Advertisement

فتاوى نور على الدرب للعثيمين 016



الكتاب: فتاوى نور على الدرب
المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
[الكتاب مرقم آليا] ما الحكم إذا كشفت المرأة وجهها أثناء قراءة القرآن الكريم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس على المرأة إذا كانت تقرأ القرآن أن تكشف وجهها ولا حرج عليها في ذلك إلا إذا كان حولها رجال غير محارم لها فإنه في هذه الحال يجب عليها أن تغطي وجهها وذلك لأن المرأة لا يحل لها أن تكشف وجهها إلا لزوجها ولمن كان من محارمها والمحارم هم الذين يحرم نكاحهم إياها بنسب أو سبب مباح فكل من تحرم عليه تحريماً مؤبداًً بنسب أو سبب مباح فهم من محارمها وهم آباؤها وإن علوا سواء كانوا من قبل الأب أو من قبل الأم وأبناؤها وإن نزلوا سواء كانوا أبناء أبناء أو أبناء بنات وإخوتها وأبناؤهم وإن نزلوا سواء كانوا إخوة من الأم أو إخوة من الأب أو إخوة أشقاء وسواء كانوا الأبناء الذين تفرعوا منهم من أبنائهم أو أبناء أبنائهم أو أبناء بناتهم والأعمام دون أبنائهم والأخوال دون أبنائهم وكذلك أبو زوجها من النسب وآباؤه وإن علوا سواء كانوا آباءه من قبل الأب أو من قبل الأم وكذلك أبناء زوجها وإن نزلوا سواء كانوا أبناء بناته أو أبناء أبنائه هؤلاء هم المحارم للزوجة وأما أبناء بني العم وأبناء الخال وأخو الزوج وأقاربه سوى آبائه وأبنائه فإنهم غير محارم للزوجة فيجب عليها أن تستر وجهها عنهم.
وخلاصة الجواب أنه يجوز للمرأة أن تقرأ القرآن وهي كاشفة وجهها ولا حرج عليها في ذلك إلا إذا كان حولها رجال ليسوا بمحارم لها فيجب عليها ستر وجهها.
***
(22/2)

ما هي حدود غض البصر وهل لي أن أنظر إلى أي رجل خاصة إذا دعت الظروف أن أتعامل مع رجل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: غض البصر يعني قصر البصر بحيث لا يمتد إلى ما لا يحل النظر إليه والمرأة لا حرج عليها إذا رأت الرجل لأن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخرجن إلى المسجد ويخرجن إلى الأسواق وينظرن إلى الرجال بالطبع لأن عليهن النقاب ولكن إذا كانت تنظر للرجل نظر تمتع أو نظر شهوة كان ذلك حراماً عليها فيجب عليها حينئذٍ أن تصرف نظرها وأما ما دعت الضرورة إليه فالضرورة لها شأنٌ آخر.
***
(22/2)

السؤال: يقول ما المقصود بكلمة القواعد من النساء؟

فأجاب رحمه الله تعالى:المراد بالقواعد العجائز اللاتي قعدن عن الحركة لعدم قوتهن ونشاطهن (اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً) يعني اللاتي يئسن من أن يتقدم لهن أحد لكبر سنهن هؤلاء القواعد ليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة يعني أن يضعن ثياب الخروج التي جرت العادة أن تخرج بها النساء بشرط ألا يتبرجن بزينة أي ألا يظهرن زينة جمال يكون بها فتنة وعلى هذا فإذا خرجت مثل هذه المرأة إلى السوق بثياب البيت التي ليست ثياب زينة فلا حرج عليها في ذلك إلا أنه ينبغي ألا تخرج لئلا يقتدى بها ولئلا تظن الشابة أن هذا الحكم عام لها وللقواعد وما كان يفضي إلى مفسدة فإنه ينبغي ألا يفعل وإن كان مباحا سدا للزريعة وفي هذه الآية دليل واضح على أن من سوى النساء القواعد فعليها جناح إذا وضعت ثوبها الذي اعتادت أن تخرج به إلى السوق وهو دليل على وجوب ستر الوجه لأن ستر الوجه من أعظم التبرج بالزينة فإن إظهار الوجه أشد فتنة من ثوب جميل بل وأشد فتنة من طيب يفوح فإن تعلق الرجل بالمرأة التي كشفت وجهها أشد من تعلقه بامراة عليها ثياب جميلة إذا لم يشاهد الوجه وبهذه المناسبة أود أن أوجه نصيحة إلى بناتنا وأخواتنا بأن يتقين الله تعالى في أنفسهن وألا يخرجن إلى السوق متبرجات بزينة وألا يخرجن إلى السوق بريح طيب تظهر ويشمها الرجال وألا يكشفن وجوههن لأن الوجه أعظم زينة تجلب الفتنة والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ويحمل المرأة على أن تدرج من القليل إلى الكثير ومن الصغير إلى الكبير فلتبقى النساء على عادتهن وعلى ما جبلهن الله عليه من الحياء وألا تغتر بمن هلك فإن الله تعالى يقول في كتابه (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) (الأنعام: من الآية116) نسأل الله التوفيق والحماية من أسباب الشر والفتنة.
***
(22/2)

الإسبال
(22/2)

السؤال: ما حكم إسبال الثياب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: حكم إسبال الثياب للنساء لا بأس به لأنه ستر لأقدامهنّ وأما إسبال الثياب للرجال فإنه محرم بل هو من كبائر الذنوب ويقع الإسبال على وجهين:
أحدهما أن يكون للخيلاء والفخر والتعاظم فهذا جزاؤه أن الله تعالى لا يكلمه يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم لحديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم كررها ثلاثاً فقال أبو ذر خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) والمسبل هو الذي يرخي ثوبه حتى يصل إلى الأرض فهذه العقوبة كما ترى عقوبة عظيمة شديدة.
أما الوجه الثاني فأن يقع الإسبال لا على وجه الفخر والخيلاء فعقوبته أهون لقول النبي عليه الصلاة والسلام (ما أسفل من الكعبين ففي النار) أي أن ما نزل من الكعبين فإن صاحبه يعذب عليه بالنار فيكون العذاب على قدر النازل من الثوب عن الكعبين وهذه العقوبة أهون من العقوبة الأولى ومن ثم نقول إنه لا يمكن أن يقيد هذا الحديث المطلق بالحديث السابق وهو من جر ثوبه خيلاء ذلك لأن العقوبتين مختلفتان وإذا اختلفت العقوبتان امتنع حمل أحد الحديثين على الآخر لأنه يلزم منه تكذيب أحداهما بالآخر عقوبة هذا كذا وعقوبة هذا كذا مع أن العمل واحد وبهذا نعرف أن ما يتعلل به بعض الناس إذا نهيته عن إسبال ثوبه أو سرواله أو مشلحه قال أنا لم أفعله خيلاء فهذا التعلل الذي يتعلل به لا وجه له وذلك لأن العقوبتين مختلفتان فلا يحمل أحدهما على الآخر وقد نص علماء الأصول رحمهم الله على أنه إذا اختلف الحكم فإنه لا يحمل المطلق على المقيد وضربوا لذلك مثلاً بطهارة التيمم وطاهرة الوضوء فالله سبحانه وتعالى قال في الوضوء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) وقيد الغسل بالمرافق وقال في التيمم (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) ولم يقيدها بالمرافق فكان موضع التيمم الكفين فقط أما الوضوء فموضعه الكفان والذراع والمرفق ولم يحمل المطلق في التيمم على المقيد في الوضوء وذلك لاختلاف الحكم بين الطهارتين وهذه قاعدة ينبغي لطالب العلم أن يعرفها وهي أنه لا يحمل المطلق على المقيد مع اختلاف الحكم.
***
(22/2)

السؤال: يقول قرأت حديثاً فيما معناه بأن الله لا ينظر يوم القيامة إلى ثلاثة منهم المسبل إزاره، يقول بأنه لا يرتاح في لبس الثوب القصير وأيضاً لا أرتدي ثوباً طويلاً جداً بل إلى الكعبين فما هو حكم الشرع في نظركم في عمله هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الحديث الذي أشار إليه هو ما رواه مسلم عن أبي ذر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قالها ثلاثاً صلوات الله وسلامه عليه فقال أبو ذر خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) فأما المسبل فهو الذي يسبل ثوبه أو سرواله أو مشلحه والإسبال المحرم ما كان نازلاً عن الكعب أما الكعب فما فوقه فإن ذلك ليس بمحرم، وعلى هذا فإننا نقول لهذا السائل إذا كان ثوبك أو مشلحك أو سروالك أو إزارك إلى الكعب فما فوق فهذا جائز ولا حرج عليك فيه، لكن الحرج أن يكون نازلاً عن الكعب فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما أسفل من الكعبين ففي النار) فلا يحل لأحد أن ينزَّل سرواله أو إزاره أو ثوبه يعني القميص أو مشلحه إلى أسفل من الكعبين فإن فعل فليصبر على نار جهنم بقدر ما نزل من هذا ونعود إلى حديث أبي ذر فنقول المنان المراد به من يمن بالصدقة بحيث إذا تصدق على شخص صار يمن عليه بها كلما جرى شيء قال أنا الذي تصدقت عليك أنا الذي فعلت وما أشبه ذلك، وأما المنفق سلعته بالحلف الكاذب فهو الذي يحلف على سلعته من أجل زيادة الثمن مثل أن يحلف بأنها سلعة جيدة وهي ليست كذلك أو يحلف بأنه اشتراها بكذا وهو اشتراها بأقل أو ما أشبه هذا من الأيمان التي تزيد في قيمة السلعة، فإن من حلف هذا اليمين ليزيد ثمن سلعته فإن الله تعالى لا يكلمه يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
***
(22/2)

السؤال: يقول السائل ما حكم الصلاة بالثوب الطويل هل تبطل الصلاة أم لا علما بأن كثيراً من الناس يصلون بثياب طويلة ويتجاهلون حكم لبس الثوب الطويل فيما أسفل الكعبين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال يقتضي الجواب عليه أن نتكلم على مسألتين:
المسألة الأولى إطالة الثوب أو السروال أو المشلح حتى ينزل عن الكعبين نقول هذه الإطالة من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (ما أسفل من الكعبين ففي النار) ولا وعيد إلا على معصية من الكبائر ولا فرق بين أن ينزل عن الكعبين خيلاء وتيهاً أو رغبة بدون خيلاء وقد ظن بعض الناس أن هذا الوعيد لا يكون إلا إذا كان خيلاء وقال أنا لم أصنعه خيلاء ولكن رغبة في ذلك وهذا ظن خطأ فإن الوعيد في الخيلاء أشد وأعظم من الوعيد على من نزل ثوبه أو سرواله أو مشلحه عن الكعبين لأن الوعيد على الخيلاء ألا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم كما ثبت في صحيح مسلم عن إبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قال خابوا وخسروا يا رسول الله من هم قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) فلما اختلف العقاب امتنع أن يلحق أحدهما بالآخر لأنه لو ألحق أحدهما بالآخر لزم من ذلك تكذيب أحد الخبرين بالثاني لأنه إذا كان العمل واحدا لم تختلف عقوبته على كل حال أقول لهؤلاء الذين ابتلوا بتنزيل ثيابهم أو سراويلهم أو مشالحهم إلى أسفل من الكعبين اتقوا الله في أنفسكم واعلموا أن ما قاله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو حق وأنكم إذا فعلتم أسبابه وموجباته فقد تعرضتم له وظلمتم أنفسكم
أما بالنسبة للصلاة فقد اختلف العلماء رحمهم الله فيمن صلى في ثوب محرم عليه هل تصح صلاته أو لا تصح فمنهم من قال إن الصلاة صحيحة لأن النهي عن لبس الثوب المحرم عام لا يختص بالصلاة والنهي العام الذي يتناول ما إذا كان الإنسان في عبادة أو غير عبادة لا يبطل العبادة ولهذا لا تبطل الغيبة الصيام مع أنها محرمة في الصيام وغيره حيث إن تحريمها عام وأما إذا كان التحريم خاصا فإنه يبطل العبادة ولهذا بطل الصيام بالأكل والشرب لأن تحريمهما خاص بالصيام ومعلوم أن إنزال الثوب إلى ما تحت الكعب محرم في الصلاة وخارج الصلاة فتكون الصلاة في الثوب المحرم صحيحة لكن اللابس آثم بهذا اللبس فالذي ينزل ثوبه أو سرواله أو مشلحه إلى أسفل من الكعبين على خطر عظيم في صلاته حيث إن كثيراً من العلماء قال إن صلاته غير صحيحة.
***
(22/2)

السؤال: يقول إذا كان الثوب والبنطلون طويلاً إلى أسفل الكعبين هل تصح الصلاة فيه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب إذا كان البنطلون نازلاً عن الكعبين فإنه محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الإزار فإنه يكون في غيره وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يرفع بنطلونه وغيره من لباسه عما تحت كعبيه وإذا صلى به وهو نازل تحت الكعبين فقد اختلف أهل العلم في صحة صلاته فمنهم من يرى أن صلاته صحيحة لأن الرجل قد قام بالواجب وهو ستر العورة ومنهم من يرى أن صلاته ليست بصحيحة لأنه ستر عورته بثوب محرم وجعل هؤلاء من شروط الستر أن يكون الثوب مباحاً والإنسان على خطر إذا صلى في ثياب مسبلة فعليه أن يتقي الله عز وجل وأن يرفع ثيابه حتى تكون فوق كعبيه.
***
(22/2)

السؤال: يقول هل هذا حديث فضيلة الشيخ (إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل إزاره) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث روي عن النبي صلى الله عليه واله وسلم لكنه ضعيف لا تقوم به حجة والمسبل إزاره وإن قبلت صلاته فهو آثم بل إثم كبيرة من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توعد ما كان من أسفل من الكعبين بالنار فقال عليه الصلاة والسلام (ما أسفل من الكعبين ففي النار) أي ما كان أسفل من الكعبين فإنه في النار أي يعذب به صاحبه على قدر ما نزل من ثوبه والتعذيب هنا التعذيب الجزئي للمكان الذي وقعت فيه مخالفة وليس تعذيبا للبدن كله فالتعذيب المجزأ أمر واقع ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (ويل للأعقاب من النار) لما رأى بعض أصحابه توضؤا وخففوا غسل الأقدام قال (ويل للأعقاب من النار) فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوعيد على ما حصلت فيه المخالفة فقط أما إذا جر ثوبه خيلاء فإن الأمر أشد وأعظم قال النبي عليه الصلاة والسلام (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) قال أبو ذر وهو راوي الحديث خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال (المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) فالعقوبة في جر ثوب الخيلاء أشد وأعظم وعلى هذا فمن أسبل ثوبه أو سرواله أو مشلحه إلى أسفل من الكعبين فهو آثم بكل حال ولكنه إن كان خيلاء فجره فعليه هذا الوعيد الشديد وقد تهاون بعض الناس في هذا الأمر فعلى إخواني الذين ابتلوا بهذا الأمر أن يتوبوا إلى الله عز وجل مما صنعوا وألا يبدلوا نعمة الله كفرا بها بل يشكروه على ما يسر لهم من اللباس ويستعملوه على الوجه الذي ليس فيه سخط الله عز وجل وقد جاء شاب من الأنصار إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طعن جاء إليه يعوده فلما ولى هذا الشاب إذا إزاره قد نزل فقال له يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك وأبقى لثوبك فأمره عمر رضي الله عنه بأن يرفع ثوبه وبين له فائدتين عظيمتين فائدة دينية وهي التقوى وفائدة دنيوية وهي بقاء الثوب لئلا تأكله الأرض بحكه عليها.
***
(22/2)

السؤال: يقول إذا أسبل الرجل ثوبه دون أن يكون قصده الكبر أو الخيلاء فهل يحرم عليه ذلك وهل يكون في الكم إسبال وجزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أسبل الرجل ثوبه فإنه على قسمين:
القسم الأول أن يسبله خيلاء حتى يصل إلى الأرض فهنا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) ويقول صلى الله عليه وسلم (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) وهذه عقوبة عظيمة لأن الفاعل أتى مفسدتين المفسدة الأولى جر الثوب والمفسدة الثانية كونه ناشيءا عن خيلاء وكبرياء
أما القسم الثاني فأن يجره بغير الخيلاء وهذا قليل في الناس لكن قد يقع فجزاء هذا ما ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في قوله (ما أسفل من الكعبين ففي النار) أي أن الإنسان يعذب في النار على قدر ما نزل من ثوبه عن كعبيه وهذا العذاب كما جاء في الحديث عذاب جزئي وهو دون التعذيب بإعراض الله عنه وعدم تزكيته له كما جاء في القسم الأول وعلى هذا يكون تنزيل الثوب أو السروال أو المشلح عن الكعب من كبائر الذنوب لأنه إن كان عن خيلاء وجره على الأرض فعقوبته ألا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم وإن نزل عن الكعب لغير الخيلاء فعقوبته أن يعذب في النار بقدر ما نزل من ثوبه وهذا يشمل الثوب والسروال والمشلح وأما تطويل الأكمام في اليدين فإن من العلماء من قال إن فيه الخيلاء فإن بعض الناس قد يطيل أكمامه وقد يوسعها توسيعا أكثر مما يحتاج إليه فخرا وخيلاء وتطاولا فيناله من الوعيد مثل ما نزل ثوبه وعلى كل حال فإن تطويل الأكمام وتوسيعها أكثر مما يحتاج إليه قد يكون داخلا في الإسراف الذي نهي الله عنه قال تعالى (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) .
***
(22/2)

السؤال: يقول أنا شاب في العشرين من عمري محافظ على أداء الصلوات المكتوبة وعلى تلاوة القرآن الكريم وأوامر ربي عز وجل إلا أنني أعاني من أمر هو أن ثيابي التي ألبسها عادة ما تكون طويلة وأنا لا أقصد بذلك الكبر والخيلاء وحاولت مراراً أن أقصر من ثيابي لكنني أقول في نفسي ما دام أنني لم أقصد الكبر أو غير هذا فهذا إن شاء الله ليس فيه ذنب أرجو من فضيلتكم إجابة شافية عن هذا الموضوع وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تضمن هذا السؤال مسألتين:
المسألة الأولى أن الرجل أثنى على نفسه بكونه قائماً بطاعة الله محباً لما يرضي الله عز وجل أرجو أن يكون هذا الثناء على نفسه من باب التحدث بنعم الله عز وجل لا من باب تزكية النفس وذلك أن الذي يتحدث عن نفسه بفعل الطاعات لا يخلو من حالين:
الحال الأولى أن يكون الحامل له على ذلك تزكية نفسه وإدلاله بعمله على ربه وهذا أمر خطير قد يؤدي إلى بطلان عمله وحبوطه وقد نهى الله سبحانه وتعالى عباده عن تزكية نفوسهم فقال تعالى (فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى) .
الحال الثانية أن يكون الحامل له على ذلك التحدث بنعمة الله سبحانه وتعالى وأن يتخذ من هذا الإخبار عن نفسه سبيلاً إلى أن يقتدي به نظراؤه وأشكاله من بني جنسه وهذا قصد محمود لأن الله سبحانه وتعالى يقول (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) .
أما المسألة الثانية مما تضمنه السؤال فهو السؤال عن كونه يرخي ثوبه وينزله إلى أسفل من الكعبين وكان يمني نفسه بأنه لم يفعل ذلك من باب الكبر ولا من باب الخيلاء فيكون هذا مباحاً والجواب على ذلك أن عمله هذا محرم بل إن ظاهر النصوص أنه من كبائر الذنوب وذلك لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) وهذا الحديث مطلق لم يقيده النبي صلى الله عليه وسلم بكونه خيلاء أو بطراً ولا يمكن أن يحمل على المقيد بذلك لأن الحكم فيهما مختلف وقد ذكر أهل العلم أنه لا يحمل المطلق على المقيد إلا إذا كان الحكم فيهما واحداً ولتستمع إلى فرق الحكم بينهما فإن من جر ثوبه خيلاء عقوبته أن الله عز وجل لا يكلمه يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قالها ثلاثة فقال أبو ذر رضي الله عنه خابوا وخسروا من هم يا رسول الله فقال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) فبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن عقوبة المسبل أن الله تعالى لا يكلمه يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وهذا الحديث مطلق لكنه مقيد بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) فقيده النبي صلى الله عليه وسلم بكونه خيلاء وقال لم ينظر الله إليه وهذه العقوبة بعض العقوبة التي دل عليها حديث أبي ذر فيحمل حديث أبي ذر المطلق على هذا الحديث المقيد إذاً عقوبة من جر ثوبه خيلاء أعظم من عقوبة من نزل إزاره عن كعبيه لأن من نزل إزاره عن كعبيه عقوبته أن يعذب بالنار ما قابل النازل من الإزار عن الكعبين وأما عقوبة من جر ثوبه خيلاء فهي أعظم وأكبر فإنها ألا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم وبهذا الفرق علمنا أنه لا يمكن حمل المطلق على المقيد اتباعاً للقاعدة التي ذكرها الأصوليون والتي دل عليها كتاب الله عز وجل وإيضاح ذلك أن الله سبحانه وتعالى ذكر في آية الطهارة في الوضوء أن غسل اليدين يكون إلى المرافق فقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فقيد غسل اليدين ببلوغ الغسل إلى المرافق وقال في التيمم (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) ولم يقيد الأيدي ببلوغ التيمم إلى المرافق ولا يحمل حكم التيمم على حكم الوضوء وذلك لاختلافهما في الحكم ففي الوضوء تتعلق الطهارة بأربعة أعضاء وفي التيمم بعضوين وفي الوضوء تكون الأعضاء بعضها مغسولاً وبعضها ممسوحاً وفي التيمم تكون ممسوحة وكذلك في طهارة التيمم تتفق الطهارتان الصغرى والكبرى وفي طهارة الماء تختلف الطهارتان الصغرى والكبرى وعليه فلا يحمل المطلق في حكم التيمم على المقيد في الوضوء ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم عمار بن ياسر كيفية التيمم ضرب الأرض بيديه ضربة واحدة ومسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه ولم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم بالتيمم إلى المرافق فدل هذا أن القاعدة التي قررها الأصوليون قاعدة مستقرة دل عليها الكتاب والسنة فليتق الله تعالى المرء وليجتنب ما حرم الله عليه في لباسه فإن فعل ما حرم الله على المرء في لباسه من كفران النعم وقد أشار الله تبارك وتعالى حين ذكر أنه أنزل على عباده لباساً يواري سوآتهم وريشا أشار الله تبارك وتعالى إلى أنه يجب على الإنسان أن يراعي جانب التقوى في ذلك حيث قال (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) وتقوى الله عز وجل واجبة على كل مسلم كما قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ولقد عاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طعن عاده شاب من الأنصار وكان عليه ثوب يضرب على الأرض فلما ولى دعاه عمر رضي الله عنه فقال له يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك وأبقى لثوبك وفي لفظ وأنقى لثوبك فذكر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن في رفع الثوب فائدتين عظيمتين إحداهما تقوى الله عز وجل التي أعد الله سبحانه وتعالى للمتصفين بها جنة عرضها السموات والأرض كما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) والفائدة الثانية أن ذلك أبقى للثوب فإن الثوب إذا انجر على الأرض أكلته وقطعت أسفله وأنقى له أيضاً فإن الثوب إذا انجر على التراب تلوث به
فإن قلت هل يمكن أن تكون العقوبة على جزء من البدن دون جميعه فالجواب نعم يمكن ذلك ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى تقصيراً من بعض الصحابة رضي الله عنهم في غسل أرجلهم نادى بأعلى صوته (ويل للأعقاب من النار) فجعل العقوبة في العضو الذي حصل فيه الخلل وهكذا نقول فيمن نزل ثوبه عن كعبيه إن عقوبته تكون في مقدار ما حصلت به المخالفة فيعذب بالنار ما كان أسفل من الكعبين وإني أوجه إلى السائل بارك الله فيه وإلى غيره ممن ابتلوا بهذه المسألة أعني مسألة الإسبال أوجه إليهم نصيحة بأن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم وفي مجتمعهم وأن يذكروا بقلوبهم وعلى ألسنتهم أناساً لا يجدون ما يسترون به عوارتهم أو يتقون به الحر والبرد من الثياب حتى يكون ذلك داعياً إلى شكرهم نعمة الله سبحانه وتعالى والتزامهم بأحكام الله في هذه الثياب التي أنعم الله عليهم بوفرتها وكثرتها.
***
(22/2)

السؤال: من اليمن باعثها المستمع يحي بن علي يقول في رسالته ما حكم الشرع في نظركم يا فضيلة الشيخ في مسابقة الإمام وأيضاً مسبل إزاره خيلاء نرجو إفادة بذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال تضمن سؤالين السؤال الأول في مسابقة الإمام فمسابقة الإمام محرمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول صورته صورة حمار أو يجعل رأسه رأس حمار) وهذا يدل على التحريم ثم إن السبق يختلف فإن كان السبق بتكبيرة الإحرام فإنه الصلاة لا تنعقد لأن الصلاة لا تنعقد إلا إذا كانت تكبيرة المأموم بعد انتهاء الإمام من تكبيرة الإحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر) وإن كان السبق بركن آخر ففيه تفصيل عند بعض أهل العلم والراجح عندي أنه لا تفصيل في ذلك وأن المأموم متى سبق الإمام بالركن أو إلى الركن فإن صلاته تبطل إذا كان عالماً بالنهي أما إذا كان جاهلاً فإنه معذور ولكن عليه أن يتعلم أحكام دينه حتى يعبد الله على بصيرة وكذلك لو نسي فسبق إمامه فإنه لا تبطل صلاته وعليه أن يرجع ليأتي بما سبق إمامه بعده وبهذه المناسبة أود أن أبين أن للمأموم مع إمامه أربع حالات متابعة وموافقة ومسابقة وتخلف فأما المتابعة فهي الحال الوحيدة التي دلت السنة على الحث عليها والأمر بها وهي أن يأتي الإنسان بأفعال الصلاة بعد إمامه بدون تأخر وقد دل عليها قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد) .
والحال الثانية الموافقة بأن يأتي الإنسان بأفعال الصلاة مع إمامه لا يتقدم عنه ولا يتأخر وهذه خلاف ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر أهل العلم أنه إذا كانت الموافقة في تكبيرة الإحرام فإن الصلاة لا تنعقد وعلى المأموم أن يعيدها بعد ذلك.
الحال الثالثة المسابقة وهي أن يأتي بأفعال الصلاة قبل إمامه فإن كان ذلك في تكبيرة الإحرام فصلاته لم تنعقد وإن كان في غيرها ففيها تفصيل عند أهل العلم بل فيها تفصيل على المشهور من مذهب الإمام أحمد والراجح أن الصلاة تبطل بذلك إذا كان الإنسان عالماً ذاكراً.
والحال الرابعة التخلف وهي خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم مثل أن يتخلف عن الإمام فلا يبادر بمتابعته فهذا خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله (إذا كبر فكبروا) ومعلوم أن المشروط يتبع الشرط ويليه فليكن تكبيرك تلو تكبيرة الإمام وركوعك تلو ركوع الإمام وسجودك تلو سجود الإمام وهكذا فلا تتخلف عنه لكن لو تخلف الإنسان لعذر مثل أن لا يسمع صوت الإمام أو يكون ساهياً ففي هذه الحال متى زال ذلك العذر تابع الإمام يعني أتى بما تخلف عن الإمام حتى يلحقه إلا أن يصل الإمام إلى الركن الذي أنت فيه فإنها تلغى الركعة التي حصل فيها التخلف وتقوم الركعة الثانية مقامها مثال ذلك لو كنت واقفاً مع الإمام أول ركعة ثم ركع الإمام وسجد وقام إلى الثانية وأنت لم تعلم به حتى وصل إلى القيام وأنت الآن قائم على أنها الركعة الأولى والإمام قام إليها على أنها الثانية فإنك تبقى معه وتكون الركعة الثانية للإمام ركعة أولى لك فإذا سلم أتيت بركعة بعده أما لو علمت به وهو ساجد بأن ركع ورفع وأنت لم تعلم ثم لما ركع للسجود سمعته فإنك تركع وترفع وتسجد وتتابع الإمام.
أما السؤال الثاني فهو مسبل إزاره وإسبال الإزار حرام ويقع إسبال الإزار على وجهين الوجه الأول أن يسبله بدون خيلاء فهذا عقوبته أن ما أسفل من الكعبين ففي النار هذه هي عقوبته والوجه الثاني أن يكون خيلاء فعقوبة هذا أن الله لا ينظر إليه يوم القيامة ولا يزكيه ولا يكلمه وله عذاب أليم كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم كررها ثلاث مرات فقال أبو ذر من هم يا رسول الله خابوا وخسروا فقال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) وأما من جر ثوبه لغير خيلاء فقد ثبت في الصحيح (أن ما أسفل من الكعبين ففي النار) ولا يجوز أن يحمل هذا على الأول لاختلاف العقوبتين وإذا اختلفت العقوبتان في عمل فإنه لا يمكن أن يحمل أحدهما عن الآخر للتناقض والتضاد لأن تلك العقوبة غير تلك وإذا كانت غيرها فإننا لا نحمل أحد الحديثين على الآخر، وذلك لأن العقوبتين مختلفتان فلا يحمل أحدهما على الآخر وقد ذكر أهل العلم أنه إذا اختلف الحكم فإنه لا يحمل أحد النصين على الآخر ومثلوا لذلك بقوله تعالى في التيمم (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) ولم يقيد الأيدي بالمرافق وفي آية الوضوء قال (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) فلا تحمل آية التيمم على آية الوضوء وذلك لاختلاف الحكم بين الطهارتين فإن طهارة التيمم في عضوين فقط وطهارة الوضوء في أربعة أعضاء وطهارة التيمم لا يختلف فيها الحدث الأكبر والأصغر وطهارة الوضوء الماء يختلف فيها الحدث الأصغر والأكبر فهكذا هذان الحديثان (ما أسفل من الكعبين ففي النار) و (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) لا يحمل أحدهما على الآخر وقد دل على ذلك ما أخرجه مالك من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إزرة المؤمن إلى نصف ساقه وما أسفل من الكعبين ففي النار ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) ففرق النبي صلى الله عليه وسلم بين من جر ثوبه خيلاء وبين ما نزل عن الكعبين.
***
(22/2)

السؤال: يقول في حديث تحريم إسبال الثوب إلا لغير الخيلاء ما المقصود بالخيلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا قول السائل تحريم إسبال الثوب إلا لغير الخيلاء هذا غلط فإن إسبال الثوب محرم سواء كان لخيلاء أو لغير خيلاء لكن إن كان للخيلاء فإن وعيده شديد جدا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قالوا من هم يا رسول الله قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) وهذا وعيد عظيم وأما الإسبال بدون خيلاء فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما أسفل من الكعبين ففي النار) فهو يعذب بالنار عذابا جزئيا على قدر ما حصل منه من المعصية والفرق بين الوعيدين عظيم فيكون قول السائل إذا لم يكن خيلاء يكون غلطا بل نقول إنه إذا أسبل فقد أتى منكرا وكبيرة من كبائر الذنوب لكن تختلف العقوبة فيما إذا كان ذلك خيلاء أو غير خيلاء والخيلاء معناه التكبر والتعاظم أن الإنسان يفعل ذلك تكبرا وتعاظما وفخرا وما أشبه ذلك من المعاني.
(ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم وله عذابٌ عظيم قالها ثلاثاً وأبو ذر يقول خابوا وخسروا من هم يا رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكذب) وفي حديث ابن عمر (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه) فيكون حديث ابن عمر موافقاً لحديث أبي ذر ويكون المسبل أي خيلاء فإذا جر الإنسان ثوبه خيلاء فإن الله تعالى لا ينظر إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذابٌ عظيم أما إذا صنعه لغير الخيلاء وإنما هو للعادة فإنما أسفل من الكعبين ففي النار لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (ما أسفل من الكعبين فهو في النار) فيكون حراماً لكن ليست له العقوبة التي يعاقب بها من جر ثوبه خيلاء لأن هذا (ما أسفل من الكعبين فهو في النار) يكون التعذيب بالنار على ما نزل من الكعبين فقط يكوى به ويعذب به في النار ولا تعجب أن يكون العذاب بالنار بجزءٍ من البدن فهذا ثابت في الحديث الصحيح حديث أبي هريرة (ويلٌ للأعقاب من النار) في قومٍ توضؤوا وقصروا في غسل أرجلهم فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى صوته (ويلٌ للأعقاب من النار، ويلٌ للأعقاب من النار) فهنا العقوبة على محل التقصير فقط وهي الأعقاب كذلك (ما أسفل من الكعبين فهو في النار) العقوبة على ما حصل فيه التعدي وهو ما تحت الكعبين فقط على هذا نقول ما نزل عن الكعبين من الثياب فهو حرامٌ سواءٌ صنعه الإنسان خيلاء أو لعادةٍ بين الناس وهذه العادة يجب أن يبتعد عنها لأن العادة إذا خالفت الشرع فهي عادةٌ باطلة يجب على المرء أن يتجنبها.
وأما بالنسبة لصحة الصلاة فإن هذه المسألة مبنية على أصلٍ مختلفٍ فيه وهو هل من شرط صحة الصلاة أن يكون الساتر مباحاً أولا, فمن العلماء من قال إنه يشترط في الثوب الساتر أن يكون مباحاً وأن الرجل إن صلى في ثوبٍ محرمٍ عليه بطلت صلاته وعلى هذا فإذا صلى في ثوبٍ خيلاء فصلاته باطلة وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله وفيه حديثٌ تكلم العلماء فيه من حيث الصحة ومن العلماء من يقول إنه لا يشترط في الساتر أن يكون مباحاً بل يحصل الستر بالثوب المحرم لأن حقيقة الستر حصلت وكون الثوب محرماً لا يمنع من الستر به وإنما يأثم الإنسان به وعلى هذا فتصح الصلاة بالثوب وإن كان خيلاء وعلى كل حال المسألة يجب على المسلم ألا يكون نظره من زاويةٍ واحدة هل تصح الصلاة أو لا تصح بل يجب أن ينظر من الناحيتين فنقول هذا ثوبٌ محرم والواجب على المسلم أن يتجنبه في صلاته وغير صلاته وهذا كما هو معروف بالنسبة للرجال أما النساء فالمشروع في حقهن أن يسترن أقدامهن بثيابهن.
***
(22/2)

السؤال: يقول فضيلة الشيخ ما حكم الإسبال الذي عم بين الكثير من الناس وما هو ضابطه وهل هو مقيد بالخيلاء

فأجاب رحمه الله تعالى: الإسبال هو أن يكون الثوب أو السروال أو المشلح نازلاً عن الكعب في حق الرجال وهو محرم بل من كبائر الذنوب لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما رواه مسلمٌ عن أبي ذرٍ رضي الله عنه (ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذابٌ أليم قال أبو ذر: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) المسبل هو من نزل ثوبه من سروال أو إزار أو قميص أو مشلح عن الكعبين والمنان هو الذي يمن بما فعل من المعروف لغيره فتجده يمن عليه ويذكره بما فعل فيه من معروف، والمنان صيغة مبالغة تقتضي أنه كثير المن فيما يأتي به من معروف أما المنفق سلعته بالحلف الكاذب فهو الذي يحلف في بيعه وشرائه من أجل زيادة الثمن وهو كاذب بأن يقول والله قد اشتريتها بمائة وقد اشتراها بثمانين أو يصفها بصفةٍ ليست فيها من أجل أن يزيد الثمن الشاهد في هذا الحديث هو قوله المسبل وظاهر الحديث الإطلاق سواءٌ أسبل بخيلاء أم لا وإنما حددناه بالكعبين لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما أسفل من الكعبين ففي النار) أما ما كان فوق الكعبين فلا يضر وقد يقال إن النازل عن الكعبين ينقسم إلى قسمين الأول أن يجر ثوبه خيلاء فهذا هو الذي فيه الوعيد الشديد أن الله لا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذابٌ أليم وعلى هذا فيكون حديث أبي ذر مقيداً يدل على أن المراد من فعل ذلك خيلاء وأما من نزل ثوبه عن كعبيه بلا خيلاء فإن عقوبته دون ذلك وهو أنه يعذب في النار بحسب ما نزل من ثوبه عن كعبيه وهذا عذابٌ جزئي ولا تستغرب أن يكون العذاب جزئياً فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال حين جعل بعض الصحابة يغسل رجليه دون عقبيه نادى بأعلى صوته (ويلٌ للأعقاب من النار) وخلاصة الجواب أن من أسبل ثوبه خيلاء فله هذا الوعيد الذي في حديث أبي ذر أن الله لا يكلمه يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذابٌ أليم وإذا كان غير خيلاء فإنه متوعد عليه بالنار لكنه وعيدٌ جزئي فيما حصلت فيه المخالفة فقط.
***
(22/2)

السؤال: بارك الله فيكم نشاهد البعض من الناس يقصر ثوبه ويطيل السروال فما ترون في ذلك فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نرى أنه لا حرج في ذلك ما دام السروال لم ينزل عن الكعبين إلا أن يكون هذا اللباس شهرة بحيث يشتهر به بين الناس بحيث يقال فلان يلبس على هذه الكيفية أو يقال إن فلاناً من الطائفة الفلانية يعني الذين يعتادون هذا اللباس فإنه في هذه الحال لا يفعل لأنه منهيٌ عن لباس الشهرة وأما إذا قصر الثوب ونزل السروال إلى أسفل الكعبين فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ما أسفل من الكعبين ففي النار) فلا يجوز للإنسان أن ينزل سرواله أو قميصه أو مشلحه عن الكعبين فإن فعل فقد عرض نفسه لهذه العقوبة أن يعذب ما نزل في النار والمراد بذلك أن يعذب من قدمه بمقدار ما نزل عن الكعبين.
فإن قال قائل كيف يكون التعذيب على جزء البدن قلنا يمكن هذا لا غرابة فيه ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات يومٍ في سفر فأدركتهم صلاة العصر فجعلوا يتوضئون ويمسحون على أقدامهم وربما يغسلونها دون العقب فنادى الرسول صلى الله عليه وسلم بأعلى صوته (ويلٌ للأعقاب من النار) فهنا جعل الوعيد على ما حصلت به المخالفة.
***
(22/2)

السؤال: يقول السائل فضيلة الشيخ البعض من الناس يقومون بتقصير ثيابهم إلى ما فوق الكعب ولكن السراويل تبقى طويلة فما الحكم في ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى:قبل أن أجيب على هذا السؤال أحب أن أذكر إخواني المسلمين بنعمة الله علينا بما أنزل علينا من اللباس قال الله تعال (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً) فاللباس المواري للسوءات هو اللباس الضروري والريش هو اللباس الكمالي وكلاهما قد أنعم الله به علينا في هذه البلاد ولله الحمد والمنة نسأل الله تعالى أن يرزقنا شكر هذه النعمة حتى تدوم وتزيد يقول الله عز وجل (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً ولباس التقوى ذلك خير) لباس التقوى ذلك خير وهذا إشارة إلى أنه يجب علينا أن نستعمل هذا اللباس الذي أنزله الله علينا على وجه تحصل به تقوى الله عز وجل ومن ذلك أن نتجنب في لباسنا ما حرم علينا من تنزيل اللباس إلى ما تحت الكعب أي كعب الرجل فإن تنزيل اللباس إلى ما تحت كعب الرجل كبيرة من كبائر الذنوب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توعد على ذلك فإن جره الإنسان خيلاء فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم وإن نزل عن الكعب لغير خيلاء فإن ما أسفل من الكعبين ففي النار صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا فرق في هذا بين الثوب أو السروال أو المشلح كل ما يلبس لا يجوز للإنسان أن ينزل ثوبه أو سرواله أو مشلحه أسفل من الكعبين هذا في الرجال أما النساء فإنهن مأمورات بأن ينزلن ثيابهن حتى تستر أقدامهن وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تنزل ثوبها إلى ذراع يكون وراءها من أجل أن تستر أقدامها عن الناظرين إذن الشرع الإسلامي يوجب على المرأة أن تنزل من الثياب ما يحرمه على الرجال لكن مع الأسف أن الأمر انقلب رأسا على عقب تجد طفلا وطفلة يمشيان في السوق الطفل ثوبه إلى كعبه والطفلة ثوبها إلى ما فوق الركبة يعني عكسنا الآداب الإسلامية تماما وهذا مما يخشى منه أن تنزل بنا عقوبة نحن لا نقول إن الصغيرة التي دون السبع لا يحل أن تكشف ساقها لكننا نقول تعويد البنت على هذا اللباس القصير يرفع عنها الحياء ويوجب لها أن تستمرئ هذا اللباس القصير وأن يكون هذا من دأبها إذا كبرت الآن تجد أن الحضارة عند بعض الناس أن يكون لباس المرأة قصيرا ولباس الرجل طويلا أليس هذا قلبا للحقائق الإسلامية أليس هذا مما يوجب الخوف على هذه الأمة أن تستمرئ المعاصي ولاسيما الكبائر في تنزيل ثياب الرجال تحت الكعبين ثم تستمرئ معصية أخرى ثم أخرى ثم أخرى حتى يخشى أن نقع جميعا في قوله تعالى (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) وإنني بهذه المناسبة وإن لم يكن لها ذكر في السؤال أود أن أحذر أخواتي المسلمات وأولياء أمورهن من التسرع والتسابق إلى أنواع هذه الألبسة التي ترد علينا من الخارج والتي توجد في المجلات الأجنبية التي ملأت محلات الخياطة حتى إذا وقفت المرأة على المحل عرض عليها من هذه الأزياء ما يخالف فطرتها ودينها وما يوجب أن تتشبه بأعداء الله الذين جاءت منهم هذه المجلات وتسمى عند النساء الفردة فأنا أحذر أخواتي المسلمات من النظر في هذه المجلات وأقول للمسئولين عنهن إنكم مسئولون عنهن أمام الله وإنه لا يحل لكم أن تمكنوهن من اقتناء هذه المجلات أو النظر فيها ثم أقول مرة ثانية إنكم مسؤولون عن أموالكم التي تبذلونها لهؤلاء النساء كلما جاءت موضة جديدة تركت الموضة الأولى ولو لم تكن لبستها إلى الموضة الجديدة فضاع المال بل حتى وإن كانت الأموال منهن من النساء فامنعوهن من هذا التصرف الذي أدنى ما نقول فيه إنه إسراف وقد قال الله تبارك وتعالى (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدي أمتنا ورعاتها ورعيتها ذكورها وإناثها صغارها وكبارها إلى ما كان عليه نهج هذه الأمة في سلفها الصالح إنه على كل شيء قدير.
***
(22/2)

لبس الساعة
(22/2)

السؤال: يقول يوجد في الأسواق ساعات تحمل إشارة صلىب فهل استعمالها مباح أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ينبغي أن يعرف أن الصلىب كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكسره ويزيله عليه الصلاة والسلام فإذا كان الصلىب مجسماً وجب كسره وإذا كان بالتلوين كما يوجد في بعض الساعات فإنه يطمس بأن يوضع عليه لون يزيل صورته حتى لا يبقى في الساعة شيء منه ولا ينبغي للإنسان أن يحمل في يده ما فيه شعار النصارى فإن هذا فيه من تعظيمهم ما هو ظاهر وفيه أيضاً من التشبه بهم
قد يقول قائل إن هذا الصلىب لا يقصد به التعظيم في وضعه في مثل الساعة وبعض الآلات وإنما هو شعار الشركة فنقول إن ظاهر الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا فرق بين أن يوضع الصلىب من أجل تعظيمه والإشارة إلى كونه من شعائر النصارى وبين أن يكون لمجرد الدلالة على هذه الشركة أو هذا المصنع والمسلم يجب عليه أن يبتعد ابتعادا شديدا عما يكون من شعائر غير المسلمين لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من تشبه بقوم فهو منهم) أما ما يظهر منه أنه لا يراد به الصلىب لا تعظيماً ولا لكونه شعاراً مثل بعض العلامات الحسابية أو بعض ما يظهر في الساعات الإلكترونية من علامة زائد فإن هذا لا بأس به ولا يعد من الصلبان في شيء.
***
(22/2)

السؤال: يقول بالنسبة لاستعمال الساعة باليد اليمنى كموضة جديدة أتميز بها عن الآخرين هل هذا بدعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: وضع الساعة باليد اليمنى أو اليسرى على حد سواء لأن الساعة أشبه ما تكون بالخاتم والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يختتم بيده اليسرى ويده اليمنى لكن لو أن الإنسان وضعها باليمنى إشعاراً بأنه ملتزم أي ملتزم بالسنة فهذا ينهى عنه لأنه لم ترد السنة بوضع الساعة باليد اليمنى ووضعها باليد اليسرى هو الموافق لأكثر الناس وهو أسلم للساعة إذ أن اليد اليمنى هي يد العمل والحركة ولأنه غالبا أسهل للإطلاع عليها فإذا كان الإنسان يأكل مثلا وهي بيده اليمنى قد يكون من الصعب أن ينظر إليها ولكن من السهل أن ينظر إلى يده اليسرى وعلى كل حال فالأمر واسع إن شاء وضعها في اليمنى وإن شاء وضعها في اليسرى.
***
(22/2)

السؤال: يسأل عن حكم الشرع في نظركم في لبس الساعة باليد اليمنى هل فيه حرج؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لبس الساعة باليمين لا حرج فيه ولا أفضلية فيه فالإنسان مخير بين أن يلبس ساعته باليمين أو في الشمال وقد ثبت (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يتختم باليمين تارة وباليسار تارة) ولبس الساعة من جنس التختم وعلى هذا فنقول من لبسها باليسار فلا شي عليه ومن لبسها باليمين فلا شي عليه ولا أفضلية لأحدهما على الأخر.
***
(22/2)

السؤال: يقول ما حكم الشرع في نظركم فضيلة الشيخ في لبس الساعة باليمين؟

فأجاب رحمه الله تعالى:لبس الساعة باليد اليمنى أو اليسرى على حدٍ سواء لأن أقرب ما يكون إليها الخاتم وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان أحياناً يلبس الخاتم باليمين وأحياناً يلبسه باليسار فالساعة أقرب شيء إلى الخاتم فمن لبسها باليمين فهو على خير ومن لبسها باليسار فهو على خير ولكن أكثر الناس اليوم يلبسها باليسار لأن اليمين أكثر شغلاً من اليسار وإذا لبسها أي لبس الساعة باليمين فقد تعيقه عن الشغل وربما تتعرض لانكسار أو تخلخل فلهذا اختار أكثر الناس أن يلبسها في اليسار ولا حرج في هذا ولا فضل لليمين عن اليسار في هذه المسألة.
***
(22/2)

التشبه في اللباس
(22/2)

السؤال: يقول امرأة تخصص ثوباً للصلاة وهو من ثياب الرجال هل تجوز صلاتها وهل يدخل ذلك في باب التشبه بالرجال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان الثوب الذي تلبسه المرأة من الثياب الخاصة بالرجال فإن لبسها إياه حرام سواء كان في حال الصلاة أو في غير حال الصلاة وذلك لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لعن المتشبهات من النساء بالرجال ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء) فلا يحل لامرأة أن تلبس ثوباً خاصاً بالرجل ولا يحل للرجل أن يلبس ثوباً خاصاً بالمرأة ولكن يجب أن نعرف ما هي الخصوصية ليست الخصوصية في اللون ولكنها في اللون والصفة ولهذا يجوز للمرأة أن تلبس الثوب الأبيض إذا كان تفصيله ليس على تفصيل ثوب الرجل
وإذا تبين أن لبس المرأة ثوباً يختص بالرجل حرام فإن صلاتها فيه لا تصح عند بعض أهل العلم الذين يشترطون في السترة أن يكون الساتر مباحاً وهذه المسألة مسألة خلاف بين أهل العلم فمن العلماء من اشترط في الثوب الساتر أن يكون مباحاً ومنهم من لم يشترط ذلك وحجة القائلين باشتراطه أن ستر العورة من شروط الصلاة ولا بد أن يكون الشرط مما أذن الله فيه فإذا لم يأذن الله فيه لم يكن ساتراً شرعاً لوقوع المخالفة وحجة من قالوا بصحة الصلاة فيه مع الإثم أن الستر قد حصل والإثم خارج عن نطاق الستر وليس خاصاً بالصلاة بتحريم لبس الثوب المحرم في الصلاة وخارجها وعلى كل حال فالمصلى بثوب محرم عليه على خطر في أن ترد صلاته ولا تقبل منه.
***
(22/2)

السؤال: تقول في بعض الأحيان تلبس المرأة قميص زوجها فهل يجوز ذلك أم أن ذلك يدخل ضمن التشبه بالرجال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا يدخل ضمن التشبه بالرجال فلا يجوز للمرأة أن تلبس ثوب الرجل ولا يجوز للرجل أن يلبس ثوب المرأة لأن النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم (لعن المتشبهين من الرجل بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال) وأما ما كان مشتركا بينهما مثل بعض الفنائل التي يلبسها الرجال والنساء فإنه لا بأس به أي لا بأس أن يلبسه الرجال والنساء لأنه مشترك.
***
(22/2)

السؤال: تقول عندما نشتري بعض الملابس للأولاد أو للبنات ويكبروا عنها فلا تعد تصلح لهم مع أنها صالحة للاستعمال فهل يجوز أن نلبس البنت ملابس الولد أو العكس نرجوا الإفادة بهذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز أن تلبس البنت ملابس الولد ولا الولد ملابس البنت لأن هذا يتضمن تشبه الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (لعن المتشبهات من النساء بالرجال والمتشهين من الرجال بالنساء) وقد نص أهل العلم رحمهم الله أنه يحرم إلباس الصبي ما يحرم على البالغ لبسه وعلى هذا فإذا كان عند الإنسان فضل لباس لا يصلح لمن يلبسه فإن الأفضل أن يتصدق به إما على المحتاجين في بلده أو على المحتاجين في بلدٍ آخر يرسله إليهم ولا يجوز في هذه الحال أن يتلفه مع إمكان الانتفاع به لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى عن إضاعة المال) وإتلاف ما يصلح للاستعمال مع إمكان وجود من يستعمله إضاعةٌ للمال.
***
(22/2)

ما رأي الشرع في نظركم فضيلة الشيخ في ارتداء الملابس المستوردة من أوروبا أمام المحارم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الألبسة الواردة من أوروبا أو من غيرها من بلاد الكفر لا تخلو من حالين:
إما أن تكون من الألبسة الخاصة بالكفار التي لا يلبسها إلا الكفار فهذه يحرم على المسلم لبسها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من تشبه بقومٍ فهو منهم) وأدنى أحوال هذا الحديث التحريم وإن كان ظاهره يقتضي أن من تشبه فهو كافر ككفرهم لكن إذا كان التشبه ليس تشبهاً في العقيدة أو في العمل الذي يؤدي إلى الكفر فإنه يحرم فقط.
أما إذا كانت هذه الألبسة ليست خاصةً بالكفار بل يلبسها المسلمون وغيرهم فينظر فيها إن كانت مشتملة على محرم مثل أن يكون فيها صور حيوان أو كانت ضيقة بالنسبة للمرأة أو كانت قصيرة فإنها حرام وإلا فلا بأس بها وإنما قلنا بتحريم الضيقة والقصيرة لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (صنفان من أهل النار لم أرهما بعد نساءٌ كاسياتٌ عاريات مائلاتٌ مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا) وهذا يدل على تحريم اللباس الذي يكون كسوةً لا تستتر بها العورة إما لضيقها أو لقصرها كما قال بذلك أهل العلم أو لكونها شفافة يرى من ورائها.
***
(22/2)

السؤال: تقول يا فضيلة الشيخ يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ما معناه (من تشبه بقوم فهو منهم) السؤال يا فضيلة الشيخ بأن الأمر قد بلغ حدا كبيرا فألبستنا من الكفار غالبا ومتاع البيت أيضا فما العمل في هذا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المراد بالتشبه أن يفعل الإنسان شيئا خاصا بالكفار بمعنى أن من رآه ظن أنه كافر لأن حليته ولباسه حلية الكافر ولباسه وليس كل فعل فعله الكفار يكون تشبها إذا فعلناه وليس كل الأطعمة التي يصنعها الكفار يكون تشبها إذا أكلناها المراد بالتشبه أن يفعل ما يختص به الكافر فمن تشبه بقوم فهو منهم ولهذا لما كان لبس الرجل للبنطلون تشبها بالكفار لأن المسلمين ما كانوا يلبسونه ثم شاع وانتشر وصار غير خاص بالكفار صار لبسه جائزا للرجال وأما النساء فمعلوم أنه لا يجوز لهن لبس البنطلون ولو عند الزوج لأن ذلك من باب التشبه بالرجال.
***
(22/2)

يقول هل لبس المرأة البنطلون والفستان القصير أمام النساء حرام أم يجوز؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لا شك أن البنطلون والفستان القصير لا يحصل به ستر العورة أما الأول فلأن البنطلون على قدر العضو كل عضو له قدر مقدر فيه ومعنى ذلك أنه يصف أعضاء البدن أي يصف أحجامها وهذا نوع من الكشف فهي في الحقيقة كاسية عارية وأما الفستان القصير فإنه كذلك لا يحصل به ستر العورة لكن إذا كان قصيرا بحيث لا يحصل منه كشف المرأة لجسمها إلا ما يجوز كشفه للمرأة فهذا لا بأس به أمام النساء لأن المرأة يجوز لها أن تنظر من المرأة إلى ما سوى ما بين السرة والركبة فإذا كان لا يظهر منه إلا ذلك فلا حرج فيه مع النساء.
***
(22/2)

لبس الحرير
(22/2)

