Advertisement

مجموع فتاوى ورسائل العثيمين 026


كتاب العلم*
__________
* صدرت الطبعة الأولى من الفتاوى والرسائل المتعلقة بالعلم في كتاب سمي (كتاب العلم) ، وذلك في 1417 هـ لمسيس الحاجة، وها هو يعاد طبعه مع زيادات كثيرة مفيدة ولله الحمد والمنة، ونسأل الله تعالى المغفرة والرحمة لشيخنا
(26/5)

تعريف العلم
(26/9)

تعريف العلم
العلم لغة: نقيض الجهل، وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازما.
اصطلاحًا: قال بعض أهل العلم، هو المعرفة، وهو ضد الجهل.
وقال آخرون من أهل العلم: إن العلم أوضح من أن يعرف.
والذي يعنينا هو العلم الشرعي، والمراد به: (علم ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى) .
فالعلم الذي فيه الثناء والمدح هو علم الوحي، علم ما أنزله الله فقط، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من يرد الله به خيراً يُفقهه في الدين" (1) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنمَّا ورثوا العلم، فمن أخذه أَخَذَ بحظ وافر" (2) .
ومن المعلوم أن الذي ورثه الأنبياء هو علم شريعة الله- عز وجل- وليس غيره فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ما ورثوا للناس
__________
(1) رواه البخاري/كتاب العلم/باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين/برقم (71) ، ومسلم/كتاب الزكاة/باب النهي عن المسألة/برقم (1037) .
(2) رواه أحمد 36/46 (21715) ، والترمذي/كتاب العلم/باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة برقم (2682) ، وأبو داود/كتاب العلم/باب الحث على طلب العلم/برقم (3641) ، وابن ماجه/في المقدمة/باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (223) .
(26/11)

علم الصناعات وما يتعلق بها، بل إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين قَدِمَ المدينة وجد الناس يؤبرون النخل- أي يلقحونها- فقال لهم لما رأى من تعبهم كلامًا أنه لا حاجة إلى هذا، ففعلوا وتركوا التلقيح، ولكن النخل فسد ثم قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أنتم أعلم بأمر دنياكم " (1) .
ولو كان هذا هو العلم الذي عليه الثناء لكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس به؛ لأن أكثر من يثنى عليه بالعلم والعمل هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذن فالعلم الشرعي هو الذي يكون فيه الثناء ويكون الحمد لفاعله، ولكني مع ذلك لا أنكر أن يكون للعلوم الأخرى فائدة، ولكنها فائدة ذات حدين إن أعانت على طاعة الله، وعلى نصر دين الله، وانتفع بها عباد الله فيكون ذلك خيراً ومصلحة، وقد يكون تعلمها واجبا في بعض الأحيان إذا كان ذلك داخلا في قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) (2) .
وقد ذكر كثير من أهل العلم أن تعلم الصناعات فرض كفاية، وذلك لأن الناس لا بد لهم من أوانٍ يطبخون بها، ويشربون بها، وغير ذلك من الأمور التي ينتفعون بها، فإذ لم يوجد من يقوم بهذه
المصانع صار تعلمها فرض كفاية، وهذا محل جدل بين أهل العلم،
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الفضائل/باب وجوب امتثال ما قاله الشرع/برقم (2363) .
(2) سورة الأنفال، الآية: 60.
(26/12)

وعلى كل حال أود أن أقول: إن العلم الذي هو محل الثناء هو العلم الشرعي الذي هو فقه كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما عدا ذلك فإما أن يكون وسيلة إلى خير، أو وسيلة إلى شر، فيكون حكمه بحسب ما يكون وسيلة إليه.
(26/13)

فضائل العلم
(26/15)

فضائل العلم
لقد مدح الله سبحانه وتعالى العلم وأهله، وحث عباده على العلم والتزود منه، وكذلك السنة المطهرة.
فالعلم: من أفضل الأعمال الصالحة وهو من أفضل وأجلِّ عبادات التطوع؛ لأنه نوع من الجهاد في سبيل الله، فإن دين الله- عز وجل- إنما قام بأمرين:
أحدهما: العلم والبرهان.
والثاني: القتال والسنان، فلا بد من هذين الأمرين، ولا يمكن أن يقوم دين الله ويظهر إلا بهما جميعاً، والأول منهما مقدم على الثاني، ولهذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يغيرعلى قوم حتى تبلغهم الدعوة إلى الله- عز وجل- فيكون العلم قد سبق القتال.
قال تعالى: (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) (1) . فالاستفهام هنا لابد فيه من مقابل أمَّن هو قائم قانت آناء الليل والنهار أي كمن ليس كذلك؟ والطرف الثاني المفضل عليه محذوف للعلم به فهل يستوي من هو قانت آناء الليل ساجداً أو قائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، هل يستوي هو ومن هو مستكبر عن طاعة الله؟
__________
(1) سورة الزمر، الآية: 9.
(26/17)

الجواب: لا يستوي فهذا الذي هو قانت يرجو ثواب الله ويحذر الآخرة. هل فعله ذلك عن علم أو عن جهل؟
الجواب: عن علم ولذلك قال: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (1) . لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم؛ كما لا يستوي الحي والميت والسميع والأصم
والبصير والأعمى.
العلم نور يهتدي به الإنسان ويخرج به من الظلمات إلى النور.
العلم يرفع الله به من يشاء من خلقه: (يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (2) . ولهذا نجد أن أهل العلم محل الثناء، كلما ذكروا أثنى الناس عليهم، وهذا رفع لهم في الدنيا، أما في الآخرة فإنهم يرتفعون درجات بحسب ما قاموا به من الدعوة إلى الله والعمل بما عملوا
إن العابد حقاً هو الذي يعبد ربه على بصيرة، ويتبين له الحق وهذه سبيل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى الله عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (3) .
__________
(1) سورة الزمر، الآية: 9.
(2) سورة المجادلة، الآية: 11.
(3) سورة يوسف، الآية: 108.
(26/18)

فالإنسان الذي يتطهر وهو يعلم أنه على طريق شرعي هل هو كالذي يتطهر من أجل أنه رأى أباه أو أمه يتطهر؟ أيهما أبلغ في تحقيق العبادة رجل يتطهر؛ لأنه علم أن الله أمر بالطهارة، وأنها هي طهارة النبي - صلى الله عليه وسلم -، يتطهر امتثالاً لأمر الله واتباعاً لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم رجل آخر يتطهر؛ لأن هذا المعتاد عنده؟
فالجواب: بلا شك أن الأول هو الذي يعبد الله على بصيرة فهل يستوي هذا وذاك؟ وإن كان فعل كل منهما واحدًا، لكن هذا عن علم وبصيرة يرجو الله- عز وجل- ويحذر الآخرة، ويشعر بأنه
متبع للرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وأقف عند هذه النقطة وأسال: هل نستشعر عند الوضوء بأننا نمتثل لأمر الله سبحانه وتعالى في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (1) ؟ هل الإنسان عند وضوئه يستحضر هذه الآية وأنه يتوضأ امتثالاً لأمر الله؟ هل يستشعر أن هذا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ وأنه يتوضأ إتباعًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الجواب: نعم الحقيقة أن منا من يستحضر ذلك، ولهذا يجب عند فعل العبادات أن نكون ممتثلين لأمر الله بها حتى يتحقق لنا بذلك
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(26/19)

الإخلاص، وأن نكون متبعين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، نحن نعلم أن من شروط الوضوء النية، لكن النية قد يراد بها نية العمل، وهذا الذي يبحث في الفقه، وقد يراد بها نية المعمول له، وحينئذ علينا أن نتنبه لهذا الأمر العظيم، وهو أن نستحضر ونحن نقوم بالعبادة أننا نتمثل
أمر الله بها لتحقيق الإخلاص، وأن نستحضر ونحن نقوم بالعبادة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعلها ونحن له فيها متبعون لتحقيق المتابعة؛ لأن من شروط صحة العمل الإخلاص والمتابعة اللذين بهما تتحقق شهادة أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
نعود إلى ما ذكرنا أولاً من فضائل العلم، إذ بالعلم يعبد الإنسان ربه على بصيرة فيتعلق قلبه بالعبادة ويتنور قلبه بها، ويكون فاعلاً لها على أنها عبادة لا على أنها عادة، ولهذا إذا صلَّى الإنسان على هذا
النحو فإنه مضمون له ما أخبر الله به من أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
ومن أهم فضائل العلم ما يلي:
1- أنه إرث الأنبياء، فالأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- لم يوِّرثوا درهمًا ولا دينارًا وإنمَّا ورَّثوا العلم فمن أخذ بالعلم فقد أخذ بحظ وافرٍ من إرث الأنبياء. فأنت الآن في القرن الخامس عشر إذا
كنت من أهل العلم ترث محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، وهذا من أكبر الفضائل.
(26/20)

2- أنه يبقى والمال يفنى، فهذا أبو هريرة- رضي الله عنه- من فقراء الصحابة حتى إنه يسقط من الجوع كالمغمى عليه وأسألكم بالله، هل يجري لأبى هريرة ذكر بين الناس في عصرنا أم لا؟ نعم
يجري كثيرًا فيكون لأبي هريرة رضي الله عنه أجر من انتفع بأحاديثه.
إذًا العلم يبقى والمال يفنى. فعليك- يا طالب العلم- أن تستمسك بالعلم فقد ثبت في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) .
3- أنه لا يتعب صاحبه في الحراسة؛ لأنه إذا رزقك الله علمًا فحمله في القلب لا يحتاج إلى صناديق أو مفاتيح أو غيرها هو في القلب محروس، وفي النفس محروس وفي الوقت نفسه هو حارس لك؛ لأنه يحميك من الخطر بإذن الله- عز وجل-؛ فالعلم يحرسك، ولكن المال أنت تحرسه تجعله في صناديق وراء الأغلاق ومع ذلك تكون غير مطمئن جمليه.
4- أن الإنسان يتوصل به إلى أن يكون من الشهداء على الحق، والدليل قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الوصية/باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته/برقم (1631) .
(26/21)

الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) (1) فهل قال (أولو المال) ؟ لا بل قال: (وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) فيكفيك فخرًا يا طالب العلم أن تكون ممن شهد لله أنه لا إله إلا هو، مع الملائكة الذين يشهدون بوحدانية الله- عز وجل-.
5- أن أهل العلم هم أحد صنفي ولاة الأمر الذين أمر الله بطاعتهم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (2) . فإن ولاة الأمور هنا تشمل ولاة الأمور من الأمراء والحكام والعلماء وطلبة العلم، فولاية أهل العلم في بيان شريعة الله ودعوة الناس إليها، وولاية الأمراء في تنفيذ شريعة الله وإلزام الناس بها.
6- أن أهل العلم هم القائمون على أمر الله تعالى حتى تقوم الساعة، ويستدل لذلك بحديث معاوية- رضي الله عنه- يقول: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله " (3) . وقد قال الإمام أحمد
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 18.
(2) سورة النساء، الآية: 59.
(3) رواه البخاري/كتاب العلم/باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين/برقم (71) ،
(26/22)

رحمه الله عن هذه الطائفة: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم ". وقال القاضي عياض- رحمه الله-: " أراد أحمد: أهل السنة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث ".
7- أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يرغب أحدًا أن يغبط أحدًا على شيءٍ من النعم التي أنعم الله بها إلا على نعمتين هما:
1- طلب العلم والعمل به.
2- التاجر الذي جعل ماله خدمةً للإسلام.
فعن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (1) .
8- ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبى موسى الأشعري- رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقيةٌ قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب
__________
ومسلم/كتاب الزكاة/باب النهي عن المسألة/برقم (1037) .
(1) رواه البخاري/كتاب العلم/باب الاغتباط في العلم/برقم (73) ، ومسلم/كتاب صلاة المسافرين/باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه/برقم (816) .
(26/23)

منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِمَ وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " (1) .
9- أنه طريق الجنة كما دل على ذلك حديث أبى هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة " (2) .
10- ما جاء في حديث معاوية- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من يُرِد الله به خيرًا يفقهه في الدين " (3) أي: يجعله فقيها في دين الله- عز وجل- والفقه في الدين ليس المقصود به فقه الأحكام العملية المخصوصة عند أهل العلم بعلم الفقه فقط، ولكن
المقصود به هو علم التوحيد وأصول الدين، وما يتعلق بشريعة الله عز وجل ولو لم يكن من نصوص الكتاب والسنة إلا هذا الحديث في فضل العلم لكان كافياً في الحث على طلب علم الشريعة والفقه فيها.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب العلم/باب فضل من عَلِمَ وعلَّم/برقم (79) . ومسلم/كتاب الفضائل/باب بيان مثل ما بعث النبي من الهدى والعلم/برقم (2282) .
(2) رواه مسلم/كتاب الذكر والدعاء/باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن/برقم (2699)
(3) رواه البخاري/كتاب العلم/باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين/برقم (71) .
ومسلم/كتاب الزكاة/باب النهي عن المسألة/برقم (1037) .
(26/24)

11- أن العلم نور يستضيء به العبد، فيعرف كيف يعبد ربه وكيف يعامل عباده فتكون مسيرته في ذلك على علم وبصيرة.
12- أن العالم نور يهتدي به الناس في أمور دينهم ودنياهم، ولا يخفى على كثير منَّا قصَّة الرجل الذي من بنى إسرائيل حيث قتل تسعا وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ على رجل
عابد، فسأله هل له من توبة؟ فكأنَّ العابد استعظم الأمر فقال: لا، فقتله. فأتم به المئة، ثم ذهب إلى عالم فسأله، فأخبره أن له توبة، وأنه لا شيء يحول بينه وبين التوبة، ثم دلَّه على بلد أهله صالحون ليخرج إليها، فخرج فأتاه الموت في أثناء الطريق. والقصة مشهورة (1) فانظر الفرق بين العالم والجاهل.
13- أن الله يرفع أهل العلم في الآخرة وفي الدنيا. أما في الآخرة فإن الله يرفعهم درجات. بحسب ما قاموا به من الدعوة إلى الله- عز وجل- والعمل بما علموا وفي الدنيا يرفعهم الله بين عباده بحسب ما قاموا به قال الله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (2) .
__________
(1) القصة أخرجها البخاري/كتاب الأنبياء/باب ما ذكر عن بني إسرائيل. ومسلم/كتاب التوبة/باب قبول توبة القاتل.
(2) سورة المجادلة، الآية: 9.
(26/25)

س 1: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما المقصود بقوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (1) ؟
فأجاب بقوله: هذه الآية اشتملت على جملة عظيمة، وهى: انحصار خشية الله سبحانه وتعالى في العلماء.
والخشية: هي الخوف مع تعظيم المخوف أي أنها خوف ناتج عن عظمة المخوف. والله سبحانه وتعالى أحق أن يخشى، وأحق أن يعظم، وأحق أن يخاف منه، لكن لا يخشاه إلا من كان عالمًا بما له من العظمة، والكبرياء، والقدرة، والعزة.
والعلماء هنا المراد بهم العلماء بالله، العلماء بأسمائه، وصفاته، وآياته، وليس المراد بهم علماء الصناعة والتكنولوجيا وما أشبه ذلك فإن هؤلاء علماء في الدنيا يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وذلك أن
الخشية لا تكون إلا عن علم بحال المخشي، ومعلوم أن العلم بهذه الصنائع لا تعلق له بعظمة الله- عز وجل-؛ فهو مادي محض بخلاف المعرفة بالله وعظمته، فأهل المعرفة به هم أهل خشيته.
__________
(1) سورة فاطر، الآية: 28.
(26/26)

س 2: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يقول الله تبارك وتعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (1) فكيف يعرف العالم؟
فأجاب بقوله: يعرف العالم بكونه يقول في الأشياء بكتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وشهادة الناس له بأنه عالم، أما الخشية فمحلها القلب، وكم من عالم قد سلب من قلبه الهدى فلم يخش الله، واستكبر عن عبادة الله- والعياذ بالله- لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "القرآن حجة لك أو عليك " (2) لكن العالم حقًا لابد أن يخشى الله- عز وجل - إذا عرف قوته وسلطانه وشدة عقابه للمخالف خشى الله وخاف منه؛ ولهذا تجد أكثر الناس ورعًا من كان أعلم، وفي المقولة المشهورة (من كان بالله أعرف، كان منه أخوف) .
س 3: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما المقصود بالعلماء في قوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (3) ؟
فأجاب بقوله: المقصود بهم: العلماء الذين يوصلهم علمهم إلى خشية الله، وليس المراد بالعلماء من علموا شيئاً من أسرار الكون كأن
__________
(1) سورة المجادلة، الآية: 11.
(2) رواه مسلم/كتاب الطهارة/باب فضل الوضوء/برقم (223) .
(3) سورة فاطر، الآية: 28.
(26/27)

يعلموا شيئاً من أسرار الفلك وما أشبه ذلك، أو ما يسمى بالإعجاز العلمي، فالإعجاز العلمي في الحقيقة لا ننكره، لا ننكر أن في القرآن أشياء ظهر بيانها في الأزمنة المتأخرة، لكن غالى بعض الناس في الإعجاز العلمي، حتى رأينا من جعل القرآن كأنه كتاب رياضة، وهذا خطأ.
فنقول: إن المغالاة في إثبات الإعجاز العلمي لا تنبغي؛ لأن هذه قد تكون مبنية على نظريات، والنظريات تختلف، فإذا جعلنا القرآن دالاًّ على هذه النظرية، ثم تبين بعد أن هذه النظرية خطأ، معنى ذلك أن دلالة القرآن صارت خاطئة، وهذه مسألة خطيرة جدًّا. ولهذا اعتني في الكتاب والسنة ببيان ما ينفع الناس من العبادات والمعاملات، وبين دقيقها وجليلها حتى آداب الأكل والجلوس
والدخول وغيرها، لكن علم الكون لم يأتِ على سبيل التفصيل.
ولذلك فأنا أخشى من انهماك الناس في الإعجاز العلمي وأن يشتغلوا به عما هو أهم. إن الشيء الأهم هو تحقيق العبادة؛ لأن القرآن نزل بهذا، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (1) .
__________
(1) سورة الذاريات، الآية: 56.
(26/28)

أما علماء الكون الذين وصلوا إلى ما وصلوا إليه فننظر إن اهتدوا بما وصلوا إليه من العلم، واتقوا الله- عز وجل - وأخذوا بالإسلام صاروا من علماء المسلمين الذين يخشون الله، وإن بقوا على كفرهم، وقالوا: إن هذا الكون له محدث، فإن هذا لا يعدو أن يكونوا قد خرجوا من
كلامهم الأول إلى كلام لا يستفيدون منه. فكل يعلم أن لهذا الكون محدثاً؛ لأن هذا الكون إما أن يحدث نفسه، وإما أن يحدث صدفة، وإما أن يحدثه خالق وهو الله- عز وجل- فكونه يحدث نفسه مستحيل؛ لأن الشيء لا يخلق نفسه؛ لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقاً، ولا
يمكن أن يوجد صدفة لأن كل حادث لا بد له من محدث، ولأن وجوده على هذا النظام البديع والتناسق المتآلف والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعاً باتاً أن يكون وجوده صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف
يكون منتظماً حال بقائه وتطوره؟ وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها ولا توجد صدفة تعين أن يكون لها موجد، وهو الله رب العالمين.
(26/29)

س 4: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يوجد من شباب اليوم من صرف اهتمامه في مذاكرة الحديث والتفسير والتوحيد والفقه فقط، مع إهمالهم لمواد أخرى مثل الرياضيات والعلوم، ونرى من هؤلاء من يتشددون في الدين تشدداً عظيماً، فما نصيحتكم؟
فأجاب بقول: لا شك أن ما ذكره السائل من أن العلم لا يقتصر على العلوم الشرعية كعلم التفسير والحديث والتوحيد والفقه وما يتعلق بذلك، لكن العلم المحمود على كل حال
هو هذه العلوم التي أمر الله بها، وهي التي فيها الفضل، وهي التي قال الله تعالى فيها: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (1) وقال فيها: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (2) . وقال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة" (3) . وقال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " (4) . أما العلوم
__________
(1) سورة فاطر، الآية: 28.
(2) سورة المجادلة، الآية: 11.
(3) رواه مسلم/كتاب الذكر والدعاء/باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن/برقم (2699) .
(4) رواه البخاري/كتاب العلم/باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين/برقم (71) . ومسلم/كتاب الزكاة/باب النهي عن المسألة/برقم (1037) .
(26/30)

الأخرى التي تتعلق بالدنيا فهي من العلوم المباحة التي إن اتخذها الإنسان وسيلة إلى خير كانت خيراً، وإن اتخذها وسيلة إلى شر كانت شراً، فهي لا تحمد لذاتها ولا تذم لذاتها؛ بل هي بحسب ما توصل إليه.
وهناك علوم أخرى علوم ضارة، إمَّا في العقيدة، وإمَّا في الأخلاق، وإمَّا في السلوك، فهذه محرمة وممنوعة بكل حال.
فالعلوم ثلاثة أقسام: محمودة بكل حال.
ومذمومة بكل حال.
ومباحة يتعلق الذم فيها، أو المدح بحسب ما تكون وسيلة له.
والنصوص الواردة في فضل العلم والحث عليه تتعلق بالقسم الأول فقط. وهو المحمود بكل حال، وإذا كانت العلوم التي تتعلق بالدنيا نافعة للخلق ولا تشغل عما هو أهم منها كان طلبها محموداً لما توصل إليه من النفع العام أو الخاص، ولا ينبغي لنا أن نحتقرها حتى لا نجعل لها قيمة في حال تكون مفيدة للخلق.
وأما قول السائل: من أنه يرى من هؤلاء من يتشددون في الدين تشددّاً عظيماً.
فالتشدد والتفريط أمر نسبي، فقد يرى الإنسان الشيء شديداً
(26/31)

فالتشدد والتفريط أمر نسبي، فقد يرى الإنسان الشيء شديدًا وهو في نظر غيره يسير، وقد يرى الإنسان الشيء يسيراً وهو في نظر غيره شديد. والمرجع في ذلك إلى ما تقتضيه الشريعة المبنية على كتاب الله- عز وجل- وعلى سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن كان ما يقومون به من
أعمال موافقة للكتاب والسنة فليس بتشديد، بل هو اليسر والسهولة، وإن كان بعض المتهاونين المفرطين يرونه تشديداً فلا عبرة بما يرونه، فإنه إذا وافق الكتاب والسنة فهو يسير لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إن هذا الدين يسر" (1) . لكن قد يستنكر بعض المفرطين شيئاً من شريعة الإسلام، ويظن أن القيام به تشديد فيصف المتمسكين به بالتشدد في دينهم، ونحن لا ننكر أنه يوجد فئة من الناس تتنطع في دينها، وتزيد فيه وتعنف على من خالفها في بعض الأمور التي يسوغ فيها الاجتهاد، وشمع الأمة فيها الخلاف، وهؤلاء لا عبرة بهم؛ لأنهم مُفْرِطُون، والذين يتساهلون ويرون أن التمسك بالشريعة تشديد لا عبرة بهم أيضًا؛ لأنهم مُفَرِّطُون، والدين بين الغالي فيه والجافي عنه.
س 5: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن أهمية العلم الشرعي بالنسبة لطالب العلم، وما هي الطريقة المثلى لطالب العلم
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الإيمان/باب الدين يسر/برقم (39) .
(26/32)

الشرعي؟ وماذا يجب عليه في حفظ القرآن الكريم؟ وكيف نستطيع أن نفهم العقيدة الإسلامية خاصة إذا كان الشخص وحيداً وليس لديه من يساعده على ذلك في مسألة الصفات والأسماء؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. طلب العلم الشرعي فرض على كل مسلم، لكنه على قسمين:
الأول: فرض عين.
والثاني: فرض كفاية.
أما فرض العين: فيجب على كل مسلم أن يتعلم من شرع الله ما يحتاج إلى فهمه، فمثلاً إذا كان عنده مال يجب عليه أن يتعلم ما هي الأموال التي تجب فيها الزكاة، وما مقدار الزكاة الواجبة، وما
شروطها، ومن هم المستحقون لها؛ ليعبد الله تعالى على علم وبصيرة، وإذا كان تاجرًا فعليه أن يتعلم من أحكام تجارته ما يستعين به على تطبيق التجارة على القواعد الشرعية، وإذا كان ناظراً على الأوقاف فيجب عليه أن يتعلم من أحكام الأوقاف ما يستعين به على أداء مهمته وهلم جرا.
أما فرض الكفاية: فهو ما عدا ذلك من العلوم الشرعية، فإن على الأمة الإسلامية أن تحفظ دينها بتعلم أحكامه. وعلى هذا فكل
(26/33)

طالب علم يعتبر قائماً بفرض كفاية يثاب على طلبه ثواب الفريضة، وهذه بشرى سارة لطلاب العلم أن يكونوا على طلبهم قائمين بفريضة من فرائض الله- عز وجل- ومن المعلوم أن القيام بالفرائض أحب إلى الله تعالى من القيام بالنوافل كما ثبت في الحديث الصحيح القدسي أن الله تبارك
وتعالى قال: "وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه " (1) .
وأما كيفية الطلب فيبدأ الإنسان بما هو أهم، وأهم شيء علم كتاب الله- عز وجل- وفهمه لقول الله سبحانه وتعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ) (2) . أي أنه وبَّخهم- عز وجل- لعدم تدبرهم كلام الله- عز وجل- وقال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (3) . وقال الله تبارك وتعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (4) . والتدبر يعني التمعن في المعنى؛ ولهذا كان الصحابة- رضي الله عنهم-
لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، ثم بعد ذلك ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أقواله،
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الرقاق/باب التواضع/برقم (6502) .
(2) سورة المؤمنون، الآية: 68.
(3) سورة محمد، الآية: 24.
(4) سورة ص، الآية: 29.
(26/34)

وأعماله، وتقريراته، ثم ما كتبه أهل العلم مما استنبطوه من كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وعلى آله وأصحابه وسلم، وعلى رأسهم وفى مقدمتهم الصحابة- رضي الله عنهم- فإنهم خير القرون بنص الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهم أقرب الناس إلى فهم كتاب الله، وفهم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويبدأ طالب العلم في الأصول بالمختصرات قبل المطولات؛ لأن طلب العلم كالسلم إلى السقف يبدأ فيه الإنسان من أول درجة، ثم يصعد درجة حتى يبلغ الغاية.
وقولي: (حتى يبلغ الغاية) : ليس معناه أن الإنسان يمكن أن يحيط بكل شيء علماً، هذا لا يمكن، وفوق كل ذي علم عليم، ولكن يبدأ.
بالأهم فالأهم ويبدأ بالمختصرات قبل المطولات.
وخير ما نراه في باب الأسماء والصفات من الكتب المختصرة:
(العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لأنها عقيدة مختصرة جامعة شاملة نافعة أكثر ما جاء به في صفات الله من القرآن الكريم.
وأما كيف تستعمل هذه الأدلة؟
فإن الطريق الصحيح والمنهج السليم فيها أن يجريها الإنسان على ظاهرها اللائق بالله- عز وجل- فيجريها على ما يدل عليه ظاهرها، لكن من غير تمثيل ولا تكييف، فإذا قرأ قول الله تعالى يخاطب
(26/35)

إبليس: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ) (1) 0 آمن بأن لله يدين اثنتين حقيقة لا مجاز فيها، لكن لا يجوز أن يقول كيفيتهما كذا وكذا، ولا أن يقول: إنهم مثل أيدي المخلوقين فلا يمثل ولا يكيف، وكذلك إذا قرأ قول النبي - صلى الله عليه وسلم - " إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" (2) . فيثبت لله- عز وجل- أصابع، ولكن لا يمثل ولا يكيف، فلا يقول: إن أصابع الله- عز وجل- كأصابع المخلوق، ولا يكيف صفة معينة يقدرها في ذهنه لهذه الأصابع. ودليل هذا أن الله سبحانه وتعالى خاطبنا في القرآن باللغة العربية فما دل عليه اللفظ في اللغة العربية فهو ثابت لقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (3) . وقوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (4) . فبين الله تعالى أنه أنزل القرآن وصيره باللغة العربية من أجل أن نعقله ونفهمه، وهذه هي العادة في إرسال الله تعالى الرسل، يرسلهم الله تعالى بلغة
__________
(1) سورة ص، الآية: 75.
(2) رواه مسلم/كتاب القدر/باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء/برقم (2654) .
(3) سورة الزخرف، الآية: 3.
(4) سورة الشعراء، الآيتان: 193-195.
(26/36)

أقوامهم ليبينوا لهم قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (1) . فنجري آيات الصفات على ما تقتضيه اللغة العربية لكننا لا نمثل ولا نكيف، أما عدم التمثيل فلأن الله تعالى نهانا أن نضرب له المثل فقال: (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (2) . وأخبرنا- عز وجل- أنه لا مثل له فقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (3) .
وقال تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (4) . وبهذه الآيات يتبين أنه لا يحل لنا أن نمثل صفات الله- عز وجل- وأما عدم التكييف فلقول الله
تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (5) .
ولقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ
__________
(1) سورة إبراهيم، الآية: 4.
(2) سورة النحل، الآية: 74.
(3) سورة الشورى، الآية: 11.
(4) سورة مريم، الآية: 65.
(5) سورة الإسراء، الآية: 36.
(26/37)

تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (1) . ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عن صفاته ولم يخبرنا عن كيفيتها، فإذا حاولنا أن نكيف صرنا ممن افترى على الله كذباً. هذه القاعدة في باب أسماء الله وصفاته.
فلو قال لك قائل: المراد باليدين النعمة أو القدرة.
فبكل سهولة تقول: هذا باطل؛ لأن هذا خلاف مدلولها في اللغة العربية والقرآن نزل باللغة العربية ولا نقبل هذا التحريف إلا بدليل من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أقوال السلف.
وإذا قال لك قائل: المراد باستواء الله على العرش استيلاؤه عليه فقل: هذا باطل؛ لأن الاستواء على الشيء لا يعنى الاستيلاء عليه في اللغة العربية والقرآن نزل باللغة العربية، ومعنى الاستواء على الشيء في اللغة: العلو عليه علوًا خاصًا.
وإذا قال لك قائل: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (2) . أي: يبقى ثواب الله.
فقل: هذا باطل، لأن الله وصف وجهه ذو الجلال والإكرام فقال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (3) . فذو صفة لوجهه
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(2) سورة الرحمن، الآية: 27.
(3) سورة الرحمن، الآية: 27.
(26/38)

ومعلوم أن الثواب لا يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام.
واثبت على هذا المنهج تسلم من البدع الضالة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حذر من البدع. فقال عليه الصلاة والسلام: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (1) .
والعجب أن هؤلاء المنحرفين الذين يقولون: إن المراد باليد النعمة والقدرة، والمراد بالوجه: الثواب، والمراد بالاستواء: الاستيلاء، يدّعون أنهم فعلوا ذلك تنزيهاً لله عما لا يليق به، وفي الحقيقة بفعلهم هذا وصفوا الله بما لا يليق به. فقد أخبر عن شيء هو في نظرهم غير صحيح، فيقول في كلام الله إمَّا: الكذب.
وإمَّا التلبيس والتعمية والله- عز وجل- يقول: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (2) . ويقول الله - عز وجل-: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (3) .
والله- عز وجل- قد بين لنا كل شيء ولا سيما ما يتعلق بأسمائه وصفاته، فقد بينه الله تعالى بيانًا كافيًا شافيًا لا يحتاج إلى أقيسة هؤلاء التي يدعونها عقلية وهى خيالات وهمية.
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الجمعة/باب تخفيف الصلاة والخطبة/برقم (867) .
(2) سورة النساء، الآية: 26.
(3) سورة النساء، الآية: 176.
(26/39)

ثم إني أنصح من أراد طلب العلم أن يختار له شيخاً:
1- موثوقًا في علمه.
2- وموثوقًا في دينه.
3- وسليم العقيدة.
4- وسليم المنهج.
5- ومستقيم الاتجاه؛ لأن التلميذ سوف يكون نسخة من أستاذه فإن وفق الله له أستاذًا سليمًا مستقيمًا صار على نهجه، وإن كان الآخر فسينحرف كما انحرف أستاذه، وإذا قدر أنه لا يستطيع الوصول إلى مثل هذا الأستاذ الموثوق به كما ذكرنا فقد تيسر الأمر- ولله الحمد- في الآونة الأخيرة، فصارت أصوات العلماء تصل إلى أقصى الدنيا عبر الشريط. ويمكنه أن يقرأ على الأستاذ بما يسمع من الشريط، ويقيد ما يشكل عليه من الكلام، ويراجع به الأستاذ المتكلم، وإما عن طريق الهاتف أو عن طريق المكاتبة. فكل شيء متاح في الآونة الأخيرة والحمد لله. ومعلوم أن تلقِّي العلم عن الشيخ أقرب في التحصيل وأسلم من الزلل، ولهذا نجد الذين يعتمدون على مجرد قراءة الكتب يخطئون خطئًا كبيرًا، ولا يصلون إلى الغاية من العلم إلا بعد زمن طويل، لكن عند الضرورة لا بأس أن تتعلم من الكتب والأشرطة وما أشبه ذلك، بشرط: أن تكون هذه الأشرطة والكتب من عالم مأمون في عقيدته ودينه وعلمه ومنهجه.
(26/40)

س 6: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: جاء في الحديث " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (1) . فهل يدخل في ذلك العلم علوم الدنيا من الفيزياء والكيمياء أم هو مقيد بالشرعي؟
فأجاب بقوله: كل علم يثاب عليه العبد ثم يعلمه الآخرين فإن المتعلمين منه يثابون عليه، وإذا أثيبوا عليه ناله من الأجر بعد موته ما يستحق، وأما ما لا ثواب في تعلمه فليس فيه أصلا ثواب حتى
نقول: إنه يستمر، فمثلاً علم التفسير والتوحيد والفقه وأصوله والعربية كل هذه علوم يثاب الإنسان عليها فإن علمها أحدا من الناس أثيب هذا المتعلم فنال المعلم من ثوابه ما يستحقه.
س 7: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما مكانة وفضل أهل العلم في الإسلام؟
فأجاب بقوله: مكانة أهل العلم أعظم مكانة؛ لأنهم ورثة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام-، ولهذا يجب عليهم من بيان العلم والدعوة إلى الله ما لا يجب على غيرهم، وهم في الأرض كالنجوم في
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الوصية/باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته/برقم (1631) .
(26/41)

السماء، يهدون الخلق الضالين التائهين ويبينون لهم الحق، ويحذرونهم من الشر، ولذلك كانوا في الأرض كالغيث يصيب الأرض القاحلة فتنبت بإذن الله، ويجب على أهل العلم من العمل والأخلاق
والآداب ما لا يجب على غيرهم؛ لأنهم أسوة وقدوة فكانوا أحق الناس وأولى الناس بالتزام الشرع في آدابه وأخلاقه.
(26/42)

حكم طلب العلم
(26/43)

س 8: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أسكن مع والديَّ وأعمل في مدينة مجاورة، وأفكر في السكن قرب عملي لأجل أن أحضر حلقات العلم في ذلك البلد، أرجو توجيه النصح لي وجزاكم الله خيرًا.
فأجاب بقوله: إذا كان يشق عليه التردد إلى والديه في بلدهما فلا حرج عليه أن يستأجر مسكنًا في البلد الذي يعمل فيه، ولكن إذا كان الوالدان مضطرين إلى وجوده عندهما فإنه يجب عليه أن يحاول
الانتقال إلى البلد الذي فيه الوالدان، وإذا علم الله من نيته أنه يريد دفع ضرورة الوالدين بالانتقال، فإن الله سييسر له الأمر لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (1) . فإذا لم يمكن هذا فليعرض على والديه الانتقال إلى البلد الذي يعمل فيها ليكون سكناهما معه فيقوم بوظيفته وبواجب والديه بدون تعب.
س 9: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أيهما أفضل الدراسة لكي ينال الشخص الشهادة أم التعليم الديني وحفظ القرآن ودروس
__________
(1) سورة الطلاق، الآية: 4.
(26/45)

فأجاب بقوله: يمكن للإنسان أن يجمع بين هذا وهذا، فيقرأ في المدارس والمعاهد والكليات النظامية، ويقرأ على المشايخ في المساجد ويحفظ القرآن ولا منافاة، وفى الوقت الحاضر أرى أنه لابد أن ينال
الإنسان الشهادة؛ لأن الوظائف الآن أصبح ميزانها تلك الشهادات، ولا يمكن أن يتوصل الإنسان إلى منزلة ينفع بها المسلمين النفع المطلوب إلا بالشهادات حتى يتمكن من أن يكون مدرسًا في المعاهد
والمدارس والجامعات، ويتمكن أن يكون عضوا في هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ لأن المجالات في هذه الأزمنة أصبحت مبنية على الشهادة، والإنسان إذا طلب العلم لينال الشهادة لغرض أن ينفع المسلمين بما يحصل له من الوظائف، فإن هذه النية لا تقدح بالإخلاص؛ لأنه اتخذ هذه الشهادة وسيلة وذريعة لنيل أمر مقصود شرعي.
س 10: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الأمور الشرعية التي يجب على المؤمن أن يتعلمها؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. الأمور الشرعية التي يجب على الإنسان أن يتعلمها، كل ما أوجب الله عليه
من طهارة، وصلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وبر للوالدين، وصلة
(26/46)

للأرحام، وغير ذلك مما يتعلق بأمور دينه، فيجب على الإنسان أن يتعلم أمور دينه قبل كل شيء، قال الله تبارك وتعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) (1) .
قال البخاري- رحمه الله-: (فبدأ الله تعالى بالعلم قبل العمل) فمثلاً: إذا أراد أن يتطهر الإنسان ويتوضأ للصلاة فلا بد أن يعرف كيف يتوضأ، وإذا أراد أن يصلى فيجب عليه أن يعرف كيف يصلي، وماذا عليه لو أخل بكذا أو كذا حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، وهذا معنى قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (2) اهدنا الصراط المستقيم أي: دلنا ووفقنا إلى الصراط المستقيم الذي يوصلنا إليك يا ربنا.
أما ما لا يحتاج إليها من الأمور فلا يلزمه تعلمه إلا أن يكون فرض كفاية عليه فمثلاً تعلم المعاملات، تعلم البيع الصحيح، والإجارة الصحيحة، والرهن الصحيح، والوقف الصحيح ليس
بواجب على كل أحد، بل يجب على من أراد أن يتعامل بهذا، وأما غيره فلا يجب عليه إلا إذا قدرنا أنه ليس في العالم من يعرف هذا، فإنه يكون فرض كفاية وإن لم يقم به أحد فيجب على الإنسان.
__________
(1) سورة محمد، الآية: 19.
(2) سورة الفاتحة، الآية: 6.
(26/47)

س 11: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: تعلم العلم الشرعي، هل يقتصر على المواد الشرعية فقط أم يدخل في ذلك المواد الأخرى؟
فأجاب بقوله: العلوم الشرعية داخلة في العلم الشرير وتعلمها تعلم شرير لا إشكال في هذا.
أما بقية العلوم فينظر: إن كانت تعين على العلم الشرعي، فإنها من العلوم النافعة التي ينتفع بها الإنسان في التقوي على معرفة العلوم الشرعية.
مثل: علم النحو والبلاغة.
وإن كانت لا تساعد على العلوم الشرعية نظرنا إن كانت نافعة في الدنيا فهي من الأمور المباحة إن كان النفع لا يتعدى للغير. وهي من الأمور المطلوبة إن كان النفع يتعدى إلى الغير.
وإن كانت ضارة فهي: محرمة.
وإن كانت لا ضارة ولا نافعة فهي: من اللغو الذي ينبغي للعاقل أن يتجنبه.
س 12: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن رأيه في تعليم البنات؟
(26/48)

فأجاب بقوله: الذي أرى في ذلك أن تعليم البنت إذا كان على وجه يصونها، ويحفظ كرامتها، وتكون على الصفة الشرعية في الحجاب وغيره فلا بأس.
وأما العلوم التي تتلقاها فإن كانت مما تحتاج إليه في دينها ودنياها ولم يحصل منها ضرر عليها فهي أيضًا لا بأس بها، بل يطلب منها تعلمها، وإن كانت مما لا تحتاج إليه فلا ينبغي أن يقرر عليها؛ لأنه
إتعاب لذهنها وفكرها وصد لها عما كانت بصدده من الحقوق الزوجية وغيرها، وإذا كان منها ضرر عليها بخلع جلباب الحياء أو التطلع إلى مساواة الرجل فهي حرام؛ لأن الوسائل لها أحكام
المقاصد هذا بالنسبة للتعليم كمنهج.
أما بالنسبة لبنت معينة فرأي ألا تواصل دراستها إلى حد يخرجها عما ينبغي أن تقوم به وتكون عليه بل إذا أخذت ما تحتاج إليه فلتتوقف. والله الموفق.
س 13: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل العلوم كالطب والهندسة من التفقه في دين الله؟
فأجاب بقوله: ليست هذه العلوم من التفقه في دين الله؛ لأن الإنسان لا يدرس فيها الكتاب ولا السنة، لكنها من الأمور التي
(26/49)

يحتاجها المسلمون، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن تعلم الصناعات والطب والهندسة والجيولوجيا وما أشبه ذلك من فروض الكفايات لا لأنها من العلوم الشرعية، ولكن لأنها لا تتم مصالح الأمة إلا بها، ولهذا أنبه الإخوان الذين يدرسون مثل هذه العلوم أن يكون قصدهم بتعلم هذه العلوم نفع إخوانهم المسلمين ورفع أمتهم الإسلامية، فالأمة الإسلامية الآن ملايين لو أنها استغلت مثل هذه
العلوم فيما ينفع المسلمين لكان في ذلك خير كثير، ولا ما احتجنا إلى الكفار في تحصيل كمالياتنا، بل وفي تحصيل ضرورياتنا أحيانًا، فهذه العلوم إذا قصد بها الإنسان القيام بمصالح العباد صارت مما يقرب إلى الله لا لذاتها ولكن لما قصد بها، أما أنها فقه في الدين فليست فقها في الدين؛ لأن الفقه في الدين؛ هو الفقه في أحكام الله تعالى الشرعية والقدرية، والفقه في ذات الله تعالى، وأسمائه وصفاته.
س 14: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أيهما أفضل قيام الليل، أم طلب العلم؟
فأجاب بقوله: طلب العلم أفضل من قيام الليل؛ لأن طلب العلم كما قال الإمام أحمد رحمه الله: " لا يعدله شيء لمن صحت نيته، ينوي به رفع الجهل عن نفسه وعن غيره".
(26/50)

فإذا كان الإنسان يسهر في أول الليل لطلب العلم ابتغاء وجه الله سواء كان يدرسه يعلمه الناس فإنه خير من قيام الليل، وإن أمكنه أن يجمع الأمرين فهو أولى، لكن إذا تزاحم الأمران فطلب العلم
الشرعي أفضل وأولى، ولهذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا هريرة رضي الله عنه أن يوتر قبل أن ينام (1) .
قال العلماء: وسبب ذلك أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يحفظ أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - أول الليل، وينام آخر الليل، فأرشده النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يوتر قبل أن ينام.
س 15: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الواجب على العامي ومن ليس له قدرة على طلب العلم؟
فأجاب بقوله: يجب على من لا علم عنده ولا قدرة له على الاجتهاد أن يسال أهل العلم لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (2) . ولم يأمر الله تعالى بسؤالهم إلا من أجل الأخذ بقولهم وهذا هو التقليد، لكن الممنوع في التقليد أن يلتزم مذهبًا معينًا يأخذ
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الصوم/باب صيام أيام البيض/برقم (1981) . ومسلم/كتاب صلاة المسافرين وقصرها/باب استحباب صلاة الضحى/برقم (721) .
(2) سورة النحل، الآية: 43.
(26/51)

به على كل حال، ويعتقد أن ذلك طريقه إلى الله- عز وجل- فيأخذ به وإن خالف الدليل.
وأما من له قدرة على الاجتهاد كطالب العلم الذي أخذ بحظ وافر من العلم، فله أن يجتهد في الأدلة ويأخذ بما يرى أنه الصواب، أو الأقرب للصواب، وأما العامي وطالب العلم المبتدئ فيجتهد في
تقليد من يرى أنه أقرب إلى الحق لغزارة علمه وقوة دينه وورعه.
س 16: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حكم تعلم اللغة الإنجليزية في الوقت الحاضر؟
فأجاب بقوله: تعلمها وسيلة، فإذا كنت محتاجًا إليها كوسيلة في الدعوة إلى الله فقد يكون تعلمها واجبًا، وإن لم تكن محتاجًا إليها فلا تشغل وقتك بها، واشتغل بما هو أهم وأنفع، والناس يختلفون في
حاجتهم إلى تعلم اللغة الإنجليزية، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود (1) .
فتعلم اللغة الإنجليزية وسيلة من الوسائل إن احتجت إليها تعلمتها، وإن لم تحتج إليها فلا تُضِع وقتك فيها.
__________
(1) رواه الترمذي/كتاب الاستئذان/باب ما جاء في تعليم السريانية برقم (2639) .
(26/52)

س 17: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا كانت الأمة أحوج إلى العلوم المادية كالطب والهندسة وغيرها، فهل الأفضل للإنسان أن يتخصص في العلوم المادية أم العلوم الشرعية؟
فأجاب بقوله: لا شك أن الأصل هو العلوم الشرعية، ولا يمكن لإنسان أن يعبد الله حق عبادته إلا بالعلم الشرير كما قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (1) . فلابد من العلم الشرعي الذي تقوم به حياة المرء في الدنيا والآخرة، ولا يمكن لأي دعوة أن تقوم إلا وهي مبنية على العلم، وبهذه المناسبة أود أن أحث إخواني الدعاة إلى الله أن يتعلموا قبل أن يدعوا، وليس معنى ذلك أن يتبحروا في العلم، لكن ألاَّ يتكلموا بشيء إلا وقد بنوه على العلم؛ لأنهم إذا تكلموا بما لا يعلمون كانوا داخلين تحت قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (2) .
والعلوم الشرعية تنقسم إلى قسمين:
قسم: لابد للإنسان من تعلمه وهو ما يحتاجه في أمور دينه ودنياه.
__________
(1) سورة يوسف، الآية: 108.
(2) سورة الأعراف، الآية: 33.
(26/53)

وقسم آخر وهو: فرض كفاية، فإنه هنا يمكن الموازنة بينه وبين ما تحتاجه الأمة من العلوم الأخرى التي ليست من العلوم الشرعية، وكذلك العلوم الأخرى التي ليست من العلوم الشرعية. تنقسم إلى
ثلاثة أقسام:
1- علوم ضارة؛ فيحرم تعلمها، ولا يجوز للإنسان أن يشتغل بهذه العلوم مهما تكن نتيجتها.
2- علوم نافعة، فإنه يتعلم منها ما فيه النفع.
3- العلوم التي جهلها لا يضر، والعلم بها لا ينفع وهذه لا ينبغي للطالب أن يقضى وقته في طلبها.
س 18: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أنا طالب علم وأهلي لهم ظروف مادية، فقال لي والدي: اعمل علينا أفضل لك من طلب العلم، فهل أترك دراستي للعمل؟ وهل العمل على الأهل
أفضل أم لا؟
فأجاب بقوله: لا شك أن طلب العلم أفضل، اللهم إلا في حالة الضرورة إلا إنه يمكنه أن يجمع بينهما ولا سيما أن الحالة الاقتصادية - والحمد لله- أن أكثر الناس قد أوسع الله عليهم، فيمكن أن تقوم بحاجة أهلك، فتتزوج امرأة يكون عندها بعض المؤونة، وتكون
(26/54)

مستمرًا في طلب العلم.
س 19: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أنا طالب في الجامعة وكل دراستي نظريات غربية تنافي تعاليم الشرع، فما رأيكم إذا علمتَ أنني أنوي نقد مثل هذه النظريات ونفع الأمة الإسلامية
في دراستي الحالية وبعد تخرجي؟
فأجاب بقوله: أقول هذا لا شك أنه من الجهاد في سبيل الله، أن يدرس الإنسان هذه النظريات المخالفة للإسلام حتى يرد عليها عن علم، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ رضي الله عنه وقد أرسله إلى اليمن: "إنك ستأتي قومًا أهل كتاب " (1) . فأخبره بحالهم كي يستعد لهم،
وكذلك العلماء الذين درسوا هذه الأمور، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله درس من العلوم والنظريات الفلسفية وغيرها ما يستطيع أن يرد به على أصحابها. فإذا كنت تتعلم هذه الأمور للرد،
وأنت واثق أن لديك المقدرة والحصانة على الرد بحيث لا تتأثر بها، بأن يكون لديك علم شرعي راسخ، ويكون لديك عبادة وتقوى فأرجو إن شاء الله تعالى أن يكون هذا خيرًا لك ونفعًا للمسلمين،
__________
(1) رواه البخاري/كتاب المغازي/باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن/برقم (4347) .
ومسلم/كتاب الإيمان/باب الدعاء إلى الشهادتين/برقم (19) .
(26/55)

وأما إذا كنت ترد عليه بشيء غير مقبول، أو ليس لديك دليل، فلا تنتهج هذا الطريق، وكذلك إذا كنت تعرف نفسك أنك لست على يقين كامل وثبات راسخ فأنا أشير عليك أن تدع هذه الأمور؛ لأنها خطيرة، ولا ينبغي للإنسان أن يتعرض للبلاء مع الخوف منه.
س 20: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أنا متخصص في علم الكيمياء وأتابع البحوث والدراسات التي تصدر في هذا المجال لكي أستفيد وأفيد من ذلك في أي مجال أعمل به سواء مدرسة أو مصنعًا، مع العلم بأن ذلك يشغلني عن طلب العلم الشرعي، فكيف أوفق بينهما؟
فأجاب بقوله: أرى أن التوفيق بين العلمين يمكن بحيث تركز على العلم الشرعي ويكون هو الأصل لديك، ويكون طلب العلم الآخر على سبيل الفضول، ثم مع ذلك تمارس هذا العلم الثاني من
أجل مصلحة تعود عليك وعلى أمتك بالخير، مثل أن تستدل بدراسة هذا العلم على كمال حكمة الله- عز وجل-، وربط الأسباب بمسبباتها وما إلى ذلك مما يعرفه غيرنا ولا نعرفه في هذه العلوم. فأنا أقول: استمر في طلب العلم الشرعي، واطلب الآخر لكن اجعل الأهم والمركز عليه هو العلم الشرعي.
(26/56)

س 21: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يعذر الشخص في عدم طلبه للعلم بسبب انشغاله بدراسته التي ليس بها طلب للعلم الشرعي، أو بسبب عمله أو غير ذلك؟
فأجاب بقوله: طلب العلم الشرعي فرض كفاية إذا قام به من يكفى صار في حق الآخرين سنة، وقد يكون واجبًا على الإنسان عينًا أي: فرض عين، كما لو أراد الإنسان أن يتعبد لله بعبادة فإنَّه يجب
عليه أن يعرف كيف يتعبد لله بهذه العبادة، وعلى هذا، فهذا الذي يشغله عن طلب العلم الشرعي حاجة أهله أو غير ذلك من الصوارف مع محافظته على ما يجب الحفاظ عليه من العبادة نقول: إن
هذا معذور ولا حرج عليه، ولكن ينبغي أن يتعلم من العلم الشرعي بقدر ما يستطيع.
س 22: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل تعليم الطالب الرياضيات إذا كان الشخص ينوي بها وجه الله له أجر أم لا؟
فأجاب بقوله: إذا كانت هذه الرياضيات مما تنفع المسلمين في معاشهم، ونوى الشخص بذلك نفع الناس بها فإنه يؤجر على نيته، ولكنها ليست كالعلوم الشرعية فإنه إذا كانت من المباحات
تكون وسيلة، فإذا كانت وسيلة إلى ما ينفع الناس في معاشهم أثيب
(26/57)

الشخص عليها؛ لأن القاعدة الشرعية أن المباح قسم واسع فقد يكون حرامًا، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون مستحبًا، وقد يكون واجبًا.
ونقول مثلاً: إن الأصل في البيع الحلال، ولكن قد يكون واجبًا أحيانًا.
وقد يكون حرامًا.
وقد يكون مستحبًا.
وقد يكون مكروهًا.
فإذا أراد شخص أن يشتري منك شيئًا ينقذ به حياته مثل الطعام والشراب فحكم البيع: واجب.
وشخص آخر أراد أن يشتري عنباً يجعله خمراً فهذا البيع: حرام.
وشخص آخر أراد أن يشتري ماءً ليتوضأ به وليس عنده ماء فالشراء: واجب، فعلى هذا نقول: إن المباح إذا كان وسيلة لأمر مشروع كان مشروعًا، وإذا كان ذريعة لأمر محرم كان حرامًا.
س 23: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن طالب علم يريد أن يذهب مع إخوانه في الله لطلب العلم وكان الحائل بينه وبين الذهاب معهم هو أهله، والده وأمه، فما الحكم في خروج هذا الطالب؟
(26/58)

فأجاب بقوله: هذا الطالب إن كان هناك ضرورة لبقائه عندهم فهذا أفضل، مع أنه يمكنه أن يبقى عندهم مع طلب العلم؛ لأن بر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله، والعلم من الجهاد وبالتالي
فيكون بر الوالدين مقدمَا عليه إذا كانا في حاجة إليه، أما إذا لم يكونا في حاجة إليه، ويتمكن من طلب العلم أكثر إذا خرج فلا حرج عليه أن يخرج في طلب العلم في هذه الحال، ولكنه مع هذا لا ينسى حق الوالدين في الرجوع إليهما وإقناعهما إذا رجع، وأما إذا علم كراهة الوالدين للعلم الشرعي فهؤلاء لا طاعة لهما، ولا ينبغي له أن يستأذن منهما إذا خرج؛ لأن الحامل لهما كراهة العلم الشرعي.
س 24: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز للمرء أن يترك عمله ويتفرغ لطلب العلم، فيكون عالة على أبيه وأخيه؟
فأجاب بقوله: لا شك أن طلب العلم من أفضل الأعمال، بل هو من الجهاد في سبيل الله، ولا سيما في وقتنا هذا حين بدأت البدع تظهر في المجتمع الإسلامي وتنتشر وتكثر، وبدأ الجهل الكثير ممن يتطلع إلى الإفتاء بغير علم، وبدأ الجدل من كثير من الناس، فهذه ثلاثة أمور كلها تحتم على الشباب أن يحرص على طلب العلم:
أولاً: بدع بدأت تظهر شرورها.
(26/59)

ثانيًا: أناس يتطلعون إلى الإفتاء بغير علم.
ثالثًا: جدل كثير في مسائل قد تكون واضحة لأهل العلم لكن يأتي من يجادل فيها بغير علم.
فمن أجل ذلك فنحن في ضرورة إلى أهل علم عندهم رسوخ وسعة اطلاع، وعندهم أيضًا فقه في دين الله، وعندهم حكمة في توجيه عباد الله؛ لأن كثيرًا من الناس الآن يحصلون على علم نظري
في مسألة من المسائل ولا يهمهم النظر إلى إصلاح الخلق وإلى تربيتهم، وأنهم إذا أفتوا بكذا وكذا صار وسيلة إلى شر أكبر لا يعلم مداه إلا الله.
وهاهم الصحابة- رضي الله عنهم- أحيانًا يلزمون بأشياء قد تكون النصوص دالة على عدم الإلزام بها من أجل تربية الخلق.
عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ألزم الناس بإمضاء الطلاق الثلاث، كان الطلاق الثلاث في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعهد أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، كان الطلاق الثلاث أي في مجلس واحد واحدًا، لكن هو محرم أي طلاق المرأة ثلاثًا في مجلس واحد؛ لأنه تعدى
حدود الله- عز وجل- قال عمر- رضي الله عنه-: أرى الناس قد تتابعوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، وجعل الطلاق الثلاث ثلاثًا لا واحدًا بعد أن مضى عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -،
(26/60)

وعهد أبي بكر، وسنتان من خلافته- رضي الله عنه- ألزم الناس بالطلاق الثلاث، مع أن الإنسان لو راجع زوجته بعد هذا الطلاق لكان رجوعه صحيحًا في العهدين السابقين لعهد عمر وسنتين من خلافته، لكن رأى أن المصلحة تقتضي إمضاء الطلاق الثلاث، ومنع الإنسان من الرجوع إلى زوجته.
أيضًا عقوبة الخمر في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤتى بالرجل الشارب فيضرب بطرف الثوب أو بالجريد أو النعال نحوًا من أربعين جلدة، وفى عهد أبى بكر يجلد أربعين، وفي عهد عمر يُجلد أربعين، ولكنه لما كثر الشرب جمع الصحابة واستشارهم فقال: عبد الرحمن بن عوف:
أخف الحدود ثمانون. فجعل عمر عقوبة شارب الخمر ثمانين جلدة (1) . كل هذا من أجل إصلاح الخلق فينبغي للمسلم أو المفتي والعالم في مثل هذه الأمور أن يراعي أحوال الناس وما يصلحهم.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الحدود/باب ما جاء في ضرب شارب الخمر/برقم (6773) .
ومسلم/كتاب الحدود/باب حد الخمر/برقم (1707) .
(26/61)

آداب طالب العلم
(26/63)

آداب طالب العلم
طالب العلم لابد له من التأدب بآداب، نذكر منها:
الأمر الأول: إخلاص النية لله- عز وجل-:
بأن يكون قصده بطلب العلم وجه الله والدار الآخرة؛ لأن الله حث عليه ورغب فيه، فقال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (1) .
والثناء على العلماء في القرآن معروف، وإذا أثنى الله على شيء أو أمر به صار عبادة.
إذن فيجب الإخلاص فيه لله بأن ينوي الإنسان في طلب العلم وجه الله- عز وجل- وإذا نوى الإنسان بطلب العلم الشرعي أن ينال شهادة ليتوصل بها إلى مرتبة أو رتبة، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله- عز وجل- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" (2) يعني:
ريحها. وهذا وعيد شديد.
__________
(1) سورة محمد، الآية: 19.
(2) رواه أحمد 14/169 (8457) ، وأبو داود/كتاب العلم/باب في طلب العلم لغير الله/ برقم (3664) ، وابن ماجه/كتاب الطهارة وسننها/باب الانتفاع بالعلم والعمل به/ برقم (252) .
(26/65)

لكن لو قال طالب العلم: أنا أريد أن أنال الشهادة لا من أجل حظ الدنيا، ولكن لأن النظم أصبح مقياس العالم فيها شهادته. فنقول: إذا كانت نية الإنسان نيل الشهادة من أجل نفع الخلق تعليمًا أو إدارة أو نحوها فهذه نية سليمة لا تضره شيئا؛ لأنها نية حق.
وإنما ذكرنا الإخلاص في أول آداب طالب العلم؛ لأن الإخلاص أساس، فعلى طالب العلم أن ينوي بطلب العلم امتثال أمر الله- عز وجل- لأن الله- عز وجل- أمر بالعلم فقال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (1) .
فأمر بالعلم، فإذا تعلمت فإنك ممتثل لأمر الله- عز وجل-.
الأمر الثاني: التمسك بالكتاب والسنة:
يجب على طلبة العلم الحرص التام على تلقي العلم والأخذ من أصوله التي لا فلاح لطالب العلم إن لم يبدأ بها، وهي:
1- القرآن الكريم: فإنه يجب على طالب العلم الحرص عليه قراءة وحفظًا وفهمًا وعملاً به، فإن القرآن هو حبل الله المتين، وهو أساس العلوم، وقد كان السلف يحرصون عليه غاية الحرص فيذكر
عنهم الشيء العجيب من حرصهم على القرآن، فتجد أحدهم حفظ القرآن وعمره سبع سنوات، وبعضهم حفظ القرآن في أقل من شهر،
__________
(1) سورة محمد، الآية: 19.
(26/66)

وفي هذا دلالة على حرص السلف- رضوان الله عليهم- على القرآن، فيجب على طالب العلم الحرص عليه وحفظه على يد أحد المعلمين؛ لأن القرآن يؤخذ عن طريق التلقي.
وإنه مما يؤسف له أن تجد بعض طلبة العلم لا يحفظ القرآن، بل بعضهم لا يحسن القراءة، وهذا خلل كبير في منهج طلب العلم.
لذلك أكرر أنه يجب على طلبة العلم الحرص على حفظ القرآن، والعمل به، والدعوة إليه، وفهمه فهمًا مطابقًا لفهم السلف الصالح.
2- السنة الصحيحة: فهي ثاني المصدرين للشريعة الإسلامية، وهي الموضحة للقرآن الكريم، فيجب على طالب العلم الجمع بينهما والحرص عليهما، وعلى طالب العلم حفظ السنة، إما بحفظ نصوص
الأحاديث أو بدراسة أسانيدها ومتونها وتمييز الصحيح من الضعيف، وكذلك يكون حفظ السنة بالدفاع عنها والرد على شبهات أهل الباع في السنة.
فيجب على طالب العلم أن يلتزم بالقرآن والسنة الصحيحة، وهما له- أي طالب العلم- كالجناحين للطائر إذا انكسرا لم يطر.
لذلك لا تراعي السنة وتغفل عن القرآن، أو تراعي القرآن وتغفل عن السنة، فكثير من طلبة العلم يعتني بالسنة وشروحها ورجالها، ومصطلحاتها اعتناءًا كاملاً، لكن لو سألته عن آية من
(26/67)

كتاب الله لرأيته جاهلاً بها، وهذا غلط كبير، فلابد أن يكون الكتاب والسنة جناحين لك يا طالب العلم، وهناك شيء ثالث مهم وهو كلام العلماء، فلا تهمل كلام العلماء ولا تغفل عنه؛ لأن العلماء أشد رسوخًا منك في العلم، وعندهم من قواعد الشريعة وأسرارها وضوابطها ما ليس عندك، ولهذا كان العلماء الأجلاء المحققون إذا ترجح عندهم قول، يقولون: إن كان أحد قال به وإلا فلا نقول به، فمثلاً شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- على علمه وسعة اطلاعه إذا قال قولاً لا يعلم له قائلاً قال: (أنا أقول به إن كان قد قيل به) ، ولا يأخذ برأيه.
لذا يجب على طالب العلم الرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يستعين بكلام العلماء.
والرجوع إلى كتاب الله يكون بحفظه وتدبره والعمل على ما جاء به؛ لأن الله يقول: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)) (1) .
لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ) وتدبر الآيات يوصل إلى فهم المعنى، (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) والتذكر هو العمل بهذا القرآن.
نزل هذا القرآن لهذه الحكمة، وإذا كان نزل لذلك فلنرجع إلى
__________
(1) سورة ص، الآية: 29.
(26/68)

الكتاب لنتدبره ولنعلم معانيه، ثم نطبق ما جاء به، ووالله إن فيه سعادة الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)) (1) .
ولهذا لا تجد أحدًا أنعم بالاً، ولا أشرح صدرًا، ولا أشد طمأنينة في قلبه من المؤمن أبدًا، حتى وإن كان فقيرًا، فالمؤمن أشد الناس انشراحًا، وأشد الناس اطمئنانًا، وأوسع صدرًا، واقرؤوا إن شئتم
قول الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (2) .
ما هي الحياة الطيبة؟
الجواب: الحياة الطيبة هي انشراح الصدر وطمأنينة القلب، حتى ولو كان الإنسان في أشد بؤس، فإنه مطمئن القلب منشرح الصدر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، ان أصابته ضراء
صبر فكان خيرًا له " (3) .
__________
(1) سورة طه، الآيتان: 123، 124.
(2) سورة النحل، الآية: 97.
(3) رواه مسلم/كتاب الزهد والرقائق/باب المزمن أمره كله خير/برقم (2999) .
(26/69)

الكافر إذا أصابته الضراء هل يصبر؟
فالجواب: لا، بل يحزن وتضيق عليه الدنيا، وربما انتحر وقتل نفسه، ولكن المؤمن يصبر ويجد لذة الصبر انشراحًا وطمأنينة، ولذلك تكون حياته طيبة، وبذلك يكون قوله تعالى: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (1) . حياة طيبة في قلبه ونفسه.
بعض المؤرخين الذين تكلموا عن حياة الحافظ ابن حجر - رحمه الله- وكان قاضي قضاة مصر في عهده، وكان إذا جاء إلى مكان عمله يأتي بعربة تجرها الخيول والبغال في موكب. فمر ذات
يوم برجل يهودي في مصر زيات- أي يبيع الزيت- وعادة يكون الزيات وسخ الثياب- فجاء اليهودي فأوقف الموكب. وقال للحافظ ابن حجر- رحمه الله-: إن نبيكم يقول: "الدنيا سجن
المؤمن وجنة الكافر" (2) . وأنت قاضي قضاة مصر، وأنت في هذا الموكب، وفي هذا النعيم، وأنا- يعني نفسه اليهودي- في هذا العذاب وهذا الشقاء.
قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله-: "أنا فيما أنا فيه من الترف والنعيم يعتبر بالنسبة إلى نعيم الجنة سجنًا، وأما أنت بالنسبة للشقاء
__________
(1) سورة النحل، الآية: 97.
(2) رواه مسلم/كتاب الزهد والرقائق، برقم (2956) .
(26/70)

الذي أنت فيه يعتبر بالنسبة لعذاب النار جنة". فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأسلم.
فالمؤمن في خير مهما كان، وهو الذي ربح الدنيا والآخرة.
والكافر في شر وهو الذي خسر الدنيا والآخرة.
تال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)) (1) .
فالكفار والذين أضاعوا دين الله وتاهوا في لذاتهم وترفهم، فهم وإن بنوا القصور وشيدوها وازدهرت لهم الدنيا، فإنهم في الحقيقة في جحيم، حتى قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف ".
أما المؤمنون فقد نعموا بمناجاة الله وذكره، وكانوا مع قضاء الله وقدره، فإن أصابتهم الضراء صبروا، وإن أصابتهم السراء شكروا، فكانوا في أنعم ما يكون، بخلاف أصحاب الدنيا فإنهم كما وصفهم الله بقوله: (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)) (2) .
__________
(1) سورة العصر، الآيات: 1-3.
(2) سورة التوبة، الآية: 58.
(26/71)

وأما الرجوع إلى السنة النبوية: فسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثابتة بين أيدينا، ولله الحمد، ومحفوظة، حتى ما كان مكذوبًا على الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإن أهل العلم بينوا سنته، وبينوا ما هو مكذوب عليه، وبقيت السنة- ولله الحمد- ظاهرة محفوظة، يستطيع أي إنسان أن يصل إليها إما بمراجعة الكتب- إن تمكن- وإلا ففي سؤال أهل العلم.
ولكن إذا قال قائل: كيف توفق بين ما قلت من الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؟ مع أننا نجد أن أناسًا يتبعون الكتب المؤلفة في المذاهب ويقول: أنا مذهبي كذا، وأنا مذهبي كذا!! حتى إنك لتفتي الرجل وتقول له: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: كذا، فيقول: أنا مذهبي حنفي، أنا مذهبي مالكي، أنا مذهبي شافعي، أنا مذهبي حنبلي.. وما أشبه ذلك.
فالجواب: أن نقول لهم إننا جميعًا نقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
فما معنى شهادة أن محمدًا رسول الله؟
قال العلماء: معناها: "طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع ".
فإذا قال إنسان: أنا مذهبي كذا أو مذهبي كذا أو مذهبي كذا؛ فنقول له: هذا قول الرسول- عليه الصلاة والسلام- فلا تعارضه بقول أحد.
(26/72)

حتى أئمة المذاهب ينهون عن تقليدهم تقليدًا محضًا ويقولون: "متى تبين الحق فإن الواجب الرجوع إليه ".
فنقول لمن عارضنا بمذهب فلان أو فلان: نحن وأنت نشهد أن محمدَا رسول الله، وتقتضى هذه الشهادة ألا نتبع إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذه السنة بين أيدينا واضحة جلية، ولكن لست أعني بهذا القول أن نقلل من أهمية الرجوع لكتب الفقهاء وأهل العلم، بل إن الرجوع
إلى كتبهم للانتفاع بها ومعرفة الطرق التي بها تستنبط الأحكام من أدلتها من الأمور التي لا يمكن أن يحقق طلب العلم إلا بالرجوع إليها.
ولذلك نجد أولئك القوم الذين لم يتفقهوا على أيدي العلماء نجد أن عندهم من الزلات شيئًا كثيرًا؛ لأنهم صاروا ينظرون بنظر أقل مما ينبغي أن ينظروا فيه، يأخذون مثلاً صحيح البخاري، فيذهبون إلى ما فيه من الأحاديث، مع أن في الأحاديث ما هو عام، ومخصص، ومطلق، ومقيد، وشيء منسوخ، لكنهم لا يهتدون إلى ذلك، فيحصل بهذا ضلال كبير.
الأمر الثالث: رفع الجهل عن نفسه وعن غيره:
أن ينوي بطلب العلم رفع الجهل عن نفسه وعن غيره؛ لأن الأصل في الإنسان الجهل، ودليل ذلك قوله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ
(26/73)

مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (1) . والواقع يشهد بذلك، فتنوي بطلب العلم رفع الجهل عن نفسك وبذلك تنال خشية الله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (2) . فتنوي رفع الجهل عن نفسك؛ لأن الأصل فيك الجهل، فإذا تعلمت وصرت من العلماء انتفى عنك الجهل، وكذلك تنوي رفع الجهل عن الأمة ويكون ذلك بالتعليم بشتى الوسائل لتنفع الناس بعلمك.
وهل من شرط نفع العلم أن تجلس في المسجد حلقة؟
أو يمكن أن تنفع الناس بعلمك في كل حال.
الجواب: بالثاني؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "بلغوا عني ولو آية" (3) ؛ لأنك إذا علمت رجلاً علمًا وعلمه رجلاً آخر صار لك أجر رجلين، ولو علم ثالثًا صار لك أجر ثلاثة وهكذا، ومن ثم صار من البدع أن الإنسان إذا فعل عبادة قال: "اللهم اجعل ثوابها لرسول الله"؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الذي علمك بها وهو الذي دلك عليها فله مثل
أجرك.
__________
(1) سورة النحل، الآية: 78.
(2) سورة فاطر، الآية: 28.
(3) رواه البخاري/كتاب أحاديث الأنبياء/باب ما ذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بني إسرائيل/ برقم (3461) .
(26/74)

قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: "العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته ". قالوا: كيف ذلك؟ قال: "ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره "؛ لأن الأصل فيهم الجهل كما هو الأصل فيك، فإذا
تعلمت من أجل أن ترفع الجهل عن هذه الأمة كنت من المجاهدين في سبيل الله الذين ينشرون دين الله.
الأمر الرابع: الدفاع عن الشريعة:
أن ينوي بطلب العلم الدفاع عن الشريعة؛ لأن الكتب لا يمكن أن تدافع عن الشريعة، ولا يدافع عن الشريعة إلا حامل الشريعة، فلو أن رجلاً من أهل البدع جاء إلى مكتبة حافلة بالكتب الشرعية
فيها ما لا يحصى من الكتب، وقام يتكلم ببدعة ويقررها فلا أظن أن كتابًا واحدًا يرد عليه، لكن إذا تكلم عند شخص من أهل العلم ببدعته ليقررها فإن طالب العلم يرد عليه، ويدحض كلامه بالقرآن
والسنة.
فعلى طالب العلم أن ينوي بطلب العلم الدفاع عن الشريعة؛ لأن الدفاع عن الشريعة لا يكون إلا برجالها كالسلاح تمامًا، لو كان عندنا أسلحة ملأت خزائنها، فهل هذه الأسلحة تستطيع أن تقوم من أجل أن تلقي قذائفها على العدو، أو لا يكون ذلك إلا بالرجال؟
فالجواب: لا يكون ذلك إلا بالرجال، وكذلك العلم.
(26/75)

ثم إن البدع تتجدد، فقد توجد بدع ما حدثت في الزمن الأول ولا توجد في الكتب فلا يمكن أن يدافع عنها إلا طالب العلم، ولهذا أقول:
إن مما تجب مراعاته لطالب العلم الدفاع عن الشريعة، إذن فالناس في حاجة ماسة إلى العلماء؛ لأجل أن يردوا على كيد المبتدعين وسائر أعداء الله- عز وجل- ولا يكون ذلك إلا بالعلم
الشرير المتلقى من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
الأمر الخامس: رحابة الصدر في مسائل الخلاف:
أن يكون صدره رحبًا في مواطن الخلاف الذي مصدره الاجتهاد؛ لأن مسائل الخلاف بين العلماء، إما أن تكون مما لا مجال للاجتهاد فيه، ويكون الأمر فيها واضحًا فهذه لا يعذر أحد بمخالفتها، وإما أن تكون مما للاجتهاد فيها مجال فهذه يعذر فيها من خالفها، ولا يكون قولك حجة على من خالفك فيها؛ لأننا لو قبلنا ذلك لقلنا بالعكس قوله حجة عليك.
وأنا أريد بهذا ما للرأي فيه مجال، ويسع الإنسان فيه الخلاف، أما من خالف طريق السلف كمسائل العقيدة فهذه لا يقبل من أحد مخالفة ما كان عليه السلف الصالح، لكن في المسائل الأخرى التي
للرأي فيها مجال فلا ينبغي أن يتخذ من هذا الخلاف مطعن في
(26/76)

الآخرين، أو يتخذ منها سبب للعداوة والبغضاء.
فالصحابة- رضي الله عنهم- يختلفون في أمور كثيرة، ومن أراد أن يطلع على اختلافهم فليرجع إلى الآثار الواردة عنهم يجد الخلاف في مسائل كثيرة، وهي أعظم من المسائل التي اتخذها الناس هذه
الأيام ديدنًا للاختلاف حتى اتخذ الناس من ذلك تحزبًا بأن يقولوا: أنا مع فلان وأنا مع فلان، كان المسألة مسألة أحزاب فهذا خطأ.
من ذلك مثلاً كأن يقول أحد: إذا رفعت من الركوع فلا تضع يدك اليمنى على اليسرى، بل أرسلها إلى جنب فخذيك فإن لم تفعل ذلك فأنت مبتدع.
كلمة (مبتدع) ليست هينة على النفس، إذا قال لي هذا سيحدث في صدري شيء من الكراهة؛ لأن الإنسان بشر، ونحن نقول: هذه المسألة فيها سعة إما أن يضعها أو يرسلها، ولهذا نص الإمام أحمد-
رحمه الله- على أنه يخير بين أن يضع يده اليمنى على اليسرى وبين الإرسال؛ لأن الأمر في ذلك واسع، ولكن ما هي السنة عند تحرير هذه المسألة؟
فالجواب: السنة أن تضع يدك اليمنى على اليسرى إذا رفعت من الركوع كما تضعها إذا كنت قائمًا، والدليل فيما رواه البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع
(26/77)

الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة" (1) . فلتنظر هل يريد بذلك في حال السجود أو يريد بذلك في حال الركوع؛ أو يريد بذلك في حالة القعود؟ لا، بل يريد بذلك في حالة القيام وذلك
يشمل القيام قبل الركوع والقيام بعد الركوع، فيجب ألا نأخذ من هذا الخلاف بين العلماء سببًا للشقاق والنزاع؛ لأننا كلنا نريد الحق، وكلنا فعل ما أداه اجتهاده إليه، فمادام هكذا فإنه لا يجوز أن نتخذ من ذلك سببًا للعداوة والتفرق بين أهل العلم؛ لأن العلماء لم يزالوا يختلفون حتى في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذن فالواجب على طلبة العلم أن يكونوا يدًا واحدة، ولا يجعلوا
مثل هذا الخلاف سببًا للتباعد والتباغض، بل الواجب إذا خالفت صاحبك بمقتضى الدليل عندك، وخالفك هو بمقتضي الدليل عنده أن تجعلوا أنفسكم على طريق واحد، وأن تزداد المحبة بينكما.
ولهذا فنحن نحب ونهنئ شبابنا الذين عندهم الآن اتجاهًا قويًا إلى أن يقرنوا المسائل بالدلائل، وأن يبنوا علمهم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، نرى أن هذا من الخير وأنه يبشر بفتح أبواب العلم من مناهجه الصحيحة، ولا نريد منهم أن يجعلوا ذلك سببًا للتحزب
والبغضاء، وقد قال الله لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الأذان/باب وضع اليمنى على اليسرى/برقم (740) .
(26/78)

شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (1) . فالذين يجعلون أنفسهم أحزابًا يتحزبون إليها لا نوافقهم على ذلك؛ لأن حزب الله واحد، ونرى أن اختلاف الفهم لا يوجب أن يتباغض الناس وأن يقع أحدهم في عرض أخيه.
فيجب على طلبة العلم أن يكونوا إخوة، حتى وإن اختلفوا في بعض المسائل الفرعية، وعلى كل واحد أن يدعو الآخر بالهدوء والمناقشة التي يراد بها وجه الله والوصول إلى العلم، وبهذا تحصل
الألفة، ويزول هذا العنت والشدة التي تكون في بعض الناس، حتى قد يصل بهم الأمر إلى النزاع والخصام، وهذا لاشك يفرح أعداء المسلمين، والنزاع بين الأمة من أشد ما يكون في الضرر قال الله
تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (2) .
وكان الصحابة.- رضي الله عنهم- يختلفون في مثل هذه المسائل، ولكنهم على قلب واحد، على محبة وائتلاف، بل إني أقول بصراحة: إن الرجل إذا خالفك بمقتضى الدليل عنده فإنه موافق لك في الحقيقة؛ لأن كلاً منكما طالب للحقيقة، وبالتالي فالهدف واحد وهو
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 159.
(2) سورة الأنفال، الآية: 46.
(26/79)

