Advertisement

فتاوى نور على الدرب للعثيمين 008



الكتاب: فتاوى نور على الدرب
المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
[الكتاب مرقم آليا] موقف الإمام والمأمومين
(8/2)

يقول هل تجوز الصلاة على يسار الإمام من غير عذرٍ إلا أنه يفعل ذلك خشية فوات الركعة فيركع على يسار الإمام لأنه أقرب مكانٍ له عند دخوله من باب المسجد والبعض يصلى خلف الصف منفرداً بحجة إدراك الركعة أيضاً فهل هذه الصلاة صحيحة فقد قرأت حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم (لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف) أو ما معناه فما مدى صحة هذا الحديث؟

فأجاب رحمه الله تعالى: سؤال هذا الرجل تضمن مسألتين
المسألة الأولى الصلاة عن يسار الإمام والصلاة عن يسار الإمام خلاف المشروع فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قام يصلى من الليل جاءه ابن عباس رضي الله عنهما فوقف عن يساره فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسه من ورائه فجعله عن يمينه فهذا الرجل الذي صلى عن يسار الإمام نقول له إن فعلك هذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختلف أهل العلم هل وقوفه هذا محرم فتكون صلاته باطلة أو هو خلاف الأولى فتكون صلاته صحيحة لكنه ترك الأولى وعلى كل حال فالأحوط للمرء أن لا يصلى عن يسار الإمام وأن يكون عن يمينه كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام بابن عباسٍ رضي الله عنهما.
المسألة الثانية فإنها الصلاة خلف الصف منفرداً فالصلاة خلف الصف منفرداً لا تجوز على القول الراجح وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد وإن كانت عنه روايةٌ أخرى أنها تصح وهو مذهب الأئمة الثلاثة مالك وأبي حنيفة والشافعي ولكن الراجح أنها لا تصح خلف الصف منفرداً إلا إذا تعذر الوقوف في الصف بحيث يكون الصف تاماً فإنه يصلى الإنسان خلف الصف منفرداً تبعاً للإمام لأنه معذور ولا واجب مع العجز كما قاله أهل العلم رحمهم الله وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام جعل المرأة تقف خلف الصف منفردةً عن الرجال للعذر الشرعي وهو عدم إمكان وقوفها مع الرجال فإن العذر الحسي أيضاً يكون مسقطاً لوجوب المصافّة وذلك لأننا في هذه الحال إذا لم يجد الرجل إلا موقفاً خلف الصف منفرداً فهو إما أن يصلى منفرداً خلف الصف مع الإمام أو يصلى منفرداً وحده عن الجماعة أو يجذب واحداً من الصف ليكون معه أو يتقدم ويصلى إلى جانب الإمام هذه الأحوال الأربع التي يمكن أن تكون بالنسبة لهذا الرجل الذي لم يجد موقفاً في الصف فنقول له أما التقدم إلى الإمام حتى يكون إلى جانبه فإن فيه محذورين:
أحدهما الوقوف مع الإمام في صلاة الجماعة وهذا خلاف السنة لأن الأفضل أن ينفرد الإمام في مكانه ليكون إماماً متميزاً عن الجماعة منفرداً عنهم في المكان ليعرف أنه إمام وأنه لا ثاني معه ولا يرد علينا في هذا قصة أبي بكرٍ رضي الله عنه حين جاء النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكرٍ يصلى بالناس فكان على يسار أبي بكر وأبو بكرٍ عن يمينه لأن في قصة أبي بكر كان أبو بكرٍ رضي الله عنه هو الإمام أولاً ويتعذر أن يرجع إلى صفٍ وراءه لأنه متصل فوقوف أبي بكرٍ هنا على سبيل الضرورة أقول إنه إذا تقدم إلى الإمام ووقف معه يكون خلاف السنة المطلوبة في حق الإمام وهي الانفراد وحده أمام جماعته.
المحذور الثاني أنه إذا تقدم مع الإمام فإنه سوف يتخلل صفاً أو صفين أو ثلاثة حسب ما يجد أمامه من الصفوف وهناك فوات أمرٍ مطلوب وهو أنه إذا تقدم ثم صلى مع الإمام ثم حضر شخصٌ آخر ولم يجد مكاناً في الصف فمعناه أنه سوف يتقدم أيضاً إلى الإمام فيكون مع الإمام رجلان لكن لو أن هذا لم يتقدم إلى الإمام وبقي خلف الصف ثم جاء الثاني صار صفاً معه هذه واحدة أما جذبه لواحدٍ من الصف الذي أمامه فهذا أيضاً يترتب عليه عدة محاذير:
المحذور الأول فتح فرجةٍ في الصف وهذا من قطع الصف وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام من قطع صفاً قطعه الله.
ثانياً أن هذه الفرجة التي حدثت في الصف في الغالب أن الناس يتقاربون وحينئذٍ يؤدي إلى حركة جميع الصف كلهم يتحركون ولولا جذب هذا الرجل ما تحرك الصف وبقي الناس على طمأنينتهم.
المحذور الثالث أنه ينقل صاحبه الذي جذبه من المكان الفاضل إلى المكان المفضول وفي هذا نوع جناية عليه.
المحذور الرابع أنه لا بد أن يحدث عنده شيئٌ من التشويش إذا جذب فإن الإنسان لا بد أن يكون عنده فزع أو نحوه مما يوجب عليه تشويش صلاته وربما يمانع وربما يمد يده ويضرب من يحاول أن يجذبه فالمهم كل هذه المحاذير موجودة في جذب الإنسان من الصف حتى يكون مع هذا المنفرد.
الحال الثالثة أن نقول انصرف ولا تصلِّ مع الجماعة لأن الصف تام وحينئذٍ نحرمه من صلاة الجماعة ويكون منفرداً في موقفه وفي صلاته أيضاً.
الحال الرابعة أن نقول له كن خلف الصف منفرداً في المكان موافقاً في الأفعال وهذه الأخيرة هي خير الأقسام بلا شك فإذا كانت هي خير الأقسام فإنها تكون هي المطلوبة ونقول له قف خلف الصف وصلِّ مع الإمام منفرداً لأنك معذور وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف فهذا حمله من يرون أن المصافة ليست بواجبة حملوه على أنه نفيٌ للكمال قالوا إن هذا نفيٌ للكمال وليس نفياً للصحة لكنها ناقصة لأنهم يقولون نقول لا صلاة أي لا صلاة كاملة لمنفردٍ خلف الصف ووازنوا ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم (لاصلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) فإن المراد هنا لا صلاة كاملة ولكن هذا الطريق ليس بصحيح لأن الأصل فيما نفاه الشرع انتفاء الصحة هذا هو الأصل إلا إذا وجد دليلٌ على أن المراد انتفاء الكمال فيحمل على انتفاء الكمال وإلا فالأصل أن النفي نفيٌ للصحة وبهذه المناسبة أود أن أبين أن ما ورد نفيه في النصوص فله ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن يكون نفياً لوجوده وهذا هو الأصل مثل لا خالق إلا الله هذا نفيٌ لوجود خالقٍ للخلق سوى الله عز وجل وهذا هو الذي يجب عليه حمل النفي لأنه الأصل فإن لم يمكن حمل النفي على هذا وكان الشيء موجوداً فإنه يحمل على نفي الصحة شرعاً مثل لا صلاة بغير وضوءٍ فالإنسان قد يصلى غير متوضئ وتوجد الصلاة لكنها شرعاً منفية وهذا نفيٌ للصحة فإن لم يمكن الحمل على نفي الصحة لوجود دليلٍ يمنع ذلك فإنه يحمل على نفي الكمال مثل (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) فإنها هنا محمولةٌ على نفي الكمال على أن بعضاً من أهل العلم يقول إن هذا الحديث محمولٌ أيضاً على نفي الصحة إذا كان بحيث ينشغل انشغالاً كاملا لا يدري ما يقول في صلاته فإنه لا تصح صلاته حينئذٍ وعلى كل حال فهذه المراتب الثلاث ينبغي لطالب العلم أن يلاحظها أن الأصل في النفي نفي الوجود فإن لم يمكن وكان الشيء موجوداً فهو محمولٌ على نفي الصحة فإن لم يمكن وكان قد قام الدليل على الصحة فإنه يكون محمولاً على نفي الكمال وعلى هذا فقوله (لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف) هو من القسم الثاني أي مما نفيت صحته فلا تصح صلاة منفردٍ خلف الصف ولكن هذا يدل على وجوب المصافّة ووجوب المصافّة عند التعذر يسقط بتعذره لأن القاعدة المعروفة عند أهل العلم والتي دل عليها قوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) تدل على أنه لا واجب مع العجز وبهذا تبين أنه إذا تعذر الوقوف في الصف لكماله فإن المأموم أو الداخل يصف وحده ويتابع إمامه وصلاته في هذه الحالة صحيحة.
***
(8/2)

السائل ع. أ. س. أ. من اليمن لواء تعز يقول رجل لديه أربعة أبناء وبنتان فهل يجوز لكل منهم الصلاة فرادى وإذا صلوا جماعة يؤمهم الوالد فهل يجوز للبنتين الصلاة بجوار الأبناء من ضمن الجماعة أم يجب عليهما أن تكونا في صف أخير وكذلك إذا كانت إحدى البنتين فقط أو الوالدة وحدها فهل تقف في صف وحدها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال من وجهين:
الوجه الأول أنه لا يجوز لك ولأبيك أن تصليا في البيت مادام المسجد قريبا منكما وتسمعان النداء فإن الواجب عليكما الحضور إلى المسجد مع المسلمين لأن صلاة الجماعة واجبة في المساجد وأما إذا لم يكن حولكما مسجد ولا تسمعان النداء فإنكما تصلىان جماعة في البيت وإذا صلت معكما النساء فإنهن يقفن خلفكم وليس للمرأة صف بجانب الرجال حتى ولو كانوا من محارمها وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى به وبأمه وكان معهم يتيم فصف أنس بن مالك رضي الله عنه واليتيم خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصفت المرأة خلفهم فالمرأة لا موقف لها مع الرجال وإنما موقفها خلف الرجال ولو كانوا من محارمها.
***
(8/2)

المستمع عبد الرحمن عارف بكر عبد الجواد مصفاة ينبع يقول في رسالته إذا كان مع الإمام مأموم واحد فهل يتأخر عنه قليلاً أم يكون معه بالتوازي وما الدليل على ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان مع الإمام مأموم واحد فإنه يقف عن يمينه كما ثبتت بذلك السنة في حديث ابن عباس رضي الله عنهما حين قام مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فوقف عن يساره فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسه من ورائه فجعله عن يمينه والسنة أن يكون المأموم في هذه الحال محاذياً للإمام لا يتقدم عنه ولا يتأخر عنه وذلك لأنه إذا وقف مع الأمام صارا صفاً واحداً والمشروع في الصف التساوي بحيث لا يتقدم أحد على أحد ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (عباد الله لتسوُّن صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم) وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أن الإمام يتقدم قليلاً عن المأموم في هذه الحال فإنه لا وجه له من السنة بل السنة تدل على خلافه.
***
(8/2)

إذا دخلت المسجد ووجدت شخصين يصليان فهل أقدم الإمام أم أسحب المأموم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قدم الإمام ثم صل وإن شئت فاسحب المأموم ثم صل وهذا على حسب المكان قد يكون المكان واسعا وقد يكون ضيقا قد يكون واسعا من جهة الأمام فهنا يدفع الإمام وقد يكون واسعا من جهة المأموم فهنا يجذب المأموم.
***
(8/2)

يقول السائل كيف يتصرف الإمام في المسجد إذا وجد بعض الأطفال والصغار في الصف الأول سواءٌ كانوا خلف الإمام مباشرة أم في الأطراف وهل يستجيب لطلب المصلين بإبعادهم إلى الخلف خاصةً وأنهم مبكرون للصلاة وبعضهم مؤدب لا يوجد منه ضرر أو تشويش وأعمارهم بين الثامنة إلى العاشرة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يصنع الإمام شيئاً بل يبقي كل صبي في مكانه لكن إن خشي من العبث بين الطفلين فإنه يفرق بينهما وأما طردهم عن الصف الأول أو الصف الثاني أو ما أشبه ذلك فليس بصحيح وليس بصواب والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى) وهذا يعني به حث أولي الأحلام والنهى على التقدم حتى يكونوا يلونه وهو صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقل لا يلني إلا أولو الأحلام لو قال لا يلني إلا أولو الأحلام قلنا إذا وجد في الصف الأول أطفال فإنهم يبعدون ولم أعلم عنه أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا رأى طفلاً في الصف الأول أمر بتأخيره وتأخير الأطفال فيه مفاسد:
المفسدة الأولى الإرباك لا سيما إذا كان الأطفال كثيرين.
المفسدة الثانية تكريه الطفل للمسجد وللصلاة لأن الطفل له شعور فإذا كان قد تقدم وجلس في الصف الأول يقرأ القرآن ورأى نفسه أنه متأدب وأنه أهلٌ لأن يتقدم ثم بعد ذلك نكسره ونقول اذهب للخلف فهذا يجعله يبغض المسجد والصلاة.
ثالثاً أننا إذا أخرناه ثم صار في الصف الثاني رجال وأخرنا الأطفال في الثالث اجتمع الأطفال في صفٍ واحد وإذا اجتمعوا في صفٍ واحد فسوف يكون منهم عبثٌ أكثر وتشويشٌ أعظم على المصلىن.
رابعاً أنه إذا كان وليه معه ثم قيل للصبي وهو إلى جنب وليه ارجع وراء فسيكون من وليه نزاع ويقول هذا ولدي لا أريد أن يذهب عني وولدي مؤدب ولم يأتِ منه شر وإذا قدر أن الولي ملك نفسه ولم يتكلم فسيكون في قلبه شيء على من أزال ابنه عن جنبه وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أن من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به) هذا الحديث أو معناه فإذا سبق الصبي إلى مكان وهو مؤدب ولم يحصل منه أذى فلا وجه لتأخيره.
***
(8/2)

المستمع سوداني يقول إذا صليت أنا وصبي خلف الإمام وهذا الصبي لم يبلغ الحلم يعني نحن ثلاثة بالإمام فهل صلاتي صحيحة وهل الصبي يكمل الصف وهل وقوف الصبية في الصفوف الأمامية في الصلاة مقبول شرعاً لأني قرأت حديثاً عن أبي موسى الأشعري في هذا المعنى وهو أن يصف الرجال ويليهم الصبيان ثم النساء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القول الراجح أن مصافة الصبي صحيحة يعني أنه يجوز للإنسان أن يصف خلف الإمام وليس معهم إلا صبي لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قام يصلى بأنس بن مالك فقام أنس بن مالك ومعه يتيم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن كان هذا في صلاة النفل ومن ثم اختلف العلماء رحمهم الله في جواز مصافة الصبي في صلاة الفرض فمنهم من قال إنه لا يجوز ومنهم من قال إنه جائز وهذا هو القول الصحيح كما قلت آنفاً لأنه من القواعد المقررة المعروفة أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض وما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل يدل على ذلك ويدل على هذه القاعدة أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل وما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل أن الصحابة رضي الله عنهم حكوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان يصلى على راحلته حيث توجهت به غير أنه لا يصلى عليها المكتوبة) لئلا يتوهم واهم أن الفريضة مثل النافلة في هذه الحال وهذا يدل على أن الفريضة ما ثبت في النفل ثبت فيها إلا بدليل فالقول الراجح أنه يجوز للصبي أن يكون مصافاً للبالغ سواء ذلك كان خلف الصف أو خلف الإمام وأما تقدم الصبيان إلى الصف الأول أو ما يليه فإنه لا بأس به أيضاً فإذا تقدموا إلى الصف الأول ولم يحصل منهم ما يشوش على المصلىن فإنه لا يجوز إقامتهم من مكانهم لأن من سبق إلى مكان فهو أحق به وأما قول من قال من أهل العلم إنهم يصفون وحدهم وراء الصفوف فإنه لا دليل عليه بل في ذلك مفسدة لأن الصبيان إذا اجتمعوا في صف واحد حصل منهم تشويش على المصلىن ولعبوا في الصلاة.
***
(8/2)

صلاة المنفرد خلف الصف
(8/2)

هذه رسالة وصلتنا من الرياض من أحد الإخوة المستمعين رمز لاسمه بطالب علم يقول ما هي الأقوال الصحيحة في صلاة الفرد وحده خلف الإمام أرجو من فضيلة الشيخ محمد أن يعطيني إجابة وافيه حول هذا الموضوع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة المنفرد خلف الصف وحده فيها للعلماء ثلاثة أقوال القول الأول أنها صحيحة لكن الإنسان مخالف للسنة سواء كان الصف الذي أمامه تاماً أم غير تام وهذا هو المشهور من مذاهب الأئمة الثلاثة مالك وأبي حنيفة والشافعي وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وأئمة المسلمين جميعاً وحملوا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) على نفي الكمال لا نفي الصحة والقول الثاني أن صلاة الإنسان منفرداً خلف الصف ركعة فأكثر صلاة باطلة سواء كان الصف الذي أمامه تاماً أم غير تام واستدل هؤلاء بعموم قوله صلى الله عليه وسلم لا صلاة للمنفرد خلف الصف وبأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلى خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة والقول الثالث الوسط وهو أنه إذا كان الصف تاماً فإن الصلاة خلفه منفرداً جائزة وصحيحة وهو اختيار شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله وهو الصواب فإذا أتيت إلى المسجد ووجدت الصف تاماً من اليمين والشمال فلا حرج عليك أن تصلى منفرداً وصلاتك صحيحة لقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية16) ولا استطاعة لك فوق ذلك لأن ما سوى هذه الحال إما أن تجر أحداً من الصف ليصلى معك وإما أن تتقدم فتصلى مع الإمام وإما أن تدع الصلاة مع الجماعة وتصلى وحدك وإما أن تصلى مع الجماعة منفرداً خلف الصف لعدم القدرة على الدخول في الصف فهذه أربع حالات:
أما الحال الأولى وهي أن تجر أحداً ليصلى معك فإن هذا يستلزم أربعة محاذير فإنه يستلزم فتح فرجة في الصف وفي هذا قطع للصف ويستلزم نقل الرجل من مكان فاضل إلى مكان مفضول ويستلزم التشويش عليه غالباً ويستلزم حركة جميع الصف لأن العادة أنه إذا حصلت فرجة تقارب الناس بعضهم من بعض فحصلت حركة لجميع الصف بدون سبب شرعي
وأما كون الإنسان يتقدم ليصلى مع الإمام ففيه عدة محظورات فمن ذلك أنه إذا تقدم وقام مع الإمام صار هذا خلاف السنة في كون السنة أن ينفرد الإمام وحده في مكانه ليكون إماماً يقتدى به فإذا صف معه آخر صار كأن الناس بإمامين ولا يرد على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء وأبو بكر يصلى بالناس فجاء في أثناء الصلاة وجلس عن يسار أبي بكر وأتم الصلاة وأبوبكر على يمينه لأن هذه الحال ضرورة وأبو بكر رضي الله عنه قد لا يكون له مكان في الصف الذي خلفه ومن المحظور في تقدم الإنسان للإمام أنه يتخطى رقاب الناس إلى أن يصل الصف الأول وإن كان في المسجد صفان تخطى صفين وإن كان فيه ثلاثة تخطى ثلاثة وهكذا وهذا يوجب التشويش على المصلىن مع الأذية لهم ثم إذا قلنا له تقدم إلى الإمام ودخل رجل آخر فلم يجد مكاناً آخر في الصف وقلنا تقدم إلى الإمام فتقدم وجاء ثالث وقلنا تقدم فتقدم صار الذين جانب الإمام صفاً كاملاً وهذا بلا شك مخالف للسنة وأما كونه يدع الجماعة ويصلى وحده ففيه تفويت الجماعة وتفويت المصافة ومن المعلوم أن كونه يصلى مع الجماعة مع الانفراد بالصف خير من كونه ينفرد في المكان والعمل فينفرد عن الجماعة لا يوافقهم لا في صفوفهم ولا في أعمالهم وهذا القول كما ترى قد دل على رجحانه الأثر والنظر والله عز وجل لا يكلف نفساً إلا وسعها فالقول الراجح عندي أنه إذا جاء الإنسان والصف قد تم أنه يصلى خلف الصف مع الجماعة.
***
(8/2)

من دولة البحرين السائل إسماعيل صالح يقول لقد علمت أن الذي يصلى وحده خلف الصف مع الجماعة لا يجوز ولكن ما الحكم إذا كان المصلى خلف صف الجماعة معه شخص لم يبلغ الحلم أي إنه غير بالغ هل يجوز ذلك ماذا يفعل المصلى في هذا الوقت مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة المنفرد خلف الصف في صلاة الجماعة تنقسم إلى قسمين قسم صحيح وقسم غير صحيح
أما القسم الصحيح فهو ما إذا وجد الصف تاما فإنه في هذه الحال يجوز أن يصلى وحده وذلك لأنه إذا لم يأته أحد يقوم معه قبل أن تفوت الجماعة فاتته الجماعة وهو إذا لم يصل وحده فإما أن يجذب أحداً من الصف الذي أمامه وإما أن يتقدم فيقف مع الإمام وكلا ذلك غير مشروع أما سحبه أحداً من الصف المتقدم فإنه لا يجوز وذلك لأن فيه جناية على المسحوب ونقلا له من المكان الفاضل إلى المكان المفضول ثم إنه قد يشوش عليه صلاته فإن بعض الناس يكون سريع التأثر فيشوش عليه تشويشا بالغا ثم إنه يفتح فرجة في الصف فيقطع صفا بعد صلته ثم إنه يوجب أن يتحرك الصف من اليمين أو من الشمال أو من اليمين والشمال لسد هذه الفرجة فهذه أربع مفاسد في جذب من يجذبه إليه وأما تقدمه مع الإمام فهذا إن لم يأت من القبلة إذا كان في قبلة المسجد باب لزم أن يتخلل الصفوف فيؤذي أهل الصفوف وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يتخطى رقاب الناس في يوم الجمعة فقال اجلس فقد آذيت ثم إذا تقدم وصلى مع الإمام خالف في ذلك السنة فإن السنة أن يكون الإمام وحده في مكانه لأنه إمام فإذا قام معه آخر صار الآخر كأنه إمام ثان ولا يرد على هذا أن أبا بكر رضي الله عنه حين شرع يصلى في الناس ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فصف إلى يسار أبي بكر لأن أبا بكر قد شرع في الصلاة ولا يمكنه أن يتأخر لأن الصف متراص فلم يبق إلا أن يبقى في مكانه ثم إذا تقدم وصف مع الإمام ثم جاء آخر بعده ووجد الصف تاما فقلنا تقدم فصارا اثنين مع الإمام ثم جاء ثالث وقلنا تقدم لزم من ذلك أن يكون صف تام مع الإمام وما وراء الناس ليس فيه أحد لذلك نقول إذا جاء الإنسان ووجد الصف تاما فلا حرج عليه أن يقف وحده ويصلى وحده وقد قال الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقال (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) وأما إذا قام معه صبي مميز وصلى معه فالصواب أن ذلك جائز وأن مصافة الصبي كمصافة البالغ لأن أنس بن مالك رضي الله عنه صف مع يتيم خلف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاة النفل والأصل أن ما ثبت في صلاة النفل ثبت في صلاة الفرض إلا بدليل ولأن هذا الصبي عاقل تصح منه الصلاة فصلاته صحيحة فيكون هذا البالغ لم يقم وحده خلف الصف بل معه من تصح صلاته فالصواب أن مصافة الصبي في الفريضة والنافلة سواء وأنها جائزة ويزول بها الانفراد.
***
(8/2)

أحد الإخوة يقول في هذا السؤال سمعت بأنه لا تجوز الصلاة خلف الجماعة في الصف إذا كان المصلى منفرداً ويجب الانتظار إلى أن يأتي شخص آخر لكي يصلى معه فالمعروف أن الدين يسَّر كثيراً من الأمور فهل للمصلى الذاهب بنية صلاة الفجر مثلاً أن ينتظر حتى تفوته الصلاة إذا لم يأتِ شخص آخر وهل يكتب له أجر المصلى في الجماعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ما سمعته صحيح عند بعض أهل العلم ولكن القول الراجح أن الإنسان إذا أتى والصف تام فإنه يصلى خلف الصف وحده مع الجماعة وتصح صلاته ويكتب له أجر الجماعة كاملة إذا أدرك من الصلاة ركعةً فأكثر وذلك لقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وهذا الرجل لا يستطيع أكثر من هذا وليس له أن يجذب أحداً يؤخره وليس له أن يتقدم مع الإمام وما بقي إلا أن ينصرف ولا يصلى مع الجماعة أو أن ينتظر من يأتي وقد لا يأتي أحد أو يبقى صافاً وحده وهذا هو المتعين فالقول الراجح أنه إذا جاء الإنسان والصف تام فلا بأس أن يقف وحده ويصلى مع الجماعة.
***
(8/2)

سائل يقول نحن نصلي ونكون قد أكملنا الصف الأول فيدخل شخص من المصلين ويكون في الصف الثاني بمفرده فيرجع واحد من الصف الأول ليصلى بجواره هل هذا العمل صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل غير مشروع بل إذا جاء الإنسان وقد تم الصف الذي قبله فليقف وحده يصلى منفردا للعذر لأنه حينئذ يكون معذوراً إذ لو وجد مكانا في الصف لدخل فيه ولا ينبغي أن يجذب أحدا ولا ينبغي أن يتأخر معه أحد أيضا لأنه إذا تأخر معه أحد بقي فرجة في الصف الذي أمامه وهذا خلاف المشروع في الصفوف فالمشروع ألا يدعوا فرجاً للشيطان وهذا الذي ذكرناه وهو أنه يجوز للإنسان إذا جاء ووجد الصف تاما أن يصلى وحده خلف الصف هو القول الراجح الوسط بين قولين أحدهما يقول لا يصح أن يصلى منفردا خلف الصف على كل حال والثاني يقول يصح أن يصلى على كل حال وهذا الذكرناه من التفصيل وهو أنه عند العذر يجوز هو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله وشيخنا عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله
***
(8/2)

رجلٌ جاء إلى المسجد في صلاة العصر فوجد الصف قد اكتمل فصلى وراء الصف فنصحناه بأنه كان يجب عليه أن يدخل في الصف ولكننا بصراحة لسنا متأكدين فما هو الصحيح في ذلك وماذا يجب على من صلى وراء الصف منفرداً مع الدليل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من صلى خلف الصف منفرداً لأن الصف مكتمل فلا شيء عليه وصلاته صحيحة وهو مأجور لقول الله تبارك وتعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أما إذا كان الصف غير مكتمل فعليه إعادة الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف) ولأنه رأى رجلاً يصلى خلف الصف منفرداً فأمره أن يعيد الصلاة هذا الذي قررناه هو القول الراجح أن صلاة المنفرد خلف الصف صحيحةٌ إذا كان الصف الذي أمامه مكتملا وأما من قال إنه يتقدم فيصلى مع الإمام فقوله ضعيف لأننا إذا قلنا بهذا خالفنا السنة في انفراد الإمام في موقفه هذه واحدة.
ثانياً قد يؤدي هذا إلى تخلل الصفوف ولنفرض أن خلف الإمام خمسة صفوف وهذا لم يجد فيها مكاناً فلو قلنا تخطَّ هذه الصفوف كلها حتى تأتي إلى الإمام فهذا فيه إيذاءٌ للناس وقد رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلاً يتخطى الناس فقال (اجلس فقد آذيت) .
ثالثاً إذا قلنا بهذا وجاء آخر بعد أن تقدم هذا للإمام قلنا تقدم للإمام صاروا كم ثلاثة وهذا غلط ثم يجيء رابع ونقول تقدم صاروا أربعة ثم ربما يكون صفاً تاماً مع الإمام وعلى كل حال فلا دليل على أنه يذهب إلى أن يقف مع الإمام والقول بهذا قولٌ ضعيف فإن قال إنسان يجذب واحداً فالقول بهذا أضعف لأنه إذا جذب واحداً أساء إليه بتأخيره من المكان الفاضل إلى المفضول وشوش عليه صلاته وفتح فرجةً في الصف وأوجد ضغينةً في قلب هذا الرجل المجذوب فما قلناه من أنه يصلى منفرداً خلف الصف لعدم وجود مكان هو الذي تجتمع فيه الأدلة.
***
(8/2)

متابعة الإمام
(8/2)

امرأة تسمع صلاة العشاء من مسجد حيهم وهي في بيتها وتقتدي به وقد نبهناها بأن عملها هذا غير صحيح ما حكم ما صلّته في الأيام الماضية وهي جاهلة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ما صلته في الأيام الماضية وهي جاهلة فهو صحيح لكن لا تعود إلى هذا إذ إنه لا يصح الاقتداء بالإمام إلا إذا كان الإنسان في نفس المسجد الذي يصلى فيه الإمام فإن كان خارجه لم يصح اقتداؤه به ولو سمع صوته إلا إذا امتلأ المسجد وخرجت الصفوف إلى السوق فلا بأس أن يصلى في السوق ما دامت الصفوف متصلة وبناء على هذا لو أراد جار المسجد أن يصلى مع إمام المسجد قلنا له لا يجوز أنت من أهل الجماعة فعليك الحضور إلى المسجد أما إذا كنت لست من أهل الجماعة إما لمرض أو لكون الموجود أنثى ,فصلّ وحدك والحمد لله ولو أننا فتحنا الباب وقلنا كل من سمع صوت الإمام فله أن يقتدي به ولو كان في غير المسجد لحصل بهذا مفسدة والمفسدة أن يقول قائل نحن نشاهد إمام المسجد الحرام يصلى ونشاهده على الهواء وكأننا في المسجد الحرام ونحن مثلا في المدينة أو في الرياض أو ما أشبه ذلك أيجوز لنا أن نصلى خلفه إذا قلنا بجواز صلاة جار المسجد الذي يسمع صوت الإمام خلف الإمام قلنا يجوز لنا أن نصلى خلفه وحينئذٍ ينفتح علينا شر يكون كل من أراد أن يتخلف عن الصلاة قال أنا أصلى وراء إمام الحرم والحرم أفضل من مسجدكم والجمع أكثر من جمعكم بل ربما يتخلف عن الجمعة ويقول أصلى وراء إمام الحرم فالمسجد الحرام أفضل من مساجدكم والجمع أكثر ثم إن من المعلوم أن من حكمة الشرع في مشروعية صلاة الجماعة أن يجتمع الناس في مكان يرى بعضهم بعضا ويؤازر بعضهم بعضا ويحب بعضهم بعضا فيتعلم بعضهم من بعض ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع رجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) ولو رخصنا لجيران المساجد أن يصلوا في بيوتهم لتخلف أناس كثيرون لتخلف جار المسجد الملاصق والجار الأبعد مادام يسمع صوت الإمام فتتعطل المساجد فالذي أراه في هذه المسألة أن من كان خارج المسجد لا يصح أن يقتدي بإمام المسجد إلا إذا امتلأ المسجد واتصلت الصفوف.
***
(8/2)

يقع المسجد بجوار منزلنا في اتجاه القبلة أي أنه لا يفصل بينهما سوى جدار هل يمكننا الصلاة مع المصلىن ونحن في منزلنا أي أنا وبقية الأسرة من النساء حيث نكون خلف صفوف الرجال تماماً أفيدونا أثابكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أراه في هذه المسألة أنه لا يجوز لهنّ أن يصلىن مع الجماعة في بيتهنّ لأن الجماعة هي الاجتماع في المكان والأفعال وإذا كان مكان الجماعة واسعاً فإن الصلاة في غير مكانه ليست بصحيحة أعني فإن صلاة الجماعة تبعاً لهم في غير مكانهم ليست بصحيحة لأنه لم يتحقق فيها الاجتماع المشروع نعم لو فرض أنه لا مكان لهنّ في المسجد لكون النساء ممنوعات منه أو لكونه يمتلئ ففي هذه الحال لهنّ أن يصلىن مع الجماعة أي مع جماعة المسجد في بيتهنّ وأما إذا كان يمكنهنّ الحضور إلى المسجد فإن الجماعة لا تصح منهن إلا بحضورهنّ ومن المعلوم أن البيوت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت متقاربة وقريبة من المسجد ولا نعلم أن أحداً من الناس كان يصلى في بيته مع الجماعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان هذا من الأمور الجائزة لكان مفعولاً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أو مبينا جوازه وخلاصة الجواب أنه لا يجوز لهؤلاء النسوة اللاتي بيتهنّ خلف المسجد أن يصلىن مع جماعة المسجد ولو كنّ يسمعن صوت الإمام إلا إذا كان لهنّ عذر بحيث يمنعن من الحضور إلى المسجد أو كان المسجد ممتلئاًَ لا يمكنهن الصلاة فيه.
***
(8/2)

إذا اجتمع المصلون خلف المسجد وكان يفصل بينهم وبين المسجد شارع فهل يجوز لهم الصلاة خلف إمام ذلك المسجد علماً بأنهم يسمعون الصوت بواسطة مكبرٍ للصوت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجماعة لا بد فيها من الاجتماع في المكان والزمان والأفعال لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار) ولم يأذن لمن سمع الإقامة أن يصلى مع الإمام في مكانه إذا سمع الإمام فإذا صلى الإنسان خارج المسجد فإنه لا يصح أن يأتم بالإمام الذي في المسجد ولو سمع صوته بل عليه أن يأتي إلى المسجد ويصلى مع المسلمين موافقاً لهم في مكانهم كما أنه يوافقهم في الزمان والأفعال فإن لم يتمكن من ذلك فإنه يصلى وحده لأنه معذور.
***
(8/2)

في صلاة الجمعة والأعياد وفي مسجدنا يمتلئ المسجد بالمصلىن فيصلى البعض في الشوارع والطرقات مؤتمين بالإمام فما حكم ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: حكم ذلك الجواز أي إنه إذا امتلأ المسجد وصلى الناس في الأسواق التي حول المسجد وأمكنهم الائتمام بالإمام لكون المسجد فيه مكبر الصوت فلا بأس لأن هذا ضرورة والضرورة لها أحكام.
***
(8/2)

هذا المستمع م. ق. ح. من مكة المكرمة بعث بسؤالين يقول نحن جماعة نعمل في سوقٍ تجاريٍ كبير وبجوارنا مسجدٌ صغيرٌ لا يتسع إلا لحوالي عشرين شخصاً والباقون يفترشون الشارع المجاور لأداء صلاتهم مقتدين بإمام هذا المسجد بواسطة السماع من مكبر الصوت كما إنه يوجد مسجدٌ كبيرٌ على بعد ربع كيلو تقريباً علماً بأن هذا الشارع طريقٌ للمشاة وللسيارات فهل يعتبر هذا المكان من الأمكنة المنهي عن الصلاة فيها كقارعة الطريق وهل تنصحونهم بالصلاة في المسجد الآخر الأكبر والذي لا يبعد مسافةً كبيرة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ننصحهم بأن يصلوا في المسجد الكبير لأنه أكثر خطاً وأعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ولأنهم لا يضطرون إلى الصلاة في الشارع ولكننا لا نلزمهم بذلك ما دام عندهم مسجد تقام فيه الجماعة فلهم أن يصلوا في هذا المسجد الصغير ولو كانوا في الشارع ما دام يمكنهم متابعة الإمام فإن صلاتهم في الشارع هنا للضرورة.
***
(8/2)

إذا كانت الصلاة تنقل في الإذاعة أو التلفاز على الهواء مباشرة هل يجوز للمرأة أن تصلى مع الإذاعة أو التلفاز صلاة التهجد في شهر رمضان المبارك وكذلك صلاة الجمعة مع العلم أن هناك فارق توقيت لمدة ساعة تقريبا وتقصد متابعة مكة المكرمة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للإنسان أن يتابع الإمام بواسطة التلفزيون ولا بواسطة الإذاعة وذلك لأن من شرط المتابعة أن يكون الإنسان في المكان الذي فيه الإمام فيحضر إلى المسجد الذي فيه الإمام إلا إذا امتلأ المسجد واتصلت الصفوف فإن الصلاة تصح ولو خارج المسجد ومن المعلوم أن الذي يشاهد التلفاز من المسجد الحرام أو المسجد النبوي وهو في أماكن أخرى لا ينطبق عليه هذا الشرط فلا يصح الائتمام بإمام تنقل صلاته عبر التلفزيون أو عبر الهاتف سواء كان المصلى امرأة أو رجلا مريضا أو رجلا صحيحا بل يقال من قدر أن يحضر إلى المكان فليحضر ومن لم يقدر فلا يقتدي بإمام بعيد عنه.
***
(8/2)

الصلاة على المذياع وأداء الفرائض بشكل تام مع الإمام هل تصح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا تصح الصلاة خلف المذياع أو خلف التلفزيون اقتداءً بالإمام الذي يسمعه من خلال ذلك لأن صلاة الجماعة لا بد أن يكون الناس فيها مجتمعين وأن تتصل صفوفهم فإذا كانوا خارج المسجد ولم تتصل الصفوف فإن صلاتهم لا تصح ولو سمعوا تكبير الإمام وتسميعه وقراءته لأن الجماعة مشتقة من الجمع ولا بد من الاجتماع والاجتماع لا يحصل مع هذا البعد والتفرق ثم إنه لو فتح للناس هذا الباب لتكاسل الناس عن صلاة الجماعة ولصار كل واحد منهم يصلى خلف المذياع أو خلف التلفزيون ويقول أنا أدركت الجماعة ولا حاجة إلى أن أخرج وأتعب نفسي.
***
(8/2)

يقول السائل إبراهيم حسين محمد حلائب إني كنت أصلى مع إمام وبعد أن أديت الركعة الأولى معه وجاءت الركعة الثانية وعند الركوع أسرع وعندما جئت أركع رفع وعند الركوع سجد فما حكم صلاتي هذه وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإمام يسرع هذا الإسراع الذي لا يتمكن به المأموم من فعل الواجب من الطمأنينة أو غيرها فإن الواجب على المأموم حينئذٍ أن ينفرد عنه ويصلى وحده لأنه بين أمرين إما أن يترك واجب المتابعة وإما أن يترك واجب الصلاة فلا يمكنه الجمع بينهما وأيضاً الإمام في هذه الحال لا يصلح أن يكون إماماً لأنه يجب على الإمام أن يراعي حال المأمومين ويحرم عليه أن يسرع سرعة تمنعهم فعل ما يجب وعليه فنقول إذا دخلت مع إمام ووجدت أنه يسرع إسراعاً لا تتمكن به من فعل الواجب وجب عليك أن تنفرد وتتم صلاتك وحدك.
(8/2)

فضيلة الشيخ: لكنه يفارق الجماعة في هذه الحال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لأنه لا يمكن أن يأتي بالصلاة على وجه الوجوب لأنه الآن بين أمرين إما أن يتابع ويترك الواجب فيصلى بلا طمأنينة وبلا تسبيح وإما أن لا يتابع الإمام وحينئذٍ فيُفقد معنى الجماعة يعني لابد أن يتأخر إذا ركع لابد أن يطمئن والإمام يرفع ويسجد قبل أن يقوم هذا من ركوعه.
(8/2)

فضيلة الشيخ: هل عدم المتابعة تبطل الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال (إذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا) فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يكون فعلنا موالياً لفعل الإمام وإذا لم يمكنا ذلك فأين المتابعة وإذا كان المأموم يجوز أن ينفرد لتطويل الإمام أو لعذر يطرأ له فما بالك بالتخفيف الذي لا يمكنه أن يفعل الواجب.

***
(8/2)

يقول السائل ألاحظ على بعض الأئمة هداهم الله السرعة وأحياناً لا أكمل الفاتحة فهل أكمل الفاتحة ولو كان راكعا مع احتمال أن يرفع قبل أن أكملها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا أنصح إخواني الأئمة الذين يسرعون هذا الإسراع بحيث لا يتمكن من وراءهم بالإتيان بما ينبغي أن يأتوا به من أذكار وقراءة وأخبرهم بأنهم أمناء على من وراءهم وأنهم مسؤولون عنهم أمام الله عز وجل وقد نص أهل العلم على أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين أو بعض المأمومين من فعل ما يسن فكيف إذا منعت المأمومين أو بعضهم من فعل ما يجب يكون هذا أشد وأشد فالواجب على الإمام أن يراعي حال من وراءه وأن يتأنى تأنيا يتمكن من وراءه من الإتيان بما يجب ويستحب لأنه أمين.
ثانيا أجيب على سؤال هذا السائل فأقول إذا ركع الإمام قبل أن تتم الفاتحة فأتمها ثم اركع حتى وإن خفت أن يرفع قبل أن تتمها فإن رفع قبل أن تتمها فاركع ثم تابعه وخذ الاحتياط في الركعة الثانية فأسرع في القراءة قليلا حتى تدرك الفاتحة قبل أن يركع الإمام.
***
(8/2)

يقول السائل أحياناً يكون الإمام سريعاً في صلاته فيركع قبل أن تتم قراءتك ويسلم قبل أن تتم التشهد فماذا على المأموم أن يفعل إزاء ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت سرعة الإمام تمنع المأموم من فعل شيء واجب فإن عليه أن يفارقه أي ينفصل عنه ويتم الصلاة لنفسه فإذا كان مثلاً لا يمكنك أن تقرأ الفاتحة حتى يركع فحينئذٍ عليك أن تنفرد وتكمل الصلاة وحدك بطمأنينة أما إذا كان الإمام يسرع قبل أن تكمل القراءة التي بعد الفاتحة فلا حرج عليك أن تتابعه وأن تقطع القراءة وتركع وإن لم تتم القراءة التي كنت تريدها وأما في التشهد فإذا سلم قبل أن تتم التشهد فإن كنت لم تأت بالواجب فأت بالواجب ثم سلم وإن كنت قد أتيت بالواجب ولم يبق عليك إلا الدعاء المستحب فسلم مع الإمام فإن متابعة الإمام أولى من التخلف عنه.
***
(8/2)

ما هو حكم الشريعة على إنسان كان يصلى وأثناء الصلاة لم يتبع الإمام مثلاً فالإمام سجد ورفع وهو لم يسجد عمداً فسجد عند قيام الإمام من السجدة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً) فالواجب على المسلم أن يكون متابعاً للإمام وخلاف المتابعة المسابقة والموافقة والتخلف فالأحوال أربعة للمأموم بالنسبة للإمام إما أن يسابق الإمام وإما أن يوافقه وإما أن يتخلف عنه كثيراً وإما أن يتابعه بمعنى أن يكون بعده مباشرة فالحال الأخيرة هي المشروعة بمعنى أن يكون متابعاً وما عداها فإنه غير مشروع وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما قول الرسول صلى الله عليه وسلم (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار) وهذا يدل على تحريم المسابقة فنقول من سبق إمامه متعمداً وهو عالمٌ بتحريم السبق فإن صلاته تبطل بذلك لأنه فعل مفسداً للصلاة بغير عذر وإن سبقه ناسياً أو جاهلاً فإنه يعود إلى المكان الذي سبق الإمام منه ثم يتابع الإمام وصلاته صحيحة وأما الموافقة فالموافقة مكروهة إلا في تكبيرة الإحرام فإن الموافقة فيها ذكر العلماء أنها تمنع انعقاد الصلاة وأنه يجب على المأموم أن ينتظر حتى يتم الإمام التكبيرة تكبيرة الإحرام ثم يكبر فإن كبر قبل انتهاء إمامه من التكبير فقد قالوا إن صلاته لا تنعقد وأما التخلف فإنه إما مكروهٌ أو محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كبر فكبروا) وإذا شرطية والفاء رابطة وربط الجواب بالشرط يدل على الفورية وأن الإنسان لا يتأخر وإذا تأخر عمداً عن السجود كما في السؤال حتى قام الإمام من السجود وهو يعلم أن هذا التأخر محرم فإن صلاته تبطل وأما إن تأخر لعذرٍ مثل أن ينسى أو ينعس أو ما أشبه ذلك فإنه إذا زال عذره تابع إمامه يعني أتى بما تخلف به عن إمامه ثم استمر في المتابعة وصلاته صحيحة.
(8/2)

فضيلة الشيخ: بالنسبة للموافقة نريد أن تضيفوا عليها شيئاً من التعريف والتمثيل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الموافقة معناها أن يفعل شيئاً من هذه الأشياء مع إمامه مثل أن يركع معه يعني لما قال الإمام الله أكبر للركوع هو فعلاً قال مع الإمام الله أكبر ووصل على حد الركوع مع وصول الإمام إليه هذه موافقة وكذلك بالنسبة للسجود وصل إلى الأرض مع إمامه هذه أيضاً موافقة أما المسابقة فمعناها أن يصل إلى السجود قبل الإمام هذه المسابقة والتخلف معناه أن يتأخر بحيث إن الإمام قد يقوم من السجود قبل أن يصل المأموم إلى السجود.
***
(8/2)

ما حكم قراءة المأموم الآيات التي يقرأها الإمام أثناء الصلاة مع الإمام سوياً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المأموم مأمور بالإنصات لقراءة إمامه فلا يقرأ فيما يجهر فيه الإمام إلا بأم القرآن وهي الفاتحة فإنه (لا صلاة لمن لم يقرأ بها) وأما ما عداها من القرآن أو من الأذكار فلا يقرأ والإمام يقرأ بل ينصت لقراءته.
***
(8/2)

مسابقة الإمام
(8/2)

ماحكم الشرع في نظركم في مسابقة الإمام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مسابقة الإمام محرمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول صورته صورة حمار أو يجعل رأسه رأس حمار) وهذا يدل على التحريم ثم إن السبق يختلف فإن كان السبق بتكبيرة الإحرام فإن الصلاة لا تنعقد لأن الصلاة لا تنعقد إلا إذا كانت تكبيرة المأموم بعد انتهاء الإمام من تكبيرة الإحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر) وإن كان السبق بركن آخر ففيه تفصيل عند بعض أهل العلم والراجح عندي أنه لا تفصيل في ذلك وأن المأموم متى سبق الإمام بالركن أو إلى الركن فإن صلاته تبطل إذا كان عالماً بالنهي أما إذا كان جاهلاً فإنه معذور ولكن عليه أن يتعلم أحكام دينه حتى يعبد الله على بصيرة وكذلك لو نسي فسبق إمامه فإنه لا تبطل صلاته وعليه أن يرجع ليأتي بما سبق إمامه بعده.
وبهذه المناسبة أود أن أبين أن للمأموم مع إمامه أربع حالات متابعة وموافقة ومسابقة وتخلف فأما المتابعة فهي الحال الوحيدة التي دلت السنة على الحث عليها والأمر بها وهي أن يأتي الإنسان بأفعال الصلاة بعد إمامه بدون تأخر وقد دل عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد) .
والحال الثانية الموافقة بأن يأتي الإنسان بأفعال الصلاة مع إمامه لا يتقدم عنه ولا يتأخر وهذه خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر أهل العلم أنه إذا كانت الموافقة في تكبيرة الإحرام فإن الصلاة لا تنعقد وعلى المأموم أن يعيدها بعد ذلك
الحال الثالثة المسابقة وهي أن يأتي بأفعال الصلاة قبل إمامه فإن كان ذلك في تكبيرة الإحرام فصلاته لم تنعقد وإن كان في غيرها ففيها تفصيل على المشهور من مذهب الإمام أحمد والراجح أن الصلاة تبطل بذلك إذا كان الإنسان عالماً ذاكراً.
الحال الرابعة التخلف وهي خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم مثل أن يتخلف عن الإمام فلا يبادر بمتابعته فهذا خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (إذا كبر فكبروا) ومعلوم أن المشروط يتبع الشرط ويليه فليكن تكبيرك تلو تكبيرة الإمام وركوعك تلو ركوع الإمام وسجودك تلو سجود الإمام وهكذا فلا تتخلف عنه لكن لو تخلف الإنسان لعذر مثل أن لا يسمع صوت الإمام أو يكون ساهياً ففي هذه الحال متى زال ذلك العذر تابع الإمام يعني أتى بما تخلف عن الإمام حتى يلحق إمامه إلا أن يصل الإمام إلى الركن الذي هو فيه فإنها تلغى الركعة التي حصل فيها التخلف وتقوم الركعة الثانية مقامها مثال ذلك لو كنت واقفاً مع الإمام أول ركعة ثم ركع الإمام وسجد وقام إلى الثانية وأنت لم تعلم به حتى وصل إلى القيام وأنت الآن قائم على أنها الركعة الأولى والإمام قام إليها على أنها الثانية فإنك تبقى معه وتكون الركعة الثانية للإمام ركعة لك أولى فإذا سلم أتيت بركعة بعده أما لو علمت به وهو ساجد بأن ركع ورفع وأنت لم تعلم ثم لما نزل للسجود سمعته فإنك تركع وترفع وتسجد وتتابع الإمام.
***
(8/2)

جمال عبده مدرس يمني يقول إذا سبق المأموم إمامه في الصلاة فما الحكم في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا سبق المأموم إمامه في الصلاة فإن كان سبقه إياه بتكبيرة الإحرام فصلاة المأموم غير منعقدة وعليه أن يعيد الصلاة ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه فإذا كبر فكبروا) فقال عليه الصلاة والسلام إذا كبر فكبروا فأمر بالتكبير بعد تكبيرة الإمام فإذا كبر المأموم تكبيرة الإحرام قبل إمامه فقد فعل فعلاًَ ليس عليه أمر الله ورسوله وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وإن سبق المأموم إمامه في غير تكبيرة الإحرام مثل أن سبقه في الركوع فإن سبقه إلى الركوع بأن ركع قبل إمامه قلنا له يلزمك أن ترجع فتركع بعد إمامك أي بعد أن يركع فإن لم يفعل ولم يرجع فإن كان لا يعلم أن السبق إلى الركن حرام فصلاته صحيحة وإن كان يعلم أن السبق إلى الركن حرام فقد اختلف العلماء في صحة صلاته فمنهم من قال إنها لا تصح وهو القول الصحيح لأنه ارتكب أمراً محرماً في صلاته فبطلت كسائر المحرمات في العبادة إذا ارتكبها الإنسان وأما من قال إن صلاته تصح فيقول إنه آثم ولا تلزمه الإعادة أما إذا سبقه بالركن بأن سبق الإمام إلى الركن وانتهى منه قبل أن يصل إليه الإمام مثل أن يركع ويرفع قبل أن يركع إمامه فإن كان متعمداً بطلت صلاته وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل لكن ذكر الفقهاء رحمهم الله أن عليه أن يعيد الركعة بعد إمامه هذا إذا كان السبق بالركن ركن الركوع أما الركن غير الركوع فإن هذا لا يثبت له حكم السبق بالركوع إلا إذا كان سبقاً بركنين هذا ما ذكره الفقهاء رحمهم الله في هذه المسألة.
***
(8/2)

بارك الله فيكم يقول ما حكم مسابقة ومساواة الإمام في الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مسابقة الإمام محرمة لأن النبي صلى الله عليه آله وسلم نهى عنها وحذر منها وقال (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار) وإذا تعمدها الإنسان عالما بتحريمها فإن صلاته تبطل فلو ركع قبل الإمام وهو يعلم أن الركوع قبل الإمام حرام فإن صلاته تبطل وعليه أن يستأنفها من جديد وأما موافقة الإمام فإن كان ذلك في تكبيرة الإحرام فإن الصلاة لا تنعقد وعليه أن يعيدها من جديد مثل أن يكبر للإحرام قبل أن ينتهي الإمام من تكبيرة الإحرام فإن الصلاة لم تنعقد وأما في غير تكبيرة الإحرام فإن موافقته خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال (إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا وقال لا تركعوا حتى يركع ولا تسجدوا حتى يسجد) لكن في التأمين يوافق المأموم إمامه لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إذا أمّن الإمام فأمنوا) أي إذا بلغ محل التأمين فأمنوا والدليل على أن هذا هو معنى ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين) وهذا يدل على أن معنى قوله (إذا أمن الإمام فأمنوا) أي إذا بلغ مكان التأمين وهو آخر الفاتحة أو إذا شرع في التأمين فاشرعوا به أنتم
***
(8/2)

أحكام المسبوق
(8/2)

بارك الله فيكم هذا المستمع ع. أ. من السودان يقول أرجو أن يتكرم الشيخ ببيان الصورة الصحيحة في أداء صلاة المسبوق بالنسبة لمن أدرك الركعة الرابعة من الصلاة الرباعية أو الركعة الثالثة من صلاة المغرب من حيث ترتيب الركعات الفائتة والسور التي تقرأ وذلك بأنني لاحظت الكثير من الخوض مع مجموعة من الشباب في هذا الجانب بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صفة قضاء المسبوق أن يبني على أن ما أدركه أول صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) فجعل ما يقضيه المسبوق إتماماً لصلاته الأولى والإتمام يكون مبنياً على ما سبق فإذا أدرك الإنسان الركعة الأخيرة من الصلاة الرباعية فإنه يستفتح ويقرأ الفاتحة ثم يقرأ سورة معها إن تمكن فإذا سلم الإمام قام فأتى بركعة يقرأ فيها سورة الفاتحة وما تيسر من القرآن ويركع ويسجد السجدتين ثم يجلس للتشهد الأول ثم يقوم فيصلى الركعتين الباقيتين بسورة الفاتحة فقط وإذا أدرك الركعة الأخيرة من صلاة المغرب فإنه يفعل كما ذكرت يستفتح ويقرأ الفاتحة وما تيسر إن تمكن من ذلك ثم إذا سلم الإمام قام فأتى بالركعة الثانية يقرأ فيها الفاتحة وسورة أو ما تيسر من القرآن ثم يجلس للتشهد الأول ثم يقوم فيصلى الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب فقط هذه هي صفة قضاء المسبوق التي تقتضيها السنة.
***
(8/2)

كيف أتم الصلاة الرباعية إذا أدركت الركعة الرابعة فقط؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تقوم بعد سلام الإمام وتأتي بركعة تقرأ فيها الفاتحة وما تيسر من القرآن ثم تجلس للتشهد الأول ثم تقوم وتأتي بالركعتين الباقيتين تقرأ فيهما بأم القرآن فقط.
***
(8/2)

كيف أصلى إذا فاتتني ثلاث ركعات من صلاة العشاء هل أقوم فأصلى ركعتين ثم أجلس للتشهد الأول ثم أقوم فأصلى ركعة ثم أجلس للتشهد الأخير أم ماذا أفعل وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تقوم وتصلى ركعة وتجلس للتشهد الأول ثم تقوم وتأتي بركعتين هذا هو الواجب عليك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وأنت الآن صليت ركعة فتصلى ركعة وتجلس للتشهد الأول لأن التشهد الأول يكون في الركعة الثانية.
***
(8/2)

ما حكم من أدرك الركعتين الأخيرتين من صلاة العشاء واللتين يسر فيهما الإمام فهل يستحب للمأموم عندما يكمل ما فاته أن يجهر بالركعتين الأوليين وهل يقرأ فيهما سورة من القرآن أم يقتصر على فاتحة الكتاب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن من أدرك مع الإمام آخر صلاته وقام ليقضي ما فاته فقد اختلف أهل العلم هل ما يقضيه أول صلاته أو آخر صلاته فمن العلماء من يقول إن المسبوق إذا قام ليقضي بعد إمامه فإنما يقضي أول صلاته وعلى هذا فيقرأ الفاتحة ويقرأ السورة بعد الفاتحة أيضاً لأن هاتين الركعتين اللتين يقضيهما هما أول صلاته ومنهم من يقول إن الذي يقضيه آخر صلاته لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وإتمام الشيء معناه الإتيان بآخره ليتم أوله ورواية (وما فاتكم فاقضوا) تفسرها هذه فأتموا وذلك لأن القضاء يَردُ بمعنى الإتمام كما في قوله تعالى (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) أي أتمهن وكما في قوله (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) أي أتمه وأنهاه فعليه نقول إن الصحيح أن ما يقضيه المسبوق آخر صلاته وليس أولها ويدل على ذلك بوضوح أنه لو أدرك الركعة الأخيرة من صلاة المغرب ثم قام يقضي فإنه يجلس للتشهد الأول إذا صلى ركعةً ولو كان ما يقضيه أول صلاته لكان لا يجلس للتشهد الأول بعد الركعة الأولى لكان يقضي ركعتين بتشهدٍ واحد فلما كان يجلس للتشهد الأول إذا صلى ركعة من أدرك من صلاة المغرب ركعة دل هذا على أن ما يقضيه هو آخر صلاته فعلى هذا نقول لا تقرأ مع الفاتحة سورة ولا تجهر بالقراءة هذا هو القول الراجح في المسألة.
***
(8/2)

من لحق بصلاة العشاء في جماعة في الركعة الثالثة فصلى معهم ركعتين الثالثة والرابعة فهل يتم الصلاة بقراءة سرية أم بجهرية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يتم الصلاة في قراءة سرية وذلك لأن القول الراجح أن ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته وليس أولها لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وعلى هذا سيكون ما أدركه المسبوق أول صلاته وما يقضيه آخر صلاته يقتصر فيه على الفاتحة ويقرأ قراءة سرية إلا إذا كان لم يدرك من الرباعية إلا ركعة فإنه في الركعة الأولى من الركعات التي يقضيها يقرأ الفاتحة وسورة معها.
***
(8/2)

إذا دخل المصلى في صلاة الجماعة عند الركعة الأخيرة في صلاة رباعية فهل يأتي بالركعة الأولى ثم الثانية والثالثة حسب الترتيب ثم إنني سمعت كثيراً من المصلىن يقرؤون مع الفاتحة من قصار السور في الركعة الثالثة والرابعة في الصلاة الرباعية فهل هذه الزيادة جائزة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: سؤاله هذا تضمن مسألتين
المسألة الأولى إذا دخل المسبوق مع الإمام في الرباعية في الركعة الرابعة فماذا يصنع والجواب أنه إذا دخل المسبوق مع الإمام فإن ما يدركه مع إمامه هو أول صلاته لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا ومافاتكم فأتموا) وهذه اللفظة فأتموا تفسر معنى اللفظة الأخرى وما فاتكم فاقضوا وتبين أن المراد بالقضاء هو الإتمام كما هو معروف في اللغة العربية كما في قوله تعالى (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) أي أتمهنّ وإذا كان ما يقضيه المسبوق هو آخر صلاته فإنه إذا أدرك الإمام في الركعة الثالثة أو الرابعة وتمكن من قراءة سورة بعد الفاتحة فليفعل لأن هذا أول صلاته وإذا كان أدرك ركعة من الثلاثية أو من الرباعية فإنه يأتي بركعة بعد الإمام ثم يجلس للتشهد الأول ثم يقوم ويأتي ما بقي من صلاته ركعتين إن كانت الصلاة رباعية وركعة واحدة إن كانت ثلاثية
وأما المسألة الثانية فهي أنه ذكر أنه يسمع من بعض الناس أنهم يقرؤون في الركعة الثالثة والرابعة في الرباعية سورة قصيرة بعد الفاتحة ويقول هل هذا جائز والجواب أن هذا جائز ولا بأس به ولاسيما إذا أطال الإمام الركعتين الأخريين إما لكونه يرتل الفاتحة ترتيلاً أكثر من المأموم فيفرغ المأموم قبل أن يتم الإمام قراءة الفاتحة فحينئذ لا حرج على المأموم إذا قرأ سورة قصيرة بعد الفاتحة حتى يركع إمامه بل حتى الإمام والمنفرد لا بأس أن يقرأ أحياناً في الظهر أو في العصر زائداً على الفاتحة في الركعتين الأخريين وإن كان ينبغي أن يكون أكثر أحيانه لا يقرأ في الركعتين الأخريين إلا الفاتحة فقط.
***
(8/2)

جزاكم الله خيرا إذا أتى المسبوق إلى صلاة الجماعة فوجدهم قد جلسوا للتشهد الأول وجلس وأتم معهم الركعتين الأخيرتين وجلسوا للتشهد الأخير فهل يأتي بالتشهد وحده لكونه أدرك معهم ركعتين أم يأتي معه بالصلاة الإبراهيمية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أدرك الإنسان الإمام وهو في التشهد الأول فجلس معه فليأت بالتشهد ما دام عنده فرصة لأن التشهد ذكر مشروع يثاب عليه الإنسان ويؤجر وإذا كان صلى ركعتين وجلس الإمام للتشهد الأخير فليتم التشهد ولا حرج عليه متابعةً لإمامه، ولأن في ذلك دعوة له وللرسول عليه الصلاة والسلام فسوف يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله والمؤمن من آل محمد وسوف يدعو بالبركة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وهو من آله وسوف يستعيذ في آخر التشهد، يستعيذ بالله عز وجل من عذاب جهنم وعذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال فلا يحرم نفسه هذا الخير.
***
(8/2)

بارك الله فيكم من السودان هذا مستمع رمز ب أع ع يقول شخص أدرك الركعة الثالثة والرابعة في صلاة العصر ولم يدرك التشهد الأوسط كيف يتم صلاته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يتم صلاته على ما بقي لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) فإذا كان أدرك ركعتين مع الإمام في صلاة العصر مثلا فإنه يقضي ركعتين بعد سلام الإمام يقضيهما بالفاتحة فقط ولا يضف إليها سورة أخرى وإنما يضيف سورة أخرى في الركعتين الأوليين اللتين أدركهما مع الإمام إن تمكن من قراءة السورة بعد الفاتحة قبل ركوع الإمام وإلا سقطت عنه.
***
(8/2)

علي محمد يقول في سؤاله إذا جاء رجل والإمام في الركعة الأخيرة من صلاة المغرب فكم يسجد بعد السجدة التي سجدها مع الإمام وهل يجهر بالقراءة في الركعتين المتبقيتين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يظهر لي أنه يريد بالسجدة الركعة يعني إذا أدرك الإنسان مع الإمام الركعة الثالثة في صلاة المغرب فإنه بقي عليه ركعتان فإذا سلم الإمام قام فأتى بركعة يقرأ فيها الفاتحة وما تيسر من القرآن ثم إذا سجد جلس للتشهد الأول ثم قام بعد أن يقرأ التشهد الأول ثم يأتي بالركعة الثالثة مقتصراً على قراءة الفاتحة فقط وقد يتوهم بعض العامة في هذه المسألة فيظن أنه إذا أدرك مع الإمام في المغرب الركعة الأخيرة قام فأتى بركعتين بدون التشهد الأول وهذا خطأ لأنه إذا فعل ذلك خالف ترتيب الصلاة والصلاة تقضى أولاً بأول فإذا أدرك ركعة ثم أتى بركعة بعد سلام الإمام صارت الركعة التي بعد سلام الإمام هي الركعة الثانية يجلس فيتشهد التشهد الأول ثم يقوم ويأتي بالثالثة وأما قوله هل يجهر فيها بالقراءة فنقول إن كان لا يشوش على أحد إن جهر بالقراءة فإنه يجوز له أن يجهر في الركعة الأولى التي يقضيها أما الركعة الثانية التي يقضيها فهي ليست محل جهر وأما إذا كان يشوش على من حوله من الناس فلا يجهر لأن الجهر سنة والتشويش مؤذٍ للغير مفسدٍ عليه ذكره وعبادته.
***
(8/2)

دخل رجل لصلاة الفريضة مع الجماعة وقد فاته أول الصلاة وبعد أن سلم الإمام قام ليكمل ما فاته وبعد قيامه سبح المأمومون لأن الإمام قد نسي سجدة فماذا يفعل هل ينضم إلى الجماعة أم يستمر في إكمال صلاته منفرداً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يكون هذا الرجل الذي دخل مع الإمام مسبوقاً ببعض الصلاة ولما سلم الإمام قام ليقضي ما فاته ثم كان على الإمام نقص في صلاته فأراد الإمام أن يتمه فلهذا الرجل الذي قام وانفرد ليقضي ما فاته الخيار بين أن يرجع مع الإمام ويلغي قيامه ولكن عليه سجود السهو إذا أتم صلاته أو يستمر في صلاته ويكملها وذلك لأنه انفرد عن الإمام لعذر فإذا انفرد عن الإمام لعذر فله أن يكمل على حسب ما أذن له فيه وإن شاء رجع مع الإمام لأنه تبين أن صلاة الإمام لم تتم بعد وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله نظيراً لهذه المسألة فيما لو انفرد مأموم عن إمامه لعذر ثم زال ذلك العذر قالوا فهو بالخيار بين أن يبقى ويستمر على انفراده وبين أن يدخل مع إمامه مثال ذلك لو أن المأموم في أثناء صلاته أحس بتقيؤ ثم انفرد عن الإمام من أجل أن يكمل الصلاة فأسرع عن إمامه ثم هبط عنه ذلك التقيؤ قالوا فله أن يدخل مع إمامه ويرجع إلى صلاة الجماعة وله أن يستمر في إكمال صلاته منفرداً.
(8/2)

فضيلة الشيخ: هل نقيس على حالة التقيؤ لوكان هناك ضرورة واستدعي شخص من المأمومين لإنقاذ شخص من الهلاك أن ينفرد ويكمل صلاته مستعجلاً فيها أو مسرعاً فيها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم نقيس عليه لأن إنقاذ المعصوم يجب حتى لو فرض أن الأمر يفوت لو أنه أكمل فله أن يقطع صلاته نهائياً من أجل إنقاذ هذا المعصوم.
***
(8/2)

يقول السائل في أثناء صلاة التراويح كنا قد أدينا ركعة واحدة دخل رجل وانضم إلينا وصلى ركعة واحدة وسلم ولم يكمل الركعة الثانية وكان يمكنه أن يأتي بها لأن الإمام يقرأ في الركعة ما يقارب خمسين آية من القرآن الكريم، فهل تجزئ هذه الركعة أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الركعة خلاف السنة ولا ينبغي للإنسان أن يقتصر عليها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (صلاة الليل مثنى مثنى) فالذي يؤمر به هذا الفاعل أنه إذا سلم الإمام يقضي ما فاته لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) .
(8/2)

فضيلة الشيخ: لو أراد أن يجعلها نهاية لصلاته هذه الليلة ولم يدخل مع المصلين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يعني قصدك يجعلها وتراً، فهذا قد يجوز لكنه فيه نظر لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم (وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) يدل على أن الإنسان مأمور بمتابعة الإمام وأن يفعل مثل ما فعل الإمام حتى إذا سلم يتم ما عليه، إذاً نقول له أتم على أنها شفع ثم بعد ذلك أوتر إذا شيءت.
***
(8/2)

أحكام الإمامة
(8/2)

السائل يقول ما هي الصفات الطيبة التي يجب أن تتوفر في الإمام الذي يصلى بالناس؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصفات الطيبة التي ينبغي في الإمام الذي يصلى بالناس أن يكون قارئاً لكتاب الله لقول النبي صلى الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وأن يكون عالماً بالسنة لا سيما فيما يتعلق بأمور الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) وأن يكون أميناً لأن الإمام مؤتمن فإنه يصلى لنفسه ولغيره فإن لم يكن أميناً فإنه يخشى أن يصلى الصلاة على وجه غير كامل بحيث يسرع إسراعاً يمنع المأمومين أو بعضهم فعل ما يسن أو فعل ما يجب كما يوجد في بعض الأئمة يسرعون إسراعاً ليس بمشروع وهو ضرر على من خلفهم فالمهم كلما كان الإنسان أقوم للصلاة وأرعى لأمانته فهو أولى وهو أقوم للصفات المطلوبة في الإمام.
***
(8/2)

السائل من السودان عبد الحفيظ عثمان يقول إمام مسجد راتب وفي المسجد من تلاميذه من هو أقرأ منه للقرآن الكريم فمن هو الأحق بالإمامة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإمام الراتب أحق بالإمامة من غيره في مسجده لأنه هو ذو السلطان في هذا المسجد وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (لا يؤمّن الرجل الرجل في سلطانه) قال ذلك بعد أن قال (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما أو سنا قال ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) ولو كان أقرأ منه والإمام الراتب في مسجده ذو سلطان فلا يتقدم عليه أحد بل قال بعض العلماء لو تقدم أحد فصلى في المسجد بدون إذن الإمام الراتب أو عذره فإن الصلاة لا تصح لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك وما وقع منهيا عنه فإنه لا يصح وعلى كل حال فإنه لا يجوز للإنسان أن يتقدم على الإمام الراتب مادام الإمام الراتب يقيم ما يجب في الإمامة ولو كان غيره أقرأ منه أو أفقه منه أما ابتداءً لو اجتمع ناس وأرادوا أن يصلوا جماعة ففي هذه الحال يقدمون أقرأهم لكتاب الله كما جاء في الحديث وكذلك لو أردنا أن ننصب إماما في هذا المسجد ابتداء وتقدم أناس للإمامة في هذا المسجد فإننا نختار أقرأهم لكتاب الله وأتقاهم لله.
***
(8/2)

هل هناك أفضلية في الإمامة بمن يقيم في المدينة أو القرية التي يقيم أهلها الجمعة على من يسكن البادية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مسألة تقدم الإمامة تعتمد على ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً أو سناً) هذه الأوصاف المعتبرة شرعاً فإذا تساووا في هذه الأوصاف فإن من كان أقرب إلى العلم بحدود الله أولى ولاشك أن الحاضر المقيم أقرب إلى العلم بحدود الله تعالى من صاحب البادية الذي يكون بعيداً عن العلم والتعلم فيكون أولى مع أنه يجب أن نلاحظ مسألة التقوى فإن المتقي لله تعالى أفضل من غير المتقي لله.
***
(8/2)

السائل يقول إمام مسجد لم يتزوج هل تجوز إمامته لأن الزواج تمام الإيمان؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للإنسان أن يؤم الناس وهو غير متزوج وهو أحقهم بالإمامة إذا كان أقرأهم لكتاب الله لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) إلا أنه إذا كان في مسجد له إمام راتب فالإمام الراتب أحق منه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) وإمام المسجد سلطان في مسجده، ولا تعجب أن يكون الصغير إماما للكبير فإنه قد ثبت في صحيح البخاري أن عمرو بن سلمة الجرمي أمّ قومه وهو ابن ست أو سبع سنين، فهذا الصحابي الذي أم قومه وهو في هذه السن في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أمَّ قومه وهم قبيلة ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا نزل القرآن بالإنكار عليه، ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء أنه يجوز أن يكون الصغير الذي لم يبلغ إماما للكبير البالغ بل هو أحق منه بالإمامة إذا كان أقرأ منه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وأما قول السائل: قبل أن يكمل دينه أو قبل أن يكمل إيمانه، فيقال لا شك أن النكاح مع الشهوة من أفضل العبادات حتى قال بعض أهل العلم إنه أفضل من نوافل العبادة أي أفضل من الصدقة وأفضل من صلاة التطوع وأفضل من قراءة القرآن غير الواجبة لما فيه من امتثال أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) فالشاب من ذكر وأنثى مأمور أن يتزوج وإذا تزوج فهذا امتثال لأمر الله ورسوله وامتثال أمر الله ورسوله عبادة يثاب الإنسان عليها وقد ذهب بعض العلماء يرحمهم الله إلى وجوب النكاح على الشاب القادر عليه لأن الأصل في أوامر الله ورسوله الوجوب ولما يترتب عليه من المصالح وكف المفاسد وإنك لتعجب من قوم يستطيعون النكاح ولكنهم لا يتزوجون بحجة أنهم يريدون أن يكملوا الدراسة وهذا قصور نظر بل نقول: تزوج فإن النكاح قد يزيد في تحصيلك الدراسي وقد توفق بامرأة صالحة متعلمة تعينك على ما تريد وكذلك بالنسبة للنساء فإن بعضهن يقول لا أتزوج حتى أتخرج من الثانوية أو من الكلية أو ما أشبه ذلك وهذا خطأ، وهذا وإن كان قد لا يقع من المرأة نفسها لكن يقع من بعض الأولياء الأشقياء الذين يريدون أن يتخذوا بناتهم مطية للكسب المادي فتجده يبقي بنته لا يزوجها من أجل أن تتخرج ثم تتوظف ثم يستلب رواتبها وليته يفعل ذلك عن فقر وحاجة لكان الأمر أهون لكنه يفعل هذا استكبارا والعياذ بالله على أنه وإن كان فقيرا لا يجوز له أن يجعل ابنته سلعة يبيع ويشتري بها بل الواجب عليه أن ينظر ما هو أصلح لها فمتى خطبها الكفء الصالح في خلقه ودينه فليزوجها وإن كانت تدرس وإذا كانت البنت ترغب الدراسة فلتشترط على الزوج ألا يمنعها من مواصلة الدراسة فإذا اشترطت ذلك لنفسها لزم الزوج الوفاء به لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج) وإذا اشترطت هذا الشرط بعد النكاح فلا اعتراض لأحد على ذلك لا أبوها ولا أخوها ولا أحد من أوليائها لأن الحق لها وكثير من الناس في مثل هذه الأمور يضيعون أمانتهم ويخونون أمانتهم من أجل المصالح المادية أو الأغراض الشخصية وهذا من خيانة الأمانة وقد قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) .
***
(8/2)

السائل يقول ما هي شروط الإمام وهل يجوز لي أن أكون إماماً للمصلين مع العلم بأنهم لا يعرفون القراءة والكتابة وإمامهم المعتاد في كثير من الأحيان أمي وأنا متعلم وأدرس في الصف الأول الثانوي وهل يجب أن يكون الإمام متأهلاً أي متزوجاً وهل يحق للصبي مثلي أن يرفع الأذان إذا لم يكن هناك من يتقنه جيداً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإمام كلما كان أقرأ لكتاب الله وأفقه في دين الله كان أولى من غيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً أو قال سناً) إلا إذا كان الإنسان في مسجد له إمام راتب فإن الإمام الراتب أحق من غيره لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لايؤمّن الرجل الرجل في سلطانه) وكلما كان الإمام أتقى لله عز وجل كانت الصلاة خلفه أولى واختلف أهل العلم رحمهم الله هل يشترط في الإمام أن يكون عدلا أي قائماً بالواجبات مجتنباً للمحرمات بحيث لا يفعل كبيرة ولا يصر على صغيرة مع أنه بلاريب أن العدل أفضل من غيره وأكمل وأولى ولكن كون العدالة شرطاً بحيث لا تصح الصلاة خلف الفاسق فيه نظر والقول الراجح في هذه المسألة أن الصلاة تصح خلف الفاسق لكن ينبغي ألا يولى إماماً على المسلمين مع فسقه وكونك تؤم قومك إذا غاب الإمام لأنك أقرؤهم وهم أميون لا يعرفون شيئاً من الكتابة والقراءة عمل تشكر عليه وتؤجر عليه إن شاء الله تعالى مع حسن النية والقصد ولاحرج عليك أن تؤذن إذا غاب المؤذن وقد أنابك عنه في حال غيابه حتى لو فرض أنك صغير لم تبلغ فإن أذانك صحيح وإمامتك صحيحة أيضاً لأن عمرو بن سلمة الجرمي أم قومه وله ست أو سبع سنين كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وهذه إشارة إلى أنه لا يشترط في الإمام أن يكون بالغاً بل متى كان أقرأ القوم فهو أولى بالإمامة وإن كان صغيراً وهم بالغون ولافرق في ذلك بين الفرض والنفل للحديث الذي أشرنا إليه.
***
(8/2)

السائل علي أحمد اليماني من جدة يقول هل تجوز الصلاة خلف شابٍ في العشرين من العمر مع العلم أنه لا يوجد في القرية واحدٌ أعلم منه بالصلاة وهو أيضاً غير متزوج؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تجوز الصلاة خلف البالغ عشرين سنةً لأنه بالغ ولا يشترط في الإمام أن يكون متزوجاً ولا أن يكون قد حج فريضته بل إذا كان مسلماً وقد بلغ فإن إمامته تصح للصغار والكبار بل على القول الراجح تصح إمامة من لم يبلغ بالبالغ فلو صلى صغيرٌ له عشر سنوات بكبيرٍ بالغ فإن ذلك لا بأس به وقد ثبت في صحيح البخاري أن عمرو بن سلمة الجرمي صلى بأصحابه وله ست أو سبع سنين والصواب من أقوال أهل العلم أنه لا بأس أن يكون الصغير الذي لم يبلغ إماماً للكبير البالغ ولا بأس أيضاً أن يكون مصافاً له وراء الإمام فإذا كانوا ثلاثةً مثلاً رجلان بالغان وصبي وتقدم الإمام وتأخر المأموم وهو الرجل والصبي فإن هذا لا بأس به على القول من الراجح من أقوال أهل العلم.
***
(8/2)

هل يجوز لمن لم يبلغ الحلم أن يخطب بالناس ويصلى بهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم القول الراجح أنه يجوز أن يكون الإمام لم يبلغ وقد أم عمرو بن سلمة الجرمي قومه وله ست أو سبع سنين كما جاء ذلك في صحيح البخاري وهو داخلٌ في عموم قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فلو قدر أن صبياً له عشر سنوات يجيد القراءة ويعرف كيف يصلى فله أن يكون إماماً للناس في الجمعة وفي الصلوات الخمس وفي قيام الليل في رمضان.
***
(8/2)

السائل يقول يوجد عندنا مسجد في القرية ويقوم بإمامة هذا المسجد ولد لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره حيث يوجد في المسجد من هو أكبر منه وأفقه منه ولكن الذين بنوا المسجد لا يريدون إلا هذا الولد ما هو الضابط الشرعي للإمام في إمامة المصلين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ما دام هذا المسجد تحت رعاية الحكومة فإنه يرجع في تعيين الإمام والمؤذن إلى ما تعينه الحكومة وليس لأحد أن يحتكر المساجد التي يبنيها أما إذا كان في بلد لا تتولي الحكومة شيئا في هذه الأمور فإننا ننصح الرجل الذي بنى هذا المسجد أن يتمشى في تعيين الأئمة على ما تقتضيه الشريعة حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلاما) .
***
(8/2)

السائل حمود معشي من سوريا محافظة حمص يقول هل يحق للإمام أن يصلى بالناس وهو مكشوف الرأس؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للإمام أن يصلى بالناس وهو مكشوف الرأس لأن ستر الرأس ليس من شروط الصلاة لكن ينبغي إذا كان في قومٍ من عادتهم أن يستروا الرؤوس باللباس أن يكون مستور الرأس لقوله تعالى (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) والزينة هنا تشمل كل ما يتزين به المرء من لباس الرأس ولباس البدن وكذلك أيضاً لو صلى مأموماً حاسر الرأس أو منفرداً فإنه لا بأس به إلا أن المرأة إذا كانت بالغة فإنه لا يحل لها أن تكشف رأسها لأن المشهور عند كثيرٍ من أهل العلم أن المرأة في الصلاة عورة إلا وجهها فليس بعورة فلها أن تكشفه وهو أفضل من ستره إلا أن يكون حولها رجالٌ غير محارم لها فيجب عليها ستر الوجه لئلا ينظروا إليه.
***
(8/2)

هل تجوز إمامة المرأة وما الدليل وما الحكم إذا صلت بمجموعة من النساء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة المرأة بالنساء لا بأس بها ولا حرج فيها والممنوع أن تصلى بالرجال لأن المرأة لا يمكن أن تكون إمامة للرجال فإن الرجال قوامون على النساء والإمام قوام على من وراءه فلا تكون إمامة للرجال أما مع النساء فنعم تكون إمامة وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل تسن صلاة الجماعة للنساء المنفردات عن الرجال أو لا تسن على قولين في هذه المسألة ولكن إذا صلى النساء جماعة وجب عليهن أن يصففن كما يصف الرجال فلا يجوز للمرأة أن تصلى خلف صف النساء وحدها إذا كان لها موقف في الصف ويطلب منهن التراص وتسوية الصف وأن يكملن الأول فالأول كالرجال تماما أما المرأة وحدها مع الرجال فتصف وحدها لأنه لا مكان للمرأة في صف الرجال.
***
(8/2)