السائل: يقول سمعت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) أو كما قال فهل هناك فرقٌ بين الحرير الطبيعي والصناعي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لباس الحرير للمرأة جائز لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحرير والذهب (أحل لإناث أمتي) وأما الذكر فإنه لا يجوز له لبس الحرير والحديث الذي أشار إليه السائل (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) يدل على أن لبس الحرير من كبائر الذنوب لأن الوعيد لا يقع إلا على كبيرة من الكبائر وهذا في الحرير الحقيقي الطبيعي أما الحرير الصناعي الذي ليس بطبيعي فإنه لا يحرم على الرجل ولكن ينبغي للإنسان أن لا يلبسه لأنه قد يشعر بميوعة وحب الترف وهذا قد يدخل في الإسراف أو قد يدخل فيما يكون به الفتنة فالبعد عنه أولى وإن كان جائزاً.
***
(22/2)

السؤال: يقول اشتريت لباسا من نوع معين وبعد اللبس اتضح لي بأنها مصنوعة من الحرير هل أستمر في لبسها أم أتصدق بها أم أقوم ببيعها لأن الحرير محرم كما سمعت؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا تبين لك أن هذا اللباس الذي كنت تلبسه من الحرير الخالص الحرير الطبيعي فإنه لا يحل لك أن تلبسه لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرم على الرجال لباس الحرير والتحريم عام يشمل الصغار والكبار إلا ما استثني وليس عليك إثم فيما مضى حيث كنت تلبسه وأنت لا تعلم أنه من الحرير لقول الله تبارك وتعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) فقال الله تعالى (قد فعلت) أما إذا كان من الحرير الصناعي أو كان مخلوطا من الحرير والقطن أو من الحرير والصوف وغالبه من غير الحرير فلا حرج عليك في الاستمرار في لبسه.
وإنني بهذه المناسبة أحذر شبابنا في بلادنا وغير بلادنا من لبس الحرير فإن الحرير للنساء والرجل ينبغي أن يكون رجلَ قوة وخشونة وليس رجل ميوعة وليونة لأن الليونة إنما تكون للنساء لاستعدادهن للتجمل للرجال والرجل ليس أهلا لذلك فعلى المؤمن أن يشكر نعمة الله عليه وألا يجعلها سبباً في معاصيه فإن صرف النعمة فيما لا يرضي الله كفر للنعمة وكفر النعم يخشى منه زوالها قال الله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَار ِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ) وقال تعالى (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) الآيات في هذا المعنى كثيرة أي في التحذير من كفران النعمة وصرفها فيما لا يرضي الله عز وجل.
***
(22/2)

السؤال: تقول أفيدكم بأني أرى بعض الناس يفرشون الديباج وتحتها مفروش بالزل ونريد أن نفرش بالديباج هل هذا يجوز أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الديباج الذي أكثره حرير لا يجوز فرشه وإذا كان الحرير أقل من الموجود فيه مما نسج معه فإنه جائز ولكن الأولى أن لا يفعل لأن هذا قد يكون من الإسراف الذي لا يحبه الله عز وجل ولا فرق بين أن يكون هذا الافتراش بالديباج المحرم لا فرق بين أن يكون المفترش له رجلاً أم امرأة لأن القول الصحيح أن الديباج أو الحرير إنما يباح للنساء في ألبستهن فقط وأما في الفرش فإنه لا فرق بين المرأة والرجل في منعها من افتراش الحرير.
***
(22/2)

لبس الخاتم
(22/2)

السؤال: يقول ما حكم الإسلام في نظركم في لبس الرجل للذهب إن كان في حالة خطبة للمرأة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لبس الرجل للذهب محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير (إنهما حلال لإناث أمتي حرام على ذكورها) ورأى رجلاً عليه خاتم من ذهب فأخرجه النبي صلى الله عليه وسلم من يده ورمى به وقال (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده) فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قيل للرجل خذ خاتمك انتفع به فقال لا والله لا آخذ خاتماً رمى به النبي صلى الله عليه وسلم فتركه الرجل ترك خاتمه فلا يحل للرجل أن يلبس خاتماً من الذهب ولا إزاراً من الذهب ولا قلادة من الذهب سواء لبسه لبساً دائماً أو لبسه لمناسبة خطبة امرأة أو غير ذلك والرجل رجل برجولته لا بما يتحلى به وإنما التي تحتاج إلى التحلي هي المرأة كما قال الله تعالى (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) بعد قوله (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ) (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) يعني لا يستوي هذا وهذا فنصيحتي لإخواني المسلمين أن يدعوا لبس الذهب سواء كان ذلك لمناسبة أو غير مناسبة ومن كان عنده شيء من ذلك فليبعه لمن يلبسه من النساء أو يهديه إلى أهله من زوجة أو قريبة.
***
(22/2)

السؤال: تسأل عن وضع الدبلة عند الخطوبة حتى يعرف الشاب أو الشابة بأنهما مخطوبان وكذلك بعد الزواج، وهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلبس خاتماً في يده كدبلة كما سمعت من البعض نرجوا الإفادة جزيتم خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الدبلة لباسها على قسمين:
القسم الأول أن يكون مصحوباً بعقيدة مثل أن يعتقد كل من الزوجين أن بقاء الدبلة في أصبعه سبب لدوام الزوجية بينهما ومن هنا تجد الرجل يكتب اسم زوجته في الدبلة التي يلبسها والمرأة تكتب اسم زوجها في الدبلة التي تلبسها وهذا القسم لا شك أنه حرام ولا يجوز لأنه نوع من التولة وهي نوع من الشرك الأصغر وذلك أن هذا الزوج أو الزوجة اعتقدا في أمر من الأمور أنه سبب بدون دليل شرعي ولا واقع حسي وكل من أثبت سبباً من الأسباب بدون دليل شرعي ولا واقع حسي فقد فعل شركاً أصغر لأنه جعل ما لم بجعله الله سبباً سبباً.
أما القسم الثاني كأن يلبس الدبلة للإشعار بأنه خاطب أو بأنها مخطوبة أو بأنه قد دخل بزوجته وقد دخل بها زوجها وهذا عندي محل توقف لأن بعض أهل العلم قال إن هذه العادة مأخوذة عن النصارى وأن أصلها من شعارهم، ولا شك أن الاحتياط للمرء المسلم البعد عنها، لئلا يقع في قلبه أنه تابع لهؤلاء النصارى الذين سنوها أولاً فيهلك، وأما ما يرسل إلى المخطوبة عند الخطبة من أنواع الحلي فإن هذا لا بأس به لأنه عبارة عن هدية يقصد بها تحقيق رغبة الزوج لمخطوبته.
***
(22/2)

السؤال: يقول هل يجوز لبس دبلة من الذهب الأبيض للرجال وذلك لغرض الزواج؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب لبس الدبلة للزواج إن كانت من ذهب فهي حرام على الرجل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذهب والحرير (هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها) وثبت عنه صلى الله عليه وسلم (أنه رأى رجلاًَ عليه خاتم من ذهب فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فطرحه فقال يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قيل للرجل خذ خاتمك انتفع به قال والله لا آخذ خاتماًَ طرحه النبي صلى الله عليه وسلم)
وأما إذا كانت من فضة وتعبير السائل عنها بالذهب الأبيض إن كان يريد الفضة فهو خطأ وإن كان يريد الماس فالماس ليس بذهب بل الذهب هو الذهب المعروف الأحمر أقول إن كانت الدبلة من غير الذهب فإنه لا بأس بها من حيث هي بذاتها لكن إن صحبها عقيدة بأنها توجب بقاء المودة والمحبة بين الرجل وبين زوجته كانت حراماً لهذه العقيدة الفاسدة فإن وجود الدبلة لا يستلزم بقاء المودة بين الرجل وزوجته وكم من أناس لبسوا دبلاً فحصل بينهم وبين زوجاتهم الفراق والعداوة والبغضاء وكم من أناس لم يلبسوا ذلك وألقى الله بينهم المودة والمحبة ثم إنه قد قيل إن أصل هذه الدبلة مأخوذ من النصارى فإذا كان الأمر كذلك صار فيه محذور آخر وهو التشبه بأعداء الله النصارى.
***
(22/2)

السؤال: هل يجوز للمرأة أن تلبس الخاتم في الإصبع الأوسط أو السبابة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر لي أنه لا بأس إذا كان ذلك من عادة النساء أن يتحلين به وأما ما ورد من النهي في وضع الخاتم في السبابة فقد يقال إن هذا خاصٌ بالرجال وأما النساء فإن العادة في التجمل تبيح ذلك والله أعلم.
***
(22/2)

السؤال: تقول ما حكم لبس الخاتم في السبابة اليمنى واليسرى بالنسبة للرجل والمرأة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الخاتم يلبس في الخنصر وفي البنصر وفي الوسطى هذا هو الأكمل والأفضل سواءٌ بالنسبة للرجل أو للرجل والمرأة لكن لو جرت العادة بأن المرأة تتحلى بالخواتم في أصابعها الخمسة فلا حرج في ذلك.
***
(22/2)

السؤال: التختم الجائز ما هو يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما مسألة التختم، فالتختم ليس بسنة مطلوبة بحيث يطلب من كل إنسان أن يتختم ولكنه إذا احتيج إليه فإن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يلبسه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قيل له إن الملوك الذين كانوا في عهده لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً اتخذ الخاتم عليه الصلاة والسلام من أجل أن يختم به الكتب التي يرسلها إليهم، فمن كان محتاجاً إلى ذلك كالأمير والقاضي ونحوهما كان اتخاذه اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن لم يكن محتاجاً إلى ذلك فليس بسنة أن يلبسه.
***
(22/2)

السؤال: هل يجوز التختم بالحديد وإذا كان جائزاً فما هي الأحاديث الواردة في ذلك بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التختم بالحديد اختلف فيه أهل العلم فذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز إما مكروه كراهة تنزيه وإما مكروه كراهة تحريم واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم (سماه حلية أهل النار) وذهب آخرون إلى أنه مباح واستدلوا لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي طلب منه أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي عليه الصلاة والسلام (التمس ولو خاتماً من حديد) وهذا دليل على جواز التختم بالخاتم إذ أن الخاتم لا ينتفع به إلا بالتختم فلولا أنه جائز ما قال له النبي صلى الله عليه وسلم (التمس ولو خاتماً من حديد) والأصل الحل إلا ما ثبت تحريمه والذي أرى في هذه المسألة أنه ينبغي للإنسان أن يتجنبه لأن الحديث الذي استدل به من قالوا بكراهة تنزيها أو تحريماً وإن كان بعضهم طعن فيه لكن يوجب للإنسان شبهة واجتناب الشبهات مما جاءت به الشريعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) .
***
(22/2)

بارك الله فيكم ما حكم الشرع في نظركم في لبس الخاتم المنقوش عليه اسم الجلالة وما حكم لبس خاتم الحديد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما المنقوش عليه لفظ الجلالة فإن كان ذلك لكون صاحبه نقش عليه اسمه وكان اسمه عبد الله فإن هذا لا بأس به وقد كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم مكتوباً عليه محمد رسول الله وأما إذا كتب لفظ الجلالة فقط فإن كتابة لفظ الجلالة فقط على الخاتم أو غيره لا معنى له ولا فائدة منه لأنه ليس كلاماً مركباً مفيداً وغالب من يكتبه على هذا الوجه إنما يقصد التبرك بهذا الاسم والتبرك باسم الله على هذا الوجه لا أصل له في الشرع فيكون إلى البدعة أقرب منه إلى الإباحة
وأما لبس خاتم الحديد فالصحيح أنه لا بأس به لقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يردها قال له (التمس ولو خاتماً من حديد) وهذا الحديث في الصحيحين وأما ما ورد (من أن الحديد لباس أهل النار) فقد قال بعض العلماء إنه حديث شاذ فلا يقبل.
***
(22/2)

لبس الذهب
(22/2)

السؤال: تقول ما حكم لبس المرأة خلخال الذهب في قدميها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز للمرأة أن تلبس من الذهب ما شاءت ما لم يصل إلى حد الإسراف سواء كان اللباس في القدمين أو في الذراعين أو في الأذنين أو على الرأس أو على النحر المهم أن المرأة يجوز لها أن تلبس من الذهب ما تريد ما لم يصل إلى حد الإسراف وكذلك لا تلبس من الذهب ما صنع على صورة حيوان كثعبان أو فراشة أو نحو ذلك فإنه لا يجوز لبس ما كان على صورة حيوان أو إنسان وكذلك لا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان أو إنسان من الألبسة التي تلبس على البدن كالقميص والفنيلة وشبهها.
***
(22/2)

السؤال: تقول السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته تقول ما حكم ثقب الأذنين بالنسبة للمرأة لتضع فيه النساء الخلاخل من الذهب كما هي عادة النساء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول لهذه السائلة وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته حكم ثقب الأذن جائز على القول الراجح ولا حرج فيه لأن ألمه وأذاه قليل ولا سيما إذا كان ذلك في أيام الصغر وما يحصل فيه من التجمل فيه كمال للمرأة لأن المرأة تكمل نفسها بالتحلي والتجمل كما قال الله تبارك وتعالى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) يعني أيكون من ينشأ بالحلية وهو في الخصام غير مبين كالكامل في نفسه الذي لا ينشأ في الحلية والذي هو بالخصام مبين يعني هل تكون المرأة كالرجل الجواب لا ليست المرأة كالرجل فالمرأة محتاجة إلى التزين والتجمل ومن ذلك ما تضعه في أذنها من الخروص ونحوها وعلى هذا فلا حرج أن تثقب شحمة أذنها لتعلق بها هذه الحلي.
***
(22/2)

السؤال: تقول تخريق آذان البنت للتجميل أو لتعليق حلية من الذهب بها هل هذا جائز أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا جائز ولا حرج فيه لأن المرأة محتاجة إلى تعليق الخروص وشبهها في أذنيها وهذا الثقب الذي يكون في شحمة الأذن لا يضرها بشيء.
***
(22/2)

السؤال: تقول هل يجوز تركيب أسنان الذهب وإذا مات الميت هل تؤخذ هذه الأسنان الذهب التي في فمه أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: فإن أسنان الذهب لا يجوز تركيبها للرجال إلا لحاجة مثل أن تنقلع سنه ويحتاج إلى ربطها بشيء من الذهب أو تتغير بتكسر وغيره ويحتاج إلى تلبيسها ذهباً هذا بالنسبة للرجال
وأما بالنسبة للنساء فإذا اعتدن التجمل بتلبيس بعض الأسنان الذهب فإن هذا لا بأس به لأنه المرأة يجوز لها أن تتحلى بالذهب بما جرت به العادة فإذا كان من عادة النساء مثلاً أن يتحلين بالذهب في أسنانهن فإنه لا حرج في ذلك وفي تلك الحالين حال الحاجة للرجل وحال التجمل للمرأة إذا مات الميت فإن هذا الذهب يخلع منه لأن بقائه فيه إضاعة للمال والمال قد انتقل إلى الورثة بموت المورث ولكن إن خشي من ذلك مثلة بمعنى أننا لو خلعناه لانخلعت الأسنان الأخرى فإنه يبقى مع الميت وبقاؤه مع الميت إذا بلي يستخرج منه وإن سمح الورثة فلا حرج في ذلك لأنه مالهم وإذا تنازلوا عنه فلا حرج عليهم فيه.
***
(22/2)

السؤال: تقول هل يجوز لي أن ألبس الذهب في الحفلات والمناسبات السعيدة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز لها أن تلبس الذهب في المناسبات والحفلات إذا لم يشاهدها أحد من الرجال الذين لا يحل لهم مشاهدتها يعني بأن لم يكن عندها إلا نساء أو رجال من محارمها.
***
(22/2)

السائلة بركات من الجزائر تقول ما حكم لبس الذهب المحلق بالنسبة للمرأة وماذا تفعل المؤمنة إذا وقعت في حيرة من أمرها في ارتداء الذهب المحلق عند اختلاف العلماء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القول الراجح في هذه المسالة ما عليه جمهور العلماء حتى إن بعضهم حكى الإجماع عليه وهو جواز لبس النساء للذهب المحلق كالخواتم والأسورة وأنه لا بأس بذلك فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي حث النساء يوم العيد على الصدقة وقال (يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فجعلت النساء تتصدق من خواتيمها وخرصها وأقراطها وما زالت النساء في عهود المسلمين إلى عهدنا هذا يلبسن الذهب المحلق وأجاب الجمهور عما ورد من التحريم في ذلك بأنه شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على الجواز أو أنه كان حين قلة ذات اليد فحذر النبي صلى الله عليه وسلم من التوسع في ذلك أو أنه محمول على من أسرفت في استعمال المحلق من الذهب بأن تجعل على الإصبع خواتم تملأ الأصبع مثلاً أو على الذراع أسورة تملأ الذراع وما أشبه ذلك وعلى كل حال فنقول لهذه السائلة لا تتحيري إن الجمهور من أهل العلم من الأئمة وأتباعهم يقولون بجواز لبس الذهب المحلق للنساء وإذا تعارض عند الإنسان قولان أو فتويان من أهل العلم فليتبع من يرى أنه أقرب إلى الصواب في نظره لغزارة علمه وقوة إيمانه وتقواه لله عز وجل فإن لم يترجح عنده أحد من المختلفين فقيل إنه يخير بين أن يأخذ بقول هذا أو قول هذا وقيل بل يأخذ بقول أيسرهما قولاً لأن الأصل براءة الذمة من التزام الترك أو الفعل ولأن الأيسر أوفق للشريعة فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) ومن العلماء من قال يأخذ بالأشد لأنه أحوط وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) وقال (من اتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) وقيل يأخذ بما تطمئن إليه نفسه ولو بدون مرجح لقول النبي صلى الله عليه وسلم (البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب) لكن الغالب أنه لا يتساوى عالمان مفتيان من كل وجه بل لابد أن يكون أحدهما أرجح من الآخر إما في علمه وإما في ورعه وتقواه لكن هذا قد لا يتسنى لكل واحد علمه فيبقى الإنسان متردداً وعليه فالذي أراه أقرب للصواب أن يأخذ بالأيسر لموافقته لروح الدين الإسلامي ولأن الأصل براءة الذمة.
***
(22/2)

يقول متى يصبح الذهب محرماً على النساء يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذهب ليس حراماً على النساء بل هو مما أحله الله لهن قال الله تعالى في كتابه (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) يعني المرأة وقال النبي عليه الصلاة والسلام في الذهب والحرير (حلٌ لإناث أمتي حرامٌ على ذكورها) فلها أن تلبس من الحلي ما شاءت إلا أن يكون محرماً بعينه أو بوصفه فالمحرم بعينه مثل أن يكون هذا الحلي على صورة حيوان ثعبان أو أسد أو غير ذلك فإن هذا لا يجوز لأن لبس الصورة أو ما فيه صورة محرم فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة) وإذا ابتليت المرأة بحليٍ على شكل صورة حيوان فإن بإمكانها أن تذهب به إلى الصاغة ليغيروا هذه الصورة إما بتصنيعه إلى وجهٍ آخر وإما بحك رأس هذه الصورة حتى تكون بلا رأس فإن الصورة إذا أزيل رأسها فهي حلال لما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام (أن جبريل قال له مر برأس تمثالك ليقطع حتى يكون كهيئة الشجرة) أما الحلي المحرم لوصفه فهو أن يكون بالغاً إلى حد الإسراف فإنه إذا خرج إلى حد الإسراف صار محرماً لأن كل شيئ يخرج به الإنسان إلى حد الإسراف يكون محرماً لقوله تعالى في الأكل والشرب (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) ونفي محبة الله للمسرفين يقتضي كراهة فعلهم وأنه لا يجوز لأنه عرضة إلى انتفاء محبة الله سبحانه وتعالى عن فاعل الإسراف هناك شيءٌ محرمٌ لكسبه من الحلي وهو أن يكون الحلي مسروقاً أو منهوباً أو ما أشبه ذلك فهو حرام فصار الأصل في حلي المرأة أنه يباح لها من الذهب ما شاءت إلا في الأحوال الثلاثة وهي ما كان محرماً لعينه أو لوصفه أو لكسبه فالمحرم لعينه كما أسلفنا هو ما كان على صورةٍ محرمة مثل أن يكون على صورة حيوان أو إنسان أو ما أشبه ذلك والمحرم لوصفه أن يكون بالغاً حد الإسراف والمحرم لكسبه أن يكون مكتسباً بطريقٍ محرم كالسرقة والنهب والغصب وما أشبه ذلك.
***
(22/2)

ما حكم لبس أسنان الذهب بالنسبة للرجل وذلك للضرورة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لبس أسنان الذهب للضرورة لا بأس به ودليل ذلك (أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الرجل الذي ذهبت أنفه في القتال أن يتخذ أنفا من ذهب) فإذا انكسرت سن الإنسان واحتاج إلى أن يجعل بدلها قطعة من الذهب فلا بأس لكن لو جعل بدلها شيئا من السن الصناعي لكان أحسن وأقرب إلى تلائم الأسنان وعدم التشويه.
***
(22/2)

يقول ما هي العلة في تحريم لبس الذهب على الرجال لأننا نعلم أن دين الإسلام لا يحرم على المسلم إلا كل شيء فيه مضرة عليه فما هي المضرة المترتبة على التحلي بالذهب للرجال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: اعلم أيها السائل وليعلم كل من يستمع هذا البرنامج أن العلة في الأحكام الشرعية لكل مؤمن هي قول الله ورسوله لقوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) فأي إنسان يسألنا عن إيجاب شيء أو تحريم شيء دل على حكمه الكتاب والسنة فإننا نقول العلة في ذلك قول الله تعالى أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم وهذه العلة كافية لكل مؤمن ولهذا لما سئلت عائشة ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة قالت (كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) لأن النص من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام علة موجبة لكل مؤمن ولكن لا بأس أن يتطلب الإنسان الحكمة وأن يلتمس الحكمة من أحكام الله تعالى لأن ذلك يزيده طمأنينة ولأنه يتبين به سمو الشريعة الإسلامية حيث تقرن الأحكام بعللها ولأنه يتمكن به من القياس إذا كانت علة هذا الحكم المنصوص عليه ثابتة في أمر آخر لم ينص عليه فالعلم بالحكمة الشرعية له هذه الفوائد الثلاث
ونقول بعد ذلك في الجواب على سؤال الأخ إنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام تحريم لباس الذهب على الذكور دون الإناث ووجه ذلك أن الذهب من أعلى ما يتجمل به الإنسان ويتزين به فهو زينة وحلية والرجل ليس مقصوداً لهذا الأمر أي ليس إنساناً يتكمل بغيره أو يكمل بغيره بل الرجل كامل بنفسه لما فيه من الرجولة ولأنه ليس بحاجة إلى أن يتزين لشخص آخر لتتعلق به رغبته بخلاف المرأة فإن المرأة ناقصة تحتاج إلى تكميل لجمالها ولأنها محتاجة إلى التجمل بأعلى أنواع الحلي حتى يكون ذلك مدعاة للعشرة بينها وبين زوجها فلهذا أبيح للمرأة أن تتحلى بالذهب دون الرجل قال الله تعالى في وصف المرأة (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) وبهذا يتبين حكمة الشرع في تحريم لباس الذهب على الرجال وبهذه المناسبة أوجه كلمة نصيحة إلى هؤلاء الذين ابتلوا من الرجال بالتحلي بالذهب فإنهم بذلك قد عصوا الله ورسوله وألحقوا أنفسهم لحاق الإناث وصاروا يضعون في أيديهم جمرة من النار يتحلون بها كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فعليهم أن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى وإذا شاءوا أن يتحلوا بالفضة في الحدود الشرعية فلا حرج في ذلك وكذلك بغير الذهب من المعادن لا حرج عليهم أن يلبسوا خواتم منه إذا لم يصل ذلك إلى حد السرف.
***
(22/2)

السؤال: هل يجوز لبس خاتم الذهب للرجل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للرجل أن يلبس شيئا من الذهب لا الخاتم ولا السلسلة ولا السوار ولا القلادة كل الذهب حرام على الرجال قال النبي صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير (هما حل لإناث أمتي حرام على ذكورها) ورأى رجلا عليه خاتم ذهب فنزعه النبي صلى الله عليه وسلم من يده وطرحه في الأرض أو رمى به في الأرض وقال (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده) فلما انصرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قيل للرجل (ألا تأخذ خاتمك) قال والله لا أخذ خاتما طرحه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على عظم المخالفة في لبس الرجل لخاتم الذهب فإن قال قائل هذا رجل قد صُنع له خاتم من الذهب ماذا يصنع به نقول إن كان يصلح لامرأته أعطاها إياه وإن كان لا يصلح فليذهب به إلى الصائغ وليحوله إلى خاتم للنساء ويبيعه.
***
(22/2)

السؤال: ويقول ما هي الحُلي التي يجوز للرجل أن يلبسها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً لا ينبغي للإنسان الرجل أن يذهب إلى التحلي وأن يجعل نفسه بمنزلة المرأة ليس له هم إلا تحسين شكله فإن هذا من شؤون النساء قال الله تبارك وتعالى (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) يعني كمن لا ينشأ في الحلية وهو مبين في الخصام والذي ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين هو المرأة والذي لا ينشأ في الحلية وهو مبين في الخصام هو الرجل فلا ينبغي للرجل أن ينزل نفسه منزلة الأنثى بحيث ينشأ نفسه في الحلية ولهذا حرم على الرجل لباس الذهب سواء كان قلادة أو سواراً أو خاتماً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذهب والحرير (حل لإناث أمتي حرام على ذكورها) وأبيح للمرأة من الذهب كل ما جرت به العادة سواء كان من الخواتم أو الأسورة أو القلادة أو الخروص أو غير ذلك مما جرت العادة بلبسه فأما ما لم تجر العادة بلبسه لكونه إسرافاً فإن الإسراف لا يجوز في اللباس ولا في الأكل والشرب ولا في غيرهما لقوله تعالى (وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) .
وأما لبس الرجل الخاتم من الفضة فإنه جائز ولا حرج فيه لأن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه اتخذ خاتماً من ورق) أي من فضة.
أما الخاتم من الحديد فاختلف فيه أهل العلم فمنهم من كرهه ومنهم من أجازه وأظن أن بعضهم حرمه لأن النبي صلى الله عليه وسلم (ذكر أنه من حلية أهل النار) ومثل هذا الوصف يقتضي أن يكون حراماً لكن الحديث اختلف العلماء في صحته فمنهم من قال إنه ضعيف لمخالفته لحديث سهل بن سعد الثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل الذي أراد أن يتزوج المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يردها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (التمس ولو خاتماً من حديد) وهذا يدل على أن الخاتم من الحديد جائز فمن تنزه عنه أي عن خاتم الحديد فهو أولى وفي غيره من المعادن كفاية.
***
(22/2)

السؤال: المستمع يقول تناقشت مع أحد الإخوة يقول بأن لبس الذهب للرجال حلال بحجة أن الرجل الغريب عن بلده يمكن أن يلبسه بثمن كفنه أفيدونا جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لبس الذهب على الرجال حرام لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها) ولأنه رأى رجلاً وفي يده خاتم ذهب فنزعه النبي صلى الله عليه وسلم من يده وطرحه في الأرض وقال (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيبقيها في يده أو قال فيضعها في يده) وأما قول السائل أنه يجعله في يده من أجل أن يكون كفنه لو مات فهذا رأي عجيب وغريب ولا يمكن أن تعارض به السنة النبوية الثابتة عن محمد صلى الله عليه وسلم ثم إنه ربما إذا مات وأراد أحد أن يجهزه يأخذ هذا الخاتم ويدعه يعني يسرقه منه بعد موته وعلى كل حال فإنها هذه علة عليلة علة ميتة لا أثر لها فلبس الذهب من الخواتم وغير الخواتم حرام على الرجال.
***
(22/2)

السؤال: تقول المستمعة من العراق يملك أخي قلادة ذهبية لكنه لا يلبسها وإنما يحتفظ بها فقط في بعض الأحيان وبعض الأحيان يقوم بحملها في جيبه هل يصح عمله هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القلادة الذهبية لا بأس باقتنائها لكن بشرط أن لا يلبسها إن كان رجلاً ويجوز لبسها للمرأة وإذا كان الرجل لا يلبس القلادة من الذهب فأي فائدة لأخيكِ أن يحملها أو يضعها في جيبه أنا أخشى أنه يفعل ذلك من أجل أن يتبجح بها عند الناس حيث يخرجها أمامهم ويلعب بها في يده مثلاً وإلا فلا أظن عاقلاً يحمل قلادة في جيبه من الذهب دون أن يصنع بها شيئاً على كل حال إذا لم يلبسها ولم يخرجها مخرج الإعجاب والفخر فإن حمله إياها لا بأس به ولكني أقترح عليه أن يجعل هذه القلادة لزوجته إن كان متزوجاً أو لأحد من نسائه من أقاربه حتى يسلم من الإشكال الذي ورد عليّ الآن في كونه يحملها بدون أن يلبسها أو أن يخرجها في يده مخرج الإعجاب.
***
(22/2)

السؤال: ما حكم لبس الذهب أو غيره المنقوش عليه لفظ الله أو محمد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لبس الذهب للرجال حرام بكل حال حتى وإن لم يكن عليه نقوش لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذهب والحرير (حل لإناث أمتي حرام على ذكورها) أما بالنسبة للمرأة فالذهب حلال لها الخواتم والأسورة وغير ذلك لكن ما كتب عليه الله أو محمد فلا يلبس أما ما كتب عليه الله فلأنه تعبد لله تعالى بما لم يشرعه ولأن فيه امتهان لاسم الله عز وجل لأن المرأة ربما توضئ طفلها باليد التي فيها الخاتم وأما ما كتب عليه محمد فإنه يخشى أن يكون هذا من باب التبرك بهذا الاسم وهذا محرم إذ إن التبرك باسم الرسول صلى الله عليه وسلم المكتوب على ورقة أو على حديدة أو على غير ذلك من البدع فلم يكن الصحابة رضي الله عنهم يتباركون بمثل هذا أما لو كتبت المرأة اسمها على خاتمها لحاجة فلا بأس وأما ما يفعله بعض النساء من كتابة اسم الزوج على خاتمها وكتابة الزوج اسم امرأته على خاتمه فهذا بدعة بلا شك واتخاذ سبب لم يجعله الله تعالى سبباً لأنهم يزعمون إذا كتب اسم الزوج على خاتم المرأة أنه لا يطلقها وإذا كتب اسمه على خاتمها لم يطلقها هذا غلط لا أثر لهذا في الإمساك والطلاق.
***
(22/2)

السؤال: هل يجوز نقش الأسماء وكذلك الحروف سواء كانت بالعربي أم بالإنجليزي على الذهب هل في ذلك حرمة أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كتابة الأسماء على الذهب إذا كان تعني أن يكتب الاسم على الخاتم مثلاً لا بأس به وقد ثبت (أن نقش خاتم النبي صلى الله عليه وسلم كان محمد رسول الله) فإذا نقش الاسم على الخاتم فلا بأس به اللهم إلا ما ذكر عن أهل الدبل الذين يكتبون أسماء زوجاتهم على خواتمهم وتكتب زوجاتهم أسمائهم على خواتمهنّ فإن هذا هو الذي ينهى عنه لأنه لا يخلو غالباً من اعتقاد فاسد حيث يظنون أن الرجل إذا كتب اسم زوجته على خاتمه وأن المرأة إذا كتبت اسم زوجها على خاتمها كان ذلك أدعى للارتباط بينهما وهذه عقيدة فاسدة باطلة.
***
(22/2)

السؤال: ما حكم لبس لذهب الذي شكل الفراشة والموسى حيث إن إحدى المدرسات تقول إن هذا من الشرك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لبس قطع من الذهب إذا كان على صورة حيوان فإنه لا يجوز لأن لبس الصور محرم سواء كانت هذه الصور أحجاماً كما في قطع الذهب التي تشير إليها السائلات أو كان ألواناً كما يوجد في بعض الفنائل أو بعض القماش صور فراشة أو إنسان أو حيوان فهذا كله حرام لأن استعمال ما فيه الصورة أو استعمال الصورة محرم إلا صورةً في شيء يمتهن كالصور التي في الفرش وفي الوسائد وشبهها فإن الصحيح أن استعمالها جائزٌ ولا حرج فيه وأما قول المدرسة أن هذا من الشرك فليس من الشرك في شيء لكنه شيء محرم كما قلنا موسى الحلاقة هذا لا بأس به وإن كنت أكره من ناحية أنه يشير أو يرمز إلى موسى الحلاقة العانة أو ما أشبه ذلك وكل شيء يذكر بهذه الأمور فإنه لا ينبغي للمرأة أن تتجمل به.
***
(22/2)

السؤال: السائل يقول ما حكم استعمال أقلام الذهب أو الساعات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما لبس الساعات المذهبة للنساء فلا بأس به لأن ذلك من جملة الحلي بشرط أن لا تكلف المرأة نفسها بشراء هذه الساعات بحيث تكون قليلة ذات اليد فتستدين لشراء هذه الساعات أو تشتري هذه الساعات على حساب النفقة لأن ذلك من الإسراف وقد قال الله تعالى (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) أما الرجل فلا يحل له أن يلبس الساعات المذهبة لعموم الحديث (أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها) وكذلك الأقلام لأن وضع الأقلام في الجيب نوع من التحلي ولذلك تجد بعض الناس يختار أنصع الأقلام وأحسنها شكلاً يضعه في جيبه والخلاصة أنه إذا كان ذلك أي إذا كان استعمال ذلك من الرجال فحرام وإن كان من النساء فحلال أما إذا كانت الساعة مطلية بالذهب لوناً فقط وليس له جرم فهذا لا بأس به ولكننا ننصح بعدم استعماله.
***
(22/2)

لبس العمامة
(22/2)

السؤال: يقول لبس العمامة هل هي من السنن المؤكدة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لبس العمامة ليس من السنن لا المؤكدة ولا غير المؤكدة لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يلبسها اتباعا للعادة التي كان الناس عليها في ذلك الزمن ولهذا لم يأت حرف واحد من السنة يأمر بها فهي من الأمور العادية التي إن اعتادها الناس فليلبسها الإنسان لئلا يخرج عن عادة الناس فيكون لباسه شهرة وإن لم يعتدها الناس فلا يلبسها هذا هو القول الراجح في العمامة.
***
(22/2)

السؤال: هل يؤخذ من لبس الرسول صلى الله عليه وسلم للعمامة أن العمامة التي يعملها الطاعنون في السن هذه البيضاء التي تتخذ على الشماغ أن هذه من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هي كونها من هدي الرسول أو ليست من هدية مبنية على هل التعمم عبادة أو عادة والذي يظهر أنه عادة وليس بعبادة وعلى هذا فيلبس الإنسان ما اعتاده الناس في بلده يكون هذا هو السنة أن يلبس الإنسان ما يعتاده الناس في بلده وليست العمامة من العبادة ويدل على هذا أننا لو قلنا إن العمامة من العبادة لقلنا أيضاً الرداء والإزار من العبادة وليدع الناس ثيابهم ويلبسوا أردية وأزراً وإن كان القميص قد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يلبس القميص لكن مع هذا يلبس كثيراً الرداء والإزار ومع هذا لو أن الرجل خرج في غير الإحرام بحج وعمرة بإزار ورداء في بلد لا يعتادون ذلك لعدوا هذا شذوذاً والصواب أن هذا أي لبس الرداء والإزار والعمامة من الأمور العادية إذا اعتادها الناس فالسنة ألا يخرج عما كان عليه الناس وإن كان لا يعتادونه فليلبس ما اعتاده الناس إذا لم يكن محرماً في الشرع.
***
(22/2)

المرأة والتعليم
(22/2)

السؤال: تقول أيهما أفضل بالنسبة للبنت أن تكمل تعليمها حتى الجامعة أو تكتفي بالمتوسطة وتجلس في رعاية أولادها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان لها أولاد فإن الأفضل أن تقتصر على ما يحصل به الكفاية من قراءةٍ وكتابة وتتفرغ لأولادها وبيت زوجها.
***
(22/2)

يقول السائل بالنسبة للمرأة عندما تقرأ القرآن مجوداً هل في ذلك شيء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس في قراءة المرأة للقرآن مجوداً شيء من الإثم أو الحرج والمرأة كالرجل في الذكر والقراءة وإن كانت تختلف عنه في الأمور التي قد تحصل بها فتنة كرفع الصوت عند الرجال ونحو ذلك فإذا قرأت المرأة القرآن مجوداً فلا حرج عليها في ذلك اللهم إلا أن يكون حولها رجال وتقرأ بصوت مرتفع يخشى منه الفتنة فإنها لا تفعل.
***
(22/2)

مستمعة تقول مجموعة من النساء لا نستطيع أن نحضر إلى المساجد لسماع الندوات فنضطر لشراء أشرطة المسجل لسماع هذه الندوات سؤالي هل ثواب السامع من الشريط هو نفس ثواب الجالس في المسجد مباشرة من تنزل الملائكة عليهم وإحاطتهم بالرحمة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا ليس الذين يستمعون إلى الأشرطة كالذين يحضرون إلى حلق الذكر ويشاركون الذاكرين في مجالسهم ولكن السامعين للأشرطة لهم أجر الانتفاع وطلب العلم الذي يحصلونه من هذه الأشرطة وكما قلت آنفاً ما أكثر ما حصل من الهدى والاستقامة بواسطة هذه الأشرطة والشريط كما نعلم خفيف المحمل سهل الاستفادة فالإنسان يمكن أن يستمع إليه وهو في شغله يمكن أن يستمع إليه في سيارته ماشياً في طريقه ومن أجل ذلك كان لهذه الأشرطة فضل كبير من الله سبحانه وتعالى علينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذا التسهيل والتيسير.
***
(22/2)

السؤال: ماحكم قراءة الكتب الدينية للحائض؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول يجوز للمرأة الحائض أن تذكر الله وتهلله وتسبحه وتكبره وتقرأ ما شاءت من الكتب الدينية سواء كانت هذه الكتب من تفسير القرآن أو من الأحاديث النبوية أو من كتب الفقه أو غيرها فلا حرج عليها في ذلك
أما قراءة القرآن وهي حائض فقد اختلف فيها أهل العلم ولكن الراجح عندنا أنه لا يحرم عليها قراءة القرآن إذا احتاجت لذلك مثل أن تكون معلمة تحتاج إلى قراءة القرآن أمام الطالبات للتعليم أو تكون متعلمة تحتاج إلى قراءة القرآن للاختبار أو نحوه فهذا لا بأس به لأنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ليس في منع الحائض من قراءة القرآن سنةٌ صحيحةٌ صريحة والأصل براءة الذمة وجواز ذلك وهو مما تعم به البلوى ولوكان أمراً محرماً لكانت السنة في ذلك بينة واضحة لا تخفى على أحد ولهذا نقول اتباعاً للأحوط أن المرأة إذا احتاجت إلى قراءة القرآن وهي حائض فلا حرج عليها في ذلك وإلا فلها غنيةٌ بالتسبيح والتكبير والتهليل وقراءة الكتب الدينية كما في هذا السؤال.
***
(22/2)

المرأة والاختلاط
(22/2)

السؤال: يقول وسائل النقل في بلدنا جماعية ومختلطة وأحياناً يحدث ملامسة لبعض النساء دون قصد أو رغبة في ذلك ولكن نتيجة الزحام فهل نأثم على ذلك وما العمل ونحن لا نملك إلا هذه الوسيلة ولا غنى لنا عنها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على المرء أن يبتعد عن ملامسة النساء يعني عن مزاحمتهن بحيث يتصل بدنه ببدنها ولو من وراء حائل فإن هذا داع للفتنة والإنسان ليس بمعصوم قد يرى من نفسه أنه يتحرز من هذا الأمر ولا يتأثر به ولكن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فربما يحصل منه حركة تفسد عليه أمره فإذا اضطر الإنسان إلى ذلك اضطراراً لابد منه وحرص على أن لا يتأثر فأرجو أن لا يكون عليه بأس لكن في ظني أنه لا يمكن أن يضطر إلى ذلك اضطراراً لابد منه إذ من الممكن أن يطلب مكاناً لا يتصل بالمرأة حتى ولو كان واقفاً وبهذا يتخلص من هذا الأمر الذي يوجب الفتنة وعلى المرء أن يتقي الله ما استطاع وأن لا يتهاون بهذه الأمور كما أننا نرجو من القائمين على هذه الوسائل أي وسائل النقل أن يجعلوا مكاناً مخصصاً للنساء لا يتصل بهن الرجال.
***
(22/2)

السؤال: ما حكم جلوس العائلة برجالها مع عائلات أخرى برجالها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الجلوس المجرد مع المعارف فهذا لا بأس به لكن إن لزم منه تبرج أو كشف وجهه أو غيره مما لا يجوز كشفه للأجانب فإنه لا يجوز من هذه الناحية لما في ذلك من الفتنة أو ارتكاب المحرم في كشف الوجه وما يجب ستره لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يجوز للمرأة كشف وجهها إلا لزوجها أو محارمها وأما من ليس محرماً لها ولا زوجاً فلا يجوز لها أن تكشف له وجهها بأدلة ليس هذا موضع ذكرها وقد كتبنا في ذلك رسالة طبعت مرتين.
***
(22/2)

السائلة أم عبد الرحمن من البحرين تقول فضيلة الشيخ أعيش في عائلة يجتمع فيها الرجال والنساء الغير متحجبات ويحدث بينهم مزاح وضحك وما أشبه ذلك وعندما سألت عن ذلك قيل لي بأن ذلك لا يجوز ولا يجوز لي أيضاً الجلوس معهم وأن أشاركهم حتى على الوجبات غير أن ذلك يسبب لي المضايقات وأظل طول الوقت الذي هم فيه يجتمعون أقوم بالاختلاء في غرفتي وحيدة فبماذا تنصحونني مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: النصيحة لك ولأمثالك ممن تجري عليه هذه القضية هو تقوى الله عز وجل بقدر المستطاع لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
ثانياً النصيحة لهؤلاء والموعظة بالتي هي أحسن لعل الله يهديهم على يد الإنسان.
ثالثاً أن يكون الإنسان مرناً واسع الصدر فيما يجري فيه الخلاف بين العلماء من غير دليلٍ قاطعٍ فاصل فإنه لا يلزم الإنسان بل ولا يجوز للإنسان أن يلزم الناس بما يرى وأن ينقلهم عما يرون فما دامت المسألة مسألة اجتهاد وليس فيها نصٌ قاطعٌ فاصل فإن لكلٍ من الناس اجتهاده فيترك الناس واجتهادهم وحسابهم على الله عز وجل فمثلاً هذه المرأة إذا كانت في بيئةٍ يرى أهلها أنه يجوز كشف وجه المرأة لغير المحارم والزوج فإنه لا يلزمها بأن تلزمهم بما ترى من وجوب الحجاب بل ولا يجوز لها أن تلزمهم بذلك لكن لها أن تناظرهم في هذه المسألة وأن تناقشهم في هذه المسألة حتى يصل الجميع إلى ما تقتضيه الأدلة الشرعية.
***
(22/2)

السؤال: أحسن الله إليكم يقول شاب يسكن في بيت أهله ولكن هذا البيت فيه اختلاط ولا تستطيع زوجة هذا الشاب أن تتحجب بسبب الاختلاط هل يجوز أن يبني له بيتا بمفرده أم يعتبر ذلك من العقوق لتركه والديه مع إخوانه الذين يبلغ عددهم ثلاثة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان يتضرر أو يتأذى ببقائه مع أهله في البيت فلا بأس أن ينفرد عنهم بسكن لكن مع قيامه ببر الوالدين والحضور إليهما صباحا ومساء والسؤال عنهما وعن أحوالهما وهل يحتاجان شيئا إذا كان عنده فضل مال ولا حرج عليه في هذا أما إذا كان لا يلحقه ضرر ولا أذية فالأولى أن يبقى عند والديه لأن ذلك أسر لهما وأجمع للشمل ومن الأذية أن يشاهد من إخوانه ما يخشى منه الفتنة بالنسبة لزوجته فإن الإنسان لا يمكنه أن يستقر في بيت يخشى على أهله من الفتنة.
***
(22/2)

السؤال: تقول بأنها امرأة متزوجة تسكن في بيت أهل زوجها وفي البيت يوجد إخوان زوجي تقول وعندما أكون أعمل في داخل المطبخ مثلاً يأتي الإخوة إخوان زوجي ويدخلون في المطبخ ويأخذون ما يريدون ثم يخرجون وأكون متحجبة الحجاب الشرعي إلا اليدين أخرجهما لكي أستطيع العمل فهل عليّ إثم في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس عليك إثم في إخراج الكفين للعمل بحضور إخوان زوجك لأن هذا مما تدعو الحاجة إليه ويشق التحرز منه وقد قال الله سبحانه وتعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) اللهم إلا أن يصحب ذلك خوف من الفتنة مثل أن يكون إخوان الزوج ينظرون إلى كفيها نظرة مقصودة يخشى أن يكون فيها محذور ففي هذه الحال لا يجوز لها أن تكشف كفيها عند إخوان زوجها وأما دخول أحدهم عليها وهي في المطبخ فإن كان المطبخ شارعاً بمعنى أنه مفتوح وفي وسط الحاضرين الجالسين فإن هذا لا بأس به أما إذا كان المطبخ في ناحية من البيت وكان عليه باب فإنه لا يحل له أن يخلو بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إياكم والدخول على النساء قالوا يا رسول الله أرأيت الحمو قال الحمو الموت) يعني أنه هو البلاء الذي يجب الفرار منه كما يحب المرء الفرار من الموت.
***
(22/2)

السؤال: السائل يقول أنا متزوج والحمد لله ولكن في بعض الأحيان تكون زوجتي خارج المنزل وعندما أحضر من السوق تناولني الطعام زوجة أخي التي معنا في حوش واحد هل هذا صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما إن كنت خالياً بزوجة أخيك ولم يكن في البيت سواكما فإن هذا حرام ولا يحل لك أن تخلو بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إياكم والدخول على النساء قالوا يا رسول الله أرأيت الحمو قال الحمو الموت) وهذا غاية التحذير من الخلوة بالحمو، والحمو هو قريب الزوج وإنما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالموت لشدة التحذير منه لأن كل أحد يفر من الموت فكأنه قال فرَّ من الحمو كفرارك من الموت ونظير هذا قوله (فر من المجذوم فرارك من الأسد) والحاصل أن نقول إن كان هذا الذي تناوله زوجة أخيه القهوة والشاي أو الطعام في خلوة فإن ذلك حرام ولا يحل له أن يدخل البيت إلا ومعه أخوه إذا كان ليس في البيت إلا زوجة أخيه وأما إذا كان أخوه معه وقدمت القهوة أو الشاي أو الطعام لهما جميعا فهذا لا بأس به وقد جرت العادة بذلك ولا يحصل فيه شر اللهم إلا في قضية معينة بأن تكون امرأة الأخ شابة جميلة أو متجملة فهذه قد تحدث شهوة عند أخي زوجها وحينئذ يكون هذا حراما.
***
(22/2)

السؤال: بارك الله فيكم تقول لي أخت متزوجة من رجل أبكم وأصم فهل يجوز لي أنا وأمي وأخواتي أن نجلس ونأكل من طعام واحد معه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يجوز هذا بشرط أن تحتجب المرأة عنه لأن الأصم الأبكم يرى فإذا كان يرى فإنه لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها إلا أن تكون من محارمه ثم إنه لا بد من ملاحظة وهي الأمن من الفتنة فإن كان يخشى من الفتنة لم تجز مجالسته والأكل معه ولو كان حال تغطية الوجه وأما الأعمى فإنه يجوز للمرأة أن تكشف وجهها عنده لأنه لا يبصر وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لفاطمة بنت قيس (اعتدي في بيت لابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده) وكان عليه الصلاة والسلام (يستر عائشة وهي تنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد) فدل هذا على أن نظر المرأة للرجال ليس بمحرم إلا أن يكون نظر تمتع سواء كان تمتع نظر أو تمتع شهوة فإنه يحرم عليها أن تنظر هذا النظر.
***
(22/2)

السؤال: يقول ما حكم الشرع في نظركم في المرأة التي لم تحتجب وخاصة ونحن في الأرياف والاختلاط في البيت مع إخوان الزوج وكذلك الأقارب من العشيرة وهل يجوز لها أن تصافح أخا الزوج إذا عاد من سفره أو في مناسبة الأعياد وغيرها من المناسبات أفيدونا بهذا جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على المسلمين أن تكون مجتمعاتهم مجتمعات إسلامية يعني أن ينظروا ما كان عليه السلف الصالح من الهدي والأخلاق والآداب فيقوموا بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذي يلونهم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا حثاً لأمته على اتباع هذا القرن الذي هو خير القرون وأما العادات الحادثة بعد فإنه يجب أن تعرض على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فما كان مخالفاً لكتاب الله أو سنة رسول صلى الله عليه وسلم وجب طرحه والبعد عنه وما كان موافقاً أو غير مخالف فلا بأس به ثم إن العادات التي لا تخالف الشرع إذا وردت على عاداتنا وليس فيها خير ومصلحة زائدة على ما نحن عليه فإن الأولى بنا التمسك بما نحن عليه حتى نكون أمة لها شخصية وترتفع عن أحوال الجهال فهذه القرية التي أشار إليها السائل من كونهم لا يهتمون بهذا الأمر وإذا قدم أبناء العم من السفر صافحتهم بنت عمهم أو إذا أردوا أن يسافروا أو ما أشبه ذلك كل هذا من العادات القبيحة المخالفة للشرع فإنه لا يجوز للإنسان أن يصافح امرأة ليست من محارمه لأن في هذا خطراً وفتنة ودعوة إلى الفاحشة ولا يقول الإنسان أنا من الأقارب أنا مأمون وما أشبه ذلك وإن هذا هو الذي يجب الحذر منه ومن ثم سأل الصحابة رضي الله عنهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمو يعني أقارب الزوج حين قال النبي عليه الصلاة والسلام (إياكم والدخول على النساء قالوا يا رسول الله أرأيت الحمو قال الحمو الموت) يعني أنه يجب الحذر منه كما يجب الحذر من الموت وذلك لأن الحمو الذي هو قريب الزوج إذا دخل بيت أخيه أو عمه أو قريبه لم يستنكره أحد ودخل وهو منشرح الصدر غير خائف فيكون في مثله الخطر والفتنة ولهذا حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام قال (الحمو الموت) .
***
(22/2)

السؤال: السائل من اليمن من أبين يقول اختلاط الرجال بالنساء خصوصاًً في المناطق الريفية التي يعتبرون كأسرة واحده؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هناك ثلاثة أمور، الأمر الأول السفر بالمرأة وحدها بدون محرم، والثاني الخلوة بالمرأة بغير محرم، والثالث الاختلاط في المجامع.
فأما الأول: وهو السفر سفر المرأة بلا محرم فإنه محرم لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يخطب الناس (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) ولا فرق بين سفر العبادة وسفر العادة لعموم الحديث فلا يحل للمرأة أن تسافر للعمرة بلا محرم ولو كان معها نساء ولو كانت كبيرة السن ولو كانت ممن لا تتعلق بها أطماع الرجال لعموم الحديث ولا يحل لها أن تسافر لصلة رحم أو زيارة صديق أو ما أشبه ذلك ولا يحل لها أن تسافر سفر نزهة أو تجارة كل هذه الأسفار بجميع أنواعها لا يحل لها أن تقوم بها إلا بمحرم لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك ولأن سفرها بدون محرم عرضة لتعلق الأطماع بها وربما تحتاج إلى شيء فلا تجد عندها محرم يعينها أو يكفيها المؤونة.
الثاني: الخلوة بالمرأة بلا محرم محرمة لقول النبي صلى الله عليه وعلى وسلم (لا يخلون رجل بامرأة) وفي حديث آخر (ما خلى رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) وهذا يدل على التحذير البالغ من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن شخصين ثالثهما الشيطان لا تؤمن عليهما الفتنة والزلة ولا فرق بين أن يكون الذي خلى بها قريب من غير المحارم أو غير قريب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إياكم والدخول على النساء، قالوا: يا رسول الله أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) وهذه الجملة تفيد التحذير البالغ من خلوة الحمو الذي هو قريب الزوج بامرأته، وإن بعض الناس يتهاون في مثل هذا الأمر فتجد أخوين في بيت واحد ولأحدهما زوجة يخرج هذا الزوج إلى عمله ويبقي زوجته مع أخيه في البيت وهذا من أخطر الأمور وما أكثر المآسي التي نسمع بها من جراء ذلك ولا فرق في الخلوة بين أن تكون في منزل أو في سيارة ونحوها لأن العلة الموجودة في الخلوة في المنزل موجودة في الخلوة في السيارة والشريعة الإسلامية لا تفرق بين شيئين متماثلين أبداً وتهاون بعض الناس في هذا الأمر خطير جداً لأن بعض الناس يرسل ابنته الشابة مع السائق إلى المدرسة أو يرسل زوجته مع السائق إلى المدرسة وليس معهما أحد وهذا خطير جداً وكثيراً ما نسمع قضايا مزرية من جراء ذلك فعلى الإنسان أن يتقي ربه عز وجل وأن يحفظ محارمه وأن يكون فيه غيرة على أهله ونسائه
القسم الثالث الاختلاط العام فهذا إذا كان في السوق فمن المعلوم أن المسلمين تمشي نساؤهم في أسواقهم مع الرجال ولكن يجب هنا التحرز من المماسة والمقاربة بمعنى أنه يجب على المرأة وعلى الرجل أيضاً أن يبتعد أحدهما عن الآخر ويحسن جداً أن يكون معها محرم إذا نزلت إلى السوق لا سيما إذا كثر الفساد
هناك قسم رابع عام لكنه في الحقيقة فيه نوع من الخصوصية وهو الاختلاط في المدارس والجامعات والمعاهد وهذا أخطر من الاختلاط في الأسواق وذلك لأن الرجل والمرأة يجلسان مدة طويلة للاستماع إلى الدرس ويخرجان جميعاً إلى أسياب المدرسة أو المعهد أو الكلية فالخطر فيه أشد فنسأل الله أن يحمي شعوب المسلمين من كل سوء ومكروه.
***
(22/2)