الوصول إلى الحق عن دليل، فهو إذن لم يخالفك ما دمت تقر أنه إنما خالفك بمقتضي الدليل عنده، فأين الخلاف؟ وبهذه الطريقة تبقى الأمة واحدة وإن اختلفت في بعض المسائل لقيام الدليل عندها، أما من عاند وكابر بعد ظهور الحق فلا شك أنه يجب أن يعامل بما يستحقه بعد العناد والمخالفة، ولكل مقام مقال.
الأمر السادس: العمل بالعلم:
أن يعمل طالب العلم بعلمه عقيدة، وعبادة، وأخلاقًا، وآدابًا، ومعاملة؛ لأن هذا هو ثمرة العلم، وهو نتيجة العلم، وحامل العلم كالحامل لسلاحه إما له وإما عليه، ولهذا ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "القرآن حجة لك أو عليك " (1) . لك إن عملت به وعليك إن لم تعمل
به، وكذلك يكون العمل بما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتصديق الأخبار، وامتثال الأحكام، إذا جاء الخبر من الله ورسوله فصدقه وخذه بالقبول والتسليم ولا تقل: لِمَ؟ وكيف؟ فن هذا طريقة غير المؤمنين فقد قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)) (2) .
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الطهارة/باب فضل الوضوء/برقم (223) .
(2) سورة الأحزاب، الآية: 36.
(26/80)

والصحابة كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحدثهم بأشياء قد تكون غريبة وبعيدة عن أفهامهم، ولكنهم يتلقون ذلك بالقبول، لا يقولون: لِمَ؟ وكيف؟
بخلاف ما عليه المتأخرون من هذه الأمة، نجد الواحد منهم إذا حدث بحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحار عقله فيه نجده يورد على كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - الإيرادات التي تستشف منها أنه يريد الاعتراض لا الاسترشاد، ولهذا يحال بينه وبين التوفيق، حتى يرد هذا الذي جاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لم يتلقه بالقبول والتسليم.
وأضرب لذلك مثلاً ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " (1) .
هذا الحديث حدث به النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو حديث مشهور بل متواتر، ولم يرفع أحد من الصحابة لسانه ليقول: يا رسول الله، كيف ينزل؟ وهل يخلو منه العرش أم لا؟ وما أشبه ذلك؟
لكن نجد بعض الناس يتكلم في مثل هذا، ويقول كيف يكون على العرش وهو ينزل إلى السماء الدنيا؟ وما أشبه ذلك من
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الدعوات/باب الدعاء نصف الليل/برقم (6321) . ومسلم/ كتاب صلاة المسافرين/باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل/برقم (758) .
(26/81)

الإيرادات التي يوردونها، ولو أنهم تلقوا هذا الحديث بالقبول وقالوا: إن الله- عز وجل- مستو على عرشه، والعلو من لوازم ذاته، وينزل كما يشاء- سبحانه وتعالى- لاندفعت عنهم هذه الشبهة ولم
يتحيروا فيما أخبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ربه.
إذن الواجب علينا أن نتلقى ما أخبر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من أمور الغيب بالقبول والتسليم، وألا نعارضها بما يكون في أذهاننا من المحسوس والمشاهد؛ لأن أمر الغيب أمر فوق ذلك، والأمثلة على ذلك كثيرة لا أحب أن أطيل بذكرها، إنما موقف المؤمن من مثل هذه
الأحاديث هو القبول والتسليم بأن يقول صدق الله ورسوله كما أخبر الله عن ذلك في قوله: (آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ) (1) .
فالعقيدة يجب أن تكون مبنية على كتاب الله وسنة رسوله، وأن يعلم الإنسان أنه لا مجال للعقل فيها، لا أقول لا مدخل للعقل فيها، وإنما أقول لا مجال للعقل فيها؛ لأن ما جاءت به من نصوص في كمال الله شاهدة به العقول، وإن كان العقل لا يدرك تفاصيل ما يجب لله من كمال لكنه يدرك أن الله قد ثبت له كل صفات الكمال، لابد أن يعمل بهذا العلم الذي مَنَّ الله به عليه من ناحية العقيدة.
كذلك من ناحية العبادة، التعبد لله- عز وجل- وكما يعلم كثير
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 285.
(26/82)

منا أن العبادة مبنية على أمرين أساسين:
أحدهما: الإخلاص لله- عز وجل-.
والثاني: المتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيبني الإنسان عبادته على ما جاء عن الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، لا يبتدع في دين الله ما ليس منه لا في أصل العبادة، ولا في وصفها، ولهذا نقول: لابد في العبادة أن تكون ثابتة بالشرع في هيئتها، وفي مكانها، وفي زمانها، وفي سببها، وفي عددها، وفي جنسها، فلابد أن تكون ثابتة بالشرع في هذه الأمور كلها.
فلو أن أحدًا أثبت شيئًا من الأسباب لعبادة تعبَّد لله بها دون دليل رددنا عليه ذلك، وقلنا: إن هذا غير مقبول، لأنه لابد أن يثبت بأن هذا سبب لتلك العبادة، وإلا فليس بمقبول منه، ولو أن أحدًا شرع شيئًا من العبادات لم يأتِ به الشرع أو أتى بشيء ورد به الشرع لكن على هيئة ابتدعها أو في زمان ابتدعه، قلنا: إنها مردودة عليك؛ لأنه لابد أن تكون العبادة مبنية على ما جاء به الشرع؛ لأن هذا هو مقتضى ما علمك الله تعالى من العلم ألا تتعبد لله تعالى إلا بما شرع.
ولهذا قال العلماء: إن الأصل في العبادات الحظر حتى يقوم دليل على المشروعية، واستدلوا على ذلك بقوله: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (1) .
__________
(1) سورة الشورى، الآية: 21.
(26/83)

وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث عائشة- رضي الله عنها-: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (1) .
حتى لو كنت مخلصًا وتريد الوصول إلى الله، وتريد الوصول إلى كرامته، ولكنه على غير الوجه المشروع فإن ذلك مردود عليك، ولو أنك أردت الوصول إلى الله من طريق لم يجعله الله تعالى طريقًا
للوصول إليه فإن ذلك مردود عليك.
إذن فواجب طالب العلم أن يكون متعبدًا لله تعالى بما علمه من الشرع لا يزيد ولا ينقص، لا يقول إن هذا الأمر الذي أريد أن أتعبد لله به أمر تسكن إليه نفسي ويطمئن إليه قلبي وينشرح به صدري، لا يقول هكذا حتى لو حصل هذا فليزنها بميزان الشرع فإن شهد الكتاب والسنة لها بالقبول فعلى العين والرأس وإلا فإنه قد يزين له سوء عمله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ) (2) .
كذلك لابد أن يكون عاملاً بعلمه في الأخلاق والمعاملة، والعلم الشرعي يدعو إلى كل خلق فاضل من الصدق والوفاء، ومحبة الخير للمؤمنين حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الأقضية/باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور/برقم (1718) (18) .
(2) سورة فاطر، الآية: 8.
(26/84)

يحب لنفسه " (1) . وقال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه" (2) ، وكثير من الناس عندهم غيرة وحب للخير، ولكن لا يسعون الناس بأخلاقهم، نجد عنده شدة وعنف حتى
في مقام الدعوة إلى الله- عز وجل- نجده يستعمل العنف والشدة، وهذا خلاف الأخلاق التي أمر بها الله- عز وجل-.
واعلم أن حسن الخلق مما يقرب إلى الله- عز وجل-، وأولى الناس برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأدناهم منه منزلة أحاسنهم أخلاقًا كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، صان أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون ". قالوا يا رسول الله! قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: االمتكبرون، (3) .
الأمر السابع: الدعوة إلى الله:
أن يكون داعيًا بعلمه إلى الله- عز وجل- يدعو في كل مناسبة
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الإيمان/باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه/برقم (13) ، ومسلم/كتاب الإيمان/باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، برقم (45) .
(2) رواه مسلم/كتاب الإمارة/باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء، برقم (1844) .
(3) رواه الترمذي/كتاب البر والصلة/باب ما جاء في معالي الأخلاق، برقم (2018) .
(26/85)

في المساجد، وفي المجالس، وفي الأسواق، وفي كل مناسبة، هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن آتاه الله النبوة والرسالة لم يجلس في بيته بل كان يدعو الناس ويتحرك، وأنا لا أريد من طلبة العلم أن يكونوا نسخًا من كتب، ولكني أريد منهم أن يكونوا علماء عاملين.
الأمر الثامن: الحكمة:
أن يكون متحليًا بالحكمة، حيث يقول الله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (1) .
والحكمة أن يكون طالب العلم مربياً لغيره بما يتخلق به من الأخلاق، وبما يدعو إليه من دين الله- عز وجل- بحيث يخاطب كل إنسان بما يليق بحاله، وإذا سلكنا هذا الطريق حصل لنا خير كثير كما قال ربنا- عز وجل-: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (2) .
والحكيم هو: الذي ينزل الأشياء منازلها؛ لأن الحكيم مأخوذ من الإحكام وهو الإتقان، وإتقان الشيء أن ينزله منزلته، فينبغي بل يجب على طالب العلم أن يكون حكيمًا في دعوته.
وقد ذكر الله مراتب الدعوة في قوله تعالما: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (3) .
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 269.
(2) سورة البقرة، الآية: 269.
(3) سورة النحل، الآية: 125.
(26/86)

وذكر الله تعالى مرتبة رابعة في جدال أهل الكتاب فقال تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (1) .
فيختار طالب العلم من أساليب الدعوة ما يكون أقرب إلى القبول، ومثال ذلك في دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -: جاء أعرابي فبال في جهة المسجد، فقام إليه الصحابة رضي الله عنهم يزجرونه، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولما قضى بوله دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن " (2) أو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، أرأيتم أحسن من هذه الحكمة؟ فهذا الأعرابي انشرح صدره واقتنع حتى إنه قال: "اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا " (3) .
وقصة أخرى: عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. فلما رأيتهم
يصمتونني، سكتّ. فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبأبي هو وأمي! ما
__________
(1) سورة العنكبوت، الآية: 46.
(2) رواه مسلم/كتاب الطهارة/باب وجوب غسل البول، برقم (284) (99) .
(3) رواه البخاري/كتاب الوضوء/باب صب الماء على البول في المسجد برقم (220) .
(26/87)

رأيت معلمًا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله! ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني. قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " (1) . ومن هنا نجد أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالحكمة كما أمر الله- عز وجل-.
ومثال آخر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً وفي يده خاتم ذهب، وخاتم الذهب حرام على الرجال، فنزعه النبي - صلى الله عليه وسلم - من يده ورمى به، وقال:
"يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده " (2) ولما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل للرجل: خذ خاتمك انتفع به. فقال: والله لا آخذ خاتمًا طرحه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فأسلوب التوجيه هنا أشد؛ لأن لكل مقام مقالاً، وهكذا ينبغي لكل من يدعو إلى الله أن ينزل الأمور منازلها، وألا يجعل الناس على حد سواء، والمقصود حصول المنفعة.
وإذا تأملنا ما عليه كثير من الدعاة اليوم وجدنا أن بعضهم تأخذه الغيرة حتى ينفر الناس من دعوته، لو وجد أحدًا يفعل شيئًا محرمًا لوجدته يشهر به بقوة وبشدة يقول: ما تخاف الله، ما تخشى الله، وما
أشبه ذلك حتى ينفر منه، وهذا ليس بطيب؛ لأن هذا يقابل بالضد،
__________
(1) رواه مسلم/كتاب المساجد/باب تحريم الكلام في الصلاة، برقم (537) .
(2) رواه مسلم/كتاب اللباس/باب تحريم خاتم الذهب على الرجال، برقم (2090) .
(26/88)

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- لما نقل عن الشافعي- رحمه الله- ما يراه في أهل الكلام، حينما قال: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام ".
قال شيخ الإسلام: إن الإنسان إذا نظر إلى هؤلاء وجدهم مستحقين لما قاله الشافعي من وجه، ولكنه إذا نظر إليهم بعين القدر، والحيرة قد استولت عليهم والشيطان قد استحوذ عليهم، فإنه يرق
لهم ويرحمهم، ويحمد الله أن عافاه مما ابتلاهم به، أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، أو أتوا فهومًا، وما أوتوا علومًا، أو أتوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء.
هكذا ينبغي لنا أيها الإخوة أن ننظر إلى أهل المعاصي بعينين: عين الشرع.
وعين القدر.
عين الشرع أي: لا تأخذنا في الله لومة لائم، كما قال تعالى عن الزانية والزاني: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) (1) .
وننظر إليهم بعين القدر فنرحمهم ونرق لهم ونعاملهم بما نراه
__________
(1) سورة النور، الآية: 2.
(26/89)

أقرب إلى حصول المقصود وزوال المكروه، وهذا من آثار طالب العلم بخلاف الجاهل الذي عنده غيرة، لكن ليس عنده علم، فطالب العلم الداعية إلى الله يجب أن يستعمل الحكمة.
الأمر التاسع: أن يكون الطالب صابرًا على العلم أي مثابرًا عليه لا يقطعه ولا يمل بل يكون مستمرًا في تعلمه بقدر المستطاع، وليصبر على العلم، ولا يمل فإن الإنسان إذا طرقه الملل استحسر وترك، ولكن إذا كان مثابرًا على العلم فإنه ينال أجر الصابرين من وجه، وتكون له العاقبة من وجه آخر، واستمع إلى قول الله- عز وجل- مخاطبًا نبيه: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)) (1) .
الأمر العاشر: احترام العلماء وتقديرهم:
إن على طلبة العلم احترام العلماء وتقديرهم، وأن تتسع صدورهم لما يحصل من اختلاف بين العلماء وغيرهم، وأن يقابلوا هذا بالاعتذار عمن سلك سبيلاً خطأ في اعتقادهم، وهذه نقطة
مهمة جدًا؛ لأن بعض الناس يتتبع أخطاء الآخرين، ليتخذ منها ما ليس لائقًا في حقهم، ويشوش على الناس سمعتهم، وهذا من أكبر
__________
(1) سورة هود، الآية: 49.
(26/90)

الأخطاء، وإذا كان اغتياب العامي من الناس من كبائر الذنوب فإن اغتياب العالم أكبر وأكبر؛ لأن اغتياب العالم لا يقتصر ضرره على العالم، بل عليه وعلى ما يحمله من العلم الشرعي.
والناس إذا زهدوا في العالم أو سقط من أعينهم تسقط كلمته أيضًا، وإذا كان يقول الحق ويهدي إليه فإن غيبة هذا الرجل لهذا العالم تكون حائلاً بين الناس وبين علمه الشرعي، وهذا خطره كبير وعظيم.
أقول: إن على هؤلاء الشباب أن يحملوا ما يجري بين العلماء من الاختلاف على حسن النية، وعلى الاجتهاد، وأن يعذروهم فيما أخطؤوا فيه، ولا مانع أن يتكلموا معهم فيما يعتقدون أنه خطأ،
ليبينوا لهم هل الخطأ منهم، أو من الذين قالوا إنهم أخطؤوا؟ لأن الإنسان أحيانًا يتصور أن قول العالم خطأ، ثم بعد المناقشة يتبين له صوابه. والإنسان بشر قال عليه الصلاة والسلام: "كل ابن آدم
خطاء، وخير الخطائين التوابون " (1) .
أما أن يفرح بزلة العالم وخطئه، ليشيعها بين الناس فتحصل الفرقة، فن هذا ليس من طريق السلف.
وكذلك أيضًا ما يحصل من الأخطاء من الأمراء، لا يجوز لنا أن نتخذ ما يخطئون فيه سلمًا للقدح فيهم في كل شيء، ونتغاضى عما لهم من
__________
(1) رواه أحمد 2/344 (13049) . والترمذي/كتاب أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، برقم (2499) . وابن ماجه/كتاب الزهد/باب ذكر التوبة/برقم (4250) .
(26/91)

الحسنات؛ لأن الله يقول في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا) (1) .
يعني لا يحملكم بغض قوم على عدم العدل، فالعدل واجب، ولا يحل للإنسان أن يأخذ زلات أحد من الأمراء، أو العلماء، أو غيرهم فيشيعها بين الناس، ثم يسكت عن حسناتهم، فإن هذا ليس بالعدل.
وقس هذا الشيء على نفسك لو أن أحدًا سلط عليك وصار ينشر زلاتك وسيئاتك، ويخفي حسناتك وإصاباتك، لعددت ذلك جناية منه عليك. فإذا كنت ترى ذلك في نفسك، فإنه يجب عليك أن ترى ذلك في غيرك، وكما أشرت آنفًا إلى أن علاج ما تظنه خطأ أن تتصل
بمن رأيت أنه أخطأ، وأن تناقشه، ويتبين الموقف بعد المناقشة.
فكم من إنسان بعد المناقشة يرجع عن قوله إلى ما يكون قوله هو الصواب، وظننا هو الخطأ. "فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" (2) .
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " (3) ، وهذا هو العدل والاستقامة.
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 8.
(2) رواه البخاري/كتاب الصلاة/باب تشبيك الأصابع في المسجد غيره، برقم (481) . ومسلم/كتاب البر والصلة/باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم، برقم (2585) .
(3) رواه مسلم/كتاب الإمارة/باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء، برقم (1844) .
(26/92)

الأمر الحادي عشر: التثبت والثبات:
ومن أهم الآداب التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم التثبت فيما ينقل من الأخبار، والتثبت فيما يصدر من الأحكام، فالأخبار إذا نقلت فلابد أن تثبت أولاً، هل صحت عمن نقلت إليه أو لا؟ ثم إذا صحت فتثبت في الحكم ربما يكون الحكم الذي سمعته مبنيًا على أصل تجهله أنت، فتحكم أنه خطأ، والواقع أنه ليس بخطأ.
ولكن كيف العلاج في هذه الحال؟
العلاج: أن تتصل بمن نسب إليه الخبر وتقول: نقل عنك كذا وكذا، فهل هذا صحيح؟
ثم تناقشه فقد يكون استنكارك ونفور نفسك منه أول وهلة سمعته؛ لأنك لا تدري ما سبب هذا المنقول، ويقال: إذا علم السبب بطل العجب.
فلابد أولاً: من التثبت في الخبر والحكم.
ثم بعد ذلك تتصل بمن نقل عنه وتسأله هل صح ذلك أم لا؟
ثم تناقشه: إما أن يكون هو على حق وصواب فترجع إليه، أو يكون الصواب معك فيرجع إليه.
وهناك فرق بين الثبات والتثبت فهما شيئان متشابهان لفظًا، مختلفان معنى.
(26/93)

فالثبات معناه: الصبر والمثابرة وألا يمل، ولا يضجر، وألا يأخذ من كل كتاب نتفة، أو من كل فن قطعة ثم يترك؛ لأن هذا الذي يضر الطالب، ويقطع عليه الأيام بلا فائدة، فمثلاً بعض الطلاب يقرأ في النحو: في الأجرومية، ومرة في متن قطر الندى، ومرة في الألفية.
وكذلك الحال في: المصطلح، مرة في النخبة، ومرة في ألفية العراقي.
وكذلك في الفقه: مرة في زاد المستقنع، ومرة في عمدة الفقه، ومرة في المغني، ومرة في شرح المهذب.
وهكذا في كل كتاب، وهلم جرًا، هذا في الغالب لا يحصل علمًا، ولو حصل علمًا فإنه يحصل مسائل لا أصولاً، وتحصيل المسائل كالذي يلتقط الجراد واحدة بعد الأخرى، لكن التأصيل والرسوخ والثبات هو المهم، فكن ثابتًا بالنسبة للكتب التي تقرأ أو تراجع، وثابتًا بالنسبة للشيوخ الذين تتلقى عنهم، لا تكن ذواقًا كل أسبوع عند شيخ، كل شهر عند شيخ، قرر أولاً من ستتلقى العلم عنده، ثم إذا قررت ذلك فاثبت ولا تجعل كل شهر، أو كل أسبوع لك شيخًا، ولا فرق بين أن تجعل لك شيخًا في الفقه وتستمر معه في الفقه، وشيخًا آخر في النحو وتستمر معه في النحو، وشيخًا آخر في العقيدة والتوحيد وتستمر معه، المهم أن تستمر لا أن تتذوق، وتكون كالرجل المطلاق كلما تزوج امرأة وجلس عندها أيامًا طلقها وذهب
(26/94)

يطلب أخرى.
أيضًا التثبت أمر مهم؛ لأن الناقلين تارة تكون لهم نوايا سيئة، ينقلون ما يشوه سمعة المنقول عنه قصدًا وعمدًا، وتارة لا يكون عندهم نوايا سيئة ولكنهم يفهمون الشيء على خلاف معناه الذي
أريد به، ولهذا يجب التثبت، فإذا ثبت بالسند ما نقل أتى دور المناقشة مع صاحبه الذي نقل عنه قبل أن تحكم على القول بأنه خطأ أو غير خطأ، وذلك لأنه ربما يظهر لك بالمناقشة أن الصواب مع هذا الذي نقل عنه الكلام.
والخلاصة أنه: إذا نقل عن شخص ما ترى أنه خطأ فاسلك طرقًا ثلاثة على الترتيب:.
الأول: التثبت في صحة الخبر.
الثاني: النظر في صواب الحكم، فإن كان صوابًا فأيده ودافع عنه، وإن رأيته خطأ فاسلك الطريق.
الثالث: وهو الاتصال بمن نسب إليه لمناقشته فيه، وليكن ذلك بهدوء واحترام.
الأمر الثاني عشر: الحرص على فهم مراد الله تعالى، ومراد رسوله - صلى الله عليه وسلم -:
من الأمور المهمة في طلب العلم قضية الفهم، أي فهم مراد الله
(26/95)

عز وجل ومراد رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن كثيرًا من الناس أوتوا علمًا ولكن لم يؤتوا فهمًا. لا يكفي أن تحفظ كتاب الله وما تيسر من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدون فهم. لابد أن تفهم عن الله ورسوله ما أراده الله ورسوله، وما أكثر الخلل من قوم استدلوا بالنصوص على غير مراد الله ورسوله فحصل بذلك الضلال.
وهنا أنبه على نقطة مهمة ألا وهي: أن الخطأ في الفهم قد يكون أشد خطراً من الخطأ بالجهل؛ لأن الجاهل الذي يخطئ بجهله يعرف أنه جاهل ويتعلم، لكن الذي فهم خطأ يعتقد في نفسه أنه عالم
مصيب، ويعتقد أن هذا هو مراد الله ورسوله، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة ليتبين لنا أهمية الفهم:
المثال الأول: قال الله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)) (1) .
فضل الله- عز وجل- سليمان على داود في هذه القضية بالفهم (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) ولكن ليس هناك نقص في علم داود (وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) .
__________
(1) سورة الأنبياء، الآيتان: 78-79.
(26/96)

وانظر إلى هذه الآية الكريمة لما ذكر الله- عز وجل- ما امتاز به سليمان من الفهم، فنه ذكر أيضًا ميزة داود عليه السلام، فقال تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ) وذلك حتى يتعادل كل منهما، فذكر الله تعالى ما اشتركا فيه من الحكم والعلم، ثم ذكر ما امتاز به كل واحد منهما عن الآخر.
وهذا يدلنا على أهمية الفهم، وأن العلم ليس كل شيء.
المثال الثاني: إذا كان عندك وعاءان: أحدهما فيه ماء ساخن دافئ، والآخر فيه ماء بارد قارس، والفصل فصل الشتاء، فجاء رجل يريد الاغتسال من الجنابة؛ فقال بعض الناس: الأفضل أن تستخدم الماء البارد وذلك لأن الماء البارد فيه مشقة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات "، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إسباغ الوضوء على المكاره " (1) .
يعني إسباغ الوضوء في أيام البرد، فإذا أسبغت الوضوء بالماء البارد كان أفضل من أن تسبغ الوضوء بالماء الدافئ المناسب لطبيعة الجو.
فالرجل أفتى بأن استخدام الماء البارد أفضل واستدل بالحديث السابق.
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الطهارة/باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، برقم (251) .
(26/97)

فهل الخطأ في العلم أم في الفهم؟
الجواب: أن الخطأ في الفهم؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "إسباغ الوضوء على المكاره " ولم يقل: أن تختار الماء البارد للوضوء، وفرق بين التعبيرين. لو كان الوارد في الحديث التعبير الثاني لقلنا نعم اختر الماء البارد. ولكن قال: "إسباغ الوضوء على المكاره ". أي أن الإنسان
لا يمنعه برودة الماء من إسباغ الوضوء.
ثم نقول: هل يريد الله بعباده اليسر أم يريد العسر؟
الجواب: في قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (1) . وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الدين يسر" (2) .
فأقول لطلبة العلم: إن قضية الفهم قضية مهمة؛ فعلينا أن نفهم ماذا أراد الله من عباده؟ هل أراد أن يشق عليهم في أداء العبادات أم أراد بهم اليسر؟
لاشك أن الله- عز وجل- يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر.
فهذه بعض الآداب مما ينبغي لطالب العلم أن يكون متأثرًا بها في علمه حتى يكون قدوة صالحة، وحتى يكون داعيًا إلى الخير، وإمامًا في دين الله- عز وجل-؛ فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، كما
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 185.
(2) رواه البخاري/كتاب الإيمان/باب الدين يسر، برقم (39) .
(26/98)

قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)) (1) .
س 25: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل صحيح أن للعلم زكاة، وهي بذله للناس وتعليمهم إياه؟
فأجاب بقوله: نعم يجب على العالم أن يبين علمه للناس إذا احتاجوا إلي سواء بالإجابة على أسئلتهم، أو ببيان العلم إذا احتاج الناس إليه وإن لم يسألوا لقول الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)) (2) . وهذا الواجب يسميه بعض العامة (زكاة العلم التعليم، وزكاة المال
الصدقة، وزكاة الجاه الشفاعة) ، وما أشبه ذلك من العبارة التي يقولها العامة، ولكن نحن نقول سواء سميتموه زكاة أم لم تسموه يجب على أهل العلم أن يبينوا العلم للناس لئلا يكونوا من الذين
أوتوا العلم فكتموهم. نسأل الله أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح، والرزق الطيب الواسع الذي يغنينا به عن خلقه إنه جواد
__________
(1) سورة السجدة، الآية: 34.
(2) سورة آل عمران، الآية: 187.
(26/99)

كريم وص الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
س 26: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض الناس يكتبون حرف (ص) بين قوسين، ويقصدون به رمز لجملة - صلى الله عليه وسلم - فهل يصح استعمال حرف (ص) رمزًا لكلمة (- صلى الله عليه وسلم -) فأجاب بقوله: من آداب كتابة الحديث كما نص عليه علماء المصطلح: ألا يرمز إلى هذه الجملة بحرف: (ص) ، وكذلك لا يعبر عنها بالنعت مثل: (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، ولا ريب أن الرمز، أو النعت يفوت الإنسان أجر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه إذا كتبها ثم قرأها الكتاب من بعده وتلا القارئ هذه الجملة صار للكاتب الأول نيل ثواب من قرأها، ولا يخفى علينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فيما ثبت عنه: "أن من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً" (1) .
فلا ينبغي للمؤمن أن يحرم نفسه الثواب والأجر لمجرد أن يسرع في إنهاء ما كتبه.
س 27: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يتحرج بعض طلبة العلم الشرعي عند قصدهم العلم والشهادة، فكيف يتخلص
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الصلاة/باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، برقم (384) .
(26/100)

طالب العلم من هذا الحرج؟
فأجاب بقوله: يجاب على ذلك بأمور:
أحدها: أن لا يقصدوا بذلك الشهادة لذاتها، بل يتخذوا هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس غالبًا لا يستطيعون
الوصول إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة وبذلك تكون النية سليمة.
الثاني: أن من أراد العلم قد لا يجده إلا في هذه الكليات فيدخل فيها بنية طلب العلم ولا يؤثر عليه ما يحصل له من الشهادة فيما بعد.
الثالث: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين حسنى الدنيا، وحسنى الآخرة فلا شيء عليه في ذلك؛ لأن الله يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (1) .
وهذا ترغيب في التقوى بأمر دنيوي.
فإن قيل: من أراد بعمله الدنيا كيف يقال بأنه مخلص؟
الجواب: أنه أخلص العبادة ولم يرد الخلق إطلاقاً فلم يقصد مراءاة الناس ومدحهم على عبادته بل قصد أمرًا ماديًا من ثمرات العبادة، فليس كالمرائي الذي يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله
ويريد أن يمدحوه به، لكنه بإرادة هذا الأمر المادي نقص إخلاصه
__________
(1) سورة الطلاق، الآيتان: 2،3.
(26/101)

فصار معه نوع من الشرك، وصارت منزلته دون منزلة من أراد الآخرة إرادة محضة.
وبهذه المناسبة أود أن أنبه على أن بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات يحولونها إلى فوائد دنيوية، فمثلاً يقولون في الصلاة رياضة وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة لإزالة
الفضلات وترتيب الوجبات، والمفروض ألا تجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف الإخلاص والغفلة عن إرادة الآخرة، ولذلك بين الله تعالى في كتابه حكمة الصوم- مثلاً-
أنه سبب للتقوى، فالفوائد الدينية هي الأصل، والدنيوية ثانوية، وعندما نتكلم عند عامة الناس فإننا نخاطبهم بالنواحي الدينية، وعندما نتكلم عند من لا يقتنع إلا بشيء مادي فإننا نخاطبه بالنواحي الدينية والدنيوية، ولكل مقام مقال.
س 28: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بم يكون الإخلاص في طلب العلم؟
فأجاب بقوله: الإخلاص في طلب العلم يكون بأمور:
الأمر الأول: أن تنوي بذلك امتثال أمر الله؛ لأن الله أمر بذلك
(26/102)

فقال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) (1) وحث سبحانه وتعالى على العلم، والحث على الشيء يستلزم محبته والرضا به والأمر به.
الأمر الثاني: أن تنوي بذلك حفظ شريعة الله؛ لأن حفظ شريعة الله يكون بالتعلم، والحفظ في الصدر ويكون كذلك بالكتابة.
الأمر الثالث: أن تنوي حماية الشريعة والدفاع عنها؛ لأنه لولا العلماء ما حميت الشريعة ولا دافع عنها أحد، ولهذا نجد- مثلاً- شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم تصدوا لأهل
البدع وبينوا بطلان بدعهم، نرى أنهم حصلوا على خير كثير.
الأمر الرابع: أن تنوي بذلك اتباع شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنك لا يمكن أن تتبع شريعته حتى تعلم هذه الشريعة.
الأمر الخامس أن تنوي بذلك رفع الجهل عن نفسك وعن غيرك.
س 29: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يقول بعض الناس: إن إخلاص النية في عصرنا الحاضر صعب، أو قد يكون مستحيلاً؛ لأن الذين يطلبون العلم ولاسيما الطلب النظامي يطلبون العلم
لنيل الشهادة فحسب؟
__________
(1) سورة محمد، الآية: 19.
(26/103)

فأجاب بقوله: نقول إذا كنت تطلب العلم لنيل الشهادة فإن كنت تريد من هذه الشهادة أن ترتقي مرتقى دنيويًا فالنية فاسدة، أما إذا كنت تريد أن ترتقي إلى مرتقى تنفع الناس به؛ لأنك تعرف اليوم
أنه لا يُمكَّن الإنسان من ارتقاء المناصب العالية النافعة للأمة إلا إذا كان معه شهادة، فإذا قصدت بهذه الشهادة أن تنال ما تنفع الناس به فهذه نية طيبة لا تنافي الإخلاص.
س 30: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما نصيحة فضيلتكم حول العمل بالعلم؟
فأجاب بقوله: لابد من العمل بالعلم؛ لأن ثمرة العلم العمل؛ لأنه إذا لم يعمل بعلمه صار من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة وقد قيل:
وعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن فماذا لم يعمل بعلمه أورث الفشل في العلم وعدم البركة ونسيان العلم؛ لقول الله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (1) وهذا النسيان يشمل:
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 13.
(26/104)

1- النسيان الذهني.
2- والنسيان العملي.
فيكون بمعنى ينسونه ذهنيًا، أو ينسونه يتركونه؛ لأن النسيان في اللغة العربية يطلق بمعنى الترك، أما إذا عمل الإنسان بعلمه فإن الله تعالى يزيده هدى، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى) ويزيده
تقوى؛ ولهذا قال تعالى: (وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (1) .
فإذا عمل بعلمه ورثه الله علم ما لم يعلم، ولهذا قال بعض السلف: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.
س 31: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أنا طالب أحب أن آخذ درجات عالية ومعدلاً ممتازًا، وأنا مع ذلك نيتي طيبة، فما رأيك في الفرح بالدرجات العالية والغضب من الدرجات
الضعيفة؟ هل هذا خدش للإخلاص؟
فأجاب بقوله: الظاهر إن شاء الله أنه ليس في هذا خدش للإخلاص؛ لأن هذا أمر طبيعي أن الإنسان يسر بالحسنة ويساء بالسيئة، والله تعالى سمى الأشياء التي لا تلائم المرء سماها سيئة، فلابد أن تسوؤه وكذلك الحسنة لابد أن تسره.
__________
(1) سورة محمد، الآية: 17.
(26/105)

فهذا لا يؤثر على إخلاصك إذا كان الأمر كما قلت عندك نية طيبة، أما إذا كان همك هو الدرجات، أو الشهادة فهذا شيء آخر، فها هو عبد الله بن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- لما ألقى النبي - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه مسألة قال:" إن في الشجر شجرة لا يسقط ورقها وإنها مثل المؤمن فحدثوني ما هي؟ فجعل الصحابة- رضي الله عنهم- يخوضون في أشجار البوادي قال ابن عمر: فوقع في قلبي أنها النخلة، ولكني كنت صغيرًا فما أحببت أن أتكلم (1) ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: "هي النخلة". وعمر- رضي الله عنه- قال لابنه: "وودت أنك قلتها"، وهذا يدل على أن فرح الإنسان بنجاح وما أشبه ذلك لا يضر.
س 32: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يلاحظ على بعض طلبة العلم قلة العبادة والذكر فما نصيحتكم؟
فأجاب بقوله: يجب على طالب العلم أن يظهر أثر طلب العلم عليه:.
1- في العبادة.
2- وفي المنهج.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب العلم/باب قول المحدث: حدثنا، برقم (61) . ومسلم/كتاب صفات المنافقين وأحكامهم/باب مثل المؤمن مثل نخلة، برقم (2811) .
(26/106)

3- وفي المعاملة.
فيُعرف بكثرة العبادة، واللجوء إلى الله تعالى، والخشوع بين يديه، ودوام ذكره تبارك وتعالى، فإن العبد كما جاء في الحديث: "إذا ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه، وإذا ذكر الله في ملأ ذكره الله في ملأ خير منه، وإذا تقرب إليه شبراً تقرب الله إليه ذراعاً، وإذا تقرب إليه ذراعاً تقرب الله إليه باعاً، وإذا أتى الله يمشي أتاه الله تعالى هرولة، (1) .
فالرب إلى الثواب أسرع من العبد إلى العمل.
فليظهر أثر العلم على طالب العلم في عبادته لله عز وجل، واللجوء إليه، والإنابة إليه، وألا يغفل قلبه عن ذكر الله، فإن غفلة القلب عن ذكر الله سبب للفشل وضياع الوقت، وعدم النجاح، كما
قال الله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (2) . ومعنى أمره: أي: شأنه كله، يكن فرطاً: ليس فيه بركة، لكن إذا كان الإنسان دائم ذكر الله عز وجل باللسان والقلب والجوارح، حصل في عمره البركة والخير يكثر، قال الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (3) .
__________
(1) رواه البخاري/كتاب التوحيد/باب قوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) ، برقم (68566) . ومسلم/كتاب الذكر/باب الحث على ذكر الله برقم (4832) .
(2) سورة الكهف، الآية: 28.
(3) سورة آل عمران، الآية: 190.
(26/107)

أي لأصحاب العقول (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (1) . يعني: يقولون بقلوبهم وألسنتهم: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (2) .
س 33: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يلاحظ التقصير في العمل بالعلم والدعوة، فما نصيحة فضيلتكم؟
فأجاب بقوله: يجب على من علم شيئًا صحيحًا من الشريعة أن يبلغه للناس؛ لأن العمل بما علم الإنسان يستوجب حفظه بالعمل، ويزيده الله تعالى بالقرآن نورًا، فيكتسب من حفظ العلم بطريقة
العمل به أن الله- عز وجل- يهبه نورًا زائدًا على من عنده، قال الله تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125)) (3) ولهذا قيل: العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا ارتحل.
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 191.
(2) سورة آل عمران، الآية: 191.
(3) سورة التوبة، الآيتان: 124، 125.
(26/108)

السلف الصالح في طلب العلم إذا علموا مسألة عملوا بها، وكثير منهم لا يخفى عليه ما يقع من سرعة الامتثال والمبادرة للصحابة فيما علموا، حتى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حث النساء على الصدقة في يوم العيد، فجعل النساء يلقين ما على آذانهن من الحلي يلقينه في ثوب بلال-
رضي الله عنه- (1) ولم يقلن إذا وصلنا إلى البيت تصدقن، ولكن بادرن بذلك.
وكذلك الرجل الذي طرح النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتمه الذي كان من ذهب وألقاه في الأرض ما رجع إليه بعد أن علم التحريم حتى قيل له: خذ خاتمك لتنتفع به؛ فقال: والله لا آخذ خاتمًا طرحه النبي - صلى الله عليه وسلم - (2) بل إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما قال اخرجوا إلى بني قريظة: " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (3) فخرجوا بعد أن كانوا مرهقين حتى إن الصلاة أدركتهم في الطريق فمنهم من صلى خوفًا من فوات الوقت ومنهم من أخر؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة".
فانظر يا أخي طالب العلم إلى سرعة امتثال الصحابة لما علموا
__________
(1) رواه البخارى/كتاب الزكاة/باب الزكاة على الأقارب برقم (1369) .
(2) رواه مسلم/كتاب اللباس/باب تحريم خاتم الذهب على الرجال برقم (3897) .
(3) رواه البخاري/كتاب الخوف/باب صلاة الطالب والمطلوب راكباً وإيماء، برقم (946) . ومسلم/كتاب الجهاد والسير/باب المبادرة بالغزو، برقم (1770) .
(26/109)

من تعليم الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فهل إذا طبقنا هذا الأمر على ما هو الواقع الآن فهل نحن على هذا الأمر في هذا الوقت؟ أعتقد أن هذا يفوت كثيرًا، وما أكثر ما علمنا أن الصلاة ركن من أركان الإسلام يكفر المرء بتركها، وما أكثر ما علمنا أن صلاة الجماعة فرض على الأعيان
ولابد منه، وما أكثر ما علمنا أشياء كثيرة هي من المحظورات، ومع ذلك نجد في طلبة العلم من ينتهك هذا المحظور، وكذلك من يترك هذا الواجب ولا يبالي به؛ فهذا فرق عظيم بين طلب العلم في الماضي وطلبه في الحاضر.
س 34: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما نصيحة فضيلتكم لطلبة العلم في محبة الخير لغيرهم؟
فأجاب بقوله: على طالب العلم أن يظهر أثر العلم عليه في محبة الخير لعباد الله، فإن طالب العلم حقيقة هو الذي يحب لإخوانه الخير كما يحب لنفسه، وكما أن هذا من خصال طالب العلم، فإنه من الإيمان، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه، (1) . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الأيمان/باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه برقم (12) .
ومسلم/كتاب الإيمان/باب الدليل على أن من خصال أن يحب لأخيه ... برقم (64) .
(26/110)

الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، (1) ، وكلنا يحب أن يزحزح عن النار، وُيدخل الجنة، فذا كان هذا هو الواقع فيجب أن نستمسك بالدين حتى
الموت، ويجب على طالب العلم وغيره أن يأتي إلى الناس ما يحب أن يُؤتى إليه، ومعلوم أن الإنسان إذا أتى إلى الناس بما يحب أن يؤتى إليه، فلا بد أن يعينهم في شؤونهم، ويكف الأذى عنهم، وأن يحرص غاية الحرص على أن يتقدموا في معلوماتهم وفي أعمالهم، كما يحب أن يتقدم هو في ذلك.
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الإمارة/باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء برقم (3431) .
(26/111)

الأسباب المعينة على طلب العلم
(26/113)

الأسباب المعينة على طلب العلم
الأسباب المعينة على طلب العلم كثيرة، نذكر منها:
أولاً: التقوى:
وهي وصية الله للأولين والآخرين من عباده، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) (1) .
وهي أيضًا وصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأمته، فعن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب في حجة الوداع فقال: "اتقوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا لأمرائكم تدخلوا جنة ربكم " (2) . وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أميرًا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا. ولم يزل السلف الصالح يتواصون بها في خطبهم ومكاتباتهم ووصاياهم عند الوفاة، كتب عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إلى ابنه عبد الله: أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله- عز وجل- فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، وأوصى عليٌّ رضي الله عنه رجلاً فقال:
__________
(1) سورة النساء، الآية: 131.
(2) رواه أحمد 36/487 (22161) ، والترمذي/كتاب السفر/باب (316) برقم (616) .
(26/115)

(أوصيك بتقوى الله عز وجل الذي لابد لك من لقائه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة) ، وكتب أحد الصالحين إلى أخ له في الله تعالى:
(أما بعد ... أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك. وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه
لا تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك، وليكثر وجلك، والسلام) .
ومعنى التقوى: أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه وقاية تقيه منه.
وتقوى العبد ربه: أن يجعل بينه وبين من يخشاه من غضبه وسخطه وقاية تقيه من ذلك، بفعل طاعته، واجتناب معاصيه.
واعلم أن التقوى أحيانًا تقترن بالبر، فيقال: بر وتقوى كما في قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (1) وتارة تذكر وحدها، فإذا قرنت بالبر صار البر: فعل الأوامر، والتقوى: ترك النواهي.
وإذا أفردت صارت شاملة تعم فعل الأوامر، واجتناب النواهي، وقد ذكر الله في كتابه أن الجنة أعدت للمتقين، فأهل التقوى هم أهل الجنة- جعلنا الله وإياكم منهم- ولذلك يجب على الإنسان أن يتقي
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 2.
(26/116)

الله- عز وجل- امتثالاً لأمره، وطلبًا لثوابه، والنجاة من عقابه.
قال الله- عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (1) .
وهذه الآيات فيها ثلاث فوائد مهمة:
الفائدة الأولى: (يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) (2) أي يجعل لكم ما تفرقون به بين الحق والباطل، وبين الضار والنافع، وهذا يدخل فيه العلم بحيث يفتح الله على الإنسان من العلوم ما لا يفتح لغيره، فإن
التقوى يحصل بها زيادة الهدى، وزيادة العلم، وزيادة الحفظ، ولهذا يذكر عن الشافعي- رحمه الله- أنه قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال: اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي
ولا شك أن الإنسان كلما ازداد علمًا ازداد معرفة وفرقانًا بين الحق والباطل، والضار والنافع، وكذلك يدخل فيه ما يفتح الله على الإنسان من الفهم؛ لأن التقوى سبب لقوة الفهم، وقوة الفهم يحصل بها زيادة العلم، فنك ترى الرجلين يحفظان آية من كتاب الله يستطيع أحدهما أن يستخرج منها ثلاثة أحكام، ويستطيع الآخر أن يستخرج
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 29.
(2) سورة الأنفال، الآية: 29.
(26/117)

أكثر من هذا بحسب ما أتاه الله من الفهم، فالتقوى سبب لزيادة الفهم.
ويدخل في ذلك أيضًا الفراسة أن الله يعطي المتقي فراسة يميز بها حتى بين الناس، فبمجرد ما يرى الإنسان يعرف أنه كاذب أو صادق، أو بر أو فاجر حتى أنه ربما يحكم على الشخص وهو لم
يعاشره، ولم يعرف عنه شيئًا بسبب ما أعطاه الله من الفراسة.
الفائدة الثانية: (وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) (1) وتكفير السيئات يكون بالأعمال الصالحة، فإن الأعمال الصالحة تكفر الأعمال السيئة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (2) .
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما " (3) .
فالكفارة تكون بالأعمال الصالحة، وهذا يعني أن الإنسان إذا اتقى الله سهل له الأعمال الصالحة التي يكفر الله بها عنه.
الفائدة الثالثة: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (1) بأن ييسركم للاستغفار والتوبة،
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 29.
(2) رواه مسلم/كتاب الطهارة/باب الصلوات الخمس والجمعة للجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، برقم (233) (16) .
(3) رواه البخاري/كتاب العمرة/باب العمرة، برقم (1773) . ومسلم/كتاب الحج/ باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، برقم (1349) .
(26/118)

فإن هذا من نعمة الله على العبد أن ييسر للاستغفار والتوبة.
ثانيًا: المثابرة والاستمرار على طلب العلم:
يتعين على طالب العلم أن يبذل الجهد في إدراك العلم والصبر عليه، وأن يحفظ به بعد تحصيله، فإن العلم لا ينال براحة الجسم، فيسلك المتعلم جميع الطرق الموصلة إلى العلم وهو مثاب على ذلك،
لما ثبت في صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة" (2) فليثابر طالب العلم، ويجتهد، ويسهر الليالي، ويدع عنه كل ما يصرفه أو يشغله عن طلب العلم.
وللسلف الصالح قضايا مشهورة في المثابرة على طلب العلم حتى أنه يروى عن ابن عباس- رضي الله عنه- أنه سئل بما أدركت العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول، وبدن غير كسول، وعنه
أيضًا- رضي الله عنه- قال: ".... إن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه- وهو قائل- فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح عليَّ من التراب، فيخرج فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأساله عن الحديث ... " فابن
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 29.
(2) رواه مسلم/كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار/باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، وعلى الذكر، بر قم (2699) .
(26/119)

عباس- رضي الله عنه- تواضع للعلم فرفعه الله به.
وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يثابر المثابرة الكبيرة، ويروى أيضًا عن الشافعي- رحمه الله- أنه استضافه الإمام أحمد رحمه الله ذات ليلة فقدم له العشاء، فأكل الشافعي ثم تفرق الرجلان إلى منامهما، فبقي الشافعي- رحمه الله- يفكر في استنباط أحكام من حديث، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا عمير ما فعل النغير" (1) .
وأبو عمير كان معه طائر صغير يسمى النغير، فمات هذا الطائر فحزن عليه الصبي، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يداعب الصبيان ويكلم كل إنسان بما يليق به، فظل طول الليل يستنبط من هذا الحديث.
ويقال: إنه استنبط منه أكثر من ألف فائدة، ولعله إذا استنبط فائدة جر إليها حديث آخر، وهكذا حتى تتم؛ فلما أذن الفجر قام الشافعي- رحمه الله- ولم يتوضأ ثم انصرف إلى بيته، وكان الإمام
أحمد رحمه الله يثني عليه عند أهله.
فقالوا له: يا أبا عبد الله كيف تثني على هذا الرجل الذي أكل فشرب ونام ولم يقم، وصلى الفجر بدون وضوء؟
فسأل الإمام الشافعي فقال: (أما كوني أكلت حتى أفرغت الإناء
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الأدب/باب الانبساط إلى الناس/برقم (6129) . ومسلم/ كتاب الآداب/باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته، برقم (2150) .
(26/120)

فذلك لأني ما وجدت طعامًا أطيب من طعام الإمام أحمد فأردت أن أملأ بطني منه، وأما كوني لم أقم لصلاة الليل فإن العلم أفضل من قيام الليل، وقد كنت أفكر في هذا الحديث، وأما كوني لم أتوضأ
لصلاة الفجر فكنت على وضوء من صلاة العشاء) ولا يحب أن يكلفهم بماء الوضوء.
أقول على كل حال: إن المثابرة في طلب العلم أمر مهم، فلننظر في حاضرنا الآن، هل نحن على هذه المثابرة أم لا؟
أما الذين يدرسون دراسة نظامية فإنهم إذا انصرفوا من الدراسة ربما يتلهون بأشياء لا تعين على الدرس، وإني أضرب مثلاً وأحب ألا يكون وألا يوجد له نظير، أحد الطلبة في بعض المواد أجاب إجابة سيئة.
فقال المدرس: لماذا؟
فقال: لأني قد أيست من فهم هذه المادة، فأنا لا أدرسها ولكن أريد أن أكون حاملاً لها، كيف اليأس؟ هذا خطأ عظيم، فيجب أن نثابر حتى نصل إلى الغاية.
وقد حدثني شيخنا المثابر عبد الرحمن السعدي- رحمه الله- أنه ذكر عن الكسائي إمام أهل الكوفة في النحو أنه طلب علم النحو فلم يتمكن، وفي يوم من الأيام وجد نملة تحمل طعامًا لها وتصعد به
(26/121)

إلى الجدار وكلما صعدت سقطت، ولكنها ثابرت حتى تخلصت من هذه العقبة وصعدت الجدار، فقال الكسائي: هذه النملة ثابرت حتى وصلت الغاية، فثابر حتى صار إمامًا في النحو.
ولهذا ينبغي لنا أيها الطلبة أن نثابر ولا نيأس؛ فإن اليأس معناه سد باب الخير، وينبغي لنا ألا نتشاءم بل نتفاءل وأن نعد أنفسنا خيرًا.
ثالثًا: الحفظ:
فيجب على طالب العلم الحرص على المذاكرة وضبط ما تعلمه إما بحفظه في صدره، أو كتابته، فإن الإنسان عرضة للنسيان، فإذا لم يحرص على المراجعة وتكرير ما تعلمه فإن ذلك يضيع منه وينساه
وقد قيل:
العلم صيد والكتابة قيده فقيد صيودك بالحبال الواثقة فمن الحماقة أن تصيد غزالة وتتركها بين الخلائق طالقة ومن الطرق التي تعين على حفظ العلم وضبطه: أن يهتدي الإنسان بعلمه، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (1) .
__________
(1) سورة محمد، الآية: 17.
(26/122)

وقال: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) (1) ، فكلما عمل الإنسان بعلمه زاده الله حفظًا وفهمًا، لعموم قوله: (زَادَهُمْ هُدًى) (2) .
رابعًا: ملازمة العلماء:
يجب على طالب العلم أن يستعين بالله- عز وجل- ثم بأهل العلم، ويستعين بما كتبوا في كتبهم؛ لأن الاقتصار على مجرد القراءة والمطالعة يحتاج إلى وقت طويل بخلاف من جلس إلى عالم يبين له،
ويشرح له، وينير له الطريق، وأنا لا أقول: إنه لا يدرك العلم إلا بالتلقي من المشايخ، فقد يدرك الإنسان بالقراءة والمطالعة لكن الغالب أنه إذا ما أكب أكبابًا تامًا ليلاً ونهارًا ورزق الفهم فإنه قد
يخطئ كثيرًا؛ ولهذا يقال: (من كان دليله كتابه فخطؤه أكثر من صوابه) ، ولكن هذا ليس على الإطلاق في الحقيقة.
ولكن الطريقة المثلى أن يتلقى العلم على المشايخ، وأنا أنصح طالب العلم أيضًا ألا يتلقف من كل شيخ في فن واحد، مثل أن يتعلم الفقه من أكثر من شيخ؛ لأن العلماء يختلفون في طريقة
استدلالهم من الكتاب والسنة، ويختلفون في آرائهم، أيضا فأنت تجعل لك عالماً تتلقى علمه في الفقه أو البلاغة وهكذا، أي تتلقى
__________
(1) سورة مريم، الآية: 76.
(2) سورة محمد، الآية: 17.
(26/123)

العلم في فن واحد من شيخ واحد، وإذا كان الشيخ عنده أكثر من فن فتلتزم معه؛ لأنك إذا تلقيت علم الفقه مثلاً من هذا وهذا واختلفوا في رأيهم فماذا يكون موقفك وأنت طالب؟ يكون موقفك الحيرة والشك، لكن التزامك بعالم في فن معين فهذا يؤدي إلى راحتك.
(26/124)

س 35: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هي الأمور المعينة على طلب العلم؟
فأجاب بقوله: أهم شيء يعين على طلب العلم النية الخالصة أن ينوي الإنسان بطلب العلم حفظ شريعة الله- عز وجل- والانتفاع بها بالعمل ونشرها بين الناس ودعوة الناس إليها؛ فإذا تصور
الإنسان هذه العبادات العظيمة وما يترتب عليها من الثواب فهذا مما يعين على طلب العلم، كذلك مما يعين على طلب العلم أن ييسر الله للطالب زملاء يساعدونه ويعينونه، وييسر الله للجميع معلمًا
يوضح ويبين، فإن التبيين والتوضيح مما ينشط طالب العلم، ومما يعين على طلب العلم الفراغ ألا يكون الإنسان عنده مشاكل اجتماعية، أو مشاكل في أهله، وأن يكون عنده ما يقوته هذا من
الأسباب وربما يكون أيضًا هناك أسباب أخرى لكن هذه من الأسباب.
س 36: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يلاحظ ضعف الهمة والفتور في طلب العلم، فما الوسائل والطرق التي تدفع إلى علو الهمة والحرص على العلم؟
فأجاب بقوله: ضعف الهمة في طلب العلم الشرعي من المصائب
(26/125)

الكبيرة وهناك أمور لابد منها:
الأمر الأول: الإخلاص لله عز وجل في الطلب، والإنسان إذا أخلص لله في الطلب، وعَرفَ أنه يُثاب على طلبه، وسيكون في الدرجة الثالثة من درجات الأمة، فإن همته تنشط (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)) (1) .
ثانيًا: أن يلازم زملاء يحثونه على العلم ويساعدونه على المناقشة والبحث ولا يمل من صحبتهم ماداموا يعينونه على العلم.
ثالثًا: أن يصبر نفسه بمعنى يحبسها لو أرادت أن تتفلت، قال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (2) فليصبر، وإذا صبر وتعود الطلب صار الطلب سجية له، وصار اليوم الذي يفقد فيه الطلب يومًا طويلاً عليه، أما إذا أعطى نفسه العنان فلا، فالنفس أمارة بالسوء والشيطان يحثه على الكسل وعدم التعلم.
__________
(1) سورة النساء، الآية: 69.
(2) سورة الكهف، الآية: 28.
(26/126)

س 37: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما توجيهكم حول استغلال الوقت وحفظه من الضياع؟
فأجاب بقوله: ينبغي لطالب العلم أن يحفظ وقته عن الضياع، وضياع الوقت يكون على وجوه:
الوجه الأول: أن يدع المذاكرة ومراجعة ما قرأ.
الوجه الثاني: أن يجلس إلى أصدقائه ويتحدث بحديث لغو ليس فيه فائدة.
الوجه الثالث: وهو أضرها على طالب العلم ألا يكون له هم إلا تتبع أقوال الناس وما قيل وما قال، وما حصل وما يحصل في أمر ليس معنيًا به، وهذا لاشك أنه من ضعف الإسلام؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " (1) والاشتغال بالقيل والقال وكثرة السؤال مضيعة للوقت، وهو في الحقيقة مرض إذا دب في الإنسان- نسأل الله العافية- صار أكبر همه، وربما يعادي من لا يستحق العداء، أو يوالي من لا يستحق الولاء، من أجل اهتمامه بهذه
الأمور التي تشغله عن طلب العلم بحجة أن هذا من باب الانتصار للحق، وليس كذلك، بل هذا من إشغال النفس بما لا يعني الإنسان،
__________
(1) رواه الترمذي/كتاب الزهد/باب (11) ، برقم (2317) ، وابن ماجه/كتاب الفتن/ باب كف اللسان في الفتنة/برقم (3976) .
(26/127)

أما إذا جاءك الخبر بدون أن تتلقفه وبدون أن تطلبه، فكل إنسان يتلقى الأخبار، لكن لا ينشغل بها، ولا تكون أكبر همه؛ لأن هذا يشغل طالب العلم، ويفسد عليه أمره ويفتح في الأمة باب الحزبية
فتتفرق الأمة.
س 38: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كيف نرد على من قال: إن العلماء السابقين لم تكن لديهم المشاغل التي تؤثر على حفظهم كما هو حاصل لعلماء هذا الزمان، ومنهم من يكون ليس لديه إلا التفرغ لطلب العلم وحفظه والجلوس بلا مشاغل، أما الآن فكثرت المشاغل الدنيوية التي تأخذ كل الوقت، والإنسان قد لا يستطيع الاستغناء عن هذه المشاغل؟
فأجاب بقوله: أقول لطالب العلم: ما دمت أنك قد فرغت نفسك للعلم فكن طالب علم حقًا، وأعتقد أن البناء الذي فرغ نفسه للبناء لا يلتفت إلى عمل آخر، بل يلتفت إلى مهمته التي كرس نفسه لها ورأى أنها هي الخير له، فما دمت تعلم أن طلب العلم هو الخير وتريد أن تتخذه طريقًا لك فلا تلتفت إلى غيره.
وفي ظني أن الرجل إذا ثابر مع الإيمان والإخلاص وصدق النية فإن الله- سبحانه وتعالى- يعينه ولا يعبأ بهذه المشكلات، والله عز
(26/128)

وجل يقول: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (1) ،
(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (2) .
فعليك بصدق النية في الطلب تجد أن الأمر سهل وميسر.
س 39: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا كان آفة العلم النسيان فما الأمور أو الطرق التي تعين على ضبط وحفظ العلم؟
فأجاب بقوله: من أعظم الطرق التي تعين على ضبط العلم: أن يهتدي الإنسان بعلمه قال تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (3) .
فإذا عمل العالم بعلمه، ازداد علمًا وأوتي تقوى، أي عبادة وخشية.
ومنها: أن يفرغ قلبه للعلم بحيث لا يتشاغل بغيره عنه، بل يكون هو همه وهاجسه.
ومنها: أن يتعاهده بالحفظ والمذاكرة.
ومنها: أن يستحضر الحكم ودليله عند كل عمل يقوم به.
__________
(1) سورة الطلاق، الآية: 4.
(2) سورة الطلاق، الآيتان: 2، 3.
(3) سورة محمد، الآية: 17.
(26/129)

ومنها: أن يكب على طلب العلم فلا يجعل طلب العلم عند التفرغ فقط، ولهذا يقولون: أعط العلم كلك يعطك بعضه، وأعطِ العلم بعضك لا يعطيك شيئًا، فلابد من الإكباب على طلب العلم
ليلاً ونهارًا، والمناقشة وتطبيق ما علمت على ما عملت حتى يبقى العلم.
س 40: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما توجيهكم- حفظكم الله- لطلاب العلم حيث يلاحظ الإهمال وعدم الجد مما له آثار سيئة في التحصيل العلمي؟
فأجاب بقوله: يجب على طلاب العلم أن يبذلوا غاية الجهد في تحصيل العلم، حتى يدركوا المعلومات إدراكًا قويًا، راسخًا في نفوسهم؛ لأنهم إذا اجتهدوا وأخذوا العلوم شيئًا فشيئًا سهلت
عليهم ورسخت في نفوسهم وسيطروا عليها سيطرة تامة، وإن أنتم يا طلاب العلم أهملتم وتهاونتم انطوى عنكم الزمن، وتراكمت عليكم الدروس، فأصبحتم عاجزين عن تصورها فضلاً عن تحقيقها
فندمتم حين لا تنفع الندامة.
(26/130)

س 41: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما نصيحتكم لمن ينسى ما يقرأ ويتعلم؟
فأجاب بقوله: أهم شيء في حفظ العلم أن يعمل الإنسان بما حفظه؛ لقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (1) وقال: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) (2) .
فكلما عمل الإنسان بعلمه زاده الله حفظًا وفهمًا، لعموم قوله: (زَادَهُمْ هُدًى) (3) .
وقد روي عن الشافعي- رحمه الله- قوله:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بان العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي
ومن أسباب ذلك الإعراض عن الشواغل التي تأخذ الفكر عن العلم؛ لأن الإنسان بشر إذا تشتت همته ضعفت قدرته على تحصيل العلم.
وكذلك كثرة البحث مع الزملاء بغرض الوصول للحق وليس للغلبة، ولاشك أن الإخلاص من جملة ما يحفظ به العلم.
__________
(1) سورة محمد، الآية: 17.
(2) سورة مريم، الآية: 76.
(3) سورة محمد، الآية: 17.
(26/131)

طرق تحصيل العلم
(26/133)

طرق تحصيل العلم
من المعلوم أن الإنسان إذا أراد مكانًا فلابد أن يعرف الطريق الموصل إليه، وإذا تعددت الطرق فإنه يبحث عن أقربها وأيسرها، لذلك كان من المهم لطالب العلم أن يبني طلبه للعلم على أصول،
ولا يتخبط خبط عشواء، فمن لم يتقن الأصول حرم الوصول، قال الناظم:
وبعد فالعلم بحور زاخرة ... لن يبلغ الكادح فيه آخره
لكن في أصوله تسهيلاً لنيله ... فاحرص تجد سبيلاً
اغتنم القواعد الأصولا ... فمن تفُته يحرم الوصولا
فالأصول هي: العلم، والمسائل فروع، كأصل الشجرة وأغصانها، فإذا لم تكن الأغصان على أصل جيد فإنها تذبل وتهلك.
لكن ما هي الأصول؟ هل هي الأدلة الصحيحة؟ أو هي القواعد والضوابط؟ أو كلاهما؟
الجواب: الأصول هي أدلة الكتاب والسنة، والقواعد والضوابط المأخوذة بالتتبع والاستقراء من الكتاب والسنة، وهذه من أهم ما يكون لطالب العلم.
مثلاً: المشقة تجلب التيسير هذا من الأصول مأخوذ من الكتاب والسنة، من الكتاب من قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
(26/135)

حَرَجٍ) (1) ومن السنة: قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمران بن حصين رضي الله عنه: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب " (2) . وقوله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " (3) هذا أصل لو جاءتك ألف مسألة بصور متنوعة
لأمكنك أن تحكم على هذه المسائل بناء على هذا الأصل، لكن لو لم يكن عندك هذا الأصل وتأتيك مسألتان أشكل عليك الأمر.
ولنيل العلم طريقان:
أحدهما: أن يتلقى ذلك من الكتب الموثوق بها، والتي ألفها علماء معروفون بعلمهم، وأمانتهم، وسلامة عقيدتهم من البدع والخرافات.
وأخذ العلم من بطون الكتب لابد أن الإنسان يصل فيه إلى غاية ما. لكن هناك عقبتان:
العقبة الأولى: الطول، فإن الإنسان يحتاج إلى وقت طويل، ومعاناة شديدة، وجهد جهيد حتى يصل إلى ما يرومه من العلم،
__________
(1) سورة الحج، الآية: 78.
(2) رواه البخاري/كتاب تقصير الصلاة/باب إذا لم يطق قاعداً صلي على جنب، برقم (1117) .
(3) رواه البخاري/كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/باب الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، برقم (7288) . ومسلم/كناب الحج/باب فرض الحج مرة في العمر، برقم (1337) .
(26/136)

وهذه عقبة قد لا يقوى عليها كثير من الناس، لاسيما وهو يرى من حوله قد أضاعوا أوقاتهم بلا فائدة، فيأخذه الكسل ويكل ويمل ثم لا يدرك ما يريد.
العقبة الثانية: أن الذي يأخذ العلم من بطون الكتب علمه ضعيف غالبًا، لا ينبني على قواعد أو أصول، ولذلك نجد الخطأ الكثير من الذي يأخذ العلم من بطون الكتب؛ لأنه ليس له قواعد وأصول يقعد عليها، ويبني عليها الجزئيات التي في الكتاب والسنة.
نجد بعض الناس يمر بحديث ليس مذكورًا في كتب الحديث المعتمدة من الصحاح والمسانيد، وهذا الطريق يخالف ما في هذه الأصول المعتمدة عند أهل العلم، بل عند الأمة، ثم يأخذ بهذا الحديث
ويبني عقيدته عليه، وهذا لاشك أنه خطأ؛ لأن الكتاب والسنة لهما أصول تدور عليها الجزئيات، فلابد أن ترد هذه الجزئيات إلى أصول، بحيث إذا وجدنا في هذه الجزئيات شيئًا مخالفًا لهذه الأصول مخالفة لا يمكن الجمع فيها، فإننا ندع هذه الجزئيات.
الثاني من طرق تحصيل العلم: أن تتلقى ذلك من معلم موثوق في علمه ودينه، وهذا الطريق أسرع وأتقن للعلم؛ لأن الطريق الأول قد يضل فيه الطالب وهو لا يدري إما لسوء فهمه، أو قصور علمه، أو لغير ذلك من الأسباب.
(26/137)

أما الطريق الثاني فيكون فيه المناقشة والأخذ والرد مع المعلم فينفتح بذلك للطالب أبواب كثيرة في الفهم، والتحقيق، وكيفية الدفاع عن الأقوال الصحيحة، ورد الأقوال الضعيفة، وإذا جمع
الطالب بين الطريقين كان ذلك أكمل وأتم، وليبدأ الطالب بالأهم فالأهم، وبمختصرات العلوم قبل مطولاتها، حتى يكون مترقيًا من درجة إلى درجة أخرى، فلا يصعد إلى درجة حتى يتمكن من التي
قبلها ليكون صعوده سليمًا.
(26/138)

س 42: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هي أفضل طريقة لحفظ القرآن الكريم؟ وهل يجوز أن أقرأ جزاً معينًا مثل الجزء السادس والعشرون لكي أحفظ ذلك وأترك باقي القرآن أفيدوني مأجورين؟
فأجاب بقوله: الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم أن تحفظه وأنت صغير السن؛ لأن صغير السن يسهل عليه الحفظ وليسن فيما بعد؛ ففي حفظ القرآن حال الصغر فائدتان:
الفائدة الأولى: سهولة الحفظ.
الفائدة الثانية: رسوخ المحفوظ في القلب بحيث لا ينساه هذا بالنسبة للسن الذي ينبغي أن يحفظ القرآن فيه.
أما الوقت: فأحسن ما يكون في أول النهار إذا صليت الفجر أن تقرأ القرآن لتحفظه.
وأما كيفية الحفظ: فالناس يختلفون؛ فمن الناس من يقرأ خمسة أسطر مثلاً فيحفظها ثم يعيدها مرة بعد أخرى حتى ترسخ في قلبه ثم ينتقل إلى خمسة أسطر أخرى وهكذا كلما أنهى خمسة أسطر حفظ
ما بعدها، ومن الناس من يقرأ صفحة كاملة ويكررها ثم يحفظها، ومن الناس من يأخذ أكثر من هذا. المهم أن كيفية الحفظ ترجع إلى الإنسان وهو يعرف بنفسه ما هو أهون عليه.
وقول السائل: وهل يجوز أن أقتصر على حفظ جزء معين في
(26/139)

وسط القرآن؟
والجواب أن نقول: نعم يجوز ذلك ولا حرج عليك، لكن احرص على أن تبدأ من أول القرآن حتى تكمله.
س 43: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: مجموعة من النساء لا يستطعن أن يحضرن إلى المساجد لسماع الندوات فتضطر إحداهن لشراء أشرطة المسجل لسماع هذه الندوات. فهل ثواب السامع
من الشريط هو نفس ثواب الجالس في المسجد مباشرة من تنزل الملائكة عليهم وإحاطتهم بالرحمة؟
فأجاب بقوله: الذين يستمعون إلى الأشرطة ليسوا كالذين يحضرون إلى حلقة الذكر ويشاركون الذاكرين في مجالسهم، ولكن السامع للأشرطة له أجر الانتفاع وطلب العلم الذي يحصلونه من
هذه الأشرطة، وما أكثر ما حصل من الهدى والاستقامة بواسطة هذه الأشرطة، والشريط كما نعلم خفيف المحمل سهل الاستفادة، فالإنسان يمكن أن يستمع إليه وهو في شغله، ويمكن أن يستمع إليه
في سيارته ماشيًا في طريقه، ومن أجل ذلك كانت هذه الأشرطة فضل كبير من الله سبحانه وتعالى، فعلينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذا التسهيل والتيسير.
(26/140)

س 44: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل تعتبر أشرطة التسجيل طريقة من طرق العلم؟ وما هي الطريقة المثلى للاستفادة منها؟
فأجاب بقوله: أما كون هذه الأشرطة وسيلة من وسائل تحصيل العلم فهذا لا يشك فيه أحد، ولا نجحد نعمة الله علينا في هذه الأشرطة التي استفدنا كثيرًا من العلم بها، لأخمها توصل إلينا أقوال
العلماء في أي مكان كنا.
ونحن في بيوتنا قد يكون بيننا وبين هذا العالم مفاوز ويسهل علينا أن نسمع كلامه من خلال هذا الشريط، وهذه من نعم الله- عز وجل- علينا، وهي في الحقيقة حجة لنا وعلينا، فإن العلم انتشر
انتشارًا واسعًا بواسطة هذه الأشرطة.
وأما كيف يستفاد منها؟
فهذا يرجع إلى حال الإنسان نفسه، فمن الناس من يستطيع أن يستفيد منها، وهو يقود السيارة، ومنهم من يستمع إليه أثناء تناوله لطعام الغداء أو العشاء أو القهوة.
المهم أن كيفية الاستفادة منها ترجع إلى كل شخص بنفسه، ولا يمكن أن نقول فيها ضابطًا عامًا.
(26/141)

س 45: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن المسجلات الصوتية التي يسجل فيها العلم، وهل هناك حرج من استعمالها؟
فأجاب بقوله: لاشك أن المسجلات الصوتية من نعم الله تعالى، إذا كان يسجل بها ما يفيد المسلم في دينه ودنياه، وأنه يحصل بها علم كثير مفيد، إذا كان المتحدث من أهل العلم المعروفين بالتحقيق
والأمانة، وهي بمنزلة الكتب المؤلفة، ومن المعلوم أنه لا أحد يُنهى عن تأليف الكتب إذا كان من أهل التحقيق والأمانة، وهي لا تصد عن كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، بل هي بيان وتفسير لكلام الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ونشر لما تضمنه الكتاب والسنة من الأحكام، لكن الذي يخشى منه أن كثيرًا مما يسمع منها يكون مواعظ تشتمل
على أحاديث وآثار ضعيفة، أو مكذوبة لقصد الترغيب أو الترهيب أو كليهما، والذين يسمعونها ممن لا معرفة لهم بالصحيح والضعيف يغترون بها ويأخذون بها مسلمة من غير بحث فيها ولا سؤال عنها، فالله المستعان.
س 46: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض طلبة العلم يكتفون بسماع أشرطة العلماء من خلال دروسهم، فهل تكفي في تلقي العلم؟ وهل يعتبرون طلاب علم؟ وهل يؤثر في معتقدهم؟
(26/142)

فأجاب بقوله: لاشك أن هذه الأشرطة تكفيهم عن الحضور إلى أهل العلم إذا كان لا يمكنهم الحضور، وإلا فإن الحضور إلى العلماء أفضل وأحسن وأقرب للفهم والمناقشة، لكن إذا لم يمكنهم الحضور فهذا يكفيهم.
ثم هل يمكن أن يكونوا طلبة علم وهم يقتصرون على هذا؟ نقول: نعم يمكن إذا اجتهد الإنسان اجتهادًا كثيرًا، كما يمكن أن يكون الإنسان عالمًا إذا أخذ العلم من الكتب.
لكن الفرق بين أخذ العلم من الكتب والأشرطة، وبين التلقي من العلماء مباشرة: أن التلقي من العلماء مباشرة أقرب إلى حصول العلم، لأنه طريق سهل، تمكن فيه المناقشة بخلاف المستمع أو
القارئ فإنه يحتاج إلى عناء كبير في جمع أطراف العلم والحصول عليه.
وأما قول السائل: هل يؤثر الاكتفاء بالأشرطة في معتقدهم؟
فالجواب: نعم يؤثر في معتقدهم إذا كانوا يستمعون إلى أشرطة بدعية ويتبعونها، أما إذا كانوا يستمعون إلى أشرطة من علماء موثوق بهم، فلا يؤثر على معتقداتهم، بل يزيدهم إيمانًا ورسوخًا واتباعًا للمعتقد الصحيح.
(26/143)

س 47: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل سماع الأشرطة والدروس العلمية تغني عن الرحلة في الطلب؟
فأجاب بقوله: سماع الأشرطة لا تغني عن الرحلة في الطلب فالرحلة في الطلب أفضل؛ لأن الطالب يجلس إلى العالم ويتلقى منه مباشرة، وربما يحصل إشكال أو مراجعة فلا يحصل عليه فيما إذا
استمع إلى الأشرطة، لكن لاشك أنه إذا استمع الأشرطة سيستفيد فهي خير من الترك، لكن إذا ارتحل في طلب العلم فهو أفضل وأنفع، ولكن من كان في بلدٍ لا يوجد فيها علماء فتوجيهنا أن يستمع إلى أشرطة العلماء الموثوق بعلمهم، من حيث سعة العلم، ومن حيث الأمانة في أدائهم.
س 48: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بماذا تنصح طالب العلم المبتدئ؟
فأجاب بقوله: أنصح طالب العلم المبتدئ أن يلزم شيخًا معينًا ممن يثق بعلمه وأمانته، وألا يشتت ذهنه بين فلان وفلان؛ فما دام مقتنعًا بأن هذا الشيخ عنده من العلم والأمانة والثقة ما يعتمد عليه
فليلزمه، وإذا قدر أنه لم يكن عند هذا الشيخ علم مما يحتاجه الطالب فليطلب شيخًا آخر يدرسه في هذا العلم فقط مثال ذلك مثلاً: لزمت
(26/144)

شيخاً في علم العقيدة، أو في علم الفقه، لكن ليس عنده علم في النحو فتذهب إلى شيخ آخر لا تقرأ عنده علم العقيدة والفقه، بل اقرأ عنده علم النحو؛ لأنك ربما يتصادم قول هذا الشيخ والشيخ
الآخر فيبقى الطالب في حيرة ويتشتت ذهنه.
النصيحة الثانية: أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره فيبدأ بالكتب المختصرة الواضحة قبل أن يرتقي إلى الكتب التي فوقها؛ فإذا قدرنا أنه يريد القراءة في الفقه يقرأ الكتب المختصرة في الفقه كزاد المستنقع
مثلاً، ولا يقرأ ما فوقه من الكتب الكبيرة؛ لأن ذلك يضيعه كالرجل الذي يتعلم السباحة هل يذهب إلى العميق من الماء؟
والجواب: لا بل يبدأ بالضحل شيئًا فشيئًا حتى يتعلم النصيحة الثالثة: أن يحرص على أن يطبق كل ما تعلمه، يطبق إذا علم أن الصلاة واجبة يصلي، علم أن بر الوالدين واجب يبر الوالدين، علم أن إلقاء السلام سنة يلقي السلام، علم أن معونة الإنسان في دابته يحمله عليها أو يعينه على حمل المتاع، علم أنه خير فيفعل؛ لأن الإنسان إذا طبق العلم ورّثه الله تعالى علم ما لم يكن يعلمه من قبل، ولا طريق أفضل في كسب العلم من العمل به واقرأ قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (1) لما اهتدوا
__________
(1) سورة محمد، الآية: 17.
(26/145)

بالعلم زادهم الله علمًا وزادهم تقى، آتاهم تقواهم، وهذه تعوز كثيرًا من طلاب العلم، كثيرًا من طلاب العلم أخذوا العلم نظريًا لا عمليًا فتجد عنده من قوة الحفظ والذاكرة والمجادلة والمناظرة شيئًا كثيرًا لكنه في العمل مفرط وهذا خطر عظيم؛ لأن الإنسان إذا لم يعمل بالعلم فعلمه وبالٌ عليه لاشك، وربما يُنزّع منه كما قال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (1) ولهذا قيل: (العلم يهتف بالعمل فمان أجاب وإلا ارتحل) ويهتف بمعنى: ينادي العمل إن أجاب وإلا ارتحل العلم.
النصيحة الرابعة: أن يكون مكبًا على العلم لا يمل ولا يكل ولا يتعب، وإذا تعب استراح بقدر ما يعود إليه نشاطه؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما وهو الذي دعا له الرسول عليه الصلاة والسلام أن يفقهه الله في الدين، ويعلمه التأويل (2) ، كان يتابع الناس حتى قيل: إنه يأتي في القائلة، والذي يطلب منه العلم قد نام، فيتوسد رداءه وينام عند عتبة بابه ولا يوقظه فإذا استيقظ طلب منه الحديث فيقول له ابن عم رسول الله (تبقى عند بابي) قال (إني صاحب الحاجة ولا
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 13.
(2) عند البخاري/كتاب الوضوء برقم (14) ولفظه: (اللهم فقهه في الدين) وعند أحمد بلفظ: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) برقم (2274) .
(26/146)

