المفرد هل يطوف ويسعى أم يطوف فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحاج المفرد يطوف ويسعى، لكن إذا سعى بعد طواف القدوم يكفي.
س 1809: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو ترتيب أعمال يوم النحر للمفرد؟
فأجاب فضيلته بقوله: أعمال يوم النحر للمفرد هي رمي جمرة العقبة، ثم ذبح الهدي لمن يريد أن يهدي، ثم يحلق ويقصر، ثم يطوف ويسعى خمسة أعمال، ويتحلل إذا رمى وحلق أو قصر التحلل الأول، فإذا فعل الخمسة كلها حل التحلل الثاني، والأفضل أن ترتب كما ذكرنا فإن قدم بعضها على بعض فلا حرج.
س 1810: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أريد الحج هذا العام وعندي عمارة مشترك فيها مع أخي وعلينا فيها دين مؤجل،
(24/187)

ووعدني أخي بقضاء الدين عني عند ذهابي للحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الدين مؤجلاً وليس حالاً، وعندكم ما توفون به الدين إذا حل، بمعنى إذا حل عليكم القسط عندكم مال توفون به فلك أن تحج.
س 1811: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن آخذ سلفة زيادة على ما معي وأحج بها؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأحسن ما تأخذ سلفة. يعني ما يجوز، لا تأخذ سلفة فتحمل نفسك الدين لأنك في هذه الحالة ما يجب عليك الحج.
س 1812: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تمشط المرأة شعرها في أيام عشر ذي الحجة سواء تريد أن تضحي أو يضحى عنها؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن كانت هي ستضحي فلا تكد الشعر؛ لأنه يتساقط، أما إذا كان سيضحى عنها فلا بأس أن تمشط، لأن الذي يضحى عنه لا شيء عليه وكذلك قص الأظافر.
س 1813: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة أن تعتمر في رمضان وهي في عدة وفاة، وإذا اعتمرت جاهلة فماذا عليها؟
(24/188)

فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن تعتمر وهي في عدة وفاة، وإذا اعتمرت وهي جاهلة بالحكم فلا شيء عليها.
س 1814: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تريد الحج وهي لم تصم رمضان إذ عليها صيامه قضاء؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز للمرأة أو الرجل الحج ولو كان عليه قضاء رمضان.
س 1815: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل صيام ثلاثة الحج جائز؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس له أصل لكن صيام يوم عرفة يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده.
س 1816: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للحاج غسل اليدين والوجه بالصابون؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يجوز إذا كان الصابون ليس فيه طيب، وإذا كان الصابون مطيباً أو فيه رائحة طيب فلا يجوز.
السائل: هل يجوز استعمال معجون الأسنان؟
الشيخ: لا بأس به.
السائل: حتى لو كان به طيب.
الشيخ: لا، كل شيء فيه طيب لا يجوز استعماله للمحرم لكن أظن
(24/189)

أن معجون الأسنان ليس فيه طيب.
السائل: فيه رائحة النعناع؟
الشيخ: النعناع ما يخالف.
س 1817: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نريد الذهاب للطائف ومن هناك نريد أن نذهب للعمرة ونعود للطائف ثم نفرد بالحج منه فهل يجوز؟ وهل يجوز أن نخرج من مكة بعد أن نعتمر؟
وهل هذا تمتع؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لا حرج أن تخرجوا من مكة وتبقوا في الطائف فإذا كان يوم ثمانية تحرمون بالحج من الطائف، وتمتعكم باق وعليكم الهدي، ولا حرج عليكم أن تخرجوا إلى
الطائف بعد العمرة؟
السائل: هل التمتع ينقضه الخروج؟
الشيخ: التمتع ينقضه الخروج إلى بلدك، إذا رجعت إلى بلدك ثم عدت من بلدك إلى مكة بحج مفرد انقطع التمتع، أما إذا ذهبت إلى الطائف أو إلى جدة فإن التمتع باق.
السائل: لو نوينا الإفراد أفردنا عمرة وأفردنا الحج؟
الشيخ: ما يحصل مادام أنك نويت أن تحج من عامك فأنت متمتع فإذا نويت العمرة والحج من هذه السنة وكانت العمرة في أشهر الحج فأنت متمتع.
(24/190)

السائل: إذا لم أعتمر بل أنزل في الطائف حتى يوم ثمانية ثم أذهب إلى مكة، ولا آتي بعمرة؟
الشيخ: إذا كنت لم تأت بعمرة ولكن أتيت الطائف وما فيها حتى قرب الحج ثم أحرمت بالحج فإنك تكون مفرداً. أما إذا أحرمت بالعمرة في أشهر الحج وأنت قد نويت الحج هذا العام فأنت متمتع
ولو ذهبت إلى الطائف ما لم ترجع إلى بلدك، فإذا رجت إلى بلدك ثم عدت من بلدك محرماً بالحج وحده فأنت غير متمتع فلا هدي عليك.
س 1818: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت العام الماضي ورمت اليوم الأول، واليوم الثاني والثالث وكلت زوجها فماذا عليها؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كانت وكلت زوجها لأنها تعبت ولم تقدر فلا بأس.
س 1819: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت مرتين كلها لم ترم فيها وهي مستطيعة وزوجها يرفض لمزاحمة الرجال فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: كان ينبغي أن ترمي بالليل، وعلى كل حال إذا هي قادرة تذبح فديتين في مكة، واحدة عن السنة الأولى والأخرى عن السنة الثانية.
(24/191)

س 1820: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت عام 1403 هـ وأريد أن أحج عن والدتي المتوفية فهل يصح ذلك أم أجدد الحجة مرة ثانية؟ وهل فيه ما يسمى تجديد حجة؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كنت حججت الفريضة بعد البلوغ وكانت والدتك توفيت ولم تفرض فحجي عنها، وليس هناك شيء اسمه تجديد حجة.
س 1821: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: زوجي حج عن خالته بدون أن توكله فهل يصح أم يلزم أن توكله؟
فأجاب فضيلته بقوله: هل حج عنها الفريضة أو نافلة؟
السائلة: الفريضة.
الشيخ: هل خَالته حية أم ميتة؟
السائلة: موجودة لكن صحتها لا تسمح ولا تستطيع.
الشيخ: لما حج عنها وأخبرها وافقت أم رفضت؟
السائلة: وافقت وفرحت.
الشيخ: إذاً يكفي.
س 1822: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: والدي ووالدتي يرغبون في الاتيان من اليمن للحج، وظروفي صعبة إذ لا أستطيع الذهاب إلى جدة وأصير متمتعاً فهل يجوز أن يأتوا إلى جدة بدون نية
(24/192)

الحج ولا العمرة حتى يأتي اليوم الثامن فينوا الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: يلزم أن يحرموا من الميقات. السائل: لو فرضنا أنهم نووا الحج فهل يحق لهم أن يغيروها إلى عمرة فيصيروا متمتعين؟
الشيخ: نعم يمكن، وهذا هو الأحسن، والهدي إن كانوا قادرين يهدوا، وإن لم يكونوا قادرين يصومون ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعوا إلى بلادهم.
س 1823: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت من قبل مرتين وأريد الحج هذا العام وأن أهب هذه الحجة لوالدي المتوفي، وأنا لا أعمل وليس لي دخل فهل يجوز أن أحج من مال زوجي؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا وافق زوجك فلا مانع.
س 1824: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في حجتي الأولى منذ أربع سنين مررنا بمزدلفة لجمع الحصوات منها ولم نتمكن من المبيت بها بسبب المرور حيث لم يسمح لنا بالوقوف؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه تحتاج إلى نظر.
س 1825: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قضينا أول يوم العيد وثاني يوم وثالث يوم العيد رمينا الجمرات في الصباح ومشينا
(24/193)

لأنه كان معنا طفلة مريضة فهل علينا دم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يقول العلماء عليكم دم يذبح في مكة ويوزع على الفقراء.
س 1826: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة للقارن يجب أن يأخذ الهدي من مكانه أو يمكن أن يأخذه من مكة؟
فأجاب فضيلته بقوله: ممكن من مكة أو من منى ولا يلزم أن تأخذها من مكانك.
س 1827: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا لم أقض فرضي ومعي من المال ما يكفي لحجة شخص واحد، وولي أمري ليس لديه القدرة للحج بنفسه معي، فهل أعطي هذا المال لمن يحج به عن أمي التي توفيت مع العلم أني موظفة وآمل أن أوفر ما يكفي لحجي وحج ولي أمري السنة القادمة إن شاء الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تعطي النقود ليُحج بها عن أمك المتوفاة، ولكن احفظيها لتحجي بها إن شاء الله.
س 1828: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حاج ذاهب إلى مكة وهو قادم من خارج المملكة هل يفسخ إحرامه بعد رجوعه من مكة؟
(24/194)

فأجاب فضيلته بقوله: إذا وصل مكة يطوف ويسعى ويقصر ويحل من إحرامه ويلبس ثيابه المعتادة، وإذا صار يوم ثمانية من ذي الحجة يحرم بالحج.
س 1829: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كنت عملت عمرة وأنوي الحج هذه السنة إن شاء الله، فعندما أذهب أطوف طواف القدوم وأسعى بين الصفا والمروة فهل تجوز هذه عمرة للوالدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: تطوف وتسعى وتقصر وتجعلها للوالدة لا مانع.
السائل: هل أحل الإحرام بعد التقصير؟
الشيخ: نعم تحل الإحرام وتبقى إلى يوم ثمانية من ذي الحجة، ويوم ثمانية تحرم بالحج ولا تطوف إلا يوم العيد طواف الإفاضة.
السائل: هل قص الأظافر قبل الإحرام محرَّم؟
الشيخ: لا ليس محرَّماً.
س 1830: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: من أراد أن يحج عن رجل متوفى فماذا يلزمه من ناحية النية كليف ينوي ويدعو؟
فأجاب فضيلته بقوله: ينوي أنه أحرم عن هذا الرجل ويقول: لبيك عن فلان، يقول: لبيك حجًّا أو عمرة، والمتمتع يقول: لبيك عمرة عن فلان، وفي الحج يقول: لبيك حجًّا عن فلان، والدعاء
(24/195)

تدعو له ولنفسك، تدعو لنفسك أولاً ثم له.
السائل: وبالنسبة لكفارة اليمين هل بإمكاني أن أكفر في نفس أيام الحج؟
الشيخ: لا حرج لكن إذا حنث في يمينه فالواجب أن يبادر بالتكفير لازم يبادر مثلاً: حنث اليوم لازم أن يكفر اليوم.
س 1831: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الذي عليه دين هل يمكن أن يحج ودينه من بنك التسليف (من الدولة) ؟
فأجاب فضيلته بقوله: هل له وفاء له؟ هل يقدر أن يوفيه؟
السائل: يحل القسط كل شهر يأخذ من الراتب 555 ريال مستمر.
الشيخ: ما يخالف.
السائل: والذي عليه دين حوالي ألف أو ألفي ريال؟
الشيخ: يقضيه ثم يحج.
س 1832: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص حج مع والدته وهو بالغ وأدى الحج كاملاً وبعد العودة من الحج تهاون بالصلاة وكاد أن يتركها وهو ينوي الحج هذا العام فهل سقط عنه الفرض أو يحج فرضاً هذا العام أو نافلة؟
فأجاب فضيلته بقوله: بشرني عسى الله هداه؟
السائل: نعم تاب والحمد لله.
الشيخ: يحج نافلة وسقط الفرض عنه.
(24/196)

س 1833: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا في الأصل من أهل مكة ومتربي فيها وقد سكنت بأهلي المدينة من اليوم الخامس عشر من محرم ومازلت إلى اليوم وأريد الحج إن شاء الله فما هو الأفضل لي من النسك وما صفته؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن تتمتع: تحرم بالعمرة من أبيار علي وإذا وصلت مكة تطوف وتسعى وتقصر وتترك الحلق للحج وتفك الإحرام، ويوم ثمانية تحرم بالحج من مكة.
السائل: وإذا عدت إلى المدينة بعد العمرة ثم عدت للحج هل أنوي الحج أو العمرة؟
الشيخ: الأفضل أن تبقى في مكة بعد العمرة ثم تحرم بالحج، ولكن إن عدت للمدينة ثم رجعت إلى مكة فأحرم بالعمرة لأن التمتع الأول انقطع برجوعك إلى بلدك.
السائل: أنا عندي عمل هنا إلى اليوم السابع وأريد أن أعتمر في يومي الإجازة الخميس والجمعة وأرجع، ويوم ثمانية أنزل للحج فأمشي من هنا إلى منى هل يمكن هذا وأكون متمتع؟
الشيخ: ممكن هذا، لكن أنت من أهل المدينة أو أن عملك فقط في المدينة؟
السائل: أنا عملي فقط في المدينة ومتى ما تركت العمل يمكن أعود مكة.
الشيخ: إذاً تكون متمتعاً وتذبح الهدي.
(24/197)

س 1834: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أحد الإخوة اليمنيين زميل لي في العمل ذهب إلى العمرة في شوال وعاد إلى المدينة ويريد أن يدخل مكة بغير إحرام لكي لا يختم الجواز بحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز إلا إذا كان لا يريد الحج، أما إذا أراد الحج فلا يجوز أن يدخل إلا بإحرام.
س 1835: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الوالد يريد أن يحج عن رجل متوفى، وقد أدى العمرة في رمضان فهل تجزئ العمرة؟
الشيخ: هل الميت قد أدى فريضته أم لا؟
السائل: لا، لم يؤدها.
الشيخ: إذاً لازم يعتمر عنه.
س 1836: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: المتمتع إذا نزل مكة في أول العشر وأدى العمرة هل يلزمه الهدي إذا خلع الإحرام وقصر؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يلزمه الهدي، لأن الهدي شكراً لله على هذه النعمة، ولكن يذبحه يوم العيد أو في أيام التشريق الثلاثة بعده.
(24/198)

س 1837: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت عام 1404 وقتلت نملة نسياناً وعلى سهو مني فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليك شيء.
س 1838: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم من سكن العزيزية من أهالي مكة وغير الساكن بها من الحجاج هل يجوز لهم المبيت فيها؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز للإنسان أن يبيت ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر وليلة الثالث عشر إن تأخر إلا في منى فإذا لم يجد مكاناً فليبت في أدنى مكان من الخيام، هذا هو الذي دلت عليه
السنة، وأما المبيت في العزيزية فلا يجوز؛ لأنها ليست من منى.
س 1839: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يوجد ناس يريدون الحج والشغالة معهم هل يلزم لها محرم؟ وإذا لم يوجد لها محرم فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يلزم المحرم، وإذا لم يوجد فلا تحج، ولا يجوز أن تحج إلا بمحرم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم " فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال: "انطلق فحج مع امرأتك " (1) وإذا لم يوجد لهذه الشغالة محرم وكان في بقائها في
__________
(1) تقدم تخريجه ص 117.
(24/199)

البلد خوف عليها فإنها تسافر معهم وتحج.
س 1840: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: النساء هل يجوز أن يوكلن من يرمي عنهن في غير الجمرة الكبرى؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يوكل الإنسان في الجمرات لا الكبرى ولا غيرها ولو كن نساء فإنهن يرمين بالليل ولا يوكلن.
س 1841: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: القصر في الصلوات في الحج هل يكون في كل الصلوات؟ والجمع كيف؟
فأجاب فضيلته بقوله: تقصر الصلاة الرباعية أيام الحج إلا إذا صلى الإنسان مع الإمام الذي يتم فيجب عليه الإتمام، وأما الجمع فلا جمع إلا في عرفة تقديماً وفي مزدلفة.
س 1842: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أتى الحيض المرأة في يوم عرفة ماذا عليها؟
فأجاب فضيلته بقوله: تستمر في الحج وتفعل ما يفعله الناس ولا تطوف بالبيت حتى تطهر، ولكنها ترمي وتقصر وتبيت بمنى ومزدلفة وتفعل كل ما يفعله الحاج ولا تطوف بالبيت حتى تطهر.
(24/200)

س 1843: سئل فضيلة "الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كانت الأضحية تطوعاً هل يلزم أن يكف عن قص الشعر والأظافر أيضاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يريد أن يضحي لا يأخذ الشعر ولا الظفر ولو كانت تطوعاً.
س 1844: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أنا من أهل جدة ونزلت من منى إلى جدة ولم نطف طواف الإفاضة ورجعنا بعد أيام وطفنا بسبب الزحمة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس، لكن الإنسان الذي معه زوجة ما يقرب زوجته ولا مانع من تأخير طواف الإفاضة مادام أنكم طفتم قبل دخول شهر محرم.
س 1845: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رمينا أول يوم الساعة الثانية ليلاً لأن معنا شيباً، وخفنا من الزحمة؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا تعودون لهذا، لا ترمون بعد اليوم إلا إذا طلعت الشمس يوم العيد، والذي يخاف من الزحمة لا بأس ولا حرج.
س 1846: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل صام الرسول - صلى الله عليه وسلم - عشر ذي الحجة وحث على صيامها أم لا؟
(24/201)

فأجاب فضيلته بقوله: النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبت عنه أنه قال: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" (1) والصيام من العمل الصالح بل من أفضل الأعمال، فيدخل في عموم الحديث.
وروت أم المؤمنين حفصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصومها، وهذا الحديث وإن كان في إسناده مقال، لكن الحديث الأول الذي ذكرت حديث صحيح، ولا إشكال في أن صيام عشر ذي الحجة سنَّة وفيه أجر (2) .
س 1847: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الشاب الذي في أول حجة له هل يجوز أن يأخذ وكالة عن غيره في الرمي؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز أن يوكل أحد في الرمي أبداً إلا إنسان عاجز، وأما غير العاجز فيلزم أن يرمي بنفسه، فإذا كان يستطيع المشي وخاف الزحمة فليرم في الليل وهو واسع وبارد.
س 1848: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز ذبح هدي التمتع قبل يوم العيد؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز.
السائل: قابلت مجموعة حجاج من إحدى الدول العربية وعلمت
__________
(1) تقدم تخريجه ص 81.
(2) انظر تفصيل ذلك في الفتاوى رقم (400، 401، 402) ج 20.
(24/202)

منهم أن عندهم فتوى بذلك، أن يدفع هدي التمتع فور انتهائه من العمرة؟
الشيخ: هذا قاله بعض العلماء ولكنه قول ضعيف؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما ساق الهدي قال: "إني لا أحل حتى أنحر" (1) يعني يوم النحر، ولو كان الذبح يجوز قبل يوم النحر لذبح ثم حل. فلا يجوز لأحد أن يذبح هدي التمتع ولا هدي القران قبل يوم النحر، ومن فعل ذلك
مستنداً إلى فتوى عالم فلا شيء عليه ولكن لا يعود؛ لأن هذا القول ضعيف.
س 1849: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة جاءها عذر الحيض بعد رمي الجمرات، ولم تكن طافت طواف الإفاضة ولم تسع حيث أنها متمتعة ومرتبطة بجماعة في سيارة هي ومحرمها ولا
تستطيع أن تمكث في مكة حتى تطهر؟
الشيخ: هل يمكن أن تذهب إلى بلدها وإذا طهرت رجعت؟
السائل: لا، هي خارج المملكة ولا يمكنها أن ترجع.
الشيخ: إذاً تتحفظ وتطوف طواف الإفاضة للضرورة، ويصح ذلك.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب التمتع والقران والإفراد بالحج (1566) ، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد (1229) .
(24/203)

س 1850: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للحائض أن ترمي الجمرات؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم تفعل كل المناسك إلا الطواف بالبيت والسعي إذا كان بعد الطواف.
س 1851: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص لم يتمكن من رمي الجمرات يوم الحادي عشر والثاني عشر هل يجوز أن يرميها جميعاً يوم الثالث عشر عن الثلاثة أيام؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لا بأس.
السائل: هل يمكن أن يؤخرها لليوم الثالث عشر؟
الشيخ: يمكن أن يؤخرها إذا لم يستطع أن يرمي كل يوم في يومه، لكن يرمي الجمرات الثلاث كلها عن اليوم الأول ثم عن اليوم الثاني، ثم عن اليوم الثالث.
س 1852: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: في معظم الدول الإسلامية فور عودة الحجيج من الأراضي المقدسة بعد أداء الفريضة يلقب من أدى الفريضة بلقب حاج وتظل ملازمة له دائماً فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا خطأ؛ لأن فيه نوعاً من الرياء، لا يتلقب بذلك ولا ينبغي أن يدعوه الناس بذلك؛ لأنه ما كان الناس في
(24/204)

عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقولون للحاج أنت حاج.
س 1853: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للمرأة استعمال ما يؤخر الحيض إن خافت أن يأتيها في وقت الحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: يجوز استعماله بعد مراجعة الطبيب إذا قال الطبيب إنه لا يضر فلا حرج عليها.
س 1854: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: الحائض ما الذي عليها إذا لم تؤد طواف الوداع؟
الشيخ: متى جاءها الحيض؟
السائل: أثناء نزولها من عرفات أو بعد نزولها من عرفات.
الشيخ: هل طافت طواف الحج طواف الإفاضة قبل الحيض؟
السائل: نعم طافت وسعت قبل الحيض يوم العيد.
الشيخ: إذا طافت وسعت يوم العيد قبل الحيض وبعد ذلك جاءها الحيض فليس عليها وداع.
س 1855: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لو جاءها نزيف قبل طواف القدوم أو السعي؟ أي قبل أن تصل مكة.
فأجاب فضيلته بقوله: النزيف لا يمنع أن تطوف ولو كان عليها، أما في الحيض فلا تطوف.
السائل: وهل حجتها جائزة؟
(24/205)

الشيخ: نعم حجتها جائزة.
س 1856: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يلزم حلق الشعر بالنسبة للرجل أم يجوز التقصير؟
فأجاب فضيلته بقوله: يوم العيد الأفضل الحلق، ويجوز التقصير، وأما العمرة للمتمتع فالأفضل فيها التقصير، وأما الحلق ففي الحج.
س 1857: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججنا العام الماضي ولم نصل إلى مزدلفة إلا في الساعة العاشرة من النهار، ولم نبت فيها بسبب السير هل علينا فدية؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن فديتم فهو أحسن، وإذا لم تفدوا فأنا أتوقف في هذا ما أدري والله أعلم، لكن الفدية أحسن.
س 1858: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: أخي حج العام الماضي مفرداً ولم يهد إلا أنه أدى كل المناسك؟
فأجاب فضيلته بقوله: المفرد ليس عليه هدي.
س 1859: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إنسان مسلم يرغب في الحج وعليه خمسة أيام من رمضان لم يستطع قضاءها فهل يجوز أن يحج؟
(24/206)

فأجاب فضيلته بقوله: نعم يتم حجه وإن كان عليه أيام من رمضان، لأن أيام رمضان له أن يؤخرها إلى شعبان القادم.
وهذه فائدة ثانية: بعض الناس يقولون: إذا ما تمم له ما يحج وهذا أيضاً غير صحيح يحج الواحد لو ما تمم له.
س 1860: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: حججت ووالدي في العام الماضي ومعنا زوجاتنا وحججنا عن طريق مؤسسة تجمع في الخيمة ثمانية أنفار وطلبنا أن يكون معنا في الخيمة التي نسكنها نساء كي لا يخرج أمام نساءنا فأضافوا إلى خيمتنا أربع خادمات أندونيسيات فسكنا في الخيمة معاً فهل في ذلك شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا جائز لكن ينبغي أن تضعوا فاصلاً بينكم، اجعلوا حاجزاً بينكم في الخيمة ولابد.
السائل: ما جعلنا حاجز ولم نسأل في ذلك فهل حجنا صحيح؟
الشيخ: في المستقبل لازم أن تجعل هذه المؤسسات حواجز في الخيام بين الرجال والنساء، وحجكم إن شاء الله صحيح.
س 1861: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز ذبح الأضحية (والنحر) في بلد أنت فيه أو ترسل مبلغ مقابل ذلك إلى بلدك أو أي بلد من بلدان المسلمين؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأفضل أن تضحي في بلدك إذا كان
(24/207)

أهلك عندك، وإذا كان أهلك في مكان آخر وليس عندهم من يضحي لهم فأرسل دراهم لهم يضحوا هناك.
س 1862: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يرتبط الأضحية والنحر بشروط؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم لابد من شروط:
يشترط أن يكون المضحى به من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم.
وأن يبلغ السن الذي حدده الشارع، وهو نصف سنة للضأن، وسنة للمعز، وسنتان للبقر، وخمس سنوات للإبل.
وشرط ثالث: أن يسلم من العيوب المانعة من الإجزاء وهي أربع بينها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: " أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والعجفاء التي لا مخ فيها" (1) وهذه أربع، وكذلك التي بمعناها أو أشد مثل العمياء، ومقطوعة اليد أو الرجل، فإنها بمعناها أو أشد.
بقي شرط رابع: وهو أن تكون الأضحية في الوقت المحدد وهو من صلاة يوم عيد النحر إلى غروب الشمس آخر يوم من أيام التشريق، فتكون الأيام أربعة: يوم العيد، واليوم الحادي عشر، واليوم الثاني عشر، واليوم الثالث عشر.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (4/301) .
(24/208)

س 1863: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ركعتا الإحرام هل هي واجبة أم سنة وهل تفعل في أوقات النهي؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليست بواجبة ولا سنة، فلا تصلها لكن اجعل إحرامك بعد صلاة الفريضة إن كان وقت فريضة، وإلا فصل ركعتين للوضوء وأحرم بعدهما.
س 1864: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: نسيت في العمرة فلبست ثيابي قبل أن أقصر فهل علي شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: ما جرى عليك الآن ليس عليك فيه شيء، لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) لكن في المستقبل إذا نسيت ولبست ثيابك قبل التقصير فاخلع الثياب
والبس ثياب الإحرام، وقصر وعليك ثياب الإحرام، أي تخلع ثيابك فوراً وتلبس ثياب الإحرام وتقصر ثم تعود وتلبس ثيابك.
س 1865: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: خرجت من الرياض إلى جدة قاصداً العمرة أنا والأهل في الطائرة، ولما كانت الطائرة قرب السيل أعلن المضيف أن من ينوي العمرة يلبس
الإحرام، ولم يكن لدي إحرام في ذلك الوقت ولما وصلت الطائرة جدة كنت في حيرة من أمري ولم أجد شخصاً يرشدني في ذلك، واستعنت بالله ثم استأجرت سيارة وذهبت بها إلى السيل عن طريق
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(24/209)

مكة وأحرمت من هناك، ورجعت وأديت العمرة، ويقول بعض الناس إن علي دم فهل هذا صحيح أنا والأهل؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليك شيء، لأنك أحرمت من الميقات.
س 1866: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت مع زوجها وكانت حاملاً وعند رمي الجمار رمت الأولى ووكلته في الباقي بسبب الزحمة حيث لم تقدر فهل عليها شيء؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس، لأن الذي لا يقدر أن يرمي له أن يوكل، والذي يقدر ويخاف من الزحام يرمي بالليل.
س 1867: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فيه حديث متداول عند العوام أن الإنسان إذا أراد عمرة ثانية قبل أربعين يوم من العمرة الأولى أنه لا يحرم؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس بصحيح.
س 1868: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم الذي يؤدي العمرة والحج مرة واحدة فقط؟
فأجاب فضيلته بقوله: الإنسان إذا أدى العمرة أول مرة وأدى الحج لم يجب عليه شيء بعد ذلك حتى لو بقي عن مكة أربعين
(24/210)

سنة، فذهب إلى مكة وهو لا يريد حجًّا ولا عمرة فلا شيء عليه. "
س 1869: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هناك رجل أتى للحج وأثناء وقوفه بعرفات أصيب بضربة شمس وأدخل المستشفى ولم يتمكن من رمي جمرة العقبة ولا بقية الجمرات ولا بقية المناسك فماذا عليه؟ وهل حجه صحيح؟
فأجاب فضيلته بقوله: مادام وقف بعرفة فحجه صحيح، وهل طاف طواف الإفاضة (طواف الحج) وسعى؟
السائل: لا ما طاف طواف الحج ولم يسع لأنه بقي مدة في المستشفى وتحلل.
الشيخ: هل قال عند إحرامه إن حبسني حابس فمحلى حيث حبستنى؟
السائل: لا لم يقل.
الشيخ: الصحيح أدن عليه هدياً لأنه أحصر عن إتمام الحج.
السائل: الهدي عن كل المناسك أم عن كل منسك هدي؟
الشيخ: لا بل يتحلل بهدي، ويعيد الحج من جديد في السنة القادمة إن كان لم يؤد الفريضة.
السائل: إذا كان سافر لمصر مثلاً يلزمه أن يرجع مرة أخرى؟
الشيخ: إن كان حجه هذا هو الفريضة فلابد أن يؤديه فيرجع يحج مر ة أخرى.
(24/211)

س 1870: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: قال تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (1) ما المقصود بالجناح؟ وما المقصود بالتطوع في الآية الكريمة؟
فأجاب فضيلته بقوله: المراد بالجناح الإثم يعني أنه لا إثم عليه أن يطوف بين الصفا والمروة إذا كان حاجًّا أو معتمراً، وكان الصحابة تحرجوا من الطواف بينها يعني خافوا من الإثم، فأنزل الله
هذه الآية وأنه ليس عليكم إثم بالطواف بها ثم قال: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) يعني من فعل الطاعة لله سواء كانت واجبة أو كانت مستحبة (فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) والمعنى أن الطواف بها من طاعة الله، ومن
فعل طاعة لله (فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) يثيبه عليها الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
س 1871: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: شخص حج عن نفسه وأتيحت له الفرصة للحج مرة أخرى فحج عن قريب له ميت ولا يريد من ذلك سوى الأجر والثواب وأن يكون عمله خالصاً لله تعالى ولم يعلم أحداً عن ذلك حتى ولا أبناء هذا الشيخ الميت فهل يجب عليه أن يخبر أبناءه حتى لا يحجوا عنه مرة أخرى أم يحتفظ بهذا بينه وبين الله؟
فأجاب فضيلته بقوله: هل الحجة التي حجها عن صاحبها
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 158.
(24/212)

هل هي فريضة أو نافلة؟
السائل: فريضة.
الشيخ: إذاً لابد أن يخبرهم لئلا يحجوا مرة ثانية حتى يعلموا أن الفريضة سقطت عنه.
(24/213)

من دروس المسجد الحرام
كلمة للحجاج عام 1415 هـ
إن الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله، وأصحابه،
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا حجاج بيت الله الحرام نتكلم اليوم عن الركن الخامس من أركان الإسلام وهو حج بيت الله الحرام، الحج هو قصد المشاعر المقدسة لإقامة المناسك تعبداً لله عز وجل، فرضه الله تعالى على
المسلمين في السنة التاسعة من الهجرة، ولم يفرض قبل ذلك والحكمة من تأخره أمران:
الأول: أن مكة كانت قبل هذا الوقت تحت حكم المشركين، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يفتح مكة إلا في السنة الثامنة من الهجرة في رمضان، ولم يحج النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم في السنة التاسعة، لأن هذه السنة كثر فيها الوافدون على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أنحاء الجزيرة ليأخذوا
(24/215)

عنه دينهم، فرأى - صلى الله عليه وسلم - أن من المناسب أن يبقى في المدينة يتلقى أولئك الوفود.
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن تكون حجته حجة خالصة للمسلمين بمعنى ألا يشارك فيها مشرك، ولهذا أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يؤذن في الناس في السنة التاسعة، أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (1) ، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه حاج في العام العاشر من الهجرة، فقدم إلى المدينة بشر كثير يقدرون بنحو مائة ألف، يرون من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شمائله مد البصر (2) ، فحج عليه الصلاة والسلام في ذلك العام.
ولكن على من يجب الحج أهو على كل إنسان؟ بين الله من يجب عليه بقوله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (3) لم يقل في الصلاة من استطاع أن يصلي ولا في الصوم من استطاع أن يصوم، بل في الحج من استطاع إليه سبيلاً، وذلك لأن الحج يكون من أنحاء بعيدة ويشق على الناس الوصول إلى البيت، فلهذا قيده الله عز وجل بقوله: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) والاستطاعة نوعان: استطاعة بالمال،
واستطاعة بالبدن، فالاستطاعة بالمال بأن يكون عند الإنسان ما يحج به من المال زائداً على نفقاته وحاجته وضرورياته وقضاء ديونه، وبناء على ذلك إذا كان على الإنسان دين لا يستطيع وفائه مع
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك (1622) ، ومسلم، كتاب الحج، باب لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان (1347) .
(2) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسلم (1218) .
(3) سورة آل عمران، الآية: 97.
(24/216)

الحج، أي إما أن يحج وإما أن يقضي الدين، فهذا يقضي الدين أولاً، ثم يحج ثانياً، وإذا كان عند الإنسان مال إما أن يتزوج به وإما أن يحج وهو محتاج للزواج يشق عليه عدمه فيتزوج لأن الله يقول: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (1) ، وإذا كان عنده مال وفيه مرض يحتاج إلى معالجة بهذا المال ولا يكفي هذا المال للعلاج والحج فيقدم العلاج، وهلم جر ا، لأن الله يقول: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) .
أما الاستطاعة بالبدن بأن يكون الإنسان قادراً على الحج بلا مشقة، فإن كان يشق عليه لمرض أو كبر، فإنه إن كان لديه مال يجب عليه أن يقيم من يحج عنه، وإن لم يكن له مال فلا جب عليه الحج، فإن من ليس لديه مال لا يجب عليه الحج ولو كان قادراً، وحينئذ نقول: إذا تمت شروط الحج أي شروط الوجوب وجب على الإنسان أن يبادر به وأن لا يؤخره، لأن الله أمر به، ونحن نعلم لو أن ملك من الملوك أمرك أن تفعل شيئاً وتأخرت عن فعله فإنه يغضب عليك ويؤدبك ويعاقبك، هذا وهو أمر من إنسان لإنسان فكيف بأمر الرب عز وجل؟ إذا أمرك بأمر وتمت شروط الوجوب فبادر ولا يحل لك أن تتأخر، ولأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، هو الآن قادر
وربما يكون في العام المقبل غير قادر، وربما يموت فتأخير الحج بعد استكمال شروط الوجوب حرام، يجب أن يبادر بذلك.
فإن قال قائل: كيف تقول هذا القول وقد قال الله تعالى:
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 196.
(24/217)

(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (1) وهذه الآية نزلت في السنة الثالثة من الهجرة والنبي لم يحج إلا في العاشرة وأنت تقول أنه واجب على الفور؟
فالجواب: أن قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) يخاطب به من شرع في الحج والعمرة فإنه يجب عليه الإتمام، وليس معناه ابتداء الفرض، وفرق بين وجوب الإتمام وبين وجوب الشروع في
العمل، والآية الكريمة (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) فيها أمر من شرع في الحج أو العمرة أن يتمهما، وليس فيها أن الحج والعمرة واجبة، وفرق بين وجوب الإتمام ووجوب الابتداء، وإذا وجب الحج على الإنسان فإنه يجب عليه أن يتعلم كيف يحج لا أن يذهب مع الناس، هكذا سمعت الناس يقولون فقلته، رأيت الناس يفعلون شيئاً ففعلته، بل يجب أن يتعلم أحكام الحج ليعبد الله على بصيرة، وإنما
قلنا يجب أن يتعلم أحكام الحج لأن للعبادة شرطين:
الأول: الإخلاص لله، بمعنى أن الإنسان لا يريد بعبادته إلا وجه الله، فمن أشرك مع الله غيره فعبادته باطلة مردودة، فلو قصد بعبادته أن يقول الناس إن فلاناً عابد، فعمله حابط، ولو قصد بعبادته أن يكرمه الناس، فعبادته باطلة، ولو قصد بعبادته أن يتقرب إلى رئيس أو وزير أو ما أشبه ذلك فعبادته باطلة، لابد أن تكون العبادة خالصة لله، وأنا أقول لك أيها الأخ الكريم ماذا ينفعك الناس إذا تعبدت لله تعالى من أجل أن يمدحوك؟ ماذا ينفعونك؟ إنهم لن
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/218)

ينفعوك، وماذا يضرك الناس لو أخلصت العبادة لله؟ إنهم لن يضروك، إذن لا تر اعي الناس، اجعل عملك خالصاً لله كما قال ربك عز وجل: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (1) (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (2) (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) (3) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وجوب الإخلاص لله عز وجل، ولقد ضرب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثلاً يتبين به الفرق بين المخلص وغير المخلص، فقال: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " (4) .
رجلان هاجرا خرجا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام الفعل واحد، والصورة واحدة، لكن اختلف حكم الفعلين أحد الفعلين لله تعالى، هاجر إلى الله ورسوله، والثاني هجرته لدنيا يصيبها تجارة
أو امرأة يتزوجها، فالأول هجرته صحيحة يثاب عليها، والثاني لا، ولهذا قال: "فهجرته لله ورسوله "، والثاني قال: "هجرته إلى ما هاجر إليه "، رجل حج من أجل أن يقول الناس إذا رجع إلى بلده:
فلان حاج، هذا ليس بمخلص، رجل حج من أجل أن يستقبله الناس إذا رجع إلى بلده فيمدحوه فيقولون: فلان ما شاء الله حج،
__________
(1) سورة البينة، الآية: 5.
(2) سورة غافر، الآية: 14.
(3) سورة الروم، الآية: 30.
(4) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي رقم (1) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات " رقم (1907) .
(24/219)

فهذا غير مخلص.
الشرط الثاني لقبول العبادة أن تكون موافقة لشرع الله، أي أن يكون المتعبد لله متابعاً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن لم يكن متابعاً للرسول فإنها لا تقبل عبادته، دليله قال الله
تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (1) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (2) أي مردود عليه مهما أتقن العمل، ومهما جد فيه، ومهما داوم عليه فإنه مردود؛ لأنه ليس على شريعة الله عز وجل، وبناء
على هذا الشرط يجب أن يتعلم الإنسان كيف يحج لا يأتي هكذا إمعة مع الناس، بل يجب أن يعرف كيف يحج، ولكن ما الطريق إلى العلم؟ كيف يحج؟ الطريق طريقان:
الأول: قراءة الكتب التي يثق بمؤلفيها، والثاني: ملازمة أحد أهل العلم، والسؤال والاستفهام سواء لازمه في البلد قبل أن يأتي للحج، أو سافر معه وصحبه، فإن صحبة العلماء كلها خير، وبناء
على هذا نذكر كيف حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصل النبي - صلى الله عليه وسلم - الميقات خارجاً من المدينة، وميقات أهل المدينة ذي الحليفة، فأحرم من هناك وركب ناقته، فلما استوت به على البيد لبى: لبيك اللهم، يعني يا الله، لبيك تكرار وتوكيد، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لا شريك لله تعالى لا في ألوهيته ولا في
__________
(1) سورة الجاثية، الآية: 18.
(2) تقدم تخريجه ص 11.
(24/220)

عبوديته، ولا في أسمائه وصفاته، لا شريك له في ربوبيته، خلق السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماء، وجعل الليل والنهار، وخلق الشمس والقمر، وخلق النجوم، وخلقنا، وخلق البهائم،
وهلم جرا، فالله تعالى ليس له شريك في الربوبية، وليس له معين في الخلق، يعني لم يعاونه أحد على خلقه جل وعلا، بل انفرد بالخلق والتدبير واستمع إلى قول الله تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) (1) فنفى الله هذه الثلاثة لا يملكون مثقال ذرة يعني ليس أحد يملك (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ) أي ولا يشارك أيضاً (وَمَا لَهُ مِنْهُمْ) أي ما لله من هذه الأصنام من معين (مِّن ظَهِيرٍ) الظهير يعني المعين كما قال تعالى: (والملائكة بعد ذلك ظهير) .
لو قال قائل: الولي هل يدبر الكون؟ هل ينزل الغيث؟ هل يوجب أن تلد المرأة؟ أبداً، كل هذا لا يكون، ومن اعتقد أن وليًّا من الأولياء يدبر الكون، أو يخلق، أو يرزق، فهو مشرك كافر مخلد في
النار، الجاهليون خير منه، الجاهليون الذين قاتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام خير من هذا، لأن الجاهليين الذين قاتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام إذا سألتهم من خلق السماوات والأرض؟
يقولون: الله، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (2) (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
__________
(1) سورة سبأ، الآية: 22.
(2) سورة الزخرف، الآية: 87.
(24/221)

مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (1) ، (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ) (2) ، فهم يقرون بهذا ومع ذلك قاتلهم الرسول عليه الصلاة والسلام،
واستحل دمائهم، وأموالهم، ونسائهم، وذرياتهم.
فلو قال قائل: أنا لا أعتقد أن الولي ينفع، ولكن أعتقد أنه واسطة بيني وبين الله.
فالجواب: أن هذا يخالف الواقع؛ لأن المتعلقين بالأولياء يدعون الولي نفسه، يقول يا سيدي فلان افعل كذا وكذا، فبطل قولهم إننا نجعلهم وسطاً ثم نقول: لو جعلتهم وسطاً فليس هذا من
العقل ومن الشرع، لأن هذا الولي ميت جثة جماد، ربما تكون الأرض قد أكلته ولم يبق إلا عجب الذنب، فكيف تجعله واسطة هل سيدعو الله لك؟ لو قلت يا سيدي فلان اشفع لي عند الله لا ينفع هذا، لأنه ميت، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث " (3) انقطع عمله كيف يدعو الله لك هذا غير صحيح.
ونقول الصحابة رضي الله عنهم، هل كانوا يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويقولون: يا رسول الله اشفع لنا؟
__________
(1) سورة العنكبوت، الآية: 61.
(2) سورة يونس، الآية: 31.
(3) تقدم تخريجه ص 23.
(24/222)

الجواب: لا، هل كانوا يأتون إلى قبره، ويقولون: يا رسول الله أدعو لنا الله أن يسقينا، أدعو الله أن يرفع عنا الحروب؟ لم يفعلوا هذا، ولما قحط وأجدب الناس في عهد أمير المؤمنين عمر رضي
الله عنه وخرجوا يستسقون لم يذهبوا إلى قبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقولون: يا رسول الله أدعو الله أن يسقينا أبداً، بل هم دعوا الله حتى قال عمر بن الخطاب: اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا، وإننا نستسقي إليك بعم نبينا- يعني العباس بن عبد المطلب- فقام العباس واستسقى، فلا تعلق يا أخي قلبك بأي مخلوق لا حي ولا ميت، بل بعدك عن تعلقك بالمخلوق الميت يجب أن يكون أولى من تعلقك بالمخلوق الحي، لأن المخلوق الحي قد ينفع في بعض الأمور، أما الميت فلا ينفع، وبناء على ذلك يجب علينا ونحن مسلمون إذا رأينا أحداً من العامة يذهب إلى الأضرحة يدعو صاحب الضريح، أو يطلب أن يكون شفيعاً له يجب علينا أن ننصحه، وأن نقول: يا أخي بدلاً من أن تذهب إلى الضريح اذهب إلى المسجد، لا تكن ممن يعمر المشاهد ويهجر المساجد، لأن بعض الناس لعب بهم الشيطان فعمروا المشاهد وهجروا المساجد، لا يأتون إلى المساجد لكن المشاهد يملئونها، نقول له يا أخي اتق الله لا تأتى إلى هذا الضريح، بدلاً من أن تأتي للضريح، اذهب إلى المسجد، فالصحابة رضي الله عنهم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عندهم قريباً منهم، ولكنهم لا يأتون إلى قبره، فيقولون: اشفع لنا يا رسول
(24/223)

الله أبداً، ما جرى هذا إطلاقاً، بل كانوا يأتون إلى المسجد يصلون فيه ويعبدون الله فيه، فلا تعبد غير الله، لا تعبد غير الله لا بقولك ولا بفعلك، العبادة لله وحده فمن تعبد لغير الله فهو مشرك، ولهذا منع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كل شيء يفضي إلى عبادة غير الله، فسئل عن الرجل يلقى أخاه أينحني له قال: "لا" (1) ، حتى لو حنى رقبته فلا يجوز، سدًّا للباب، لأنه يتوصل بالانحناء إلى ما هو أبلغ، ولما قدم إليه بعض أصحابه سجد له، أي هذا الصحابي سجد للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنه قدم من بلاد يسجدون فيها لأساقفتهم فنهاه وقال: "لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها" (2) ، ويجب على من انحنى الناس له أن ينكر عليهم، ولا يحل له أن يقرهم على ذلك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن السجود له، فإذا سلم عليك إنسان وانحنى لك فانهه لا تقل: والله الرجل أكرمني، لا أحب أن أخجله، بل انهه عن هذا، لأن هذا أعظم هدية تهديها إليه، أن تمنعه عما نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام. ومن ذهب إلى قبر فسجد لصاحب القبر فهو مشرك، سجد لغير الله، والسجود لا يكون إلا لله عز وجل، كذلك أيضاً لا شريك لّه تعالى في أسمائه وصفاته، قال " الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (3) .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 3/198، والترمذي (2728) .
(2) أخرجه الإمام أحمد (5/227) .
(3) سورة الشورى، الآية: 11.
(24/224)

أحرم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذي الحليفة ومازال يلبي، وأحرم بالقِران أي جمع بين الحج والعمرة فقال: لبيك اللهم عمرة وحجًّا، لبيك اللهم عمرة وحجًّا، وإنما أحرم بالقِران لأنه ساق الهدي، وحينما وصل إلى المسجد الحرام بدأ بالطواف استلم الحجر الأسود، وطاف سبعة أشواط، وفي هذا الطواف رمل ثلاثة أشواط أي أسرع في المشي، ثم مشى الأربعة الباقية، وفي هذا الطواف أيضاً اضطبع، فجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر، والاضطباع لا يكون في أول الإحرام وإنما يكون في الطواف فقط، فما نراه الآن من كثير من الحجاج أنهم يضطبعون من حين أن يحرموا خطأ، يجب علينا إذا رأينا أحداً وتمكنا من نصيحته أن نقول له يا أخي الاضطباع لا يكون إلا في الطواف ولا يكون في جميع الإحرام، ولما طاف تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (1) وصلى ركعتين خفيفتين، وقرأ في الأولى قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية قل هو الله أحد، ثم رجع إلى الحجر الأسود فاستلمه، والاستلام هو
مسكه باليد ثم خرج إلى الصفا، ولما دنا من الصفا قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (2) أبدأ بما بدأ الله، فبدأ بالصفا فصعد عليه فاستقبل القبلة فرفع يديه يذكر الله ويدعوه وكان من ذكر الله
الذي قاله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 125.
(2) سورة البقرة، الآية: 158.
(24/225)

وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا، ثم أعاد الذكر مرة أخرى ثم دعا ثم أعاده مرة ثالثة، ثم نزل متجهاً إلى المروة يمشي، حتى إذا
أنصبت قدماه في بطن الوادي سعى، أعجل المشي وركض ركضاً شديداً، فلما صعد من بطن الوادي مشى كعادته، حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا، ثم نزل متجهاً إلى الصفا حتى أتم سبعة أشواط، ثم أمر الناس الذين لم يسوقوا الهدي أن يجعلوها عمرة، أما هو فبقي على إحرامه لأنه ساق الهدي، وفي اليوم الثامن من ذي الحجة خرج إلى منى بأصحابه فنزل فيها،
وصلى فيها خمس صلوات وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، صلى الظهر والعصر والعشاء قصراً بلا جمع، ولما طلعت الشمس سار إلى عرفة ونزل في نمرة- موضع قريب من عرفة- حتى إذا زالت الشمس- جاء وقت الظهر- ركب ونزل في بطن عرنة- وهو الوادي الذي فيه الآن مسجد عرفة- وخطب الناس، وصلى بها الظهر والعصر جمعاً وقصراً، ثم ركب حتى أتى الموقف، وموقف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان عند الجبل عند الصخرات العظيمة الكبيرة، وقف هناك وقال للناس: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (1) يعني لا تكلفوا أنفسكم بالحضور إلى هذا المكان كل عرفة موقف، وجعل صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدعو الله إلى أن غربت الشمس، وكان راكبا على بعيره رافعاً يديه
__________
(1) تقدم تخريجه ص 155.
(24/226)

حين الدعاء، ولما غربت الشمس سار إلى مزدلفة فوصل إليها بعد دخول وقت العشاء فصلى بها المغرب والعشاء جمع تأخير، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، وفي هذه الليلة أوتر؛ لأن النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم لم يكن يترك الوتر حضراً ولا سفراً وقال لأمته: " اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً" (1) ولم يذكر ذلك جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في سياق حجه عليه الصلاة والسلام إما لأنه لم يعلم، أو لأنه كان نائماً، أو لغير ذلك من الأسباب، ولما صلى الصبح ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة ودعا الله ووحده وكبره حتى أسفر جداً، ثم دفع إلى منى وسلك الطريق
الوسطى، وكانت منى لها طرق على اليمين والشمال والوسط، فسلك الطريق الوسطى لأنها تخرجه على الجمرة، فلما وصل الجمرة رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، رماها راكباً، ثم
انصرف بعد ذلك إلى المنحر- أي إلى المكان الذي أعده لنحر هديه - وكان قد أهدى مائة بعير فنحر منها ثلاثاً وستين بيده، ثم أعطى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الباقي فنحره، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أشركه في هديه حيث كان رضي الله عنه قادماً من اليمن ببعث من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنحر الهدي ثم حلق رأسه كله بالموس، ثم أمر أن يؤخذ من كل ناقة قطعة من اللحم فجعلت في قدر فطبخت فأكل من لحمها وشرب من
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوتر، باب ليجعل آخر صلاته وتراً (998) ، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى 000 (749) (148) .
(24/227)

مرقها، ثم تحلل وتطيب ونزل إلى البيت فطاف بالكعبة سبعة أشواط، وشرب من ماء زمزم، وصلى ظهر يوم العيد، ثم ركب راجعاً إلى منى، ووجد بعض الصحابة هناك فصلى بهم الظهر
إماماً، لكنها نافلة والفريضة هي التي صلاها في المسجد الحرام، وبات هناك ثلاث ليال، وفي كل يوم من أيام التشريق يرمي الجمرات الثلاث، الأولى ثم يقف بعدها يدعو الله، ثم الوسطى ثم يقف بعدها يدعو الله، ثم جمرة العقبة ثم ينصرف ولا يقف، ولما رمى اليوم الثالث عشر نزل صلى الله عليه وعلى آله وسلم من منى إلى مكان يقال له المحصب لكثرة حصبائه فنام تلك الليلة وصلى في هذا المكان صلاة الظهر يوم الثالث عشر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة، ثم أذن بالرحيل فارتحل المسلمون حتى أتوا المسجد الحرام فطافوا للوداع، ثم صلى الفجر، ثم انصرف إلى المدينة، وأمضى في مكة عشرة أيام من اليوم الرابع إلى اليوم الرابع عشر، هذه خلاصة لحج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أسأل الله تعالى أن يرزقني وإياكم الإخلاص، اللهم ارزقنا الإخلاص لوجهك والمتابعة لرسولك، اللهم اختم لنا بالخير، اللهم اجعل خير أعمالنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا وأسعدها يوم نلقاك، اللهم اجعلنا من دعاة الحق وأنصاره، اللهم اجعلنا هداة مهتدين، وقادة مصلحين، اللهم يسر أمورنا، واستر عيوبنا، واغفر ذنوبنا، اللهم أصلحنا وأصلح بنا، وأصلح لنا
(24/228)

يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(24/229)

من دروس المسجد الحرام عام 1416 هـ
كلمة للحجاج حول بعض الكتب والنشرات التي توزع في موسم الحج
إن الحمد لله، نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله أرسله الله تعالى بدين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه
وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد، يا عباد الله بين يدي منشورات على صفة كتيبات فيها سور من القرآن، وفيها أحاديث موضوعة مكذوبة على الرسول عليه الصلاة والسلام، وفيها أخطاء مطبعية، وفيها أيضاً طلب لأمور بدعية مثل قراءة الفاتحة على المرحوم فلان بن فلان وما أشبه ذلك، وإنني بهذه المناسبة أحذر إخواني في المسجد الحرام من تلقي هذه الرسائل، وأن لا يقرأوها، ولا ينظروا فيها إلا بعد عرضها على العلماء المحققين حتى يبينوا ما فيها من خطأ وصواب، وأحذر كذلك إخواني عن ما ينشر في بعض المساجد- في غير المسجد
(24/231)

الحرام- من مطويات ونشرات فيها أحاديث مكذوبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد يكون ناشرها أراد خيراً لكن لم يوفق له، وقد يكون ناشرها خرافياً مبتدعاً يريد أن ينشر خرافته وبدعته بين المسلمين، وقد تكون له إرادات أخرى، والله أعلم بما في القلوب، لكنني أحذر
العامة من تلقي هذه المطويات والمنشورات إلا بعد أن تعرض على أهل العلم والتحقيق حتى لا يضل الناس بمثل هذا، ومثل هذه المنشورات التي يتقدم بها من يتقدم هي خسارة على من تقدم بها
خسارة مالية، وخسارة بدنية وإضاعة وقت وإثم كبير، لأن من نشر حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرى أنه كذب فإنه أحد الكاذبين (1) ، هكذا صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصح عنه أنه من كذب عليه متعمداً فليتبوأ مقعده من النار (2) ، وصح عنه أنه ليس الكذب عليه ككذب على أحد من الناس (3) ، لأن الكذب عليه إدخال شيء في شريعته ليس منها،
فيكون الكاذب عليه قد افترى على الله كذباً، فالحذر الحذر أيها المسلمون من مثل هذه المنشورات والمطويات إلا بعد عرضها على أهل العلم والتحقيق حتى يتبين ما فيها من حق وباطل.
وأحذر كذلك هؤلاء الذين ينشرون هذه المطويات وأقول لهم: إن أي إنسان يضل بسبب هذه المنشورات والمطويات فإثمه على الذي نشر هذه المنشورة أو المطوية، ويكون هذا الرجل ممن
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 5/14.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الجنائز، باب النياحة على الميت. ومسلم في المقدمة باب تغليظ الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(3) أخرجه مسلم في المقدمة، باب تغليظ الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(24/232)

أنفق ماله ليصد عن سبيل الله فيدخل في قوله تبارك وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) (1) وهو وإن لم يصل إلى درجة الكفر لكنه فيه شبه من هؤلاء الكافرين الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وأحذر هؤلاء الذين ينشرون هذه المنشورات والمطويات أن لا ينشروا شيئاً إلا بعد أن يتحققوا من صحته حتى لا يضل الناس بغير علم، نعوذ بالله تعالى من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً البصيرة في دينه، والبصيرة لما يخفيه أعداء المسلمين الذين يرضون بأفواههم ولكن في قلوبهم شر وبلاء وفتنة تأبى قلوبهم، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن رأى الحق حقًّا واتبعه، ورأى الباطل باطلاً واجتنبه.
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 36.
(24/233)

كلمة حولي الحريق بمنى في حج عام 1417 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم (1)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
إخواني، في حج هذا العام عام سبعة عشر وأربعمائة وألف حدث حريق في يوم التروية، وكثير من الناس في منى، وكثير من الناس في مكة، وكثير من الناس في عرفة، وكثير من الناس الذين في منى قد أحرموا، وكثير منهم لم يحرموا، وكانت الكارثة عظيمة لولا أن الله تعالى منَّ بتقليلها حتى انحصرت فيما انحصرت فيه، وقد قدرت الخيام التي التهمتها النار بسبعين ألف خيمة، والموتى
بأكثر من ثلاثمائة حاج، والجرحى بنحو ألفين أو يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، والضائعون أيضاً كثيرون، ولا شك أن هذه كارثة، ولكن بسبب الذنوب والمعاصي، لقول الله تعالى: (وَمَآ أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (2)
فيجب علينا أن نتخذ من ذلك عبرة وعظة، ومن أكبر ما ينبغي أن نتعظ فيه أن لا نتخذ من الحج نزهة، لا نريد منه إلا أن نرفه أنفسنا ويجلس بعضنا إلى بعض بالمزح والضحك وإضاعة الوقت، لأن
الحج عبادة، حتى إن الله تعالى سماه نذراً وسماه فرضاً فقال تبارك
__________
(1) جزء من كلمة لفضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- بمناسبة انتهاء العام الهجري 1417 هـ.
(2) سورة الشورى، الآية: 30.
(24/235)

وتعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ) (1) وقال: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) (2) فهو عبادة جليلة ليس نزهة، ومن الناس من يتخذه وقتاً للتسول، ومن الناس من يتخذه وقتاً للسرقة والعدوان والعياذ بالله، فالناس يختلفون، فهذه المصائب لا شك أنها بذنوبنا، ولا شك أيضاً أنها قد كتبت علينا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولهذا يجب علينا أن
نتخذ من هذه المصيبة موعظة تتعظ بها القلوب، وأن نتخذ منها رضاءً بقضاء الله وقدره، وأن نقول: الحمد لله على كل حال، والذين أصيبوا بها وماتوا إن كانوا محرمين فإنه يرجى أن يكونوا
شهداء، ويخرجون من قبورهم يقولون: لبيك اللهم لبيك، فيجتمع لهم الشهادة والموت على الإحرام، والخروج من القبور يلبون، ومن لم يكن أحرم فإنا نرجو أن يكون من الشهداء أيضاً، لأن
الحريق شهيد، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (3) ، ولقد كان في هذه الحادثة عجائب، منها الريح الشديدة التي كانت تنقل اللهب من مكان إلى مكان، فتنقل قطع الخيام
المشتعلة من جهة إلى جهة، ثم إذا وقعت في جهة احترقت الجهات التي انتقلت إليها هذه القطعة، وأخبرني شخص أثق به عن إنسان شاهد بعينه أن حمامة مرت قد أصابها اللهب ففرت من اللهب
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(2) سورة الحج، الآية: 29.
(3) أبو داود، كتاب الجنائز، باب فضل من مات بالطاعون (3111) .
(24/236)

وجناحها وذيلها يلتهب فسقطت ميتة أدركها الاحتراق على خيمة فاشتعلت الخيمة، سبحان الله، هذا مما يدل على أن الله عز وجل ابتلى العباد بهذا الحريق، ثم الرياح الشديدة العاصفة في ذلك اليوم
التي نراها تسوق النيران سوقاً حثيثاً مما يدل على أن الله سبحانه وتعالى أراد من عباده- وله حكمة- أن يتعظوا بمثل هذه الأمور وحصل فيها من الحريق ما حصل، وحصل فيها أن من الناس من فقد أمه، ومنهم من فقد زوجته، ومنهم من فقد أبناءه، ومنهم من رؤي محترق وهو ساجد- سبحان الله- ساجد لله عز وجل، فأما أن يكون يصلي الظهر أو العصر، وإما أن يكون لما أحس أن النار أدركته قام يصلي وأحب أن يموت على صلاته، وعلى كل حال نسأل الله تعالى لإخواننا الذين ماتوا أن يغفر لهم ويكتبهم من الشهداء، وأن يشفي إخواننا الذين مازالوا على قيد الحياة، ويجعل ما أصابهم في تكفير سيئاتهم ورفعة درجاتهم، ونسأل الله تعالى أن يأجر كل من أصيب بهذه المصيبة؛ لأن كل مؤمن مصاب بلا شك بهذه المصيبة، فنسأل الله تعالى أن يجبر كسر الجميع، وأن يعفو عنا، ويغفر لنا، إنه على كل شيء قدير.
(24/237)

