Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 025


الهدي والأضحية
(25/7)

س1: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن الفرق بين الهدي والأضحية والفدية؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: أما الأضحية فهي: ما يذبح في أيام عيد الأضحى تقربًا إلى الله عز وجل في عامة البلدان، في مكة وغيرها.
وأما الهدي فهو: ما يهدى إلى الحرم، من الإبل والبقر والغنم، بمعنى أن يبعث الإنسان بشيء من الإبل، أو البقر، أو الغنم تذبح في مكة، وتوزع على فقراء الحرم، أو يبعث بدراهم ويوكل من يشتري بها هديًا من إبل أو بقر أو غنم ويذبح في مكة ويوزع على الفقراء.
ومن الهدي- أيضًا- ما يقوم به المحرم المتمتع الذي أتى بالعمرة ثم بالحج فلزمه هدي، يكون تقربًا إلى الله عز وجل، وشكرًا لنعمه حيث يسر له العمرة والحج.
أما الفدية فهي: ما كانت عن ترك واجب أو فعل محظور.
مثال عن ترك الواجب: أن يترك الإنسان رمي الجمرات فيجب عليه فدية يذبحها في مكة ويوزعها على الفقراء.
ومثال فعل المحظور: أن يحلق رأسه وهو محرم، فعليه فدية من صيام، أو صدقة، أو نسك، هذا هو الفرق.
(25/9)

س 2: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الأضحية؟ وما حكم إفراد الميت بالأضحية؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الأضحية سنة مؤكدة للقادر عليها، فيضحي الإنسان عن نفسه وأهل بيته.
وأما إفراد الميت بالأضحية فليس بسنة، فإنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - - فيما أعلم- أنه ضحى عن أحد ميت أضحية منفردة، ولا عن أصحابه في حياته - صلى الله عليه وسلم -، ولكن يضحي الإنسان عنه وعن أهل بيته، وإذا نوى أن يكون الميت معهم فلا بأس.
س 3: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حكم الأضحية؟ وما شروطها؟ وهل تشرع عن الأموات؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الأضحية سنة مؤكدة، وقال بعض العلماء: إنها واجبة، ولكل قوم دليلٌ استدلوا به، والاحتياط ألا يدعها الغني الذي أغناه الله تبارك وتعالى، وأن يجعلها من نعمة الله
عليه، حيث يشارك الحجاج في شيء من النسك، فإن الحجاج في أيام العيد يذبحون هداياهم، وأهل الأمصار يذبحون ضحاياهم، فمن رحمة الله تبارك وتعالى أن شرع لأهل الأمصار أن يضحوا في أيام
الأضحية ليشاركوا الحجاج في شيء من النسك.
(25/10)

ولهذا نقول: القادر عليها لا ينبغي أن يدعها.
ثم الأضحية ليست للأموات، الأضحية للأحياء، وليست بسنة للأموات، ودليل ذلك: أن الشرع إنما يأتي من عند الله عز وجل ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، والذي جاءت به السنة هي الأضحية عن الأحياء، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - مات له أقارب ولم يضحِّ عنهم، كل أولاده توفُّوا قبله عليه الصلاة والسلام، منهم الذي بلغ الحُلُم، ومنهم من لم يبلغ الحلم، فأبناؤه ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم، وبناته مِتْنَ بعد أن بلَغْنَ الحُلُم، إلا فاطمة- رضي الله عنها-، فقد بقيت بعده، ومات له زوجتان: خديجة، وزينب بنت خزيمة- رضي الله عنهما-، ولم يضحِّ عنهما، واستشهد عمُّه حمزة بن عبد المطلب- رضي الله عنه- ولم يضحِّ عنه، فهو عليه الصلاة والسلام لم يشرع الأضحية عن الميت، ولم يدعُ أمَّته إلى ذلك.
وعلى هذا فنقول: ليس من السنة أن يُضحَّى عن الميت؟ لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا علمته واردًا عن الصحابة أيضًا، نعم إذا أوصى الميت أن يضحَّى عنه فهنا تُتبع وصيته ويَضحى عنه، اتباعًا لوصيته، وكذلك إذا دخل الميت مع الأحياء ضمنًا كأن يضحي
الإنسان عنه وعن أهل بيته، وينوي بذلك الأحياء والأموات، وأما أن يُفردَ الميت بأضحية من عنده، فهذا ليس من السنة.
(25/11)

أما الأضحية نفسها فلها شروط: منها ما يتعلق بالوقت.
ومنها ما يتعلق بنفس الأضحية.
أما الوقت: فإن الأضحية لها وقت محدد لا تشرع قبله ولا بعده.
ووقتها: من فراغ صلاة العيد إلى مغيب الشمس ليلة الثالث عشرة، فتكون الأيام أربعة: هي يوم العيد.
وثلاثة أيام بعده.
فمن ضحَّى في هذه المدة ليلاً أو نهارًا فأضحيته صحيحة، من حيث الوقت، ومن ضحى قبل الصلاة فشاته شاة لحم لا تجزئ عن الأضحية، وعليه أن يذبح بدلها، ومن ضحى بعد غروب الشمس في
اليوم الثالث عشر لم تجزِ عن الأضحية اللهم إلا أن يكون معذورًا.
وأما شروطها بنفسها، فيشترط فيها:
الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم، ضأنها ومعزها، فمن ضحَّى بشيء غير بهيمة الأنعام لم تُقبل منه، مثل أن يُضحِّي الإنسان بفرس، أو بغزال، أو بنعامة، فإن ذلك لا يُقبل منه؟ لأن الأضحية إنما وردت في بهيمة الأنعام، والأضحية عبادة وشرع، لا يُشرع منها ولا يُتعبد لله بشيء منها إلا بما جاء به الشرع، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (1) أي مردود.
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة. (17) ، (1718) .
(25/12)

الشرط الثاني: أن تبلغ السن المعتبر شرعًا:
وهي في الضأن: ستة أشهر.
وفي المعز: سنة.
وفي البقر: سنتان.
وفي الإبل: خمس سنوات.
فمن ضحى بما دون ذلك فلا أُضحية له، فلو ضحى بشيء من الضأن له خمسة أشهر لم تصح الأضحية به، أو بشيء من المعز له عشرة أشهر لم تصح الأضحية به، أو بشيء من البقر له سنة وعشرة أشهر لم تصح الأضحية به، أو بشيء من الإبل له أربع سنين وستة أشهر لم تصح به، فلابد أن يبلغ السن المعتبر، ودليل ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تذبحوا إلا مُسِنَّة- يعني ثنيّة- إلا أن تعْسُرَ عليكم فتذبحوا جَذَعة من الضأن " (1) .
الشرط الثالث: أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء:
وهي أربعة: أجاب بها النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث سُئل: ماذا يُتقى من الضحايا؟ فقال: "أربع: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البيّن مرضها، والعرجاء البيِّن عرجها، والعجفاء التي لا تُنقي " (2) أي ليس
__________
(1) أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية. (1963) .
(2) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الضحايا. (1) .
(25/13)

فيها مُخ، لهزالها وضعفها، وما كان مثل هذه العيوب أو أشد فهو بمعناها، له حكمها، فهذه ثلاثة شروط عائدة إلى ذات الأضحية، والشرط الرابع عائد إلى وقتها وسبق بيانه.
أما كيف توزع: فقد قال الله تعالى: "ليَشهَدُوا مَنافِعَ لَهُم وًيذكرُوا آسمَ اللهِ فِى أيامٍ معلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم من بَهِيمَةِ اَلأنعامِ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأطْعِمُوا آلْبَآئِسَ اَلفَقِيرَ " (1) وقال سبحانه: وَالبُدنَ
جَعَلْنَاهَا لَكْم مٍنّ شَعَائِرِ اللهِ لَكْمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاَذْكُرُوا اَسمَ اَللهِ عَلَيها صَوَآفَّ فَإذَا وَجَبَت جُنُوبُهَا فَكُلْواْ مِنْهَا وَأطعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعتَرَّ كَذَالِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكْمْ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ" (2) ، فيأكل الإنسان منها، ويتصدق منها على الفقراء، ويُهدي منها للأغنياء، تألُّفًا وتحبُّبًا، حتى يجتمع في الأضحية ثلاثة أمور مقصودة شرعية:
الأمر الأول: التمتع بنعمة الله، وذلك في الأكل منها.
الأمر الثاني: رجاء ثواب الله، وذلك بالصدقة منها.
الأمر الثالث: التودّد إلى عباد الله، وذلك بالهدية منها.
وهذه معانٍ جليلة مقصودة للشرع، ولهذا استحب بعض العلماء أن تكون أثلاثًا، فثُلثٌ يأكله، وثُلثٌ يتصدق به، وثُلث يهديه.
__________
(1) سورة الحج، الآية: 28.
(2) سورة الحج، الآية: 36.
(25/14)

س4: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما القول الصحيح في حكم الأضحية؟
فأجاب بقوله: الذي يظهر لي أن الأضحية ليست بواجبة ولكنها سنة مؤكدة، يُكره للقادر تركها.
س5: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يستحب الهدي في العمرة؟
فأجاب بقوله: نعم، والدليل أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عمرة الحديبية معه الهدي (1) ، بل إن الهدي مشروع ولو بغير نسك، كما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبعث بالهدي من المدينة وهو في المدينة (2) .
س6: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما سبب سياق النبي - صلى الله عليه وسلم - الهدي في عمرة الحديبية مع أنه كان ذاهبًا للعمرة وليس للحج؟
فأجاب بقوله: الهدي نوعان:
النوع الأول: هدي واجب: وهذا لا يكون إلا في حق المتمتع أو
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد (2731) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فتل القلائد للبدن والبقر (1697) ، (1698) ، وباب إشعار البدن (1966) .
(25/15)

القارن، لقوله تعالى:" فَمَن تَمَتَّعَ بِالّعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَمَا اَسْتَيسَرَ مِنَ اَلهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَهِ أَيَّامٍ فِى اَلحَجّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعُتم تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَهٌ ذَالِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أهلُهُ , حَاضِري اَلمَسْجِدِ اَلْحَرَامِ" (1) .
النوع الثاني: هدي تطوع: وهذا يكون في حق المفرد في الحج، وفي حق المعتمر، وفي حق من لم يحج ومن لم يعتمر، فالمفرد له أن يهدي هديًا يتقرب به إلى الله، والمعتمر له أن يهدي هديًا يتقرب به إلى الله، ومن لم يحج ولم يعتمر وكان في بلد له أن يهدي هدياً يتقرب به إلى الله فيرسله إلى مكة، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أرسل هدياً إلى مكة وهو مقيم في المدينة (2) ، وكما أهدى الهدي في عمرة الحديبية (3) ، فالهدي نفسه عبادة يتقرب به إلى الله، ولكن قد يكون واجباً وقد يكون مستحباً، فهو واجب على القارن والمتمتع، وسنة في حق المفرد في الحج، وفي العمرة، ومن لم يحج ولم يعتمر.
وهناك هدي واجب من نوع آخر وهو ما يكون بسبب الإتلاف كالهدي الواجب في قتل الصيد، قال الله تبارك وتعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَقتُلُوا اَلصَّيْدَ وَأنتُمْ حُرُم وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُّتَعَمِداً فَجَزاء مِثْلُ
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فتل القلائد.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد (2731) .
(25/16)

مَا قَتَلَ مِنَ اَلنعَمِ-يَحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدلٍ مِنكُمْ هَدْيَا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أوْ كَّفارَةٌ طَعَامُ مَساَكِينَ أَوْ عَدلُ ذَالِكَ صيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أمِرهِ عَفَا اَللهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اَللهُ مِنهُ وَاَللهُ عَزيزٌ ذُو اَنتِقَام) (1) .
س7: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: رجل يتقرب إلى الله بذبيحة لكن في غير وقت الأضحية، فهل له أجر؟
فأجاب بقوله: من المعلوم أن التقرب إلى الله بذبيحة في غير وقت الأضحية لا يحصل فيها أجر الأضحية، لكن إن تصدق بلحمها فله أجر الصدقة. وأما يأخذ أجر الأضحية فلا، وحينئذٍ نقول له: لا تتقرب بالذبح إلا على نية أنك تريد أنت تتقرب بالصدقة بلحمها.
س 8: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الأضحية وهل يستدين الإنسان ليضحي؟
فأجاب بقوله: الأضحية سنة مؤكدة لمن كان قادراً عليها، حتى قال بعض أهل العلم: إنها واجبة، وممن قال بوجوبها أبو حنيفة وأصحابه- رحمهم الله- وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل- رحمه
الله- واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-، وعلى هذا فلا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 95.
(25/17)

ينبغي للقادر أن يدع الأضحية.
أما مَن ليس عنده فلوس فإنه لا ينبغي له أن يستدين ليضحي؛ لأنه سوف يشغل ذمته بالدين، ولا يدري أيقدر على وفائه أم لا، لكن من كان قادرًا فلا يدع الأضحية لأنها سنة، والأضحية في
الحقيقة إنما هي عن الرجل وأهل بيته هذه هي السنة كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، والإنسان إذا ضحى بالشاة عنه وعن أهل بيته كفاه عن الجميع الأحياء والأموات، ولا حاجة أن يخص الأموات بأضحية كما يفعل بعض الناس، حيث يخصون بعض الأموات بالأضحية، ويدعون أنفسهم لا يضحون عنهم ولا عن أهليهم، وأما الأضاحي عن الأموات في الوصايا التي أوصوا بها فلابد من تنفيذها، والله أعلم.
س9: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل ذبح الأضحية يوم العيد واجب أو سنة؟
فأجاب بقوله: كان الذي ينبغي أن يسأل عن الأضحية هل هي واجبة أم لا؟.
وقد اختلف العلماء في وجوبها.
فمنهم من قال: إنها واجبة كما هو مذهب أبي حنيفة، وإحدى
(25/18)

الروايتين عن الإمام أحمد، وأحد القولين في مذهب مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بها وواظب عليها.
ومن العلماء من يقول: إنها سنة مؤكدة يكره للقادر تركها.
س10: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كيف يجمع الإنسان بين الأضحية والحج؟ وهل هذا مشروع؟
فأجاب بقوله: الحاج لا يضحي وإنما جهدي هديًا؟ ولهذا لم يضحِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع وإنما أهدى، ولكن لو فرض أن الحاج حج وحده وأهله في بلده فهنا يدع لأهله من الدراهم ما يشترون به الأضحية ويضحون بها، ولكون هو جهدي، وهم يضحون؟ لأن الأضاحي إنما تشرع في الأمصار، أما في مكة فهو الهدي.
س11: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كيف يجمع الإنسان بين الحج والأضحية؟ وماذا يصنع بالنسبة للأخذ من شعره وأظفاره؟
فأجاب بقوله: الحاج لا يضحي لكن من له أهل فإنه يجعل عندهم القيمة يضحون عنهم، وأما هو فله الهدي، وإذا قدِّر أنه قال لأهله: ضحوا عني وعنكم، فهو المضحي حقيقة، ولكن لا حرج أن يأخذ من شعره إذا تحلل من العمرة؟ لأن الإنسان المتمتع إذا قدم مكة وطاف
(25/19)

وسعى فإنه يقصر وهذا التقصير لا يضر؟ لأنه نسك والذي ورد به النهي إنما هو الأخذ لغير النسك.
س12: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل على الحاج أضحية؟ وما الجواب عن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى عن أزواجه بالبقر (1) ؟ وما جاء في حديث ثوبان رضي الله عنه قال: "ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحيته" (2) وفي رواية أن ذلك في حجة الوداع (3) ؟
فأجاب بقوله: الأضحية للحاج إن كان يريد أن يضحي في أهله، بمعنى أنه حج وأهله مقيمون في بلده وأراد أن يعطيهم دراهم يشترون بها الأضحية يضحون بها فهذا لا بأس به.
وأما إذا كان يريد أن يضحي في منى فإنه لا يضحي في منى، ليس في الحج إلا الهدي.
وأما حديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى عن أزواجه بالبقر فالمراد بـ (ضحى) ، أي: ذبحها عنهن في الضحى، فأهدى لهن بقرًا، لكن
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل الأضحية، (35) ، (975) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن كل الأضحية، (35) ، (975) .
(3) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن كل الأضحية، (36) ، (975) .
(25/20)

ذبحها في الضحى فأطلق عليها أنها أضحية، وكذلك ما جاء في حديث ثوبان- رضي الله عنه-، وكل ما أطلق عليه أنه أضحية في الحج فإنه هدي.
س13: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل على كل مسلم أن يضحي؟ وهل يجوز اشتراك خمسة أفراد في أضحية واحدة؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأضحية هي الذبيحة التي يتقرب بها الإنسان إلى الله في عيد الأضحى والأيام الثلاثة بعده، وهي من أفضل العبادات؟ لأن الله سبحانه وتعالى قرنها في كتابه بالصلاة فقال جل وعلا: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (1) ، قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (2) وضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأضحيتين إحداهما عنه وعن أهل بيته، والثانية عمن آمن به من أمته (3) ، وحث
__________
(1) سورة الكوثر، الآيتان (1- 2) .
(2) سورة الأنعام، الآيتان (162- 163) .
(3) أخرجه الإمام أحمد (6/391) ، وابن ماجه كتاب الأضاحي، باب أضاحي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (3122) .
(25/21)

الناس عليها صلوات الله وسلامه عليه، ورغب فيها.
وقد اختلف العلماء- رحمهم الله- هل الأضحية واجبة، أو ليست بواجبة على قولين.
فمنهم من قال: إنها واجبة على كل قادر؟ للأمر بها في كتاب الله عز وجل في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) ولما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن ذبح قبل الصلاة أن يذبح بعد الصلاة (1) ، وفيما روي عنه: "من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا" (2) ، فلا ينبغي للإنسان أن يدع الأضحية ما دام قادراً عليها، فليضح بالواحدة عنه وعن أهل بيته، ولا يجزئ أن يشترك اثنان فأكثر اشتراك ملك في الأضحية الواحدة من الغنم ضأنخها أو معزها، أما الاشتراك في البقرة أو البعير فيجوز أن يشترك سبعة في الواحدة، هذا باعتبار الاشتراك في الملك، وأما التشريك بالثواب فلا حرج أن يضحي الإنسان بالشاة عنه وعن أهل بيته وإن كانوا كثيرين، بل له أن يضحي عن نفسه وعن علماء الأمة الإسلامية وما أشبه ذلك من العدد الكثير الذي لا يحصيه إلا الله.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة فليعد (5561) . ومسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها (1960) .
(2) أخرجه الأمام أحمد (20/321) ، وابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب الأضاحي واجبة هي أم لا؟ (3123) -، والحاكم (2/389) وصححه.
(25/22)

وهنا أنبه على أمر يفعله بعض العامة معتقدين: أن الأضحية إنما تكون عن الميت، حتى إنهم كانوا فيما سبق إذا قيل لأحدهم: هل ضحيت عن نفسك؟ يقول: أضحي وأنا حي؟! يستنكر هذا الأمر،
ولكن ينبغي أن يُعلم أن الأضحية إنما شرعت للحي، فهي من السنن المختصة بالأحياء، ولهذا لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ضحى عن أحد من الذين ماتوا من أقاربه، أو من زوجاته على وجه الانفراد، فلم يضح عن خديجة، وهي أول زوجاته- رضي الله عنها-، ولا عن
زوجته زينب بنت خزيمة- رضي الله عنها- التي ماتت بعد تزوجه إياها بمدة غير طويلة، ولم يضح عن عمه حمزة بن عبد المطلب- رضي الله عنه- الذي استشهد في أحد، وإنما كان يضحي عنه وعن
أهله بيته، وهذا يشمل الحي والميت، وهناك فرق بين الاستقلال والتبع، فيضحى عن الميت تبعًا بأن يضحي الإنسان عنه وعن آل بيته، وينوي بذلك الأحياء والأموات، وأما أن يضحي عن ميت
بخصوصه بعينه فهذا لا أساس له من السنة فيما أعلم، أما إذا كان الميت قد أوصى بأضحية فإنه يضحي عنه تبعًا لوصيته، وأرجو أن يكون هذا الأمر معلومًا، وهو أن الأضحية إنما تشرع في الأصل في حق الحي لا في حق الميت، فالأضحية عن الميت تكون بالتبع وتكون بوصية، أما تبرعًا من أحد فإنها وإن جازت، لكن الأفضل خلاف ذلك.
(25/23)

س14: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل من السنة أن الإنسان إذا أهدى في الحج أن يضحي؟
فأجاب بقوله: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه لا أضحية للحاج؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يضح، وأهدى مئة بعير عن سبع مائة رأس من الغنم (1) ، لكن إذا كان الإنسان له عائلة لم يحجوا معه، وأوصاهم أن يضحوا عنه وعنهم فهذا طيب. فإذا كان له عائلة فمن
السنة أن يجعل لهم أضحية عنه وعنهم إذا لم يحجوا معه، وأما الحجاج فلا يضحون وإنما يهدون هديًا.
س15: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله- عن رجل يضحي مع عائلته، وله أبناء في مدينة أخرى ليسوا متزوجين، ولم يضحوا فماذا عليهم؟
فأجاب بقوله: إذا ضحوا فهو خير، وإن تركوا الأضحية فلا شيء عليهم، والأضحية لا تلزم أحدًا؟ لأن الأضحية سنة مؤكدة من الأصل.
س16: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن شخص له والدة متوفاة، ويريد أن يضحي عنها من ماله، فهل يشركها في الأضحية
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، (1218) .
(25/24)

مع أهل بيته، أم يضحي عنها بأضحية خاصة؟
فأجاب بقوله: لا يشرع للميت أضحية خاصة تُخصُ به، وإن كان هذا جائزًا لكنه ليس بمشروعٍ، إذ لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أصحابه- رضي الله عنهم- فيما أعلم- أنه ضحى عن أحد من الأموات أضحية مستقلة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد ماتت زوجته خديجة، وماتت زوجته زينب بنت خزيمة- رضي الله عنهما- ومتن بناته إلا فاطمة، ومات أبناؤه، ومات عمه حمزة- رضي الله عنهم- ولم يخص أحدًا منهم بأضحية، وإنما كان يقول - صلى الله عليه وسلم - عند تضحيته: "اللهم هذه عن محمد واس محمد" (1) ، فيشمل آل بيته الأحياء والأموات.
وإذا كان كذلك فإن الأفضل في حق السائل ألا يخص أمه بأضحية خاصة، وإنما يضحي بأضحية عنه وعن أهل بيته، وتشمل الأحياء والأموات هذه هي السنة، وإن بعض الناس يضحي بأضحية عن الميت أول سنة من موته يسمونها: أضحية الحفرة، أو أضحية الدفنة، وهذا من البدع؟ لأن تخصيص الميت بأضحية بهذا الاسم في أول سنة يموت لم يرد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أصحابه، فيكون من البدع التي ابتدعها الناس، وكل بدعة ضلالة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/391) .
(2) أخرجه مسلم/ كتاب الجمعة/ باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم (867) .
(25/25)

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم ... حفظه الله تعالى- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتابكم المؤرخ 29 من الشهر الماضي وصل. سرنا صحتكم والحمد لله على ذلك.
أما سؤالكم عما كثر من أقوال العامة والخاصة ممن ينتسبون إلى العلم أنه ليس للموتى أضحية، وليس لهم صدقة إلا الصدقة الجارية فقط، وكذلك ما يصح لهم حج ولا غيره إلا الذي ما قضى فرضه فهو يحج عنه.
فجوابه: أما الأضحية عن الأموات فإنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يوصي بها الميت فيضحي عنه تنفيذا لوصيته؟ لأن الله تعالى لم يبح تغيير الوصية إلا إذا كانت جنفاً أو إثماً، قال الله تعالى: (فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَينَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)) (1) ، والأضحية ليست جنفاً ولا إثماً، بل هي عبادة مالية من أفضل العبادات والشعائر.
وقد روى الترمذي وأبو داود عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- أنه كان يضحي بكبشين أحدهما عن نفسه والآخر عن النبي
__________
(1) سورة البقرة الآية: 182.
(25/26)

- صلى الله عليه وسلم - (1) ، وفي رواية أبي أنه قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصاني أن أضحي عنه، فأنا أضحي عنه (2) ، وقد ترجم لذلك الترمذي وأبو داود فقال الترمذي: باب ما جاء في الأضحية عن الميت، وقال أبو داود: باب الأضحية عن الميت، ثم ساقا الحديث، لكن الحديث سنده ضعيف عند أهل العلم، وعلى كل حال فالعمدة على آية الوصية.
القسم الثاني: أن يضحي عن الميت تبعًا مثل أن يضحي الرجل عن نفسه وأهل بيته، وفيهم من هو ميت فهذا جائز ويحصل للميت به أجر، وقد جاءت بمثله السنة، فقد ضحى النبي - صلى الله عليه وسلم - بكبشين أحدهما عنه وعن آله، والثاني عن أمته (3) ، وهو شامل للحي والميت من آله وأمته.
القسم الثالث: أن يضحي عن الميت وحده بدون وصية منه مثل أن يضحي الإنسان عن أبيه أو أمه أو ابنه أو أخيه أو غيرهم من المسلمين، فلا أعلم لذلك أصلاً من السنة إلا ما جاء في بعض روايات مسلم لحديث البراء بن عازب في قصة أبي بردة بن نيار أنه
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الضحايا، باب الأضحية عن الميت، (279) والترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما جاء في الأضحية عن الميت، (1495) .
(2) أخرجه أبو داود، كتاب الضحايا، باب الأضحية عن الميت، (279) والترمذى، كتاب الأضاحي، باب ما جاء في الأضحية عن الميت، (1495) .
(3) أخرجه الإمام أحمد (6/391) .
(25/27)

قال: (يا رسول الله قد نسكت عن ابن لي) (1) ، فإن صحت هذه الزيادة فقد يتمسك بها من يثبت جواز الأضحية عن الميت وحده حيث لم يسأله النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ابنه أحيّ أم ميت، ولو كان الحكم يختلف بين الحي والميت لاستفصل منه النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن في هذا نظر؛ لأن المعهود أن الأضحية كانت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الأحياء،
والأموات تبع لهم، ولا نعلم أنه ضحى عن الميت وحده في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك اعتمد من يجيزون الأضحية عن الميت وحده بدون وصية منه، على قياس الأضحية على الصدقة، حيث إن الكل عبادة مالية.
قال ابن العربي المالكي في شرح صحيح الترمذي (6/290) : اختلف أهل العلم هل يضحي عن الميت مع اتفاقهم على أنه يتصدق عنه والأضحية ضرب من الصدقة لأنها عبادة مالية وليست
كالصلاة والصيام. اهـ
والخلاصة: أن الأضحية عن الميت وحده بدون وصية منه لا أعلم فيها نصًّا صريحًا بعينها، لكن لو فعلت فأرجو ألا يكون بها بأس، إلا أن الأفضل والأحسن أن يجعل المضحي الأضحية عنه وعن أهل بيته الأحياء والأموات؟ اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وفضل الله
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها (6) ، (1961) .
(25/28)

واسع، يكون الأجر بذلك للجميع إن شاء الله تعالى.
وأما قول بعض الذين ينتسبون للعلم عندكم: (إن الصدقة لا تصح للموتى إلا أن تكون صدقة جارية) . فهذا غير صحيح، فإن الصدقة للموتى تصح ويصل إليهم ثوابها إذا كانت خالصة لله تعالى
ومن مال طيب، سواء كان جارية أم منقطعة، فقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أمي اقتلتت نفسها، أي: ماتت فجأة، وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم" (1) ، وروى نحوه مسلم من
حديث أبي هريرة (2) .
ففي هذا الحديث دليل على جواز الصدقة عن الميت مطلقا، وأن له بذلك أجراً سواء كانت الصدقة الجارية أم منقطعة.
ولعل الذين توهموا أن الميت لا ينفعه إلا الصدقة الجارية فهموا ذلك من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (3)
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب ما يستحب لمن توفي فجأة، (2670) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت، (12) ، (1004) .
(3) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، (14) ، (1631) .
(25/29)

رواه مسلم. وليس في هذا الحديث دلالة على ما توهموه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "انقطع عمله" ولم يقل: "انقطع العمل له"، ثم إن هذا الحديث الذي استندت إليه هؤلاء فيما فهموا منه، ليس على عمومه بالنص والإجماع، إذا لو كان على عمومه لكان الميت لا ينتفع بغير
دعاء ولده له، وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على انتفاع الميت بدعاء غير ولده له، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (1) ، والذين سبقوهم بالإيمان في هذه الآيات هم المهاجرون والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم شامل لمن بعدهم إلى يوم القيامة، فهم يدعون بالمغفرة لهم وإن لم يكونوا من أولادهم، وينفعهم ذلك، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
أنه أغمض أبا سلمة رضي الله عنه حين مات وقال: "اللهم اغفر لأبب سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه" (2) .
وكان - صلى الله عليه وسلم - يصلي على أموات المسلمين ويدعو لهم، وصح عنه أنه قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا
__________
(1) سورة الحشر الآية: 10.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب في إغماض الميت والدعاء له (7) ، (925) .
(25/30)

يشركون بالله شيئًا إلا شفَّعهم الله فيه " (1) ، وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان
يزور المقابر، ويدعو لأهلها، ويأمر أصحابه بذلك (2) .
فهذه دلالة الكتاب والسنة على انتفاع الإنسان بدعاء غير ولده له، وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على ذلك إجماعًا قطعيًّا، فما زالوا يصلون على موتاهم ويدعون لهم وإن لم يكونوا من آبائهم، وكذلك صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (3) ، وليس ذلك من الصدقة الجارية، ولا من العلم، ولا من دعوة الولد.
وكذلك صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" (4) ، ووليه وارثه سواء كان ولدًا أم غيره، لقوله تعالى: (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله) (5) ، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" (6) متفق عليه.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب من صلى عليه أربعون شفعوا فيه (59) ، (948) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول المقابر، (974) .
(3) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة (69) ، (1017) .
(4) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب من مات وعليه صوم (1952) ومسلم كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، (153) ، (1147) .
(5) سورة الأحزاب الآية: 6.
(6) أخرجه البخاري، كتاب الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه (6732) ، ومسلم كتاب الفرائض، باب: ألحقوا الفرائض بأهلها (2) ، (1615) .
(25/31)

والصيام عبادة بدنية، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بصومه عن الميت وهو دليل
على أنه ينتفع به، وإلا لم يكن للأمر به فائدة.
والأمثلة أكثر من هذا ولا حاجة لاستيعابها إذ المؤمن يكفيه الدليل الواحد.
والمقصود أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله" إلى آخر الحديث إنما يعني به عمل نفسه لا عمل غيره له؟ ولهذا قيد الصدقة بالجارية لتكون مستمرة له بعد الموت، وأما عمل غيره له فقد عرفت الأمثلة والأدلة على انتفاعه به سواء من الولد أو غيره،
ولكن مع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يكثر من إهداء العمل الصالح لغيره؟ لأن ذلك لم يكن من عادة السلف وإنما يفعله أحيانًا.
وأما قول بعض المنتسبين للعلم عندكم: (إنه ما يصح الحج للميت إلا إذا كان ما قضى فرضه فهو يحج عنه) ، فهذا موضع خلاف بين العلماء، والمشهور من مذهب الإمام أحمد- رحمه الله- أنه يجوز أن يحج عن الميت الفرض والنفل؛ لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: "ومن شبرمة؟ " قال: أخ لي. أو قريب لي، قال: "أحججت عن نفسك؟ "
قال: لا، قال: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" (1) ، قال في
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، (1811) ، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب الحج عن الميت، (2903) .
(25/32)

الفروع (3/265) ط آل ثاني: إسناده جيد، احتج به أحمد في رواية صالح، قال البيهقي: إسناده صحيح. ومن العلماء من أعله بالوقف، لكن الرافع له ثقة وهو يدل بعمومه على جواز حج النفل عن الميت؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يم لم يستفصل هذا الرجل عن حجه عن شبرمة هل هو نفل أو فرض، وهل كان شبرمة حيًّا أو ميتًا، قالوا: وإذا جاز أن يحج عنه الفرض بالنص الصحيح الصريح ما المانع من النفل، فإن جواز حجة الفرض عنه دليل على أن الحج لا تمتنع فيه النيابة، وهذا لا فرق فيه بين الفرض والنفل إذا كان الذي يحج عنه ميتًا أو عاجزًا عجزًا لا
يرجى زواله، أما القادر أو العاجز عجزًا يرجى زواله فلا يوكل من يحج عنه.
هذا ما لزم، والله يحفظكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حرر في 1/15/1455هـ.
(25/33)

س17: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يختلف الجاموس عن البقر في كثير من الصفات كاختلاف الماعز عن الضأن، وقد فصل الله في سورة الأنعام بين الضأن والماعز، ولم يفصل بين الجاموس
والبقر، فهل يدخل في ضمن الأزواج الثمانية فيجوز الأضحية بها أم لا يجوز؟
فأجاب بقوله: الجاموس نوع من البقر، والله عز وجل ذكر في القرآن المعروف عند العرب الذين يحرّمون ما يريدون، ويبيحون ما يريدون، والجاموس ليس معروفًا عند العرب.
س18: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أيهما أفضل في الأضحية الكبش أو البقر؟
فأجاب بقوله: ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه إذا ضحى بالبهيمة كاملة فالأفضل الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، والضان أفضل من الماعز، أما إذا ضحى بسبع من البدنة أو البقرة فإن الغنم أفضل والضان
أفضل من الماعز.
س19: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أيهما أفضل في الأضحية كبيرة الحجم كثيرة الشحم واللحم أم غالية الثمن؟
(25/34)

فأجاب بقوله: هذه مسألة هل الأفضل في الأضحية رفيعة القيمة أو السمينة الكبيرة؟ الغالب أنهما متلازمان وأن الكبيرة ذات اللحم الكثير تكون أفضل، لكن أحيانًا يكون بالعكس، فإذا نظرنا إلى منفعة الأضحية قلنا الكبيرة أفضل، وإن قلَّت قيمتها، وإن نظرنا إلى صدق التعبد لله عز
وجل قلنا كثيرة الثمن أفضل؟ لأن بذل الإنسان المال الكثير تعبدًا لله يدل على كمال عبادته وصدق عبادته، والجواب أن نقول: انظر ما هو أصلح لقلبك فافعله ما دام المصلحتان قد تعارضتا، فانظر ما هو أصلح لقلبك، فإن رأيت أن النفس يزداد إيمانها وذلها لله عز وجل ببذل الثمن فابذل
الثمن الكثير.
س20: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ورد في كلامكم في فضل الأضحية أنها كلما كانت أكمل كلما كانت أفضل مع أن الثنية من الضأن أفضل لحمًا وأقل ثمنًا عند الناس من التي أكبر منها فأيهما أفضل؟
فأجاب بقوله: الأفضل ما كانت أكثر لحمًا وأنفع للفقراء، وإن كان بعض العلماء يقول ما كانت أكثر ثمنًا، فالمسألة فيها خلاف بين العلماء إذا كان الأمر بين، أن تكون أكثر ثمنًا أو أكثر لحمًا وأنفع، فمن العلماء من يرجح ما كانت أكثر ثمنًا؟ لأن كون الإنسان يبذل المال
(25/35)

الأكثر في مرضاة الله هذه درجة عالية، ومنهم من يقول: إذا كان القصد نفع الفقراء، ونفع الأهل والأكل فإن الأفضل ما كان أكثر لحمًا، فكل من العلماء نظر إلى ناحية، ولكن الذي يظهر أن الأفضل ما كان أنفع للفقراء وأكثر للحم لتكثر الهدية والصدقة والأكل، اللهم إلا أن يمتاز الأقل بفضل آخر أو بميزة أخرى، مثل أن يكون أطيب لحمًا وأشهى للناس، ويكون الناس في زمن الرفاهية لا يأكلون من اللحوم إلا ما كان غضًا طريًا فهنا يرجح.
س21: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كيف أعرف الإبل التي تجوز الأضحية بها من جهة السن؟ لأن أصحاب الإبل يقولون إنها تضحي لكي يسوِّقون بضاعتهم، فما الحكم؟
فأجاب بقوله: لا تأخذ بقول البائع أنها بلغت السن الذي يجزئ إلا إذا كنت تعرفه شخصيًا أنه ثقة، وإلا فلا تأخذ بقوله؟ لأنه يريد أن يمشي سلعته، كذلك إذا كنت من يعرف الأسنان هل هي ثنية الآن أو جذعة.
س22: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل تجوز أضحية واحدة لأخوين شقيقين في بيت واحد مع أولادهم أكلهم وشر بهم واحد؟
(25/36)

فأجاب بقوله: نعم، يجوز أن يقتصر أهل البيت الواحد ولو كانوا عائلتين على أضحية واحدة، ويتعدى بذلك فضيلة الأضحية.
س23: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أهدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر، في حجة الوداع مئة من الإبل، فهل هذه المئة له خاصة أو له ولأزواجه؟
فأجاب بقوله: نعم، أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع مئة ناقة، ذبح ثلاثًا وستين بيده، والباقي أعطاه علي بن أبي طالب ليذبحه ويوزع لحمه، وأمر أن يؤخذ من كل بعير قطعة فجعلت في قدر وطبخت فأكل من لحمها وشرب من مرقها (1) ؟ تحقيقًا لقوله تعالى:
(فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (2) ، وهذا عن نفسه فقط إلا أنه أشرك على بن أبي طالب في الهدي كما جاء هذا في صحيح مسلم في حديث جابر بن عبد الله (3) - رضي الله عنهما-، وأما نساؤه فقد أهدى عنهن بالبقر (4) .
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي-برقم (1218) .
(2) سورة الحج الآية: 28.
(3) مسلم (1218) .
(4) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل الأضحية (35) .
(25/37)

س24: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن أب يسكن معه في بيته ثلاثة أبناء متزوجون، ولكل واحد منهم جزء مستقل في البيت فهل تجزئ أضحية واحدة عنهم؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أن على كل بيت أضحية؟ لأن لكل بيت مستقل.
س25: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عمن يسكن مع والده، وهو متزوج وله مال، فهل يكتفي بأضحية والده؟
فأجاب بقوله: السنة أن الرجل يضحي عنه وعن أهل بيته صغاراً أو كباراً، أما إذا كان الإنسان منفصلاً عنه أبيه، هو في بيت، وأبوه في بيت، فلكل واحد منهما أضحية، فالأب يضحي عنه وعن أهل بيته، والابن يضحي عنه وعن أهل بيته، ولكن يجب أن يلاحظ أن هذا سنة، وليس معنى ذلك أنه يحرم على الابن إذا كان يسكن مع والده أن يضحي بأضحية مستقلة، لكن لا شك أن التمسك بالسنة خير من عدمه، وأضرب لذلك مثلاً: برجلين أحدهما قام يصلي سنة الفجر لكن يخففها، والثاني قام يصلي سنة الفجر لكن يطول فيها، أيهما الأوفق للسنة؟ الأول الذي يخفف، ولكن الثاني وإن كان يطول ويفعل خلاف السنة إلا أنه لا يأثم، فإذا قلنا أن السنة أن يجمع أهل
(25/38)

البيت على أضحية واحدة فيقوم بها رب البيت فليس معنى ذلك أنهم لو ضحوا بأكثر من واحدة أنهم يأثمون، لا يأثمون، لكن المحافظة على السنة أفضل من كثرة العمل، قال الله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (1) ولهذا لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلين في حاجة فلم يجدا الماء فتيمما وصليا، ثم وجدا الماء، أما أحدهما فتوضأ وأعاد الصلاة، وأما الآخر فلم يتوضأ ولم يعد الصلاة، فذُكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال للذي لم يعد الصلاة: "أصبت " وقال للثاني: "لك الأجر مرتين" (2) ، فالأفضل منهما الذي أصاب السنة وإنما أخذ الآخر الأجر
مرتين، لأنه عمل عملين، وله أجر عملين لكنه ليس كالذي أصاب السنة.
س26: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يصح ذبح ذبحيتين: واحدة بنية الأضحية، والثانية بنية توزيع اللحم؟ وما حكم الأضحية بمقطوعة الأذن أو القرن؟
فأجاب بقوله: هذا سؤال طيب.
أما بالنسبة للمسألة الأولى فالسنة أن يضحي الإنسان بواحدة
__________
(1) سورة الملك الآية: 2.
(2) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت، (338) .
(25/39)

عنه وعن آل بيته، كما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يفعل، ونحن نعلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أكرم الخلق، ولكن اقتصر على واحدة، فالسنة خير، لكن لو زدت بهذا للغرض الذي ذكرت فلا بأس إن شاء الله.
وأما ما يتعلق بمقطوعة الأذن ومقطوعة القرن فالصحيح: أنها جائزة مجزئة لكنها مكروهة؛ لأنها ناقصة الخلقة، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن (1) ، أي أن نطلب شرفهما وكمالهما.
س27: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا كان الأب له أولاد وبعض الأولاد متزوج، فهل تكفي أضحية الأب عن الأبناء مع أن لهم زوجات؟ وهل يذبح الوالد عن نفسه والولد عن نفسه
والزوجة عن نفسها، وكذلك كل من كان له مرتب؟
فأجاب بقوله: إذا كانوا عائلة في بيت واحد كفتهم أضحية واحدة؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بأضحية واحدة عنه وعن أهل بيته (2) ، وكان نساؤه اللاتي معه تسع نساء، ومع ذلك ضحى عنهم أضحية
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (1/149) والترمذي في كتاب الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي (1948) والنسائي (4462) وابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضحي به، (3142) ، (3143) .
(2) أخرجه الإمام أحمد (6/391) .
(25/40)

واحدة، أما إذا كان هؤلاء الأبناء كل واحد في بيت منفردًا عن الآخر فإن على كل واحد منهم أضحية، ولا تكفي أضحية الوالد عنهم.
س28: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ثلاثة رجال كل واحد اشترى له هديًا فقالوا: شاة نهديها، وشاة نتصدق بها، وشاة نأكلها فبهذا نكون قد أكلنا الثلث، وتصدقنا الثلث، وأهدينا الثلث، فما
رأيك في هذا؟
فأجاب بقوله: رأيي أن هذا غلط؛ لأن الثلث لابد أن يكون مشاعًا، ولابد أن يتصدق الإنسان مما أهداه، وفي هذا المثال الذي ذكره السائل الشاة الثالثة ما أهدي منها بشيء، وما تصدق منها
بشيء، أكلت كلها، والطريق السليم أن تأخذ من هذه الشاة قليلاً، ومن هذه قليلاً، ومن هذه قليلاً، ثم تأكل.
س29: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن ثلاثة أخوة في بيت، لهم رواتب، وكلهم متزوج، فهل تجزئهم أضحية واحدة أم لكل واحد أضحية؟
فأجاب بقوله: إذا كان طعامهم واحدًا، وأكلهم واحدًا فإن
(25/41)

الواحدة تكفيهم، يضحي الأكبر عنه وعمن في بيته، وأما إذا كان كل واحد له طعام خاص- يعني مطبخ خاص به- فهنا كل واحد منهم يضحي؛ لأنه لم يشارك الآخر في مأكله ومشربه.
س30: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: انتشر بين بعض العامة أنه لا يضحي الحاج إلا إذا كان قد توفي أحد والديه فهل هذا صحيح؟
فأجاب بقوله: هذا ليس بصحيح، الحاج إذا كان هو صاحب البيت فإنه يضحي، بمعنى أنه يقول لأهله اذبحوا الأضحية عني وعنكم، ويعطيهم القيمة، أما إذا كان يريد أن يضحي في مكة فلا؟
لأن الحاج المشروع في حقه هو الهدي وليس الأضحية؟ ولهذا لم يضح النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع مع أنه يضحي كل سنة، في حجة الوداع نحر هديًا مئة بعير، نحر منها ثلاثًا وستين بيده، والباقي أعطاه عليًّا - رضي الله عنه (1) -، وقال: انحره، ولم يضح، فعلى هذا نقول: إذا كان الحاج رب البيت فليوص أهله بأن يشتروا أضحية من ماله، ويضحوا بها عنه وعنهم، أما في مكة فالهدي.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(25/42)

س31: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: رجل له أولاد، وله ابن كبير متزوج يسكن معه وموظف، وأكلهما وشربهما واحد، فهل في حقهما أضحية واحدة؟
فأجاب بقوله: أصحاب البيت الواحد أضحيتهم واحدة ولو تعددوا، فلو كانوا اخوة مأكلهم واحد، وبيتهم واحد فأضحيتهم واحدة، ولو كان لهم زوجات متعددة، وكذلك الأب مع أبنائه ولو
كان أحدهم متزوجًا فالأضحية واحدة.
س32: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: رجل متزوج بزوجتين الأولى عنده والأخرى عند أهلها هل يلزم أضحية أم أضحيتين؟
فأجاب بقوله: الأضحية في البيت الذي هو فيه تكفي عنها أيضًا؛ لأنها من أهله، وإن كانت هي عند أهلها، فإذا قال: هذا عني وعن أهل بيتي، شملها وإن كانت عند أهلها.
س33: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن ثلاثة إخوة يسكنون في سكن واحد، ويضحون بأضحية واحدة فهل تجزئ عنهم؟
فأجاب بقوله: الظاهر لي أن الحكم في هذا أن أضحيتهم هذه مجزئة؟ لأن مالهم بمنزلة الواحد، فتجزئ عنهم الأضحية الواحدة؛
(25/43)

لأنهم في بيت واحد، وكان الصحابة رضي الله عنهم يضحون بالشاة عنهم وعن أهل بيتهم، بخلاف ما لو كان كل واحد منهم مختصَّا بماله فإن الأضحية الواحدة لا تجزئ عنهم، ولهذا لو اشترك ثلاثة
جيران في أضحية واحدة فإن ذلك لا يجزئ، ولا تكون الشاة هذه شاة أضحية بل هي شاة لحم؟ لأن من شروط الأضحية أن تكون على وفق الشرع ولم يرد في الشريعة اشتراك اثنين فأكثر في شاة واحدة، وإنما كان الاشتراك في الإبل والبقر، يشترك السبعة في بعير أو بقرة، ومن المعلوم أن من شروط العمل الصالح أن يكون على وفق الشريعة، فمن عمل عملاَ ليس عليه أمر الله ورسوله فهو مردود عليه، كما ثبت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (1) ، أما هؤلاء الجماعة فهم في بيت واحد، ومالهم واحد، فهم بمنزلة رجل واحد فتجزئ الشاة عنهم جميعَا.
س34: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أشرك الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليًّا رضي الله عنه معه في الهدي (2) ، ولم يقل: لك هذا القدر، فهل للإنسان أن يشرك غيره بغير تحديد؟
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة برقم (1718) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(25/44)

فأجاب بقوله: نعم، لكن من المعلوم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يجب عليه في قرانه إلا هدي واحد، والباقي تقربَا، فكذلك ما أشرك به علي بن أبي طالب الذي يظهر أنه أشركه في مقدار ما يجب عليه فقط.
س35: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز للمقتدر أن يذبح أكثر من أضحية له، حيث ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين؟ وهل يمكن أن يشترك الرجل وزوجته في أضحية واحدة من هذا نصف ومن هذا نصف، وعلى أيهما يكون الإنسان؟
فأجاب بقوله: الأفضل ألاَّ يزيد الإنسان عن شاة واحدة عنه وعن أهل بيته؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته (1) ، ومعلوم أنه أكرم الخلق - صلى الله عليه وسلم -، وأنه - صلى الله عليه وسلم - أشد الناس حبَّا لعبادة الله وتعظيمه، أما كونه - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين، فالثاني ليس عن أهله وأهل بيته، ولكنه عن أمته، وعلى هذا فالأفضل الاقتصار على شاة واحدة للرجل وأهل بيته، ومن كان عنده فضل مال فليبذله دراهم، أو أطعمة أو ما أشبه ذلك في البلاد الأخرى المحتاجة، أو للمحتاجين
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/391) .
(25/45)

في بلده؛ لأن البلاد لا تخلو من أناس محتاجين.
وأما إذا اشترك الإنسان وزوجته في قيمة شاة فإن هذا لا يصح؛ لأنه لا يشترك اثنان في القيمة في شاة واحدة، وإنما الاشتراك المتعدد في الإبل والبقر، يكون البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة،
أما الغنم فلا يمكن أن يشترك اثنان على الشيوع أبدًا، أما الثواب فليس له حصر، لا بأس أن يقول: اللهم هذا عني وعن زوجتي، أو عني وعن أهلي، وأما أن كل واحد منهما يبذل نصف - صلى الله عليه وسلم - القيمة ويشتري أضحية واحدة من الغنم فهذا لا يصح.
س36: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: رجل يقول: عمتي قد أوصت بأضحية وعشاء في رمضان، وعندي لها ما يقرب من عشرين ألف رلال، وهذا المبلغ لا أستطيع أن أشتري به عقارًا
أنفذ الوصية من رلعه، فهل يمكن أن أشتري به أسهَما من شركة الكهرباء مثلاً، وأنفذ الوصية من ربح هذه الأسهم؟
فأجاب بقوله: نعم يمكن ذلك؛ لأن فيه مصلحة. كتبه محمد الصالح العثيمين في 6/9/1408هـ.
(25/46)

س37: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا أوصى الميت بأضحية، ثم قال أحد الأقارب أو الأولاد أنا أضحي عن الميت من جيبي، فهل يجوز للوكيل مثلأ أن يقبل ولا يضحي من دراهم الميت، وإذا وقع ذلك فما الحكم؟
فأجاب بقوله: الواجمب على الوكيل أن ينفذ الوصية التي وكلت إليه، ومن أراد أن يضحي عن الميت فإنه لا يمنع، ولكن الوصية لابد من تنفيذها.
وأنا قلت كلمة (الوكيل) مجاراة للسؤال، وإلا فالصواب:
(الوصي) ؛ لأن المتولي لغيره إن كان الغير حيًّا فهو (وكيل) ، وإن كان ميتًا فهو (وصي) ، وإن كان على مال يتيم ونحوه فهو (ولي) ، وإن كان على وقف فهو (ناظر) .
قاله كاتبه: محمد الصالح العثيمين في 18/12/1390هـ.
س38: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أيهما أفضل أن يدفع رب البيت قيمة الأضحية وحده، أم يضحي كلل مستطيع من أفراد الأسرة تطييباً لنفوسهم؟
فأجاب بقوله: الأفضل أن يقوم بها وحده، فقد كان الرجل في عهد النبي ع - صلى الله عليه وسلم - يضحي عنه وعن أهل بيته، وأما تطييب نفوسهم بان
(25/47)

يقال لهم: السنة هي التي فيها طيب النفس، والناس إذا عودوا على الشيء اعتادوا عليه وسهل عليهم، ولاشك أن الناس الآن اعتادوا على أن كل واحد يضحي، ولكن إذا قيل لهم: إن السنة أن يضحي رب البيت، وإن كان لكم زيادة فتصدقوا جها، ومع ذلك لو أنكم ضحيتم ليس عليكم إثم، ولكن المحافظة على السنة وعلى ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم لا شك أنه أولى.
س39: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا أوصى الرجل بأضحية، فهل الورثة مخيرون بين ذبح شاة، وبين الاشتراك في سبع بدنة أم لا؟
فأجاب بقوله: إذا أوصى الميت بأضحية فإن الواجب على الوصي أن يختار ما هو أفضبل وأكمل، فالشاة أفضل من سبع بدنة، لكن إذا كانمسا الوصية قليلة لا تكفي للواحدة من الضأن أو الماعز، وتكفي لسُبع من الإبل، أو البقرة، فحينئذٍ يشتري سُبع بدنة، أو بقرة.
س40: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأيكم في ذبح الهدي عن طريق البنك الاسلامي، وتوفيع لحمه خارج الحرم، خاصة إذا كان الحملة فيها عدد كبير من الناس، فهل الأفضل أن يذبحها
(25/48)

الإنسان بنفسه مع المشقة ومظنة عدم الاستفادة منها؟ أو يدفعها لهذه الجهة حتى ولو لم تذبح إلا في اليوم الرابع؟
فأجاب بقوله: الأفضل أن يباشر الإنسان الذبح بنفسه أو بوكيل يكون حاضرًا عنده؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لخيم هو الذي باشر الذبح، ذبح هديه بيده - صلى الله عليه وسلم - لَخيرو فإنه أهدى مئة بدنة، ذبح منها ثلاثًا وستين بيده، وأعطى علي بن أبي طالب الباقي (1) فذبحه، وإن حصل لك المشقة احتسب الأجر، وبعض الناس ينزل إلى مكة في يوم العيد، أو في أي يوم من أيام التشريق، ويشتري الهدي ويذهب إلى المجزرة فيذبحه هناك، ويجد من يأخذها منه، فبإمكانك أن تنزل إلى مكة في يوم من أيام التشريق وتذبح هناك كما يفعله بعض الناس بدون مشقة وبدون تعب، وإذا كان عليك مشقة كما لو كانت الهدايا كثيرة وأنت رجل واحد فلك أن تعطي هذه الشركة لذبحها؛ لأن القائمين عليها حسب علمي أناس موثوقون، والتوكيل في الهدي جائز.
س41: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز ذبح الخميى في الأضحية؟
فأجاب بقوله: يجوز أن يذبح الخصي في الأضحية، حتى إن بعض
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(25/49)

أهل العلم قد فضَّله على الفحل، قال: لأن لحمه يكون أطيب، والصحيح: أن الفحل من ناحية أفضل لكمال أعضائه وأجزائه، وهذا أفضل بطيب لحمه، وعلى كل حال فإنه يجوز أن يضحي
الإنسان بالخصي، وقد جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لخي - صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين موجوءين (1) أي مخصيين.
س42: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز الأضحية بالمخصي؟
فأجاب بقوله: الصحيح أنه يجوز الأضحية بالمخميى؛ لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَخيلى أنه ضحى بكبشين موجوأين، يعني مقطوير الخصيتين، ووجه ذلك أن الخصي يكون لحمه أطيب وألذ، فالخصاء لم يضره بشيء.
س43: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما العيوب التي تكون مانعة من الاجزاء في الأضحية؟ وما أول وقت الذبح وآخره؟
فأجاب بقوله: العيوب التي تمنع من الإجزاء بينها النبي كلم - صلى الله عليه وسلم - في
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/220) ، وابن ماجه، كتاب الأضاحي، باب أضاحي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (3122) .
(25/50)

حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "أربع لا تجوز في الأضاحي: المريضة البين مرضها، والعوراء البين عورها، والعرجاء البيّن ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي" (1) ، هذه هي العيوب الأربعة التي تمنع من الإجزاء، وما كان بمعناه أو مثلها فهو مثلها في الحكم.
فالعوراء البين عورها هي: التي يتبين لمن رآها أخها عوراء بحيث تكون العين ناتئة، أو غائرة، أو عليها بياض بيِّن، يتبين لمن رآها بأخها عوراء.
أما المريضة البين مرضها فهي: التي يظهر عليها آثار المرض، وأعراض المرض بأن تكون غير نشيطة، ولا تأكل وما أشبه ذلك مما يستدل بها على مرضها.
والعرجاء البين ضلعها، قال أهل العلم: هي التي لا تستطيع المشي مع الصحيحة، وأما التي تستطيع المشي مع الصحيحة وتباريها وإن كانت تعرج فإنه لا بأس بها.
وأما العجفاء التي لا تنقى فهي: التي لا يكون في أعضائها مخ؟ لأخها تكون غالبًا غير طيبة اللحم، فلهذا ضهى عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - لخي - صلى الله عليه وسلم -، ومثل العوراء العمياء فلا تجزئ في الأضحية، ومثل العرجاء البين ضلعها ما قطع أحد أعضائها، وكذلك لو كانت لا تمشي أبدًا فإخها لا تجزئ.
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الضحايا برقم (1) .
(25/51)

ومثل المريضة البيِّن مرضها الحامل إذا أخذها الطلق، أي إذا كانت تتولد ولو علمها تحيا أو تموت فإنها لا تجزئ حتى تمشي، وقال أهل العلم: ومثل ذلك أيضًا التي بشمت من تمر أو غيره فإنها لا
تجزئ حتى تفرغ؛ لأنها معرضة للخطر.
س44: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الأضحية بشاة فيها نوع من المرض يسمى بالطلوع وهل يعتبر عيبًا؟
فأجاب بقوله:. الطلوع إذا كان ظاهرًا فإنه يسال أهل الخبرة هل هذا من الأمراض الخطيرة؟ إن قالوا: نعم. فهو مرض ظاهر لا يضحي بالشاة التي فيها طلع، وإن قالوا: ليس خطيرًا والشاة ليس
فيها ضعف من جهة الصحة والنشاط والاكل فإنه يضحي بها إلا إذا قرر البياطرة أن في أكل لحمها ضرر فهنا لا يضحي بها.
س45: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: في مسالة الأضحية الحديث الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ك - صلى الله عليه وسلم - في الأضحية التي لا تجزئ أربعة أشياء، وقاس - صلى الله عليه وسلم - عليها العلماء بعض الأشياء التي إما أن تكون أولى أو تكون ظاهرة القياس للعلة بينها، قد يقول قائل: نحن نقيس على بعض أركلان الإسلام، فما هو الضابط فيها؟
(25/52)

فأجاب بقوله: أولاً: العيوب التي نص عليها الشارع في الأضحية أربعة، لأنه سئل- عليه الصلاة والسلام- ماذا يتقى من الأضاحي؟ فقال: "أربعًا، وأشار بيده، العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البيِّن ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي" (1) .
*فهذه أربعة، ونحن نعلم أن الشريعة مبنية على الحكمة فإذا نص الشارع على شيء، كان نصًّا عليه، وعلى ما في معناه، أو أولى منه.
*أما مسالة أركان الإسلام، لو أراد أحد أن يقيس عملاً صالحًا على ركن من الأركان منعناه:
أولاً: لأنه من باب فعل الأوامر، ليس من باب الأوصاف التي عُلقت بها الأحكام، ولا يمكن أن نثبت أمرًا إلا بإذن من الشرع.
ثانيًا: أننا نقول لكل من أراد أن يلحق شيئًا من غير أركان الإسلام بأركان الإسلام: من قال لك إن هذا الشيء الذي تريد إلحاقه يساوي عند الله ما يساويه الركن؟ فلهذا يمتنع القياس بالأوامر، فالأوامر لا يمكن أن تقيس عليها شيئًا.
*أما مسألة العيوب أو الأحكام المعلقة بأوصاف، فمتى وجدت هذه الأوصاف في شيء، أو ما هو أولى منها ثبت فيه الحكم، أرأيت
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الضحايا برقم (1) .
(25/53)

قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "خمس من الدواب كلهن فواسق، يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والكلب العقور، والفأرة" (1) ، هل نقول: إن الأسد لا يقتل في الحرم؟ يُقتل، وهو أولى من الكلب العقور بالقتل، هل نقول: إن الحية لا تُقتل في الحرم؟ لا نقول هذا، بل نقول: تُقتل؛ لأنه إذا نُص على العقرب فالحية أشد ضررًا منها، فإذا نص على شيء ثبت الحكم فيما مثله أو أولى منه.
س46: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل تصح الأضحية بالأغنام الموسومة في أذنيها؟
فأجاب بقوله: الصحيح أن ذلك لا يضر، وأن مقطوعة الأذن ومقطوعة القرن ومقطوعة الذيل كلها تجزئ لكن لا ينبغي أن يضحي بها لنقصها، ودليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربعًا لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البيِّن ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي" (2) ، وفي رواية أنه سئل- عليه الصلاة والسلام-: "ماذا يتقى من الضحايا؟ فقال: أربعاً، وأشار
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب (1829) ، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يندب المحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، (67) ، (1198) .
(2) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الضحايا برقم (1) .
(25/54)

بأصابعه وعدها" (1) ، وهذا يدل على أن ما سواها يجزئ، لكن ما فيه العيب لا شك أنه مكروه، وأنه ينبغي أن تكون الأضحية على أكمل ما تكون، وعلى هذا فإذا شقت الأذن للوسم وضحي بها فلا بأس.
س47: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هي الكيفية الصحيحة لذبح الأضحية؟
فأجاب بقوله: الكيفية الصحيحة أن ينحر الإبل قائمة معقولة اليد اليسرى، فإن لم يتيسر نحرها قائمة جاز له نحرها باركة، أما إذا كانت الأضحية من الغنم (الضأن والماعز) فإنه يضجعها على الجانب
الأيسر ويضع رجله على رقبتها، ويمسك بيده اليسرى رأسها حتى يتبين الحلقوم، ثم يمر السكين على الحلقوم والودجين والمريء بقوة، فينهر الدم، ويقول عند الذبح: "بسم الله، الله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم هذه عني وعن أهل بيتي"، أما غير الأضحية فيفعل فيها هكذا لكنه يقول عند الذبح، قبل أن يذبح يقول: بسم الله، والله أكبر فقط.
__________
(1) أخرجه أبو داود برقم (2802) .
(25/55)

س48: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما وقت التسمية في الأضحية؟ وما صفتها؟ وهل ما يفعله الناس من المسح على ظهر الأضحية عند تسميتها له أصل من السنة أو من كلام أهل العلم؟
فأجاب بقوله: وقت التسمية عند الذبح إذا أضجع الذبيحة وصفتها أن يقول: بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا عن فلان.
*أما ما يفعله الناس من المسح على الظهر فلا أعلم له أصلاً في السنة، ولا في كلام أهل العلم.
س49: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من نسي التسمية عند ذبح الأضاحي فماذا يلزمه؟ وهل هناك فرق بين صاحب الأضحية المتبرع أو الوكيل؟
فأجاب بقوله: إذا نسي التسمية فليس عليه إثم لقول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) ، ولكن هل يحل لنا أن نأكل من هذه الذبيحة، ننظر، قال الله عز وجل: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ) (2) ، فأمامنا الآن فعلان:
__________
(1) سورة البقرة الآية: 286.
(2) سورة الأنعام الآية: 121.
(25/56)

فعل الذابح.
وفعل الآكل.
أما الذابح فمعفو عنه لأنه ناسي، وقد قال الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) .
وأما الآكل فنقول: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ الله عَلَيْهِ) (2) ، ولأن التسمية عك الذبيحة شرط، والشرط لا يسقط بالسهو والجهل، نظير ذلك لو أن الإنسان صلى بغير وضوء ناسيًا فلا يأثم، لقوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (3) ، لكن هل تبرأ ذمته؟
والجواب: لا تبرأ ذمته، ولا بد أن يتوضأ ويصلي، ونحن إذا قلنا بهذا القول- الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- وهو ظاهر النصوص، إذا قلنا به فإن الناس لن ينسوا التسمية على
الذبيحة؟ ولهذا لما أورد بعض الناس قال: إذا قلنا بأن من ذبح ناسيًا التسمية فالذبيحة حرام ويجب جرها للكلاب، قال: أتلفتم أموال
__________
(1) سورة البقرة الآية: 286.
(2) سورة الأنعام الآية: 121.
(3) سورة البقرة الآية: 286.
(25/57)

الناس؛ لأن النسيان كثير.
فنقول: بالعكس نحن حفظنا أموال الناس، لأننا لو قلنا لهذا الرجل الذي نسي التسمية: الذبيحة حرام، ولا يجوز الآكل منها فإنه لا يمكن أن ينسى في المستقبل.
ولا فرق بين متبرع وغير متبرع، الذبيحة لا تحل، لكن يبقى هل يضمن الذابح لصاحب البهيمة؛ لأنه هو الذي كان سببًا في عدم التسمية أو لا يضمن، قد يقال: إنه إذا كان محسنًا فلا ضمان عليه
لقول الله تبارك وتعالى: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) (1) ولأن النسيان يقع كثيرًا، وقد نقول: بالضمان ولو كان محسنًا؛ لأنه أتلف المال على صاحبه، وإتلاف المال على صاحبه مضمون على كل حال، حتى ولو كان الإنسان ناسيًا فإنه يضمن، لو أن الإنسان نسي وأكل طعام أخيه يضمنه، لكن الأول أصح وأرجح، أن المتبرع المحسن إذا نسي التسمية فلا ضمان عليه، لكن الذبيحة لا تحل.
س50: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يصح مسح ظهر الأضحية قبل ذبحها؟ وما الذكر المشروع؟
__________
(1) سورة التوبة الآية: 91.
(25/58)

فأجاب بقوله: رأينا أن مسح الظهر عند ذبح الأضحية من أجل تعيينها لا أصل له، وليس بمشروع، ومن فعله تقربًا إلى الله فقد ابتدع في دين الله ما ليس منه.
والمشروع في التسمية إذا أضجع الذبيحة، أو أراد أن ينحرها إذا كانت بعيرًا، أن يقول: "بسم الله، الله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم هذه عني وعن أهل بيتي"، أو عن فلان إذا كان أضحية موصى بها، أو ما أشبه ذلك، المهم أن تعيين من هي له إنما يكون عند الذبح بعد التسمية والتكبير.
س51: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يشترط أن يذكر عند ذبح الأضحية أنها عن فلان؟
فأجاب بقوله: إن ذكر أنها عن فلان فهو أفضل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "اللهم هذا منك ولك، اللهم هذا عن محمد وآل محمد" (1) ، وإن لم يذكره كفت النية، ولكن الأفضل الذكر، ثم إن تسمية المضحى عنه تكون عند الذبح يقول: بسم الله، الله أكبر، اللهم
هذا منك عن محمدٍ أو عن فلان وفلان ويسميه، وأما ما يفعله بعض العامة إذا كان ليلة العيد ذهب إلى المواشي ليسمي من هي له، وجعل
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/391) .
(25/59)

يمسحها من مقدم الرأس إلى الذيل، ويكرر التسمية، فهذا، بدعة لا أصل لها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
س52: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يشترط أن يذبح الإنسان أضحيته بنفسه أو يحضر عند ذبح الوكيل للأضحية؟
فأجاب بقوله: الأفضل للإنسان أن يتولى ذبح الهدي بنفسه حتى يكون مطمئنًا عليه، ومستحضرًا؛ لأنه في عبادة يتقرب بها إلى الله، ولكن إذا شق عليه ذلك أو شق عليه توزيعه فإنه لا حرج عليه أن
يوكل ثقة يتولى ذبحه وتوزيعه، ولا يشترط مع ذلك أن يشاهد ذبحه، بل إذا وكله وانصرف وتولى هذا الثقة ذبحه وتوزيعه فإن ذلك جائز ولا حرج فيه، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه وكَّل علي بن أبي طالب أن يذبح ما تبقى من هديه وكان - صلى الله عليه وسلم - قد أهدى مئة من الإبل فنحر ثلاثًا وستين بيده، وأعطى عليًّا الباقي لينحره وأمره أن يتصدق بما يتصدق به منها (1) .
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(25/60)

رسالة
فضيلة الشيخ/محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد
هذه الرسالة المرفقة وردتنا اليوم 6/11/1410هـ من لجنة الإغاثة في خارج المملكة بدون توضيح معها، والظاهر أنهم يريدون منا نشرها بين الناس لدعم مشروع الأضحية، أي جع الأموال باسم قيمة الأضاحي؛ لتؤمن وتذبح هناك وتوزع على المهاجرين من الأفغان، والسؤال هو: هل ترون فضيلتكم جواز هذا العمل ببعث قيمة الأضاحي إلى هذه اللجنة لتتولى شراء ذبائح الأضاحي وذبحها وتوزيعها على مخيمات المهاجرين من الأفغان؟ وفقكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا أرى جواز بعث قيمة الأضاحي إلى هذه اللجنة لتتولى شراء الأضاحي في بلد آخر، لأن هذا يؤدي إلى تعطيل شعيرة الأضاحي في البلاد الإسلامية، والشرع الحكيم له نظر في أن تنتشر شعائر
الإسلام في بلاد الإسلام، ولهذا شرع للحجاج الهدي، وشرع لغيرهم الأضاحي في بلادهم؟ ولأن إرسال قيمة الأضحية إلى بلاد
(25/61)

أخرى؛ ليضحي بها يعطل قول الله عز وجل: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (1) وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب الآكل من الأضحية بنفسه، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يذبح أضحيته بنفسه (2) .
وأما توكيله علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يذبح بقية هديه في منى، فلأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأن ما أهداه النبي - صلى الله عليه وسلم - مئة بعير، والناس في حاجة إلى تفرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يؤخذ من كل بعير قطعة، فجعلت في قدر وطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها (3) ، وهذا يدل على تأكد أكل الإنسان مما تقرب إلى الله بذبحه، وهذا يفوت إذا أرسلت القيمة إلى بلد آخر؟ ولأن الأضاحي إذا كانت وصايا فإن الموصين يحبون أن يضحي بها ذريتهم ويذكروهم بها، وهذا يفوت بإرسال القيمة إلى بلاد أخرى.
وبناء على ما سبق فلا أرى نشر الدعاية لإرسال قيمة الأضحية إلى بلاد أخرى، والله الموفق.
*كتبه محمد الصالح العثيمين في 7/11/1410هـ.
__________
(1) سورة الحج الآية: 28.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح الأضاحي بيده، (558) .
(3) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(25/62)

س53: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: عن رجل خارج بلده للعمل لمدة ثلاث سنوات، ولم يقم بالأضحية، ولم يوكل، فهل عليه كفارة؟
فأجاب بقوله: الصحيح أن الأضحية ليست واجبة وأنها سنة، لكنه يكره للقادر أن يدعها، وهذا الأخ الغريب الذي ترك الأضحية لمدة ثلاث سنوات لا إثم عليه؛ لأنه لم يترك واجبًا، وإنما ترك أمرًا
مطلوبًا إن تيسر له فعله، وإن لم يتيسر فلا حرج عليه، لكن مثل هؤلاء الغرباء ينبغي لهم أن يوكلوا أهليهم بأن يقوموا بالأضحية في بلادهم حتى يحصل لهم الفرح والسرور بأضحيته في بلاده.
س 54: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: عن رجل أراد أن يضحي وهو ناو الحج فكيف يعمل؟
فأجاب بقوله: إذا كان أهل معه فالأفضل ألا يوكل أحدًا يضحي عنه، وأما إذا كان أهله في بلده فهنا ينبغي أن يوكل من يضحي عنه في أهله، وحينئذ لا يأخذ من شعره ولا من ظفره ولا من بشرته شيئًا إلا إذا أحرم بالعمرة فله أن يقصر؛ لأن التقصير صار نسكًا.
س55: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز للشخص
(25/63)

الحاج توكيل أهله في الأضحية؟
فأجاب بقوله: يجوز للإنسان إذا حج أن يوكل أحدًا من أهله الباقين في البلد، فيضحي عنه وعن أهل بيته، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكَّل علياًّ بن أبي طالب في ذبح ما بقي من هديه - صلى الله عليه وسلم - (1) .
س56: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجزئ الهدي عن طريق التوكيل بواسطة البنك الإسلامي ومتى يحل المحرم من إحرامه؛ لأنه لا يعلم وقت ذبح الهدي؟
فأجاب بقوله: إعطاء الدراهم لهذه المؤسسة أو الجهة من أجل أن تتولى الذبح عنك وتوزيع اللحم مبرئ للذمة؛ لأن الظاهر الذي نعلمه أن هذه المؤسسة عليها أناس من قبل وزارة العدل، ومن قبل
رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، ومن جهات موثوق بها، وبناءً على ذلك فإن تسليم الدراهم ليقوموا بذبح الهدي وتوزيعه جائز، والتوكيل في ذبح الهدي وتوزيعه قد جاءت به السنة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى من الإبل مئة ذبح منها ثلاثًا وستين بيده، وأعطى عليَّا الباقي،
وأمره أن يتصدق من هذه الإبل (2) .
وأما قول السائل: لا أدري متى أحل؟ - صلى الله عليه وسلم - لا علاقة للحل
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي جمع برقم (1218) .
(25/64)

بالنحر، الإنسان يحل التحلل الأول وإن لم ينحر، بل ويحل التحلل الثاني وإن لم ينحر أيضًا، فالإنسان إذا رمى جمرة العقبة يوم العيد، وحلق أو قصر حل التحلل الأول، وحل جميع محظورات الإحرام إلا
النساء، فإذا طاف وسعى بالإضافة إلى الرمي والحلق أو التقصير حل له كل شيء حتى النساء، فهذا التحلل الأول والثاني ثابت وإن لم ينحر الإنسان، وحينئذٍ فلا إشكال في الموضوع بالنسبة للإحلال.
س57: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من لم يستطع ذبح الهدي بنفسه ووكل جمعية، فهل يصح فعله؟
فأجاب بقوله: أولاً: نقول: إن الأفضل أن يذبح الهدي بنفسه أو يوكل مسلمًا ويحضر ذبحه لأجل أن يأخذ منه شيئًا يأكله؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين أهدى مئة بعير، أمر من كل بعير بقطعة فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها (1) ، وهذه مسألة
للأسف يغفل عنها الكثيرون.
وأما ما يتعلق بالإجابة على سؤال السائل، فإن الذبح يجزئ إذا وكل إنسانًا أو جمعية معتمدة وموثوقًا بها.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - برقم (1218) .
(25/65)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ/محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله تعالى-
* أرجو أن توضحوا لنا عما كثر الكلام فيه من إرسال قيمة الأضاحي إلى البلاد الإسلامية الفقيرة، ليشترى بها أضحية ويضحي بها هناك، نرجو إفتاءنا بما ترون مأجورين؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الجواب: وبالله التوفيق، ومنه نستمد الهداية والصواب:
كل! اعلم أن الأضاحي شأنها كبير، لأنها من شعائر الله تعالما، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (1) ، وقد قرن الله تعالما النحر له بالصلاة، فقال: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (2) وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ) (3) ، والنسك
الذبح على أحد أقوال أهل التفسير، كما قال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) (4) .
__________
(1) سورة الحج، الآية: 32.
(2) سورة الكوثر، الآية: 2.
(3) سورة الأنعام، الآية: 163.
(4) سورة الحج، الآية: 34.
(25/66)

ولهذا اختلف العلماء- رحمهم الله تعالى- في وجوبها بعد اتفاقهم على مشروعيتها، فذهب إلى وجوبها الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو قول الأوزاعي والليث ومذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب مالك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأظهر وجوبها، فإنها من أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، والنسك مقرون بالصلاة، وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته". ا. هـ.
وليس المقصود من الأضحية مجرد الانتفاع من اللحم؛ بل المقصود الأعظم منها التقرب إلى الله تعالى وتعظيمه بالذبح له؛ ولهذا خصت بالنوع والسن والوصف والزمن، فلا تجزئ إلا من بهيمة
الأنعام (الإبل والبقر والغنم) ولا تجزئ إلا بما كان جذعًا من الضأن أو ثنيًا مما سواه، ولا تجزئ إلا بما كان سليمًا من العيوب المانعة من الإجزاء، ولا تجزئ إلا في وقت معين من بعد صلاة عيد الأضحى إلى آخر أيام التشريق، ولهذا فرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين شاة اللحم وشاة
الأضحية، ففي صحيح البخاري عن البراء بن عازب- رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبهم يوم النحر بعد الصلاة وقال: "من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم "، فقام أبو بردة ابن نيار فقال: يا رسول الله، والله لقد
(25/67)

نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تلك شاة لحم" (1) ، وفي الصحيح أيضَا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم النحر ثم ذبح وقال: "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها" (2) .
ففرق النبي - صلى الله عليه وسلم - بين شاة النسك وشاة اللحم، ولو كان المقصود اللحم لم يكن هناك فرق، ولأجزأت من كل نوع من الحيوان المأكول، وبأي سن كان، وعلى أي وصف، وفي أي وقت، ولهذا لو تصدق الرجل بألف كيلو من اللحم لم يجزئ عن الأضحية بشاة تبلغ أربعين كيلو أو نحوها.
قال ابن القيم رحمه الله: "فإن نفس الذبح وإراقة الدم مقصود، فإنه عبادة مقرونة بالصلاة كما قال تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (3) ، وقال: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ) (4) ، ثم قال: "ولهذا لو تصدق عن دم المتعة والقران بأضعاف أضعاف القيمة لم يقم مقامه وكذلك الأضحية" ا. هـ.
فإذا تبين ذلك فإن إرسال قيمة الأضاحي إلى بلاد أخرى من
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب الأكل يوم النحر، (955) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة أعاد (5562) .
(3) سورة الكوثر، الآية: 2.
(4) سورة الأنعام، الآية: 163.
(25/68)

البلاد الإسلامية ليضحي بها هناك تفوت به مصالح كثيرة منها:
1- ظهور شعائر الله تعالى في البلاد الإسلامية، فإن الناس إذا أرسلوا قيمة ضحاياهم لبلاد أخرى خليت بلادهم من هذه الشعيرة وفات ظهورها في بلادهم، وتعميم ظهور شعائر الله تعالى في بلاد
الإسلام مقصود شرعي؛ ولهذا لما شرع الهدي للحجاج في مكة، شرع لغيرهم الأضاحي في البلاد الأخرى؛ لتظهر شعيرة الذبح في جميع البلاد الإسلامية.
2- مباشرة المضحي ذبح أضحيته بنفسه، فإن المشروع أن يباشر المضحي ذبح أضحيته بنفسه كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك (1) ، فإذا أرسلت القيمة إلى بلاد أخرى فاتت هذه السنة، وقد قال أهل العلم: إن المضحي إذا كان لا يحسن الذبح فالأفضل أن يحضر ذبحها.
3- التعبد لله تعالى بذكر اسمه على الذبيحة، وهذا عبادة أمر الله بها في قوله: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ) (2) ، وجعله تعالى الغاية في هذه القربان حيث قال: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) (3) ، فإذا أرسلت القيمة ليضحي في بلاد أخرى فات
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - برقم (1218) .
(2) سورة الحج، الآية: 36.
(3) سورة الحج، الآية: 34.
(25/69)

على المضحي أن يتعبد لله تعالى بذكر اسمه على أضحيته.
4- التعبد لله تعالى بالأكل من الأضحية، فإن الآكل من الأضحية عبادة أمر الله تعالى بها في قوله: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (1) ، وقال: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) (2) ، وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوب الآكل منها، فإذا أرسلت القيمة إلى بلاد أخرى ليضحي بها هناك
فات هذا التعبد ويكون المضحي آثماً على قول من يقول بوجوب الآكل، ولكن الصحيح: عدم وجوب الآكل، فلا يكون آثماً من لم يأكل، ولكن أكله أفضل.
فهذه المصالح الأربع كلها تفوت بإرسال قيمة الأضاحي إلى بلاد أخرى ليضحي بها هناك.
فإن قال قائل: أليس قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يبعث بالهدي إلى مكة فيذبح هناك والنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة (3) ، وهذا يدل على جواز بعث النسيكة إلى بلد آخر.
الجواب: بلى قد كان ذلك، ولكن الهدي خاص بمكة فلابد من
__________
(1) سورة الحج، الآية: 28.
(2) سورة الحج، الآية: 36.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فتل القلائد للبدن (1697) .
(25/70)

البعث به إليها، بخلاف الأضحية فإنها في كل البلاد فلا حاجة إلى نقلها لبلد آخر بل نقلها يفوت به ما سبق من المصالح.
فإن قائل قائل: أليس قد وكل النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب لينحر ما بقي من هديه في حجة الوداع مع حضور النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) ، وهذا يدل على جواز التوكيل في ذبح النسيكة؟
فالجواب: بلى، ولكن كان ذلك في البلد الذي كان فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحاجة داعية إليه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد أهدى مئة بعير، ونحر منها ثلاثًا وستين، وأعطى عليّا الباقي لينحره، وكان قد أشركه في هديه، والناس في حاجة إلى تفرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمورهم، وقد أمر النبي من كل بدنة ببضعه، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها وشرب من مرقها.
فإن قال قائل: إخواننا في البلاد الإسلامية أو بعضها في حاجة لمثل هذا اللحم؟
فالجواب: أنه بالإمكان أن تدفع حاجتهم بغير ذلك بإرسال الدراهم والثياب والأطعمة والفرش ونحوها، ويحصل جمها المقصود، ولا تفوت المصالح المترتبة على ذبح الضحايا في بلاد المضحين.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - برقم (1218) .
(25/71)

هذا ما يتعلق بالجواب وإنما بسطت القول فيه لكثرة السؤال عنه. والله أسأل أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما فيه رضاه ونفع عباده، إنه سميع مجيب الدعوات.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 27/12/1411هـ.
(25/72)

رسالة
فضيلة الشيخ/محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إذا نوى فرد الحج فهل يمكنه أن يوكل هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية أن تذبح أضحيته بالخارج أو يلزمه ذبحها في مكة، وجزاكم الله خيرًا، والسلام ورحمة الله وبركاته،
فأجاب: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نقل الأضاحي إلى الخارج غلط ولو كان لهيئة الإغاثة، الأضاحي تضحي في نفس المكان في بيت الإنسان في بلده لا تنقل للخارج؛ لأن أهم شيء في الأضحية هو التقرب إلى الله تعالى بالذبح كما قال تعالى: (لَنْ يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (1) ، وإذا أعطى الإنسان دراهم لتذبح في أي مكان فلا ندري من الذي يذبحها، ولا ندري هل يسمي عليها، أو لا يسمي، ولا ندري كيف يوزعها، ثم يفوتنا ذكر اسم الله عليها، ويفوتنا التعبد لله تعالى بها، والتقرب إليه بأكل منها، حتى إن بعض العلماء قال: يجب
على المضحي أن يأكل من أضحيته لأن الله تعالى قال: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) (2) ، فبدأ بالأكل قبل الإطعام، فكيف نخادع
__________
(1) سورة الحج، الآية: 37.
(2) سورة الحج، الآية: 36.
(25/73)

أنفسنا ونذهب بأضاحينا إلى مكان آخر، والإنسان الذي يريد الخير يضحي في بيته يشاهد أهله هذه الأضحية، ويتقرب إلى الله تعالى بها، وإذا أراد أن يتبرع لأحد من المسلمين في الخارج فلا أحد يرده إذا كان على الوجه المشروع.
وأما الهدي في حج أو عمرة فمحله مكة، ولا يجوز أن ينقل عن مكة إلا أن تتولى الحكومة ذلك، فترى من المصلحة أن يتفرق لحمه هنا وهناك، فهذا شيء آخر؛ لأن الحكومة إذا قبضته بمكة فهي نائبة عن الفقراء، أما الإنسان فلابد أن يكون هديه- هدي القران والتمتع وترك الواجب- كله في مكة.
(25/74)

س58: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: الحاج الذي عليه هدي أو فدية هل يوكل من يذبح عنه كشركة الراجحي؟
فأجاب بقوله: أقول: لا باس بمن عليه هدي التمتع، أو قران، أو عليه فدية محظور، أو ترك واجب: أن يوكل من يقوم به، لكن بشرط أن يكون الوكيل ثقة أمينَا، فإذا كان ثقة أمينَا فلا باس، وإلا فلا
توكل، على أنه لو كان ثقة أمينًا فالأفضل أن تباشر ذلك أنت بيدك، هذا هو الأفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح هديه بيده - صلى الله عليه وسلم - وذبح أضحيته بيده (1) وإن كان قد أعطى علياًّ بن أبي طالب أن يتمم ذبح هداياه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشركه في هديه.
س59: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ذكرتم بأنه لا يدفع الإنسان أضحيته لمن في الخارج وأن عليه أن يذبحها بنفسه، فهل الهدي كذلك، فماذا تقولون لبعض الشركات التي تقبل الهدي
والأضحية فهل ندفع لهم ذلك؟
فأجاب بقوله: أما الأضحية فلا تدفعوها للشركات ضحوا في بلادكم، وأما الهدي فمعلوم أن الذين يذهبون إلى مكة إذا ذبحوا الهدي صعب عليهم أن يفرقوه على مستحقيه فإذا أعطوه من يقبل
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - برقم (1218) .
(25/75)