أوقظك من منامك) وقيل له: (بما أدركت العلم) قال: (أدركت العلم بلسان سؤول، وقلب عقول، وبدن غير ملول) ويشهد لهذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإبل في عقلها" (1) فالمثابرة مهمة لطالب العلم، وبعض الطلبة
ينشط في أول الأمر ويتعب فذا به يتراجع فمن الأمور المهمة أن يكون الإنسان صبورًا في طلب العلم مثابرًا عليه والله الموفق.
س 49: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يقوم طلبة العلم بعمل بحوث دراسية في الجامعات فما توجيه فضيلتكم؟
فأجاب بقوله: ينبغي لطالب العلم عند إسناد البحث إليه أن يكون له حرية الفكر؛ ذلك لأن بعض الطلاب إذا قدم بحثه تجده مجرد نُقول ينقلها من هنا وهناك ولا تراى فيها الفكر المستقل، وهذا
لا شك أنه نقص، بل إن بعض البحوث تجد الطالب فيها يسوق كلاماً نقله من غيره ويبتره ولا يكمله؛ مما يدل على أنه ينقل ما لا يعرف معناه، بل بمجرد أن رأى في الفهرس هذا الموضوع ظن أنه يخدمه فنقله وبتر منه ما قد يكون هو المقصود.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب فضائل القرآن/باب استذكار القرآن وتعاهده، برقم (5033) .
ومسلم/كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (792) .
(26/147)

وهذا لا شك أنه نقص في البحث، وإن كان الباحث سيكون من وراء بحثه أستاذ يراجع البحث ويقوِّمه، لكن المطلوب من الباحث أن يكون لديه فكر مستقل، ومعنى الاستقلال: أن طالب العلم
يوازن بين الآراء ثم ينظر ما دل عليه الكتاب والسنة، فيأخذ به، حتى وإن خالف ما عليه كثير من الناس، ما دام الكتاب والسنة هو إمامه، فإنه على صواب، سواء وافق ما عليه أكثر الناس أم لم يوافق.
أما أن يأتي بفكر شاذ لا يوافقه عليه أحد من المعاصرين، ولم يسبقه إليه أحد من السابقين، فهذا ليس استقلالاً، بل يسمى عند العلماء: شذوذاً.
س 50: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما أحسن وسيلة لتلقي العلم النافع؟
فأجاب بقوله: الوسائل مختلفة وهي كثيرة- والحمد لله- في الوقت الحاضر.
فمن الوسائل: أن تتلقى العلم على شيخ مأمون في علمه ودينه، وهذه أحسن الوسائل وأقوى الوسائل، وأقرب الوسائل إلى تحصيل العلم.
ومن الوسائل: أن تتلقى العلم من الكتب المؤلفة التي ألفها علماء
(26/148)

مأمونون موثوقون في علمهم ودينهم.
ومن الوسائل: أن تستمع إلى الأشرطة المنشورة من العلماء الموثقين بعلمهم وأماناتهم، هذه ثلاث طرق يمكن أن يحصل بها العلم، وأهم شيء هو الاجتهاد والمثابرة وحسن القصد فإن ذلك من
أسباب حصول العلم.
س 51: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لا يخفى على فضيلتكم ما أنعم الله به على عباده من تيسير طرق طلب العلم بخلاف ما كان عليه السابقون، فما نصيحة فضيلتكم لطلبة العلم
في هذه الأزمنة لاستغلال هذه النعم والجد في طلب العلم؟
فأجاب بقوله: من نعم الله عز وجل أن هيَّأ لطلبة العلم فُرص عظيمة لم تتهيأ لمن كان قبلهم، فقد كان السابقون يتحمَّلون المشاق في طلب العلم، ويتعرضون للأخطار والجوع والعطش وغير ذلك في سبيل طلب العلم، فالكتب لا يجدونها إلا بعد جهد شاق، أو يستنسخونه بأيديهم وبأقلامهم، ولو بلغ عدة مجلدات، ثم إنه فيما مضى لا يستطيع طالب العلم مقابلة العلماء والأخذ عنهم إلا بعد
التعب والعنت والسفر إليهم في أي بلد ذكروا لهم فيه.
أما طلبة العلم في هذه الأوقات فالحمد لله كل شيء وفر لهم، فقد
(26/149)

بُنيت لهم المدارس والجامعات، ووفرت لهم الكتب، وصرفت لهم المكافآت التي تعينهم على قضاء حوائجهم، وجلب لهم المدرسون بدل ما كان أسلافهم يسافرون إلى المدرسين، فالآن المدرسون
يقدمون إليهم، ويحضرون عندهم من غير تعب ولا مشقة، فبدل أن يذهبوا إليهم هم يأتون إليهم في دور العلم.
فليتأمل طلبة العلم هذه النعمة وليشكروا الله عليها؛ لأن البلاد الراقية كما يسمونها لا تتوافر فيها هذه الفرص، بل إنهم ينفقون على أولادهم من الأموال في سبيل تعليمهم النفقات الطائلة، وأكثرهم لا يستطيعون الإنفاق على أولادهم وبناتهم.
أما طلبة العلم في هذه البلاد- والحمد لله- فإنه لا يطلب منهم إلا الحضور، فكل شيء ميسر بتوفيق الله تعالى، فهذه فرصة عظيمة فليغتنمها طلبة العلم، فإن الفرص لا تدوم، وليشتغلوا بما يعود
عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع والصلاح؛ لأنهم مهيؤون لتحمل مسؤولية وأمانة، فالله جل وعلا يقول: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (1) .
فهي أمانة عظيمة، وأعظم الأمانات أمانة العلم الذي أنزله الله
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 72.
(26/150)

سبحانه وتعالى لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وهذا العلم لا يقوم هو بنفسه، إنما يقوم العلم برجاله وبحملته، فطلبة العلم تحملوا أمانة عظيمة يؤجرون عليها عظيم الأجر إذا هم قاموا بما يستطيعون منها، أما المسؤولية إذا قصروا فيها فسيتحملون المسؤولية أمام الله عز وجل.
س 52: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل ترى لطالب العلم أن يركز على حفظ القرآن حتى يحفظه، أو يطلب العلم ويحفظ المتون ولو ما حفظ من القرآن إلا قليل؟
فأجاب بقوله: أنا أرى أن الأولى أن يحفظ القرآن، لاشك القرآن هو أصل العلم فحفظ القرآن أولى، لكن بمكانه أن يجمع بينهما، أظن إذا لم يكن هناك أشغال أخرى يجعل أول النهار لحفظ القرآن
وآخر النهار لمراجعة بعض المتون ويتمكن من هذا، وهذا إذا لم يستطع فالقرآن أولى نحن لا نفضل شيئًا على القرآن إطلاقًا.
س 53: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كيف يتفقه المسلم في دينه؟
فأجاب بقوله: يجب على علماء المسلمين أن يصبروا عامتهم؛ لأن
(26/151)

العلماء بمنزلة النجوم في الأرض يهتدي بهم في ظلمات الجهل؛ فعلى العلماء أن يتقوا الله- عز وجل- وأن يستمدوا علمهم من كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومنهج السلف الصالح رضي الله عنهم، ثم يرشدوا الناس إلى هذا، والناس إذا صلُح علماؤهم صلحُوا، وإذا
انحرف علماؤهم صاروا سببًا لانحرافهم فعلى العلماء أن يتقوا الله تعالى في تبصير الأمة، ثم على العامة أن يأخذوا بقول علمائهم المعروفين بالعلم والأمانة دون أن يأخذوا من علماء جهال، أو من
علماء ليسوا أمناء على دين الله ولا على عباد الله، والكتب المبنية على كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرة وذلك مثل: كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وتلميذه ابن القيم وغيرهما من العلماء المتقدمين والمتأخرين.
س 54: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: طالب العلم هل يبدأ بحفظ القرآن الكريم أم بقراءة كتب العلم؟
فأجاب بقوله: يبدأ بحفظ القرآن؛ لأنه لا شيء قبله مما يحفظه الإنسان؛ لأن القرآن كلام الله، وتلاوته عبادة، وتدبره عبادة والعمل بما يدل عليه عبادة، وتصديق خبره عبادة، فهو أفضل الكتب المنزلة من الله عز وجل، فليبدأ الإنسان بحفظ القرآن الكريم، ثم بما صح
(26/152)

من سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كعمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي- رحمه الله- فإنه كتاب مختصر جدًا في الأحكام، ثم بما تيسر له من كتب أهل العلم في العقيدة وغيرها.
س 55: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يحصل من بعض طلبة العلم المبتدئين في دراسة العلم من إتعاب أنفسهم في دراسة علوم متنوعة على أيدي علماء متعددين، والقراءة في كتب أهل
العلم بدون ضوابط، فأحيانا يقرأ في المطولات قبل المختصرات، ويحصل منهم إهمال لدروس الكليات الشرعية في فترة الصباح بحجة قلة بضاعة مدرسي الكليات وضعف المادة العلمية، فما
نصيحتكم؟
فأجاب بقوله: أرى أن العلم لا ينال براحة الجسم، فلا بد من تعب، ولهذا قال بعض العلماء: (أعط العلم كُلك تنل بعضه، وأعطه بعضك يفتك كله) فلا بد من التعب والاجتهاد، لكن المحذور
تشتت جهد الطالب، لا سيما إذا قرأ فنّاً واحداً على شيخين يختلفان في الرأي، فإنه سوف يتذبذب.
ولنفرض مثلاً أنه قرأ في الفقه عند شيخ يقول: إن الماء قسمان:
طهور ونجس، وشيخ آخر يقول: إن الماء ثلاثة أقسام: طهور وطاهر
(26/153)

ونجس، فماذا يفعل؟
ولهذا أرى أن الطالب إذا رتّب طلب العلم على شيخ معين في الحديث فلا يذهب إلى شيخ آخر في علم الحديث، وكذلك الحال في الفقه، فإذا رتّب طلب العلم في الفقه على شيخ معين فلا يذهب إلى
شيخ آخر فيه.
لكن من الممكن إذا كان عنده متسع من الوقت أن يقرأ على الشيخ الثاني في فن آخر، فيقرأ على شيخ في علم التوحيد، ويقرأ على الشيخ الثاني في علم الفقه، وعلى الشيخ الثالث في علم النحو أو
البلاغة، وما أشبه ذلك، وهذه مسألة يجب على الإنسان أن يتفطن لها؛ لأنه ربما يحصل كثيراً من العلم لكن ليس عنده رصيد راسخ في الأصول والقواعد مما يجعله يستطيع أن يُفرّع المسائل على أصولها وضوابطها، بل يبقى كالذي يلقط الجراد من الصحراء واحدة بعد الأخرى فإنه يتشتت ولا يستفيد.
وأما تنقص دروس الجامعة أو السخرية من بعض المدرسين؛ فهذا غلط، فالجامعة هي الدار التي ترتقي بها إلى أن تكون قياديّاً في هذه الأمة، والمدرسون ليسوا على حد سواء، لكن ينبغي احترام
المدرس؛ لأنه أمضى وقته وأتعب جسمه في مصلحتك.
(26/154)

س 56: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كيف يستطيع الشخص أن يوفق بين حفظ كتاب الله تعالى وبين حضور الدروس العلمية اليومية؛ لأنه يصعب عليه أن يوازن بينهما وأن
يوفق بينهما إلى جانب أعماله وأعمال الأهل؟
فأجاب بقوله: هذا يعود إلى قدرة الإنسان الذاتية، والناس يختلفون فمن الناس من يستطيع أن يقوم بهذه الأعمال، ومنهم من لا يستطيع أن يقوم إلا بعمل واحد، ومنهم من يستطيع أن يقوم بعملين
أو ثلاثة، على كل حال ينظر الإنسان إلى نفسه فذا تزاحمت فإن القيام بحفظ كتاب الله عز وجل أولى من حضور الدروس، ولكن إذا كان أحد الدروس مهمًّا وجدير بالعناية به فليحاول أن يحضر إليه حتى لا يفوته، أما حاجة الأهل فحاجة الأهل إذا لم يكن أحد يقضيها فإن قضاءها من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله- عز وجل- فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "واعلم أنك لم تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى اللقمة تجعلها في فيِّ
امرأتك " (1) أي في فمها مع أن ما يجعله في فم امرأته من الواجب عليه إذ أن نفقة الزوجة واجبة ومع ذلك كان. له بها أجر؛ فإذا قام الإنسان
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الجنائز/باب رثى النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن خولة، برقم (1295) .
ومسلم/كتاب الوصية/باب الوصية بالثلث، برقم (1628) .
(26/155)

على أهل بيته محتسبًا أجره عند الله عز وجل آجره الله على ذلك.
س 57: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يلاحظ على بعض الطلبة في الكليات الشرعية التكاسل في السنة الأولى وعدم الجدية في الطلب فما نصيحتكم؟
فأجاب بقوله: يجب على طلاب العلم لا سيما طلاب العلم المنظَّم والذي يبدأ من أول السنة الدراسية وينتهي بنهايتها، أن يحرصوا على العلم من أول السنة، وأن يجتهدوا في تحصيله؛ لأنهم إن فعلوا ذلك استفادوا فائدتين عظيمتين:
الفائدة الأولى: أن العلم يرسخ في نفوسهم، وربما يكون هذا الاجتهاد سبباً لرغبتهم في العلم واجتهادهم فيه.
الفائدة الثانية: أنهم في آخر السنة يكونون قد استراحوا وأخذوا من العلم بنصيب، فيسهل عليهم أن يدركوا ما أخذوه في هذا العام، أما ذلك الكسلان الذي لا يهتم بدروسه من أول السنة، فإنه سوف تتراكم عليه الدروس ولا يكون إدراكه لها إدراكاً راسخاً وستضيع عليه.
(26/156)

س 58: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كان عندي رغبة شديدة في طلب العلم منذ سنوات عديدة ولكن حال بيني وبين هذه الرغبة طلب المعاش الذي كان يستغرق النهار كله، والآن
لقد من الله علي بدخل يغنيني عن العمل، فهل لي أن أتفرغ للعلم مع أن عمري قد وصل الثلاثين سنة؟
فأجاب بقوله: نقول: تفرغ للعلم ولو بلغت ثلاثين سنة، ألم تعلم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يرسلون إلا إذا بلغوا أربعين سنة، فلا يخذلنك الشيطان، ويقول: تجاوزت الحد، بل اطلب العلم
ولو كان لك ثلاثون سنة؛ فنحث أخانا الذي مَنَّ عليه الله بالمال أن يبدأ بطلب العلم، ولكني أنصح ألا يجلس عند عالم دون أن يعرف عقيدته؛ لأن العقيدة مهمة، فقد يحضر عند مدرس عقيدته فاسدة
لكن الله أعطاه بياناً وفصاحة فيسحر الناس ببيانه وفصاحته كما جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرًا" (1) .
فأقول اختر العالم المعروف بسلامة العقيدة أولاً.
وثانياً: المعروف بسلامة مقصده، فلا يقصد الرياء والفخر والعلو على الناس.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب النكاح/باب الخطبة/برقم (5146) . ومسلم/كتاب الجمعة/ باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم (869) .
(26/157)

وثالثًا: سلامة منهجه؛ لأن بعض العلماء عقيدته سليمة وإرادته سليمة فلا يريد العلو ولا الاستكبار لكن منهجه رديء يتكلم في عيوب غيره، ولا يتكلم في عيوبه.
فتجده مثلاً: يتكلم في العلماء، أو يتكلم في الأمراء أو يتكلم في ولاة الأمر، ولاشك أننا الآن في زمن بعيد عن عهد النبوة، فبيننا وبين عهد النبوة أربعة عشر قرنًا، ولولا أن الله عز وجل حمى هذا
الدين الإسلامي لانتكست الأمة كما انتكست الأمم، لكن لا تزال طائفة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على الحق.
فأقول: إن البعض فيه رداة في المنهج فتجده مسلطًا على الكلام في أعراض العلماء، أو في أعراض الأمراء، كأنه موكل بتتبع عورات العلماء وعورات الأمراء.
ونحن لا نشك أن العلماء لهم أخطاء، وأنه ليس كل واحد منهم معصومًا، لكن إذا أخطأ العالم الذي يقتدى به فعلينا أن ننصحه فيما بيننا وبينه دون أن ننشر مساوئه؛ لأنك إذا نشرت مساوئ العالم
أسأت إليه شخصيًا، وأسات إلى الشريعة التي يحملها؛ لأن الناس إذا قلَّت ثقتهم في العالم لا يكون لقوله بينهم قيمة؛ فتهدم شريعة من الشرائع تأتي على لسان هذا العالم، فمن كان حقيقة ناصحًا فإنه
يناصح العالم فيما بينه وبين العالم، وليخاطبه بأدب واحترام. وليقل
(26/158)

للعالم: يا حضرة الشيخ قلت: كذا وكذا وأنا أعرف خلاف ما قلتم فما هو الصواب؟
وكذلك نقول مع الأمراء، فالأمراء منذ عهد بعيد جدًا وهم يخطئون فخلفاء بني أمية، وخلفاء بني العباس، وغيرهم يخطئون، لكن تجد أئمة المسلمين يحذرون ما حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - من نشر مساوئ الأمراء والتمرد عليهم، ولكن البعض يكون عنده غيرة شديدة، فيصب غيرته على الأمراء، فيتكلم فيهم حتى يؤدي ذلك إلى التمرد على الحكام؛ بل وإلى الخروج عليهم، ويحصل في هذا مفاسد عظيمة، بحجة نصرة الإسلام، ونصر الإسلام واجب على كل مسلم؛ لكن بالحكمة والموعظة الحسنة والرفق واللين وابتدائهم بالتي هي أحسن، أما نشر معايب الولاة فهذا يحصل فيه شر كثير، فكم من نفوس أزهقت بهذه الحجة؛ فأقول لطالب العلم الذي يريد أن يطلب العلم: اختر من يُعرف بسلامة العقيدة، وحسن القصد، وسلامة المنهج، وإذا اخترت مثل هذا العالم فإنه يُرجى لك النجاح بإذن الله وتوفيقه.
س 59: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يحصل عند بعض طلبة العلم في الجامعات الإسلامية الاعتماد على مذكرات للمواد
(26/159)

الدراسية، وأحياناً على مختصرات مع ترك الكتب المقررة فما نصيحتكم؟
فأجاب بقوله: أوجه النصيحة إلى إخواني الأساتذة بألا يعتمدوا على المذكرات؛ لأن الإنسان بشر قد يختصر ما يجب البسط فيه وقد يبسط ما يجب الاختصار فيه.
ثم إن تعويد التلاميذ على المذكرات يزهدهم في الرجوع إلى الأصول التي ألَّفها العلماء ومشى عليها طلبة العلم.
أما بالنسبة للطلبة: فالحقيقة أن الطلبة إذا وجَّههم المدرس إلى عدم الالتفات للمذكرات، فالطلبة سيتبعونه، لكن إذا كان المدرس هو الذي ألف مذكرة فإن الطالب يريد الأسهل.
لذلك المسؤولية الكبرى إنما تقع على الأساتذة، فالكتاب المقرر يجب أن يبقى مقرراً، وإذا كان الأستاذ يريد زيادة مسألة، أو إيضاح فإنه يمكن أن يرشد الطلبة بالكتابة على الهامش أو بالكتابة في دفتر خارجي، ويشار إلى الصفحات التي في الكتاب والحواشي عليها.
س 60: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما المراحل التي ينبغي لطالب العلم أن يسير عليها؟
فأجاب بقوله: المراحل التي ينبغي لطالب العلم أن يسير عليها في
(26/160)

تحصيل العلم أن يبدأ بكتاب الله عز وجل، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل (1) ، ثم بما صح من سنة رسوله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليصبر على ذلك ما دام في ابتداء الطلب، ثم إذا ترعرع في الطلب واشتد
ساعده بدأ يرتقي إلى الكتب الكبيرة التي فيها ذكر الآراء والمناقشة فيها، وليكن مرجعه في ذلك شيخه الذي يدرس عليه، فالشيخ هو الذي يوجه التلميذ فيما يقرأ وفيما لا يقرأ.
س 61: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كيف يجمع طالب العلم بين دروس الكليات الشرعية وبين دروس العلماء في المساجد؟
فأجاب بقوله: لا أستطيع الجواب على هذا؛ لأن كل إنسان أدرى بنفسه، لكن أستطيع أن أقول: إذا تزاحمت الدروس النظامية الجامعية مع الدروس عند العلماء؟ فأرى أن الإنسان يحرص على الدروس الجامعية؛ لأن مدة الدراسة بالجامعة قليلة إذا وفق الإنسان للنجاح كل سنة، وكما تعلمون الآن أن المناصب القيادية في الدعوة والتعليم والإدارة والرئاسة مبنية على الشهادة، وأن الإنسان مهما بلغ علمه،
__________
(1) رواه أحمد برقم (22384) .
(26/161)

إذا لم يكن لديه شهادة، فإنه لن يقام له وزن، وطالب العلم إذا طلب العلم في الجامعة من أجل أن ينال شهادة يستطيع بها أن يصل إلى مناصب قيادية، فهذه نية طيبة وليس فيها شيء من الشرك في النية.
ولهذا لو اجتمع شخصان: أحدهما معه الشهادة الجامعية.
والثاني: ليس معه شهادة، والثاني أعلم من الأول، فأنه يُقدّم في الوظائف القيادية منْ معه الشهادة.
وحيئذ أرى أنه إذا تزاحمت الدروس في الكليات الشرعية مع دروس المساجد فإنه يقدّم الطالب الدراسة الجامعية، أما إذا لم تتزاحم بأن تكون الدراسة في المساجد موافقة للدراسة في الجامعة، فالأمر ظاهر أنه يمكن أن يجمع بين هذا وهذا، على أن الدراسة في المساجد الآن أصبحت ميسرة؛ إذ إن غالب الذين يدرسون في المساجد يكون عندهم مسجِّل يسجِّل كلماتهم وأسئلة الطلاب وأجوبتهم، فإذا أخذ الإنسان من هذه الأشرطة وصار يستمع إليها في وقت فراغه فكأنه لم يفُته شيء.
س 62: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عمن لا يحب دراسة العقيدة خصوصًا مسألة القدر خوفًا من الزلل؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة كغيرها من المسائل المهمة التي لابد
(26/162)

للإنسان منها في دينه ودنياه، لابد أن يخوض غمارها وأن يستعين بالله - تبارك وتعالى- على تحقيقها ومعرفتها حتى يتبين له الأمر؛ لأنه لا ينبغي أن يكون على شك في هذه الأمور المهمة، أما المسائل التي لا تخل بدينه لو أجلها، ولا يخشى أن تكون سببًا لانحرافه، فإنه لا بأس أن يؤجلها مادام غيرها أهم منها، ومسائل القدر من الأمور المهمة التي يجب على العبد أن يحققها تمامًا حتى يصل فيها إلى اليقين.
وهي في الحقيقة ليس فيها إشكال- ولله الحمد- والذي يثقل دروس العقيدة على بعض الناس هم أنهم مع الأسف الشديد يرجحون جانب "كيف" على جانب "لِمَ" والإنسان مسؤول عن
عمله بأداتين من أدوات الاستفهام "لِمَ" و "كيف"، فلم عملت كذا؛ هذا الإخلاص. كيف عملت كذا؛ هذا المتابعة للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأكثر الناس الآن مشغولون بتحقيق جواب "كيف" غافلون عن تحقيق جواب "لم" ولذلك تجدهم في جانب الإخلاص لا يتحرون كثيرًا، وفي جانب المتابعة يحرصون على أدق الأمور، فالناس الآن مهتمون كثيرًا بهذا الجانب، غافلون عن الجانب الأهم وهو جانب العقيدة وجانب الإخلاص وجانب التوحيد.
لهذا تجد بعض الناس في مسائل الدين يسأل عن مسألة يسيرة جدًا جدًا وقلبه منكب على الدنيا غافل عن الله مطلقًا في بيعه
(26/163)

وشرائه، ومركوبه، ومسكنه، وملبسه، فقد يكون بعض الناس الآن عابدًا للدنيا وهو لا يشعر، وقد يكون مشركًا بالله في الدنيا وهو لا يشعر، لأنه مع الأسف الشديد لا يهتم بجانب التوحيد وجانب
العقيدة، وهذا ليس من العامة فقط، ولكن من بعض طلاب العلم وهذا أمر له خطورته.
كما أن التركيز على العقيدة فقط بدون العمل الذي جعله الشارع كالحامي والسور لها خطأ أيضًا، لأننا نسمع في الإذاعات ونقرأ في الصحف التركيز على أن الدين هو العقيدة السمحاء وما أشبه ذلك من العبارات، وفي الحقيقة أن هذا يخشى أن يكون بابًا يلج منه من يلج في استحلال بعض المحرمات بحجة أن العقيدة سليمة، ولكن لابد من ملاحظة الأمرين جميعًا ليستقيم الجواب على "لِمَ" وعلى "كيف".
وخلاصة الجواب: أنه يجب على المرء دراسة علم التوحيد والعقيدة، ليكون على بصيرة في إلهه ومعبوده- جل وعلا- على بصيرة بأسماء الله، وصفاته، وأفعاله، على بصيرة في أحكامه الكونية،
والشرعية، على بصيرة في حكمته، وأسرار شرعه وخلقه، حتى لا يضل بنفسه أو يضل بغيره.
وعلم التوحيد هو أشرف العلوم لشرف متعلقه ولهذا سماه أهل
(26/164)

العلم (الفقه الأكبر) وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين " (1) وأول ما يدخل في ذلك وأولاه علم التوحيد والعقيدة، لكن يجب على المرء أيضًا أن يتحرى كيف يأخذ هذا العلم ومن أي مصدر يتلقاه؟
فليأخذ من هذا العلم أولاً: ما صفا منه وسلم من الشبهات، ثم ينتقل ثانيًا إلى النظر فيما أورد عليه من البدع والشبهات؛ ليقوم بردها وبيانها مما أخذه من قبل من العقيدة الصافية، وليكن المصدر الذي يتلقاه منه كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ثم كلام الصحابة- رضي الله
عنهم- ثم ما قاله الأئمة بعدهم من التابعين وأتباعهم، ثم ما قاله العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم، خصوصًا شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم عليهما وعلى سائر المسلمين وأئمتهم سابغ الرحمة والرضوان.
س 63: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما أفضل الطرق المعينة على طلب العلم؟
فأجاب بقوله: أقرب الطرق أن تجاهد نفسك، فجاهد نفسك.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب العلم/باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، برقم (71) ، ومسلم/كتاب الزكاة/باب النهي عن المسألة، برقم (1037) .
(26/165)

وصبّرها على طلب العلم وبحفظ كتاب الله- عز وجل-، ثم ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأحكام، ثم ملازمة الشيوخ المعروفين بسلامة العقيدة والمقصد والمنهج. وإذا كان تجار المال يكدحون ليلاً ونهارًا لزيادة أموالهم فطالب العلم يطلب ما هو أشرف من المال،
فليكدح ليله ونهاره حتى ينال ما وعد الله به في قوله: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (1) .
س 64: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجب التقليد لمذهب معين أم لا؟
فأجاب بقوله: نعم، يجب التقليد لمذهب معين وجوبًا لازمًا، لكن هذا المذهب المعين الذي يجب تقليده مذهب الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الذي ذهب إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - واجب الاتباع، وهو الذي به سعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) (2) ، وقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (3) .
__________
(1) سورة المجادلة، الآية: 11.
(2) سورة آل عمران، الآية: 31.
(3) سورة آل عمران، الآية: 132.
(26/166)

فهذا هو المذهب الواجب الاتباع بإجماع أهل العلم، وأما غير هذا المذهب فإن اتباعه سائغ إذا لم يتبين الدليل بخلافه، فإن تبين الدليل بخلافه فاتباعه محرم.
حتى قال شيخ الإسلام- رحمه الله-: من قال: إن أحدًا من الناس يجب طاعته في كل ما قال، فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأن في ذلك طاعة غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدق- رحمه الله- لا أحد من الناس يجب أن يؤخذ بقوله مطلقًا إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يجب الأخذ بقوله، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: " اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" (1) .
وقال: "إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا " (2) .
س 65: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن أقسام الناس في طلب علم الكتاب والسنة الصحيحة؟
فأجاب بقوله: انقسم الناس في طلب علم الكتاب والسنة إلى أربعة أقسام:
__________
(1) رواه أحمد 38/309 (23276) ، والترمذي/كتاب المناقب/باب في مناقب أبي بكر وعمر كليهما، بر قم (3662) . وابن ماجه/المقدمة، برقم (97) .
(2) انظر: صحيح مسلم/كتاب المساجد ومواضع الصلاة/باب قضاء الصلاة الفائتة، برقم (681) .
(26/167)

القسم الأول: من تجده معرضًا عن الكتاب والسنة، مكبًا على الكتب الفقهية المذهبية يعمل بما فيها مطلقًا، ولا يرجع إلا إلى ما قاله فلان وفلان من أصحاب الكتب المذهبية.
القسم الثاني: من أكب على علوم القرآن، ثم علم التجويد أو ما يتصل بمعناه أو إعرابه وبلاغته، وأما بالنسبة للسنة وعلم الحديث فهو قليل البضاعة فيها، وهذا قصور كبير بلا شك.
القسم الثالث: من تجده مكبًا على علم الحديث وعلم تحقيق الأسانيد، وما فيها من علل وما يتعلق بالحديث من حيث القبول أو الرد، ولكنه في علوم القرآن ضعيف جدًا، فلو سألته عن تفسير
أوضح آية في كتاب الله فلا يعرف تفسيرها، وكذلك في علم التوحيد والعقيدة لو سئل لم يعرف، وهذا قصور كبير بلا شك.
القسم الرابع: من كان حريصًا على الجمع بين الكتاب والسنة الصحيحة، وما كان عليه سلف الأمة مما يتعلق بعلم الكتاب والسنة، ومع ذلك ليس معرضًا عما قاله أهل العلم في كتبهم، بل هو
يقيم له وزنًا ويستعين به على فهم كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن العلماء- رحمهم الله- وضعوا قواعد وضوابط وأصولاً ينتفع بها طالب العلم، حتى المفسر في تفسير القرآن، وحتى طالب السنة في معرفة السنة أو في شرح معانيها فيكون مركزًا على الكتاب والسنة،
(26/168)

ومستعينًا بما قاله أهل العلم في كتبهم، وهذا هو خير الأقسام.
ولننظر هل نحن طبقنا سير العلم على هذه الطريقة الأخيرة أو أننا من القسم الأول أو الثاني أو الثالث.
فإذا كان غير القسم الأخير فإنه يجب أن نصحح طريقنا؛ لأن الله يقول في كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (1) وأولي الأمر يشمل العلماء ويشمل الأمراء (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) (2) .
ونحن دائمًا لاسيما إذا رجعنا إلى المأخوذ عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين نجدهم دائمًا يتحاكمون إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك فإني لا أقول: إنه يجب أن تهدر أقوال العلماء، بل أقوال العلماء لها قيمتها ووزنها واعتبارها ويستعان بها على فهم
كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
س 66: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا أراد طالب العلم الفقه فهل له الاستغناء عن أصول الفقه؟
فأجاب بقوله: إذا أراد طالب العلم أن يكون عالمًا في الفقه فلابد
__________
(1) سورة النساء، الآية: 59.
(2) سورة النساء، الآية: 59.
(26/169)

أن يجمع بين الفقه وأصول الفقه ليكون متبحرًا متخصصًا فيه، وإلا فيمكن أن تعرف الفقه بدون علم الأصول، ولكن لا يمكن أن تعرف أصول الفقه، وتكون فقيهًا بدون علم الفقه، أي أنه يمكن أن يستغني الفقيه عن أصول الفقه، ولا يمكن أن يستغني الأصولي عن الفقه إذا كان يريد الفقه، ولهذا اختلف علماء الأصول هل الأولى لطالب العلم أن يبدأ بأصول الفقه حتى يبني الفقه عليها، أو بالفقه لدعاء الحاجة إليه، حيث إن الإنسان يحتاج إليه في عمله، في عبادته ومعاملاته قبل أن يتقن أصول الفقه؟ والثاني هو الأولى، وهو المتبع غالبًا.
س 67: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله جانبًا من جوانب تعلم العلم وهو لزوم أحد العلماء أو أحد المشائخ، فما رأي فضيلتكم؟
فأجاب بقوله: هذا جيد كون الإنسان يركز على شيخ من المشائخ يجعله هو الأصل لاسيما المبتدئ الصغير، المتبدئ الصغير إذا طلب العلم على عدة علماء تذبذب؛ لأن الناس ليسوا على رأي واحد
خصوصًا في عصرنا الآن، كان فيما سبق أي قبل مدة كان الناس هنا في المملكة لا يخرجون أبدًا عن الإقناع والمنتهى، فتجد فتاواهم
(26/170)

واحدة، وشروحهم واحدة، لا يختلف واحد عن الآخر إلا في الإلقاء وحسن الأسلوب، لكن الآن لما كان كل واحد حافظًا حديثًا أو حديثين قال: أنا الإمام المقتدى به، والإمام أحمد رجل ونحن رجال،
فصارت المسألة فوضى، صار كل إنسان يفتي، أحيانًا تأتى الفتاوى تبكي وتضحك، وكنت أهم أن أدون مثل هذه الفتاوى ولكن كنت أخشى أن أكون ممن تتبع عورات إخوانه فتركته تحاشيًا مني، وإلا لنقلنا أشياء بعيدة عن الصواب بعد الثريا عن الثرى.
فأقول: ملازمة عالم واحد مهمة جدًا مادام الطالب في أول الطريق لكي لا يتذبذب؛ ولهذا كان مشائخنا ينهوننا عن مطالعة المغني وشرح المهذب والكتب التي فيها أقوال متعددة عندما كنا في زمن
الطلبة، وذكر لنا بعض مشائخنا أن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بابطين- رحمه الله- وهو من أكبر مشائخ نجد مفتي الديار النجدية ذكروا أنه كان مكبًا على الروض المربع لا يطالع إلا إياه ويكرره، كلما انتهى منه كرره لكن يأخذه بالمفهوم والمنطوق والإشارة والعبارة فحصَّل خيراً كثيراً.
أما إذا توسعت مدارك الإنسان فهذا ينبغي له أن ينظر أقوال العلماء يستفيد منها فائدة علمية وفائدة تطبيقية، لكن في أول الطلب أنا أنصح الطالب أن يركز على شيخ معين لا يتعداه.
(26/171)

س 68: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ذكر عن ابن الوزير رحمه الله- أن الصحابة أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي- رضي الله عنهم- لم يحفظوا القرآن الكريم، وكذلك ما ورد عن الأئمة
كعثمان ابن أبي شيبة على قدره أنه لم يحفظ القرآن، وهذه الأشياء تدعو بعض طلبة العلم لترك حفظ كتاب الله، هل هذا صحيح؟
فأجاب بقوله: أنا أستبعد أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا وهؤلاء الأجلة من الصحابة- رضي الله عنهم أجمعين- لم يحفظوا كتاب الله- هذا بعيد- وتعلم أن القرآن جمع على عهد أبي بكر،
وعلى عهد عثمان- رضي الله عنهم- كيف يجمعون ولا يحفظون؟ بعيد جدًا ولكن حتى لو روي عنه فيجب أن ننظر في الإسناد أولاً ثم إذا صح الإسناد فنقول: إن الذي تحدث عنهم وقال إنهم لم يحفظوا القرآن كله تحدث عما علم، ويبعده جدًا أن مثل هؤلاء لا يحفظون القرآن، ولا ينبغي أن يثني الرجل عن حفظ القرآن مثل هذه الروايات.
س 69: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من الأصول التي يرجع إليها طالب العلم الشرعي أقوال الصحابة- رضي الله عنهم- فهل هي حجة يعمل بها؟
(26/172)

فأجاب بقوله: قول الصحابي أقرب إلى الصواب من غيره بلا ريب وقوله حجة، بشرطين:
أحدهما: ألا يخالف نص كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والثاني: ألا يخالفه صحابي آخر.
فإن خالف الكتاب أو السنة فالحجة في الكتاب أو السنة، ويكون قوله من الخطأ المغفور.
وإن خالف قول صحابي آخر طلب الترجيح بينهما، فمن كان قوله أرجح فهو أحق أن يتبع، وطرق الترجيح تعرف إما من حال الصحابي، أو من قرب قوله إلى القواعد العامة في الشريعة، أو نحو ذلك.
ولكن هل هذا الحكم عام لجميع الصحابة أو خاص بالخلفاء الراشدين أو بأبي بكر وعمر- رضي الله عنهما-.
أما أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما- فلا ريب أن قولهما حجة بالشرطين السابقين، وقولهما أرجح من غيرهما إذا خالفهما، وقول أبي بكر أرجح من قول عمر- رضي الله عنهما- وقد روى الترمذي من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اقتدوا
بالذين من بعد أبي بكر وعمر" (1) ، وفي صحيح مسلم من حديث
__________
(1) رواه أحمد 38/390 (23276) . والترمذي/كتاب المناقب/باب في مناقب أبي بكر وعمر كليهما، بر قم (3662) . وابن ماجه/المقدمة، بر قم (97) .
(26/173)

أبي قتادة- رضي الله عنه- في قصة نومهم عن الصلاة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا" (1) .
وفي صحيح البخاري في باب الاقتداء بسنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "هما المرءان يقتدى بهما" (2) ، يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبا بكر- رضي الله عنه-.
وأما بقية الخلفاء الراشدين، ففي السنن والمسند من حديث العرباض بن سارية- رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ" (3) . وأولى الناس بالوصف هذا الخلفاء الأربعة- رضي الله عنهم أجمعين- فيكون قولهم حجة.
وأما بقية الصحابة، فمن كان معروفًا بالعلم وطول الصحبة فقوله حجة، ومن لم يكن كذلك فمحل نظر، وقد ذكر ابن القيم- رحمه الله تعالى- في أول كتابه (إعلام الموقعين) : أن فتاوى الإمام
__________
(1) انظر صحيح مسلم/كتاب المساجد ومواضع الصلاة/باب قضاء الصلاة الفائتة، برقم (681) .
(2) صحيح البخاري/كتاب الحج/باب كسوة الكعبة برقم (1594) .
(3) رواه أحمد 28/367 (17142) . والترمذي/كتاب العلم/باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، برقم (2676) . وأبو داود/كتاب السنة/باب في لزوم السنة، برقم (4607) . وابن ماجه/المقدمة/باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، برقم (42) .
(26/174)

مبنية على خمسة أصول، منها: فتاوى الصحابة- رضي الله عنهم أجمعين- والعلماء مختلفون فيها، لكن الغالب أو اللازم أن يكون هناك دليل يرجح قوله أو يخالفه فيعمل بذلك الدليل.
س 70: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أرجو من فضيلتكم- حفظكم الله تعالى- توضيح المنهج الصحيح في طلب العلم في مختلف العلوم الشرعية، جزاكم الله خيرًا وكفر لكم.
فأجاب بقوله: العلوم الشرعية على أصناف منها:
1- علم التفسير: فينبغي لطالب العلم أن يقرن التفسير بحفظ كتاب الله- عز وجل- اقتداء بالصحابة- رضي الله عنهم أجمعين- حيث لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ولأجل أن يرتبط معنى القرآن الكريم بحفظ ألفاظه فيكون الإنسان ممن تلاه حق تلاوته لاسيما إذا طبقه.
2- علم السنة:. فيبدأ بما هو أصح، وأصح ما في السنة ما اتفق عليه البخاري ومسلم.
لكن طلب السنة ينقسم إلى قسمين:
قسم يريد الإنسان معرفة الأحكام الشرعية سواء في علم العقائد والتوحيد، أو في علم الأحكام العملية، وهذا ينبغي أن يركز على
(26/175)

الكتب المؤلفة في هذا فيحفظها، كبلوغ المرام، وعمدة الأحكام، وكتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب كتاب التوحيد، وما أشبه ذلك وتبقى الأمهات للمراجعة والقراءة، فهناك حفظ وهناك قراءة يقرأ الأمهات ويكثر من النظر فيها؛ لأن في ذلك فائدتين:
الأولي: الرجوع إلى الأصول.
الثانية: تكرار أسماء الرجال على ذهنه، فإنه إذا تكررت أسماء الرجال لا يكاد يمر به رجل مثلاً من رجال البخاري في سند كان، إلا عرف إنه من رجال البخاري، فيستفيد هذه الفائدة الحديثية.
3- علم العقائد: كتبه كثيرة وأرى أن قراءتها في هذا الوقت يستغرق وقتًا كثيرًا، والفائدة موجودة في الزبد التي كتبها مثل شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- والعلامة ابن القيم رحمه الله، وعلماء
نجد مثل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ومن بعده من العلماء.
4- علم الفقه: ولاشك أن الإنسان ينبغي له أن يركز على مذهب معين يحفظه ويحفظ أصوله وقواعده، لكن لا يعني ذلك أن يلتزم التزامًا تامّاً بما قاله الإمام في هذا المذهب، كما يلتزم بما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكنه يبني الفقه على هذا، ويأخذ من المذاهب الأخرى ما قام الدليل على صحته، كما هي طريقة الأئمة من أتباع المذاهب كشيخ الإسلام
(26/176)

ابن تيمية، والنووي وغيرهما هما حتى يكون قد بنى على أصل، لأني أرى أن الذين أخذوا بالحديث دون أن يرجعوا إلى ما كتبه العلماء في الأحكام الشرعية، أرى عندهم شطحات كثيرة، وإن كانوا أقوياء في الحديث وفي فهمه لكن يكون عندهم شطحات كثيرة؛ لأنهم بعيدون عما يتكلم به الفقهاء.
فتجد عندهم من المسائل الغريبة ما تكاد تجزم بأنها مخالفة للإجماع أو يغلب على ظنك أنها مخالفة للإجماع، لهذا ينبغي للإنسان أن يربط فقهه بما كتبه الفقهاء- رحمهم الله- ولا يعني ذلك أن يجعل إمام هذا المذهب كالرسول- عليه الصلاة والسلام- يأخذ بأقواله وأفعاله على وجه الالتزام، بل يستدل بها ويجعل هذا قاعدة، ولا حرج بل يجب إذا رأى القول الصحيح في مذهب آخر أن يرجع إليه، والغالب في مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه لا تكاد ترى مذهبًا من المذاهب إلا وهو قول للإمام أحمد رحمه الله، راجع كتب الروايتين في المذهب تجد أن الإمام أحمد رحمه الله لا يكاد يكون مذهب من المذاهب إلا وله قول يوافقه، وذلك لأنه- رحمه الله- واسع الاطلاع ورجَّاع للحق أينما كان.
فلذلك أرى أن الإنسان يركز على مذهب من المذاهب التي يختارها، وأحسن المذاهب فيما نعلم من حيث اتباع السنة مذهب
(26/177)

الإمام أحمد- رحمه الله- وإن كان غيره قد يكون أقرب إلى السنة من غيره، على إنه كما أشرت قبل قليل، لا تكاد تجد مذهبًا من المذاهب إلا والإمام أحمد يوافقه- رحمه الله-.
وأهم شيء أيضًا في منهج طالب العلم- بعد النظر والقراءة- أن يكون فقيهًا، بمعنى أنه يعرف حكم الشريعة وآثارها ومغزاها، وأن يطبق ما علمه منها تطبيقًا حقيقيًا بقدر ما يستطيع (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (1) لكن يحرص على التطبيق بقدر ما يستطيع، وأنا أكرر دائمًا هذه النقطة "التطبيق " سواء في العبادات، أو الأخلاق، أو في المعاملات، طبق حتى يعرف أنك طالب علم عامل بما علمت.
ونضرب مثلاً: إذا مر أحدكم بأخيه هل يشرع له أن يسلم عليه؟
الجواب: نعم يشرع ولكن أرى الكثير يمر بإخوانه وكأنما مر بعمود لا يسلم عليه، وهذا خطأ عظيم حيث يمكن أن ننقد العامة إذا فعلوا مثل هذا الفعل، فكيف لا ينتقد الطالب؟ وما الذي يضرك
إذا قلت السلام عليكم؟ وكم يأتيك؟ عشر حسنات تساوي الدنيا كلها عشر حسنات.
لو قيل للناس: كل من مر بأخيه وسلم عليه سيدفع له ريال، لوجدت الناس في الأسواق يدورون لكي يسلموا عليه؛ لأنه
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(26/178)

سيحصل على ريال، لكن عشر حسنات نفرط فيها. والله المستعان. وفائدة أخرى: المحبة والألفة بين الناس، فالمحبة والألفة جاءت نصوص كثيرة بثباتها وتمكينها وترسيخها، والنهي عما يضادها
والمسائل التي تضاد كثيرة، كبيع المسلم على بيع أخيه، والخطبة على خطبة المسلم، وما أشبه ذلك، كل هذا دفعًا للعداوة والبغضاء وجلبًا للألفة والمحبة، وفيها أيضا تحقيق الإيمان لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا" (1) .
ومعلوم أن كل واحد منا يحب أن يصل إلى درجة يتحقق فيها الإيمان له؛ لأن أعمالنا البدنية قليلة وضعيفة.
الصلاة يمضي أكثرها ونحن ندبر شيئًا آخر، الصيام كذلك، الصدقة الله أعلم بها، فأعمالنا وإن فعلناها فهي هزيلة نحتاج إلى تقوية الإيمان، والسلام مما يقوي الإيمان؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أوَ لَا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم- يعني حصل لكم الإيمان- "أفشوا السلام بينكم " (2) هذه نقطة واحدة مما علمناه ولكننا أخللنا به كثيرًا لذلك أقول: أسال الله أن يعينني وإياكم على تطبيق ما علمنا، لأننا نعلم
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الإيمان/باب بيان أن لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، برقم (54) .
(2) رواه مسلم/كتاب الإيمان/باب بيان أن لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، برقم (54) .
(26/179)

كثيرًا ولكن لا نعمل إلا قليلاً، فعليكم يا إخواني بالعلم، وعليكم بالعمل، وعليكم بالتطبيق، فالعلم حجة عليكم، والعلم إذا غذيتموه بالعمل ازداد (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (1) إذا غذيتموه بالعمل ازددتم نورًا وبرهانًا. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) (2) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)) (3) .
والآيات في هذا المعنى كثيرة، فعليكم بالتطبيق في العبادات، وفي الأخلاق، وفي المعاملات حتى تكونوا طلاب علم حقيقة، أسال الله أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
__________
(1) سورة محمد، الآية: 17.
(2) سورة الأنفال، الآية: 29.
(3) سورة الحديد، الآية: 28.
(26/180)

رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
نرجو من فضيلتكم التكرم بإفادتنا عما إذا كان تحديد موعد منتظم أسبوعيًا لإلقاء محاضرة دينية أو حلقة علم، بدعة منهيًا عنها باعتبار طلب العلم عبادة، والرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يحدد موعدًا لهذه العبادة. وتبعًا لذلك هل إذا اتفق مجموعة من الأخوة على الالتقاء في المسجد ليلة محددة كل شهر لقيام الليل، هل يكون ذلك بدعة مع إيراد الدليل على ذلك؟ وجزاكم الله خيرًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
إن تحديد يوم معين منتظم لإلقاء محاضرة أو حلقة علم ليس ببدعة منهي عنها، بل هو مباح كما يقرر يوم معين في المدارس والمعاهد لحصة الفقه أو التفسير أو نحو ذلك. ولاشك أن طلب
العلم الشرعي من العبادات لكن توقيته بيوم معين تابع لما تقتضيه المصلحة، ومن المصلحة أن يعين يوم ذلك حتى لا يضطرب الناس.
(26/181)

وطلب العلم ليس عبادة مؤقتة بل هو بحسب ما تقتضيه المصلحة والفراغ. لكن لو خص يومًا معينًا لطلب العلم باعتبار أنه مخصوص لطلب العلم وحده فهذا هو البدعة.
وأما اتفاق مجموعة على الالتقاء في ليلة معينة لقيام الليل فهذا بدعة؛ لأن إقامة الجماعة في قيام الليل غير مشروعة إلا إذا فعلت أحيانًا وبغير قصد كما جرى للنبي - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
كتبه محمد الصالح العثيمين
في 28/5/1415 هـ.
(26/182)

س 71: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا أراد الإنسان حفظ القرآن فبماذا تنصحونه؟
فأجاب بقوله: الذي ننصحه به أن يبدأ من سورة البقرة، إلا إذا كان حفظه من المفصل أسهل له فليكن من المفصل؛ لأن بعض الناس يسهل عليه الحفظ من المفصل من أجل قصر سوره وآياته،
وكونه يسمعه من الأئمة في المساجد كثيرًا، فإذا كان هذا سهل عليه فليبدأ بما هو أسهل، وننصحه أيضًا بتعاهد حفظه كما أمر بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وننصحه أيضًا أن يهتم بما كان حفظه أكثر من اهتمامه بكثرة الحفظ؟ لأن العناية بالموجود أولى من العناية بالمفقود.
س 72: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هناك بعض طلبة العلم يبدأ طلب العلم بكتب الحديث ويعرض عن المتون الفقهية وحجتهم بأن المتون الفقهية خالية من أدلة الكتاب والسنة فهل
هذا صحيح؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أن يبدأ الطالب قبل كل شيء بفهم القرآن الكريم؟ لأن الله تعالى قال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)) (1) ولأن القرآن لا يحتاج إلى أي
__________
(1) سورة ص، الآية: 29.
(26/183)

عناء في ثبوته؛ لأنه ثابت بالتواتر، لكن السنة فيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها الضعيف، وفيها الموضوع، فهي تحتاج إلى عناء، ثم هي أيضًا تحتاج إلى جمع أطرافها، فقد يبلغ الإنسان حديث عن
الرسول عليه الصلاة والسلام يكون له مخصص لعمومه، أو مقيد لإطلاقه، أو يكون هذا الحديث منسوخا وهو لا يعلم، ولهذا نجد كثيرا ممن زعموا أنهم مستندون إلى الحديث يخطئون في فهمه، أو في طريقة الاستدلال به. ولاشك أن السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أصل من الأصول، فهي كالقرآن في وجوب العمل بها إذا حصلت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما قول السائل في سؤاله: أن بعض الطلبة يعرض عن المتون الفقهية؟ لأنها خالية مما قال الله وقال رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
فنقول: نعم، أكثر المتون الفقهية ليس فيها الدليل، ولكن توجد الأدلة في شروحها، فليست خالية من الأدلة باعتبار شروحها التي تذكر الأدلة وتحلل ألفاظها وتبين معانيها.
والذي أرى أن يكون الإنسان بادئا:
أولاً: بكتاب الله- عز وجل-.
وثانيًا: بالسنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وثالثًا: بكتب الفقه المبنية على الكتاب والسنة.
لأن هذه تضبط تصرفه وتصحح فهمه.
(26/184)

س 73: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لكن هل الأولى أن يحفظ متنا من متون الفقه أو متنَا مختصرَا من الحديث؟
فأجاب بقوله: الأولى أن يحفظ متنًا مختصرًا من الحديث كعمدة الأحكام، وبلوغ المرام، ولكن لا يدع الاستئناس بكلام أهل العلم وأهل الفقه.
س 74: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هي نصيحتكم لمن ابتدأفي طلب العلم؟ باي شيء يبدأ؟
فأجاب بقوله: عندي أن أهم شيء في طلب العلم أن يتعلم الإنسان تفسير كلام الله- عز وجل-؟ لأن كلام الله هو العلم كله، قال تعالى: (وَنَزلْنَا عَلَيكَ اَلكِتَابَ تِبيانًا لِكُلِ شئ وَهُدً ى) (1) وكان
الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر اَيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل جميعًا، هذا أهم شيء عندي، وعلى هذا فيبدأ الشاب ولاسيما الصغار من الشباب بحفظ القرآن، والاَن حفظ القرآن- ولله الحمد- متيسر، ففي المسجد حلقات يحفظون القرآن، وعليهم أمناء من القراء يحفظونهم القرآن، ثم إنه في هذه المناسبة أود من إخواني الأغنياء أن يولوا أهمية لهذه الحلقات
__________
(1) سورة النحل، الآية: 89.
(26/185)

بتشجيعهم ماديًا ومعنويًا، وليعلموا أنهم إذا أعانوا في تعليم القرآن فإن لهم مثل أجر المعلم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من جهز غازيا فقد غزى" (1) . ولأن الله تعالى قال: (وَتَعَاوَنوا عَلَى اَلبر وَاَلتقوَى) (2) ولم يأمرنا بالتعاون إلا أن لنا أجرًا، لذا أحث إخواني الأغنياء على دعم
هذه الحلقات بالمال سواء كان المال نقدًا، أو كان عقارات توقف لهذه الحلقات تنفقه بعد موته.
وأحث أيضًا القائمين على الحلقات أن يهتموا بإنشاء ما يدر على هذه الحلقات في المستقبل؛ لأن التبرع المقطوع ينتهي، لكن إذا حرصوا على أن يؤسسوا منشاَت تؤجر كان هذا حماية لهذه الحلقات
من التوقف في المستقبل.
بعد ذلك على الطالب أن يهتم بالسنة؟ لأنها هي مصدر التشريع الثاني، ولا أقول الثاني بالترتيب المعنوي، لكن بالترتيب الذكري؟
لأن ما ثبت في السنة كما ثبت في القرآن سواء بسواء؟ لأن الله تعالى يقول: (وَأنزَلَ آلله عَلَيك الكَتابَ وَاَلحكمَة) (3) فليحفظ السنة، ومن
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الجهاد والسير/باب فضل من جهز غازياً أو خَلَفهُ بخير، برقم (2843) . ومسلم/كتاب الامارة/باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره، برقم (1895) .
(2) سورة المائدة، الآية: 2.
(3) سورة النساء، الآية؟ 113.
(26/186)

الكتب المختصرة في السنة "عمدة الأحكام " وهي أيضًا موثوقة؛ لأن جامعها- رحمه الله- جمع فيها ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه ولم يشذ عن هذا القيد إلا في أحاديث يسيرة، وإذا ترقى الإنسان شيئًا ما فليحفظ " بلوغ المرام " وهو من أحسن ما ألف في الحديث؛ لأنه يذكر الحديث ويذكر مرتبته فيعطي الإنسان قوة وقدرة على معرفة مرتبة الحديث؛ لأن الحديث ليس كالقرآن، فالقرآن لا يحتاج إلى البحث في سنده، لأنه ثابت متواتر، أما السنة فلا يتم الاستدلال بها إلا بامرين:
الأول: صحة الحديث.
الثاني: دلالة الحديث على الحكم المطلوب. ولهذا إذا قال لك إنسان: هذا حرام، والدليل: قوله - صلى الله عليه وسلم - كذا وكذا، فعليك أن تطالبه بصحة النقل؛ لأن هناك أحاديث ضعيفة، وأحاديث مكذوبة على الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
س75: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أنا طالب مبتدئ ولكن يشكل عليَّ بعض الأحيان أن أقرأ حديئا صححه مثلاً بعض المتقدمين، ويضعفه المتاخرون فماذا أفعل؟
فأجاب بقوله: إذا كان عندك قدرة لمعرفة سبب التضعيف وأنه حقيقة، فاتبع ما ترى أنه الحق سواء كان من كلام المتقدمين أو من
(26/187)

كلام المتأخرين. أما إذا لم يكن عندك قدرة، وأنت تقول إنك طالب مبتدئ فاتبع ما يقوله الأقدمون، لأنهم أقرب إلى الصواب من المتأخرين.
س 76: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: متى يكون طالب العلم متبعًا لمذهب الإمام أحمد رحمه الله؟
فأجاب بقوله: مذهب الإمام أحمد وغيره من الأئمة رحمهم الله قسمان:
مذهب شخصى.
ومذهب اصطلاحي.
فأنت تكون متبعًا له شخصيًا إذا أخذت برواية من الروايات عنه، ولكنك لست آخذَا بالمذهب المصطلح عليه إذا كان يخالف المصطلح عليه، والمذهب المصطلح عليه، أحيانَا ينص الإمام أحمد
رحمه الله على أنه رجع عنه وعلى أنه لا يقول به، لكن لكل أناس من أصحاب المذاهب طريقة يمشون عليها.
س 77: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما توجيه فضيلتكم- حفظكم الله تعالى- لطالب العلم المبتدئ هل يقلد إمامَا من أئمة
(26/188)

المذاهب أم يخرج عنه؟
فأجاب بقوله: قال الله- عز وجل-: (فسئَلُوأ أهلَ اَلذِكرِ إن كُنتُم لَا تَعلَمُون) (1) فإذا كان هذا طالبًا ناشئًا لا يعرف كيف يخرج الأدلة فليس له إلا التقليد سواء قلد إمامًا سابقًا ميتًا، أو قلد إمامًا
حاضرًا- عالم من العلماء- وسأنه، هذا هو الأحسن، لكن إذا تبين له أن هذا القول مخالف للحديث الصحيح وجب عليه أن ياخذ بالحديث الصحيح.
س 78: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما طريقة طلب العلم باختصار؟ جزاكم الله خيرًا.
فأجاب بقوله: طريقة طلب العلم باختصار في نقاط:
1- احرص على حفظ كتاب الله تعالى، واجعل لك كل يوم شيئًا معينًا تحافظ على قراءته، ولتكن قراءتك بتدبر وتفهم، وإذا ظهرت لك فائدة أثناء القرأءة فقيدها.
2- احرص على حفظ ما تيسر من صحيح سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك حفظ عمدة الأحكام.
3- احرص على التركيز والثبات بحيث لا تأخذ العلم نتفًا من
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(26/189)

هذا شيئًا ومن هذا شيئًا؛ لأن هذا يضيع وقتك ويشتت ذهنك.
4- ابدأ بصغار الكتب وتأملها جيدًا ثم انتقل إلى ما فوقها، حتى تحصل على العلم شيئًا فشيئًا على وجه يرسخ في قلبك وتطمئن إليه نفسك.
5- احرص على معرفة أصول المسائل وقواعدها وقيد كل شيء يمر بك من هذا القبيل فقد قيل: من حرم الأصول حرم الوصول.
6- ناقش المسائل مع شيخك، أو مع من تثق به علمًا ودينًا من أقرانك، ولو بأن تقدر في ذهنك أن أحدًا يناقشك فيها إذا لم تمكن المناقشة مع من سمينا.
س 79: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كثيرة الأسئلة عن كيفية الطلب، وباي شيء يبدأ من أراد أن يطلب العلم، وبأي المتون يبدأ حفظًا، فما توجيهكم لهؤلاء الطلبة وجزاكم الله خيرًا؟
فأجاب بقوله: أولاً وقبل أن أذكر التوجيه لهؤلاء الطلبة أوجه الطلبة أن يتلقوا العلم عن عالم؟ لأن تلقي العلم عن العالم فيه فائدتان عظيمتان:
الأولى: أنه أقرب تناولاً؟ لأن العالم عنده اطلاع وعنده معرفة ويعطيك العلم ناضجًا سهلاً.
(26/190)

الثانية: أن الطلب على عالم يكون أقرب إلى الصواب، بمعنى أن الذي يطلب العلم على غير عالم يكون له شطحات وآراء شاذة بعيدة عن الصواب، وذلك لأنه لم يقرأ على عالم راسخ في علمه حتى يربيه على طريقته التي يختارها.
فالذي أرى أن يحرص الإنسان على أن يكون له شيخ يلازمه لطلب العلم، لأنه إذا كان له شيخ فإنه سوف يوجهه التوجيه الذي يرى أنه مناسب له.
أما بالنسبة للجواب على سبيل العموم فإننا نقول:
أولاً: الأولى أن يحفظ الإنسان كتاب الله تعالى قبل كل شيء؛ لأن هذا هو دأب الصحابة- رضي الله عنه- كانوا لا يتجاوزون عشر اَيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، وكلام الله أشرف الكلام على الإطلاق.
ثانيًا: يأخذ من متون الأحاديث المختصرة ما يكون ذخرًا له في الاستد لال بالسنة مثل: عمدة الأحكام، وبلوغ المرام، والأربعين النووية وما أشبه ذلك.
ثالثًا: يحفظ من متون الفقه ما يناسبه ومن أحسن المتون التي نعلمها "زاد المستقنع في اختصار المقنع " لأن هذا الكتاب قد خدم من قبل شارحه منصور بن يونس البهوتي رحمه الله ومن قبلِ من بعده
(26/191)

ممن خدموا هذا الشرح والمتن بالحواشي الكثيرة.
رابعًا: النحو وما أدراك ما النحو الذي لا يعرفه من الطلبة إلا القليل حتى إنك لترى الرجل قد تخرج من الكلية وهو لا يعرف عن النحو شيئًا يتمثل بقول الشاعر:
لا بارك الله في النحو ولا أهله إذاكان منسوبًا إلى نفطويه أحرقه الله بنصف اسمه وجعل الباقي صراخًا عليه ولماذا قال الشاعر هذا الكلام؟
الجواب: لأنه عجز عن النحو، ولكن أقول: إن النحو بابه من حديد، ودهاليزه قصب، يعني: أنه شديد وصعب عند أول الدخول فيه، ولكنه إذا انفتح الباب لطالبه سهل عليه الباقي بكل يسر وصار سهلاً عليه، حتى إن بعض طلبة العلم الذين بدؤوا في النحو صاروا يعشقونه فإذا خاطبتهم بخطاب عادي جعل يعربه ليتمرن على الإعراب، ومن أحسن متون النحو الأجرومية، كتاب مختصر مركز غاية التركيز، ولهذا أنصح من يبدأ أن يبدأ به فهذه الأصول التي ينبغي أن يبني عليها طالب العلم.
خامسًا: أما ما يتعلق بعلم التوحيد فالكتب في هذا كثيرة منها: "كتاب التوحيد" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ومنها: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهي
(26/192)

كثيرة معروفة ولله الحمد.
والنصيحة العامة لطالب العلم أن يكون عليه أثار علمه من تقوى الله- عز وجل- والقيام بطاعته، وحسن الخلق، والاحسان إلى الخلق بالتعليم والتوجيه، والحرص على نشر العلم بجميع
الوسائل سواء كان ذلك عن طريق الصحف، أو المجلات، أو الكتب أو الوسائل أو النشرات وغير ذلك من الوسائل.
وأنصح طالب العلم أيضًا ألا يتسرع في الحكم على الشيء؛ لأن بعض طلبة العلم المبتدئين تجده يتسرع في الإفتاء، وفي الأحكام وربما يخطئ العلماء الكبار وهو دونهم بكثير، حتى إن بعض الناس يقول: ناظرت شخصًا من طلبة العلم المبتدئين فقلت له: إن هذا قول الإمام أحمد بن حنبل. فقال: (وما الإمام أحمد بن حنبل، الإمام أحمد بن حنبل رجل ونحن رجال) سبحان الله!! صحيح أن الإمام أحمد رحمه الله رجل وأنت رجل، فأنتما مستويان في الذكورة، أما في العلم فبينكما فرق عظيم، وليس كل رجل رجلاً بالنسبة للعلم.
وأقول: إن على طالب العلم أن يكون متأدبًا بالتواضع وعدم الإعجاب بالنفس وأن يعرف قدر نفسه.
ومن المهم لطالب العلم المبتدئ: ألا يكون كثير المراجعة لأقوال العلماء، لأنك إذا أكثرت مراجعتك لأقوال العلماء وجعلت تطالع
(26/193)

المغني في الفقه لابن قدامة، والمجموع للنووي والكتب الكبيرة التي تذكر الخلاف وتناقشه فإنك تضيع.
ابدأ أولاً كما قلنا بالمتون المختصرة شيئَا فشيئَا حتى تصل إلى الغاية، وأما أن تريد أن تصعد الشجرة من فروعها فهذا خطأ.
س80: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كثُرَ عند بعض الشباب الصالح القول بعدم التقليد مستندين إلى بعض أقوال ابن القيم عليه رحمة الله، فما قولكم؟
فأجاب بقوله: الحقيقة إنني أؤيد هذا، أن الإنسان لا يركن إلى التقليد؟ لأن المقلد قد يخطئئ ولكني مع ذلك لا أرى أن نبتعد عن أقوال أهل العلم السابقين حتى لا نتشتت وناخذ من كل مذهب،
لأننا وجدنا أن الإخوة الذين ينكرون التقليد وجدناهم أحيانَا يضيعون حتى يقولوا بما لم يسبقهم إليه أحد.
ولكن إذا دعت الضرورة إلى التقليد فإنه لابد منه لقول الله تعالى: (فَسئلُوا أهلَ اَلذِكرِ إن كُنتُم لَا تَعلَمُون) (1) فأوجب سبحانه سؤال أهل الذكر إذا كنا لا نعلم، وسؤالهم يتضمن اعتماد
قولهم وإلا لم يكن لسؤالهم فائدة.
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(26/194)

فالتقليد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - بمزلة الميتة إن اضطررت إليها فكلها، وإن اسغنيت عنها فهى حرام عليك فمتى نزل بالإنسان ةنازلة ولا يتمكن من مطالعتها فى الكتب
التى تسوق الأدلة فلا حرج عليه حينئذ أن يقلد، ولكنه يقلد منت يراه أقرب إلى الحق فى علمه وأمانته، وأما من عنده قدره على استنباط الاحكام من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لايقلد.
س81: سئل فضيلة الشيخ - رحمه الله -: ما فائدة تعلم طلاب العلم فرق المعتزلة والجهمية والخوارج مع عدم وجودها فى هذا العصر؟
فأجاب بقوله: تعلم فرق المبتدعة فى هذا الزمان فيه فائدة وهى: أن نعرف مآخذ هذه الفرق لنرد عليهم إذا وجدوا، وهم موجودون فعلا وقول السائل: (إنه لا يوجد لهم الآن) مبنى على علمه هو، ولكن المعلوم عندنا وعند غيرنا ممن يطلعون على أحوال الناس أن هذه الفرق موجودة وأن لها نشاطا أيضا فى نشر بدعهم، ولذلك لابد من أن نتعلم هذه الأراء حتى نعرف زيفها ونعرف الحق ونرد على من يجادلون فيها
(26/195)

س 82: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بماذا تنصح من يريد طلب العلم الشرعي ولكنه بعيد عن العلماء مع العلم بأن لديه مجموعة كتب منها الأصول والمختصرات؟
فأجاب بقوله: أنصحه بأن يثابر على طلب العلم ويستعين بالله- عز وجل- ثم بأهل العلم؛ لأن تلقي الإنسان العلم على يدي العالم يختصر له الزمن بدلاً من أن يذهب ليراجع عدة كتب وتختلف عليه الآراء، ولست أقول كمن يقول إنه لا يمكن إدراك العلم إلا على عالم أو على شيخ فهذا ليس بصحيح؟ لأن الواقع يكذبه، لكن دراستك على الشيخ تنور لك الطريق وتختصره.
س 83: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من الملاحظ انصراف كثير من طلاب العلم عن إتقان قواعد اللغة العربية مع أهميتها، فماتعليقكم؟
فأجاب بقوله: فهم اللغة العربية مهم سواء في قواعد الإعراب، أو قواعد البلاغة، كلها مهمة، ولكن بناء على أننا والحمد لله عرب فإنه يمكننا أن نتعلم دون أن نعرف قواعد اللغة العربية، لكن من الكمال أن يتعلم الإنسان قواعد اللغة العربية، فأنا أحث على تعلم اللغة العربية في جميع قواعدها. "
(26/196)

س 84: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوزتعلم العلم من الكتب فقط دون العلماء وخاصة إذا كان يصعب تعلم العلم من العلماء لندرتهم؟ وما رأيكم في القول القائل: من كان شيخه
كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه؟
فأجاب بقوله: لا شك أن العلم يحصل بطلبه عند العلماء وبطلبه في الكتب، لأن كتاب العالم هو العالم نفسه، فهو يحدثك من خلال كتابه، فإذا تعذر الطلب على أهل العلم، فإنه يطلب العلم من
الكتب، ولكن تحصيل العلم عن طريق العلماء أقرب من تحصيله عن طريق الكتب؟ لأن الذي يحصله عن طريق الكتب يتعمب أكثر ويحتاج إلى جهد كبير جدَا، ومع ذلك فإنه قد تخفى عليه بعض الأمور كما في القواعد الشرعية التي قعدها أهل العلم والضوابط، فلابد أن يكون له مرجع من أهل العلم بقدر الإمكان.
وأما قوله: " من كان دليله كتابه فخطؤه أكثر من صوابه "، فهذا ليس صحيحًا على إطلاقه ولا فاسدَا على إطلاقه، أما الإنسان الذي ياخذ العلم من أي كتاب يراه فلاشك أنه يخطئ كثيرَا، وأما الذيْ يعتمد في تعلمه على كتب رجال معروفين بالثقة والأمانة والعلم فإن هذا لا يكثر خطؤه بل قد يكون مصيبَا في أكثر ما يقول.
(26/197)

س85: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ذكرتم- جزاكم الله خيرًا- أن الاعتماد على أقوال الرجال خطأ يضر طالب العلم، فهل يفهم من هذا عدم التمذهب أو الرجوع إلى مذهب معين فيما
يشكل من أحكام؟
فأجاب بقوله: التمذهب بمذهب معين إذا كان المقصود منه أن الإنسان يلتزم بهذا المذهب معرضَا عما سواه سواء كان الصواب في مذهبه، أو مذهب غيره فهذا لا يجوز ولا أقول به.
أما إذا كان الإنسان يريد أن ينتسب إلى مذهب معين لينتفع بما فيه من القواعد والضوابط ولكنه يرد ذلك إلى الكتاب والسنة، وإذا تبين له الرجحان في مذهب آخر ذهب إليه فهذا لا بأس به، والعلماء المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره هم من هذا النوع هم محققون لهم مذهب معين ولكنهم لا يخالفون الدليل إذا تبين لهم.
س 86: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أمامي مجال لدخول كلية علمية، فهل أدخلها لنفع المسلمين أم أسلك المجال في كلية الشريعة؟ أفيدوني جز اكم الله خيرًا.
فأجاب بقوله: الذي أرى أن أفضل الكليات في الجامعات هي الكليات الدينية، وأما المواد الأخرى فربما يقوم بها رجل آخر، لاسيما
(26/198)

من كانت له رغبة في دراسة العلوم الدينية، وما دام عندك رغبة في دخول كلية الشريعة فإن ذلك أفضل.
س 87: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل هناك دعاء لحفظ القرآن؟ وما طريقة حفظه؟
فأجاب بقوله: لا أعرف في ذلك دعاء يحفظ به القرآن إلا حديثَا (1) ، روي أن النبي علمه علي بن أبي طالب- رضي الله عنه -، وفي صحته نظر، قال عنه ابن كثير- رحمه الله تعالى-: إنه من
البين غرابته بل نكارته.
وقال السيد محمد رشيد رضا- في التعليق عليه-: بل أسلوبه أسلوب الموضوعات لا أسلوب أفصح البشر محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلي- رضي الله عنه- ولا أسلوب عصرهما.
وقال الذهبي: هذا الحديث منكر شاذ.
ولكن الطريق إلى حفظه هو أن يواظب الإنسالن على حفظه، وللناس في حفظه طريقان:
أحدهما: أن يحفظه آية آية، أو آيتين آيتين، أو ثلاثَا ثلاثَا حسب طول الآيات وقصرها.
__________
(1) انظر: سنن الترمذي/كتاب الدعوات/باب في دعاء الحفظ، برقم (3570) .
(26/199)

الثاني: أن يحفظة صفحة صفحة.
والناس يختلفون منهم من يفضل أن يحفظه صفحة يرددها حتى يحفظها، ومنهم من يفضل أن يحفظ الآية ثم يرددها حتى يحفظها، ثم يحفظ اَية أخرى كذلك وهكذا حتى يتم.
ثم إنه أيضًا ينبغي سواء حفظ بالطريقة الأولى أو الثانية ألا يتجاوز شيئًا حتى يكون قد أتقنه لئلا يبني على غير أساس، وينبغي أن يستعيد ما حفظه كل يوم خصوصًا في الصباح، فإذا عرف أنه قد
أجاد ما حفظه أخذ درسًا جديدًا.
س 88: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أريد أن أتعلم العلم الشرعى وأبدأ في التعلم ولا أعرف كيف أبدأ، فبماذا تنصحوني في ذلك؟
فأجاب بقوله: خير منهج لطالب العلم أن يبدأ الطالب بفهم كلام الله- عز وجل- من كتب التفسير الموثوق بها: كتفسير ابن كثير، والبغوي، ثم بفهم ما صح عن النبي من السنة من الكتب
الحديثة الموثوقة: كبلوغ المرام، والمنتقى، وأصول كتبِ الحديث الملتزمة بالصحيح: كصحيحي البخاري ومسلم رحمهما الله، ثم بكتب العقيدة السليمة مثل: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية
(26/200)

رحمه الله، وكتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ثم بكتب الفقه المختصرة ليتفقه بها على المذهب الذي يراه أقرب إلى الكتاب والسنة، وحين يترقى في العلم يقرأ الكتب المطولة ليزداد بها علمًا.
س 89: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: طالب العلم المبتدئ هل يبدأ في طلب العلم بالبحث عن الأدلة أم يقلد في ذلك أئمة أحد المذاهب؟ ما توجيه سماحتكم- حفظكم الله تعالى-؟
فأجاب بقوله: الطالب المبتدئ في العلم يجب عليه البحث عن الدليل بقدر إمكانه؟ لأن المطلوب الوصول إلى الدليل، ولأجل أن يحصل له التمرن على طلب الأدلة وكيفية الاستدلال فيكون سائرًا
إلى الله على بصيرة وبرهان، ولا يجوز له التقليد إلا لضرورة كما لو بحث فلم يستطع الوصول إلى نتيجة، أو حدثت له حادثة تتطلب الفورية فلم يتمكن من معرفة الحكم بالدليل قبل فوات الحاجة إليها فله حينئذٍ أن يقلد بنية أنه متى تبين له الدليل رجع إليه، وإذا اختلف عليه المفتون، فقيل يخير، وقيل ياخذ بالأيسر لأنه الموافق لقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر) (1) وقيل: يأخذ بالأشد لأنه أحوط وغيره
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 185.
(26/201)

مشتبه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " (1) . والأرجح أن ياخذ بما يغلب على ظنه أنه أقرب إلى الصواب لكون قائله أعلم وأورع، والله أعلم.
س90: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يقع بعض طلبة العلم المبتدئين في الكليات الشرعية في حيرة هل يكتفون بطلب العلم في الكليات أم يجمعون مع ذلك طلب العلم في المساجد فما
نصيحة فضيلتكم؟
فأجاب بقوله: العلم لا يقتصر طلبه في الحضور إلى الكليات ودراسة موادها، بل إن من أبرك العلم تحصيلاً وتأثيراً في النفس وفي العمل والمنهج هو ما يحصل في المساجد.
فما أبرك علم المساجد! لأن المساجد فيها خير وبركة.
ولذلك أنا أقول لكم عن نفسي: إن العلم الحقيقي الذي أدركته هو العلم الذي قرأته على المشايخ، وإن كنت استفدت من الجامعة في فنون أخرى، لكن العلم الراسخ المبارك هو ما يدركه الإنسان عند المشايخ، حتى إن مظهر الطالب عند المشايخ غير مظهر الطالب
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الإيمان/باب فضل من استبرأ لدينه، برقم (52) ، ومسلم/كتاب المساقاة/باب أخذ الحلال وترك الشبهات، برقم (1599) .
(26/202)

الذي يقتصر على دروس الجامعة غالباً، وإن كان يوجد من هؤلاء وهؤلاء ما يختلف عن القاعدة العامة.
لذلك أنا أحث الطلاب على ألا يقتصروا على مواد الجامعة إذا كان لديهم وقت وقدرة، أما إذا كان لا يمكن الجمع؛ لكثرة الدروس في الجامعة ولكون الإنسان يجب أن ترسخ علوم الجامعة في ذهنه؛ فإنه يحرص على علوم الجامعة، ولا سيما في أول الدراسة؛ لأن بعض الطلاب تجده يهمل في أول العام فإذا جاء آخر العام اجتهد اجتهاداً بالغاً، والعلم الذي يحصل على هذا الوجه يذهب وينتهي بمجرد انتهاء الاختبارات.
س 91: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بماذا تنصح من بدأ في طلب العلم على كبر سنه؟ وإن لم يتيسر له شيخ يأخذ منه ويلازمه فهل ينفعه طلب العلم بلا شيخ؟
فأجاب بقوله: نسأل الله تعالى أن يعين من أكرمه الله بالاتجاه إلى طلب العلم، ولكن العلم في ذاته صعب يحتاج إلى جهد كبير، لأننا نعلم أنه كلما تقدمت السن من الإنسان زاد حجمه وقل فهمه، فهذا الرجل الذي بدأ الآن في طلب العلم ينبغي له أن يختار عالمًا يثق بعلمه ليطلب العلم عليه؛ لأن طلب العلم عن طريق المشائخ أوفر
(26/203)