من فوائد الحج
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإن الله تعالى بحكمته نوع العبادات على الخلق ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وأقوم سبلاً، فإن الناس يختلفون في مواردهم ومصادرهم، فمنم من يتقبل القيام بنوع من العبادات لأنه يلائمه ولا يتقبل النوع الآخر لأنه لا يلائمه، فتجده في النوع الأول منقاداً مسرعاً، وفي الثاني متثاقلاً ممانعاً، والمؤمن حقاً هو الذي ينقاد لما يرضي مولاه لا لما يوافق هواه.
ومن تنوع العبادات تنوع أركان الإسلام فمنها ما هو بدني محض يحتاج إلى عمل وحركة جسم كالصلاة، ومنها ما هو بدني لكنه كف عن المحبوبات التي تميل إليها النفس كالصيام، ومنها ما
هو مالي محض كالزكاة، ومنها ما هو مالي بدني كالحج.
فالحج جامع للتكليف البدني والمالي، ولما كان يحتاج إلى سفر وتعب أكثر من غيره لم يوجبه الله تعالى في العمر إلا مرة واحدة، ونص على اشتراط الاستطاعة فيه. والاستطاعة شرط للوجوب فيه وفي غيره، لكن الحج أمس بها من غيره، هذا وللحج
(24/239)

فوائد عظيمة منها:
1- أنه قيام بأحد أركان الإسلام التي لا يتم إلا بها، وهذا يدل على أهميته ومحبة الله له.
2- أنه نوع من الجهاد في سبيل الله، ولذلك ذكره الله تعالى بعد ذكر آيات الجهاد.
وثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة حين سألته هل على النساء جهاد؟ قال: "نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة " (1) .
3- الثواب الجزيل والأجر العظيم لمن قام به على الوجه المشروع، فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (2) وقال: "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (3) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم " (4) . رواه النسائي وابن ماجه.
4- ما يحصل فيه من إقامة ذكر الله وتعظيمه وإظهار شعائره مثل التلبية، والطواف بالبيت وبالصفا والمروة، والوقوف بعرفة
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/71، 165) ، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج جهاد النساء، وابن خزيمة (3074) والبيهقي في سننه الكبرى (4/350) وصححه الألباني.
(2) تقدم تخريجه ص 11.
(3) تقدم تخريجه ص 106.
(4) أخرجه ابن ماجه، كتاب المناسك، باب فضل دعاء الحج (2892) وعند النسائي بلفظ: "وفد الله ثلاثة: الغازي والحاج والمعتمر" كتاب المناسك، باب فضل الحج 2624.
(24/240)

والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار وما يتبع ذلك من الذكر والتكبير والتعظيم، وفي الحديث عن النبي هـ أنه قال: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (1) .
5- ما يكون فيه من اجتماع المسلمين من جميع الأقطار وتبادل المودة والمحبة والتعارف بينهم، وما يتصل بذلك من المواعظ والتوجيه والإرشاد إلى الخير والحث على ذلك.
6- ظهور المسلمين بهذا المظهر الموحد في الزمان والمكان والعمل والهيئة، فكلهم يقفون في المشاعر بزمن واحد، وعملهم واحد، وهيئتهم واحدة، إزار ورداء، وخضوع وذلك بين يدي الله عز وجل.
7- ما يحصل في الحج من مواسم الخير الديني والدنيوي وتبادل المصالح بين المسلمين ولذلك قال الله تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (2) وهذا يعم منافع الدين والدنيا.
8- ما يحصل من الهدايا الواجبة والمستحبة من تعظيم حرمات الله، والتنعم بها أكلاً وإهداء وصدقة للفقراء. فمصالح الحج وحكمه وأسراره كثيرة.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 26.
(2) سورة الحج، الآية: 28.
(24/241)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أخي المسلم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد:
فمن نعمة الله عليك أن بلغك هذه العشر المباركة- عشر ذي الحجة- التي قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر "، قالوا، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (1) .
ومن شكر نعمة الله أن تستغل هذه الأيام بالأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله عز وجل، ومن هذه الأعمال:
1- التكبير والتحميد والتهليل والتسبيح لله عز وجل، يفعل ذلك الرجال جهراً في أسواقهم ومساجدهم وأماكنهم العامة، والنساء تفعل ذلك سراً.
2- صيام هذه الأيام- إلا يوم العيد- وأخص هذه الأيام باستحباب الصوم فيها يوم عرفة، فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أن صيامه يكفر السنة الماضية والباقية (2) .
3- الحج، وهو من أفضل القربات إلى الله عز وجل في هذه الأيام، وهو من أسباب غفران الذنوب، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " (3) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 81.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب استحباب صيام يوم عرفة (196) .
(3) تقدم تخريجه ص 106.
(24/243)

4- كثرة الدعاء، في كل وقت وخصوصاً في هذه الأيام الفاضلة فربك سبحانه قال:. (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (1) . وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الدعاء هو العبادة" (2) .
واعلم- بارك الله فيك- أن هذه الأيام محل لجميع الأعمال الصالحة، من قراءة القرآن، والصدقة، والصلاة النافلة، وصلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إلى خلق الله، وغير ذلك، لعموم
حديث ابن عباس المذكور.
ولا يفوتني- أخي- أن أوصيك بتقوى الله عز وجل وباستغلال هذه الأيام فلعلك لا تدركها العام القادم، واحرص على الإخلاص لله والمتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في كل أقوالك وأفعالك تكن مقبولاً.
أسأل الله أن يتقبل منا جميعاً صالح الأعمال.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم
قرأت هذه المنشورة المتضمنة للحث على العمل الصالح في عشر ذي الحجة، فوجدتها صحيحة، ونشرها حسن، جزى الله كاتبها خيراً، ونفع بها.
قال ذلك كاتبه: محمد الصالح العثيمين، في 24/11/1412 هـ.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 186.
(2) أخرجه الترمذي (5/426) وأبو داود (1479) .
(24/244)

مناسك الحج والعمرة والمشروع في الزيارة
(24/245)

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً.
أما بعد: فهذه فصولٌ في السفر والحج وزيارة المسجد النبوي ألقيناها في عدة مجالس، وكتبناها في فصولِ.
الفصل الأول: في السفر وشيء من آدابه وأحكامه.
الفصل الثاني: في شروط الحج.
الفصل الثالث: في المواقيت وأنواع الأنساك.
الفصل الرابع: ما يجب به الهدي من الأنساك، وصفة الهدي.
الفصل الخامس: في محظورات الإحرام.
الفصل السادس: في صفة العمرة.
الفصل السابع: في صفة الحج.
الفصل الثامن: في واجبات الحج.
الفصل التاسع: في أخطاء يرتكبها بعض الحجاج.
الفصل العاشر: في زيارة المسجد النبوي.
وقد أضفنا إليها أسئلة مهمة في هذه الموضوعات.
أسال الله أن يجعلها خالصة لوجهه، وأن ينفع بها، إنه جوادٌ كريم.
المؤلف
(24/247)

الفصل الأول
في السفر وشيء من آدابه وأحكامه
السفر: مفارقة الوطن، ويكون لأغراض كثيرة؛ دينية ودنيوية.
وحكمه: حكم الغرض الذي أُنشىء من أجله: فإن أُنشىء لعبادة كان عبادة؛ كسفر الحج والجهاد.
وإن أُنشىء لشيء مباح كان مباحاً: كالسفر للتجارة المباحة.
وإن أُنشىء لعمل محرَّم كان حراماً كالسفر للمعصية والفساد في الأرض.
وينبغي لمن سافر للحج أو غيره من العبادات أن يعتني بما يلي:
(1) إخلاص النية لله- عز وجل- بأن ينوي التقرب إلى الله عز وجل في جميع أحواله لتكون أقواله وأفعاله ونفقاته مقربة له إلى الله سبحانه وتعالى، تزيد في حسناته، وتكفر سيئاته، وترفع درجاته.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "إنك لن تُنفق نفقة
تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فِي امرأتك " (1) أي: فمها، متفق عليه.
(2) أن يحرص على القيام بما أوجب الله عليه من الطاعات واجتناب المحرمات، فيحرص على إقامة الصلاة جماعة في أوقاتها، وعلى النصيحة لرفقائه وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ودعوتهم إلى
الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة.
ويحرص كذلك على اجتناب المحرمات القولية والفعلية، فيجتنب
__________
(1) البخاري، كتاب الإيمان، باب أن الأعمال بالنية، ومسلم كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث.
(24/249)

الكذب والغيبة والنميمة والغش والغدر، وغير ذلك من معاصي الله عز وجل.
(3) أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة من الكرم بالبدن والعلم والمال، فيُعين من يحتاج إلى العون والمساعدة، ويبذل العلم لطالبه والمحتاج إليه، ويكون سخيًّا بماله، فيبذله في مصالح نفسه ومصالح إخوانه وحاجاتهم.
وينبغي أن يُكثر من النفقة وحاجات السفر، لأنه ربما تعرض الحاجة وتختلف الأمور.
وينبغي أن يكون في ذلك كله طَلْقَ الوجه، طيب النفس، رضي البال، حريصاً على إدخال السرور على رفقته ليكون أليفاً مألوفاً.
وينبغي أن يصبر على ما يحصل من جفاء رفقته ومخالفتهم لرأيه، ويداريهم بالتي هي أحسن، ليكون محترماً بينهم، معظماً في نفوسهم.
(4) أن يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل.
وينبغي أن يكبر كلما صعد مكاناً عالياً، ويُسبح إذا هبط مكاناً منخفضاً.
وإذا نزل منزلاً فليقل: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فمن نزل منزلاً ثم قالها لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.
(24/250)

الصلاة في السفر
يجب على المسافر أن يحافظ على أداء الصلاة في أوقاتها جماعة، كما يجب على المقيم كذلك.
قال الله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)) (1) .
فأوجب الله الجماعة على الطائفتين في حال الحرب والقتال مع الخوف، ففي حال الطمأنينة والأمن تكون الجماعة أوجب وأولى.
ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يُواظبون على صلاة الجماعة حضراً وسفراً حتى قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف) (2) . رواه مسلم.
ويجب أن يعتني بوضوئه وطهارته، فيتوضأ من الحدث الأصغر، كالبول والغائط والريح والنوم المستغرق، ويغتسل من الجنابة كإنزال المني والجماع.
فإن لم يجد الماء، أو كان معه ماء قليل يحتاجه لطعامه وشرابه، فإنه يتيمم لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا
__________
(1) سورة النساء، الآية: 102.
(2) أخرجه مسلم، كتاب المساجد، باب إتيان المسجد على من سمع النداء (256) (654) .
(24/251)

بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (1) .
وكيفية الوضوء والغُسل معلومة.
وكيفية التيمم أن يضرب الأرض بيديه فيمسح بهما وجهه وكفيه " ففي "صحيح البخاري " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمار بن ياسر رضي الله عنه: "يكفيك الوجه والكفان " (2) ، وفي رواية: (ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه) (3) وفي رواية مسلم (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة (4) .
وطهارة التيمم طهارة مؤقت، فمتى وجد الماء بطلت ووجب عليه استعماله، فإذا تيمم عن جنابة ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال عنها، وإذا تيمم من الغائط ثم وجد الماء وجب عليه الوضوء عنه.
وفي الحديث: "الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته " (5) .
والسنة للمسافر أن يقصر الصلاة الرباعية، وهي الظهر والعصر والعشاء الآخرة إلى ركعتين، لما في "الصحيحين " من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: صحبتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان لا يزيد في السفر على
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) البخاري، كتاب التيمم، باب المتيمم هل ينفخ فيهما، ومسلم، كتاب الحيض، باب التيمم.
(3) البخاري، الموضع السابق.
(4) مسلم، كتاب الحيض، باب التيمم (368) .
(5) رواه الإمام أحمد (5/146- 147، 155، 180) ، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب الجنب يتيمم (332، 333) ، والترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في التيمم (124) ، والنسائي، كتاب الطهارة، باب الصلوات بتيمم واحد (321) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(24/252)

ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك (1) .
وفي "صحيح البخاري " عن عائشة رضي الله عنها قالت: "فُرِضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ففرضت أربعاً، وتُركت صلاة السفر على الأولى" (2) .
فالسنة للمسافر قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين من حين أن يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه، سواء طالت مدة سفره أم قَصُرت.
وفي "صحيح البخاري " عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين يعني عام الفتح، إلا أن يصلي المسافر خلف إمام يُصلي أربعاً فيلزمه أن يُصلي أربعاً، سواءً أدرك الإمام من أول الصلاة أم من أثنائها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " (3) . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ... فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" (4) .
وسُئل ابن عباس رضي الله عنهما: ما بال المسافر يُصلي ركعتين إذا انفرد وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة (5) .
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلى وحده صلى ركعتين، يعني في السفر.
وأما الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فهو سنة
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب الصلاة بمنى (1082) ، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الصلاة بمنى 16 (894) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلوات (343) ، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين (658) .
(3) رواه البخاري، كتاب الأذان رقم (722) ، ومسلم، كتاب الصلاة رقم (417) .
(4) تقدم تخريجه ص 19.
(5) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين 7 (688) .
(24/253)

للمسافر عند الحاجة إليه، إذا جد به السير واستمر به، فيفعل ما هو الأرفق به من جمع التقديم أو التأخير؛ ففي "الصحيحين " من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب (1) .
وللبيهقي (2) : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان في سفر وزالت الشمس
صلى الظهر والعصر جمعاً.
وأما إذا لم يكن المسافر محتاجاً للجمع فلا يجمع، مثل أن يكون نازلاً في مكان لا يريد أن يرتحل منه إلا بعد دخول وقت الثانية، فالأولى عدم الجمع لأنه غير محتاج إليه، ولذلك لم يجمع النبي حين كان نازلاً في منى في حجة الوداع لعدم الحاجة إليه.
وأما صلاة التطوع، فيتطوع المسافر بما يتطوع به المقيم، فيصلي صلاة الضحى وقيام الليل والوتر وغيرها من النوافل سوى راتبة الظهر والمغرب والعشاء فالسنة أن لا يُصليها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
__________
(1) البخاري، كتاب التقصير، باب يؤخر الظهر إلى العصر، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر.
(2) "معرفة السنن والآثار" (6203) وسنده صحيح وأصله في "صحيح مسلم " (4891) بالإسناد نفسه.
(24/254)

الفصل الثاني
في شروط الحج
إن الشريعة الإسلامية جاءت من لدن حكيم خبير، لا يُشرع منها إلا ما كان مُوافقاً للحكم، ومطابقاً للعدل، لذلك كانت الواجبات والفرائض لا تلزم الخلق إلا بشروط مرعية يلزم وجودها حتى يكون فرضها واقعاً موقعه.
فمن ذلك فريضة الحج لا تكون فرضاً على العباد إلا بشروط:
* الشرط الأول: أن يكون مسلماً، بمعنى أن الكافر لا يجب عليه الحج قبل الإسلام، وإنما نأمره بالإسلام أولاً، ثم بعد ذلك نأمره بفرائض الإسلام، لأن الشراِئع لا تُقبل إلا بالإسلام، قال الله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)) (1) .
* الشرط الثاني: العقل، فالمجنون لا يجب عليه الحج ولا يصح منه لأن الحج لابد فيه من نية وقصد، ولا يمكن وجود ذلك في المجنون.
* الشرط الثالث: البلوغ، ويحصل البلوغ في الذكور بواحد من أمور ثلاثة:
1- الإنزال، أي إنزال المني لقوله تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) (2) ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم " (3) . متفق عليه.
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 54.
(2) سورة النور، الآية: 59.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة (879) ، ومسلم، كتاب=
(24/255)

2- نباتُ شعر العانة، وهو الشعر الخشن ينبت حول القُبل لقول عطية القرظي رضي الله عنه. عُرضنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم قُريظة، فمن كان محتلماً أو أنبتَ عانته قُتِل ومَنْ لا تُرِك (1) .
3- تمام خمس عشرة سنة، لقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عُرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أُحد وأنا ابن أربعَ عشرة سنةٌ فلم يُجزني.
زاد البيهقي وابن حبان: ولم يَرَني بلغتُ، وعُرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني.
وفي رواية للبيهقي وابن حبان: ورآني بلغت.
قال نافع: فقدِمتُ على عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فحدثته الحديث، فقال: "إن هذا الحد بين الصغير والكبير، وكتب لعماله أن يفرضوا- يعني من العطاء- لمن بلغ خمس عشرة سنة". رواه
البخاري.
4- ويحصل البلوغ في الإناث بما يحصل به البلوغ في الذكور، وزيادة أمر رابع، وهو الحيضُ، فمتى حاضت فقد بلغت وإن لم تبلغ عشر سنين.
فلا يجب الحج على من دون البلوغ لصغر سنه، وعدم تحمُّله أعباء الواجب غالباً، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفع القلم عن ثلاثة؛ عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يَكبُر، وعن المجنون حتى يفيق " (2) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الحاكم.
__________
= الجمعة، باب وجوب غسل الجمعة 5 (846) .
(1) رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي، بسند صحيح.
(2) رواه أبو داود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق (4401) ، والترمذي، كتاب الحدود، باب فيمن لا يجب عليه الحد (1423) . وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
(24/256)

لكن يصح الحج من الصغير الذي لم يبلغ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقي رَكباً بالروحاء- اسم موضع- فقال: "من القوم؟ " قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: "رسول الله "، فرفعت إليه امرأة صبيًّا فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم ولكِ أجر" (1)
رواه مسلم.
وإذا أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - للصبي حجًّا ثبت جميع مقتضيات هذا الحج فليُجنِّب جميع ما يجتنبه المحرم الكبير من محظورات الإحرام، إلا أن عمدَه خطأٌ، فإذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام فلا فدية عليه ولا على وليِّه.
* الشرط الرابع: الحرية، فلا يجب الحج على مملوك لعدم استطاعته.
* الشرط الخامس: الاستطاعة بالمال والبدن، بأن يكون عنده مال يتمكن به من الحج ذهاباً وإياباً ونفقة، ويكون هذا المال فاضلاً عن قضاء الديون والنفقات الواجبة عليه، وفاضلاً عن الحوائج التي
يحتاجها من المطعم والمشرب والملبس والمنكح والمسكن ومتعلقاته وما يحتاج إليه من مركوب وكُتبِ علم وغيرها، لقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (2) .
ومن الاستطاعة أن يكون للمرأة مَحْرَمٌ، فلا يجب أداء الحج على من لا محرم لها لامتناع السفر عليها شرعاً، إذ لا يجوز للمرأة أن تسافر للحج ولا غيره بدون محرم، سواء أكان السفر طويلاً أم قصيراً، وسواء
__________
(1) تقدم تخريجه ص 70.
(2) سورة آل عمران، الآية: 97.
(24/257)

أكان معها نساء أم لا، وسواء كانت شابة جميلة أم عجوزاً شوهاء، وسواء في طائرة أم غيرها لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يقول: " لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم "، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"انطلق فحج مع امرأتك " (1) .
ولم يستفصله النبي - صلى الله عليه وسلم - هل كان معها نساء أم لا؟ ولا هل كانت شابة جميلة أم لا؟ ولا هل كانت آمنةً أم لا؟
والحكمة في منع المرأة من السفر بدون محرم صونُ المرأة عن الشر والفساد، وحمايتها من أهل الفجور والفسق؛ فإن المرأة قاصرة في عقلها وتفكيرها والدفاع عن نفسها، وهي مطمعُ الرجال، فربما تُخدع أو تُقهر، فكان من الحكمة أن تُمنع من السفر بدون محرم يُحافظ عليها ويصونها؛ ولذلك يُشترط أن يكون المَحرَم بالغاً عاقلاً، فلا يكفي المحرم الصغير أو المعتوه.
والمَحرَمُ زوج المرأة، وكل ذَكرٍ تَحرمُ عليه تحريماً مؤبداً بقرابةٍ، أو رضاع، أو مصاهرة.
فالمحارم من القرابة سبعة:
1- الأصول؛ وهم الآباء والأجداد وإن علوا، سواء من قِبَلِ الأب أو من قِبَلِ الأم.
2- الفروع؛ وهم الأبناء وأبناء الأبناء وأبناء البنات وإن نزلوا.
3- الإخوة؛ سواءٌ كانوا إخوةً أشقاء أم لأب أم لأم.
4- الأعمام؛ سواء كانوا أعماماً أشقاء أم لأب أو لأم، وسواء كانوا
__________
(1) تقدم تخريجه ص 116.
(24/258)

أعماماً للمرأة أو لأحدٍ من آبائها أو أمهاتها، فإن عم الإنسان عمٌّ له ولذريته منهما نزلوا.
5- الأخوال سواء كانوا أخوالاً أشقاء أم لأب أم لأم، وسواء كانوا أخوالاً للمرأة أو لأحدٍ من آبائها أو أُمهاتها، فإن خال الإنسان خالٌ له ولذريته مهما نزلوا.
6- أبناء الإخوة وأبناء أبنائهم وأبناء بناتهم وإن نزلوا، سواءٌ كانوا أشقاء أم لأب أم لأم.
7- أبناء الأخوات وأبناء أبنائهن وأبناء بناتهن وإن نزلوا، سواءٌ كن شقيقات أم لأب أم لأم.
والمحارم من الرضاع نظير المحارم من النسب، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يحرمَ من الرضاع من يحرمُ من النسب " (1) . متفق عليه.
* والمحارم بالمصاهرة أربعة:
1- أبناء زوج المرأة وأبناء أبنائه وأبناء بناته وإن نزلوا.
2- آباء زوج المرأة وأجداده من قِبَل الأب أو من قِبَل الأم وإن عَلَوا.
3- أزواج بنات المرأة وأزواج بنات أبنائها وأزَواج بنات بناتها وإن نزلن.
وهذه الأنواع الثلاثة تثبت المحرمية فيهم بمجرد العقد الصحيح على الزوجة، وإن فارقها قبل الخلوةِ والدخولِ.
4- أزواج أمهات المرأة وأزواج جداتها وإن علوا، سواء من قِبَل الأب أو من قِبَل الأم، لكن لا تثبت المحرمة في هؤلاء إلا بالوطء، وهو الجماع في نكاح صحيح، فلو تزوج امرأة ثم فارقها قبل الجماعِ لم
__________
(1) البخاري، كتاب النكاح، باب ما يحل من الدخول والنظر إلى النساء من الرضاع، ومسلم،
كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاع.
(24/259)

يكن محرماً لبناتها وإن نزلن.
فإن لم يكن الإنسان مستطيعاً بماله فلا حج عليه، وإن كان مستطيعاً بماله عاجزاً ببدنه؛ نظرنا:
فإن كان عجزاً يُرجى زواله كمرض يُرجى أن يزول، انتظر حتى يزول، ثم يؤدي الحج بنفسه.
وإن كان عجزاً لا يُرجى زواله، كالكبر والمرض المُزمن الذي لا يُرجى برؤه، فإنه يُنيب عنه من يقوم بأداء الفريضة عنه لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من خثعم قالت: "يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، قال: "حجي عنه " (1) رواه الجماعة.
هذه شروط الحج التي لابد من توافرها لوجوبه.
واعتبارها مطابقٌ للحكمة والرحمة والعدل (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)) (2) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 129.
(2) سورة المائدة، الآية: 50.
(24/260)

الفصل الثالث
في المواقيت وأنواع الأنساك
المواقيت نوعان: زمانية ومكانية.
فالزمانية للحج خاصة، أما العمرة فليس لها زمن معين لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) (1) وهي ثلاثة شوال وذو القعدة وذو الحجة.
وأما المكانية فهي خمسة، وقَّتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففي "الصحيحين " من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل المدينة ذا الحُليفة، ولأهل الشام الجُحفة، ولأهل نجد قَرن المنازل، ولأهل اليمن يَلَملَم، فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهلُّه من أهله، وكذا حتى أهل
مكة يهلُّون منها" (2) .
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَّت لأهل العراق (ذات عِرْق) (3) رواه أبو داود والنسائي.
فالأول: ذو الحليفة ويسمى (أبيار علي) بينه وبين مكة نحو عشر مراحل، وهو ميقات أهل المدينة ومن مرَّ به من غيرهم.
الثاني: الحجفة، وهي قرية قديمة بينها وبين مكة نحو ثلاث مراحل، وقد خربت فصار الناس يُحرمون من رابغ بدلاً عنها وهي ميقات أهل الشام ومن مر بها من غيرهم إن لم يمروا بذي الحليفة قبلها،
فإن مروا به لزمهم الإحرام منه.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب مهل الشامل (1526) ، ومسلم، كتاب الحج، باب مواقيت الحج (1181) ..
(3) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب في المواقيت (1739) ، وعند مسلم: "ومهل أهل العراق من ذات عرق" أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة (1183) .
(24/261)

الثالث: قرن المنازل؛ ويسمى (السيل) وبينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو ميقات أهل نجد ومن مر به من غيرهم.
الرابع: يلملم وهو جبل أو مكان بتهامة، بينه وبين مكة نحو مرحلتين، ويسمى (السعدية) وهو ميقات أهل اليمن ومن مر به من غيرهم.
الخامس: ذات عرق، ويسمى عند أهل نجد (الضريبة) بينها وبين مكة مرحلتان، وهي لأهل العراق ومن مر بها من غيرهم.
ومن كان أقرب إلى مكة من هذه المواقيت فميقاته مكانه فَيُحرم منه، حتى أهل مكة يحرمون من مكة، إلا في العمرة فيحرم من كان في الحَرَم من أدنى الحلّ لأَن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: "اخْرُج بأختِك -يعني عائشة لما طلبت منه العمرة- من الحَرَم فَلتُهِل بعمرة" (1) متفق عليه.
ومن كان طريقه يميناً أو شمالاً من هذه المواقيت فإنه يحرم إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، فإن لم يُحاذِ ميقاتاً مثل أهل سواكنَ في السودان ومن يمر من طريقهم فإنهم يحرمون من جُدّة.
ولا يجوز لمن مر بهذه المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزها إلا محرماً، وعلى هذا فإذا كان في الطائرة وهو يُريد الحج أو العمرة، وجب عليه الإحرام إذا حاذى الميقات من فوقه، فيتأهب ويلبس ثياب الإحرام قبل محاذاة الميقات، فإذا حاذاه عقد نية الإحرام فوراً. ولا يجوز له تأخيره إلى الهبوط في جُدَّة، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى، وقد قال سبحانه: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) (2) ،
__________
(1) تقدم تخريجه ص 45.
(2) سورة الطلاق، الآية: 1.
(24/262)

(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)) (1) ، (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (2) .
ومن مر بالمواقيت وهو لا يريد حجًّا ولا عمرة، ثم بدا له بعد ذلك أن يعتمر أو يحج فإنه يُحرم من المكان الذي عزم فيه على ذلك لأن في "الصحيحين " من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في ذكر المواقيت قال: ومن كان دون ذلك فَمِن حيث أنشأ، وإذا مر بهذه المواقيت وهو لا يريد الحج ولا العمرة وإنما يريد مكة لغرض آخر كطلب علم، أو زيارة قريب، أو علاج مرض، أو تجارة أو نحو ذلك فإنه لا يجب عليه الإحرام إذا كان قد أدى الفريضة، لحديث ابن عباس السابق وفيه: "هن
لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة" (3) ، فإن مفهومه أن من لا يريدهما لا يجب عليه الإحرام.
وإرادة الحج والعمرة غير واجبة على من أدى فريضتهما، وهما لا يجبان في العُمرِ إلا مرة واحدة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سئل هل يجب الحج كل عام؟ قال: "الحج مرة فما زاد فهو تطوع " (4) .
والعمرة كالحج لا تجب إلا مرة في العمر.
لكن الأولى لمن مر بالميقات أن لا يدع الإحرام بعمرة أو حج إن كان في أشهره، وإن كان قد أدى الفريضة، ليحصل له بذلك الأجر، ويخرج من الخلاف في وجوب الإحرام عليه.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 229.
(2) سورة النساء، الآية: 14.
(3) تقدم تخريجه ص 127.
(4) أخرجه الإمام أحمد (1/290) ، وأبو داود، كتاب المناسك، باب فرض الحج (1721) ، والنسائي، كتاب المناسك، باب وجوب الحج (5/111) ، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب فرض الحج (2886) .
(24/263)

أنواع الأنساك ثلاثة
الأول: التمتع بالعمرة إلى الحج، وهو أن يُحرم في أشهر الحج بالعمرة وحدها، ثم يفرغ منها بطواف وسعي وتقصير، ويحل من إحرامه، ثم يحرم بالحج في وقته من ذلك العام.
الثاني: القران؛ وهو أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً، أو يُحرم بالعمرة أولاً ثم يُدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها فإذا وصل إلى مكة طاف طواف القدوم، وسعى بين الصفا والمروة للعمرة والحج
سعياً واحداً، ثم استمر على إحرامه حتى يُحل منه يوم العيد.
ويجوز أن يؤخر السعي عن طواف القدوم إلى ما بعد طواف الحج، لاسيما إذا كان وصوله إلى مكة متأخراً وخاف فوات الحج إذا اشتغل بالسعي.
الثالث: الإفراد؛ وهو أن يُحرم بالحج مفرداً، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم، وسعى للحج، واستمر على إحرامه حتى يحل منه يوم العيد.
ويجوز أن يؤخر السعي إلى ما بعد طواف الحج كالقارن.
وبهذا تبين أن عمل المُفرد والقارن سواء، إلا أن القارن عليه الهديُ لحصول النُّسُكين له دون المفرد.
وأفضل هذه الأنواع التمتع، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به أصحابه وحثهم عليه، بل أمرهم أن يُحولوا نية الحج إلى العمرة من أجل التمتع.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سُئل عن متعةِ الحج؟ فقال: "أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اجعلوا إهلالكم بالحج عُمرةً إلا من قلد
(24/264)

الهدي" (1) فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب) رواه البخاري.
وعن جابر رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مُهلين بالحج، معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طُفنا بالبيت والصفا والمروة، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يكن معه هديٌ فليحلُل "، قال: قلنا: أي الحل؟! قال: "الحلُ كله". قال: فأتينا النساء، ولبسنا الثياب ومَسَسنا الطيب، فلما كان يومُ التروية أهللنا بالحج " (2) رواه مسلم.
وفي رواية له قال: "قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "قد علمتم أني أتقاكم لله، وأصدقكم وأبرُّكم، ولولا هديي لأحللت كما تُحلون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم اسق الهديَ، فَحِلُّوا" (3) . فحللنا وسَمِعنا وأطعنا ".
فهذا صريح في تفضيل التمتع على غيره من الأنساك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسُق الهدي " (4) ، ولم يمنعه من الحل إلا سوقُ الهدي، ولأن التمتع أيسر على الحاج، حيث يتمتع بالتحلل بين الحج والعمرة، وهذا هو الذي يوافق مُراد الله عز وجل حيث قال سبحانه: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (5) ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بُعِثتُ بالحنيفية السمحة" (6) .
__________
(1) البخاري، كتاب الحج، باب قوله تعالى:"ذلك لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام".
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(3) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(4) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(5) سورة البقرة، الآية: 185.
(6) رواه الإمام اْحمد (6/116 و 233) عن عائشة، وحسنه السخاوي في "المقاصد الحسنة" (214) والمناوي في "فيض القدير" (3/203) .
(24/265)

هذا وقد يُحرم الحاج بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، ثم لا يتمكن من إتمامها قبل الوقوف بعرفة، ففي هذه الحال يدخل الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها ويصير قارناً، ولذلك مثالان:
المثال الأول: امرأة أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج، فحاضت أو نَفِست قبل أن تطوف، ولم تطهر قبل وقت الوقوف بعرفة، فإنها تُحرم بالحج وتصير قارنة، وتفعل ما يفعله الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهر وتغتسل.
المثال الثاني: شخص أحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، فلم يتمكن من الدخول إلى مكة قبل وقت الوقوف بعرفة، فإنه يُدخِلُ الحج على العمرة ويصير قارناً لتعذُّر إكمال العمرة منه.
(24/266)

الفصل الرابع
فيما يجب به الهدي
من الأنساك، وما صفة الهدي
سبق في الفصل الثالث أن الأنساك ثلاثة: التمتع والقِران والإفراد، والذي يجب به الهديُ هو التمتع والقِران.
والمتمتع: هو مَن أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم حلَّ منها وأحرم بالحج في عامِه، فلو أحرم بالعمرة قبل دخول شهر شوال، وبقي في مكة ثم حج في عامه فلا هدي عليه لأنه ليس بمتمتع، حيث كان إحرامه بالعمرة قبل دخول أشهر الحج.
ولو أحرم بالعمرة بعد دخول شوال وحج من العام الثاني، فلا هدي عليه أيضاً لأن العمرة في عامٍ والحج في عام آخر.
ولو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، وحل منها ثم رجع إلى بلده وعاد منه مُحرماً بالحج وحده لم يكن متمتعاً لأنه أفرد الحج بسفر مستقل.
وأما القِران: فهو أن يُحرم بالعمرة والحج معاً، أو يُحرم بالعمرة أولاً ثم يُدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها كما سبق.
ولا يجب الهدي على المتمتع والقارن إلا بشرط أن لا يكونا من حاضري المسجد الحرام، أي: لا يكونا من سكان مكة أو الحرم، فإن كانوا من سكان مكة أو الحرم فلا هدي عليهم لقوله تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (1) .
ويلزم الهدي أهل جُدّة إذا أحرموا بتمتع أو قِران، لأنهم ليسوا من حاضري المسجد الحرام.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/267)

ومَن كان من سُكان مكة ثم سافر إلى غيرها لطلب علم أو غيره، ثم رجع إليها متمتعاً أو قارناً فلا هدي عليه لأن العبرة بمحل إقامته ومسكنه وهو مكة.
أما إذا كان من أهل مكة ولكن انتقل للسكنى في غيرها ثم رجع إليها متمتعاً أو قارناً فإنه يلزمه الهدي، لأنه حينئذ ليس من حاضري المسجد الحرام.
ومتى عَدِمَ المتمتع والقارن الهدي أو ثمنه بحيث لا يكونُ معه من المال إلا ما يحتاجه لنفقته ورجوعه فإنه يسقط عنه الهدي، ويلزمه الصوم؛ لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) .
ويجوز أن يصوم الأيام الثلاثة في أيام التشريق؛ وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، لقول عائشة وابن عمر رضي الله عنهم: "لم يُرخّص في أيام التشريق أن يُصمن إلا لمن لم يجد الهدي " (1) رواه البخاري.
ويجوز أن يصومها قبل ذلك، بعد الإحرام بالعمرة إذا كان يعرف من نفسه أنه لا يستطيع الهدي، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" (2) ، فمن صام الثلاثة في العمرة فقد صامها في الحج.
لكن لا يصوم هذه الأيام يوم العيد لحديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم النحر " (3) . متفق عليه.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب صيام أيام التشريق (1997) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1812) .
(3) البخاري، كتاب الصوم، باب صوم يوم النحر، مسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم يوم الفطر والأضحى.
(24/268)

ويجوز أن يصوم هذه الثلاثة متوالية ومتفرقة، ولكن لا يؤخرها عن أيام التشريق. وأما السبعة الباقية فيصومها إذا رجع إلى أهل إن شاء متوالية، وإن شاء متفرقة، لأن الله سبحانه أوجبها ولم يشرط أنها
متتابعة.
مسائل تتعلق بالهدي:
المسألة الأولى: في بيان نوع الهدي.
المسألة الثانية: فيما يجب أو ينبغي أن يتوافر فيه.
المسألة الثالثة: في مكان ذبحه.
المسألة الرابعة: في وقت ذبحه.
المسألة الخامسة: في كيفية الذبح المشروع.
المسألة السادسة: في كيفية توزيعه.
فأما نوع الهدي: فهو من الإبل أو البقر أو الغنم الضأن والمعز لقوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) (1) .
وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم.
وتجزىء الواحدة من الغنم في الهدي عن شخص واحد.
وتُجزىء الواحدة من الإبل أو البقر عن سبعة أشخاص لحديث جابر رضي الله عنه قال: "أمَرَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشترك في الإبل والبقر، كلُّ سبعةٍ منا في بَدَنة" (2) متفق عليه.
وأما ما يجب أن يتوافر فيه:
فيجب أن يتوافر فيه شيئان:
__________
(1) سورة الحج، الآية: 34.
(2) مسلم، كتاب الحج، باب الاشتراك في الهدي (956) .
(24/269)

1- بلوغ السن الواجب وهو خمس سنين في الإبل، وسنتان في البقر، وسنة في المعز، وستة أشهر في الضأن، فما دون ذلك لا يجزئ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تذبحوا إلا مُسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعةً من الضأن " رواه الجماعة إلا البخاري.
2- السلامة من العيوب الأربعة التي أمر النبي " - صلى الله عليه وسلم - باتقائها وهي: - العوراء البين عورها، والعمياء أشد فلا تجزئ.
- المريضة البين مرضها بجرب أو غيره.
- العرجاء البين ضلعها، والزمنى التي لا تمشي، ومقطوعة إحدى القوائم أشدُّ.
- الهزيلة التي لا مُخَّ فيها.
لما روى مالك في "الموطأ" عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل: ماذا يتقى من الضحايا، فأشار بيده وقال: "أربعاً،- وكان- البراء يُشيرُ بيده ويقولُ: يدي أقصر من يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، "العرجاء البيِّن ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تُنقى".
فأما العيوب التي دون ذلك كعيب الأذن والقرن فإنها تكره، ولا تمنع الإجزاء على القول الراجح.
وأما ما ينبغي أن يتوافر في الهدي، فينبغي أن يتوافر فيه السمن والقوة وكبر الجسم وجمال المنظر، فكلما كان أطيب فهو أحب إلى الله عز وجل، وإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.
وأما مكان ذبح الهدي: ففي منى، ويجوز في مكة وفي بقية الحرم،
(24/270)

لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل فجاج مكة منحرٌ وطريقٌ " (1) رواه أبو داود.
وقال الشافعي رحمه الله: الحرم كله منحر؛ حيث نحر منه أجزأه في الحج والعمرة.
وعلى هذا فإن كان ذبح الهدي بمكة أفيد وأنفع للفقراء فإنه يذبح في مكة، إما في يوم العيد، أو في الأيام الثلاثة بعده.
ومن ذبح الهدي خارج حدود الحرم في عرفة أو غيرها من الحل لم يجزئه على المشهور.
وأما وقت الذبح: فهو يوم العيد إذا مضى قدر فعل الصلاة بعد ارتفاع الشمس قدرَ رمحٍ إلى آخر أيام التشريق، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر هديه ضحى يوم العيد، ويُروى عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كل أيام التشريق ذبح " (2) .
فلا يجوز تقديم ذبح هدي التمتع والقران على يوم العيد، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذبح قبل يوم العيد، وقال: "خُذوا عني مناسككم " (3) ، وكذلك لا يجوز تأخير الذبح عن أيام التشريق لخروج ذلك عن أيام النحر.
ويجوز الذبح في هذه الأيام الأربعة ليلاً ونهاراً، ولكن النهار أفضل.
وأما كيفية ذبح الهدي: فالسنة نحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فإن لم يتيسر نحرها قائمة فباركة.
والسنة في غير الإبل الذبح مضجعة على جنبها.
والفرق بين النحر والذبح أن النحر في أسفل الرقبة مما يلي الصدر، والذبح في أعلاها ما يلي الرأس.
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الصلاة بجمع (1937) والحاكم (1/473) وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح الجامع (5436) .
(2) أخرجه الإمام أحمد (4/82) .
(3) تقدم تخريجه ص 8.
(24/271)

ولابد في النحر والذبح من إنهار الدم بقطع الودجين لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سناً أو ظفراً" (1) متفق عليه.
وإنهارُ الدم يكون بقطع الودجين، وهما العرقان الغليظان المُحيطان بالحُلقوم، وتمام ذلك بقطع الحُلقوم والمريء أيضاً.
ولابد من قول الذابح: "بسم الله " عند الذبح أو النحر، فلا تؤكل الذبيحة إذا لم يذكر اسم الله عليها، لقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (2) ، ولا تجزئ عن الهدي حينئذ لأنها ميتة لا يحل أكلها.
وأما كيفية توزيع الهدي: فقد قال الله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)) (3) ، (وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجته من كل بدنة بقطعة فجُمعت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها) (4) رواه مسلم.
فالسنة أن يأكل من هديه ويُطعم منه غيره، ولا يكفي أن يذبح الهدي ويرمي به بدون أن يتصدق منه وينتفع به، لأن هذا إضاعةٌ للمال، ولا يحصل به الإطعام الذي أمر الله به، إلا أن يكونَ الفقراء حوله فيذبحه ثم يُسلمه لهم، فحينئذ يبرأ منه.
فعلى الحاج أن يعتني بهديه من جميع هذه النواحي ليكون هدياً مقبولاً مقرباً له إلى الله عز وجل، ونافعاً لعباد الله.
__________
(1) البخاري، كتاب الذبائح، باب التسمية عند الذبح، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن.
(2) سورة الأنعام، الآية: 121.
(3) سورة الحج، الآية: 28.
(4) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (886) .
(24/272)

واعلم أن إيجاب الهدي على المتمتع والقارن، أو الصيام عند العدم، ليس غُرماً على الحاج، ولا تعذيباً له بلا فائدة، وإنما هو من تمام النسك وكماله، ومن رحمة الله وإحسانه، حيث شرع لعباده ما به كمال عبادتهم وتقربهم إلى ربهم، وزيادة أجرهم، ورفعة درجاتهم، والنفقة فيه مخلوفة، والسعي فيه مشكور، فهو نعمة من الله تعالى يستحق عليه الشكر بذبح الهدي، أو القيام ببدله، ولهذا كان الدم فيه دم شُكران لا دم جبران، فيأكل منه الحاج ويهدي ويتصدق.
وكثيرٌ من الناس لا تخطر ببالهم هذه الفائدة العظيمة، ولا يحسبون لها حساباً، فتجدهم يتهربون من وجوب الهدي، ويسعون لإسقاطه بكل وسيلة، حتى إن منهم من يأتي بالحج مفرداً من أجل أن لا يجب عليهم الهدي أو الصيام، فيحرمون أنفسهم أجر التمتع وأجر الهدي أو بدله، والله المستعان.
(24/273)

الفصل الخامس
في محظورات الإحرام
محظورات الإحرام: ما يُمنع منه المحرم بحج أو عمرة وهي ثلاثة أقسام:
قسم محرم على الذكور والإناث.
قسم محرم على الذكور فقط.
قسم محرم على الإناث فقط.
فأما المحرم على الذكور والإناث فهو:
1- إزالة شعر الرأس بحلق أو غيره لقوله تعالى: (َلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) (1) ، وألحق جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى شعر بقية الجسم بشعر الرأس، وعلى هذا فلا يجوز للمحرم أن يُزيل أي شعر كان من بدنه.
وقد بين الله سبحانه وتعالى فدية حلق الرأس بقوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ َفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (2) .
وأوضح النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الصيام مقداره ثلاثة أيام، وأن الصدقة مقدارُها ثلاثة آصع من الطعام لستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك شاة، والمراد شاة تبلغ السن المعتبر في الهدي، وتكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء.
ويُسمى العلماء هذه الفدية فدية الأذى لقوله تعالى: (أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ) .
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(2) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/274)

2- تقليم الأظافر أو قلعها أو قصها قياساً على حلق الشعر؛ على المشهور عند أهل العلم.
ولا فرق بين أظفار اليدين والرجلين، لكن لو انكسر ظُفرهُ وتأذى به فلا بأس أن يقص القدر المؤذي منه، ولا فدية عليه.
3- استعمال الطيب بعد الإحرام في ثوبه أو بدنه أو غيرهما مما يتصل به لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المُحرم: "لا يلبس ثوباً مسه زعفران ولا ورس " (1) ، وقال في المحرم الذي وقصته راحلته وهو واقف بعرفة: "لا تُقربوه طيباً" (2) وعلل ذلك بكونه يُبعث يوم القيامة ملبياً. والحديثان صحيحان.
فدل هذا على أن المحرم ممنوع من قُربان الطيب.
ولا يجوز للمحرم شم الطيب عمداً ولا خلط قهوته بالزعفران الذي يؤثر في طعم القهوة أو رائحتها، ولا خلط الشاي بماء الورد ونحوه مما يظهر فيه طعمه أو ريحه.
ولا يستعمل الصابون المُمَسك إذا ظهرت فيه رائحة الطيب، وأما الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه فلا يضر بقاؤه بعد الإحرام لقول عائشة رضي الله عنها: "كنت أنظر إلى وبيص المسك في مفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مُحرم " (3) متفق عليه.
4- عقد النكاح لقول النبي عم: "لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب ما لا يلبس المحرم من الثياب (1542) ، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة (1177) .
(2) تقدم تخريجه ص 87.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام (1539) ، ومسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (1189) (133) .
(24/275)

يخطب " (1) رواه مسلم.
فلا يجوز للمحرم أن يتزوج امرأة ولا أن يعقد لها النكاح بولاية ولا بوكالة، ولا يخطب امرأة حتى يحل من إحرامه.
ولا تُزوَّج المرأة وهي محرمة. وعقدُ النكاح حال الإحرام فاسدٌ غير صحيح، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (2) .
5- المباشرة لشهوة بتقبيل أو لمس أو ضمِ أو نحوه لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (3) .
ويدخل في الرفث مقدمات الجماع كالتقبيل والغمز والمُداعبة لشهوة.
فلا يحل للمحرم أن يقبل زوجته لشهوة، أو يمسها لشهوة، أو يغمزها لشهوة، أو يداعبها لشهوة.
ولا يحل لها أن تمكنه من ذلك وهي مُحرمة.
ولا يحل النظر لشهوة أيضاً لأنه يستمتع به كالمباشرة.
6- الجماع لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (4) .
والرفث الجماع ومقدماته، والجماع أشد محظورات الإحرام تأثيراً على الحج وله حالان:
الحال الأولى: أن يكون قبل التحلل الأول فيترتب عليه شيئان:
أ- وجوب الفدية وهي بدنَة أو بقرة تجزئ في الأضحية يذبحها
__________
(1) تقدم تخريجه ص 28.
(2) تقدم تخريجه ص 11.
(3) سورة البقرة، الآية: 197.
(4) سورة البقرة، الآية: 197.
(24/276)

ويُفرقها كلها على الفقراء، ولا يأكل منها شيئاً.
ب- فساد الحج الذي حصل فيه الجماع، لكن يلزم إتمامه وقضاؤه من السنة القادمة بدون تأخير.
قال مالك في "الموطأ": بلغني أن عمر وعلياً وأبا هريرة سُئلوا عن رجل أصاب أهله وهو مُحرم؟ فقالوا: يَنفذان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج قابل والهدي.
قال: وقال علي: وإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما.
ولا يفسد النسك في باقي المحظورات.
الحال الثانية: أن يكون الجماع بعد التحلل الأول، أي بعد رمي جمرة العقبة والحلق، وقبل طواف الإفاضة، فالحج صحيح، لكن يلزمه شيئان على المشهور من المذهب:
أ- فدية شاة يذبحها ويفرقها جميعاً على الفقراء، ولا يأكل منها شيئاً.
ب- أن يخرج إلى الحل، أي: إلى ما وراء حدود الحرم فيجدد إحرامه، ويلبس إزاراً ورداء ليطوف للإفاضة محرماً.
7- من محظورات الإحرام: قتل الصيد، والصيد: كل حيوان بري حلال متوحش طبعاً كالظباء والأرانب والحمام، لقوله تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا) (1) ، وقوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)) (2) فلا يجوز للمحرم اصطياد الصيد
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 96.
(2) سورة المائدة، الآية: 95.
(24/277)

المذكور، ولا قتله بمباشرة أو تسبب أو إعانة على قتله بدلالة أو إشارة أو مناولة سلاح أو نحو ذلك.
وأما الأكل منه فهو أقسام ثلاثة:
الأول: ما قتله المحرم أو شارك في قتله فأكله حرام على المحرم وغيره.
الثاني: ما صاده حلال بإعانة المحرم، مثل أن يدله المحرم على الصيد، أو يناوله آلة الصيد، فهو حرام على المحرم دون غيره.
الثالث: ما صاده الحلال للمحرم، فهو حرام على المحرم دون غيره، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصَد لكم " (1) .
وعن أبي قتادة رضي الله عنه أنه صاد حمراً وحشيًّا، وكان أبو قتادة غير محرم وأصحابه محرمين، فأكلوا منه، ثم شكوا في أكلهم، فسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: "هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء "؟ قالوا: لا، قال: "فكلوه" (2) .
وإذا قتل المحرم الصيد متعمداً فعليه جزاؤه، لقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) (3) .
فإذا قتل حمامة مثلاً فمثلها الشاة، فيخير بين أن يذبح الشاة ويفرقها على الفقراء فدية عن الحمامة، وبين أن يُقومها ويخرج ما يقابل القيمة طعاماً للمساكين، لكل مسكين نصف صاع، وبين أن يصوم عن إطعام
__________
(1) أخرجه أحمد (3/362، 387، 389) وأبو داود (1851) والترمذي (5/187) وابن خزيمة (2641) .
(2) أخرجه البخاري (1725) ومسلم (1196) عن أبي قتادة.
(3) سورة المائدة، الآية: 95.
(24/278)

كل مسكين يوماً.
وأما قطع الشجر فليس حراماً على المحرم من أجل الإحرام، لأنه لا تأثير للإحرام فيه، وإنما يحرم على من كان داخل حدود الحرم سواء أكان محرماً أم غير محرم، وعلى هذا يجوز قطع الشجر في عرفة
للمحرم وغير المحرم، ويحرَّم في مزدلفة ومنى على المحرم وغير المحرم لأن عرفة خارج حدود الحرم، ومزدلفة ومنى داخل حدود الحرم.
فهذه المحظورات السبعة حرام على الرجال والنساء.
ويختص الرجال بمحظورين حرام عليهم دون النساء وهما:
1- تغطية الرأس، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المحرم الذي وقصته راحلته بعرفة: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخُمروا رأسه- أي لا تُغطوه- " (1) ، متفق عليه.
فلا يجوز للرجل أن يُغطي رأسه بما يلاصقه كالعمامة- والقُبع والطاقية والغُترة ونحوها، فأما غير الملاصق كالشمسية وسقف السيارة والخيمة ونحوها فلا بأس به لقول أم حصين رضي الله عنها: "حججنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حج الوداع فرأتيه حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - يُظلله من الشمس " رواه مسلم.
وفي رواية: "يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة" (2) .
ولا بأس أن يحمل متاعه على رأسه وإن تغطى ببعض الرأس لأن ذلك لا يُقصد به الستر غالباً. ولا بأس أن يغوص في الماء ولو تغطى رأسه بالماء.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 87.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر (1298) .
(24/279)

2- مما يختص به الرجال من محظورات الإحرام لُبس المخيط، وهو أن يلبس ما يلبس عادة على الهيئة المُعتادة، سواء كان شاملاً للجسم كله، كالبرنس والقميص، أو لجزء منه كالسراويل والفنايل والخفاف والجوارب وشراب اليدين والرجلين، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل: ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: "لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرانس ولا السراويل ولا الخفاف ولا ثوباً مسّه زعفرانٌ ولا ورس " (1) متفق عليه.
لكن إذا لم يجد الإزار ولا ثمنه لبس السراويل، وإذا لم يجد النعلين ولا ثمنهما لبس الخفين ولا شيء عليه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب بعرفات يقول: "من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين " (2) متفق عليه.
ولا بأس أن يلف القميص على جسمه بدون لبس.
ولا بأس أن يجعل العباءة رداءً بحيث لا يلبسها كالعادة.
ولا بأس أن يلبس رداءً أو إزاراً مرقعاً.
ولا بأس أن يعقد على إزاره خيطاً أو نحوه.
ولا بأس أن يلبس الخاتم وساعة اليد ونظارة العين وسماعة الأذن، ويُعلق القربة ووعاء النفقة في عنقه.
ولا بأس أن يعقد رداءه عند الحاجة مثل أن يخاف سقوطه، لأن هذه الأمور لم يرد فيها منع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وليست في معنى المنصوص عليه، بل لقد سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عما يلبس المحرم؟ فقال: "لا يلبس
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب البرانس (5803) ، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لم يبح (1177) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب لبس الخفين للمحرم (1841) ، ومسلم، الباب السابق.
(24/280)

القميص ولا العمامة ولا البرانس ولا السراويل ولا الخفاف " (1) .
فإجابته - صلى الله عليه وسلم - بما لا يُلبس عن السؤال عما يلبس دليل على أن كل ما عدا هذه المذكورات فإنه يلبسه المحرم.
وقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - للمحرم أن يلبس الخفين إذا عدم النعلين لاحتياجه إلى وقاية رجليه، فمثل ذلك لبس نظارة العين لاحتياج لابسها إلى حفظ عينيه.
وهذان المحظوران خاصان بالرجال، أما المرأة فلها أن تغطي رأسها، ولها أن تلبس في الإحرام ما شاءت من الثياب، غير أن لا تتبرج بالزينة، ولا تلبس القفازين، وهما شراب اليدين، ولا تنتقب ولا تغطي وجهها إلا أن يمر الرجال قريباً منها فتغطي وجهها حينئذ، لأنه لا يجوز كشف الوجه للرجال الأجانب أي غير المحارم.
ويجوز للرجال والنساء تغيير ثياب الإحرام إلى غيرها مما لا يمتنع عليهما لبسه حال الإحرام.
وإذا فعل المحرم شيئاً من المحظورات السابقة من الجماع أو قتل الصيد أو غيرهما فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً أو نائماً، فلا شيء عليه، لا إثم ولا فدية ولا فساد نسك، لقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) (2) وقوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)) (3) .
فإذا انتفى حكم الكفر عمن أُكره عليه، فما دونه من الذنوب أولى.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 282.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 5.
(3) سورة النحل، الآية: 106.
(24/281)

وهذه نصوص عامة في محظورات الإحرام وغيرها، تفيد رفع الحكم عمن كان معذوراً بها.
وقال الله تعالى في خصوص المحظورات في الصيد: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) (1) ، فقيَّد وجوب الجزاء بكون القاتل متعمداً، والتعمد وصف مناسب للعقوبة والضمان، فوجب اعتباره وتعليق الحكم به، وإن لم يكن متعمداً فلا جزاء عليه ولا إثم، لكن متى زال العذر فعلم الجاهل، وذكر الناسي، واستيقظ النائم، وزال الإكراه وجا عليه التخلي عن المحظور فوراً.
فإن استمر عليه مع زوال العذر كان آثماً، وعليه ما يترتب على فعله من الفدية وغيرها.
مثال ذلك أن يُغطي المحرم رأسه وهو نائم، فلا شيء عليه مادام نائماً، فإذا استيقظ لزمه كشف رأسه فوراً، فإن استمر في تغطيته مع علمه بوجوب كشفه كان آثماً، وعليه ما يترتب على ذلك.
الثانية: أن يفعل المحظور عمداً لكن لعذر يبيحه، فعليه ما يترتب على فعل المحظور ولا إثم عليه لقوله تعالى: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (2) .
الثالثة: أن يفعل المحظور عمداً بلا عذر يبيحه، فعليه ما يترتب على فعله مع الإثم.
أقسام المحظورات باعتبار الفدية:
تنقسم محظورات الإحرام باعتبار الفدية إلى أربعة أقسام:
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 95.
(2) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/282)

أولاً: ما لا فدية فيه، وهو عقد النكاح.
ثانياً: ما فديته بدنة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول.
ثالثاً: ما فديته جزاؤه أو ما يقوم مقامه، وهو قتل الصيد.
رابعاً: ما فديته صيامٌ أو صدقة أو نسك حسب البيان السابق في فدية الأذى، وهو حلق الرأس.
وألحق به العلماء بقية المحظورات سوى الثلاثة السابقة.
(24/283)

الفصل السادس
في صفة العمرة
العمرة إحرامٌ وطوافٌ وسعيٌ وحلقٌ أو تقصيرٌ.
فأما الإحرام فهو نية الدخول في النسك والتلبس به. والسنة لمريده أن يغتسل كما يغتسل للجنابة، ويتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته بدهن عود أو غيره، ولا يضره بقاؤه بعد الإحرام لما في "الصحيحين " من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يُحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص المسك في رأسه ولحيته بعد ذلك " (1) .
والاغتسال عند الإحرام سُنَّةٌ في حق الرجال والنساء، حتى المرأة الحائض والنفساء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عميس حين ولدت محمد بن أبي بكر في ذي الحليفة في حجة الوداع أمرها فقال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه.
ثم بعد الاغتسال والتطيب يلبس ثياب الإحرام، وهي للرجال إزارٌ ورداء، وأما المرأة فتلبس ما شاءت من الثياب غير أن لا تتبرج بزينة، ولا تنتقب ولا تلبس القفازين وتغطي وجهها عند الرجال غير المحارم.
ثم يصلي غير الحائض والنفساء صلاة الفريضة إن كان في وقت فريضة، وإلا صلى ركعتين ينوي بهما سنة الوضوء.
فإذا فرغ من الصلاة أحرم، وقال لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
هذه تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم -، وربما زاد: لبيك إله الحق لبيك.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 275.
(24/284)

والسنة للرجال رفع الصوت بالتلبية لحديث السائب بن خلاد رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية " (1) أخرجه الخمسة.
ولأن رفع الصوت بها إظهارٌ لشعائر الله وإعلانٌ بالتوحيد.
وأما المرأة فلا ترفع صوتها بالتلبية ولا غيرها من الذكر لأن المطلوب في حقها التستر.
ومعنى قول الملبي: لبيك اللهم لبيك، أي: إجابةً لك يا رب، وإقامة على طاعتك، لأن الله سبحانه دعا عباده إلى الحِج على لسان الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (2) .
وإذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يمنعه من إتمام نُسكه؛ من مرض أو غيره، فإنه يسن أن يشترط عند نية الإحرام، فيقول عند عقده: "إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني "، أي: إن منعني مانع من إتمام نُسكي من مرض أو تأخر أو غيرهما، فإني أحل بذلك من إحرامي، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على ضباعة بنت الزبير فقال: "لعلك أردت الحج؟ " فقالت: والله ما أجدني إلا وَجعة، قال: "حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حَبَستني، وقال: إن لك على
ربك ما استثنيتِ ". حديث صحيح (3) .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (4/55، 56) ، وأبو داود، كتاب المناسك، باب كيف التلبية (1814) ، والترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية (829) وقالك هذا حديث حسن صحيح.
(2) سورة الحج، الآيتان: 27- 28.
(3) رواه مسلم، كتاب الحج، باب جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض وغيره (1207) .
(24/285)

وأما من لا يخاف من عائق يمنعه من إتمام نُسكه فلا ينبغي له أن يشترط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم ولم يشترط، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (1) ، ولم يأمر بالاشتراط كل أحدٍ أمراً عامًّا، وإنما أمر به ضُباعة بنت الزبير لوجود المرض بها، والخوف من عدم إتمام نُسكها.
وينبغي للمحرم أن يُكثر من التلبية لأنها الشعارُ القولي للنسك خصوصاً عند تغير الأحوال والأزمان، مثل أن يعلو مرتفعاً، أو ينزل منخفضاً، أو يُقبل ليلٌ، أو نهار، أو يهمَّ بمحظور أو مُحرم أو نحو ذلك.
ويستمر في التلبية في العمرة من الإحرام إلى أن يشرع في الطواف وفي الحج من الإحرام إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد.
فإذا قَرُب من مكة سُنَّ أن يغتسل لدخولها إن تيسر له، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل عند دخولها.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج خرج من الثنية السُّفلى" (2) متفق عليه.
فإذا تيسر للحاج الدخول من حيث دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - والخروج من حيث خرج فهو أفضل.
فإذا وصل المسجد الحرام قدم رجله اليمنى لدخوله، وقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 8.
(2) البخاري، كتاب الحج، باب من أين يدخل مكة، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية.
(24/286)