السائلة تقول هل تعتبر صلاتي وراء زوجي صلاة جماعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هي جماعة لكنه لا يحصل بها أجر الجماعة فيما يظهر لأن أجر الجماعة إنما يحصل لمن صلى في المسجد وأعني بذلك الأجر العظيم الذي هو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة) لأن النبي صلى الله عليه وسلم فسر ذلك بما يدل على أن المراد بذلك صلاة الجماعة في المسجد فقال (إذا خرج من بيته للصلاة) ثم ذكر بقية الحديث.
***
(8/2)

يقول السائل بالنسبة لإمامة رجل يكثر الخطأ في قراءته للقرآن الكريم مثلاً ينصب الفاعل ويرفع المفعول وغير ذلك هل تجوز إمامته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على المسؤولين عن المساجد أن يختاروا لإمامة المساجد من هو أقرأ لكتاب الله وأقوم في أمور صلاته لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وهذا خبر بمعنى الأمر فعلى المسؤولين أن يتقوا الله عز وجل فيما ولاهم الله عليه وأن يختاروا لكل عمل من هو أقوم به وأحق به شرعاً وهذا الإمام الذي ذكره السائل يُعلّم فإن استقام لسانه فهذا المطلوب وإن لم يستقم لسانه أبدل به غيره ممن يحسن القراءة.
***
(8/2)

شاب يقول أعمل إماما في مسجد الحي الذي أسكن فيه وأحفظ من كتاب الله ما يتيسر ولكن بعض السور أحفظ منها ما يقارب عشرين آية والثانية أحفظ منها ما يتيسر كالآيات التي فيها تحذير والآيات التي فيها بشرى هذا غير الأجزاء التي أحفظها كاملة فهل هذا يجوز أم أنه لا بد من حفظ السور كاملةً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كأن السائل يقول هل يجوز أن أقرأ بهذه الآيات أو السور التي أنا حافظ لها فنقول نعم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ولكن احرص على أن تكون قراءتك أقرب ما يكون إلى السنة بحيث تكون القراءة في الفجر من طوال المفصل وفي المغرب من قصاره غالباً وفي الظهر والعصر والعشاء من أوساطه والمفصل أوله ق وآخره سورة الناس والطوال من ق إلى عم وقصاره من الضحى إلى سورة الناس وأوساطه ما بين ذلك وليحرص الإمام على أن يقرأ سوراً كاملة إما أن يقرأ سورةً كاملة في كل ركعة وإما أن يقرأ سورةً كاملة يفرقها في الركعتين ولا يكون كما يفعله بعض الأئمة لا يقرأ دائماً أو غالباً إلا آيات من السور الطويلة فإن ابن القيم رحمه الله قال إن هذا ليس من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأقول إنه لم يحفظ عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قرأ آياتٍ من سورة إلا ما جاء في سنة الفجر فإنه كان يقرأ أحياناً في الركعة الأولى (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) وفي الركعة الثانية (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) هذا هو الأفضل ولكن مع ذلك لو أن الإنسان قرأ دائماً أو غالباً من السور الطويلة آياتٍ فإنه ليس ذلك حراماً وليس ذلك مكروهاً لقول الله تعالى (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) لكن هذا خلاف الأولى حيث إنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلاة الفرض أنه قرأ فيها آياتٍ من أثناء السور.
***
(8/2)

هل حفظ القرآن الكريم واجب للإمام الراتب؟ وما حكم قراءته بالمصحف في الصلوات المكتوبة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس بواجب على الإمام أن يحفظ القرآن لكن حفظ القرآن فرض كفاية لمجموع المسلمين فالواجب أن يحفظ القرآن في الأمة الإسلامية لكنه ليس واجبا على كل شخص بعينه والإمام إذا كان لم يحفظ القرآن فلا بأس أن يقرأ من المصحف في الفريضة أوفي النافلة.
***
(8/2)

السائل يقول إنه إمام في أحد المساجد ويتعذر عليه أن يقرأ من القرآن في صلاة الفجر عن ظهر قلب وذلك لأنه يكثر عنده الخطأ فيقرأ من المصحف نظرا وليس عن ظهر قلب يقول لأني أكون مرهقا نفسيا ما رأي فضيلتكم فيما ذكر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج أن يقرأ القرآن في الفريضة أو النافلة من المصحف وهو يصلى لأن ذلك حاجة وهو وإن كان يتحرك بتقليب الورق وحمل المصحف ووضعه على الأرض أو على كرسي حوله لكن هذا عمل يسير لمصلحة الصلاة وأكثر ما يقع هذا في صلاة الفجر يوم الجمعة فإن المشروع في صلاة الفجر يوم الجمعة أن يقرأ في الركعة الأولى (الم تنزيل) السجدة وهي التي بين سورة لقمان والأحزاب وفي الركعة الثانية (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) وهي التي بين القيامة والمرسلات يقرأ السورتين كاملتين في فجر كل يوم جمعة ويديم ذلك إلا يسيرا يعني مثلا في الشهر مرة يقرأ بغيرهما في فجر يوم الجمعة لئلا يظن الناس أنه يجب أن يقرأ بهما في فجر يوم الجمعة فهاتان السورتان طويلتان ربما لا يتيسر لكل إمام أن يحفظهما عن ظهر قلب فلا بأس أن يقرأ بالمصحف وهنا نقطة في هذه المسألة وهي أن بعض الأئمة يقسم سورة السجدة في الركعتين أو يقرأ نصف سورة السجدة في الركعة الأولى ونصف سورة الإنسان في الركعة الثانية وهذا غلط لأنه حينئذ يكون شطَّر السنة فإما أن يأتي بالسنة كاملة وإما أن يقرأ بسورة أخرى.
***
(8/2)

السائل يقول نحن جيران للمسجد في الحي الذي نسكن فيه نؤدى فيه الصلوات الخمس إلا الجمعة ومشكلتنا بأن هناك إمامين في هذا المسجد أحدهما لا بأس به في أدائه الصلوات لكنه لم يكن بالمستوى المطلوب من حيث تجويد القرآن الكريم ولكن في غيابه هناك إمام آخر لا يجيد أداء الصلاة حتى سورة الفاتحة لا يحسن قراءتها والأكبر من ذلك بأنه يفرض نفسه فرضا حيث هناك من يحسن القراءة وأداء الصلاة أفضل منه ماذا نفعل هل نذهب إلى المساجد المجاورة في حينا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا تذهبوا إلى المساجد المجاورة ولكن إذا كان هذا الثاني يتقدم بوكالة من الإمام فإنه يقال للإمام لا توكل هذا لقصوره وإن كان يتقدم بدون وكالة من الإمام فإنه يمنع ويتقدم من هو أولى منه بالإمامة فإن خيف من الشقاق والشجار وجب رفع الأمر إلى الجهات المسؤولة لتحسم النزاع.
***
(8/2)

هذا السائل يقول بأنني أقرأ القرآن ولكنني لا أجيد القراءة فهل يجوز أن أصلى بالناس إماماً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان لا يحسن القراءة فإنه لا يجوز أن يصلى بالناس إماماً لا سيما إذا كان لا يجيد الفاتحة قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) ولكن عليه أيضاً أن يحاول القراءة على قارئٍ يعلمه القراءة لئلا يحرف كتاب الله ولا يخفى على أحد ما في تحريف كتاب الله عز وجل من العقوبة والآن والحمد لله قد فتحت المساجد أبوابها لتلقي الطلاب في حلق قراءة القرآن وتحفيظه فلا عذر لأحد بعد اليوم.
***
(8/2)

تقول المستمعة لقد سمعت أحدهم يقول بأن المرء الألثغ لا تصح له الإمامة بالناس أي لا تصح الصلاة خلفه لأن به عيبا فهل هذا صحيح أم لا وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا صحيح عند بعض أهل العلم يرون أن الألثغ إذا كانت لثغته بإبدال الحروف بعضها ببعض مثل أن يبدل الراء فيجعلها غيناً أو يجعلها لاماً أو ما أشبه ذلك فإن بعض أهل العلم يرى أنها لا تصح إمامته لأنه بمنزلة الأمي الذي لا تصح إمامته إلا بمثله ويرى آخرون أنها تصح إمامته لأن من صحت صلاته صحت إمامته ولأنه قد أتى بما يجب عليه وهو تقوى الله تعالى ما استطاع وقد قال الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وإذا كان العاجز عن القيام يُصلى بالمأمومين القادرين عليه فإن هذا مثله لأن كلاً منهم عاجزٌ عن إتمام الركن هذا عن القيام وهذا عن القراءة وهذا القول هو الصحيح إن إمامة الألثغ تصح وإن كان يبدل حرفاً بحرف ما دامت هذه قدرته ولكن مع هذا ينبغي أن يُختار من يُصلى من الجماعة إنسانٌ ليس فيه عيب احتياطاً وخروجاً من الخلاف.
***
(8/2)

يقول السائل في نفس المسجد يوجد إمام وهو إمام راتب ولكنه لا يحسن قراءة القرآن ولا يجيد الأحكام فهل تجوز الصلاة خلف مثل هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كلمة لا يحسن القراءة ليست مبينة ومفصلة لا ندري هل هو يلحن لحنا يحيل المعنى أو يلحن لحنا لا يحيل المعنى أو هو لا يلحن لا لحنا يحيل المعنى ولا لحنا لا يحيله لكن قراءته ليست على سنن التجويد المشهورة فأما الثالث وهو أن تكون قراءته ليست على سنن التجويد المشهورة فلا حرج فيه إطلاقاً وذلك لأن القراءة بالتجويد على السنن المشهورة يعني القواعد المشهورة ليست واجبة فالتجويد ليست القراءة به واجبة وما ذهب إليه بعض العلماء قول ضعيف من أنه يجب القراءة بالتجويد والواجب أن لا يحذف شيئاً من الحروف سواء كان بكلمة مضاعفة أو حرفا مستقلا وأما المدود أو ما أشبهها مما ليس فيه إلا تحسين اللفظ فهذا ليس بواجب وأما إذا كان لحن هذا الإمام لحنا يتغير به اللفظ لكن لا يتغير به المعنى فالصلاة خلفه صحيحة لكن غيره أولى منه وأما إذا كان لحنه يحيل المعنى في الفاتحة أو غيرها فلا تجوز الصلاة خلفه ولكن يجب على أهل المسجد أن يرفعوا الأمر إلى المسؤولين عن المساجد بأن يتعدل هذا الإمام أو يبدل أما كونه إماما للمسلمين في أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين وهو لا يحسن ما يجب من القراءة فلا يجوز أن يكون إماما ومن نصبه إماما فهو آثم آثم في حق الله لأنه ولى من ليس أهلا وآثم في حق المصلىن لأنه إما أن يوقعهم في حرج في الصلاة خلفه أو يحرجهم إلى أن يطلبوا مسجدا آخر أبعد منه ويكون ذلك شاقا عليهم.
***
(8/2)

هذا المستمع فواز من الأردن يقول بأنه مؤذن في أحد المساجد في بلده ولا يوجد غيره يقول وأقوم بإمامة المصلىن والخطبة بهم يوم الجمعة وأنا ضعيف في قراءة القرآن والتجويد فهل يحق لي إمامة هؤلاء وهل علي إثم في هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فلا ينبغي لهؤلاء القوم أن يقدموك إماماً فيهم وفي القوم من هو أقرأ منك لأنه خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أما إذا كنت أحسن القوم في القراءة فتقدم بهم واحرص على أن تكون قراءتك سليمة مستقيمة على الوجه المطلوب
***
(8/2)

السائل من سلطنة عمان يقول هل تجوز الصلاة خلف من يخطئ في تشكيل الفاتحة مثل أن يفتح اللام في قوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) فيقول ما لك يوم الدين أو يكسر الباء في قوله تعالى (إياك نعبد) بالإضافة إلى خطئه في القراءة بعد الفاتحة وعدم القراءة بالتجويد مع العلم أنني لم أتمكن أيضاً من المداومة على الجماعة إن لم أصلِّ خلف هؤلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هؤلاء لا يجوز أن ينصبوا أئمة في المساجد ويجب على ولاة الأمور أحد أمرين إما أن يعلم هؤلاء حتى يقيموا كلام الله وإما أن يستبدل بهم غيرهم وأما إبقاؤهم أئمة للمسلمين وهم يخطئون هذا الخطأ الذي بعضه يغير المعنى وبعضه لا يغيره ولكنه يغير اللفظ فإنه لا يجوز إبقاؤهم وأما بالنسبة لصلاتك خلفهم فما كان من الحركات يغير المعنى ولا يقيمه هذا الإمام فصل مع غيره لا تصل خلفه لأنه يخل بركن من أركان الصلاة وأما إذا كان تغييره الحركة لا يغير المعنى فإنه لا حرج عليك أن تصلى خلفه ولكن كما قلنا أولاً لا يجوز إبقاء هؤلاء أئمة للمسلمين.
***
(8/2)

هذا السائل عبد الرحمن عبد الرحيم مقيم بالرياض يقول يوجد في القرية المجاورة لقريتنا مسجد تؤدى فيه صلاة الجمعة غير أن سكان قريتنا اختلفوا فيما بينهم فمنهم من يؤدي صلاة الجمعة في ذلك المسجد ومنهم من يؤديها في منزله أما أنا فكنت في أثناء إجازتي أؤدي صلاة الجمعة في ذلك المسجد فلما سألتهم عن سبب امتناعهم عن أداء الصلاة فيه قالوا إن الإمام لا يجيد القراءة فهو يقرأ بسرعة وأحياناً يرفع بعض الآيات المكسورة وينصبها تارة أخرى علماً أنه يوجد من هو أعلم منه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهذا الأخير يعمل في تدريس القرآن وتحفيظه لأبناء القرية وحسب اعتقادي أن سكان تلك القرية لم يجعلوا هذا الرجل إماماً لهم لأنه غريب أي ليس من عائلتهم علماً بأنه مقيمٌ بهذه القرية ومتزوجٌ منها فهل تصح الصلاة خلف الإمام الأول؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإمام الأول لا يلحن لحناً يحيل المعنى فإن الصلاة خلفه تصح أما إذا كان يلحن لحناً يحيل المعنى فإنه لا يصلى خلفه ولكن يجب عليكم أنتم أن تتصلوا بالمسؤولين بالنسبة لهذا الإمام الذي لا يحسن القراءة لأجل أن يعلموه حتى يحسن القراءة أو يبدلوا به من يحسن القراءة ويكون خيراً منه في إقامة إمامة الجمعة لأن هذا مسؤولية الجميع ولا يمكن للناس أن يقال لهم صلوا خلف هذا الذي لا يحسن القراءة أو صلوا في بيوتكم فإن هذا خلاف المشروع المهم أنه إذا كان اللحن لا يحيل المعنى فإن الصلاة خلفه صحيحة لكن ينبغي أن يُعلّم أو يبدل أما إذا كان يحيل المعنى ولا يمكنه تعديله فإن الصلاة خلفه لا تصح ولا يجوز أن يبقى إماماً في هذه الحال.
(8/2)

فضيلة الشيخ: بالنسبة للشخص الذي يجيد القرآن هل يمنع من الإمامة بسبب أنه غريبٌ عن تلك القرية أو أجنبيٌ عنها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من الناحية الشرعية لا يمنع قال النبي عليه الصلاة والسلام (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) لكن مثل هذه العادات التي عندهم يجب أن يعلموا أولاً بأن هذا خلاف الشرع فإنهم يتمسكون بعاداتٍ بحيث يخالفون بها ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام فيخبرون بأن هذا لا يجوز وأن الواجب الرجوع إلى ما جاءت به السنة في مثل هذه الأمور.
***
(8/2)

السائل يقول هل تجوز الصلاة خلف من لا يحسن قراءة سورة الفاتحة بأكملها فضلاً عن عدم إتقانه فرائض الوضوء وسننه وكذلك أركان الصلاة وكل ما يتعلق بها من واجبات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقول النبي صلى الله عليه وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وهذا الرجل الذي أشار إليه السائل الذي لا يحسن الفاتحة لا يجوز أن يكون إماماً بمن يحسن قراءتها بل الواجب أن يتولى الإمامة من هو أحق الناس بها لأن قول الرسول عليه الصلاة والسلام (يؤم القوم) خبر بمعنى الأمر ثم إنه قال لعمرو بن سلمة (وليؤمكم أكثركم قرآناً) فقوله وليؤمكم هي لام الأمر فيجب على الجماعة إذا لم يكن هناك إمام راتب يجب عليهم أن يقدموا للإمامة من كان أحق بها وقد ذكر الإمام أحمد في رسالة الصلاة أن الرجل إذا أم قوماً وفيهم من هو خير منه لم يزالوا في سفال لأنهم نزلوا أنفسهم حيث قدموا شخصاً وفيهم من هو خير منه والمهم أنه لا يجوز للإنسان أن يصلى خلف شخص لا يحسن قراءة الفاتحة ولا يحسن أن يتوضأ ولا يحسن أن يأتي بواجبات الصلاة.
(8/2)

فضيلة الشيخ: حتى لو كان هذا الإمام مثلاً الإمام الراتب وخلفه شخص عابر سبيل ولكنه أفضل منه قراءة وإتقانا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هو الإمام الراتب فإنه يبقى على إمامته ما دام صحيح الإمامة ولو كان في الجماعة من هو أفضل منه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) وإمام المسجد هو سلطان هذا المسجد.
***
(8/2)

السائل صالح العقيلي يقول يوجد مسجد لدينا ولا يوجد له إمام، وعينت في المسجد إماما بشكل مؤقت حتى حضور إمام، مع العلم بأنني لست أحفظ إلا عشرين سورة من جزء عمَّ، فهل يجوز لي أن أردد السور في صلاة التراويح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز لك أن تردد السور في صلاة التراويح، لعموم قول الله تعالى (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) .
***
(8/2)

السائل من جمهورية مصر العربية أبو العزائم بن علي يقول أرجو من فضيلة الشيخ الإجابة على سؤالي هل يجوز إمامة الذي يتعتع في قراءة القرآن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إمامة الذي يتعتع في القرآن جائزة ما دام مقيم الحروف والكلمات والحركات فإن من الناس من يكون النطق ثقيلا عليه يتعتع فيه إلا أن من أهل العلم من قال تكره إمامة الفأفاء الذي يكرر الفاء والتأتاء الذي يكرر التاء وكذلك من يكرر غيرهما من الحروف قالوا إنها تكره إمامته ولا ريب أنه كلما كان الإنسان أقرأ أي أجود قراءة وأكثر حفظاً للقرآن فهو أولى بالإمامة مع تقواه وصلاحه لقول النبي عليه الصلاة والسلام (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً أو قال سناًَ) وهذا الذي يتعتع في قراءته إن كان منصوباً من قبل ولاة الأمر فإنه يُعَلَّمُ أولاً فإن تمكن من القراءة المستقيمة فذاك وإلا رفع أمره إلى ولاة الأمور ليبدلوا به من هو أقوم في الإمامة وأما إذا لم يكن منصوباً من قبل ولاة الأمور فإنه ينبغي لأهل الحي أن يعلموه فإن لم يستقم أبدلوا به خيرا منه.
***
(8/2)

السائل أبو النور أبو الحسن من السودان كردفان يقول لدينا مسجد تقام فيه الصلاة وإمامنا فيه أعمى ولكنه جاهل بأحكام الصلاة فهو لا يطمئن في ركوع ولا سجود وقد نصحناه كثيراً ولكنه لم يستجب للنصح فماذا نفعل معه وهل تجوز الصلاة خلفه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإمام لا يطمئن في صلاته الطمأنينة الواجبة فإن صلاته باطلة لأن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رجلاً جاء فصلى صلاة لا يطمئن فيها ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ) فعل ذلك معه ثلاثاً ولم يقم الصلاة ثم قال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تطمئن قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً وافعل ذلك في صلاتك كلها فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الرجل لا صلاة له لأنه لم يطمئن وكرره ثلاثاً ليستقر في ذهنه أن صلاته غير مجزئة ولأجل أن يكون مستعداً تمام الاستعداد لتلقي ما يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم وإذا كان كذلك فإن هذا الإمام الذي لا يطمئن في صلاته لا تصح صلاته ولا يصح الاقتداء به وعليه أن يتقي الله عز وجل في نفسه وفي من خلفه من المسلمين حتى لا يوقعهم في صلاة لا تنفعهم وإذا دخلت مع الإمام ثم رأيته لا يطمئن فإن الواجب عليك أن تنفرد عنه وتتم الصلاة لنفسك بطمأنينة حتى تكون صلاتك صحيحة وهذه المسألة أعني عدم الطمأنينة ابتلي بها كثير من الناس في هذا الزمن ولا سيما في الركنين اللذين بعد الركوع وبين السجدتين فإن كثيراً من الناس من حين ما يرفع من الركوع يسجد ومن حين ما يقوم من السجدة الأولى يسجد الثانية بدون طمأنينة وهذا خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم وخلاف ما أمر به الرجل الذي قال له ثم ارفع حتى تطمئن قائماً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يصلى فيطمئن في هذين الركنين حتى يقول القائل قد نسي من طول ما يطمئن فيهما عكس ماعليه الناس اليوم نسأل الله لنا ولهم الهداية.
(8/2)

فضيلة الشيخ: إنما لا يؤمرون بإعادة الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما ما مضى فهم على جهل في الأمر فلا يلزمهم قضاء ما مضى ولهذا لم يأمر النبي عليه الصلاة والسلام هذا الرجل بقضاء ما مضى وأما بعد أن يبلغهم العلم ثم يصلون بعد العلم بأن صلاته لا تصح فإنه يلزمهم قضاء ما صلوا.
***
(8/2)

السائل ناصر يقول دخلت مسجداً وقت صلاة المغرب وتقدم رجلٌ ليصلى بالجماعة وعند سجوده مد رجله ولم يسجد على الأعضاء السبعة علماً بأن ركبته وقدم الرجل لم تقع على الأرض فما حكم من صلى خلف هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الإمام عاجزٌ عن السجود على الوجه المطلوب لأن السجود واجبٌ على سبعة أعضاء كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أمرنا أن نسجد على سبعة أعضاء الجبهة وأشار إلى أنفه والكفين والركبتين وأطراف القدمين) وقد اختلف العلماء فيما إذا كان الإمام عاجزاً عن ركن هل يجوز أن يكون إماماً للقادر عليه والصحيح أنه يجوز أن يكون إماماً للقادر عليه وذلك لأن هذا الإمام العاجز يسقط عنه ما عجز عنه ويكون كأنه أتى به ويشير إلى هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا صلى قاعداً فصلوا قعودا) فإن هذا يدل على جواز أن يؤم الإنسان العاجز عن القيام من كان قادراً عليه وبناءً على ذلك فإن الصلاة خلف هذا الرجل الذي يمد رجله عند السجود صلاة صحيحة غير باطلة لكن ينبغي أن يلتمس إمامٌ غيره قادر على فعل الأركان والقيام بالشروط لأن هذا أحوط وأبرأ للذمة.
***
(8/2)

السائل خالد خليل من محافظة مطروح جمهورية مصر العربية يقول إذا كان الإمام لا يستطيع الوقوف فهل من خلفه يصلى جالساً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا كان الإمام لا يستطيع القيام وصلى قاعداً من أول الصلاة فإن من خلفه يصلون قعوداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به حتى قال وإن صلى قاعدا فصلوا قعوداً أجمعون) والنبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ذات يومٍ قاعداً وهم قيام فأشار إليهم أن اجلسوا وهذا يدل على أن المأموم مأمورٌ بمتابعة إمامه حتى في هذه الحال فأسقطنا عنه القيام وهو ركن من أجل تحقيق متابعة الإمام كما يسقط عنه الواجب فيما لو قام الإمام عن التشهد الأول ناسياً فإن المأموم يتابعه ويسقط عنه التشهد الأول في هذه الحال وبهذا عرف أن الإمام إذا كان لا يجلس للاستراحة فإنه لا يشرع للمأموم أن يجلس للاستراحة لأن في جلسته للاستراحة نوع تخلفٍ عن الإمام والمشروع للمأموم أن يتابع إمامه فور انتهائه من الركن الذي انتقل منه ووصوله إلى الركن الذي انتقل إليه ولا يتخلف وبهذا تتم المتابعة فيسقط الركن عن المأموم في القيام إذا صلى الإمام جالساً ويسقط الواجب إذا ترك الإمام التشهد الأول ناسياً ويسقط المستحب إذا تركه الإمام وكان لا يرى الجلوس للاستراحة فإن المشروع في حق المأموم أن يتابعه ولا يجلس وإن كان يرى استحباب الجلوس فإن قلت وهل مثل ذلك إذا كان الإمام يرى عدم رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه وعند القيام من التشهد الأول والمأموم يرى استحباب ذلك هل نقول للمأموم لا ترفع يديك كالإمام فالجواب أن نقول لا بل ارفع يديك لأن رفع يديك لا يقتضي مخالفة للإمام فإنك ستركع معه وتسجد معه وتقوم معه بخلاف الذي يقتضي المخالفة ولهذا لو كان الإمام لا يتورك في التشهد الأخير أو كان يتورك في كل تشهدٍ يعقبه تسليم والمأموم يرى أنه يتورك في التشهد الأخير إذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية فإننا نقول للمأموم افعل ما ترى أنه السنة وإن خالفت إمامك في صفة الجلوس لأن هذا لا يعد اختلافاً على الإمام فالمهم أن نقول في جواب السؤال إن الإمام إذا صلى جالساً فإن المأمومين يصلون جلوساً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ولأنه طبق ذلك فعلاً حين صلى الصحابة خلفه قياماً فأشار إليهم أن يجلسوا هذا إذا كان قد ابتدأ الصلاة قاعداً أما لو ابتدأ الإمام الصلاة قائماً ثم حصلت له علة فجلس فهنا يتم المأمومون صلاتهم قياماً وعلى هذا يحمل ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام حين جاء في مرضه وأبو بكرٍ يصلى بالناس قائماً فجلس النبي عليه الصلاة والسلام إلى يسار أبي بكر وأتم الصلاة بهم وقد بقوا على قيامهم ووجه ذلك أنهم ابتدؤوا الصلاة قياماً مع إمامهم وحصلت له علة أثناء الصلاة فيجلس هو أما هم فيصلون بقية صلاتهم قياماً بناءً على أول الصلاة.
***
(8/2)

هل تجوز الصلاة خلف إمامٍ يتعامل بالسحر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً السحر محرم ومنه ما هو كفر كما قال الله تبارك وتعالى (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) فالسحر حرام وإذا كان لا يتوصل إليه إلا بالأحوال الشيطانية أو بالأرواح الشيطانية فإنه يكون كفراً ولهذا جاءت السنة بقتل الساحر لأنه إن بلغ بسحره الكفر فقتله ردة وإن كان لا يبلغ الكفر فقتله لدفع أذاه عن المسلمين فمن ابتلي بشيء من ذلك فعليه أن يتوب إلى الله ويدع هذا العمل ومن تاب وعمل صالحاً مؤمناً بالله عز وجل فإن الله يبدل سيئاته حسنات وليعلم أنه لا يمس أحداً بسوء إلا كان عليه وزره وربما يملى لهذا الساحر فلا يعاجل بالعقوبة وتؤخر عقوبته إلى الآخرة والعياذ بالله.
أما سؤال السائل وهو الصلاة خلف إمامٍ يتعامل بالسحر فإنه إذا كان سحره هذا يبلغ به الكفر فإنه لا تجوز الصلاة خلفه لأنه كافر لا تقبل صلاته ولا يصح أن يكون إماماً وأما إذا كان سحره لا يبلغ الكفر فهذا ينبني على خلاف العلماء في فاعل الكبيرة إذا لم يتب منها هل يصلى خلفه أم لا؟ ولكن يجب أن يصلح حال هذا الساحر قبل أن نصلى خلفه أو لا نصلى.
***
(8/2)

هل الساحر كافر وما هو الدليل وهل تجوز الصلاة خلفه ماذا علي أن افعل إذا صليت خلف مثل هذا الإمام في الوقت الذي لا أعلم أنه ساحر هل صلاتي السابقة تكون باطلة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: السحر نوعان نوع كفر ونوع عدوان وظلم أما الكفر فهو الذي يكون متلقى من الشياطين فالذي يتلقى من الشياطين هذا كفر ودليل ذلك قوله تعالى (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) وهذا النوع من السحر كفر مخرج عن الملة يقتل متعاطيه واختلف العلماء رحمهم الله لو تاب هذا الساحر هل تقبل توبته فقال بعض أهل العلم إنها تقبل توبته لعموم قوله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) فإذا تاب هذا الساحر وأقلع عن تعاطي السحر فما الذي يمنع من قبول توبته والله عز وجل يقول (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) لكن إذا كان قد تسبب في سحره في قتل أحد من الناس أو عدوان عليه فيما دون القتل فإنه يضمن لحق الآدمي فإن كان بقتل قتل قصاصا وإن كان بتمريض نظر في أمره وإن كان بإفساد مال ضمن هذا المال.
النوع الثاني من السحر سحر لا يكون بأمر الشياطين لكنه بأدوية وعقاقير وأشياء حسية فهذا النوع لا يُكفِّر ولكن يجب أن يقتل فاعله درءا لفساده وإفساده.
***
(8/2)

ما حكم الصلاة خلف المبتدع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة خلف المبتدع إن كان هذا مما يغري الناس به فيثقل ميزانه عند الناس وتقوى بدعته فلا يجوز أن يصلى معه مهما كانت البدعة وإن كان ذلك لا يؤثر فإن كانت بدعته مكفرة فإنه لا يصلى خلفه وإن كانت بدعته مفسقة فإنه يصلى خلفه كسائر العصاة ولكن إذا كان هذا يؤدي إلى اغتراره بنفسه واستمساكه ببدعته فإنه لا يجوز أن يصلى خلفه احتقارا له ولئلا يضل الناس ببدعته.
***
(8/2)

السائل يقول ما حكم الصلاة خلف إمام مبتدع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة خلف الإمام المبتدع إن كانت بدعته مكفرة فإنه لايجوز أن تصلى خلفه لأن صاحب البدعة المكفرة لا تقبل له صلاة لأن الكفر يمنع من قبول الصلاة وإذا كانت لا تقبل صلاته فكيف تأتمّ بإمام لا صلاة له لكن إذا كنت لا تدري عنه وصليت خلفه ثم تبين لك بعد ذلك أنه مبتدع بدعة مكفرة فإن صلاتك صحيحة لقول الله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) والإنسان لا يعلم الغيب أما إذا كانت البدعة مفسقة لا تخرج الإنسان من الإسلام فإن الصلاة خلفه صحيحة على القول الراجح وهو أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة لأنه أعني الفاسق تصح صلاته وتقبل صلاته وفسقه وعدالته لنفسه ليس علينا منها شيء مادام يأتي بالصلاة على الوجه المطلوب أما إذا كان يخل بالصلاة فإنك لا تصلى خلفه ولو كان سليماً من البدعة والفسوق هذا هو حاصل ما يقال عن الرجل المبتدع على أن بعض العلماء يقول إن الفاسق مطلقاً لا تجوز الصلاة خلفه ولكن هذا قول مرجوح والراجح أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة ولكن كما قلت لك إذا كان يخل بالصلاة فلا تصلِّ خلفه وكذلك أيضاً إن أمكنك أن تجد إماماً عدلاً مستقيماً في دينه فإن صلاتك خلفه أولى من صلاتك خلف هذا الرجل الفاسق.
***
(8/2)

السائل من السودان يقول إذا صلى الإنسان خلف إمام وهذا الإمام له بعض العقائد الباطلة وعنده بعض البدع فما حكم من صلى خلفه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة خلف مبتدع لا تخلو من حالين:
الأولى: أن تكون البدعة موجبة للكفر ففي هذه الحال لاتصح الصلاة خلف من اعتنق هذه البدعة لكن من كان جاهلاً لا يدري عنه حتى انتهت صلاته فإن صلاته خلفه صحيحة لأنه معذور بالجهل.
والحال الثانية: أن تكون بدعة غير مكفرة بل مفسقة والصلاة خلفه مبنية على صحة الصلاة خلف الفاسق وفيها قولان لأهل العلم والصحيح أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة لأن صلاته هو بنفسه صحيحة فتكون صلاة من ائتم به صحيحة أيضاً ولكن لاشك أنه ينبغي للإنسان أن يتحرى الإمام الذي يكون عدلاً في دينه موثوقاً في أمانته.
***
(8/2)

أبو أحمد يقول في سؤاله هل تجوز الصلاة خلف أهل البدع وخلف أهل العقائد الباطلة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا يختلف البدعة المكفرة لا تجوز الصلاة خلف من يقول بها وأما من البدع التي لا تكفر فهذه نخاطب أولاً المسؤولين عن المساجد فنقول لا تجعلوا المبتدع إماماً للمسلمين حتى وإن كانت بدعته غير مكفرة لأنه يخشى أن ينشر بدعته في الناس والإنسان في غنى عن هذا لكن لو أنه جعل وصار إماماً وبدعته غير مكفرة فإنه يصلى خلفه إلا إذا كان في هجر الصلاة معه مصلحة فلتترك الصلاة معه إلى مسجد آخر.
***
(8/2)

سائل يقول أعيش في ناحية من نواحي اليمن وسط جماعة يتبعون المذهب الزيدي كما يسمونه ويزعمون بأن المصلى له الخيار في أن يقرأ الفاتحة في الركعة الأخيرة من المغرب أو أن يستبدل بها قوله بسم الله وبالله وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وكذلك يفعل في الركعات الأخيرة من الظهر والعصر والعشاء ولما كانت القراءة في كل هذه الركعات سراً فلا أعلم ما إذا كان الإمام يقرأ الفاتحة أو يقرأ هذه الأدعية كما أني وجدت حرجاً في أن أسأله في كل حالة عما قرأه في سره وقد علمت بأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فهل أبني على الظن بأنه قرأ بالفاتحة وأصلى خلفه حتى لا أحرم من أجر الجماعة أو أصلى منفرداً أم أن صلاتي خلفه صحيحة سواءً قرأ بفاتحة الكتاب أو لم يقرأ بها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن صلاتك خلف هذا الرجل الذي لا تدري هل هو يقرأ الفاتحة أو لا يقرأ مع أنك تعلم أن من مذهبهم أنهم يرون أن آخر ركعة من الصلاة لا تجب فيها قراءة الفاتحة أقول إن صلاتك خلف هؤلاء صحيحة لأن الصلاة خلف من يخالفك في أمر من الفروع صحيحة ولو كان يرتكب ما تراه خطأً فإنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد التي لم تخالف نصاً صريحاً لا يحتمل التأويل أما إن وجدت شخصاً تعرف منه أنه يصلى يقرأ الفاتحة في كل ركعة فإن الأولى أن تصلى معه ولا تصلى مع هذا الذي لا يقرأ الفاتحة في آخر ركعة وأما ما ذهبوا إليه من أن آخر ركعة يجزئ فيها التسبيح فإنني لا أعلم له أصلاً في السنة والسنة تدل على أنه لا بد من قراءة الفاتحة في كل ركعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم المسيء في صلاته كيف يصلى قال له (وافعل ذلك في صلاتك كلها) ومن بينها قراءة الفاتحة فإن قراءة الفاتحة كما تجب في الركعة الأولى تجب فيما بعدها من الركعات إلى آخر الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم (وافعل ذلك في صلاتك كلها) وخلاصة الجواب أن صلاتك خلف من يخالفك في أمر من فروع الدين في صلاته لا بأس بها أي لا بأس بأن تصلى خلفه لأن المسلمين ما زالوا على ذلك.
***
(8/2)

السائل من جمهورية مصر العربية يقول يوجد إمام لأحد المساجد يتوسل بالرسول والأولياء والصالحين فهل يجوز لنا أن نصلى خلفه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم إن كان توسلا بمحبته والإيمان به واتباعه فهذا لا بأس به مثل أن يقول القائل اللهم إني أسألك بمحبتي لرسولك أن ترزقني ما أحب من خيري الدنيا والآخرة أو بالإيمان بالرسول بأن يقول اللهم إني أسألك بأني مؤمن بك وبرسولك أن تغفر لي ومن ذلك قوله تبارك وتعالى (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) كذلك التوسل باتباع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اللهم بما أنعمت علي من اتباع رسولك أسألك اللهم أن تنعم علي بالنجاة من النار ودخول الجنة وما أشبه ذلك أما التوسل بالرسول نفسه أو بجاه الرسول فإنه بدعة ولا يجوز للإنسان أن يتوسل به وذلك لأن التوسل اتخاذ وسيلة توصل إلى المقصود ولا يمكن أن نحكم على شيء بأنه وسيلة يوصل إلى المقصود إلا بدليل من الشرع ولم يرد في الشرع التوسل بذات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو بجاهه وكما أن التوسل بالرسول عليه الصلاة السلام بذاته أو بجاهه لا أصل له من الشرع فهو أيضا لا أصل له من العقل لأن ذات الرسول عليه الصلاة والسلام لا تفيد شيئا بالنسبة للمتوسل وكذلك جاهه عند الله ومنزلته عند الله لا تفيد المتوسل شيئا إنما تفيد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى هذا فلا يتوسل الإنسان بالنبي ولا بجاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما يتوسل بالإيمان به ومحبته واتباعه وإنني بهذه المناسبة أود أن أقول إن التوسل نوعان
نوع جائز مشروع ونوع محرم ممنوع فالجائز على أنواع:
النوع الأول التوسل إلى الله تعالى بأسمائه ومنه حديث عبد الله بن مسعود (أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك إلى آخر الحديث) .
الثاني التوسل إلى الله تعالى بصفاته مثل (اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي) فإن العلم والقدرة من صفات الله تعالى.
ثالثا التوسل إلى الله تعالى بأفعاله كما في قول المصلى في التشهد (اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صلىت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) .
الرابع التوسل إلى الله تعالى بالإيمان به كما في قوله تبارك وتعالى (رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
الخامس التوسل إلى الله تعالى بطاعته كما في قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين لجؤوا إلى الغار فانطبقت عليهم صخرة من الجبل ومنعتهم الخروج فتوسل كل واحد منهم إلى الله تعالى بصالح من عمله ففرج الله عنهم.
السادس التوسل إلى الله تبارك وتعالى بحال الداعي كما في قوله تبارك وتعالى (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) وكما في قول أيوب (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ومن ذلك الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا بكر رضي الله عنه حين قال علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال قل (اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) هذه كلها توسلات جائزة.
أما الممنوع فالتوسل إلى الله تعالى بما لا يرضاه الله كتوسل المشركين بأوثانهم وأصنامهم إلى الله عز وجل حيث قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى وكذلك التوسل بغير ما جعله الله تعالى سببا يوصل إلى المقصود ومنه ما أسلفناه في هذا الجواب من التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو بذات الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإذا تبين أن التوسل بذات الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممنوع فالتوسل بمن دونه أشد منعا كأن يتوسل بالصالحين والأولياء وما أشبه ذلك لكن التوسل بدعاء الحي لا بأس به مثل أن يقول رجل لآخر مرجو الإجابة يا فلان أدعُ الله بكذا وكذا ومنه توسل الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخبره بأن الناس قد تضرروا بتأخر نزول المطر وطلب من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدعو الله أن يغيثهم ففعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما التوسل بالأولياء بعد موتهم فهو نوع من الشرك وإن اعتقد أنهم يفعلون فهو شرك أكبر.
***
(8/2)

يقول السائل يوجد إمام مسجد جارٍ على لسانه القسم بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقول مثلاً تفضل والنبي اجلس والنبي أو اعمل كذا وكذلك يدعو بعد الصلاة دعاء جماعيا ويختم الدعاء بالفاتحة ولم يتقيد بالسنة في الصلاة كوضع اليد اليمني على اليسرى ورفع اليدين عند الركوع وعند الرفع من الركوع فهل تصح الصلاة خلفه أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصواب من أقوال أهل العلم أن الصلاة خلف العاصي إذا لم تصل معصيته إلى الكفر صحيحة لكن كلما كان الإمام أتقى لله فالصلاة خلفه أولى وما ذكرت عن هذا الإمام فإن كان الأمر على ما قلت فإن الواجب على المسؤولين عن الأئمة والمساجد أن يستبدلوا بهذا الإمام غيره بمعنى أن يقيموا غيره مقامه إلا أن يتوب إلى الله لأن هذا الإمام يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم والحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم محرم بل هو نوع من الشرك لقول النبي صلى عليه وسلم (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) ولقوله صلى الله عليه وسلم (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) والنبي صلى الله عليه وسلم لا يرضى أن تغلو أمته فيه حتى تقسم به كما تقسم بالله عز وجل بل من أقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم معتقداًَ أن للنبي صلى الله عليه وسلم نصيباً من الربوبية والتصرف في الكون وجلب النفع ودفع الضرر فإنه يكون مشركاً شركاً أكبر مخرجاً عن الملة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لأحد نفعاً ولا ضراً كما قال الله تعالى آمراً له (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) وكما لا يملك لغيره لا يملك ذلك لنفسه أيضاً كما قال الله تعالى (قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ومن أراد تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام فليعظمه بما أرشد إليه أمته وذلك بتعظيم سنته واتباعها ظاهراً وباطناً ومحبته صلى الله عليه وسلم أكثر من محبة النفس والولد والوالدين والناس أجمعين وأما كون هذا الإمام لا يضع يده اليمنى على اليسرى فإنه في ذلك خالف السنة فإن السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى كما ثبت ذلك في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال (كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة) فالمشروع للإنسان في حال القيام قبل الركوع أو بعده أن يضع يده اليمنى على اليسرى وأفضل محل تكون عليه اليدان هو الصدر هذا أحسن ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون وضع اليدين على الصدر وأما كونه لا يرفع يديه عند الركوع فكذلك أيضاً هو خلاف السنة فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يرفع يديه إذا كبر للصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع) وصح عنه أيضاً أنه كان يرفعهما إذا قام من التشهد الأول فلا ينبغي العدول عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس كائناً من كان وأما كونه يدعو بعد الصلاة دعاء جماعياً فإن هذا من البدع التي لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه والمشروع للمصلىن بعد الصلاة أن يذكروا الله تعالى كلٌّ وحده بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون ذلك جهرا كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
***
(8/2)

هل تصح الصلاة في مسجد إمامه يدعو الأموات ويكتب الحجب ويكتب البخرات وهي أوراق صغيرة تحرق بالنار ويشمها المريض ولا ندري على ماذا تحتوي ويجزم ويعزم على المريض بالجنون ويشترط إعطاءه مبلغا من المال في حالة الشفاء وإذا كانت لا تجوز الصلاة خلف هذا الإمام فهل تصح الصلاة في المنزل لجار المسجد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر في السؤال أنه يدعو الأموات ودعاء الأموات وحده كافٍ عن كل ما ذكر من هذه الخصال التي أشار إليها لأن دعاء الأموات شرك أكبر مخرج عن الملة وكفر بالله عز وجل قال الله تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) فجعل الله تعالى الدعاء عبادة وصرف العبادة لغير الله تعالى شرك وقال تعالى (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ) فجعل الله تعالى ذلك كافراً وأخبر أنه لا يفلح فلا ينال مطلوبه ولا ينجو من مرهوبه بدعائه من سوى الله عز وجل ودعاء غير الله تعالى من الأموات أوالأحياء سفه وضلال كما قال الله تعالى (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) ومثل هذا الإمام لا تجوز الصلاة وراءه لأن صلاته غير صحيحة بل هي باطلة لكونه مشركاً بالله عز وجل ومن أشرك بالله فهو كافر وكل كافر فعبادتهُ باطلة مردودة عليه لقوله تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) وقوله عز وجل (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) وإنني أوجه النصيحة إلى هذا الإمام الذي ذكرت أن يتوب إلى الله عز وجل من دعاء غير الله ومن خداع عباد الله عز وجل بما يكتب لهم من العزائم التي لا أساس لها من كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا في عمل السلف الصالح رضي الله عنهم فعليه أن يستغل العمر وأن يتوب إلى الله وينيب إليه ما دام في وقت الإمهال.
***
(8/2)

السائل من الجزائر يقول هل تجوز الصلاة خلف إمام عقيدته فاسدة حيث يعتقد أن أرواح الأولياء والصالحين موجودة في الدنيا لتنقذ الناس من مشكلاتهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة خلف هذا الإمام لا تجوز لأن اعتقاده هذا باطل قد يؤدي به إلى الشرك والواجب هجران المساجد التي يؤم فيها أئمة مبتدعه بدعتهم تخرجهم من الإسلام والواجب على الجهات المسؤولة عن المساجد أن تزيل هؤلاء عن الإمامة وأن تبعدهم عنها لأن هؤلاء وإن أموا الناس في الصلاة لكن يضلونهم في الدين نسأل الله للجميع الهداية.
***
(8/2)

هل يجوز أن يصلى المسلم خلف إمام يلعب الكوتشينة وفي نفس الوقت غير ملتزم في أقواله وفي صلاته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لعبة الورقة صرح بعض مشايخنا بأنها حرام وممن يصرح بذلك شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله لأنها تلهي كثيرا وتشغل عن أمور أهم منها إن كان لها أهمية فإذا كان الإمام يقوم بهذه اللعبة وكان أيضا ليس على التزام من نواحٍ أخرى فإن كان هو الإمام الراتب فلابد من الصلاة معه وإن كان ليس إماما راتباً فلا ينبغي أن يقدم ليكون إماماً للناس في الصلاة بل ينظر لمن كان هو أتقى لله منه إذا كان هذا الأتقى يجيد القراءة الواجبة في الصلاة ونصيحتي لكم أن تناصحوا هذا الإمام قبل كل شيء وتبينوا له أنه لا ينبغي لمن كان إماماً للمصلىن أن يتنزل بنفسه إلى هذه الأمور فإن استقام فهذا المطلوب وهو خير لكم وله وإن لم يستقم فلنرجع إلى الجهات المسؤولة في هذا فإما أن يُعَدَّل وإما أن يُبَدَّل وإن لم يحصل تعديله ولا تبديله فصلوا خلفه وإثمه على نفسه لكن بشرط ألا يخل في الصلاة فإن أخل في الصلاة بأن كان لا يطمئن فيها ولا يمكنكم متابعته إلا بترك الطمأنينة فلا تصلوا خلفه لأن هذا يؤثر على صلاتكم فعلاً فإنكم إما أن تتابعوه بلا طمأنينة وإما أن تطمئنوا فلا تتمكنوا من متابعته وكلا الاحتمالين حرام فعليكم إذا كان لا يمكنكم أن تطمئنوا معه لكونه يسرع في الركوع أو السجود أو القيام منهما فدعوه وصلوا في مكان آخر.
***
(8/2)

السائل صلاح من جمهورية مصر العربية الفيوم يسأل عن حكم الصلاة خلف إمام عنده حالة غضب ويقوم بسب الشرع فهل صلاتنا خلفه صحيحة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هذا الإمام يقوم بسب الشرع والعياذ بالله فإنه لا يصلح أن يكون إماماً والواجب فصله وأن يبدل به خيرا منه ولكن ينبغي لأهل المسجد أن ينصحوه قبل أن يجروا ما يقتضي فصله فلعل الله أن يهديه فيتوب إلى ربه ومن تاب تاب الله عليه.
***
(8/2)

يقول السائل عبد الكريم ما حكم الصلاة وراء إمام يدعو غير الله من الموتى وهناك من يطوف حول الأضرحة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة خلف إمام يدعو غير الله عز وجل باطلة لأن كل إنسان يدعو غير الله فهو مشرك بالله شركاً أكبر يخرجه من الملة ولا يجوز للإنسان أن يصلى خلف شخص كافر والواجب على الجهات المسؤولة أن تفصل هذا الإمام من إمامته وألا تمكنه من أن يؤم بالمسلمين وأما الطواف حول الأضرحة فإن كان ذلك تعظيماً لصاحب القبر فإنه كفر لأن جنس الطواف عبادة وأعني بذلك الطواف في الكعبة المشرفة فإذا طاف بقبر إنسان معظماً له فكأنما عبد صاحب القبر فيكون كفراً مخرجاً عن الملة لأنه أشرك بالله معه في العبادة لذلك يجب الحذر من تنصيب مثل هؤلاء ليكونوا أئمة للمسلمين.
***
(8/2)

السائل سوداني يقول يوجد في منطقتنا جامع واحد وإمام الجامع هذا يكتب البخرات والمحايات ويسقي المرضى هل تجوز الصلاة معه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة خلف المسلم وإن فعل بعض المعاصي جائزة وصحيحة على القول الراجح ولكن الصلاة خلف من كان مستقيماً أفضل بلا شك أما إذا كان الإنسان يستعمل أشياء مكفرة تخرجه عن الملة الإسلامية فإنه لا تجوز الصلاة خلفه ذلك لأن صلاته غير صحيحة فإن من لم يكن مسلماً فصلاته غير صحيحة وإذا كانت صلاة الإمام غير صحيحة فإنه لا يمكن الاقتداء به لأنك تقتدي بغير إمام وتنوي الإمامة بغير إمام فلينظر في حال هذا الشخص الذي سأل عنه السائل إن كان استعماله هذا لا يتم إلا بالشرك بالله عز وجل فإنه لا تصح الصلاة خلفه ويجب أن يعزل عن المسجد ويؤتى برجل مسلم وأما إذا كانت هذه الأعمال التي يقوم بها لا تكفره فإنه ينهى عنها ولا تنبغي الصلاة خلفه إذا كانت تؤدي إلى الفسق ولو صلى خلفه فصلاته صحيحة.
***
(8/2)

السائل محمود مغربي من جمهورية مصر العربية يقول أنا مقيمٌ في منطقةٍ ليس بها إلا مسجدٍ واحد والإمام الراتب لهذا المسجد يجهل أحكام الدين ولا يحسن الصلاة ولا يطمئن فيها ووصل به الحد إلى أنه يكمل قراءة الآية وهو راكع وهذا الإمام يحيي البدع ويحافظ عليها ويكره السنة وينفر منها ومن جهله وادعائه الكاذب أنه يقول إننا لا نحب النبي وذلك لأننا لا نصلى على الرسول صلى الله عليه وسلم بالصيغة الجهرية بعد الأذان ولقد نصحناه كثيراً ولكنه لا يحب الناصحين ومصرٌ على البدع وقد أعلمناه أن ما يفعله بدعٌ وليس من الدين وأرشدناه إلى السنن ولم يستجب لأقوالنا ولم يقف به الأمر إلى مخالفتنا فقط بل وصل إلى التشهير بنا بأننا خارجون عن الدين ومبتدعون ما ليس فيه وعامة الناس يوافقونه على ذلك وهو الإمام الراتب فماذا أفعل أنا وأمثالي مع هذا الإمام فلا يوجد غير مسجدٍ واحد فهل أصلى في بيتي أم ماذا أفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الحال كما وصفت عن هذا الإمام فإن الواجب أولاً أن ترفعوا الأمر إلى ولاة الأمور من أجل أن يعزلوه عن الإمامة أو يقوموه فإذا تعذر هذا الأمر وبقي هذا الإمام على ما وصفت فإنه لا يحل لكم أن تصلوا خلفه ولكم الحق في أن تصلوا في بيوتكم إما أن تجتمعوا عند شخص معينٍ منكم وتصلوا في بيته جماعة أو يصلى كل واحدٍ منكم في بيته مع أولاده وأهله وأما الصلاة خلف من هذه حاله فإنها لا تحل.
***
(8/2)

السائل خالد خلف من جمهورية مصر العربية يقول في هذا السؤال أسأل عن الحكم الشرعي في صلاة الشخص الذي يؤم الناس ولا يحب لهم ما يحب لنفسه مع العلم بأنه يصلى بهم إماماً مع وجود من هو أصلح منه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإمام الذي لا يحب لإخوانه ما يحب لنفسه ناقص الإيمان لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه) فهذا الإمام الذي لا يحب لإخوانه ما يحب لنفسه لا شك أنه ناقص الإيمان وأما كونه إماماً وفي القوم من هو خير منه فإن كان إماماً راتباً قد وُلِّيَ من قبل ولي الأمر فلا حرج إذا كان يأتي بالواجب وأما إذا كان ليس إماماً راتباً فإنه لا يقدم بين يدي من هو خير منه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سِلماً يعني إسلاماً أو قال سِناً يعني أكبر عمراً) .
***
(8/2)

السائل إبراهيم علي من اليمن يقول هل يجوز لمن يشرب الدخان أن يصلى بالناس وهو لا يجيد قراءة القرآن مع العلم بأنه يوجد غيره ممن يجيدون القراءة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما بالنسبة لشرب الدخان فإن الإصرار عليه فسق لأن الدخان محرم كما دل على ذلك عمومات الكتاب والسنة وقواعد الشريعة وليس هذا موضع بسطها وأما كونه لا يحسن القراءة فإنه لا يجوز أن يكون إماماً وهو لا يحسن القراءة بل إما أن يعدل قراءته وإما أن يترك الإمامة وأما بالنسبة لشرب الدخان فلا يمنع من إمامة الإنسان إذا كان قارئاً لأن معصيته على نفسه ولهذا لا يشترط على القول الراجح أن يكون الإمام عدلاً بل تجوز إمامة الفاسق وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يصلون خلف الفسقة كما صلى ابن عمر خلف الحجّاج والحجاج معروف بالظلم والغشم والعياذ بالله وعلى كل حال القول الراجح أنه لا تشترط في الإمامة العدالة لكن القراءة لا بد من اشتراط إجادتها فمن كان لا يحسن القراءة فإنه لا يجوز أن يكون إماماً.
***
(8/2)

يقول السائل إمام يصلى بالناس ويدخن السجائر وللعلم يقوم بالتلفظ بالنية جهرا كاملة هل يجوز أن نصلى خلفه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: شرب السجائر محرم وذلك لأن الله سبحانه وتعالى قال (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) فالأموال جعلها الله تعالى لنا قياما يقوم به ديننا وتقوم به دنيانا فإذا صرفه الإنسان في شيء لا يقوم به الدين ولا الدنيا كان ذلك سفها وإضاعة للمال وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه نهى عن إضاعة المال وشرب السجائر ضرر على البدن كما ذكر ذلك الأطباء وأجمعوا عليه وشرب السجائر سبب للإصابة بأمراض خطيرة عسيرة البرء كالسرطان الرئوى واللثوي وما أشبه ذلك وشرب السجائر تضيق به النفس إذا تأخر الإنسان عن وقته المعتاد فلا يحب أحدا أن يكلمه وتثقل عليه الصلاة ويثقل عليه الصيام ثقلا أشد وشرب السجائر سبب للإضرار بالغير إذا جلس إليه أحد أو جلس هو إلى أحد وقام يدخن فإن جليسه سوف يتأذى برائحته من وجه ويتأذى أو يتضرر بما يكون من دخانه ولذلك نجد الأمم الحريصة على دنياها تمنع من شرب الدخان في المجالس العامة لأنها تعلم علم اليقين ما يحصل فيه من ضرر وبهذا وبغيره مما لم نذكره يتبين أن شرب السجائر حرام وكذلك ما كان بمعناها مثلها أو أشد كالشيشة وغيرها فإن ما ماثل الشيء يعطى حكمه وعلى هذا أوجه النصيحة من هذا المنبر منبر نور على الدرب لإخواني المسلمين الذين ابتلوا بشرب السجائر أن يتوبوا إلى الله عز وجل مما هم عليه ويعينهم على هذه التوبة أمور
الأول الإخلاص لله عز وجل بأن يتركوه لله انكفافا عن معصيته ودخولا في طاعته
ثانيا الاستعانة بالله عز وجل على تركه بحيث يكون شاعرا بأنه لن يتمكن من ذلك إلا بمعونة الله فيستعين الله سبحانه وتعالى بقلبه ولسانه وإلى هذين الأمرين أشار الله تعالى بقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ففي إياك نعبد إخلاص العبادة وفي إياك نستعين إخلاص الاستعانة
ثالثا أن يبتعد عن مجالسة الذين يشربون السجائر فإن جلوسه إليهم يقتضي ألا ينسى شربه للسجائر وربما كانوا جلساء سوء فحملوه على أن يشرب معهم
رابعا إن قدر على أن يترك شرب السجائر مرة واحدة ويقطعه نهائيا فهذا أقوى في العزيمة وأقرب إلى المضي في تركه وإن عجز عن هذا فليتركه شيئا فشيئا إذا كان من عادته أن يشرب عشرين سيجارة في اليوم فليشرب خمس عشرة لمدة أسبوع أو عشرة أيام ثم عشر سجائر وهكذا تدريجيا فلعل الله عز وجل أن ينفعه ويمن عليه بالهداية والاعتصام منه أما هذا الإمام الذي سأل عنه السائل وأنه كان يشرب السجائر ويجهر بالنية فنقول إن وجد من هو خير منه في الصلاح وقراءة القرآن فالأولى الصلاة خلفه والواجب على المسؤولين عن المساجد أن يعزلوا الإمام الشارب للسجائر وأن يولوا من هو خير منه وإن كان هذا الشارب للسجائر الذي جعل إماماً هو أحسن قومه فللضرورات أحكام فليصل خلفه والصلاة صحيحة لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الصلاة خلف العاصي صحيحة إذا لم يأت بما يخل بالصلاة وأما كونه يجهر بالنية فإنني أنصحه وغيره ممن ينطقون بالنية سرا أو جهرا عند فعل العبادة أن يتركوا هذه الفعلة أعني الجهر بالنية لأن الجهر بالنية إنما يحصل لو كان الذي تتعبد له لا يعلم ما في قلبك حتى تخبره عنه بلسانك أما إذا كان يعلم ما في القلب فإنه لا يحتاج إلى أن يخبر باللسان ومن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما في القلب كما قال الله تعالى (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) وقال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ) وقال تعالى (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) ولهذا كان من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهديه أقوم الهدي وأحسنه أنه لم يتكلم بالنية لا في الصلاة ولا في الصيام ولا في الزكاة ولا في الحج ولا في غيرها من العبادات أي لم يقل اللهم إني أريد أن أصلى أو أريد أن أصوم أو أريد أن اعتمر أو أريد أن أحج وعلى هذا فالنطق بالنية سرا أو جهرا غير مشروع وأرجو الله سبحانه وتعالى أن تجد نصيحتي هذه آذاناً صاغية وقلوبا واعية وأن يدعوا ما هم عليه إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه فإنهم على الحق وعلى الصراط المستقيم.
***
(8/2)

جماعة يشكون من حركات أو تصرفات الإمام في الصلاة ويقولون إنه لا يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ولا يضم اليدين ويسألون ما موقفهم أمام هذه الحركات والتصرفات حيث إن بعضنا ذهب إلى الصلاة وبعضنا تخلف عنها ووقع بيننا إشكالٌ كبير حول ذلك وقد عرفنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (من تخلف أو من تغيب عن الجمعة ثلاث مرات طُبع على قلبه) ونحن الذين امتنعنا عن الذهاب هل نحن على صواب أم على خطأ وإن كنا على خطأ فهل علينا التكفير لما فاتنا أفيدونا أفادكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تخلفكم عن صلاة الجمعة بهذه الأسباب التي ذكرتم خطأ والواجب عليكم الحضور والصلاة مع الإمام وأما ترك الإمام لرفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وتركه أيضاً لوضع اليد اليمنى على اليسرى فهذا تركٌ للسنة وليس تركا لواجبٍ يبطل الصلاة وإنما هو تركٌ للسنة والذي ينبغي لهم أن يتصلوا بالإمام ويبينوا له الحق في هذه المسألة وإذا تكلموا بإخلاص ونية إصلاحٍ فإن الله سبحانه وتعالى سوف ينفع بكلامهم وإذا كانوا قد تخلفوا فيما مضى فإنه لا كفارة عليهم في ذلك وإنما عليهم أن يعودوا إلى الصلاة مع المسلمين.
***
(8/2)

السائل مصري الجنسية يعمل بالرياض يقول عندي ولد يحفظ القرآن والحمد لله ومتفقه في الدين جيداً ويعمل إمام جامع يخطب ويصلى لكنه يأخذ على ذلك أجراً من صاحب المسجد هل هذا الأجر هو كل ما له عند الله من الأجر عن الإمامة لأنه أخذه في الدنيا أم يكون له أجرفي الآخرة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: العوض الذي يعطاه من قام بطاعة من الطاعات المتعدي نفعها للغير ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها أن يكون ذلك بعقد الأجرة مثل أن يتفق هذا العامل القائم بهذه الطاعة مع غيره على عقد إجارة ملزمة يكون فيها كل من العوضين مقصوداً فالصحيح أن ذلك لا يصح كما لو قام أحد بالإمامة أو بالأذان بأجرة وذلك لأن عمل الآخرة لا يصح أن يكون وسيلة لعمل الدنيا فإن عمل الآخرة أشرف وأعلى من أن يكون وسيلة لعمل الدنيا الذي هو أدنى قال الله تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)
القسم الثاني أن يأخذ عوضاً على هذا العمل على سبيل الجعالة مثل أن يقول قائل من قام بالأذان في هذا المسجد فله كذا وكذا أو من قام بالإمامة في هذا المسجد فله كذا وكذا فالصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن ذلك جائز لأن هذا العمل ليس أجرة وليس ملزماً.
وأما القسم الثالث وهو أن يكون العوض مبذولاً من بيت المال تبذله الدولة لمن قام بهذا العمل فهذا جائز ولا شك فيه لأنه من المصارف التي يصرف إليها بيت المال وأنت مستحق له بمقتضى هذا العمل فإذا أخذته فلا حرج عليك ولكن ينبغي أن يعلم أن هذه الأعواض التي تباح لمن قام بمثل هذه الوظائف لا ينبغي أن تكون هي مقصود العبد فإنه إذا كانت مقصوده حرم من أجر الآخرة أما إذا أخذها ليستعين بها على طاعة الله وعلى القيام بهذا العمل فإنها لا تضره وليعلم أن أخذ الأجرة على القراءة على المريض لا بأس بها لأنها ليست من هذا الباب وقد ورد في السنة ما يدل على جوازها.
(8/2)

فضيلة الشيخ: لكن أليست صلاة الجماعة معلقة بصلاة الإمام فإذا كانت صلاة الإمام باطلة تبطل صلاتهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة المأمومين معلقة بصلاة الإمام لكنه على القول الصحيح لا تبطل صلاتهم ببطلان صلاته إلا إذا فعل المبطل واقتدوا به وهم يعلمون أن صلاته باطلة فحينئذٍ لا تصح صلاتهم لأنهم اقتدوا بإمام يعتقدون بطلان صلاته فيكون هذا من باب العبث واللهو أما إذا بطلت صلاته بأمرٍ خفي لا يعلم به المأمومون فإن المأمومين معذورون ولا تبطل صلاتهم بذلك كما لو أحدث في أثناء الصلاة مثلاً واستمر في صلاته وإن كان هذا حراما عليه ولا يجوز ولكن لنفرض أنه لعبت عليه نفسه وقال لا أستطيع أن أنصرف أخجل من الناس وبقي يتم صلاته بهم وهو محدث فإن صلاة المأمومين تكون صحيحة وكذلك لو كان ناسياً أنه محدث فابتدأ بهم الصلاة وهو محدث ناسياً ثم ذكر في أثناء الصلاة أنه ليس على وضوء ولكنه استمر في صلاته فإن صلاة المأمومين تكون صحيحة وكذلك أيضاً لو ذكر في أثناء الصلاة أنه ليس على وضوء ثم انصرف من صلاته ليتوضأ فإن صلاة المأمومين تبقى صحيحة فإن كان قد خلف من يكمل بهم الصلاة أتموها خلف هذا النائب وإن لم يُخَلِّف صلى كل واحد لنفسه ما بقي من صلاته أو دفعوا أحدهم فأتم بهم الصلاة.
***
(8/2)

شخص له مكافأة عند الأوقاف مقابل إمامته في رمضان فهل يطالب بها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أن الإنسان إذا عمل عملا صالحا فإنه لا ينبغي أن يطالب بعوضه لا من الأوقاف ولا من غيرها لأنه فعله لله فليبق على نيته الخالصة فإن جاءه شيء من المال من الأوقاف أو غيرها فليأخذه وإلا فلا يتبع نفسه بذلك لقول النبي صلى الله علية وسلم لعمر بن الخطاب (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك) .
***
(8/2)

السائل أخوكم يحيى محسن جابر زيدان غزواني من بلاد بنغازي من المغرب العربي يقول بعض أئمة المساجد يأخذون أجراً من الدولة على إمامتهم ولكنهم لا يحضرون الصلاة بالجماعة ما حكم صنيع هؤلاء الأئمة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجراً على العمل حتى يؤدي العمل الذي أخذ الأجر عليه وهذا الذي يأخذه من الدولة ليس هو أجراً في الحقيقة بالمعنى الاصطلاحي الفقهي وإنما هو رِزْق على القول الراجح أي رزق من بيت المال لمن يقوم بهذا العمل وعلى هذا فلا يستحق الإنسان هذا الرزق إلا إذا أدى العمل الذي جعل له هذا الرزق فإذا أخل به بدون عذر شرعي فإنه لا يحل له أخذه وإن كان لعذر شرعي واستخلف من يقوم مقامه في هذا فلا حرج عليه.
(8/2)

فضيلة الشيخ: في الحقيقة كثير من الإخوة يتحرجون عن أخذ هذا وهناك من يعترض عليهم ويقول لو لم يعط لم يصل ولم يؤذن ولم يخلص للمسجد فما الذي ينبغي أن يقال لمثل هؤلاء القائلين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقال لهم أن هذا ليس من باب الإجارة المحضة وإنما هو كما أشرنا إليه رِزْق من بيت المال، أما كونه إن لم يعط لم يقم بهذا العمل فهذا أمر طبيعي وهذا لا ينقص من أجورهم شيئاً إذا كانوا إنما أخذوه ليستعينوا به على أداء ما يجب عليهم من الحقوق أما من صلى ليأخذ أو أذَّن ليأخذ فهذا ليس له أجر في الآخرة ذلك لأنه أراد بعمله الدنيا فلا يكون له إلا ما أراد فهنا يجب أن نعرف الفرق بين من أخذ من أجل أن يستعين به على ما يجب عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده ولكن قيامه بهذا العمل الديني لله عز وجل وبين من قام بهذا العمل لأجل أن يأخذ فجعل العمل هو الوسيلة والدنيا هي الغاية فهذا ليس له أجر في الآخرة وهذا هو الذي يلام على فعله أما الأول فلا يلام لأنه جعل العمل الصالح هو الغاية لكن جعل المال وسيلة.
(8/2)

فضيلة الشيخ: هناك بعض الجماعات مثلاً في مزارع بعيدة أو في أطراف المدن أو في قرى يدفعون أجرا لبعض الأئمة ليأتوا كي يصلوا بهم ولودفعوا أجراً بسيطاً ما أتى هذا الإمام فما حكم هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا يقال فيه نفس الشيء إذا كان هذا الرجل يأخذ هذا القدر من المال ليستعين به على الوصول إلى هذه القرية أو هذه المزرعة أو ما أشبه ذلك أو أجرة السيارة أو ثمناً للبنزين إذا كانت السيارة له فهذا لا بأس به أما إذا كان المال هو غايته فهذا هو الممنوع فالميزان هو أن الأعمال بالنيات فإن كان نيته المال دون العمل الصالح فإنه لا أجر له وهو ملوم على ذلك ومن كان نيته العمل الصالح وجعل المال وسيلة إليه فهذا لا يلام ولا حرج عليه فيه.
(8/2)

فضيلة الشيخ: في هذا السؤال أيضاً نريد أن نطمئن إلى شيء كبير جداً في الحقيقة وهو التحدث عن الأئمة والمؤذنين وفراشي المساجد كثيراً ما نسمع من يقول إنهم لا يصلون إلا ليأخذون فما حكم الكلام الناشيء من هؤلاء المتكلمين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا يجوز هذا من عمل أهل النفاق (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ) فالمسائل المبنية على النيات لا يجوز للإنسان أن يحولها إلى النية السيئة والذي ينبغي إحسان الظن بالمسلم وأنه إنما جاء لابتغاء وجه الله وجعل المال وسيلة لا غاية وأما كوننا نتهمه بهذا العمل فهذا حرام ولا يجوز. وعلى المسلم أن يحذرمن سوء الظن بإخوانه لا سيما المتصدرين لهذه الأمور الإمام في الدين والأذان وخدمة المساجد فإن الذين يلمزونهم في هذا ما أظنهم إلا يقصدون شراً يقصدون أن يلمزوا الإسلام بذمهم من يقوم بوظائف الإسلام.
***
(8/2)

رجل يفكر أن يكون إماماً في مسجد لكن المشكلة أنه يريد المكافأة من أجل أن تساعده في قضاء دينه هل يؤثر ذلك على نيته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ينظر أيهما أغلب هل الأغلب أن يكون إماماً ينفع المسلمين ويستعينون بإمامته على أداء الصلاة أم إنه يغلب عليه طلب المال فالأعمال بالنيات ولكل امرئٍ ما نوى.
***
(8/2)

السائل علي ماهر أبو بكر مصري مقيم بالمملكة يقول أرجو بيان حكم الشرع في تقاضي أجر مقابل الصلاة بالناس إماماً والأذان للفرائض وتعليم الناس القرآن وغير ذلك من شؤون المسجد كأعمال النظافة وغيرها مع بيان الرأي الصحيح بالأدلة الشرعية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما أخذ الأجر على تنظيف المسجد وتعليم القرآن فلا بأس به لقول النبي عليه الصلاة والسلام (إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله) ولأن تنظيف المسجد من الأعمال التي تقع قربة وغير قربة فإذا أخذ الإنسان عليه أجراً فقد أخذ أجره في الدنيا ولكنه ليس له أجره في الآخرة هذا بالنسبة لما كان أجرة أي عقد عليه عقد إجارة أما إذا كان الذي يأخذه من بيت المال أي من الحكومة فإن هذا لا بأس به وأجره في الآخرة على قدر نيته وأما بالنسبة للأذان والإمامة فإن كان العمل فيهما بعقد إجارة فإن هذا العقد لا يحل ولا يجوز لأن الأذان والإمامة لا يقعان إلا قربة وما كان لا يقع إلا قربة فإنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن رجل قال لقوم طلبوا منه أن يقوم بهم في رمضان قال لا أقوم بكم إلا بكذا وكذا فقال الإمام أحمد رحمه الله (نعوذ بالله ومن يصلى خلف هذا) أما إذا كان يأخذه من بيت المال أي من الحكومة فإن هذا لا بأس به ولا حرج فيه لأنه ليس من باب الاجارة ولكنه من باب المكافأة على من قام بعمل عام ينتفع به المسلمون.
***
(8/2)

السائل محمد حسين يقول ما حكم صلاتي خلف رجل وأنا أكرهه هل صلاتي صحيحة أم باطلة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاتك صحيحة ولكن هذه الكراهة يجب أن تحاول إزالتها إن كانت الكراهة مجرد شيء في النفس وهو مسلم أخوك فحاول مسح هذا وإن كان لسبب فبين السبب له فلعله يدع السبب الذي كرهته من أجله.
***
(8/2)

ما حكم الصلاة خلف الإمام ومن خلفه يكرهونه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة خلف الإمام الذي يكرهه من خلفه صحيحة ولكن يبقى النظر هل الأولى للإمام أن يبقى في الإمامة وأهل المسجد يكرهونه؟ والجواب على ذلك أنه لا ينبغي له أن يبقى إماماً في المسجد إذا كان أهل المسجد يكرهونه لأن المقصود من الجماعة هو الألفة والاجتماع ومع الكراهة لا يكون ألفة ولا اجتماع فإذا رأى الإنسان إن أكثر أهل المسجد يكرهونه فالأفضل له أن يدعه وأن يطلب مسجداً آخر يكون إماماً فيه.
***
(8/2)

السائل يقول دخلت المسجد لأصلى وفوجئت بإمام لا أحب أن أقتدي به فماذا يجب علي أن أفعل لكي أكسب أجر صلاة الجماعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا دخلت المسجد لأداء صلاة الجماعة ووجدتهم يصلون فصل معهم حتى وإن كان الإمام ممن تكرهه لأن صلاة الجماعة واجبة وقد حصلت لك فلا يحل لك أن تفرط فيها ولكن يبقى النظر لماذا كرهت هذا الرجل هل هو لخلل في دينه أو لعداوة شخصية بينكما فإن كان لعداوة شخصية بينكما فإن الواجب على المسلم نحو أخيه أن يزيل ما بينه وبين أخيه من الأحقاد وأن يجعل بدل هذه الأحقاد ألفة ومحبة لأن الله تعالى قال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) والأخوة ينافيها الحقد والعداوة والبغضاء وبإمكان الإنسان أن يذلل كل الصعاب التي تحول بينه وبين حلول الإلفة مع إخوانه المؤمنين وأما إذا كانت كراهتك له لخلل في دينه فإن الواجب عليك أن تناصحه وتبين له ذلك الخلل حتى يقوم بإصلاحه ويستقيم على أمر الله وأما ترك الناس بعضهم بعضاً إذا رأوا منهم خللاً في دينهم وإضمار الحقد والعداوة لهم فإن هذا خلاف حال المؤمنين الذين قال الله فيهم (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) وهذا هو الخسارة التي قال الله فيها (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) فواجب المسلمين بعضهم نحو بعض أن يتناصحوا فيما بينهم ويتآمروا بالمعروف ويتناهوا عن المنكر.
***
(8/2)

سائل مصري يقول رجل متدين ومحافظ على الصلوات الخمس ومحافظ على أمور دينه ويقول بينه وبين إمام المسجد سوء تفاهم فيذهب ويصلى بمسجد بعيد جدا جدا عن مسكنه مع أن المسجد الأول الذي يصلى فيه قريب جدا من منزله هل عليه حرج؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقول هذا السائل بأن بينه وبين إمام المسجد سوء تفاهم وهذا أمر لا يستغرب فإن الشيطان يلقي العداوة والبغضاء بين قلوب المؤمنين كما قال الله تبارك تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) وليس بغريب أن يقع بين الإمام وبين أحد من المأمومين شيء من هذا ولكن الحازم العاقل المؤمن يحاول إذا وقع بينه وبين أخيه سوء تفاهم أن يتفادى هذا السوء وأن يصلح بينه وبين أخيه إما بنفسه إن كان عنده شجاعة وقدرة وحزم وإما أن يتوسط بأحد إلى هذا الرجل ليزيل ما بينهما من العداوة وحينئذ لا يبقى في الأمر إشكال أن يصلى خلفه ولكن إذا لم يتيسر ذلك فإنه لا حرج عليه أن يذهب إلى مكان آخر ليصلى فيه إذا كانت صلاته مع الإمام الذي بينه وبينه سوء تفاهم لا يحصل بها الخشوع الذي يطمئن به الإنسان في صلاته ولكن كما قلت أولا يجب أن يحاول بقدر ما يستطيع إزالة ما بينه وبين أخيه من سوء التفاهم.
***
(8/2)

ما حكم إمام المسجد الذي يسهو كثيراً في صلاته هل يترك الإمامة لشخصٍ ثانٍ وما هي الأمور التي تعين على عدم السهو؟

فأجاب رحمه الله تعالى: على هذا الإمام إذا وجد إماماً كفئا قارئاً للقرآن فقيهاً في أحكام الصلاة أن يتنازل عن الإمامة له ما دام كثير النسيان لأن هذا أبرأ لذمته وأسلم لعرضه وأما إذا كان نسيانه قليلاً يعني لا ينسى في الأسبوع إلا مرة مثلاً فليبق على إمامته ولا حرج.
***
(8/2)

ما هي الأشياء التي لا يتحملها الإمام عن المأموم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأشياء التي لا يتحملها الإمام عن المأموم كل ما يجب في الصلاة من واجب أو ركن أو مستحب فإن الإمام لا يتحمله عن المأموم إلا أن الإمام يتحمل عن المأموم أشياء قليلة مثل التشهد الأول فيما إذا قام الإمام عنه ناسياً فإن المأموم يلزمه المتابعة في مثل هذه الصورة أو إذا دخل المأموم مع الإمام في صلاة رباعية في الركعة الثانية فإنه في هذه الحال يتحمل الإمام عنه التشهد الأول لأنه يكون للمأموم في الركعة الثالثة للإمام. ومنها السترة فإن سترة الإمام سترة للمأموم كما دل على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه أقبل في منى والنبي صلى الله عليه وسلم يصلى لأصحابه إلى غير جدار وكان ابن عباس راكباً على حمار أتان فمر بين يدي بعض الصف فلم ينكر ذلك عليه أحد ومنها سجود السهو إذا كان المأموم لم يفته شيء من الصلاة فإن الإمام يتحمل عنه سجود السهو فلو ترك المأموم نسياناً تسبيح الركوع أو تسبيح السجود لزمه سجود السهو لكن إذا كان لم يفته شيء مع الإمام فإن الإمام يتحمل عنه ولا يشرع للمأموم السجود حينئذ ومنها القراءة في الصلاة الجهرية فإن الإمام يتحمل عن المأموم قراءة ما زاد على الفاتحة لأن المأموم حينئذ مأمور بالإنصات لقراءة إمامه فأما قراءة الفاتحة فإن الإمام لا يتحملها عن المأموم لا في الصلاة السرية ولا في الصلاة الجهرية على القول الراجح بل على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية أيضاً لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وإنما تسقط الفاتحة عن المأموم فيما إذا أدرك الإمام راكعاً فقط لحديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع فأسرع وركع قبل أن يصل إلى الصف ثم دخل في الصف فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته قال أيكم الذي فعل ذلك فقال أبو بكرة أنا يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم (زادك الله حرصاً ولا تعد) ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الركعة التي أدرك فيها النبي صلى الله عليه وسلم راكعاً ولو كان تاركاً فيها ركناً لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضائها ولأن هذا الرجل الذي أدرك إمامه راكعاً لم يدرك المحل الذي تجب فيه الفاتحة وهو القيام فإذا لم يدرك محلها سقطت لأن قراءة الفاتحة واجبة حال القيام فإذا سقط القيام الذي هو محلها سقطت هي أيضاً كما يسقط غسل الذراع لمن قطعت يده من مفصل المرفق لعدم وجود موضع الفرض.
***
(8/2)

جزاكم الله خيرا السائل ماجد سوري ومقيم في الرياض يقول أرى بعض أئمة المساجد ينحرف نصف انحراف بحيث يكون وجهه إلى جهة واحدة إما اليمين أو الشمال بعد الفراغ من الصلاة والسلام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بصواب لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة استقبل المأمومين بوجهه وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن هل ينصرف على اليمين ويستقبل المصلين أو ينصرف عن اليسار ويستقبل المصلين الجواب أن ذلك كله جائز فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا ينصرف عن اليمين وأحيانا ينصرف عن اليسار ويستقر انصرافه باستقبال المصلين.
***
(8/2)