السؤال: بارك الله فيكم هل يجوز للمرأة أن تخدم ضيوف زوجها من الرجال بحضور زوجها وهل تجلس معهم كاشفةً للوجه إذا أمنت الفتنة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز ذلك أي لا يجوز للمرأة أن تخدم الرجال مباشرةً ولو بحضور زوجها أو محرمها لأن هذا يؤدي إلى الفتنة بلا شك ولا يجوز لها أن تكشف وجهها وإن لم تباشر الخدمة مثل أن تأتي بالطعام أو بالقهوة تسلمها لزوجها أو وليها وتنصرف وهي في هذه الحال كاشفةٌ وجهها فإن ذلك حرامٌ ولا يجوز لأن كشف المرأة وجهها للرجال الأجانب محرم كما دلت على ذلك آياتٌ من القرآن وأحاديثٌ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما ما يروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثيابٌ رقاق فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنها وقال (إن المرأة إذا بلغت سن المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا) وأشار إلى وجهه وكفيه فإن هذا الحديث ضعيف سنداً ومنكرٌ متنا أما ضعفه سنداً فإن فيه رجالٌ ضعفاء ولأن خالد بن دريك الذي رواه عن عائشة لم يدرك عائشة فيكون فيه علتان من علل السند إحداهما انقطاع السند بين من رواه عن عائشة وبينها الثاني ضعف بعض رواته وأما المتن فوجه إنكاره أن أسماء بنت أبي بكر وهي المرأة العاقلة المؤمنة لا يمكن أن تدخل على النبي صلى الله عليه وسلم بثيابٍ رقاق يكشفن ما ورائه حتى يعرض النبي صلى الله عليه وسلم عنها فإنها أجل قدراً وأغزر علماً وديناً وأشد حياءً من أن تظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا المظهر ومن المعلوم بأن المتن إذا خالف ما يعلم أنه على خلافه فإنه يدل على أنه متنٌ منكر وعلى هذا فإنه لا يجوز الاعتماد على هذا الحديث في جواز كشف الوجه والكفين.
***
(22/2)

السؤال: تقول المستمعة من العادات التي أظن أنها سيئة في قريتنا وهي أن المرأة تجلس في منزلها مع الأجانب الذين يدخلون البيت سواء من أصدقاء زوجها أو والدها أو أبناء عمها أو أبناء خالها وكثير من الأجانب كالجار وزوج الأخت تقول ما الحكم في ذلك بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في ذلك أنه لا ينبغي للمرأة أن تختلط بالرجال ولو كانوا من أقاربها لأن ذلك سبب للفتنة وما أحسن أن يكون للرجال مجلس خاص وللنساء مجلس خاص بالعوائل حتى يكون الرجال على حدة والنساء على حدة وتبعد الفتنة التي تخشى من الاختلاط.
***
(22/2)

المستمعة أم جويرية من دولة الكويت تقول تعودنا السفر بالطائرة وكما تعلمون إجراءات السفر للجوازات في المطار فكيف أتصرف إذا طلب مسئول التفتيش التأكد من شخصيتي كحاملة لهذا الجواز علماً بأنني كما أسلفت منقبة وهل يجوز للمنقبة أن تكشف وجهها أو يديها متى دعت الحاجة أمام أولاد العم أو الخال أو غير ذلك من المقربين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن كلمة دعت الحاجة كلمةٌ واسعة فما هي هذه الحاجة قد يظنها الإنسان أنها حاجة وليس بحاجة لكن أهل العلم ذكروا أنه يجوز للمرأة عند الحاجة أن تكشف وجهها لأن تحريم كشف الوجه من باب الوسائل فإذا دعت الحاجة إلى كشفه كان جائزاً ولكن لا بد أن تكون حاجةً حقيقية لا حاجةً وهمية.
***
(22/2)

يقول عندما أذهب لوطني أثناء فترة الإجازة يحضر للسلام علي من النساء من ليس بمحرم لي سواء كن كبار في السن او شابات فما حكم مصافحتهن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصواب في هذا أنه لا يجوز لك أن تصافح من ليست محرما لك سواء كانت شابة أم عجوزا لأن ذلك يؤدي إلى الفتنة وإذا كان النظر إلى الوجه محرما فالمصافحة أشد وأعظم ويجب عليك أن تنصح هؤلاء النساء إذا مددن أيدهن إليك وتقول إن هذا ليس بجائز والذي فهمته من هذا السؤال أن هؤلاء النسوة اللاتي يسلمن عليه يكن كاشفات الوجوه فإن كان الأمر كما فهمت فهذه أيضا بلية أخرى فعليه أن ينهاهن عن كشف الوجه أمامه لأن هذا من النهي عن المنكر وهو فرض وإذا كان فعله هذا اتباعا لمرضاة الله والتماسا لمرضاة الله عز وجل فإن الله تعالى سوف يرضى عنه ويرضي عنه الناس فإن من التمس رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ومن التمس سخط الله برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عنه الناس ولا يضره إذا قال لهن بكلام لين إن هذا لا يجوز لا لي ولا لكن لا يضره هذا شيئا بل هذا مما يزيده هيبة واحتراماً بين ذويه من النساء.
***
(22/2)

المستمعة سمية تقول نحن في المدرسة وتلقى المحاضرات والاحتفالات ودائماً نستفتح بالقرآن الكريم فقد يطلبوا مني أن افتتح لهم أنا بالقرآن علماً بأن القراءة تكون بمكبر الصوت ويوجد في الاحتفال أو المحاضرة عدد من الرجال فهل في هذا إثم وإذا قرأنا القرآن هل صوت المرأة عورة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال يتضمن عدة أسئلة:
أولاً افتتاح المحاضرات والندوات بالقرآن الكريم هل هذا من الأمور المشروعة لا أعلم في هذا سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي عليه الصلاة والسلام كان يجمع أصحابه كثيراً حين يريد الغزو أو للأمور المهمة التي تهم المسلمين ولا أعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يفتتح هذه الاجتماعات بشيء من القرآن لكن لو كانت المحاضرة أو الندوة تشتمل على موضوع معين وأراد أحد أن يقرأ شيء من الآيات التي تتعلق بهذا الموضع ليكون بها افتتاح ذلك الموضوع فإن هذا لا بأس به وأما اتخاذ افتتاح المحاضرات أو الندوات بآيات من القرآن دائماً كأنها سنة مشروعة فهذا لا ينبغي.
المسألة الثانية في هذا السؤال كون المرأة تقرأ القرآن بمكبر الصوت فيسمعها الناس من قريب ومن بعيد حيث ينتهي مدى صوت هذا المكبر هذا أمر لا ينبغي لأن المرأة مأمورة بالتستر والاختفاء عن الرجال وكونها تعلن صوتها بمكبر الصوت ينافي ذلك.
وأما المسألة الثالثة في السؤال فهي هل صوت المرأة عورة والجواب أن صوت المرأة ليس عورة فإن النساء كنّ يأتين إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يسألنه بحضرة الرجال ولم ينكر صلى الله عليه وسلم عليهن ذلك ولو كان صوتها عورة لأنكره النبي عليه الصلاة والسلام فصوت المرأة ليس بعورة لكن لا يجوز للرجل أن يتلذذ به سواء كان ذلك التلذذ تلذذ شهوة جنسية أو تلذذ استمتاع وراحة نفس وإنما يستمع إليها بقدر ما تدعو الحاجة إليه فقط إذا كانت أجنبية منه.
***
(22/2)

المرأة والدعوة
(22/2)

السؤال: سؤالها الثاني تقول كيف تدعو المرأة إلى الله إذا كان لديها علم وحماس وتريد أن تدعو إلى الله فما هي الطريقة التي تتبعها وما هي المجالات التي تستطيع أن تدعوا إلى الله فيها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الطريقة التي تتبعها هي ما أمر الله به في قوله (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وأما المجالات فهي مجامع النساء كالمدارس وغيرها تحضر إليهن وتدعوهن إلى الله عز وجل ولكل مقام مقال بإمكانها أن تعرف هل المقام يقتضي الترغيب أو الترهيب أو الجمع بينهما بحسب الحال فمجالات عملها إنما هو مجامع النساء فقط أما مجامع الرجال فإنه للرجال.
***
(22/2)

السائل أحمد صالح من جدة يقول هل حديث (من صلى الصبح في جماعة ثم جلس يذكر الله) إلى آخر الحديث يخص المرأة وخاصة أنها تصلى في البيت منفردة وليست في جماعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث الوارد فيمن صلى الصبح في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين يعني بعد ارتفاعها قيد رمح فهو كأجر حجة وعمرة تامة تامة بعض العلماء لا يصححه ويرى أنه حديث ضعيف وعلى فرض أنه صحيح يراد به الرجال فقط وذلك لأن النساء لا يشرع في حقهن الجماعة فيكون خاصا فيمن تشرع في حقهم الجماعة وهم الرجال لكن لو جلست امرأة في مصلى بيتها تذكر الله عز وجل إلى أن تطلع الشمس وترتفع قيد رمح ثم تصلى ركعتين فيرجى لها الثواب على ما عملت ومن المعلوم أن الصباح والمساء كلاهما وقت للتسبيح وذكر الله عز وجل قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) .
***
(22/2)

حكم الرقص
(22/2)

السؤال: تقول هل الرقص جائز إذا كان بين النساء وإذا كان مصحوبا بالغناء الحلال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أرى الرقص من فتاة تفتن النساء برقصها وقد سمعنا أنه جرى أشياء منكرة إذا قامت الفتاة الشابة تتكسر وتتلوى راقصة وأن بعض النساء قد تقوم تعتنقها وتضمها وتقبلها وهذه فتنة أما المرأة الكبيرة العجوز التي لا يؤبه لها كثيرا فأرجو ألا حرج عليها إذا قامت ترقص.
***
(22/2)

السؤال: تسأل عن حكم الرقص في الزواجات أمام النساء فقط؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الرقص مكروه حتى أمام النساء وقد بلغنا أشياء مزعجة حيث إن بعض النساء تكون رشيقة سريعة التثني فتوقع الفتنة والشهوة في قلوب بعض النساء الحاضرات حتى بلغني أن منهن من يقوم إلى هذه الراقصة ويحتضنها ويقبلها من النساء أنفسهم فلا نرى جواز الرقص في الحفلات لا في الزفاف ولا في غيره.
***
(22/2)

خروج المرأة وسفرها
(22/2)

السؤال: يقول في رسالته هل يجوز للمرأة أن تترك زوجها وأولادها الصغار وتذهب للعمل في دولة أخرى بعيدة عنهم وما هي المدة التي يسمح بها الإسلام لبعد الزوجة عن بعلها وهل هناك ضرر من ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم لا يحل للمرأة أن تسافر إلا بإذن زوجها ولا يحل لها إذا أذن لها أن تسافر إلا بمحرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم (نهى أن تصوم المرأة وزوجها شاهد إلا بإذنه) فكيف بسفرها ومغادرتها زوجها وترك أولادها عند الزوج يتعب فيهم وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه (نهى أن تسافر المرأة بدون محرم) وللزوج أن يمنع زوجته من السفر سواء كان سفرها للعمل أم لغير العمل لأن الزوج مالك بل قد قال الله تعالى (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) سيدها يعني زوجها فله السيادة عليها وله أن يمنعها من السفر بل له أن يمنعها من مزاولة العمل حتى في البلد إلا إذا كان مشروطاً عليه عند العقد فإن المسلمين على شروطهم وعلى هذه المرأة أن تتقي الله عز وجل وأن تكون مطيعة لزوجها غير مغضبة له حتى يكون الله عليها راضياً وبهذا يتبين الجواب عن قولها وكم مدة تبقى بعيدة عن زوجها فإنه ليس هناك مدة لابد أن تبقى مع زوجها فإن أذن لها في وقت من الأوقات وسافرت مع محرم ومع أمن الفتنة فالخيار بيده يأذن لها ما شاء.
***
(22/2)

تقول هذه السائلة إنها تعمل هنا في المملكة وموفر لها السكن فهل عملي بعيداً عن زوجي وأولادي خطأ طبعاً أنا سافرت بموافقة زوجي من أجل مساعدة أولادي في شراء بيت لهم والقيام بتعليمهم فهل هذا المال حرام وهل سفري لوحدي حرام وأنا مقتنعة داخلياً بحديث الرسول ? بعدم سفر المرأة لوحدها وهل إذا سافر معي زوجي ورجع ثاني إلى مصر وتركني لعملي وحدي فهل إقامتي في سكني المُؤَمَّن حرام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما سفرها بلا محرم حرام وكونها تعتقد أنه حرام ثم تخالفه هذا أشد بلاء وأشد إثماً لأنها بمنزلة من يقول سمعنا وعصينا والواجب عليها أن تهيئ لزوجها مصاحبة معها في السفر والإقامة ولابد أن تجد لزوجها شغلاً في هذه البلاد وإن لم تجد فإنه يكون مرافقاً لها كما هو متبع في هذه البلاد والحمد لله أنه إذا احتيج إلى المرأة للتدريس فإنه لابد أن تأتي بمرافق لها إما زوج أو محرم.
***
(22/2)

السؤال: تقول بالنسبة يا فضيلة الشيخ لسفر المرأة مع طفل عمره السابعة أو الثامنة في الطائرة هل يعتبر هذا الطفل محرم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقول العلماء رحمهم الله إنه يشترط في المحرم أن يكون بالغاً عاقلاً لأن هذا هو الذي يمكنه صيانة المرأة وحمايتها والمدافعة عنها وهو الذي يوجب هيبتها عند الناس أما الطفل الصغير فإنه لا يغني المرأة شيئاً ولهذا لا يجوز للمرأة أن تسافر مع محرمٍ صغير بل عليها أن تختار محرماً بالغاً عاقلا كما قال ذلك أهل العلم رحمهم الله والعجب أن بعض النساء اليوم يتهاون بالسفر في الطائرة بحجة أن الطائرة مملوءة بالركاب وأن المسافة قريبة وأنها سوف تشيع من البلد الذي سافرت منه وتستقبل في البلد الذي توجهت إليه ولكن هذا تهاون وتساهل في حدود الله عز وجل وذلك لأن هذه المرأة سوف يودعها من يشيعها من المطار إذا دخلت صالة الاجتماع فإذا دخلت صالة الاجتماع فقد تتأخر الطائرة عن السفر في الموعد المحدد وربما تلغى الرحلة للأحوال الجوية أو لعطلٍ فني أو لما أشبه ذلك فمن الذي يردها إلى أهلها ثم إذا قدرنا أن الطائرة أقلعت فهل نضمن مائة بالمائة أن تهبط في المطار الذي قصدته ربما يعتريها خلل فني ترجع الطائرة من أثناء الطريق أو تذهب إلى مطارٍ أقرب من المطار الذي قصدته وربما تحدث أحوالاً جوية تمنع الطائرة من الهبوط في المطار الذي قصدته وإذا قدرنا أن هذا قد انتفى وأنها هبطت الطائرة في المطار المعين المقصود فهذا المحرم الذي كان بصدد أن يقابلها هل نحن نضمن أن تتم المقابلة مائة بالمائة ربما يصيب هذا المحرم مرض لا يستطيع معه الحضور إلى المطار ربما ينام ربما تتعطل السيارة في أثناء الطريق ربما يحصل زحام في الطريق وأشياء كثيرة يحتمل أن تقع وتمنع وصوله إلى المطار ثم إذا قدرنا أن كل هذا انتفى فمن الذي يكون إلى جانبها في الطائرة قد يكون إلى جانبها رجلٌ غير مأمون فالمسألة خطيرة وإذا قدرنا أن مثل هذا لا يقع إلا واحد في العشرة يعني عشرة في المائة فإن الشرع له نظرٌ بعيد في حماية الأعراض واجتناب الأخطار لا سيما في مثل هذه الأمور التي تعتبر فتنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (ما تركت بعدي فتنةً أضر على الرجال من النساء) (وأخبر أن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا وفتنة الكفار في النساء وفتنة بعض المسلمين كذلك في النساء فالمسألة خطيرة وإنني أحذر أخواتي وأولياء أمورهن من التهاون بهذا الأمر العظيم وأقول وإن رخص بعض العلماء في مثل ذلك فالمرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقد (خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة قال فيها لا تسافر امرأةٌ إلا مع ذي محرم فقام رجلٌ فقال يا رسول الله إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا وإن امرأتي خرجت حاجة قال انطلق فحج مع امرأتك) هكذا أعلن ولم يستثن شيئاً فإن قال قائل إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم حدوث مثل هذه الوسائل في المواصلات السريعة التي أمنها كثير قلنا إن قدرنا أنه لم يعلم بذلك فإن الله تعالى قد علم به ولم ينزل على رسوله صلى الله عليه وسلم وحياً يستثني مثل هذه الحالات على أن قول الله تعالى (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلف ما لا تعلمون) توحي بأن هناك أشياء ستحدث لا نعلمها تركب وهذا هو الواقع فإذا كنا نحن نفهم هذا الفهم من كلام الله فرسول الله صلى الله عليه وسلم أقوى منا فهماً وأشد.
***
(22/2)

يقول ما الحكم الشرعي في سفر المرأة علماً بأنها سوف يكون معها محرم حتى المطار الذي سوف تسافر منه ثم ينتظرها محرم في المطار الذي سوف تصل إليه والمدة التي سوف تستغرقها في الطائرة بدون محرم مدتها ساعتان تقريباً فهل يحل لها السفر أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للمرأة أن تسافر بدون محرم لا في الطائرة ولا في السيارة ولا في السفينة لعموم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) أو (إلا ومعها ذو محرم) وهذا النهي للتحريم لأن ذلك هو الأصل فيما نهى الله عنه ورسوله ويدل لذلك أيضاً أنه ورد هذا الحديث معناه (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر) فقوله لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر صريح في التحريم وكونها تمضي إلى المطار بمحرم وينتظرها في المطار الذي تقدم إليه محرم هذا لا يبرر سفرها بدونه أي بدون المحرم لأنه من الجائز أن يكون للطائرة مانع يمنعها من الهبوط في المطار المنتظر هبوطها فيه فتطير إلى بلد آخر ومن الجائز أن يعرض لمحرمها المُسْتَقْبل عارض يمنعه من الخروج أو على الأقل من الوصول إلى المطار قبل هبوط الطائرة ومن الجائز أيضاً أن يُغرر بالمرأة عند نزولها من الطائرة فُيْذَهب بها إلى غير ما تريد كما وقع المهم أنه لا يجوز للمرأة في أي حال من الأحوال أن تسافر إلا ومعها ذو محرم لا في الطائرة ولا في السيارة ولا في السفينة.
***
(22/2)

السؤال: بارك الله فيكم ما حكم من تسافر من بلدٍ إلى آخر بدون محرم فقط لموعدٍ في المستشفى فهي لا زوج لها وأولادها صغار والكبير يجلس عند أخواته للمحافظة عليهم فلا تستطيع وضع البنات عند أحدٍ من الناس بسبب الدراسة فترجو منكم الإجابة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ما الذي ذهب بها أولاً إلى هذا المستشفى الذي ذهب بها أولاً إلى هذا المستشفى يذهب بها ثانياً إليه لكن قد يقال إنها نقلت من المستشفى الذي في بلدها إلى هذا المستشفى بدون الرجوع إلى محرم كما في طائرات الإخلاء الطبي فنقول إنه لا يجوز لها أن تسافر إلا مع ذي محرم ولا بد أن يكون للمرأة في الغالب خالٌ أو عمٌ أو أخٌ أو ابن أخٍ أو ابن أخت أو ما أشبه ذلك مما يمكنها أن تطلب منه أن يسافر معها إذا كانت ترى أنه لا بد من بقاء ابنها الكبير مع أبنائها الصغار وبناتها الصغار.
***
(22/2)

السؤال: تقول إنها طالبة في الكلية التي تبعد عن المنزل حوالي خمسة وعشرين كيلو أو ثلاثين كيلو تقول ولا أجد أحد من محارمي ليسافر معي وأخشى أن أكون عاصية لله بسفري هذا ولكنني أحرص على أن أتعلم وأحصل على شهادة جامعية تمكنني من نفع المسلمين وخدمتهم مثل أن أكون طبيبة أو معلمة فهل يجوز لي السفر خاصةً بأن وقت السفر يستغرق من ساعة ونصف إلى الساعتين أم أني أكون عاصية في مثل هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إنها تكون عاصية إذا سافرت بلا محرم لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تسافر امرأةٌ إلا مع محرم) قال ذلك وهو يخطب الناس يعلمهم فقام رجلٌ وقال يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (انطلق فحج مع امرأتك) ومعلومٌ أن تعلم المرأة لما ينفعها في دينها ودنياها أمرٌ مطلوب هذا إذا لم تكن الوسيلة إليه محرمة فإن كانت الوسيلة إليه محرمة حُرّم هذا الأمر لا لذاته بل لغيره فإما أن يذهب بها زوجها إن كانت متزوجة وإما أن تتزوج شخصاً ويكون محرماً لها وإما أن تكتفي بما تسمعه من المسجلات من هذه الدروس وتطلب أن يكون اختبارها اختبار منازل أي بانتساب.
***
(22/2)

السؤال: بارك الله فيكم الشيح محمد الشيخ محمد نحن عندما نتحدث عن سفر المرأة يتعلل الكثير من الناس في سفر المرأة بلا محرم بقصر المدة بالطائرة ووجود الركاب بها فيقول إنها مأمونة الفتنة ما تعليقكم على ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التعليق على ذلك ليس المقصود الأمن وعدم الأمن بدليل أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يستفصل في الحديث (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) ولو كان المدار على الأمن لاستفصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذا ثم إن الأمن ليس أكيدا في سفر الطائرة
أولاً: لأن الطائرة ربما تقلع في الموعد المقرر وربما تتأخر لأسباب فنية أو جوية فتبقى المرأة في المطار هائمة تائهة لأن محرمها قد رجع إلى بيته بناء على أنها دخلت الصالة أو أذن لهم بركوب الطائرة ثم تأخرت الطائرة وإذا قدر أن هذا المحظور زال وأن الطائرة أقلعت متجهة إلى محل هبوطها فلا يؤمن أن تهبط في غير المكان الذي قرر فيه الهبوط لأنه يجوز أنه قد يتغير الجو فلا يمكنها الهبوط في المكان المقرر ثم تذهب الطائرة إلى مكان آخر لتهبط فيه وحينئذٍ تبقى هذه المرأة هائمة تائهة أو تتعلق بمن لا تؤمن فتنته وإذا قدرنا أنها وصلت إلى المطار التي قرر هبوطها فيه فإن محرمها الذي سيستقبلها قد يعوقه عائق عن وصوله للمطار إما زحام في السيارات وإما عطل في سيارته وإما نوم وإما غير ذلك فلا يأتي في موعد هبوط الطائرة وتبقى هذه المرأة هائمة تائهة وإذا كان الحج ليس واجباً لمن ليس عندها محرم فالأمر والحمد لله واسع وليس فيه إثم ولا ينبغي للمرأة أن تتعب نفسياً من أجل هذا لأنها في هذه الحال غير مكلفة به فإذا كان الفقير العادم للمال ليس عليه زكاة وقلبه مطمئن بكونه لا يزكي فكذلك هذه المرأة التي ليس عندها محرم ينبغي أن يكون قلبها مطمئنا لعدم حجها.
***
(22/2)

السؤال: تقول عندي خادمة غير مسلمة وغير كتابية في المنزل هل هذا حرام عليّ علماً بأنني آمرها بلبس الحجاب ويمتثلون لذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الخادم المسلم من ذكر أو أنثى خير من الخادم الكافر لقول الله تبارك وتعالى (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ ولو أعْجَبَكُم) وقوله (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) ولا ينبغي للإنسان أن يستقدم خادماً غير مسلم مع تمكنه من استقدام الخادم المسلم ثم إنه لابد فيما إذا كانت الخادم امرأة أن يكون لها محرم لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نهى عن أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) ولكن من ابتلي بخادم غير مسلم من رجل أو امرأة فليعرض عليه الإسلام وليدعوه إليه وليرغبه فيه وليؤلفه عليه ولو بزيادة الراتب أو إعطاء دراهم زائدة على الراتب لأن ذلك من الدعوة إلى الله وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعلي بن أبي طالب (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) .
***
(22/2)

من الجمهورية العربية اليمنية يقول السائل هل يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها من غير إذن زوجها ثم هل يجوز لها أن تخرج من غير حجاب حتى وإن كان لبيت أبيها ثم أيضاً هل يجوز لزوج أختها أن ينظر إليها وهي من غير حجاب فأفيدونا بارك الله فيكم من هم الأرحام ومن هم الذين لا يجوز الذهاب إليهم نرجوا التوضيح في هذه المسألة مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب أما خروج المرأة من بيت زوجها فإنه لا يجوز إلا بإذنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه) فإذا منع النبي عليه الصلاة والسلام من الصيام وهو طاعة وقربة فإن منعها من الخروج من منزله بلا إذنه أولى والإذن قد تكون لفظيا بأن يأذن الرجل لزوجته لفظاً فيقول إذا شيءت أن تزوري أهلك فلا حرج وقد يكون عرفيا بحيث يدل العرف على الإذن بها كما لو كان من عادة هؤلاء القوم أن تخرج المرأة لقضاء الحوائج كشراء الخبز ونحوه فهذا إذن عرفي.
وأما كون المرأة تخرج بغير حجاب فإن هذا حرام أيضاً والواجب على المرأة إذا خرجت إلى السوق أن تخرج غير متطيبة ولا متبرجة بزينة ولا كاشفة لوجهها لأن ذلك من الفتن العظيمة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه منع المرأة من حضور المسجد إذا كانت متطيبة فقال صلى الله عليه وسلم (أيما امرأة أصابت بخوراًَ فلا تشهد معنا العشاء) وإظهار المرأة وجهها في الأسواق من أعظم الفتن ومن أعظم المصائب التي حلت في مجتمعات بعض المسلمين فإن هذه الفتنة العظيمة لم تقتصر على إخراج الوجه فقط بل صار النساء يخرجن الرؤوس والرقاب والنحور والأذرع ولا يبالين بذلك حتى اتسع الخرق على الراقع وصار ضبط النساء متعذراً أو متعسراً غاية العسر
وأما كشف المرأة لزوج أختها أو لغيره من الرجال الأجانب غير المحارم فإنه حرام ولا صلة بينها وبين زوج أختها بخلاف أم الزوجة فإن أم الزوجة محرم لزوج ابنتها فيجوز لها أن تكشف له
والمحارم هم كل من تحرم عليه المرأة تحريماً مؤبداً لقرابة أو رضاع أو مصاهرة فأما المحرمات بالقرابة فهنّ سبع ذكرهن الله تعالى في قوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) وأما المحرمات بالرضاع فقد قال الله تعالى (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فالأم من الرضاعة والبنت والأخت والعمة والخالة وبنات الأخ وبنات الأخت كلهن محارم لأنهنّ يحرمنّ من النسب وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) وأما المحرمات من المصاهرة فهن أربع زوجات الآباء وإن علوا وزوجات الأبناء وإن نزلوا وأم الزوجة وإن علت وبنتها وإن نزلت قال الله تعالى (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً) وقال الله تعالى في جملة المحرمات (وأمهات نسائكم وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) فهؤلاء الأربع محرمات بالمصاهرة ويحرمن بمجرد العقد إلا بنات الزوجة وإن نزلنّ فلا يحرمن إلا إذا جامع أمهاتهنّ لقوله تعالى (وربائبكم اللآتي في حجوركم من نسائكم اللآتي دخلتم بهنّ فإن لم تكون دخلتم بهنّ فلا جناح عليكم) فهؤلاء سبع من النسب وسبع من الرضاع وأربع من الصهر كلهنّ محارم لأنهنّ محرمات إلى الأبد لنسب ورضاع ومصاهرة.
***
(22/2)

السؤال: ما الحكم في المرأة التي تخرج من بيت زوجها بدون إذنه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً هذا السؤال نوجه فيه نصيحةً قبل أن نجيب عليه وهو أننا ننصح جميع أخواتنا المؤمنات أن لا يخرجن من بيوتهن إلا في حاجةٍ لا بد من الخروج فيها لأن بيتها أصون لها وأبعد لها عن الفتنة وأسلم لدينها وخلقها وأحفظ لزوجها فلا ينبغي للمرأة أن تخرج إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك ثم إذا خرجت يجب أن لا تخرج متبرجةً بثيابٍ جميلة أو نعالٍ رفيعة أو رائحةٍ طيبة أو ما أشبه ذلك بل تخرج تفلةً متبذلة لابسةً ثياباً لا تجذب النظر ولا تجلب الفتنة
ثم نقول في الجواب على السؤال ثانياً إنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيت زوجها بلا إذنه ولا لزيارة أقاربها فإذا كان يمنعها من الخروج فإنه لا يجوز لها أن تخرج إلا بإذنه وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لا يحل لامرأةٍ أن تصوم وزوجها حاضر إلا بإذنه) والصيام عبادة فكذلك الخروج من باب أولى فلا يجوز لها أن تخرج من بيت زوجها حتى يأذن ويرضى بذلك ويجب على الزوج أن لا يأذن لها في الخروج في حالٍ تكون فيها فاتنة بثيابها أو رائحتها أو ما أشبه ذلك وأن يراعي هذا الطلب الذي تقدمت به للخروج هل هو خروجٌ لحاجة أو لا فإن كان لحاجة فليأذن لها بالشروط التي أشرنا إليها وإن كان لغير حاجة فليمنعها والله الموفق.
***
(22/2)

تقول السائلة أنا امرأة متزوجة منذ ما يقارب سنة والآن هي عند أهلها لظروفها المرضية وقامت بأداء العمرة في شهر رمضان والحج في العام الماضي ولم تأخذ إذن الزوج ولم تستسمح منه مع العلم بأنها حاولت أن تخبره لكنه لم يكن موجوداً ولم تعرف مكانه فهل تأثم بذلك وهل العمرة والحج صحيح تقول مع العلم بأنه لا يوجد بيني وبين زوجي خلاف ولكنني أخبرت والده وأهله بذهابي مع والدي.

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الحج والعمرة فصحيحان لأنهما فرض والفرض لا يملك الزوج أن يمنع زوجته منه إذا تمت الشروط وأما كونها آثمة أو غير آثمة فإذا علمت أن زوجها يرضى بذلك فلا إثم عليها.
***
(22/2)

السؤال: ما حكم خروج المرأة للدروس والمحاضرات بدون محرم إذا كان المكان بعيداً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا بأس أن تخرج المرأة وحدها للدروس سواء كانت تدرس أو تتعلم أو للمحاضرات إذا أمنت على نفسها وأما ركوبها مع السائق وحده فحرام لا شك فيه لأن هذا خلوة واضحة وخلوة خطيرة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إياكم والدخول على النساء قالوا يا رسول الله أرأيت الحمو قال الحمو الموت) وقال صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) وأخبر أنه (لا يخلوا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) والخلوة بالسيارة خطيرة جدا لأن السائق يتحدث إليها ويضحك إليها وربما يركبها إلى جنبه فيغمزها عند الكلام فالأمر خطير جدا جدا فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تركب وحدها مع السائق حتى لو كان في وسط البلد.
(22/2)

فضيلة الشيخ: هل من كلمة للنساء اللاتي يعتبرن المنزل سجناً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الكلمة أن أقول للمرأة الذي جعل البيت سجنا إن صح التعبير هو الله عز وجل قال الله تعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النساء (بيوتهن خير لهن) والمرأة في بيتها طليقة تذهب إلى كل ناحية من البيت وتعمل حوائج البيت وتعمل لنفسها فأين الحبس أين السجن نعم هو سجن على من تريد أن تخرج وأن تكون كالرجل ومن المعلوم أن الله تعالى جعل للرجال خصائص وللنساء خصائص وميز بين الرجال والنساء خلقة وخلقا وعقلاً ودينا حسب ما تقتضيه حدود الله عز وجل ونقول إن المرأة التي تقول إن بقاء المرأة في بيتها سجن أقول إنها معترضة على قول الله تعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) كيف نجعل ما أمر الله به سجنا لكنه كما قلت سجن على من تريد التبذل والالتحاق بالرجال وإلا فإن سرور البقاء في البيت هو السرور وهو الحياء وهو الحشمة وهو البعد عن الفتنة وهو البعد عن خروج المرأة للرجال لأن المرأة إذا خرجت ورأت هؤلاء الرجال هذا شاب جميل وهذا كهل جميل وهذا لابس ثيابا جميلة وما أشبه ذلك تفتتن بالرجال كما أن الرجال يفتتنون بالنساء فعلى النساء أن يتقين الله وأن يرجعن إلى ما قال ربهن وخالقهن وإلى ما قاله رسول رب العالمين إليهن وإلى غيرهن وليعلمن أنهن سيلاقين الله عز وجل وسيسألهن ماذا أجبتم المرسلين وهن لا يدرين متى يلاقين الله قد تصبح المرأة في بيتها وقصرها وتمسي في قبرها أو تمسى في بيتها وتصبح في قبرها ألا فليتقِ الله هؤلاء النسوة وليدعن الدعايات الغربية المفسدة فإن هؤلاء الغربيين لما أكلوا لحوم الفساد جعلوا العصب والعظام لنا نتلقف هذه العصب والعظام بعد أن سلب فائدتها هؤلاء الغربيون وهم الآن يئنون ويتمنون أن تعود المرأة بل أن تكون المرأة كالمرأة المسلمة في بيتها وحيائها وبعدها عن مواطن الفتن لكن أنى لهم ذلك أنى لهم التناوش من مكان بعيد أفيجدر بنا ونحن مسلمون لنا ديننا ولنا كياننا ولنا آدابنا ولنا أخلاقنا أن نلهث وراءهم تابعين لهم في المفاسد سبحان الله العظيم لا حول ولا قوة إلا بالله.
(22/2)

فضيلة الشيخ: الذين ينادون بخروج المرأة ويقولون بأنها طاقة معطلة كيف نرد عليهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول الحقيقة أنهم إذا قالوا هذا الكلام هم الآن يريدون أن يعطلوها فالمرأة شأنها وعملها في بيتها فهي إذا خرجت للسوق تعطل البيت وإذا تعطل البيت هذا هو تعطيل الطاقة لو أن المرأة في بيتها والرجل في دكانه استغنى كل إنسان بما عنده وحصلت الراحة للرجل وللمرأة أيضا وسبحان الله أين حنان الأمومة أن تذهب المرأة إلى عملها وتترك أطفالها الصغار من بنات وبنين يربيهم امرأة قد تكون ناقصة الدين ناقصة العقل ناقصة المروءة لا تعرف خصائص المجتمع فيتربى هؤلاء الأطفال على ما تربيهم عليه هذه الخادمة فيتغير المجتمع كله وربما تكون الخادمة غير مسلمة فتربيهم على خصال الكفر نسأل الله تعالى أن يصلح شعبنا وأن يصلح ولاة أمورنا وأن يرزقهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتحثهم عليه وتبين لهم الشر وتحذرهم منه إنه على كل شيء قدير اللهم ولى علينا خيارنا واكفنا شر أشرارنا.
***
(22/2)

السؤال: يقلن نحن مجموعة من الشابات المسلمات الحائرات من جنسيات مختلفة نعمل بإحدى الدول الخليجية معلمات وطبيبات والدولة توفر لنا سكن جماعي للمعلمات العازبات علماً بأن السفر من وإلى الدولة هذه بالطائرة فهل نعتبر مخالفات لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنه (لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاث ليال من غير ذي محرم) وهل المال الذي نجمعه يعتبر مالاً حراماً وما حكم الشرع في سفرنا وإقامتنا من غير محرم لمدة عام في جماعة من النسوة المسلمات نرجوا منكم التوجيه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث عبد الله ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب ويقول (لا تسافر امرأةٌ إلا مع ذي محرم) ولم يقيده بثلاث والتقييد اختلف مقداره في بعضها (يومٌ وليلة) وفي بعضها (ثلاثة أيام) ولهذا اعتبر العلماء رحمهم الله أن السفر مطلق فكل ما يسمى سفراً فإنه لا يجوز للمرأة أن تقوم به إلا مع ذي محرم لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم وفي حديث ابن عباس الذي ذكرته قال فقال رجلٌ يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال (انطلق فحج مع امرأتك) فأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدع الغزو وأن يخرج مع امرأته يحج معها وهذا دليلٌ على تأكد المحرم وفي هذا الحديث لم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل أي لم يقل له هل مع زوجتك نساء هل هي آمنة أو غير آمنة هل هي شابة أم عجوز كل ذلك لم يكن فدل على أن الأمر عام وأن الحكم لا يختص بحالٍ دون حال وأنه لا يجوز للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم أما ما ذكر في السؤال من أنهن نساءٌ من أجناسٍ شتى حضرن إلى بعض الدول الخليجية للتعليم والطب وغير ذلك فإن هذا الأمر كما قلنا في صدر السؤال إنهن حائرات فأنا أيضاً حائرٌ فيه ولا أفتي فيه بشيء والله أعلم.
***
(22/2)

السؤال: السائلة تقول ما حكم السفر بالطائرة بدون محرم علما بأن محرمي ودعني في المطار الأول ثم استقبلني المحرم الثاني لي في المطار الثاني وذلك لأن سفري كان ضروريا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أرى جواز السفر أعني سفر المرأة بلا محرم لا في الطيارة ولا في السيارة لعموم قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) فإن قال قائل إن الطائرة لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قلنا نعم هي غير معروفة لكنها معلومة عند الله عز وجل ولو كان الحكم يختلف لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا شافيا إما تصريحا أو إشارة فلما لم يستثن شيئاً من ذلك علمنا بأن سفر المرأة بلا محرَم مُحرَّم بالطائرة وغيرها وأما قول بعضهم إن الطائرة بمنزلة الأسواق التي يجتمع فيها الرجال والنساء بدون محرم فجوابه أن يقال السوق ليس بسفر والحكم الشرعي معلق بالسفر فما دام ركوب الطائرة من بلد إلى بلد يسمى سفرا فهي مسافرة
وأما تعلل بعضهم بأنها في الطائرة آمنة لكون محرمها يشيعها حتى تركب والآخر يستقبلها إذا وصلت فهذا ليس بصحيح أي ليس تعللاً صحيحاً:
أولاً: أن المحرم المشيع الغالب أنه لا يصل معها إلى باب الطائرة وأنها تبقى في صالة الانتظار ثم تركب مع الناس
ثانيا: أنه على فرض أنه وصل بها إلى باب الطائرة وركبت أمام عينه فإن الطائرة قد يعتريها ما يمنعها من الإقلاع إما لخلل فني أو لتغير جوي أو لأي سبب وهذا يقع فإذا قيل للركاب تفرقوا فمن الذي يؤويها وإذا قدر أنها قامت وأقلعت في الوقت المحدد فهل استمرار سيرها مضمون إلى المطار الذي قصدته؟ قد يحدث في الجو في أثناء طيرانها ما يمنع هبوطها في المطار الذي قصدته وقد يكون فيها خلل فني كتعذر نزول الكفرات مما يجعلها تذهب يمينا وشمالا إلى مطارات أخرى فإذا ذهبت إلى مطارات أخرى وهبطت في المطار فمن الذي ينتظرها هناك
ثم إذا سلمنا وفرضنا أنها وصلت إلى المطار المقصود بسلام فمحرمها الذي يقابلها هل نحن نضمن أن يأتي في الوقت المحدد؟ لا نضمن ذلك في الواقع قد يعتريه نوم أو مرض أو خلل في سيارته أو زحام في الطريق أو ما أشبه ذلك من الموانع فلا يأتي في الوقت المحدد وتبقى إذا نزلت المطار أين تذهب؟ فيحصل بذلك شر وهذه المسائل وإن كانت نادرة وبالألف مرة واحدة أو بعشرة آلاف مرة واحدة لكن ما الذي يمنعنا أن نقول لا تركب الطائرة إلا بمحرم امتثالا لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قال (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) ونسلم من هذه التقديرات كلها فنصيحتي لأخواتي ولإخواني المسلمين أيضا أن يتقوا الله عز وجل وأن يمنعوا نساءهم من السفر إلا بمحرم والحمد لله الأمر متيسر حتى لو كان لمحرمها شغل يمكنه أن يركب بهذه الطائرة ويؤديها إلى أهلها أو إلى المكان الذي تريده ثم يرجع بطائرة أخرى أو يكون المحرم الثاني مستقبلاً لهما يأخذها معه وهذا يرجع بطائرته.
***
(22/2)

السؤال: تقول بأنها تعمل في التدريس في قرية تبعد عن مدينتها حوالي خمسة عشر كيلو وتقول ليس عندي من يوصلني إلى المدرسة فأذهب أنا وبعض المدرسات مع أخي إحداهنّ هل يعتبر هذا يا فضيلة الشيخ من السفر الحرام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يظهر لي أن هذا ليس من السفر لأنه ليس سفراً فيما اعتاده الناس إذ أن هذه المرأة تذهب إلى مكان عملها وترجع في يومها ومثل هذا في عصرنا لا يتأهب له أهبة السفر ولا يعدونه الناس سفراً فلا يشيعون المسافر ولا يودعونه ولا يستقبلونه ويحيونه تحية القادم وعلى هذا فيجوز لها أن تذهب مع زملايتها إلى المدرسة فتدرس وترجع في يومها في مثل هذه المسافة القصيرة أما أن تذهب وحدها مع السائق وهو ليس من محارمها فهذا حرام ولا يحل لها ذلك سواء كان هذا داخل البلد أو خارجه لأن ذلك من الخلوة ولأنه سبب للفتنة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يخلون رجل بامرأة) وحذر من أسباب الفتن والوقوع فيها في عدة أحاديث ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم (من سمع بالدجال فلينأ عنه) أي فليبعد خوفاً من فتنة الدجال فكل أسباب الفتن يجب على المرء الحذر منها والبعد عنها ولقد مر بنا فيما يتساءل الناس عنه من الفتن والشر في ركوب المرأة وحدها مع رجل ليس من محارمها مر علينا شيء ليس هذا موضع ذكره ولكني أحذر إخواني السامعين من التهاون بهذا الأمر لأنه خطير للغاية والله الموفق
***
(22/2)

السؤال: تقول هل يجوز لي فضيلة الشيخ أن أركب مع زوج أختي في سيارته ويقوم بتوصيلي إلى البيت إذا أتيت عند أختي مع العلم أن زوج أختي يقوم بسؤالي ويتكلم معي فهل يجوز لي أن أركب معه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان معكما أحد كزوجة الأخ مثلاً أو أي شخص آخر وكان هذا الأخ مأموناً فلا بأس وأما إذا كان وحده فإن هذا خلوة وقد (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخلو الرجل بالمرأة إلا مع ذي محرم) .
***
(22/2)

السؤال: تقول لو خرجت المرأة للعمل بدون محرم وتركت أولادها عند أمها برضا زوجها لضرورة الحياة وهي محجبة ومحافظة على أمور دينها محافظة على غياب زوجها فهل هي آثمة في حق أولادها أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: فإن خروج المرأة عن أولادها وبيت زوجها إلى العمل هذا أمر خطير جداً لأن المرأة ليست بحاجة إليه أي إلى التكسب بالعمل إذ أن زوجها مأمور بالإنفاق عليها لقول الله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) وهو الزوج (رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته عام حجة الوداع في عرفة (لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) ولقوله تعالى (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ) ولم يقل الله من قُدر عليه رزقه فلتكن زوجته معه تكتسب فالإسلام نظام مُتَكامل يُحِّمل كل إنسان ما يليق بحاله فعلى الزوج النفقة وعلى الأم الرعاية في البيت فإذا كانت هذه المرأة تريد أن تكون من الطراز الأول فإن عليها أن تعود إلى بيتها وتكون مربية لأولادها حتى لا تحرم أولادها شفقة الأمومة فإن الجدة وإن كانت ذات شفقة لكن شفقة الأم أقوى وكذلك لا تحرم نفسها من أولادها يرونها بينهم ويشتكون إليها وزوجها هو الذي يكتسب وينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها هذا ما أشير به عليها أن تعود إلى البيت وأن ترعى أولادها وزوجها كما قال الله سبحانه وتعالى (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) ولكن إن أبت إلا أن تعمل فلا حرج عليها أن تعمل في حقل نسائي لا في حقل الرجال لأنها مهما بلغت من العفة والصيانة والاحتجاب فإنها لن تسلم من الفتنة إما منها أو بها فلهذا لا نرى جواز عملها مع الرجال في أي عمل من الأعمال بل إذا كان ولابد فإنها تشتغل في حقل النساء كمدارس البنات وما أشبهها وأما إن كان أولادها يُضطرَون إليها بحيث تكون الجدة عاجزة عن القيام بما يجب نحوهم فإنه لا يجوز لها إطلاقاً أن تخرج حتى ولا إلى العمل في حقل نسائي لأنها تكون قد أضاعت أمانتها في هذه الحال حتى لو وفرت الخادمة لأن الخادمة لا يكون عندها العطف والحنو والإشفاق الذي يكون عند الأم ثم إذا وفرت خادمة فالخادمة ستحتاج إلى أجرة وإلى نفقة وقد تكون أجرة الخادمة أقل من أجرة اكتساب هذه المرأة في عملها وهو الغالب وقد تكون مثلها وقد تكون أكثر وإن كان الغالب أن أجرة الخادمة أقل فهي تريد أن تكتسب لتوفر لنفسها شيئا ولكن مع ذلك لا نرى لها هذا لأن الخادمة بلا شك مهما كانت من الدين والأمانة لن تقوم بما تقوم به الأم أو الجدة أو المرأة القريبة.
***
(22/2)

السؤال: تقول أسأل عن المرأة التي تعمل ولديها سائق ومعها عاملات تقوم بتوزيعهن على المدارس ثم بعد ذلك تذهب مع السائق إلى المنزل داخل المدينة هل هذا حرام أم جائز؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما إذا كان معها نساء فليس بحرام إذا كان السائق مأموناً وأما إذا خلت به وحدها فإن ذلك حرامٌ عليها لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نهى أن يخلو رجلٌ بامرأة) ولا فرق بين أن تكون المسافة بعيدة أو قصيرة في البلد وأما السفر بلا محرم فحرام ولو كان معها نساء.
***
(22/2)

السؤال: تقول هل المرأة محرمٌ لمرأة أخرى مع رجل أجنبي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المرأة لا تكون محرما للمرأة لكن تزول بها الخلوة وعلى هذا فإذا سافرت امرأة مع رجل ليس من محارمها ومعها امرأة فإن ذلك حرام على المرأتين جميعا إلا إذا كان الرجل محرما لإحداهما فإنه لا يحرم على المرأة التي كان محرماً لها أن تسافر معه لكنه حرام على المرأة الأخرى هذا بالنسبة للسفر لأنه لا يجوز لامرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم.
وتهاون بعض الناس في هذه المسألة اليوم مما يؤسف له فإن بعض الناس صار يتهاون فتسافر المرأة بلا محرم ولا سيما في الطائرات تجد المرأة تحضر إلى المطار وتركب الطائرة وليس معها محرم، ولا أدري ما جواب هذه المرأة يوم القيامة إذا وقفت بين يدي الله عز وجل وسألها ماذا أجابت الرسول عليه الصلاة والسلام حين قال (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) أظن أنه لا جواب لها لأن كل واحد يعلم أن السفر في الطائرة سفر وإذا كان سفرا فما الذي أحل لها أن تسافر بلا محرم يقول بعض الناس نُحضِر المرأة إلى المطار الذي تقلع منه الطائرة وندخلها في قاعة الانتظار وربما نمشي معها إلى أن تدخل الطائرة ويتلقاها محرمها حين تهبط الطائرة في المطار المقصود فيقال إن الفتنة غير مأمونة حتى في هذه الصورة لأنه من الجائز أن تقلع الطائرة من المطار ثم يحصل خلل فني أو تغير جوي يوجب أن تهبط الطائرة في مطار غير المقصود أولاً وحينئذ أين المحرم؟ وإذا قدرنا أنه لم يحصل ذلك وأن الطائرة اتجهت إلى المطار الذي تقصده وهبطت فيه فهل من المتيقن أن يوجد المحرم الذي كان يريد أن يتلقاها؟ الجواب لا قد يحدث له مرض أو نوم أو زحام سيارات أو غير ذلك فالمسألة هذه خطيرة خطيرة جدا، خلاصة ما أقول إن أي امرأة تريد سفرا فيجب أن يكون معها محرم بالغ عاقل أما الخلوة في البلد فلا يجوز للمرأة أن تخلو بالسائق في السيارة ولو إلى مدى قصير لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) ولكن إذا كان مع المرأة امرأة أخرى وكان السائق أمينا فهنا لا خلوة فلا حرج أن تركب في السيارة هي والمرأة ما دام أن ركوبها ليس سفرا وحينئذ نقول زالت الخلوة بالمرأة المصاحبة ولا نقول إن المرأة المصاحبة كانت محرما بل نقول إن الممنوع في البلد أن يخلو الرجل بالمرأة بخلاف السفر فإن السفر الممنوع أن تسافر المرأة بلا محرم وبين المسألتين فرق واضح.
***
(22/2)

السؤال: يقول ما حكم ركوب المرأة مع السائق الأجنبي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المراد بالأجنبي هو من ليس محرماً للمرأة ولو كان من أهل البلد وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (لا يخلون رجلٌ بامرأة) وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال (إياكم والدخول على النساء قالوا يا رسول الله أرأيت الحمو يعني أقارب الزوج قال الحمو الموت) وهذا غاية ما يكون من التنفير عن خلوة الحمو الذي هو قريب الزوج بالمرأة.
***
(22/2)

السؤال: تقول لدينا سائق وأنا دائما أركب معه ويقوم بتوصيلي إلى أي مكان أطلبه وعند ركوبي معه فإنني أستمع دوما إلى إذاعة القرآن الكريم وإلى الأشرطة النافعة وفي بعض الأحيان آخذ معي شخص أو أحد أولاد إخوتي فما حكم ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للمرأة أن تركب مع السائق وحدها إذا لم يكن من محارمها لأن ذلك خلوة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم النهي عن خلوة الرجل بالمرأة وأخبر (أنه ما خلا رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) أعوذ بالله وركوب السيارة وحدها مع السائق خلوة بلا شك ولا يبرر ذلك أن تقول المرأة أن المسافة قصيرة من بيت إلى بيت فقط ولا يبرر ذلك أن تقول إن السائق أمين لأن الشيطان إذا كان ثالث الرجل والمرأة فلا أمانة إلا أن يشاء الله ولا يبرر ذلك أن تقول إنها تستمع إلى إذاعة القرآن أو إلى أشرطة دينية لأن كونها تستمع إلى إذاعة القرآن أو إلى أشرطة دينية وهي تعصي الله تناقض لأن حق المستمع إلى القرآن أو إلى الأشرطة الدينية أن يمتثل أمر الله ورسوله وأن يجتنب ما نهى الله ورسوله.
***
(22/2)

السؤال: تقول ما حكم الشرع في نظركم فضيلة الشيخ في ذهاب المرأة للكشف عند طبيب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا دعت الحاجة إلى كشف طبيب رجل على امرأة مريضة فلا حرج في هذا لكن بشرط أن ينظر منها ما يحتاج إلى النظر فقط بدون زيادة وشرط ثانٍ أن يكون معها محرم لئلا يخلو الطبيب بها وشرط ثالث أن يكون الطبيب مأموناً معروفاً بالعفة فإن كان معروفاً بخلاف ذلك فلا. الشرط الرابع وهو الأصل أن تكون محتاجة إلى ذلك إذاً فالشروط أربعة أن تكون محتاجة لذلك وأن لا ينظر منها إلا ما يحتاج إلى النظر إليه وألا يخلو بها وأن يكون مأموناً.
***
(22/2)

السؤال: تقول ما حكم ذهاب المرأة إلى طبيب للنساء رجل نظراً لما عرف عنه من مهارة في تخصصه أم يجب أن تكون امرأة نرجوا الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هناك طبيبة امرأة فلا تتعدها إلى غيرها من الرجال وأما إذا لم يكن طبيبة حاذقة وخشيت أن تلعب بها هذه الطبيبة وذهبت إلى طبيب حاذق فلا بأس لكن بشرط أن يكون معها محرم لأنه لا يجوز للإنسان أن يخلو بامرأة لا طبيب ولا غيره.
***
(22/2)

السؤال: يقول هل يجوز أن يكشف الطبيب الرجل على المرأة على بعض أعضاء جسدها أو العورة مع العلم أن هذا المرض غير خطير ويمكن أن تكشف عليها امرأة من الطبيبات الموجودات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان يمكن أن تعالج المرأة امرأة أخرى فإنه لا يجوز أن تذهب إلى الطبيب ليعالجها لا سيما في المسائل التي تكون من العورة وذلك لأن كشف العورة لمن لا يحل كشفها له لا يجوز إلا عند الحاجة وإذا كان ثمت امرأة يمكن أن تعالج هذه المرأة فإنه لا حاجة حينئذ إلى الرجل ولا يجوز للرجل أيضاً أن يستقبل من النساء من يعالجهن في حال لا يجوز له ذلك إذا كان يوجد غيره من النساء من يقوم بهذه المهمة فالتحريم يكون من جهة المريض ومن جهة الطبيب المرأة المريضة إذا وجدت امرأة تقوم باللازم فإنها لا تذهب إلى الرجال والرجل الطبيب إذا جاءت إليه امرأة وفي المستشفى امرأة تقوم بالواجب فإنه لا يجوز له استقبال النساء في هذه الحال وأما إذا لم يكن هناك امرأة فإنه يجوز للرجل أن يعالج المريضة ويجوز للمريضة أن تذهب إلى الرجل لأن هذا حاجة.
***
(22/2)

السؤال: هل يجوز للمرأة أن تذهب للطبيب وذلك للمعالجة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا احتاجت إلى هذا فلا بأس لكن بشرط أن يكون الطبيب مأمونا وأن لا يخلو بها فإن لم يكن مأمونا فلا تذهب إليه وإن خلا بها فلا تذهب إليه.
***
(22/2)