ذلك فلا بأس، وهؤلاء الذين يتقبلونه بإذن من الحكومة، ويكون قبضهم للهدي كقبض الفقير فيكون الذي يسلمه إلى الحكومة كأنه سلمه إلى الفقير تمامَا ولا حرج فيه للحاجة، ومع ذلك نقول: إذا كنت قادرَا على أن تذبح هديك بنفسك، أو توكل عليه أحدَا في مكة، فلا تعطه الشركات، كلما صار لديك مندوحة عن إعطاء الشركات بالهدي فلا تعطهم.
أما الأضاحي فقد علمتم أنه لا يعطيها أحد إطلاقَا؛ لأن الأضاحي كل إنسان يمكنه أن يضحي في بيته، ويأكل من لحمها ويوزع على حسب الحال.
س60: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن رجل مسافر عن بلده إلى المملكة فهل يرسل ثمن الأضحية لبلده لأنهم أشد فقرًا؟
فأجاب بقوله: الذي أرى في هذه الحال أن يضحي هنا وهناك، فإن لم يتمكن فليضح هناك لأجل أن يتمتع أهل بيته بالأضحية في هذه الأيام المباركة.
س61: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من كان مسافراً عن بلده فهل يرسل ثمن الأضحية لأهله ليضحوا في بيته؟
(25/76)

فأجاب بقوله: إذا كان الإنسان في بلد وأهله في بلد آخر، فلا حرج عليه أن يوكل من يضحي عنه عند أهله، حتى يسر أهله بالأضحية ويتمتعوا بها، لأنه لو ضحى في بلد الغربة فمن الذي يأكل الأضحية، وربما لا يعرف أحدَا يتصدق عليه، فلذلك نرى أن من له أهل فليبعث بقيمة الأضحية إلى أهله ويضحوا هناك.
(25/77)

رسالة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فضيلة شيخنا ووالدنا محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله ورعاه-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يسر مشروع (الهُدَى للهدي والأضاحي والصدقة والفدى)
التقدم لفضيلتكم بهذا السؤال الهام الذي ينبني على جوابه كل عملنا في هذا المشروع، لنكون على بصيرة شرعية من أمرنا معتبرين هذا العمل مساهمة جادة في تنظيم ذبح النسك، والاستفادة القصوى من لحومها لصالح الفقراء، وعدم تركها للمحارق تخلصًا منها، ولا حول ولا قوة إلا بالته والسؤال هو:
هل يجوز لنا أن نكون وكلاء عن الحاج في شراء وذبح نسكه، وذلك بثمن شامل ومعلوم للحاج، علمًا أننا نبين نوع الذبيحة- النسك- ونعينها لكل حاج باسمه قبل الذبح ويدخل في هذا الثمن
قيمة الذبح والسلخ والتنظيف وتوزيع اللحم على مستحقيه من فقراء الحرم، كما إنه يدخل في القيمة أتعابنا وأتعاب العاملين معنا في المشروع؟
أفتونا مأجورين، وجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
(25/78)

بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
نعم: يجوز لكم ذلك؛ لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه وكَّل علياًّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- أن ينحر ما بقي من هديه (1) ، وكان يبعث بالهدي من المدينة إلى - صلى الله عليه وسلم - ويذبح هناك (2) ، لكن الأضاحي دعوها لأهلها يضحون بها في بلادهم في دورهم؛ لأن هذا هو المشروع؛ ولهذا أرى أن يحذف من شعاركم اسم الأضاحي، وفق الله الجميع للهدى والصلاح.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 22/11/1415هـ
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - برقم (1218) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فتل القلائد (1697) .
(25/79)

س62: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم ذبح الهدي في مكة عن طريق اللجنة وتوزيع لحمه خارج المملكة؟
فأجاب بقوله: مسألة ذبح الهدي، الحقيقة أنه فيه مشقة في منى، على العاجز، وأما الإنسان الحازم فلا مشقة عليه؛ لأن من الناس من يذبح، ومن حين ما يخرج من مكان الذبح، الناس يتلقفونه أعطونا أعطونا، لكن الناس إذا رأوا هذه اللحوم، وربما تكون في اليوم الثاني لها رائحة تكاسلوا، فأنت احرص على أن تذهب بنفسك وتأخذ هديًا وتذبحه في مزدلفة، أو في أي مكان آخر، لكن لا تذبح خارج الحرم؛ لأن ذبحها خارج الحرم عند كثير من العلماء لا يجزئ، فلابد أن تذبح داخل حدود الحرم.
س63: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بعض المخيمات في الحج تجمع من الحجاج الأموال لذبح الهدي فيؤكل البعض كاملاً في المخيم، والبعض يتصدق به كاملاً كما لو كان المجموع مئة من
الغنم فيؤكل خمسين ويتصدق بخمسين؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: هذا غلط ولا يحل لهم هذا الفعل، لأن الخمسين التي أتوا بها إلى المخيم لم يؤدَّ ما يجب فيها من إطعام الفقير، وهذه مسألة ينبغي أن ينبه لها؛ لأن الأمر كما ذكر السائل عن
(25/80)

حال بعض حملات الحج من أنهم بعد جمع المال من الحجاج يقومون بتوزيع خمسين من الهدي، والخمسين الأخرى يؤتى بها لمخيم الحملة لتؤكل، لكن يقال في هذه الحالة: الواجب أن يأخذ يداً أو رجلاً والباقي ينقل إلى رحالكم، وأما أن يُتصدق بنصفها كاملاً ونصفها الآخر لا يتصدق بشيء منه فهذا لا يجوز فيجب تنبيه الحملات على هذا، والفقهاء- رحمهم الله- يقولون: يضمن أقل ما يقع عليه اللحم فلكل شاة كيلو مثلاً، فيشتري خمسين كيلو ويتصدق بها على الفقراء هناك في مكة من جنس الغنم إذا كانت غنماً.
س64: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: هل يجوز أن تقوم المرأة بذبح الأضحية؟
فأجاب بقوله: نعم المرأة يجوز أن تذبح الأضحية وغيرها؛ لأن الأصل تشارك الرجال والنساء في العبادات وغيرها، إلا بدليل، على أنه قد ثبت في قصة الجارية التي كانت ترع غنمًا بسلع فأصاب الذئب منها شاة، فأخذت حجرًا فذبحتها، وذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمرهم
النبي بأكلها (1) .
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوكالة، باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت، (2304) .
(25/81)

س65: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز أن يذبح الإنسان الأضحية عن غيره؟
فأجاب بقوله: نعم، يجوز أن يوكل من يذبح إذا كان هذا الموكل يعرف أن يذبح، والأفضل في هذه الحال أن يحضر الذبح من هي له، والأفضل أن يباشر ذبحها هو بيده إذا كان يحسن، وأن يضجعها على الجنب الأيسر، إن كان يذبح بيمينه، فإن كان يذبح بيساره فإنه يضجعها على الجنب الأيمن، والمقصود بذلك راحة البهيمة، والإنسان الذي يذبح باليسرى لا ترتاح البهيمة إلا إذا كانت على
الجنب الأيمن، ثم إن الأفضل أن يضع رجله على عنقها حين الذبح، وأما يديها وأرجلها فإن الأفضل أن تبقى مطلقة غير ممسوكة فإن ذلك أريح لها؟ ولأن ذلك أبلغ في إخراج الدم منها، لأن الدم مع
الحركة يخرج فهذا أفضل.
س66: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض الحجاج يدفع نقودًا لبعض المؤسسات التي تتولى دفع هديه في أماكن المجاعة في شرق الأرض وغربها، فما حكم هذا العمل أثابكم الله؟
فأجاب بقوله: هذا عمل خاطئ مخالف لشريعة الله، وتغرير بعباد الله عز وجل، وذلك أن الهدي محل ذبحه مكة؟ فإن الرسول
(25/82)

- صلى الله عليه وسلم - إنما ذبح هديه بمكة، ولم يذبحه في المدينة، ولا في غيرها من البلاد الإسلامية، والعلماء نصوا على هذا وقالوا: إنه يجب أن يذبح هدي التمتع والقِران، والهدي الواجب لترك واجب، يجب أن يذبح في مكة، وقد نص الله على ذلك في جزاء الصيد، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ) (1) ، فما قيد في الشرع بأماكن معينة لا يجوز أن ينقل إلى غيرها، بل يجب أن يكون فيها، فيجب أن تكون الهدايا في مكة، وتوزع في مكة، وإن قُدر أنه لا يوجد أحد يقبلها في مكة، وهذا فرض قد يكون محُالاً، فإنه لا حرج أن تذبح في مكة، وتنقل لحومها إلى من يحتاجها من بلاد المسلمين، الأقرب فالأقرب، أو الأشد حاجة فالأشد، هذا بالنسبة للهدايا.
س67: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز للشخص الحاج توكيل أهله في الأضحية؟
فأجاب بقوله: يجوز للإنسان إذا حج أن يوكل أحدًا من أهله الباقين في البلد، فيضحي عنه، وعن أهل بيته، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكَّل علياّ بن أبي طالب في ذبح ما بقى من هديه (2) - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 95.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - برقم (1218) .
(25/83)

بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد
ما حكم ما يفعله بعض الحجاج في الأضاحي، وهو نقل الأضاحي إلى خارج البلاد وذلك ببذل المال لشركة أو مؤسسة تقوم بشراء الأضحية وذبحها في بلاد أخرى؟ وجزاكم الله خيرَا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ... وبعد:
فإن ما يفعله بعض الحجاج من نقل أضاحيهم إلى خارج البلاد لا شك أن هذا مخالف للسنة التي سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل مخالف لأمر الله عز وجل كما سأبينه في هذه النقاط، فإن نقل الأضاحي إلى خارج البلاد يفوت به مصالح كثيرة:
المصلحة الأولى: إنه يفوت بذلك إظهار شعيرة من شعائر الله تعالى وهي الأضاحي، فإن الأضاحي شعيرة عظيمة من شعائر الله يتقرب الإنسان بها إلى ربه، فقد قرنها الله تعالى بالصلاة في كتابه،
فقال جل وعلا: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) ، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ) (1) ، والنسك عند كثير من
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 162.
(25/84)

المفسرين هو: الذبيحة، ومنها الأضاحي، فإذا نقلت إلى خارج البلاد أصبحت معطلة من هذه الشعيرة، إما في بعض البيوت، وإما في كثير منها، وإما في أكثرها إذا توسع الناس في ذلك، وليعلم أن المقصود بالأضاحي هو التقرب إلى الله عز وجل، وليس المقصود منها مجرد الانتفاع من لحمها كما قال الله تعالى: (لَنْ يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) بين الضحية واللحم
فقال: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم" (1) .
فقال رجل: يا رسول الله، نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة؟
فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "تلك شاة لحم ".
وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين" (2) ، وهذا الحديث دليل واضح على أنه ليس المقصود من الأضاحي مجرد الانتفاع باللحم إذا لو كان الأمر كذلك لم يكن فرق بين المذبوح قبل الصلاة وبعدها، ويدل لهذا أيضًا أن
الأضحية خصما بنوع معين من البهائم، وهي: الإبل، والبقر والغنم، وقيدت بشروط معينة كبلوغ السن، والسلامة من العيوب،
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب الأكل يوم النحر (955) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة أعاد (5562) .
(25/85)

وكوخها من أيام النحر، ولو كان المقصود مجرد الانتفاع باللحم لأجزأت بكل بهيمة كالدجاج، ولأجزأ بالصغير من الأنعام والكبير، ولأجزأت بالعضو من البهيمة وبالجميع، فالأضاحي لها شأن كبير في الإسلام، ولهذا جعل لها حرمات محيطة بها، فمن أراد أن يضحي فمانه لا يأخذ من شعره، ولا من ظفره، ولا من بشرته شيئًا حتى يضحي.
المصلحة الثانية التي تفوت بنقل الأضاحي إلى خارج البلاد: مباشرة المضحي ذبح أضحيته، فمن السنة أن يذبح المضحي أضحيته بنفسه؟ تقربَا إلى الله عز وجل، واقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يذبح أضحيته بنفسه (1) وقال أهل العلم إذا كان المضحي لا يحسن
الذبح بنفسه فليحضر الذبح بنفسه.
المصلحة الثالثة التي تفوت بنقل الأضاحي إلى خارج البلاد: إنه يفوت بذلك شعور الإنسان بالتعبد لله بالذبح نفسه الذي قرنه الله بالصلاة في قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) .
المصلحة الرابعة التي تفوت بنقل الأضاحي إلى خارج البلاد: إنه يفوت الإنسان ذكر اسم الله عليها وقد أمر الله تعالى بذلك فقال سبحانه: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ)
__________
(1) أخرجه مسلم، كناب الحج، باب حجة الني - صلى الله عليه وسلم - (برقم 1218) .
(25/86)

وقال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا) وفي هذا دليل على أن ذبح الأضحية وذكر اسم الله عليها عبادة مقصودة بذاتها وأنها من توحيد الله وتمام الاستسلام له وربما كان هذا المقصود أعظم بكثير من مجرد انتفاع الفقير بها، ومن المعلوم أن من نقلها خارج البلاد لم يحصل على هذه الفائدة العظيمة.
المصلحة الخامسة التي تفوت بنقل الأضاحي إلى خارج البلاد: الآكل من الأضحية، والأكل من الأضحية مشروع إما وجوبًا، وإما استحبابًا، فإن من العلماء من يقول: يجب على المضحي أن يأكل من أضحيته، فإن لم يأكل منها فهو عاص لله تعالى لأن الله تعالى أمر بالأكل منها بل قدمه على إطعام الفقير فقال سبحانه وتعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) وقال تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) ، ومن المعلوم أن نقلها إلى خارج البلاد يؤدي إلى عدم الآكل منها، فيكون الناقل مخالفًا لأمر الله تعالى ويكون آثمًا- على قول من قال بوجوب الأكل منها من أهل العلم.
المصلحة السادسة: التي تفوت بنقل الأضاحي إلى خارج البلاد: إذا كانت الأضاحي وصايا فإن نقلها يفوت مقصود الموصين بها؛ لأن
(25/87)

الموصين حينما أوصوا لم يكن في بالهم أن يضحي بها خارج البلاد، ولم يكن في بالهم إلا أن تتمتع ذرياتهم وأقاربهم في هذه الأضاحي، وأن يباشروا بأنفسهم تنفيذها، ولم يخطر ببالهم أبدًا أن أضاحيهم سوف تنقل إلى بلاد أخرى قريبة أو بعيدة، فيكون في نقل أضاحي الوصايا مخالفة لما يظهر في مقصود الموصين.
ومع فوات هذه المصالح بنقل الأضاحي إلى خارج البلاد فإن فيه مفسدة قد تكون كبيرة لدى الناظر المتأمل، إلا وهي: أن الناس ينظرون إلى الأضاحي إلى هذه العبادة العظيمة نظرة اقتصادية محضة،
أو نظرة تعبدية قاصرة، بحيث يشعر أنه استفاد منها بمجرد الإحسان إلى الغير، مع أن الفائدة الكبرى منها هي: التعبد لله تعالى بذبحها وابتغاء مرضاته.
وإني أحث إخواني على أن تكون أضحياتهم في بلادهم، وإذا أرادوا أن ينفعوا إخوانهم المتضررين في البلاد الأخرى، فإن أبواب الخير كثيرة، فلير سلوا إليهم أطعمة، لير سلوا لهم ألبسة، ليرسلوا لهم
دراهم، كل هذا نافع بإذن الله مع إبقاء الشعيرة العظيمة تحت تصرفهم وبين أهليهم وفي بلادهم.
أرجو الله أن يوفقنا لما فيه الخير والصلاح في ديننا ودنيانا وإن
(25/88)

يرزقنا البصيرة في ديننا حتى نتصرف على وفق الشريعة التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أملاه محمد الصالح العثيمين في 23/11/1413هـ والحمد لله رب العالمين.
(25/89)

س68: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز ذبح الهدي للحاج قبل يوم العيد؛ لأن الحجاج في حاجة حتى يتمكنوا من أعمال يوم العيد؟
فأجاب بقوله: لا يجوز للإنسان أن يذبح هديه قبل يوم النحر، فيوم النحر هو المعد للنحر، وكذلك الأيام الثلاثة بعده، ولو كان ذبح الهدي جائزًا قبل يوم العيد لفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما أمر أصحابه أن يحلوا من العمرة من لم يكن معه هدي، وأما هو - صلى الله عليه وسلم - فقال: "قلدت هديي فلا أحل حتى أنحر" (1) ، فلو كان النحر قبل يوم العيد جائزًا لنحر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك اليوم لأجل أن يطمئن أصحابه في التحلل من العمرة، ولأجل أن يتحلل هو أيضًا معهم لأنه قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولا أحللت
معكم" (2) ، وامتناع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ذبح هديه قبل يوم النحر مع دعاء الحاجة إليه يدل على أنه لا يجوز، والذين يفتون بهذا يقيسونه على الصوم فيمن لم يجد الهدي، فإنه يجوز له أن يقدم صومه قبل يوم النحر، ولكن هذا ليس تشبهاً به؛ لأن الصوم كما قال الله عز وجل:
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد، (1229) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (1218) .
(25/90)

(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ) (1) ، والمتمتع إذا شرع في العمرة فكأنما شرع في الحج لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دخلت العمرة في الحج" (2) ، ولهذا يجوز للمتمتع الذي لا يجد الهدي أن يصوم ثلاثة أيام من حين إحرامه بالعمرة وإلى آخر أيام التشريق، ما عدا يوم النحر،
وعلى هذا فنقول: إن القياس هنا قياس في مقابلة النص، وهو أيضًا قياس مع الفارق، فلا تتم فيه أركان القياس.
والصواب بلا ريب: أنه لا يجوز أن يذبح الإنسان هديه إلا في يوم العيد والأيام الثلاثة بعده.
وأما قول الأخ: إن الناس أحوج قبل يوم العيد فنقول له: من الممكن أن تذبح الهدي في مكة إما في يوم العيد، أو الحادي عشر، أو في الثاني عشر، أو في الثالث عشر، وفي مكة تجد من يأخذه وينتفع به.
س69: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من سافر ولم يترك أضحية عند أهله فهل يجوز له تأجيلها لليوم الثالث عشر أو يذبح عنهم في محل إقامته؟
فأجاب بقوله: يجوز للإنسان أن يؤخر ذبح أضحيته إلى اليوم
__________
(1) سورة البقرة الآية: 196.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب جواز العمرة في أشهر الحج، (1241) .
(25/91)

الثالث عشر من ذي الحجة؛ وذلك لأن أيام الذبح أربعة: يوم العيد بعد صلاة العيد، واليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، وهذا أفضل من كونك تذبح الأضحية في منى، أي كونك تؤخرها إلى اليوم الثالث عشر، وتذبحها عند أهلك في الرياض، خير من كونك تذبحها في منى؛ لأن ذبحك في منى ذبح في غير مكان الأضحية، فإن الأضاحي مشروعة في غير حق الحجاج؟ ولأنك إذا
ذبحتها في منى لم يستفد منها أهلك، ولم يأكلوا منها، فالأفضل لمن أراد أن يضحي عن أهله وعنه أن يضحي في مكان إقامتهم جميعًا؛ ليأكلوا منها جميعًا.
س70: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يغرم الوكيل إذا ذبح الأضحية قبل صلاة العيد ناسيًا أو جاهلاً؟
فأجاب بقوله: إذا ذبحت الأضحية قبل صلاة العيد فهي شاة لحم ولا تجزئ الأضحية، ولم أجد كلامًا للأصحاب في هذا، ولكن القياس يقتضي أن اللحم للموكل، ويضمن الوكيل ما نقص الشاة
- أي ما بين قيمتها مذبوحة وحية- والموكل يذبح بدل الأضحية.
س71: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا نسي الوكيل
(25/92)

ضحية ولم يذكر إلا بعد أيام التشريق فما الحكم؟
فأجاب بقوله: لا شيء عليه، وإذا أراد الموكل الأضحية فيضحي في العام المقبل.
س72: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: متى يبتدئ زمن ذبح هدي التمتع ومتى ينتهي؟ وهل هناك خلاف في تحديد الزمن؟
فأجاب بقوله: يبتدئ زمن الذبح لهدي التمتع إذا مضى قدر صلاة العيد من يوم العيد بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، وينتهي بغروب الشمس من اليوم الثالث عشر من ذي الحجة.
وأما هل هناك خلاف؟ فنعم فيه خلاف في ابتدائه وانتهائه ولكن الراجح عندي ما ذكرناه، والله أعلم.
س73: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: في يوم العيد تكثر اللحوم في منى فهل يجوز تأخير ذبح الهدي لليوم الثالث عشر؟
فأجاب بقوله: ليس في هذا شيء، إذا أخر النحر عن أول يوم إلى اليوم الثاني، أو الثالث؛ لأنه أنفع وأجدر، فلا حرج عليه، بل قد يكون ذلك أفضل من ذبحها في أول يوم، ثم رميها بدون أن ينتفع بها
أحد، كذلك أيضًا لو ذبحها أول يوم بمكة وفرقها هناك على الفقراء
(25/93)

فإنه لا باس بذلك، وأنا أنصح إخواننا الحجاج بأن يحملوا اللحوم معهم من المجازر فإذا خرجوا بها إلى الأسواق وإلى الطرقات وجدوا من يأخذها، لكن أكثر الناس يذبحها ويدعها لأنه يقول في هذا
مشقة عليَّ في حملها، وهذا قصور منه، فالمشقة وإن حصلت فإنها امتثال لأمر الله: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا) وأنت الآن إذا ذبحتها وتركتها ما أكلت وما أطعمت والله يقول: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا)
فأنت مأمور بأن تأكل وأن تطعم، وإذا لم يحصل ذلك إلا بحملها كان حملها من باب ما لا يتم المأمور إلا به.
س74: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: متى ينتهي وقت الأضحية؟
فأجاب بقوله: ينتهي بغياب الشمس لليوم الرابع، فلو ذبحتها قبل غروب الشمس بدقيقة فهي أضحية، ولو سلختها فيما بعد فلا
س75: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم ذبح الأضحية في مصلى العيد؟
فأجاب بقوله: ذبح الأضاحي في مصلى العيد من السنة، لفعل
(25/94)

النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) ، لكن االناس الآن اعتادوا أن يذبحوا في بيوتهم؟ لئلا تتلوث البقاع حول مصليات العيد.
س76: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بالنسبة للقارن هل يستطيع أن يشتري الهدي من مكة؟
فأجاب بقوله: يجوز للقارن أن يشتري الهدي من منى، أو من مكة، ويذبحه في مكة أو في منى، قال الإمام أحمد- رحمه الله-: مكة ومنى واحد، فلينظر الإنسان أيها أنفع أن يشتري الهدي في منى
ويذبحه ويأكل منه ويتصدق، أو أن الأفضل والأنفع أن يذبحه في مكة ويأكل منه ويتصدق، ليتبع في ذلك ما هو أنفع، فإن تساوى الأمران فذبحه في منى أفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذبح في منى (2) .
س77: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا اشترى إنسان ذبيحتين يقصد إحداهما للأضحية والأخرى لحما فهل يشترط أن يعين التي سيضحي بها بعينها ولا يجوز له تبديلها بالأخرى؟
فأجاب بقوله: لا ليس بشرط، والذي ينبغي للإنسان ألاَّ يعين
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الأضاحي، باب الأضحى والنحر بالمصلى (5552) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - برقم (1218) .
(25/95)

الأضحية إلا عند ذبحها لأجل أن يكون حرَّا في تبديلها وتغييرها، فإذا أراد أن يذبحها يقول: هذه أضحية فلان، أضحية عني وعن أهل بيتي، أو عن فلان الذي أوصى بها أو ما أشبه بذلك. ماذا
تعينت فإنه يتعلق بها حكم الأضحية ويجب عليه تنفيذها، وقد ذكر بعض أهل العلم أنه إذا أبدلها بخير منها فلا حرج.
(25/96)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم/.... حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتابكم الكريم المؤرخ ... وصل، سرنا صحتكم، الحمد لله على ذلك، تهنئتكم إيانا بالحج، نشكركم عليها، ونرجو الله تعالى أن يتقبل من الجميع، وأن يجزيكم عنا خيرَا، ويغفر لنا ولكم.
سؤالكم عن مسألة الدين على الوصف الذي ذكرتم: فنحن لا نرى جوازه، ونرى أن الثالث شريك لهما في الإثم؛ لأنه معين لهما، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: "هم سواء" (1) ، أما لو كانت المسألة على وجه صحيح فإن الإنسان إذا باع
شيئَا على شخص وتسلم ثمنه فلا بأس أن يشتريه سواء من السوق أو ممن اشتراه مباشرة، فإن لم يتسلم ثمنه فإن اشتراه بمثل الثمن أو أكثر منه فلا بأس أيضَا، وإن اشتراه بأقل منه، مثل أن يبيعه بمئة لم يتسلمها ثم يشتريه من المشتري بأقل فالمشهور من المذاهب أن ذلك لا يجوز، لأنه يشبه مسألة العينة فجعلوه منها. فإن باعه المشتري على ثالث فلا بأس على البائع الأول أن يشتريه من المشتري الثاني بأقل أو
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب البيوع، باب لعن آكل الربا وموكله، (1598) .
(25/97)

أكثر على كل حال، مثل أن يبيع زيد على عمرو شيئًا بمئة ثم يبيعه عمرو على بكر بثمنه أو أقل أو أكثر فلا حرج على زيد أن يشتريه من بكر بمثل ثمنه أو أقل أو أكثر.
وسؤالك عن شراء الرجل البعير أو البقرة للأضحية ويجمع شركاءه فيها، فهل يجوز أم لابد من أن يتفقوا قبل ذلك؟
فاعلم أن الرجل إذا اشترى بعيرًا أو بقرة لقصد الأضحية ولم يرد الأضحية إلا بسبعه فلا بأس أن يشرك فيه من جاء من بعده حتى يكمل السبعة، أما إن اشتراه ونيته أن يضحي بجميعه وعينه لذلك،
فإنه لا يجوز أن يشرك فيه بعد ذلك أحدًا؛ لأنه لما نوى جميعه وتعيَّن صار واجبًا ذبحه جميعًا كما عينه. والهدي في ذلك كالأضحية.
هذا ما لزم، شرفونا بما يلزم، بلغوا سلامنا الأولاد والمشائخ والإخوان، كما منا الجميع بخير، والله يحفظكم، والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته. حرر في 23/12/1387هـ.
(25/98)

س78: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من اشترى الأضحية لتربيتها في الرعي، ثم مرضت أو انكسرت رجلها فهل يضحي بما؟
فأجاب بقوله: يقول العلماء- رحمهم الله- من عيّن الأضحية وقال: هذه أضحيتي صارت أضحية، فإذا أصابها مرض أو كسر فإن كنت أنت السبب فإنها لا تجزئ، ويجب عليك أن تشتري بدلها مثلها
أو أحسن منها، وإن لم تكن السبب فإنها تجزئ.
ولهذا نقول: الأولى أن الإنسان يصبر في تعيينها فيشتريها مبكرًا من أجل أن يغذيها بغذاء طيب، ولكن لا يعينها، فإذا كان عند الذبح عينها وقال: اللهم هذا منك ولك، هذا عني وعن أهل بيتي. وهو إذا لم يعين يستفيد فائدة مهمة وهي: لو طرأ أن يدعها ويشتري غيرها فله ذلك؛ لأنه لم يعينها.
س79: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم تعليم الأضحية بالحناء وبالقلائد؟
فأجاب بقوله: الأضاحي لا حاجة لأن تعلم بالحناء ولا بقلائد؛ لأن الإنسان سيضحي بها في بيته، ويأكل منها هو وأهله، ويطعم الفقراء ويتصدق عليهم، ويطعم الأغنياء، وإنما التقليد يكون للهدي
(25/99)

الذي يبعث به إلى مكة، حتى يعرف الفقراء أنه هدي فيتبعوه ليأكلوا منه.
س80: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يستحب للمتمتع بعد أن يحل ويشتري هديه أن يقلده ليعلم أنه هدي؟
فأجاب بقوله: من ساق الهدي هو الذي يستحب أن يشعره ويقلده، أما من اشتراه من السوق ليذبحه فهذا لا يسن فيه الإشعار ولا التقليد.
س81: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: شخص نذر أن يذبح كبشًا معينًا فمات الكبش المعين دون تفريط منه فهل يلزمه إبداله؟
فأجاب بقوله: إذا عين الإنسان الأضحية، ثم ماتت بغير تفريط منه ولا تعدي فلا شيء عليه، إلا إذا كانت منذورة، يعني قد نذر الأضحية فعليه أن يوفي بنذره، أما إذا كانت لم تجب إلا بالتعيين ثم
ماتت بلا تفريط منه فلا شيء عليه.
(25/100)

رسالة
فضيلة الشيخ/محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد
ما السنة في سوق الهدي، وهل له وقت محدد أو عدد معين؟ وما هو التقليد والإشعار؟ وهل يُشترى الهدي من مكة؟ نرجو من سماحتكم الحث على إحياء تلك السنة المهجورة؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. سوق الهدي سنة في كل وقت، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعث بالهدي من المدينة إلى مكة (1) ، وليس له وقت محدد ولا عدد معين، وإنما يبعث به الإنسان إلى مكة ليذبح هناك ويوزع على الفقراء، وأهمية سوق الهدي أن يحصل إعلان
سوق الهدي؛ لأنه إذا مر في الطرقات وقيل ما هذا؟ قيل: هدي إلى الكعبة واشتهر. وينبني على هذا تعظيم الكعبة، وأنه يُهدى إليها.
وأما التقليد فقال العلماء: إنه يقلد في الرقبة آذان القرب البالية والنعال البالية إشعارًا بان هذه للفقراء، وإما الإشعار فهو شق السنام حتى يسيل الدم ويرطب الشعر ليتبين أن هذا هدي.
ولا يعتبر سائقًا للهدي من اشتراه من مكة، لأنه هو يساق إلى
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فتل القلائد للبدن برقم (1697) .
(25/101)

مكة فكيف يساق من مكة. ولكن إذا اشترى من مكة وذبحه وتصدق بلحمه فحسن.
وهذه السنة ما هجرت رغبة عنها، ولكن الوضع تغير الآن فالناس يمشون على السيارات، كيف يسوق الهدي ومعه السيارة، وإذا قدر أنه جعل الهدي في السيارة (في الحوض) لم يُعلم هل هذا
للبيع أو هدي، ثم إن السيارة أيضا تكون عجلة ما يتأنى الناس ويشاهدونها، فالمسلمون ما تركوا هذه رغبة عنها لكن لتعذر أو تعسر العمل بها.
حرر في 23/8/1420هـ.
(25/102)

س82: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يلزم القارن أن يحمل الهدي معه من المكان الذي يحرم منه؟
فأجاب بقوله: لا، ليس بشرط، الهدي تشتريه من مكة أو من منى وتذبحه وتأكل منه وتتصدق وتطعم. وليس بشرط أن القارن لا يقرن إلا إذا ساق الهدي هذا القول غير صحيح، للقارن أن يقرن
وإن لم يسق الهدي.
(25/103)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ/محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو من فضيلتكم الإجابة على الأسئلة التالية وجزاكم الله خيرًا.
السؤال الأول: ما حكم من عين الأضحية ثم ماتت قبل العيد بثلاثة أيام، ثم أخذ بدل، وفي يوم عرفة انكسرت الأضحية، ولم يجد بدل؛ لأنه في عيد، فما الحكم إذا ضحى بها، وهل تجزئ الأضحية؟
السؤال الثاني: هل الأضحية سنة مؤكدة ولا يأثم تاركها وهو يستطيع؟ أم هي واجبة على المستطيع؟ وجزاكم الله خيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، يذبح البدل وإن انكسرت قبل الذبح إلا أن يكون الانكسار بتفريط من المضحي وذلك لأنها بدل عن معينة فتتعين بمجرد الشراء مع النية، والأضحية إذا تعيبت بعد التعيين بدون تفريط من المالك أجزأت عنه.
جواب السؤال الثاني: الأضحية سنة مؤكدة لا ينبغي للقادر أن يتركها، وقيل: واجبة.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 27/6/1418هـ.
(25/104)

س83: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن رجل معه الهدي في سيارته فذهب لرمي جرة العقبة فلما رجع وجد هديه مذبوحًا ومأخوذًا إلا الرأس فاشترى هدئا آخر وذبحه، فما الحكم؟
فأجاب بقوله: نعم يجزئه؛ لأنه عينه على أنه هدي فذبح بعد التعيين، وذبح الغاصب على القول الراجح تحل به الذبيحة، وعلى هذا فيكون شراؤه للهدي بعد ذلك على سبيل التطوع وجزاه الله
خيرَا، فلو لم يذبح هديَا بدله أجزأه، لأنه ذبح، أما لو أخذ ولا يعلم أذبح أم لا؟ فلابد أن يذبح بدله.
س84: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يلزم في سوق الهدي أن يكون الإنسان قارنًا؟ وهل يجوز للذي ساق الهدي أن يتمتع؟
فأجاب بقوله: سوق الهدي، مسنون وليس بواجب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعله ولم يأمر به (1) ، والأصل فيما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - تعبدًا دون أمر فإنه مسنون، ولا يجوز للذي ساق الهدي أن يتمتع ولا يلزم أن يكون قارنَا بل يمكن أن يكون مفردًا.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب وجوه الإحرام برقم (1211) .
(25/105)

س85: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا دفع الإنسان النقود للبنك الإسلامي لشراء الهدي وذبحه عنه فهل هذا من سوق الهدي، حيث إن الإنسان يدفع الدراهم وهو في بلده؟
فأجاب بقوله: ليس هذا من سوق الهدي؛ لأنهم وكلاء لك يشترون لك، ويذبحون عنك فقط.
(25/106)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محبكم/محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم/ ... حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتابكم الكريم وصل، سرنا صحتكم، الحمد لله على ذلك، ونرجو المعذرة عن عدم المبادرة إلى رده، والعذرْ كرام الناس مقبول، وأنتم منهم- إن شاء الله- ولله الحمد، وفقكم الله لمكارم الأخلاق وأحاسن الأعمال.
سؤالكم هل يجوز جعل الضحايا وليمة للعرس. تعيينها؟
الجواب: لا يجوز ذلك؛ لأنه لما عينها للأضحية لها، فلا يجوز صرفها في غيرها، بل ولا إبدالها بغيرها،! أن يبدلها بخير منها. وكذلك لو لم يعين الأضحية وأراد أن يجمع في شاة واحدة أضحية ووليمة فلا يجوز ذلك، وإن كان قياس كلام ابن القيم جواز ذلك، حيث أجاز- رحمه الله- الجمع بين نية الأضحية والعقيقة في شاة واحدة، وفي كلامه نظر، لاختلاف الحكم بين الأضحية
والعقيقة، واختلاف السبب أيضا، فالصحيح عدم الجواز في الجمع بين نية الأضحية والعقيقة، وكذلك بين نية الأضحية والوليمة.
وهذا الكلام كله فيما إذا كان الأضحية من عنده، أما إذا كانت
(25/107)

وصية فمعلوم أنه لا يجوز من باب أولى.
هذا ما لزم وشرفونا بما يلزم، بلغوا سلامنا كل عزيز لديكم، والله يحفظكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حرر في 18/10/1390هـ.
(25/108)

س86: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: حاج سُرق منه مال الهدي فهل يقترض لشراء غيره؟
فأجاب بقوله: له أن يقترض إذا كان يجد وفاءً في بلده عن قرب، أما إذا كان معسرًا ولا يرجو الوفاء عن قرب فلا يقترض، بل يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع.
س87: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من اشترى هديه وضاع منه بمنى فما عليه؟
فأجاب بقوله: هذا الهدي الذي هرب لا يجزئه، بل يجب عليه أن يشتري بدله، فإن لم يجد، فإنه كما قال الله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) (1) ، وإذا اشترى بدله ثم وجده بعد ذلك فهو ملكه يتصرف فيه بما شاء؛ لأنه ذبح بدله فحل البدل محله، ولا يجب عليه في هذه الحال أن يذبح الأول؛ لأن ذمته برئت.
س88: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: هل يشرع للفقير أن يستدين لكي يضحي؟
__________
(1) سورة البقرة الآية: 196.
(25/109)

فأجاب بقوله: الفقير الذي ليس بيده شيء عند حلول عيد الأضحى لكنه يأمل أن يحصل، كإنسان له راتب شهري، أو أنه في يوم العيد ليس في يده شيء لكنه يستطيع أن يستقرض من صاحبه
ويوفي إذا جاء الراتب فهذا يمكن أن نقول له: لك أن تستقرض إذن وتضحي ثم توفي، ْ أما إذا كان لا يأمل الوفاء عن قريب فإننا لا نستحب له أن يستقرض ليضحي؛ لأن هذا يستلزم إشغال ذمته بالدين ومنّ الناس عليه، ولا يدري هل يستطيع الوفاء أو لا يستطيع.
س89: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز شراء الأضحية بالدين؟ وهل يُعطى الجزار أجرة منها أو يُهدى له منها؟
فأجاب بقوله: إذا كان الرجل ليس عنده قيمة الأضحية في وقت العيد لكنه يأمل أن سيحصل على قيمتها عن قُرب، كرجل موظف ليس بيده شيء في وقت العيد، لكن يعلم إذا تسَلَّم راتبه سهل عليه تسليم القيمة فإنه في هذه الحال لا حرج عليه أن يستدين، وأما من لا يأمل الحصول على قيمتها من قرب فلا ينبغي أن يستدين للأضحية.
وأما إعطاء الجزار أجرته منها فلا يجوز. وأما إعطاؤه هدية منها فلا بأس به.
(25/110)

س90: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بالنسبة للمتمتع والقارن لهما هدي، فهل هذه تعتبر أضحية؟
فأجاب بقوله: هذا الهدي الذي يكون على المتمتع والقارن يكفي عن الأضحية؛ لأنه يذبح يوم العيد فيكفي، كرجل دخل المسجد وصلى الراتبة فهذه تكفي عن الراتبة وعن تحية المسجد.
س91: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل الأضحية مشروعة عن الأموات؟
فأجاب بقوله: الذي نرى أن الأضحية مشروعة في حق الأحياء فقط؛ لأن هذا هو الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي عن الأحياء فقط، إلا إذا أوصى بها الميت فإنها تفعل عنه، وذلك لأن الميت إذا أوصى بها فقد أوصى بها من ماله، وماله له أن يصرفه كما يشاء في غير معصية الله،
فتنفذ كما أوصى، وأما الحي فإنه يضحي عن نفسه ولكن لا مانع من أن يضحي ويقول: هذا عني وعن أهل بيتي، وينوي بهم الأحياء والأموات، فإن ظاهر فعل النبي عغغ حيث كان يقول: "هذا عن
محمد وآل محمد وعن أمة محمد" (1) ، ظاهره أنه يشمل الحي والميت.
__________
(1) أخرجه أحمد (6/391) .
(25/111)

أما أن يضحي عن الميت خاصة فهذا لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ضحى عن أحد من أمواته بخصوصه، فلم يضح عن أولاده الذين ماتوا في حياته، وهن ثلاث بنات متزوجات، وثلاثة أبناء صغار، ولا عن زوجته خديجة- رضي الله عنها- وهي من أحب نسائه إليه، ولا عن عمه حمزة- رضي الله عنه- وهو من أعز أقاربه عنده، ولو كان هذا من الأمور المشروعة لكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يشرعه لأمته إما بقوله وإما بفعله، وإما بإقراره، ولما لم يكن شيء من ذلك عُلم أنه ليس بمشروع، ومع هذا لا نقول: إنه محرم أو بدعة، أو أنه لا يجوز؛ لأنه أشبه ما يكون بالصدقة كما قاس بعض أهل العلم الأضحية عن الميت بالصدقة عنه، والصدقة عن الميت قد ثبتت بها السنة (1) .
ونرى أيضًا من الخطأ: ما يفعله بعض الناس من التضحية عن الميت أول سنة يموت ويسمونها (أضحية الحفرة) ويعتقدون أنه لا يجوز أن يشرك معه في ثوابها أحد، أو يضحون عن أمواتهم تبرعًا، أو بمقتضى وصاياهم ولا يضحون عن أنفسهم وأهليهم، ولو علموا أن الرجل إذا ضحى من ماله عن نفسه وأهله شمل أهله الأحياء والأموات- كما سبق- لما عدلوا عنه إلى عملهم هذا، والله أعلم.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت برقم (12) .
(25/112)

س92: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: هل تشرع الأضحية للحاج أم يكفي الهدي؟
فأجاب بقوله: الإنسان الذي سيحج هو وأهله فإنه لا حاجة إلى الأضحية في حقهم؛ لأنهم سوف يهدون، والهدي في مكة أفضل من الأضحية، وأما من كان يريد أن يحج ببعض عائلته ويبقي البعض في البلد فهذا يشرع له أن يضحي لأهله الباقين أضحية عندهم، وحينئذ يثبت في حقه حكم المنع في الأخذ من الشعر والأظفار والبشرة إلا أنه إذا تمتع لابد أن يقصر من شعر رأسه ويسمح له في ذلك؛ لأن التقصير حينئذ نسك مأمور به من واجبات العمرة.
س93: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: هل يلزم الحاج المفرد أضحية في بلده؟
فأجاب بقوله: الأضحية في بلد الحاج سواء حاج متمتع، أو قارن، أو مفرد إذا كان له أولاد هناك وأراد أن يضحي لهم فهذا طيب سواء كان مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا، أما إذا كان أهله معه وليس له في البلاد أهل فإنه يذبح الهدي للتمتع والقران ويكفيه، والمفرد إذا أحب أن يهدي هدي تطوع فعلى خير ويكون أضحية.
(25/113)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ/محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله-
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد،
فقد بحثت مسالة الأضحية عن الأموات وقد اتضح لي من هذا البحث أن الأضحية المستقلة للميت لا تخرج عن حالين وكلاهما خطأ- فيما يظهر لي والله أعلم بالصواب-
لأن الشيء صان كان صحيحًا فإن وضعه في غير موضعه يجعله غير صحيح، فهي إما أن يقال: إنها أضحية أو صدقة.
فإن قيل: إنها أضحية فالأضحية المستقلة للميت ليس على مشروعيتها دليل صحيح صريح من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وليست من عمل السلف الصالح-رحمهم الله- وقياسها على الصدقة غير صحيح؛ لأن القياس في العبادة لا يجوز.
وإن قيل: إنها صدقة؟ فالصدقة لا يشترط فيها ما يشترط في الأضحية، فسواء ذبحت يوم العيد، أو قبله، وسواء كانت صغيرة أو معيبة لا يؤثر ذلك عليها شيئًا ما دام أنها صدقة، وتختلف الأضحية
عن الصدقة في أشياء كثيرة ذكرناها في ص 12، 13 من هذا البحث.
أيضًا فقد قالت اللجنة الدائمة للإفتاء: (إن تخصيص الصدقة
(25/114)

للميت بزمن معين بدعة) ، [فتوى رقم 3668 في 6/7/1401هـ] ،
فإن قيل: نريد فضل عشر ذي الحجة. قلنا: الفضل يشمل العشر كلها وأنتم خصصتم منها يومًا واحدًا فقط، وهذا التخصيص مثل تخصيص بعض الناس العمرة في رمضان بليلة سبع وعشرين منه،
وهذا التخصيص بدعة، فإن قيل: نريد العمل بحديث: "ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراقة دم" (1) ، قلنا: هذا حث للأحياء على الأضاحي المشروعة وأنها الأفضل لهم في ذلك اليوم من التصدق بثمنها، وليس فيه ما يدل على تخصيص الميت بأضحية، لأن القائل لهذا الكلام - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام الذين رووا هذا الحديث ونقلوه إلينا كان لهم أموات، وكانت الأموال متوفرة لديهم ومع علمهم بهذا الحديث وتوفر أسبابها لديهم لم يفعلوها وهم أحرص
الأمة على الخير واتباع السنة، أفيدونا بارك الله فيكم هل هذا صحيح أم خطأ؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الجواب: الأضحية عن الميت إن كانت بوصية منه مما أوصى به وجب تنفيذها؛ لأنها من عمله وليست جنفًا ولا إثمًا. وإن كانت بتبرع من الحي فليست من العمل المأثور عن السلف الصالح؛ لأن
__________
(1) أخرجه ابن ماجه، أبواب الأضاحي؟ باب ثواب الأضحية، (3126) .
(25/115)

ذلك لم ينقل عنهم، وعدم النقل عنهم مع توافر الدواعي، وعدم المانع، دليل على أن ذلك ليس معروفًا بينهم، وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ذكر انقطاع عمل ابن آدم بموته إلى الدعاء له (1) ، ولم يرشد إلى العمل له، مع أن سياق الحديث في ذكر الأعمال الجارية له بعد موته.
وقد قرأت ما كتبته أنت أعلاه فأعجبني ورأيته صحيحَا. وفق الله الجميع للعمل بما يرضيه.
لكن لا ننكر على من ضحى عن الميت، وإنما ننبه على ما كان يفعله غير من الناس سابقًا، فإن الواحد يضحي تبرعًا عن الأموات ولا يضحي عن نفسه وأهله، بل كان بعضهم لا يعرف أن الأضحية سنة إلا عن الأموات إما تبرعَا أو بوصية.
وهذا من الخطأ الذي يجب على أهل العلم بيانه.
كتبه محمد الصالح العثيمين حرر في 8/16/1419 هـ.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، (1631) .
(25/116)

رسالة
فضيلة الشيخ/محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله تعالى-
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد:
هل أجر الأضحية يصل إلى الميت إذا لم تكن من ماله الخاص، مثلاً من مال ابنه، وجزاكم الله خيرًا؟
الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الصحيح: أنه يصله أجرها، لكن مع ذلك ليس من السنة أن تضحي عن الميت وحده إلا بما أوصى به، أما إذا كنت تريد أن تضحي من مالك فضح عنك وعن أهل بيتك، وإذا نويت أن
الأموات يدخلون فلا حرج.
(25/117)

س94: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: والدي متوفى ولم يوص بشيء، وله أولاد قصر، هل أضحي للأولاد القصر أم أضحي للوالد على حده؟
فأجاب بقوله: أولاً: يجب أن تعلم أن الأضحية ليست واجبة للأموات، وأصل الأضحية للأحياء، هذا هو الأصل، فإذا كان الميت لم يوص بها، فالأفضل ألاَّ يضحي عنه إلا تبعَا للأحياء، فيضحي
الإنسان بالشاة عنه وعن أهل بيته، وينوي بذلك الحي والميت، والدليل على أنه ليس من السنة أن يضحي عن الأموات إلا بوصية، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي له بنات وتوفي له عمه حمزة بن عبد المطلب، وتوفي له زوجات، توفيت له زوجته خديجة- رضي الله عنها- وزينب بنت
خزيمة- رضي الله عنها- ومع ذلك لم يضحِّ عن أحد منهم صلوات الله وسلامه عليه، ولو كان خيرَا لفعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما كان يضحي عنه وعن أهل بيته (1) ، يعني الأحياء، ولكن نقول: إذا ضحى الإنسان عن نفسه وأهل بيته، ونوى بذلك الأحياء والأموات، فليس في ذلك بأس
إن شاء الله، أما الوصايا فيجب أن تنفذ على ما هي عليه.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/391) .
(25/118)

س95: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن أم تقوم بذبح ضحايا متعددة لأبيها وأمها وغيرهما، مما يكلفها مبالغ كبيرة، فهل يصح فعلها؟
فأجاب بقوله: أخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وليست هذه المرأة أكرم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا أعلم منه بما يرضي الله، ولا أحرص منه على مرضاة الله فلتقتدِ برسولها محمد - صلى الله عليه وسلم -، أما والداها وجدها وجدتها، وعمها وعمتها، وخالها، وخالتها، وأقاربها، وأصدقاؤها فلتدع الله لهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (1) ، فلم يقل: (يضحي له) مع أن الحديث في سياق الأعمال: "انقطع عمله إلا من ثلاث"، والأضحية عمل فلم يقل: (إلا ولد صالح يضحي له) ، وهذه المرأة تريد الخير لكن ليس كل مجتهد نصيب.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثوابت بعد وفاته، (1631) .
(25/119)

بسم الله الرحمن الرحيم
قال فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى:
لقد سألني المكرم/.... عن رجل عنده دراهم يريد أن يتصدق بها عن ميت من أقاربه، أو يضحي بها عن هذا الميت، فأيهما أفضل الصدقة بها عنه أو الأضحية؟
فأجبته بما يلي:
الصدقة بالدراهم عن الميت، أو وضعها في بناء مسجد، أو أعمال خيرية أفضل من الأضحية؟ وذلك لأن الأضحية عن الميت استقلالاً غير مشروعة؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا من قوله ولا من فعله ولا من إقراره، وقد مات للنبي - صلى الله عليه وسلم - أولاد سوى فاطمة، وماتت زوجتاه خديجة وزينب بنت خزيمة، ومات عمه حمزة- رضي الله عنهم- ولم يضح عن واحد منهم، ولم يعلم أن أحدًا من الصحابة ضحى في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أحد من الأموات قريب ولا بعيد، ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الميت لا ينتفع بالأضحية عنه، ولا يأتيه أجرها إلا أن يكون قد أوصى بها، ولكن الصحيح أنه ينتفع بها ويأتيه الأجر- إن شاء الله- إلا أن الصدقة عنه بالدراهم والطعام أفضل؟ وذلك لأن الصدقة عن الميت قد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوعها في عهده، وإقراره عليها، بخلاف الأضحية، ففي الصحيحين من
(25/120)

حديث عائشة- رضي الله عنها- أن رجلأ أتى النبي فقال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم" (1) .
والذين أجازوا الأضحية عن الميت استقلالاً إنما قاسوها على الصدقة عنه، ومن المعلوم أن ثبوت الحكم في المقيس عليه أقوى من ثبوته في المقيس، فتكون الصدقة عن الميت أولى من الأضحية عنه.
قال ذلك كاتبه محمد الصالح العثيمين في 7/1/1403هـ.
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب ما يستحب لمن توفي فجأة، (2675) ، ومسلم كتاب الوصية، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت، (1004) .
(25/121)

س96: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الأضحية عن الميت؟ وهل نعيب على من يفعل ذلك؟
فأجاب بقوله: الأضحية عن الميت إذا كان قد أوصى بها فإنه يضحي بها عنه، وإذا كان لم يوص بها فالدعاء له أفضل من أن يضحي بها. فالمشروع أن الأضحية عن الأحياء، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته (1) ، وأنت إذا ضحيت بالشاة عنك وعن أهل بيتك، ونويت كل من كان من أهل بيتك وأقاربك الذين ماتوا، فلا بأس لأنهم يدخلون في العموم، وأما تخصيص الميت بأضحية تبرع من عندك، فإن هذا ليس من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يضح النبي - صلى الله عليه وسلم - عن زوجته خديجة- رضي الله عنها- مع أنها من
أحب النساء إليه، ولم يضح عن عمه حمزة -رضي الله عنه- مع أنه من أحب الناس إليه. ولم يضح عمن مات - صلى الله عليه وسلم - أقاربه، وعمن مات من بناته، فدل ذلك على أن هذا ليس بمشروع، ولكن لو أن إنسانًا فعل فإننا لا نعيبه، بل نرشده إلى ما هو أفضل، وهو الدعاء للميت.
س97: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يقوم البعض بذبح الذبائح عند دخول شهر ذي الحجة، ويقولون: اللهم اجعلها
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/391) .
(25/122)

لأرواح موتانا فهل يصح فعلهم؟
فأجاب بقوله: هذا ليس بصحيح، بل. هو بدعة ولا يتقرب بالذبح لله إلا فيما وردت به السنة وهي ثلاثة أمور:
الأول: الأضاحي.
الثاني: الهدايا للبيت الحرام.
والثالث: العقيقة.
هذه هي الذبائح المشروعة، وأما ما عداها فليس بمشروع، ثم إن زعمهم أن هذا حج الأموات ليس بصحيح، فالأموات انقطعت أعمالهم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (1) ، وهذا ليس من الصدقة الجارية؛ لأن معنى الصدقة الجارية أن الإنسان يوقف شيئًا ينتفع الناس به بعد موته، والعلم الذي ينتفع به من بعده إذا علم أحدًا علمًا نافعًا فعملوا به بعد موته، أو علموه، انتفع به، والولد الصالح الذي يدعو له الذكر أو الأنثى من أولاده إذا دعا له انتفع به.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (1631) .
(25/123)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم.... حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتابكم الكريم المؤرخ 17 من الشهر الحالي وصل سرنا صحتكم الحمد لله غلى دْلك.
سؤالكم عما يقوم به بعض الناس من الصدقات عن أمواتهم صدقات مقطوعة أو دائمة هل لها أصل في الشرع إلى آخر ما ذكرتم؟
نفيدكم بان الصدقة عن الميت سواء كانت مقطوعة أم مستمرة لها أصل في الشرع فمن ذلك ما رواه البخاري عن عائشة- رضي الله عنها- أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال (نعم) (1) .
وأما السعي في أعمال مشروعة من أجل تخليد ذكرى من جعلت له فاعلم أن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له موافقاً لشرعه، وأن كل عمل لا يقصد به وجه الله فلا خير فيه، قال
الله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب ما يستحب لمن توفى فجأة (2670) .
(25/124)

بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (1) .
وأما السعي في أعمال مشروعة نافعة لعباد الله تقرباً إلى الله تعالى ورجاءً لوصول الثواب إلى من جعلت له فهو عمل طيب نافع للحي والميت إذا خلا من شوائب الغلو والإطراء.
وأما الحديث الذي أشرتم إليه في كتابكم وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" فهو حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) . والمراد بالصدقة الجارية كل ما ينفع المحتاجين بعد موته نفعاً مستمراً فيدخل فيه الصدقات التي توزع على الفقراء، والمياه التي يشرب منها، وكتب العلم النافع التي تطبع أو تشترى وتوزع على المحتاجين إليها وغير ذلك مما يقرب إلى الله تعالى وينفع العباد.
وهذا الحديث يراد به ما يتصدق به الميت في حياته أو يوصي به بعد موته، لكن لا يمنع أن يكون من غيره أيضاً كما في حديث عائشة- رضي الله عنها- السابق.
وأما الأعمال التطوعية التي ينتفع بها الميت سوى الصدقة فهي
__________
(1) سورة الكهف، الآية: 110.
(2) أخرجه مسلم، كتاب. الوصية، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت (1004) .
(25/125)

كثيرة تشمل كل عمل صالح يتطوع به الولد ويجعل ثوابه لوالده أباً كان أم أماً، لكن ليس من هدي السلف فعل ذلك كثيراً، وإنما كانوا يدعون لموتاهم ويستغفرون لهم فلا ينبغي للمؤمن أن يخرج عن
طريقتهم. وفق الله الجميع لما فيه الخير والهدى والصلاح. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حرر في 25/7/1400هـ.
(25/126)

س98: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الأضحية لمن كان عليه دين وهل لابد من استئذان صاحب الدين؟
فأجاب بقوله: أنا لا أرى أن يضحي الإنسان وعليه دين، إلا إذا كان الدين مؤجلاً، وهو يعلم من نفسه أنه إذا حل الدين يتمكن من وفائه فلا بأس أن يضحي، وإلا فليدخر الدراهم التي عنده للدين، والدين مهم فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم إليه رجل عليه دين ليصلي عليه ترك الصلاة عليه، حتى إنه في يوم من الأيام قدم إليه رجل من الأنصار ليصلي عليه فخطا خطوات ثم قال: "هل عليه دين؟ " قالوا: نعم، قال: "صلوا على صاحبكم" (1) ، ولم يصل عليه حتى قام أبو قتادة رضي الله عنه وقال: - صلى الله عليه وسلم - علي، فقال عليه الصلاة والسلام: "حق الغريم وبرئ منه الميت " قال: نعم يا رسول الله، فتقدم وصلى، ولما سئل عليه الصلاة والسلام
عن الشهادة في سبيل الله، وأنها تكفر كل شيء قال: "إلا الدين" (2) ، أي: أن الشهادة لا تكفر الدين، فالدين ليس بالأمر الهين، قد تصاب البلاد بمصيبة اقتصادية في المستقبل؛ لأن هؤلاء الذين
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الكفالة، باب من تكفل عن ميت دنيًا فليس له أن يرجع، (2295)
(2) أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله، كفرت خطاياه إلا الدين، (1885) .
(25/127)

يستدينون ويستهينون بالدين سيفلسون فيما بعد، ثم يفلس من ورائهم الذين أدانوهم، فالمسألة خطيرة للغاية، وما دام الله عز وجل يسر للعباد العبادات المالية ألاَّ يقوم بها الإنسان إلا إذا كان عن سعة فليحمد الله وليشكره.
س99: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: شخص توفيت والدته وهو في سن أقل من السابعة وبلغ رشده الآن، يسأل هل يجوز أن يضحي عنها علمًا بأن والدته لم توصه بذلك؟ وإذا أوصته فما
الحكم؟
فأجاب بقوله: أما إن أوصته فلابد من تنفيذ الوصية إذا خلَّفت مالاً يضحي به، وأما إذا لم يكن وصية فإن دعاءه لها أفضل من أضحيته عنها؛ لأنني لم أعلم إلى ساعتي هذه أن السلف الصالح
كانوا يضحون عن أمواتهم استقلالاً، ولذلك اختلف العلماء رحمهم الله هل تجوز التضحية عن الميت؟
فمنهم من قال: لا تجوز، ومنهم من قال: تجوز، وقاسها على الصدقة، لأن الصدقة قد ثبتت السنة في جوازها عن الميت، فالذي أنصح به هذا الرجل أن يكثر من الدعاء لوالدته، ووالده وكفى به
فضلاً؛ لأن ذلك هو الذي أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: "إذا مات
(25/128)

الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (1) ، حر رفي 23/1/1419هـ.
س100: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن رجل يضحي في كل سنة عن والديه فما قولكم؟
فأجاب بقوله: أوجه نصيحة لهما ولغير هما: فأقول: إن أكرم الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يضح بأكثر من واحدة عنه وعن أهل بيته، ضحى بواحدة عنه وعن أهل بيته، وضحى بأخرى عن أمته (2) ، وهو أكرم الخلق - صلى الله عليه وسلم -؟ ولأن الإنسان إذا ضحى بأضحيتين في بيت واحد أدى ذلك إلى المباهاة والمفاخرة، وصارت البيوت كل واحد يقول: أنا ضحيما بثلاث، واَخر يقول: أنا ضحيت بأربع، والثالث يقول: أنا ضحيت بعشر وهكذا فتنقلب العبادة إلى هزل، والخضوع لله ينقلب إلى مفاخرة ومباهاة، فالذي ننصح به إخواننا أن نقول: يقتصر أهل
البيت على واحدة وإذا قبلها الله فما أعظمها، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيبٍ ولا يقبل الله إلا الطيب، وأنّ الله يتقبلها بيمينه، ثم
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (1631) .
(2) أخرجه أحمد (6/391) .
(25/129)

يُربيها لصاحبه كلما يُربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل" (1) .
س101: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل تجزئ الأضحية عن الحي والميت إذا اشتركوا فيها؟
فأجاب بقوله: إذا كان المضحي واحدًا بمعنى أن رجلاً اشترى أضحية وجعلها لنفسه وأبيه الميت، أو أمه الميتة، أو أقاربه الميتين فلا حرج، وأما إذا اشترك إنسان حي مع وصية لميت مثل أن يشتري
أضحية بأربع مئة ريال، منها مئتان من الوصية، ومئتان من عنده، فإن هذا لا يجوز، لأن الاشتراك في الأضحية الواحدة ممنوع إلا في الإبل والبقر، فإنه يشترك سبعة في الإبل سبعة أنفار، وفي البقرة سبعة أنفار، وأما الغنم من ضأنها ومعزها فإنه لا يشترك فيها اثنان، أما التشريك في الثواب فلا بأس، لو جعل الإنسان هذا الأجر لعدة أناس فلا حرج، ولكن التشريك في الملك والاشتراك على الشيوع
هذا لا يجوز.
س102: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يقول البعض بأن
__________
(1) أخرجه البخاري/ كتاب الزكاة/ باب الصدقة من كسب طيب برقم 1415.
(25/130)

للميت سبع أضاحي فهل يصح؟
فأجاب بقوله: ليس بصحيح أنه يضحي عن الميت بسبع أضاحي، والأضحية عن الميت قد اختلف العلماء فيها إذا لم تكن وصية منه.
فمنهم من قال: إنها مشروعة.
ومنهم من قال: إنها ليست مشروعة.
ولا أعلم دليلاً من السنة يدل على الأضحية على الميت بخصوصه إذا لم تكن وصية، وإنما قاسها بعض العلماء على الصدقة عن الميت والصدقة عن الميت قد جاءت بها السنة (1) ، وأما كونه لا
يضحي عنه إلا بسبع فهذا لا أصل له بل إذا أراد أحد أن يضحي عنه ضحى عنه بواحدة، وكذلك عند بعض الناس يقول: إن الأضحية عن الميت أول سنة يموت واجبة وتسمى عند بعضهم (أضحية
الحفرة) وهذا أيضًا لا أصل له، والذي أراه في الأضحية عن الميت ألا يضحي عنه بخصوصه إلا بوصية منه، وأن الإنسان يضحي بأضحية واحدة عنه وعن أهل بيته، وينوي بذلك الحي والميت من
آل بيته وفي ذلك كفاية إن شاء الله.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت برقم (12) .
(25/131)

س103: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: جاعة يضحون جميعاً ثم جملون كامل أضاحيهم فهل يصح فعلهم؟
فأجاب بقوله: الصدقة بالثلث من الأضحية ليست بالواجب، لك أن تأكل كل الأضحية إلا شيئًا قليلاً تتصدق به والباقي لك أن تأكله، لكن الأفضل أن تتصدق وتهدي وتأكل، ثم إن الإهداء
والصدقة إنما يكون في اللحم النيء دون المطبوخ، وهذا سهل والحمد لله إذا كان يوم العيد وضحيت فأرسل إلى الفقراء ما تيسر، وأهدي إلى جيرانك وأصدقائك ما تيسر، وكل الباقي سواء أكلته في يوم العيد، أو أيام التشريق، أو ادخرته إلى أكثر من ذلك.
س104: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من يقوم بطبخ كامل الأضاحي وجملها مع أقاربه بدون التصدق منها هل عملهم صحيح؟
فأجاب بقوله: هذا خطأ، لأن الله تعالى قال: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (1) ، وعلى هذا يلزمهم الآن أن
__________
(1) سورة الحج، الآية: 28.
(25/132)

يضمنوا ما أكلوه عن كل شاة شيئًا من اللحم يشترونه ويتصدقون به. حرر في 23/1/1419هـ.
س105: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: هل يجوز للمضحي أن يعطي الكافر من لحم أضحيته؟ وهل للمضحي أن يفطر من أضحيته؟
فأجاب بقوله: يجوز للإنسان أن يُعطي الكافر من لحم أضحيته صدقة بشرط: ألا يكون هذا الكافر ممن يقتلون المسلمين، فإن كان ممن يقتلونهم فلا يعطي شيئًا؟ لقوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (1) .
أما إفطار الإنسان من أضحيته فنعم إذا صلى الإنسان العيد وذبح أضحيته وأكل منها قبل أن يأكل من غيرها فلا بأس، بل إن العلماء يقولون: هذا أفضل.
__________
(1) سورة الممتحنة، آيتان: 8، 9.
(25/133)

س106: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض الحجاج يذبح هديه، ثم يتركه ولا يوزعه، فما حكم فعله؟
فأجاب بقوله: الواجب على من ذبح الهدي أن يبلغه إلى أهله لقول الله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (1) ، (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) (2) ، وكونه يذبحها ثم يلقيها تحرق، لا تبرأ به الذمة، فيجب عليه أن يضمن أقل ما يقع عليه اسم اللحم أي: كيلو أو ما شابهه، يتصدق به في مكة.
س107: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ورد في مسند الإمام أحمد رحمه الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يدخر أحدكم من أضحيته فوق ثلاثة أيام" (3) ، ما معنى هذا الحديث؟ وهل الآكل بعد ثلاثة أيام محرم أم لا؟
فأجاب بقوله: هذا الحديث له سبب وهو أن الناس أصابهم مجاعة فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدخروا لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وفي
__________
(1) سورة الحج، الآية: 28.
(2) سورة الحج، الآية: 36.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام، (1970) ، بلفظ "الا يأكل أحد من لحم أضحيته فوق ثلاثة"
(25/134)

العام التالي زالت المجاعة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كنت نهيتكم عن الادخار فوق ثلاثة من أجل الدّافّة- يعني التي دفت بسبب الجوع- فادخروا ما شئتم وكلوا ما شئتم" (1) .
س108: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الحكم فيمن ذبح الهدي ثم تركه، هل يجزئه ذلك أو لا؟
فأجاب بقوله: على من ذبح الهدي أن يوصله إلى مستحقيه، ولا يجوز أن يذبحه ويدعه، ولكن لو أخذ شيئًا قليلاً منه فأكل منه وتصدق أجزأه ذلك.
س109: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم من ذبح هديه ثم ذهب، وتركه في المجزرة؟
فأجاب بقوله: إذا كان حينما ذبحه وعنده من يأخذه فإن هذا لا بأس به، وإذا لم يكن عنده من يأخذه فإما أن يكره له ذلك، وإما أن يحرم عليه لأمرين الأول: لما فيه من مخالفة أمر الله تبارك وتعالى حيث قال: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) وهذا أي الآكل وإطعام
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أول الإسلام وبيان نسخه وإباحته إلى ما شاء، (1971) .
(25/135)

البائس الفقير لا يتم إلا إذا حملها الإنسان، أو إذا شاهد من يأخذها. والثاني: لما فيه من إضاعة المال. وهذا الذي يفعله كثير من الناس هو الذي أوجب الإشكال والخوض والكلام الكثير في لحوم الهدي
الذي يكون في منى، ولو أن الناس سلكوا ما وجههم الله إليه من الآكل والإطعام ما حصل هذا الأمر وأشكل على الناس، فعلى كل حال تركها هكذا بدون أن ينتفع بها أحد إما مكروه أو محرم.
والأقرب عندي أنه: محرم؛ لأنه في الحقيقة مخالفة لأمر الله تبارك وتعالى بالأكل منها، والإهداء، وإطعام البائس الفقير وإضاعة المال.
ولو قال قائل: إذا لم يجد أحدًا أو لم يستطع أن يحملها فكيف يعمل؟ فالجواب: إذا لم يستطع فمن المعلوم أن الواجبات تسقط بعدم القدرة، ولكن يجب أن يحاول، فإذا لم يستطع مثل ألا يكون به قدرة على مزاحمة الناس وحملها، فإنه يحمل ما يستطيع منها ويدع ما لا يستطيع، لقوله سبحانه وتعالى: (لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (1) .
س110: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يكون عمل بعض الناس في توزيع الأضاحي حسب المجاملات والمحاباة وإعطاء
__________
(1) سورة البقرة الآية: 286.
(25/136)

من يعطيني، فما نصيحتكم؟ وهل يجمع لحم الأضاحي ثم يوزع على الفقراء ولو تأخر عن يوم العيد؟
فأجاب بقوله:
أما الشق الأول من السؤال وهي: أن لحوم الأضاحي صارت يحابى فيها ويجامل، وأعطني وأعطيك فلا شك أن هذا خلاف المشروع، هذا اللحم لحم تعبد بذبح البهيمة لله عز وجل، فينبغي أن
يكون على مراد الله يأكل الإنسان ما شاء، ويهدي ما شاء، ويتصدق بما شاء، واختار بعض العلماء أن يكون أثلاثا: يأكل ثلثًا، ويهدي ثلثا، ويتصدق بثلث (1) ، حتى ينفع نفسه بما يأكل، وينفع الفقراء بما يتصدق عليهم، ويجلب المودة بينه وبين الناس فيما أهداه إليهم هذا هو الأفضل، ومع ذلك ليس بلازم أن يكون التوزيع هكذا ثلثًا وثلثًا، وثلثًا، بل لو أكل النصف، وأهدى الباقي، أو أهدى وتصدق بالباقي فلا بأس، أو أكل النصف وتصدق بالباقي فلا بأس، إنما اختار أكثر العلماء أن يجعلها أثلاثًا.
أمما الشق الثماني وهو: أن تجمع لحوم الصدقة من الأضاحي ثم تعطي الفقراء على حسب حاجتهم فهذا لا بأس به، المهم أن تذبح في وقت الذبح أما أكل اللحم وتوزيعه فلا حد له.
__________
(1) انظر المغني لابن قدامة رحمه الله (13/379) .
(25/137)

س111: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من فرّق كامل الهدي على الفقراء ولم يهل منه، هل عليه شيء؟
فأجاب بقوله: ذكر بعض أهل العلم أن منْ ذبح الهدي وفرّقه كله أنه آثم، والجمهور من العلماء قالوا: لا يأثم بتوزيعه كامل الهدي.
وذلك أن العلماء اختلفوا في قوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) فمنهم من قال: إن الأمر هنا للوجوب، فيكون الآكل واجبًا.
ومنهم من قال: إن الأمر للاستحباب، فيكون الآكل غير واجب وعلى هذا القول نقول للسائل: لا شيء عليك، وأخلف الله عليك ما أنفقت، ولكن انتبه للمستقبل فكل من الهدي، وتصدق منه على
الفقراء، وأهدي منه للأغنياء.
س112: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره أظفاره - صلى الله عليه وسلم - هل هو صحيح؟ وهل النهي للتحريم؟ والحكمة منه؟ وهل يعم التحريم جميع أهل البيت؟ وهل يستوي في ذلك المقيم والحاج؟
(25/138)

فأجاب بقوله: هذا الحديث صحيح رواه مسلم من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال: "إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره" (1) ، وفي لفظ: "لا يأخذن من شعره وأظفاره شيئًا حتى يضحي" (2) ، وفي لفظ: "فلا
يمس من شعره ولا بشره شيئا" (3) ، والبشر الجلد يعني: أنه لا ينتف شيئًا من جلده، كما يفعله بعض الناس ينتف من عرقوبه ونحوه، فهذه الثلاثة هي محل النهي: الشعر، والظفر، والبشرة، والأصل في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - ِ التحريم، حتى يرد دليل يصرفه إلى الكراهة أو غيرها، وعلى هذا فيحرم على من أراد أن يضحي أن يأخذ في العشر من شعره، أو ظفره، أو بشرته شيئَا، حتى يضحي، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده؛ لأنه لما فات أهل المدن والقرى والأمصار الحج، والتعبد لله سبحانه وتعالى بترك الترفه، شرع لمن في الأمصار هذا الأمر، شرعه لهم ليشاركوا الحجاج في بعض ما يتعبدون لله تعالى بتركه.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو يريد التضحية أن يأخذ من شعره وأظفاره شيئَا. (41) ، (1977) .
(2) انظر الموضع السابق: (42) ، (1977) .
(3) انظر الموضع السابق: (39) ، (1977) .
(25/139)

ويقال كذلك: أن المضحي لما شارك الحاج في بعض أعمال النسك وهو التقرب إلى الله بذبح القربان، شاركه في بعض خصائص الإحرام من الإمساك عن الشعر والظفر، وهذا الحكم خاص بمن
يضحي، أما من يضحي عنه فلا يتعلق به هذا الحكم، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وأراد أحدكم أن يضحي" ولم يقل: "أو يضحي عنه"، فيقتصر على ما جاء به النص، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يضحي عن أهل بيته ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمرهم بالإمساك عن ذلك، فدل هذا على أن هذا الحكم خاص بمن يريد أن يضحي فقط. ثم أن المراد بقوله: "أن أراد أن يضحي" عن نفسه، لا من أراد أن يضحي بوصية، فإن هذا ليس
مضحيًا في الحقيقة، ولكنه نائب عن غيره، فلا يتعلق به حكم الأضحية، ولهذا لا يثاب على هذه الأضحية ثواب المضحي، وإنما يثاب عليها ثواب المحسن الذي أحسن إلى أمواته، وقام بتنفيذ
وصاياهم.
ثم إنه نسمع من كثير من العامة: أن من أراد أن يضحي، وأحب أن يأخذ من شعره، أو من ظفره، أو من بشرته شيئًا يوكل غيره في التضحية وتسميه الأضحية، ويظن أن هذا يرفع عنه النهي، وهذا
خطأ فإن الإنسان الذي يريد أن يضحي ولو وكل غيره، لا يحل له أن يأخذ شيئًا من شعره، أو ظفره، أو بشرته.
(25/140)

ثم إن بعض النساء في هذه الحال يسألن عمن طهرت في أثناء هذه المدة وهي تريد أن تضحي فماذا تصنع في رأسها؟
فنقول لها: تصنع في رأسها أنها تنقضه وتغسله وترويه، ولا حاجة إلى تسريحه وكدّه؛ لأنه لا ضرورة إلى ذلك، وإن احتاجت إلى تسريحه فإنها تسرحه برفق، فإن سقط منه شيء في هذه الحال لم يضر.
وأما قول السائل: هل يستوي في ذلك الحاج والمقيم؟
فنقول: إن الحاج إذا اعتمر فلابد له من التقصير، فيقصر ولو كان يريد أن يضحي في بلده؛ لأنه يجوز للإنسان إذا كان له عائلة لم تحج أن يوكل من يشتري لهم أضحية يضحي بها عنه وعن آل بيته، وفي هذه الحال إذا كان معتمرًا فلا حرج عليه أن يقصر من شعر رأسه؛ لأن التقصير في العمرة نسك. والله أعلم.
س113: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: هل من السنة ترك قص الشعر والأظافر في عشر ذي الحجة؟ وهل يشمل أسرة المضحي؟
فأجاب بقوله: ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "ذا دخل العشر- يعني عشر ذي الحجة- وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن من شعره، ولا من ظفره شيئًا" (1) ، وفي رواية:
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو يريد التضحية أن يأخذ من شعره.
(25/141)

"ولا من بشرته شيئا" (1) ، وهذا نهي، والأصل في النهي التحريم حتى يقوم دليل على أنه لغير التحريم، وعلى هذا فلا يجوز للإنسان الذي يريد أن يضحي إذا دخل شهر ذي الحجة أن يأخذ شيئًا من شعره، أو بشرته، أو ظفره حتى يضحي، والمخاطب بذلك المضحي دون المضحي عنه، وعلى هذا فالعائلة لا يحرم عليهم ذلك، لأن العائلة مضحى عنهم وليسوا مضحين.
فإن قال قائل: ما الحكمة من ترك الأخذ في العشر؟
قلنا الجواب على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن الحكمة هو نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا شك أن نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الشيء لحكمة وأن أمره بالشيء لحكمة، وهذا كاف لكل مؤمن، لقوله تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (2) .
وفي الحديث الصحيح عن عائشة- رضي الله عنها-: أن امرأة سألتها ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: "كان يصيبنا ذلك على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة" (3) ، وهذا الوجه هو الوجه الأسد، وهو الوجه الحازم
__________
(1) أخرجه مسلم في الموضع السابق برقم (1977) .
(2) سورة النور، الآية: 51.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الحيض، باب لا تقضي الحائض الصلاة، (321) ، ومسلم، كتاب الحيض، باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، (335) .
(25/142)

الذي لا يمكن الاعتراض عليه، وهو أن يقال في الأحكام الشرعية الحكمة فيها: أن الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أمر بها.
أما الوجه الثاني: في النهي عن أخذ الشعر أو الظفر أو البشرة في هذه الأيام العشر، فلعله والله أعلم من أجل أن يكون للناس في الأمصار نوع من المشاركة مع المحرمين بالحج والعمرة في هذه الأيام، لأن المحرم بحج أو عمرة يشرع له تجنب الأخذ من الشعر والظفر، والله أعلم.
س114: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الحكمة في عدم حلق الشعر وقص الأظفار للمضحي؟
فأجاب بقوله: ذكر بعض العلماء أن من الحكمة أن يبقى كامل الأجزاء ليشمل العتق جميع بدنه.
والحكمة الحقيقية التي لا تنتقض هي: امتثال أمر الله تعالى، ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكفى بها حكمة.
س115: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا وكل من يريد أن يحج رجلاً ليذبح أضحيته فعند الميقات أراد أن يقلم أظفاره ويقص شعره فهل يجوز ذلك؟
(25/143)

فأجاب بقوله: أولاً: هل يسن أن تؤخذ الأظافر والشعر عند الإحرام؟
والجواب: ليس في إزالة الشعر والأظفار دليل عند الإحرام، لكن بعض العلماء استحب ذلك؛ لأنهم كانوا فيما سبق يبقون على الإحرام عشرون يومًا أو نحوها فتطول هذه الفضلات، فقالوا: الأحسن أن الإنسان يزيلها عند الإحرام ولكن لا يوجد دليل، ولكن لو فرض أن الإنسان لما وصل الإحرام وجدها طويلة وأراد أن يقص، أو أن يحلق الشعر، أو أن ينتف الاَباط فلا يفعل وهو يريد الأضحية، فإذا كان في عمرة وطاف وسعى وقصر فلا بأس؛ لأن التقصير حينئذ واجب، ويجب أن نعرف أنه ليس من السنة إزالة هذه الأشياء عند الإحرام لذاته ما لم تكن طويلة.
س116: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا كان الإنسان له أضحية عنه وأهل بيته فطرأ عليه الحج بعد دخول العشر، فهل يأخذ من شعره وأظفاره عند إحرامه وكيف يصنع بأضحيته؟ هل
يذبحها في مكة أم يوكل عليها؟
فأجاب بقوله: أما بالنسبة إلى أضحيته فإذا كان أهله لا يسافرون فيضحون في بلدهم، وهو يكفيه الهدي.
(25/144)

وأما مسألة الأخذ من الشعر فالأخذ من الشعر والأظفار ليس بسنة عند الإحرام إلا إذا كان فيها طول، وإذا لم يكن سنة فلا يضر إذا تركها. وليس هناك سنة تدل على أن الإنسان عند الإحرام ينبغي أن يقلم أظفاره ويأخذ شعره إلا إذا كانت طويلة، والرسول - صلى الله عليه وسلم -
وقَّت في الأظفار، والعانة، والإبط، والشارب أن لا تترك فوق أربعين يومًا (1) .
س117: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يدخل أهل المضحي في النهي عن قص الشعر والأظافر، ومن تعمد القص هل تجزئ أضحيته؟
فأجاب بقوله: هذا ينبني على الحديث، والحديث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وأراد أحدكم أن يضحي" (2) ، ولم يقل: "أو يضحي عنه"، وعلى هذا إذا ضحى الرجل عنه وأهل بيته فإنه لا حرج على أهل بيته إذا أخذوا من شعرهم وأظفارهم وأبشارهم؛ لأن النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم قال: "وأراد أحدكم أن يضحي" ولأنه لم ينقل أنه كان يقول عليه الصلاة والسلام لأهله: لا تأخذوا من أشعاركم
__________
(1) أخرجه مسلم/ كتاب الطهارة/ باب خصال الفطرة برقم 599.
(2) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي برقم (1977) .
(25/145)

وأما إذا أخذ شيئًا من ذلك عمدًا فهو عاص لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن الأضحية مجزئة، لأنه لا علاقة بين الأضحية والأخذ من الشعر أو الظفر أو البشرة.
س118: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم مشط الشعر في شهر ذي الحجة قبل ذبح الأضحية؟
فأجاب بقوله: إذا دخلت عشر ذي الحجة وكان الإنسان يريد أن يضحي فإنه ينهى أن يأخذ من شعره، أو ظفره، أو بشرته شيئًا، لكن إذا احتاجت المرأة إلى المشط في هذه الأيام وهي تريد أن تضحي فلا حرج عليها أن تمشط رأسها، ولكن تكده برفق فإن سقط شيء من الشعر بغير قصد فلا إثم عليها؛ لأنها لم تكد الشعر من أجل أن يتساقط، ولكن من أجل إصلاحه، والتساقط حصل بغير قصد.
س119: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: هل الزوجة تدخل في النهي عن قص الشعر أيام عشر ذي الحجة أم هو خاص بالزوج؟
فأجاب بقوله: إذا دخلت أيام عشر ذي الحجة، وأراد الإنسان أن يضحي، فإنه لا يأخذ من شعره ولا من بشرته ولا من ظفره شيئًا.
(25/146)

وهل هذا الحكم يتناول أهل البيت كالزوجة فلا تأخذ من شعرها، وبشرتها، وظفرها شيئًا وكذلك بقية العائلة؟
والجواب: لا، فللمضحى عنه من الزوجات والأولاد: بنين وبنات، والأمهات، وكل من في البيت لمن يضحي عنهم قيِّم البيت لهم أن يأخذوا من شعورهم، وأظفارهم، وأبشارهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "وأراد أحدكم أن يضحي" (1) ، ولم يقل أن يضحي عنه، ولأن
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته (2) ، ولم يرد أنه يقول لهم امتنعوا من أخذ ذلك، ولو كان امتناعهم واجبًا لبينه الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
س120: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: هل يجوز قص الأظفار وحلق الشعر في العشر من ذي الحجة؟
فأجاب بقوله: يجوز ذلك لمن لا يريد الأضحية، أما من كان يريد أن يضحي فإنه إذا دخل العشر لا يأخذ من شعره، ولا من بشرته، ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي، لحديث أم سلمة رضي الله عنه.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي برقم (1977) .
(2) أخرجه أحمد (6/391) .
(25/147)

س121: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من يحلق لحيته هل تجزئ أضحيته؟
فأجاب بقوله: نصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله عز وجل سواء أرادوا الأضحية أو لا، فالواجب عليهم أن يتقوا الله وأن يمتثلوا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: "خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وحفوا الشارب" (1) ، وليعلموا أن إعفاء اللحية من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وحلقها من هدي المشركين، ولو سألنا من يؤمن بالله ورسوله أتقدم هدي
المشركين على هدي سيد المرسلين، لقال: لا.
فإذا كان يقول: لا أقدم هدى المشركين أبداً، فلماذا لا يكون عنده عزيمة ويتقي الله؟!
ولهذا كان من المؤسف جدًّا أنك تجد بعض الناس حريصًا على صلاة الجماعة أو الصيام- يصوم إما أيام البيض، أو يومًا بعد يوم، ويتصدق، وصاحب خير وخلق حسن، ومع ذلك ابتلي بحلق اللحية
فصار حلق اللحية نقصًا في أخلاقه وفي دينه أيضًا.
فالواجب تقوى الله عز وجل، ولعل امتناعه من حلق لحيته في العشر الأولى من ذي الحجة يكون سببًا في امتناعه من ذلك دائم
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب اللباس، باب تقليم الأظفار، (5892) . ومسلم، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، (258) .
(25/148)