السائل عبد الرحمن عارف عبد الجواد من ينبع يقول هل يجوز للإمام أن يطيل ركوعه عندما يحس أن بعض الناس المصلىن يريدون إدراك هذه الركعة أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه يستحب للإمام إذا أحس بداخلٍ وهو راكع أن يطيل الركوع حتى يدرك هذا الداخل الركعة ولكنهم قيدوا ذلك بشرط وهو ألا يشق على المأمومين الذين وراءه فإن كان يشق عليهم فإن مراعاة المأمومين الذين معه أولى من مراعاة هذا الداخل ولا أعلم في ذلك سنة في هذه المسألة بعينها ولكن ربما تؤخذ من حال النبي عليه الصلاة والسلام حيث إنه يراعي المأمومين حتى إنه إذا سمع بكاء الصبي خفف في صلاته صلى الله عليه وسلم مخافة أن تفتتن أمه فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يراعي أحوال المأمومين إلى هذا الحد بحيث يخفف الصلاة من أجل ألا تفتتن أم الصبي الذي يبكي فإن مراعاة الداخل الذي يدرك الركعة بإدراكه الركوع من باب أولى ولا سيما إذا كان الركوع آخر ركعة لأجل أن يدرك هذا المأموم الداخل الصلاة فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) والإنسان إذا أدرك الركوع أدرك الركعة وإن لم يقرأ بأم القرآن لأنه ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه دخل والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فأسرع ثم كبر وركع قبل أن يدخل الصف فلما سلم النبي عليه الصلاة والسلام سأل عن الفاعل فقال أبو بكرة أنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم (زادك الله حرصاً ولا تعد) ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء هذه الركعة التي أدرك ركوعها ولو كان لم يدرك الركعة لأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضيها وعلى هذا فيكون حديث أبي بكرة رضي الله عنه مخصصاً لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت (لاصلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب أو بأم القرآن أو قال بفاتحة الكتاب) فيكون هذا الحديث مخصصاً أعني حديث أبي بكرة مخصصاً لحديث عبادة بن الصامت هذا وجهة الدليل من حيث الدليل الأثري أما من حيث الدليل النظري فلأننا نقول إن الصلاة محلها القيام وهذا الرجل أدرك الإمام راكعاً وهو مأمور بأن يتابع إمامه فيكون القيام هنا ساقطا عنه لوجوب متابعة الإمام وإذا سقط القيام سقط ما كان مفروضاً فيه وهو القراءة ولكن لو قال قائل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكرة (زادك الله حرصاً ولا تعد) فهل يكون في ذلك دليل على أنه لم يدرك الركعة فالجواب أنه لا دليل فيه لأنه لو لم يدرك الركعة لأمره النبي عليه الصلاة والسلام بقضائها إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على شيء غير مشروع ولهذا لما دخل الأعرابي وصلى صلاة لا يطمئن فيها ثم جاء فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام قال له (ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ) ولكن قوله صلى الله عليه وسلم (ولا تعد) نهي عما لا ينبغي أن يفعل في حال الإتيان إلى الصلاة أبو بكرة رضي الله عنه أسرع وكبر للصلاة قبل أن يدخل في الصف وركع مع الإمام دون أن يقرأ الفاتحة فهذه ثلاث مسائل أما المسألتان الأوليان فإنهما منهي عنهما
أما الأولى وهي الإسراع فإنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا) فيكون قوله ولا تعد أي لا تعد إلى الإسراع
وأما الثانية وهي أنه دخل في الصلاة قبل أن يصل إلى الصف فهذه مخالفة لوجوب المصافة لأن الإنسان لا يصلى منفرداً مع وجود مكان له في الصف وهذا الرجل كبر منفرداً وهو خلاف المشروع فيكون منهياً عنه.
أما المسألة الثالثة وهي أنه ركع مع الإمام لما أدركه راكعاً فإنها لا تدخل في النهي لقوله صلى الله عليه وسلم (فما أدركتم فصلوا) وهذا الرجل أدرك الإمام راكعاً فيصلى معه إذاً يكون قوله ولا تعد عائداً إلى المسألتين الأوليين فقط دون المسألة الثالثة والمسألة الثالثة علم حكمها من عدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بقضائها.
(8/2)

فضيلة الشيخ: من أدرك الركوع ثم قضى الركعة مرة أخرى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أدرك الركوع ثم قضى الركعة التي أدرك ركوعها فإنه يعتبر زائداً في صلاته فإن كان جاهلاً فلا شيء عليه وصلاته صحيحة وإن كان متعمداً فإن صلاته باطلة لأنه زاد فيها ركعة اللهم إلا أن يكون متأولاً فإن بعض أهل العلم يقول إن من أدرك الركوع لم يكن مدركاً للركعة لعدم قراءة الفاتحة فإن كان متأولاً هذا التأول فإن صلاته صحيحة أما إذا لم يكن متأولاً وتعمد فإن صلاته تبطل وإن كان جاهلاً كان معذوراً بجهله فلا تبطل لكني لا أعتقد أن أحداً يقضي هذه الركعة التي أدرك ركوعها وهو يعلم أنه مدرك للركعة لا أظن أن أحداً يزيدها متعمداً.
(8/2)

فضيلة الشيخ: كيف يتم إدراك الركوع يعني إذا أمكنه أن يقول سبحان ربي العظيم مرة واحدة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يدرك الركوع بوصوله إلى حد الركوع قبل أن يفارق الإمام حد الركوع فإذا التقى مع الإمام في حد الركوع فقد أدرك الركعة وفي هذه الحال لا يخلو إما أن يتيقن أنه أدرك الإمام قبل أن يرفع من الركوع فيكون مدركاً للركعة بلا إشكال وإما أن يتقين أن الإمام رفع من الركوع قبل أن يصل هذا المسبوق إلى الركوع فيكون غير مدرك للركعة بلا إشكال وإما أن يشك هل أدرك الإمام في الركوع أو أن الإمام رفع قبل أن يدركه ففي هذه الحال إن غلب على ظنه أنه أدرك الإمام فليتم على ذلك فيكون مدركاً للإمام بحسب ظنه ولكنه يسجد للسهو بعد السلام وإن غلب على ظنه أنه لم يدرك فإنه يلغي هذه الركعة ويقضيها ويسجد للسهو بعد السلام وإن شك بدون غلبة ظن فإنه يلغيها بناء على اليقين ويكمل ويسجد للسهو قبل السلام.
(8/2)

فضيلة الشيخ: الحد الأقصى هنا لإدراك الركوع هو رفع الإمام أو قوله سمع الله لمن حمده؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المعتبر رفع الإمام أي الفعل دون القول لكن إذا كان لا يرى الإمام فإن بعض الأئمة قد لا يقرن قوله سمع الله لمن حمده برفعه قد يقول ذلك قبل أن يشرع في الرفع وقد يقوله بعد أن يقف وفي هذه الحال إذا كان لا يراه فإنه يبني على القول إلا إذا كان يعرف من إمامه أنه لا يقول سمع الله لمن حمده إلا بعد أن ينتهي رافعاً أو أنه يقولها قبل أن يتحرك بالرفع من الركوع فيبني على ما كان يغلب على ظنه.
(8/2)

فضيلة الشيخ: إذاً المعتبر هو الفعل لا القول؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم المعتبر الفعل
***
(8/2)

السائل محمد العلي يقول ما رأيكم في إمام يقوم بتفقد الجماعة في صلاة الفجر وذلك عن طريق العدد ولكنه يترك البعض بدون عدّ بحجة أنهم يواظبون على الصلاة فيحصل بذلك كلام وتشويش أرجو النصح والتوجيه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تفقد الجماعة ليعلم حاضرون هم أم غائبون له أصلٌ في الشرع كما في حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول أشاهد فلان أشاهد فلان والتفقد إنما هو لمن تخشى غيبته أما من كان معروف الحضور وأنه لن يتخلف إلا لعذر أو لصلاة في مسجد آخر فلا حاجة إلى ذكر اسمه لكن نظراً لما يحصل من الحساسية إذا عددنا أحدا وتركنا آخر فإني أرى أن يعد الجميع ولا يضر الشخص الذي يواظب على حضور الجماعة أن يقول إني حاضر فإذا رأى من يقوم بعدِّ الجماعة أن يعد الجميع من يحضر ومن لا يحضر كان ذلك خيراً وأولى وأطيب في قلوب الناس.
***
(8/2)

السائل عبد الله سليمان البازعي من القصيم يقول إن بعض الأئمة في الصلاة الجهرية كالمغرب وغيرها من العشاء والفجر بعد قراءة الفاتحة يسرعون في قراءة سورةٍ بعدها ولا يجعلون للمأموم فرصة لقراءة الفاتحة فبماذا تنصحون من يفعل ذلك من الأئمة وماذا على المأموم إذا لم يقرأ الفاتحة في الركعتين الأوليين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الأئمة الذين يصنعون ذلك ولا يسكتون بين قراءة الفاتحة وقراءة السورة التي بعدها فيمكن أن يكون ذلك الفعل منهم صادراً عن جهل أو عن علم، فقد يكون عن علم وذلك لأن حديث سمرة في إثبات السكتتين إحداهما بعد قراءة الفاتحة اختلف العلماء في تصحيحه فمنهم من رآه صحيحاً وعمل به وقال إنه يشرع للإمام أن يسكت بعد قراءة الفاتحة والسكتة الواردة سكتةٌ مطلقه ليست محدده كما حددها بعض الفقهاء بمقدار قراءة المأموم للفاتحة وإنما هي سكتةٌ مطلقة للفصل بين فرض القراءة ونفلها ومن العلماء من لا يصحح الحديث ويرى أنه ينبغي وصل قراءة ما بعد الفاتحة بها ولا يمكن أن نحجر على أحد ما أداه إليه علمه بعد النظر والاجتهاد لكن الحديث نري أنه حجة وقد أثبته الحافظ بن حجر في فتح الباري وقال إنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا السكوت هذا بالنسبة للإمام أما بالنسبة للمأموم فإنه يقرأ الفاتحة ولو كان الإمام يقرأ على القول الذي نختاره لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن) وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما وفي حديث عبادة بن الصامت في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الصبح وانصرف قال (لعلكم تقرؤون خلف إمامكم قالوا نعم قال لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) وهذا ظاهر في أن المأموم يقرأ حتى في الصلاة الجهرية لأن هذه صلاة الصبح وهي صلاة جهرية فهذا الحديث واضح في أنه يقرأ ولو كان الإمام يقرأ ويشهد له عموم الحديث السابق الذي أشرنا إليه فعلى هذا نقول للمأموم اقرأ الفاتحة إن أكملتها قبل أن يبتدئ الإمام بقراءة ما بعدها فذاك وإن شرع الإمام بقراءة ما بعدها قبل إكمالك لسورة الفاتحة فاستمر عليها حتى تكملها.
(8/2)

فضيلة الشيخ: أرى أن من الصعب أن يقرأ المأموم الفاتحة والإمام يقرأ لأن ذلك قد يحدث لخبطة في القراءة وتكون القراءة غير صحيحة لأن هذا المأموم يقرأ سراً والإمام يقرأ جهراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أرجو أن تكون من في كلامك (من الصعب) للتبعيض لا لبيان الجنس فهي كما قلت تصعب على بعض الناس القراءة والإمام يقرأ ولكنها على بعض الناس لا تصعب ويمكنه أن يقرأ والإمام يقرأ وهذا شيء جربناه.
(8/2)

فضيلة الشيخ: ولكن بالنسبة للذي يصعب عليه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يحاول أن يقرأ.
***
(8/2)

السائل الحاج إدريس حماد سوداني مقيم بالعراق يقول إذا كنت أصلى في جماعة إماماً لهم وبعد أن فرغنا من الصلاة تذكرت أنني لم أكن على طهارة فما العمل وهل علي إثم في ذلك وهل يلزم إعادة الصلاة على الجميع أم أنا فقط أعيدها وماذا لو اكتشفت ذلك أثناء الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا صلىت في جماعة ثم تبين لك بعد الفراغ من الصلاة أنك لست على وضوء فإنه لا إثم عليك لقوله تعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) وفعلك هذا تضمن أمرين:
الأمر الأول الصلاة وأنت محدث وهذا وقع منك نسياناً فلا إثم عليك لأنه من باب فعل المحرم وفعل المحرم حال جهل الإنسان لا إثم فيه لما ذكرناه من الآية الكريمة
الأمر الثاني أنك صليت بغير وضوء وهذا من باب ترك المأمور ولا يعذر الإنسان فيه بالنسيان بل إذا نسي أتى بالواجب عليه كقول النبي عليه الصلاة والسلام (من نام عن صلاة أونسيها فليصلها إذا ذكرها) فلم يسقطها بالنسيان وهكذا جميع أوامر الله ورسوله لا تسقط بالنسيان إذا كان وقت الطلب بها باقياً وعلى هذا فنقول عليك أن تعيد الصلاة لأنك صليت بغير وضوء أما بالنسبة للمأمومين الذين ائتموا بك فلا إعادة عليهم لأنهم صلوا بطهارة خلف إمام لا يعلمون عن حاله فهم أتوا بما أمروا به فليس عليهم في ذلك شيء أما إذا ذكرت ذلك في أثناء الصلاة فإن الواجب عليك الانصراف لأنه لا يجوز لك الاستمرار في صلاة وأنت على غير وضوء بل يجب عليك أن تنصرف من صلاتك وحينئذٍ تأمر أحداً ممن وراءك أن يتم الصلاة بالجماعة الذين خلفك فإذا كنت قد صلىت ركعتين أتم بهم الركعتين الباقيتين إذا كانت الصلاة رباعية وإن لم تفعل فإن لهم أن يقدموا واحداً منهم يتم بهم الصلاة فإن لم يتيسر ذلك فإنهم يتمون صلاتهم كل واحد وحده ولا تبطل صلاتهم بذلك لأنهم كما قلت قد أتوا بما يجب عليهم وفعلوا ما أمروا به من الائتمام بهذا الرجل الذين لا يدرون عن حاله فإذا تبين له أنه غير متوضئ فإن الخلل تبين في صلاته وحده أما صلاتهم هم فلم يتبين فيها خلل هذا حكم صلاة هؤلاء بالنسبة إذا علمت في أثناء الصلاة وبالنسبة إذا لم تعلم إلا بعد الصلاة فالحكم سواء وأما من فرق من أهل العلم بين كونه علم بعد الصلاة أو علم في أثناء الصلاة وقال إذا لم يعلم إلا بعد فراغه من الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة وإذا علم في أثنائها بطلت صلاتهم فإن هذا لا وجه له لأن العلة واحدة ولأن هؤلاء المأمومين معذورون حيث ائتموا بمن ظاهر صلاته الصحة ولا يعلمون عن الأمور الباطنة فإذا ذكر في أثناء الصلاة فما الذي يبطل ما مضى من صلاتهم وهم قد قاموا فيه بما يجب عليهم وحينئذٍ يستمرون في صلاتهم وكما قلت الأفضل له أن يعين واحدا منهم يتم بهم الصلاة حتى لا يضطربوا في بقية صلاتهم.
(8/2)

فضيلة الشيخ: طبعا هذا سواء كان الحدث أكبر أو أصغر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: سواء كان الحدث أصغر أو أكبر أما إذا كان نجاسة يعني ذكر أن على ثوبه نجاسة في أثناء الصلاة مثلا أو حين فرغ من الصلاة فإذا ذكر حين فرغ من الصلاة فصلاته هو صحيحة وصلاتهم هم صحيحة أيضا إذا كانت نجاسة على بدنه أو ثوبه ونسي أن يغسلها أو ما علم بها إلا بعد فراغه من الصلاة فإن صلاته صحيحة وصلاتهم صحيحة أيضا لأن هذا من باب اجتناب المحظور وأما إذا ذكر في أثناء الصلاة أنه لم يغسل هذه النجاسة أو لم يعلم بها إلا في أثناء الصلاة يعني وهو يصلى رأى بقعة نجسة في ثوبه فإنه إن تمكن من إزالة هذا الثوب في أثناء الصلاة فعل كما لو كان عليه ثوبان فأكثر ورأى النجاسة في الثوب الأعلى وخلعه فليستمر في صلاته أو رأى النجاسة في مشلحه مثلاً فخلعه يستمر في صلاته أما إذا لم يتمكن مثل ألا يكون عليه إلا ثوب واحد وإذا خلعه تعرى فإنه حينئذ ينصرف ويتم المأمومون صلاتهم على ما ذكرنا من قبل ولهذا خلع النبي عليه الصلاة والسلام نعليه ذات يوم وهو يصلى بالناس فخلع الناس نعالهم فلما انصرف سألهم لماذا خلعوا نعالهم قالوا رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا فقال النبي عليه الصلاة والسلام إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذى فخلعتهما واستمر الرسول عليه الصلاة والسلام في صلاته ولم يستأنفها وهذا دليل على أن الإنسان إذا علم في أثناء الصلاة أن نجاسة على ثوبه فإنه يزيل هذا الثوب النجس إذا أمكن ويستمر في صلاته.
(8/2)

فضيلة الشيخ: بالمناسبة لو شاهد هذا الشخص أثناء صلاته شيئا من ماء الرجل في ثوبه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المني طاهر وليس بنجس وعلى هذا فلو شاهد الإنسان على ثوبه وهو يصلى أثرا من مني فإنه يستمر في صلاته ولا حرج عليه لكن لو شاهده وعلم أنه من احتلام لم يغتسل منه فإنه يجب عليه أن ينصرف من صلاته ويغتسل وأما المأمومون فكما قلنا في أول الجواب.
***
(8/2)

السائل من سلطنة عمان يقول كنت ذات يوم أصلى إماماً صلاة الجمعة وفي التشهد الأخير من صلاتي بالناس شككت في وضوئي هل توضأت أم لا علماً أنني قبل موعد الصلاة بربع ساعة تقريباً اغتسلت غسل الجمعة ولكني لم أتأكد هل توضأت بعده أم لا فهل يكفي ذلك الغسل وإن كنت لم أنوِ به الطهارة من الحدث الأصغر أم لايكفي، وإن لم يكن كافياً فماذا علي أن أفعل وما الحكم في صلاة المأمومين خلفي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أحب أن أبين قاعدة نافعة في باب الحدث وغيره وهي أن الأصل بقاء ما كان على ما كان وهذا الأصل مبني على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يخيل إليه أنه أحدث فقال (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) ومن أمثلة هذا الأصل إذا كان الإنسان قد توضأ فشك هل أحدث أم لا فإنه يبقى على وضوئه وطهارته لأن الأصل بقاء الطهارة وعدم الحدث ومن هذا الأصل إذا أحدث الإنسان ثم شك هل رفع حدثه أم لم يرفعه فإن الأصل بقاء الحدث وعدم رفعه فعليه أن يتوضأ إن كان الحدث أصغر وأن يغتسل إن كان الحدث أكبر وبناءً على ذلك نقول في مثل هذه الحال التي ذكرها السائل لو شك الإمام في أثناء الصلاة في التشهد الأخير أو فيما قبله هل تطهر من حدثه أم لا فإن الأصل عدم الطهارة وحينئذٍ يجب عليه أن ينصرف من صلاته وأن يعهد إلى أحد المأمومين بإتمام الصلاة بهم إماماً فيقول مثلاً تقدم يا فلان أكمل الصلاة بهم ويبنون على ما مضى من صلاتهم هذا هو القول الراجح في هذه المسألة وبه يتبين أن صلاة المأمومين ليس فيها خلل سواء ذكر الإمام في أثناء الصلاة أو بعد تمام صلاته أنه ليس على طهارة فإن ذكرها بعد تمام صلاته فقد انتهت صلاة المأمومين على أنها صحيحة ولا فيها إشكال وإن ذكر في أثناء صلاته فإن المأمومين لم يفعلوا شيئاً يوجب بطلان صلاتهم لأنهم فعلوا ما أمروا به من متابعة هذا الإمام والأمر الخفي الذي لا يعلمون به ليسوا مؤاخذين به لقوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) وكوننا نلزمهم بأمر خفي يتعلق بالإمام هذا من الأمور التي لا تدخل تحت الوسع وعلى هذا فنقول إذا تبين للإمام في أثناء صلاته أنه ليس على وضوء أو أحدث في أثناء الصلاة فإنه يعهد إلى واحد من المأمومين أن يتقدم ويكمل بهم الصلاة ولا حرج في ذلك وعلى هذا فنقول للأخ السائل إذا حدث منك مثل هذا في صلاة الجمعة فإنك تعهد إلى أحد المأمومين يتقدم يكمل بهم صلاة الجمعة وأما أنت فتذهب وتتطهر ثم ترجع فإن أدركت ركعة من الصلاة مع الجماعة في الجمعة فأتِ بعدها بركعة واحدة لتكون جمعة وإن أدركت أقل من ركعة بأن جئت بعد أن رفع الإمام رأسه من الركوع في الركعة الثانية فقد فاتتك الجمعة فتصلىها ظهراً.
***
(8/2)

السائل هادي محمد من اليمن الشمالي يقول في رسالته احتلمت في ليلة شديدة البرودة يتعذر فيها الاستحمام فقمت لصلاة الصبح وتيممت وصلىت الصبح وجاء الظهر فنسيت الجنابة وتوضأت وصلىت إماماً وجاء العصر فتذكرت الجنابة فقمت واغتسلت وأعدت صلاة الصبح والظهر ولكن الجماعة تفرقوا أرجو أن تفيدوني عن هذا العمل وعن حكم صلاة الجماعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما صلاتك الصبح التي صلىتها بالتيمم نظراً لأنه لا يمكنك استعمال الماء لشدة برودته فإن كان عندك شيء يمكنك أن تسخن الماء به فإن تيممك لا يصح لأنه يمكنك أن تسخن الماء وتغتسل به ثم تصلى وإن لم يكن عندك ما تسخن به الماء وخفت على نفسك من البرد وتيممت فإن صلاتك الصبح صحيحة بالتيمم ولا حاجة إلى إعادتها وأما صلاة الظهر التي نسيت أن تغتسل عن الجنابة لها فإنها غير صحيحة ويجب عليك أن تعيدها وأما الجماعة الذين صلوا خلفك فإنه لا إعادة عليهم ذلك لأنهم لا يعلمون عن جنابتك شيئاً وكل إمام فعل مفسداً في الصلاة لا يعلم عنه المأموم فإن صلاة المأموم لا تتأثر بفساد صلاته حتى إن الإمام لو دخل في الصلاة ناسياً لحدثه ثم ذكر في أثناء الصلاة فإن صلاة المأمومين لا تبطل بذلك بل في هذه الحال إذا تذكر أنه على غير طهارة في أثناء صلاته يجب عليه أن ينصرف من الصلاة وأما بالنسبة للمأمومين فإنه يقول لأحد منهم تقدم يا فلان فأتم بهم الصلاة فإن لم يفعل ذلك فلهم أن يتموها فرادى ولهم أن يقدموا أحدهم يتم بهم الصلاة وصلاتهم صحيحة على كل حال.
***
(8/2)

شخص أمّ جماعة وفي أثناء الصلاة أحس أنه أحدث وغلب على ظنه ذلك إلا أنه لم يخرج حياءً وبعد الصلاة تبين له أنه محدث فعلاً فما الحكم في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا شك الإنسان وهو يصلي هل أحدث أو لا فإن كانت صلاته فريضة فإنه لا يجوز له الخروج منها حتى ولو غلب على ظنه أنه أحدث لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك فقال (لا يخرج أو قال لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) وإذا كان إماماً فإن الواجب عليه أن يبقى إماماً للجماعة حتى يتيقن أنه أحدث ويكون وجوب البقاء عليه هنا لوجهين الوجه الأول أن الصلاة فريضة ولا يجوز الخروج من الفريضة بمجرد الظن أو الشك في الحدث والثاني أنه إمام وخروجه يؤدي إلى ارتباك المأمومين وربما يؤدي إلى فساد صلاتهم ولكن إذا تيقن الإمام أنه أحدث فإنه يجب عليه أن يخرج من الصلاة ولايجوز له أن يمنعه الحياء من ذلك لأن الله لايستحيي من الحق والحياء من فعل الواجب ليس حياء محموداً بل هو خورٌ مذموم وفي هذه الحال أعني إذا خرج من صلاته لتيقنِ الحدث يأمر أحد الذين خلفه أن يتموا بالناس الصلاة فيقول مثلاً يا فلان تقدم أكمل بهم الصلاة ويتمون صلاتهم فإن لم يفعل فللمأمومين أن يقدموا واحداً منهم ليتم بهم الصلاة ولهم أن يتموا الصلاة فرادى ولا تبطل صلاتهم ببطلان صلاة إمامهم.
***
(8/2)

السائل محمد عبيد الهويدي يقول إذا رأى المأموم في ثوب الإمام نجاسة ولم يعلم بها الإمام فماذا يفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت هذه النجاسة مما يُعفى عنه كغسيل الدم الخارج من غير السبيلين فإن ذلك لا يضر وليستمر في صلاته مع هذا الإمام وإن كانت النجاسة مما لا يُعفى عنه مثل أن يتيقن أنها غائط مثلاً فإنه يجب عليه أن يُعلم الإمام بذلك وحينئذ ينصرف الإمام من صلاته إذا لم يمكنه خلع الثوب والاستمرار في صلاته فإن كان يمكنه خلع الثوب والاستمرار في صلاته مثل أن يكون عليه ثوب تحته يحصل به المقصود من السترة فإنه يخلع هذا الثوب الأعلى ويستمر في صلاته وتكون صلاة الجميع صحيحة ويدل لذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه ذات يوم فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم ثم أخبرهم بعد أن سلم بأن جبريل أتاه فأخبره بأن فيهما أذى فخلعهما.
***
(8/2)

السائل مجدي الجراد اليمن الشمالي صعدة يقول إذا صلى الإمام بالناس وذكر بعد تكبيرة الإحرام أن إزاره نجس فماذا عليه أن يفعل في هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا صلى الإمام بالناس ثم ذكر أن إزاره نجس فإن كان عليه ثوب فوقه يستره خلع إزاره واستمر في صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى بأصحابه وعليه نعلان فأتاه جبريل فأخبره أن فيهما أذى أو قذراً فخلعهما النبي صلى الله عليه وسلم ومضى في صلاته وهكذا نقول في كل شيء على المصلى نجس فيذكر في أثناء صلاته ذلك فإنه إذا تمكن أن يخلعه خلعه واستمر في صلاته أما إذا كان ليس عليه سوى الإزار فإنه حينئذٍ لا يمكنه خلعه فينصرف من صلاته ويأمر بعض المأمومين أن يتقدم فيتم بهم الصلاة وسواء ذكر ذلك في أول ركعة أو فيما بعدها ومثل ذلك لو تقدم الإمام يصلى بالناس ثم ذكر في أثناء الصلاة أنه لم يتوضأ فإنه ينصرف من صلاته ويأمر أحد الجماعة أن يتقدم فيتم بهم الصلاة وينبغي للإنسان إذا أصابته نجاسة أن يبادر بغسلها تنزهاً منها ولئلا ينسى فيصلى وهو متلبس بها ودليل ذلك من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بغلام صغير لم يأكل الطعام فوضعه في حجره فبال على حجر النبي عليه الصلاة والسلام فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فأتبعه إياه في الحال ولما جاء الأعرابي وبال في طائفة من المسجد أي في جانب منه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه فالذي ينبغي للإنسان إذا أصابته نجاسة أن يبادر بالتطهر منها لا يقول أدعها حتى أتوضأ لأنه قد ينسى ولأن هذه النجاسة قد تصيب طرفاً منه رطباً فيتنجس بها.
***
(8/2)

السائل جابر البطحاني من السودان يقول في سؤاله الأول إمام لم يصل العصر ناسياً ودخل في صلاة المغرب وفي أثناء الصلاة تذكر أنه لم يصل العصر فماذا يفعل في هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الإمام الذي نسي صلاة العصر ودخل في صلاة المغرب وتذكر في أثناء الصلاة أنه لم يصل العصر يستمر في صلاة المغرب فإذا أتمها أتى بصلاة العصر وتصح منه صلاة العصر حينئذٍ.
(8/2)

فضيلة الشيخ: يعني لا يلزمه أن يقطع الصلاة يخرج منها ويصلي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يلزمه بل ولا يجوز له أيضاً لأنه شرع في فريضة والفريضة إذا شرع فيها الإنسان لزمه إتمامها إلا لعذر شرعي.
(8/2)

فضيلة الشيخ: هذا الحكم يسري حتى لو كان منفرداً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم ولو كان منفرداً.
***
(8/2)

السائل طالب من جامعة الملك عبد العزيز يقول إذا صليت بأناس في الصلاة أشعر كأنني أفضل منهم فأقسمت على نفسي ألا أجعل نفسي إماماً عليهم ما حكم ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال فيه شقان:
الشق الأول ما يلقيه الشيطان في قلب الإنسان عند فعل الأعمال الصالحة فأحياناً يملي عليه الشيطان أنه معجب بنفسه وأنه أفضل من غيره فيقع فيما يقع فيه هذا السائل ويدع التقدم في الأعمال الصالحة لأن الشيطان قال له إنك أفضل منهم وهذا خطأ فالواجب على الإنسان أن يدع وساوس الشيطان وأن ينزل نفسه المنزلة اللائقة به، وإذا كان الله تعالى قد من عليه بالعلم والفضل حتى يكون أحق من غيره بهذا المنصب فليحمد الله على ذلك وليتقدم وليعرض عما يلقيه الشيطان في قلبه من كونه أعجب بنفسه أو رأى نفسه أفضل منهم.
الشق الثاني في هذا السؤال فهو ترك العمل من أجل هذا، وترك العمل من أجل هذه الوساوس خور ورعب وجبن لأن الذي يجب عليه أن يكون عنده حزم وشجاعة وإقدام على العمل الصالح بحيث لا يخضع للشيطان ووساوسه فإن الشيطان أحياناً يحملك على ترك العمل الصالح بتخويفه إياك بأن هذا رياء أو أن هذا فخر وإعجاب فيدع العمل لأنه يخشى أن يكون مرائيا، ويدع العمل يخشى أن يكون معجباً بنفسه وما أشبه ذلك، فعلى الإنسان أن يكون شجاعاً قوياً لدفع الشيطان ونزغاته فيفعل ما أمر الله به تطوعاً في المستحب والتزاماً في الواجب.
***
(8/2)

هل على الإمام في التشهد الأوسط أن يشعر المأمومين بتخفيف صوته عند قول الله أكبر وكذلك عند التشهد الأخير لأن بعض الأئمة في المساجد يكون في التكبير على وتيرة واحدة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يظهر لي من السنة أن تكبيرات الانتقال تكون على وتيرة واحدة لا فرق فيها بين تكبيرة الركوع والسجود والقيام والقعود وذلك لأن الواصفين لصلاة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يذكروا فرقا بين التكبيرات وإذا لم يذكر الفرق فالأصل أنها متماثلة لكن بعض أهل العلم رحمهم الله استحب أن تكون تكبيرة الهوي إلى السجود من القيام طويلة وكذلك القيام من السجود إلى القيام طويلة قال لطول الفصل بين القيام والسجود ولكن هذا التعليل فيه نظر لأنه ليس من الواجب أن يبتدئ الإنسان حين التحرك ولا ينتهي إلا إذا وصل بل المهم أن تكون التكبيرات ما بين الانتقال من ركن إلى ركن فمثلا إذا أراد السجود من قيام ليس من الواجب أن يبدأ التكبير حين يهوي إلى السجود وينتهي إذا وصل إلى السجود هذا ليس بواجب الواجب أن تكون التكبيرة بين هويه إلى السجود ووصوله إلى السجود ورخص بعض العلماء في تقدم التكبير إذا انتهى في أثناء الوقوف وكذلك في تأخره إذا ابتدأه في أثناء الهبوط قال لأن مراعاة كونه بين الركنين صعبة وعلى كل حال فالأقرب إلى السنة هو أن تكون التكبيرات على وتيرة واحدة بدون فرق وهذا فيه فائدتان:
الفائدة الأولى أنه هو الأقرب إلى اتباع السنة.
والفائدة الثانية أن المأمومين ينتبهون أكثر لأن كل مأموم لا يحب أن يرى قائما والناس قعود أو قاعدا والناس قيام، فإذا كان الإمام يفرق في التكبيرات صار المأموم كأنه آلة تتحرك حسب نغمات هذا التكبير وأما إذا كان على وتيرة واحدة فان الناس يشتدون وينتبهون حتى لا يخطئ أحد أمام هذا الجمع فتجده يحرص على متابعة الإمام وعدد الركعات فهاتان فائدتان في كون التكبير على وتيرة واحدة وبعض العامة يسخط إذا كان الإمام لا يفرق بين التكبيرات ويكون على وتيرة واحدة ولكن المؤمن إذا بان له الحق لم يسخط منه.
***
(8/2)

السائل أ. أ. من الرياض يقول كنا في سفر إلى إحدى دول الخليج للعمل ووصلنا هناك قبل المغرب ولظروف طارئة قلت لصاحبي الذي معي في الرحلة سوف نصلى المغرب والعشاء جمع تأخير فوافق على ذلك وأثناء مرورنا بأحد المساجد في وقت العشاء أردنا أن نصلى معهم فكيف يمكن الدخول معهم لصلاة العشاء مع أننا لم نصل المغرب فهل نصلى المغرب منفردين ونلحق بهم أو ندخل معهم لصلاة العشاء بنية المغرب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان المسجد واسعاً بحيث تنفردان في مكان بعيد عن الجماعة وتصلى أنت وصاحبك صلاة المغرب ثم تدخلان مع الجماعة فيما بقي من صلاة العشاء فهذا طيب أما إذا كان المسجد ضيقاً بحيث لا يمكنكما الصلاة إلا مع ظهور المخالفه للمصلىن فإنكما تدخلان معهم في صلاة العشاء بنية المغرب ثم إن كان دخولكما في الركعة الأولى فإن الإمام إذا قام إلى الرابعة يستمر في صلاته أما أنتما فتجلسان وتقرأان التشهد وتسلمان ثم تقومان تدخلان معهم فيما بقي من صلاة العشاء وإن دخلتما في الركعة الثانية سلمتما مع الإمام وإن دخلتما في الركعة الثالثة قضيتما ركعة وإن دخلتما في الركعة الرابعة قضيتما ركعتين.
***
(8/2)

من الرياض من السائل م ع ش يقول فيها إذا جاء أناس مسافرون ويقصرون الصلاة وبعدما صفوا في صلاتهم جاء رجل يصلى معهم هل يجوز له ذلك أم لا وفقكم الله

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للمقيم أن يصلى خلف الإمام المسافر وفي هذه الحال إذا أتم الإمام المسافر صلاته وسلم فإن المقيم يقوم فيأتي بما بقي عليه من صلاته وأصل ذلك ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في عام الفتح يصلى بأهل مكة ويقول لهم يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر فكان يصلى ركعتين وكان أهل مكة يصلون خلفه أربعاً ويكون هذا المقيم إذا قام إلى قضاء ما فاته كالمسبوق في صلاته كما لو أدرك الإنسان مع الإمام الذي يصلى الظهر الركعتين الأخيرتين فإنه إذا سلم يقوم فيأتي بركعتين وهكذا المقيم إذا صلى خلف المسافر فإنه يقوم ويأتي بالركعتين الباقيتين من صلاته.
***
(8/2)

هل المسافر يؤم المقيم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المسافر يؤم المقيم والمقيم يؤم المسافر فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أم أهل مكة وهو مسافر وقال لهم (أتموا يا أهل مكة فإنا قومٌ سفر) وكان ذلك في غزوة الفتح لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقام في مكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة فإذا صلى المسافر بالمقيم نبه المقيم فقال له أنا مسافر وسأقصر الصلاة فإذا سلمت فأتم ويجوز أن يصلى المقيم بالمسافر ولكن في هذه الحال يجب على المسافر أن يتم تبعاً لإمامه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به) ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) ولأن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن الرجل يصلى وحده ركعتين يعني المسافر ومع الإمام أربعاً فقال تلك هي السنة.
***
(8/2)

السائل يقول مسافر نزل على قرية وبات فيها وهذا اليوم يوم جمعة وقدمه جماعة القرية للصلاة بهم وصلى بهم الجمعة هل تجوز صلاة المسافر للمقيمين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يريد السائل هل يجوز أن يكون المسافر إماما للناس في صلاة الجمعة والجواب على هذه المسألة أن العلماء اختلفوا في ذلك فمنهم من يقول إن المسافر لا يصح أن يكون إماما في الجمعة لأنه ليس من أهل الوجوب إذ إن المسافر لا تجب عليه الجمعة ومنهم من قال إنه يصح أن يكون المسافر إماما في الجمعة وخطيبا فيها وهذا القول هو الصحيح وعلى هذا فنقول لهذا السائل لا بأس أن تصلى إماما في الجمعة وأنت مسافر وبهذه المناسبة أقول إن من كان في بلد وهو مسافر وأقيمت الجمعة فإن عليه أن يصلى الجمعة مع الناس ولا يحل له أن يتخلف عن الجمعة بحجة أنه مسافر وذلك لعموم قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) والمسافر داخل في هذا الخطاب لأنه من الذين آمنوا فإذا كان من الذين آمنوا فقد أُمِرَ أن يسعى إلى ذكر الله إذا نودي للجمعة ومثل ذلك صلاة الجماعة أيضا فإن على المسافر إذا نزل في بلد وأذن للصلاة وقد سمع النداء أن يجيب النداء ويصلى مع الجماعة لأن الجماعة لا تسقط عن المسافر لقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) إلى آخر الآية فأمر بصلاة الجماعة في حال الخوف وكان ذلك في السفر ففي حال الأمن من باب أولى وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من سمع النداء ولم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) وهذا عام في المسافر وغير المسافر وأما ما اشتهر عند العامة أن المسافر لا جمعة عليه ولا جماعة فهذا ليس بصحيح بل المسافر كالمقيم في وجوب صلاة الجمعة والجماعة ولا فرق.
***
(8/2)

أبو عبد الله أحد الدارسين في أمريكا يقول مجموعة من الطلبة يصلون الجمعة خلف شخصٍ ليس مقيماً بل قدم للدراسة وسيعود إلى بلده ما حكم إمامته لنا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يرى بعض العلماء أن من شرط الإمامة في صلاة الجمعة أن يكون الإمام مستوطناً في البلد الذي تقام فيه الجمعة فإن كان غير مستوطن وهو المقيم والمسافر فإن إمامته في الجمعة لا تصح لأنه ليس من أهل وجوبها وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله عند أصحابه والصحيح أن ذلك ليس بشرط وأنه يصح أن يكون المسافر والمقيم للدراسة إماماً في صلاة الجمعة لأنه كما تصح منه الجمعة لو صلاها خلف الإمام الذي يصلى الجمعة فإنه يصح أن يكون إماماً فيها ولا دليل على أنه يشترط أن يكون إمام الجمعة مستوطنا فالصواب أنه يصح أن يكون إمام الجمعة مسافراً أو مقيماً وأنه كالمستوطن وعلى هذا فتصح صلاتكم الجمعة خلف هذا الإمام المقيم للدراسة.
***
(8/2)

سائل يقول أصلي في بعض المساجد فإذا تأخر الإمام قدموني فأصلى بهم لأنه يغلب على الظن أنه يسمح ويسر بذلك فما الحكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج عليك إذا قدمك أهل المسجد للصلاة فيهم بعد أن يأتي وقت الإقامة المعتاد بشرط ألا يمنعك الإمام من ذلك فإن منعك الإمام من ذلك فلا تتقدم وإذا كان الإمام يرضى كما ذكرت في سؤالك ويسر بهذا من أجل ألا يشق على المأمومين فإنه يشكرعلى هذا العمل ولكن ينبغي أن لا يتكل على هذا بحيث يتهاون في الحضور بناء على أن في المسجد من يقوم مقامه بل الواجب على الإمام أن يؤدي الوظيفة على ما يراد منه ولكن قد تعرض للإنسان أمور تجبره على التأخر وهنا ينبغي أن يقول الإمام لأهل المسجد إذا تأخرت عن موعد الإقامة خمس دقائق مثلاً فأقيموا الصلاة ليكون بذلك مرتاحاً وليريح المأمومين أيضاً.
***
(8/2)

السائل شوقي عبد العزيز يقول عندما أقام المؤذن للصلاة ولم يجد الإمام موجودا استقبل المؤذن القبلة وكبر تكبيرة الإحرام وكبر من خلفه من المصلىن وشرعوا في الدعاء قبل فاتحة الكتاب ثم بعد ذلك دخل الإمام وجذب المؤذن من القبلة ودخل مكانه وكبر مرة أخرى تكبيرة الإحرام وعند ذلك كان هناك من المصلىن من كبر مرة أخرى مع الإمام ومنهم من لم يكبر واستمر على التكبيرة الأولى مع المؤذن والسؤال ما مدى شرعية جذب المؤذن ودخول غيره إماماً كما حدث؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً إنه لا ينبغي للمؤذن أن يتسرع في إقامة الصلاة حتى لو كانت المدة التي قررت قد انقضت فإنه ينبغي أن ينتظر لمدة خمس دقائق أو نحوها حتى يحضر الإمام إلا إذا قال له الإمام إذا جاء وقت الإقامة فأقم الصلاة فحينئذٍ يكون معذوراً وأما إذا لم يقل الإمام له ذلك فإنه يصبر وينتظر لمدة خمس دقائق ونحوها لأن هذا التأخر يطرأ على الإمام لا سيما إذا كان منزله بعيدا عن المسجد فإنه قد يمسك به أحد من الناس يسأله أو أحد من الناس يستعين به على شيء من الأمور فيتأخر مثل هذا التأخر هذه واحدة.
ثانيا إذا دخل الإمام وقد أقيمت الصلاة فالذي ينبغي أن لا يتقدم ليؤخر من تقدم في الناس لأن الأمر والحمد لله واسع والأمر سهل لكن بعض الأئمة يلحقه الغضب إذا رأى أنهم قد دخلوا في الصلاة فيريد أن يبين أن الأمر راجع إليه فيؤخر من تقدم وهذا حق له ولا شك أنه يجوز له أن يتقدم ويؤخر من كان سبقه إذا لم يكن قد أذن له من قبل أن يصلى إذا جاء وقت الإقامة ولكن لو أصر الإمام على أن يتقدم فإنه يتقدم ويكبر تكبيرة الإحرام لنفسه وأما المصلون فإنهم لا يكبرون تكبيرة الإحرام لأنهم قد كبروها من قبل.
***
(8/2)

صلاة المفترض خلف المتنفل
(8/2)

محمد حامد من جمهورية مصر العربية يقول إذا صلى الرجل صلاة النافلة ثم جاء رجل وصلى معه الفرض فهل يجهر بالقراءة ويتم صلاة الفرض أم يسلم هو من الصلاة ويترك الرجل الثاني يكمل الصلاة وحده وهل بذلك تصبح الصلاة صحيحة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ينبني على الخلاف بين أهل العلم في: هل يجوز أن يكون المتنفل إماماً للمفترض وهي مسألةٌ خلافيةٌ مشهورة فإن من أهل العلم من يقول لا يجوز أن يصلى المفترض خلف المتنفل لأنه لا يمكن أن يكون الأعلى خلف الأدنى فالفريضة فوق النافلة فكيف يكون صاحب النافلة إماماً لصاحب الفريضة وهو أعلى منه في عبادته ومنهم من يقول إن ذلك جائز فإنه يجوز أن يكون المفترض مأموماً خلف المتنفل وهذا القول هو الراجح لأن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يذهب إلى قومه فيصلى بهم تلك الصلاة وهي له نافلة ولقومه فريضة ولم ينكر عليه فإن قال قائل لعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم بذلك فنقول إن هذا خلاف الظاهر وإذا فرضنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعلم بذلك فإن الله تعالى قد علم به ولو كان هذا مما لا يرضاه الله لعباده لبينه الله عز وجل ولهذا كان الله تعالى يبين على المنافقين إذا فعلوا ما لا يرضيه وأخفوه على المؤمنين كما قال الله تعالى (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) ولأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يستدلون على الجواز بإقرار الله لهم قال جابر بن عبد الله (كنا نعزل والقرآن ينزل) يعني لو كان هذا مما ينهى عنه لنهى عنه القرآن فالمهم أن القول الراجح جواز كون المتنفل إماماً للمفترض وبناءً على ذلك فإذا حضر شخصٌ إلى المسجد وفيه رجل وقال له أريد أن تصلى بي جماعة فلا بأس فيقوم ويصلى به فتكون للإمام نافلة وله فريضة أما إذا جاء والرجل قد شرع في الصلاة فهذا أيضاً محل خلاف وهو هل تجوز نية الإمام أو الائتمام في أثناء الصلاة أو لا من العلماء من يقول لا تجوز يعني لا يجوز أن ينقلب الإنسان من انفرادٍ إلى إمامة ومنهم من يقول إنه جائز وهو الصحيح ودليله حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه بات ذات ليلةٍ عند خالته ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلى من الليل فقام ابن عباس وصلى معه ولم يمنعه الرسول صلى الله عليه وسلم من دخوله معه في الصلاة ولو كان هذا ممنوعاً لمنعه الرسول صلى الله عليه وسلم وما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل ولا دليل على منع ذلك في الفرض فبناءً على هذا القول الراجح إذا جئت والشخص يصلى فلا بأس أن تقول أنت إمامي وتأتم به فإن كانت الصلاة سرية كالصلاة النهارية فإنه لن يجهر بقراءته وإن كانت الصلاة جهرية يعني كصلاة الليل فالظاهر أنه يبقى على إسراره لأن محافظته على ما يشرع في صلاته أولى من محافظته على ما يشرع في صلاة غيره والجهر والإسرار ليس بالأمر الواجب حتى نقول إنه يجب أن يجهر أو يجب أن يسر فإن أسر فلا بأس وهو الأرجح عندي وإن جهر فلا بأس وخلاصة الجواب الآن أنه يجوز للإنسان إذا دخل المسجد وقد فاتته الصلاة أن يطلب من شخص أن يصلى معه جماعة سواءٌ كان الداخل هو الإمام أو كان الإمام من كان في المسجد.
ثانياً أنه إذا كانت الصلاة جهرية كما لو كان ذلك في الليل وصار الإمام هو الذي في المسجد والذي قد قضى صلاته من قبل فإنه يجوز أن يجهر مراعاةً للمأموم الذي كانت صلاته هذه جهرية ويجوز أن لا يجهر مراعاةً لصلاته هو بنفسه لأنه يتنفل وهذا عندي أقرب إذا كان قد وجده شرع في صلاته وإذا كان هذا الإنسان الذي أراد أن يصلى معه إذا كان قد شرع في صلاة نافلة فليتمها ركعتين ثم يأتي الداخل بما بقي من الصلاة أما إذا وجده قبل أن يدخل في الصلاة وقال أريد أن تصلى بي فإنه يصلى به صلاةً كاملة يعني إذا كانت رباعية يصلى أربعاً وإذا كانت ثلاثية يصلى ثلاثاً وهكذا.
(8/2)

فضيلة الشيخ: قال الرسول صلى الله عليه وسلم (من يتصدق على هذا فيصلى معه) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا في رجلٍ دخل والنبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه فقال النبي صلى الله عليه وسلم (من يتصدق على هذا فيصلى معه) فقام أحد القوم فصلى معه وهو دليلٌ على مشروعية صلاة الجماعة لمن فاتتهم الصلاة فإذا دخل جماعةٌ المسجد وقد انتهت الصلاة فإن المشروع في حقهم أن يصلوا جماعة لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بإقامة الجماعة بعد أن صلاها بأصحابه.
***
(8/2)

هل يجوز للإنسان أن يصلى مع الإمام فريضة إذا كان الإمام يصلى نافلة كأن يصلى صلاة العشاء بينما الإمام يصلى صلاة التراويح أو أي نافلة أخرى أفيدونا جزاكم الله خير؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للإنسان أن يصلى الفريضة خلف من يصلى النافلة فعلى هذا إذا جئت في أيام رمضان وقد فاتتك صلاة العشاء الآخرة، والإمام يصلى صلاة التراويح فلك أن تدخل معه بنية صلاة العشاء فإذا سلم من صلاة التراويح قضيت ما فاتك يعني أكملت أربع ركعات لصلاة العشاء، هذا هو القول الراجح، لأن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلى بهم تلك الصلاة وذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهي له نافلة ولهم فريضة، ولكن إذا دخلت مع جماعة وقد فاتتكم صلاة العشاء والإمام يصلى صلاة التراويح فالاختيار لك أن تصلى وإياهم جماعة بعيداً عن المصلىن لئلا تشوشوا عليهم ولا يشوشوا عليكم، أما إذا كنت وحدك فإن الأفضل أن تدخل مع الإمام في صلاة التراويح.
***
(8/2)

هل يجوز لمن أدى صلاة الفريضة أن يتصدق على من جاء متأخراً منفرداً فيصلى معه ليحسب له أجر الجماعة وهل يجوز ذلك لجميع الفروض الخمسة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا دخل أحد وقد فاتته الصلاة فإنه يستحب لمن كان في المسجد أن يقوم أحدهم فيتصدق عليه ويصلى معه ليدرك فضل الجماعة لأنه دخل رجل والنبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه جالس ولم يدرك الرجل صلاة الجماعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم (من يتصدق على هذا فيصلى معه؟ فقام أحد القوم فصلى معه) ومثل ذلك لو دخل رجلان أو أكثر وقد فاتتهما صلاة الجماعة فإنهما يصليان جماعة وفي هذه الحال لا يحتاج إلى أحد يقوم معهما فيتصدق عليهما ولا فرق بين الصلوات الخمس في هذه حتى لو كانت الصلاة صلاة العصر فقام أحد يتصدق عليه ويصلى معه فلا بأس بذلك لأن هذه النافلة نافلة لها سبب وكل النوافل التي لها سبب يجوز أن يفعلها الإنسان في وقت النهي لأن النهي الوارد عن الصلوات الخمس في الأوقات المعلومة وهي من صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس قيد رمح وعند قيامها حتى تزول ومن صلاة العصر إلى غروبها هذه الأوقات ينهى فيها عن النفل المطلق الذي لا سبب له مثل أن يقوم أحد من الناس فيصلى تطوعاً في هذه الأوقات فنقول إن ذلك لا يجوز أما ما له سبب فإنه يفعل في هذه الأوقات كما لو دخل إنسان المسجد بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر فإنه لا يجلس حتى يصلى ركعتين وكما لو طاف بالبيت بعد الفجر أو بعد صلاة العصر فإنه يصلى ركعتي الطواف وكما لو كسفت الشمس بعد صلاة العصر فإنه تصلى صلاة الكسوف إلى غير ذلك من النوافل التي لها سبب على أن صلاة الكسوف ذهب بعض أهل العلم إلا أنها واجبة المهم أنه لا فرق بين الصلوات في أن يقوم أحد يتصدق على هذا الداخل الذي فاتته صلاة الجماعة.
***
(8/2)

بارك الله فيكم، هذا المستمع محمد الناصر من عنيزة يقول في سؤاله بعد أدائي لصلاة الفريضة وقفت لأداء السنة ووقف معي رجل ومنعته لكنه استمر في أداء الصلاة معي ثم سلمت، وبعدها أكمل الرجل صلاته وبعد الانتهاء من الصلاة أخبرته بأنني أصلي سنة فقال لي أنت لك سنة وأنا لي فريضة هل صلاته صحيحة بهذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً يجب أن نعلم أن الإنسان إذا جاء وأخوه يصلى ثم دَفَعَهُ المصلى مشيراً بذلك أنه لا يريد أن يصلى معه، فإنه لا يجوز لهذا الداخل أن يصلى مع هذا الذي دفعه لأن هذا الذي دفعه يريد بدفعه ألا يجعله الداخل إماماً له، وهذا يستلزم أنه لم ينو الإمامة، وقد ذهب أكثر أهل العلم أنه إذا لم ينو الإمام الإمامة فإن الصلاة لا تصح، لأن الجماعة مكونة من إمام ومأموم ولابد للإمام والمأموم أن ينوي كل واحد منهما حاله، فإذا لم ينو الإمام حاله وهو أنه إمام فإن الجماعة لا تصح والصلاة أيضاً لا تصح وبناء على هذا فإذا دخلتَ المسجد ووجدت من يصلي ولكنه دفعك لئلا تصلي معه فلا تصلّ معه، وأنت إذا كنت قد تخلفت عن الجماعة حتى فاتتك لعذر فلا أثم عليك، وأما إذا أذن بهذا وارتاح لدخولك معه وصليت معه فإن الصلاة صحيحة سواء كان يصلى فريضة أم نافلة لأن القول الراجح أن صلاة المفترض خلف المتنفل جائزة ودليل ذلك أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يذهب إلى قومه فيصلى بهم تلك الصلاة فتكون له نافلة ولهم فريضة، والقول الراجح أيضاً أنه لا بأس أن ينوي المنفرد الإمامة ولو في أثناء الصلاة ودليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات ليلة وهو عند ميمونة وكان ابن عباس رضي الله عنهما حاضراً يريد أن يعرف كيف كانت صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في الليل، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلى وابن عباس نائم فقام ابن عباس رضي الله عنهما فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه وقف عن يساره فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأسه من ورائه وجعله عن يمينه، والشاهد من هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقره على دخوله معه في أثناء الصلاة، إذاً إذا دخلت وقد فاتتك الجماعة ورأيت من يصلى وأردت أن تصلى معه مأموماً ولم يمنعك فلا حرج عليك صلّ معه فإذا سلم وقد بقي عليك شيء من صلاتك فأتمها.
***
(8/2)

يقول السائل إنسانٌ دخل المسجد وصلى النافلة وأتى أشخاصٌ من بعده فصلوا خلفه على أنها فريضة فهل يكمل الصلاة على أنها فرض؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يكمل الصلاة على أنها فرض يكملها على أنها نافلة وهم إذا سلم يقومون لما بقي من صلاتهم.
***
(8/2)

كنت أصلى الراتبة بعد صلاة الظهر وجاء أحد الأشخاص من خارج المسجد وكان يظن أنني أصلي الفرض وصلى معي وصليت أنا النافلة وهو أكمل صلاة الظهر فما الحكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل صحيح وغايته أنه ائتمام مفترض بمتنفل وائتمام المفترض بالمتنفل جائز ودليله أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلى مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة العشاء ثم يخرج إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة أي صلاة العشاء فهي له نافلة ولهم فريضة كذلك أيضاً غايته أن هذا المنفرد صار إماماً بعد أن كان منفرداً وهذا أيضاً جائز أي يجوز للمأموم أن يدخل مع منفرد ليكون إماماً له في الفريضة والنافلة ودليله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قام ذات ليلة يصلى وكان ابن عباس رضي الله عنهما عنده فقام ابن عباس ليصلى معه فقام عن يسار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأداره النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه ليكون عن يمينه ومضى في صلاته فها هو النبي صلى الله عليه وسلم كان منفرداً ثم أصبح إماماً فلو قال قائل هذا في النفل والنفل أخف من الفرض قلنا الأصل تساوي الفرض والنفل في الأحكام إلا بدليل ويدل على هذا الأصل أن الصحابة رضي الله عنهم لما حكوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته حيثما توجهت به قالوا غير أنه لا يصلى عليها المكتوبة فاستثناؤهم هذا يدل على أنه لولاه لاستوت الفرائض والنوافل في الصلاة على الراحلة في السفر وهذا الحديث أعني صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته في السفر إنما هو في النافلة فقط أما الفريضة فلا تصلى عليها بل يجب على الإنسان إذا حضر الوقت أن ينزل ويصلى على الأرض.
***
(8/2)

ذهبت إلى المسجد لأداء إحدى الصلوات فوجدت الجماعة قد انتهوا من صلاتهم ووجدت رجلاً يصلى منفرداً فظننت أنه يتم الفريضة فصففت معه وبعد أن سلم قمت لأكمل صلاتي وبعد انتهائي قال إنما كنت أصلى الراتبة وليست الفريضة فما الحكم في هذا من ناحية ائتمام المفترض بالمتنفل وهل يعتبر أنا صلينا جماعة أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ائتمام المفترض بالمتنفل جائز ودليل ذلك أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلى بهم تلك الصلاة فتكون نافلة له وفريضة لهم وهذا وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وأقره الله تعالى أو أقره النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن علمه فإنه يكون جائزاً ومشروعاً إذا كان من العبادات وعلى هذا نقول إن ائتمام المفترض بالمتنفل جائز ولا حرج فيه بدليل حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه وقال بعض أهل العلم إنه لا يجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل لأن صلاة المأموم حينئذ أكمل من صلاة الإمام ولا ينبغي أن يكون المؤتم أكمل من الإمام ولكن هذا التعليل في مقابلة النص فلا عبرة به وجواب بعضهم عن حديث معاذ بأنه يمكن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم به جواب غير سديد وذلك لأننا لوسلمنا جدلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم به فإن الله تعالى قد علم به بلا شك ولو كان مما لا يرضاه الله عز وجل ما أقرهم على ذلك ولهذا إذا وقع شيء يخفى على النبي عليه الصلاة والسلام وهو مما لا يرضاه الله بينه كما في قوله تعالى (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) (النساء:108) وبهذه الآية نعلم أن كل فعل يقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وفي زمن نزول الوحي ولم ينكره الله عز وجل فإنه يكون من الأمور الجائزة وإذا ثبت الدليل وانتفى المعارض المقاوم فإنه يجب القول بمقتضى الدليل وأنه يجوز أن يأتم المفترض بالمتنفل أما هل تكون جماعة فنقول نعم إن صلاتك معه تكون جماعة وذلك أنه ينبغي إذا دخل جماعة في مسجد قد فاتتهم الصلاة ينبغي لهم أن يصلوا جماعة حتى يحصلوا أجر الجماعة ولكن أجر هذه الجماعة لا تكون كأجر الجماعة السابقة الأصلىة لأنها في الغالب أقل ولأنها متخلفة عنها وإنما قلت يستحب أن يصلوا جماعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) وهذا عام يشمل الصلاة صلاة الجماعة الأولى الأصلية وصلاة الجماعة الثانية التي كانت من أجل الضرورة لفوات الجماعة الأولى وأما قول من قال من أهل العلم إن من أتوا إلى المسجد بعد انتهاء الجماعة فإنهم لا يصلون جماعة فإنه قول لا دليل عليه بل والأثر الذي رووه عن ابن مسعود رضي الله عنه قضية عين تحتمل أوجهاً وأسباباً قد تكون معلومة لنا أو لا فلعل ابن مسعود رضي الله عنه رجع فصلى في بيته لأمور اعتبارية اعتبرها في ذلك الوقت وهوأنه يخشى إن صلى وشاهده العامة ظنوا أنها من الصلاة المشروعة أو أنه لا يريد الصلاة خلف ذلك الإمام أو ما أشبه ذلك من الأسباب ويدل لهذا أن صاحب المغني رحمه الله ذكر أن ممن روي عنهم استحباب الجماعة لمن فاتتهم الجماعة الأولى ابن مسعود رضي الله عنه كما هو معلوم لمن اطلع عليه وعلى هذا فالقول بأن الجماعة بعد الجماعة إذا فاتت أنها بدعة وتكره أو ما أشبه ذلك قول لا وجه له لا سيما وأنه قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلاً دخل فأراد أن يصلى وحده فقال النبي عليه الصلاة والسلام (من يقوم مع هذا فيتصدق عليه) فقام معه أحد الصحابة وهذا دليل على أن الجماعة بعد الجماعة مشروعة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها وأما قول من قال إن هذا فيه متصدق ومتصدق عليه فلا يقاس عليه من دخل بعد صلاة الجماعة فنقول إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام أمر من صلى جماعة من قبل أن يعيد الجماعة مع هذا من أجله فكيف بمن لم يصل جماعة أصلاً فاستحباب الجماعة بحقهما أولى ولا حرج أن نقول كل منكما متصدق ومتصدق عليه نعم إن اعتيدت الجماعة الثانية في المسجد بحيث جعلت عادة راتبة يصلى هؤلاء ثم يأتي بعدهم قوم يصلون فإن هذا لا شك أنه من الأمور التي ينهى عنها لأنها تؤدي إلى تفرق المسلمين والتواني عن الجماعة الأولى ويحصل فيها مفاسد فيفرق بين الأمر العارض وبين الأمر الدائم المستمر فاتخاذ جماعة أخرى في المسجد عادة راتبة لاشك أنه ينهى عنها لأنه ليس من هدي الصحابة رضي الله عنهم وأما إذا فاتت الجماعة نفراً بغير قصد ولكن من أجل الضرورة فإنه في هذه الحال لاشك في أنه يستحب أن يصلوا جماعة ولا يصلوا فرادى ولاشك أن كل واحد من الناس إذا دخل جماعة في المسجد بعد أن سلم الإمام ثم قالوا ما نصلى جماعة كل واحد يصلى وحده لاشك أن في هذا تفرقة بين المسلمين فإن اجتماعهم على إمام وصلاتهم جماعة أقرب إلى الائتلاف والاجتماع من كون كل واحد منهم يتفرق عن الآخر وهذا ظاهر لمن تدبره وتأمله بل إنه صريح في الأحاديث فيما ذكرناه من قول الرسول عليه الصلاة والسلام (من يتصدق على هذا) وفيما ذكرناه من قوله (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده) والله الموفق.
(8/2)

فضيلة الشيخ: صلاة الاثنين وحدهما هل تعتبر جماعة.

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الاثنين وحدهما تعتبر جماعة.
***
(8/2)

شاهدت في أثناء صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك بعضا من الأشخاص الذين يتأخرون عن صلاة العشاء مع الجماعة فإذا حضروا وقد انتهت صلاة العشاء وقد قام الإمام والمصلون يصلون صلاة التراويح يصلون معهم صلاة العشاء وحيث إنهم يصلون ركعتين فإذا سلموا يعني الإمام والمصلين ثبتوا ولم يسلموا ثم يقوم الإمام والمصلون ويشرعون في الركعتين الأخريين فيصلون الركعتين المتبقيتين من صلاة العشاء مع الركعتين الأخريين ثم إذا انتهت أربع ركعات صلوا معهم التراويح فهل هذا يجوز؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هم لا يقومون ولا يتمون صلاة العشاء بمفردهم بل ينتظرون حتى يقوم الإمام للتسليمة الثانية فإذا كبر الإمام للتسليمة الثانية قاموا من التشهد وصلوا معه الركعتين الباقيتين هذه صورة السؤال الذي سأله عنها والجواب على هذا أن يقال هذه المسألة مبنية على أصل وهو: هل يجوز للمفترض أن يصلى خلف المتنفل فهذه مسألةٌ خلافية بين أهل العلم منهم من يقول إنه لا يجوز للمفترض أن يصلى خلف المتنفل لأن صلاة المأموم هنا أعلى من صلاة الإمام ولا يمكن أن يأتم الكامل بالناقص ولأن الصلاتين مختلفتان وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) ومن العلماء من قال إنه يجوز أن يصلى المفترض خلف المتنفل ويستدلون لذلك بما ثبت في الصحيحين من أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى آخره ثم يرجع إلى قومه فيصلى بهم تلك الصلاة له نافلة ولهم فريضة ويقولون هذا يفعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر ودعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم لعله لم يعلم به غير قائمة لأننا نقول يبعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلم به لا سيما وقد شكي معاذٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتطويل الصلاة ثم على فرض أن يكون الرسول عليه الصلاة والسلام لم يعلم به فإن الله تعالى قد علم به ولو كان هذا أمراً منكراً لبينه الله سبحانه وتعالى فإن الله تعالى لا يقر على منكر ولهذا يفضح الله سبحانه وتعالى المنافقين بما أسروه في أنفسهم لأنه منكر وقد استدل الصحابة رضي الله عنهم على جواز عزل الرجل عن امرأته أثناء الجماع بأن القرآن ينزل ومعنى استدلالهم هذا أن ما أقره القرآن فهو جائز فهنا نقول فعل معاذ جائزٌ بإقرار الله تبارك وتعالى له ولا بد وهذا لا معارض فيه وإذا ثبت جواز صلاة المفترض بالمتنفل بالسنة الإقرارية التي أقرها الله تعالى في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم دل على أن القول بالمنع قولٌ ضعيف وعلى هذا فيجوز للرجل أن يصلى الفريضة خلف من يصلى النافلة وقد نص الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله على أن من فاتته صلاة العشاء وصلاها خلف من يصلى التراويح فإنه لا بأس به وعليه فنقول هذا الفعل الذي يفعله بعض الناس كما حكاه السائل فعلٌ جائز فيجوز للرجل إذا جاء وقد فاتته صلاة العشاء ووجدهم يصلون التراويح أن يدخل معهم بنية العشاء ولكل امرئٍ ما نوى ثم إذا سلم الإمام من التراويح أتم هو ما بقي من صلاة العشاء إن أدرك ركعتين في التراويح أتم بركعتين وإن أدرك ركعة من التراويح أتم بثلاث ركعات وأما القول بأن هذا من اختلاف النية ولا يجوز فنقول أن اختلاف النية لا يؤثر بدليل أن ائتمام المتنفل خلف المفترض جائزٌ حتى عند الذين يمنعون صلاة المفترض خلف المتنفل فيقولون لو صلى الإنسان متنفلاً خلف مفترض فلا بأس وعلى كل حال إذا فعلوا ذلك فلا بأس به إنما الذي أتوقف فيه هو انتظارهم الإمام حتى يدخل في التسليمة الثانية فيتمون الصلاة معه فإن هذا أتوقف فيه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) فإن ظاهره أن الإنسان يتم ما فاته مع إمامه وحده يعني ما ينتظر حتى يشرع الإمام في التسليمة الثانية وإنما نقول إذا سلم الإمام في الصلاة التي أدركته فيها فأتم ولا تنتظر حتى يدخل في صلاةٍ أخرى.
***
(8/2)

المستمع من القنفذة يقول في ليلة من ليالي رمضان المبارك قدم إلينا أناس فصليت بهم الفرض وجلسنا قليلاً ثم جاء أناس وقالوا لا يستطيع أحد منا يصلى إماماً بنا فصليت بهم الفرض مرة ثانية وأنا إمام مسجد ثم قمنا لصلاة التراويح فما حكم ذلك بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز لك أن تصلى بهؤلاء إماماً وإن كنت قد صلىت من قبل ودليل ذلك أن معاذ بن جبل رضي الله كان يصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلى بهم تلك الصلاة له نافلة ولهم فريضة فهذا العمل لا بأس به بل هو عمل جائز.
***
(8/2)

باب صلاة أهل الأعذار صلاة المريض
(8/2)

يقول السائل كيف يصلى ويتوضأ المريض؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما كيف يتوضأ فإن الواجب عليه أن يتوضأ بالماء إذا قدر على استعماله بلا ضرر لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) يعني واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين فإن كان الماء يضره أو كان غير قادر على استعماله فإنه يتيمم لقوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وكيفية التيمم أن يضرب الأرض بيديه ضربة واحدة ثم يمسح بهما وجهه وكفيه يسمح كفيه إحداهما بالأخرى هذه هي كيفية التيمم لمن لا يستطيع التطهر بالماء وإذا تيمم المريض فإن تيممه هذا يقوم مقام الوضوء فما دام باقياً على طهارته لم تنتقض بشيء من النواقض فإنه لا يلزمه إعادة التيمم حتى ولو بقي من الصباح إلى العشاء لأن الله سبحانه وتعالى قال بعد ذكر التيمم (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) والطهور بالفتح ما يتطهر به فدلت الآية الكريمة والحديث النبوي على أن التيمم مطهر إلا أن طهارته مؤقتة متى زال العذر المبيح للتيمم فإنه يجب عليه أن يستعمل الماء فلو تيمم عن جنابة لعدم الماء ثم وجد الماء فإنه يجب عليه أن يغتسل وإن لم تتجدد الجنابة ودليل ذلك حديث أبي سعيد الذي رواه البخاري مطولاً في قصة الرجل الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم معتزلاً لم يصل في القوم فسأله ما منعه أن يصلى في القوم فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليك بالصعيد فإنه يكفيك ثم جيء بالماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستقى الناس منه وارتووا وبقي منه بقية فأعطى هذا الرجل هذه البقية وقال له خذ هذا أفرغه على نفسك فدل ذلك على أن التيمم إنما يكون مطهراً في الوقت الذي يكون استعماله جائزاً وأما إذا زال العذر المبيح له فإن حدثه يعود عليه ويجب عليه استعمال الماء عند إرادة الصلاة وأما كيف يصلى المريض فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لعمران بن حصين (صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) فيجب على المريض أن يستقبل القبلة ويصلى قائماً ولو كان معتمداً على عصا أو على جدار أو على عمود أو نحو ذلك فإن لم يستطع القيام فإنه يصلى قاعداً وفي حال قعوده يكون متربعاً لا مفترشاً ويومئ بالركوع وفي السجود يسجد على الأرض إن تمكن فإن لم يتمكن أومأ بالسجود أيضاً ويجلس بين السجدتين وفي التشهد كما كان يجلس في العادة ويجب على المريض أن يتجنب في صلاته كل ما يتجنبه الصحيح من النجاسات وغيرها فيصلى في ثياب طاهرة ويصلى على فراش طاهر فإن كان عليه ثياب نجسة لا يتمكن من خلعها صلى فيها ولا إعادة عليه لعدم قدرته على خلع هذه الثياب إلا إذا كان يمكن أن يغسلها مثل أن تكون النجاسة في أسفلها ويمكن أن يغسلها فليغسلها وكذلك الفراش إذا كان متنجساً فإن الواجب عليه إزالته ليصلى على طاهر فإن لم تمكن إزالته بسط عليه شيئاًَ طاهراً وصلى عليه فإن لم يمكن ذلك صلى عليه ولو كان نجساً إن كان لا يمكنه أن يتحول عنه وكل هذه التسهيلات مأخوذة من قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقوله (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .
***
(8/2)

ما حكم صلاة المرأة وهي جالسة إذا كانت تعاني من آلامٍ في قدميها وهل الثواب في صلاة الجالس مثل القائم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإنسان امرأةً كان أم رجلاً يتألم إذا صلى قائماً ولا يحصل له الخشوع المطلوب فإنه يصلى جالساً لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمران بن حصين (صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) ولقول الله تبارك وتعالى في عموم هذا الحكم (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولقوله (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) وصلاتها جالسة إذا كان لعذر وقد كان من عادتها قبل أن تصاب بذلك أن تصلى قائمة فإن لها الأجر كاملاً لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً) هذا في الفريضة أما في النافلة فلا بأس أن يصلى الإنسان جالساً ولو كان قادراً على القيام إلا أنه إذا صلى جالساً مع القدرة على القيام يكون أجره على النصف من أجر صلاة القائم.
***
(8/2)

السائل يقول يؤدي الصلاة داخل المستشفى مع بعض المرضى في أوقاتها ولكن بعض المرضى يصلى وهو جالس والبعض الآخر يصلى على كرسي عربية أي جالس أيضاً هل في ذلك شيء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس في ذلك شيء إذا اتقوا الله ما استطاعوا وكانوا لا يستطيعون الصلاة قياماً فإنهم يصلون قعوداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين (صلِ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) .
***
(8/2)

السائلة أم علي من الطائف تذكر بأنها كبيرة في السن وكثيرة الأمراض وتصلى وهي جالسة فهل صلاتي صحيحة في مثل هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم صلاة العاجز عن القيام صحيحة ولو بقي سنوات لقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُو وَأَطِيعُوا) ولقول الله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) فإذا كانت هذه المرأة لا تستطيع أن تصلى قائمة فلتصل قاعدة فلا حرج عليها وصلاتها مقبولة وإذا كان من عادتها أنها تصلى قائمة في حال الصحة والقدرة وتركت ذلك عند العجز فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن من مرض أوسافر كتب له ماكان يعمل صحيحاً مقيماً) فيكتب لها أجرها حينما كانت صحيحة مقيمة.
***
(8/2)

السائل يقول شخص أعرج لا يقدر أن يصلى قائماً إلا أن يكون مستنداً على شيء كجدار أو عصا فهل يصلى في هذه الحالة قائماً أم قاعدا وهذا الشخص إذا قام في الركعة الأولى بمساندة الجدار أو العصا أو نحوها لم يستطع القيام في الركعة الثانية إلاَّ بمساعدة المصلى المجاور له أو عصاه فهل يجب عليه القيام في الصلاة في غير الركعة الأولى أو يجوز له الصلاة قاعداً وهل يجوز لمثل هذا الشخص أن يصلى كل صلاته قاعداً أم لا؟ وكيف نحدد المشقة التي تبيح للرجل الصلاة قاعداً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال ينبني على ما علم من القاعدة الشرعية العظيمة الأصيلة في هذه الشريعة وهي اليسر والسماحة والسهولة المبنية على قوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) وعلى قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) والقيام في الصلاة فرض في صلاة الفريضة دون النافلة وإذا كان فرضاً وجب على المرء أن يقوم به ما استطاع وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمران بن حصين (صلِّ قائماً فإن لم تسطع فقاعداً فإن لم تسطع فعلى جنب) فنقول لهذا الرجل إذا كنت تستطيع أن تصلى قائماً ولو معتمداً على عصاً أو جدار فإنه يجب عليك أن تصلى قائماً في الركعة الأولى وكذلك في الركعة الثانية يجب عليك أن تصلى قائماً ولو كنت معتمداً على عصا حين القيام لأن ذلك باستطاعتك وكذلك في الركعات التي بعد الثانية إذا كانت الصلاة أكثر من ركعتين وأما القدر الذي يبيح أن يصلى الرجل قاعداً فهو المشقة مثل أن يتعب تعباً شديداً يذهب به الخشوع وحضور القلب إذا صلى قائماً أو مثل أن يكون فيه دوخة إذا قام داخ وسقط وما أشبه ذلك فإنه حينئذ يكون معذوراً يسوغ له أن يصلى قاعداً وإذا صلى قاعداً فإنه يكون متربعاً في حال القيام وفي حال الركوع ويومئ بالركوع وإذا سجد فإنه يسجد على الأرض ويجلس بين السجدتين وفي التشهد، كما يجلس في العادة لكن القعود في حال القيام أو في حال الركوع يكون متربعاً فإن لم يتيسر له التربع صلى بحسب حاله.
***
(8/2)

السائلة من القصيم تقول أنا يوجد عندي ألم بأرجلي بصفة دائمة وخاصة بالمفاصل وهذا يعيق جلوسي بين السجدتين حيث إنني لا أستطيع الجلوس بل إنني أتكئ على يدي أما الجلوس للتشهدين فإنني أمد رجليّ وأجلس على كرسي وكذلك أفعل في السنن أفيدوني جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إفادتها أن تقرأ قول الله تبارك وتعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) وقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) فإن استطاعت أن تجلس الجلوس المعتاد في الصلاة فعلت وإن لم تستطع إلا متربعة فعلت وإن لم تسطع إلا معتمدة على يديها فعلت حسبما تستطع لأن الله سبحانه وتعالى غني عن تعذيب أنفسنا قال الله تعالى (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) فلتتق الله حسب استطاعتها لما ذكرنا من الآيات ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمران بن حصين (صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) .
***
(8/2)

سائلة تقول بأنها سيدة تعاني من آلامٍ في المفاصل وتصلى وهي قاعدة فهل يجب عليها في السجود أن تضع شيئاً أمامها لتسجد عليه أم ماذا تفعل في حالة السجود؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا أنا لا أرى أن يطلق كلمة سيدة على المرأة لأن هذا اسم مستحدث أتانا من قِبَل الغربيين الذين يقدسون النساء ويعطونهن مرتبة فوق المرتبة التي جعلها الله لهن وإنما يقال امرأة أو أنثى أو فتاة وما أشبهها هذه هي الألفاظ التي جاءت في الكتاب والسنة ولا ينبغي أن نعدل عما جاء به الكتاب والسنة لا سيما إذا كانت هذه الكلمة فيها إشعار بتخصيص المرأة وتنزيلها فوق منزلها وأما سؤالها عن الآم التي في مفاصلها وأنها لا تستطيع القيام فنقول إن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى عمران بن حصين فقال له (صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) فإذا كانت لا تستطيع القيام قلنا صلى جالسة وتكون في حال القيام متربعة كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم تومئ بالركوع وهي متربعة ثم إن إستطاعت السجود سجدت وإلا أومأت إيماء أكثر من إيماء الركوع وليس من السنة أن تضع مخدة تسجد عليها بل هذا إلى الكراهة أقرب لأنه من التنطع والتشدد في دين الله وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون) .
***
(8/2)

السائل عبد العزيز يقول جدتي كبيرة في السن وربما أتعبها الوقوف في الصلاة فتصلى النافلة وهي جالسة على الكرسي أما الفريضة فهي تصلىها وهي واقفة وتؤدي ركوعها وسجودها على الوجه الكامل والسؤال هل تأثم بالجلوس على الكرسي وإذا كانت لا تأثم فهل الأفضل في الصلاة أن تصلى على الأرض أم على الكرسي مع العلم بأن الكرسي أروح لها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما بالنسبة لصلاة الفرض فالأمر فيها واضح لأنها تؤديها كما ينبغي وأما بالنسبة للنافلة فإنها إذا كانت تريد أن تصلى جالسة فلتجلس على الأرض وتتربع أثناء القيام والركوع والقيام بعد الركوع ثم تسجد على الأرض وتجلس بين السجدتين مفترشة كالعادة فإذا سجدت السجدة الثانية جلست متربعة لأن التربع يكون في محل القيام وهذا بلا شك أفضل من الكرسي لأن الكرسي لا تتمكن معه من السجود على الأرض فيفوتها السجود والسجود إذا أمكن فإنه لا يجوز الإيماء بدلاً عنه وعلى هذا فنقول هذه الجدة إذا أرادت أن تتطوع في نافلة الصلاة فلتكن على الأرض وتعمل كما قلنا تتربع في محل القيام قبل الركوع وفي حال الركوع وفي حال القيام بعد الركوع وتفترش في الجلسة بين السجدتين والتشهدين وتسجد إلى الأرض.
***
(8/2)

السائل يقول لي أم لا تركع ولا تسجد في الصلاة بسبب آلام في المفاصل والأرجل وإنما تهز رأسها هل صلاتها صحيحة في مثل هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم صلاتها صحيحة من لم يستطع الركوع فليومئ به قائما ومن لم يستطع السجود فليومئ به قاعداً لقول الله تبارك وتعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) ولقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمران بن حصين (صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) .
***
(8/2)

السائل يقول إنني محافظ على الصلوات الخمس يومياً منذ حوالي أكثر من سنتين عندما أحلت على التقاعد ولكن عندما يؤثر المرض علي لا أتمكن من صلاة الفجر إلا في الساعة العاشرة أفيدوني بارك الله فيكم في هذا علماً أنني لا أستطيع من شدة المرض أو الصرع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تصلى الصلاة في وقتها على أي حال كنت حتى لو كنت مضطجعاً أو قاعداً وحتى لو كنت لا تستطيع أن تؤدي الركوع والسجود إلا بالإيماء برأسك فعليك أن تصلى بحسب حالك أما إذا كنت لا تستطيع إطلاقاً كما لو كنت في غيبوبة فإنه إذا كانت هذه الغيبوبة قد لزمتك من قبل طلوع الفجر حتى طلعت الشمس فإنه ليس عليك قضاء لأن هذا من زوال العقل ومن شروط وجوب الصلاة أن يكون الإنسان عاقلاً.
***
(8/2)

السائل يقول بعض المرضى يتركون الصلاة بحجة عدم القدرة على الطهارة فهل من كلمةٍ للإخوة المرضى وما الواجب عليهم تجاه ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على المريض أن يصلى الصلاة في وقتها وله أن يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء إذا شق عليه أن يصلى كل صلاةٍ في وقتها فيصلى
أولاً بالماء يتطهر بالماء فإن شق عليه أو خاف الضرر به تيمم هذه واحدة.
ثانياً يجب عليه أن يصلى قائماً فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب.
ثالثاً يجب عليه أن يصلى وهو طاهر الثوب والفراش وإن عجز صلى وإن لم يكن ثوبه طاهراً ولا فراشه طاهراً إذا لم يستطيع تغييرهما وكذلك إذا لم يكن عنده ماء ولا ما يتيمم به فإنه يصلى ولو بلا تيمم ولا ماء المهم أن لا يؤخر الصلاة عن وقتها بأي حالٍ من الأحوال.
***
(8/2)