هل يجوز الذهاب إلى دكتور مختص في الأمراض التناسلية مع أخت أو أم أو يجب أن يكون معي زوجي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للمرأة أن تذهب إلى طبيب يكشف عليها ما لا يجوز إظهاره للرجال إلا إذا كان هناك ضرورة بأن لا توجد أنثى تقوم مقامه فإذا كانت ضرورة فلا بد من شرط آخر وهو ألا يخلو بها في مكان الكشف عليها أو عمليتها بل لابد أن يكون معها محرم من زوج أو غيره أو يكون هناك أنثى أو أنثيان معها بشرط أن يكون الطبيب مأمونا وذلك أن الخلوة بالمرأة غير ذات المحرم محرمة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يخلون رجل بامرأة) (وما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)
***
(22/2)

السؤال: ذهاب المرأة للطبيب للعلاج ما حكمه يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا احتاجت إلى العلاج ولم يوجد إلا ذكَر يعالجها فلا بأس أن يعالجها الذكر لكنه لا يخلو بها بل لابد أن يكون عندها محرم لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم) .
***
(22/2)

السؤال: أعرض عليكم ما ذهب إليه بعض من الناس من التحاق بناتهم بوظيفة مدرسة بغير المدينة التي تقيم بها حيث يرون أنهم قد احتاطوا مع من يثقون بهم من أصحاب سيارات الأجرة بالإضافة إلى وجود مرافقة معه إما أخته من الرضاع أو شقيقته أو زوجته يعني أخت السائق أو شقيقته ويخشون أيضاً أنهم لو منعوهن قد يحصل لهنّ ردة فعل كما يرون أن بعض طلبة العلم وهم قدوة قد سمحوا لبناتهم في مثل ذلك فهل يستنتج من مثل ذلك أن المسافات التي من ستين كيلو فما دون جائز فيها سفر المرأة دون أن يكون معها محرم رجل أفيدونا أفادكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سفر المرأة بدون محرم فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (لا تسافر امرأةٌ إلا ومعها ذو محرم) وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تسافر بدون محرم سواءٌ كان سفرها لطاعة أو تعليم علم أو غيرهما والمحرم معروفٌ من هو ولا فرق بين أن تكون وحدها أو مع نساء ولا فرق بين أن تؤمن الفتنة أو لا تؤمن لإطلاق الحديث وعمومه فلا يحل للمرأة أن تسافر بدون محرم ولكن يبقى النظر هل ذهاب النساء إلى القرى المجاورة لبلادهن ورجوعهن في نفس اليوم هل يعتبر ذلك سفراً أم لا نقول في ذلك إذا اعتبرنا أن الحديث مطلق ولم يقدره النبي صلى الله عليه وسلم بمدة معينة إلا في أحاديث اختلفت فيها تقدير المدة وحملها أهل العلم على أن المراد بهذا الاختلاف اعتبار حال السائل لأجل أن لا يحصل بينها اضطرابٌ واختلاف ويبقى الحديث مطلقاً أي عاماً في كل سفر حتى في قليل السفر وكثيره إلا أننا نقول إن ذهاب المرأة للتدريس ورجوعها في يومها لا يعتبر سفراً فإنه كما لو ذهب الرجل لوظيفته في قريةٍ مجاورةٍ لبلده ورجع من يومه فإنه لا يعد بذلك مسافراً وعليه فهؤلاء المدرسات اللاتي يخرجن إلى القرى المجاورة إذا كان معهن نساء كما هو في نفس السؤال وقد أمنت الفتنة وسيرجعن في يومهن فإن هذا لا يعتبر سفراً وعليه فلا بأس من ذلك لا بأس أن يذهبن إلى القرى المجاورة بدون محرم إذا كن يرجعن في نفس اليوم لأن ذلك لا يعتبر سفراً ولا يتأهب له الإنسان أهبة السفر ولا يقول الناس إنه مسافر.
***
(22/2)

السؤال: السائلة تقول سمعت أنه يجوز للمرأة أن تعمل في البيع والشراء فهل هذا جائز مع التزامي بالحجاب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز أن تتعامل المرأة بالبيع والشراء والتأجير والإيجار بشرط ألا يترتب على ذلك محظور شرعي ومازال المسلمون يعملون ذلك فهاهي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها جاءتها بريرة تستعينها على مكاتبتها ثم اشترتها عائشة من أهلها وكذلك الناس الآن في الأسواق تأتي المرأة وتشتري من صاحب الدكان فيبيع عليها وكذلك قد تكون المرأة لها عقار تؤجره المهم أن بيع المرأة وشرائها لا بأس به لكن بشرط ألا يترتب عليه محظور شرعي فإن ترتب عليه محظور شرعي بحيث تختلط بالرجال اختلاطا محرما فإن ذلك لا يجوز
***
(22/2)

تقول السائلة هل خروج المرأة إلى العمل حلال أم حرام علماً بأنني قد خرجت إلى العمل بعد التخرج ولكن كثيراً ما أحاسب نفسي على خروجي هذا وأقول هل ربي عز وجل راضي عني أم لا أفيدوني وانصحوني مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: خروج المرأة من بيتها للحاجة لا بأس به ولاسيما إذا كان خروجها لدفع حاجة غيرها مثل أن تخرج إلى المدرسة لتعلم نساء المسلمين فإنها تكون في هذه الحال مثابةً على خروجها لأنها خرجت لقضاء حاجة غيرها وتحصيل مصلحته ولكن يجب إذا خرجت من بيتها ألا تخرج متبرجةً متطيبةً وأن تكون متحجبةً الحجاب الشرعي وهو تغطية الوجه وما يحصل بكشفه الفتنة وألا تختلط بالرجال لأن الاختلاط بالرجال سببٌ للفتنة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) وإنما كان خير صفوف النساء آخرها لأنه أبعد عن الاختلاط من الرجال والدنو منهم وهذه إشارة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى أنه كلما بعدت المرأة عن مخالطة الرجال كان خيراً لها فلتخرجي أيتها المرأة من بيتك للعمل في المدرسة وكذلك لأعمالٍ أخرى إذا احتجت الخروج ولم يكن في ذلك اختلاط ولا تبرج أو تطيب.
***
(22/2)

السؤال: يقول ما هو مجال العمل المباح الذي يمكن للمرأة المسلمة أن تعمل فيه بدون المخالفة لتعاليم دينها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المجال العملي للمرأة أن تعمل فيما تختص به النساء مثل أن تعمل في تعليم البنات سواء كان ذلك عملاً إدارياً أو فنياً وأن تعمل في بيتها في خياطة ثياب النساء وما أشبه ذلك وأما العمل في مجالات يختص بها الرجال فإنه لا يجوز لها أن تعمل حيث إنه يستلزم لها الاختلاط بالرجال وهي فتنةٌ عظيمة يجب الحذر منها ويجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه أنه قال (ما تركت بعدي فتنةٌ أضر على الرجال من النساء وإن بني إسرائيل فتنوا بالنساء) فعلى المرء أن يجنب أهله مواقع الفتن وأسبابها بكل حال.
***
(22/2)

السؤال: المستمعة تقول ما رأيكم يا شيخ محمد في خروج المرأة إلى السوق لقضاء حاجتها وتكون في حجاب ساتر لا يظهر منها شيء ولا تذهب في أوقات ازدحام الرجال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نظري في هذا أنه لا بأس أن تخرج المرأة إلى السوق للحاجة وهي متحجبة غير متبرجة بزينة ولا متطيبة وتكون بعيدة عن مواقع الفتنة ثم ترجع إلى بيتها من حين قضاء حاجتها.
***
(22/2)

السؤال: السائل يقول ما حكم ذهاب المرأة للسوق وماذا تنصحون النساء يا فضيلة الشيخ اللاتي يكثرن الذهاب إلى الأسواق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أنصح به أخواتنا المسلمات ألا يكثرن الذهاب إلى الأسواق لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (بيوتهن خير لهن) قاله وهو يتحدث عن مجيء المرأة إلى الصلاة في المساجد قال (بيوتهن خير لهن) وإذا كان هذا فيمن تأتي إلى الصلاة فكيف بمن تخرج للأسواق بلا حاجة فإنها ربما تعرض نفسها للفتن أن تفتتن هي أو يفتتن بها فنصيحتي لأخواتي المسلمات أن يلزمن البيوت ما استطعن إلى ذلك سبيلا ولا أدب أحسن من تأديب الله تعالى لأمهات المؤمنين رضي الله عنهم حيث قال لهن (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) وبناء على ذلك نقول إن احتاجت المرأة للخروج إلى السوق فلتخرج لكن تخرج غير متطيبة ولا متبرجة بزينة ولا كاشفة عن وجهها أو ما يجب ستره بل ولا ماشية مشية الرجال ولا ضاحكة في الأسواق ولا رافعة للصوت ولا خاضعة بالقول المهم لابد من شروط وأما ما يقع من بعض النساء من الخروج بلا حاجة أو الخروج متطيبة أو متبرجة أو ماشية مشية الرجل أو ضاحكة مع زميلتها أو رافعة صوتها أو خاضعة بالقول في مخاطبة الرجال كل هذا من الأمور المحرمة ولا يغرك أيتها المرأة المسلمة الدعاية الباطلة من أعدائك الذين يريدون أن تكوني كالرجل في هذه الأمور فإن الله سبحانه وتعالى فرق بين الرجال والنساء في الخلقة في العقل في الذكاء في التصرف حتى إن الله تعالى قال (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) وقال عز وجل (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ثم قال (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) فلم يجعل المرأة مساوية للرجل لكن أعداؤك وأعداء الأخلاق وأعداء الإسلام يريدون منك أن تقومي مقام الرجال وأن تشاركي الرجال في أعمالهم وأن تخالطيهم لأن هؤلاء فسدوا فأرادوا إفساد غيرهم ولهذا هم الآن يئنون تحت وطأة هذا الخلق ويتمنون بكل طاقتهم أن يتحولوا إلى أخلاق الإسلام في هذا لكن أنى لهم ذلك وقد انفرط السلك بأيديهم وبعدت الشقة ثم إنهم يعلمون أو لا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإياك إياك أيتها الأخت المسلمة أن تنخدعي بمثل هذه الدعاية الباطلة وكوني كما أراد الله أن تكوني (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) وإذا كان الله تعالى يخاطب أعف نساء العالمين في عصر هو خير العصور وفي قوم هم خير الناس فما بالك بحال الناس اليوم مع هذه الفتن العظيمة أقول إذا كان الله يخاطب نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا الخطاب فإن نساء اليوم يتوجه إليهن الخطاب بهذا أكثر وأكثر لكثرة الفتن وسوء الحال أسأل الله تعالى أن يحمي المسلمين من مكائد أعدائهم وأن يجعل كيد أعدائهم في نحورهم وأن لا يقيم لهم قائمة في صد الناس عن سبيل الله وعن دين الله.
***
(22/2)

السؤال: تقول هل يجوز للمرأة أن تذهب إلى الأسواق لوحدها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا ليعلم أن خروج المرأة إلى الأسواق غير مرغوب فيه وأن بقائها في بيتها خير لها ولكن إذا احتاجت إلى الخروج إلى السواق لحاجة لا يقضيها إلا هي فإنها تخرج ولا حرج عليها أن تخرج بلا محرم لأن هذا ليس سفرا ولا خلوة وفي حال خروجها الذي تحتاج إليه يجب أن تخرج غير متطيبة ولا متبرجة بزينة وأن يكون عليها الوقار في مشيتها وغض الصوت في مخاطبتها للرجال الذين تحتاج إلى مخاطبتهم كأصحاب الدكاكين الذين تحتاج إلى الشراء منهم وما أشبه ذلك وأما ما يفعله بعض النساء نسأل الله لنا ولهم الهداية من الخروج متطيبات وفي لباس جميل لا تغطيه إلا عباءة ربما تكشفها وربما تكون خفيفة يرى من ورائها الثياب قال الله تبارك وتعالى لنساء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وهن أعف النساء وأطهر النساء قال لهن (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) ففي قوله (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ) دليل على أن النهي عن التبرج والأمر بالقرار في البيوت من أجل حفظ المرأة عن الرجس والدناءة والفاحشة وبيوتهن خيرن لهن.
***
(22/2)

يقول السائل إذا خرجت المرأة مع زوجها أو محرمها إلى السوق متحشمة وذلك لقضاء بعض حاجتها التي لا يمكن قضاؤها إلا بوجودها فما الحكم في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم في ذلك أي في خروج المرأة مع زوجها لشراء حاجاتها من السوق وهي متحجبة متحشمة أنه لا بأس به ولا حرج وعليه أن يلاحظها في أثناء السير وفي أثناء الوقوف عند الدكاكين والمحلات ليكون حافظاً لها وصائناًً لها.
***
(22/2)

تقول السائلة ما الحكم إذا تبخرت المرأة وخرجت من بيتها هل الحالة في ذلك مثل حالتها إذا خرجت متعطرة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا بقيت رائحة البخور فلا فرق بين البخور وبين الدهون أما إذا لم تظهر كما هو الغالب أن البخور لا يظهر إلا لمن دنى جداً من الإنسان وشم لباسه فهو لا شك أدنى من الدهن ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا صلاة العشاء) ولم يقل فلا تخرج من بيتها فالمهم أنه إن كانت رائحة البخور فائحة تشم إذا مرت من عند الرجال فحرام عليها وإلا فلا.
***
(22/2)

السؤال: ما حكم جلوس المرأة في الطريق سواء في الليل أو في النهار ومع محرم لها أفيدونا بذلك بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: جلوس المرأة في الطريق إذا كان يؤمن عليها الفتنة ومعها محرمها فلا بأس بذلك ولا حرج وأما إذا كانت لا تؤمن الفتنة ويخشى من العدوان عليها فإنه لا يجوز لها أن تتعرض للفتن والعدوان ثم إن المرأة عليها إذا خرجت إلى الأسواق وإلى الطرقات أن لا تخرج متبرجة بزينة ولا متطيبة بل تخرج على وجه لا يحصل به الفتنة لا في لباسها ولا في رائحتها ولا في هيئة مشيتها أيضاً فإن التعرض للفتنة خطر على المرأة وعلى المجتمع كله والله عز وجل يقول لنساء نبيه صلى الله عليه وسلم وهنّ أطهر النساء (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) وإذا كان هذا الخطاب موجهاً إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم فإن غيرهنّ من باب أولى.
***
(22/2)

السؤال: المستمع يقول النساء في القرية عند خروجهنّ للمزارع أو خارج البيوت فإنهنّ يلبسنّ أحسن الملابس ويتعطرنّ وفي بيوتهنّ مع أزواجهنّ نجدهنّ لا يبدين الاهتمام بهذا وإذا حاولنا أن ننصحهنّ فلا يستمعنّ القول؟

فأجاب رحمه الله تعالى: خروج المرأة إلى السوق متطيبة متبرجة بالثياب الجميلة الفاتنة خروج محرم لا يحل لما في ذلك من الفتنة بها ومنها وعلى وليها أن يمنعها من الخروج على هذا الوصف سواء كان زوجها أم أباها أم أخاها لأن هذا تبرج وقد قال الله تعالى (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) ونصيحتي لهنّ أي لهؤلاء النساء اللاتي يخرجنّ إلى السوق بهذه الملابس وهذه الأطياب أن يتقين الله في أنفسهنّ وفي أمتهنّ فإنهنّ إذا خرجن إلى السوق بهذه الملابس افتتن الناس بهنّ وصرن كلام الناس فالواجب عليهنّ أن يتقين الله سبحانه وتعالى وألا يخرجنّ متطيبات ولا متجملات.
***
(22/2)

السؤال: تقول هل يجوز للمرأة إذا خرجت لصلاة التراويح أن تتبخر فقط بالبخور دون العطور؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للمرأة إذا خرجت إلى السوق لصلاة أو غيرها أن تتطيب لا ببخور ولا بدهن ولا غيرهما وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا صلاة العشاء) وبهذه المناسبة أود أن أنبه إلى أمر يفعله بعض النساء اللآتي يحضرن إلى المسجد في ليالي رمضان يحضرن معهنّ مبخرة وعوداً ويتبخرنّ بها وهن في المسجد فتعلق الرائحة بهنّ فإذا خرجنّ إلى السوق وجد فيهنّ أثر الطيب وهذا خلاف المشروع في حقهنّ نعم لا بأس أن تأتي المرأة بالمبخرة وتبخر المسجد فقط بدون أن يتبخر النساء بها وأما أن يتبخر النساء بها فلا.
***
(22/2)

السؤال: يقول إذا وجدت المرأة في الطريق الذي يكون فيه رجال كثر ورقة بها لفظ الجلالة فهل تنحني لأخذها أم تتركها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم تنحني لأخذها ولا حرج إلا إذا كان هناك زحام فهنا لا تنحني لأنها لو انحنت صار في ذلك فتنة.
***
(22/2)

السؤال: تقول أنا فتاة أذهب إلى حفلات الزفاف للتقابل مع الصديقات والأقرباء الذين لا نراهم إلا في هذه الحفلات وأشعرك يا فضيلة الشيخ بأنني فتاة متمسكة بديني وسنة نبي محمد صلى الله عليه وسلم وأريد أن أسألكم هل هذا حلال أم حرام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن هذا حلال لا بأس به وإن كان لزوم البيت أفضل وأحسن لكن ليست المرأة ممنوعة من الخروج في مثل هذه الحال بشرط أن تخرج غير متطيبة ولا متبرجة بزينة ولا سافرة كاشفة عن وجهها وبشرط أيضاً أن لا تشتمل الحفلة التي ذهبت إليها على منكر أو اختلاط برجال أو نحو ذلك من المحرم فإن كان كذلك فإنه لا يجوز لها أن تذهب.
***
(22/2)

السؤال: السائل يقول من كان عنده شغالة وأراد أن يرسلها إلى مكان ما فهل يكفي أن يصطحب معه الأولاد الصغار؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يعني يقول في سؤاله هذا بالمعنى هل تزول الخلوة إذا اصطحب الصغار مع الخادمة وجوابه أني لا أرى أن الخلوة تزول مع الصغار الذين لا يدركون شيئاً لأنه لو حصل مغازلة أو مهامسة أو إشارة لن يفقهوا شيئاً فلا يكفي هذا ولكن يصطحب مع الخادمة أم الأولاد الصغار وبهذا تزول الخلوة.
***
(22/2)

السؤال: هذه سائلة تذكر بأنها فتاة ملتزمة بدينها وتحمد الله على ذلك تقول مشكلتي بأن أهلي يرفضون خروجي من البيت أبدا بحجة أن خروج البنت عيب ولا يجوز وعندما أتكلم مع صديقاتي على الهاتف ويوجهن لي دعوة للزيارة لا أعرف ماذا أفعل أرشدوني بهذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن عدم خروج المرأة من بيتها هو الأفضل والأولى ولا سيما في الأوقات التي يكثر فيها تجول الشباب في الأسواق وكون أهلك لا يرضون أن تخرجي قد يكون هذا من السياسة التي يرون أنه من مصلحتك فأرى أن تطيعيهم في ذلك وألا تخرجي لكن إذا احتجت إلى الخروج فاطلبي من الوالد أو من أحد الأخوان أن يذهب معك حتى يزول ما في نفوس الأهل من التردد والشك.
***
(22/2)

السؤال: تقول هل يجوز للزوج أن يمنع زوجته من صلة أرحامها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للزوج أن يمنع الزوجة من صلة أرحامها لأن صلة الرحم واجبة والقطيعة من كبائر الذنوب ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إلا إذا كانت صلتها لأقاربها تتضمن ضرراً على زوجها مثل أن يكون الأقارب أهل شر وفساد ونميمة فيفسدوا بين المرأة وزوجها فحينئذٍ له أن يمنعها منهم أي من زيارتهم وصلتهم ويمكن أن يقال الصلة ليست خاصة بالزيارة ربما تصلهم بالهدايا أو غيرها مما يؤلف قلوبهم ويوجب المحبة على كل حال ليس للزوج أن يمنع امرأته من صلة رحمها الصلة المعروفة إلا إذا كان صلتها لأقاربها يتضمن ضررا عليها أو عليه فله أن يمنع ذلك.
***
(22/2)

السؤال: هل يجوز الخلوة بالمرأة حال القراءة عليها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا تجوز الخلوة بالمرأة حال القراءة عليها لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) فلابد أن يكون معها ذو محرم عند القراءة عليها.
***
(22/2)

السؤال: تقول فضيلة الشيخ هل يجوز للمرأة المسلمة أن تحضر مجالس العلم والدروس الفقهية في المساجد علماً بأنها تخرج إليها متسترة وبالزي الشرعي وأيهما أفضل حضورها لمثل هذه المجالس أم بقاؤها في المنزل علما بأننا الآن نخرج للتعليم في الجامعات والمدارس بناء على رغبة أبائنا وأمهاتنا ومع العلم أيضاً بأن الاستفادة من هذه المجالس أكبر من الاستفادة من القراءة في المنازل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للمرأة أن تحضر مجالس العلم سواء كانت هذه العلوم من علوم الفقه العملي أو من علوم الفقه العقدي المتصل بالعقيدة والتوحيد فإنه يجوز لها أن تحضر هذه المجالس بشرط أن لا تكون متطيبة ولا متبرجة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء) ولا بد أن تكون بعيدة عن الرجال لا تختلط بهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) وذلك لأن أولها أقرب إلى الرجال من آخرها فصار آخرها خيراً من أولها.
***
(22/2)

السؤال: يقول من عادة النساء في قريتنا الجلوس في الشوارع وفي معظم أوقات النهار وخاصة بعد العصر وعلى شكل جماعات فما حكم الشرع في نظركم في هذا العمل وهل من نصيحة لهنّ بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: خروج المرأة من بيتها لغير حاجة أمر لا ينبغي لأن الله تعالى قال لنساء النبي صلى الله عليه وسلم (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) فالمشروع في حق المرأة وهي ربة البيت أن تبقى في بيتها لإصلاح شؤونها والقيام بمصالح أولادها إن كانت ذات أولاد هذا هو المشروع ولا تخرج من البيت إلا لمصلحة شرعية أو حاجة فأما أن تخرج إلى الأسواق للتفرج والتنزه والتمشي فذلك أمر غير محبوب ويخشى أن تقع به الفتنة منها أو بها فنصيحتي لهؤلاء النساء أن يلزمنّ بيوتهنّ وألا يخرجنّ إلى الأسواق إلا لحاجة أو لمصلحة دينية أو دنيوية لا محظور فيها وإذا خرجن فليخرجن محتشمات متسترات ساترات الوجوه والرؤوس والكفين والقدمين ولا حرج عليها أن تتنقب لترى طريقها بشرط أن يكون النقاب بقدر الضرورة لا تخرج منه إلا العين فقط وبشرط ألا تكون مكتحلة ولا يجوز أن تخرج إلى الأسواق متطيبة لما في ذلك من الفتنة فإذا خرجت المرأة محتشمة لمصلحة دينية أو دنيوية لا محذور فيها أو لحاجة فلا بأس في ذلك بالشروط التي أشرت إليها كما أنه يجب أن يراعي ولاة الأمور مسألة الاختلاط اختلاط النساء بالرجال فإن الاختلاط من أكثر دواعي الفتنة والفتنة يجب سد كل ذريعة توصل إليها.
***
(22/2)

مصافحة المرأة
(22/2)

السؤال: يقول هل يجوز لابن العم أن يصافح بنت عمه باليد أو بنت خاله أو بنت خالته أو أحد من الأقارب من النساء إذا كانوا غائبين عنه مدة طويلة سواء كانوا متزوجين أو غير متزوجين نريد الإفادة بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب أنه لا يجوز لأحد أن يصافح امرأة ليست زوجته ولا من محارمه فابن العم لا يجوز له أن يصافح ابنة عمه وابن الخال لا يجوز له أن يصافح ابنة عمته وكذلك أخو الزوج لا يجوز أن يصافح زوجة أخيه والقاعدة العامة في هذا أنه لا يحل لرجل أن يصافح امرأة ليست من محارمه وليست زوجة له سواء كان ذلك مباشرة أو كان ذلك من وراء حائل ولا عبرة بما اعتاده بعض الناس في ذلك لأن الشرع حاكم على العادة وليست العادة حاكمة على الشرع والواجب على المرء أن يتقي الله عز وجل في هذا الأمر وألا ينساق وراء العادات المخالفة للشريعة قد يتعلل بعض الناس بكونه يخجل أن تمد المرأة إليه يدها ثم يكف يده عنها أو يقول لها كفي يدك فإن هذا لا يجوز وجوابنا على هذا أن نقول إن هذا الخجل ليس في محله فإن الله لا يستحيي من الحق والاستحياء من الحق جبن وخور والواجب عليك أيها المؤمن أن تقول الحق ولو كان مراً كما قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) وأنت إذا امتنعت من هذا وبينت أنه حرام وامتنع الثاني من ذلك وبين أنه حرام وامتنع الثالث والرابع اشتهر هذا بين الناس وتركوا تلك العادة الذميمة وهي أن الرجل يصافح المرأة لكونها قريبته أو من جيرانه أو ما أشبه ذلك.
***
(22/2)

يقول هذا السائل تقوم أحيانا زوجة عمي وزوجة خالي بالسلام علي مصافحة وتقبيلاً فهل هذا محرم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا محرم ولا يحل لامرأة أن تكشف وجهها لغير زوجها ومحارمها سواء كان أخ الزوج أو عم الزوج أو خال الزوج ولا يحل لها أن تصافحه ولو من وراء حائل ولا يحل لها أن تقبله وهذا أشد وأعظم وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أياكم والدخول على النساء) أي يحذر من الدخول على النساء يعني غير المحارم قالوا يا رسول الله أرايت الحمو يعني أقارب الزوج قال (الحمو الموت) يعني فاحذروه وإنما حذر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الحمو لأن الحمو إذا دخل على بيت قريبه لا يستنكر ولا يستغرب فيدخل البيت بدون حياء ولا خجل ويكون خاليا بالمرأة وخلو الرجل بالمرأة محرم حذر منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأخبر أنه (ما من رجل خلا بامرأة - يعني ليست محرما له - إلا كان ثالثهما الشيطان) .
***
(22/2)

يقول السائل هل مصافحة امرأة مثل زوجة الخال يبطل الوضوء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مصافحة المرأة غير ذات المحرم حرام فلا يحل لأحد أن يصافح امرأة ليست ذات محرم منه سواء كانت امرأة أخيه أو امرأة عمه أو امرأة خاله فإن هذا كله حرام وسواء صافحها من وراء حائل أو بدون حائل أما الوضوء فإنه لا ينقض الوضوء مصافحة المرأة مطلقا ما لم يكن لشهوة وينزل منه مذي أو مني وحينئذ نقول إنه لا يمكن مصافحة المرأة لشهوة إلا أن تكون زوجته وبهذا الكلام الذي ذكرته يتبين أن مصافحة النساء تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم حرام بكل حال وهي مصافحة من ليست ذات محرم من الإنسان كامرأة أخيه وامرأة عمه وامرأة خاله وما أشبه ذلك
وقسم تجوز مصافحتهن بدون شهوة وهن ذوات المحارم كأخته وعمته وخالته وأمه وبنته فهؤلاء تجوز مصافحتهن بشرط أن لا يكون هناك شهوة وتلذذ بالمصافحة
القسم الثالث من تجوز مصافحتهن بشهوة وبغير شهوة وهن الزوجات فإنه يجوز للإنسان أن يصافح زوجته بشهوة أو بغير شهوة وكل هذه الأقسام لا تنقض الوضوء إلا إذا نزل منه شيء مذي أو مني فإنه ينتقض وضوءه بما نزل وإذا كان منيا فإنه يجب عليه الغسل.
***
(22/2)

السؤال: السائلة تقول ما حكم إلقاء المرأة السلام على الرجل الذي تتعامل معه سواء في بيع أو شراء أو أي معاملة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أنا لا أحب هذا أن تلقي المرأة السلام على شخص بينها وبينه معاملة لكن نعم على شخص من معارفها كأخي زوجها مثلاً أو ابن عمها أو ما أشبه ذلك إذا أمنت الفتنة لا بأس أما رجل أجنبي ليس بينها وبينه علاقة إلا المعاملة فأخشى أن يكون في ذلك تحريك للكامن في النفوس فترك السلام أولى تدخل وتقول يا فلان كم هذه السلعة كم هذه السلعة.
***
(22/2)

السائلة تقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ ما حكم مصافحة الرجال الأجانب مع لبس قفازين في اليدين عند المصافحة مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مصافحة النساء غير المحارم محرمة سواء كانت من وراء حائل كالقفازين أو بدون حائل لكنها بدون حائل أشد وأخطر فلا يحل للمرآة ان تصافح رجلا غير محرم لها أما المحارم فلا بأس من مصافحتهم بشرط أن تؤمن الفتنة أيضا لأن المحظور هو الوقوع في الفتنة فإذا تحققت الفتنة في مصافحة المحارم وجب الكف عنها ولا تتعجب إذا قلنا بأنه يشترط في مصافحة المحارم ألا تخشى الفتنة لأن من المحارم من تكون محرميته بعيدة بعض الشي أو تكون محرميته بغير القرابة إما للمصاهرة أو للرضاع فيقل الاحترام في قلب الرجل ويدور الشيطان في مخيلته وحينئذ ربما تقع الفتنة إذا صافح المرأة التي من محارمه لذلك يجب أن يلاحظ هذا القيد وهو أن مصافحة المحارم جائزة في الأصل ما لم تخشَ الفتنة فإن خشيت الفتنة وجب الكف عنها وإني أضيف إلى جواب هذا السائل أنه يوجد عند بعض الناس تساهل في هذا الأمر فتجد المرأة تصافح بني عمها أو بني أخوالها أو تصافح جيرانها أو ما أشبه ذلك مما هو عادات عندهم والواجب على المؤمن أن يحكم الشرع لا العادة لأن الشرع هو الحاكم وهو الذي يجب علينا الرجوع إليه قال الله تبارك وتعالى (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) وقال الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) وقال الله تبارك وتعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وعلى هذا فالواجب العدول عن هذه العادات المخالفة للشرع والإنسان إذا ترك ما اعتاده وألفه طاعة لله ورسوله واتباعا لرضا الله ورسوله فإنه يجد بذلك حلاوة الإيمان ويطمئن قلبه وينشرح صدره للإسلام (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) .
***
(22/2)

السؤال: تقول إذا كان أحد الأقارب لي من الرجال لا يصلى وهو ليس لي بمحرم وأنا لا أكلمه ولا أحادثه وإنما إذا دخلت إلى منزلهم وشاهدته سلمت بقولي السلام عليكم فأنا لا أجالسه ولا أحادثه وأستحي منه حتى أنني لا أقول له كيف الحال وكيف حال الأولاد فهل علي إثم إذا لم أنصح مثل هذا بالمحافظة على الصلاة لأنني كما قلت لكم بأنني أستحي منه وجزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على المسلمين عموماً التناصح بينهم لكن مناصحة المرأة للرجل يخشى منها الفتنة ولو فتح الباب لادعت الناصحة التي ليس عندها قوةٌ في دينها في مخاطبة الرجال أنها تريد النصح لكن مثل هذا الرجل الذي ذكرت أنه من معارفها لكنه ليس بمحرمٍ لها وأنها تزور بيتهم وأنه تسلم إذا دخلت أرجو ألا يكون في نصحها إياه فتنة فإذا تمكنت من نصحه بالمشافهة مع انتفاء الفتنة والمحظور فهذا حسن وإن رأت أن تكتب له كتاباً وتقول مثلاً في إمضائها من ناصح أو فاعل خير فتذكره بالله عز وجل وتخوفه مما هو عليه من ترك الصلاة فهذا أحسن وأطيب وأما بالنسبة لتارك الصلاة بالكلية فإنه يهجر ولا يجوز السلام عليه ولا الذهاب إليه إلا على سبيل المناصحة وذلك لأن تارك الصلاة والعياذ بالله مرتد عن الإسلام والمرتد لا حرمة له.
***
(22/2)

السؤال: يقول هل يجوز للمرأة أن تصافح الرجل الذي قدم من سفر بعيد وهو من قرابتها كابن العم أو ابن الخال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مصافحة المرأة لرجل من غير محارمها حرام ولا تحل لأي مناسبة كانت سواء كان ذلك من أجل قدومه من الغَيْبَةِ أو بمناسبة العيد أو بأي مناسبة كانت لا يحل للرجل أن يصافح امرأة أجنبية منه كما دلت على ذلك أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما في ذلك من الفتنة العظيمة في مصافحة الرجل للمرأة التي ليست من محارمه، وقد كان بعض الناس يتهاون في هذا فتجده يصافح المرأة التي هي أجنبية منه لأنها ابنة عمه أو ابنةَ خاله أو ما أشبه ذلك وهذا حرام عليهم، ولا يجوز لهم أن يقوموا بهذا العمل، قد يقولون إن هذا من عاداتنا وإننا اعتدنا هذا ولا نرى فيه بأساً فنقول العمدة لكل مسلم هي الشرع سواء وافقته العادة أم خالفته، لقول الله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) فلا خيار للمرء المؤمن في دين الله أبداً بل الواجب عليه أن يسلم ويستسلم كما قال الله تعالى (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) فتأمل هذه الآية الكريمة حيث أقسم الله تعالى قسماً مؤكداً بربوبيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يؤمنون أي من أرسل إليهم من وقته إلى يوم القيامة حتى يحكموك فيما شجر بينهم فيجعلوك الحكم فيما حصل بينهم من النزاع والاختلاف ثم بعد ذلك لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ولا تضيق صدورهم بالحكم الذي حكمت به ثم يسلموا تسليماً أي ينقادوا انقياداً تاماً ليس فيه توان ولا فتور، فعلى كل مسلم أن يتجنب ما حرمه الله ورسوله وإن كانوا قد اعتادوا أن يفعلوه لأن العادة لا تحكم على الشرع، وإنما الشرع هو الذي يحكم على العادة.
***
(22/2)

السؤال: يقول من التقاليد عندنا إكرام الضيف فهل يجوز للمرأة أن تقوم بإكرام الضيف والزوج غائب علماً بأنها من أهل البادية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إكرام الضيف ينبغي أن لا نقول إنه من العادات بل نقول إنه من العبادات لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ، فإكرام الضيف عبادة تقرب الإنسان من ربه وتكون سبباً لصلاحه بإذن الله، ولا يجوز للمرأة أن تقدم الضيافة للضيف فإذا جاء الضيف وزوجها غير حاضر فلتعتذر ولتقل يا جماعة إن زوجي ليس بحاضر فانتظروا حتى يأتي ويقوم بما يجب لكم من ضيافة.
***
(22/2)

السائل: يقول في بعض البوادي يحضر النساء مجالس الرجال ويسلمن عليهم ويصافحنهم ويقولون هذه عادة نرجو التوجيه وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه المسائل مصافحة النساء وكشف وجوههن وما أشبه ذلك ليس أمر اعادياً أو تقريبياً وإنما هو منكر شرعي ونحن ننكر على الذين يقولون هذه عاداتنا وتقاليدنا يجعلون الحجاب وبعد المرأة عن الرجل يجعلونها من العادات والتقاليد هذا كذب وليس بصحيح وهو أمر له خطورته لأنه يؤدي إلى أن يغير هذا الحكم الشرعي في يوم من الأيام ويقال إن العادة اختلفت والتقاليد انتفت ونحن نريد أن ندخل منهجا جديداً وعادة جديدة ثم يغيرون حكم الله بسبب ما وصفوا هذا الحكم الشرعي بما ليس وصفا له حيث جعلوه من العادات والتقاليد والواجب على من يتكلم بهذه الأمور الواجب عليهم أن يتكلموا عليه بالمعني الصحيح ويقولوا هذا من الدين الذي لا يمكن تغيره ولا يمكن للعادات أن تغيره وعلى هذا ما اعتاده البادية في هذا الأمر من سلام النساء على الرجال الأجانب وكشف وجوههن أمامهم فإنه عمل يجب النهي عنه ويجب أن يبين أن هذا أمر لا يجوز وأن المرأة في البادية والمرأة في القرية وفي المدينة على حد سواء حكم الله تعالى في النساء سواء في البادية وفي المدن وفي القرى وفي البلاد الأجنبية وفي البلاد الأهلية كله سواء لا يجوز أن يغير حكم الله في هذا الأمر من أجل العادات والتقاليد ونحن ننكر جدا على من يصف هذه الأمور بأنها عادة أو تقليد بل نقول هي دين وشريعة إلاهية من الله عز وجل والله تعالى بين هذا في كتابه غاية البيان كما في سورة النور وسورة الأحزاب وكما في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز للمرأة أن تصافح الرجل الأجنبي منها اللهم إلا إذا كان من المعارف الذين يدخلون عليها كثيراً ويأتي إليهم كثيراً فإنها تصافحه لكن من وراء حائل أما مباشرةً فلا وذلك أن المس أشد من النظر فإن تحرك الشهوة وقرب الفتنة بالمس أعظم وأشد أثراً من النظر ولهذا ذكر أهل العلم أن المرأة لا تصافح إلا من كان من محارمها أو زوج لها.
***
(22/2)

السؤال: تقول هل مصافحة الرجال غير المحارم تجوز علماً بأن عندنا رجال يقفون احتراماً للمرأة ويصافحونها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للمرأة أن تمد يدها إلى رجال ليسوا من محارمها لتصافحهم ولا يجوز للرجل أيضاً أن يمد يده إلى امرأة ليست من محارمه ليصافحها لأن مس الإنسان لبشرة امرأة ليست من محارمه حرام لأنه مثل النظر أو أشد في إثارة الفتنة ولكن إذا كانت المرأة من معارفه وصافحها من وراء حائل فهذا لا بأس به لأن ذلك ليس فيه مماسة ولا مباشرة ولا يثير الشهوة غالباً ولكن إن خافا من ثوران الشهوة أو تحركها فإنه لا يجوز له أن يصافحها ولو من وراء حائل والخلاصة أن مصافحة الرجل لمحارمه لا بأس بها ومصافحة الرجل لغير محارمه ولو من معارفه حرام إلا إذا كانت من وراء حائل وأمنت الفتنة بذلك فلا حرج فيها.
***
(22/2)

السؤال: يقول هل يجوز التسليم على الأجنبية بلمس يدها وهل التسليم ينقض الوضوء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المراد بالأجنبية من سوى زوجته ومحارمه يعني التي ليست زوجة له ولا من محارمه والسلام عليها بالمصافحة مباشرة لا يجوز وذلك لأن النظر إليها لا يجوز والمصافحة أشد وأبلغ في إثارة النفس والتعلق بها ولهذا يحرم على المرء أن يصافح من ليست من محارمه ولا زوجة له بيده مباشرة وأما من وراء حائل فإنه لا بأس به إذا أمنت الفتنة ولكن مع ذلك ما ينبغي أن يفعل إلا لمن كان بينه وبينها معرفة كمن كان معها في البيت من امرأة أخيه ونحوها بشرط ألا يكون في ذلك فتنة وأن تكون المصافحة من وراء حائل وأن تكون متحجبة عنه فهذا لا بأس به.
***
(22/2)

السؤال: هل يجوز لمس المرأة الأجنبية حال القراءة عليها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز أيضا مس المرأة الأجنبية حال القراءة عليها لأنه لا داعي لذلك ثم لو فرض أنها دعت الحاجة إلى هذا كما لو كان المرض في عضو معين كاليد والقدم وأراد أن يضع يده على هذا الموضع من الألم ويقول أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما تجد وتحاذر أقول إن دعت الحاجة إلى ذلك فلا بأس بشرط أن يأمن الإنسان نفسه فإن خاف من ثوران الشهوة أو التمتع باللمس فإن ذلك حرام عليه ثم إن المواضع في البدن تختلف بعضها مسه فتنة ولا شك وبعضها دون ذلك ويختلف أيضا وضع اليد على موضع الألم بينما إذا كان هناك حائل أو كانت المماسة مباشرة وعلى كل حال فإني أحذر إخواني القراء من أن يضعوا أيديهم على أي موضع من بدن المرأة لا مباشرة ولا من وراء حائل وإذا أراد الله في قراءتهم خيرا حصل بدون لمس.
***
(22/2)

السؤال: تقول هل يجوز لزوجها أن يصافح زوجة أبيها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا. لا يجوز لزوجها أن يصافح زوجة أبيها فمعلوم أن زوجة أبيها غير أمها أما لو صافح أمها فلا بأس لأن أم الزوجة محرم للزوج.
***
(22/2)

المرأة والحمل وتنظيم النسل
(22/2)

تقول المستمعة في رسالتها إنها متزوجة وعندها ثلاثة أولاد والحمد لله وتقول إن عندها ضعف في الجسم وعندما تحمل تمرض مرضاً شديداً وعندما تضع الطفل تفقد الوعي هل يجوز لها أن تتناول حبوب منع الحمل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: حبوب منع الحمل هي فيما ذكر لنا ضارة على الرحم قد تسبب القرحة فيه ثم إن محاولة منع الحمل في الأصل جائزة لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعزلون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينهوا عن ذلك ولكن هي خلاف الأولى لأن تكثير الأولاد أمرٌ مشروعٌ ومطلوب ولكن مع هذا الضرر الذي أشارت إليه السائلة نقول إنه لا بأس أن تتناول هذه الحبوب إذا أذن بذلك زوجها وإذا تحسنت حالها وصارت بحالٍ تشعر بأنه لا يصيبها هذا الأذى فإنها تمسك عنه.
***
(22/2)

تقول السائلة بأنها امرأة ذات عيال عددهم سبعة تقول وهي تأخذ في هذه الفترة مانع للحمل كي تستريح فترة ولكن الزوج يصر على عدم أخذ هذه الحبوب وقد مكثت آخذها دون علمه هل يجوز لي ذلك مع أنه يحب الإنجاب كثيراًً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أنا مع هذا الزوج الذي يحب الإنجاب كثيراً لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حث على المرأة الودود الولود وكلما كثرت الأمة الإسلامية كان ذلك أعز لها وأوفى بحاجاتها وما يتوهمه بعض الناس من أن كثرة النسل تؤدي إلى ضيق الرزق وهمٌ باطل لا يصدر ممن يؤمن بقول الله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) فأنا أشكر لزوج هذه المرأة الذي يحب كثرة الإنجاب وأسأل الله تعالى أن يكثر من أمثاله وأقول لهذه المرأة إنه لا يحل لها أن تأخذ مانع الحمل بدون إذن الزوج ورضاه وعليها أن تتقي الله عز وجل وأن تقلع عن أخذ هذه الحبوب محبةً لما يحبه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كثرة الأولاد وطاعةً لزوجها وزوجها له حق في الإنجاب كما أنها هي أيضاً لها حقٌ في الإنجاب ولهذا لو أراد الزوج أن يعزل عن زوجته حتى لا تحمل كان ذلك حراماً عليه إلا بإذنها يعني مثلاً لو أراد الزوج من زوجته أن لا تحمل وصار يعزل عنها أي إذا أراد أن ينزل نزعه وأنزل في الخارج فإن ذلك لا يحل له إلا إذا وافقت الزوجة على ذلك وسبب هذا أن الزوجة لها حقٌ في الأولاد فلا يحل للزوج أن يحول بينها وبين هذا الحق بغير رضاها ثم إنه بهذه المناسبة أحذر النساء من أن يتعاملن هذه المعاملة التي هي ظلم في حق الزوج ثم على فرض أن الزوج رضي بذلك فإني أنصح الزوج والزوجة عن هذا العمل وأقول إن كثرة الأولاد من النعم التي تستحق الشكر لله عز وجل كما أظهر الله ذلك في قوله في بني إسرائيل (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وكما ذكر شعيبٌ قومه بذلك فقال (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ) فأنصح كلاً من الزوجين أن يحرصوا على كثرة الإنجاب لأن ذلك خير لهما وخير للأمة الإسلامية وكلما كثرت الأمة الإسلامية كان ذلك أعز لها وأكرم.
***
(22/2)

السؤال: تقول السائلة هل يجوز لي أن أؤخر الحمل لفترةٍ مؤقتة علماً بأنني لا أنجب إلا بقيصرية وكم في رأيكم تجلس المرأة من سنة في هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أنا رأيي أن المرأة تلد كل عام ولا حرج في ذلك فمن استعان بالله أعانه الله ومن توكل على الله فهو حسبه وكافيه وكون المرأة تريد أن لا يشق عليها شيء في الحمل ولا في الوضع هذا شيء لا يمكن ولتعلم المرأة أن ما يصيبها من أذىً أو ألم في حال الحمل أو عند الوضع أو في الحضانة بعد ذلك فإنما هو رفعةٌ في درجاتها وكفارةٌ لسيئاتها إذا احتسبت هذا على الله سبحانه وتعالى وأرى أنه كلما كثر الأولاد فهو خيرٌ وأفضل لأن هذا هو مراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد حث صلى الله عليه وعلى آله وسلم على تزوج الودود الولود الودود كثيرة المودة للزوج والولود كثيرة الولادة فلا ينبغي أن نعدل عن شيء يحبه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
***
(22/2)

السؤال: يقول ما حكم الشرع في نظركم في عملية تنظيم النسل وتحديده؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن التفكير في تنظيم النسل وتحديده أصله من فكرة معادية للإسلام مضادة لما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث حث صلى الله عليه وسلم على تزوج الودود الولود وأخبر أنه يكاثر الأنبياء بنا يوم القيامة ولا شك أن كثرة النسل من نعمة الله عز وجل، كما امتن الله بها على بني إسرائيل في قوله (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) ، وذكّرها شعيب قومه في قوله (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ) فالذي ينبغي للإنسان أن يكثر النسل ما استطاع، نعم لو حصل على الأنثى ضرر لتتابع الحمل عليها لكون جسمها لا يتحمل ذلك فلها أن تفعل ما يقلل الحمل لديها دفعاً لضررها الذي يحصل لها بالحمل، وأما مع استقامة الحال وسلامة البنية فإنه لا شك أنه كلما كثر النسل فهو أفضل وأولى.
وأما تنظيم النسل فالواقع أن التنظيم ليس بيد الإنسان بل هو بيد الله عز وجل كما قال الله تعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) ولو قدرنا أن بإمكان الإنسان أن ينظم حمله في البداية، أو أن ينظم نسله في البداية لو قدرنا ذلك، فإنه لا يمكنه أن ينظمه في النهاية لأنه من الجائز أن يقدر أن يكون أولاده في كل سنتين ولد، ولكن يموت الأولاد قبل أن تأتي السنتان أو بعد أن تمضي سنتان وقد يموتون قبل أربع سنوات وهكذا، فتنظيم النسل في الواقع وإن قدرنا أنه يمكن في الابتداء فإنه لا يمكن في الانتهاء ولهذا نرى أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على ما أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم من كثرة الولادة، وأما تحديده بحيث يقطع النسل على عدد معين لا يزيد عليه فإنه حرام كما صرح بذلك بعض أهل العلم لأن ذلك يؤدي إلى قطع النسل في الواقع، فإنه إذا حدده ثم قُدّر فناء هؤلاء الأولاد الذين قد حدد النسل بهم انقطع نسل الرجل نهائياً فنصيحتي لكل من الرجال والنساء أن يحرصوا على كثرة الأولاد تحقيقاً لمباهاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته.
***
(22/2)

السؤال: يقول هل صحيح أن كل امرأة تلد تسقط عنها ذنوبها كلها لما تلاقيه أثناء الولادة من آلام ومتاعب ففيها تمحيص لذنوبها؟

الشيح: هذا ليس بصحيح ولكن المرأة كغيرها من بني آدم إذا أصابها شيء فصبرت واحتسبت الأجر فإنها تؤجر على هذه الآلام والمصائب حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام مثل بما دون ذلك مثل بالشوكة يشاكها فإنه يكفر بها عنه واعلم أن المصائب التي تصيب المرء إذا صبر واحتسب الأجر من الله كان مثاباً على ما حصل منه من صبر واحتساب وكان أصل المصيبة تكفيراًً لذنوبه فالمصائب مكفرة على كل حال فإن قارنها الصبر كان مثاباً عليها الإنسان من أجل هذا الصبر الذي حصل منه عليها فالمرأة عند الولادة لا شك أنها تتألم وأنها تتأذى وهذا الألم يكفر به عنها فإذا صبرت واحتسبت الأجر من الله كان مع التكفير زيادة في ثوابها وحسناتها.
***
(22/2)

السؤال: يسأل عن حكم الشرع في نظركم فضيلة الشيخ في تحديد النسل لفترة مؤقتة دون حاجة ماسة لذلك إلا أن المرأة تريد فقط أن ترتاح من عناء الحمل السنوي، ويسأل عن مقولة أعداء الإسلام عن الانفجار السكاني؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن هذا السؤال سؤال مهم وذلك أن أعداء المسلمين لبسوا على المسلمين فيما يتعلق بكثرة النسل وأوهموهم أن كثرة النسل يحصل بها ضائقة اقتصادية وأزمات على الحكومة وعلى الأفراد ومن المعلوم أن هذا أعني الضائقة الاقتصادية والأزمات تسبب الفوضى والتفاوت بين الناس بعضهم البعض فهم يصورون كثرة النسل بصورة مخيفة مروعة ويتوهم ضعاف النفوس والإيمان أن هذا أمر حقيقي ولو كان عند الإنسان قوة إيمان وتوكل لعلم أن الله سبحانه وتعالى لن يخلق مخلوقاً إلا وقد تكفل برزقه كما قال الله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا) ، وقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً) ، وقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) فإذا علم المؤمن أن كثرة النسل سبب لكثرة الرزق لأن الأمة إذا كثرت كان ذلك عزاً لها وكان ذلك سبباً لاكتفائها بذاتها عن غيرها، ولهذا امتن الله عز وجل على بني إسرائيل بتكثيرهم قال تعالى (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وذكر شعيب قومه بذلك فقال (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (تزوجوا الودود الولود) والولود كثيرة الولادة، وكلما كثرت الأمة الإسلامية كان ذلك عزاً لها وكان ذلك سبباً لهيبتها بين الأمم وكان ذلك سبباً لاكتفائها بذاتها عن غيرها كما هو ظاهر ومعلوم، وبناء على ذلك فالذي ينبغي للإنسان أن يحرص على كثرة الأولاد أخاطب بذلك الرجل والمرأة ولا ينبغي لهما أن يحاولا قلة الولد، وأما ما ذكره السائل من تنظيم النسل في الحقيقة إن هذا وارد أن ينظم الإنسان نسله وتكون ولادة المرأة بين سنة وأخرى أي سنة للولادة وسنة لعدم الولادة، ولكن الحقيقة أن هذا الأمر ليس إلى الإنسان وقد ينظم الإنسان هذا التنظيم ولكن لا يحصل المراد به، ربما يتأخر الحمل في السنة التي يريد أن يكون فيها حمل، وربما يموت الأولاد الذين كانوا عنده فإذا مات الأولاد ولم يشأ الله عز وجل أن تنجب المرأة بعد ذلك بقيت لا أولاد لها، نعم لو فرض أن المرأة غير قادرة على ذلك أي أنها لا تستطيع أن تحمل كل سنة إلا بمشقة غير معتادة فهذا وجه يبرر لها أن تنظم حملها، ومع ذلك لا يكون هذا إلا بإذن الزوج فلو منع الزوج من ذلك فالحق له كما أن الزوج لو طلب منها أن تستعمل ما يمنع الحمل فليس عليها قبول ذلك، فكل واحد من الزوجين له حق في الولد، ولهذا قال أهل العلم يحرم أن يعزل الرجل عن زوجته الحرة إلا بإذنها يعني لها حقاً في الولد وكذلك القول الراجح إذا تبين الزوج عقيماً فللزوجة حق الفصل لأن لها حقاً في ولد، وأما ما ذكره السائل من قول أعداء الإسلام الانفجار السكاني أو التضخم السكاني أو ما أشبه ذلك فإن هذا كما أشرت إليه في أول الجواب من تهويل الأمر من أعداء الإسلام على المسلم والواجب على المسلم أن لا يغتر بهؤلاء وتهويلاتهم وأن يعلم أنهم أعداء كما وصفهم الله بذلك بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) والكافر عدو للمسلم مهما كان في أي زمان وفي أي مكان ولهذا يجب على المؤمن أن يعلم أنه أي الكافر لو فعل شيئاً فيه مصلحة للمسلمين فإنه سوف يكسب من وراء ذلك لنفسه ما هو أكثر وأكثر من المصالح.
***
(22/2)

المستمعة تقول بإنها امرأة متزوجة وقد أنجبت ولداً ثم حملت بعده مباشرة فالآن تريد أن ترتاج بعد الثاني لأنها أصيبت بفقر الدم في الأول والثاني فهل يجوز لها استخدام المانع من الحمل أو اللولب علماً بأن زوجها يمنعها من استعمال أي مانع فأرجو النصح له لعله ينتفع بالنصيحة مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن كثرة الولادة مما يزيد الأمة قوة ويحصل به مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال (تزوجوا الودود الولود) ولا شك أيضاً أن المرأة إذا حملت يلحقها الضعف لقوله تعالى (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ) ولا شك أيضاً أن المرأة إذا حملت فإنها تحمل الولد كرهاً وتضعه كرهاً كما قال الله تعالى (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) ولا شك أن المرأة إذا حملت يلحقها التعب والإعياء وإذا كان هذا أمراً مألوفاً ومعتاداً فإنه لا ينبغي للمرأة أن تتضجر منه وأن تتهرب منه باستعمال ما يمنع الحمل بل عليها أن تصبر وتحتسب الأجر من الله وهي إذا صبرت واحتسبت الأجر من الله ولم تخنع لما يحصل لها من الضعف فإن الله تعالى يقويها على ماحملت ويعينها حتى يكون هذا الحمل خفيفاً عليها نعم لو فرض أن هناك أموراً عارضة غير معتادة تحصل للمرأة عند الحمل فحينئذٍ ينظر في الأمر وما ذكرت السائلة من أنها أصيبت من فقر الدم فهذا أمر طبيعي إذ أن المرأة إذا حملت فإنه ينصرف جزء كبير من دمها إلى الحمل ولكن إن كان هذا الذي أصابها من فقر الدم أمراًً زائد على المعتاد ولم تتمكن من السلامة منه بأخذ المقويات ففي هذا الحال ينبغي لزوجها أن يراعيها وأن يرخص لها في استعمال ما يمنع الحمل ولكنني أحذرها وغيرها من النساء من استعمال العقاقير والحبوب لأن هذه مضرة على المدى الطويل وقد حدثني من أثق به من الأطباء أنها سبب لفساد الرحم ولتشويه الأجنة ولأمور أخرى تتعلق بالدم والأعصاب لكن هناك وسائل تقي من الحمل غير هذه الحبوب أما تعاطي هذه الحبوب والعقاقير فإنني أنصح بالابتعاد عنها كثيراً وخلاصة الجواب أنه يجب على المرأة أن تصبر على ما أصابها من الضعف والتعب والإعياء في حال الحمل ولها في ذلك أجر عند الله عز وجل وتكفير لسيئاتها وعلى الزوج إذا رأى أن المرأة تتأثر تأثراً غير معتاد في حملها أن يأذن لها في استعمال ما يمنع الحمل أو هو بنفسه يستعمل ما يمنع الحمل رأفة بها ورحمة بها حتى تنشط وتقوى على ذلك.
***
(22/2)