ويدخل بخشوع وخضوع وتعظيم لله عز وجل، مُستحضراً بذلك نعمة الله عليه بتيسير الوصول إلى بيته الحرام.
ثم يتقدم إلى البيت متجهاً نحو الحجر الأسود ليبتدىء الطواف، ولا يقول: نويت الطواف لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والنية محلها القلب.
فيستلم الحجر الأسود بيده اليمنى ويقبله إن تيسر له ذلك، يفعل ذلك تعظيماً لله عز وجل، واقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا اعتقاداً أن الحجر ينفع أو يضر، فإنما ذلك لله عز وجل.
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يُقبّل الحجر ويقول: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله لمج يقبلك ما قبلتك " رواه الجماعة.
فإن لم يتيسر له التقبيل، استلمه بيده وقبلها، ففي "الصحيحين " من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه استلم الحجر بيده ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله.
فإن لم يتيسر له استلامه بيده فلا يُزاحم، لأن الزحام يؤذيه، ويؤذي غيره، وربما حصل به الضرر، ويذهب الخشوع، ويخرج بالطواف عما شرع من أجله من التعبد لله، وربما حصل به لغو وجدال، ومقاتلة.
ويكفي أن يُشير إليه بيده ولو من بعيد، وفي "البخاري " من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه.
وفي رواية: أشار إليه بشيء كان عنده وكبّر.
ثم يأخذ ذات اليمين، ويجعل البيت على يساره، فإذا وصل الركن اليماني استلمه إن تيسر له بدون تقبيل، فإن لم يتيسر له فلا يزاحم.
(24/287)

ولا يستلم من البيت سوى الحجر الأسود والركن اليماني؛ لأنهما كانا على قواعد إبراهيم، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستلم سواهما.
وروى الإمام أحمد (1) عن مجاهد عن ابن عباس أنه طاف مع معاوية بالبيت، فجعل مُعاوية يستلم الأركان كلها، فقال ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجوراً. فقال ابن عباس: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" فقال معاوية: صدقت.
ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)) (2) .
وكلما مر بالحجر الأسود فعل ما سبق وكبر ويقول في بقية طوافه ما أحب من ذكر ودعاء وقراءة، فإنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله.
والسنة للرجل في هذا الطواف- أعني الطواف أول ما يقدم- أن يضطبع في جميع طوافه ويرمل في الأشواط الثلاثة الأولى منه، دون الأربعة الباقية.
فأما الاضطباع فهو أن يُبرز كتفه الأيمن، فيجعل وسط ردائه تحت إبطه وطرفيه على كتفه الأيسر.
وأما الرمل فهو: إسراعُ المشي مع مُقاربة الخُطا.
والطواف سبعة أشواط، يبتدىء من الحجر الأسود وينتهي به.
ولا يصحُّ الطواف من داخل الحِجْر.
فإذا أتم سبعة أشواط، تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ)
__________
(1) تقدم تخريجه ص 30.
(2) سورة البقرة، الآية: 201.
(24/288)

إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (1) ثم صلى ركعتين خلفه قريباً منه إن تيسر، وإلا فبعيداً، يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)) وفي الثانية بعد الفاتحة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)) ثم يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه إن تيسر له، وإلا فلا يشير إليه.
ثم يخرج إلى المسعى ليسعى، فإذا دنا من الصفا قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (2) ، ولا يقرؤها في غير هذا الموضع.
ثم يرقى على الصفا حتى يرى الكعبة، فيستقبلها ويرفع يديه فيحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو، وكان من دُعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " يكرر ذلك ثلاث مراتٍ، ويدعو بينها.
ثم ينزل من الصفا إلى المروة ماشياً حتى يصل إلى العمود الأخضر، فإذا وصله، أسرع إسراعاً شديداً بقدر ما يستطيع إن تيسر له بلا أذية، حتى يصل العمود الأخضر الثاني، ثم يمشي على عادته حتى يصل المروة، فيرقى عليها ويستقبل القبلة، ويرفع يديه ويقول ما قاله على الصفا.
ثم ينزل من المروة إلى الصفا يمشي في موضع مشيه، ويسرع في موضع إسراعه، فيرقى على الصفا، ويستقبل القبلة ويرفع يديه ويقول مثل ما سبق في أول مرة، ويقول في بقية سعيه ما أحب من ذكر وقراءة ودعاء.
والصعود على الصفا والمروة، والسعي الشديد بين العلمين، كلها
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 125.
(2) سورة البقرة، الآية: 158.
(24/289)

سنة وليست بواجب.
فإذا أتم سعيه سبعة أشواط، من الصفا إلى المروة شوط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر، حلق رأسه إن كان رجلاً أو قصره، والحلق أفضل إلا أن يكون متمتعاً والحج قريب لا يمكن أن ينبت شعره قبله، فالتقصير أفضل، ليبقى الشعر فيحلقه في الحج، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه حين قدموا صبيحة رابعة ذي الحجة أن يتحللوا بالتقصير.
وأما المرأة فتقصر رأسها بكل حال، ولا تحلق، فتقصر من كل قرنٍ أُنملة.
ويجب أن يكون الحلق شاملاً لجميع الرأس؛ لقوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ) (1) ، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق جميع رأسه، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (2) .
وكذلك التقصير يعمُّ به جميع الرأس.
وبهذه الأعمال تمت عمرته وحل منها حِلاًّ كاملاً، يُبيح له جميع محظورات الإحرام.
خلاصة أعمال العمرة:
1- الاغتسال كما يغتسل للجنابة والتطيب.
2- لبس ثياب الإحرام، إزار ورداء للرجل، وللمرأة ما شاءت من الثياب المباحة.
3- التلبية والاستمرار فيها إلى الطواف.
4- الطواف بالبيت سبعة أشواط ابتداء من الحجر الأسود وانتهاءً به.
5- صلاة ركعتين خلف المقام.
__________
(1) سورة الفتح، الآية: 27.
(2) تقدم تخريجه ص 8.
(24/290)

6- السعي بين الصفا والمروة سبعةَ أشواط ابتداء بالصفا وانتهاء بالمروة.
7- الحلق أو التقصير للرجال، والتقصيرُ للنساء.
(24/291)

الفصل السابع
في صفة الحج
الإحرام بالحج: إذا كان ضحى يوم التروية- وهو اليوم الثامن من ذي الحجة- أحرم من يريد الحج بالحج من مكانه الذي هو نازلٌ فيه.
ولا يسن أن يذهب إلى المسجد الحرام أو غيره من المساجد فيحرم منه، لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أصحابه فيما نعلم.
ففي "الصحيحين " من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: "أقيموا حلالاً حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج ... " (1) الحديث.
ولمسلم عنه رضي الله عنه قال: "أمرنا رسول الله لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى فأهللنا من الأبطح " (2) وإنما أهلوا من الأبطح لأنه مكان نزولهم.
ويفعل عند إحرامه بالحج كما فعل عند إحرامه بالعمرة، فيغتسل ويتطيب ويصلي سنة الوضوء، ويُهل بالحج بعدها، وصفة الإهلال والتلبية بالحج كصفتهما في العمرة، إلا أنه في الحج يقول: لبيك
حجًّا، بدل: لبيك عمرة، ويشترط أن محلي حيث حبستني، إن كان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام نسكه، وإلا فلا يشترط.
الخروج إلى منى:
ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصراً من غير جمع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل كذلك.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب التمتع والقران (1568) ، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211) (143) .
(2) كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1214) .
(24/292)

وفي "صحيح مسلم " عن جابر رضي الله عنه قال: "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر" (1) .
وفي "صحيح البخاري " من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان صدراً من خلافته (2) ، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يجمع في منى بين الصلاتين في الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، ولو فعل ذلك لنُقل كما نُقل جمعه في عرفة ومزدلفة.
ويقصر أهل مكة وغيرهم بمنى وعرفة ومزدلفة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُصلي بالناس في حجة الوداع في هذه المشاعر ومعه أهل مكة، ولم يأمرهم بالإتمام، ولو كان الإتمام واجباً عليهم لأمرهم به كما أمرهم به عام الفتح حين قال لهم: "أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر" (3) .
لكن حيث امتد عمران مكة فشمل منى وصارت كأنها حي من أحيائها فإن أهل مكة لا يقصرون فيها.
الوقوف بعرفة:
فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع سار من منى إلى عرفة فنزل بنمرة إلى الزوال إن تيسر له، وإلا فلا حرج عليه؛ لأن النزول بنمرة سنة لا واجب.
فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين، يجمع بينهما جمع تقديم كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(2) البخاري، كتاب الحج، باب الصلاة بمنى.
(3) تقدم تخريجه ص 62.
(24/293)

ففي "صحيح مسلم " من حديث جابر رضي الله عنه قال: وأمر- يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - بقبة من شعر تُضرب له بنمرة، فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفة (1) فوجد القبة قد ضُربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلَت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس، ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً.
ثم ركب حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس " الحديث ".
والقصر والجمع في عرفة لأهل مكة وغيرهم.
وإنما كان الجمع جمع تقديم ليتفرغ الناس للدعاء، ويجتمعوا على إمامهم، ثم يتفرقوا على منازلهم، فالسنة للحاج أن يتفرغ في آخر يوم عرفة للدعاء والذكر والقراءة ويحرص على الأذكار والأدعية الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنها من أجمع الأدعية وأنفعها فيقول: - اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي وإليك رب مآبي ولك رب تُراثي.
- اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر.
- اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح.
- اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين،
__________
(1) أخذ بعضُ الناس من هذا اللفظ أن نمِرَة من عرفة، ولكن لا دلالة فيه لأن نمرة موضعٌ قرب عرفة وليست منها.
ومراد جابر رضي الله عنه أن مُنتهى مسيره عرفة، ولم يفعل كما تفعل قريش في الجاهلية فتنتهي بمزدلفة وتقفُ فيها يوم عرفة.
(24/294)

وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه.
- اللهم لا تجعلني بدعاءك رب شقيًّا، وكن بي رؤوفاً رحيماً يا خير المسؤولين ويا خير المعطين.
- اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً.
- اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر.
- اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
- اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم.
- اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ومن درك الشقاء، ومن سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء.
- اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا.
- اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر.
- اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.
فالدعاء يوم عرفة خير الدعاء.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد
(24/295)

وهو على كل شيء قدير" (1) .
وإذا لم يحط بالأدعية الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دعا بما يعرف من الأدعية المباحة. فإذا حصل له ملل، وأراد أن يستجم بالتحدث مع رفقته بالأحاديث النافعة، أو مُدارسة القرآن، أو قراءة ما تيسر من الكتب المفيدة، خُصوصاً ما يتعلق بكرم الله تعالى وجزيل هباته، ليقوي جانب الرجاء في هذا اليوم، كان حسناً، ثم يعود إلى الدعاء والتضرع إلى الله، ويحرص على اغتنام آخر النهار بالدعاء.
وينبغي أن يكون حال الدعاء مستقبلاً القبلة، وإن كان الجبل خلفه أو يمينه أو شماله، لأن السنة استقبال القبلة، ويرفع يديه، فإن كان في إحداهما مانع رفع السليمة، لحديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال:
"كنت رِدفَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع الأخرى" رواه النسائي (2) .
ويُظهر الافتقار والحاجة إلى الله عز وجل، ويُلح في الدعاء ولا يستبطىء الإجابة.
ولا يعتدي في دعائه بأن يسأل ما لا يجوز شرعاً، أو ما لا يُمكن قدراً، فقد قال الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)) (3) . وليتجنب أكل الحرام فإنه من أكبر موانع الإجابة، ففي "صحيح مسلم " من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ... " (4) الحديث. وفيه، "ثم ذكر الرجل يطيل
__________
(1) رواه مالك في "الموطأ" (1/422) .
(2) (5/254) . ورواه الإمام أحمد (5/209) وابن خزيمة (2834) بسند صحيح.
(3) سورة الأعراف، الآية: 55.
(4) مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (1015) .
(24/296)

السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حر امٌ، وغذي بالحرام فأنى يُستجاب لذلك ".
فقد استبعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إجابة من يتغذى بالحرام ويلبس الحرام مع توفر أسباب القَبول في حقه وذلك لأنه يتغذى بالحرام.
وإذا تيسر له أن يقف في موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الصخرات فهو أفضل، وإلا وقف فيما تيسر له من عرفة، فعن جابر رضي الله عنه أن النبي قال: "نحرتُ هاهنا، ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت هاهنا وجَمعٌ- يعني مزدلفة- كلها
موقف " رواه أحمد ومسلم.
ويجب على الواقف بعرفة أن يتأكد من حدودها، وقد نُصبت عليها علامات يجدها من يتطلبها، فإن كثيراً من الحجاج يتهاونون بهذا فيقفون خارج حدود عرفة جهلاً منهم، وتقليداً لغيرهم، وهؤلاء الذين وقفوا خارج حدود عرفة ليس لهم حج؛ لأن الحج عرفة، لما روى عبد الرحمن بن يعمر: "أن أناساً من أهل نجد أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو واقف بعرفة فسألوه فأمر مُنادياً ينادي: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك، أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه، وأردف رجلاً ينادي بهن " (1) رواه الخمسة.
فتجب العناية بذلك، وطلب علامات الحدود حتى يتيقن أنه داخل حدودها.
ومن وقف بعرفة نهاراً وجب عليه البقاءُ إلى غروب الشمس، لأن
__________
(1) أبو داود، كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر. والترمذي، كتاب التفسير، والإمام أحمد (4/309) .
(24/297)

النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف إلى الغروب، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " ولأن الدفع قبل الغروب من أعمال الجاهلية التي جاء الإسلام بمخالفتها.
ويمتد وقتُ الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر يوم العيد، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدركَ " (1) .
فإن طلع الفجر يوم العيد قبل أن يقف بعرفة فقد فاته الحج.
فإن كان قد اشترط في ابتداء إحرامه إن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني تحلل من إحرامه ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط فإنه يتحلل بعمرة فيذهب إلى الكعبة، ويطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ويحلق، وإن كان معه هدي ذبحه، فإذا كان العام القادم قضى الحج الذي فاته، وأهدى هدياً، فإن لم يجد صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، لما روى مالك في "الموطأ" أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أبا أيوب وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج
فأتيا يوم النحر أن يُحِلا بعمرة ثم يرجعا حلالاً ثم يحجا عاماً قابلاً ويهديا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
المبيت بمزدلفة:
ثم بعد الغروب يدفع الواقف بعرفة إلى مزدلفة فيصلي بها المغرب والعشاء؛ يصلي المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين.
وفي "الصحيحين " عن أُسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: "دفع النبي - صلى الله عليه وسلم - من عرفة فنزل الشعب، فبال ثم توضأ ولم يُسبغ الوضوء، فقلت: يا رسول الله الصلاة! قال: "الصلاة أمامك " فجاء المزدلفة
__________
(1) تقدم تخريجه ص (297) .
(24/298)

فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أُقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها".
فالسنة للحاج أن لا يصلي المغرب والعشاء إلا بمزدلفة اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا أن يخشى خروج وقت العشاء بمنتصف الليل فإنه يجب عليه أن يُصلي قبل خروج الوقت في أي مكان كان.
ويبيت بمزدلفة، ولا يُحيى الليل بصلاة ولا بغيرها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك.
وفي "صحيح البخاري (1) " من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين المغرب والعشاء بجمع ولم يُسبح بينهما شيئاً ولا على إثر كل واحدة منهما.
وفي "صحيح مسلم " (2) من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع حتى طلع الفجر.
ويجوز للضعفة من رجال ونساء أن يدفعوا من مزدلفة بليل في آخره.
في "صحيح مسلم " (3) عن ابن عباس رضي الله عنهما بعث بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسحرٍ من جمع في ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي "الصحيحين " من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون
__________
(1) البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب النزول بين عرفة وجمع، ومسلم، كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(3) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل (1677، 1678) ، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة (1293، 1294) .
(24/299)

الله ما بدا لهم ثم يدفعون، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر يقول: أرخَصَ في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) .
وأما من ليس ضعيفاً ولا تابعاً لضعيف، فإنه يبقى بمزدلفة حتى يُصلي الفجر اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي "صحيح مسلم " عن عائشة رضي الله عنها قالت: "استأذنت سودة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة تدفع قَبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثَبِطَة، فأذن لها وحَبَسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه ولأن أكون استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنت سودة فأكون أدفعُ بإذنه أحب إلي من مفروح به " (2) .
وفي رواية أنها قالت: "فليتني كنتُ استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنته سودة".
فإذا صلى الفجر أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وهلله ودعا بما أحب حتى يسفر جداً.
وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وقفتُ هاهنا وجمعٌ كلها موقف " (3) .
السير إلى منى والنزول فيها:
ينصرف الحجاج المقيمون بمزدلفة إلى منى قبل طلوع الشمس عند الانتهاء من الدعاء والذكر، فإذا وصلوا إلى منى عملوا ما يأتي:
__________
(1) البخاري، كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة.
(2) مسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقديم دفع الضعفة.
(3) تقدم تخريجه ص 26.
(24/300)

1- رمي جمرة العقبة وهي الجمرة الكبرى التي تلي مكة في منتهى منى، فيلقط سبع حصيات مثل حصا الخَذَفِ، أكبر من الحمص قليلاً، ثم يرمي بهن الجمرة، واحدة بعد واحدة، ويرمي من بطن الوادي إن تيسر له فيجعل الكعب عن يساره ومنى عن يمينه، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه "أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى بسبع وقال: هكذا رمى الذي أُنزلت عليه سورة البقرة" متفق عليه.
ويُكبر مع كل حصاةٍ فيقول: الله أكبر.
ولا يجوزُ الرمي بحصاة كبيرة ولا بالخفاف والنعال ونحوها.
ويَرمي خاشعاً خاضعاً مُكبراً الله عز وجل، ولا يفعل ما يفعله كثيرٌ من الجهال من الصياح واللغط والسب والشتم؛ فإن رمي الجمار من شعائر الله: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)) (1) .
وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (2) .
ولا يندفع إلى الجمرة بعنف وقوة، فيؤذي إخوانه المسلمين أو يضرهم.
2- ثم بعد رمي الجمرة يذبح الهدي إن كان معه هدي، أو يشتريه فيذبحه.
وقد تقدم بيان نوع الهدي الواجب وصفته ومكان ذبحه وزمانه وكيفية الذبح، فليلاحظ.
3- ثم بعد ذبح الهدي يحلق رأسه إن كان رجلاً، أو يقصره، والحلق
__________
(1) سورة الحج، الآية: 32.
(2) تقدم تخريجه ص 26.
(24/301)

أفضل، لأن الله قدمه فقال: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) (1) ولأنه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى منى، فأتى الجمرة، فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق: خُذ، وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يُعطيه الناس " (2) رواه مسلم.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا للمحلقين بالرحمة والمغفرة ثلاثاً وللمقصرين مرة، ولأن الحلق أبلغ تعظيماً لله عز وجل حيث يُلقى به جميع شعر رأسه.
ويجب أن يكون الحلق أو التقصير شاملاً لجميع الرأس لقوله تعالى: (مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) . والفعل المضاف إلى الرأس يشمل جميعه، ولأن حلق بعض الرأس دون بعفض منهي عنه شرعاً لما في "الصحيحين " (3) عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن القَزع، فقيل لنافع: ما القزعُ؟ قال: أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضاً، وإذا كان القزع منهيًّا عنه لم يصح أن يكون قربة إلى الله، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلق جميع رأسه تعبداً لله عز وجل وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (4) .
وأما المرأة فتقصر من أطراف شعرها بقدر أنملة فقط.
فإذا فعل ما سبق حل له جميع محظورات الإحرام ما عدا النساء فيحل له الطيب واللباس وقص الشعر والأظافر وغيرها من المحظورات
__________
(1) سورة الفتح، الآية: 27.
(2) مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(3) البخاري، كتاب اللباس، باب القزع، ومسلم، كتاب اللباس، باب كراهة القزع.
(4) تقدم تخريجه ص 8.
(24/302)

ما عدا النساء.
والسنة أن يتطيب لهذا الحل، لقول عائشة رضي الله عنها: "كنت أُطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يُحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت " (1) .
متفق عليه، واللفظ لمسلم.
وفي لفظ له: "كنت أطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يُحرم ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسكٌ ".
4- الطواف بالبيت وهو طواف الزيارة والإفاضة لقوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (2) .
وفي "صحيح مسلم " (3) عن جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ثم ركب - صلى الله عليه وسلم - فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر ... الحديث.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: حججنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفضنا يوم النحر ... الحديث متفق عليه.
وإذا كان مُتمتعاً أتى بالسعي بعد الطواف، لأن سعيه الأول كان للعمرة، فلزمه الإتيان بسعي الحج.
وفي "الصحيحين " (4) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "فطاف الذين كانوا أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام (1539) ، ومسلم، كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام (1189) .
(2) سورة الحج، الآية: 29.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(4) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب طواف القارن (1638) ، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211) .
(24/303)

الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً".
وفي "صحيح مسلم " (1) عنها أنها قالت: "ما أتم الله حج امرىء ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة" وذكره البخاري تعليقاً.
وفي "صحيح البخاري " (2) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ثم أمرنا- يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - عشية التروية أن نُهلَّ بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا وعلينا الهدي " ذكره البخاري في: (باب ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) .
وإذا كان مفرداً أو قارناً فإن كان قد سعى بعد طواف القدوم لم يعد السعي مرة أخرى لقول جابر رضي الله عنه: "لم يطف النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، طوافه الأول " (3) رواه مسلم.
وإن كان لم يَسْعَ وجب عليه السعي لأنه لا يتم الحج إلا به كما سبق عن عائشة رضي الله عنها.
وإذا طاف طواف الإفاضة وسعى للحج بعده أو قبله إن كان مُفرداً أو قارناً فقد حل التحلل الثاني، وحلَّ له جميع المحظورات؛ لما في "الصحيحين " (4) عن ابن عمر رضي الله عنهما في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء
حُرم منه ".
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن (1277) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) .
(3) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب جواز التمتع (1215) .
(4) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب من ساق البدن معه (1691) ، ومسلم، كتاب الحج، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(24/304)

والأفضل أن يأتي بهذه الأعمال يوم العيد مرتبة كما يلي:
1- رمي جمرة العقبة.
2- ذبح الهدي.
3- الحلق أو التقصير.
4- الطواف ثم السعي إن كان متمتعاً أو كان مفرداً أو قارناً ولم يسعَ مع طواف القدوم.
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رتبها هكذا وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (1) .
فإن قدم بعضها على بعض فلا بأس لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: "لا حرج " (2) متفق علي.
وللبخاري عنه قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُسأل يوم النحر بمنى؟ فيقول: "لا حرج " فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج " وقال: رميت بعدما أمسيت قال: "لا حرج ".
وفي "صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن تقديم الحلق على الرمي، وعن تقديم الذبح على الرمي، وعن تقديم الإفاضة على الرمي، فقال: "ارمِ ولا حرج "، قال: فما رأيته سُئل يومئذ عن شيء، إلا قال: "افعلوا ولا حرج " (3) .
وإذا لم يتيسر له الطواف يوم العيد جاز تأخيره، والأولى أن لا يتجاوز به أيام التشريق إلا من عُذرِ كمرض وحيض ونفاس.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 8.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب الفتيا على الدابة عند الجمرة (1736) ، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز تقديم الذبح على الرمي (1306) .
(3) أخرجه مسلم، كتاب الحج، الباب السابق.
(24/305)

الرجوع إلى منى للمبيت ورمي الجمار:
يرجع الحاج يوم العيد بعد الطواف والسعي إلى منى، فيمكث فيها بقية يوم العيد وأيام التشريق ولياليها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمكث فيها هذه الأيام والليالي، ويلزمه المبيت في منى ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر وليلة الثالث عشر إن تأخر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بات فيها. وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (1) .
ويجوز ترك المبيت لعذر يتعلق بمصلحة الحج أو الحجاج، لما في "الصحيحين " (2) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، فأذن له.
وعن عاصم بن عدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى، الحديث (3) . رواه الخمسة وصححه الترمذي.
ويرمي الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام التشريق كل واحدة بسبع حصيات مُتعاقبات، يكبر مع كل حصاة ويرميها بعد الزوال.
فيرمي الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم يتقدم فيسهّل فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو وهو رافعٌ يديه.
ثم يرمي الجمرة الوسطى، ثم يأخذُ ذات الشمال فيسهّل فيقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً فيدعو وهو رافعٌ يديه.
ثم يرمي جمرة العقبة، ثم ينصرف ولا يقفُ عندها.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 8.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب هل يبيت أصحاب السقاية 000 (1743) ، ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب المبيت 00، (346) (1315) .
(3) أخرجه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الرخصة للرعاء أن يرموا يوماً. 00 (955) وقال: هذا حديث صحيح حسن.
(24/306)

هكذا رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل كذلك.
وإذا لم يتيسر له طول القيام بين الجمار، وقف بقدر ما يتيسر له ليحصل إحياء هذه السنة التي تركها أكثر الناس، إما جهلاً أو تهاوناً بهذه السنة.
ولا ينبغي ترك هذا الوقوف فتضيع السنة، فإن السنة كلما أُضيعت كان فعلها أوكد لحصول فضيلة العمل ونشر السنة بين الناس.
والرمي في هذه الأيام- أعني أيام التشريق- لا يجوز إلا بعد زوال الشمس، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرم إلا بعد الزوال، وقد قال: "لتأخذوا عني مناسككم " (1) : فعن جابر رضَي الله عنه قال: "رمى النبي - صلى الله عليه وسلم - الجمرة يوم النحر ضُحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس " (2) رواه مسلم.
وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون.
ففي "صحيح البخاري " أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما سُئل: متى أرمي الجمار؛ قال: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا (3) .
وإذا رمى الجمار في اليوم الثاني عشر فقد انتهى من واجب الحج فهو بالخيار إن شاء بقي في منى لليوم الثالث عشر ورمى الجمار بعد الزوال، وإن شاء نفر منها لقوله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) (4) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 8.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(3) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب الفتيا على الدابة عند الجمرة (1736) .
(4) سورة البقرة، الآية: 203.
(24/307)

والتأخر أفضل لأنه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه أكثر عملاً حيث يحصل له المبيت ليلة الثالث عشر، ورمي الجمار من يومه.
لكن إذا غربت الشمس في اليوم الثاني عشر قبل نفره من منى فلا يتعجل حينئذ لأن الله سبحانه قال: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) فقيّد التعجل في اليومين، ولم يُطلق فإذا انتهت اليومان فقد انتهى وقتُ التعجل، واليوم ينتهي بغروب شمسه.
وفي "الموطأ" عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول: من غربت له الشمس من أوساط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفر حتى يرمي الجمار من الغد، لكن إذا كان تأخره إلى الغروب بغير اختياره مثل أن يتأهب للنفر ويشد رحله فيتأخر خروجه من منى بسبب زحام السيارات أو نحو ذلك فإنه ينفر ولا شيء عليه ولو غربت الشمس قبل أن يخرج من منى.
الاستنابة في الرمي: رمي الجمار نسك من مناسك الحج، وجزء من أجزائه، فيجب على الحاج أن يقوم به بنفسه إن استطاع إلى ذلك سبيلاً، سواء كان حجه فريضة أم نافلة، لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (1) .
فالحج والعمرة إذا دخل فيهما الإنسان وجب عليه إتمامهما وإن كانا نفلاً. ولا يجوز للحاج أن يُوكل مَنْ يرمي عنه إلا إذا كان عاجزاً عن الرمي بنفسه لمرض أو كِبَر أو صِغَر أو نحوها، فيوكل من يثق بعلمه ودينه فيرمي عنه سواء لقط المُوَكل الحصا وسلمها للوكيل، أو لقطها الوكيلُ ورمى بها عن موكله.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/308)

وكيفية الرمي في الوكالة أن يرمي الوكيل عن نفسه أولاً سبع حصيات، ثم يرمي عن موكله بعد ذلك، فيعينه بالنية.
ولا بأس أن يرمي عن نفسه وعمن وكله في موقف واحد، فلا يلزمه أن يكمل الثلاث عن نفسه، ثم يرجع عن موكله، لعدم الدليل على وجوب ذلك.
طواف الوداع:
إذا نَفَرَ الحاج من منى وانتهت جميع أعمال الحج، وأراد السفر إلى بلده فإنه لا يخرجُ حتى يطوف بالبيت للوداع سبعة أشواط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف للوداع قد قال: "لتأخذوا عني مناسككم " (1) .
ويجبُ أن يكون هذا الطواف آخر شيء يفعله بمكة لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان الناس ينصرفون في كل وجه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينفرنّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " (2) رواه مسلم.
فلا يجوز البقاء بعده بمكة، ولا التشاغل بشيء إلا ما يتعلق بأغراض السفر وحوائجه، كشد الرحل وانتظار الرفقة، أو انتظار السيارة إذا كان قد وعدَهم صاحبها في وقت معين فتأخر عنهم، ونحو ذلك.
فإن أقام لغير ما ذُكر وَجَبَ عليه إعادة الطواف ليكون آخر عهده بالبيت.
ولا يجب طواف الوداع على الحائض والنفساء لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه
__________
(1) تقدم تخريجه ص 8.
(2) تقدم تخريجه ص 159.
(24/309)

خفف عن الحائض " (1) متفق عليه.
وفي "صحيح مسلم " عن عائشة رضي الله عنها قالت: حاضت صفية
بنت حيي بعدما أفاضت، قالت عائشة: فذكرت حيضتها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فقال: "أحابستنا هي؟ " فقلت: يا رسول الله إنها قد كانت أفاضت
وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"فلتنفر" (2) .
والنفساء كالحائض لأن الطواف لا يصح منها.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب طواف الوداع (1755) ومسلم، كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض (1328) .
(2) تقدم تخريجه ص 66.
(24/310)

مجمل أعمال الحج
عمل اليوم الأول وهو اليوم الثامن:
1- يحرمُ بالحج من مكانه فيغتسل ويتطيب ويلبس ثياب الإحرام ويقول: لبيك حجًّا، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
2- يتوجه إلى منى فيبقى فيها إلى طُلوع الشمس في اليوم التاسع، ويُصلي فيها الظهر من اليوم الثامن، والعصر والمغرب والعشاء والفجر، كل صلاة في وقتها، ويقصر الرباعية.
عمل اليوم الثاني وهو اليوم التاسع:
1- يتوجه بعد طلوع الشمس إلى عرفة، ويُصلي الظهر والعصر قصراً وجمعَ تقديم، وينزل قبل الزوال بنمرة إن تيسر له.
2- يتفرغ بعد الصلاة للذكر والدعاء مستقبل القبلة رافعاً يديه إلى غُروب الشمس.
3- يتوجه بعد غروب الشمس إلى مُزدلفة فيصلي فيها المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين، ويبيت فيها حتى يطلع الفجر.
4- يصلي الفجر بعد طلوع الفجر، ثم يتفرغ للذكر والدعاء حتى يسفر جداً.
5- يتوجه قبل طلوع الشمس إلى منى.
عمل اليوم الثالث وهو يوم العيد:
1- إذا وصل إلى منى، ذهب إلى جمرة العقبة، فرماها بسبع حصيات متعاقبات، واحدة بعد الأخرى، يكبر مع كل حصاة.
2- يذبح هديه إن كان له هدي.
(24/311)

3- يحلق رأسه أو يقصره، ويتحلل بذلك التحلل الأول فيلبس ثيابه ويتطيب وتحل له جميع محظورات الإحرام سوى النساء.
4- ينزل إلى مكة فيطوف بالبيت طواف الإفاضة، وهو طواف الحج، ويسعى بين الصفا والمروة للحج، إن كان متمتعاً، وكذلك إن كان غير متمتع ولم يكن سعى مع طواف القدوم.
وبهذا يحل التحلل الثاني، ويحل له جميع محظورات الإحرام حتى النساء.
5- يرجع إلى منى فيبيت فيها ليلة الحادي عشر.
عمل اليوم الرابع وهو الحادي عشر:
1- يرمي الجمرات الثلاث، الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، كل واحدة بسبع حصيات متعاقبات يكبر مع كل حصاة، يرميهن بعد الزوال ولا يجوز قبله. ويلاحظ الوقوف للدعاء بعد الجمرة الأولى والوسطى.
2- يبيبت في منى ليلة الثاني عشر.
عمل اليوم الخامس وهو الثائي عشر:
1- يرمي الجمرات الثلاث كما رماهن في اليوم الرابع.
2- ينفر من منى قبل غروب الشمس إن أراد التعجل، أو يبيت فيها إن أراد التأخر.
عمل اليوم السادس وهو الثالث عشر:
هذا اليوم خاص بمن تأخر ويعمل فيه:
1- يرمي الجمرات الثلاث كما سبق في اليومين قبله.
2- ينفر من منى بعد ذلك.
وآخر الأعمال طواف الوداع عند سفره، والله أعلم.
(24/312)

الفصل الثامن
الواجبات في الحج
الواجبات في الحج قسمان: قسم لا يصح الحج بدونها، وقسمٌ يصح الحج بدونها.
فالتي لا يصح بدونها تسمى الأركان، وهي:
1- الإحرام وهو نية الدخول في الحج لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى" (1) ، ووقته من دخول شهر شوال لقول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (2) ، وأول هذه الأشهر شوال، وآخرها آخر ذي الحجة.
وأمكنة الإحرام المعينة خمسة وهي:
* ذو الحليفة (وتسمى أبيار علي) لأهل المدينة.
* الجحفة (وهي قرية قرب رابغ) وقد خربت، فجعل الإحرام من (رابغ) بدلاً عنها لأهل الشام.
* يلملم (وهو جبل أو مكان في طريق اليمن إلى مكة) لأهل اليمن، وتُسمى (السعدية) .
* قرن المنازل (ويسمى السيل) لأهل نجد.
* وذات عرق (وتسمى الضريبة) لأهل العراق.
من مر بهذه المواقيت فهي ميقات له وإن لم يكن من أهلها.
2- الوقوف بعرفة لقول الله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ
__________
(1) تقدم تخريجه ص 217.
(2) سورة البقرة، الآية: 197.
(24/313)

فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) (1) ، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك " (2) .
ووقته من زوال الشمس من اليوم التاسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من اليوم العاشر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بعد زوال الشمس وقال:
"من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك " (3) .
وقيل: يبتدىء وقته من طلوع الفجر من اليوم التاسع، ومكانه عرفة كلها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (4) .
3- الطواف بالبيت لقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)) ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حين أخبر بأن صفية حاضت: "أحابستنا هي؟ " فقالوا: يا رسول الله إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة! قال: "فلتنفر إذن " (6) ، فقوله: أحابستنا هي؟ دليل على أن طواف الإفاضة لابد منه وإلا لما كان سبباً لحبسهم، ولهذا لما أخبر بأنها طافت طواف الإفاضة رخص لها في الخروج.
ووقته بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة لقوله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)) ، ولا يكون قضاء التفث ووفاء النذور إلا بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة.
4- السعي بين الصفا والمروة لقوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (7) ، ولقول ابن عباس رضي الله عنهما: ثم أمرنا- يعني
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 198.
(2) تقدم تخريجه ص 289.
(3) تقدم تخريجه ص 289.
(4) تقدم تخريجه ص 155.
(5) سورة الحج، الآية: 29.
(6) تقدم تخريجه ص 66.
(7) سورة البقرة، الآية: 158.
(24/314)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشية التروية أن نُهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فَطُفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها: "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك " (1) . وقالت عائشة رضي الله عنها: ما أتم الله حج امرىء ولا عُمرته ما لم يطف بين الصفا والمروة (2) .
ووقته للمتمتع بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة وطواف الإفاضة، فإن قدَّمه عليه فلا حرج، لاسيما إن كان ناسياً أو جاهلاً، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله رجلٌ: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: " لا حرج " (3) .
وأما القارن والمفرد فلهما السعي بعد طواف القدوم.
فهذه الأربعة: الإحرامُ، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة لا يصح الحج بدونها.
وأما الواجبات التي يصح الحج بدونها فتسمى اصطلاحاً بـ (الواجبات) وهي:
1- أن يكون الإحرام من الميقات المُعتبر شرعاً، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يُهل أهل المدينة من ذي الحليفة ... " (4) إلى آخر الحديث. وهو خَبَرٌ بمعنى الأمر، بدليل الرواية الثانية عن ابن عمر رضي الله عنهما حين سُئل: من أين يجوز أن أعتمر؟ قال: فرضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل نجد قرناً… (5) إلى آخره.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211) (132) .
(2) تقدم تخريجه ص 294.
(3) تقدم تخريجه ص 296.
(4) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب ميقات أهل المدينة (1525) ، ومسلم، كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة (1182) .
(5) البخاري، كتاب الحج، باب فرض مواقيت الحج والعمرة (1522) .
(24/315)

والروايتان في "البخاري " عن ابن عمر رضي الله عنهما.
2- استمرار الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس يوم التاسع من ذي الحجة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف إلى الغروب وقال: "لتأخذوا عني مناسككم "، ولأن في الدفع قبل الغروب مشابهة لأهل الجاهلية، فإنهم كانوا يدفعون قبل غروب الشمس.
3- المبيت بمزدلفة ليلة عيد النحر، لقوله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) (1) ، ووقته إلى
صلاة الفجر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعروة بن مضرس رضي الله عنه: "من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه " (2) .
ويجوز الدفع في آخر الليل إلى منى للضعفة من النساء والصبيان ممن يشق عليهم زحام الناس ليرموا الجمرة قبل وصول الناس إلى منى؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما كان يُقدّم ضعفة أهله، فمنهم من يَقدُم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يَقدم بعد ذلك، فإذا قَدمُوا رَموا الجمرة، وكان يقول: أرخَصَ في أولئك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3) .
وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما (تنتظر حتى يغيب القمر ثم ترتحل إلى منى فترمي الجمرة، ثم ترجع فتصلي الصبح في منزلها، وتقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن للظعُنِ) (4) أخرجهما البخاري في "صحيحه ". ومزدلفة كلها موقف، ويجب على الحاج أن يتأكد من
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 198.
(2) تقدم تخريجه ص 35.
(3) تقدم تخريجه ص 291.
(4) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب من قدم ضعفة أهله بليل (679) ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب دفع الضعفة (1291) .
(24/316)

حدودها لئلا ينزل خارجاً عنها.
4- رمي جمرة العقبة يوم العيد، ورمي الجمرتين الأخريين معها في أيام التشريق في أوقاتها، لقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى) (1) .
والأيام المعدودات: أيام التشريق.
ورمي الجمار من ذكر الله تعالى لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جُعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (2) .
5- الحلق أو التقصير للرجال، والتقصير فقط للنساء، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير" (3) .
6- المبيت بمنى ليلتين، ليلة إحدى عشرة وليلة اثنتي عشرة لمن تعجل، فإن تأخر فليلة ثلاث عشرة أيضاً، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بات بها، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (4) .
وروى ابن عمر رضي الله عنهما أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه استأذن من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له (5) .
وفي لفظ: فرخص له.
والتعبير بالرخصة دليل على وجوب المبيت لغير عذر.
فهذه الأمور الستة واجبة في الحج، لكن الحج يصح بدونها.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 203.
(2) تقدم تخريجه ص 26.
(3) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الحلق والتقصير (1984، 1985) .
(4) تقدم تخريجه ص 8.
(5) تقدم تخريجه ص 296.
(24/317)

وفي تركها عند الجمهور من العلماء فدية شاة أو سُبع بدنة أو سُبع بقرة تُذبح في مكة وتُعطى فقراء أهلها، والله أعلم.
فأما طواف الوداع فهو واجب على كل من خرج من الحجاج من مكة إلى بلده، لقول ابن عباس رضي الله عنهما: "أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن الحائض " (1) .
وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه طاف بالبيت حين خُروجه من مكة في حجة الوداع (2) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 299.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب طواف الوداع (1756) ، ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام (1211) (123) .
(24/318)

الفصل التاسع
أخطاء يرتكبها بعض الحجاج
قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)) (1) .
وقال تعالى: (فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)) (2) .
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)) (3) .
وقال تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)) (4) .
وقال تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)) (5) .
فكل ما خالف هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وطريقته فهو باطل وضلال مردود على فاعله، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ" (6) ، أي: مردود على صاحبه، غير مقبول منه.
وإن بعض المسلمين- هداهم الله ووفقهم- يفعلون أشياء في كثير من العبادات غير مبنية على كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولاسيما في الحج الذي يكثر فيه المقدمون على الفُتيا بدون علم، ويُسارعون فيها حتى صار مقامُ الفتيا متجراً عند بعض الناس للسمعة والظهور، فحصل بذلك من الضلال والإضلال ما حصل.
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 21.
(2) سورة الأعراف، الآية: 158.
(3) سورة آل عمران، الآية: 31.
(4) سورة النمل، الآية: 79.
(5) سورة يونس، الآية: 32.
(6) تقدم تخريجه ص 11.
(24/319)

والواجب على المسلم أن لا يُقدِمَ على الفُتيا إلا بعلمٍ يواجه به الله عز وجل، لأنه في مقام المُبلغ عنِ الله تعالى القائل عنه، فليتذكر عند الفُتيا قوله تعالى في نبيه - صلى الله عليه وسلم -: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)) (1) ، وقوله
تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)) (2) .
وأكثر الأخطاء من الحجاج ناتجة عن هذا- أعني عن الفُتيا بغير علم- وعن تقليد العامة بعضهم بعضاً دون برهان.
ونحن نبين بعون الله تعالى السنة في بعض الأعمال التي يكثر فيها الخطأ، مع التنبيه على الأخطاء، سائلين الله أن يوفقنا للحق، وأن ينفع بذلك إخواننا المسلمين إنه جوادٌ كريمٌ.
__________
(1) سورة الحاقة، الآيات: 44- 47.
(2) سورة الأعراف، الآية: 33.
(24/320)

الإحرام والأخطاء فيه
ثبت في "الصحيحين " وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحفة، ولأهل نجد قرنَ المنازل، ولأهل اليمن يَلمْلَم، وقال: "فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة" (1) .
وعن عائشة رضي الله عنها "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَّت لأهل العراق ذات عرق" (2) رواه أبو داود والنسائي.
وثبت في "الصحيحين " أيضاً من حديث عبد الله بن عُمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يُهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويُهل أهلُ الشام من الجحفة، ويُهل أهلُ نجد من قرن ... " (3) الحديث.
فهذه المواقيت التي وقَّتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدود شرعية توقيفية موروثة عن الشارع، لا يحلُّ لأحد تغييرها أو التعدي فيها، أو تجاوزها بدون إحرام لمن أراد الحج أو العمرة، فإن هذا من تعدي حدود الله، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)) (4) ،
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: يُهل أهل المدينة ويُهل أهل الشام ويُهل أهل نجد، وهذا خبر بمعنى الأمر، ولهذا قال ابن عمر رضي الله عنهما: فرضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
والإهلالُ: رفع الصوتِ بالتلبية، ولا يكونُ إلا بعد عقدِ الإحرام.
فالإحرامُ من هذه المواقيت واجبٌ على من أراد الحج أو العمرة إذا
__________
(1) تقدم تخريجه ص 125.
(2) تقدم تخريجه ص 257.
(3) تقدم تخريجه ص 306.
(4) سورة البقرة، الآية: 229.
(24/321)

مرَّ بها أو حاذاها، سواءُ أتى من طريق البر أو البحر أو الجو.
فإن كان من طريق البر نزل فيها إن مر بها أو فيما حاذاها إن لم يمر بها، وأتى بما ينبغي أن يأتي به عند الإحرام، من الاغتسال وتطييب بدنه ولبس ثياب إحرامه، ثم يُحرم قبل مغادرته.
وإن كان من طريق البحر، فإن كانت الباخرة تقف عند محاذاة الميقات اغتسل وتطيب ولبس ثياب إحرامه حال وقوفها، ثم أحرم قبل سيرها، وإن كانت لا تقف عند محاذاة الميقات اغتسل وتطيب ولبس ثياب إحرامه قبل أن تُحاذيه، ثم يُحرم إذا حاذته.
وإن كان من طريق الجو، اغتسل عند ركوب الطائرة، وتطيب، ولبس ثوب إحرامه قبل مُحاذاة الميقات، ثم أحرم قُبيلَ مُحاذاته، ولا ينتظرُ حتى يُحاذيه، لأن الطائرة تمر به سريعة فلا تُعطي فرصة، وإن أحرم قبله احتياطاً فلا باس.
والخطأ الذي يرتكبه بعض الناس أنهم يمرون من فوق الميقات في الطائرة أو من فوق محاذاته ثم يُؤخرون الإحرام حتى ينزلوا في مطار جدة فيُحرمون منها، وهذا مخالفٌ لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وتعدّ لحدود الله تعالى.
وفي "صحيح البخاري " عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لما فتح هذان المِصران- يعني البصرة والكوفة- أتوا عمر رضي الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدَّ لأهل نجد قرناً، وإنه جَورٌ عن طريقنا، وإن أردنا أن نأتي قرناً شق علينا، قال: فانظروا إلى حذوها من طريقكم.
فجعل أمير المؤمنين أحدُ الخلفاء الراشدين ميقات من لم يمر بالميقات إذا حاذاه، ومَنْ حاذاه جوًّا فهو كمن حاذاه برًّا، ولا فرق.
(24/322)

فإن وقع الإنسان في هذا الخطأ، فنزل جُدة قبل أن يُحرم فعليه أن يرجع إلى الميقات الذي حاذاه في الطائرة فيُحرم منه، فإن لم يفعل وأحرم من جدة فعليه عند أكثر العلماء فدية يذبحها في مكة ويُفرقها كلها على الفقراء فيها، ولا يأكل منها، ولا يُهدي منها لغني لأنها بمنزلة الكفارة.
(24/323)

الطوافُ والأخطاء الفعلية فيه
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ابتدأ الطواف من الحجَرِ الأسود في الركن اليماني الشرقي من البيت، وأنه طاف بجميع البيت من وراء الحجر، وأنه رَمَل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط في الطواف أولَ ما قَدِمَ مكة، وأنه كان في طوافه يستلم الحجر الأسود ويُقبله، واستلمه بيده وقبلها، واستلمه بمحجن كان معه وقبل المحجن وهو راكب على بعيره، وطاف على بعيره فجعل يُشير إلى الركن- يعني الحجر- كلما مر به.
وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يستلم الركن اليماني.
واختلاف الصفات في استلام الحجر إنما كان- والله أعلم- حسب السهولة، فما سَهُل عليه منها فعل، وكلُّ ما فعل من الاستلام والتقبيل والإشارة إنما هو تعبد لله تعالى، وتعظيم له، لا اعتقاد أن الحجر ينفعُ أو يضر.
وفي "الصحيحين " عن عمر رضي الله عنه أنه كان يُقبّل الحجر ويقول: "إني لأعلمُ أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يُقبّلك ما قبَّلتك " (1) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 29.
(24/324)

الأخطاء التي تقع من بعض الحجاج
1- ابتداء الطواف قبل الحجر الأسود، أي بينه وبين الركن اليماني، وهذا من الغلو في الدين الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يشبه من بعض الوجوه تقدم رمضان بيوم أو يومين، وقد ثبت النهي عنه.
وادعاء بعض الحجاج أنه يفعل ذلك احتياطاً غير مقبول منه، فالاحتياط الحقيقي النافع هو اتباع الشريعة، وعدم التقدم بين يدي الله ورسوله.
2- طوافهم عند الزحام من داخل الحجر، بحيث يدخل من باب الحِجر إلى الباب المقابل، ويدع بقية الحجر عن يمينه، وهذا خطأ عظيم لا يصح الطواف إذا فعله، لأن الحقيقة أنه لم يطف بالبيت، وإنما طاف ببعضه.
3- الرَّملُ في جميع الأشواط السبعة.
4- المزاحمة الشديدة للوصول إلى الحجر لتقبيله، حتى إنه يؤدي في بعض الأحيان إلى المُقاتلة والمشاتمة، فيحصل من التضارب والأقوال المنكرة ما لا يليق بهذا العمل، ولا بهذا المكان في مسجد الله الحرام، وتحت ظل بيته، فينقص بذلك الطواف، بل النسك كله، لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (1) .
وهذه المزاحمة تُذهب الخشوع وتُنسي ذكر الله تعالى، وهما من أعظم المقصود في الطواف.
5- اعتقادهم أن الحجر الأسود نافع بذاته، ولذلك تجدهم إذا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(24/325)

استلموه مسحوا بيديهم على بقية أجسامهم، أو مسحوا بها على أطفالهم الذين معهم!!
وكل هذا جهل وضلال، فالنفع والضرر من الله وحده، وقد سبق قول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: "إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبَّلتك " (1) .
6- استلامهم- أعني بعض الحجاج- لجميع أركان الكعبة، ورُبما استلموا جميع جدران الكعبة، وتمسحوا بها، وهذا جهل وضلال، فإن الاستلام عبادة وتعظيم لله عز وجل، فيجب الوقوف فيها على ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يستلم النبي - صلى الله عليه وسلم - من البيت سوى الركنين اليمانيين (الحجر الأسود وهو في الركن اليماني الشرقي من الكعبة، والركن
اليماني الغربي) .
وفي "مسند الإمام أحمد" عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه طاف مع معاوية رضي الله عنه، فجعل معاوية يستلم الأركان كلها، قال ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلمها؟ فقال معاوية: ليس شيءٌ من البيت مهجوراً. فقال ابن عباس:
لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنة. فقال معاوية: صدقت.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود (1270) .
(24/326)

الطواف والأخطاء القولية فيه
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يُكبر الله تعالى كلما أتى على الحجر الأسود. وكان يقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)) (1) .
وقال: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (2) .
والخطأ الذي يرتكبه بعض الطائفين في هذا، تخصيص كل شوط بدعاء معين لا يدعو فيه بغيره، حتى إنه إذا أتم الشوط قبل تمام الدعاء قطعه ولو لم يَبق عليه إلا كلمة واحدة، ليأتي بالدعاء الجديد للشوط الذي يليه، وإذا أتم الدعاء قبل تمام الشوط سكت.
ولم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الطواف دعاء مخصص لكل شوط.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: وليس فيه- يعني الطواف- ذكر محدود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا بأمره، ولا بقوله، ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية، وما يذكره كثيرٌ من الناس من دعاء مُعين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له.
وعلى هذا فيدعو الطائف بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، ويذكر الله تعالى بأي ذكر مشروع من تسبيح أو تحميد أو تهليل أو تكبير أو قراءة القرآن.
ومن الخطأ الذي يرتكبه بعض الطائفين أن يأخذ هذه الأدعية المكتوبة فيدعو بها وهو لا يعرف معناها، وربما يكون فيها أخطاء من
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 201.
(2) تقدم تخريجه ص 26.
(24/327)

الطابع أو الناسخ تقلبُ المعنى رأساً على عقب، وتجعل الدعاء للطائف دعاء عليه، فيدعو على نفسه من حيث لا يشعر، وقد سمعنا من هذا العَجَبَ العجاب.
ولو دعا الطائف ربه بما يريده ويعرفه، فيقصد معناه لكان خيراً له وأنفع، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر تأسياً وأتبع.
ومن الخطأ الذي يرتكبه بعضُ الطائفين أن يجتمع جماعةٌ على قائد يطوف بهم ويُلقنهم الدعاء بصوت مرتفع فيتبعه الجماعة بصوت واحد، فتعلوا الأصوات، وتحصل الفوضى، ويتشوش بقية الطائفين، فلا يدرون ما يقولون، وفي هذا إذهاب للخشوع، وإيذاء لعباد الله في هذا المكان الآمن.
وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - على الناس وهم يُصلون ويجهرون بالقراءة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلكم يُناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن " (1) . رواه مالك في "الموطأ"، قال ابن عبد البر: وهو حديثٌ صحيح.
ويا حبذا لو أن هذا القائد إذا أقبل بهم على الكعبة وقف بهم وقال: افعلوا كذا، قولوا كذا، ادعوا بما تُحبون، وصار يمشي معهم في المطاف حتى لا يخطىء منهم أحد، فطافوا بخشوع وطمأنينة، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، وتضرعاً وخُفية بما يحبونه، وما يعرفون معناه ويقصدونه، وسَلِمَ الناسُ من أذهم.
__________
(1) رواه مالك، كتاب الصلاة وباب العمل في القراءة (1/86) (225) .
(24/328)

الركعتان بعد الطواف والخطأ فيهما
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لما فرغ من الطواف تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (1) ، فصلى ركعتين، والمقام بينه وبين الكعبة، وقرأ في الركعة الأولى الفاتحة وقل يا أيها الكافرون، وفي الركعة الثانية الفاتحة وقل هو الله أحد.
والخطأ الذي يفعله بعض الناس هنا ظنهم أنه لابد أن تكون صلاة الركعتين قريباً من المقام، فيزدحمون على ذلك، ويُؤذون الطائفين في أيام الموسم، ويُعوقون سير طوافهم، وهذا الظن خطأ، فالركعتان بعد الطواف تُجزيان في أي مكان من المسجد، ويُمكن المصلي أن يجعل المقام بينه وبين الكعبة، وإن كان بعيداً عنه، فيُصلي فِي الصحن أو في رُواق المسجد، ويسلم من الأذية فلا يُؤذِي ولا يُؤذى، وتحصلُ له الصلاة بخشوع وطمأنينة.
ويا حبذا لو أن القائمين على المسجد الحرام منعوا من يؤذون الطائفين بالصلاة خلف المقام قريباً منه، وبيَّنوا لهم أن هذا ليس بشرط للركعتين بعد الطواف.
ومن الخطأ أن بعض الذين يُصلون خلف المقام يُصلون عدة ركعات كثيرة بدون سبب، مع حاجة الناس الذين فرغوا من الطواف إلى مكانهم.
ومن الخطأ أن بعض الطائفين إذا فرغ من الركعتين وقف بهم قائدهم يدعو بهم بصوتٍ مرتفع فيُشوشون على المصلين خلف المقام، فيعتدون عليهم، وقد قال الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)) (2) .
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 125.
(2) سورة الأعراف، الآية: 55.
(24/329)

هـ
صعود الصفا والمروة والدعاء فوقهما والسعي بين العلمين
والخطأ في ذلك
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حين دنا من الصفا قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (1) ، ثم رقى عليه حتى رأى الكعبة فاستقبل القبلة ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو، فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجزَ وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل ماشياً فلما انصبت قدماه في بطن الوادي وهو ما بين العلمين الأخضرين سعى حتى إذا تجاوزهما مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على
الصفا.
والخطأ الذي يفعله بعض الساعين هنا أنهم إذا صعدوا الصفا والمروة استقبلوا الكعبة فكبروا ثلاث تكبيرات يرفعون أيديهم ويومئون بها كما يفعلون في الصلاة، ثم ينزلون، وهذا خلاف ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإما أن يفعلوا السنة كما جاءت إن تيسر لهم، وإما أن يدعوا ذلك ولا يحدثوا فعلاً لم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومن الخطأ الذي يفعله بعض الساعين أنهم يسعون من الصفا إلى المروة، أعني أنهم يشتدون في المشي ما بين الصفا والمروة كله، وهذا خلاف السنة، فإن السعي فيما بين العلمين فقط، والمشي في بقية
المسعى، وأكثر ما يقع ذلك إما جهلاً من فاعله، أو محبة كثير من الناس للعجلة والتخلص من السعي، والله المستعان.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 158.
(24/330)

ومن الخطأ أن بعض، النساء يسعين بين العلمين، أي يُسرعن في المشي بينهما كما يفعل الرجال، والمرأة لا تسعى، وإنما تمشي المشية المعتادة، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: ليس على النساء رمل بالبيت ولا بين الصفا والمروة.
ومن الخطأ أن بعض الساعين يقرأ قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (1) كلما أقبل على الصفا أو على المروة، والسنة أن يقرأها إذا أقبل على الصفا في أول شوط فقط.
ومن الخطأ أن بعض الساعين يُخصص لكل شوط دعاءً معيناً، وهذا لا أصل له.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 158.
(24/331)

الوقوف بعرفة والخطأ فيه
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مكث يوم عرفة بنمرة حتى زالت الشمس، ثم ركب، ثم نزل في بطن وادي عُرنة، فصلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين جمعَ تقديم، بأذانٍ واحد وإقامتين، ثم ركب حتى أتى موقفه فوقف، وقال: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (1) ، فلم يزل واقفاً
مستقبل القبلة رافعاً يديه يذكر الله ويدعوه حتى غربت الشمس وغاب قرصُها فدفع إلى مزدلفة.
ومن الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الوقوف:
1- أنهم ينزلون خارج حدود عرفة، ويبقون في منازلهم حتى تغرب الشمس، ثم ينصرفون منها إلى مزدلفة من غير أن يقفوا بعرفة، وهذا خطأ عظيم يفوت به الحج، فإن الوقوف بعرفة ركنٌ لا يصح الحج إلا به، فمن لم يقف بعرفة في وقت الوقوف فلا حج له، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك ".
وسبب هذا الخطأ الفادح أن الناس يغتر بعضهم ببعض، لأن بعضهم ينزل قبل أن يصلها ولا يتفقد علاماتها، فيفوت على نفسه الحج ويغرُّ غيره.
ويا حبذا لو أن القائمين على الحج أعلنوا للناس بوسيلة تبلغ جميعهم، وبلغات متعددة، وعهدوا إلى المطوفين بتحذير الحجاج من ذلك، ليكون الناس على بصيرة من أمرهم، ويؤدوا حجهم على الوجه
الذي تبرأ به الذمة.
2- أنهم ينصرفون من عرفة قبل غروب الشمس، وهذا حرام لأنه
__________
(1) تقدم تخريجه ص 289.
(24/332)

خلاف سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث وقف إلى أن غربت الشمس وغاب قرصها، ولأن الانصراف من عرفة قبل الغروب عمل أهل الجاهلية.
3- أنهم يستقبلون الجبل- جبل عرفة- عند الدعاء، ولو كانت القبلة خلف ظهورهم أو على أيمانهم أو شمائلهم، وهذا خلاف السنة، فإن السنة استقبال القبلة كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(24/333)

رمي الجمرات والخطأ فيه
ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رمى جمرة العقبة وهي الجمرة القصوى التي تلي مكة بسبع حصيات، ضحى يوم النحر، يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصا الخذف، أي فوق الحمص قليلاً.
وفي "سنن النسائي " من حديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما- وكان رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - من مزدلفة إلى منى- قال: فهبط- يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - - محسراً وقال: "عليكم بحصا الخذف الذي ترمى به الجمرة"، قال: والنبي - صلى الله عليه وسلم - يشير بيده كما يخذف الإنسان (1) .
وفي "مسند الإمام أحمد" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال يحيى: لا يدري عوفٌ عبد الله أو الفضل: قال: "قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة العقبة وهو واقف على راحلته: هاتِ القطْ لي، قال فلقطت له حصيات هن حصا الخذف، فوضعهن في يده قال: "بأمثال هؤلاء" مرتين، وقال بيده فأشار يحيى أنه رفعها وقال: "إياكم والغلو فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين " (2) .
وعن أم سليمان بن عمرو بن الأحوص رضي الله عنها قالت: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر، وهو يقول: "يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضاً، وإذا رميتم الجمرة فارموها بمثل حصا الخذفِ " رواه أحمد (3) .
__________
(1) أخرجه النسائي، كتاب المناسك، باب من أين يلتقط الحصى (3060) .
(2) أخرجه الإمام أحمد (1/268) وأبو يعلى (2427) وابن خزيمة (2867) والحاكم (1/466) وصححه ووافقه الذهبي والبيهقي (5/127) .
(3) (3/503) و (6/376، 379) . ورواه أبو داود (1966) والطيالسي (1660) من طرق =
(24/334)