الدهر؛ لأنه يعينه، إذ أن بقاء اللحية عشرة أيام لا تحلق سوف يكون لها أثر وتبين وتظهر، وحينئذ يسهل عليه أن يعفيها وألا يحلقها، لكن أقبح من ذلك أو بعض الناس يقول: لا أضحي، لأني لو نويت الأضحية امتنعت من حلق اللحية، فنعوذ بالله من هذا الفعل، يترك الخير من أجل فعل الشر، وهذا غلط عظيم، فنقول: ضح ولو عصيت الله بحلق اللحية، الأضحية شيء، وحلق اللحية شيء اَخر.
وكذلك أنبه إلى ما يظنه بعض الناس: أن المرأة إذا كدت رأسها في أيام العشر فلا أضحية لها، فهذا أيضًا غلط وليس بصحيح، المرأة إذا كانت تريد أن تضحي فلها أن تكد شعرها لكن برفق، وإذا سقط منه شيء بغير اختيار فلا شيء عليها، وإن كانت تخشى أنه لا يمكن كده إلا بسقوط شعر فلا تكده، ولكن تغسله بالماء وتعصره وتنظفه.
س122: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: كيف يعمل من أراد أن يضحي في بلده وهو حاج وما يترتب عليه؟
فأجاب بقوله: يفعل كل ما يفعله الناس إلا تقليم الأظفار ونتف الإبط وأخذ الشارب وحلق العانة فهذه يفعلها قبل أن يدخل شهر ذي الحجة ما دام قد عرف أنه سوف يضحي، وأما حلق الرأس أو
تقصيره في الحج أو في العمرة فهذا لا يضر حتى وإن كان يريد الحج
(25/149)

فلا بأس، لأن هذا نسك فلابد من فعله.
س123: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: منْ لم ينو الأضحية إلا بعد دخول العشر وقد أخذ من شعره فهل تجزئ أضحيته؟
فأجاب بقوله: أقول إن الإنسان إذا لم يطرأ عليه الأضحية إلا في أثناء العشر، وكان قد أخذ من شعره وأظفاره قبل ذلك، فلا حرج عليه أن يضحي، ولا يكون آثمًا بأخذ ما أخذ من أظفاره وشعره، لأنه قبل أن ينوي، وكذلك لو كان قد نوى من أول الشهر ولكنه نسي فأخذ من شعره وأظفاره فإن ذلك لا يمنعه من الأضحية، ولا ارتباط بين أخذ الشعر والأظفار والأضحية، فلو أن الإنسان تعمد وأخذ من شعره وأظفاره وضحى، فإن الأضحية تجزئه لكن يكون
آثماً بكونه أخذ من شعره وأظفاره لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك (1) .
س124: سئل فضيلة الشيخ-رحمه الله-: امرأة لا تستطيع ترك شعرها بدون تسريح فهل إذا تساقط شيء من شعرها يؤثر على الأضحية؟
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي (1977) .
(25/150)

فأجاب بقوله: إذا كان يشق عليها أن تبقى بدون تسريح عشرة أيام فإن لها أن تسرحه، لكن برفق، فإذا سقط شيء من التسريح بدون قصد فلا شيء عليها، ولكن تأتي مسألة تعدد الضحايا في
البيت الواحد، هذه المرأة كيف تضحي إذا كان عندها قيّم البيت، لأن أضحية القيّم تجزئ عنه، لكن قد تكون هي القيمة في البيت، لأنه قد يكون ليس في البيت رجال، وحينئذٍ تكون أضحيتها في محلها ويلزمها أن تتجنب أخذ الشعر، والظفر، والبشرة، لكن لها أن تسرح شعرها إن كان يشق عليها تركه.
س125: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم من حلق يوم عيد الأضحى قبل ذهابه إلى الصلاة علمًا أنه نصح عن ذلك ولكنه أصر على الحلق قبل الصلاة؟
فأجاب بقوله: حكمه أن عاص للرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره، ولا بشرته، ولا من ظفره شيئا" (1) ، فعليه أن يتوب إلى الله تعالى مما صنع.
وأما بالنسبة للأضحية فإن هذا لا يؤثر عليها شيئًا، خلافًا لما
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي (1977) .
(25/151)

يعتقده بعض العامة أن الإنسان إذا أخذ شيئًا من شعره أو ظفره في العشر فإنها تبطل أضحيته، فإن هذا ليس بصحيح.
س126: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز للإنسان أن يمشط شعره في العشر من ذي الحجة؟ وأيهما أفضل في الأضحية الكبش أم البقرة؟
فأجاب بقوله: يجوز للإنسان أن يأخذ من شعره بعد أن يذبح أضحيته ولو في يوم العيد.
والكبش أفضل من سُبع البقرة أو سُبع البدنة، فإن ضحى ببدنة أو بقرة كاملة، فقد ذكر الفقهاء أنها أفضل من الواحدة من الضأن.
س127: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إلى متى يمتد النهي عن الأخذ من الشعر والظفر والبشرة في عشر ذي الحجة؟
فأجاب بقوله: يمتد إلى أن يضحي، فإذ ضحى زال النهي.
س128: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: الزوجة إذا أرادت أن تضحي ووكلت، فهل يحل لها تقليم الأظافر وقص الشعر؟
(25/152)

فأجاب بقوله: لا يجوز، لأن الحكم يتعلق بصاحب الأضحية، فإذا وكلت هذه المرأة زوجها مثلاً فإنه يحرم عليها أن تأخذ شيئًا من شعرها، أو ظفرها، أو بشرتها.
س129: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا أخذ من أراد أن يضحي من شعره ناسيًا أو جهلاً، أو سقط الشعر بدون قصد فهل يمنعه ذلك من الأضحية؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: لا يمنعه من الأضحية أن يأخذ شيئًا من شعره أو بشرته أو ظفره أو يتساقط منه شيء من ذلك؛ لأن الأخذ شيء والأضحية شيء آخر، لكن إذا دخل العشر وقد أراد أن يُضحي فلا يأخذن من شعره، ولا من بشرته، ولا من ظفره شيئًا، وهذا من حكمة الله- عز وجل- بترك الأخذ من هذا، كما يتقرب المحرم في ترك حلق رأسه ونحو ذلك، وحتى لو فعل الإنسان هذا أي أخذ من شعره، أو ظفره، أو بشرته على وجه العمد فإنه لا يمنع من الأضحية، لكنه يكون عاصيًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أخذ هذا متعمدًا.
س130: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: المرأة إذا اغتسلت من الحيض أو النفاس لابد وأن يسقط شيء من شعرها، فما رأيكم لو
(25/153)

اغتسلت في أيام العشر وهي تريد أن تضحي؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إذا حرصت على ألا يسقط شيء فسقط بغير اختيارها فلا شيء عليها.
س131: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من يريد أن يحج ويضحي ويذبح الهدي بمكة وأهله يضحون له، هل يمكن أن يقص من شعره قبل أن يحرم؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: أما من كان يريد الحج فإنه يجوز له أن يأخذ من شعره وظفره قبل أن يحرم، وإن كان يريد الهدي، وأما من أراد أن يضحي فإنه إذا دخل العشر الأول من ذي الحجة فإنه لا يحل له أن يأخذ من شعره، ولا من ظفره، ولا من بشرته شيئًا حتى يضحي، لحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من بشرته ولا من ظفره" أو قال: "أظفاره شيئًا حتى يضحي" (1) .
وإذا كان الإنسان يريد أن يضحي ويريد أن يحج فإنه إذا دخل العشر لا يأخذ من شعره ولا من ظفره شيئًا، ولكنه إذا وصل إلى
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي برقم (1977) .
(25/154)

مكة وأدى العمرة فإنه يقصر من شعره؛ لأن هذا نسك ولا حرج عليه في هذه الحال، فإذا كان يوم العيد وغلب على ظنه أن أهله ذبحوا أضحيته فإنه في هذه الحال يأخذ مما شاء من ظفره وشعره
وبشرته.
س132: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يلزم الوكيل ما يلزم الموكل (صاحب الأضحية) من تجنب الأخذ من الشعر والظفر والبشرة؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: أحكام الأضحية تتعلق بالموكِّل بمعنى أن الإنسان إذا وكل شخصا يذبح أضحيته فإن أحكام الضحية تكون متعلقة بالموكل لا بالوكيل، فلا يلزم الوكيل تجنب الأخذ من الشعر والظفر والبشرة.
س133: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن الأخطاء التي يقع فيها الحجاج بالنسبة للهدي؟
فأجاب بقوله: يرتكب بعض الحجاج أخطاءً في الهدي.
منها: أن بعض الحجاج يذبح هديًا لا يجزئ؛ كأن يذبح هديًا صغيرا لم يبلغ السن المعتبر شرعًا للإجزاء، وهو في الإبل خمس
(25/155)

سنوات، وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة، وفي الضأن ستة أشهر، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تذبحوا إلا مُسنَّة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" (1) ، ومن العجب أن بعضهم يفعل ذلك مستدلاً بقوله تعالى: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (2) ويقول: إن ما تيسر من الهدي فهو كاف.
فنقول له: إن الله قال: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) و ((أل)) هذه لبيان الجنس، فيكون المراد بالهدي: الهدي المشروع ذبحه، وهو الذي بلغ السن المعتبر شرعًا، وسَلِمَ من العيوب المانعة من الإجزاء
شرعًا، ويكون معنى قوله: (فَمَا اسْتَيْسَرَ) أي: بالنسبة لوجود الإنسان ثمنه مثلاً، ولهذا قال: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) (3) . فتجده يذبح الصغير الذي لم يبلغ السن،
ويقول: هذا ما استيسر من الهدي، ثم يرمي به، أو يأكله، أو يتصدق به، وهذا لا يجزئ، للحديث الذي أشرنا إليه.
ومن الأخطاء التي يرتكبها بعض الحجاج في الهدي: أنه يذبح هديًا مَعيبًا بعيب يمنع من الإجزاء، والعيوب المانعة من الإجزاء
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية (1963) .
(2) سورة البقرة، الآية: 196.
(3) سورة البقرة، الآية: 196.
(25/156)

ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام حين تحدث عن الأضحية وسُئل: ماذا يُتقى من الضحايا؟ فقال: "أربع" وأشار بيده عليه الصلاة والسلام: "العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء
البيِّن ظلعها، والهزيل- أو العجفاء- التي لا تُنقى" (1) ، أي: التي ليس فيها نِقيٌ، أي: مخّ.
فهذه العيوب الأربعة مانعة من الإجزاء، فأي بهيمة يكون فيها شيء من هذه العيوب، أو ما كان مثلها أو أولى منها، فإنها لا تجزئ في الأضحية، ولا في الهدي الواجب؟ كهدي التمتع والقِران والجُبران.
ومن الأخطاء التي يرتكبها الحجاج في الهدي: أن بعضهم يذبح الهدي ثم يرمي به، ولا يقوم بالواجب الذي أوجب الله عليه في قوله: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (2) ، فقوله تعالى: (وَأَطْعِمُوا) أمر لابد من تنفيذه؛ لأنه حق للغير، أما قوله: (فَكُلُوا مِنْهَا) فالصحيح أن الأمر فيه ليس للوجوب، وأن للإنسان أن يأكل من هديه، وله ألا يأكل، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعث بالهدي من المدينة إلى مكة (3) ولا يأكل منه، فيذبح في مكة ويوزع ولا يأكل منه؟ لكن
__________
(1) أخرجه مالك في الموطأ برقم (1) .
(2) سورة الحج، الآية: 28.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فتل القلائد للبدن برقم (1697) .
(25/157)

قوله: (وَأَطْعِمُوا) هذا أمر يتعلق به حق الغير، فلا بد من إيصال هذا الحق إلى مستحقه.
وبعض الناس- كما قلت يذبحه ويدعه؛ فيكون بذلك مخالفًا لأمر الله تبارك وتعالى، بالإضافة إلى أن ذبحه وتركه إضاعة للمال، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال (1) ، وإضاعة المال من السفه؛ ولهذا قال الله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً) (2) .
وهذا الخطأ الذي يقع في هذه المسألة يتعلل بعض الناس بأنه لا يجد فقراء يعطيهم، وأنه يشق عليه حمله؟ لكثرة الناس والزحام والدماء واللحوم في المجازر، وهذا التعليل- وإن كان قد يصح في
زمن مضى- لكنه الآن قد تيسر؛ لأن المجازر هُذبتَ وأصُلحت، ولأن هناك مشروعًا افتتح في السنوات الخيرة، وهو أن الحاج يعطي اللجنة المكونة لاستقبال دراهم الحجاج، لتشتري لهم بذلك الهدي وتذبحه وتوزعه على مستحقه، فبإمكان الحاج أن يتصل بمكاتب
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الاستقراض، باب ما ينهى عن إضاعة المال (408) ، ومسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، والنهي عن منع وهات ... (13) (593) .
(2) سورة النساء، الآية: 5.
(25/158)

هذه اللجنة من أجل أن يسلم قيمة الهدي، ويوكلهم في ذبحه، وتفريق لحمه.
ومن الأخطاء أيضًا: أن بعض الحجاج يذبح الهدي قبل وقت الذبح، فيذبحه قبل يوم العيد، وهذا- وإن كان قال به بعض أهل العلم في هدي التمتع والقِران- فإنه قول ضعيف؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذبح هديه قبل يوم العيد، مع أن الحاجة كانت داعية إلى ذبحه، فإنه حين أمر أصحابه- رضي الله عنهم- أن يحلوا من إحرامهم بالحج ليجعلوا عمرةً ويكونوا متمتعين، وحصل منهم شيء من التأخر، قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديتُ، ولولا أن معي
الهدي لأحللت" (1) ، فلو كان ذبح الهدي جائزًا قبل يوم النحر، لذبحه النبي عليه الصلاة والسلام، وحل من إحرامه معهم تطييبًا لقلوبهم، واطمئنانًا لهم في ذلك، فلما لم يكن هذا منه - صلى الله عليه وسلم -، عُلم أن ذبح الهدي قبل يوم العيد لا يصح ولا يجزئ.
ومن العجب: أنني سمعت من بعض المرافقين لبعض الحملات التي تأتي من بلاد نائية عن مكة أنه قيل لهم- أي لهذه الحملات-: لكم أن تذبحوا هديكم من حين أن تسافروا من بلدكم إلى يوم العيد، واقترح عليهم هذا أن يذبحوا من الهدي بقدر ما
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - برقم (1218) .
(25/159)

يكفيهم من اللحم لكل يوم، وهذا جرأة عظيمة على شرع الله، وعلى حق عباد الله، وكأن هذا الذي أفتاهم بهذه الفتوى يريد أن يوفر على صاحب الحملة الذي تكفل بالقيام بهذه الحملة، أن يوفر عليه نفقات هذه الحملة؛ لأنمهم إذا ذبحوا لكل يوم ما يكفيهم من هداياهم وفروا عليه اللحم، فعلى المرء أن يتوب إلى الله عز وجل، وألا يتلاعب بأحكام الله، وأن يعلم أن هذه الأحكام أحكام شرعية، أراد الله تعالى من عباده أن يتقربوا بها إليه على الوجه الذي سنه لهم وشرعه لهم، فلا يحل لهم أن يتعدوه إلى ما تمليه عليه أهواؤهم.
(25/160)

بسم الله الرحمن الرحيم
تنبيهات فيما يتعلق بالأضحية والمضحي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
1- يتوهم بعض العامة أن من أراد الأضحية ثم أخذ من شعره أو ظفره أو بشرته شيئًا في أيام العشر لم تقبل أضحيته، وهذا خطأ بيِّن فلا علاقة بين قبول الأضحية والأخذ مما ذكر، ولكن من أخذ بدون عذر فقد خالف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإمساك، ووقع فيما نهى عنه من
الأخذ (1) ، فعليه أن يستغفر الله ويتوب إليه ولا يعود، وأما أضحيته فلا يمنع قبولها أخذه من ذلك.
2- من احتاج إلى أخذ الشعر والظفر والبشرة فأخذها فلا حرج عليه مثل أن يكون به جرح فيحتاج إلى قص الشعر عنه، أو ينكسر ظفره فيؤذيه فيقص ما يتأذى به، أو تتدلى قشرة من جلده فتؤذيه فيقصها فلا حرج عليه في ذلك كله.
3- أن نهي المضحي عن أخذ الشعر والظفر والبشرة يشمل ما إذا نوى الأضحية عن نفسه، أو تبرع بها عن غيره، وأما من ضحى عن غيره بوكالة أو وصية فلا يشمله النهي بلا ريب، وكذلك من يضحي
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي برقم (1977) .
(25/161)

عنه فلا يحرم عليه أخذ شيء من ذلك.
4- يذكر بعض الموصين في وصيته قدرًا معينًا للموصى به مثل أن يقول: يضحي عته ولو بلغت الأضحية ريالاً يقصد المغالاة في ثمنها؛ لأنها في وقت وصيته بربع ريال أو نحوه فيقوم بعض من لا
يخشى الله من الأوصياء فيعطل الوصية بحجة أن الريال لا يمكن أن يبلغ ثمن الأضحية الآن، وهذا حرام عليه، وهو آثم بذلك، ويجب عليه تنفيذ الوصية بالأضحية وإن بلغت الألف الريالات، ما دام المبلغ يكفي لذلك؛ لأن مقصود الموصي معلوم، وهو المبالغة في قيمة الأضحية مهما زادت، وذكره الريال على سبيل التمثيل لا على سبيل التحديد.
5- يحرم أن يبيع شيئَا من الأضحية من لحم، أو شحم، أو دهن أو جلد، أو غيره؛ لأنها مال أخرجه لله فلا يجوز الرجوع فيه كالصدقة، ولا يعطي الجازر منها في مقابلة أجرته، أو بعضها؛ لأن ذلك بمعنى البيع، فأما من أهدي له شيء منها أو تصدق به عليه فله أن يتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره.
6- إذا ذبحها ونوى من هي له بدون تسميته أجزأت النية لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (1)
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال …" (1907) .
(25/162)

والتسمية المشروعة أن يقول عند الذبح: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعن أهلي ونحو ذلك، وأما ما يفعله بعض العامة من مسح ظهر الأضحية مرددين اسم من هي له، فلا أعلم لذلك أصلاً، ولا ينبغي فعله؛ لأن خير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -.
بسم الله الرحمن الرحيم، هذه التنبيهات الستة من كلامي، ولا مانع من نشرها، قاله كاتبه محمد الصالح العثيمين.
11/25/1412هـ.
(25/163)

بسم الله الرحمن الرحيم
تنبيهات على أحكام الأضحية والذكاة
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى اَله وصحبه أجمعين.
* إذا أراد أحد أن يضحي ودخل شهر ذي الحجة فإنه يحرم عليه أن يأخذ شيئًا من شعره، وأظفاره، أو جلده حتى يذبح أضحيته، وإن أخذ شيئًا من ذلك ناسيًا، أو جاهلاَ، أو سقط الشعر
بلا قصد فلا إثم عليه، وإن احتاج إلى أخذه فله ذلك ولا شيء عليه، مثل: أن ينزل الشعر في عينيه فيزيله.
- صلى الله عليه وسلم - شروط الذكاة:
للذكاة شروط تسعة وهي:
1- أن يكون المذكي عاقلاً مميزًا.
2- أن يكون المذكي مسلمًا، أو كتابيًّا "وهو من ينتسب إلى دين اليهود أو النصارى".
3- أن يقصد التذكية.
4- ألا يذبح لغير الله.
5- ألا يسمى عليها غير اسم الله، مثل أن يقول: باسم النبي، أو غيره.
(25/164)

6- أن يذكر اسم الله تعالى عليها فيقول عند الذبح: باسم الله.
7- أن تكون الذكاة بمحدد ينهر الدم.
8- إنهار الدم (إي إجراؤه بالتذكية) .
9- أن يكون المذكي مأذونا في ذكاته شرعًا.
*آداب الذكاة:
1- الإحسان في تذكيتها، بحيث تكون بآلة حادة.
2- أن تكون الذكاة في الإبل نحرًا، وفي غيرها ذبحًا، فينحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فإن صعب عليه ذلك نحرها باركة، ويذبح غيرها على جنبها الأيسر.
3- قطع الحلقوم والمريء زيادة على الودجين.
4- أن يستر السكين عن البهيمة عند حدها فلا تراها إلا عند الذبح.
5- أن يكبر الله تعالى بعد التسمية.
6- أن يسمي عند ذبح الأضحية أو العقيقة من هي له بعد التسمية والتكبير ويسأل الله قبولها فيقول: بسم الله، الله أكبر، اللهم هذا منك ولك عني، اللهم تقبل مني (إن كانت له) أو عن فلان، اللهم تقبل من فلان (إن كانت لغيره) .
(25/165)

*شروط الأضحية:
1- أن تبلغ السن المقدر شرعًا وهو ستة أشهر في الضأن، وسنة في المعز، وسنتان في البقر، وخمس سنين في الإبل.
2- أن تكون خالية من العيوب المانعة الإجزاء وهي: العور البين، والمرض البين، والعرج البين، والهزال المزيل للمخ.
وكذلك العمياء التي لا تبصر، والمبشومة حتى تثلط ويزول عنها الخطر، والمتولدة إذا تعسرت ولادتها حتى يزول عنها الخطر، والمصابة بما يميتها من خنق وغيره، والزمنى وهي العاجزة عن المشي
لعاهة، ومقطوعة إحدى اليدين أو الرجلين.
(25/166)

بسم الله الرحمن الرحيم
مختصر في أحكام الأضحية والذكاة
*الأضحية
أولاً- تعريفها:
ما يذبح من بهيمة الأنعام أيام الأضحى بسبب العيد تقربًا إلى الله عز وجل.
ثانيًا- حكمها:
وهي من العبادات المشروعة في كتاب الله وسنة رسوله عغغ وإجماع المسلمين (وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى وجوبها) .
ثالثًا- وقتها:
أوله- من بعد صلاة عيد يوم النحر.
آخره- إلى غروب شمس اليوم الثالث عشر من ذي الحجة، ويذبح في النهار والليل علي القول الصحيح.
رابعًا- من يضحي عنه:
1- عن الأحياء (وهو الأصل) .
2- وتجوز عن الأموات:
أ- بسبب وصية.
ب- أو تبرع (ولم ير بعض العلماء أن يضحي أحد عن الميت إلا أن يوصي به) .
(25/167)

خامسًا- ما يضحي به وشروطه:
1- يضحي ببهيمة الأنعام:
أ- الإبل: عن سبعة
ب- البقر: عن سبعة
ج- الغنم: عن واحد وله أن يشرك من شاء في الثواب.
2- شروط ما يضحي به:
أ- أن تكون ملكًا للمضحي.
ب- أن تكون في وقتها.
ج- أن تكون من الأجناس الثلاثة (الإبل والبقر والغنم ضأنًا أو معزاً) .
د- أن تبلغ السن المعتبرة:
1- الإبل: خمس سنين.
2- البقر: سنتان.
3- الغنم: (المعز: سنة، والضأن: نصف سنة) .
هـ- السلامة من العيوب.
1- عيوب مانعة من الإجزاء:
أ- العوراء البين عورها.
ب- المريضة مرضًا شديدًا.
ج- العرجاء البين ظلعها.
د- الضعيفة (الهزيلة) التي لا مخ فيها.
هـ- البتراء من الضان (ما قطعت أليتها) .
(25/168)

2- عيوب مكروهة:
أ- مقطوعة القرن والأذن.
ب- مشقوقة الأذن.
ج- البتراء من الإبل والبقر والمعز.
د- ما قطع ذكره، وأما الخصي فيجوز.
سادسًا- ما يجتنبه من أراد أن يضحي:
يحرم على المضحي في العشر الأولى من شهر ذي الحجة:
1- إزالة الشعر.
2- إزالة البشرة أي الجلد.
3- تقليم الأظافر.
(إلا لضرورة) وأما من ضحى عن غيره بوكالة أو وصية فلا يلزمه ذلك.
سابعًا-آدابها:
1- أن يتولى ذبحها بنفسه سواء أكان ذكرًا أو أنثى.
2- أن يأكل الثلث وجهدي الثلث ويتصدق بالثلث.
(25/169)

الذكاة وشروطها
أولاً- تعر يفها:
نحر الحيوان البري الحلال أو ذبحه أو جرحه في أي موضع من بدنه إذا لم يقدر عليه.
ثانيًا- أنواعها:
أ- النحر للإبل.
ب- الذبح لبقية بهيمة الأنعام.
ج- الجرح
(1- للصيد. 2- ما لم يقدر عليه) .
ثالثًا- شروطها:
أ- شروط الذابح:
1- أن يكون مسلمَا أو كتابيًّا.
2- أن يكون عاقلاً مميزًا ذكرًا أو أنثى.
3- أن يذكر اسم الله عليها.
4- ألا يذبحها لغير الله.
ب- شروط الآلة:
1- أن تكون آلة حادة تنهر الدم.
2- ألا تكون سنًا أو ظفرًا.
ج- شروط المذبوح:
1- أن يكون حلالاً.
2- أن يقطع منها ما يلي (الودجين وتمام ذلك قطع الحلقوم والمريء أيضًا) .
(25/170)

رابعًا-آدبها:
1- استقبال القبلة.
2- الإحسان إلى الذبيحة (باَلة حادة، وإمرارها على محل الذكاة بقوة وسرعة) .
3- أن ينحر الإبل قائمة.
4- أن يذبح غير الإبل مضجعة على جنبها.
5- أن يواري عنها السكين.
6- استكمال قطع الودجين والحلقوم والمريء
7- زيادة التكبير بعد التسمية.
8- أن يسمي من هي له إن كانت أضحية.
9- أن يدعو عند الذبح بالقبول.
خامسَا- مكروهاتها:
1- أن يذبحها بآلة غير حادة.
2- أن يحد السكين والبهيمة تنظر.
3- أن يذكيها والأخرى تنظر.
4- أن يفعل ما يؤلمها قبل زهوق نفسها.
تم اختصار هذه المسائل من كتاب (أحكام الأضحية والذكاة) بإذن من المؤلف الشيخ العلامة/ محمد بن صالح العثيمين.
(25/171)

بسم الله الرحمن الرحيم
فصل في أحكام الأضاحي
قال فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد، فهذا اليوم هو يوم الخميس الرابع من شهر ذي الحجة عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، نتكلم فيه عن
الأضحية، فالأضحية مشروعة بإجماع المسلمين، قال الله تبارك وتعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (1) ، وقال تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) (2) ، وقد قال بعض العلماء: إنها واجبة، وأن من كان قادرًا ولم يضح فهو آثم، وهذا مذهب أبي حنيفة - رحمه الله- واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-.
والأضحية مشروعة عن الأحياء، إذ لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عن الصحابة- رضي الله عنهم- أنهم ضحوا عن الأموات استقلالاَ، وإنما كان الرجل يضحي عنه وعن
أهل بيته.
__________
(1) سورة الكوثر، الآية: 1.
(2) سورة الحج، الآية: 34.
(25/172)

وهي تكون من: الإبل والبقر والغنم.
ولهذا نقول: إن شروط ما يضحي به أربعة:
الشرط الأول: أن يكون من الجنس الذي ثبت بالشرع أنه يضحي به وهو الإبل، والبقر، والغنم، فلو ضحى بفرس مثلاً فإنه لا يقبل منه؛ لأنه ليس من الجنس الذي يضحي به، حتى وإن كان أغلى من الإبل والبقر والغنم، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (1) أي مردود عليه.
الشرط الثاني: أن يبلغ السن المعتبر شرعًا وهو في الضأن نصف سنة، وفي المعز سنة، وفي البقر سنتان، وفي الإبل خمس سنوات لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضان" (2) .
الشرط الثالث: السلامة من العيوب التي تمنع الإجزاء وهي المذكورة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:) (أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقى" (3) ومعنى العجفاء: أي الهزيلة.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية برقم (1718) .
(2) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية برقم (1963) .
(3) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الضحايا برقم (1) .
(25/173)

ومعنى: (ولا تنقى) أي: ليس فيها مخ.
فهذه العيوب الأربعة تمنع من الإجزاء، فلو ضحى الإنسان بشاة عوراء بيئ عورها فإنها لا تقبل، ولو ضحى بشاة عرجاء بيِّن ضلعها لم تقبل، ولو ضحى بشاة مريضة بيِّن مرضها لم تقبل، ولو
ضحى بهزيلة ليس فيها مخ فإنها لا تقبل، وكذلك ما كان في معنى هذه العيوب أو أولى منها، كالعمياء مثلاَ، فإنه لو ضحى بعمياء لم تقبل منها كما لو ضحى بعوراء بين عورها، وكذلك مقطوعة اليد أو الرجل؛ لأنه إذا كان لا تجزئ التضحية بالعرجاء، فمقطوعة اليد والرجل من باب أولى، ولا تجزئ التضحية بما أصابها سبب الموت كالتي في الطلق المتعسر حتى تنجو، وكذلك المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، كل هذه لا تجزئ، لأنها أولى بعدم الإجزاء من المريضة.
وأما العيوب التي دون هذه فإنها تجزئ الأضحية ولو كان فيه شيءٌ من هذه العيوب - صلى الله عليه وسلم - لكن كلما كانت أكمل فهي أفضل. فالتي قطع من أذنها، أو من قرنها، أو من ذيلها شيء فإنها تجزئ، لكن الأكمل أولى، ولا فرق بين أن يكون القطع قليلاً أو كثيرًا حتى لو قطع القرن كله، أو الأذن كلها، أو الذيل كله، فإنها تجزئ، لكن كلما كانت أكمل فهي أفضل.
(25/174)

الشرط الرابع: أن تكون الأضحية في الوقت الذي حدده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو من بعد صلاة العيد إلى آخر يوم من أيام التشريق.
فتكون أيام الذبح أربعة: يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، فمن ذبح قبل الصلاة فإنه لا أضحية له، حتى وإن كان جاهلاً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس وأخبر أن من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له، فقام رجل يقال له أبو بردة بن نيار، قال: إني نسكت قبل أن أصلي فقال: "شاتك شاة لحم" (1) وقال: "من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له" وقال: "فليذبح مكانها أخرى"وكذلك من ضحى بعد انقضاء أيام التشريق فإنه لا أضحية له، وذلك لأنه ضحى خارج الوقت.
ثم إن السنة ألا يغالي في الأضاحي بكثرة العدد، لأن هذا من الإسراف، فالرجل يضحي عنه وعن أهل بيته بأضحية كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك، ولكن قد تأتي الزوجة فتقول:
أريد أن أضحي. وتأتي البنت فتقول: أريد أن أضحي، وتأتي الأخت فتقول: أريد أن أضحي، فيجتمع في البيت ضحايا متعددة، وهذا العمل مخالفٌ لها كان عليه السلف الصالح، فإن أكرم الخلق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يضحّ إلا بواحدة عنه وعن أهل
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة أعاد برقم (5562) .
(25/175)

بيته (1) ، ومعلوم أن له - صلى الله عليه وسلم - تسع نساء يعني تسعة بيوت، ومع ذلك لم يضح إلا بواحدة عنه وعن أهل بيته، وضحى بأخرى عن أمته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وكان الصحابة يضحون بالشاة الواحدة عنهم وعن أهل بيتهم، فما عليه عمل كثير من الناس اليوم فهو إسراف، ونقول لهؤلاء الذين يضحون بهذه الضحايا نقول: إذا كان عندكم فضل مال
فهناك أناس محتاجون إليه بالأرض من المسلمين كالبوسنة والهرسك، وكذلك في أفريقيا مدن كثيرة، وكذلك أيضًا في الجمهوريات الروسية التي تحررت من قبضة الشيوعية فيهم حاجة كبيرة.
ومما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه ما شاع وذاع من هيئة الإغاثة بطلب الفلوس من الناس يضحي بها في أماكن أخرى، فإن هذا خلاف السنة، فالسنة أن الإنسان يضحي في بيته عنه وعن أهل بيته،
ويأكلون ويتمتعون، ويشكرون الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، ونقل الأضحية إلى أماكن أخرى يفوت به مصالح كثيرة منها:
*خفاء ظهور الشعيرة، فإنه إذا ضحيت في مكان أخرى خفيت الشعيرة في البلد، وربما مع طول الزمن لا يكون في البلد
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/391) .
(25/176)

أضاحي إطلاقًا، فكلها تصرف إلى الخارج، لاسيما إذا قيل للناس أنها في الخارج أرخص منها هنا، وأنك إذا ضحيت هنا بأضحية واحدة تستطيع أن تضحي بثلاث ضحايا في البلد الأخرى، ولا شك أن خفاء الشعائر ضرر.
*ومن المصالح التي تفوت: أن الإنسان إذا ضحى في بلاد أخرى فإنه يفوته ذكر اسم الله عليها، وذكر اسم الله عليه من أفضل الأعمال، كما قال الله تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ الله لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (1) .
يهغ ومنها: أن يفوته أن يأكل منها، والأكل منها مؤكد، قدَّمه الله تعالى على الصدقة فقال سبحانه وتعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (2) ولهذا لما أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة بدنة أمر أن يؤخذ من كل مائة بدنة قطعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل من لحمها، وشرب
من مرقها (3) ؟ تحقيقًا لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا) - صلى الله عليه وسلم - من المصالح التي تفوت بالتضحية خارج البلد: أن الإنسان
__________
(1) سورة الحج، الآية: 36.
(2) سورة الحج، الآية: 28.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - برقم (1218) .
(25/177)

لا يطمئن كيف وزعت؟ وهل وزعت على وجه مشروع أو على وجه غير مشروع؟ وإذا كانت عنده اطمأن ووزعها بنفسه، أو بوكيله الذي يشاهده.
*ومنها أيضًا: إذا ضحيت في بلاد أخرى فلا يدري متى تذبح، قد تذبح قبل الوقت جهلاً من المضحي أو بعده، ثم إنه هو مرتبط بها لأنه لا يأخذ من شعره ولا من بدنه ولا من أظفاره شيئًا
حتى يضحي، ولا يدري متى تذبح هذه الأضحية، فيبقى معلقًا طول أيام العيد لا يأخذ من شعره، ولا من ظفره شيئًا؛ لأنه لا يدري هل ذبحت الأضحية أو لا، ولاسيما إذا كان في بلاد شرقية فإنهم
يتأخرون عنا في الغالب يومًا أو ربما يتأخرون يومين، فيبقى معلقًا من العيد إلى أيام التشريق الثلاثة إلى اليوم الرابع الزائد أو الخامس.
*ومن المصالح التي تفوت: التعيين فإنه أمر مهم، فإن الأضاحي هناك إذا جمعوا ألف رأس ثم أرادوا أن يذبحوها، لا يقولون: هذه عن فلان؛ لأن هذا يصعب عليهم فلا يعينها وهذا أمر خطير؛ لأنه قد يقال: بعدم الإجزاء في هذه الصورة إذا لم يعين من هي له، وليست الأضاحي طعام يجمع ويوزع، وكل ينال أجر صدقته، ولا دراهم أيضًا تجمع وتوزع، وكل له أجر صدقته، هذه قربات يتقرب بها الإنسان إلى الله بذبح أضحية معينة له، وهذا قطعًا
(25/178)

لا يتسنى فيما إذا ضحى في بلد آخر.
ومن المحاذير التي تحصل: أنه إذا اجتمع مثلاً في المكان آلاف الضحايا فهل بإمكانهم أن يذبحوها في وقت الأضحية، قد لا يستطيعون، كما جرى هذا في المسالخ التي في منى، فإنهم في سنة من السنين عجزوا أن يقوموا بذبح الهدايا كلها في أيام التشريق، وحينئذٍ لا تذبح الأضحية إلا بعد فوات الوقت.
والحاصل: أن كل شيء يخل به في المشروع فإنه يترتب عليه محاذير، إذن المشروع أن تذبح الأضحية في البلد، والأفضل أن يذبحها الإنسان في بيته، ويشاهدها أهله وأولاده ويستبقي في قلوبهم
محبة هذه الشعيرة، وليعلم أنه ليس المقصود من الأضحية الفائدة المادية يعني الآكل أو الدراهم لقوله تعالى: (لَنْ يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (1) ، والدليل لذلك أن هذه
الأضحية جعل الله لها حرمات قبلها، واعتنى الشرع بها فإذا دخلت العشر من ذي الحجة والإنسان يريد أن يضحي حرم عليه أن يأخذ شيئًا من بشره، أو نجلده، أو ظفره.
ولهذا لو سألنا من أراد أن يتصدق يوم العيد بألف ريال هل يحرم عليه إذا دخل العشر أن يأخذ من شعره وبشرته وأظفاره شيئًا.
__________
(1) سورة الحج، الآية: 37.
(25/179)

والجواب: لا يحرم عليه أخذ شيء من بشرته أو ظفره.
إذن الأضحية عبادة مستقلة لها كيانها، ولها أهميتها، وليس المقصود منها لحمًا يأكله الفقير أو ما أشبه ذلك.
وإنني بهذه المناسبة أود من إخواننا المسلمين ألا ينساقوا أمام العواطف، بل يجب عليهم أن يتحروا ما كان موافقًا للشرع، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم البصيرة في دينه، وأن يعيننا على العمل به
إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(25/180)

بسم الله الرحمن الرحيم
فصل في الأضحية وأحكامها
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإننا في يوم الخميس وهذا الخميس هو الخامس والعشرون من شهر ذي القعدة عام عشرين وأربع مئة وألف نتكلم فيه عن ما يناسب هذا الوقت وهو الأضحية.
فالأضحية هي: التقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي أيام النحر، وهي أربعة: يوم العيد، وثلاثة أيام من بعده.
وهي: سنة مؤكدة، حتى إن بعض العلماء قال بوجوبها، وأن من تركها مع القدرة عليها فهو آثم، وهي من شعائر الدين التي شرعها الله عز وجل لعباده في الأقطار التي ليس فيها هدي، وذلك
أن المسلمين يتقربون إلى الله تعالى في هذه الأيام بالهدي إن كانوا حجاجًا وبالأضاحي إن لم يكونوا حجاجًا، فمن حكمة الله عز وجل أن تكون الأرض معمورة بالتقرب إلى الله بالذبح، إما هدايا وهذا
بالنسبة للحجاج، صياما ضحايا وهذا بالنسبة لغير الحجاج، فهي سنة مؤكدة، ولأنها قربة صار لابد فيها من شروط، إذ لو كان المراد مجرد
(25/181)

اللحم لجازت بكل شيء، حتى بالدجاج، والظباء، والأرانب والصغار والكبار، لكن المراد التقرب إلى الله تعالى بالذبح الذي قرنه الله بالصلاة في قوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) ، وقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ) (1) وبذلك نعرف قصور من ظنوا أن المراد بالأضحية الانتفاع بلحمها، فإن هذا ظن قاصر صادر عن جهل.
فالمراد بالأضاحي هو: التقرب إلى الله تعالى بالذبح قال الله تعالى: (لَنْ يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (2) وإنما نبهت على هذا لأن بعض إخواننا العطوفين الرؤوفين صار يرسل الدراهم إلى البلاد الفقيرة الإسلامية ليضحي بها هناك، وهذا من جهله وقصوره أيضًا؛ لأن الأضحية يقصد بها التقرب إلى الله بالذبح، وإذا ذبحتها فأهدها من شئت في بلادك أو خارج بلادك
أما قبل الذبح فلا تذبح إلا في بلدك، والأفضل في بيتك ليشاهد ذلك الأهل وتُعرف هذه الشعيرة العظيمة.
أما إرسال الدراهم ليضحي بها هناك ففيه تفويت المصالح وفيها تعرض للمخاطر.
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 162.
(2) سورة الحج، الآية: 37.
(25/182)

أما المصالح التي تفوت فهي ظهور هذه الشعيرة العظيمة، لأنه ربما مع طول السنين تُنسى هذه الشعيرة وتكون دراهم تبعث إلى البلاد الإسلامية وكفى، وتبقى البلاد الإسلامية خالية من هذه
الشعيرة العظيمة.
ويفوت بها أيضًا: أن الإنسان مأمور أن يذبح بيده، ويذكر اسم الله عليها وهذا يفوت، قال العلماء: وإذا كان لا يحسن الذبح فليوكل وليشهد الذبح، ويسمي الذابح.
ويفوت من المصالح أيضًا: أن الإنسان لا يأكل منها، وقد أمر الله بالأكل منها وقدمه على إطعام الفقير، فقال: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (1) ، وقد قال كثير من العلماء: إن الأكل من الأضحية واجب، لأن الله أمر به وقدمه على إطعام الفقير، فكما أن إطعام الفقير واجب من الأضحية فالأكل منها واجب، وهذا قول له حظ من النظر.
أمما مما يخشى من المخاطر: فهو أن هذه الدراهم قد تقع بيد أناس لا يعرفون الشروط فيضحون بالصغير والكبير.
ومنها: أنه وربما تكثر الضحايا في المنطقة فلا توجد المواشي قد تكون مثلاً الدراهم التي أرسلت ليضحوا بها تبلغ خمسة آلاف أو
__________
(1) سورة الحج، الآية: 28.
(25/183)

ستة آلاف، والقرية ليست فيها ستة آلاف أو خمسة آلاف من المواشي فتبقى متعطلة.
ومن المخاطر أنه قد يكون المنفذون للذبح قليلين والضحايا كثيرة فيعجزون عن التضحية في أيام الأضاحي فتخرج الأيام وهم لم يضحوا، فالمخاطر كثيرة.
لذلك نقول لإخواننا المسلمين عمومًا: إياكم أن ترسلوا الدراهم ليضحوا بها في أي بلاد كانت، ضحوا في بلادكم وكلوا وأرسلوا إن شئتم، ثم إخواننا هناك ماذا تغني عنهم قطعة لحم
يأكلونها يومًا أو يومين، ألا يكون الأفضل أن ترسل لهم الدراهم يشتر ون بها القمح والثياب والفراش وغيرها، أو يرسل إليهم أطعمة، أو خيامًا، أو تحفر لهم الآبار هذا هو الذي ينبغي، أما أن
يفسد هذا النسك العظيم ونخرجه من بلادنا إلى البلاد الأخرى فليس ذلك من المستحب، بل ينبغي التحذير عنه والحذر منه، ولما كانت الأضحية عبادة يتقرب بها إلى الله تعالى فإنه لابد فيها من شروط:
الشرط الأول: أن تكون بهيمة الأنعام.
وهي: الإبل والبقر والغنم أي الضان والماعز.
فلو ضحى بغيرها ولو كان أكثر منها قيمةٍ لم تقبل، لقول النبي
(25/184)

- صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملاَ ليس عليه أمرنا فهو رد" (1) .
الشرط الثاني: أن تبلغ السن المعتبر شرعًا وهو في الإبل خمس سنوات، وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة، وفي الضأن ستة أشهر، فما دون ذلك لا يضحي به، ولو ضحى به لم يقبل، ودليل ذلك قول
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا تذبحوا إلا مسنة أي: (ثنية) إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن " والجذع من الضأن ما له ستة أشهر.
الشرط الثالث: أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء، وأصلها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين
عرجها، والعجفاء التي لا مخ فيها" (2) هذه أصول العيوب التي تمنع من الإجزاء، وما عدا ذلك من العيوب إن كان مثل هذه العيوب أو أولى منها فإنها لا تجزئ التضحية بها، وإن كانت دون ذلك أجزأت لكن كلما كانت الضحية أكمل فهي أفضل، وعليه لو ضحى بمكسورة القرن كله، أو أكثره فالأضحية مجزئة، أو بمقطوعة الأذن فأضحية مجزئة، أو بعوراء لا تبصر بعينها لكن عورها ليس بيِّناَ أي
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأقضية، باب رد محدثات الأمور برقم (1718) .
(2) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الأضاحي برقم (1) .
(25/185)

من رآه لا يظن أنها عوراء، أو بعرجاء لكن ليس عرجها بيِّنًا، أو بهزيلة قليلة اللحم والشحم لكن فيها مخ أجزأت؛ لأنها ليست من العيوب المنصوص عليها.
الشرط الرابع: أن تكون في الوقت الذي يضحي به، فإن ضحى قبل دخول الوقت فهي شاة لحم، وإن ضحى بعد الوقت فهي شاة لحم، إلا لعذر كالنسيان وضياع البهيمة ولم يجدها إلا بعد فوات أيام النحر فإنه يضحي بعد فوات الأيام ولا بأس، والأيام التي يضحي فيها: يوم عيد الأضحى من بعد الصلاة، واليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، فالأيام الأربعة، كلها أيام للذبح
ليلها ونهارها سواء، وإن كان النهار أفضل؛ لأنه أتم للأضحية والتوزيع.
واسمع إلى حديث أبي بردة بن نيار رضي الله عنه حين ذبح أضحيته قبل الصلاة فلما خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له " قال أبو بردة: يا رسول الله إني ذبحت قبل الصلاة، قال له: "شاتك شاة لحم" (1) يعني: ليست شاة أضحية ونسك، شاتك
شاة لحم فلا تجزئك مع أنه جاهل ومجتهد، وأحب أن يكون أول ما يؤكل في البيت أضحيته، ومع ذلك لم يعذره النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه أوقع
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الأضاحي، باب من ذبح قبل الصلاة برقم (5562) .
(25/186)

العبادة قبل وقتها، كما لو صلى الظهر قبل الوقت ظانًّا أن الشمس قد زالت، فتبين أنها لم تزل، فإن صلاته باطلة لا تجزئه عن الظهر، بل تكون نفلاً، ويعيد صلاة الظهر بعد دخول الوقت، فلو ضحى في اليوم الرابع عشر فإنها لا تجزى لأنها في غير الوقت، بل تكون شاة لحم إلا إذا كان لعذر: كإنسان نسي أن يضحي بشاة وجعلها أضحية، لكن نسي ثم ذكر بعد تمام أيام التشريق فليذبحها وتكون أضحية، أو إنسان في بادية ولم يعلم عن دخول الشهر، وظن أن اليوم الرابع عشر هو الثالث عشر، ثم ذبح فلا بأس تجزئه؛ لأنه جاهل، أو إنسان عين شاة أضحية فهربت، ولم يعثر عليها إلا في اليوم الرابع عشر، فليذبحها ولا حرج، أو سرقت ثم لم يجدها إلا في اليوم الرابع فليذبحها ولا حرفي، لأنه معذور، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى اَله وسلم في الصلاة: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" (1) .
ولكن كيف يكون أكل الأضحية نقول كما قال الله عز وجل: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ الله فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (2) ، ولم يحدد الله
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها (597) ، ومسلم، كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة (684) .
(2) سورة الحج، الآية: 28.
(25/187)

شيئًا من هذا فإن أكلت النصف وأطعمت النصف للفقير فلا بأس، أو تأكل الثلث وتطعم الثلث صدقة، والثلث الآخر هدية فلا بأس، المهم أن تعطي الفقير منها، والباقي أنت حر تصرفه كما شئت، إلا أنك لا تبيع شيئًا منها؛ لأنك أخرجتها لله، وما أخرج لله لا يمكن أن يعتاض الإنسان عنه شيئًا من الدنيا.
واعلم أنه إذا دخل عشر ذي الحجة وأنت تريد الأضحية فقد نهاك النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تأخذ شيئًا من شعرك، أو ظفرك، أو بشرتك (1) .
وبعض الناس يكون في أقدامه ولاسيما في أعقابه شقوق فيبدأ بقشرها فنقول له لا تفعل، أما لو انسلخ شيء من الجلد وآذاك فلا بأس أن تقص ما يؤذيك؛ لأن هذا لحاجة.
وهذا الحكم أعني النهي عن أخذ الشعر والظفر والبشرة خاص بمن يضحي فقط، أما من يضحي عنه فلا بأس أن يأخذ، وعلى هذا فإذا أراد الإنسان أن يضحي عنه وعن أهل بيته فالحكم يتعلق به نفسه هو، أما أهل البيت فلا حرج أن يأخذوا من ذلك شيئًا، خلافًا لمن قال من العلماء أن من يضحي عنه كمن يضحي أي يتجنب الأخذ من هذه الأشياء، فإن هذا القول ضعيف، لأن الحديث صريح "أراد أحدكم أن يضحي" ولم يقل: أو يضحي عنه،
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي برقم (1977) .
(25/188)

ثم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يضحي عنه وعن أهل بيته ولم ينهاهم عن ذلك. أخي المسلم: أنت مقبل على العشر الأول من شهر ذي الحجة، وهذه العشر حث فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - على الأعمال الصالحة، حتى قال عليه الصلاة والسلام: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (1) .
أي أنه قتل وسلب الكفار ماله.
فعليك أخي المسلم بكثرة الأعمال الصالحة في هذه الأيام العشر من قراءة القرآن والذكر والصدقة والصيام.
وأظنكم ترون ما أرى من غفلة الناس عن فضل هذه الأيام، حتى إنك ترى الناس تمر بهم هذه الأيام، ولا يحدثون شيئًا، بينما الناس في عشر رمضان يكثرون من الأعمال الصالحة، فالمساجد فيها
القارئ، وفيها الداعي، ويتهجدون بالليل، لكن الناس في غفلة عن عشر ذي الحجة.
فعلى طلبة العلم أن يبينوا فضلها للعامة، فالعامة يحبون الخير، ولكن قد غفل طلبة العلم عن تنبيههم، فتجدهم لا يختلف عملهم فيها عن عملهم فيما قبلها، فيُحثُ الناس على الأعمال الصالحة،
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل أيام التشريق (969) .
(25/189)

ولاسيما التكبير في هذه العشر: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، أو الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، يجهر بها الرجال في المساجد والأسواق والبيوت، وتُسرُ بها النساء.
أسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا جميعًا اغتنام الأوقات بالأعمال الصالحات، ويجنبا وإياكم منكرات الأخلاق، والأعمال والأقوال إنه على كل شيء قدير.
(25/190)

فصل في أحكام الأضحية
قال فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى:
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فإننا نلتقي وإياكم في هذه الليلة ليلة الثلاثاء المتممة لشهر ذي القعدة عام 1459هـ وهذا اللقاء سيكون موضوعه الأضحية وما يتعلق بها، وربما نشير إلى شيء من فضائل عشر ذي الحجة فنقول: إن هذه الأيام العشر عشر ذي الحجة من أفضل الأيام عند الله عز وجل، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر". وفي رواية: "أفضل عند الله من هذه الأيام العشر. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (1) . وعلى هذا ينبغي لنا أن ننتهز هذه الفرصة العظيمة وهذا البلد الحرام لنعمل فيه العمل الصالح لكونه أحب إلى الله عز وجل من أي عمل في أي يوم آخر، حتى إن العمل في هذه الأيام أيام عشر ذي الحجة الأولى أفضل وأحب إلى الله من العشر الأواخر من رمضان، وهذا شيء غفل عنه الناس وأهملوه، حتى إن
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل أيام التشريق برقم (969) .
(25/191)

عشر ذي الحجة تمر بالناس وكأنها أيام عادية ليس لها فضل وليس للعمل فيها مزية.
فلنكثر فيها من كل عمل صالح يقربنا إلى الله عز وجل، من الصلاة، والذكر، والصدقة، والصوم، وكذلك الإحسان إلى الخلق بالجاه والبدن وكل ما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
ولكن هناك أعمال صالحة خصصت في أيام معينة كالاعتكاف مثلاً، فلا يشرع أن تخص هذه الأيام العشر بالاعتكاف، وأن تعتكف فيها كما يعتكف في العشر الأواخر من شهر رمضان، إنما كان
الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعتكف فيها تحريًا لليلة القدر، ولهذا اعتكف العشر الأولى، ثم الأوسط، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر فاعتكف العشر الأواخر.
ويكون الذكر في عشر ذي الحجة على حسب ما جاء عن السلف من قولهم: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، أو يكون التكبير ثلاثًا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله
إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، يجهر بذلك الرجال في المساجد والأسواق والبيوت والمكاتب وغيرها، وتجهر المرأة بقدر ما تسمع من إلى جانبها، من دخول شهر ذي الحجة إلى آخر يوم من أيام التشريق، فتكون الأيام ثلاثة عشر يوماً، عشرة أيام آخرها العيد، وثلاثة
(25/192)

أيام وهي أيام التشريق.
أما موضوع الأضحية: فإن الأضحية من نعمة الله سبحانه وتعالى، ومن رحمته، ومن حكمته أن شرع لأهل الحل الذين لم يقدر الله لهم أن يحجوا، شرع لهم ما يشاركون به إخوانهم في الحج،
فشرع لهم الأضاحي، وشرع لهم في العشر الأول من ذي الحجة ألا يأخذوا شيئًا هن شعورهم، وأظفارهم، وأبشارهم يعني جلودهم، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم هن حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذ من شعره، أو بشره، أو ظفره شيئًا حتى يضحي" (1) . خطاب يوجه إلى المضحي وليس المضحى عنه، وعلى هذا فالعائلة الذين يضحي عنهم صاحب البيت لا يحرم عليهم أخذ شيء من شعورهم وأظفارهم وأبشارهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاطب من يضحي، فدل هذا أن الحكم خاص بالمضحي.
أما قول بعض أهل العلم أن الحكم عامٌ لمن يضحي ومن يضحي عنه، فهذا لا دليل عليه.
والأضحية هي: هن أفضل العبادات ولذلك قرنها الله تعالى في كتابه بالصلاة فقال: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) وقال: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي برقم (1977) .
(25/193)

وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ الْعَالَمِينَ) (1) وقد اتفق العلماء على مشروعيتها، ولكن اختلفوا هل هي واجبة يأثم الإنسان بتركها، أو سنة مؤكدة يكره له تركها ولا يأثم عليه.
والجواب: هما روايتان عن الإمام أحمد رحمه الله، ومذهب أبي حنيفة رحمه الله وأحمد في إحدى الروايتين عنه أن الأضحية واجبة، ومن كان قادرَا ولم يضح فهو آثم عاص لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وذهب مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله في إحدى الروايتين عنه إلى أنها سنة مؤكدة، لكن أصحاب الإمام أحمد- رحمه الله- صرحوا بأنه يكره للقادر أن يدع الأضحية، وقد مال شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله إلى القول بالوجوب، وقال: إن الظاهر وجوب الأضحية؛ لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة.
ولهذا كان ذبح الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها حتى إنك لو ملأت جلدها بالدراهم وتصدقت بهذه الدراهم لكان ذبحها أفضل من ذلك، وليس الحكمة من الأضحية حصول اللحم وأكل
اللحم، ولكن الحكمة التقرب إلى الله تعالى بذبحها، قال تعالى: (لَنْ يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (2) فظن بعض
__________
(1) سورة الأنعام، الآية 162.
(2) سورة الحج، الآية: 37.
(25/194)

الناس أنه المقصود من ذلك الآكل، والانتفاع باللحم، وهذا فهم قاصر، فالأهم أن تتعبد لله عز وجل بذبحها.
ولهذا كان من الخطأ أن يصرف الإنسان دراهم الأضاحي إلى الجهاد في أفغانستان ويدع الأضحية في بلده؛ لأن هذا يعني ترك شعيرة من شعائر الإسلام. وهؤلاء الأفغانيون وغيرهم من المجاهدين في سبيل الله يمكن أن يرسل لهم الإنسان دراهم ويجعل هذه الشعيرة في بيته وفي بلده لتقام شعائر الله عز وجل في أرض الله عمومًا.
والأضحية مشروعة للأحياء وليس للأموات، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى عنه وعن أهل بيته (1) ، والصحابة رضي الله عنهم كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، ولم أعلم إلى ساعتي هذه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضحى عن أحد من أمواته، فقد مات له أقارب من أعز الناس عليه، استشهد عمه حمزة -رضي الله عنه- في أحد، وماتت زوجته خديجة رضي
الله عنها، وماتت بناته وأولاده رضي الله عنهم، ما عدا فاطمة رضي الله عنها، ولم يضح عن واحد منهم أبدًا، ولم أعلم إلى ساعتي هذه أن أحدًا من الصحابة رضي الله عنهم ضحى عن أمواته، فلم يكن من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام ولا من هدي الصحابة إفراد
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/391) ،
(25/195)

الميت بالأضحية ومن وجد شيئًا من هذا فليخبرنا به.
ولهذا نقول: الأصل في مشروعية الأضحية أن تكون عن الأحياء لا عن الأموات.
وقد اختلف العلماء هل تشرع عن الميت أم لا تشرع:
والجواب: قال بعض العلماء: أنها ليست بمشروعة، وقال آخرون: بل هي كالصدقة فقاسوها قياسًا على الصدقة لأنه لم يجدوا لها أصلاً في السنة، ولا شك أن الصدقة جاءت السنة بجوازها، فقد
جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها وإنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: "أنعم" (1) ، واستأذنه أبو لبابة رضي الله عنه أن يتصدق بمخرافه أي بنخله لأمه وقد ماتت فأذن له. أما أن أحدًا من الصحابة ضحى عن أمه أو
استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يضحي عن أمه فهذا لم يرد.
والأضحية عن الميت تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أضحية أوصى بها الميت، فهنا نعمل بها ونضحي للميت لوصيته، وهذه الأضحية لا إشكال فيها؛ لأنها تنفيذ أمر أوصى به الميت.
القسم الثاني: أن يضحي عن الميت تبعًا، مثل أن يضحي
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب ما يستحب لمن توفي فجأة برقم (2670) .
(25/196)

الإنسان عنه وعن أهل بيته وينوي كل أقاربه الأحياء منهم والأموات وهذا أيضًا جائز ويمكن أن يقال: إن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم هذا عن محمد واس محمد" (1) يشمل الحي والميت منه ولكن الميت هنا دخل تبعًا والشيء الذي يتبع ليس كالشيء الذي يستقل.
القسم الثالث: أن يضحي للميت استقلالاً بدون وصية، فهذا هو ما ذكرته بأنه لا دليل عليه لا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الخلفاء الراشدين- رضي الله عنهم- أنهم ضحوا لأحد من الأموات استقلالاً بدون وصية.
وإذا قلت: إن الأضحية للأحياء وليس للأموات إلا تبعًا فهل مطلوب من أهل الميت أن يضحي كل واحد منهم عن نفسه؟ الجواب: لا، السنة أن يضحي رب البيت عنه وعن أهله، لا كل واحد في البيت يضحي ودليل ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحى بشاة واحدة عنه وعن أهل بيته، وقال أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه: (كان الرجل على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته) (2) ولو كان يشرع لكل واحد من أهل البيت أن يضحي لكان
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (6/391) .
(2) أخرجه الترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما جاء أن الشاة الواحدة تجزى عن أهل البيت (1505) .
(25/197)

ذلك ثابتًا في السنة، ومعلوم أن زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لم تكن واحدة منهن تضحي طوال صحبة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قال قائل لعل ذلك لفقرهن.
فالجواب: إن هذا احتمال وراد لكنه غير متيقن، لكنه جاء في الآثار بأن من زوجات الرسول - صلى الله عليه وسلم - من كانت غنية، وها هي أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- جاءت إليها فقيرة عليها دين كتابة أمة اشترت نفسها من أسيادها بتسع أواق من الفضة، والأوقية
أربعون درهم، فتكون تسع أواق ثلاث مئة وستين درهماَ، فجاءت تستعين أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- تقول: أعينيني قالت عائشة لها: (إن أحب أهلك أن أعدها لهم، ويكون ولاؤك لي
فعلت) (1) يعني أن أنقدها لهم نقدَا، وهذا يدل على أنه كان عندها مال، أتدرون كم تحصل من الغنم بثلاث مئة وستين درهماً. الشاة الواحدة تساوي والله أعلم عشرة دراهم.
والدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في مسالة الزكاة: أنه يعطي معها شاتين أو عشرين درهماً، وهذا يدل على أن الشاة في ذلك الوقت تساوي عشرة دراهم.
إذن الحصول على الأضحية في ذلك الوقت متيسر، ومع ذلك
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب البيوع، إذا اشترط في البيع شروط لا تحل (2168) .
(25/198)

لم يكن كل واحد من أهل البيت يذبح أضحية.
وفئة منا الآن أيسر الله عليها فصار بعض أصحاب البيوت كل فرد بأضحية مستقلة، ولعلهم يظنون أن الأضحية تشبه زكاة الفطر مطلوبة من كل واحد، وليس كذلك.
فالأضحية يذبحها قيّم البيت عن جميع أهل بيته وهذه هي السنة.
ثم إن الأضحية كما أشرت إليه آنفاً، المقصود منها: التقرب إلى الله بالذبح، بدليل أن الإنسان لو اشترى لحم عشر من الإبل وضحى بشاة واحدة فالأضحية بشاة واحدة أفضل، مع أن ذبح عشر من الإبل وتوزيعها على الفقراء أنفع لهم، لكن المقصود هو التقرب إلى الله تعالى بالذبح وعلى هذا نقول: إذا كانت الأضحية عبادة مشروعة فإن هذه العبادة يجب أن يتمشى فيها الإنسان على ما تقتضيه الشريعة، والشريعة، جاءت بشروط معينة للأضاحي وهي:
الشرط الأول: أن تكون من بهيمة الأنعام.
الشرط الثاني: أن تبلغ السن المعتبرة شرعًا.
الشرط الثالث: أن تكون سليمة من العيوب المانعة.
الشرط الرابع: أن تكون في الوقت المحدد لها شرعًا.
هذه هي الأضاحي التي جاء ذكرها في القرآن والسنة وأجمع
(25/199)

المسلمون على مشروعيتها، ولا ينبغي للإنسان أن يدعها.
فإذا قال قائل: هل يجزئ أن يشترك جماعة في أضحية واحدة؟
والجواب: إن كانت من الإبل أو البقر فنعم يشترك فيها سبعه، والسُّبع يقوم مقام الواحدة من الغنم، وعلى هذا فإنه يجوز أن يضحي بالسبع من الإبل أو البقر عنه وعن أهل بيته، لأن الشرك جاء على سبع، والسبع قائم مقام الشاة، لكن ظن بعض الناس أنه لا يجوز أن يجعل الإنسان السبع عنه وعن أهل بيته، فهذا ليس له أصل لا من السنة ولا من كلام أهل العلم، وإنما يجزئ السبع عما تجزئ عنه الشاة، فكما أن الإنسان يجوز أن يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته ولو كانوا مئة، يجوز أن يضحي بالسُّبع عنه وعن أهل بيته ولو كانوا مئة.
فإذا قال قائل: هل يجوز أن تجمع وصايا في وصية واحدة إذا كانت لا تكفي؟.
فالجواب: لا يجوز، لأن كل واحد من الموصين يريد أضحية مستقلة، هذا من جهة؛ ولأن الشرع لم يأت باشتراك أكثر من واحد في الواحدة من الضأن، أو الماعز، وإنما جاء الاشتراك في الإبل
والبقر، ولو جوزنا أن نجمع سبع وصايا لحكمنا أن الشاة الواحدة تجزئ عن سبعة، وهذا خلاف ما جاء في الشرع.
(25/200)

قد يقول قائل: أليس المراد الصدقة ولو أنك تصدقت بعشرة دراهم عن عشرة رجال لكانت جائزة؟
والجواب: نقول: لا، المقصود بالأضحية التقرب إلى الله عز وجل بالذبح، وإذا كان كذلك فلا بد من أن يكون جارَيا على ما تقتضيه الشريعة.
فإذا قال قائل: لو كانت الوصية لواحد لكنها نقصت عن العدد الذي عينه مثل أن يوصي شخص بثلثه ويجعل فيه عدة ضحايا فأضحية لوالديه، وأضحية لأجداده، وأضحية لزوجته، فنقص الريع
عن هذه الأضاحي، هل يجوز أن نجمعها في واحدة؟
الجواب: نعم يجوز؛ لأن الموصي واحد، ونحن نعلم علم اليقين أنه لو كان حيًّا لأجاز ذلك، والاشتراك في الثواب ليس كالاشتراك في الملك، بمعنى أنه يجوز أن أشرك في الثواب من شئت
حتى في الشاة الواحدة، فيجوز أن أقول هذه عني وعن أهل بيتي ولو كانوا عشرة، ويجوز أن أقول هذه عني وعن جميع المسلمين وهي شاة واحدة، فالثواب لا حصر له، لكن الملك لا يشترك اثنان فأكثر في أضحية واحدة، إلا فيما ورد الشرع فيه بالتعدد كالإبل والبقر.
ولعلنا نتمم ذلك بالكلام على العقيقة وهي: التي تذبح للمولود، وقد ثبتت في السنة، ومن العلماء من قال بوجوبها، وأن من
(25/201)

لم يعق عن ولده فهو آثم ولا شك أن العقيقة سنة مؤكدة، عن الذكر شاتان وعن الأنثى شاة واحدة، تذبح في اليوم السابع، لأن أيام الدهر تمر على هذا المولود فلما مرت عليه الأيام كلها صار أنسب ما يكون فيه التكرار، فإذا ولد المولود في يوم فإن العقيقة تكون في اليوم الذي قبله. إذا ولد يوم السبت فالعقيقة يوم الجمعة. وإذا ولد يوم الجمعة فالعقيقة يوم الخميس، المهم أن تكون العقيقة في اليوم الذي قبل يوم ولادته.
والعقيقة تؤكل، ويُطعم منها الجيران والفقراء، ويدعى إليها أيضَا، فهي جامعة نجين الدعوة إليها، والإطعام منها، والصدقة.
وأما الأضاحي فإنه يؤكل منها ويهدى ويتصدق.
والعقيقة إذا لم تكن في اليوم السابع فمتى تكون؟
والجواب: قال العلماء: تكون في اليوم الرابع عشر، وإذا فات تكون في اليوم الحادي والعشرين، وإذا فاتت لأسابيع فتذبحها في أي يوم، ولكن ينبغي للإنسان أن يحرص على أن تكون في اليوم السابع.
أما تسمية المولود: فإذا لم يكن الاسم قد أُعدّ فيؤجل إلى اليوم السابع، ليكون في اليوم الذي تكون فيه العقيقة، وإذا كان قد أُعدّ قبل فيسمى حين ولادته.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين.
(25/202)

العقيقة
*السنة في العقيقة
*معنى "كلام غلام مرتهن بعقيقته".
*ذبح العقيقة إذا قدم ضيف.
*من لم يجد ثمن العقيقة.
*الحكمة من كون العقيقة في اليوم السابع.
*المولود الميت هل يعق عنه؟
*الاشتراك في البدنة للعقيقة.
*من لم يعق عنه هل يعق عن نفسه؟
*حلق شعر المولود.
*هل يحلق شعر البنت؟
*التسمية وما يتعلق بها.
*من نزل منزلاً أو نجح في اختبار فهل يذبح ذبيحة؟
(25/203)

س134: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن معنى العقيقة، وما السنة في توزيعها.
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فالعقيقة، سنة مؤكدة ينبغي للقادر عليها أن يقوم بها، وهي مشروعة في حق الأب خاصة، تذبح في اليوم السابع من ولادة الطفل.
فإذا ولد في يوم الخميس مثلاً فإنها تذبح في يوم الأربعاء، وإذا ولد في يوم الأربعاء تذبح في يوم الثلاثاء.
المهم أنها تذبح قبل يوم من اليوم الذي ولد فيه من الأسبوع الثاني، وإنما ذكرت ذلك؟ لئلا يتعب الإنسان في العد متى يكون السابع.
فنقول: السابع هو ما قبل يوم ولادته من الأسبوع الثاني، فإذا ولد كما مثلت في الخميس كان يوم الأربعاء، وإذا ولد يوم الأربعاء كان يوم الثلاثاء وهلم جرّا، وتكون عن الذكر شاتان متكافئتان- أي متقاربتان في الكبر والسن والوصف- وعن الجارية الأنثى شاةً واحدة، وإن اقتصر على شاة واحدة في الذكر حصلت بها السنة، لكن الأكمل شاتان تذبح في اليوم السابع، ولابد أن تبلغ السن المعتبر
(25/205)

شرعًا وهو: ستة أشهر بالنسبة للضأن، وسنة للماعز لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضان" (1) ، وهذا عام في كل ما يذبح تقربًا إلى الله عز وجل كالعقيقة والهدي والأضحية، ولابد أن تكون سليمة من العيوب المانعة من
الإجزاء وهي أربعة بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سئل: ماذا يُتقى من الضحايا؟ فقال: "أربعًا، وأشار بيده، العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البيِّن عرجها، والعجفاء" (2) ، يعني الهزيلة التي تنقي أي ليس فيها مخ، وما كان مثل هذه العيوب فإنه بمنزلتها.
أما مقدار ما يؤكل ويوزع؟
فنقول: يؤكل منها ويهدى ويتصدق، وليس هنالك قدر لازم اتباعه في ذلك، فيأكل ما تيسر، وجهدي ما تيسر، ويتصدق بما تيسر، وإن شاء جمع عليها أقاربه وأصحابه، إما في البلد وإما خارج البلد، ولكن في هذه الحال لابد أن يعطي الفقير منها شيئًا، ولا حرج أن يطبخها ويوزع هذا المطبوخ، أو يوزعها وهي نية، والأمر في هذا
واسع.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية برقم (1963) .
(2) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الضحايا برقم (1) .
(25/206)

إذا لم يتيسر أن تذبح في اليوم السابع، فإن العلماء يقولون: تذبح في اليوم الرابع عشر، فإذا لم يتيسر تذبح في اليوم الحادي والعشرين، ثم بعد ذلك لا تعتبر الأسابيع، هكذا قال أهل العلم، والأمر في هذا واسع، لو أنه مثلاً ذبح في الثامن، أو العاشر، أما ما أشبه ذلك أجزأه، لكن الأفضل أن يحافظ على اليوم السابع.
س135: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل غلام مرتهن بعقيقته؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل غلام مرتهن بعقيقته" (1) أن الغلام محبوس عن الشفاعة لوالديه يوم القيامة إذا لم يعق عنه أبوه، هكذا فسره بعض أهل العلم، وقال بعض العلماء: (مرتهن بعقيقته) يعني: أن العقيقة من أسباب انطلاق الطفل في مصالح دينه ودنياه، وانشراح صدره عند ذلك، وأنه إذا لم يعق عنه فإن هذا قد يحدث له حالة نفسية توجب أن يكون كالمرتهن، وهذا القول أقرب، وأن العقيقة من أسباب صلاح الولد، وانشراح صدره، ومضيه في أعماله.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (5/7، 12، 17) وأبو داود، كتاب الضحايا باب العقيقة (2838) والترمذي، كتاب الأضاحي، باب مدة العقيقة (1522) .
(25/207)

س136: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن العقيقة إذا ذبحها بمناسبة قدوم ضيف فهل تجزئ؟
فأجاب بقوله: لا تجزئ؛ لأن العبادة يجب أن تكون خالصة، ولأنه لو فتح هذا الباب لانسد باب العقيقة، وصار كل من حصل له مناسبة ذبح شيئًا ونواه عقيقة، وإذا لم يكن مناسبة أخر العقيقة حتى تحصل المناسبة، وهذا معناه سقوط ذبح العقيقة بنية العبادة؛ ولأن فعل هذا مقصود به إحياء ماله ووقايته، وقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله في المزكي أنه لا يحابي في زكاته، ولا يدفع بها مذمة، ولا يحيي بها مسألة، ولا فرق بين أن يعينها عقيقة من قبل أن ينزل به الضيف، أو يشتري ذلك بعد نزوله به؛ لأن المعنى واحد، وإذا كان قد عينها من قبل فلينتظر وليشتر للضيف غيرها، نعم لو ذبحها قبل نزول الضيف به ثم صادف نزوله به بعد ذلك فهذا لا شك أنها تجزئ، أو نوى أن يذبحها في اليوم المعين فنزل به الضيف ذلك اليوم فالظاهر أنها تجزئ أيضًا.
س137: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن معنى العقيقة؟ وهل هي سنة مؤكدة أو مستحبة؟ ومن لم يفعلها هل هو آثم؟
فأجاب بقوله: العقيقة هي: الذبيحة عن المولود، وهي
(25/208)

مأخوذة من العق وهو: القطع؛ لأن الذابح يقطع أوداجها وما يجب أن يقطع في حال الذبح.
وهي سنة للمولود الذكر اثنتان، وتجزئ واحدة، وللأنثى واحدة، والسنة أن يكون ذبحها في اليوم السابع من ولادته، قال العلماء: فإن فات ففي أربعة عشر، فإن فات ففي واحد وعشرين، فإن فات ففي أي يوم، ويأكل منها، ويهدي ويتصدق، وإن شاء جمع عليها أصحابه وأقاربه وجيرانه، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها على القادر، والصحيح أنها ليست بواجبة على القادر، وإنما
يكره للقادر تركها.
س138: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما معنى عقيقة المولد؟ وهل هي فرض أم سنة؟
فأجاب بقوله: عقيقة المولود هي: الذبيحة التي تذبح تقربًا إلى الله عز وجل، وشكرًا له على نعمة المولود في اليوم السابع من ولادته.
وقد اختلف أهل العلم في كونها سنة، أو واجبة، وأكثر أهل العلم على أنها سنة مؤكدة، حتى إن الإمام أحمد- رحمه الله- قال: يقترض ويعق.
(25/209)

يعني أن الذي ليس عنده مال يقترض ويعق، ويخلف الله عليه، لأنه يحي سنة، والمراد بقوله رحمه الله (يقترض) أي من يرجو الوفاء في المستقبل، وأما الذي لا يرجو الوفاء في المستقبل فلا ينبغي أن
يقترض ليعق؟ وهذا من الإمام أحمد رحمه الله دليل على أنها سنة مؤكدة وهو كذلك، فينبغي أن يعق الإنسان اثنتين عن الذكر، وعن الأنثى واحدة، وتكون في اليوم السابع يأكل منها، وجهدي ويتصدق، ولا حرج أن يتصدق منها، ويجمع عليها الأقارب والجيران يأكلونها مطبوخة مع الطعام.
س139: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن رجل لم يذبح العقيقة لكونه لا يجد المال فهل عليه شيء؟
فأجاب بقوله: ليس عليك شيء ما دمت لا تستطيع أن تقوم بهذا العمل؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: (فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) ويقول: (لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (2) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (3) ، فإذا كان الإنسان فقيرَا عند
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) سورة البقرة، الآية: 286.
(3) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره - صلى الله عليه وسلم - وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع ونحو ذلك (1337) .
(25/210)

ولادة أولاده فليس عليه عقيقة؛ لأنه عاجز والعبادات تسقط بالعجز عنها.
س140: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: الهدايا التي تقدم للأطفال حديثي الولادة هل للأم التصرف فيها بإهداء أو بيع أو نحوه؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: الهدايا التي يهدى للمولود أول ما يولد هي ملك له، والأم ليس لها ولاية على ولدها مع وجود أبيه، وعلى هذا فلا يحل لها أن تتصرف فيها إلا بإذن أبيه، فإذا أذن فلا
بأس، وسواء كان المولود بنتًا أو ابنًا الحق في المال للأب لا للأم.
س141: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يستدين الإنسان لأجل العقيقة؟
فأجاب بقوله: الاستقراض من أجل العقيقة ينظر إذا كان يرجو الوفاء كرجل موظف لكن صادف وقت العقيقة أنه ليس عنده دراهم فاستقرض من أحد حتى يأتي الراتب، فهذا لا بأس به، وأما
إذا كان لا يرجو الوفاء ليس له مصدر يرجو الوفاء منه فهذا لا ينبغي له أن يستقرض.
(25/211)

قال الإمام أحمد رحمه الله في العقيقة: يقترض يخلف الله عليه، لأنه أحيا سنة، لكن يُحمل كلامه على ما ذكرت على التفصيل، يعني شخصًا يستطيع أن يوفي، وإذا كان معسرًا في الطفل الأول وبعد أربعة أطفال أنعم الله عليه بالمال فإنه يبتدئ من الأخير الذي أنعم الله عليه حين ولادته، أما الأولون فقد سقطت عنه عقيقتهم؛ لأنه كان معسرًا.
س142: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من لم يعق عن أحدٍ من أولاده فماذا عليه الآن؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إذا عق عنهم الآن فهو حسن، إذا كان جاهلاً أو يقول: غدًا أعق، حتى تمادى به الوقت.
أما إذا كان فقيرًا حين مشروعية العقيقة فلا شيء عليه.
س143: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الحكمة في أن العقيقة تسن في السابع؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: ذكر ابن القيم أن من الحكمة في ذلك أن اليوم السابع يصادف تمام مرور أيام الدهر عليه كلها، قال رحمه الله: وحكمة هذا والله أعلم أن الطفل حين يولد يكون أمره
متردداً فيه بين السلامة والعطب إلى أن تأتي عليه مدة يستدل بما
(25/212)

يشاهد من أحواله فيها على سلامة بنيته، وصحة خلقته، وأنه قابل للحياة، وجعل مقدار تلك المدة أيام الأسبوع، فإنه دور يومي، وهذه الأيام أول مراتب العمر، فإذا استكملها المولود انتقل إلى المرتبة الثانية وهي الشهور، كانت ستة الأيام غاية تمام الخلق، وجعل فك رهانه في اليوم السابع، كما جعل الله اليوم السابع من الأسبوع عيدًا لهم، وفيه اجتماع الخليقة، وقد جرت حكمة الله بتغيير حال العبد في كل سبعة، والسبعة طور من أطواره وطبق من أطباقه. اهـ بمعناه.
س144: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأيك فيمن يؤخر العقيقة عن وقتها؟ وما معنى قول النبي ي: (كل غلام مرتهن بعقيقته) (1) ؟ حفظكم الله ورعاكم
فأجاب بقوله: الصحيح أن العقيقة ليست واجبة وأنها سنة مؤكدة ولا ينبغي للإنسان تركها حتى إن الإمام أحمد رحمه الله قال: (إذا لم يجد فليستقرض ويخلف الله عليه، إنه أحيا سنة) لكن قول
الإمام أحمد رحمه الله فليستقرض مقيد بما إذا كان يرجو الوفاء كإنسان حلت عليه العقيقة وليس عنده دراهم لكن يعرف في آخر الشهر سيأتيه الراتب، فهذا نقول له: استقرض واذبح العقيقة في
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (5/7) .
(25/213)

وقتها في اليوم السابع، أما الإنسان الذي لا يرجو الوفاء فلا يستقرض؛ لأن العقيقة سنة، والدين واجب قضاؤه، أما من أخرها بلا عذر وكان من نيته أن يفعل لكنه تهاون فهذا- إن شاء الله-
يؤجر عليها، لكن أجرها أقل من ذبحها في وقتها وهو اليوم السابع من ولادته، فإذا ولد الإنسان في يوم الأربعاء فتكون العقيقة يوم الثلاثاء، وهذه قاعدة في اليوم الذي قبل ولادته تكون العقيقة، وإن
ولد يوم الأربعاء فالعقيقة يوم الثلاثاء، وإن ولد يوم الثلاثاء فالعقيقة يوم الاثنين، وإن ولد يوم الاثنين فالعقيقة يوم الأحد وهلم جرًّا.
وأما التوزيعْ فالأفضل: أن يوزعها ويدعو إليها، يوزع البعض على الفقراء وعلى الجيران ويدعو حتى يظهر السنة وتتبين السنة.
ومعنى الحديث: "كل غلام مرتهن بعقيقته" (1) قال بعض أهل العلم: إنه مرتهن لا يشفع لوالديه يوم القيامة، ولكن ابن القيم- رحمه الله- ضعف هذا القول، وقال: مرتهن أنه يكون منحبسًا
منقبضًا، قد يفوته الكثير من المصالح؛ لأن المرتهن الشيء المحبوس، كما لو رهنت مثلاً السيارة عند الدائن فقد انحبست عنك مصلحتها.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (5/7) .
(25/214)

س145: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل هناك زمن محدد لذبح العقيقة؟ ومتى يحلق شعر المولود؟ وهل هو خاص بالذكر؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: شعر المولود يحلق في اليوم السابع إذا كان ذكرًا، وأما الأنثى فلا يحلق رأسها، وإذا حلق شعر الرأس فإنه يتصدق بوزنه فضة كما جاء في الحديث (1) ، فالأفضل أن تكون في اليوم السابع، قال العلماء: فإن فات اليوم السابع ففي اليوم الرابع عشر، فإن فات ففي اليوم الحادي والعشرين، فإن فات ففي أي وقت، على أنه لا حرج أن يذبح العقيقة في اليوم السادس، أو الخامس، أو العاشر، أو الثاني عشر، لكن الأوقات المفضلّة هي: فقط السابع، والرابع عشر، والحادي والعشرين.
س146: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل تشرع العقيقة للميت؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:
__________
(1) أخرجه الترمذي، كتاب الأضاحي، باب العقيقة بشاة (1519) .
(25/215)

العقيقة لا تشرع للميت وإنما تشرع عند الولادة في اليوم السابع من ولادة الإنسان، فيشرع لأبيه أن يعق عن هذا الولد، سواء كان ذكرًا أم أنثى، لكن الذكر له عقيقتان، والأنثى لها عقيقة واحدة،
تذبح في اليوم السابع ويؤكل منها ويتصدق، ولا حرج على الإنسان إذا ذبحها في اليوم السابع أن يدعو إليها أقاربه وجير انه، وأن يتصدق منها بشيء، فيجمع بين هذا وهذا، وإذا كان الإنسان غير واسع اليد، وعق عن الذكر بواحدة أجزأ ذلك.
قال العلماء: وإذا لم يمكن في اليوم السابع ففي اليوم الرابع عشر، فإن لم يمكن ففي اليوم الحادي والعشرين فإن لم يمكن ففي أي يوم شاء.
وأما الميت فإنه لا يعق عنه، ولكن يدعى له بالرحمة والمغفرة، والدعاء له خير من غيره؟ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (1) فقال عليه الصلاة والسلام: أو ولد صالح يدعو له، ولم يقل: (أو ولد صالح يصوم له، أو يصلي له، أو يتصدق عنه) أو ما أشبه هذا، فدل على أن الدعاء أفضل من العمل الذي يهدى إلى الميت، وإن أهدى الإنسان إلى الميت عملاً صالحًا كأن
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته (1631) .
(25/216)

يتصدق بشيء ينويه للميت، أو يصلي ركعتين ينويها للميت، أو يقرأ قرآن يقرأه للميت فلا حرج في ذلك، ولكن الدعاء أفضل من هذا
كله؛ لأنه هو الذي أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
س147: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: رجل له بنات ولم يعق لهن، وهن الآن متزوجات فما على والدهن؟
فأجاب بقوله: العقيقة سنة مؤكدة، للذكر اثنتان وللأنثى واحدة، وإذا اقتصر على واحدة للذكر فلا حرج، وهي سنة في حق الأب، فإذا جاء وقت العقيقة وهو فقير فليس عليه شيء، لقول الله
تعالى: (فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) وإذا كان غنيًّا فهي باقية على الأب، وليس على الأم ولا على الأولاد شيء منها.
س148: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: رجل أجل عقيقة ولده حتى ترجع زوجته إلى بيته بعد الولادة؟ لكي يجمع عليها الأقارب، فهل يجوز أم لا؟
فأجاب بقوله: الظاهر الإجزاء إن شاء الله، إذا أظهر أنها هي عقيقة الولد.
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(25/217)

س149: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز أن يشترك سبعة من الرجال في جل، ولكنها ليس في أضحية وإنما في عقيقة قياسا على الأضحية؟
فأجاب بقوله: لا يصح الاشتراك في البقر أو الإبل في العقيقة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر في العقيقة أنها عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة (1) ، فلابد من نفس كاملة، ولو اشترك جماعة في بعير لم يكن كل واحد منهم أتى بنفس كاملة إنما أتى ببعض نفس، ولهذا قال العلماء:
إنه لا يجزئ في العقيقة اشتراك في بعير أو بقرة، بل قالوا: إن الشاة في باب العقيقة أفضل من البعير، فلو جاءنا إنسان وقال: أنا أحب أن أعق عن ولدي بقرة صغيرة هل هذا أفضل أو أن أعق بشاة؟ قلنا: الشاة أفضل؛ لأن هذا هو الذي وردت به السنة، ودع البقرة الصغيرة لك للأكل، أما العقيقة فاذبحها من الغنم كما جاء في الحديث.
س150: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: جماعة إذا ولد لهم مولود يوم الخميس قاموا بذبح خروف الخميس المقبل وتوزيعه لثلاثة أقسام، قسمان للأصهار وقسم للزوج، فهل يصح فعلهم،
وإذا لم يعط الأصهار سبب شقاق ونزاع؟
__________
(1) رواه أبو داود (برقم 2835) .
(25/218)