السؤال: تقول هل يجوز للمرأة التي تخاف على نفسها من الحمل والإنجاب أن تمنع الحمل بعملية ربطٍ أو ما شابه ذلك مع العلم بأن السن سبعة وأربعين عام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا لا بد فيه من شرطين الشرط الأول موافقة الزوج على ذلك.
والشرط الثاني أن يلحقها ضرر في الحمل غير معتاد فحينئذٍ لا بأس أن تربط الرحم إلى أجلٍ مسمى وأما إذا لم يأذن الزوج فلا يجوز أن تربط الرحم ولا أن تأخذ ما يمنع من الحمل لأن للزوج حقاً في الولد وكذلك إذا كان لا يضرها إلا الضرر المعتاد للحوامل فهذا أمرٌ لا بد منه فلا تربط الرحم من أجل ذلك ولا تأكل ما يمنع الحمل من أجل ذلك.
***
(22/2)

السؤال: هل علي إثم في تناول حبوب منع العادة وذلك لكي لا يفوتني صيام أيام مثل ليلة النصف من شعبان وليلة التروية وعرفات وغيرها أرجو الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما إستعمال هذه الحبوب فإنه حسب ما بلغني ضار ولا ينبغي للإنسان أن يتناول ما كان ضاراً لقول الله تعالى (لا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) وإذا تبين أنه لا يضر بمشورة الطبيب فلا بأس أن تأكل المرأة شيئا من هذه الحبوب من أجل ألا تمنعها الحيضة من الصيام ولكن السائلة ذكرت صوم يوم النصف من شعبان وهذا لا أصل له ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخصص يوم النصف من شعبان بالصيام ولا ليلته بالقيام فالأفضل أن تكون ليلة النصف من شعبان ويومه كسائر الليالي والأيام ويوم التروية هو اليوم الثامن وهو كباقي أيام العشر ليس له مزية خاصة وإنما المزية ليوم عرفة لغير الحاج حيث ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) .
***
(22/2)

السؤال: يقول في رسالته بأنه شاب مقيم في مدينة أبها ومتزوج وله ثلاثة من الأبناء والحمد لله ولكن وباختصار يقول قررت أنا وزوجتي أن نمتنع عن الإنجاب حتى نتمكن من تربية أولادنا التربية الإسلامية الصحيحة فما هو الحل في نظركم مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحل غير صحيح أعني إيقاف الإنجاب لأنه مخالف لما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة) ولأن الإنسان لا يدري وربما يموت هؤلاء الأبناء الذين عنده فيبقى بدون ذرية والتعليل بأن ذلك من أجل السيطرة على تربيتهم وربما يقوم على القيام بنفقتهم تعليل عليل في الواقع لأن الصلاح بيد الله عز وجل والتربية سبب لا شك وكم من إنسان ليس عنده إلا ولد وعجز عن تربيته وكم من إنسان عنده عشرة من الولد وقام بتربيتهم وأصلحهم الله على يده ولا شك أن الذي يقول إنهم إذا كثروا لا يستطيع السيطرة عليهم أنه أساء الظن بالله عز وجل وربما يعاقب على هذا الظن بل المؤمن الحازم يفعل الأسباب الشرعية ويسأل الله المعونة والتوفيق وإذا علم الله منه صدق النية أصلح الله له أموره فأقول للأخ السائل لا تفعل لا توقف الإنجاب لا توقف الإنجاب أكثر من الأولاد ما استطعت فرزقهم على الله وصلاحهم على الله وأنت كلما ازددت تربية ازددت أجرا فإذا كان لديك ثلاثة وأدبتهم وأحسنت تربيتهم أجرت على ثلاثة فقط لكن لو كانوا عشرة أجرت على عشرة ولا تدري أيضا ربما هؤلاء العشرة يجعل الله منهم علماء ومجاهدين فينفعون الأمة الإسلامية ويكون ذلك من أثار إحسانك أكثر من الأولاد أكثر من الأولاد أكثر الله أموالك وأوسع لك في رزقك.
***
(22/2)

السؤال: يقول في سؤاله نحن نعلم من القرآن الكريم أن تمام الرضاعة حولين كاملين فهل هذا دليل على جواز استعمال وسيلة منع الحمل خلال فترة الرضاعة لأننا نعلم أنه إذا حدث حمل أثناء الرضاعة يجف لبن الأم وبذلك يحرم الرضيع من أول حقوقه أفيدونا بذلك بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الآية الكريمة التي أشار إليها هي قوله تعالى (الْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وهذه الآية لا تدل على أنه ينبغي استعمال حبوب الحمل في هذه المدة وذلك لأن استعمال حبوب الحمل خلاف ما ينبغي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بتزوج الودود الولود ولا شك أن كثرة الأمة عزٌ لها وقوة ومنعة ولهذا امتن الله به على بني إسرائيل في قوله (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) وذكر قومه شعيب به حين قال (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ) فالذي ينبغي للأمة الإسلامية أن تكثر من أسباب كثرة النسل ما أمكنها ذلك وإذا قدر أن المرأة حملت في أثناء الرضاع ثم نقص اللبن فإن الله تعالى سيجعل لهذا الطفل جهة أخرى يرضع منها قال الله تعالى (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى) والله عز وجل لا يحرم عباده رزقه لقوله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) .
***
(22/2)

السؤال: هل في استعمال حبوب منع الحمل من أجل إتمام الرضاعة إثم أفيدونا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي ينبغي للمرأة ولزوجها أن يحرصا على كثرة النسل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (تزوجوا الودود الولود) أي كثيرة الولادة ولأن كثرة الأمة عز لها ونصر ورفعة وفيه استغناء ذاتي عن الغير ولأن الإنسان ربما يحتاج إلى أولاده في المستقبل إذا كبروا وكلما كانوا أكثر كان أعز لها يقول الشاعر:
وليست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر
أما ما يتوهمه بعض النساء من أنه إذا كثر الأولاد كثر التعب وشقت التربية وضاق الرزق فهذا وهم لا حقيقة له لأنه ما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وكلما ولد للإنسان ولد فتح الله له باب الرزق لولا الولد ما حصل له ذلك لأن رزق الولد على الله وكم من إنسان رزق برزق أولاده وأما التربية فصحيح أنه كلما كثر الأولاد تتابعوا فسوف يكون العناء أشد وأشق لكن مع الصبر والاحتساب يكثر الأجر والثواب ثم إن الهداية بيد الله عز وجل قد يكون طفل واحد يتعب أبوه وأمه في تربيته ولا يحصلون على ما يريدون وقد يكون عشرة أطفال وتكون تربيتهم سهلة ويحصل الوالدان على ما يريدان من حسن الأخلاق والتوفيق بيد الله ومتى استعان الإنسان بربه واعتمد عليه وتوكل عليه وفعل ما دل عليه الشرع فليبشر بالخير.
***
(22/2)

السؤال: السائلة تقول زوجان اتفقا على أن يؤجلا إنجاب الأولاد لمدة سنة أو أكثر وذلك لأن الزوجة تود أن تكمل تعليمها فهل عليهما شيء في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأفضل للزوجين أن يكثرا الإنجاب لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (تزوجوا الودود الولود) أي كثيرة الولادة وإنما حث على تزوج كثيرة الولادة من أجل كثرة الأولاد وكثرة الأولاد عز للأمة كما قال الله تعالى عن شعيب (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ) قاله لقومه وقال الله تعالى ممتناً على بني إسرائيل (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) فكل ما كثر الأولاد فهو أفضل للرجل وللمرأة فإن دعت الحاجة إلى تقليل الأولاد لكون المرأة ضعيفة في الجسم لا تتحمل فلا حرج أن يتفق الزوجان على تأجيل الحمل لمدة معينة ودليل ذلك حديث جابر أنهم كانوا أي الصحابة يعزلون في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم ينزل القرآن بالنهي عن ذلك وأما قطع النسل بالكلية كاستئصال الرحم مثلاً فإنه لا يجوز إلا إذا كان هناك ضرورة بأن حدث في الرحم أورام تؤدي إلى الهلاك مثلاً فلا بأس باستئصاله حينئذ.
***
(22/2)

السؤال: إنني رجل متزوج ولدي ستة أطفال ولله الحمد بنين وبنات وعند الولادة الأخيرة لزوجتي تعسرت في الولادة مما اضطرني للذهاب بها إلى المستشفى وعمل لها عملية قيصرية وقد تمت العملية بنجاح ولله الحمد وفي خلال العملية عرض علي الطبيب الذي عمل العلمية بأن يربط الرحم لأجل أن لا تلد بعد ذلك لأن في الحمل مشقة عليها وقد وافقت على ذلك والآن أنا في حيرة من أمري أرجو إفادتي هل يلحقني إثم من جراء ذلك وما العمل الآن وما مدى جواز ذلك من عدمه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قد سبق من على هذا المنبر أنه ينبغي للأمة السعي في إكثار أفرادها لما في ذلك من القوة وإتاحة الفرص للأعمال المتنوعة ومثل هذا العمل الذي عملت وهو خياطة الرحم حتى لا ينفذ إليه الماء فتحمل هذا إذا ثبت أنه يلحق بالأم ضرر يخشى عليها منه فهذا لا بأس به أما مجرد المشقة والضعف فهذا أمرٌ لا بد منه كما قال الله تعالى (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ) وقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً) هذا أمرٌ لا بد منه في الحمل لا بد من المشقة ولا بد من التعب عند الحمل وأثناء الولادة وبعد ذلك ولا يجوز أن تعمل عملية توجب عدم الحمل مطلقاً لمجرد المشقة من الحمل أو عند الوضع ولكن إذا ثبت أن في ذلك ضرراً على الأم ويخشى عليها منه فهذا لا بأس به إذا رضيت الأم بذلك.
***
(22/2)

السؤال: يقول هل يجوز تحديد الإنجاب في الحياة الزوجية أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب لا يجوز ذلك بل المشروع أن يكثر الإنسان من الأولاد لما في ذلك من تكثير الأمة الإسلامية وتحقيق مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته ولما في ذلك من الخير والصلاح فقد يكون هولاء الأولاد صالحين ينفعون والديهم في دينهم ودنياهم , ثم إن تحديد النسل في الواقع ليس إلى الإنسان فقد يحدد الإنسان نسله بأربعة أو خمسة ثم يموت هولاء أو يموت بعضهم فيبقي عقيماً أو مقلاً من الأولاد وعلى كل حال فتحديد النسل لا يجوز أما تنظيمه بمعنى أنه بدلاً من أن تنجب المرأة في السنتين مرتين ويريد أن تنجب في السنتين مرة واحدة لمصلحة شرعية فهذا لا بأس به.
***
(22/2)

السؤال: السائل يقول زوجتي كانت حامل في الشهرين الأولين ولم نكن نريد أن تحمل فذهبت للمستشفى وأجهضت الجنين وكان لا يزال قطعة صغيرة من اللحم لم يتبين منه أي شيء فهل علينا شيء أم أن علينا صيام لأنني سألت فقالوا لي لا شيء عليكم لأنه لم يتبين هذا الجنين بعد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أحب أن أقول للأخ السائل ولمن يسمع إن تكثير النسل من مراد الشرع وإن النبي صلى الله عليه وسلم حث على تكثير النسل فقال (تزوجوا الودود الولود) فحث على تزوج المرأة الودود التي تتودد إلى الزوج لأن توددها إلى الزوج يستلزم غالبا الاتصال بها ومجامعتها والمجامعة يكون بها كثرة النسل ولهذا أعقب هذا الوصف الودود بالولود أي كثيرة الولادة فلا ينبغي أن نحاول تقليل الولادة مع كون الرسول عليه الصلاة والسلام يحب منا أن تكثر أولادنا أما بالنسبة للجواب على السؤال الخاص فأقول إن الإجهاض في غير وقته اختلف العلماء في جوازه فمنهم من منعه مطلقا وقال إن الله تعالى جعل هذه النطفة في قرار مكين فلا ينتهك هذا قرار إلا لسبب شرعي ومنهم من أجاز إسقاط النطفة أي إسقاط الجنين قبل أربعين يوما ومنهم من أجازه قبل أن يخلق لأنه لا يعلم إذا كان علقة أيكون طفلا أم لا ومنهم من أجازه إلى أن تنفخ فيه الروح فإذا نفخت فيه الروح فقد اتفقوا على منع إجهاضه إلا إذا كان ذلك عند الولادة وتعذرت الولادة الطبيعية وأجهض بولادة عملية فلا بأس والذي أرى أنه لا يجوز متى تحققنا أنه حمل أنه لا يجوز إجهاضه إلا لسبب شرعي مثل أن يتبين أن هذا الجنين مشوه تشويها لا يعيش معه وإيذاء نفسي له ولأهله فحينئذٍ يجهض لدعاء الحاجة أو الضرورة إلى ذلك وكذلك إذا خيف على أمه منه إذا ترعرع في بطنها وكبر فإنه لا بأس بإجهاضه حينئذٍ وهذا مقيد بما إذا لم تنفخ فيه الروح والروح تنفخ فيه إذا تم له أربعة أشهر فإذا نفخت فيه الروح فإنه يحرم إجهاضه مطلقا حتى لو قرر الأطباء أنه إن لم يجهض ماتت أمه فإنه لا يجوز إجهاضه حتى ولو ماتت أمه ببقائه وذلك لأنه لا يجوز لنا أن نقتل نفساً لاستبقاء نفسٍ أخرى فإن قال قائل إذا أبقيناه وماتت الأم فسيموت هو أيضا فيحصل بذلك قتل نفسين وإذا أخرجناه فربما تنجو الأم فالجواب أنه إذا أبقيناه وماتت الأم بسببه ومات هو بعد موت أمه فإن موت أمه ليس منا بل من الله عز وجل فهو الذي قضى عليها بالموت بسبب هذا الحمل أما إذا أجهضنا الجنين الذي كان حيا ومات بالإجهاض فإن إماتته من فعلنا ولا يحل لنا ذلك.
***
(22/2)

السؤال: السائلة من السويد تقول ما حكم تعاطي الحبوب المنشطة لأجل الحمل علماً بأنني متزوجة من فترة طويلة وليس لدي أطفال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأمر يرجع إلى استشارة الطبيب في هذا فإذا قال إن تناول هذه الحبوب المنشطة للحمل لا تضر فإنه ينبغي استعمالها تحصيلا للحمل لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم) .
***
(22/2)

السؤال: السائلة تقول هل يوجد علاج لمرض العقم وهل يمكن أن ينجب العقيم إذا دعا الله عز وجل مع العلم بأن الأطباء قد قالوا له بأنه لن ينجب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما قضاء الله عز وجل لا مغير له كما قال الله تعالى (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) وقد بين الله سبحانه وتعالى أن له ملك السماوات والأرض وأنه يفعل ما يشاء فقد قال الله تبارك وتعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذكور أو يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) فهذه أربعة أصناف الأول أن يهب الله تعالى للرجل الذكور فلا يأتيه إناث والثاني أن يهب له إناثا فلا يأتيه ذكور والثالث أن يزوجهم أي يصنفهم ذكورا وإناثاً فيكون للإنسان ذكور وإناث والرابع أن يجعل من يشاء عقيما لا يأتيه ذكور ولا إناث هكذا قسم الله تبارك وتعالى الخلق فمن قضى الله عليه أن يكون عقيما لا يمكن أن يكون ذا ولادة ومن قضى الله عليه أن تتأخر ولادته أي إنجابه فهذا ربما ينجب بالدعاء أو بالعقاقير والأدوية.
***
(22/2)

السؤال: السائلة أم مجاهد من الرياض تقول فضيلة الشيخ تقوم بعض النساء باستخدام حبوب منع الحمل لسنوات طويلة تصل إلى سن اليأس وذلك لسبب قوي لأن زوجها وهو إنسان مقتدر وغني لا يصرف عليها وعلى أبنائها وبناتها حيث إنه متزوج من ثلاث نساء ولا يعدل بينهم ولديه منهن إحدى عشر بنتا وستة أبناء فلا يهتم بتربيتهم ولا الاهتمام بهم ولا يهتم بالصرف عليهم في المأكل والمشرب والملبس والمسكن فهل يجوز استخدام حبوب منع الحمل والحالة هذه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإفتاء أقول إنه يجب على الزوج أن ينفق على زوجاته وأولاده من بنين وبنات إذا كان قادرا على هذا وليعلم أنه إذا أنفق ماله قياما بالواجب واجب النفقة في حياته سلم من غائلة المال ومن إثم المال وإن لم يفعل فسوف ينفق من بعده قهرا عليه فيبوء بالإثم والعياذ بالله ويجمع لهؤلاء القوم الذين شح عليهم في حياته فعليه أن يتقي الله وأن يقوم بالواجب من الإنفاق على الزوجات الثلاث وعلى أولادهن من بنين وبنات فإن لم يفعل فلكل واحدة أن تأخذ من ماله بغير علمه ما يكفيها ويكفي أولادها كما أفتى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة حين شكت إليه زوجها أنه شحيح لا يعطيها ما يكفيها وأولادها فإذن لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي أولادها.
أما الإفتاء فأقول لا تستعمل حبوب منع الحمل من أجل قلة الأولاد أي ليقل أولادها فإن أولادها رزقهم عند الله عز وجل وكلما كثر الأولاد انفتح للرزق أبوابا قال الله تبارك وتعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) وقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) وقال في الآية الثانية (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) ولكن كثرة الرزق بكثرة الأولاد لها شرط مهم وهو تقوى الله وصحة التوكل عليه لقول الله تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) ولقوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) فأقول لهذه السائلة لا تستعملي حبوب منع الحمل واستعيني بالله وتوكلي عليه واعلمي أن رزق أولادك ليس إليك بل إلى من خلقهم جل وعلا.
***
(22/2)

السؤال: هل أخذ وسيلة لمنع الحمل لفترة معينة وهي فترة رضاعة حتى لا يؤثر الحمل الجديد بحرمانه من إكمال الرضاعة هل يجوز ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا يجب أن نعلم أن الحمل لا يؤثر على الرضيع ثانيا لو أرادت المرأة أن تمنع الحمل وقت الإرضاع لمشقة الحمل عليها فلا حرج أن تستعمل ما يمنع الحيض أو ما يمنع الحمل لكن بإذن الزوج لأن الزوج له حق في الأولاد.
***
(22/2)

السؤال: السائل يقول ما الحكم الشرعي في تحديد النسل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن تحديد النسل أمرٌ لا ينبغي لأن الذي ينبغي في الأمة الإسلامية تكثير النسل وزيادته فإن كثرة النسل وزيادته من نعمة الله عز وجل كما قال الله تعالى عن شعيب حين قال لقومه (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ) فيبين شعيبٌ عليه الصلاة والسلام أن تكثير الله لهم من نعمة الله عليهم وكذلك امتن الله به على بني إسرائيل حيث قال (وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) فالأمة لا شك أنها تقوى بكثرة أفرادها تزداد كما أن في ذلك أيضاً تكثيراً للنسل واتباعا لهدي الشريعة والعمل بها وهذا مما يفخر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لا حرج فيما إذا كان الإنسان يرى أنه لا بد من تنظيم النسل إذا كانت الزوجة لا تتحمل الحمل تباعاً فإنه لا حرج أن ينظم النسل بمعنى أن يجعل كل سنةٍ ونصف أو كل سنتين حسب حال المرأة وظروفها وأعني بالظروف الظروف الجسمية وأما التربية وما أشبهها فهذه إلى الله والله تعالى يعين الإنسان على قدر مئونته على قدر كلفته فكلما كثر الأولاد زاد الله للإنسان نشاطاً في تربيتهم إذا كان قصده حسناً والمهم أن تحديد النسل لا يجوز وأما تنظيمه لا حرج فيه إذا دعت الحاجة إليه.
***
(22/2)

السؤال: يقول إذا كانت المرأة متزوجة من رجل عقيم لا ينجب أطفالا فهل يجوز نقل ماء رجل آخر إليها بواسطة الحقن أو كما يسمى بالأنبوب وما الحكم لو كان الأمر بالعكس لو كان الرجل منجبا لكن المرأة نفسها عقيمة فهل يجوز الاحتفاظ بماء زوجها في جو مشبه تماما بجو رحم المرأة إلى حين نمو الجنين وهذا ما حصل أن أجري في بعض مستشفيات العالم ونجحت هذه الطريقة فما هو الحكم الشرعي في الحالتين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الحالة الأولى وهي إذا كان الزوج لا ينجب فاتخذت زوجته ماء من شخص آخر وحقنته في رحمها لأجل الولادة فإن هذا عمل محرم ولا يحل وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام (لا يحل لرجل أن يسقي ماءه زرع غيره) وإذا كان نكاح المرأة في عدتها محرم خوفا من اختلاط الأنساب فإن هذا من باب أولى وأحوط فلا يجوز لامرأة بأي حال من الأحوال أن تلقح نفسها بماء غير ماء زوجها وإذا فعلت ذلك فإن الأولاد أولاد لها وليس أولاد لزوجها لأنه لا يلحقون به وهم من غير مائه
وأما الحالة الثانية وهي ما إذا كانت المرأة هي التي لا تنجب فحقن الزوج ماءه في شيء حتى ينمو ثم بعد ذلك يحقن في رحم المرأة فإن هذا لا بأس به إذا كانت العملية ناجحة وعلم هذا عند الأطباء لأن هذا لا يعدو أن يكون الرجل قد أنزل خارج الفرج ثم بعد ذلك لقح به الفرج والزوج هو زوجها والماء ماء زوجها ولا حرج في ذلك وقد نص الفقهاء على مثل هذه الحال.
***
(22/2)

السؤال: هذا المستمع يقول أنا رجل متزوج وقد تركت بلدي وزوجتي وسافرت خارج البلد للعمل وقد مكثت حوالي تسعة أشهر غائباً وقد كانت زوجتي حاملاً فوضعت مولودها في سبعة أشهر وعشرة أيام فقط مما جعل الشك يساورني في أمرها وقد فكرت في فراقها ولكني لم أستطع نظراً لرغبتي الشديدة وهي كذلك لاستمرار العلاقة الزوجية بيننا ولكن هذا الشك يقلقني دائما فأرجو إفادتي هل يمكن أن تضع الحامل مولودها في سبعة أشهر وما هي أقل مدة الحمل الممكنة وأكثرها وبماذا تنصحوني أن أفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ننصحك بأن تبقى على زوجتك أي مع هذه المرأة ونطمئنك بأن ولادتها في سبعة أشهر ليس فيها شك فإن أقل مدة الحمل التي يمكن أن يعيش فيها ست أشهر لأن الله تعالى يقول (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) وقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْن) فإذا أسقطنا عامين من الفصال من ثلاثين شهراً بقيت ستة أشهر للحمل وهذه أقل مدة الحمل التي يمكن أن يعيش فيها إذا خرج فابنك الآن والحمد لله ليس فيه شك وينبغي أن تزيل عن نفسك هذه الوساوس إزالة مطلقة أما أكثر مدة الحمل فإنه لا حد له على القول الراجح وإن كان بعض أهل العلم يحدها بأربع سنوات وبعضهم بأكثر ولكن ما دام الحمل متيقناً في بطن هذه المرأة فإنها حامل به إلى أن تضعه.
***
(22/2)

المرأة والمحرم
(22/2)

السؤال: السائل ص. ع من القصيم البكيرية يقول الرجل عندما يمر بحادث سيارة هل يتقدم لينقذ المصابين في الحادث وإذا كان من بينهم نساء هل يجوز حمل هؤلاء النساء في سيارته مع عدم وجود محرم لهن أم ماذا يفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إنه يجب على المرء المسلم إذا رأى أخاه المسلم في أمرٍ يخشى منه الهلاك يجب عليه أن يسعى لانقاذه بكل وسيلة حتى إنه لو كان صائماً صيام الفرض في رمضان وحصل شيء يخشى منه الهلاك على أخيه المسلم واضطر إلى أن يفطر لانقاذه فإنه يفطر لانقاذه وعلى هذا فإذا مررت بحادث سيارة ورأيت الناس في حال يخشى عليهم من التلف أو من تضاعف الضرر فإنه يجب عليك انقاذهم بقدر ما تستطيع وفي هذه الحال لا بأس أن تحمل النساء وإن لم يكن معهن محارم لأن هذه ضرورة.
***
(22/2)

السؤال: السائل محمد حامد يقول هل أم الزوجة المطلقة تكون محرماً للرجل المطلِّق ويجوز أن يصافحها وأن يسافر معها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم أم الزوجة يكون زوج ابنتها محرماً لها سواءٌ بقيت الزوجة معه أو ماتت أو طلقت لأن أم الزوجة محرمةٌ على زوج ابنتها تحريماً مؤبداً فيجوز أن يسافر بها أي بأم زوجته وأن يصافحها وأن تكشف له لأنها من محارمه كذلك بنت الزوجة إذا كان قد دخل بالأم فإنها تكون محرماً للزوج محرمةً عليه على وجه التأبيد حتى لو طلق أمها وسواءٌ كانت بنتها من زوجٍ قبله أو من زوجٍ بعده لقول الله تعالى (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) يعني المحرمات (وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) كذلك زوجة الابن محرمة على أبيه تحريماً مؤبداً فتكون زوجة الابن من محارم أبيه ولو طلقها الابن وكذلك ابن الزوج يكون من محارم زوجة أبيه ولو طلقها أبوه.
***
(22/2)

السؤال: من جدة السائل ع. ع. ع. يقول هل يجوز للزوجة أن تظهر على ابن أخي وابن أختي أو أن تكشف وجهها لابن أخي وابن أختي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للمرأة أن تكشف وجهها إلا لمحارمها ومعلومٌ أن أخا الزوج ليس من محارمها إلا أن يكون بينها وبينه رضاع فهذا شيء آخر وكذلك ابن عمها وابن خالها ليسوا من محارمها فلا يجوز لها أن تكشف وجهها عندهم حتى لو فرض أن هذه عادتهم فالواجب ترك هذه العادة لأن الشرع مقدمٌ على العادة.
***
(22/2)

السؤال: السائل يقول إن له خالات كبار في السن قد تصل أعمارهن إلى الخمسين والستين يقول هل يجوز لهن الكشف على والدي وهل هن من القواعد من النساء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل لهن أن يكشفن لوالدك لأنه لا محرمية بينه وبينهن لكن هو ذكر عمات وخالات، الخالات أخوات أمه لا علاقة بينهن وبين أبيه والعمات أخوات أبيه فيكشفن له لأنه أخوهن وأما أنهن من القواعد فالمرأة إذا بلغت الخمسين قد تكون من القواعد وقد لا تكون حسب حالها وصحتها والضابط ما ذكره الله عز وجل في قوله (اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً) يعني إنها بلغت من السن مبلغاً صارت فيه هزيلة وزال ماء وجهها وصارت لا ترجو أن يتزوجها أحد هذه هي التي ليس عليها جناحٌ أن تكشف وجهها وكفيها لغير المحارم.
***
(22/2)

_____ كتاب العلم _____
(/)

كتاب العلم - فضله - آدابه - مراحله - - كتب تعليم المرأة - منكراته
(23/1)

ع. ب. العتيبي يقول في رسالته: ما هو العلم الذي نصت عليه الأحاديث وورد في آيات القرآن الكريم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: العلم الذي وردت الشريعة بالثناء على أهله والترغيب فيه إنما هو العلم بأحكام شريعة الله عز وجل، وقبل ذلك العلم بالله عز وجل: بأسمائه وصفاته، وما له من الصفات العليا والأفعال الحميدة المبنية على الحكمة والرحمة، ولهذا قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) . أي: العلماء به تبارك وتعالى، وبما له من العظمة التي تقتضي الخشية منه، وليست كما يفهمه بعض العامة وأشباههم من أن المراد بالعلماء في هذه الآية العلماء بالكون الذين أحاطوا بشيء من علمه، وما أوتوا من العلم إلا قليلاً، فإن من الناس من علم شيئاً من الكون مما علَّمه الله ومع ذلك فإنه من أشد الناس استكباراً وأبعدهم عن خشية الله تبارك وتعالى، وإنما المراد بالعلماء العلماء بالله وما له من العظمة والكبرياء اللذين بهما تكون الخشية لله سبحانه وتعالى.وخلاصة الجواب: أن العلم الذي ورد في الكتاب والسنة فضله والترغيب فيه إنما هو العلم بالله تبارك وتعالى، وبأحكامه الشرعية التي تعبد عباده بها، وأما العلم بما أودع الله تعالى في الكون من الأسرار والحكم فإنه داخل في العلم بالله سبحانه وتعالى.
***
(23/2)

أثابكم الله يا شيخ محمد المستمعة عواطف من جدة أرسلت بهذه الرسالة تقول فيها: إنني أرى ولله الحمد شباب اليوم وخاصة بأنهم التزموا بطاعة الله،ولكن نراهم يميلون إلى مذاكرة الحديث والتفسير والتوحيد والفقه فقط، ويهملون المواد الأخرى مثل الرياضيات والعلوم، ويقولون: فقط يريدون الدين ولا يهمهم باقي المواد، يريد الآخرة،نعم ولله الحمد نحن لا نمنعهم من ذكر الله، ولكن الله عز وجل أمرنا بالعلم وحثنا عليه. نريد من فضيلتكم نبذة بسيطة عن فضل العلم، وأيضاً تقول: وبصراحة نرى تطوعهم فيه تشديد جداً جداً،نرجو منكم الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لاشك أن ما ذكرته السائلة- من- أن العلم لا يقتصر على العلوم الشرعية كعلم التفسير والحديث والتوحيد والفقه وما يتعلق بذلك-صحيح-، لكن العلم المحمود على كل حال هو هذه العلوم، هي التي أمر الله بها،وهي التي فيها الفضل، وهي التي قال الله تعالى فيها: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) . وقال فيها (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) .وقال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) . وقال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) . أما العلوم الأخرى التي تتعلق بالدنيا فهي من العلوم المباحة التي إن اتخذها الإنسان وسيلة إلى خير كانت خيراً، وإن اتخذها وسيلة إلى شر كانت شراً،فهي لا تحمد لذاتها ولا تذم لذاتها، بل هي بحسب ما توصل إليه وهناك علوم أخرى،علوم ضارة إما في العقيدة وإما في الأخلاق وإما في السلوك، فهذه محرمة وممنوعة بكل حال فالعلوم ثلاثة أقسام: محمودة بكل حال، ومذمومة بكل حال، ومباحة يتعلق الذم فيها أو المدح بحسب ما تكون وسيلة له، والنصوص الواردة في فضل العلم والحث عليه تتعلق بالقسم الأول فقط وهو المحمود بكل حال. وإذا كانت العلوم التي تتعلق بالدنيا نافعة للخلق،ولم تشغل عما هو أهم منها،كان طلبها محموداً؛ لما توصل إليه من النفع العام أو الخاص، ولا ينبغي لنا أن نحتقرها حتى لا نجعل لها قيمة في حال تكون مفيدة للخلق. وأما قولها: إنها ترى هؤلاء يتشددون في الدين تشدداً عظيماً، فالتشديد والتيسير أمر نسبي، قد يرى الإنسان الشيء شديداً وهو في نظر غيره يسير، وقد يرى الإنسان الشيء يسيراً وهو في نظر غيره شديد، والمرجع في ذلك إلى السنة المطهرة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، المبنية على كتاب الله عز وجل فإن كان ما يقومون به من أعمال موافقاً للكتاب والسنة فليس بتشديد،بل هو اليسر والسهولة،وإن كان بعض المتهاونين المفرطين يرونه تشديداً فلا عبرة بما يرونه، فإنه إذا وافق الكتاب والسنة فهو يسير، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الدين يسر) ، لكن قد يستنكر بعض المفرطين شيئاً من شريعة الإسلام، ويظن أن القيام به تشديد، فيصف المتمسكين به بالتشدد في دينهم، ونحن لا ننكر أنه يوجد فئة من الناس تتنطع في دينها وتزيد فيه، وتعنف على من خالفها في بعض الأمور التي يسوغ فيها الاجتهاد ويسع الأمة فيها الخلاف، وهؤلاء لا عبرة بهم؛لأنهم مُفرِطون،والذين يتساهلون ويرون أن التمسك بالشريعة تشديد لا عبرة بهم أيضاً؛ لأنهم مُفرِّطون، والدين بين الغالي فيه والجافي عنه.
***
(23/2)

السائلة ع. ع. ف. من السودان أبو سليم تقول: ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه وجد حلقة علم وحلقة ذكر، فجلس في حلقة العلم، فهل هذا صحيح؟ وإن كان كذلك فكيف كان يذكر أولئك الذين كانوا في حلقة الذكر، أو ماذا يقولون؟ والرسول صلى الله عليه وسلم لم يمنعهم، ولكنه فضل حلقة العلم، وهل يعتبر هذا دليلاً على أن حلق الذكر الجماعي بدعة، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إن كان صحيحاً لم ينههم عن ذلك وإنما اجتنبهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الحديث لا أعلم صحته، ولا أظنه يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الاجتماع على العلم لاشك أنه من أفضل الأعمال؛ لأن العلم نوع من الجهاد في سبيل الله، فإن الدين إنما قام بالعلم والبيان، والقتال لمن نابذه وعارضه ولم يخضع لأحكامه. وأما الذكر فإن الاجتماع أيضاً على الذكر لا بأس به، ولكنه ليس الاجتماع الذي يفعله بعض الصوفية: يجتمعون جميعاً ويذكرون الله تعالى بصوت واحد أو ما أشبه ذلك، إنما لو يجتمعون على قراءة القرآن أو ما أشبه هذا، مثل أن يقرأ واحد والآخرون ينصتون له، ثم يديرون القراءة بينهم، فهذا ليس فيه بأس ولا حرج فيه.
***
(23/2)

بارك الله فيكم تسأل عن معنى وصحة الحديث الذي ما معناه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (فضل العالم على الجاهل يوم القيامة كفضلي على سائر الناس) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الظاهر لي أن هذا الحديث ضعيف، ولكن لا شك أن العالم لا يساويه الجاهل بأي حال من الأحوال؛ لقول الله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) .وقوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) . أما أن يفضله بهذا المقدار المعين فإن الحديث في ظني ضعيف ولم أكن أحرره. والله أعلم.
(23/2)

أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ هذا السائل ع. ع يقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ ما نصيحتكم لطالب علم اجتهد في إصلاح نيته واجتهد في الإخلاص، ولكنه لم يقدر، وهو خائف من أن تصدق عليه الأحاديث الواردة في الوعيد الشديد لمن كانت نيته ليست خالصة لله، ويوشك أن يترك طلب العلم. وجهونا في ضوء هذا السؤال مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن هذا السؤال سؤال مهم لطالب العلم، وذلك أن العلم عبادة من أفضل العبادات وأجلها وأعظمها،حتى جعله الله تعالى عديلاً للجهاد في سبيله،حيث قال تبارك وتعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) . فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يمكن للمؤمنين أن ينفروا في الجهاد في سبيل الله كلهم، ولكن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقه القاعدون في دين الله، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون،والآخرون يقاتلون في سبيل الله. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) . فإذا رأى الإنسان أن الله تعالى قد فقهه في دينه فليبشر أن الله تعالى أراد به خيراً، ويجب إخلاص النية لله في طلب العلم، بأن ينوي الإنسان في طلبه للعلم أولاً: امتثال أمر الله تبارك وتعالى؛ لأن الله تعالى قال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِله إِلاَّ اللَّهُ) . قال البخاري رحمه الله: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل.
ثانياً: أن ينوي بتعلمه حفظ شريعة الله،فإن الشريعة تحفظ في الصدور، وتحفظ في الكتاب المسطور.
ثالثاً: أن ينوي بتعلمه حماية شريعة الله من أعدائها؛ لأن أعداءها مسلطون عليها منذ بعث الرسول عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة، فلينوِ بطلب العلم حماية هذه الشريعة العظيمة.
رابعاً: أن ينوي بذلك المدافعة عن الشريعة إذا هاجمها أحد، وحينئذ يجب أن يتعلم من العلم السلاح الذي يدافع به، بل ينبغي أن نقول الذي يهاجم به أعداء الله، ويعامل كل أحد بالسلاح الذي يناسب حاله، والناس يختلفون في هذا الشيء: فمن الناس من يحاج في العقيدة،فيحتاج الإنسان إلى تعلم العقيدة التي يدافع بها العقائد الفاسدة ومن الناس من يهاجم الإسلام بالأخلاق السافلة، فيجب على الإنسان أن يتعلم الأخلاق الفاضلة، وأن يتعلم مساوئ الأخلاق السافلة وآثارها السيئة، وهلم جرًّا. كذلك أيضاً ينوي طالب العلم بطلبه العلم أن يقيم عبادة الله على ما يرضي الله عز وجل؛ لأن الإنسان بدون التعلم لا يمكن أن يعرف كيف يعبد الله، لا في وضوئه ولا صلاته ولا صدقته ولا صيامه ولا حجه. وأيضاً يدعو إلى الله سبحانه وتعالى بعلمه، فيبين الشريعة للناس ويدعوهم إلى التمسك بها. فالعلم في الحقيقة من أفضل العبادات وأجلها وأعظمها نفعاً، ولهذا تجد الشيطان حريصاً على أن يصد الإنسان عن العلم، فيأتيه مرة بأنه إذا طلب العلم يكون مرائياً لأجل أن يراه الناس ويقولوا: إنه عالم، فيستحسر ويقول: مالي وللرياء؟ أو يقول له: انوِ بطلبك العلم الشرعي شيئاً من الدنيا حتى يحق عليك الوعيد: (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله،لا يريد إلا أن ينال عرضاً من الدنيا،لم يرح رائحة الجنة) . ويأتيه بالأشياء الكثيرة التي تصده عن العلم. ولكن على المرء أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يمضي لسبيله، ولا يهتم بهذه الوساوس التي تعتري قلبه، وكلما ما أحس بما يثبطه عن العلم بأي وسيلة فليقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم،وليقل: اللهم أعني، وما أشبه ذلك. وأقول لهذا الطالب: امض لسبيلك، اطلب العلم، لا يصدنك الشيطان عن ذكر الله ولا عن طلب العلم، واستمر وأنت سوف تلاقي صعوبة ومشقة في تصحيح النية ولكن تصحيح النية، أمر سهل فامض أيها الشاب في سبيلك، واستعن بالله عز وجل، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم.
***
(23/2)

السائلة أم هشام من جدة تقول معلمة تدرس القرآن الكريم، وسبب تدريسها هو ترشيح الإدارة المدرسية لها لشدة حاجة المدرسة للمعلمات، وأخرى تدرس من أجل المال، فليس لديهن النية التي يقرأن ويسمعن عنها من ابتغاء وجه الله عز وجل، فهل تثابان على هذه النية أم عليهما وزر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يمتنع أن يريد الإنسان بتعليم القرآن ما يحصل له من مكافأة وما يرشح له من عمل، مع إخلاص النية لله تعالى، فتكون النية مركبة من هذا، ومن هذا وقد قال الله تعالى في الحج: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) يعني:بالتجارة. فأشير على هاتين المرأتين أن تجعلا الأصل هو منفعة الدارسات وتعليمهن كتاب الله عز وجل، وهذا لا يفوت عليهما المكافأة، ولا القيام بما رشحتا له.
***
(23/2)

حدثونا عن أهمية العلم الشرعي بالنسبة لطالب العلم، وما هي الطريقة المثلى لطالب العلم الشرعي، وماذا يجب عليه في حفظ القرآن الكريم،وكيف نستطيع أن نفهم العقيدة الإسلامية، خاصة إذا كان الشخص وحيداً وليس لديه ما يساعده على ذلك في مسألة الصفات والأسماء لله عز وجل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: طلب العلم الشرعي فرض على كل مسلم، لكنه على قسمين: الأول: فرض عين، والثاني: فرض كفاية. أما فرض العين:فيجب على كل مسلم أن يتعلم من شرع الله ما يحتاج إلى فهمه، فمثلاً إذا كان عنده مال يجب عليه أن يتعلم ماهي الأموال التي تجب فيها الزكاة؟ وما مقدار الزكاة الواجبة؟ وما شروطها؟ ومن المستحقون لها؟ ليعبد الله تعالى على علم وبصيرة إذا كان تاجراً فعليه أن يتعلم من أحكام تجارته ما يستعين به على تطبيق التجارة على القواعد الشرعية، وإذا كان ناظراً على الأوقاف فيجب عليه أن يتعلم من أحكام الأوقاف ما يستعين به على أداء مهمته، وهلم جرًّا.
أما فرض الكفاية فهو ما عدا ذلك من العلوم الشرعية، فإن على الأمة الإسلامية أن تحفظ دينها بتعلم أحكامه، وعلى هذا فكل طالب علم يعتبر أنه قائم بفرض كفاية يثاب على طلبه ثواب الفريضة، وهذه بشرى سارة لطلاب العلم أن يكونوا حال طلبهم قائمين بفريضة من فرائض الله عز وجل، ومن المعلوم أن القيام بالفرائض أحب إلى الله تعالى من القيام بالنوافل، كما ثبت في الحديث الصحيح القدسي أن الله تبارك وتعالى قال: (ما تقرب إلي عبدي بشي أحب إلي مما افترضت عليه) . وأما كيفية الطلب: فيبدأ الإنسان بما هو أهم، وأهم شيء هو علم كتاب الله عز وجل وفهمه؛ لقول الله تبارك وتعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمُ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ) .أي: إنه وبخهم عز وجل لعدم تدبرهم كلام الله عز وجل وقال تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) . وقال الله تبارك وتعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) . والتدبر يعني تفهم المعنى، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل. ثم بعد ذلك ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريراته، ثم ما كتبه أهل العلم مما استنبطوه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى رأسهم وفي مقدمتهم الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم خير القرون بنص الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم أقرب الناس إلى فهم كتاب الله وفهم سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وليبدأ في المتون بالمختصرات قبل المطولات؛لأن طلب العلم كالسلم إلى السقف،يبدأ فيه الإنسان من أول درجة، ثم يصعد درجة درجة حتى يبلغ الغاية، وقولي حتى يبلغ الغاية ليس معناه أن الإنسان يمكن أن يحيط بكل شي علماً هذا لا يمكن: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) حتى ينتهي العلم إلى الله عز وجل، ولكن يبدأ بالأهم فالأهم، ويبدأ بالمختصرات قبل المطولات. وخير ما نراه في باب الأسماء والصفات من الكتب المختصرة العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنها عقيدة مختصرة سهلة جامعة نافعة، أكثر ما جاء به في صفات الله من القرآن الكريم وأما كيف تستعمل هذه الأدلة؟ فإن الطريق الصحيح والمنهج السليم فيها أن يجريها الإنسان على ظاهرها اللائق بالله عز وجل، فيجريها على ما يدل عليه ظاهرها، لكن من غير تمثيل ولا تكييف فإذا قرأ قول الله تعالى يخاطب إبليس: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) آمن بأن لله يدين اثنتين حقيقة لا مجازاً، لكن لا يجوز أن يقول: كيفيتهما كذا وكذا، ولا أن يقول: إنهما مثل أيدي المخلوقين، يعني: لا يمثل ولا يكيف. وكذلك إذا قرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من قلب من قلوب بني آدم إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن) فيثبت لله عز وجل أصابع حقيقية، ولكن لا يمثل ولا يكيف،فلا يقول إن أصابع الله عز وجل كأصابع المخلوق، ولا يكيف صفة معينة يقدرها في ذهنه لهذه الأصابع ودليل هذا أن الله سبحانه وتعالى خاطبنا في القرآن باللغة العربية، فما دل عليه اللفظ بمقتضى اللغة العربية فهو ثابت؛ لقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) . وقوله تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بلسانٍ عربي مبين) فبين الله تعالى أنه أنزل القرآن وصيره باللغة العربية من أجل أن نعقله ونفهمه، وهذه هي القاعدة في إرسال الله تعالى الرسل: يرسلهم الله تعالى بلغة أقوامهم ليبينوا لهم، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) . فنجري آيات الصفات على ما تقتضيه اللغة العربية، لكننا لا نمثل ولا نكيف: أما عدم التمثيل فلأن الله تعالى نهانا أن نضرب له المثل، فقال: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) . وأخبرنا عز وجل أنه لا مثل له، فقال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) ، وقال تعالى: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) . وبهذه الآيات يتبين أنه لا يحل لنا أن نمثل بصفات الله عز وجل وأما امتناع التكييف بأن نقول: كيفية يده كذا،كيفية أصابعه كذا،فلقول الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) ، ولقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) . ومن المعلوم أن الله تعالى أخبرنا عن صفاته ولم يخبرنا عن كيفيتها، فإذا حاولنا أن نكيف صرنا ممن افترى على الله كذباً،هذه هي القاعدة في باب أسماء الله وصفاته. فلو قال لك قائل: المراد باليدين النعمة أو القدرة، فبكل سهولة أنت قل: هذا باطل؛ لأن هذا خلاف مدلولهما في اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية، ولا نقبل هذا التحريف إلا بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله أو أقوال السلف. وإذا قال لك قائل: المراد باستواء الله على العرش استيلاؤه عليه. فقل: هذا باطل؛ لأن الاستواء على الشيء لا يعني الاستيلاء عليه في اللغة العربية،والقرآن نزل باللغة العربية، ومعنى الاستواء على الشيء في اللغة العلو عليه علوًّا خاصًّا،ليس العلو المطلق العام الشامل. وإذا قال لك قائل: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) أي: يبقى ثواب الله. فقل: هذا باطل؛ لأن الله وصف الوجه بالجلال والإكرام فقال: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ) وذو صفة الوجه، ومعلوم أن الثواب لا يوصف بأنه ذو الجلال والإكرام، وسر على هذا المنهج تسلم من البدع الضالة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من البدع، قال: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) . والعجب أن هولاء المحرفين الذين يقولون: المراد باليد النعمة أو القدرة، والمراد بالوجه الثواب،والمراد بالاستواء الاستيلاء، يدعون أنهم فعلوا ذلك تنزيهاً لله عما لا يليق به، وفي الحقيقة أنهم بفعلهم هذا وصفوا الله بما لا يليق به، فقد أخبر عن شيء هو في نظرهم غير صحيح،فيكون في كلام الله إما الكذب وإما التلبيس والتعمية على الخلق،الله عز وجل يقول: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) . ويقول عز وجل: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . فالله عز وجل قد بين لنا في القرآن كل شيئ، ولا سيما ما يتعلق بأسمائه وصفاته،فقد بينه الله تعالى بيانًا كافيًا شافيًا لا يحتاج إلى أقيسة هؤلاء التي يدعونها عقلية وهي خيالات وهمية. ثم إني أنصح من أراد طلب العلم أن يختار شيخًا له موثوقا في علمه وموثوقًا في دينه، سليم العقيدة سليم المنهج مستقيم الاتجاه؛ لأن التلميذ سيكون نسخة من أستاذه، فإن وفق الله له أستاذًا سليمًا مستقيمًا صار على نهجه، وإن كانت الأخرى فسينحرف كما انحرف أستاذه. فإذا قدر أنه لا يستطيع الوصول إلى مثل هذا الأستاذ الموصوف بما ذكرنا، فقد اتسع الأمر ولله الحمد في الآونة الأخيرة، وصارت أصوات العلماء تصل إلى أقصى الدنيا عبر الشريط، فيمكنه أن يقرأ على الأستاذ بما يسمعه من الشريط، ويقيد ما يشكل عليه من الكلام ويراجع به الأستاذ المتكلم، إما عن طريق الهاتف أو عن طريق الفاكس أو عن طريق المكاتبة، كل شيء متيسر ولله الحمد، ومعلوم أن تلقي العلم عن الشيخ أقرب إلى التحصيل، وأسرع وأسلم من الزلل، ولهذا نجد الذين يعتمدون على مجرد قراءة الكتب يحصل منهم الخطأ الكثير، ولا يصلون إلى الغاية من العلم إلا بعد زمن طويل، لكن عند الضرورة لا بأس أن تستند إلى الكتب وإلى الأشرطة وما أشبه ذلك، بشرط أن تكون هذه الأشرطة والكتب عن مأمون في علمه ودينه ومنهجه.
***
(23/2)

بارك الله فيكم يا فضيلة الشيخ هذه الرسالة وصلت من ليبيا المستمع مفتاح موسى يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما هي الطريقة المثلى التي يمكن بها لطالب العلم دراسة الفقه الإسلامي؟ وهل من الممكن الاعتماد على الكتب ودراستها دون استشارة وطلب الشرح من الفقهاء والعلماء؟ أرجو التوضيح مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. طلب العلم له طريقان: الطريق الأول: تلقي العلم من المشايخ، والطريق الثاني: مراجعة الكتب. لكن الطريق الأولى يجب أن يكون الشيخ الذي يتلقى منه العلم شيخاً مأموناً في علمه، ومأموناً في دينه، في العقيدة وفي العمل؛ لأن بعض المشايخ يدعي المشيخة وينصب نفسه معلماً ومفتياً، وهو جاهل لا يعرف من العلم إلا الشيء اليسير، فيضل الناس بغير علم لكن إذا كان الرجل معروفاً بالاستقامة والعلم والدين والأمانة،وسلامة العقيدة وسلامة الفكر فهذا يتلقى منه العلم. وطريق التلقي عن العلماء أسهل من طريق قراءة الكتب؛لأن العالم كالمجهز للطعام يعطيك الطعام مطبوخاً منتهياً، فيكون تلقي العلم من طريقه أقصر، ولأن العالم إذا تلقيت من عنده علمك كيف تتلقى العلم؟ كيف تستنبط الأحكام من الأدلة؟ كيف الترجيح بين أقوال العلماء؟ وما أشبه ذلك. أما التلقي من الكتب فهذا يصار إليه عند الضرورة، إذا لم يجد الإنسان عالماً في بلده يثق به علماً وديناً وخلقاً وفكراً، فحينئذٍ ليس له طريق إلا التلقي من الكتب، ولكن التلقي من الكتب طريقٌ طويل يحتاج إلى جهدٍ كبير، ويحتاج إلى تأنٍّ ويحتاج إلى نظر، ويحتاج أيضاً إلى مطالعة كتب الفقهاء عموماً؛ لأنك لو اقتصرت على مطالعة كتب فقهٍ معين فربما يكون عند الفقهاء الآخرين من الأدلة ما ليس عند هذا، فالطريق طويل ولهذا أطلق بعض الناس أن من كان دليله كتابه،كان خطؤه أكثر من صوابه. ولكن هذا ليس على إطلاقه: فإن من العلماء من تلقوا العلم من الكتب، ويسر الله لهم الأمر، وبرعوا في العلم وصاروا أئمةً فيه. أما كيف يتلقى العلم فنقول: ينظر إلى أقرب المذاهب إلى الحق فيأخذ به ويتفقه عليه، ولكن لا يعني ذلك أن لا يأخذ بما دل عليه الدليل من المذاهب الأخرى، بل يأخذ بالدليل ولو كان خلاف المذهب الذي اعتنقه، ولست بذلك أدعو إلى التقليد، ولكني أدعو إلى أن يكون للإنسان طريقٌ معين يصل إلى الفقه منه، ولا يجعل العمدة كلام العلماء، بل العمدة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم،وهذا لا يضر أن أتفقه مثلاً على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وعلى قواعد هذا المذهب،وإذا تبين لي الصواب،في مذهبٍ آخر أخذت بالصواب كما هي طريق شيخ الإسلام ابن تيمية، وطريق الشيخ محمد بن عبد الوهاب،وغيرهما من العلماء المحققين البارزين،وهذا لا يعني أن لا أتفقه على الكتاب والسنة، أنا أتفقه على الكتاب والسنة. لكن أجعل لي شيئاً أعبر منه إلى الكتاب والسنة وعلى هذا فنقول:إذا اخترت مثلاً مذهب الإمام أحمد بن حنبل ففيه كتبٌ مختصرة وكتب متوسطة وكتب مطولة، فاحفظ أولاً الكتب المختصرة في هذا المذهب، ثم إن كان لديك عالم تتلقى العلم منه فاقرأ هذا الكتاب عليه بعد أن تحفظه، وهو يبين لك معانيه ويشرحه لك، وإذا كان عنده سعة علم بين لك الراجح والمرجوح، وبين لك مآخذ العلماء،وحصلت على خيرٍ كثير، ولكن لا تخلِ نفسك من كتب الحديث: احفظ من كتب الحديث ما تيسر، فإن تيسر لك أن تحفظ بلوغ المرام من أدلة الأحكام فهذا حسنٌ جداً، وإن لم يتيسر فعمدة الأحكام، حتى يكون لك نصيب من الأدلة تعتمد عليه، وهذا كله بعد حفظ كتاب الله عز وجل وتفهم معانيه؛لأنه هو الأصل، فصار هذا الترتيب الذي ذكرته هو من أحسن ما يتمشى عليه طالب العلم فيما أرى. والله الموفق.
***
(23/2)