هل يجوز للإنسان إذا كان مريضاً وعليه عدة أوقات من الصلوات أن يجمعها في وقت واحد ويصلىها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على المريض أن يصلى كل صلاة في وقتها إلا إذا شق عليه فله أن يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء وفي هذه الحال يصلى على حسب حاله يصلى قائما فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنب يصلى بالماء فإن لم يستطع فبالتراب فإن لم يكن عنده ماء ولا تراب صلى ولو بلا ماء ولا تراب على حسب حاله لقول الله تبارك وتعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) يومئ برأسه إذا كان يصلى على جنب فإن لم يستطع الإيماء بالرأس أومأ بالعين عند كثير من العلماء فإن لم يستطع صلى بقلبه يكبر ويقرأ ثم الركوع بقلبه والرفع بقلبه والسجود بقلبه والرفع منه بقلبه وهكذا المهم مادام العقل ثابتا فإن الصلاة لا تسقط ويصليها في وقتها على أي حال كان حسب استطاعته ويصلى كل صلاة في وقتها إلا إذا شق عليه فله الجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء المهم ألا يدع الصلاة وكثير من المرضى إذا كان لا يستطيع أن يصلى قاعدا أو أن يصلى على جنبه بالإيماء ترك الصلاة وقال إذا عافاني الله صلىت وهذا غلط كبير وهذا من الشيطان لأنه لا يدري فلعله لا يشفى لعله يموت فيكون قد ترك الصلاة عمدا والواجب كما أسلفنا آنفا أن يصلى على حسب الحال كثير من المرضى تكون ثيابه نجسة فيقول ثيابي نجسة فلا أصلى فيها حتى يشفيني الله وأغير الثياب هذا غلط أيضا نقول غير ثيابك إذا استطعت فإن لم تستطع صل فيها ولو كانت نجسة أليس هذا هو استطاعتك وقد قال الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فالمهم أن على المرضى أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم ويا حبذا لو جعل في كل مستشفى مرشد من أهل العلم يطوف في المرضى ويعلمهم كيف يصلون وكيف يتطهرون حتى يعبد الله على بصيرة لأن هؤلاء المرضى ما يدرى فلعل هذه آخر أيامهم فالواجب على المريض وغير المريض أن يسأل عن دينه ولهذا نقول إن تعلم العلم واجب فيما يحتاج الإنسان إليه فمن أراد الصلاة فعليه أن يتعلم كيف يصلى ومن عنده مال عليه أن يتعلم ما تجب فيه الزكاة من الأموال وكيف تصرف وإلى من تصرف ومن أراد الحج فعليه أن يتعلم الحج حتى يعبد الله على بصيرة أفليس الواحد منا إذا أراد أن يسافر إلى بلد ليس لها طريق معلوم أفليس يسأل نعم سوف يسأل ولا يمكن أن يخرج وهكذا الطريق إلى الجنة لابد أن تعلم عنه وكيف تسير إلى الله عز وجل.
وخلاصة القول أن نقول الواجب على المريض أن يصلى الصلاة في وقتها بالطهارة بالماء إن أمكن فإن لم يمكن فبالتيمم فإن لم يوجد ما يتيمم به فبدون تيمم بثياب طاهرة فإن عجز فبالثياب ولو نجسة ويصلى قائماً فإن عجز فقاعداً فإن عجز فعلى جنب فإن عجز عن تحريك رأسه فبعينيه على قول بعض العلماء يغمض للركوع قليلا وللسجود أكثر تغميضا فإن لم يفعل صلى بقلبه المهم ألا يؤخر الصلاة عن وقتها إلا إذا كان يشق عليه إفراد كل صلاة في وقتها وجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فله ذلك إما جمع تقديم وإما جمع تأخير على حسب ما يتيسر له.
***
(8/2)

السائل محمد عزاز السلمي يقول مريض وعمل له عملية جراحية وفاته عدة فروض فهل يصلىها جميعاً بعد ما يشفي أم يصلي كل فرض في وقته كالعصر مع العصر والظهر مع الظهر والمغرب مع المغرب وهكذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب يصليها جميعاً في آن واحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة العصر في غزوة الخندق قضاها قبل المغرب وهكذا يجب على كل إنسان فاتته صلوات أن يصلىها جميعاً ولا يؤخرها.
***
(8/2)

يقول مرضت لمدة أحد عشر يوماً ولم أصلِ هل عليّ كفارة في هذا وهل عندما أقضي هذه الأوقات تكون بإقامة واحدة لكل فرض أم بإقامة واحدة لكل الفروض؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً يجب أن نعلم أنه لا يجوز للمريض أن يؤخر الصلاة عن وقتها إلا إذا أراد الجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء لمشقة الصلاة في كل وقت بل يجب على المريض أن يصلى الصلاة في وقتها سواء كانت مجموعة إلى غيرها مما تجمع إليه شرعاً أم لا المهم أن لا يخرج الوقت حتى يصلى على أي حالٍ كان لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين (صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) فيؤمر المريض بالصلاة قائماً فإن لم يستطع فقاعداً فإن لم يستطع فعلى جنبه وإذا صلى قاعداً فإنه يكون متربعاً في حال القيام والركوع وفي حال السجود والجلوس يكون على الهيئة المعتادة هذا إن تيسر عليه وإلا جلس كيفما يتيسر له ولا فرق بين أن يجلس مستنداً أو متكئاً أو لا مستنداً ولا متكئاً فإن لم يستطع صلى على جنبه ويكون وجهه إلى القبلة ويومئ برأسه في الركوع والسجود ويكون إيماؤه في السجود أكثر فإن لم يستطع الإيماء بالرأس فإن كثيراً من أهل العلم يقول إنه يومئ بطرفه أي بعينه وأما الإيماء بالإصبع كما هو مشهور بين العامة فلم أعلم له أصلاً لا في السنة ولا في كلام أهل العلم فحينئذٍ فليس من المشروع أن تومئ بالأصبع أن تحرك الأصبع عند الركوع تحنيه قليلاً ثم عند السجود تحنيه أكثر لأن ذلك لم يرد فإن لم يستطع الإيماء المشروع فإنه ينوي بقلبه يكبر أولاً ثم يستفتح ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر ثم يكبر وينوي الركوع ثم إذا قال سمع الله لمن حمده ينوي الرفع وإذا سجد ينوي السجود وكذلك عند الرفع من السجود ينوي وهكذا المهم أنه إذا عجز عن الحركة ببدنه فإنه يتحرك بقلبه وينوي الأفعال بقلبه فإن لم يكن عنده شعور وضاع فكره فليس عليه صلاة ولا يلزمه قضاء هذا هو الواجب على المريض أما بالنسبة للسؤال الذي سأله السائل وأنه ترك أياماً لم يصلها فنقول إن عليه أن يتوب إلى الله ويستغفر وأن يقضي الصلوات التي فاتته فرضاً جميعاً ليس كما يظنه بعض العامة يصلى كل صلاةٍ مع مثلها بل يصلىها فرضاً جميعاً ويقيم لكل فريضة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع بين الصلاتين كان يؤذن أذاناً واحداً ويقيم لكل فريضة.
***
(8/2)

رسالة من الأردن بعث بها خليل بن أحمد من عمان يقول في رسالته لي والدة تبلغ من العمر خمسا وأربعين سنة كلما أرادت أن تصلى يأتيها أو يتهيأ لها شيء يحول بينها وبين الصلاة وحاولت العلاج كثيراً ولم يفلح العلاج وحتى عندما تذكر الله وتريد أن تصلى فإنها تمرض وتغيب عن الوعي ولا تدري بما حولها وهي تحب القرآن كثيراً وتسمع القرآن والأحاديث النبوية الشريفة وأنا أريد أن أسأل هل تسقط عنها الصلاة في هذه الحالة وما الواجب عليها أن تعمله والذي يتصور لها مثل الشيطان الكافر ولا يريد أن يجعل هذه المسلمة أن تصلى ووالدتي متشائمة من قلة الصلاة وتشعر بذنب كبير على ذلك نرجو الإفادة وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: علاج هذه المرأة كثرة ذكر الله تبارك وتعالى والاستعاذة من الشيطان الرجيم وقراءة آية الكرسي لأن كل هذه الأسباب مما يبعد الشياطين عنها ويحفظها الله منهم وأن تصبر وتصلى على أي حال كانت لتبرئ بذلك ذمتها ولتكسر سورة الشيطان حتى يبتعد عنها إذا رأى أن محاولته لصدها عن طاعة الله باءت بالفشل فإنه يخنس ويزول ويبعد عن المرء فنصيحتنا لها تتلخص في شيئين كثرة الذكر والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وقراءة آية الكرسي والثاني الصبر على ما ينالها من المشقة عند أداء الصلاة وفعل الطاعات فإنها بذلك سوف يزول عنها ما تجد إن شاء الله.
***
(8/2)

تقول المستمعة من الأردن إذا أصيب الإنسان بشلل تام في الجزء الأيمن من جسمه بحيث لا يستطيع الحركة ويبقى دائماً في فراشه نائماً على ظهره ونقوم بتقليبه فهل تجب عليه الصلاة وكيف يتوضأ علماً بأنه لا يستطيع البقاء على الطهارة وأنه في الحالات القليلة التي يستيقظ فيها لا يكون على وعي تام بمن حوله أرجو النصح والتوجيه في هذا السؤال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نسأل الله لنا وله العافية إذا كان المريض بهذه المثابة فإن كان عقله باقياً وجبت عليه الصلاة فعلى قدر استطاعته يصلى بالماء إن استطاع فإن لم يستطع فيصلى بالتيمم يومئ برأسه إذا كان لا يستطيع أن يركع ويسجد لقول النبي عليه الصلاة والسلام لعمران بن حصين (صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) أما إذا كان الإنسان لا يعقل وليس عنده عقل ولا تمييز فإن الصلاة تسقط عنه لأن المجنون رفع عنه القلم حتى يفيق ولا شك أنه إذا كان معه عقله وألزمناه بالصلاة وبما يجب لها من طهارة سيكون فيه مشقة على أهله ما دام مشلولاً لكن أهله يحتسبون الأجر عند الله ويصبرون وسيجعل الله لهم فرجاً ومخرجاً والخلاصة أنه إذا كان معه عقل يفعل ما يستطيعه من أركان الصلاة وواجباتها وإذا لم يكن معه عقله فلا صلاة له.
***
(8/2)

السائل من جدة يقول توفيت والدتي وقد كانت في أيامها الأخيرة لا تصلى وذلك بسبب أنها كانت على غير طهارة معظم وقتها أي إنها كانت لا تتحكم في نفسها وكانت تقول إن الصلاة تتطلب طهارة وهي فقدت هذا الشرط علماً بأنها كانت مريضة مرضاً شديداً وكانت ترقد على الفراش أكثر من شهر ولا تستطيع الحركة ومع ذلك كنت أوصيها بالصلاة لعلمي بأهميتها أفيدونا وانصحونا في هذا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أسأل الله تعالى أن يتجاوز عن هذه المرأة بما حصل منها من تفريط فإن الواجب على المريض أن يصلى الصلاة في وقتها إلا إذا كان يشق عليه فله أن يجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء ولا يحل له أن يؤخر الصلاة عن الوقت على أي حال كان فإذا كان عليه نجاسة أو على ثوبه أو على فراشه ولا يستطيع التخلص منها فإنه يصلى ولو في النجاسة وكذلك إذا كان حدثه دائماً أي إن البول يخرج منه دائماً أوالغائط أو الريح ولا يتحكم في ذلك فإنه يصلى ولو خرج منه شيء إلا أنه في هذه الحالة لا يتوضأ للصلاة إلا بعد دخول وقتها ثم إنه يجب عليه أن يصلى قائماً فإن لم يستطع فقاعداً وإن لم يستطع فعلى جنب فالأمر واسع وأما ما تعللت به هذه المرأة من أن الصلاة لا تكون إلا على طهارة فهذا صحيح أن الصلاة لا تكون إلا على طهارة لكن هذا في حال القدرة أما في حال العجز فقد قال الله تبارك وتعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) وقال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وعلى هذا فنقول إن ما اشتهر عند العامة من هذا القول الذي قالته المرأة إنها لا تريد الصلاة إلا على طهر قول باطل لا أصل له من الشرع ولا من كلام أهل العلم فالواجب أن يصلى المريض على حسب حاله وأن يأتي بما أوجب الله عليه في صلاته بقدر مستطاعه.
***
(8/2)

السائل عبد الكريم الزهراني من المدينة النبوية يقول في هذا السؤال أفتونا يا فضيلة الشيخ فيمن يعمل غسيل كلى هل خروج الدم أثناء غسيل الكُلى ينقض الوضوء وكيف يصوم ويصلى أثناء الغسيل الكلوي بالنسبة لكبار السن قد يتوافق غسيل الدم أثناء قيام الصلاة وجهونا في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما نقض الوضوء فانه لا ينقض الوضوء وذلك لأن القول الراجح من أقوال العلماء أن الخارج من البدن لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من السبيلين فما خرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء سواء كان بولاً أم غائطاً أم رطوبة أم ريحاً كل ماخرج من السبيلين فإنه ناقض للوضوء وأما ما خرج من غير السبيلين كالرعاف يخرج من الأنف والدم يخرج من الجرح وما أشبه ذلك فإنه لا ينقض الوضوء لا قليلهُ ولا كثيرهُ وعلى هذا فغسيل الكلى لا ينقض الوضوء أما بالنسبة للصلاة فإنه يمكن أن يجمع الرجل المصاب بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء وينسق مع الطبيب المباشر في الوقت بحيث يكون الغسيل لا يستوعب أكثر من نصف النهار لئلا تفوته الظهر والعصر في وقتيهما فيقول له مثلا أخر الغسيل عن الزوال بمقدار ما أصلى فيه الظهر والعصر أو قدمه حتى أتمكن من صلاتي الظهر والعصر قبل خروج وقت العصر المهم أنه يجوز له الجمع دون تأخير الصلاة عن وقتها وعلى هذا فلا بد من التنسيق مع الطبيب المباشر وأما بالنسبة للصيام فأنا في تردد من ذلك أحياناً أقول إن هذا ليس كالحجامة لأن الحجامة يستخرج منها الدم ولا يعود إلى البدن وهذا مفسد للصوم كما جاء به الحديث والغسيل يُخرج الدم ويُنظف ويعاد إلى البدن لكن أخشى أن يكون في هذا الغسيل مواد مغذيه تغني عن الأكل والشرب فإن كان الأمر كذلك فإنها تفطر وحينئذ إذا كان الإنسان مبتلى بذلك أبد الدهر يكون ممن مَرِضَ مرضاً لا يرجى برؤه فيطعم عن كل يوم مسكينا وأما إذا كان ذلك في وقت دون آخر فيفطر في وقت الغسيل ويقضي بعد ذلك وأما إذا كان هذا الخلط الذي يُخلط مع الدم عند الغسيل لا يغذي البدن لكن يصفي الدم وينقيه فهذا لا يفطر الصائم وحينئذ له أن يستعمل الغسيل ولو كان في الصوم ويُرجع في هذا الأمر إلى الأطباء.
***
(8/2)

إذا كان المريض من المحتمل أن يضطر للصلاة في البيت فهل صحيح بأنه لا يجوز له أن يشرع في الصلاة حتى ينتهي المؤذن من الأذان؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المريض إذا كان لا يستطيع أن يصلى مع الجماعة إلا بمشقةٍ شديدة فإنه يصلى في بيته للعذر لكنه لا ينبغي أن يصلى من حين أن يؤذن لأن المؤذن الآن لا يؤذن على العلامات الشرعية المعروفة إنما يؤذن على حسب التقويم أو على حسب الساعة فليتأخر قليلاً عن الأذان على الأقل خمس دقائق ثم يصلى ولا فرق في هذا بين المريض وغيره تأخره عن الأذان لمدة خمس دقائق احتياطاً أولى لأننا أولاً لسنا نشاهد العلامات الحسية التي وضعها الشارع علامات على الوقت ثانياً الساعات تختلف فبعضها يقدم وبعضها يؤخر فاحتياط الإنسان لمدة خمس دقائق بعد الأذان أولى وأحرى وأبرأ وأسلم لذمته.
***
(8/2)

السائلة من الرياض تقول توفيت والدتنا قبل مدة وقبل وفاتها بأربعة أيام لم تستطع أثناءها أداء الصلاة في ذلك الوقت وذلك لعدم مقدرتها على الحركة ولعدم مقدرتها على الوضوء ولتواجدها في المستشفى أيضاً ولم يسمح لنا بأن نحضر لها صعيداً طيباً لكي تتيمم به وسؤالنا هل تقضى الصلاة عنها أم تلزمنا كفارة لذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة لا تقضى عن المريض إذا مات ولكني أقول لهذه السائلة ولكل مستمع إلى هذا البرنامج أقول إن هذه المشكلة تواجه كثيراً من المرضى تجده يكون متعباً من مرضه ولا يجد ماء ًيتوضأ به ولا يجد تراباً يتيمم به وربما تكون ثيابه ملوثة بالنجاسة فيفتي نفسه في هذه الحال أنه لا يصلى وأنه بعد أن يبرأ يصلى وهذا خطأ عظيم والواجب على المريض أن يصلى بحسب حاله بوضوء إن أمكن فإن لم يمكن فبتيمم فإن لم يمكن فإنه يصلى ولو بغير تيمم ثم يصلى وثيابه طاهرة فإن لم يمكن صلى بها ولو كانت نجسة وكذلك بالنسبة للفراش إذا كان طاهراً فإن لم يمكن تطهيره ولا إزالته وإبدال غيره به ولا وضع ثوب صفيق عليه فإنه يصلى عليه ولو كان نجساً وكذلك بالنسبة لاستقبال القبلة يصلى مستقبل القبلة فإن لم يستطع صلى بحسب حاله والمهم أن الصلاة لا تسقط ما دام العقل ثابتاً فيفعل ما يمكنه حتى لو فرض أنه لا يستطيع الحركة لا برأسه ولا بعينه فإنه يصلى بقلبه وأما الصلاة بالإصبع كما يفعله العامة فهذا لا أصل له فإن بعض العوام يصلى بإصبعه وهذا ليس له أصل لا من السنة ولا من كلام أهل العلم والمهم أنه يجب على المريض أن يصلى بحسب حاله لأن الله يقول (فاتقوا الله ما استطعتم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .
***
(8/2)

أيضا يقول كثيرٌ من المرضى يؤدي الصلاة على سريره حيث لا يقدر على التحرك أو الحركة ويكون على غير طهارة ومنهم من يكون على غير القبلة ما حكم صلاة هؤلاء المرضى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ينبغي أن نعلم القاعدة العامة في الشريعة التي دل عليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهي أنه على المسلم أن يتقي الله تعالى ما استطاع فكل واجبٍ يجب عليه لكن بقدر استطاعته إذا عجز عنه سقط قال الله سبحانه وتعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وقال سبحانه وتعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) وقال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم) فهؤلاء المرضى الذين أشار إليهم الذين يصلون على سررهم وبثيابٍ غير طاهرة وغير مستقبلي القبلة كل هؤلاء إذا كانوا قد فعلوا ما يستطيعون من الواجبات في صلاتهم فإن ما عجزوا عنه معذورون فيه غير مكلفين به ولا آثمين في تركه.
***
(8/2)

بارك الله فيكم هذا المستمع محمد محمد مصري يعمل بالعراق يقول بأنه مواطن مصري حدث له إصابة مما تسبب له المكوث في الجبس لمدة أكثر من شهرين وبعدها كان العلاج الطبيعي وذلك مما سبب له تعبا نفسيا ومشقة في عملية الوضوء يقول بأنه ترك الصلاة لفترة أربعة أشهر تقريباً والآن يحمد الله بأنه مواظب على الصلاة بعد أن تماثل للشفاء فهل عليه كفارة وهل يجوز له هذا وما نصيحتكم له مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان تركه للصلاة على أنه سيقضيها بعد أن يشفيه الله فعليه قضاؤها لأنه أخرها بنية القضاء على أنه معذور أي يعتقد أنه معذور بتأخيرها وأما إذا كان تركها تهاوناً فإنه لا ينفعه قضاؤها لأن العبادة المؤقتة بوقت إذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها فإنها لا تجزئه ولا تبرأ بها ذمته وإنني أقول كان الواجب على هذا الرجل أنه صلى الصلاة في وقتها وفعل ما يقدر عليه من واجباتها وقد ابتلي كثير من الناس في مثل هذه الحال إذا مرت به الصلاة وهو على حال لا يستطيع أن يقوم بها على الوجه الأكمل قال:أؤخرها حتى أشفى وأستطيع أن أقضيها على ما ينبغي فنقول هذا خطأ عظيم جداً فالواجب أن يصلى الصلاة في وقتها ويفعل ما يقدر عليه من شروطها وأركانها وواجباتها لقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقوله (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) وتقع مثل هذه الحال في المرضى الذين تكون ثيابهم نجسة ولا يستطيعون خلعها فتجدهم يقولون نؤخر الصلاة حتى نبرأ ونشفى من المرض ثم نطهر الثياب ونصلى وهذا غلط فالواجب عليهم أن يصلوا ولو كانت ثيابهم متلوثة بالنجاسة إذا كانوا لا يقدرون على إزالة هذه النجاسة بالغسل أو بتغيير الثياب.
***
(8/2)

صلاة المسافر
(8/2)

جمال عبده أحمد مدرس يمني يقول في رسالته ما هي رخص السفر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: رخص السفر:
أولاً صلاة الرباعية ركعتين فيصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين والعشاء ركعتين.
ثانياً الفطر في رمضان ويقضيه عدة من أيام أخر.
ثالثاً المسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليها ابتداء من أول مرة مسح.
رابعاً سقوط المطالبة براتبة الظهر والمغرب والعشاء فأما راتبة الفجر وبقية النوافل فإنها باقية على مشروعيتها واستحبابها فيصلى المسافر صلاة الليل وسنة الفجر وركعتي الضحى وسنة الوضوء وركعتي دخول المسجد وركعتي القدوم من السفر فإن من السنة إذا قدم الإنسان من السفر أن يبدأ قبل دخول بيته بدخول بيت الله المسجد فيصلى فيه ركعتين وهكذا بقية التطوع بالصلاة فإنه لا يزال مشروعاً بالنسبة للمسافر ما عدا ما قلت أولاً وهي راتبة الظهر وراتبة المغرب وراتبة العشاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلى هذه الرواتب الثلاث.
***
(8/2)

السائل مسفر بن ضني العتيبي من الرياض يقول يا فضيلة الشيخ إذا سافر المسلم مسافة قصر ووصل إلى بلد غير بلد إقامته ويريد أن يقصر الصلاة فيها هل له ذلك أم يلزمه حضور الجماعة في المسجد الذي في هذا البلد أفيدونا وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يلزمه حضور الجماعة في المسجد لأن الأدلة الواردة في وجوب حضور الجماعة عامة ليس فيها تخصيص وإذا كان الأمر كذلك فإن الواجب الأخذ بالعموم وقد استدل النبي صلى الله عليه وسلم على العموم بما يرد من صيغه حينما سئل عن الحمر فقال صلى الله عليه وسلم (لم ينزل علي فيها إلا هذه الآية العامة الفاذة وهي قوله تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه) فالعموم شامل لجميع أفراده والمسافر مؤمن فيجب عليه حضور الجمعة وحضور الجماعة ما دام في بلد تقام فيه الجمعة والجماعة.
(8/2)

فضيلة الشيخ: كيف إذاً يقصر الصلاة وهو يحضر مع الجماعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقصر الصلاة فيما لو فاتته الصلاة أو كان في محل بعيد عن المساجد يشق عليه الحضور ويخشى إذا ذهب عن رَحْلِه من أن يخلفه عليه أحد وما أشبه ذلك مما يُعذر به عن حضور الجماعة وأما بدون عذر فيجب عليه حضور الجماعة.
***
(8/2)

هذا المستمع نور الدين ع من حفر الباطن يقول في سؤاله هل القصر في صلاة السفر جائز أم لا وكذلك الجمع والقصر في الصلاة مع إعطاء الدليل في ذلك من الكتاب والسنة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القصر في الصلاة للمسافر مشروع مؤكد ويكره للإنسان أن يتم في حال السفر بل إن بعض أهل العلم قال إن القصر في السفر واجب وإنه لو أتم فإن صلاته تبطل وقد ذكر الله ذلك في كتابه وكذا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أما في القرآن فقد قال الله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً) فقوله إذا ضربتم في الأرض يعني سافرتم فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إنما نفى الجناح لئلا يتوهم متوهم أن قصر الصلاة محرم لما فيه من نقص عدد ركعاتها فنفى الله ذلك إلا أنه قيده عز وجل بقوله إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وقد سأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الشرط فإن ظاهره أن القصر لا يجوز إلا في حال الخوف دون حال الأمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) يعني القصر في حال الأمن وأما الدليل من السنة ففي حديث عائشة رضي الله عنها كانت الصلاة أول ما فرضت ركعتين فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى وكذلك ثبت بالسنة الفعلية المستفيضة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر الصلاة في سفره وعلى هذا فالقصر مشروع مؤكد جداً للمسافر ويكره للإنسان أن يتم أما الجمع فإنه من باب الجائز فيجوز للمسافر أن يجمع بين الصلاتين اللتين تجمع إحداهما إلى الأخرى وهما صلاة الظهر والعصر أو صلاة المغرب والعشاء إلا أنه إذا كان قد جد به السير واستمر في سيره فالأفضل أن يجمع لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك فإن تحرك قبل أن تزول الشمس أخر الظهر إلى العصر وإن تحرك بعد أن تزول الشمس قدم العصر مع الظهر وكذلك يقال في المغرب والعشاء إن تحرك قبل الغروب أخر المغرب إلى العشاء وإن تحرك بعد الغروب قدم العشاء مع المغرب أما إذا كان المسافر نازلاً كما لو كان قائلاً في مكان أو نازلاً في الليل أو ما أشبه ذلك فإن الأفضل ألا يجمع وإن جمع فلا حرج فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في تبوك وهو نازل وكذلك ظاهر حديث أبي جحيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم حين كان نازلاً بالأبطح في حجة الوداع خرج صلى الله عليه وسلم من قبته فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين فظاهر هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما في وقت واحد وهذا هو الجمع لكن إذا كان المسافر في بلد وسمع المؤذن فإنه يجب عليه أن يجيب المؤذن وأن يصلى مع الناس وإذا صلى مع الإمام لزمه الإتمام لأنه من صلى خلف من يتم لزمه الإتمام وإن كان مسافراً.
***
(8/2)

إذا صلى المسافر صلاة الظهر مع جماعة مقيمين بدون قصر هل يجوز له أن يجمع ويقصر العصر أم يصلى العصر جمعاً بدون قصر أم يصلىها في موعدها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإنسان مسافراً وصلى خلف إمام يتم فإنه يجب عليه الإتمام سواء أدرك الصلاة من أولها أم من آخرها وإذا كان يريد أن يجمع فإنه يجمع الصلاة بعد أن يقضي ما يجب عليه من الصلاة الأولى ويقصرها لأن وجوب الإتمام عليه في الصلاة الأولى إنما كان من أجل ائتمامه بمن يتم فإذا صلى وحده بعد انتهاء الصلاة الأولى فإنه يقصر الصلاة.
***
(8/2)

السائل عزت جودت مصري الجنسية مقيم بالمملكة يقول صلىت الخمسة الفروض يوم التروية يوم الثامن من ذي الحجة كل فرض أربع ركعات والمغرب ثلاثا ولكن أعلمني أحد الإخوان بأنه لابد أن يكون قصراً فما حكم ذلك أيضاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاتك صحيحة لأنك أتممت في موضع القصر ولكن السنة أن المسافر يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين وإن أتم فإن صلاته ناقصة وليست بباطلة ولكن إذا كان الإنسان جاهلاً كحالك فإننا نرجو أن يوفيك الله أجرك كاملاً لأنك مجتهد ولم تفعل شيئاً محرماً وإنما فعلت شيئاً مفضولاً فقط.
***
(8/2)

السائلة أم عبد الرحمن المنطقة الشرقية تقول في سؤالها من الأمور التي يصعب على المسلم فهمها الأمور الفقهية المتعلقة بالسفر إذ إن البعض يرى اختلاف السفر في هذه الأيام عن الأيام التي كان يعيشها الرسول صلى الله عليه وسلم فيرى البعض أنه لا مشقة في السفر إن كان بقصد زيارة الأهل أو الأقارب في مدينة يتوفر فيها ما يتوفر في المدينة التي يسكن بها المسافر كما أن وسائل النقل في الأيام الحالية وسائل مريحة لانصب فيها ولا تعب لذا فنود من فضيلة الشيخ أن نتعرف هل للمسافر سفر زيارة أو سياحة أو دراسة أو نحو ذلك الترخص برخص السفر أو لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن الرخص التي ثبتت في السفر جاءت على سبيل الاطلاق بدون قيد المشقة قال الله عز وجل (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ا) وهذا القيد أعني قوله تعالى (إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) قد ثبت أنه قيد نسخ وتصدق الله على عباده فأباح لهم القصر مطلقاً وكان آخر سفرة سافرها النبي صلى الله عليه وسلم سفره لحجة الوداع وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقصر وهو آمن ما يكون وبناء على ذلك فإن هذه الرخصة التي وردت عامة بدون قيد ثابته سواء وجدت المشقة أم لم توجد ما دامت حقيقة السفر قد وجدت فمتى كان الإنسان مسافراً فإنه يحل له أن يترخص برخص السفر كلها من الفطر في رمضان وقصر الصلاة الرباعية والمسح على الخفين والجوارب ثلاثة أيام بلياليها حتى وإن كان الإنسان مسافراً إلى زيارة أقاربه أو أصهاره أو أصحابه وبقي في البلد التي هم فيها فإنه يقصر ما دام في هذه البلد لكن إذا كان الإنسان رجلاً فإنه يجب عليه أن يحضر صلاة الجماعة في المساجد فإن قدر أن فاتت أو كان ليس حولهم مسجد قريب فإنه يصلى ركعتين أما النساء فإنهن يصلىن ركعتين لأنهن لسن من أهل الجماعة.
***
(8/2)

في حالة السفر فإن المسافر يجوز له أن يقصر ويجمع فهل يجوز له أن يقصر بدون جمع أو يجمع بدون قصر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: السنة أن يقصر وتتأكد هذه السنة حتى إن بعض أهل العلم يقول إن القصر واجب وأما الجمع فليس بواجب وليس بسنةٍ فيما إذا كان مقيماً أما إذا كان سائراً فإنه يجمع حسب الأيسر له إن كان الأيسر أن يجمع جمع تقديم جمع جمع تقديم وإن كان الأيسر أن يجمع جمع تأخير جمع جمع تأخير، فصار القصر سنة مؤكدة فلا يترك والجمع سنة لمن كان سائراً فإنه يجمع جمع تقديم أو تأخير حسب ما تيسر له أما من كان ما كثاً في مكان فإنه لا يجمع وإن جمع فلا بأس.
***
(8/2)

هل يجوز قصر صلاة الظهر والعصر إلى ركعتين في السفر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإنسان في سفر فإنه يطلب منه طلباً حثيثاً أن يقصر الصلاة الرباعية فيصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين والعشاء ركعتين أما المغرب فلا تقصر لأنها وتر النهار وأما الفجر فلأنها ركعتان في الأصل ولكن إذا كان في بلد وسمع الأذان فإنه لا بد وأن يحضر إلى المسجد لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب) وقوله صلى الله عليه وسلم (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) والسفر ليس بعذر ولهذا أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلى بالناس جماعة في حال الحرب فقال تعالى (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) فأوجب الله تعالى صلاة الجماعة في حال الحرب ففي حال الأمن والرخاء من باب أولى وقد ظن بعض الناس أن المسافر لا يجب عليه صلاة الجماعة فتجده إذا مررت به وقلت اذهب للمسجد صل يقول إنه مسافر وهذا ليس بعذر نعم لو كان قد جمع وقدم إلى المدينة وأذن ففي هذه الحال نقول إنها سقطت عنه الصلاة فلا يلزمه إعادتها مرةً أخرى
***
(8/2)

هل يجب القصر في الصلاة والجمع وذلك للمسافر أم هو سنة وإذا لم يقصر ويجمع فهل عليه شيء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القصر في الصلاة للمسافر مؤكد جدا جدا ولو قيل بالوجوب لم يكن بعيدا لكن الصحيح بعد أن تأملت أن القصر ليس بواجب ودليل ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون خلف عثمان بن عفان حين صار يتم الصلاة في منى ولم يعيدوا الصلاة ولو كان القصر واجبا ما تابعوه على الأربع فالصواب أنه ليس بواجب لكنه سنة مؤكدة جدا ما دام الإنسان في سفر فلا يزيد في الرباعية على ركعتين أما الجمع فهو مسنون إذا كان الإنسان يسير يعني قد جد به السير فالسنة أن يجمع حسب الأرفق به إما جمع تقديم وإما جمع تأخير أما إذا كان المسافر نازلا فإن الأفضل أن لا يجمع وإن جمع فلا بأس فصار الجمع يختلف عن القصر: القصر سنة مؤكدة جدا جدا ما دام الإنسان على سفر وإن طالت مدة سفره والجمع إن كان سائرا يعني على الطريق فالأفضل أن يجمع حسب الأرفق به إما جمع تقديم وإما جمع تأخير وإن كان نازلا فإن الأفضل أن لا يجمع وإن جمع فلا بأس بقي لو أن الإنسان أتم ولم يجمع في السفر لقلنا هذا جائز لكنه خلاف السنة، فالسنة أن يقصر في السفر على كل حال وأن يجمع إذا دعت الحاجة إلى الجمع.
***
(8/2)

هل يجوز للمسافر أن يأتي بالصلاة كاملة أو يجب عليه أن يقصرها وإذا لم يقصر هذه الصلاة هل يكون عليه إثم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يرى بعض أهل العلم رحمهم الله أن قصر المسافر للصلاة الرباعية واجب وأنه إن أتمها بطلت صلاته كما لو صلى الظهر خمساً ويرى آخرون أن القصر سنة مؤكدة وليس بواجب وأن الإنسان لو أتم وهو مسافر كان غير مصيب للسنة لكن صلاته لا تبطل وهذا القول هو الأصح أن القصر ليس بواجب ولكنه سنة مؤكدة ويدل لذلك أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه لما أتم الصلاة في منى وكره ذلك من كره من الصحابة رضي الله عنهم حتى إن ابن مسعود رضي الله عنه لما بلغه ذلك قال إنا لله وإنا إليه راجعون لكنهم رضي الله عنهم كانوا يصلون خلفه أربعاً ولو كان القصر واجبا ما صلوا خلفه أربعاً لأنه إذا كان القصر واجبا فإن من زاد عليه بطلت صلاته ولا يمكن أن يصلوا خلفه أربعا على وجه تبطل به صلاتهم وهذا مما قوى عندي القول بأن قصر المسافر للصلاة ليس بواجب وإنما هو سنة مؤكدة.
***
(8/2)

السائل أ. ع من الرياض يقول إذا صلى المسافر مأموماً في صلاة رباعية مع إمام مقيم وقد فاتته الركعتان الأوليان فهل يجوز بأن يكتفي بالركعتين الأخيرتين مع هذا الإمام على أنها صلاة قصر أو أدرك الصلاة من أولها فهل يجوز له أن يجلس بعد الركعة الثانية حتى ينهي الإمام صلاته فيصلى معه وتكون صلاته قصراً أم يلزمه اتباع إمامه في كل حالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا يسأل عن الرجل المسافر إذا صلى خلف المقيم هل يلزمه الإتمام أو يجوز أن يقتصر على ركعتين والجواب أنه يجب على المسافر إذا ائتم بالمقيم أن يتم صلاته سواء أدرك الإمام في أول الصلاة أو أدرك الركعتين الأخيرتين فقط وذلك لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به) وقوله صلى الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) ولأن ابن عباس سئل عن الرجل المسافر يكون خلف الإمام يصلى أربعاً فقال تلك هي السنة وقول الصحابي عن أمر من الأمور إنه من السنة أو هذا هو السنة له حكم الرفع فيجب على المسافر إذا ائتم بالمقيم أن يتم أربعاً سواءً دخل مع الإمام في أول الصلاة أم في الركعة الثالثة أو في الرابعة وأما بالعكس لو صلى المقيم خلف إمام مسافر فإنه يجب عليه أن يتم أربعاً بعد سلام الإمام المسافر فإذا صلى الإمام المسافر ركعتين وأنت مقيم فإذا سلم فأتم ما عليك.
***
(8/2)

السائل محمد حسن يحيى اليماني من ناحية الحديدة في اليمن يقول هل يجوز للمسافر إذا أراد الخروج من مكانه الذي كان مقيماً فيه أن يقصر ويجمع مثل العصر مع الظهر إلى آخره؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً المسافر له رخص معلومة وهي قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين فالقصر لا يجوز للمسافر أن يقصر إلا إذا خرج من بلده فما دام في بلده ولو كان عازماً على السفر ولو كان قد حَّمَل متاعه وعفشه فإنه لا يجوز له أن يقصر حتى يخرج من البلد وأما الجمع فإنه ليس من خصائص السفر بل الجمع تبيحه الحاجة إليه سواء كان الإنسان في السفر أو كان الإنسان في الحضر وعلى هذا فإذا كان الإنسان يعرف أنه لا يمكنه أن يصلى في سفره لكونه مثلاً في طائرة والطائرة لا يتأتى له أن يصلى فيها فيقول سأجمع العصر إلى الظهر حتى لا يبقى علي صلاة إلا المغرب مع العشاء ولنفرض مثلاً أن سفر الطائرة سيكون ست ساعات وهو الآن في وقت الظهر وهو في بلده فيجب أن يجمع العصر إلى الظهر ثم يجمع المغرب إلى العشاء جمع تأخير يكون في الظهر والعصر جَمَعَ جمع تقديم ولو كان في بلده ولا حرج عليه في هذا لأن صلاة العصر في وقتها لا تتسنى له وهو في الطائرة ويكون عليه فيه حرج وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة وأيضاً من حديث جابر أن الرسول عليه الصلاة والسلام جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر وسئل ابن عباس عن ذلك فقال أراد ألا يحرج أمته فعلى هذا نقول هذا الرجل الذي يلحقه حرج بترك الجمع له أن يجمع ولكنه لا يقصر الصلاة لأنه لم يخرج من بلده.
***
(8/2)

مامعنى الحديث الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا خرج عليه الصلاة والسلام لم يزد على ركعتين حتى يرجع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا أيضاً صحيح وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من المدينة لم يزد على ركعتين حتى يرجع سواءٌ كان في الغزو أو في الحج أو في العمرة لأن الإنسان إذا خرج من بلده فهو مسافر حتى يرجع إليها إلا إذا نوى الإقامة في البلد الذي سافر إليه إقامةً مطلقة غير محددة أو نوى الاستيطان والانتقال من بلده إلى هذا البلد الآخر الجديد فإنه يكون له حكم أهل البلد الذي سافر إليه ثم لو عاد إلى بلده بغير نية الاستيطان فهو مسافر في بلده ولهذا قصر النبي صلى الله عليه وسلم في مكة مع أنها كانت بلده الأول وهذا كثيراً ما يحدث ويقع فيه التساؤل أن الإنسان يستوطن بلداً جديداً غير بلده الأول فهل إذا رجع إلى بلده الأول يكون في حكم المسافر أو يكون في حكم المستوطن المقيم نقول إنه يكون في حكم المسافر ودليله ما أشرنا إليه ولا فرق بين أن يكون قد تزوج في بلده الأول الذي تركه واستوطن غيره أو لم يتزوج لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقصر في مكة مع أنه قد تزوج فيها وأتاه أكثر أولاده وهو في مكة.
***
(8/2)

يعتقد البعض في سفره أن النوافل أو السنن او الرواتب تسقط عنه فما تعليقك على هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن المسافر لا يسقط عنه شيء من النوافل بل النوافل مشروعة في حقه كما هي مشروعة في حق المقيم فيصلى الضحى ويتهجد في الليل ويصلى تحية المسجد ويصلى سنة الوضوء ويسجد للتلاوة ويفعل كل ما يفعله المقيم إلا ثلاث صلوات رواتب فإنه لا يصلىها وهي راتبة الظهر وراتبة المغرب وراتبة العشاء فإنه لا يصلى لهذه الصلوات الثلاث رواتب لأن السنة تركها ولكن لو صلى قبل الظهر تطوعاً لا بقصد الراتبة فلا بأس ولو صلى بعد الظهر تطوعاً لا بقصد الراتبة فلا بأس وكذلك لو صلى بعد المغرب تطوعاً لا بقصد الراتبة فلا بأس وكذلك بعد العشاء المهم أن جميع النوافل لا تسقط عن المسافر بل هو فيها كغيره كالمقيم سواء إلا هذه النوافل الثلاث راتبة الظهر وراتبة المغرب وراتبة العشاء فإن السنة تركها ولكن لو تنفل تطوعاً لا بقصد الراتبة في هذه الأوقات فلا حرج عليه لكن العصر ليس لها راتبة من الأصل.
***
(8/2)

كنت مسافراً من الرياض إلى بلدةٍ بعيدة وكنت أقصر الصلاة وذات يوم عزمت على السفر إلى بلدة قريبة منها فهل يجوز لي جمع المغرب والعشاء جمع تقديم أو تأخير وإذا كان يجوز فأيهما أفضل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز لك أن تقصر ما دمت لم ترجع إلى بلدك ويجوز لك كذلك أن تجمع لأن الجمع من رخص السفر والقصر من عزائمه وسننه المؤكدة جداً حتى قال بعض أهل العلم إنه من فرائض السفر،وإن المسافر يجب أن يقصر ولكن إذا كنت في بلد فإنه يجب عليك حضور الجماعة إذا سمعت النداء لعموم الأدلة الموجبة لمن سمع النداء أن يحضر وإذا حضرت وصلىت مع الإمام المقيم وجب عليك إتمام الصلاة أما بالنسبة للجمع فيجوز لك أن تجمع في سفرك كما أشرنا إليه لكن الأفضل في الجمع أن لا يجمع المسافر إلا إذا احتاج إلى الجمع مثل أن يكون قد جد به السير فيحب أن يواصل مسيره فيجمع في وقت الأولى أو يؤخر إلى وقت الثانية حسبما يكون أرفق به وأيسر لمسيره وعلى هذا فإذا أردت أن تنتقل من البلدة التي سافرت إليها من الرياض إلى بلدةٍ أخرى قريبة منها وأردت أن تواصل سفرك ما بين البلدتين فلا حرج عليك أن تجمع جمع تقديم في البلدة قبل أن تسير إلى البلدة الثانية ويجوز لك أن تؤخر فتجمع جمع تأخير حين تصل إلى البلدة الثانية إن وصلت إليها قبل خروج وقت الصلاة الثانية وإلا جمعت في أثناء سيرك المهم أن المسافر يجوز له الجمع وتركه أفضل إلا أن يكون أرفق به فإنه حينئذٍ يكون مشروعاً ومستحباً والأفضل أن تجمع جمع تقديم أو تأخير حسب ما يتيسر لك فالأفضل في حقك هو الأيسر في مسيرك.
***
(8/2)

متى يكون الجمع في الصلاة ومتى يكون القصر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القصر ليس له إلا سبب واحد وهو السفر فمتى كان الإنسان مسافرا فإنه يقصر سواء طالت المدة أم قصرت لكن إذا صلى مع إمام يتم وجب عليه الإتمام وإذا كان في بلد وجب عليه أن يحضر الجماعة ويتم وأما الجمع فسببه المشقة فمتى حصلت مشقة بترك الجمع جاز الجمع لأي سبب من الأسباب حتى إن العلماء رحمهم الله قالوا إنه يجوز الجمع للحامل إذا شق عليها أن تصلى كل صلاة في وقتها وللمرضع إذا كان صبيها يبول عليها ويشق عليها غسل ثيابها لكل صلاة وما أشبه ذلك فالحاصل أن الجمع له سبب واحد وهو المشقة لكن صوره كثيرة وأما القصر فليس له إلا السفر فقط لو فرض أن إنسانا مريضا في المستشفى فله أن يجمع بين الصلاتين إذا شق عليه إفراد كل صلاة في وقتها ولكنه لا يقصر لأنه في بلده ولو كان في مستشفى في بلد آخر جاز له أن يجمع ويقصر لأنه مسافر.
***
(8/2)

يقول السائل إذا وصل إلى المدينة التي يريدها مثلا في وقت صلاة العشاء ولم يكن صلى المغرب في وقتها بل أخرها إلى وقت العشاء فهل يلزمه أن يصلىهما في أول وقت العشاء نظرا لطول وقته أم لا بأس بتأخيرها ولو إلى آخر وقت العشاء ثم بالنسبة لصلاة العشاء هل يصلىها قصراً مع الجمع أم يتمها مع الجمع إذا كانت إقامته طويلة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ما دامت البلد التي وصل إليها ليست بلده وإنما هي بلد آخر سافر إليه ليقضي حاجة منه ثم يرجع إلى بلده فإنه إذا وصل إلى البلد في وقت المغرب فله أن يؤخرها فيصلىها مع العشاء جمعا فيقصر العشاء إلى ركعتين لأنه مسافر وإن وصل إلى البلد الذي يريده ما دام من نيته أن يرجع إلى بلده إذا انتهت حاجته ولكن الذي نرى أنه إذا كان في بلد تقام فيه الجماعة ويسمع فيه الأذان أنه يجب عليه أن يذهب إلى المسجد ويصلى مع الناس وحينئذٍ لابد له من الإتمام لأنه ائتم بمن يتم وهو مسافر فإنه يجب عليه الإتمام تبعاً لإمامه لقوله صلى الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) ولأن ابن عباس سئل عن هذا فقال (تلك هي السنة) أي إتمام المسافر خلف من يصلى أربعاً.
(8/2)

فضيلة الشيخ: هل نحدد مدة الإقامة بأيام معينة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم يبلغ نحو عشرة أقوال وأصح الأقوال فيها عندي ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أنه لا تحديد للمدة التي ينقطع بها حكم السفر ما دام هذا الرجل عازما على أنه متى انتهى شغله رجع إلى بلده فهو مسافر لم يتخذها وطناً ولا مقراً هذا هو الذي نراه في هذه المسألة وقد تأملت كثيراً ما استدل به المحددون فلم أر فيه ما يدل على التحديد وإنما هي مدة وقعت اتفاقاً لا قصداً وما وقع اتفاقاً فإنه لا يعتبر تشريعاً مثال ذلك أن الذين حددوها بأربعة أيام استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة عام حجة الوداع وبقي أربعة أيام وخرج في اليوم الثامن إلى منى وكان يقصر الصلاة في هذه المدة حتى رجع إلى المدينة كما ذكره أنس بن مالك رضي الله عنه قالوا فهذا دليل على أن المدة التي لا ينقطع بها حكم السفر أربعة أيام فقط وإن من المعلوم لكل متأمل أن هذه المدة وقعت اتفاقاً وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لو قدم في اليوم الثالث أي قبل خروجه إلى منى بخمسة أيام لقصر ولو لم يكن هذا هو الحكم لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يبين لأمته لأنه يعلم أن من الحجاج من يقدم في اليوم الثالث وفي اليوم الثاني ومنهم من يقدم قبل دخول شهر ذي الحجة فلو كان الحكم يختلف بين من قدم في اليوم الرابع ومن قدم في اليوم الثالث لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يبينه لأمته لأن الله تعالى أوجب عليه البلاغ فقال (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (المائدة: من الآية67) وقال سبحانه وتعالى (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ) وقال تعالى (فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) فالحاصل أن هذا مثال لمن حددوا وهو كما رأيت لا يدل على التحديد كذلك أيضاً من أهل العلم من حدها بخمسة عشر يوماً كمذهب أبي حنيفة ومنهم من حده بستة عشر يوماً كما ذكر ذلك ابن عباس رضي الله عنهما ولكن الراجح عندي ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وأنه لا تحديد لمدة الإقامة التي ينقطع بها حكم السفر ما دام الرجل عازماً على الرجوع إلى بلده وأنه قد اتخذ هذا البلد لمجرد قضاء الحاجة فقط.
***
(8/2)

السائل يقول إذا كنت مسافراً فحان وقت صلاة الظهر قبل أن أصل ونويت أن أجمع صلاة الظهر مع العصر ثم وصلت بلدي قبل انتهاء وقت صلاة الظهر فهل أصلى الظهر فور وصولي أم أنتظر صلاة العصر

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إذا نوى المسافر جمع التأخير ولكنه وصل إلى بلده قبل أن يخرج وقت الصلاة الأولى فإنه قد انتهى السبب الموجب للجمع وهو السفر وحينئذ فيجب عليه أن يصلي الصلاة الأولى في وقتها وينتظر حتى يأتي وقت الثانية ثم يصليها في وقتها وكذلك لا يجوز له القصر في هذه الحال ففي المثال الذي في السؤال إذا قدم إلى بلده قبل انتهاء وقت صلاة الظهر فإنه يجب عليه أن يصلى الظهر في وقتها أربعاً ثم ينتظر إلى أن يأتي وقت صلاة العصر فيصلىها أربعا لزوال السبب المبيح.
(8/2)

فضيلة الشيخ: إذا كان الشخص مسافراً وربما يمر في سفره بأكثر من بلد ويقيم في بعضها يوماً أو نصف يوم في هذه الحالة هل يجوز له الجمع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الإنسان في بلد وهو مسافر فإنه يجب عليه أن يصلي في المسجد مع المسلمين وحينئذٍ سيتم الصلاة ولا يجمع لكن لو فاتته الصلاة في هذه الحال فإنه يقصر وكذلك لو كان يريد أن يواصل السفر قبل أن يأتي وقت الثانية فإنه يجمعها إلى الأولى ويسافر.
(8/2)

فضيلة الشيخ: لكنه في حكم المسافر لأنه لا ينوي الإقامة في هذه البلد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم المسافر لا تسقط عنه صلاة الجماعة ولهذا أوجب الله الجماعة في حال الخوف والغالب أن الخوف يكون في السفر.
***
(8/2)

سافرت من الرياض إلى القصيم وأثناء السير حان وقت صلاة المغرب فتوقفنا فصلىنا المغرب والعشاء مع غلبة ظننا أننا سنصل إن شاء الله قبل صلاة العشاء وبالفعل وصلنا مبكرين فهل عملنا صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن المسافر يشرع له قصر الصلاة من حين أن يخرج من بلده إلى أن يرجع إليها من سفره وأما الجمع فلا يشرع إلا إذا كان في حاجة إليه فإذا كان في حاجة إليه سن له أن يجمع وإلا فالأفضل عدم الجمع وإن جمع فلا بأس وبناءً على هذه القاعدة نقول إن المسافر لو أقبل على بلده وكان يغلب على ظنه أنه يصل إليه قبل دخول وقت الصلاة الثانية أو في أثناء وقتها فالأفضل ألا يجمع لأنه ليس بحاجة إلى الجمع حينئذ وإن جمع فلا بأس لأنه مسافر وعلى هذا فعمل هذا السائل الذي جمع بين المغرب والعشاء جمع تقديم قبل أن يصل إلى بلده عمل صحيح لكنه مرجوح لأن الأفضل ألا يجمع في هذه الحال لكونه يغلب على ظنه أنه يصل إلى بلده قبل وقت الثانية أو في أثنائها.
***
(8/2)

يقول السائل ما الأفضل للمسافر الذي سوف يصل إلى مكان إقامته قبل انتهاء وقت صلاة الظهر مثلاً هل الأفضل له أن يصلى صلاة الظهر في سفره قصراً أم يصلىها مكان إقامته بإتمام وأيضاً ما الأفضل للمسافر الذي سوف يصل إلى مكان إقامته قبل انتهاء وقت العصر هل الأفضل له أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر في سفره أم الأفضل أن يصلى صلاة الظهر في سفره قصراً ويصلى العصر في مكان إقامته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هاتان مسألتان المسألة الأولى إذا دخل وقت صلاة الظهر على هذا المسافر وهو في السفر ولكنه يغلب على ظنه أن يصل إلى بلده قبل أن يخرج وقت صلاة الظهر فهل الأفضل أن يصلى صلاة الظهر أو الأفضل أن يؤخرها حتى يصل إلى بلده نقول إذا كان ذلك في شدة الحر فإن الأفضل أن يؤخرها حتى يصل إلى بلده لأن الأفضل في شدة الحر تأخير صلاة الظهر لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة يعني صلاة الظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم) وأما إذا لم يكن ذلك في شدة الحر فإن الأفضل أن يصلى صلاة الظهر إذا دخل وقتها ولو كانت قصراً في السفر لأن تقديم صلاة الظهر في غير شدة الحر أفضل هذا هو الجواب عن المسألة الأولى.
أما المسألة الثانية وهي إذا دخل عليه وقت الظهر وهو في السفر فهل يجوز أن يجمع إليها صلاة العصر وقد غلب على ظنه أنه يقدم بلده قبل أن يخرج وقت صلاة العصر؟ فجواب هذه المسألة أنه لا حرج عليه أن يجمع صلاة العصر إلى صلاة الظهر لأنه دخل عليه وقت صلاة الظهر في حال يجوز له الجمع بينها وبين صلاة العصر ولكن الأفضل في مثل هذه الحال ألا يصلى العصر لأن الجمع هنا لا حاجة إليه وإذا لم يكن حاجة إلى الجمع في السفر فإن الأفضل ألا يجمع.
***
(8/2)

السائل علي محمد العلي من الزلفي يقول لو قدمت من سفر بعيد وقبل وصولي إلى بلدي المقيم فيه بعشرة كيلومترات تقريباً وجبت صلاة الظهر مثلاً فهل أقصر الصلاة أم أتمها وهل لو جمعت العصر معها يكون ذلك جائزا أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال الذي سألت عنه وهو أنك مسافر أقبلت على بلدك وبقي بينك وبينه عشرة كيلومترات وقد وجبت صلاة الظهر فهل يجوز لك القصر والجمع جوابه أن القصر يجوز لك لأن الصلاة وجبت عليك وأنت في سفر وصلاة المسافر مقصورة وأما الجمع فلا ينبغي لك أن تجمع لأن الجمع للحاجة وهنا لا حاجة بك إلى الجمع ما دمت ستصل إلى بلدك قبل أن يأتي وقت العصر وعلى هذا فصلِّ الظهر ركعتين وإذا قدمت إلى بلدك ووجبت صلاة العصر فصلها أربعاً.
***
(8/2)

السائل يقول نويت السفر ذات يوم فصلىت العشاء مع المغرب جمع تقديم ثم لم يشأ الله أن أسافر فهل أعيد صلاة العشاء في وقتها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المسافر يجوز له الجمع لكنه لا يجوز له أن يجمع إلا إذا خرج من بلده أما ما دام في البلد فإنه لا يجوز له الجمع لأنه لا يصدق عليه أنه مسافر حتى يخرج وعلى هذا فيعتبر جمعك قبل أن تخرج من البلد في غير محله وعليك أن تعيد هذه الصلاة التي جمعتها قبل أن تخرج إلى السفر.
***
(8/2)

رسالة وصلت من العراق محافظة نينوى من السائل محمد نذير أحمد يقول في رسالته أرجو من فضيلة الشيخ توضيح كيفية صلاة المسافر حيث إن البعض يقول بأن صلاة المسافر تبدأ عند الشروع بالسفر من البيت أرجو توضيح هذا بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة المسافر الرباعية مقصورة إلى ركعتين كما في صحيح البخاري وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها (قالت أول ما فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر) فالظهر والعصر والعشاء هذه الصلوات الثلاث الرباعية تقصر في السفر إلى ركعتين ولا يحل القصر ولا الترخص برخصه إلا إذا خرج الإنسان من قريته أي من بلده أما ما دام في بلده فإنه ليس بمسافر لأن السفر لا يحصل إلا بتحققه دون العزم عليه حتى لو ارتحل وركب فما دام في البلد فإنه لا يقصر الصلاة وليعلم أن المسافر إذا ائتم بمن يتم الصلاة فإنه يجب عليه أن يتم ولا يحل له القصر حينئذ لأن صلاته ارتبطت بصلاة إمامه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) فهذا الذي دخل مع إمام يصلى أربعاً إن دخل معه في أول الصلاة سلم معه وإن دخل معه في أثناء الصلاة فإنه يصلى ما أدرك ويقضي ما فاته أي يتم على ما أدركه مع إمامه وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه المسألة أن المسافر يصلي ركعتين فإذا كان مع الإمام يعني في السفر صلى أربعاً فقال تلك هي السنة حتى لو أدرك مع الإمام ركعتين من الرباعية فإنه لا يجوز له أن يسلم معه بل عليه أن يتم الصلاة للحديث الذي أشرنا إليه وهذا عكس ما إذا كان الإمام هو المسافر فإنه إذا كان الإمام هو المسافر فإنه يصلى ركعتين ويتم المقيمون الذين يصلون وراءه أربعاً فإن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة كان يصلى بأهل مكة ركعتين ويتم أهل مكة أربعاً.
***
(8/2)

رسالة بعث بها المستمع علي عبد عبد الله الريس من الدمام يقول في سؤاله إذا كان الإنسان يريد السفر مسافة قصر وفعلا خرج من بيته ولكن أتى عليه وقت الظهر مثلا وهو لا زال في المدينة التي سيسافر منها فهل يجوز له أن يؤخره مع العصر ويصلىهما جمعا وقصرا أم يجب عليه أن يصلىها في وقتها ما دام لم يفارق المدينة بعد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال يتوقف على معرفة أسباب الجمع فالجمع لا يقتصر سببه على السفر وحده بل السفر سبب من أسباب الجمع وإلا فهناك أسباب أخرى غير السفر يجمعها ماذكره ابن عباس رضي الله عنهما حين أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر فسئل رضي الله عنه لم صنع ذلك فقال أراد ألا يحرج أمته أي أراد ألا يوقعها في الحرج وعلى هذا فمتى كان في ترك الجمع حرج ومشقة فإنه يجوز الجمع فهذا الذي خرج من منزله بنية السفر ولكن المدينة كانت واسعة مترامية الأطراف ويشق عليه أن يتوقف ليصلى الظهر في وقتها فإن عليه أن يجمع ويؤخرها إلى وقت العصر أما إذا كان لا يشق عليه أن يتوقف في أي مكان فإنه يجب عليه أن يقف ويصلى الظهر في وقتها لأنه إلى الآن لم يكن له سبب يبيح الجمع حيث لم يخرج من بلده فيكون قد فارق البلد ودخل في السفر واعلم أن الجمع كما يكون عند الحاجة إليه يكون أيضا بفوات مصلحة الجماعة فإذا كان هؤلاء الجماعة سيتفرقون ولا يصلون جماعة فإن لهم الجمع ولهذا جاز الجمع للمطر من أجل الجماعة فإن الناس في أيام الشتاء في أيام المطر يجمعون بين المغرب والعشاء جمع تقديم وما هذا الجمع إلا لفوت صلاة الجماعة إذ من الممكن أن ينصرفوا بدون جمع ويقال لهم صلوا في بيوتكم صلوا في رحالكم من أجل مشقتهم للحضور الى المسجد لكن الجماعة لها شأن كبير فهي واجبة لا يجوز تركها إلا لعذر شرعي.
***
(8/2)

السائل خالد حلمي العتيبي بريدة يقول هل يجوز لمن نوى السفر أن يترخص برخص السفر قبل أن يغادر البنيان أم أنه يشترط في ذلك الخروج من حدود البنيان؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يشترط لذلك الخروج من حدود البنيان ولا يترخص المسافر برخص السفر إلا إذا خرج من البلد وإن كانت قريبةً حتى ولو لم يكن بينه وبين حدود البلد إلا مسافة قصيرة فإنه يقصر ويفطر في رمضان لكن في مسألة الجمع لو كان الإنسان سيسافر في رحلة لا يمكنه أن يصلى الصلاة في وقتها فهنا له أن يجمع قبل أن يسافر لكنه يجمع ولا يقصر وذلك لأن الجمع أوسع من القصر، القصر ليس له إلا سبب واحد وهو السفر والجمع له أسباب كثيرة ولها ضابط يحيط بها وهو المشقة فمتى شق على الإنسان أن يصلى كل صلاة في وقتها فله الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ولهذا يجوز الجمع للمرض وللمطر الذي يبل الثياب وللوحل في الأسواق ولغير ذلك من الأسباب التي لو لم يجمع شق عليه ففي صحيح مسلم رحمه الله أن ابن عباس رضي الله عنهما قال جمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر قالوا ما أراد إلى ذلك؟ يعني لماذا؟ قال أراد أن لا يحرج أمته.
***
(8/2)

السائل محمد المصري يعمل بالمملكة يقول في رسالته أنا أعمل سائق شاحنة كبيرة في أنحاء المملكة وأنا حريص كل الحرص على أن أؤدي فرائض الصلاة في أوقاتها ولكنني أقوم بقصر الصلاة وجمعها فأصلى الظهر والعصر ركعتين ركعتين وأصلى ثلاث ركعات للمغرب وركعتين للعشاء ما صحة عملي هذا بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب عملك هذا صحيح ما دمت مسافراً حتى وإن كنت تتردد وتجوب البلاد طولاً وعرضاً وقد نص على ذلك أهل العلم رحمهم الله فقالوا إن صاحب سيارة الأجرة الذي يكون دائماً يؤجرها إذا فارق وطنه فهو مسافر حتى يرجع إلى وطنه وإنما اختلف أهل العلم فيما إذا نوى هذا المسافر الإقامة في مكان ما أكثر من أربعة أيام فهل يلزمه الإتمام أو لا والمسألة فيها خلاف طويل عريض والراجح من أقوال أهل العلم أنه لا تحديد للمدة التي ينوي المسافر إقامتها ما دام بنيته أنه متى انتهى عمله أو شغله رجع إلى وطنه وذلك لعدم الدليل عليه من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو الإجماع.
***
(8/2)

الأخ عبد الله محمد يوسف بعث بهذه الرسالة يقول: أولاً ظروف عملي تتطلب مني السفر دائماً بين مدن المملكة فهل يجوز لي قصر الصلوات الخمس جميعاً، وهل أصلي شيئاً من السنن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قصر الصلوات الخمس جميعاً لا يجوز لأحد، لأن القصر خاص بالصلاة الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء الآخرة فأنت ما دمت مسافراً ولو طالت مدة سفرك وتنقلك في البلاد فإنه يجوز لك قصر الصلاة، بل هو المشروع في حقك إما وجوباً أو استحباباً على خلاف بين أهل العلم في ذلك، تقصر الصلاة الرباعية فقط وتجمع إذا احتجت إلى الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما، وأما السنن فهي مشروعة للمسافر كغيره، يتطوع بما شاء إلا في راتبه الظهر، والمغرب، والعشاء، هذه الصلوات الثلاث الأفضل أن لا يصلى الراتبة لها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي من الرواتب سوى راتبة الفجر فقط، والعصر ليس لها راتبة في الأصل، يبقى الظهر والمغرب والعشاء، لا يصلي لها راتبة، وأما بقية التطوعات كصلاة الضحى وصلاة الاستخارة وصلاة الكسوف لو طرأت وهو في السفر وكذلك قيام الليل كل هذا باق على مشروعيته بالنسبة للمسافر كما هو مشروع للمقيم.
***
(8/2)

يقول السائل إنني أعمل بمهنة سائق غير مقيم في مكان، كل يوم في مكان طريقي بحدود ألف وأربعمائة كيلو متر، هل في حقي الجمع والقصر، وهل علي شيء إذا أخرت صلاة العشاء فقط؟

فأجاب رحمه الله تعالى: على كال حال ما دمت خارج بلدك فأنت مسافر ولو كنت سائقاً مستمراً لأنك خارج البلد ومن كان خارج بلده فهو مسافر، لأن السفر هو مفارقة محل الإقامة، فالسائق الذي يتردد بين البلدان والمدن هو مسافر فله أن يقصر، بل يندب له القصر، وله أن يجمع ولكنه إذا كان نازلاً غير جاد به السير فالأولى أن لا يجمع إلا إذا كان محتاجاً للجمع مثل أن يكون نازلاً في مكان ويحب أن ينام نومة طويلة فيجمع جمع تقديم أو يؤخر فلا حرج عليه في ذلك، فالمهم أنك تعتبر مسافراً وإن كنت في أكثر الأحيان دأبك السفر لأنك إنسان لك بلد تقيم فيه وتأوي إليه فما دمت في بلدك فأنت مقيم، وما دمت خارج بلدك فأنت مسافر.
***
(8/2)

السائل محمد إبراهيم يقول في هذا السؤال ما حكم الشرع في صلاة المسافر حيث إنني يومياً أذهب إلى مكان العمل والعمل يبعد عن محل الإقامة حوالي خمسة وثمانين كيلومترا والعمل يبدأ من الصبح وحتى نهاية صلاة العشاء فهل لي الحق أن أجمع الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء وهل صلاتي صحيحة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقول الله سبحانه وتعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) (النساء: من الآية101) وفي الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم (إذا خرج ثلاثة أميالٍ أو فراسخ صلى ركعتين) وأنت في عملك الذي تذهب إليه يومياً ويبعد عن محل إقامتك خمسةً وثمانين كيلو ثم ترجع وتبيت عند أهلك يرى بعض العلماء أنك مسافر وهؤلاء هم الذين يحددون السفر بالمسافة لأن مسافة القصر ثلاثة وثمانون كيلو وثلاثمائة وبضعة عشر متراً وأنت قد تجاوزت هذه المسافة فلك أن تقصر الصلاة ولو رجعت إلى محل إقامتك وبت فيه وأما من يرى أن السفر ما يسمى سفراً فإن الظاهر أن محل عملك الذي أشرت إليه والذي ترجع منه ويؤويك المبيت عند أهلك الذي يظهر أن هذا لا يسمى سفراً وحينئذٍ لا تقصر ولا تجمع والذي أرى لك في هذه الحال أن تتم ولا تقصر وأن تؤدي كل صلاةٍ في وقتها ولا تجمع وإن فعلت فقصرت وجمعت فلا حرج عليك إن شاء الله.
***
(8/2)

السائل بكري محمد سلطنة عمان يقول فضيلة الشيخ ما حكم المدرس الذي يسافر من دولته إلى دولة أخرى للعمل هل يقصر الصلاة مدة إقامته في الدولة التي يعمل فيها أم يتم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المدرس الذي يسافر إلى بلد آخر ليدرس به أو ليدرس فيه قد اختلف أهل العلم رحمهم الله في انقطاع سفره فمن العلماء من يقول إن الرجل المسافر إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام وجب عليه الإتمام ولم يترخص برخص السفر لكنه لا يعتبر مستوطناً فلا تنعقد به الجمعة، ولا تجب عليه إلا بغيره فيحكمون له بحكم السفر من وجه وبحكم الإقامة من وجه آخر أو يقسمون الناس إلى ثلاثة أقسام إلى مسافر ومقيم ومستوطن وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن تقسيم الناس إلى هذه الأقسام الثلاثة مسافر ومقيم ومستوطن ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع. ومن العلماء من يقول إن المسافر إذا نوى إقامة خمسة عشرة يوماً أو أكثر لزمه الإتمام وما دون ذلك فهو على سفر ومنهم من يقول إذا نوى أكثر من تسع عشرة يوماً لزمه الإتمام وإن نوى دون ذلك فهو مسافر والأقوال في هذا كثيرة حدها النووي رحمه الله في المجموع شرح المهذب وبلغت أكثر من عشرين قولاً والذي يترجح عندي أنه على حسب نيته فإن كان قد نوى الإقامة المطلقة في هذا البلد الذي سافر إليه فهو مقيم ينقطع في حقه أحكام السفر ولا يجوز له القصر وأما إذا لم ينو ذلك وإنما نوى إقامة لحاجة متى انتهت رجع إلى بلده فهو مسافر سواء حدد المدة أم لم يحددها ولكني أقول إن الذي يقيم في بلد ولو يوماً وليلة أو أقل أو أكثر ولو لم ينو الاستيطان أو الإقامة المطلقة فإنه يلزمه أن يصلى مع الجماعة ولا يحل له التخلف عنها لعموم الأدلة الدالة على وجوب الجماعة وعدم وجود مخصص يخرج المسافر من الوجوب ومعلوم أنه إذا صلى مع الجماعة وإمامه يتم فإنه يلزمه الإتمام لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) لكن لو فاتته الصلاة أو كان في بلد لا تقام فيهم الجماعة أو كان بعيداً عن المسجد ففي هذه الحال ينبني جواز قصره وعدمه على الخلاف الذي أشرنا إليه آنفاً ومع هذا لو أتم فإنه لا ينكر عليه لاختلاف العلماء في هذه المسألة.
***
(8/2)

بارك الله فيكم هذا طالب جامعي رمز لاسمه بأحمد أ. يقول إذا ذهب الإنسان للدراسة في خارج المملكة هل له أن يقصر الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً أقول الجواب على سؤال السائل وهو أنه هل يترخص المسافر الذي هناك برخص السفر أو لا يترخص هذا موضع خلاف بين أهل العلم فمن العلماء من قال إن المسافر إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام فإنه ينقطع في حقه حكم السفر فلا يترخص بقصر الصلاة ولا بجمعها ولا بالمسح على الخفين أو الجوارب أكثر من يوم وليلة ومنهم من قيد ذلك بخمسة عشرة يوماً ومنهم من قيد ذلك بتسعة عشر يوماً والخلاف في هذا واسع منتشر وقد أوصله بعض أهل العلم إلى نحو عشرين قولاً ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام جيد حول هذا الموضوع ذكره ابن القاسم في مجموع الفتاوى في أول باب صلاة الجمعة فمن أحب الاطلاع عليه فليرجع إليه فإنه مفيد جداً.
***
(8/2)

إبراهيم بسيوني مصري ويعمل في المملكة يقول في هذا السؤال هل القصر يصح لمن مكث في غير وطنه أكثر من شهر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: معنى قصر الصلاة الرباعية ركعتين أن يصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين والعشاء ركعتين وهو من سنن السفر المؤكدة حتى إن بعض العلماء قال بوجوبه ولكن الراجح أنه لا يجب وإنما هو سنةٌ مؤكدة ولكن من أقام في مكانٍ تقام فيه الجماعة فالواجب عليه أن يصلى مع الجماعة لأن المسافر لا تسقط عنه الجماعة بل هو مأمورٌ بها ملزمٌ بها لقول الله تعالى (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) فأمر الله تعالى بصلاة الجماعة حتى في القتال ومعلومٌ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قتاله في سفر فإذا أوجب الله على المجاهدين صلاة الجماعة دل هذا على أن صلاة الجماعة لا تسقط بالسفر ولكن لو قدر أنه في بلدٍ ليس فيها من يقيم الصلاة أو كان المسجد بعيداً يشق عليه الوصول إليه أو فاتته الصلاة فإن له أن يقصر الرباعية إلى ركعتين ما دام على سفر لأن النصوص الواردة في القصر نصوصٌ عامة ليس فيها تقييدٌ بزمنٍ معين مثل قوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) (النساء: من الآية101) ومثل قول الله تعالى (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ومن المعلوم أن الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله قد تطول مدتهم لشراء السلع وتصريفها المهم ما دام الإنسان على نية السفر وأنه متى انتهى شغله غادر البلد فإنه مسافر يترخص برخص السفر ولا يتقيد ذلك بأيامٍ معلومة ولأنه لا دليل على هذا وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام فإنه يتم وذهب آخرون إلى أنه إذا نوى إقامة أكثر من خمسة عشر يوماً فإنه يتم، وذهب آخرون إلى أنه إذا نوى إقامة أكثر من تسعة عشر يوماً فإنه يتم والخلاف في هذا كثير وقد ذكره النووي رحمه الله في شرح المهذب كتاب المجموع المعروف المشهور وذكر فيه نحو عشرة أقوال وكلها أقوالٌ كما قال شيخ الإسلام رحمه الله أقوالٌ متقابلة ولكن المرجع في ذلك إلى ظاهر النصوص ولم يرد في النصوص ما يدل على التقييد.
***
(8/2)

يقول السائل إذا أردت أن أقيم في مكان يومين أو ثلاثة أيام هل يجوز لي أن أقصر وأجمع جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إذا كنت تريد أن تبقى في مكان وأنت على سفرك مدة يومين أو ثلاثة فلا حرج عليك أن تقصر بل هو أفضل لك من الإتمام وأما الجمع فهو جائز لك ولكن الأفضل عدمه حيث لا حاجة إلا أننا نقول إذا كنت مقيماً في بلد وأنت تسمع النداء فلابد أن تجيب إليه ما لم يكن في ذلك حرج عليك وتضييق في سفرك فلا حرج أن تصلى في رحلك وإلا فما دمت تسمع النداء فيجب عليك الحضور وتصلى مع المسلمين تماماً بدون جمع.
***
(8/2)

يقول السائل المسافر إذا أقام في بلد أقل من أربعة أيام هل يلزمه الصلاة في المساجد مع الجماعة أم يصلى أين شاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجماعة واجبة على من تجب عليه من الرجال والنصوص الواردة فيها مطلقة وليس فيها إخراج المسافرين من هذا الوجوب فمتى كان الإنسان في بلد وأذّن للصلاة فإنه مدعو بهذا الأذان فعليه أن يجيب المؤذن وأن يصلى مع المسلمين نعم لو كان في محل بعيد عن المساجد ويشق عليه مفارقة رحله أو يخاف على رحله إن ذهب فإنه لا بأس أن يصلى في مكانه وحينئذ يصلى قصراً يصلى الصلاة الرباعية ركعتين ما دام في هذا السفر.
***
(8/2)

هذه الرسالة وردتنا من الأخ في الإسلام حسن علي نينوى من بلد العراق يقول أسأل عن قصر الصلاة متى يكون وفي أي حالة وهل لصلاة القصر فترة محددة من الأيام وذلك لأنني قد بقيت مدة تزيد على الشهر وتقل عن الشهرين أقصر الصلاة لكوني عسكريا في الحرب فهل علي أن أستمر في قصر الصلاة أو أتمها وهل يجوز لي أن أجمع بين الصلوات في بعض الأحيان؟

فأجاب رحمه الله تعالى: السفر الذي تقصر فيه الصلاة لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديد مدته وإنما أطلق السفر في القرآن والسنة (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) (النساء: من الآية101) وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين فهذا دليل على أنه ليس محدداً بمسافة معينة ولا بزمن معين وإنما يعتبر اسم السفر فمتى صدق على الرجل الذي خرج من بلده أنه مسافر فهو مسافر قد يكون الخروج سفراً إذا طالت مدة زمنه وإن قربت مسافته وقد يكون سفراً إذا بعدت مسافته ولو قل زمنه هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم لعدم وجود الدليل على التحديد وكذلك بالنسبة لزمن الإقامة الذي ينقطع فيه حكم السفر فإنه لا حد له فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم تحديده بأربعة أيام ولا بخمسة ولا بعشرة بل أقام النبي صلى الله عليه وسلم إقامات مختلفة كان يقصر فيها الصلاة فأقام حجة الوداع في مكة المكرمة عشرة أيام منها أربعة قبل الخروج إلى منى وأقام بمكة عام الفتح تسعة عشر يوماً وأقام في تبوك عشرين يوماً وفي هذه الإقامات كلها كان يقصر الصلاة عليه الصلاة والسلام ولم يقل للناس من نوى عدداً معيناً من الأيام فليقصر وقد قدم لحجته صلى الله عليه وسلم في اليوم الرابع من ذي الحجة وكان يقصر الصلاة ولم يقل للناس الحجاج من قدم منكم قبل اليوم الرابع فعليه أن يتم الصلاة وهو يعلم صلى الله عليه وسلم أن الناس يقدمون للحج قبل اليوم الرابع وبعده فلما لم يقل ذلك علمنا أنه لا تحديد له وأن قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم في اليوم الرابع إنما وقع اتفاقاً لا قصداً وما وقع اتفاقاً لا قصداً فإنه لا يتعلق به حكم على هذا نقول للأخ ما دمت في الجبهة مسافراً فإنه يجوز لك أن تقصر الصلاة وهو المشروع في حقك وأما الجمع بين الصلاة المجموعتين كالجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فهذا جائز ولا حرج فيه ولكن الأفضل تركه إلا إذا كان في تركه شيء من المشقة أو كان في الجمع شيء من المصلحة فلتجمع أيضاً ولا حرج عليك في ذلك.
***
(8/2)

إذا أقام المسافر في بلد ثلاثة أيام وهو ناوٍ مواصلة السفر هل يجوز له الجمع أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز له في هذه الحال أن يقصر الصلاة وأن يجمع لكن القصر أفضل من الإتمام وعدم الجمع أفضل من الجمع ولكنه إذا كان في البلد وهو يسمع الأذان فإنه يجب عليه أن يحضر صلاة الجماعة مع الناس ولا يجوز له أن يتخلف لأن صلاة الجماعة واجبة على المقيمين وعلى المسافرين.
***
(8/2)

السائل من جمهورية مصر العربية يقول في سؤاله رجل سافر إلى بلدٍ تبعد عن بلده مسافة قصر الصلاة وسيمكث بها ما يقارب من أسبوعين مثلاً ووصل في وقت الظهر فهل له أن يؤخر صلاة الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء ويجمعها جمع تقديم في هذا اليوم وهل تستحب صلاة الراتبة في السفر نرجو شرح شروط قصر الصلاة لأن الكثير من العامة لا يعلمها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا سافر الإنسان عن بلده إلى بلدٍ آخر يقيم فيها أسبوعين أو ثلاثة أو أكثر ومن نيته أن يرجع إلى بلده متى انتهى شغله فإنه مسافر ويجوز له أن يفعل ما يفعله المسافرون ولكنه إذا كان في بلد يؤذن فيها للصلاة فإنه يجب عليه أن يحضر للمسجد ويصلى مع المسلمين لأن النصوص الواردة في وجوب صلاة الجماعة ليس فيها استثناء بل قد قال الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) وهذا في القتال والجهاد في سبيل الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاهد وهو خارج المدينة مسافر فأوجب الله صلاة الجماعة عليهم وهم مسافرون لكن لو فرض أن هذا الإنسان الذي أتى إلى هذه البلدة بعيدٌ عن المسجد أو فاتته الصلاة فلا بأس أن يصلى ركعتين فيقصر الرباعية إلى ركعتين ما دام في هذا البلد حتى يرجع إلى بلده وكذلك تسقط عنه راتبة الظهر والمغرب والعشاء أما راتبة الفجر وبقية السنن كصلاة الضحى وصلاة الليل والوتر وغير ذلك فهي باقية في حقه لأن المسافر لا يسقط عنه إلاّ هذه الرواتب الثلاث فقط وهي راتبة الظهر والمغرب والعشاء أما راتبة الفجر فمسنونة حتى في السفر وأما العصر فليس له سنةٌ راتبة ويجوز له في هذه الحال أن يمسح على الجوارب أو الخفين ثلاثة أيام بلياليها لأنه مسافر.
***
(8/2)

السائل يقول إنه يعمل في مدينة تبعد عن القرية التي هو بها مسافة أربعين كليومترا تقريباً فهل يجوز لي القصر بها علماً بأنني قد أسافر يوم السبت إلى المدينة التي أعمل بها وأعود إلى القرية يوم الأربعاء أو قد أسافر يومياً إلى العمل أرجو بهذا إفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأولى ألا يقصر في هذه الحال وذلك لوجهين الوجه الأول
أن المسافة وهي أربعون كيلاً ليست هي المسافة التي يقصر فيها عند جمهور أهل العلم
وثانياً أن هذا الرجل قد جعل مدينة عمله أو قرية عمله كمسكنه الأصلى لأنه يعتبر نفسه مقيماً فيه دائماً إلا أنه يزور بلده في آخر الأسبوع وهذا شبه استيطان فالواجب عليه في هذه الحال أن يتم الصلاة وأن يقتصر على يوم وليلة في المسح على الخفين أو الجوربين وأن لا يفطر في رمضان إذا صادف رمضان وهو في محل عمله.
***
(8/2)