وفي "صحيح البخاري " عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقولُ: هكذا رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله.
وروى أحمد وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: "إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (1) .
والأخطاء التي يفعلها بعض الحجاج هي:
1- اعتقادهم أنه لابد من أخذ الحصا من مزدلفة فيتعبون أنفسهم بلقطها في الليل واستصحابها في أيام منى حتى إن الواحد منهم إذا أضاع حصاة حزن حُزناً كبيراً، وطلب من رفقته أن يتبرعوا له بفضل ما معهم من حصا مزدلفة.
وقد عُلم مما سبق أنه لا أصل لذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه أمر ابن عباس رضي الله عنهما بلقط الحصا له وهو واقف على راحلته، والظاهر أن هذا الوقوف كان عند الجمرة، إذ لم يُحفظ عنه أنه وقف بعد مسيره من مزدلفة قبل ذلك، ولأن هذا وقت الحاجة إليه فلم يكن ليأمر بلقطها قبله لعدم الفائدة فيه وتكلف حمله.
2- اعتقادهم أنهم برميهم الجمار يرمون الشيطان، ولهذا يُطلقون اسم الشياطين على الجمار، فيقولون: رمينا الشيطان الكبير أو الصغير
__________
= يقوي بعضها بعضاً.
(1) تقدم تخريجه ص 26.
(24/335)

أو رمينا أبا الشياطين يعنون به الجمرة الكبرى جمرة العقبة، ونحو ذلك من العبارات التي لا تليق بهذه المشاعر.
وتراهم أيضاً يرمون الحصا بشدة وعنف وصراخ وسب وشتم لهذه الشياطين على زعمهم حتى شاهدنا من يصعد فوقها يبطش بها ضرباً بالنعل والحصا الكبار بغضب وانفعال! والحصا تصيبه من الناس، وهو لا يزداد إلا غضباً وعنفاً في الضرب، والناس حوله يضحكون ويقهقهون كأن المشهد مشهد مسرحية هزلية! شاهدنا هذا قبل أن تُبنى الجسور وترتفع أنصاب الجمرات، وكل هذا مبني على هذه العقيدة أن الحجاج يرمون شياطين، وليس لها أصل صحيح يعتمد عليه.
وقد علمت مما سبق الحكمة في مشروعية رمي الجمار، وأنه إنما شرع لإقامة ذكر الله عز وجل، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكبر على إثر كل حصاة.
3- رميهم الجمرات بحصا كبيرة، وبالحذاء (النعل) والخفاف (الجزمات) ، والأخشاب!! وهذا خطأ كبير مخالف لما شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته بفعله وأمره، حيث رمى - صلى الله عليه وسلم - بمثل حصا الخذف، وأمر أمته أن يرموا بمثله، وحذرهم من الغلو في الدين، وسبب هذا الخطأ الكبير ما سبق من اعتقادهم أنهم يرمون شياطين.
4- تقدمهم إلى الجمرات بعنف وشدة، لا يخشعون لله تعالى، ولا يرحمون عباد الله، فيحصل بفعلهم هذا من الأذية للمسلمين والإضرار بهم، والمشاتمة والمضاربة ما يقلب هذه العبادة وهذا المشعر إلى
مشهد مشاتمة ومقاتلة، ويخرجها عما شُرعت من أجله، وعما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ففي "المسند" عن قدامة بن عبد الله بن عمار قال: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -
(24/336)

يوم النحر يرمي جمرة العقبة على ناقة صهباء، لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك " رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
5- تركهم الوقوف للدعاء بعد رمي الجمرة الأولى والثانية في أيام التشريق، وقد علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقفُ بعد رميها مستقبل القبلة، رافعاً يديه يدعو دعاءً طويلاً.
وسبب ترك الناس لهذا الوقوف الجهل بالسنة، أو محبة كثير من الناس للعجلة والتخلص من العبادة.
ويا حبذا لو أن الحاج تعلم أحكام الحج قبل أن يحج، ليعبد الله تعالى على بصيرة، ويحقق متابعة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولو أن شخصاً أراد أن يسافر إلى بلد لرأيته يسأل عن طريقها حتى يصل إليها عن دلالة، فكيف بمن أراد أن يسلك الطريق الموصلة إلى الله تعالى، وإلى جنته، أفليس من الجدير به أن يسأل عنها قبل أن يسلكها ليصل إلى المقصود؟
6- رميهم الحصا جميعاً بكفٍّ واحدة، وهذا خطأ فاحش، وقد قال أهل العلم إنه إذا رمى بكف واحدة أكثر من حصاة لم يحتسب له سوى حصاة واحدة.
فالواجب أن يرمي الحصا واحدة فواحدة، كما فعل النبي.
7- زيادتهم دعوات عند الرمي لم ترد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، مثل قولهم: اللهم اجعلها رضا للرحمن، وغضباً للشيطان، وربما قال ذلك وترك التكبير الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والأولى الاقتصار على الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير زيادة ولا نقص.
8- تهاونهم برمي الجمار بأنفسهم فتراهم يوكلون من يرمي عنهم مع قدرتهم على الرمي ليُسقطوا عن أنفسهم معاناة الزحام ومشقة العمل،
(24/337)

وهذا مخالف لما أمر الله. تعالى به من إتمام الحج، حيث يقول سبحانه: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (1) ، فالواجب على القادر على الرمي أن يُباشره بنفسه، ويصبر على المشقة والتعب فإن الحج نوعٌ من الجهاد، لابد فيه من الكُلفة والمشقة.
فليتق الحاج ربه، وليتم نُسكه، كما أمره الله تعالى به ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/338)

طواف الوداع والأخطاء فيه
ثبت في "الصحيحين " عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض " (1) .
وفي لفظ لمسلم عنه قال: "كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينفرنَّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت " (2) .
ورواه أبو داود بلفظ: "حتى يكونَ آخرَ عهده الطوافُ بالبيت " (3) .
وفي "الصحيحين " عن أُم سلمة رضي الله عنها قالت: "شكوت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أني أشتكي، فقال: "طُوفي من وراء الناس وأنت راكبة" (4) ، فطُفت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلي إلى جنب البيت وهو يقرأ بالطور وكتاب مسطور".
وللنسائي عنها أنها قالت: "يا رسول الله، والله ما طُفتُ طوافَ الخروجِ فقال: "إذا قيمت الصلاة فطوفي على بعيرك من وراء الناس ".
وفي "صحيح البخاري " (5) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدةً بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به.
وفي "الصحيحين " عن عائشة رضي الله عنها أن صفية رضي الله عنها حاضت بعد طواف الإفاضة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحابِستنا هي؟ " قالوا: إنها قد أفاضت وطافت بالبيت، قال: "فلتنفر إذن " (6) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 299.
(2) تقدم تخريجه ص 159.
(3) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب الوداع (2052) .
(4) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب المريض يطوف راكباً (1633) ، ومسلم، كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير وغيره (1276) .
(5) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(6) تقدم تخريجه ص 66.
(24/339)

وفي "الموطأ" عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه قال: "لا يَصدُرن أحدٌ من الحج حتى يطوف بالبيت، فإن آخر النسك الطوافُ بالبيت ".
وفيه عن يحيى بن سعيد أن عمر رضي الله عنه ردّ رجلاً من مرِّ الظهران لم يكن ودّع البيت حتى ودَّع.
والخطأ الذي يرتكبه بعض الناس هنا:
1- نزولهم من منى يوم النفر قبل رمي الجمرات، فيطوفوا للوداع ثم يرجعوا إلى منى فيرموا الجمرات، ثم يُسافروا إلى بلادهم من هناك.
وهذا لا يجوز، لأنه مخالف لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون آخر عهد الحاج بالبيت، فإن من رمى بعد طواف الوداع فقد جعل آخرَ عهده بالجمار لا بالبيت، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يطف للوداع إلا عند خروجه حين استكمل جميع مناسك الحج، وقد قال: "خذوا عني مناسككم " (1) .
وأثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه صريح في أن الطواف بالبيت آخرُ النسك، فمن طافَ للوداع ثم رمى بعده فطوافه غير مجزىء لوقوعه في غير محله، فيجبُ عليه إعادته بعد الرمي، فإن لم يُعد كان حكمه حكم من تركه.
2- مُكثهم بمكة بعد طواف الوداع، فلا يكون آخر عهدهم بالبيت وهذا خلاف مما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبينه لأمته بفعله، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يكون آخر عهد الحاج بالبيت، ولم يطف للوداع إلا عند خروجه، وهكذا فعل أصحابه، ولكن رخص أهلُ العلم في الإقامة بعد طوافِ الوداع للحاجة إذا كانت عارضةً، كما لو أقيمت الصلاة بعد طوافه للوداع فصلاها، أو حضرت جنازةٌ فصلى عليها أو كان له حاجةٌ تتعلق
__________
(1) تقدم تخريجه ص 8.
(24/340)

بسفره كشراء متاع وانتظار رفقةٍ ونحو ذلك. فمن أقام بعد طواف الوداع إقامة غير مرخصٍ فيها وجبت عليه إعادتهُ.
3- خروجهم من المسجد بعد طواف الوداع على أقفيتهم يزعمون بذلك تعظيم الكعبة، وهذا خلافُ السنة، بل هو من البدع التي حذرنا منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال فيها: "كل بدعة ضلالة" (1) .
والبدعة: كل ما أُحدث من عقيدة أو عبادة على خلاف ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخُلفاؤه الراشدون، فهل يظن هذا الراجع على قفاه تعظيماً للكعبة على زعمه أنه أشد تعظيماً لها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو يظن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم أنّ في ذلك تعظيماً لها، لا هو ولا خُلفاؤه الراشدون؟!!
4- التفاتهم إلى الكعبة عند باب المسجد بعد انتهائهم من طواف الوداع ودعاؤهم هناك كالمودعين للكعبة، وهذا من البدع، لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن خُلفائه الراشدين، وكل ما قُصد به التعبد لله تعالى وهو مما لم يرد به الشرع فهو باطل مردودٌ على صاحبه، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (2) ، أي: مردود على
صاحبه.
فالواجب على المؤمن بالله ورسوله أن يكون في عباداته مُتبعاً لما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها لينال بذلك محبة الله ومغفرته، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)) (3) .
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة (867) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور ... (2697) ، ومسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ... 17 (1718) .
(3) سورة آل عمران، الآية: 31.
(24/341)

واتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يكون في مفعولاته يكون كذلك في متروكاته.
فمتى وُجد مقتضى الفعل في عهده ولم يفعله كان ذلك دليلاً على أن السنة والشريعة تركه، فلا يجوز إحداثه في دين الله تعالى، ولو أحبه الإنسان وهواه.
قال الله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ) (1) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به " (2) . نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن لا يُزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
__________
(1) سورة المؤمنون، الآية: 71.
(2) أخرجه الإمام أحمد (3/503) و (6/376، 379) . ورواه أبو داود (1966) والطيالسي (1660) من طرق يقوي بعضها بعضاً.
(24/342)

الفصل العاشر
في زيارة المسجد النبوي
زيارة المسجد النبوي من الأمور المشروعة المستحبة، فهو ثاني المساجد الثلاثة التي تُشد الرحال إليها للصلاة فيها والعبادة.
ففي "الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (1) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاةٌ في مسجدي خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " (2) رواه الجماعة.
زاد الإمام أحمد من حديث عبد الله بن الزبير: "وصلاة في المسجد الحرام أفضلُ من ألف صلاة في هذا".
وعن ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: "إني سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
"صلاةٌ فيه- يعني مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - أفضل من ألفِ صلاة فيما سواهُ من المساجد إلا مسجد الكعبة" (3) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي " (4) رواه البخاري.
فيُسن للحاج وغيره زيارة مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصلاة فيه قبل الحج أو
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة (1189) ، ومسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (1397) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة ... (1189) ومسلم، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (1397) .
(3) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (1396) .
(4) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة، باب فضل ما بين القبر والمنبر
(1195) ، ومسلم، كتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة (1391) .
(24/343)

بعده، وليست هذه الزيارة من شروط الحج ولا أركانه ولا واجباته، ولا تعلُّق لها به.
فإذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى، وقال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم.
ثم يصلي ركعتين تحية المسجد لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين " (1) متفق عليه.
وفي "الصحيحين " من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه قال: وأصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادماً، وكان إذا قَدِمَ من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين (2) .
وعن جابر رضي الله عنه قال: كنتُ مع رسول الله في سفر فلما قدمنا المدينة قال: "اُدخُل فصلِّ ركعتين " (3) .
وينبغي أن يتحرى الصلاة في الروضة إن تيسر له من أجل فضيلتها، وإن لم يتيسر له صلى في أي جهة من المسجد تتيسر له، وهذا في غير صلاة الجماعة، أما في صلاة الجماعة فليحافظ على الصف الأول الذي يلي الإمام لأنه أفضل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خير صفوف الرجال
أولها" (4) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلمُ الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا" (5) .
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين (444) ، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحية المسجد بركعتين (714) (70) .
(2) مسلم، كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجد مكة والمدينة.
(3) كتاب الجهاد، باب الصلاة إذا قدم من سفر، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتين في المسجد لمن قدم من سفر.
(4) البخاري، كتاب الجهاد، باب الصلاة عند القدوم.
(5) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الاستهام في الأذان (615) .
(24/344)

زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -
وقبري صاحبيه رضي الله عنهما
بعد أن يُصلي في المسجد النبوي أول قدومه ما شاء الله أن يُصلي، يذهب للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
1- فيقف أمام قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مُستقبلاً للقبر مُستدبراً للقبلة، فيقولُ: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وإن زاد شيئاً مناسباً فلا بأس مثل أن يقول: السلام عليك يا خليل الله وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، أشهد أنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده.
وإن اقتصر على الأول فحسنٌ.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سلم يقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتِ، ثم ينصرف.
2- ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام أبي بكر رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
3- ثم يخطو خطوة عن يمينه ليكون أمام عمر رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا عمر، السلام عليك يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
وليكن سلامه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه بأدب، وخفض صوت، فإن رفع الصوت في المساجد منهيٌّ عنه، لاسيما في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعند قبره.
وفي "صحيح البخاري " عن السائب بن يزيد قال: كنت قائماً أو نائماً
(24/345)

في المسجد فحصبني رجلٌ فنظرتُ فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئتهُ بهما فقال: من أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما جلداً، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولا ينبغي إطالة الوقوف والدعاء عند قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقبري صاحبيه، فقد كرهه مالك وقال: هو بدعة لم يفعلها السلف، ولن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: وكره مالكٌ لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، بل كانوا يأتون إلى مسجده فيصلون فيه خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وهم يقولون في الصلاة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل.
قال: وكان أصحابه خير القرون، وهم أعلمُ الأمة بسنته، وأطوعُ الأمة لأمره.
قلت: وأقواهم في تعظيمه ومحبته، وكانوا إذا دخلوا إلى مسجده لا يذهب أحدٌ منهم إلى قبره، لا من داخل الحجرة ولا من خارجها، وكانت الحجرة في زمانهم يُدخل إليها من الباب إلى أن بُني الحائط الآخر، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه، لا لسلام، ولا لصلاة عليه، ولا لدعاء لأنفسهم، ولا لسؤال عن حديث أو علم!
(24/346)

ولم يكن أحدٌ من الصحابة رضوان الله عليهم يأتيه ويسأله عن بعض ما تنازعوا فيه، كما أنهم أيضاً لم يطمع الشيطان فيهم فيقولُ: اطلبوا منه أن يأتي لكم بالمطر، ولا أن يستنصر لكم، ولا أن يستغفر كما كانوا في حياته يطلبون منه أن يستسقي لهم، وأن يستنصر لهم.
قال: وكان الصحابة إذا أراد أحدٌ أن يدعو لنفسه، استقبل القبلة ودعا في مسجده كما كانوا يفعلون في حياته، لا يقصدون الدعاء عند الحجرة، ولا يدخل أحدهم إلى القبر.
قال: وكانوا يقدمون من الأسفار للاجتماع بالخلفاء الراشدين وغير ذلك، فيصلون في مسجده، يُسلمون عليه في الصلاة، وعند دخولهم المسجد والخروج منه، ولا يأتون القبر؛ إذ كان هذا عندهم مما لم يأمرهم به. ولكن ابن عمر كان يأتيه فيسلم عليه وعلى صاحبيه عند قدومه من السفر، وقد يكون فَعَلَه غير ابن عمر أيضاً ولم يكن جمهور الصحابة يفعلون كما فعل ابن عمر رضي الله عنهما.
ولا يتمسح بجدار الحجرة، ولا يقبله، فإن فَعَلهُ عبادة لله وتعظيماً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وقد أنكر ابن عباس رضي الله عنهما على معاوية رضي الله عنه مسح الركنين الشامي والغربي من الكعبة، مع أن جنس ذلك مشروع في الركنين اليمانيين. وليس تعظيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومحبته بمسح جدران حُجرة لم تبن إلا بعد عهده بقرون، وإنما محبته وتعظيمه باتباعه ظاهراً وباطناً، وعدم الابتداع في دينه ما لم يشرعه. قال الله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (1) .
وأما إن كان مسح جدار الحجرة وتقبيله مجرد عاطفة أو عبث فهو
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 31.
(24/347)

سفه وضلال لا فائدة فيه، بل فيه ضرر وتغرير للجهال.
ولا يدعو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجلب منفعة له، أو دفع مضرة، فان ذلك من الشرك، قال الله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي َيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)) (1) . وقال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)) (2) ، وأمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن لأمته بأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرًّا، فقال تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) (3) ، وإذا كان لا يملك ذلك لنفسه، فلا يمكن أن يملكه لغيره.
وأمره سبحانه أن يُعلن لأمته أنه لا يملك مثل ذلك لهم، فقال تعالى: (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21)) (4) .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزلت: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)) (5) (قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب لا أملكُ لكم من الله شيئاً، سَلُوني من مالي ما شئتم " (6) .
ولا يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو له، أو يستغفرَ له، فإن ذلك قد انقطع بموته - صلى الله عليه وسلم -، لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله " (7) .
فأما قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا
__________
(1) سورة غافر، الآية: 60.
(2) سورة الجن، الآية: 18.
(3) سورة الأعراف، الآية: 188.
(4) سورة الجن، الآية: 21.
(5) سورة الشعراء، الآية: 214.
(6) مسلم، كتاب الإيمان، باب قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) .
(7) تقدم تخريجه ص 23.
(24/348)

اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64)) (1) فهذا في حياته، فليس فيها دليل على طلب الاستغفار منه بعد موته؛ فإن الله قال: (إذ ظلَمُوَا) ولم يقل: إذا ظلموا أنفسهم، وإذ ظرف للماضي لا للمستقبل، فهي في قوم كانوا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا تكون لمن بعده.
فهذا ما ينبغي في زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقبري صاحبيه والسلام عليهم.
وينبغي أن يزورَ مقبرة البقيع، فيسلم على من فيها من الصحابة والتابعين، مثل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فيقفُ أمامه ويُسلم عليه فيقول: السلام عليك يا عثمان بن عفان، السلام عليك يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراً.
وإذا دخل المقبرة فليقل ما علمه رسول الله على أمته كما في "صحيح مسلم " عن بُريدة رضي الله عنه قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا
ولكم العافية" (2) .
وفيه أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: "السلام عليكم دار قومٍ مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" (3) .
وإن أحب أن يخرج إلى أُحد ويزور الشهداء هناك فيسلم عليهم ويدعو لهم ويتذكر ما حصل في تلك الغزوة من الحكم والأسرار فحسن.
__________
(1) سورة النساء، الآية: 64.
(2) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول المقابر.
(3) مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول المقابر.
(24/349)

وينبغي أن يخرج إلى مسجد قباء، فيصلي فيه لقوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (1) .
وفي "صحيح البخاري " (2) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتي مسجد قُباء كل سبت ماشياً وراكباً، وكان ابن عمر يفعله "، وفي رواية: "فيصلّي فيه ركعتين ".
وروى النسائي عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَنْ
خرج حتى يأتي هذا المسجد- مسجد قباء- فصلى فيه كان له عدلَ عمرة" (3) .
وإذا انصرف إلى بلاده وأقبل عليها قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، حتى يقدم، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك.
وليحمد الحاج الله الذي يسر له الحج وزيارة المدينة، ليحمد الله على ذلك، وليقم بشكره، ويستقم على أمره، فاعلاً ما أمر الله به ورسوله، تاركاً ما نهى الله عنه ورسوله، ليكون من عباد الله الصالحين، وأوليائه المتقين.
(أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)) (4) .
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 108.
(2) أخرجه البخاري، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب من أتى مسجد قباء كل سبت (1193) ، ومسلم، كتاب الحج، باب فضل مسجد قباء وفضل الصلاة فيه وزيارته (1399) (52) .
(3) أخرجه النسائي، كتاب المساجد، باب فضل مسجد قباء (700) .
(4) سورة يونس، الآيات: 62- 64.
(24/350)

أسئلة وأجوبة في بعض مسائل الحج
س 1: امرأة حاضت ولم تطف طواف الإفاضة وتسكن خارج المملكة، وحان وقتُ مغادرتها المملكة، ولا تستطيع التأخر، ويستحيل عودتها المملكة مرة أخرى، فما الحكم؟
ج 1: إذا كان الأمر كما ذُكر، امرأة لم تطف طواف الإفاضة، وحاضت ويتعذر أن تبقى في مكة أو أن ترجع إليها لو سافرت قبل أن تطوف، ففي هذه الحال يجوز لها أن تستعمل واحداً من أمرين: فإما أن تستعمل إبراً توقف هذا الدم وتطوف، وإما أن تتلجم بلجام يمنع من سيلان الدم إلى المسجد، وتطوف للضرورة، وهذا القول الذي ذكرناه هو القول الراجح، والذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وخلافُ ذلك واحدٌ من أمرين، إما أن تبقى على ما بقي من إحرامها بحيث لا تحل لزوجها، وإما أن تُعتبر مُحصرة تذبح هدياً وتحلُّ من إحرامها.
وفي هذه الحال لا تعتبر هذه الحجة حجًّا لأنها لم تكملها، وكلا الأمرين صعب، الأمر الأول وهو بقاؤها على ما بقي من إحرامها، والأمر الثاني الذي يُفوِّت عليها حجها، فكان القول الراجح هو ما ذهب إلي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مثل هذه الحال للضرورة، وقد قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (1) ، وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) (2) .
أما إذا كانت المرأة يمكنها أن تسافر ثم ترجع إذا طهرت فلا حرج عليها أن تسافر، فإذا طهرت رجعت فطافت طواف الحج.
__________
(1) سورة الحج، الآية: 78.
(2) سورة البقرة، الآية: 185.
(24/351)

وفي هذه المدة لا تحل لزوجها لأنها لم تحل التحلل الثاني.
س 2: حاجٌّ من خارج المملكة لا يعلم عن ظروف السفر وترتيبات التذاكر والطائرات، وسأل في بلده هل يمكنه الحجز الساعة الرابعة عصراً من يوم (13/12/1405 هـ) ؟ قيل: يمكن ذلك، فحجز على هذا الموعد، ثم أدركه المبيت بمنى ليلة الثالث عشر، فهل يجوز له أن يرمي صباحاً ثم ينفر، علماً أنه لو تأخر بعد الزوال لفات السفر، وترتب عليه مشقة كبيرة، ومخالفة لأولي الأمر؟ وإذا كان لا يجوز أليس هناك من يجيز الرمي قبل الزوال؟
ج 2: لا يجوز له أن يرمي قبل الزوال، ولكن يمكن أن نُسقط عنه الرمي في هذه الحال للضرورة، ونقول "له: يلزمك فدية تذبحها في منى أو في مكة أو تُوكل من يذبحها عنك، وتوزع على الفقراء، وتطوفُ طواف الوداع وتمشي.
ونقول: أما قولك إذا كان الجواب بعدم الجواز أليس هناك رأي يجيز الرمي قبل الزوال؟ فالجواب: هناك رأي يجيز الرمي قبل الزوال، ولكنه ليس بصحيح، والصواب أن الرمي قبل الزوال لا يجوز، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خذوا عني مناسككم " (1) ، ولم يرم - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد الزوال.
فإن قال قائل: رمي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الزوال مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب، قلنا: هذا صحيح أنه مجرد فعل، ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب، أما كونه مجرد فعل فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر بأن يكون الرمي بعد الزوال، ولا نهى عن الرمي قبل الزوال.
وأما كون الفعل لا يدل على الوجوب، فنعم لا يدل على الوجوب لأن الوجوب لا يكون إلا بأمر بالفعل أو نهي عن الترك.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 8.
(24/352)

ولكن نقول: هذا الفعل دلت القرينة على أنه للوجوب، ووجه ذلك أن كون الرسول - صلى الله عليه وسلم - يؤخر الرمي حتى تزول الشمس يدل على الوجوب، إذ لو كان الرمي قبل الزوال جائزاً لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، لأنه أيسر على العباد وأسهل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فكونه - صلى الله عليه وسلم- لم يختر الأيسر هنا وهو الرمي قبل الزوال يدل على إنه إثم.
والوجه الثاني مما يدل على أن هذا الفعل للوجوب: كون الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرمي فور زوال الشمس قبل أن يصلي الظهر، فكأنه يترقب الزوال بفارغ الصبر ليبادر بالرمي، ولهذا أخر صلاة الظهر مع أن الأفضل تقديمها في أول الوقت، كل ذلك من أجل أن يرمي بعد الزوال مباشرة.
س 3: رجلٌ سمع أنه يجوز السعي قبل الطواف فسعى ثم طاف في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر، فقيل له: إن ذلك خاص بيوم العيد، فما الحكم؟
ج 3: الصواب أنه لا فرق بين يوم العيد وغيره في أنه يجوزُ تقديم السعي على الطواف في الحج، حتى لو كان بعد يوم العيد لعموم الحديث، حيث قال رجلٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم -: سعيتُ قبل أن أطوف قال: "لا حرج " (1) . وإذا كان الحديث عاماً فإنه لا فرق بين أن يكون ذلك في يوم العيد أو فيما بعده.
س 4: إذا طاف مَن عليه سعي، ثم خرج ولم يسع، وأخبر بعد خمسة أيام بان عليه سعياً، فهل يجوز أن يسعى فقط ولا يطوف قبله؟
ج 4: إذا طاف الإنسان معتقداً أنه لا سعي عليه ثم خرج، ثم بعد ذلك بأيام أُخبر بأن عليه سعياً، فإنه يأتي للسعي فقط ولا حاجة إلى إعادة الطواف، وذلك لأنه لا يُشترط الموالاة بين الطواف والسعي، حتى لو فرض أن الرجل ترك ذلك عمداً، أي أخر السعي عن الطواف عمداً، فلا
حرج عليه، ولكن الأفضل أن يكون السعي موالياً للطواف.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 296.
(24/353)

س 5: حاج قدم متمتعاً، فلما طاف وسعى لبس ملابسه العادية، ولم يقصر أو يحلق، وسأل بعد الحج وأخبر أنه أخطأ، فكيف يفعل وقد ذهب الحج بعد وقت العمرة؟
ج 5: هذا الرجل يُعتبر تاركاً لواجب من واجبات العمرة، وهو التقصير، وعليه عند أهل العلم أن يذبح فدية في مكة ويوزعها على فقراء مكة وهو باقٍ على تمتعه فيلزمه هدي التمتع أيضاً.
س 6: ما حكم الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة؟
ج 6: الحلق أو التقصير بالنسبة للعمرة واجب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم إلى مكة في حجة الوداع وطاف وسعى، أمر كل من لم يسق الهدي أن يقصر، ثم يحل، والأصل في الأمر الوجوب، ويدل لذلك أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم حين أحصروا في غزوة الحديبية، أن يحلقوا حتى إنه - صلى الله عليه وسلم - غضب حين توانوا في ذلك.
وأما: هل الأفضل في العمرة التقصير أو الحلق؟ فالأفضل الحلق، إلا للمتمتع الذي قدم متأخراً فإن الأفضل في حقه التقصير من أجل أن يتوفر الحلق للحج.
س 7: حاج رمى جمرة العقبة من جهة الشرق، ولم يسقط الحجر في الحوض، فما العمل وهو في اليوم الثالث عشر، وهل يلزمه إعادة الرمي في أيام التشريق؟
ج 7: لا يلزمه إعادة الرمي كله، وإنما يلزمه إعادة الرمي الذي أخطأ فيه فقط، وعلى هذا يعيد رمي جمرة العقبة فقط، ويرميها على الصواب، ولا يجزئه الرمي الذي رماه من جهة الشرق لأنه في هذه الحال لا يسقط في الحوض الذي هو موضع الرمي، ولهذا لو رماها من الجسر من الناحية الشرقية أجزأ لأنه يسقط في الحوض.
(24/354)

س 8: متى ينتهي رمي جمرة العقبة أداءً؟ ومتى ينتهي قضاءً؟
ج 8: أما رمي جمرة العقبة يوم العيد فإنه ينتهي بطلوع الفجر من اليوم الحادي عشر، ويبتدىء من آخر الليل من ليلة النحر للضعفاء ونحوهم من الذين لا يستطيعون مزاحمة الناس.
وأما رميها في أيام التشريق فهي كرمي الجمرتين اللتين معها، يبتدىء الرمي من الزوال، وينتهي بطلوع الفجر من الليلة التي تلي اليوم، إلا إذا كان في آخر أيام التشريق، فإن الليل لا رمي فيه، وهو ليلة الرابع عشر، لأن أيام التشريق انتهت بغروب شمسها، والرمي في النهار أفضل، إلا أنه في هذه الأوقات مع كثرة الحجيج وغشمهم، وعدم مبالاة بعضهم ببعض إذا خاف على نفسه من الهلاك أو الضرر أو المشقة الشديدة فإنه يرمي ليلاً ولا حرج عليه، كما أنه لو رمى ليلاً بدون أن
يخاف هذا، فلا حرج عليه، ولكن الأفضل أن يُراعي الاحتياط، ولا يرمي ليلاً إلا عند الحاجة إليه.
وأما قوله: قضاءً، فإنها تكون قضاء إذا طلع الفجر من اليوم التالي في أيام التشريق ولم يرمها.
س 9: إذا لم تصب جمرة من الجمار السبع المرمى، أو جمرتان، ومضى يوم أو يومان، فهل يلزمه إعادة هذه الجمرة أو الجمرتين؟ وإذا لزمه فهل يعيد ما بعدها من الرمي؟
ج 9: إذا بقي عليه رمي جمرة أو جمرتين من الجمرات، أو على الأوضح حصاة أو حصاتين من إحدى الجمرات، فإن الفقهاء يقولون إذا كان من آخر جمرة فإنه يكملها، أي يكمل هذا الذي نقص فقط، ولا يلزمه رمي ما قبلها، وإن كان من غير آخر جمرة فإنه يكمل الناقص، ويرمي ما بعدها.
(24/355)

والصواب عندي أنه يكمل الناقص مطلقاً، ولا يلزمه إعادة رمي ما بعدها؛ وذلك لأن الترتيب يسقط بالجهل أو بالنسيان، وهذا الرجل قد رمى الثانية وهو لا يعتقد أن عليه شيئاً مما قبلها، فهو بين الجهل والنسيان، وحينئذ نقول له: ما نقص من الحصا فارمه ولا يجب عليك رمي ما بعدها. وقبل إنهاء الجواب أُحب أن أنبه إلى أن المرمى مجتمع الحصا، وليس العمود المنصوب للدلالة عليه، فلو رمى في الحوض، ولم يصب العمود بشيء من الحصيات فرميه صحيح، والله أعلم.
س 10: إذا خرج الحاج من منى قبل غروب الشمس يوم الثاني عشر بنية التعجل، ولديه عمل في منى سيعود له بعد الغروب، فهل يعتبر متعجلاَّ؟
ج 10: نعم؟ يُعتبر متعجلاً لأنه أنهى الحج، ونية رجوعه إلى منى لعمل فيها لا يمنع التعجل، لأنه إنما نوى الرجوع للعمل المنوط به لا للنسك.
س 11: من أحرم بالحج من الميقات، ثم ساو إلى أن قرب من مكة فمنعه مركز التفتيش لأنه لم يحمل بطاقة الحج، فما الحكم؟
ج 11: الحُكم في هذه الحال أنه يكون مُحصِراً حين تعذر عليه الدخول، فيذبح هدياً في مكان الإحصار، ويحل، ثم إن كانت هذه الحجة هي الفريضة، أداها فيما بعد بالخطاب الأول لا قضاء، وإن كانت غير الفريضة فإنه لا شيء عليه على القول الراجح، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر الذين أحصروا في غزوة الحديبية أن يقضوا تلك العمرة التي أُحصروا عنها، وليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله وجوب القضاء على من أُحصر؛ قال تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (1) ولم يذكر شيئاً سوى ذلك.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/356)

وعمرة القضاء سميت بذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضى قُريشاً، أي عاهدهم عليها، وليس من القضاء الذي هو استدراك ما فات، والله أعلم.
س 12: إذا دخل الآفاقي بملابسه العادية إلى مكة حتى يتحايل على الدولة بعدم الحج، ثم أحرم من مكة، فهل يجوز حجه؟ وما الذي يلزمه؟
ج 12: أما حجه فيصح، وأما فعله فحرام، حرام من وجهين: أحدهما: تعدي حدود الله سبحانه وتعالى بترك الإحرام من الميقات.
والثاني: مخالفته أمر ولاة الأمور الذين أُمرنا بطاعتهم في غير معصية الله.
وعلى هذا يلزمه أن يتوب إلى الله ويستغفره مما وقع، وعليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء لتركه الإحرام من الميقات، على ما قاله أهل العلم من وجوب الفدية على من ترك واجباً من واجبات الحج أو العمرة.
س 13: سمعتُ أن المتمتع إذا رجع إلى بلده انقطع تمتعه، فهل يجوز له أن يحج مفرداً ولا دم عليه؟
ج 13: نعم إذا رجع المتمتع إلى بلده، ثم أنشأ سفراً للحج من بلده فهو مفردٌ، وذلك لانقطاع ما بين العمرة والحج برجوعه إلى أهله فإنشاؤه السفر معناه أنه أنشأ سفراً جديداً للحج، وحينئذ يكون حجه إفراداً، فلا يجب عليه هدي التمتع، لكن لو فعل ذلك تحيلاً على إسقاطه فإنه لا يسقط عنه، لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يقتضي إسقاطه، كما أن التحيل على المحرَّم لا يقتضي حله.
س 14: إذا قَدِمَ المسلم إلى مكة قبل أشهر الحج بنية الحج، ثم اعتمر وبقي إلى الحج فحجَّ، فهل حجه يعتبر تمتعاً أم إفراداً؟
(24/357)

ج 14: حجه يعتبر إفراداً، لأن التمتع هو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من عامه.
وأما من أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج، فإنه يكون مفرداً، إلا إذا قرن، بأن يحرم بالحج والعمرة جميعاً، فيكون قارناً، وإنما اختص التمتع بمن أحرم بالعمرة في أشهر الحج لأنه لما
دخلت أشهر الحج كان الإحرام بالحج فيها أخص من الإحرام بالعمرة، فخفف الله تعالى عن العباد، وأذن لهم بل أحب أن يجعلوا عمرة ليتمتعوا بها إلى الحج.
س 15: حملة خرجت من عرفة بعد الغروب، فضلوا الطريق فتوجهوا إلى مكة، ثم ردتهم الشرطة إلى مزدلفة، فلما أقبلوا عليها توقفوا، وصلوا المغرب والعشاء في الساعة الواحدة ليلاً، ثم دخلوا
المزدلفة أذان الفجر فصلوا فيها الفجر ثم خرجوا، فهل عليهم شيء في ذلك أم لا؟
ج 15: هؤلاء لا شيء عليهم لأنهم أدركوا صلاة الفجر في مزدلفة حين دخلوها وقت أذان الفجر، وصلوا الفجر فيها بغلس وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَن شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه " (1) ، ولكن هؤلاء أخطأوا حين أخروا الصلاة إلى ما بعد منتصف الليل، لأن وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل، كما ثبت ذلك في "صحيح مسلم " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يحل تأخيرها عن منتصف الليل.
س 16: معلوم أن حلق الرأس من محظورات الأحرام، فكيف يجوز
__________
(1) أخرجه البخاري: كتاب الحج/باب من قد ضعفه أهله بليل رقم (1677) .
(24/358)

البدء به في التحلل يوم العيد، لأن العلماء يقولون: إن التحلل بفعل اثنين من ثلاث، ويذكرون منها الحلق، وعلى هذا فإن الحاج يجوز أن يبدأ به؟
ج 16: نعم يجوز البدء به لأن حلقه عند الإحلال للنسك، فيكون غير مُحرم، بل يكون نُسكاً مأموراً به، وإذا كان مأموراً به فإن فعله لا يعد إثماً ولا وقوعاً في محظور.
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سُئل عن الحلق قبل النحر وقبل الرمي، فقال: "لا حرج " (1) .
وكون الشيء مأموراً به أو محظوراً إنما يتلقى من الشرع: ألا ترى إلى السجود لغير الله تعالى كان شركاً، ولما أمر الله به الملائكة أن يسجدوا لآدم كان سجودهم له طاعة.
ثم ألم تر إلى قتل النفس، لاسيما الأولاد كان من الكبائر العظيمة، فلما أمر الله تعالى نبيه إبراهيم أن يقتل ابنه إسماعيل كان طاعة نال بها إبراهيم عليه الصلاة والسلام مرتبة عظيمة، ولكن الله تعالى برحمته خفف عنه
وعن ابنه وقال: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ) (2)
س 17: متى ينتهي زمن ذبح هدي التمتع؟ وهل هناك خلاف وآراء في تحديد الزمن؟
ج 17: ينتهي زمن الذبح لهدي التمتع بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، ويبتدىء إذا مضى قدر صلاة العيد من يوم العيد بعد ارتفاع الشمس قدر رمح.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 296.
(2) صورة الصافات، الآيات: 103- 106.
(24/359)

وأما: هل هناك خلاف؟ فنعم فيه خلافٌ في ابتدائه وانتهائه، ولكن الراجح ما ذكرناه، والله أعلم.
س 18: ما حكم من بات في منى إلى الساعة الثانية عشرة ليلاً، ثم دخل مكة ولم يعد حتى طلوع الفجر؟
ج 18: إذا كانت الساعة الثانية عشرة ليلاً هي منتصف الليل في منى، فإنه لا بأس أن يخرج منها بعدها.
وإن كان الأفضل أن يبقى في منى ليلاً ونهاراً، وإن كانت الساعة الثانية عشرة قبل منتصف الليل فإنه لا يخرج، لأن المبيت في منى يشترط أن يكون معظم الليل على ما ذكره فقهاؤنا رحمهم الله تعالى.
س 19: يقال: إنه لا يجوزُ الرمي بجمرة قد رُمي بها، فهل هذا صحيح؟ وما الدليلُ عليه؟
ج 19: هذا ليس بصحيح، لأن الذين استدلوا بأنه لا يُرمى بجمرة قد رُمي بها، عللوا ذلك بعلل ثلاث: قالوا إنها- أي الجمرة التي رُمي بها- كالماء المستعمل في طهارة واجبة، والماء المستعمل في الطهارة الواجبة يكون طاهراً غير مُطهِّر، وإنها كالعبد إذا أُعتق فإنه لا يُعتَق بعد ذلك في كفارة أو غيرها، وإنه يلزم من القول بالجواز أن يرمي جميع الحجيج بحجر واحد، فترمي أنت هذا الحجر، ثم تأخذه وترمي، ثم تأخذه وترمي حتى تكمل السبعَ، ثم يجيء الثاني فيأخذه فيرمي حتى يُكمل السبع، فهذه ثلاثُ علل وكلها عند التأمل عليلة جداً.
أما التعليل الأول: فإنما نقول بمنع الحكم في الأصل، وهو أن الماء المستعمل في طهارة واجبة يكون طاهراً غير مطهِّر لأنه لا دليل على ذلك، ولا يمكن نقل الماء عن وصفه الأصلي، وهو الطهورية إلا بدليل.
(24/360)

وعلى هذا فالماء المستعمل في طهارة واجبة طهورٌ مطهِّرٌ، فإذا انتفى حكم الأصل المقيس عليه، انتفى حكم الفرع.
وأما التعليل الثاني: وهو قياس الحصاة المرمي بها على العبد المعتق، فهو قياس مع الفارق، فإن العبد إذا أُعتق كان حُرًّا لا عبداً، فلم يكن محلاً للعتق، بخلاف الحجر إذا رُمي به فإنه يبقى حجراً بعد الرمي به، فلم ينتف المعنى الذي كان من أجله صالحاً للرمي به، ولهذا لو أن هذا العبد الذي أُعتق استرقَّ مرة أخرى بسبب شرعي جاز أن يعتق مرة ثانية.
وأما التعليل الثالث: وهو أنه يلزم من ذلك أن يقتصر الحجاج على حصاة واحدة، فنقول: إن أمكن ذلك فليكن ولكن هذا غير ممكن، ولن يعدل إليه أحد مع توفر الحصا.
وبناء على ذلك، فإنه إذا سقطت من يدك حصاة أو أكثر حول الجمرات فخذ بدلها مما عندك، وارم به سواء غلب على ظنك أنه قد رُمي بها أم لا.
س 20: إذا قصر الحاج والمعتمر من جانبي رأسه ثم حل إحرامه وهو لم يعمم الرأس فما الحكم؟
ج 20: الحكم إن كان في الحج وقد طاف ورمى فإنه يبقى في ثيابه، ويكمل حلق رأسه أو تقصيره، وإن كان في عمرة فعليه أن يخلع ثيابه ويعود إلى ثياب الإحرام ثم يحلق أو يقصر تقصيراً تاماً يعم جميع الرأس وهو محرم، أي وهو لابس ثياب الإحرام.
س 21: هل يجوز للحاج أن يقدم سعي الحج على طواف الإفاضة؟
ج 21: إن كان الحاج مُفرداً أو قارناً، فإنه يجوز أن يقدم السعي على طواف الإفاضة، فيأتي به بعد طواف القدوم كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -،
(24/361)

وأصحابه الذين ساقوا الهدي.
أما إن كان متمتعاً، فإن عليه سعيين: الأول عند قدومه إلى مكة، وهو للعمرة، والثاني للحج.
والأفضل أن يكون بعد طواف الإفاضة، لأن السعي تابع للطواف، فإن قدمه على الطواف فلا حرج على القول الراجح، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل قيل له: سعيت قبل أن أطوف؟! قال: "لا حرج " (1) . فالحاج يفعل يوم العيد خمسة أنساك مرتبة: رمي جمرة العقبة، ثم لنحر، ثم الحلق أو التقصير، ثم الطواف بالبيت، ثم السعي بين الصفا والمروة، إلا أن يكون قارناً أو مفرداً سعى بعد طواف القدوم فإنه لا يعيد السعي، والأفضل أن يرتبها على ما ذكرنا، وإن قدم بعضها على بعض، لاسيما مع الحاجة فلا حرج، وهذا من رحمة الله تعالى وتيسيره، فلله الحمد
رب العالمين.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 296.
(24/362)

المنهج لمريد الحج والعمرة
(24/363)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً، أما بعد:
فإن الحج من أفضل العبادات، وأجل الطاعات؛ لأنه أحد أركان الإسلام الذي بعث الله به محمداً - صلى الله عليه وسلم -، والتي لا يستقيم دين العبد إلا بها.
ولما كانت العبادة لا يستقيم التقرب بها إلى الله، ولا تكون مقبولة إلا بأمرين:
أحدهما: الإخلاص لله عز وجل، بأن يقصد بها وجه الله، والدار الآخرة، لا يقصد بها رياء ولا سمعة.
الثاني: اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيها قولاً وفعلاً. والاتباع للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن تحقيقه إلا بمعرفة سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -. لذلك كان لابد لمن أراد تحقيق الاتباع أن يتعلم سنته - صلى الله عليه وسلم - بأن يتلقاها من أهل العلم بها، إما بطريق المكاتبة أو بطريق المشافهة. وكان من واجب أهل العلم، الذين ورثوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفوه في أمته أن يطبقوا عباداتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم على ما علموه من سنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم -، وأن يبلغوا ذلك إلى
(24/365)

الأمة ويدعوهم إليه؛ ليتحقق لهم ميراث النبي - صلى الله عليه وسلم - علماً وعملاً، وتبليغاً ودعوة، وليكونوا من الرابحين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر.
وهذه خلاصة فيما يتعلق بمناسك الحج والعمرة، مشيت فيها على ما أعرفه من نصوص الكتاب والسنة، راجياً من الله تعالى أن تكون خالصة له نافعة لعباده.
آداب السفر
ينبغي لمن خرج إلى الحج أو غيره من العبادات أن يستحضر نية التقرب إلى الله تعالى في جميع أحواله؛ لتكون أقواله وأفعاله ونفقاته مقربة له إلى الله تعالى، فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى. وينبغي أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة، مثل الكرم، والسماحة، والشهامة، والانبساط إلى رفقته، وإعانتهم بالمال والبدن، وإدخال السرور عليهم. هذا بالإضافة إلى قيامه بما أوجبه
الله عليه من العبادات، واجتناب المحرمات.
وينبغي أن يكثر من النفقة ومتاع السفر، ويستصحب فوق حاجته من ذلك احتياطاً لما يعرض من الحاجات.
وينبغي أن يقول عند سفره، وفي سفره ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك:
1- إذا وضع رجله على مركوبه قال: بسم الله. فإذا استقرَّ عليه فليذكر نعمة الله على عباده بتيسير المركوبات المتنوعة ثم ليقل: "الله أكبر الله اكبر الله أكبر، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا
له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر
(24/366)

والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا، واطوِ عنا بُعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب
في المال والأهل والولد.
2- التكبير إذا صعد مكاناً علواً، والتسبيح إذا هبط مكاناً منخفضاً.
3- إذا نزل منزلاً فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإن من قالها لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله الذي قالها فيه.
سفر المرأة
لا يجوز للمرأة أن تسافر للحج أو غيره إلا ومعها محرم، سواء كان السفر طويلاً أم قصيراً، وسواء كان معها نساء أم لا، وسواء كانت شابة أم عجوزاً، لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " (1) .
والحكمة في منع المرأة من السفر بلا محرم: قصور المرأة في عقلها، والدفاع عن نفسها، وهي مطمع الرجال، فربما تخدع أو تقهر، أو تكون ضعيفة الدين، فتندفع وراء شهواتها، ويكون فيها مطمع للطامعين. والمحرم يحميها، ويصون عرضها ويدافع عنها. ولذلك يشترط أن يكون بالغاً عاقلاً، فلا يكفي الصغير الذي لم يبلغ، ولا مَنْ لا عقل له.
والمحرم زوج المرأة، وكل من تحرم عليه تحريماً دائماً،
__________
(1) تقدم تخريجه ص 116.
(24/367)

بقرابة، أو رضاعة، أو مصاهرة، فالمحارم من القرابة سبعة:
1- الآباء والأجداد وإن علوا، سواء من قِبل الأم، أو من قِبل الأب.
2- الأبناء، وأبناء الأبناء، وأبناء البنات وإن نزلوا.
3- الإخوة سواء كانوا إخوة أشقاء أو لأب أو لأم.
4- أبناء الإخوة، سواء كانوا أبناء إخوة أشقاء، أو أبناء إخوة من الأب، أو أبناء إخوة من الأم.
5- أبناء الأخوات، سواء كانوا أبناء أخوات شقيقات، أو من الأب، أو من الأم.
6- الأعمام، سواء كانوا أعماماً أشقاء، أو أعماماً من الأب، أو أعماماً من الأم.
7- الأخوال، سواء كانوا أخوالاً أشقاء، أو من الأب، أو من الأم.
والمحارم من الرضاع نظير المحارم من القرابة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". (متفق عليه) (1) .
والمحارم بالمصاهرة:
1- أبناء زوج المرأة، وأبناء أبنائه، وأبناء بناته وإن نزلوا، سواء كانوا من زوجة قبلها، أو معها، أو بعدها.
2- آباء زوج المرأة وأجداده وإن علوا، سواء أجداده من قبل أبيه، أو من قبل أمه.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب (2654) ، ومسلم، كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة (1446) (13) .
(24/368)

3- أزواج البنات، وأزواج بنات الأبناء، وأزواج بنات البنات، وإن نزلن.
وهؤلاء الثلاث تثبت المحرمة فيهم بمجرد العقد، حتى ولو فارقها بموت، أو طلاق، أو فسخ، فإن المحرمية تبقى لهؤلاء.
4- أزواج الأمهات، وأزواج الجدات وإن علون، لكن الأزواج لا يصيرون محارم لبنات زوجاتهم، أو بنات أبناء زوجاتهم، أو بنات بنات زوجاتهم، حتى يطؤوا الزوجات، فإن حصل الوطء صار الزوج محرماً لبنات زوجته من زوج قبله، أو زوج بعده، وبنات أبنائها، وبنات بناتها ولو طلقها بعد.
أما إذا عقد على المرأة ثم طلقها قبل الوطء، فإنه لا يكون محرماً لبناتها، ولا لبنات أبنائها، ولا لبنات بناتها.
صلاة المسافر
دين الإسلام دين اليسر والسهولة، لا حرج فيه ولا مشقة، وكلما وجدت المشقة فتح الله لليسر أبواباً. قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ (1) . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الدين يسرٌ" (2) ، وقال أهل العلم- رحمهم الله-: "المشقة تجلب التيسير".
__________
(1) سورة الحج، الآية: 78.
(2) رواه البخاري، كتاب الأيمان، باب الدين يسر رقم (39) بلفظ "إن الدين يسر".
(24/369)

ولما كان السفر مظنة المشقة غالباً خففت أحكامه، فمن ذلك:
1- جواز التيمم للمسافر إذا لم يجد الماء، أو كان معه من الماء ما يحتاجه لأكله وشربه. لكن متى غلب على ظنه أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت المختار، فالأفضل تأخير الصلاة حتى يصل
إلى الماء ليتطهر به.
2- إن المشروع في حق المسافر أن يقصر الصلاة الرباعية، فيجعلها ركعتين من حين يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه، ولو طالت المدة؛ لما ثبت في صحيح البخاري (1) عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يصلي ركعتين، وأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة".
لكن إذا صلى المسافر خلف إمام يصلي أربعاً فإنه يصلي أربعاً تبعاً لإمامه سواء أدرك الإمام من أول الصلاة أو في أثنائها. فإذا سلم الإمام أتى بتمام الأربع؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " (2) . وعموم قوله: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (3) . وسئل ابن عباس- رضي الله عنهما-: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعاً إذا ائتم بمقيم، فقال: "تلك السنة" (4) .
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا صلى مع الإمام صلى
__________
(1) صحيح البخاري، كتاب التقصير رقم (1080) وفي المغازي رقم (4298) .
(2) تقدم تخريجه ص 253.
(3) نقدم تخريجه ص 19.
(4) تقدم تخريجه ص 253.
(24/370)

أربعاً، وإذا صلى وحده صلى ركعتين. "يعني في السفر ".
3- إن المشروع في حق المسافر أن يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء إذا احتاج إلى الجمع، مثل أن يكون مستمرًّا في سيره، والأفضل حينئذ أن يفعل ما هو الأرفق به من جمع التقديم أو التأخير.
أما إذا كان غير محتاج إلى الجمع فإنه لا يجمع. مثاله أن يكون نازلاً في محل لا يريد أن يرتحل منه إلا بعد دخول وقت الصلاة الثانية، فهذا لا يجمع، بل يصلي كل فرض في وقته؛ لأنه لا
حاجة به إلى الجمع.
المواقيت
المواقيت هي الأمكنة التي عيَّنها النبي - صلى الله عليه وسلم - ليحرم منها من أراد الحج أو العمرة، والمواقيت خمسة:
الأول: ذو الحليفة ويسمى (أبيار علي) ، ويسميه بعض الناس (الحساء) ، وبينه وبين مكة نحو عشر مراحل، وهو ميقات أهل المدينة، ومن مرَّ به من غيرهم.
الثاني: الجحفة وهي قرية قديمة بينها وبين مكة نحو خمس مراحل، وقد خربت، فصار الناس يحرمون بدلها من رابغ، وهي ميقات أهل الشام ومن مرَّ بها من غيرهم.
الثالث: يلملم وهو جبل أو مكان بتهامة بينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو ميقات أهل اليمن، ومن مرَّ به من غيرهم.
الرابع: قرن المنازل ويسمى (السيل) بينه وبين مكة نحو مرحلتين، وهو ميقات أهل نجد، ومن مرَّ به من غيرهم.
(24/371)

الخامس: ذات عرق ويسمى (الضريبة) بينها وبين مكة مرحلتان، وهي ميقات أهل العراق، ومن مرَّ بها من غيرهم.
ومن كان أقرب إلى مكة من هذه المواقيت فإن ميقاته مكانه، فيحرم منه حتى أهل مكة من مكة، ومن كان طريقه يميناً أو شمالاً من هذه المواقيت، فإنه يحرم حين يحاذي أقرب المواقيت إليه، ومن كان في طائرة فإنه يحرم إذا حاذى الميقات من فوق، فيتأهب ويلبس ثياب الإحرام قبل محاذاة الميقات، فإذا حاذاه نوى الإحرام في الحال، ولا يجوز تأخيره. هذا وبعض الناس يكون في الطائرة،
وهو يريد الحج أو العمرة، فيحاذي الميقات ولا يحرم منه، بل يؤخر إحرامه حتى ينزل في المطار، وهذا لا يجوز؛ لأنه من تعدي حدود الله تعالى. نعم لو مرَّ بالميقات وهو لا يريد الحج ولا العمرة، ولكنه بعد ذلك نوى الحج أو العمرة فإنه يحرم من مكان نيته ولا شيء عليه.
ومن مرَّ بهذه المواقيت وهو لا يريد الحج ولا العمرة وإنما يريد مكة لزيارة قريب، أو تجارة، أو طلب علم، أو علاج أو غيرها من الأغراض، فإنه لا يجب عليه الإحرام؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقَّت المواقيت ثم قال: "هنَّ لهنَّ ولمن أتى عليهنَّ من غير أهلهن لمن كان يريد الحج أو العمرة" (1) . فعلَّق الحكم بمن يريد الحج أو العمرة. فمفهومه أن من لا يريد الحج والعمرة لا يجب عليه الإحرام منها، وإرادة الحج أو العمرة غير واجبة على من أدى الفرض، والحج لا يجب في العمر إلا مرة؛
__________
(1) تقدم تخريجه ص 127.
(24/372)

لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحج مرة فما زاد فهو تطوع " (1) ، لكن الأولى ألا يحرم نفسه من التطوع بالنسك، ليحصل له الأجر لسهولة الإحرام في هذا الوقت، ولله الحمد والمنة.
أنواع الأنساك
الأنساك ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقران.
فالتمتع أن يحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحج، فإذا وصل مكة طاف وسعى للعمرة، وحلق أو قصر، فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج وحده، وأتى بجميع أفعاله.
والإفراد أن يحرم بالحج وحده، فإذا وصل مكة طاف للقدوم، ثم سعى للحج، ولا يحلق ولا يقصر، لا يحل من إحرامه، بل يبقى محرماً حتى يحل بعد رمي جمرة العقبة يوم العيد، وإن أخر سعي الحج إلى ما بعد طواف الحج فلا بأس.
والقران أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً، أو يحرم العمرة أولاً، ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، وعمل القارن كعمل المفرد سواء، إلا أن القارن عليه هدي، والمفرد لا هدي عليه، وأفضل هذه الأنواع الثلاثة التمتع وهو الذي أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه وحثَّهم عليه حتى لو أحرم الإنسان قارناً أو مفرداً فإنه يتأكد
عليه أن يقلب إحرامه إلى عمرة ليصير متمتعاً ولو بعد أن طاف وسعى؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما طاف وسعى عام حجة الوداع ومعه أصحابه أمر كل من ليس معه هدي أن يقلب إحرامه عمرة ويقصر ويحل، وقال: "لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم
__________
(1) تقدم تخريجه ص 259.
(24/373)

به " (1) .
هذا وقد يحرم الإنسان بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، ثم لا يتمكن من إتمام العمرة قبل الوقوف بعرفة؛ ففي هذه الحال يدخل الحج على العمرة ويصير قارناً، ولنمثل لذلك بمثالين:
المثال الأول: امرأة أحرما بالعمرة متمتعة بها إلى الحج، فحاضت أو نفست قبل أن تطوف، ولم تطهر حتى جاء وقت الوقوف بعرفة؛ فإنها في هذه الحال تنوي إدخال الحج على العمرة، وتكون قارنة، فتستمر في إحرامها، وتفعل ما يفعله الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة،
حتى تطهر وتغتسل.
المثال الثاني: إنسان أحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، فحصل له عائق يمنعه من الدخول إلى مكة قبل يوم عرفة، فإنه ينوي إدخال الحج على العمرة، ويكون قارناً، فيستمر في إحرامه، ويفعل ما يفعله الحاج.
المحرم الذي يلزمه الهدي
المحرم الذي يلزمه الهدي هو المتمتع، والقارن دون المفرد.
فالمتمتع هو الذي يحرم بالعمرة في أشهر الحج، أي بعد دخول شهر شوال، ويحل منها، ثم يحرم بالحج في عامه. فإن أحرم بالعمرة قبل دخول شهر شوال فليس بمتمتع، فلا هدي عليه، سواء كان قد صام رمضان بمكة أم لا، فصيام رمضان بمكة لا أثر له
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الحج رقم (1568) .
(24/374)

وإنما العبرة بعقد إحرام العمرة، فمتى كان قبل دخول شهر شوال فلا هدي عليه، وإن كان بعد دخول شهر شوال فهو متمتع يلزمه الهدي إذا تمت شروط الوجوب. وأما ما يعتقده بعض العوام من أن العبرة بصيام رمضان، وأن من صام بمكة فلا هدي عليه، ومن لم يصم بها فعليه هدي، فهذا اعتقاد غير صحيح. وأما القارن فهو الذي يحرم بالعمرة والحج جميعاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، ولا يجب الهدي على المتمتع والقارن إلا بشرط أن لا يكونا من حاضري المسجد الحرام، فإن كانا من حاضري المسجد الحرام فلا هدي عليهما.
وحاضرو المسجد الحرام هم أهل الحرم، ومن كانوا قريبين منه، بحيث لا يكون بينهم وبين الحرم مسافة تعد سفراً، كأهل الشرائع ونحوهم، فإنه لا هدي عليهم. أما من كانوا بعيدين من الحرم، بحيث يكون بينهم وبينه مسافة تعد سفراً كأهل جدة، فإنه يلزمهم الهدي.
ومن كان من أهل مكة ثم سافر إلى غيرها لطلب علم أو غيره ورجع إليها متمتعاً، فإنه لا هدي عليه؛ لأن العبرة بمحل إقامته وسكناه وهي مكة، إلا إذا انتقل إلى غير مكة للسكنى، فإنه إذا رجع
إليها متمتعاً يلزمه الهدي؛ لأنه حينئذ ليس من حاضري المسجد الحرام.
والهدي الواجب على المتمتع والقارن شاة تجزئ في الأضحية، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
(24/375)