يقول فضيلة الشيخ أرجو إيضاح المنهج الصحيح لطالب العلم المبتدئ وكذلك إيضاح الكتب التي يبدأ فيها طالب العلم جزاكم الله خيرًا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المنهج الصحيح لطالب العلم مبتدئاً -كان أو راغبًا أو منتهياً- هو أن يسير في عقيدته وأقواله وأفعاله وأخلاقه على ما علمه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن ثمرة العلم هو العمل به، والعلم إذا لم يعمل به من أعطاه الله إياه صار وبالاً عليه؛ لأنه بالعلم قامت عليه الحجة، وتبينت له المحجة فإذا عاند وخالف صار علمه حجة عليه ووبالاً عليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (القرآن حجة لك أو عليك) . وعلى طالب العلم المبتدئ والراغب والمنتهي أن يظهر أثر علمه عليه: في الوقار والسمت الحسن والخلق الجميل،حتى يكون محترماً بين الناس معظماً فيهم؛ لأن كلمة المحترم المعظم تزن ألف كلمة من المستهان به، إن قبلت الكلمة من المستهان به، وعلى طالب العلم أن يبلغ ما علمه من شريعة الله؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (بلغوا عني ولو آية) . فالعلماء ورثة الأنبياء، والوارث يجب أن يكون على هدي الموروث؛ لأن الوارث يحل محل الموروث فيما ترك، فكما أن المال إذا مات صاحبه انتقل المال نفسه إلى ورثته، كذلك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا ماتوا انتقل ميراثهم وهو العلم إلى من بعدهم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، وعلينا أن نسلك ما سلكه الرسل عليهم الصلاة والسلام في هداية الخلق ودعوتهم إلى الحق، فطالب العلم المبتدئ والراغب والمنتهي عليه مسؤولية في نشر علمه ودعوة الخلق إلى الحق، وعلى طالب العلم المبتدئ والراغب والمنتهي، عليه ألا يقع في قلبه حسد لأحد، فإن الحسد من أخلاق اليهود،وهو خلق ذميم، وأول ما يتضرر به صاحبه؛ لأنه كلما رأى نعمة الله على أحد احترق قلبه وضاقت نفسه، ولم ير نعمة الله عليه في شيء، بل ربما يتدرج به الحسد إلى أن يشعر بنفسه أن الله قد ظلمه،حيث أعطى فلاناً ما لم يعطه، وقد أنكر الله هذا على أولئك الحسدة في قوله: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) . وليعلم الحاسد -من طالب العلم وطالب المال وطالب الولد- أن حسده لا يمكن أن يمنع فضل الله على المحسود، وليسترشد بما أرشد الله إليه في قوله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) . فإذا رأى من فاقه علمًا ودينًا وولدًا ومالًا فليعلم أن ذلك من فضل الله، وليسأل الله من فضله، الذي أعطى هذا فليعطك، وأما كونك تحسده وتكره ما أنعم الله به عليه فهذا خطأ في التصور، وسفه في العقل، وضلال في الدين.
أما الكتب التي أنصح بها طالب العلم: فأولها كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد الذي أكد الله عز وجل أنه يسره للذكر، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) . فليتجه الإنسان طالب العلم إلى القرآن الكريم حفظًا وتلاوة، وتدبرًا وفهماً، وعملاً بما دل عليه، حتى ينال بذلك سعادة الدنيا والآخرة،وليحرص على مراجعة كتب المفسرين الموثوقين في علمهم وأمانتهم؛ لأن مشارب المفسرين في القرآن الكريم مختلفة، ومنها ما هو ضلال، فيحاول من كان هذا مشربه إلا أن يُحرِّف نصوص القرآن إلى ما يعتقده،مثال ذلك: قال الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) . وقد ذكر الله تعالى استواءه على عرشه في سبعة مواضع من القرآن الكريم وكلها بلفظ استوى على العرش، والاستواء على الشيء معلوم في اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم،كما قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) . وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) . وقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) . وفي اللغة العربية: الاستواء إذا تعدى بعلى فإن معناه العلو على الشيء، كما قال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ) . فاستواء الله على عرشه علوه عليه على وجه يختص به ويليق به جل وعلا، ولكننا لا نعلم كيفيته؛لأن الله تعالى أخبرنا أنه استوى على عرشه، ولم يخبرنا كيف استوى. ولهذا لما سأل رجل الإمام مالكاً رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ أطرق مالك برأسه حتى جعل يتصبب عرقاً من شدة ما نزل عليه من هذا السؤال،ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وقال: ما أراك إلا مبتدعاً، ثم أمر به فأخرج من المسجد النبوي؛ لأنه سأل عن شيء لا يسعه إلا السكوت عنه، فإن الصحابة لم يسألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهم أحرص منا على معرفة صفات الله عز وجل، وأشد منا تعظيماً لله، وأشد منا حبًّا للعلم، وعندهم من إذا سألوه فهو أجدر بالإجابة منا، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يسألوه. يوجد من المفسرين من يفسر (استوى على العرش) أي: استولى عليه ومَلَكه وقَهَره بقوة السلطان والسيطرة، ولا شك أن هذا معنى باطل، مخالف لما تقتضيه دلالة القرآن الكريم ولما كان عليه السلف الصالح وأئمة المسلمين، فمثل هذا التفسير يجب أن يحترز الإنسان منه وألا يغتر؛ به لأن هذا التفسير قد يصاغ بأسلوب بياني يملك شعور الإنسان، حتى يصدق به مع كونه تحريفًا لكتاب الله. والأمثلة على هذا كثيرة منهم من يحاول صرف الآيات الكريمة إلى معتقده، ومنهم من يحاول صرفها إلى مذهبه الفقهي، ومنهم من يحاول صرفها إلى مذهبه النحوي فيقول: هذا شاذ وهذا غير قياسي وما أشبه ذلك. الخلاصة أني أقول: أهم كتاب يعتني به طالب العلم كتاب الله عز وجل، لكن ليكن تلقيه لمعاني كتاب الله عز وجل من الكتب الموثوقة في التفسير التي قام بتأليفها علماء موثوقون في علمهم وفي دينهم وفي أمانتهم، ثم بعد ذلك ما صح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويبتدئ بالمختصرات مثل كتاب عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، ثم بلوغ المرام للحافظ ابن حجر العسقلاني، ثم المنتقى من أخبار المصطفى للمجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعد هذا المختصرات الفقهية كزاد المستقنع في الفقه الحنبلي، وما يشابهه من المختصرات الفقهية في المذاهب الأخرى، ولكن لا نجعل هذه الكتب الفقهية التي ألفها علماء دليلًا يحتج به؛ لأن كلام العلماء رحمهم الله مهما بلغوا في العلم يحتاج أن يحتج له، وليس دليلًا يحتج به، فأقوال العلماء يحتج لها ولا يحتج بها، لكنها لا شك أنها مما يستأنس به ويستشهد به فإذا تمكن الإنسان من هذه الكتب الفقهية، ويسر الله له شيخًا يبين له معناها، ويبين الراجح من المرجوح، فإنه يحصل على خير كثير. وإنني أحث طلبة العلم على الاعتناء بالأصول والقواعد؛ لأنها هي العلم حقيقة، أما أفراد المسائل فهي- وإن كانت علمًا- لكنها لا تعطي الإنسان ملكة يستطيع بها أن يعرف الراجح من المرجوح والصحيح من الضعيف، وأسأل الله تعالى أن يكثر من أمثال هذا السائل في جامعاتنا.
***
(23/2)

يقول السائل: ما هي المراحل التي ينبغي على طالب العلم أن يسير عليها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: المراحل التي ينبغي لطالب العلم أن يسير عليها في تحصيل العلم أن يبدأ أولًا بكتاب الله عز وجل، فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ثم بما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وليسلك في ذلك أخصر ما يكون ما دام في ابتداء الطلب، ثم إذا ترعرع في الطلب واشتد ساعده بدأ يترقى إلى الكتب الكبيرة التي فيها ذكر الآراء والمناقشة فيها، وليكن مرجعه في ذلك شيخه الذي يدرس عليه، فالشيخ هو الذي يوجه التلميذ فيما يقرأ وفيما لا يقرأ.
***
(23/2)

يقول السائل: طالب العلم هل يبدأ بحفظ القرآن الكريم أم بقراءة كتب العلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا والله، يبدأ بحفظ القرآن حفظ القرآن، لا شيء قبله مما يحفظه الإنسان؛ لأن القرآن كلام الله، وتلاوته عبادة،وتدبره عبادة، والعمل بما يدل عليه عبادة، وتصديق خبره عبادة، فهو أفضل الكتب المنزلة من الله عز وجل، وأفضل من الكتب المؤلفة من الناس ولا سواء، فليبدأ الإنسان بحفظ القرآن الكريم،ثم بما صح من سنة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كعمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله، فإنه كتاب مختصر جداً في الأحكام،ثم بما تيسر له من كتب أهل العلم في العقيدة وغيرها.
***
(23/2)

جزاكم الله خيرًا فضيلة الشيخ السائل أبو عبد الله سعيد يذكر في رسالته ويقول: يبلغ من العمر الثامنة والعشرين، وقبل هذا الوقت يقول: كنت مسرفاً على نفسي، ولكن هداني الله عز وجل والحمد لله، وأريد أن أتعلم العلم الشرعي وأتفقه في الدين، فهل فات الوقت بالنسبة لسني؟ وكيف السبيل لتحصيل ذلك العلم؟ خاصة وأنا أعمل هنا تقريبًا في اليوم كله؟ فأرجو من فضيلة الشيخ أن يضع جدولًا لمن هم في مثل حالتي، وجزاكم الله خيرًا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول الحمد لله الذي هداه وأسأل الله لي وله الثبات على الحق أما فيما يتعلق بسنه فإنه لم يفت الأوان والحمد لله الإنسان لا يفوت أوانه واستعتابه وتوبته إلا إذا حضره الموت، ومادام في زمن الإمهال فإنه لا يفوته شيء. أما فيما يتعلق بطلبه العلم الشرعي مع كونه مشغولًا كل اليوم: فبإمكانه أن يستحضر رسائل أو أشرطة يستمع إليها من أهل العلم الموثوقين في علمهم وأمانتهم، ويحصل على ما تيسر.
***
(23/2)

بارك الله فيكم هذا يقول في سؤاله: تعلم العلم الشرعي هل يقتصر على المواد الشرعية فقط، أم يدخل بذلك بعض العلوم؟ أرجو منكم الإفادة في سؤالي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: العلوم الشرعية داخلة في العلم الشرعي، وتعلمها تعلم شرعي لا إشكال في هذا، أما بقية العلوم فينظر: إن كانت تُعين على العلم الشرعي فإنها من العلوم النافعة التي ينتفع بها الإنسان في التقوي على معرفة العلوم الشرعية، مثل علم النحو والبلاغة، وإن كانت لا تساعد على العلوم الشرعية نظرنا: إن كانت نافعة في الدنيا فهي من الأمور المباحة إن كان النفع لا يتعدى للغير، وهي من الأمور المطلوبة إن كان النفع يتعدى إلى الغير وإن كانت ضارة فهي محرمة، وإن كانت لا ضارة ولا نافعة فهي من اللغو الذي ينبغي للعاقل أن يتجنبه.
***
(23/2)

أيهما أفضل: الدراسة لكي ينال الشخص الشهادة، أم التعليم الديني فقط وحفظ القرآن ودروس العقيدة؟ وجهونا في ضوء هذا السؤال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يمكن للإنسان أن يجمع بين هذا وهذا، فيقرأ في المدارس والمعاهد والكليات النظامية، ويقرأ على المشايخ في المساجد ويحفظ القرآن ولا منافاة، وفي الوقت الحاضر أرى أنه لابد من أن ينال الإنسان الشهادة؛ لأن الوظائف الآن أصبح ميزانها تلك الشهادات، ولا يمكن أن يتوصل الإنسان إلى منزلة ينفع بها المسلمين النفع المطلوب إلا بالشهادات، حتى يتمكن من أن يكون مدرسًا في المعاهد والمدارس والجامعات، ويتمكن أن يكون قاضيًا من القضاة،ويتمكن أن يكون عضوًا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن المجالات الآن أصبحت مبنية على الشهادة،والإنسان إذا طلب العلم لينال الشهادة لهذا الغرض- أي: لينفع المسلمين بما يحصل له من الوظائف- فإن هذه النية لا تقدح في الإخلاص؛ لأنه اتخذ هذه الشهادة وسيلة وذريعة لنيل أمر مقصود شرعاً.
***
(23/2)

جزاكم الله خيرًا هل توجد فلسفة في الشريعة الإسلامية؟ وما هو الرد على من يدعي ذلك؟ وهل يجوز أن يدرس الطالب مثل هذا ويتعمق فيه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الفلسفة بحث يوناني مستقل، يتعمق فيه أصحابه حتى يؤول بهم إلى تحكيم العقل ورد ما جاء في الكتاب والسنة، والفلسفة على هذا الوجه منكرة لا يجوز الخوض فيها ولا الدخول فيها، وأما الفلسفة بمعنى الحكمة فهذه موجودة في الشريعة الإسلامية، والشريعة الإسلامية كلها مبنية على الحكمة قال الله تبارك وتعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) . لكنه لا ينبغي أن نقول عن الحكمة الشرعية: إنها فلسفة؛ لأن هذه الكلمة يونانية، بل نقول عن الحكمة الشرعية: إنها حكمة، وما من شيء في الشرع إلا معلل بالحكمة، لكن من الحكم ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه؛ لأن عقولنا قاصرة،وأعظم حكمة في الأحكام أن يكون الحكم ثابتاً بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأننا نؤمن بأن كل حكم ثبت في الكتاب والسنة فإنه حكمة، وامتثاله حكمة؛ لأن في امتثاله طاعة الله ورسوله وحصول الثواب والأجر. وعلى هذا فلو سألنا سائل عن حكمة شيء من الشرائع فإنه يكفيه إذا كان مؤمنًا أن يقال: هكذا قال الله ورسوله؛ لقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) . وقد كان هذا هو المنهج الذي يسير عليه الصحابة رضي الله عنهم، فقد (سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، فلماذا مع أن الصوم فرض والصلاة فرض،والصلاة أوكد من الصوم، ومع ذلك لا تقضى؟ والصوم يقضى فأجابت عائشة رضي الله عنها:بأن ذلك كان يصيبهن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيؤمرن بقضاء الصوم ولا يؤمرن بقضاء الصلاة) وهذا يعني أن الحكمة هي حكم الله ورسوله.
***
(23/2)

يقول السائل: كيف يعلم الأب أبناءه التوحيد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يعلمهم التوحيد كما يعلمهم غيره من أمور الدين، ومن أحسن ما يكون في هذا الباب كتاب ثلاثة الأصول لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، إذا حفظوه عن ظهر قلب وشرح لهم معناها على الوجه المناسب لأفهامهم وعقولهم صار في هذا خير كثير؛ لأنها مبنية على السؤال والجواب وبعبارة واضحة سهلة ليس فيها تعقيد، ثم يريهم من آيات الله ليطبق ما ذكر في هذا الكتاب الصغير: الشمس يقول: من الذي جاء بها؟ القمر، النجوم، الليل، النهار، ويقول لهم: الشمس من الذي جاء بها؟ الله. القمر؟ الله. الليل؟ الله. النهار؟ الله. كلها جاء بها الله عز وجل، حتى يسقي بذلك شجرة الفطرة؛ لأن الإنسان بنفسه مفطور على توحيد الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) . وكذلك يعلمهم الوضوء، كيف يتوضؤون بالفعل، يقول: الوضوء هكذا ويتوضأ أمامهم، وكذلك الصلاة، مع الاستعانة بالله تعالى، وسؤاله عز وجل الهداية لهم، وأن يتجنب أمامهم كل قول مخالف للأخلاق أو كل فعل محرم، فلا يعودهم الكذب ولا الخيانة ولا سفاسف الأخلاق، حتى وإن كان مبتلىً، بها كما لو كان مبتلىً بشرب الدخان فلا يشربه أمامهم؛ لأنهم يتعودون ذلك ويهون عليهم. وليعلم أن كل صاحب بيت مسؤول عن أهل بيته؛ لقوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً) (التحريم: من الآية6) . ولا يكون وقايتنا إياهم النار إلا إذا عودناهم على الأعمال الصالحة وترك الأعمال السيئة، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكد ذلك في قوله: (الرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته) .وليعلم الأب أن صلاحهم مصلحة له في الدنيا والآخرة، فإن أقرب الناس إلى آبائهم وأمهاتهم هم الأولاد الصالحون من ذكور وإناث. (وإذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) . نسأل الله تعالى أن يعيننا جميعاً على ما حملنا من الأمانة والمسؤولية.
***
(23/2)

يقول يا فضيلة الشيخ في هذا السؤال: هل يجب أن نتعلم الدين كله؟ وما هو الذي يجب أن نتعلمه من الدين؟ وهل صلاة الكسوف والخسوف وصلاة العيد وغيرها من الصلوات يجب أن نتعلمها أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يجب على الإنسان أن يتعلم كل ما يحتاجه من العلم: فإذا أراد أن يصلى مثلاً يجب أن يتعلم كيف يصلى، وإذا أراد أن يتوضأ يجب أن يتعلم كيف يتوضأ، لكن هذا التعلم يحصل بمشاهدة الناس وما يفعلون إذا كانوا من أهل العلم، ومن ثم نعرف أن من فوائد صلاة الجماعة أن يتعلم الجاهل من العالم. وأما ما لا يحتاجه الإنسان فإنه لا يلزمه أن يتعلمه، فلا نقول للفقير: يجب أن تتعلم أحكام الزكاة- أي: أحكام زكاة الأموال- ولا نقول لمن لا يستطيع الحج: يلزمه أن يتعلم كيف يؤدي الحج، لكن العلم على سبيل العموم فرض كفاية، بمعنى: أنه يجب على الأمة الإسلامية أن تحفظ دينها في جميع أحكامه، حتى لا تتلاعب به أيدي العابثين وتنطلق به ألسن المحرفين. أما صلاة الكسوف والخسوف فإنها سنة، وقال بعض أهل العلم: إنها واجبة، والغالب أن هذه الصلاة تفعل في المساجد ويتبع الناس فيها إمامهم، فما فعل الإمام يفعلونه. وليعلم أن الكسوف والخسوف معناهما واحد، لكن الغالب أن الخسوف يكون في كسوف القمر، وأن الكسوف يكون في خسوف الشمس، وإلا فمعناهما واحد. بقي أن يقال: متى تشرع صلاة الكسوف؟ والجواب على هذا: أنها تشرع إذا كسفت الشمس أو القمر بانحجاب بعض أجسامهما، وهذا قد يكون كلياً وقد يكون جزئياً، فتسن حينئذٍ الصلاة، فينادى لها: الصلاة جامعة، ويجتمع الناس إليها في المساجد، والأفضل أن تكون في الجوامع، أي: في المساجد التي تقام فيها الجمعة،حتى يكثر الجمع وتحصل الرهبة والخوف من الله عز وجل، ويصلىها الإمام ركعتين، في كل ركعة ركوعان وسجودان، ويطيل القراءة فيها جداً: فالقيام الأول الذي قبل الركوع الأول يكون طويلاً جداً، ثم يركع ركوعاً طويلاً جداً، ثم يرفع فيعيد القراءة: الفاتحة وما بعدها، ثم يركع ركوعاً طويلاً لكنه دون الأول، ثم يرفع ويحمد ويطيل بقدر الركوع، ثم يسجد ويطيل السجود بقدر الركوع، ثم يجلس بين السجدتين بقدر السجود، ثم يسجد للثانية كالأولى يطيلها، ثم يقوم إلى الركعة الثانية ويقرأ ويطيل، ولكنه دون الأول، ويركع ويطيل ولكنه دون الأول، ويرفع ويطيل ويقرأ، ثم يركع ركوعاً طويلاً ولكنه دون الأول، ثم يرفع ويطيل القيام بقدر الركوع، ثم يسجد ويطيل السجود بقدر الركوع، ثم يجلس بين السجدتين ويطيل الجلوس بقدر السجود، ثم يسجد ويطيل السجود بقدر السجدة الأولى، ثم يجلس ويتشهد ويسلم. وينبغي للإمام بعد ذلك أن يخطب للناس خطبة بليغة يعظهم فيها، إن تيسر له أن يخطب بما خطب به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهذا هو الأكمل، وإلا قال من عنده كلاماً يعظ الناس ويهز قلوبهم ويخوفهم بالله عز وجل، وإذا كان الإمام لا يستطيع أن يخطب وفي القوم من يستطيع ذلك طلب منه أن يقوم ويعظ الناس، وهذه الخطبة قيل: إنها خطبة الراتبة، يعني: أنها خطبة مشروعة كخطبة العيد بعد الصلاة، وقال بعض أهل العلم: بل هي من الخطب العارضة، والأقرب أنها من الخطب الراتبة، وذلك لأن الكسوف لم يقع في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا مرة واحدة وخطب، ولو أنه وقع مرة أخرى ولم يخطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقلنا: إنها عارضة، لكن لما خطب فالأصل أنها مشروعة، تأسياً برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأن المقام يقتضي ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وأنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله تعالى يخوف بهما عباده.
(23/2)

السائل عزوزي من الجزائر يقول في سؤالٍ له في هذه الرسالة ما هي الأمور الشرعية التي يجب على المؤمن أن يتعلمها مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأمور الشرعية التي يجب على الإنسان أن يتعلمها كل ما أوجب الله عليه من طهارةٍ وصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحج وبرٍ للوالدين وصلةٍ للأرحام، وغير ذلك مما يتعلق بأمور دينه، فيجب على الإنسان أن يتعلم أمور دينه قبل كل شيئ قال الله تبارك وتعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) .قال البخاري رحمه الله: فبدأ الله تعالى بالعلم. قبل العمل فمثلاً إذا أراد أن يتطهر الإنسان ويتوضأ للصلاة فلا بد أن يعرف كيف يتوضأ، يجب عليه أن يعرف كيف يتوضأ، وإذا أراد أن يصلى، يجب عليه أن يعرف كيف يصلى وماذا عليه لو أخل بكذا أو كذا، حتى يعبد الله تعالى على بصيرة، وهذا معنى قول الإنسان: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي: دلنا ووفقنا إلى الصراط المستقيم الذي يوصلنا إليك يا ربنا. أما مالا يحتاج إليه من الأمور: فلا يلزمه تعلمه إلا أن يكون فرض كفايةٍ عليه، يعني مثلاً تعلم المعاملات، تعلم البيع الصحيح والإجارة الصحيحة والرهن الصحيح والوقف الصحيح ليس بواجب على كل أحد، بل يجب على من أراد أن يتعامل بهذا، وأما غيره فلا يجب عليه إلا إذا قدرنا أنه ليس في العالم من يعرف هذا، فإنه يكون فرض كفاية ولم يقم به أحد، فيجب على الإنسان.
***
(23/2)

حفظكم الله السائل يقول: ما هي المسائل التي يجب تعلمها والعمل بها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يجب أن يتعلم الإنسان كل ما يحتاج إليه في دينه بدون حصر، فعلى الإنسان أن يتعلم كيف يتوضأ؟ كيف يصلى؟ كيف يصوم؟ كيف يحج؟ كيف يزكي إذا كان عنده مال؟ فكل ما يحتاج الإنسان إلى معرفته في الدين فإنه يجب عليه أن يتعلمه، هذه هي القاعدة،وهي واضحة. وأما ما لا يحتاج إليه فطلب العلم فرض كفاية، إذا اشتغل الإنسان به قام بفرض كفاية، وإن اكتفى بغيره من أهل العلم فذمته بريئة.
***
(23/2)

بارك الله فيكم يقول المستمع حامد إبراهيم: ما هي العلوم التي تعلمها فرض كفاية؟ وهل هناك علم يجب على المسلمين معرفته جميعاً أو أن يعرفوه جميعاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم حفظ الشريعة واجب على المسلمين عموماً، فلا بد أن يكون في المسلمين من يقوم بحفظ الشريعة. وأما الفرض على الأعيان فإنه يختلف: فقد يجب على شخص من العلوم ما لا يجب على شخص آخر، فمثلاً من كان عنده مال وجب عليه أن يتعلم من أحكام الزكاة ما يستعين به على براءة ذمته، ولكن هذا لا يجب على من ليس عنده مال، من كان يشتغل بالبيع والشراء وجب عليه أن يتعلم من أحكام البيع والشراء ما يصحح معاملاته، ومن ليس مشتغلاً بالبيع والشراء فإنه لا يجب عليه ذلك. فالمهم أن حفظ الشريعة بطلب العلم فرض كفاية على عموم المسلمين، وأما الفرض العيني فهذا يختلف باختلاف الناس، فقد يجب على شخص ما لا يجب على الآخر، كما سبق التمثيل به.
***
(23/2)

هذه السائلة تذكر بأنها شابة معاقة وتقول: قد انتهيت من المرحلة المتوسطة، وأرغب في العلم الشرعي بأسرع وقت، لذلك فإنني أفكر بترك الدراسة، وذلك لسببين: الأول: طلب العلم الشرعي، والثاني: لشدة إعاقتي، حتى لدرجة أنني أتعب تعباً شديداً في الذهاب إلى المدرسة، وإنني في حيرة من أمري: فالبعض من إخواني يقولون: اتركي الدراسة لترتاحي وتريحي غيرك، والبعض يقول: أكملي لكي تدخلي كلية الشريعة وتحصلى على العلم الشرعي الذي تريدينه فما مشورتكم يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن مشورتي أن تتفرغي لطلب العلم الشرعي، وهو حاصل والحمد لله اليوم بالاستماع إلى الأشرطة من العلماء الموثوقين في علمهم وأمانتهم، دون أن تكلفي نفسك وتكلفي غيرك، هذا ما أراه. فاستعيني بالله عز وجل، واحرصي على مراجعة العلوم الشرعية من أفواه العلماء بواسطة الهاتف، أو باستماع الأشرطة، أو الرسائل والكتب المفيدة. ونسأل الله تعالى أن يثيبك ويأجرك على ما أصابك، وأن يجعل ذلك رفعة في درجاتك وتكفيراً لسيئاتك.
***
(23/2)

هذه مستمعة من الحدود الشمالية رمزت لاسمها بـ د. ف. ش. ح رفحة تقول: مجموعة من النساء لا نستطيع أن نحضر إلى المساجد لسماع الندوات، فنضطر لشراء أشرطة المسجل لسماع هذه الندوات. سؤالي: هل ثواب السامع من الشريط هو نفس ثواب الجالس في المسجد مباشرة، من تنزل الملائكة عليهم وإحاطتهم بالرحمة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا، ليس الذين يستمعون إلى الأشرطة كالذين يحضرون إلى حلق الذكر ويشاركون الذاكرين في مجالسهم، ولكن السامعين للأشرطة لهم أجر الانتفاع وطلب العلم الذي يحصلونه من هذه الأشرطة، وكما قلت آنفاً: ما أكثر ما حصل من الهدى والاستقامة بواسطة هذه الأشرطة، والشريط- كما نعلم- خفيف المحمل سهل الاستفادة، فالإنسان يمكن أن يستمع إليه وهو في شغله، يمكن أن يستمع إليه في سيارته ماشياً في طريقه، ومن أجل ذلك كان لهذه الأشرطة فضل كبير من الله سبحانه وتعالى علينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذا التسهيل والتيسير.
***
(23/2)

بارك الله فيكم يقول المستمع أبو عبد الله بأنه يسكن مع والده، ويعمل في مدينة مجاورة ويتردد عليها يومياً، وأحياناً يقول: أفكر في السكن قرب عملي، ولأجل أن أحضر حلقات العلم في ذلك البلد. أرجو توجيه النصح لي وجزاكم الله خيرًا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان يشق عليه التردد إلى والديه في بلدهما فلا حرج عليه أن يتخذ مسكناً في البلد الذي يعمل فيه، ولكن إذا كان الوالدان مضطرين إلى وجوده عندهما فإنه يجب عليه أن يحاول الانتقال إلى البلد الذي فيه الوالدان، وإذا علم الله من نيته أنه يريد دفع ضرورة الوالدين بالانتقال فإن الله سييسر له الأمر؛ لقول الله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) . وإذا لم يمكن هذا فليعرض على والديه الانتقال إلى البلد الذي يعمل فيها؛ ليكون سكناهما معه، فيقوم بالوظيفة وبواجب والديه بدون تعب.
***
(23/2)

حفظكم الله في الحديث يا فضيلة الشيخ: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به) . هل يدخل في ذلك العلم علوم الدنيا كالفيزياء والكيمياء والرياضيات، أم هو مقيد بالشرعي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كل علمٍ يثاب عليه العبد ثم يعلمه الآخرين فإن المتعلمين منه يثابون عليه، وإذا أثيبوا عليه ناله من أجرٍ بعد موته ما يستحق،وأما ما لا ثواب في تعلمه فليس فيه أصلاً ثواب حتى نقول: إنه يستمر، فمثلاً علم التفسير والتوحيد والفقه وأصوله والعربية كل هذه علوم يثاب الإنسان عليها، فإذا علمها أحداً من الناس أثيب هذا المتعلم، فنال المعلم من ثوابه ما يستحقه.
***
(23/2)

أحسن الله إليكم هذا السائل كمال الدين من السودان ومقيم بالمملكة يقول: إنسانٌ يرغب في طلب العلم الشرعي، ولكنه كثير الشرود والفكر والتفكير والنسيان، ولا يحفظ بسهولة إلا بعد فترة تستمر كثيراً من الوقت، مع العلم بأنه يقضي وقته في الأشياء النافعة مثل الاستماع إلى الأشرطة الشرعية وإذاعة القرآن الكريم والمحاضرات، فبماذا توجهون مثل هذا مأجورين؟ بأي شيء يبدأ بالكتب؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول للأخ: لا ييأس من رحمة الله، وليثابر على طلب العلم، والشرود الذي يحصل له قد يرده الله عز وجل، وأنصحه أولاً أن يبدأ بكتاب الله عز وجل: يحفظه ثم يتدبره؛ ليعرف معانيه ثم يعمل به. ثانياً بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، كعمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، وهي مشهورة متداولة بأيدي الناس، ثم بكتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ثم بالعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية،الأول كتاب التوحيد فيما يتعلق بالعبادة، والثاني فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته والإيمان باليوم الآخر وغير ذلك، ثم بما عليه أهل بلده من الفقه، وليختر من العلماء من كان أوسع علماً وأتقى لله عز وجل؛ لأن من الناس من هو واسع العلم لكنه ضعيف التقوى، ومنهم من هو قوي التقوى ضعيف العلم، ليختر كثير العلم قوي التقوى بقدر المستطاع.
***
(23/2)

حفظكم الله تحدثتم مأجورين عن فضل التفقه في الدين، فكيف يتفقه الشاب في دينه ويطلب العلم الشرعي الموثوق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يتفقه في دينه على أيدي العلماء الموثوقين علماً وأمانة، فليلزم هؤلاء وليستمسك بغرزهم وليقتد بهم، ولا يلتفت يميناً وشمالا، ً حتى إذا كبر وبلغ درجةً من العلم يمكنه أن يفهم النصوص بنفسه، ويحمل مجملها على مبينها، ومطلقها على مقيدها وما أشبه ذلك، حينئذٍ يتصرف هو بنفسه بالأدلة على حسب ما آتاه الله من العلم.
***
(23/2)

جزاكم الله خيراً هل لطالب العلم أن يتخذ شيخًا معيناً يراجع معه، أو يتخذ أكثر من شيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن يتخذ شيخًا واحدًا ما دام في بداية الطلب؛ لأن المشايخ ربما تختلف آراؤهم في مسألة ما،وإذا كان هو صغيراً في ابتداء الطلب فإن ذلك يشوش عليه، فليتخذ شيخًا واحدًا فيما يريد قراءته عليه، ومن الممكن أن يتخذ شيخًا آخر لكن في فن آخر، مثلا: له شيخ في النحو، وله شيخ في الفقه، وله شيخ في العقيدة، وله شيخ في التوحيد، وما أشبه ذلك أما أن يتخذ شيخين في الفقه فلا أشير به،لا يتخذ شيخين في العقيدة، أما النحو فأمره سهل، حتى لو اتخذ شيخين واختلفا عليه ما يهم، لكن المهم مثل المسائل العملية الدينية، لا يتخذ شيخين في فن واحد؛ لئلا تختلف أقوالهما فيبقى متذبذباً. ومن ثم أقول لطالب العلم المبتدئ: لا يراجع كتب الخلاف، يعني لا يراجع مثلًا المغني أو المجموع للنووي، أو غيرهما مما يذكر فيه الخلاف ما دام في ابتداء الطلب؛ لأن الأمور تلتبس عليه ويبقى متذبذباً، وتختلط المعلومات فما دام في ابتداء طلبه فليلزم شيخاً واحداً وكتابا واحدا ولا يتخذ أكثر من شيخ في فن واحد.
(23/2)

من الجزائر السائل شرف الدين يقول في هذا السؤال: ما هي أحسن وسيلة لتلقي العلم النافع جزاكم الله خيرًا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الوسائل مختلفة،وهي كثيرة والحمد لله في وقتنا الحاضر، فمن الوسائل أن تتلقى العلم على شيخ مأمون في علمه ودينه، وهذه أحسن الوسائل وأقوى الوسائل وأقرب الوسائل إلى تحصيل العلم، ومنها أن تتلقى العلم من الكتب المؤلفة التي ألفها علماء مأمونون موثوقون في علمهم ودينهم، الثالث أن تستمع إلى الأشرطة المنشورة من العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم. هذه ثلاث طرق يمكن أن يحصل بها العلم، وأهم شيئ هو الاجتهاد والمثابرة وحسن القصد، فإن ذلك من أسباب حصول العلم.
***
(23/2)

بارك الله فيكم تقصدون فضيلة الشيخ الوسائل الموصلة للعلم الشرعي من أشرطة وإذاعة القرآن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أي نعم، قصدي من أشرطة بالنسبة للدروس التي تلقى عندهم في بلدهم لا في الإذاعة، أما الإذاعة فأمرها متيسر والحمد لله لكل أحد.
***
(23/2)

يقول: الكتب الدينية غالية مثل تفسير ابن كثير والصحيحين، فكيف للشباب أن يتفقهوا في دينهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مسألة كونها غالية هذا أمر نسبي في الحقيقة يختلف باختلاف أهل البلدان وباختلاف حال الشخص، ولكن هي موجودة ولله الحمد في المكاتب، فبإمكان الشاب الحريص أن يذهب إلى أي مكتبة ويجد بغيته هذه، وإذا لم يكن عنده مكتبة في بلده فإنه إن كان يستطيع أن يشتري فليشتر، وإلا فإنه يجوز أن يعطى من الزكاة ليشتري بها هذه الكتب التي يحتاجها في دينه.

***
(23/2)

المستمعة من الأردن عائشة تقول: ما هو علاج النسيان؟ سواء كان للقرآن الكريم، أو لغيره من العلوم الشرعية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: علاج النسيان التعاهد، يعني: تعاهد الإنسان ما حفظ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن نتعاهد القرآن وقال: (تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها) . فليتعاهد الإنسان ما حفظ، بأن يقرأه دائماً حتى لا ينساه، والنسيان غريزة،غريزة بمعنى أن بعض الناس يكون مجبولاً على عدم النسيان، يكون مجبولاً على سرعة الحفظ وبطء النسيان، ومن الناس من يكون سريع الحفظ سريع النسيان، ومنهم من يكون بطيئ الحفظ سريع النسيان،فيختلفون، فالأقسام أربعة بالنسبة لسرعة الحفظ والنسيان. ويكون النسيان أيضاً بسبب غير غريزي، ومن ذلك المعاصي، فإن المعاصي سبب للنسيان، قال الله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) . ويذكر أن الشافعي رحمة الله عليه قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي
وإذا كان هذا هو السبب- أعني: المعاصي- فإن دواء ذلك أن يتوب الإنسان من المعصية، وأن يقبل على الله، وأن يكون مهتماً بأموره التي يلزمه الاهتمام بها، سواء كانت خاصة به أم عامة، أما أن يشغل نفسه بما لا فائدة فيه فإن ذلك من اللغو، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) . وهذا التشاغل بما لا فائدة فيه هو من أسباب النسيان أيضا؛ ً لأن المعلومات والتذكرات تتراكم على الإنسان، فينسي بعضها بعضاً.
(23/2)

بارك الله فيكم هذا الشاذلي السيد جمهورية مصر العربية محافظة قنا يقول: فضيلة الشيخ أريد أن أحفظ القرآن، لكنني لا أعرف ما هي الطريقة التي أحفظ بها القرآن الكريم جزاكم الله خيرًا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الطريقة التي يحفظ الإنسان بها القرآن تختلف باختلاف حال الإنسان،وباختلاف حال المدرس الذي يسمع إليه، فلها طرق، منها: أن يحفظ الإنسان كل خمس آيات على حدة، ولا ينتقل إلى ما بعدها إلا إذا أتقنها تماما. ً ومنها: أن يحفظ صفحة كاملة ثم يعيدها، والمهم أن يسلك الإنسان في حفظ القرآن ما يناسبه، لكن يتعاهد القرآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها) . وتعاهد القرآن قد يكون في قراءة الإنسان لنفسه وحده، وقد يكون بمشاركة أحد زملائه، يتحافظ عليه، يمسك الزميل المصحف بيده وذاك يقرأ، ثم يأتي العكس. والمهم أن هذه مسائل ليس فيها نص يؤخذ به، وإنما أوكلت إلى حال الإنسان.
***
(23/2)

في نظركم يا شيخ محمد ما هي الطريقة المثلى لمن أراد أن يحفظ القرآن؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه تختلف بعض الناس يسهل عليه أن يحفظ القرآن على وجه كبير، يحفظ الصفحة كاملة، يرددها حتى يحفظ. وبعض الناس يحب أن يحفظ شيئاً يسيراً: أربعة أسطر أوخمسة أسطر، ثم ينتقل إلى أسطر أخرى، وكل على حسب مزاجه. ثم إنه ينبغي أن يتحفظ القرآن وهو على نوع من فراغ البطن؛ لأن حفظ القرآن على الشبع ربما يصعب حفظه ويسرع نسيانه.
***
(23/2)

يقول: إنني أحرص دائماً على قراءة القرآن الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنني قليل الحفظ، فما هي الطريقة التي تنصحونني بها كي أحفظ كتاب الله؟ أرشدوني بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أسباب الحفظ أولا: ً أن يبادر الإنسان به في حال صغره؛ لأن الحفظ في الصغر -كما قيل- كالنقش على الحجر والإنسان الآن الكبير يتذكر أشياء مرت عليه في صغره ولا يتذكر أشياء مرت عليه عن قرب، فهذا أول سبب يكون به الحفظ.
ثانياً: المتابعة والدراسة وتعاهد ما حفظ، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بتعهد القرآن، وقال عليه الصلاة والسلام: (إنه أشد تفلتاً من الإبل في عقلها) .
ثالثاً: أن يكون دائماً مرتبطاً نفسياً بما حفظه، بحيث لا يغيب عن ذهنه، وبحيث يعرف ويشعر نفسه بأنه ملزم بهذا الذي حفظه من العلم، من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال أهل العلم. رابعا: ً أن يكون على جانب كبير من الإيمان بالله عز وجل وتقوى الله سبحانه وتعالى، فإن هذا من أكبر أسباب الحفظ، يقول الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) . ومن الحكم المأثورة: قيدوا العلم بالعمل، فالعمل بالعلم من أسباب حفظه وربطه، فإذا كان الإنسان كثير المعاصي فإن المعاصي توجب النسيان، قال الله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) . فالمعاصي سبب كبير من أسباب النسيان، كما أن الطاعات والإيمان سبب كبير من أسباب الحفظ، ومما يؤثر عن الشافعي رحمه الله أنه قال:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي
ومن عمل بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم.
***
(23/2)

بارك الله فيكم تقول: أريد أن أحفظ من كتاب الله ما يتيسر، وأريد منكم توجيهي إلى الطريقة الصحيحة (حتى يكون) حفظي كاملاً لا أنساه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أفضل الطرق لبقاء حفظ الإنسان للقرآن ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو: تعاهد القرآن، تعاهد قراءته، يقرؤه الإنسان كل يوم في الصباح والمساء؛ وفي الليل لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها) . ومنها أن يدعو الله سبحانه وتعالى بإمساك القرآن عليه حتى لا يتفلّت منه، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) .
***
(23/2)

أحسن الله إليكم يا فضيلة الشيخ الأخت السائلة من منطقة عسير تقول: أريد أن أحفظ القرآن في المدرسة الخاصة بتحفيظ القرآن، لكن ظروفي لا تسمح لي بذلك، أريد منكم حفظكم الله الطريقة الصحيحة لحفظه في المنزل، وهل إذا حفظت القرآن بدون تجويد أو فهمٍ لمعانيه هل فيه شيء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الطريق إلى ذلك أن الإنسان يحفظ خمس آيات حتى يتقنها، ثم خمس آيات حتى يتقنها، ثم خمس آيات حتى يتقنها، فإذا أتم جزءًا كاملاً عاد فتعاهد ما حفظه حتى يعلم أنه لم ينسه، ثم يأخذ في الجزء الثاني كما أخذ في الجزء الأول، حتى ينتهي من القرآن، ولا يشترط أن يكون بالتجويد ولا أن يعرف معناه، التجويد ما هو إلا تحسينٌ للفظ وليس بواجب، والمعنى يمكنه بعد أن يكمل الحفظ ويكبر أن يقرأ من التفاسير المأمونة الموثوقة ما ينتفع به.
***
(23/2)

ما هي أفضل طريقة ترونها لحفظ القرآن الكريم؟ وهل يجوز أن أقرأ جزءاً معيناً مثل الجزء السادس والعشرين لكي أحفظ ذلك وأترك باقي القرآن؟ أفيدوني مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الطريقة المثلى لحفظ القرآن الكريم أن تحفظه وأنت صغير السن؛ لأن صغير السن يسهل عليه الحفظ وليس فيما بعد، ففي حفظ القرآن حال الصغر فائدتان: الفائدة الاولى: سهولة الحفظ، والفائدة الثانية: رسوخ المحفوظ في القلب بحيث لا ينساه، هذا بالنسبة للسن الذي ينبغي أن يحفظ القران فية. أما الوقت فأحسن ما يكون في أول النهار، إذا صلىت الفجر أن تقرأ القرآن فيه لتحفظه. وأما كيفية الحفظ فالناس يختلفون: فمن الناس من يقرأ خمسة أسطر مثلًا فيحفظها، ثم يعيدها مرة بعد أخرى حتى ترسخ في قلبه، ثم ينتقل إلى خمسة أسطر أخرى، وهكذا، وكلما أنهى خمسة أسطر حفظ ما بعدها، ومن الناس من يقرأ صفحة كاملة ويكررها ثم يحفظها، ومن الناس من يأخذ أكثر من هذا.المهم أن هذا -أعني كيفية الحفظ- يرجع الى شخص الانسان وهو يعرف من نفسه ما هو أهون عليه. ويجوز أن تقتصر على حفظ جزء معين في وسط القرآن ولا حرج عليك، لكن احرص على أن تبدأ من أول القرآن حتى تكمله.
***
(23/2)

هذا أخوكم في الله ع ع الرياض يقول: فضيلة الشيخ أنا أتعلم القرآن من الأشرطة، والذي أتعلمه بعد صلاة العصر أتلوه بعد صلاة الفجر، هل هذا العمل جائز؟ أم لا؟ أفتونا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل جائز، أعني أنك تستمع القرآن من الأشرطة في العصر ثم تعيده بعد صلاة الفجر، وإذا شيءت أن تتبع طريقة أخرى فلا بأس؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، والناس يختلفون في التحفظ، أي: تحفظ القرآن أو غيره من الكلام، فما ترى أنه أيسر لك وأقرب إلى الحفظ فافعله.
***
(23/2)

جزاكم الله خيرًا السائل م ع ج يقول فضيلة الشيخ كيف يستطيع الشخص أن يوفق بين حفظ كتاب الله وبين حضور الدروس العلمية اليومية؟ لأنه يصعب عليه أن يوازن بينها، وأن يوفق بينها، إلى جانب أعماله وأعمال الأهل، والسائل من عنيزة رمز لاسمه بـ م ع ج؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا يعود إلى قدرة الإنسان الذاتية، والناس يختلفون: فمن الناس من يستطيع أن يقوم بهذه الأعمال، ومنهم من لا يستطيع أن يقوم إلا بعمل واحد، ومنهم من يستطيع أن يقوم بعملين أو ثلاثة. على كل حال ينظر الإنسان إلى نفسه، فإذا تزاحمت فإن القيام بحفظ كتاب الله عز وجل أولى من حضور الدروس، ولكن إذا كان أحد الدروس مهماً وجديراً بالعناية به فليحاول أن يحضر إليه حتى لا يفوته، أما حاجة الأهل: فحاجة الأهل إذا لم يكن أحد يقضيها فإن قضاءها من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله عز وجل، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لسعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في في امرأتك) أي: في فمها، مع أن ما يجعله في فم امرأته من الواجب عليه، إذ إن نفقة الزوجة واجبة، ومع ذلك كان له بها أجر، فإذا قام الإنسان على أهل بيته محتسباً أجره عند الله عز وجل آجره الله على ذلك.
***
(23/2)

من مصر مستمع رمز لاسمه بـ ع. م. أ. يقول في هذا السؤال: زوجة لم أدخل بها بعد تقوم بتحفيظ القرآن الكريم في أحد المساجد للطرق الصوفية بدون أجر، هل هذا العمل حلال؟ وهل هذا العمل فيه موالاة للطرق الصوفية ونقاط تأتي إن شاء الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت هذه المرأة تدرس القرآن الكريم دراسةً صحيحة ليس فيها بدعة، فلا حرج عليها أن تدرس في هذا المسجد الذي ينتابه أهل التصوف، وإن كان الأفضل أن تذهب إلى مسجدٍ آخر؛ لئلا يساء الظن بها، ولئلا يكون بهذا إعزازٌ لموقف هؤلاء المتصوفة. وأما إذا كان يخشى على الصبيان المتعلمين، يخشى عليهم من أن يغتروا بعمل هؤلاء المتصوفة، فإنه لا يحل لها أن تدرس في هذا المسجد، وكذلك إذا كان من المعروف عند الناس أن كل من يدرس في هذا المسجد منتسبٌ لأهل التصوف، فإنه لا يجوز أن تدرس في هذا المسجد.
يافضيلة الشيخ: وهل هذا العمل يضر بعقد الزوجية؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا العمل لا يضر بعقد الزوجية؛ لأنه عملٌ مباح كما أسلفت، إلا في المسائل التي استثنيناها، وحتى في المسائل التي استثنيناها لا يخل بعقد الزوجية.
***
(23/2)

بارك الله فيكم هذا مستمع للبرنامج رمضان حسين علي من العراق محافظة التأمين يقول في السؤال: إنه كثير النسيان، حيث إنني عندما أحفظ سورة من القرآن الكريم بعد يوم أو يومين أنساها، أو أنسى جملة أو كلمة، وغالباً ما أتخطى هذه الكلمة إلى الكلمة التي بعدها، فبماذا تنصحونني مأجورين لكي لا أنسى هذه السور المباركات؟ جزاكم الله خيراً.

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي ننصحك به ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من تعاهد القرآن وكثرة تلاوته وتذكره، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك وقال: (تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها) . فأكثر من تلاوة القرآن، وأعرض عن المشاغل التي تشغل ذهنك وتوجب نسيانك، ثم احرص أيضاً على أن يكون تذكرك للكتاب الله مقروناً بالاستعانة بالله عز وجل؛ لأن الاستعانة مقرونةٌ بالعبادة كما قال تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) . وقال تعالى: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) . فإذا استعنت بالله، وفوضت الأمر إلى الله، وحرصت على تعاهد القرآن، وصار هو شغلك الشاغل، فأبشر بأنك لن تنساه إن شاء الله تعالى.
***
(23/2)

للمجند حسين شهاب الحمد من الجيش العربي السوري سؤال يقول فيه: أسأل سماحتكم الكريمة من طرف قراءة القرآن الكريم؛ لأني أحاول اتقان قراءة القرآن الكريم، بل يصعب علي ترميز القراءة، يحدث معي التأتأة في القرآن الكريم، وليس لدي أحد من الناس يعلمني الترميز، فهل أتابع في قراءتي للقرآن أم غير جائزة؟ وكل عامٍ وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله.

فأجاب رحمه الله تعالى: وعليكم السلام القرآن الكريم يقرؤه الإنسان بقدر ما يستطيع، كغيره من الطاعات: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) . ويقرأ الإنسان بقدر استطاعته، إذا كان عنده معرفة بالحروف وإقامة لها بقدر المستطاع، وفي هذه الحال إذا كان يشق عليه فإنه له أجران: أجر التلاوة، وأجر المشقة: (فالماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق فله أجران) كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنقول لهذا الأخ: استمر في قراءتك ما دمت تعرف أن تقرأ، وبقدر ما تستطيع أقم الحروف، وبقدر ما تستطيع لاحظ الرموز والمواقف الصحيحة، وليس عليك شيءٌ وراء ذلك.
***
(23/2)

أيضاً يقول:عندي أخ كلامه متقطع، هل يمكن أن أعلمه قراءة القرآن الكريم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أي نعم، يجوز أن تعلمه وإن كان يتقطع كلامه؛ لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
***
(23/2)

في رسالة هذه السائلة تقول: فضيلة الشيخ ما هي خير الكتب التي يجب على المسلم أن يقتنيها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: خير الكتب التي يجب على المسلم أن يقتنيها كتاب الله عز وجل، وينبغي العناية به وتدبر معناه والوصول إلى المراد به، وذلك بمراجعة كتب التفسير المؤلفة من العلماء الموثوقين في علمهم وأمانتهم، كتفسير ابن كثير رحمه الله، وتفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وتفسير الشيخ أبي بكر الجزائري، وغيرهم من العلماء المشهود لهم بالعلم والأمانة. وكذلك بتلقي معاني القرآن من أفواه المشايخ الموثوقين في علمهم وأمانتهم، إما بطريق مباشر، وإما عن طريق استماع الأشرطة المسجلة لهم؛ لأن القرآن الكريم نزل للتلاوة والتبرك بتلاوته وحصول الثواب والأجر بها، وللتدبر أيضاً، وللاتعاظ به ثالثاً، كما قال عز وجل: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ) . لذا أحث إخواني المسلمين على تدبر كتاب الله عز وجل وتفهم معناه، ثم العمل بمقتضى ذلك: بتصديق الأخبار وامتثال الأحكام، فيتبع ما أمر الله به في كتابه، ويترك ما نهى الله عنه في كتابه. ثم بعد هذا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، ومن المعلوم أن السنة واسعة الإحاطة بها صعبة، لكن هناك كتب مؤلفة، منها ما يقتصر على الأحاديث الصحيحة فقط: كعمدة الأحكام، ومنها ما يذكر ما في الصحيحين وغيرهما، لكنه يذكر درجة الحديث من صحة وضعف وحسن: كبلوغ المرام. ثم بعد ذلك يقتني ما يتعلق بالتوحيد والعقيدة الصحيحة، مثل: كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وكتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية. ثم ما يتيسر من كتب الفقه، وفي مذهب الإمام أحمد من خير ما يقتنى الروض المربع شرح زاد المستقنع، وكذلك الزاد نفسه، وما حصل من شروح وتعليقات على هذا الكتاب المختصر المبارك. أما في النحو: فليبدأ الإنسان بالأيسر فالأيسر، كالأجرومية مثلا، ً ثم بعض العلماء يقول: بعد الأجرومية قطر الندى ثم ألفية ابن مالك، وأرى أنه لا حاجة إلى أن يدرس قطر الندى والألفية، بل يقتصر على أحدهما وفيه كفاية.