فأجاب- رحمه الله- بقوله: ما ذكر عن عمل هؤلاء في العقيقة، فنقول: العقيقة سنة مؤكدة لا ينبغي للقادر عليها أن يدعها، وُيسن أن تذبح في اليوم السابع من الولادة، لا في اليوم الثامن كما قال السائل.
فإذا ولد في يوم الأربعاء مثلاً كانت العقيقة في يوم الثلاثاء، وإذا ولد في يوم الثلاثاء كانت العقيقة يوم الاثنين، وإذا ولد في يوم الاثنين كانت العقيقة في يوم الأحد، وإذا ولد في يوم الأحد كانت
العقيقة في يوم السبت، وهكذا.
ثم أن العقيقة لا تسن من غير الغنم لا تسن من البقر ولا من الإبل، وإنما السنة أن تكون من الغنم، عن الذكر شاتان وعن الأنثى شاة واحدة، ومع قلة ذات اليد تكفي شاة واحدة عن الذكر.
ثم إنه لا ينبغي أن يكون بين الزوج وأصهاره شيء من الشقاق والنزاع من أجل توزيع هذه العقيقة، بل توزع إما أثلاثًا، أو أنصافًا، يجعل للفقراء منها نصيب، وللأهل والجيران منها نصيب،
وللأصدقاء منها نصيب، وإن شاء صاحبها إذا أدى ما للفقراء منها أن يطبخها ويجمع عليها فلا بأس، والأمر في هذا واسع، قال العلماء: وإذا فات ذبحها في اليوم السابع فإنها تذبح في اليوم الرابع عشر، وإذا فات في اليوم الرابع عشر فإنها تذبح في اليوم الحادي والعشرين،
(25/219)

وما بعد ذلك لا تعتبر الأسابيع، ولكن ليحرص على أن يكون ذبحها في اليوم السابع.
س151: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله- هل يجوز ذبح الماعز قي العقيقة أم لا يجوز؟ وهل يجوز ذبحها في العرس؟
فأجاب- رحمه الله بقوله-: أما سؤاله عن ذبح الماعز في العقيقة فيجوز؛ لأنه قد يظن الظان أنه لا يجزئ إلا الشاة من الضأن، وليس كذلك، فتجزئ الواحدة من الضأن أو الماعز، والأفضل من الضأن، وأن تكون سمينة كثيرة اللحم، وهي عن الغلام شاتان وعن الجارية الشاة تذبح في اليوم السابع.
قال أهل العلم: فإن فات ففي اليوم الرابع عشر، فإن فات ففي اليوم الحادي والعشرين ثم لا تعتبر الأسابيع بعد ذلك فبعد الحادي والعشرين يذبحها في أي يوم، والماعز تقوم مقام الشاة، والبعير والبقرة تقوم مقام الشاة، لكن لا شرك فيها، فلا يمكن أن يجمع سبع عقائق في بعير أو بقرة؛ لأنه لابد أن تكون نفسَا مستقلة.
وأما السؤال الثاني: عن ذبح الماعز في العرس فلا وجه له؛ لأن المقصود في العرس إقامة الوليمة سواء بالدجاج أو الماعز أو بالضأن أو بالبقر أو بالغنم.
(25/220)

س152: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من لم يعق عن أولاده ثم توفي فهل تسقط العقيقة، أو يعق الأولاد عن أنفسهم؟
فأجاب بقوله: العقيقة سنة مؤكدة على القادر وهي شاتان عن الذكر وشاة عن الأنثى، والأفضل ذبحها يوم السابع من الولادة، فإذا ولد في يوم الثلاثاء مثلاً فيوم عقيقته يوم الاثنين من الأسبوع
الثاني، وإذا ولد يوم الجمعة فيوم عقيقته يوم الخميس من الأسبوع الثاني وهكذا، فإن فات السابع ففي اليوم الرابع عشر، وإن فات الرابع عشر ففي اليوم الحادي والعشرين، فإن فات اليوم الحادي
والعشرين ففي أي يوم، هكذا قال الفقهاء رحمهم الله.
وإذا كان الإنسان وهو أبو الولد في ذلك الوقت غير موسر فإنها تسقط عنه العقيقة؛ لأنها إنما تشرع لمن كان موسرًا، أما الفقير فإنه لا يكلف بها وهو عاجز عنها لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) وقوله: (لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (2) فهذا الرجل الذي قد مات وعنده أبناء لم يعق عنهم ننظر إذا كان معسرًا لم يتمكن من العق عنهم فإنها لا تقضى عنه، لأنها ليست مشروعة في حقه، وإن كان موسرًا ولكن ترك ذلك تهاونًا فإن كان في الورثة قصر أي دون
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) سورة البقرة، الآية: 286.
(25/221)

البلوغ أو عندهم تخلف في العقل فإنه لا يؤخذ من نصيبهم شيء لهذه العقيقة، وإن كانوا أي الورثة مرشدين وأحبوا أن يعقوا من مال والدهم باتفاق الجميع فلا بأس، وإن لم يكن ذلك وأراد كل واحد منهم أن يعق عن نفسه نيابة عن أبيه، أو قضاء عن أبيه فلا بأس.
س153: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من علم أن والده لم يعق عنه فهل يقوم بالعقيقة، ولو بلغ عمره أربعين سنة؟
فأجاب بقوله: يرى بعض أهل العلم أن الإنسان يجوز له أن يعق عن نفسه إذا كان أبوه لم يعق عنه.
ويرى آخرون أن العقيقة مختصة بالأب فهو المسئول عنها أولاً وآخراً، فإن عق فله الأجر وإن لم يعق فقد فاته الأجر.
س154: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من لم يعق عن أولاده، وقد توفي بعضهم فماذا يلزمه؟
فأجاب رحمه الله- بقوله: إذا كان هؤلاء الذين ماتوا أو كبروا ولدوا في حال فقر لأبيهم وعدم القدرة على العقيقة فإنه لا شيء عليه؛ لأنه حين وجود السبب كان غير قادر على تنفيذ العقيقة فلا
شيء عليه.
(25/222)

أما إذا كان حين ولادة هؤلاء وحلول عقيقتهم كان غنيًا ولكن طالت به الأيام فإنا نرى أنه ينبغي له أن يعق الآن عن الأحياء وعن الأموات.
س155: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل الإنسان إذا لم يعق عنه وهو صغير هل تشرع له وهو كبير؟
فأجاب بقوله: إن كان أبوه فقيرًا وقت مشروعية العقيقة فلا شيء عليه ولو اغتنى فيما بعد، كما أن الرجل لو كان فقيرًا لا زكاة عليه ولو اغتنى فيما بعد فتسقط العقيقة لعدم القدرة عليها، وأما إذا
كان غنيًّا وأخر العقيقة، فهذا يعق ولو كبر الولد.
أما الوقت الأفضل لذبح العقيقة ففي: اليوم السابع، ثم الرابع عشر، ثم الحادي والعشرين، ثم بعد ذلك لا تعتبر الأسابيع، وهي للذكر اثنتان وإن اقتصر على واحدة أجزأ، وللأنثى واحدة،
والأفضل ألا يزيد؛ لأنه إذا فتحت باب الزيادة صار الناس يتباهون في هذا، وربما تصل إلى عشرات، فيقال: اقتصره على السنة.
فإذا قال: لي أصحاب، ولي أقارب، ولي جيران، قلنا: وليكن إن كفت الواحدة للأنثى أو الاثنتان للذكر هذا المطلوب، وإن لم تكف فاشتر دجاجًا، أو لحمًا، ولا تذبح سوى ما جاءت به السنة.
(25/223)

س156: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من له مجموعة من الأولاد، ولم يعق إلا عن واحد منهم فماذا يلزمه؟
فأجاب بقوله: إذا كان هذا الأب الذي لم يعق عن جميع أولاده فقيرًا فلا شيء عليه؛ لأن العقيقة مثل الزكاة فكما أن الفقير لا زكاة عليه، فالفقير لا عقيقة عليه، وأما إذا كان غنيًّا ويقول اليوم، غدًا، بعد غد فهنا نقول: عق عن أولادك الذين لم تعق عنهم، فإذا أراد شخص أن يعق عن نفسه فليستأذن من أبيه ويقول: إني أريد أن أعق عن نفسي؛ لأن المخاطب بالعقيقة هو الأب.
س157: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: رجل لم يعق عن بناته حيث توفين وهن صغار فماذا يلزمه؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: إذا كان وقت مشروعية العقيقة فقيرًا فإنها تسقط عنه ولا شيء عليه، وإن كان قادراً لكنه يقول اليوم أعق، غدًا أعق، إلى يومنا هذا، فإنه يعق الآن ولا شيء عليه، وإن كان قد تعمد الترك فإنه لا ينفعه أن يعق الآن.
فالأحوال ثلاثة: إذا كان فقيرًا حين مشروعية العقيقة فلا شيء عليه، إن كان غنيًّا، ولكنه يقول اليوم، غدًا، بعد غد فيعق الآن.
وإن كان غنيًّا ولكن تعمد أن يتركها فإنه لا يعق.
(25/224)

س158: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن مولود توفي بعد الولادة مباشرة هل تجب له العقيقة؟
فأجاب بقوله: إذا ولد المولود بعد تمام أربعة أشهر فإنه يعق عنه ويسمي؛ لأنه بعد أربعة أشهر تنفخ فيه الروح ويبعث يوم القيامة.
س159: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: السقط هل له عقيقة؟ وإذا مات بعد الولادة بيومين أو نفخت عليه شهر أو أكثر، فهل يعق عنه؟
فأجاب- رحمه الله بقوله: السقط إذا مات قبل أربعة أشهر فليس بآدمي، بل هو قطعة لحم يدفن في أي مكان كان، ولا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يبعث يوم القيامة.
وإذا كان بعد أربعة أشهر فقد نفخت فيه الروح وصار إنسانًا، فإذا سقط فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ويسمى ويعق عنه، لكن العقيقة عنه ليست كالعقيقة عمن ولد حيًّا، وبقي يومًا أو يومين،
والعقيقة عمن بقي يومًا أو يومين ليست كالعقيقة عمن أتم سبعة أيام، ولهذا بين النبي عليه الصلاة والسلام "أن العقيقة تذبح في اليوم السابع" (1) ، فمن العلماء من قال: إذا مات الطفل قبل اليوم
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (5/7) .
(25/225)

السابع أو خرج ميتًا فإنه لا يعق عنه؛ لأنه لم يأت الوقت الذي تسن فيه العقيقة وهو اليوم السابع.
ولهذا قلنا: إن المسألة على الترتيب: من سقط من بطن أمه قبل أن يتم له أربعة أشهر، فهذا لا يعق عنه ولا يسمى، وليس له حكم الآدمي، فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ويدفن في أي مكان من الأرض.
ومن سقط بعد أربعة أشهر ميتًا فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ويسمى ويعق عنه.
ومن سقط حيًّا وبقي يوم أو يومين ومات قبل السابع فهو كذلك أيضا يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في المقابر مع الناس، ويعق عنه، وهذا هو الذي فيه خلاف، ومن بقي إلى اليوم السابع ثم
مات بعده فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين، ويسمى ويعق عنه.
س160: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله-: الطفل الذي يولد ميتًا، أو الذي لا يعيش إلا يومين هل يعق عنه؟ وهل يسمى؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله-: إذا كان قد نفخت فيه الروح وهو الذي بلغ أربعة أشهر فإنه يسمى ويعق عنه، ويغسل، ويكفن،
(25/226)

ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين ويبعث يوم القيامة، وإن كان قبل نفخ الروح فيه أي قبل أربعة أشهر فليس عنه عقيقة، ولا يسمى، ولا يغسل ولا يكفن، ولا يدفن في المقابر، وإنما يحفر له حفرة في مكان ما ولدفن.
س161: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: امرأة رزقت بستة أولاد ولم يعق زوجها إلا عن اثنين منهم، والباقي منهم ماتوا في أول أعمارهم، فهل تعق عنهم؟
فأجاب بقوله: ليس عليها شيء في ذلك؛ لأن المخاطب بالعقيقة هو الأب، وإذا جاء زمن العقيقة وهو غير قادر سقطت عنه؛ لأن الله عز وجل قال: (لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (1) ، فإذا كان الرجل الذي ليس عنده مال يسقط عنه الحج، وتسقط عنه الزكاة فهذا من باب أولى، فنقول: إن أباهم إذا كان حين ولادتهم غير قادر على العق عنهم فليس عليه شيء، وإذا كان غنيَا فقد ترك مستحبَا، وأما أنت أيتها المرأة وأولادك فلا شيء عليكم إطلاقَا؛ لأنكم غير مطالبين
بالعقيقة وإنما المخاطب هو الأب.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(25/227)

س162: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن طفل مات قبل اليوم السابع بيوم واحد، ولم يسم ولم يعق عنه، ولم يصل عليه، وقد مضى عليه ثلاث سنوات فماذا يلزم والده الآن؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
الواجب في حق هذا الطفل أن يغسل ويكفن ويصلى عليه سواء كان أبوه حاضرًا أم غائبًا، والقضية المسؤول عنها أن هذا الطفل لم يصل عليه- ولا أدري إن غسل وكفن أم لا- لكن ما ذكر
في السؤال من أنه: لم يصل على الطفل، فإن كان أبوه يعلم مكان قبره فليذهب إلى قبره وليصل عليه ولو بعد ثلاث سنوات، فإن لم يعلم قبره صلى عليه صلاة الغائب، لتعذر حضوره بين يديه.
فإن قال قائل: لماذا لا تقولون يذهب إلى المقبرة ويجعل القبور كلها بين يديه ويصلي؟
قلنا الجواب: لا نقول هذا؛ لأنه حتى لو فعل هذا الفعل قد يكون محاذيًا لوسط القبور وابنه في الطرف اليمين أو الشمال فلا يتمكن من محاذاته، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن يصلي عليه صلاة
الغائب.
(25/228)

أما بالنسبة للتسمية: فليسمه الآن ولا حرج.
وأما بالنسبة للعقيقة: فليعق الآن؛ لأن كون العقيقة في اليوم السابع سنة فقط، ولو ذبحت في غير اليوم السابع أجزأت.
والعقيقة الأفضل أن تكون عن الذكر شاتين وعن الأنثى شاة واحدة، وإن اقتصر في الذكر على شاة واحدة أجزأت لكن الاثنتان أفضل.
س163: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل الولد الصغير الذي يسقط قبل أن يتم هل له عقيقة أم لا؟
فأجاب بقوله: ما سقط قبل تمام أربعة أشهر فهذا ليس له عقيقة، ولا يسمى ولا يصلى عليه، ويدفن في أي مكان من الأرض.
وأما بعد أربعة أشهر فهذا قد نفخت فيه الروح؟ فيسمى ويغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين، ويعق عنه على ما نراه، لكن بعض العلماء يقول: لا يعق عنه حتى يتم سبعة أيام حيًّا، لكن الصحيح أنه يعق عنه، لأنه سوف يبعث يوم القيامة، ويكون شافعً الوالديه.
س164: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أم قد توفي بعض أطفالها قبل أن يُعق عنهم فهل تلزمها العقيقة بعد وفاتهم؟
(25/229)

فأجاب بقوله: العقيقة وهي: الذبيحة التي تذبح للمولود في يوم سابعه.
وتكون اثنتين للذكر، وواحدة للأنثى، هي من شؤون الأب ومن مسؤوليات الأب، والأم ليس عليها عقيقة لأولادها، وإنما يخاطب بذلك الأب وحده، فإن كان موسرًا فإن الأفضل في حقه أن
يذبح للغلام شاتان وعن الجارية شاة، وإن كان معسرَا فلا يكلف الله نفسًا إلا ما آتاها، وليس عليه شيء.
(25/230)

رسالة
فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين- حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل يجوز لهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية أن تأخذ المال الخاص بالعقيقة، لكي تنفذه خارج البلاد وتوزعه على الفقراء والمحتاجين في تلك البلاد وجزاكم الله خيرًا؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الجواب: هذا كالأضحية تمامًا، فالعقيقة تعق عن الإنسان في بيته ليتبين أنها شكر لله على هذا الولد من ذكر أو أنثى، أما أن تصرف دراهم لمن كان بعيدًا فهذا لمس بصواب، وليس من كمال السنة،
ويجب على الإغاثة الإسلامية ألا يكون همها جمع المال سواء كان عن طريق فاضل، أو عن طريق مفضول، بل الواجب اتباع ما هو أفضل وأحب إلى الله عز وجل.
والتبرع له باب، والشعائر لها باب، فلذلك يجب أن تنتبه هيئة الإغاثة لذلك، ويجب أن ننبه الناس على هذا ونقول: زكاة الفطر، والأضحية والعقيقة والهدي كلها لا تخرج من البلاد تكون في البلاد، أما زكاة المال هل تخرج وفي البلد فقراء، أو لا تخرج؟ ففيها خلاف مشهور بين العلماء.
(25/231)

س165: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند ولادة المولود؟
فأجاب- رحمه الله بقوله: من السنة حين يولد المولود: أن يؤذن في أذنه اليمنى الأذان المعروف، قال أهل العلم: ليكون أول ما يسمعه هو الدعاء إلى الصلاة، والدعاء إلى الفلاح، مع تكبير الله
وتوحيده.
ومن السنن: أنه إذا كان اليوم السابع حلق رأس الذكر، وتصدق بوزنه فضة، وتذبح العقيقة في اليوم السابع، وهي شاتان عن الذكر، وشاة واحدة عن الأنثى، تذبح في اليوم السابع، ويؤكل
منها ويوزع منها هدية وصدقة.
وأما التسمية فإن كان الاسم قد أُعّد من قبل الولادة فلتكن التسمية عند الولادة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على أهله ذات يوم وقال: "ولد لي الليلة ولد، وسميته إبراهيم " (1) وإن كانت التسمية لم تُعدّ فلتكن في اليوم السابع عند ذبح العقيقة، وينبغي للإنسان أن يُحسّن
اسم ابنه، واسم ابنته، وأحب الأسماء إلى الله من أسماء الذكور عبد الله وعبد الرحمن، وكذلك ما عبد لله عز وجل، مثل عبد الكريم، وعبدا لعزيز، وعبد الوهاب، وعبد المنان، وما أشبه ذلك، ثم أسماء
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته غغع بالصبيان والعيال (2315) .
(25/232)

الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ويوسف، وما أشبه هذا، ثم الأسماء الأخرى التي يعتادها الناس ما لم يكن اسمًا لا يليق بالبشر أو كانت أسماء لأصنام، أو أسماء
لرؤساء كفرة وما أشبه ذلك فإنه لا يسمى بها، ويحرم أن يسمى مولود باسم يعبد لغير الله تعالى كعبد الكعبة، أو عبد النبي، أو عبد الرسول، أو عبد الحسين، وكذلك الأسماء التي تدل على تزكية فإنه لا يسمى بها ولهذا غير النبي - صلى الله عليه وسلم - اسم برة إلى اسم زينب (1) ، لأن برة
فيها تزكية.
س166: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما السنة التي تُفعل عندما يرزق المسلم بمولود؟
فأجاب بقوله: من السنة أولاً: أن يبادر بتسميته إذا كان قد هيئ الاسم، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن وهذا أفضل ما يكون أن تسمي ابنك عبد الله أو عبد الرحمن، والظاهر لي:
- والله أعلم- أنه يلي هذا كل اسم مضاف إلى أسماء الله عز وجل مثل عبد الوهاب وعبد الكريم وعبد الحفيظ وعبد الولي وما أشبه
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الأداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن وتغيير اسم برقم (140) .
(25/233)

ذلك، فاختر له من الأسماء أحسن الأسماء.
ثانيًا: إذا كان هناك شخص يحنكه فيمضغ تمرة ويمسحها بحنك الصبي، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ولد للصحابة ولد أتوا به يحنكه (1) .
وهذا من العلماء من قال: إنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن ريقه بركة وغيره لا يساويه.
ومنهم من قال: إن الحكمة من ذلك: أنه يكون أول ما يصل إلى معدة هذا المولود طعم التمر؛ لأن التمر فيه خير كثير، فمريم بنت عمران عندما جاءها المخاض يسر الله لها نخلة فبقيت عند جذع
النخلة فقيل لها: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) (2) ، والله أعلم هل هذا رطب من أصله، أو أن الله خلقه في الحال فالله أعلم لكن الآية تدل: على أنها امرأة أجاءها المخاض إلى جذع النخلة، والمرأة النفساء في العادة تكون ضعيفة ومع هذا قيل لها (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) (3) والمعنى: أسفلها والعادة أن أسفل
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب العقيقة، باب تسمية المولود، ومسلم، كتاب الأداب، باب استحباب تحنيك المولود (1689) .
(2) سورة مريم، الآية: 25.
(3) سورة مريم، الآية: 25.
(25/234)

النخلة إذا هزه الإنسان لا يهتز أعلاه، ثم تدل الآية على أنه: إذا هزت جذعها وتساقط عليها وهو رطب جني فلا يفسدُ بسقوطه على الأرض، والعادة أن الرطب إذا سقط من فوق فسد وهذه من آيات الله عز وجل.
ثالثًا: ويشرع أيضًا العقيقة له يوم السابع فإذا ولد يوم الخميس فالسابع الأربعاء يعني أن السابع قبل ولادته بيوم، وإذا ولد يوم السبت فالسابع الجمعة.
ويسن للغلام شاتان متقاربتان في السن، وفي اللون، وفي الجسم، وللأنثى واحدة فإن لم يكن عند الإنسان إلا مال واحدة بالنسبة للذكر قلنا: تكفي الواحدة، وإذا لم يكن عنده شيء فتسقط
عنه العقيقة لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) .
رابعًا: من أهم ما يكون بالنسبة للأولاد مراعاة الأولاد ورعايتهم؛ لأن الإنسان مسؤول عنهم بالقرآن والسنة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) (2) ومعنى الآية:
أن الله عز وجل وكلنا بأولادنا، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أالرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، (3) .
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) سورة التحريم، الآية: 6.
(3) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن (893) .
(25/235)

فيجب على الإنسان أن يراعي أهله وأولاده أشد مما يراعي أمواله، وكثير من الناس اليوم يراعون الأموال أكثر من الأولاد، فتجده يبيت الليل ساهرًا على دفاتره، وتجارته، ولكن لا يبالي بولده
وهذا غلط عظيم. فالمال الذي أنت تبيت ساهرًا عليه لمن يكون؟ إما أن تنفقه في حياتك ويكون ماَله بيت الخلاء.
وإما أن تبقيه بعدك فيكون للورثة.
لكن ولدك إذا صلح على يدك فإنه يدعو لك في حياتك، وبعد موتك، وتسلم من المسؤولية.
فمن أهم ما يكون تربية الأولاد وليعلم الإنسان أنه مسؤول، أسأل الله أن يعينني وإياكم على تربية أولادنا وتوجيههم الوجهة الصحيحة.
س167: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله-: ما حكم الأذان في أذن المولود والإقامة، وهل التحنيك خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام وما كيفيته؟
فأجاب بقوله: الإقامة حديثها ضعيف (1) .
__________
(1) أخرجه ابن السني، عمل اليوم والليلة (623) ، والهيثمي، المجمع (4//59) وقال: (رواه- أبو يعلي وفيه مروان الغفاري، وهو متروك) وضعفه الألباني. سلسلة الأحاديث الضعيفة (321) .
(25/236)

والأذان حديثه مقبول (1) .
وأما التحنيك: فإن كان لعلة أن يكون أول ما يصل إلى معدة الطفل التمر فهو مشروع لكل أحد.
وإن كان المقصود التبرك بالريق فهذا خاص بالرسول - صلى الله عليه وسلم - (2) ، وما دمنا في شك هل هي على سبيل السنة أو التبرك فإننا نتركها فلا نحنكه، وإن حنكناه فلا بأس.
وأما كيفية التحنيك: أن الإنسان يمضغ التمرة ويخرجها من فمه ويجعلها في فم الصبي.
س168: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بالنسبة للأذان في أذن المولود اليمنى والإقامة في اليسرى هل هو من السنة وله أصل؟
فأجاب بقوله: أما الأذان فله أصل، وحديثه حسن ولا بأس به (3) ، ولكن يكون الأذان عند الولادة قبل أن يسمع أي شيء، ليكون أول ما يسمعه النداء إلى الصلاة والفلاح.
__________
(1) أخرجه الترمذي، كتاب الأضاحي، باب الأذان في أذن المولود (1514) وقال: حديث حسن صحيح.
(2) أخرجه البخاري، كتاب العقيقة، باب تسمية المولود غداة يولد لمن يعق عنه وتحنيكه (17) ومسلم كتاب الطهارة باب حكم بول الطفل الرضيع (286) .
(3) أخرجه الترمذي (1514) .
(25/237)

أما الإقامة فحديثها ضعيف (1) .
س169: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل من السنة أن الرجل إذا أراد أن يسمي المولود أن يأخذه إلى رجل صالح وتقي ليحنكه ويسميه؟
فأجاب الشيخ- رحمه الله- بقوله: التحنيك يكون حين الولادة حتى يكون أول ما يطعم هذا الذي حنك إياه.
ولكن هل هذا مشروع لغير النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فيه خلاف، فمن العلماء من قال: التحنيك خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - للتبرك بريقه عليه الصلاة والسلام (2) ، ليكون أول ما ينفذ لمعدة هذا الطفل ريق النبي - صلى الله عليه وسلم - الممتزج بالتمر ولا يشرع هذا لغيره.
ومنهم من قال: بل يشرع لغيره؛ لأن المقصود أن يطعم التمر أول ما يطعم، فمن حنك مولودَا حين ولادته فلا حرج عليه، ومن لم محنك فلا حرج عليه.
__________
(1) ابن السني في عمل اليوم والليلة (623) ، والهيثمي (4/59) وضعفه الألباني "الضعيفة" (321) .
(2) أخرجه البخاري، كتاب العقيقة، باب تسمية المولود وتحنيكه (17) ، ومسلم، كتاب الطهارة، باب حكم بول الطفل الرضيع (286) .
(25/238)

س170: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من قال: إنه لا يجوز تسمية المولود إلا بعد أسبوع، فهل يصح قوله؟
فأجاب رحمه الله- بقوله: المولود إذا كان اسمه قد هيئ من قبل فالأفضل أن يسمى من حين الولادة، وإن كان لم يهيأ فالأفضل أن يكون يوم السابع، دليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حين وُلد ولده إبراهيم قال لأهله: "ولد لي الليلة ولد فسميته إبراهيم" (1) فسماه حين
ولادته عليه الصلاة والسلام، أما في السابع فقال عليه الصلاة والسلام: "كل كلام مرتهن بعقيقته، فاذبحوا عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى" (2) والجمع بين الحديثين هو ما ذكرنا إن كان اسمه قد هيئ
فيسمى من حين الولادة، وإن لم يهيا قبل الولادة ينتظر حتى يكون اليوم السابع.
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته - صلى الله عليه وسلم - بالصبيان والعيال (2315) .
(2) أخرجه أحمد (5/17) .
(25/239)

بسم الله الرحمن الرحيم
فصل في آداب المولود
قال فضيلة الشيخ رحمه الله تعالى:
آداب المولود:
1- التأذين في أذن المولود دون الإقامة؟ لثبوت حديث الأذان (1) ، دون حديث الإقامة (2) ، ويؤذن في أذنه عند ولادته.
2- الدعاء له بالبركة وتحنيكه: والتحنيك هو تليين التمرة ووضعها في فم الصبي ودلك حنكه بها، قال النووي- رحمه الله- اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود عند ولادته.
3- يسمى المولود إما في يوم ولادته، أو يسمى في اليوم السابع. فقد جاءت التسمية يوم الولادة من فعله - صلى الله عليه وسلم - حين سمى ابنه إبراهيم (3) ، وجاء الأمر القولي منه - صلى الله عليه وسلم - بالتسمية يوم السابع (4) .
4- يحلق رأس المولود الذكر دون الأنثى في اليوم السابع ويتصدق بوزن شعره من الفضة (5) .
__________
(1) الترمذي (1514) .
(2) ابن السني (623) .
(3) مسلم (2315) .
(4) أخرجه أحمد (5/17) .
(5) الترمذي (1519) .
(25/240)

5- يعق عنه في اليوم السابع، للغلام شاتان والجارية شاة؟ لحديث سمرة -رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل غلام رهينة بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى فيه، ويحلق رأسه" (1) .
6- الختان: وهو واجب بالنسبة للذكور، سنة للإناث، ويستحب أن يكون في اليوم السابع فما بعده.
حرر في 30/3/1416هـ.
__________
(1) أخرجه أحمد (5/17) .
(25/241)

س171: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل الأذان في أذن المولود والإقامة في أذنه الأخرى سنة أم لا؟
فأجاب- رحمه الله بقوله: أما أحاديث الإقامة فإنها ضعيفة (1) ، وأما حديث الأذان في أذنه اليمنى فلا بأس به، على أن فيه مقالاً أيضًا (2) ، ولكن هذا يكون حين الولادة مباشرة.
قال العلماء: والحكمة في ذلك أن يكون أول ما يسمعه الأذان، الذي هو النداء إلى الصلاة والفلاح، وفيه تعظيم الله وتوحيده، والشهادة لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة.
س172: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يصح الأذان في ْأذن المولود والإقامة في الأخرى؟ وما الحكم إذا لم يؤذن في أذنه عند ولادته؟
فأجاب بقوله: الأذان عند ولادة المولود سنة، وأما الإقامة فحديثها ضعيف فليست بسنة، ولكن هذا الأذان يكون أول ما يسمع المولود.
وإذا فات وقت الولادة فهي سنة فات محلها فلا تقضى.
__________
(1) ابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (623) .
(2) الترمذي (1514) .
(25/242)

س173: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل ورد من أحكام المولود حلق شعره والتصدق بوزنه؟
فأجاب- رحمه الله بقوله: أما الأول وهو: حلق شعر الرأس والتصدق بوزنه فضة فالحديث صحيح (1) ، وهو خاص بالذكر لا بالأنثى، فالأنثى لا يحلق رأسها.
س174: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل من السنة حلق شعر رأس المولود؟
فأجاب بقوله: حلق رأس الغلام سُنة جاء به الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحلق ويتصدق بوزنه (2) ورقًا أي (فضة) ، لكن بشرط أن يكون هناك حالق حاذق لا يجرح الرأس ولا يحصل فيه مضرة على الطفل، فإن لم يوجد فأرى ألا يحلق، وأن يتصدق بشيء يقارب وزن
شعره من الفضة.
س175: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يُسن حلق شعر البنت عند ولادتها من أجل جال الشعر ووفرته؟
__________
(1) الترمذي (1519) .
(2) الترمذي (1519) .
(25/243)

فأجاب بقوله: حلق شعرها لا يسن في اليوم السابع كما يسن في حلق رأس الذكر، وأما حلقه للمصلحة التي ذكرت إذا صحت فإن أهل العلم يقولون: إن حلق الأنثى رأسها مكروه، لكن قد
يقال: إنه إذا ثبت أن هذا مما يسبب نشاط الشعر ووفرته فإنه لا بأس به؛ لأن المعروف أن المكروه تزيله الحاجة، أو تزيل كراهته الحاجة.
س176: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل ورد بأنه يحلق شعر المولود في اليوم السابع، والتصدق بوزنه ذهباً؟
فأجاب- رحمه الله بقوله: ورد في هذا حديث في السنن (1) اعتمده أهل العلم أنه يحلق في اليوم السابع ويتصدق بوزنه ورقًا ولكنه خاص بالذكر فقط يتصدق بوزن الشعر ورقًا، أي فضة وليس
ذهبًا، وأما الأنثى فلا يحلق رأسها.
س177: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يقوم بعض الناس عندما يرزق بمولود بالتأذين في أذنه اليمنى والإقامة في اليسرى فهل هذا ورد في السنة؟
__________
(1) الترمذي (1519) .
(25/244)

فأجاب رحمه الله- بقوله: هو وارد في السنة لكن أحاديث الإقامة ضعيفة (1) ، أما الأذان فهي أقوى (2) ، فلهذا نقول: يؤذن في أذنه اليمنى أول ما يولد، وغالب الناس الآن أنهم لا يتمكنون من
هذا لأن الأولاد تولدهم الممرضات في المستشفى، لكن إذا كان الإنسان قد حضر الولادة فإنه ينبغي أن يؤذن في أذنه اليمنى، ولكن ليس بصوت مرتفع حتى لا تتأثر الأذن، قال العلماء: من أجل أن
يكون أول ما يطرق سمعه الأذان والدعوة إلى الصلاة.
س178: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله-: عن حكم اختيار أسماء الأطفال مثل أفنان وآلاء من القرآن هل في ذلك حرج؟
فأجاب بقوله: الكلام على نفس الاسم، هل فيه محظور؟ فإنه لا يسمى به سواء كان مما جاء في القراَن أم لا، أما إذا لم يكن فيه محظور فلا بأس به، سواء مما جاء في القراَن أم مما لم يأت به.
س179: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الجمع بين حديث:
__________
(1) ابن السني (623) .
(2) الترمذي (1514) .
(25/245)

"تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي" (1) وبين حديث: "ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي" (2) ؟
فأجاب بقوله: الجمع بين هذين الحديثين اختلف فيه العلماء على النحو التالي:
أ- أن الحديث الثاني ناسخ للأول، وعلى هذا فالتسمي باسمه والتكني بكنيته جائز.
ب- أن حديث المنع إنما كان عن الجمع بينهما أي بين الاسم والكنية، أما إذا أفرد أحدهما فلا بأس، ويدل له ما رواه الترمذي عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تسمى باسمي فلا يتكنى بكنيتي، ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي" (3) ، وهذا الحديث قال فيه الترمذي: إنه حسن غريب.
ج- أن المنع إنما كان في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيحمل حديث المنع على
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي! (6187) ، ومسلم، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بابي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء (2131) .
(2) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في الرخصة بين الجمع بين الاسم والكنية (4967) .
(3) أخرجه الترمذي، كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النص - صلى الله عليه وسلم - وكنيته (2842) .
(25/246)

ذلك، وأما بعد وفاته فلا بأس به، ويدل له حديث علي، رضي الله عنه، أنه قال: قلت يا رسول الله، إن ولد لي ولد من بعدك أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك قال: "نعم" (1) ، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
د- العمل بحديث المنع وأنه لا يجوز التكني بكنية النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعنى هذا أنه يرجح حديث المنع على حديث الجواز، وأن حديث الجواز لا يعارض حديث المنع؛ لأن حديث المنع أصح، وهذا هو ما رجحه ابن القيم في الهدي، فقال: إن التكني بكنيته ممنوع، والمنع في حياته أشد، والجمع بينهما ممنوع منه. ا. هـ.
س180: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: رجل سمى ابنه القاسم فما حكم تكنيته بذلك؟
فأجاب بقوله: التكني بأبي القاسم لا بأس به؛ لأن الصحيح أن النهي عنه إنما هو في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حين كان الناس ينادونه، فيتوهم الإنسان أنه رسول الله، حتى أنه نادى رجل
رجلاَ بالبقيع: يا أبا القاسم. التفت إليه وسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: يا
__________
(1) أخرجه الترمذي، كتاب الاستئذان والآداب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في كراهية الجمع بين اسم النبي- - صلى الله عليه وسلم - وكنيته (2843) .
(25/247)

رسول الله، إني لم أَعْنِكَ إنما دعوت فلانًا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي" (1) .
ولهذا كان التكني بأبي القاسم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام منهي عنه، أما بعد ذلك فلا بأس.
س181: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن شخص يلقب بأبي لهب؟
فأجاب بقوله: أرى أن أقل أحوال هذا اللقب أو هذه الكنية الكراهة.
لأن اللقب: ما أشعر بمدح أو ذم.
والكنية: ما صدر باب أو أم أو نحوهما.
وقد يكون هذا جامعًا بين اللقب والكنية، المهم أن أقل أحوال هذا اللقب أو هذه الكنية الكراهة؛ فقد قال الله عز وجل: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) (2) ولربما يتخيل الإنسان نفسه بمنزلة أبي لهب في
صلفه وكبريائه ويتأثر بهذا اللقب وقد قال الشاعر:
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الآداب، باب النهي عن التكني بابي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء (2131) .
(2) سورة المسد، الآية: 1.
(25/248)

وقل إن أبصرت عيناك ذا لقب إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
س182: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم تسمية الأسر بمثل: الناصر، العلي، الماجد، الخالد، وهل يسمى بحجة الإسلام؟ وهل تسمى الأحياء بمثل الرحمانية؟
فأجاب بقوله: أما الناصر والخالد وما أشبهها فلا بأس بها؛ لأن المراد بها آل ناصر آل خالد، لكن فيها شيئًا من الحذف للتسهيل. وأما حجة الإسلام: فلا يصح وصف أحد به؛ لأن كل ما عدا
الرسول عليه الصلاة والسلام فإن قوله ليس بحجة، إلا من أمرنا باتباعهم وهم الخلفاء الراشدون؛ لأن قولهم حجة ما لم يخالف نصًّا، ويخالف قول صحابي آخر، فإن خالف النص فالنص مقدم على قول كل أحد، وإن خالف قول صحابي آخر طلب الترجيح بإن القولين (1) .
فالمهم أن: حجة الإسلام لا تقال إلا لمن قوله حجة فقط.
وأما من ليس قوله حجة فإنه لا يقال له حجة، وكيف يكون حجة في الإسلام وهو غير معصوم من الخطأ.
__________
(1) وقد فصل شيخنا- رحمه الله- القول في مسالة حجية أقوال الصحابة- رضي الله عنهم- في كتاب (العلم) صن 205.
(25/249)

أما الرحمانية التي يسمى بها بعض الأحياء فلا بأس بها.
س183: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حكم التسمية ببعض الأسماء الموجودة في القرآن كأفنان وأمثال وبيان؟
فأجاب بقوله: لا حرج أن يسمي أبناءه أو بناته بكلمات يأخذها من القرآن إلا إذا كانت ممنوعة بعينها مثل أبرار، فإنه لا يسمى بها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير اسم برة إلى زينب (1) ، وجويرية (2) .
وكذلك: بيان، فلا يسمى به؛ لأن البيان هو: القرآن كما قال تعالى: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) (3) . ومن سمى بيان فليغيره.
س184: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله: ما حكم التسمية بمثل آلاء، وأنفال، وإسراء، ومعارج، وأبرار، وطه، ويس، ونسرين؟
فأجاب بقوله: على كل حال أحب الأسماء إلى الله: عبد الله
__________
(1) أخرجه مسلم، كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، وتغيير اسم برة إلى زينب، وجويريه ونحوهما (2142) .
(2) أخرجه مسلم في الموضع السابق (2140) .
(3) سورة آل عمران، الآية: 138.
(25/250)

وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، والأسماء والحمد لله كثيرة بدون إشكال، أما ما جاء في القرآن فما كان خاصًا بالقرآن فلا يسمى به مثل بيان، وموعظة، وما أشبه ذلك.
وما لم يكن خاصًا بالقرآن فإنه لا بأس بالتسمية به إذا لم يكن فيه تزكية، فأبرار مثلاً لا يسمى به لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير اسم برة (1) وهي واحدة فكيف بأبرار؟! لكن أفنان وأغصان وآلاء لا شيء فيها.
س185: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم تسمية البنت بمهاد؟
فأجاب بقوله: لا بأس أن تسميها بمهاد؛ لأنه لا محذور فيه.
س186: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم التسمي بهذه الأسماء شمس الدين، محيي الدين، قمر الدين وغير ذلك من الأسماء؟
فأجاب بقوله: هذه الأسماء كلها حادثة لم تكن معروفة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا في عهد أصحابه، إنما وجد سيف الله، أو أسد الله، أما
__________
(1) مسلم (2142) .
(25/251)

الأوصاف التي تنم عن ديانة فهذه إنما حدثت أخيرًا، وقد تصدق على من تسمى بها، وقد لا تصدق، والذي أرى العدول عن هذه الألقاب، كما أن فيها مفسدة أخرى وهي أن الملقب قد يزهو بنفسه ويعجب بها، ويترفع بهذا اللقب على غيره.
س187: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله-: ما خير الأسماء؟
فأجاب بقوله: خير الأسماء بل أحب الأسماء إلى الله عبد الله، وعبد الرحمن، وأما حديث (خير الأسماء ما حمد وعبد) (1) فهذا حديث ليس بصحيح، بل هو موضوع مكذوب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام" (2) .
س188: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن رجل عنده موظف اسمه عبد الرسول فقام بتعديل اسمه في سجلات
__________
(1) المقاصد الحسنة برقم (425) ..
(2) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء (4950) وعند مسلم بلفظ: "إن أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن". كتاب الآداب، باب النهي عن التكني باب القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء (2132) .
(25/252)

العاملين إلى عبد رب الرسول فهل عمله صحيح؟
فأجاب بقوله: هذا العمل لا شك أنه صحيح من حيث الجملة؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يعبد أحدًا لغير الله، كما نقل الإجماع على ذلك ابن حزم- رحمه الله- لمن قال: (اتفقوا على تحريم كلل
اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب) ولكن تغيير الاسم الذي اشتهر به الشخص لا يمكن من حيث الوضع النظامي إلا بمراجعة الأحوال المدنية حتى يتبين الأمر ولا يحصل التباس، وعندي أنه لو
حصل التغيير فإن الأفضل أن نغير الاسم تمامًا فلا نقول: عبد رب الرسول، بل نقول: عبد الله، أو عبد الرحمن أو عبد الوهاب، أو عبد الحميد، أو عبد المجيد، وما أشبه ذلك.
أما عبد رب الرسول ففيه طول كما هو ظاهر. ثم إن كل من سمع هذا التعديل عرف أنه فيه شيئاً من التكلف، ثم إن من سمع هذا التغيير سينقدح في ذهنه أن أصل هذا الاسم عبد الرسول، وربما
يكون عنده عناد، ولاسيما إذا كان من أولئك الذين يعظمون الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما يعظمون الله أو أكثر، فيستمر في عناده فيبقى الاسم على أوله على: عبد الرسول، فإذا غير أصلاً واجتث هذا الاسم أعني: عبد الرسول إلى تعبيد الله عز وجل: كعبد الله، أو عبد الرحمن، أو عبد العليم، أو عبد الوهاب، وما أشبه ذلك كان أحسن وأفضل.
(25/253)

س189: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن التسمي بالإمام؟
فأجاب بقوله: التسمي بالإمام أهون بكثير من التسمي بشيخ الإسلام لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، سمى إمام المسجد إمامًا ولو لم يكن معه إلا واحد، لكن ينبغي ألا يتسامح في إطلاق كلمة "إمام" إلا على من كان قدوة وله أتباع كالإِمام أحمد وغيره ممن له أثر في الإِسلام، ووصف الإنسان بما لا يستحقه هضم للأمة، لأن الإِنسان إذا تصور أن هذا إمام لم يبلغ منزلة الإمامة هان الإمام الحق في عينه.
س190: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حكم التسمي بإيمان؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أن اسم إيمان فيه تزكية وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه غير اسم "برة" خوفًا من التزكية، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن زينب كان اسمها برة، فقيل تزكي نفسها، فسماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زينب (10/575 فتح) ، وفي صحيح مسلم (3/1687) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت جويرية
اسمها برة فحول النبي - صلى الله عليه وسلم -، اسمها جويرية وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة، وفيه أيضًا (1688) عن محمد بن عمرو ابن عطاء قال: سميت ابنتي برة فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن
(25/254)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، نهى عن هذا الاسم وسُمّيتُ برة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم" فقالوا: بم نسميها؟ قال: "سموها زينب" فبين النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجه الكراهة للاسم الذي فيه التزكية وأنها من وجهين:
الأول: أنه يقال: خرج من عند برة، وكذلك يقال: خرج من برة.
والثاني: التزكية والله أعلم منا بمن هو أهل للتزكية.
وعلى هذا ينبغي تغيير اسم إيمان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عما فيه تزكية، ولاسيما إذا كان اسمًا لامرأة لأنه للذكور أقرب منه للإناث لأن كلمة (إيمان) مذكر ة.
س191: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن التسمي بإيمان؟
فأجاب بقوله: اسم إيمان يحمل نوعًا من التزكية ولهذا لا ينبغي التسمية به لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - غيّر اسم برة لكونه دالاًّ على التزكية، والمخاطب في ذلك هم الأولياء الذين يسمون أولادهم بمثل هذه الأسماء التي تحمل التزكية لمن تسمى بها، أما ما كان علمًا مجردًا لا يفهم منه التزكية فهذا لا بأس به.
ولهذا نسمي بصالح وعلي وما أشبههما من الأعلام المجردة التي لا تحمل معنى التزكية.
(25/255)

س192: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم هذه الألقاب "حجة الله" "حجةْ الإسلام" "آية الله"؟
فأجاب بقوله: هذه الألقاب "حجة الله" "حجة الإسلام" ألقاب حادثة لا تنبغي؛ لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل.
وأما "آية الله" فإن أريد المعنى الأعم فهو يدخل فيه كل شيء:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
وإن أريد أنه آية خارقة فهذا لا يكون إلا على أيدي الرسل عليهم الصلاة والسلام، لكن يقال عالم، مفتي، قاضي، إمام لمن كان مستحقًّا لذلك.
س193: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حكم التسمي بأسماء الله مثل كريم، وعزيز ونحوهما؟
فأجاب بقوله: التسمي بأسماء الله- عز وجل- يكون على وجهين:
الوجه الأول: وهو على قسمين:
القسم الأول: أن يحلى بـ "ال " ففي هذه الحال لا يسمى به غير الله- عز وجل- كما لو سَمّيْت أحد بالعزيز- والسيد- والحكيم- وما أشبه ذلك فإن هذا لا يسمى به غير الله، لأن "ال " هذه تدل على
(25/256)

لمح الأصل وهو المعنى الذي تضمنه هذا الاسم.
القسم الثاني: إذا قصد بالاسم معنى الصفة وليس محلى بـ "ال " فإنه لا يسمى به ولهذا غيّر النبي - صلى الله عليه وسلم - كنية أبي الحكم التي تكنى بها؛ لأن أصحابه يتحاكمون إليه فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله هو الحكم وإليه الحكم" (1) ثم كناه بأكبر أولاده شريح فدل ذلك على أنه إذا تسمى أحد باسم من أسماء الله ملاحظًا بذلك معنى الصفة التي تضمنها هذا الاسم فإنه يمنع؛ لأن هذه التسمية تكون مطابقة تمامًا لأسماء الله- سبحانه وتعالى- فإن أسماء الله- تعالى- أعلام وأوصاف لدلالتها على المعنى الذي تضمنه الاسم.
الوجه الثاني: أن يتسمى بالاسم غير محلى بـ "ال " وليس المقصود به معنى الصفة فهذا لا بأس به مثل حكيم، ومن أسماء بعض الصحابة حكيم بن حزام الذي قال له النبي عليه الصلاة والسلام: "لا تبع مما ليس عندك " (2) وهذا دليل على أنه إذا لم يقصد بالاسم معنى الصفة فإنه لا بأس به.
لكن في مثل "جبار" لا ينبغي أن يتسمى به، وإن كان لم يلاحظ الصفة؛ وذلك لأنه قد يؤثر في نفس المسمى فيكون معه جبروت
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب تغيير الاسم القبيح.
(2) أخرجه أحمد (2/174) .
(25/257)

وعلو واستكبار على الخلق فمثل هذه الأشياء التي قد تؤثر على صاحبها ينبغي للإنسان أن يتجنبها. والله أعلم.
س194: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم التسمي بعزيز وشهيد؟
فأجاب بقوله: أما عزيز فكنت أرى أنه لا بأس به، لأن الذين يسمون (عزيز) لا يقصدون العزة، لكن اطلعت على حديث في النهي عن اسم عزيز (1) .
أما شهيد: فالشهيد مفرد شاهد، والله تعالى قد أثبت الشهادة للناس فقال سبحانه: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) (2) لكن أخشى إذا سمي بشهيد أن ينصرف الذهن أول ما ينصرف إلى شهادة الله عز وجل، فإنه شهيد على عباده.
فتجنب هذين الاسمين لاشك أنه أولى، وفي الأسماء الخالية من المحاذير غنى، ومن أراد أن يعرف الأسماء فليرجع إلى كتاب (الإصابة في معرفة الصحابة) لابن حجر- رحمه الله-، ففيه أسماء
بالمئات، وتضييق الإنسان على نفسه حتى يأتي بمثل هذه الأشياء من المؤسف، والناس الآن يبحثون عن أي اسم شاذ فيسمون به، فتجد
__________
(1) سنن أبي داود/ كتاب الأدب/ باب تغيير الاسم القبيح.
(2) سورة البقرة، الآية 282.
(25/258)

مثلاً من يسمي: بأفنان، وأظن أيضاً أغصان، وما أشبه ذلك، وذكر لي رجلاً سمى ولده: نكتل، وقال: هذا موجود في القرآن في قوله تعالى: (أَخَانَا نَكْتَلْ) (1) فظنوا أن (نكتل) بدل (من أخانا) ، و (نكتل) هذا: فعل مضارع مجزوم، لكنه الجهل.
فالحمد لله عندك الأسماء كثيرة: كعبد الله وعبد الرحمن وهي أحب الأسماء إلى الله، وأسماء الأنبياء: كمحمد وعيسى وموسى ويوسف وما أشبه ذلك.
س195: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حكم التسمي بأسماء الله تعالى مثل الرحيم والحكيم؟
فأجاب بقوله: يجوز أن يسمي الإنسان بهذه الأسماء بشرط: ألا يلاحظ فيها المعنى الذي اشتقت منه.
وأن تكون مجرد علم فقط، ومن أسماء الصحابة الحكم، وحكيم ابن حزام، وكذلك اشتهر بين الناس اسم: عادل وليس بمنكر.
أما إذا لوحظ فيه المعنى الذي اشتقت منه هذه الأسماء فإن الظاهر أنه لا يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، غيّر اسم أبي الحكم الذي تكنى
__________
(1) سورة يوسف، الآية 63.
(25/259)

به؛ لكون قومه يتحاكمون إليه وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله هو الحكم وإليه الحكم" ثم كناه بأكبر أولاده شريح وقال له: "أنت أبو شريح" (1) .
وذلك أن هذه الكنية التي تكنى بها هذا الرجل لوحظ فيها معنى الاسم، فإن هذا مماثلاً لأسماء الله- سبحانه وتعالى- لأن أسماء الله- عز وجل- ليست مجرد أعلام، بل هي أعلام من حيث دلالتها
على ذات الله- سبحانه وتعالى- وأوصاف من حيث دلالتها على المعنى الذي تتضمنه، وأما أسماء غيره- سبحانه وتعالى- فإنها مجرد أعلام إلا أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنها أعلام وأوصاف، وكذلك أسماء كتب الله- عز وجل- فهي أعلام وأوصاف أيضًا.
س196: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم التسمي بعبد الرسول، وعبد النبي، وعبد الرضى، وعبد المحمود، ورحمة الله، حبيب الله، ودفع الله، وجاد الله، والله جابو؟
فأجاب بقوله: قال ابن حزم، رحمه الله: (اتفق العلماء على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب) . فالعلماء مجمعون على أنه لا
__________
(1) أبو داود، كتاب الأدب، باب تغيير الاسم القبيح.
(25/260)

يعبد الاسم لغير الله، فلا يقال: عبد الرسول، ولا عبد النبي، ولا عبد الحسين، ولا عبد الرضى، وما أشبه ذلك، فلا يعبد إلا بما كان من أسماء الله عز وجل، وأما "دفع الله"، و"عطاء الله"، و"هبة الله"، وما أشبه ذلك: فلا بأس بها.
وأما "جاد الله": فيعني أن هذا من جود الله، لكن "جاب الله" لا أدري ما معناها، فلا أصدر فيها حكماً. وعلى كل حال يرجع للمعنى، فإن كان صحيحاً فلا بأس.
فإذا قالوا: هذا "جاب الله" بمعنى: أنه كثير العطاء، فكأنهم يريدون أن يلحقوا عطاء هذا الرجل بعطاء الله عز وجل، وهذا لا يجوز؛ لأنه لا أحد يماثل الله في الكرم، فتغير هذه إلى معنى آخر وإلى
اسم آخر، والله أعلم.
س197: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن لقب "شيخ الإسلام" هل يجوز؟
فأجاب بقوله: لقب شيخ الإسلام عند الإطلاق لا يجوز، أي أن الشيخ المطلق الذي يرجع إليه الإسلام لا يجوز أن يوصف به شخص؛ لأنه لا يعصم أحد من الخطأ فيما يقول في الإسلام إلا
الرسل عليهم الصلاة والسلام.
(25/261)

أما إذا قصد بشيخ الإسلام أنه شيخ كبير له قدم صدق في الإسلام فإنه لا بأس بوصف الشيخ به وتلقيبه به.
س198: وسئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لماذا كان التسمي بعبد الحارث من الشرك مع أن الله هو الحارث؟
فأجاب بقوله: التسمي بعبد الحارث فيه نسبة العبودية لغير الله- عز وجل- فإن الحارث هو الإنسان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلكم حارث وكلكم همام" (1) فإذا أضاف الإنسان العبودية إلى المخلوق كان هذا نوعًا من الشرك، لكنه لا يصل إلى درجة الشرك الأكبر،
ولهذا لو سمي رجل بهذا الاسم لوجب أن يغيره فيضاف إلى اسم الله- سبحانه وتعالى- أو يسمى باسم آخر غير مضاف وقد ثبت عن النبي لمجييه أنه قال: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" (2) وما اشتهر عند العامة من قولهم (خير الأسماء ما حُمِّد وما عُبِّد) ونسبتهم ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليس ذلك بصحيح (3) أي ليس نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صحيحة فإنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا اللفظ وإنما
__________
(1) أخرجه أبو داود برقم (4955) .
(2) رواه مسلم، كتاب الأدب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم برقم (2132) .
(3) المقاصد الحسنة برقم (425) .
(25/262)

ورد "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن".
أما قول السائل في سؤاله "مع أن الله هو الحارث" فلا أعلم اسمًا لله تعالى بهذا اللفظ، وإنما يوصف- عز وجل- بأنه الزارع ولا يسمى به كما في قوله- تعالى- (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (1)
س199: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حكم التسمي بقاضي القضاة؟
فأجاب بقوله: قاضي القضاة بهذا المعنى الشامل العام لا يصلح إلا لله- عز وجل- فمن تسمى بذلك فقد جعل نفسه شريكًا لله- عز وجل- فيما لا يستحقه إلا الله- عز وجل-، وهو القاضي
فوق كل قاضٍ.
وهو الحكم وإليه يرجع الحكم كله، وإن قيد بزمان أو مكان فهذا جائز، لكن الأفضل ألا يفعل، لأنه قد يؤدي إلى الإعجاب بالنفس والغرور حتى لا يقبل الحق إذا خالف قوله، وإنما جاز هذا
لأن قضاء الله لا يتقيد، فلا يكون فيه مشاركة لله- عز وجل- وذلك
__________
(1) سورة الواقعة، الآيتان 63-64.
(25/263)

مثل قاضي قضاة العراق، أو قاضي قضاة الشام-، أو قاضي قضاة عصره.
وأما إن قيد بفن من الفنون فبمقتضى التقيد يكون جائزًا، لكن إن قيد بالفقه بأن قيل: عالم العلماء في الفقه سواء قلنا بأن الفقه يشمل أصول الدين وفروعه على حد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين" (1) أو قلنا بأن الفقه معرفة الأحكام الشرعية العملية كما هو
المعروف عند الأصوليين صار فيه عموم واسع مقتضاه أن مرجع الناس كلهم في الشرع إليه فأنا أشك في جوازه والأولى التنزه عنه.
وكذلك إن قيد بقبيلة فهو جائز، ولكن يجب مع الجواز مراعاة جانب الموصوف حتى لا يغتر ويعجب بنفسه ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، للمادح: "قطعت عنق صاحبك" (2) .
س200: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يكره بعض الناس اسم (علي) و (الحسين) ونحوه وينفر منها، وذلك لتعظيم الرافضة لتلك الأسماء، فما جوابكم حفظكم الله تعالى؟
__________
(1) البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيراً برقم (65) ، ومسلم، كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة برقم (775) .
(2) البخاري، كتاب الأدب، باب ما يكره من التمادح برقم (4502) .
(25/264)

فأجاب بقوله: جوابي على هذا أن البدعة لا تقابل ببدعة، فإذا كان طائفة من أهل البدعة يغلون في مثل هذه الأسماء، ويتبركون بها، فلا يجوز أن نقابلهم ببدعة فننفر من هذه الأسماء ونكرهها، بل نقول إن الأسماء لا تغير شيئاً عما كان عليه الإنسان، فكم من إنسان يسمى باسم طيب حسن، وهو- أعني المسمى به- من أسوأ الناس. كم من إنسان يسمى عبد الله وهو من أشد الناس استكباراً، وكم من إنسان يسمى محمداً، وهو من أعظم الناس ذماً، وكم من إنسان يسمى علياً
وهو نازل سافل، فالمهم أن الاسم لا يغير شيئاً، لكن لاشك أن تحسين الاسم من الأمور المطلوبة، كما قال النبي، عليه الصلاة والسلام: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها
حارث وهمام" (1) .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (4/445) .
(25/265)

بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،، وبعد:
ما رأي فضيلتكم في بعض الأسماء التي يرغب أصحابها في إطلاقها على أبنائهم وبناتهم عند تسجيلها في قسم المواليد وهي:
أبرار، ملاك، إيمان، جبريل، خلود، أفنان، جنى؟
وذلك ليكون آباء المواليد على بينة من أمرهم،،،
وجزاكم الله خيراً،،،
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا يتسمى بأسماء أبرار وملاك وإيمان وجبريل. أما جنى فلا أدري معناها.
كتبه
محمد الصالح العثيمين
حرر في 24/3/1412هـ.
(25/266)

س201: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم التسمية بلينا أو رنا؟
فأجاب بقوله: لينة أو رنا وغيرها من الأسماء إذا كانت من أسماء غير المسلمين فإن ذلك حرام ولا يجوز للمسلمين ذكورهم وإناثهم أن يتسموا بأسماء غير المسلمين، لأن ذلك من التشبه بهم
ومن رفع شانهم ومن اتباعهم، والله سبحانه وتعالى خهى عن اتباع هؤلاء ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مشابهة المشركين، وقال خالفوهم وقال عليه الصلاة والسلام: "من تشبه بقوم فهو منهم" (1) . وأما إذا تسمى بأسماء إسلامية وإن كانت غير معروفة في بلده فلا حرج في ذلك،
ولكن لا ينبغي للإنسان أن يسمى نفسه أو أحداً من أولاده باسم يدل على التزكية مثل بره أو إيمان وما أشبه ذلك.
فإن الأولى تجنب هذه الأسماء؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام غير اسم بره إلى زينب (2) .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (5/5) ، وأبو داود، كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: إسناده حسن، الفتاوى (5/331) ، وحسنه ابن حجر في فتح الباري (6/97) ، وصححه أحمد شاكر برقم (5114) .
(2) مسلم (2142) .
(25/267)

س202: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن رجل سمى ابنته (مارية) وقيل له: إن هذا الاسم مشتهر عند النصارى فهل يُغير اسم ابنته؟
فأجاب بقوله: لا يلزمه أن يُغيره؛ لأن أم إبراهيم ابن محمد - صلى الله عليه وسلم - اسمها مارية القبطية، ولم يغيرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا حرج أن يسمي الإنسان ابنته مارية؛ لأن له في ذلك سلفاً.
(25/268)

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم ... حفظه الله تعالى
السلام ورحمة الله وبركاته وبعد:
تسمية المخلوق بما يختص بالخالق لا يجوز؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير كنية أبي الحكم إلى أبي شريح (1) ، حيث كان يكنى بالأول لكونه يحكم بين الناس، لكنه لم يغير اسم حكيم بن حزام، ونحوه لأن علم مجرد لم تلاحظ فيه الصفة.
وأما الخبر عن المخلوق بالصفات التي يوصف الله تعالى بها وليست ممنوعة على المخلوق فلا بأس به كما قال الله تعالى في وصف النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (2) وقال تعالى عن نفسه: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) (3) .
ومن هذا قول قوم شعيب له: أإنَّكَ لانتَ الحَليم الرشِيد" (4) فهو خبر وليس تسمية، على أن هؤلاء لم يريدوا حقيقة وصفه بذلك، وإنما أرادوا التهكم به، كما قاله ابن عباس- رضي الله عنهما- وجماعة من المفسرين ولم يذكر ابن كثير غيره.
كتبه/ محمد الصالح العثيمين في 7/2/1416هـ.
__________
(1) أخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب تغيير الاسم القبيح (1416) .
(2) سورة التوبة، الآية: 128.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 43.
(4) سورة هود، الآية: 87.
(25/269)

س203: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حكم التسمي بعبد المنان أو عبد المنتقم؟
فأجاب بقوله: أما التسمي بعبد المنان فجائز؛ لأنه قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت يا منان ... " (1) ، وأما عبد المنتقم فليس بصحيح؛ لأن المنتقم ليس من أسماء الله تعالى.
س204: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن التسمية بإسلام؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الجواب على هذا السؤال أن نقول: الذي ينبغي ألا يسمي الإنسان
ابنه أو ابنته باسم فيه تزكية؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير اسم برة إلى زينب (2) ،
لما في اسم برة من التزكية، ومثل ذلك اسم (أبرار) للأنثى فإنه لا ينبغي لما فيه من التزكية التي من أجلها غير النبي - صلى الله عليه وسلم - غير اسم برة، والذي يظهر أن إسلام من هذا النوع، وأنه ينبغي للإنسان ألا يسمى به، ولدينا أسماء أفضل من ذلك وأحسن وهي ما ذكره النبي عليه
__________
(1) أخرجه ابن ماجة، كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم برقم (3858) .
(2) مسلم (2142) .
(25/270)

الصلاة والسلام في قوله: (أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن) (1) ، فإذا اختار الإنسان لأبنائه اسماً من هذه الأسماء كان أحسن وأولى لما فيها من التعبيد لله عز وجل، ولاسيما التعبيد لله
أو للرحمن، ومثل ذلك عبد الرحيم، وعبد الوهاب، وعبد السميع، وعبد العزيز، وعبد الحكيم، وأمثال ذلك. لكن أحسنها ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام: (أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن) .
س205: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: امرأة اسمها موافق لإحدى أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- فيطلق عليها بعض الناس أم المؤمنين فما حكم ذلك؟ وهل يسمى بنوح؟
فأجاب بقوله: أما الأول وهو: إطلاق أم المؤمنين على المرأة فهو حرام؛ لأنه كذب فليست أم المؤمنين، وأمهات المؤمنين هن زوجات الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقط، ولأن هذا الذي قال هذه الكلمة كذب؛ لأنه يريد أن يلحق هذه المرأة بزوجات أشرف الخلق النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وهي بلا شك زوجة لشخص لا يساوي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المرتبة.
وأعاد المسألة الثانية وهي: تسمية الرجل بنوح فلا بأس أن
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الأدب، باب النهي عن التكني بأبا القاسم برقم (2132) .
(25/271)

يسمى الرجل نوحاً، أو إسماعيل، أو إسحاق، أو يعقوب، أو هود، أو غيرهم من أسماء الأنبياء.
أما أن يكنى به واسمه الحقيقي غيره فإن هذا ينظر فيه، قد نقول بمنعه؛ لأنه كذب، وقد نقول بجوازه من باب التشريف، لكون هذا الرجل له عائلة كبيرة فكأنه يشبه نوحاً في كثرة الأولاد؛ لأن
نوحاً عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للبشرية، كما قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) (1) .
س206: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن إطلاق بعض الأزواج على زوجاتهم وصف أم المؤمنين؟
فأجاب بقوله: هذا حرام ولا يحل لأحد أن يسمى زوجته أم المؤمنين؛ لأن مقتضاه أن يكون هو نبي، لأن الذي يوصف بأمهات المؤمنين هن زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وهل هو يريد أن يتبوأ
مكان النبوة، وأن يدعو نفسه بعد بالنبي؟! بل الواجب على الإنسان أن يتجنب مثل هذه الكلمات، وأن يستغفر الله تعالى مما جرى منه.
س207: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ذكر بعض العلماء أن
__________
(1) سورة الصافات، الآية: 77.
(25/272)

ذكر اسم الابن قبل اسم الأب مباشرة بدون لفظة (ابن) يكون فيه تشبه بفعل النصارى، فما رأيكم؟ وكذلك الأسماء التي تحمل لفظ الجلالة مثل عبد الرحمن، وعبد الله، ونحوها إذا جعلت علاماً على عائلة فيقال: فلان العبد الله أو فلان العبد الرحمن، أو فيه نوع من التزكية مثال يقال: فلان العبد الجبار، أو فلان العبد اللطيف؟
فأجاب بقوله: أما الأول وهو: أن الإنسان يحذف ابن عند النسبة فيقول مثلاً: محمد عبد الله، محمد صالح، محمد سليمان وما أشبه ذلك، فهذه لاشك أنها خلاف طريقة السلف، وما كنا نعرفها
من قبل، لكن دخلت علينا من الأمم التي استعمرها الكفار، وراجت عند الناس الآن مع الأسف.
والصواب أن يقال: ابن كما قال الله تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا) (1) .
وأما قول السائل: وكذلك أسماء العوائل التي تحمل لفظ الجلالة مثل: محمد العبد الله.
فنقول: منْ تسمى جهذه الأسماء ف - صلى الله عليه وسلم - نه لا يريد بقوله: (العبد الله) يعني: أن الله عبد، أو العبد الجبار أن الجبار عبد، أبداً ولا يطرأ على بال أحد ذلك المعنى. لكن (أل) هنا بمعنى: آل، وتحولت إلى (أل)
__________
(1) سورة التحريم، الآية: 12.
(25/273)

للتخفيف، لكونها دائماً على ألسنة الناس فتقول: (العبد الله) يعني: آل عبد الله، وهذه العبارة جرت على ألسنة علماء هذه البلاد منذ زمن ولم ينكروها، بل لم يبحثوا فيها، لكن الناس مع كثرة الأفكار صاروا يوردون الإشكالات!
لهذا نقول: إن قول القائل: (العبد الله) و (العبد الرحمن) معناها: آل فلان.
س208: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن التسمية بعبد النبي وعبد الرسول، مع أننا نعلم أن خير الأسماء ما عبد وحمد كما جاء في الحديث "أحب الأسماء الله ما عبد وحمد"؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى اَله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: نقول:
أولاً: قول السائل- وفقه الله-: "نحن نعلم أن خير الأسماء ما حمد وعبد"، ثم استدل بما نسبه إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أن خير الأسماء ما حمد وعبد".
فنقول: هذه المعلومة غير صحيحة وليس خير الأسماء ما حمد وعبد.
(25/274)

ثانياً: نسبة ذلك إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (خير الأسماء ما حمد وعبد) (1) خطأ عظيم؛ لأن هذا الحديث موضوع، لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا تجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما قال - صلى الله عليه وسلم -: "أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام" (2) . وعلى هذا فنقول ما أضيف إلى الله أو إلى الرحمن فهو أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، ثم ما أضيف إلى أي
اسم من أسماء الله كعبد الرحيم، وعبد الوهاب، وعبد العزيز، وعبد اللطيف، وعبد الخبير، وعبد البصير، وما أشبهه.
وأما عبد النبي وعبد الرسول، وعبد جبريل، وعبد فلان أو فلان فهذا محرم، قال ابن حزم رحمه الله: (اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب) ، وإنما استثني ذلك لأن بعض أهل
العلم قال: لا بأس بعبد المطلب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (3) ولكن من العلماء من حرم عبد المطلب وقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك خبراً وليس إنشاء، فهو عبد المطلب لأن جده سمي بذلك، ولا يمكن تغييره فهو خبر لا إنشاء، وعلى هذا فلا
__________
(1) المقاصد الحسنة برقم (425) .
(2) رواه مسلم، كتاب الأدب، باب النهي عن التكني باسم القاسم برقم (12132) .
(3) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب من قاد دابة غيره في الجماد (2864) .
(25/275)

يجوز أن يسمى أحد بعبد المطلب، وهذا وجه قوي لا إشكال في قوته، وعلى هذا فأقول: إذا أردت يا أخي أن تسمي ابنك فسمه بأحسن الأسماء وأحب الأسماء إلى الله ما وجدت إلى ذلك سبيلاً، عبد الله، عبد الرحمن، عبد الرحيم، عبد العزيز، عبد الو هاب، عبد السميع، عبد اللطيف، عبد البصير، عبد الحكيم، وهكذا.
س209: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن التسمية بمناف حيث إن رجلاَ سمى ابنه (مناف) وقيل له: إن هذا اسم إله في الجاهلية، فما رأيكم؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أوجه إخواني إلى اختيار الأسماء التي يسمون بها أبناءهم وبناتهم بحيث تكون أحب إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من غيرها، فلذلك في أسماء الرجال عبد الله وعبد الرحمن، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن" (1) ، وقريب من ذلك كل اسم أضيف إلى الله مثل عبد الوهاب،
__________
(1) أخرجه أحمد (4/445) .
(25/276)

عبد العزيز، عبد الرحيم، عبد الجبار، عبد القهار وما أشبه ذلك، فكل اسم مضاف إلى الله فهو خير مما لم يضف إلى الله عز وجل وأشرف، وأفضله ما أضيف إلى الله أو إلى الرحمن بالحديث الذي ذكرته آنفاً، ثم ما كان من الأسماء أقرب إلى الصدق، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أصدق الأسماء حارث وهمام" (1) ، يعني ما يولد الإنسان إلا وهو حارث وهمام، فإذا سمي بحارث أو همام صار مطابقاً تماماً للواقع، وكذلك يختار أسماء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل محمد - صلى الله عليه وسلم -، إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وموسى، وعيسى، ونوح وما أشبهها وكذلك في أسماء النساء ينبغي أن نختار من الأسماء أحسنها وأطيبها وألذها على السمع كاسم فاطمة، فإن ذلك اسم
بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - أو عائشة، أو زينب، أو أسماء، وما أشبهها من الأسماء الكثيرة، ويا حبذا لو أن أحداً تتبع (الإصابة في أسماء الصحابة) وانتقى من أسماء الصحابة أسماء مناسبة لهذا العصر، فإن في هذا خيراً كثيراً، وسداً لما يتخبط فيه الناس اليوم عند اختيار الأسماء العجيبة، فلو حصل أن أحداً يتسبب ويختار ما كان مناسباً للعصر من أسماء الصحابة والصحابيات ونشره بين الناس ليختاروا من هذه الأسماء التي تذكرنا بسلفنا الصالح لكان في هذا خير كثير، وسداً لهذا الباب
__________
(1) أخرجه أحمد (4/445) .
(25/277)

الذي انفتح على الناس فصاروا يتخبطون فيه خبط عشواء.
أما بالنسبة: المناف (الذي وقع السؤال عنه، فأنا لا أعلم أنه اسم إله من آلهة الجاهلية؛ لأن أحد أجداد الرسول عليه الصلاة والسلام عبد مناف، أو أنه جاء مثل عبد المطلب، فعلى كل حال إن
ثبت أنه اسم لصنم فإنه يجب تجنبه، وإن لم يكن اسماً لصنم فهو كغيره من الأسماء لا حرج فيه.
س210: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن امرأة تريد أن تسمي بفريد وكريم؟
فأجاب بقوله: أشير على هذه المرأة إذا منَّ الله عليها بولد أن تسميه عبد الله، أو عبد الرحمن بعد الاتفاق مع أبيه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن" (1) ، وكل مؤمن يحب ما يحبه الله عز وجل، فإذا كان هذا أحب الأسماء إلى الله فليكن اسم مولودها إن شاء الله تعالى، ولكن لابد من مراجعة الزواج؛ لأن الزوج هو الأصل في تسمية الولد، ولكن مع ذلك ينبغي أن يشاور
__________
(1) أخرجه أحمد (4/445) .
(25/278)

أم الولد، حتى يتفق الرأي على التسمية المطلوبة إن شاء الله.
س211: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حكم التسمي بجورج ونحوه من الأسماء الغربية؟
فأجاب بقوله: الأسماء المختصة بالكفار يحرم التسمي بها؛ لأن ذلك من التشبه بهم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من تشبه بقوم فهو منهم" (1) . فالواجب على الأب أن يختار لابنه وابنته الاسم الحسن والاسم الذي لا يعيّر به، وأن يكون من الأسماء المألوفة عند الناس،
وليعلم أن أحسن الأسماء وأحبها إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" (2) .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد (5/5) ، وأبو داود، كتاب اللباس، باب في لبس الشهرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: إسناده حسن، الفتاوى (5/331) ، وحسنه ابن حجر في فتح الباري (6/97) ، وصححه أحمد شاكر برقم (5114) .
(2) أخرجه أحمد (4/445) .
(25/279)

س212: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم تصغير الأسماء التي فيها تعبيد لله عز وجل مثل: عبود تصغير عبد الله؟
فأجاب بقوله: لا بأس أن يصغروها؛ لأنهم لا يقصون بذلك تصغير اسم الله عز وجل، إنما يقصدون بهذا تصغير المسمى (عبد الله) يسمونه عبيد الله فليس فيه شيء، وبعضهم يقول عبود، وعبد الرحمن
بعضهم يسمونه عبيد الرحمن وليس فيه شيء، وبعضهم يسمونه رحيم، وهذا أيضاً ليس فيه شيء، والتصغير يقصد به تصغير المسمى لا تصغير اسم الله الكريم.
س213: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم التسمي بناجي ومعتق وناصر ونحوها مما فيه معنى التزكية من الأسماء؟
فأجاب بقوله: الأسماء التي تدل على التزكية تارة يتسمى بها الإنسان لمجرد كونها علماً فهذه لا بأس بها، وتارة يتسمى بها مراعياً المعنى الذي تدل عبيه، فهذا يؤمر بتغيير الاسم فمثل (ناصر) أكثر
الذين يسمون بناصر لا يريدون أنه ينصر الناس أبداً إنما يريدون أن تكون علماً محضاً فقط، والذي يسمى (خالد) هل يريد أن ولده يخلد إلى يوم القيامة؟ لا، والذي يسمى (صالح) هل أراد أنه سمي صالحاً لصلاحه، لكن إذا لوحظ في ذلك معنى التزكية فإنه يغير ولهذا غير
(25/280)

النبي - صلى الله عليه وسلم - اسم برة إلى زينب (1) ، وامرأة اسمها برة غيرها إلى جويرية (2) ، فهذا هو الميزان: إذا لوحظ فيه معنى التزكية يغير، وإذا لم يلاحظ فيه معنى التزكية فإنه لا يغير.
س214: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم التسمي باسم مَلاك بالفتح، أو مِلاك بالكسر للأنثى وما قولكم فيمن يقول: بأن هذا لا يجوز لأن هذه الكلمة مأخوذة من المَلك وهم
الملائكة ولا يجوز مشابهة اللائكة في ذلك؟ وهل ذلك من تسمية الملائكة تسمية الأنثى، كما ورد في القرآن وفقكم الله؟
فأجاب بقوله: أنا أكره أن يسمى الإنسان ابنته مِلاك أو مَلاك وأقول: هل ضاقت عليه الأسماء؟ الأسماء ألوف مؤلفة، وربما لا يكون عنده إلا هذه البنت، فالأسماء كثيرة يأخذ من أسماء نساء
الصحابة رضي الله عنهم، أو من أسماء نساء بلده، أما أن يأتي إلى أشياء أدنى ما نقول إن فيها شكاَ، فدع ما يربيك إلى ما لا يريبك، والأسماء والحمد لله واسعة، أما الأسماء التي فيها التزكية فإن
__________
(1) مسلم (2142) .
(2) أبو داود (2142) .
(25/281)

الرسول - صلى الله عليه وسلم - غير اسم برة إلى جويرية (1) ، وامرأة أخرى اسمها برة (2) ،
إلى زينب ومثل ذلك أبرار لا يسمى به لأن أبرار جمع بر، وإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - غير اسم برة مع أنها اسم أنثى فيها تاء التأنيث فكيف لا نغير اسم أبرار التي هي جمع لبر، وبر اسم مذكر.
س215: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يلزم من يعتنق الإسلام أن يغير اسمه القديم إلى اسم إسلامي جديد؟
فأجاب بقوله: لا يلزم ذلك إلا إذا كان الاسم مما لا يجوز إقراره شرعاً كالاسم المعبد لغير الله ونحوه فإنه يلزم تغييره، وكذلك لو كان الاسم خاصاً بالكفار لا يتسمى به غيرهم فيجب تغييره أيضاً؟
لئلا يكون متشبهاً بالكفار، ولئلا يحنّ إلى هذا الاسم الكافر الذي يختص بالكافرين، أو يتهم بأنه لم يسلم بعد.
س216: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن مولود سماه أهله باسم مطابق لأخ له توفي قبله، وذكر بعضهم بأنه لا يجوز؛ لأنه يأخذ من أجره؟
__________
(1) أبو داود (2142) .
(2) مسلم (2142) .
(25/282)

فأجاب بقوله: هذا ليس بصحيح، ولا حرج من الاشتراك في الاسم في هذه الحال لكن الأولى ألا يكون هنالك اشتراك، حتى لا يشتبه أحدهما بالآخر، واتفاق الاسمين لا علاقة له بالثواب، والله
سبحانه وتعالى بكل شيء عليم يعلم ثواب هذا وثواب هذا.
س217: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عدم تكسير عظام العقيقة هل هو مشروع؟
فأجاب بقوله: ذكر بعض العلماء أنه ينبغي في توزيع العقيقة أن تكون مفاصل، بمعنى أنه لا يكسر عظمها، لتكون العطية التي يعطيها جزلة؛ لأن ما بين المفصلين من العظام فيه لحم إلا ما كان
أسفل الأرجل فإنه عادة لا يكون فيه لحم لكنه من العادة أيضًا ألا يتصدق به وحده.
فمن الحكمة في عدم تكسير عظامها: أن العطاء يكون أجزل إذ أنه يكون عضوًا كاملاً.
وذكر بعض العلماء حكمة أخرى في النفس منها شيء وهي: أن يكون ذلك تفاؤلاً بألا تنكسر عظام المولود، لكن في النفس من هذا شيء.
والمعنى الأول وهو أنه من أجل جزالة العطية أظهر وأقرب،
(25/283)

ولكن مع ذلك لو كسر العظام فلا بأس.
س218: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: العقيقة هل تأخذ حكم الأضحية بالنسبة للشروط؟
فأجاب بقوله: نعم كل الذبائح المشروعة حكمها حكم الأضحية لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن" (1) كل الذبائح المشروعة العقيقة والفدية والهدي كالأضحية تمامًا.
س219: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هي أحكام العقيقة، تسميتها، وقتها، وهل يعطى الأغنياء منها؟ وهل يجوز إعطاء الكافر منها؟ وهل الأفضل توزيعها أو عمل وليمة؟
فأجاب بقوله: العقيقة سنة مؤكدة، عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة تذبح في اليوم السابع، ويؤكل منها، ويوزع على الأغنياء هدية، وعلى الفقراء صدقة.
وهل يجوز أن يعطى الكافر منها؟
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الأضاحي، باب سن الأضحية رقم (1963) .
(25/284)

والجواب: نقول: الكافر يتصدق عليه منها، إذا كان لا ينال المسلمين منه ضرر، لا منه ولا من قومه، لقوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (1) . يعني: لا ينهاكم عن برهم والتصدق، عليهم، فليس هناك مانع أن تبروهم وتقسطوا إليهم، فالبر إحسان، والقسط عدل إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) .
س220: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل التسمية حق الزوج أو الزوجة؟
فأجاب بقوله: حق التسمية للأب هو الذي يسمي أولاده، فإذا تنازعت الأم والأب، الأم تريد اسمًا وهو يريد اسمًا آخر فالحكم للأب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته" (2) وعلى كل حال الحق للأب، ولكن مع ذلك ينبغي للأب أن يكون مع
زوجته لينًا ويتشاور معها حتى يقنعها بما يريد من الأسماء.
وينبغي للإنسان أن يحسن اسم ابنه أو بنته؛ لأن الناس يدعون
__________
(1) سورة الممتحنة، الآية: 8.
(2) أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى (675) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل برقم (1829) .
(25/285)

يوم القيامة بأسمائهم، وأسماء آبائهم كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (1) ، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن، وكل ما أضيف إلى الله فهو أفضل من غيره، يعني عبد الله، عبد الرحمن، عبد الرحيم، عبد العزيز، عبد الوهاب، عبد الكريم، عبد المنان، وما أشبه ذلك، كل ما أضيف إلى الله فهو أفضل، ويحرم أن يتسمى بأسماء الفراعنة مثل: فرعون.
أو بأسماء الشياطين: مثل إبليس.
قال العلماء: أو بأسماء القرآن فإنه لا يجوز أن يسمي ابنه فرقانًا، أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذه خاصة بالقرآن الكريم، والقرآن أسماؤه محترمة فلا يسمى به أحد من البشر، حتى قال بعض العلماء:
يكره أيضًا أن يتسمى بأسماء الملائكة مثل: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل.
س221: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن تسمية الأولاد على الوالدين، خصوصًا إذا كان الوالد يرى أن ذلك من البر وأنه
__________
(1) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما يدعى الناس بآبائهم (6177) .
بلفظ: "هذه غدرة فلان بن فلان". وعند أبب داود بلفظ: "إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم، فأحسنوا الأسماء" كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء (4948) .
(25/286)

إذا لم يفعل فإنه عاق لوالديه.
فأجاب بقوله: الأفضل أن يقول للأب الأسماء المحبوبة إلى الله أحب إلي وإليك، فما دام الله تعالى يحب الأسماء المضافة إليه مثل: عبد الله وعبد الرحمن، فأعطني يا والدي فرصة أسمي بذلك، فإن أصر
ورأيت أنه سوف يرى ذلك عقوقًا منك فلا بأس أن تسمي باسمه، إن كان مرجوحا، يعني لو فرضنا أن اسمه محمد وقال: سم ابنك محمدًا، فقلت: يا أبتي عبد الله أحسن وأفضل قال: لا، إن كنت تريد
أن تبر بي سمه محمدًا. فهذا لا بأس أن يسميه محمدًا؛ لأنه اسم مباح وطيب، وأسماء الرسل أفضل من غيرهم إلا ما كان أحب إلى الله فهو أفضل.
س 222: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حكم الجمع بين الأضحية والعقيقة إذا وافق يوم الأضحى أن يكون يوم السابع للمولود؟
فأجاب بقوله: قال بعض أهل العلم إذا وافق يوم العيد اليوم السابع من ولادة الولد وذبح أضحية كفت عن العقيقة، كما أن الإنسان لو دخل المسجد وصلى فريضة كفت عن تحية المسجد، لأنهما
عبادتان من جنس واحد توافقتا في الوقت، فاكتفى بإحداهما عن
(25/287)