في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. ويجوز أن يصوم الأيام الثلاثة في أيام التشريق، وهي الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة، ويجوز أن يصومها قبل ذلك بعد إحرام العمرة،
لكن لا يصومها يوم العيد ولا بعرفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن صوم يومي العيدين، ونهى عن صوم يوم عرفة بعرفة، ويجوز أن يصوم هذه الأيام الثلاثة متوالية ومتفرقة، لكن لا يؤخرها عن أيام التشريق. أما السبعة الباقية فيصومها إذا رجع إلى أهله، إن شاء صامها متوالية، وإن شاء متفرقة.
وأيام ذبح الهدي أربعة: يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، فمن ذبح قبل هذه الأيام فشاته شاة لحم لا تجزئه عن الهدي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذبح هديه قبل يوم العيد، والهدي من النسك وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا عني مناسككم " (1) . وفي الحديث عنه أنه قال: "كل أيام التشريق ذبح " (2) ، وأيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي بعد العيد.
ويجوز الذبح في هذه الأيام ليلاً ونهاراً، لكن النهار أفضل.
ويجوز أيضاً في منى، وفي مكة، لكن في منى أفضل، إلا أن يكون الذبح بمكة أنفع للفقراء بحيث يكون الانتفاع به في منى يسيراً فإنه يتبع ما هو أصلح وأنفع، وعلى هذا فلو أخر هديه إلى اليوم الثالث عشر، وذبحه بمكة فلا بأس.
واعلم أن إيجاب الهدي على القادر، أو الصيام على من لم يجد الهدي ليس غرماً على العبد، أو إتعاباً لبدنه بلا فائدة، وإنما هو
__________
(1) تقدم تخريجه ص 8.
(2) تقدم تخريجه ص 271.
(24/376)

من إتمام النسك وإكماله، ومن رحمة الله وإحسانه حيث شرع لعباده ما فيه كمال عبادتهم وتقربهم إلى ربهم، وزيادة أجرهم، ورفعة درجاتهم، والنفقة فيه مخلوفة، والسعي فيه مشكور. وكثير من
الناس لا يلاحظون هذه الفائدة، ولا يحسبون لهذا الأجر حسابه، فتجدهم يتهربون من وجوب الهدي، ويسعون لإسقاطه بكل وسيلة، حتى إن بعضهم يفرد الحج وحده من أجل ألا يجب عليه
الهدي، فيحرمون أنفسهم أجر التمتع، وأجر الهدي، وهذه غفلة ينبغي التنبه لها.
صفة العمرة
إذا أراد أن يحرم بالعمرة فالمشروع أن يتجرد من ثيابه، ويغتسل كما يغتسل للجنابة، ويتطيب بأطيب ما يجد من دهن عود أو غيره في رأسه ولحيته، ولا يضره بقاء ذلك بعد الإحرام؛ لما في
الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد ثم أرى وبيص المسك في رأسه ولحيته بعد ذلك " (1) .
والاغتسال عند الإحرام سنة في حق الرجال والنساء حتى النفساء والحائض؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عميس حين نفست أن تغتسل عند إحرامها، وتستثفر بثوب وتحرم (2) . ثم بعد الاغتسال والتطيب يلبس ثياب الإحرام، ثم يصلي- غير الحائض والنفساء- الفريضة إن كان في وقت فريضة، وإلا صلى ركعتين
__________
(1) تقدم تخريجه ص 269.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(24/377)

ينوي بهما سنة الوضوء، فإذا فرغ من الصلاة أحرم وقال: "لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ". يرفع الرجل صوته بذلك، والمرأة تقوله بقدر ما يسمع من بجنبها.
وإذا كان من يريد الإحرام خائفاً من عائق يعوقه عن إتمام نسكه، فإنه ينبغي أن يشترط عند الإحرام، فيقول عند عقده: "إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني "، أي منعني مانع عن إتمام
نسكي من مرض، أو تأخر أو غيرهما، فإني أحل من إحرامي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ضباعة بنت الزبير حين أرادت الإحرام وهي مريضة أن تشترط، وقال: "إن لك على ربك ما استثنيت " (1) ، فمتى اشترط، وحصل له ما يمنعه من إتمام نسكه، فإنه يحل ولا شيء عليه.
وأما من لا يخاف من عائق يعوقه عن إتمام نسكه، فإنه لا ينبغي له أن يشترط؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشترط، ولم يأمر بالاشتراط كل أحد، وإنما أمر به ضباعة بنت الزبير لوجود المرض بها.
وينبغي للمحرم أن يكثر من التلبية، خصوصاً عند تغير الأحوال والأزمان، مثل أن يعلو مرتفعاً، أو ينزل منخفضاً، أو يقبل الليل أو النهار، وأن يسأل الله بعدها رضوانه والجنة، ويستعيذ برحمته من النار.
والتلبية مشروعة في العمرة من الإحرام إلى أن يبتدىء بالطواف، وفي الحج من الإحرام إلى أن يبتدىء برمي جمرة العقبة يوم العيد.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 278.
(24/378)

وينبغي إذا قرب من مكة أن يغتسل لدخولها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل عند دخوله، فإذا دخل المسجد الحرام قدم رجله اليمنى وقال: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم "، ثم يتقدم إلى الحجر الأسود ليبتدىء الطواف، فيستلم الحجر بيده اليمنى ويقبله، فإن لم يتيسر تقبيله قبَّل يده إن استلمه بها، فإن لم يتيسر استلامه بيده فإنه يستقبل الحجر، ويشير إليه بيده إشارة ولا يقبِّلها، والأفضل ألا يزاحم فيؤذي الناس ويتأذى بهم، لما في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعمر: "يا عمر، إنك رجل قوي لا تزاحم على
الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله وهلل وكبَّر " (1) .
ويقول عند استلام الحجر: بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -.
ثم يأخذ ذات اليمين، ويجعل البيت عن يساره، فإذا بلغ الركن اليماني استلمه من غير تقبيل، فإن لم يتيسر فلا يزاحم عليه، ويقول بينه وبين الحجر الأسود: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (2) . اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وكلما مر بالحجر الأسود كبر، ويقول
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند (1/28) والبيهقي (5/80) ، وحسنه محققو المسند الشيخ شعيب الأرناؤوط (1/321 رقم 190) .
(2) سورة البقرة، الآية ك 201
(24/379)

في بقية طوافه ما أحب من ذكر، ودعاء، وقراءة القرآن، فإنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله.
وفي هذا الطواف- أعني الطواف أول ما يقدم- ينبغي للرجل أن يفعل شيئين:
أحدهما: الاضطباع من ابتداء الطواف إلى انتهائه، وصفة الاضطباع أن يجعل وسط ردائه داخل إبطه الأيمن، وطرفيه على كتفه الأيسر، فإذا فرغ من الطواف أعاد رداءه إلى حالته قبل الطواف؛ لأن الاضطباع محله الطواف فقط.
الثاني: الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، والرمل إسراع المشي مع مقاربة الخطوات. أما الأشواط الأربعة الباقية فليس فيها رمل، وإنما يمشي كعادته.
فإذا أتم الطواف سبعة أشواط تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (1) ، ثم صلى ركعتين خلفه يقرأ في الأولى بعد الفاتحة (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثانية: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) بعد الفاتحة.
فإذا فرغ من صلاة الركعتين رجع إلى الحجر الأسود فاستلمه، إن تيسر له.
ثم يخرج إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا قرأ: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (2) ، ثم يرقى على الصفا حتى يرى الكعبة، فيستقبلها، ويرفع يديه فيحمد الله، ويدعو ما شاء أن يدعو. وكان
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 125.
(2) سورة البقرة، الآية: 158.
(24/380)

من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده "، يكرر ذلك ثلاث مرات، ويدعو بين ذلك.
ثم ينزل من الصفا إلى المروة ماشياً، فإذا بلغ العلم الأخضر ركض ركضاً شديداً بقدر ما يستطيع، ولا يؤذي. فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسعى حتى تُرى ركبتاه من شدة السعي، يدور به إزاره.
وفي لفظ: وإن مئزره ليدور من شدة السعي. فإذا بلغ العلم الأخضر الثاني مشى كعادته، حتى يصل إلى المروة، فيرقى عليها، ويستقبل القبلة، ويرفع يديه، ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل من المروة
إلى الصفا، فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، فإذا وصل الصفا فعل كما فعل أول مرة، وهكذا المروة حتى يكمل سبعة أشواط، ذهابه من الصفا إلى المروة شوط، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوط آخر، ويقول في سعيه ما أحب من ذكر، ودعاء، وقراءة.
فإذا أتم سعيه سبعة أشواط حلق رأسه، إن كان رجلاً، وإن كانت امرأة، فإنها تقصر من كل قرن أنملة.
ويجب أن يكون الحلق شاملاً لجميع الرأس، وكذلك التقصير يعم به جميع جهات الرأس، والحلق أفضل من التقصير؛ لأن النبي دعا للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين مرة، إلا أن يكون وقت الحج قريباً بحيث لا يتسع لنبات شعر الرأس، فإن الأفضل التقصير ليبقى الرأس للحلق في الحج، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر
(24/381)

أصحابه في حجة الوداع أن يقصروا للعمرة؛ لأن قدومهم كان صبيحة الرابع من ذي الحجة.
وبهذه الأعمال تمت العمرة فتكون العمرة: الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، ثم بعد ذلك يحل منها إحلالاً كاملاً، ويفعل ما يفعله المحلون من اللباس، والطيب، وإتيان النساء، وغير ذلك.
صفة الحج
إذا كان يوم التروية، وهو يوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج ضحى من مكانه الذي أراد الحج منه، ويفعل عند إحرامه بالحج كما فعل عند إحرامه بالعمرة من الغسل، والطيب، والصلاة، فينوي الإحرام بالحج ويلبي. وصفة التلبية في الحج كصفة التلبية في العمرة، إلا أنه يقول هنا: لبيك حجًّا، بدل قوله لبيك عمرة. وإن كان خائفاً من عائق يمنعه من إتمام حجه اشترط فقال: "وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني "، وإن لم يكن خائفاً لم يشترط.
ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر قصراً من غير جمع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر بمنى، ولا يجمع. والقصر كما هو معلوم جعل الصلاة الرباعية ركعتين، ويقصر أهل مكة وغيرهم بمنى، وعرفة، ومزدلفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بالناس في حجة الوداع ومعه أهل مكة، ولم يأمرهم بالإتمام، ولو كان واجباً عليهم لأمرهم به كما أمرهم به،
(24/382)

عام الفتح.
فإذا طلعت الشمس يوم عرفة سار من منى إلى عرفة، فنزل بنمرة إلى الزوال إن تيسير له، وإلا فلا حرج؛ لأن النزول بنمرة سنة. فإذا زالت الشمس صلى الظهر، والعصر على ركعتين يجمع بينهما جمع تقديم، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ليطول وقت الوقوف والدعاء.
ثم يتفرغ بعد الصلاة للذكر، والدعاء، والتضرع إلى الله عز وجل، ويدعو بما أحب، رافعاً يديه، مستقبلاً القبلة، ولو كان الجبل خلفه؛ لأن السنة استقبال القبلة لا الجبل، وقد وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الجبل، وقال: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة" (1) .
وكان أكثر دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الموقف العظيم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" (2) .
فإن حصل له ملل، وأراد أن يستجم بالتحدث مع أصحابه بالأحاديث النافعة، أو قراءة ما تيسر من الكتب المفيدة، خصوصاً فيما يتعلق بكرم الله وجزيل هباته ليقوى جانب الرجاء في ذلك اليوم
كان ذلك حسناً، ثم يعود إلى التضرع إلى الله ودعائه، ويحرص على اغتنام آخر النهار بالدعاء، فإن خير الدعاء دعاء يوم عرفة.
فإذا غربت الشمس سار إلى مزدلفة، فإذا وصلها صلى
__________
(1) تقدم تخريجه ص 155.
(2) أخرجه الترمذي، كتاب الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة (3585) .
(24/383)

المغرب والعشاء جمعاً، إلا أن يصل مزدلفة قبل العشاء الآخرة، فإنه يصلي المغرب في وقتها، ثم ينتظر حتى يدخل وقت العشاء الآخرة، فيصليها في وقتها. هذا ما أراه في هذه المسألة. وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه "أنه أتى المزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريباً من ذلك، فأصر رجلاً فأذن وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر
رجلاً فأذن وأقام، ثم صلى العشاء ركعتين " وفي رواية: "فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما " (1) .
لكن إن كان محتاجاً إلى الجمع، إما لتعب أو قلة ماء أو غيرهما، فلا بأس بالجمع، وإن لم يدخل وقت العشاء، وإن كان يخشى ألا يصل إلى مزدلفة إلا بعد نصف الليل، فإنه يصلي ولو قبل الوصول إلى مزدلفة، ولا يجوز أن يؤخر الصلاة إلى ما بعد نصف الليل.
ويبيت بمزدلفة، فإذا تبين الفجر صلى الفجر مبكراً بأذان وإقامة، ثم قصد المشعر الحرام، فوحد الله وكبره، ودعا بما أحب حتى يسفر جداً، وإن لم يتيسر له الذهاب إلى المشعر الحرام دعا في مكانه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وقفت هاهنا وجمع كلها موقف " (2) .
ويكون حال الذكر والدعاء مستقبلاً القبلة رافعاً يديه.
فإذا أسفر جداً دفع قبل أن تطلع الشمس إلى منى، ويسرع في وادي محسر. فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة، وهي الأخيرة
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما (1275) .
(2) تقدم تخريجه ص 155.
(24/384)

مما يلي مكة بسبع حصيات متعاقبات، واحدة بعد الأخرى، كل واحدة بقدر نواة التمر تقريباً، يكبر مع كل حصاة. فإذا فرغ ذبح هديه، ثم حلق رأسه إن كان ذكراً، وأما المرأة فحقها التقصير دون
الحلق، ثم ينزل لمكة، فيطوف ويسعى للحج.
والسنة أن يتطيب إذا أراد النزول إلى مكة للطواف بعد الرمي والحلق؛ لقول عائشة رضي الله عنها: "كنت أطيب النبي - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت " (1) .
ثم بعد الطواف والسعي يرجع إلى منى فيبيت بها ليلتي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، ويرمي الجمرات الثلاث إذا زالت الشمس في اليومين، والأفضل أن يذهب للرمي ماشياً، وإن ركب
فلا بأس، فيرمي الجمرة الأولى، وهي أبعد الجمرات عن مكة، وهي التي تلي مسجد الخيف بسبع حصيات متعاقبات واحدة بعد الأخرى، ويكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم قليلاً، ويدعو دعاء طويلاً
بما أحب، فإن شق عليه طول الوقوف والدعاء دعا بما يسهل عليه ولو قليلاً، ليحصل السنة.
ثم يرمي الجمرة الوسطى بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ثم يأخذ ذات الشمال، فيقف مستقبلاً القبلة رافعاً يديه، ويدعو دعاء طويلاً إن تيسر عليه، وإلا وقف بقدر ما يتيسر، ولا
ينبغي أن يترك الوقوف للدعاء لأنه سنة، وكثير من الناس يهمله إما جهلاً أو تهاوناً، وكلما أضيعت السنة كان فعلها ونشرها بين الناس أوكد، لئلا تترك وتموت.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 294.
(24/385)

ثم يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ثم ينصرف ولا يدعو بعدها.
فإذا أتم رمي الجمار في اليوم الثاني عشر، فإن شاء تعجل ونزل من منى، وإن شاء تأخر فبات بها ليلة الثالث عشر، ورمى الجمار الثلاث بعد الزوال كما سبق، والتأخر أفضل، ولا يجب إلا أن تغرب الشمس من اليوم الثاني عشر وهو بمني، فإنه يلزمه التأخر حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال، لكن لو غربت عليه الشمس بمنى في اليوم الثاني عشر بغير اختياره، مثل أن يكون قد ارتحل وركب، لكن تأخر بسبب زحام السيارات ونحوه، فإنه لا يلزمه التأخر، لأن تأخره إلى الغروب بغير اختياره.
فإذا أراد الخروج من مكة إلى بلده لم يخرج حتى يطوف للوداع، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينفر أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " (1) ، وفي رواية: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خُفف عن الحائض " (2) . فالحائض والنفساء ليس عليهما وداع، ولا ينبغي أن يقفا عند باب المسجد الحرام للوداع، لعدم وروده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ويجعل طواف الوداع آخر عهده بالبيت إذا أراد أن يرتحل للسفر، فإن بقي بعد الوداع لانتظار رفقة، أو تحميل رحله، أو اشترى حاجة في طريقه فلا حرج عليه، ولا يعيد الطواف إلا أن
ينوي تأخير سفره، مثل أن يريد السفر في أول النهار فيطوف
__________
(1) تقدم تخريجه ص 159.
(2) تقدم تخريجه ص 299.
(24/386)

للوداع، ثم يؤجل السفر إلى آخر النهار مثلاً، فإنه يلزمه إعادة الطواف، ليكون آخر عهده بالبيت.
زيارة المسجد النبوي
إذا أحب الحاج أن يزور المسجد النبوي قبل الحج أو بعده فلينو زيارة المسجد النبوي لا زيارة القبر، فإن شد الرحال على وجه التعبد لا يكون لزيارة القبور، وإنما يكون للمساجد الثلاثة:
المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى كما في الحديث الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " (1) .
فإذا وصل المسجد النبوي قدم رجله اليمنى لدخوله وقال: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم "، ثم يصلي ما شاء. والأولى أن تكون صلاته في الروضة، وهي ما بين منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وحجرته التي فيها قبره؛ لأن ما بينهما روضة من رياض الجنة، فإذا صلى وأراد زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فليقف أمامه بأدب ووقار، وليقل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على
إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. أشهد أنك رسول الله حقاً، وأنك قد بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة،
__________
(1) تقدم تخريجه ص 334.
(24/387)

وجاهدت في الله حق جهاده، فجزاك الله عن أمتك أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته.
ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً، فيسلم على أبي بكر الصديق، ويترضى عنه.
ثم يأخذ ذات اليمين قليلاً أيضاً، فيسلم على عمر بن الخطاب، ويترضى عنه، وإن دعا له ولأبي بكر رضي الله عنهما بدعاء مناسب فحسن.
ولا يجوز لأحد أن يتقرب إلى الله بمسح الحجرة النبوية، أو الطواف بها، ولا يستقبلها حال الدعاء، بل يستقبل القبلة؛ لأن التقرب إلى الله لا يكون إلا بما شرعه الله ورسوله، والعبادات مبناها
على الاتباع لا على الابتداع.
والمرأة لا تزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا قبر غيره؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج، لكن تصلي، وتسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي في مكانها، فيبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - في أي مكان كانت. ففي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " (1) . وقال: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام " (2) .
وينبغي للرجل خاصة أن يزور البقيع، وهي مقبرة المدينة، فيقول: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب زيارة القبور (2042) .
(2) أخرجه الأمام أحمد (1/387) .
(24/388)

لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم " (1) .
وإن أحب أن يأتي أُحداً، ويتذكر ما جرى للنبي وأصحابه في تلك الغزوة من جهاد وابتلاء، وتمحيص وشهادة، ثم يسلم على الشهداء هناك مثل حمزة بن عبد المطلب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا بأس بذلك، فإن هذا قد يكون من السير في الأرض المأمور به، والله أعلم.
الفوائد
هذه فوائد تتعلق بالمناسك تدعو الحاجة إلى بيانها ومعرفتها:
الفائدة الأولي في آداب الحج والعمرة:
قال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)) (البقرة: 197) . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جُعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (2) .
فينبغي للعبد أن يقوم بشعائر الحج على سبيل التعظيم والإجلال والمحبة، والخضوع لله رب العالمين، فيؤديها بسكينة ووقار واتباع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وينبغي أن يشغل هذه المشاعر العظيمة بالذكر والتكبير، والتسبيح والتحميد، والاستغفار؛ لأنه في عبادة من حين أن يشرع
__________
(1) تقدم تخريجه ص 340.
(2) تقدم تخريجه ص 26.
(24/389)

في الإحرام حتى يحل منه، فليس الحج نزهة للهو واللعب، يتمتع به الإنسان كما شاء من غير حد كما يشاهد بعض الناس يستصحب من آلات اللهو والغناء ما يصده عن ذكر الله، ويوقعه في معصية الله.
وترى بعض الناس يفرط في اللعب والضحك والاستهزاء بالخلق وغير ذلك من الأعمال المنكرة، كأنما شرع الحج للمرح واللعب.
ويجب على الحاج وغيره أن يحافظ على ما أوجبه الله عليه من الصلاة جماعة في أوقاتها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وينبغي أن يحرص على نفع المسلمين، والإحسان إليهم بالإرشاد والمعونة عند الحاجة، وأن يرحم ضعيفهم، خصوصاً في مواضع الرحمة، كمواضع الزحام ونحوها، فإن رحمة الخلق جالبة لرحمة الخالق، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
ويتجنب الرفث والفسوق، والعصيان والجدال لغير نصرة الحق. أما الجدال من أجل نصرة الحق فهذا واجب في موضعه.
ويتجنب الاعتداء على الخلق وإيذاءهم؛ فيتجنب الغيبة والنميمة، والسب والشتم، والضرب والنظر إلى النساء الأجانب، فإن هذا حرام في الإحرام وخارج الإحرام، فيتأكد تحريمه حال الإحرام.
وليتجنب ما يحدثه كثير من الناس من الكلام الذي لا يليق بالمشاعر كقول بعضهم إذا رمى الجمرات رمينا الشيطان، وربما شتم المشعر، أو ضربه بنعلٍ ونحوه، مما ينافي الخضوع والعبادة،
ويناقض المقصود برمي الجمار، وهو إقامة ذكر الله عز وجل.
(24/390)

الفائدة الثانية في محظورات الإحرام:
محظورات الإحرام هي التي يُمنع منها المحرم بحج أو بعمرة بسبب الإحرام، وهي ثلاثة أقسام:
قسم يحرم على الذكور والإناث، وقسم يحرم على الذكور دون الإناث، وقسم يحرم على الإناث دون الذكور.
فأما الذي يحرم على الذكور والإناث، فمنه ما يأتي:
1- إزالة الشعر من الرأس بحلق أو غيره، وكذلك إزالته من بقية الجسد على المشهور، لكن لو نزل بعينيه شعر يتأذى منه، ولم يندفع أذاه إلا بقلعه، فله قلعه ولا شيء عليه، ويجوز للمحرم أن يحك رأسه بيده برفق، فإن سقط منه شعر بلا تعمد فلا شيء عليه.
2- تقليم الأظافر من اليدين أو الرجلين، إلا إذا انكسر ظفره وتأذي به، فلا بأس أن يقص المؤذي منه فقط، ولا شيء عليه.
3- استعمال الطيب بعد الإحرام في الثوب أو البدن أو غيرهما. أما الطيب الذي تَطَيَّبَ به قبل الإحرام، فإنه لا يضر بقاؤه بعد الإحرام؛ لأن الممنوع في الإحرام ابتداء الطيب دون استدامته،
ولا يجوز للمحرم أن يشرب قهوة فيها زعفران؛ لأن الزعفران من الطيب إلا إذا كان قد ذهب طعمه وريحه بالطبخ، ولم يبق إلا مجرد اللون فلا بأس.
4- النظر والمباشرة لشهوة.
5- لبس القفازين وهما (شراب) اليدين.
6- قتل الصيد وهو الحيوان الحلال البري المتوحش، مثل الظباء والأرانب والحمام والجراد، فأما صيد البحر فحلال، فيجوز
(24/391)

للمحرم صيد السمك من البحر، وكذلك يجوز له الحيوان الأهلي كالدجاج.
وإذا انفرش الجراد في طريقه ولم يكن طريق غيرها فوطئ شيئاً منه من غير قصد فلا شيء عليه؛ لأنه لم يقصد قتله، ولا يمكنه التحرز منه.
وأما قطع الشجر فليس حراماً على المحرم؛ لأنه لا تأثير للإحرام فيه، وإنما يحرم على من كان داخل أميال الحرم، سواء كان محرماً أو غير محرم، وعلى هذا فيجوز قطع الشجر في عرفة، ولا يجوز في منى ومزدلفة؛ لأن عرفة خارج الأميال، ومنى ومزدلفة داخل الأميال.
ولو أصاب شجرة وهو يمشي من غير قصد فلا شيء عليه، ولا يحرم قطع الأشجار الميتة.
وأما الذي يحرم على الذكور دون الإناث فهو شيئان:
1- لبس المخيط، وهو أن يلبس الثياب ونحوها على صفة لباسها في العادة كالقميص (والفنيلة) والسروال ونحوها، فلا يجوز للذكر لبس هذه الأشياء على الوجه المعتاد. أما إذا لبسها على
غير الوجه المعتاد فلا بأس بذلك، مثل أن يجعل القميص رداء، أو يرتدي العباءة جاعلاً أعلاها أسفلها فلا بأس بذلك كله، ولا بأس أن يلبس رداءً مرقعاً أو إزاراً مرقعاً، أو موصولاً.
ويجوز لبس السبتة، وساعة اليد، ونظارة العين، وعقد ردائه وزره بمشبك ونحوه؛ لأن هذه الأشياء لم يرد فيها منع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وليست في معنى المنصوص على منعه، بل قد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عما
(24/392)

يلبس المحرم فقال: "لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف " (1) ، فإجابته - صلى الله عليه وسلم - بما لا يلبس عن السؤال عما يلبس دليل على أن كل ما عدا هذه المذكورات مما يلبسه المحرم. وأجاز - صلى الله عليه وسلم - للمحرم أن يلبس الخفين إذا عدم النعلين، لاحتياجه إلى وقاية رجليه، فمثله نظارات العين لاحتياج لابسها إلى وقاية عينيه، وأجاز الفقهاء على المشهور من المذهب لباس الخاتم للرجل المحرم.
ويجوز للمحرم أن يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار ولا ثمنه، وأن يلبس الخفين إذا لم يجد النعلين ولا ثمنهما، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال وهو يخطب بعرفات: "من لم يجد النعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل " (2) .
2- تغطية رأسه بملاصق كالعمامة والغترة والطاقية وشبهها.
فأما غير المتصل كالخيمة، والشمسية، وسقف السيارة فلا بأس به؛ لأن المحرَّم ستر الرأس دون الاستظلال، وفي حديث أم الحصين الأحمسية قالت: "حججنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته، ومعه بلال وأسامة أحدها يقود به راحلته، والآخر رافعاً ثوبه على رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - يظلله من الشمس ". وفي رواية: "يستره من الحرِّ حتى رمى جمرة العقبة"، رواه أحمد ومسلم (3) ، وهذا كان في يوم العيد قبل
__________
(1) تقدم تخريجه ص 273.
(2) تقدم تخريجه ص 273.
(3) تقدم تخريجه ص 273.
(24/393)

التحلل؟ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يرمي الجمار في غير يوم العيد ماشياً لا راكباً.
ويجوز للمحرم أن يحمل المتاع على رأسه، إذا لم يكن قصده ستر الرأس، ويجوز له أيضاً أن يغوص في الماء، ولو تغطى رأسه بالماء.
وأما الذي يحرم على النساء دون الذكور فهو النقاب، وهو أن تستر وجهها بشيء، وتفتح لعينيها ما تنظر به. ومن العلماء من قال لا يجوز أن تغطي وجهها لا بنقاب ولا غيره إلا أن يمر الرجال قريباً
منها؛ فإنه يلزمها أن تغطي وجهها ولا فدية عليها، سواء مسَّه الغطاء أم لا.
وفاعل المحظورات السابقة له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يفعل المحظور بلا عذر ولا حاجة، فهذا آثم وعليه الفدية.
الحالة الثانية: أن يفعل المحظور لحاجة إلى ذلك، مثل أن يحتاج إلى لبس القميص لدفع برد يخاف منه الضرر، فيجوز أن يفعل ذلك وعليه فديته، كما جرى لكعب بن عجرة رضي الله عنه حين حُمل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والقمل يتناثر من رأسه على وجهه؛ فرخص له النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحلق رأسه ويفدي (1) .
الحالة الثالثة: أن يفعل المحظور وهو معذور، إما جاهلاً، أو ناسياً، أو نائماً، أو مكرهاً، فلا إثم عليه، ولا فدية لقوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ
__________
(1) رواه البخاري، كتاب المحصر باب الإطعام في الفدية نصف صاع رقم (1814) ، وما بعده، ومسلم، كتاب الحج باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى رقم (1201) .
(24/394)

وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيما) ً (5) (الأحزاب: هـ) . وقال تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: 286) . فقال الله تعالى: قد فعلت. وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (1) ، وهذه نصوص عامة في محظورات الإحرام وغيرها تفيد رفع المؤاخذة عن المعذور بالجهل والنسيان والإكراه. وقال تعالى في خصوص الصيد الذي هو أحد محظورات الإحرام: (مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ) (2) (المائدة: 95) . فقيَّد وجوب الجزاء بكون القاتل متعمداً، والتعمد وصف مناسب للعقوبة والضمان، فوجب اعتباره وتعليق الحكم به، وإن لم يكن متعمداً فلا جزاء عليه ولا إثم.
لكن متى زال العذر، فعلم الجاهل، وتذكر الناسي، واستيقظ النائم، وزال الإكراه فإنه يجب التخلي عن المحظور فوراً، فإن استمر عليه مع زوال العذر فهو آثم، وعليه الفدية. مثال ذلك أن يغطي الذكر رأسه وهو نائم فإنه مادام نائماً فلا شيء عليه، فإذا استيقظ لزمه كشف رأسه فوراً، فإن استمر في تغطيته، مع علمه بوجوب كشفه فعليه الفدية.
__________
(1) ابن ماجة كتاب الطلاق رقم (2043) .
(2) سورة المائدة، الآية: 95.
(24/395)

ومقدار الفدية في المحظورات التي ذكرناها كما يأتي:
1- في إزالة الشعر، والظفر، والطيب، والمباشرة لشهوة، ولبس القفازين، ولبس الذكر المخيط، وتغطيته رأسه، وانتقاب المرأة، الفدية في هذه الأشياء في كل واحد منها إما ذبح شاة، وإما
إطعام ستة مساكين، وإما صيام ثلاثة أيام يختار ما يشاء من هذه الأمور الثلاثة. فإن اختار ذبح الشاة، فإنه يذبح ذكراً أو أنثى من الضأن أو الماعز، مما يجزئ في الأضحية، أو ما يقوم مقامه من
سُبع بدنة أو سُبع بقرة، ويفرق جميع اللحم على الفقراء ولا يأكل منه شيئاً، وإن اختار إطعام المساكين، فإنه يدفع لكل مسكين نصف صاع، مما يطعم من تمر أو بر أو غيرهما، وإن اختار الصيام، فإنه يصوم الأيام الثلاثة إن شاء متوالية وإن شاء متفرقة.
2- في جزاء الصيد فإن كان للصيد مثل، خُيِّرَ بين ثلاثة أشياء:
إما ذبح المثل، وتفريق جميع لحمه على فقراء مكة؛ وإما أن ينظر كم يساوي هذا المثل، ويخرج ما يقابل قيمته طعاماً يفرق على المساكين لكل مسكين نصف صاع، وإما أن يصوم عن طعام كل
مسكين يوماً. فإن لم يكن للصيد مثل خُيِّر بين شيئين: إما أن ينظر كم قيمة الصيد المقتول، ويخرج ما يقابلها طعاماً يفرقه على المساكين لكل مسكين نصف صاع؛ وإما أن يصوم عن إطعام كل
مسكين يوماً.
مثال الذي له مثل من النعم الحمام، ومثيلها الشاة، فنقول
(24/396)

لمن قتل حمامة: أنت بالخيار إن شئت فاذبح شاة، وإن شئت فانظر كم قيمة الشاة وأخرج ما يقابلها من الطعام لفقراء الحرم لكل واحد نصف صاع، وإن شئت فصم عن إطعام كل مسكين يوماً.
ومثال الصيد الذي لا مثل له الجراد فنقول لمن قتل جراداً متعمداً: إن شئت فانظر كم قيمة الجراد، وأخرج ما يقابلها من الطعام لمساكين الحرم لكل مسكين نصف صاع، وإن شئت فصم عن إطعام كل مسكين يوماً.
الفائدة الثالثة في إحرام الصغير:
الصغير الذي لم يبلغ لا يجب عليه الحج، لكن لو حج فله أجر الحج، ويعيده إذا بلغ، وينبغي لمن يتولى أمره من أب أو أم أو غيرهما أن يحرم به، وثواب النسك يكون للصبي، ولوليه أجر على
ذلك لما في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة رفعت صبيًّا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: "نعم ولك أجر " (1) .
وإذا كان الصبي مميزاً- وهو الذي يفهم ما يقال له- فإنه ينوي الإحرام بنفسه، فيقول له وليه: أنو الإحرام بكذا، ويأمره أن يفعل ما يقدر عليه من أعمال الحج، مثل الوقوف بعرفة، والمبيت بمنى
ومزدلفة. وأما ما يعجز عن فعله كرمي الجمار، فإن وليه ينوب عنه فيه أو غيره بإذنه، إلا الطواف والسعي، فإنه إذا عجز عنهما يُحمل ويقال له: أنو الطواف، أنو السعي. وفي هذه الحال يجوز لحامله
__________
(1) تقدم تخريجه ص 69.
(24/397)

أن ينوي الطواف والسعي عن نفسه أيضاً، والصبي عن نفسه، فيحصل الطواف والسعي للجميع؛ لأن كلا منهما حصل منه نية، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى" (1) .
وإذا كان الصبي غير مميز، فإن وليه ينوي له الإحرام، ويرمي عنه، ويحضره مشاعر الحج: عرفة، ومزدلفة، ومنى، ويطوف ويسعى به، ولا يصح في هذه الحال أن ينوي الطواف والسعي لنفسه
وهو يطوف ويسعى بالصبي؛ لأن الصبي هنا لم يحصل منه نية ولا عمل، وإنما النية من حامله، فلا يصح عمل واحد بنيتين لشخصين، بخلاف ما إذا كان الصبي مميزاً لأنه حصل منه نية، والأعمال بالنيات. هذا ما ظهر لي. وعليه فيطوف الولي ويسعى أولاً عن نفسه، ثم يطوف ويسعى بالصبي، أو يُسلمه إلى ثقة يطوف ويسعى به.
وأحكام إحرام الصغير كأحكام إحرام الكبير؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت أن له حجًّا، فإذا ثبت الحج ثبتت أحكامه ولوازمه، وعلى هذا فإذا كان الصغير ذكراً جنِّب ما يجتنبه الرجل الكبير، وإن كانت أنثى جنبت ما تجتنبه المرأة الكبيرة، لكن عمد الصغير بمنزلة خطأ الكبير، فإذا فعل بنفسه شيئاً من محظورات الإحرام فلا فدية عليه ولا على وليه.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 217.
(24/398)

الفائدة الرابعة في الاستنابة في الحج:
إذا وجب الحج على شخص، فإن كان قادراً على الحج بنفسه، وجب عليه أن يحج، وإن كان عاجزاً عن الحج بنفسه فإن كان يرجو زوال عجزه كمريض يرجو الشفاء، فإنه يؤخر الحج حتى
يستطيع، فإن مات قبل ذلك حُجَّ عنه من تركته، ولا إثم عليه.
وإن كان الذي وجب عليه الحج عاجزاً عجزاً لا يرجو زواله، كالكبير، والمريض الميؤوس منه، ومن لا يستطيع الركوب، فإنه يوكل من يحج عنه. لما في الصحيحين (1) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما "أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "نعم "، وذلك في حجة الوداع.
ويجوز أن يكون الرجل وكيلاً عن المرأة، والمرأة عن الرجل.
وإذا كان الوكيل قد وجب عليه الحج ولم يحج عن نفسه، فإنه لا يحج عن غيره، بل يبدأ بنفسه أولاً، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال النبي: "من شبرمة"؟ قال: أخ لي أو قريب لي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"أحججت عن نفسك "؟ قال: لا. قال: "حج عن نفسك ثم حُجَّ عن شبرمة" رواه أبو داود وابن ماجة (2) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 127.
(2) رواه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، رقم (1811) ، وابن ماجة، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره رقم (2903) ، والبيهقي في سننه الكبرى (3/155) وقال: إسناده صحيح، لي في الباب أصح منه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3128) .
(24/399)

والأولى أن يصرح الوكيل بذكر موكله، فيقول: لبيك عن فلان، وإن كانت أنثى قال: لبيك عن أم فلان، أو عن بنت فلان، وإن نوى بقلبه ولم يذكر الاسم فلا بأس، وإن نسي اسم الموكل نوى
بقلبه عمن وكله، وإن لم يستحضر اسمه فالله تعالى يعلمه ولا يخفى عليه.
ويجب على الوكيل أن يتقي الله تعالى، ويحرص على تكميل النسك؛ لأنه مؤتمن على ذلك، فيحرص على فعل ما يجب، وترك ما يحرم، ويكمل ما استطاع من المكملات للنسك ومسنوناته.
الفائدة الخامسة في تبديل ثياب الإحرام:
يجوز للمحرم بحج أو عمرة، رجلاً كان أو أنثى تبديل ثياب الإحرام التي أحرم بها ولبس ثياب غيرها إذا كانت الثياب الثانية مما يجوز للمحرم لباسه. كما يجوز للمحرم أيضاً أن يلبس النعلين بعد
الإحرام، وإن كان حين عقده حافياً.
الفائدة السادسة في محل ركعتي الطواف:
السنة لمن فرغ من الطواف أن يصلي ركعتي الطواف خلف المقام. فإن كان المحل القريب من المقام واسعاً فذاك، وإلا صلاهما ولو بعيداً، ويجعل المقام بينه وبين الكعبة، فيصدق عليه أنه صلى خلف المقام، واتبع في ذلك هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل المقام بينه وبين البيت.
الفائدة السابعة في الموالاة في بين السعي والطواف:
الأفضل أن يكون السعي موالياً للطواف، فإن أخره عنه كثيراً
(24/400)

فلا بأس، مثل أن يطوف أول النهار، ويسعى آخره، أو يطوف في الليل، ويسعى بعد ذلك في النهار، ويجوز لمن تحب في السعي أن يجلس ويستريح، ثم يكمل سعيه ماشياً، أو على عربة ونحوها.
وإذا أقيمت الصلاة، وهو يسعى، دخل في الصلاة، فإذا سلَّم أتمَّ سعيه من المكان الذي انتهى إليه قبل إقامة الصلاة.
وكذلك لو أقيمت وهو يطوف، أو حضرت جنازة، فإنه يصلي، فإذا فرغ أتم طوافه من مكانه الذي انتهى إليه قبل الصلاة، ولا حاجة إلى إعادة الشوط الذي قطعه على القول الراجح عندي؛
لأنه إذا كان القطع للصلاة معفوًّا عنه، فلا دليل على بطلان أول الشوط.
الفائدة الثامنة في الشك في عدد الطواف أو السعي:
إذا شك الطائف في عدد الطواف، فإن كان كثير الشكوك مثل من به وسواس، فإنه لا يلتفت إلى هذا الشك، وإن لم يكن كثير الشكوك، فإن كان شكه بعد أن أتم الطواف، فإنه لا يلتفت إلى هذا
الشك أيضاً إلا أن يتيقن أنه ناقص، فيكمل ما نقص. وإن كان الشك في أثناء الطواف، مثل أن يشك هل الشوط الذي هو فيه الثالث أو الرابع مثلاً، فإن ترجح عنده أحد الأمرين عمل بالراجح عنده، وإن لم يترجح عنده شيء عمل باليقين وهو الأقل.
ففي المثال المذكور إن ترجح عنده الثلاثة جعلها ثلاثة، وأتى بأربعة، وإن ترجحت عنده الأربعة جعلها أربعة وأتى بثلاثة، وإن لم يترجح عنده شيء جعلها ثلاثة، لأنها اليقين وأتى بأربعة.
وحكم الشك في عدد السعي، كحكم الشك في عدد الطواف
(24/401)

في كل ما تقدم.
الفائدة التاسعة في الوقوف بعرفة:
سبق أن الأفضل للحاج أن يحرم بالحج يوم الثامن من ذي الحجة، ثم يخرج إلى منى فيمكث فيها بقية يومه، ويبيت ليلة التاسع، ثم يذهب إلى عرفة ضحى، وهذا على سبيل الفضيلة. فلو خرج إلى عرفة من غير أن يذهب قبلها إلى منى، فقد ترك الأفضل، ولكن لا إثم عليه.
ويجب على الواقف بعرفة أن يتأكد من حدودها، فإن بعض الحجاج يقفون خارج حدودها، إما جهلاً، وإما تقليداً لغيرهم.
وهؤلاء الذين وقفوا خارج حدود عرفة لا حج لهم لأنهم لم يقفوا بعرفة. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحج عرفة" (1) . وفي أي مكان وقف من عرفة فإنه يجزئه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (2) .
ولا يجوز لمن وقف بعرفة أن يدفع من حدودها حتى تغرب الشمس يوم عرفة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف إلى الغروب، وقال: "خذوا عني مناسككم " (3) .
ويمتد وقت الوقوف بعرفة إلى طلوع الفجر يوم العيد. فمن
__________
(1) رواه أبو داود، كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة رقم (1949) ، والترمذي، كتاب الحج
باب فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج رقم (889) ، والنسائي، كتاب مناسك الحج باب فيمن
لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام في مزدلفة رقم (3044) ، وابن ماجة، كتاب المناسك باب من أتى
عرفة قبل الفجر ليلة جمع رقم (3015) .
(2) تقدم تخريجه ص 155.
(3) تقدم تخريجه ص 8.
(24/402)

طلع عليه الفجر يوم العيد ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج. فإن كان قد اشترط في ابتداء الإحرام إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني تحلل من إحرامه، ولا شيء عليه، وإن لم يكن اشترط وفاته الوقوف، فإنه يتحلل بعمرة، فيذهب إلى البيت، ويطوف ويسعى ويحلق، وإذا كان معه هدي ذبحه، فإذا كانت السنة الثانية قضى الحج الذي فاته، وأهدى هدياً فإن لم يجد هدياً صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.
الفائدة العاشرة في الدفع من مزدلفة:
لا يجوز للقوي أن يدفع من مزدلفة حتى يصلي الفجر يوم العيد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بات بها ليلة العيد، ولم يدفع منها حتى صلى الفجر، وقال: "خذوا عني مناسككم " (1) ، وفي صحيح مسلم (2) عن عائشة رضي الله عنها قالت: "استأذنت سودة رسول الله ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة الناس وكانت امرأة ثبطة- أي ثقيلة- فأذن لها، فخرجت قبل دفعه، وحبسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه ".
وفي رواية: "وددت أني كنت استأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما استأذنته سودة، فأصلي الصبح بمنى، فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس ".
وأما الضعيف الذي يشق عليه مزاحمة الناس عند الجمرة، فإن له أن يدفع قبل الفجر إذا غاب القمر، ويرمي الجمرة قبل الناس.
وفي صحيح مسلم عن أسماء "أنها كانت ترتقب غيوب القمر، وتسأل مولاها هل غاب القمر، فإذا قال: نعم. قالت: ارحل
__________
(1) تقدم تخريجه ص 8.
(2) تقدم تخريجه ص 291.
(24/403)

بي. قال: فارتحلنا حتى رمت الجمرة، ثم صلت (يعني الفجر) في منزلها، فقلت لها: أي هنتاه- أي يا هذه- لقد غلسنا. قالت: كلا أي بني إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن للظعن " (1) .
ومن كان من أهل هؤلاء الضعفاء الذين يجوز لهم الدفع من مزدلفة قبل الفجر، فإنه يجوز أن يدفع معهم قبل الفجر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث ابن عباس رضي الله عنهما في ضعفة أهله - صلى الله عليه وسلم - من مزدلفة بليل. فإن كان ضعيفاً رمى الجمرة معهم إذا وصل إلى منى؛ لأنه لا يستطيع المزاحمة، أما إن كان يستطيع زحام الناس، فإنه يؤخر الرمي حتى تطلع الشمس؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أغيلمة بني عبد المطلب على حُمُراتٍ لنا من جَمْع فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أبينيَّ لا ترموا حتى تطلع الشمًس " (2) (رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن ماجه) .
فنخلص إلى أن الدفع من مزدلفة، ورمي جمرة العقبة يوم العيد يكونان على النحو التالي:
الأول: من كان قويًّا لا ضعيف معه، فإنه لا يدفع من مزدلفة حتى يصلي الفجر، ولا يرمي الجمرة حتى تطلع الشمس؛ لأن هذا هو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي فعله، وكان يقول: "خذوا عني مناسككم " (3) ، ولم يرخص لأحد من ذوي القوة في الدفع من مزدلفة قبل الفجر، أو رمي الجمرة قبل طلوع الشمس.
الثاني: من كان قويًّا وفي صحبته أهل ضعفاء، فإنه يدفع
__________
(1) تقدم تخريجه ص 307.
(2) يأتي تخريجه ص (543) .
(3) تقدم تخريجه ص 8.
(24/404)

معهم آخر الليل إن شاء، ويرمي الضعيف الجمرة إذا وصل منى. أما القوي فلا يرميها حتى تطلع الشمس، لأنه لا عذر له.
الثالث: الضعيف فيجوز له الدفع من مزدلفة آخر الليل إذا غاب القمر، ويرمي الجمرة إذا وصل إلى منى.
ومن لم يصل إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر ليلة العيد، وأدرك الصلاة فيها، وكان قد وقف بعرفة قبل الفجر فحجه صحيح؛ لحديث عروة بن مضرس، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من شهد صلاتنا هذه- يعني الفجر- ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك نهاراً أو ليلاً فقد تم حجُّه، وقضى تفثه " (1) . (رواه الخمسة، وصححه الترمذي والحاكم) .
وظاهر هذا الحديث أنه لا دم عليه، وذلك لأنه أدرك جزءاً من وقت الوقوف بمزدلفة، وذكر الله تعالى عند المشعر الحرام بما أداه من صلاة الفجر، فكان حجه تامًّا، ولو كان عليه دم لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والله أعلم.
الفائدة الحادية عشرة فيما يتعلق بالرمي:
1- في الحصى الذي يرمي به يكون بين الحمص والبندق، لا كبيراً جداً، ولا صغيراً جداً، ويلقط الحصى من منى، أو مزدلفة، أو غيرهما كل يوم بيومه، ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لقط الحصى من مزدلفة، ولا أنه لقط حصى الأيام كلها وجمعها، ولا أمر أحداً بذلك من أصحابه فيما أعلم.
2- لا يجب في الرمي أن تضرب الحصاة نفس العمود
__________
(1) تقدم تخريجه ص 35.
(24/405)

الشاخص، بل الواجب أن تستقر في نفس الحوض الذي هو مجمع الحصى، فلو ضربت العمود ولم تسقط في الحوض، وجب عليه أن يرمي بدلها، ولو سقطت في الحوض واستقرت به أجزأت، وإن
لم تضرب العمود.
3- لو نسي حصاة من إحدى الجمار، فلم يرم إلا بست حصيات، ولم يذكر حتى وصل إلى محله، فإنه يرجع ويرمي الحصاة التي نسيها، ولا حرج عليه، وإن غربت الشمس قبل أن يتذكر، فإنه يؤخرها إلى اليوم الثاني، فإذا زالت الشمس رمى الحصاة التي نسيها قبل كل شيء، ثم رمى الجمار لليوم الحاضر.
الفائدة الثانية عشرة في التحلل الأول والثاني:
إذا رمى الحاج جمرة العقبة يوم العيد، وحلق رأسه أو قصره حل التحلل الأول، وجاز له جميع محظورات الإحرام من الطيب واللباس، وأخذ الشعور، والأظافر، وغير ذلك إلا النساء، فإنه لا
يجوز له أن يباشر زوجته، أو ينظر إليها لشهوة، حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا طاف، وسعى حل التحلل الثاني، وجاز له جميع محظورات الإحرام حتى النساء، لكن مادام داخل الأميال، فإنه لا يحل له الصيد، ولا قطع الشجر والحشيش الأخضر لأجل الحرم، لا لأجل الإحرام، لأن الإحرام قد تحلل منه.
الفائدة الثالثة عشرة في التوكيل في رمي الجمار:
لا يجوز لمن قدر على رمي الجمار بنفسه أن يوكل من يرمي عنه، سواء كان حجه فرضاً أم نفلاً؛ لأن نفل الحج يلزم من شرع فيه
(24/406)

إتمامه. أما من يشق عليه الرمي بنفسه، كالمريض، والكبير، والمرأة الحامل ونحوهم، فإنه يجوز أن يوكل من يرمي عنه سواء كان حجه فرضاً أم نفلاً، وسواء لقط الحصى وأعطاها الوكيل، أو
لقطها الوكيل بنفسه، فكل ذلك جائز.
ويبدأ الوكيل بالرمي عن نفسه ثم عن موكله لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ابدأبنفسك " (1) ، وقوله: "حُجَّ عن نفسك ثم حُجَّ عن شبرمة" (2) .
ويجوز أن يرمي عن نفسه، ثم عن موكله في موقف واحد. فيرمي الجمرة الأولى بسبع عن نفسه، ثم بسبع عن موكله، وهكذا الثانية والثالثة، كما يفيده ظاهر الحديث المروي عن جابر قال: "حججنا
مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم "، رواه أحمد، وابن ماجه (3) ، وظاهره أنهم يفعلون ذلك في موقف واحد، إذ لو كانوا يكملون الثلاث عن أنفسهم، ثم يرجعون من أولها عن الصبيان، لنقل ذلك، والله أعلم.
الفائدة الرابعة عشرة في ائساك يوم العيد:
يفعل الحاج يوم العيد أربعة أنساك مرتبة كما يلي:
الأول: رمي جمرة العقبة.
الثاني: ذبح الهدي إن كان له هدي.
الثالث: الحلق أو التقصير.
الرابع: الطواف بالبيت.
وأما السعي فإن كان متمتعاً سعى للحج، وإن كان قارناً أو
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس (997) .
(2) تقدم تخريجه ص 391.
(3) ابن ماجه، كتاب المناسك، باب الرمي عن الصبيان (3038) .
(24/407)

مفرداً، فإن كان سعى بعد طواف القدوم كفاه سعيه الأول، وإلا سعى بعد هذا الطواف، أعني طواف الحج.
والمشروع أن يرتبها على هذا الترتيب، فإن قدم بعضها على بعض بأن ذبح قبل الرمي، أو حلق قبل الذبح، أو طاف قبل الحلق، فإن كان جاهلاً أو ناسياً فلا حرج عليه، وإن كان متعمداً عالماً،
فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لا حرج عليه أيضاً، لما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عمن حلق قبل أن يذبح ونحوه فقال: لا حرج " وعنه قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُسئل يوم النحر بمنى فيقول: "لا حرج ". فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج ". وقال: رميت بعدما أمسيت،
قال: "لا حرج ". وعنه أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: "لا حرج ". وسئل عمن زار (أي طاف طواف الزيارة) قبل أن يرمي، أو ذبح قبل أن يرمي فقال: "لا حرج ". رواه البخاري (1) . وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: فما
سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ عن شيء قُدِّم ولا أُخر إلا قال: "افعل ولا حرج " (2) .
وإن أخر الذبح إلى نزوله إلى مكة فلا بأس، لكن لا يؤخره عن أيام التشريق، وإن أخر الطواف أو السعي عن يوم العيد فلا بأس، لكن لا يؤخرهما عن شهر ذي الحجة إلا من عذر، مثل أن يحدث للمرأة نفاس قبل أن تطوف، فتؤخر الطواف حتى تطهر، ولو
__________
(1) تقدم تخريجه ص 296.
(2) تقدم تخريجه ص 296.
(24/408)

بعد شهر ذي الحجة، فلا حرج عليها ولا فدية.
الفائدة الخامسة عشرة في وقت الرمي والترتيب بين الجمار:
سبق أن وقت الرمي يوم العيد للقادر بعد طلوع الشمس، ولمن يشق عليه مزاحمة الناس من آخر الليل ليلة العيد. أما وقت الرمي في أيام التشريق، فإنه من زوال الشمس، فلا رمي قبل الزوال
لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما رمى في أيام التشريق إلا بعد الزوال وقال: "خذوا عني مناسككم " (1) . ويستمر وقت الرمي في يوم العيد وما بعده إلى غروب الشمس، فلا يرمى في الليل (2) . ويرى بعض العلماء أنه إذا فات الرمي في النهار، فله أن يرمي في الليل إلا ليلة أربعة عشر لانتهاء أيام منى بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر، والقول الأول أحوط. وعليه فلو فاته رمي يوم، فإنه يرمي في اليوم الذي بعده إذا زالت الشمس، يبدأ برمي اليوم الذي فاته، فإذا أكمله رمى لليوم الحاضر.
والترتيب بين الجمار الثلاث واجب، فيرمي أولاً الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة. فلو بدأ برمي جمرة العقبة، ثم الوسطى، أو بالوسطى، فإن كان متعمداً عالماً وجب عليه إعادة الوسطى، ثم جمرة العقبة، وإن كان جاهلاً أو ناسياً أجزأه، ولا شيء عليه.
__________
(1) تقدم تخريجه ص 8.
(2) ذكر فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى- في رسالته "صفة الحج " "الأفضل للإنسان أن يرمي
الجمرات في النهار، فإن كان يخشى من الزحام فلا باس أن يرميها ليلاً، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت ابتداء الرمي، ولم يوقت انتهاءه، فدل هذا على أن الأمر في ذلك واسع".
(24/409)

الفائدة السادسة عشرة في المبيت بمنى:
المبيت بمنى ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر واجب.
والواجب المبيت معظم الليل، سواء من أول الليل، أو من آخره.
فلو نزل إلى مكة أول الليل، ثم رجع قبل نصف الليل، أو نزل إلى مكة بعد نصف الليل من منى فلا حرج عليه، لأنه قد أتى بالواجب.
ويجب أن يتأكد من حدود منى، حتى لا يبيت خارجاً عنها، وحدُّها من الشرق وادي محسر، ومن الغرب جمرة العقبة، وليس الوادي والجمرة من منى. أما الجبال المحيطة بمنى، فإن وجوهها مما يلي منى منها، فيجوز المبيت بها، وليحذر الحاج من المبيت في وادي محسر أو من وراء جمرة العقبة، لأن ذلك خارج عن حدود منى، فمن بات به لم يجزئه البيت. الفائدة السابعة عشرة في طواف الوداع:
سبق أن طواف الوداع واجب عند الخروج من مكة على كل حاج، ومعتمر إلا الحائض أو النفساء، لكن إن طهرتا قبل مفارقة بنيان مكة فإنه يلزمهما، وإذا ودع ثم خرج من مكة، وأقام يوماً أو أكثر لم يلزمه إعادة الطواف، ولو كانت إقامته في موضع قريب من مكة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين.
تم بقلم مؤلفه في 7 شعبان سنة 1387 هـ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وانتهى تصحيحه ضحى يوم الخميس لثلاثة عشر خلت من رمضان لعام 1387 هـ، وصلى الله على محمد، وآله، وصحبه أجمعين.
(24/410)

صفة الحج
(24/411)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإني أتقدم إلى إخواني بما تيسَّر من الكلام على شيء من الحج بمناسبة حلول وقته، راجياً من الله تعالى أن يجعل عمل الجميع خالصا لوجهه، ونافعاً ومقرِّباً إليه، إنه جواد كريم.
والكلام في الحج يتلخص فيما يأتي:
1- الأحكام المتعلقة بالسفر.
2- متى فرض الحج، وعلى مَن يكون فريضة؟
3- من أين يُحرم من أراد الحج أو العمرة؟
4- الأنساك وأفضلها.
5- صفة التمتع من ابتداء الإحرام بالعمرة إلى انتهاء الحج بصفة مختصرة.
6- طواف الوداع.
7- محظورات الإحرام.
8- حكم فاعل هذه المحظورات.
9- زيارة المسجد النبوي.
الأحكام المتعلقة بالسفر
لما كان الحج لابد له من السفر، بل هو نفسه سفر، كان من المهم أن نتكلم عن بعض أحكام السفر هنا. فللسفر أحكام تتعلق به
(24/413)

وأهمها ما يتصل بالصلاة، ويتلخص فيما يلي:
(أ) في الطهارة: فالمسافر يجب عليه أن يتطهر بالماء إن وجده في وضوئه وغسله، فإن لم يجده تيمم صعيداً طيباً، فمسح بوجهه ويديه منه، فيضرب الأرض ضربة واحدة، ثم يمسح وجهه كله، وكفيه من أطراف أصابعه إلى كوعه- وهو مفصل كفِّه من ذراعه- وبذلك يكون متطهراً طهارة كاملة لا تنتقض إلا بما تنتقض به طهارة الماء، أو بوجود الماء، فإذا تيمم لصلاة الظهر وبقي على طهارته إلى العصر صلى العصر بلا تيمم، وكذلك لو بقي إلى المغرب والعشاء على طهارته صلاهما بلا تيمم. وإذا حصل على المسافر جنابة ولم يجد الماء تيمم فارتفعت جنابته، فإذا وجد الماء عادت الجنابة ووجب عليه الاغتسال، وإذا أحدث ببول أو غائط ولم يجد الماء تيمم فارتفع حدثه، فإذا وجد الماء عاد حدثه ووجب عليه الوضوء؛ لحديث: "الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسح بشرته ".
وفي حديث آخر: "طَهُور المسلم " رواه أحمد. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (1) .
والمسافر يمسح على خفيه ثلاثة أيام بلياليها بخلاف المقيم فيوماً وليلة.
(ب) في صلاة الفريضة: فالمسافر يصلي الصلاة الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتين فقط من حين أن يخرج
__________
(1) تقدم تخريجه ص 248.
(24/414)

من بلده حتى يرجع إليها، سواء طالت مدة سفره أم قصرت، ففي "صحيح البخاري " عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة (يعني في حجة الوداع) فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة، فقيل لأنس: أقمتم بها
شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً (1) . وفيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرَّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر (2) . وفي رواية أخرى له: فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ففرضت
أربعاً، وتركت صلاة السفر على الأولى (3) . ولمسلم: فأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى (4) .
ولم يُحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أتم في سفره مرة واحدة، ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن قصر المسافر الصلاة الرباعية إلى ركعتين واجب. وفي "صحيح البخاري " عن عبد الرحمن بن يزيد قال: صلى بنا عثمان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر رضي الله عنه بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمنى ركعتين،
__________
(1) رواه البخاري، كتاب التقصير، باب ما جاء في التقصير، رقم (1081) .
(2) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، رقم (350) .
(3) رواه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب التاريخ، من أين أرَّخوا التاريخ، رقم (3935) .
(4) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، رقم (685) .
(24/415)

فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقلبتان (1) .
فجعل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إتمام عثمان رضي الله عنه من المصائب حيث استرجع له، وبيَّن أن سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه على خلافه، وقد كان عثمان رضي الله عنه يقصر في منى ست سنين أو ثماني سنين من خلافته، ثم أتم كما في "صحيح مسلم " من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: صلى النبي وبمنى صلاة المسافر وأبو بكر وعمر وعثمان ثماني أو قال: ست سنين (2) . وكان إتمامه لتأويل رآه رضي الله عنه، واختلفت الآثار وأقاويل العلماء
في ذلك التأويل.
أما إذا صلى المسافر خلف إمام يتم فإنه يجب عليه الإتمام، ففي "صحيح مسلم " عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام؟ فقال:
ركعتين سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم - (3) ، وفيه أيضاً عن نافع قال: كان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين (4) . وسواء دخل مع الإمام من أول الصلاة أم من أثنائها؛ لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا " (5) .
__________
(1) رواه البخاري، كتاب التقصير، باب الصلاة بمنى، رقم (1084) .
(2) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب قصر الصلاة بمنى، رقم (694) .
(3) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين وقصرها، رقم (688) .
(4) انظر تخريج الحديث قبل السابق.
(5) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة، رقم (635) ، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، رقم (603) .
(24/416)

وأما الجمع للمسافر بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فسنة، حيث كان على ظهر سير، أي حيث كان سائراً؛ لما في "صحيح البخاري " عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء (1) ، أما إذا كان نازلاً فالسنة أن لا يجمع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يجمع بمنى؛ لأنه كان نازلاً، وإن جمع فلا بأس لاسيما إذا احتاج إلى ذلك لشغل يقضيه أو نوم يستريح فيه، وفي "الصحيحين " من حديث أبي جحيفة رضي الله عنه أن النبي خرج من قبة كانت له بالأبطح بمكة، قال أبو جحيفة: خرج بالهاجرة (يعني شدة الحر) إلى البطحاء فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين ... الحديث (2) ، وفي "صحيح مسلم " عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر
والمغرب والعشاء، قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته (3) . وله عن معاذ بن جبل رضي الله عنه نحوه تماماً (4) . ومعنى "يحرج أمته " يوقعها في حرج وضيق.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب التقصير، باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء، رقم (1107) .
(2) رواه البخاري، كتاب الوضوء، باب استعمال فضل وضوء الناس، رقم (187) ومسلم، كتاب الصلاة، باب سترة المصلي، رقم (503) .
(3) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، رقم (705) .
(4) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب: الجمع بين الصلاتين في الحضر برقم (706) .
(24/417)

(جـ) في صلاة النافلة: فالمسافر يشرع له أن يتطوع بالنوافل كما يتطوع المقيم، فيصلي صلاة الليل والوتر وصلاة الضحى وتحية المسجد وصلاة الكسوف، وفي "صحيح البخاري " عن
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أعجله السير يؤخِّر المغرب فيصليها ثلاثاً ثم يسلم، ثم قلما يلبث حتى يقيم العشاء فيصليها ركعتين ثم يسلم، ولا يسبح بعد العشاء (يعني لا يتنفل) حتى يقوم من جوف الليل (1) .
وفي "الصحيحين " عن سعيد بن يسار قال: كنت أسير مع عبد الله بن عمر بطريق مكة، فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت ثم لحقته، فقال: أين كنت؟ فأخبرته، فقال: أليس لك في رسول الله
أسوة حسنة؟ قلت: بلى والله، قال: إن رسول الله كان يوتر على البعير (2) . وفيهما أيضاً عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ما أخبرني أحدٌ أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى إلا أم هانىء، فإنها حدثت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثماني
ركعات (3) . وفيهما أيضاً عن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " (4) .
وفيهما أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها في قصة صلاة
__________
(1) رواه البخاري، كتاب التقصير، باب تصلى المغرب ثلاثاً في السفر، رقم (1091، 1092) .
(2) رواه البخاري، كتاب الوتر، باب الوتر على الدابة، رقم (999) ، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر، رقم (700) .
(3) رواه البخاري، كتاب التقصير، باب من تطوع في السفر في غير دبر الصلوات، رقم (1103) ، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب صلاة الضحى، رقم (336 م) .
(4) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين، رقم (444) ، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحية المسجد بركعتين، رقم (714) .
(24/418)

الكسوف، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا
ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما (يعني منخسفين) فافزعوا إلى الصلاة" (1) ، وهذان الحديثان عامَّان لم يخص النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهما وقتاً دون وقت، ولا إقامة دون سفر.
وفي "صحيح البخاري " عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي التطوع وهو راكب في غير القبلة (2) . و (أل) في التطوع تحتمل الجنس وتحتمل الاستغراق، ويؤيد الثاني أن الأصل بقاء التطوع بالنوافل على مشروعيته حتى يرد دليل على تركه، ولم يرد الدليل على الترك فيما نعلم إلا في راتبة الظهر والمغرب والعشاء.
ففي "صحيح مسلم " عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة قال: فصلى لنا الظهر ركعتين ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناساً قياماً فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون (يعني يصلون نافلة) قال: لو كنت مسبحاً لأتممت صلاتي يا ابن أخي، إني صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وذكر مثله عن أبي بكر وعمر وعثمان، ثم قال: وقد قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (3) [الأحزاب 21] .
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الكسوف، باب خطبة الإمام في الكسوف، رقم (1046) ومسلم، كتاب صلاة الكسوف، باب صلاة الكسوف رقم (901) .
(2) رواه البخاري، كتاب التقصير، باب صلاة التطوع على الدواب، رقم (1094) .
(3) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة المسافرين، رقم (689) .
(24/419)

وسبق من حديثه في الجمع بين المغرب والعشاء ما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي راتبة لهما، ومراد ابن عمر رضي الله عنهما بقوله: "لو كنت مسبحاً لأتممت " أي لو كنت متطوعاً بما تكمل به فريضتي من راتبة لأتممتها؛ بدليل أنه صحَّ عنه رضي الله عنه أنه كان يتطوع على راحلته ويوتر عليها، ويخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله.
ومن تراجم البخاري رحمه الله في "صحيحه ": باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها، وباب من تطوع في السفر في غير دبر الصلاة وقبلها.
أما راتبة الفجر فيصليها حضراً وسفراً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر، ولم يكن يدعهما أبداً كما في "صحيح البخاري" عن عائشة رضي الله عنها (3/42) من "الفتح "، وفي "صحيح مسلم " عن أبي قتادة رضي الله
عنه أنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر قصة نومهم عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرهم فساروا عن مكانهم، ثم نزل فتوضأ، ثم أذَّن بلال بالصلاة فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين ثم صلى الغداة، فصنع كما يصنع كل يوم، وله نحوه من حديث أبي هر ير ة (1) .
وإنما أطلنا الكلام في تطوع المسافر بالنافلة؛ لأن بعض الناس يري أن لا تطوع للمسافر مطلقاً، وقد تبيَّن مما ذكرنا أن الذي
__________
(1) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم (680، 681) .
(24/420)

دلَّ عليه الدليل أنه لا يتطوع براتبة الظهر والمغرب والعشاء، وما عدا ذلك من النوافل فباق على مشروعيته. والله الموفق.
وللمسافر أن يتطوع في السفر وهو على ظهر مركوبه حيث كان وجهه، وإن لم يكن إلى جهة القبلة، ففي "صحيح البخاري " عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة- يعني الفريضة-
نزل فاستقبل القبلة (1) .
ومن أحكام السفر: أنه ينبغي أن يكون مع المسافر رفقة للإيناس ودفع الحاجة، فلا ينبغي أن يسافر الرجل وحده إلا لحاجة أو مصلحة دينية، للجهاد في سبيل الله ونحوه، ففي "صحيح
البخاري " عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لوْ يعلمُ الناس ما في الوحدة ما أعلم ما سار راكب بليل وحده " (2) .
وينبغي أن يكون معه ما يثبت اسمه وعنوانه حتى لا يخفى لو حصل عليه تلف بحادث أو غيره.
ومن أحكام السفر: أنه لا يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم سواء كان السفر بعيداً أم قريباً، وسواء كان للحج أم لغيره، وسواء كانت شابة جميلة أم عجوزاً شوهاء، وسواء كان معها نساء من
أقاربها وصاحباتها أم لا، وسواء غلب على الظن سلامتها أم لا، وسواء كان ذلك في طيارة أو غيرها، ففي "الصحيحين " من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يقول: "لا
__________
(1) رواه البخاري، كتاب التقصير، باب ينزل للمكتوبة، رقم (1099) .
(2) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب السير وحده، رقم (2998) .
(24/421)

يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجَّة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "انطلق فحجَّ مع امرأتك " (1) . فأطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن سفر المرأة بدون محرم، ولم يقيده بسفر دون سفر، ولا بامرأة دون أخرى، ولا بحال دون حال، ولم يستفصل الرجل عن امرأته.
والمَحْرمُ زوج المرأة وكل من يحرم عليه نكاحها تحريماً مؤبداً بقرابة أو رضاع أو مصاهرة، فالمحارم من القرابة أو الرضاع سبعة: الأب وإن علا، والابن وإن نزل، والأخ، وابنه وإن نزل، وابن الأخت وإن نزل، والعم وإن علا، والخال وإن علا.
والمحارم من المصاهرة أربعة: أبو زوج المرأة وإن علا، وابن زوج المرأة وإن نزل، وزوج بنت المرأة وإن نزلت، والرابع زوج أم المرأة وإن علت، بشرط أن يكون قد دخل بها.
ويشترط أن يكون المحرم بالغاً عاقلاً، فالصغير والمجنون لا يكفيان لجواز السفر معهما.
وعلى هذا فإذا لم تجد المرأة محرماً لم يجب عليها الحج؛ لأنها لا تستطيع إليه سبيلاً.
متي فرض الحج؟
فرض الحج في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة على أرجح أقوال أهل العلم؛ لأن فرضه كان بقوله تعالى:
__________
(1) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، رقم (5233) ، ومسلم، كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، رقم (1341) .
(24/422)

(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)) (1) ، وتلك الآية في صدر سورة آل عمران النازل عام الوفود سنة تسع من الهجرة، وحكمة تأخر فرضه- والله أعلم- أن مكة- زادها الله شرفاً- كانت قبل تلك السنة تحت سيطرة المشركين من قريش، فليس يتسنى للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أن يحجوا على الوجه الأكمل، وما أمر عمرة الحديبية ببعيد، فقد صدَّ المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه سنة ست من الهجرة عن إتمام عمرتهم.
والحج فريضة على كل مسلم بالغ عاقل مستطيع للحج بماله وبدنه.
فأما غير البالغ، فلا يجب الحج عليه، لكن يصح منه، وله فيه أجر حج التطوع، وإذا بلغ أدَّى الفريضة؛ لأن حجه قبل بلوغه حج قبل وقت خطابه به، فهو كما لو أدى صلاة الفريضة قبل وقتها.
والعاجز عن الحج بماله كالفقير والرقيق لا يجب عليه الحج؛ لقوله تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) وهذا غير مستطيع فلا يجب عليه.
وأما العاجر ببدنه فقط: فإن كان عجزه لا يرجى زواله كالكبر والمرض المستمر فإنه يوكِّل من يحج عنه، وإن كان عجزه يرجى زواله كالمرض الطارئ فإنه ينتظر حتى يشفى منه ثم يحج، فإن مات قبل ذلك حُجَّ عنه من تركته.
ومتى وجب الحج على المسلم وجب عليه المبادرة إلى
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 97.
(24/423)

أدائه؛ لأن أوامر الله ورسوله إذا لم تكن مقيدة بوقت، ولم تقم قرينة على أنها للتراخي فهي على الفور. ولحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تعجلوا إلى الحج- يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له " رواه أحمد، وفي سنده ضعف (1) .
لكن القول بالفورية له أدلَّة عامَّة تؤيد هذا الحديث.
من أين يحرم من أراد الحج أو العمرة؟
يحرم من أراد الحج أو العمرة من المواقيت التي وقَّتها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي خمسة:
أحدها: ذو الحليفة، ويسمى (أبيار على) لأهل المدينة، ومَن مرَّ بها من غيرهم.
الثاني: الجحفة، وهي قرية قديمة خربت، فجعل الناس بدلها (رابغاَّ) لأهل الشام، ومن مرَّ بها من غيرهم إن لم يمروا بذي الحليفة قبلها.
الثالث: يلملم، وهو جبل أو مكان بتهامة، ويسمى (السعدية) لأهل اليمن ومن مَرَّ به من غيرهم.
الرابع: قرن المنازل،، ويسمى (السيل) لأهل نجد، ومن مَرَّ به من غيرهم.
الخامس: ذات عرق، ويسمى (الضريبة) لأهل العراق، ومن مَرَّ بها من غيرهم.
فمَن مرَّ بهذه المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة وجب عليه أن يحرم.
__________
(1) رواه الإمام أحمد (1/313) .
(24/424)

ومن حاذاها من طريق الجو أو البحر وجب عليه أن يحرم عند محاذاتها، ولا يجوز له تأخير الإحرام حتى يهبط في المطار أو يرسي في الميناء؛ لأن هذا من تعدي حدود الله، (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (1) .
ومَن كان دون هذه المواقيت من مكة أحرم من موضعه حتى من في مكة يحرمون من مكة إلا للعمرة فيحرمون من خارج الحرم أي من وراء الأميال من الحل؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن أبى بكر: "اخرج بأختك (يعني عائشة) من الحرم فلتهل بعمرة" (2) .
ومن مرَّ بهذه المواقيت لا يريد حجًّا ولا عمرة كمن يريد تجارة أو زيارة قريب أو طلب علم ونحوها لم يجب عليه الإحرام؛ لأن الحج والعمرة لا يجبان في العمر أكثر من مرة، ولا إحرام إلا في
حج أو عمرة.
الأنساك وأفضلها:
الأنساك ثلاثة: التمتع والقِران والإفراد.
فالتمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج (أي بعد دخول شهر شوال) ويفرغ منها ثم يحرم بالحج من عامه.
والقِران: أن يقرن بين الحج والعمرة، فيحرم بهما جميعاً، أو يحرم بالعمرة وحدها ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها.
والإفراد: أن يحرم بالحج وحده.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 229.
(2) رواه البخاري، كتاب الحج، باب قول الله تعالى: (الحج أشهر معلومات) رقم (1560) ومسلم، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، رقم (1211) .
(24/425)

وجمهور العلماء على أن الإنسان مخيَّر بين هذه الأنساك، واختلفوا في الأفضل منها، والصحيح أن الأفضل التمتع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به أصحابه وحثَّهم عليه، ولأنه أكثر عملاً، لأنه يأتي بأفعال العمرة كاملة وأفعال الحج كاملة، ولأنه أيسر من غيره لمن قدم مكة في وقت مبكر، حيث يتمتع بالحل فيما بين العمرة والحج.
ويجب بالتمتع هدي شكران لا جبران مما يجزئ في الأضحية من شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة، يذبحه يوم العيد أو في الأيام الثلاثة بعده، ويفرقه بمنى أو بمكة ويأكل منه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج لا يتجاوز بهن الأيام الثلاثة بعد العيد وسبعة أيام إذا رجع.
والقارن كالمتمتع في وجوب الهدي أو بدله.
صفة التمتع من ابتداء الإحرام إلى انتهاء الحج بصفة مختصرة.
(أ) العمرة:
1- إذا أراد أن يحرم بالعمرة اغتسل كما يغتسل للجنابة، وتطيب بأطيب ما يجد في رأسه ولحيته، ولبس إزاراً ورداء أبيضين، والمرأة تلبس ما شاءت من الثياب غير ألا تتبرج بزينة.
2- ثم يصلي الفريضة إن كان وقت فريضة؛ ليحرم بعدها، فإن لم يكن وقت فريضة صلى ركعتين بنية سنة الوضوء لا بنية سنة الإحرام؛ لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن للإحرام سنة.
3- ثم إذا فرغ من الصلاة نوى الدخول في العمرة، فيقول:
(24/426)

(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك اللهم عمرة) .
يرفع الرجل صوته بذلك وتخفيه المرأة.
ويسن الإكثار من التلبية حتى يبدأ بالطواف فيقطعها.
4- فإذا وصل إلى مكة بدأ بالطواف من حين قدومه فيقصد الحجر الأسود فيستلمه (أي يمسحه) بيده اليمنى ويقبِّله إن تيسر بدون مزاحمة وإلا أشار إليه، ويكبر ثم ينحرف فيجعل البيت عن
يساره، فإذا مرَّ بالركن اليماني وهو آخر ركن يمر به بعد ركن الحجر استلمه بيده اليمنى إن تيسر بدون تقبيل، ويطوف سبعة أشواط، يرمل الرَّجُلُ في الأشواط الثلاثة الأولى، ويضطبع في جميع
الطواف.
والرمل: الإسراع في المشي مع مقاربة الخطأ.
والاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على عاتقه الأيسر.
ويذكر الله ويسبحه في طوافه، ويدعو بما أحب في خشوع وحضور قلب، كلما أتى الحجر الأسود كبَّر، ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)) (1) . وأما التقيد بدعاء معين لكل شوط فليس له أصل من السنة بل هو بدعة محدثة.
5- فإذا فرغ من الطواف صلى ركعتين وراء مقام إبراهيم، ولو بَعُدَ عنه، يقرأ بعد الفاتحة في الأولى: (قُلْ يَا أَيُّهَا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 201.
(24/427)

الْكَافِرُونَ (1)) ، وفي الثانية: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)) .
6- ثم يطوف بالصفا والمروة- أي بينهما- سبعة أشواط، يبدأ بالصفا ويختم بالمروة، والسنة أن يصعد عليهما ويقف مستقبل القبلة رافعاً يديه ويذكر الله ويدعوه، والسنَّة للرَّجل أن يسعى بين
العَلَمين الأخضرين سعياً شديداً.
7- فإذا أتم السعي قصَّر من شعر رأسه يعمّه بالتقصير، وتقصر المرأة منه قدر أنملة.
وبذلك تمت العمرة، وحلَّ من إحرامه فيتمتع بكل ما أحل الله له قبل الإحرام من اللباس والطيب والنكاح وغير ذلك.
(ب) الحج:
1- فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج من مكانه الذي هو نازل فيه، ويفعل عند إحرامه كما فعل عند إحرام العمرة من الغسل والطيب ولبس ثياب الإحرام.
2- فإذا فرغ من ذلك نوى الدخول في الحج، فيقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك اللهم حجًّا) .
يرفع الرجل صوته بذلك وتخفيه المرأة.
ويسن الإكثار من التلبية حتى يرمي جمرة العقبة يوم العيد فيقطعها.
3- ثم يخرج إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب
(24/428)

والعشاء والفجر، يقصر الرباعية إلى ركعتين ولا يجمع.
4- فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع سار إلى عرفة فينزل بنمرة إن تيسَّر له إلى الزوال وإلا نزل بعرفة، فإذا زالت الشمس صلى الظهر والعصر قصراً وجمعاً، ثم تفرَّغ لذكر الله ودعائه،
يستقبل القبلة في ذلك ولو كان الجبل خلفه حتى تغرب الشمس.
5- فإذا غربت الشمس سار إلى مزدلفة فصلى بها المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين ويبيت بها، فإذا صلى الفجر اشتغل بذكر الله ودعائه حتى يسفر جداً.
6- فإذا أسفر جداً سار إلى منى، فإذا وصل إليها بدأ برمي جمرة العقبة وهي أقرب الجمرات إلى مكة، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، كل حصاة فوق الحمصة قليلاً، ويُكبِّر مع كل حصاة
بخشوع وتعظيم لله تعالى.
فإذا فرغ من رميها نحر هديه إن تيسر، ثم حلق رأسه كله أو قصره، والحلق أفضل إلا المرأة فتقصر من رأسها بقدر أنملة.
وبالرمي والحلق أو التقصير يحل من إحرامه التحلل الأول، فيلبس ثيابه ويتطيب ويفعل كل ما أحل الله له قبل الإحرام ما عدا النساء، فإنه لا يحل له ما يتعلق بهن حتى يحل التحلل الثاني.
ثم ينزل إلى مكة فيطوف طواف الحج، ويسعى بين الصفا والمروة على صفة ما سبق في طواف العمرة وسعيها؛ إلا أنه لا يرمل في الطواف ولا يضطبع؛ لأنهما (أعني الرمل والاضطباع) لا
يشرعان في غير الطواف أول ما يقدم.
وبالطواف والسعي المسبوقين برمي الجمرة والحلق أو
(24/429)

التقصير يحل التحلل الثاني، فيحل له كل ما أحل الله له قبل الإحرام حتى النساء.
وخلاصة ما يفعل من الأنساك يوم العيد ما يلي:
* رمي جمرة العقبة.
* نحر الهدي.
* الحلق أو التقصير.
* الطواف والسعي.
والسنة أن يرتبها هكذا، وإن لم يتيسر له فقدم بعضها على بعض فلا حرج.
7- ويبيت بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر.
8- ويرمي الجمرات الثلاث في هذين اليومين بعد الزوال، يبدأ بالجمرة الأولى وهي أبعد الجمرات عن مكة، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، ويُكبِّر مع كل حصاة، فإذا فرغ منها تقدم قليلاً
عن الزحام، فوقف مستقبل القبلة رافعاً يديه يدعو الله تعالى بما أحب دعاء طويلاً، ثم يرمي الجمرة الثانية ويقف بعدها للدعاء كما فعل في الأولى سواء.
ثم يرمي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة التي رماها يوم العيد كما رمى الجمرتين قبلها، ولا يقف بعدها للدعاء.
9- فإذا أتم رمي الجمرات الثلاث في اليوم الثاني عشر، فإن شاء تأخَّر في منى لليوم الثالث عشر ورمى الجمار فيه بعد الزوال وهو أفضل؛ لأنه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه زيادة عمل صالح. وإن شاء تعجل في يومين فخرج من منى في اليوم الثاني عشر قبل الغروب.
(24/430)

وينبغي أن يكثر من التكبير والذكر في تلك الأيام والليالي؛ لقوله تعالى: (* وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)) (1) ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل " (2) .
وبهذا تمت أفعال الحج.
طواف الوداع:
إذا أنهى الحاج جميع أفعال الحج وأراد الرجوع إلى بلده؛ فإنه لا يخرج من مكة حتى يطوف بالبيت طواف الوداع، يجعله آخر أموره عند سيره.
وليس على الحائض والنفساء طواف وداع؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: "أُمِر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفِّف عن الحائض " (3) .
محظورات الإحرام
محظورات الإحرام هي الأشياء المحرمة في الإحرام بسبب الإحرام:
وتتلخص فيما يلي:
1- إزالة الشعر من الرأس بحلق أو غيره، وألحق به جمهور العلماء
__________
(1) سورة البقر ة، الآية: 203.
(2) رواه مسلم، كتاب الصيام، باب تحريم صوم أيام التشريق، رقم (1141) .
(3) تقدم تخريجه ص 299.
(24/431)

شعر بقية الجسم.
2- إزالة الظفر من اليدين أو الرجلين، ألحقه جمهور العلماء بالشعر بجامع الترفه.
3- استعمال الطيب بعد الإحرام في البدن أو الثوب أو المأكول أو المشروب.
4- لبس القفازين وهما شراب اليدين.
5- المباشرة لشهوة.
وفدية هذه المحظورات الخمسة على التخيير كما ذكره الله تعالى في القرآن في حلق الرأس، وقيس عليه الباقي، فيخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو
ذبح شاة، ويفرق الطعام والشاة على المساكين إما في مكة أو في مكان فعل المحظور.
6- الجماع في الفرج، وإذا وقع في الحج قبل التحلل الأول ترتب عليه أربعة أمور:
* فساد النسك الذي وقع فيه الجماع.
* وجوب المضي فيه.
* وجوب قضائه من العام القادم.
* فدية نحر بدنة يفرقها على المساكين في مكة أو في مكان الجماع.
7- عقد النكاح، وليس فيه فدية، لكن النكاح يفسد سواء كان المحرم الزوج أو الزوجة أو الولي أو وكيله فيه.
8- قتل الصيد البري المتوحش، وعليه جزاؤه وهو ذبح مثله يفرقه على فقراء الحرم، أو تقويمه بطعام يفرقه على فقراء الحرم، أو
(24/432)

يصوم عن إطعام كل مسكين يوماً.
وهذه المحظورات الثمانية حرام على كل محرم ذكراً كان أم أنثى، ويختص الذكر بالمحظورين التاليين:
1- تغطية الرأس بملاصق، فأما غير الملاصق كالخيمة وسقف السيارة والشمسية فلا بأس به.
2- لبس المخيط، وهو كل ما خيط على قدر البدن أو على جزء منه أو عضو من أعضائه كالقميص والسراويل والخفين، فأما الإزار والرداء المرقع فلا بأس به، وكذلك لا بأس بلبس الخاتم والساعة ونظارة العين وسماعة الأذن ووعاء النفقة ونحوها.
وتختص الأنثى بالمحظور التالي:
تغطية الوجه على أي صفة كانت، وقال بعض العلماء: المحظور عليها النقاب فقط، وهو أن تغطي وجهها بغطاء منقوب لعينيها فيه، والأوْلى أن لا تغطيه مطلقاً، إلا أن يراها رجال غير محارم لها فيجب عليها ستره في حال الإحرام وغيره.
وفدية هذه المحظورات الخاصة على التخيير كفدية الخمسة السابقة.
حكم فاعل هذه المحظورات:
لفاعل المحظورات السابقة ثلاث حالات:
الأولى: أن يفعل المحظور بلا حاجة ولا عذر، فهذا آثم، وعليه فديته.
الثانية: أن يفعله لحاجة، فليس بآثم، وعليه فدية. قال الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا
(24/433)

رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)) (1) ، فلو احتاج إلى تغطية رأسه من أجل بردٍ أو حر يخاف منه جاز له تغطيته، وعليه الفدية على التخيير بين ما سبق.
الثالثة: أن يفعله وهو معذور بجهل أو نسيان أو إكراه أو نوم، فلا إثم عليه ولا فدية؟ لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (2) ، وفي الحديث عن النبي أنه قال: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (3) ، لكن متى زال العذر فعلم بالمحظور، أو ذكره، أو زال إكراهه، أو استيقظ من نومه وجب عليه التخلي عنه- أي عن المحظور- فوراً.
زيارة المسجد النبوي:
المسجد النبوي أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، وهي: المسجد الحرام في مكة، والمسجد النبوي في
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(2) سورة البقرة، الآية: 286.
(3) تقدم تخريجه ص 386.
(24/434)

المدينة، والمسجد الأقصى في القدس. والصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، ومن أجل هذا تُشرع زيارة المسجد للصلاة فيه كل وقت وليس خاصًّا في وقت
الحج، ولا علاقة له بالحج، فالحج يكمل بدونه، ولا ينقص بتركه، لكن الناس جعلوه مع الحج ليكون السفر لهما واحداً لاسيما لمن يشق عليه إفراد كل واحد منهما بسفر كأهل الأقطار البعيدة.
فإذا دخل المسجد صلى فيه ما شاء الله ثم ذهب إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقف أمامه وقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
ثم يخطو عن يمينه قليلاً ليسلم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمته، رضي الله عنك وجزاك عن أمة محمد خيراُ.
ثم يخطو عن يمينه قليلاً ليسلم على عمر رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين عمر، رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيراً.
ْويخرج إلى مسجد قباء متطهراً ويصلي فيه.
ويزور البقيع وهو مقبرة المدينة فيسلم على عثمان رضي الله عنه، يقف على قبره ويقول: السلام عليكم يا أمير المؤمنين
(24/435)

عثمان، رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيراً، ويسلِّم على أهل البقيع ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة.
ويخرج إلى أُحد فيزور قبر حمزة عم النبي - صلى الله عليه وسلم - ومَن هناك من الشهداء ويترضى عنهم، ويدعو لهم بالمغفرة والرحمة.
والمرأة لا تزور القبور لا قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا قبور غيره. وليس في المدينة شيء يُشرع قصده من المساجد وغيرها سوى ما ذكرنا.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
كتبه الفقير إلى الله
محمد الصالح العثيمين
(24/436)

شرح حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم -
(24/437)

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
فإن هذا الكتاب يحتوي على شرع لفضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين- رحمه الله تعالى- لحديث جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- في صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد جاء هذا الشرح ضمن الدروس العلمية التي كان يعقدها فضيلته- رحمه الله تعالى- في "بلوغ المرام "، و"صحيح مسلم " بالجامع الكبير في مدينة عنيزة.
ورغبة في تقديمه إلى القارئ المتطلع إلى معرفة المسائل والأحكام الفقهية في مناسك الحج والعمرة كما وردت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتسهيلاً لتناوله، تمَّ إخراج هذا الشرح مفرداً.
وقد عهدت مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية إلى الشيخ مساعد بن عبد الله السلمان- أثابه الله- بالعمل لإعداد هذا الكتاب للنشر، وتخريج أحاديثه وآثاره، فجزاه الله خيراً.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، موافقاً لمرضاته، نافعاً لعباده، وأن يجزي فضيلة شيخنا عن
(24/439)

الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ويضاعف له المثوبة والأجر، ويعلي درجته في المهديين، إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه،
والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللجنة العلمية
في مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
25/10/1424 هـ
(24/440)

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى، ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله تعالى حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن من شروط العبادة الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهما الركنان الأساسيان في كل عبادة. فلا تقبل عبادة بشرك، ولا تقبل ببدعة. فالشرك ينافي الإخلاص، والبدعة تنافي الاتباع. ولا تتحقق المتابعة إلا بمعرفة الصفة والكيفية التي أدى النبي - صلى الله عليه وسلم - العبادة عليها. ومن ثم احتاج العلماء- رحمهم الله- إلى بيان صفات العبادات، فبينوا صفة الوضوء، وصفة الصلاة، وصفة الزكاة، وصفة الصيام، وصفة الحج وغير ذلك، حتى يعبد الناس
الله عز وجل على شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
فحديث جابر- رضي الله عنه- الطويل المشهور في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله بعض العلماء عمدة لصفة الحج (1) ، ومنسكاً
__________
(1) قال النووي- رحمه الله- تعالى في شرحه على صحيح مسلم (8/402) . حديث جابر=
(24/441)

كاملاً؛ لأن جابراً رضي الله عنه ضبط حج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أوله إلى آخره، فذكر رضي الله عنه:
"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عُمَيْس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف أصنع؟ قال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي ". فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرتُ إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به فأهلَّ بالتوحيد "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ". وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يَرُدَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم شيئاً منه. ولزم رسول الله تلبيته، قال جابر رضي الله عنه: لسنا ننوي إلا الحج- لسنا نعرف
العمرة- حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقرأ (وَاتَّخِذُوا
__________
= حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد، ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم. قال القاضي وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنف فيه ابن المنذر جزءاً، وخرج من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا، ولو تقصي لزيد على هذا القدر قريب منه ا. هـ.
(24/442)

مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) (1) ؛ فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يقرأ في الركعتين (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَد (1)) ، (قُلْ يَآ أَيُّهَا الكَافِرُونَ (1)) ؛ ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا؛ فلما دنا من الصفا
قرأ (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (2) " أبدأ بما بدأ الله به "، فبدأ بالصفا فرقي عليه، حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك. قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة". فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله أصابعه واحدة في الأخرى وقال: "دخلت العمرة في الحج " مرتين "لا بل لأبد أبد". وقدم عليٌّ من اليمن ببدن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل ولبست ثياباً صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكان عليٌّ يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرشاً على
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 125.
(2) سورة البقرة، الآية: 158.
(24/443)

فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكرت عنه. فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها. فقال: "صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال قلت: اللهم إني أهلُّ بما أهلَّ به رسولك.
قال: "فإن معي الهدي فلا تحل " قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن، والذي أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة. قال فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن كان معه هدي. فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج. وركب رسول الله فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر. ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية.
فأجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل
شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، ديان أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول
ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن
(24/444)

بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله. وأنتم تسألون عني، فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء
وينكتها إلى الناس "اللهم اشهد! اللهم اشهد" ثلاث مرات. ثم أذن ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً، ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل
القبلة، فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد شنق للقصواء الزمام، حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى "أيها الناس السكينة السكينة" كلما أتى حبلا من الحبال
أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثم اضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله مرت به ظعن
يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده من الشق الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلاً، ثم سلك
(24/445)

الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها، مثل حصى الخذف. رمى من بطن الوادي، ثم انصرف إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بيده، ثم أعطى علياً فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنه ببضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتي بني عبد المطلب يسقون على زمزم
فقال: "انزعوا بني عبد المطلب! فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم "، فناولوه دلوا فشرب منه " (1) .
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي- (1218) ، وأبو داود في كتاب المناسك، باب صفة حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1955) ، وابن ماجه في كتاب المناسك، باب حجة
رسول الله (3074) .
(24/446)

شرح الحديث
قال جابر رضي الله عنه: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاج، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه ".
قوله: "فخرجنا معه " كان ذلك في الخامس والعشرين من ذي القعدة في يوم السبت، بعد أن أعلم الناس في خطبة الجمعة كيف يحرمون، وسئل ماذا يلبس المحرم، وأوضح للناس مبادئ النسك. وبقي في ذي الحليفة، وبات بها، وفي اليوم التالي اغتسل ولبس ثياب إحرامه، ثم أحرم.
وقوله: "حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء" أتى بحرف (الفاء) لأنها معطوفة على جملة هي جواب الشرط يعني: حتى إذا أتينا ذا الحليفة نزل وصار كذا كذا فولدت.
وذو الحليفة ميقات أهل المدينة، وتعرف الآن بأبيار علي، وهي مكان بينه وبين المدينة نحو تسعة أميال وبينه وبين مكة عشر مراحل، وسمي بذي الحليفة لكثرة هذا الشجر فيه وهي شجر الحَلْفَاء وهي معروفة.
وقوله: "فولدت أسماء بنت عميس "، وهي زوجة أبي بكر رضي الله عنه ولدت محمد بن أبي بكر فأرسلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف تصنع، فقال لها: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي "، فأمرها
(24/447)

بالاغتسال للإحرام وليس لرفع الحدث، لأن الحدث لا زال باقياً، وأمرها أن تستثفر بثوب، يعني تتعصب به، وتشد عليها ثوباً حتى لا يخرج شيء من هذا الدم.
وقوله: "وأحرمي "، وأطلق لها الإحرام. وقد أحرم الناس من ذي الحليفة على وجوه ثلاثة منهم من أحرم بالحج، ومنهم من أحرم بالعمرة، ومنهم من أحرم بالحج والعمرة. ولم يقل لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "افعلي ما يفعل الحاج "، كما قال لعائشة رضي الله عنها لأنها إنما أرسلت تسأل عن قضية معينة وهي الإحرام كيف تحرم، وقد أصابها ما أصابها ولم تسأله عن بقية النسك، ولهذا أخطأ ابن حزم (1) - رحمه الله- حيث قال: إن النفساء يجوز لها أن تطوف البيت بخلاف الحائض، واستدل لقوله بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة رضي الله عنها: "افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت " (2) .
ولو كان الطواف بالبيت ممنوعاً بالنسبة للنفساء لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجاب الجمهور بأن المرأة لم تسأل عما تفعل في النسك، وإنما تسأل ماذا تصنع عند الإحرام، فبين لها النبي يكيف تصنع.
وقوله: "وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد" يعني مسجد ذي الحليفة.
وقوله: "ثم ركب القصواء" هو لقب ناقته وله ناقة تسمى العضباء. وقد ذكر ابن القيم- رحمه الله- في أول زاد المعاد (3) ما
__________
(1) انظر: المحلي (5/189) .
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحيض/باب الأمر بالنفساء إذا نفست (294) ، ومسلم في كتاب الحج/باب بيان وجوه الإحرام (2910) .
(3) (1/123) .
(24/448)

يلقب من دوابه صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: "حتى إذا استوت به على البيداء" يعنى علت به على البيداء. والبيداء جبل صغير طرف ذي الحليفة.
وقوله: "نظرت إلى مد بصري بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك " أي أنهم كثير وقد قدروا بنحو مائة ألف الذين حجوا مع رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يعني لم يبق من الصحابة رضي الله عنهم إلا أربعة وعشرون ألفاً وإلا فكلهم جوا معه، لأنه أعلن عليه الصلاة والسلام للناس أنه سيحج فقدم الناس كلهم من أجل أن ينظروا إلى حج النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقتدوا به.
وقوله: " وهو يعرف تأويله " المراد بالتأويل هنا التفسير، فإن أعلم الخلق بمعاني كلام الله تعالى هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولهذا قال العلماء- رحمهم الله- يرجع في التفسير إلى القرآن الكريم، ثم إلى السنة، ثم إلى أقوال الصحابة، ثم إلى كلام التابعين الذين أخذوا عن الصحابة رضي الله عنهم.
وقوله: "ثم أهلَّ بالتوحيد"، أي رفع صوته بالتوحيد قائلاً: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " رفع صوته بهذه الكلمات العظيمة التي سماها جابر رضي الله عنه توحيداً لأنها تضمنت التوحيد والإخلاص.
ولبيك كلمة إجابة. والدليل على هذا ما ورد في الصحيح "أن
(24/449)

الله تعالى يقول يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك " (1) ، وتحمل معنى الإقامة من قولهم ألبَّ بالمكان: أي أقام فيه، فهي متضمنة للإجابة والإقامة. الإجابة لله، والإقامة على طاعته. ولهذا فسرها بعضهم
بقوله: لبيك أي أنا مجيب لك مقيم على طاعتك. وهذا تفسير جيد.
فإذا قال قائل: أين النداء من الله حتى يلبيه المحرم؟
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً) (2) ، أي أعلم الناس بالحج، أو ناد فيهم بالحج و (يَأْتُوكَ رِجَالاً) أي: على أرجلهم، وليس المعنى ضد الإناث. والدليل على أنهم على أرجلهم ما بعدها
(وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)) .
وهذه قاعدة مفيدة في التفسير (فإنه قد يعرف معنى الكلمة بما يقابلها) .
ومثلها قوله تعالى: وهو أخفى من الآية التي معنا: (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) (3) ؛ فمعنى ثبات: متفرقون، مع أن ثبات يبعد جداً أن يفهمها الإنسان بهذا المعنى، لكن لما ذكر بعدها (أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) علم أن المراد بالثبات المتفرقون.
والتثنية في التلبية هل المقصود بها حقيقة التثنية أي أجبتك مرتين أم المقصود بها مطلق التكثير؟
__________
(1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء/باب قصة يأجوج ومأجوج (3348) ، وأخرجه مسلم في كتاب الأيمان/باب قوله: "يقول الله لآدم " (222) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(2) سورة الحج، الآية: 27.
(3) سورة النساء، الآية: 71،
(24/450)

الجواب: المقصود بها الثاني. لأن المعنى إجابة بعد إجابة، وإقامة بعد إقامة، فالمراد بها مطلق التكثير، أي: مطلق العدد، وليس المراد مرتين فقط.
ولهذا قال النحويون: إنها ملحقة بالمثنى وليست مثنى حقيقة، لأنه يراد بها الجمع والعدد الكثير.
ولماذا جاءت بالياء الدالة على أنها منصوبة؟
قالوا: لأنها مصدر لفعل محذوف وجوبا لا يجمع بينه وبينها، والتقدير ألبيت إلبابين لك.
ألببت يعني: أقمت بالمكان إلبابين.
لكن حصل فيها حذف حرف الهمزة، وصارت لبابين بعد حذف الهمزة.
ثم قيل: تحذف أيضاً الباء الثانية، فنقول لبيك، والياء علامة للإعراب.
وقوله: "اللهم " معناها: يا الله، لكن حذفت ياء النداء، وعوض عنها الميم، وجعلت الميم أخيراً ولم تكن في مكان الياء تبركا بذكر اسم الله ابتداءً، وعوض عنها الميم، لأن الميم أدل على الجمع. ولهذا كانت الميم من علامات الجمع.
فكان الداعي جمع قلبه على ربه عز وجل لأنه يقول يا الله.
وقوله: "لبيك " الثانية من باب التوكيد اللفظي ولم يتغير عن لفظ الأول؛ لكن له معنى جديداً، فيكرر ويؤكد أنه مجيب لربه، مقيم على طاعته: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، لأنك تجيب الله عز وجل، وكلما أجبته ازددت إيماناً به وشوقاً إليه،
(24/451)

فكان التكرير مقتضى الحكمة. ولهذا ينبغي لك أن تستشعر- وأنت تقول: لبيك- نداء الله عز وجل لك، وإجابتك إياه لا مجرد كلمات تقال.
وقوله: "لا شريك لك " أي: لا شريك لك في كل شيء، وليس في التلبية فقط لأنه أعم، أي: لا شريك لك في ملكك. ولا شريك لك في ألوهيتك ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك، ولا
شريك لك في كل ما يختص بك.
ومنها إجابتي هذه الإجابة، فأنا مخلص لك فيها، ما حججت رياء ولا سمعة، ولا للمال ولا لغير ذلك، إنما حججت لك، ولبَّيت لك فقط.
وقوله: "لا شريك لك " إعرابها: لا نافية للجنس، وشريك: اسمها، ولك خبرها، والنافية للجنس أعم من النافية لمطلق النفي؛ لأن النافية للجنس تنفي أي شيء من هذا، بخلاف ما إذا قلت لا
رجل في البيت بالرفع، فهذه ليست نافية للجنس، بل هذه لمطلق النفي.
ولهذا يجوز أن تقول لا رجل في البيت بل رجلان، لكن لو قلت: لا رجلَ في البيت بل رجلان صاح عليك العالمون بالنحو، وقالوا: هذا غلط لا يصح أن تقول لا رجلَ في البيت بل رجلان، فتنفي الجنس أولا، ثم تعود وتثبت، ولكن إن شئت فقل لا رجلَ في البيت بل أنثى.
وقوله: "إن الحمد والنعمة لك " يقال: بكسر همزة إن، ورويت بالفتح. فعلى رواية فتح الهمزة "أن الحمد لك " تكون
(24/452)

الجملة تعليلية أي: لبيك لأن الحمد لك، فصارت التلبية مقيدة بهذه العلة، أي: بسببها؛ والتقدير لبيك لأن الحمد لك.
أما على رواية الكسر: "إن الحمد لك "، فالجملة استئنافية، وتكون التلبية غير مقيدة بالعلة، بل تكون تلبية مطلقة بكل حال.
ولهذا قالوا: إن رواية الكسر أعم وأشمل، فتكون أولى، أي: أن تقول: إن الحمد والنعمة لك، ولا تقل: أن الحمد والنعمة لك، ولو قلت ذلك لكان جائزاً.
والحمد والمدح يتفقان في الاشتقاق، أي في الحروف دون الترتيب ح- م- د موجودة في الكلمتين، فهل الحمد هو المدح أم بينهما فرق؟
الجواب: الصحيح أن بينهما فرقاً عظيماً. لأن الحمد مبني على المحبة والتعظيم.
والمدح لا يستلزم ذلك. فقد يبنى على ذلك، وقد لا يبنى، وقد أمدح رجلاً لا محبة له في قلبي ولا تعظيم، ولكن رغبة في نواله فيما يعطيني، مع أن قلبي لا يحبه ولا يعظمه.
أما الحمد فإنه لابد أن يكون مبنياً على المحبة والتعظيم.
ولهذا نقول في تعريف الحمد: هو وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيماً، ولا يمكن لأحد أن يستحق هذا الحمد على وجه الكمال إلا الله عز وجل.
وقول بعضهم: الحمد هو الثناء بالجميل الاختياري، أي: أن يثني على المحمود بالجميل الاختياري. ويفعله اختياراً من نفسه، تعريف غير صحيح، يبطله الحديث الصحيح: "أن الله قال:
(24/453)

قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم قال: أثنى عليَّ عبدي " (1) . فجعل الله تعالى الثناء غير الحمد، لأن الثناء
تكرار الصفات الحميدة، وأل في الحمد للاستغراق، أي: جميع أنواع المحامد لله وحده، المحامد على جلب النفع، وعلى دفع الضرر، وعلى حصول الخير الخاص والعام، كلها لله على الكمال
كله.
وقد ذكر ابن القيم- رحمه الله- في كتابه "بدائع الفوائد" (2) بحثاً مستفيضاً حول الفروق بين (المدح- والحمد) ، وكلمات أخرى في اللغة العربية تخفى على كثير من الناس، وقال كان شيخنا
- ابن تيمية- إذا تكلم في هذا أتى بالعجب العجاب، ولكنه كما قيل: تألق البرق نجدياً فقلت له إليك عني فإني عنك مشغول أي: أن شيخ الإسلام- رحمه الله- مشغول بما هو أهم من
البحث في كلمة في اللغة العربية، وأسرار اللغة العربية.
وقوله: "النعمة" أي الإنعام، فالنعمة لله.
وقوله: "النعمة لك " كيف تتعدى باللام؟ مع أن الظاهر أن يقال: النعمة منك؟
الجواب: النعمة لك يعني التفضل لك، فأنت صاحب الفضل.
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة/باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (395) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) (2/92-96)
(24/454)

وقوله: "والملك لا شريك لك " الملك شامل لملك الأعيان وتدبيرها، وهذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له. فإذا تأملت هذه الكلمات وما تشتمل عليه من المعاني الجليلة وجدتها تشتمل على جميع أنواع التوحيد، وأن الأمر كما قال جابر رضي الله عنه: "أهل بالتوحيد". والصحابة رضي الله عنهم أعلم الناس بالتوحيد.
فقوله: "الملك " من توحيد الربوبية، والألوهية من توحيد الربوبية أيضاً، لأن إثبات الألوهية متضمن لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مستلزم لإثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحداً يوحد الله في ألوهيته إلا وقد وحده في ربوبيته. لكن من الناس من يوحد الله في ربوبيته، ولا يوحده في ألوهيته، وحينئذ نلزمه ونقول: إذا وحدت الله في الربوبية لزمك أن توحده في الألوهية. ولهذا فإن عبارة
العلماء- رحمهم الله- محكمة: حيث قالوا: (توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية) .
ونأخذ توحيد الأسماء والصفات من قوله: "إن الحمد والنعمة".
فالحمد: وصف المحمود بالكمال، مع المحبة والتعظيم.
والنعمة من صفات الأفعال؛ فقد تضمنت توحيد الأسماء والصفات.
ومن أين نعرف أنه بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل؟
(24/455)

الجواب: من قوله "لا شريك لك ". لأن التمثيل شرك، والتعطيل شرك أيضاً، والمعطل لم يعطل إلا حين اعتقد أن الإثبات تمثيل، فمثَل أولا، وعطَّل ثانياً، والتحريف والتكييف متضمنان التمثيل والتعطيل.
وبهذا تبين أن هذه الكلمات العظيمة مشتملة على التوحيد له. ومع الأسف أنك تسمع بعض الناس في الحج أو العمرة يقولها وكأنها أنشودة، لا يأتون بالمعنى المناب. تقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) .
لكنهم يقفون على (إن الحمد، والنعمة لك) ، ثم يقولون: (والملك لا شريك لك) .
مسألة: فهل لنا أن نزيد على ما ورد عن النبي من التلبية التي رواها جابر رضي الله عنه؟
نقول: نعم فقد روى الإمام أحمد في "المسند": أن النبي كان يقول: "لبيك. إله الحق " (1) و"إله الحق " من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: لبيك أنت الإله الحق.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يزيد: "لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل " (2) .
فلو زاد الإنسان مثل هذه الكلمات فلا بأس، اقتداء بعبد
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (2/476) ، وأخرجه النسائي في كتاب المناسك/باب كيف التلبية 5/161) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الحج/باب التلبية (1184) .
(24/456)

الله بن عمر رضي الله عنهما. لكن الأولى ملازمة ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وهل لهم أن يكبروا بدل التلبية إذا كان في وقت التكبير كعشر ذي الحجة؟
الجواب: نعم. لقول أنس رضي الله عنه: "حججنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - منا المكبر، ومنا المهل " (1) ، وهذا يدل على أنهم ليسوا يلبون التلبية الجماعة، ولو كانوا يلبون التلبية الجماعة لكانوا كلهم مهلين، أو مكبرين، لكن بعضهم يكبر، وبعضهم يهل، وكل يذكر ربه على حسب حاله.
مسألة: قال العلماء- رحمهم الله-: وينبغي أن يذكر نسكه في التلبية. فإذا كان في العمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، وفي الحج: لبيك اللهم حجاً، وفي القرن: لبيك اللهم عمرة وحجاً.
ثم قال جابر رضي الله عنه: "حتى إذا أتينا البيت "، يعني الكعبة.
وقوله: " استلم الركن " أي الحجر الأسود. وأطلق عليه اسم الركن، لأنه في الركن، والاستلام قال العلماء- رحمهم الله- أن يمسحه بيده، وليس أن يضع يده عليه، لأن الوضع ليس فيه استلام،
بل لابد من المسح، والمسح يكون باليد اليمنى، لأن اليد اليمنى تقدم للإكرام والتعظيم.
وهل يقبله؟ نقول: نعم. لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة (1659) ، ومسلم في كتاب الحج، باب التلبية والتكبير في الذهاب من منى إلى عرفات (1285) .
(24/457)

يقبله (1) لكن يقبله محبةً لله عز وجل وتعظيماً له، لا محبةً للحجر لكونه حجراً، ولا يتبرك به أيضاً كما يصنعه بعض الجهال، فيمسح يده بالحجر الأسود ثم يمسح بها بدنه، أو يمسح صبيانه الصغار
تبركاً به، فإن هذا من البدع.
ولهذا لما قبلَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحجر الأسود قال: "إن لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ما قبلتك " (2) . فأفاد رضي الله عنه بهذا أنه مجرد تعبد واتباع للرسول - صلى الله عليه وسلم -. إذاً فتقبيلنا للحجر الأسود هو محبة لله عز وجل وتعظيم له، ومحبة للقرب منه سبحانه وتعالى.
فإن شق الاستلام والتقبيل، فإنه يستلمه بيده ويقبل يده (3) .
وهذا بعد استلامه ومسحه، لا أنه يقبل يده بدون مسح، وبدون استلام. فإن شق اللمس أشار إليه (4) . وإذا أشار إليه فإنه لا يقبل يده.
كل هذه الصفات وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي مرتبة حسب الأسهل.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج/باب الرمل في الحج (1605) ، ومسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود (1270) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(2) المرجع السابق.
(3) لما روى نافع قال: "رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده، ثم قبل يده وقال: ما تركته منذ
رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله" أخرجه مسلم، كتاب الحج باب استحباب استلام الركنين
اليمانيين في الطواف (3054) .
(4) أخرجه البخاري في الحج/باب التكبير عند الركن (1213) من حديث ابن عباس رضي
الله عنهما قال: "طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء كان عنده
وكبر".
(24/458)

فأعلاها استلام باليد وتقبيل الحجر، ثم استلام باليد مع تقبيلها، ثم استلام بعصاً ونحوه مع تقبيله إن لم يكن فيه أذية، والسنة إنما وردت في هذا للراكب فيما نعلم، ثم إشارة.
فالمراتب صارت أربعاً تفعل أولاً فأولاً بلا أذية ولا مشقة.
مسألة: كيفية الإشارة؟ هل الإشارة كما يفعل العامة أن تشير إليه كأنما تشير في الصلاة، أي: ترفع اليدين قائلاً الله أكبر؟
الجواب: لا بل الإشارة باليد اليمنى. كما أن المسح يكون باليد اليمنى. ولكن هل تشير وأنت ماشٍ والحجر على يسارك، أم تستقبله؟ الجواب: روي عن عمر رضي الله عنه أن النبي قال له: "إنك رجل قوي فلا تزاحم فتؤذي الضعيف إن وجدت فرجة فاستلم وإلا فاستقبله وهَلِّلْ وكَبِّرْ " (1) قال: "وإلا فاستقبله ". فالظاهر: أنه عند الإشارة يستقبله. ولأن هذه الإشارة تقوم مقام الاستلام
والتقبيل؟ والاستلام والتقبيل يكون الإنسان مستقبلاً له بالضرورة؛ لكن إن شق أيضاً مع كثرة الزحام فلا حرج أن يشير وهو ماشٍ.
ويقول عند محاذاته ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنه عند ابتداء الطواف "بسم الله والله أكبر" (2) "اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - " (3) كما كان
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/28) ، وعبد الرزاق (8910) ، والبيهقي (5/80) عن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله عنه.
(2) أخرجه البيهقي (5/79) عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا استلم الركن قال. "بسم
الله والله أكبر".
(3) أخرجه البيهقي (5/79) ، وابن أبي شيبة (4/105) ، وعبد الرزاق (8898) عن ابن
عباس رضي الله عنهما.
(24/459)

ابن عمر رضي الله عنهما يقول ذلك.
أما في الأشواط الأخرى فإنه يكبر كلما حاذى الحجر، اقتداءً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) . إذاً الحجر الأسود له سنتان: سنة فعلية، وسنة قولية.
وأما الركن اليماني فيستلمه بلا تقبيل، ولا تكبير، ولا إشارة إليه عند التعذر. لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. والقاعدة الفقهية الأصولية الشرعية: (أن كل ما وجد سببه. في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله فالسنة تركه) وهذا قد وجد سببه فالركن اليماني كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستلمه، ولم يكن يكبر. وعلى هذا فلا يسن التكبير عند
استلامه.
مسألة: وهل يستلمهما في آخر شوط؟
الجواب: يستلم الركن اليماني، ولا يستلم الحجر الأسود، لأنه إذا مر بالركن اليماني مر وهو في طوافه. وإذا انتهى إلى الحجر الأسود، انتهى طوافه. ولهذا لا يستلم الحجر الأسود ولا يكبر أيضاً
في آخر شوط. لأن التكبير تابع للاستلام، ولا استلام الآن؛ والتكبير في أول الشوط، وليس في آخر الشوط.
مسألة: ماذا يقول بين الركن اليماني، والحجر الأسود؟ الجواب: يقول: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)) (2) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: (والمناسبة في
__________
(1) سبق تخريجه ص 29.
(2) سورة البقرة، الآية: 201.
(24/460)

ذلك أن هذا الجانب من الكعبة هو آخر الشوط وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يختم
دعاءه غالباً بهذا الدعاء) .
وأما الزيادة "وأدخلنا الجنة مع الأبرار يا عزيز يا غفار"، فهذه لم ترد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينبغي للإنسان أن يتخذها تعبداً لله، لكن لو دعا بها لم ينكر عليه، لأن هذا محل دعاء.
ولكن كونه يجعله مربوطاً بهذه الجملة (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) غير صحيح. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول أيضاً "اللهم إني أسألك العفو والعافية"، ولكنه حديث ضعيف (1) .
وقوله: "فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً". قال العلماء- رحمهم الله-: الرَّمَلُ هو سرعة المشي مع مقاربة الخطى.
والظاهر أن مرادهم مع تقارب الخطى أن الإنسان لا يمد خطوه، لأن العادة في الإنسان إذا أسرع تكون خطوته أبعد. ولكن يسرع، ولا يمد خطوه، بل يكون طبيعياً. وليس الرمل هو هز الكتفين، كما يفعله الجهال.
"ثلاثاً " أي: ثلاثة أشواط " ومشى أربعاً "، يعني أربعة أشواط مشى على عادته بدون إسراع. ويسن له الاضطباع في الطواف، وهو: أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه
الأيسر، والحكمة من ذلك: الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2) ، وإظهار
__________
(1) أخرجه ابن ماجه في المناسك/باب فضل الطواف (2957) عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) أخرجه الإمام أحمد (4/223) ، وأبو داود في المناسك/باب الاضطباع في الطواف (1883) ، والترمذي في الحج/باب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف مضطبعاً (859) ، وابن ماجه في المناسك/باب الاضطباع (2954) عن أبي يعلى بن أمية رضي الله عنه.
(24/461)

القوة والنشاط إذ هو أنشط للإنسان مما لو التحف والتف بردائه.
مسألة: وهل الاضطباع مثل الرمل يكون في الأشواط الثلاثة، أو يكون في جميع الأشواط؟
الجواب: نقول يكون في جميع الأشواط.
وقوله: "ثم نفذ إلى مقام إبراهيم " يدل على أن هناك زحاماً.
وفي رواية، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم. والجمع بينهما أنه نفذ متقدماً إلى مقام إبراهيم ليصلي خلفه.
ومقام إبراهيم هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يرقى عليه لما ارتفِع جدار الكعبة.
وقوله: "فقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) "، قرأ ذلك في حال نفوذه إشارة إلى أنه إنما فعل ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) (1) . وهذا أمر مطلوب منا
عندما نفعل العبادات أن نستشعر بأننا نقوم بها امتثالاً لأمر الله تعالى؛ لأن شعور الإنسان عندما يفعل العبادة بأنه يفعلها امتثالاً لأمر الله تعالى فإن هذا مما يزيد في إيمانه، ويجد لها لذة، وهذه هي
نية المعمول له. بخلاف الذي يفعل العبادة وهو غافل عن هذا المعنى، فإن العبادة تكون كالعادة. ولهذا قال المتكلمون على النيات إن النية نوعان نية العمل، ونية المعمول له، والأخيرة أعظم مقاماً من الأولى؛ لأن نية العمل تأتي ضرورة، فما من إنسان عاقل يقوم بعمل إلا وقد نواه وقصده حتى قال بعض العلماء- رحمهم الله- لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف مالا يطاق. لكن
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 125.
(24/462)

المقام الأسنى والأعلى نية المعمول له التي تغيب عنا كثيراً.
وقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) استدل بعض العلماء- رحمهم الله- باستشهاد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآية على أن ركعتي الطواف واجبة، وهذا له حظ من النظر؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فسر به الآية الدالة على الوجوب للأمر بها. ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يدع الركعتين بعد الطواف.
وقوله: "فجعل المقام بينه وبين البيت " المقام أي مقام إبراهيم، جعله بينه وبين الكعبة.
وهذا يشعر بأن المقام في مكانه الحالي، لأنه لو كان لاصقاً بالبيت- كما في الرواية المشهورة- ما احتاج أن يقول جعله بينه وبين البيت، لأن المقام لاصق بالبيت.
وهذه المسألة اختلف فيها المؤرخون، وأكثر المؤرخين على أنه كان في أول الأمر لاصقا بالبيت، ثم زحزح. ولكن الذي يظهر أنه من الأصل في مكانه هذا.
ومقام إبراهيم جعل الله فيه آية، وهي أثر قدمي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقد شهد أوائل هذه الأمة أثر القدم، ولكنه انمحي وزال لكثرة مسه من الناس. وقد أشار إلى هذا أبو طالب في قوله:
وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيا غير ناعل (1) وقوله: "فصلى" يعني ركعتين. واعلم أن المشروع في هاتين الركعتين التخفيف، وأن يقرأ فيهما (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)) ، و () قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)) وأنه ليس قبلهما
__________
(1) البداية والنهاية (3/43) .
(24/463)