وأقرب وأيسر، فهو أوفر؛ لأن الشيخ عبارة عن موسوعة علمية، لاسيما الذي عنده علم نافع في النحو والتفسير والحديث والفقه وغيره.
فبدلاً من أن يحتاج إلى قراءة عشرين كتابًا يتيسر تحصيله من الشيخ، وهو لذلك يكون أقصر زمنًا، وهو أقرب للسلامة كذلك، لأنه ربما يعتمد على كتاب ويكون نهج مؤلفه مخالفًا لنهج السلف
سواء في الاستدلال أو في الأحكام.
فننصح هذا الرجل الذي يريد طلب العلم على الكبر أن يلزم شيخًا موثوقًا، ويأخذ منه؛ لأن ذلك أوفر له، ولا ييأس، ولا يقول بلغت من الكبر عتيًا، لأنه بذلك يحرم نفسه من العلم.
وقد ذكر أن بعض أهل العلم دخل المسجد يومًا بعد صلاة الظهر فجلس، فقال له أحد الناس: قم فصل ركعتين، فقام فصلى ركعتين، وذات يوم دخل المسجد بعد صلاة العصر فكبر ليصلي ركعتين فقال له الرجل: لا تصل فهذا وقت نهي، فقال: لابد أن أطلب العلم، وبدأ في طلب العلم حتى صار إمامًا، فكان هذا الجهل سببًا لعلمه، وإذا علم الله منك حسن النية منَّ عليك بالتوفيق فقد تجمع الشيء الكثير.
(26/204)

س 92: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هي الطريقة الصحيحة في طلب العلم؟ هل يكون بحفظ المتون في علوم الشريعة أم فهمها؟ نرجو التوضيح حفظكم الله تعالى.
فأجاب بقوله: على طالب العلم أن يبدأ شيئًا فشيئًا، فعليك أن تبدأ في الأصول والقواعد والضوابط وما أشبه ذلك من المختصرات مع المتون؛ لأن المختصرات سلم إلى المطولات، لكن لابد من معرفة
الأصول والقواعد ومن لم يعرف الأصول حرم الوصول. وكثير من طلبة العلم تجده يحفظ مسائل كثيرة لكن ليس عنده أصل لو تأتيه مسألة واحدة شاذة عما كان يحفظه ما استطاع أن يعرف لها حلاً، لكن إذا عرف الضوابط والأصول استطاع أن يحكم على كل مسألة جزئية من مسائله، ولهذا فأنا أحث إخواني على معرفة الأصول والضوابط والقواعد لما فيها من الفائدة العظيمة وهذا شيء جربناه وشاهدناه مع غيرنا على أن الأصول هي المهم، ومنها حفظ المختصرات، وقد أراد بعض الناس أن يمكروا بنا فقالوا لنا: (إن الحفظ لا فائدة فيه، وإن المعنى هو الأصل) ، ولكن الحمد لله أنه أنقذنا من هذه الفكرة وحفظنا ما شاء الله أن نحفظ من متون النحو وأصول الفقه والتوحيد.
وعلى هذا فلا يستهان بالحفظ، فالحفظ هو الأصل، ولعل أحدًا منكم الآن يذكر عبارات قرأها من قبل مدة طويلة، فالحفظ مهم
(26/205)

لطالب العلم حتى وإن كان فيه صعوبة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون ممن اهتدوا بطريقة سلفنا الصالح وأن يجعلنا من الهداة المهتدين، إنه جواد كريم.
س 93: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأي فضيلتكم في تعلم التجويد والالتزام به؟
وهل صحيح ما يذكر عن فضيلتكم- حفظكم الله تعالى- من الوقوف بالتاء في نحو (الصلاة، الزكاة) ؟
فأجاب بقوله: لا أرى وجوب الالتزام بأحكام التجويد التي فصلت بكتب التجويد، وإنما أرى أنها من باب تحسين القراءة، وباب التحسين غير باب الإلزام، وقد ثبت في صحيح البخاري عن أنس
ابن مالك- رضي الله عنهما- أنه سئل كيف كانت قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: كانت مدًا، ثم قرأ "بسم الله الرحمن الرحيم " يمد ببسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم (1) .
والمد هنا طبيعي لا يحتاج إلى تعمده، والنص عليه هنا يدل على أنه فوق الطبيعي.
ولو قيل بأن العلم بأحكام التجويد المفصلة في كتب التجويد
__________
(1) رواه البخاري/كتاب فضائل القرآن/باب مد القراءة، برقم (5046) .
(26/206)

واجب للزم تأثيم أكثر المسلمين اليوم، ولقلنا لمن أراد التحدث باللغة الفصحى: طبق أحكام التجويد في نطقك بالحديث وكتب أهل العلم وتعليمك ومواعظك.
وليعلم أن القول بالوجوب يحتاج إلى دليل تبرأ به الذمة أمام الله - عز وجل- في إلزام عباده بما لا دليل على إلزامهم به من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو إجماع المسلمين، وقد ذكرنا شيخنا عبد الرحمن بن سعدي- رحمه الله- في جواب له أن التجويد حسب
القواعد المفصلة في كتب التجويد غير واجب.
وقد اطلعت على كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- حول حكم التجويد قال فيه ص 50 مجلد 16 من مجموع ابن قاسم - رحمه الله- للفتاوى: "ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها، وإمالتها، والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك، فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من
كلامه، وكذلك شغل النطق بـ (أأنذرتهم) وضم الميم من (عليهم) ووصلها بالواو وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت) .
وأما ما سمعتم من أني أقف بالتاء في نحو "الصلاة، والزكاة" فغير صحيح بل أقف في هذا وأمثاله على الهاء.
(26/207)

فوائد متنوعة في طريقة طلب العلم
الفائدة الأولى: لابد لطالب العلم من مراعاة عدة أمور عند طلبه لأي علم من العلوم:
أولاً: حفظ متن مختصر فيه.
فإذا كنت تطلب النحو:
فإن كنت مبتدئًا فلا أرى أحسن من متن الأجرومية، لأنه واضح وجامع وحاصر وفيه بركة، ثم متن ألفية ابن مالك، لأنها خلاصة علم النحو كما قال هو نفسه:
أحصى من الكفاية الخلاصة كما أقتضى غنى بلا خصاصة
وأما في الفقه:
فمتن زاد المستقنع، لأنه كتاب مخدوم بالشروح والحواشي والتدريس، وإن كان بعض المتون الأخرى أحسن منه من وجه، لكن هو أحسن من حيث كثرة المسائل الموجودة فيه، ومن حيث إنه مخدوم.
وأما في الحديث:
فمتن عمدة الأحكام، وإن ترقيت فبلوغ المرام، وإن كنت تقول هذا أو هذا، فبلوغ المرام أحسن، لأنه كثر جمعًا للأحاديث، ولأن الحافظ ابن حجر- رحمه الله- بيّن درجة الحديث.
(26/208)

وأما في التوحيد:
فمن أحسن ما قرأنا متن كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله.
وأما في توحيد الأسماء والصفات:
فمن أحسن ما قرأت العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فهو كتاب جامع مبارك مفيد، وهلم جرا، خذ من كل فن تطلبه متنًا مختصرًا فيه واحفظه.
ثانيًا: ضبطه وشرحه على شيخ متقن وتحقيق ألفاظه وما كان زائدًا أو ناقصًا.
ثالثًا: عدم الاشتغال بالمطولات، وهذه الفقرة مهمة لطالب العلم، فلابد لطالب العلم أن يتقن المختصرات أولاً حتى ترسخ العلوم في ذهنه ثم يفيض إلى المطولات، لكن بعض الطلبة قد يغرب
فيطالع المطولات، ثم إذا جلس مجلسًا قال: قال صاح المغني، قال صاحب المجموع، قال صاحب الإنصاف، قال صاحب الحاوي، ليظهر أنه واسع الاطلاع، وهذا خطأ نحن نقول: ابدأ بالمختصرات
حتى ترسخ العلوم في ذهنك، ثم إذا من الله عليك، فاشتغل بالمطولات، وقياس ذلك بالأمر المحسوس أن ينزل من لم يتعلم السباحة إلى بحر عميق فإنه لا يستطيع أن يتخلص فضلاً عن أن يتقن.
(26/209)

رابعًا: لا تنتقل من مختصر إلى أخر بلا موجب فهذا من باب الضجر، وهذه آفة عظيمة تقطع على الطالب طلبه وتضيّعُ عليه أوقاته، فإذا كان كل يوم له كتاب يقرأ فيه، فهذا خطأ في منهج طالب
العلم، فإذا قررت كتابًا في كتب العلم فاستمر فيه، ولا تقول أقرأ كتابًا أو فصلاً من هذا الكتاب ثم أنتقل للآخر، فإن هذا مضيعة للوقت.
خامسًا: اقتناص الفوائد والضوابط العلمية: فهناك فوائد لا تكاد تطرأ على الذهن، أو يندر ذكرها والتعرض لها، أو تكون مستجدة تحتاج إلى بيان الحكم فيها، فهذه اقتنصها، وقيدها بالكتابة، ولا تقل هذه معلومة عندي، ولا حاجة أن أقيدها، لأنها سرعان ما تنسى، وكم من فائدة تمر بالإنسان فيقول هذه سهلة ما تحتاج إلى قيد، ثم بعد فترة وجيزة يتذكرها ولا يجدها.
لذلك احرص على اقتناص الفوائد التي يندر وقوعها أو يتجدد وقوعها، ومن أحسن ما ألف في هذا الموضوع كتاب العلامة ابن القيم- رحمه الله- "بدائع الفوائد" فقد جمع فيه من بدائع العلوم، ما
لا تكاد تجده في كتاب آخر، فهو جامع في كل فن، كلما طرأ على باله مسألة أو سمع فائدة قيدها، ولهذا تجد فيه من علم العقائد، والفقه، والحديث، والتفسير، والنحو، والبلاغة وغيرها.
(26/210)

وأيضًا احرص على الاهتمام بالضوابط.
ومن الضوابط: ما يذكره العلماء تعليلاً للأحكام، فإن كل التعليلات للأحكام الفقهية تعتبر ضوابط؛ لأنها تبنى عليها الأحكام، فهذه احتفظ بها، وسمعت أن بعض الإخوان يتتبع هذه
الضوابط في الروض المربع ويحررها، وقلت من الأحسن أن يقوم بهذا طائفة، تتبع الروض المربع من أوله إلى آخره كلما ذكر علة تقيد؛ لأن كل علة يبنى عليها مسائل كثيرة، إذ أن العلم له ضابط، فكل ضابط يدخل تحته جزئيات كثيرة.
فمثلاً إذا شك في طهارة ماء أو بنجاسته فنه يبني على اليقين، فهذه العلة تعتبر حكما وتعتبر ضابطًا.
أيضًا يعلل بأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإذا شك في نجاسة طاهر فهو طاهر، أو في طهارة نجس فهو نجس؛ لأن الأصل بقاء ماكان على ماكان.
فإذا حرص طالب العلم ودوّن كل ما مر عليه من هذه التعليلات وحررها وضبطها ثم حاول في المستقبل أن يبني عليها مسائل جزئية لكان في هذا فائدة كبيرة له ولغيره.
سادسًا: جمع النفس للطلب: فلا يشتتها يمينًا ويسارًا، اجمع النفس على الطلب ما دمت مقتنعًا بان هذا منهجك وسبيلك، وأيضًا
(26/211)

اجمع نفسك على الترقي فيه لا تبقى ساكنًا. فكر فيما وصل إليه علمك من المسائل والدلائل حتى تترقى شيئًا فشيئًا، واستعن بمن تثق به من زملائك وإخوانك فيما إذا احتاجت المسألة إلى استعانة،
ولا تستح أن تقول يا فلان ساعدني على تحقيق هذه المسألة بمراجعة الكتب، الحياء لا ينال العلم به أحد، فلا ينال العلم مستحي ولا مستكبر.
الفائدة الثانية في طريقة طلب العلم:
مما ينبغي لطالب العلم مراعاته تلقي العلم عن الأشياخ، لأنه يستفيد بذلك فوائد عدة:
1- اختصار الطريق، فبدلاً من أن يذهب يقلب في بطون الكتب وينظر ما هو القول الراجح وما سبب رجحانه، وما هو القول الضعيف وما سبب ضعفه، بدلاً من ذلك كله، يمد إليه المعلم ذلك
بطريق سهل ويعرض له خلاف أهل العلم في المسائل على قولين أو ثلاثة مع بيان الراجح، والدليل كذا، وهذا لاشك أنه نافع لطالب العلم.
2- السرعة في الإدراك، فطالب العلم إذا كان يقرأ على عالم فإنه يدرك بسرعة أكثر مما لو ذهب يقرأ في الكتب، لأنه إذا قرأ في الكتب تمر عليه العبارات المشكلة والغامضة فيحتاج إلى التدبير وتكرار
(26/212)

العبارات مما يأخذ منه الوقت والجهد، وربما فهمها على وجه خطأ وعمل بها.
3- الربط بين طلاب العلم والعلماء الربانيين، لذلك القراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه.
الفائدة الثالثة في طريقة طلب العلم:
إذا دعت الحاجة للسؤال فليحسن طالب العلم السؤال، أما إذا لم تدع الحاجة فلا يسأل، لأنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل إلا إذا احتاج هو أو ظن أن غيره يحتاج إلى السؤال، فقد يكون مثلاً في درس، وهو فاهم الدرس ولكن فيه مسائل صعبة تحتاج إلى بيانها لبقية الطلبة، فيسأل من أجل حاجة غيره، والسائل لحاجة غيره كالمعلم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جاءه جبريل عليه السلام وسأله عن الإيمان، والإحسان، والإسلام، والساعة وأشراطها، قال: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " (1) ، فإذا كان الباعث على السؤال حاجة السائل فسؤاله وجيه، أو حاجة غيره وسأل ليعلم غيره فهذا أيضًا وجيه وطيب.
أما إذا سأل ليقول الناس: ما شاء الله فلان عنده حرص على العلم، كثير السؤال، فهذا غلط، وعلى العكس من ذلك من يقول: لا
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الإيمان/باب سؤال جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان، والإسلام والإحسان، برقم (50) . ومسلم/كتاب الإيمان/باب بيان الإيمان والإسلام ووجوب الإيمان بثبات قدر الله سبحانه وتعالى، برقم (8) (9) .
(26/213)

أسأل حياء، فالثاني مفرِّط والأول مُفرِط، وخير الأمور الوسط. كذلك ينبغي أن يكون عند طالب العلم حسن الاستماع لجواب العالم، وصحة الفهم للجواب، فبعض الطلبة إذا سأل وأجيب تجده
يستحي أن يقول ما فهمت.
والذي ينبغي لطالب العلم إذا لم يفهم أن يقول ما فهمت، لكن بأدب وتوقير للعالم.
الفائدة الرابعة في طريقة طلب العلم: الحفظ ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: غريزي: يهبه الله تعالى لمن يشاء، فتجد الإنسان ترد عليه المسألة والبحث فيحفظه ولا ينساه.
والقسم الثاني: كسبي: بمعنى أن يمرن الإنسان نفسه على الحفظ، ويتذكر ما حفظ فإذا عود نفسه تذكر ما حفظ، سهل عليه حفظه.
الفائدة الخامسة في طريقة طلب العلم: المجادلة والمناظرة نوعان:
النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء ويريد أن ينتصر قوله فهذه مذمومة.
النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه، فهذه محمودة مأمور بها، وعلامة ذلك- أي المجادلة الحقة- أن الإنسان إذا بان له الحق اقتنع وأعلن الرجوع، أما المجادل الذي يريد الانتصار لنفسه
فتجده لو بان أن الحق مع خصمه، يورد إيرادات يقول: لو قال قائل،
(26/214)

ثم إذا أجيب قال: لو قال قائل، ثم إذا أجيب قال: لو قال قائل، ثم تكون سلسلة لا منتهى لها، ومثل هذا عليه خطر ألا يقبل قلبه الحق، لا بالنسبة للمجادلة مع الآخر ولكن في خلوته، ربما يورد الشيطان عليه هذه الإيرادات فيبقى في شك وحيرة، كما قال الله تبارك وتعالى:
(وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)) (1) وقال الله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)) (2) .
فعليك يا أخي بقبول الحق سواء مع مجادلة غيرك أو مع نفسك، فمتى تبين لك الحق فقل: سمعنا وأطعنا، وآمنا وصدقنا.
ولهذا تجد الصحابة رضي الله عنهم يقبلون ما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام أو ما أخبر به دون أن يوردوا عليه الاعتراضات.
فالحاصل أن المجادلة إذا كان المقصود بها إثبات الحق وإبطال الباطل فهي خير، وتعودها وتعلمها خير لاسيما في وقتنا هذا، فإنه كثر فيه الجدال والمراء، حتى أن الشيء يكون ثابتًا وظاهرًا في القرآن
والسنة ثم يورد عليه إشكالات.
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 110.
(2) سورة المائدة، الآية: 49.
(26/215)

وهنا مسألة: وهي أن بعض الناس يتحرج من المجادلة حتى وإن كانت حقًا استدلالاً بحديث: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا" (1) فيترك هذا الفعل.
فالجواب: من ترك المراء في دين الله فليس بمحق إطلاقًا؛ لأن هذا هزيمة للحق، لكن قد يكون محقًا إذا كان تخاصمه هو وصاحبه في شيء ليس له علاقة بالدين أصلاً، قال: رأيت فلانًا في السوق،
ويقول الآخر: بل رأيته في المسجد، ويحصل بينهما جدال وخصام فهذه هي المجادلة المذكورة في الحديث، أما من ترك المجادلة في نصرة الحق فليس بمحق إطلاقًا فلا يدخل في الحديث.
الفائدة السادسة في طريقة طلب العلم:
من الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يهتم بها المذاكرة، والمذاكرة نوعان:
النوع الأول: مذاكرة مع النفس، بأن تجلس مثلاً جلسة وحدك ثم تعرض مسألة من المسائل أو مسألة قد مرت عليك، ثم تأخذ في محاولة عرض الأقوال وترجيح ما قيل في هذه المسألة بعضها على
بعض، وهذه سهلة على طالب العلم، وتساعد على مسألة المناظرة السابقة.
__________
(1) رواه أبو داود/كتاب الأدب/باب في حسن الخلق، برقم (4800) .
(26/216)

النوع الثاني: مذاكرة مع الغير، بن يختار من إخوانه الطلبة من يكون عونًا له على طلب العلم، مفيدًا له، فيجلس معه ويتذاكرون، يقرآ مثلاً ما حفظاه، كل واحد يقرأ على الآخر قليلاً، أو يتذاكران في
مسألة من المسائل بالمراجعة أو بالمفاهمة إن قدرا على ذلك فإن هذا مما ينمي العلم ويزيده، لكن إياك والشغب والصلف؛ لأن هذا لا يفيد.
الفائدة السابعة في طريقة طلب العلم: كراهية التزكية والمدح والتكبر على الخلق:
وهذا يبتلى بها بعض الناس فيزكي نفسه، ويرى أن ما قاله هو الصواب وأن غيره إذا خالفه فهو مخطئ وما أشبه ذلك، كذلك حب المدح تجده يسأل عما يقال عنه؛ فإذا وجد أنهم مدحوه انتفخ وزاد انتفاخه حتى يعجز جلده عن تحمل بدنه، كذلك التكبر على الخلق، بعض الناس- والعياذ بالله- إذا آتاه الله علمًا تكبر، ربما يتكبر الغني بالمال، ولهذا جعل النبي - صلى الله عليه وسلم -: " العائل المستكبر من الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم " (1) ، لأنه ليس عنده مال يوجب الكبرياء، لكن العالم لا ينبغي أن يكون كالغني كلما ازداد علمًا ازداد تكبرًا، بل ينبغي العكس كلما ازداد علمًا ازداد تواضعًا؛ لأن من العلوم التي يقرأها أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم -،
__________
(1) انظر: صحيح مسلم/كتاب الإيمان/باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، برقم (107) .
(26/217)

وأخلاقه كلها تواضع للخلق، لكن على كل حال إذا تعارض التواضع للحق مع التواضع للخلق أيهما يقدم؟
يقدم التواضع للحق، فمثلاً: لو كان هناك إنسان يسب الحق ويفرح بمعاداة من يعمل به، فهنا لا تتواضع له، تواضع للحق، وجادل هذا الرجل حتى وإن أهانك أو تكلم فيك فلا تهتم به، فلابد
من نصرة الحق.
الفائدة الثامنة في طريقة طلب العلم: زكاة العلم تكون بأمور:
الأمر الأول: نشر العلم: نشر العلم من زكاته، فكما يتصدق الإنسان بشيء من ماله، فهذا العالم يتصدق بشيء من علمه، وصدقة العلم أبقى دومًا وأقل كلفة ومؤونة، أبقى دومًا، لأنه ربما كلمة من عالم تسمع ينتفع بها أجيال من الناس وما زلنا الآن ننتفع بأحاديث أبي هريرة- رضي الله عنه- ولم ننتفع بدرهم واحد من الخلفاء الذين كانوا في عهده، وكذلك العلماء ننتفع بكتبهم ومعهم زكاة وأي زكاة، وهذه الزكاة لا تنقص العلم بل تزيده كما قيل:
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفا شددت
الأمر الثاني: العمل به: لأن العمل به دعوة إليه بلا شك، وكثير من الناس يتأسون بالعالم، بأخلاقه وأعماله أكثر مما يتأسون بأقواله، وهذا لا شك زكاة.
(26/218)

الأمر الثالث: الصدع بالحق: وهذا من جملة نشر العلم، ولكن النشر قد يكون في حال السلامة وحال الأمن على النفس، وقد يكون في حال الخوف على النفس، فيكون صدعًا بالحق.
الأمر الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لاشك أن هذا من زكاة العلم؛ لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عارف للمعروف وعارف للمنكر، ثم قائم بما يجب عليه من هذه المعرفة من
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الفائدة التاسعة في طريقة طلب العلم: موقف طالب العلم من وَهْمِ وخطا العلماء:
هذا الموقف له جهتان:
الأولى: تصحيح الخطأ: وهذا أمر واجب، يجب على من عثر على وهم إنسان ولو كان من أكبر العلماء أن ينبه على هذا الوهم وعلى هذا الخطأ؛ لأن بيان الحق أمر واجب، وبالسكوت يمكن أن يضيع الحق لاحترام من قال بالباطل؛ لأن احترام الحق أولى بالمراعاة.
لكن هل يصرح بقائل الوهم أو الخطأ؟ أو يقول توهم بعض الناس فقال كذا وكذا؟
الجواب: ينظر لما تقتضيه المصلحة، قد يكون من المصلحة ألا يصرح، كما لو كان يتكلم عن عالم مشهور في عصره موثوق عند
(26/219)

الناس، محبوب إليهم، يقول: قال فلان: كذا، وكذا وهذا خطأ، فإن العامة لا يقبلون كلامه بل يسخرون منه ولا يقبلون الحق، ففي هذه الحال ينبغي أن يقول: من الخطأ أن يقول القائل كذا وكذا، ولا يذكر اسمه، وقد يكون هذا الرجل الذي توهم متبوعًا، يتبعه شرذمة من الناس وليس له قدر في المجتمع فحينئذٍ يصرح لئلا يغتر الناس به، فيقول: قال فلان كذا وكذا وهو خطأ.
الثانية: أن يقصد بذلك بيان معايبه لا بيان الحق من الباطل، وهذه تقع من إنسان حاسد- والعياذ بالله- يتمنى أن يجد قولاً ضعيفًا أو خطأ لشخص ما فينشره بين الناس، ولهذا نجد أهل البدع يتكلمون في شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- وينظرون إلى أقرب شيء يمكن أن يقدح به فينشرونه ويعيبونه، مثلاً يقولون خالف الإجماع في أن الطلاق الثلاث واحدة فيقولون هذا شاذ ومن شذ شذَّ في النار، وأمثال هذا كثير.
المهم أن يكون قصدك من البيان إظهار الحق، ومن كان قصده الحق وفق لقبوله، أما من كان قصده أن يظهر عيوب الناس فإنه جاء في الحديث عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ايا معشر من أسلم بلسانه ولم يُفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيّروهم ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبّع عورة أخيه المسلم تتبَّع الله عورته، ومن
(26/220)

تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله، (1) ، فإذا عثرت على وهم عالم، حاول أن تدفع اللوم عنه وأن تذب عنه، لاسيما إذا كان من العلماء المشهود لهم بالعدالة والخير ونصح الأمة.
الفائدة العاشرة في طريقة طلب العلم: في المقصود ببركة العلم:
قبل بيان المقصود بالبركة في العلم لابد أن نعرف البركة فهي كما يقول العلماء: "الخير الكثير الثابت ".
ويعيدون ذلك إلى اشتقاق هذه الكلمة فنها من البِرْكة وهي مجمع الماء، والبركة التي هي مجمع الماء مكان واسع، ماؤه كثير ثابت، فالبركة هي الخيرات الكثيرة الثابتة من كل فيء، من المال ومن الولد
ومن العلم وكل شيء أعطاه الله- عز وجل- لك تسأل الله سبحانه البركة فيه؛ لأن الله- عز وجل- إذا لم يبارك لك فيما أعطاك حرمت خيرًا كثيرًا.
ما أكثر الناس الذين عندهم المال الكثير وهم في عداد الفقراء لماذا؟ لأنهم لا ينتفعون بمالهم، تجد عندهم من الأموال ما لا يحصى، لكن يُقصّر على أهله في النفقة، وعلى نفسه ولا ينتفع بماله، والغالب أن من كانت هذه حاله وبخل بما يجب عليه أن يسلط الله على أمواله آفات تذهبها، كثير من الناس عنده أولاد لكن أولاده لم ينفعوه،
__________
(1) رواه الترمذي/كتاب البر/باب ما جاء في تعظيم المؤمن برقم (1955) .
(26/221)

عندهم عقوق واستكبار على الأب، حتى إنه- أي الولد- يجلس إلى صديقه الساعات الطويلة يتحدث إليه ويأنس به ويفضي إليه أسراره- لكنه إذا جلس عند أبيه، فإذا هو كالطير المحبوس في
القفص- والعياذ بالله- لا يأنس بأبيه، ولا يتحدث إليه، ولا يفضي إليه بشيء من أسراره، ويستثقل حتى رؤية والده: فهؤلاء لم يبارك لهم في أولادهم.
أما البركة في العلم فتجد بعض الناس قد أعطاه الله علمًا كثيرًا لكنه بمنزلة الأمي فلا يظهر أثر العلم عليه في عباداته، ولا في أخلاقه، ولا في سلوكه، ولا في معاملته مع الناس، بل قد يكسبه
العلم استكبارًا على عباد الله وعلوًا عليهم واحتقارًا لهم، وما علم هذا أن الذي منَّ عليه بالعلم هو الله، وأن الله لو شاء لكان مثل هؤلاء الجهال.
تجده قد أعطاه الله علمًا، ولكن لم ينتفع الناس بعلمه. لا بتدريس ولا بتوجيه، ولا بتأليف، بل هو منحصر على نفسه، لم يبارك الله له في العلم، وهذا بلا شك حرمان عظيم، مع أن العلم من أبرك ما يعطيه الله العبد؛ لأن العلم إذا علمته غيرك، ونشرته بين الأمة، أجرت على دْلك من عدة وجوه:
أولاً: أن في نشرك العلم نشرًا لدين الله- عز وجل- فتكون من
(26/222)

المجاهدين، فالمجاهد في سبيل الله يفتح البلاد بلدًا بلدًا حتى ينشر فيها الدين، وأنت تفتح القلوب بالعلم حتى تنشر فيها شريعة الله عز وجل.
ثانيًا: من بركة نشر العلم وتعليمه، أن فيه حفظًا لشريعة الله وحماية لها، لأنه لولا العلم لم تحفظ الشريعة، فالشريعة لا تحفظ إلا برجالها رجال العلم، ولا يمكن حماية الشريعة إلا برجال العلم، فإذا
نشرت العلم، وانتفع الناس بعلمك، حصل في هذا حماية لشريعة الله، وحفظ لها.
ثالثًا: فيه أنك تُحسن إلى هذا الذي علمته، لأنك تبصره بدين الله - عز وجل- فذا عبد الله على بصيرة، كان لك من الأجر مثل أجره، لأنك أنت الذي دللته على الخير، والدال على الخير كفاعل
الخير، فالعلم في نشره خير وبركة لناشره ولمن نشر إليه. رابعًا: أن في نشر العلم وتعليمه زيادة له، فعلم العالم يزيد إذا علم الناس، لأنه استذكار لما حفظ، وانفتاح لما لم يحفظ، وما أكثر ما يستفيد العالم من طلبة العلم، فطلابه الذين عنده أحيانًا يأتون له بمعان ليست له على بال، ويستفيد منهم وهو يعلمهم، وهذا شيء مشاهد.
ولهذا ينبغي للمعلم إذا استفاد من الطالب، وفتح له الطالب شيئًا
(26/223)

من أبواب العلم- ينبغي له- أن يشجع الطالب، وأن يشكره على ذلك، خلافًا لما يظنه بعض الناس أن الطالب إذا فتح عليه، وبين له شيئًا كان خفيًا عليه تضايق المعلم، يقول هذا صبي يعلم شيخًا
فيتضايق، ويتحاشى بعد ذلك أن يتناقش معه، خوفًا من أن يطلعه على أمر قد خفي عليه، وهذا من قصور علمه بل من قصور عقله، لأنه إذا من الله عليك بطلبة يذكرونك ما نسيت، ويفتحون عليك ما جهلت، فهذا من نعمة الله عليك، فهذا من فوائد نشر العلم أنه يزيد إذا علمت العلم كما قال القائل مقارنًا ببين المال والعمل يقول في العلم:
يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفًّا شددت إذا شددت به كفا، وأمسكته نقص، أي تنساه، ولكن إذا نشرته يزداد.
وينبغي للإنسان عند نشر العلم أن يكون حكيمًا في التعليم، بحيث يلقي على الطلبة المسائل التي تحتملها عقولهم فلا يأتي إليهم بالمعضلات، بل يربيهم بالعمل شيئًا فشيئًا.
ولهذا قال بعضهم في تعريف العالم الرباني: العالم الرباني هو: الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
ونحن نعلم جميعًا أن البناء ليس يؤتى به جميعًا حتى يوضع على
(26/224)

الأرض فيصبح قصرًا مشيدًا بل يبني لبنة لبنة، حتى يكتمل البناء، فينبغي للمعلم أن يراعي أذهان الطلبة بحيث يلقي إليهم ما يمكن لعقولهم أن تدركه، ولهذا يؤمر العلماء أن يحدثوا الناس بما يعرفون.
قال ابن مسعود- رضي الله عنه-: إنك لن تحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.
كذلك أيضًا ينبغي للمعلم أن يعتني بالأصول والقواعد؛ لأن الأصول والقواعد هي التي يبنى عليها العلم.
وقد قال العلماء: من حرم الأصول حرم الوصول، أي لا يصل إلى الغاية إذا حرم الأصول، فينبغي أن يلقي على الطلبة القواعد والأصول التي تتفرع عليها المسائل الجزئية؛ لأن الذي يتعلم على
المسائل الجزئية لا يستطيع أن يهتدي إذا أتته معضلة فيعرف حكمها، لأنه ليس عنده أصل.
(26/225)

أخطاء يجب الحذر منها
(26/227)

أخطاء يجب الحذر منها
هناك أخطاء يرتكبها بعض طلبة العلم:
منها الحسد:
وهو: كراهة ما أنعم الله به على غيره، وليس هو تمني زوال نعمة الله على الغير، بل هو مجرد أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره، فهذا هو الحسد، سواء تمنى زواله، أو أن يبقى ولكنه كاره له. كما حقق ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- فقال: "الحسد كراهة الإنسان ما أنعم الله به على غيره ".
والحسد قد لا تخلو منه النفوس، يعني قد يكون اضطراريًا للنفس، ولكن جاء في الحديث: "إذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق " (1) ، يعني أن الإنسان يجب عليه إذا رأى من قلبه حسدًا للغير عليه ألا يبغي عليه بقول أو فعل، فإن ذلك من خصال اليهود الذين قال الله عنهم: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (2) .
ثم إن الحاسد يقع في محاذير:
أولاً: كراهته ما قدره الله، فإن كراهته ما أنعم الله به على هذا الشخص كراهة لما قدره كونًا ومعارضة لقضاء الله- عز وجل-.
__________
(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير 3/228.
(2) سورة النساء، الآية: 54.
(26/229)

ثانيًا: إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب؛ لأن الغالب أن الحاسد يعتدي على المحسود بذكر ما يكره وتنفير الناس عنه، والحط من قدره وما أشبه ذلك، وهذا من كبائر الذنوب التي
قد تحيط بالحسنات.
ثالثًا: ما يقع في قلب الحاسد من الحسرة والجحيم والنار التي تأكله أكلاً، فكلما رأى نعمة من الله على هذا المحسود اغتم وضاق صدره، وصار يراقب هذا الشخص كلما أنعم الله عليه بنعمة حزن
واغتم وضاقت عليه الدنيا.
رابعًا: أن في الحسد تشبهًا باليهود، ومعلوم أن من أتى خصلة من خصال الكفار صار منهم في هذه الخصلة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من تشبه بقوم فهو منهم " (1) .
خامسًا: أنه مهما كان حسده ومهما قوي لا يمكن أبدًا أن يرفع نعمة الله عن الغير، فذا كان هذا غير ممكن فكيف يقع في قلبه الحسد.
سادسًا: أن الحسد ينافي كمال الإيمان لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (2) . ولازم هذا أن تكره أن
__________
(1) رواه أبو داود/كتاب اللباس/باب في لبس الصوف والشعر، برقم (4031) .
(2) رواه البخاري/كتاب الإيمان/باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، برقم (13) . ومسلم/كتاب الإيمان/باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحل لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، برقم (45) .
(26/230)

تزول نعمة الله على أخيك، فإذا لم تكن تكره أن تزول نعمة الله عنه، فأنت لم تحب لأخيك ما تحب لنفسك وهذا ينافي كمال الإيمان.
سابعًا: أن الحسد يوجب إعراض العبد عن سؤال الله تعالى من فضله، فتجده دائمًا مهتمًا بهذه النعمة التي أنعم الله بها على غيره ولا يسأل الله من فضله، وقد قال الله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)) (1) .
ثامنا: أن الحسد يوجب ازدراء نعمة الله عليه، أي أن الحاسد يرى أنه ليس في نعمة، وأن هذا المحسود في نعمة أكبر منه، وحيئذ يحتقر نعمة الله عليه فلا يقوم بشكرها بل يتقاعس.
تاسعًا: الحسد خلق ذميم؛ لأن الحاسد يتتبع نعم الله على الخلق في مجتمعه، ويحاول بقدر ما يمكنه أن يحول بين الناس وبين هذا المحسود بالحط من قدره أحيانًا، وبازدراء ما يقوم به من الخير أحيانًا
إلى غير ذلك.
عاشرًا: أن الحاسد إذا حسد فالغالب أن يعتدي على المحسود، وحينئذٍ يأخذ المحسود من حسناته، فن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاته فطرح عليه ثم طرح في النار.
__________
(1) سورة النساء، الآية: 7.
(26/231)

والخلاصة: أن الحسد خلق ذميم، ومع الأسف أنه أكثر ما يوجد بين العلماء وطلبة العلم، ويوجد بين التجار فيحسد بعضهم بعضاً، وكل ذي مهنة يحسد من شاركه فيها، لكن مع الأسف أنه بين العلماء أشد، وبين طلبة العلم أشد، مع أنه كان الأولى والأجدر أن يكون أهل العلم أبعد الناس عن الحسد، وأقرب الناس إلى كمال الأخلاق.
وأنت يا أخي إذا رأيت الله قد أنعم على عبده نعمة ما فاسعى أن تكون مثله، ولا تكره ما أنعم الله عليه فقل: (اللهم زده من فضلك وأعطني أفضل منه) ، والحسد لا يغير شيئًا من الحال، لكنه كما ذكرنا آنفًا فيه هذه المفاسد وهذه المحاذير العشرة، ولعل من تأمل وجد أكثر والله المستعان.
ومنها: الإفتاء بغير علم.
الإفتاء منصب عظيم، به يتصدى صاحبه لبيان ما يشكل على العامة من أمور دينهم، ويرشدهم إلى الصراط المستقيم؛ لذلك كان هذا المنصب العظيم لا يتصدر له إلا ممن كان أهلاً له، لذلك يجب
على العباد أن يتقوا الله وألا يتكلموا إلا عن علم وبصيرة، وأن يعلموا أن الله وحده له الخلق والأمر، فلا خالق إلا الله، ولا مدبر للخلق إلا الله، ولا شريعة للخلق سوى شريعة الله، فهو الذي يوجب الشيء، وهو يحرمه، وهو الذي يندب إليه ويحلله، ولقد أنكر الله على من يحللون
(26/232)

ويحرمون بأهوائهم فقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (1) . وقال تعالى:) وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (2) .
وإن من أكبر الجنايات أن يقول الشخص عن شيء: إنه حلال.
وهو لا يدري ما حكم الله فيه، أو يقول عن الشيء: إنه حرام. وهو لا يدري عن حكم الله فيه، أو يقول عن الشيء: إنه واجب. وهو لا يدري أن الله أوجبه، ويقول عن الشيء: إنه غير واجب. وهو لا يدري أن الله لم يوجبه، إن هذه جناية وسوء أدب مع الله عز وجل.
كيف تعلم أيها العبد أن الحكم لله ثم تتقدم بين يديه فتقول في دينه وشريعته ما لا تعلم؟ لقد قرن الله القول عليه بلا علم بالشرك به، فقال سبحانه: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33)) (3) .
__________
(1) سورة يونس، الآية: 59.
(2) سورة النحل، الآيتان: 116، 117.
(3) سورة الأعراف، الآية: 33.
(26/233)

وإن كثيرًا من العامة يفتي بعضهم بعضًا بما لا يعلمون فتجدهم يقولون: هذا حلال، أو حرام، أو واجب، أو غير واجب، وهم لا يدرون عن ذلك شيئاً، أفلا يعلم هؤلاء أن الله تعالى سائلهم عما قالوا يوم القيامة؟!
أفلا يعلم هؤلاء أنهم إذا أضلوا شخصًا فأحلوا له ما حرم الله، أو حرموا ما أحل الله له، فقد باؤوا بإثمه وكان عليهم مثل وزر ما عمل؟ وذلك بسبب ما أفتوه به.
وإن بعض العامة يجني جناية أخرى فإذا رأى شخصًا يريد أن يستفتي عالمًا يقول له هذا العامي: لا حاجة أن تستفتي، هذا أمر واضح، هذا حرام، مع أنه في الواقع حلال، فيحرمه ما أحل الله له،
أو يقول له: هذا واجب فيلزمه بما لم يلزمه الله به، أو يقول: هذا غير واجب، وهو واجب في شريعة الله فيسقط عنه ما أوجب الله عليه، أو يقول: هذا حلال، وهو في الواقع حرام، وهذه جناية منه على شريعة الله، وخيانة لأخيه المسلم حيث أفتاه بدون علم، أريتم لو أن شخصًا سأل عن طريق بلد من البلدان، فقلت الطريق من هنا وأنت لا تعلم، أفلا يعد الناس ذلك خيانة منك؟ فكيف تتكلم عن طريق الجنة وهو الشريعة التي أنزل الله وأنت لا تعلم عنها شيئًا؟!
وإن بعض المتعلمين أنصاف العلماء يقعون فيما يقع فيه العامة من
(26/234)

الجرأة على الشريعة في التحليل والتحريم والإيجاب، فيتكلمون فيما لا يعلمون، ويجملون في الشريعة ويفصلون، وهم من أجهل الناس في أحكام الله، إذا سمعت الواحد منهم يتكلم فكأنما ينزل عليه
الوحي فيما يقول من جزمه وعدم تورعه، لا يمكن أن ينطق ويقول: لا أدري، مع أن عدم العلم هو وصفة الحق الثابت، ومع ذلك يصر بناء على جهله على أنه عالم فيضر العامة؛ لأن الناس ربما يثقون بقوله ويغترون به، وليت هؤلاء القوم يقتصرون على نسبة الأمر إليهم بل تراهم ينسبون ذلك للإسلام فيقولون: الإسلام يقول كذا، الإسلام يرى كذا، وهذا لا يجوز إلا فيما علم القائل أنه من دين الإسلام، ولا طريق إلى ذلك إلا بمعرفة كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، أو إجماع المسلمين عليه.
إن بعض الناس لجرأته، وعدم ورعه، وعدم حيائه من الله، وعدم خوفه منه يقول عن الشيء المحرم الواضح تحريمه: ما أظن هذا حرام، أو عن الشيء الواجب والواضح وجوبه يقول: ما أظن هذا
واجبًا، إما جهلاً منه أو عنادًا ومكابرة، أو تشكيكًا لعباد الله في دين الله. وإن من العقل والإيمان ومن تقوى الله وتعظيمه أن يقول الرجل: عما لا يعلم لا أعلم، لا أدري، اسأل غيري، فإن ذلك من تمام العقل؛ لأن الناس إذا رأوا تثبته وثقوا به؛ ولأنه يعرف قدر نفسه
(26/235)

حينئذ وينزلها منزلتها، وإن ذلك أيضًا من تمام الإيمان بالثه وتقوى الله حيث لا يتقدم بين يدي ربه ولا يقول عليه في دينه ما لا يعلم، ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو أعلم الخلق بدين الله كان يسأل عما لم ينزل عليه فيه الوحي فينتظر حتى ينزل عليه الوحي فيجيب الله سبحانه
عما سئل عنه نبيه (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) (1) وقوله: (وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً) (2) وقوله: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) .
ولقد كان الأجلاء من الصحابة رضي الله عنهم تعرض لهم المسألة لا يدرون حكم الله فيها فيهابونها ويتوقفون فيها.
فها هو أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- يقول: "أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله بغير علم ".
وهاهو عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- تنزل به الحادثة فيجمع لها الصحابة ويستشيرهم فيها، قال ابن سيرين: لم يكن أحد أهيب مما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما لا
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 4.
(2) سورة الكهف، الآية: 83.
(3) سورة الأعراف، الآية: 187.
(26/236)

يعلم من عمر، وقال ابن مسعود- رضي الله عنه-: "أيها الناس، من سئل عن علم يعلمه فليقل به، ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم".
وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أحسنها، فقال له أصحابه: قد استحيينا لك، فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالت: (لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) (1) .
وهناك أمثلة كثيرة على الإفتاء بغير علم، منها: أن المريض إذا تنجست ثيابه ولم يمكن أن يطهرها يفتى بأنه لا يصلي حتى يطهر ثيابه، وهذه فتوى كاذبة خاطئة باطلة، فالمريض يصلي ولو كان عليه
ثياب نجسة، ولو كان بدنه نجسًا إذا كان لا يستطيع أن يطهر ذلك؛ لأن الله يقول: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (2) ؛ فيصلي المريض على حسب حاله وعلى حسب ما يقدر عليه، يصلي قائمًا، فإن لم يستطع أومأ بعينه عند بعض أهل العلم، فإن لم يستطع الإيماء بعينه وكان معه عقله فلينو الفعل بقلبه وليقل القول بلسانه، مثلاً يقول: الله أكبر ثم يقرأ الفاتحة وسورة، ثم يقول: الله أكبر وينوي أنه راكع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده وينوي أنه رفع من الركوع، ثم يقول: هكذا في
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 32.
(2) سورة التغابن، الآية: 16.
(26/237)

السجود وبقية أفعال الصلاة، ينوي الفعل الذي لا يقدر عليه، ينويه بقلبه ولا يؤخر الصلاة عن وقتها.
وبسبب هذه الفتوى الكاذبة الخاطئة يموت بعض المسلمين وهم لا يصلون من أجل هذه الفتوى الكاذبة، ولو أنهم علموا أن الإنسان المريض يصلي على أي حال لماتوا وهم يصلون.
ومثل هذه المسألة وأشباهها كثير فيجب على العامة أن يتلقوا أحكامها من أهل العلم حتى يعرفوا بذلك حكم الله- عز وجل- ولا يقولوا في دين الله ما لا يعلمون.
ومنها: الكبر:
وقد فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - بأجمع التفسير وأبينه وأوضحه فقال: "الكبر بطر الحق، وغمط الناس " (1) .
قوله: "وبطر الحق" هو: رد الحق.
وقوله: "وغمط الناس" يعني: احتقارهم.
ومن الكبرياء ردك على معلمك، والتطاول عليه، وسوء الأدب معه، وأيضًا استنكافك عمن يفيدك ممن هو دونك كبرياء، وهذا يقع لبعض الطلبة إذا أخبره أحد بشيء وهو دونه في العلم استنكف ولم
يقبل، وتقصيرك عن العمل بالعلم عنوان حرمان- نسأل الله العافية-.
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الإيمان/باب تحريم الكبر وبيانه، برقم (91) .
(26/238)

وفي هذا يقول القائل:
العلم حرب للفتى المتعالي كالسيل حرب للمكان العالي
ومعنى البيت: إن الفتى المتعالي لا يمكن أن يدرك العلم؛ لأن العلم حرب له كالسيل حرب للمكان العالي؛ لأن المكان العالي ينفض عنه السيل يمينًا وشمالاً، ولا يستقر عليه، كذلك العلم لا
يستقر مع الكبر والعلو، وربما يسلب العلم بسبب ذلك.
ومنها: التعصب للمذاهب والآراء:
فيجب على طالب العلم أن يتخلى عن الطائفية والحزبية بحيث يعقد الولاء والبراء على طائفة معينة، أو على حزب معين، فهذا لاشك خلاف منهج السلف، فالسلف الصالح ليسوا أحزابًا، بل هم
حزب واحد، ينضوون تحت قول الله عز وجل: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) (1) .
فلا حزبية، ولا تعدد، ولا موالاة، ولا معاداة إلا على حسب ما جاء في الكتاب والسنة، فمن الناس مثلاً من يتحزب إلى طائفة معينة، ثم يقرر منهجًا ويستدل عليه بالأدلة التي قد تكون دليلاً عليه، ويحامي دونها، ويضلل من سواه، حتى وإن كانوا أقرب إلى الحق منها، ويأخذ مبدأ: من ليس معي. فهو علي، وهذا مبدأ خبيث؛ لأن هناك وسطًا بين
__________
(1) سورة الحج، الآية: 78.
(26/239)

أن يكون لك أو عليك، وإذا كان عليك بالحق، فليكن عليك وهو في الحقيقة معك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (1) .
ونصر الظالم أن تمنعه من الظلم، فلا حزبية في الإسلام، ولهذا لما ظهرت الأحزاب في المسلمين، وتنوعت الطرق، وتفرقت الأمة، وصار بعضهم يضلل بعضًا، ويكل لحم أخيه ميتًا، لحقهم الفشل كما قال الله تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (2) .
لذلك نجد بعض طلاب العلم يكون عند شيخ من المشايخ، ينتصر لهذا الشيخ بالحق والباطل ويعادي من سواه، ويضلله ويبدعه، ويرى أن شيخه هو العالم المصلح، ومن سواه إما جاهل أو مفسد، وهذا غلط كبير، بل يجب أخذ قول من وافق قوله الكتاب والسنة، وقول أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ومنها: التصدر قبل التأهُّل:
مما يجب الحذر منه أن يتصدر طالب العلم قبل أن يكون أهلاً للتصدر، لأنه إذا فعل ذلك كان هذا دليلاً على أمور:
الأمر الأول: إعجابه بنفسه حيث تصدر فهو يرى نفسه علم الأعلام.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب المظالم/باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا، برقم (2443) .
ومسلم/كتاب البر والصلة/باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، برقم (2584) .
(2) سورة الأنفال، الآية: 46.
(26/240)

الأمر الثاني: أن ذلك يدل على عدم فقهه ومعرفته للأمور، لأنه إذا تصدر، ربما يقع في أمر لا يستطيع الخلاص منه، إذ أن الناس إذا رأوه متصدرًا أوردوا عليه من المسائل ما يبين عواره.
الأمر الثالث: أنه إذا تصدر قبل أن يتأهل لزمه أن يقول على الله ما لا يعلم؛ لأن الغالب أن من كان هذا قصده، أنه لا يبالي ويجيب على كل ما سئل، ويخاطر بدينه وبقوله على الله- عز وجل- بلا علم.
الأمر الرابع: أن الإنسان إذا تصدر فإنه في الغالب لا يقبل الحق؛ لأنه يظن بسفهه أنه إذا خضع لغيره ولو كان معه الحق كان هذا دليلاً على أنه ليس بعالم.
ومنها سوء الظن:
فيجب على طالب العلم الحذر من أن يظن بغيره ظنًا سيئًا مثل أن يقول: لم يتصدق هذا إلا رياء، لم يلق الطالب هذا السؤال إلا رياءً ليعرف أنه طالب فاهم، وكان المنافقون إذا أتى المتصدق من المؤمنين بالصدقة، إن كانت كثيرة قالوا: مرائياً، وإذا كانت قليلة قالوا: إن الله غني عن صدقة هذا، كما قال الله عنهم: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (1) .
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 79.
(26/241)

فإياك وسوء الظن بمن ظاهره العدالة، ولا فرق بين أن تظن ظنًا سيئًا بمعلمك أو بزميلك، فإن الواجب إحسان الظن بمن ظاهره العدالة، أما من ظاهره غير العدالة فلا حرج أن يكون في نفسك سوء ظن به، لكن مع ذلك عليك أن تتحقق حتى يزول ما في نفسك من هذا الوهم؛ لأن بعض الناس قد يسيء الظن بشخص ما بناء على وهم كاذب لا حقيقة له.
فالواجب إذا أسأت الظن بشخص، سواء من طلبة العلم أو غيرهم، الواجب أن تنظر هل هناك قرائن واضحة تسوغ لك سوء الظن فلا بأس، وأما إذا كان مجرد أوهام فإنه لا يحل لك أن تسيء
الظن بمسلم ظاهره العدالة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) (1) لم يقل (كل الظن) ؛ لأن بعض الظنون لها أصل ولها مبرر: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (2) ، فالظن الذي يحصل فيه
العدوان على الغير لاشك أنه إثم، وكذلك الظن الذي لا مستند له، وأما إذا كان له مستند فلا بأس أن تظن الظن السيء بحسب القرائن والأدلة.
لذلك ينبغي للإنسان أن ينزل نفسه منزلتها، وألا يدنسها بالأقذار، وأن
__________
(1) سورة الحجرات، الآية: 12.
(2) سورة الحجرات، الآية: 12.
(26/242)

يحذر هذه الأخطاء مما تقدم؛ لأن طالب العلم شرفه الله بالعلم، وجعله أسوة وقدوة، حتى أن الله رد أمور الناس عند الإشكال إلى العلماء فقال:
(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (1) . وقال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (2) ، فالحاصل أنك يا طالب العلم محترم، فلا تنزل بنفسك إلى ساحة الذل والضعة، بل كن كما ينبغي أن تكون.
س 94: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل مساعدة طلاب العلم في حل ما استشكل عليهم من واجبات أو مساعدتهم وإعانتهم في عمل أبحاث لمجرد إعانتهم في إكمال مشوارهم،
وتشجيعًا لهم وأحيانًا لضيق الوقت، هل يعتبر هذا من باب التعاون على البر والتقوى؟
فأجاب بقوله: هذا يرجع إلى الأنظمة، فإذا كان النظام أن الطالب إذا أعطى بحث يسمح له بأن يستعين من يستعينه من العلماء فلا بأس، وأما إذا كان المقصود أن الطالب نفسه هو الذي
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(2) سورة النساء، الآية: 83.
(26/243)

يبحث، ويفتش الكتب ويتعب، فإنه لا يجوز أن يستعين بأحد، لكن لو اضطر إلى مراجعة العالم لكونه بحث وبحث. وناظر وناقش مع إخوانه وزملائه ولكن لم يصلوا إلى نتيجة فسألوا من هو أعلم منهم عن هذا فأرجو ألا يكون في هذا بأس.
س 95: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: معلم أسند إليه تدريس أحد المواد التي قد لا يجيدها، ولكن لعدم وجود البديل وافق، فهل يأثم أم لا؟ أرجو الإفادة.
فأجاب بقوله: لا يأثم إذا وافق ولكنه يأثم إذا قال بما لا يعلم لقول الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (1) .
وربما يكون هذا الرجل لا يجيد هذا العلم الذي أسند إليه ولكن إذا أسند إليه حرص عليه وتابع وتعلم ثم ألقى ما علم على التلاميذ، فالمهم أن قبوله لتدريس هذا العلم لا يأثم به، لكنه يأثم إذا درس أو إذا تكلم بما لا يعلم.
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 36.
(26/244)

س 96: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن طالب حريص على تعلم القرآن والسنة ولكنه ينشغل في أكثر أوقاته بنظم الشعر وقراءة كتب الشعراء، فما نصيحتكم؟
فأجاب بقوله: إذا كان يقول الشعر المباح، أو الشعر الذي فيه خير للناس وتوجيههم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم فلا حرج عليه في ذلك، أما إذا كان يقول شعرًا محرمًا ساقطًا سافلاً، فإن هذا
حرام عليه، ومع هذا فنقول: أن الأولى به وهو طالب علم، أن يدع هذا العمل، وأن يقبل على طلب العلم في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقوال الصحابة رضي الله عنهم، والأئمة رحمهم الله من بعدهم حتى ينفعه الله بذلك؟ لأن ما هو عليه إما: أن يكون فيه سالمًا، أو مأجور بأجر لا يساوي طلب العلم الشرعي المبني على كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقوال الصحابة والأئمة.
وإما أن يكون آثما، إذا كان ما يقوله من الشعر شعرًا ساقطًا، سافلاً، يدعو إلى الفجور والفحشاء.
فنصيحتي لهذا الطالب: أن يدع ما هو عليه من الشعر ومراجعة الدواوين، وأن يقبل على العلم الشرعي لعل الله أن ينفعه بذلك.
(26/245)

س 97: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل لنا أن نسأل عن أمور لم تحدث مع فرض بعيد جدًا لحدوثها نرجو الإفادة؟
فأجاب بقوله: الذي ينبغي للإنسان طالب العلم وغير طالب العلم ألا يسأل عن أمور بعيدة الوقوع؛ لأن ذلك من المعاياة والإعجاز وإضاعة الوقت، وإنما يسأل عن أمور واقعة، أو قريبة الوقوع، هذا بالنسبة للسائل.
أما بالنسبة لمن يبحث أو يكتب: فلا حرج عليه أن يأتي بأمور لإيضاح القاعدة وإن كانت نادرة الوقوع وهذا طريق من طرق تعليم العلم، وأما السؤال فلا ينبغي أن يسأل إلا عن شيء واقع، أو
شيء قريب الوقوع.
وإنني بهذه المناسبة أود أن أوجه إخواني طلبة العلم الذين بدؤوا في طلب العلم والنقاش والبحث أوجههم فيما يتعلق بصفات الله تعالى ألا يكثروا السؤال، بل ألا يسألوا عن شيء سكت عنه
الصحابة، والتابعون، وأئمة الأمة؛ لأننا في غنى عن هذا، ولأن الإنسان إذا دخل في هذه الأمور فيما يتعلق بصفات الله فإنه يقع في متاهات عظيمة يخشى عليه إما من التمثيل أو التعطيل، ولهذا أنكر الإمام مالك رحمه الله وغيره من الأئمة على من سأل في صفات الله عما لم يسأل عنه الصحابة رضي الله عنهم فقد سئل الإمام مالك-
(26/246)

رحمه الله- عن قوله تعالى: (الرحمَنُ عَلَى العَرش استوى) (1) كيف استوى؟ فأطرق برأسه حتى أعلاه العرق من شدة وقع السؤال عليه، ثم رفع رأسه وقال للسائل: الاستواء معلوم، والكيف غير
معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وإنما كان السؤال عن كيفية الاستواء بدعة؛ لأن ذلك لم يقع من الصحابة رضي الله عنهم الذين هم أحرص منا على العلم، وأشد منا تعظيمًا لله عز وجل فلم يسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه أحرص الناس على البلاغ، لكن كيفية صفات الله وحقيقتها أمر مجهول لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولو كان هذا من الأمور التي تلزم الإنسان في دينه، أو تكون من مكملات دينه لبينه الله عز وجل وبلغه رسوله - صلى الله عليه وسلم - لكن هذا أمر فوق عقولنا لا يمكننا إدراكه.
ولهذا أحذر مرة أخرى إخواني من الغوص في هذه المسائل والتكلف والتنطع وأن يبقوا النصوص على ما هي عليه في معانيها الظاهرة البينة، وألا يسألوا عن شيء لم يسأل عنه السلف الصالح.
أما مسائل الأحكام: فإن لطالب العلم أن يبحث ويناقش فيها، وأن يستخرج من الأحكام من الضوابط والقواعد ومن الأمثلة ما قد يكون بعيد الوقوع والله الموفق.
__________
(1) سورة طه، الآية: 5.
(26/247)

س 98: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن رجل حافظ لكتاب الله عز وجل لكنه لا يصلي آخر الليل، ويأتي إلى المسجد قرب الإقامة، ولا يظهر عليه أثر حفظ القرآن الكريم، ولا يختم
إلا في الشهرين مرة واحدة، هل يأثم بذلك؟
فأجاب بقوله: لا يلزمه هذا لأن الإنسان متى أتى بواجبات الإسلام وأركان الإسلام فلا إثم عليه، لكن ينبغي ما دام الله منَّ عليه بحفظ القرآن أن يحرص على تلاوة القرآن؛ لأن تلاوة القرآن
فيها ثواب عظيم، الحرف الواحد بحسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، فمن يحصي حروف القرآن؛ فلا ينبغي أن يحرم نفسه من كثرة قراءة القرآن من أجل احتساب الأجر على الله عز وجل، ومن أجل إمساك القرآن؛ لأن الإنسان إذا لم يتعاهد القرآن نسيه، ولهذا أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعاهد القرآن وقال: "والذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها" (1) . وهذا من حكمة الله عز وجل أن يكون القرآن ينسى سريعًا لأجل أن يحرص القارئ على تعاهده وكثرة تلاوته فيحصل له الأجر ويزداد أجرًا، وليكون هذا امتحان واختبار من الله عز وجل فيمن هو حريص على كتاب الله، أو ليس بحريص فأوصي إخواني الذين منَّ الله عليهم بحفظ القرآن أن يكثروا من قراءته لما في ذلك
__________
(1) رواه مسلم/كتاب صلاة المسافرين/باب الأمر بتعهد القرآن، برقم (1317) .
(26/248)

من الأجر والثواب، أسال الله أن يرزقنا جميعا تلاوة كتابه حق تلاوته حفظا وعلما وعملاً.
س 99: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن معلم يجد إحراجًا من قبل طلابه في أسئلة كثيرة، فما حكم الإجابة على أسئلتهم إذا كانت خارج المنهج؟
فأجاب بقوله: الإجابة على أسئلة خارج المنهج المقرر لا تلزمه وهو في الفصل بل يقال للطالب: لا تسأل إلا في المقرر فقط؛ لأن السؤال خارج المقرر تشاغل بما لا يجب عما يجب.
أما إذا كان خارج الفصل فإن المعلم يجيب الطلاب بما يعلمه، أما ما لا يعلمه فإنه يتوقف فيه، وإذا كان السؤال مما لا يليق فيُنصح عن مثل هذه الأسئلة ويتوجّه إلى ما هو خير.
س 100: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز لطلبة العلم الشرعي التغيب عن بعض المحاضرات بحجة الاستذكار للاختبار في مادة أخرى خاصة إذا كان الطالب يقصر في البداية
إذا بدأت الاختبارات؟ أو يتغيب عن المحاضرات للمذاكرة؟ وهل من نصيحة لطالب العلم؟
(26/249)

فأجاب بقوله: مسألة الجواز وعدم الجواز لا أستطيع أن أفتي فيها بشيء فالإنسان طبيب نفسه، ولا أدري لو كان يخصم على الإنسان إذا تغيب، هل يتغيب، أو لا؟
وأما النصيحة: فنصيحتي لكل إنسان دخل في جامعة يطلب فيها العلم الشرعي وما يسانده من العلوم الأخرى أن يخلص لله تعالى في طلب العلم بأن ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره من المسلمين، وأن ينوي بذلك حفظ شريعة الله، وحمايتها من أعدائها، وأن يذود عنها بقدر المستطاع بمقاله وقلمه حتى يؤدي ما يجب عليه، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: العلم لا يعدله شيء لمن صلحت نيته. قالوا: وكيف ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن أمته، وقال رحمه الله: تذاكر ليلة أحب إلي من إحيائها.
وهذا يدل على فضيلة طلب العلم لكن بشرط الإخلاص، ولو لم يكن من فضل العلم إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل العلماء شهداء على ألوهيته وتوحيده لقوله تعالى: (شَهدَ اللهُ أنهُ لَآ إلَهَ إِلا هوَ
وَالمَلائِكةُ وَأولوا العلمِ) (1) والعلماء ورثة الأنبياء، ورثة في العلم، وورثة في العمل، وورثة في الأخلاق، وورثة في الدعوة إلى الله عز
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 18.
(26/250)

وجل فليؤت الإنسان هذا الإرث حقه، وليقم بواجبه حتى يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم.

س 101: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل توجد فلسفة في الشريعة الإسلامية؟ وما الرد على من يدعي بذلك؟ وهل يجوز أن يدرس الطالب الفلسفة ويتعمق فيها؟
فأجاب بقوله: الفلسفة بحث يوناني مستقل يتعمق فيه أصحابه حتى يؤول بهم إلى تحكيم العقل، ورد ما جاء في الكتاب والسنة، والفلسفة على هذا الوجه منكرة لا يجوز الخوض فيها ولا الدخول
فيها، وأما الفلسفة بمعنى الحكمة فهذه موجودة في الشريعة الإسلامية والشريعة الإسلامية كلها مبنية على الحكمة قال الله تبارك وتعالى: (أفَحُكمَ اَلجَاهلِيهِ يبغُون وَمَنْ أحسَنُ مِنَ اَلله حُكمَا لَقَوم
يوقِنُونَ) (1) .
لكنه لا ينبغي أن نقول عن الحكمة الشرعية أنها فلسفة؛ لأن هذه الكلمة يونانية، بل نقول عن الحكمة الشرعية: إنها حكمة وما من شيء في الشرع إلامعلل، لكن من الحكمة مانعلمه، ومنها ما لا
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 50.
(26/251)

نعلمه؛ لأن عقولنا قاصرة، وأعظم حكمة في الأحكام أن الحكم ثابت في كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأننا نؤمن بأن كل حكم ثبت في الكتاب والسنة فإنه حكمة وامتثاله حكمة؛ لأن في امتثاله طاعة الله، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وحصول الثواب والأجر.
وعلى هذا فلو سألنا سائل: عن حكمة شيء من الشرائع فإنه يكفيه إذا كان مؤمناً أن يقال: هكذا قال الله ورسوله؟ لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (1) وقد كان هذا هو المنهج الذي يسير عليه الصحابة رضي الله عنهم؛ فقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فلماذا مع أن الصوم فرض والصلاة فرض، والصلاة أوكد من الصوم ومع ذلك لا تقضى، والصوم يقضى؛ فأجابت عائشة رضي الله عنها بأن ذلك كان يصيبهم في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فيؤمرون بقضاء الصوم، ولا يؤمرون بقضاء الصلاة (2) وهذا يعني أن الحكمة هي حكم الله ورسوله.
س 102: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز لي أن أتعلَّم القرآن عند رجل مبتاع؟
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 36.
(2) رواه البخاري/كتاب الصلاة/باب الحائض تترك الصلاة برقم (1850) .
(26/252)

فأجاب بقوله: لا تتعلم القرآن من مبتدع؛ لأنه يخشى منه أن يقلده المتعلمون منه، والناس سواه كثيرون.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 29/1/1419 هـ.
س 103: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يعذر طلبة العلم الذين درسوا العقيدة على غير مذهب السلف الصالح محتجين بأن العالم الفلاني أو الإمام الفلاني يعتقد هذه العقيدة؟
فأجاب بقوله: هذا لا يعذر به صاحبه حيث بلغه الحق؛ لأن الواجب عليه أن يتبع الحق أينما كان، وأن يبحث عنه حتى يتبين له.
والحق- ولله الحمد- ناصع، بيِّن لمن صلحت نيته، وحسن منهاجه، فن الله- عز وجل- يقول في كتابه: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (1) ولكن بعض الناس- كما ذكر الأخ السائل
- يكون لهم متبعون معظمون لا يتزحزحون عن آرائهم، مع أنه قد ينقدح في أذهانهم أن آراءهم ضعيفة أو باطلة، لكن التعصب والهوى يحملهم على موافقة متبوعيهم، وإن كان قد تبين لهم الهدى.
__________
(1) سورة القمر، الآية: 17.
(26/253)

س 104: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: من الملاحظ في الصحوة الإسلامية الاتجاه إلى العلم ولله الحمد والمنة، وخصوصاً علم السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم ومن
الملاحظات:
أ- التعرض للصحيحين (البخاري ومسلم) نقدًا، تضعيفًا وتصحيحًا من قبل بعض طلبة العلم الذين لم ترسخ أقدامهم في هذا العلم، علمًا بأن هذين الكتابين من أصول أهل السنة والجماعة
وقد تلقتهما الأمة بالقبول.
ب- رواج مذهب الظاهرية عند غالبية الشباب، والأعراض عن كتب فقهاء الأمة.
جـ- انشغال بعض طلبة هذا العلم الشريف به عن العلوم الضرورية لطلبة العلم الشرعي مثل القرآن الكريم، واللغة العربية، والفقه والفرائض.. إلخ.
د- شيوع ظاهرة التعالم والتصدر للتدريس والفتيا من قبل بعض طلبة العلم الذين لا يعرف لهم شيوخ ولا قدم ثابتة في العلم وإنما هي القراءة ومطالعة الكتب.
فما توجيهكم حفظكم الله ورعاكم؟
(26/254)

فأجاب بقوله: الجواب على الملاحظة الأولى: لاشك أن هذه الصحوة صاحبها ولله الحمد حب اتباع السنة والحرص عليها، ولكن كما ذكرت صار ينتهج هذا المنهج قوم لم يبلغوا ما بلغ أهل
العلم من قبلهم في التحري والدقة، وربط الشريعة بعضها ببعض، وتقييد مطلقها، وتخصيص عامها، والرجوع إلى القواعد العامة المعروفة في الشريعة، فصاروا يلتقطون من كل وجه حتى من
الأحاديث الضعيفة التي لا يعمل بها عند أهل العلم لشذوذها ومخالفتها لما في الكتب المعتمدة بين الأمة.
تجدهم يتلقفونها ويحتدون فيها، وفي العمل بها وفي الإنكار على من خالفها، وكذلك أيضًا تجدهم قد بلغ ببعضهم العجب إلى أن صاروا يعترضون على الصحيحين أو أحدهما من الناحية الحديثية،
ويعترضون على الأئمة من الناحية الفقهية، الأئمة الذين أجمعت الأمة على إمامتهم وحسن نيتهم وعلمهم، فتجد هؤلاء الذين لم يبلغوا ما بلغه من سبقهم يتعرضون لهؤلاء الأئمة، ويحطون من
قدرهم، وهذه وصمة عظيمة لهذه الصحوة، والواجب على الإنسان أن يتريث، وأن يتعقل وأن يعرف لذوي الحق حقهم ولذوي الفضل فضلهم، وإنما يعرف الفضل من الناس أهله، نسأل الله لنا ولهم الهداية والتوفيق.
(26/255)

وأما الجواب على الملاحظة الثانية فنقول: هذا أيضًا من البلاء، ولعل في جوابي السابق ما يدل عليه؛ لأن مذهب الظاهرية كما هو معروف مذهب يأخذ بالظاهر ولا يرجع إلى القواعد العامة النافعة،
ولو أننا ذهبنا نتتبع من أقوالهم ما يتبين به فساد منهجهم، أو بعض منهجهم لوجدنا الكثير، ولكننا لا نحب أن نتتبع عورة الناس.
والجواب على الملاحظة الثالثة: فلا شك أن الأولى بطالب العلم أن يبدأ أولاً بكتاب الله- عز وجل- فإن الصحابة- رضي الله عنهم- كانوا لا يتعلمون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من
العلم والعمل (1) ، ثم بالسنة النبوية، ولا يقتصرون على معرفة الأسانيد والرجال والعلل إنما يحصرون على مسألة فقه هذه السنة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: "رب مبلغ أوعى من
سامع" (2) . ويقول "رب حامل فقه ليس بفقيه" (3) . والناس الآن في
__________
(1) رواه أحمد برقم (22384) .
(2) انظر: صحيح البخاري/كتاب الفتن/باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا ترجعوا بعدي كفاراً) ، برقم (7078) . وصحيح مسلم/كتاب القسامة/باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض
والأموال، برقم (1679) .
(3) رواه أحمد 35/467 (21590) . والترمذي/كتاب العلم/باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، برقم (2656) . وأبو داود/كتاب العلم/باب في القصص، برقم (3666) . وابن ماجه/المقدمة/باب من بلغ علماً، برقم (230) .
(26/256)

ضرورة إلى معرفة الأسانيد وصحتها، وفي ضرورة أيضًا إلى الفقه في هذه السنن الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتطبيقها على القواعد وأصول الشريعة حتى لا يضل الإنسان ويضل غيره.
الجواب على الملاحظة الرابعة: يجب أن يعلم الإنسان المفتي، أنه سفير بين الله وبين خلقه، ووارث لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلابد أن يكون عنده علم راسخ يستطيع به أن يفتي عباد الله، ولا يجوز للإنسان أن يتصدر للفتوى والتدريس وليس معه علم؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمًا، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (1) . والحمد لله، الإنسان الذي يريد الخير ويتأنى حتى يدركه وينشره، إن فسح له الأجل حتى أدرك ما
أراد فهذا هو مطلوبه، وإن لم يفسح له في الأجل وقف الله عليه الموت، فإنه كالذي يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.
وكم من إنسان تعجل في التدريس والفتيا فندم، لأنه تبين له أن ما كان يقرره في تدريسه أو يفتي به في فتواه كان خطأ، والكلمة إذا
__________
(1) رواه البخاري/كتاب العلم/باب كيف يقبض العلم، برقم (110) ، ومسلم/كتاب العلم/باب رفع العلم وقبضه، برقم (2673) .
(26/257)

خرجت من فم صاحبها ملكته، وإذا كانت عنده ملكها.
فليحذر الإخوة الذين هم في ريعان طلب العلم من التعجل، وليتأنوا حتى تكون فتواهم مبنية على أسس سليمة، وليس العلم كالمال يتطلب الإنسان فيه الزبائن ليدرك من يشتري منه، بل العلم
إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فيجب على الإنسان أن يكون مستشعرًا حين الفتوى شيئين:
الأول: أنه يقول عن الله- عز وجل- وعن شريعة الله.
الثاني: أنه يقول عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن العلماء ورثة الأنبياء.
س 105: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما قول فضيلتكم في بعض الطلاب الذين يدرسون من أجل الوظيفة والراتب، وكذلك ما يفعله البعض من استئجار من يكتب لهم البحوث، أو
يعد لهم الرسائل، أو يحقق بعض الكتب فيحصلون به على شهادات علمية؟
فأجاب بقوله: يجب على طالب العلم إخلاص النية لله- عز وجل- وأن يعتقد أنه ما قرأ حرفًا ولا كلمة، ولا أتم صفحة في العلم الشرعي إلا وهو يقربه إلى الله عز وجل.
(26/258)

ولكن كيف يمكن أن ينوي التقرب إلى الله بطلب العلم؟
الجواب: يمكن ذلك؛ لأن الله أمر به، والله إذا أمر بشيء ففعله الإنسان امتثالاً لأوامر الله، فتلك عبادة الله؛ لأن عبادة الله هي امتثال أمره، واجتناب نهيه، وطلب مرضاته، واتقاء عقوبته.
ومن إخلاص النية في طلب العلم أن ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره من الأمة، وعلامة ذلك أن الرجل تجده بعد طلب العلم متأثرًا بما طلب، متغيرًا في سلوكه ومنهاجه، وتجده حريصًا على نفع
غيره، وهذا يدل على أن نيته في طلب العلم رفع الجهل عنه وعن غيره فيكون قدوة، صالحًا مصلحًا، وهذا ما كان عليه السلف الصالح، أما ما عليه الخلف اليوم فيختلف كثيرًا عن ذلك، فتجد الأعداد الكبيرة من الطلاب في الجامعات والمعاهد، منهم من نيته لا تنفعه في الدنيا والآخرة، بل تضره، فهو ينوي أن يصل إلى الشهادة لكي يتوصل بها إلى الدنيا فقط، وقد جاء التحذير من الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" (1) . أي ريحها.
__________
(1) رواه أحمد 14/169 (8457) ، وأبو داود/كتاب العلم/باب في طلب العلم لغير الله، برقم
(3664) ، وابن ماجه/كتاب الطهارة وسننها/باب الانتفاع بالعلم والعمل به، برقم (252) .
(26/259)

وهذا خطر عظيم، علم شرعي تجعله وسيلة إلى عرض الدنيا، هذا قلب للحقائق.
والطالب إذا أخلص النية جاءته الدنيا تبعًا ولن يفوته شيء وسيخرج هو ومن يريد الشهادة للدنيا على حد سواء، بل المخلص أكثر تحصيلاً للعلم وأبلغ رسوخًا فيه.
وإن مما يؤسف له- كما ذكر السائل- أن بعض الطلاب يستأجرون من يعد لهم بحوثًا أو رسائل يحصلون بها على شهادات علمية، أو من يحقق بعض الكتب فيقول لشخص حضر لي تراجم
هؤلاء، وراجع البحث الفلاني، ثم يقدمه رسالة ينال بها درجة يستوجب بها أن يكون في عداد المعلمين أو ما أشبه ذلك، فهذا في الحقيقة مخالف لمقصود الجامعة ومخالف للواقع، وأرى أنه نوع من
الخيانة؛ لأنه لابد أن يكون المقصود من الرسالة هو الدراسة والعلم قبل كل شيء، فإذا كان المقصود من ذلك الشهادة فقط فإنه لو سئل بعد أيام عن الموضوع الذي حصل على الشهادة فيه لم يجب.
لهذا أحذر إخواني الدين يحققون الكتب، أو الذين يحضرون رسائل على هذا النحو من العاقبة الوخيمة، وأقول: إنه لا بأس من الاستعانة بالغير ولكن ليس على وجه أن تكون الرسالة كلها من صنع غيره، وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع مجيب.
(26/260)

س 106: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض المبتدئين يبدؤون في القراءة من كتاب (المحلى) لابن حزم رحمه الله بحجة التمرن على المناظرة، وحينما تنصحهم بأن هذا سابق لأوانه
يقولون: نريد التمرن، فهل هذا صحيح؟
فأجاب بقوله: مناظرة ابن حزم- رحمه الله- مناظرة صعبة، يشدد على خصمه، ويحصل منه أحيانًا سبّ لمخالفه، فهو- رحمه الله - كان شديدًا جدًا، وأخشى أن يكون طالب العلم الصغير إذا تعود
على مثل ما كان عليه ابن حزم أخشى عليه من المماراة، فلو أنه سلك مسلكًا سهلاً لكان أحسن، وإذا حصل على قدر كبير من العلم- إن شاء الله- وعرف كيف يستفيد من ابن حزم فليطالع في كتابه، لذلك لا أنصح بمطالعته للطالب المبتدئ، لكن التمرن على المجادلة لإثبات الحق أمر لابد منه، فكثير من الناس عنده علم واسع ولكنه عند المجادلة لا يستطيع إثبات الحق.
س 107: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما نصيحة فضيلتكم لمن يجعل الولاء والبراء لإخوانه في موافقتهم له في مسألة أو عدم موافقتهم له، وكذلك ما يحصل من الحسد والبغض من طلاب العلم؟
(26/261)

فأجاب بقوله: هذا صحيح، فإن بعض الناس يجعلون الولاء والبراء مقيد بالموافقة له أو عدم الموافقة، فتجد الشخص يتولى الشخص، لأنه وافقه فيها، ويتبرأ منه لأنه خالفه، وأذكر لكم قصة
مرت علينا في منى بين طائفتين من الإفريقيين كل واحد يلعن الثاني ويكفره، فجيء بهم إلينا، وهم يتنازعون.
قلنا: ما الذي حدث؟
قال الأول: هذا الرجل إذا قام إلى الصلاة يضع يده اليمنى على اليسرى فوق الصدر وهذا كفر بالسنة.
وقال الثاني: هذا إذا قام للصلاة يرسل يديه على الفخذين دون أن يجعل اليمنى على اليسرى وهذا كفر؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فمن رغب عن سنتي فليس مني " (1) .
وعلى هذا يكفر بعضهم بعضًا، مع العلم أن هذه المسألة مسألة سنة، وليست واجبة ولا ركناً ولا شرطاً للصحة. وبعد جهد وعناء كبير اقتنعوا أمامنا والله أعلم بما وراءنا، والآن تجد بعض الإخوان مع الأسف يرد على إخوانه أكثر مما يرد على الملحدين الذين كفرهم صريح، يعاديهم أكثر مما يعادي هؤلاء ويشهر بهم في كلام لا أصل
__________
(1) رواه البخاري/كتاب النكاح/باب التركيب في النكاح، برقم (5063) ، ومسلم/ كتاب النكاح/باب استحباب النكاح، برقم (1401) .
(26/262)