من الطائف من س. ع. يسأل عن قصر الصلاة والوضوء يقول أنا أريد أن أسافر إلى لندن وسوف أمكث هناك عشرين يوماً فهل يجوز لي تقصير الصلاة هناك أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم، يجوز لك أن تقصر الصلاة ما دمت قد حددت الإقامة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة، وأقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، وأقام في مكة عام حجة الوداع عشرة أيام يقصر الصلاة، كما سئل أنس بن مالك كم أقمتم بمكة عام حجة الوداع قال أقمنا بها عشراً، وأقام أنس بن مالك في الشام سنتين يقصر الصلاة، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر حبسه الثلج يقصر الصلاة، فأنت لك أن تقصر الصلاة ولو كنت تريد الإقامة عشرين يوماً، ولم يرد في السنة دليل على أن المدة التي تقطع حكم السفر محددة بأربعة أيام، أو بخمسة عشر يوماً كما قاله أبو حنيفة وأصحابه، أو بتسعة عشر يوماً أو بعشرين يوماً، إنما هي وقائع أعيان وقعت اتفاقاً، وما وقع اتفاقاً فإنه لا يدل على التشريع، ولهذا لو أن الرسول عليه الصلاة والسلام قدم في حجة الوداع يوم الثالث من ذي الحجة لما تغير الحكم لأنه قدم في اليوم الرابع، ولو قدم في اليوم الثالث لما تغير الحكم بدليل أنه لو كان يتغير الحكم بذلك لنبه الأمة عليه لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم أن من الحجاج من يقدم قبل اليوم الرابع. على كل حال القول الصحيح في هذه المسألة الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الذي ظهر لنا بتتبع الأدلة أنه يجوز لك أن تقصر ولو كنت تريد الإقامة عشرين يوماً لأنك على سفر في الواقع ما حبسك إلا حاجتك فمتى انتهت رجعت إلى بلدك.
***
(8/2)

إذا سافر الإنسان إلى مدينة غير المدينة التي هو مقيم فيها ومكث فيها فترة من الزمن كأن يمكث فيها شهراً أو نصف الشهر هل يجوز له أن يقصر الصلاة وكم المدة التي يقصر الصلاة فيها وما هو الأفضل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على الإنسان إذا سافر إلى بلد ونزل فيها لقضاء حاجته ثم يرجع إلى بلده الواجب أن يصلى مع الجماعة لأن الجماعة لا تسقط عن المسافر بدليل أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلى بأصحابه جماعة في حال القتال وهذا يكون في السفر غالباً بل إنني لا أعلم حتى الآن أن النبي قاتل في الحضر فصلاة الجماعة واجبة على المسافرين وعلى المقيمين وعلى من أقام في بلد لقضاء حاجته ثم يرجع إلى بلده ولكن إذا فاتته الصلاة فلا حرج عليه أن يقصر الصلاة ما دام مسافراً لأنه ليس هناك دليل يدل على أن مدة القصر تنقطع بأيام معدودة معلومة بل ما دام الإنسان قد مكث بهذا البلد لقضاء حاجته ومتى انتهت رجع فإنه مسافر سواء حدد المدة أم لم يحددها هذا هو الذي ظهر لي من الأدلة الشرعية وبعض العلماء يرى أنه إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام انقطع حكم السفر في حقه ووجب عليه الإتمام وبعضهم يرى إذا أقام تسعة عشر يوماً وبعضهم يرى إذا أقام خمسة عشرة يوماً والخلاف في هذا كثير حتى أنه تجاوز عشرين قولاً لأهل العلم ولكن ليس هناك نص صريح صحيح في تحديد المدة بأي عدد كان.
***
(8/2)

ما أحكام صلاة القصر وإذا كانت هناك مدة معينة للقصر فكيف يكون حساب تلك المدة وهل يدخل يوم الوصول ويوم الخروج في مدة القصر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القصر سنة مؤكدة وقيل إنه واجب إذا سافر الإنسان أي فارق بلده لكنه إذا نزل في بلد تقام فيها الجماعة فالواجب عليه حضور الجماعة وإذا حضر الجماعة فهو سيتم وسيجب عليه الإتمام مع الإمام سواء أدرك الصلاة كلها أو بعضها لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) أما إذا كان في بلد لا تقام فيها الجماعة أو كان بعيداً عن المسجد يسقط عنه بالبعد حضور صلاة الجماعة فإنه يصلى ركعتين يعني يصلى قصراً حتى يرجع إلى بلده ولم يحدد الله تعالى ولا رسوله مدة يجوز فيها القصر وما زاد عليها لا يجوز بل السفر مطلق طال أو قصر.
***
(8/2)

السائل ياسر صالح يقول سافرت إلى مكة لأجل العمرة ولما قدمت في أول يوم حين وصولي إلى مكة صلىت العصر ركعتين قصراً مع العلم بأنني كنت أعلم أنني سوف أمكث في مكة أكثر من أسبوع فهل أنا على صواب أفيدوني مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هو على صواب لأن القول الراجح الذي تدل عليه الأدلة أنه ليس هناك حد للإقامة ينقطع به السفر بل الإنسان مسافر ما دام مغادراً بلده ولم ينوِ الإقامة في البلد الذي وصل إليه وعلى هذا فنقول إن فعله صواب وهكذا أيضاً لو جرى مثل ذلك فلا بأس.
***
(8/2)

السائل يقول أود أن أعرف القول الراجح في مسألة القصر بالنسبة لطلاب الجامعة الوافدين إلى المملكة وبعد كل عام يسافرون إلى بلادهم في الإجازة ثم يعودون وهكذا حتى تنتهي مدة الدراسة علما بأننا نسمع من بعض العلماء بأنهم يقولون عليهم القصر بينما البعض من العلماء الآخرين لا يرى هذا أفتونا يا فضيلة الشيخ محمد في هذا الأمر جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة من المسائل الخلافية أعني هل تحدد مدة السفر في الإقامة التي تمنع الترخص برخص السفر أو لا تحدد وفيها خلاف بين أهل العلم يزيد على عشرين قولا والمرجع في الخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والذي نرى في هذه المسألة أن الإنسان ما دام لم يستوطن البلد أو يعزم على الإقامة المطلقة فإنه مسافر ولو طالت مدته لأنه لم يتخذ هذا البلد وطنا ولم ينو الإقامة فيه إقامة مطلقة وإنما نوى إقامة مقيدة إما بزمن وإما بعمل فالمقيدة بزمن مثل: يقول إنه سيبقى في هذا البلد لمدة عشرة أيام عشرين يوما شهرا شهرين هذه مقيدة بزمن والمقيدة بعمل مثل أن يقول سأبقى في هذا البلد حتى ينتهي موسم التجارة وهو لا يدري متى ينتهي أو سأقيم في هذا البلد ما دام هذا العالم فيها يدرس أو يقول سأبقى في هذا البلد ما دمت أتلقى العلاج أو ما أشبه ذلك هذا أيضا قد حدد إقامته بعمل المسألة الثانية أعني تحديد الإقامة بالعمل نص الفقهاء كلهم على أنه ما دام لم يعزم إقامة مطلقة فإنه له أن يقصر الصلاة وهو موجود في مختصرات المتون ومطولاتها وأنه يقصر ولو بقي سنين يقصر أبدا فلو فرض أنه أقام للعلاج وطال علاجه سنوات فله أن يقصر لأنه لم ينو إقامة مطلقة إنما نوى إقامة مقيدة بهذا العمل أو بهذا الغرض وكذلك لو أقام ما دام هذا العالم موجودا وعمر العالم خمسين سنة أو ستين سنة فإنه يقصر بقينا في الإقامة المحددة بمدة من العلماء من ألحقها بالإقامة المحددة بعمل ومنهم من لم يلحقها ثم الذين لم يلحقوها بعضهم قال الإقامة ما زاد على أربعة أيام فمتى نوى إقامة أكثر من أربعة أيام وجب عليه الإتمام ولم يترخص برخص السفر ومع ذلك لم يعطوه حكم المقيم أو المستوطن بل قالوا إنه لا تنعقد به الجمعة ولا يصح أن يكون إماما فيها لأنه غير مستوطن ومن العلماء من قيد ذلك بأربعة أيام زائدة عن يوم الوصول ويوم المغادرة ومن العلماء من قيد ذلك بخمسة عشر يوما ومنهم من قيد ذلك بتسعة عشر يوما وكل هذه أقاويل استنباطية والذي تدل عليه الأدلة الشرعية فيما أرى أنه ما دام لم يعزم إقامة مطلقة أو استيطانا فإن له حكم المسافر لأن هذا الدارس مثلا في الجامعة يقول لو أعطيت الشهادة اليوم لسافرت فأنا لست من أهل البلد ولا أريد الإقامة في البلد أنا أتيت لغرض الدراسة لكن الدراسة محددة بأربع سنوات أو أكثر فما دمت لم أتخرج فأنا مقيم بهذا البلد نظيره قول الذي يقول أنا سأبقى في هذا البلد حتى أشفى أو حتى يموت العالم الذي أدرس عنده أو ما أشبه ذلك ولا فرق وهذا الذي ذكرته هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد بحث المسألة بحثا مطولا في الفتاوى في باب صلاة الجمعة فمن أحب المزيد من ذلك فليرجع إليه.
***
(8/2)

السائل يقول سمعنا قولاً بأنه يجوز قصر الصلاة لمن كان مسافراً في بلد غير بلده مهما طالت المدة ما لم ينو الاستيطان بها فنرجو توضيح هذه المسألة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة إذا سافر الإنسان إلى بلد غير بلده ونوى الإقامة لغرض من الأغراض فلا يخلو إما أن ينوي مدة معينة أو لا ينوى فإن لم ينو مدة معينة فإن له أن يقصر ويترخص برخص السفر مهما طالت المدة ما دام ينتظر هذا الشيء الذي جاء من أجله وأما إذا عينه بمدة فقد اختلف أهل العلم في ذلك فجمهور العلماء يحددون ذلك بمدة إما بأربعة أيام أو بخمسة عشر يوماً أو نحوها وقد ذكر النووي رحمه الله في شرح المهذب أن فيها للعلماء عشرة أقوال أو أكثر وسردها ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لم يجعل لذلك حداً وقال إنه ليس في الكتاب ولا في السنة دليل على أن الإنسان إذا نوى مدة معينة انقطع بها حكم سفره بل الإنسان مسافر مادام ينتظر حاجة متى انتهت رجع إلى بلده سواء عين المدة التي يقيمها أم لم يعين لأن عمومات الكتاب والسنة تدل على ذلك فإن قوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (النساء: من الآية101) عام لم يخصص الله فيه ضرباً دون ضرب وكذلك إقامات النبي عليه الصلاة والسلام مدداً مختلفة دون أن يقول للناس من أقام هذه المدة فلا يقصر يدل على أنه ليس هناك تقدير ومعلوم أن التقدير بمدة معينة يحتاج إلى توقيف وليس في المسألة نص يدل على التحديد بمدة معينة فهذا وجه اختياره رحمه الله وقد بسط فيها القول في عدة مواضع من الفتاوي التي جمعها محمد بن قاسم فمن أراد أن يطلع عليها فليطلع.
***
(8/2)

السائل خالد من مدينة بريده يقول أنا أسكن في القصيم حيث هي بلدي التي أعد فيها أنني مقيم وأعمل في مدينة ينبع البحر أسافر كل شهر إلى العمل في مدينة ينبع وأقيم هناك حتى أنهي غرضي فمتى انتهت مهمتي رجعت إلى أهلي في القصيم علماً بأن مدة إقامتي تزيد أحياناً عن أربعة أيام وأحياناً تنقص عنها ولا أعلم كم أقيم هناك فماذا يلزمني في مثل هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يلزمك تقوى الله عز وجل والقيام بطاعته سواء في بلدك الأصلى أو في البلد الذي تسافر إليه لغرض وترجع أما بالنسبة للسفر فأنت مسافر إذا فارقت بلدك ولك أن تترخص بجميع رخص السفر ولكن إذا كنت مقيماً في بلد تقام فيها الجماعة وجب عليك أن تحضر صلاة الجماعة لعموم الأدلة الدالة على وجوب حضور الجماعة لكن لو قدر أن المساجد بعيدة عنك أو أنها فاتتك الصلاة فلك أن تقصر حتى ترجع إلى بلدك الأصلى.
***
(8/2)

السائل أحمد إسماعيل من الخرج يقول ما مقدار المسافة التي تقصر بها الصلاة وما هي الأسباب التي تجعل المصلى لا يخشع في الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال من فقرتين:
الفقرة الأولى عن المسافة التي تقصر فيها الصلاة والمسافة التي تقصر فيها الصلاة اختلف فيها العلماء من محدثين وفقهاء وعامة أهل العلم على أنها ستة عشر فرسخا أي ما يقارب اثنين وثمانين كيلو ومن العلماء من ذهب إلى أن السفر الذي تقصر فيه الصلاة ليس له حد في الشرع لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حدد ذلك لأمته فتحديده توقيف أي موقوف على ما ورد الشرع به وإذا لم يرد الشرع به كان مرجعه إلى العرف فما تعارف الناس على أنه سفر فهو سفر وما تعارف الناس على أنه ليس بسفر فليس بسفر فإن القاعدة أن كل ما جاء بالشرع غير محددا شرعا فإنه يرجع فيه إلى العرف وعلى هذا قول الناظم:
وكل ما أتى ولم يحدد في الشرع كالحرز فبالعرف احدد
وهذا الأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وعلى هذا فإذا خرج الإنسان نحو عشرين كيلو ومكث هناك مكوثا يحمل من أجله الزاد والمزاد وتهيأ الراحلة فإنه يعتبر سفرا وأما إذا خرج إلى مثل هذه المسافة ورجع عن قرب كأن يكون مدعوا لوليمة أو نحوها ثم يرجع فإن هذا ليس بمسافر وهذا هو الذي تميل إليه النفس إلا أنه يشكل عليه أنه غير منضبط بخلاف القول الأول الذي يحدد المسافة بشيء معين فإنه يكون منضبطا وأقرب إلى فهم الناس فمن أخذ به فلا حرج عليه إن شاء الله.
الفقرة الثانية في السؤال ما الذي يعين على الخشوع في الصلاة أكبر معين على الخشوع في الصلاة أن يشعر الإنسان أنه إذا وقف يصلى أنه يناجي الله عز وجل يخاطبه وأن الله سبحانه وتعالى يرد عليه هذه المناجاة كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: قال الله تعالى (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال الله مجدني عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) فإذا شعر الإنسان بهذا الشعور فلا بد أن يستحضر ما يقوله ويفعله في صلاته لأنه بين يدي الله عز وجل الذي يعلم ما في قلبه ويعلم ما توسوس به نفسه ومما يعين على ذلك ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم فإذا أحس الوساوس والهواجس تفل عن يساره ثلاث مرات واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم فإن ذلك يذهب بإذن الله ولكن إذا كان الإنسان في جماعة فماذا يصنع كيف يتفل عن يساره ثلاث مرات نقول يكفي أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم بدون تفل لكي لا تؤذي من حولك ومما يعين على ذلك أن يتفرغ الإنسان للصلاة بحيث لا يكون عنده شاغل يشغله كاحتباس بول أو غائط أو فضول طعام يشتهيه أو ما أشبه ذلك لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) ومما يعين على ذلك البعد عما يكون به التشويش والإشغال بأن يبتعد عن الضوضاء وعن المتحدثين وعن الدارسين بصوت مرتفع وما أشبه ذلك ومن هنا ننطلق إلى مسألة مهمة وهي أن بعض الناس يكون في المسجد يقرأ القرآن وله صوت رخيم مرتفع يترنم بالقرآن وحوله من يصلون فيشوش عليهم ويشغلهم عن صلاتهم وهذا مما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث رأى أصحابه في المسجد يصلون ويجهرون فقال صلى الله عليه وآله وسلم (لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن) أو قال في القراءة وفي حديث آخر (لا يؤذين بعضكم بعضا) فجعله أذية وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن المصلي يتأذى في مثل هذه الحال ويشوش عليه ما يسمعه من أخيه القارئ فعلى القارئ أن يخفض صوته في مثل هذه الحال لكي لا يشوش على إخوانه فيفسد عليهم صلاتهم وننطلق أيضا انطلاقة أخرى إلى ما يفعله بعض الأئمة نسأل الله لنا ولهم الهداية من رفع الصلاة في مكبرات الصوت في المآذن فإن هذا يحصل به من التشويش ما قد شكى منه كثير من الناس حتى إن بعض المساجد إذا كانت قريبة وكانت الريح منصرفة إلى مسجد آخر أو متجهة إلى مسجد آخر ينشغل أهل المسجد الآخر بقراءة إمام المسجد الثاني عن استماعهم لقراءة إمامهم لاسيما إذا كانت قراءته جيده وصوته حسنا فإن الناس ينشغلون به كثيرا حتى سمعت أن بعض الناس أمن على قراءة الفاتحة دون إمامه ولا شك أنه يشغل المصلين إذا سجدوا وإذا ركعوا وهم يستمعون إلى قراءته من خلال مكبر الصوت على المآذن ومن المعلوم إن هذا ليس فيه مصلحة في الحقيقة أصلا وفيه هذه الأذية والإنسان العاقل لا يفعل شيئا إلا إذا كانت مصلحته خالصة لا مفسدة فيها أو راجحة على مفسدته أما ما هو لا مصلحة فيه وفيه الأذية فإن العاقل لا يفعله لاسيما وأنه يبلغه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (نهى أصحابه أن يجهر بعضهم على بعض في القراءة) ثم إنه أعني رفع الصوت من المئذنة بمكبر الصوت قد يؤذي حتى جيران المسجد قد يكون جار المسجد مشتغلا بورد خاص له أو بقراءة أو بمراجعة مسألة شرعية أو أي من مسائل العلم النافع فيشوش عليه هذا تشويشا بالغا وقد يكون مريضا يحتاج إلى الراحة والنوم حينما صلى الفجر فإذا أخذ في النوم وسمع هذا الصوت طار عنه النوم وعلى كل حال فهذه المسألة أعني رفع الصوت من المئذنة بالصلاة صاحبها لا يكون غانما لأنه لا يترتب عليه شي من المصلحة فيما نعلم بل هو إما سالم وإما آثم بما يحصل من أذية إخوانه فنصيحتي لإخواني أن يقتصروا على الأقل على إقامة الصلاة في المئذنة وأن يدعوا نقل الصلاة من فوق رؤوس المآذن وأنا حينما أقول هذا لست أنكر استعمال المكبر في الصلاة لكنني أقول احذروا الأذية لإخوانكم أما استعمال المكبر في الصلاة فهذا إذا دعت الحاجة إليه بدون أذية كما لو كان المسجد كبيرا والجماعة كبيرة فهذا لا بأس به وقد نقول إنه مستحسن أما إذا لم يكن له داعٍ فتركه أولى حتى في داخل المسجد لأن اعتياد الإنسان أن لا يتلذذ بالقرآن إلا بواسطة هذا الصوت المنقول على هذا المكبر فيه شيء من النظر لذلك ينبغي للإنسان في هذه الأمور وغيرها أن يتدبر ويتأمل ويقارن بين المصالح والمفاسد ويتبع ما يكون أرضى لله وأبعد عن إيذاء عباد الله ثم إنه قد شكي إلينا شيء أقل من ذلك ضررا وهو إقامة الصلاة من على المئذنة بمكبر الصوت فقالوا إن أولادنا ينتظرون حتى يسمعوا الإقامة ثم يقومون ويتوضؤون ويذهبون بسرعة وربما يفوتهم شيء من الصلاة أو كل الصلاة وربما يؤدون الوضوء من غير إسباغ وشكوا ذلك من أجل القول بمنع نقل الإقامة من على المئذنة ولكن في نفسي من هذا شيئا لأن سماع الإقامة من المسجد أمر وارد في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد قال عليه الصلاة والسلام (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وهذا يدل على أنه لا حرج من أن تسمع الإقامة من خارج المسجد.
***
(8/2)

يقول السائل كان أحد الأئمة مسافراً ووضع نية السفر في قلبه ثم أتت صلاة العشاء فصلى بالجماعة ركعتين لأنه اعتبر نفسه قاصراً ثم سلم وبعده قام الذين صلى بهم وأتى كلٌ بركعتين كل على حده فهل هذه الصلاة صحيحة أم لا ومتى يبدأ الإنسان في قصر الصلاة للمسافة التي يجب فيها القصر هل عند وضع النية أم عند الشروع في السفر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: فعل هذا الإمام ليس بصواب فيما نرى لأن رُخَصَ السفر لا تَبْتدئ إلا بالشروع في السفر فإن الله تعالى يقول (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) فَعَلقَ الحكمَ على نفس الفعل وهو الضرب في الأرض والضرب في الأرض معناه السفر وعلى هذا فلا يجوز للمسافر أن يقصر ما دام في البلد حتى يخرج منها حتى لو فُرض أنه قد عزم عزماً أكيداً وحَمّلَ متاعه في سيارته أو طائرته أو سفينته فإنه ما دام في البلد فإنه لا يجوز له القصر وكذلك لا يجوز له الفطر في رمضان حتى يخرج ولو فرض أنه سافر بطائرة أو في سفينة وكان الميناء أو المطار خارج البلد فإنه يعتبر قد خرج من البلد لأنه إذا كان المطار بعيداً عن البلد فليس يُْعَزى إليه وكذلك إذا كان الميناء لا يعد من البلد فإنه يكون قد خرج من البلد فله أن يقصر ما دام في انتظار الطائرة أو السفينة.
(8/2)

فضيلة الشيخ: يقول ماحكم صلاة الإمام والمأمومين في هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الذين أتموا أربعاً صحيحة لكن صلاة الإمام فيما نرى غير صحيحة فيجب عليه إعادتها ولو الآن يعيدها لا حرج.
***
(8/2)

السائلة حميدة سالم محمد من ليبيا بنغازي بعثت بسؤالين السؤال الأول تقول فيه أختي تدرس بجامعة بعيدة عنا بحوالي مائة كيلو متر تقريبا وبعد مضي عدة أيام تأتي إلينا وتمكث حوالي يومين أو ثلاثة فهل يجوز لها قصر الصلاة في هذه المدة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: في هذه المدة التي ترجع بها إليكم لا يجوز لها أن تقصر الصلاة وذلك لأنها رجعت إلى وطنها والمسافر إذا رجع إلى وطنه يجب عليه إتمام الصلاة حتى إن كان لا يمكث فيه إلا أياما قليلة لأنه عاد إلى الأصل وأما إذا كان الإنسان مسافرا فإنه يجوز له أن يقصر الصلاة وعلى هذا فيلزم أختك إذا رجعت إليكم أن تصلى صلاة تامة غير مقصورة.
***
(8/2)

السائل من سلطنة عمان يقول تبعد مدينتي عن العاصمة حوالي ثلاثمائة وخمسين كيلو متر وأنا أدرس في الجامعة ومقيم فيها وأيام العطل أي الخميس والجمعة أعود إلى مدينتي فهل يجوز أن أجمع واقصر الصلاة في الجامعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تصلي مع الجماعة في المساجد وحينئذ لا بدّ أن تتم وأن لا تجمع لكن لو فرض أنك فاتتك الصلاة الرباعية فلك أن تقصر لأنك في الحال التي وصفت مسافر حيث لم تتخذ البلد الذي أنت تدرس به مقرا لك وسكنا وعموم النصوص من الكتاب والسنة تدل على أن الإنسان مسافر حتى يرجع إلى وطنه فقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) لم يقدر بمدة فما دام ضاربا في الأرض أي مسافرا فيها فإنه يقصر الصلاة ولم يحدد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمته حدا معينا بل أطلق وأقام عليه الصلاة والسلام إقامات مختلفة فأقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوما يقصر الصلاة وأقام في تبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة وأقام في حجة الوداع عشرة أيام يقصر الصلاة لأنه صلى الله عليه وسلم قدم في اليوم الرابع من ذي الحجة أي قدم مكة ولم يخرج منها إلا في صباح اليوم الرابع عشر وقول بعضهم إن النبي صلى الله عليه وسلم أنشأ السفر من حين أن خرج إلى منى في اليوم الثامن وإن المدة التي يقصر فيها الإنسان صلاته أربعة أيام فما زاد عليها وجب عليه الإتمام فيه قول بعيد من الصواب وذلك لأنه لا أحد يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما خرج من الأبطح إلى منى في اليوم الثامن أنشأ السفر مغادرا وكيف نقول إنه أنشأ السفر مغادرا مكة وهو إنما جاء لهذا الغرض الذي يتعلق بمكة وهو الوقوف والمبيت والرمي والطواف كيف نقول إنه غادر مكة قبل أن يأتي بالمقصود الذي سافر إلى مكة من أجله هذا بعيدٌ جداً ولهذا سئل أنس بن مالك رضي الله عنه كم أقمتم بمكة في عام حجة الوداع قال أقمنا فيها عشراً هكذا جاء في صحيح البخاري وغيره ثم إنه من المعلوم أنه لو كانت مدة الإقامة التي ينقطع بها السفر ما زاد على أربعة أيام لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا واضحا لأن هذا مما تتوافر الدواعي على بلاغه وعلى بيانه بل لنا أن نقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين بفعله وسكوته أن المدة لا تتقيد بأربعة أيام وجه ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم مكة في حجة الوداع صبيحة اليوم الرابع ولم يزل يقصر ولم يقل لأمته من أتى قبل اليوم الرابع إلى مكة فعليه الإتمام مع أنه من المعلوم أن من الحجاج من يقدم مكة في اليوم الرابع ومنهم من يقدمها قبل اليوم الرابع ولو كان يلزم من قدم إلى مكة قبل اليوم الرابع أن يتم لبينه الرسول عليه الصلاة والسلام ولمّا سكت عن تحديد المدة عُلم أنه لا حد فيها فما دام الإنسان مسافراً ينوي الرجوع إلى بلده متى انتهى شغله الذي قدم من أجله فإنه يعتبر مسافرا سواء حدد المدة أم لم يحددها.
***
(8/2)

السائل يقول نحن نسافر أسبوعياً تقريباً إلى مناطق تبعد أكثر من مائة كيلو هل يجوز لنا القصر في هذه الحالة وهل يجوز أداء صلاة العشاء حين وصولنا إلى المنزل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا سافر الإنسان هذه المسافة فإنه يقصر لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) إلا إذا كان في بلد فإنه يلزمه حضور الجماعة وإذا حضر الجماعة فسوف يتم لأن المسافر إذا ائتم بمن يتم لزمه الإتمام سواءٌ كان هذا المسافر الذي ائتم بمن يتم قد أدرك الصلاة من أولها أم من آخرها فعلى هذا إذا أدرك المسافر مع الإمام ركعتين وجب عليه أن يأتي بعد سلام الإمام بركعتين لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وهذا يعم المسافر والمقيم ولأن ابن عباس رضي الله عنه عنهما سئل ما بال المسافر يصلى مع الإمام أربعاً ويصلى وحده ركعتين فقال تلك هي السنة وبناءً على ذلك نقول إن المسافر إذا وصل إلى بلد تقام فيها الجماعة وجب عليه حضور الجماعة حتى ولو كان معه أصحاب يمكن أن يصلى معهم جماعة فإن الواجب عليهم جميعاً حضور الجماعة إلا أن يكون في ذلك مشقة بأن يكون المسجد بعيداً أو يكون المسجد غير معلوم المكان عندهم فحينئذٍ يصلون جماعة وأما قول السائل هل يصلى إذا وصل إلى منزله فلا أدري ماذا يريد بهذا السؤال فإن كان يريد أنه إذا وصل إلى منزله وهو لم يصل الرباعية فهل يصليها قصراً أو يصليها تامة الجواب أن نقول إذا وصل الإنسان إلى بلده وهو لم يصلِ فإن الواجب عليه الإتمام لأن السفر انقطع مثال ذلك رجل أتى عليه الظهر في السفر فنوى أن يجمع جمع تأخير فأخر الظهر حتى وصل إلى البلد بعد أذان العصر فيجب عليه في هذه الحال أن يصلى الظهر أربعاً والعصر أربعاً لأن السفر قد انتهى والقصر إنما يجوز حال كون الإنسان مسافراً ولذلك كان الراجح من أقوال أهل العلم أن الرجل إذا دخل عليه الوقت وهو في بلده ثم خرج مسافراً قبل أن يصلى فإنه يصليها قصراً يعني لو أذن الظهر وأنت في بلدك ثم سافرت قبل أن تصلى فإنك تصليها ركعتين والعكس بالعكس فلو أذن عليك الظهر وأنت بالسفر ثم قدمت إلى بلدك فالواجب عليك أن تصلى أربعاً لأن العبرة بفعل الصلاة.
***
(8/2)

السائل يقول رجل يعمل سائقا في إحدى المؤسسات الحكومية وعمله متنقل من منطقة إلى منطقة والمسافة من المنطقة الأولى إلى المنطقة الثانية تقريباً يوم وليلة السؤال هل يجوز له أن يقصر الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت المسافة كما ذكر يوما وليلة بالسيارة فلا شك أنه يقصر الصلاة إذا سافر إلى البلد الثاني ولكن إذا كان في البلد وسمع الأذان فلا بد أن يجيب فالمسافر لا تسقط عنه صلاة الجماعة بل قد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم إذا كان فيهم في الجهاد في سبيل الله أن تقوم طائفةٌ من المصلىن معه على ما ذكر الله تعالى في سورة النساء وهذا يدل على أن صلاة الجماعة لا تسقط في حال الخوف وحال السفر فيجب على الإنسان إذا سمع النداء وهو في بلدٍ قد سافر إليها أن يحضر إلى المسجد ويصلى مع الناس لكن لو فرض أنه كان بعيداً عن المسجد أو أن الصلاة فاتته فإن له أن يصلى الرباعية ركعتين ويقصر الصلاة لأنه في سفر.
***
(8/2)

هذه الرسالة وصلت من الدمام من المستمع ع. ع. س. يقول هل يعد الذاهب إلى دولة البحرين وهو مقيم بالدمام مسافراً يجوز له الجمع والقصر والفطر مع العلم أن البحرين تبعد ما يقارب خمسة وعشرين كيلومترا فقط عن الدمام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المسافر من المنطقة الشرقية إلى البحرين يعتبر مسافراً لأن الله تعالى قال (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تقصروا من الصلاة) ولا شك أن المسافر من المنطقة الشرقية إلى البحرين ضاربٌ في الأرض وكل الناس يعرفون أنه مسافر وأما كونه سافر خمسة وعشرين كيلاً فهذا لا يضر لأن القول الراجح من أقوال العلماء أن تقدير المسافة التي يجوز فيها القصر لا دليل عليه وأن المرجع في ذلك إلى ما يسمى سفراً في عرف الناس وهذا القول هو الراجح وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان النبي الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميالٍ أو فراسخ صلى ركعتين يعني قصر الصلاة وعليه فنقول إن السفر من المنطقة الشرقية إلى البحرين سفر يترخص به الإنسان بجميع رخص السفر من قصر الصلاة والفطر في رمضان والمسح على الجوارب أو الخفين ثلاثة أيام.
***
(8/2)

السائل يقول أناس يعملون خارج مدينة الرياض مسافة مائة وثلاثين كيلومتر ويذهبون من الرياض ويقومون يومياً بجمع صلاة العصر مع الظهر جمع تقديم علماً بأنهم يصلون إلى الرياض قبل صلاة العصر وذلك في حوالي الثانية ظهراً فهل يعد فعلهم هذا صحيحا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس بصحيح فيما نرى لأن هؤلاء ليسوا مسافرين عرفاً فلا يجوز لهم الجمع ولا القصر إلا إذا كان في ترك الجمع مشقة فلهم أن يجمعوا من أجل المشقة لا من أجل السفر هذا على ما نراه من أن السفر مقيدٌ بالعرف أما إذا قلنا بأن السفر مقيدٌ بالمسافة فهؤلاء مسافرون لهم القصر ولهم الجمع لأنهم تجاوزوا المسافة المحددة وهي ثلاثة وثمانون كيلو.
***
(8/2)

يقول السائل بأنه يسافر يومياً مسافة مائة وثمانين كيلومتراً ذهاباً وإياباً نظراً لظروف عمله ويدخل في ذلك وقت صلاة الظهر عند العودة وهو في الطريق فماذا يفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يصلى الظهر تامة لأن هذا لا يعد سفراً وكونه يذهب ويأتي بيومه لا يعده الناس سفراً لكن بعض أهل العلم حدد السفر الذي تقصر فيه الصلاة بمسيرة واحد وثمانين كيلو أو ثلاثة وثمانين كيلو وعلى هذا القول له أن يقصر الصلاة لكن الاحتياط أن لا يقصر.
***
(8/2)

متى يبدأ الإنسان في قصر الصلاة للمسافة التي يجب فيها القصر كلمة يجب فيها القصر هل يجب أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يبتدئ الإنسان القصر في الصلاة إذا فارق القرية يعني إذا خرج من حدود البلد الذي هو ساكن فيه وإن كان يرى البلد فإنه لا يضر المهم إذا خرج من حدوده فإنه يعتبر خرج إلى السفر الآن وفارق محل الإقامة فيبدأ أحكام السفر من قصر الصلاة والفطر في رمضان وغير ذلك من أحكام السفر المعروفة وأما تعبيره بكلمة يجب القصر فهذه الكلمة إن صدرت من شخص عامي فإن العوام لا يفرقون بين كلمة يجب وكلمة يسن وكلمة يجوز يعبرون عن الوجوب أحياناً بما هو سنة وبما هو جائز وإن كان هذا المعبر طالب علم فإنه من الذين يرون وجوب القصر في السفر والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم فمن أهل العلم من يرى أن القصر في السفر واجب لما ثبت في صحيح البخاري من حديث عائشة أن أول ما فرضت الصلاة كانت ركعتين فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم زيد في صلاة الحضر وأقُرت صلاة السفر على الفريضة الأولى ولهم أدلة كثيرة تدل على وجوب القصر في السفر ولكن جمهور أهل العلم على أن القصر في السفر ليس بواجب وإنما هو سنة صدقة تصدق الله بها على عباده فقبولها منه سنة ومشروع والله أعلم.
***
(8/2)

كم مقدار المسافة التي يجب للمسافر أن يقصر ويجمع فيها الصلاة وهل يجوز الجمع دون القصر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المسافة التي تقصر فيها الصلاة حددها بعض العلماء بنحو ثلاثة وثمانين كيلو وحددها بعض العلماء بما جرى به العرف أي ما قال الناس إنه سفر فهو سفر وإن لم يبلغ ثمانين كيلو وما قال الناس إنه ليس بسفر فإنه ليس بسفر ولو بلغ مائة كيلو وهذا الأخير هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وذلك لأن الله تعالى لم يحدد مسافة معينة لجواز القصر وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يحدد مسافة معينة بل قال أنس بن مالك رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم (إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين) أي قصر الصلاة وهذا أقرب أعني قول شيخ الإسلام ابن تيمية أقرب إلى الصواب لكنه أحيانا يكون غير منضبط فإذا كان غير منضبط أو اختلف العُرف فيه فانه لا حرج أن يأخذ الإنسان بالقول بالتحديد لأنه قال به بعض الأئمة والعلماء المجتهدين فليس عليه في ذلك بأس إن شاء الله أما مادام الأمر منضبطاً فالرجوع إلى العرف هو الصواب وأما هل يجوز الجمع إذا جاز القصر فنقول الجمع ليس مرتبطا بالقصر الجمع مرتبط بالحاجة فمتى احتاج الإنسان إلى الجمع في حضر أو سفر فليجمع ولهذا يجمع الناس إذا حصل مطر يشق على الناس من أجله الحضور إلى المساجد ويجمع الناس إذا كان هناك ريح باردة شديدة في أيام الشتاء يشق على الناس الخروج إلى المسجد من أجلها ويجمع الإنسان إذا كان يخشى فوات ماله أو ضرر فيه أو ما أشبه ذلك يجمع الإنسان إذا كان مريضا وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر فقالوا ما أراد إلى ذلك قال أراد ألا يحرِّج أمته أي أن لا يلحقها الحرج في ترك الجمع وهذا هو الضابط وكلما حصل على الإنسان حرج في ترك الجمع جاز له الجمع وإذا لم يكن عليه حرج فلا يجمع لكن السفر مظِنة الحرج بترك الجمع وعلى هذا فيجوز للمسافر أن يجمع سواء كان جاداً في السفر أو مقيماً إلا أنه إذا كان جاداً في السفر فالجمع أفضل وإن كان مقيماً فترك الجمع أفضل ويستثنى من ذلك ما إذا كان الإنسان مقيماً في بلد تقام فيه الجماعة فإن الواجب عليه حضور الجماعة وحينئذ لا يجمع ولا يقصر لكن لو فاتته الجماعة قصر بدون جمع ولو احتاج إلى الجمع جمع وقصر فيما لم يصلّ فيه خلف الإمام.
***
(8/2)

السائل يقول أنا عندي سيارة نقل وأنقل البضاعة على 280 كيلو مترا هل يجوز قصر الصلاة فيها وكم المدة من الأيام جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز قصر الصلاة في مسافة 280 كيلو إذا كان يبقى في البلد الآخر الذي سافر إليه يومين أو ثلاثة أو نحوها وله أن يقصر حتى يرجع إلى بلده ولو طالت المدة لكن يجب التنبه إلى شيء يهمله كثير من الناس جهلاً أو تهاوناً وهو الصلاة مع الجماعة فإن الواجب على المسافر إذا كان في بلد تقام فيه الجماعة أن يحضر إلى الجماعة لأن السفر ليس من مسقطات وجوب صلاة الجماعة بل قد أوجب الله الجماعة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه في السفر في حال الخوف فقال تعالى (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) فأوجب الله صلاة الجماعة حتى في هذه الحال فكيف بحال الأمن ومن توهم أن المسافر ليس عليه جمعة ولا جماعة وهو في نفس البلد فلا وجه لوهمه هذا.
***
(8/2)

السائل خلف رشدان العازمي من الكويت يقول خرجت ذات يوم أنا وبعض أصحابي في نزهة إلى البر وكان المكان الذي ذهبنا إليه يبعد عن المدينة التي نسكن فيها بحوالي سبعين كيلو مترا ولما حان وقت صلاة رباعية اختلفنا حول جواز القصر في هذه المسافة لسببين أولهما أننا لسنا مسافرين وإنما خرجنا للنزهة وثانيهما أن المسافة التي بيننا وبين المدينة أقل من مسافة القصر ولكن منا من يقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقصر الصلاة لمسافة ثلاثة فراسخ فهي تقارب المسافة التي قطعناها وقصر بعده أصحابه رضي الله عنهم أجمعين فما رأيكم في هذا من ناحية جواز القصر لمن قطع مسافة وإن لم يكن مسافراً ومن ناحية ضبط المسافة بالكيلو متر ومقارنته بالفراسخ جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال هو أن أهل العلم اختلفوا في جواز القصر هل يحدد بمدة أو بمسافة أو لا يحدد ويرجع في ذلك إلى العرف فأكثر أهل العلم يرون أنه محدد المسافة ومقدارها واحد وثمانون كيلاً وثلاثمائة وبضعة عشر مترا فمن قطع هذه المسافة ولو في نصف يوم فإنه يحل له قصر الصلاة والفطر في رمضان ويرى آخرون من أهل العلم أنه لا يحدد بمسافة أعني السفر الذي يبيح القصر والفطر وإنما يرجع في ذلك إلى العرف فما سماه الناس سفراً فهو سفر وذلك بأن يكون الخروج مستعداً له الإنسان متأهباً له أهبة السفر يودع عند سفره ويستقبل عند قدومه وهذا القول هو ظاهر الأدلة فإن الله تعالى يقول (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) ولم يحدد الله تعالى مسافة هذا الضرب بل أطلقه فمتى كان الإنسان ضارباً في الأرض مفارقاً لوطنه فإنه يحل له القصر وكذلك في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين) وهذا أقل بكثير مما ذكره السائل حيث ذكر أنهم بعدوا عن البلدة نحو سبعين كيلو والمهم أن هذا القول هو الراجح لأنه لا دليل يدل على تحديد المسافة فمتى سمى الناس هذا ضرباً في الأرض وسفراً ثبتت له أحكام السفر قد تكون المسافة القصيرة سفراً باعتبار طول مدة الإقامة وقد تكون المسافة البعيدة غير سفر باعتبار قصر مدة الإقامة فهؤلاء الذين خرجوا إلى هذه النزهة إذا كان سيبقون يومين أو ثلاثة أو أكثر بمعنى أنهم متأهبون أهبة السفر مستعدون لهذه الرحلة فيجوز لهم القصر حتى وإن كانوا قد خرجوا للنزهة لأن الآية والنصوص عامة وأما إذا كان سيخرجون في الصباح ويرجعون في المساء فالظاهر أن هذا ليس بسفر وأنه لا يحل لهم القصر وليعلم أنه ينبغي أن نتخذ قاعدة مهمة وهي أننا إذا شككنا في وجود شروط الجواز فالأصل عدم الوجود وعلى هذا فإذا شككنا هل هذا سفر أو ليس بسفر فإن الأصل ألا يكون سفراً فلا يستباح به القصر ولا الفطر لأن الأصل وجوب الإتمام فلا نعدل عن هذا الأصل إلا بوجود شيء متيقن يبيح لنا القصر وبناء على هذه القاعدة إذا شككنا في كون هذا سفراً أو غير سفر يكون الاحتياط ألا نقصر الصلاة.
(8/2)

فضيلة الشيخ: بوجود أو توفر وسائل النقل الحالية وسرعة قطع هذه المسافة التي هي مثلاً ثمانون كيلو أو أكثر هل هذا يبيح أحكام السفر بالنسبة لقصر الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم على القول بتحديد السفر بالمسافة لا فرق بين أن يقطعها في يوم أو أقل أو أكثر.
(8/2)

فضيلة الشيخ: يعني ليست العلة هي المشقة والتعب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا فرق بين أن يقطعها بيوم أو يومين أو نصف ساعة أو أكثر وقد صرح بذلك أهل العلم وليست العلة هي المشقة في السفر بل لأن السفر مظنة المشقة سواء وجدت أم لم توجد ولهذا يباح للإنسان أن يقصر الصلاة ركعتين وهو مقيم في سفره كما أقام النبي عليه الصلاة والسلام في سفره في الحج أقام أربعة أيام قبل خروجه إلى المشاعر وأقام ستة أيام في المشاعر وكان يقصر الصلاة عليه الصلاة والسلام.
***
(8/2)

يقول السائل إذا ركبت الطائرة وسافرت إلى أحد البلاد البعيدة وجاء وقت إحدى الصلوات ولا يوجد لدي ماء في الطائرة فما هي الطريقة لأداء الصلاة والوضوء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن كنت تعرف أن الطائرة تصل إلى المطار وتهبط على الأرض قبل خروج وقت الصلاة فانتظر حتى تهبط وتصلى الصلاة بوضوء وباستقبال القبلة وقيام وركوع وسجود وطمأنينة، وإن كنت تعرف أنها لا تصل إلى المطار إلا بعد خروج الوقت فصل على حسب حالك، صل بوضوء إن أمكن، وبتيمم إن أمكن، فإن لم يمكن لا هذا ولا هذا، فصل بدون وضوء ولا تيمم واستقبل القبلة وقم واركع واسجد إذا أمكن ذلك فإن لم يمكن فقد قال الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقال (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) وقال تعالى (أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ * وَلانُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) .
***
(8/2)

السائل سعد من العراق يقول هل الصلاة في الباخرة تكون قصراً مع أني أعمل بها وأمكث فيها أكثر من ستة أشهر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم السفر ليس له حد ينتهي به رخص السفر فما دام الإنسان مسافراً فإن رخص السفر ثابتة له سواء في سيارة أو في طائرة أو في باخرة وعلى هذا فإننا نقول للملاحين الذين في الباخرة أنتم مسافرون ما دام لكم أهل في بلد تأوون إليهم فمتى فارقتم الأهل أو البلد الذي فيه الأهل فأنتم مسافرون ولو طالت بكم المدة وعلى هذا فلكم قصر الصلاة ولكم الجمع لكن القصر سنة وأما الجمع فالأفضل تركه إلا إذا احتجتم إليه.
***
(8/2)

يقول السائل سافرت بالطائرة وحان وقت الصلاة فما هو الأفضل في حق المسافر الانتظار أم الصلاة في الطائرة أم يصلى إذا وصل إلى المطار؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة في الطائرة لا يمكن أن يقوم الإنسان فيها بالواجب لكن إذا كانت نافلة فأمرها سهل يصلى النافلة وهو على سريره وعلى الاتجاه الذي عليه الطائرة أما الفريضة فإنه لا يمكنه أن يصلىها لأنه سوف يلزم بالقيام والركوع والسجود والاتجاه إلى القبلة وهذا لا يتوفر في غالب الطائرات المعروفة عندنا وبناءً على ذلك نقول إذا حان وقت الصلاة وهي مما يجمع إلى ما بعدها وأنت في الطائرة فأخرها حتى تصل إلى المطار وتنزل ثم تجمع جمع تأخير وإن كانت الصلاة مما لا يجمع إلى ما بعدها كصلاة الفجر مثلاً أو صلاة العصر لا تجمع إلى المغرب أو صلاة العشاء لا تجمع إلى الفجر ففي هذه الحال لا يصلى أيضاً حتى ينزل في المطار ليتمكن من القيام بالواجبات فإن كان لا يمكن الوصول إلى المطار إلا بعد خروج الوقت فهنا يصلى في الطائرة ويتجه للقبلة إذا كانت القبلة أمامه فالأمر واضح وإذا لم تكن أمامه فإنه يجب أن يتجه إلى القبلة وفي هذه الحال فسوف نلزمه بالقيام يصلى قائماً والقيام ممكن فيقوم مثلاً من على الكرسي ويتجه إلى القبلة ثم يركع إن تمكن وإلا أومأ أو وإلا حنى ظهره على قدر ما يمكنه ثم يرفع وعند السجود يجلس ويسجد إن تمكن وإلا فيومئ بقدر ما يمكنه هذا إذا كان لا يمكن أن يصل إلى المطار قبل خروج الوقت أما إذا كان يمكنه أن يصل إلى المطار قبل خروج الوقت فإنه ينتظر حتى يصل.
***
(8/2)

المستمع محمد على الطيب سوداني مقيم بالعراق يقول في بعض الأحيان أكون مسافراً بالطائرة أو بالسيارة ثم يدخل وقت الصلاة أثناء الرحلة وهناك لا أعرف اتجاه القبلة ولا أتمكن من الركوع أو السجود ولست على وضوء ولم أجد ما أتيمم به فيكف تكون الصلاة في مثل هذه الظروف فأنا أؤجلها حتى أصل فأصليها قضاء فهل فعلي هذا صحيح أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: فعلك هذا ليس بصحيح فإن الصلاة يجب أن تفعل في وقتها لقوله تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) وإذا وجب أن تفعل في وقتها فإنه يجب على المرء أن يقوم بما يجب فيها بحسب المستطاع لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين (صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) ولأن الله عز وجل أمرنا بإقامة الصلاة حتى في حال الحرب والقتال ولو كان تأخير الصلاة عن وقتها جائزاً لمن عجز عن القيام بما يجب فيها من شروط وأركان وواجبات ما أوجب الله تعالى الصلاة في حال الحرب وعلى هذا يتبين أن ما فعله الأخ السائل من كونه يؤخر الصلاة إلى ما بعد الوقت فيصليها قضاء بناء على أنه لا يعرف القبلة وأنه ليس عنده ماء في الطائرة وأنه لا يتمكن من الركوع والسجود يتبين أن فعله هذا خطأ ولكن ماذا يصنع المرء في مثل هذه الحال نقول يتقي الله ما استطاع فبالنسبة للقبلة يمكنه أن يسأل المضيفين في الطائرة أين اتجاه القبلة فيتجه حيث وجهوه إليه وهذا في صلاة الفريضة أما النافلة فيصلى حيث كان وجهه كما هو معروف، بالنسبة للقيام والركوع والسجود نقول له قمْ لأن القيام ممكن والطائرة في الجو ونقول له اركع لأن الركوع ممكن لا سيما في بعض الطائرات التي يكون ما بين الكراسي فيها واسعاً فإن لم يتمكن من الركوع قلنا له تومئ بالركوع وأنت قائم وفي حال السجود نقول اسجد والغالب أنه لا يمكنه إذا لم يكن في الطائرة مكان معد للصلاة فإذا لم يتمكن من السجود قلنا له اجلس بعد أن تقوم من الركوع وتأتي بالواجب اجلس وأومئ بالسجود وأنت جالس وأما القعود بين السجدتين والقعود للتشهد فأمره واضح وبهذا تنتهي الصلاة ويكون قد اتقى الله فيها ما استطاع وأما فيما يتعلق بالوضوء فنقول إذا لم يكن لديك ماء وليس هناك ما يمكن أن تتيمم به فإنك تصلى ولو بلا وضوء ولا تيمم لأن ذلك هو منتهى استطاعتك وقدرتك فالمهم ألا تؤخر الصلاة عن وقتها إلا إذا كانت الصلاة مما يجمع إلى ما بعده كما لو كانت الرحلة في وقت الظهر فبإمكانك أن تؤخر الظهر إلى العصر فتجمعهما جمع تأخير في وقت العصر فهذا جائز بل يكون واجباً في هذه الحالة.
(8/2)

فضيلة الشيخ: بالنسبة للتيمم يعني لابد من التيمم بتراب له غبار؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التيمم بالتراب لا يحتاج إلى غبار على القول الراجح لأن الله تعالى قال (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (النساء: من الآية43) وهذا عام في كل الأوقات ومعلوم أن المسافرين قد يكونون على أرض رملية ليس فيها غبار وقد يكونون في زمن الأمطار وبلل الأرض فلا يكون غبار فالصحيح أن الغبار ليس بشرط.
(8/2)

فضيلة الشيخ: أقصد أن التيمم لا يصح إلا بتراب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: بكل ما على الأرض لكن في الطائرة ما يتمكن الإنسان إلا إذا كان معه تراب فهنا يمكن أن يتيمم.
***
(8/2)

أحكام الجمع
(8/2)

ما حكم من يجمع بين الصلاتين المفروضتين من غير عذر شرعي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: حكم من يجمع بين صلاتين من غير عذر شرعي أن صلاته التي جمعها إلى ما قبلها غير صحيحة مثل أن يجمع العصر إلى الظهر في وقت الظهر فإن صلاة العصر هنا لا تصح لأنه صلاها قبل وقتها والنبي صلى الله عليه وسلم وقت مواقيت محددة مفصلة فلا يجوز لإنسان أن يقدم الصلاة على وقتها إلا لعذر شرعي أو نحو ذلك وأما إذا كان جمعه جمع تأخير بأن يؤخر الأولى إلى الثانية فإن تأخير الأولى إلى الثانية إثم عظيم كبير واختلف العلماء في هذه الحال هل تصح أو لا تصح فجمهور العلماء أنها تصح مع الإثم والصحيح أنها لا تصح أي إنه إذا أخر الصلاة عن وقتها بلا عذر فإنها لا تصح ولو صلاها ألف مرة لأنه أخرجها عن وقتها بلا عذر كتقديمها عن وقتها بلا عذر يبيح ذلك لأن الكل داخل في مخالفة قول الرسول عليه الصلاة والسلام بل إن الكل داخل في مخالفة حدود الله عز وجل التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليها أمرنا فهو رد) ولهذا يجب على الإنسان الحذر من تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر لأنه إذا أخرها لا تقبل منه أبداً ولو صلاها آلاف المرات.
***
(8/2)

هل يجوز الجمع بين الصلوات بدون أي عذر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب لا يجوز الجمع بين الصلوات بدون عذر لقول الله تعالى (فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وقت الصلوات وجعل لكل صلاة وقتاً محدداً فتقديم الصلاة على وقتها أو تأخيرها عن وقتها بدون عذر شرعي من تعدي حدود الله عز وجل وقد قال الله تعالى (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) فعلى المرء أن يصلى كل صلاة في وقتها ولكن إذا دعت الحاجة وشق على الإنسان أن يصلى كل صلاة في وقتها فلا حرج عليه أن يجمع حينئذ فيجمع بين الظهر والعصر إما جمع تقديم أو تأخير حسب الأيسر له وبين المغرب والعشاء إما جمع تقديم وإما جمع تأخير حسب الأيسر له لقول ابن عباس رضي الله عنهما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر فسئل عن ذلك فقال أراد أن لا يحرج أمته أي أن لا يدخل عليها الحرج في ترك الجمع وهذه إشارة من ابن عباس رضي الله عنهما إلى أن الجمع لا يحل إلا إذا كان في تركه حرج ومشقة وهذا هو المتعين فإن جمع الإنسان بين الصلاتين بدون عذر شرعي فإن الصلاة المجموعة إلى وقت الأخرى غير مقبولة عند الله ولا صحيحة ذلك لأنه عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .
***
(8/2)

السائل من العراق بغداد يقول يوجد أنُاس يصلون بشكل مختلف عن الآخرين فهناك من يصلى الصلاة بوقتها بشكل منفرد وهناك من يصلى الصلاة بجمع الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء ما صحة هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قال الله عز وجل (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) ويقول جل وعلا في نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) فدين الإسلام إنما جاء بتوحيد الأمة وجمع كلمتها على شريعة الله التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم واتبعه على ذلك أصحابه رضوان الله عليهم من الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ثم بقية الصحابة ثم التابعون لهم بإحسان من أئمة الهدى ومصابيح الدجى هذا هو الدين الإسلامي الذي أمر الله به وأن تكون أمة واحدة على هذا المنهاج الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون والصحابة رضي الله عنهم وأئمة الهدى من بعدهم كالإمام أحمد بن حنبل والشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان وغيرهم ممن عرفوا بالهدى والصلاح وإرادة الإصلاح ومن أهم ما يوجب الاجتماع على دين الله إقامة صلاة الجماعة في المساجد فإنها من الشعائر الظاهرة التي تحمل فوائد كثيرة وقد دل الكتاب والسنة على أنها فرض أي صلاة الجماعة فرض وأنه لا يجوز لأحد أن يتخلف عنها ويصلى منفرداً تجد ذلك في القرآن قوله تعالى (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) فأوجب الله سبحانه وتعالى الصلاة جماعة حتى في مواجهة الأعداء فإذا أوجبها الله تعالى في هذه الحال فإيجابها في حال الأمن والرخاء من باب أولى قال تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) وأما السنة فأدلة وجوب صلاة الجماعة فيها كثيرة فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة أنه قال (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلى بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة معنا فأحرق عليهم بيوتهم بالنار والذي نفسي بيده لو يجد أحدهم عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء) واستأذنه رجل أعمى ليس له قائد يقوده إلى المسجد أن يصلى وحده فأذن له فلما أدبر دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب وقال ابن مسعود رضي الله عنه (لقد رأيتنا يعني الصحابة رضي الله عنهم وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) فالذين لا يشهدون جماعة المسلمين ويصلون فرادى خالفوا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الصلاة جماعة مع المسلمين وأما قول السائل إن من الناس من يجمع بين الصلوات فإن الجمع إن كان له سبب يبيحه فهو جائز وقد دلت السنة على جوازه كحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم (جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر قالوا ما أراد بذلك قال أراد أن لا يحرج أمته) فإذا كان في ترك الجمع مشقة على المسلمين جاز لهم الجمع كما إذا كان الخروج في المطر يشق عليهم فجمعوا بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء من أجل المشقة فهذا لا بأس به وكذلك إذا كانوا مسافرين وأما إذا لم يكن عذر فإن الجمع يكون حراماً ولا تصح الصلاة التي صلىت في غير وقتها فإذا جمع العصر إلى الظهر مثلاً فإن العصر لا تصح لأنه صلاها قبل دخول وقتها ويجب عليه إعادتها في وقتها وإذا أخر الظهر إلى العصر فإنه يحرم عليه أيضاً ذلك التأخير ولا تقبل منه الصلاة حينئذ لأنه أخرها بدون سبب شرعي وعلى المرء أن يتقي الله عز وجل وأن يقوم بما أوجب الله عليه وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت قال (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل ووقت الفجر ما لم تطلع الشمس) حدد النبي صلى الله عليه وسلم الأوقات وبينها فمن أخرج الصلاة عن وقتها الذي حدده النبي صلى الله عليه وسلم فقد عمل عملاً ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) .
***
(8/2)

صليت في أحد المساجد وقت الظهر وقد نزل مطر كثير وعند المسجد بحيرة من الماء فجمع الإمام الظهر مع العصر وأما مسجدنا فكان مناسباً لا يصلح معه الجمع فهل صلاتي في المسجد الآخر الذي جمع صحيحة وإذا كانت غير صحيحة فهل أعيد صلاة العصر الآن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا صلىت مع جماعة وكان إمامهم يجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء وكان سبب الجمع قائما وهو العذر فإن صلاتك صحيحة ولا يجب عليك إعادتها أما إذا أراد الإمام أن يجمع وكان سبب الإباحة للجمع غير قائم فإنك تنصحه أولاً قبل أن يشرع في الجمع لأن الجمع بدون عذر شرعي كبيرة من كبائر الذنوب وإن الصلاة الثانية لا تصح إذا كانت جمع تقديم لأنها صليت قبل وقتها فإن أصر على أن يجمع فلا تنصرف أنت صل معهم وانوها نافلة فإذا جاء وقت العشاء أو العصر فصلها وذلك لأن خروجك في هذه الحال يؤدي إلى الشقاق والنزاع والكراهية منك أو عليك.
***
(8/2)

السائل صلاح الدين أحمد محمد من الأردن عمان يقول هل يجوز جمع التقديم أو التأخير في حال نزول المطر وهل ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم جمع في المطر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا نزل المطر وكان في الحضور إلى المسجد مشقة من أجل المطر فإنه يجوز الجمع إما تقديماً وإما تأخيراً وذلك لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر فقوله رضي الله عنه من غير خوف ولا مطر يدل على أنه كان من عادته أن يجمع في المطر فقيل لابن عباس لم فعل ذلك قال أراد ألا يحرج أمته فدل قوله ألا يحرج أمته على أنه متى حصل بالصلاة في كل وقت مشقة فإنه يجوز الجمع.
***
(8/2)

هل يجوز للمرأة أن تجمع الصلوات في البرد والمطر كجمع الرجال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للمرأة أن تجمع للبرد والمطر لأن الجمع إنما يجوز عند الحاجة والمشقة في تركه والمرأة لا تحتاج إلى أن تجمع من أجل المطر والبرد لأنها لا تخرج من بيتها بخلاف الرجال الذين يخرجون من بيوتهم إلى المساجد فإنه يشق عليهم في البرد الشديد مع الريح الشديدة أن يرجعوا إلى المسجد وعلى هذا إذا كان الإنسان يصلى في بيته كالمرأة والمريض ونحوهما فإنهم لا يجمعون من أجل المطر أو من أجل البرد الذي يبيح الجمع ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة من غير خوفٍ ولا مطر وسئل رضي الله عنه عن ذلك يعني لماذا جمع قال أراد أن لا يحرج أمته وهذا دليلٌ على أن الجمع لا يجوز إلا إذا كان في تركه حرج أي مشقة.
***
(8/2)

يقول السائل إذا عارض مسلمٌ بقية الجماعة في الجمع لأجل المطر والبرد لأنه لا يرى الجمع جائزاً بسبب عدم وجود النية قبل الصلاة فأيهما أولى الصلاة مع الجماعة أو اعتزالها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً تقدم أن القول الصحيح أنه لا يشترط نية الجمع وأنه يجوز أن يجمع الإنسان إذا وجد السبب ولو في أثناء الصلاة الأولى والمعارضة إذا كان الإنسان يعارض عن تقليد أو عن اجتهادٍ فإنه لا يؤاخذ بذلك من جهة معارضته إذا كان هذا هو ما يستطيعه من تقوى الله عز وجل وإلا فالواجب على المسلم إذا تبين له الحق أن يتبعه سواءٌ كان ذلك موافقاً لما كان يعتقده بالأمس أم مخالفاً له لأن المؤمن لا يتم إيمانه حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عارضهم هذا المسلم وهو يعتقد أن هذه المعارضة صحيحة وأنها هي دين الله الذي يقابل به ربه يوم القيامة فإن له ما اعتقد ولا يلزم أحدٌ بالقول باجتهاد أحدٍ إذا لم تقم الحجة البينة الظاهرة على صوابه وعلى هذا نقول لهذا المعارض لا حرج عليك إذا لم تجمع وأنت ترى أنه لا يصح الجمع ولكن نرى أن الأولى أن تصلى مع الجماعة بنية النافلة لأن الشذوذ عن جماعة المسلمين أمرٌ لا ينبغي حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر من صلى في رحله وأدى الفريضة ووجد جماعة أن يصلى معهم وقال إنها نافلة فالذي نرى أن يصلى معهم وينويها نافلة وإذا دخل وقت العشاء صلى العشاء.
***
(8/2)

السائل عبد الله بن عبد العزيز العبد الله من الرياض يقول إذا كان الوقت بارداً وهطلت أمطار وأراد جماعة المسجد جمع المغرب مع العشاء هل تلزم النية للإمام والمأمومين في ذلك أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال له جانبان:
الجانب الأول الجمع بين المغرب والعشاء من أجل المطر والبرد ونحوهما وهذا لا شك أن القول الصواب فيه هو جواز الجمع لهذه الأمور التي تشق على المسلمين لأن حديث ابن عباس رضي الله عنهما صريحٌ في ذلك حيث أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة من غير خوفٍ ولا مطر فإن قوله ولا مطر يدل على أنه كان من المعتاد عندهم الجمع من أجل المطر وسئل ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن ذلك فقال أراد أن لا يحرج أُمته أي أن لا يلحقها الحرج في أداء صلاة الجماعة وهذا هو الموافق لروح الدين الإسلامي الذي قال الله تعالى عنه في معرض آيات الصيام (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال سبحانه وتعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) فالحاصل أنه يجوز الجمع لأجل المطر الذي يلحق به مشقة وكذلك لأجل الريح الباردة التي يلحق الناس بها مشقةٌ إذا خرجوا إلى المسجد وإذا جاز الجمع فالعبرة بوجود السبب ولا يشترط النية وهذا هو الجانب الثاني من السؤال على القول الراجح فمتى وجد السبب وإن لم ينووا الجمع عند تكبيرة الإحرام للصلاة الأولى فإن الجمع يسوغ لهم وعلى هذا فلو طرأ العذر في أثناء الصلاة الأولى كما لو هطلت أمطار أثناء صلاة المغرب فإنه يجوز لهم أن يجمعوا بين المغرب والعشاء وإن لم يكونوا قد نووا الجمع وإن لم يكن السبب قد وجد عند افتتاح الصلاة الأولى بل إنه على القول الصحيح الذي نرى أنه أصح وأن العبرة بوجود السبب لو لم ينووا إلا بعد السلام فإنه يجوز لهم الجمع إذ لا علاقة بين الصلاتين بالنية ولهذا لا تبطل إحداهما ببطلان الأخرى حتى نقول لا بد من نية القرن بينهما وإنما المدار كله على وجود السبب وعلى هذا فإذا سلموا من صلاة المغرب مثلاً وقد هطلت أمطار في أثناء الصلاة وأرادوا أن يجمعوا العشاء إليها فإن هذا لا بأس به على القول الراجح.
***
(8/2)

السائل جمال بسيوني محمد يقول في هذا السؤال بأنه صلى في مسجد بجوار سكنه صلاة المغرب وفي أثناء الصلاة نزل مطر خفيف لا يعوق الناس في الذهاب إلى المسجد مع العلم أن الطريق مسفلت وجمع الإمام المغرب مع العشاء فتركت الصلاة معه ولم أجمع العشاء فهل علي اثم في ذلك مع العلم بأن الإمام لم ينبه أنه سوف يجمع المغرب مع العشاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الفقرة الثانية وهي قوله مع العلم بأن الإمام لم ينبه على أنه سيجمع العشاء إلى المغرب فإن هذا لا يضر يعني أنه لا يلزم المأموم أن ينوي الجمع عند الإحرام لصلاة المغرب فإنه إذا وجد سبب الجمع جاز الجمع سواء نوى أم لم ينو كما أن السفر إذا حصل جاز للإنسان القصر سواء نوى القصر أم لم ينو لأن العبرة بوجود السبب وأما كون الإمام جمع في مطر خفيف فلعله يرى أن هذا المطر مبيح للجمع فإذا رأى أنه ميبح للجمع ساغ له أن يجمع وأنت لك أن تجمع معه لأن جمعك معه تحصل به فائدة الجماعة إلا إذا كنت تعرف أن هناك مساجد لا تجمع فهنا نقول الأفضل ألا تجمع معه مادمت تعتقد أن هذا العذر لا يبيح الجمع لكون المطر خفيفا ًفاخرج وصلِّ في المسجد الآخر الذي لا يجمع.
ولكن هنا نقول لو خفت أن يقع في ذلك فتنة إذا خرجت فصلِّ معهم وانوها نافلة وصلِّ العشاء في وقتها في المساجد الأخرى.
***
(8/2)

ما هو الحكم الشرعي في جمع الصلوات جمع تقديم في المطر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القول في جواز الجمع ما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما في حديثه حين حدث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر قالوا ما أراد إلى ذلك يعني لماذا فعل قال أراد أن لا يحرج أمته أي أن لا يلحقها الحرج فمتى كان في ترك الجمع حرج أي مشقة وضيق جاز الجمع سواء كان بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فيجمع الإنسان للمرض ويجمع للمطر الذي يبل الثوب ويحصل معه مشقة ويجمع للوحل إذا كان بينه وبين المسجد شارع فيه وحل وزلق فيجمع الناس لهذا حتى لا يتفرقوا عن الجماعة ويجمع للسفر ولكن هل الجمع أفضل أم تركه أفضل؟ نقول إذا وجد سببه فهو أفضل لدخوله في عموم قول الله تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وقوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وأما إذا لم يوجد له سبب فإنه حرام لأن الواجب أن تصلى كل صلاة في وقتها لقول الله تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم الأوقات بأوضح بيان فقال (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم تحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب الشفق الأحمر ووقت العشاء إلى نصف الليل ووقت الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) فالأصل وجوب كل صلاة في وقتها لكن إذا وجد سبب للجمع فإنه جائز بين المغرب والعشاء وبين الظهر والعصر تقديما كان أم تأخيرا وأما الفجر فلا يجمع إليها ما قبلها ولا ما بعدها كذلك الجمعة لا تجمع إليها صلاة العصر يعني لو أن مسافرا مر ببلد يوم الجمعة وأقام فيه إلى العصر وحضر صلاة الجمعة فإنه يصلى الجمعة ولا يجمع إليها العصر حتى وإن كان سيغادر البلد قبل العصر فإنه لا يجمع بل يقال انتظر حتى إذا جاء وقت صلاة العصر فصلِّ العصر.
***
(8/2)

هذا السائل أ. ف. من سوريا يقول أعمل في رعي الأغنام وأحيانا يكون البرد شديدا جدا فأصلى بعض الصلوات في غير أوقاتها كأن أجمع الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء فوجهوني جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج عليك أن تصلى جمعا فتجمع الظهر مع العصر والمغرب مع العشاء إذا كان في صلاتك كل صلاة في وقتها حرج عليك لقول ابن عباس رضي الله عنهما (جمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المدينة من غير خوف ولا مطر) قالوا ما أراد إلى ذلك يعني ما السبب أنه فعل هذا قال أراد ألا يحرج أمته فيؤخذ من هذا الحديث أن كل ما فيه حرج على الإنسان فإنه يجوز أن يجمع من أجله بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء فإذا كان البرد شديدا ويشق عليكم أيها الرعاة أن تتوضؤوا لكل صلاة فاجمعوا بين الظهر والعصر إما جمع تقديم أو جمع تأخير حسب الأيسر واجمعوا بين المغرب والعشاء إما جمع تقديم وإما جمع تأخير حسب الأيسر ولا حرج عليكم في هذا بل هذا مما يحبه الله عز وجل لأنه لكرمه وفضله يحب أن يأتي عباده ما رخص لهم فيه.
***
(8/2)

لو كان الإنسان قادماً من سفر وقد أجل صلاة لكي يجمعها مع التي بعدها جمع تأخير فوصل المدينة في وقت الصلاة التي بعدها والجماعة يصلون تلك الصلاة كمن أخر المغرب ليصلىه مع العشاء ووصل المدينة وأهلها يصلون صلاة العشاء فهل ينضم معهم لصلاة العشاء أم يصلى المغرب قبلها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ينضم معهم بنية صلاة المغرب وفي هذه الحال إن كان قد دخل مع الإمام في الركعة الثانية وما بعدها فالأمر ظاهر فإن دخل مع الإمام في الركعة الثانية سلم معه لأنه يكون صلى ثلاثاً وإن دخل في الثالثة أتى بعده بركعة أما إن دخل في الركعة الأولى من صلاة العشاء وهو يصلى بنية المغرب فإن الإمام إذا قام إلى الرابعة يجلس هو ويتشهد ويسلم ثم يدخل مع الإمام في بقية صلاة العشاء حتى يدرك الجماعتين في الصلاة ينفرد عن إمامه ويسلم وهذا الانفصال جائز لأنه لعذر والانفصال لعذر جائز كما ذكر ذلك أهل العلم ومن ذلك أي من الانفصال لعذر ما لو طرأ على الإنسان في أثناء الصلاة طارئ يستلزم السرعة في الصلاة فإن له أن ينفرد عن الإمام ويكمل صلاته خفيفة ثم يذهب إلى هذا الطارئ مثل لو حصل له ألم في بطنه أو اضطر إلى تبول أو تغوط أوحصل شيء في معدته يخشى أن يقيء في صلاته وما أشبه ذلك المهم أن الانفراد لعذر عن الإمام جائز وهذا انفراد لعذر ثم إنه لا حرج عليك في هذه الحال إذا أتيت وهم في صلاة العشاء أن تدخل معهم بنية صلاة العشاء ثم بعد ذلك تأتي بالمغرب لأن بعض أهل العلم يرى أن الترتيب يسقط بخوف فوت صلاة الجماعة.
***
(8/2)

السائل يقول في سؤاله جماعة مسافرون وجمعوا المغرب والعشاء جمع تأخير وفي أثناء الصلاة دخل أحدهم مع الجماعة ناسياً الجمع ونوى العشاء وأثناء الصلاة تذكر أن أصحابه يصلون المغرب فقلب النية من العشاء إلى المغرب ما حكم هذه الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الصلاة لا تصح لا للمغرب ولا للعشاء أما المغرب فلأنه أبطلها وعدل عنها إلى نية العشاء وأما العشاء فلأنه لم يبتدئها من أول الصلاة فإن أول الصلاة كان للمغرب وعلى هذا فيجب على هذا الأخ أن يصلى صلاة المغرب وأن يصلى صلاة العشاء وإذا كان في سفر فإنه يقضيها ركعتين لأنها وجبت عليه ركعتين فيقضيها ركعتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فقوله فليصلها أي يصلى تلك الصلاة على صفتها ولهذا قال أهل العلم إن القضاء يحكي الأداء فمن قضى صلاة سفر في حضر صلى ركعتين ومن قضى صلاة حضر في سفر صلى أربعاً ومن قضى صلاة ليلٍ في النهار جهر بالقراءة ومن قضى صلاة نهار في الليل لم يجهر بالقراءة لأن العبرة بالقضاء أي بالمقضية.
***
(8/2)

يقول السائل شخص مسافر يتنقل بين الطائف ومكة وجدة هل يصح له أن يجمع الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يصح له ذلك إذا كان أيسر له فإن لم يكن أيسر فلا يجمع وإن جمع فلا بأس لأن الجمع للمسافر إن كان أيسر له فهو أفضل أن يجمع تقديماً أو تأخيراً وإن لم يكن أيسر فالأفضل أن لا يجمع وإن جمع فلا بأس.
***
(8/2)

في بعض أسفاري أجمع جمع التقديم أثناء السفر مع غلبة الظن بأنني أصل مبكرا حتى أرتاح وأنام إذا وصلت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقول العلماء مادام الإنسان في السفر فإن له أن يترخص برخص السفر إلى أن يصل إلى بلده فإذا دخل عليه وقت الصلاة الأولى وهو في السفر وأراد أن يجمع الثانية إليها فلا حرج عليه في ذلك لوجود سبب الجمع لكن الأفضل إذا كان يعلم أنه سيصل إلى البلد قبل دخول وقت الثانية أن لا يجمع لأن الجمع في هذه الحال لا حاجة له وأصل جواز الجمع مبني على المشقة لا على السفر ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يجمع إلا إذا جد به السير وربما جمع وهو نازل ولهذا يجوز الجمع في الحضر إذا دعت الحاجة إليه لقول ابن عباس رضي الله عنهما جمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المدينة من غير خوف ولا مطر قالوا ما أراد إلى ذلك قال أراد أن لا يحرج أمته وهذا دليل على أن الأصل في مشروعية الجمع هو دفع الحرج والمشقة وعلى هذا فمتى وجد الحرج والمشقة في ترك الجمع جاز الجمع ومتى انتفى الحرج والمشقة في ترك الجمع فإنه لا جمع وبهذا نعرف ما يفعله بعض الأئمة من التسرع في الجمع وقت المطر في الحضر حيث يجمعون بأدنى مطر وإن لم يكن فيه مشقة وإن لم يكن في ترك الجمع حرج وهذا خلاف ما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما فإن ابن عباس رضي الله عنهما لما سئل ما أراد إلى ذلك أي في جمعه بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء وهو في الحضر قال أراد أن لا يحرج أمته ولم يقل أراد أن يبين أن الجمع جائز بكل حال بل بين أنه أراد انتفاء الحرج عن الأمة وهذا يدل على أنه لا يجوز الجمع إلا إذا وجد الحرج في تركه ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: من الآية103) أي محدداً بوقت وقد بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوقات الصلوات كل صلاة في وقتها المحدد فصلاة الفجر من طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس وصلاة الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله وصلاة العصر من ذلك الوقت إلى أن تصفر الشمس هذا الوقت المختار وإلى أن تغرب الشمس للضرورة ووقت المغرب من غروب الشمس إلى أن يغيب الشفق الأحمر ووقت العشاء من ذلك الوقت إلى نصف الليل هكذا جاءت السنة بتحديد الأوقات فمن صلى الصلاة قبل وقتها فصلاته مردودة ومن صلاها بعد الوقت بلا عذر فصلاته مردودة لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) فإذا تبين أنه لابد أن تصلى الصلاة في وقتها المحدود شرعا فإنه لا يجوز إخراجها عن وقتها بجمعها إلى ما بعدها أو فعلها قبل وقتها بضمها إلى ما قبلها إلا لعذر شرعي يبيح الجمع والعذر الشرعي هو ما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما في قوله أراد أن لا يحرج أمته وهذا واضح لمن تأمله ولذلك أنصح إخواني أئمة المساجد وغيرهم أن لا يتسرعوا إلى الجمع بين الصلاتين بدون سبب شرعي يبيح ذلك الجمع لأنهم يعرضون أنفسهم لفساد الصلاة وللعقوبة من الله عز وجل.
***
(8/2)

ما هو الأفضل في حق المسافر جمع التقديم أو جمع التأخير؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل في حق المسافر أو غيره ممن يباح له الجمع أن يفعل ما هو أرفق به فإن كان الأرفق به أن يقدم قدم وإن كان الأرفق به أن يؤخر أخر لأن أصل جواز الجمع رخصه وتسهيل فكلّ ما كان أسهل فهو أولى وأحسن.
***
(8/2)

يقول السائل إذا نويت السفر وصليت الظهر في مكان إقامتي فهل يجوز لي تقديم العصر وجمعه مع الظهر إذا خشيت أن تفوتني صلاة العصر خصوصاً وأن السيارة ليست ملكاً لي وقد لا تقف في الطريق إلا بعد الغروب وهل يجوز أن أصلى وأنا جالس في السيارة وهي سائرة في طريقها أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس أن تجمع في هذه الحال لأن الجمع رخصة كلما احتاج الإنسان إليه فإنه يجمع ولهذا ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر قيل له ما أراد بذلك قال أن لا يحرج أمته أي أن لا يلحقها حرج إذا صلت كل صلاة في وقتها فإذا كنت تعرف أن هذه السيارة ليست بيدك وأنها قد لا تتوقف إذا سارت من بعد الظهر إلى بعد الغروب فإنه يجوز لك أن تجمع الظهر إلى العصر وأنت في منزلك ولكن تصلىها في هذه الحال أربعاً لا تصلىها ركعتين لأنك لم تبدأ السفر الآن.
***
(8/2)

يقول السائل بالنسبة لعطلة نهاية الأسبوع معلومٌ أنها تبدأ من بعد ظهر يوم الأربعاء ويستغلها الناس للخروج للبر وخصوصاً في أيام الربيع وهم يقصرون الصلاة لأنهم مسافرون في هذه الحالة لكن بعضهم يجمع أيضاً بالإضافة إلى القصر هل يجوز له الجمع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجمع كما أسلفنا من رخص السفر ولكن تركه أفضل إلا عند الحاجة إليه فإذا احتاج الإنسان إليه لكون سفره جاداً أو لكون سيره جاداً فإنه أفضل من عدمه فالمقيم مثلاً نقول له إن الأفضل أن لا تجمع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع وهو مقيمٌ في منى وكذلك لم يرد عنه الجمع حين أقام بمكة عام الفتح وإنما كان يقصر عليه الصلاة والسلام ولكن مع ذلك يجوز لك أن تجمع ولو أنك مقيم غير جادٍ بك السير لأن حديث أبي جحيفة في الصحيحين حينما أتى النبي صلى الله عليه وسلم في الأبطح فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من قبةٍ له وركزت له العنزة فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين فإن ظاهر هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر مع أنه مقيم يعني غير جادٍ به السير وكذلك أيضاً جمع في تبوك وهو مقيمٌ غير جادٍ به السير فدل هذا على أن الجمع من رخص السفر سواءٌ جد به السير أم لا ولكن الأفضل تركه إلا إذا كان أرفق به واحتاج إليه فالأفضل فعله.
***
(8/2)

السائلة م. ع. م. الأردن تقول بأنها طالبة وأحياناً يصادف وقت دوام المدرسة قبل موعد الصلاة أي في الساعة الثانية عشر ظهراً والرابعة والنصف عصراً ولا أستطيع الصلاة في المدرسة لعدم وجود المكان المناسب للصلاة ولذلك أضطر لأن أجمع عدة فروض في آنٍ واحد تتعدى أحياناً ثلاثة فروض فما حكم صلاتي أرشدوني جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الجمع بين الصلاتين اللتين يجمع بينهما فلا بأس به في هذه الحال لأنه حاجة فلها مثلاً أن تجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء وأما الجمع بين العصر والمغرب مثلاً فإنه لا يجوز إذ لا يجوز إخراج الصلاة عن وقتها بأي حالٍ من الأحوال وعليها في هذه الحال إذا خافت أن يخرج وقت الصلاة الحاضرة التي لا تجمع لما بعدها عليها أن تصلىها على أي حالٍ كانت وإذا كانت مثلاً تذهب إلى المدرسة في وقت صلاة العصر ولا تتمكن من صلاة العصر هناك فلتجمع العصر إلى الظهر جمع تقديم وتذهب إلى المدرسة وقد أدت الواجب عليها والخلاصة أنه لا يجوز للمرأة ولا لغير المرأة أن تجمع بين صلاتين لا يجوز الجمع بينهما وإنما الجمع بين الصلاتين اللتين يجوز الجمع بينهما كالجمع بين الظهر والعصر إما تقديماً وإما تأخيراً والجمع بين المغرب والعشاء إما تقديماً وإما تأخيراً حسبما تكون الحاجة داعية إليه.
***
(8/2)