الأخرى، لكن أرى إذا كان الله قد أغناه أن يجعل للأضحية شاة وللعقيقة شاة إن كان المولود أنثى، أو شاتين إن كان المولود ذكرًا.
س 223: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجزئ سبع البقرة في عقيقة البنت قياسًا على الأضحية؟
فأجاب بقوله: يقول العلماء: إنه لا تشريك في العقيقة التي نسميها (التميمة) . وذلك؛ لأن العقيقة فدية عن نفس، فلابد أن تكون نفسًا كاملة.
وبناءً على ذلك لا يجزئ الإنسان أن يذبح بدنة عن سبع عقائق، بل إن العلماء- رحمهم الله- قالوا: إن ذبح الشاة أفضل من ذبح البعير، يعني لو أردت أن تعق بشاة أو ببعير، قلنا لك: الأفضل
أن تعق بالشاة، لأنها هي التي وردت بها السنة.
س 224: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز لمن عليه فدية أن يذبحها في بلده إذا عاد إليه بعد الحج؛ ولتكون مناسبة لإظهار الفرح والسرور؟
فأجاب بقوله: يجوز أن يذبح الإنسان خروفًا إذا عاد إلى أهله إظهارًا للفرح والسرور، لكنه لا يكون فدية، لأن الفدية إنما تكون
(25/288)

في مكة، وأما الذي يذبحه عند أهله فهو لحم لأهله وليس فدية، فلا يجوز للإنسان أن يذبح الفدية في بلده حتى لو فرض أن الرجل رجع إلى بلده وسأل العلماء هناك، وقال: فعلت كذا وكذا وقالوا: عليك فدية، فلا يجوز أن يذبحها هناك، بل يذبحها في مكة، فيوكل إنسانًا يذبح عنه، أو إذا رجع إلى مكة في أي يوم من الأيام يذبحها.
س 225: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: اعتاد بعض الناس إذا نزل منزلاً جديدًا أن يذبح شاة ويدعو من أحب فهل في ذلك شيء؟
فأجاب- رحمه الله بقوله: ليس فيه شيء، ولا تعتبر من البدع، وهذا مما جرت العادة به، فالناس يفعلون هذه النزالة فرحًا بالمنزل الجديد وإكرامًا لإخوانهم وليس فيها شيء (1) .
__________
(1) وجاء في الشرح الممتع لفضيلة الشيخ رحمه الله 503/7: "مسألة: ما يفعله بعض الناس إذا نزل منزلاً جديدًا ذبح ودعا الجيران والأقارب، وهذا لا بأس به ما لم يكن مصحوبًا بعقيدة فاسدة، كما يُفعل في بعض الأماكن إذا نزل منزلاً فإن أول ما يفعل أن يأتي بشاة ويذبحها على عتبة الباب حتى يسيل الدم عليه ويقول: إن هذا يمنع الجن من دخول البيت. فهذه عقيدة فاسدة ليس لها أصل. لكن من ذبح من أجل الفرح والسرور هذا لا بأس به.
(25/289)

س 226: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: انتشر بين الناس أنه من نزل بيتًا جديدًا، أو اشترى سيارة جديدة أو توظف، أو ترقى في وظيفته أو نحو ذلك، فإنه يصنع وليمة ما حكم هذه الوليمة؟
فأجاب بقوله: هذه من الولائم المباحة، فيجوز للإنسان أن يصنع وليمة عند نزول البيت أو عند نجاحه مثلاً.
المهم إذا كان ذلك له مناسبة فلا بأس به.
أما النكاح فإنه سنة من أجل أن في ذلك إظهارًا له، وإعلانًا له، وكذلك من الولائم المباحة الوليمة على عقد الزواج.
(25/290)

فضيلة الشيخ/محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يقوم البعض بذبح ذبيحة إذا خاف من الحسد، فمثلاً إذا سكن منزلاً جديداً، أو ربح في صفقه تجاريه، فهل هذا مشروع، وجزاكم الله خيراً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:
هذا الفعل ليس بمشروع ولكن إذا نزل منزلاً جديداً وأراد أن يدعو جيرانه وأصدقائه وأقاربه، وعمل لذلك طعاماً فلا حرج فيه، وهذا ليس من باب العبادة ولكن من باب العادة.
(25/291)

س 227: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا نجح أحد الأبناء في الدراسة فهل يجوز لوالده أن يذبح ذبيحة احتفاء بنجاح الابن وشكراً لله عز وجل؟
فأجاب بقوله: لا بأس إذا نجح الأبناء أو أحدهم أن يصنع الوالد وليمة يدعو عليها أحبابه وأصحاب ابنه، فرحاً بنعمة الله تبارك وتعالى، وتشجيعاً للابن وتنشيطاً له.
(25/292)

كتاب الجهاد
(25/293)

س 1: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الجهاد في سبيل الله وما أقسامه؟
فأجاب بقوله: الجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال المقرِّبة إلى الله عز وجل، حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " رأس الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاةُ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله " (1) وقد أمر الله تعالى بالجهاد في آيات كثيرة، وبيَّن فضله وأنه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: جهاد بالمال.
القسم الثاني: جهاد بالنفس؛ قال الله تعالى: (إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (2) ، ولا حاجة للكلام على هذه الآية وإلا فهي إذا تأملها الإنسان وجدها آية عظيمة، فالجهاد بلا شك من أفضل
الأعمال.
__________
(1) رواه الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، برقم (2616) ، وابن ماجه،
كتاب الفتن، باب كف اللسان في الفتنة، برقم (3973) .
(2) سورة التوبة، الآية: 111.
(25/297)

ويكون فرض عين في مواضع أربعة:
الموضع الأول: إذا حضر صف القتال صار فرض عين عليه لا يجوز له أن يتخلى عنه لقول الله تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (1) .
الموضع الثاني: إذا استنفره الإمام الذي أعطاه البيعة، وبايعه على السمع والطاعة على مقتضى كتاب الله عز وجل؛ إذا استنفره للجهاد وجب عليه أن ينفر لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَالله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (2) .
الموضع الثالث: إذا حصر بلدَه عدوٌّ - يعني طوقها وضيَّق الخناق عليها- فإنه يجب على المسلم أن يدافعَ حفاظًا على النفس والدين؛ لأن هذا العدو إذا حصر البلدَ ثم استولى عليه- عياذاَ بالله- فإنه قد يضيع معالمه حتى تصبح بلادُ الإسلام بلادَ كفرٍ وإلحاد، ففي هذه
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 16.
(2) سورة التوبة، الآيتان: 38-39.
(25/298)

الحال يجب على المسلمين أن يدافعوا عن هذا البلد المحصور.
الموضع الرابع: إذا احتيج إليه بعينه؛ فإنه يكون الجهاد عليه فرض عين، وإن كان في حق غيره فرض كفاية، ومعنى احتيج إليه بعينه: أن يكون هذا الرجل حاذقًا في أمر لا يعرفه غيره مثل: أن يكون حاذقًا في إطلاق الصواريخ، أو في قيادة الطائرات وما أشبه ذلك من الفنون الحربية، ففي هذه الحال يكون فرض عين عليه، لأنَّ القاعدةَ في فرض الكفاية: أنه إذا لم يَقُم به أحد تعيَّن على القادر أن يقوم به.
فإذا عرفت هذه الأحوال الأربع التي يكون الجهاد فيها فرض عين، فَطِّبق حال المجاهدين عليها، فإن وافقت إحدى هذه الأحوال صار الجهادُ معهم فرض عين، وإلا فهو فرض كفاية.
ولكن هنا مسألة يجب أن تُلاحَظَ، أنه إذا دار الأمر بين بر الوالدين أو الجهاد، فيقدم بر الوالدين لقول ابن مسعود رضي الله عنه: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ " قال: "الصلاةُ على وَقْتها" قلت: " ثم أيٌّ؟ " قال: "بِرُّ الوالدينِ ". قلت: "ثمَّ أيٌّ؟ " قال: "الجهادُ في سبيلِ الله " (1) .
__________
(1) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، برقم (527) ، وفي كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد والسير، برقم (2782) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، برقم (85) .
(25/299)

فبيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أن بر الوالدين مقدَّمٌ على الجهاد في سبيل الله حتى الجهادُ الواجب برُّ الوالدين أوجب منه، وذلك أنَّ رجلاً استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - للجهاد في سبيل الله، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أحيٌّ والداك؟ " قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهِدْ" (1) متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
س 2: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما أقسام الجهاد عند الإطلاق؟
فأجاب بقوله: الجهاد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: جهاد النفس على طاعة الله عزَّ وجل بامتثال الأمر واجتناب النهي وهذا كل أحد محتاج إليه.
القسم الثاني: جهاد المنافقين، وذلك بالعلم والبيان قال الله عزَّ وجل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) (2) .
ودليل كون جهاد المنافقين بالعلم والبيان لا بالرمح والسنان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع من قتلهم فقال: "لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الجهاد بإذن الأبوين، برقم (3004) ، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، برقم (2549) .
(2) سورة التحريم الآية: 9.
(25/300)

أصحابه " رواه مسلم (1) .
القسم الثالث: جهاد الكفار المحاربين وأحكامه مفصلة في كتب الفقهاء رحمهم الله.
س 3: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل الجهاد لإعلاء كلمة الله يدخل ضمن أقسام الجهاد في سبيل الله؟
فأجاب بقوله: الجهاد ينقسم إلى قسمين:
1- جهاد الأعداء بالسلاح.
2- الجهاد لإعلاء كلمة الله بالبيان والعلم.
وجهاد الأعداء ينقسم إلى قسمين:
1- جهاد دفاع.
2- وجهاد طلب.
فمن غزى المسلمين من الكفار فجهاده جهاد دفاع.
ومن غزاه المسلمون من الكفار فجهاده طلب.
وجهاد المسلمين للكفار هل هو من أجل أن يسلموا، أو من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وإن لم يسلموا؟
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج برقم (1063) .
(25/301)

والجواب أن نقول: الجهاد من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وإن لم يسلموا.
والدليل على هذا الجواب: ما رواه مسلم من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله عز وجل وبمن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "اغزوا على اسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر الله، اغزوا
ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهنّ أجابوك إليها فاقبل منهم وكُفّ عنهم: ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم بأنهم يكونون
كأعراب المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم، فإن هم أبوا فاستعن عليهم بالله تعالى وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه فلا تفعل، ولكن اجعل لهم ذمتك فإنكم أن تخفروا ذممكم أهون من أن تخفروا ذمة الله، وإذا أرادوك أن تُنزلهم على حكم الله فلا تفعل، بل على حكمك، فإنّك لا تدري أتصيب فيهم حُكم الله تعالى أم لا". رواه مسلم (1) .
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الجهاد/باب تأمير الإمام الأمراء (3161) .
(25/302)

فجهاد المسلمين للكفار ليس لأن يسلموا، قال سبحانه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (1) لكن من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تكون السيطرة لدين الإسلام، قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) (2) .
والقسم الثاني: جهاد الدفاع وهو فرض عين؛ لأنه يجب الدفاع عن دين الإسلام، والدفاع عن النفس، والدفاع عن بلاد المسلمين.
والعلماء ذكروا الأمور التي يكون فيها الجهاد فرض عين وهي: 1- إذا حضر في صف القتال لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) (3) . وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - التولي من الزحف من كبائر الذنوب.
2- إذا استنفر الإمام فإنه يجب على المسلمين أن يقاتلوا، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) (4) .
3- إذا حصر العدو بلاده.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 256.
(2) سورة التوبة، الآية: 33.
(3) سورة الأنفال، الآية: 15.
(4) سورة التوبة، الآية: 38.
(25/303)

4- إذا كان محتاجاً إلى رجل بعينه ومثاله: إذا غنم المسلمون من العدو الآلات في الحرب، ولم يعرف المسلمون طريقة عملها ولكن وُجد من المسلمين رجلٌ قد علم طريقة عمل هذه الآلات، فهذا
الرجل يجب عليه بعينه أن يقاتل.
س 4: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يعتبر التجنيد الإجباري داخلاً في إعداد القوة للجهاد؟
فأجاب بقوله: من الواجب أن يدرب الشباب على الأسلحة، ولولي الأمر أن يجبر الشباب على التجنيد.
س 5: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجب الجهاد على النساء؟
فأجاب بقوله: لا يجب الجهاد على النساء، بل لولي الأمر أن يمنع النساء من الجهاد؛ لأنهن لسن من ذوات العزائم والقوى والجَلَد والصبر.
وعلى هذا فلا تصلح النساء أن يكن من أهل الجهاد، بل ربما يكون وجودها ضرراً على المجاهدين.
س 6: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: قلتم في الفتوى السابقة: إن الجهاد لا يجب على المرأة، ولكن قد تكون المرأة قائدة لطائرة
(25/304)

حربية، وهنا أليس يجب عليها الجهاد؟
فأجاب بقوله: لا يجب على المرأة الجهاد؛ لأنها وإن كانت قائدة لطائرة حربية، فإنها ربما تجبن عند اللقاء.
س 7: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز للمرأة أن تخرج مع المجاهدين في المعركة؟
فأجاب بقوله: إن خرجت من أجل القيام بمداوة الجرحى وما أشبه ذلك فلا بأس، كما فعلته نساء الصحابة رضي الله عنهن (1) .
وأما خروجها للقتال فإنها تمُنع؛ لأنها لا تستطيع المواجهة والمقاومة، وإذا وُجد امرأة نادرة تستطيع ذلك فالنادر لا حكم له.
س 8: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل طالب العلم يكون أعظم أجراً من الشهيد الذي قدم نفسه في سبيل الله عز وجل؟
فأجاب بقوله: المجاهد في سبيل الله- عز وجل- إذا قُتل فهو من الشهداء، وطالب العلم قد يدخل في الشهداء؛ لأن بعض العلماء ذكر أن قوله تعالى: (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِم) (2) يشمل العلماء؛ لأنهم شهداء على
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الجهاد/باب مداواة النساء الجرحى في الغزو برقم (2669) ، ولفظه: عن الربيع بنت معوذ قالت: " كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نسقي ونداوي الجرحى".
(2) سورة الحديد، الآية: 19.
(25/305)

الأمة، فالذي يشهد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلَّغ الرسالة هم أهل العلم. وهناك أمرٌ آخر وهو: أنه لا يلزم من كون الشهيد أعظم أجراً من طالب العلم في نيل الشهادة إذا قُتل في سبيل الله عز وجل، لا يلزم منه الفضل المطلق.
وهذه المسألة أشار إليها العلامة ابن القيم في (النونية) وهي: أن الإنسان إذا تميَّز بخصيصة لا يلزم منه أن يكون أفضل على الإطلاق.
مثاله: قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غزوة خيبر: " لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فلما أصبح أعطى الراية لعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه- - صلى الله عليه وسلم - " (1) . فهنا إعطاؤه عليه الصلاة والسلام الراية لعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه- هل يلزم منه أن يكون أفضل من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؟
والجواب: لا يلزم.
والفضل منه مطلق ومنه مقيّد.
ومثاله أيضاً: ما جاء في حديث أبي ثعلبة- رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بل تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحّاً مُطاعاً، وهوىً مُتَّبعاً، ودنياً مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر،
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الجهاد برقم (2724) .
(25/306)

الصبر فيه مثل قبضٍ على الجمر، للعامل فيه مثل أجر خمسين منكم" (1) .
والشاهد هنا في قوله - صلى الله عليه وسلم -: " أجر خمسين منكم ".
ولا يلزم من هذا الفضل أن يكون أفضل من الصحابة رضي الله عنهم، فيجب التفريق بين الفضل المطلق والفضل المقيَّد.
فالشهيد وإن تميَّز بالشهادة في سبيل الله عز وجل، لكن يكون على يد طالب العلم والعلماء من مصلحة الأمة ونشر الدعوة ما لا يكون في ديوان الشهيد.
أرأيتم إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ماذا نفعه للأمة؟ ولو نظرنا إلى عدد كبير من الشهداء ما حصل للأمة نفعٌ مثلما حصل من علم ابن تيمية رحمة الله على الجميع.
س 9: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لماذا لا يقوم المسلمون بالجهاد ضد دول الكفر؟
فأجاب بقوله: الجهاد فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وإن لم يقم به من يكفي تعيّن عليهم.
ولكن كل واجب لا بد فيه من شرط القدرة.
والدليل على ذلك من القرآن والسنة ومن الواقع.
__________
(1) رواه أبو داود/كتاب الملاحم/باب الأمر والنهي برقم (3778) .
(25/307)

أما القرآن: فقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (1) .
وقوله تعالى: (فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ) (2) .
وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (3) .
فالجهاد إذا كان فيه حرج، فالحرج مرفوع في الشريعة، فإن كان هناك قدرة على الجهاد فهو سهل بإذن الله عز وجل، وإن لم يُقدر على الجهاد فهو حرج مرفوع.
أما الدليل من السنة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم" (4) وهذا الحديث عام في كل أمر؛ لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "بأمر" نكرة في سياق الشرط فيكون للعموم.
أما الواقع: فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة يدعو الناس إلى توحيد الله عز وجل وإلى الصلاة، وبقي على هذا الأمر ثلاث عشرة سنة، ولم يؤمر بالجهاد مع شدة الإيذاء له عليه الصلاة والسلام، ولأتباعه من المؤمنين (5) .
ولم يؤمر بالقتال؛ لأنهم لا يستطيعون، ولم يوجب الله عز وجل
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة التغابن، الآية: 16.
(3) سورة الحج، الآية: 78.
(4) رواه البخاري/كتاب الاعتصام/باب الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (6744) .
(5) صحيح البخاري/كتاب الصلاة برقم (350) .
(25/308)

القتال إلا بعد أن صار للأمة الإسلامية دولة وقوة، قال الله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (1) .
وهكذا نقول في الواقع الآن: لعدم قدرة المسلمين على القتال ومواجهة الكفار.
والأسلحة التي ذهب عصرها عند الكفار هي التي بأيدي المسلمين، وأقوى ما عند المسلمين من سلاح لا يساوي ما عند الكفار من سلاح وليس بشيء.
ولهذا من الحمق أن يقول قائل: إنه يجب على المسلمين الآن أن يقاتلوا الكفار.
وهذا القول تأباه حكمة الله عز وجل، ويأباه شرعه. والواجب أن يقوم المسلمون بما أمر الله عز وجل، قال سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (2) . وأهم قوة نُعدها هو: الإيمان والتقوى؛ لأن المسلمين بالإيمان والتقوى سوف يقضون على الأهواء ومحبة الدنيا.
والصحابة- رضوان الله عليهم- حالهم بخلاف حال كثير من المسلمين اليوم، فالصحابة- رضي الله عنهم- يقاتلون لإعلاء كلمة
__________
(1) سورة الحج، الآية: 39.
(2) سورة الأنفال، الآية: 60.
(25/309)

الله ويكرهون الحياة في الذل.
فالواجب على المسلمين أن يعدوا ما استطاعوا من قوة وأولها: الإيمان والتقوى.
ثم يلي قوة الإيمان والتقوى، أن يتسلح المسلمون ويتعلموا كما تعلّم غيرهم؛ لكن المسلمين لم يقوموا بما عليهم.
فالواجب في هذه الأزمنة الاستعداد بالإيمان والتقوى، وأن يُبذل الجهد، والشيء الذي لا يُقدر عليه فإننا غير مكلفين، ونستعين بالله - عز وجل- على هؤلاء الأعداء.
والله- عز وجل- قادر على هؤلاء الأعداء ولو شاء سبحانه لانتصر منهم كما قال تعالى: (وَلَوْ يَشَاءُ الله لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (1) .
س 10: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الدفاع عن الوطن؟
فأجاب بقوله: الدفاع عن الوطن ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: دفاع عن الوطن من حيث إنه وطن، فهذا ليس في
__________
(1) سورة محمد، الآية: 4.
(25/310)

سبيل الله عز وجل، ويستوي فيه الكافر والمؤمن، حتى الكافر يدافع عن وطنه.
القسم الثاني: أن يدافع عن وطنه؛ لأنه وطن إسلامي فحينئذٍ يكون دفاعه جهاداً في سبيل الله عز وجل؛ لأنه يقاتل دفاعاً عن الإسلام، وخوفاً من أن يستولي على البلاد أهل الكفر فيُغَيّر منهج
البلاد الإسلامية.
فمن قاتل من أجل إبقاء الإسلام الذي هو دين وطنه صار مجاهداً في سبيل الله عز وجل.
ودليل ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يقاتل حميّة، ويقاتل شجاعة، فقال عليه الصلاة والسلام: "منْ قاتلَ لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله - صلى الله عليه وسلم - " (1) .
س 11: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض الشباب يرغب في الجهاد مع إخوانه في الكويت ضد عدوان العراق فهل يعد جهاداً، وهل هذا الجهاد فرض عين أو فرض كفاية؟
__________
(1) رواه البخاري/كتاب العلم/باب من سأل وهو قائم برقم (120) .
(25/311)

فأجاب بقوله: هذا سؤال مهم، والجواب عليه لا بد أن يكون من قبل عدة علماء عالمين بالشرع وعالمين بالواقع؛ لأن هذه المسألة مسألة مصيرية.
والذي أرى أن يوجه السائل هذا السؤال إلى هيئة كبار العلماء لأجل دراسته من كل جانب؛ لأن مسألة كهذه مسألة مصيرية لا بالنسبة للكويتين ولا بالنسبة لمن جاورهم من بلدان أخرى.
فلا بد من بحث هذه المسألة ودراستها ليتسنى الجواب على ذلك.
ويجب على الإنسان ألا ينظر إلى البدايات، بل ينظر إلى النهايات والغايات.
س 12: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: نجد أن الله- عزَّ وجل- في كثير من آيات الجهاد يقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، فما الحكمة من ذلك؟
فأجاب بقوله: يظهر- والله أعلم-؛ لأن الجيش الإسلامي قد يحتاج إلى المال أكثر من حاجته إلى الرجال؛ ولأن الجهاد بالمال أيسر من الجهاد بالنفس، والله أعلم.
(25/312)

س 13: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكمُ الجهاد في هذا الزمان؟
فأجاب فضيلته قائلاً: الأصل في الجهاد أنه فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سَقط عن الباقين، ولكن قد يكون فرض عين في أحوال:
الأول: فيما إذا حضر الإنسان الصفَّ، فإنه لا يجوز أن يَنحرِفَ أو يتولَّى لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) . (1) هذا واحد.
والثاني: إذا حَصَرَ بلده العدوُّ؛ فإنه يجب عليه أن يقاتل دفاعًا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: " لا تُعطِهِ مالّكَ "، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: " قاتِلْهُ "، قال: أرأيت إنْ قَتَلَني؟ قال: " فأنتَ شهيدٌ"، قال: أرأيت إن
قتلتُه؟ قال: "هو في النار" (2) . هذا وهو مسلمٌ إذا جاء لأخذ مالي وقاتلتُه على مالي فقتلتُه، فهو في النار وهو مسلم، فكيف إذا كان كافراً!.
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 16.
(2) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق كان القاصد مهدر الدم في حقهِ، برقم (140) .
(25/313)

ثالثًا: إذا استنفره وليُّ الأمر، واستنفره: يعني طلب منه أن يخرج في الجهاد، فالجهاد حينئذ يكون فرض عين، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (1) .
رابعًا: إذا احتيج إليه بأن يكون لديه اختصاص لا يعرفه أحد، فحينئذٍ يكون فرض عين. مثل: أن يكون شخصًا يعلم قيادة الطائرات القاذفات، وليس يوجد غيره ممن تقوم به الكفاية، فحينئذ
يكون فرض عين. هذه مواضع أربعة ذكر العلماء أن الجهاد يكون فيها فرض عين، والأصل أنه فرض كفاية.
س 14: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز الجهاد دون إذن إمام المسلمين؟ وهل هناك حالات يجوز فيها بدون إذن؟
فأجاب بقوله: لا يجوز الجهاد إلا بإذن الإمام؛ لأنه المخاطب بالجهاد، ولأن الخروج بدون إذنه افتيات عليه؛ ولأنه سبب للفوضى والمفاسد التي لا يعلمها إلا الله.
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 38.
(25/314)

وأما قول السائل: هل هناك حالات يجوز فيها بدون إذن الإمام؟ فنعم إذا هجم عليهم العدو فيتعين عليهم القتال.
س 15: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله- ما حكم الجهاد على المسلمين بعد سقوط الأندلس وكثيرٍ من الولايات الإسلامية، خاصَّةً وقد أخذ اليهودُ في وقتنا الحاضر بيت المقدس الذي هو
أول قبلة للمسلمين، ومن المساجد التي يُشَدُّ إليها الرِّحال؟ وهل يسقط الجهاد عن المسلمين لعدم الاستطاعة؟ وإذا سقط الجهاد هل يتعَّين عليهم الإعداد؛ لأن ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو
واجب؟
فأجاب بقوله: الجهاد كغيره من الواجبات يشترط فيه القُدْرة، فإذا لم يقدر المسلمون على غزو الكفار سقط عنهم؛ ولهذا لم يوجب الله الجهاد على المسلمين في مكة لعدم استطاعتهم، وأوجبه عليهم حينما كوَّنوا لهم دولة في المدينة. ولكن يجب على الأمة الإسلامية أن تستعد لعدوها لقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (1) .
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 60.
(25/315)

س 16: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الجهاد في زماننا هذا؟ وهل هو فرض كفاية أم فرض عين؟ وإذا كان الجهاد فرض كفاية فمتى يكون فرض عين على هذه الأمة؟
فأجاب بقوله: أولاً: يجب أن تعلم أن الجهاد لا يكون فرض عين على جميع المسلمين، هذا شيء مستحيل، قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) ، (1) وبَّين سبحانه وتعالى الحكمة، فقال: (لِيَتَفَقَّهُوا) أي: القاعدون في المدينة (قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) ؛ لأنهم لو انصرفوا كلهم إلى الجهاد لتعطلت بقية الشرائع والشعائر. لكن يكون فرض عين في مواضع:
الموضع الأول: إذا حضر الإنسان صفَّ القتال فإنه يجب عليه أن يواصل الجهاد، قال الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (2) .
الموضع الثاني: إذا حاصر العدوُّ بلده، فهنا يجب عليه أن يقاتل دفاعًا عن نفسه، وبلده الإسلامي.
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 122.
(2) سورة الأنفال، الآيتان: 15-16.
(25/316)

الموضع الثالث: إذا استنفره الإمام؛ يجب عليه أن يخرج. فمثلاً: يقول الإمام لأهل البلد: هيا اخرجوا للجهاد، فيجب أن يخرجوا؛ لأن معصية ولاة الأمور محرَّمة، ولما وجه الخطاب لهؤلاء وجب
عليهم أن يقوموا بذلك.
الموضع الرابع: إذا احتيج إليه بأن يكون هذا الرجل يعلم من استعمال هذا النوع من السلاح وغيره ما لا يعمله غيره، فهنا يتعين عليه أن يباشر.
في غير هذه المواضع الأربع لا يكون الجهاد فرض عين، ثم إن الجهاد لابدَّ له من راية إمام، وإلا كانت عصابات. فلابد من إمام يقود الأمة الإسلامية، ولذلك تجد الذين قاموا بالجهاد من غير راية
إمام لا يستقيم لهم حالٌ، بل ربما يُبادُون عن آخرهم، وإذا قُدِّر لهم انتصار صار النزاع بينهم. فعلى كل حال نسأل الله أن يُعيننا على جهاد أنفسنا، فنحن الآن في حاجة إلى جهاد النفس، فالقلوب
مريضة، والجوارح مقصِّرة، والقلوب متنافرة، وهذا يحتاج إلى جهاد قبل كل شيء.
س 17: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أرجو أن توضح مدى حاجة المجتمع الإسلامي للجهاد في سبيل الله.
(25/317)

فأجاب بقوله: هذه الحاجة بيَّنها الله- عز وجل في كتابه فقال: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لله) (1) ، فالناس في حاجة إلى قتال الكفار الآن حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
ولكن هل يجب القتال أو هل يجوز القتال مع عدم القدرة عليه؟
الجواب: لا يجب، بل ولا يجوز أن نقاتل ونحن غير مستعدين له.
والدليل على هذا: أن الله- عز وجل- لم يفرض على نبيه وهو في مكة أن يقاتل المشركين، وأن الله أذن لنبيه في صلح الحديبية أن يعاهد المشركين ذلك الجهد الذي إذا تلاه الإنسان ظن أن فيه خذلانًا
للمسلمين، وكلنا يعرف كيف كانت شروط صلح الحديبية، حتى قال عمر بن الخطاب- رضي الله عنه-: يا رسول الله، ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟! قال: "بلى". قال: فلم نرضي الدَّنِيَّةَ في ديننا؟ فظن هذا خِذلانًا، لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاشك أنه أفقه من عمر- رضي
الله عنه-، وأن الله تعالى أذن له في ذلك فقال - صلى الله عليه وسلم -: " إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري " (2) .
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 193.
(2) انظر: صحيح البخاري كتاب، الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحروب وكتابه الشروط، برقم (2731، 2732) وصحيح ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية برقم (1783، 1784، 1785، 1786) .
(25/318)

انظر الثقة الكاملة في هذه الحال الضَّنْكة الحَرِجة، يعلن هذا لهم، يقول: "لست عاصيه وهو ناصري "، سيكون ناصرًا لي، وإن كان ظاهر الصلح أنه خِذلان للمسلمين، وهذا يدلنا على مسألة مهمة،
وهي: قوة ثقة المؤمن بربه، فهذا محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في هذه الحال
الحرجة يقول: "وهو ناصري ".
وفي قصة موسى عليه السلام لما لحقه فرعون وجنوده وكان أمامهم البحر وخلفهم فرعون وجنوده، ماذا قال لأصحابه حين قالوا: إِنَّا لمُدرَكون؟ قال: كَلاَّ، ما يمكن أن نُدرَك، (إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (1) . سيهديني لشيء يكون فيه الإنقاذ. وبالفعل حصل الإنقاذ لموسى- عليه السلام- وقومه، وحصل هلاك فرعون وقومه.
فالمهم أنه يجب على المسلمين الجهادُ حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، لكن الآن ليس بأيدي المسلمين ما يستطيعون به جهادَ الكفار، حتى ولا جهادَ مدافعةٍ في الواقع.
جهاد المهاجمة لا شك أنه الآن غير ممكن حتى يأتي الله- عز وجل - بأُمة واعيةٍ تستعد إيمانيًّا ونفسيًّا ثم عسكريًّا، أما ونحن على هذا الوضع، فلا يمكن أن نجاهد أعداءَنا.
ولذلك انظر إلى إخواننا في جمهورية البوسنة والهرسك ماذا يفعل
__________
(1) سورة الشعراء، الآية: 62.
(25/319)

بهم النصارى؟! يمزقونهم أشلاءً، وينتهكون حرماتهم، وقيل لنا: إنهم يذبحون الطفل أمام أُمه ويجبرونها على أن تشرب دمه، نعوذ بالله. شيءٌ لا يَتَصوَّر الإنسان أنه يقع، ومع ذلك فإن الأمم النصرانية
تمُاطِلُ وتتماهل وتَعِدُ وتُخِلف، والأمة الإسلامية ليس منها إلا التنديد القولي دون الفعلي من بعضها لا من كلها، وإلا فلو أن الأمة الإسلامية فعلت شيئًا- ولو قليلاً- مما تقدر عليه لأثَّر ذلك في
الوضع القائم، لكن مع الأسف إننا نقف وكأننا متفرجون، ولاسيما بعض ولاة الأمور في الأمة الإسلامية، أمَّا الشعوب فمعها شعور، ومعها حركة قلبية، لكن لا يكفي هذا، والله! إن الإنسان كلما ذكر إخوانه هناك تألَّم لهم إلى شديدًا، لكن ماذا نعَمل؟ نشكو إلى الله عز وجل، ونسأل الله تعالى أن يُقِيمَ عَلَمَ الجهاد في الأمة الإسلامية؛ حتى نقاتل أعداءنا وأعداء الله لتكون كلمة الله هي العليا.
س 18: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل الإعداد للجهاد فرض عين أو فرض كفاية؟
فأجاب بقوله: الإعدادُ للجهاد ومباشرة الجهاد فرض كفاية، فلو وجدنا مثلاً أُمةً تستعدُّ للجهاد في سبيل الله، وعندها ما يكفي من الأفراد للقيام بهذا الفرض، لصار في حق الآخرين سُنَّة وليس
(25/320)

بواجب، وإذا لم يوجد أحد أَثِمَ الجميعُ بعدم الإعداد وعدم الجهاد، لكن الأمر كما ترى في الوقت الحاضر، ليس هناك صدقٌ مع الله، لا بالنسبة للناس ولا بالنسبة لحكام الناس. فأمَّا الناس فتجد عامَّتهم وأكثرهم غافلين عن هذا إطلاقًا، وليس عندهم استعداد، فهم في غَفْلة، بل لا يحصل منهم حتى جهاد أنفسهم عن محارم الله.
وأَمَّا الحكام- فكما ترى فهم أيضًا- غافلون عن هذا، ولذلك أصبحت الأُمة الإسلامية الآن أمة مُمَّزقة متفرقة، وأصبح الكفار هم الذين لهم السيطرة على العالم، ولا يمكن أن يكون لنا سيطرةٌ على
العالم وعلى الكفار إلاّ بالرجوع إلى الدين الذي بُعِث به محمد - صلى الله عليه وسلم - وتطبيقه عقيدةً وقولاً وعملاً في عبادة الله وفي معاملة عباد الله، ولهذا لما قال أبو سفيان لهرقل ما يعلمه من صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومعاملته، قال له: " إن كانَ ما تقولُ حَقًّا فسَيَملِكُ مَوضِعَ قَدَمَيَّ هاتَينِ " (1) ، فنحن الآن في حالٍ يرثى لها في الواقع. نسأل الله أن يعيد للأمة
الإسلامية مجدها.
س 19: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل الإنسان إذا توفرت له الفرصةُ للجهاد في بلد من البلدان، هل يصبحُ في حقه
__________
(1) رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب (6) ، برقم (7) .
(25/321)

فرض عين أن يذهب؟
فأجاب بقوله: هو فرض كفاية، لا يكون الجهاد فرض عين إلا في أحوال معَّينة، عيَّنها العلماءُ:
الأول: إذا حَضَرَ الصفَّ لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (1) . وأخبر النبي- - صلى الله عليه وسلم - - أن التولي يوم
الزحف من الموبقات (2) .
الثاني: إذا حاصر بلده العدو، فلابد أن يدافع لِفَكِ الحصار عن بلده، وفي هذا قال بعض العلماء: إنه يكون فرض عين؛ لأن هذا كتقابل الصفين.
الثالث: إذا استنفره الإِمام، لو قال: يا فلان اخرج؛ صار فرض عين، ولا يجوز أن يقول: مُر غيري، بل يجب أن يُطيع.
الرابع: إذا دعت الحاجة إليه بعينه، مثل أن يكون عارفًا بنوعٍ من السلاح ولا يستخدمه إلا مثله، فهنا يتعين عليه أن يُباشر القتال، بهذا السلاح الذي لا يعرفه إلا هو.
__________
(1) سورة الأنفال، الآيتان: 15-16.
(2) رواه البخاري/كتاب الوصايا/باب قوله تعالى: "إن الذين يأكلون أموال اليتامى" ومسلم/كتاب الإيمان/باب بيان الكبائر برقم (129) برقم (2560) .
(25/322)

هذه هي الأحوال الأربع التي ذكر العلماء أن الجهاد يكون فيها فرض كفاية أو فرض عين، وما عدا ذلك فإنه فرض كفاية، والجهاد ولو كان فرض عين لابد له من شروط من أهمها القدرة: فإن لم يكن
لدى الإنسان قدرة، فإنه لا يلقي بنفسه إلى التهلكة وقد قال الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (1) .
س 20: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل الجهاد ركن من أركان الإسلام؟
فأجاب بقوله: الجهاد في سبيل الله من أعظم واجبات الدين، وفيه من الفضل ما هو معلوم في الكتاب والسنة، ولكن ليس هو من أركان الإسلام، فإنَّ أركان الإسلام التي بُنِيَ عليها خمسةٌ معروفةٌ ليس منها الجهاد في سبيل الله، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بُنِيَ الإسلام على خَمْسٍ: شَهَادةِ أَنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأَنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً" (2) .
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 195.
(2) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب بني الإسلام على خمس، برقم (8) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام، برقم (16) .
(25/323)

س 21: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حُكْم الإعداد للجهاد في سبيل الله، ومن يخاطب به؟
فأجاب بقوله: الإعدادُ للجهاد في سبيل الله فرض كفاية، والمخاطَبْ بذلك وُلاة الأمور، لقول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) (1) . ويكونُ في أحسن موضع يتلقى فيه هذا الإعداد، ولكن كما ذكرنا: يخاطَب بذلك ولاةُ الأمور، أمَّا أفراد الناس فهم لا يستطيعون في الغالب.
س 22: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن قتال الفلسطينيين لليهود هل هو جهاد شرعي؟
فأجاب بقوله: لا يمكن أن نحكم على شخصٍ أو طائفة بأن جهاده شرعي أو غير شرعي، حتى يوزن ذلك بالميزان الذي جاء به الكتاب والسنة، وذلك بأن يكون الجهاد في محله بأن يكون المجاهَد
- بفتح الهاء- ممن أمر الله بجهاده، وأن تكون نية المجاهِد- بكسر الهاء- خالصةً لله تعالى، بحيث يريد بجهاده أن تكون كلمة الله هي العليا.
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 6.
(25/324)

وقد سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتلُ شجاعةً، ويقاتل حَمِيَّةً ويقاتل ليُرَى مكانُه، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: " مَن قاتَلَ لِتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيا، فهو في سبيلِ الله عزَّ وجل " (1) . فهذا هو الجهادُ الشرعي الذي جعل الله له نصيبًا من الزكاة في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (2) .
س 23: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله- عن مسألتين الأولى: حكم الجهاد في أفغانستان هل هو فرض عين؟ وهل يلزم رضا الوالدين؟
والثانية: نُسِبَ إلى شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- أنَّه يقول: " لا يُسأل في الجهاد إلاّ عالمٌ بالجهاد"، فعلى تقدير صحة هذه النسبة-
__________
(1) رواه البخاري، كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالماً جالساً، برقم (123) . وفي كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، برقم (2810) . ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، برقم (1904)
(2) سورة التوبة، الآية: 60.
(25/325)

إن صحت- ما هو رأيكم في هذا، حيث إنه أثار شكًّا في نفوس كثير من الشباب في عدم قَبُول فتوى العلماء الذين لم يشاركوا في الجهاد "؟
فأجاب بقوله: أقول وبالله التوفيق أقول في الجواب، وأنا كاتبه محمد الصالح العثيمين مازلت متوقفًا في حكم الجهاد في أفغانستان هل هو فرض عين أو لا؟
ولكن لا شك أنه جهادٌ إسلامي، فيه قمعٌ للكفرة وأعوانهم، نسأل الله أن يُخِلصَ نية القائمين به وُيتِمَّ نصرهم (1) ، وأمَّا تقديم هذا الجهاد على رضا الوالدين، فلا يُقدَّم على رضا الوالدين، بل لابد من إذنهما فيه، فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن مسعود رضي الله
عنه أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أَيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: "الصلاةُ على وَقْتها " قلت: ثمَّ أيٌّ قال: "برُّ الوالدينِ " قلت: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "الجهادُ في سبيلِ الله " (2) .
وفي "الصحيحين " من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما- أن رجلاً جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأذنه في الجهاد،
__________
(1) انظر: الفتوى رقم (27) ص 331.
(2) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، برقم (527) ، وفي كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد والسير، برقم (2782) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، برقم (85) .
(25/326)

فقال: "أحيٌّ والداك؟ " قال: نعم، قال: "ففِيهِمَا فجَاهِدْ" (1) .
ثمَّ إنَّ الرجل إذا فاته الجهاد بنفسه تبعًا لرضا والديه لم يَفُتْهُ الجهاد بماله إن كان ذا مال، والجهادُ بالمال شقيقُ الجهاد بالنفس وقرينُه في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
أما بالنسبة للسؤال الثاني: ما نُسِبَ إلى شيخ الإسلام ابن تيمية لا أدري هل يصحُّ عنه بهذا اللفظ أو لا؟ وإن صح فمراده علم مُقتَضَيات الجهادِ وثمراته، وهل الحكمة في الإقدام عليه أو في إعداد
العُدُّة قبل ذلك؟ وليس مراده العلمَ بالحكم الشرير فيه؛ لأنَّ هذا لا يختص بالجهاد، بل كل شيءٍ لا يُسأل فيه إلاَّ من كان عالمًا به.
وأما الشك الذي أثاره هذا الكلام في نفوس كثير من الشباب، فلا وجه له، فإنَّ العلماءَ بالجهاد تُقَبل فتواهم فيه، سواء شاركوا فيه أم لم يشاركوا، فالحق ضالة المؤمن أينما وجده أخذه، والمؤمن كَيِّسٌ فَطِنٌ؛ لا يُقْدِمُ على شيءٍ إلا بعد معرفة نتائجه وثمراته، ولا يجعل الحكم في المقارنة بين الأشياء إلى العاطفة المَحْضة، بل يتروى في الأمور وينظر بعين الشرع والعقل والعاطفة، فبالشرع يعرف الحكم، وبالعقل يُقايَسُ بين الأمور، وبالعاطفة ينشط ويدع الخمول، والله الموفق، حرر في 9/9/1409 هـ.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الجهاد بإذن الأبوين، برقم (3004) ، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، برقم (2549) .
(25/327)

س 24: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل الجهاد في أفغانستان جهادٌ في سبيل الله بحق؟ فالبعض يطعن فيه، نرجو من فضيلتكم بيان ذلك بيانًا وافيًا؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أن هذا الجهاد جهادٌ إسلامي (1) ؛ لأنَّ المعروف عن قادته وزعمائه أنهم يريدون أن يحرِّروا بلادهم من الكفر وأتباعه لتُحررَ فيها كلمة الله- عز وجل- وتكون كلمةُ الله هي العليا، وهذه هي نيةُ الجهاد الإسلامي، هذا هو المعروف عنهم، وبناءً عليه فإن الجهاد في أفغانستان يُعتَبُر من الجهاد في سبيل الله، فمن جاهد فيه فقد جاهد في سبيل الله، ومن بذل المال فيه فقد بذله في سبيل الله، ولهذا يجوز أن تصرف الزكاة في معونتهم؛ لأن سبيل الله- عز وجل
- أحد الأصناف الثمانية التي جعلهم الله سبحانه وتعالى أهلاً لها فقال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (2) . فقال: (وَفِي سَبِيلِ الله) ، وهو يشمل إعطاء المجاهدين أنفسهم من الزكاة وشراء الأسلحة لهم، فكل ذلك داخل في قوله تعالى: (وَفِي سَبِيلِ الله) .
__________
(1) انظر: فتوى رقم (27) ص 331.
(2) سورة التوبة، الآية: 60.
(25/328)

وأما من زعم أنه ليس جهادًا إسلاميًا فليتحمَّل هذه الدعوى وهذه الفِرْيَة، أَخشى أن يكون ممن صَدَّ عن سبيل الله. وعلى المرء ألا يطلق مثل هذه العبارات في عباد الله الذين ظاهرهم الخير والحق،
فإن هذا خطر عظيم. ألم يبلغكم أنَّ أسامة بن زيد- وهو من أحب الرجال إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - لحق رجلاً من المشركين في إحدى الغزوات، فلما أدركه أسامة- رضي الله عنه- قال الرجل: لا إله إلا الله، فظن أسامةُ أنه قال ذلك تعوُّذًا وتخلصًا من القتل، فقتله- رضي
الله عنه-، ثم أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقال: "يا أسامة، أَقَتَلْته بعدَ ما قال: لا إله إلا الله؟ "، قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم (1) .
مع أنه لو عاد الأمر ونظرنا في القرائن، لكُنَّا نظنُّ كما ظنَّ أسامة رضي الله عنه، لكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كرَّرَ ذلك إشارةً إلى أنه لم يرضَ بهذا العمل، وأنَّ كلّ من أبدى لنا خيرًا فإننا يجب أن نعامله بما أبدى لنا؛ لأن النية في القلب لا يعلمها إلا خالقُ القلب جل وعلا. وكوننا
نَتَّهم هؤلاء بسوء القصد لا يجوز، وأرى أنَّ من قال ذلك عليه أن
__________
(1) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي صلى الله عليه وسلّم أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة، برقم (4269) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، برقم (96) .
(25/329)

يستغفر الله ويتوب، ولا يكون ممن يُثِّبط عن القتال في سبيل الله، أو عن المعاونة للمجاهدين في سبيل الله.
س 25: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: راية الجهاد في كشمير هل هي راية صحيحة؟
فأجاب بقوله: يحتاج الجهاد أولاً: إلى رايةٍ من خليفة أو إمام، وهذا مفقودٌ في الواقع.
ثانياً: الجهاد يحتاج إلى أن يذهب الإنسان ليجاهد ويكون فيه ندب وغنائم، ومعلوم أنه في الوقت الحاضر لا يحصل فيه ذلك، فالطائرات تأتي من فوق والذين تحتها تحت رحمة قوات الطائرات
وليس هناك، غُنْم، وكانت الحرب في الزمن الأول بريَّةً، والناس يحاربون بالسيف والرمح ويحصل فائدة الغُنْم.
ثالثًا: أنه يشترك في هذه الحروب أُناسٌ جاءوا لينفِّسوا عن أنفسهم؛ لأنَّهم في بلادهم مكبوتون، فيأتون لينفسوا عن أنفسهم، ثم يبثون السموم في الآخرين ويكرهون ولاتهم، فيرجع هؤلاء إلى بلادهم وهم قد مقَتُوا البلاد رَعيتَها ورُعاتَها، ويحصل بذلك مفاسد كثيرة، والأمثلة كثيرةٌ لا أحب أن أذكرها لكن تأملوها في عدة بلاد.
ثم إذا استتبَّ الأمن في البلاد ونجت من الغزو، وأراد أحدٌ من
(25/330)

الدعاة أن يدعو على حسب منهجه وطريقته، فهناك مشيخة في البلاد معروفة معتمدة عندهم تمنع أي إنسان يدعو إلى خلاف ما هم عليه بمعنى أن الدعوة الصحيحة لا تقوم هناك، وهذا مُشكِل، لكن موقفنا مع إخواننا هؤلاء أن نسأل الله لهم النصر والتأييد، وهذا ما نقدر عليه، كذلك إذا أمكن بالمال فلنجاهد بالمال.
س 26: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بلغنا أن لكم فتوى متداوَلَة بين المجاهدين في كشمير، أي إنكم تنصحون بالجهاد في كشمير وأنها رايةٌ صحيحة؟
فأجاب بقوله: هذا غير صحيح.
س 27: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: سبق لك وأن أفتيتَ بالذهاب إلى بعض الأماكن كأفغانستان، ثم الآن لا تفتون بذلك، فلماذا؟
فأجاب بقوله: لأنَّ الأمورَ تتغير باختلاف النتائج، ففي بداية ظهور الحرب في أفغانستان كُنَّا نؤيد الذهاب، ولكن صارت النتائج بخلاف ما نريد، فالراجعون من هناك معروفة حالهم إلا من سلَّمه الله- عز وجل-، والباقون هناك لا يخفى ما يقع بينهم من الحروب الطاحنة.
(25/331)

س 28: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن واقع الجهاد في الشيشان؟
فأجاب بقوله: الواقع أن الجمهورية الشيشانية أُصيبت بهذا البلاء من الملاحدة الكفرة، وموقفنا أن ندعو لهم بين الأذان والإقامة، وفي صلاة الليل، وفي كل مناسبة.
أما مسألة القنوت فلا نَقنُت إلا بأمر ولي الأمر؛ لأننا نحن تابعون لولي الأمر، وسأخبركم عن رأي الفقهاء عن مسألة القنوت: عند النوازل.
فمن العلماء من يقول: لا يَقنُت في النوازل إلا الرئيس الأعلى في الدولة فقط، وغيره لا يقنت. وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله، حيث قالوا: إلا أن تنزل بالمسلمين نازلةٌ فيقنت الإمامُ الأعظم في الفرائض.
وعلى هذا فلا يُسَنُّ للشعب أبدًا أن يقنت، وعَلَّلوا ذلك بأنه لم يقنت في النوازل إلا الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مُشرِّع.
ومن العلماء من قال: يقنت الإمامُ: إمام المسجد، كلٌّ في مسجده.
ومنهم من قال: يقنت كلُّ مصلٍّ، وهذا هو أرجح أن يقنت كل مصلٍّ، لكن الإمام في الجماعة لا يقنت إلا بعد موافقة ولاة الأمور، إن قالوا: اقنتوا، قَنَتْنا جهرًا، وإن سكتوا سكتنا، لكننا لا نسكت عن
(25/332)

الدعاء لإخواننا في الشيشان، ولْيُعلم أن الشيشان جمهوريةٌ إسلاميةٌ، والروس أُمة ملحدةٌ، لكن لما رأوا أن الإسلام سيمتدُّ أرادوا أن يقضوا على الإسلام. وأولُ جمهوريةٍ إسلامية استقلت هي الشيشان فيما أعلم، فأرادوا أن يقضوا على؛ ولذلك الغربُ ساكتون ما قالوا شيئًا؛ لأن هذا مما يفرحون به، إذ إنَّ الغرب الكفرة يفرحون بكل ما فيه ذل للإسلام، وخذلانٌ للمسلمين، ولا شك في هذا عندي أنهم يودُّون هذا وإن أظهروا أنهم يساندون الإنسانية أو ما أشبه ذلك، فهُم كَذَبة؛ ولهذا هم ساكتون.
ولما بدأت جمهورية الشيشان تُضرَب بالقنابل، ويموت الناس في الأسواق تحركوا، ولكن تحرك سلحفاة، وإلا لو خنقوا الروس في الأمور الاقتصادية لعلمنا أن الروس سوف يستسلمون ويذلُّون، بل من أسباب هجوم الروس على الشيشان أنهم يريدون أن يشغلوا شعبهم بهذه الحرب عن العيب والعور والبلاء في اقتصادهم ومجتمعاتهم، والغرب ساكتون!
تيمور الشرقية مسألتها قليلةٌ أهون من هذا بكثير، لكن لما كان غالبها من النصارى ماذا فعل الغرب الأمة النصرانية الملحدة؟ ماذا فعلوا؟! جهزوا أسطولاً وطيارات ودبابات من أجل أن يفصلوا
تيمور الشرقية عن إندونيسيا؛ حتى يُضعِفوا المسلمين يأخذوهم شيئًا
(25/333)

فشيئًا، دويلاتٍ دويلاتٍ، وقد عُلِم أن التفرق فيه الفشل كما قال- عز وجل-: (وَأَطِيعُوا الله وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ) (1) .
ونحن موقفنا أن نسأل الله- سبحانه وتعالى- النصر لإخواننا الشيشان في جمهوريتهم، وأن يُذِلَّ الروس إذلالاً يكون حديثًا لمن بعدهم، وكذلك كل من كاد للمسلمين؛ لأنه ليس بيننا وبين هؤلاء
نسب، بيننا وبينهم الدِّين، من كان عدوًّا للإسلام فهو عدونا إلى يوم القيامة، ومن كان ناصحًا للإسلام فعلى حسب نصحه نحبه ونفرح بانتصاره، ألم تروا أن الله قال: (الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ الله يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)) (2) . مع أنه نصر للروم وهم نصارى، على الفُرْس وهم مجوس- وكلهم كفار- لكن لا بأس أن يفرح المؤمن بانتصار
غير المسلمين، ولو كان كافرًا. اللهم انصر إخواننا المسلمين في الشيشان، اللهم انصرهم على عدوهم، اللهم فرِّج كُرُباتِهم ويسِّر أمورهم واخذل أعداءهم يا رَبَّ العالمين، اللهم صل على محمد.
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 46.
(2) سورة الروم، الآيات: 1-5.
(25/334)

س 29: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم الذهاب للشيشان ويوغسلافيا للجهاد؟
فأجاب بقوله: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عزَّ وجل " (1) .
وبالنسبة للشيشان هل طلبوا منا أن نأتي إليهم؟ لأنهم إذا لم يطلبوا منا هذا صار الناس عبئًا عليهم، لأنَّ كل واحد يحتاج إلى نفقة ويحتاج إلى سلاح ويحتاج إلى مكان، فنكون عبئًا عليهم.
ثانيًا: ربَّما يقع هذا المجاهد الذي ذهب من غير البلد (الشيشان) ربما يعثر عليه الجنود الروس فيقولون: إذن هذه الدولة أو الجمهورية تأوي أهلَ الإرهاب، فيكون في ذلك ضَرَرٌ، إنما حق إخواننا الشيشان علينا الآن أن ندعو الله- عز وجل- لهم في كل وقت؛ لأنَّ سقوط جمهورية إسلامية على يد ملَاحدةٍ كَفَرة طُرِدوا منها بالأمس فيأتون اليوم منتصرين، ليست هيِّنة. ثم إن انتصارها أيضًا نواة لانتصار الجمهوريات الأخرى التي قد استعمرها الروس الذين نسأل الله أن
يُنزِلَ في قلوبهم الرعب وأن يَخذُلهم ويرُدهم من حيث جاءوا.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالماً جالساً، برقم (123) ، وفي كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، برقم (2810) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، برقم (1904) .
(25/335)

مجموعة من الأسئلة عرضت على فضيلة الشيخ- أعلى الله درجته في المهديين- عن حركة الإسلامي الإرتري.
* السؤال الأول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم فضيلة الشيخ. سؤال عن حركة الجهاد الإسلامي الإرتري: هذه الحركة التي تأسست في عام 1409 هـ، وتوحدت فيها كل الجماعات والأحزاب الإسلامية بعد أن نُكِبَ المسلمون في
أعراضهم، حين سِيَقت الفتياتُ بالآلاف إلى معسكرات الرذيلة لتكون أرحامهن مصانع لأبناء الحرام، في أخطر غزو تعرَّض له المسلمون في أرتريا، ثم تفرقت الحركة بعد ذلك إلى أحزاب
متصارعةٍ، وأخذ كل أميرٍ حزبَه وجماعتَه، ثم قامت مجموعة سمت نفسها القيادة العسكرية الانتقالية وادعت المنهج السلفي في أول أمرها.
ثم ظهر أنَّها متأثرةٌ بفكر جماعة التكفير، وذلك كالآتي:
1- قيامها بتنفيذ الأحكام التي تراها في غير أراضيها باستئجارها البيوت لخطف الناس فيها، واعتقالهم وتعذيبهم وإجبارهم على التنازل عن كل حقوقهم، واستكتابهم الأوراقَ لإثبات الأموال على ذممهم ليُسدِّدُوها بعد إطلاق سراحهم، وإجبارهم على التوقيع على
(25/336)

أوراق يتنازلون فيها عن المدارس ومراكز تحفيظ القرآن التي يشرفون عليها، والممتلكات والاستثمارات التي خُصِّصَت لنفقات تلك المدارس والمراكز؛ من أجل الاستحواذ على أموال المحسنينَ التي تُدفَعُ لهذه المدارس والأيتام والدعاة.
2- كتابة رسائل التهديد حتى للذين يتواجدون في خارج البلاد، ولدينا من ذلك نماذج توضح ذلك.
3- التنكيل والتعذيب والسَّجنُ للدعاة الذين يخالفونهم في آرائهم، وقد عُذِّبَ من هؤلاء عدد غير قليل. وأَنَّه لا فرق بين ما يحدث في الجزائر بين الجماعات الإسلامية من الاقتتال وبين ما يفعله
هؤلاء بإخوانهم الدعاة.
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لي ملاحظةٌ قبل الإجابة على السؤال وهي: أن الأخ الذي قدَّم السؤال قدَّم قولَه: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وهذا ليس بمشروع؛ لأنَّ الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم إنما تكونُ عند
تلاوة القرآن، وأما ما سواه فإنه لا يُسَنُّ أن يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم عند قراءته، وإنْ كانت الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم مشروعةٌ في كل وقت، لكن تقييدها بغير ما قُيِّدَت به من
(25/337)

الشرع لا ينبغي.
أمّا ما ذَكرتَ عن هؤلاء الطائفة فإن صحَّ ما ذكرت، فلا شكَّ أنَّ هذا محُرمٌ في دين الله- عز وجل-، وأنَّ استحلال أموال المسلمين وتعذيبهم من أجل أنهم خالفوهم في أمر لا يُعلَمُ مَن المصيب منهم
والمخطئ، فإن هذا بلا شك عدوانٌ وظلم، ولا يحل لهم ذلك.
والواجبُ على إخواننا في أرتريا أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يكونوا أمةً واحدةً لا نزاع بينهم ولا قتال ولا عدوان ولا ظلم، نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
* السؤال الثاني: هذه الفِرَق كل أمير يدعي أن له الحق في السمع والطاعة على الناس، بل ويؤاخذون بذلك حتى قُتل من قُتل، وعُذِّب من عُذِّب، وسُجِن من سُجِن، ووُجِدَ فسادٌ عريض
بذلك. هذه الفرق تمارس هذه الأعمال في خارج أراضيها، تستبيحُ أراضي الدول المجاورة باستئجارها البيوت في مدن البلدان المجاورة لخطف وتعذيب وقتل بعض أفرادها فضلاً عن
أعدائها، فهل هذا العمل يعتبر عملاً مشروعًا؟
فأجاب بقوله: ليس هذا عملاً مشروعًا، ولا يحلُّ للإنسان أن
(25/338)

يعتدي على أخيه المسلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ المسلِم على المسلمِ حَرام، دَمُه ومالُه وعِرضُه " (1) ، وأعلن - صلى الله عليه وسلم - في حِجَّةِ الوداع أنَّ دماءنا وأموالنا وأعراضنا حرامٌ علينا، وهذا أمر معلوم بالضرورة من الدين، ولا يحتاج إلى سؤال عن حكمه، بل المهم تطبيق هذا الأمر، وعدم الاعتداء على المسلمين وأن يكونوا إخوانا متآلفين ومتحابين في الله.
* السؤال الثالث: فضيلة الشيخ نريد البيان في مسألة أن كل أمير يدَّعي الحق في الطاعة لنفسه؟
فأجاب يقوله: إنَّ هذه مشكلة، هذه فتنة ولا بد من أن يتفق أهل البلد على أمير واحد يكون له السمعُ والطاعةُ على الجميع، أما كل فرقة تقول: أنا ليَ الإمارة، فليس هذا من الشرع، وفي هذه الحال نقول: إذا كان ولابد من التحزُّب، فكلُّ إنسان يكون مع قومه حتى يأذن الله- عز
وجل- بأن يتفقوا على واحد معَّين يكون أميرًا على الجميع.
* السؤال الرابع: ماذا يفعل الذين لا يتحيزون لهذا ولا لهذا؟ هل يتركون الدعوة حتى يصطلح هؤلاء، أم يتركون الجهاد حتى يصطلح هؤلاء؟
__________
(1) رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله، برقم (2564) .
(25/339)

فأجاب بقوله: لابدَّ من الدعوة إلى الله- عز وجل- سواء اصطلح هؤلاء، أم لم يصطلحوا، وأما القتالُ فلا يجوز ولا يَحِلُّ إلا دفاعًا عن النفس فقط.
* السؤال الخامس: ما حُكم الذين يدفعون الأموال لهؤلاء مع علمهم وإخبارهم بحال هؤلاء وتبليغهم بتعذيب الدعاة والعلماء وقادة المجاهدين وأفراد المجتمع، بل وحضور المعذَّبين إليهم
وإعطائهم رسائل التهديد المكتوية بأيدي هؤلاء القادة؟
فأجاب بقوله:. إعانة هؤلاء على ظُلمِهم من باب التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله- عز وجل- في كتابه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (1) . فمن أعانهم بقوله أو فعله أو ماله، فهو شريكٌ لهم في الإثم.
س 30: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم من يذهب ليجاهد في أفغانستان بغير رضا والديه، حيث إن والدته متأثرة بدنيًّا ونفسيًّا. نرجو إسداء النصح له وجزاكم الله خيرًا؟
فأجاب بقوله: حُكم ذهاب هذا- مع تأثُّر والدته- إلى الجهاد في
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 2.
(25/340)

أفغانستان، أنَّه آثمٌ في ذلك جاهلٌ بحكم الله ورسوله؛ لأنَّ بِرَّ الوالدين مُقدَّم على الجهاد في سبيل الله، ففي "الصحيحين " عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: سألت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: " الصَّلاةُ على وَقْتها " قلت: ثمَّ أيٌّ؟ قال: " بِرُّ
الوالدينِ " قلت: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "الجهادُ في سَبيلِ الله " (1) .
وفي "الصحيحين " عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنه في الجهاد فقال: "أحيٌّ والِداكَ؟ " قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهِدْ " (2) ، وفي رواية لمسلم قال: أَقبَلَ رجلٌ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أُبايعُكَ على الهجرة والجهاد أَبتَغي الأجرَ من الله، قال: "فهل من والِدَيكَ أحَدٌ حيٌّ؟ " قال: نعم، بل كِلاهُما حي، قال: "فتَبْتَغي الأَجرَ من الله؟ " قال: نعم، قال: "فارجعْ إلى والدَيكَ فأحسِنْ صُحبَتَهُما " (3) ، وعن أبي سعيد الخُدْري- رضي الله عنه- أنَّ
__________
(1) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، برقم (527) ، وفي كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد والسير، برقم (2782) ، ومسلم، كتاب الأيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال برقم (85) .
(2) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الجهاد بإذن الأبوين، برقم (3004) ، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، برقم (2549) .
(3) رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، برقم (2549) .
(25/341)

رجلاً من أهل اليمن هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "هل لك أحدٌ باليمنِ؟ " فقال: أبوايَ، فقال: "أَذِنَا لَكَ؟ " قال: لا، قال: "فارجعْ إليهما فاستأذِنْهُما، فإن أَذِنَا لك فجَاهِدْ وإلا فبرَّهُما " (1) .
ولا رَيْبَ أن من العقوق أن يدعَ الرجل أمَّه تموت بغَمِّها أو تمرض، أو يلحقها الوَسْواس المضرُّ ببدنها وتفكيرها ويؤثر على عباداتها، فتبقى كأنها في زجاجة لا يَقَرُّ لها قرار ولا يهدأ لها بال،
يَدَعُها في هذه الحال أو فيما دونها ثم يذهب ليجاهد.
والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يبلغ أمَّته أن برَّ الوالدين مقدَّمٌ على الجهاد في سبيل الله بدون تفصيل، وقد دلَّ الكتاب والسنَّة وإجماع المسلمين على أن برَّ الوالدين واجبٌ وجوب عين، وأن عقوقهما محُرَّم.
وأما الجهاد فإنما يجب في صور معيَّنة لا تنطبق على كلِّ جهاد. ثم إن الجهاد لا يمكن أن يجب وجوبَ عين على كل واحد، كوجوب الصلاة والزكاة والبر، لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (2) وأما برُّ الوالدين فواجب على كل مولود أن يَبَرَّ والديه.
__________
(1) رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب الرجل يغزو وأبواه كارهان، برقم (2530) .
(2) سورة التوبة، الآية: 122.
(25/342)

فنصيحتي لهذا الأخ أن يتقي الله تعالى في أمِّه ويرجعَ إليها إن كان يبتغي الأجر من الله كما أمر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن ذلك هو عبادة الله على بصيرة، وهو خير له في دينه ودنياه. والله المستعان.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 13/10/1408 هـ.
س 31: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يواجهنا عند الهجوم على مراكز العدو، أن بعضَ أفراد العدو يُظهِر لنا أنه مسلم إما بأن ينطق بالشهادتين، أو يقول: إنه يصلي أو غير ذلك من شعائر
الإسلام، فهل يجوز لنا قتله، مع العلم أننا نتضرَّرُ بإبقائه بين أظهرنا على قيد الحياة كأن يغدر بنا؟ فما حُكم قتله إذا كان مسلمًا ثم ارتد بقتاله مع الكفار، أو كان كافرًا أو صليبيًا؟
فأجاب بقوله: إذا أظهر الأسيرُ أو المقاتل من الكفار أنه مسلم فإنه لا يجوز قتله، كما دلَّ على ذلك الحديث الصحيح في قصة أسامة بن زيد- رضي الله عنه- حين قتل المشرك الذي أدركه فقال: لا إله إلا الله، فبلغ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا أسامةُ أقَتَلتَه بعدَ ما قال: لا إله
إلا الله؟ "، قلت: كان متعوذاً، فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمتُ قبلَ ذلك اليوم. (1)
__________
(1) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي صلى الله عليه وسلّم أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة، برقم (4269) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، برقم (96) .
(25/343)

وأما الخوفُ من غدرِه فهو وارد ومحتمل، ولكن هل وقع ذلك من أحد وعرفتم كثرة الغدر ممن فعلوا ذلك؟ قد يكون هذا الرجل مسلمًا مجُبَرًا على أن يخرج في صُفوف العدو، وهو لا يريد الخروج، وقد يكون كافرًا أو مرتدًا لكن هداه الله- عز وجل- حينما رأى أنه قد أُدرِك، فالمهمُّ أننا إذا خفنا غدره، فإننا نأسره أسرًا لا يتمكن به من الغدر، ونبقيه على الحياة حتى يتبين لنا الأمر.
س 32: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: والدي يحتاجني في عمله وأهلي كذلك، وأخي الأكبر في مدينة أخرى يطلبُ العلم، وأنا أريد أن أذهب إلى الجهاد، ولم يرضَ أحدٌ من الوالدين، فهل
يَحِقُّ لي الذهاب مع العلم أن أخي يقدر أن يقوم مقامي بترك درا سته؟
فأجاب بقوله: لا يحلُّ لك أن تذهب إلى الجهاد وأهلك محتاجون إليك ومانعوك من السفر إلى الجهاد، بل حتى وإن لم يحتاجوا إليك، فإذا لم يَأذّنُوا لك فإنه لا يحل لك أن تذهب إلى الجهاد؛ لأنَّ برَّ
الوالدين أفضلُ من الجهاد في سبيل الله، كما ثبت ذلك في "الصحيحين " من حديث عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أي العمل أحبُّ إلى الله؟ " قال: " الصَّلاةُ
(25/344)

على وقتها". قلت: "ثمَّ أيٌّ؟ ". قال: "برُّ الوالدينِ ". قلت: "ثمَّ أيٌّ؟ ".
قال: "الجهادُ في سبيل الله " (1) فقدَّم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - برَّ الوالدين على الجهاد في سبيل الله.
وأمَّا أخوك، فإن خروجه لطلب العلم فيه خير كثير، وخروج عظيم، وطلبُ العلم كالجهاد في سبيل الله، لأنَّ الله تعالى جعله عَدِيلاً له في قوله: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (2) . فجعل الله التفقه في الدين معادِلاً للجهاد في سبيل الله، وغزو المسلمين ليس بالسلاح فقط، وإنما هو بالسلاح والفكر والخُلُق، والغزو بالفكر لا يُقاوَم إلا بالعلم، والأخلاق أيضًا لا تُقاوَم إلا بالعلم والاستقامة، وربما يكون غزو الأعداء من سنين غزوًا فكريًا، أعظم فتكًا بهم من السلاح المادي؛ لأن النوع الأول من الغزو غزو يدخل بدون استئذان، ويَحتلُّ بدون قتال، فهو أنكى وأعظم من الجهاد المسلَّح بالسلاح المادي، والمسلمون يجب عليهم
__________
(1) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، برقم (527) ، وفي كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد والسير، برقم (2782) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، برقم (85) .
(2) سورة التوبة، الآية: 122.
(25/345)

هذا وهذا، ولهذا قال الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (1) ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجاهد المنافقين بالسلاح المادي ولم يؤمر به، وإنما جاهد المنافقين بالسلاح العلمي والبيان والإرشاد، فخروج أخيك لطلب العلم وتغرُّبه لطلب العلم، لا شكَّ أنه خير كثير، أمَّا أنت فالخير لك أن تبقى عند أهلك، وأن تقوم ببِّر والديك، وإذا كان لديك مالٌ فجاهد بمالك، لأنَّ الجهاد بالمال كالجهاد بالنفس، بل هو قرينه في كتاب الله- عز وجل-.
س 33: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لي قريبٌ ذهب إلى الجهاد في أرض أفغانستان من غير موافقة والده وبدون علمه، فما توجيهاتكم ونصيحتكم نحو الشباب الذين يفعلون ذلك علمًا
بأن والد الشاب لا يزال غاضبًا على ابنه؟
فأجاب بقوله: نصيحتي لإخواني الذين يذهبون للجهاد في أفغانستان أو في غيرها، ألا يذهبوا إلا بعد رضا والديهم؛ لأن حق الوالدين قُدُّم على الجهاد، ففي "الصحيحين " من حديث عبد الله بن
مسعود- رضي الله عنه- أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - "أيُّ العمل أحبُّ إلى
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 73.
(25/346)

الله؟ " قال: "الصَّلاةُ على وقتها"، قلت: "ثمَّ أيٌّ؟ ". قال: "برُّ الوالدينِ ". قلت: "ثمَّ أيٌّ؟ ". قال: "الجهادُ في سبيلِ الله ". فقال ابن مسعود: "ولو استَزَدتُ لزادني " (1) . فنصيحتي لهؤلاء الإخوة أن نقول لهم: أنتم إنما تذهبون إلى أفغانستان لطلب الخير وطلب الجهاد في سبيل الله، وطلب الاستشهاد في سبيل الله، ولكن يجب أن تقيِّدوا هذه العاطفة الجيَّاشة بما تقتضيه السنَّة، والسنَّة تقدِّم حق الوالدين على الجهاد في سبيل الله، فلا تذهبوا إلى الجهاد في أفغانستان أو في غيرها إلا بعد موافقة الوالدين، فإن لم يوافقا على ذلك فلا يجوز الخروجُ إلى الجهاد في سبيل الله.
س 34: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أنا شابٌ أرغب الذهاب إلى الجهاد ولكن أبواي يمنعانني، فهل أذهب بدون أذنهما، علمًا بأنهما ليسا بحاجة لي، ولي عدد من الإخوان؟
فأجاب بقوله: لا تذهب إلا برضى الوالدين؛ لأن برَّ الوالدين مُقدَّم على الجهاد، ففي "الصحيحين " من حديث عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ " قال: " الصَّلاةُ
__________
(1) رواه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، برقم (527) ، وفي كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد والسير، برقم (2782) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، برقم (85) .
(25/347)

على وقتها". قلت: "ثمَّ أيٌّ". قال: "برُّ الوالدين ". قلت: "ثمَّ أيٌّ؟ ".
قال: "الجهادُ في سبيل الله " (1) . فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتبة البر قبل مرتبة الجهاد في سبيل الله.
س 35: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: سمعنا من مُحدِّث أن أهل الأعراف هم أناسٌ أو رجال خرجوا للجهاد في سبيل الله، ولم يستأذنوا أهلهم في الخروج للجهاد، ولكنهم خرجوا وقُتِلوا في
سبيل الله وماتوا شهداء ولم يدخلوا الجنة ولا النار، فهم على الأعراف حتى يقضي الله فيهم يوم القيامة، فهل هذا صحيح أم لا؟ ثم لو كان صحيحًا وأراد الإنسان الجهاد والهجرة في وقتنا
الحاضر، فهل يُعدُّ من أهل الأعراف إذا لم يستأذن والديه للخروج، لأنهما قد لا يأذنان له بذلك، فإذا كان الأمر كذلك، فإنا قد قرأنا في القرآن الحثَّ من الله- عز وجل- والترغيب في الجهاد
بقوله تعالى: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (2) ، وقوله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
__________
(1) رواه البخاري برقم (527) ، ومسلم برقم (85) .
(2) سورة النساء، الآية: 74.
(25/348)

ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (1) ، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حثِّه على الجهاد: " مَن مات ولم يغزُ ولم يحدِّث نفسَه بالغزو، مات على شُعبةٍ من نفاقٍ" (2) أو كما قال - صلى الله عليه وسلم -، فما قولكم في هذا؟
فأجاب بقوله: قولنا في هذا: أنَّ ما سمعتَ من أنَّ أهل الأعراف هم قوم خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله بدون استئذان أهليهم، هذا ليس بصحيح، فإنَّ أهل الأعراف على ما قاله أهل العلم: هم قوم
تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فلا هم الذين غلبت عليهم السيئات حتى أدخلوا في النار؛ ليطهروا من سيئاتهم ولا هم قوم غلبت حسناتهم حتى يدخلوا الجنة، ولكن تساوت حسناتهم وسيئاتهم
فكان من حكمة الله- عز وجل- وعدله أن يوقفوا في الأعراف وآخر أمرهم أن يدخلوا الجنة بفضل الله تعالى ورحمته. هؤلاء هم أهل الأعراف.
أما ما ذكرت من الجهاد في سبيل الله بدون استئذان الأبوين في ذلك فإذا كان الجهاد تطوعًا فإنك لا تخرج إلا باستئذان الأبوين، وإذا كان الجهاد واجبًا فإنه لا يحتاج إلى إذن الأبوين، بل لك أن تخرج وإن لم تستأذنهما وإن لم يرضيا بذلك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية
__________
(1) سورة النساء، الآية: 100.
(2) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب ذم من مات ولم يغز، برقم (1910) .
(25/349)

الخالق، اللهم إلا أن يكونا في ضرورة إلى بقائك فحينئذ تقدم دفع ضرورتهما على الجهاد وعلى هذا يحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ففيهما فجاهد" حيث كانا يحتاجان بل يضطران إلى وجود ابنهما عندهما، وأما خروج الجهاد في سبيل الله والهجرة فإن هذا أمر معلوم بدلالة
الكتاب والسنَّة، والجهاد في سبيل الله ذَرْوة سَنَامِ الإسلام، ومن أهمِّ الأعمال الصالحة وأحبها إلى الله- عز وجل- قال تعالى: (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) (1) ، وقال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (2) .
ولكن ليِعُلَم أنَّ الجهاد في سبيل الله ليس هو مجرَّدَ قتال الكفار، بل إنَّ الجهاد في سبيل الله تعالى هو الذي يقاتل فيه الإنسان لتكون كلمة الله هي العليا فقط، لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يقاتل حَمِيَّةً، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليُرَى مكانه، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: " من قاتل لِتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيا، فهو في
__________
(1) سورة الحديد، الآية: 19.
(2) سورة آل عمران، الآيات: 169-171.
(25/350)

سبيل الله عز وجل " (1) .
وهذا هو الميزان الحقيقي الصحيح الذي يُعرَف به كون الجهاد في سبيل الله، أو ليس في سبيل الله فمن قاتل دفاعًا عن الوطن لمجرد أنه وطن، فليس في سبيل الله، ومن جاهد عن وطنه؛ لأنه وطن إسلامي يحتمي به عن الكفار، فإنه في سبيل الله، فالميزان الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - ميزان بَيِّن واضح. نعم من قاتل دون ماله، أو دون أهله، أو دون نفسه، وقُتِلَ فهو شهيد، كما ثبت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من قتل دون مالِه فهو شهيدٌ، ومن قُتِلَ دون أهلِه فهو شهيدٌ، أو دون دَمِهِ، أو دون دينهِ، فهو شهيد" (2) .
س 36: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ذكرتم في أول إجابتكم أن الجهاد إذا كان تطوعًا، فإنه يستلزم أن يستأذن والديه، وإذا كان واجبًا لم يلزمه ذلك هل لنا أن نعرف الحالات التي يكون
__________
(1) رواه البخاري، كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالماً جالساً، برقم (123) ، وفي كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، برقم (2810) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، برقم (1904) .
(2) رواه أبو داود، كتاب السنة، باب قتل اللصوص، برقم (4772) ، والترمذي، كتاب الديات، باب ما جاء في من قتل دون ماله فهو شهيد، برقم (1421) ، والنسائي، كتاب تحريم الدم، باب من قاتل دون دينه، برقم (4095) .
(25/351)

فيها الجهاد تطوعًا ويكون واجبًا؟
فأجاب بقوله: قال أهل العلم: إنه يجب الجهاد في أحوال:
أولاً: إذا استنفره الإمام بأن قال له: اخرج.
ثانيًا: إذا حاصره العدو أو حاصر بلده.
ثالثاً: إذا كان محتاجًا إليه في الجهاد، بحيث يكون المجاهدون مُفتقِرين إلى وجود هذا الشخص، لكونه يعرف أن يتصرف في الآلات المعيَّنة التي يقاتَلُ بها دون غيره.
رابعاً: إذا حضر الصفَّ، فإنه لا يجوز الفِرَار، فإنه من كبائر الذنوب لقول الله تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (1) . وفيما ذلك يكون تطوعاً.
س 37: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إنسان أجنبي في دولة إسلامية كان طالبًا أو عاملاً، ثم حصل استنفارٌ في هذه الدولة للجهاد، فهل على هذا العامل أو الطالب الأجنبي أن يستنفر دون
إذن والديه؟
فأجاب بقوله: إذا كان الجهاد واجباً، فإنه لا حاجة إلى إذن
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 16.
(25/352)

الأبوين، لأنَّ الواجب لا يُستأذّنُ فيه البشر، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وكما أنك لا تَستأذِنُ والديك في الحج إذا وجب عليك، فلا تستأذِنْهما أيضًا بالجهاد إذا وجب عليك، أمَّا إذا كان الجهاد تطوعاً، فإنه لا يجوز أن تجاهد إلا بإذن الأبوين.
س 38: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الحكم إذا أمر الأمير أن ينسحبوا من المعركة خَشيةَ الهلاك؛ لأنَّ العدو باغتهم بأسلحة وعدد ورجال لا قِبَلَ لهم بها، وانسحبوا إلى أماكن أكثر
تحصيناً مثل أماكن الجبال لمقاتلة العدو فيها، هل يعتبر هذا فرارًا من الزحف؟
فأجاب بقوله: هذا من التولِّي الجائز، لأنَّ الله استثنى، حيث قال: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (1) . وهؤلاء متحيزون إلى أماكن آمنة، فلا "يعدون فيمن فَرُّوا من الزحف الفرارَ المحرَّم.
س 39: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم اقتحام المجاهد بمفرده على العدو ومعه سلاحُه بدون إذن أميره، وقد
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 16.
(25/353)

يكون في ذلك مفاسد عظيمة عليه وعلى بقية المجاهدين، وإذا قُتِلَ في هذه الحالة هل يكون شهيدًا؟ نرجو التفصيل.
فأجاب بقوله: لا يجوز لأحد من أفراد الجيش أن يقاتل أو يتقَدَّم إلا بإذن الأمير، فإن فعل فهو عاصٍ، وكونه يكون شهيدًا أو لا يكون شهيدًا، هذا ينبني على فِعْله هذا، هل هو مُتأوِّلٌ يظن أن ذلك
جائز، أو غير متأول؟ إن كان متأولاً فنرجو أن تكتب له الشهادة إذا قُتل، وإن كان غير متأول لكنه مُستبِدٌّ فإن كتابة أجر الشهادة له بعيد، وإن قاتل من أجل الشهادة وحرصًا على قتل العدو فهي نية ناقصة، والكَمَالُ أن يقاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا.
س 40: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: قام أحد الرجال في فلسطين بوضع متفجرات على نفسه، ودخل بين اليهود وقتل أكثر من عشرين يهوديًّا، وجرح قريباً من خمسين وبعضهم يعلل
ويقول: إن لم يقتل اليوم قتل غداً، فهل هذا الفعل منه يُعتبرَ انتحارًا، أو يعتبر جهادًا؟
فأجاب بقوله: هذا الذي وضع على نفسه هذا اللِّباس الذي يقتل، أول من يقتل نفس الرجل، لاشكَّ أنه هو الذي تَسبَّبَ لقتل
(25/354)

نفسه، ولا يجوز مثل هذه الحال إلا إذا كان في ذلك مصلحةٌ كبيرة للإسلام، لا لقتل أفرادٍ من الناس لا يمثِّلون الرؤساء ولا يمثلون القادة لليهود، أما لو كان هناك نفعٌ عظيم للإسلام لكان ذلك جائزًا.
وقد نصَّ شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- على ذلك، وضرب لهذا مثلاً بقصة الغلام المؤمن الذي كان في أُمَّة يَحكُمُها رجل مشرك كافر، فأراد أن يقتله هذا الحاكم الشرك الكافر، فحاول عدَّة مرات:
مرة يلقي هذا الغلام من أعلى الجبل.
ومرَّة يلقيه في البحر، ولكنه كلما فعل ما يُهلِكُ به هذا الغلام نجا، فتعجب الملك الحاكم، فقال له الغلام يومًا من الأيام: أتريد أن تقتلني؟ قال: نعم، وما فعلتُ هذا إلا لقتلك، قال: اجمع الناسَ كلَّهم، ثم خذ سهمًا من كِنَانتي واجعله في القوس، ثم ارمني به، ولكن قل بِاسمِ رب هذا الغلام، باسم رب هذا الغلام، وكانوا إذا أرادوا أن يُسَمُّوا سمَّوا باسم الملك، لكن قال: قل: باسم رب هذا الغلام، فجمع الناس ثم أخذ سهمًا من كِنانته ووضعها في القوس وقال: باسمِ رب هذا الغلام، وأطلق القوسَ فضربه فهلك، فصاح الناس كلهم الرب رب الغلام، الرب رب الغلام (1) وأنكروا رُبوبيَّة هذا الحاكم
__________
(1) انظر: صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود، برقم (3005) .
(25/355)

المشرك، أنكروه لأنَّهم قالوا: هذا الرجل مشرك، فالحاكم فعل كل ما يمكن أن يهلك به هذا الغلام ولم يَهلِكْ ولما جاءت كلمة واحدة:
باسم رب هذا الغلام، هلك. إذن مدبِّر الكون هو هذا الرب، يقول شيخ الإسلام: هذا حصل فيه نفعٌ كبير للإسلام، وإلا من المعلوم أن هذا الغلام تسبب بقتل نفسه لا شك، لكنَّه حصل فيه نفع كبير، آمنت أمَّة كاملة. فإذا حصل مثلُ هذا فيقول الإنسان أنا أفدي ديني بنفسي ولا يهمُّني، أما مجرد أن يقتل عشرة أو عشرين أو ثلاثين، ثم ربما تأخذ اليهود بالثأر فتقتل مئات، ولولا ما يحاولون اليوم من عقد الصُّلح والسَّلام كما يقولون، لرأيتَ فِعالهم في الانتقام من الفلسطينيين بهذه الفَعْلة التي فعلها هذا الرجل.
س 41: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأي الشرع في الأعمال الانتحارية التي يؤمر بها الجندي في ميدان الحرب؟
فأجاب بقوله: أولاً: لا أحبُّ أن يوجه السؤال لشخص باسم ما رأي الإسلام؟ أو ما رأي الشرع؟ لسببين:
السبب الأول: أن الشرع لا يصح أن نقول: إنه رأي، بل الشرع شريعة ومنهاج من لدن حكيم عليم، شريعةٌ ومنهاج مبنيٌّ على عقيدة وإيمان بالله سبحانه وتعالى، وليس فكرًا أو رأيًّاً، ولهذا أرى أنه
(25/356)

من الخطأ أن نعبِّر فنقول: الفكر الإسلامي، مثلاً، ولكن نقول: المفكر الإسلامي، لا بأس، فنجعل ذلك وصفًا للرجل المسلم، أما أن نجعل الفكر نفسه هو الإسلام فهذا خطأ.
السبب الثاني: أن كلمة " رأي الشرع ". معناها: أن هذا الموجَّه إليه هذا السؤال إذا تكلم وأجاب فإنما يجيب بالشرع، ولا شك أن هذا على خطر عظيم؛ لأن الإنسان قد يخطئ في حكمه، فإذا أخطأ في حكمه ونحن ننسب ما يقول إلى الشرع فمقتضاه أننا نخطِّئ الشرع.
لذلك أرجو أن يكون التعبير: ما حكم الشرع في نظركم مثلاً، أو ما ترى في كذا وكذا؟ حتى إذا أخطأ الإنسان كان خطؤه على نفسه، ليس على الشرع.
أما الجواب على صُلْب السؤال: فالذي أرى في المسألة ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- أنه إذا كان في هذا مصلحةٌ كبيرة للمسلمين، فإن ذلك لا باس به، كما لو كان فيه نصر للإسلام،
أما إذا كان هذا الانتحار يؤدِّي إلى قتل رجل أو رجلين أو عشرة من الأعداء، فإنِّه لا يجوز.
س 42: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: العمليات الانتحارية أفتى بعض العلماء بجوازها، فما رأي فضيلتكم؟
(25/357)