له، ولا حقيقة له، لكن حسد وبغي، ولاشك أن الحسد من أخلاق اليهود أخبث عباد الله.
ثم إن الحسد لا يستفيد منه الحاسد إطلاقًا، بل لا يزيده إلا غمًا وحسرة، ابغ الخير للغير يحصل لك الخير، واعلم أن فضل الله يؤتيه من يشاء، لو حسدت فإنك لن تمنع فضل الله، ربما تمنع فضل الله
عليك بمحبتك زوال فضل الله على غيرك وكراهتك نعمة الله على غيرك، لذلك الحاسد من طلبة العلم مشكوك في نيته وإخلاصه في طلب العلم؛ لأنه إنما حسد لكون الثاني صار له جاه عند الناس، وله كلمة والتفَّ الناس حوله فحسده، لكونه يريد الدنيا، أما لو كان يريد الآخرة حقًا، ويريد العلم حقًا، لسأل عن هذا الرجل الذي التفّ الناس حوله وأخذوا بقوله. تسأل عن علمه لتكون مثله أيضًا، تجيء أنت لتستفيد منه، أما أن تحسده وتشوه سمعته، وتذكر فيه من العيوب ما ليس فيه فهذا لاشك أنه بغي وعدوان وخصلة ذميمة.
س 108: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: نحن طلبة نتلقى العلم، وندرس العقيدة على معلمين يدرسونا العقيدة الأشعرية، ويفسرون يد الله تعالى بقدرته أو نعمته، واستواءه على عرشه بالاستيلاء عليه ونحو ذلك، فما حكم الدراسة على هؤلاء المعلمين؟
(26/263)

فأجاب بقوله: هؤلاء الذين يفسرون القرآن بهذا التفسير سميناهم أشعرية أو غير هذا الاسم، لاشك أنهم أخطئوا طريقة السلف الصالح. فإن السلف الصالح لم يرد عنهم حرف واحد فيما
ذهب إليه هؤلاء المتأولون، فليأتوا بحرف واحد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو عن أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي- رضي الله عنهم أجمعين- أنهم أولوا اليد بالقدرة أو بالقوة، أو أولوا الاستواء بالاستيلاء، أو أولوا الوجه بالثواب، أو أولوا المحبة بالثواب أو بغير الثواب، ليأتوا
بحرف واحد عن هؤلاء أنهم فسروا هذه الآيات وأمثالها بما فسر به هؤلاء، فإذا لم يأتوا فيقال: إما أن يكون السلف الصالح وعلى رأسهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو إمام المتقين عليه الصلاة والسلام إما أن يكونوا على جهل بمعاني هذه العقيدة العظيمة، وإما أن يكونوا على
علم، ولكن كتموا الحق وكلا الأمرين لا يمكن أن يوصف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من خلفائه الراشدين ولا من صحابته المرضيين، فإذا كان ذلك لا يمكن في هؤلاء وجب أن نسير على هديهم.
وإن نصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله عز وجل، وأن يدعوا قول فلان وفلان، وأن يرجعون إلى كتاب الله تعالى وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، وأن يعلموا أن لهم مرجعًا يرجعون إلى الله تعالى فيه، ولا يمكن أن يكون لهم حجة فيما قال فلان وفلان،
(26/264)

والله إنهم لن يغنوا عنهم من الله شيئًا، إن الله تعالى يقول: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) (1) ولم يقل: (ويوم يناديهم فيقول: ماذا أجبتم فلان وفلان) وإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه العظيم: (فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (2) فأمر بالإيمان به واتباعه وإذا كان كذلك فهل يمكن أن يكون الإنسان مؤمنًا بالله ورسوله تمام الإيمان ثم يعدل عن سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في عقيدته بربه، ويحرف ما
وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمجرد وهميات يدعونها عقليات؟
إنني أنصحهم أن يرجعوا إلى الله- عز وجل- وأن يدعوا كل قول، لقول الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فإنهم إن ماتوا على ذلك ماتوا على خير وحق وإن خالفوا ذلك فهم على خطر عظيم، ولن يغنوا عنهم من الله شيئًا، قال الله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111)) (3) .
أكرر النصيحة لكل مؤمن أن يرجع إلى كتاب الله تعالى وسنة
__________
(1) سورة القصص، الآية: 65.
(2) سورة الأعراف، الآية: 158.
(3) سورة النحل، الآية: 111.
(26/265)

رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فيما يعتقده بربه ومعبوده- جل وعلا- وفيما يعتقده في الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وفيما كان عليه أئمة المسلمين الذين قادوا الناس بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، دون التحكيم إلى العقول التي هي وهميات في الحقيقة فيما يتعلق بالله تعالى وأسمائه وصفاته.
ولقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حق الإجادة في قوله عن أهل الكلام: (إنهم أوتوا فهمًا ولم يؤتوا علومًا، وأوتوا ذكاء ولم يؤتوا زكاء) ، فعلى الإنسان أن يوسع مداركه في العلوم المبنية على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يزكي نفسه باتباع كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
أسأل الله تعالى أن يتوفانا جميعًا على الإيمان، وأن نلقاه وهو راض عنا إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أملاه محمد الصالح العثيمين.
س 109: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هناك بعض الناس يتعصبون لأقوالهم جدًا، وينكرون على الآخرين الذين لم يأخذوا بأقوالهم، وقد يقعون في أصحاب هذه الأقوال الأخرى بالغيبة
والسب، فما قولكم في هذا؟
فأجاب بقوله: أرى أن هذا مما يلقيه الشيطان بين الناس ليفسد ما
(26/266)

بينهم من روابط الدين والأخوَّة والمحبة، فإن الشيطان لما رأى الفتح في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوة الإسلام يئس من أن يعبد في هذه الجزيرة، ولكن لم ييأس من التحريش بينهم، وهذا هو الواقع، والذي نرى أن الواجب على الشباب وغير الشباب أن يتقوا الله سبحانه وتعالى،
ويصلحوا ذات بينهم، كما أمر الله بذلك في قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)) (1) وألا يكون همهم القيل والقال وكثرة السؤال، بل على كل إنسان أن ينظر مصلحته الدينية والدنيوية ويقوم بها، وأما التعرض لأناس بأشخاصهم، بالقدح فيهم وقد يكونون ليسوا محلاً للقدح فهذا خطأ عظيم، وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغيبة فقال: "ذكرك أخاك بما يكره ".
قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " (2) .
وغيبة العلماء والأمراء أشد من غيبه غيرهم؛ لأن غيبة العلماء يحصل بها انحطاط قدر العالم بين الناس، وإذا انحط قدر العالم بين الناس لم يقبلوا قوله ولا ما يجيء به من شريعة الله، فتكون غيبة العالم
قدحًا فيه، ومنعًا لما ينتفع به الناس مما يبينه من شريعة الله عز وجل.
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 1.
(2) رواه مسلم/كتاب البر والصلة/باب تحريم الغيبة، برقم (2589) .
(26/267)

وغيبة الأمراء أيضًا عظيمة؛ لأن الناس إذا انحط قدر أمرائهم عندهم، فإنهم لن ينصاعوا لأوامرهم، وسوف يحتقرونهم، فتحصل الفوضى، ويختل الأمن، ولهذا قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)) (1) وهذا يشمل العلماء والأمراء، فإذا كان هؤلاء قد أمرنا بطاعتهم في غير معصية الله، فالواجب احترامهم واحترام
أعراضهم، وإذا علمنا من أحد منهم خطأ أو زللاً، فالواجب النصيحة له حتى يزول الإشكال.
فعلى الشباب ألا يتعصبوا للأشخاص، بل يأخذوا الحق ممن جاء به كائنًا من كان، وألا يجعلوا الخلاف يقودهم إلى احتقار الآخرين وهتك أستارهم وغيبتهم، فإن هذا مما لا يجوز بحال.
س 110: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: نحن طلاب العلم نحفظ الكثير من الآيات على سبيل الاستشهاد، وفي نهاية العام نكون قد نسينا الكثير منها، فهل ندخل في حكم من يعذبون
بسبب نسيان ما حفظوه؟
__________
(1) سورة النساء، الآية: 59.
(26/268)

فأجاب بقوله: نسيان القرآن له سببان:
الأول: ما تقتضيه الطبيعة.
الثاني: الإعراض عن القرآن وعدم المبالاة به.
فالأول: لا يأثم به الإنسان ولا يعاقب عليه، فقد وقع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين صلى بالناس ونسي آية، فلما انصرف ذكره بها أبي بن كعب رضي الله عنة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هلا كنت أذكرتنيها" (1) .
وسمع رسول الله قارئًا يقرأ، فقال: "يرحم الله فلانًا فقد ذكرني آية كنت أنسيتها" (2) . وهذا يدل على أن النسيان الذي يكون بمقتضى الطبيعة ليس فيه لوم على الإنسان.
أما ما سببه الإعراض وعدم المبالاة فهذا قد يأثم به.
وبعض الناس يكيد له الشيطان ويوسوس له ألا يحفظ القرآن لئلا ينساه ويقع في الإثم، والله سبحانه وتعالى يقول: (فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)) (3) فليحفظ الإنسان
القرآن، لأنه خير وليؤمل عدم النسيان، والله سبحانه عند ظن عبده به.
__________
(1) رواه أحمد 27/241 (16692) ، وأبو داود/كتاب الصلاة/باب الفتح على الإمام في الصلاة، برقم (907) .
(2) انظر: صحيح البخاري/كتاب الشهادات/باب شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه/برقم (2655) ، ومسلم/كتاب صلاة المسافرين وقصرها/باب فضائل القرآن وما يتعلق به، برقم (788) .
(3) سورة النساء، الآية: 76.
(26/269)

ونظير هذا ما يستدل به بعض الناس بقول الله تعالى: (لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (1) فيترك السؤال والعلم والتعلم.
ولكن كان هذا حين نزول الوحي والتشريع، فقد يسأل البعض عن أشياء سكت الله عنها فتبين لهم فيكون فيها تشديد على المسلمين بالإيجاب أو التحريم. أما الآن فلا تغيير في الأحكام ولا نقص فيها فيجب السؤال عن الدين.
س 111: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: قد يعلم الإنسان شيئًا ويأمر غيره وهو نفسه لا يعمله سواء كان فرضًا أو نفلاً، فهل يحل له أن يأمر غيره بما لا يعمل؟
وهل يجب على المأمور امتثال أمره أم يحل له الاحتجاج عليه بعدم عمله ثم لا يعمل ما أمر به تبعًا لذلك؟
فأجاب بقوله: هنا أمران:
الأمر الأول: هذا الذي يدعو إلى الخير وهو لا يفعله نقول له:
قال الله- عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (2) .
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 101.
(2) سورة الصف، الآيتان: 2، 3.
(26/270)

وأنا أعجب كيف رجل يؤمن بأن هذا هو الحق، ويؤمن بأن التعبد لله به يقربه إليه، ويؤمن بأنه عبد لله، ثم لا يفعله، فهذا شيء يعجب له ويدل على السفه وأنه محط التوبيخ واللوم لقوله تعالى:
(لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) (1) فنقول لهذا الرجل: أنت آثم بتركك العمل بما علمت وبما تدعو إليه، ولو بدأت بنفسك لكان ذلك من العقل والحكمة.
أما الأمر الثاني: بالنسبة للمأمور فإنه لا يصح له أن يحتج على هذا الرجل بفعله فإذا أمره بخير وجب عليه القبول، يجب أن يقبل الحق من كل من قال به ولا يأنف من العلم.
س 112: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يقع من بعض طلبة العلم- هداهم الله- الاشتغال بالقيل والقال والكلام فيما لا ينفع مما يترتب عليه إضاعة الأوقات، فما نصيحتكم؟
فأجاب بقوله: ما ذكره السائل من أن البعض يخوضون في أشياء كثيرة، سواءً كان في أمور العامة، أو في العلماء، أو في الأمراء، أو في الدعاة، أو في المؤلفين، أو في أشياء كثيرة، وهذا الكلام الذي يخوض الناس فيه هو من الأمر الذي نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد كان
__________
(1) سورة الصف، الآية: 2.
(26/271)

ينهى عن "قيل وقال وكثرة السؤال" (1) .
والمعنى لقوله: "قيل وقال" النهي عن الكلام الذي ليس له أصل وليس ثابتاً، ومثاله: كان يقول قائل: والله سمعنا كذا وكذا، وقال فلان كذا، بدون تثبُّت.
ومعنى قوله: "وعن كثرة السؤال" النهي عن كثرة الأسئلة التي لا تتعلق بها مصلحة عامة أو خاصة.
ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن إضاعة المال، وإذا كان إضاعته سفه، فإضاعة الوقت أشد سفهاً، والوقت أغلى على الإنسان من المال، ويظهر ذلك إذا حضره الموت؛ علم أن الوقت أهم من المال؛ يقول الله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) (2) . لم يقل: ارجعون لأتمتع بالدنيا، قال: (لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) هذا المال الذي تركته وخلفته ردني إليه يا رب لعلي أعمل صالحاً فيه، قال تعالى: (كَلاَّ) . يعني لا رجوع، أو بمعنى: (إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (4) .
فالاشتغال بالقيل والقال وماذا طرأ على فلان وفلان، يوجب للطالب شيئين ليس أمرهما بالهين:
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الزكاة، برقم (1452) .
(2) سورة المؤمنون، الآيتان: 99، 100.
(3) سورة النبأ، الآية: 4.
(4) سورة المؤمنون، الآية: 100.
(26/272)

الأول: أنه يصرفه عن الإقبال إلى الله؛ لأن قلبه يكون مشغولاً بأخبار الناس، وماذا قال فلان، وماذا قيل له، وماذا قيل عنه؟
فينصرف عن طاعة الله؛ لأن القلب إناءٌ، إذا امتلأ من شيء لم يحتمل الشيء الآخر، فلو ملأت إناء لبناً هل يمكن أن تضيف إليه ماءً؟ لا، ولو أضفنا إليه ماءً لساح، فكذلك القلب إذا تعلق بشيء
فإنه يغفل عن الشيء الآخر.
قال الله عز وجل: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (1) .
الشيء الثاني: مما يحصل: يتتبع الأقوال وقيل وقال: أنه يحصل به الغفلة عما هو أهم، أو الانشغال عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن مصالح كثيرة.
فنصيحتي لطلبة العلم: بألا يتشاغلوا بأمرٍ يُضيّع عليهم الأوقات وأن يتجهوا إلى التشاغل بالعلم والعمل به والدعوة إلى الله عز وجل، دون إعجاب بالنفس ودون احتقار للغير؛ لأن هذين داءان
عظيمان: الإعجاب بالنفس والاحتقار للغير.
__________
(1) سورة الكهف، الآية: 28.
(26/273)

موقف طالب العلم من العلماء
(26/275)

س 113: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يقع من بعض الناس- هداهم الله تعالى- التقليل من شأن العلماء بدعوى عدم فقه الواقع، فما توجيه سماحتكم جزاكم الله خيرًا ووفقكم لما يحبه
ويرضاه؟
فأجاب بقوله: لاشك أن فقه الواقع أمر مطلوب، وأن الإنسان لا ينبغي أن يكون في عزلة عما يقع حوله وفي بلده، بل لابد أن يفقه لكن لا ينبغي بأي حال من الأحول أن يكون الاشتغال بفقه الواقع
مشغلاً عن فقه الشريعة والدين، الذي قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " من يرد
الله به خيرًا يفقهه في الدين " (1) ، لم يقل: يفقهه في الواقع، فإذا كان عند الإنسان علم بما يقع حوله لكنه قد صرف جهده وجل أمره إلى الفقه في دين الله، فهذا طيب، أما أن ينشغل بالواقع والتفقه فيه- كما زعم - والاستنتاجات التي يخالفها ما يقع فيما بعد؛ لأن كثيرًا من المشتغلين بفقه الواقع يقدمون حسب ما تمليه عليهم مخيلتهم، ويقدرون أشياء يتبين أن الواقع بخلافها، فإذا كان فقه الواقع لا يشغله عن فقه الدين، فلا بأس به، لكن لا يعني ذلك أن نقلل من شأن علماء يشهد لهم بالخير وبالعلم وبالصلاح لكنهم يخفى عليهم
__________
(1) رواه البخاري/كتاب العلم/باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، برقم (71) ، ومسلم/كتاب الزكاة/باب النهي عن المسألة، برقم (1037) .
(26/277)

بعض الواقع، فإن هذا غلط عظيم، فعلماء الشريعة أنفع للمجتمع من علماء فقه الواقع.
ولهذا تجد بعض الذين عندهم اشتغال كثير في فقه الواقع وانشغال عن فقه الدين لو سألتهم عن أدنى مسألة في دين الله عز وجل لوقفوا حيارى، أو تكلموا بلا علم، يتخبطون تخبطًا عشوائيًا.
والتقليل من شأن العلماء الراسخين في العلم المعروفين بالإيمان والعلم الراسخ جناية، ليس على هؤلاء العلماء بأشخاصهم، بل على ما يحملونه من شريعة الله تعالى أيضًا، ومن المعلوم أنه إذا قلَّت هيبة العلماء، وقلت قيمتهم في المجتمع فسوف يقل بالتبع الأخذ عنهم، وحينئذ تضيع الشريعة التي يحملونها أو بعضها، ويكون في هذا جناية عظيمة على الإسلام وعلى المسلمين أيضًا.
والذي أرى أنه ينبغي أن يكون عند الإنسان اجتهاد بالغ، ويصرف أكبر همه في الفقه في دين الله- عز وجل- وأن يعرف ما حوله من الأمور التي يعملها أعداء الإسلام للإسلام.
ومع ذلك أكرر أنه لا ينبغي للإنسان أن يصرف جل همه ووقته للبحث عن الواقع، بل أهم شيء أن يفقه في دين الله عز وجل وأن يفقه من الواقع ما يحتاج إلى معرفته فقط- وكما أشرت سابقًا في أول
الجواب- أن من فقهاء الواقع من أخطئوا في ظنهم وتقديراتهم
(26/278)

وصار المستقبل على خلاف ما ظنوا تمامًا.
لكن هم يقدرون ثم يبنون الأحكام على ما يقدرونه فيحصل بذلك الخطأ، وأنا أكرر أنه لابد أن يكون الفقيه بدين الله عنده شيء من فقه أحوال الناس وواقعهم حتى يمكن أن يطبق الأحكام
الشريعة على مقتضى ما فهم من أحوال الناس، ولهذا ذكر العلماء في باب القضاء: أن من صفات القاضي أن يكون عارفًا بأحوال الناس ومصطلحاتهم في كلامهم وأفعالهم.
س 114: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يذكر البعض: بأنه لا تجوز المذهبية ولا تقليد أحد المذاهب الأربعة وإنما العلم بالدليل، لكن ذلك يجعلني أتساءل دائمًا لقد كانت منابع هؤلاء
الأئمة الكتاب والسنة والسؤال، فهل يجوز تقليد أي مذهب من المذاهب الأربعة دون التعصب لها؟
فأجاب بقوله:. إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يستخرج الحكم بنفسه من الكتاب والسنة، فما عليه إلا التقليد لقول الله تبارك وتعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (1) ومن
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(26/279)

المعلوم أن العامي لا يمكن أن يستخلص الحكم من الأدلة لأنه عامي فما عليه إلا أن يقلد، وفي هذه الحال يجب عليه أن يقلد من يرى أنه أقرب إلى الصواب لسعة علمه، وقوة دينه، وأمانته، ولا يحل
لإنسان أن يُقلّد على وجه التّشهي فإذا رأى القول السّهل الميسَّر تبعه سواء كان من فلان أو من فلان، فهذا ربما يقلد عشرة أشخاص في يوم واحد حسبما يقتضيه مزاجه، والواجب اتباع من يرى أنه أقرب إلى الصواب لعلمه وأمانته.
أما التزام التمذهب بمذهب معين يأخذ برخصه وعزائمه على كل حال فهذا ليس بجائز؛ وذلك لأنه فيه طاعة غير الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - على وجه الإطلاق، ولا أحد جدير بطاعته والعمل بقوله على وجه الإطلاق إلا الله عز وجل ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
س 115: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: نقرأ في بعض الكتب أن للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في المسألة الفلانية قولين أو ثلاثة، فلا أدري هل يعني ذلك أن هذه الأقوال هي عدة آراء
رآها الإمام أحمد رحمه الله ولم يترجح عنده أحدها، أم أنها آراء قد نسخ اللاحق منها السابق أم ماذا؟ نرجو بيان ذلك.
(26/280)

فأجاب بقوله: بيان ذلك أن العلماء الكبار المجتهدين قد تختلف اجتهاداتهم من آن لأخر بحسب ما يبلغهم من العلم، والإنسان بشر وطاقة محدودة، قد يكون عنده في هذا الوقت علم ثم يتبين له أن
الأمر بخلافه في وقت آخر، إما بسبب البحث ومراجع الكتب، وإما بالمناقشة فإن الإنسان قد يركن إلى قول من الأقوال، ولا يظن أن هناك معارضة له ثم بالمناقشة مع يتبين له أن الصواب في خلافه
فيرجع، والحاصل أن الإمام أحمد رحمه الله إذا روي عنده في مسألة أقوال متعددة فإن معنى ذلك أنه رحمه الله اطلع في القول الثاني إلى أمر لم يطلع عليه في الأمر الأول فيقول به.
ثم هل نقول: إن هذه الآراء باقية؟
أو نقول: إن آخرها نسخ أولها؟
نقول: إن هذه الآراء باقية، وذلك لأن هذه الآراء صادرة عن اجتهاد، والاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله فقد يكون الصواب في قوله الأول فتبقى هذه الأقوال.
اللهم إلا إذا صرح برجوعه عن القول الأول.
مثل قوله رحمه الله: كنت أقول بطلاق السكران حتى تبينته فتبينت أنني إذا قلت بوقوع الطلاق أتيت بخصلتين حرمتها على زوجها الأول، وأحللتها إلى زوج آخر، وإذا قلت بعدم الطلاق أتيت
(26/281)

خصلة واحدة أحللتها للزوج الأول فهذا صريح في أنه رجع عن القول الأول فيؤخذ بالقول الثاني، أما إذا لم يصرح فإن القولين كلاهما ينسب إليه ولا يكون الثاني ناسخًا.
وربما يقال: إنه إذا أيد القول الثاني بنص واستدل له فإنه يعتبر رجوعًا عن القول الأول؛ لأن النص واجب الاتباع، فإذا قيل بهذا فله وجه، وحينئذٍ يكون قوله الثاني هو مذهبه.
والله أعلم.
(26/282)

بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم/ ... حفظه الله تعالى.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فقد قرأت كتابكم هذا وفهمت ما فيه وما أبداه بعض الإخوان من مراجعتي قبل أن تظهروه فهذا طيب، وأطيب منه أن يحصل الاجتماع بيننا للاطلاع على ما كتبتموه، فلعله يتبين ما لم يكن
معلوماً من قبل حتى لا يحصل بين الإخوان طلبة العلم ما تقر به أعين الأعداء من الخلافات والردود.
ولا يخفاكم أننا في أمس الحاجة إلى لمِّ الشعث ورأب الصدع؛ لأن من الناس من يتربص الدوائر بالإخوان ويسعى بكل جهده إلى تفريق كلمتهم وتشتيت شملهم.
فهناك ملحدون منحرفون يرون الخلافات بين الإخوان فرصة لنيل مآربهم.
وهناك مبتدعون يرون الخلاف بين الإخوان فرصة تشغلهم عن الرد عليهم.
وهناك خرافيون يريدون مثل هذا الخلاف.. وهناك وهناك.
وإن هؤلاء وأمثالهم يريدون أن يقع الخلاف والشقاق والتفرق
(26/283)

بين الإخوان؛ لأن في ذلك الفشل وذهاب الريح وضعف الجانب وتمزق الأمة إلى أحزاب، هذا ينصر هذا، وهذا ينصر هذا.
ولست أعني بذلك أن يُسكت عن بيان الحق، ولكن يمكن أن يُبيّن الحق بطريق لا تُحصل فيه مفسدة وانقسام.
وأخيراً أؤكد لكم أن من الخير أن يحصل الاجتماع ودراسة ما كتبتم في الموضوع والتشاور فيما يحقق المصلحة، وأبين لكم أن رأيي تحريم اقتناء الصور سواء كانت مرسومة باليد، أم ملتقطة بالآلة
الفوتغرافية حتى ما يفعله بعض الناس اليوم مما يسمونه جمع الصور للذكرى، لكن ما دعت الضرورة إليه والحاجة كالرخصة والتابعية وجواز السفر لا نستطيع أن نمنع الناس منه لما في ذلك من الحرج
والمشقة. ولم أزل على ذلك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه محمد العثيمين 18/9/1407 هـ.
(26/284)

س 116: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يقول: ما حكم تقليد مذهب من المذاهب الأربعة؟
فأجاب بقوله: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ينقسم الناس إلى أقسام بالنسبة لالتزام المذاهب.
القسم الأول: من ينتسب إلى مذهب معين لظنه أنه أقرب المذاهب إلى الصواب، لكنه إذا تبين له الحق اتبعه وترك ما هو مقلد له، وهذا لا حرج فيه، وقد فعله علماء كبار كشيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله بالنسبة لمذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فإنه- أعني ابن تيمية- كان من أصحاب الإمام أحمد ويعد من الحنابلة، ومع ذلك فإنه حسب ما اطلعنا عليه في كتبه وفتاويه إذا تبين له الدليل اتبعه ولا يبالي أن يخرج بما كان عليه أصحاب المذهب، وفعله كثيراً، فهذا لا بأس به؛ لأن الانتماء إلى المذهب ودراسة قواعده وأصوله يعين الإنسان على فهم الكتاب والسنة وعلى أن تكون أفكاره مرتبة.
القسم الثاني: من الناس من هو متعصب لمذهب معين يأخذ برخصه وعزائمه دون أن ينظر في الدليل، بل دليله كتب أصحابه، وإذا تبين الدليل على خلاف ما في كتب أصحابه ذهب يؤوله تأويلاً مرجوحًا من أجل أن يوافق مذهب أصحابه، وهذا مذموم وفيه شبه
(26/285)

من الذين قال الله فيهم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)) (1) .
وهم وإن لم يكونوا بهذه المنزلة لكن فيهم شبه منهم فهم على خطر عظيم؛ لأنهم يوم القيامة سوف يقال لهم ماذا أجبتم المرسلين، لا يقال: ماذا أجبتم الكتاب الفلاني، أو الكتاب الفلاني، أو الإمام
الفلاني.
القسم الثالث: مَنْ ليس عنده علم وهو عامي محض فيتبع مذهبًا معينًا؛ لأنه لا يستطيع أن يعرف الحق بنفسه، وليس من أهل الاجتهاد أصلاً، فهذا داخل في قول الله سبحانه وتعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (2) .
ويتفرع على هذا السؤال سؤال آخر وهو: إذا سال العامي شيخًا من العلماء فأفتاه وسمع شيخًا آخر يقول خلاف ما أفتى به، فمن يأخذ بقوله؟ يتحير العامي أيأخذ بقول هذا أو هذا، وهو ليس عنده
__________
(1) سورة النساء، الآية: 60.
(2) سورة النحل، الآية: 43.
(26/286)

قدرة على أن يرجح أحد القولين بالدليل.
فيقال في جواب هذا السؤال: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها انظر إلى قول فلان لكونه أعلم وأورع فاتبعه، وإذا تساوى عندك الرجلان.
فقيل: يؤخذ بأشدهما وأغلظهما احتياطًا وقيل: يؤخذ بأيسرهما وأسهلهما؛ لأنه الأقرب إلى القاعدة الشرعية، والأصل براءة الذمة.
وقيل: يخير.
والأقرب: أنه يأخذ بالأيسر لقول الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (1) والأدلة متكافئة؛ لأن المفتيين كلاهما في نظر السائل على حد سواء.
س 117: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يذكر بعض الأخوة بأنه من الواجب علينا إذا مر ذكر صحابي أثناء قراءتنا أننا نقول: رضي الله عنه، ولكن إذا مر ذكر تابعي أو من السلف وقلنا: رضي
الله عنه، هل في ذلك حرج؟
فأجاب بقوله: ليس من الواجب أن نقول كلما مر بنا ذكر صحابي رضي الله عنه، هذا ليس من الواجب، لكن من حق
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 185.
(26/287)

الصحابة علينا أن ندعو الله لهم كما قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)) (1) أما أن نترضى عنهم كلما ذكر اسم واحد منهم فهذا ليس بواجب، والترضي يكون عن الصحابة، ويكون عن التابعين، ويكون عن تابعي التابعين، ويكون عمن كان عابدًا لله على الوجه الذي يرضاه إلى يوم القيامة، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (2) وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)) (3) ذلك لمن خشي ربه إلى يوم القيامة، لكن جرت عادة المحدثين رحمهم الله أن يخصوا الصحابة بالترضي عنهم، ومن بعدهم بالترحم عليهم، ويقولوا في الصحابي (رضي الله عنه) وأن يقولوا فيمن بعد الصحابة: (رحمه الله) ، ولكن لو أنك قلت في الصحابي: (رحمه الله) وفي غيره
__________
(1) سورة الحشر، الآية: 10.
(2) سورة التوبة، الآية: 100.
(3) سورة البينة، الآيتان: 7، 8.
(26/288)

(رضي الله عنه) فلا حرج عليك إلا إذا خشيت أن يتوهم السامع بأن التابعي صحابي والصحابي تابعي فهنا لابد أن تبين فتقول قال عبد الله ابن مسعود، وهو من الصحابة رحمه الله، أو قال مجاهد وهو من التابعين رضي الله عنه؛ حتى لا يتوهم أحد أن ابن مسعود من التابعين، ومجاهد من الصحابة.
س 118: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض الناس يعتقد أن دور علماء المسلمين مقصور على الأحكام الشرعية، وأنه لا دخل لهم في العلوم الأخرى كالسياسة والاقتصاد ونحوهما، فما
رأيكم في هذا الاعتقاد؟
فأجاب بقوله: رأينا في هذا الاعتقاد أنه مبني على الجهل في حال العلماء، ولا ريب أن علماء الشريعة عندهم علم في الاقتصاد وفي السياسة، وفي كل ما يحتاجون إليه في العلوم الشريعة، وإذا شئت أن تعرف ما قلته فانظر إلى محمد رشيد رضا- رحمه الله- صاحب مجلة المنار في تفسيره وفي غيرها من كتبه.
وانظر أيضًا إلى من قبله من أهل العلم بالشرع من يكون مقدمًا للأهم على المهم، فتجده في العلم الشرعي بلغ إلى نصيب كبير، وفي العلوم الأخرى يكون أقل من ذلك بناء على قاعدة أن تبدأ بالأهم
(26/289)

قبل المهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في
الدين " (1) .
س 119: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هناك بعض طلبة العلم يحرص على حضور دروس طلبة العلم دون أن يلقي اهتمامًا بدروس العلماء الذين جمعوا ما لم يجمعه طلبة العلم. فما توجيه
فضيلتكم- حفظكم الله تعالى-؟
فأجاب بقوله: الذي أراه أن الإنسان ينبغي أن يطلب العلم على عالم ناضج؛ لأن بعض طلبة العلم يتصدر للتدريس فيحقق المسألة من المسائل سواءً حديثية، أو فقهية، أو عقائدية يحققها تمامًا ويراجع
عليها، فإذا سمعه الناشيء من طلبة العلم ظن أنه من أكابر العلماء، لكن لو خرج قيد أنملة عن هذا الموضوع الذي حققه ونقحه وراجع عليه وجدت أنه ليس عنده علم؛ لذلك يجب على طالب العلم
المبتدئ أن يتلقى العلم على يد العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم ودينهم.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب العلم/باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، برقم (71) ، ومسلم/كتاب الزكاة/باب النهي عن المسألة، برقم (1037) .
(26/290)

س 120: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الأمور التي يجب توافرها فيمن يتلقى عنه العلم؟
فأجاب بقوله: لابد أن يطلب العلم على شيخ متقن ذي أمانة، لأن الإتقان قوة، والقوة لابد معها من أمانة، قال الله تعالى:
(إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (1) ربما يكون العالم عنده إتقان وسعة علم وقدرة على التفريع والتقسيم، ولكن ليس عنده أمانة، فربما أضلك من حيث لا تشعر.
وليعلم أن أخذ العلم عن الشيخ أفيد من الكتب من وجوه:
الأول: قصر المدة.
الثاني: قلة التكلفة.
الثالث: أن ذلك أحرى بالصواب.
لأن هذا الشيخ قد علم وتعلم ورجح وفهم فيعطيك الشيء ناضجًا، لكنه يمرنك على المطالعة والمراجعة إذا كان عنده شيء من الأمانة.
أما من اعتمد على الكتب فلابد أن يكرس جهوده ليلاً ونهارًا، ثم إذا طالع الكتب التي يقارن فيها بين أقوال العلماء فسيقت أدلة هؤلاء، وسيقت أدلة هؤلاء من يدله على أن هذا أصوب؟ يبقى
__________
(1) سورة القصص، الآية: 26.
(26/291)

متحيرًا، ولهذا نرى أن ابن القيم رحمه الله حينما يناقش قولين لأهل العلم سواء في زاد المعاد، أو أعلام الموقعين، إذا ساق أدلة القول الأول وعلله نقول هذا هو القول الصواب، ولا يجوز العدول عنه بأي حال من الأحوال، ثم ينقضه ويأتي بالقول المقابل ويذكر أدلته وعلله فتقول: هذا هو القول الصواب، فيحصل عندك من الإشكال والتردد، فلابد أن تكون قراءتك على شيخ متقن أمين
س 121: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض طلبة العلم يأتي إلى مسألة من مسائل العلم فيبحثها ويحققها بأدلتها ومناقشتها مع العلماء، فإذا حضر مجلس عالم يشار إليه بالبنان، قال: ما تقول - أحسن الله إليك- في كذا وكذا، قال: هذا حرام مثلاً، قال: كيف؟
بم تجيب عن قوله - صلى الله عليه وسلم - كذا؟ عن قول فلان كذا؟ ثم أتى بأدلة لا يعرفها العالم؛ لأن العالم ليس محيطًا بكل شيء حتى يظهر نفسه أنه أعلم من هذا العالم، فما رأي فضيلتكم؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة تقع كثيرًا يأتي الإنسان يكون باحثًا المسألة بحثًا دقيقًا جيدًا ثم يباغت العلماء بمثل هذا، وعلى الإنسان أن يكون سؤاله لطلب العلم ومعرفة الحق لا ليظهر علمه وضعف
علم غيره.
(26/292)

والحاصل أن الإنسان يجب أن يكون متأدبًا مع من هو أكبر منه، وإذا حصل خطأ بمن هو أكبر، فالخطأ يجب أن يبين بحال لبقة أو ينتظر حتى يخرج مع هذا العالم ويكلمه بأدب، والعالم الذي يتقي الله إذا بان له الحق فإنه سوف يرجع إليه، وسوف يبين للناس أنه رجع عن قوله.
س 122: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا اجتهد العالم في مسألة من المسائل ولم يصب الحكم الصحيح، فبم يحكم عليه؟
فأجاب بقوله: العالم إذا اجتهد في مسألة من المسائل قد يصيب وقد يخطئ لما ثبت من حديث بريدة- رضي الله عنه-: "وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا" (1) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (2) . وعليه، فهل نقول: إن
__________
(1) رواه مسلم/كناب الجهاد والسير/باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، برقم (1731) (3) .
(2) رواه البخاري/كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، برقم (7352) ، ومسلم/كتاب الأقضية/باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، برقم (1716) .
(26/293)

المجتهد مصيب ولو أخطأ؟
الجواب: قيل: كل مجتهد مصيب.
وقيل: ليس كل مجتهد مصيبًا.
وقيل: كل مجتهد مصيب في الفروع دون الأصول، حذرًا من أن نصوب أهل البدع في باب الأصول.
والصحيح: أن كل مجتهد مصيب من حيث اجتهاده، أما من حيث موافقته للحق فإنه يخطئ ويصيب، ويدل قوله - صلى الله عليه وسلم -: " فاجتهد فأصاب، واجتهد فأخطا" (1) فهذا واضح في تقسيم المجتهدين إلى مخطئ ومصيب، وظاهر الحديث والنصوص أنه شامل للفروع
والأصول حيث دلت تلك النصوص على أن الله لا يكلف نفسًا إلى وسعها، لكن الخطأ المخالف لإجماع السلف خطأ ولو كان من المجتهدين، لأنه لا يمكن أن يكون مصيبًا والسلف غير مصيبين
سواء في علم الأصول أو الفروع.
على أن شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم رحمهما الله أنكرا تقسيم الدين إلى أصول وفروع، وقالا: إن هذا التقسيم محدث بعد عصر الصحابة، ولهذا نجد القائلين بهذا التقسيم يلحقون شيئًا من
أكبر أصول الدين بالفروع، مثل الصلاة وهي ركن من أركان
__________
(1) رواه البخاري برقم (7352) ، ومسلم برقم (1716) .
(26/294)

الإسلام، ويخرجون أشياء في العقيدة اختلف فيها السلف يقولون: إنها من الفروع، لأنها ليست من العقيدة ولكن فرع من فروعها، ونحن نقول: إن أردتم بالأصول ما كان عقيدة فكل الدين أصول؛
لأن العبادات المالية أو البدنية لا يمكن أن تتعبد لله بها إلا أن تعتقد أنها مشروعة فهذه عقيدة سابقة على العمل، ولو لم تعتقد ذلك لم يصح تعبدك لله بها.
والصحيح: أن باب الاجتهاد مفتوح فيما سمي بالأصول أو الفروع، لكن ما خرج عن منهج السلف فليس بمقبول مطلقًا.
(26/295)

صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين حفظه الله آمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
حصل نقاش في مكان حضره بعض طلبة العلم المبتدئين وكان نقاشهم حول موضوع الفرقة الناجية وتطرقوا إلى أمور كثيرة من ضمنها أنهم تعرضوا للإمامين الجليلين ابن حجر العسقلاني
صاحب الفتح، والنووي صاحب المجموع حيث قال بعضهم أنهما ليسا من الفرقة الناجية؛ لأن عندهما خلل في العقيدة وليسوا على ما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وهم مسلمون وتحت المشيئة ولكنهم مبتدعة، وقال بعضهم: إنهما إمامان من أئمة أهل السنة
والجماعة ولهم سبق في الإسلام وعندهم خلل في العقيدة لكن ذلك عن اجتهاد وتأويل ولا يخرجهما ذلك عن دائرة أهل السنة والجماعة، وهذا خطأ ولهما على اجتهادهما أجر، ورد عليه صاحبه وقال: الخطأ في العقيدة ليس مثل الأخطاء الأخرى، فإذا أخطأ في العقيدة فيخرج عن أهل السنة والجماعة، وإذا أخطأ في غير العقيدة وهو مجتهد فيكون مأجوراً ولو أخطأ، والسؤال يا صاحب الفضيلة هو كالتالي:
1- ما رأيكم في قول الرجلين؟
2- هل الخطأ في العقيدة ولو كان عن اجتهاد وتأويل يلحق صاحبه بالطوائف المبتدعة كالأشاعرة والمعتزلة.
(26/296)

3- هل هذا التقسيم وهو الخطأ في العقيدة أنه ليس كغيره له أصل في الشرع.
آمل من فضيلتكم التكرم علينا بتوضيح هذه المسألة وما يدور حولها لعل الله أن يجعل في جوابكم الخير والنفع للجميع، وفقكم الله والسلام عليكم.
بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
جـ1: إن الشيخين الحافظين (النووي وابن حجر) لهما قدم صدق ونفع كبير في الأمة الإسلامية، ولئن وقع منهما خطأ في تأويل بعض نصوص الصفات إنه لمغمور بما لهما من الفضائل والمنافع الجمة، ولا نظن أن ما وقع منهما إلا صادرًا عن اجتهاد وتأويل سائغ- ولو في رأيهما- وأرجو الله تعالى أن يكون من الخطأ المغفور، وأن يكون ما قدماه من الخير والنفع من السعي المشكور، وأن يصدق عليهما قول الله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (1) والذي نرى أنهما من أهل السنة والجماعة، ويشهد لذلك خدمتها لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحرصهما على تنقيتها مما ينسب إليها من الشوائب، وعلى تحقيق ما دلت عليه من أحكام ولكنهما خالفا في آيات الصفات وأحاديثها أو بعض ذلك عن جادة أهل السنة عن اجتهاد أخطآ فيه، فنرجو الله
__________
(1) سورة هود، الآية: 114.
(26/297)

تعالى أن يعاملهما بعفوه.
جـ2: وأما الخطأ في العقيدة: فإن كان خطأ مخالفاً لطريق السلف، فهو ضلال بلا شك، ولكن لا يحكم على صاحبه بالضلال حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة، وأصر على خطئه وضلاله، كان مبتدعًا فيما خالف فيه الحق، وإن كان سلفيًا فيما سواه، فلا يوصف بأنه مبتدع على وجه الإطلاق، ولا بأنه سلفي على وجه الإطلاق، بل يوصف بأنه سلفي فيما وافق السلف، مبتدع فيما خالفهم، كما قال أهل السنة في الفاسق: إنه مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما معه من العصيان، فلا يعطي الوصف المطلق ولا ينفى عنه مطلق الوصف، وهذا هو العدل الذي أمر الله به، إلا أن يصل المبتدع إلى حد يخرجه من الملة فإنه لا كرامة له في هذه الحال.
جـ3: لا أعلم أصلاً للتفريق بين الخطأ في الأمور العلمية، والعملية لكن لما كان السلف مجمعين فيما نعلم على الإيمان في الأمور العلمية الخبرية والخلاف فيها إنما هو في فروع من أصولها لا في
أصولها كان المخالف فيها أقل عددًا وأعظم لومًا.
وقد اختلف السلف في شيء من فروع أصولها كاختلافهم، هل رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه في اليقظة؟
واختلافهم في اسم الملكين اللذين يسألان الميت في قبره.
(26/298)

واختلافهم في الذي يوضع في الميزان أهو الأعمال أم صحائف الأعمال، أم العامل؟
واختلافهم هل يكون عذاب القبر على البدن وحده دون الروح؟
واختلافهم هل يسأل الأطفال وغير المكلفين في قبورهم؟
واختلافهم هل الأمم السابقة يسألون في قبورهم كما تسأل هذه الأمة؟
واختلافهم في صفة الصراط المنصوب على جهنم؟
واختلافهم هل النار تفنى أو مؤبدة؟ وأشياء أخرى وإن كان الحق مع الجمهور في هذه المسائل، والخلاف فيها ضعيف.
وكذلك يكون في الأمور العملية خلاف، يكون قويًا تارة وضعيفًا تارة.
وبهذا تعرف أهمية الدعاء المأثور: " اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء
إلى صراط مستقيم، (1) .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه محمد الصالح العثيمين
في 17/5/1414 هـ.
__________
(1) رواه مسلم/كتاب صلاة المسافرين/باب الدعاء في صلاة الليل، برقم (1289) .
(26/299)

س 123: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما قولكم فيمن يتخذ من أخطاء العلماء طريقًا للقدح فيهم ورميهم بالبهتان؟ وما النصيحة التي توجهها لطلبة العلم في ذلك؟
فأجاب بقوله: العلماء- بلا شك- يخطئون ويصيبون وليس أحد منهم معصومًا، ولا ينبغي لنا بل ولا يجوز أن نتخذ من خطئهم سلمًا للقدح فيهم، فإن هذا طبيعة البشر كلهم أن يخطئوا إذا لم يوفقوا للصواب، ولكن علينا إذا سمعنا عن عالم أو عن داعية من الدعاة أو عن إمام من أئمة المساجد إذا سمعنا خطأ أن نتصل به، حتى يتبين لنا؛ لأنه قد يحصل في ذلك خطأ في النقل عنه، أوخطأ في الفهم لما يقول، أو سوء قصد في تشويه سمعة الذي نقل عنه هذا الشيء.
وعلى كل حال فمن سمع منكم عن عالم، أو عن داعية، أو عن إمام مسجد، أو أي إنسان له ولاية، من سمع منه ما لا ينبغي أن يكون، فعليه أن يتصل به وأن يسأله: هل وقع ذلك منه، أم لم يقع،
ثم إذا كان قد وقع فليبين له ما يرى أنه خطأ، فإما أن يكون قد أخطأ فيرجع عن خطئه، وإما أن يكون هو المصيب، فيبين وجه قوله حتى تزول الفوضى التي قد نراها أحيانًا ولاسيما بين الشباب.
وإن الواجب على الشباب وعلى غيرهم إذا سمعوا مثل ذلك أن يكفوا ألسنتهم، وأن يسعوا بالنصح، والاتصال بمن نقل عنه ما نقل
(26/300)

حتى يتبين الأمر، أما الكلام في المجالس ولاسيما مجالس العامة أن يقال ما تقول في فلان؟
ما تقول في فلان الآخر الذي يتكلم ضد الآخرين؟
فهذا أمر لا ينبغي بثه إطلاقًا، لأنه يثير الفتنة والفوضى فيجب حفظ اللسان، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل- رضي الله عنه-: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله"؟ فقلت: بلى يا رسول الله، فاخذ بلسانه، وقال: "كف عليك هذا". قلت: يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال:
" ثكلتك أمك يا معاد وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم " (1) .
وأنصح طلبة العلم وغيرهم أن يتقوا الله وألا يجعلوا أعراض العلماء والأمراء مطية يركبونها كيفما شاءوا، فنه إذا كانت الغيبة في عامة الناس من كبائر الذنوب فهي في العلماء والأمراء أشد وأشد،
حمانا الله وإياكم عما يغضبه، وحمانا عما فيه العدوان على إخواننا، إنه جواد كريم.
__________
(1) رواه أحمد 35/36 (22016) ، والترمذي/كتاب الإيمان/باب ما جاء في حرمة الصلاة، برقم (2616) ، وابن ماجه/كتاب الفتن/باب كف اللسان في الفتنة، برقم (3973) .
(26/301)

س 124: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عما يحصل من البعض من الوقوع في أعراض العلماء الربانيين، والقدح فيهم، وغيبتهم؟
فأجاب بقوله: لاشك أن الوقوع في أعراض أهل العلم المعروفين بالنصح، ونشر العلم والدعوة إلى الله تعالى من أعظم أنواع الغيبة التي هي من كبائر الذنوب.
والوقيعة في أهل العلم أمثال هؤلاء ليست كالوقيعة في غيرهم؛ لأن الوقيعة فيهم تستلزم كراهتهم، وكراهة ما يحملونه، وينشرونه من شرع الله- عز وجل- فيكون في التنفير عنهم تنفير عن شرع الله
- عز وجل- وفي هذا الصد عن سبيل الله ما يتحمل به الإنسان إثمًا عظيمًا وجرمًا كبيرًا، ثم إنه يلزم من إعراض الناس عن أمثال هؤلاء العلماء، أن يلتفتوا إلى قوم جهلاء يضلون الناس بغير علم؛ لأن الناس لابد لهم من أئمة يأتمون بهم ويهتدون بهديهم، فإما أن يكونوا أئمة يهدون بأمر الله، وأما أن يكونوا أئمة يدعون إلى النار، فإذا انصرف الناس عن أحد الجنسين مالوا إلى الجنس الآخر.
وعلى المرء الواقع في أعراض أمثال هؤلاء العلماء أن ينظر في عيوب نفسه، فإن أول عيب يخدش به نفسه، وقوعه في أعراض هؤلاء العلماء، مع ما عنده من العيوب الأخرى التي يبرأ منها أهل
العلم، ويبرؤون أنفسهم من الوقيعة فيه من أجلها.
(26/302)

س 125: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: متى ينكر على المخالف في المسائل الخلافية التي بين أهل العلم؟
فأجاب بقوله: مسائل الخلاف نوعان:
النوع الأول: نوع يكون الدليل فيها واضحًا لا يمكن فيه الاجتهاد، فهذا ينكر على المخالف فيها لمخالفة النص، وذلك كحلق اللحية، وإسبال الثوب أسفل من الكعبين، والتفرق في دين الله وغير
ذلك.
لكن لا يجعل ذلك وسيلة للتشاتم والتباغض، لاسيما مع العلم بحسن نية المخالف، بل تعالج الأمور بحكمة حتى يحصل الوفاق.
النوع الثاني: يكون فيها الدليل غير واضح، إما لخفاء ثبوت الدليل، أو الدلالة، أو وجود شبهة مانعة، وغير ذلك، فهذا لا ينكر فيه على المخالف؛ لأن قول أحد المختلفين ليس حجة على الآخر،
وأمثلة هذا كثيرة.
س 126: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: قلتم: إن مذهب أهل السنة والجماعة هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، فكيف حكمنا على المذاهب الثلاثة الباقية؟
(26/303)

فأجاب بقوله: لا أظن أننا قلنا هذا باعتبار أن المذاهب الثلاثة ليست على مذهب أهل السنة، لكن الإمام أحمد- رحمه الله- معروف بين أهل العلم أنه إمام أهل السنة، وأنه قام بالدفاع عن
السنة قيامًا لم يقمه أحد فيما نعلم. ومحنته مع المأمون ومن بعده مشهورة، وإلا فلا شك أن أئمة الإسلام- ولله الحمد- كلهم على خير وعلى حق، ولكن ذلك لا يعني أن نبرئ كل واحد منهم من
الخطأ، بل كل واحد منهم قد يقع منه الخطأ، بل الإمام أحمد نفسه قد يصرح بالرجوع عن القول وإن كان قد قاله من قبل، كما في قوله في طلاق السكران (حتى تبينته) ، يعني فتبين له أنه لا يقع، لأنه إذا أوقعه أتى خصلتين: تحريم هذه الزوجة على زوجها الذي طلقها وحلها لغيره، وإذا قال بعدم الوقوع أتى خصلة واحدة وهي حلها لهذا الزوج الذي لم يتحقق بينونتها منه.
س 127: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأي فضيلتكم فيمن ينفر من قراءة كتب الدعاة المعاصرين ويرى الاقتصار على كتب السلف الأخيار، وأخذ المنهج منها؟ ثم ما هي النظرة
الصحيحة أو الجامعة لكتب السلف- رحمهم الله- وكتب الدعاة المعاصرين والمفكرين؟
(26/304)

فأجاب بقوله: أرى أن أخذ الدعوة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فوق كل شيء، وهذا رأينا جميعًا بلا شك، ثم يلي ذلك ما ورد عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة رضي الله عنهم وعن أئمة الإسلام فيمن سلف.
أما ما يتكلم به المتأخرون والمعاصرون، فإنه يتناول أشياء حدثت هم بها أدرى، فإذا اتخذ الإنسان من كتبهم ما ينتفع به في هذه الناحية فقد أخذ بحظ وافر، ونحن نعلم أن المعاصرين إنما أخذوا ما أخذوا من العلم ممن سبق فلنأخذ نحن مما أخذوا منه، ولكن أمورًا قد استجدت هم بها أبصر منا، ثم إنها لم تكن معلومة لدى السلف بأعيانها، ولهذا أرى أن يجمع الإنسان بين الحسنيين، فيعتمد أولاً: على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وثانيًا: على كلام السلف الصالح من الخلفاء الراشدين والصحابة وأئمة المسلمين، ثم على ما كتبه المعاصرون الذين يكتبون عن أشياء حدثت في زمانهم لم تكن معلومة بأعيانها عند السلف.
س 128: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأي فضيلتكم فيمن صار ديدنهم تجريح العلماء، وتنفير الناس عنهم والتحذير منهم؟ هل هذا عمل شرعي يثاب عليه أو يعاقب عليه؟
(26/305)

فأجاب بقوله: الذي أرى أن هذا عمل محرم فإذا كان لا يجوز لإنسان أن يغتاب أخاه المؤمن، وإن لم يكن عالماً فكيف يسوغ له أن يغتاب إخوانه العلماء من المؤمنين؟ والواجب على الإنسان المؤمن أن
يكف لسانه عن الغيبة في إخوانه المؤمنين. قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)) (1) .
وليعلم هذا الذي ابتلي بهذه البلوى أنه إذا جرح العالم فسيكون سببًا في رد ما يقوله هذا العالم من الحق، فيكون وبال رد الحق وإثمه على هذا الذي جرح العالم؛ لأن جرح العالم في الواقع ليس جرحًا
شخصيًا بل هو جرح لإرث محمد - صلى الله عليه وسلم -.
فإن العلماء ورثة الأنبياء فإذا جرح العلماء وقدح فيهم لم يثق الناس بالعلم الذي عندهم وهو موروث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحينئذ لا يثقون بشيء من الشريعة التي يأتي بها هذا العالم الذي جرح.
ولست أقول: إن كل عالم معصوم، بل كل إنسان معرض للخطأ، وأنت إذا رأيت من عالم خطأ فيما تعتقده، فاتصل به وتفاهم معه،
__________
(1) سورة الحجرات، الآية: 12.
(26/306)

فإن تبين لك أن الحق معه وجب عليك اتباعه، وإن لم يتبين لك ولكن وجدت لقوله مساغًا وجما عليك الكف عنه، وإن لم تجد لقوله مساغًا فحذر من قوله؛ لأن الإقرار على الخطأ لا يجوز، لكن لا
تجرحه وهو عالم معروف بحسن النية، ولو أردنا أن نجرح العلماء المعروفين بحسن النية لخطأ وقعوا فيه من مسائل الفقه، لجرحنا علماء كبارًا، ولكن الواجب هو ما ذكرت وإذا رأيت من عالم خطا فناقشه وتكلم معه، فإما أن يتبين لك أن الصواب معه فتتبعه أو يكون الصواب معك فيتبعك، أولا يتبين الأمر ويكون الخلاف بينكما من الخلاف السائغ، وحينئذ يجب عليك الكف عنه وليقل هو ما يقول، ولتقل أنت ما تقول.
والحمد لله، الخلاف ليس في هذا العصر فقط، الخلاف من عهد الصحابة إلى يومنا.، وأما إذا تبين الخطأ ولكنه أصر انتصارًا لقوله وجب عليك أن تبين الخطا وتنفر منه، لكن لا على أساس القدح في
هذا الرجل وإدرادة الانتقام منه؛ لأن هذا الرجل قد يقول قولاً حقًا في غير ما جادلته فيه.
فالمهم أنني أحذر إخواني من هذا البلاء وهو تجريح العلماء والتنفير منهم، وأسال الله لي ولهم الشفاء من كل ما يعيبنا أو يضرنا في ديننا ودنيانا.
(26/307)

س 129: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ماذا يجب عليَّ تجاه أحد الأساتذة عندما يخطئ وخصوصًا في المواد الدينية، وأنا متأكد من الجواب الصحيح؟
فأجاب بقوله: هذا سؤال مهم حيث نجد أن بعض الأساتذة لا يريد لأحد أن يخطئه مهما ارتكب من الخطأ، وهذا ليس بصحيح، فكل إنسان معرض للخطأ، والإنسان إذا أخطأ ونُبّه فهذا من نعمة
الله عليه، حتى لا يغتر الناس بخطئه، ولكن ينبغي للطالب أن يكون عنده شيء من اللباقة، فلا يقوم أمام الطلبة يرد على هذا المدرس فهذا خلاف الأدب، ولكن يكون ذلك بعد انتهاء الدرس، فإن اقتنع المدرس فعليه أن يعيد ذلك أمام الطلبة في الدرس المقبل وإن لم يقتنع فعلى الطالب أن يقوم أمام الطلبة في الدرس المقبل، ليقول: يا أستاذ إنك قلت: كذا وكذا وهذا ليس بصحيح.
س 130: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: البعض - هداهم الله- يقلل من العلماء بحجة عدم معرفة الواقع ويقدم الدعاة وطلبة العلم عليهم؛ لأنهم على اطلاع واسع بخلاف العلماء فما قولكم؟
فأجاب بقوله: رأيي أنه يجب على الإنسان أن يحكم بين الناس
(26/308)

بالقسط، فمن استحق شيئاً أُعطي إياه، ومن لم يستحق شيء فلا يُعطى إياه.
ونحن نرى: أن من علماء الشريعة من لديهم علماً كثيراً ويكون عند بعضهم تفريط في بعض العبادات، أو في بعض الأخلاق، أو في بعض المعاملات، فهؤلاء يجب أن يُعطوا حقهم، فيُحمدون على ما عندهم من العلم، ويذمون على ما لديهم من التقصير، لكن ليس معناه أننا نغتابهم بل نناصحهم بأدب وتقدير واحترام.
ونرى أيضاً من الدعاة من عنده قدرة على الدعوة وعلى التأثير فينتفع الناس به، لكن نرى من بعض الدعاة من يغلو في بعض الأمور وتحمله العاطفة على سلوك ما لا ينبغي أن يسلكه.
أما بالنسبة لعموم الناس فإننا نقول لهم: الواجب أن تنظروا إلى العلم؛ لأن العلم هو الأصل.
وأما القدرة على التأثير وعلى الدعوة فهذا باب آخر، فكم من إنسانٍ جاهلٍ في ميزان أهل العلم بالشريعة، لكن عنده قوة تأثير حينما يتكلم بوعظٍ أو ما أشبه ذلك، فالواجب على الإنسان ألا يأخذ
دينه إلا ممن هو أهل للأخذ منه، كما قال بعض السلف: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) (1) .
__________
(1) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه/باب بيان أن الإسناد من الدين (1/14، 15) من قول محمد بن سيرين.
(26/309)

ولا يكفي الإنسان أن يكون قوي الحجة عظيم البيان. فالواجب أن ينظر إلى ما عنده من العلم وما عنده من السلوك.
أما ما يقدح به بعض الناس في العلماء الكبار من أنهم لا يفقهون الواقع، فلا شك أن هذا من باب الافتراء، ومن باب قفو ما ليس له به علم.
فهل هم ناقشوا هؤلاء العلماء ووجدوا أنه ليس عندهم فهم للواقع؟
وهل الفقه الذي يُحمد عليه الإنسان أن يفقه الواقع؟
كم من إنسان كافرٍ ملحدٍ في الدول الغربية أو غيرها عنده من معرفة أحوال الواقع ما ليس عند كثير من الناس، فهل يحمد الإنسان على مجرد أن عنده علماً من الواقع؟!
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من يُرِد الله به خيراً يفقهه في الدين" (1) ولم يذكر فقه الواقع، فالفقه الذي يُحمد عليه الإنسان هو: الفقه في الدين.
ونقول أيضاً: الفقه في الواقع يقع من إنسان عابد لله عز وجل معظم لله، ويقع ممن ليس في قلبه دين إطلاقاً، وهذا شيء مشاهد.
ولو نظرنا في كلام الساسة مما ينشر في الإذاعات ويقرأ في
__________
(1) رواه البخاري/كتاب العلم/باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين/برقم (71) ، ومسلم/كتاب الزكاة/باب النهي عن المسألة/برقم (1037) .
(26/310)

الصحف، لوجدوا عندهم من معرفة الواقع ما لا يوجد عند كثير من المسلمين.
ثم إن دعوى: أن العلماء الكبار لا يفقهون الواقع: قول بغير حق، أو لأن العلماء صامتون، ويرون أنه من الحكمة أن لا يُثار الشعب على الولاة.
فمنْ يصف العلماء بأنهم لم يفقهوا الواقع، هل ناقشهم؟
فقد يكون عند العلماء من علم الواقع ما ليس عند منْ وصفهم بقلة فقه الواقع الذي قد انغر به من انغر من الناس. والله المستعان.
(26/311)

طالب العلم والدعوة إلى الله عز وجل
(26/313)

س 131: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يقول: شخص لديه علم شرعي وهو متخرج من أحد الكليات الشرعية، ويقوم بالتدريس للمرحلة الثانوي، ويطلب منه جماعة المسجد أو طلبة
العلم أن يلقي كلمة أو محاضرة في المسجد أو في مناسبة، لكنه يمتنع ويصر على عدم المشاركة في أي درس في المسجد أو في قاعة أو في غيرها، ويعتذر ويقول: يكفي أنني أدرس المواد الشرعية في
الثانوية، فهل يؤاخذ على ذلك؟
فأجاب بقوله: الذي ينبغي للإنسان إذا أعطاه الله علمًا أن يحرص على بث العلم الذي أعطاه الله بكل وسيلة، لا سيما إذا كان علمًا شرعيًا يهدي الله به على يديه من شاء من عباده، ومن المعلوم أن الإنسان إذا سئل عن العلم وجبت عليه الإجابة ما لم يخش ضررًا على نفسه؛ لأن الله تعالى قال: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) (1) .
فالواجب على هذا الأخ إذا سأل عن علم أن يُبيِّنه، والأفضل إذا طلب منه أن يعطي درساً بالمسجد أن يستجيب لذلك لما فيه من الخير والمصلحة له ولأهل المسجد.
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 187.
(26/315)

س 132: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: العلماء والدعاة المصلحون عليهم مسئولية عظيمة في بيان التوحيد والتحذير من الشرك والخرافات، فما نصيحتكم؟
فأجاب بقوله يجب على الداعية إلى الله عز وجل أن يراعي أحوال المدعوين، فإذا كانوا مقصرين في الصلاة مثلاً فليركز على الحث على الصلاة وعدم التهاون بها، وبيان عقوبة من تركها،
وحكمه في الدنيا والآخرة، وإذا كان عندهم شيء من الشرك فليركز على التوحيد والإخلاص وما أشبه ذلك، وإذا كان عندهم تهاون بالزكاة فليركز على الزكاة.
المهم أن الداعية من الحكمة أن يراعي أحوال المدعوين، كذلك أيضًا يراعي أحوالهم بالنسبة للشدة واللين فإذا رأى منهم انقيادًا وسهولة قابلهم باللين والسهولة، وإذا رأى منهم عتوًا ونفورًا
فليقابلهم بما تقتضيه الحال وتحصل به المصلحة، ثم إن من أهم ما يكون في الداعية أن يكون هو أول من يتلبس بما أمر به، ويبتعد عما نهي عنه، فليس من اللائق شرعًا ولا عقلاً أن يأمر بشيء ولا يفعله، أو أن ينهي عن شيء ويفعله فإن الإنسان إذا كان على هذا الحال لم يقبل منه الناس، اللهم إلا من لا يعرف عن حاله، وأما من عرف حاله فإنه يقول: إن هذا الرجل كاذب لو كان صادقًا فيما أمر به لكان
(26/316)

هو أول من يلتزم له، ولو كان صادقًا فيما نهي عنه لكان أول من يجتنبه، وعلى الداعية أيضا أن يلاحظ الزمان والمكان في الدعوة إلى الله عز وجل فيدعو في المكان الذي تكون فيه الإجابة أقرب وكذلك في الزمان؛ لأن مراعاة هذه الأمور من الحكمة التي قال الله تعالى فيها: (الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (1) .
س 133: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يختلف الكثير من طلبة العلم في معاملة العاصي، فما التوجيه الصحيح جزاكم الله خيرًا؟
فأجاب بقوله: نقول هذه المسألة وهي أن بعض طلبة العلم إذا رأوا المنحرف خلقيًا، أو فكريًا، أو عمليًا يكرهونه ويتخذون من هذه الكراهة نفورًا منه وبعدًا عنه، ولا يحاولون أبدًا أن يصلحوا- إلا من شاء الله من طلبة العلم الذين أنار الله قلوبهم- ويرون أن هجره وكراهته والبعد عنه والتنفير منه يرون ذلك قربة. وهذا لاشك أنه خطأ، وأن الواجب على طلبة العلم أن ينصحوا، وينظروا كم من
إنسان في غفلة فإذا نصح استجاب.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 269.
(26/317)

وما أشد تأثير جماعة أهل الدعوة الذين يسمون أنفسهم (أهل الدعوة والتبليغ) . ما أشد تأثيرهم على الناس. وكم من فاسق اهتدى فأطاع، وكم من كافر اهتدى فأسلم على أيديهم؛ لأنهم وسعوا الناس بحسن الأخلاق، فلذلك نحن نسأل الله أن يجعل إخواننا الذين أعطاهم الله العلم أن يطعمهم من أخلاق هؤلاء حتى ينفعوا الناس أكثر، وإن كان يؤخذ على جماعة الدعوة والتبليغ ما يؤخذ، لكنهم في حسن الخلق والتأثير بسبب أخلاقهم لا أحد ينكر فضلهم، وقد رأيت كتابًا للشيخ عبد العزيز بن باز- حفظه الله- وجهه إلى شخص كتب إليه ينتقد هؤلاء الجماعة، فقال في جملة رده:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم من اللوم أو سددوا المكان الذين سدوا
وحسن الخلق لاشك أن له تأثيرًا عظيمًا في استجابة الناس للداعي.
أما إذا رأوا الإنسان خشنًا فإنهم يسبونه ويذمونه على ما فيه من الأخلاق الشرعية، تجدهم مثلاً يسبونه على لحيته، واللحية أخلاق شرعية، ويسبونه على تقصير الثوب، يسبونه على المشي حافيًا. لماذا؟
لأنه ليس حسن الأخلاق مع الناس. لا يدعو بالأخلاق إنما يدعو بالجفاء والغلظة، ويريد أن يصلح الناس كلهم في ساعة واحدة، هذا
(26/318)

خطأ لا يمكن أن يصلح الناس في ساعة واحدة أبدًا. أليس النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بقي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو الناس؟ وفي النهاية أخرج من مكة حين تآمروا عليه (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) يثبتوك يعني يحبسوك (أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (1) فلا يمكن أن تصلح الخلق بمجرد دعوة أو دعوتين لاسيما إذا لم تكن ذا قيمة بينهم لكن اصبر، وأطل النّفَس، وادع بالحكمة، وأحسن الخلق وسيتبين لك الأمر فيما بعد.
ولاشك أن حسن المنطق له تأثير عظيم بالغ. ويحكى أن رجلاً من أهل الحسبة مر على فلاح يسقي إبله وكان في آذان المغرب. وكان هذا الفلاح يغني لأن الإبل إذا سمعت الغناء تمشي كأنها مجنونة،
لأنها تطرب، فكان يغني غافلاً ولا يسمع الآذان فتكلم عليه رجل الحسبة بكلام شديد. فقال له صاحب الإبل: (سوف أغني وأستمر في الغناء، وإذا ما ذهبت فالعصا لمن عصا) ، يقول هذا الكلام: بسبب أنه جاءه بعنف فذهب صاحب الحسبة إلى الشيخ القاضي وقال له: أنا ذهبت لفلان وسمعته يغني على إبله والمؤذن يؤذن المغرب ونصحته لم يستجب. فلما كان من الغد ذهب الشيخ القاضي إلى مكان صاحب الإبل في الوقت نفسه فلما أذن جاء إلى الفلاح وقال
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 30.
(26/319)

له: يا أخي أذن المؤذن فعليك أن تذهب وتصلي فإن الله يقول: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (1) فقال صاحب الإبل: جزاك الله خيرًا، ووضع العصا التي يسوق بها الإبل وتوضأ ومشى معه.
ماذا حصل؟ حصل المقصود.
أما الأول: لو تمادى معه لحصل الشر وترك الخير، ولكن الثاني: أتاه بالتي هي أحسن فانقاد تمامًا.
فلذلك أقول: إن بعض طلبة العلم يكون عندهم غيرة لكن لا يحسنون التصرف، والواجب أن الإنسان يكون في تصرفاته على علم وبصيرة، وعلى قدر كبير من الحكمة. نسأل الله للجميع التوفيق، والحمد لله رب العالمين.
س 134: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل من توجيه إلى طلبة العلم حتى يكونوا دعاة؟ حيث إنهم يحتجون بطلب العلم وأنه يشغلهم عن الدعوة والبعض يحتج بالدعوة عن طلب العلم؟
فأجاب بقوله: الدعوة التي تكون دون طلب العلم لا خير فيها،
__________
(1) سورة طه، الآية: 132.
(26/320)

بمعنى أنها تفوت خيرًا كثيرًا، والواجب على طالب العلم أن يطلب العلم مع الدعوة إلى الله.
ما المانع لطالب العلم إذا رأى شخصًا معرضًا بالمسجد الذي يطلب فيه العلم أن يدعوه إلى الله- عز وجل-؟ ما المانع إذا خرج إلى السوق ليقضي حوائجه أن يدعو إلى الله- عز وجل- في السوق
إذا رأى معرضًا عن دين الله؟
ما المانع إذا كان بالمدرسة ورأى من الطلبة من هو معرض أن يدعوه إلى الله- عز وجل- ويأخذ بيده؟ لكن المشكلة أن الإنسان إذا رأى مخالفاً له بمعصية أو ترك أمر كرهه واشمأز منه، وأبعد عنه،
ويئس من إصلاحه، والله- سبحانه وتعالى- بين لنا أن نصبر، وأن نحتسب.
قال الله لنبيه: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ) (1) فالإنسان يجب عليه أن يصبر ويحتسب، ولو رأى في نفسه شيئًا أو على نفسه شيئًا من الغضاضة فليجعل ذلك في ذات الله- عز وجل-. إن النبي عليه الصلاة والسلام لما أدميت إصبعه في الجهاد، قال: هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت (2)
__________
(1) سورة الأحقاف، الآية: 35.
(2) رواه البخاري/كتاب الجهاد/باب من ينكب في سبيل الله برقم (2592) .
(26/321)

س 135: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما نصيحتكم لطلبة العلم حول دعوة الناس وتعليمهم العلم الشرعي، لأنه قد يوجد من بعضهم- هداهم الله تعالى- شيء من الغلظة والشدة في التعامل،
نرجو التوجيه والإرشاد، سدد الله خطاكم ووفقكم لما يحبه ويرضاه؟
فأجاب بقوله: الذي تدل عليه الأدلة من الكتاب والسنة المطهرة، سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الواجب على الإنسان أن يدعو إلى الله تعالى بالحكمة وباللين وبالتيسير فقد قال الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (1) وقال الله تعالى له: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) (2)
وقال الله تعالى حين أرسل موسى وهارون إلى فرعون: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (3) .
وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف " (4) . وكان يقول إذا بعث بعثًا: "يسروا ولا
__________
(1) سورة النحل، الآية: 125.
(2) سورة آل عمران، الآية: 159.
(3) سورة طه، الآية: 44.
(4) رواه البخاري/كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم/باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يصرح نحو قوله السام عليكم، برقم (6927) ، ومسلم/كتاب البر=
(26/322)

تعسروا وبشروا ولا تنفروا فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين " (1) .
وهكذا ينبغي على الداعية أن يكون لينًا طليق الوجه منشرح الصدر حتى يكون ذلك أدعى لقبول صاحبه الذي يدعوه إلى الله.
ويجب أن تكون دعوته إلى الله- عز وجل- لا إلى نفسه، ليحب الانتصار أو الانتقام ممن خالف السبيل، لأنه إذا دعا إلى الله وحده صار بذلك مخلصًا، ويسر الله له الأمر، وهدى على يديه من شاء من عباده، لكن إذا كان يدعو لنفسه كأنه يريد أن ينتصر لها، وكأنه يشعر بأن هذا عدو له يريد أن ينتقم منه، فإن الدعوة ستكون ناقصة وربما تنزع بركتها.
فنصيحتي لإخواني طلبة العلم أن يشعروا هذا الشعور، أي أنهم يدعون الخلق رحمة بالخلق، وتعظيمًا لدين الله- عز وجل- ونصرة له.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وهدانا إلى صراطه المستقيم.
س 136: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأي فضيلتكم في طلبة العلم الذين قد جمعوا أسس العلم في العقيدة ومعرفة
__________
=والصلة/باب فضل الرفق، برقم (2593) .
(1) رواه البخاري/كتاب الوضوء/باب صب الماء على البول في المسجد، برقم (220) .
(26/323)

الأحكام الفقهية أخذًا من العلماء، فهل يقومون بالدعوة في المساجد، أم ينتظرون حتى يكون عندهم إذن رسمي من الجهات المختصة؟ وجزاكم الله خيرًا.
فأجاب بقوله: الذي أرى ألا يتكلموا فيما يمنع فيه الكلام إلا بإذن؛ لأن طاعة ولي الأمر في تنظيم الأمور واجبة، ونعلم أنه لو أذن للصغار الذين ابتدءوا طلب العلم بالكلام لتكلموا بما لا يعلمون،
وحصل بذلك مفسدة واضطراب للناس، ربما في العقائد فضلاً عن الأعمال البدنية.
فمنع الناس من الكلام إلا بإذن وبطاقة ليس منعًا تامًا حتى نقول لا طاعة لولاة الأمر في ذلك؛ لأن فيه منعًا لتبليغ الشريعة، لكنه منع مقيد بما يضبطه بحيث يعرف من هو أهل لذلك أو لا، وكما تعلمون الآن كل من تقدم إلى المسؤولين لهذا الأمر وعلموا أنه أهل لذلك أعطوه إذنًا، لم نعلم بأنهم قالوا لأحد تقدم وهو أهل لنشر العلم لا تفعل، والأمر- والحمد لله- أمر يطمئن إليه الإنسان، ولا يجوز لأحد أن يتكلم في موضع يمنع فيه من الكلام من جهة ولي الأمر، إلا بإذن يعني مثلاً في المساجد أو في الأماكن العامة، لكن بينه وبين إخوانه، وفي غرفته، في حجرته فهذا لا بأس به، ولا يمنع أحد منه.
(26/324)

س 137: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الواجب على طالب العلم والعالم تجاه الدعوة إلى الله؟
فأجاب بقوله: الدعوة إلى الله واجبة كما قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (1) وقد جعل الله الدعوة على ثلاث مراتب: الدعوة بالحكمة،
وبالموعظة، وبالمجادلة؛ لأن من تدعوه إما أن يكون لا علم عنده ولا منازعة عنده ولا مخالفة فهذا يُدعى بالحكمة، والحكمة هي بيان الحق، وبيان حكمة الحق أن تيسر لك، والموعظة تكون مع من عنده شيء من الإعراض وتوقف عن قبول الحق، فإنك تعظه بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة أخرى، وبهما جميعًا إن اقتضت الحال ذلك، والمجادلة تكون مع من عنده إعراض ومنازعة في الحق فإنك تجادله بالتي هي أحسن من القول، أو بالتي هي أحسن بالإقناع.
وانظر إلى مجادلة إبراهيم- عليه السلام- مع الذي حاجه في
ربه، قال الله عن ذلك: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)) (2)
__________
(1) سورة النحل، الآية: 125.
(2) سورة البقرة، الآية: 258.
(26/325)

وكيف هذا؟ يؤتى بالرجل مستحقًا للقتل فلا يقتله، وهذا بزعمه إحياؤه، ويؤتى بالرجل لا يستحق القتل فيقتله وهذا بزعمه إماتته، يمكن أن يجادل هذا بأن يقال: إنك إذا أوتيت بالرجل المستحق
القتل فلم تقتله، إنك ما أحييته؛ لأن الحياة موجودة فيه من قبل، ولكنك أبقيت الحياة بعدم قتله، ويمكن أن تقول: إنه إذا قتل من لا يستحق القتل إنه لم يمته وإنما فعل سببًا يكون به الموت.
ولهذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة الدجال أنه يؤتى إليه بشاب فيشهد هذا الشاب أنه الدجال الذي أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقتله الدجال، ويجعله قطعتين ويمشي بينهما تحقيقًا للتباين بينهما، ثم يناديه الدجال فيقوم متهلهلاً يضحك يقول: أشهد أنك الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يأتي ليقتله فلا يقدر (1) . فهذا دليل على أن الأمر كله بيد الله.
فيمكن أن يحاج هذا الرجل بمثل ذلك، ولكن إبراهيم عليه السلام، أراد أن يأتي بدليل آخر لا يحتاج إلى محاجة ولا مجادلة، قال إبراهيم: (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)
فنكص عن الجواب (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) (2) .
__________
(1) انظر: سنن ابن ماجه/كتاب الفتن/باب فتنة الدجال، برقم (4077) .
(2) سورة البقرة، الآية: 258.
(26/326)

فقوله تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (1) أي الأحسن في الأسلوب والإقناع، وبالتالي يجب علينا أن ندعو إلى الله مادام الإنسان قادرًا على ذلك، ولكن الدعوة إلى الله فرض كفاية إذا قام به
من يكفي سقط عن الباقين، فإذا رأيت شخصًا منحرفًا وليس حولك من يدعوه صار الآن فرض عين عليك؛ لأن العلماء يقولون عن فرض الكفاية: إنه إذا لم يوجد سوى هذا الرجل تعين عليه.
س 138: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأي فضيلتكم في تعلم طالب العلم اللغة الإنجليزية، لاسيما في سبيل استخدامها في الدعوة إلى الله؟
فأجاب بقوله: رأينا في تعلم اللغة الإنجليزية وسيلة لاشك، وتكون وسيلة طيبة إذا كانت لأهداف طيبة، وتكون رديئة إذا كانت لأهداف رديئة، لكن الشيء الذي يجب اجتنابه أن تتخذ بديلاً عن
اللغة العربية، فإن هذا لا يجوز، وقد سمعنا بعض السفهاء يتكلم بها بدلاً من اللغة العربية، حتى إن بعض السفهاء من المغرمين الذين أعتبرهم أذنابًا لغيرهم كانوا يعلمون أولادهم تحية غير المسلمين
يعلمونهم أن يقولوا (باي باي) عند الوداع وما أشبه ذلك.
__________
(1) سورة النحل، الآية: 125.
(26/327)