السائل عبد الرحمن محمد العسيري من فرنسا يقول هل يجوز لنا الجمع بين الصلوات لأننا لا نستطيع أن نصلى في أي مكان في البلد فنحن عندما نذهب لقضاء بعض الحاجات قد تمر ثلاثة فروض دون أن نجد مكاناً نستطيع فيه أداء الفرائض؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كنت لا تتمكن من الوقوف والصلاة في وقتها فإنه يجوز لك أن تجمع بين الصلاتين اللتين يصح الجمع بينهما وهما صلاة الظهر مع العصر أو صلاة المغرب مع العشاء وأما جمع ثلاث صلوات فلا يجوز وعلى هذا فإذا قدر أنه ضاق عليك الوقت في صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب فإن الواجب عليك أن تصلى ولو كنت في السيارة وعلى حسب حالك لأن تأخير الصلاة عن وقتها محرم قال الله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) ولم يقل فأخروها فتأخير الصلاة عن وقتها لا يجوز إلا ما كان يجمع إلى ما بعده فإنه يؤخر ليجمع مع ما بعده حيث يجوز الجمع أما تأخير الصلاة عن وقتها بدون جمع فهذا لا يجوز بل تُصلى كما قلت على حسب الحال.
***
(8/2)

ما حكم جمع أكثر من فرض ظهر وعصر ومغرب مضطراً نظراً لطبيعة عمل المصلي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجمع بين الصلوات الخمس من كبائر الذنوب ومن تعمد إخراج صلاةٍ عن وقتها بدون عذرٍ شرعي فإن صلاته لا تقبل منه ولو صلى مائة مرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردودٌ عليه غير مقبولٍ منه والإنسان الذي يؤخر الصلاة عن وقتها بدون عذرٍ شرعي لا شك أنه عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فتكون صلاته مردودةٌ عليه فعلى هذا فإن جمع الصلوات الخمس من كبائر الذنوب بل من أكبر الكبائر ما عدا الشرك بالله عز وجل وعلى هذا فلا يجوز أن يفعل الإنسان ذلك من أجل العمل الذي هو مشغولٌ فيه بل عليه أن يدع العمل إذا حان وقت الصلاة ويصلي ثم يرجع إلى عمله وإني أقول لهذا السائل ولكل من يسمع إن إقامة الصلاة من أسباب الرزق كما قال الله تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) فعلى المؤمن أن يتقي الله عز وجل في نفسه وأن يدع العمل إذا حانت الصلاة ليؤدي صلاة الفريضة في وقتها وقد أشار الله عز وجل إلى مثل هذا في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) فلا يجوز لمؤمن أبداً أن يؤخر الصلاة عن وقتها من أجل عملٍ أو تجارة بل عليه أن يصلى ثم يرجع إلى عمله وتجارته.
(8/2)

فضيلةالشيخ: ماذا يدخل ضمن العذر الشرعي السابق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يدخل في العذر الشرعي النوم والنسيان والإغماء والجهل أيضاً وأريد بالإغماء الإغماء الذي يكون بسببٍ من الإنسان كما لو بنج حتى مضى عليه أوقات فإنه يجب عليه قضاؤها وأما الإغماء الذي ليس للإنسان فيه سبب كما لو أغمي عليه لشدة المرض أو لصدمة أو ما أشبه ذلك فإن أكثر أهل العلم على أنه لا قضاء عليه وهو القول الراجح.
***
(8/2)

يقول السائل م ح ع من مصر أنا طالب وكثيراً ما أذاكر ليلا إلى الفجر ثم أنام بعد الشروق وأحيانا أصحو وقد بقي على العصر حوالي عشر دقائق مما لا يكفي في بعض الأحيان للاغتسال وقضاء الحاجة فهل يشرع لي في مثل هذه الحالة أن أجمع الظهر مع العصر جمع تأخير فقد قرأت بأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع في المدينة مرة دون عذر فلما سئل ابن عباس عن ذلك قال أراد ألا يحرج أمته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما قول القائل إنه سمع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جمع في المدينة مرة من غير عذر فهذا ليس بصحيح فالوارد في الحديث الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال جمع في المدينة من غير خوف ولا مطر فنفى شيئا معيناً وهو الخوف والمطر فدل ذلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يجمع للخوف ويجمع للمطر لكن ابن عباس سئل عن ذلك فقال أراد ألا يحرج أمته وهذا دليل على أنه لا يجوز الجمع إلا إذا كان في تركه حرج وأما إذا لم يكن في تركه حرج فالواجب أن يصلى الصلاة في وقتها بدون تأخير وبدون تقديم وما ذكره السائل عن نفسه فإنا ننصحه أن يغير هذا وأن يصلى الصلاة في وقتها وينويها وإني أظن أنه لو كان له موعد مع صاحب له في وقت الظهر ما نام عن هذا الموعد أو في وقت العصر ما نام عن هذا الموعد فليستعن بالله عز وجل وليكن حازما نشيطا في أداء عبادة الله وليجعل عنده منبها ينبهه إما ساعة رنانة وإما شخص يوكله فيقول أيقظني في الساعة الفلانية.
***
(8/2)

صلاة الخوف
(8/2)

ما هي صفة صلاة الخوف ومتى فرضت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الخوف لها صفات متعددة منها حديث سعد بن أبي حثمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الجيش إلى قسمين قسم جعلهم تجاه العدو وقسم آخر صلى بهم فصلى بهم ركعة ثم قام إلى الثانية فبقي قائماً فأتموا لأنفسهم أي أنهم قرؤوا ما تيسر من القرآن مع الفاتحة ثم ركعوا وسجدوا وأتموا الصلاة وانصرفوا في مكان الطائفة التي تحرس ثم جاءت الطائفة التي تحرس والنبي صلى الله عليه وسلم لم يزل قائماً فدخلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وصلوا معه الركعة التي بقيت ثم لما جلس للتشهد قاموا وأتموا صلاتهم وهو في تشهده ينتظرهم فلما جلسوا للتشهد وتشهدوا سلم بهم النبي صلى الله عليه وسلم فكانت المزية للطائفة الأولى أن أدركوا تكبيرة الإحرام وكانت المزية للثانية أن أدركوا التسليم مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من تمام العدل والإنصاف وهذه الصفة هي الموافقة لظاهر القرآن قال الله تعالى (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) ومعنى إذا سجدوا أي أتموا صلاتهم (فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) وهذه الصفة التي ذكرناها تطابق ظاهر القرآن أما الصفة الثانية فهي ما إذا كان العدو أمامهم تجاه القبلة ولم يخافوا من كمين يأتيهم من وراء ظهورهم وهذه الصفة أن الإمام يجعل الجيش صفين صفاً مقدماً وصفاً مؤخراً فيبتدئ الصلاة بهم جميعاً فإذا ركع ركعوا جميعاً ويقومون جميعاً من الركوع فإذا سجد سجد معه الصف المقدم وبقي الصف المؤخر واقفاً لئلا يأتي العدو فيدهم المصلىن فإذا قام إلى الركعة الثانية وقام معه الصف المقدم سجد الصف المؤخر فإذا قاموا تقدم الصف المؤخر وصاروا في مكان الصف المقدم وتأخر الصف المقدم فكان في مكان الصف المؤخر ثم يفعلون في الركعة الثانية كما فعلوا في الأولى فإذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم للتشهد وجلس معه الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود ثم جلسوا معهم ثم سلم بهم جميعاً ففي هذه الصفة ابتدأ بهم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة جميعاً وسلم بهم جميعاً وانظر إلى تمام العدل في شريعة الإسلام حيث إنه حتى في أماكن هؤلاء المصلىن الذين في الصف المقدم تأخروا وتقدم الصف المؤخر لئلا يقولوا لماذا يكون هؤلاء في الصف المقدم في كل الصلاة ونحن في الصف المؤخر في كل الصلاة وهناك صفات أخرى لصلاة الخوف كلها جائزة ولكن ليس معنى قولنا كلها جائزة أنها جائزة على التخيير بل إنها جائزة على صفة ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فمثلاً الصفة الثانية التي ذكرناها لا تصح في مكان الصفة الأولى والصفة الأولى لا تصح مكان الصفة الثانية بل تصلى كل صلاة على صفتها المناسبة بحال القتال وقد استدل اهل العلم على أن صلاة الجماعة واجبة بما جاء في صلاة الخوف وقالوا إنها تتضمن أفعالاً وحركات لا يمكن أن يفعلها الإنسان في حال الأمن كل ذلك من أجل مراعاة الجماعة فيدل ذلك على وجوبها أي وجوب صلاة الجماعة لقوله (وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) دليل على أن صلاة الجماعة فرض عين ولو كانت فرض كفاية لاكتفي بجماعة في الطائفة الأولى.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم السؤال الثاني يقول هناك رأي عن صلاة الخوف يقول إنها كانت مشروعة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لقوله تعالى (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) وحكمة مشروعيتها في حياته صلى الله عليه وسلم أن ينال كل فريق فضيلة الصلاة خلفه صلى الله عليه وسلم وهم كانوا حريصين على إدراك هذه الفضيلة وقد ارتفع هذا الأمر بعده عليه الصلاة والسلام لأن كل طائفة تتمكن من أداء الصلاة بإمام خاص فلا يجوز أداؤها بصفة فيها ذهاب ومجيء ونحوهما مما يخالف صفة الصلاة في حال الأمن فما هو القول الصحيح في هذا وهل حضور العدو شرط في أداء صلاة الخوف كما أرجو من فضيلتكم شرحاً موجزاً لصفة صلاتها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القول الصحيح في هذا أن صلاة الخوف ما زالت باقية إلى يوم القيامة وذلك لأن ما شرعه النبي عليه الصلاة السلام فإنه باقٍ ما بقيت أمته صلوات الله وسلامه عليه ولو أردنا أن نخصص الأحكام بحياته بمثل هذه التعليلات لفتحنا باباً كبيرا ينسد به كثير من الأمور المشروعة والصواب أن صلاة الخوف باقية ولهذا ما زال الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من أئمة المسلمين يعملون بها من غير نكير أما صفة صلاة الخوف فإنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها ستة أوجه أو سبعة وكلها جائزة حسب الحال التي تكون جائزة في الحذر من العدو وتوقي شره فمنها أن يقسم الإمام الجيش قسمين فيصلى بطائفة منهم ركعة فإذا قام إلى الركعة الثانية أتموا لأنفسهم ثم انصرفوا إلى وجه العدو ثم تأتي الطائفة الثانية التي كانت في نحر العدو فيصلون مع الإمام الركعة الثانية لأن الإمام لم يزل باقيا واقفاً فإذا صلوا معه الركعة الثانية وجلسوا للتشهد قاموا هم قبل أن يسلم الإمام فأتوا بالركعة التي بقيت ثم سلم الإمام بهم فيكون الإمام في هذه الحال قد عدل بين الطائفتين فالطائفة الأولى أدركت معه تكبيرة الإحرام والطائفة الثانية أدركت معه التسليم هذه صفة والصفة الثانية إذا كان العدو تجاه القبلة أمامهم فإنه يصف الجيش صفين في الصلاة فيبدأ بهم الصلاة ويكبر ويركع فيركعون جميعاً فإذا سجد سجد معه الصف الأول وبقي الصف الثاني قائمين للحراسة فإذا قام إلى الركعة الثانية سجد الصف المؤخر ثم إذا قاموا تأخر الصف المقدم وتقدم الصف المؤخر ثم فعل الصف المؤخر كما فعل الصف المقدم في الركعة الأولى بمعنى أنهم يركعون جميعاً فإذا سجدوا سجد الصف المقدم مع الإمام وبقي الصف المؤخر قائماً فإذا جلس الإمام للتشهد سجد الصف المؤخر ثم جلس للتشهد وسلموا جميعاً لكن هذه إنما تكون إذا كان العدو أمامهم ولم يخشوا كميناً يأتي من ورائهم فإن خشوا ذلك صلوا كالصفة الأولى وهناك صفات أخرى مذكورة في كتب الفقه.
(8/2)

فضيلة الشيخ: لو صلت كل طائفة بإمام مستقل هل في هذا شيء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا خلاف المشروع لأن الذي ينبغي أن يكون الناس على إمام واحد وكلما كانوا على إمام واحد فهو أجمع للكلمة وأبقى للائتلاف.
***
(8/2)

صلاة الجمعة
(8/2)

بارك الله فيكم تقول السائلة هل صلاة الجمعة لم تكن معروفة في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم لأنني سمعت في أحدى الخطب بأن أول من شرع صلاة الجمعة هو الصحابي الجليل مصعب بن عمير؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجمعة موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كيف لا تكون موجودة والله يقول في القرآن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) كيف لا تكون موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وقد تواتر نقل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لها وهذا أمر لا يشك فيه أحد, صحيح أن مصعب بن عمير رضي الله عنه هو أول من جمع في المدينة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في مكة ففرضت الجمعة فصلى بهم مصعب بن عمير رضي الله عنه قبل أن يقدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة.
***
(8/2)

بارك الله فيكم يقول المستمع إبراهيم العبد الله ما حكم من ترك صلاة الجمعة ثلاث مرات متتاليات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه) وقال (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أي عن تركهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم فليكونن من الغافلين) فيجب الحذر من التهاون بصلاة الجمعة والواجب أن الإنسان إذا سمع النداء أن يسعى إليها وأن يترك البيع ويترك كل ما يلهيه لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) قال أهل العلم فلو باع أو اشترى بعد أذان الجمعة الثاني الذي يكون بين يدي الخطيب فإن بيعه وشراءه ليس بصحيح لأنه منهي عنه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردود لا يعتد به شرعا.
***
(8/2)

يقول السائل بأنه موظف يعمل بالورديات وتفوته صلاة الجمعة وقد يفوته أكثر من جمعتين متتاليتين هل لهذا الموظف من رخصة مع أنه لا يستطيع أن يترك هذا العمل لقلة الوظائف وهي مصدر الرزق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل الذي أشار إليه لا شك أن فيه فائدتين فائدة خاصة وفائدة عامة.
أما الفائدة الخاصة فهي ما ذكر أنه مصدر رزقه والرزق على الله عز وجل لكنه سبب.
والثانية أن فيه حفظاً للأمن وللمصلحة التي وجه إليها ومعلوم أن الناس لو تخلوا عن هذه المصالح لحصل اختلال في الأمن وربما يحصل ضيق في الرزق إذا كانت مصادر الرزق قليلة في البلد وعلى هذا فيكون معذوراً في ترك صلاة الجمعة ولا يأثم بذلك لكن ينبغي للمسؤولين عن هؤلاء الذين يشتغلون بالورديات كما قال السائل أن يجعلوا المسألة دورية بحيث تكون طائفة منهم يصلون الجمعة في هذا الأسبوع وطائفة أخرى يصلونها في الأسبوع الثاني وهكذا لأن ذلك هو العدل ولئلا يبقى الإنسان تاركاً لصلاة الجمعة دائماً.
***
(8/2)

يقول السائل جاء وقت صلاة الجمعة علينا ونحن في البحر نشتغل وبعد ميعاد الأذان للظهر بنصف ساعة خرجنا منه هل يصح لنا الأذان وصلاة الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجمعة لا تصح إلا في المساجد في المدن أو القرى ولا تصح من جماعة يشتغلون في بر أو بحر لأنه لم يكن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقيم صلاة الجمعة إلا في المدن والقرى فقد كان عليه الصلاة والسلام يسافر الأيام العديدة ولم يكن يقيم صلاة الجمعة وأنتم الآن في البحر غير مستقرين ولكنكم عمال تنتقلون يميناً وشمالاً وترجعون إلى الأوطان وإلى البلدان فالذي يجب عليكم هو صلاة الظهر دون صلاة الجمعة.
***
(8/2)

أنا أعمل في يوم الجمعة لظروف العمل والمسؤول لا يعطيني فرصة لقضاء صلاة الجمعة فما حكم الشرع في نظركم في هذا وما هو الواجب علي أن أتبعه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجمعة واجبة على كل مسلم إذا سمع النداء أن يجيب لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) فإن كان مكانك بعيداً عن المسجد كما لو كان في مزارع خارج البلد ولا تسمع النداء فإنه ليس عليك صلاة جمعة في هذه الحال وإنما تصلى ظهراً أما إذا كنت داخل البلد وتسمع أذان الجمعة وصاحبك يمنعك من حضورها فإن المرجع في ذلك إلى المحكمة عندكم وهي بدورها تقوم بما يجب نحو هذا الرجل.
***
(8/2)

هذه الرسالة وردتنا من الجمهورية العراقية محافظة دهوك يقول مرسلها سفر شمس طه إذا كُلِّفَ الرجل بمهمة رسمية كدوام أو عمل ضروري جداً في يوم الجمعة فهل عليه أن يحضر صلاة الجمعة أم يصلىها ظهراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يجب على كل مسلم أن يحضر صلاة الجمعة إذا سمع النداء لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) أو كان في محل يسمع النداء ولا يجوز له أن يشتغل عن حضور الجمعة بشيءٍ من أمور الدنيا لأن الله يقول (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) وإذا كان البيع وهو أعم المعاملات وأكثرها شيوعاً يجب تركه فغيره من باب أولى وإذا حضر الجمعة وانتهت فقد قال الله تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) وقد يكون حضوره الجمعة سبباً ومفتاحاً لرزق الله تبارك وتعالى له حيث قام بما يجب عليه من عبادة الله وإذا اتقى العبد ربه وقام بما يجب عليه فإنه يقول سبحانه وتعالى ووعده الحق وقوله الصدق (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) أما لو اشتغل بأمر أو بشغل يظن أنه ينتهي قبل الجمعة ثم أدركه الوقت وهو لا يمكنه أن يتخلص منه إلا بضرر فهنا لا بأس أن يبقى مشتغلاً به ولو فاتته الجمعة لأنه في هذه الحال معذور.
***
(8/2)

هل يصح للمسلم أن يصلى صلاة الجمعة وراء الراديو علماً بأني كنت في الجبل مقيما هناك ولا يوجد بجواري مساجد لكي أصلى فيها فهل تصح صلاتي أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول أما سُكْناك في الجبل وكونه ليس حولك مساجد فإنه لا تلزمك الجمعة بل تصلى بدلها ظهراً لأنك لست من أهل الجمعة مادمت لست في قرية وأما صلاتك خلف المذياع فإن هذا لا يجوز وذلك لأن الجمعة لابد أن يكون فيها اجتماع على إمام واحد وكيف الاجتماع وبينك وبين هذا الإمام مسافات بعيدة جداً هذا إذا قُدر أن صلاة الجمعة تنقل مباشرة على الهواء من المسجد فكيف ويحتمل أنها لم تنقل على الهواء ولكننا نقول إن كانت لم تنقل على الهواء فإنها لا تصح بلا إشكال في ذلك وإن كانت تنقل على الهواء مباشرة فإنها لا تصلح أيضاً وذلك لفوات المقصود من الجمعة وهو الاجتماع على إمام واحد في المكان والأفعال والمسافات البعيدة هذه لا يتحقق معها هذا الشرط الذي لابد منه في الجمعة والجماعة أيضاً.
***
(8/2)

هل يجوز أن تؤدى صلاة الجمعة في البيت إذا كان المسجد بعيداً أو يقتدى في أدائها بالصلاة المنقولة عبر الإذاعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز أن تؤدى صلاة الجمعة إلا مع المسلمين في المسجد ولكن إذا امتلأ المسجد واتصلت الصفوف بالشوارع فلا حرج في الصلاة بالشوارع لأجل الضرورة وأما أن يصلى الإنسان في بيته أو في دكانه فإنه لا يجوز ولا يحل له ذلك لأن المقصود من الجمعة ومن الجماعة أيضاً أن يحضر المسلمون بعضهم إلى بعض وأن يكونوا أمة واحدة فيحصل فيهم التآلف والتراحم ويتعلم جاهلهم من عالمهم ولو أنَّا فتحنا الباب لكل أحد وقلنا صلِّ على المذياع أو صلِّ على مكبر الصوت وأنت في بيتك لم يكن لبناء المساجد وحضور المصلين فائدة فيجب على المرء أن يسعى إلى المساجد ليصلى فيها مع المسلمين.
***
(8/2)

نحن نجلس يوم الجمعة للاستماع إلى الخطبة من أحد المسجدين الحرم المكي أو الحرم النبوي عبر التلفاز فإذا انتهت قمنا لصلاة الظهر هل هذا صحيح وهل يجب علينا مراعاة آداب الخطبة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً أين أنتم لا بد نسأل هل هم في مكة مثلاً وهل هم حول مسجد تقام فيه الجمعة فإذا كانوا كذلك فلا يحل لهم أن يصلوا الظهر بل يجب أن يحضروا الجمعة حتى لو كانوا مسافرين وهم في البلد يجب أن يحضروا الجمعة مع الناس أما إذا كانوا في مكانٍ لا جمعة فيه مثل أن يكونوا في البر واستمعوا إلى الخطبة ثم قاموا فصلوا الظهر فلا حرج وهذه الخطبة لا يلزمهم استماعها يعني لهم أن يتحدثوا ولو كان الإمام يخطب لأن ذلك ليس إمامهم حتى يجب عليهم الإنصات له وبهذه المناسبة أقول لو أن الإنسان في البلد والبلد فيه جوامع متعددة وسمع أحد الجوامع يخطب وهو لا يريد أن يصلى معه وإنما يريد أن يصلى في جامع آخر فإن الكلام والبيع والشراء لا يحرم عليه حينئذٍ لأن هذا الخطيب ليس الخطيب الذي يريد أن يصلى خلفه ولو سمع الخطيب الذي يريد أن يصلى خلفه وجب عليه الإمساك عن الكلام وترك البيع والشراء وإن كان لم يصل إلى المسجد بعد.
(8/2)

فضيلة الشيخ: وإذا كانت السائلة امرأة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت السائلة امرأة فالمرأة لا تجب عليها الجمعة سواءٌ كانت في البلد أو خارج البلد.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم وبارك فيكم السائل سوداني ومقيم بالمملكة أ. أ. أ. يذكر بأنه يعمل راعي أغنام في الصحراء وله ستة عشر شهراً لم يصلِ أي جمعة لأنه بعيد عن البلد يقول وإذا طلبت من كفيلي السماح للذهاب إلى الجمعة لا يوافق ويقول صل في مكانك فهل علي إثمٌ في تركي للجمع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس على هذا السائل إثم لأنه لا يستطيع الوصول إلى الجمعة لبعد مكانه ولكنه إذا صلى في مكانه لا يصلي ركعتين بل يصلي أربعاً أي يصلي الظهر أربعاً.
***
(8/2)

بارك الله فيكم هذا السائل مقيم في المملكة يقول نحن عرب في البادية أي رحل ولا نقيم لنا في البادية صلاة جمعة علما بأن عندنا حفظة للقرآن الكريم ولكن الجماعة لا يقيمون صلاة الجمعة بحجة أنهم أهل بادية غير مقيمين فما حكم ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: البادية لا يصلون صلاة الجمعة لأن البوادي كانت حول المدينة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإقامة الجمعة فالمسافرون في سفرهم وأهل البادية في باديتهم لا يصلون صلاة الجمعة وإنما يصلون بدلها ظهرا فإن كانوا مقيمين صلوا ظهرا أربعا وإن كانوا مسافرين صلوا ظهرا ركعتين.
***
(8/2)

هذا أخوكم سيد إبراهيم مرعي من جمهورية مصر العربية يقول إنني أعمل بالصحراء ويأتي يوم الجمعة علينا ونجد أن عددنا ثلاثة أو أربعة أفراد وأقرب مسجد يبعد عنا مسافة عشرة كيلو مترات وأسأل هل يجوز لثلاثتنا أو الأربعة إقامة صلاة الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجمعة لاتجوز إقامتها في البوادي سواء كان الإنسان مسافراً أو مقيماً ولهذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقيم الجمعة في أسفاره وذكر أهل العلم أن البوادي التي كانت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لا تقام فيها الجمعة وإنما تقام الجمعة في القرى والأمصار وعليه فإنكم معشر القوم سواء كنتم ثلاثة أم أربعة أم أكثر لا تلزمكم الجمعة بل ولا تصح منكم صلاة الجمعة لأن مكانكم لا يصح أن تقام فيه الجمعة ولو كان مثل هذا المكان تقام فيه الجمعة لأقيمت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه إذا كان هذا المكان مكاناً للجمعة صارت إقامة الجمعة فيه من شريعة الله وإذا كانت من شريعة الله فلا بد أن تكون قائمة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ثم تنقل إلى الأمة لأن الله تعالى تكفل بحفظ دينه ولما لم تكن قائمة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام علم أنها ليست من دين الله ولا من شريعة الله وإذا لم تكن من دين الله ولا شريعة الله فقام بها أحد من الناس فإنها مردودة عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليها أمرنا فهو رد) وعليكم أن تقيموا صلاة الظهر قصراً إن كنتم في حكم المسافرين وإتماماً إن كنتم مقيمين.
***
(8/2)

يقول السائل إبراهيم بسيوني بأنه يعمل في منطقةٍ نائيةٍ جداً وإنه يبعد عن المدينة التي تقام فيها صلاة الجمعة مسافة طويلة فهل يؤديها صلاة للظهر أم لا بد من الذهاب إلى المدينة لأداء الصلاة مع الجماعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت المدينة بعيدة فإنه لا يلزمه أن يذهب إليها لأن الذهاب منوطٌ بسماع النداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) فإذا كان خارج البلد في مكانٍ بعيد فإنه لا يلزمه أن يذهب إلى البلد لأنه غير مدعوٌ بهذا الأذان لبعده وأما إذا كان قريباً فإنه يجب عليه أن يذهب إلى صلاة الجمعة ليصلى مع المسلمين وفيما إذا كان لا يلزمه أن يذهب إلى الجمعة فإنه يصلى ظهراً ولا يصلى ركعتين كما قال به بعض أهل العلم فإن هذا قولٌ ضعيف ليس عليه دليل بل إن الأدلة تدل على خلافه فإن صلاة الجمعة صلاةٌ متميزة عن غيرها فهي صلاةٌ مسبوقةٌ بخطبة بل بخطبتين وهي صلاةٌ يجتمع الناس فيها في مكانٍ واحد وهي صلاةٌ يجهر فيها بالقراءة وهي صلاة عيد الأسبوع ولهذا كانت كصلاة العيد عيد الفطر وعيد الأضحى في أنها ركعتان يجهر فيهما بالقراءة وإن كانت صلاة العيدين تختلف عنها بالتكبيرات الزوائد أما صلاة الظهر فإنها صلاة مستقلة أيضاً منفردة لا يسبقها خطبتان ولا يجهر فيها بالقراءة ولا يجتمع الناس فيها في مكانٍ واحد فحصل الفرق بين هذا وهذا فمن لم يصلِ الجمعة وجب عليه أن يصلى ظهرا كالنساء مثلاً وكالمريض الذي يصلى في بيته وكالبعيد الذي لا يتمكن من الحضور إلى المسجد وكالذي جاء ووجد الناس قد صلوا وبهذه المناسبة أود أن أبين أن الإنسان إذا جاء إلى الجمعة فهل يصلى ظهراً أو جمعة نقول إن أدرك ركعة أتمها ركعةً واحدة أي صلى جمعة وإن لم يدرك ركعةً كاملة فإنه يصلى ظهراً فإذا جئت والإمام قد رفع من الركوع في الركعة الثانية وجب عليك أن تصلى ظهراً وإذا جئت والإمام في الركعة الثانية قبل الركوع فصلِ معه ركعة ثم ائتِ بعد تسليمه بركعة.
***
(8/2)

هل تجوز صلاة الجمعة في مكان شبه صحراء أي بدون مسجد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هؤلاء المقيمون في هذا المكان يقيمون فيه صيفاً وشتاء ويعتبرونه بمنزلة القرية أو المدينة فإنه يجب عليهم إقامة الصلوات جماعة وإقامة الجمعة ما داموا مقيمين في هذا المكان وفيه مساكن لهم بما جرت به العادة أما إذا كانوا غير مقيمين وإنما نزلوا في ذلك أياماً من أجل موسم المطر أو لغير ذلك فإنه لا يجوز لهم إقامة الجمعة لأن الجمعة لا تقام في السفر فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يسافر وتصادفه الجمعة ولم يكن يقيمها ولو كانت مشروعة لأقامها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على الخير ولأنه مشرِّع للأمة فلا يمكن أن يدع شيئاً مشروعاً لأن ذلك خلاف ما كُلِّف به قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) وعلى هذا فإقامة الجمعة في السفر تعتبر من البدع ولا تصح وعلى من أقامها في السفر أن يعيدها ركعتين بنية الظهر أما من كان مسافراً ولكنه في قرية تقام فيها الجمعة فإنه يجب عليه أن يصلى الجمعة مع الناس لعموم قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ومن المعلوم أن الآية عامة يا أيها الذين آمنوا فكل من صدق عليه وصف الإيمان فإنه مطالب بحضور الجمعة إذا سمع النداء.
وكذلك على القول الراجح يجب على المسافر الذي في قرية أو مدينة أن يحضر صلاة الجماعة لأنه إذا نودي للجماعة وجب على كل من سمع النداء أن يجيب كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن رجلاً استأذنه في ترك الجماعة فرخص له فلما ولّى ناداه فقال هل تسمع النداء قال نعم قال فأجب) والحاصل أن من كان في بلد فإنه يجب عليه حضور الجمعة والجماعة ولو كان مسافراً وأما من كان في البر وهو مسافر فإن الجماعة تجب عليه ولكن الجمعة لا تجب عليه بل ولا تصح منه فلو أقام المسافرون وهم في البر في السفر الجمعة فإن هذا حرام عليهم وصلاتهم غير صحيحة ويجب عليهم إعادة تلك الصلاة ظهراً لكنها لا تجب عليهم إلا مقصورة لأن صلاة المسافر تكون قصراً حتى لو نسي أن يصلى في السفر وهو مقيم في الحضر فإنه يصلىها ركعتين فقط لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فإن قوله فليصلها الضمير فيه عائد على الصلاة المتروكة فيشمل قضاءها على صفتها عدداً وهيئة ولهذا إذا نسي الإنسان صلاة الليل أي صلاة ليل يُجهر فيها ثم قضاها بالنهار فإنه يقرأ فيها جهراً ومن القواعد المقررة عند الفقهاء قولهم إن القضاء يحكي الأداء.
***
(8/2)

يقول السائل أصلى يوم الجمعة في قريةٍ مجاورة تبعد عن قريتي حوالي ثلاثة كيلومترات فهل يجوز لي أن أصلى في بيتي أيام الشتاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كأن ظاهر السؤال أنه ليس عندهم جمعة وما دامت قرية مستقلة عن الأخرى فمن الواجب أن يقيموا فيها الجمعة حتى لا يلحقوا بالناس العناء بالذهاب إلى القرية الأخرى أو يضطر الناس إلى ترك الجمعة وعلى كل حال فلو قدر أن هذه القرية الصغيرة تابعة للقرية الأم فإن الواجب على الإنسان أن يحضر الجمعة ما لم يشق عليه فإن شق عليه مثل أن تكون أمطارٌ أو رياحٌ شديدة باردة وصلى في بيته لا حرج ولكن يصلى ظهراً ولا يصلى جمعة.
***
(8/2)

محمد حسن المعافى من الجمهورية العربية اليمينة يقول أنا أسكن في قريةٍ يبلغ سكانها من الرجال واحداً وعشرين رجلاً بالغين عقلاء مقيمين بها ولكنهم لا يقيمون صلاة الجمعة وقد حاولت فيهم أن نصلى الجمعة وأنا مستعدٌ للخطبة بهم والصلاة بهم فأنا أقرؤهم لكتاب الله ولكنهم يرفضون ذلك بحجة أن صلاة الجمعة يلزم لوجوبها أربعون من أهلها فما الحكم في مثل هذه الحالة هل هم على حقٍ أم أنا وعليهم طاعتي في هذا أفيدونا بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال ينبني على اختلاف أقوال أهل العلم وذلك أن العلماء اختلفوا رحمهم الله هل يشترط للجمعة عددٌ معينٌ بأربعين أو لا يشترط أن يكون معيناً بالأربعين فمن أهل العلم من يقول إن الجمعة لا تصح حتى يوجد أربعون من أهل وجوبها مستوطنون بالمكان الذي تقام فيه وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومنهم من يقول تجب إقامة الجمعة إذا وجد في المكان اثنا عشر رجلاً مستوطنا فيه ومنهم من يقول تجب إقامة الجمعة إذا وجد ثلاثةٌ فأكثر مستوطنون في هذا المكان والقول الراجح أنه تقام الجمعة إذا وجد في القرية ثلاثةٌ فأكثر مستوطنون لأن الأدلة التي استدل بها من يشترطون اثني عشر أو أربعين ليست واضحة في الاستدلال والأصل وجوب الجمعة فلا يعدل عنه إلا بدليلٍ بيّن وذلك أن الذين استدلوا بأنه لا بد من اثني عشر رجلاً استدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة فقدمت عيرٌ من الشام فانصرف الناس إليها وانفضوا ولم يبقَ مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلاً والذين استدلوا على اشتراط الأربعين استدلوا بأن أول جمعة جمعت في المدينة كان عدد المقيمين لها أربعين رجلاً ومن المعلوم أن العدد في الأول والعدد في الثاني إنما كان اتفاقاً بمعنى أنه أقيمت الجمعة فوافق العدد أربعين رجلاً وكذلك الذين انصرفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان الاتفاق أن بقي منهم اثنا عشر رجلاً ومثل هذا لا يمكن أن يستدل به على أنه شرط إذ من الممكن أن يقال لو أقيمت الجمعة وكانوا أقل من أربعين فليس عندنا دليلٌ على أنها لا تصح ولو أنهم انفضوا ولم يبقَ إلا عشرة فليس عندنا دليل على أنها أي الجمعة لا تصح كما أنه لو بقي أكثر من اثني عشر أو كانوا عند إقامة الجمعة أكثر من أربعين لم يمكنّا أن نقول إنه يشترط أن يزيدوا على اثني عشر أو يزيدوا على أربعين وعلى هذا فنرجع إلى أقل جمعٍ ممكن وهو بالنسبة للجمعة ثلاثة لأن الله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) ومعلومٌ أن المنادي ينادي لحضور الخطيب فيقوم المنادي والخطيب والمأمور بالسعي إلى الجمعة وأقل ما يمكن في ذلك ثلاثة وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الراجح فإذا وجد في قريةٍ جماعة مستوطنون يبلغون ثلاثة رجال فإن الجمعة واجبة عليهم أما قضيتكم المعينة في هذه القرية التي في اليمن فالذي أرى أن تراجع فيها المسؤولين عن شؤون المساجد لدى الجمهورية ثم تمتثلوا ما يوجهونكم إليه.
***
(8/2)

سمعت من إمام الجمعة بأنه يقول حرام على المسلم أن يصلى صلاة الجمعة في بيته وأنا في بعض الأحيان أصلى الجمعة في البيت وبقية الفروض فهل صلاتي صحيحة أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للإنسان أن يصلى الجمعة في بيته بل الواجب عليه حضور المسجد مع الجماعة فإن كان لا يستطيع فإنه يصلى في بيته صلاة الظهر لأن الجمعة لا بد فيها من حضور الجماعة في المسجد ولا بد لها من الخطبة ولا يمكن أن يصلى الإنسان وحده في بيته صلاة الجمعة وأما بقية الصلوات فإنه يجب عليه أيضاً أن يحضر الجماعة في المساجد إلا أن يكون معذوراً بعجز أو نحوه فإنه يصلى في بيته.
***
(8/2)

هل يجوز حضور صلاة الجمعة وقد بقي على الإقامة خمس دقائق فقط؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز الحضور ولو كان قد شرع في الصلاة لكن الله قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) فيجب على الإنسان إذا سمع أذان الجمعة وهو الأذان الذي يكون عند حضور الإمام أن يسعى إليها ليدرك الاستماع للخطبة والصلاة كاملة أما قبل أن يؤذن الأذان الثاني فإنه لا يجب الحضور قال أهل العلم إلا من كان منزله بعيدا بحيث لا يصل إلى المسجد إلا بعد الأذان الثاني فيجب أن يسعى إلى الجمعة بحيث يصل إلى المسجد عند الأذان الثاني.
***
(8/2)

يقول هذا السائل إذا اغتسل المسلم للجنابة قبيل فجر الجمعة أو بعده هل يكفي هذا لغسل الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما ما كان قبل الفجر فلا يكفي لأنه ما دخل اليوم وأما بعد الفجر فيكفي لكن الأفضل أن يعيده بعد طلوع الشمس حتى يتأكد أنه حصل في يوم الجمعة ثم إن العلماء رحمهم الله قالوا إن الأفضل أن يكون الاغتسال عند المضي إلى الصلاة فمثلاً إذا قدرنا أنه يذهب إلى الصلاة قبل الزوال بساعتين فإنه يغتسل في ذلك الوقت ووجه ذلك أنه إذا تطهر عند المضي صار أبلغ وأضمن من أن يحصل له وسخ بعد ذلك.
***
(8/2)

جزاكم الله خيرا هذا السائل يقول ما حكم الاغتسال يوم الجمعة وهل وردت فيه أحاديث؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الاغتسال يوم الجمعة واجب على كل بالغ عاقل لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فصرح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه واجب ومن المعلوم أن أعلم الخلق بشريعة الله رسول الله ومن المعلوم أن أنصح الخلق لعباد الله رسول الله ومن المعلوم أن أعلم الناس بما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفصح العرب فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة وقال (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فكيف نقول ليس بواجب ولو أن هذه العبارة جاءت في متن من المتون الذي ألفه عالم من العلماء وقال فيه فصل غسل الجمعة واجب لم يشك أحد يقرأ هذا الكتاب إلا أن المؤلف يرى وجوبه هذا وهو آدمي معرض للخطأ والصواب فكيف والقائل بذلك محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قيد هذا الوجوب بما يقتضي الإلزام حيث قال (على كل محتلم) أي بالغ وهذا يدل على أن الغسل ملزم به وأما ما يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غسل الجمعة (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل) فهذا فيه نظر من جهة سنده ومن جهة متنه ثم لا يمكن أن يعارض به حديث أبي سعيد الثابت في الصحيحين وغيرهما الصريح الواضح وهو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ولكن متى يبتدئ هذا الوجوب أقرب ما يقال أنه يبتدئ إذا طلعت الشمس لأن ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وقت للفجر فالأحوط أن يكون اغتساله بعد طلوع الشمس والأفضل أن يكون عند إرادة الذهاب إلى المسجد إذا قلنا إنه واجب فهل تصح الجمعة بدونه يعني لو تعمد تركه وصلى هل تصح فالجواب نعم تصح لأن هذا غسل ليس عن جنابة ولكن أوجبه النبي صلى الله وسلم ليتبين ميزة هذا اليوم عن غيره ويدل لهذا أنه ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يخطب فدخل عثمان وهو يخطب فكأنه عرض به أي عرض بعثمان أنه تأخر عن الخطبة فقال عثمان والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت فقال والوضوء أيضا وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) وصلى عثمان بدون غسل وفي هذا الأثر عن عمر دليل واضح على أن غسل الجمعة واجب وإلا فكيف يوبخ عمر عثمان رضي الله عنه أمام الناس على تركه.
(8/2)

فضيلة الشيخ: لو اغتسل ليلا أو بعد الفجر ونوى به غسل الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا اغتسل قبل الفجر فلا ينفعه لأن اليوم لم يدخل بلا شك وإن اغتسل بعد الفجر ففيه احتمال لكن الأفضل أن يكون بعد طلوع الشمس.
***
(8/2)

هذا السائل يقول يوجد في بلدي عدة مساجد وفي يوم الجمعة أكثر هذه المساجد تؤذن أذانين وهناك مساجد للإخوة السلفيين يؤذنون أذاناً واحداً فسألت أحد الإخوة لماذا لا يكون الأذان مرتين فقال لي الآن المساجد كثيرة ولا داعي للأذانين فأرجو من سماحتكم أن تفتونا في هذا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأذان الأول لصلاة الجمعة ليس معروفاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما كان الأذان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واحدا وكذلك الحال في عهد أبي بكر وعمر وفي عهد عثمان رضي الله عنه زاد الأذان الأول فصار للجمعة أذانان الأول والثاني فالثاني هو الذي يكون عند حضور الإمام أي بين يدي الإمام والأول يكون قبل ذلك وهو من سنة الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضو عليها بالنواجذ) وإذا كان في البلد واحد يقوم بهذا الأذان الأول ويسمعه أهل البلد كما هو الحال حينما وجدت مكبرات الصوت فإنه يكفي عن بقية البلد وتحصل به الكفاية فإن قال قائل إذاً قولوا بأنه تحصل به الكفاية في الأذان الثاني لأن الناس يسمعون الأذان من المساجد الأخرى قلنا لا سواء فإن الأذان الثاني إنما يكون عند حضور الإمام وحضور الإمام يختلف من مسجد لآخر.
***
(8/2)

في بعض المساجد يؤذن للجمعة أذانان بينما يؤذن للفجر أذان واحد فهل هناك دليل شرعي على ذلك حيث إني قرأت أن الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يؤذن للجمعة أذاناً واحداً والفجر أذانين وما يحدث الآن مخالف لذلك فأرجو الإفادة عن سؤالي مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم أما الفجر فيؤذن له أذان واحد بعد طلوع الفجر والأذان الذي يكون قبل طلوع الفجر إنما كان من أجل إيقاظ النائم ورَجْع القائم كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لايؤذن حتى طلوع الفجر) فأذان صلاة الفجر هوالأذان الذي يكون بعد طلوع الفجر وأما ما قبله فليس لصلاة الفجر ولكنه لإيقاظ النائم حتى يقوم ولرجع القائم حتى يتوقف عن القيام من أجل أن يتسحر وظاهر هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يجعل أذانين إلا في رمضان من أجل أن يقوم الناس إلى السحور وأما الجمعة فليس فيها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبي بكر وعلى عهد عمر رضي الله عنهما إلا أذان واحد وهو الأذان الذي يكون بين يدي الخطيب إذا حضر وسلم على الناس ولكن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه جاء بالأذان الثالث لما اتسعت المدينة وكثر الناس حثاً لهم على الحضور والسرعة إلى المسجد وهذا الأذان يعتبر من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام حيث إنه صلى الله عليه وسلم قال (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ولا شك أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أحد الخلفاء الراشدين من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الخلفاء الراشدين من بعده أربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.
***
(8/2)

هل الأذان الثاني في صلاة الجمعة جائز أم لا حيث إن هناك بعض الإخوة يقولون بأنه بدعة وضحوا لنا ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأذان الثاني يوم الجمعة سنة بلا شك ولا أعلم أحداً خالف فيها وأما الأذان الأول الذي قبل هذا الأذان فقد سنه أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وسنة الخليفة الراشد متبعة بأمر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قال (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) فإن قال قائل كيف نعمل بهذا والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعمل به قلنا نعمل به لأن هذا من اجتهادات من له سنة متبعة وهو أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وليس في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يخالفه فإن سبب زيادة هذا الأذان في عهد عثمان ليس موجودا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بلالا في رمضان يؤذن قبل الفجر لا للفجر ولكن ليوقظ النائم ويرجع القائم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن بلالا يؤذن بليل ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر) .
والحاصل أن الأذان الثاني للجمعة مشهور لا ريب فيه ولا إشكال وموجود في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأما الأذان الأول فهو من سنِ عثمان رضي الله عنه وعثمان أحد الخلفاء الراشدين الذين لهم سنة متبعة.
***
(8/2)

متى شرع الأذان في يوم الجمعة وهل كان الأذان موجوداً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم علماً بأنه عندنا من أخذ بأذان واحد وترك الآخر مع سنة الجمعة وآخرون وهم الأغلبية يأخذون بالأذانين وبينهما سنة الجمعة فأيهم الصحيح نرجو أن توضحوا لنا ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الأذان الثاني الذي يكون عند حضور الإمام فإن هذا موجودٌ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) وأما الأذان الأول فهذا من سنن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه حين كثر الناس في المدينة أمر أن يؤذن أذان سابق للأذان الأول من أجل أن يحضر الناس إلى الجمعة حتى لا يفوتهم شيء من الخطبة وهذا الذي فعله عثمان رضي الله عنه سنةٌ أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام في قوله (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) ولا ريب أن عثمان رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين فيكون اتباعه في ذلك امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل هذه السنة مخالفة لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الجمعة كانت موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وليس لها إلا أذان واحد فيكون هذا الأذان الأول زائداً على السنة فيقال إن السبب الذي من أجله سن عثمان رضي الله عنه هذا الأذان لم يكن موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأن المدينة كانت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام صغيرة فازدادت وازداد الناس واحتاج الناس إلى أن ينبهوا قبل حلول الأذان الثاني ومع كون هذه سنة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه الذي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته لأنه من الخلفاء الراشدين فإن لها أصلاً في السنة النبوية أيضاً ففي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن بلالاً يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) فكان بلالٌ يؤذن بليل قبل الفجر وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يؤذن ليوقظ النائم ويرجع القائم فكان هذا أذاناً لحث الناس على الإقبال على سحورهم فيكون حث الناس على الإقبال إلى صلاة الجمعة أوكد وأوكد ولكن لما لم يكن سببه موجود في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر ولم يوجد إلا في عهد عثمان صار سبب المشروعية قائما في عهد عثمان رضي الله عنه فمن أجل ذلك شرعه رضي الله عنه وأقره الصحابة على ذلك وما نعلم أحداً من الصحابة أنكر على عثمان هذا الأذان وعليه فالصواب مع الذين يؤذنون مرتين في يوم الجمعة الأول والثاني.
***
(8/2)

ما حكم الركعتين اللتين يصلىهما الناس بين الأذان الأول والأذان الثاني قبيل خطبة الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً ليعلم أن الأذان الأول يوم الجمعة لا يكون إلا متقدماً على الأذان الثاني بزمن يمكن فيه للناس أن يحضروا إلى الجمعة من بعيد لأن سبب مشروعية هذا الأذان أن الناس كثروا في عهد أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه واتسعت المدينة فرأى أن يزيد هذا الأذان من أجل أن يحضر الناس من بعيد ولا ريب أن عثمان رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم والصحابة رضي الله عنهم لم ينكروا عليه فعله هذا فيكون هذا الفعل قد دلت عليه السنة ودل عليه عدم المعارضة من الصحابة رضي الله عنهم وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع سنة الخلفاء الراشدين ولكن كما قلت ينبغي أن يكون متقدماً بزمن يمكن حضور البعيدين إلى الصلاة وأما كونه قريباً من الأذان الثاني بحيث لا يكون بينهما إلا خمس دقائق وشبهها فإن هذا ليس بمشروع وغالب الناس الذين يتطوعون بركعتين إنما يفعلون ذلك فيما إذا كان الأذان الأول قريباً من الأذان الثاني ولكن هذا من البدع أعني التطوع بين هذين الأذنين المتقاربين لأن ذلك ليس معروفاً عن الصحابة رضي الله عنهم فلا ينبغي للإنسان أن يصلى هاتين الركعتين وعلى هذا فنقول هذا الجواب يتضمن جوابين في الحقيقة الجواب الأول أنه ينبغي أن يكون بين الأذان الأول والثاني يوم الجمعة وقت يتمكن فيه الناس من الحضور إلى المسجد من بعيد لا أن يكون الأذان الثاني موالياً له أما الجواب الثاني فهو صلاة الركعتين بين الأذانين المتقاربين كما يوجد من كثير من الناس فهذا من البدع.
***
(8/2)

المستمع يونس الطائي من العراق الموصل يقول إذا حضر المرء إن كان ذكراً أو أنثى المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب وجلس حتى إذا ما انتهى الإمام من خطبته الأولى ثم قام وصلى ركعتين خفيفتين فهل هذه الصلاة جائزة في هذا الوقت أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: عمله هذا ليس بصحيح ولا بصواب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) وهذا الرجل الذي جلس قد أخطأ وعصى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر ولكن إذا دخل المسجد والإمام يخطب فليبادر قبل أن يجلس وليصل ركعتين خفيفتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أصلىت قال لا قال (قم فصل ركعتين وتجوز فيهما) فهذا هو المشروع أن الإنسان إذا دخل والإمام يخطب ألا يجلس حتى يصلى ركعتين خفيفتين ثم ينصت للخطبة.
***
(8/2)

بارك الله فيكم هذا المستمع الذي رمز لاسمه م أأ يقول إذا دخل الإنسان يوم الجمعة والمؤذن يؤذن للأذان الثاني فهل يصلى ركعتين أم ينتظر حتى يفرغ المؤذن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا دخل الإنسان المسجد يوم الجمعة والمؤذن يؤذن للأذان الثاني الذي عند مجيء الخطيب فإنه يشرع في تحية المسجد وإن لم يتم المؤذن وذلك أنه إذا شرع في تحية المسجد صار مبادرا لتحية المسجد وإذا وقف ينتظر فراغ الأذان صار متأخراً في أداء التحية وأيضا إذا أتى بالتحية والمؤذن يؤذن تفرغ لسماع الخطبة وسماع الخطبة أوكد من سماع المؤذن وأيضا فإن بعض العلماء يقول إن المصلى يجيب المؤذن ولو كان في صلاته لأن الجميع ذكر وبناء على هذا القول فإنه إذا دخل في صلاته لا يفوته إجابة المؤذن وأما على القول الثاني أن المصلى لا يجيب المؤذن فإنه بإمكانه إذا فرغ من تحية المسجد أن يجيب المؤذن بعد فراغه إن لم يشرع الإمام في الخطبة فإن شرع في الخطبة فالاستماع لها أولى.
***
(8/2)

هذا السائل م. ح. ع. من جمهورية مصر العربية يقول في هذا السؤال هل ترك الأذان الأول في الجمعة أولى إذا كان لا يحصل منه فائدة حيث إن العادة عندنا في بلادنا أن الفاصل بين الأذانين لا يجاوز خمس أو سبع دقائق ويقوم المصلون فيصلون بين الأذانين ركعتين يعتقدون بأنها سنة للجمعة أفتونا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل الذي ذكره السائل عن أهل بلده ليس هو العمل المشروع إذ إن الأذان الأول في صلاة الجمعة يكون بينه وبين مجيء الإمام فترة لأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان لما سنه للمسلمين سنه من أجل أن يأتي إلى المسجد من كان بعيدا منه فإنه إنما سنه رضي الله عنه حين اتسعت المدينة وكثر أهلها فرأى بثاقب فقهه أن يؤذن أذان أول سابق على الأذان الذي يكون عند حضور الإمام فلو جعل بينه وبين الأذان الذي يكون عند حضور الإمام فترة طويلة يتمكن بها الناس البعيدون من الحضور لكان أولى يعني لو جعل بين الأول والثاني نحو ساعة أو ساعة وعشر دقائق أو ساعة إلا عشر دقائق كان هذا أولى وأرفق بالناس حتى ينتبهوا للجمعة ويتأهبوا لها ويحضروا إليها قبل مجيء الإمام هذا هو الأفضل أما ما ذكره عن بلاده فلا أعلم له أصلا.
***
(8/2)

هل السنة التي قبل صلاة الجمعة وبين الأذان الأول والثاني بدعة أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الجمعة ليس لها سنةٌ راتبة قبلها بل إذا حضر الإنسان إلى المسجد صلى ما تيسر له من غير تعيين يصلى ركعتين يصلى أربعاً يصلى ستاً يصلى ما شاء ويسلم من كل ركعتين وأما ما يفعله بعض الناس من القيام للصلاة بين الأذانين الأول والثاني فإن هذا لا أصل له وليس بمشروع أما بعد صلاة الجمعة فإن الجمعة لها سنة بعديّة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى ركعتين بعد الجمعة في بيته وقال عليه الصلاة والسلام (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) فهنا أربع أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنا ركعتان فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن العلماء من يقول إنما نأخذ بفعله فتكون السنة بعد الجمعة ركعتين ومنهم من قال نأخذ بقوله فتكون السنة بعد الجمعة أربعاً ومنهم من يقول نجمع بينهما فنصلى ستاً ومنهم من فصل فقال إن صلى في بيته صلى ركعتين وإن صلى في المسجد صلى أربعاً ومنهم من قال إن هذا من العبادات المتنوعة فتارةً يصلى أربعاً وتارةً يصلى ركعتين وأقرب ما يقال في ذلك أن يقال إن صلى الراتبة بعد الجمعة في البيت فهي ركعتان فقط اقتداءً بالرسول صلى الله عليه وسلم وإن صلاها في المسجد فأربعاً امتثالاً لأمره صلى الله عليه وسلم.
***
(8/2)

هل يجوز أن أقوم أصلى ركعتين سنة قبل أن يدخل الإمام المنبر وقد قال بعض العلماء إنه جائز والبعض قال ليس بجائز؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يفهم من هذا السؤال أنه يريد قبل مجيء الإمام يوم الجمعة نقول إذا كان ذلك لسبب كرجلٍ دخل المسجد قبيل مجيء الإمام فإنه لا يجلس حتى يصلى ركعتين أما إذا كان لغير سبب كإنسان جاء متقدماً ولمّا قارب مجيء الإمام قام يصلى فإن هذه المسألة كما قال السائل فيها خلاف بين أهل العلم فمنهم من يقول إن يوم الجمعة لا ينهى عن الصلاة فيه قبيل الزوال ومن العلماء من يقول إنه ينهى لأن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك عامة واستثناء يوم الجمعة منها ضعيف ولكن بعض أهل العلم قرر الجواز لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون إلى مجيء النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إقرارٌ في زمن الوحي والإقرار في زمن الوحي حجة كما هو معلومٌ لأهل العلم فالأحوط أن لا يقوم الإنسان يصلى قبيل الزوال يوم الجمعة إلا إذا كان قد دخل المسجد فإنه لا يجلس حتى يصلى ركعتين وبهذه المناسبة أقول لو دخل الإنسان يوم الجمعة والمؤذن يؤذن فهل الأولى أن يجيب المؤذن ثم يصلى تحية المسجد أو الأولى أن يصلى تحية المسجد ثم يجيب المؤذن إما في الصلاة كما قيل به وإما بعد فراغه من الصلاة الأقرب هو أنك إذا دخلت والمؤذن يؤذن يوم الجمعة الأذان الثاني الذي يكون بعد مجيء الخطيب أن تصلى تحية المسجد ركعتين لأجل أن تتفرغ لاستماع الخطبة لأن استماع الخطبة واجب والتفرغ للواجب أولى من التفرغ للمسنون وإجابة المؤذن مستحبة ليست بواجبة على القول الصحيح وأما استماع الخطبة فإنه واجب لذلك نقول صلّ ركعتين لتستمع إلى الخطبة.
***
(8/2)

يسأل عما يسمى بالسنة القبلية في يوم الجمعة ونرجو أن تبينوا لنا ما هو المشروع يوم الجمعة في دخول الجامع حتى الخروج منه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجمعة ليست لها سنة قبلية وما يفعله بعض الناس من القيام بالصلاة إذا أذن المؤذن الأول فلا أصل له وإنما للجمعة سنة بعدها والذي جاءت به السنة أن يصلى في بيته ركعتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى في بيته ركعتين بعد الجمعة أو أربع ركعات لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) فالأربع ثبتت من قول الرسول عليه الصلاة والسلام والركعتان ثبتت من فعله فإذا صلى أربعاً فقد أحسن وإذا صلى ركعتين فقد أحسن ولكن إذا جاء الإنسان يوم الجمعة متقدماً إلى المسجد فإنه ينبغي أن يصلى حتى يحضر الإمام لأن الصلاة من أفضل العبادات ولهذا لما قال ربيعة بن مالك الأسلمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسألك مرافقتك في الجنة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (أعني على نفسك بكثرة السجود) والسنة لمن أتى الجمعة أن يغتسل في بيته قبل أن يأتي إلى المسجد والاغتسال للجمعة واجب على القول الراجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) أي على كل بالغ فقول النبي عليه الصلاة والسلام واجب وتعليق الوجوب بوصف يقتضي التكليف والإلزام دليل على أن المراد بالوجوب هنا وجوب الإلزام لا وجوب التأكيد كما زعمه بعضهم فالصحيح أن غسل الجمعة واجب على كل من أتى الجمعة ويلبس أحسن ثيابه ويتطيب ويأتي إلى المسجد ويصلى ما شاء الله وكلما بكر الإنسان إلى المسجد يوم الجمعة فهو أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا حضر الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر وطووا الصحف وكانوا قبل مجيء الإمام على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول) وإني أحث إخواني المسلمين أن ينتهزوا هذه الفرصة للتقدم إلى صلاة الجمعة بعد الاغتسال وأن لا يضيعوا هذا الوقت الفاضل بالتلهي والتسكع والنوم فيفوتهم خير كثير وإذا حضر الإمام وبدأ بالخطبة فإنه يجب الإنصات له ولا يجوز التكلم فمن تكلم والإمام يخطب فقد لغا بل (من تكلم والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا ومن قال لصاحبه أنصت فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له) أي إنه يحرم من أجر الجمعة ولا يجوز للإنسان والإمام يخطب يوم الجمعة أن يسلم على أحد إلى جانبه ولا يرد السلام ولا يشمت العاطس ولا يُسكت المتكلم بالقول لأن ذلك سبب لحرمانه من ثواب صلاة الجمعة وإن كانت الجمعة تجزئ وتبرأ بها الذمة لكن يحرم من ثوابها.
***
(8/2)

هذه السائلة من الجبيل أختكم في الله م. م. م. تقول فضيلة الشيخ ما الواجب أن أفعله عند الدخول إلى الحرم المكي عندما يكون الإمام على المنبر لخطبة الجمعة هل يجب علينا الجلوس والإنصات إلى الخطبة أم نطوف ثم نجلس للاستماع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا دخل الإنسان المسجد والإمام يخطب يوم الجمعة فإنه يصلى ركعتين خفيفتين ثم يجلس لما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب فجلس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أصلىت قال لا قال (قم فصلّ ركعتين وتجوز فيهما) هذا هو الواجب على من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب وهو مبني على القول بأن تحية المسجد واجبة أما على القول بأنها سنة فإن له أن يجلس لكنه لا شك على خطر عظيم بمخالفته أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وداخل المسجد الحرام كداخل المساجد الأخرى لا يشتغل إلا بركعتين خفيفتين تحية المسجد ولا ينبغي له أن يشتغل بالطواف لأن الاشتغال بالطواف يؤدي إلى الاشتغال عن سماع الخطبة وهو خلاف مقصود الشرع.
***
(8/2)

فضيلة الشيخ ما هي الشروط التي يجب أن يأخذ بها الخطيب في خطبة الجمعة وماذا يجب أن تشتمل عليه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا أن يعلم أن خطبة الجمعة خطبة عظيمة مهمة أمر الله تعالى بالسعي إليها فقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وأثنى الله سبحانه وتعالى على من قام بها وصلى فقال (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) وحرم النبي عليه الصلاة والسلام الكلام حال الخطبة وأوجب الاستماع إليها فقال صلى الله عليه وآله وسلم (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) وقال (الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا) وهذا يدل على أهمية الخطبة وأنها مما يجب الاستماع إليه ولهذا لما دخل رجل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس قال له أصليت قال لا قال (فقم فصل ركعتين وتجوز فيهما) فأمره أن يتجوز في الصلاة حال الخطبة بأن لا ينشغل بتطويل الصلاة عن الاستماع للخطبة وإذا كانت هذه أهميتها فإن الواجب على الخطيب أن يخطب خطبة مؤثرة نافعة تعالج ما كان الناس عليه وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأزمان فليراع الخطيب هذا أعني يراعى ما تقتضيه المصلحة فيما يلقيه من الخطب التي يعالج بها ما كان الناس عليه فمثلا إذا كان الخطيب يخطب بين يدي شهر رمضان فإن من المناسب أن يتكلم عن أحكام الصيام وأحكام القيام وأحكام الزكاة لأن كل هذه مما يفعل في شهر رمضان، أما الصيام والقيام فظاهر وأما الزكاة فلأن غالب الناس يخرجون زكاة أموالهم أو على الأقل يحسبون أموالهم ليعرفوا الزكاة في شهر رمضان وإذا كان في زمن جفاف وجدب ذكر الناس بما يسبب هذا الجفاف والجدب وأنه الذنوب والمعاصي كما قال الله تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) إذا كان في زمن غفلة من الناس عما ينبغي أن يقبلوا عليه من العبادة والعلم وما أشبه ذلك ذكرهم بما يفوتهم في هذا وإذا كان في زمن الحرب ذكرهم بما يناسب الحال وإذا كان في وقت يكثر فيه الوافدون إلى البلد كالبلاد السياحية أو البلاد ذات المشاعر ذكرهم بما يناسب حال هؤلاء الوافدين حتى يحملوا معهم إلى أقوامهم ما ينتفعون به هذا هو أهم ما تجب مراعاته بالنسبة للخطيب أما آداب الخطبة فإنها كثيرة منها أن يكون الخطيب قويا في خطبته مؤثراً منفعلا حسب ما يسوق من المعاني حتى يؤثر على الناس في استيقاظهم واستيعابهم لما يقول وشد ضمائرهم وقلوبهم إليه لينتفعوا بهذه الخطبة أما أن يلقيها إلقاء كما يلقي أي كتاب يقرؤه فإن هذا قد يجلب النوم للمستمعين بخلاف الذي ينفعل ويتفاعل ولهذا قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه وعن أبيه (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم) وكذلك أيضا ينبغي للخطيب أن يبدأ في مقدمة الخطبة بالأهم فالأهم فمن ذلك حمد الله عز وجل في أول الخطبة وهو ركن من أركان الخطبة فيحمد الله عز وجل ويثني عليه بما هو أهله ومن خير ما تفتح به الخطب خطبة الحاجة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) و (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) و (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) ثم يأخذ في الموضوع الذي يريد أن يتحدث فيه ويفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة لا طويلة ويجعل الخطبة الثانية أقصر من الخطبة الأولى لأن الناس قد يكون لحقهم الملل والسآمة في الخطبة الأولى فتأتي الثانية على غير استعداد تام لاستماعها وهذا من الحكمة أن يراعي الإنسان أحوال مستمعيه ثم إنه مما ينبغي أن يعلم أن هذه الساعة ساعة حضور الإمام وإلقاء الخطبة وإقامة الصلاة من أرجى ساعات يوم الجمعة في الإجابة كما رواه الإمام مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (أنها من حين أن يخرج الإمام إلى أن تقضى الصلاة) وهذا الوقت وقت مناسب لأن الناس فيه في حال اجتماع وعلى عبادة عظيمة وفي حال تفكير والاجتماعات كلها من أسباب إجابة الدعاء فينبغي للناس أن يستغلوا في هذه الساعة دعاء الله عز وجل سواء كان ذلك بين الخطبتين أو إذا دعا الخطيب فيؤمنون على دعائه لكن بغير رفع صوت أو إذا كان في أثناء الصلاة في حال السجود وبعد انتهاء التشهد الأخير ثم إنني أنبه هنا على مسألة يفعلها بعض الإخوان رجاء ثواب الله عز وجل وهم مجتهدون فيما يفعلون أن الواحد من الخطباء يأتي إلى المسجد متقدما ويصلي ما يشاء الله أن يصلي ثم يجلس ينتظر دخول الوقت وهذا خلاف السنة فإن السنة للخطيب يوم الجمعة أن يبقي في بيته أو في أي محل كان قبل أن يأتي للمسجد والسنة أن لا يأتي للمسجد إلا حين وقت الخطبة والصلاة كما كان رسول الله صلى عليه وآله وسلم يفعل ذلك لأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله سلم وليعلم الإمام الذي يتأخر وقت مجيئه إلى زوال الشمس أنه لن يحرم الأجر الذي حصل عليه من تقدم وذلك (أن من اغتسل يوم الجمعة في بيته وخرج من بيته مغتسلا فإنه إذا راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة وإذا راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة وإذا راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن وإذا راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة وإذا راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ثم إذا خرج الإمام طويت الصحف) ولم يكتب لأحد أجر من تقدم وإن كان يدرك أجر الجمعة ولكن يحرم أجر التقدم أما الإمام فلا يحضر إلا عند حضور وقت الصلاة.
***
(8/2)

لا شك أن لخطبة الجمعة شروطاً معينة حبذا لو حدثتمونا عنها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أهم الشروط في خطبة الجمعة أن تكون مؤثرة تلين القلوب وتوقظها وتهدي الخلق إلى الحق وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ خطبه بالحمد لله والثناء عليه فينبغي للإنسان أن يبدأ الخطب بالحمد والثناء على الله عز وجل ثم يدخل في موضوع الخطبة وينبغي أن يكون إلقاؤه للخطبة مناسباً للموضوع فإذا كان الموضوع موضوع وعظ وتذكير وتخويف فليكن بأسلوبٍ قويٍ مؤثر كما (كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيشٍ يقول صبحكم ومساكم) وينبغي أيضاً أن يختار الخطيب من المواضيع ما يكون الناس إليه أحوج وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأوقات.
***
(8/2)

هل يشترط لإمام الجمعة أن يخطب على مكانٍ مرتفع أم يصلح أن يخطب في المحراب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يشترط أن يكون على مكانٍ مرتفع بل يجوز أن يكون في المحراب في الأرض لكن على مكانٍ مرتفع أحسن لأنه أظهر وأبين للناس فكما هو معلومٌ أن السامع إذا رأى الخطيب يتأثر بخطبته أكثر ينتبه له أكثر ولهذا ينبغي أن يكون على مكانٍ مرتفع يراه الحاضرون جميعاً إذا تيسر.
***
(8/2)

هل تجوز صلاة الجمعة بخطبة واحدة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لابد لصلاة الجمعة من خطبتين لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يخطب للجمعة خطبتين ويقول عليه الصلاة والسلام في خطبة الجمعة (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم) فلو اقتصر على خطبة واحدة لكان على غير هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا تصح جمعتهم فالجمعة لا بد فيها من خطبتين وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب خطبتين ويفصل بينهما بجلوس فلا يكفيه أن يفصل بينهما بالسكوت بل يجلس والجلوس بين الخطبتين من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو سنة مؤكدة ولا يتحقق الفصل بين الخطبتين إلا بالجلوس.
***
(8/2)

بارك الله فيكم هذا السائل يا فضيلة الشيخ يقول خطيب الجمعة في بلدي يخطب خطبة واحدة لا يجلس فيها الجلسة المعتادة من قبل الخطباء هل يعتبر هذا مخالفا للسنة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا مخالف للسنة بلا شك فإنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يخطب في يوم الجمعة بخطبتين يفصل بينهما بجلوس بل إن أكثر أهل العلم يقولون إن صلاة الجمعة لا تصح لأن من شرط صحة صلاة الجمعة أن يتقدمها خطبتان وعلى هذا فبلغ هذا الإمام أن عمله هذا مخالف للسنة وأن عمله هذا مقتض عند كثير من العلماء ألا تصح جمعته وقل له يتق الله عز وجل ويتابع النبي صلى الله عليه وسلم في هديه فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نسأل الله لنا وله الهداية.
***
(8/2)

هذا السائل أخوكم في الله أبو عبد الرحمن من جازان يقول هل ورد في فضل الإمامة بالناس في الصلاة والخطبة بهم يوم الجمعة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهل يؤجر المسلم إذا فعل مثل هذا جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم نصاً خاصاً في فضيلة الإمامة في صلاة الجمعة وخطبتها لكن النصوص العامة وإيماؤها وإشارتها تدل على فضل الإمامة سواء في الجمعة أو غيرها ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) وأما الخطبة فهي من الدعوة إلى الله ونشر شريعة الله في عباد الله فتدخل في عمومات الأدلة الدالة على فضيلة العلم ونشر العلم والدعوة إلى الله عز وجل فمن كان عنده قدرة على الخطبة التي تكون مبنية على ما يرقق القلب ويوقظ الهمم على وجه مؤيد بالأدلة من الكتاب والسنة فهذا خير بلا شك وعلى خطيب الجمعة أو من تكلم بكلام عام في محاضرة أو ما أشبه ذلك أن يتحرى ما يحتاج الناس إليه في مجتمعهم ويبين حكمه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
(8/2)

هذا السائل من أم القوين رمز لاسمه بـ م. إبراهيم يقول خطبة الجمعة يا فضيلة الشيخ هل يجب أن يكون موضوعها ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أم تكون عن مكافحة الخطايا وتوجيه الناس لأمور دينهم وهل هناك شروط لخطبة الجمعة أو لخطيب الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن خطبة الخطيب بما خطب به النبي صلى الله عليه وسلم هي الأفضل والأكمل لأن كلمات النبي صلى الله عليه وسلم كلماتٌ موجزةٌ جامعةٌ نافعة فكون الإنسان يخطب بها أفضل وأكمل ولكن قد لا يتسنى للإنسان أن يكون عالماً بها فيخطب بما تيسر له والمقصود بالخطبة هو موعظة الناس وتذكيرهم بما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم وينبغي للخطيب أن ينوع الخطبة بحسب الحاجة وبحسب ما يحدث فإذا حدث مطرٌ مثلاً ذكر الناس بنعم الله سبحانه وتعالى وذكرهم بآياته كيف يكون هذا المطر ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله ويبين ما فيه من آيات الله حيث ينزل على الأرض الهامدة الميتة التي لا ترى فيها خضراء بل هي غبراء مغبرة فإذا نزل عليها هذا المطر أصبحت مخضرة كما قال الله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) ثم يذكرهم بما يترتب على هذا من الأحكام الشرعية إذا كان يشق على الناس مثلاً أن يصلوا الصلوات في أوقاتها فإنهم يجوز لهم أن يجمعوا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء لما رواه مسلمٌ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال (جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من غير خوفٍ ولا مطر قالوا ما أراد إلى ذلك قال أراد أن لا يحرج أمته) المهم أن الإنسان ينبغي له أن تكون خطبته مناسبةً في موضوعها للحاضر أو للواقع وفي أيام رمضان مثلاً يذكر الناس في الخطبة بما يتعلق بالصيام والقيام والزكاة وما أشبه ذلك وفي أيام الحج كذلك يذكر للناس الحج وفضله وشروطه وآدابه وغير ذلك المهم أن أهم شيء في الخطبة هو الموعظة التي تلين بها القلوب وتحديث الناس بما يحتاجون إليه في الأوقات المناسبة أما شروط الخطبة فإن من شروطها أن تتقدم على صلاة الجمعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قبل أن يصلى الجمعة لقول الله تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ومن مكملاتها وقيل بل من شروطها أي الخطبة أن تشتمل على حمد الله وعلى الشهادة له بالوحدانية ولنبيه بالرسالة وعلى الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى قراءة آيةٍ من كتاب الله وهذه المسائل مبسوطة في كتب الفقه لكن أهم شيء في الخطبة هو موعظة الناس وتحريك قلوبهم وتوجيههم إلى ما يحتاجون إليه في أوقات المناسبات.
***
(8/2)

هل يجوز لخطيب الجمعة أن يخطب بغير اللغة العربية إذا كان مستمعوه غير عرب لكي يفهموا ما يرشدهم إليه أم لا تجوز الخطبة إلا باللغة العربية مهما كانت لغة المستمعين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح في هذه المسألة أنه يجوز لخطيب الجمعة أن يخطب باللسان الذي لا يفهم الحاضرون غيره فإذا كان هؤلاء القوم ليسوا بعرب ولا يعرفون اللغة العربية فإنه يخطب بلسانهم لأن هذا هو وسيلة البيان لهم والمقصود من الخطبة هو بيان حدود الله سبحانه وتعالى للعباد ووعظهم وإرشادهم إلا أن الآيات القرآنية يجب أن تكون باللغة العربية ثم تفسر بلغة القوم ويدل على أنه يخطب بلسان القوم ولغتهم قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) فبين الله تعالى أن وسيلة البيان إنما تكون باللسان الذي يفهمه المخاطبون فعلى هذا له أن يخطب باللسان غير العربي إلا إذا تلا آية فإنه لابد أن تكون باللسان العربي الذي جاء به القرآن ثم بعد ذلك يفسر لهؤلاء القوم بلغتهم.
***
(8/2)

ما حكم ترجمة خطبة الجمعة إلى اللغات الأخرى حيث يوجد في بعض المساجد من لا يتكلمون العربية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الحاضرون للجمعة قليلين فلا حاجة للترجمة اعتباراً بالأكثر وأما إذا كانوا كثرة فلا بد من مراجعة الجهات المسؤولة ليستأذن منها فإذا أذنت فإن ترجمتها جيدة مفيدة لأنه في بعض المناطق من البلاد يكثر الأجانب الذين لا يعرفون اللغة العربية وحضورهم لخطبة لا يفهمون ما فيها لا فائدة منه ولهذا قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) فبين الله عز وجل أنه لابد أن يكون المبلغ لشريعة الله بلسان من يخاطب حتى يفهم وفي هذه الحال أعني إذا كثر من لا يعرف اللغة العربية وأذن ولاة الأمر بالترجمة في هذه الحال تكون ترجمة الخطبة بعد الصلاة بحيث يوعز إلى هؤلاء القوم الذين لا يعرفون اللغة العربية ويكونون في جهة معينة من المسجد ويأتي من يترجم لهم هذه الخطبة ويشترط في هذا المترجم أن يكون أمينا وأن يكون عنده إلمام كامل في معرفة اللغتين المترجم منها والمترجم إليها وأن لا يتصدى للإجابة عن الأسئلة إلا أن يكون عنده علم يتمكن به من الإجابة.
***
(8/2)

ما رأيكم في قول من قال بأن عدد ركعات صلاة يوم الجمعة عشرون ركعة ومنها ركعتان تحية الوضوء وركعتان دخول المسجد وأربع ركعات قبل الجمعة وأربع ركعات بعد الجمعة وأربع ركعات سنة الوقت أو ما يسمونه بذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كل هذا لا أصل له ولكن كل واحد على انفراده صحيح فالوضوء له سنة ودخول المسجد له سنة والصلاة بعد الجمعة سنة أيضا فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا) هذا ما نعرفه لكن الصلاة قبل الجمعة غير محصورة بعدد يصلى الإنسان ما شاء حتى لو جاء في الساعة الأولى وصلى خمسين ركعة أو أكثر أو أقل فلا بأس.
***
(8/2)

هذا المستمع للبرنامج رمز لاسمه بـ أ. أ. يقول هل تجوز الصلاة في عشرة أشخاص يوم الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن هذا موضع اختلاف بين العلماء فمنهم من قال إن الجمعة لا تنعقد بأقل من أربعين ومنهم من قال إنها لا تنعقد بأقل من اثني عشرة رجلاً ومنهم من قال تنعقد بثلاثة رجال والصحيح أنها تنعقد بثلاثة رجال وبأربعة وبخمسة وبعشرة فما زاد إذا كانوا مستوطنين في هذه القرية فإنهم يقيمون الجمعة لأن الثلاثة جمع يكون إمام يخطب ومؤذن يؤذن ومأموم يتابع فيتقدم الإمام ويصلى بالرجلين وكذلك ما زاد هذا هو القول الراجح في هذه المسألة أن الجمعة تنعقد بثلاثة فأكثر إذا كانوا مستوطينين في بلد سواء كان كبيراً أم صغيراً قد يقول كيف يكونون مستوطنين في بلد كبير وهم ثلاثة نقول نعم يمكن هذا فيما لو كانت البلد بلد كفر وهؤلاء الثلاثة مسلمون لا يوجد غيرهم وهم ممن لا تجب عليهم الهجرة للعجزعنها أو لكونهم يستطيعون أن يقيموا شعائر دينهم في هذا البلد ففي هذه الحال يقيمون الجمعة وهم ثلاثة ولو كانت البلدة كبيرة.
***
(8/2)

هذه الرسالة وردت من المواطن ح س ن ق من القنفذة يقول في رسالته هذه عندي مسجد في قرية صغيرة سكانها حوالي واحد وأربعين ولم يصلوا يوم الجمعة كلهم بل يصلى أناس قليلون هل يجب عليهم الخطبة أم لا ولكم الشكر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت القرية هذه ليس فيها مسجد جامع وليس حولها قرية يجمع فيها فإنه يجب عليهم أن يصلوا الجمعة فينصبوا إماماً يخطب فيهم ويصلى فيهم صلاة الجمعة ومثل هذه المسألة ينبغي أن ترفع إلى الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لأن مثل هذه المسائل هم الذين يبتون فيها.
***
(8/2)

يوجد لي أقارب في البادية البر وقد دعوني لوليمة عرس عندهم وكان ذلك في الجمعة بعد صلاة الظهر وقد احترت في ذهابي إليهم لعدم وجود مسجد للجمعة أو حتى للصلاة لأنهم بادية يصلون في الخلاء ولا جمعة عندهم فذهبت لإجابة الدعوة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعيتم فأجيبوا ولكني لم أحضر لصلاة الجمعة للسبب المذكور فهل علينا في ذلك وزر أرجو لكم الثواب من الله تعالى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان خروجك إليهم قبل دخول وقت الجمعة فلا حرج عليك وإن كان بعد دخولها بعد الأذان الثاني فإنه حرامٌ عليك لأن الله يقول (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) ويمكنك أن تصلى الجمعة ثم تخرج إليهم فإما أن تنبههم من الأصل وتقول لهم أنا لا أخرج إلا بعد الصلاة وإما أن تخرج فإذا أتيت وهم قد انتهوا من الطعام فقد قمت بالإجابة المهم أنه لا يجوز لك أن تخرج إليهم بعد وجوب حضور الجمعة وذلك بندائها وأما إذا كان قبل ذلك فلا حرج عليك لا سيما إذا كان يترتب على ترك إجابتهم مفسدة كالاشمئزاز والنفور وقطيعة الرحم.
***
(8/2)

حدثونا حفظكم الله عن فضل التبكير لصلاة الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التبكير في صلاة الجمعة بينه الرسول عليه الصلاة والسلام (بأن من اغتسل في بيته ثم خرج وراح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة) هكذا بينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإني أحث إخواني المسلمين على التبكير للجمعة لينالوا هذا الثواب وينتفعوا بتبكيرهم بالصلاة وقراءة القرآن والذكر وأن يغتسل الإنسان لهذه الصلاة والغسل لها واجب لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) وأن يتطيب الإنسان بأطيب ما يجد وأن يلبس أحسن ثيابه لأن هذه الصلاة. عيد فإن يوم الجمعة عيد الأسبوع وهو ما فضلنا الله به على اليهود والنصارى فكان لنا الجمعة وكان اليهود والنصارى لنا تبعا فلليهود السبت وللنصارى الأحد نسأل الله تعالى الذي فضلنا على هذه الأمم أن يجعلنا هداة مهتدين وصالحين ومصلحين وأن يجعلنا ممن يجاهد في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا حتى نعلو على هؤلاء الكافرين الظالمين الضالين.
***
(8/2)