دعاء، وليس بعدهما دعاء.
والحكمة من تخفيفهما أن تفسح المجال لمن هو أحق منك.
فالناس ينتهون من الطواف أرسالاً؛ فإذا انتهى الطائفون وأنت حاجز هذا المكان تطيل الصلاة، فمعناه أنك حجزت مكاناً لمن هو أحق منك، فلا تطل الصلاة. ثم إنه قد يكون المطاف مزدحماً،
فيحتاج الطائفون إلى المكان الذي أنت فيه أيضاً، فمن ثم خفف النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة، واختار أن يقرأ بعد الفاتحة سورتي الكافرون والإخلاص (قُل يَآ أَيُّهَا الكَافِرُون (1)) ، و (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، لأن إمام الحنفاء هو صاحب هذا المقام وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي قال الله لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)) (1) .
والحكمة في قراءة هاتين السورتين أن فيهما التوحيد كله، بنوعيه التوحيد الخبري، والتوحيد الطلبي العملي. فالتوحيد الخبري في (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)) ، والعملي الطلبي في (قُلْ يَآ أيُّهاَ الكَافِرُونَ (1)) .
وهل للمقام دعاء؟
والجواب: ليس للمقام دعاء، ولا دعاء قبل الركعتين، ولا بعدهما؛ ولكن المشكلة أن مثل هذه البدع صارت كأنها قضايا مسلمة مشروعة، حتى إن الحاج ليرى أن حجه ناقص إذا لم يفعل
هذا؛ وكل هذا بسبب تقصير العلماء أو قصورهم. وإلا فمن الممكن أن يعطى هؤلاء الحجاج مناسك من بلادهم توجههم
__________
(1) سورة النحل، الآية: 123.
(24/464)

للطريق الصحيح.
وقوله: "ثم رجع إلى الركن فاستلمه "؛ يعني استلم الحجر الأسود، ولم يقبله. ولم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أشار إليه. وعلى هذا فيكون هنا استلام بلا تقبيل ولا إشارة إليه عند التعذر.
وقوله: "ثم خرج من الباب إلى الصفا"؛ يعني بعد أن صلى الركعتين خلف المقام رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب، أي من باب المسجد إلى الصفا؛ ومن المعلوم أنه سيختار الباب الذي يلي الصفا. والصفا هو الجبل الذي يكون أمام الحجر الأسود من الكعبة، أو يميل قليلاً إلى الركن اليماني.
وهو جبل معروف يسمى جبل أبي قبيس (1) .
وقوله: "فلما دناِ من الصفا"؛ يعني قرب منه. "قرأ (* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أبدأ بما بدأ الله به ".
وفائدة هذه القراءة إشعار نفسه بأنه إنما اتجه إلى السعي امتثالاً لما أرشد الله إليه في قوله: (* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (2) ؛ وليعلم الناس أنهم إنما يسعون بين الصفا والمروة من أجل أنهما من شعائر الله، وليعلم الناس أيضاً أنه ينبغي للإنسان إذا فعل عبادة أن يشعر نفسه أنه يفعلها طاعة لله عز وجل، كما لو توضأ الإنسان فينبغي أن يستشعر عند وضوئه أن يتوضأ امتثالاً لقوله
__________
(1) الصفا بالفتح والقصر. والصفا والصفوان والصفواء كله العريض من الحجارة الملس.
جمع صفاة، ويكتب بالألف، ويثنى صفوان. ومنه الصفا والمروة، وهما جبلان بين بطحاء مكة والمسجد. أما الصفا فمكان مرتفع من جبل أبي قبيس، بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق. معجم البلدان (3/467) .
(2) سورة البقرة، الآية: 158.
(24/465)

تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) (1) الآية. ويشعر أيضاً أنه يتوضأ كأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمامه يتبعه في وضوئه؛ وهكذا جميع العبادات. فإذا استشعر الإنسان عند فعل العبادة أنه يفعلها امتثالاً لأمر الله، فإنه يجد لها لذةً وأثراً طيباً.
وقوله: قرأ (* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) يحتمل أنه قرأ الآية كلها؛ وكان السلف يعبرون ببعض الآية عن جميعها.
ويحتمل أنه لم يقرأ إلا هذا فقط الذي هو محل الشاهد، وهو كون الصفا والمروة من شعائر الله، وكون الصفا هو الذي يبدأ به، وهذا هو المتعين، وذلك لأن الأصل أن الصحابة رضي الله عنهم ينقلون كل ما سمعوا وإذا لم يقل: حتى ختم الآية، أو حتى أتم الآية، فإنه يقتصر على ما نقل فقط.
وقوله: (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الشعائر جمع شعيرة، وهي النسك أو العبادة المتميزة عن غيرها بتعظيم الله عز وجل.
وقوله: "أبدأ بما بدأ الله به " لأنه بدأ بالصفا فقال: (* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) ؛ وفيه إشارة إلى أن الله إذا بدأ بشيء كان دليلاً على أنه مقدم إلا بدليل.
وقوله: "فرقي الصفا"، أي: عليه. وهذا الرقي ليس بواجب، وإنما هو سنة وإلا لو وقف على حد الصفا من أسفل حصل المقصود لقوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (2) . وحد
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة البقرة، الآية: 158.
(24/466)

الواجب الآن هو حد هذه الأسياخ التي جعلوها للعربات؛ وعلى هذا فلا يجب أن يصعد ويتقدم ولا سيما في أيام الزحام.
وقوله: "حتى رأى البيت " أي: الكعبة "فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
وقوله: "وحد الله " أي: نطق بتوحيده؛ ولعله قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الله أكبر. والنفي هنا نفي للإله الحق، أي: لا إله حق إلا الله؛ وأما
الآلهة التي تعبد من دون الله فليست بحق كما قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ) (1) .
وقوله: "وكبره وقال لا إله إلا الله "، يحتمل أنه زائد على قوله: فوحد الله أو أنه تفسير له. لكن وردت السنة بأنه يكبر ثلاث تكبيرات، ولكنه ليس كتكبير الجنازة، كما يتوهم بعض العامة،
حيث يقول الله أكبر بيديه يشير بها كما يشير بها في الصلاة هذا خطأ. لكن يرفع يديه، ويكبر ثلاثاً، ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصره عبده وهزم الأحزاب وحده.
وقوله: "وحده لا شريك له " وحده تأكيد للإثبات و" لا شريك له " تأكيد للنفي، واستفدنا توحده بالملك من تقديم الخبر "له الملك " لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. والملك يشمل ملك الذوات أي الأعيان؛ وملك التصرف، والله سبحانه وتعالى مالك
__________
(1) سورة الحج، الآية: 62.
(24/467)

لكل ما في السماوات والأرض، مالك للتصرف فيهما، لا شريك له في ملكه، ولا في تدبيره.
وقوله: "وله الحمد"، يعني أنه يحمد على كمال صفاته وعلى كمال إنعامه وإحسانه، وكذلك على كمال تصرفه وأفعاله.
وأعقب به قوله "له الملك "، ليفيد أن ملكه ملك يحمد عليه، فما كل من ملك شيئاً وتصرف فيه يحمد على تصرفه؛ لكن الله عز وجل يحمد على ملكه وتصرفه.
وقوله: "وهو على كل شيء قدير" كل شيء؛ فالله تعالى قادر عليه إن كان موجوداً، فهو قادر على إعدامه وتغييره، وإن كان معدوماً فهو قادر على إيجاده. والقدرة: صفة يتمكن بها من الفعل
بدون عجز، وهي أخص من القوة من وجه وأعم من وجه لأن القوة يوصف بها من له إرادة ومن لا إرادة له. فيقال: حديد قوي، وإنسان قوي. أما القدرة فلا يوصف بها إلا من كان ذا إرادة. فيقال الإنسان قدير، ولا يقال الحديد قدير؛ لكن القوة أخص لأنها قدرة وزيادة.
ولهذا نقول: كل قوي ممن له قدرة فهو قادر، ولا عكس.
وقوله: " لا إله إلا الله وحده " كرر ذلك، لأن باب التوحيد أمر مهم ينبغي تكراره، ليثبت ذلك في قلبه، وهو مع ذلك يؤجر عليه.
وقوله: "أنجز وعده " يعني بنصر المؤمنين، فأنجز للرسول - صلى الله عليه وسلم - ما وعده قال الله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ) (1) .
وقوله: "ونصر عبده " هذا اسم جنس يشمل كل عبد من عباد
__________
(1) سورة الفتح، الآية: 27.
(24/468)

الله قائم بأمر الله، فإنه منصور. قال الله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)) (1) .
وقو له: "وهزم الأحزاب وحده " الأحزاب جمع حزب، وهم الطوائف الذي تحزبوا على الباطل، وتجمعوا عليه (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) (2) . فهزمهم الله وحده ومثال على ذلك قصة الأحزاب الذين تجمعوا لحرب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحاصروه في المدينة
وهم نحو عشرة آلاف نفر، ومع ذلك هزمهم الله وحده أرسل عليهم ريحاً وجنوداً فقلقلتهم حتى انهزموا. وهل المراد بهزيمة الأحزاب في قوله: "وهزم الأحزاب وحده " ما جرى في عام الخندق أو ما هو أعم!؟ نقول: ما هو أعم.
وقوله: "ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات " يعني قال هذا الذكر ثم يدعو، ثم يقوله مرة ثانية ثم يدعو، ثم يقوله مرة ثالثة ثم ينزل، لأنه قال: "ثم دعا بين ذلك "؟ والبينية تقتضي أن يكون
محاطاً بالذكر من الجانبين، فيكون الدعاء مرتين، والذكر ثلاث مرات.
وقوله: "ثم نزل إلى المروة" أي مشى إلى المروة متجهاً إليها.
والمروة هي الجبل المعروف بقعيقعان (3) ، وهما جبلان
__________
(1) سورة غافر، الآية: 51.
(2) سورة الصف، الآية: 8.
(3) قعيقعان: بالضم ثم الفتح بلفظ تصغير: وهو اسم جبل بمكة قيل: إنما سمي بذلك لأن قطوراء وجرهم لما تحاربوا قعقعت الأسلحة فيه. وعن السدي أنه قال: سمي الجبل الذي بمكة قعيقعان، لأن جرهم كانت تجعل فيه قسيها وجعابها ودرقها فكانت تقعقع فيه.=
(24/469)

معروفان في مكة، أحدهما"أبو قبيس الآخر قعيقعان.
وقوله: "حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى" بطن الوادي هو مجرى السيل، ومكانه ما بين العلمين الأخضرين الآن، وكان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مسيل المياه النازلة من الجبال.
وقوله: "سعى"، أي: ركض ركضاً شديداً، حتى إن إزاره لتدور به من شدة السعي.
وقوله: "حتى إذا صعدتا" يعني ارتفع عن بطن الوادي "مشى حتى أتى المروة"، وإنما فعل ذلك اقتداءً بأم إسماعيل رضي الله عنها؛ فإن أم إسماعيل كما وضعها إبراهيم عليه الصلاة والسلام هي وولدها في هذا المكان، وجعل عندهما ماء وتمراً، فجعلت الأم تأكل من التمر، وتشرب من الماء، وترضع الطفل، فنفد التمر والماء، وجاعت الأم وعطشت، ونقص لبنها فجاع الطفل، فجعل الطفل يصيح ويتلوى من الجوع، فأمه من أجل الأمومة رحمته، وخرجت إلى أدنى جبل إليها تستمع لعلها تسمع أحداً أو ترى أحداً، فصعدت الصفا، وجعلت تنظر، فلم تجد أحداً، فرأت أقرب جبل إليها بعد الصفا المروة، فاتجهت إليه تمشي وهي تنظر إلى الولد " فلما نزلت بطن الوادي احتجب الولد عنها، فجعلت تركض ركضاً شديداً من أجل أن تلاحظ الولد. فلما صعدت من المسيل مشت، حتى أتت المروة، ففعلت ذلك سبع مرات، وهي في أشد ما تكون من الشدة لا بالنسبة إليها جائعة عطشى فقط، ولا بالنسبة إلى الولد
__________
= والواقف على قعيقعان يشرف على الركن العراقي، إلا أن الأبنية قد حالت بينهما. معجم البلدان (4/430) .
(24/470)

فقط عند الشدة يأتي الفرج، فبعث الله عز وجل جبريل، فضرب بعقبه أو جناحه الأرض في مكان زمزم، فنبع الماء بشدة، فجعلت أم إسماعيل تحجر الماء، تخشى أن يضيع من شدة شفقتها. قال
النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عيناً معيناً.
ولكن لاشك أن هذا من حكمة الله عز وجل. ووجه ذلك أنه لو كانت عيناً معيناً" في هذا المكان وقرب الكعبة لصار فيها مشقة على الناس، ولكن من نعمة الله عز وجل أن صار الأمر كما أراد الله تبارك وتعالى.
لكنها حجرتها ثم شربت من هذا الماء فكان هذا الماء، طعاماً وشراباً، وجعلت تسقي الولد. والحديث ذكره البخاري مطولاً (1) .
فهذا أصل السعي كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -. فلذلك سعى الناس. والمهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى من أجل أن الناس إنما سعوا من أجل سعي أم إسماعيل.
وقوله: "ففعل على المروة كما فعل على الصفا" لم يذكر جابر رضي الله عنه ماذا يقوله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بقية سعيه، ولكن قد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن السعي لذكر الله، فقال: "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (2) . فأي ذكر تذكر الله به فهو خير، سواء بالقرآن، أو بالتسبيح، أو بالتهليل، أو بالتكبير، أو بالتحميد، أو بالدعاء. فأي شيء تذكر الله به، فإنك قد حصلت على المطلوب.
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب (يزفون) (3364) .
(2) أخرجه أبو داود في المناسك/باب الرمل (1888) ، والترمذي في الحج/باب ما جاء في كيف يرمي الجمار (902) ، والدرامي في المناسك/باب الذكر بعد رمي الجمار (279) .
(24/471)

وهل ينافي ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
الجواب: لا، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الذكر، لأنه تذكير للخلق بما شرع الله لهم.
وقوله: "ففعل على المروة كما فعل على الصفا" يعني من الصعود، والدعاء، والمقام. فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك سبع مرات. فلما كان آخر طواف على المروة نادى وهو على المروة وأمر الناس من لم يسق الهدي منهم أن يجعلوا نسكهم عمرة فجعلوا يراجعون النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى قالوا: الحل كله يا رسول الله قال: الحل كله قالوا: نخرج إلى منى وذكر أحدنا يقطر منياً، يعني من جماع أهله قال: افعلوا ما آمركم به، فلولا أن معي الهدي لأحللت معكم، فأحلوا رضي الله عنهم. أما النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ساق الهدي فلم يحلوا ثم نزلوا بالأبطح (1) في ظاهر مكة. فلما كان يوم التروية خرجوا إلى منى فمن كان منهم باقياً على إحرامه فهو مستمر في إحرامه ومن كان قد أحل أحرم بالحج من جديد.
وقوله: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة". هل يقال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمنى خلاف الواقع أو يقال إن هذا خبر مجرد. الجواب: الثاني. فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتمن، لأنه يعلم
أن هذا هو الأفضل، أعني قرانه؛ لكنه قال للصحابة رضي الله عنهم
__________
(1) الأبطح: بالفتح ثم السكون وفتح الطاء والحاء المهملة هو كل مسيل فيه دقاق الحصى، فهو أبطح والأبطح يضاف إلى مكة، وإلى منى لأن المسافة بينه وبينها واحدة وربما كان إلى منى أقرب وهو المحصب معجم البلدان (1/95) .
(24/472)

هكذا لتطييب نفوسهم ويحلوا برضى.
وقوله: "فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ " قوله: "فقام سراقة" كان هذا عند المروة، والسياق الذي في البخاري- رحمه الله- كان عند العقبة، فما
الجمع بينهما؟ نقول الجمع بينهما: ربما أن سراقة رضي الله عنه أعاد السؤال مرة أخرى إما لأنه نسي ما قاله عند المروة، وإما لزيادة التأكد، وهذا قد يقع.
وقوله: "وقدم علي من اليمن ببدن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل ولبست ثياباً صبيغاً، واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرشاً على فاطمة للذي صنعت مستفتياً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها،
فقال: "صدقتْ صدقتْ. ماذا قلت حين فرضتَ الحج " قال: اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ".
قوله: "قدم علي من اليمن "، أي: وصل إلى مكة والنبي - صلى الله عليه وسلم - في الأبطح. والسبب في ذهابه إلى اليمن لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسله إلى اليمن للدعوة إلى الله وأخذ الزكوات منهم، وغير ذلك. وقوله: "ببدن النبي - صلى الله عليه وسلم - " أي ببعضها، لأن بعضها جاء بها علي رضي الله عنه، وبعضها جاء بها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، كما يأتي في آخر الكلام.
وقوله: "فوجد فاطمة رضي الله عنها ممن حل، ولبست ثياباً صبيغاً" أي: ثوباً جميلاً، وكأنها متهيئة لزوجها رضي الله عنهما.
(24/473)

وقوله: "فأنكرت ذلك عليها"، لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة في أشهر الحج.
وقوله: "فقالت: إن أبي أمرني بهذا" أي أخبرته أن أباها - صلى الله عليه وسلم - أمرها بهذا.
وقوله: "فذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محرشاً على فاطمة للذي صنعت، مستفتياً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكرت عنه ". التحريش في الأصل التهييج والإغراء، كما يحرش بين البهائم، وكما يحرش بين الناس. ولهذا يقال حرش فلان على فلان، أي هيج غيره عليه وأغراه به. فذهابه للنبي - صلى الله عليه وسلم - لغرضين الغرض الأول التحريش على
فاطمة رضي الله عنها لماذا تحل، والثاني: الاستفتاء، هل عملها صحيح أو غير صحيح؟
وقوله: "فأخبرته أنى أنكرت ذلك عليها فقال: صدقت صدقت " يعني أمرتها بهذا، وكرر ذلك توكيداً؛ لأن المقام يقتضي ذلك. فقوله: "صدقت " أي فيما قالت أني أمرتها به. وإنما أمرها
النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أمر غيرها، لأنها لم تسق الهدي فحلت. وقوله: "ماذا قلت حين فرضت الحج "، أي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب رضي الله عنه ماذا قال حين فرض الحج قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسولك قال: إن معي الهدي فلا تحل.
ففي هذا دليل على مسألة خاصة بعلي رضي الله عنه، وعلى مسألة عامة للمسلمين.
أما المسألة الخاصة بعلي فهو ذكاؤه رضي الله عنه وفطنته،
(24/474)

وحرصه على التأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث أحرم بما أحرم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
أما المسألة العامة، فهي جواز مثل هذا، أي أنه يجوز للإنسان أن يقول لبيك، أو أحرمت بما أحرم به فلان ممن يثق بعلمه ودينه، مع أنه سيكون مجهولاً له حتى يصل إلى فلان.
فإذا قال أحرمت بما أحرم به فلان وكان فلان قارناً، فهل لهذا إذا لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة؟
الجواب: نعم. لأنه لو أحرم به من أول، فإننا نأمره أن يحل بعمرة، فكيف إذا كان مقتدياً بغيره. ولكن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أشركه النبي - صلى الله عليه وسلم - في هديه وجعل منه نصيباً. ولهذا قال معي الهدي فلا تحل.
وظاهر هذه العبارة أن من أحرم بمثل ما أحرم به فلان، وكان فلان قد ساق الهدي ولم يحل، فإن الثاني لا يحل. لكن هذا مقيد بما إذا كان الثاني قد ساق الهدي أو مشاركاً له فيه، كما سيأتي في
سياق الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشرك علياً رضي الله عنه في هديه.
وقوله: "قال جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة".
قوله: "جماعة"، أي مجموع الهدي، و (مائة) بالألف، ولكن هذه الألف لا ينطق بها، والناطق بها يعتبر لاحناً، بل يقال مئة كما يقال فئة بدون نطق الألف.
وقوله: "فلما كان يوم التروية" "يوم " بالرفع مع أنه ظرف زمان، لأنه هنا سلبت منه الظرفية. فـ"يوم " هنا فاعل "كان"، وكان
(24/475)

هنا تامة وليست ناقصة، فلا تحتاج إلى اسم وخبر. والمعنى: لما جاء يوم التروية توجهوا إلى منى.
ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة؛ وسمي بذلك؛ لأن الناس يتروون فيه الماء لما بعده. يعني يستسقون فيه الماء ليوم عرفة وأيام منى. ومن هذا اليوم إلى آخر أيام التشريق لكل يوم من
هذه الأيام الخمسة اسم خاص. فالثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني.
وقوله: "توجهوا إلى منى"؛ الضمير يعود على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه توجهوا من الأبطح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل هناك في الأبطح، ولم يذكر جابر رضي الله عنه أن أحداً من الصحابة رضي الله عنهم جاء إلى البيت وأحرم منه، ولو أن أحداً فعل ذلك لبينه.
وقوله: "إلى منى"؛ منى: اسم مكان معروف، وسميت بهذا الاسم لكثرة ما يمنى فيها من الدماء. أي: يراق من الدماء، وهي من حيث الإعراب مصروفة، فنقول: منىً بالتنوين. وحدُّها شرقاً
وغرباً من وادي محسر إلى جمرة العقبة، ومن الشمال والجنوب قال العلماء- رحمهم الله-: كل سفوح الجبال الكبيرة، ووجوهها التي تتجه إلى منى من منى. وبناء على هذا تكون منى واسعة جداً،
وتسع الحجاج لو أنها نظمت تنظيماً تاماً مبيناً على العدل. لكن بعض الناس يتخذ مكاناً واسعاً يسع أكثر من حاجته.
مسألة: توجد مشكلة في الوقت الحاضر. يقول بعض الناس أنا لا أجد أرضاً بمنى إلا بأجرة فهل يجوز لي أن أستأجر أرضاً في منى؟
(24/476)

فالجواب: نعم يجوز؛ والإثم على المؤجر الذي أخذ المال بغير حق. أما المستأجر فلا إثم عليه. ولهذا قال فقهاء الحنابلة - رحمهم الله-: لا يجوز تأجير بيوت مكة، ولكن إذا لم يجد بيتا إلا بأجرة دفع الأجرة، والإثم على المؤجر. وبيوت منى وأرضها من باب أولى لأن منى مشعر محدود محصور، فأين يذهب الناس إذا استولى عليها من يقول: أنا لا أُنزل فيها الناس إلا بأجرة؟!.
أما مكة فيمكن أن ينزل الإنسان بعيداً، ولكن منى وعرفة ومزدلفة مشاعر كالمساجد، لا يجوز لأحد إطلاقاً أن يبني فيها بناءً يؤجره، ولا أن يختط أرضاً ويؤجرها، فإن فعل فالناس معذورون
يبذلون الأجرة، والإثم على الذي أخذها.
وقوله: "وركب النبي - صلى الله عليه وسلم - فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر" صلى بمنى خمس صلوات، كل صلاة في وقتها بدون جمع، لأنه لو كان يجمع لبينه جابر رضي الله عنه فإن الجمع خلاف الأصل. ولما لم ينبه عليه علم أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الصلوات الخمس صلاة مفرودة كل صلاة في وقتها، الظهر، والعصر، والعشاء قصراً، لحديث أنس الثابت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج عام حجة الوداع، ولم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة (1) ، وأنس رضي الله عنه له خبرة بأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه خادمه.
وقوله: "أمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة فسار رسول الله
__________
(1) قال أنس رضي الله عنه: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة" أخرجه البخاري في كتاب تقصير الصلاة/باب ما جاء في التقصير (1081) ، ومسلم في صلاة المسافرين (693) .
(24/477)

- صلى الله عليه وسلم -، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية". قريش لحميتها الجاهلية وتعصبها لا تقف يوم عرفة إلا في مزدلفة، تقول نحن أهل الحرم، فلا نخرج إلى الحل؛ وأما بقية الناس، فيقفون في عرفة لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - جدد الحج على مشاعر إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
وقوله: "فأجاز حتى أتى عرفة"؛ أجاز بمعنى تعدى، يعني جاوز مزدلفة إلى عرفة.
وقوله: "فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها". أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى عرفة، وكان قد أمر أن تضرب له قبة بنمرة (1) ، وهي قرية قرب عرفة، فضربت له القبة بنمرة، فنزل بها حتى زالت الشمس؛ وهذا النزول فيه استراحة بعد التعب من المشي من منى إلى عرفة لأن هذه هي أطول مسافة في الحج- من منى إلى عرفة- فبقي النبي - صلى الله عليه وسلم - هناك واستراح.
وظاهر السياق أن نمرة من عرفة؛ لأنه قال: "حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة". وهذا يدل على أن نمرة من عرفة وأنها جزء منها فتكون نمرة اسماً لمكان معين من عرفة.
وهذا أحد القولين لأهل اللغة وأهل الفقه فإن أهل اللغة، وأهل الفقه؛ اختلفوا هل نمرة من عرفة أم لا؟
فجزم النووي -رحمه الله- (2) وجماعة من أهل العلم بأنها
__________
(1) نمرة: بفتح أوله وسر ثانيه أنثى النمر: ناحية بعرفة نزل بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل الحرم من طريق الطائف على طرف عرفة من نمرة على أحد عشر ميلاً، وقيل نمرة الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك إذا خرجت من المازمين تريد الموقف. معجم البلدان (5/352) .
(2) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (8/411) .
(24/478)

ليست من عرفة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله وهذا هو الصواب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن ببناء الخيمة فيها، ولو كانت مشعراً لم يأذن ببناء الخيمة فيها، ولهذا ما بني له خيمة في عرفة، ولا بني له خيمة في منى، حتى إنه يروى أنه قيل له ألا نبني لك خيمة في منى
فقال: (لا، منى مناخ من سبق) (1) . هكذا روي عنه. وكونه يأذن أن يبنى له خيمة في نمرة يدل على أنها ليست من المشاعر، وإلا لما أذن فيها.
وأما قوله: "حتى أتى عرفة"، فمعناه بيان لمنتهى تجاوزه، وأنه لم يقف بمزدلفة كما كانت قريش تفعل، بل تجاوزها حتى بلغ عرفة التي هي موقف الناس؟ كما قال الله تعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) (2) ؛ والناس يفيضون من عرفة. ولهذا لم يقل: "فوجد القبة قد ضربت بها في نمرة".
وذهب آخرون إلى أنها من عرفة، وهو قول جماعة من أهل الفقه، ومن أهل اللغة أيضاً، كما في القاموس (3) . وسيأتي- إن شاء الله- ما يترتب على هذا الخلاف من الحكم في الفوائد.
فإن قال قائل: أين تقع نمرة؟
قلنا: تقع نمرة على حدود الحرم، عند الجبل الذي يكون على يمينك وأنت سائر إلى عرفة من الطريق الذي يخرج على المسجد. ويقولون إن نمرة عند أعلام الحرم، وهذا ما جزم به الأزرقي- رحمه الله- صاحب تاريخ مكة (4) .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/187، 207) .
(2) سورة البقرة، الآية: 199.
(3) (4/442) .
(4) أخبار مكة (2/252) .
(24/479)

وقوله: "فوجد القبة"، القبة خيمة من صوف أو غيره ضربت للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فنزل بها واستراح.
وقوله: "حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له " زاغت: بمعنى مالت إلى الغرب، والقصواء اسم ناقته التي حج عليها صلوات الله وسلامه عليه.
وقوله: "فرحلت له "، أي: جعل رحلها عليها؛ وفيه دليل على أنه قد نزل الرحل عنها، لأنه استراح من أول النهار إلى زوال الشمس، وهذه مدة طويلة.
وقوله: "فأتى بطن الوادي "، يعني وادي عرنة نزل فيه عليه الصلاة والسلام، لأنه أسهل من الأرض الجرداء، إذ إن مجرى الوادي سهل لين. ففي هذا دليل على طلب السهل في النزول، ولكن لا يبيت الإنسان في مجاري السيول، لأن السيول قد تأتي بدون شعور، فيكون في ذلك ضرر؛ ولهذا نهي عن الإقامة فيها. أما إقامة النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا، فإنها إقامة قصيرة يسيرة.
وقوله: "فخطب الناس " خطبهم خطبة عظيمة بليغة، قرر فيها قواعد الإسلام (1) . فقال عليه الصلاة والسلام: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا". أكد التحريم عليه الصلاة والسلام، تحريم الدماء، والأموال بهذا التأكيد كحرمة يومكم هذا، وهو يوم عرفة، فإنه يوم حرام، لأنه من جملة أيام الحج، والناس فيه محرمون.
__________
(1) قد شرحها الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد- رحمه الله- في رسالة صغير مفيدة.
(24/480)

وقوله: "في شهركم هذا"، يعني شهر ذي الحجة، لأنه من الأشهر الحرم، بل هو أوسط الأشهر الحرم الثلاثة المقترنة.
وقوله: "في بلدكم هذا"، يعني مكة، فإنه لاشك أن أعظم البلاد حرمة هي مكة.
وقوله: "الأكل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع "، يعني موضوع تحت القدم، وهذا كناية عن إبطاله وإهانته، لأنه جرت عادة الناس أن الشيء المكرم يقال على الرأس، والمهان يقال
تحت القدم.
والمعنى أنها باطلة مهينة لا عبرة بها. وهذا عام في جميع أمور الجاهلية، كلطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، وغير ذلك. وعلى هذا فيكون كل أمور الجاهلية قد محيت بهذا الحديث ولا اعتماد عليها، ولا رجوع إليها.
وقوله: "ودماء الجاهلية موضوعة"، أي الدماء التي حصلت بين أهل الجاهلية كلها موضوعة، لا حكم لها، ولا قصاص، ولا دية، ولا شيء.
وقوله: "وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث "، يعني ابن عمه عليه الصلاة والسلام وضعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنه أولى الناس به، أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فوضعه.
وقوله: "فقال كان مسترضعاً في بني سعد فقتله هذيل "، فهذا قريب النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن عمه أهدر النبي - صلى الله عليه وسلم - دمه، وجعله موضوعاً يعني فلا يطالب به. كل هذا لئلا يعود الناس إلى أمور الجاهلية، فيطالبون بما كان بينهم من أمور الجاهلية من دماء أو أموال.
(24/481)

وقوله: "وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله ". كل ربا الجاهلية موضوع، أبطله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأول ما أبطل من الربا ربا أقاربه، ربا عباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وكان غنياً يرابي، فوضع النبي - صلى الله عليه وسلم - رباه كله؛ وهذا تحقيق لقوله تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)) (1) .
ثم انتقل - صلى الله عليه وسلم - إلى قضية المرأة التي كانت في الجاهلية مظلومة، وكان الرجال يستعبدون النساء، حتى تصل بهم الحال إلى أن يمنعوهن من الميراث، ويقولون لا إرث للمرأة، الإرث
للرجال، لأنهم هم الذين يذودون عن البلاد، ويحمون الأعراض.
أما المرأة فليس لها ميراث، ولكن الإسلام حكم بالعدل في النساء، وأعطاهن حقهن.
من ذلك إعلان النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الخطبة في قوله "فاتقوا الله في النساء"، أي لا تظلموهن، ولا تقصروا في حقوقهن، ولا تعتدوا عليهن. وقوله: "فإنكم أخذتموهن بأمان الله "، أي أمانة عندكم، لا يجوز الغدر فيها ولا الخيانة. وقوله: "واستحللتم فروجهن بكلمة
الله "، كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)) (2) ؛ فهذه من كلمات الله التي استحل بها الرجل فرج امرأته.
وقوله: "ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ".
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 279.
(2) سورة المؤمنون، الآيتان 5-6.
(24/482)

هذا من حق الزوج على زوجته ألا توطئ فراشه أحداً يكرهه.
والمراد بالفراش ما هو أعم من فراش النوم، فيدخل في ذلك فراش البيت، ويدخل في ذلك أيضاً ما كان وسيلة إليه، كإدخال أحد بيت زوجها وهو يكرهه، سواء كان من أقاربها أو من الأباعد، فلا يحل للمرأة أن تدخل أحداً بيت زوجها وهو لا يرضى بذلك.
وقوله: "فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح "، يعني إذا أدخلن في بيوتكم من تكرهونه فاضربوهن. وهنا قال - صلى الله عليه وسلم - اضربوهن؛ وفي القرآن الكريم يقول الله تبارك وتعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) (1) ؟ والفرق بينهما أن الآية قال الله فيها (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) ؛ وأما هذا الحديث فقد وقعت المفسدة محققة منها، فتضرب على ما مضى لا إصلاحاً للمستقبل، الإصلاح هو قوله: (فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) ، لكن هذا تأديب وتعزير على ما وقع من المرأة حيث أوطأت فراش زوجها من يكرهه؛ لكنه ضرب غير مبرح، أي غير شديد ولا جارح لجسدها، بل هو ضرب خفيف يحصل به التأديب، وبيان سلطة الرجل عليها.
وقوله: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف " الرزق العطاء، وهو ما يقوم به البدن من طعام وشراب. وقوله: "وكسوتهن " أي ما يستر به ظاهر الجسد، فهو على الزوج لكن بالمعروف.
وقوله: "بالمعروف "، أي بما يتعارفه الناس مما يكون على
__________
(1) سورة النساء، الآية: 34.
(24/483)

الزوج الغني حسب غناه، والفقير حسب فقره.
واختلف العلماء- رحمهم الله- هل المعتبر حال الزوج أو حال الزوجة أو حالهما.
فالمشهور من المذهب إن المعتبر حالهما. والقول الثاني إن المعتبر حال الزوج. والقول الثالث أن المعتبر حال الزوجة.
والصواب أن المعتبر حال الزوج، لقول الله تعالي: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) (1) . فالغنية مع الغني نفقتها نفقة غني، والفقيرة مع الفقير نفقتها نفقة فقير
والمتوسطة مع المتوسط نفقتها نفقة المتوسط، وهذا واضح تتفق فيه الأقوال.
والغنية مع الفقير نفقة فقير، على القول بأن المعتبر حال الزوج، ونفقة غني على القول بأن المعتبر حال الزوجة، ونفقة متوسط على القول بأن المعتبر حالهما؛ لكن الصحيح أن المعتبر حال الزوج.
ويفهم من هذا الحديث أنه لا نفقة للزوج على الزوجة ولو كانت غنية وهو فقير؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلن في هذا المجتمع أن الإنفاق على الزوج، خلافاً لابن حزم- رحمه الله- حيث قال إذا كان الزوج فقيراً والزوجة غنية فإنه يلزمها أن تنفق عليه لعموم قوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) (2) ، والزوجة وارث لزوج، فيلزمها أن تنفق عليه. فيقال نعم إذا كان الإنفاق من أجل المواساة.
__________
(1) سورة الطلاق، الآية: 7.
(2) سورة البقرة، الآية: 233.
(24/484)

أما إذا كان معاوضة، فلا يمكن أن نلزم الزوجة بالإنفاق على زوجها؛ لأن المستمتع الزوج. ولهذا سمي المهر أجراً، كأنه دفعه المستأجر إلى الأجير. فالإنفاق عليها معاوضة، وليس من باب المواساة. أما لو كان من باب المواساة، كالإنفاق بين الأقارب، فنعم يجب على الغني أن ينفق على الفقير.
وقوله: "وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله ". هذا فيه بيان بعد الإجمال، والبيان بعد الإجمال من أساس البلاغة؛ لأن الشيء إذا جاء مجملاً تشوفت النفوس إلى بيانه. فقد قال: ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعده، فتتشوف النفوس ما هذا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "كتاب الله "، يعني هو كتاب الله وهو القرآن الكريم وأضيف إلى الله لأن الله هو الذي أنزله، وهو الذي تكلم به، وسمي كتاباً لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ. وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي الصحف التي بأيدينا.
وقوله: " وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون " يسألون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة هل بلغكم رسولي؟. وإنما يسئلُ الناس عن ذلك إقامة للحجة عليهم، وإلا فالرب عز وجل يعلم أن رسوله بلغ البلاغ المبين صلوات الله وسلامه عليه، فهو شبيه بقوله تعالى: () وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)) (1) ، هي لا تسأل لأجل أن تعذب، ولكنه توبيخ لمن وأدها.
وقوله: "ثم أذن ثم أقام، فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر" أذن يعني أمر بالأذان، وكذلك في الإقامة، لأن مؤذنه إذ ذاك بلال
__________
(1) سورة التكوير، الآيتان: 8، 9.
(24/485)

رضي الله عنه أمره أن يؤذن بعد الخطبة، ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر، وكان ذلك يوم جمعة، ولكن لم يصل الجمعة، لأنه ليس من هدي الرسول أن يقيم الجمعة في السفر، ومن أقام
الجمعة في السفر فهو مبتدع، وصلاته باطلة، وهذا يدل على قصور نظر بعض الناس الذين قالوا إن الجمعة واجبة في الحضر والسفر.
فإن قال قائل: ما الدليل على أنها لا تجب في السفر، مع أن ما وجب في السفر وجب في الحضر، وما وجب في الحضر وجب في السفر؟
فالجواب: هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في السفر، وكم مر عليه من جمعة؟
كثير، ومع ذلك لم ينقل عنه حديث صحيح ولا ضعيف أنه كان يقيم الجمعة في السفر، فمن أقام الجمعة في السفر فهو مبتدع بلا شك، مخالف لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلاته باطلة. فهذا النبي في أعظم جمع اجتمع به في أمته في حجة الوداع أتت عليه الجمعة، وهو في أفضل يوم وهو يوم عرفة، ومع ذلك ما أقام الجمعة ولو كانت مشروعة فهل يدعها الرسول - صلى الله عليه وسلم -؟!.
أبداً لا يمكن. فلما لم يفعلها مع وجود السبب المقتضى لها علم أنها ليست مشروعة، وأنها ليست من دين الله؛ ولهذا بدأ بالخطبة قبل الأذان، وصلاة الجمعة يبدأ بالأذان قبل الخطبة، وأيضاً يقول: "فصلى الظهر " وهذا صريح ثم "أقام وصلى العصر"، وكان ذلك يوم الجمعة وهذا بخلاف المسافر المقيم في بلد تقام فيه الجمعة فإن ظاهر النصوص وجوبها عليه لعموم الأدلة ولأنه قد
(24/486)

يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، لكن إن تضرر بالتأخر للجمعة، أو خاف فوت رفقته فهو معذور في تركها.
وقوله: "ولم يصل بينهما شيئاً"، لأنه ليس من المشروع أن يتطوع الإنسان براتبة الظهر في السفر. ولهذا ما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - راتبة الظهر التي بعدها كما لم يصل التي قبلها.
وقوله: "ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس ". قوله: "ركب " أي من مكانه الذي صلى
فيه ركب ناقته "حتى أتى الموقف "، (أل) هنا للعهد الذهني، أي الموقف الذي اختار أن يقف فيه وإلا فإن عرفة كلها موقف، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (1) .
لكن أتى الموقف الذي اختار أن يقف فيه، وهو شرقي عرفة عند الصخرات. والحكمة من ذهاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك الموقف، لأنه - والله أعلم- كان عليه الصلاة والسلام من عادته أن يكون في أخريات القوم، يتفقد من احتاج إلى معونة أو مساعدة، أو ما شابه ذلك، وليس هذا من أجل اختصاص هذا المكان المعين بخصيصة، بل كل عرفة موقف، ولهذا قال: "وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف ".
وقوله: "فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات " يعني يلي الصخرات. وهي معروفة إلى الآن لا تزال موجودة.
وقوله: "وجعل حبل المشاة بين يديه ". حبل المشاة قال
__________
(1) تقدم تخريجه ص 155.
(24/487)

العلماء- رحمهم الله-: إنه طريقهم الذي يمشون معه، وسمي حبلاً لأنه كان رملاً، والأقدام تؤثر فيه، فالطريق الذي أثرت فيه الأقدام كأنه حبل.
وقوله: "واستقبل القبلة" يدعو الله عز وجل، رافعاً يديه مبتهلاً إلى الله عز وجل بالذكر والدعاء، والإنابة والخشوع، حتى إن زمام راحلته سقط، فأمسكه بإحدى يديه وهو رافع الأخرى. وهذا
يدل على تأكد رفع اليدين هنا.
وقوله: "فلم يزل واقفا"، المراد بالوقوف هنا المكث، لا الوقوف على القدمين؛ فالقاعد يعتبر واقفاً، والوقوف قد يراد به السكون لا القيام. ومعلوم أن الراكب على الناقة جالس عليها ليس واقفاً عليها.
وهل الأفضل أن يقف راكباً، أم أن يقف غير راكب؟ سيأتي ذلك في الفوائد- إن شاء الله-.
وقوله: "فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس "، لم يزل واقفاً منذ أن وصل إلى موقفه بعد الصلاة وبعد المسير من عرنة إلى الموقف حتى غربت الشمس، ولم يمل، ولم يتعب من طول القيام، ولكن الله عز وجل أعانه على طاعته عوناً لم يحصل لأحد مثله عليه الصلاة والسلام.
ثم إنه في هذا الموقف سئل عن رجل وقصته ناقته وهو واقف بعرفة ومات فقال - صلى الله عليه وسلم -: "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه، ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" (1) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 87.
(24/488)

فقوله: "وكفنوه في ثوبيه "، يعني ثياب الإحرام؟ فلا يكفن بغيرها ولو تيسر أن يكفن بغيرها، بل الأفضل والسنة أن يكفن بها، لأنه سيخرج من قبره يوم القيامة يقول: لبيك اللهم لبيك.
وقوله: "وذهبت الصفرة قليلاً"، يعني لم تذهب نهائياً، بل ذهبت قليلاً لأنه إذا غابت الشمس، واستحكم غروبها قلت الصفرة.
وقوله: "حتى غاب القرص"، هذا تأكيد لقوله: "حتى غربت الشمس "، لأنه قد يتوهم واهم أن المراد بغروب الشمس غروب بعضها، فأكد ذلك بقوله: "حتى غاب القرص" ويفهم منه كون
الجو صحواً ليس فيه سحاب يحول بين الناس ورؤية الشمس عند غروبها.
وقوله: "وأردف أسامة خلفه " أردف أسامة بن زيد رضي الله عنه ولم يردف كبار الصحابة رضي الله عنهم، ولا أقاربه أو كبار أقاربه.
مسألة: هل يلزم من إرداف النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسامة رضي الله عنه أن يكون أفضل من غيره؟
الجواب: لا يلزم من فضيلة أسامة رضي الله عنه بهذه الخصيصة أن يكون أفضل من غيره مطلقاً، لأن الفضل منه ما هو مقيد ومنه ما هو مطلق فأفضل الصحابة على الإطلاق أبو بكر رضي
الله عنه.
ولكن لا يلزم أن يفضله غيره في بعض الخصائص، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "أنت
(24/489)

مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" هذه خصيصة لم تكن لغيره رضي الله عنه.
وقوله: "ودفع وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى يا أيها الناس السكينة، السكينة وكلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد"؛ القصواء ناقته شنق لها الزمام يعني خنقه وضيقه وجذبه لكيلا تسرع، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ومورك الرحل هو الذي يضع الراكب رجله عليه إذا تعب أو مل من الركوب، وهو يقول للناس بيده اليمنى يا أيها الناس السكينة السكينة، لأنه جرت عادة الناس منذ زمن طويل أنهم عند الدفع يندفعون ويسرعون يتبادرون النهار من جهة، ولأن الإنسان خلق من عجل وصفته العجلة. قال الله
تعالى: (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) (1) وقال تعالى: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً (11)) (2) ، فأصل إمداده وإعداده كله عجلة.
وقوله: "السكينة السكينة" بالنصب، أي الزموا السكينة، يعني لا تسرعوا، لا تعجلوا. وقد جاء في حديث آخر: "فإن البر ليس بالإيضاع " (3) ، يعني ليس بالسرعة.
وقوله: "وكلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد"، يعني إذا أتى دعثاً أو رملاً أرخى لها قليلاً حتى تصعد رأفة بالناقة لأنه لو شنق لها الزمام وأمامها شيء مرتفع، وفيه شيء من
__________
(1) سورة الأنبياء، الآية: 37.
(2) سورة الإسراء، الآية: 11.
(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج/باب أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الإفاضة، وإشارته إليهم بالسوط
(1671) .
(24/490)

الدعث والرمل صعب عليها، فيرخي لها النبي - صلى الله عليه وسلم - قليلاً حتى تصعد.
وقوله: "حتى أتى مزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ". المزدلفة من الإزدلاف، وهو القرب، وتسمى جمعاً، لأن الناس يجتمعون فيها بعد الوقوف بعرفة، وكانوا أيضاً يجتمعون بها من قبل لما كانت قريش لا تخرج إلى عرفة بل تقف في مزدلفة وتقول: إننا أهل الحرم، فلا نخرج عنه.
فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بها المغرب والعشاء جمع تأخير؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان واقفاً في أقصى عرفة من الناحية الشرقية، ثم دفع حتى أتى المزدلفة. وبين عرفة ومزدلفة مسافة طويلة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قد شنق للقصواء الزمام، وهو يقول للناس: السكينة السكينة، وهذه المسافة لاشك أنها ستستوعب مدة صلاة المغرب، فلم يصل إلا بعد دخول وقت صلاة العشاء، لاسيما أنه وقف في أثناء الطريق، وبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، كما في حديث أسامة رضي الله عنه (1) .
إذاً جَمْعُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان جمع تأخير. ولهذا قال العلماء - رحمهم الله- يسن أن يجمع في مزدلفة جمع تأخير، وقيد بعضهم ذلك، فقال: إن لم يوافها وقت المغرب يعني فإن وافاها
وقت المغرب فإنه يصلي المغرب، في وقتها.
وقوله: "بأذان واحد وإقامتين "، وهذا هو الصحيح في الجمع أنه أذان واحد للصلاتين جميعاً وإقامتان، لكل صلاة إقامة،
__________
(1) أخرجه البخاري في الوضوء/باب إسباغ الوضوء (139) ، ومسلم في الحج/باب الإفاضة من عرفات (1280) .
(24/491)

والمؤذن بلال رضي الله عنه، فالأذان للإعلام بحضور وقت الصلاة، وهو للمجموعتين وقت واحد. والإقامة للإعلام بالقيام للصلاة، ولكل صلاة قيام خاص.
وقوله: "ولم يسبح بينهما شيئاً" يسبح أي: يصلي، والصلاة تسمى تسبيحاً من باب إطلاق البعض على الكل، وأطلق التسبيح عليها لأن التسبيح ركن فيها، أو واجب فيها، وهنا قاعدة مهمة
مفيدة، وهي أنه إذا عبر عن العبادة ببعضها كان ذلك دليلاً على أن هذا البعض واجب فيها، إذاً لم يسبح أي: لم يتنفل بينهما بشيء.
وقوله: "ثم اضطجع حتى طلع الفجر وصلى الفجر، حين تبين له الصبح بأذان وإقامة".
وقوله: "ثم اضطجع " أي نام عليه الصلاة والسلام حتى طلع الفجر، وهذا من حسن رعايته لنفسه، تحقيقاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لنفسك عليك حقاً". (1) ومعلوم أن من عمل كعمل الرسول فلابد أن يتعب ويحتاج إلى الراحة وإلى النوم. والنوم إذا كان لرعاية النفس كان الإنسان مأجوراً عليه.
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أقام بنمرة، ودفع منها حين زالت الشمس، وخطب الناس، وصلى، وذهب إلى الموقف، ووقف ولم ينم - صلى الله عليه وسلم -، ثم مشى من عرفة إلى مزدلفة كل هذا يحتاج إلى طاقة وراحة فاضطجع - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتهجد تلك الليلة.
وقوله: "ثم اضطجع حتى طلع الفجر". لم يذكر جابر رضي
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الأدب/باب صنع الطعام، والتكلف للضيف (6139) ، والترمذي في كتاب الزهد/باب حدثنا محمد بن بشار (2526) .
(24/492)

الله عنه الوتر، فهل النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوتر؟ قد يقول قائل: إنه لم يوتر، لأن جابراً كان متتبعاً لأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد يقال: إن جابراً رضي الله عنه سكت عنه، لأنه لا يدري، ولهذا لما لم يتنفل بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء نفى وقال: لم يسبح بينهما شيئاً، فلما لم ينف الوتر دل على أن جابراً رضي الله عنه لم يحط به علماً، وعلى هذا فنرجع إلى الأحاديث الدالة على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يدع الوتر حضراً، ولا سفراً، وعليه فنقول يوتر إن شاء قبل أن ينام، وإن شاء في آخر الليل حسب قوته ونشاطه.
وقوله: "وصلى الفجر"، لم يذكر جابر رضي الله عنه أيضاً سنة الفجر، فهل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يصلها؟ نقول لو كان عند جابر رضي الله عنه علم بأنه لم يصلها لنفاها، كما نفى الصلاة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فإذا كان حديث جابر رضي الله عنه لا يدل على نفيها، فإن حديث عائشة رضي الله عنها الثابت في الصحيح أنه لم يكن يدعهما أي الركعتين قبل الفجر حضراً ولا سفراً (1) ، يفيد أن الإنسان يصلي الركعتين في فجر يوم العيد.
وقوله: "حين تبين له الصبح "، يعني ظهر واتضح، لأنه لا تجوز الصلاة مع الشك في الصبح، بل لابد أن يتبين، فإن كان ثمَّ غيم فإذا غلب على ظنه أنه خرج الفجر صلى، كما سنذكره في
الفوائد- إن شاء الله تعالى-.
وقوله: "ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام " هذا يدل على أن
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب التهجد/باب تعاهد ركعتي الفجر (1169) ولفظه: "لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - على شيء من النوافل أشد منه تعاهداً على ركعتي الفجر".
(24/493)

النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مبيتُه في مزدلفة في نفس المشعر الحرام، بل في مكان آخر. ولهذا لما صلى الفجر أمر بالقصواء فرحلت له، ثم أتى المشعر الحرام. والمشعر الحرام هو المكان الذي فيه المصلى الآن في مزدلفة، وسمي مشعراً حراماً، لأنه داخل الحرم، فهل هناك مشعر حلال فيكون الوصف للقيد، أم ليس هناك مشعر حلال فيكون الوصف لبيان الواقع؟
الجواب: قال العلماء- رحمهم الله- بل هناك مشعر حلال، وهو عرفة، وهو أعظم مشاعر الحج. فإذاً لدينا مشعر حرام وهو مزدلفة، ومشعر حلال وهو عرفة.
وقوله: "فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله "، استقبل القبلة يعني جعل وجهه إلى القبلة " ودعاه " الضمير يعود على الله.
فإذا قال قائل لم يسبق له ذكره؟ نقول: هذا معلوم بالذهن والمعلوم بالذهن، كالمعلوم بالذكر.
أما الدعاء فمعروف، وهو طلب الحاجة؛ وأما التكبير فقول الله أكبر، والتهليل قول لا إله إلا الله.
وقوله: "فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس " لم يزل واقفاً يعني على ناقته لقوله فيما سبق "ركب حتى أتى".
وقوله: "حتى أسفر جداً"، يعني إسفاراً بالغاً، ليس مجرد إسفار، بل انتشر السفر، وبان وظهر.
وقوله: "فدفع قبل أن تطلع الشمس "، أي لم ينتظر طلوع الشمس فسار من مزدلفة ليخالف المشركين، لأن المشركين كانوا
(24/494)

ينتظرون في مزدلفة إلى أن تطلع الشمس وكانوا يقولون: "أشرِقْ ثَبيرْ كيما نُغير"، أي: كي نغير وندفع، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدفعين، الدفع من عرفة، والدفع من مزدلفة، فمن عرفة دفع بعد الغروب، ومن مزدلفة دفع قبل الشروق.
وقوله: "وأردف الفضل بن عباس "، وذلك حين دفع من مزدلفة إلى منى يوم العيد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أردف في دفعه من عرفة إلى مزدلفة أسامة بن زيد رضي الله عنهما وأردف في دفعه من مزدلفة إلى منى الفضل بن عباس رضي الله عنهما، وهؤلاء ليسوا من كبار القوم. فأسامة ابن مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة، فلم يختر النبي - صلى الله عليه وسلم - أشراف القوم ووجهاءهم ليردفهم على ناقته، بل اختار من صغار القوم في السن، واختار المولى يردفه من عرفة إلى مزدلفة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يعتني بمظاهر التعظيم ولا تهمه، بل كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يكون في أخريات القوم، يتفقدهم وينظر من يحتاج إلى أمر. وقصة جابر رضي الله عنه في جمله واضحة، فإن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما كان معه جمل ضعيف لا يمشي يقول: فلحقني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضربه ودعا له، فسار الجمل سيراً لم يسر مثله قط، حتى صار الجمل يكون في مقدمة القوم، وجابر رضي الله عنه يرده، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا له، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - أتبيعني إياه؟ قال: نعم، قال: بعنيه بأوقية.- والأوقية أربعون درهماً- قال: لا، فقال: بعنيه فباعه فاشترط أن يحمله إلى أهله في المدينة فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - شرطه، فلما وصلا إلى المدينة دفع إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - الثمن وقال له: خذ جملك ودراهمك هو
(24/495)

لك (1) .
وقوله: "حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً"، يعني حرك ناقته عليه الصلاة والسلام حين بلغ بطن مُحَسِّر (2) . ومحسر واد عظيم يفصل بين مزدلفة ومنى، وبهذا نعرف أن ما بين المشاعر أودية.
فبين المشعر الحرام والمشعر الحلال واد هو وادي عرنة.
وبين المشعرين الحرامين منى ومزدلفة واد هو وادي محسر.
واختلف العلماء- رحمهم الله- في سبب الإسراع، فقال بعضهم: أسرع لأن بطن الوادي يكون لينا يحتاج لأن يحرك الإنسان بعيره لأن مشي البعير على الأرض الصلبة أسرع من مشيه على الأرض الرخوة، فحرك من أجل أن يتساوى سيرها في الأرض الصلبة، وسيرها في الأرض الرخوة. وعلى هذا، فالملاحظ هنا هو مصلحة السير فقط.
وقيل: أسرع لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل، فينبغي أن يسرع، لأن المشروع للإنسان إذا مر بأراضي العذاب أن يسرع كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - (حين مر بديار ثمود في غزوة تبوك زجر الناقة عليه الصلاة والسلام وقنع رأسه وأسرع) (3) . وبعض الناس اليوم يتخذ
__________
(1) أخرجه البخاري في الشروط/باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة (2718) ، ومسلم في المساقاة/باب بيع البعير واستثناء ركوبه (1222) .
(2) مُحَسِّر: بالضم ثم بالفتح وكسر السين المشددة وراء، هو اسم الفاعل. من الحسر، وهو
بين منى ومزدلفة وليس من منى، ولا المزدلفة، بل هو واد برأسه. معجم البلدان (5/74) .
(3) أخرجه البخاري في المغازي/باب نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجر (4419) ، ومسلم في الزهد والرقائق/باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين (2980) عن ابن عمر رضي الله عنهما.
(24/496)

هذه الأماكن، أعني ديار ثمود سياحة ونزهة- والعياذ بالله-، مع أن رسول الله أسرع فيها وقال: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم ". ففي عملهم خطر عظيم، لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء بهذه الصفة فقلبه يكون غير لين، فيكون قاسياً مع مشاهدته آثار العذاب، وحينئذ يصيبه ما أصابهم من التكذيب والتولي. هذا معنى الحديث؛ وليس المراد أن يصيبكم العذاب والزجر الحسي، فقد يراد به العذاب والزجر المعنوي وهو أن يقسو قلب الإنسان، فيكذب بالخبر ويتولى عن الأمر.
والذين يذهبون إلى النزهة أو الفرجة، الظاهر أنهم للضحك أقرب منهم للبكاء. فنسأل الله لنا ولهم العبرة والهداية.
وتعليل إسراع النبي - صلى الله عليه وسلم - في وادي محسر بذلك فيه نظر؛ لأن أصحاب الفيل لم يهلكوا هنا، بل في مكان يقال له المغمس (1) حول الأبطح. وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي أمية بن أبي الصلت: حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يحبو كأنه معقور وقال بعض العلماء- رحمهم الله-: إن النبي أسرع، لأنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا الوادي، ويذكرون أمجاد آبائهم. فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخالفهم كما خالفهم في الخروج من عرفة، وفي الخروج من مزدلفة، ولعل هذا أقرب التعاليل. ولهذا قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ
__________
(1) المُغَمَّس: بالضم ثم بالفتح وتشديد الميم وفتحها. اسم المفعول من غمست الشيء في الماء إذا غيبته فيه: موضع قرب مكة في طريق الطائف. معجم البلدان (5/188) .
(24/497)

الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)) ثم قال: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) (1) .
وقوله: "ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى" في منى ثلاث طرق في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، شرقي، وغربي ووسط، فسلك النبي - صلى الله عليه وسلم - الطريق الوسطى بين الطريقين، وإنما سلكها، لأنها كانت أقرب إلى رمي جمرة العقبة، ولأنها هي التي تخرج على جمرة العقبة قصداً ليرميها حين وصوله إلى منى، ولهذا رماها النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يذهب إلى رحله وينزل من بعيره، رماها وهو على بعيره وكان معه أسامة وبلال رضي الله عنهما أحدهما يقود راحلته والآخر يظلله بثوب يستره من الحر حتى رمى الجمرة صلوات الله وسلامه عليه.
قال أهل العلم: وإنما بادر بذلك، لأن رمي جمرة العقبة تحية منى، فهي بمنزلة ركعتي المسجد.
ولم يذكر جابر رضي الله عنه من أين لقط حصى الجمرات، ولكن نعلم أنه لم يلقطها من مزدلفة، لأنه اضطجع حتى طلع الفجر، ثم ذهب إلى المشعر الحرام، ثم دفع منه. لكن هل لقطها من الطريق، أم لقطها حين وقف على الجمرة، حديث ابن عباس (2)
__________
(1) سورة البقرة، الآيتان: 198، 200.
(2) وهو (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ابن عباس أن يلقط الحصى وهو يقول للناس: بأمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين) أخرجه النسائي في الحج/باب التقاط الحصى =
(24/498)

رضي الله عنهما في هذا محتمل أنه لقطها من الطريق، أو لقطها حين وقف على الجمرة. والله أعلم.
وعلى كل حال، فالذي ينبغي أن يكون الإنسان مستعداً بالحصى حتى إذا وصل الجمرة رماها.
وقوله: "التي تخرج على الجمرة الكبرى" وصفها بالكبرى بالنسبة لما قبلها من الجمرات، وهي الأولى، والوسطى، فإنها كبرى بالنسبة لهما وهي أوسعهن حوضاً، لكن نظراً لكونها في الجبل لم يكن حوضها دائراً عليها.
وقوله: "حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة" وهي الكبرى، وهي شجرة معروفة في ذلك الزمان، لكنها الآن ليست موجودة.
وقوله: "فرماها بسبع حصيات " رمى الجمرة بسبع حصيات.
والجمرة سميت بذلك من قولهم تجمر القوم إذا اجتمعوا، لأن الناس يجتمعون عليها للرمي. وقيل: إنها من الجمار، وهي الحصى الصغار لأنها ترمى بها. ويمكن أن نقول: إنها سميت بذلك مراعاة للمعنيين جميعاً، لأن الناس يتجمرون عندها أي يتجمعون، ولأنها ترمي بالجمار أي بالحصى الصغار.
وقوله: "فرماهما بسبع حصيات " قد يفهم منه: أنه لابد أن يرمي الشاخص (العمود القائم) ، ولكنه غير مراد، بل المقصود أن تقع الحصاة في الحوض، سواء ضربت العمود أم لم تضربه.
والحكمة من رمي الجمرات: إقامة ذكر الله عز وجل، كما في
__________
= (5/268) ، وابن ماجه في المناسك/باب قدر حصى الرمي (3029) ، وأحمد (1/215، 347) .
(24/499)

حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " (1) ، ولهذا يشرع أن يكبر عند رمي كل حصاة من أجل أدق يعظم الله تعالى بلسانه كما هو معظم له بقلبه، لأن رمي الجمرات على هذا المكان أظهر ما فيه من المعنى المعقول هو التعبد لله، وهذا كمال الانقياد، إذ إن الإنسان لا يعرف معنى معقولاً واضحاً في رمي هذه الحصى في هذا المكان سوى أنه يتعبد لله عز وجل بأمر، وِإن كان لا يعقل معناه على وجه التمام تعبداً لله تعالى وتذللاً له، وهذا هو كمال الخضوع لله عز وجل. ولهذا كان في رمي الجمار تعظيم لله باللسان وبالقلب.
أما ما اشتهر عند الناس من أنهم يرمون الشياطين في هذه الجمرات، فهذا لا أصل له، وإن كان قد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما بسند ضعيف أنه قال: (الشيطان ترمون) (2) ، فإنما يقصد بذلك إن صح عنه هذا الخبر أو هذا الأثر فالمراد أنكم تغيظون الشيطان برميكم هذه الجمرات حيث تعبدتم لله عز وجل بمجرد أن أمركم به من غير أمر معقول لكم على وجه التمام. وما قيل أيضاً- إن صح- من أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان الشيطان يعرض له في هذه المواقف ليحول بينه وبين تنفيذ أمر الله تعالى بذبح ولده، فكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يرميه بهذه الجمرات (3) ، فإنه لا
__________
(1) تقدم تخريجه ص (26) .
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك في المناسك حديث (1713) من قول ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه (الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون) .
(3) أخرجه الحاكم في المستدرك في المناسك حديث (1713) ، وأخرجه البيهقي في الحج/ باب ما جاء في بدء الرمي. حديث (9693) ولفظه: (لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك=
(24/500)

يستلزم أن يكون رمينا رميا لإبليس، لأن إبليس لم يتعرض لنا في هذه الأماكن. ونظير هذا أن السعي إنما شرع من أجل ما جرى لأم إسماعيل رضي الله عنها. ومعلوم أن تردد أم إسماعيل بين الصفا والمروة سببه طلب الغوث لعلها تجد من يكون حولها ويسقيها ويطعمها ونحن في سعينا لا نسعى لهذا الغرض. فكذلك رمي الجمرات، حتى لو صح أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يرمي الشيطان بهذه الجمرات مع أنه بعيد، لأن الله عز وجل جعل لنا دواء نرمي به الشيطان إذا عرض لنا وهو أن نستعيذ بالله منه (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) (1) . إذاً الحكمة من رمي الجمرات هو كمال التعبد لله تعالى، والتعظيم لأمره. ولهذا يحصل ذكر الله بالقلب واللسان.
فإن قال قائل: لماذا لم تكن خمساً، أو ثلاثاً، أو تسعاً، أو إحدى عشرة حصاة؟
فالجواب: هذا ليس لنا الحق في أن نتكلم فيه، كما أنه ليس لنا الحق أن نقول لماذا كانت الصلوات الخمس سبع عشرة ركعة؟
ولماذا لم تكن الظهر ستا والعصر ستاً والعشاء ستاً مثلاً؟
نقول: هذا لا تدركه عقولنا، وليس لنا فيه إلا مجرد التعبد.
وقوله: "يكبر مع كل حصاة" والمعية تقتضي المصاحبة، فيكبر عندما يرمي ويقذف.
__________
= عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له
عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض.
(1) سورة فصلت، الآية: 36.
(24/501)

وقوله: "كل حصاة منها مثل حصى الخذف " حصى الخذف حصى صغير ليس بكبير، والخذف: هو أن تجعل الحصاة على ظفر الإبهام، وتجعل فوقها السبابة. وقدر العلماء- رحمهم الله- بأنه بين الحمص والبندق.
وقوله: "رمى من بطن الوادي "، أي رمى الجمرة من بطن الوادي، لا من الجبل. وكانت جمرة العقبة فيما سبق قبل هذه التوسعة والتعديلات كان في سفح جبل، وتحتها واد هو مجرى الشعيب، وفوقها جبل لكنه ليس بالرفيع، وهي لاصقة في نفس الجبل. فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - من بطن الوادي ورماها، ولم يأتها من فوق؛ وعلى هذا تكون السنة أن يرميها من هذه الجهة، فيجعل مكة عن يساره، ويجعل منى عن يمينه كما فعل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة (1) . ولكن إذا كانت محاولة الوصول إلى الجمرة من هذه الناحية فيه مشقة على الإنسان ولو رماها من وجه آخر لم يكن فيه مشقة، وصار أخشع له وأبلغ في الطمأنينة كان رميه من الجهة الأخرى أفضل، بناء على القاعدة المعروفة إن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بمكانه.
وقوله: "ثم انصرف إلى المنحر فنحر"، يعني بعد أن رمى جمرة العقبة انصرف إلى المنحر، أي مكان نحر الإبل، وكذلك ذبح الشاة والمعز. وكان عليه الصلاة والسلام قد أهدى مائة بدنة، فنحر
__________
(1) أخرجه البخاري في الحج/باب رمي الجمار من بطن الوادي (1747) ، ومسلم في الحج/باب رمي جمرة العقبة من بطن الوادي (1296) .
(24/502)

منها ثلاثاً وستين بيده، وأعطى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فنحر الباقي، وأمره أن يتصدق بلحومها وجلالها وجلودها، وأمر أن يؤخذ من كل بعير قطعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من
لحمها، وشرب من مرقها تحقيقاً لقوله تعالى: (فَكُلُواْ مِنْهَا) (1) قال العلماء- رحمهم الله-: وفي نحره ثلاثاً وستين بعيراً مناسبة لسنوات عمره الشريف فإنه - صلى الله عليه وسلم - مات وله من العمر ثلاث وستون سنة.
وقوله: "ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفاض إلى البيت " لم يذكر جابر رضي الله عنه حلق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولكن ثبت (2) أنه حلق بعد نحره، وحل من إحرامه، وتطيب ونزل إلى مكة، فطاف. ولا يلزم من عدم ذكر جابر رضي الله عنه لذلك ألا يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله إذ لا يلزم أن يعلم جابر رضي الله عنه ولا غيره بكل ما يفعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكن تكمل أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعضها ببعض، مما رواه الصحابة رضي الله عنهم جميعاً.
وقوله: "ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفاض إلى البيت "، أي نزل إليه فطاف به سبعة أشواط، ولم يسع بين الصفا والمروة، لأنه كان قارناً، وقد سعى بعد طواف القدوم ولم يسع أصحابه الذين كانوا معه الذين لم يحلوا، بل طافوا طوافاً واحداً. أما الذين حلوا فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن
__________
(1) سورة الحج، الآية: 28.
(2) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما رمى رسول الله الجمرة، ونحر نسكه وحلق ... الحديث أخرجه مسلم في الحج/باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق (1305) .
(24/503)

عباس (1) رضي الله عنهما أنه لما كان عشية يوم التروية أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأحرموا فلما أنهوا المناسك طافوا بالبيت، وبالصفا والمروة. هكذا جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو صريح في أنهم طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، وكذلك ثبت في الصحيح من حديث عائشة (2) رضي الله عنها أن الذين أحرموا بالعمرة سعوا بين الصفا والمروة مرتين. وما دام عندنا حديثان صحيحان في أن المتمتع يطوف ويسعى مرتين، فإن حديث جابر رضي الله عنه يتعين أن يحمل على الذين لم يحلوا. وما ذهب إليه جماعة من أهل العلم رحمهم الله ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في أن المتمتع يكفيه سعي واحد قول ضعيف ويتبين لنا أن الإنسان مهما بلغ من العلم والفهم، فإنه لا يسلم من الخطأ، لأنه لا معصوم إلا من عصم الله عز وجل والإنسان يخطئ ويصيب.
__________
(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج/باب قوله تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام (1572) ، ولفظه: (أهل المهاجرون والأنصار، وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في
حجة الوداع، وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اجعلوا إحلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي، فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وأتينا النساء ولبسنا الثياب، وقال: من قلد الهدي فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وقد تم حجنا، وعلينا الهدي) .
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج/باب طواف القارن (1638) ، ولفظه: (فطاف الذين أهلوا بالعمرة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً) . وأخرجه مسلم في كتاب الحج/باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج، والتمتع، والقران (1211) ، ولفظه: (فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، وبالصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا إلى منى لحجهم. وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً) .
(24/504)

وحديث ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما كلاهما في البخاري، ومثل هذا لا يخفى على شيخ الإسلام ابن تيمية، لأنه - رحمه الله- من حفاظ الحديث، حتى قال بعضهم كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بصحيح، ولكن الإنسان بشر. فالصواب بلا شك أن المتمتع يلزمه طوافان وسعيان والقياس يقتضي ذلك؛ لأن العمرة انفردت، وفصل بينها وبين الحج حل كامل، وأحرم الإنسان بالحج إحراماً جديداً.
وقوله: "فصلى بمكة الظهر"، أي صلى الظهر يوم العيد بمكة، وهذا من البركة العظيمة في أعماله - صلى الله عليه وسلم - حيث دفع من مزدلفة حين أسفر جداً على الإبل، ودفع بسكينة إلا في بطن محسر، ورمى جمرة العقبة، وذبح الإبل، وحلق ولبس ونزل مكة، وصلى بها الظهر في هذه المدة الوجيزة؛ مع أن الذي يظهر- والله أعلم- أن حجه كان في زمن الربيع تساوي الليل والنهار.
وقوله: "فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلواً فشرب منه "، أي: بعدما طاف للإفاضة أتى ماء
زمزم، فشرب منه. فالمشهور عند أهل العلم- رحمهم الله- أنه شرب من ماء زمزم تعبداً؛ ولهذا قالوا: يسن بعد طواف الإفاضة أن يشرب من ماء زمزم.
وقال بعض أهل العلم: إنه شرب منه لا للتعبد به وإنما هو لحاجة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه.
(24/505)

من فوائد هذا الحديث
1- أن حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت في السنة العاشرة من الهجرة، لقوله: "ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاج "؛ فإن قال قائل لماذا لم يحج النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة التاسعة، أو في السنة الثامنة، أو في السنة السابعة مثلاً؟ قلنا أما ما قبل الثامنة فلا يمكن أن يحج، لأنها قبل الفتح، وكانت مكة تحت سيطرة المشركين، وقد
ردوه عن العمرة، فكيف عن الحج؟!.
وأما في السنة الثامنة بعد الفتح، فكان مشتغلاً عليه الصلاة والسلام بالجهاد، فإنه لم يفرغ من ثقيف إلا في آخر ذي القعدة.
وأما في السنة التاسعة، فقيل إنه لم يحج لأن هذا العام عام الوفود. فإن العرب كانوا ينتظرون فتح مكة، ولما فتحت مكة انتظروا أيضاً القضاء على ثقيف، لأنهم أمة لهم قوة، فلما قضى عليهم عليه الصلاة والسلام أذعنت العرب، وصاروا يأتون أفواجاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، فكان في المدينة ليلتقي هؤلاء الوفود يعلمهم دينهم عليه الصلاة والسلام.
وسبب آخر هو أنه في السنة التاسعة حج المشركون مع المسلمين، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون حجه خالصاً للمسلمين، ولهذا أذن في التاسعة ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. هذا إذا ما قلنا إن الحج فرض في التاسعة، وإن قلنا إنه فرض في العاشرة فلا إشكال.
2- أن ميقات أهل المدينة ذو الحليفة. لقوله: (فخرجنا
(24/506)

معه حتى أتينا ذا الحليفة) .
3- أن الصحابة رضي الله عنهم من أحرص الناس على طلب العلم، ذكورهم وإناثهم، لقوله: (فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف أصنع) .
4- أن طلب العلم لا يختص بالرجال؛ فكما أن الرجل يشرع له طلب العلم، بل يتعين عليه، إذا كانت عبادته لا تقوم إلا به فإنه يتعين عليه فكذلك المرأة ولا فرق.
5- أنه يستحب الغسل للإحرام للرجال والنساء حتى من لا تصلي فإنها تغتسل، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأسماء بنت عميس: "اغتسلي" فأمرها أن تغتسل. وإذا كانت النفساء- وهي لا تصلي- تؤمر بالغسل، فكذلك من سواها.
فإذا لم يجد المحرم الماء، أو تعذر عليه استعماله لمرض أو غيره فهل يتيمم؟
المشهور عند أهل العلم- رحمهم الله- أنه يتيمم، قالوا لأن هذه طهارة مشروعة، فإذا تعذرت عدلنا إلى التيمم، كالاغتسال للواجب. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- لا يسن التيمم، لأن هذا اغتسال ليس عن جنابة حتى يحتاج الإنسان فيه إلى رفع الحدث، إنما هو اغتسال للتنظف والتنشط لهذا العمل، فإذا لم يجد الماء فإنه لا يتيمم. وعلى كل حال إن تيمم الإنسان فلا بأس، لأنه قال به من قال من أهل العلم.
6- أن الحيض أو النفاس لا يمنع انعقاد الإحرام، كما لا يمنع دوامه، بدليل قوله: "وأحرمي". وبناء على ذلك، فإن المرأة
(24/507)

إذا وصلت إلى الميقات وهي حائض، أو أصابها حيض فلا تقل: لن أحرم حتى أطهر، بل نقول: أحرمي.
7- جواز الإحرام ممن عليه جنابة. وجه ذلك أنه أمر النفساء أن تحرم، والنفاس موجب للغسل.
8- أنه ينبغي التلبية إذا استوى على البيداء لقوله: (حتى إذا استوت به على البيداء أهل بالتوحيد) . وهذه المسألة اختلف فيها العلماء- رحمهم الله-، فمنهم من أخذ بحديث جابر رضي الله عنه
وقال لا يلبي إلا إذا استوت به على البيداء.
ومنهم من قال: يلبي إذا صلى قبل أن يركب (1) ، ومنهم من قال: بل يلبي إذا ركب كما دل عليه حديث ابن عمر رضي الله عنهما الثابت في الصحيح (2) .
وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال سلكوا فيها مسلكين:
فمنهم من سلك مسلك الترجيح، ومنهم من سلك مسلك الجمع.
فالذين سلكوا مسلك الترجيح بعضهم رجح الإحرام من حين أن يصلي، وبعضهم رجح الإحرام إذا استوى على ناقته إذا ركب، وبعضهم قال: إذا استوت به على البيداء.
__________
(1) "لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ دبر الصلاة" أخرجه الإمام أحمد (1/285) ، والترمذي في الحج/ باب ما جاء متى أحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - (819) ، والنسائي في الحج/باب العمل في الإهلال 5/162 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحج/باب من أهل حين استوت به راحلته قائمة (1552) ، ولفظه: (أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - حين استوت به راحلته قائمة) ، وأخرجه مسلم في الحج/باب التلجية وصفتها ووقتها (1184) ، ولفظه: (ئم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد الحليفة أهل
بهؤلاء الكلمات) .
(24/508)

أما من سلك مسلك الجمع- وهو المروي عن عبد الله بن عباس- رضي الله عنهما كما رواه الحاكم وغيره فقال: إنه لا منافاة بين هذه الأمور الثلاثة، لأن من الناس من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبي حين صلى فقال: إنه لبى حين صلى، ومنهم من سمعه يلبي حين ركب، فقال: لبى حين ركب، ومنهم من سمعه يلبي حين استوت به على البيداء، فقال: لبى حين استوت به على البيداء) (1) .
ولولا ما قيل في سند هذا الحديث لكان وجهه ظاهراً، لأنه يجمع بين الروايات.
ولكن الأحسن والأرفق بالناس ألا يلبي حتى يستوي على ناقته، لأنه قد يحتاج إلى شيء فقد يكون نسي أن يتطيب مثلاً، وقد يتأخر في الميقات بعد أن يصلي الركعتين (ركعتي الوضوء) ، أو
الصلاة المفروضة مثلاً، فالأرفق به أن تكون تلبيته إذا استوى على ناقته، وإن لبى قبل ذلك فلا حرج.
9- أن الإنسان لا ينقل إلا ما بلغه علمه؛ فإن جابراً رضي الله عنه لم ينقل ما نقله عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل حين استوى على ناقته، بل قال حتى إذا استوت به على البيداء وهذا بعد ما ذكره عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
10- مشروعية رفع الصوت بالتلبية، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال ". (2) فينبغي للرجل أن يرفع صوته امتثالاً لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/260) ، وأبو داود في المناسك/باب في وقت الإحرام (1770) ، وضعفه المنذري في تهذيب السنن (1696) .
(2) أخرجه أبو داود في المناسك/باب كيف التلبية (1814) ، والترمذي في الحج/باب ما=
(24/509)

واتباعاً لسنته، وسنة أصحابه. فقد قال جابر رضي الله عنه كنا نصرخ بذلك صراخا" (1) . ولا يسمع صوت الملبي من حجر، ولا مدر، ولا شجر إلا شهد له يوم القيامة، فيقول: أشهد أن هذا حج ملبياً. ومع الأسف أن كثيراً من الحجاج لا يرفعون أصواتهم بالتلبية إلا نادراً، فإن قال قائل: أليس النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه وقد كبروا في سفر معه "أيها الناس اربعوا على أنفسكم- أي: هونوا عليها- فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " (2) .
قلنا: لكن التلبية لها شأن خاص لأنها من شعائر الحج، فيصوت بها. أو يقال إن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يهونوا على أنفسهم لأنهم كانوا يرفعون رفعاً شديداً يشق عليهم. أما المرأة فتسر بها، لأن المرأة مأمورة بخفض الصوت في مجامع الرجال، فلا ترفع صوتها بذلك، كما أنها مأمورة إذا نابها شيء في الصلاة مع الرجال أن تصفق، لئلا يظهر صوتها، فصوت المرأة- وإن لم يكن عورة- لكن يخشى منه الفتنة. ولهذا نقول: المرأة تلبي سراً بقدر ما تسمع رفيقتها ولا تعلن.
__________
= جاء في رفع الصوت بالتلبية (829) ، والنسائي في المناسك/باب رفع الصوت بالإهلال (2753) ، وابن ماجه في المناسك/باب رفع الصوت بالتلبية (2922) .
(1) أخرجه مسلم في الحج/باب التقصير في العمرة (1248) عن جابر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما ولفظه (قالا: قدمنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن نصرخ بالحج صراخا) .
(2) أخرجه البخاري في الجهاد/باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير (2992) ، وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء/باب استحباب خفض الصوت بالذكر (2704) عن أبي موسى =
رضي الله عنه- واللفظ لمسلم.
(24/510)

وهذا من الأحكام التي تخالف فيها المرأة الرجال. وهي كثيرة، لأنها كما خالفته خلقة وفطرة خالفته حكماً، والله- عز وجل- حكيم، أحكامه الشرعية مناسبة لأحكامه القدرية.
اختلف العلماء- رحمهم الله- هل يلبي وهو ماكث، أو لا يلبي إلا وهو سائر؟
الجواب: من العلماء من قال إنه يلبي وهو سائر فقط. وأما إذا كان ماكثاً، أي: نازلاً في عرفات، أو مزدلفة، أو منى، فإنه لا يلبي؛ لأن التلبية معناها الإجابة، وهي لا تتناسب مع المكث، إذ إن المجيب ينبغي أن يتقدم إلى من يجيبه، لا أن يجيب وهو باق، وهذا الثاني هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- وأنه لا يلبي إلا في حال السير بين المشاعر، والقول الأول: يقول يلبي حتى يرمي
جمرة العقبة، سواءً كان ماكثاً أم سائراً.
11- مشروعية رفع الصوت بالتلبية من حين الإحرام.
اختلف أهل العلم- رحمهم الله- في التلبية ورفع الصوت بها.
فذهب جمهور العلماء إلى أنهما سنة. وقال بعض العلماء إنها أي التلبية واجبة، وهل يجب بتركها دم على قولين. وقال آخرون إنها ركن لا ينعقد الإحرام إلا بها، كتكبيرة الإحرام في الصلاة. وقال
شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- ينعقد بالنية مع التلبية، أو سوق الهدي، وهو قول الإمام أبي حنيفة، ورواية عن الإمام أحمد.
وقال ابن حزم: إن التلبية ورفع الصوت بها فرض، فمن لم يلب في شيء من حجه أو عمرته، أو لبى ولم يرفع صوته فلا حج له ولا عمرة.
(24/511)

12- مشروعية تعيين النسك في التلبية. فإذا كان في العمرة يقول: لبيك اللهم عمرة، وفي الحج يقول: لبيك اللهم حجاً، وفي القِرَان يقول: لبيك اللهم عمرة وحجاً.
13- أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر أنه في مجيئه إلى مكة وإحرامه أنه إنما يفعل ذلك تلبية لدعاء الله. قال الله تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)) . فالأذان بأمر الله يعتبر أذاناً من الله. فإذا كان الله هو الذي أذن فأنا أجيبه وأقول: لبيك اللهم لبيك ... إلخ.
14- أن التلبية توحيد خالص، لأن الإنسان يقول لبيك اللهم لبيك، ولبيك هذه جواب، جواب دعوة. ولهذا إذا دعي أحدنا فقيل يا فلان قال للداعي لبيك، وهي بصيغة التثنية، ولكن المراد التكرار، ومن ثم يقول النحويون إنها ملحقة بالمثنى لأن لفظها لفظ تثنية، ومعناها التكثير. والتلبية هي الإجابة؛ فكأنك تقول يا رب إجابة لك بعد إجابة. وتكرر توكيداً.
15- الثناء على الله عز وجل بالحمد والنعمة، فإنه هو المتفضل عز وجل بذلك (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (2) .
16- انفراد الله بالملك لقوله (لك والملك لا شريك لك) .
17- جواز الزيادة على تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يسمعهم يزيدون ولا ينكر عليهم. وممن زاد في التلبية عمر وابنه رضي الله عنهما لبيك وسعديك، والرغباء إليك والعمل، وكما قال أنس
__________
(1) سورة الحج، الآية: 27.
(2) سورة النحل، الآية: 53.
(24/512)

رضي الله عنه منا المهل، ومنا المكبر، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمعهم ولا يرد عليهم شيئاً. لكن لزوم تلبية النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل وأتم في التأسي.
18- أن الناس كانوا لا يعرفون العمرة في أشهر الحج، بل إن العرب في الجاهلية يرونها من أفجر الفجور، ويقولون لا يمكن أن تأتي إلى مكة بعمرة وحج، بل لابد أن تأتي بعمرة في سفر، وحج
في سفر وهم ينظرون إلى ذلك من ناحية اقتصادية، حتى يكثر الزوار والحجاج، وتكون الأسواق أكثر اشتغالاً.
19- أنه ينبغي للإنسان الحاج أو المعتمر أن يبادر حين الوصول إلى مكة إلى الذهاب إلى المسجد ليطوف، لأن هذا هو المقصود ولا ينبغي أن يجعل غير المقصود، مقدماً بل المقصود ينبغي أن يكون مقدماً، على كل شيء.
20- حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم بأفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتبعوه فيها.
21- مشروعية البداءة في الطواف بالحجر الأسود فإن بدأ دونه مما يلي الباب لم يعتد بالشوط.
22- مشروعية استلام الحجر الأسود عند ابتداء الطواف، لقوله (حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن) .
23- مشروعة تقبيل الحجر الأسود في الطواف. وأما تقبيل غيره من الجمادات والأحجار فبدعة.
24- مشروعية استلام الحجر الأسود والركن اليماني في الطواف بالبيت. ولا يشرع استلام غيرهما من أركان الكعبة أو جدرانها سوى هذين الركنين.
(24/513)

25- أن السنة كما تكون بالفعل تكون كذلك بالترك، فإذا وجد سبب الفعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعله دل هذا على أن السنة تركه.
26- مشروعية الاضطباع في جميع الطواف وهل يبقى مضطبعاً بعد الطواف أم لا؟ الصحيح أنه لا يبقى مضطبعاً. وأن الإنسان يستر منكبه من حين أن يفرغ من طوافه.
وقال بعض العلماء- رحمهم الله-: بل إنه يبقى مضطبعاً في السعي. ولكن الصحيح الأول.
27- مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم دون الأربعة الباقية.
فإن قلت: ما الحكمة من الرمل في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى دون الأربعة الباقية.
فالجواب: أن الحكمة في ذلك تذكير المؤمنين بأصل هذا الرمل، لأن أصله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضى أهل مكة في غزوة الحديبية على أن يرجع من العام القادم معتمراً. وأهل مكة أعداء للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، والعدو يحب الشماتة بعدوه، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - للعمرة قال بعضهم لبعض دعونا نجلس هنا ننظر إلى هؤلاء القوم الذين وهنتهم حمى يثرب كيف يطوفون؛ لأن عندهم أن هؤلاء قوم أصابهم المرض، وأنهك قوامهم، يريدون بذلك الشماتة، وجلسوا في شمالي الكعبة من جهة الشمال، وهم ينظرون، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يرملوا، ليظهروا الجلد والقوة والنشاط ليغيظوا الكفار؛ وإغاظة الكفار أمر مقصود لله عز وجل، كما قال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ
(24/514)

اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) (1) . وقال تعالى: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) (2) . أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - من قومه أن يغيظوا الكفار، لكنه أمرهم أن يرملوا من الحجر إلى الركن اليماني دون ما بين الركنين؛ لأنهم بين الركنين يختفون عن المشركين، وأراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يرفق بأصحابه؛ ولهذا جعل الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى؛ لأن الثلاثة أقل من الأربعة، فاعتبر الأقل في جانب الصعوبة، ثم إن اختيار الثلاثة دون الأربعة فيه القطع على وتر والله سبحانه وتعالى إذا تأملنا مشروعاته وجدنا غالبها مقطوعاً على وتر. ففي كون الرمل خاصاً بالأشواط الثلاثة الأولى فائدتان:
الأولى: اعتبار الأخف في باب المشقة.
الثانية: القطع على وتر.
أما في حجة الوداع فقد رمل النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأشواط الثلاثة كلها من الحجر إلى الحجر، لأن العلة التي من أجلها شرع الحكم وهو إغاظة الكفار الذين كانوا يشاهدون قد انقطع، فصار الرمل من الحجر إلى الحجر عبادة محضة، ولم يكن القصد منه الإغاظة، لأن الإغاظة انتهت.
__________
(1) سورة الفتح، الآية: 29.
(2) سورة التوبة، الآية: 120.
(24/515)

ولكن هل الطائف يذكر في هذه الحال حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حين قدموا في عمرة القضاء أو يذكر المعنى الأصلي المقصود، وهو إغاظة الكفار، أم الأمرين؟
إذا تذكر الأمرين فهو خير، يعني يتذكر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فعلوا ذلك فيقتدي بهم، لاسيما فعله في حجة الوداع، وأيضاً يذكر أن من شأن المسلم أن يفعل ما يغيظ الكفار.
28- مشروعية الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من الحجر إلى الحجر، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك وأن السنة المشي في الأربعة الباقية. فإن قال قائل: إذا دار الأمر بين أن أرمل مع البعد عن الكعبة، وبين أن أمشي مع القرب فأيهما أقدم؟
الجواب: قدم الأول، فارمل ولو بعدت عن الكعبة (لآن مراعاة الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من مراعاة الفضيلة المتعلقة بزمانها أو مكانها) ، وهذه القاعدة لها أمثلة:
مثال ذلك: لو أن رجلاً حين دخل عليه وقت الصلاة وهو حاقن أو بحضرة طعام، فهل الأولى أن يقضي حاجته ويأكل طعامه، ولو أدى ذلك إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها؟ أو العكس؟
الجواب: الأول، فهنا راعينا نفس العبادة دون أول الوقت، لأنه إذا صلى فارغ القلب مقبلاً على صلاته كانت الصلاة أكمل.
مثال آخر: لو أن شخصاً أراد أن يصلي في الصف الأول، وحوله ضوضاء وتشويش أو حوله رجل منه رائحة كريهة تشغله، فهل الأولى أن يتجنب الضوضاء والرائحة الكريهة ولو أدى ذلك
إلى ترك الصف الأول؟ أو أن يصف في الصف الأول مع وجود
(24/516)

التشويش أو الرائحة الكريهة؟
فالجواب: لاشك أن الأولى تجنب التشويش، وترك الصف الأول، لأن هذا يتعلق بذات العبادة.
29- أن الطواف بالبيت سبعة أشواط كاملة. فلو نقص خطوة واحدة من أوله أو آخره لم يصح. كما لو نقص شيئاً من الصلاة فإنها لا تصح.
30- أنه تسن الصلاة خلف المقام بعد الطواف، ومعلوم أن الركعتين خلف المقام قريباً منه أفضل من كونها بعيداً عنه أو ليست خلفه. لكن إذا لم يتيسر للإنسان أن يصلي خلف المقام قريباً منه فليصل خلف المقام بعيداً منه، فإن لم يتيسر فليصل في أي مكان من المسجد، لأن المطلوب منه شيئان:
الأول: الصلاة، والثاني: كونها خلف المقام.
فإن تعذر المكان بقيت مشروعية الصلاة، وليس من شرط الصلاة أن تكون خلف المقام، حتى نقول إذا تعذر خلف المقام سقطت الصلاة.
31- أنه ينبغي للإنسان بعد أن يصلي الركعتين أن يرجع إلى الحجر الأسود فيستلمه لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولكن هل هذا مشروط بما إذا أراد السعي بعد الطواف؟
الجواب: نعم هذا في الطواف الذي يكون بعده سعي، ينبغي أن يتقدم إلى الركن بعد الركعتين فيستلمه. أما الطواف الذي ليس بعده سعي، كطواف الوداع مثلاً، وطواف الإفاضة لمن سعي بعد
طواف القدوم، فإنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رجع إلى الركن
(24/517)

فاستلمه.
32- أنه ينبغي المبادرة بالسعى بعد الطواف بدون تأخير، وهذا على سبيل الأفضلية وليس على سبل الوجوب. ولهذا قال العلماء- رحمهم الله-: إن الموالاة بين الطواف والسعي سنة وليست بشرط. فلو طاف في أول النهار وسعى في آخره فلا بأس، لكن الأفضل الموالاة.
33- أنه ينبغي أن يخرج من باب الصفا لأنه أيسر، وكان المسجد الحرام فيما سبق له أبواب دون المسعى يخرج منه الناس.
أما الآن فيتجه إلى جهة الصفا.
34- أنه يِنبغي إذا دنا من الصفا أن يتلو الآية (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (1) اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليشعر نفسه أنه إنما سعى لأنه من شعائر الله وتعظيماً لشعائر الله عز وجل وحرماته.
35- أنه ينبغي أن يقول: أبدأ بما بدأ الله به ليتحقق بذلك الامتثال. ولا يقال هذا الذكر إلا إذا أقبل على الصفا من بعد الطواف، فلا يقال بعد ذلك لا عند المروة ولا عند الصفا في المرة
الثانية، لأنه ليس ذكراً يختص بالصعود، وإنما هو ذكر يبين أن ابتداء الإنسان من الصفا إنما هو لتقديم الله له.
36- أن ما بدأ الله به هو أولى بالتقديم، ولهذا بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصفا، لأن الله بدأ به.
37- أنه ينبغي صعود الصفا حتى يرى البيت فيستقبله، وهو واضح من قوله: "فرقي الصفا حتى رأى البيت ".
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 158.
(24/518)

38- أنه ينبغي في هذا الحال أن يوحد الله ويكبره، ويقول الذكر، ويدعو بين الأذكار التي يقولها ثلاث مرات. وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حينئذ رفع يديه دعاء، وليس رفع إشارة كما يفعل في الصلاة.
39- أن السنة أن يمشي ما بين الصفا إلى طرف الوادي الشرقي، ثم يسعى من طرف الوادي الشرقي إلى طرفه الشمالي، ثم يمشي إلى المروة.
40- أن الإسراع في كل المسعى ليس بمشروع.
41- أنه ينبغي الإسراع في بطن الوادي لفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبطن الوادي الآن جعل له علم منصوب (عمود أخضر) ، فإذا وصلته فابدأ بالإسراع.
42- أنه ينبغي لك وأنت تسعى أن تستشعر بأنك في ضرورة إلى رحمة الله عز وجل، كما كانت أم إسماعيل رضي الله عنها في ضرورة إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، فكأنك تستغيث به تبارك وتعالى من آثار الذنوب وأوصابها.
43- أن الإسراع في السعي مشروع في كل الأشواط السبعة، لأن جابراً رضي الله عنه لم يستثن شيئاً منه، بخلاف الرمل في الطواف، فمشروع في الثلاثة الأولى.
وفرق آخر هو أن الإسراع في السعي في جزء منه والرمل في الطواف في جميع الأشواط الثلاثة فهذان فرقان.
الفرق الثالث: أن الإسراع في السعي أشد من الرمل في الطواف، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يسرع جداً بخلاف الطواف، فإنه
(24/519)

يرمل، والرمل إسراع المشي دون الخبب يعني: دون الركض الشديد.
44- أن اختتام الأشواط السبعة يكون بالمروة. وعند الاختتام هل يقف ويدعو؟
الجواب: لا؛ لأن الدعاء والذكر إنما هو في ابتداء الشوط وليس في انتهائه. فإذا انتهى من المروة فلينصرف، ولا يقف للدعاء، كما قلنا في الطواف، فإن التكبير يكون عند ابتداء الشوط
لا عند انتهائه.
45- أن الأيدي لا ترفع حال الذكر والدعاء، لا في السعي ولا في الطواف، لأن الذين وصفوا طواف النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعاءه فيه "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" لم يذكروا رفع اليدين، وكونهم يذكرون رفع اليدين على الصفا وعلى المروة يدل على أن ما عدا ذلك ليس فيه رفع.
46- جواز قول (لو) إذا كان لقصد الإخبار. لقوله: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ".
47- حسن تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعوته إلى الحق.
48- مشروعية فسخ نية الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً، إلا أن يسوق الهدي.
49- أن من فسخ نية الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً، فإنه يتحلل بالعمرة تحللاً كاملاً.
فإن قلت: هل يجوز أن يفسخ الإنسان الحج إلى عمرة ليتحلل منها وينصرف إلى أهله.
(24/520)

فالجواب: لا؛ لأنه إنما أمر بفسخ الحج إلى عمرة ليصير متمتعاً. والتمتع أفضل، ولم يرخص له أن يفسخ الحج إلى عمرة، ليتحلل عن قرب، ويرجع إلى أهله.
50- أن الحج يمتاز عن غيره من العبادات بجواز تغيير النية فيه. فنجد الرجل يحرم بالحج، ثم يقلبه إلى عمرة ليصير متمتعاً ويصح، ويحرم بالعمرة أولاً ثم يضيق عليه الوقت فيدخل الحج عليها ليصير قارناً ويصح.
كما أن الحج يخالف غيره في النية في أنه لو نوى الخروج منه لم يخرج منه، بينما العبادات الأخرى يخرج منها. وإذا فعل محرماً في العبادات الأخرى تبطل العبادة، كما لو أكل أو شرب في الصلاة، أو تكلم فيها. لكن في الحج المحظورات فيه لا تبطله إلا الجماع قبل التحلل الأول يفسده، ويجب المضي فيه وقضاؤه من السنة الأخرى، بخلاف غيره من العبادات.
51- أن التمتع أفضل الأنساك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به من لم يسق الهدي، ولأنه أكثر عملاً، لأنه يأتي بأفعال العمرة كاملة، وأفعال الحج كاملة، ولأنه أيسر لمن قدم مكة في وقت مبكر حيث يتمتع بالحل فيما بين العمرة والحج. إلا لمن ساق الهدي، فالقران أفضل لتعذر التمتع في حقه. فالتمتع في حق من ساق الهدي لا يمكن، لأنه لا يمكن أن يحل.
ولكن هل الأفضل أن يسوق الهدي ويقرن أو الأفضل ألا يسوق الهدي ويتمتع؟
في هذا خلاف بين العلماء- رحمهم الله- فمنهم من قال
(24/521)

الأفضل أن لا يسوق الهدي ويتمتع لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم ".
ومنهم من قال إن سوق الهدي والقران أفضل، لأن هذا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه أظهر في إظهار الشعائر. لأن الإنسان يأتي بالهدي معه يسوقه، وهذا لاشك أن فيه من إظهار الشعائر ما ليس فيمن لم يسق الهدي. وأجابوا عن قوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت) أنه قال ذلك من أجل أن يطيب قلوب أصحابه، وكأنه يقول لو علمت بأن الأمر سيبلغ منكم ما بلغ حتى يشق عليكم هذه المشقة ما سقت الهدي، ولأحللت معكم. وكان رسول الله يترك الاختيار، مراعاة لأصحابه كما ترك الجهاد عليه الصلاة والسلام في كل سرية، مراعاة لأصحابه، الذين لا يستطيعون أن يصاحبوه في كل سرية وليس عنده ما يحملهم عليه. وكما ترك الصيام مراعاة لأصحابه، فقالوا إن قوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لهذا المعنى.
وعندي أن الأقرب في هذا التفصيل، فإن كانت السنة في سوق الهدي مندثرة، فالقران أفضل، وإلا فالتمتع أفضل.
52- أن من ساق الهدي ليس له إلا القران.
53- أنه لا يشترط لسوق الهدي أن يكون من بلده.
54- أن التعليم يكون بالقول وبالفعل، لقوله: فشبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: "دخلت العمرة في الحج "، وأخذ منه بعض المعاصرين التعليم على السبورة، لأن السبورة ترسم للإنسان العلم. والعلم إذا رسم للإنسان يكون أدعى
(24/522)

لثباته في النفس إذ الإنسان لا يزال يستحضر هذه الصورة فتبقى في ذهنه.
55- أنه ينبغي للمحلين بمكة أن يدفعوا إلى منى في اليوم الثامن محرمين بالحج، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه دفعوا إليها، ولا ينبغي أن يدفع إليها قبل اليوم الثامن على طريق التنسك والعبادة، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يدفعوا قبل اليوم الثامن.
56- أن أعمال الحج تبتدىء من ضحى اليوم الثامن، ويتفرع على ذلك ثلاث فوائد:
57- أنه- فيما نرى- لا يشرع التمتع لمن قدم مكة بعد أوان أعمال الحج. فمثلاً لو جئت بعد الظهر في اليوم الثامن، فليس هناك تمتع، لأن الله يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) (1) . فمنتهى التمتع الحج، وأفعال الحج تبتدىء باليوم الثامن؛ إذاً فلا حاجة للتمتع. ونقول: إن شروعك في الحج ودخولك فيه في هذه الحال أفضل من العمرة، فإما أن تفرد وإما أن تقرن. أما التمتع فقد زال وقته الآن.
58- أنه لا يشرع لمن أراد الإحرام يوم التروية أن يذهب إلى البيت، أي المسجد الحرام ويحرم من المسجد، بدليل أن الصحابة رضي الله عنهم لم يفعلوا ذلك، والترك مع وجود السبب سنة، يعني إذا وجد سبب الشيء في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يفعل كانت السنة تركه وهذا سببه موجود، ولم يذهب واحد من الصحابة ليحرم من المسجد، فدل ذلك على أن السنة أن يحرموا من أماكنهم
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(24/523)

التي هم نازلون فيها.
59- أنه ينبغي أن تكون صلاة الظهر يوم التروية في منى، هذا هو الأفضل، ويتفرع على ذلك ثلاث فوائد.
60- أنه يتبين حرمان قوم من الناس يريدون الحج ويبقون في أماكنهم، فإذا كان بعد العصر أحرموا بالحج، وخرجوا إلى منى نقول هذا وإن كان جائزاً لكن الإنسان حرم نفسه، لأن بقاءه في منى في ذلك اليوم أفضل من بقائه في المسجد الحرام وغيره.
ولهذا لما كان يوم التروية هذا العام يوم الجمعة صار كثير من الحجاج يتساءلون هل الأفضل أن نصلي الجمعة في المسجد الحرام، ثم نخرج إلى منى أو الأفضل أن نخرج إلى منى في الصباح في الضحى، ونصلي الظهر في منى؟
والجواب: الثاني أفضل، لأن بقاءك في منى عبادة، وأنت ما جئت من بلادك إلا لأجل هذه العبادة.
61- أن الصلاة في منى لا تجمع، لأن جابراً رضي الله عنه لم يذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع، فدل هذا على أنه صلاها على الأصل، أي بدون جمع.
وهل يستفاد من حديث جابر رضي الله عنه أن الصلاة في منى تقصر؟
الجواب: لا يستفاد، لكن نستفيده من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه (1) .
62- أنه ينبغي المكث في منى حتى تطلع الشمس، ولا
__________
(1) تقدم ص (477) .
(24/524)

يسن الدفع قبل طلوع الشمس، لقوله: "ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس "، وهو كذلك، فإن دفع بعد صلاة الفجر قبل طلوع الشمس فلا إثم عليه، لكن الأفضل أن يتأخر.
63- قوة النبي - صلى الله عليه وسلم - في دين الله حيث لم يتبع قومه في الوقوف في مزدلفة، بل أجاز حتى أتى عرفة.
64- أن الدين شرع وتوقيف، وليس عادة. دليله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتبع العادة في ذلك، بل اتبع ما اقتضته شريعة الله سبحانه وتعالى.
65- أن نمرة من عرفة، بناء على أحد القولين ويتفرع على ذلك فائدتان:
66- أنه لو وقف أحد بنمرة بعد زوال الشمس، ولم يدفع إلا بعد الغروب أجزأه الحج، ولم أر من صرح به، مع أن هذا هو مقتضى هذا القول ولازمه. أما إذا قلنا إن نمرة ليست من عرفة،
وهو الصحيح كما قلنا (1) ، فالأمر فيها واضح أنه من وقف فيها لا يجزئه ولا حج له.
67- أنه ينبغي أن ينزل الحاج بنمرة قبل الوقوف بعرفة؛ والدليل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فلو قال قائل: أفلا يمكن أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل بها من باب السهولة، لأنه أسمح لوقوفه حتى يستريح ويستعد للوقوف، كما قالت عائشة رضي الله عنها في نزوله في المحصب (2)
__________
(1) انظر ص (478) .
(2) المُحَصِّب: بالضم ثم الفتح وصاد مهملة مشددة. اسم مفعول من الحصباء أو الحصب، وهو الرمي بالحصى، وهي صغار الحصى وكباره: وهو موضع فيما بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب. معجم البلدان (5/74) .
(24/525)

بعد الحج؟
قلنا الأصل التعبد في جميع أفعال الحج، إلا ما قام الدليل على أنه ليس من باب التعبد، وأيضاً فيمكن أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستريح إذا نزل في عرفة.
68- جواز استخدام الإنسان غيره لاسيما إذا كان كبيراً أو ذا سلطة، والدليل: "أمر بالقصواء فرحلت له " فإن قوله أمر ...
فرحلت يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - ما باشر ترحيلها، وإنما أمر فرحلت له، وهذا لا ينافي نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل الناس شيئاً، لأن هناك فرقاً بين أن تسأل شخصاً شيئاً ويرى أن له منَّة عليك، وبين أن تسأل شخصاً شيئاً ويرى أن المنة منك عليه، وما يجري من النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا الباب، كل يفرح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمره، ثم هو زعيم أمته عليه الصلاة والسلام، فيأمر على وجه السلطة، وعلى وجه الإمرة.
69- إعلان الأحكام الشرعية عن طريق الخطابة.
والخطابة أحد المجالات التي بها تنشر الدعوة، فإن الدعوة تنشر بطرق متعددة، منها الخطابة، والكتابة، والمشافهة، وغير ذلك.
70- حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تبليغ أمته، فإنه كان لا يخفي تبليغ الأحكام، بل يعلنها إعلاناً بواسطة الخطابة.
71- استحباب الخطبة يوم عرفة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس، فيستحب أن يخطب الإمام أو نائبه الناس يوم عرفة، ويستحب أن يحرص على الأقوال التي قالها النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك الخطبة ليقتدي بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في أصل الخطبة، وفي موضوعها وكلماتها.
(24/526)

72- أن الخطبة يوم عرفة قبل الأذان لقوله: "ثم أذن ثم أقام ".
73- أن الربا موضوع كله، ولا يؤخذ مهما كان. فالربا الثابت في ذمم الناس يجب وضعه، ولا يجوز أخذه، حتى وإن عقد قبل إسلام العاقد، أو قبل جهله. أما ما قبض من قبل من ربا وأكل،
وأتى الإنسان موعظة من الله، فلا يلزمه تقويمه والتخلص منه، لكن ما بقي في ذمم الناس فإنه لا تتم التوبة منه إلا إذا تركه ولم يقبضه.
74- بيان عدل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ظاهر من قوله: "وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع "، فأول ما قضى عليه من أمر الجاهلية ما كان يتصل بأقاربه؛ وهذا كما قال في الحديث الصحيح: "وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (1) . وهكذا يجب على الإنسان أن يكون قائماً لله بالعدل، لا يفرق بين قريب وبعيد، أو غني وفقير، أو قوي وضعيف. الناس في حكم الله واحد، لا يتميز أحد منهم بشيء
إلا بما ميزه الله به.
75- وفيه الإشارة إلى أن الذي يتولى طلب الرزق وحصول الكسوة هو الرجل، لقوله: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) . أما المرأة فشأنها أن تبقى في بيتها لإصلاح حالها وحال زوجها، وحال أولادها، وهذا ما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم.
__________
(1) أخرجه البخاري في الحدود/باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع (6788) ، ومسلم في الحدود/باب قطع يد السارق الشريف (1688) عن عائشة رضي الله عنها.
(24/527)

76- أن القرآن عصمة؛ إذا اعتصم به الإنسان عصم من الضلال في الدنيا، والشقاء في الآخرة، كما قال تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123)) (1) ، أي لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.
77- وفيه الحث على الاعتصام بكتاب الله، والرجوع إليه، وأن به العصمة من كل سوء. فإن قال قائل: ما تقولون في السنة التي لم تكن موجودة في القرآن بعينها؟
قلنا: كل سنة سنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهي موجودة في القرآن. قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (2) وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) (3) . وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (4) . وقال تعالى: (النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ) (5) . فكل سنة سنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهي من القرآن، لكن ليس من اللازم أن ينص عليها بعينها.
78- اعتراف الصحابة رضي الله عنهم بالجميل للنبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: "نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت " وهذه الشهادة التي شهدها الصحابة رضي الله عنهم يجب على كل مؤمن أن يشهدها فنحن نشهد أنه قد بلغ، وأدى، ونصح عليه الصلاة والسلام.
__________
(1) سورة طه، الآية 123.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 21.
(3) سورة الحشر، الآية: 7.
(4) سورة آل عمران، الآية: 31.
(5) سورة الأعراف، الآية: 158.
(24/528)

79- إشهاد الله تعالى على العباد بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلغ.
85- إثبات علو الله عز وجل. وجه الدلالة الإشارة إلى السماء، وعلو الله الذاتي قد دل عليه الكتاب والسنة، والإجماع والعقل والفطرة.
81- جواز الإشارة إلى مكان الله عز وجل، وهو في السماء، ولكن هل هذا المكان محيط به؟
الجواب: لا. بل وسع كرسيه السماوات والأرض، فهو سبحانه وتعالى فوق سماواته، على عرشه، عليٌّ على خلقه بذاته وصفاته، لقوله تعالى: (وَهُوَ اَلعَلِىُّ اَلعَظِيمُ (255)) (1) .
82- إثبات علم الله عز وجل وسمعه وبصره حيث كان يرفع إصبع إلى السماء، ثم ينكتها إلى الناس.
83- تكرار الأمر الهام ثلاث مرات، حتى وإن كان المخاطب قد سمع، فإنه يكرر لا من أجل إفهام المخاطب، ولكن من أجل الاهتمام بهذا الشيء.
84- أنه لا يشرع للمسافر أن يصلي راتبة الظهر، لقوله: "لم يصل بينهما شيئاً".
85- أن الصلاتين المجموعتين المشروع فيهما أن تكونا متواليتين لقوله: "ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئاً". والموالاة بين المجموعتين إذا كان الجمع جمع تقديم شرط عند أكثر الفقهاء- رحمهم الله- إلا أنه لا بأس أن
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 255.
(24/529)

يفصل بوضوء خفيف، أو استراحة قصيرة، ثم يستأنف الصلاة ثانية. أما إذا كان الجمع جمع تأخير، فالموالاة ليست بشرط.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية (1) - رحمه الله- إلى أن الموالاة بين المجموعتين ليست بشرط، لا في جمع التقديم، ولا في جمع التأخير، وقال: يجوز في جمع التقديم أن يصلي الظهر مثلاً، ثم يتوضأ، أو يستريح، أو يتغدى ونحوه، ثم يصلي العصر، وقال: إن الجمع هو من باب ضم الصلاة إلى الأخرى في الوقت لا في الفعل؛ فإذا جاز الجمع صار الوقتان إلى الأخرى واحداً، وليس معنى الجمع ضم إحدى الصلاتين إلى الأخرى بالفعل، بل ضمها إلى الأخرى بالوقت، وعلى هذا فلا تشترط الموالاة في جمع التقديم، كما لا تشترط في جمع التأخير، ولكن لاشك أن الموالاة بينهما مشروعة كما دل عليه هذا الحديث.
86- استحباب الوقوف للإمام في موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف عند الصخرات خلف جبل عرفة لقوله: "ثم ركب حتى أتى الموقف ". وأما غير الإمام، فإنهم يقفون في أماكنهم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:" وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف " (2) . ولأن الأصل الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في كيفية العبادة وزمانها ومكانها. وجه ذلك أنه نبه على أن وقوفه في هذه الأماكن لا يسن فيه الأسوة أو لا تجب فيه الأسوة لقوله (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) ، وكذلك يقال في مزدلفة.
__________
(1) الفتاوى (24/45) .
(2) تقدم تخريجه ص 155.
(24/530)

87- بيان تيسير النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته حيث لم يلزمهم، بل ولم يندبهم إلى أن يتحروا مكان وقوفه ونحوه، لا في عرفة ومزدلفة، ولا في منى.
88- أنه لا يشرع صعود الجبل، ولا الصلاة فيه، ولا الصلاة عنده، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك؛ والأصل في العبادات التوقيف، حتى يقوم دليل على مشروعيتها.
وبه نعرف ضلال كثير من الناس الذي يقصدون الجبل، ويصعدون عليه، ويصلون، وربما يضعون الحجارة بعضها على بعض لتكون علماً وربما يعلقون الخرق، ويكتبون الأوراق لإثبات أنهم بلغوا هذا المكان، وكل هذا من البدع. والواجب على طلبة العلم أن ينبهوا الناس على ذلك، وأن يبينوا أنهم إلى الوزر أقرب منهم إلى الأجر في مثل هذه الأعمال.
89- أن الركوب في الوقوف بعرفة أفضل، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف راكباً، وقال: "خذوا عني مناسككم " (1) .
وقال بعض العلماء- رحمهم الله-: بل الوقوف على غير الراحلة أفضل.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية (2) - رحمه الله- التفصيل في ذلك، وقال: إنه يختلف باختلاف الحاج، وما ذهب إليه هو الصحيح. فإذا كان الإنسان يحتاج إلى أن يكون راكباً ليراه الناس
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج/باب استحباب رمي جمرة العقبة (2/943) ، وأبو داود في كتاب المناسك/باب في رمي الجمار (1/456) ، والنسائي في المناسك/باب الركوب إلى الجمار (5/219) ، وابن ماجه في المناسك/باب الوقوف بجمع (2/1006) .
(2) انظر الفتاوى (26/132) .
(24/531)

ويسألوه وينتفعوا بعلمه، وقف راكباً أفضل، وكذلك إن كان أخشع له وأحضر لقلبه، فيقف راكباً أفضل، وإذا كان الأمر بالعكس صار الحكم بالعكس أيضاً، فهو يختلف باختلاف أحوال الناس.
90- مشروعية استقبال القبلة حال الدعاء يوم عرفة، ورفع اليدين والإكثار من الدعاء، ومن الذكر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
قدير" (1) . وينبغي له أن يحرص على الأذكار والأدعية الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنها من أجمع الأدعية وأنفعها، فيقول:
اللهم لك الحمدُ كالذي نقولُ وخيراً مما نقولُ، اللهم لك صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي وإليك رب مآبي ولك رب تراثي.
اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر.
اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح. اللهم إنك تسمعُ كلامي، وترى مكاني، وتعلمُ سري
وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث المستجير، الوجل المشفق، المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء من خضعت لك رقبته وفاضت لك عيناه، وذل لك جسده، ورغم لك أنفه.
__________
(1) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة (3585) عن عبد الله بن عمر رضي
الله عنهما، والإمام أحمد (2/210) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ولفظه: "كان دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة لا إله إلا الله ... " وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.
(24/532)

اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفاً رحيماً، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين.
اللهم اجعلْ في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً.
اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهر.
اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا.
اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر.
اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب.
فالدعاء يوم عرفة خير الدعاء.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خير الدعاء يوم عرفة" (1) . كما في الحديث السابق. وإذا لم يحط بالأدعية الواردة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دعا بما
__________
(1) تقدم تخريجه ص 532.
(24/533)

يعرف من الأدعية المباحة.
فإن قال قائل: الوقت طويل، لا سيما في أيام الصيف، وربما يلحق الإنسان ملل، لأنه لو بقي يدعو من بعد صلاة الظهر والعصر المجموعة إليها إلى الغروب لحقه ملل؛ فهل اشتغاله بغير الدعاء والذكر مما هو مباح جائز؟
الجواب: نعم، وربما يكون مطلوباً إذا كان وسيلة للنشاط؛ والإنسان بشر يلحقه الملل، فلا حرج أن يستريح، إما بنوم، أو بقراءة قرآن، أو بمذاكرة مع إخوانه، أو بمدارسة القرآن، أو في أحاديث تتعلق بالرحمة والرجاء، والبعث والنشور، وأحوال الآخرة، حتى يلين ويرق قلبه؛ والإنسان طبيب نفسه في هذا المكان. لكن ينبغي أن يغتنم آخر النهار بالدعاء ويتفرغ له تفرغاً كاملاً.
91- وجوب الوقوف بعرفة حتى تغرب الشمس؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف حتى غربت الشمس وقال: "لتأخذوا عني مناسككم " (1) .
ولأن الدفع قبل غروب الشمس مخالفة لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وموافقة لهدي المشركين، لأن المشركين كانوا ينتظرون، فإذا قربت الشمس إلى الغروب دفعوا من عرفة، فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولأن في ذلك نقصاً في الوقوف الذي هو الركن. ومعلوم أن الأركان أفضل من الواجبات، والواجبات أفضل من السنن؛ لأنه كلما تأكدت العبادة كانت أفضل. لقوله تعالى في الحديث القدسي: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته
__________
(1) تقدم تخريجه ص 531.
(24/534)

عليه " (1) .
ويدل أيضاً على أن ذلك للوجوب تأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تغرب الشمس، لأنه لو دفع قبل أن تغرب لكان أيسر، فلما عدل عن ذلك إلى البقاء حتى غربت الشمس دل على أن الدفع قبل هذا محرم، ولو كان جائزاً لفعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنه أيسر.
92- أنه ينبغي لإمام الناس أو من ينيبه أن يحث الناس على السكينة؛ فرجال المرور مثلاً ينوبون مناب الإمام في تدبير الناس، وتنظيم السير، والأمر بالسكينة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظم السير في قوله: "السكينة السكينة"، فإن هذا نوع من تنظيم السير.
93- أنه ينبغي للإمام، بل يجب على الإمام أن يكون أول من يبادر إلى ما يأمر به. ودليله أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دفع وقد شنق للقصواء الزمام، وما كان ليقول للناس السكينة السكينة وهو تاركها تمشي بسرعة، بل هو أول من يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام؛ وهكذا
الإمام الذي يقتدى به سواء كان إماماً في التنفيذ، أو إماماً في العلم، فإنه يجب عليه أن يتحرى اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأنه يقتدى به فأي فعل يفعله سوف يقتدي به الناس، والناس في هذا المقام بالنسبة إلى القدوة بين أمرين: بين محتج بفعله على ما يهواه، وبين محتج عليه بمخالفته، وبينهما فرق. فالإنسان الذي له هوى ولا يريد اتباع السنة يحتج بتقصير القدوة على تقصيره، فيقول مثلاً. هذا فلان لا يفعل هذا، وهذا فلان فعل هذا مثلاً، والإنسان الذي يريد من المقتدى به أن يتبع السنة يحتج بفعله وتهاونه بالسنة عليه، ولا
__________
(1) أخرجه البخاري في الرقائق، باب التواضع (6502) .
(24/535)

يحتج بفعله على ما يفعله هذا المتكاسل، فهذا أمر ينبغي لطلبة العلم أن يتفطنوا إليه، لأن طالب العلم يقتدى به، ويؤخذ عليه ما لا يؤخذ على غيره، ليس كعامة الناس، ولهذا كثيراً ما تأمر الناس
بشيء ثم يقولون لك فلان يفعله من طلبة العلم يحتج بفعله حتى وإن كان هذا الرجل قد تبين له أن الحق بخلافه، لكن يريد أن يدافع عن نفسه ولو بالباطل، كما هو ظاهر.
94- حسن رعاية النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استرعاه الله حتى في البهائم. وجه ذلك أنه كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لناقته قليلاً، فإن هذا من حسن رعايته لها ورأفته بها - صلى الله عليه وسلم -، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الرعاية في البشر حيث يقول السكينة السكينة، وأحسن الرعاية في البهيمة حيث يرخي لها قليلاً حتى تصعد إذا أتى حبلاً من الحبال.
95- أن المشروع للحاج ألا يصلي المغرب والعشاء إلا في مزدلفة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر ذلك إلى مزدلفة، ووجه هذا: أن المشروع في حق المسافر إذا جد به السير ألا يقف فيقطع سيره.
ولهذا كان من هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى العصر، وإن ارتحل بعد أن تزيغ الشمس قدم العصر إلى الظهر، حتى يكون سيره مستمرًّا متواصلاً.
نقول: هذا هو السنة، حتى لو تأخر الإنسان. إلا إذا تأخر حتى انتصف الليل، فإنه يجب عليه أن يصلي صلاة العشاء قبل منتصف الليل، وصلاة المغرب أيضاً، وذلك لأن منتهى صلاة العشاء نصف الليل، فلا يجوز أن يؤخرها إلى ما بعد نصف الليل.
فإن قال قائل: افرض أنني حبست في سير السيارات، ولم
(24/536)

أستطع الرجوع، ولا التقدم، ولا الخروج يميناً أو شمالاً؟
نقول: من أمكنه أن ينزل من الركاب فلينزل، ويصلي يميناً أو شمالاً قبل أن يخرج الوقت، ومن لم يمكنه فليصل ولو على ظهر السيارة، ويأتي بما يستطيع من الواجبات على حسب حاله. ولا
يجوز أن يؤخر الصلاة إلى ما بعد نصف الليل؛ لأن القول الراجح أنه لا وقت للعشاء بعد منتصف الليل.
96- أن الجمع يكون جمع تأخير، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع جمع تأخير، ولكن هل هذا مراد؟ أو لأن سير النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متواصلاً إلى أن دخل وقت العشاء؟
الذي يظهر الثاني؟ لأن هذا هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبناء على ذلك لو أن الإنسان وقف في أثناء الطريق وصلى، فإن القول الذي عليه جمهور أهل العلم أن صلاته صحيحة خلافاً لبعض الظاهرية كابن حزم (1) - رحمه الله- حيث قال: لا تصح صلاة المغرب والعشاء في ليلة مزدلفة إلا بمزدلفة، واستدل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسامة رضي الله عنه، لما توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: " الصلاة أمامك " (2) .
ولكن رأي الجمهور هو الصحيح.
فإن وصل في وقت صلاة المغرب فما المشروع في حقه؟
قيل: المشروع أن يؤخر أيضاً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أ