لأن إبدال اللغة العربية التي هي لغة القرآن وأشرف اللغات بهذه اللغة محرم، وقد صح عن السلف النهي عن رطانة الأعاجم وهم مَنْ سوى العرب.
أما استعمالها وسيلة للدعوة فإنه لاشك أنه يكون واجبًا أحيانًا، وأنا لم أتعلمها وأتمنى أنني كنت تعلمتها، ووجدت في بعض الأحيان أني أضطر إليها، حتى المترجم لا يمكن أن يعبر عما في قلبي تمامًا.
وأذكر لكم قصة حدثت في مسجد المطار بجدة مع رجال التوعية الإسلامية نتحدث بعد صلاة الفجر عن مذهب التيجاني وأنه مذهب باطل وكفر بالإسلام، وجعلت أتكلم بما أعلم عنه فجاءني
رجل فقال: أريد أن تأذن لي أن أترجم بلغة الهوسا.
فقلت: لا مانع. فترجم، فدخل رجل مسرع فقال: هذا الرجل الذي يترجم عنك يمدح التيجانية فدهشت وقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، فلو كنت أعلم مثل هذه اللغة ما كنت أحتاج إلى مثل
هؤلاء الذين يخدعون، فالحاصل أن معرفة لغة من تخاطب لاشك أنها مهمة في إيصال المعلومات قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) (1) .
__________
(1) سورة إبراهيم، الآية: 4.
(26/328)

س 139: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أيهما أفضل: التفرغ للدعوة إلى الله- عز وجل- أم التفرغ لطلب العلم؟
فأجاب بقوله: طلب العلم أفضل وأولى، وبإمكان طالب العلم أن يدعو وهو يطلب العلم، ولا يمكن أن يقوم بالدعوة إلى الله وهو على غير علم، قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) (1) فكيف يكون هناك دعوة بلا علم؟ ولا أحد دعا بدون علم أبدًا، ومن يدعو بدون علم لا يوفق.
س 140: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أيهما أفضل: مخالطة الناس بعد العشاء لتعليمهم وإرشادهم ونصحهم بحيث لا يمكن قيام الليل أو اعتزالهم حتى يتم قيام الليل؟
فأجاب بقوله: طلب العلم أفضل من قيام الليل؛ لأن طلب العلم كما قال الإمام أحمد رحمه الله: "لا يعدله شيء لمن صحت نيته " قالوا: كيف ذلك؟ قال: "ينوي به رفع الجهل عن نفسه وعن غيره"،
فإذا كان الإنسان يسهر في أول الليل في طلب العلم ابتغاء لوجه الله سواء كان يدرسه أو يدرسه أو يعلمه، ثم يقوم الليل فهو أفضل، لكن إذا تزاحم الأمران فطلب العلم الشرعي أفضل وأولى، ولهذا
__________
(1) سورة يوسف، الآية: 108.
(26/329)

أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا هريرة رضي الله عنه أن يوتر قبل أن ينام (1) .
قال العلماء: وسبب ذلك أن أبا هريرة كان يحفظ أحاديث الرسول أول الليل وينام آخر الليل، فأرشده النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يوتر قبل أن ينام.
س 141: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأيكم بمن ترك الدعوة بحجة التفرغ لطلب العلم، وأنه لا يتمكن من الجمع بين الدعوة والعلم في بداية الطريق، لأنه يغلب على ظنه ترك العلم إذا
اشتغل بالدعوة، ويرى أن يطلب العلم حتى إذا أخذ منه نصيبًا اتجه لدعوة الناس وتعليمهم وإرشادهم؟
فأجاب بقوله: لاشك أن الدعوة إلى الله تعالى مرتبة عالية ومقام عظيم، لأنه مقام الرسل- عليهم الصلاة والسلام- وقد قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (2) وأمر الله تعالى نبيه محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (3) .
__________
(1) انظر: صحيح البخاري/كتاب الصوم/باب صيام أيام البيض، برقم (1981) ، وصحيح مسلم/كتاب صلاة المسافرين/باب استحباب صلاة الضحى، برقم (721) .
(2) سورة فصلت، الآية: 33.
(3) سورة يوسف، الآية: 108.
(26/330)

ومن المعلوم أنه لا يمكن الدعوة بغير علم كما في قوله هنا (على بصيرة) وكيف يدعو الشخص إلى شيء لا يعلمه؟ ومن دعا إلى الله تعالى بغير علم كان قائلاً على الله ما لا يعلم، فالعلم هو المرتبة الأولى للدعوة.
ويمكن الجمع بين العلم والدعوة في بداية الطريق ونهايته، فإن تعذر الجمع كان البدءُ بالعلم؛ لأنه الأصل الذي ترتكز عليه الدعوة، قال البخاري- رحمه الله- في صحيحه في الباب العاشر من كتاب العلم: باب العلم قبل القول والعمل واستدل بقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) (1) .
قال فبدأ بالعلم.
ومن ظن أنه لا يمكن الجمع بين العلم والدعوة فقد أخطأ، فن الإنسان يمكنه أن يتعلم ويدعو أهله وجيرانه وأهل حارته وأهل بلدته وهو في طلب العلم.
والناس اليوم في حاجة بل في ضرورة إلى طلب العلم الراسخ المتمكن في النفوس المبني على الأصول الشرعية، وأما العلم السطحي الذي يعرف الإنسان به شيئاً من المسائل التي يتلقاها كما يتلقاها العامة دون معرفة لأصولها وما بنيت عليه فإنه علم قاصر جدًا لا يمكن الإنسان به من الدفاع عن الحق وقت الضرورة وجدال المبطلين.
__________
(1) سورة محمد، الآية: 19.
(26/331)

فالذي أنصح به شباب المسلمين أن يكرسوا جهودهم لطلب العلم مع القيام بالدعوة إلى الله بقدر استطاعتهم، وعلى وجه لا يصدهم عن طلب العلم؛ لأن طلب العلم جهاد في سبيل الله تعالى،
ولهذا قال أهل العلم: إذا تفرغ شخص قادر على التكسب من أجل طلب العلم فإنه يعطى من الزكاة؛ لأن ذلك من الجهاد في سبيل الله، بخلاف ما إذا تفرغ للعبادة، فإنه لا يعطى من الزكاة، لأنه قادر على التكسب.
(26/332)

طالب العلم والكتب
(26/333)

كتب طالب العلم
قبل البدء في هذا الفصل لابد أن نبين بعض الأمور المهمة لطالب العلم وهي:
الأمر الأول: كيف تتعامل مع الكتاب؟
التعامل مع الكتاب يكون بأمور:
الأول: معرفة موضوعه؛ حتى يستفيد الإنسان منه، لأنه يحتاج إلى التخصص، ربما يكون كتاب سحر أو شعوذة أو باطل، فلا بد من معرفة موضوع الكتاب حتى تحصل الفائدة منه.
الثاني: معرفة مصطلحاته؛ لأن معرفة المصطلحات يحصل بها أنك تحفظ أوقاتا كثيرة، وهذا يفعله العلماء في مقدمات الكتب، فمثلاً: نعرف أن صاحب بلوغ المرام " إذا قال: (متفق عليه) يعني:
رواه البخاري ومسلم.
لكن صاحب "المنتقى" على خلاف ذلك فإذا قال: صاحب المنتقى (متفق عليه) فيعني: رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم.
وكذلك في كتب الفقه: فإنه يفرق كثير من العلماء بين القولين، والوجهين، والروايتين، والاحتمالين، فالروايتان: عن الإمام.
والوجهان: عن الأصحاب، وهم أصحاب المذهب الكبار أهل التوجيه.
(26/335)

والاحتمالان: للتردد بين قولين، والقولان أعم من ذلك كله.
كذلك يحتاج أن تعرف مثلاً إذا قال المؤلف: إجماعًا أو وفاقًا، إذا قال إجماعاً: يعني بين الأمة.
وإذا قال وفاقًا: يعني مع الأئمة الثلاثة، كما هو اصطلاح صاحب "الفروع " في فقه الحنابلة، وكذلك بقية أصحاب المذاهب كل له اصطلاح، فلابد أن تعرف اصطلاح المؤلف.
الثالث: معرفة أسلوبه وعباراته: ولهذا تجد أنك إذا قرأت الكتاب أول ما تقرأ لاسيما في الكتب العلمية المملوءة عملاً تجد أنك تمر بك العبارة تحتاج إلى تأمل وتفكير في معناها، لأنك لم تألفه، فإذا كررت هذا الكتاب ألفته.
وهناك أيضًا أمر خارج عن التعامل مع الكتاب وهو: التعليق بالهوامش أو الحواشي.
فهذا أيضًا مما يجب لطالب العلم أن يغتنمه، وإذا مرت به مسألة تحتاج إلى شرح، أو إلى دليل، أو إلى تعليل، ويخشى أن ينساه فإنه يعلق إما بالهامش- وهو: الذي على اليمين أو اليسار- أو بالحاشية
- وهي: التي في الأسفل- وكثيرًا ما يفوت الإنسان مثل هذه الفوائد التي لو علقها لم تستغرق عليه إلا دقيقة أو دقيقتين، ثم إذا عاد ليتذكرها بقى مدة يتذكرها وقد لا يذكرها.
(26/336)

فينبغي لطالب العلم أن يعتني بذلك، لاسيما في كتب الفقه، يمر بك في بعض الكتب مسألة وحكمها ويحصل عندك توقف وإشكال، فإذا رجعت للكتب التي أوسع من الكتاب الذي بين يديك وجدت
قولاً يوضح المسألة، فإنك تعلق القول من أجل أن ترجع إليه مرة أخرى إذا احتجت إليه دون الرجوع إلى أصل الكتاب الذي نقلت منه، فهذا مما يوفر عليك الوقت.
الأمر الثاني: مطالعة الكتب على نوعين:
أولاً: مطالعة تدبر وتفهم، فهذه لابد أن يتأمل الإنسان ويتأنى. ثانيًا: مطالعة استطلاع فقط ينظر من خلالها على موضوع الكتاب، وما فيه من مباحث، ويتعرف على مضمون الكتاب، وذلك
من خلال تصفح وقراءة سريعة للكتاب، فهذه لا يحصل فيها من التأمل والتدبر ما يحصل في النوع الأول.
والطريقة المثلى في قراءة الكتب: التدبر والتفكر في المعاني، والاستعانة بذوي الفهم من أهل العلم الصحيح، ولا يخفى أن أولى الكتب بذلك، كتاب الله عز وجل. وعليك بالصبر والمثابرة، فما
أعطى الإنسان عطاء خيرًا وأوسع من الصبر.
الأمر الثالث: جمع الكتب.
ينبغي لطالب العلم أن يحرص على جمع الكتب، ولكن يبدأ
(26/337)

بالأهم فالأهم، فإذا كان الإنسان قليل ذات اليد، فليس من الخير وليس من الحكمة أن يشتري كتبًا كثيرة يلزم نفسه بغرامة قيمتها، فإن هذا من سوء التصرف، وإذا لم يمكنك أن تشتري من مالك
فيمكنك أن تستعير من أي مكتبة.
الأمر الرابع: الحرص على الكتب المهمة:
يجب على طالب العلم أن يحرص على الكتب الأمهات الأصول دون المؤلفات حديثًا؛ لأن بعض المؤلفين حديثًا ليس عنده العلم الراسخ، ولهذا إذا قرأت ما كتبوا تجد أنه سطحي، قد ينقل الشيء
بلفظه، وقد يحرفه إلى عبارة طويلة لكنها غثاء، فعليك بالأمهات، كتب السلف، فإنها خير وأبرك بكثير من كتب الخلف.
لأن غالب كتب المتأخرين قليلة المعاني، كثيرة المباني، تقرأ صفحة كاملة يمكن أن تلخصها بسطر أو سطرين، لكن كتب السلف تجدها هينة، لينة، سهلة، رصينة، لا تجد كلمة واحدة ليس لها معنى.
ومن أجلِّ الكتب التي يجب على طالب العلم أن يحرص عليها كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتليمذه ابن القيم- رحمهما الله- ومن المعلوم أن كتب ابن القيم أسهل وأسلس؛ لأن شيخ الإسلام ابن تيمية كانت عباراته قوية لغزارة علمه، وتوقد ذهنه، وابن القيم رأى بيتًا معمورًا فكان منه التحسين والترتيب، ولسنا نريد بذلك أن
(26/338)

نقول: إن ابن القيم نسخة من ابن تيمية، بل ابن القيم حر إذا رأى أن شيخه خالف ما يراه صوابًا تكلم، لما رأى وجوب فسخ الحج إلى العمرة، وأن ابن عباس- رضي الله عنهما- يرى أنه يجب على من لم يسق الهدي إذا أحرم بحج أو قران أن يفسخه إلى عمره، وكان شيخ الإسلام يرى أن الوجوب خاص بالصحابة، قال: وأنا إلى قوله أميل مني إلى قول شيخنا، فصرح بمخالفته، فهو رحمه الله مستقل، حر الفكر، لكن لا غرو أن يتابع شيخه رحمه الله فيما يراه حقًا وصوابًا، ولاشك أنك إذا تأملت غالب اختيارات شيخ الإسلام رحمه الله، وجدت إنها هي الصواب، وهذا أمر يعرفه من طالع كتبهما.
الأمر الخامس: تقويم الكتب:
الكتب تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: كتب خير.
القسم الثاني: كتب شر.
القسم الثالث: كتب لا خير ولا شر.
فاحرص أن تكون مكتبتك خالية من الكتب التي ليس فيها خير أو التي فيها شر.
وهناك كتب يقال: إنها كتب أدب، لكنها تقطع الوقت وتقتله في غير فائدة.
(26/339)

وهناك كتب ضارة ذات أفكار معينة وذات منهج معين، فهذه أيضًا لا تدخل المكتبة سواء كان ذلك في المنهج أو كان ذلك في العقيدة.
مثل: كتب المبتدعة التي تضر في العقيدة، والكتب الثورية التي تضر بالمنهج.
وعمومًا كل كتب تضر فلا تدخل مكتبتك؛ لأن الكتب غذاء للروح، كالطعام والشراب للبدن، فإذا تغذيت بمثل هذه الكتب صار عليك ضرر عظيم واتجهت اتجاهًا مخالفًا لمنهج طالب العلم
الصحيح.
(26/340)

كتب مختارة لطالب العلم (1)
أولاً: العقيدة
1- كتاب "ثلاثة الأصول ".
2- كتاب " القواعد الأربع ".
3- كتاب "كشف الشبهات ".
4- كتاب " التوحيد ".
وهذه الكتب الأربعة لشيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله تعالى-.
5- كتاب "العقيدة الواسطية" وتتضمن توحيد الأسماء والصفات، وهي من أحسن ما ألف في هذا الباب وهي جديرة بالقراءة والمراجعة.
6- كتاب " الحموية ".
7- كتاب "التدمرية " وهما رسالتان أوسع من "الواسطية".
وهذه الكتب الثلاثة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
8- كتاب "العقيدة الطحاوية" للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي رحمه الله.
9- كتاب "شرح العقيدة الطحاوية" لأبي علي بن أبي العز رحمه الله.
__________
(1) هذه الكتب سئل عنها فضيلة شيخنا- رحمه الله- فجمعت هاهنا على وجه الاختصار.
(26/341)

10- كتاب "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم- رحمه الله تعالى-.
11- كتاب "الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية" لمحمد بن أحمد السفاريني الحنبلي رحمه الله، وفيها بعض الإطلاقات التي تخالف مذهب السلف، كقوله:
وليس ربنا بجوهر ولا عرض ... ولا جسم تعالى في العلى
لذلك لابد لطالب العلم أن يدرسها على شيخ ملم بالعقيدة السلفية لكي يبين ما فيها من الإطلاقات المخالفة لعقيدة السلف الصالح.
ثانيًا: الحديث:
1- كتاب "فتح الباري شرح صحيح البخاري " لابن حجر العسقلاني- رحمه الله تعالى-.
2- كتاب "سبل السلام شرح بلوغ المرام" للصنعاني رحمه الله، وكتابه جامع بين الحديث والفقه.
3- كتاب "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار" للشوكاني رحمه الله.
4- كتاب "عمدة الأحكام " للمقدسي رحمه الله، وهو كتاب مختصر وعامة أحاديثه في الصحيحين فلا يحتاج إلى البحث عن صحتها.
(26/342)

5- كتاب " الأربعين النووية " لأبي زكريا النووي- رحمه الله تعالى- وهذا كتاب طيب؛ لأن فيه آدابًا، ومنهجًا جيدًا، وقواعد مفيدة جدًا مثل حديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " (1)
فهذه قاعدة لو جعلتها هي الطريق الذي تمشي عليه لكانت كافية وكذلك قاعدة في النطق حديث "من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (2) .
6- كتاب "بلوغ المرام " للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، وهو كتاب نافع ومفيد، لاسيما وأنه يذكر الرواة، ويذكر من صحح الحديث ومن ضعفه، ويعلق على الأحاديث تصحيحًا
وتضعيفًا.
7- كتاب " نخبة الفكر" للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، وتعتبر جامعة، وطالب العلم إذا فهمها تمامًا وأتقنها فهي تغني عن كتب كثيرة في المصطلح، ولابن حجر- رحمه الله تعالى-
طريقة مفيدة في تأليفها وهي: السبر والتقسيم، فطالب العلم إذا
__________
(1) رواه أحمد 3/259 (1737) ، والترمذي/كتاب الزهد/باب (11) ، برقم (2317) ، وابن ماجه/كتاب الفتن/باب كف اللسان في الفتنة، برقم (3976) .
(2) رواه البخاري/كتاب الأدب/باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، برقم (6018) ، ومسلم/كتاب الإيمان/باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن خير وكون ذلك كله من الإيمان، برقم (47) .
(26/343)

قرأها يجد نشاطًا لأنها مبنية على إثارة العقل، وأقول: يحسن بطالب العلم أن يحفظها لأنها خلاصة مفيدة في علم المصطلح.
8- الكتب الستة " صحيح البخاري، ومسلم، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي " وأنصح طالب العلم أن يكثر من القراءة فيها؛ لأن في ذلك فائدتين:
الأولى: الرجوع إلى الأصول.
الثانية: تكرار أسماء الرجال على ذهنه، فإذا تكررت أسماء الرجال لا يكاد يمر به رجل مثلاً من رجال البخاري في أي سند كان، إلا عرف أنه من رجال البخاري، فيستفيد هذه الفائدة الحديثة.
ثالثًا: الفقه:
1- كتاب "آداب المشي إلى الصلاة" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب- رحمه الله تعالى-.
2- كتاب "زاد المستقنع في اختصار المقنع " للحجاوي رحمه الله. وهذا من أحسن المتون في الفقه. وهو كتاب مبارك مختصر جامع، وقد أشار علينا شيخنا العلامة عبد الرحمن السعدي-
رحمه الله تعالى- بحفظه، مع أنه قد حفظ متن "دليل الطالب ".
3- كتاب "الروض المربع شرح زاد المستقنع " للشيخ منصور البهوتي رحمه الله.
(26/344)

4- كتاب "عمدة الفقه" لابن قدامة- رحمه الله تعالى-.
5- كتاب "الأصول من علم الأصول" وهو كتاب مختصر يفتح الباب للطالب.
رابعًا الفرائض
1- كتاب "متن الرحبية" للرحبي رحمه الله.
2- كتاب "متن البرهانية " لمحمد البرهاني رحمه الله، وهو كتاب مختصر مفيد جامع لكل الفرائض، وأرى أن "البرهانية" أحسن من " الرحبية " لأن " البرهانية" أجمع من الرحبية من وجه، وأوسع معلومات من وجه آخر.
خامسًا: التفسير
1- كتاب "تفسير القرآن العظيم " لابن كثير- رحمه الله تعالى- وهو جيد بالنسبة للتفسير بالأثر ومفيد ومأمون، ولكنه قليل العرض لأوجه الإعراب والبلاغة.
2- كتاب "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان " للشيخ عبد الرحمن بن سعدي- رحمه الله تعالى- وهو كتاب جيد وسهل ومأمون، وأنصح بالقراءة فيه.
3- كتاب "مقدمة شيخ الإسلام في التفسير" وهي مقدمة مهمة وجيدة.
(26/345)

4- كتاب "أضواء البيان " للعلامة محمد الشنقيطي- رحمه الله تعالى - وهو كتاب جامع بين الحديث والفقه والتفسير وأصول الفقه.
سادسًا: كتب عامة في بعض الفنون:
1- في النحو "متن الأجرومية" وهو كتاب مختصر مبسط.
2- في النحو "ألفية ابن مالك " وهي خلاصة علم النحو.
3- في السيرة وأحسن ما رأيت كتاب "زاد المعاد" لابن القيم- رحمه الله تعالى- وهو كتاب مفيد جدًا يذكر سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في جميع أحواله ثم يستنبط الأحكام الكثيرة.
4- كتاب "روضة العقلاء" لابن حبان البستي- رحمه الله تعالى- وهو كتاب مفيد على اختصاره، وجمع عددًا كبيرًا من الفوائد ومآثر العلماء والمحدثين وغيرهم.
5- كتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي رحمه الله، وهذا الكتاب مفيد فائدة كبيرة، ينبغي لطالب العلم أن يقرأ فيه ويراجع.
(26/346)

س 142: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن الكتب المفيدة التي ينصح بها؟
فأجاب بقوله: الكتب التي يستفيد منها طالب العلم تختلف باختلاف حال الطالب، فإذا كان طالب العلم يريد أن يتمكن من العلم ويكون ناهلاً للعلم فإنه ينصح له بقراءة معينة.
وإذا كان طالب علم يقرأ للمراجعة والمطالعة والاستفادة فقط فإنه ينصح له بكتب معينة أخرى، فطالب العلم الذي يريد أن يكون ناهلاً للعلم ينبغي له: أن يقرأ في فنون العلم حتى يكون عنده إلمام
عام في جميع العلوم، فيقرأ في النحو، ويقرأ في البلاغة، ويقرأ في مصطلح الحديث ويقرأ في أصول الفقه، ويقرأ في الفقه ويقرأ في متون الحديث، ويكون هذا بتوجيه من الشيخ الذي يقرأ عليه.
وأنا أنصح طالب العلم أن يكون طلبه للعلم على يد شيخ في العلم؛ لأن طلب العلم على الشيخ الراسخ يستفيد منه الطالب فوائد:
الأولى: أنه أقصر له في الوصول إلى العلم؛ لأن شيخه يعطيه العلم ناضجًا ميسرًا فيكون ذلك أسهل له في الوصول إلى العلم لكن لو كان يقرأ من الكتب تعب تعبًا عظيمًا في مراجعة الكتب، وربما
تشوش عليه هذه الكتب التي يقرأها حيث إن آراء العلماء ليست
(26/347)

متفقه في كل شيء.
الثانية: أنه إذا قرأ على شيخ؛ فإن الشيخ يبين له كيف يرجح الأقوال بعضها على بعض، وكيف يستنبط الأحكام الشرعية فيسهل له الخوض في معارك العلم، ويستطيع الطالب بناء على توجيه من
شيخه أن يناظر في مسائل العلم وأن يجادل بالحق لإثبات الحق.
الثالثة: أنه إذا طلب العلم على الشيخ صار هذا أكثر التزامًا له، أما إذا طلبه من الكتب فربما يكون لديه اندفاع كبير في بعض الآراء فيحصل بهذا زلل وربما يصل إلى درجة الإعجاب بالنفس واحتقار
الغير.
رابعًا: أنه إذا أخذ العلم من الشيخ فإنه يستفيد من أخلاق هذا الشيخ؛ لأن الشيخ سيكون إذا مَنَّ الله عليه متخلقًا بما يقتضيه علمه الذي وهبه الله، فيستفيد من هذا الشيخ ويكتسب أخلاقًا فاضلة،
ومعاملات طيبة بالنسبة لزملائه وبالنسبة لعامة الناس.
فالذي أنصح به إخواني طلبة العلم المبتدئين: أن يكون تلقيهم العلم على يد المشايخ الذين أدركوا من العلم والتجارب ما لم يدركوه، وحينئذ يأخذ بما وجهه إليه شيخه من الكتب التي يريد أن
يتعلم منها.
أما إذا كان الطالب لا يريد أن يحبس نفسه لطلب العلم ويريد
(26/348)

الاستفادة من المطالعة فمن أحسن الكتب: كتاب "زاد المعاد" لابن القيم- رحمه الله- لأنه كتاب جامع لعلوم الفقه المبنية على الدليل، وبين التاريخ الذي تعرف به حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيكتسب الإنسان من هذا الكتاب. الأحكام الفقهية ومعرفة حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعرفة حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيرته، وربما يمر به أيضًا مسائل أخرى تتعلق بالتوحيد وبالتفسير وغيرها، فالكتاب كتاب نافع جامع صالح لمن أراد المطالعة للاستفادة العامة.
س 143: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: طالب مبتدئ في العلم عنده كتاب رياض الصالحين وكتاب فقه السنة فبأيهما يبدأ؟
فأجاب بقوله: الذي أرى أن يبدأ بكتاب رياض الصالحين ففيه فوائد قلّ أن توجد في غيره، وهو أيضًا مشتملٌ على فقهٍ كثير في العبادات والمعاملات، فليبدأ به أولاً، ثم بعد هذا يبدأ فيما يراه من
الكتب النافعة المفيدة، ومن الكتب المفيدة: (زاد المعاد في هدي خير العباد " لابن قيم الجوزية رحمه الله فإنه كتاب جامع بين السيرة النبوية والفقه، ومن المعلوم أن دراسة سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر مهم للجميع؛ لأن به تعرف كثيرًا من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبه يزداد الإيمان والمحبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
(26/349)

فنصيحتي لهذا الطالب المبتدئ ولغيره: بالقراءة في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن خير ما هو مؤلف في السيرة وفيه تمحيص جيد كتاب: "البداية والنهاية" لابن كثير رحمه الله فإنه جيد ومفيد، وليحذر طالب العلم من الأخبار المكذوبة والضعيفة التي ألصقت بالسيرة.
س 144: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كيف يعرف الإنسان الأحاديث الصحيحة من الموضوعة؟ وهل هناك كتب توضح الأحاديث الموضوعة؟
فأجاب بقوله: الرجوع في هذا إلى أهل العلم المختصين الذين اعتنوا بالأحاديث وميزوا صحيحها من ضعيفها، كما أننا نرجع في المرض إلى الطبيب المختص، فمن كان مريضًا في بطنه لا نعرضه على
من كان طبيبًا في الأعصاب والعظام، بل على من كان طبيبًا في البطون وما أشبه ذلك، وقد بين العلماء والحمد لله ذلك وأبدوا فيه مجهودًا كبيرًا نسأل الله أن يثيبهم عليه.
وهناك كتب صنفت في الموضوعات فقط مثل: (الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة) للشوكاني رحمه الله وغيرها مما لا أعلمه فليبحث عن ذلك.
(26/350)

س 145: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم قراءة الكتب السماوية مع علمنا بتحريفها؟
فأجاب بقوله: أولاً: يجب أن نعلم أنه ليس هناك كتاب سماوي يتعبد لله بقراءته، وليس هناك كتاب سماوي يتعبد الإنسان لله تعالى بما شرع فيه إلا كتاب واحد وهو القرآن، ولا يحل لأحد أن يطالع في
كتب الإنجيل، ولا في كتب التوراة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه رأى مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه صحيفة من التوراة فغضب وقال: "أفي شك أنت يا ابن الخطاب" (1) والحديث وإن كان في صحته نظر لكن معناه صحيح أنه لا اهتداء إلا بالقرآن، ثم هذه الكتب التي بأيدي النصارى الآن، أو بأيدي اليهود هل هي منزلة من السماء؟ إنهم قد حرفوا وبدلوا وغيروا، فلا يوثق بأن ما في أيديهم هي الكتب التي نزلها الله عز وجل، ثم إن جميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن فلا حاجة لها إطلاقًا لكن لو فرض أن هناك طالب علم ذو غيرة في دينه وبصيرة في علمه طالع كتب اليهود والنصارى من أجل أن يرد عليهم منها فهذا لا بأس أن يطالعها لهذه المصلحة، وأما عامة الناس فلا. وأرى من الواجب على كل من رأى من هذه الكتب شيئًا أن يحرقه.
__________
(1) انظر: مسند أحمد 23/349 (15156) .
(26/351)

النصارى- عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة- صاروا يبثون في الناس الآن ما يدعونه إنجيلاً على شكل المصحف تمامًا مشكل على وجه صحيح، وفيه فواصل كفواصل السور، والذي لا يعرف
المصحف كرجل مسلم ولكنه لا يقرأ إذا رأى هذا ظن أنه قرآن، كل هذا من خبثهم ودسهم على الإسلام؛ فإذا رأيت أخي المسلم مثل هذا فبادر بإحراقه يكون لك أجر؛ لأن هذا من باب الدفاع عن الإسلام.
س 146: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن كتاب "عقوبة أهل الكبائر" لمؤلفه أبي الليث السمرقندي؟
فأجاب بقوله: هذا الكتاب فيه الكثير من الأشياء التي لا تصح؛ ولهذا لا أنصح إخواني بقراءته إلا رجل كان عنده علم شرعي يميز الصحيح من الضعيف، والسقيم من السليم فلا بأس، وفي هذه
الحال يحسن إذا قرأه أن يعلق على الضعيف منه وعلى السقيم ويبين ضعفه وسقمه حتى لا يغتر الناس به، وهكذا نقول في أي كتاب يكون فيه الصحيح والضعيف لا ننصح أحدًا بقراءته إلا رجلاً كان عنده علم سابق علم شرعي فلا حرج أن يقرأه، ولكن ينبغي أن يعلق على الضعيف والسقيم حتى لا يغتر الناس به، ولست بقولي
(26/352)

هذا أتحجر على الناس ألا يقرؤوا الكتب، ولكني أقول لإخواني المسلمين: إن في الكتب المعتمدة الصحيحة ما فيه الكفاية والاستغناء عن هذه الكتب التي تشتمل على هذه الأشياء الضعيفة، وليعلم أن كثيرًا من كتب الوعظ تشتمل على كثير من الأحاديث الضعيفة، وذلك استنادًا إلى قول ذهب إليه بعض أهل العلم في التساهل في الأحاديث الضعيفة في باب الفضائل، أو الزواجر، نظرًا إلى أنها إذا كانت في الفضائل تزيد الإنسان رغبة في الخير، وإذا كان في الزواجر تزيده رهبة من الشر.
ومع ذلك فإن هؤلاء الدين يرخصون بالأحاديث الضعيفة من أهل العلم يشترطون لها شروطا: وهي:
1- ألا يكون الضعف شديداً.
2- وألا يعتقد الإنسان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالها.
3- وأن يكون لها أصل ثابت في الشرع.
مثال ذلك: لو ورد حديث فيه التخويف من الزنا وهو حديث ضعيف، فعند هؤلاء العلماء لا بأس من ذكره بشرط: ألا تعتقد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله، وذلك لأن الزنا ثبت تحريمه في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيحة فذكر هذا الوعيد فيه يزيد الإنسان نفرة منه، والنفور من الزنا أمر مطلوب، ثم إن ثبت هذا العقاب للزاني
(26/353)

فإنه يكون قد فعل هذه الفاحشة على بصيرة، صان لم يثبت فإنه لم يزدَدْ إلا نفورًا من هذا، وذلك لا يضره، كذلك لو جاء حديث ضعيف يرغب في صلاة الجماعة فإن أجر صلاة الجماعة ثابت بالسنة
الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، والأمر بصلاة الجماعة ثابت في كتاب. والله الموفق.
س 147: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن تفسير مختصر ابن كثير، وفقه السنة، ورياض الصالحين، والكبائر، وقصص الأنبياء؟
فأجاب بقوله: أقول أولاً: إن الرجوع إلى الأصول خير، لكن إذا دعت الحاجة إلى الرجوع إلى المختصرات لضيق الوقت، أو لغير ذلك من الأسباب فلا بأس، وإلا فإن الرجوع إلى الأمهات أفضل
وأحسن.
وأما ما عدّده السائل من الكتب: فإنه من المعلوم أنه لا يكاد كتاب يسلم من شيء يطغى به القلم، أو يزل به الفهم، والإنسان غير معصوم.
وما أحسن كلمة قالها عبد الرحمن بن رجب رحمه الله أحد أحفاد شيخ الإسلام ابن تيمية في العلم، وهو تلميذ ابن القيم، وابن القيم
(26/354)

تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله جميعاً، حيث قال في كتابه القواعد الفقهية (يأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه) .
فإنها كلمة جيدة المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، وغالب هذه الكتب التي ذكرها السائل لم أستوعبها قراءة أو مطالعة فلا يمكنني أن أحكم على كل واحد منها بعينه، ولكن من
طالع هذا الكتاب أو غيرها وأشكل عليه مسألة من المسائل فعليه أن يراجع أهل العلم في ذلك.
س 148: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما خير الكتب التي يجب على المسلم أن يقتنيها؟
فأجاب بقوله: خير الكتب التي يجب على المسلم أن يقتنيها كتاب الله عز وجل، وينبغي العناية به وتدبر معناه، والوصول إلى المراد به، وذلك بمراجعة كتب التفسير المؤلفة من العلماء الموثوقين في علمهم وأمانتهم:
كتفسير ابن كثير رحمه الله، وتفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، وتفسير الشيخ أبي بكر الجزائري، وغير هم من العلماء المشهود لهم بالعلم والأمانة، وكذلك في تلقي معاني القرآن من أفواه
(26/355)

المشايخ الموثوق في علمهم وأمانتهم إما بطريق مباشر، وإما عن طريق استماع الأشرطة المسجلة لهم؛ لأن القرآن الكريم نزل للتلاوة والتبرك بتلاوته وحصول الثواب والأجر بها وللتدبر أيضًا
وللاتعاظ به كما قال عز وجل: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (1) .
لهذا أحث إخواني المسلمين على تدبر كتاب الله عز وجل وتفهم معناه، ثم العلم بمقتضى ذلك بتصديق الأخبار، وامتثال الأحكام، فيتبع ما أمر الله به في كتابه ويترك ما نهى عنه في كتابه.
ثم بعد هذا ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث، ومن المعلوم أن السنة واسعة والإحاطة بها صعبة، لكن هناك كتب مؤلفة منها ما يقتصر على الأحاديث الصحيحة فقط: كعمدة الأحكام.
ومنها ما يذكر في الصحيحين وغيرهما، لكنه يذكر درجة الحديث وصحته وضعفه وحسنه: كبلوغ المرام، ثم بعد ذلك يقتني ما يتعلق بالتوحيد والعقيدة الصحيحة مثل: كتاب التوحيد لشيخ الإسلام
محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وكتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ثم ما يتيسر من كتب الفقه.
وفي مذهب الإمام أحمد رحمه الله من خير ما يقتنى (الروض
__________
(1) سورة ص، الآية: 29.
(26/356)

المربع شرح زاد المستقنع) وكذلك الزاد نفسه، وما حصل من شروح وتعليقات على هذا الكتاب المختصر المبارك.
أما في النحو: فليبدأ الإنسان بالأيسر فالأيسر كالأجرومية ثم قطر الندى، ثم ألفية ابن مالك، وأرى أنه لا حاجة لأن يدرس قطر الندى والألفية بل يقتصر على إحداهما وفيه كفاية.
س 149: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ذكر عن فضيلتكم أن طريقة كتاب المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم غير جائزة، وأن طريقتهم التي استخدموها لا تجوز، هل هذا صحيح؟
فأجاب بقوله: ما أكثر ما أسمع عن نفسي ما لم أقله، وما أكثر ما ينقل عني ما لم أقله، ولكن حسبنا الله ونعم الوكيل، فأي إنسان منكم يسمع عني شيئاً يستنكر فالواجب عليه أن يتصل بي ليتبين
ويتثبت؛ لأن الناس قد يوردون السؤال على وجه ليس هو الذي في نفوسهم، فيكون اللفظ مخالفًا لما في نفس السائل، والمجيب يجيب على اللفظ لا على ما في نفس السائل.
" إنما أقضي بنحو مما أسمع" (1) كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا أجابه المفتي بحسب لفظه وهو قد أورده يريد معنى آخر نسب إلى المفتي
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الاعتصام/باب القضاء في كثير المال وقليله برقم (7185) ولفظه: " فلعل
بعضاً أن يكون أبلغ في بعض أقضي له بذلك ... ".
(26/357)

قولاً مخالفًا لما في نفسه، وربما تفتي السائل ويكون قلبه يفكر في أشياء بعيدة فيمكن أن يكون الجواب خطأ وينقله على حسب فهمه، إذًا فالخطأ إما في تصوير المسألة للمفتي، صاما في فهم جواب المفتي وهذا يقع كثيرًا، ولكني أقول: إذا سمعتم عني، أو عن أحد من العلماء قولاً ترونه منكرًا، أو مستنكرًا أو غريبًا فليس عليكم إلا أن تتصلوا به قبل أن تنسبوه إليه.
أما بالنسبة للمعجم المفهرس فإنني لم أقل: إنه حرام.
بل أقول إنه جيد ونافع، وأنا أنتفع به، وعندي في مكتبتي أرجع إليه كثيرًا ومفيد.
كما أن المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي هو مفيد أيضًا، وفي الحقيقة أن المعجم المفهرس لألفاظ القرآن والمعجم المفهرس للأحاديث يوفر علينا وقتًا كثيرًا.
لكن هناك كتاب أخر اسمه (تفصيل آيات القرآن الكريم) أو (تفصيل آيات الكتاب الحكيم) يجمع الآيات التي في معنى واحد في مكان واحد، وهكذا، فيجمع آيات الترغيب وحدها، وآيات الترهيب وحدها، والأمر وحدها، والنهي وحدها، وآيات الصلاة وحدها، وآيات الزكاة وحدها،
وهذا هو الذي لا أرى أنه محق؛ لأن هذا يخالف ما أراد الله عز وجل بإدخال المعاني بعضها مع بعض، ويخالف كون القرآن مثنى، تثنى فيه
(26/358)

الأحكام والوعد والوعيد، لولا أننا نحسن الظن بمن ألفه لقلنا: هذا فيه اعتراض على القرآن، فالقرآن تجد آية الصلاة والزكاة، وتجد الزكاة والصلاة في آية واحدة، فكيف نفصل الزكاة من الصلاة، وكذلك الطهارة وغيرها؟ هذا هو الذي أرى ألا يقتنى، وأرى أن يبقى القرآن على حسب ترتيبه لا على حسب ترتيب هذا الذي رتبه؛ لأن الله تعالى أعلم وأحكم من جميع خلقه.
وأما المعجم المفهرس الذي يدلك على الآية وموضعها من السورة فإن هذا جيد ونافع، وننتفع به كثيرًا.
س 150: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأي فضيلتكم حفظكم الله في كتاب (الروح) ، و (حادي الأرواح) لابن القيم رحمه الله تعالى؟
فأجاب بقوله: إنهما كتابان عظيمان مفيدان، فيهما عبر، وفيهما أحكام فقهية، فهما من خير المؤلفات، وابن القيم رحمه الله كما هو معلوم للجميع رجل واسع الاطلاع، سهل العبارة سلسها، وأنا أنصح أخواني طلبة العلم بقراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن القيم الذي هو تلميذه وتربى على يده علمًا وعملاً ودعوة، وقد أوصى بهما شيخنا رحمه الله عبد الرحمن بن سعدي لأنه رحمه الله
(26/359)

انتفع بكتب الشيخين انتفاعًا كبيرًا، ونحن انتفعنا بهما والحمد لله، فنشير على كل طالب علم أن يقرأهما وينتفع بهما.
س 151: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما أفضل الكتب المؤلفة في السيرة النبوية؟
فأجاب بقوله: السيرة النبوية ألفت فيها كتب كثيرة لكن بعضها ليس له سند، ولكنها اشتهرت بين الناس ثم كتبت في الكتب.
ومن أحسن ما رأيت- وأنا لم أر شيئًا كثيرًا في كتب التاريخ والسيرة- البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله، وإذا أشكل عليك شيء منها فابحث عنه بحثًا خاصًا مثل أن تروي قصة واقعة منسوبة
للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو لغيره من الصحابة فابحث عنها وعن سندها حتى يتبين لك، المهم أن من خير ما قرأت وأفيده في هذا الموضوع كتاب البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله.
س 152: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن مدى صحة كتب تفسير الأحلام، مثل كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين رحمه الله؟
فأجاب بقوله: الجواب على هذا أني أنصح إخواني المسلمين عن
(26/360)

هذه الكتب ألا يقتنوها ولا يطالعوا فيها؛ لأنها ليست وحيًا منزلاً وإنما هي رأي قد يكون صحيحاً، وقد يكون غير صحيح، ثم إن الرؤى قد تتفق في صورتها وتختلف في حقيقتها، بحسب من رآها
وبحسب الزمن، وبحسب المكان، فإذا رأينا رؤية على صورة معينة فليس معنى ذلك أننا كلما رأينا رؤية على هذه الصورة يكون تأويلها كتأويل الرؤية الأولى، بل تختلف، قد نعبر الرؤيا لشخص بكذا، ونعبر نفس الرؤيا لشخص آخر بما يخالف ذلك، فإذا كان هذا فإني أنصح إخواني المسلمين عن اقتناء هذه الكتب والمطالعة فيها.
وإذا جرى لإنسان رؤية فليهتد بما دله النبي - صلى الله عليه وسلم - إن رأى رؤيا خير يحبها وتأولها على خير، فليخبر بها من يحب، مثل أن يرى رؤيا أن رجلاً يقول له: أبشر بالجنة، أو ما أشبه ذلك فليحدث بها مَنْ يحب، وإذا رأى رؤيا يكرهها فليقل: أعوذ بالله من شر الشيطان،
ومن شر ما رأيت، ولا يحدث بها أحدًا لا عابرًا ولا غير عابر، ولينقلب على جنبه الآخر إن استيقظ وإذا فعل ما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند رؤيا ما يكره فإنها لن تضره أبدًا، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يرون الرؤيا يكرهونها، ويمرضون منها حتى حدثهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الحديث (1) - صلى الله عليه وسلم - وجزاه عن أمته خيرًا فكانوا يعملون بما أرشدهم
__________
(1) انظر: مسند أحمد 5/410 (3908) ، وابن ماجه/كتاب تعبير الرؤيا/باب من رأى=
(26/361)

إليه الرسول عليه الصلاة والسلام، ويسلمون من شرها.
س 153: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأيكم في كتاب الروح لابن القيم؟ وهل القصص التي ذكرها عن أهل القبور صحيحة؟
فأجاب بقوله: الكتاب فيه مباحث قيمة وجيدة، ومن قرأها عرف أنها من كلام ابن القيم رحمه الله وفيه هذه القصص التي ذكرها من المنامات عن بعض الأموات، فالله أعلم بصحتها، لكن كأنه رحمه الله تهاون في نقلها لأنها ترقق القلب، وتوجب للإنسان أن يخاف من عذاب القبر، وأن يرغب في نعيم القبر. فالقصد حسن، والله أعلم بصحتها.
س 154: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن كتاب: "درة الناصحين في الوعظ والإرشاد"؟
فأجاب بقوله: رأي في هذا الكتاب وفي غيره من كتب الوعظ أن يقرأها الإنسان بتحفظ شديد؛ لأن كثيرًا من المؤلفين في الوعظ يأتون
__________
= رؤيا يكرهها، برقم (3910) .
(26/362)

بأحاديث لا زمام لها ولا قياد لها، ولا أصل لها عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، بل هي أحاديث موضوعة أحيانًا، وضعيفة جدًا، أحيانًا يأتون بها من أجل ترقيق القلوب وتخويفها، وهذا خطأ عظيم. فإن فيما صح من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام من أحاديث الوعظ كفاية،
والقرآن العظيم أعظم ما توعظ به القلوب كما قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (1) فلا واعظ أعظم من القرآن الكريم، وما صح من السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا عرف الإنسان حال هذه الكتب المؤلفة في الوعظ وأن فيها أحاديث موضوعة أو ضعيفة جدًا، فليحذر من هذه الأحاديث، ولا حرج عليه أن ينتفع بما فيها من كلمات الوعظ التي يكتبها الكاتبون، ولكن بالنسبة للأحاديث ليكن منها على حذر، وليسأل عنها أهل العلم، وإذا تبين له حال الحديث فليكتب على هامش الكتاب هذا الحديث ضعيف، أو موضوع، أو ما أشبه ذلك؛ لينتفع به من يطالع الكتاب بعده.
س 155: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن كتاب " الأذكار" وكتاب "الجواب الكافي لمن سال عن الدواء الشافي"
__________
(1) سورة يونس، الآية: 57.
(26/363)

وكتاب " رياض الصالحين "، وكتاب " خزينة الأسرار " وكتاب " تعليم الصلاة "؟
فأجاب بقوله: أما كتاب (الأذكار) وكتاب "رياض الصالحين " فهما للنووي رحمه الله ولاشك أن فيهما فائدة عظيمة، كبيرة لكن لا يخلوان من بعض الأحاديث الضعيفة، ولاسيما كتاب الأذكار إلا أن أهل العلم قد بينوا ذلك- ولله الحمد- ولكنها أحاديث قليلة جداً، وأرى أن يقرأ فيهما الإنسان لما فيهما من الفوائد الكثيرة، وأرى أن يسأل عن الأحاديث التي يستنكرها، يسأل عنها أهل العلم بالحديث.
وأما كتاب "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" فهو لابن القيم أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمهما الله- وهو كتاب جيد فيه مواعظ عظيمة، لكن في آخر الكتاب ذكر بعض
الأمور التي يظهر أنه- رحمه الله- كتبها من أجل أن الكتاب كان رداً على سؤال من شخص معين ابتلي ببلية فرأى المؤلف رحمه الله أن من المناسب ما ذكره في آخر الكتاب.
وأما كتاب " خزينة الأسرار" وكتاب " تعليم الصلاة" فلم أطلع عليهما.
س 156: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن كتاب (بدائع الزهور) وكتاب (الروض الفائق) وكتاب (تنبيه الغافلين) ؟
(26/364)

فأجاب بقوله: كتاب "بدائع الزهور" رأيت فيه أشياء كثيرة غير صحيحة، ولا أرى أن يقتنيه الإنسان، ولا أن يجعله بين أيدي أهله لما فيه من الأشياء المنكرة.
وأما كتاب "الروض الفائق" فلا أعرفه.
وأما كتاب "تنبيه الغافلين" فهو كتاب وعظ، وغالب كتاب الوعظ يكون فيها الضعيف، وربما الموضوع، ويكون فيها حكايات غير صحيحة، يريد المؤلفون بها أن يرققوا القلوب، وأن يبكوا
العيون، ولكن هذا ليس بطريق سديد؛ لأن فيما جاء في كتاب الله تعالى وصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المواعظ كفاية، ولا ينبغي أن يوعظ الناس بأشياء غير صحيحة سواء نسبت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو نسبت إلى قوم صالحين قد يكونوا أخطئوا فيما ذهبوا إليه من الأقوال أو الأعمال، والكتاب فيه أشياء لا بأس بها، ومع ذلك فإني لا أنصح
أن يقرأه إلا شخص عنده علم وفهم وتمييز بين الصحيح والضعيف والموقوف.
س 157: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن طالب علم جع عداً كبيراً من الكتب الشرعية ولكن لم يقم بقراءتها، وعندما يطلب منه أحد الإعارة فإنه يعيره فهل عليه شيء؟ وهل صحيح
(26/365)

أن زكاة الكتب إعارتها؟
فأجاب بقوله: أقول في الجواب على هذا إنه لا بأس أن يقتني الإنسان الكتب التي يرجو بها النفع حاضرًا أو مستقبلاً؛ لأن الكتب إن أردت أن تكون مالاً فهي مال، وإن أردت أن تكون علمًا وتثقيفًا فهي علم وتثقيف، وإن أردت أن تكون غنيمة لورثتك من بعدك لمن شاء الله هدايتهم إلى قراءتها فهي كذلك، فالكتب من خير ما يقتنيه الإنسان في حياته سواء كان ينتفع بها مباشرة في الوقت الحاضر، أو لا ينتفع بها مباشرة، أو لا ينتفع بها إلا في المستقبل فليس عليه في
ذلك حرج إطلاقًا، وكون هذا الرجل يعير ما عنده من الكتب لمن طلب الإعارة لينتفع بها هو خير له وإحسان إلى عباد الله، وقد قال الله تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (1) ويرجى أن يناله من الأجر بقدر ما ينتفغ بها هذا المستعير من العمل الصالح الذي يستنير بها فيه.
وأما قول السائل: هل صحيح أن زكاة الكتب عاريتها؟
فنقول: الكتب المقتناة للانتفاع ليس فيها زكاة، لا نقود ولا إعارة؛ لأن كل شيء يقتنيه الإنسان لنفسه من غير الذهب والفضة ليس فيه زكاة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 195.
(26/366)

صدقة" (1) ولكن لاشك أن إعارة الكتب من أفضل الإعارات لما فيها من النفع للمستعير وللمعير أيضًا.
س 158: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأيكم في هذه الكتب:
1- (مروج الذهب) للمسعودي.
2- (الحصن الحصين) .
3- (المأثورات) .
4- (الدعاء المستجاب) .
5- (العواصم من القواصم) ؟ لأبي بكر ابن العربي وما الفرق بينه وبين ابن عربي؟
فأجاب بقوله: كتاب "مروج الذهب" للمسعودي كغيره من كتب التاريخ يكون فيه الضعيف والصحيح، ويحتاج إلى أن يحترز الإنسان منه فيما إذا ورد على سمعه أو على بصره ما يستنكره فإنه
يجب عليه أن يتوقف فيه ويبحث عنه ويحققه.
أما كتاب "الحصن الحصين" وكتاب "المأثورات" فلم أقرأ فيهما شيئًا.
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الزكاة/باب ليس على المسلم في عبده صدقة، برقم (1464) ، ومسلم/كتاب الزكاة/باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه، برقم (982) .
(26/367)

أما كتاب "الدعاء المستجاب" فيه أشياء بدعية لا صحة لها، فلا أشير أن يقرأه إلا شخص طالب علم يعرف ما فيه من البدع حتى يجتنبها وفيه أشياء مفيدة.
أما كتاب:"العواصم من القواصم" فهو كتاب جيد ينبغي للإنسان قراءته.
أما الفرق بين ابن العربي وبين ابن عربي فنقول: يجب أن يفرق بينهما؛ لأن ابن عربي معروف بأن له شطحات تصل إلى حد الكفر والعياذ بالله، وأما ابن العربي فهو من علماء المالكية، ومن أهل السنة
فيما نعلم، فهناك فرق بين الرجلين كما بين المشرق والمغرب، أو ما بين السماء والأرض.
س 159: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يعتقد البعض - وفقهم الله- بان كتب المتقدمين صمَّاء وصعبة العبارة والمعاني، وأنها لا تصلح لوقتنا المعاصر الذي كثرت فيه المعاصي، وأن الحاجة لكتب الرقائق وغيرها أكثر من كتب العقيدة والفقه، فما قولكم؟
فأجاب بقوله: من خلال طلبي للعلم وجدت الخير كل الخير في كلام من سلف، ولهذا تجد العلماء السابقين يتكلم أحدهم بنحو
(26/368)

سطرين أو ثلاثة فتحصل منها على خير كثير، بينما كتب المتأخرين تقرأ فيها الصفحة أو الصفحتين فلا تحصل على شيء، فهي كالإسفنج لا تثبت أمام الحقائق.
لذلك النصيحة لطلبة العلم أولاً: بتدبُّر كلام الله عز وجل، فهو والله كل الخير (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا) (1) . وهو- أي تدبر القرآن والعمل به- الذي من أجله أنزل الله القرآن (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (2) .
ثانياً: ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - السنة القولية والفعلية والتقريرية، لا سيما سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتاريخ حياته فإنها تحيي القلب وتزيد في الإيمان، والمسلم مأمور باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا يمكن أن يتبع هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام إلا بعد معرفة سنته.
ثالثاً: كتب السلف الصالح، التي جمعت من الآثار الواردة عن الصحابة- رضي الله عنهم- وعن التابعين- رحمهم الله-.
أما كتب المتأخرين فغالبها كلام طويل لا يُستفاد منها إلا فائدة قليلة، وإن كانت لا تخلو من معالجة الأمور المستجدة وما يحصل في
__________
(1) سورة النساء، الآية: 174.
(2) سورة ص، الآية: 29.
(26/369)

العصر الحاضر، مع العلم أن ما يحصل في العصر الحاضر إذا وفق الله الإنسان إلى فهم قوي؛ أمكنه أن يأخذ معالجته وبيان ما يتعلق به من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح.
ويذكر عن أحد العلماء الأزهريين أنه كان في أوروبا فقال له أحد النصارى: إن القرآن تبيان لكل شيء، فأين بيان كيف تصنع هذه الأطعمة التي نأكل؟
قال له العالم الأزهري: نعم هذا موجود في القرآن، فدعا الأزهري صاحب المطعم وقال له: كيف تصنع هذه الأشياء؟
قال: أصنعها بكذا وكذا، ووصف له الطريقة، قال العالم الأزهري: هكذا جاء في القرآن قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (1) .
فهذه قاعدة نمشي عليها، فكل شيء لا نعلمه نسأل عنه أهل العلم فيه. فإذا أشكل عليَّ مثلاً مسألة نحوية فهل أذهب إلى محدث يعلمني إياها؟ الجواب: لا، بل أذهب إلى صاحب النحو.
وإذا أشكل عليَّ مسألة حديثية، فأذهب لصاحب الحديث، وهذا موجود في القرآن، أعني التوجيه لسؤال أهل العلم وأنا جئت بهذا المثال للإشارة إلى أن القرآن تبياناً لكل شيء، وأن كتب المتأخرين لا
__________
(1) سورة الأنبياء، الآية: 7.
(26/370)

شك أن فيها فائدة، لكن لا ينبغي أن نعكف عليها وننسى كتب السلف الصالح رحمهم الله.
س 160: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما رأي فضيلتكم في (مجموع فتاوى ورسائل شيخ الإسلام ابن تيمية) رحمه الله تعالى، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله؟
فأجاب بقوله: رأينا أنها من خير ما كتب؛ لأنها من عالم فقيه ناصح وإنني أحث أخي السائل وغيره على اقتناء كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك تلميذه ابن القيم رحمه الله لما فيها من
الخير والبركة والعلم الغزير الذي لا تجده في غيرها، ولما فيها من قوة الاستنباط من أحكام الكتاب والسنة، فهي كتب لم يخرج مثلها فيما أعلم فعليك يا طالب العلم بها.
س 161: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هو أفضل كتاب للحفظ في علم العقيدة، وأفضل شرح له، وعدة شروح أخرى؟
فأجاب بقوله: من أحسن ما كتب في العقيدة (العقيدة الواسطية) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فإنها رسالة مختصرة مفيدة جدًا، فيها قواعد عظيمة من القواعد التي ينتفع بها الإنسان في كل مسألة
(26/371)

من مسائل العقيدة، ومنها أيضًا شرح العقيدة الطحاوية فإنها كتاب جيد مفيد ينتفع به طالب العلم، ومنها الصواعق المرسلة ومختصره لابن القيم رحمه الله.
س 162: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما أفضل كتاب للحفظ في علم الحديث؟ وأفضل شرح له؟
فأجاب بقوله: أفضل الكتب (عمدة الأحكام) للحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله فإنها عمدة؛ لأنه انتقاها رحمه الله مما اتفق عليه البخاري ومسلم، ولها شروح متعددة من أنفعها لطالب العلم
شرح ابن دقيق العيد، وأما للمبتدئين فلها شروح متعددة من المعاصرين معروفة بأيدي الطلبة.
س 163: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن أفضل متون في الفقه للحفظ؟
فأجاب بقوله: كتاب "زاد المستنقع في اختصار المقنع" لموسى الحجاوي رحمه الله، وشرحه "الروض المربع" لمنصور البهوتي رحمه الله فإنه كتاب مختصر مفيد، هذا لمن أراد التفقه على مذهب الإمام
أحمد بن حنبل رحمه الله.
(26/372)

س 164: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن أفضل متون النحو للحفظ؟
فأجاب بقوله: متن " الأجرومية " للمبتدئين ثم " الألفية " لمن أخذ حظًا وافرًا من النحو، ويا حبذا لو أن الطالب حفظ هذه المتون المختصرة حتى ينتفع بها بعد أن يحتاج إليها في المستقبل.
س 165: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن كتاب رياض الصالحين؟
فأجاب بقوله: يجب أن نعلم أن أهم ما يجب الاعتناء به هو كتاب الله عز وجل فقد كان الصحابة- رضي الله عنهم- لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل (1) .
فالاعتناء بكتاب الله- عز وجل- أمر واجب، وتدبر معناه هو الحكمة من إنزاله، والتذكر به حكمة أخرى تتفرع على تدبره قال الله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (2) كثير من الناس يعتني بالكتب الحديثية وبالسنة، ولاشك أن هذا خير، ولكن تجده مهملاً القرآن الكريم لا يعرف
__________
(1) رواه أحمد برقم (22384) .
(2) سورة ص، الآية: 29.
(26/373)

معناه، ولا يتدبره، ولا يطالع عليه ما كتبه أهل العلم في تفسيره وهذا نقص.
فالذي ينبغي للإنسان في ترتيب تعلمه أن يبدأ قبل كل شيء في فهم كتاب الله عز وجل، ثم يثنَّي بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما كتبه أهل العلم فيها من المؤلفات.
وأما الكتاب الذي ذكره السائل فنقول: إن هذا الكتاب الذي أشار إليه وهو (رياض الصالحين) كتاب قيم نافع، به آيات يصدر بها المؤلف رحمه الله الأبواب في كثير من أبواب الكتاب، وفيه أحاديث صحيحة وحسنة، ويندر فيه جدًا أن توجد أحاديث ضعيفة لكن الكتاب مفيد لطالب العلم ومفيد للعامة.
س 166: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: "حادي الأرواح "، وكتاب "الروح" لابن القيم. وعن كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربه الأندلسي، وكتاب "الفقه على المذاهب الأربعة"؟
فأجاب بقوله: أما الكتابان الأولان "حادي الأرواح" و "الروح" لابن القيم رحمه الله فهما كتابان نافعان فيهما خير كثير، وإن كانا لا يخلوان من الشيء الذي يكون سببًا للتردد في صحته،
لكنهما بلا شك مفيدان عظيمان.
(26/374)

وأما كتاب: "العقد الفريد" لابن عبد ربه، وكتاب: " الفقه على المذاهب الأربعة" فالأول: لا أدري عنه ولم أطلع عليه.
وأما الثاني: فالذي أشير به على إخواني إذا كانوا يحبون الاطلاع على أقوال العلماء ولديهم قدرة على معرفة الراجح من المرجوح ألا يراجع إلا الكتب الذي تذكر الأقوال وأدلتها حتى يكونوا على بينة من أمرهم مثل (المغني) لابن قدامة رحمه الله، و (المجموع شرح المهذب) للنووي رحمه الله، وما أشبهها من الكتب التي إذا ذكرت أقوال العلماء ذكرت الأدلة وبينت الراجح، أما مجرد أقوال: هذا
مذهب فلان، وهذا مذهب فلان، فهو قليل الفائدة بلا شك، وأن الزاد منه هو أن يطلع الإنسان على أقوال فقط دون أن يعرف الراجح من المرجوح، فاشتغاله بما هو أحسن أولى وأحوط.
س 167: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما الكتب التي تنصحون بها طالب العلم المتوسط؟
فأجاب بقوله: أولاً أقول: لا كتاب أفضل من كتاب الله سبحانه وتعالى، والذي أحث إخواني عليه أن يعتنوا بالقرآن الكريم حفظًا وفهمًا وعملاً، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر
آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل (1) ، يتعلمون العلم
__________
(1) رواه أحمد برقم (22384) .
(26/375)

والعمل جميعًا.
ثم بعد ذلك الاعتناء بما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحاديث، ومعلوم أن الأحاديث التي صحت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كثيرة جدًا، وطالب العلم المبتدئ أو المتوسط لا يمكنه الإحاطة بها، لكن هناك كتب مصنفة في هذا الباب يمكن الرجوع إليها مثل: كتاب (عمدة الأحكام) لعبد الغني المقدسي رحمه الله، وكتاب (الأربعين النووية) للنووي رحمه الله وغير ذلك من الكتب المختصرة، ثم بعد هذا يرتقي إلى الكتب المطولة نوعًا ما مثل كتاب: (بلوغ المرام) و (المنتقى من أخبار المصطفى) ، ثم بعد هذا يزداد في قراءة كتب الأحاديث المصنفة: كصحيح البخاري وصحيح مسلم.
أما في الفقه: فينظر إلى أفضل كتاب ألف في ذلك يقرأه لينتفع به ويطبقه على ما عرفه من الأدلة حتى يكون جامعًا بين المسائل والدلائل.
أما في النحو: فيأخذ بالكتب المختصرة أولاً مثل كتاب (الأجرومية) فإنه كتاب مختصر مبارك مفيد، مقسم تقسيمًا يحيط به المبتدئ، ولاسيما إذا يسر الله له من يقربه بالشرح، ثم بعد هذا أنصحه بأن يحفظ ألفية ابن مالك رحمه الله ويتفهم معناها؛ لأنها ألفية مباركة فيها خير كثير.
(26/376)

ثم إني أنصح أيضًا أن يلازم شيخًا يثق به في علمه ودينه وأخلاقه؛ لأن تلقي العلم على المشايخ أقرب إلى الإحاطة بالعلم، وإلى معرفة الصواب، وأخصر إلى طلب العلم؛ لأن طالب العلم
الذي يقرأه من الكتب إذا لم يكرس جهوده ليلاً ونهارًا، فإنه لا يحصل شيئًا، ثم إن الكتب أيضًا متنوعة، منها ما هو ملتزم بترجيح ما ينبغي ترجيحه، أو منها ما هو متعصب للمذهب الذي هو عليه، حتى إن بعض المؤلفين- عفا الله عنا وعنهم- أحيانًا يلوون أعناق النصوص لتكون مطابقة لما يذهبون إليه، لذلك أرى أن يعتمد الإنسان على الشيخ الذي يدرس عليه في علمه ودينه وخلقه.
س 168: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين رحمه الله؟
فأجاب بقوله: رأينا فيه ألا يطالعه الإنسان، وألا يعتمد عليه، وذلك لأن المرائي تختلف بحسب الرائي، فقد يرى الرجلان رؤيا صورتها واحدة ولكنها تختلف فتفسر بشيء، وتفسر للآخر بشيء
آخر؛ ولهذا لا نشير بقراءة كتب تفاسير الأحلام سواء كانت لابن سيرين أو غيره؛ لأن الإنسان لا يعرف الفرق في تعبير الرؤيا بين أن تكون من شخص وآخر فربما يعبر رؤيا رآها وهي على خلاف ما
(26/377)

رآها وتقع كما عبر كما جاء في حديث أبي رزين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تُعبر فإذا عُبّرت وقعت" (1) . لهذا نحذر من التعلق بهذه التفاسير للأحلام؛ لأنها تختلف من شخص لآخر.
س 169: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن شاب تعلم كثيراً من العلوم الدنيوية ثم وفقه الله للعلم الشرعي ويسأل عن أفضل التفاسير؟
فأجاب بقوله: أهنئ هذا السائل بما منَّ الله عليه التحول من العلوم الدنيوية إلى العلوم الشرعية، وأسأل الله أن يتمم له مقصوده، ولاشك أن أهم شيء يبدأ به طالب العلم من العلوم الشرعية هو:
العلم بكتاب الله عز وجل وتفسيره وما ينتج عنه من الفوائد العظيمة؛ لأن هذا دأب الصحابة رضي الله عنهم، فكانوا لا يتجاوزن عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل (2) .
وأما أفضل التفاسير فنقول: هو تفسير ابن كثير رحمه الله، وكذلك تفسير الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي رحمه الله فإنه تفسير سهل يفهمه حتى المبتدئ.
__________
(1) رواه أبو داود/كتاب الأدب/باب ما جاء في الرؤيا برقم (4366) .
(2) رواه أحمد برقم (22384) .
(26/378)

رسالة
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين عضو هيئة كبار العلماء:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
نرفق لفضيلتكم نموذجًا من مكتبة طالب العلم التي تحتوي على عدد من الكتب منها:
1- رياض الصالحين.
2- بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج/1.
3- بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج/2.
4- اقتضاء الصراط المستقيم.
5- فتح المجيد.
6- منهاج المسلم.
7- عقيدة أهل السنة والجماعة.
8- العقيدة الواسطية.
9- رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
10- الكلم الطيب في أذكار النبي - صلى الله عليه وسلم -.
11- الإبانة عن أصول الديانة.
12- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
نرجو من فضيلتكم التفضل بتوجيهنا باقتراح عناوين أخرى
(26/379)

ترون مناسبة لطباعتها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب بقوله:
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أرى أن يضاف إلى ذلك:
1- المغني لابن قدامة.
2- المجموع للنووي.
3- التمهيد لابن عبد البر.
4- زاد المعاد لابن القيم.
5- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.
زادكم الله توفيقًا ونشاطًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كتبه محمد بن صالح العثيمين 22/6/1419 هـ
(26/380)

س 170: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا أراد طالب العلم أن ينقل الأحاديث التي زادت من بلوغ المرام على المحرر لابن عبد الهادي، فهل هذه الطريقة مفيدة؟
فأجاب بقوله: لا شيء في ذلك، هذه طريقة خاصة، لكن على سبيل العموم كونه يدرس الكتب المشهورة المتداولة بين الناس أحسن.
س 171: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أيهما أفضل كتاب المحرر لابن عبد الهادي رحمه الله، أو بلوغ المرام لابن حجر رحمه الله؟
فأجاب بقوله: (بلوغ المرام) متداول بين الناس، وصاحبه محقق - رحمه الله- والشيء المتداول ينبغي للإنسان أن يعتني به أكثر من غيره؛ لأن الشيء المهجور لا ينتفع به الناس كثيرًا، والبلوغ كما هو
معلوم خدم، وقرأ به علماؤنا ومشائخنا.
س 172: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أي كتب تفسير القرآن تنصح بقراءتها؟ وحفظ القرآن، إذا حفظ الإنسان ونسي،
(26/381)

فهل هناك وعيد فيه؟ وكيف يحافظ الإنسان على ما حفظ؟ فأجاب بقوله: القرآن وعلومه متنوعة، وكل مفسر يفسر القرآن يتناول طرفًا من هذه العلوم، ولا يمكن أن يكون تفسيرًا واحدًا
يتناول القرآن من جميع الجوانب.
فمن العلماء من ركز في تفسيره على التفسير الأثري- أي على ما يؤثر عن الصحابة والتابعين- كابن جرير وابن كثير رحمهما الله.
ومنهم من ركز على التفسير النظري كالزمخشري وغيره، ولكن أنا أرى أن يفسر الآية هو بنفسه- أولاً- أي يكرر في نفسه أن هذا هو معنى الآية- ثم بعد ذلك يراجع ما كتبه العلماء فيها؛ لأن هذا
يفيده أن يكون قويًا في التفسير غير عالة على غيره، وكلام الله- عز وجل- منذ بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (1) .
وإن كان يجب الرجوع إلى تفسير الصحابة، لأنهم أدرى الناس بمعانيه، ثم إلى كتب المفسرين التابعين، لكن مع ذلك لا أحد يستوعب كلام الله- عز وجل-.
فالذي أرى أن الطريقة المثلى أن يكرر الإنسان تفسير الآية في نفسه، ثم بعد ذلك يراجع كلام المفسرين فذا وجده مطابقًا فهذا مما يمكنه من تفسير القرآن وييسره له، وإن وجده مخالفًا رجع إلى الصواب.
__________
(1) سورة الشعراء، الآية: 195.
(26/382)

وأما حفظ القرآن: فطريقة حفظه تختلف من شخص لآخر، بعض الناس يحفظ القرآن آية آية، بمعنى أنه يحفظ آية يقرؤها أولاً ثم يرددها ثانيًا وثالثًا حتى يحفظها ثم يحفظ التي بعدها، ثم يكمل ثمن
أو ربع الجزء أو ما أشبه ذلك، وبعض الناس يقرأ إلى الثمن جميعًا ويردده حتى يحفظه، ومثل هذا لا يمكن أن نحكم عليه بقاعدة عامة فنقول للإنسان: استعمل ما تراه مناسبًا لك في حفظ القرآن.
لكن المهم أن يكون عندك علم لما حفظت متى أردت الرجوع إليه، وأحسن ما رأيت في العلم أن الإنسان إذا حفظ شيئًا اليوم يقرؤه مبكرًا في الصباح التالي فإن هذا مما يعين كثيرًا على حفظ ما
حفظه في اليوم الأول، وهذا شيء فعلته فكان مما يعين على الحفظ جيدًا. أما الوعيد على من ينسى، قال الإمام أحمد: "ما أشد ما ورد فيه " أي حفظ آية ونسيها والمراد بذلك من أعرض عنها حتى تركها، وأما من نسيها لسبب طبيعي أو لأسباب كانت واجبة أشغلته فإن هذا لا يلحق به إثم (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (1) .
وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى بأصحابه فنسى آية فذكره أحد الصحابة بها بعد الصلاة فقال: "هلا أذكرتنيها" (2) فالإنسان الذي
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) رواه أحمد 27/241 (16692) ، وأبو داود/كتاب الصلاة/باب الفتح على الإمام في الصلاة، برقم (907) .
(26/383)

ينساه تهاونًا به وإعراضًا عنه لاشك أنه خاسر وأنه مستحق الإثم، وأما الذي ينساه لشيء واجب عليه أوجبه الله- سبحانه وتعالى- عليه، أو نسيانا طبيعيًا فهذا لا يلحقه شيء.
س 173: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن كتاب فقه السنة؟
فأجاب بقوله: لاشك أنه من خير الكتب؛ لأن فيه مسائل كثيرة مقرونة بالأدلة، لكنه لا يسلم من الأخطاء، وكما قال ابن رجب- رحمه الله- في مقدمة القواعد الفقهية: "يأبى الله العصمة لكتاب غير
كتابه، ولكن المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه "، فالكتاب لاشك أنه نافع لكن لا أرى أن يقتنيه إلا طالب علم يميز بين الصحيح والضعيف؛ لأن به مسائل ضعيفة كثيرة.
ومن ذلك القول باستحباب صلاة التسبيح (1) فإن صلاة التسبيح قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- إن حديثها كذب، وقال: إنه لا يستحبها أحد من الأئمة، ولما سئل عنها الإمام أحمد، نفض يده كالمنكر لها.
__________
(1) حديث صلاة التسبيح رواه أبو داود/كتاب الصلاة/باب صلاة التسبيح برقم (757) ، وانظر كلام شيخنا- رحمه الله- في "الفتاوى" (15/311) والله الموفق..
(26/384)

س 174: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: في هذا الزمن يجري تسمية بعض العلوم التجريبية بالعلم، حتى إن المدارس الثانوية سميت بعلمي وأدبي، فهل هذا صحيح؟ إضافة لذلك إن هذا
التقسيم في المدارس يعلق بآذان الطلاب مما يؤثر عليهم مستقبلاً.
فأجاب بقوله: هذا التقسيم إلى علمي وأدبي هو اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح، لأنهم يرون أن المواد العلمية هي ما يتعلق بعلم الكون والأحياء والنباتات وما أشبه ذلك، ولكن الذي يجب أن
نفهمه أن هذا ليس هو العلم الذي حث الله عليه وأثنى على طالبيه، فإن العلم الذي أثنى الله على أصحابه، والذي أصحابه هم أهل خشية الله، إنما هو علم الشريعة فقط، وأما العلوم الأخرى فإنها إن كانت نافعة فإنها تكون مطلوبة لا لذاتها ولكن لما يرجى فيها من نفع، وأما إذا كانت ضارة وجب اجتنابها، وأما إذا كانت غير نافعة ولا ضارة فإن الإنسان لا ينبغي أن يضيع وقته فيها.
س 175: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هي الكتب التي تنصح بها؟ ونرجو توجيه نصيحة للطلاب جزاكم الله خيرًا.
فأجاب بقوله: من أحسن ما يطالعه الطلاب من الكتب، كتب التفسير الموثوقة كتفسير ابن كثير، والشيخ عبد الرحمن السعدي
(26/385)

رحمهما الله، وكتب الحديث كفتح الباري شرح صحيح البخاري، وسبل السلام شرح بلوغ المرام، ونيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، ورياض الصالحين.
وننصح أبناءنا الطلبة بالحرص على العلم النافع، والعمل الصالح والأخلاق الحسنة، وكسب الوقت فيما فيه خيرهم، وصلاحهم في دينهم ودنياهم، وأن يمرنوا أنفسهم على فعل الجميل والصبر على الأمور التي فيها مصلحتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
(26/386)

طالب العلم والفتوى
(26/387)

س 176: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز استفتاء أكثر من عالم؟ وفي حالة اختلاف الفتيا؟ وهل يأخذ المستفتي بالأيسر أم بالأحوط؟
فأجاب بقوله: لا يجوز للإنسان إذا استفتى عالماً واثقًا بقوله أن يستفتي غيره؛ لأن هذا يؤدي إلى التلاعب بدين الله وتتبع الرخص، بحيث يسأل فلانًا، فإن لم يناسبه سأل الثاني، وإن لم يناسبه سأل
الثالث وهكذا.
وقد قال العلماء: (من تتبع الرخص فسق) ، لكن أحيانًا يكون الإنسان ليس عنده من العلماء إلا فلان مثلاً، فيسأله من باب الضرورة، وفي نيته أنه إذا التقى بعالم أوثق منه في علمه ودينه سأله،
فهذا لا بأس به، أن يسأل الأول للضرورة، ثم إذا وجد من هو أفضل سأله.
وإذا اختلفت العلماء عليه في الفتيا أو فيما يسمع من مواعظهم ونصائحهم مثلاً، فإنه يتبع من يراه إلى الحق أقرب في علمه ودينه، فإن تساوى عنده الرجلان في العلم والدين، فقال بعض العلماء: يتبع الأحوط وهو الأشد.
وقيل يتبع الأيسر، وهذا هو الصحيح، أنه إذا تعادلت الفتيا عندك، فإنه يتبع الأيسر؛ لأن دين الله- عز وجل- مبني على اليسر
(26/389)

والسهولة، لا على الشدة والحرج.
وكما قالت عائشة- رضي الله عنها-: "ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثًما" (1) . ولأن الأصل البراءة وعدم التأثيم، والقول بالأشد يستلزم شغل الذمة والتأثيم.
س 177: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز لإنسان أن يجتهد في إفتاء بعض الناس إذا كان لا يوجد من يفتي أو لم يتيسر سؤال العلماء؟
فأجاب بقوله: إذا كان جاهلاً فكيف يجتهد؟ وعلى أي أساس يبني اجتهاده؟ والواجب على من لا يعلم الحكم أن يتوقف، وإذا سئل يقول: لا علم عندي، فالملائكة لما قال الله- عز وجل- لهم: (أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (2) .
أما كونه يقول: (إذا لم يجد عالمًا يفتي أنا أفتي صواب أم خطأ) فهذا خطأ ولا يجوز، فالواجب أن يقول للمستفتي: اسأل العلماء،
__________
(1) رواه البخاري/كتاب المناقب/باب صفة النبي - صلى الله عليه وسلم -، برقم (3560) ، ومسلم/كتاب الفضائل/باب مباعدته - صلى الله عليه وسلم - للآثام واختياره من المباح أسهله، برقم (2327) .
(2) سورة البقرة، الآيتان: 31، 32.
(26/390)

والآن ولله الحمد الاتصالات سهلة يتصل عن طريق الهاتف أو البريد.
س 178: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: كثيرًا ما يشاع بأن الفتوى تتغير بتغير الزمان أو المكان، مثل: المذياع في أول ظهوره حرمه البعض، فنرجو من سماحتكم بيان الحق في هذه المسألة،
والله يحفظكم ولرعاكم.
فأجاب بقوله: الفتوى في الحقيقة لا تتغير بتغير الزمان، ولا بتغير المكان، ولا بتغير الأشخاص.
ولكن الحكم الشرعي إذا علق بعلة فإنه إذا وجدت فيه العلة ثبت الحكم الشرعي، وإذا لم توجد لم يثبت الحكم الشرعي، وقد يرى المفتي أن يمنع الناس من شيء أحله الله لهم لما يترتب على فعل الناس
له من المحرم كما فعل عمر- رضي الله عنه- في الطلاق الثلاث حين رأى الناس تتايعوا فيها فألزمهم بها، وكان الطلاق الثلاث في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، فلما رأى عمر الناس تتايعوا في هذا ألزمهم بالثلاث ومنعهم
من الرجوع إلى زوجاتهم (1) .
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الطلاق/باب طلاق الثلاث برقم (2689) .
(26/391)