هل هناك دعاء معين وارد أو ذكر معين يقوله المصلى بين خطبتي الجمعة وهل ورد أن خطيب الجمعة يدعو بين الخطبتين أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس هناك ذكر مخصوص أو دعاء مخصوص لكن يدعو الإنسان بما أحب وذلك لأن هذا الوقت وقت إجابة فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر (أن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه) وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى أنها (ما بين خروج الإمام يعني دخوله المسجد إلى أن تقضى الصلاة) فهذا الوقت وقت إجابة فينبغي للإنسان أن يستغل الفرصة بالدعاء بين الخطبتين بما يشاء من خيري الدنيا والآخرة وكذلك يقال بالنسبة للإمام إنه يدعو بين الخطبتين لكن دعاءً سريا بما يريده من أمر الدنيا والآخرة وكذلك أيضا في صلاة الجمعة في السجود بعد أن يذكر الأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بما شاء وكذلك أيضا في التشهد يدعو قبل السلام بما شاء بعد أن يدعو بما ورد الأمر بالدعاء به.
***
(8/2)

البعض يدعو بين الخطبتين إذا جلس الإمام ويرفع يديه ما حكم ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الدعاء في هذا الوقت فإنه خيرٌ ومستحب لأن هذا الوقت وقتٌ ترجى فيه الإجابة فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر (أن في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلى يدعو الله تعالى إلا استجاب له) وساعة الصلاة هي أقرب الساعات لأن تكون هي ساعة الإجابة لما رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (هي ما بين أن يخرج الإمام إلى أن تقضى الصلاة) فعلى هذا فينبغي أن ينتهز الفرصة فيدعو بين الخطبتين وأما رفع اليدين بذلك فلا أعلم به بأساً لأن الأصل في الدعاء أن من آدابه رفع اليدين فإذا رفع الإنسان يده فلا حرج وإذا دعا بدون رفع يد فلا حرج وهذا في الدعاء الذي بين الخطبتين أما إذا دعا الإمام في الخطبة فإنه لا يسن للإمام ولا للمأمومين أن يرفعوا أيديهم إلا في حالين.
الحال الأولى الاستسقاء إذا دعا خطيب الجمعة بالاستسقاء أي بطلب نزول المطر فإنه يرفع يديه ويرفع الناس أيديهم الثاني الاستصحاء يعني إذا دعا خطيب الجمعة بالصحو وأن الله يبعد المطر عن البلد فإنه يرفع يديه كذلك كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال (دخل رجلٌ يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يديه ورفع الناس أيديهم وقال اللهم أغثنا اللهم أغثنا اللهم أغثنا قال أنس فوالله ما في السماء من سحابٍ ولا قزعة) أي من سحابٍ واسع ولا قزعة أي قطعة غيم (وما بيننا وبين سلعٍ من بيتٍ ولا دار) وسلعٌ جبيل في المدينة تظهر من نحوه السحاب يقول (فنشأت من ورائه سحابة مثل الترس وارتفعت في السماء فلما توسطت انتشرت ورعدت وبرقت وأمطرت فما نزل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المنبر إلا والمطر يتحادر من لحيته وبقوا على هذا أسبوعاً كاملاً والمطر ينزل فلما كانت الجمعة الأخرى دخل رجلٌ أو الرجل الأول فقال يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله يمسكها عنا فرفع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يديه وقال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر وجعل يشير إلى كل ناحية وما أشار إلى ناحية من السماء إلا انفرجت وأصحت السماء فخرج الناس يمشون في الشمس) ففي هذين الموضعين يرفع الخطيب يديه في الدعاء في الاستسقاء والاستصحاء وأما في غير ذلك فلا يرفع يديه لأن الصحابة رضي الله عنهم أنكروا على بشر بن مروان حينما رفع يديه بالدعاء حال الخطبة وكذلك الناس لايرفعون أيديهم في خطبة يوم الجمعة لأن ذلك ليس مشروعاً لهم فهم تبعٌ لإمامهم فإذا لم يكن مشروعاً للإمام الخطيب فإن المستمعين كذلك لا يشرع لهم رفع اليدين في حال الخطبة.
***
(8/2)

إذا جلس الإمام أثناء الخطبتين هل هناك دعاء يقوله المأموم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا ليس هناك دعاء معين لكن ينبغي أن ينتهز الفرصة في هذا الوقت فيدعو لأن ساعة الإجابة يوم الجمعة أحرى ما تكون إذا حضر الإمام حتى تقضى الصلاة.
***
(8/2)

لدينا خطيب يا فضيلة الشيخ كثيراً ما يستخدم في خطبه يوم الجمعة أثناء ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم قول حبيب الله فهل في هذا شيء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حبيبٌ إلى الله ولا شك ولكن خيرٌ من أن نقول إنه حبيب الله أن نقول إنه خليل الله لأن الخلة أعلى أنواع المحبة فإذا وصفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحبيب نزلته من مرتبة الخلة إلى المحبة فالأولى أن نقول خليل الله لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) ويدلك على أن الخلة أعلى من المحبة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكرخليلاً ولكن أخوة الإسلام ومودته) مع أن أبا بكر حبيب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وهو أحب الرجال إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وعائشة حبيبة الرسول عليه الصلاة والسلام وزيد بن حارثة حبيب الرسول وأسامة بن زيد حبيب الرسول وكل الصحابة أحباء للرسول عليه الصلاة والسلام ولكن لم يتخذ واحداً منهم خليلاً لأن الخلة أعلى أنواع المحبة والرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن تكون خلته لله سبحانه وتعالى ويدل لذلك أيضاً أن محبة الله للمؤمنين عامة فالله يحب المؤمنين ويحب المتقين ويحب المقسطين ويحب الصابرين ولكن لا نعلم أنه اتخذ خليلاً إلا محمداً صلى الله عليه وسلم وإبراهيم وبهذا تبين أن الذين يصفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبيب الله ويدعون الخلة أن فيهم نوعاً من التقصير وأن الأولى أن يصفوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بخليل الله عن حبيب الله ومعلومٌ أن الخلة إذا ثبتت فالمحبة من باب أولى.
***
(8/2)

السائل أحمد عباس من السودان يقول فضيلة الشيخ في صلاة الجمعة ماحكم الدعاء في نهاية الخطبة قبل الصلاة أقصد بالدعاء دعاء الإمام وما هو الدليل في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء يوم الجمعة بين الخطبتين لا بأس به بل هو خير لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر أن (في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه وهي من خروج الإمام يعني دخول المسجد إلى أن تقضى الصلاة) فالدعاء بين الخطبتين دعاء في ساعة ترجى فيها الإجابة وكذلك الدعاء في الصلاة صلاة الجمعة وأما الدعاء بعد الخطبة الثانية فليس بمشروع لأن ما بعد الخطبة الثانية إقامة الصلاة ثم الصلاة وليس في هذا الوقت دعاء والدليل على ذلك أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يدعو في هذا الموضع وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينقل عنه ذلك صار تركه من السنة ثم إن الإنسان إذا انشغل بالدعاء في هذا الوقت انشغل عن ملاحظة تسوية الصفوف والتراص فيها وما أشبه ذلك وتسوية الصفوف من تمام الصلاة حتى قال بعض أهل العلم أن التسوية واجبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم حذر منها وقال (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) والقول بوجوب تسوية الصفوف قول قوي لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يهدد بمثل هذا الأمر العظيم إلا في ترك الواجب لكن هل يقال ببطلان الصلاة إذا لم يسوّ الصف يحتمل أن يقال بذلك ويحتمل أن يقال إنها لا تبطل لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (تسوية الصفوف من تمام الصلاة) أو قال (من إقامة الصلاة) ثم إن هذا واجب للصلاة وليس واجبا فيها فالأقرب هو أن من لم يقم الصفوف فهو آثم ولكن صلاته صحيحة وأما التشاغل بالدعاء في هذا الوقت فيستلزم التشاغل عن إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها وإكمال الأول فالأول.
***
(8/2)

إطالة الدعاء من الخطيب يوم الجمعة في أثناء الخطبة هل هو وارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم وما الصواب في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل جمعة وهذا أصل في جواز الدعاء في الخطبة يوم الجمعة وأما إطالة الدعاء فهذا على حسب الحال قد تقتضي الحال أن يطيل الإنسان الدعاء كما لو نزلت بالمسلمين نازلة من حروب وفتن وغير ذلك فليطل الدعاء لأن الناس محتاجون إلى هذا وأما إذا لم يكن هناك حاجة فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) أي علامة ودليل على فقهه والإنسان العاقل الحكيم يتوخى ما تقتضيه الحكمة من إطالة أو اختصار وما تقتضيه الحال من إطالة أو اختصار فالناس مثلا في شدة الحر والغم يكون أرفق بهم تقصير الخطبة وفي حال البرد المزعج كذلك يكون الأرفق تقصير الخطبة وفي الأيام المعتدلة كأيام الربيع والخريف تتغير الحال المهم أنه ينبغي للخطيب أن يراعي مثل هذه الأمور حتى تكون خطبته مقبولة وحتى يخرج الناس وهم لم يملوا منها.
***
(8/2)

ما حكم ختم خطبة الجمعة دائماً بالآية الكريمة (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) إلى آخر الآية الكريمة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن لا يديم ذلك لأنه إذا أدام ذلك ظن الناس أن هذا من السنة وليس هذا من السنة وقد قيل إن أول من ختم الخطبة بهذه الآية عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
***
(8/2)

المستمع س. م. ق. من ضواحي مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في السؤال الأول هل صحيح فضيلة الشيخ بأن ختم خطبة الجمعة الثانية بقوله تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا) بدعة كما يقول صاحب كتاب السنن والمبتدعات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن البدعة التي ورد النهي عنها والتحذير منها هي البدعة في الدين والعبادة وهي التعبد لله عز وجل بما لم يشرعه أي بخلاف ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه وأصحابه سواءٌ كان ذلك في العقيدة أو في القول أو في العمل والتزام هذه الآية الكريمة (وَأَقِمِ الصَّلاةَ) في آخر الخطبة الثانية يوم الجمعة من البدع لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعلها وإذا لم يكن يفعلها لا هو ولا أحدٌ من خلفائه وأصحابه فإن التزامها يكون من البدع أما لو قالها الإنسان لمناسبة بحيث يكون موضوع الخطبة قريباً من هذا المعنى وختم الخطبة بذلك فإن ذلك لا بأس به ولا حرج فيه وليس من البدع وهذا أمرٌ ينبغي التفطن له بين الأشياء التي تفعل على وجه الدوام والتي تفعل أحياناً فقد يكون الشيء بدعة إذا فعله الإنسان دائماً وغير بدعة إذا لم يكن يفعله دائماً ولنضرب لهذا مثلاً بصلاة الجماعة في النافلة لو أن الإنسان اتخذ الجماعة سنةً راتبة في صلاة الليل وصار لا يصلى الليل إلا بجماعة لقلنا إن هذا بدعة ولو صلى صلاة الليل جماعة أحياناً لقلنا إن هذا لا بأس به وليس بدعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد يصلى معه بعض أصحابه في صلاة الليل كما فعل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه فينبغي أن يعرف الفرق بين الشيء الذي يتخذ راتباً مستمراً وبين الشيء الذي يفعل أحياناً ولا يخالف الشرع والمهم أن التزام الخطيب بختم الخطبة الثانية بهذه الآية الكريمة بدعة كما قال صاحب السنن والمبتدعات.
***
(8/2)

بارك الله فيكم المستمع مصري يقول في هذا السؤال خطيب الجمعة في مسجدنا في آخر الخطبة يقول وأقم الصلاة فهل هذا وارد عن السلف؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم هذا واردا عن السلف أعني قول الخطيب إذا انتهى من الخطبة (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) وعلى هذا فلا ينبغي للإمام أن يقولها ولكن إذا انتهى من الخطبة نزل ثم أقيمت الصلاة كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعله وكذلك خلفاؤه الراشدون وأما هذه الزيادة التي لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الخلفاء الراشدين ولا قالها أحد من الأئمة فإنه ينهى عنها.
***
(8/2)

في خطبة الجمعة ما حكم قول الناس لا إله إلا الله بعد أن يقول الخطيب يوم الجمعة في نهاية الخطبة الثانية فاذكروا الله يذكركم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً لا ينبغي للخطيب أن يتخذ هذا سنة راتبة بمعنى أن يختم بها كل جمعة لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولكن إذا قالها أحيانا وقال المستمعون لا اله إلا الله لكن بدون رفع صوت فلا بأس به.
***
(8/2)

مارأيكم بالنسبة لتطويل الخطبة وقصرها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المشروع في الخطبة أن تكون قصيرة لقول النبي عليه الصلاة والسلام (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنه من فقهه) ولكن الطول والقصر ليس على مزاج الناس فإن من الناس من يحب أن يقتصر الخطيب على كلماتٍ يسيرة وينصرف ومن الناس من يحب أن يطيل ومن الناس أيضاً من لا يمل الناس كلامه ويحبون أن يطيل ومن الناس من يكون بالعكس والمدار في الطول والقصر على ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يخطب الناس أحياناً بسورة (ق والقرآن المجيد) فما كان مثل هذه السورة أو قريباً منها أو زائداً عنها يسيراً فإن هذا قصير وغير ممل لكن أحياناً تدعو الحاجة إلى أن يطيل الخطيب أكثر من ذلك إما لأنه يريد أن يبين أحكاماً شرعية يتصل بعضها ببعض تحتاج إلى تطويل أو لأنه يريد أن يزجر الناس عن أمرٍ وقعوا فيه وهو أمرٌ عظيمٌ كبير فيكرر العبارات ويخالف بين الأساليب حتى يكون ذلك أشد تأثيراً والمهم أن يراعي الإنسان في ذلك ما تقتضيه الحكمة في إلقائه وطول خطبته وقصرها.
***
(8/2)

هناك خطباء يطيلون الخطبة مما يدخل الملل على المصلىن فهل هناك زمن محدد للخطبة والفقرة الأخرى تقول ما رأيكم يا فضيلة الشيخ في الذين يتأخرون عن الصلاة في يوم الجمعة حيث لا يخرجون من الصلاة إلا قبل الواحدة ظهراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تطويل الخطبة على وجهٍ ممل خلاف السنة ودليلٌ على قصر فقه الخطيب لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه) وعلى هذا فالسنة للخطيب أن يقصر الخطبة وأن يقتصر على الأهم والمهم وأن لا يمل الناس لأن إملال الناس يجعلهم يكرهون الخطبة والموعظة أما إذا كان هناك سبب لتطويل الخطبة فإنه لا بأس به والغالب أنه إذا كان هناك سبب لتطويل الخطبة أن الناس يستمعون إليها جيداً ولا يحصل لهم الملل بهذا والإنسان الحكيم يعرف كيف تكون خطبته طويلة أم قصيرة ولكن ينبغي للخطيب أيضاً أن يراعي ما تدعو الحاجة إليه في المواضيع التي يتكلم عنها وأن يكون ذا حكمة فيما يتكلم به فإذا رأى أن الكلام خير تكلم وإذا رأى أن السكوت خير سكت لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) وليعلم أنه قد يكون الكلام حقاً وخيراً لكن ذكره في هذا الوقت غير مناسب أو ذكره في هذا المكان غير مناسب أو ذكره في هذه الحال غير مناسب والحكيم يختار الموضوع الذي يتكلم به ويختار الزمن والمكان الذي يتكلم فيه فلا يتكلم إلا في زمنٍ مناسب ومكانٍ مناسب وفي حالٍ مناسبة وفي موضوعٍ مناسب.
***
(8/2)

يقول السائل في أحد المساجد تخلف الخطيب عن الحضور لصلاة الجمعة وأخذ البعض من المصلىن في الخروج من المسجد يبحثون عن مسجد آخر يصلون فيه صلاة الجمعة بينما جلسنا نحن والبعض من المصلىن حتى جاء موعد الصلاة وصلىنا صلاة الظهر رباعية ما هو الخطأ وما هو الصواب في ذلك جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصواب في ذلك فعل من خرجوا من المسجد ليطلبوا مسجداً آخر إذا كان في البلد مسجد آخر وأما الذين مكثوا فكان الواجب عليهم أن يذهبوا إلى بيت الإمام ويسألوا عنه حتى يأتي فيخطب لأنه قد يكون نائما وليس عنده من يوقظه أو ساهيا ناسيا وليس عنده من يذكره فإن لم يكن فإنه يقوم أحدهم ويخطب بهم خطبتين تحصل بهما الكفاية ثم يصلون جمعة وأما صلاتهم ظهرا مع إمكان إقامة الجمعة فإن ذلك حرام عليهم ولا يحل لهم.
***
(8/2)

يقول لو تعذر على الخطيب يوم الجمعة إكمال خطبته إما لمرض مفاجئ ألم به أو نحو ذلك فماذا يكون على المصلىن في مثل هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: في مثل هذه الحال إذا كان الخطيب قد أتى بما يكفي في خطبته فإن الخطبة تعتبر كاملة فإن كانت الخطبة الأولى قام أحد المصلىن فخطب الخطبة الثانية ثم صلوا وإن كانت الخطبة الثانية صلوا لأن الخطيب أتى بخطبتين من قبل وإن لم يكن أتى بما يكفي من الخطبة الأولى فإنه يقوم أحد الحاضرين ويستأنف بهم الخطبة ويخطب خطبتين ثم يصلى بهم.
(8/2)

فضيلة الشيخ: يعني أنه لابد من إكمال الخطبة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لأن الخطبتين شرط لصحة صلاة الجمعة.
***
(8/2)

إذا أحدث الخطيب وهو يخطب على المنبر يوم الجمعة وكان في الخطبة الأولى أو الثانية هل يكمل الخطبة أو ينصرف ويأمر أحد المصلىن بأن يصلى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يكمل الخطبة ويستمر فإذا أتم الخطبتين نزل وذهب يتوضأ فان كانت الميضأة قريبة إما في المسجد أو في بيت له قريب فإنه يقول للناس انتظروا كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم خرج ليصلى وذكر أن عليه غسلا فقال للناس انتظروا ثم ذهب واغتسل وجاء وصلى بهم فكذلك أيضاً هذا الرجل يقول للناس انتظرواسوف أتوضأ وأرجع فينتظر الناس ولا تقام الصلاة حتي يحضر.
***
(8/2)

ما حكم الإسلام في نظركم في صلاة الجمعة وراء خطيب يمجد نفسه في خطبته جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن هذا الخطيب إذا صح ما نسبت إليه من أنه يمجد نفسه في خطبة الجمعة لا شك أنه أخطأ الطريق والخطيب الذي يكون ناصحاً لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم هو الذي يركز مواضيع خطبته على ما ينفع الناس في أمور دينهم ودنياهم أما من جهة تمجيد النفس فإنه يعتبر من السفه ومن ضعف الشخصية لأن قوة الإنسان وسمعته عند الناس لا تعتمد على كونه يمجد نفسه أو يعظم نفسه والناس ينظر بعضهم إلى بعض بأعين ويسمعون بآذان ويعرفون من يستحق التعظيم والإكرام ومن لا يستحق ولا يزيد هذا الخطيب إذا صح ما نسبته إليه من تمجيد نفسه إلا مهانة وذلاً عند الناس والواجب عليه أن يعدل عن هذا وأن تكون خطبته خطبة توجيه وإرشاد لما فيه خير العباد.
***
(8/2)

السؤال الأخير يقول هل يجوز في يوم الجمعة أن يخطب شخص ويصلي آخر وقد تكون حجة من يفعل ذلك أن هذا خطيب ومستواه الدراسي جيد ولكنه يرتكب بعض المعاصي بينما الإمام الذي يصلى مستقيم وربما قد لا يكون في مستوى ذلك من حيث الدراسة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز في صلاة الجمعة أن يتولى الخطبة واحد ويتولى الصلاة غيره لأنه ليس من شرط صحة الخطبة أن يتولاها من يتولى الصلاة وقد ذكر ذلك أهل العلم رحمهم الله فإذا كان هذا الخطيب أبلغ وأفصح وأعلم فإنه لا حرج أن يتولى الخطبة ويتولى الإمام الراتب الصلاة وهذا يفعل كثيراً لكن هاهنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي أن بعض الناس يتولى رسمياً الإمامة في هذا المسجد سواء كان يصلى فيه الجمعة أو لا يصلى ثم لا يصلى إماماً في هذا المسجد بل يقيم غيره مقامه بنصف الراتب أو بربعه أو بأكثر من ذلك أو أقل فمثل هذا العمل لا يجوز من وجهين الوجه الأول أن فيه أكلاً للمال بالباطل فإن هذا الراتب الذي يأخذه هذا الذي لا يصلى يأكله بغير حق لأن هذا الراتب إنما جعل لمن يكون إماماً في هذا المسجد وهذا الرجل لا يكون إماماً.
وثانياً أن في ذلك خيانة للدولة فإن الدولة إنما كلفتك أنت بشخصك لتكون إماماً في هذا المسجد وقد تقيم فيه من لا ترضاه الدولة وكل عقد يكون المقصود به الشخص العاقد فإنه لا يجوز أن يقيم غيره فيه أو أن يقيم غيره مقامه إلا بعد إذن من تعاقد معه وعلى هذا فأولئك الذين يأخذون مساجد تقام فيها الجمعة ويقيمون غيرهم يصلى الصلوات الخمس فإذا جاءت الجمعة جاؤوا فخطبوا وصلوا هؤلاء آثمون وعليهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل وأن يقوموا بمقتضى العقد الذي تعاقدوا به مع الدولة حتى يبرئوا بذلك ذممهم ويأكلوا مرتباً حلالاً.
***
(8/2)

ما حكم من يخطب يوم الجمعة ثم لا يصلى بالناس؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج أن يخطب رجل ويصلى آخر وهذا يقع كثيرا يكون الإمام الراتب لا يحسن أن يخطب فيوكل أحدا يخطب عنه ثم يصلى هو بالناس ولا بأس بذلك.
***
(8/2)

إذا تناوب شخصان في صلاة الجمعة الأول يخطب بالمصلىن والثاني يقوم بإمامتهم بالصلاة فهل يجوز ذلك؟

افأجاب رحمه الله تعالى: يجوز أن يكون الخطيب شخصا والمصلى شخصا آخر لكن الأفضل أن يكون الإمام هو الخطيب الا أنه أحيانا يتعذر على الإمام الراتب أن يقوم بالخطبة إما لنقص في علمه أو لقصور في تعبيره أو لغير ذلك فيقوم آخر عنه بأداء الخطبة.
***
(8/2)

تقول السائلة سمعت أنه في صلاة الفجر يوم الجمعة من الأفضل قراءة سورة السجدة في الركعة الأولى وسورة الإنسان في الركعة الثانية فهل هذا عامٌ للرجال والنساء ففي بعض الأحيان عندما أقرأ سورة السجدة أنسى بعض الآيات وأقف في نصفها أو في ثلثها فهل يجوز لي أن أجعل المصحف قريباً مني وأفتحه لأقرأ ما نسيت أو أركع حيث أقف وحيثما نسيت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول في الجواب على هذا السؤال ينبغي أن يعلم أن ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام في صلاته من أفعال أو قاله من أقوال فهو مشروع للرجال والنساء والمنفرد والإمام أيضاً حتى يقوم دليلٌ على التخصيص لقول النبي صلى الله عليه وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلى) فهذا الحديث عام وشامل وكل ما قاله رسول الله عليه الصلاة والسلام أو قرأ به أو فعله في صلاته فإن الأصل فيه المشروعية لكل أحد وأما القراءة من المصحف عند خوف النسيان فإن هذا لابأس به فيجوز للإنسان أن يقرأ في المصحف عند خوف نسيان آيةٍ أو غلطٍ فيها ولا حرج عليه.
وليس من المشروع أن يقرأ الإنسان سورة فيها سجدة في صلاة الفجر يوم الجمعة وإنما المشروع أن يقرأ الإنسان في صلاة فجر يوم الجمعة سورة (الم.تنزيل) السجدة وهي التي بين سورة لقمان وسورة الأحزاب يقرؤها كلها في الركعة الأولى وإذا وصل إلى موضع السجدة كبر وسجد وقال سبحان ربي الأعلى وما ورد فيها من ذكر ثم قام مكبراً ليكمل بقية الركعة ويقرأ في الركعة الثانية (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) وهي السورة التي بين سورة القيامة وسورة المرسلات يقرأ هاتين السورتين كاملتين كل سورة في ركعة هذا هو المشروع وليس من أجل السجدة التي في سورة السجدة ولكن من أجل أن هاتين السورتين تضمنتا المبدأ والمعاد مبدأ الخلق ومعاد الناس وجزاءهم وثوابهم ويوم الجمعة هو المبدأ والمنتهى إذ فيه خُلق آدم وفيه أُخرج من الجنة وفيه تقوم الساعة لهذا كان من المناسب جداً أن يقرأ في فجره هاتان السورتان وليُعلم أن بعض الأئمة يُفرطون في هذا فتجد بعضهم يقرأ (الم تَنزِيلُ) السجدة في الركعتين جميعاً وبعضهم ربما يقرأ سورة الإنسان في الركعتين جميعاً وهذا خلاف السنة فنقول إما أن تقرأ كل سورة في ركعة أو تقرأ من غيرهما كما أن بعض الأئمة يقرأ في فجر يوم الجمعة أول سورة الكهف فيظن أنها مشروعة وبعضهم يقرأ في فجر الجمعة سورة الجمعة والمنافقون وكل هذا من الجهل لأن سورة الجمعة والمنافقون إنما تقرأان في يوم الجمعة في صلاة الجمعة لا في صلاة فجر الجمعة ولهذا ينبغي للأئمة أن يتعلموا صفة الصلاة وأحكام الصلاة حتى يكونوا مُصلين بالمسلمين على بصيرة.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم وبارك فيكم سائلٌ يقول يا فضيلة الشيخ شاهدت إماماً في المسجد في صلاة الفجر يوم الجمعة يقرأ السجدة من المصحف ينصفها نصفين فما حكم عمله هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: فجر يوم الجمعة السنة أن يقرأ الإنسان في الركعة الأولى (الم. تَنزِيلُ) السجدة كاملة وفي الركعة الثانية (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) كاملة ولا بأس أن يقرأ في المصحف عند الحاجة إلى ذلك ولكن لا يقسم (الم. تَنزِيلُ) السجدة نصفين لأنه إذا قسمها نصفين فقد رغب عن سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس هو أعلم بمصالح الأمة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإذا كان يريد التأسي بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليتبع السنة أما أن يشطر ما جعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قسماً واحداً فهذا غلطٌ عظيم فنقول اقرأ (الم. تَنزِيلُ) السجدة في الركعة الأولى كاملة واقرأ (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) في الركعة الثانية كاملة فإن لم تفعل فاقرأ سوراً أخرى أما أن تأتي بالسنة وتشطرها فهذا فيه نظرٌ ظاهر قد يقول إن الجماعة إذا قرأت بهم بسورة السجدة كاملة في الركعة الأولى وبسورة الإنسان كاملة في الركعة الثانية تعبوا وملوا نقول الحمد لله من تعب وشق عليه القيام فليجلس ولا يمكن لأحد أن يكره سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن كراهة السنة أعاذنا الله وإياكم من ذلك ليست بالأمر الهين.
***
(8/2)

بعض الناس يقرأ بعد الجمعة بالفاتحة والإخلاص والمعوذتين سبع مرات هل ورد في السنة هذا جزاكم الله عنا خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لم يرد في السنة تكرار قراءة هذه السور والآيات بل إنما ورد في السنة على كلام في الأحاديث الواردة فيها في هذه المسألة قراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس لكن مرة واحدة خلف الجمعة وغيرها من الصلوات المفروضة.
***
(8/2)

بارك الله فيكم السائل رمز لاسمه بأخيكم في الله ع. ح. يقول ما معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم (من مس الحصى فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحصى يعني بذلك الحجارة الصغيرة التي تكون كالحجارة التي ترمى بها الجمرات وكان مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مفروشا بهذه الحجارة ومراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا من مس الحصى أي على وجه العبث واللعب كأن يشتغل أثناء الخطبة بمسح هذا الحصى والكتابة عليه وما أشبه ذلك مما يحصل من العبث فيقول عليه الصلاة والسلام (من مس الحصى - أي على وجه العبث - فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له) ففسر صلى الله عليه وسلم اللغو بأن الإنسان يحرم من فضيلة الجمعة وليس المراد أن صلاته لا تصح ونظير هذا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت ومن لغا فلا جمعة له) والمراد أنه يحرم ثواب الجمعة وليس المراد أن جمعته لا تصح وإنني بهذه المناسبة أحذر مما يتهاون به بعض الناس من الكلام والإمام يخطب يوم الجمعة فإن ذلك من المحرمات وقد شبهه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالحمار يحمل أسفاراً فإن قال قائل إذا كان هناك الإمام يخطب يوم الجمعة ولكني لا أريد الصلاة معه وأريد الصلاة في مسجد آخر فهل يلزمني أن أنصت لخطبته فالجواب لا يلزمك فلو مررت بمسجد يصلى الجمعة وإمامه يخطب وأنت قاصد مسجدا آخر فليس عليك أن تنصت لهذا الخطيب الذي يخطب لأنه ليس الخطيب الذي تريد أن يوجه إليك النصيحة وكذلك لو فرض أنك تنتظر مجيء الإمام إلى المسجد فسمعت مسجدا آخر يخطب فإنه لا يلزمك الإنصات لخطبته لأنك لا تريد أن تتلقى التوجيه من ذاك الخطيب وإنما تريد أن تتلقى التوجيه من خطيب المسجد الذي أنت فيه.
وإنني بهذه المناسبة أقول إن ما يفعله بعض الناس اليوم من رفع الخطبة أو الصلاة من سماعات المنارة حتى يشوش على الآخرين أمر منكر نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين سمع أصحابه وهم يصلون أوزاعا يجهر بعضهم بالقراءة فقال صلى الله عليه وسلم (لا يؤذين بعضكم بعضا في القراءة) وفي حديث آخر (لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة) فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا إيذاء وصدق عليه الصلاة والسلام فإن هذا الصوت الذي يسمع من الخارج يؤذي المصلىن في المسجد الثاني ويشوش عليهم الاستماع إلى إمامهم بل ربما ينصرفون إلى الاستماع إلى هذا الإمام الخارج وينسون الاستماع إلى إمامهم لكون الأول أحسن قراءة وأندى صوتا وهذا إيذاء لإخوانهم المسلمين وقد حذر الله تعالى من إيذاء المؤمنين فقال (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) .
فنصيحتي لإخواني الذين يفعلون ذلك أن يتوبوا إلى الله عز وجل وأن يدعوا التشويش على إخوانهم ولا حرج فيما أرى أن تنقل الإقامة من المنارة لقول النبي عليه الصلاة والسلام (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة) فإن هذا يدل على أن الإقامة تسمع من الخارج أي من خارج المسجد وإن كان بعض الإخوة قد كرهها وقال إن فيها ضررا وهو أن الكسالى إذا قيل لهم قوموا إلى الصلاة بعد الأذان قالوا لم تقم الصلاة بعد سننتظر حتى تأتي الإقامة لكني أرى أنه لا بأس بها إن شاء الله أي لا بأس بنقل الإقامة من على المنارة إن شاء الله تعالى.
***
(8/2)

يقول في الحديث (من مس الحصى فقد لغا) ما معنى هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: معناه أن من مس الحصى الذي فرش به المسجد لأن مسجد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان مفروشا بالحصى أي بالحصباء الصغار فمن مس هذه الحصاة على وجه اللعب والعبث فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي حال استماع الخطبة أن يكون خاشع البدن حاضر القلب منصتا للخطيب تماما ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (إذا قلت صاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) واللاغي هو الذي لا جمعة له ومعنى كونه لا جمعة له أنه يحرم من أجر الجمعة لا أن جمعته تبطل فالأجر المرتب على الجمعة يحرم منه هذا الذي فعل ما يقتضي اللغو.
***
(8/2)

بارك الله فيكم، يقول جاء في حديث نسب إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنه قال (من مس الحصى فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له) ما المقصود بالمس في هذا الحديث؟ وهل الذي يمشى على الحصى بدون حذاء ينتقض وضوؤه؟ وما هي أنواع اللغو؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً قوله صلى الله عليه وسلم (من مس الحصى فقد لغا) يعني في ذلك مس الحصى والإمام يخطب يوم الجمعة، والمراد بالحصى الحصباء التي فرشت على المسجد لأن مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام كان قد فرش بالحصباء فإذا مس هذا الحصى الذي هو الحصباء عبثاً فقد لغا، لأن هذا العبث يلهيه عن استماع الخطبة، واستماع الخطبة واجب، وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت) فكل ما يشغل عن استماع الخطبة يوم الجمعة فإنه لغو، ولكن ما المراد باللغو؟ المراد باللغو ما لا فائدة فيه ولكن هذا في الأصل، ولكن المراد باللغو في الحديث من حُرِم أجر الجمعة وذلك لأن صلاة الجمعة أفضل من غيرها وأعظم أجراً، فإذا لغا الإنسان بالكلام والإمام يخطب أو بمس الحصى والإمام يخطب فقد، فَقَدَ ثواب الجمعة الذي تزيد به على غيرها، وأما قول السائل هل الإنسان إذا مشى على الحصى حافياً ينتقض وضوؤه فالجواب أنه لا ينتقض وضوؤه ولا علاقة للوضوء بالمشي حافياً على الحصى، بل حتى من لغا والإمام يخطب بكلام أو غيره فإنه لا ينتقض وضوؤه بل وضوؤه باق لكن كما قلت يُحْرَم ثواب الجمعة الذي اختصت به من بين سائر الصلوات.
***
(8/2)

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب فما هو الاحتباء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الاحتباء هو أن الإنسان يجلس على إليتيه وينصب ساقيه وفخذيه ويربط نفسه بسيرٍ أو شبهه فينضم بعضه إلى بعض ويكون أكمل راحة وهو إذا فعل ذلك يكون النوم إليه سريعاً فينام عن الخطبة وعن استغلال الوقت بقراءة القرآن أو الصلاة قبل مجيء الإمام ولهذا نهي عنه.
***
(8/2)

هل النهي عن الاحتباء مع الخطبة أم قبلها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: النهي عن الاحتباء لا يختص بالخطبة ولا بغير الخطبة ولكنه ينهى عنه إذا كان الإنسان يخشى أن تنكشف عورته مثل أن يحتبي بإزاره فإنه إذا احتبى بإزاره فربما تنكشف عورته وأما إذا كان لا يخشى انكشاف العورة فإنه لا بأس به لا في أثناء خطبة الجمعة ولا في غيرها.
***
(8/2)

لاحظت في أحد المساجد أشخاصاً يتكلمون والإمام يخطب وهم في مؤخرة المسجد والإمام لا يراهم فهل أشير عليهم بالسكوت أم عليّ أن أتركهم حتى تنتهي الخطبة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الكلام حال الخطبة يوم الجمعة حرام بل إن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالحمار يحمل أسفاراً ولا يجوز أن نسكته بالقول أي لا يجوز أن نقول له أنصت لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) أي فقد فاتك أجر الجمعة ولكن لا حرج أن تنبهم بالإشارة بأن تضع أصبعك على شفتيك إشارة لهم لأنك لم تتكلم وفي منعهم من الكلام حال الخطبة فك شر على غيرهم لأنهم إذا صاروا يتكلمون أثناء الخطبة شغلوا الناس وشوشوا عليهم فإذا سكتوا بالإشارة زال هذا المحظور.
***
(8/2)

هل يجوز تحدُّث بعض المأمومين مع الإمام أو مثلاً إصلاح جهاز مكبر الصوت فيما لو حصل فيه عطل أثناء الخطبة لكي تعم الفائدة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التحدث مع الإمام فيما فيه المصلحة أو الحاجة لا بأس به فللإمام مثلاً أن يقول لمن دخل وجلس قم فصل ركعتين وله أن يقول لمن يتردد بين الصفوف أو يتخطى الرقاب اجلس فقد آذيت وله أيضاً أن يتكلم مع من يصلح جهاز مكبر الصوت إذا حصل فيه عطل أو يتكلم مع إنسان ليفتح الشبابيك إذا حصل على الناس غمٌ وضيق تنفس أو ما أشبه ذلك المهم أن الخطيب له أن يكلم من شاء للمصلحة أو للحاجة وكذلك لغيره أن يكلمه للمصلحة أو للحاجة.
***
(8/2)

بارك الله فيكم هذا السائل عامر أحمد محمد من مكة المكرمة يقول في يوم الجمعة دخلت المسجد للصلاة وقام الإمام يخطب ودخل المسجد أحد المصلين فصلى تحية المسجد ثم جلس بجانبي وسلم علي باليد مصافحاً والإمام يخطب فهل من حقي أن أصافحه باليد وأرد السلام عليه أو أعمل بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم (من مس الحصا فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له) فقد أومأت له برأسي وبعد أن فرغ الإمام من الخطبة سلمت عليه واعتذرت منه وأخبرته بالحديث فهل الحديث صحيحٌ أم ضعيف وهل الحق معي فيما فعلت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإنسان إذا جاء والإمام يخطب يوم الجمعة فإنه يصلى ركعتين خفيفتين ويجلس ولا يسلم على أحد فالسلام على الناس في هذه الحال محرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) وكذلك قال (من مس الحصا فقد لغا) واللاغي معناه هو الذي أتى شيئاً من اللغو وربما يكون هذا اللغو الذي حصل منه مفوتاً لثواب الجمعة ولذلك جاء في الحديث (ومن لغا فلا جمعة له) وإذا سلم عليك أحدٌ فلا ترد عليه السلام باللفظ فلا تقول وعليك السلام حتى لو قاله باللفظ لا تقل وعليك السلام أما مصافحته فإنه لا بأس بها وإن كان الأولى أيضاً عدم المصافحة وغمزه ليشعر أن هذا ليس موضع مصافحة لأن في المصافحة نوعاً من العبث الذي قد يخرج الإنسان عن تمام الاستماع إلى الخطبة وما صنعت من كونك نبهته حين انتهت الخطبة على أن هذا أمرٌ لا ينبغي فهو حسن وليت مثلك كثير فإن بعض الناس يكون جاهلاً في هذا الأمر فيرد السلام أو ربما يتركه ويهجره ولا يخبره إذا انتهى الخطيب لماذا صنع هذا على أن من أهل العلم من قال إن له رد السلام ولكن الصحيح أنه ليس له أن يرد السلام لأن واجب الاستماع مقدمٌ على واجب الرد ثم إن المسلم في هذه الحال ليس له حقٌ أن يسلم لأن ذلك يشغل الناس عما يجب الاستماع إليه فالصواب أنه لا رد ولا ابتداء للسلام والإمام يخطب.
***
(8/2)

إذا سلم عليك الشخص والإمام يخطب ومد يده لك هل تصافحه لأنك تجد حرجاً كبيراً إذا لم تسلم عليه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لك طريقان الأول أن تصافحه بدون كلام والثاني أن تشير إليه بأن الواجب الاستماع للخطبة وأنت انظر الرجل فمن الناس من لا يهتم إذا أشرت إليه أنه لا سلام في الخطبة ويعرف نفسه ويكف ومن الناس من يكون في خاطره فإن كان من النوع الأول تكفيه الإشارة وإن كان من الثاني فمد يدك إليه بدون أن تنطق والكلام يوم الجمعة والإمام يخطب محرم حتى أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شبهه بالحمار يحمل أسفاراً فقال (الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً والذي يقول له أنصت ليست له جمعة) والمعنى يقتضي هذا لأننا لو أبحنا لكل إنسان أن يتكلم ضاعت فائدة الخطبة مع أن الخطبة واجبة وواجب السعي إليها كما قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) .
***
(8/2)

جزاكم الله خيرا يقول هذا السائل هل يجوز تشميت العاطس أثناء خطبة الجمعة والإمام على المنبر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى في أثناء خطبة الجمعة وذلك لأن الإنصات واجب وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) مع أنه نهي عن منكر يتعلق باستماع الخطبة فهو دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يقول لصاحبه يرحمك الله في أثناء خطبة الجمعة.
***
(8/2)

ما الحكم إذا عطس شخصٌ والإمام يخطب وأنت بجانبه فهل يجوز لك أن تشمته أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز لك أن تشمته لأن استماع الخطبة أهم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) مع أن الكلام أثناء الخطبة محرم ومنكر يجب إنكاره لكن لما كان هذا الإنكار يتضمن التشاغل به عن استماع الخطبة دل هذا على أنه لا يجوز للإنسان أن يتشاغل بكل ما يشغله عن استماع الخطبة.
***
(8/2)

ما حكم التسوك والإمام يخطب يوم الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التسوك والإمام يخطب يوم الجمعة إن كان لحاجة كما لو بدأ النعاس فيه فتسوك لطرد النعاس فهذا طيب ويراد به الخير وإن كان لتغير رائحة الفم كما لو ازداد تغير الرائحة بسبب سكوته وتسوك لإزالة الرائحة الكريهة فلا حرج وفيما عدا ذلك لا ينبغي أن يتسوك لأن هذا يشغله عن استماع الخطبة وربما يشغل غيره أيضا ممن يصوب النظر إليه.
***
(8/2)

فضيلة الشيخ ذكرتم في سؤال سابق أنه إذا سمع في الخطبة شيئاً وهو يريد أن يسأل عنه فإنه لا يلزم به، إذاً كأني بأحد المستمعين يقول ما فائدة الخطبة إذا لم نلتزم بها ونطبقها على ما جاءت عليه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الفائدة أن الناس، يستفيدون منها بلا شك ولكن كونها ملزمة لي، لا، لأن المتكلم بالخطبة غير معصوم فقد يخطئ وقد يصيب، وإذا كان الخطيب موثوقا به لدى السامعين فسوف يأخذون كلامه على ما قال، لكن ليس معنى ذلك أنه كالذي يفتي لأن حضوره إلى الرجل واستفتاءه إياه معناه أنه ملتزم بقوله معتقد أنه حق، لكن سماعه لخطيب يخطب أو لواعظ يتكلم ليس معنى ذلك أنه ملتزم بما يقول، بل إذا صار عندي شك فيما يقول فلي أن أسأل، فهذا هو الفرق بين الرجل السامع والرجل المستفتي.
***
(8/2)

إذا قام الخطيب يوم الجمعة وقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فهل نرد عليه السلام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا سلم الخطيب يسلم على جماعة والمسلّم على جماعة يجب عليهم أن يردوا عليه لكن الرد فرض كفاية فإذا رد الصف الأول أو بعضهم وسمعهم الخطيب كفى وهذا إذا كان الإنسان في المسجد أما إذا كان في غير المسجد نظرنا إن كان يريد أن يصلى في هذا المسجد الذي جاء إمامه فليرد عليه وإن كان لا يريد الصلاة فيه فإنه لا يرد لأن الخطيب إنما سلم على من في المسجد وعلى من يريد أن يصلى في هذا المسجد ومن ثم نقول لو أن إنسانا أراد أن يصلى في مسجد غرب البلد ومر بخطيب يخطب في وسط البلد فهل يجب على هذا أن ينصت لخطبة الإمام أو نقول إنه لا يريد الصلاة معه فلا يجب؟ الجواب الثاني أنه لا يجب عليه أن ينصت لهذه الخطبة لأنه لم يرد أن يصلى في المكان الذي فيه خطيبها ولهذا لو باع أو اشترى وهو يستمع إلى خطبة الإمام الذي لا يريد الصلاة معه كان البيع والشراء صحيحا لأن المسجد الذي يريده لم يبدأ فيه الخطيب بالجمعة بل لم ينادَ فيه للجمعة.
***
(8/2)

إذا صعد الإمام المنبر وقال السلام عليكم كما هو معروف يوم الجمعة بصوت مرتفع يرد عليه المؤذن بنفس الصوت بالميكرفون فهل في هذا شيء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أنه لا يفعل لأن السلام ليس على المؤذن وحده بل على الجميع لكن لا بد أن يصدر صوت يسمعه الخطيب ولو من الصف المتقدم يردون عليه أما أن يسكتوا كلهم لا يجيبون الخطيب إجابة مسموعة للخطيب ففي هذا نظر أخشى أن يأثموا جميعا.
***
(8/2)

المستمع. س. س. م. الشهري من تنومة يقول هل يجوز الرد على الخطيب يوم الجمعة إذا أخطأ في آية أو حديث أو الرد على من يرد عليه إن أخطأ أيضاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: في خطبة الجمعة يجب على الحاضرين الإنصات والاستماع إليها ولا يجوز لهم التشاغل عنها بكلام ولا بصلاة ولا بقراءة حتى رد السلام وتشميت العاطس لا يجوز لهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) والذي يتكلم والإمام يخطب يوم الجمعة كمثل الحمار يحمل أسفاراً إلا أنه يجوز للخطيب ولمن يكلم الخطيب لحاجة ودليل ذلك (أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا) فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم بل دعا ودخل رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال له (أصلىت قال لا قال قم فصل ركعتين وتجوز فيهما) وفي هذين الحديثين دليل على أنه يجوز للإمام وللحاضرين أن يتكلموا للمصلحة أو للحاجة وعلى هذا فإذا أخطأ الإمام في قراءة آية من كتاب الله فإنه يرد عليه ولا بأس في ذلك فإن رد عليه أحد فأخطأ في الرد فلغيره أن يرد على الإمام على الوجه الصحيح لا يقصد برده أنه يرد على هذا الذي أخطأ ولكن يقصد برده أن يرد على الإمام على الوجه الصحيح ولا بأس في ذلك.
***
(8/2)

كنا مسافرين ومررنا بقرية لنصلى الجمعة وأثناء بحثنا عن الماء خرج أحد الناس من المسجد ودلنا عليه والإمام يخطب فهل كلامه هذا يعتبر حراماً أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للإنسان حال خطبة الجمعة أن يتكلم مع أحد إلاعند الضرورة مثل أن يرى شخصاً يقع في مهلكة أو نحو ذلك فينبهه لئلا يقع في المهلكة وهذه الصورة التي ذكرها السائل أنهم كانوا يبحثون عن الماء فخرج أحد الرجال من المسجد والإمام يخطب ودلهم على موضع الماء شبيهة بالضرورة لأن هؤلاء محتاجون إلى الطهارة بالماء ولكن لو أن هذا الرجل الذي خرج من المسجد ليدلهم على الماء لو أنه سكت وصار يرشدهم بالإشارة لجمع هنا بين عدم الكلام وبين دلالة إخوانه على موضع الماء فيكون هذا أحسن من كونه يتكلم معهم كلاماً يخشى أن يقع في المحظور إذاً نقول إذا حصلت مثل هذه الحادثة فإن الأولى والأفضل أن يسلك الدليل الذي دلهم على الماء في دلالتهم طريق الإشارة فيشير إليهم بيده فيرشدهم إلى المكان بالاشارة.
***
(8/2)

هل يجوز للمرأة أن تتكلم أثناء خطبة الجمعة أم أن الحكم خاص لمن تجب عليه الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التكلم حال خطبة الجمعة حرام لمن جاء إلى المسجد ليستمع هذه الخطبة أما من كان في بيته وليس من أهل وجوب الصلاة فإنه لا بأس أن يتكلم وكذلك لو كان الرجل قاصدا مسجدا يريد أن يصلى فيه وسمع في مروره إلى مسجده الذي أراد خطيبا يخطب في مسجد غير الذي يريد الصلاة فيه فلا حرج عليه أن يتكلم حينئذ لأنه لا يريد الاستماع إلى خطبة هذا المسجد والمرأة في بيتها لا حرج عليها أن تتحدث وتتكلم والإمام يخطب أما إذا حضرت إلى المسجد وأرادت أن تصلى مع الناس فإنه لا يحل لها أن تتكلم في حال الخطبة لأنه صار لها حكم الحاضرين في هذا المسجد.
***
(8/2)

ذهبنا أنا وأصدقائي للعمرة في رمضان وكان يوم وصولنا إلى مكة يوم جمعة قبل صلاة الجمعة فطفنا حول الكعبة ثم جلسنا لكي نصلى الجمعة وبعدما بدأ يخطب الإمام وفي الخطبة كان بجنبي صديق لي فتكلمت معه لكي أسأله عن بعض ما بقي لنا من مناسك العمرة ولكن لم يرد علي فسكت ولم يكلمني وبعدما رجعنا إلى مدينتنا عرفت أن الذي يتكلم والإمام يخطب لا جمعة له هل علي أن أقضي الجمعة ظهراً أفيدوني أفادكم الله وشكراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الفائدة في هذا أنه لا يجوز للإنسان أن يتكلم والإمام يخطب ومن تكلم والإمام يخطب فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له والمراد بنفي جمعته أن يحرم من ثوابها وفضلها وليس المراد أنه لا تجزئ عنه وعلى هذا فصلاتك الجمعة مجزئة ولا يجب عليك إعادتها بل لا يشرع لك إعادتها لأن المقصود بنفي الجمعة نفي فضلها وثوابها ومع هذا نقول لك أيها الأخ السائل ما دمت جاهلاً بهذا الأمر حينما تكلمت فإنه ليس عليك إثم ولا يفوتك هذا الفضل لأن الله سبحانه وتعالى يقول (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالى قد فعلت كما ثبت ذلك في صحيح مسلم وعلى هذا فجمعتك تامة وقد نلت أجرها لأنك حينما تكلمت مع أخيك كنت جاهلاً بالتحريم.
***
(8/2)

بارك الله فيكم هذا السائل يقول ماحكم التبليغ في صلاة الجمعة وبقية الصلوات الخمس؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التبليغ يعني أن يكبر أحد المأمومين مع الإمام وهو لا بأس به إذا دعت الحاجة إليه فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه خرج إلى الناس وهو في مرضه ووجد أبا بكر يصلى بهم فقام إلى يسار أبي بكر ثم جعل يصلى وأبو بكرٍ يبلغ الناس تكبيره أما إذا لم يكن له حاجة فلا يبلغ بل يكتفى بصوت الإمام.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم هذا السائل يقول خطيب مسجدنا يأتي مبكراً إلى الجامع ويجلس في الغرفة القريبة من المنبر وعندما يدخل الوقت يفتح الباب ويصعد للمنبر أيهما أفضل الجلوس في بيته أم في غرفة المسجد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن يبقى في بيته حتى يأتي وقت الصلاة لأن هذا هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا شك أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيبقى في بيته حتى يأتي وقت الصلاة ثم يأتي فإذا دخل المسجد سلم على من يمر به وإذا صعد المنبر اتجه إلى الناس جميعاً وسلم عليهم.
***
(8/2)

هل الأفضل للإمام يوم الجمعة أن يبكر للمسجد مثل بقية المبكرين من المأمومين أم أن الأفضل البقاء في البيت أو خارج المسجد حتى إذا دخل صعد المنبر ما هو الأفضل والسنة في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل والسنة في ذلك أن يبقى الإمام في بيته أو في أي مكان وأن لا يحضر إلى المسجد إلا عند حضور وقت الصلاة هذا هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا ينبغي العدول عن هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمجرد استحسان الإنسان للشيء فالإمام الذي يبقى ولا يأتي إلى المسجد إلا إذا جاء وقت الصلاة أفضل من الذي يتقدم ويحضر مبكراً.
***
(8/2)

يقول المستمع في هذا السؤال الرسول صلى الله عليه وسلم حث على التبكير لصلاة الجمعة فهل هذا يشمل إمام الجمعة علماً بأن الخطباء لا يأتون إلا عند موعد حلول الخطبة وهل يفوته فضيلة التبكير للمسجد علماً أنه يبكر للجمعة قبل تعيينه إماماً للجامع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحث على التبكير للجمعة إنما يكون للمأمومين فقط أما الإمام فإن السنة في حقه أن لا يأتي إلا عند صعوده إلى المنبر وما يفعله بعض الإخوة من أئمة الجوامع الذين يتقدمون إلى المسجد ويجلسون حتى يحين وقت الخطبة هو اجتهادٌ منهم لكنه اجتهادٌ غير مصيب بل الصواب هدي النبي عليه الصلاة والسلام وما كان عليه من الحق فالسنة في حق الإمام في الجمعة أن يتأخر إلى وقت صعود المنبر والخطبة ثم الصلاة وهذا أفضل من تقدمه لأن ما وافق السنة فهو أفضل على كل حال أما بالنسبة للمأموم فينبغي له أن يبكر ويغتسل في بيته ويتطيب ويتنظف ثم يأتي إلى المسجد ويصلى ما كتب له ثم إن رأى أن الأنفع له أن يستمر في الصلاة حتى يحضر الإمام فليفعل وإن رأى من نفسه مللاً وأن الأنفع له أن يجلس ويقرأ القرآن فليفعل لأن القراءة خيرٌ والصلاة خير والمقصود بالأعمال الصالحة هو صلاح القلب فما كان أصلح للقلب وأنفع وأوفق للشرع فهو أفضل (فمن راح بعد اغتساله في بيته إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة) وهذه الساعات الخمس توزع من طلوع الشمس إلى مجيء الإمام وطولها وقصرها يختلف باختلاف الوقت فتطول في زمن الصيف وتقصر في زمن الشتاء وإنني بهذه المناسبة أحث إخواني المسلمين على أن يأتوا في يوم الجمعة بما ينبغي لهم أن يأتوا به وأن لا يحرموا أنفسهم الخير الكثير بإضاعة الوقت والتسكع بالأسواق وتضييع الوقت بالكلام الفارغ فإن يوم الجمعة يومٌ عظيم أضل الله عنه اليهود والنصارى وهدى هذه الأمة إليه فلا ينبغي لهذه الأمة أن تضيع فرصة الثواب فيه كما أنبه إخواني الحريصين على التقدم أن يحذروا أن يكون تقدمهم بعصيهم أو مناديلهم كما يفعله بعض الناس تجده يضع منديله أو عصاه في الصف الأول ثم يذهب إلى بيته يتمتع بدنياه أو إلى دكانه للبيع والشراء فإذا قارب مجيء الإمام جاء إلى المسجد فإن هذا حرام ولا يحل لهم لأنهم يتحجرون أمكنةً غيرهم أولى بها منهم فإن المكان للمتقدم ببدنه لا للمتقدم بعصاه ومنديله ثم إنهم يأتون أحياناً والصفوف قد اكتملت فيتخطون رقاب الناس ويؤذونهم وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (أنه رأى رجلاً يتخطى رقاب الناس فقال له اجلس فقد آذيت) .
***
(8/2)

المستمع رمز لاسمه بالأحرف (هـ هـ ن) الشهري من تنومة يقول هل يحق للخطيب يوم الجمعة أن يبكر في دخوله المسجد قبل وقت الخطبة ومراده من ذلك مكثه في المسجد وقراءته للقرآن وهل تبكيره ذلك يمنع الملائكة من كتابة الأول فالأول؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المشروع في حق إمام الجمعة أن يتأخر إلى وقت دخول الصلاة ولا ينبغي له أن يتقدم وإنما التقدم مشروع للمأمومين فبقاؤه في بيته حتى يحين وقت الصلاة ثم يأتي فيصعد المنبر هو الأفضل وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لو تقدم إلى المسجد فليس ذلك بحرام عليه وأما من جاء إلى المسجد بعد مجيء الإمام فإنه يكتب له الأجر على حسب ما جاء به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة) هذا إذا جاء إلى الجمعة مغتسلاً لها ولهذا ينبغي بل يجب على القول الصحيح أن يغتسل الإنسان للجمعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أبو سعيد رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) وهذه الكلمة صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم العالم بما يقول وبمدلول ما يقول الناصح لأمته وهي كلمة صريحة واضحة في الوجوب (واجب على كل محتلم) ولهذا (لما دخل عثمان رضي الله عنه وأمير المؤمنين عمر يخطب وقال له في تأخره قال ما زدت على أن توضأت فأتيت فقال له عمر والوضوء أيضاً) وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فعتب عليه عمر رضي الله عنه أن يقتصر على الوضوء ويحضر ولكن هذا الوجوب لا يعني أن صلاة الجمعة لا تصح بدون غسل لأن هذا الغسل ليس عن جنابة فلو أنه صلى الجمعة ولم يغتسل فصلاته صحيحه لكنه آثم لمخالفته لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولما أكد وجوبه بقوله (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ومعنى قوله على كل محتلم أي على كل بالغ وليس المعنى على من احتلم بالفعل لأن من احتلم بالفعل فالغسل واجب عليه لاحتلامه لا ليوم الجمعة وهو واجب عليه أيضاً في الجمعة وفي غيرها إذا احتلم ووجد الماء والحاصل أن الإمام إذا تقدم إلى المسجد قبل مجيء وقت الصلاة فإن فعله خلاف الأفضل وليس بحرام ومن جاء بعد مجيء الإمام هذا في الساعات التي بين فيها النبي عليه الصلاة والسلام الفضل فإنه يكتب له ما جاء في الحديث ولو كان الإمام قد حضر لأن الإمام حضر قبل حضور وقت الصلاة.
***
(8/2)

يتقدم بعض الخطباء والبعض منهم يتأخر فهل هناك وقت محدد لدخول الخطيب إلى المنبر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن الخطيب يحضر إذا زالت الشمس لأن هذا هو وقت صلاة الظهر ورخص بعض العلماء أن يتقدم قبل الزوال بساعة أو ساعتين بل بالغ بعضهم حتى قال إنه يجوز أن يصلى الجمعة إذا ارتفعت الشمس قيد رمح كما تصلى العيد لكن الاحتياط مراعاة الخلاف في هذا وأن لا يتقدم على الزوال ثم إن من الأحسن أن يكون مجيء الخطباء في وقت واحد حتى لا يكون هناك مجال لمبطل متهاون تجده في السوق مثلا والمسجد القريب منه يخطب أو يصلى فتقول له صل فيقول صلىت في المسجد الفلاني فقد يكون صادقا أو كاذبا فلهذا إذا قيل للناس اجعلوا مجيئكم إلى الجامع عند زوال الشمس كان هذا أحسن وأولى بالمسلمين.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم يقول السائل أحياناً يؤذن لصلاة الجمعة قبل الزوال بربع ساعة حين صعود الخطيب المنبر والسؤال هل يجوز أن يصلى أهل الأعذار المرأة والمريض في هذا الوقت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لمن يصلى في البيت أن يصلى قبل الزوال لأن الذين يصلون في بيوتهم تجب عليهم صلاة الظهر وصلاة الظهر لا يدخل وقتها إلا إذا زالت الشمس ولهذا كان الذي ينبغي لأئمة الجوامع أن لا يحضروا إلى الجمعة إلا إذا زالت الشمس حتى إذا أذن يكون بعد دخول وقت صلاة الظهر حتى لا تحصل هذه المشكلة وحضورهم بعد الزوال أفضل من وجهٍ آخر حيث إن بعض أهل العلم يقول الجمعة لا تصح قبل الزوال لا صلاتها ولا خطبتها فيكون في تأخير مجيئه إلى الزوال مصلحةٌ ثانية وهي الاحتياط من خلاف بعض العلماء ثم إن أئمة الجوامع إذا اجتمعوا على وقتٍ معين صار هذا أضبط للناس فإن بعض الناس الذين لا يهمهم أن يصلوا الجمعة يفتحون دكاكينهم قبل أن تنتهي الجمعة في هذا المسجد وإذا قيل لهم لماذا قالوا إنا صلىنا في مسجدٍ آخر فالذي أرى أن يتفق أئمة الجوامع على الحضور عند الزوال.
***
(8/2)

الخطيب يوم الجمعة هل يجوز له صلاة تحية المسجد ويجلس أو يصعد إلى المنبر مباشرةً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسألة نجيب عنها على وجهين.
الوجه الأول أن بعض أئمة الجوامع يتقدمون ويأتون في الساعة الأولى أو الثانية رجاء أن يصيبوا أجر من تقدم ثم يصلون ما شاء الله ثم يجلسون إلى أن تزول الشمس ثم يقوم فيصعد المنبر وهذا اجتهادٌ لكنه خلاف الصواب فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يأتي يوم الجمعة ويجلس ينتظر الزوال ثم يقوم فيسلم على الناس بل كان عليه الصلاة والسلام يأتي حين الزوال أو حين يريد أن يخطب دون أن يتقدم.
الوجه الثاني أن الخطيب إذا دخل في الوقت الذي يريد أن يخطب فيه فإنه لا يصلى ركعتين بل السنة أن يتقدم إلى المنبر ويصعد إلى المنبر ويأتي بالخطبة قال أهل العلم ويسلم على المأمومين إذا دخل أي على من حول الباب ويسلّم كذلك إذا صعد المنبر على عموم الجماعة.
***
(8/2)

هذه رسالة وصلت من المستمع فلاح مهدي من العراق يقول في هذا السؤال في يوم الجمعة وبعد صلاة العصر يقوم إمام المسجد بعمل الختم وهو أن يجلس في الوسط ويجتمع من حوله المصلون ثم يبدأ ويقول أستغفر الله ثلاث مرات ويقرأ الفاتحة ست مرات ويصلى على الرسول صلى الله عليه وسلم عشر مرات فهل هذا عمل جائز أم أنه بدعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل بدعة بلا شك وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول على المنبر وهو يخطب الناس (أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) وصح عنه أنه قال (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجد وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) فكل عبادة يتعبد بها الإنسان إلى الله فإنه لابد فيها من أمرين.
الأول الإخلاص لله عز وجل.
والثاني المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتحقق المتابعة إلا إذا كانت العبادة التي يتعبد بها موافقة للشرع في سببها وجنسها وقدرها وكيفيتها وزمانها ومكانها، وهذه العبادة أو الذكر الذي ذكره السائل لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام لا في زمنها ولا في كيفيتها فهي بدعة يجب على من فعلها أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يستغني بما شرع الله عما ابتدعه هذا وأمثاله فإننا عبيد لله عز وجل وإذا كنا عبيداً له فلا ينبغي لنا عقلاً ولا يسوغ لنا شرعاً أن نعدل عن الطريق التي رسمها للوصول إليه إلى طريق أخرى نتخذها من أهوائنا والله المستعان.
***
(8/2)

إذا أذن الأذان الأول لصلاة الجمعة جاء قارئ وجلس بالمسجد وأخذ يقرأ القرآن بصوت مرتفع والبقية يستمعون، وهناك من يجيد القراءة لكنه لا يقرأ، هل هناك توجيه في هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوجيه في هذا أنه لا ينبغي هذا العمل لأنه بلا شك يؤلمنا ويشوش عليهم، وكثير من الناس يود أن يتطوع بالصلاة أو يقرأ خاصة لنفسه ثم يشغله هذا الصوت المرتفع ويشوش عليه، فهو داخل في النهي الذي ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
***
(8/2)

المستمع عبد الرحمن إبراهيم أحمد من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية يقول في يوم الجمعة عندنا يقوم بعض الناس بالتسبيح ويقولون الصلاة وألف سلام يا سيدي يا رسول الله ويستدلون لهذا بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) الخ الآية فكيف نرد على مثل هؤلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول لهؤلاء ما ذكرتم من الآية (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) ما ذكرتموه من الآية دليل عليكم وليس دليلاً لكم لأن الله عز وجل أمر بالصلاة والسلام على نبيه كل وقت ولم يخص ذلك بيوم الجمعة وأنتم جعلتم هذا في يوم الجمعة فقط ثم إن الله عز وجل لم يأمر بأن نصلى ونسلم عليه مجتمعين وأنتم جعلتم الصلاة والسلام عليه مجتمعين فخالفتم الآية حيث خصصتموها بيوم معين وبصفة معينة والواجب علينا أن نطلق ما أطلقه الله وأن نقيد ما قيده الله وأن لا نتجاوز ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة ونصيحتي لهؤلاء الإخوة أن يتقيدوا بما جاء به الشرع من العبادات كمية وكيفية ونوعاً ووقتاً ومكاناً لأن من شرط صحة العبادة وقبولها أن تتضمن أمرين.
الأمر الأول الإخلاص لله عز وجل.
والأمر الثاني المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودليل الأمر الأول قوله تعالى (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) وقوله (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ودليل الثاني قوله صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد أو من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ولا تتحقق المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم إلا أن تكون العبادة موافقة للشرع في أمور ستة في سببها وجنسها وقدرها وكيفيتها وزمانها ومكانها فإذا خالفت العبادة أحد هذه الأمور الستة لم تتحقق فيها المتابعة وكانت باطلة.
***
(8/2)

يوجد لدينا مسجد ونصلى فيه الجمعة ولكن رأيت فيه عادات لم أرها وهي أن الإمام يقوم بأداء الصلاة الإبراهيمية هو وجميع من في المسجد وبصوت عالٍ وبشكل جماعي وذلك قبل الخطبة فهل هذا جائز أم لا ثانياً يقرؤون آية الكرسي ويسبحون ويهللون بصوت عالٍ وبشكل جماعي أيضاً ويختمون بالفاتحة على روح النبي صلى الله عليه وسلم وقد نصحتهم وقلت لهم إن هذا لا يجوز فقال لي إمام المسجد إنها سنة أو مستحبة فطلبت منه الدليل ولكنه رفض ذلك فنرجو منكم يا فضيلة الشيخ الإجابة الشافية والتوضيح لنا ولهم مع العلم بأنني ولله الحمد مستقيم ومتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعيداً عن الخرافات والاعتقادات الباطلة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال تضمن عدة مسائل المسألة الأولى الصلاة الإبراهيمية قبل الخطبة من الإمام ومن في المسجد بصوت جماعي والصلاة الإبراهيمية هي (اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صلىت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) وهذه الصلاة الإبراهيمية إذا أتى بها الإنسان كما وصف السائل قبل الخطبة بصوت جماعي فقد فعل بدعة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام محذراً أمته (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) والمشروع في المسجد قبل مجيء الإمام أن يشتغل بالصلاة وقراءة القرآن والذكر كل على انفراده دون أن يجتمعوا على ذلك وأما الإمام فالمشروع في حقه إذا دخل أن يسلم أولاً على من هم حول الباب ثم يصعد المنبر ويتوجه إلى الناس فيسلم عليهم عامة ثم يجلس حتى فراغ الأذان ثم يقوم فيخطب الخطبة الأولى ثم يجلس ثم يخطب الخطبة الثانية ثم ينزل فيصلى بالناس هذا هو المشروع للإمام في يوم الجمعة ولا ينبغي للإمام أن يتقدم إلى المسجد قبل حلول وقت الخطبة والصلاة كما يفعله بعض الناس المحبين للخير الذين يرغبون في السبق إلى الطاعات وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل هذا ولم يكن يتقدم إلى المسجد في يوم الجمعة لينتظر الخطبة والصلاة وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم والذي ينبغي للإنسان أن يكون متحرياً هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الجماعة الذين ينتظرون الإمام فإنهم كلما تقدموا إلى الجمعة كان ذلك أفضل كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (أن من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الخامسة فكأنما قرب بيضة) .
وأما المسألة الثانية فيما تضمنه هذا السؤال فهي قراءة الفاتحة والذكر بعد الصلاة وقراءة آية الكرسي بصوت مرتفع جماعي وهذا أيضاً من البدع فإن المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم بعد الصلاة يذكرون الله تعالى بصوت مرتفع ولكن كل واحد منهم يذكر الله تعالى على انفراده دون أن يشتركوا فرفع الصوت بالذكر بعد صلاة الجمعة أو غيرها من الصلوات المفروضة سنة كما صح ذلك في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأما قراءة الفاتحة سواء كان ذلك سراً أو جهراً فلا أعلم فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ورد الحديث بقراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين فقط.
***
(8/2)

عندنا في صلاة الجمعة وقبل دخول الإمام إلى المنبر يقرأ أحد القراء ما يتيسر من القرآن والجميع ينصتون فهل هذا وارد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا ليس بوارد فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أن أحداً من الناس يقرأ والباقون يستمعون وهم في انتظار صلاة الجمعة ولا ينبغي للإنسان أن يفعل ذلك لأن هذا بدعة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولأن هذا يشوش على الآخرين ولاسيما من دخل وصلى تحية المسجد فإنه سوف يلحقه من التشويش ما يجعله لا يستحضر ما يقول ويفعل في صلاته وهذا أذية للناس وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ذات يوم وهم يصلون في المسجد ويجهرون فقال عليه الصلاة والسلام (كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة) والمهم أن ما ذكره السائل بدعة وأنه لا يجوز لأحد أن يؤذي المصلىن في هذا أو غيره.
***
(8/2)

المستمع حميد يقول بعض الناس يصلون الظهر بعد فريضة الجمعة ما رأيكم في ذلك وما حكم الشرع في هذا العمل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة بدعةٌ منكرة ليست مشروعة لا بكتاب الله ولا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بسنة الخلفاء الراشدين من بعده وعلى هذا فينهى الإنسان عن صلاتها بعد الجمعة ويقال أين الدليل من كتاب الله وسنة رسوله على أن الإنسان يلزمه أن يصلى فريضتين في وقتٍ واحد فهل فرض الله على عباده جمعةً وظهراً أبداً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) ويوم الجمعة ليس فيه إلا صلاة الجمعة فقط وأما الظهر ففي بقية الأيام وعلى هذا فينبغي على من رأى أحداً يفعل ذلك أن يناصحه ويبين له أن هذا بدعة حتى لا يفعله مرةً أخرى ويقول له أنت الآن إذا فعلت ذلك فإنه لا يزيدك قربةً من الله لأنك قمت بما لم يشرعه الله لك ولا رسوله فسلم ودع التعب والنصب يسلم دينك.
***
(8/2)

هل هناك صلاة ظهر بعد صلاة الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس هناك صلاة ظهر بعد صلاة الجمعة إلا من فاتته صلاة الجمعة مع الإمام فإنه يجب أن يصلى ظهرا أما من أدرك الجمعة مع الإمام فإنه ليس عليه صلاة الظهر بل إعادة صلاة الجمعة ظهرا من البدع المحدثة التي لم تكن معروفة في عهد الصحابة رضي الله عنهم ولم يفرض الله سبحانه وتعالى على عباده أن يصلوا مرتين في الوقت الواحد فالوقت الواحد ليس فيه إلا فريضة واحدة وفي يوم الجمعة ليس على الإنسان في وقت الظهر إلا صلاة الجمعة أو صلاة الظهر إن فاتته وأما أن تقام صلاة الجمعة ثم تقام بعدها الظهر فإن هذا بدعة لا أصل له في شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن بعض أهل العلم قال بوجوب ذلك لأنهم يرون تحريم تعدد الجمعة وأنه إذا جهل أي الجُمَع أوّل صارت كل الجمع غير صحيحة فإذا صلىت وجب أن تصلى بعدها الظهر احتياطا ولكن هذا نظر غير صحيح وذلك أن الواجب أن لا تقام الجمعة في أكثر من مسجد واحد إلا عند الحاجة أو الضرورة فإذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى ذلك فلا بأس من تعدد الجمعة في البلد الواحد بحسب الحاجة أو الضرورة وأما من دون حاجة ولا ضرورة فإنه يحرم أن تقام الجمعة في بلد واحد على وجه التعدد ولكن إذا كان الواقع هو هذا وكان لابد من إقامة الجمعة في أمكنة متعددة بدون حاجة كما هو الواقع في كثير من البلاد الإسلامية فإن الذنب هنا ليس ذنب المأمومين وإنما الذنب ذنب المسؤولين عن المساجد وأئمتها ومؤذنيها ومصالحها وهم الذين يحكمون في هذا ويمنعون ما لا تدعوا الحاجة إليه من الجمع ويقولون للناس اجتمعوا في مسجد واحد على إمام واحد بقدر الإمكان هذا هو الواجب على المسؤولين عن المساجد وأئمتها ومصالحها.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم هل صحيح إذا وافق يوم العيد الجمعة أن صلاة العيد تغني عن صلاة الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم تغني عن صلاة الجمعة من صلى العيد مع الإمام أما الإمام نفسه فيجب عليه أن يقيم صلاة الجمعة ويكون من حضر صلاة العيد له الخيار إن شاء حضر الجمعة وإن شاء صلى ظهراً وأما من لم يحضر العيد فيجب عليه أن يحضر صلاة الجمعة فتبين الآن أن الإمام لا تسقط عنه صلاة الجمعة لا بد أن يقيم صلاة الجمعة لكن المأمومين هم الذين يفصل فيهم فيقال من حضر صلاة العيد مع الإمام فله أن يحضر الجمعة معه وهو الأفضل وله أن يصلى ظهراً في بيته ولكن لا تقام صلاة الظهر في المساجد وأما من لم يحضر صلاة العيد مع الإمام فإنه يجب عليه أن يحضر صلاة الجمعة.
***
(8/2)

بارك الله فيكم حمادي من المغرب يقول فضيلة الشيخ إذا وافق العيد يوم الجمعة هل تسقط عني صلاة الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا وافق العيد يوم الجمعة فإنه يجب على أهل البلد أن يقيموا الجمعة فتكون الجمعة فرض كفاية ولا تجب على من حضر صلاة العيد ولكن يجب عليه أن يصلى الظهر لأنه فرض الوقت أما من لم يصل مع الإمام صلاة العيد فإنه يجب عليه حضور الجمعة فصلاة الجمعة في حق الإمام ومن تحصل به الكفاية فرض وأما من سواهم ممن حضر صلاة العيد مع الإمام فهو مخير إن شاء حضر إلى الجمعة وهو أفضل وإن شاء صلى ظهرا.
***
(8/2)

بارك الله فيكم الأخ فهد الصعب من القصيم يقول ما حكم الشرع في نظركم في تعدد الجوامع في الحي الواحد مما يؤدي إلى قلة المصلىن في هذه المساجد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي نرى أنه لا تجوز إقامة الجمعة في أكثر من مسجد واحد إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك كتباعد البلد أو ضيق المسجد أو خوف الفتنة أو ما أشبه ذلك وقد نص على ذلك أهل العلم رحمهم الله وأخص بذلك فقهاء الحنابلة لأن تعداد الجمعة لغير حاجة مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجمع في عهده إلا جمعة واحدة بل إن تعدد الجمعة لم يحصل إلا في القرن الثالث الهجري كما ذكر ذلك بعض أهل العلم ولأن تعدد الجمعة بدون حاجة يؤدي إلى فوات ميزتها على غيرها فإن صلاة الجمعة كاسمها لا بد فيها من اجتماع فإذا توزعت في المساجد لم يكن بينها وبين غيرها فرق فيفوت بهذا التعدد مقصود الجمعة وهو اجتماع الناس على إمام واحد وائتلافهم ومن مفاسد التعدد أنه يكون فتح باب للكسلان لأن الغالب أن الجمعة لا تتحد في فعل الصلاة ابتداء وانتهاء فربما يكون هذا حجة للمتكاسل أن يتأخر عن الجمعة وإذا قيل لماذا قال لأني صلىت في مسجد آخر ولأن هذا يؤدي إلى تفريق المسلمين وتوزيعهم في يوم عيدهم عيد الأسبوع وهذا ينافي ما تقتضيه الشريعة من الائتلاف والاجتماع والمخاطب في هذا ولاة الأمور الذين لهم ولاية على المساجد أما عامة الناس فلا حرج عليهم إذا صلوا في واحد من هذه الجوامع.
***
(8/2)

هل يجوز للمصلى في يوم الجمعة أن يترك المسجد الموجود في منطقته ويذهب إلى مسجد آخر بعيد المسافة وذلك لكون الخطيب الثاني لديه اطلاع واسع في أمور الدين وكذلك لديه أسلوب جيد في إلقاء الخطبة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الأحسن أن يصلى أهل الحي في مسجدهم للتعارف والتآلف بينهم وتشجيع بعضهم بعضاً وتطييب قلب الإمام الذي يصلى بهم فإذا ذهب أحد إلى مسجد آخر لمصلحة دينية كتحصيل علم أو استماع إلى خطبة تكون أشد تأثيراً وأكثر علماً فإن هذا لا بأس به وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يأتون يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده لإدراك فضل الإمام وفضل المسجد ثم يذهبون يصلون في أهل حيهم كما كان معاذ رضي الله عنه يفعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلم ولم ينكره صلى الله عليه وسلم.
***
(8/2)

بارك الله فيكم هذا مستمع للبرنامج سوداني يعمل في المملكة يقول يوجد في قريتنا مسجد تقام فيه صلاة الجمعة ولكن بعض الإخوان يفضلون الذهاب إلى مسجدٍ في قريةٍ أخرى تبعد حوالي ثلاثين كيلومتر واعترض عليهم البعض من الإخوان بأنه (لاتشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) كما هو معروف نرجو الإيضاح والتفصيل مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن هؤلاء الجماعة الذين يذهبون إلى مسجد خارج البلد لا يقصدون المسجد نفسه وإنما يقصدون ما يحصل لهم من العلم والمنفعة والموعظة بخطبة هذا الخطيب الذي يخطب في المسجد الذي يذهبون إليه وليس هذا من باب شد الرحل إلى مساجد غير المساجد الثلاثة بل هو من شد الرحل إلى العلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) فذهابهم إلى هذا الخطيب من أجل انتفاعهم بخطبته بالموعظة وبيان الأحكام الشرعية ليس من باب شد الرحل إلى المسجد لأن المقصود بشد الرحل إلى المسجد أن يشد الإنسان الرحل إلى نفس المسجد والبقعة فيجب معرفة الفرق بين هذا وهذا فعليه نقول إن فعلهم هذا لا بأس به بل إذا كانوا قد قصدوا فيه العلم يكون مطلوباً مأموراً به كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) .
***
(8/2)

إذا أقيمت جمع متعددة لغير حاجة فهل يصح ذلك حيث إن في منطقتنا جمعاً كثيرة وبعض الأحيان يصلونها ظهراً لعدم وجود إمام للمسجد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من حكمة الله تعالى أنه سبحانه وتعالى جعل لعباده اجتماعات متعددة فمنها اجتماعات الحي في الصلوات الخمس في مسجد واحد ومنها اجتماعات أهل البلد كلهم في مسجد واحد في يوم الجمعة ومنها اجتماعات عموم المسلمين في مناسك الحج والجمعة اجتماع عام لكل أهل البلد ولهذا خصت بأحكام لا توجد في صلاة الظهر فلا يجوز لأهل البلد أن يجعلوا جمعاً متعددة إلا إذا كان هناك حاجة مثل أن تتباعد جهات البلد فيشق عليهم الذهاب إلى المسجد الواحد أو يكون المسجد ضيقاً لا يتسع للمصلين فيحدثون مسجداً آخر تصلى فيه الجمعة والواجب على المسؤولين أن يبحثوا هذا الأمر في بلدكم وأن يلغوا الجمع الجديدة التي لا حاجة إليها وإلا فإن بعض أهل العلم يقول إنهم إذا صلوا جمعة بدون حاجة فإن الصلاة لا تصح لوجوب اجتماع الناس في مسجد واحد وعلى كل حال فالواجب عليكم الآن أن تتصلوا بالمسؤولين حتى يبحثوا في هذا الأمر ويفعلوا ما يجب عليهم من توحيد الجمعة ما استطاعوا.
***
(8/2)

جزاكم الله خيرا يقول لا يوجد في مدينتنا مسجد جامع معتمد يجتمع فيه الناس لصلاة الجمعة وفي الحي الذي نسكن فيه يوجد ثلاثة مساجد متقاربة كلها تقيم الجمعة فهل صلاتنا جائزة أم أننا يجب أن نجتمع في مسجد جامع جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب أن تجتمعوا في مسجد واحد لأن هذه المساجد متقاربة والأصل في الجمعة ألا تقام في أكثر من موضع إلا لحاجة وعليكم أن تبلغوا وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الموضوع حتى تتمكن من إرشادكم إلى ما يجب فإن لم يتيسر ذلك فصلوا في أي مسجد شئتم إلا أنكم تفضلون المسجد الأول الذي كانت تقام فيه الجمعة أولا لأنه أولى من المسجدين الآخرين حيث إن المسجدين الآخرين هما اللذان حصل بهما المخالفة والخلاصة أنكم تتبعون أولا إبلاغ وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بهذا ثانيا إذا لم يتيسر تغيير الأمر عما كان عليه فصلوا في أول المساجد الذي أقيمت فيه الجمعة.
***
(8/2)