***
(23/2)

المستمع أحمد مصري يعمل بمنطقة حائل يقول ما هي الكتب التي تفقه المسلم في أصول دينه وتوضح له الأحكام الشرعية الصحيحة؟ علماً أنني سمعت في برنامجكم أن بعض الكتب غير مستندة إلى صحة فيما تشتمل عليه، فأرجو إرشادي إلى أهم تلك الكتب الصحيحة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أهم الكتب كتاب الله عز وجل، تقرؤه وتتعلم معناه، إما من خلال التفاسير الموثوقة، وإما على أحد من أهل العلم، ثم تتذكر بما في القرآن من مواعظ وأحكام؛ لقول الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ) وبعد ذلك سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن الكتب المؤلفة فيها: كتاب منتقى الأخبار وكتاب بلوغ المرام، تدرسهما وتراجع شروحهما، وتسأل عما أشكل عليك فيهما أهل العلم الموثوقين بعلمهم ودينهم. ثم ما تيسر لك من كتب الفقه على حسب توجيه من يكون عندك من أهل العلم في بلدك، وإذا حصل للإنسان نية صحيحة في طلب العلم فإن الله تعالى ييسر له طريقه، وفي الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) .
***
(23/2)

بارك الله فيكم فضيلة الشيخ المستمع هاني محمد من الأردن عمان يقول: ما هي الكتب الشرعية التي تنصحون بها طالب العلم المتوسط؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً أقول: لا كتاب أفضل من كتاب الله سبحانه وتعالى، فالذي أحث إخواني عليه هو أن يعتنوا بالقرآن حفظاً وفهماً وعملاً، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيهن من العلم والعمل، يتعلمون العلم والعمل جميعاً ثم بعد ذلك الاعتناء بما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث، ومعلوم أن الأحاديث التي صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً، وطالب العلم المبتدئ أو المتوسط لا يمكنه الإحاطة بها، لكن هناك كتب مصنفة في هذا الباب يمكن الرجوع إليها، مثل كتاب عمدة الأحكام لعبد الغني النابلسي، ومثل كتاب الأربعين النووية للنووي رحمه الله، وغير ذلك من الكتب المختصرة، ثم بعد هذا يرتقي إلى الكتب المطولة نوعاً ما، كبلوغ المرام، والمنتقى من أخبار المصطفى، ثم بعد هذا يزداد بقراءة كتب الأحاديث المصنفة كصحيح البخاري وصحيح مسلم. أما في الفقه فينظر إلى أخصر كتاب ألف في ذلك، يقرؤه لينتفع به ويطبقه على ما عرفه من الأدلة، حتى يكون جامعاً بين المسائل والدلائل. أما في النحو فيأخذ بالكتب المختصرة أولا، ً مثل كتاب الأجرومية، فإنه كتاب مختصر مبارك مفيد، مقسم تقسيماً يحيط به المبتدئ، ولا سيما إذا يسر الله له من يقربه بالشرح، ثم بعد هذا أنصحه بأن يحفظ ألفية ابن مالك رحمه الله، وأن يتفهم معناها لأنها ألفية مباركة فيها خير كثير. ثم إني أنصح أيضاً أن يلازم شيخاً يثق به في علمه ودينه وأخلاقه؛ لأن تلقي العلم على المشايخ أقرب إلى الإحاطة بالعلم وإلى معرفة الصواب، وأخصرلطالب العلم؛ لأن طالب العلم الذي يقرأ من الكتب إذا لم يكرس جهوده ليلاً ونهاراً فإنه لا يحصل شيئاً، ثم إن الكتب أيضاً متنوعة: منها ما هو ملتزم بالصحيح، أو ملتزم بترجيح ما ينبغي ترجيحه، ومنها ما هو متعصب للمذهب الذي هو عليه، حتى أن بعض المؤلفين- عفا الله عنا وعنهم- أحياناً يلوون أعناق النصوص لتكون مطابقة لما يذهبون إليه، لذلك أرى أن يعتني الإنسان بالشيخ الذي يدرس عليه في علمه ودينه وخلقه.
***
(23/2)

نرجو منكم نصيحة فضيلة الشيخ في الكتب الشرعية المفيدة والصحيحة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، طبعاً بعد الدستور الخالد القرآن الكريم للاستفادة منها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم الكتب التي يستفيد منها طالب العلم تختلف باختلاف حال الطالب: إذا كان طالب العلم يريد أن يتمكن من العلم ويكون ناهلاً للعلم فإنه ينصح له بقراءة كتب معينة، وإذا كان طالب علم للمراجعة والمطالعة والاستفادة فقط فإنه ينصح له بكتب معينة أخرى. فطالب العلم الذي يريد أن يكون من أهل العلم ينبغي له أن يقرأ في فنون العلم ما يتمكن منه، حتى يكون عنده إلمام عام في جميع العلوم، فمنها يقرأ في النحو، ويقرأ في البلاغة، ويقرأ في الحديث- أعني: مصطلح الحديث- ويقرأ أصول الفقه، ويقرأ في الفقه، ويقرأ في متون الحديث، ويكون هذا بتوجيه من الشيخ الذي يقرأ عليه. وأنا أنصح طالب العلم أن يكون طلبه للعلم على يد شيخ راسخ في العلم؛ لأن طلب العلم على الشيخ الراسخ يستفيد منه الطالب فوائد، منها: أنه أخصر له في الوصول إلى العلم؛ لأن شيخه يعطيه العلم ناضجاً ميسراً، فيكون ذلك أسهل له في الوصول إلى العلم، لكن لو كان يقرأ من الكتب تعب تعباً عظيماً في مراجعة الكتب، وربما تشوش عليه هذه الكتب التي يقرؤها، حيث إن آراء العلماء ليست متفقة في كل شيء. ومنها: أنه إذا قرأ على شيخ فإن الشيخ يبين له كيف يرجح الأقوال بعضها على بعض، وكيف يستنبط الأحكام الشرعية من أدلتها، فيسهل له الخوض في معارك العلم، ويستطيع الطالب بناء على هذا التوجيه من شيخه أن يناظر في مسائل العلم، وأن يجادل بالحق للحق.
ثالثاً: أنه إذا طلب العلم على الشيخ صار هذا أكثر اتزاناً له؛ لأنه إذا طلبه من الكتب فربما يكون لديه اندفاع كبير في بعض الآراء، فيحصل بهذا زلل، وربما يصل إلى درجة الإعجاب بالنفس واحتقار الغير.
رابعاً: أنه إذا قرأ العلم على شيخ أو إذا أخذ العلم من الشيخ فإنه يستفيد من أخلاق هذا الشيخ؛ لأن الشيخ سيكون إذا منَّ الله عليه متخلقاً بما يقتضيه علمه الذي وهبه الله، فيستفيد من هذا الشيخ، ويكتسب أخلاقاً فاضلة ومعاملات طيبة، بالنسبة لزملائه وبالنسبة لعامة الناس. فالذي أنصح به إخواني طلبة العلم المبتدئين أن يكون تلقيهم للعلم على يد المشايخ الذين أدركوا من العلم والتجارب ما لم يدركوه، وحينئذٍ يأخذ بما يوجهه إليه شيخه من الكتب التي يريد أن يتعلم منها، أما إذا كان لا يريد أن يحبس نفسه لطلب العلم، وإنما يريد الاستفادة من المطالعة، فمن أحسن الكتب: زاد المعاد لابن القيم رحمه الله؛ لأنه كتاب جامع بين الفقه المبني على الدليل وبين التاريخ الذي تعرف به حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكتسب الإنسان من هذا الكتاب: الأحكام الفقهية، ومعرفة حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته، وربما يمر به أيضاً مسائل أخرى تتعلق بالتوحيد وبالتفسير وغيرها، فالكتاب كتاب نافع جامع صالح لمن أراد المطالعة للاستفادة العامة.

***
(23/2)

المستمع أيضاً يقول: فضيلة الشيخ ما هي الكتب التي تنصحون بقراءتها لطالب العلم الشرعي أن يبدأ بها في كلٍ من العقيدة والفقه والحديث والسيرة؟ مع العلم بأنني أميل إلى المذهب الحنبلي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ننصح جميع إخواننا المسلمين أن يعتنوا أولاً بكتاب الله عز وجل، بفهمه والعناية بتفسيره، وتلقي ذلك من العلماء الموثوقين في علمهم وأمانتهم. ومن الكتب: كتب التفسير الموثوقة: تفسير ابن كثير، وتفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، وغيرها من التفاسير التي يوثق بمؤلفيها في عقيدتهم وعلمهم؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ من القرآن حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ولأن ارتباط الإنسان بكلام الله عز وجل ارتباطٌ بالله سبحانه وتعالى، فإن القرآن كلام الله لفظه ومعناه، ولأن الإنسان إذا كان لا يفهم القرآن إلا قراءةً فقط فهو أمي وإن كان يقرأ القرآن، قال الله تعالى: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ) . أي: إلا قراءة، فوصفهم بأنهم أميون، ولكن لا يعني ذلك ألاّ نهتم بقراءة القرآن؛ لأن قراءة القرآن عبادة، وقارئ القرآن له في كل حرفٍ عشر حسنات، قارئ القرآن له في كل حرف عشر حسنات، فهذا أول ما ينبغي للمسلم أن يبتدئ به، وهو: فهم كتاب الله عز وجل. ثم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبدأ بالكتب المختصرة مثل: عمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي، فإنها أحاديث مختصرة من الصحيحين، وغالب ما يحتاج إليه الإنسان من الأحكام موجودٌ فيه، وكذلك الأربعون النووية للنووي رحمه الله، وتتمتها لابن رجب رحمه الله، ثم يرتقي إلى بلوغ المرام، ثم إلى المنتقى، وهكذا يبدأ شيئاً فشيئاً، أما في كتب العقيدة: فمن أحسن ما كتب وأجمعه وأنفعه العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنها زبدة عقيدة أهل السنة والجماعة وأما في الفقه: فمن أحسن الكتب المؤلفة زاد المستقنع في اختصار المقنع، على المذهب الحنبلي.
(23/2)

المستمع خ. ص. ع. من جمهورية مصر العربية يقول في رسالته: ما هي الكتب النافعة التي ترشدونني في قراءتها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أنفع كتاب نرشدك إلى قراءته كتاب الله عز وجل، بأن تقرأه وتتدبره، وتطالع تفاسير أهل العلم الموثوقين، حتى يتبين لك القرآن معنى كما حفظته لفظاً، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، يتعلمون القرآن والعلم والعمل جميعاً رضي الله عنهم.ثم بعد ذلك ما صح من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والكتب المصنفة من الأحاديث الصحيحة كثيرة، كصحيحي البخاري ومسلم وما نقل منهما، ثم ما كتبه أهل العلم الموثوق بهم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم، فإن كتبهما نافعة جداً لطالب العلم، وكم انتفعنا وغيرنا بها انتفاعاً كثيراً، إذ إنها مبنية على الدليل الأثري والنظري، فتفيد الإنسان فائدة كبرى، وإذا كنت في بلد فشاور أهل العلم الموثوق بهم عما يرون من الكتب التي ينصحونك بقراءتها، لكن هذا ما نراه. والله أعلم.
***
(23/2)

المستمع يستشيركم يا فضيلة الشيخ ويقول: ماهو أفضل كتاب للحفظ في علم الحديث، وأفضل شرح له؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقصد السائل- فيما يظهر- كتاب الحديث في الأحكام، فمن أفضل الكتب العمدة، عمدة الأحكام للحافظ عبد الغني المقدسي، فإنها عمدة لأنه انتقاها رحمه الله مما اتفق عليه البخاري ومسلم، ولها شروحٌ متعددة، من أنفعها لطالب العلم شرح ابن دقيق العيد، وأما للمبتدئين فلها شروحٌ متعددة من المعاصرين، معروفة بأيدي الطلبة.
يافضيلة الشيخ: في الفقه يا فضيلة الشيخ؟
فأجاب رحمه الله تعالى: وفي الفقه أيضاً كتاب زاد المستقنع في اختصار المقنع، لموسى الحجاوي، وشرحه الروض المربع لمنصور البهوتي رحمه الله، فإنه كتابٌ مختصر مفيد، هذا لمن أراد التفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
يافضيلة الشيخ: وفي النحو؟
فأجاب رحمه الله تعالى: في النحو الأجرومية للمبتدئين، ثم الألفية لمن أخذ حظاً وافراً من النحو، ويا حبذا لو أن الطالب حفظ هذه المتون المختصرة، حتى ينتفع بها حبن يحتاج إليها في المستقبل.
***
(23/2)

بارك الله فيكم المستمع عودة في سؤاله يقول: أرجو إفادتي بالكتب المفيدة بعد كتاب الله عز وجل، وهو في القائمة الأولى الواردة فيها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كتب الحديث التي ننصح فيها هي الكتب الصحيحة المعتمدة عند أهل العلم، مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم، أو الكتب التي تجمع الأحاديث الصحيحة وتبينها، مثل بلوغ المرام من أدلة الأحكام، وعمدة الأحكام، وهما كتابان نافعان للمؤمن؛ لأنهما مصنفان على الأبواب الفقهية، وكذلك من الكتب المفيدة رياض الصالحين، وهو مشهورٌ معروف عند الناس، فإن فيه أحاديث كثيرة تشتمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال.
***
(23/2)

يقول: فضيلة الشيخ الكتب الدينية التي ترشدونني باقتنائها والاستفادة منها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أحسن ما رأيت من الكتب كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم رحمه الله، فإنه كتاب يعتبر كتاب فقه وسيرة وطب، ومن الكتب المفيدة أيضاً كتاب رياض الصالحين للنووي رحمه الله، ومن الكتب المفيدة تفسير القرآن لابن كثير، والمراد التفسير الكامل دون المختصر، والكتب في هذا كثيرة، يمكنك أن تسترشد أيضاً بمن عندك من أهل العلم ليدلوك على ما لم يحضرنا الآن.

***
(23/2)

أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ بماذا توجهون المستمعين من كتب التفسير في قراءتها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كتب التفسير في الواقع كثيرة ومتشعبة، والعلماء رحمهم الله كل يأخذ بجهة من جهات القرآن الكريم: فمنهم من يغلب عليه تفسير المعاني بقطع النظر عن الإعراب والبلاغة وما أشبه ذلك، ومنهم من يغلب عليه مسائل الإعراب والبلاغة وما أشبه ذلك، ومنهم من يغلب عليه استنباطات من الآيات العلمية والعملية، فهم يختلفون، لكن من خير ما يكون من التفاسير- فيما أعلم- تفسير ابن كثير رحمه الله، فإنه تفسير جيد سلفي، لكن يؤخذ عليه أنه يسوق بعض الإسرائيليات في بعض الأحيان ولا يتعقبها، وهذا قليل عنده. ومن التفاسير الجياد تفسير الشيخ عبد الرحمن الناصر بن سعدي رحمه الله، فإنه تفسير سلفي سهل المأخذ، ينتفع به حتى العامي. ومن التفاسير الجياد تفسير القرطبي رحمه الله، ومنها تفسير محمد الأمين الشنقيطي الجكني، لا سيما في آخر القرآن الذي أدركه. ومن التفاسير الجياد في البلاغة والعربية تفسير الزمخشري، لكن احذره في العقيدة فإنه ليس بشيء. ومن التفاسير الجياد تفسير ابن جرير الطبري لكنه لا ينتفع به إلا الراقي في العلم وهناك تفاسير أخرى لا نعرفها إلا بالنقل عنها، لكن الإنسان يجب عليه أنه إذا لم يفهم الآية من التفاسير أن يسأل عنها أهل العلم، حتى لا يفسر القرآن بغير مراد الله تعالى به.
***
(23/2)

هذا السائل من الدمام يقول ما هي كتب التفسير التي تنصحونني بقراءتها، وخصوصاً لطلبة العلم مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كتب التفسير الحقيقة تختلف مشاربها فتفسير ابن كثير من أحسن التفاسير، لكنه رحمه الله لا يعتني كثيراً باللغة العربية، يعني: بالبلاغة وأوجه الإعراب وما أشبه ذلك. وتفسير ابن جرير- وهو أصل تفسير ابن كثير- أيضاً مطول، وفي الآثار الواردة فيه ما هو غثٌّ وسمين، فيحتاج إلى طالب علم يكون له معرفة بالرجال والأسانيد. وهناك كتب تفسير جيدة،لكن منهجها في العقيدة غير سليم،كتفسير الزمخشري،فهو جيد من حيث البلاغة واللغة، لكنه ليس بسليم من حيث العقيدة، وفيه كلمات تمر بالإنسان لا يعرف مغزاها، لكنها إذا وقرت في قلبه فربما يتبين له مغزاها فيما بعد، ويكون قد استسلم لها فيضل، ولذلك أرى أن طالب العلم يأخذ تفسير ابن كثير ما دام في أول الطلب، أو تفسير الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، أو تفسير أبي بكر الجزائري، وهذا ما اطلعت عليه وقد يكون فيه تفاسير أخرى مثلها أو أحسن، منها لكن هذا ما اطلعت عليه، ثم إذا وفقه الله إلى علمٍ واسع وملكةٍ قوية يدرك بها ما لا يدركه في أيام الطلب فليراجع كل ما تيسر من التفاسير.
***
(23/2)

حفظكم الله وسدد خطاكم، طالب العلم الذي يريد أن يقرأ في التفسير ما هي أشهر كتب التفسير التي يقتنيها طالب العلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن يقتني تفسير ابن كثير رحمه الله، وتفسير شيخنا عبد الرحمن بن سعدي؛ لأنهما خير ما اطلعت عليه من كتب التفاسير، وهناك تفاسير أخرى لطالب العلم الراقي، كتفسير القرطبي وتفسير الشوكاني.
***
(23/2)

ما رأيكم يا شيخ في تفسير البغوي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تفسير البغوي جيد ولا بأس به، لكن أحث إخواني السامعين على مراجعة مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، تكلم عن التفاسير التي مرت به كلاماً جيدا، ً فلتراجع.
***
(23/2)

بارك الله فيكم يقول: يا فضيلة الشيخ محمد ما هو أفضل كتاب للحفظ في علم العقيدة؟ وأفضل شرح له وعدة شروح أخرى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أحسن ما كتب في العقيدة: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنها رسالةٌ مختصرة مفيدة جداً، فيها قواعد عظيمة من القواعد التي ينتفع بها الإنسان في كل مسألة من مسائل العقيدة،ومنها أيضاً شرح العقيدة الطحاوية، فإنه كتابٌ جيد مفيد ينتفع به طالب العلم، ومنها الصواعق المرسلة ومختصره لابن القيم رحمه الله.
***
(23/2)

جزاكم الله خيراً السائلة أ, ع تقول أنا أقوم بدراسة الفقه، فما هي الكتب التي تنصحونني بدراستها والقراءة فيها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أحسن ما رأيت من الكتب في فقه الحنابلة الروض المربع شرح زاد المستقنع، ففيه خير كثير وفيه علم كثير، ولكني أنصح السائلة وغيرها ممن يطلب العلم بأن يكون طلبهم العلم على يد شيخ؛ لأن ذلك أسلم من الخطر وأقرب لحصول العلم، فإن الشيخ يقرب المعلومات إلى الطالب: بشرح المشكل، وبيان المجمل، والجمع بين الأدلة، فيقل الخطأ، وأما من اعتمد على نفسه في طلب العلم وعلى الكتب التي يقرؤها، فإنه يخطئ كثيراً، ولا ينال العلم الصحيح إلا بجهدٍ جهيد وعمل شاق، ولهذا يقال: من كان دليله كتابه غلب خطؤه صوابه، وهذه الجملة وإن لم تكن صحيحة على وجه الإطلاق لكنها في الغالب: أن من كان دليله كتابه غلب خطؤه صوابه.
***
(23/2)

هذا السائل يقول: أريد أن يكون لي علم شرعي وأن أتفقه في الدين، وجهوني نحو أفضل الكتب المعينة في هذا المجال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أحسن الكتب بل هو أحسن الكتب كتاب الله عز وجل، فإن فيه الهدى والنور والشفاء لما في الصدور، ثم ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ما كتبه أهل العلم. ويختلف هذا باختلاف الناس:فالطالب الصغير المبتدئ تذكر له الأشياء المختصرة المفيدة، والطالب المتوسط يرتقي شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى الغاية والنهاية التي يمكن أن يصل إليها البشر ثم إني أشير على طالب العلم أن يختار له من العلماء الأمناء في دينهم وعلمهم واتجاههم ومنهجهم من يتتلمذ على يديه، فإن القراءة على المشايخ أقرب إلى الصواب، وأسرع في إدراك العلم؛ لأن الشيخ يقدم لطلابه شيئاً قد نضج وتم اختياره من قبل هذا الشيخ، وقد توفرت ولله الحمد وسائل الإعلام الآن من مسموعة ومقروءة، فالأشرطة متوفرة والكتب كذلك متوفرة كثيرة، نسأل الله التوفيق لما فيه الخير والصواب.
***
(23/2)

يقول: أرشدوني إلى بعض أسماء الكتب القيمة في الفقه والعبادات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أحسن شيء في هذا ما ألفه العلماء من كتب الحديث، كبلوغ المرام ومنتقى الأخبار ونحوهما، ثم ما اشتمل على الفقه والحديث، مثل زاد المعاد لابن القيم، فإنه كتاب قيم: فيه التاريخ النبوي، وفيه الفوائد والحكم التي تتضمنها غزوات الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو كتاب جيد لا ينبغي لطالب علم أن تفوته مطالعته.
***
(23/2)

مارأيكم في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الفقه على المذاهب الأربعة، الذي أُشير به على إخواني- إذا كانوا يحبون الاطلاع على أقوال العلماء، ولديهم قدرة على معرفة الراجح من المرجوح أن لا يراجعوا إلا الكتب التي تذكر الأقوال وأدلتها، حتى يكونوا على بينة من أمرهم، مثل: المغني لابن قدامة، والمجموع شرح المهذب للنووي رحمه الله، وما أشبهها من الكتب التي إذا ذكرت أقوال العلماء ذكرت الأدلة وبينت الراجح، أما مجرد أقوال: هذا مذهب فلان، وهذا مذهب فلان، فهو قليل الفائدة بلا شك، يعني: أن الفائدة منه هي أن يطلع الإنسان على أقوال فقط، دون أن يعرف الراجح من المرجوح، فاشتغاله بما هو أحسن أولى وأحرى.
***
(23/2)

يقول السائل: ما رأي فضيلتكم في مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: رأينا أنها من خير ما كتب؛ لأنها من عالم فقيه ناصح، وإنني أحث أخي هذا السائل وغيره ممن يستمع، أحثه على اقتناء كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك تلميذه ابن القيم؛ لما فيها من الخير والبركة والعلم الغزير الذي لا تجده في غيرها، ولما فيها من قوة الاستنباط، استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، فهي كتب لم يخرج مثلها فيما أعلم، فعليك يا طالب العلم بها.
***
(23/2)

يقول: ما رأيكم يا فضيلة الشيخ في تفسير مختصر ابن كثير، وفقه السنة، ورياض الصالحين، والكبائر، وقصص الأنبياء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول أولا: إن الرجوع إلى الأصول خير، لكن إذا دعت الحاجة إلى الرجوع إلى المختصرات- لضيق الوقت، أو لغير ذلك من الأسباب- فلا بأس، وإلا فإن الرجوع إلى الأمهات أفضل وأحسن. وأما ما عدده من الكتب: بعد ذلك فإنه من المعلوم أنه لا يكاد كتاب يسلم من شيء يطغى به القلم، أو يزل به الفهم، والإنسان غير معصوم، وما أحسن كلمة قالها عبد الرحمن بن رجب رحمه الله -أحد أحفاد شيخ الإسلام ابن تيمية في العلم، وهو تلميذ ابن القيم، وابن القيم تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال في كتابه القواعد الفقهية يأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه. فإنها كلمة جيدة: المنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، وغالب هذه الكتب التي ذكرها السائل لم أستوعبها قراءة أو مطالعة، فلا يمكنني أن أحكم على كل واحد منها بعينه ولكن من طالع هذه الكتب أو غيرها، وأشكل عليه مسألة من المسائل، فعليه أن يراجع أهل العلم في ذلك.
***
(23/2)

ما رأي فضيلتكم حفظكم الله في كتاب الروح وحادي الأرواح لابن القيم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إنهما كتابان عظيمان مفيدان، فيهما عبر وفيهما أحكام فقهية، فهما من خير المؤلفات وابن القيم رحمه الله- كما هو معلومٌ للجميع- رجلٌ واسع الاطلاع، سهل العبارة سلسها، وأنا أنصح إخواني طلبة العلم بقراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، الذي هو تلميذه وتربى على يده علماً وعملاً ودعوة، وقد أوصى بهما شيخنا رحمه الله عبد الرحمن بن سعدي؛ لأنه رحمه الله انتفع بكتب الشيخين انتفاعاً كبيراً، ونحن انتفعنا بها والحمد لله، فنشير على كل طالب علم أن يقرأها لينتفع بها.
***
(23/2)

السائل أبو عبد الله يقول: ما رأيكم في كتاب الروح لابن القيم؟ وهل القصص التي ذكرها عن أهل القبور صحيحة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الكتاب فيه مباحث قيمة وجيدة، ومن قرأها عرف أنها من كلام ابن القيم رحمه الله، وفيه هذه القصص التي ذكرها من المنامات عن بعض الأموات فالله أعلم بصحتها، لكن كأنه رحمه الله تهاون في نقلها لأنها ترقق القلب، وتوجب للإنسان أن يخاف من عذاب القبر، وأن يرغب في نعيم القبر، فالقصص حسنة والله أعلم بصحتها.
***
(23/2)

يستفسر عن مجموعة من الكتب يقول: حادي الأرواح والروح لابن القيم ما رأيكم فيهما؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الكتابان حادي الأرواح والروح لابن القيم رحمه الله فهما كتابان نافعان فيهما خير كثير، وإن كانا لا يخلوان من الشيء الذي يكون سبباً للتردد في صحته، لكنهما بلا شك مفيدان عظيمان.
***
(23/2)

المستمع أيضاً يقول: ما رأيكم فضيلة الشيخ في هذه الكتب: كتاب الأذكار، وكتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، وأيضاً كتاب رياض الصالحين، وكتاب خزينة الأسرار؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما كتاب الأذكار ورياض الصالحين فهما للنووي رحمه الله، ولا شك أن فيهما فائدةً عظيمة كبيرة، لكن لا يخلوان من بعض الأحاديث الضعيفة، ولا سيما كتاب الأذكار، إلا أن أهل العلم قد بينوا ذلك ولله الحمد، ولكنها أحاديث قليلة جداً، وأرى أن يقرأ بهما الإنسان لما فيهما من الفوائد الكثيرة، وأرى أن يسأل عن الأحاديث التي يستنكرها، يسأل عنها أهل العلم بالحديث. وأما الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي فهو لابن القيم أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله، وهو كتابٌ جيد فيه مواعظ عظيمة، لكن في آخره أشياء يظهر أن المؤلف رحمه الله كتبها لأن هذا الكتاب كان لشخصٍ معين ابتلي ببلية، فرأى المؤلف رحمه الله أن من المناسب ما ذكره في آخر الكتاب. وأما كتاب خزينة الأسرار فلا أدري عنه، ولم أطلع عليه.
***
(23/2)

بارك الله فيكم هذا المستمع زاهر محمد سعيد من جدة يقول في سؤاله: أنا والحمد لله يوجد عندي كتب شرعية كثيرة، من ضمنها كتاب رياض الصالحين، وفقه السنة ذو المجلدات الثلاثة للسيد سابق، وحيث إن عندي وقت فراغ كبيراً أريد أن أقضيه في شيء يفيدني، فأردت أن أتفقه في الدين، وأنا محتار في أي الكتابين أبدأ؟ هل أبدأ بكتاب رياض الصالحين أم بكتاب فقه السنة؟ نرجو إفادة بذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي أرى أن تبدأ بكتاب رياض الصالحين؛ لأن فيه آداباً عظيمة قل أن توجد في غيره، وهو أيضاً في نفس الوقت مشتمل على فقه كثير من العبادات والمعاملات، فابدأ به أولاً، ثم بعد هذا تبدأ فيما تراه من الكتب النافعة المفيدة، ومن الكتب المفيدة زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية رحمه الله، فإنه كتاب جامع بين السيرة النبوية والفقه، ومن المعلوم لنا جميعاً أن دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أمر مهم مطلوب؛ لأن به يُعرف كثيرٌ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وبه يزداد الإيمان والمحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فنصيحتي لك وللمستمع أنت تقرأ بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يجب الحذر من المقولات الضعيفة التي ألصقت بالسيرة وليست منها، ومن خير ما هو مؤلف في السيرة وفيه تمحيص جيد كتاب البداية والنهاية لابن كثير، فإنه جيد ومفيد.

***
(23/2)

المستمع علي أحمد الزهراني بلاد زهران له سؤال، يستشيركم فضيلة الشيخ في رياض الصالحين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قبل الإجابة على السؤال أود أن أذكر إخوتي المستمعين ومنهم السائل أن أهم ما ينبغي الاعتناء، به بل يجب الاعتناء به، كتاب الله عز وجل، حيث كان الصحابة رضي الله عنهم لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فالاعتناء بكتاب الله عز وجل أمرٌ واجب، وتدبر معناه هو الحكمة من إنزاله، والتذكر به حكمةٌ أخرى تتفرع عن تدبره قال الله تعالى (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ) . كثيرٌ من الناس يعتني بالكتب الحديثية وبالسنة، ولا شك أن هذا خير، ولكن تجده مهملاً القرآن الكريم، لا يعرف معناه ولا يتدبره، ولا يطلع على ما كتبه أهل العلم في تفسيره، وهذا نقص، فالذي ينبغي للإنسان في ترتيب تعلمه أن يبدأ قبل كل شيء بفهم كتاب الله عز وجل، ثم يثني بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كتبه أهل العلم فيها من المؤلفات. وبعد هذا نرجع إلى الجواب على السائل فنقول: إن هذا الكتاب الذي أشار إليه- وهو: رياض الصالحين- كتابٌ قيمٌ نافع، به آياتٌ يصدر بها المؤلف رحمه الله الأبواب في كثيرٍ من أبواب الكتاب، وفيه أحاديث صحيحة وحسنة، ويندر فيه جداً أن توجد أحاديث ضعيفة، لكن الكتاب مفيدٌ لطالب العلم ومفيدٌ للعامة.
***
(23/2)

ما أفضل الكتب المؤلفة في السيرة النبوية يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: السيرة النبوية ألفت فيها كتبٌ كثيرة، لكن بعضها ليس له سند، ولكنها اشتهرت بين الناس ثم كتبت في الكتب، ومن أحسن ما رأيت- وأنا لم أرَ شيئاً كثيراً من كتب التاريخ والسيرة- (البداية والنهاية) لابن كثير رحمه الله، وإذا أشكل عليك شيء منها، يعني: إذا قرأت وأشكل عليك شيء فابحث عنه بحثاً خاصاً، مثل أن تروى قصة واقعة منسوبة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لغيره من الصحابة، فابحث عنها وعن سندها حتى يتبين لك، المهم أن من خير ما قرأت وأفيده في هذا الموضوع كتاب البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله.
***
(23/2)

هذه المستمعة من الرياض تقول: فضيلة الشيخ الكتب التي تنصحوننا بقراءتها في مجال الزهد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شيء أحسن من كتاب الله عز وجل في باب الزهد، ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والزهد له مفهومان: مفهوم شرعي، ومفهوم عرفي. فالمفهوم الشرعي: أن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، وليس المراد به أن يترك الإنسان الدنيا كلها ويتقشف، ويكون في بيته لا يعرف ولا يُعرف، بل أن يترك ما لا ينفعه في الآخرة، ولو عمل أعمالاً دنيوية، ولو خالط الناس، ولو ماشاهم. وأما الزهد العرفي: فهو التقشف، وكون الإنسان لا يتمتع بما أحل الله له وإن كان نافعاً له في الآخرة، وكونه يقتصد على نفسه وينزوي في بيته، وهذا الزهد ليس مشروعا، ً ولا يؤجر الإنسان عليه؛ لأنه قد يضيع فيه واجبات كثيرة، وقد يحرم نفسه من مباحات كثيرة لغير سبب، والإنسان الذي يحرم نفسه من المباحات التي أباحها الله بلا سبب شرعي يعد مذموماً لا ممدوحاً. لهذا ينبغي أن نقول لهذه السائلة ولغيرها: يجب أن نعرف معنى الزهد أولاً حتى نبحث عن الكتب التي تعين على الزهد أو التي تبين الزهد، فالزهد قاعدته -كما أشرت إليه -ترك ما لا ينفع في الآخرة، فممارسة شيء من أمور الدنيا هو نافع في الآخرة لا يخرج به الإنسان عن الزهد، والانطواء على النفس وعدم الاختلاط مع الناس وكون الإنسان يتقشف ويمتنع مما أحل الله له، ليس هذا بالزهد المحمود، بل هو من الزهد المذموم.
***
(23/2)

بارك الله فيكم، من محافظة بيالي العراق مستمعة غريبة الأصلاني تقول في سؤالها: عندنا الكثير من كتب التصوف، فما رأي الشرع في نظركم يا فضيلة الشيخ في هذه الكتب وبالتصوف؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نظري في التصوف -كغيره مما ابتدع في الإسلام- ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته حيث قال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) .فالتصوف المخالف لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم بدعة وضلالة يجب على المسلم أن يبتعد عنها، وأن يأخذ طريق سيره إلى الله من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأما كتب الصوفية فإنه لا يجوز اقتناؤها ولا مراجعتها، إلا لشخص يريد أن يعرف ما فيها من البدع من أجل أن يرد عليها، فيكون في نظره إليها فائدة عظيمة، وهي: معالجة هذه البدعة حتى يسلم الناس منها، ومن المعلوم أن النظر في كتب الصوفية وغيرها من البدع من أجل أن يعرف الإنسان ما عندهم حتى يرد عليهم، من المعلوم أن هذا أمر مرغوب فيه إذا أمن الإنسان على نفسه من أن ينحرف من هذه الكتب.
***
(23/2)

السائلة تقول: قرأت في كتاب المأثورات شيئاً لم أجده في بقية كتب الأدعية، وما قرأته يعرف بورد الرابطة، وهو أن يتلو الإنسان قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) إلى قوله: (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) . ثم يتلو بعد ذلك الدعاء: اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك فاغفر لي. ثم يستحضر صورة من يعرف من إخوان في ذهنه، ويستشعر الصلة الروحية بينه وبين من لم يعرف منهم، ثم يدعو لهم مثل هذا الدعاء: اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، فألف اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير. كما ذكر ورداً آخر يسمى بورد الدعاء يقول فيه: أستغفر الله مائة مرة، ثم الدعاء للدعوة والإخوان والنفس بعد ذلك بما تيسر من الدعاء، بعد صلاة الفجر والمغرب والعشاء وقبل النوم، وألا يقطع الورد لأمر دنيوي إلا لضرورة. وقد قرأت كثيراً في كتب الأحاديث ورياض الصالحين ولم أجد ما يدل على صحة هذا المذكور، فأرجو أن تنبهونا على مدى صحته وعن حكم الالتزام به والمداومة عليه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأمر كما ذكرت السائلة في أن هذه الأدعية أدعية لا أصل لها في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليست بصحيحة، ولا يجوز لأحد أن يلتزم بها، بل ولا أن يفعلها تعبدا؛ ً لله لأنها بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة) . والذي ظهر لي من حال هذه المرأة السائلة أنها تطالع كثيراً من الكتب، ولا سيما كتب الأذكار والأوراد الذي أنصحها به أن تتحرز كثيراً؛ لأنه كتب في الأذكار البدعية والأدعية البدعية شيء كثير، ومن المؤسف أنها تروج كثيراً في المسلمين، ورواجها قد يكون أكثر من رواج الأدعية والأذكار الصحيحة. فأنصحها وأنصح جميع إخواني المسلمين بالتثبت في هذه الأمور، حتى لا يعبدوا الله تعالى على جهل وضلال وبدع، وفي الكتب الصحيحة التي ألفها من يوثق بعلمهم وأمانتهم ودينهم، في الكتب الصحيحة ما يغني عن ذلك، فالرجوع إليها هو الواجب، وطرح مثل هذه الكتب التي أشارت إليها السائلة وغيرها مما يشتمل على أذكار وأدعية بدعية، فطرحها والتحذير منها هو الواجب على المسلمين، حتى لا تفشو فيهم البدع وتكثر فيهم الضلالات. والله أسأل أن يهدينا وإخواننا المسلمين لما فيه صلاح ديننا ودنيانا، إنه جواد كريم.
***
(23/2)

ما رأيكم في كتب يوم القيامة وأهوالها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يغلب على ظني أن مثل هذه الكتب المتعلقة بالفتن وأهوال القيامة فيها أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضها قد تكون موضوعة، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يكون منها على حذر، وأن لا يعتمد عليها إلا بعد مراجعة أهل العلم، وإذا قدر أنه ليس عنده أحدٌ من أهل العلم يسأله فإن الحق له منارٌ بيّن، فإذا مر به شيئ من الأحاديث يستنكره أو تشمئز منه نفسه فليتوقف فيه، وليسأل عنه بخصوصه، وهو غير ملزم بأن يؤمن بما لا يتيقن أنه مما يجب الإيمان به، فليتوقف حتى يسأل أهل العلم عن ذلك.
***
(23/2)

السؤال يقول: وجدنا كتباً مؤلفة في الطب للشيخ جلال الدين السيوطي، فهل كان عالماً بالطب إلى جانب التفسير حسب ما تعلمون؟ أم أنه اسم على اسم؟ أو هي منسوبة إليه فقط؟ فإن كنتم قد اطلعتم على شيئ منها فما رأيكم فيما اشتملت عليه، وخاصة تلك الرموز والطلاسم التي لا تعرف؟ والأحرف الأبجدية العربية والأرقام، وهذه دواء للجنون وبعض الأمراض الأخرى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أنا لا أعرف عن السيوطي أنه عالم بالطب، وإن كنت قد قرأت له قديماً كتاباً يشتمل على عدة علوم منها بحوث في الطب. أما ما ذكره السائل من هذا الكتاب الذي فيه الطلاسم باللغة العبرية والعربية وغيرها، والحروف وما أشبهها: فهذا لا أعرف عنه شيئاً، ولكن يجب أن يعلم أنه لا يجوز الاستشفاء بأمر لا يعرف معناه، فهذه الحروف التي لا يدرى ما هي، وهي عبارة عن طلاسم معقدات وأشياء لا تعلم، لا يجوز لأحد أن يتداوى بها ولا يستشفي بها، وإنما يستشفى بالكتابة المعروفة التي لا تنافي ما جاءت به الشريعة.
***
(23/2)

هذه أختكم في الله خ م س من الخرج تقول في سؤالها: لقد داومت على قراءة درة الناصحين في الوعظ والإرشاد وتأثرت به، ولكنني أحس أن فيها أشياء مكذوبة وتأكدت من ذلك، فما رأيكم في هذا الكتاب يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: رأيي في هذا الكتاب وفي غيره من كتب الوعظ أن يقرأها الإنسان بتحفظ شديد؛ لأن كثيراً من المؤلفين في الوعظ يأتون بأحاديث لا زمام لها ولا قيود لها ولا أصل لها عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي أحاديث موضوعة أحياناً، وضعيفة جداً أحياناً، يأتون بها من أجل ترقيق القلوب وتخويفها، وهذا خطأ عظيم، فإن فيما صح من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام من أحاديث الوعظ كفاية، والقرآن العظيم أعظم ما توعظ به القلوب، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) . فلا واعظ أعظم من القرآن الكريم ومما صح من السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا عرف الإنسان حال هذه الكتب المؤلفة في الوعظ، وأن فيها أحاديث موضوعة أو ضعيفة جداً، فليحترز من هذه الأحاديث، ولا حرج عليه أن ينتفع بها وبما فيها من كلمات الوعظ التي يكتبها الكاتبون، ولكن بالنسبة للأحاديث ليكن منها على حذر، وليسأل عنها أهل العلم، وإذا بين له حال الحديث فليكتب على هامش الكتاب: هذا الحديث ضعيف أو موضوع أو ما أشبه ذلك؛ لينتفع به من يطالع الكتاب بعده.
(23/2)

بارك الله فيكم نستشيركم فضيلة الشيخ محمد بالكتب التالية: مروج الذهب للمسعودي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مروج الذهب للمسعودي كغيره من كتب التاريخ يكون فيه الضعيف والصحيح، ويحتاج إلى أن يحترز الإنسان منه فيما إذا ورد على سمعه أو على بصره ما يستنكر، فإنه يجب عليه أن يتوقف فيه ويبحث عنه ويحققه.
فضيلة الشيخ: المأثورات والدعاء المستجاب؟
فأجاب رحمه الله تعالى: كتاب الدعاء المستجاب فيه أشياء بدعية لا صحة لها، فلا أشير أن يقرأه إلا شخص طالب علم يعرف ما فيه من البدع حتى يتجنبها، وفيه أشياء مفيدة.
فضيلة الشيخ: العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا كتاب جيد ينبغي للإنسان قراءته.
***
(23/2)

ما رأي فضيلتكم في كتاب الروض الفائق وتنبيه الغافلين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الروض الفائق لا أعرفه، وأما تنبيه الغافلين فهو كتاب وعظ، وغالب كتب المواعظ يكون فيها الضعيف وربما الموضوع، ويكون فيها حكايات غير صحيحة يريد المؤلفون بها أن يرققوا القلوب وأن يبكوا العيون، ولكن هذا ليس بطريقٍ سديد؛ لأن فيما جاء في كتاب الله وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المواعظ كفاية، ولا ينبغي أن يوعظ الناس بأشياء غير صحيحة، سواء نسبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو نسبت إلى قومٍ صالحين، قد يكونون أخطؤوا فيما ذهبوا إليه من الأقوال أو الأعمال، والكتاب فيه أشياء لا بأس، بها ومع ذلك فإني لا أنصح أن يقرأه إلا شخص عنده علم وفهم وتمييز بين الصحيح والضعيف والموقوف.
(23/2)

بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هذا مستمع للبرنامج بعث برسالةٍ يسأل عن كتاب تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، تأليف الفقيه الزاهد الشيخ نصرالدين محمد بن إبراهيم السمرقندي، يقول: أسأل عن هذا الكتاب والأحاديث التي وردت فيه هل هي صحيحة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا الكتاب كغيره من كتب الوعظ فيها أحاديث صحيحة، وفيها أحاديث حسنة، وفيها أحاديث ضعيفة، وفيها أحاديث موضوعة، ولهذا لا ينبغي قراءته إلا لطالب علم يميز بين مايُقبل من الأحاديث التي فيه وما لا يقبل؛ ليكون على بصيرة من أمره، ولئلا ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله أو ما لا تصح نسبته إليه، فإن (من حدث عن رسول الله بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) . وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن (من كذب عليه متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . فنصيحتي لمن ليس عنده علم بالأحاديث ألا يقرأ في هذا الكتاب، ومن عنده علم يميز بين الصحيح المقبول وغير المقبول ورأى في قراءته مصلحة فليفعل، وإن رأى أنه يصّده عن قراءة ما هو أنفع له فلا يُذهِب وقته بقراءته.
***
(23/2)

بارك الله فيكم المستمع عطية من المدينة المنورة يقول: قرأت كتاباً عن عقوبة أهل الكبائر لمؤلفه أبي الليث السمرقندي، من ضمن ما قرأته الأربع الصفحات الأخيرة من الكتاب، وهو موضوع مواصفات الجنة وأهوال يوم القيامة، مما جعلني أبكي من شدة ما سمعت، ولا أستطيع شرح ما قرأته لأنه طويل، ولكن ربما مر عليكم هذا الكتاب يا فضيلة الشيخ وقرأتموه، فما رأيكم في هذا الكتاب؟ وهل ما ورد فيه صحيح؟ أفيدونا أثابكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكتاب فيه الكثير من الأشياء التي لا تصح، ولهذا لا أنصح إخواني بقراءته، إلا رجلاً كان عنده علم شرعي يميز الصحيح من الضعيف والسقيم من السليم فلا بأس، وفي هذه الحال يحسن إذا قرأه أن يعلق على الضعيف منه وعلى السقيم، ويبين ضعفه وسَقمه، حتى لا يغتر الناس به، وهكذا نقول في أي كتاب يكون فيه الصحيح والضعيف: لا ننصح أحداً بقراءته، إلا رجلاً كان عنده علم سابق علم شرعي، فلا حرج أن يقرأه، ولكن ينبغي أن يعلق على الضعيف والسقيم حتى لا يغتر الناس به. ولست بقولي هذا أتحجر على الناس أن لا يقرؤوا الكتب، ولكني أقول لإخواني المسلمين: إن في الكتب المعتمدة الصحيحة ما فيه الكفاية والاستغناء عن هذه الكتب التي تشتمل على هذه الأشياء الضعيفة، وليعلم أن كثيراً من كتب الوعظ تشتمل على كثير من الأحاديث الضعيفة، وذلك استناداً إلى قولٍ ذهب إليه بعض أهل العلم، وهو: التساهل في الأحاديث الضعيفة في باب الفضائل أو الزواجر؛ نظراً إلى أنها إذا كانت في الفضائل تزيد الإنسان رغبة في الخير، وإذا كانت في أداء واجب تزيده رهبة من الشر. ومع ذلك فإن هؤلاء الذين يرخصون بالأحاديث الضعيفة من أهل العلم يشترطون لها شروطاًَ، وهي: ألا يكون الضعف شديداً، وألا يعتقد الإنسان أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها،وأن يكون لها أصل ثابت في الشرع. مثال ذلك لو ورد حديث فيه التخويف من الزنى وهو حديث ضعيف، فعند هؤلاء العلماء لا بأس من ذكره، بشرط ألا تعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، وذلك لأن الزنى ثبت تحريمه في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة،فذكر هذا الوعيد فيه يزيد الإنسان نفوراً، منه والنفور من الزنى أمر مطلوب في الشرع، ثم إن ثبت هذا العقاب للزاني فإنه يكون قد فعل هذه الفاحشة على بصيرة، وإن لم يثبت فإنه لم يزدد إلا نفوراً من هذا الفعل المحرم وذلك لا يضره. كذلك لو جاء حديث ضعيف يرغب في صلاة الجماعة، فإن أجر صلاة الجماعة ثابت بالسنة الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، والأمر بصلاة الجماعة ثابت في كتاب. الله والله الموفق.
***
(23/2)

بارك الله فيكم هذا عايش أحمد محسن من اليمن الشمالي يستشيركم في بدائع الزهور؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هذا الكتاب رأيت فيه أشياء كثيرة غير صحيحة، ولا أرى أن يقتنيه الإنسان، ولا أن يجعله بين أيدي أهله؛ لما فيه من الأشياء المنكرة.
***
(23/2)

أثابكم الله فضيلة الشيخ هذا السائل من العراق حمادة عيسى محافظة نينوى يسأل عن كتاب عنوانه بدائع الزهور، يقول: هل ما جاء في هذا الكتاب صحيح أم فيه شيء من المبالغة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور، هذا الكتاب فيه شيء من المبالغات الكثيرة والكذب، وعلى الإنسان أن يتجنبه وأن يبعده عن بيته، حتى لا يغتر أولاده بما يقرؤونه فيه. وإني أنصح هذا السائل وغيره من إخواني المسلمين أن يتحروا فيما يراجعونه من الكتب الأخبارية، بل أن يتحروا فيما يقرؤونه من الكتب الأخبارية والأحكامية، وأن لا يأخذوا بكل ما يرونه، وليشاوروا أهل العلم في هذه الكتب حتى لا ينخدعوا بما فيها من باطل وضعيف؛ لأن الأمر خطير جداً، لو أن كل إنسان وجد كتاباً أخبارياً أو حكمياً أخذ بما فيه من غير أن يميّز بين الضعيف والقوي والحق والباطل لضل في ذلك ضلالاً بعيداً، وما دام العلماء والحمد لله موجودين فإنه من المتيسر أن يتصل بهم ويسألهم عن الكتاب قبل أن يقرأه.
***
(23/2)

السائلة حنان ع. ع. من الدوحة قطر تقول: لقد تعود الناس عندنا إذا توفي أحد أفراد العائلة يجتمع الناس للعزاء في الثلاثة الأيام الأولى، ويقرؤون في هذه الفترة القرآن الكريم، ويكملون ما يستطيعون من ختمات للقرآن، يتجمعون بعدها ويقرأ أحد الشيوخ أو إحدى النسوة دعاء ختم القرآن، يأخذونه من كتاب اسمه دعاء ختم القرآن من تأليف أحمد بن محمد البراك، ويقول هذا المؤلف: إنه كتب هذا الكتاب في الهند وداعاً لشهر رمضان؛ لينتفع به المسلمون، وفيه دعاء أول السنة وآخرها، ودعاء ليلة النصف من شعبان، واستوقفتني هذه الجملة؛ لعلمي بضعف الأحاديث الواردة في تخصيص ليلة النصف من شعبان، ثم يذكر في الكتاب كجزء من الدعاء سورة الفاتحة وآيات من سورة البقرة وآل عمران وسور أخرى، ومن الكلام الذي ورد فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأعرابي: أسلم. قال: من شهد يا محمد أن ما تقول صدق؟ فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم شجرة من شاطئ الوادي الأيمن، فجاءت إليه وهي تشق الأرض شقاً، فاستشهدها رسول الله وقال لها: يا شجرة من أنا؟ قالت: أنت رسول الله حقاً. فغادرت إلى مكانها معلنة له بالرسالة نطقاً. وقول آخر عن رسول الله أنه أجار البعير، وضمن الغزالة، وكلّمه الضب، وخاطبه الثعبان، واخضرّ العود اليابس في كفه.ويكرر هذا الدعاء بعدد الختمات التي تمت للقرآن، فيسألون الله فيه أن يكون ثوابه صدقة للميت، فهل تجوز القراءة للميت؟ وما مدى صحة ما ورد في هذا الكتاب؟ أفيدونا بما تعلمون حول هذا الأمر جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا الكتاب الذي أشارت إليه السائلة لم يكن عندي منه شيء ولا أعلم به. ولكن ما ذكر من اجتماع أهل الميت للعزاء ثلاثة أيام، وقراءة القرآن وإهداء ثوابه إلى الميت، فإن هذا من البدع التي لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كره أهل العلم أن يجتمع الناس للعزاء في بيوتهم أو في مكان خاص، والغالب أنه إذا حصل مثل هذا الاجتماع- ولا سيما اجتماع النساء، الغالب أنه- لابد أن يكون مصحوباً بنياحة أو ندب،وكلاهما محرم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم (لعن النائحة والمستمعة) . وعلى هذا فالواجب على المسلمين التخلي عن هذه البدع، وأن ينظروا إلى طريقة من سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ويتمشوا على طريقتهم، ولاشك أن الصحابة رضي الله عنهم قد أصيبوا بالأموات كغيرهم من الناس، ولم يكن يحدث منهم ذلك،وغاية ما ورد في هذا أنه لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم) . وأما إهداء القرآن إلى الميت، أو قراءة القرآن للميت: فإن أهل العلم اختلفوا هل يصل ثوابها إليه أم لا؟ والصحيح أنه يصل ثوابها إليه، ولكن استئجار من يقرأ القرآن له هذا هو الذي يكون حراماً؛ لأن قراءة القرآن قربة، والقربة لا يصح أخذ الأجرة عليها، فلو استأجروا شخصاً يقرأ القرآن للميت فإن عقد الإجارة محرم، والقارئ لا يملك الأجرة بذلك، وليس له ثواب من قراءته؛ لأنه أراد بها غير وجه الله، والميت لا ينتفع بها حينئذٍ؛ لأنها ليست مقبولة يترتب عليها الأجر والثواب، وحينئذٍ يكون أهل الميت الذين بذلوا هذه الدراهم خاسرين، وقد فات الميت ما يرجونه من الثواب. وأما ما ذكره من الآيات التي أشار إليها، الآيات التي تدل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: فالآيات الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، وأعظمها هذا القرآن العظيم الذي لا يزال معجزة حتى يأتي أمر الله عز وجل، وقد ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم من الآيات الكونية الأرضية والأفقية شيء كثير، من أراد أن يراجعه فليرجع إلى ما ذكره أهل العلم في ذلك، مثل البداية والنهاية لابن كثير، ومثل ما ختم شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه الجواب الصحيح به، فإن فيه مقنعاً وكفاية.
***
(23/2)

بارك الله فيكم المستمع سعد الدوسري من وادي الدواسر يقول: عندي كتب فقه وتفسير كثيرة، وبعضها أو أكثرها لم أقم بقراءته، فهل أنا آثمٌ إذا لم أستفد منها؟ وماذا أعمل بها؟ علماً أن عندي العزم إن شاء الله إذا فرغت سأقوم بالقراءة، وأيضاً أنا أعيرها لغيري عند طلب أحدٍ من الناس لذلك، هل صحيح أن زكاة الكتب الإعارة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول في الجواب على هذا: إنه لا بأس أن يقتني الإنسان الكتب التي يرجو بها النفع حاضراً أو مستقبلاً؛ لأن الكتب إن أردت أن تكون مالاً فهي مال، وإن أردت أن تكون علماً وتثقيفاً فهي علم وتثقيف، وإن أردت أن تكون غنيمةً لورثتك من بعدك لمن شاء الله هدايتهم إلى قراءتها فهي كذلك، وهي- أي: الكتب- من خير ما يقتنيه الإنسان في حياته، سواءٌ كان ينتفع بها مباشرة وفي الوقت الحاضر، أو لا ينتفع بها مباشرة، لا ينتفع بها إلا في المستقبل، فليس عليه في ذلك حرج إطلاقا. ً وكون هذا الرجل يعير ما عنده من الكتب لمن طلب الإعارة لينتفع بها هو خيرٌ له، أي: إن ذلك خير وإحسانٌ إلى عباد الله، وقد قال الله تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) . ويرجى أن يناله من الأجر بقدر ما ينتفع بها هذا المستعير من العمل الصالح الذي يستنير بها فيه. وأما قول السائل: هل صحيحٌ أن زكاة الكتب عاريتها؟ فنقول: الكتب المقتناة للانتفاع ليس فيها زكاة، لا نقود ولا إعارة؛ لأن كل شيئٍ يقتنيه الإنسان لنفسه من غير الذهب والفضة ليس فيه زكاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) . ولكن لا شك أن إعارة الكتب من أفضل الإعارات؛ لما فيها من النفع للمستعير، وللمعير أيضاً.
***
(23/2)

المستمعة من ليبيا تقول: إذا سأل سائل عن أمر في أمور الشرع فهل أجيبه بما أعرف مما قرأته من الكتب الشرعية أو ما سمعته من الأشرطة الدينية أو ما سمعته من هذا البرنامج، أو أقول له: لا أعلم أرجو الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب إذا سألك أحدهم عن مسألة وأنت تعلمين حكمها من الكتب الموثوق بمؤلفيها، أو الأشرطة الموثوق بقارئها، أو من هذا البرنامج نور على الدرب أن تخبريه بالحكم الشرعي لأنك لما علمت هذا الحكم عن الطريق التي أشرنا إليها كان واجباً عليك أن تخبريه بالحكم الشرعي إذا سألك، وإلا كنت داخلة في الذين يكتمون العلم، ولكن يحسن أن تقولي: قال فلان في نور على الدرب كذا، قال فلان في الشريط الفلاني كذا، قال فلان في الكتاب الفلاني كذا، حتى تخرجي من العهدة.
***
(23/2)