وكذلك ما حصل في عقوبة شارب الخمر كانت العقوبة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وعهد أبي بكر رضي الله عنه لا تزيد على أربعين جلدة، ثم إن الناس كثر شربهم الخمر فاستشار عمر الصحابة - رضي الله عنهم- فأشاروا بأن يجعل العقوبة ثمانين جلدة (1) .
فالأحكام الشرعية لا يمكن أن يتلاعب بها الناس، كلما شاءوا حرموا، وكلما شاءوا أوجبوا، وإنما يرجع إلى العلل الشرعية التي تقتضي الوجوب أو عدمه.
وأما بالنسبة للمذياع: فلم يقل أحد بتحريمه من علماء التحقيق، وإنما قال بتحريمه أناس جهلوا حقيقة الأمر، وإلا فإن العلماء المحققين، وأخص منهم شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، لم
يروا أن هذا من المحرمات، بل رأوا أن هذا من الأشياء التي علمها الله- عز وجل- الخلق، وقد تكون نافعة، وقد تكون ضارة بحسب ما فيها، وكذلك مكبر الصوت (المكرفون) ، أيضًا أنكره بعض الناس أول ما ظهر، لكن بدون تحقيق، وأما المحققون فلم ينكروه، بل رأوا أنه من نعمة الله- عز وجل- أن يسر لهم ما يوصلوا خطبهم ومواعظهم إلى الأبعدين.
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الحدود/باب حد الخمر برقم (3218) .
(26/392)

س 179: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هناك من الناس من يفتي بغير علم، ما حكم ذلك؟
فأجاب بقوله: هذا العمل من أخطر الأمور وأعظمها إثمًا، وقد قرن الله- سبحانه وتعالى- القول عليه بلا علم، بالشرك به، فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (1) .
وهذا يشمل القول على الله في ذاته، أو صفاته، أو أفعاله، أو شرائعه، فلا يحل لأحد أن يفتي بشيء حتى يعلم أن هذا هو شرع الله - عز وجل- وحتى تكون عنده أداة وملكة يعرف بها ما دلت عليه
النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وحينئذٍ يفتي. والمفتي معبر عن الله- عز وجل- ومبلغ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا قال قولاً وهو لا يعلم أو لا يغلب على ظنه- بعد النظر والاجتهاد والتأمل في الأدلة- فإنه يكون قد قال على الله تعالى وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، قولاً بلا علم، فليتأهب للعقوبة، فإن الله عز وجل
يقول: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68)) (2)
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 68.
(26/393)

س 180: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: أنا طالب في السنوات الأولى من كلية الشريعة، وكثيرًا ما يرد علينا مسائل مختلف فيها، وقد يكون الراجح في بعض هذه المسائل مخالفًا لبعض أقوال العلماء الآن، أو نأخذ المسائل ولكن لا شيء يرجح بينها، فنصبح في حيرة من أمرنا، فماذا نفعل في حكم المسألة المختلف فيها أو عندما نسأل من عامة الناس؟ جزاكم الله خيرًا؟
فأجاب بقوله: هذا السؤال الذي أورده السائل لا يحصل لطالب الشريعة فقط بل هو عام لكل أحد، إذا رأى اختلاف العلماء حول فتوى فإنه يقف حيران، ولكن الحقيقة ألا حيرة في ذلك؛ لأن
الإنسان إذا اختلفت عليه الفتوى فإنه يتبع من يراه أقرب إلى الحق، لغزارة علمه، وقوة إيمانه، كما أن الإنسان إذا كان مريضًا ثم اختلف عليه طبيبان فإنه يأخذ بقول من يرى أنه أرجح لما وصفه له من دواء.
وإن تساوى عنده الأمران، أي لم يرجح أحد العالمين المختلفين. فقال بعض العلماء: إنه يتبع القول الأشد لأنه أحوط.
وقال بعض العلماء: يتبع الأيسر؛ لأنه الأصل في الشريعة الإسلامية، وقيل: يخيَّر بين هذا وهذا.
والراجح: أنه يتبع الأيسر؛ لأن هذا موافق ليسر الدين الإسلامي لقول الله تبارك وتعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ
(26/394)

الْعُسْرَ) (1) وقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (2) .
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يسروا ولا تعسروا" (3) ، ولأن الأصل براءة الذمة حتى يثبت ما يرفع هذا الأصل، وهذه القاعدة لمن لا يستطيع أنه يتوصل إلى معرفة الحق بنفسه، فإن كان يستطيع ذلك كطالب العلم الذي يستطيع أن يقرأ ما قيل في هذه المسألة فيرجح ما يراه راجحًا
بالأدلة الشرعية عنده، فإنه في هذه الحال لابد أن يبحث ويقرأ ليعرف ما هو أصح من هذه الأقوال التي اختلف فيها العلماء.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 185.
(2) سورة الحج، الآية: 78.
(3) رواه البخاري/كتاب العلم/باب ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا برقم (69) ، ومسلم/كتاب الجهاد والسير/باب في الأمير بالتيسير وترك التنفير، برقم (1734) ..
(26/395)

رسالة
حول مسائل متعددة في الإفتاء
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم.....
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جوابًا لكتابكم ذي الرقم ... والتاريخ 24- 25/9/1409 هـ.
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله تعالى أن يحبك كما أحببتني فيه، وأن يجعلنا جميعًا من دعاة الحق وأنصاره، ويوفقنا للصواب في الاعتقاد والقول والعمل.
ثم إن كتابكم المذكور تضمن ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: إذا تبين لكم رجحان قول كنتم تفتون أو تحكمون بخلافه، فهل يجوز لكم الرجوع فيما أفتيتم به أو حكمتم؟
المسألة الثانية: إذا تبين لكم رجحان قول كنتم تفتون أو تحكمون بخلافه، فهل يجوز لكم مستقبلاً أن تفتوا أو تحكموا بما تبين لكم رجحانه؟
المسألة الثالثة: هل يجوز للإنسان في مسائل الخلاف أن يفتي لشخص بأحد القولين، ولشخص آخر بالقول الثاني.
والجواب على هذه المسائل العظيمة بعون الله وتوفيقه أن نقول
(26/396)

مستمدين من الله تعالى الهداية والصواب.
أما المسألة الأولى:
فمتى تبين للإنسان ضعف ما كان عليه من الرأي، وأن الصواب في غيره، وجب عليه الرجوع عن رأيه الأول إلى ما يراه صوابًا بمقتضى الدليل الصحيح، وقد دل على وجوب الرجوع كتاب الله
تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقول الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وإجماع المسلمين وعمل الأئمة.
أما كتاب الله تعالى: فمن أدلته قوله تعالى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (1) فمتى كان الحكم في مسائل الخلاف إلى الله وجب الرجوع فيها إلى ما دل عليه كتاب الله. وقال تعالى:
(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)) (2) وقال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)) (3) ومن سبيل المؤمنين
الرجوع إلى ما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) سورة الشورى، الآية: 1.
(2) سورة النساء، الآية: 59.
(3) سورة النساء، الآية: 115.
(26/397)

وأما السنة: فمن أدلتها قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " (1) .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وأما أقوال الخلفاء الراشدين: فمن أشهرها قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- في المشركة، وهي زوج وأم وإخوة لأم، وإخوة أشقاء، حيث منع الإخوة الأشقاء من الميراث
لكونهم عصبة، وقد استغرقت الفروض التركة، ثم قضى بعد ذلك بتشريكهم مع الإخوة لأم، فقال له رجل: قد قضيت في هذا عام الأول بغير هذا، فقال: وكيف قضيت؟ قال: جعلته للإخوة للأم ولم تجعل للإخوة من الأب والأم شيئًا، فقال عمر: (ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي) . أخرجه ابن أبي شيبة 11/253، وقال- رضي الله عنه- في كتابه لأبي موسى رضي الله عنه في القضاء: (لا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك، فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل) .
__________
(1) رواه أحمد 28/367 (17142) ، والترمذي/كتاب العلم/باب ما جاء في الأخذ بالسن واجتناب البدعة، برقم (2676) ، وأبو داود/كتاب السنة/باب في لزوم السنة، برقم (4607) ، وابن ماجه/في المقدمة/باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، برقم (42) .
(26/398)

وأما الإجماع: فقال الشافعي- رحمه الله-: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
وأما عمل الأئمة: فها هو الإمام أحمد رضي الله عنه يقول القول، ويقول بخلافه، فتارة يصرح بالرجوع كما صرح بالرجوع عن القول: بوقوع طلاق السكران.
وتارة يصرح أصحابه برجوعه عنه كما صرح الخلال برجوع الإمام عن قوله فيمن ابتدأ مسح خفيه مقيمًا ثم سافر أنه يتم مسح مقيم إلى القول بأن يتم مسح مسافر.
وتارة لا يصرح ولا يصرح عنه برجوع فيكون له في المسألة قولان.
والمهم أنه متى تبين للإنسان ضعف رأيه الأول وجب عليه الرجوع عنه، ولكن لا يسوغ له نقض حكمه الأول ولا يلزمه إخبار المستفتي بالرجوع؛ لأن كلا من الرأيين الأول والثاني صادر عن
اجتهاده، والاجتهاد لا ينقض بمثله، وظهور خطأ اجتهاده الأول لا يمنع احتمال خطئه في الثاني، فقد يكون الاجتهاد الأول هو الصواب في الواقع، وإن ظهر له خلافه؛ لأن الإنسان غير معصوم في اجتهاده لا الثاني ولا الأول.
(26/399)

وأما المسألة الثانية:
فجوابها يعلم من جواب المسألة الأولى وهو أنه يجب على الإنسان الرجوع إلى ما تبين له أنه الصواب، وإن كان يفتي أو يحكم بخلافه سابقًا.
وأما المسالة الثالثة:
فإن كان في المسألة نص، كان الناس فيها سواء، ولا يفرق فيها بين شخص وآخر، وأما المسائل الاجتهادية فإنها مبنية على الاجتهاد، وإن كان الاجتهاد فيها في الحكم فكذلك في محله، ولهذا لما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أن الناس كثر شربهم الخمر زادهم في عقوبتها (1) ، ولما رآهم تتايعوا في الطلاق الثلاث أمضاه عليهم (2) ، ولهذا ما يؤيده من كلام الله تعالى، وما جاءت به السنة ففي كتاب الله تعالى يقول جل ذكره: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)) (3) فعاملهم الله بما تقتضيه حالهم وحرم عليهم هذه الطيبات ببغيهم وظلمهم: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا
__________
(1) رواه أحمد برقم (590) .
(2) رواه مسلم/كتاب الطلاق/باب طلاق الثلاث برقم (2689) .
(3) سورة الأنعام، الآية: 146.
(26/400)

حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) (1) .
وفي السنة جاء قتل شارب الخمر في الرابعة إذا تكررت عقوبته ثلاثًا ولم يقلع (2) ، مع أن عقوبة شارب الخمر في الأصل لا تبلغ القتل.
فإذا كانت حال المستفتي أو المحكوم عليه تقتضي أن يعامل معاملة خاصة عومل بمقتضاها ما لم يخالف النص.
وكذلك إذا كان الأمر قد وقع وكان في إفتائه بأحد القولين مشقة وأفتى بالقول الثاني فلا حرج، مثل أن يطوف في الحج أو العمرة، بغير وضوء ويشق عليه إعادة الطواف لكونه نزح عن مكة أو غير ذلك، فيفتي بصحة الطواف بناء على القول بعدم اشتراط الوضوء فيه. وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي- رحمه الله- يفعل ذلك أحيانًا ويقول لي: هناك فرق بين من فعل ومن سيفعل، وبين ما وقع وما لم يقع. وفي مقدمات (المجموع) للنووي- رحمه الله- 1/88 ط المكتبة
العالمية: قال الصيمري: إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ وهو مما لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جاز ذلك زجرًا له، كما روي عن ابن عباس- رضي الله عنه- أنه سئل عن توبة القاتل
__________
(1) سورة النساء، الآية: 160.
(2) رواه الترمذي/كتاب الحدود/باب ما جاء في شرب الخمر، برقم (1364) .
(26/401)

فقال: لا توبة له، وسأله آخر فقال: له توبة، ثم قال: أما الأول: فرأيت في عينه إرادة القتل فمنعته، وأما الثاني فجاء مستكينًا قد قتل فلم أقنطه (1) .
وهذا الذي ذكرناه لا يكون مطردًا في كل صورة، فلو أراد قاض أو مفت أن يأخذ في ميراث الأخوة مع الجد بقول من يرى توريثهم إذا رأى أنهم فقراء وأن التركة كثيرة، وبقول من لا يرى توريثهم إذا كان المال قليلاً وهم أغنياء لم يكن ذلك سائغًا؛ لأن في هذا إسقاط لحق الغير لمصلحة الآخرين بلا موجب شرعي.
هذا والله أسأل أن يلهمنا جميعًا الصواب في القول والعمل والاعتقاد.
س 181: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما سبب توقف العالم عن الفتوى؟
فأجاب بقوله: توقف العالم عن الفتوى إذا كان أهلاً للفتوى وعنده علم قد يكون لتعارض الأدلة عنده، وقد يكون لظنه أن هذا المستفتي متلاعب؛ لأن بعض المستفتين لا يستفتي للحق إنما يريد
التلاعب والنظر فيما عند هذا العالم، والعالم الثاني، والعالم الثالث
__________
(1) سنن البيهقي (8/16) .
(26/402)

وهكذا، فيتوقف العالم أو يعرض عن إجابة هذا السائل الذي يعلم أو يغلب على ظنه أنه متلاعب لينظر ماذا عند الناس، أو يريد أن يضرب أقوال الناس بعضها ببعض، وهذا أشد فيذهب ويقول: قال العالم الفلاني كذا، وقال العالم الفلاني كذا، فهذا من أسباب توقف المفتي.
س 182: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن معنى "الاجتهاد" و"التقليد" وهل التقليد كان موجودًا في زمن الصحابة والتابعين فيقلد بعضهم بعضًا أم لا؟
فأجاب بقوله: الاجتهاد هو: "بذل الجهد في الوصول إلى حكم شرعي من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح" هذا هو الاجتهاد، ومن المعلوم أنه لا يصلح للاجتهاد إلا
من كان عارفًا بطرقه وعنده علم ودراية حتى يتمكن من الوصول إلى استنباط الأحكام من أدلتها التي أشرت إليها.
وأما التقليد فهو: "الأخذ بقول مجتهد من غير معرفة دليله بل يقلده ثقة بقوله".
والتقليد في الواقع حاصل من عهد الصحابة رضي الله عنهم فإن الله تعالى يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (1)
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(26/403)

ولاشك أن من الناس في عهد الصحابة رضي الله عنهم وإلى عهدنا هذا من لا يستطيع الوصول إلى الحكم نفسه لجهله وقصوره، ووظيفة هذا أن يسأل أهل العلم، وسؤال أهل العلم يستلزم الأخذ
بما قالوا والأخذ بما قالوا هو التقليد.
وعلى هذا فنقول: من لا يتمكن من الوصول إلى الحق بنفسه فليتمكن من الوصول إليه بتقليد غيره من أهل العلم الذين أُمر بسؤالهم إن لم يكن عالمًا.
ولكن إذا سألنا سائل من أقلد؟
فالجواب: أن الواجب أن تقلد من تراه أقرب إلى الحق؛ لأن أهل العلم كالأطباء فهم أطباء القلب، وإذا كان الواحد منا إذا مرض وكان في البلد أطباء كثيرون، فنه سوف يختار من كان
أحذق وأعرف بالطب والأدوية والعلاج ولا يمكن لأحد أن يذهب إلى طبيب قاصر مع وجود من هو أحذق منه إلا عند الضرورة، كذلك في التقليد اختر من تراه أقرب إلى الحق لكونه
أعلم، وأتقى لله عز وجل، وفي هذه الحال تكون قد امتثلت قول الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (1) .
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(26/404)

س 183: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل هناك شروط للاجتهاد؟
فأجاب بقوله: العلماء ذكروا للاجتهاد شروطًا أهمها أن يكون عند الإنسان علم وملكة، علم بأدلة الشرع، وملكة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها؛ لأن من ليس عنده علم من الشرع
كيف يكون مجتهدًا في شيء لا علم له فيه، ومن عنده علم لكن ليس عنده ملكة يتمكن بها من استنباط الأحكام صار كمن بيده سيف لا يعرف أن يقتل به، فلابد من أن يكون عند الإنسان علم وملكة، فإذا كان عند الإنسان علم وملكه صار من أهل الاجتهاد، ولا فرق بين أن يكون مجتهدًا اجتهادًا عامًا، أو اجتهادًا خاصًا.
فإن بعض الناس قد يكون مجتهدًا في مسألة معينة يعلم أدلتها ويتمكن من التطبيق على هذه الأدلة، ولكنه في مسائل أخرى جاهل بمنزلة الأميِّ، فيوجد من طلبة العلم من يكون عنده علم في مسائل
العبادات يمكن أن يجتهد به، ولكن في المعاملات ليس عنده علم، أو يكون عنده علم في المعاملات العَقْدِية كالبيوع والإجارة والرهن والوقف وما أشبه ذلك، وليس عنده علم في مسائل المواريث
والفرائض، فعلى كل حال قد يتجزأ الاجتهاد فيكون الإنسان مجتهدًا في مسألة أو باب من أبواب العلم دون المسائل الأخرى.
(26/405)

س 184: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن امرأة سألت أخرى عن حكم مسألة شرعية فقالت: لا أدري، وكان إلى جانبهما امرأة تعرف الحكم الشرعي، فهل تخبر هذه السائلة مع أنها لم تسألها؟
فأجاب بقوله: تخبرها لأنها محتاجة كما لو أن المرأة سألت أخرى درهمًا لتشتري به خبزًا لها؛ فقالت: ليس معي شيء، والأخرى معها فتعطيها، بل هذا أبلغ؛ لأنه علم شرعي فتقول: مثلاً المرأة الثالثة إني
سمعت أن هذه المسالة حكمها كذا وكذا وحينئذٍ تنتفع السائلة والمسئولة.
س 185: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا سئل المسلم عن شيء يعرفه في أمور الدين، وهو ليس متفقهًا في أمور الدين، فهل يجب عليه أن يخبره بهذا الشيء؟
فأجاب بقوله: إذا سئل المسلم عن شيء يعرفه من أمور الدين فإن عليه أن يجيب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بلغوا عني ولو آية" (1) ولكن إذا قال له السائل مثلاً: من أين علمت أن هذا حكمه كذا وكذا؟
فليسنده إلى من سمعه منه من العلماء حتى يكون السائل مطمئنًا، أما
__________
(1) رواه البخاري/كتاب أحاديث الأنبياء/باب ما ذكر عن بني إسرائيل، برقم (3461) .
(26/406)

إذا كان لا يعلم فإنه لا يجوز له أن يخبره، ولا عبرة لما يشتهر بين العامة، فإن العامة قد يشتهر عندهم أن هذا الشيء جائز وليس بجائز، وقد يشتهر عندهم أن هذا ليس بجائز وهو جائز، ولكن إذا
كان يعلم الحكم عن عالم من العلماء الموثوق بعلمهم فعليه أن يخبر به، وإلا فإنه يجب عليه أن يتوقف لقول الله تبارك وتعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)) (1) .
ولقولة تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)) (2) .
س 186: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا أفتى أحد العلماء بفتوى وبعد فترة تبيَّن لهذا العالم أن ما أفتى به خطأ فماذا يلزمه؟
فأجاب بقوله: إذا كانت الفتوى الأولى عن اجتهاد، وكان هو جديرًا بأن يجتهد ثم بعد البحث والمناقشة تبين له خطأ اجتهاده الأول فإنه لا شيء عليه، وقد كان الأئمة الكبار يفعلون مثل هذا
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(2) سورة الإسراء، الآية: 36.
(26/407)

فتجد للواحد منهم في المسألة الواحدة عدة أقوال، أما إذا كانت فتواه الأولى عن غير علم وعن غير اجتهاد ولكنه يظن ظنًا وبعض الظن إثم، فإنه يحرم عليه أصلاً أن يفتي بمجرد الظن أو الخرص؛
لأنه إذا فعل ذلك فقد قال على الله بلا علم، والقول على الله بلا علم من أكبر الذنوب لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)) (1) .
وعليه أن يبحث عن الذي استفتاه حتى يخبره بأن فتواه خطأ وغلط فإذا فعل هذا فأرجو أن يتوب الله عليه، ومسألة الفتيا بغير علم مسألة خطيرة؛ لأنه لا يضل بها المستفتي وحده بل ربما ينشرها
المستفتي بين الناس ويضل بها فئات من الناس، وهي خطأ وظلم.
س 187: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن الشروط التي يجب أن تتوفر في المفتي.
فأجاب بقوله: الشروط يمكن أن يكون مطلعًا على غالب أقوال أهل العلم، ومطلعًا على الأدلة الشرعية في هذا الحكم الذي أفتى به، وأما مجرد الظن والتقليد فإنه لا يفتي به، لكن التقليد إذا لم يكن هناك
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(26/408)

مجتهد، وليس بإمكان الإنسان أن يجتهد وهو من طلبة العلم الذين يعرفون ما كتبه العلماء فلا حرج عليه أن يفتي به للضرورة.
س 188: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الإفتاء إذا علمت فتوى السؤال من شيخ من كبار العلماء؟
فأجاب بقوله: الإفتاء بقول بعض العلماء الذين تثق بهم لا بأس به، ولكن لتكن صيغة الإفتاء بقولك قال: فلان كذا وكذا، إذا كنت متيقنًا من قوله، ومن أن هذه الصورة التي سئلت عنها هي التي
يقصدها هذا العالم، وأما أن تفتي به جزمًا فهذا لا ينبغي؛ لأنك إذا أفتيت به جزمًا نسبت الفتوى إليك، وأما إذا نقلتها عن غيرك فأنت راوٍ تسلم من تبعة هذه الفتوى، وتسلم من أن ينسب إليك ما لست أهلاً له. فالإنسان المقلد ينبغي له أن ينسب القول إلى من قلده لا إلى نفسه، بخلاف الذي يستدل على حكم المسألة من الكتاب والسنة وهو من أهل الاستدلال فلا بأس أن يفتي ناسبًا الشيء إلى نفسه.
س 189: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن رجل يفتي زملاءه في كل صغيرة وكبيرة.
فأجاب بقوله: المفتي في أمور شرعية معبر عن الله عز وجل
(26/409)

ومعبر عن دين الله فلا يحل لأحد أن يفتي بغير علم فإن ذلك من كبائر الذنوب قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33) (1) .
وقال الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْؤُولاً) (2) .
وقال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (3) .
ومن أفتى بغير علم فقد وضع نفسه شريكًا مع الله عز وجل في تشريع الأحكام.
فنصيحتي لهذا الذي نصب نفسه مفتيًا في كل صغير وكبير أن يتوب إلى الله عز وجل وألا يفتي إلا بما علم أنه من شرع الله عز وجل، أو غلب على ظنه أنه من شرع الله بعد الاجتهاد التام، وقد
اتخذ بعض الناس الفتوى حرفة يترفع بها على من أفتاه، ويري الناس
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(2) سورة الإسراء، الآية: 36.
(3) سورة النحل، الآية: 11.
(26/410)

أنه ذو علم، وهذا خطأ وسفه في العقل وضلال في الدين، إن الله تعالى قال في كتابه: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (1) ولم يقل: الذين يفتون فعلى المرء أن يعرف قدر نفسه، وأن يكل الأمر إلى أهله، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويذكر الوعيد فيمن قال على الله ما لا يعلم.
س 190: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض الناس يتصدون للفتوى وليس عندهم علم شرعي يؤهلهم لذلك، فما نصيحتكم لمثل هؤلاء جزاكم الله خيرًا؟
فأجاب بقوله: نصيحتي لهؤلاء الناس أن يقرؤوا قول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33)) (2) .
وقوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (3) .
__________
(1) سورة المجادلة، الآية: 11.
(2) سورة الأعراف، الآية: 33.
(3) سورة الإسراء، الآية: 36.
(26/411)

وقوله تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)) (1) .
فكل إنسان يفتي بغير علم فإنه ظالم لنفسه، وظالم لإخوانه فلا يوفق للصواب لأن الله قال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (2) . فعلى هؤلاء أن يتقوا الله في أنفسهم، وأن يتقوا الله في إخوانهم وألا
يتعجلوا إن كان الله أراد بهم خيرًا ألهمهم رشدًا وعلمًا، وصاروا أئمة يُهتدى بهم في الفتوى فلينتظروا وليصبروا.
أما بالنسبة للمُستفتين فإنا نحذرهم من الاستفتاء من أمثال هؤلاء، ونقول: العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم والحمد لله موجودون إما في البلاد نفسها، وإما في بلد آخر يمكن الاتصال عليهم بالهاتف، ويحصل المقصود إن شاء الله.
س 191: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: إذا سئلت عن أمر من أمور الشرع، فهل أجيبه بما أعرف مما قرأته من الكتب الشرعية أو ما سمعته من الأشرطة الدينية أو ما سمعته من برنامج نور على الدرب أو أقول له لا أعلم؟
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 144.
(2) سورة البقرة، الآية: 258.
(26/412)

فأجاب بقوله: الواجب إذا سألك أحد عن مسألة وأنت تعلم حكمها من الكتب الموثوق من مؤلفيها، أو الأشرطة الموثوق بقائلها، أو من برنامج نور على الدرب أن تخبره بالحكم الشرعي؛
لأنك الآن تعلم هذا الحكم، وإلا كنت داخلاً في الذين يكتمون العلم، ولكن يحسن في تقديري أن تقول: قال فلان في نور على الدرب: كذا. قال فلان: في كذا الفلاني في الكتاب الفلاني كذا حتى
تخرج من العدة.
س 192: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز للعالم في العقيدة أن يفتي في الفقه؟
فأجاب بقوله: لا يجوز لأحد أن يفتي بشيء لا يعلمه سواء كان عالمًا في شيء آخر أو لا؛ لقول الله تبارك وتعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33)) (1) .
ولقوله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)) (2) .
وإذا كان له اختصاص في العقيدة لكن عنده علم من الفقه فأفتى
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(2) سورة الإسراء، الآية: 36.
(26/413)

في الفقه بما يعلم فلا بأس، وكذلك العكس لو كان عنده اختصاص في علم الفقه وأفتى في العقيدة فلا بأس، فالممنوع هو أن يفتي الإنسان بغير علم سواء كان في أمر تخصصه أو في أمر خارج عن
تخصصه.
س 193: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هناك ممن ينتسبون إلى العلم من يفتي بدون دليل، فن طولب بالدليل غضب وثار وقال: هل أفني عمري في البحث عن الأدلة، ومن العجب أنه
علّم تلاميذه عبارة غريبة فحواها بأن العالم لا يسال عن الدليل، ما الحكم في مقولة هذا الذي ينتسب إلى العلم؟ وما الحكم في فتواه؟ وما الحكم في مقولة تلاميذه ومريديه من أن العالم لا يسأل
عن الدليل؟ وما الحكم في استفتاء من هذه حاله؟ أفيدونا في هذا الأمر الخطير جزاكم الله خيرًا على أن تكون الإجابة مشفوعة بالأدلة؟
فأجاب بقوله: الحقيقة أن ما ذكره السائل قد يوجد من بعض الناس ولاسيما من كان أكبر همه أن يكون ذا جاه بين العامة؛ فإن من الناس من يفتي سواء كانت فتواه مستندة إلى دليل، أم كانت فتواه
مجرد تقليد لمن يعظمه من العلماء السابقين أو اللاحقين، وقد ذكر ابن
(26/414)

عبد البر رحمه الله إجماع العلماء على أن المقلد لا يعد من العلماء؛ لأن المقلد ليس إلا نسخة كتاب من مذهب من يقلده، وليس من العلماء في شيء. ولهذا أرى أن التقليد لا يجوز إلا عند الضرورة، وقد شبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله التقليد بكل الميتة يجوز عند الضرورة، وأما مع القدرة على الدليل فإن التقليد لا يجوز وهذا مفهوم من قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (1) .
أما حال هذا الرجل الذي إذا طلب منه الدليل غضب، وقال: كيف أفني عمري في طلب الدليل؟! فإن هذا يدل على جهله وعلى جهالته أيضاً؛ لأن الإنسان العالم ينبغي له أن يفرح إذا طلب منه
السائل الدليل؛ لأن طلب السائل للدليل إذا لم يكن المقصود به الإعنات والإشقاق يدل على محبة هذا السائل لكونه يبني عقيدته، أو قوله، أو عمله على أساس من كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليعبد الله على بصيرة، فإن الحقيقة أن العلم معرفة الهدى بدليل، والإنسان
سوف يسأل يوم القيامة ماذا أجاب المرسلين كلما قال الله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) (2) وليس يقال له: ماذا أجبت فلانًا أو فلانًا من الناس سوى الرسل عليهم الصلاة والسلام.
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(2) سورة القصص، الآية: 65.
(26/415)

ونصيحتي لهذا العالم أن يتقي الله تعالى في نفسه، وألا يفتي إلا بدليل من الكتاب والسنة، اللهم إلا عند الضرورة، وأن يحرص تلاميذه على طلب الدليل من كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويمرنهم عليه وعلى استنباط الأحكام من أدلتها حتى ينفع الله به، ونحن جربنا بأنفسنا فأحيانًا تمر بنا المسألة نطلبها فيما عندنا من كتب أهل العلم فلا نجد لها حكمًا ثم إذا رجعنا إلى كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وجدناها قريبة يتناولها اللفظ بعمومه، أو بمفهومه، أو بإشارته، أو بلازمه أو غير ذلك من أنواع الدلالة المعروفة.
وهذا يدل على قصور بني آدم وأنه مهما بلغوا من الذكاء وتنزيل الأحكام على دلائلها فإنهم لم يحيطوا بما تتطلبه أحوال الخلق، وما يجب عليهم لكن كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - هما اللذان يحتويان ذلك كله، ولكن هذا أيضًا يعتمد على قوة الفهم لكتاب الله، وسنة
رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقوة الفهم تكون هبة من الله عز وجل على العبد إما تفضلاً منه، وإما بهداية الله له بمدارسة الكتاب والسنة والتأمل فيهما والنظر في دلالاتهما.
ولهذا فإن أحث إخواني ولاسيما طلبة العلم أن يكون مرجعهم دائمًا إلى كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأن يستعينوا على فهمهما واستنباط الأحكام منها بما كتبه أهل العلم الراسخون فيه من
(26/416)

القواعد والضوابط التي تعين طالب العلم على استنباط الأحكام من أدلتها، فإنه في الحقيقة لا غنى لطالب العلم عما كتبه السلف في كيفية استخراج الأحكام من أدلتها.
وأما قول هذا الشيخ: (إن العالم لا يطلب منه الدليل) فهذا خطأ، بل العالم حقًا هو الذي يعرض الدليل أولاً بقدر ما يستطيع وبحسب فهم السائل، فإن لم يفعل وطلب منه الدليل فليكن منشرح الصدر في طلب الدليل، وليأتِ بالدليل، وكما أسلفت آنفًا أن تمرين الطلبة على استخراج الأحكام من أدلتها من كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - هو في الحقيقة من أكبر الوسائل التي تعين على انتشار الأحكام، واستخراج أحكام المسائل الجديدة التي لم تكن معروفة في سلفنا الصالح.
س 194: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لقد شاع في هذا الزمان التسرع بالفتوى من غير علم ولا بصيرة، فما حكم الشرع في نظركم في مثل هذا الموضوع؟
فأجاب بقوله: حكم الشرع فيما نراه ويراه غيرنا من أهل العلم أنه لا يجوز التسرع في الفتوى بغير علم، بل إن الفتوى بغير علم من أعظم الذنوب قرنها الله تعالى بالشرك في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا
(26/417)

بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33)) (1) .
فالفتي معبر عن الله عز وجل؛ لأنه يتكلم عن أحكام الله في عباد الله، والمفتي معبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء؛ فإذا كان الأمر كذلك فيا ويله إن افترى على الله كذبًا وعلى رسوله؛ فليتحرز الإنسان من التسرع في الفتوى، وليقتدِ بالسلف الصالح
حيث كانوا يتدافعونها، كل منهم يدفعها إلى الآخر ليسلم من مسئوليتها، وليعلم إن الإمامة في الدين لا تكون بمثل هذا، بل إن الناس إذا رأوا متسرعاً في الفتوى وعرفوا كثرة خطئه فإنهم سوف
ينصرفون عنه ولا يثقوا بفتواه، وأما إذا كان رصينًا متأنيًا لا يفتي إلا عن علم، أو عن غلبة ظن فيما يكفي فيه غلبة ظن، فنه حينئذ يكون وقورًا محترمًا بين الناس ويكون لكلامه اعتبار وقبول.
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(26/418)

رسالة حوله خطر الفتوى
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى أخيه المكرم صاحب الفضيلة
الشيخ..... حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد: فإن كتابكم الكريم وصل وكان وقت وصوله زمن امتحان الطلبة وانشغالي بتصحيح أوراق إجابة الطلبة في دروسي.
وقد فهمت ما فيه من انشغالكم حين وفاة والدتي في التجول في بلدة...... على المدارس والتوعية أرجو الله تعالى أن يعينكم وينفع بكم.
هذا وأشكركم على مجيئكم للتعزية بها جزاكم الله عني خيرًا وغفر لي ولكم ولسائر المسلمين.
ثم ما ذكرتم من خطر الفتوى وأن المفتي معبر عن شرع الله تعالى أمام المستفتين، فالأمر كما ذكرتم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصالحين مصلحين، ونعوذ بالله أن نَزلّ أو نُزلّ، أو نَضلّ أو نُضل، أو نَجهل أو يُجهل علينا، أو نَظلم أن نُظلم.
ولولا معرة كتم العلم وخوف عقاب الله تعالى ما أفتيت أحدًا، ولكني أفتي أرجو أن أسلم من ذلك.
(26/419)

ولولا وجوب اتباع ما ظهر للإنسان أنه الحق ما أفتيت بما تفضلتم به في كتابكم الآنف الذكر.
ولا ريب أن سلوك الاحتياط أسلم للمرء، وأبرأ لذمته، ولكن الاحتياط ليس في لزوم الأشد، إنما الاحتياط في سلوك ما ظهر للمرء أنه الحق سواء كان الأشد أو الأسهل.
ولا يخفى على فضيلتكم أن الله تعالى ساوى بين تحليل الحرام وتحريم الحلال فيما خالف شرع الله فقال تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) (1) .
وفي كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) (2) ، فقلت له إنا لسنا نعبدهم قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون
ما حرم الله فتحلونه " فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم " (3) . ففي هذا الحديث أن تحريم الحلال كتحليل الحرام.
__________
(1) سورة النحل، الآية: 116.
(2) سورة التوبة، الآية: 31.
(3) انظر: جامع الترمذي/كتاب تفسير القرآن/باب ومن سورة التوبة، برقم (3095) .
(26/420)

وعلى الإنسان أن يتثبت كل التثبت فيما يخالف الجمهور من أهل العلم من أهل مذهبه وغيرهم، لكن إذا تبين له الحق في قول الأخرين لم يكن له بد من القول به؛ لأن المسألة إذا لم يكن عليها
إجماع صارت من مسائل النزاع، ولا يخفى على فضيلتكم مرد النزاع، وكم من قول ظن الإنسان أنه ضعيف بادي الأمر، أو أنه قوي، وبعد التأمل والتثبت تبين له في خلاف ذلك.
وما الروايات المختلفة عن الإمام أحمد رحمه الله، وغيره من الأئمة في حكم المسألة الواحدة إلا من هذا الباب، ومن هذا يعرف الإنسان قصوره واضطراره إلى ربه في تثبته وتوفيقه للصواب.
هذا وقد كتبت لكم برفقة هذا الكتاب تعليقًا مختصرًا على كل مسألة ذكرتموها في كتابكم المشار له ليتبين مأخذ كل مسألة من الكتاب والسنة وكلام أهل العلم، وأنه ما من مسألة منها إلا ولي فيها
سلف من أهل العلم، ودليل من الكتاب والسنة أو قواعد الشرع، فإن كنت مصيبًا في. ذلك فمن منّة الله وفضله والحمد لله على توفيقه، صان كنت مخطئًا فمن عند نفسي، وأسال الله أن يعفو عني ويلهمني الصواب.
وما ذكر فضيلتكم من أنكم لا تحبون التشهير بين طلبة العلم براد ومردود عليه وأنك نصحت من ردوا عليّ في مسألة المعية، فلا ريب
(26/421)

أن هذا من محاسن خلقك، وتمام نصيحتك لإخوانك وأمتك، فإن انشغال الإخوان بتتبع بعضهم بعضًا فيما يظنونه خطأ، ونشر الردود بينهم فيما هو من مسائل النزاع ومواقع الاجتهاد يحصل به ضرر كبير خاص وعام، وإضعاف لجبهة العلماء الراد والمردود عليه، حتى إنه قد يحصل التندر من بعض السفهاء في هذه الأمور والنزاعات.
أما ما ذكرت من مسألة المعية فقد حصل من جراء ذلك خير كثير خاص بيّ وعام ولله الحمد. وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.
وختامًا أسأل الله لي ولكم التوفيق لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل في مساعيكم الخير والبركة. وبلغوا سلامي الأبناء ومن سأل عني. والله يحفظكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه محمد الصالح العثيمين
في 12/6/1408 هـ
(26/422)

س 195: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يعلم فضيلتكم أن للإمام الشافعي- رحمه الله- فقهًا في العراق، فلما انتقل إلى مصر كان له فقه آخر اختلفت فيه بعض الأحكام الشرعية، ونحن
بطبيعة الحال نجزم بأن العقائد من الثوابت التي لا تتغير بتغير الزمان ولا المكان. السؤال المطروح هو: إذا اختلف فقه الإمام الشافعي في بعض المسائل حين انتقل من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي آخر تحتضنهما دولة واحدة، فكيف تكون مسائل الفقه لمن انتقل إلي بلاد يعتبر الإسلام فيها غريبًا؟ ألا ترون أنه من الضروري معالجة كثير من الأمور التي تواجه المسلمين ولا تزال الآراء مختلفة بل متضاربة حولها؟
فأجاب بقوله: إن دين الله تعالى لا يتغير لكن الذي يتغير هو علم الإنسان أو فقهه؛ فأما علمه فربما يحصل على علم أكثر مما كان عليه من قبل فيزداد بذلك علمًا، وأما فقهه فربما يظهر له من معاني الكتاب والسنة ما لم يكن قد ظهر له من قبل، وهذا أمر مشاهد حتى في البلد الواحد، فإن الإنسان يظهر له بعض الأحيان أكثر مما سبق وذلك بالمناقشة وإبداء الآراء يتغير الإنسان عن رأيه الأول. وكذلك أيضًا من العلم فكلما ازداد علمًا ازداد معرفة بالأحكام الشرعية.
(26/423)

س 196: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عندما يطرح سؤال شرعي يتسابق عامة الناس إذا كانوا في مجلس مثلاً بالفتيا في تلك المسألة وبغير علم غالبًا، فما تعليقكم على هذه الظاهرة؟
وهل يعتبر هذا الأمر من التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -؟
فأجاب بقوله: من المعلوم أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم في دين الله بغير علم، لأن الله تعالى يقول: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33)) (1) .
والواجب على الإنسان أن يكون ورعًا خائفًا من أن يقول على الله بغير علم، وليس هذا من الأمور الدنيوية التي للعقل فيها مجال، فإن الإنسان ينبغي له أن يتأنى وأن يتروَّى، وربما يكون الجواب الذي في نفسه يجيب به غيره فيكون هو كالحكم بين المجيبين وتكون كلمته هي الأخيرة الفاصلة، وما أكثر ما يتكلم الناس بآرائهم، أعني غير المسائل الشرعية، فإذا تأنى الإنسان وتأخر ظهر له من الصواب من أجل تعدد الآراء ما لم يكن على باله.
ولهذا فإني أنصح كل إنسان أن يتأنى وأن يكون هو الأخير في التكلم ليكون كالحاكم بين هذه الآراء، ومن أجل أن تظهر له في
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(26/424)

الآراء المختلفة ما لم يظهر له قبل سماعها، هذا بالنسبة للأمور الدنيوية، أما الأمور الدينية فلا يجوز أبدًا أن يتكلم الإنسان إلا بعلم يعلمه من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو أقوال أهل العلم.
س 197: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: متى يكون الخلاف في الدين معتبرًا؟ وهل يكون الخلاف في كل مسألة أم له مواضع معينة؟ نرجو بيان ذلك.
فأجاب بقوله: أولاً: اعلم أن خلاف علماء الأمة الإسلامية إذا كان صادرًا عن اجتهاد فإنه لا يضر من لم يوفق للصواب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (1) . ولكن من تبين له الحق وجب عليه
اتباعه بكل حال، والاختلاف الذي يقع بين علماء الأمة الإسلامية لا يجوز أن يكون سببًا لاختلاف القلوب؛ لأن اختلاف القلوب يحصل فيه مفاسد عظيمة كبيرة كما قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)) (2)
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، برقم (7352) ، ومسلم/كتاب الأقضية/باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، برقم (1716) ..
(2) سورة الأنفال، الآية: 46.
(26/425)

والخلاف المعتبر بين العلماء والذي ينقل ويذكر هو الخلاف الذي له حظ من النظر، أما خلاف العامة الذين لا يفهمون ولا يفقهون فلا عبرة به، ولهذا يجب على العامي أن يرجع إلى أهل العلم كما قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (1) .
وأما قول السائل: هل يكون الخلاف في كل مسألة؟
فالجواب: أن الخلاف قد يكون في بعض المسائل التي يختلف فيها الاجتهاد، أو يكون بعض الناس أعلم من بعض في الاطلاع على نصوص الكتاب والسنة، أما المسائل الأصلية فإنها يقل فيها الخلاف.
س 198: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما حكم الاجتهاد في الإسلام؟
فأجاب بقوله: الاجتهاد في الإسلام هو: بذل الجهد لإدراك حكم شرعي من أدلته الشرعية.
وهو واجب على من كان قادرًا عليه؛ لأن الله- عز وجل- يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (2) والقادر على الاجتهاد يمكنه معرفة الحق بنفسه، ولكن لابد أن يكون ذا سعة في
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(2) سورة النحل، الآية: 43.
(26/426)

العلم والاطلاع على النصوص الشرعية، وعلى الأصول المرعية، وعلى أقوال أهل العلم لئلا يقع فيما يخالف ذلك، فإن من طلبة العلم من لم يدركوا من العلوم إلا الشيء اليسير، ثم ينصب نفسه مجتهدًا فتجده يعمل بأحاديث عامة، لها ما يخصها، أو يعمل بأحاديث منسوخة لا يعلم ناسخها، أو يعمل بأحاديث أجمع العلماء على أنها على خلاف ظاهرها، ولا يدري عن إجماع العلماء، ومثل هذا على خطر عظيم.
فالمجتهد لابد أن يكون عنده علم بالأدلة الشرعية، وعنده علم بالأصول التي إذا عرفها استطاع أن يستنبط الأحكام من أدلتها وعلم بما عليه العلماء لئلا يخالف الإجماع وهو لا يدري، فإذا كانت
هذه الشروط في حقه موجودة متوافرة فإنه يجتهد، ويمكن أن يتجزأ الاجتهاد بأن يجتهد الإنسان في مسألة من مسائل العلم فيبحثها ويحققها ويكون مجتهدًا فيها، أو في باب من أبواب العلم كأبواب
الطهارة مثلاً يبحثه ويحققه ويكون مجتهدًا فيه.
س 199: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز لطالب العلم إذا كان في مجلس عام أن يقول لهم: مَنْ عنده مسألة أو مشكلة فليطرحها حتى أجيب عليها وتحصل الفائدة؟
(26/427)

فأجاب بقوله: يجوز عرض العالم على المتعلم، وعامة الناس أن يسألوا عما بدا لهم،. ولا يعد ذلك إعجابًا من العالم بنفسه، لأنه قد يقول قائل: لماذا يقول اسأل عما بدالك، هذا تعظيم لنفسه، وكبر منه؟
نقول: ليس هذا المراد بل المراد نشر العلم، والإنسان لا يعلم عما في قلب أخيه حتى يحدثه به، لذلك لا يقال هذا الفعل خطأ مادام الإنسان ليس قصده الإعجاب بالنفس، وإنما قصده بث العلم فلا
حرج في ذلك.
س 200: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عما يحصل من اختلاف الفتيا من عالم لآخر في موضوع واحد. ما مرد ذلك؟ وما موقف متلقي الفتيا؟
فأجاب بقوله: مرد ذلك إلى شيئين:
الأول: العلم، فقد يكون أحد المفتين ليس عنده من العلم ما عند المفتي الآخر، فيكون المفتي الآخر أوسع اطلاعًا منه، يطلع على ما لم يطلع عليه الآخر
والثاني: الفهم، فإن الناس يختلفون في الفهم اختلافًا كثيرًا، قد يكونون في العلم سواء، ولكن يختلفون في الفهم، فيعطي الله تعالى هذا فهمًا واسعًا ثاقبًا، يفهم مما علم أكثر مما فهمه الآخر، وحينئذٍ
(26/428)

يكون اكثر علمًا والأقوى فهمًا أقرب إلى الصواب من الآخر.
أما بالنسبة للمستفتي فإنه إذا اختلف عليه عالمان مفتيان فإنه يتبع من يرى أنه أقرب إلى الصواب، إما لعلمه، وإما لورعه ودينه، كما أنه لو كان الإنسان مريضًا واختلف عليه طبيبان فإنه سوف يأخذ بقول من يرى أنه أقرب إلى الصواب، فإن تساوى عنده الأمران ولم يرجح أحد المفتين على الآخر، فإنه يخير إن شاء أخذ بهذا، وإن شاء أخذ بهذا وما اطمأنت إليه نفسه أكثر فليأخذ به.
س 201: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: انتشرت الفتوى حتى صار الصغير يفتي، فما تعليقكم- غفر الله لكم-؟
فأجاب بقوله: كان السلف- رحمهم الله- يتدافعون الفتوى لعظم أمرها ومسئوليتها، وخوفًا من القول على الله بلا علم؛ لأن المفتي مخبر عن الله مبين لشرعه، فإن قال على الله بلا علم فقد وقع
فيما هو صنو للشرك، واستمع إلى قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33)) (1) فقرن سبحانه القول عليه بلا علم بالشرك، وقال سبحانه: (وَلَا تَقْفُ مَا
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 33.
(26/429)

لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)) (1) .
فلا ينبغي أن يتسرع الإنسان في الفتوى، بل ينتظر ويتدبر ويراجع، فإن ضاق الوقت فيحول المسألة إلى من هو أعلم منه ليسلم من القول على الله بلا علم.
وإذا علم الله من نيته الإخلاص وإرادة الإصلاح فسوف يصل إلى المرتبة التي يريدها بفتواه، فمن اتقى الله فسيوفقه الله ويرفعه.
والذي يفتي بلا علم أضل من الجاهل، فالجاهل يقول: لا أدري ويعرف قدر نفسه، ويلتزم الصدق، أما الذي يقارن نفسه بأعلام العلماء بل ربما فضل نفسه عليهم فيضل ويضل ويخطئ في مسائل
يعرفها أصغر طالب علم فهذا شره عظيم وخطره كبير.
س 202: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز لطالب العلم أن يرجح بعض الآراء الفقهية على بعض ثم يلزم بها غيره؟
وهل له أن يأخذ بالرأي المرجوح في بعض الأحوال وهو يعلم الراجح؟
فأجاب بقوله: إذا لم يتبين الحكم بيانًا تامًا لطالب العلم ويبقى
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 36.
(26/430)

عنده شك منه، فله أن يلزم نفسه به احتياطًا، ولا يلزم غيره بذلك؛ لأنه ليس عنده دليل بيّن يكون حجة له أمام الله- عز وجل- حين يحرم أو يوجب على عباد الله ما لم يثبت شرعًا، وكثيرًا ما يتردد
المجتهد في بعض الأشياء؛ فيحب أن يطبقها على نفسه ويتحمل ما يكون فيها من المشقة، ولكنه يخشى من إلزام عباد الله بها.
ولذلك نقول: لا مانع أن يسلك الإنسان هذا المسلك، ولكنه لا يترك إعادة النظر مرة بعد أخرى حتى يتبين الأمر، ويلزم الناس بمقتضى الدليل، ولا يكون مقصرًا في طلب الدليل فيكون مقصرًا في
بيان الشرع.
ولا يجوز له العمل بالمرجوح، بل يتعين عليه أن يعمل بالراجح إذا تبين له أنه راجح.
(26/431)

نصائح عامة لطلبة العلم
(26/433)

نصيحة من الشيخ رحمه الله لأحد طلابه حول منهج يسير عليه
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الابن.... حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد فقد سألتني بارك الله فيك أن أضع لك منهجاً تسير عليه في حياتك، وإني لأسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لما فيه الهدى والرشاد والصواب والسداد، وأن يجعلنا هداة مهتدين مصلحين
فأقول:
أولاً: مع الله عز وجل
1- احرص على أن تكون دائماً مع الله عز وجل، مستحضراً عظمته، متفكراً في آياته الكونية مثل: خلق السماوات والأرض وما أودع فيهما من بالغ حكمته، وباهر قدرته، وعظيم رحمته ومنته. وآياته الشرعية التي بعث بها رسله ولا سيما خاتمهم محمد - صلى الله عليه وسلم -.
2- أن يكون قلبك مملوءاً بمحبة الله تعالى لما يغذوك به من النعم ويدفع عنك من النقم ولا سيما نعمة الإسلام، والاستقامة عليه حتى يكون أحب شيء إليك.
3- أن يكون قلبك مملوءاً بتعظيم الله عز وجل، حتى يكون في
(26/435)

نفسك أعظم شيء.
وباجتماع محبة الله تعالى، وتعظيمه في قلبك، تستقيم على طاعته، قائماً بما أمر به لمحبتك إياه، تاركاً لما نهى عنه لتعظيمك له.
4- أن تكون مخلصاً له جل وعلا في عباداتك متوكلاً عليه في جميع أحوالك لتحقق بذلك مقام (إياك نعبد وإياك نستعين) .
وتستحضر بقلبك أنك إنما تقوم بما أمر امتثالاً لأمره، وتترك ما نهى عنه امتثالاً لنهيه، فإنك بذلك تجد للعبادة طعماً لا تدركه مع الغفلة، وتجد في الأمور عوناً منه لا يحصل لك مع الاعتماد على
نفسك.
ثانياً: مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
1- أن تقدم محبته على محبة كل مخلوق، وهديه وسنته على كل هدي وسنة.
2- أن تتخذه إماماً لك في عباداتك وأخلاقك بحيث تستحضر عند فعل العبادة أنك متبع له، وكأنه أمامك تترسم خطاه وتنهج نهجه. وكذلك في مخالقة الناس أنك متخلق بأخلاقه التي قال الله له عنها (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (1) .
ومتى التزمت بهذا فستكون حريصاً غاية الحرص على العلم
__________
(1) سورة القلم، الآية: 4.
(26/436)

بشريعته وأخلاقه.
3- أن تكون داعياً لسنته ناصراً لها مدافعاً عنها فإن الله تعالى سينصرك بقدر نصرك لشريعته.
ثالثاً: عملك اليومي غير المفروضات
1- إذا قمت من الليل فاذكر الله تعالى وادع الله بما شئت فإن الدعاء في هذا الموطن حريّ بالإجابة، واقرأ قول الله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (1) حتى تختم السورة سورة
آل عمران وهي عشر آيات.
2- صل ما كتب لك في آخر الليل، واختم صلاتك بالوتر.
3- حافظ على ما تيسر لك من أذكار الصباح. قل مئة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
4- صل ركعتي الضحى.
5- حافظ على أذكار المساء ما تيسر لك منها.
رابعاً: طريقه طلب العلم.
1- احرص على حفظ كتاب الله تعالى، واجعل لك كل يوم شيئاً معيناً تحافظ على قراءته، ولتكن قراءتك بتدبر وتفهم. وإذا
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 190.
(26/437)

عنت لك فائدة أثناء القراءة فقيدها.
2- احرص على حفظ ما تيسر من صحيح سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك حفظ عمدة الأحكام.
3- احرص على التركيز والثبات بحيث لا تأخذ العلم نُتَفاً من هذا شيء وهذا شي؛ لأن هذا يضيع وقتك ويشتت ذهنك.
4- ابدأ بصغار الكتب وتأملها جيداً، ثم انتقل إلى ما فوقها، حتى تحصل على العلم شيئاً فشيئاً على وجه يرسخ في قلبك وتطمئن إليه نفسك.
5- احرص على معرفة أصول المسائل وقواعدها وقيّد كل شيء يمر بك من هذا القبيل فقد قيل: من حرم الأصول حرم الوصول.
6- ناقش المسائل مع شيخك، أو من تثق به علماً وديناً من أقرانك ولو بأن تقدر في ذهنك أن أحداً يناقشك فيها إذا لم تمكن المناقشة مع من سمينا.
هذا وأسأل الله تعالى أن يعلمك ما ينفعك، وينفعك بما عملك، ويزيدك علماً، ويجعلك من عباده الصالحين وحزبه المفلحين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه محمد الصالح العثيمين
في 3 رجب سنة 1412 هـ
(26/438)

س 203: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض الطلبة في الكليات الشرعية بقوم بإحراج المشايخ بطلب حذف بعض المنهج، وتجد بعض الطلبة أيضاً يفرح إذا غاب أحد الأساتذة،
لأنه ينقص من المنهج حينئذٍ، فما نصيحتكم؟
فأجاب بقوله: لا ينبغي للطالب الحازم أن يُلجئ الأساتذة إلى أمر محرج، بل عليه الأدب والابتعاد عن هذه الخصلة، ثم إن الأستاذ لا يملك أن يحذف شيئاً من المقرر، وقد جاءت الأنظمة بأن
الامتحان على حسب المنهج والمقرر، ليس على حسب الدراسة. ولهذا ينبغي للأستاذ ألا يُضيّع وقت الدراسة بأمور خارجة
عن الموضوع فيضيع على الطلبة مقررهم إلى أمر ليسوا بحاجة إليه، وإذا جاء آخر العام إذا بهم لم يأخذوا إلا اكثر من نصف المادة أو النصف منها فقط، فيقع المدرس في حرج أو الطلبة يقعون في حرج؛ لأن المدرس إما أن يقتصر على المقروء، وحينئذٍ يقع هو في حرج؛ لأن أنظمة المسؤولين
عن التعليم تنص على أن الامتحان يكون في جميع المقرر.
وإما أن يقع الطلبة في حرج فتوضع لهم أسئلة في شيء لم يقرؤه، وهذا لا شك أنه حرج.
فالحاصل: أننا ننصح الطلبة ألا يحرجوا الأساتذة في هذه المسألة، وننصح الأساتذة أيضاً أن يحرصوا على إكمال المقرر بدون ضرر، وألا يشغلوا أوقات الدراسة ببحوث لا فائدة منها.
(26/439)

بسم الله الرحمن الرحيم
فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى
نرجو من فضيلتكم الإجابة عن هذا السؤال: نحن- بعض المدرسات- نلاحظ على كثير من المدرسات أنهن يتأخرن عن الحضور في قاعة الدراسة في الوقت المحدد، فتتأخر المدرسة بعض الوقت، وتكون جالسة مع المدرسات في غرفتهن وليس هناك ضرورة لذلك، فما حكم ذلك؟ مع أننا سمعنا نفس المشكلة عند المدرسين وجزاكم الله خيراً.
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا حرام عليهن فلا يحل للمعلم ولا للمعلمة التأخر عن دخول الفصل (قاعة التدريس) من حين إعلان دخول الحصة، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1) . وقوله: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً) (2) وقوله: (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (3) . أي اعدلوا، وليس من العدل أن يأخذ الموظف من معلم، أو معلمة، أو غيرهما، راتبه كاملاً، ويتساهل في أداء وظيفته التي
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 1.
(2) سورة الإسراء، الآية: 34.
(3) سورة الحجرات، الآية: 9.
(26/440)

جعل له الراتب في مقابلة القيام بها، فإن حصل ذلك منه فليتحمل الوعيد المذكور في قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (1) . وفق الله الجميع للخيرات وأداء الأمانات.
كتبه محمد الصالح العثيمين
في 13/5/1411 هـ
__________
(1) سورة المطففين، الآيات: 1-3.
(26/441)

س 204: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما توجيهكم حول ما يحصل من البعض من التفرق والتحزب؟
فأجاب بقوله: لاشك أن التحزب والتفرق في دين الله منهي عنه محذر منه، لقوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (1) وقوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (2) .
فلا يجوز للأمة الإسلامية أن يتفرقوا أحزابًا، لكل طائفة منهج مغاير لمنهج الأخرى، بل الواجب اجتماعهم على دين الله على منهج واحد وهو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين الصحابة المرضيين، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (3) .
وليمس من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم أن
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 105.
(2) سورة الأنعام، الآية: 159.
(3) رواه أحمد 28/367 (17142) ، والترمذي/كتاب العلم/باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، برقم (2676) ، وأبو داود/كتاب السنة/باب في لزوم السنة، برقم (4607) ، وابن ماجه في المقدمة/باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، برقم (42) .
(26/442)

تتفرق الأمة أحزابًا لكل حزب أمير ومنهج، وأمير الأمة الإسلامية واحد، وأمير كل ناحية واحد، من قبل الأمير العام.
وإنما أمر النبي ظَ باتخاذ أمير في السفر؛ لأن المسافرين نازحون عن المدن والقرى التي فيها أمراء من قبل الأمير العام، وربما تحصل مشاكل لا تقبل التأخير إلى وصول هذه المدن والقرى، أو مشاكل
صغيرة لا تحتمل الرفع إلى أمراء المدن والقرى، كالنزول في مكان والنزوح عنه، وتسريح الرواحل وحبسها ونحو ذلك، فكان من الحكمة أن يؤمِّر المسافرون أحدهم لمثل هذه الحالات.
ونصيحتي للأمة أن يتفقوا على دين الله ولا يتفرقوا فيه، وإذا رأوا من شخص أو طائفة خروجًا عن ذلك نصحوه، وبينوا له الحق، وحذروه من المخالفة، وبينوا له أن الاجتماع على الحق أقرب إلى
السداد والفلاح من التفرق.
وإذا كان الخلاف عن اجتهاد سائغ فإن الواجب ألا تتفرق القلوب وتختلف من أجل ذلك، فإن الصحابة الكرام- رضي الله عنهم- حصل بينهم خلاف في الاجتهاد في عهد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وبعده، ولم يحصل بينهم اختلاف في القلوب أو تفرق، فليكن لنا فيهم أسوة،
فإن آخر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها.
وفقنا الله إلى ما يحبه ويرضاه.
(26/443)

رسالة
حول الاجتماع والاختلاف وترك التفرق والاختلاف الحمد لله رب العالمين، وصلي الله وسلم على نبيا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه العظيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (1) فأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نذكر نعمة الله علينا، إذ كنا أعداء فألف بين قلوبنا، فأصبحنا بنعمته إخوانًا، فعلينا جميعًا أن نشكر الله على هذه النعمة
وأن نحرص كل الحرص على أن تكون كلمتنا واحدة.
لأننا بذلك نكون أمة قوية مرموقة، وأما إذا تنازعنا وتفرقنا فإنه بلا شك سوف نفشل وتذهب ريحنا، كما قال الله تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (2)
والواجب على طلبة العلم خاصة، وعلى المسلمين عامة أن يدعوا
__________
(1) سورة آل عمران، الآيتان: 102، 103.
(2) سورة الأنفال، الآية: 46.
(26/444)

الأحقاد والأضغان، وأن يكون هدفهم واحد ودعواهم واحدة، وألا يظهروا الشماتة بأنفسهم بالتفرق والتنازع، والتنابز بالألقاب، والكراهية والبغضاء، فإن ذلك أعظم سلاح فتاك يبطل هيبة
المسلمين، ويوجب أن يتسلط عليهم أعداؤهم فيقفون متفرجين عليهم ينظرون إليهم وهم يتنازعون ويتخاصمون ويقولون: كفينا أن نفسد بين المسلمين.
وإنه يجب على كل واحد منا أن يعذر أخاه فيما طريقه الاجتهاد، فإن اجتهاد كل واحد ليس حجة على الآخر، والحجة ما قاله الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا كان الخلاف سائغًا لم يظهر فيه العصيان والتعصب للنفس، فإن الواجب أن تتسع صدورنا له، ولا مانع حينئذ من المناقشة الهادئة التي يراد بها التوصل إلى الحق، فإن هذا هو طريق الصحابة رضي الله عنهم، وأما أن نتخذ من الخلاف السائغ مثارًا للكراهية والبغضاء والتحزب، فإن ذلك خلاف طريق السلف
الصالح، ولينظر الإنسان وليتفكر في هذه الشريعة الإسلامية فإنها جاءت بما يوجب الألفة والمحبة، ونهت عن كل ما يوجب التفرق والبغضاء، فكثير من العبادات يشرع فيها الاجتماع كالصلوات،
وكثير من الأشياء نهى الله عنها لأنها توجب العداوة والبغضاء كالبيع على بيع المسلم، والخطبة على خطبته وغير ذلك.
(26/445)

فنصيحتي لإخواني أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وفي أمتهم، وألا يتنازعوا فيفشلوا وتذهب ريحهم.
وأسأل الله لنا جميعًا التوفيق لما يحب ويرضى.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
حرر في 29/3/1416 هـ
(26/446)

رسالة
سماحة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
لا يخفى على فضيلتكم كثرة الأحزاب في الساحة، فما توجيهكم حفظكم الله تعالى؟
فأجاب بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا شك أن تحزب المسلمين إلى أحزاب متفرقة متناحرة، مخالف لما تقتضيه الشريعة الإسلامية من الائتلاف والاتفاق، موافق لما يريده الشيطان من التحريش بين المسلمين، وإيقاع العداوة
والبغضاء، وصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، قال الله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (1) . وفي الآية الأخرى: (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (2) . وقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (3) . وقال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (4) .
__________
(1) سورة الأنبياء، الآية: 92.
(2) سورة المؤمنون، الآية: 52.
(3) سورة آل عمران، الآية: 103.
(4) سورة آل عمران، الآية: 155.
(26/447)

فاجتهدوا في جمع الكلمة، وترك التنابذ والتفرق، فإن التنازع والتفرق سبب للخذلان والفشل.
أسال الله تعالى أن يصلح أمور المسلمين ويجمع كلمتهم كل الحق، إنه على كل شيء قدير.
كتبه محمد الصالح العثيمين
في 13 صفر سنة 1419 هـ.
(26/448)

س 205: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عن حكم مشاهدة الأفلام التعليمية التي قد تكون فيها نساء وخصوصًا أفلام تعلم اللغة الإنجليزية.
فأجاب بقوله: أنا أرى أن مشاهدة الأفلام التعليمية جائزة ولا بأس بها؛ لأنها مشاهدة لأمر يكون خيرًا، وإذا كان الذي يظهر من النساء والمشاهدون رجال فإن حصل تمتع بالنظر إليها، فهذا محرم،
وأما إذا لم يكن ذلك فهذا محل توقف عندي، وعلى كل حال فإنني أكره ذلك لأنه يخشى على الإنسان من الفتنة إذا شاهد ذلك، وبالإمكان إذا كان الذي يتكلم في هذه الحلقة امرأة أن تضع على الشاشة غطاء حتى لا تظهر أمام الطلبة، هذا إذا اضطررنا إلى الاستماع للمرأة بحيث لا يوجد لهذا الموضوع رجل، فإن كان يوجد رجل فلا يعدل عنه إلى النساء إذا كان المتعلمون رجالاً والعكس بالعكس.
س 206: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: هل يجوز للرجل أن يدرس في جامعة يختلط فيها الرجال والنساء في قاعة واحدة، علماً بان الطالب له دور في الدعوة إلى الله تعالى؟ أفتونا جزاكم الله
عنا كل خير.
(26/449)

فأجاب بقوله: الذي أرى أنه لا يجوز للإنسان رجلاً كان أو امرأة، أن يدرس في مدارس مختلطة، وذلك لما فيه من الخطر العظيم على عفته، ونزاهته، وأخلاقه، فإن الإنسان مهما كان من النزاهة
والأخلاق والبراءة، إذا كان إلى جنبه في الكرسي الذي هو فيه امرأة، ولاسيما إذا كانت جميلة ومتبرجة، لا يكاد يسلم من الفتنة والشر، وكل ما أدى إلى الفتنة والشر فإنه حرام، ولا يجوز، حتى وإن لم يجد إلا هذه الجامعة فيترك الدراسة إلى بلد آخر ليس فيه هذا الاختلاط. ونسأل الله لإخواننا المسلمين أن يعصمهم من مثل هذه الأمور التي لا تعود إلى شبابهم إلا بالشر والفتنة والفساد.
س 207: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: نلاحظ أن أكثر الشباب يهتم بقراءة الكتب الثقافية العامة متاثرًا بها وغير مهتم بكتب الأصول، فما نصيحتكم وفقكم الله؟
فأجاب بقوله: نصيحتي لنفسي أولاً ثم لإخواننا طلبة العلم أن يعتنوا بكتب أهل العلم من السلف؛ لأن كتب السلف فيها من الخير الكثير والعلم الكثير، وفيها من البركة ما هو معلوم.
(26/450)

س 208: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: نرى كثيرًا من الناس يعلم بعض الأحكام الشرعية كتحريم حلق اللحية، وشرب الدخان ومع ذلك لا يعمل بعلمه، فما أسباب ذلك؟
وكيف تعالج هذه الظاهرة الخطيرة؟
فأجاب بقوله: أسباب ذلك هو: اتباع الهوى، وكون الإنسان ليس عنده من الوازع الديني ما يحمله على تقوى الله- عز وجل- في تجنب ما يراه حرامًا، والإنسان إذا حاسب نفسه ورأى أنه راجع إلى
ربه مهما طال به الوقت فإنه قد يغلب هواه وقد يسيطر على نفسه. ومن أسباب ذلك أيضًا: أن الشيطان يصغر مثل هذه المعاصي في قلب العبد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حذر من ذلك فقال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل ذلك كمثل قوم نزلوا أرضًا فأتى هذا بعود، وهذا
بعود، وهذا بعود، ثم جمعوا حطبًا كثيرًا وأضرموا نارًا كثيرًا " (1) .
فهكذا المعاصي المحقرات التي يراها الإنسان حقيرة لا تزال به حتى تكون من كبائر الذنوب.
ولهذا قال أهل العلم: إن الإصرار على الصغائر يجعلها كبائر، وإن الاستغفار من الكبائر يكفرها، لهذا نقول لهؤلاء: عليكم أن تحاسبوا أنفسكم.
__________
(1) انظر: مسند أحمد 6/367 (3817) .
(26/451)

ومن أسباب ذلك أيضًا: قلة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
ولو كان كل واحد. منا إذا رأى أحدًا على معصية أرشده وبين له أن ذلك مخالف لهدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإن العاقل سوف يعتبر ويتغير.
س 209: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لماذا لا يكون لكم درس أسبوعي في مدينة الرياض؟
فأجاب بقوله: لأن النهر لا يروي البحر.
س 210: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: بعض الشباب يريدون أن يتعلموا الطب وبعض العلوم الأخرى ولكن هناك عوائق مثل الاختلاط والسفر إلى بلاد الخارج، ما الحل؟ وما نصيحتكم لهؤلاء الشباب؟
فأجاب بقوله: نصيحتي لهؤلاء أن يتعلموا الطب، لأننا في بلادنا في حاجة شديدة إليه، وأما مسألة الاختلاط فإنه هنا في بلادنا والحمد لله يمكن أن يتقي الإنسان ذلك بقدر الاستطاعة.
وأما السفر إلى بلاد الكفار فلا أرى جواز السفر إلا بشروط:
الأول: أن يكون عند الإنسان علم يدفع به الشبهات؛ لأن الكفار يوردون على أبناء المسلمين الشبهات حتى يردوهم عن دينهم.
(26/452)

الثاني: أن يكون عند الإنسان دين يدفع به الشهوات، فلا يذهب إلى هناك وهو ضعيف الدين، فتغلبه الشهوات فتدفع به إلى الهلاك.
الثالث: أن يكون محتاجًا إلى السفر بحيث لا يوجد هذا التخصص في بلاد الإسلام.
فهذه الشروط الثلاثة إذا تحققت فليذهب، فإن تخلف واحد منها فلا يسافر؛ لأن المحافظة على الدين أهم من المحافظة على غيره.
س 211: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: يحصل من بعض طلبة العلم في الكليات الشرعية قراءة بعض الكتب في العقيدة أو الحديث وذلك في أثناء محاضرات لبعض المواد التي يرون قلة الفائدة منها فما نصيحتكم؟
فأجاب بقوله: التشاغل عن الدرس الذي يلقى، أرى أنه لا يجوز؛ لأن الطالب عندما دخل الجامعة فإنه دخل ملتزماً بما يكون فيها، ومنها الدراسة المعينة، فذا تلهى عنها لم يكن موفياً بالعقد والعهد، فالأقرب عندي: أنه لا يجوز أن يتشاغل الطالب بغير ما يشرحه الأستاذ.
وأما كون الدرس مملاً، فالإنسان إذا أعطى نفسه الملل من شيء ملَّه، لكن إذا وطَّن نفسه على أنه لا بد أن يحضر قلبه له؛ زال عنه الملل.
(26/453)

وأما كون الأستاذ لا يشرح الشرح الوافي، فهذا يمكن معالجته بحيث إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لجميع الطلبة فإنه يُقال للمدرس: نحب أن تشرح لنا شرحاً أوفى من هذا، أو تُبيّن لنا بياناً أوضح من هذا، والأشياء يمكن إصلاحها بالتناصح والتعاون.
س 212: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: نرجو من سماحتكم- حفظكم الله تعالى- توجيه نصيحة لمن عمل في مجال التدريس، عسى الله أن ينفع بها وجزاكم الله خيرًا.
فأجاب بقوله: نقول: أهم ما يتعلق بالمعلمين أن يدركوا العلوم التي يعطونها الطلبة إدراكًا جيدًا مستقرًا في نفوسهم، قبل أن يقفوا أمام الطلبة حتى لا يقع الواحد منهم في حيرة عند سؤال التلاميذ له ومناقشتهم إياه، فإن من أعظم المقومات الشخصية لدى الطلبة أن يكون المعلم قويًا في علمه وملاحظته، إن قوة المعلم العلمية في تقويم شخصيته لا تقل عن قوة ملاحظته، إن المعلم إذا لم يكن عنده علم ارتبك عند السؤال فينحط قدره أمام تلاميذه، وإن أجاب بالخطأ فلن يثقوا فيه بعد ذلك، وإن انتهرهم عند السؤال والمناقشة فلن ينسجموا معه.
إذن فلابد للمعلم من إعداد واستعداد وتحمل وصبر، فالمعلم
(26/454)

عند توجيه السؤال له إن كان عنده علم راسخ في ذهنه، مستقر في نفسه أجاب بكل سهولة وانطلاق، وإلا فإنه لا يخلو بعد ذلك من هذه الأمور الثلاثة السابقة، وكل ذلك ينافي الآداب التي ينبغي أن يكون المعلم عليها، وإذا كان على المعلم أن يدرك العلم الذي سيلقيه أمام الطلبة فإن عليه أن يحرص على حسن إلقائه إليهم بأن يسلك أسهل الطرق في إيضاح المعاني، وضرب الأمثال، ومناقشة الطلبة فيما ألقاه عليهم سابقًا، أما أن يأتي يقرأ الشيء عليهم قراءة ولا يدري من
فهم ممن لم يفهم، ولا يناقشهم فيما مضي فإن هذه الطريقة عقيمة جدًا لا تثمر ثمرًا، ولا تكون نتيجتها طيبة.
ماذا كان المعلم يجتهد في الأمور العلمية تحصيلاً وعرضا، أن يجتهد في الأمور التعبدية، عليه أن يكون حسن النية والتوجيه فينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته، وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور
دينهم ودنياهم، وليجعل نفسه لهم بمنزلة الأب الرفيق الشفيق ليكون لتعليمه أثر بالغ في نفوسهم، وعلى المعلم أن يظهر أمام طلبته بالمظهر اللائق من الأخلاق الفاضلة والآداب العالية التي أساسها
التمسك بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليكون قدوة لتلاميذه في العلم والعمل، فإن التلميذ ربما يتلقى من معلمه من الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقى منه من العلم من حيث التأثر بأخلاق المعلم،
(26/455)

وآدابه صورة مشهودة معبر عما في نفسه ظاهرة في سلوكه فتنعكس هذه الصورة تمامًا على إرادة التلاميذ. إن على المعلم أن يتقي الله تعالى في نفسه، وفيمن ولاه الله عليهم من التلاميذ، وأن يحرص غاية الحرص أن يمتثل أمامهم بالأخلاق حتى يكون قدوة صالحة "ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة" (1) .
وإنني أقول للمعلمين: إن عند التلاميذ ملاحظة دقيقة عجيبة على صغر سنهم، إن المعلم إذا أمرهم بشيء ثم رأوه يخالفهم فيما أمرهم به فإنهم سوف يضعون علامات الاستفهام أمام وجه هذا
المعلم، كيف يعلمنا بشيء ويأمرنا به وهو يخالف ما كان يعلمنا ويأمرنا به، لا تستهن أيها المعلم بالتلاميذ حتى ولو كانوا صغارًا فعندهم أمر الملاحظة من الأمور العجيبة.
س 213: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما هو قولكم فيمن يقول: نحن نحتاج إلى دعاة ولا نحتاج إلى علماء؟
فأجاب بقوله: الواقع أن الأمة الإسلامية تحتاج إلى دعاة، وتحتاج إلى علماء يغوصون في بحور العلم ويستخرجون كنوزه وجواهره،
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الزكاة/باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، برقم (1017) .
(26/456)

والأمة كذلك بحاجة إلى دعاة تغرسُ في الناس حب الخير والاتجاه إليه، ولكن الحاجة ماسَّة إلى دعاة حكماء يعرفون كيف يضعون الكلمة وكيف يمسكونها؛ لأن من الدعاة من تحمله الغيرة على
إطلاق كلمات قد يكون من الحكمة ألا تُذكر.
أما الفقهاء فلا شك أنهم هم الذين يبحثون في دُرر معاني الكتاب والسنة من أجل أن يهدوا بها الأمة، فلكل مجال عمله، والأمة محتاجة إلى هؤلاء وهؤلاء.
أما احتياج الداعي للعلم فلا شك أنه محتاج إليه، فالعلم في حقه ضروري، وكيف يدعو إلى ما لا يعلم؟ أليس الله يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) (1) أي: على علم من الشرع الذي يدعو إليه، وعلم بحال المدعوين، وعلم بما يناسب الحال
والوقت والمكان، فلا بد للداعي من هذا العلم.
فالأمة الإسلامية محتاجة إلى علماء وإلى دعاة، وإذا منَّ الله على العبد أن يكون داعية وفقيهاً عالماً؛ فهذا من نعم الله عز وجل عليه.
س 214: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: لقد ظهرت دعوات كثيرة منها الدعوة إلى تجديد الفقه الإسلامي، فكيف
__________
(1) سورة يوسف، الآية: 108.
(26/457)

يكون ذلك التجديد؟
فأجاب بقوله: هذا التجديد الذي ذكره السائل إن أراد به: مقترحه أن يُجدّد التبويب، وعرض المسائل الفقهية، حتى يكون ملائمًا وقريباً لأفهام المعاصرين، فهذا لا بأس به، وما هو إلا تغير
أسلوب من حال إلى حال ليقرب المعنى إلى أذهان الناس.
على أن التجديد على هذا الوجه له مساوئ منها: أن نرى كثيرًا من المعاصرين الذين يكتبون فيما كتبه السابقون يطيلون الكلام والتفصيلات حتى يذهب آخر الكلام أوله، ويضيع الإنسان بين
هذه التقسيمات وبين الكلام الذي يعتبر حشوًا، وهذه سيئة عظيمة تُبدّد الفكر، بل يضيع للإنسان نصف الوقت الذي يقضيه في قراءة هذه الكتب الجديدة، ولا أقول: إن هذا وصف لكل كتاب جديد بل في كثير من الكتب المصنفة الجديدة ما يكون على هذا النمط.
وإن أراد مقترحوا التجديد الفقه أن يغير بهذا التجديد ما دلت النصوص على حكمه، فإن هذا مبدأ خطير ومبدأ باطل؛ إذ لا يجوز للإنسان أن يغير شيئًا من أحكام الله عز وجل، فإن أحكام الله تعالى باقية ما بقي هذا الدين، وهذا الدين سيبقى إلى يوم القيامة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" (1) .
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الأيمان/باب نزول عيسى ابن مريم، برقم (156) .
(26/458)