فأجاب بقوله: نرى أن العمليات الانتحارية التي يتيقن الإنسان أنه يموت فيها حرامٌ، بل هي من كبائر الذنوب؛ لأن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأنَّ "من قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة" (1) ولم يستثنِ شيئًا بل هو عامٌّ؛ ولأنَّ الجهاد في سبيل الله المقصودُ به حماية الإسلام
والمسلمين، وهذا المنتَحر يُدمِّر نفسه وُيفقَد بانتحاره عضو من أعضاء المسلمين، ثمَّ إنَّه يتضمن ضررًا على الآخرين؛ لأنَّ العدو لن يقتصر على قتل واحد، بل يقتل به أُمماً إذا أمكن؛ ولأنه يحصل من التضييق على المسلمين بسبب هذا الانتحار الجزئي الذي قد يقتل عشرة أو عشرين أو ثلاثين، يحصل ضررٌ عظيم، كما هو الواقع الآن بالنسبة للفلسطينيين مع اليهود.
وقولُ من يقول عن هذا: جائز، ليس مبنيًّا على أصل، إنما هو مبني على رأي فاسد في الواقع؛ لأنَّ النتيجة السيئة أضعاف أضعاف ما يحصل بهذا، ولا حجَّة لهم في قصَّة البراء بن مالك- رضي الله عنه - في غزوة اليمامة حيث أَمر أصحابه أن يُلْقُوه من وراء الجدار ليفتح لهم الباب (2) ، فإن قصة البراء ليس فيها هلاكٌ محقق ولهذا نجا وفتح
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن، برقم (6047) . ومسلك، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (110) .
(2) رواه البيهقي في سننه الكبرى (9/44) .
(25/358)

الباب ودخل الناس، فليس فيها حُجَّة.
بقي أن يقال: ماذا نقول في هؤلاء المعينينَ الذين أقدموا على هذا الفعل؟ نقول: هؤلاء متأوُّلون أو مُقتَدون بهؤلاء الذين أَفتَوْهم بغير علم ولا يلحقهم العقاب الذي أشرنا إليه؛ لأنهم كما قلتُ لكم
متأوِّلون أو مهتدون بهذه الفتوى، والإثم في الفتوى المخالفة للشريعة على مَن أفتى.
س 43: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: استحلَّ بعضُ الناس جواز قتل النفس، أو ما يسمونه بالعمليات الانتحارية بحديث ذكره مسلم في "صحيحه " في قصة الغلام (1) ، فهل استدلالهم هذا
صحيح؟
فأجاب بقوله: هذا صحيحٌ في موضعه، يعني إذا وُجِدَ أنَّ قتل هذا الإنسان نفسه يحصل به إيمان أُمة من الناس، فلا بأس؛ لأن هذا الغلام لما قال للملك: خذ سهمًا من كِنانتي ثم قل: باسم رب هذا
الغلام، فإنك سوف تصيب، ففعل الملك، ماذا صار مقام الناس؟ آمنوا كلهم، هذا لا بأس.
__________
(1) انظر صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام، برقم (3005) .
(25/359)

لكن الانتحاريين اليوم لا يحصل من هذا شيء، بل ضد هذا، إذا قُدِّر أنه انتحر، أول من يقتل نفسه ثم قد يقتل واحدًا أو اثنين وقد لا يَقتُل، لكن ماذا يكون انتقام العدو؟ كم يقتل؟ يقتل الضِّعف، أو
أكثر، ولا يحصل لا إيمان ولا كفٌّ عن القتل، هذا هو الرد عليهم نقول: إذا وجد حالة مثل هذه الحالة، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصَّها علينا لنسمعها كأنها أساطير الأولين، وإنما قصَّها علينا لنعتبر، فإذا وجد مثل هذه الحالة فلا بأس.
وبعضهم يستدل بقصَّة البراء ابن مالك- رضي الله عنه- في غزوة اليمامة، حيث حاصروا حديقة مُسيِلمة والباب مغلق وعجزوا، فقال البراء: أَلقُوني من وراء السور وأفتح لكم، فألقوه
وفتح. (1) هذا ليس فيه دليل، لأنَّ موته غير مؤكد، ولهذا لم يقتل وفتح لهم الباب، لكن المنتحر الذي يربط نفسه بالرصاص والقنابل هل ينجو أم لا ينجو؟ قطعًا لا ينجو، ولولا حُسنُ نيتهم لقلنا: إنهم في النار، يُعذَّبون بما قتلوا به أنفسهم.
__________
(1) رواه البيهقي في سننه الكبرى (9/44) .
(25/360)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم....... حفظه الله
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الأعمال الانتحارية التي يقوم بها بعض الناس، ليقتل منْ يقتل من العدو. ويكون هو أول من يموت بها، يعتبر القائم بها قاتلاً لنفسه معذباً في النار بما قتل به نفسه. ولقد نهى الله عباده أن يقتلوا
أنفسهم فقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (1) وعدّ العلماء قتل النفس من كبائر الذنوب، لشدة الوعيد فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففي الصحيح عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جنهم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً" (2) . ولم يستثن الله ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - من هذا أحدا.
وأما ما ورد عن بعض الصحابة: من خرق صفوف الكفار أو
__________
(1) سورة النساء الآية: 29.
(2) رواه مسلم/كتاب الإيمان/باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه برقم (109) .
(25/361)

الدخول في حصنهم، فالقتل فيه غير مؤكد لاحتمال السلامة، ولذلك سلموا كما في قصة البراء بن مالك في وقعة اليمامة حين ألقوه في حصن مسليمة، ففتح الباب للمسلمين فدخلوا (1) .
لكن هؤلاء الانتحاريون في زمننا، يفعلون ذلك اجتهاداً منهم، وجهلاً بحكم الشرع، فيرجى أن يعفو الله عنهم؛ لأن لهم نوعاً من العذر، وإن كان قد حصل منهم تفريط حيث لم يسألوا العلماء
المحققين عن حكم هذا العمل قبل أن يقدموا عليه؛ لأن هذا عمل خطير فيه قتل الفاعل لنفسه، وربما يقتل من لا يحل قتله من النساء والصبيان، وربما يترتب على فعله أن يجازى هو وقومه بأعظم ضرراً
مما فعل.
وإني أنصح كل عامل ألا يقدم على أمر خطير كهذا حتى يسأل أهل العلم الذين هم أهله الذين يحكّمون الشرع والحكمة دون العاطفة المجردة.
وأسأل الله الهداية والتوفيق لما يحب ويرضى.
حرر في 7/5/1416 هـ
__________
(1) رواه البيهقي في سننه الكبرى (9/44) .
(25/362)

س 44: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأي سماحتكم في قول من قال عن العمليات الانتحارية ما يلي: لا فرق مؤثر في الحكم بين أن يقتحم المجاهدُ صفَّ الأعداء بسلاحه وهو مقتول
حتمًا لكن بسلاح العدو، وبين أن يقتحم صفَّهم بالمتفجرات فهو مقتول حتمًا، لكن مع الإثخان الشديد في صفوف العدو؟
والخلاصة أنَّ العمليات هذه لا تُعَدُّ انتحارًا، لأن الانتحار هو إهلاك للنفس وهو محرَّم، أما هذه العمليات فهي إهلاك للنفس في سبيل الله وهو المرغَّب به؟
فأجاب بقوله: أرى أنَّ الأعمال الانتحارية حرام، لقوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) (1) ، وأن المنتحر قاتلٌ نفسَه مُستحِق لأن يعذب في جهنم بما قتل نفسه به كما جاءت به السنَّة، ولا يصحُّ قياس فعله على من انغمس في صفوف الكفار مع غَلَبة الظن أنه سيُقتَل، لأن هذا قد ينجو كما يقع كثيرًا، وأمَّا المنتحر فميتٌ لا محالة، ولأنه إن قُتل فقد قتل بسلاح غيره، والمنتحر قاتل نفسه بسلاحه.
ثم إن الغالب أن الضَّررَ الحاصل بهذه الأعمال الانتحارية أكثر من النفع، فالعدو ينتقمُ بأكثر، ويحصل على تعاطف دولي واسع،
__________
(1) سورة النساء الآية: 29.
(25/363)

والمنتحر يشوِّه سمعة قومه ويُحدِثُ كراهية الشعوب لهم.
لكن ربما يقال بجواز الانتحار فيما ورد بمثله الحديثُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد روى مسلم في "صحيحه " قصة الغلام الذي حاول الملك أن يقتله، فبعث به إلى جبل ليُطرَحَ منه، وإلى البحر ليُغرَقَ فيه، فأنجاه الله، وجاء إلى الملك وقال: إنَّك لستَ بقاتلي حتى تفعل ما آمُرُك به،
قال: وما هو؟ قال: تجمعُ الناسَ في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كِنانتي وضعه في كَبِدِ القوس، ثم قل: باسمِ الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنَّك إذا فعلتَ ذلك قتلتني، ففعل الملك ذلك فقتله، فقال الناس: آمنَّا برب الغلام، آمنَّا برب الغلام، آمنَّا برب الغلام، الحديث. (1)
فإذا كان في الانتحار نصرٌ كبير للإسلام، بحيث يؤدي إلى الدخول في الإسلام، فهذا قد يقال: إنه جائز، قياسًا على ما ورد في هذا الحديث.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 19/1/1418 هـ.
__________
(1) انظر صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب قصة أصحاب الأخدود برقم (3005) .
(25/364)

س 45: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأي سماحتكم في الإضراب عن الطعام فكثيرًا ما نسمع في الإذاعات ونقرأ في الصحف، أن أُناسًا يُضربون عن الطعام احتجاجًا على بعض
الأحكام، وهؤلاء غالبًا ما يكونون من المسجونين، فما حكم من تُوفِّىَ وهو مُضربٌ عن الطعام؟
فأجاب بقوله: حُكم من توفي وهو مضرب عن الطعام، أَنَّه قاتل نفسه وفاعل ما نهى عنه الله تعالى، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (1) ، ومن المعلوم أن من امتنع عن الطعام والشراب لابدَّ أن يموت، وعلى هذا فيكون قاتلاً لنفسه، ولا يحلُّ لإنسان أن يُضرِبَ عن الطعام والشراب لمدة يموت فيها، أما إذا أضرب عن ذلك لمدة لا يموت فيها، وكان هذا السبب الوحيد لخلاص نفسه من الظلم، أو لاسترداد حقه فإنَّه لا بأس به إذا كان في بلد يكون فيه هذا العملُ للتخلص من الظلم، أو لحصول حقِّه، فإنَّه لا بأس به، أما أن يَصِلَ إلى حدِّ الموت فهذا لا يجوز بكل حال.
__________
(1) سورة النساء، الآية: 29.
(25/365)

س 46: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز قتل الكافر إذا اشتدَّ القتال ونطق بالشهادتين؟
فأجاب بقوله: إذا نطق بالشهادتين فإنه لا يجوز قتلُه، اشتدَّ القتال أو لم يشتد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر على أسامة بن زيد- رضي الله عنه- قَتْلَه مشركاً بعد أن قال: لا إله إلا الله، وجعل يردِّد على أسامة: "أقتلته بعدَ ما قال: لا إله إلا الله "؟ حتى قال: "إنَّما قالها تعوُّذًا "،
فأنكر عليه - صلى الله عليه وسلم -، وقال أسامه: تمنَّيت أني لم أكن أسلمت. (1) أما إذا قال: أشهد أنَّ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وبقي في صف الكفار فاقتله، لكن إذا قال هذا وخرج فهذا يدلُّ على صدقه، فإن بقي فهو- وإن كان مسلمًا- فقد أعان الكفار على المسلمين، فيَحِلُّ قتله، وهو بنيته عند الله، وإن كان مشركًا وقالها بلسانه فقد استحق القتلَ.
س 47: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أحيانًا إذا اقتحم المجاهد العدو وبينه وبينه ألغام فربما يهلك أو ينجو ويصل إلى العدو. وأحيانًا يأمر الأمير رجلاً بالتقدم نحو العدو، وأمامه ألغام مزروعة، فربما يطأُ على لغم فيقتل، ولكن يشق الطريق لبقية
__________
(1) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد، برقم (4269) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، برقم (96) .
(25/366)

المجاهدين، وربما ينجو فما حُكْم ذلك في المسألتين، وهل يكون ألقى نفسه في التَّهلُكَة؟ وإن قُتِل هل يكون شهيدًا؟
فأجاب بقوله: إذا علم أن هذه الألغام مزروعة وأنها لابد أن تقتله، فإنه لا يحلُّ له أن يُقدِمَ؛ لأنَّ هذا يُقدِمُ على أنه ميت. وأمَّا إذا لم يكن عنده علم، فله أن يُقدِمَ، وإذا أَقدَم في الحالة التي لا يجوز له فيها
الإقدامُ فإنه لا يكون شهيدًا، وإذا كانوا جماعة فمن بابٍ أشدَّ، لأن قتل واحد ولا قتلْ جماعة، والمهم أنه متى علم أنه يموت فإنه لا يحلُّ الإقدام.
س 48: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم القول بجواز الجهاد دون إذن من أحد لعدم وجود الإمام أو تخاذُلِه أو تكاسله؟
فأجاب بقوله: هذا غير صحيح، الجهاد ماضٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة، ولكنَّ الجهاد يجب أن يكون مدبرًا من قِبَلِ وليِّ الأمر؛ لأنه إذا كان غير مُدَبَّر من ولي الأمر، صار فيه فوضى وصارت كل
طائفة تفتخر على الأخرى بأنها هي التي فعلت كذا، وفعلت كذا وفي التالي ربما لا تُحمَد العاقبة، كما جرى في أفغانستان مثلاً، فإن الناس- لا شك- ساعدوا الأفغانيين مساعدة عظيمة بالغة وكانت النتيجة ما تسمعون الآن.
(25/367)

س 49: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إمامٌ عندنا خطب يوم الجمعة، فقال: لا يشترط في الجهاد الآن إذن الإمام لعدم وجود إمام عام للمسلمين، ومن قال غير هذا فقد جانب الصواب.
فأجاب بقوله: لابدَّ من إمام، لكن الإمام العام بمعنى: أن يكون إمام على كل الأمة، هذا شيء مضى منذ مدة طويلة، لكن الإمام الخاص الذي ينتمي إليه هذا المجاهد، لا بدَّ أن يأذن له.
أما الجهادات التي تكون من فئات، فقد تبيِّن الآن أن نتيجتها ليست على المطلوب، ولا يُحتاج أن نُمثِّلها لكم؛ لأن الأمر واضح عندكم، وهذه تُشْبِه العصابات، ولهذا حصل منها الشر والفساد بعد
ذلك ما هو معلوم الآن، حتى صار الذين يقاتل من أجلهم صاروا هم بأنفسهم يقتتلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
س 50: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل تجوز الإغارة على العدو بدون سابق إنذار؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة فيها تفصيل:
1- إن كان العدو قد بلغته الدعوة، فهذا تجوز الإغارة عليه بدون إنذار.
2- إذا لم تبلغه الدعوة فهنا يجب دعوته، فإن امتنع من قبول الدعوة
(25/368)

فإنه يقاتل.
كما يدل عليه حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال وذكر منها: ادعهم إلى الإسلام، فإن أبوا فاسألهم الجزية، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم (1) .
س 51: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ثبت في الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَن مَات وليس في عُنُقه بيعةٌ لأحد، مات ميتةً جاهليةً ". (2) ومعلومٌ أنه في أكثر بلاد المسلمين اليوم، لا يتحققُ هذا الأمر، وأنه ليس في عنقهم بيعة لأسباب كثيرة منها: الاضطرابات السياسية، والانقلابات، وغيرها، فكيف يخرج المسلمون في تلك البلاد من هذا الإثم وهذا الوعيد؟ جزاكم الله
خيراً.
فأجاب بقوله: المعروف عند أهل العلم أن البيعة لا يلزم منها رضا لواحد وأن من المعلوم أن في البلاد من لا يرضى أحدٌ من الناس أن يكون وليًّا عليه، لكن إذا قهر الولي وسيطر وسادت له
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الجهاد برقم (3261) .
(2) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن، برقم (1851) .
(25/369)

السُلطة، فهذا هو تمَامُ البيعة لا يجوز الخروج عليه إلا في حال واحدة استثناها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إلا أن تَروا كُفرًا بَواحًا عِندَكُم فيه من الله برهانٌ ". (1)
أولاً: "إلا أن تروا ": والرؤية إما بالعين أو بالقلب، الرؤيا بالعين بصرَّية وبالقلب علمية، بمعنى أننا لا نعمل بالظن، أو بالتقديرات، أو بالاحتمالات، بل لابدَّ أن نعلمَ علمَ اليقين.
ثانياً: أن نرى كُفرًا لا فسوقاً فمثلاً: الحاكم لو كان أفسق عباد الله عنده شرب خمر وغيره من المحرمات وهو فاسق، لكن لم يخرج من الإسلام، فإنه لا يجوز الخروج عليه، وإن فُسِّقَ لأنَّ مفسدة الخروج عليه أعظمُ بكثير من مفسدة معصيته التي هي خاصة به.
ثالثاً: قال "بواحًا": البواح يعني: الصريح، والأرض البواح: هي الواسعة التي ليس فيها شجر ولا مدر ولا جبل، بل هي واضحة للرؤية، لابدَّ أن يكون الكفر بواحاً ظاهرًا لا يشك فيه أحد، مثل أن
يدعو إلى نَبذِ الشريعة، أو يدعو إلى ترك الصلاة وما أشبه ذلك من الكفر الواضح الذي لا يَحتَمِل التأويل، حتى إنه لا يجوز الخروج
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي سترون بعدي أموراً تنكرونها، برقم (7056) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في كير معصية، بأثر الحديث (1840) (42) .
(25/370)

عليه حتى وإن كُنا نرى نحن أنه كفر وبعض الناس يرى أنه ليس بكفر، فإنه لا نجيز الخروج عليه؛ لأن هذا ليس بواحًا.
رابعاً: "عندكم فيه من الله برهان "، أي دليلٌ واضح وليس مجرد اجتهاد أو قياس، بل هو بيّنٌ واضح أنه كفر، فحينئذ يجوز الخروج.
ولكن هل معنى جواز الخروج أنه جائز بكل حال، أو واجب على حال؟
لا، لابدَّ من قُدرة على مُنَابَذَةِ هذا الوالي الذي رأينا فيه الكفر البواح، لابدَّ من قُدرة، أما أن نخرج عليه بسكاكين المطبخ وعوامل البقر، ولديه دبابات وصواريخ، فهذا سَفهٌ في العقل وضلال في
الدين؛ لأن الله لم يُوجب الجهاد على المسلمين حين كانوا ضُعفاء في مكة، ولو شاؤا لاغتالوا كُبراءهم وقتلوهم، لكنه لم يأمرهم بهذا، ولم يأذن لهم به؛ لعدم القدرة، وإذا كانت الواجبات الشرعية التي لله- عز وجل- تسقط بالعجز، فكيف هذا الذي سيكون فيه دماء.
ليس إزالة الحاكم بالأمر الهين، مجرد ريشة تنفخها وتذهب، لابدَّ من قتال معه، وإذا قُتِل فله أعوان، والمسألة ليست بالأمر الهين حتى نقول بكل سهولة نزيل الحاكم أو نقضي عليه وينتهي كل شيء، فلابد من القدرة.
والقدرة الآن ليست بأيدي الشعوب فيما أعلم، والعلم عند الله
(25/371)

عز وجل ليس بأيدي الشعوب قدرة على إزالة مثل هؤلاء القوم الذين نرى فيهم كفرًا بواحًا.
ثم إن القيود التي ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - قيودٌ صعبة، من يتحقق من هذا الحاكم مثلاً علمنا أنه كافر علم اليقين، نراه كما نرى الشمس أمامنا ثم علمنا أن الكفر بواح، لا يحتمل التأويل وليس فيه أي أدنى لبس، ثم عندنا دليل من الله برهان قاطع، هذه قيود صعبة، أما مجرد أن يظن الإنسان أن الحاكم قد كفر، فهذا ليس بصحيح، لابدَّ من إقامة الحجة وما ضرَّ الأمَّةَ أول ما ضرَّها في عهد الخلفاء الراشدين- رضي الله عنهم-، إلا التأويل الفاسد والخروج على الإمام.
فالخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قالوا: لأنه حَكَّمَ غير القرآن، كانوا بالأول معه على جيش معاوية، ولما- رضي بالصلح والتحاكم بالقرآن قالوا: أنت الآن حكَّمت آراء الرجال ورضيت بالصلح فأنت كافر، نريد مقاتلتك، فانقلبوا عليه، بماذا؟
بالتأويل وليس كل ما رآه الإنسان يكون هو الحق، قد ترى أنت شيئًا محرمًا، أو شيئًا معصية، أو شيئًا كفرًا، وغيرك لا يراه كذلك.
ألسنا نرى نحن أنَّ تارك الصلاة كافر؟ نرى ذلك لا شك، لكن يأتي غيرنا يقول: ليس بكفر.
(25/372)

والذي يقول ليس بكفر، هم علماء وليسوا أهل هوى، بل علماء لكن هذا هو اجتهادهم.
فإذا كان العلماء أهل الفقه قد يرون ما هو كفر في نظر الآخرين ليس بكفر، فما بالك بالحكام الذي قد يكون بعضهم عنده من الجهل ما عند عامة الناس.
فالمهمُّ إن هذه المسائل مسائل صعبة وخطيرة، ولا ينبغي للإنسان أن ينقاد وراء العاطفة أو التهييج، بل الواجب أن ينظر بنظر فاحص متأني مُتريث، وينظر ماذا يترتب على هذا الفعل، فليس المقصود أن الإنسان يبرِّدُ حرارة غَيْرَتِه فقط، بل المقصود إصلاح الخطأ، ولا شك أن الإنسان يلحقه أحيانًا غيرة ويمتلئ غيظًا مما وقع، أو يقع من بعض الولاة، لكن يرى أن من المصلحة أن يعالج المشكلة بطريقة أخرى غير التهييج، وكما أقول لكم: إن بعض الناس يظنُّ هذا سبباً يقتضي الضغط على ولي الأمر، حتى يفعل ما يرى هذا القائل أنه إصلاح، ولكن هذا غير مناسب في مثل بلادنا.
س 52: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأيكم فيمن يقول إن أحاديث السمع والطاعة لولاة الأمر تنصرفُ إلى القائد العام الذي يقود المسلمين جميعًا؟
(25/373)

فأجاب بقوله: رأينا أن هذا ليس بصحيح، بل كلُّ وليٍ أُمِّر تجب طاعته، حتى الرجل في أهل بيته يجب على أهل البيت طاعته ما لم يأمرهم بمعصية الله، حتى القوم الثلاثة إذا سافروا وأَمَّروا أحدهم
وجب عليهم طاعته، لعموم الأدلَّة الدالَّة على وجوب طاعة الأمير، ثم إن الخليفة الواحد على سائر الأمَّة هذا قد انقضى زمنه منذ عهد بعيد، من حين انقرض الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم، تمزقت الأمة فبنو أُمَّية في الشام وما حوله، وعبد الله بن الزبير في الحجاز وما حوله، وآخر في المشرق وما حوله، وآخرون في اليمن، تمزقت الأمَّة، ومع ذلك فكلُّ العلماء الذين يتكلَّمون على وجوب السمع والطاعة. يتكلمون على وجوب السمع والطاعة في عهدهم مع تفرُّق الأمة، وكل إقليم أو ما أشبه، فيه أمير يختص به.
وعلى هذا الرأي الفاسد الباطل معناه الآن ليس لأُمتنا إمام، والأُمَّة الآن تعيش في أمرٍ جاهلي، ليس هناك إمام ولا مأموم ولا سلطان ولا مُسلَّط عليهم، ثم نقول لهؤلاء: إن كنتم صادقين أوجِدُوا لنا إمامًا عامًا للأمة، طبعاً لا يستطيعون، اللهم إلا إذا ظهر مهدي فهذا أمره إلى الله- عز وجل.
(25/374)

س 53: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز وطئ المسبيَّة قبل تقسيم الغنيمة؟ وهل إذا وُطئَت المسبية قبل التقسيم هل يعتبر واقعًا في الزنا، وإن لم يكن كذلك، فما حُكمه؟ وما
الواجب على ولي الأمر تجاه من فعل ذلك؟
فأجاب بقوله: لا يجوز للإنسان أن يطأ المسبية حتى تقسم الغنائم ويتبين ما لكل واحد من الغانمين، فإن فُعِلَ فهو إثم ولكن ليس كالزنا الصريح؛ لأن له في ذلك شبهة حيث أنه شريك في هذه المسبية
وعلى القائم الذي يتولى شؤون الجيش أن يفعل ما يراه أنفع بالنسبة لهذا الرجل؛ لأنه قد يكون جاهلاً فلا يحتاج إلى تعزير، وأما الحد فلا يجب عليه بكل حال لأن له في هذه المسبية شبهة.
س 54: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم الغُلول من الغنائم قبل التقسيم، ولو عُرِفَ الغالُّ هل يُخَبرُ عنه أم لا؟ وإذا أُخبر عنه ربما تحصل مفسدة بذلك؟
فأجاب بقوله: الغلول من الغنيمة قبل قسمها من كبائر الذنوب، قال تعالى: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، (1) ويجب على من رأى
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 161.
(25/375)

غالاً أن يُخبر عنه، والمفسدةُ التي تتوهم من الإخبار مغمورةٌ في جانب المصلحة؛ لأن الغانمين إذا تُرِكوا وغلولهم، فَسَدَ الجهاد وصار المجاهدون لا يجاهدون إلا من أجل الغلول فالواجب الإخبار عنه، ويجب على الأمير أن يُعامِلَ الغال بما تقتضيه الشريعة.
وقد ذكر العلماء أن الغال يحرق رَحْلُه كله إلا السلاح، وأنه إذا رأى الأمير أن يحرمه من الغنيمة، فله ذلك.
س 55: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الحُكم إذا أخذ المجاهدون أخشاب البيوت المهجورة من السكان، والسكنى فيها، وقد يكون أهلها معروفين، ولكنهم هاجروا عنها بسبب الحروب علمًا بأنَّ المجاهدين يحتاجون إلى ذلك؟
فأجاب بقوله: أمَّا إذا كانت هذه البيوت بيوتًا للكفار، فإنها مغنومة، وللغانمين أن يتصرفوا فيها بما يرونه مصلحة أو لحاجة. وأما إذا كانت مساكن مسلمين، فإنه لا يجوز أن تُغنَم ما دام أهلها معروفين، فإن كانوا مجهولين فإنها تكون في بيت المال.
(25/376)

س 56: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: نرجو الجواب بالتفصيل عن الغنائم وكيفية تقسيمها، مع الدليل إن أمكن.
فأجاب بقوله: هذا يرجع فيه إلى ما قاله الفقهاءُ في كتاب الجهاد وقسمة الغنائم، وهو يطول.
لكنَّه إجمالاً تقسم الغنائم، أولاً على خمسة أسهُم، أربعة أسهم منها للغانمين، وسهم يقسم على خمسة أسهم أيضًا مذكورة. في قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) . (1) هذا إجمالاً، أما تفصيلاً فهي معروفة في كتب الفقهاء.
س 57: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم أخذ الشظايا، وهى عبارة عن قِطَع حديد تكون غالباً صغيرة، وتوجد في أرض المعركة يجمعها المجاهدون والفقراء وغيرهم من عامة الناس، ويبيعونها في السوق، ما حُكم أخذهم قطع الحديد وبيعها لأنفسهم؟ وما حكم جمعها، وأكل ثمنها لأصحاب المراكز التي رميت عليهم القذائف؟ علمًا أنَّ هذه القطع لا تُجمع مع الغنائم،
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 41.
(25/377)

وإنما يأكلها الصدأ إذا لم يأخذها الفقراء، ولا تُجمع مع الغنائم لصعوبة جمعها، فهل يعتبر أخذها من الغلول؟
فأجاب بقوله: الظاهرُ لي أنَّ أخذها ليس من الغلول؛ لأنَّها شيء مزهودٌ فيه ولا يرفع به الرأس، فهو إن أخذ انتفع به وصار فيه مصلحة، وإن ترك أكله الصدأ.
س 58: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أحيانًا عندما نرجع من عملية اقتحام ويكون معنا أسرى العدو، لا نأمن من الطريق من وجود ألغام فنُقدِّمُ الأسرى فربما يقتلون وينجو المجاهدون، فما حُكم
هذا العمل؟ وأحيانًا نُقدِّم المواشي في هذه الطرق فما الحكم؟
فأجاب بقوله: أما تقديمُ المواشي فلا بأس، وأما تقديم الأسرى فلا يجوز؛ لأنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إذا قَتلتُم فَأَحسنُوا القِتْلَة، وإذا ذَبحتُم فأحسنوا الذَّبح ". (1) وتقديمهم ليس من الإحسان، ولأنه قد يستفاد من الأسرى، لكن إذا رأى قائد الجيش أن ذلك أنكى للعدو وأصلح للمسلمين، وأن في هذه الطريقة حماية المسلمين فلا بأس.
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة، برقم (1955) .
(25/378)

س 59: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: المسبية، إذا كان معها أولادها وأسلمت، فما حكم أولادها بعد التقسيم؟
فأجاب بقوله: أولاد الكفار- أعني بذلك الذين لم يبلغوا- يكونوا أرقَّاء بمجرد السبي، فحُكمُهم حكم أُمهاتهم.
س 60: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل كل ما يوجد على الكافر المقتول في أرض المعركة يجوز سلبه، أم من الأموال التي توجد عليه ما يرد إلى الغنائم؟
فأجاب بقوله: لا ليس كل شيء يكون من السلب، إنَّما السلب ثيابه وسلاحه وما أشبه ذلك، أمَّا راحلته التي هو عليها فهذه تضاف إلى الغنيمة، مثل لو كان قائد دبابة أو قائد طائرة وما أشبه ذلك،
فهذه ترد إلى الغنيمة.
س 61: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل تُعد مثلاً الساعة والمحفظة التي فيها النقود من السلب؟
فأجاب بقوله: أما الساعة فهي من السلب، وأما النقود لا أُفتى فيها، لا أعلم الآن ماذا تكون.
(25/379)

س 62: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هي مصارف الخمس في الغنيمة؟
فأجاب بقوله: ذكرها الله تعالى في سورة الأنفال قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (1) .
س 63: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: في زماننا الحالي كيف ينفق خمس الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؟
فأجاب بقوله: هذا يكون في المصالح العامة- مصالح المسلمين العامة- كبناء المساجد، وإصلاح الطرق، وتسبيل المياه، وغير ذلك، وكذلك أيضًا أرزاق المؤذنين وأرزاق الأئمة والمعلمين وطلبة العلم، المهُّم أنها في المصالح العامة.
س 64: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هي آداب الإسلام مع الأسير؟ نرجو الإجابة بالتفصيل مع الأدلة إن أمكن.
فأجاب بقوله: العلماء يقولون: إن الإمام يخيَّر في الأسرى غير
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 41.
(25/380)

النساء والذُرية، بين المنِّ والقتل والفداء والاسترقاق، على خلاف في الأخير ة.
فنحن نعامل الأسرى هذه المعاملة، فإذا كانت المصلحة في المنِّ عليهم مجانًا فعلنا ذلك، وإذا كانت المصلحة في قتلهم قتلناهم، وإذا كانت المصلحة في الفداء بالمال أو بأسير مسلم عندهم فاديناهم،
والمهمُّ أن وليَّ الأمر يجب عليه النظر إلى المصلحة، فما اقتضته المصلحة فليفعله، أما بالنسبة لمعاملته هو شخصيًا، فإنه لا يجوز أن يعامل بالقسوة بل يقرب إليه الطعام والشراب، ويجعل في منجاة من
الحر والبرد، وربما يكون في هذا سبب في هدايته للإسلام.
س 65: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن المقاتلين من العدو هل يقتلون مطلقاً أم يجوز أسرهم؟
فأجاب بقوله: قال الله تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) (1) .
وقوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) (2) . فإذا استطاع المسلمون من كسر شوكة العدو بقتال
__________
(1) سورة محمد، الآية: 4.
(2) سورة الأنفال، الآية: 67.
(25/381)

المقاتلين فلهم أسر العدو ولا يكون الأسر ابتداءً؛ لأنه هوان على المسلمين وذل لهم، فالواجب أولاً: الإثخان بالقتل في العدو، ثم إذا استسلموا وذلوا فحينئذٍ يأتي دور الأسر.
س 66: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عمن يجوز سبيه من العدو، ومتى يكون المأسور رقيقاً؟
فأجاب بقوله: من يجوز سبيه أصناف:
1- النساء.
2- الصغار.
3- ومنْ لا عقل له.
4- ومن لا رأي له.
5- ومن لا يستطيع المقاتلة.
فهؤلاء يسبون ولا يجوز قتلهم؛ لأنهم إذا سبوا صاروا غنيمة للمسلمين، وفي قتلهم تفويت لماليتهم على المسلمين.
أما قول السائل: متى يكون المأسور رقيقاً؟
فالجواب: فيه تفصيل:
الأول: من ذكرنا من الأصناف الخمسة فإنهم يكونون أرقاء بمجرد السبي.
(25/382)

الثاني: المقاتلون فإنهم في حال جواز أسرهم فإن الإمام يُخير فيهم بين أمور أربعة:
الأولى: القتل.
الثانية: الفداء بأسير من المسلمين بحيث يكون لدى العدو أسرى مسلمين فيقال للعدو: أعطنا أسير بأسير.
الثالثة: الفداء بمال بحيث يقال للعدو: نعطيكم أسيركم بشرط: أن تدفعوا لنا مالاً مقداره كذا وكذا.
الرابعة: المنّ وهو: إطلاق مَن أسر المسلمون من العدو بلا شيء ويشترط فيه: أن يترجح لإمام المسلمين أن في المنّ مصلحة كبيرة.
مثاله: إذا أسر المسلمون من العدو رجلاً من زعماء العدو، فإذا منّ الإمام بهذا الرجل على العدو فإنه يحصل به كف شر العدو.
ولكن لو بقي أسيراً عند المسلمين فإنه قد يحصل من بقائه مفسدة كبيرة.
أما استرقاق المقاتلين من العدو ففيه خلاف بين العلماء:
فمنهم: من أجازه.
ومنهم: من قال: لا يجوز؛ لأنهم أحرار، ولم يذكر الله عز وجل في القرآن الكريم إلا (مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) (1) . واسترقاقهم وهم أحرار
__________
(1) سورة محمد، الآية: 4.
(25/383)

ومقاتلون لا يصح. والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه يجوز استرقاقهم.
س 67: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ماذا يفعل بالأسير من العدو؟
فأجاب بقوله: يجوز أخذ فدية عن قتل الأسرى من العدو. ويجوز أيضاً أن يفدى أسير كافر بأسير من المسلمين.
ويعامل الأسرى بأمور:
الأمر الأول: أن يقتلوا صبراً.
الأمر الثاني: أن يُؤخذ فدية من المشركين برجال مسلمين.
الأمر الثالث: أن يفدوا بمنفعة، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بأسرى بدر حيث أطلقهم عليه الصلاة والسلام على أن يعلِّموا أهل المدينة (1) .
الأمر الرابع: أن يفدوا بمال.
الأمر الخامس: أن يطلقوا وهو: المنّ بدليل قوله: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ) .
وهذه الأمور التي ذكرنا للإمام أن يختار منها حسب المصلحة؛ لأن القاعدة الشرعية: أن منْ تصرَّف لغيره فإنه يجب عليه اتباع الأصلح في حق ذلك الغير. بخلاف من تصرف لنفسه فإنه مخيَّر تخيّر تشهّي.
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الجهاد/برقم (3309) .
(25/384)

مثل: خصال الكفارة في الأيمان فإنها على سبيل التشهي.
ومثل: فدية الأذى فإنها على سبيل التشهي فللمرء أن يفعل ما يشاء.
وعلى هذا نقول: إذا رأى الإمام أن يقتل الأسرى من أجل مصلحة تقوية المسلمين وإذلال الكفار فالواجب أن يقتل الأسرى، حتى لو أُعطي من المال الشيء الكثير، فإنه لا يجوز للإمام أن يقبل
الفدية.
وإذا رأى الإمام أن من المصلحة أن يأخذ مقابل الأسرى فدية مال، فإنه يأخذ فدية مالية.
وإذا رأى الإمام أن من المصلحة فداء رجال من المشركين بأسرى من المسلمين فإنه يجوز.
وإذا رأى الإمام أن من المصلحة أن يمنّ على الأسرى فلا بأس.
وهذه الأمور ترجع إلى كل قضية بعينها وتسمى مثل هذه المسألة عند أهل العلم: قضايا الأعيان، وليس لها حكم عام أو لفظ عام يستدل بعمومه، وقضايا الأعيان قد يكتنفها من الأشياء ما يجعل
حكمها هكذا، ولو اختلف الأمر لاختلف الحكم.
س 68: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم التمثيل بأسرى العدو، سواءً قبل قتلهم أو بعده؟ نرجو الإجابة بالتفصيل
(25/385)

مع الدليل إن أمكن ذلك.
فأجاب بقوله: لقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التمثيل بأسرى العدو، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث سرية أوصاهم بتقوى الله- عز وجل- وأوصاهم بألا يمثّلوا (1) .
ولكن من العلماء من قال: إذا كانوا يمثلون بأسرانا فإننَّا نُمثِّل بأسراهم جزاءًا وفاقًا، لقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) . (2) سواء قبل القتل أو بعده.
س 69: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: قال الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) . (3) إذا وجدت سلاحًا ولم أتدرب عليه، هل أكون بذلك مخالفًا لما أمر به سبحانه
وتعالى في هذه الآية؟
فأجاب بقوله: أمر الله بالإعداد للكفار بما نستطيع من قوَّة، وهذا يقتضي وجوب التدرب على الأسلحة الحديثة، لكن هذا من فروض الكفايات وليس من فروض الأعيان، فإذا قام به من يكفى من
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الجهاد/باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث برقم (3261) .
(2) سورة البقرة، الآية: 196.
(3) سورة الأنفال، الآية: 60.
(25/386)

الجيش الذي به حماية البلد وأهله وحماية الدين، فإنه يسقط عن الباقين.
س 70: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم الأكل من الطعام إذا دخلنا فاتحين مدينة من المدن؟
فأجاب بقوله: لا بأس أن نأكل من الطعام ما نحتاج إليه فقط؛ لأن هذا كان جاريًا في الفتوحات الإسلامية، لكننا لا نتخذ شيئًا لأنفسنا نُضيفه إلى رِحَالنا، بل نأكل ما نحتاج إليه فقط.
س 71: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز أن نقول فلانٌ شهيد، وإذا كان لا يجوز، فماذا نقول؟
فأجاب بقوله: لا يجوز أن نقول: فلان شهيد بعينه؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "والذي نفسي بيده، لا يكلم أحدٌ في سبيل الله- والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم، والريح ريح المسك " (1) .
فجعل علم ذلك إلى الله، وإذا كان كذلك فإنه لا يجوز بأن نشهد
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من يجرح في سبيل الله عز وجل، برقم (2803) ،
ومسلم في كتاب، الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (1876) .
(25/387)

لشخص بأنَّه شهيد؛ لأنَّنا إذا شهدنا بأنَّه شهيد شهدنا له بالجنة، ومن أصول أهل السنَّة والجماعة ألا نشهد لأحد معين بالجنة، إلا من شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى هذا نقول: فلان يُرجى أن يكون من الشهداء وهذا كاف؛ لأنه إذا كان في علم الله شهيدًا فهو شهيد سواء
قلنا أنه شهيد أو لم نقل، وإن لم يكن شهيدًا عند الله فلن يكون شهيدًا ولو قلنا بأنه شهيد.
س 72: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا هُدِّدَ السجين بأن تفعل الفاحشة معه أو مع أحد أقاربه، فهل يجوز له الانتحار، وهل يجوز له الإضراب عن الطعام إذا ضُرِبَ ضَربًا شديدًا أو خشي
إفشاء أسرار المسلمين، وهل يُعدُّ منتحرًا إذا مات على هذه الحالة؟
فأجاب بقوله: لا يجوز أبدًا أن يقتل نفسه بأي حال من الأحوال، لأنَّ قتل النفس من كبائر الذنوب، ومن قتل نفسه بشيء فإنه يُعذَّبُ به في جهنم فليصبر على الابتلاء، فربما يُفرِّج الله عنه ما هُدِّدَ به.
س 73: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم قتل الجاسوس؟ وهل له توبة؟ وإذا تاب أيقتل أم لا؟ وإذا رأى الأمير المصلحة في عدم قتله، هل له أن يبقيه؟
(25/388)

فأجاب بقوله: الصحيح أنه يجوز قتل الجاسوس الذي ينقل أخبار المسلمين إلى أعدائهم، ولو كان مسلمًا؛ لأنَّ جريمته عظيمة، وفعله هذا موالاة للكفار في الغالب، ودليلُ ذلك أن حاطب بن أبي
بلتعه لما أرسل كتابًا إلى قريش، وعلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - وسأله ما هذا؟ فأخبره بعذره فقالوا: ألا نقتله يا رسول الله فمنع من قَتْلِه، وقال: "لعل الله اطلع على أهل بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتُم فقد غفرتُ لكم " (1) .
فهذا يدلُّ على أن قتل الجاسوس جائزٌ، وأنه لولا المانع في قصة حاطب لقتله، وأما توبته فإنه إذا تاب تاب الله عليه كغير الجاسوسية من الذنوب، لقول الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) . (2) فما من ذنبٍ يعمله العبد ثم يتوب منه، إلا تاب الله عليه بدون استثناء، ثم إن كانت توبته قبل أن يقبض عليه فإنها تمنعه من القتل، وإذا رأى الأمير المصلحة في عدم قتله فلا يقتله؛ لأنَّ قَتْلَه من أجل القضاء على مفسدته، فإذا كان في قتله مفسدة أعظم من إبقائه فلا يقتله، فالمقصود: حصول المصالح ودرء المفاسد.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدراً، برقم (3983) . ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر وقصة حاطب بن أبي بلتعة، برقم (2494) .
(2) سورة الزمر، الآية: 53.
(25/389)

س 74: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم معاقبة جميع المعسكر، إذا أخطأ واحد ولم يُعْرَف؟
فأجاب بقوله: لا حَرَجَ من ذلك إذا كانوا قد أُعلِمُوا من قبل بأنه إذا أخطأ واحد منهم ولم يُعرَف فإنهم يؤدبون جميعًا؛ لأنَّ مثل هذا يقتضي انتباههم لمن يخطئ، حتى يُعلم بعينه ويكون التأديب عليه
وحده، أما إذا كانوا لم يعلموا من قبل فلا تزر وازرة وزر أخرى، إلاَّ إذا رأى الأمير أن في هذا استخراجًا للمعتدي المخطئ، فعلى نظره.
س 75: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم عمل غارة وهمية لأجل التدريب، ألا يدخل هذا في النهي عن إرهاب المسلم وحمل السلاح في وجهه؟
فأجاب بقوله: الغارة الوهمية التي يسمونها الغارات، لا بأس بها بشرط أن تُؤمَن العاقبة، وألا يكون فيها خطرٌ على الأرواح، فإن لم يتحقق هذا الشرط فإنها لا تجوز، ولكن هذا الشرط يمكن تحقيقه
بحيث تكون الغارة بعيدة عن رؤوس المتمرنين.
(25/390)

س 76: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بماذا تصير بلد الإسلام دار حرب، وهل الدول التي تحكم بالقانون الوضعي دار إسلام أم دار حرب، وما هو إظهار الدين في بلد الكفر؟
فأجاب بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
دارُ الإسلام لا يمكن أن تكون دار حرب، إلا أن تكون حربًا على أعداء الله، ودار الإسلام هي التي تُعْلَن فيها شعائر الإسلام، كالأذان وصلاة الجماعة وصلاة الجمعة وما أشبه ذلك، ويكون أهلها
ينتمون إلى الإسلام مطبِّقون لشرائعه.
وأما الحكم بغير ما أنزل الله- عز وجل- فهذا قد يؤدى إلى الكفر، وقد يؤدى إلى ما دون الكفر، كما ذكر الله في سورة المائدة: الكافرون، والظالمون، والفاسقون، حسب ما تقتضيه حال هذا الذي حَكَمَ بغير ما أنزل الله، وإذا قدر أنه وصل إلى درجة الكفر فإنه لا يغير دار الإسلام ما دام أهلها مسلمون كارهين لما عليه هذا الحاكم.
وأما إظهار الدين في دار الكفر، فدار الكفر إذا كان الإنسان لا يستطيع إظهار دينه فيها فإنَّه يجب عليه الهجرة منها، وإن كان يستطيع فإنَّه ينبغي أن يخرج منها؛ لأنَّ بقاءه فيها على خطر، فإذا كان في بلد الكفر يصلِّي ويتصدق ويقيم الجماعة والجمعة ولا أحد يمنعه من ذلك، فهذا قادر على إظهار دينه، لكن مع ذلك لا نُحبُّ له أن يبقى في دار الكفر.
(25/391)

س 77: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم لبس الصليب في الحالات التالية (1) ؟
أولاً: جاهلاً؟
فأجاب الشيخ- رحمه الله- بقوله: لا شيء عليه، ولكن متى عَلِمَ أزاله.
ثانيًا: مستهزئ بالذي نصحه؟
فأجاب الشيخ- رحمه الله بقوله-: الذي يستهزئ بالذي نصحه، على أن هذا الفعل- لبس الصليب- لا يناصح فيه، فهو على خطر عظيم، فعليه أن يتوب إلى الله مما صنع ويزيل الصليب.
ثالثًا: مُجاملة؟
فأجاب الشيخ- رحمه الله- بقوله: لا يجوزُ مجاملة الكفار أبدًا؛ فشعائرُ الكفار لا تجوز مجاملة ولا غير مجاملة.
رابعًا: عارفاً بالحكم مُعاندًا مستكبرًا؟
فأجاب الشيخ- رحمه الله- بقوله: كغيره من العصاة، ما لم يكن مؤمناً بدين المسيح كافراً بدين محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه يكون كافرًا.
خامسًا: خوفًا من حصول الضَّرَرِ إذا لم يلبسه؟
فأجاب الشيخ- رحمه الله- بقوله: لا يجوزُ ما لم يكره عليه، فقد يمسك- مثلاً- ويقال: البس وإلا قتلناك أو نحو ذلك.
سادسًا: إذا كان في ذلك مصلحةٌ للمسلمين، مثل أن يقال إذا لبست
__________
(1) صيغة السؤال وفتوى الشيخ- رحمه الله- جاءت على حسب الترتيب أعلاه.
(25/392)

الصليب سوف نفك أسرى المسلمين، ونحو ذلك؟
فأجاب الشي- رحمه الله- بقوله: لا يجوز أبدًا، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) . (1) وربما يلعب النصارى بعقله، يقولون هذا الكلام، فإذا لبسه لم يَفُكوا أسرى المسلمين.
س 78: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز معاقبة من أخطأ بالزحف على البطن؟
فأجاب بقوله: لا يجوز المعاقبة بالزحف على البطن، لما في ذلك من المشقة الشديدة التي لا تُحتَمَل، ولا يجوز أن يُعاقب الإنسان بما لا يحتمل.
س 79: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم إخافة الجندي في التدريب أثناء الإعداد، ويُعمَل هذا على سبيل الإعداد؟ ومثال ذلك: أنه عندما يكون أحد الجنود في الحراسة في الليل يأتي بعض الجند فيأخذُونَه ويوثَق على أسَاسِ أنّ الذي
__________
(1) سورة الطلاق، الآيتان: 2-3.
(25/393)

يعمل ذلك العدو، مع أنه لا يوجد خطورة على الجند الذين يعملون ذلك، بحيث عُطِّلَ سلاحُ الحارس قبل القيام بهذا العمل، فما حُكم هذا؟
فأجاب بقوله: ترويع المسلم حرام، ولا يحل، ويمكن أن يُدَّربَ الإنسان على الانتباه واليقظة بغير هذه الطريقة.
س 80: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حُكم تقليد الكفار في بعض نظام الجيش، كالمسير ولبس الخوذة والملابس الضيقة؟
فأجاب بقوله: التقليد للكفار عمومًا ينقسم إلى قسمين:
الأول: يتعلق بالنظام الحربي والعتاد، فهذا لا يعتبر تشبهاً بهم، بل يُعتَبر من الأخذ بما ينفع في ميدان الحرب، ولذلك لا يعدُّ من التشبه الاقتداء في ركوب الطائرة، وإطلاق القذائف وما أشبه ذلك.
الثاني: تقليدُ اللباس والزي من حيث هو زي فقط، فهذا لا يجوز على القول الراجح فيما يختص بهم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من تشبَّه بقومٍ فهُوَ منهم" (1) فاللباس الضيق مثلاً، إذا كان لا يصلح للكرِّ والفرِّ إلا ما كان ضيقًا فلا بأس أن يلبسه الإنسان وهو ضيق، ولكن يجعل
__________
(1) رواه أبو داود، كتاب اللباس، باب لبس الشهرة، برقم (4031) .
(25/394)

فرقًا بينه وبين لباس الكفار في شكل التفصيل مثلاً، ولهذا صام النبي - صلى الله عليه وسلم - عاشوراء واليهود يصومونه، ولكنه أمر أن يُجعل فارق بين صيام اليهود وصيام المسلمين بأن يصام يوم قبله أو يوم بعده، وأما ما يتعلق بالآلات المنفصلة عن الإنسان فمعلوم أنَّه إذا فعله أهل العلم
بها ولو كانوا كفارًا لا يعتبر محرمًا ولا مكروهًا.
س 81: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا قُتل الإنسان في المعركة، فهل يوصف بأنَّه شهيد؟
فأجاب بقوله: أَوَدُّ أن أنبِّه إلى أنَّنَا في عصر أصبح وصف (الشهيد) رخيصًا عند الكثير من الناس، حتى كانوا يصفون به من ليس أهلاً للشهادة، وهذا أمرٌ محرم، فلا يجوز أن يشهد لشخص بشهادة إلا لمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم -، وشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشهادة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أن يشهدَ لشخص معين بأنَّه شهيد، كما جاء في الصحيح: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد أحدًا ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، فارتج الجبل بهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أثبُت أُحد، فإنما عليك نبيٌّ وصدِّيقٌ وشَهيدان " (1) فمن شهِدَ له النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالشَّهادة
__________
(1) رواه البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلّم: لو كنت متخذاً خليلاً، برقم (3675) .
(25/395)

بعينه، شهدنا له بأنه شهيد، تصديقًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإتباعًا له في ذلك.
القسم الثاني: أن يشهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشَّهادة على وجه العموم، كما في الحديث الذي رواه مسلم عن أبى هريرة- رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما تَعدُّون الشهيد فيكم! " قالوا: يا رسول الله من قُتل في سبيل الله فهو شهيدٌ. قال: "إن شهداء أمتي إذن لقليلٌ" قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: "من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مَات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيدٌ". (1)
وهذا القسم لا يجوز أن نُطبِّقه على شخص بعينه، وإنَّما نقول: من اتصف بكذا وكذا فهو شهيد، ولا نخص بذلك رجلاً بعينه؛ لأنَّ الشهادة بالوصف غير الشهادة بالعين.
وقد ترجم البخاري- رحمه الله- لهذه المسألة في "صحيحه ": فقال: باب (لا يقال فلان شهيد) ، واستدل له بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الله أَعلمُ بمن يُجاهِدُ في سبيله ". (2) وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الله أعلم بمن يُكْلَمُ
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، برقم (1915) .
(2) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، برقم (2787) .
(25/396)

في سبيله " (1) أي بمن يُجرح، وساق تحت هذا العنوان الحديث الطويل عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التقى هو والمشركون فاقتَتَلوا، فلما مَال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عسكره ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل لا يدع لهم شاذَّة ولا فاذَّة إلا أتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَمَا إنَّه من أهل النار" فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، قال: فخرج معه كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحًا شديدًا فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض وذُبابه بين ثدييه ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: "وما ذاك؟ " قال الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، وذكر ما حصل، (2) ثمَّ ساق البخاري حديثاً آخر وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ الرجل لَيعمل عمل أهل الجنَّة فيما يبدو للناس وهو من
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من يجرح في سبيل الله، برقم (2803) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (1876) .
(2) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يقال فلان شهيد، برقم (2898) . ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (112) .
(25/397)

أهل النَّار" (1) .
وهذا الاستدلال الذي استدل به البخاري- رحمه الله- على الترجمة استدلال واضح؛ لأنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم -: " الله أعلم بمن يجاهد في سبيله، الله أعلم بمن يكلم في سبيله" يدل على أنَّ الظاهر قد يخالف الباطن، والأحكام الأخروية تجرى على الباطن لا على الظاهر، وقصَّة الرجل التي ساقها البخاري- رحمه الله- لهذا العنوان ظاهرة جداً، فنحن لا نحكم بالأحكام الأُخروية على الناس بظاهر حالهم، وإنما نأتي بالنصوص على عمومها، والله أعلمُ هل تنطبق على هذا الرجل الذي ظَاهِره لنا أنه مُتَّصفٌ بهذا الوصف الذي علق عليه الحكم.
وقد ذكر صاحب "فتح الباري " أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- خطب فقال: "إنَّكم تقولون في مغازيكم فلان شهيد ومات فلان شهيدًا، ولعله قد أوقَر راحلته- أي أثقلها- من الغلول ألا لا
تقولوا ذلك، ولكن قولوا: كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "مَن مَاتَ في سبيلِ الله أو قُتِلَ فهُو شَهيد" (2) قال في "الفتح ": وهو حديث حسن، وعلى
__________
(1) هو جزء من حديث سهل بن سعد الساعدي السابق.
(2) رواه سعيد بن منصور في سننه، كتاب النكاح، باب ما جاء في الصداق، برقم (595) ، ورواه أحمد 383.1 (285) ، والنسائي، كتاب النكاح، باب القسط في الأصدقة، برقم (3349) ، ولفظه عندهما: "من مات أو قتل في سبيل الله فهو في الجنة
(25/398)

هذا فنحن نَشهدُ بالشهادة على صفة ما جاء في النص، إن كان في شخص معين شهدنا بها للشخص المعين الذي عيَّنه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان على سبيل العموم شهدنا بها على سبيل العموم ولا نُطبِّقها على شخص بعينه؛ لأنَّ الأحكام الأُخرَوية تتعلق بالباطن لا بالظاهر.
نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا إنه سميع مجيب.
(25/399)

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى المكرم:.... حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
سؤالكم: عن حُكم قول فلان شهيد؟
والجواب على ذلك: إنَّ الشَّهادَةَ لأحد بأنَّه شهيدٌ تكون على وجهين:
أحدهما: أن تقيَّد بوصف، مثل أن يقال: كل من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن مات بالطاعون فهو شهيد، ونحو ذلك فهذا جائز كما جاءت به النصوص؛ لأنَّك تشهد بما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونعنى بقولنا [جائز] ، أنه غير ممنوعٌ، وإن
كانت الشهادة بذلك واجبة تصديقا لخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الثاني: أن تقيَّد الشَّهادَةُ بشخص مُعيَّن، مثل أن تقول لشخص بعينه إنه شهيد، فهذا لا يجوز إلا لمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو اتفقت الأمَّة على الشهادة له بذلك، وقد ترجم البخاري رحمه الله لهذا بقوله: باب (لا يقال فلان شهيد) ، قال في الفتح [90/6] أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي، وكأنَّه أشار إلى حديث عمر أنهُ خطب فقال: " تقولون في مَغازيكم فلان شهيد ومات فلان شهيدًا ولعلَّه قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال
(25/400)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيدً". (1) وهو
حديث حسن، أخرجه أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبى العجفاء عن عمر. أ. هـ كلامه.
ولأنَّ الشَّهادة بالشيء لا تكونُ إلا عن علم به، وشرط كون الإنسان شهيدًا، أن يقاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا، وهى نِيَّة باطنة لا سبيل إلى العلم بها، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مشيرًا إلى ذلك: "مثل المجاهد في سبيل الله- والله أعلم بمن يجاهد في سبيله " (2) وقال: "والذي نفسي بيده لا يُكْلمُ أحدٌ في سبيلِ الله- والله أعلمُ بمَن يُكْلمُ في سبيلهِ- إلا جاءَ يَومَ القيامةِ واللَّونُ لونُ الدَّمِ والرِّيحُ ريِحُ المسك ". (3)
رواهما البخاري من حديث أبى هريرة، ولكن من كان ظاهره الصلاح فإننا نرجو له ذلك، ولا نشهد له به ولا نسيء به الظن.
والرَّجاء مرتبة بين المرتبتين، ولكننا نُعامله في الدنيا بأحكام الشهداء،
__________
(1) رواه سعيد ابن منصور في سننه، كتاب النكاح، باب ما جاء في الصداق، برقم (595) .
(2) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، برقم (2787) .
(3) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من يجرح في سبيل الله عز وجل، برقم
(2803) . ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم
(1876) .
(25/401)

فإذا كان مقتولاً في الجهاد في سبيل الله دُفِنَ بدمه في ثيابه من غير صلاة عليه، وإن كان من الشهداء الآخرين فإنه يُغسَّل ويكفَّن ويصلى عليه، ولأننَّا لو شهدنا لأحد بعينه أنَّه شهيد لزم من تلك الشهادة أن نشهد له بالجنة، وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة، فإنهم لا يشهدون بالجنة، إلا لمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوصف أو بالشخص، وذهب آخرون منهم إلى جواز الشهادة بذلك لمن اتفقت الأمَّة على الثناء عليه، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى-.
وبهذا يتبين أنه لا يجوز أن نشهد لشخص بعينه أنَّهُ شهيدٌ، إلاَّ بنص أو اتفاق، لكن من كان ظاهره الصلاح، فإننا نرجو له ذلك كما سبق، وهذا كاف في مَنقبَته، وعمله عند خالقه سبحانه وتعالى،
والحمد لله رب العالمين.
(25/402)

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم:.... حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
وصلتني رسالتكم المؤرخة 8/10/1409 هـ والبالغة (16 ص) وقرأت جميعها وفهمت حرصَك على الجهاد في سبيل الله، وأسأل الله تعالى أن يجعلني وإيَّاكَ من المجاهدين في سبيله على بصيرة، المتبعين في ذلك ما كان أرضى لله وأنفع لعباد الله.
وما ذكرت من حال طلبة العلم اليوم، فلا شكَّ أنَّ هذا موجودٌ في كثير منهم، لكن لا يشمل الجميع، ففي كثير منهم الخير، وتولي القيادة العلمية والقضائية وغير ذلك من شؤون المسلمين، والسير بها على الوجه المطلوب بِحَسَب المُستَطاع، وقد أنتجوا ما حصل به سرور المتَّقين في هذه المجالات.
وما ذكرت من حال المجاهدين اليوم، فلا شكَّ أن هذا موجود في كثير منهم لكنه لا يشمل الجميع، فالمجاهدون على درجات، منهم من يريد الدنيا، ومنهم من يريد الآخرة، كما قال الله تعالى عن أشرف جيش جُنِّدَ على وجه الأرض، بقيادة خاتم النبيين وإمام المرسلين وقدوة المتقين محمد - صلى الله عليه وسلم -: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا
(25/403)

تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين) (1) فإذا كان هذا موجودًا في عصر الصحابة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فما بالك في هذا الوقت. وفى "صحيح البخاري " عن أبى هريرة- رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "مَثلُ المجاهد في سبيل الله- واللهُ أعلم بمن
يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم " (2) ، وفيه أيضًا "والذي نَفسي بيده لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيل الله- والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدَّم والريح ريح المسك ". (3) فتأمل احتراز النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "والله أعلم بمن يجاهد أو بمن يُكْلَم في سبيله " لِتعلم به أنَّ المجاهدين يختلفون وهو واضح، ولستُ أريد بذلك فئةٌ معينه أو طائفة معينة، بل هذا عام للجهاد في وقتنا وقبله وبعده إلى يوم القيامة،
وقد بوب البخاري- رحمه الله- على هذا الاحتراز قوله باب: "لا يقال فلان شهيد"،
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 152.
(2) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من يجرح في سبيل الله، برقم (2803) .
ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (1876) .
(3) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من يجرح في سبيل الله، برقم (2803) .
ومسلم في كتاب، الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (1876) .
(25/404)

وذكر في "الفتح " على هذه الترجمة ما رواه أحمد وغيره عن عمر رضي الله عنه أنه خطب فقال: تقولوا في مغازيكم فلان شهيد ومات فلان شهيدًا ولعلَّه قد يكون قد أوقرَ راحلته، ألا لا تقولون ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من مات في سبيل الله أو قتل
فهو شهيد". (1) قال الحافظ: وهو حديث حسن.
وعلى هذا فلا ينبغي أن نُقلِّلَ من شأن طلب العلم، ولا من شأن الجهاد، ولا نُبرئ كل من كان في ساحتيهما مما قد يكن فيه من نقص، والعاقِلُ المنصِف يرى وينظر إلى الأشياء بعيني البصيرة في أحوال
الناس من جهة واقعهم، ومن جهة تطبيقه على الشريعة، وأن لا يحكم بعين العاطفة فقط؛ لأنَّ ذلك يخشى من الزَلل، ووفق الله الجميع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
س 82: سئل فضيلة الشيخ- رحمة الله-: هل تُكفِّرُ الشهادة في سبيل الله الذنوب؟
فأجاب بقوله: الشهادة تُكفّر الذنوب إلاّ الدَّيْن، فإذا كان على الإنسان دين فإن الشهادة لا تكفره؛ لأنَّ دين الآدمي لابدَّ من وفائه،
__________
(1) رواه سعيد ابن منصور في سننه، كتاب النكاح، باب ما جاء في الصداق، برقم (595) .
(25/405)

ولهذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يكثر المال عنده ويفتح الله عليه؛ كان إذا قدم إليه الميت سأل: "أعليه دين "؟ فإن قالوا: لا، تقدَّمَ وصلَّى عليه، وإن قالوا: نعم، وليس عنده وفاء، لم يصلِّ عليه، وقال: "صلُّوا على صاحِبكم" (1) .
وهذا يدلُّ على أهمية الدَين وعِظَمِه، والناس الآن مع الأسف لا يهتمون به، تجد الإنسان يَستدين في أشياء تعتبر من كماليات الحياة لا من ضرورياتها، ولا من حاجياتها، بل من المكملات فيستدينُ، وربَّما يحل الدين ويستدين مرة أخرى، وهكذا حتى تتراكم عليه الديون وهو لا يبالي بذلك، كأنه لم يسمع قصة المرأة التي جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني وهبت نفسي لك، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَحلُّ له أن يتزوج بالهبة خالصة له دون المؤمنين، ولكنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يرغب فيها، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فَزوِّجنِيها، فطلب منه النبي - صلى الله عليه وسلم - الصداق قال: ما عِندي إلا إزاري، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن أعطيتَها إزارك جلست ولا إزار لك فالتمس شيئاً"
فالتَمَسَ فلم يجد شيئا، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "التمس ولو خاتمًا من حديد" فالتَمَسَ فلم يجد شيئا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هل معك شيءٌ
__________
(1) انظر البخاري، كتاب الكفالة، باب من تكفل عن ميت ديناً فليس له أن يرجع، برقم (2295) ، ومسلم، كتاب الفرائض، باب من ترك مالاً فلورثته، برقم (1619) .
(25/406)

من القرآن؟ " قال: نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " زَوَّجتكها بما معك من القرآن ". (1) ولم يقل: اذهب فاستقرض أو تَديَّن. وهذا يدلُّ على أنه لا ينبغي لنا أن نتهاون في مسألة الدين، فالشَّهيد إذا قُتِل في سبيل الله كفَّرت شهادته جميع ذنوبه إلا الدَين.
__________
(1) انظر البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب القراءة عن ظهر قلب، برقم (5030) ، ومسلم، كتاب النكاح، باب ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها، برقم (1424) .
(25/407)

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى إخواني في الجزائر الذين مازالوا يحملون السلاح في الجبال والرمال وفقهم الله لما فيه الخير والصلاح.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
فإنَّ الواجب عليَّ أن أُبدى النصيحة لكم؛ لأنَّ ذلك من الدِّين، كما جاء في الحديث الصحيح، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن "الدين النصيحة لله ولكتَابه وَلرسُولِه ولأئمَّة المسلمين وعَامَّتِهم ". (1)
فنصيحتي لكم أن تُلقوا السلاح وتحملوا السلام، وتُجيبوا ما دعت إليه الحكومة من المصالحة والسلام، ثم يجرى بين الجميع التفاهم وتَحكِيم الكتاب والسنة، وهذا سيكون فيه خيرٌ كثير
والخلاص من الفِتَنِ والقتال.
وهذا- أعنى- وضع السلاح وحمل السلام، واجبٌ على الجميع.
فالله الله أيَّها الأخوة بالمبادرة إلى المصالحَة والتفاهُم وأسال الله لنا ولكم التوفيق، وأن يجعلنا من دعاة الخير وأنصار الحق، إنه جوادٌ كريم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، برقم (55) .
(25/408)

آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. كتبه الفقير إلى الله تعالى محمد بن صالح العثيمين في مكة المكرمة يوم الأربعاء السادس عشر من ذي الحجة عام 1420 هـ.
(25/409)

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم:.... أمير الجماعة
المسلحة في منطقة الجزائر حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فإن الله تعالى قال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) . (1) وقال- عزَّ وجل-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) . (2) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كُونوا عباد الله إخوانًا" (3) وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضاً: "المسلم أخو المسلم " (4) .
ولقد مَنَّ الله تعالى على كثير من إخواننا في الجزائر، فألقوا السلاح وأطفئوا الفتنة، وحصل لهم وللشعب الجزائري خيرٌ كثير، وإنَّا
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 1.
(2) سورة آل عمران، الآية: 103.
(3) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، برقم (6065) .
ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم التحاسد والتباغض، برقم (2559) .
(4) رواه البخاري، كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم، برقم (2442) . ومسلم، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، برقم (2580) .
(25/410)

لنرجو الله- عز وجل- أن تكونوا- أيها الأمير- مثلهم عن قريب، والأمور التي فيها اختلافٌ بينكم يمكن حلها بالطُرُقِ السلمية والتفاهم، وسيتمُّ ذلك إن شاء الله مع نية الإصلاح وسلوك الطريق الموصل إلى ذلك، قال الله تعالى في الحَكَمين في شِقَاق الزوجين (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) . (1) آمل منكم أيُّها الأمير أن تُبادِروا بالإصلاح ووضح السلاح، وفقكم الله للخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه/محمد الصالح العثيمين يوم الجمعة 14 ربيع الأول سنة
1421 هـ عنيزة/الجامع الكبير.
__________
(1) سورة النساء، الآية: 35.
(25/411)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نَبيِّنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
إلى فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فهذا ما يَسَّر الله- عز وجل- لنا نَقلِه مما سَجَّلنا من المكالمة الهاتفية، نرجو جزاكم الله خير الجزاء مراجعته وتعديل ما يحتاج إلى تعديل، ومن ثم إرساله لنا لنشره على الإخوة هنا (1) ، لعل الله جلَّ
وعلا أن ينفع بذلك عباده الصالحين.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
* السؤال الأول: فإنه لما كَثُرَ الجَدَلُ بين المسلمين بسبب الأزمة الأخيرة التي أصيب بها المسلمون، واستفسار كثير منهم بما يتعلق بفتوى بعض العلماء بجواز دخول القوات الأجنبية إلى الأراضي
السعودية، ومن باب الحرص على إظهار الحق، وكشف الشبه
__________
(1) في أمريكا وقد عرضت على الشيخ- رحمه الله- في كتاب واحد مشتمل على عدد من الأسئلة.
(25/412)

واللَّبس فقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين عن طريق الهاتف بالسؤال التالي-: كثيرٌ من المسلمين يسألون عن شرعية الفتوى المتعلقة بالتواجد الأجنبي في الأراضي الإسلامية في الجزيرة
العربية؟ وعن اعتماد العلماء بفتواهم هذه؟
فأجاب بقوله: اعتماد العلماء بفتواهم هذه، على القاعدة المعروفة المشهورة لأهل العلم، والتي دلَّ عليها كتاب الله سبحانه وتعالى، وهو اتقاء أشد الضررين بأخفهما، فإن العلماء لما رَأوا ما حصل
للكويت، قالوا: إن هذا الذي حصل للكويت يخشى أن يحصل مثله على السعودية، فالضرر الحاصل به أعظم من الضرر الحاصل بالاستعانة بالكفار، ثم إن هناك تأكيدات نسأل الله أن تحقق، وهى
أن هؤلاء الكفار سيرحلون عن البلاد بمجرد ما يزول الخطر، فمن ثم قالوا: إننا ندفع أشدَّ الضررين بأخفهما، وليس هذا من باب الاستعانة التي تكلَّم عليها أهل العلم، بحيث يستعين الجيش المكوَّن
من عدد كثير برجل أو رجلين من الكفار؛ لأن الاستعانة- أعنى ما تكَّلم عليه أهل العلم-، قد لا تصل إلى الحد الذي وصلت إليه الحال فيما استند إليه العلماء بفتواهم.
أما أن هذه الفتوى حصل بها فتنة، وكل تكلم، فهذه هي سُنَّة الفِتَن أن كل واحد يتكلَّم، وأن الناس يكون عندهم هوى يَعصِفُ
(25/413)

بالعقول، فينظرون إلى جهة بعين ويعمون عن الجهة الأخرى، فينظرون إلى الواقع بعين أعور، لا يرى إلا من جانب واحد.
وإلا فإن الواجب أن العاقل ينظر إلى الحدث من جميع جوانبه، ولا شك أن كل مؤمن بالله ورسوله، لا يحب أن يرى كافرًا في الجزيرة العربية ولو كان كنَّاسًا في البلدية، فكيف يرضى أن يكون
هذه الجيوش العظيمة بأسلحتها وعتَادها في الجزيرة العربية! ولكن كما يقول الأول:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبًا فما حيلة المضطر إلا ركوبها فالعلماء رأوا ما أسلفت من أن وجود هؤلاء من باب اتقاء أشَدِّ الضررين بأخفهما.
والله سبحانه وتعالى قال في كتابه (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (1) .
فنهى سبحانه عن سَبَّ آلهة المشركين، خوفًا من أن يحصل منهم سب لله- عز وجل-، مع أن سَبَّ آلهة المشركين لا شك أنه قربى ومأمور به، لكن لما كان يفضي إلى شر عظيم، كان السكوتُ عنه
أولى، وكذلك في الحديث الذي رواه البخاري، قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: "لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 108.
(25/414)

قواعد إبراهيم وجعلت لها بابين، بابًا يدخل منه الناس وبابًا يخرجون منه " (1) ، لكنه ترك هذا مع ما فيه من المصلحة، من أجل أن القوم حديثو عهد بكفر.
على كل حال نسأل الله أن يجلو هذه الغُمَّه، وأن يبعد الكفار عنَّا وعن بلادنا، وأن يرزقنا القوة الذاتية بإيماننا بالله وامتثالنا لأمره، وأن يجعل في شبابنا خيرًا.
* السؤال الثاني: يا شيخ أحسن الله إليكم-: هناك ضَرَران، الأول غزو العراق للسعودية، وحصول ما حصل في الكويت، ولَعَلَّ كثيرًا من المسلمين أدركوا ما حلَّ بكثير من النشاطات الإسلامية من جمود بعد هذا الغزو، وأن الكويت رغم ما فيه، إلا أننا لا ننسى مكانة الدعاة وأهل الخير فيها، ومناصرتهم لقضايا الإسلام والمسلمين في كل مكان، وحُرِّية قول الحق فيها، ولكن كل هذا توقف بسبب الغزو، ومثل ذلك كان سيحدث للسعودية، بل وأكثر من ذلك ما هو واقع الآن للعراق ومن قبل، والمُشَاهِدُ لواقع الدُّعاة والمسلمين في العراق يُدرك هذا، لكن يا شيخ- أحسن الله
إليكم- كثير من المسلمين يردِّدُ أن هذا ظن، ولم يكن سيقع، أقصد
__________
(1) رواه البخاري، كتاب العلم، باب من ترك بعض الاختيار، برقم (126) ، ومسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، برقم (1333) (402) .
(25/415)

غزو العراق للسعودية، فكيف نعالج ذلك الظن بالاستعانة بالمشركين، وخصوصًا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إنا لا نستعين بمشرك (1) ؟
الجواب: كما أسلفت أن ذلك ليس من باب الاستعانة بالمشركين التي ذكرها العلماء، ولو أن هجوم العراق على السعودية كان ممتنعًا بالأدلِّة والبراهين المعقولة، لكان وجود الكفار على هذا حرامًا ولا
يجوز، ولكن لما كان الأمر- أي هجوم العراق على السعودية- يكاد يكون محققًا، والقول بأنه ظنٌّ غير صحيح والواقع يكذِّبه؛ لأنه ما الذي يمنعهم من هذا وقد فعلوه في الكويت من قبل.
فالحاصل أنَّ غالب الظنِّ أنَّهم كانوا ينوون الهجوم، وعلى ذلك كان اعتماد العلماء بفتواهم بجواز السماح للقوات بالدخول، وهذا من باب دفع أشد الضررين بأخفهما كما قلت لك، أما لو تيقنَّا أنه
ليس يهاجم السعودية فلا شكَّ أن دخولهم على هذا الوجه حرام، ولا يجوز أن يمكنوا من أرضنا لما في ذلك من الخطر على بلادنا وعلى ديننا، ولكن كما قلت لك إن العلماء نظروا بحسب ما بلغهم أن الأمر يغلب على الظنِّ أنه سيكون الهجوم.
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كراهية الاستعانة في الغزو بكافر، برقم (1817) .
(25/416)

* السؤال الثالث: لكن يا شيخ، كما ذكرت لك أن هناك من العلماء من يرى أن هجوم العراق ظن ولهذا لا تجوز الفتوى بالسماح، وأذكر أننا قمنا بالاتصال بالعلامة الشيخ ناصر الدين الألباني، فهو
يرى أن الهجوم لازال محل ظن ولم يكن واقعًا، فهل ترى أن عمدة هؤلاء العلماء في فتواهم بعدم السماح للقوات الأجنبية المشركة بالتواجد في السعودية هو أن هجوم العراق كان ظناً ولم يكن واقعًا؟
الجواب: أنا سمعت أشرطة للشيخ ناصر، وهو يقول: إنه لو حصل الهجوم فعلاً على السعودية عندها نقول: لا بأس بالاستعانة، ولكن الواقع أن ذلك غير متصور؛ لأنه إذا حصل الهجوم صعبت
جدًّا المقاومة والإخراج وعندها ستكون المصيبة أكبر والفتنه أعظم.
* السؤال الرابع: ألا يمكن أن نقول أن المسألة- وإن كانت ظناً-، فالواجب على المسلمين أن لا يدعوه للظن، وأن يحتاطوا للأمر وخصوصًا أن المسألة عظيمة كهذه والفتنة عظيمة بعد الوقوع؟
الجواب: هذا القول ممكن، بل هو الحزم؛ لأن دفع الشر قبل وقوعه أهْوَنُ من رفعه. فما ظنك لو استولى العراق على المملكة فماذا يحصل من الفتنة؟ أعظم من فتن هؤلاء.
* السؤال الخامس: ما رأيكم فيمن يرى فتنة العراق أقل ضررًا من الأمريكان؟
(25/417)

الجواب: من رأى ذلك، فهل رآه عن تصور وتعقل أم لمجرد هوى؟ ثم كيف يقول بهذه الرؤية مع أن الواقع يكذبها؛ لأن الأمريكان لا يمكن أن يتمركزوا هنا لأسباب داخلية وخارجية، فإن السعوديين لا يمكن أن يبقوهم إذا انتهت الأزمة، ولكن لو استولت الحكومة العراقية لا أحد يقول لها: اخرجي؛ لأنها مثلاً دولة عربية من جنس العرب، وما أكثر القوميين وأصحاب الجهل في بلادنا
الإسلامية!! لذلك لا أحد يقاومها.
وعلى أية حال. وإن اختلفت الأنظار، وادعى مدعٍ أن وجود هؤلاء أشدُّ ضررًا من الحكومة العراقية فلننظر للواقع، إن الإنسان يجب عليه أن يتقي الله- عز وجل- وأن لا يتكلم إلا بكلمة يعلم أن لها جوابًا عند الله صحيحًا، فالواجبُ على المسلم أن ينظر إلى الأحداث من جميع الجوانب، فإذا أنكر وجود القوات الأجنبية في الجزيرة العربية فلينكر ما حصل على أهل الكويت من الظلم
والعدوان، وإخراجهم من ديارهم وأموالهم، وقتل من قتل منهم، وهلاك من هرب منهم من أطفال وكبار، أما التركيز على جانب أحد الأمرين دون الأخر، فهذا خطأ، وليس هذا من العدل، يقول
الله- عز وجل- في سورة النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) (1) .
__________
(1) سورة النساء، الآية: 135.
(25/418)

ويقول في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (1) .
نحن نبغض كل كافر، ولكن لا يمنعنا هذا البغض من أن نقول العدل، فالإخوة الذين يبغضون الكفار هم مُصيبون في هذا، لكن يجب مع كراهتهم لهم أن يقولوا العدل، فلا يقفون على جانب،
ويجعلوه المشكلة كلها وينسون الأصل والسبب، فنصيحتي للإخوة إذا طالبوا بإخراج القوات الأجنبية من بلاد السلمين، أن يطالبوا بِرَدِّ الحقوق إلى أهلها بالنسبة للكويتيين، ويطالبوا أيضًا دولة الكويت بالرجوع إلى تحكيم الكتاب والسنة، ويُبيّنوا لها أن ما أصابها فهو بسبب الذنوب والمعاصي وتعدي الحدود، وأن هذا مصير كل من لم يحكم شرع الله في بلاده.
والله عز وجل يقول: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) (2) ويقول جل وعلا: في سورة آل عمران: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 8.
(2) سورة الزخرف، الآية: 76.
(25/419)

قَدِيرٌ) (1) .
والسعوديون يقولون: إنه بمجرد انتهاء الأزمة سوف يرحل الكفار عن البلاد. نسأل الله تعالى أق يحقق ذلك.
* السؤال السادس: يا شيخ أحسن الله إليكم، هنا في الصحافة الأمريكية تأكيدات بِنيَّة الهجوم على العراق لردعه وإخراجه من الكويت، فما رأيكم في هذا؟
فأجاب بقوله: أنا أرى أن هذا عظيم، عظيم جدًّا؛ لأن القضاء على قوة العراق والتي ليست ملكًا لصدام، فيه خسارة عظيمة من جهات متعددة، فالمسألة خطيرة جدًّا، لكن الواجب على العراق أن
يتقى الله- عز وجل-، وأن يَدفَعَ الشر والأذى بِرَدِّ الحقوق إلى أهلها، ولا شكَّ أن الكويتيين الآن لن ينظروا إلى الأمر كما كانوا ينظرون إليه من قبل.
* السؤال السابع: هل لكم يا شيخ أن تقدموا للإخوة المسلمين نصيحة، لَعلَّ الله ينفعهم بها؟
فأجاب بقوله: أنا أودُّ من الإخوة المسلمين أن لا يركزوا على مسألة القوات هنا فحسب، بل يركزوا عليها وعلى الظلم الذي وقع بأهل الكويت، ويجب أيضًا أن يبِّينُوا أنه يجب على الحكومات
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 165.
(25/420)

الإسلامية ومن بينها حكومة الكويت والعراق وجميع البلاد الإسلامية أن يرجعوا حقيقةً إلى كتاب الله- عز وجل- وأن يُحكِّموا الشريعة في عباد الله، وأن يسعوا لتحقيق الخلافة الراشدة التي يتم
من خلالها توحيد البلاد الإسلامية على شريعة الله، وليس على غيرها من الشعارات البائدة والأحزاب البائسة. والله المستعان.
(25/421)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فقد أعطاني الأخ (.....................) كتابًا موجهًا منه بتاريخ 27/1/1411 هـ إلى من يراه من علماء المسلمين يقول فيه:
أنه اطلع على ما وقَّعَ عليه العلماء الأفاضل منهم: الشيخ محمد بن عثيمين وابن باز وصالح الفوزان- حفظهم الله- وأن ما فعله إمام المسلمين من الاستعانة بالنصارى لحماية المسلمين وديارهم، وهذا قد علمناه منهم وتَعليمهم لنا أن الصُّلح مع الكفار والمشركين والنصارى
وغيرهم، شيءٌ يختلف عن الاستعانة بهم لحماية المسلمين وديارهم، وطلب تفصيلاً للأدلَّة التي استند عليها العلماء للاستعانة بالنصارى، وكيفية الجمع بينها وبين الآيات المحكمة في كتاب الله العظيم، منها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (1) .
ومنها قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) (2) . وهاتان الآيتان مدنيتان.
__________
(1) سورة الممتحنة، الآية: 1.
(2) سورة آل عمران، الآية: 118.
(25/422)

والجواب: أن ههنا ثلاث حقائق يجب مَعرفَتُهَا:
الحقيقة الأولى: اتخاذ الكفار أولياء يتولاهم المسلم ويعينهم ويناصرهم، وهذه لا شكٌ في تحريمها، وأنهما من كبائر الذنوب، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) (1) .
ثم إن كانت الموالاة للكفار على المسلمين الذين هم مسلمون حقيقة، فهي رِدَّةٌ عن الإسلام، فيكون المُوَالي بها كافراً مرتدًّا؛ لأنه موالٍ للكافرين ظاهرًا وباطنًا محاربٌ لشريعة الله تعالى.
مثال ذلك: أن يحصل حرب بين أمة كافرة وأمة مسلمة، فيذهب مع الأمة الكافرة يعينها على الأمة المسلمة.
وإن كانت الموالاة لكفار على كفار فهذه حرام بلا شك لمناصرة الكفار وموالاتهم ظاهراً، وفى كونها ردة عن الإسلام نظر؛ لأنه ربما يناصر هؤلاء على هؤلاء لكون أولئك أهون شرًا على المسلمين؛ وأقل خطراً على دينهم لا لمحبته لظهورهم وانتصارهم على الإطلاق. وقد قال الله تعالى: (الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ
__________
(1) سورة المائدة، الآيتان: 51- 52.
(25/423)

وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ) (1) .
مثال ذلك: أن يقتتل طائفتان من الكفار فيناصر أحداهما على الأخرى، وليس من موالاة الكفار أن يناصرونا على عدو لنا؛ لأننا لم نتخذهم أولياء بل هم الذين والوا ونصروا ولكن هذه من الحقيقة
الثانية.
الحقيقة الثانية: الاستعانة بالكفار على عدو لنا نقاتله قتال طلب، وهذه في الأصل حرام؛ لأن الكفار أعداء المسلمين كما هم أعداء الله تعالى، فلا يُؤمَنُ شرهم ولا يُطْمَأَنُّ إلى ظاهرهم، ولما رواه مسلم عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " خَرَجَ النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بدر، فلما كان
بِحرَّةِ الوَبَرَةِ أدركه رجل، قد كان يذكر منه جرأة ونجدةٌ، ففرح أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: جِئتُ لأَتَّبِعكَ وأصيب معك، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " تُؤمنُ بِالله ورسُوله؟ " قال: لا، قال: " فارجعْ، فلن أستعين بمشرك ". قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، قال له كما قال أول مرة.
قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك ". قالت: ثم رجع فأدركه بالبيداء فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له
__________
(1) سورة الروم، الآيات: 1-5.
(25/424)

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " فانطَلِق " (1) ، فهذا الرجل رَدَّهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين حين بقي على الشرك، وقَبِلَهُ في الثالثة حين قال: إنه يؤمن بالله واليوم الآخر.
ولكن إذا دعت الضرورة إلى الاستعانة به أي: (بالكافر) ، وكان مأمونًا فلا بأس بذلك، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: " واستأجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر رجلاً من بنى الديل هاديًا خِرِّيتا وهو على دين كفار قريش، فأمناهُ فدفعا إليه راحلتيهما، وواعدَاهُ غار ثورٍ بعد ثلاث ليالٍ " (2) ، واسم الرجل هذا عَبد الله بن أُرَيْقط، والخِرِّيت الماهرُ في الدلالة.
ووجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعان به على أن يدله الطريق لينجو من أعدائه قريش مع خطورة الموقف؛ لأن قريشاً كانت تطلبه وقد جعلت مئتي بعير لمن أتى به وأبا بكر.
واستدل ابن القيم- رحمه الله- بما جاء في قصة صلح الحديبية في شأن بُدَيل بن وَرْقاءَ الخُزاعيّ، (3) فقال في سِياقِ ما يستفاد من قصة الحديبية من الفوائد الفقهية (3/301) ، (ط مؤسسة الرسالة التي
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كراهية الاستعانة في الغزو بكافر برقم (1817) .
(2) رواه البخاري، كتاب الإجازة، باب استئجار المشركين عند الضرورة، بر قم (2263) .
(3) انظر صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، برقم (2732) .
(25/425)

عليها تعليق الأرناؤوط) . ومنها أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزةٌ عند الحاجة، لأن عينه الخُزاعي كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم، ا. هـ.
وقد نصّ على ذلك أهل العلم في: " المُغني "؛ لابن قُدامة، (8/414) ، (ط دار المنار) : ولا يُستَعان بمشرك، وبهذا قال ابن المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم، وعن أحمد ما يدل على جواز
الاستعانة به، وكلام الخِرَقي يدل عليه أيضًا عند الحاجة، وهو مذهب الشافعي، لحديث الزهري الذي ذكرناه وخبر صفوان ابن أُميَّة: [خبر الزهري "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعان بناس من اليهود في حربه فأّسهَم لهم" (1) . رواه سعيد في سننه. وروي: "أنَّ صفوان بن أُميَّة
خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين وهو على شركه فأسهم له وأعطاه من سهم المؤلفة"] (2) .
هكذا ذكرهما المؤلف، قال: ويشترط أن يكون من يستعينُ به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به، ا. هـ.
__________
(1) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، كتاب الجهاد، باب من غزا بالمشركين وأسهم لهم، (395، 12) .
(2) رواه البيهقي في سننه، كتاب الصدقات، باب من يعطى من المؤلفة قلوبهم من سهم المصالح، جاء أن يسلم، (7.18) .
(25/426)

وفى " المهذَّب "؛ للشِّيرَازي (18/68) ، (ط المكتبة العالمية) .
"ولا نستعين بالكفار من غير حاجة، ثم استدلَّ له بحديث عائشة- رضي الله عنها- ثم قال: فإن احتاج أن يستعين بهم فإن لم يكن من يستعين به حسن الرأي في المسلمين لم نستعن به؛ لأنَّ ما
يُخاف من الضرر بحضورهم أكثر مما يرجى من المنفعة، وإن كان حسن الرأي في المسلمين جاز أن يستعين بهم؛ لأن صفوانُ بن أُمَّية شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في شركه حرب هوازن، ثم قال: وإن احتاج إلى أن يستأجرهم جاز؛ لأنه لا يقع الجهاد له، وذكر في الشرح أنَّه إذ دَعَت إلى ذلك حاجة، كأن يكون في المسلمين قلَّة، ومن يستعين بهم من الكفار يعلم منه حسن نيته في المسلمين، جاز له أن يستعين به.
ثم استدل لذلك بما رواه ابن عبد البر في "الاستيعاب "، وابن سعد في "الطبقات "، ومالك في "الموطأ" عن ابن شهاب وابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن على في قصة صفوان ورجوعه إلى
النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الفتح وشهوده حنينا، والطائف وهو كافر. وفى (ص 166) من الجزء المذكور، وإن حضر مشركٌ مع المسلمين في القتال بغير إذن الإمام، لم يُسهم له ولم يرضخ له؛ لأن ضرره أعظم من ضرر المخذل والمرجف بالمسلمين، وإن حضر بإذن الإمام رضخ له ولم يسهم له، وهو قول العلماء كافة إلا الأوزاعي فإنه قال: "يسهم له ". أ. هـ.
(25/427)

الحقيقة الثالثة: الاستعانة بهم في الدفاع عن البلد إذا اضطر المسلمون إليهم، وهذا أولى بالجواز من الأول، بل قد يكون مطلوبًا على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب حسب خطر المهاجم
ولهذا قال أهل العلم: "إن الجهاد في هذه الحال فرض عين يجب حتى على النساء والشيوخ والصبيان القادرين ". وقد قال الله تعالى (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) (1) فأمر بقتل من قاتلنا في المسجد الحرام مع أن القتال عنده حرام، لكن الدفاع له شأن آخر.
ولكن متى قلنا بجواز الاستعانة بهم في حال الضرورة، فإن الواجب أن تَتَقَدَّر بقدرِها، وأن يرحلوا عن البلد من حين الاستغناء عنهم؛ لأن بقاءهم في الجيش، جيش السلمين، يؤدي يقينا أو ظنًا
غالبًا إلى فساد كبير، لاسيَّما مع كثرتهم وشعورهم، أو إعطائهم الشعور بأنهم المنقِذُون الحامون وأنهم أبطالُ المعركة، فإن هذا يؤدي إلى عُلوِّهم واستكبارهم واستعبادهم الجيش الإسلامي ومن وراءه، مع أن الواجب على الجيش الإسلامي أن يكون قويًّا بدينه، لا يلحقه
وهن ولا ضعف ولا ذل إلا لله تعالى وحده، قال الله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (2) وقال الله تعالى: (فَلَا
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 191.
(2) سورة آل عمران، الآية: 139.
(25/428)

تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) (1) .
وعلى الجيش الإسلامي أن يُعدَّ العُدَّةَ المعنوية الروحية والعدة الحسية المادية؛ لأن الله تعالى بيَّن أن فقدان العُدَّة المعنوية الروحية سبب للخِذلان والهزيمة، حيث كانت الهزيمة في أُحد حين وقعت
المعصية من الرماة، وكانت الهزيمة في حُنين حين أساء بعضهم الاعتماد على الله واعتمدوا على كثرتهم، وقالوا: لن نغلب اليوم عن قلة (2) . فهذا هو الإعداد الروحي المعنوي.
أما الحسي المادي فقد قال الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (3) . والقوة: الرمي.
أسأل الله تعالى أن يحمي دينه من أعدائه، وأن يُهيِّئ لنا من أمرنا رشدًا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كتبه الفقير إلى الله تعالى محمد الصالح العثيمين في 12/2/1411 هـ.
__________
(1) سورة محمد، الآية: 35.
(2) رواه أبو عوانة في مسنده، كتاب الجهاد، بيان محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلّم المشركين يوم حنين، برقم (6754) .
(3) سورة الأنفال، الآية: 60.
(25/429)

بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة حول التفجير الواقع بمدينة الرياض
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله
وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإننا في مساء أمس الأول، الاثنين العشرين من شهر جمادى الآخرة من عام 1416 هـ، سمعنا نبأ العدوان الآثم، الواقع هذا اليوم، ممن لا يخافون الله، ولا يرحمون عباد الله، حيث وضعوا
متفجرات، في أحد شوارع الرياض، مما أدى إلى قتل النفوس بغير حق، وجرح الأبرياء العزل، وإتلاف بعض الأموال، وهدم بعض البيوت، ولاشك أن هذا عدوان آثم، لا يقره دين ولا عقل، ولا عرف.
أما الدين: فإنه مناف لا جاءت به النصوص القرآنية والنبوية، من تحريم قتل النفس بغير حق، وإتلاف الأموال ظلماً وعدواناً قال الله تبارك تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (1) ، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
__________
(1) سورة الأعراف الآية: 33.
(25/430)

آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) (1) ، وقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) (2) .
أما السنة: فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أعلن في حجة الوداع في أكبر مجمع يجتمع فيه بالمسلمين فقال: "إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت، اللهم اشهد" (3) وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس " (4) وقال - صلى الله عليه وسلم -: " لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً" (ْ) والأحاديث في هذا كثيرة.
أما العقل: فمخالفة هذه الجريمة له أمر معلوم، فما الذي أباح لهذا المعتدي الآثم، أن يعتدي على قوم آمنين، بهذا العدوان الشامل، الذي راح بسببه أنفس، ما بين قتيل، وجريح، وتهدم فيه بناء،
__________
(1) سورة الفرقان الآية: 68- 69.
(2) سورة الإسراء الآية: 33.
(3) رواه البخاري/كتاب العلم/باب يبلغ الشاهد الغائب برقم (105) .
(4) رواه البخاري/كتاب الشهادات برقم (2510) .
(5) رواه البخاري/كتاب الديات برقم (6469) .
(25/431)

وضاعت فيه أموال، بأي كتاب، أم بأية سنة، أم بأي عقل، يحل له ذلك؟.
وأما مخالفة ذلك للعرف: فإن جميع المواطنين، ينكرون ذلك غاية الإنكار، ولا يقرونه، ولاسيما بهذا البلد الآمن، الذي هو محط أنظار الناس في التزامه، ومحافظته، والله يعلم أننا لا نعلم في العالم بلادًا
أقوى تمسكا منه في العقيدة السليمة، وإقامة شعائر الدين، وشرائعه، ولكن الأمر حصل بمقتضى حكمة الله، وسنته في خلقه ابتلاءاً وامتحاناً قال تبارك وتعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (1) وأننا واثقون بالله وعونه وتوفيقه، أن يرد كيد المجرمين في نحورهم، وأن يفسد عليهم أمرهم، وأن يجعلهم نكالاً لما بين أيديهم وما خلفهم، قال سبحانه
وتعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ولله عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (2) ، كما أننا واثقون بأن الله لن يصلح أعمالهم هذه؛ لأنها من الفساد في الأرض، والله لا يحب الفساد، ولا يصلح عمل المفسدين، وقد قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (فَاصْبِرْ إِنَّ
__________
(1) سورة الفرقان الآية: 31.
(2) سورة الحج الآية: 40.
(25/432)

وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (1) .
أسال الله تعالى أن يقطع دابر المفسدين، ويجعل كيدهم في نحورهم، وتدميرهم في تدبيرهم، إنه ولى ذلك والقادر عليه، وحسبنا الله ونعم الوكيل، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
__________
(1) سورة هود الآية: 49.
(25/433)

س 83: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لا يخفى عليكم حادث التفجير الذي سبق وأنه وقع في العليا وحدث فيه أزهاق للأرواح من المعاهدين وغير ذلك، والذي حدث من أحداث
الأسنان وسفهاء الأحلام، وأنكم تعلمون عظم هذا الفعل، وما فيه من مخالفة لأمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وعدم الأخذ بالأدلة الشرعية، وتسفيه الآراء العلماء والراسخين في العلم، ومن مشاقة ومحاربة لولي الأمر، والآن وقد حدث تفجير جديد في الخبر.
فهل من كلمة لتبيين دين الله تعالى في ذلك. والتحذير من هذا المنزلق الخطير الذي سلكه فئة من الشباب- وهم قلة ولله الحمد- وهو مستمد من فعل الخوارج، وهم قد لا يعلمون أن فعلهم فعل
الخوارج، فهل من تبيين لدين الله سبحانه تعالى؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: لاشك أن هذا العمل عملٌ لا يرضاه أحد، كل عاقل- فضلاً عن المؤمن- لا يرضاه، لأنه خلاف الكتاب والسنة، ولأن فيه إساءة إلى الإسلام في الداخل والخارج؛ لأن كل الذين يسمعون بهذا الخبر لا يضيفونه إلا إلى المتمسكين بالإسلام، ثم يقولون: هؤلاء هم المسلمون؛ هذه أخلاق الإسلام. والإسلام منها بريء، فهؤلاء في الحقيقة أساؤا قبل كل شيء إلى الإسلام ونحن
(25/434)

نسأل الله تعالى أن يجازيهم بعدله، بالنسبة لهذه الإساءة العظيمة.
ثانياً: أنهم أساؤا إلى إخوة لهم من المستقيمين؛ لأنه إذا تصور الناس حتى المسلمون، إذا تصوروا أن هذا يقع ممَّنْ يدعي أنه مسلم، وأنه يغار للإسلام؛ فسوف يكره من هذه أخلاقه، وسوف يظن أن
هذه أخلاق كل مستقيم.
ومن المعلوم أن هذا لا يمثل أحداً من المستقيمين إطلاقاً، لأن المستقيم حقيقة هو الذي استقام بكتاب الله، وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ولا يخفى علينا جميعاً أن الله سبحانه وتعالى أمر
بوفاء العهود وأمر بوفاء العقود، قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (1) ولا يخفى علينا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وأوفوا بالعهد" (2) ولا يخفى علينا أيضاً أنه قال- عليه الصلاة والسلام-: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " (3) .
ثالثاً: لو قدرنا على أسوأ تقدير أن الدولة التي ينتمي إليها هؤلاء الذين قتلوا دولة معادية للإسلام، فما ذنب هؤلاء؟ هؤلاء الذين
__________
(1) سورة الإسراء الآية: 34.
(2) رواه البخاري/كتاب الديات برقم (6516) .
(3) رواه البخاري/الحج برقم (1771) .
(25/435)

جاؤا بأمر حكومتهم وقد يكون بعضهم جاء عن كره، ولا يريد الاعتداء.
ثم ما ذنب المسلمين الساكنين هناك؟
فقد أصيب من المسلمين من هذه البلاد عدة من أطفال وعجائز وشيوخ في مأمنهم، في ليلهم، عند الرقاد على فرشهم. ولهذا تعتبر هذه جريمة من أبشع الجرائم.
لكن بحول الله أنه لا يفلح الظالمون، سوف يُعثر عليهم ويأخذون جزاءهم.
لكن الواجب على طلاب العلم أن يبينوا أن هذا المنهج منهج خبيث، منهج الخوارج الذين استباحوا دماء المسلمين وكفوا عن دماء الكافرين.
وأن هؤلاء إما: جاهلون.
وإما سفهاء.
وإما حاقدون.
فهم جاهلون: لأنهم لا يعرفون الشرع، فالشرع يأمر بالوفاء بالعهد، وأوفى دين للعهد هو دين الإسلام والحمد لله.
وهم سفهاء أيضاً: لأنه سيترتب على هذه الحادثة من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، يعني ليست هذه وسيلة إصلاح حتى
(25/436)

يقولوا: إنما نحن مصلحون، بل هم المفسدون في الواقع.
أو حاقدون على هذه البلاد وأهلها: لأننا لا نعلم- والحمد لله- بلاداً تنفذ من الإسلام مثل ما تنفذه هذه البلاد أبداً. الآن في بعض البلاد الإسلامية أليس فيها القبور تعبد من دون الله؟!
أليس فيها بيوت الدعارة؟! أليس فيها الخمر علناً في الأسواق؟!
أليس حكامها يصرحون أنهم يحكمون بالقوانين لا بالكتاب والسنة؟
فماذا يريد هؤلاء؟!.
ماذا يريدون من فعلهم هذا؟!
أيريدون الإصلاح؟ والله ما هم بمصلحين، إنهم مفسدون.
ولكن علينا أن نعرف كيف يذهب الطيش، والغيرة التي هي غُبرة، وليست غيرة إلى هذا الحد.
ولاشك أن هذا إساءة أيضاً- في المرتبة الرابعة أو الخامسة إلى هذه البلاد وأهلها وترويع الآمنين.
كل إنسان يتعجب كيف يقع هذا في هذا البلد الآمين.
ولكن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يخزي هؤلاء وأن يطلع ولاة الأمور عليهم وعلى من خطط لهذه الجرائم حتى يحكموا فيهم بحكم الله عز وجل.
(25/437)

س 84: سئل فضيلة الشيخ رحمه الله: يذكر أن بعض القادة في المعارك الإسلامية كانوا أشاعرة، فهل يثنى عليهم؟
فأجاب بقوله: من أصول أهل السنة والجماعة أن الإنسان قد يجتمع فيه سُنَّة وبدعة إذا لم تكن البِدعة مكفرة، ومن المعلوم أن بدعة الأشعرية ليست من البِدع المُخْرِجة عن الإسلام، ولا مَانِع من الثَّناء على من قام بما ينفع المسلمين من هذه الطائفة بما يستحق من الثناء؛ فهو محمودٌ على ما قام به من ذلك، وأمَّا ما حصل منه من بدعة، نعلم أو يغلب على ظننا أنه فيها مجتهد، فهو دائر بين الأجر والآجرين؛ لأن كل مجتهد من هذه الأمة في حكم يسوغ فيه الاجتهاد فلن يعدم الأجر أو الأجرين؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا حكم الحاكِمُ فاجتَهد ثم أصابَ فلَه أجرانِ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فلهُ أجرٌ " (1) .
والحكمُ في الناس وبين الناس، إنما يكون إلى الله تعالى، كما قال تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (2) وقال: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِك
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب اجر الحاكم إذا اجتهد، برقم (7352) ، ومسلم، كتاب الأقضية، باب بيان الحاكم إذا اجتهد، برقم (1716) .
(2) سورة الشورى، الآية: 10.
(25/438)

خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (1) . وقد علمت قول النبي ع - صلى الله عليه وسلم - في المجتهد.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 1/1/1417 هـ.
س 85: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن معنى الحديث عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا هجرةَ بعدَ الفتحِ، ولكنْ جهاد، ونيَّة وإذا استُنفِرتُم فانفِروا" (2) فأجاب بقوله: هذا الحديث قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن فتح مكة.
وكانت مكة قبل الفتح بلدُ شركٍ يهاجر منها المسلمون إلى المدينة إلى الله ورسوله، فلمَّا فُتحت، لم تكن الهجرة منها مشروعة؛ لأنها صارت بلاد إسلام فسقطت الهجرة من مكة إلى غيرها، وأما الهجرة من بلاد الشرك فإنها باقية إلى يوم القيامة، فالنفي هنا عائد على الهجرة من مكة فقط.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولكن جهادٌ ونيَّة "، معناه: أن الذي بقي بعد فتح مكة على أهل مكة الجهاد إن أمكنهم ذلك، أو نية الجهاد إن لم يمكنهم الجهاد، فقال: "ولكن جهاد ونيَّة "أي: جهادٌ في سبيل الله
__________
(1) سورة النساء، الآية: 59.
(2) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الجهاد والسير، برقم (2783) ، ومسلم، كتاب الحج، باب تحريم مكة، برقم (1353) .
(25/439)

ونية خالصة، بحيث يقصد الإنسان بجهاده أن تكون كلمة الله هي العليا.
أمَّا قوله: "وإذا استنفرتَم فانفِروا". فالمعنى: أنه إذا استنفركم ولي الأمر للجهاد في سبيل الله، وَجَبَ عليكم أن تَنفِروا لقوله الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (1) .
س 86: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل الذي يخرج من البيت وهو ليس بمريض وبعد لحظات يَحصُل له حادث ويُتَوفَّى في حادث سيارة؛ هل يُعتبر ذلك شهيدًا؟ وهل هذا يعتبر مثل مرض الطاعون؛ لأن صاحب مرض الطاعون شهيد؟ أرجو الإفادة.
فأجاب بقوله: الميِّتُ بحادثٍ يكون من الشهداء- إن شاء الله-؛ لأنه كالميت بهَدم أو غَرق أو نحو ذلك، ولكن لِيُعلم أننا لا نحكم
__________
(1) سورة التوبة، الآيتان: 38-39.
(25/440)

على الشخص بعينه أنه شهيد حتى وإن عمل عمل الشهداء؛ لأن الشهادة للشخص بعينه لا تجوز، كما لا تجوز الشهادة للشخص بعينه بالجنة إن كان مؤمناً، أو بالنار إن كان كافرًا، ولكن نقول: إنّ مَنْ مات بحادث أو مات بهدم أو بغرق أو بحرق أو بطاعون، فإنه من الشهداء ولكن لا نَخصُّه بعينه، ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنْ لا نشهد لأحد بعينه بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن نرجو لهذا الرجل أن يكون من الشهداء.
فإن قال قائل: أليس السبب الذي يَستحقُّ أن يوصف به أنه شهيد قد وجد؟
قلنا: بلى، لكنه وجد ظاهرًا ولا ندرى فلعل هذا الرجل الذي مات يكون في قلبه من الموانع التي تمنع أن يلحق بالشهداء مالا نَعلمه نحن.
س 87: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل من مات خارج بلاده يكون شهيدًا؟ وهل يُحاسب؟ وكيف يحاسب في القبر فقد سمعت بأن الشهيد لا يحاسب؟
فأجاب بقوله: الميت خارج بلده ليسَ بشهيد؛ لأن القول بأن موت الغريب شهادة ليس له مستند من الشرع. والشهيد هو الذي
(25/441)

يقتل في سبيل الله وهو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وهذه نية- أعنى كونه يريد بقتاله أن تكون كلمةُ الله هي العليا- نيَّةٌ محلُّها القلب، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نَفسي بيدهِ، لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيل الله- والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله- إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدَّمِ والريح ريحُ المسك " (1) فأشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "والله أعلم بمن
يكلم في سبيله ". إلى أن الشهادة لا تُنال إلا بِنَّية صادقة، والنيةُ الصادقة هي ما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سُئل عن الرجل يقاتل حَمِيِّةً، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليُرَى مكانه أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العُلْيا فهو في سبيل الله " (2) .
وعليه فإنه لا يجوز الجزمْ بأن من قُتِل في الجهاد يكون شهيدًا بعينه؛ لأن هذا أمر يحتاج إلى توقيف، وأما على سبيل العموم بحيث يقال: من قُتِل في سبيل الله فهو شهيد. فهذا جائز.
وقد روي عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- بسند حسن أنه
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من يجرح في سبيل الله، برقم (2803) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (1876) .
(2) رواه البخاري، كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا، برقم (123) ، وفي كتاب الجهاد والسير، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، برقم (2810) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، برقم (1904) .
(25/442)

قال: "إنكم تقولون: فلان شهيد وفلان شهيد، ولعله يكون قد أوقر راحلته، ولكن قولوا: من مات أو قتل في سبيل الله فهو شهيد" (1) أي على سبيل العموم هذا بالنسبة للحكم عليه بالشهادة في الآخرة أما الحكم عليه بالشهادة في الدنيا فإن هذا هو الأصل أي أن نعامل هذا الذي يقاتل في قتال يظهر منه أنه لإعلاء كلمة الله هو أن نعامله معاملة الشهداء في أنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه وإنما يدفن في ثيابه على ما هو عليه مع المسلمين.
أما بالنسبة للسؤال في القبر: فإنه قد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله لا يفتنون في قبورهم، وقال كفى ببارقة السيف على رأسه فتنه " (2) .
س 88: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يدخل في الشهداء الغريق، والحريق، والمرأة التي ماتت في حالة الوضع؟ وما الدليل؟
فأجاب بقوله: نعم هؤلاء يدخلون في الشهداء؛ لأن السنة وردت بذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن شهادتهم لا تساوى شهادة المقتول
__________
(1) رواه سعيد بن منصور في سننه، كتاب النكاح، باب ما جاء في الصداق، برقم (595) .
(2) رواه النسائي، كتاب الجناثز، باب الشهيد، برقم (2053) .
(25/443)

في سبيل الله فإن المقتول في سبيل الله لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، وإنما يدفن في ثيابه التي قتل فيها بدون صلاة، ويبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك،
وهذا لا يحصل للشهداء الذين جاءت بهم السنة ولكنهم يحصلون على أجر عظيم، إلا أنهم لا يساوون الشهيد المقتول في سبيل الله من كل حال ومن كل وجه.
وإنني في هذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة شاعت أخيرًا بين الناس، وهي أن كل إنسان يقتل في الجهاد يصفونه بأنه شهيد، حتى وإن كان قد قتل عصبية وحمية وهذا غلط، فإنه لا يجوز أن تشهد
لشخص بعينه أنه شهيد حتى وإن قتل في الجهاد في سبيل الله؛ لأن هذا أمر لا يدرك فقد يكون الإنسان مريدًا للدنيا وهو مع المجاهدين في سبيل الله ويدل لذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "ما من مكلوم يكلم في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب
دما اللون لون الدم والريح ريح المسك " (1) فقول - صلى الله عليه وسلم - "والله أعلم بمن
يكلم في سبيله" يدل على أننا نحن لا نعلم ذلك وقد بوب البخاري رحمه الله فقال (باب لا يقال فلان شهيد) .
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من يجرح في سبيل الله عز وجل، برقم (2803) ،
ومسلم في، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (1876) .
(25/444)

وذكر صاحب الفتح عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه قال:" إنكم تقولون فلان شهيد وفلان شهيد، ولعله قد أوقر راحلته- يعنى: قد غل في سبيل الله من المغانم، فلا تقولوا ذلك
ولكن قولوا من قتل في سبيل الله أو مات فهو شهيد" (1) .
وصدق- رضي الله عنه- فإن الشهادة للمقتول بأنه شهيد تكون على سبيل العموم، فيقال: "من قتل في سبيل الله فهو شهيد". وما أشبه ذلك من الكلمات العامة، أما الشهادة لشخص بعينه أنه شهيد فهذا لا يجوز إلا لمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - حين صعد على الجبل هو وأبو بكر وعمر وعثمان فارتج بهم فقال " اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان " (2) . وإذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة أنه لا يشهد لأحد معين بالجنة إلا لمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - فكذلك لا يشهد لأحد بعينه أنه شهيد؛ لأن من لازم الشهادة له بأنه شهيد أن يكون من أهل الجنة.
س 89: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله- قال - صلى الله عليه وسلم -: "يغفر الله
__________
(1) رواه النسائي، كتاب النكاح، باب القسط في الأصدقة، برقم (3349) ، وأحمد في مسنده (41) .
(2) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب قول النبي لو كنت متخذاً خليلاً، برقم (3675) .
(25/445)

للشهيد كل ذنب إلا الدين" (1) . ما المعنى لهذا الحديث؟
فأجاب بقوله: معنى هذا الحديث أن الله- عز وجل- يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين؛ لأن الدين حق للآدمي فلابد من وفائه، ولكن الدين إذا كان الإنسان أخذه يريد أداءه فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها
يريد إتلافها أتلفه الله " (2) . فإن كان هذا الشهيد الذي عليه الدين قد أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله تعالى يؤدي عنه، إما بأن ييسر أحدًا في الدنيا يقضي عنه هذا الدين، وإما بأن يوفيه الله تعالى يوم القيامة فيزيد الدائن درجات أو يكفر عنه سيئات.
س 90: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا كان المسلم لا يؤدى فريضة الصلاة ولا الصوم وقتل في الجهاد. هل يموت شهيداً؟
فأجاب بقوله: إذا كان هذا الذي قتل في الجهاد لا يصلي ولا يصوم فإنه يموت كافرًا ومأواه جهنم وبئس المصير؛ لأن الذي لا يصلي كافر مرتد على القول الراجح، والكافر لا ينفعه جهاد ولا
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه، برقم (1886) .
(2) رواه البخاري، كتاب الاستقراض، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها، برقم (2387) .
(25/446)

صدقه ولا صيام ولا غير ذلك من الأعمال الصالحة؛ لأن الأعمال الصالحة لا تقبل إلا بشرط الإسلام قال الله تبارك تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) (1) . وقال- عز وجل-: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) (2) وقال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (3) .
س 91: سئل الشيخ- رحمه الله-: من مات من رجال الدفاع المدني، حيث احترق بالنار وهو يحاول إطفاءها هل يعتبر من الشهداء؟
فأجاب بقوله: أولاً: نقول: كل من مات بحريق وهو مسلم فإنه من الشهداء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحريق شهيد" (4) . ولكن لا نقول
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 54.
(2) سورة الفرقان، الآية: 23.
(3) سورة البقرة، الآية: 217.
(4) رواه أبو داود، كتاب الجنائز، باب فضل من مات بالطاعون، برقم (3111) ، والنسائي، كتاب الجنائز، باب النهي عن البكاء على الميت، برقم (1846) ، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب ما يرجى فيه الشهادة، برقم (2803) ، وأحمد في مسنده 163، 39 (23753) .
(25/447)

فلان شهيد؛ لأنه مات بالحرق، لكن على سبيل العموم نقول: كل من مات بالحريق فإنه شهيد.
وإذا كان من رجال الإطفاء كان أعظم ثواباً أيضًا، لأن هذا الرجل الذي مات بالإطفاء جمع بين أمرين بين الحريق، وبين الدفاع عن إخوانه، فهو في الحقيقة اكتسب أجرين: أجر الدفاع عن إخوانه
المسلمين، وأجر شهادة الحريق.
لكن لاحِظ أننا لا نشهد لشخص بعينه، يعني مثلا: إنسان احترق أمامنا أحرقته النار أمامنا، نقول: الحريق شهيد، لكن لا نقول: هذا الرجل شهيد.
وقد ترجم البخاري- رحمه الله- في صحيحه لهذه المسألة وقال: (باب لا يقال فلان شهيد) ، ثم استدل لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مكلوم يكلم في سبيل الله، والله أعلم بمن يكلم في سبيله" (1) . فقال: (والله أعلم) إذا كان الله أعلم بمن يكلم في سبيله إذن لا نشهد على شيء لا نعلمه، لكن نقول على العموم: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، فيفرق بين العموم وبين الخصوص.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من يجرح في سبيل الله عز وجل، برقم (2803) ، ومسلم في، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (1876) .
(25/448)

س 92: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هي المواقف التي إذا مات فيها الشخص يكون شهيداً؟
فأجاب بقوله: الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذكر أن المطعون والمبطون والحريق والغريق (1) وما أشبههم، هؤلاء كلهم من الشهداء، وكذلك المقتول ظلما فهو شهيد (2) ، لكن هؤلاء ليسوا كشهيد المعركة أي: ليسوا كالشهيد الذي قتل في سبيل الله؛ لأن الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله وصف الله تعالى ثوابهم بقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (3) ؛ ولهذا لا يصلى عليهم ولا يكفنون، بل يدفنون في ثيابهم التي استشهدوا فيها بدون
صلاة، لأن بارقة السيوف على رأسه، وعرض رقبته لعدوه وعدو الله كافية في الامتحان والشفاعة، لكن هؤلاء الشهداء المطعون والحريق والغريق والمبطون نطلق عليهم أنهم شهداء كما أطلق عليهم النبي
__________
(1) صحيح مسلم/كتاب الإمارة/باب بيان الشهداء.
(2) في صحيح البخاري/كتاب المظالم/باب من قاتل دون ماله: "من قتل دون ماله فهو شهيد".
(3) سورة آل عمران، الآيتان: 169-170.
(25/449)

- صلى الله عليه وسلم - "من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد" (1) ،
ولكن لا نلحقهم بالشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؛ لأن هؤلاء أتوا إلى المعركة باختيارهم مع علمهم بشراسة العدو، وأما أولئك فإنهم قتلوا بغير اختيارٍ منهم، ولذلك تجدهم يدافعون عن أنفسهم.
س 93: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هو جزاء الشهيد ومكانته عند الله؟ وهل يغفر الله- عز وجل- الكبائر التي اقترفها ذلك الشهيد قبل أن يتوب منها؟ وهل يعتبر الشهيد من الستة الذين يظلهم الله في ظله؟
فأجاب بقوله: جزاء الشهيد ومكانته عند الله ما ذكره الله تعالى في قوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (2) . وأرواح الشهداء في أجواف طير خضر معلقة تحت العرش (3) وهم- أعني الشهداء- يغفر لهم كل ذنب اقترفوه إلا
__________
(1) رواه الترمذي، كتاب الديات، باب ما جاء في من قتل دون ماله فهو شهيد، برقم (1421) ، والنسائي، كتاب تحريم الدم، باب من قاتل دون أهله، برقم (4094) ، وأبو داود، كتاب السنة، باب في قتال اللصوص، برقم (4772) .
(2) سورة آل عمران، الآية: 169.
(3) رواه مسلم/كتاب الإمارة/باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة برقم (3500) .
(25/450)

الدين فإن الدين لصاحبه أن يطالب به يوم القيامة.
وأمما قول السائل: "هل هو من الستة الذين يظلهم الله في ظله "؟
فنقول: غلط في قوله "الستة"، لأنه ورد في الحديث "سبعة يظلهم الله".
س 94: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لقد قرأت حديثا للصحابي الجليل أبى هريرة- رضي الله عنه- عن الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما تعدون الشهيد منكم" قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد؟ قال: "إذاً شهداء أمتي لقليل". قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: "من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في
طاعون فهو شهيد، ومن مات بالطعن فهو شهيد، والغريق شهيد" (1) 0 السؤال: هل من مات غريقا وهو سكران تكتب له الشهادة علمًا بأن الغريق يعد شهيدًا حسب نص الحديث نرجو
من فضيلتكم الإفادة؟
فأجاب بقوله: قبل الإجابة عن هذا السؤال أود أن أنبه إلى أنه في عصرنا هذا أصبح الشهيد رخيصًا عند كثير من الناس، حتى كان
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان الشهداء، برقم (1915) .
(25/451)

يصفون به من ليس أهلاً بالشهادة وهذا أمر محرم فلا يجوز لأحد أن يشهد لشخص بشهادة إلا لمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشهادة. والشهادة تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يشهد لشخص معين بأنه شهيد كما في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد أحدًا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فارتج الجبل بهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اثبت أحُد، فإنما عليك نبيٌّ وصديق وشهيدان" (1) فمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بعينه شهدنا له بأنه شهيد تصديقا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - واتباعاً له في ذلك.
والقسم الثاني: فيمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشهادة على وجه العموم كما في الحديث الذي أشار إليه السائل، فإن من قتل في سبيل الله فهو شهيد ومن مات في سبيل الله فهو شهيد والغريق شهيد إلى غير ذلك من الشهداء الذين ورد الحديث بالشهادة العامة من غير تخصيص
رجل بعينه.
وهذا القسم لا يجوز أن نطبقه على شخص بعينه، وإنما نقول: من اتصف بكذا وكذا فهو شهيد ولا نخص بذلك رجلاً بعينه، وقد ترجم البخاري- رحمه الله- لهذه المسألة فقال: (باب: لا يقال فلان
شهيد) .
__________
(1) رواه البخاري، كتاب المناقب، باب قول النبي: لو كنت متخذاً خليلاً، برقم (3675) .
(25/452)

واستدل له بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "والله أعلم بمن يجاهد في سبيل الله " (1) . وقوله "بمن يكلم في سبيل الله" أي: بمن يجرح، وساق تحت هذا العنوان الحديث الصحيح المشهور في قصة الرجل الذي كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة وكان شجاعا مقداما لا يدع للعدو شاذة ولا فاذة إلا اتبعها بسيفه، فأمتدحه الصحابة أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ساق البخاري رحمة الله الحديث بطوله وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الرجل
ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظن الناس وهو من أهل النار" (2) . وهذا الاستدلال الذي استدل به البخاري رحمه الله على الترجمة استدلال واضح؟ لأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الله أعلم بمن جاهد في سبيله أو بمن يقتل في سبيله ". يدل على أن الظاهر قد يكون الباطن مخالفا له، والأحكام الأخروية تجرى على الباطن لا على الظاهر. وقصة الرجل الذي ساقها البخاري- رحمه الله- تحت هذا العنوان ظاهرة جداً فإن الصحابة- رضي الله عنهم- اثنوا على هذا الرجل بمقتضى ظاهر حاله، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: "إنه من أهل النار" (3) . فاتبعه رجل
__________
(1) انظر صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، برقم (2787) .
(2) رواه البخاري، كتاب الجهاد، باب لا يقال فلان شهيد، برقم (2898) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (112) .
(3) رواه البخاري، كتاب الجهاد، باب لا يقول فلان شهيد، برقم (2898) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (112) .
(25/453)

من الصحابة- رضي الله عنهم- ولزمه فكان آخر عمل هذا الرجل أن قتل نفسه بسيفه.
فنحن لا نحكم بالأحكام الأخروية على الناس بظاهر حالهم، وإنما نأتي بالنصوص على عمومها، والله أعلم هل تنطبق على هذا الرجل الذي ظاهره لنا أنه متصف بهذا الوصف الذي علق عليه الحكم؟ وقد ذكر ابن حجر- رحمه الله- صاحب فتح الباري شرح صحيح البخاري ذكر أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- خطب فقال: "إنكم تقولون في مغازيكم فلان شهيد ومات فلانا شهيداً
ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلك، ولكن قولوا: كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد" (1) .
قال في الفتح: وهو حديث حسن. وعلى هذا فنحن نشهد بالشهادة على صفة ما جاء بها النص، إن كانت لشخص معين شهدنا بها لشخص معين الذي عينه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كانت على سبيل العموم شهدنا بها على سبيل العموم ولا نطبقها على شخص بعينه؛ لأن الأحكام الأخروية تتعلق بالباطن لا بالظاهر. ونسأل الله أن يثبتنا جميعا بالقول الثابت، وأن يصلح قلوبنا وأعمالنا.
__________
(1) رواه سعيد ابن منصور في سننه، كتاب النكاح، باب ما جاء في الصداق، برقم (595) .
(25/454)

وبناء على هذا فإن قول السائل: لو غرق الإنسان وهو سكران فهل يكون من الشهداء؟
فإننا نقول: لا نشهد لهذا الغريق بعينه أنه شهيد سواء أنه كان قد شرب الخمر وسكر منه ثم غرق حال سكره، أم لم يشربها.
ثم إنه بمناسبة ذكر السكر يجب أن نعلم أن شرب الخمر من كبائر الذنوب وأن الواجب على كل مسلم عاقل أن يدعها وأن يجتنبها كما أمره بذلك ربه- عز وجل- فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (1) .
ومن شربها حتى سكر فإنه يعاقب بالجلد، فإن عاد يجلد مرة أخرى فإن عاد جلد مرة ثالثة فإن عاد في الرابعة، فإن من أهل العلم من قال: يقتل لحديث ورد بذلك (2) .
ومنهم من قال: إنه لا يقتل وإن الحديث منسوخ.
ومنهم من فصل: كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: إنه يقتل إذا جلد ثلاثا ولم ينته بحيث انتشر شرب الخمر في الناس ولم
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 90.
(2) في سنن الترمذي/كتاب الحدود برقم (1364) من حديث جابر "من شرب الخمر فاجلدوه، فمان عاد في الرابعة فاقتلوه".
(25/455)

ينتهوا عنه بتكرر العقوبة عليهم، فإذا لم ينتهوا إلا بالقتل فإنه يقتل.
وعلى كل حال فإن الواجب على المؤمن اجتناب ذلك وأن نسعى جميعَا إلى الحيلولة دون انتشاره بكل وسيلة، والله الموفق.
س 95: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما جزاء من استشهد في سبيل الله، كمن قتل دفاعاً عن عرضه؟
فأجاب بقوله: الدفاع عن العرض لا شك أنه شهادة لكنه ليس كالشهادة في سبيل الله. بمعنى: لو أن الإنسان أراد أهلك مثلا يفعل بهم الفاحشة فلك أن تدافع حتى تموت، فإذا قتلت فأنت شهيد،
لكن الشهادة في سبيل الله هي أن يقتل الإنسان وهو مقاتل لتكون كلمة الله هي العليا. هذا هو الميزان (1) .
س 96: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما جزاء الشهيد في الآخرة؟
فأجاب- رحمه الله- بقوله: جزاؤه في الآخرة قال الله- عز وجل-: (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ) (2) وقال- عز وجل-: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا
__________
(1) علق فضيلة الشيخ- رحمه الله- بعد ذلك على قول (فلان شهيد) وقد تقدَّم والله الموفق.
(2) سورة الحديد، الآية: 19.
(25/456)

آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (1) وقال- عز وجل-: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ) (2) .
س 97: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يصح أن يذهب الإنسان للجهاد وهو لم يحج بعد؟
فأجاب بقوله: لا يجوز أن يذهب إلى الجهاد وهو لم يحج إذا كان الذهاب إلى الجهاد يؤدي إلى ترك الحج، أما إذا كان لا يؤدي إلى ترك الحج، مثل: أن يذهب إلى الجهاد في وقت غير وقت الحج ويكون عنده مال يستطيع أن يحج به إذا رجع من الجهاد فإن هذا لا بأس به، لكن لو تزاحم الخروج إلى الجهاد والحج فالحج مقدم، لأن الحج ركن من أركان الإسلام، وواجب باتفاق المسلمين.
س 98: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هذه الأحداث وغزو العراق للكويت لها أسباب لعل من أهمها كثرة المعاصي بجميع أنواعها، ولكن ألم يفتن المسلمون في عهد عثمان بن عفان رضي الله
عنه فما الجواب عن ذلك؟
__________
(1) سورة آل عمران، الآيتان: 169-170.
(2) سورة البقرة، الآية: 154.
(25/457)

فأجاب بقوله: لا شك أن المسلمين فتنوا في عهد عثمان رضي الله عنه؛ لأنه دخل في الإسلام من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم فحصل منهم من المعاصي والشر، من جهة الأموال والقتل ما كان سببًا لهذه الفتنة.
س 99: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يرفع بعض الجنود إصبعيه السبابة والوسطى على هيئة رقم سبعة رمزًا للانتصار. ما حكم ذلك؟ أليس من الأولى أن نرفع السبابة إشارة للواحد
القهار مع التكبير؟
فأجاب بقوله: هذا لا شك أنه الأولى. إننا نحمد الله سواء كان بالإصبع أو اليد كلها، نقول الحمد لله على الانتصار الحمد لله، لكن إذا كانت هذه معروفة بين الناس وبين الدول فلا أرى مانعًا من
الإشارة بها.
س 100: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: مما لاشك فيه أنه منذ قتل عثمان- رضي الله عنه- الخليفة الثالث بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقعت حروب كثيرة في الدول الإسلامية، ثم اتسعت هذه الحروب وتعددت ألوانها وأشكالها بتعدد الممالك العربية والإسلامية، ولا شك أنه إذا قامت الحرب بين دولتين عربيتين
(25/458)

ومسلمتين فإن الذين يقاتلون في هذه المعارك جنود مسلمون، فنريد أن نعرف إذا تقاتل المسلمان في هذه الحالة هل يقع الإثم عليهما أو على الدول أو على الخلفاء أو رؤساء هذه الدول الذين
يشعلون نار هذه الحرب؟
فأجاب بقوله: نقول في هذا ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه " (1) .
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (2) .
فلا يجوز للمسلمين أن يقتل بعضهم بعضًا أو يقاتل بعضهم بعضًا، ولكن من قوتل فله أن يدافع عن نفسه بأخف الضررين فإن لم يكن الدفاع إلا بالمقاتلة فله أن يقاتل، حينئذٍ يكون المقتول من
البغاة في النار، وأما المقتول من المدافعين عن أنفسهم الذين لم يجدوا دفاعًا غير القتل؛ يكون في الجنة وإن قتل من البغاة فليس عليه شيء.
والواجب على المسلمين إذا اقتتلت طائفتان أن يسعوا في الصلح بينهما قال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) ، برقم (31) ، ومسلم، كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، برقم (2888) .
(2) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر، برقم (48) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي سباب المسلم فسوق، برقم (64) .
(25/459)

فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (1) . فتبين الآن أن لنا نظرين:
النظر الأول: في حكم الاقتتال بين المسلمين وهو حرام لا يجوز، لكن من بُغِيَ عليه فله أن يدافع عن نفسه بأقل ما يمكن فإن لم يكن الدفاع إلا بقتال فله ذلك.
النظر الثاني: بالنسبة لبقية المؤمنين فإذا كانت الطائفتان المقتتلتين من المؤمنين، فإنه يجب على بقية المؤمنين أن يصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى، ولم توافق على الصلح فإنه يجب على المؤمنين أن يقاتلوها حتى تفيء إلى أمر الله، فذا فاءت وجب الصلح بينها فيما حصل من إتلافات وغيرها.
س 101: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما ذنب الجندي في الطائفة الباغية إذا كان امتناعه عن الحرب يعتبر خروجًا عن
سلطانه؟
__________
(1) سورة الحجرات، الآية: 9-10.
(25/460)

فأجاب بقوله: ليس خروجًا عن السلطان؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الطاعة في المعروف" (1) . وهذا ليس من المعروف أن يقاتل الرجل أخاه المسلم أو يقتله، بل يجب عليه أن يرفض هذا الأمر، ولا يخرج، وفى هذا الحال قد. يكون رفضه من أكبر الأسباب الداعية إلى عدم
البغي؛ لأنه إذا رفض هذا وهذا لم يكن بيد الباغي قوة يبغي بها على غيره.
س 102: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض الناس يقول ليت اليهود يقتلون جميع المسلمين ويظلوا وحدهم في فلسطين! فأجاب بقوله: أعوذ بالله، لو نعلم منْ تقدم بهذا القول لاتهمناه
اتهاماً يخل بدينه، كيف يقول: ليت اليهود يقتلون..... الخ هل هو جهودي حتى يطلب أن اليهود ينتصرون؟!
أنا أقول للأخ إذا كان قوله هذا صادر عن قلبه فليتهم نفسه، وليتب إلى الله- عز وجل-، ونحن نسأل الله تعالى أن ينصر إخواننا المسلمين من الفلسطينيين على اليهود، وأن ينصرنا جميعًا على اليهود
والنصارى، هذا الذي نتمناه، وبحول الله إن راية الإسلام ستنتصر
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة لمام مالم تكن معصية، برقم (7145) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم (1840) .
(25/461)

على كل عدو لها من ملحد ونصراني ويهودي وبوذي ومشرك وكل أحد، هذا الذي نتمناه- إن شاء الله تعالى. والله عز وجل يقول: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (1) لأن سبب الخذلان للأمة الإسلامية أنها هي التي خذلت نفسها لم تأتِ بأسباب النصر إطلاقًا نسأل الله أن يهدينا جميعًا.
س 103: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الأشهر الحرم؟ وهل يجوز القتال فيها؟
فأجاب بقوله: الأشهر الحرم أربعة كما قال الله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) (2) وهى ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، وواحد منفرد وهو. رجب، وهذه الأشهر الحرم لها مزيد عناية في تجنب الظلم سواء كان ظلما فيما بين الإنسان وبين ربه، أو ظلما فيما بينه وبين الخلق، ولهذا قال الله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) (3) .
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 33.
(2) سورة التوبة، الآية: 36.
(3) سورة البقرة، الآية: 217.
(25/462)

واختلف العلماء- رحمهم الله- في القتال في هذه الأربعة الحرم، هل هو باقٍ تحريمه أم منسوخ؟
فجمهور أهل العلم على أنه منسوخ؟ لأن الله تعالى أمر بقتال المشركين كافة على سبيل العموم.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن: تحريم القتال في هذه الأشهر باقٍ، وأنه لا يجوز لنا أن نبتدئ الكفار بالقتال فيها، لكن يجوز لنا الاستمرار في القتال وإن دخلت الأشهر الحرم، وكذلك يجوز لنا قتالهم إذا بدأونا هم بالقتال في هذه الأشهر، والأمر في هذا إلى ولاة الأمر الذين يدبرون أمور الحرب والجهاد.
س 104: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هو واجبنا تجاه إخواننا المسلمين في يوغسلافيا؟
فأجاب بقوله: موقفنا من إخواننا المسلمين في يوغسلافيا: أن نبذل ما نقدر من الدعاء لهم بالنصر، وأن يكبت الله أعداءهم، وأن يهدي الله ولاة أمور المسلمين حتى يقاطعوا كل من أعان من يقاتلهم
على قتالهم، المسلمون لو قاطعوا كل أمة من النصارى تساعد الذين يحاربون إخواننا لكان له أثر كبير، ولعرف النصارى وغير النصارى
(25/463)

أن المسلمين قوة وأنهم يد واحدة، فموقفنا نحن كشعب من الشعوب أن ندعو الله لهم بالنصر، وأن يذل أعداءهم، نسأل الله أن ينصرهم ويذل أعداءهم، وأن نبذل من أموالنا ما ينفعهم لكن
بشرط: أن نتأكد من وصولها إليهم؛ لأن هذه المشكلة هي التي تقف عقبة أمام الناس من يوصل هذه الأموال إليهم؟ وهل يمكن أن تصل إليهم؟
فإذا وجدنا يدًا أمينة توصل المال إليهم فإن بذل المال لهم سواء من الزكاة أو من غير الزكاة مطلوب؛ لأن نصرة المؤمنين في أي مكان من الأرض يعتبر نصرة للإسلام.
س 105: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار " (1) فما رأيكم بالحروب التي وقعت بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والحروب التي وقعت في زماننا الحاضر؟
فأجاب بقوله: ليس لنا في ذلك رأى غير ما يفيده الحديث إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار.
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) ، برقم (31) ، ومسلم، كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، برقم (2888) .
(25/464)

أما بالنسبة للصحابة- رضي الله عنهم-، فإن الواجب الإمساك عما جرى بينهم، وأن نكل أمرهم إلى ربهم تبارك وتعالى، فقد قدموا على ما قدموا- رضي الله عنهم- وعفا عنهم، والخوض في مثل هذا لا يستفيد منه الإنسان، بل ربما يتضرر منه، فهي دماء سلمنا من الاشتراك فيها فلنسلم من الكلام فيها (1) .
س 106: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يلزم الكافر إذا أسلم في دار الكفر الانتقال إلى بلد الإسلام؟
فأجاب بقوله: نعم يلزمه الانتقال إلى بلد الإسلام إذا كان يخشى أن يمنع من الإسلام وأن يضيق عليه فيه كما هو الغالب فيمن أسلموا في بلد أهله كفار؛ لأن هذا يضيق عليه حتى من أهله بل
حتى من أمه وأبيه ويخشى عليه أن يرتد مع الضغط عليه، فهذا يجب عليه أن يهاجر حفاظًا على دينه، أما إذا كان لا يخشى من ذلك وأنه يستطيع أن يقوم بدينه على وجه واضح بين فإنه لا يجب عليه الهجرة لكن قد يجب عليه السفر من بلاده إلى بلاد الإسلام لأجل تعلم شرائع الإسلام؛ لأنه قد يكون في بلده لا يستطيع التعلم فيجب عليه أن يذهب من بلده ليتعلم.
__________
(1) انظر شرح فضيلة الشيخ رحمه الله للعقيدة الواسطية (ص 617) .
(25/465)

باب عقد الذمة
(25/467)

س 107: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم المعاهدة مع الكفار؟
فأجاب بقوله: هذه المسائل يجب أن يتكلم فيها الإنسان بعلم، والرسول - صلى الله عليه وسلم - عاهد قريشا عشر سنوات حتى نقضوا العهد، ثم غزاهم ففتح مكة (1) .
والصلح مع غير المسلمين ذكر أهل العلم أنه يجوز عند العجز عن قتالهم لكن منهم من قيد بعشر سنوات.
ومنهم من قال: إنه يجوز غير مقيد، ثم إذا حصل للمسلمين القوة فحينئذٍ يغزون الكفار إلى أن يسلموا أو يؤدوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، ومثل هذه الأشياء يجب أن يتكلم فيها الإنسان بعلم
لا بعاطفة وإلا فنحن نكره الكفار كلهم، ونود أن كلمة الله هي العليا في كل مكان، ولكن لا تتكلم بالعاطفة المبنية على جهل، فهذا لا يجوز قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (2) . وانظروا إلى كلام العلماء السابقين في كتاب الجهاد في باب: (الهدنة) كيف فصلوا وكيف بينوا رحمهم الله تعالى.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الجهاد برقم (2766) .
(2) سورة الأعراف، الآية: 33.
(25/469)

وأما من قال: (إن الصلح مع الكفار كفر) فهذا غلط، لكن لو أنكر إنسان فرض الجهاد ثم بيّنا له الأدلة الدالة على أن الجهاد فرض، ثم أنكر، فهذا هو الذي يقال بكفره.
س 108: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل أوجب الشارع كفارة للمعاهدة بين الآدميين وبين الإنسان؟ وما صيغة المعاهدة التي يلتزم بها الإمام؟
فأجاب بقوله: أما المعاهدة بين الآدميين فليس لها كفارة إلا الوفاء بها، فإن خاف غدراً من قبيله فلينبذ العهد بينه وبينه أي يلغه ويفسخه. قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) (1) .
وأما المعاهدة بينه وبين ربه فهي على نوعين:
النوع الأول: عهد واجب بأصل الشرع فلا كفارة له إلا الوفاء به وهو العهد الذي أخذه على عباده أن يقوموا بطاعته بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه.
والنوع الثاني: عهد يوجبه الإنسان على نفسه وهو النذر، فهذا إن كان نذر طاعة وجب الوفاء به، وإن كان نذر معصية حرم الوفاء به، وإن
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 58.
(25/470)

كان نذر مباح أو نذر يقصد به الحث أو المنع أو التصديق أو التكذيب فإنه يخير بين فعل المنذور وبين كفارة يمين.
وأما صيغة المعاهدة فليس لها صيغة معينة بل كل ما دل على الالتزام فهو عهد.
س 109: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: قال تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (1) . وقال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (2) هناك شيء اشتهر واستفاض الآن وهو ما يسمى بالسلام والتطبيع والصلح والاعتراف باليهود فيريد الإنسان أن يعرف حكم ذلك؛ لأن الأحكام قد تتعارض ويريد الإنسان أن يكون على بينة وألا يعتقد بشيء يدين الله سبحانه وتعالى به، ولا يتكلم بشيء إلا وهو شيء صحيح سمعه من أولى العلم.
فأجاب بقوله: قول الله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) (3) المراد بالكتاب هنا: اللوح المحفوظ؛ لأن الله تعالى قال: (وَمَا مِن دَابّةٍ
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
(2) سورة النساء، الآية: 83.
(3) سورة الأنعام، الآية: 38.
(25/471)

فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بجِنَاحَيْهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَئٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُحْشَرُونَ) (1) . ولكن الاستدلال على المعنى الذي تريده هو قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (2) فالقرآن مبين لكل شيء.
وأما قوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (3) . فهذا في قوم يذيعون ما يسمعون من خير أو شر أو خوف أو أمن كما قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (4) . وهذا يدل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يكون مذيعًا، كل ما سمع عن خبر خوف أو أمن أذاعه، بل قد يكون من الخير أن يكتم هذا الخبر الذي حصل، وهذا من هدي الرسول
- صلى الله عليه وسلم - أنه إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها حتى لا يعلم ما يريد.
وأما يتعلق بالصلح مع إسرائيل وما أشبه ذلك فالأمر ليس إلي ولا إليك. هذا أمر يتعلق بالحكومات، ولعله يأتي اليوم الذي فيه النصر على اليهود والنصارى، ثم ابشروا أيها المؤمنون سوف يكون بيننا
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 38.
(2) سورة النحل، الآية: 89.
(3) سورة النساء، الآية: 83.
(4) سورة النساء، الآية: 83.
(25/472)

وبين اليهود مقتلة عظيمة يكون فيها الذل والعار على اليهود كما أخبر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سيكون بيننا وبينهم مقتلة عظيمة حتى أن اليهودي يلوذ بالشجرة فتقول: يا عبد الله هذا يهودي تحتي فاقتله، إلا شجرة الغرقد فإنه من أشجارهم (1) فلا يخبر عنهم.
ونحن- إن شاء الله- تعالى نرتقب النصر الذي يكون للمسلمين على أعدائهم من اليهود والنصارى، ولا تنس فعل النصارى في بلاد أخرى كالبوسنة والهرسك، وكذلك أيضًا في أماكن كثيرة من غير
النصارى أيضًا من الوثنيين والمشركين كمثل كشمير وغيرها، فالمهم أن المسلمين الآن تكالبت عليهم الأعداء ولعل هذا إن شاء الله تعالى مفتاح للنصر والفرج، فانتظر.
أما ما يتعلق بالحكومات فأمره إلى الله- عز وجل- ونسأل الله تعالى أن يهديهم إلى الخير وما فيه الصلاح.
س 110: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن الهدنة؟
فأجاب بقوله: الهدنة هي: وضع الحرب بين المسلمين وبين العدو.
وفيها مشابهة للمصالحة من وجه: تحديد مدة معينة لوضع
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الفتن برقم (5203) .
(25/473)

الحرب مع العدو.
ولا تجوز الهدنة إلا إذا دعت الحاجة إليها.
والدليل: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ... " (1) إلخ.
وجه الاستدلال: أن كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أُمر بقتال الناس؛ يدل على أنه لا هدنة.
وتجوز الهدنة في حالتين:
الأولى: في حال ضعف المسلمين إما ضعفاً عاماً، أو ضعفاً خاصاً أمام العدو المعيّن.
ومثال الضعف العام: حال المسلمين في هذه الأزمنة، فلا يمكن أن يتفقوا وهم على هذا الضعف العام على حرب قرية ولو صغيرة؛ لأن المسلمين بأنفسهم متنازعون. ولكن نرجو الله- عز وجل- أن يكون المستقبل لأمة الإسلام وأن يكون خيراً من حاضرها، والله على كل شيء قدير.
الثانية: أن تكون الأمة الإسلامية مجتمعة متكاتفة، ولكن عدوها قوي فتحتاج إلى هدنة؛ ليحصل لها الإعداد للقوة حتى يأذن الله لها بما يشاء وهو على كل شيء قدير.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الإيمان/برقم (24) .
(25/474)

س 111: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل للهدنة مع العدو مدة محدَّدة؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد- رحمه الله- أنها تجوز في حدود عشر سنوات، والدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح قريشاً عشر سنوات (1) .
وقال شيخ الإسلام- رحمه الله-: تجوز الهدنة المطلقة بدون تحديد مدة سنوات معينة، بشرط: أن تكون حال المسلمين الضعف، فذا حصلت القوة- بإذن الله عز وجل- للمسلمين فإنه يقاتل
المسلمون العدو، وحينئذٍ ينتقض العهد مع العدو؛ لأنه عهد مطلق وليس عهداً مؤبداً.
واختيار شيخ الإسلام- رحمه الله- هو الصحيح؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً إذ أن سبب الهدنة هو: ضعف المسلمين، فمع وجود الضعف فالهدنة قائمة، ومتى زال هذا الضعف فالهدنة لاغية.
س 112: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الهدنة مع الكفار مطلقًا؟
فأجاب بقوله: يرى بعض العلماء: أنه لا يجوز عقد الهدنة مع
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الجهاد برقم (2766) .
(25/475)

الكفار إلا مؤقتًا كعشر سنين مثلا؛ لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يزيد على ذلك؛ لأن الأصل وجوب الجهاد، ولكن أجزنا الهدنة والمعاهدة لمدة عشر سنين لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث عاهد قريشاً عشر سنين (1) .
ويرى آخرون: أنه لا بأس من عقد العهد المطلق وإذا قوى المسلمون بعد ذلك فلهم الحق في أن يطلبوا من هؤلاء المعاهدين الإسلام أو أن يرضخوا للجزية. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله، وهو الصحيح.
س 113: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن الجزية.
فأجاب بقوله: الجزية هي: مالٌ يضعه ولاة الأمر كل عام على كل كافر تحت ذمة المسلمين عوضاً عن حمايته وإقامته بدار الإسلام.
مثاله: لو فتح المسلمون بلداً للكفار واستولوا عليها فإنه يقال لمن فيها من الكفار: لكم البقاء مع دفع الجزية.
والدليل على الجزية: ما جاء في حديث بريدة- رضي الله عنه-: "فإن هم أبوا فاسألهم الجزية" (2) .
وعلى هذا فلا يختص أخذ الجزية باليهود والنصارى والمجوس،
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الجهاد برقم (2766) .
(2) رواه مسلم/كتاب الجهاد برقم (3261) .
(25/476)

وأخذ الجزية من غير اليهود والنصارى والمجوس للعلماء فيها أقوال: فاكثر أهل العلم: إنها لا تؤخذ إلا من اليهود والنصارى فقط.
والدليل قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (1) .
وقيل: إنه تؤخذ من اليهود والنصارى ومن المجوس أيضاً.
والدليل: أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر.
والصحيح: أنها تؤخذ من جميع أجناس الكفار، بدليل عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كفر بالله" (2) .
س 114: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لا يخفى على فضيلتكم أن في أخذ الجزية إقرار لليهودي والنصراني على دينه مع بقائه في جزيرة العرب، فكيف يجمع بين هذا وبين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب؟
فأجاب بقوله: أمره - صلى الله عليه وسلم - بإخراج اليهود والنصارى كان في آخر حياته عليه الصلاة والسلام، كما في مسند الإمام أحمد من حديث أبي
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 29.
(2) رواه مسلم/كتاب الجهاد/باب تأمير الإمام برقم (3261) .
(25/477)

عبيدة بن الجراح قال: آخر ما تكلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أخرجوا يهود أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب" (1) . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً" (2) . وقال عليه الصلاة والسلام: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" (3) .
س 115: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن مقدار مال الجزية؟
فأجاب بقوله: مقدار الجزية ينظر فيه الإمام للمصلحة، فإذا رأى الإمام أن من المصلحة أن يكون المال المدفوع في الجزية أكثر، لأن حماية من يدفعها من الذميين تقتضي نفقة كبيرة فله أن يلزم الذميين بجزية أكثر، وقد يكون الحال العكس، فإذا لم يقتضِ الحال حماية أكبر لهؤلاء الذميين فإن الجزية تكون أقل.
ولهذا ذكر العلماء: أن المرجع في تحديد الجزية إلى اجتهاد الإمام، ويختلف هذا في كل وقت بحسبه.
__________
(1) مسند الإمام أحمد (1/196) .
(2) رواه مسلم/كتاب الجهاد برقم (1767) .
(3) رواه مالك برقم (1388) .
(25/478)

س 116: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الحكمة في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر، ولم يأخذها من بقية المشركين؟
فأجاب بقوله: أخذ الجزية من المجوس ليس خاصا بمجوس هجر بل عام لجميع المجوس، وقد علل أصحابنا- رحمهم الله- أخذ الجزية من المجوس دون غيرهم من المشركين بأن لهم شبهة كتاب، والشبهة تقوم مقام الحقيقة ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (1) .
فهذه الشبهة منعت دماءهم وأموالهم بأخذ الجزية: ولكن لما كانت غير متيقنة لم تحل ذبائحهم ونساؤهم، هذا معنى كلام الأصحاب في تعليل ذلك، وأنت ترى أن من كان عنده كتاب فإن
عنده ثقافة وربما كان ذلك سببًا لإسلامه لاختلاطه بالمسلمين، وامتزاجه بهم، وعيشه تحت ظل الإسلام وحمايته.
ويرى بعض العلماء ومنهم ابن القيم- رحمه الله-: أنه لا يصح التعليل بأن لهم شبهة كتاب، ولا أن لهم كتابًا فرفع، ولكن تؤخذ الجزية من كل كافر من المجوس وغيرهم.
__________
(1) رواه مالك في الموطأ، كتاب الزكاة، باب جزية أهل الكتاب والمجوس، (278، 1) .
(25/479)

س 117: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لماذا عامل المسلمون المجوس معاملة أهل الكتاب مع أنهم وثنيون؟
فأجاب بقوله: لم يعامل المسلمون المجوس معاملة أهل الكتاب مطلقًا، وإنما عاملوهم معاملة أهل الكتاب في إقرارهم بالجزية فقط، مستدلين بما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر (1) .
أما بقية الأحكام فإنهم لا يشاركون أهل الكتاب فيها، فلا تحل نساؤهم ولا ذبائحهم ويرى بعض العلماء أن أخذ الجزية لا يختص بأهل الكتاب والمجوس بل يعم كل كافر، سواء كان من أهل الكتاب والمجوس أو غيرهم لعموم حديث بريدة رضي الله عنه.
س 118: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حقوق الوالدين الكافرين على الأبناء المسلمين، وكذلك الأشقاء والأقارب من حيث الزيارات والنفقة والصلة؟ ومتى تكون النفقة واجبة؟
ومتى تكون مستحبة؟
فأجاب بقوله: الواجب على الولد المسلم تجاه والديه أن يبرهما حين يتعلق بأمور الدنيا لقول الله تبارك وتعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الجزية/باب الجزية مع أهل الحرب برقم (2923) .
(25/480)

الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (1) .
فأمر الله تعالى أن نصاحب الوالدين الكافرين في الدنيا معروفًا فننفق عليهما ونكسوهما ونهدي إليهما، ومع ذلك ندعوهما إلى الإسلام ولعل الله أن يدخل في قلبيهما الإسلام حتى يسلما، وكذلك الأرحام الأقارب الذين ليسوا بمسلمين، لهم رحم لا بد من صلتها فتوصل، ويدعو هذا القريب الموصول إلى الإسلام لعل الله أن يفتح عليه.
س 119: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم من يلقى عليه السلام في مجلس أو جماعة أو محلات تجارية ويرد السلام دون التأكد من ديانة الذي ألقى عليه السلام وبالعكس؟ ما حكم من
يلقي السلام على هذه الجماعات المختلفة الأديان من غير المسلمين؟ وما حكم هذه الألفاظ (مع السلامة) (تصبحون على خير) أو (تمسون على خير) (ودعتكم الله) أو (في أمان الله) ؟
فأجاب بقوله: أولاً: نقول: إذا ألقى إليك السلام أحد فرد عليه السلام، بقولك: عليكم السلام أو عليك السلام إن كان مؤمنا، ورد
__________
(1) سورة الإسراء، الآيتان: 23-24.
(25/481)

عليه السلام بقولك وعليكم إن كان كافرا. إلا إذا صرح بالسلام مبينا حروفه وقال: السلام عليكم فلا حرج أن تقول عليكم السلام.
فإن كانوا قد قالوا السام فعليهم السام، وإن كان قد قالوا السلام فعليهم السلام، وهذا يدل على أنهم إذا سلَّموا علينا بلفظ صريح (السلام عليكم) فإننا نرد عليهم بذلك ونقول (عليكم السلام)
ويؤيد هذا قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (1) وهذا عام.
أما المسألة الثانية في سؤاله: فهو إلقاء السلام على جماعة أو على شخص لا يدرى عن إسلامه؟
والجواب على هذا أن نقول: ألق السلام على من يغلب على ظنك أنه مسلم ولاسيما إذا كنت في بلد أكثر أهلها مسلمين؛ لأن الحكم للأكثر.
أما إذا غلب على ظنك أنه ليس بمسلم أو أن هذه الجماعة غير مسلمين فإنه لا يشرع لك أن تسلم عليهم، وإن خفت من الفتنة فسلم عليهم على وجه التورية، فقل: السلام، ولا تقل: عليكم،
وأنت تنوى بالسلام على من أتبع الهدى.
أما المسألة الثالثة في سؤاله فهو: التوديع يعنى أن الإنسان إذا أراد أن ينصرف قال: (في أمان الله) (مع السلامة) أو (أودعك الله) وما أشبه
__________
(1) سورة النساء، الآية: 86.
(25/482)

ذلك، فهذه الكلمات لا بأس بها، لكن ينبغي أن تكون مقرونة بالسلام فإن الإنسان مشروع له عند الانصراف أن يسلم كما أنه مشروع له عند اللقاء أن يسلم، فيقول مثلاً: إذا أراد أن ينصرف السلام عليكم في أمان الله وما أشبه ذلك، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ودع مسافراً يقول: "أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك " (1) .
س 120: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز للحاكم المسلم أن يسوى بين المسلم والكتابي يهوديًّا كان أو نصرانيًّا دون أن يأخذ منهم الجزية وكيف تكون معاملتنا معهم؟
فأجاب بقوله: الواجب على الحاكم المسلم أن يعدل بين المسلم والذمي، والعدل إعطاء كل منهما ما يستحق، فالمسلم له حقوق، والكافر له حقوق، والكافر أيضاً حقوقه تختلف، فالذمي له حقوق،
والمعاهد له حقوق، والمستأمن له حقوق، والحربي ليس له حقوق. والحاصل أنه يجب على الحاكم المسلم أن يعدل بين المسلمين وغير المسلمين فيما يجب من حقوقهم.
__________
(1) رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب الدعاء عند الوداع، برقم (2600) ، وابن ماجه، كتاب الجهاد، باب تشييع القراء ووداعهم، برقم (2826) ، والترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول اذا ودَّع إنساناً، برقم (3442) .
(25/483)

وأما بالنسبة للحاكم إن أراد بالحاكم: (القاضي) فإنه يجب عليه أن يعدل أيضاً بينهم بحيث لا يفضل المسلم على الكافر في دخوله عليه مثلا، أو في جلوسه معه، أو في تلقينه الحجة، أو ما أشبه ذلك بل
يجب عليه العدل في ذلك كله.
وقد أمر الله تبارك وتعالى بالعدل وأخبر عنه أنه من خصال المؤمنين قال تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) (1) .
س 121: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز أكل أموال غير المسلمين أم هي حرام محرمة كحرمة أموال المسلمين؟
فأجاب بقوله: أموال غير المسلمين إذا كانوا معصومين فإنه لا يجوز للمسلم أن يخونهم في أموالهم وأعراضهم، والمعصوم من الكفار ثلاثة أصناف:
الذميون، والمعاهدون، والمستأمنون، فهؤلاء الثلاثة معصومون لا يجوز الاعتداء عليهم في أموالهم ودمائهم وأعراضهم، أما الكفار الذين ليس بيننا وبينهم عهد ولا أمان ولا ذمة وإنما هم حربيون
فهؤلاء ليسوا معصومين فأموالهم ودماؤهم أيضاً وذرياتهم
__________
(1) سورة الممتحنة، الآية: 8.
(25/484)

ونساؤهم حلال للمسلمين، ولهذا هم يعلنون الحرب علينا ونحن نعلن الحرب عليهم.
ثم إن المعاهدات تتقسم إلى قسمين: معاهدات ثنائية، ومعاهدات جماعية عامة.
ويجب مراعاة شروط هذه حسبما يتفق عليه الطرفان.
س 122: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أنا موظف في شركة ويرأسني شخص كافر وحين أذهب إلى العمل يكون قد وصل إلى العمل قبلي، فهل لي أن أسلم عليه وأبدأه بالسلام علما بأني إذا
لم أسلم عليه قد يحصل لي ضرر؟
فأجاب بقوله: الطريق إلى هذا إذا كان رئيسك كافراً وحضر قبلك، دخلت عليه أن تقول: صباح الخير فقط، وصباح الخير لمن؟ لنفسك وإخوانك المسلمين لا تنويها له أو تقول (السلام) بدون أن
تقول (عليكم) وتنوى السلام عليك أنت وعلى عباد الله الصالحين.
وبهذا يحصل المقصود إن شاء الله بدون ضرر.
س 123: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: اعتاد الناس أنهم يقولون لصاحب المحلات من العمالة الوافدة يا محمد، أعطني
(25/485)

كذا، وربما يكون غير مسلم، فما رأي سماحتكم؟
فأجاب بقوله: خير من هذا أن يقولوا يا (عبد الله) لأن الكل عباد الله حتى الكافر عبد الله، فلو أنها غيرت إلى يا عبد الله لكان أحسن.
س 124: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: رجل متزوج ويعمل خارج بلده مع مجموعة من الأجانب النصارى ويكون بينه وبينهم الأكل والشرب هل يجوز معاملة هؤلاء؟
فأجاب بقوله: معاملة غير المسلمين على سبيل الموادة والمحبة والولاية محرمة لا تجوز قال الله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (1) .
ولقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (2) .
ولقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (3) . فالواجب
__________
(1) سورة المجادلة، الآية: 22.
(2) سورة المائدة، الآية: 51.
(3) سورة الممتحنة، الآية: 1.
(25/486)

على المسلم كراهة أعداء الله الذين هم أعداء له في الحقيقة وهم كل كافر أيًّا كان نوع كفره سواء كان يهوديًّا أم نصرانيًّا أم مجوسيًّا أم دهرياً لا يؤمن بشيء، فإن الواجب على المسلم بغضهم، وكلما ابتعد عنهم كان أسلم لدينه وأصلح لقلبه، لكن إذا ابتلى بهم بأن كانوا له شركاء في العمل فإنه لا حرج عليه أن يأكل معهم إذا لم يمكنه الانفراد، وفى هذه الحال ينبغي بل يجب عليه أن يدعوهم إلى الإسلام ويبين لهم محاسنه وما يدريك لعل الله يفتح على قلوبهم فيهديهم فإن الله- سبحانه وتعالى- على كل شيء قدير، وكم من شخص يستبعد حصول الهداية لهؤلاء، ولكن تأتي هدايتهم بأيسر ما يكون، وإذا أخلص الإنسان الدعوة إلى الله- سبحانه وتعالى- وسلك طريق الحكمة في ذلك فإنه يوشك أن يوفق، وأن يهدي الله على يديه خلقًا كثيرًا.
س 125: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم مصافحة الكافر إذا كان هو البادئ بالمصافحة؟
فأجاب بقوله: إذا مد الكافر يده للمصافحة فمدها وصافحه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عن ابتدائه أن نبدأهم بالسلام (1) أما إذا بدؤا
__________
(1) رواه مسلم/كتاب السلام/باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام برقم (4206) .
(25/487)

هم أو صافحونا ابتداءً نصافحهم لكن لا نمد أيدينا للمصافحة نحن، فصار الكافر إن سلم فرَّد عليه، وإن مد يده فمد يدك إليه، وإن لم يسلم فلا تسلم عليه، وإن لم يصافح فلا تصافح، وخذ هذه
الآية الكريمة: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) بل (إذا حييتم) أي واحد يحيينا ولو كان أكفر عباد الله فإننا نرد عليه مثل تحيته أو أحسن، لكن الأولى في غير المسلمين أن لا ترد عليه بأحسن، بل رد عليه مثل تحيته لأنك إذا رددت عليه أحسن زدته خيرًا ويفرح بهذا.
س 126: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عندنا في المسجد برادة للماء للشرب ويأتي عمال كفار ويأخذون من هذا الماء، فهل يحق لنا أن نمنعهم؟ وأيضًا دورة المياه يأتون يستحمون يوميا في
هذه الدورات هل لنا أن نمنع هؤلاء الكفار؟
فأجاب بقوله: لا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "في كل كبدٍ رطبة أجر" (2)
فلا تمنعهم ودعهم يشربون ولأن الله تعالى قال في القرآن: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ
__________
(1) سورة النساء، الآية: 86.
(2) رواه مسلم/كتاب السلام/باب فضل سقي البهائم (2244) .
(25/488)

تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (1) .
س 127: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: نعمل في شركة وفيها نسبة من الكفار فهل يجوز الدعاء على أعيانهم؟
فأجاب بقوله: الكافر أدع الله له، لا تدع الله عليه قل: اللهم اهده؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو على أعيان قوم من المشركين، فنهي عن ذلك (2) .
فقل اللهم اهده والله قادر أن يهديه كما هو قادر على أن يعاقبه، وهدايته خير لنا من عدم هدايته، فادع الله له بالهداية لكن لا تدع الله له بالرحمة لو مات؛ لأنه يحرم على الإنسان أن يدعو لكافر بالرحمة أو بالمغفرة إذا مات بل من دعا لكافر مات على الكفر برحمة أو مغفرة فقد خالف في هذا سبيل النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين؛ لأن الله قال: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (3) . ثم قال الله تعالى عن استغفار إبراهيم لأبيه: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 128.
(2) رواه البخاري/كتاب الدعوات/باب الدعاء على المشركين.
(3) سورة التوبة، الآية: 128.
(25/489)

عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (1) .
س 128: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الدعاء على هؤلاء الكفار الذين يعملون معنا؟
فأجاب بقوله: لا يجوز الدعاء عليهم، إلا إذا بارزوا بالكفر وآذوا المسلمين فنعم، لكن تدعو عليهم في شيء يضرهم في الدنيا لا بشيء يضرهم في الآخرة، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا على قريش حين أذوه فقال: "اللهم اجعلها سنين كسني يوسف فأصيبوا بالجدب والقحط" (2) .
س 129: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: شخص مسلم تداين من شخص كافر، وأكل حقه، فهل يصح للمسلم أكل مال كافر بغير حق أفيدونا في ذلك؟
فأجاب بقوله: لا يحل للمسلم أن يأكل مال الكافر بغير حق فإذا كان قد استدان منه فإنه لا ينبغي له أن يكافئ المعروف بالإساءة،
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 114.
(2) رواه البخاري، كتاب الاستسقاء، باب دعاء النبي: اجعلها سنين كسني يوسف، برقم (1006) ، ومسلم، كتاب المساجد، باب استحباب القنوت، برقم (675) .
(25/490)

ويماطل في حقه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى شعيرًا لأهله من يهودي ورهنه درعه ومات - صلى الله عليه وسلم - ودرعه مرهون عند هذا اليهودي (1) وقضي دينه بلا شك.
وليعلم أن المعاملات الدنيوية ليست هي المعاملات الدينية فالكافر يعامل في المعاملات الدينية بما تقتضيه حاله؛ فيكره ويبغض ويعتقد فيه أنه عدو لله ولرسوله وللمؤمنين، ولكن هذا لا يسوغ أن
نخونه في ماله وأن نأكل ماله وأن نجحده، بل نعامله بما تقتضيه الشريعة الإسلامية من العدل في المعاملات.
س 130: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: في هذه الأيام ونتيجة للاحتكاك مع الغرب والشرق وغالبهم من الكفار على اختلاف مللهم ونحلهم. أراهم يؤدون تحية الإسلام علينا حينما نتقابل
معهم، فماذا يجب علينا تجاههم؟
فأجاب بقوله: إن هؤلاء الذين يأتوننا من الشرق ومن الغرب والذين هم ليسوا بمسلمين لا يحل لنا أن نبدأهم بالسلام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبدؤا اليهود ولا النصارى بالسلام" (2) . ولكن إذا
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الجهاد/باب ما قبل في درع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحرب (2700) .
(2) رواه مسلم، كتاب السلام:، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، برقم (2167) .
(25/491)

سلموا علينا فإننا نرد عليهم بمثل ما سلموا علينا به لقوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (1) .
وسلامهم علينا بالصيغة الإسلامية: (السلام عليكم) لا يخلو من حالين: فإما أن يقولوا: (السلام عليكم) . فلنا أن نقول: (عليكم السلام) .
ولنا أن نقول: (وعليكم) . أما إذا لم يفصحوا باللام وهو الحال الثانية مثل أن يقول: (السام عليكم) . فإننا نقول: (وعليكم) فقط؛ وذلك لأن اليهود كانوا يأتون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويسلمون عليه يقولون: السام عليكم. غير مفصحين باللام، والسام هو الموت.
يريدون الدعاء على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالموت فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نقول لهم: "وعليكم" (2) . فإذا كانوا قالوا: السام عليكم. قلنا: وعليكم، يعني أنتم أيضاً عليكم السام، هذا هو ما دلت عليه السنة، وأما أن نبدأه نحن بالسلام فإن هذا نهانا عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
س 131: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: البعض يتأول في مسألة أهل الذمة بدعوى عدم وجود ولي الأمر العام أو الخلافة،
__________
(1) سورة النساء، الآية: 86.
(2) رواه البخاري/كتاب الأدب/باب الرفق في الأمر كله برقم (5565) ، ومسلم/كتاب السلام/باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام برقم (4026) .
(25/492)

أو لعدم وجود أهل الذمة أصلا بدعاوى عديدة ولذلك لا يجدون غضاضة في دعوة الناس للاعتداء على غير المسلمين من المعاهدين؟
فأجاب بقوله: أنا أوافق على أنه ليس عندنا أهل ذمة؛ لأن أهل الذمة هم الذين يخضعون لأحكام الإسلام، ويؤدون الجزية، وهذا مفقود منذ زمن طويل، لكن لدينا معاهدون ومستأمنون ومعاهدون
معاهدة عامة، ومعاهدة خاصة، فمن قدم إلى بلادنا من الكفار لعملٍ أو تجارة وسمح له بذلك فهو: إما معاهد أو مستأمن فلا يجوز الاعتداء عليه وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أن من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة" (1) . فنحن مسلمون مستسلمون لأمر الله- عز وجل- محترمون لما اقتضى الإسلام احترامه من أهل العهد والأمان، فمن أخلَّ بذلك فقد أساء للإسلام وأظهره للناس بمظهر الإرهاب والغدر والخيانة، ومن التزم أحكام الإسلام واحترم العهود
والمواثيق، فهذا هو الذي يرجى خيره وفلاحه.
س 132: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من يتجاوز هذه الضوابط يسمى مفتئتاً عند أهل العلم، لكن وجد في الحقيقة ممن
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الجزية، باب إثم من قتل معاهداً، برقم (3166) .
(25/493)

ينتسب إلى أهل العلم من يقول: أن من قتل كافراً من غير المسلمين أو من المسلمين وقد حكم بارتداده فلا ينبغي أن يقاد بهذا الكافر؟
فأجاب بقوله: لاشك أنه لا يقتل المسلم بالكافر صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلّم. (1) ولا يمكن أن نقتل مسلمًا بعدو من أعداء الله وأعداء المسلمين وهذا أمر مسلم به، لكن الكافر الذي
بيننا وبينه عهد أو أمان لا يجوز لنا أن نغدر به أو أن نخونه قال تعالى: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (2) .
س 133: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كيف نخرج من القول الأول وهو النهى عن الاعتداء على الكافر المعاهد، ولو حدث وقتل كيف نجمع بينه وبين منع قود المسلم بكافر؟
فأجاب بقوله: نجمع بينهما بإعطاء الدية لأولياء المقتول من الكفار وإذا رأى الإمام أن يعاقب هذا القاتل بما يراه ردعا له ولأمثاله فليفعل، على أن من أهل العلم من قال: "إن قتل الغيلة أي: الغدر لا يشترط فيه المكافأة بل يقتل فيه المسلم بالكافر؛ لأن قتله من
__________
(1) رواه البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم، برقم (111) .
(2) سورة التوبة، الآية: 7.
(25/494)