يقول السائل ما حكم تقارب جوامع الجمعة بعضها من بعض؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا موكول إلى الوزارة المعنية بشؤون المساجد والأصل أنه لا يجوز تعدد الجمع إلا لحاجة إما لبعد المساجد بعضها عن بعض وإما لضيقها وإما لخوف فتنة بين القبائل وما أشبه ذلك هذا هو الأصل ولهذا لم يكن تعدد الجمع في صدر الإسلام إلا في القرن الثالث وإلا فالناس كلهم يجمعون في مسجدٍ واحد وهذا هو معنى كون الجمعة عيداً أن الناس كلهم يجتمعون في مسجدٍ واحد حتى يرى بعضهم بعضاً وحتى يكبر الجمع ويكون لهذه الصلاة مزية على غيرها لكن هذا أمرٌ موكول للمسؤولين عن المساجد في الدولة وعليها أن تنظر ما يطابق الشريعة أما عامة الناس فليصلوا في أي مسجدٍ كان من هذه الجوامع.
***
(8/2)

هل يجوز للمرأة صلاة الظهر يوم الجمعة قبل انتهاء الرجال من صلاة الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت صلاة الجمعة قد صلىت قبل الزوال فإنه لا يجوز للمرأة أو لغيرها ممن لا يحضرون الجمعة كالمرضى من الرجال أن يصلوا قبل زوال الشمس لأن وقت الظهر لا يدخل إلا بعد زوال الشمس أما إذا كانت الجمعة لا تفعل إلا بعد الزوال كما هو الكثير الغالب وكما هو الأفضل أن لا يحضر الإمام يوم الجمعة إلا بعد زوال الشمس ثم يخطب خطبتين ثم يصلى ففي هذه الحال يجوز للمرأة ولمن لا يحضر الجمعة لعذر من الرجال أن يصلوا ولو قبل صلاة الناس الجمعة لأنه إذا دخل وقت الظهر جازت صلاة الظهر سواء كان الناس قد صلوها أم لم يصلوها ومثل ذلك لو أذن لصلاة الظهر وصلت المرأة أو من لا تلزمه الجماعة قبل أن يصلوا الجماعة فلا حرج في هذا.
***
(8/2)

بالنسبة لصلاة الجمعة للمرأة كم ركعة تصلى في بيتها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة إن صلت الجمعة مع الإمام فإنها تصلى كما يصلى الإمام وأما إذا صلت في بيتها فإنها تصلى ظهراً أربع ركعات.
***
(8/2)

ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد وفعلاً نحن نصلى الجمعة في البيت وسؤالي هل تكون الصلاة للظهر يوم الجمعة بالنسبة للمرأة وقت الصلاة في المسجد أي بعد الخطبة أم عند سماع الأذان؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة تصلى في بيتها يوم الجمعة صلاة الظهر فإذا جاء وقت أذان الظهر بالأمس تصلى يعني ليس لها علاقة بصلاة الجمعة إطلاقاً ولا بخطبة الجمعة, متى جاء وقت الصلاة العادي فلتصل والناس اليوم والحمد لله معهم ساعات ويعرفون متى يدخل الوقت ومتى يخرج.
***
(8/2)

جزاكم الله خيرا السائلة أم خالد تقول هل سماع الخطبة بالنسبة للنساء من المذياع يعادل أجر الحاضرات إلى المسجد وهل النهي بالنسبة لمن حضر المسجد ينطبق على السامع في المنزل بأن لا يمس الحصى مثلاً ولا يتكلم مع الذي بجانبه ولا يحدث شوشرة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: استماع المرأة إلى خطبة الصلاة وهي في بيتها أفضل من حضورها المسجد لأن صلاتها في بيتها أفضل ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن) وإذا كانت في البيت تستمع إلى الخطبة والظاهر أنه لا يجب عليها الاستماع إن استمعت وانتفعت فهذا خير وإن لم تستمع فلا حرج عليها فيجوز لها أن تغلق المذياع ويجوز لها أن تتكلم ويجوز لها أن تقوم من مكانها وتأكل وتشرب ولا حرج.
***
(8/2)

هل يجوز للنساء كبار السن صلاة الجمعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم تجوز لهن بشرط أن يخرجن على الوجه الشرعي غير متطيبات ولا متبرجات بزينة وأن يكن في مكان منفرد عن الرجال أو بعيداً عنهم لا يختلطن بالرجال وكذلك أيضاً يبادرن بالقيام بعد سلام الإمام حتى يخرجن قبل الرجال وقبل مزاحمتهم فإذا صلين مع الإمام الجمعة صحت لهن وسقطت عنهن فريضة الظهر.
***
(8/2)

من الأخت خديجة صالح تقول هل على المرأة صلاة سنة الجمعة أي في البيت تصلىها أو تصلى مع المذياع عندما ينقل الصلاة، صلاة الجمعة من الكويت وأنا في العراق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يبدو أن قول السائلة هل على المرأة سنة الجمعة أنها تريد صلاة الجمعة كما يدل عليه آخر سؤالها، وجوابنا على ذلك أن نقول صلاة الجمعة إنما تشرع في حق الرجال فقط، ولا تشرع في حق المرأة إلا تبعاً للإمام فلو حضرت الصلاة مع الناس، أي صلاة الجمعة فإنه يجوز أن تصلى الجمعة تبعاً لهم. أما في بيتها فإن الواجب عليها أن تصلى صلاة الظهر، وهكذا من كان يصلى في بيته من الرجال لعذر كالمريض فإنه يجب عليه أن يصلى صلاة الظهر، أما الصلاة خلف المذياع فإنها لا تجوز وذلك لأن من شرط صلاة الجمعة أن تكون في جماعة والذي يصلى خلف المذياع ليس في جماعة أي ليس متصلاً بالجماعة الذين يصلون، فبينه وبينهم مسافات كبيرة ولا يمكن أن يقال إن هؤلاء الذين يصلون خلف المذياع إنهم من جماعة المسجد الذي يأتمون بإمامه في المذياع، وصلاة الجماعة وكذلك صلاة الجمعة لابد أن يكون الناس فيها مجتمعين حقيقة وحكماً على إمام واحد، وأما المنفصلون بمثل هذه المسافات البعيدة من غير أن تتصل الصفوف فإن صلاتهم لا تصح، وعلى هذا فلا يجوز للمرأة ولا لغير المرأة أن تصلى صلاة الجمعة ولا غير صلاة الجمعة خلف المذياع، هذا مع أنه يحتمل انقطاع التيار، وحينئذ يبقى الإنسان في حيرة، وإن كان هذا في الحقيقة ليس بمانع لأنه لو انقطع صوت الإمام وأنت في المسجد ولا يمكنك متابعته، فإنك تصلى ما بقي من صلاتك منفرداً.
***
(8/2)

أيهما أفضل صلاة المرأة الجمعة مع الإمام أو في منزلها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل أن تصلى في منزلها صلاة ظهر، ولا تصلى مع الإمام لأن بيت المرأة خير لها من حضور الجماعة، إلا في صلاة واحدة وهي صلاة العيد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء أن يخرجن إليها حتى الحيض وذوات الخدور إلا أن الحيض يعتزلن المصلى، ويجب عليها إذا خرجت أن تخرج غير متبرجة ولا متطيبة.
***
(8/2)

جزاكم الله خيرا هذه سائلة من اليمن تقول في سؤالها ورد عن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد فسؤالي هل صلاة الظهر يوم الجمعة بالنسبة للمرأة تكون بعد الخطبة أي وقت الصلاة في المسجد أم عند سماع الأذان؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة الأفضل صلاتها في بيتها حتى في مكة والمدينة الأفضل أن تصلى في بيتها وفي يوم الجمعة إذا كان الإمام لا يدخل إلا بعد دخول وقت صلاة الظهر فإن المرأة تصلى الظهر بمجرد ما تسمع النداء وأما إذا كان الإمام يأتي قبل الزوال فلتنتظر حتى تزول الشمس لأن صلاة الظهر لا تصح قبل الزوال بأي حال من الأحوال.
***
(8/2)

أثناء المحاضرات تقام صلاة الجمعة فنقع في حرج فماذا يلزمنا في هذا وما هو توجيهكم بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان لا يضركم أن تدعوا هذه المحاضرات وتصلوا الجمعة فافعلوا وإن كان يضركم هذا فإن الجمعة تسقط عنكم ولا يلزمكم الحضور إليها وحينئذٍ تصلون ظهرا.
***
(8/2)

ذهب رجل للمسجد لصلاة الجمعة وبعد أن حضر الإمام إلى المنبر وبدأ خطبة الجمعة جاء ابن هذا الرجل وقال إن حريقا شب في البيت فخرج الرجل مستنفرا البعض من المصلين فأطفؤوا الحريق وعادوا إلى المسجد وقد انتهت الصلاة فما حكم ذلك وما حكم الناس الذين فاتتهم الصلاة أرشدونا جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ذلك لا بأس به أي أن الإنسان إذا تخلف عن الجمعة أو غادر مكان الجمعة ولو بعد حضور الإمام من أجل إطفاء الحريق الذي في بيته أو في بيت أخيه المسلم فلا بأس به بل قد يكون هذا واجباً عليه وإذا فاتته الصلاة فإنه يكتب له أجرها كاملا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المعذور (من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما) فلا حرج على هذا الرجل الذي خرج بعد أن حضر الإمام حين قيل له إن بيتك قد شب فيه الحريق ولا حرج على الآخرين الذين قاموا بمساعدته وإذا كانوا رجعوا إلى المسجد بعد أن انتهت الصلاة فإنهم يصلونها ظهرا لأن كل من فاتته صلاة الجمعة فإنه يصلىها ظهرا أما من أدرك بعض صلاة الجمعة فينظر إن أدرك ركعة كاملة فإنه يصلىها جمعة وإن أدرك أقل من ركعة بأن جاء والإمام قد رفع رأسه من الركوع في الثانية فإنه يصلىها ظهرا.
***
(8/2)

الدرس الذي يكون قبل الأذان يوم الجمعة ما حكمه وما حكمه إذا كان بشكل مستمر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الدرس الخاص الذي يكون بين عالم وتلاميذه فهذا لا بأس به إلا أنه نهي عن التحلق يوم الجمعة إذا كان في ذلك تضييق على من يأتون إلى الجمعة وأما إذا كان عامّا مثل أن يكون الدرس في مكبر الصوت عاما على جميع الحاضرين فإن هذا منكر وبدعة أما كونه منكرا فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على أصحابه حين كانوا يصلون أوزاعا فيجهرون بالقراءة فقال عليه الصلاة والسلام (كلكم يناجي ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا بالقراءة) لأنه إذا رفع صوته شوش على الآخرين فهذا وجه كونه منكرا فإن هذا الذي يحدث الناس بمكبر الصوت يوم الجمعة يؤذي الناس لأن من الناس من يحب أن يقرأ القرآن ومن الناس من يحب أن يتنفل بالصلاة ومن الناس من يحب أن يفرغ نفسه للتسبيح والتهليل والتكبير وليس كل الناس يرغبون أن يستمعوا إلى هذا المتحدث فيكون في هذا إيذاء لهم ومن أجل هذا أنكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أصحابه الذين يجهر بعضهم على بعض وأما كونه بدعه فلأن هذا لم يحدث في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على تبليغ الرسالة ولم يحصل وذلك لأنه سوف يحصل للناس التذكير والموعظة في الخطبة المشروعة التي ستكون عند حضور الإمام فنصيحتي لإخواني في أي بلد من بلاد المسلمين الذين يقومون بهذا أن يدعوا هذا العمل أن يدعوه لله تقربا إليه وإذا أرادوا أن يعظوا الناس فليعظوهم في وقت آخر حسبما تقتضيه الأحوال.
***
(8/2)

بارك الله فيكم هذا المستمع م ع. ص. يقول صلى شخص الجمعة في أحد المساجد وهو مسافر وبعد الصلاة قام وصلى العصر قصراً بحجة أنه مسافر وأنه سيتوجه إلى بلده قبل أذان العصر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجمعة صلاة مستقلة تختلف عن صلاة الظهر في أمور كثيرة معروفة لأهل العلم ومما تفارق فيه الظهر أنه لا يجوز جمع العصر إليها إذا كان الإنسان مسافراً وذلك لأن الأحاديث الواردة في الجمع ليس فيها إلا الجمع بين الظهر والعصر وصلاة الجمعة لا تسمى صلاة ظهر بل الظهر بدل عنها إذا فاتت وعلى هذا فإني أقول لهذا الأخ الذي صلى العصر مع الجمعة أعدها الآن صلاة عصر مقصورة لأن الرجل إذا نسي صلاة وهو في سفر أو أخل بشيء منها يوجب عليه أن يعيدها فإنه يقضيها كما وجبت أي يقضي صلاة السفر إذا كان في الحضر ركعتين والعكس بالعكس فيقضي صلاة الحضر إذا ذكرها في السفر يقضيها أربعاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فقوله فليصلها الضمير يعود على هذه المنسية أو التي نام عنها يعود إليها بصفتها فإذا كانت الفائتة مقصورة صلاها قصراً وإذا كانت تامة صلاها تامة.
***
(8/2)

بارك الله فيكم السائل محمد القحطاني يقول ما حكم مَنْ جمع بين صلاة الجمعة وصلاة العصر جمعاً وقصراً في وقت الأولى أثناء السفر وما العمل بالنسبة لمن فعل ذلك عدة مرات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما من صلى الجمعة وهو في البر مسافر فصلاته باطلة لأن الجمعة لا تسن في السفر ولا تشرع وهي بدعة فإن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يسافر وتصادفه الجمع في سفره ولم يقم الجمعة ولا مرة واحدة حتى في أكبر مجمع للمسلمين يوم عرفة في حجة الوداع وكان ذلك اليوم يوم جمعة ومع ذلك لم يصل الجمعة بل صلى الظهر والعصر جمعاً وقصر وأما إذا كان في بلد مر به في سفره وصادفته صلاة الجمعة ودخل في المسجد وصلى مع الناس صلاة الجمعة فهذه صلاة جمعة وليست ظهراً مقصورة فإذا جمع إليها العصر لم يصح الجمع لأن الجمع الوارد إنما هو بين الظهر والعصر وليس بين الجمعة والعصر والجمعة صلاة مستقلة لها خواص تفارق بها الظهر في أكثر من عشرين حكماً وحينئذ لا يصح قياسها أي قياس الجمعة على الظهر في جواز جمع العصر إليها ومن فعل ذلك فإن كان أحد قد أفتاه بهذا فهو على ما أفتاه ولا إعادة عليه لكن لا يعود لذلك ومن كان عن غير فتوى فإن أعاد فهو أحسن وحينئذ يتحرى العدد الذي حصل فيه جمع العصر إلى الجمعة ويصلى وإذا شك هل ذلك عشر مرات أو تسع مرات فليجعله تسعاً أي يأخذ بالأقل.
***
(8/2)

ما الأفضل في صلاة راتبة الجمعة ركعتان في المنزل أم أربعا في المسجد بعد الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعاً) وثبت عنه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلى ركعتين في بيته فمن العلماء من قال إنه يصلى أربعاً سواء في بيته أو في المسجد وعلل ذلك بأن قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مقدم على فعله ومنهم من قال بل يصلى ستاً يصلى أربعاً بمقتضى قوله ويصلى ركعتين بمقتضى فعله ومنهم من قال إن صلى في بيته صلى ركعتين تأسياً بفعله وإن صلى في المسجد صلى أربعاً امتثالاً لأمره والذي يترجح عندي أنه يصلى أربعاً سواء في بيته أم في المسجد أخذاً بما يقتضيه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
(8/2)

صلاة العيد
(8/2)

جزاكم الله خيرا كم عدد التكبيرات في صلاة العيدين وما حكم صلاة من لم يأت بها في صلاته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التكبيرات الزائدة على تكبيرة الإحرام والتكبيرات الزائدة في الركعة الثانية سنة وليست بواجبة فلو تركها الإنسان فلا شيء عليه وأما عددها فمختلف فيه بين السلف والمختار منها أن يكبر ست تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى وخمس تكبيرات إذا قام في الركعة الثانية.
***
(8/2)

هذه الرسالة وصلت من المستمع عوض السيد من السودان يقول لدينا مجموعة من الناس يصلون صلاة العيدين خلف مقابر المسلمين فترةً طويلة وفي الفترة الأخيرة اختلف هؤلاء على هذا المكان مما دعاهم إلى الانقسام وأصبح جزءٌ منهم يصلى في مكانه والجزء الآخر اتخذ جانب المقابر وكلٌ منهم يقيم خطبته على مرأى من الآخرين الرجاء الإفادة حول صحة تلك الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على هذا السؤال أود أن أوجه نصيحة إلى إخواني المسلمين وهي أن الواجب عليهم الاجتماع على دين الله وإقامته وأن لا يتفرقوا فيه كما قال الله تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) وقال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) وقال الله تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ففي هذه الآيات الكريمة نهى الله سبحانه وتعالى عن التفرق وأمرنا بإقامة الدين وبين أن نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بريء من هؤلاء المتفرقين ولا شك أن هذا التفرق يضر بالإسلام والمسلمين وأن هذا التفرق هو قرة عيون أعداء الله من الكفار والمنافقين وأن هذا التفرق يمزق المسلمين تمزيقاً كما تمزق الرياح العاصفة الثياب البالية وأن هذا التفرق يكسر شوكة المسلمين ويعز أعداءهم عليهم وأن هذا التفرق يؤدي إلى العداوة والبغضاء بين المسلمين وهو الأمر الذي تكاد أن تقول إن كثيراً من النواهي مبنيةٌ على هذه العلة أي على إحداث العداوة والبغضاء تجد النواهي في البيوع والنواهي في المآكل والمشارب سببها إبعاد الناس عن العداوة والبغضاء وهذا التفرق في دين الله يؤدي ولا شك إلى العداوة والبغضاء ولا سيما إذا كان التفرق بين طلبة العلم في أمور الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف فإن هذه المسائل التي يسوغ فيها الخلاف مسائل اجتهادية لا ينبغي أن يحدث بسبب الخلاف فيها اختلافٌ في القلوب لأن هذا الاختلاف في القلوب مخالفٌ لما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم فالصحابة رضي الله عنهم يختلفون في المسائل كثيراً ومع ذلك فإن قلوبهم متفقة لا تختلف وأنا أضرب مثلاً لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم حين ندبهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد الرجوع من غزوة الأحزاب إلى أن يخرجوا لبني قريظة وقال لهم (لا يصلىن أحدٌ العصر إلا في بني قريظة) فخرجوا فأدركتهم صلاة العصر في الطريق فمنهم من صلاها في وقتها ومنهم من أخرها حتى وصل بني قريظة فصلى بعد الوقت ولم يعنف واحدٌ منهم الآخر ولم يوبخ النبي صلى الله عليه وسلم طائفةً منهم ولم تختلف قلوبهم في ذلك لأن الحديث فيه احتمالٌ لهذا ولهذا فمن نظر إلى قوله لا يصلىن أحدٌ العصر إلا في بني قريظة وأخذ بظاهره قال لا أصلى إلا في بني قريظة وكوني أصل إلى محل القتال عذرٌ في تأخير الصلاة ومن نظر إلى أن المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلىن أحدٌ إلا في بني قريظة هو المبادرة والإسراع وأخذ بعموم الأدلة الموجبة للصلاة أن تكون في وقتها صلى في الطريق فلكلٍ وجهة فكذلك أيضاً المسائل الاجتهادية التي تكون بين العلماء إلى يومنا هذا فإذا كان للخلاف مساغ فإنه يجب أن لا يكون هذا الخلاف سبباً لاختلاف القلوب هذه نصيحة أود أن أذكر بها إخواني المسلمين ولا سيما بعض طلبة العلم الذين يتخذون من الخلاف في المسائل الاجتهادية سبباً للتنافر والتباغض.
أما بالنسبة للسؤال الذي سأله السائل فإنني أقول إذا كانت القبور في قبلة المصلى مباشرة فإنه لا يجوز أن يصلى خلفها لأنه ثبت في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) فلا يجوز الصلاة إلى القبور أي أن يتخذ الإنسان القبر قبلةً له فإذا كانت هذه القبور إلى قبلة المصلى فإن الواجب نقل القبور إلى مكانٍ آخر ويكون الصواب مع الطائفة التي بعدت عن هذا المكان والواجب على الطائفة الأخرى أن تذهب وتصلى معها أما إذا كانت القبور بعيدةً عن المصلى ولا تعتبر مباشرةً له فلا بأس بالصلاة في هذا المكان لا سيما إذا كان المكان سابقاً على القبور وعلى الطائفة التي انفردت أن ترجع وتصلى مع الطائفة الأخرى هذا هو الحكم بين الطائفتين وأما تفرقهما هؤلاء في مكان وهؤلاء في مكان حتى إن بعضهم ليسمع صلاة بعض مع كونهم مسلمين فهذا خلاف ما تقتضيه الشريعة الإسلامية ونصيحتي لهم أن يبنوا أمرهم على ما قلت إذا كانت القبور منفصلة عن المصلى ولا يعتبر المصلى فيه مصلىاً إليها فالواجب على الطائفة التي انفردت أن ترجع وإذا كانت القبور مباشرةً للمصلى والمصلى في هذا المصلى يعتبر مصلىاً إليها فإن الواجب أن يرحلوا عن هذا المصلى وأن يكونوا مع الطائفة التي انفردت حتى يكونوا أمةً واحدة كما وصفهم الله في قوله (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) .
***
(8/2)

إذا جاء الشخص إلى مصلى العيد ووجد الإمام في الخطبة وقد أدى الصلاة فهل يصلى ركعتي العيد أم أنه يجلس لاستماع الخطبة بحجة أن الصلاة قد فاتت أفتونا بهذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا جاء الإنسان يوم العيد والإمام يخطب فقد انتهت الصلاة كما هو معلوم ولكن لا يجلس حتى يصلى ركعتين تحية للمسجد فإن فقهاء الحنابلة رحمهم الله نصوا على أن مصلى العيد حكمه حكم المساجد ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم (أمر الحيض أن تعتزله) وهذا يدل على أن حكمه حكم المساجد وبناء عليه فإنه إذا دخله الإنسان لا يجلس حتى يصلى ركعتين تحية المسجد أما قضاء صلاة العيد إذا فاتت فقد اختلف فيه أهل العلم فمنهم من قال إنها تقضى على صفتها ومنهم من قال إنها لا تقضى والقائلون بأنها لا تقضى يقولون لأنها صلاة قد شرعت على وجه الاجتماع فلا تقضى إذا فاتت كصلاة الجمعة لكن صلاة الجمعة يجب أن يصلى الإنسان بدلها صلاة الظهر لأنها فريضة الوقت أما صلاة العيد فليس لها بدل فإذا فاتت مع الإمام فإنه لا يشرع قضاؤها وهذا هو اختيار شيخ الاسلام ابن تيميه رحمه الله وهو عندي أقرب إلى الصواب من القول بالقضاء والله أعلم.
***
(8/2)

أحسن الله إليك إذا ذهبت المرأة لمصلى العيد فوجدت الصلاة قد انتهت وبدأت الخطبة فهل تقضي الصلاة أم تستمع للخطبة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تصلى تحية المسجد لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) وتكتفي بذلك أما قضاء صلاة العيد فالصحيح أنها لا تقضى لأنها صلاةٌ شرعت على هذا الوجه فإن أدركها الإنسان على هذا الوجه فذاك وإن لم يدركها فإنه لا يقضيها فإن قال قائل كيف تقولون لا تقضى صلاة العيد مع أن صلاة الجمعة تقضى فالجواب أن صلاة الجمعة لا تقضى أيضاً وإنما يصلى بدلها صلاة الظهر التي هي فرض الوقت في الأصل.
***
(8/2)

هذه رسالة وردتنا من سالم يقول في رسالته إنه لم يدرك صلاة العيد فقضاها في الضحى من النهار؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم، يجوز له ذلك ولا حرج عليه.
***
(8/2)

في صلاة الأعياد هل يجوز للشخص أن يصلى ركعتين قبل الصلاة وعند دخوله المسجد سواء في الفطر أو في الأضحى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة ركعتين عند دخول مصلى العيد لصلاة العيدين أو للاستسقاء مختلف فيها عند أهل العلم فمنهم من قال إنه يكره أن يتنفل قبل الصلاة وبعدها في موضعها وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في صلاة العيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما ومن العلماء من يقول يتنفل قبل الصلاة ولا يتنفل بعدها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتنفل بعدها وأما قبل الصلاة فلم يرد نهي عنه والأصل الإباحة إلا إذا كان في وقت نهي كما لو كان قبل ارتفاع الشمس قيد رمح فإن هذا وقت نهي لا يجوز أن يتطوع الإنسان فيه بالنفل المطلق وأما النفل الذي له سبب ففيه خلاف وسنذكره إن شاء الله ومن العلماء من يقول إن الصلاة غير مكروهة لا قبل الصلاة ولا بعدها وذلك لأن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي ولم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن ذلك ولكن الأفضل أن لا يصلى قبلها ولا بعدها إلا ما له سبب كتحية المسجد وهذا القول عندي أرجح الأقوال أي إنه لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها ولكن الأفضل أن لا يصلى قبلها ولا بعدها في موضعها إلا إذا كان وقت نهي بأن كان قبل أن ترتفع الشمس قيد رمح فالصلاة محرمة إلا تحية المسجد أي إذا دخل إلى مصلى العيد صلى ركعتين قبل أن يجلس لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) فإن قال قائل مصلى العيد ليس هو المسجد بدليل أنه يسمى المصلى ولا يسمى مسجداً فالجواب أن العلماء مختلفون هل مصلى العيد مسجد أم لا والمشهور من مذهب الإمام أحمد أن مصلى العيد مسجد وهذا هو القول الراجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء أن يخرجن لصلاة العيد وأمر الحيّض أن يعتزلن المصلى وهذا يدل على أن له حكم المسجد فالشيء يستدل بأحكامه عليه فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أمر الحيّض بأن يعتزلن مصلى العيد كان دليلاً على أنه مسجد إذ إن الذي تمنع منه الحائض هو المسجد وإذا تبين أنه مسجد فإنه لا دليل على إخراجه من عموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) ولكن مع ذلك لا ينبغي أن ينكر على من جلس ولم يصل ركعتين كما لا ينكر على من صلى ركعتين وذلك لأن هذه المسألة من مسائل الخلاف التي يسوغ فيها الاجتهاد والمسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد لا ينكر فيها على أحد تبع فيها أحد القولين إما بمقتضى الدليل عنده وإما بثقته بمن قال به ولكن لا شك أن من صلى ركعتين بدخول مصلى العيد أقرب للصواب ممن لم يصل.
***
(8/2)

عند صلاة عيد الفطر أو الأضحى بعض من الناس يجلس مباشرة عند دخوله مكان صلاة العيد والكثير من الناس يصلى ركعتين قبل جلوسهم أيهم الأصح والأفضل في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مصلى العيد مسجد بدليل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم أمر الحيض اللاتي يخرجن إلى مصلى العيد أن يعتزلن المكان وهذا يدل على أنه مسجد وعلى هذا فإذا حضر الإنسان لصلاة العيد ودخل المصلى فإنه لا يجلس حتى يصلى ركعتين كغيره من المساجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) وقال بعض أهل العلم إنه لا يصلى سواء دخل قبل طلوع الشمس أو بعد طلوع الشمس ولكن الأرجح ما ذكرناه أولاً لأنه لا ينبغي أن ننكر على من صلى ولا على من جلس لأن المسالة ذات خلاف بين العلماء وأحد القولين محتمل للصحة أي لأن يكون هو الصحيح فإذا كان كذلك فإنه لا ينكر إذ لا إنكار في مسائل الاجتهاد التي ليس فيها نص يفصل بين الاجتهادين.
***
(8/2)

حفظكم الله السائل محمد صالح من اليمن يقول يا فضيلة الشيخ إذا وافق العيد يوم الجمعة وحضر إمام المسجد وصلى بالمأمومين صلاة الظهر بدون خطبة فما الحكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواقع أن المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمهم الله والقول الراجح الذي دلت عليه السنة أن الناس يصلون صلاة العيد في مصلى العيد وأن الإمام يقيم صلاة الجمعة في مساجد الجمعة ويقول الإمام في خطبة العيد من حضر معنا صلاتنا هذه لم تلزمه الجمعة ويصلى في بيته صلاة الظهر ولا يقام في البلد إلا الجمعة فقط فالآن نقول إذا وافق الجمعة يوم العيد تصلى صلاة العيد ولابد ومن حضرها فله الخيار بين أن يصلى الجمعة مع الإمام أو يصلى في بيته ظهرا.
ثانيا يجب إقامة الجمعة في البلد فمن حضرها صلى جمعة ومن لم يحضرها فإنه يصلى في بيته.
ثالثا لا تقام صلاة الظهر في المساجد في ذلك اليوم لأن الواجب في المساجد الجمعة فلا تقام صلاة الظهر هذا هو القول الراجح الذي دلت عليه السنة.
***
(8/2)

امرأة تسأل عن صلاة العيد بالنسبة للنساء حيث لا يوجد لدينا مصلى للنساء فأجمع النساء في بيتى وأصلى بهن صلاة العيد فما الحكم في ذلك علما بأن بيتي مستور وبعيد عن الرجال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في ذلك أن هذا من البدعة فصلاة العيد إنما تكون جماعة في الرجال والمرأة مأمورة بأن تخرج إلى مصلى العيد فتصلى مع الرجال وتكون خلفهم بعيدة عن الاختلاط بهم وأما أن تكون صلاة العيد في بيتها فغلط عظيم فلم يعهد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عن أصحابه أن النساء يقمن صلاة العيد في البيوت.
***
(8/2)

هل يجوز للمرأة أن تصلى صلاة العيد في بيتها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المشروع في حق النساء أن يصلىن صلاة العيد في مصلى العيد مع الرجال لحديث أم عطية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر (أن يخرج النساء حتى الحيض وذوات الخدور يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى) فالسنة أن يخرج النساء إلى مصلى العيد مع الرجال أما صلاة النساء في البيوت فلا أعلم في ذلك سنة والله أعلم.
***
(8/2)

بارك الله فيكم عند العيد أثناء الصلاة يحضر النساء لصلاة العيد خلف الرجال مع أن مكان الصلاة ليس جامعا وإنما أرض مكشوفة هل يجوز لهن الصلاة خلف الجماعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز لهن ذلك بل إن صلاة العيد خاصة يندب لها خروج النساء فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج النساء في صلاة العيد حتى الحُيَّض وذوات الخدور والعواتق إلا أن الحُيَّض يعتزلن المصلى ولا حرج عليهن أن يقفن وراء الرجال بدون حاجز لكن يجب عليهن تغطية الوجوه لأن المرأة لا يحل لها كشف وجهها عند الرجال سوى محارمها وزوجها.
***
(8/2)

هذا يسأل عن التكبير المطلق ويقول ما هو التكبير المطلق وما هو التكبير المقيد ومتى وقته؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التكبير في ليلة عيد الفطر تكبير مطلق والتكبير في عشر ذي الحجة وأيام التشريق تكبير مطلق ومقيد فالمطلق من دخول شهر ذي الحجة إلى آخر يوم من أيام التشريق وهي الأيام الثلاثة بعد يوم العيد والتكبير المقيد من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق.
***
(8/2)

هل يكون التكبير في عيد الفطر وعيد الأضحى بعد الصلاة جماعةً أو منفرداً وما هي الصيغة الشرعية التي وردت في التكبير؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التكبير ليلة عيد الفطر إلى مجيء الإمام وصفته أن يقول (الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد) أو يقول (الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد) الأمر في هذا واسع وابتداؤه في عيد الفطر كما قلت من غروب الشمس ليلة العيد إلى مجيء الإمام أما في عيد الأضحى فالتكبير من دخول شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق لكنه لا يسن يوم العيد والإمام يخطب لأن الإنسان مأمور أن يستمع للخطبة أما التكبير الجماعي بصوت واحد فهذا ليس من السنة بل كل واحدٍ يكبر وحده لنفسه وهذا التكبير يسن للرجال أن يجهروا به وأما النساء فلا تجهر به لا في البيت ولا في السوق ولكن إذا كانت في بيتها وصار أنشط لها أن تجهر فلا بأس.
(8/2)

فضيلة الشيخ هل هذا التكبير يكون جماعياً وبصوتٍ واحد وإذا فعلنا ذلك هل يكون من البدع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح أنه لا يكون بصوتٍ واحد وإنما يكبر كل إنسانٍ لنفسه كما قال أنس بن مالك رضي الله عنه (إنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع منهم الملبي ومنهم المكبر) فكل إنسانٍ يكبر بنفسه على حسب اللهجة التي يريدها وأما الاجتماع على التكبير بصوتٍ واحد فلا أعلمه في السنة.
***
(8/2)

ما حكم التكبير ليلة العيد في صورة جماعية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التكبير في ليلة العيد سنة لقول الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر آيات في الصيام قال (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ولكن يكبر كل إنسان على انفراده والتكبير الجماعي لا أصل له في السنة بل كان الصحابة يكبرون كل واحد يكبر بنفسه قال أنس بن مالك رضي الله عنه (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحج فمنا المكبر ومنا المهل) فدل ذلك على أنهم لا يكبرون تكبيرا جماعيا.
***
(8/2)

بارك الله فيكم هذا السائل يا فضيلة الشيخ من اليمن إب قرية السمراء يقول قبل عيد الأضحى وبعده كذلك يكبر الناس عندنا بصوتٍ مرتفع في المساجد هل هذا العمل جائز؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التكبير في عشر ذي الحجة كلها من أول يوم إلى آخر أيام التشريق الثلاثة بعد العيد يكبر الناس في المساجد وفي الأسواق والبيوت ويجهرون بذلك هذا هو السنة وأما كونهم لا يكبرون إلا قبل العيد بثلاثة أيام فلا أعلم لهذا أصلاً لكن بعض العلماء قال إنه من فجر يوم عرفة يكون التكبير المقيد أي الذي يكون بعد الصلاة المفروضة.
***
(8/2)

صلاة الكسوف
(8/2)

هذا مستمع من اليمن يقول فضيلة الشيخ هل صلاة الكسوف واجبة على كل مسلم وإذا كانت واجبة هل يصلىها الإنسان في المنزل أم يذهب إلى المسجد وإذا كان المسجد بعيداً ماذا يفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نود أن نبين أن الكسوف هو ذهاب أحد النيرين ذهابا كلياً أي غيبوبته عن الأنظار أو ذهاباً جزئياً فالأول يسمى كسوفاً كلياً والثاني يسمى كسوفاً جزئياً ولا ريب أن هذا الكسوف واقع بإرادة الله سبحانه وتعالى وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة منه في قوله (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله يخوف بهما عباده) فالكسوف إنذار من الله عز وجل للعباد بعقوبة متوقعة ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث كسوف الشمس أو خسوف القمر أن يبادر الناس إلى الصلاة والذكر والدعاء والتكبير والصدقة والعتق توبة إلى الله عز وجل ورجوعاً إليه وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الكسوف حين كسفت الشمس في عهده في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم رضي الله عنه فأمر منادياً أن ينادي الصلاة جامعة فاجتمع الناس في المسجد وصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم صلاة غريبة هي في الحقيقة آية شرعية لأنها مخالفة لبقية الصلوات وهي أيضاً آية كونية مخالفة للعادة صلى بهم صلى الله عليه وسلم صلاة طويلة جداً جداً صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان ثم وعظهم بعد ذلك موعظة بليغة قال فيها (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل صلاة الكسوف للشمس أو القمر واجبة يأثم الناس بتركها أو إنها مستحبة فذهب أكثر العلماء إلى أنها مستحبة ولكن القول الراجح أنها فرض واجب إما على الكفاية وإما على الأعيان وذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها أي الصلاة وفعله لها وفزعه من أجل ذلك وقوله إن الله يخوف عباده بهذا الكسوف ومعلوم أن مقام التخويف ينبغي فيه بل يجب فيه اللجوء إلى الله عز وجل حتى نكون منيبين إليه فالصواب أنها واجبة إما على الكفاية أو على الأعيان ولا يجوز لأحد أن يتخلف عنها إذا قلنا إنها فرض عين أما إذا قلنا إنها فرض كفاية وقام بها من يكفي فإنها تسقط عن الباقين وأما صلاتها فالأفضل أن تكون في الجامع الذي تصلى فيه الجمعة لأجل أن يجتمع الناس فيها على إمام واحد وإن صلاها الناس كل في مسجده فلا حرج وإن صلاها الإنسان في بيته كالنساء مثلاً فلا حرج فالأمر في هذا واسع ولكن الأفضل أن يجتمع الناس فيها في الجامع على إمام واحد.
***
(8/2)

يقول السائل قرأت في كتاب عنوانه قصص الأنبياء عن الخسوف والكسوف يقول وفي الكتاب إن الشمس تدور على عجلة وفي العجلة ثلاثمائة وستون عروة وعلى كل عروة ملك من ملائكة الله وعندما يريد الله أن يخوف عباده يزيل الشمس من على العجلة ويحصل الكسوف ولكن العلم يقول وقوع القمر بين الشمس والأرض هو سبب الكسوف أرجو توضيح هذه القدرة الإلهية بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القدرة الإلهية أعظم مما ذكره السائل عن هذا الكتاب الذي هو قصص الأنبياء ويدلك على عظمة الخالق عز وجل قوله تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وقوله عز وجل (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) وقوله تعالى عن البعث (إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) وقال عز وجل (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ) فهذه القدرة العظيمة أن يصاح بالخلق وهم أموات في القبور ثم يخرجون بهذه الصيحة خروج رجل واحد حتى يحضروا عند الله عز وجل وقال تعالى (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) فالقدرة الإلهية لا يبلغ العقل مداها أبداً لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط أحد بذاته أو بصفاته أعني من حيث الكنه والحقيقة قال الله عز وجل (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) وقال عز وجل (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) وهذا القول الذي ذكره السائل عن الشمس قول باطل لا صحة له ولا أصل له في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومثل هذه الأمور الموضوعة الكاذبة تسيء إلى الإسلام إساءة عظيمة لأن غير المسلمين إذا سمعوا مثل هذه الأقوال التافهة المنسوبة إلى الإسلام انقدح في أذهانهم أن الإسلام ليس بشيء وأنه خرافي وأنه لا يستقيم له أمر ما دام هذا وضعه وحينئذ يكون هؤلاء الوضاعون قد طعنوا في الإسلام من حيث لا يشعرون والكسوف حقيقته ما ذكره السائل من أن القمر يحول بين الشمس والأرض حتى يحصل الكسوف في الجزء المحاذي للقمر من الأرض ولهذا لا يحصل كسوف الشمس إلا في آخر الشهر حيث يكون القمر قريباً منها يمكن أن يحول بينها وبين الأرض كما أنه لا يحصل خسوف القمر إلا في ليالي الإبدار حيث يكون بين القمر والشمس تمام المقابلة فيمكن أن تحول الأرض بين الشمس والقمر على جزء من القمر أو على كل القمر فيحصل الخسوف فسبب كسوف الشمس حيلولة القمر بينها وبين الأرض وسبب خسوف القمر حيلولة الأرض بينه وبين الشمس وكل هذا إنما يكون بأمر الله عز وجل وبقضاء الله وقدره والله عز وجل يقضي ذلك من أجل أن يخوف العباد وهذا هو السبب الشرعي للكسوف والخسوف قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته) وأمر صلى الله عليه وسلم عند حدوث ذلك بالصلاة والصدقة والاستغفار والتكبير والدعاء والعتق كل هذا تفادياً لغضب الله عز وجل الذي انعقدت أسبابه وجعل الله هذا الكسوف إنذاراً به والنبي عليه الصلاة والسلام قال (يخوف الله بهما عباده) فالكسوف والخسوف إنذار وليس عقوبة حتى ينقدح في أذهان بعض الناس الشك في هذا الأمر يقول إن الكسوف والخسوف يحدث دائماً ولا نجد بأساً فيقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إنها عقوبة وغضب لا بد من وقوع العقوبة والغضب ولكنه قال إن الله يخوف بهما عباده لعلهم يحدثون له توبة فإذا قاموا وصلوا وفعلوا ما أمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى قد يرفع عنهم العقوبة بسبب هذه الأمور التي قد قاموا بها بأمر نبيهم صلى الله عليه وسلم ويقول بعض الناس إن أسباب الكسوف والخسوف معلومة تعلم من قبل حدوثها فيشك فيما جاءت به السنة من كون الخسوف والكسوف تخويفاً من الله عز وجل للعباد والجواب على ذلك أنه لا شك في الأمر فإن الذي قدر هذه الأسباب هو الله عز وجل.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ السائل يقول ما حقيقة حدوث الخسوف والكسوف حيث يوجد في بعض الكتب أن الخسوف يحدث لوقوع الأرض بين القمر والشمس؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الحقيقة محسوسة يعني أن الكسوف وهو اختفاء بعض ضوء الشمس أي بعض جرمها يكون سببه الحسي أن يحول القمر بين الشمس والأرض ولهذا لا يقع الكسوف إلا في آخر الشهر حيث يمكن أن يحول القمر بين الشمس والأرض أما خسوف القمر فإن سببه الحسي أن تحول الأرض بين القمر وبين الشمس ولهذا لا يقع إلا في تمام المواجهة بين القمر والشمس وذلك في ليالي الإبدار فلا يمكن كسوف الشمس في نصف الشهر ولا في أول الشهر ولا يمكن خسوف القمر في أول الشهر وفي آخر الشهر وهذه ظاهرة كونية معلومة حتى إن العلماء السابقين رحمهم الله تحدثوا عنها كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وهذا لا ينافي ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الله تعالى يخوف عباده بالخسوف والكسوف لأن الله تعالى يخوف العباد بأمر سببه حسي ولا مانع كما أن قواصف الرعد والصواعق لها سبب حسي ومع ذلك يخوف الله به العباد كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشيء السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ) فالأمر الحسي لا ينافي الحكمة من إيجاده ولكن كوننا نبسط القول في هذا للناس حتى يظنوا أنه أمر عادي لا يفزعون عند الكسوف ولا عند الخسوف هذا هو الذي ينبغي أن يتجنبه الإنسان وأن لا يتحدث به بين العامة لأن العامي يضيق قلبه أن يجمع بين السببين الشرعي والحسي.
***
(8/2)

بارك الله فيكم هذا السائل يقول فضيلة الشيخ صلاة الكسوف هل ينادى لها مرة واحدة بقول الصلاة جامعة أو يشرع تكرارها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: صلاة الكسوف ينادى لها الصلاة جامعة بقدر ما يسمع الناس والمرة الواحدة لا تسمع الناس لا سيما في بلدٍ تكثر فيه السيارات والأصوات فيكرر ذلك بقدر ما يسمع الناس إما ثلاثاً أو أكثر من هذا لأن المقصود إبلاغ الناس بحضور هذه الصلاة.
***
(8/2)

أرجو شرح صلاة الخسوف والكسوف باختصار يوائم العامة والناس؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الخسوف للقمر والكسوف للشمس وقد يقال الخسوف لهما جميعا وقد يقال الكسوف لهما جميعا والأمر في هذا واسع أما كيفية صلاة الكسوف فإنه ينادى لها إذا حصل كسوف ينادى الصلاة جامعة مرتين أو ثلاثا أو خمسا أو سبعا حتى يغلب على ظنه أن النداء بلغ الناس وليس في النداء لها تكبير ولا تشهد وإنما يقال الصلاة جامعة فقط ولا يزاد صلوا يرحمكم الله لأن الاقتصار على ما ورد أفضل من الزيادة أما كيفية الصلاة فإنه يكبر ويستفتح ويقرأ الفاتحة وسورة طويلة جدا بقدر ما يستطيع حتى جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قرأ فيها بنحو سورة البقرة ثم يركع ركوعا. طويلا يسبح الله فيه ويعظمه يقول سبحان ربي العظيم سبحان ذي الجبروت سبحان ذي الملكوت سبحان ذي العظمة ويكثر من تعظيم الله عز وجل لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أما الركوع فعظموا فيه الرب) سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي سبوح قدوس رب الملائكة والروح المهم أنه يأتي بكل ما ورد من تعظيم الله عز وجل ثم يرفع رأسه قائلا سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يقرأ الفاتحه وسورة طويلة، لكنها دون الأولى ثم يركع ركوعا طويلا، يكثر فيه من تعظيم الله عز وجل إلا أنه دون الركوع الأول ثم يرفع رأسه قائلا سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ويقوم قياما طويلا، بقدر ركوعه وهو يسبح الله ويحمد الله ويثني عليه ولو كرر ذلك فلا بأس ثم يسجد سجودا طويلا طويلا جدا بقدر الركوع يكثر فيه من التسبيح سبحان ربي الأعلى ومن الدعاء لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) ثم يرفع من السجدة الأولى ويجلس بين السجدتين جلوساً طويلا بقدر السجود يدعو فيه بما أحب رب اغفر لي وارحمني وعافني واجبرني واهدني ووسع أمري واشرح صدري وما شاء من الدعاء ثم يسجد السجدة الثانية سجدة طويلة. كالأولى ثم يقوم فيقرأ الفاتحة وسورة طويلة لكنها دون الأولى ثم يركع ركوعا طويلاً لكنه دون الأول ثم يرفع فيقرأ الفاتحة وسورة طويلة. لكنها دون الأولى ثم يركع الركوع الثاني ويطيل الركوع لكنه دون الأول ثم يرفع فيقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ويطيل الوقوف بقدر الركوع ثم يسجد ويطيل السجود لكنه دون الأول ثم يجلس بين السجدتين ويطيل الجلوس لكنه دون الأول ثم يأتي بالسجدة الثانية ويطيل السجود لكنه دون السجود في الركعة الأولى ثم يقوم ويتشهد ويسلم هذه صفة صلاة الكسوف التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين كسفت الشمس ثم بعد ذلك يخطب خطبة واعظة يعظ الناس فيها ويبين لهم الحكمة من الكسوف ويحذرهم من عقاب الله عز وجل كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين خطب في الناس بعد الصلاة خطبة واعظة تحرك القلوب وتلينها فإن الشمس كسفت في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم فقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم يعني ابن محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنهم في الجاهلية يعتقدون أنها لا تنكسف إلا لموت عظيم أو حياة عظيم ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين لهم أن هذه عقيدة فاسدة كسفت في اليوم التاسع والعشرين من شهر شوال في السنة العاشرة من الهجرة هكذا قال المحققون الفلكيون حينما ارتفعت صباح ذلك اليوم قيد رمح فكسفت كسوفا كليا حتى صارت كأنها قطعة نحاس ففزع الناس فزعا عظيما حتى إن رسول الله صلى الله وسلم خرج فزعا عجلا يجر رداءه صلوات الله وسلامه عليه حتى لحق بهم وأقام الصلاة وفي مقامه هذا عرضت عليه الجنة والنار ورأى ما فيهما فحين عرضت عليه الجنة عرض له عنقود من العنب فتقدم ليأخذ منه ثم بدا له ألا يفعل عليه الصلاة والسلام وعرضت عليه النار حتى تأخر عليه الصلاة والسلام فخاف أن يصيبه من لفحها وكان يوما مشهودا عظيما فزع فيه الناس فزعا عظيما وبه يدرك المرء شأن الكسوف وأنه يجب أن يهتم به الناس وأن من السنة أن يفزعوا فزعا مع الخوف من الله عز وجل ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حدث الكسوف أن يفزع الناس إلى الصلاة والذكر والصدقة والعتق كل هذا خوفا من نزول عذاب أنذر الله منه عباده بهذا الكسوف نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا آياته على وجه نتعظ به ونعتبر به إنه على كل شيء قدير.
***
(8/2)

قراءة الفاتحة في صلاة الخسوف والكسوف مرتين أو أربع مرات ما الحكمة في هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا السؤال أن نقول إن الأحكام الشرعية كلها لا شك أن لها حكمة لأنها صدرت من عليم حكيم يضع الأشياء مواضعها ولكن لقصور علومنا وأفهامنا لا يمكننا أن ندرك جميع الحكم في كل ما شرعه الله عز وجل فإن الله تعالى يقول (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) فإذا كانت هذه الروح التي بين أضلاعنا والتي هي قيام حياتنا إذا كانت مجهولة لنا فما كان أبعد منها فنحن أولى بالجهل فيه من الروح وإذا كان كذلك فإنه لا يمكننا أن نحيط حكمة بكل ما شرعه الله عز وجل فلو قال قائل ما الحكمة من كون الصلوات خمساً في اليوم والليلة ما الحكمة من كون صلاة الظهر أربعاً والعصر والعشاء لماذا لم تكن ثمانياً أو ستاً ولماذا لم تكن الصلوات عشراً بدلاً من خمس أو ثلاثاً بدلاً عن خمس كل هذا أمر لا يمكننا إدراك حكمته وموقف كل مؤمن فيما شرعه الله ورسوله أن يكون متبعاً حكم الله ورسوله ولهذا لما سئلت عائشة رضي الله عنها ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت (كان يصيبنا ذلك وكنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) فبينت أن الحكمة أمر الله ورسوله وهو كذلك لكل مؤمن كما قال الله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) وبناء على هذه القاعدة المهمة العظيمة يتبين الجواب عن سؤال السائل وهو ما الحكمة في تكرار الفاتحة والقراءة والركوع في صلاة الكسوف ولا مانع من أن نلتمس حكمة لذلك فإن وفقنا للصواب فذلك من فضل الله ورحمته وإن أخطأنا فذلك من عند أنفسنا والذي يظهر لي والله أعلم أن الحكمة في ذلك أنه لما كان هذا السبب لهذه الصلاة وهو الكسوف أو الخسوف سبب غير عادي شرع له عبادة تكون غير عادية فإن صلاة الكسوف خارجة عن هيئات الصلاة المعتادة كما أن الكسوف خارج عن جريان الشمس والقمر المعتاد هذه حكمة وحكمة أخرى أنه كرر فيها الركوع والقراءة محافظة على الاقتصار على ركعتين فإن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى ولما كان زمن الكسوف يطول غالباً كرر الركوع والقراءة حتى لا يمل الناس بقراءة طويلة فجعل بين أجزاء القراءة جعل ركوعا يخضع فيه الإنسان لربه ويعظمه ثم يقوم فيقرأ يعيد القراءة مرة أخرى فهاتان حكمتان إن كانتا مرادتين لله عز وجل ورسوله فذلك من فضل الله وإن كان الأمر خلاف ذلك فذلك منا ونستغفر الله ونتوب إليه.
***
(8/2)

بارك الله فيك يا فضيلة الشيخ يقول السائل أبو عبد الله تنازع شخصان في الكسوف فقال أحدهما بأنه من غضب الله وقال الآخر بأنه تخويفٌ من الله فمن المصيب في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المصيب من قال إنه تخويف لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صرح بذلك فقال (يخوف الله بهما عباده) لكن قد يكون هذا التخويف لعقوبةٍ انعقدت أسبابها ولهذا أمر الناس عند الكسوف بالفزع إلى الصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والتكبير وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (صلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) مما يدل على أنه إنذارٌ وتخويف لعقوباتٍ انعقدت أسبابها.
***
(8/2)

صلاة الاستسقاء
(8/2)

إذا جاء المصلى إلى صلاة الاستسقاء ووجد الإمام يخطب بعد الصلاة فهل يصلى ركعتي الاستسقاء أم يجلس وهل تسقط عنه إذا فاتته أو يقضيها ومتى يقضيها وكذلك في صلاة العيد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا جاء الإنسان إلى صلاة العيد أو إلى صلاة الاستسقاء والإمام يخطب فإنه لا يجلس حتى يصلى ركعتين لأن مصلى العيد مسجد كما نص على ذلك فقهاء الحنابلة رحمهم الله وكما هو ظاهر السنة حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء أن يخرجن لصلاة العيد وأمر الحيّض أن يعتزلن المصلى وهذا يدل على أن مصلى العيد له أحكام المساجد وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين) فإذا دخلت مسجد العيد والإمام يخطب في يوم العيد أو في يوم الاستسقاء فلا تجلس حتى تصلى ركعتين وإذا نويت بهما قضاء صلاة العيد فإنك تكبر تكبيرات العيد وكذلك إذا نويت بها قضاء صلاة الاستسقاء فإنك تكبر لأن سنة صلاة الاستسقاء كسنة صلاة العيد.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم يقول السائل خطبة الاستسقاء هل هي قبل الصلاة أم بعد ذلك وهل يلزم أن تكون خطبتين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الاستسقاء يفعل كصلاة العيد تماماً فإذا حضر الإمام صلى وإذا فرغ خطب خطبة واحدة بدون زيادة يدعو الله تبارك وتعالى بما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن لم يعرفه دعا الله بدعائه الذي يعرفه اللهم أغثنا اللهم اسقنا الغيث وما أشبهها والمهم أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيد ركعتان بالتكبيرات الزوائد وما بقي من صفة الصلاة وخطبة واحدة بعد الصلاة.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم متى يقلب الرداء وهل الشماغ يقوم مقام الرداء فيقلب أيضاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقلب الرداء في أثناء الخطبة يتحول الإمام إلى جهة القبلة ثم يقلب رداءه يجعل الأيمن الأيسر والأيسر الأيمن وأما الشماغ فالظاهر أنه لا يقلب لأن الشماغ بمنزلة العمامة والذي ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو قلب الرداء.
***
(8/2)

ما حكم تحويل المرأة رداءها في صلاة الاستسقاء وهل هي مثل الرجل في الحكم أم أنه لا يجوز أن تحول رداءها علما بأنها تتكشف عند تحويلها هذا الرداء وهذا هو الملاحظ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت المرأة تتكشف عند تحويلها الرداء في الاستسقاء والرجال ينظرون إليها فإنها لا تفعل لأن قلب الرداء غاية ما فيه أنه سنة والتكشف أمام الرجال فتنة وأما إذا كانت لا تتكشف فالظاهر لي أن حكمها حكم الرجل لأن هذا هو الأصل أن يتساوى الرجال والنساء في الأحكام إلا ما دل عليه الدليل من الاختلاف بينهما.
***
(8/2)

هل يصح للنساء أن يصلىن خلف الرجال في صلاة الاستسقاء وهل هي مشروعة أم ممنوعة وما هي الأحاديث الواردة في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للمرأة أن تخرج إلى مصلى العيد وتصلى صلاة الاستسقاء مع الناس ولكنها تكون خلف الرجال وكلما بعدت عن الرجال فهو أفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة العيد (أنه أمر النساء بأن يخرجن ويحضرن الخير ودعوة المسلمين وأمر الحيض بأن يعتزلن المصلى) فإذا خرجت المرأة إلى صلاة الاستسقاء لتحضر دعوة المسلمين وتلتمس الخير فلا حرج عليها في ذلك لكن يجب أن تكون غير متبرجة ولا متطيبة وهاهنا أمر يجب التفطن له وهو أن النساء إذا صلىن في المساجد مع الجماعة تجد بعضهنّ تصلى منفردة وحدها خلف الصف ولا يعتبرن الصفوف شيئا وهذا خلاف السنة فالنبي صلى الله عليه وسلم قال (خير صفوف النساء) فبين أن للنساء صفوفاً وقال (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) فإذا كانت المرأة مع نساء فإنه لا يجوز لها أن تصلى منفردة خلف الصف إلا إذا كان الصف تاماً فإنها تصلى خلف الصف ولا حرج عليها كالرجل.
***
(8/2)

أحكام المساجد
(8/2)

تقول السائلة يا فضيلة الشيخ بالنسبة للرباط بين الصلاتين إذا قعدت المرأة في المصلى وكان حولها أبناؤها يحادثونها في أمور الدنيا تقول وأنا أذكر الله تارةً وأخاطب بناتي تارةً أخرى فهل يصح الرباط بهذا الشكل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الظاهر أن هذا داخل في قوله صلى الله عليه وسلم (انتظار الصلاة بعد الصلاة من الرباط) لأن هذا معنى الحديث
***
(8/2)

بارك الله فيكم يقول هذا السائل من ليبيا الكلام في المسجد في أمور الدنيا هل فيه إثم أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الكلام في المسجد ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول أن يكون فيه تشويش على المصلىن والقارئين والدارسين فهذا لا يجوز وليس لأحد أن يفعل ما يشوش على المصلىن والقارئين والدارسين.
القسم الثاني أن لا يكون فيه تشويش على أحد فهذا إن كان في أمور الخير فهو خير وإن كان في أمور الدنيا فإن منه ما هو ممنوع ومنه ما هو جائز فمن الممنوع البيع والشراء والإجارة فلا يجوز للإنسان أن يبيع أو يشتري في المسجد أو يستأجر أو يؤجر في المسجد وكذلك إنشاد الضالة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال (إذا سمعتم من ينشد الضالة فقولوا لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) ومن الجائز أن يتحدث الناس في أمور الدنيا بالحديث الصدق الذي ليس فيه شيء محرم.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم وبارك فيكم هل الكلام في المسجد من غير المصلحة كبيع أو شراء يجوز؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم البيع والشراء والتأجير والاستئجار محرم في المسجد لأنه ينافي ما بنيت المساجد من أجله ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك فإن المساجد لم تبن لهذا) وكذلك إنشاد الضالة بأن يضيع للإنسان شيء ثم يقف في المسجد يا جماعة من عيّن كذا وكذا هذا حرام لأن المساجد لم تبن لهذا وأما إذا وجد الإنسان لقطة وقال للناس لمن هذه فهذا أهون مما إذا سأل عن الضائع ومع ذلك نقول أخرج إلى باب المسجد إلى الشارع وتكلم بما شيءت ببيع أو بشراء أو بإنشاد ضالة هذا هو الواجب نحو هذه المساجد لكن يبقى إشكال يقع عند كثير من الناس يمر بك مسكين يسأل ومعك ورقة فئة خمسين وأنت تريد أن تعطيه عشرة فقط فهل يجوز أن تعطيه الخمسين وتقول اعطني الأربعين هذا في الحقيقة لا يقصد به التجارة ولا تتم الصدقة إلا به لأنه بين أمرين إما أن يعطيك أربعين وتعطيه عشرة وإما أن تقول ما عندي عشرة وترد السائل فأظن والله أعلم أن مثل هذا لا بأس به لأنه لا يقصد به التجارة ولا يقصد به شيء من الدنيا إنما يقصد به شيء للآخرة لكن لا وسيلة لنا إلا هذا فأرجو ألا يكون في هذا بأس.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم هذا السائل عبد الله من الرياض يقول ما حكم التحدث في المسجد عن أمور الدنيا مثل إقناع أحد بالسفر أو التحدث معه عن مشهدٍ رأيته وغيره من الأمور المباحة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس بها ما لم يكن ممنوعاً مثل أن يرفع صوته بذلك فيشوش على من في المسجد أو يكون ذلك بيعاً وشراءً أو تأجيراً واستئجاراً أو رهناً أو نحو ذلك مما يمنع من عقده في المسجد.
***
(8/2)

فضيلة الشيخ هل وجدت وأسست الجوامع والمساجد منذ عصر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وحتى الآن لغرض انتقال الناس إليها والتجمع فيها لقيام الصلاة وأداء بعض العبادات بصورة جماعية داخل المساجد أم وجدت وأسست لغرض نقل العبادات والصلوات جاهزة إلى بيوت الناس عبر مكبرات الصوت وبأعلى درجة ممكنة وشل عبادات الناس وتسبيحاتهم في بيوتهم وخاصة النساء والشيوخ والعجزة والمرضى الذين لا يستطيعون الذهاب إلى الجامع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن المساجد بنيت منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا للصلاة وقراءة القرآن والذكر وغير ذلك من الطاعات التي تشرع فيها وأهم شيء إقامة الصلاة فيها جماعة قال الله تعالى (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) وقال الله تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) وأما نقل الصلاة عبر مكبرات الصوت من على رؤوس المنائر فإنه كما قال السائل فيه تشويش على الناس في بيوتهم وشل لأذكارهم وتسبيحاتهم الخاصة وربما يكون فيه إزعاج لبعض النوّم والمرضى الذين لم يجدوا راحة إلا في ذلك الوقت وإنه أيضاً إيذاء للمساجد الأخرى التي بجوار هذا الصوت وتشويش عليهم وقد حدثني كثير من الناس الذين كانوا بجوار المساجد التي ترفع الأذان من على المنائر أنه إذا كان صوت الإمام في المسجد الذي نقلت صلاته عبر هذه المكبرات أحسن من صوت إمامهم وقراءته أحسن من قراءة إمامهم أنهم يتابعون ذلك الإمام الذي خارج مسجدهم ويدعون إمامهم ولا ينصتون لقراءة الإمام وحدثني أيضاً بعض الناس أنهم يكبرون بتكبير إمام المسجد المجاور ظناً منهم أن هذا التكبير تكبير إمامهم وهذا أمر معلوم عند كثير من الناس وهو أيضاً أمر لا ينضبط بمعنى أنه قد يقول قائل إن صوتي لا يبلغ المسجد الفلاني ولا يشوش على أهله فإن هذا أمر لا ينضبط لأن هذا خاضع لاتجاه الرياح فإذا كانت الرياح متجة إلى المساجد المجاورة سمعوا الصوت وإذا كانت متجة إلى خلافها لم يسمعوا الصوت وربما يكون الصوت قوياً جداً حوله على أي حال كان اتجاه الرياح وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديثين صححهما ابن عبد البر (أنه سمع الصحابة رضي الله عنهم يقرؤون ويجهرون فنهاهم عن ذلك وقال لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة) وفي لفظ آخر (لا يؤذين بعضكم بعضا) وذكر شيخ الإسلام رحمه الله أنه ليس للإنسان أن يجهر جهراً يشوش على المصلين.
وإن نصيحتي لإخواني المسلمين أن يدعوا هذا العمل الذي يشوشون به على من بقربهم ويؤذونهم وهذا أمر قد جاء به النص عن النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا مجال للاجتهاد فيه فإذا علمنا أن في ذلك تشويشا على من حولهم من المساجد وتخبيطاً لصلاتهم فإن هذا داخل فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم والمصالح التي قد تحصل أو قد يتوهم بعض الناس حصولها هي مغمورة جداً في المفاسد التي تترتب على ذلك فإن من الناس من يقول إن بقاء الصلاة من على المنائر قد يستمع إليه بعض النساء في البيوت وينتفعن بقراءة القارئ فنقول إن هذه المصلحة منغمرة في جانب المفاسد الأخرى لأن من الناس من لا يرغب أن يسمع هذا الصوت الذي يشغله كما قال السائل عن أذكاره الخاصة وقراءته الخاصة ومن الناس من يكون محتاجاً للنوم لكونه سهر طول الليل لمرض أو قلق ثم ينام بعد أن يصلى الفجر لكونه لا يستطيع الخروج للصلاة في المساجد ثم يأتي هذا الصوت الذي يزعجه وينبهه من النوم فهذه مفسدة ثم إننا رأينا وشاهدنا كثيراً من الناس إذا أقبل على المسجد وسمع الإمام في آخر القراءة ذهب يسعى ويشتد سعياًَ أي يركض ليدرك الركوع مع الإمام وهذا وقوع فيما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم على كل حال المصلحة كل المصلحة أن يتبع الإنسان ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلاً للمأمور وتركاً للمنهي وإذا كان قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى أن يشوش المصلون بعضهم على بعض برفع أصواتهم في القراءة فهذا هو الفيصل في هذه المسألة ولا تحسين للعقول بعد وجود النص أبداً فنصيحتي لإخواني أن يدعوا هذا وإذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى استعمال المكبر في داخل المسجد فليستعملوه في داخل المسجد كما لو كان المسجد كبيراً وفيه نساء لا يسمعن إلا بذلك أو كان ذلك في يوم الجمعة فليستعملوه وإذا لم تدع الحاجة إليه حتى في داخل المساجد فلا ينبغي استعماله أيضاً لأن ذلك يؤدي إلى أن يعتاد الإنسان على هذا المكبر فلا يخشع إلا إذا استعمله ولأن في هذا إضاعة المال بصرف الكهرباء وأرجو أن لا ينتقدنا أحد في هذه النقطة فيقول إن صرف الكهرباء هذا قليل جداً وما أكثر الكهرباء التي تصرف في غير فائدة فنقول إنها أمر يسير بالنسبة إلى واحد لكن إذا قدر أن في البلد مئات من المساجد واستعملت هذه المكبرات فكم تستهلك من كيلوات في خلال الخمس الصلوات في كل يوم وليلة على كل حال أهم شيء عندي في هذه المسألة أن في رفع الصوت من على المنائر ولاسيما في الصلاة الجهرية الليلية مع تقارب المساجد إيذاء للمصلىن بعضهم بعضاً وقد يكون فيها أيضاً إيذاء لمن كان حول المساجد من البيوت وإن كان قد يكون فيه مصلحة لبعض ساكني البيوت لكن قد يكون فيه مضرة أيضاً وإيذاء لبعض ساكني البيوت والقاعدة الشرعية عند أهل العلم أن دفع المفاسد أولى من جلب المصالح عند التساوي.
(8/2)

فضيلة الشيخ هناك بعض الإخوة في بعض المساجد يجهرون بقراءة القرآن قبل الصلاة مما يشوش على المصلىن فما الحكم في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القرآن يجوز للقارئ أن يقرأه سراً ويقرأه جهراً وفي كل منهما خير ويفعل الإنسان ما هو أنشط له وأخشع فإذا كان الأنشط له والأخشع أن يقرأ سراً قرأ سراً وإن كان الأنشط والأخشع أن يقرأ جهراً قرأ جهراً هذا ما لم يكن في صلاة فإن كان في صلاة فليتبع في ذلك ما جاءت به السنة من إسرار أو جهر وهذا أيضاً ما لم يكن حوله من يشوش عليهم لو جهر أو يؤذيهم فإن كان حوله من يشوش عليهم لو جهر أو يؤذيهم فإنه لا يجهر لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يصلون أوزاعاً ويجهر بعضهم فقال عليه الصلاة والسلام (كلكم يناجي ربه يعني في صلاته فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن أو قال في القراءة) هذا الحديث صححه ابن عبد البر رحمه الله وبناء عليه فإن هؤلاء الذين يقرؤون القرآن قبل إقامة الصلاة ويجهرون جهراً يشوشون به على غيرهم يُنهون عن ذلك وهم إلى الإثم أقرب منهم إلى السلامة فإن كتاب الله عز وجل لم يجعل لإيذاء الغير وإنما هو قربة إلى الله سبحانه وتعالى بشرط ألا يحصل به أذية على إخوانه المسلمين ومن المعلوم أن الناس يأتون أرسالاً إلى المسجد فمنهم من يأتي بعد الأذان بمدة ومنهم من يأتي بعد الأذان بأقل من ذلك ويشرعون في النافلة تحية المسجد أو غيرها وإذا كان حول المصلى أحد يرفع صوته فإنه يشوش عليه بلا شك ويحول بينه وبين الخشوع في صلاته لا سيما إذا كان صاحب الصوت حسن القراءة والأداء فإنه يأخذ بلب السامع حتى يشغله عما هو بصدد الإقبال عليه ولهذا فإني أنصح إخواني المسلمين المحبين للخير من هذا العمل الذي يؤذون به غيرهم.
وبهذه المناسبة أود أن أذكّر بعض إخواننا من الأئمة الذين يرفعون الصلاة من مكبر الصوت على المنارات فإن هذا يحصل به أذية على من حولهم من المساجد وعلى من حولهم في البيوت فالمساجد المتقاربة يشوش بعضها على بعض إذا رفعت الصلاة من على المنارات حتى إننا سمعنا أن بعض المصلىن في مساجدهم إذا سمعوا قراءة من كان حولهم انشغلوا بها عن الاستماع إلى قراءة إمامهم قد يكون لحسن أداء القارئ أو لقوة صوته أو لغير ذلك مما يحصل وسمعت أن بعض الناس ركع لمّا سمع تكبير المسجد الذي حوله يظن أن ذلك إمامه ولا شك أن مثل هذه الأذية التي تخل بصلاة الآخرين لا شك أن الإنسان قد يأثم بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يجهر الناس بعضهم على بعض في القرآن كما أنه قد يؤذي جيران المسجد من أهل البيوت فقد يكون في البيت من هو نائم مستغرق في النوم من أهل البيت ومن يكون مريضاً وقد يكون قد استراح ورقد فيستيقظ بصوت هذا القارئ وأقول إن من أهل البيوت من يكون نائماً ممن لا صلاة عليهم مثل المرأة الحائض مثلاً أو ممن أدى الصلاة من أول ما سمع الأذان ثم رقد وإلا فمن المعلوم أنه لا يحل لأحد تلزمه الجماعة أن ينام عن صلاة الجماعة في بيته ويدع المسجد وإني أكرر النصيحة لإخواني في هذه المسألة وأقول لهم انظروا في المصالح وانظروا في المفاسد ما هي المصلحة التي تعود إلى الإمام أو إلى المصلىن خلفه أو إلى الناس في كون الصلاة ترفع من على المنارة أي مصلحة في ذلك قد يكون في ذلك مفسدة قد يكون بعض الكسالى يبقون في بيوتهم حتى تكون آخر ركعة فإذا لم يبق إلا ركعة جاء يركض ويسعى سعياً شديداً وربما يدرك هذه الركعة وربما لا يدركها وقد اشتكى إليّ بعض الناس بهذا وقالوا إننا نأمر أولادنا بالصلاة فيقولون الإمام في أول الصلاة انتظروا حتى يأتي الوقت الذي ندرك به الجماعة فالواجب على الإنسان أن يتّبع في عمله ما كان أنفع له ولغيره وأن يدرأ ما فيه الضرر ويبتعد عنه وأما ما يظنه بعض الناس من الفائدة في هذا العمل من كونه شعيرة من شعائر الإسلام وما أشبه ذلك فنقول إن الشعيرة التي ينبغي إعلانها هي الأذان وقد حصل وأما الصلاة فإنها عبادة تختص بالإمام وبمن خلف الإمام فقط وأما الخارج عن المسجد فلا علاقة له بها اللهم إلا ما ذكرت من كونه ينتظر آخر ركعة ثم يحضر وهذا ليس فيه فائدة بل فيه مضرة والعاقل إذا دار فعله بين الإثم أو السلامة فلا شك أنه سوف يدع هذا العمل أو يدع هذا الفعل إذا كان فيه إما سالماً وإما آثماً فكل أحد يختار أن يسلك سبيل السلامة.
***
(8/2)

يقول السائل ما حكم الصلاة في المسجدين المتقاربين بحيث يسمع أحدهما قراءة الآخر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة في أحد المسجدين جائزة ولا بأس بها ولكن لا ينبغي أن يبنى مسجد بقرب مسجد آخر يحصل به تفريق جماعة وتشتيت فإن هذا يشبه مسجد الضرار الذي قال الله عنه (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) نعم لو كانت المساجد صغيرة والسكان كثيرون لا يسعهم المسجد الواحد فلا بأس أن يبنى إلى جنبه مسجد آخر ولكن ينبغي أن يكون أحد المسجدين في طرف الحي من الجنوب مثلاً والثاني في طرفه من الشمال من أجل أن يتباعد ما بين المسجدين.
***
(8/2)

أحسن الله إليكم يقول السائل بالنسبة للصلاة في سطوح المساجد حيث إن بعض المساجد لا تسع للمصلىن في حالة حدوث وفاة شخص بالمنطقة فإنه يحضر جمعٌ كثير من الناس فلا يسع المسجد هؤلاء المصلىن فمنهم من يصلى في السطح ومنهم من يصلى في جوانب المسجد فما حكم ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا جائز يجوز أن يصلى الإنسان في سطح المسجد وفي المسقَّف من المسجد وفي الخلوة التي يسمونها البدروم أسفل ما دام الإنسان داخل أسوار المسجد فصلاته جائزة لكن كلما قرب من الإمام فهو أفضل وأما الصلاة حول المسجد في السوق فإن كان المسجد ممتلئاً فلا بأس وإن كان فيه مكان فلا يصح.
(8/2)

فضيلة الشيخ هل تصح الصلاة خارج المسجد إذا ازدحم المسجد بالمصلىن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم إذا ازدحم المسجد بالمصلىن صلوا ولو في الشارع لأن هذا ضرورة وحاجة وأما إذا لم يزدحم بالمصلين وصلوا خارج المسجد فإنه لا صلاة لهم لأن الواجب أن تكون الصلاة في مكان الإمام الذي يصلى فيه إلا للضرورة.
***
(8/2)

ما حكم الصلاة التي نصليها في فناء المسجد وهل هذا الحديث ينطبق عليه قول (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) علما بأن الفناء في المسجد تابع له؟.

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة في فناء المسجد إن كان جميع المصلين صلوا فيه فلا إشكال في جوازها وأما إذا كان المصلون يصلون في داخل المسقوف وهؤلاء صاروا في خارج فيقال خالفتم السنة لأن السنة أن تتقارب الصفوف بعضها من بعض وأن لا يصلوا في مكان والإمام يصلي في مكان آخر لكن صلاتهم على كل تقدير صحيحة.
***
(8/2)

ما حكم وضوء الرجل في مسجد ويصلي في مسجد آخر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت الميضأة خارج المسجد فلا حرج أن يتوضأ في هذه الميضأة ويصلي في مسجد آخر اللهم إلا إذا كان هذا المسجد قد أقيمت فيه الصلاة فالأولى أن يصلي فيه وأما إذا كانت الميضأة داخل المسجد فإنه لا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لسبب لأن أبا هريرة رأى رجلاً خرج من المسجد بعد الأذان فقال (أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم) فإن كان هناك سبب مثل أن يريد الذهاب إلى المسجد الآخر لحضور مجلس العلم أو لضرورة فلا حرج عليه أن يخرج ولو كانت الميضأة داخل المسجد.
***
(8/2)

إذا كان هناك بيت مغصوب واضطر شخص فسكن في هذا البيت فهل صلاته في هذا البيت تكون صحيحة أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: البيت المغصوب اختلف أهل العلم في صحة الصلاة فيه فمنهم من قال إن الصلاة صحيحة لأن النهي إنما نهي عن سكن البيت وليس عن الصلاة فالنهي لا يختص بهذه العبادة وكل نهي لا يختص بالعبادة فإنه لا يبطلها ولهذا إذا اغتاب الصائم أحداً فإن هذا الفعل محرم ولا يبطل به الصوم لأنه ما حرم من أجل الصوم ولو أنه أكل أو شرب لفسد صومه لأن النهي يختص بالصوم فهنا الصلاة في المكان المغصوب ليس منهياً عنها لذاتها بل لكونه استولى على هذا البيت وغصبه ولهذا فالمكث في هذا البيت لصلاة أو غيرها يكون حراماً وهذا رأي كثيرٍ من أهل العلم أن الصلاة في المكان المغصوب صحيحة ولكنه آثم بمكثه واستيلائه على هذا بغير حق والقول الثاني لأهل العلم في هذه المسألة أن صلاته تكون باطلة لأنها وقعت في مكان مغصوب فكانت كالصلاة التي تقع في زمان محرم فعلها فيه فصلاة النفل المطلقة إذا وقعت في وقت النهي تكون باطلة ذلك لأن الزمن يحرم فيه إيقاع هذه الصلاة وكذلك هذا المكان المغصوب لما كان يحرم المكث فيه مطلقاً فالمكث فيه لصلاة يكون مكثاً في مكان محرم المكث فيه فتقع الصلاة محرمة باطلة وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل لكن لو حبس في مكان مغصوب ولم يتمكن من الخلاص منه وصلى فإن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه.
***
(8/2)

هذه الرسالة من القصيم ج م ش يقول هل يجوز بناء المسجد على أشكال هندسية مختلفة كشكل سداسي؟ وما هو بناء المسجد الصالح للصلاة وأنا في اعتقادي الشكل الرباعي والمستطيل هو الصالح وأسال هذا السؤال لأنني شاهدت مساجد والحمد لله أنها قلة على شكل سداسي في مملكتنا الحبيبة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: بناء المسجد على أي شكل كان جائز مادام اتجاهه إلى القبلة سليماً وظاهراً إلا إذا بني على وجه يشبه الكنائس أو معابد الكفار فهذا لا يجوز لما في ذلك من التشبه بهم وأما إذا بني على وجه لا يوافق شيئاً من معابد الكفار من كنائس أو صوامع أو غيرها فإنه لا بأس به على أي شكل كان ما دام اتجاهه إلى القبلة سليماً وبيناً وواضحاً.
***
(8/2)

السائل يقول قام جماعة من أهل الحي ببناء مسجد ووضعوا مؤذنا وإماما منهم مع وجود جامع قريب وكذلك مسجد أوقاف آخر قريب منهم مع العلم بأنهم إذا سافروا في الإجازات أغلق المسجد ولا يصلى فيه أحد هل الراتب الذي يستلمه المؤذن والإمام من الأوقاف حلال أم حرام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا لابد أن نعلم أنه لا يجوز بناء مسجد وبقربه مسجد آخر لأن هذا يشبة مسجد الضرار الذي نهى الله سبحانه وتعالى عن أن يقوم فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن المنافقين بنوا مسجدا قرب مسجد قباء ليفرقوا المؤمنين ويضاروا بهم فقال الله تبارك وتعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) .. إلى أن قال (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً) هؤلاء الذين بنوا مسجدا وبقربه مساجد أخرى وإن كان ليس بكفر إن شاء الله وليس بمضارة أي ولم يقصدوا المضارة ولكن فيه المعنى الثالث وهو التفريق بين المؤمنين فلا يجوز لهم أن يبنوا هذا المسجد ولا يجوز أيضا للمسؤولين عن المساجد أن يرخصوا لكل من أراد أن يبني مسجدا أن يبني بل الواجب النظر هل هذه الأحياء تحتاج إلى مساجد لتباعد ما بينها أو لا تحتاج فيبقى المسجد الأول هو المسجد وهؤلاء إن هداهم الله وصلوا فيه فهذا المطلوب وإن لم يصلوا فيه فالإثم عليهم أما أن يتخذ كل قوم أو جماعة لهم مسجداً يصلون فيه ويتركونه في أيام الإجازة وما أشبه ذلك فهذا لا شك أنه خطأ عظيم ولا يجوز للمسؤولين عن المساجد أن يسمحوا لهم بذلك وبالنسبة لهؤلاء الذين فعلوا ما صنعوا لا يحل للإمام أن يأخذ راتبا على ذلك لأنه ليس إمام مسجد للمسلمين بل هو إمام مسجد لهؤلاء الجماعة فقط ولذلك يغلق المسجد كما جاء في السؤال إذا ذهبوا إلى الإجازات.
***
(8/2)

ما حكم إحضار الطعام إلى المساجد بنية الصدقات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إحضار الطعام إلى المساجد ليأكله الفقراء لا بأس به لكن لا على سبيل الدوام لأنه إذا كان على سبيل الدوام فقد يصبح المسجد بيتاً ومقراً أما إذا كان لأمر طارئ كالإفطار في رمضان فهذا لا بأس به بشرط أن لا يتأذى أهل المسجد ولا يتلوث المسجد وعمل الناس اليوم على هذا أما أن نجعل المسجد كأنه مقهى أو مطعم فهذا لا يجوز فالمساجد ما بنيت لهذا ففرق بين الأمور العارضة الطارئة وبين الأمور المستمرة الدائمة.
***
(8/2)