س 215: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: ما نصائحكم للطلبة في أيام الامتحانات والإجازات؟
فأجاب بقوله: نصيحتي للطلبة في أيام الامتحانات، وفي غير أيام الامتحانات وفي الإجازة: أن يتقوا الله عز وجل، وأن يخلصوا له النية في طلب العلم، وأن يؤدوا الأمانة في الامتحانات بحيث لا يحاول
أحد منهم الغش لا لنفسه ولا لغيره؛ لأنه مؤتمن، ولأن من نجح بالغش فليس بناجح في الحقيقة، ثم إنه يترتب على غشه أنه سينال بشهادته مرتبة لا تحل إلا بالشهادة الحقيقة المبنية على الصدق،
والإنسان إذا لم ينجح إلا بالغش فإنه لم ينجح في الحقيقة، ثم إنه سوف يكون فاشلاً ليتولى منصبًا يتولاه من حصل على الشهادة التي غش فيها، إذ أنه ليس عنده علم فبقي فاشلاً في أداء مهمته، ولا فرق في ذلك بين مادة وأخرى فجميع المواد لا يجوز فيها الغش، وما اشتهر عند بعضهم بأنه يجوز الغش في بعض المواد فإنه لا وجه له.
أما في الإجازة: فإني أرى للطلاب أن يستغلوها بما ينفع أنفسهم وينفع غيرهم، بالانكباب على طلب العلم الذي يهوونه ويستريحون إليه، وإذا كان لابد لهم من أن يرفهوا أنفسهم بعد التعب والكلل فإن من أحسن شيء يرفهون به أنفسهم أن يسافروا إلى مكة والمدينة للعمرة وزيارة المسجد النبوي.
(26/459)

س 216: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله-: عمن يقول بعدم الاجتهاد وخلو هذا العصر من المجتهدين.
فأجاب بقوله: الصحيح أن باب الاجتهاد باقٍ بدليل السنة كما في حديث عمرو بن العاص- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإن حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (1) .
لذلك قول من يقول: بعدم الاجتهاد وخلو هذا العصر من المجتهدين، قول ضعيف، ويترتب عليه الإعراض عن الكتاب والسنة إلى آراء الرجال، وهذا خطأ بل الواجب على من تمكن من
أخذ الحكم من الكتاب والسنة أن يأخذ منهما، ولكن لكثرة السنن وتفرقها لا ينبغي للإنسان أن يحكم بشيء بمجرد أن يسمع حديثًا في الحكم حتى يتثبت؛ لأن هذا الحكم قد يكون منسوخًا أو مقيدًا وأنت تظنه مطلقًا، أو عامًا وأنت تظنه خاصًا وهكذا.
وأما أن نقول: لا تنظر في القرآن والسنة، لأنك لست أهلاً للاجتهاد، فهذا غير صحيح.
ثم إنه على قولنا: إن باب الاجتهاد مفتوح لا يجوز أبدًا أن تحتقر
__________
(1) رواه البخاري/كتاب الاعتصام، برقم (7352) ، ومسلم/كتاب الأقضية برقم (1716) .
(26/460)

آراء العلماء السابقين، أو أن تنزل من قدرهم؛ لأن أولئك تعبوا واجتهدوا وليسوا بمعصومين، فكونك تقدح فيهم، أو تأخذ المسائل التي يلقونها على أنها نكت تعرضها أمام الناس ليسخروا بهم فهذا أيضًا لا يجوز، وإذا كانت غيبة الإنسان العادي محرمة فكيف بغيبة أهل العلم الذين أفنوا أعمارهم في استخراج المسائل من أدلتها؟! ثم يأتي في آخر الزمان من يقول: إن هؤلاء لا يعرفون، وهؤلاء يفرضون المحال، ويقولون كذا وكذا. مع أن أهل العلم فيما يفرضونه من المسائل النادرة قد لا يقصدون الوقوع، ولكن يقصدون تمرين الطالب على تطبيق المسائل على قواعدها وأصولها.
(26/461)

بسم الله الرحمن الرحيم
الخلاف بين العلماء ... أسبابه وموقفنا منه
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (1) .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1)) (2) . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)) (3) .
أما بعد:
فإنه قد يثير هذا الموضوع التساؤل لدى الكثيرين، وقد يسأل
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 102.
(2) سورة النساء، الآية: 1.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 71.
(26/462)

البعض لماذا هذا الموضوع، وهذا العنوان الذي قد يكون غيره من مسائل الدين أهم منه؟
ولكن هذا العنوان، وخاصة في وقتنا الحاضر يشغل بال كثير من الناس، لا أقول من العامة بل حتى من طلبة العلم، وذلك أنها كثرت في وسائل الإعلام نشر الأحكام وبثها بين الأنام، وأصبح الخلاف
بين قول فلان وفلان مصدر تشويش، بل تشكيك عند كثير من الناس، لاسيما من العامة الذين لا يعرفون مصادر الخلاف؛ لهذا رأيت وبالله أستعين أن أتحدث في هذا الأمر الذي له في نظري شان
كبير عند المسلمين.
إن من نعمة الله- تبارك وتعالى- على هذه الأمة أن الخلاف بين الأمة لم يكن في أصول دينها ومصادره الأصلية، وإنما كان الخلاف في أشياء لا تمس وحدة المسلمين الحقيقية، وهو أمر لابد أن يكون، وقد أجملت العناصر التي أريد أن أتحدث عنها بما يأتي:
أولاً: من المعلوم عند جميع المسلمين مما فهموه من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى بعث محمدًا بالهدى ودين الحق، وهذا يتضمن أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بين هذا الدين بيانَا شافيًا كافيًا، لا يحتاج بعده إلى بيان؛ لأن الهدى بمعناه ينافي الضلالة بكل معانيها، ودين الحق بمعناه ينافي كل دين باطل لا يرتضيه الله- عز وجل-
(26/463)

ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بالهدى ودين الحق، وكان الناس في عهده- صلوات الله وسلامه عليه- يرجعون عند التنازع إليه، فيحكم بينهم، ويبين لهم الحق سواء فيما يختلفون فيه من كلام الله، أو فيما يختلفون فيه من أحكام الله التي لم ينزل حكمها، ثم بعد ذلك ينزل
القرآن مبينًا لها، وما أكثر ما نقرأ في القرآن قوله: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) (1) فيجيب الله تعالى نبيه بالجواب الشافي، ويأمره أن يبلغه إلى الناس، قال تعالى: (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (2) .
(وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (3) .
(يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)) " (4) .
(يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 189.
(2) سورة المائدة، الآية: 4.
(3) سورة البقرة، الآية: 219.
(4) سورة الأنفال، الآية: 1.
(26/464)

أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)) (1) .
(يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)) (2) .
إلى غير ذلك من الآيات.
ولكن بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - اختلفت الأمة في أحكام الشريعة التي لا تقضي على أصول الشريعة، وأصول مصادرها.
ولكنه اختلاف سنبين إن شاء الله بعض أسبابه.
ونحن جميعا نعلم علم اليقين أنه لا يوجد أحد من ذوي العلم الموثوق بعلمهم، وأمانتهم، ودينهم يخالف ما دل عليه كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن عمد وقصد؛ لأن من اتصفوا بالعلم والديانة فلابد أن يكون رائدهم الحق، ومن كان رائده الحق فإن الله سييسره له. واستمعوا إلى قوله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 189.
(2) سورة البقرة، الآية: 217.
(26/465)

مُدَّكِرٍ (17)) (1) . وقوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)) (2) .
ولكن مثل هؤلاء الأئمة يمكن أن يحدث منهم الخطأ في أحكام الله- تبارك وتعالى- لا في الأصول، والتي أشرنا إليها من قبل، وهذا الخطأ أمر لابد أن يكون؛ لأن الإنسان كما وصفه الله تعالى
بقوله: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً) (3) .
الإنسان ضعيف في علمه وإدراكه، وهو ضعيف في إحاطته وشموله، ولذلك لابد أن يقع الخطأ منه في بعض الأمور.
ونحن نجمل ما أردنا أن نتكلم عليه من أسباب الخطأ من أهل العلم في الأسباب الآتية السبعة، مع أنها في الحقيقة أسباب كثيرة، وبحر لا ساحل له، والإنسان البصير بأقوال أهل العلم يعرف
أسباب الخلاف المنتشرة، نجملها بما يأتي:
السبب الأول:
أن يكون الدليل لم يبلغ هذا المخالف الذي أخطأ في حكمه. وهذا السبب ليس خاصًا فيمن بعد الصحابة، بل يكون في الصحابة ومن بعدهم. ونضرب مثالين وقعا للصحابة رضي الله عنهم من هذا النوع:
__________
(1) سورة القمر، الآية: 17.
(2) سورة الليل، الآيات: 5-7.
(3) سورة النساء، الآية: 27.
(26/466)

الأول: أننا علمنا بما ثبت في صحيح البخاري وغيره حينما سافر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إلى الشام، وفي أثناء الطريق، ذكر له أن فيها وباء وهو الطاعون، فوقف وجعل يستشير الصحابة- رضي الله عنهم- فاستشار المهاجرين والأنصار، واختلفوا في ذلك على رأيين، وكان الأرجح القول بالرجوع، وفي أثناء هذه المداولة والمشاورة جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وكان غائبًا في حاجة له، فقال: إن عندي من ذلك علمًا، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإن وقع وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارًا منه" (1) فكان هذا الحكم خافيًا على كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، حتى جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فأخبرهم بهذا الحديث.
مثال آخر: كان علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- وعبد الله ابن عباس- رضي الله عنهما- يريان أن الحامل إذا مات عنها زوجها تعتد بأطول الأجلين، من أربعة أشهر وعشر، أو وضع الحمل، فإذا
وضعت الحمل قبل أربعة أشهر وعشر، لم تنقض العدة عندهما، وبقيت حتى تنقضي أربعة أشهر وعشرا، وإذا انقضت أربعة أشهر
__________
(1) رواه البخاري/كتاب أحاديث الأنبياء/باب (56) ، برقم (3473) ، ومسلم/كتاب السلام/باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، برقم (2218) .
(26/467)

وعشر من قبل أن تضع الحمل بقيت في عدتها حتى تضع الحمل؛ لأن الله تعالى يقول: (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (1) .
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (2) .
وبين الآيتين عموم وخصوص وجهي، وطريق الجمع بين ما بينهما عموم وخصوص وجهي، أن يؤخذ بالصورة التي تجمعهما، ولا طريق إلى ذلك إلا ما سلكه علي، وابن عباس- رضي الله عنهما
- ولكن السنة فوق ذلك. فقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث سبيعة الأسلمية (3) أنها نفست بعد موت زوجها بليال فأذن لها رسول الله أن تتزوج.
ومعنى ذلك: أننا نأخذ بآية سورة الطلاق التي تسمى سورة النساء الصغرى، وهي عموم قوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (4) .
__________
(1) سورة الطلاق، الآية: 4.
(2) سورة البقرة، الآية: 234.
(3) رواه البخاري/كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (وأولات الأحمال) /برقم (4910) ، ومسلم/كتاب الطلاق/باب انقطاع عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل، برقم (1485.) .
(4) سورة الطلاق، الآية: 4.
(26/468)

وأنا أعلم علم اليقين أن هذا الحديث لو بلغ عليًا وابن عباس رضي الله عنهما لأخذا به قطعًا، ولم يذهبا إلى رأيهما.
السبب الثاني:
أن يكون الحديث قد بلغ الرجل ولكنه لم يثق بناقله، ورأى أنه مخالف لما هو أقوى منه، فاخذ بما يراه أقوى منه.
ونحن نضرب مثلاً أيضًا، ليس فيمن بعد الصحابة، ولكن في الصحابة أنفسهم.
فاطمة بنت قيس- رضي الله عنها- طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، فأرسل إليها وكيله بشعير نفقة لها مدة العدة، ولكنها سخطت الشعير وأبت أن تأخذه، فارتفعا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه "لا نفقة لها ولا سكنى" (1) ، وذلك لأنه أبانها، والمبانة ليس لها نفقة ولا سكنى على زوجها إلا أن تكون حاملاً لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (2) .
عمر- رضي الله عنه- ناهيك به فضلاً وعلمًا- خفيت عليه هذه السنة، فرأى أن لها النفقة والسكنى، ورد حديث فاطمة باحتمال أنها قد نسيت فقال: أنترك قول ربنا لقول امرأة لا ندري أذكرت أم
__________
(1) انظر: صحيح مسلم/كتاب الطلاق/باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها، برقم (1480) .
(2) سورة الطلاق، الآية: 4.
(26/469)

نسيت؟ (1) وهذا معناه أن أمير المؤمنين عمر- رضي الله عنه- لم يطمئن إلى هذا الدليل، وهذا كما يقع لعمر، ومَنْ دونه مِن الصحابة، ومَنْ دونهم مِن التابعين، يقع أيضًا لمن بعدهم من أتباع التابعين،
وهكذا إلى يومنا هذا بل إلى يوم القيامة، أن يكون الإنسان غير واثق من صحة الدليل، وكم رأينا من أقوال لأهل العلم فيها أحاديث يرى بعض أهل العلم أنها صحيحة فيأخذون بها، ويراها الآخرون ضعيفة فلا يأخذون بها نظرًا لعدم الوثوق بنقلها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
السبب الثالث:
أن يكون الحديث قد بلغه ولكنه نسيه، وجلَّ مَنْ لا ينسى، كم من إنسانٍ ينسى حديثًا، بل قد ينسى آية.
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ذات يوم في أصحابه فأسقط آية نسيانًا، وكان معه أبي بن كعب- رضي الله عنه- فلما انصرف من صلاته قال: "هلا ذكرتنيها" (2) وهو الذي ينزل عليه الوحي، وقد قال له ربه: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)) (3) .
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الطلاق/باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها برقم (1480) .
(2) رواه أحمد 27/241 (16692) ، وأبو داود/كتاب الصلاة/باب الفتح على الإمام في الصلاة، برقم (907) .
(3) سورة الأعلى، الآيتان: 6، 7.
(26/470)

ومن هذا- أي مما يكون قد بلغ الإنسان ولكنه نسيه- قصة عمر ابن الخطاب مع عمار بن ياسر- رضي الله عنهما- حينما أرسلهما رسول الله في حاجة، فأجنبا جميعًا عمار وعمر. أما عمار فاجتهد ورأى أن طهارة التراب كطهارة الماء، فتمرغ في الصعيد كما تمرغ الدابة، لأجل أن يشمل بدنه التراب، كما كان يجب أن يشمله الماء وصلى، أما عمر- رضي الله عنه- فلم يصل ثم أتيا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأرشدهما إلى الصواب، وقال لعمار: "إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا- وضرب بيديه الأرض مرة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين،
وظاهر كفيه ووجه" وكان عمار- رضي الله عنه- يحدث بهذا الحديث في خلافة عمر رضي الله عنه، وفيما قبل ذلك، ولكن عمر دعاه ذات يوم وقال له: ما هذا الحديث الذي تحدث به؟
فاخبره وقال: أما تذكر حينما بعثنا رسول الله في حاجة، فأجنبنا فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في الصعيد، فقال النبي- - صلى الله عليه وسلم -: "إنما كان يكفيك أن تقول كذا وكذا" (1) .
ولكن عمر لم يذكر ذلك وقال: اتق الله يا عمار، فقال له عمار: إن شئت بما جعل الله علي من طاعتك ألا أحدث به فعلت، فقال له
__________
(1) انظر: صحيح البخاري/كتاب التيمم/باب التيمم ضربة، برقم (347) ، وصحيح مسلم/كتاب الحيض/باب التيمم، برقم (368) .
(26/471)

عمر: نوليك ما توليت- يعني فحدث به الناس- فعمر نسي أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل التيمم في حال الجنابة كما هو في حال الحدث الأصغر، وقد تابع عمر على ذلك عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه - وحصل بينه وبين أبي موسى- رضي الله عنهما- مناظرة في هذا
الأمر فأورد عليه قول عمار لعمر، فقال ابن مسعود: ألم تر أن عمر لم يقنع بقول عمار فقال أبو موسى: دعنا من قول عمار، ما تقول في هذه الآية يعني آية المائدة، فلم يقل ابن مسعود شيئًا، ولكن لاشك في أن الصواب مع الجماعة الذين يقولون أن الجنب يتيمم، كما أن المحدث حدثًا أصغر يتيمم، والمقصود أن الإنسان قد ينسى فيخفى عليه الحكم الشرعي فيقول قولاً يكون به معذورًا، لكن مَنْ علم الدليل فليس بمعذور.
السبب الرابع:
أن يكون بلغه وفهم منه خلاف المراد.
فنضرب لذلك مثالين.
الأول: من الكتاب.
والثاني: من السنة.
1- من القرآن قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً
(26/472)

طَيِّباً) (1) .
اختلف العلماء- رحمهم الله- في معنى (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (2) ففهم بعض منهم: أن المراد مطلق اللمس.
وفهم آخرون: أن المراد به اللمس المثير للشهوة.
وفهم آخرون: أن المراد به الجماع، وهذا الرأي رأي ابن عباس- رضي الله عنهما-.
وإذا تأملت الآية وجدت أن الصواب مع مَنْ يرى أنه الجماع؛ لأن الله- تبارك وتعالى- ذكر نوعين في طهارة الماء، طهارة الحدث الأصغر والأكبر. ففي الأصغر قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (3) ، أما الأكبر فقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (4) وكان مقتضى البلاغة والبيان أن يذكر أيضًا موجبًا الطهارتين في طهارة التيمم فقوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) (5) إشارة إلى موجب طهارة الحدث الأصغر. وقوله: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) (6) إشارة إلى موجب طهارة
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
(3) سورة المائدة، الآية: 6.
(4) سورة المائدة، الآية: 6.
(5) سورة المائدة، الآية: 6.
(6) سورة المائدة، الآية: 6.
(26/473)

الحدث الأكبر. ولو جعلنا الملامسة هنا بمعنى اللمس، لكان في الآية ذكر موجبين من موجبات طهارة الحدث الأصغر، وليس فيها ذكر لشيء من موجبات الحدث الأكبر، وهذا خلاف ما تقتضيه بلاغة القرآن، فالذين فهموا من الآية أن المراد به مطلق اللمس قالوا: إذا مس إنسان ذكر بشرة الأنثى انتقض وضوؤه، أو إذا مسها لشهوة انتقض، ولغير شهوة لا ينتقض.
والصواب: عدم الانتقاض في الحالين، وقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَبَّل إحدى نسائه، ثم ذهب إلى الصلاة ولم يتوضأ (1) ، وقد جاء من طرق يقوي بعضها بعضًا.
2- من السنة: لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة الأحزاب، ووضع عدة الحرب جاء جبريل عليه السلام فقال له: إنا لم نضع السلاح فأخرج إلى بني قريظة، فامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالخروج وقال: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (2) الحديث، فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في فهمه.
فمنهم: من فهم أن مراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - المبادرة إلى الخروج حتى لا يأتي وقت العصر إلا وهم في بني قريظة، فلما حان وقت العصر وهم
__________
(1) رواه أبو داود/كتاب الصلاة/باب الوضوء من القُبلة، رقم (79) .
(2) رواه البخاري/كتاب الخوف/باب صلاة الطالب والمطلوب راكباً وإيماء، برقم (946) ، ومسلم/كتاب الجهاد والسير/باب المبادرة بالغزو، برقم (1770) .
(26/474)

في الطريق صلوها، ولم يؤخروها إلى أن يخرج وقتها.
ومنهم من فهم: أن مراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يصلوا إلا إذا وصلوا بني قريظة، فأخروها حتى وصلوا بني قريظة، فأخرجوها عن وقتها.
ولا ريب أن الصواب مع الذين صلوا الصلاة في وقتها؛ لأن النصوص في وجوب الصلاة في وقتها محكمة، وهذا نص مشتبه.
وطريق العلم أن يحمل المتشابه على المحكم، إذن من أسباب الخلاف أن يفهم الدليل على خلاف مراد الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
السبب الخامس:
أن يكون قد بلغه الحديث لكنه منسوخ، ولم يعلم بالناسخ فيكون الحد ش صحيحًا، والمراد منه مفهومًا، ولكنه منسوخ، والعالم لا يعلم بنسخه فحينئذ له العذر؛ لأن الأصل عدم النسخ حتى يعلم الناسخ.
ومن هذا رأي ابن مسعود- رضي الله عنه- ماذا يصنع الإنسان بيديه إذا ركع؟
كان في أول الإسلام يشرع للمصلي التطبيق بين يديه، ويضعهما بين ركبتيه. هذا هو المشروع في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك وصار المشروع أن يضع يديه على ركبتيه. وثبت في صحيح البخاري وغيره النسخ، وكان ابن فسعود- رضي الله عنه- لم يعلم بالنسخ، فكان
(26/475)

يطبق يديه، فصلى إلى جانبه علقمة والأسود، فوضعا يديهما على ركبهما (1) ، ولكنه- رضي الله عنه- نهاهما عن ذلك وأمرهما بالتطبيق؛ لأنه لم يعلم بالنسخ، والإنسان لا يكلف إلا وسع نفسه، قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (2) .
السبب السادس:
أن يعتقد أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع، بمعنى أنه يصل الدليل إلى المستدل، ولكنه يرى أنه معارض بما هو أقوى منه من نص أو إجماع، وهذا كثير في خلاف الأئمة. وما أكثر ما نسمع من ينقل الإجماع، ولكنه عند التأمل لا يكون إجماعًا.
ومن أغرب ما نقل في الإجماع أن بعضهم قال: أجمعوا على قبول شهادة العبد. وآخرون قالوا: أجمعوا على أنها لا تقبل شهادة العبد.
هذا من غرائب النقل؛ لأن بعض الناس إذا كان من حوله اتفقوا على رأي، ظن أنه لا مخالف لهم، لاعتقاده أن ذلك مقتضى النصوص،
__________
(1) انظر: صحيح مسلم/كتاب المساجد ومواضع الصلاة/باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق، برقم (534) .
(2) سورة البقرة، الآية: 286.
(26/476)

فيجتمع في ذهنه دليلان:
النص والإجماع، وربما يراه مقتضى القياس الصحيح، والنظر الصحيح فيحكم أنه لا خلاف، وأنه لا مخالف لهذا النص القائم عنده مع القياس الصحيح عنده، والأمر قد كان بالعكس.
ويمكن أن نمثل ذلك برأي ابن عباس- رضي الله عنهما- في ربا الفضل.
شت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنما الربا في النسيئة" (1) .
وشت عنه في حديث عبادة بن الصامت وغيره: "أن الربا يكون في النسيئة وفي الزيادة" (2) .
وأجمع العلماء بعد ابن عباس رضي الله عنهما على أن الربا قسمان: ربا فضل.
وربا نسيئة.
أما ابن عباس رضي الله عنهما فإنه أبى إلا أن يكون الربا في النسيئة فقط. مثاله: لو بعت صاعًا من القمح بصاعين يدًا بيد.
فإنه عند ابن عباس رضي الله عنهما لا بأس به، لأنه يرى أن الربا في النسيئة فقط. وإذا بعت مثلاً مثقالاً من الذهب بمثقالين من
__________
(1) رواه مسلم/كتاب المساقاة/باب بيع الطعام مثلاً بمثل، برقم (1596) .
(2) انظر: صحيح مسلم/كناب المساقاة/باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، برقم (1587) .
(26/477)

الذهب يدًا بيد فعنده أنه ليس ربا. لكن إذا أخرت القبض، فأعطيتني المثقال، ولم أعطك البدل إلا بعد التفرق فهو ربا؛ لأن ابن عباس- رضي الله عنهما- يرى أن هذا الحصر مانع من وقوع الربا في
غيره، ومعلوم أن (إنما) تفيد الحصر فيدل على أن ما سواه ليس بربا، لكن الحقيقة أن ما دل عليه حديث عبادة رضي الله عنه يدل على أن الفضل من الربا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "من زاد أو استزاد فقد أربى" (1) .
إذن ما موقفنا نحن من الحديث الذي استدل به ابن عباس؟ موقفنا أن نحمله على وجه يمكن أن يتفق مع الحديث الآخر الدال على أن الربا يكون أيضًا في الفضل، بأن نقول: إنما الربا الشديد الذي
يعمد إليه أهل الجاهلية والذي ورد فيه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً) (2) .
إنما هو ربا النسيئة، أما ربا الفضل فإنه ليس الربا الشديد العظيم، ولهذا ذهب ابن القيم رحمه الله في كتابه "إعلام الموقعين" إلى أن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل، وليس من باب تحريم المقاصد.
السبب السابع:
أن يأخذ العالم بحديث ضعيف، أو يستدل استدلالاً ضعيفًا.
__________
(1) رواه مسلم/كتاب المساقاة/باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، برقم (1587) .
(2) سورة آل عمران، الآية: 130.
(26/478)

وهذا كثير جدًا، فمن أمثلته: أي أمثلة الاستدلال بالحديث الضعيف:
ما ذهب إليه بعض العلماء من استحباب صلاة التسبيح (1) وهو أن يصلي الإنسان ركعتين، يقرأ فيهما بالفاتحة، ويسبح خمس عشر تسبيحة، وكذلك في الركوع والسجود إلى آخر صفتها التي لم
أضبطها، لأنني لا أعتقدها من حيث الشرع.
ويرى آخرون: إن صلاة التسبيح بدعة مكروهة، وأن حديثها لا يصح، وممن يرى ذلك الإمام أحمد- رحمه الله- وقال: إنها لا تصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: إن حديثها كذب على رسول الله، وفي الحقيقة من تأملها وجد أن فيها
شذوذًا حتى بالنسبة للشرع إذ أن العبادة، إما أن تكون نافعة للقلب، ولابد لصلاح القلب منها فتكون مشروعة في كل وقت وفي كل مكان، وإما ألا تكون نافعة فلا تكون مشروعة، وهذه في الحديث الذي جاء عنها يصليها الإنسان كل يوم، أو كل أسبوع، أو كل شهر، أو في العمر مرة، وهذا لا نظير له في الشرع، فدل على شذوذها سندًا ومتنًا، وأن من قال: إنها كذب، كشيخ الإسلام فإنه مصيب؛ ولذا قال شيخ الإسلام: إنه لم يستحبها أحد من الأئمة.
__________
(1) رواه أبو داود/كتاب الصلاة/باب صلاة التسبيح برقم (431) .
(26/479)

وإنما مثلت بها لأن السؤال عنها كثير من الرجال والنساء، فأخشى أن تكون هذه البدعة أمراً مشروعًا، وإنما أقول: (بدعة) ، أقولها ولو كانت ثقيلة على بعض الناس، لأننا نعتقد أن كل من دان لله- سبحانه وتعالى- مما ليس في كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإنه بدعة.
كذلك أيضًا من يأخذ بدليل ضعيف من حيث الاستدلال.
الدليل قوي، لكنه من حيث الاستدلال به ضعيف، مثل ما أخذ بعض العلماء من حديث "زكاة الجنين زكاة أمه " (1) .
فالمعروف عند أهل العلم من معنى الحديث أن أم الجنين إذا ذكيت فإن زكاتها زكاة له- أي لا يحتاج إلى زكاة إذا أخرج منها بعد الذبح، لأنه قد مات ولا فائدة من تذكيته بعد موته.
ومن العلماء من فهم أن المراد بالحديث: أن زكاة الجنين كزكاة أمه، تكون بقطع الودجين وإنهار الدم- ولكن هذا بعيد، والذي يبعده أنه لا يحصل إنهار الدم بعد الموت. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكلوه " (2) . ومن المعلوم أنه لا يمكن
__________
(1) رواه أحمد 17/362 (11260) ، والترمذي/كتاب الصيد/باب ما جاء في زكاة الجنين، برقم (1476) ، وأبو داود/كتاب الأضاحي/باب ما جاء في زكاة الجنين، برقم (2827) ، وابن ماجه/كتاب الذبائح/باب زكاة الجنين زكاة أمه، برقم (3199) .
(2) رواه البخار/كتاب الشركة/باب قسمة الغنم/برقم (2488) ، ومسلم/كتاب الأضاحي/باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، برقم (1968) .
(26/480)

إنهار الدم بعد الموت.
هذه الأسباب التي أحببت أن أنبه عليها مع أنها كثيرة، وبحر لا ساحل له، ولكن بعد هذا كله ما موقفنا؟
وما قلته في أول الموضوع أن الناس بسبب وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية واختلاف العلماء، أو اختلاف المتكلمين في هذه الوسائل صاروا يتشككون ويقولون: مَنْ نتبع؟
تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراشٌ ما يصيد وحينئذٍ نقول: موقفنا من هذا الخلاف وأعني به خلاف العلماء الذين نعلم أنهم موثوقون علمًا وديانة، لا من هم محسوبون على العلم وليسوا من أهله؛ لأننا لا نعتبر هؤلاء علماء، ولا نعتبر أقوالهم مما يحفظ من أقوال أهل العلم.
ولكننا نعني به العلماء المعروفين بالنصح للأمة والإسلام والعلم، موقفنا من هؤلاء يكون على وجهين:
1- كيف خالف هؤلاء الأئمة لما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؟
وهذا يمكن أن يعرف الجواب عنه بما ذكرنا من أسباب الخلاف، وبما لم نذكره، وهو كثير يظهر لطالب العلم حتى وإن لم يكن متبحرًا في العلم.
(26/481)

2- ما موقفنا من اتباعهم؟
ومن نتبع من هؤلاء العلماء؟ أيتبع الإنسان إمامًا لا يخرج عن قوله، ولو كان الصواب مع غيره كعادة المتعصبين للمذاهب.
أم يتبع ما ترجح عنده من دليل، ولو كان مخالفًا لما ينتسب إليه من هؤلاء الأئمة؟
الجواب هو: الثاني. فالواجب على من علم بالدليل ولو خالف من خالف من الأئمة. إذا لم يخالف إجماع الأمة.
ومن اعتقد أن أحدَا غير رسول - صلى الله عليه وسلم - كل يجب أن يؤخذ بقوله فعلاً وتركًا بكل حال وزمان فقد شهد لغير الرسول - صلى الله عليه وسلم - بخصائص الرسالة، لأنه لا يمكن أحد أن يكون هذا حكم قوله إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك سوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولكن يبقى الأمر فيه نظر، لأننا لا نزال في دوامة من الذي يستطيع أن يستنبط الأحكام من الأدلة؟
هذه مشكلة؛ لأن كل واحد صار يقول: أنا صاحبها، وهذا في الحقيقة ليس بجيد، نعم من حيث الهدف والأصل هو جيد: أن يكون رائد الإنسان كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لكن كوننا نفتح الباب لكل من عرف أن ينطق بالدليل، وإن لم يعرف معناه وفحواه،
فنقول: أنت مجتهد تقول ما شئت، هذا يحصل فيه فساد الشريعة،
(26/482)

وفساد الخلق والمجتمع.
والناس ينقسمون في هذا الباب إلى ثلاثة أقسام:
1- عالم رزقه الله علمًا وفهمًا.
2- طالب علم عنده من العلم، لكن لم يبلغ درجة ذلك المتبحر.
3- عامي لا يدري شيئًا.
أما الأول: الذي رزقه الله علمًا وفهمًا، فإنه له الحق أن يجتهد وأن يقول، بل يجب عليه أن يقول ما كان مقتف الدليل عنده مهما خالفه من خالفه من الناس؛ لأنه مأمور بذلك، قال تعالى: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (1) وهذا من أهل الاستنباط الذين يعرفون ما يدل عليه كلام الله وكلام رسوله.
أما الثاني: الذي رزقه الله علمًا ولكنه لم يبلغ درجة الأول: فلا حرج عليه إذا أخذ بالعموميات والإطلاقات وبما بلغه، ولكن يجب عليه أن يكون محترزًا في ذلك، وألا يقصر عن سؤال مَنْ هو أعلى منه من أهل العلم؛ لأنه قد يخطئ، وقد لا يصل علمه إلى شيء خصص ما كان عامًا، أو قيد ما كان مطلقًا، أو نسخ ما يراه محكمًا، وهو لا يدري بذلك.
أما الثالث: وهو من ليس عنده علم، فهذا يجب عليه أن يسأل أهل
__________
(1) سورة النساء، الآية: 83.
(26/483)

العلم لقوله تعالى: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (1) وفي آية أخرى: (إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) (2) فوظيفة هذا أن يسأل، ولكن مَنْ يسأل؟
في البلد علماء كثيرون، وكلٌ يقول: إنه عالم، أو كل يقال عنه: إنه عالم. فمَنْ الذي يسأل؟
هل نقول: يجب عليك أن تتحرى من هو أقرب إلى الصواب فتسأله ثم تأخذ بقوله، أو نقول: اسأل من شئت ممن تراه من أهل العلم، والمفضول قد يوفق للعلم في مسألة معينة، ولا يوفق من هو
أفضل منه وأعلم؟
اختلف في هذا أهل العلم:
فمنهم من يرى: أنه يجب على العامي أن يسأل من يراه أوثق في علمه من علماء بلده؛ لأنه كما أن الإنسان الذي أصيب بمرض في جسمه، فإنه يطلب لمرضه من يراه أقوى في أمور الطب، فكذلك
هنا؛ لأن العلم دواء القلوب، فكما أنك تختار لمرضك من تراه أقوى فكذلك هنا يجب أن تختار من تراه أقوى علمًا إذ لا فرق.
ومنهم مَنْ يرى: أن ذلك ليس بواجب؛ لأن من هو أقوى علمًا قد
__________
(1) سورة النحل، الآية: 43.
(2) سورة النحل، الآية: 43، 44.
(26/484)

لا يكون أعلم في كل مسألة بعينها، ويرجح هذا القول أن الناس في عهد الصحابة- رضي الله عنهم- كانوا يسألون المفضول مع وجود الفاضل.
والذي أرى في هذه المسألة أنه يسأل من يراه أفضل في دينه وعلمه لا على سبيل الوجوب؛ لأن من هو أفضل قد يخطئ في هذه المسألة المعينة، ومن هو مفضول قد يصيب فيها الصواب، فهو على سبيل الأولوية.
والأرجح: أن يسأل من هو أقرب إلى الصواب لعلمه وورعه ودينه.
وأخيرًا أنصح نفسي أولاً وإخواني المسلمين، ولاسيما طلبة العلم إذا نزلت بإنسان نازلة من مسائل العلم ألا يتعجل ويتسرع حتى يتثبت ويعلم ما يقول؛ لئلا يقول على الله بلا علم.
فإن الإنسان المفتي واسطة بين الناس وبين الله، يبلغ شريعة الله، كما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "العلماء ورثة الأنبياء" (1) .
وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن القضاة ثلاثة: قاض واحد في الجنة، وهو من
__________
(1) رواه أحمد 36/46 (21715) ، والترمذي/كتاب العلم/باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، برقم (2682) ، وأبو داود/كتاب العلم/باب الحث على طلب العلم، برقم (3641) ، وابن ماجه/في المقدمة/باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، برقم (223) ..
(26/485)

علم الحق فحكم به (1) . كذلك أيضًا من المهم إذا نزلت بك نازلة أن تشد قلبك إلى الله، وتفتقر إليه أن يفهمك ويعلمك، لاسيما في الأمور العظام الكبيرة التي تخفى على كثير من الناس.
وقد ذكر لي بعض مشائخنا أنه ينبغي لمن سُئل عن مسألة أن يكثر من الاستغفار، مستنبطًا من قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106)) (2) ، لأن الإكثار من الاستغفار يوجب زوال أثر الذنوب التي هي سبب في نسيان العلم والجهل، كما قال تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (3) .
وقد ذكر الشافعي أنه قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بان العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي
فلا جرم حينئذٍ أن يكون الاستغفار سببًا لفتح الله على المرء.
__________
(1) رواه الترمذي/كتاب الأحكام/باب ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القاضي، برقم (1322) ، وأبو داود/كتاب الأقضية/باب في القاضي يخطئ، برقم (3573) ، وابن ماجه/كتاب الأحكام/باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق، برقم (2315) .
(2) سورة النساء، الآية: 105.
(3) سورة المائدة، الآية: 13.
(26/486)

وأسال الله لي ولكم التوفيق والسداد، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وألاَّ يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
والحمد لله رب العالمين أولاً وأخيرًا. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(26/487)

حسن الخلق وأهميته لطالب العلم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن
محمداً عبده ورسوله، بعثه الله تعالى بالهدى، ودين الحق ليظهره على الدين كله، بعثه الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منير اً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ووفق الله من شاء من عباده فاستجاب لدعوته، واهتدى بهديه، وخذل الله بحكمته من شاء من عباده فاستكبر عن طاعته، وكذب خبره، وعاند أمره، فباء بالخسران والضلال البعيد.
أيها الإخوة، يطيب لي أن أتحدث إليكم عن الخلق الحسن. والخلق كما يقول أهل العلم هو:
صورة الإنسان الباطنة؛ لأن الإنسان صورتين:
صورة ظاهرة، وهي خلقته التي جعل الله البدن عليها.
وكما نعلم جميعاً أن هذه الصورة الظاهرة منها ما هو جميل حسن، ومنها ما هو قبيح سيئ، ومنها ما بين ذلك.
وصورة باطنة، منها صورة حسنة ومنها صورة سيئة، ومنها ما
(26/488)

بين ذلك. وهذا ما يعبر عنه بالخلق.
فالخُلُق إذن هو:
"الصورة الباطنة التي طُبع الإنسان عليها"، وكما يكون الخلق طبيعة فإنه يكون كسباً. بمعنى أن الإنسان كما يكون مطبوعاً على الخلق الحسن الجميل قد يحصل على الخلق الحسن الجميل عن طريق
الكسب والمرونة، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة. قال يا رسول الله أهما خلقان تخلقت بهما أم جبلني الله عليهما؟ قال: بل جبلك الله عليهما" (1) .
فهذا دليل على أن الأخلاق الفاضلة تكون طبعاً، وتكون تطبعاً، ولكن الطبع بلا شك أحسن من التطبع، لأن الخلق إذا كان طبيعياً صار سجية للإنسان وطبيعة له، لا يحتاج في ممارسته إلى تكلف، ولا يحتاج في ممارسته إلى تصنع، ولكن هذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
ومن حرم هذا، أي من حرم الخلق على سبيل الطبع فإنه يمكنه أن يناله على سبيل التطبع، وذلك بالمرونة والممارسة كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وكثير من الناس يذهب فهمه إلى أن حسن الخلق لا يكون إلا في معاملة الخلق دون معاملة الخالق. ولكن هذا الفهم قاصر، فإن حسن الخلق كما يكون في معاملة الخلق يكون في معاملة الخالق.
__________
(1) رواه مسلم/كتاب الإيمان برقم (17) ..
(26/489)

فموضوع حسن الخلق إذن معاملة الخالق- جل وعلا-، ومعاملة الخلق أيضاً.
فما هو حسن الخلق في معاملة الخالق؟
حسن الخلق في معاملة الخالق يجمع ثلاثة أمور:
1- تلقي أخبار الله تعالى بالتصديق.
2- وتلقي أحكامه بالتنفيذ والتطبيق.
3- وتلقي أقداره بالصبر والرضا.
فهذه ثلاثة أشياء عليها مدار حسن الخلق مع الله عز وجل.
أولاً: تلقي أخباره بالتصديق:
بحيث لا يقع عند الإنسان شك أو تردد في تصديق خبر الله تعالى، لأن خبر الله سبحانه وتعالى صادر عن علم، وهو أصدق القائلين كما قال تعالى عن نفسه: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (1) .
ولازم تصديق أخبار الله أن يكون الإنسان واثقاً بها مدافعاً عنها مجاهداً بها، بحيث لا يدخله شك، أو تشكيك في أخبار الله سبحانه وتعالى وأخبار رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا تخلق بهذا الخلق أمكنه أن يدفع كل شبهة يوردها المغرضون على أخبار رسوله - صلى الله عليه وسلم -، سواء كانوا من المسلمين الذين ابتدعوا في دين الله ما ليس منه أم كانوا من غير المسلمين
__________
(1) سورة النساء، الآية: 87.
(26/490)

الذين يلقون الشبهة في قلوب المسلمين، ولنضرب لذلك مثلاً:
ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء،) (1) .
هذا خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو - صلى الله عليه وسلم - في أمور الغيب لا ينطق إلا بما أوحى الله إليه؛ لأنه بشر والبشر لا يعلم الغيب بل قد قال الله له: (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) (2) . هذا الخبر يجب علينا أن نقابله بحسن خلق، وحسن الخلق نحو هذا الخبر أن نتلقى هذا الخبر بالقبول، وأن
نجزم بان ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث فهو حق وصدق، وإن اعترض عليه من يعترض. ونعلم علم اليقين أن ما خالف ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه باطل؛ لأن الله تعالى يقول: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (3) .
ومثال أخر:
من أخبار يوم القيامة، أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الشمس تدنو من
__________
(1) أخرجه البخاري/كتاب بدء الخلق/باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه.
(2) سورة الأنعام، الآية: 50.
(3) سورة يونس، الآية: 32.
(26/491)

الخلائق يوم القيامة بقدر ميل (1) ، سواء كان ميل المكحلة أو ميل المسافة، هذه المسافة بين الشمس ورؤوس الخلائق قليلة، ومع هذا فإن الناس لا يحترقون بحرها، مع أن الشمس لو تدنو الآن في الدنيا مقدار أنملة لاحترقت الدنيا، فقد يقول قائل:
كيف تدنو من رؤوس الخلائق يوم القيامة بهذه المسافة ثم يبقى الناس؟ فما هو حسن الخلق نحو هذا الحديث؟
حسن الخلق نحو هذا الحديث أن نقبله ونصدق به، وألاَّ يكون في صدورنا حرج منه، ولا ضيق، ولا تردد، وأن نعلم أن ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذا فهو حق، ولا يمكن أن نقيس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا لوجود الفارق العظيم. فإذا كان كذلك فإن المؤمن
يقبل مثل هذا الخبر بانشراح وطمأنينة ويتسع فهمه له.
ثانياً: تلقي أحكامه بالتنفيذ والتطبيق: إن حسن الخلق في معاملة الله بالنسبة للأحكام أن يتلقاها الإنسان بالقبول والتنفيذ والتطبيق فلا يرد شيئًا من أحكام الله، فإذا رد شيئًا من أحكام الله، فهذا سوء خلق مع الله سواء ردها منكرًا حكمها، أو ردها مستكبرًا عن العمل بها، أو ردها متهاوناً بالعمل بها، فإن ذلك مناف لحسن الخلق مع الله عز وجل.
__________
(1) جزء من حديث أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء/باب قوله تعالى: (إنا أرسلنا نوحًا إلى قومه ... ) ، ومسلم/كتاب الإيمان/باب أدنى أهل الجنة منزلاً.
(26/492)

ولنضرب لذلك مثلاً، الصوم لا شك أنه شاق على الإنسان؛ لأن الإنسان يترك فيه المألوف من طعام وشراب ونكاح، وهذا أمر شاق، ولكن المؤمن حسن الخلق مع ربه عز وجل، يقبل هذا التكليف بانشراح صدر وطمأنينة، وتتسع له نفسه، فتجده يصوم الأيام الحارة الطويلة، وهو بذلك راض منشرح الصدر؛ لأنه يحسن الخلق مع ربه. أما سيئ الخلق مع الله فيقابل مثل هذه العبادة بالضجر والكراهية، ولولا أنه يخشى من أمر لا تحمده عقباه لكان لا يلتزم بالصيام.
ومثال آخر:
الصلاة لا شك أنها ثقيلة على بعض الناس، وهي ثقيلة على المنافقين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر" (1) ، لكن الصلاة بالنسبة
للمؤمن قرة عينه وراحة نفسه، قال الله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (2) . فهي على هؤلاء غير كبيرة بل أنها سهلة يسيرة، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "جعلت قرة عيني في الصلاة" (3) .
__________
(1) أخرجه البخاري/كتاب الأذان/باب فضل العشاء في الجماعة، ومسلم/كتاب المساجد/باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة.
(2) سورة البقرة، الآيتان: 45، 46.
(3) أخرجه الإمام أحمد 3/128، والنسائي/كتاب النساء/باب عشرة النساء، والحاكم في المستدرك 2/175، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(26/493)

فحسن الخلق مع الله عز وجل بالنسبة للصلاة، أن تؤديها وقلبك منشرح مطمئن، وعيناك قريرتان، تفرح إذا كنت متلبساً بها وتنتظرها إذا أقبل وقتها، فذا صليت الفجر كنت في شوق إلى صلاة الظهر، وإذا صليت الظهر كنت في شوق إلى صلاة العصر، وإذا صليت العصر كنت في شوق إلى صلاة المغرب، وإذا صليت المغرب كنت في شوق إلى صلاة العشاء، وإذا صليت العشاء كنت في شوق إلى صلاة الفجر، وهكذا دائماً قلبك معلق بهذه الصلوات.
ونضرب مثالاً ثالثاً في المعاملات:
في المعاملات حرم الله علينا الربا، حرمه تحريماً صريحاً في القرآن كما قال الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (1) . وقال فيه: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (2) . فتوعد من عاد إلى الربا بعد أن جاءته الموعظة، وعلم الحكم توعده بالخلود في النار والعياذ بالله.
المؤمن يقبل هذا الحكم بانشراح ورضا وتسليم. وأما غير المؤمن؟
فإنه لا يقبله ويضيق صدره به، يتحيل عليه بأنواع الحيل لأننا نعلم
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 275.
(2) سورة البقرة، الآية: 275.
(26/494)

أن في الربا مكسباً متيقناً وليس فيه مخاطرة، لكنه في الحقيقة كسب لشخص وظلم لآخر. ولهذا قال الله تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) (1) .
أمما الأمر الثالث من موضوع حسن الخلق مع الله، فهو تلقي أقداره بالصبر والرضا، وكلنا يعلم أن أقدار الله عز وجل التي ينفذها في خلقه بعضها ملائم وبعضها غير ملائم.
هل المرض يلائم الإنسان؟ أبداً فالإنسان يحب أن يكون صحيحاً. وهل الفقر يلائم الإنسان؟ لا. فالإنسان يحب أن يكون غنياً. وهل الجهل يلائم الإنسان؟ لا. فالإنسان يحب أن يكون عالماً.
لكن أقدار الله عز وجل بحكمته تتنوع، منها ما يلائم الإنسان ويستريح له بمقتف طبيعته، ومنها ما لا يكون كذلك.
فما هو حسن الخلق مع الله عز وجل نحو أقدار الله؟
حسن الخلق مع الله نحو أقداره أن ترضى بما قدره الله لك، وأن تطمئن إليه، وأن تعلم أن الله سبحانه وتعالى ما قدره لك إلا لحكمة وغاية محمودة يستحق عليه الحمد والشكر، وعلى هذا فإن حسن
الخلق مع الله نحو أقداره: هو أن الإنسان يرضى ويستسلم ويطمئن.
ولهذا امتدح الله تعالى الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 279.
(26/495)

وإنا إليه راجعون. وقال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (1) .
ونوجز ما سبق:
نقول: إن حسن الخلق كما يكون في معاملة الخلق يكون في معاملة الخالق. وأن حسن الخلق في معاملة الخالق هو: تلقي أخباره بالتصديق، وتلقي أحكامه بالقبول والتطبيق، وتلقي أقداره بالصبر
والرضا. هذا حسن الخلق مع الله.
أما حسن الخلق مع المخلوق فعرفه بعضهم، ويذكر عن الحسن البصري أنه "كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقة الوجه".
ثلاثة أمور:
1- كف الأذى.
2- بذل الندى.
3- طلاقة الوجه.
ومعنى كف الأذى، أن الإنسان يكف أذاه عن غيره، سواء كان هذا الأذى يتعلق بالمال، أو يتعلق بالنفس، أو يتعلق بالعرض. فمن لم يكف أذاه عن الخلق فليس حسن الخلق، بل هو سيئ الخلق. وقد
أعلن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أعظم مجمع اجتمع به في أمته. قال: "إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا،
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 155.
(26/496)

في شهركم هذا، في بلدكم هذا، (1) .
إذا كان رجل يعتدي على الناس بالخيانة، أو يعتدي على الناس بالضرب والجناية، أو يعتدي على الناس في العرض، أو بالسب والغيبة. فهذا ليس بحسن الخلق مع الناس؛ لأنه لم يكف أذاه عنهم،
ويعظم إثم ذلك كلما كان موجهاً إلى من له حق عليك أكبر.
فالإساءة إلى الوالدين مثلاً أعظم من الإساءة إلى غيرهما، والإساءة إلى الأقارب أعظم من الإساءة إلى الأباعد، والإساءة إلى الجيران أعظم من الإساءة إلى من ليسوا جيراناً لك. ولهذا قال النبي عليه
الصلاة والسلام: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه" (2) . وفي رواية لمسلم: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه" والبوائق هي
الشرور.
وأما بذل الندى، الندى هو الكرم والجود. يعني أن تبذل الكرم والجود، والكرم ليس كما يظنه بعض الناس هو أن تبذل المال، بل الكرم يكون في بذل النفس، وفي بذل الجاه، وفي بذل المال، إذا رأينا
__________
(1) أخرجه البخاري/كتاب الحج/باب الخطبة أيام منى، ومسلم/كتاب الإيمان/باب بيان معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا ترجعوا بعدي كفاراً ... ) .
(2) أخرجه البخاري/كتاب الأدب/باب إثم من لم يأمن جاره بوائقه، ومسلم/كتاب الإيمان/باب تحريم إيذاء الجار.
(26/497)

شخصاً يقضي حوائج الناس يساعدهم يتوجه في شؤونهم إلى من لا يستطيعون الوصول إليه، ينشر علمه بين الناس، يبذل ماله بين الناس، فإنا نصفه بحسن الخلق؛ لأنه بذل الندى، ولهذا قال النبي
- صلى الله عليه وسلم -: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس
بخلق حسن" (1) .
ومعنى ذلك أنك إذا ظلمت أو أسيء إليك فإنك تعفو وتصفح، وقد امتدح الله العافين عن الناس فقال في أهل الجنة: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (2) .
وقال الله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (3) . وقال تعالى: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) (4) . وقال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (5) . وكل إنسان يتصل بالناس فلا بد أن يجد من الناس شيئاً من الإساءة، فموقفه من هذه الإساءة يعفو ويصفح، وليعلم علم اليقين أنه بعفوه وصفحه ومجازاته بالحسنى سوف تنقلب العداوة بينه وبين
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 5/153، والترمذي/كتاب البر والصلة/باب ما جاء في معاشرة الناس، والدارمي/كتاب الرقاق/باب حسن الخلق.
(2) سورة آل عمران، الآية: 134.
(3) سورة البقرة، الآية: 237.
(4) سورة النور، الآية: 22.
(5) سورة الشورى، الآية: 40.
(26/498)

أخيه إلى ولاية وصداقة. قال الله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (1) .
فما هو الأحسن، السيئة أم الحسنة؟ الحسنة. وتأملوا أنها العارفون باللغة العربية كيف جاءت النتيجة بـ (إذا) الفجائية تدل على الحدث الفوري في نتيجتها. (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) ولكن هل كل أحد يوفق إلى ذلك؟ لا، (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (2) .
وهاهنا مسألة:
وهل نفهم من هذا أن العفو عن الجاني مطلقاً محمود ومأمور به؟
قد نفهم من هذا الكلام أن العفو مطلقاً محمود ومأمور به. ولكن ليكن معلوماً لديكم أن العفو إنما يحمد إذا كان العفو أحمد، ولهذا قال الله تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (الشورى: من الآية40) (3) .
فجعل العفو مقروناً بالإصلاح.
وهل يمكن أن يكون العفو غير إصلاح؟
الجواب: نعم. قد يكون هذا الذي اجترأ عليك، وجنى عليك رجل شرير، معروف بالشر والفساد، فلو عفوت عنه لتمادى
__________
(1) سورة فصلت، الآية: 34.
(2) سورة فصلت، الآية: 35.
(3) سورة الشورى، الآية: 40.
(26/499)

في شره وفساده، فما هو الأفضل حينئذٍ، أن نعفو أو نأخذ بالجريمة؟
الأفضل أن نأخذ بالجريمة؟ لأن في ذلك إصلاحاً.
قال شيخ الإسلام: "الإصلاح واجب، والعفو مندوب".
فإذا كان في العفو فوات الإصلاح فمعنى ذلك أننا قدمنا مندوباً على واجب، وهذا لا تأتي به الشريعة. وصدق رحمه الله.
وإنني بهذه المناسبة أود أن أنبه على مسألة يفعلها كثير من الناس بقصد الإحسان، وهي أن تقع حادثة من شخص فيهلك بسببها شخص آخر، فيأتي أولياء المقتول فيسقطون الدية عن هذا الجاني
الذي فعل الحادث، فهل إسقاطهم محمود، ويعتبر من حسن الخلق أو في ذلك تفصيل؟ في ذلك تفصيل.
لابد أن نتأمل ونفكر في حال هذا الجاني الذي وقع منه الحادث هل هو من الناس المعروفين بالتهور وعدم المبالاة؟ هل هو من الطراز الذي يقول أنا لا أبالي أن أصدم شخصاً؛ لأن ديته في الدرج.
والعياذ بالله؟
أم أنه رجل حصلت منه الجناية مع كمال التحفظ وكمال الاتزان، ولكن الله تعالى قد جعل كل شيء بمقدار؟ فالجواب: إن كان من الطراز الثاني فالعفو بحقه أولى، ولكن قبل العفو حتى في الطراز
الثاني يجب أن نلاحظ، هل على الميت دين؟ إذا كان عليه دين فإنه لا
(26/500)

يمكن أن نعفو.
ولو عفونا فإن عفونا لا يعتبر، وهذه مسألة ربما يغفل عنه كثير من الناس.
لماذا نقول: إنه قبل العفو يجب أن نلاحظ هل على الميت دين أم لا؟
لماذا نقول ذلك؟
لأن الورثة يتلقون الاستحقاق لهذه الدية من الميت الذي أصيب بالحادث، ولا يرد استحقاقهم إلا بعد الدين؛ ولهذا لما ذكر الله الميراث قال: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (1) . هذه مسألة تخفي على كثير من الناس، وعلى هذا فنقول: إذا حصلت حادثة على شخص ما، فمات فإنه قبل أن يقدم ورثته على العفو ننظر في حال المجني عليه، فإن كان عليه دَيْن لا وفاء له إلا من الدية فلا عفو؛ لأن الدين مقدم على الميراث، وإن لم يكن عليه دين نظرنا في حال الجاني، فإن كان من المتهورين فترك العفو عنه أولى، وإن لم يكن منهم نظرنا في ورثة المجني عليه فإن كانوا غير مرشدين فلا يملك أحد إسقاط حقهم عن المجني عليه، وإن كانوا مرشدين فالعفو في هذه الحال أفضل.
والحاصل: أن من حسن الخلق العفو عن الناس، وهو من بذل
__________
(1) سورة النساء، الآية: 11.
(26/501)

الندى؛ لأن بذل الندى: إما إعطاء، وإما إسقاط، والعفو من الإسقاط.
وأما طلاقة الوجه فهي أن يكون الإنسان طليق الوجه، وضد طليق الوجه عبوس الوجه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: "لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" (1) .
طلاقة الوجه تدخل السرور على من قابلك. وعلى من اتجه لك، وتجلب المودة والمحبة، وتوجب انشراح القلب، بل توجب انشراح الصدر منك وممن يقابلك، وجرب تجد، لكن إذا كنت عبوساً فإن الناس ينفرون منك، ولا ينشرحون بالجلوس إليك، ولا بالتحدث معك، وربما تصاب بمرض خطير يسمى بالضغط، فإن انشراح الصدر وطلاقة الوجه من أكبر العقاقير المانعة من هذا الداء داء
الضغط؛ ولهذا فإن الأطباء ينصحون من ابتلي بهذا الداء بأن يبتعد عما يثيره ويغضبه؛ لأن ذلك يزيد في مرضه، فطلاقة الوجه تقضي على هذا المرض؛ لأن الإنسان يكون منشرح الصدر، محبوباَ إلى
الخلق.
هذه الأصول الثلاثة التي يدور عليها حسن الخلق في معاملة الخلق.
__________
(1) أخرجه مسلم/كتاب البر/باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء.
(26/502)

ومما ينبغي أن يعرف من حسن الخلق حسن المعاشرة بأن يكون الإنسان مع من يعاشره من أصدقاء، وأقارب، وأهل، يكون حسن العشرة معهم لا يضيق بهم ولا يُضيِّق عليهم، بل يدخل السرور
عليهم بقدر ما يمكنه في حدود شريعة الله. وهذا القيد لابد منه، أعني أن يكون في حدود شريعة الله؛ لأن من الناس من لا يُسَّر إلا بمعصية الله والعياذ بالله وهذا لا يوافق عليه.
لكن إدخال السرور على من يتصل بك من أهل وأصدقاء وأقارب من حسن الخلق. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (1) .
وكثير من الناس مع الأسف الشديد يحسن الخلق مع الناس، ولكنه لا يحسن الخلق مع أهله، وهذا خطأ وقلب للحقائق.
كيف تحسن الخلق مع الأباعد، وتسيء الخلق مع الأقارب؟
فالأقارب أحق الناس بأن تحسن إليهم الصحبة والعشرة. ولهذا قال رجل: يا رسول الله: "من أحق الناس بصحابتي أو بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال:
أبوك. في الثالثة أو الرابعة" (2) .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 2/250-472، وابن ماجه/كتاب النكاح/باب حسن معاشرة النساء، والهيثمي 4/302-303.
(2) أخرجه البخاري/كتاب الأدب/باب من أحق الناس بحسن الصحبة، ومسلم/كتاب البر والصلة/باب بر الوالدين وأنهما أحق به.
(26/503)

والحاصل: إن إحسان العشرة مع الأهل والأصحاب والأقارب كل ذلك من حسن الخلق، وينبغي لنا في هذه المراكز الصيفية أن نستغل وجود الشباب بحيث نمرنهم على إحسان الخلق لتكون هذه
المراكز مراكز تعليم وتربية؛ لأن العلم بدون تربية قد يكون ضرره أكثر من نفعه. لكن مع التربية يكون العلم مؤدياً لنتيجته المقصودة.
ولهذا قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (1) .
هذه فائدة العلم أن يكون الإنسان ربانياً، بمعنى مربياً لعباد الله على شريعة الله.
فهذه المراكز التي نأمل من القائمين عليها أن يجعلوها ميداناً للتسابق في الأخلاق الفاضلة ومنها حسن الخلق.
فحسن الخلق يكون بالطبع، ويكون بالتطبع كما تقدم.
وحسن الخلق بالطبع أكمل من حسن الخلق بالتطبع. وأتينا على ذلك بدليل وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "بل جبلك الله عليهما" (2) . وحسن الخلق بالتطبع قد يفوت الإنسان في مواطن
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 79.
(2) أخرجه مسلم/كتاب الإيمان برقم (17) .
(26/504)

كثيرة؛ لأن حسن الخلق بالتطبع يحتاج إلى ممارسة وإلى معاناة وإلى تذكر عند وجود كل ما يثير الإنسان، ولهذا جاء رجل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله أوصني، قال: "لا
تغضب" فردد مراراً قال: "لا تغضب" (1) ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (2) .
والصرعة: هو الذي يغلب الرجال عند المصارعة.
إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، الذي يصرع نفسه ويملكها عند الغضب هو الشديد. وملك الإنسان نفسه عند الغضب يعتبر من أحاسن الأخلاق، فإذا غضبت فلا تنفذ الغضب،
استعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كنت قائماً فاجلس، وإذا كنت جالساً فاضجع، وإذا زاد بك الغضب فتوضأ حتى يزول عنك.
والمقصود أننا نقول: إن حسن الخلق طبع وتطبع، وأن حسن الخلق بالطبع هو الأفضل؛ لأنه يكون سجية الإنسان ويسهل عليه في كل موطن، ولكن التطبع قد يفوته في بعض المواقف.
__________
(1) أخرجه البخاري/كتاب الأدب/باب الحذر من الغضب.
(2) أخرجه البخاري/كتاب الأدب/باب الحذر من الغضب، ومسلم/كتاب البر والصلة/باب فضل من يملك نفسه عند الغضب.
(26/505)

كذلك نقول إن حسن الخلق يكون بالاكتساب بمعنى أن الإنسان يمرن نفسه، فكيف يكون الإنسان حسن الخلق؟
يكون الإنسان حسن الخلق بالأتي:
أولاً: بأن ينظر في كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ينظر النصوص الدالة على مدح ذلك الخلق العظيم، والمؤمن إذا رأى النصوص تمدح شيئاً من الأخلاق أو من الأعمال فإنه سوف يقوم به.
ثانياً: مجالسة الأخيار والصالحين الموثوق بعلمهم وأمانتهم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك:
إما تشتريه أو لمجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة" (1) .
فعليكم أيها الشباب أن تصاحبوا من عرفوا بحسن الأخلاق، والبعد عن مساوئ الأخلاق وسفاسف الأعمال، حتى تأخذوا من هذه الصحبة مدرسة تستعينون بها على حسن الخلق.
ثالثاً: أن يتأمل الإنسان ماذا يترتب على سوء خلقه، فسيئ الخلق ممقوت، وسيئ الخلق مهجور، وسيئ الخلق مذكور بالوصف القبيح.
فإذا علم الإنسان أن سوء الخلق يفضي به إلى هذا فإنه يبتعد عنه.
__________
(1) أخرجه البخاري/كتاب البيوع/باب في العطار وبيع المسك.
(26/506)

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتمسكين بكتابه وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ظاهراً وباطناً وأن يتوفانا على ذلك، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، وألاَّ يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة، إنه هو الوهاب.
(26/507)

حث طلبه العلم على الالتحاق بحلقات تحفيظ القرآن الكريم
الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
نعم إن خير الحديث كتاب الله تعالى؛ لأنه كلام الله عز وجل، تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين (جبريل) على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين.
وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة في فضل تلاوة القرآن والعمل به، فقال الله تعالى:) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) (1) .
وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خيركم من تعلم القرآن
__________
(1) سورة فاطر، الآيتان: 29، 30.
(26/508)

وعلمه، (1) متفق عليه، وعن عائشة- رضي الله عنها- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران" (2) متفق عليه، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب، وريحها طيب، ومثل الذي لا
يقرأ القرآن كمثل التمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مر، ولا ريح لها ... " (3) .
وعن أبي أمامة قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي شافعاً لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة ويل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما" (4) .
ولما كانت تلاوة القرآن وتعلمه وتعليمه بهذه المثابة هب كثير من الشباب في بلادنا وغيرها إلى تلاوة الكتاب العزيز تعلماً فأنشئت في بلادنا جماعات تحفيظ القرآن الكريم في مدن وقرى كثيرة تحت
__________
(1) البخاري/كتاب فضائل القرآن/باب خيركم من تعلم القرآن.
(2) مسلم/كتاب صلاة المسافرين/باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه.
(3) أخرجه البخاري/كتاب فضائل القرآن/باب فضل القرآن على سائر الكلام، ومسلم/ كتاب صلاة المسافرين/باب فضيلة حافظ القرآن.
(4) أخرجه مسلم/كتاب صلاة المسافرين/باب قراءة القرآن وسورة البقرة.
(26/509)

إشراف ورعاية وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، والتحق بها- ولله الحمد- جم غفير من الشباب، ولم يقتصر نشاطها على الذكور، بل شمل النساء أيضاً وحصل بذلك
خير كثير، حتى حفظ القرآن عن ظهر قلب كثير من هؤلاء الشباب، فالحمد لله رب العالمين.
وإنني لأحث إخواني الذي من الله تعالى عليهم بالأولاد، أن يشجعوا أولادهم على الالتحاق بهذه الجماعات، وأن يتعاهدوهم حال التحاقهم، ويستعينوا على ذلك بالاتصال بالمسؤولين في هذه
الجماعات للمتابعة. فإن تلاوة كتاب الله من أسباب الصلاح، وصلاح الولد خير للوالد في دنياه وبعد مماته، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (1) .
ولا شك أن الالتحاق بهذه الجماعات- أعني جماعات تحفيظ القرآن- يحصل به مصالح وتندرئ به مفاسد.
يحصل به حفظ القرآن الكريم ومحبته والميل إليه.
ويحصل به ربط الدارس ببيوت الله عز وجل (المساجد) .
ويحصل به استغلال الوقت بهذا الهدف النبيل.
__________
(1) أخرجه مسلم/كتاب الوصية/باب ما يلحق الإنسان بعد وفاته.
(26/510)

ويحصل به من حسن رعاية الطالب ما يثاب عليه أبوه أو غيره من ولاة أمره.
ويحصل به ثواب المجتمعين على تلاوة كتاب الله تعالى في بيت من بيوته، فما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة
وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، وكلما تحصل به هذه المصالح فإنه تندرئ به مفاسد.
يندرئ به ضياع الوقت الذي هو أشد ضرراً من ضياع المال، فإن المال له ما يخلفه والوقت الذي هو أشد ضرراً من ضياع المال، فإن المال له ما يخلفه والوقت لا يخلفه فيء، فإن كل وقت مضى لا
يرجع، كما قيل: أمس الدابر لا يعود.
تندرئ بهم مفسدة الفراغ، فإن للفراغ مفسدة بل مفاسد كما قيل: إن الشباب والفراغ والجدة (1) مفسدة للمرء أي مفسدة فمن مفاسد الفراغ أن الشباب ينشأ على حياة ضياع لا جدية
فيها.
ومن مفاسد الفراغ أنه قد يكون سبباً للتخريب.
ومن مفاسد الفراغ أنه يفضي إلى التسكع في الأسواق والتجول،
__________
(1) الجدة: الغنى.
(26/511)

الذي ربما يفضي إلى فساد الأخلاق.
ومن مفاسد الفراغ البدني أنه يفضي إلى الفراغ الذهني فيتبلد الذهن، ويكون الشاب سطحياً، ليس عنده تفكير عميق، ولا ذهن حاد. وإني لأحث إخواني الذين من الله عليهم بالمال أن يجودوا بشيء مما من الله به عليهم، فإن بذل المال في هذه الجماعات من أفضل الأعمال لمشاركة الباذل العامل فيها في الأجر، كما جاء نحو ذلك فيمن جهز غازياً، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا" (1) .
كما أحث سائر إخواني المسلمين على تشجيع هذه الجماعات بكافة أنواع التشجيع المعنوي والمادي، عملاً بقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (2) .
وأسال الله تعالى أن يجعلنا جميعاً ممن حقق ذلك بمقاله وفعاله، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والذين
اتبعوهم بإحسان مدى الأوقات.
__________
(1) أخرجه البخاري/كتاب الجهاد/باب فضل من جهَّز غازياً أو خلفه بخير. ومسلم/ كتاب الإمارة/باب فضل إعانة الغازي.
(2) سورة المائدة، الآية: 2.
(26/512)

رسالة: في التحذير من الحسد وبيان خطره
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده، ورسوله، خاتم النبيين، وإمام المتقين، صلى الله عليه
وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن الحسد خلق ذميم، وهو: تمني زوال نعمة الله على الغير.
وقيل: الحسد كراهة ما أنعم الله به على غيره.
فالأول هو المشهور عند أهل العلم.
والثاني هو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فمجرد كراهة ما أنعم الله به على الناس يعتبر حسداً، والحسد محرم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه وحذر منه، وهو من خصال اليهود الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
والحسد مضاره كثيرة: منها: أنه اعتراض على قضاء الله وقدره، وعدم رضا بما قدره الله عز وجل؛ لأن الحاسد يكره هذه النعمة التي أنعم الله بها على المحسود.
ومنها: أن الحاسد يبقى دائماً في قلق وحرقة ونكد؛ لأن نعم الله على العباد لا تحصى، فإذا كان كلما رأى نعمة على غيره حسده وكره أن تكون هذه النعمة حالة عليه فلا بد أن يكون في قلق دائم، وهذا
(26/513)

هو شأن الحاسد، والعياذ بالله.
ومنها: أن الغالب أن الحاسد يبغي على المحسود فيحاول أن يكتم نعمة الله على المحسود، أو يزيل نعمة الله على هذا المحسود، فيجمع بين الحسد وبين العدوان.
ومنها: أن الحسد يدل على دناءة الحاسد، وأنه شخص لا يحب الخير للغير؛ بل هو سافل ينظر إلى الدنيا، ولو نظر إلى الآخرة لأعرض عن هذا.
ولكن إذا قال قائل: إذا وقع الحسد في قلبي بغير اختياري، فما هو الدواء؟
فالجواب: أن الدواء يكون بأمرين:
الأول: الإعراض عن هذا بالكلية، وأن يتناسى هذا الشيء، وأن يشتغل بما يهمه في نفسه.
الثاني: أن يتأمل ويتفكر في مضار الحسد، فإن التفكر في مضار العمل يوجب النفور منه، ثم يجرب إذا أحب الخير لغيره واطمأن بما أعطاه الله، هل يكون هذا خيراً، أم الخير أن يتتبع نعمة الله على الغير، ثم تبقى حرقة في نفسه، وتسخطاً لقضاء الله وقدره؟!
وليختر أي الطريقين شاء، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والذين اتبعوهم بحسان إلى يوم الدين.
(26/514)

رسالة في بيان خطر التقول على العلماء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
ليس بغريب أن ينسب إلى أحد العلماء المعتبرين ما لم يقله بل ما يصرح بخلافه، وهذا معلوم من عهد السلف الصالح، ففي صحيح مسلم- في كتاب اللباس في باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة
3/1641- أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أرسلت مولاها إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقالت: "بلغني: عنك أنك تحرم أشياء ثلاثة: العلم في الثوب، وميثرة الأرجوان، وصوم رجب كله".
فقال عبد الله: أما ما ذكرت من رجب، فكيف بمن يصوم الأبد؟!
وأما ما ذكرت من العلم في الثوب فني سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إنما يلبس الحرير من لا خلاق له" (1) ، فخفت أن يكون العَلمُ منه.
وأما ميثرة الأرجوان، فهذه ميثرة عبد الله، فإذا هي أرجوان.
فرجع مولى أسماء إليها فأخبرها بما قال عبد الله، فقالت: هذه جبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخرجت جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج
__________
(1) رواه البخاري/كعاب اللباس/باب من محمل للوفود برقم (5731) .
(26/515)

وفرجيها مكفوفين بالدبياج، فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت. فلما قبضت قبضتها. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبسها فنحن نغسلها للمرضى ليستشفى بها.
الميثرة: وطاء يجعل على الرحل ليلين للراكب، من الوثارة. الأرجوان: بضم الهمزة والجيم هو الأحمر الشديد الحمرة.
ومعنى قول ابن عمر: "فكيف بمن يصوم الأبد" الإنكار على من نسب إليه تحريم صوم رجب كله؛ لأنه رضي الله عنه كان يصوم الأبد.
وقد أنكر رضي الله عنه كل ما نسب إليه من تحريم الثلاثة، فأنكر صوم رجب بأنه كان يصوم الأبد.
وتحريم علم الثوب بأنه كان تركه خوفاً من أن يكون من لبس الحرير فهو حكم احتياطي، وأنكر تحريم ميثرة الأرجوان بأنه كان له ميثرة أرجوان.
والمهم أن التقول على العلماء كان من قديم الزمان وله أسباب:
1- منها أن يسأل الشخص عالماً سؤالاً يقصد به معنى، فيفهم العالم المجيب خلاف ما قصده السائل، فيجيب بحسب ما فهم من السؤال، ويفهم السائل الجواب على ما قصد من السؤال.
2- ومنها أن يفهم العالم السؤال على ما قصده به السائل فيجيبه
(26/516)

بحسبه، لكن يفهم السائل منه خلاف ما قصده المجيب.
3- ومنها أن يكون له هوى في حكم مسألة ما، فيشيع نسبته إلى عالم معروف؛ ليكون أدعى لقبوله.
4- ومنها أن يكون الحكم غريباً منكراً، فينسبه إلى عالم ليشوه به سمعته ويتخذ من في ذلك وسيلة إلى غيبته، والإيقاع به، مع أن العالم لم يكن منه فتوى في ذلك.
إلى غير ذلك من الأسباب وشر الأسباب التي ذكرناها هذا الأخير والذي قبله.
ولكن الواجب على من سمع من ذلك أن يتثبت أولاً من صحة نسبة القول إلى العالم، ثم يتأمل في القول المنقول هل له حظ من النظر، فإن كان له حظ من النظر قبله ودافع عنه؛ لأنه حق والحق
يجب قبوله والدفاع عن القائل به.
وإن لم يكن له حظ من النظر، اتصل بقائله وناقشه بأدب، فيقول: بلغني كذا وكذا،. فما وجه ذلك في شريف علمكم، أو نحو هذه العبارة.
ثم يأخذ في النقاش معه بأدب واحترام، لقوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (1) ،
__________
(1) سورة النحل، الآية: 125.
(26/517)

إلا أن يكون معاندًا ظالمًا فيجادل بما يستحق، كما قال تعالى في مجادلة أهل الكتاب: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (1) .
وإذ تبين الحق بعد النقاش وجب على من تبين له اتباعه، والدفاع عمن قال به.
فإن لم يتبين لكل واحد أن الحق مع صاحبه، فالله تعالى حسيب الجميع، وهو تعالى عند قلب كل قائل وقوله، وليس قول كل واحد حجة على الآخر، فليذهب كل واحد إلى ما تبين له أنه الحق، ولا يشنع على صاحبه، أو يبدعه، أو يفسقه ما دامت المسألة تحت مجهر الاجتهاد.
نسأل الله التوفيق للصواب، والعمل بما يرضيه، وأن يهب لنا من لدنه رحمة وحكمة، إنه هو الوهاب، والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بحسان إلى يوم الدين.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 22/6/1417 هـ.
__________
(1) سورة العنكبوت، الآية: 46.
(26/518)

رساله
في بيان الموقف الصحيح نحو العلماء
سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
نسأل الله لكم التوفيق والسداد والعناية وأن يجزيكم على ما قدمتموه لهذا الدين خير الجزاء.
سماحة الشيخ، نحن إخوانكم في إندونيسيا نحبكم في الله ونتابع أخباركم وفتاواكم، ونستفيد كثيراً من علومكم عن طريق كتبكم وأشرطتكم، وفي هذه المناسبة نستفتيكم فيما كتبه أحد الدعاة في
إحدى مجلات إندونيسيا المسماة بـ"سلفي" قال: "أهل الرأي هم أهل الفكر الذين يستدلون بالقياس أكثر من استدلالهم بالقرآن والحديث، وإمامهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت". وقال: "وأهم شيء في هذا المبحث هو: في أية مسألة نهينا أخذ مفاهيم دينية منه (أبو حنيفة) ، حتى لا نغتر بعده؟ روايات منقولة عنه ضل فيها هو" وقال: "بل أهل السنة يحترمون أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكل احترام، لكن لا يمنعهم ذلك من انتقادهم بأسلوب علمي مؤدب فيما أخطئوا فيه من أجل ألا يتبعوا ما أخطئوا"، ثم قال: "في المسائل العقدية والفقهية كثيراً ما اعتمد أبو حنيفة على قياس، وينقصه
(26/519)

الاهتمام بالأدلة من السنة النبوية"، ثم قال: "هناك روايات تؤكد على أن أبا حنيفة مرجئي، والإرجاء مذهب بدعي مبني على أن الإيمان قول واعتقاد في القلب، دون جعل العمل من ضمنه"، ثم نقل أقوال العلماء الذين تكلموا على أبي حنيفة بكلام شديد التي رواها الإمام اللالكائي مثل قول الثوري، وابن أبي ليلى والحسن بن صالح، وشريك بن عبد الله، وأقوال الأئمة الأخرى مثل ابن قتيبة وابن أبي شيبة، ثم قال: "لكن موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من مخالفة أبي حنيفة لأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - يختلف عن موقف الأوزاعي منها، حيث قال: "ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما
بظن وإما بهوى". (مجموع الفتاوى 20/304) ثم علق عليه وقال: (موقف شيخ الإسلام المذكور أعلاه لولا أنه خالف آراء الأئمة السابقين مثل الأوزاعي وابن قتيبة وابن أبي شيبة وغيرهم لقبلناه
واعتمدنا عليه في موقفنا نحو أخطاء أبي حنيفة في المسائل الفقهية، لكن عصر شيخ الإسلام بعيد عن أبي حنيفة، والأئمة الذين خالفهم أبو حنيفة عاصروه، أو جاءوا بعده بفترة قصيرة فيكون موقفهم نحو أبي حنيفة أرجح من موقف ابن تيمية نحوه") .
السؤال: ما الموقف الصحيح نحو الإمام أبي حنيفة؟ نرجو توجيهاتكم.
(26/520)

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الموقف الصحيح نحو الأئمة الذين لهم أتباع، يشهدون بعدالتهم، واستقامتهم، ألا نتهجم عليهم، وأن نعتقد أن ما خالفوا فيه الصواب، صادر عن اجتهاد، والمجتهد من هذه الأمة لا يخلو من أجر، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وخطؤه مغفور.
وأبو حنيفة رحمه الله كغيره من الأئمة له أخطاء وله إصابات، ولا أحد معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال الإمام مالك: كلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والواجب الكف عن أئمة المسلمين، لكن القول إذا كان خطأ، فيذكر القول دون أن يتعرض أحد لقائله بسب، يذكر القول إذا كان خطأ ويرد عليه، هذا هو الطريق السليم.
حرر في 12/2/1425 هـ.
***
تم بحمد الله تعالى المجلد السادس والعشرون
ويليه
بمشيئة الله تعالى المجلد السابع والعشرون
(26/521)