باب دفع الصائل ومنع الفساد في الأرض". قال ابن رجب رحمه الله في شرح: "الأربعين": "وهذا مذهب مالك وأهل المدينة أن القتل غيلة لا تشترط له المكافأة فيقتل فيه المسلم بالكافر".
س 134: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: العلاقة الطيبة بين المبتعث وأستاذه (مشرفه الدراسي) ضرورة تقتضيها عدة أمور من بينها مصلحة الطالب نفسه، غير أن هناك بعضا من المبتعثين
يجدون حرجا في تقوية هذه العلاقة، وخاصة فيما يتعلق بالمناسبات الدينية كبعث بطاقات التهنئة بما يسمى الكريسمس أو عيد رأس السنة، فهل ترون غضاضة في أن يكتب الطالب تهنئة لأستاذه
خاصة إذا كانت من باب المجاملة المطلوبة في مثل هذا المجتمع؟
فأجاب بقوله: لا يحل للإنسان أن يجامل كافراً على حساب دينه ولو كان هذا الكافر قد أحسن إليه كثيرًا؛ لأن الدين مقدم على كل شيء، وبناءً على هذه القاعدة لا يحل للطالب أن يبعث إلى أستاذه
تهنئة بالشعائر الدينية كأعيادهم التي تكون على رأس السنة الميلادية، أو عيد الميلاد، فمن فعل ذلك فقد أتى إثمًا كبيرًا.
حتى قال بعض العلماء: إنه يخشى أن يكفر بذلك؛ لأنه رضى بالشعائر الدينية، والرضى بالكفر كفر، أما المجاملات الأخرى كالتهنئة
(25/495)

بالولد مثلاً، أو بالقدوم من سفر، وما أشبه ذلك فهذه أهون.
س 135: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كيف نعامل النصارى المشاركين لنا في العمل والمجاورين لنا في المنازل؟
فأجاب بقوله: تعاملوهم بمثل ما يعاملونكم، فإن هذا من العدل الذي أمر الله تعالى به، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) (1) .
ولا بأس بالإحسان إليهم تأليفًا لهم على الإسلام لا توددًّا وتقربًّا إليهم لقول الله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (2) .
وأما مودتهم وموالاتهم فلا يحل لنا ذلك لقوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) (3) الآية.
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ
__________
(1) سورة النحل، الآية: 90.
(2) سورة الممتحنة، الآية: 8.
(3) سورة المجادلة، الآية: 22.
(25/496)

تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (1) .
وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) (2) .
وأما تهنئتهم فن كانت لمناسبات دينية عندهم فهذا حرام بلا شك؛ لأنه يتضمن الرضا بما هم عليه من الكفر، وتثبيتهم عليه، وإدخال السرور عليهم به، وإن كانت لمناسبات غير دينية كحصول
مال أو ولد فلا بأس به إذا كانوا يفعلون ذلك بنا لما فيه من العدل والإنصاف، وإلا فلا تهنئهم به إلا أن يتضمن ترك ذلك إضرارًا بنا.
وأما تعزيتهم فنعزيهم إذا كانوا يعزوننا لما فيه من العدل والإنصاف، لكن ينبغي أن تكون تعزيتنا مفتاحًا لوعظهم ودعوتهم للإسلام.
نسأل الله أن ينصر عباده المؤمنين على أعدائه الكافرين.
حرر في 10/7/1417 هـ.
__________
(1) سورة الممتحنة، الآية: 1.
(2) سورة المائدة، الآية: 51.
(25/497)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلى الناس أجمعين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلّم تسليماً كثيراً أما بعد:
فقد بلغني أن بعض الناس ولا سيما النساء كانوا يدعون الله تعالى بالمغفرة والرحمة لامرأة نصرانية ماتت في هذا الشهر جمادى الأولى سنة 1418 هـ بحادث وربما يبكين على موتها.
والدعاء بالمغفرة والرحمة لغير أموات المسلمين حرام مخالف لسبيل النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلّم- والذين آمنوا لقوله تعالى: "مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ" (1) .
وكل من بلغته رسالة النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلّم- ولم يؤمن بها فهو من أصحاب الجحيم، سواء كان من المشركين الوثنيين أم من اليهود والنصارى أم من غيرهم؟ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 118.
(25/498)

الأمة- يعنى: أمة الدعوة- يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" (1) . أخرجه مسلم.
وإذا كان الله تعالى نهى نبيه- صلى الله عليه وعلى آله وسلّم- أن يستغفر لعمه أبى طالب مع أنه كان يدافع عن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وسلّم- وينصره، فكيف بمن دونه وبمن لم يعرف منه نصر للمسلمين ولا دين الإسلام؟
فالواجب على المسلم ألا تحمله العاطفة على الوقوع فيما حرم الله عليه، وأن يتوب إلى الله تعالى مما وقع فيه من المخالفة، وأن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا، وأن يتبرأ من أعداء الله تعالى كفعل إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين استغفر لأبيه قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (2) .
وليعلم أن من مات على غير الإسلام فإنه لا ينفعه ما عمل من خير عام أو خاص لقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) (3) الآية.
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب وجود الإيمان برسالة نبينا محمد، برقم (153) .
(2) سورة التوبة، الآية: 114.
(3) سورة التوبة، الآية: 45.
(25/499)

وقالت عائشة- رضي الله عنها- للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه؟ قال: "لا ينفعه"؛ إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (1) . رواه مسلم.
وعن سلمة بن يزيد الجعفي قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قلنا: يا رسول الله! إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف وتفعل وتفعل؛ هلكت في الجاهلين فهل ذلك نافعها شيئا؟ قال: "لا" (2) رواه الإمام الأحمد وقال الهيثمي: "رجاله رجال
الصحيح".
وإذا كان لا ينفعه عمله فعمل غيره من باب أولى، وعلى هذا فلا يحل الصدقة عنه ولا الأضحية ولا غيرهما من القربات. أسأل الله أن يوفقنا جميعاَ لما فيه رضاه واجتناب سخطه إنه سميع الدعاء.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 15 جمادى الأولى سنة 1418 هـ.
__________
(1) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على كفره لا ينفعه عمله، برقم (214) .
(2) رواه أحمد 268 , 25 (15923) .
(25/500)

بسم الله الرحمن الرحيم
الجهاد في سبيل الله عز وجل (1)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بعثه الله بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين، وقدوة
للسالكين، وحجة على المرسل إليهم أجمعين، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاد حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم خلفه في أمته خلفاء راشدون قادة مهديون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، ومازال الخلفاء في هذه الأمة يأتي الخلف من بعد السلف حتى آل الأمر إلى ما نحن عليه اليوم في هذه البلاد مهبط الوحي ومنبع الرسالة، هذه البلاد التي منها بدأ الإسلام ويعود، أما بدأ الإسلام من هذه البلاد فأمر لا يحتاج إلى عبارة؛ لأنه معلوم مستقر لدى العامة والخاصة، وأما رجوع الإيمان على هذه البلاد فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلم أنه يرجع إلى المدينة كما ترجع الحية إلى جحرها (2) .
__________
(1) محاضرة ألقاها فضيلة شيخنا- رحمه الله- في الرياض أثناء حرب العراق والكويت عام 1411 هـ.
(2) رواه البخاري/كتاب الحج/باب الإيمان بارز إلى المدينة برقم (1743) ، ومسلم/ كتاب الإيمان/باب بيان أن الإسلام بدأ غريباً برقم (209) .
(25/501)

وإذا كان الأمر هكذا فإن واجبنا نحن في هذه البلاد يفوق واجب غيرنا في البلاد الأخرى؛ ذلك لأنه يجب علينا أن نحمي حوزة ديننا وأن تكون نيتنا خالصة لله، تكون كما قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (1) .
يا أيها الأخوة لنقف قليلاً عند هذه الآية الكريمة، ولننظر: ما هي السلعة؟
وما هو الثمن؟
ومن العاقد؟
ومن المعقود معه؟ وما هي وثيقة العقد؟
فالمشترى هو: الله، والبائع هم: المؤمنون، والسلعة هي: الجهاد في سبيل الله، أنفسهم وأموالهم يبذلونها في سبيل الله- عز وجل- فالسلعة هي النفس والمال اللذان بذلا في الجهاد في سبيل الله. أما
العوض: وهو الثمن الذي يدفع من المشتري فهو الجنة (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) . وأما الوثيقة: فالتوراة والإنجيل والقرآن، أعظم الكتب
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 111.
(25/502)

الإلهية المنزلة من عند الله تعالى فما أعظم العاقد وما أكبر هذه الصفقة! وما أجل المعقود معه في نيته وإخلاصه! وما أجل العوض!
وما أثمن الثمن عند باذله؛ لأنه النفس والمال.
أما النية التي قصد بها هذا العقد فهي موجودة في قوله تعالى: (يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ) (1) . ليست حركتهم حركة تمني وإدعاء، ولكنها حركة فعل وإقدام (يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ) (2) والمقاتلة لا بد
أن تكون مسبوقة بإعداد قوة يعتد بها الإنسان حتى يقاتل بها عدوه، أما أن ينزل إلى الميدان بدون عدة فإنه بلا شك حري بأن يخذل ويهزم، لكن هؤلاء المؤمنين لديهم من العدة ما استطاعوا أن ينزلوا به الميدان فيقاتلون في سبيل الله ولهذا قال تعالى: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) (3) .
فبدأ بكونهم يَقْتُلُون قبل أن يكونوا يُقْتَلُون، وهذا يدل على أن قتالهم قتال هجوم لا مدافعة، وهكذا يجب علينا- نحن المسلمين- أن نقاتل أعداءنا أعداء الله- عز وجل- قتال هجوم لا قتال دفاع؟
لأن الله يقول: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) وقال
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 111.
(2) سورة التوبة، الآية: 111.
(3) سورة التوبة، الآية: 111.
(25/503)

النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن
محمد رسول الله" (1) .
أيها الأخوة: وفى قوله تعالى: (فِي سَبِيلِ اَللَّهِ) (2) إشارة إلى أنه يجب أن يكون هذا القتال مبنيًا على الإخلاص لله- عز وجل- وعلى أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال الله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (3) .
ولقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل حميه ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمة جامعة مانعة قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (4) من قاتل لهذا الغرض الوحيد وهو أن تكون كلمة الله هي العليا، من قاتل لهذا، فهو في سبيل الله وهو الذي يستحق إذا قتل أن يكون شهيدًا داخلاً في قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
__________
(1) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة، برقم (25) ، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، برقم (22) .
(2) سورة التوبة، الآية: 111.
(3) سورة الأنعام، الآية: 153.
(4) رواه البخاري، كتاب العلم، باب من سأل وهو قائم، برقم (123) ، ومسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، برقم (1904) .
(25/504)

أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (1) .
وقال- عز وجل-: (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) (2) ولا يدخل في ذلك من قاتل للوطنية المحضة أو القومية، وانتبه لقولي الوطنية المحضة؛ لأن الإنسان إذا قاتل من أجل وطنه لكونه وطنا إسلاميًا؛ ولأجل أن تبقى كلمة الله تعالى فيه هي العليا، فإن ذلك لا ينافي صحة النية والعقيدة، وهو داخل في القتال في سبيل الله تعالى، أما من قاتل عن وطنه لأنه وطنه فقط فلا فرق بينه وبين قتال الكافر الذي يقاتل عن وطنه، لأنه وطنه وأرجو أيها الأخوة أن تكون نيتنا في القتال عن وطننا، لا لمجرد كونه وطنًا لنا ولكن من أجل أنه وطن الإسلام الذي أقول- وأشهد الله تعالى على ما أقول وأشهدكم أيضاً - إنني لا أعلم أن في الأرض اليوم من يطبق من شريعة الله ما يطبقه هذا الوطن أعني المملكة العربية السعودية، وهذا بلا شك من نعمة الله علينا فلنكن محافظين على ما نحن عليه اليوم، بل ولنكن
__________
(1) سورة آل عمران، الآيات: 169-171.
(2) سورة الحديد، الآية: 19.
(25/505)

مستزيدين من شريعة الله- عز وجل- أكثر مما نحن عليه اليوم، لأنني لا أدّعي الكمال، وأننا في القمة بالنسبة لتطبيق شريعة الله لا شك أننا نخل بكثير منها، ولكننا خير والحمد لله مما نعلمه من البلاد الأخرى، ونحن إذا حافظنا على ما نحن عليه اليوم، ثم حاولنا الاستزادة من التمسك بدين الله- عز وجل- عقيدة ومنهاجًا فإن النصر يكون حليفنا ولو اجتمع علينا مَنْ بأقطارها، لأن الله- عز وجل- يقول وهو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (1) .
فاقرأ الآيتين جميعًا ولا تكن ككثير من الناس يقرأ الآية الأولى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) فأقرا ما بعدها لأنها مهمة (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) مهما عملوا من الأعمال فإنها في ضلال وهلاك ما داموا يقابلون الذين آمنوا ونصروا الله، فنحن إذا من الله علينا بالاتصاف بهذين الوصفين:
الإيمان.
ونصر الله- عز وجل-.
وذلك بنصر دينه فإن الذين كفروا مهما كانوا أمامنا حالهم ما ذكر
__________
(1) سورة محمد، الآيتان: 7، 8.
(25/506)

الله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) .
لا تتهيب من عدوك ما دمت من أولياء الله الذين أمنوا وكانوا يتقون، الولاية لا تكون بكبر العمامة، ولا بسعة الكم، ولا بطول المسواك وبالتصنع أمام الناس، الولاية تكون بهذين الوصفين: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (1) .
فإذا آمنا بالله ونصرناه بنصر شريعته فإن النصر سيكون حليفنا مهما كان أعداؤنا، ونصرنا لله لا يكون بمجرد سلامة العقيدة.
فلا بد مع سلامة العقيدة من عمل صالح ولهذا جاء في الآية بيان أولياء الله الذين يستحقون نصر الله بأنهم (الَّذِينَ آَمَنُوا) وهذه هي العقيدة (وَكَانُوا يَتَّقُونَ) وهذا هو العمل.
وأعتقد أن بعضكم قد أخذ العبرة مما وقع للمسلمين وقائدهم، إمام المتقين وخاتم النبيين محمد - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أُحد التي كانت بين حزب الله، وحزب الشيطان، بين محمد - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا معه، وبين أبي سفيان وأتباعه وأبو سفيان أسلم بعد- أقول: إن هذه الغزوة التي وقعت بين حزب الله وحزب الشيطان كلنا لا نشك في سلامة العقيدة وحسن النية في الطرف الذين هم حزب الله، ولكن وقعت
__________
(1) سورة يونس، الآيتان: 62-63.
(25/507)

منهم معصية قد تكون ناتجة عن تأويل فكان النصر في أول النهار لحزب الله، وكان العكس في آخر النهار كما هو معلوم، هذه المعصية التي وقعت هي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - - وقد آتاه الله الحكمة- (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (1) فقد رتب- عليه الصلاة والسلام- الجيش ونظمه أحسن نظام وجعل خمسين من الرماة على ثغر خلف الجيش حتى لا يؤتى المسلمون من خلفهم وقال لهم: "لا تبرحوا مكانكم سواء كان لنا أو علينا" (2) .
ولما رأى هؤلاء الرماة أن الكفار انهزموا وأن المسلمين بدؤا يجمعون الغنائم، انطلق منهم أناس وتركوا المكان اعتقادًا منهم أن الأمر قد انتهى، ولكن لما فرغ هذا الثغر، أو كاد يفرغ انطلق رجال
من فرسان قريش نحو الثغر فدخلوا منه واختلطوا بالمسلمين من خلفهم وكان ما قضاه الله بحكمته- عز وجل- (3) .
والمهم أن معصية واحدة أدت بهذا النصر الذي بزغ نجمه إلى الخذلان، فإذا كانت هذه المعصية في جند الله- عز وجل- وفيهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - أثرت عليهم هذا التأثير قال الله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 269.
(2) رواه البخاري/كتاب الجهاد/باب ما يكره من التنازع برقم (2818) .
(3) انظر صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، بر قم (3039) .
(25/508)

وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ) (1) يعنى: فاتكم النصر.
ففي هذا عبرة بأن المعاصي لها تأثير في خذلان المرء أمام نفسه، وأمام عدوه. وما أكثر ما كانت المعصية تجر إلى معصية أخرى ثم إلى أخرى، ومن الصغائر إلى الكبائر، ومن الكبائر إلى الكفر.
ولهذا قال بعض العلماء: إن المعاصي بريد الكفر والبريد سيصل إلى غايته أقول: يجب علينا أولاً أن نصحح النية والعقيدة ويكون تصحيح النية والعقيدة بأن يكون قتالنا في سبيل الله لتكون كلمة الله
هي العليا أي: أن تقام شريعة الله تعالى في أرضه بتحكيم كتابه وسنة رسوله في العقيدة والعمل، وعلينا أن نقوم بطاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه وأن نعلم علم اليقين أن للمعاصي تأثيرًا بالغًا في تأخر النصر، وأنها قد تحول بين الإنسان والنصر حتى يصل إلى الخذلان، والمعاصي أيها الأخوة قد تكون بفعل المحرم، وقد تكون بترك الواجب.
ونحن علينا لله- عز وجل- واجبات يومية، وأسبوعية، وواجبات شهرية، وواجبات حولية، بل وعمريه. علينا واجبات يومية لله- عز وجل- وأهم ما علينا من الواجبات اليومية الصلاة
التي قال الله عنها: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (2)
__________
(1) سورة آل عمران، الآية:
(2) سورة النساء، الآية: 103.
(25/509)

كتابًا بمعنى: فرضاً. وموقوتاً: بمعنى ذا وقت.
وهنا مسألة لو أن الصلاة أتت والإنسان في الجو في تدريب عسكري، ولا يتمكن الآن من النزول فماذا يصنع هل يصلى وهو في الجو! أو ينتظر حتى ينزل، أو يفصل بين أن يتمكن من الصلاة قبل
خروج الوقت وبعده؟ أقول: إذا كان الإنسان لا يتمكن من النزول قبل خروج الوقت، فإنه إذا كان يمكنه أن يصلى في الطائرة صلاة تامة صلى ولا بأس، وإذا كان لا يمكنه فإن كان في صلاة يمكن أن يجمعها إلى ما بعدها ثم يصليها بعد النزول فإنه يؤخرها ليجمعها لما بعدها، مثل لو جاء هذا التمرين في وقت صلاة الظهر، ولا يتمكن من النزول إلا بعد دخول وقت العصر، ولا يتمكن من أداء الصلاة تامة في الطائرة فإنه يؤخر صلاة الظهر إلى صلاة العصر جمعًا؛ لأن الجمع جائز إذا لحق بتركه مشقة قال ابن عباس- رضي الله عنهما- "جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر". قالوا: ما أراد؟ قال: "أراد أن لا يحرج أمته ". (1) أي: أن لا يلحقها الحرج.
__________
(1) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الجمع في الصلاتين في الحضر، برقم (750) ، وأصله في البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب تأخير الظهر إلى العصر، برقم (543) ، دون قوله: أراد أن لا يحرج أمته.
(25/510)

أما إذا كانت الصلاة لا تجمع إلى ما بعدها كما لو كانت صلاة العصر، أو صلاة العشاء، أو صلاة الفجر، فإنه لا يؤخرها عن الوقت بل يصليها على حسب حاله ويأتي بما يقدر عليه من أركانها
وواجباتها وشروطها لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (1) وقوله في نفس الصلاة: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا) (2) أيها الأخوة: إنني أدعوكم إلى إخلاص النية، وإصلاح العمل بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة، وليست الحكمة أن تسكتوا عن المنكر، أو تتغاضوا عن الواجب، ولكن الحكمة أن تآلفوا على دين الله ولا تتفرقوا فيه، وإياكم أن تأخذكم العزة بالإثم، أو الغيرة التي تدفعكم إلى العنف والشدة فإن ذلك لا يجدي شيئا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف " (3) .
هذه وصية أرجو أن تكون نصب أعينكم فإنه لا يخلو مجتمع كبير من أن يكون فيه شيء لا يرضى به بعض عن بعض، ولكن لابد أن
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) سورة البقرة، الآية: 239.
(3) رواه مسلم، كتاب البر والصلة، باب فضل الرفق، برقم (2593) .
(25/511)

نحل هذه الأمور بالتآلف والتآخي، وأن نشعر أننا شيء واحد فيما يواجهنا.
وإنني أشكر الله أننا في هذه البلاد ولله الحمد لم نسلك ما سلكه غيرنا من إلزام الطلبة ومن فوق الطلبة بما حرم الله- عز وجل- عليهم فإن من الناس السفهاء في غير هذه البلاد من لا يرضون أن
ينتسب جندي أو عسكري إلى الجندية أو العسكرية حتى يفعل ما حَرَّمَ الله عليه وحتى يفعل ما هو معصية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى إننا سمعنا أن بعضهم يلزمهم بان يحلقوا لحاهم؛ أي أن هذا المسكين ألزمهم بمعصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أدرى عن هذا المسكين السفيه هل هو يريد أن ينتصر بأسم الإسلام وهو يأمر بمعصية رسول الإسلام - صلى الله عليه وسلم -؟! أين الانتصار؟! كيف ننتصر على عدونا ونحن لم ننتصر على أنفسنا؟!
ولهذا لو أن أحدًا أمر شخصا بمثل هذا الأمر أو غيره من معصية الله فإن بإمكان المأمور بل يجب عليه أن يقول: لا سمعا ولا طاعة لأن الله- عز وجل- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (1) .
تأمل: هذه ثلاثة أوامر: أمر الله، وأمر الرسول، وأمر أولي الأمر.
__________
(1) سورة النساء، الآية: 59.
(25/512)

ولكن هناك فرق بين طاعة أمر الرسول وأمر أولي الأمر، فطاعة الرسول كرر فيها فعل الأمر (أَطِيعُوا الرَّسُولَ) إذن فطاعة الله مستقلة، وطاعة الرسول مستقلة؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر بما يخالف أمر الله.
أما طاعة أولي الأمر فإن الله تعالى جعلها تبعًا فقال (وَأُولِي الْأَمْرِ) ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، فمن ثم كانت طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله ورسوله، لأنهم ربما يأمرون بما يخالف أمر الله ورسوله،
فإن أمروا بما فيه مخالفة أمر الله ورسوله فإنهم لا يستحقون أن يطاع أمرهم؛ لأن الله تعالى جعل أمرهم تبعًا لأمر الله ورسوله، ولهذا لما بعث النبي عليه والصلاة والسلام رجلاً على سرية وأمرهم بطاعته فصار في نفسه شيء عليهم، فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا فيه النار وأن يلقوا أنفسهم في النار، ولكن بعضهم قال لبعض: كيف نلقي أنفسنا في النار ونحن لم نؤمن بالرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا خوفًا منها؟
وامتنعوا، فلما قدموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبروه الخبر قال: "لو دخلوها ما خرجوا منها، إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف" (1) ولكن إذا أمرك من هو فوقك بأمر خلاف أمر الله ورسوله فهل من الحكمة أن تقول
__________
(1) رواه البخاري، كتاب المغازي، باب سرية عبد الله بن حذافة، برقم (4340) ، ومسلم، كتاب للإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم (1840) .
(25/513)

أمام الناس لا سمعًا ولا طاعة؟ أو من الحكمة أن تنتظر ولا تنفذ المعصية؟
ولكن تقول لهذا الذي فوقك فيما بعد إن هذا أمر مخالف لأمر الله ورسوله، لأنه قد يكون الآمر جاهلاً بأن ذلك مخالف لأمر الله ورسوله، أو يكون الآمر متأولاً لأمر الله ورسوله، فإن كان جاهلاً
فإنه يزول بالتعليم بإبلاغه حكم الله ورسوله، وإن كان متأولاً فإن داءه يزول بالمناقشة، لأن المتأول لنص من نصوص الشرع إذا كان تأويله خطأ فإنه يداوى بالمناقشة معه في هذا النص الذي أوله،
وحينئذ يكون من الحكمة ألا يقوم المأمور أمام من فوقه وأمام الناس فيقول: لا سمعًا ولا طاعة. إني أرى- وأستغفر الله إن كنت أخطأت- أن الأولى أن يسكت ولا ينفذ المعصية، ثم بعد ذلك
يتفاهم مع هذا الذي أمر، أما أن ينفذ شيئا يعتقد أنه معصية لله ورسوله فإن هذا لا يجوز، لأن هذا من تقديم أمر المخلوق على أمر الخالق، وأنت يوم القيامة، بل قبل يوم القيامة سوف تنفرد بعملك
ولا ينفعك الآمر ولا الترقية، ولا يضرك إذا خالفت الأمر في طاعة الله وحصل لك بعض العقوبات.
أيها الأخوة: إن علينا جميعًا أن نعتمد على الله وأن نأخذ بأسباب النصر ومنها:
(25/514)

أولاً: إخلاص النية لله بأن ننوي بجهادنا إعلاء كلمة الله، وتثبيت شريعته، وتحكيم كتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ثانيًا: أن نلتزم بالصبر والتقوى، فإن الله مع الصابرين، وإن الله مع المتقين.
علينا أن نصبر على الجهاد وأن نتقي الله تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإن مخالفة أمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من أسباب الخذلان، فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم- كما تقدم- خالف بعضهم في أمر واحد من أوامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أحد فكانت الهزيمة عليهم بعد أن كان النصر لهم في أول الأمر، ولكن بعد ذلك تداركهم عفو الله فعفا الله عنهم.
ثالثًا: أن نعرف قدر أنفسنا وألا حول لنا ولا قوة إلا بالله فلا يأخذنا العجب بقوتنا وكثرتنا، فإن الإعجاب بالنفس والاعتزاز بها من دون الله سبب للخذلان، ولقد أعجب الصحابة رضي الله
عنهم، بكثرتهم يوم حُنين، فلم تغنِ عنهم شيئًا، ثم ولوا مدبرين، ولكن الله أنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا من الملائكة فكانت العاقبة للمؤمنين.
رابعًا: أن نعد العدة للأعداء مستعملين في كل وقت وحال ما يناسب من الأسلحة والقوة؛ لنرد على سلاح العدو بالمثل، فإذا
(25/515)

تحققت هذه الأمور الأربعة فإن الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (1) ، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (2)
وكما أن للنصر أسباباً فكذلك للهزيمة أسباب منها:
أولاً: أن يكون الإنسان مسرفًا على نفسه، مقصرًا في حق ربه، مرتكبا لما حرمه الله عليه، تاركا لما أوجب الله، فتكون الهزيمة تأديبًا له وتكفيرًا لسيئاته.
ثانيًا: الإعجاب بالنفس والقوة، وكثرة العدد والعدة.
ثالثًا: التفرق واختلاف الكلمة قال الله تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (3) .
وقد بين الله في كتابه هذه الأسباب الثلاثة للهزيمة ليحذر الناس منها، ففي غزوة أحد حصل من بعض المسلمين مخالفة فيما أمروا أن يكونوا فيه، وتنازع واختلاف فحصلت الهزيمة قال الله تعالى: (وَمَا
__________
(1) سورة محمد، الآية: 7.
(2) سورة الحج، الآيتان: 40-41.
(3) سورة الأنفال، الآية: 46.
(25/516)

أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) (1) وذكر لذلك حكمًا عظيمة.
وفى حنين أعجب المسلمون بكثرتهم وكانوا اثني عشر ألفا فقال بعضهم: لن نغلب اليوم عن قلة (2) فقال الله تعالى مخبرا عن ذلك: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (3) .
والحكمة في ذلك: أن يعلم العباد أن النصر من عند الله تعالى، وأن الأسباب ليست وحدها هي الكافية في الانتصار ودحر الأعداء، خصوصًا إذا افتخر العبد بها، ونسي أن الأمور كلها بإذن
الله، وأن العبد إذا وكل إلى قوته وكل إلى ضعف وعجز وعورة، فإذا كانت هذه الأمور الثلاثة:
التفريط في حق الله.
والإعجاب بالنفس.
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 166.
(2) رواه أحمد برقم (2583) .
(3) سورة التوبة، الآيات: 25-27.
(25/517)

والتنازع والاختلاف من أسباب الهزيمة فإن الجنود المخلصين لابد أن يتأملوا الأسباب، ومن أين حصلت هزيمتهم؟ ثم يسعوا في القضاء على الداء فتكون النتيجة خيرًا، قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (1)
أيها الأخوة: يقول الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) . (2) فأَمَرَ الله تعالى أن نعد لأعداء الله ما استطعنا من قوة.
وكلمة (قوة) : نكرة كما هو ظاهر، وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - المراد بها فقال: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي". (3) وقال - صلى الله عليه وسلم - "ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا". (4) أمر الله تعالى أن نعد ما استطعنا من القوة، وفسر النبي - صلى الله عليه وسلم - القوة بالرمي ثم قال: (وَمِن
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 216.
(2) سورة الأنفال، الآية: 60.
(3) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه، برقم (1917) .
(4) رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الرمي، برقم (2513) ، والنسائي، كتاب الخيل، باب تأديب الرجل فرسه، برقم (3578) وأحمد 532، 28 (17300) .
(25/518)

رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ) . (1) الذين لا نعلمهم ويعلمهم الله، قيل: إن المراد بهم من هو بعيد عن مشاهد المؤمنين في ذلك اليوم أي بعيد في مكانه.
وقيل: المراد بهم المنافقون قال الله تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) (2) ، لأن المنافقين إذا رأوا عزة الإسلام فنهم سوف يرهبون ويخافون، ولهذا لم يحصل النفاق في الأمة إلا بعد غزوة بدر حين أعز الله المسلمين وأذلَّ المشركين، فالمراد بمن دونهم إما أنهم أناس لم يبلغهم قتال المؤمنين ولم يعلموا بهم، وإما أنهم المنافقون.
أيها الأخوة: إن المسلمين لم يخذلوا ويدعوا الجهاد إلا بسبب ركونهم إلى الدنيا وترفهم وعدم مبالاتهم، وإني لأحمى الروح الطيبة التي كانت من بعض الشباب فيما يتعلق بأفغانستان، فإن من
الشباب من لديه الجرأة والإِقدام العظيم، حتى إن بعضهم يقول أنا أريد أن تفتيني بأن الجهاد فرض عين حتى لا تحرمني الشهادة في سبيل الله، هذا وهو شاب في مقتبل العمر ومقتبل الشباب، وهذا
يدل على نية صادقة، وإني أبشر كل من تمنى أن يقتل شهيدًا في سبيل
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 60.
(2) سورة التوبة، الآية: 101.
(25/519)

الله، ولكن لم يمنعه إلا مانع شرعي، أبشره بأنه يكتب له أجر الغازي في سبيل الله وإن مات على فراشه.
أيها الأخوة: لقد ألهم الله حكومتنا في هذه الأيام- وفقها الله تعالى- أن تفتح مكاتب للدفاع الوطني في كل بلد، وهذه أيها الأخوة فرصة أتيحت لكم وستكون بحول الله تعالى فاتحة خير لما بعدها، فيا أيها الشباب انتهزوا هذه الفرصة، انفعوا أنفسكم، انفعوا أمتكم، فأنتم أهل العزيمة، أنتم أهل الإقدام. مرنوا أنفسكم ما دمتم في طور التعلم والتمرن. لا تكونوا جاهلين بأبسط أنواع الدفاع، ترضون لأنفسكم بالتأخر، وأنتم الشباب الذين خلقكم الله وأنشأكم في هذا العصر؛ لتقوموا بما تتطلبه أمور هذا العصر من أساليب الدفاع عن دينكم وأمتكم، وإني لأرجو الله تعالى أن ترى
أمتكم منكم ما تقرُّ بهِ عينها وينشرح له صدرها، وأن يكون هذا عاما ليتكون من هذه البلاد شبابها وكهولها أمة حاملة للسلاح، تقوى على الدفاع عن دينها وحماية أوطانها.
كما نسأل الله تعالى أن يوفق المواطنين للتسارع والتنافس في هذا الميدان النافع، وأن يلهبوا شعور الأمة للتسابق إليه امتثالاً لأمر الله تعالى، وتمشيًا مع رغبة ولاة الأمور، ونسأل الله تعالى أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويوفق ولاة أمورنا للقيام بما أوجب الله عليهم من
(25/520)

رعاية من ولاهم الله عليهم، رعاية تامة يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ويوجهونهم لما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأن يجعلنا جميعًا من المجاهدين في سبيله الناصرين لدينه، إنه جواد كريم،
كما أسأله سبحانه وتعالى أن ينصر إخواننا المجاهدين في كل مكان والحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(25/521)

أحداث حرب الخليج (1)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وترك أمته على محاجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الأخوة المؤمنون: فإننا نتحدث إليكم هذه الليلة حديث الصراحة، حديث الود، حديث الإيمان بأنكم على ثقة تامة مما أخبر الله به ورسوله فيما يكون من أسباب المصائب وأسباب الحوادث
المزعجة المذهلة في أسبابها ومجرياتها ونتائجها.
أيها الأخوة المؤمنون: إنني أعلم أنه قد سبقني إلى التحدث إليكم إخوة لنا مخلصون، بيَّنوا أكثر مما نبيّن، ولا نستطيع أن نتكلم بمثل ما تكلموا به لما أعطاهم الله- عز وجل- من البيان والفصاحة، ولكن
__________
(1) محاضرة لفضيلة شيخنا- رحمه الله- في جامع الراجحي بمدينة الرياض في 20/2/1411 هـ.
(25/522)

نظراً لكثرة الذين يأتون إليَّ في عنيزة من أهل الرياض ومن غيرهم رأيت أنه لا بد أن أحظى بمقابلتكم في هذه الليلة التي يتم بها أربعون يوماً من هذا الحادث المؤلم الذي أصيب به المسلمون لا في الشرق الأوسط فحسب ولكن في جميع أقطار الدنيا؛ لأن هذا الحادث المؤلم لا شك أنه يسيء لسمعة المسلمين، إذ أن الأمم إذا رأت أن الأمة الإسلامية كالوحوش يأكل بعضها بعضاً ويعتدي بعضها على بعض على هذا النحو فإنها سوف تقول: لو كان إسلامها صحيحاً لم يصل بهم إلى هذا الحد.
ولا يعلم كثير من الناس أن الإسلام شيء والمسلمين شيء آخر، فالإسلام نزل من عند الله- عز وجل- من عند حكيم خبير حرَّم الله فيه الظلم وحرم فيه العدوان، وحرم فيه الكذب، وحرم فيه
الغش، وحرم فيه جميع مساوئ الأخلاق، وأمر بالعدل والإحسان، والخير والفضل حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل معروف صدقة" (1) .
إن هذا الحادث المؤلم يسيء أيضاً إلى سمعة العرب بالذات، لأن العرب كما تعلمون قد سُلطت عليهم الشرر، ولا أقول الأضواء من كل جانب حتى عدهم بعض الناس قراصنة هذا الزمن المخربين
الذين يدمرون ما يصلح الناس، فإذا وقع هذا من أمة عربية فإنه لا
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الأدب/باب كل معروف صدقة برقم (5562) .
(25/523)

شك أنه سيعلي من شأن اليهود الذين احتلوا بعضاً من البلاد الإسلامية، سوف يكون ذلك رفعة لهم وتصديقاً لما يدَّعونه في العرب، ولهذا تعتبر هذه الكارثة أشد إساءة إلى العرب منذ قامت
الدعوة إلى القومية العربية، وإن كنَّا لا نؤيد هذه الدعوى ونرى أنها دعوى جاهلية، وأن الواجب أن تكون الدعوة دعوة إسلام تلتف الأمة الإسلامية بعضها إلى بعض من عرب وغير عرب في جميع
أقطار الدنيا، لكنا نقول: إن هؤلاء الذين ينادون بالعروبة وبالقومية وما أشبه ذلك هم الذين أساءوا إليها بهذا الفعل الذي وقع منهم، وهم الذين صدَّقوا ما تدعيه اليهود من أن العرب قوم قراصنة
معتدون، قوم مخربون، قوم ظالمون إلى غير ذلك من ألقاب السوء التي يلقبون بها العرب.
إن هذه الكارثة أيها الأخوة: سوف تؤخر العرب اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً عشرات السنين إلى مدى لا يعلمه إلا الله؛ لأنها دمرت وستدمر كثيراً مما صنعه العرب، وتعبوا عليه مدة طويلة، إن
هذه الكارثة لا شك أنها بلبلت أفكار الناس وشغلتهم عن دينهم حتى أصبح المصلي يصلي وهو يفكر، وأصبح العابد يعبد الله وهو يفكر، وشغلت كثيراً من الناس عن أمور مهمة؛ لأنها ذات شأن
عظيم كبير، لذلك لا يعلم مدى ضررها ونتائجها إلا الله- عز وجل-
(25/524)

وكلنا يعلم أنها مؤلمة وأنها عظيمة على النفوس وأنها فتنة كبرى.
ولكن لا بد أن نبين هنا بصراحة الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى:
ما جرى علينا في هذه الأيام وفي خلال الأربعين يوماً إنما هو بقضاء الله وقدره، ولا شك أن ذلك صادر عن علم الله- عز وجل- وعن مشيئة الله وعن حكمة الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (1) . إذا كان هذا بقضاء الله وقدره المكتوب قبل خلق السماوات والأرض بخمسين
ألف سنة، والذي الإيمان به أحد أركان الإيمان الستة فإنه يجب علينا أن نعلم علم اليقين أن ما جرى هو بقضاء الله وقدره وما الله بغافل عما تعملون، وإذا علمنا أنه بقضاء الله وقدره فلنفكر في أسباب هذا القضاء والقدر، لأن الله سبحانه وتعالى لا ينسب الشر إليه، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الخير كله في يديك والشر ليس إليك" (2) والله- عز وجل- لا يظلم أحداً من خلقه فلنفكر ما هي أسباب هذه المصيبة
__________
(1) سورة الحديد، الآيتان: 22، 23.
(2) رواه مسلم/كتاب صلاة المسافرين/باب الدعاء في صلاة الليل (1290) .
(25/525)

العظيمة، ولنرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ حتى نعرف السبب ونعرف بعد ذلك الدواء، لأنه لا يمكن التداوي بدواء حتى يُعرف الداء ونستطيع أن نشخصه ثم نحاول الدواء الناجح الذي نتخلص به من هذا الداء، يجب أن نعلم أن لهذه المصيبة سببين:
السبب الأول: شرعي.
والسبب الثاني: كوني قدري.
فالكوني القدري هو الشيء المحسوس مما نسمع وما ينشر في الإذاعات أو في الصحف الداخلية والخارجية كاختلاف على حدود، أو اختلاف في ديون، أو اختلاف في أشياء أخرى يضرب بها من هنا وهناك، ويكتب بها في الصحف، قد تكون صحيحة، وقد تكون غير صحيحة، لكن الذي حمل هذه الأسباب على أن تقع مقتضياتها هو السبب الشرعي، والسبب الشرعي لهذه المصائب وهو الذي يجب علينا أن نبحث عنه للتخلص منه.
فالسبب الشرعي: بيَّنه الله تعالى في كتابه غاية البيان، فقال جل وعلا: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (1) . وقال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (2) . وقال تبارك
__________
(1) سورة الشورى، الآية: 35.
(2) سورة الروم، الآية: 41.
(25/526)

وتعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (1) . والآيات كثيرة تبين أن ما أصابنا من المصائب فهو من عند أنفسنا، وانظروا خطاب الله- عز وجل- لصدر هذه الأمة وخير القرون من هذه الأمة وغيرها حيث يقول عز
وجل: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا) (2) .
كيف نصاب بهذه المصيبة؟
الجواب: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) .
فالأنفس هي السبب في هذه المصائب، وما هو أعظم منها وأكبر، قال الله عز وجل: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً) (3) . فلننظر ما هو السبب الذي كان به هذه الكوارث، فنقول: ضعف الإيمان في نفوس كثير من الناس حتى أصبح منهم من يشك في الأمور اليقينيات التي بينها الله في
__________
(1) سورة الأعراف، الآيات: 96-99.
(2) سورة آل عمران، الآية: 156.
(3) سورة النحل، الآية: 61.
(25/527)

كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأجمع عليها المسلمون، وصار منهم من يشك هل هناك بعث، وهل هناك قيامة، وهل هناك جزاء، أو أنها أرحام تدفع وأرض تبلع، منا من يعتقد هذا الاعتقاد ويرى أنه يجب أن نتناسى الماضي وكأنه لم يكن، ولنبعث الأمة من جديد حتى نكون موافقين لما يتطلبه العصر، وهؤلاء قد تناسوا ما جاءت به الكتب السماوية، ولهذا أجمعت الكتب السماوية التوراة والإنجيل والقرآن على أن البعث حاصل وأن الناس سيبعثون ويجزون على أعمالهم، لكن منَّا من هو بيننا ويقول: إنه مسلم، ولكنه ينكر الإيمان، ينكر اليوم الآخر ولا
يؤمن به، أليست هذه مصيبة توجب مصائب كثيرة؟!
في المجتمع من لا يصلي إطلاقاً لا في البيت ولا في المسجد، ولا يأمر أهله بالصلاة، بل يسخر من المصلين ويستهزئ بهم، ويقول: إلى متى هذه العقلية القديمة؟ إلى متى نرجع إلى الوراء؟ العصر عصر
تقدم! والحقيقة أن كل شيء يخالف الإسلام فهو تأخر، () وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) (1) . (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ) (2) .
هؤلاء هم أهل السبق، هم أهل التقدم، هم أهل السعادة
__________
(1) سورة الواقعة، الآيتان: 10، 11.
(2) سورة التوبة، الآية: 100.
(25/528)

والفلاح في الدنيا والآخرة، أما من خرج عن سبيلهم فهو في تأخر إلا أن يراد بالتقدم أنه كما قال الله تعالى في فرعون: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) (1) .
في المجتمع من لا يزكي ويرى أن الزكاة غرم وخسارة وضريبة، ومع ذلك حرم أن يدفع الزكاة الواجبة التي هي من أركان الإسلام، ثم يتلف ماله في أمر لا خير فيه. انظر للحرمان- والعياذ بالله-.
وفي المجتمع من لا يحج، ومن لا يصوم، ومن يشرب الخمر، ومن يزني، ومن يسرق إلى غير ذلك من الأشياء الكثيرة التي فشت في المجتمع الإسلامي، مع أن الإسلام يحارب هذه الأشياء، ولقد مضى
على ذلك زمن كثير والناس في غفلة، لكنا نرجو أن يوقظنا الله تعالى بهذه المصيبة، وأن نرجع إلى الله عز وجل، وأن نفكر في أنفسنا، وأن نحاسب أنفسنا، ما الذي حصل حتى يتحقق قول الله عز وجل:
(لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) (2) . ليس كل الذي عملوا، بل قال سبحانه: (بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) إذن السبب الشرعي لوقوع هذه المصيبة، وما هو أعظم منها هو: إعراض الناس عن دين الله، وانتهاكهم لمحارم الله، وتفريطهم في طاعة الله، والتماس
__________
(1) سورة هود، الآية: 98.
(2) سورة الروم، الآية: 41.
(25/529)

حكامهم الحكم بين عباد الله بغير شريعة الله، فيأخذون الحكم من قوانين البشر الوضعية المختلة التي لا يمكن أن يصلح الخلق إلا ما وافق الحق، وما وافق الحق فالواجب أن نأخذه من معدنه من كتاب
الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا رجعنا إلى الله وأصلحنا ما فسد وقمنا بما يجب فإن الله تعالى سوف يرفع عنا هذه الغمة وهذه المصيبة وهذه النكبة. نسأل الله تعالى أن يرفعها عنا وأن يعفو عنا جميعاً، إن الواجب- أيها الأخوة- علينا أن نتوب إلى الله توبة حقيقية، توبة نصوحاً بالقيام بطاعة الله، واجتناب معاصي الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نساند الدعاة إلى الله بقدر ما نستطيع، وإذا لم يكن لدينا قدرة على الدعوة إلى الله فلنكن سنداً إلى الداعين إلى الله،
إذا لم يكن لدينا قدرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلنكن مساندين للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر حتى يستقيم الدين وحتى لا يتفرق الناس، لأن الناس إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفرقوا بلا شك، قال الله تعالا: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (1) .
__________
(1) سورة آل عمران، الآيتان، الآية: 104، 105.
(25/530)

إذن الحقيقة الأولى: أن هذه المصيبة جرت بقضاء الله وقدره وكل ما كان بقضاء الله وقدره، فإنه لحكمة بالغة قد نعلمها وقد لا نعلمها؛ لأن الله حكيم لو شاء الله ما اقتتلوا، لو شاء الله ما فعلوها، لكنه شاء أن يكون لحكمة بالغة.
الحقيقة الثانية: أن هذه المصيبة بالذات لها سببان:
سبب كوني قدري وهو السبب المحسوس الذي ادعي أن هذه المصيبة بنيت عليه.
والسبب الثاني: شرعي وهو ذنوب العباد وانحرافهم عن الله عز وجل، فما هو دواء السبب الأول؟
دواء السبب الأول: يرجع إلى المسؤولين عن هذه المسألة ولا نملك فيه شيئاً.
والسبب الثاني: هو الذي بمقدور كل واحد منا، وهو الرجوع إلى الله بالتوبة وإصلاح العمل حتى يجلي الله عنا هذه الغمة.
الحقيقة الثالثة: أن الواجب علينا إزاء هذا الحدث العظيم أن تجتمع الكلمة وألا نتفرق، وأن يكون هدفنا وغايتنا نصر شريعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ونصر كل من يكون إليها أقرب من البشر، ننصر الشريعة بقدر ما نستطيع، وننصر أقرب من يكون إليها من البشر؛ لأننا إذا فعلنا ذلك فإن النصر حليفنا؛ لأن الله تعالى يقول: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ
(25/531)

إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (1) . ويقول عز وجل: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (2) .
فالنصر حليفنا إذا كنا ننصر شريعة الله، وننصر من يكون أقوم بشريعة الله؛ لأن هذا هو الواجب فلنكن أمة واحدة بدون تفرق، واعلموا أيها الأخوة: إن الفتن التي حصلت في صدر هذه الأمة وحصل منها ما حصل من تفرق الأمة وتشتت كلمتهم إنما نزلت بمثل هذه الأمور باختلاف الرأي عن غير علم ونظر في النتائج والعواقب.
أقول: لا تأخذك العاطفة، فالعاطفة إن لم تكن مبنية على العقل والشرع صارت عاصفة، تعصف بك وتطيح بك في الهاوية، اجعل سيرك في القلب، وفي اللسان، وفي الجوارح، مبنيا على العقل مستمدا
من الشرع، فإن كون الإنسان يندفع بدون تروي ونظر في العواقب وميزان بين الأمور، أنا لا أقول أن كل ما حصل على صواب، ولكني أقول حنانيك، بعض الشر أهون من بعض، لينظر الإنسان في النتيجة والعاقبة قبل أن يحكم بان هذا خطأ أو هذا صواب، قبل أن يحكم بأنه يجب أن يكون كذا أو لا يكون كذا، حتى يكون على بينة من
__________
(1) سورة الحج، الآيتان: 40، 41.
(2) سورة الروم، الآية: 47.
(25/532)

أمره، حتى يبرئ ذمته أمام الله عز وجل، وحتى لا يجعل الناس في بلبلة، كل واحد يتهم الآخر، وكل واحد يتكلم في الآخر، فانظر للعواقب والنتائج ثم احكم فإن العاقبة للمتقين، كما قال الله عز
وجل: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) (1) . حتى لو كان في نفسك شيء من الأشياء فلا تبديه لغيرك حتى تعلم أن في إبدائه خيراً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل
خيراً أو ليصمت (2) .
وانظر ماذا يترتب على كلمتك من خير أو شر، فإن ترتب عليها خير فافعل وقل وصرِّح ولا تخش في الله لومة لائم، وإن لم يترتب عليها الخير فاسكت، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً
أو ليصمت.
وانتبه يا أخي فلتقل خيراً إذا كان الشيء خيراً في نفسه كالذكر مثلاً، أو خيراً فيما يؤدي إليه كالكلام أمام الناس؛ لأن الناس ولاسيما في هذه الظروف ربما يسمعون الكلمة فيؤولونها تأويلات
حسب مفهومهم، وحسب أمزجتهم فيحصل بذلك شر كثير من
__________
(1) سورة هود، الآية: 49.
(2) رواه البخاري/كتاب الرقاق/باب حفظ اللسان (5994) .
(25/533)

جراء كلمة، وانظر إلى أحكم الخلق محمد - صلى الله عليه وسلم - إذ قال لعائشة رضي الله عنها: "لولا أن قومك حديث عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين باب يدخل منه الناس وباب يخرجون منه (1) ، لكنه - صلى الله عليه وسلم - ترك بناء الكعبة مع أنه خير خوفاً من الفتنة، خوفاً مما يترتب عليه لو أنه فعل.
نرتقي إلى أعظم من ذلك، فمثلاً لو قام رجل يسب آلهة المشركين ويقدح فيها، وسب آلهة المشركين خير لا شك، لكن إن كان سب آلهة المشركين يؤدي إلى سب الله عز وجل صار شراً، فهو خير لكن لما كان يؤدي إلى شر مُنع، قال الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) (2) . إذن: فالميزان أنه لا بد أن ينظر الإنسان بين المصالح والمفاسد قد يكون الشيء مصلحة في ذاته لكن يكون مفسدة في غيره، وحينئذٍ يجب علينا الكف ونجعل للكلام
وقتاً آخر يكون الكلام فيه مثمراً، ويكون الكلام فيه خيراً.
هذه هي الحقيقة الثالثة التي يجب علينا أن نعقلها وأن نكون أمة واحدة ملتفين حول الحق أينما كان، وعلينا أيضاً في إطار هذه الحقيقة أن نتبصر وأن نقارن بين المصالح والمفاسد، وأن نقارن بين البدايات
__________
(1) رواه البخاري/كتاب العلم/باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم البعض (123) .
(2) سورة الأنعام، الآية: 108.
(25/534)

والنهايات، لاسيما في مثل هذه الحوادث المؤلمة الخطيرة.
الحقيقة الرابعة: أن كثيراً من الناس لما طلبت القوات الأجنبية إلى هذه البلد اعتمدوا عليها واتكلوا عليها وعلقوا آمالهم ورجاءهم بها وهذا لا شك أنه مخل بالعقيدة، ومخل بالإيمان، وأن الاعتماد عليها سبب للخذلان، يقول موسى عليه السلام لقومه: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (1) . وكذلك قال الله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (2) .
ففي هذه الآية تقدم المعمول في قوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ) على عامله، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر والاختصاص، فلا يجوز أن نعتمد على أحد غير الله أبداً، وأن نعلق رجاءنا بغير الله، وأن نعلم أن الأسباب إنما هي أسباب محضة ليس لها في تغيير الأمر الواقع شيء إلا بأمر الله عز وجل.
وأنا أضرب أمثلة في أن الأسباب أسباب محضة وأن المسبب هو الله عز وجل.
المثال الأول: النار محرقة لا شك، لكن في يوم من الأيام جعلها الله غير محرقة لما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار، قال الله تعالى: (كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (3) . انتفت الحرارة وانتفى الإحراق فسلم ولم
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 23.
(2) سورة آل عمران، الآية: 122.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 69.
(25/535)

ولم يحترق، ولم تصبه حرارة النار، بل كانت برداً، حتى إن بعض العلماء ذكر أن الله عز وجل لو قال: برداً على إبراهيم، ولم يقل: (سلاماً) لأهلكته ببردها، لكن الله عز وجل قال: (كُونِي بَرْداً وَسَلاماً) وهذا السبب المحرق الذي يعلم الجميع أنه محرق صار غير محرق، إذن فهل الأسباب مؤثرة بذاتها، أم بما أودع الله فيها من القوى؟
والجواب: أن نقول: الثاني بلا شك.
فما بال البعض يعتمد على غير الله، وعلى هذا لا يجوز الاعتماد على غير الله عز وجل؛ إلا باعتقاد أنه سبب فقط، قد يتخلف مسببه؛ لأن السبب قد يوجد فيه مانع.
المثال الثاني: ما وقع في جيش النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أعظم جيش وأفضل جيش وأحق جيش بالنصر، ولكن لما اعتمدوا على كثرتهم وقع الخذلان، قال الله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (1) .
وكان عدد جيش النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين اثني عشر ألفاً، وكان عدوهم ثلاثة آلاف وخمس مئة. ولهذا قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم: "لن نغلب اليوم من قلة" (2) .
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 25.
(2) رواه أحمد برقم (2583) .
(25/536)

فهذا الجيش الذي قائده أعظم قائد وهو رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وجيشه أعظم جيش، وأحق جيش بالنصر، ومع ذلك لما أعجبتهم كثرتهم لم ينصروا حتى تداركهم الله- عز
وجل- بعفوه وأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين.
المثال الثالث: ما وقع لنبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام حينما قال: "لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله. فقيل له: قل: (إن شاء الله) فلم يقل: (إن شاء الله) لأنه عليه الصلاة والسلام عازم على هذا الفعل، فطاف على تسعين امرأة ولم يلد منهن إلا امرأة واحدة ولدت نصف إنسان.
قال نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركاً لحاجته وقاتلوا في سبيل الله" (1) .
فالإنسان يجب عليه أن لا يعتمد في جميع أموره إلا على الله وحده، لهذا من اعتمد على قوته فقط فإنه سبب لخذلانه. فالواجب ألا نعلق رجاءنا بمخلوق، بل يجب ألا نعلق الرجاء إلا بالله وحده لا
شريك له، قال سبحانه: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (2) . وما أهون الخلق على الله عز وجل إن هم عصوه.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الأيمان/باب الاستثناء في الأيمان (6225) .
(2) سورة الأنعام، الآية: 18.
(25/537)

ولنتأمل فيما يقع من الزلازل وما تدمره من بلدان كثيرة في لحظة واحدة، فلا أحد فوق الله عز وجل، فالله فوق كل شيء، قال سبحانه: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) (1) . فالواجب على مَن سمع منْ يعتمد على القوى البشرية فقط، أن يُبيِّن له أن فعله حرام، وأنه خلل في عقيدة التوكل على الله عز وجل.
فالقوى البشرية ما هي إلا سبب قد يؤدي مفعوله وقد لا يؤدي، فلا يجوز الاعتماد إلا على الله عز وجل وحده؟ حتى يتحقق النصر بإذن الله عز وجل.
أسأل الله- عز وجل- أن يفرِّج عن بلاد المسلمين الغمة، وأن يجعلنا ممن يتعظون بالمواعظ، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهَّاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 111.
(25/538)

الحكم المستفادة من أحداث حرب الخليج بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
إننا نحمد الله سبحانه وتعالى أن منَّ علينا بالبقاء حتى أدركنا هذا الشهر المبارك (1) .
ونسأل الله أن يجعل بقاءنا في هذا الدنيا على زيادة عمل صالح.
إن علينا- أيها الأخوة- أن نتفكر وأن نتذكر من كانوا معنا في مثل هذا المكان وفي غيره في العام الماضي، من أقارب لنا، وأصحاب وزملاء، كيف غادروا الدنيا وارتحلوا عنها إلى دار الجزاء، ارتحلوا
عنها كما وصفهم تعالى الله في قوله: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) (2) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع ماله وأهله، ويبقى عمله" (3) . ينتقل الإنسان من الدنيا، وما من
__________
(1) درس ألقاه فضيلة شيخنا- رحمه الله- بعد انتهاء غزو العراق لدولة الكويت وذلك بالمسجد الحرام في 21/9/1411هـ.
(2) سورة الأنعام الآية: 94.
(3) رواه البخاري/كتاب الرقائق/باب سكرات الموت (2960) .
(25/539)

ميت يموت إلا ندم، إن كان محسناً ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون استعتب. ينتقل من الدنيا وهو يقول بلسان الحال أو المقال ما ذكره الله تعالى في قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) (1) قال الله تعالى: (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (2) ينتقل الإنسان من الدنيا إلى الآخرة وكأنه لم يبق في الدنيا إلا ساعة واحدة مهما طالت به الدنيا قال الله تعالى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) (3) (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) (4) .
واعتبر أيها الأخ ما سيأتي بما مضى، كل ما خلَّفت من الزمن فإنه كأنه لحظة واحدة، كأنك لم تعش في الدنيا إلا هذه اللحظة التي أنت عائش فيها الآن، وهكذا إذا حضر الموت فكأنك لم تعش إلا تلك
اللحظة التي أتاك فيها الموت، فالإنسان العاقل البصير ينتهز الفرصة في عمره، ولاسيما في مواسم الخيرات مثل: شهر رمضان، وعشر ذي الحجة التي قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما من أيام العمل الصالح فيهن
__________
(1) سورة المؤمنون الآية: 99.
(2) سورة المؤمنون الآية: 100.
(3) سورة النازعات الآية: 46.
(4) سورة الأحقاف الآية: 35.
(25/540)

أحب إلى الله من هذه الأيام العشر" قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء" (1) .
إن الإنسان العاقل ينتهز هذه الفرص بالأعمال الصالحة المقربة إلى الله- عز وجل- واجتناب ما حرم الله ونهى عنه.
ونحن الآن في أول ليلة من ليالي العشر الأخيرة من رمضان التي فيها ليلة القدر التي قال الله عنها: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) . قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في قيامها: "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (2) .
إن الواجب على المؤمن أن يقدر أنفاس عمره، وأن يعرف أن كل نفس تنفسه لن يعود إليه مرة أخرى، وأن كل يوم مضى من حياته لن يعود إليه مرة أخرى، وأن كل لحظة، وكل ساعة، وكل يوم، وكل شهر يقربه من الآخرة، ويبعده من الدنيا، لذلك يجب أن نستقبل هذه العشر الأخيرة بالعزيمة الصادقة، والجد والاجتهاد، وكما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل إذا دخل العشر "شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله" (3) وأنتم والحمد لله في هذا المكان في المسجد الحرام تحيون أكثر
__________
(1) رواه البخاري/كتاب العيدين/باب فضل العمل في أيام التشريق (383) .
(2) رواه مسلم/كتاب الصيام/باب فضل ليلة القدر (1165) .
(3) رواه البخاري/كتاب الصوم/باب العمل في العشر الأواخر (670) .
(25/541)

الليل ما بين صلاة، وقراءة، ومجالس علم، وغير ذلك مما يقرب إلى الله تعالى. فنسأل الله أن يعيننا وإياكم على طاعته، وأن يتقبل منا ومن إخواننا المسلمين.
ثم إنه أود أن أهنئ نفسي وإياكم، بل وجميع المسلمين، بما مَنَّ الله به من إطفاء الفتنة التي أثارها أهل الظلم والعدوان، والتي كانت سبباً في أضرار كثيرة، ليس في المنطقة التي نحن فيها، ولكن في جميع
الدول العربية والإسلامية وغيرها كما نسمع هذا من الأخبار.
وإن هذه الفتنة وهذه الكارثة العظيمة التي أصابت هذه البلاد، لاشك أنها واقعة بقضاء الله وقدره، ودليل ذلك قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (1) فقوله تعالى: (مِنْ مُصِيبَةٍ) : نكرة في سياق النفي.
قال علماء البلاغة وعلماء الأصول: إن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، لاسيما أن هذا العموم مؤكد بـ"من" الزائدة في قوله تعالى: (مِن مُّصِيبَةٍ) و"من" زائدة بحسب الإعراب، أما بحسب المعنى:
فإن لها معنى عظيماً؛ لأنه ليس في القرآن شيء زائد ليس له معنى أبداً، فالقرآن كلام الله محكم من كل وجه.
__________
(1) سورة الحديد الآية: 22.
(25/542)

وقوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) أي: من قبل أن نبرأ هذه الخليقة، وذلك كما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أن الله تعالى كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة" (1) .
إذا علمنا أن هذه المصيبة بتقدير الله فإنه يترتب على هذا العلم شيئان:
الشيء الأول: أن نرضى بهذه المصيبة؛ لأنها بتقدير الله، وكل ما قدره الله فإن الواجب على المؤمن أن يرضى به.
ولا يتم الرضاء بالله رباً إلا بالرضاء بقضائه وقدره، فحينئذٍ نرضى بهذه المصيبة، ونسلم ونطمئن؛ لأنها من قضاء الله تعالى وقدره، قال علقمة- رحمه الله- وهو من أكابر أصحاب عبد الله بن
مسعود- رضي الله عنه- في قوله تعالى: () مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) (2) قال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلّم.
الشيء الثاني مما يترتب على هذا: أن نعلم أن الله تعالى لم يقدر هذه المصيبة إلا لحكمة؛ لأنه ما من شيء قدره الله إلا وله حكمة بالغة، قد نعلمها وقد لا نعلمها، ولكننا قد علمنا شيئاً من الحكمة فيما قدره الله
__________
(1) رواه مسلم/كتاب القدر/باب حجاج آدم موسى برقم (4797) .
(2) سورة التغابن الآية: 11.
(25/543)

سبحانه وتعالى من هذه المصيبة والكارثة تتبين فيما نذكره فيما بعد.
والدليل على أن كل شيء قضاه الله فإنه لحكمة قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (1) فلما قال: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) علمنا بأنه لا يشاء شيئاً إلا لحكمة؛ لأنه سبحانه وتعالى من أسمائه: الحكيم، وهذا الاسم العظيم يقتضى أن كل ما صدر من الله من أمور كونية، أو أمور شرعية، فإنه لحكمة.
والحكمة هي: وضع الشيء في موضعه؛ لأنها مأخوذة من الإِحكَام وهو: الإتقان، والإتقان لا يكون إلا إذا كان الشيء في موضعه، وكل شيء قدره الله فإنه في موضعه ولا يمكن أن يصلح في
هذا الموضع إلا ما قضاه الله.
وكل شيء شرعه الله من واجب، أو محرم، أو مكروه، أو مستحب، أو مباح فهو في موضعه، فلا يمكن أن يكون غير الواجب في محل الواجب أنسب من الواجب في محله، وهكذا بقية الأحكام.
وكذلك القضاء الكوني لا يمكن أن يحل محله ما هو أوفق منه، وأنفع للعباد في معاشهم ومعادهم.
__________
(1) سورة الإنسان الآية: 30.
(25/544)

أما الحكمة من هذه الكارثة:
فنقول أولاً: من الحكمة أن كثيراً من الناس عادوا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم علموا أن ما أصابهم فإنه بذنوبهم، فكل ما وقع من المصائب فإنه بسبب الذنوب، والدليل على هذا: قوله تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (1) وقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) (2) .
وكلمة: الفساد في قوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ) كلمة عامة تشمل كل ما يتصور من فساد.
فمثلاً: جدب الأرض، وعدم نباتها، هذا من الفساد.
وفساد البحر بموت الحيتان، وخروجها على الأرض اليابسة وكذلك الأمواج العظيمة التي قد تدمر السفن، وتتلف الأموال، وتهلك النفوس، هذا أيضاً من الفساد.
وإغراق المزارع هذا أيضاً وما أشبهه من الفساد.
أما سبب الفساد فجوابه: في قوله تعالى: (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ) .
__________
(1) سورة الشورى الآية: 30.
(2) سورة الروم الآية: 41.
(25/545)

ولقد قال الله عز وجل لأشرف الخلق نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حينما أصابهم ما أصابهم في أحد، فقد استشهد من المسلمين في تلك الغزوة، سبعون رجلاً، وعلى رأسهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب- رضي الله عنه- عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحصل من الأذية
لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما حصل، فقد شج وجهه (1) ، وكسرت رباعيته، وسقط
في حفرة حفرها بعض المشركين وأصابهم غم بغم قال الله عز وجل:
(أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (2) ، فقد أصاب المسلمون مثليها في بدر، فإن المسلمين قتلوا سبعين رجلاً وأسروا سبعين، وإذا أضفت سبعين إلى سبعين صار المجموع مئة وأربعين والذي أصيب به المسلمون في أحد سبعون رجلاً، إذن أصابوا في بدر مثلي ما أصابهم، في أحد.
فنقول: ما وقع من هذه المصيبة التي اجتاحت هذه البلاد وما جاورها لاشك أنها من عند أنفسنا بسبب الظلم وخروج بعض الحكام عن شريعة الله، وتحكيمهم للقوانين والنظم المخالفة لشريعة
الله، وفسق بعض الناس بالخروج عن طاعة الله من إضاعة الصلوات، وإتباع الشهوات وغير ذلك.
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الجهاد برقم (3346) .
(2) سورة آل عمران الآية: 165.
(25/546)

وهذه الأمور التي ذكرنا تغضب الخالق عز وجل، وإذا غضب الله عز وجل على قوم، فإنه سوف ينزل بهم العذاب المطابق للحكمة تماماً.
لهذا نقول: لما حصلت هذه المصيبة، رجع كثير من الناس إلى الله عز وجل، حتى إننا سمعنا: أن بعض الناس الذين كان عندهم من الفسق ما كان قبل هذه الكارثة، بدؤا يقومون الليل، ويصومون من
كل أسبوع يومي الاثنين والخميس، وهذا لاشك أنه رجوع إلى طاعة الله عز وجل.
كذلك كثير من الناس تاب من الربا، وكذلك كثير منهم تاب من الغناء، وكثير منهم فكر في أهله، وصار يراعيهم، ويؤدي حقهم.
فكثير من الناس ولله الحمد والمنّة عاد إلى طاعة ربه عز وجل، إلا من كان قلبه قاسياً ميتاً، فهذا لن ينتفع كما قال الله تبارك وتعالى: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (1) .
فإن من الناس من قلبه قاسٍ لم ينتفع من هذه الموعظة وبقي على ما هو عليه من مخالفة أمر الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) سورة الأنعام الآية: 43.
(25/547)

الثاني من الحكمة في هذه الكارثة: تميز الخبيث من الطيب:
فقد تبيّن الصادق في إيمانه من الكاذب، وذلك لأن بعض الناس استغل هذه الفتنة، وهذه الكارثة في مآرب، أبدى شيئاً من ظواهرها، فتبين بذلك بعض المكنونات التي يكنها بعض الناس في حفيظة
نفسه، وهذا الشيء معروف لمن تأمله في وقت هذه الكارثة.
الثالث من هذه الحكم نشاط أهل الدعوة إلى الخير:.
وذلك بما يلقونه من المواعظ والتذكير للخلق الغافلين، فإن أهل الخير كثرت دعوتهم إلى الله عز وجل، في هذه الكارثة، بل إنك لتسمع في البيت من لا يعرفون شيئاً، يتحدث بعضهم إلى بعض، بأن
هذا الذي أصابنا ما هو إلا من الذنوب، ويكثرون من أجل ذلك من الاستغفار، والتوبة إلى الله عز وجل، ولا شك أن لهذه الحكمة فائدة عظيمة.
الرابع من الحكم: أن الاعتصام الحقيقي الذي لا ينفصم هو الاعتصام بحبل الله عز وجل:
كما قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (1) والاعتصام بحبل الله وهو: الإسلام هو الذي يجمع الأمة.
أما الاعتصام بغير الإسلام، فإن ذلك لا يفيد الأمة أبداً، ولن
__________
(1) سورة آل عمران الآية: 103.
(25/548)

تجتمع الأمة على شيء اجتماعها على الإسلام.
لما كانت الأمة تعتمد على النسب، وعلى القبائل، كانت متفرقة كما ذكر الله عز وجل فيما من به على المسلمين أنهم على شفاء حفرة من النار فأنقذهم منها، وأن المسلمين كانوا متفرقين فأصبحوا بنعمة الله إخواناً كما قال الله تبارك وتعالى (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (1) فلا يمكن أن يجتمع المسلمون على شيء سوى دين الإسلام.
فالجنسية لا يمكن أن يُجتمع عليها، ولهذا فإن الاعتصام بالقومية لم يفد الأمة شيئاً بل إن الأمة تمزقت في الحال التي يجب أن تكون متماسكة، في الحال التي يجب أن يأخذ حليمها على يد سفيهها،
نجدها تفرقت وتمزقت وصارت شماتة للأعداء، حتى إن أعداء هذه القومية، صاروا يضحكون بها أمام العالم، ويقولون: انظروا إليهم تمزقوا، وتفرقوا، وصار بعضهم يقتل بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً.
ولاشك أن هذه من الحكم التي يجب أن نتخذ منها عبرة، وأن يكون مبدؤنا هو الالتفاف والاعتصام بالإسلام لا بأي شيء سواه، حتى نكون أمة واحدة، لا فضل لعربي على عجمي، إلا بتقوى الله
عز وجل.
__________
(1) سورة آل عمران الآية: 103.
(25/549)

الخامس من الحكم: أن هناك أشياء مجهولة لكثير من الناس تذكر، أو يسمع عنها لفظاً، ولم يُعرف معناها إلا عند حصول هذه الكارثة.
فإن الناس عرفوا معاني كثير من هذه المصطلحات، وعرفوا كيف يستعدون لمواجهة المتصفين بها، وهذا لاشك أنه ثمرة جيدة.
السادس من الحكم: عرفنا بهذه الكارثة، حماية الله عز وجل، ودفاع الله سبحانه وتعالى عمن شاء من عباده.
فإننا كنا نتوقع أن هذه الحرب ستكون طاحنة، وسيتلف بها أموال كثيرة، وستهلك بها نفوس كثيرة، ولكن الأمر وقع- ولله الحمد- على أقل ما يمكن من تقدير، ليس هذا بحولنا وقوتنا، ولكن
بلطف الله عز وجل، حيث لطف بالأمة، وحسمت القضية بسرعة، ولم يحصل من الهلاك والتلف، إلا أقل ما يتصور، حتى لو أننا حُدِّثْنَا أن المسألة ستنحسم بهذه السرعة، لقلنا: إن هذا خيال لا يمكن أن يتحقق، ولكن الله سبحانه وتعالى بلطف منه حققه- فلله الحمد والشكر-.
السابع من الحكم: عرفنا أيضاً لطف الله عز وجل بما حصل من أمور نعلم أنها ليست بقوة البشر.
فقد ذكر لنا أن البقعة الزيتية التي تسربت من تفجر أنابيب النفط
(25/550)

كان منها كتلة كبيرة جداً وواسعة وعميقة، كانت تهدد موانئ بلادنا، ولاسيما حينما قربت من محطة مصفاة الماء، وأنها عند القرب من المصفاة، وتهديدها للمصفاة، أرسل الله تعالى ريحاً جنوبية دفعتها عن المصفاة. فتفرقت بقعة الزيت في البحر وتمزقت. وقد حدثنا بذلك من نثق بهم، ولاشك أن هذا ليس بقدرة البشر، ولكن هذا بقدرة الله تبارك وتعالى.
إذن تبين بهذا أن النصر من عند الله تعالى، وأن الله إذا أراد نصر أحد، قيض له من أسباب النصر ما لم يخطر له على البال، وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) .
الثامن: تبين أن الظلم مرتعه وخيم، وأن الظالم لن يفلح.
وهذا والله قد وثقنا به تماماً؟ لأن الله تعالى قال: (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) وهذا خبر من الله الذي يصدق خبره وهو أيضاً خبر من قادر على إنفاذ ما وعد به (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (2) وقال
تعالى: (ُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (3) فالمُفسد لن يصلح عمله، والظالم لن يفلح أبداً، ولكن يجب ألا يغيب عن بالنا مسألة
__________
(1) سورة الطلاق الآية: 3.
(2) سورة الأنعام الآية: 21.
(3) سورة يونس الآية: 81.
(25/551)

مهمة وهي: أن الله قد يملي للظالم، ويمهله ولا يأخذه بسرعة، حتى يلجأ المظلوم إلى الله حقيقة، وحتى يرتفع الظالم، ويظن أنه لا يمكن أن يضعه أحد، كما جاء في الحديث عن النبي لَخيم قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (1) .
إذا علمنا ذلك فإننا ننتظر الفرج من الله عز وجل بإزالة الظلم عن كل مظلوم سواء، في فلسطين، أو في أفغانستان، أو في أي بلاد من بلاد الله عز وجل؟ لأننا نعلم أن الأمر كما أخبر الله عز وجل
(إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) .
التاسع الحكم: أن هذه الكارثة أفادت الأمة الإسلامية الصبر والتحمل؟ لأن كثيراً من الناس لاسيما منْ هم صغار السن فقد عاشوا في ظل الأمن، وفي ظل الرخاء، ولم يكونوا يعرفون هذه الأمور الضيقة المحرجة، فتعود الناس من هذه الكارثة الصبر والتحمل، ولاشك أن الإنسان إذا وُفق بأمور على خلاف عادته التي يجري عليها اختباراً له، لاشك أنه يستفيد، ولهذا جاء في الحديث عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - " أنه كان ينهى عن كثرة الإرفاه ويأمر بالاحتفاء أحياناً " (2)
__________
(1) سورة هود الآية: 102، والحديث رواه البخاري/كتاب التفسير ومسلم/كتاب البر باب: تحريم الظلم.
(2) رواه أبو داود/كتاب الترجل برقم (3629) .
(25/552)

وكثرة الإرفاه هي: كثرة الترفه. وقوله: "ويأمر بالاحتفاء" يعني: أن يمشي الإنسان حافياً أحياناً، لا دائما، من أجل ألا يعود نفسه على الرفاهية دائماً.
العاشر من هذه الحكم: أن هذه الكارثة بيّنت دور شباب الصحوة في التعاون مع الأمة ونفع الدولة بخلاف الآخرين الذين لا ينشئون إلا في الظل.
فقد أظهرت هذه الكارثة- ولله الحمد- ما للشباب الصالحين من القوة والنشاط والإسراع في إنقاذ الأمة.
ففي الكويت لم يصمد أمام المحنة، ولم يبق أمام هذه الكارثة، إلا الشباب ذوو الصحوة الإسلامية.
وبهذا نعرف أنه يجب على الحكام الذين مكن الله لهم من الحكم أن يراعوا هؤلاء الشباب، وأن يجعلوهم هم الذخيرة لهم، وأنهم هم العضد الأيمن، والعضد المساعد لهم؟ لأن صديقك من يصدقك
الود عند حلول الكوارث، هذا هو الصديق حقيقة.
فإذا عرف أن هذا الشباب شباب الصحوة العلمية الشرعية والصحوة العملية الواقعية؟ لأنه ينبغي أن يكون الإنسان فقيهاً في شرع الله، فقيهاً فيما يقع في الأمة الإسلامية، ولهذا قال الفقهاء
- رحمهم الله-: إن من آداب القاضي أن يكون فقيهاً في الشرع، فقيهاً
(25/553)

في أحوال الناس، وواقعهم حتى يُطبق الشرع على الواقع.
وأقول: إن شباب الصحوة- ولله الحمد- تبيّن في هذه الكارثة، وهذه المحنة بأنهم هم الدرع الحصين للأمة، وأنه هو الذي يجب أن يكون لهم الدور الفعّال في تكوين الأمة، وتوجيهها، ولكن على
هؤلاء الشباب أن يكونوا متخلقين بخلق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو اللين والحكمة كما قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ) حَولِكَ (1) .
فإذا كان عند الشباب لين وحكمة ورحمة بالخلق، وتوجيههم ودعوتهم لا انتصاراً لأنفسهم، ولكن انتصاراً للحق ورحمة بالخلق، حصل على أيديهم خير كثير، وذلك بسبب حُسن القول ولطافته
وسهولته.
ويذكر أن بعض الملوك رأى رؤيا فأزعجته حيث رأى أن أسنانه سقطت فجمع الناس الذين يعبّرون الرؤيا، وقال لهم: إن أسنانه سقطت، فقام واحد منهم، وقال: جهلك أهل الملك، فأمر الملك بأن
يضرب هذا العابر؟ لأنه روّع الملك.
ثم قام رجل آخر وقال: في تفسير الرؤيا: يكون الملك أطول أهله عمراً، فقال: أكرموا هذا الرجل.
__________
(1) سورة آل عمران الآية: 159.
(25/554)

ولو نظرنا فيما قال الرجل الأول في تعبيره وما قاله الرجل الثاني لوجدنا أن المعنى واحد، لأنه إذا هلك أهله قبله صار هو أطولهم عمراً، وإذا كان أطولهم عمراً، لزم من ذلك أن يهلك أهله قبله.
والمهم أن الإنسان ينبغي له أن يستعمل الألفاظ التي تقرب الناس إليه، وأن يستعمل اللين بقدر ما يستطيع، ولا يستطل الأمر.
صحيح أن الإنسان إذا أخذ الشيء بالقوة قد ينجح، لكنه نجاح مؤقت، ولكن إذا أخذ الشيء بالرفق واللين، ربما لا ينجح بسرعة، لكن في النهاية ينجح، ويكون نجاحه عن اقتناع المخاطب، والشيء الذي يأتي عن اقتناع، ليس كالشيء الذي يأتي عن إكراه وسيطرة.
فالذي يأتي عن اقتناع، يكون هذا الذي تدعوه عوناً لك، وداعية معك، لكن الذي يأتي عن قوة وسيطرة، ربما لا تكون الفائدة إلا أنك حصرته عن هذا الأمر الذي كان يريده فقط، وقد يكون في غفلة فيعود إلى ما كان عليه.
فهذه من الفوائد العظيمة وهي أن لشباب الصحوة الإسلامية دورأ كبيراً في إنقاذ المجتمع، والدفاع عنه، وأنه يجب على الحكام أن يراعوا هذا الشباب ذو الصحوة الإسلامية وأن يعرفوا قدرهم.
الحادي عشر من الحكم: ظهور المنافقين، وما أدراك ما المنافقون؟!
(25/555)

قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (1) (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (2) (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) (3) تأمل أن الله قال عن الكفار:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) (4) قال: (عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ) . وقال عن المنافقين (هُمُ الْعَدُوُّ) فَاحْذَرْهُمْ "وهم العدو": جملة خبرية معرفة الطرفين، تفيد عند أهل البلاغة الحصر، كأنه لا عدو للمؤمنين سوى المنافقين. وذلك لأن عدواتهم أشد وأغلظ وأنكى؟ لأنهم كما قال الله تعالى عنهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) ْ (5) يلاقيك المنافق، يسلقك بلسان من أحسن الألسن، وكلامٍ طيبٍ لينٍ
فيقول القائل: هذا هو عضدي، ونصيري، ولكنه إذا أدبر عنه كان عدوه. فالمنافق إذا لقي أحداً قام يتكلم عن الإسلام والأمة الإسلامية وما يجب على المسلم، وما يجب على المؤمن، فتقول: هذا
__________
(1) سورة النساء الآية: 142.
(2) سورة البقرة الآية: 9.
(3) سورة المنافقون، الآية: 4.
(4) سورة الممتحنة الآية: 1.
(5) سورة البقرة الآية: 14.
(25/556)

المؤمن حقاً، لكن إذا ذهب إلى أصحابه ورفقائه قال: نكذب على هؤلاء البسطاء ونلعب بعقولهم (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) .
لقد ظهر في هذه المحنة، أو في هذه الكارثة تميّز المنافق من المؤمن، وذلك بما ظهر من المنافقين، من الكلمات والكتابات التي بيّنت حالهم. فالمؤمن ظاهره وباطنه سواء، والمنافق ظاهره مُعجب، ولكن
باطنه مُعذّب، على العكس من ظاهره، ولذلك كان من آية المنافق كما وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب " (1) فصار ظاهره خلاف باطنه، فإذا وعد أخلف، فصار باطنه خلاف ظاهره. وهكذا المنافق دائماً يكون باطنه خلاف ظاهره.
الثاني عشر: أن هذه المصيبة فيها تكفير للسيئات:
لأن المؤمن لا يصاب بأي شيء إلا كفّر الله به عنه، لا يلحقه هم ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها عنه من الخطايا، وهذه نعمة، كل منا يرجو أن يخفف الله من سيئاته، ونسأل الله أن يمحو عنا وعنكم السيئات.
وهذه المصائب التي ليس لنا بها حيلة، يُكفِّر الله بها السيئات، وهي إذا احتسب الإنسان بها الأجر عند الله صارت رفعة في
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الإيمان/باب علامة المنافق برقم (32) .
(25/557)

الدرجات، فالإنسان إذا أصيب بمصيبة يكتسب بها شيئين:
الأول: أنها مكّفرة للذنوب.
الثاني: أنه إذا احتسب الأجر على الله بها، صارت سبباً لرفعة الدرجات، وزيادة الحسنات.
الثالث عشر من الحكم: أننا عرفنا قدر نعمة الله بالأمن، فلقد كانت المخاوف أو العبارات التي فيها الخوف تمر بنا، وكأنها شيء بارد، ولكن لما حصلت هذه الكارثة عرفنا الخوف، وعرفنا قدر نعمة
الله علينا بالأمن، وإلا فمن يُصدّق أن من الناس من خرج من بلده خوفاً من الهلاك في بلادنا، ولكن بهذا عرفنا قدر نعمة الله، وقد نبه الله على ذلك في قوله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (1) .
وقال تعالى: (وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (2) .
فنحن لن نعرف قدر نعمة الله سبحانه وتعالى بهذا الليل والنهار
__________
(1) سورة القصص الآية: 72.
(2) سورة القصص الآية: 73.
(25/558)

اللذين يتعاقبان علينا إلا إذا قدرنا أن الوقت كله نهار، أو أن الوقت كله ليل، ولهذا من الحكم المأثورة: "بضدها تتبين الأشياء".
الرابع عشر من الحكم: من فوائد هذه الكارثة: أن تبين بها من هو صادق التوكل على الله، ومن يعتمد على الأسباب، دون المُسببّ، كثير من الناس بهذه الكارثة نسى التوكل على الله، وصار يعتمد على الوسائل، أو على الأسباب الحسية الظاهرة، وهذا بلا شك نقص في التوكل، وسبب للخذلان. ولعل الكثير منكم لا ينسى ما حصل لأشرف جندٍ على وجه الأرض، منذ خُلق آدم إلى قيام الساعة وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في غزوة حنين، حين اعتمدوا على كثرتهم، وأعجبوا بها، وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة، فغلبوا عن كثرة. فقد غلبوا وهم كثيرون، غلبهم عدوهم، وكانوا اثني عشر ألفا، وكان العدو ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل، ومع ذلك حصلت الهزيمة، ولكن النصر فيما بعد صار للمسلمين ولذلك قال الله تعالى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (1) وكانت النهاية ولله الحمد للمسلمين.
فنقول: في هذه الكارثة صار بعض الناس يعتمدون على
__________
(1) سورة التوبة الآية: 25.
(25/559)

الأسباب الحسية الظاهرة. ولكن من الناس من اعتمد على الله وجعل هذه الأسباب مجرد أسباب قد تنفع وقد لا تنفع. ونحن نعلم أن من الأسباب ما ينفع ومن الأسباب ما لا ينفع. ومن الأمور ما
ينفع فيها ما لا يخطر على البال أنه سبب.
فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ألقى في النار، والنار حارة مهلكة فقال الله لها (كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (1) فكانت برداً وسلاماً عليه، فلم يهلك بها، ولم تضره، فكانت برداَ وسلاماَ على
إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
وبهذا نعرف أنه لا يجوز للإنسان أن يعتمد على الأسباب الحسية الظاهرة. بل يعتمد على الله- عز وجل-، ويفعل الأسباب التي أذن الله تعالى فيها.
وفي الحقيقة أن هناك حكماَ وفوائد كثيرة من هذه الكارثة وكلما تأمل الإنسان في هذه القضية وجد أنه لابد أن نتخذ منها عبرة.
فأولاً: بالنسبة للشعوب والرعية: يرجعون إلى الله عز وجل ويعلمون أن النصر من عند الله، وأنه لا نصر إلا بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وثانياَ: من جهة الولاة: بأن يراجعوا الأمر، وأن ينظروا في كل ما
__________
(1) سورة الأنبياء الآية: 69.
(25/560)

يتعلق في شئون الناس، حتى يقوّموا الناس على كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ظاهراً وباطناً في القول والعمل والعقيدة.
فأرى أن هذه الكارثة يجب أن تكون درساَ، لا أن نستنتج الفوائد الحاصلة بها فقط، بل ونجعل منها عبرة نصلح بها ما عسى أن يكون فساداَ في أعمالنا، حتى نستفيد منها الفائدة الكبرى، وألا نرجع إلى ما كان سبباً إلى هذه الكارثة، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
***
تم بحمد الله عز وجل المجلد الخامس والعشرون
ويليه بمشيئة الله عز وجل
المجلد السادس والعشرون.
(25/561)