المستمعة أختكم في الله من المملكة تقول: هل يجب على من يحفظ حديثاً عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يبلغه الناس وإن لم يسألوه عن الحديث؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (بلغوا عني ولو آية) . فإذا احتاج الناس إلى بيان الحديث وتبليغه وجب على من علم به أن يبلغه، لكن بشرط أن يعلم أن هذا الحديث حجة؛لكونه صحيحاً أو حسناً، وأما الأحاديث الضعيفة فإنه يجب على الإنسان أن يبينها للناس حتى لا يغتروا بها. كذلك إذا سئل الإنسان عن حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب عليه أن يبلغه، فيجب تبليغ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حالين: إذا اقتضت الحال ذلك، والثاني إذا سئلت عنه. أما إذا لم تسأل عنه، ولم تقتض الحال ذلك، فإن تبليغه سنة وليس بواجب.ولكن ليحذر الإنسان أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لا يعلم أنه صحيح أو حسن يحتج به،فإن كثيراً من الإخوة ولاسيما الوعاظ يأتون بأحاديث لا زمام لها، أحاديث ضعيفة بل قد تكون أحاديث موضوعة، يعتقدون أن في ذلك نفعاً للناس وزجراً عن معصية الله عز وجل، ولكن هذا وإن كان قد يجدي بالنسبة لموعظة الناس وتخويفهم من المخالفات وترغيبهم في الموافقات، لكن فيه ضرراً عظيما، ً وهو: التقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) . وقال صلى الله عليه وسلم: (من حدث عني بحديث كذب أو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) . فليحذر الإخوة من أن ينسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم تثبت نسبته إليه.
***
(23/2)

بارك الله فيكم من أم البراء من الرياض تقول في هذا السؤال: فضيلة الشيخ لأنها طالبة للعلم الشرعي ترجو من فضيلتكم النصح في هذا السؤال، تقول: رغم إحساسي أني لم أبلغ العلم الكافي في التبليغ في الدعوة إلى الله وذلك لحيائي، فهل يكفي تبليغ القليل منه؟ أرجو الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على من آتاه الله علماً أن ينشره بين الناس كلما ما دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأن العلم أمانة يجب على المرء أن يؤديها إلى أهلها المستحقين لها، مثل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بلغوا عني ولو آية) . والواجبات التي تجب على العبد تكون بحسب الاستطاعة، فعلى هذه السائلة أن تبلغ من شريعة الله ما علمته بحسب استطاعتها لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لتبدأ بالأقرب فالأقرب؛ لقول الله تعالى: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) . ولأن الأقرب أحق بالبر من الأبعد، فلتبدأ به، ولتكن حكيمة في أداء العلم: في الأسلوب،وفي الحال، وفي الوقت، وفي المكان، فإن ذلك مما يكون به الخير، قال الله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الأَلْبَابِ) .
***
(23/2)

أحسن الله إليكم هذه سائلة للبرنامج أرسلت بهذا السؤال تقول: فضيلة الشيخ أثابك الله تذكر بأنها مدرسة، وتريد أن تترك التدريس لتتفرغ لعبادة الله عز وجل، تقول: فهل في عملي هذا خطأ؟ وإذا لم يكن خطأ فما الحكم جزاكم الله خيراً إذا لم يوافق والدي على ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أرى أن تبقى في التدريس؛لأن التدريس نشر للعلم، وعبادة متعدية ونفعها يتعدى إلى الغير، بخلاف العبادة الخاصة، اللهم إلا أن يكون لها أولاد وزوج، وهي مشغولة بهم وإذا ذهبت إلى التدريس أضاعت حق الله فيهم، أو اضطرت زوجها إلى أن يأتي بخادم، فهنا نقول: بقاؤها في بيتها أفضل.
***
(23/2)

هذا المستمع أبو محمد من العين الإمارات يقول: إذا كان الشخص لديه علم شرعي وهو متخرج من إحدى الكليات الشرعية، ويقوم بالتدريس للصف الثانوي، ويطلب منه مثلاً من جماعة المسجد أو طلبة العلم أن يلقي كلمة أو محاضرة في المسجد أو في مناسبة، لكنه يمتنع ويصر على عدم المشاركة في أي درس في المسجد أو في قاعة أو في غيرها، هل يؤاخذ على ذلك؟ ويعتذر ويقول: يكفي أنني أدرس المواد الشرعية في الثانوية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي ينبغي للإنسان إذا أعطاه الله علماً أن يحرص على بث العلم الذي أعطاه الله بكل وسيلة، لا سيما إذا كان علماً شرعياً يهدي الله به على يديه من شاء من عباده، ومن المعلوم أن الإنسان إذا سئل عن علم وجبت عليه الإجابة ما لم يخش ضرراً على نفسه؛ لأن الله تعالى قال: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) . فالواجب على هذا الأخ الإمام إذا سئل عن علم أن يبينه، والأفضل إذا طلب منه أن يعطي درساً بالمسجد أن يستجيب لذلك، لما فيه من الخير والمصلحة له ولأهل القرية.
***
(23/2)

جزاكم الله خيراً شيخ محمد تكثر الأسئلة المتعلقة بالعقيدة، فما الواجب على طلبة العلم والعلماء في تصحيح المفاهيم في دعاء الأموات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على أهل العلم من شيوخ وطلاب أن يبينوا للناس أن هذا منكر وشرك، وأنه لا فائدة من هؤلاء الذين يدعونهم، وأن الضرر والنفع كله بيد الله عز وجل، وأن لا يخضعوا -أعني: العلماء وطلبة العلم- للواقع، بل الواجب أن يقوموا لله مثنى وفرادى، وأن يعلموا أن ذلك لا يزيدهم هواناً وذلاً، بل لا يزيدهم إلا قوة وعزة. وكثير من الناس- هدانا الله وإياهم- يقولون: هؤلاء مضوا على ذلك ومضى عليه آباؤهم ولا يمكن التغيير، وهذا تصور خاطئ، فإن هذا الذي حصل كالذي حصل من الأمم السابقة الذين أتتهم الرسل، فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة، فالواجب على إخواننا العلماء وطلبة العلم أن يتقوا الله تعالى، وأن يقوموا بنشر دينه وتوحيده، ثم إن اهتدى الخلق فهذا المطلوب، وإن لم يهتدوا فقد أدوا ما عليهم، وأبرؤوا ذممهم والهداية بيد الله عز وجل، كما قال تعالى لرسوله محمدِ صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) . وقال له: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) .
***
(23/2)

فضيلة الشيخ السائلة أم عبد الرحمن تقول هل يجوز للعالم الدارس للعقيدة أن يفتي في الفقه والعكس صحيح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز لأحد أن يفتي بشيء لا يعلمه، سواء كان عالماً في شيء آخر أو لا؛ لقول الله تبارك وتعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) . ولقول الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولاً) . وإذا كان له اختصاص في العقيدة لكن عنده علم من الفقه فأفتى في الفقه بما يعلم فلا بأس، وكذلك العكس لو كان عنده اختصاص في علم الفقه وأفتى في العقيدة بما يعلم فلا بأس، فالممنوع هو أن يفتي الإنسان بغير علم، سواء كان في ضمن تخصصه أو في أمر خارج عن تخصصه.
***
(23/2)

المستمع محمد أمن القصيم يقول: هل صحيح أن للعلم زكاة؟ وهي بذله للناس وتعليمه إياهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجب على العالم أن يبين علمه للناس إذا احتاجوا إليه، سواء بالإجابة على أسئلتهم، أو ببيان العلم إذا احتاج الناس إليه وإن لم يسألوا؛ لقول الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) . وهذا الواجب يسميه بعض العامة زكاة، فزكاة العلم التعليم، وزكاة المال الصدقة، وزكاة الجاه الشفاعة، وما أشبه ذلك من العبارة التي يقولها العامة، ولكن نحن نقول: سواء سميتموه زكاة أم لم تسموه يجب على أهل العلم أن يبينوا العلم للناس؛ لئلا يكونوا من الذين أوتوا العلم فكتموه نسأل الله أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح والرزق الطيب الواسع الذي يغنينا به عن خلقه، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
(23/2)

فضيلة الشيخ تدريس العقيدة أمرٌ مهم، فماذا يجب على طلاب العلم والدعاة إلى الله حيال ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواقع أن الناس عندهم جهل كثير في العقيدة وغير العقيدة، لكن الحمد لله بشرى فالناس عندهم إقبال الآن على العلم، وبعضهم عنده إقبالٌ زائد يغالي حتى في العقيدة، يتكلم في أشياء ما تكلم فيها السلف يريد إثباتها، لكن على طلبة العلم أن يكلموا الناس بحسب الحال: فمثلاً إذا رأينا أهل قريةٍ انحرفوا في العقيدة نركز على العقيدة ونبحث فيها بحثاً قوياً، وإذا رأينا آخرين فرطوا في صلاة الجماعة تكلمنا في الجماعة، بأن تكون الدعوة والإلحاح فيها على حسب ما تقتضيه الحال، قال الله عز وجل: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) . فمثلاً إذا رأينا أناساً يقيمون الصلاة كما ينبغي وعندهم تفريطٌ في الزكاة، فهل نركز على الصلاة لأنها أهم من الزكاة؟ أو نركز على الزكاة لأنهم مفرطون فيها؟ الجواب: الثاني، ما نذهب نتكلم في الصلاة وهم قد أقاموها كما ينبغي، فلكل حالٍ مقال، والحكيم يفعل ما يرى الناس في ضرورةٍ إليه، سواءٌ في العقيدة أو في أعمال الجوارح.
***
(23/2)

أحسن الله إليكم شيخ محمد قد يتساءل بعض العامة عن عبارة: وهذا معلوم بالضرورة من الدين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تعبير العلماء بقولهم هذا معلوم بالضرورة من الدين، يعني: أن الدين الإسلامي جاء به ضرورة لابد أن يأتي به، فمثلاً وجوب الصلوات الخمس معلوم بالضرورة من الدين، تحريم الخمر بعد أن حرمت كذلك، فالشيء الذي لا يمكن لأحد من المسلمين جهله هو المعلوم بالضرورة من الدين.
***
(23/2)

بارك الله فيكم م ع ص له هذا السؤال يقول: المعلم الذي يعطي الطلاب جوائز ومكافآت تشجيعية هل يؤجر على ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أعطى المعلم أو المدرس تلاميذه جوائز تشجيعية حتى يرغبهم في الدرس وينشطهم عليه ويتسابقوا عليه فإنه يؤجر على هذا، وهو من الإنفاق على العلم الذي فيه الفضل لمن فعله، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الغزو: (من قتل قتيلاً فله سلبه) . وهذا لا شك طريق من طرق التشجيع، فإذا فعل المدرس أو المعلم هذا من أجل تشجيع الطلاب فإنه يؤجر على هذا، وهو يعود التلاميذ التنافس والوصول إلى الخير.
***
(23/2)

أحسن الله إليكم سائل من الأفلاج يقول: يا فضيلة الشيخ حفظكم الله كثيراً ما أجد إحراجاً من قبل طلابي في أسئلةٍ كثيرة، فما حكم الإجابة على أسئلتهم إذا كانت خارج المنهج؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإجابة على أسئلةٍ خارج المنهج يعني خارج المقرر لا تلزمك وأنت في الفصل، بل يقال للطالب: لا تسأل إلا عن المقرر فقط؛ لأن السؤال عن غير المقرر تشاغل بما لا يجب عما يجب، أما إذا كان خارج الفصل يعني خارج الحصة فأجبهم بما تعلم، وتوقف عما لا تعلم، وإذا كان السؤال مما لا يليق فانصح الطالب عن سؤاله، ووجهه إلى ما هو خير.
***
(23/2)

جزاكم الله خيراً، تذكر هذه السائلة بأنها تعمل مُدرِّسة، وتسمع كثيراً من زميلاتها في المدرسة بأنهن قرب الامتحان يضعن مراجعة للمنهج الذي يقمن بتدريسه للطالبات، وتكون أسئلة الاختبارات من صميم تلك المراجعة، فهل هذا العمل جائز يا شيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للمدرسة أن تشير إلى موضع أسئلة الامتحان، سواء بتدريس المواضع التي تريد أن تأخذ منها الأسئلة، أو بالإشارة إلى ذلك، مثل أن تقول: هذا مهم أو هذا غير مهم، المهم أنه لا يجوز أن تشير لا تصريحاً ولا تلميحاً إلى مواضع الأسئلة، وهي مؤتمنة على هذا، وليس الشأن أن نكدس طلبة أو طالبات أخذن الشهادة، الشأن أن يكون الطالب نجح عن جدارة.
يافضيلة الشيخ: تقول بعض المعلمات -هداهن الله- يحددن الاختبار، مثلاً مادة التعبير والإملاء تكون عشرة مواضيع، فتقوم المعلمة بتحديد ثلاثة مواضيع فقط للاختبار، هل هذا العمل جائز؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذا كالأول.
***
(23/2)

أحسن الله إليكم هل مساعدة طلاب العلم في حل ما استشكل عليهم من واجبات، أو مساعدتهم وإعانتهم في عمل أبحاث؛ لمجرد إعانتهم في إكمال مشوارهم، وتشجيعاً لهم، وأحياناً لضيق الوقت هل يعتبر هذا من التعاون على البر والتقوى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا يرجع إلى الأنظمة: فإذا كان النظام أن الطالب إذا أعطي بحثاً يسمح له بأن يستعين بمن يعينه من العلماء فلا بأس، وأما إذا كان المقصود أن الطالب نفسه هو الذي يبحث ويفتش في الكتب ويتعب فإنه لا يجوز أن يستعين بأحد؛ لأن استعانته بالعالم يعني أنه يريد أن تكون الطبخة غير ناضجة، وهذا لا شك أنه غلط، أما لو اضطر إلى مراجعة العالم؛ لكونه بحث وبحث وناظر وناقش مع إخوانه وزملائه ولكن لم يصلوا إلى نتيجة، فسألوا من هو أعلم منهم عن هذا، فأرجو أن لا يكون في هذا بأس.
***
(23/2)

رسالة من جدة طالب من جامعة الملك عبد العزيز يقول في سؤال له: هل لنا أن نسأل عن أمور لم تحدث، مع فرض بعيد جداً لحدوثها؟ نرجو الإفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي ينبغي للإنسان طالب العلم وغير طالب العلم أن لا يسأل عن أمور بعيدة الوقوع؛ لأن ذلك من المعاياة والإعجاز وإضاعة الوقت، وإنما يسأل عن أمور واقعة أو قريبة الوقوع، هذا بالنسبة للسائل. أما بالنسبة لمن يبحث أو يكتب فلا حرج عليه أن يأتي بأمور لإيضاح القاعدة أو الضابط، وإن كانت نادرة الوقوع، وهذا طريق من طرق تعليم العلم، وأما السؤال فلا ينبغي أن يسأل إلا عن شيء واقع أو شيء قريب الوقوع. وإنني بهذه المناسبة أود أن أوجه إخواني طلبة العلم الذين بدؤوا في طلب العلم والنقاش والبحث،أوجههم فيما يتعلق بصفات الله تعالى أن لا يكثروا السؤال، بل ألا يسألوا عن شيء سكت عنه الصحابة والتابعون وأئمة الأمة؛ لأننا في غنى عن هذا، ولأن الإنسان إذا دخل في هذه الأمور فيما يتعلق بصفات الله فإنه يقع في متاهات عظيمة يخشى عليه إما من التمثيل أو التعطيل، ولهذا أنكر الإمام مالك رحمه الله وغيره من الأئمة على من سأل في صفات الله عما لم يسأل عنه الصحابة رضي الله عنهم، فقد سئل رحمه الله عن قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) . كيف استوى؟ فأطرق برأسه حتى علاه العرق من شدة وقع السؤال عليه، ثم رفع رأسه وقال للسائل: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وإنما كان السؤال عنه- يعني: عن كيفية الاستواء -بدعة لأن ذلك لم يقع من الصحابة رضي الله عنهم، الذين هم أحرص منا على العلم، وأشد منا تعظيماً لله عز وجل، ولم يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمته، مع أنه أحرص الناس على البلاغ، لكن كيفية صفات الله وحقيقتها أمر مجهول لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولو كان هذا من الأمور التي تلزم الإنسان في دينه، أو تكون من مكملات دينه لبينه الله عز وجل، وبلغه رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا أمر فوق عقولنا لا يمكننا إدراكه، ولهذا أحذر مرة أخرى إخواني من الغوص في هذه المسائل والتكلف والتنطع، وأن يبقوا النصوص على ما هي عليه في معانيها الظاهرة البينة، وأن لا يسألوا عن شيء لم يسأل عنه السلف الصالح. أما مسائل الأحكام فهي أهون، فله البحث والمناقشة، ولهم أن يفرعوا على الضوابط والقواعد من الأمثلة ما قد يكون بعيد الوقوع. والله الموفق.
***
(23/2)

بارك الله فيكم فضيلة الشيخ سؤال للمستمعة م. س. جامعة الإمام تقول: هل يجوز لطلبة العلم الشرعي التغيب عن بعض المحاضرات بحجة الاستذكار للاختبار في مادةٍ أخرى، خاصة إذا كان الطالب يقصر في البداية، وإذا بدأت الاختبارات الفصلىة يتغيب عن المحاضرات للمذاكرة؟ وهل من نصيحة لطالب العلم وتوصية بإعطاء العلم حقه؟ أرجو منكم إفادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: مسألة الجواز وعدم الجواز لا أستطيع أن أفتي فيها بشيء، فالإنسان طبيب نفسه،ولا أدري لو كان يخصم على الإنسان إذا تغيب هل يتغيب أو لا؟ وأما النصيحة: فنصيحتي لكل إنسان دخل في جامعةٍ يطلب فيها العلم الشرعي وما يسانده من العلوم الأخرى أن يخلص لله تعالى في طلب العلم: بأن ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره من المسلمين، بأن ينوي بذلك حفظ شريعة الله وحمايتها من أعدائها، وأن يذود عنها بقدر المستطاع بمقاله وقلمه، حتى يؤدي ما يجب عليه. وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: (العلم لا يعدله شيءٌ لمن صلحت نيته. قالوا: وكيف ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره) . وقال رحمه الله: (تذاكر ليلةٍ أحب إلي من إحيائها) . وهذا يدل على فضيلة طلب العلم، لكن بشرط الإخلاص، ولو لم يكن من فضل العلم إلا أن الله سبحانه وتعالى جعل العلماء شهداء على ألوهيته -وتوحيده في قوله تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) - لكفى. والعلماء ورثة الأنبياء، ورثةٌ في العلم وورثةٌ في العمل وورثةٌ في الأخلاق وورثةٌ في الدعوة إلى الله عز وجل، فليعط الإنسان هذا الإرث حقه، وليقم بواجبه حتى يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم.
***
(23/2)

هذه السائلة عائشة من جمهورية مصر العربية بور سعيد تقول: كيف تكون المرأة داعية لدين الله؟ وما هي الأسباب المعينة على ذلك؟ وما الكتب التي أبدأ بها في تحصيل طلب العلم الشرعي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تكون المرأة داعية كالرجل تماماً إذا كان لديها علم بشريعة الله، فإن لم يكن لديها علم فلا يحل لها أن تتكلم بلا علم؛ لقول الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) . ولقوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولاً) . ولقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
ثانياً: أن يكون لديها قدرة على التكلم بما علمت.
ثالثاً: أن يكون لديها قدرة على مجادلة المعارض؛ لأنه قد يقوم شخص معارضٌ لما تدعو إليه، ويكون لديه فصاحة وبيان، فيغلب بفصاحته وبيانه على هذه الداعية؛ لضعف دفاعها وقوة باطله، فلا بد أن يكون لديها قدرة على مجادلة المعارض. وأما ما تبدأ به: فخير ما يبدأ به طالب العلم كتاب الله عز وجل، أن يحفظه ويتدبر معانيه، ويدعو الناس إلى دين الله تعالى به. ثم ما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن السنة تبين القرآن وتوضحه وتفسره، وهي شقيقة القرآن في وجوب العمل بها. ثم بكتب العقيدة والتوحيد، لا سيما إذا كان في بلدٍ يكثر فيه الشرك والعقيدة الباطلة. ثم بما كتبه أهل العلم من الفقه، حسبما يتيسر لها، والأحسن أن تسأل عن كل مسألةٍ بعينها، أي تسأل أهل العلم؛ ليكون ذلك أدق في الجواب.
***
(23/2)

في آخر أسئلتها تقول: هذه السائلة ما هي الكتب العلمية التي تنصحونني بقراءتها لمن أرادت أن تكون طالبة علم؟ وهل يكتفى بقراءتها فقط أم بحفظها؟ وكيف تستطيع المرأة أن تكون طالبة علم، نظراً لعدم دراستها على يد مشايخ أو طالبات؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا السؤال قد ورد مثله في حلقة سابقة،وبينا أن أهم كتاب تجب العناية به وتفهم معناه والعمل به هو كتاب الله عز وجل، ثم ما صح من السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم كتب التوحيد والعقائد، ثم يقرأ كتب الفقه وما أُلِّفَ في ذلك. وأمَّا هل يمكن للمرأة أن تتعلم العلم بمراجعة هذه الكتب، أم لا بد من مدرسٍ خاصٍّ فنقول: الحمد لله الآن الأشرطة ملأت الدنيا من مجالس أهل العلم الموثوق بعلمهم وأمانتهم، فبإمكانها أن تتعامل مع أحد التسجيلات، بأن يؤمن لها ما تريد الاستماع إليه من مجالس العلماء.
***
(23/2)

تقول السائلة: هل يجوز للمرأة المسلمة أن تحضر مجالس العلم والدروس الفقهية في المساجد؟ علماً بأنها تخرج إليها متسترة وبالزي الشرعي. وأيهما أفضل: حضورها لمثل هذه المجالس، أم بقاؤها في المنزل؟ علماً بأننا الآن نخرج للتعليم في الجامعات والمدارس بناء على رغبة آبائنا وأمهاتنا، ومع العلم أيضاً بأن الاستفادة من هذه المجالس أكبر من الاستفادة من القراءة في المنازل. أرجو إفادة حول هذا السؤال بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجوز للمرأة أن تحضر مجالس العلم، سواء كانت هذه العلوم من علوم الفقه العملي، أو من علوم الفقه العقدي المتصل بالعقيدة والتوحيد، فإنه يجوز لها أن تحضر هذه المجالس، بشرط أن لا تكون متطيبة ولا متبرجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء) . ولا بد أن تكون بعيدة عن الرجال لا تختلط بهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) . وذلك لأن أولها أقرب إلى الرجال من آخرها، فصار آخرها خيراً من أولها.
***
(23/2)

فتاةٌ أرادت الالتحاق بتحفيظ القرآن فمنعتها والدتها، فهل لها طاعتها أم الذهاب؟ أيهما أفضل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: طاعة الوالدة أفضل، لا سيما أنها إذا خرجت ستخرج إلى الطرقات، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قال في النساء اللاتي يصلىن مع الرجال: (بيوتهن خيرٌ لهن) فهذه مثلها، لكن إذا كان امتناعها يفوت خيراً كثيراً فلتقنع والدتها بالذهاب، فإذا أذنت لها تذهب.
***
(23/2)

ما حكم خروج المرأة إلى الندوات والمحاضرات باستمرار؟ كأن تحضر في وقت العصر حلقات تحفيظ القرآن وفي فترة ما بعد العشاء تحضر الندوات لبعض العلماء؟ فهل هذا الفعل يجوز إذا كان برضا وليها؟ وهل في ذلك مشابهة للرجال بكثرة الخروج؟ وهل يخالف الآية الكريمة: (وقرن في بيوتكن) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا حرج على المرأة أن تخرج إلى حلقات تحفيظ القرآن النسائية لتحفيظ القرآن فإن هذا من الخير، وكذلك أيضاً لا حرج عليها أن تحضر الندوات إذا كانت تنتفع بذلك، حتى لو تكررت المحاضرات والندوات كل ليلة، فلا حرج عليها إذا أمنت الفتنة ووافقها وليها على ذلك، وهذا لا يخالف الآية الكريمة: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) ؛ لأن المرأة لم تخرج من بيتها إلا لمصلحة فوق بقائها في بيتها. على أن الأمر والحمد لله في الوقت الحاضر يمكن تداركه بالنسبة للندوات والمحاضرات بالأشرطة التي تسجل فيها تلك الندوات والمحاضرات، ولكن ربما يكون بعض المحاضرين لا يرغب أن تسجل محاضراته، وحينئذ يكون لابد من حضور المحاضرة لمن أراد أن يستمع إليها.
***
(23/2)

رسالة وصلت من السائلة أم عمار من اليمن تقول في هذا السؤال: نحن فتاتان، ولكن ما نعانيه أن الوالد لا يسمح لنا بالذهاب إلى بعض الدروس التي تقام بالمسجد، حيث يتم فيه تعليم المرأة، فما توجيهكم في ذلك فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نرى أن الوالد- وفقه الله- ينبغي له أن ينظر المصلحة في ذهابكما إلى الدروس في المساجد وعدم الذهاب، فإن كان يرى أن المصلحة بقاؤكما في البيت فليمنعكما من هذا، وإن رأى أن المصلحة في حضوركما الدرس، وأنه لا مفسدة في ذلك تقاوم المصلحة، فإن الذي أشير به عليه ألا يمنعكما؛ لأن نساء الصحابة كن يحضرن المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويحصل لهن من سماع المواعظ ما يحصل. لكن نحن في زمن كثر فيه الشر والفساد والسفه، فلعلَّ الوالد منعكما من الذهاب إلى المساجد لاستماع الدروس خوفاً من الشر والفساد، ثم إن الله سبحانه وتعالى فتح علينا في هذا العصر فتحاً مبيناً، وذلك بتسجيل ما يلقى من الدروس، وبإمكانكما أن تحصلا على هذه المسجلات فتنتفعا بها، ويغنيكما هذا عن الذهاب إلى المسجد مباشرة.
***
(23/2)

هل يجوز لي أن أقرأ كتباً مثلاً فقه السنة أو غيرها من الكتب الدينية وأنا حائض أم لا؟ أفيدونا يا فضيلة الشيخ سدد الله خطاكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول يجوز للمرأة الحائض أن تذكر الله وتهلله وتسبحه وتكبره، وتقرأ ما شاءت من الكتب الدينية، سواء كانت هذه الكتب من تفسير القرآن أو من الأحاديث النبوية أو من كتب الفقه أو غيرها، فلا حرج عليها في ذلك. أما قراءة القرآن وهي حائض فقد اختلف فيها أهل العلم، ولكن الراجح عندنا أنه لا يحرم عليها قراءة القرآن إذا احتاجت لذلك، مثل أن تكون معلمة تحتاج إلى قراءة القرآن أمام الطالبات للتعليم، أو تكون متعلمة تحتاج إلى قراءة القرآن للاختبار أو نحوه، فهذا لا بأس به؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ليس في منع الحائض من قراءة القرآن سنةٌ صحيحةٌ صريحة، والأصل براءة الذمة وجواز ذلك، وهذا لعموم البلوى، لو كان أمراً محرماً لكانت السنة في ذلك بينة واضحة لا تخفى على أحد، ولهذا نقول اتباعاً للأحوط: إن المرأة إذا احتاجت إلى قراءة القرآن وهي حائض فلا حرج عليها في ذلك، وإلا فلها غنيةٌ بالتسبيح والتكبير والتهليل وقراءة الكتب الدينية، كما في هذا السؤال.
***
(23/2)

أحسن الله إليكم وبارك فيكم السائلة أم عبد الله دياب من الدمام تقول: هل يجوز للمرأة الحائض أن تحضر محاضرات نافعة للتعلم في المسجد إذا أمنت التلويث وتوضأت للتخفيف من الحدث؟ علماً بأن مدة الحيض تتفاوت من امرأةٍ إلى أخرى، ولربما فاتها خير كثير؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يحل للمرأة أن تمكث في المسجد وهي حائض، سواءٌ لاستماع درسٍ أو غيره، وفي عصرنا هذا لا حاجة إلى أن تمكث في المسجد؛ لأن مكبر الصوت والحمد لله يعبر عن كلام المتكلم إلى مدىً بعيد، فلتجلس عند الباب، عند باب المسجد وتستمع إلى ما شاءت، وأما دخول المسجد والمكث فيه فهذا حرامٌ على الحائض.
***
(23/2)

المستمع طالب من إحدى الدول العربية يقول: يدرسنا مدرس حالق للحية ويلبس خاتماً من ذهب، ومقصر في بعض الأمور، ومع ذلك يدرسنا المواد الشرعية. فهل يجوز لي أن أحضر هذه الدروس في المدرسة؟ أرجو الإجابة مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإجابة على هذا الجواب تكون من شقين: إنني أوجه نصيحة إلى هذا المدرس أن يتقي الله في نفسه، وأن يتقي الله فيمن يأخذون العلم عنه؛ لأن حلقه لحيته حرام، ولباسه خاتم الذهب حرام، والتقصير في الواجبات حرام، فالواجب عليه أن لا يكون من العلماء الذين لم ينتفعوا بعلمهم، الواجب عليه أن يتقي الله فيمن يتلقون العلم عنه؛ لأن الذين يتلقون العلم عنه سوف يحذون حذوه إلا أن يشاء الله، سوف يفقهون العلم ولكنهم يعصون الله على بصيرة -والعياذ بالله- إلا أن يشاء ربك، فعلى هذا المعلم أن يحاسب نفسه، وأن يعلم أنه مسؤول أمام الله عز وجل عما صنع. أما الشق الثاني فهو أخذ العلم عن هذا: فلا بأس بأخذ العلم عنه وإن كان يعمل هذه المعاصي، إلا إذا كان هجره وعدم أخذ العلم عنه يؤدي إلى صلاحه واستقامته ورجوعه إلى الله، وردع أمثاله عن مثل هذا العمل، فحينئذ يهجر ويقاطع ولا يحضر درسه، ولكني أقول: قبل هذه المعاملة ينبغي للطلبة أن يوجهوا النصيحة إليه، وإذا كانوا لا يتمكنون من ذلك فليستعينوا بأهل الخير في بلادهم في توجيه النصح إليه، وإذا لم ينفع فيه ذلك فليرفعوا شأنه أو يرفعوا أمره إلى إدارة المدرسة أو المعهد أو الجامعة التي يدرس فيها، ويخوفوا هذه الجهة من الله عز وجل، ويقولوا لها: كيف يكون هذا الرجل مدرساً لنا في العلوم الدينية وهو رجل لا يدين لله تعالى في هذا وفي هذا؟ والواجب على إدارة المدرسة أو المعهد أو الكلية أو إدارة الجامعة، الواجب عليها ألا تجعل مثل هؤلاء المدرسين يدرسون أبناء المسلمين، تنصحهم وتدلهم على الخير، فإن اهتدوا فلهم ولغيرهم، وإن لم يهتدوا فالواجب إبعادهم عن حقل التدريس.
***
(23/2)

هذه رسالة أيضاً تتعلق بالرسالة الماضية بعث بها يقول: أنا الطالب سعد سعود ش، في الحقيقة الرسالة طويلة جداً لكن لعل اختصارها يكون أجدر، يقول: إنه هو وزملاؤه نشتكي إليكم أستاذنا الذي يدخل علينا في الصف ويقول لنا: السلام على القرود، وإذا ثرنا عليه جاء لنا بقصة إفرويد وقال: هذا أصلكم وأصلى، ولا مناص لنا من هذا الأصل، علماً أن أستاذنا تبدو عليه الغطرسة وطول الملابس وطول الشعر أيضاً والأظافر الطويلة، فما موقفنا من هذا الأستاذ وفقكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول: إقرار هذا الرجل على نفسه بأنه من القرود مقبول، وأما دعواه على غيره أنهم قرود فهي مرفوضة، وقد تقرر بيان أن اعتقاد كون أصل الآدمي قرداً كفر بالله عز وجل؛ لأنه تكذيب للقرآن الكريم ولما أجمع عليه المسلمون، بل ولِما أجمع عليه الناس اليوم، فإنه قد تبين أن هذه النظرية نظرية فاسدة باطلة، وأنه لا حقيقة لها. وأما كون هذا الأستاذ يبقى أستاذاً في هذه المدرسة فإنه لا يجوز إقراره أستاذاً، ويجب على مدير المدرسة أن يرفع به إلى من فوقه حتى يُبعد ويُنحى عن حقل التدريس، ويجب مراقبته أيضاً في خارج المدرسة حتى لا يُضِل الناس، وإذا استقام على الحق فذلك هو المطلوب، وهو من رحمة الله به وبالناس، وإلا وجب أن يُجرى عليه ما يمنع إفساده ولو بالقتل.
فضيلة الشيخ: إذاً يجوز قتله في هذه الحالة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: إذا لم يندفع ضرره إلا بذلك، وهذا ضرر عظيم؛ لأنه تكذيب للقرآن الكريم، فإذا لم يندفع إلا بهذا، وصار هذا الرجل داعية إلى هذا الإلحاد والكفر، فإنه يجب قتله؛ لأنه مرتد، والمرتد يجب قتله.
***
(23/2)

سؤاله يقول: بعض المحدثين إذا قرأ على الجماعة في المسجد أو غيره إذا انتهى من القراءة قال: والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد إلى آخره، أو يقول: بالله التوفيق، أو يقول: صدق الرسول الكريم إلى آخره، ما حكم هذا القول؛ وما حكم قول: صدق الله العظيم لمن انتهى من قراءة القرآن؟ وهذه تقال بكثرة، وجزاكم الله عنا أحسن الجزاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الأول فختام الدرس بقوله: والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، فإن اعتقد الإنسان أن ذلك من السنن المقربة إلى الله فهذا ليس بصحيح؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتكلم مع أصحابه ويحدثهم ويخطب فيهم، ولم يكن يختم ذلك فيما نعلم بمثل هذا، فتركه أولى. وأما ختم القرآن بقوله: صدق الله العظيم، فكذلك أيضاً إذا اتخذها الإنسان سنة راتبة كلما قرأ قال: صدق الله العظيم فإن هذا من البدع، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يختم قراءته بقول: صدق الله العظيم، ومن المعلوم أن صدق الله العظيم ثناء على الله تعالى بالصدق، فهو عبادة، والعبادة لا تكون مشروعة إلا حيث شرعها النبي صلى الله عليه وسلم،وعلى هذا فنقول: لا ينبغي للقارئ أن يختم قراءة القرآن بقول: صدق الله العظيم.
***
(23/2)

يسأل أيضاً ويقول: ما حكم الإسلام في تشريح جثث الموتى من أجل الدراسة عليها، كما هو معمول به في كليات الطب الموجودة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الميت المسلم لا يجوز تشريحه، وذلك لأن حرمته ميتاً كحرمته حياً، كما ورد في حديث رواه أبو داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كسر عظم الميت ككسره حياً) . وهذا يدل على تحريم التعرض له بتشريح أو تكسير أو نحوه. أما من لا حرمة له فإنه محل نظر، قد نقول: إنه محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التمثيل، قال: (لا تمثلوا) . وقد نقول: إنه جائز؛ لأنه لا يقصد به التمثيل، وإنما يقصد به مصلحة، وفرق بين أن نقصد التمثيل والتشفي، وبين أن نقصد مصلحة بدون قصد التشفي. والله أعلم.
***
(23/2)

أحسن الله إليكم وبارك فيكم هذا السائل يقول: هل يجوز لمدرس مادة العلوم أن يقوم بشرح المادة الدراسية في المرحلة المتوسطة باستخدام مجسمات صغيرة ومتوسطة لحيوانات وطيور مصنوعة من البلاستيك القوي أشبه ما تكون بالتماثيل، أو استخدام مجسمات لجسم الإنسان بالكامل بما فيه الرأس؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا حرام عليه لا يجوز؛ لأنه لا ضرورة إلى ذلك، فإن بإمكانه أن يصف الحيوان بالمقال، أو أن يجزِّئه أجزاء فيجعل الرأس وحده والبدن وحده واليدين والرجلين وحدها، وليس هناك ضرورة إلى أن يأتي بصور مجسمة. وأخشى أن ينزع الله البركة من علمه إذا هو أتى بهذه الصور؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة، وأرجو من إخواننا أن لا يتهاونوا بالصور، (فإن النبي صلى الله عليه وسلم أتى إلى بيته ذات يوم فوجد فيه الصور، فلم يدخل عليه الصلاة والسلام حتى أزيلت) واستعملت على وجه مباح.
***
(23/2)

بارك الله فيكم هذه المستمعة ت. ف. ب من العراق كركوك تقول: أنا طالبة في الجامعة، وذات يوم كان عندنا درس عن تحنيط الحيوانات، فكنا نقوم بإجراء تجارب على بعض الحيوانات كالأرانب والذئاب والحمام ونحوها، فنحضرها حية ثم نقوم بقتلها، وهنا المشكلة الثانية، فإننا نقتلها بإحدى الوسائل التالية: إما بحجزها في مكان خالٍ من الهواء حتى تموت، أو بقتلها بواسطة المخدر، ونحو ذلك من الوسائل غير الذبح الشرعي، ولا نستطيع رفض العمل هذا، فهو عبارة عن مادة دراسية يترتب عليها النجاح أو عدمه. فما الحكم الشرعي أولا: ً في التحنيط بغرض التعلم، أو للاحتفاظ بالحيوانات المحنطة للزينة. وثانياً: ما الحكم في قتل الحيوانات بالوسائل السابقة الذكر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: تحنيط الحيوان من أجل التعلم والحصول على علم ينفع العباد هذا لا بأس به، وذلك بأن الله عز وجل خلق لنا ما في الأرض جميعاً، ثم قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً) . ولكن يجب أن تتخذ أسهل الوسائل للوصول إلى هذا الغرض في قتل هذا الحيوان المحنط؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة) . وإذا خدرت بمخدر من أجل إجراء العملية عليها في حال حياتها فإن هذا لا بأس به أيضاً؛ لأن هذا فيه مصلحة للمتعلمين، ولا فيه كبير مضرة على هذا الحيوان، إذ إنه عند التخدير لا يتألم للتشريح فلا بأس بها. وأما حبسها في محل بحيث لا يصل إليها الهواء فإن في نفسي من هذا شيئاً؛ لأن هذا تعذيب شديد عليها، ولا أدري هل الحاجة ملحة إلى هذه العملية أم غير ملحة؟ وأما بالنسبة لتحنيط هذه الحيوانات للزينة فلا أراه جائزاً، وذلك لأنها خلقت لينتفع بها بالأكل، أما بالزينة فإنها فيها شيء من السرف ومن إضاعة المال بغير فائدة، فلا أرى أن تحنط لهذا الغرض؛ لأن بذل المال فيها إضاعة له.
***
(23/2)

يقول: جميع المدارس بمحافظتي وهي محافظة إدلب مدارسها مختلطة شباب وفتيات، وهن سفور فوق العادة وخاصة في مدرستي، ولا يمكن بل ولا يستطيع المرء إلا أن يتحدث معهن من خلال الدروس. والمطلوب: ما حكم الشرع في ذلك أفيدونا جزاكم الله ألف خير؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذي يجب عليك أيها الأخ أن تطلب مدرسةً ليس فيها هذا الاختلاط الذي وصفت حال أهله؛ لأن ذلك فتنة عظيمة، ولا يجوز للإنسان أن يعرض نفسه للفتن، فإن الرجل قد يثق من نفسه قبل أن يقع في الفتنة،قد يقول: أنا حافظٌ لنفسي، وأنا لا أميل إلى هذا الشيء، وأنا أكرهه. ولكن إذا وقع في الحبائل أمسكته، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم: (من سمع بالدجال أن ينأى عنه) . أن يبعد عنه، وقال: (إن الرجل يأتي وهو يرى أنه مؤمن، ولكنه يضل بما يقذف به من الشبهات) . فعلى كل حال نقول: أيها الأخ يجب عليك أن تتطلب مدرسةً ليس هذا وضعها، فإن لم تجد مدرسةً إلا بهذا الوضع وأنت محتاجٌ إلى الدراسة، فإنك تقرأ تدرس، وتحرص بقدر ما تستطيع على البعد عن الفاحشة والفتنة، بحيث تغض بصرك وتحفظ لسانك، ولا تتكلم مع النساء ولا تمر إليهن.
***
(23/2)

بارك الله فيكم هذا المستمع طه سوداني يقول: هل يجوز للرجل الوقوف أمام النساء لنشر العلم والدين؟ وهل يجوز للرجل أن يخلو بالمرأة من أجل إرشادها إلى الطريق المستقيم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز للرجل أن يخلو بالمرأة إذا لم يكن محرماً لها، ولو للتعليم، ولو للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) . وإذا خلا الرجل بالمرأة كان الشيطان ثالثاً لهما، ووسوس لهما الوساوس التي قد تؤدي إلى الفاحشة والعياذ بالل. وأما وقوف الرجل أمام النساء جمعاً بلا محذور شرعي من أجل تعليمهن: فإن هذا لا بأس به، لكن بشرط أن يأمن الإنسان على نفسه، وأن يكون مأموناً، ولكن في مثل هذه الحال إذا كانت المسألة بصفة رسمية فإنه يوضع حاجز بين هذا الرجل وبين النساء،حتى تكون النساء في سعة، وحتى لا يفتتن أحد من النساء بهذا الرجل، وأقول: إنه لا ينبغي أيضاً أن يقوم بتدريس النساء رجال إلا عند الضرورة، أما إذا لم يكن هناك ضرورة فإن الذي يقوم بتدريس النساء يكون امرأة، وكذلك الذي يقوم بتدريس الرجال يكون رجلاً؛ لأن الشارع يرمي إلى بعد النساء عن الرجال وعن الاختلاط بهم، ألم تر إلى المرأة إذا صلت في المسجد مع الجماعة فإنه يجب عليها أن تكون وحدها خارجة عن صفوف الرجال، ولا تكون صفاً مع الرجل، كما جرت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها) . وهذا كله يدل على أن الشارع يرمي إلى بعد الرجال عن النساء وعدم الاختلاط بهن.
***
(23/2)

المستمعة سامية من البحرين تقول: ما حكم قيام التلميذات في الصف للمعلمة احتراماً عند دخولها الفصل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: القيام للمعلمة أو المعلم عند دخول الفصل احتراماً وتعظيماً لا ينبغي؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يفعلون ذلك مع نبيهم صلى الله عليه وسلم، وهو أحق الناس بالاحترام والتعظيم، لكن يقال: إنهم يفعلون ذلك من أجل الانتباه والاستعداد للمعلم، وما يلقيه من العلم فإذا كان هذا هو المقصود فأرجو أن لا يكون به بأس.
***
(23/2)

_____ فتاوى متفرقات _____
(/)

أعمال القلوب
(24/1)

أحسن الله إليكم كيف يكون إخلاص العمل لله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إخلاص العمل هو أن العبادة لا يراد بها إلا وجه الله والدار الآخرة لا يراد بها الدنيا يعني لا يصلى الإنسان لأجل أن يمدح ويقال ما أقومه للصلاة ما أكثر صلاته وما أشبه ذلك بحيث يجعل عمله خالصاً لله عز وجل يريد به الثواب من عنده وبعض الناس ربما يجتهد في العبادة ليقال إن فلاناً كثير الصلاة أو إن فلان كثير العمرة أو إن فلاناً كثير الحج أو إن فلاناً كثير الصدقات وهذا يخل بالإخلاص قال الله عز (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) وقال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) والله لو تأمل الإنسان هذه الآية لاتعظ كثيراً فأنت ما خلقت إلا للعبادة وليس وجودك في هذه الدنيا لتعمر الدنيا ولتبني القصور ولتركب السيارات الفخمة ولترفه جسدك وإنماخلقت للعبادة ومن خلق للعبادة ينبغي أن يجعل عمله كله عبادة ولهذا كان الموفقون الكيسون يجعلون عاداتهم عبادة والغافلون يجعلون عباداتهم عادة فأنت تجد الموفق وأسأل الله أن يجعلني ومن سمع منهم إن أكل يأكل امتثالاً لأمر الله لأن الله أمر به (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا) ويقصد بالأكل حفظ بدنه وهو مأمور بحفظ بدنه وإن أكل يريد الاستعانه به على طاعة الله فيكون طعامه الذي يتلذذ به أكلاً وشرباً يكون عبادة وإن لبس ينوي بذلك ستر عورته وسوأته عن الناس ثم يتذكر بهذا أنه كما يحب أن يستر عورته الحسية عن الناس فليستر عورته المعنوية بالتوبة إلى الله ولهذا لما قال الله عز وجل (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) وهذا اللباس الضروري (وَرِيشاً) وهذا لباس الجمال قال (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ) لباس التقوى ذلك خير فإذا نوى واستحضر بقلبه عند اللباس هذا المعنى صار اللباس عبادة وهكذا العادات يستطيع المؤمن الموفق الكيس أن يجعل عاداته عبادات.
وأما الغافل فعباداته عادات اعتاد إنه إذا أذن في المسجد يصلى واعتاد أنه إذا جاء رمضان صام واعتاد أنه إذا جاء وقت الزكاة تصدق وهو في غفلة ولهذا فالنية لها مدخل عظيم في العبادات ففي الوضوء مثلاً أكثرنا إذا جاء وقت الصلاة أو أراد أن يصلى نافله قام وتوضأ وصلى لكن هل منا من يستحضر أنه إذا كان يصلى يمتثل أمر الله في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) هل يستحضر أنه يطبق قول الله عز وجل (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) عند غسل وجهه فالذي ينبغي لنا أن نستحضر هذا ونخلص لله عز وجل فينوي المسلم في قلبه أغسل وجهي امتثالاً لأمر الله وأغسل يدي امتثالاً لأمر الله وأمسح رأسي امتثالاً لأمر الله وأغسل رجلي امتثالاً لأمر الله ثم يستحضر أيضاً معنىً آخر أنني أفعل هذا اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكأني أشاهد الرسول عليه الصلاة والسلام يتوضأ على هذه الكيفية حينئذٍ نحقق في هذا الاستحضار الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والحقيقة أن الإنسان إذا عرف قدره وقدر حياته استطاع بمعونة الله عز وجل أن يقلب عاداته عبادات وأن يكمل عباداته باستحضار هذه النيات ويكون حقق قول الله عز وجل (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أسأل الله تعالى أن يمن علي وعليكم وعلى من سمع بهذه النية الطيبة.
***
(24/2)

هذه رسالة من أختكم في الله من حريملاء أج س تقول إذا قام الإنسان ببعض أعمال التطوع كصلاة الضحى أو قيام الليل أو غيرها من العبادات وحاول أن يراه أهل البيت ليس رياء ولكن رجاء التقليد له أو الاقتداء به فيكون قدوة لهم فهل يجوز هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الأصل في معاملة الإنسان ربه وتعبده له إن يكون ذلك سراً بينه وبين ربه لأنه إنما يتعبد لله رجاء ثواب الله عز وجل والنجاة من عقابه وهذا لا يحتاج إلى أن يراه أحد من البشر لأن البشر لا يحققون له شيئاً من ذلك إلا حسبما تقضيه الشريعة كالدعاء للإنسان مثلاً هذا هو الأصل في العبادات لكن قد يكون إظهار العبادة أمراً مشروعاً مرغباً فيه لما يترتب عليه من المصالح فانظر إلى الصلاة مثلاً وهي أجل العبادات البدنية يشرع أن تكون جماعة في المساجد معلنة ظاهرة لما في ذلك من الخير الكثير المترتب على إعلانها والاجتماع عليها في المساجد ولهذا إذا عورضت المصلحة هذه بما هو أصلح كان الأفضل عدم صلاتها في المساجد فالنساء مثلاً لا يشرع لهن أن يصلىن جماعة في المساجد وإن كان يباح لهنّ أن يحضرن جماعة الرجال في المساجد أما الرجال فوجوب الجماعة عليهم في المساجد ظاهر وذلك لأن مصلحة إظهار الجماعة في المساجد بالنسبة للرجال عارضها مشروعية القرار في البيوت وعدم البروز بالنسبة للنساء فكان بيوتهن خير لهن ولهذا نقول إن المشروع في حق المرأة ألا تشهد الجماعة مع الرجال إلا في صلاة العيد خاصة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء أن يخرجن حتى أنه (أمر العواتق وذوات الخدور أن يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى) إذاً الأصل في العبادة أن تكون سراً بين الإنسان وبين ربه لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يثيبه عليها ويعاقب الإنسان على معصيته لكن إذا كان فيها مصلحة فإنها تراعى هذه المصلحة وبناء على هذه القاعدة يتبين الجواب عن سؤال المرأة التي تسأل عن إخفاء التطوع في بيتها عن أهلها هل هو أفضل أو إظهار التطوع لا رياء ولا سمعة ولكن من أجل أن يقتدي بها أهل البيت؟ فنقول إن إظهار التطوع في هذه الحال بهذه النية أفضل من إخفاءه لأن الناس ينشط بعضهم بعضا فإذا رأت المرأة أن إظهار تطوعها في الصلاة أو قراءة القرآن أو الصدقة أو ما أشبه ذلك ينتج عنه خير باقتداء غيرها بها فإن إظهاره حينئذ يكون خيراً وهكذا الرجل ولهذا امتدح الله عز وجل الذين ينفقون سراً وعلانية ولم يجعل المدح خاصاً بالذين ينفقون سراً وذلك لأن السر قد يكون أولى والإعلان قد يكون أولى بحسب ما يترتب على ذلك من المصالح
وخلاصة الجواب أن المرأة إذا أظهرت التطوع بالصلاة أو القراءة أو الصيام أو الصدقة من أجل أن يقتدي بها أهل البيت فإن ذلك لا بأس به بل هو خير.
***
(24/2)

كيف يكون حال الإنسان عندما يريد أن يعمل شيئاً من الطاعات هل يكون في قلبه أنه يريد نيل رضا الله عز وجل أم الفوز بالجنة والنجاة من النار أم إبراء الذمة وهل عليه أن يتذكر الإخلاص عندما يريد فعل أي شيء أفتونا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما إرادة الإخلاص فلا بد منها أن يريد بعبادته وجه الله لا سواه وأما هل يريد إبراء الذمة أو النجاة من العذاب أو حصول الثواب أو رضا رب العباد فإنه ينوي كل هذا وهو إذا نوى هذه كلها فلا منافاة بينها يمكن أن ينويها كلها فينوي رضا الله وينوي فضل الله وينوي النجاة من عقاب الله وينوي إبراء الذمة ولقد قال الله تبارك وتعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً) فجمعوا بين الأمرين بين نية ابتغاء فضل الله تبارك وتعالى بثوابه والوصول إلى دار كرامته ونية رضوان الله سبحانه وتعالى.
***
(24/2)

ما أفضل وسيلة يرشد إليها فضيلتكم لتحصيل الإخلاص والبعد عن كل ما ينقص من ثواب الأعمال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الوسيلة التي تنجي من هذا هو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والاستعانة به على طاعته وألا يلتفت الإنسان إلى هذه الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلبه فإن الشيطان يلقيها ليفسد عليه عبادته وإرادته فلينبذها وراء ظهره ولا يلتفت إليها وربما يجد صعوبة في تصحيح النية ولكن إذا استمر وصبر فالعاقبة للمتقين ولقد قال بعض السلف (ماجاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص) لكنه نجح فإذا استمر الإنسان في عمله واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم واستعان به على طاعة الله وصبر وصابر فإن الله تعالى ينجيه قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
***
(24/2)

من ليبيا السائل محمد صالح يقول كيف السبيل لكي تكون أعمالنا خالصة لوجه تعالى دون كبرياء أو رياء أو مفاخرة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: السبيل إلى ذلك أن يكون الإنسان متعبداً لله يرجو ثواب الله لا يرجو أحداً من الناس أن يمدحه أو يعامله معاملةً طيبة.
ثانياً أن يعلم أن العباد لن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له ولن يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه وحينئذٍ لا يبالي بهم سواءٌ علموا بعبادته أم لم يعلموا وسواءٌ أثنوا عليه أم لم يثنوا عليه ولكن قد يوسوس الشيطان للإنسان إذا أراد أن يفعل عبادة فيقول له إنك تفعلها رياءً فيتركها وهذا من تلاعب الشيطان به فالواجب إذا أحس بهذا أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ويستمر في عبادته وبانتهاج هذا المسلك يزول عنه ما يجد في النفس من خوف الرياء.
***
(24/2)

كيف يتقي المسلم عذاب القبر وعذاب النار؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يتقي ذلك بالأعمال الصالحة التي تقرب إلى الله تعالى والعمل الصالح هو الذي جمع شرطين أولهما الإخلاص لله عز وجل بألا يقصد الإنسان بعبادته إلا وجه الله والدار الآخرة لا يقصد بذلك رياء ولا سمعة ولا مدحاً عند الناس ولا شيئاً من الدنيا ولا يأتي بشيء مبتدع من عنده في دين فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له موافقاً لشريعته ودليل ذلك هو قوله تعالى في الحديث القدسي (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ومن أسباب الوقاية من عذاب القبر أن يستنزه من البول ويتطهر منه طهارة كاملة لأنه ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مر بقبرين فقال (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير - أي في أمر شاق بل هو أمر سهل - فقال أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) ومن أسباب الوقاية من عذاب القبر أن يكثر الإنسان من الاستعاذة بالله من عذاب القبر ولهذا أمرنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا تشهدنا في الصلاة أن نستعيذ بالله من أربع نقول (أعوذ بالله من عذاب جهنم وعذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) .
***
(24/2)

مستمع رمز لاسمه بـ ع ح ط يقول ما هي الأمور التي تعين الشخص على أن يحظى بالقبول من الناس.

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا يجب أنه يكون هم الإنسان رضا الله عز وجل وأن يكون مقبولا عند الله ووجيها عند الله فإن هذا المقصد الأسمى بالدرجة الأولى والإنسان إذا كان عند الله بهذه المنزلة كان عند عباد الله بهذه المنزلة فإن (من التمس رضا الله عز وجل بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس وكفاه الله مؤنتهم) وفي الحديث (إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل أني أحب فلانا فأحبه فينادى جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض فيحبه أهل الأرض) .
فرضا الناس يكون تابعا لرضا الله عز وجل فإذا رضي الله عنك وجعلك وجيها عنده صرت مرضيا عنك عند الناس ووجيها نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإخواننا من المقبولين عنده الوجهاء إنه جواد كريم
***
(24/2)

المستمعة هـ. م.هـ تقول ما هي حقيقة الزهد في نظر الإسلام وكيف يكون باستطاعتي أن أعيش حياة الزهد بحيث أكون بعيدة عن التنطع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: قال أهل العلم إن الزهد هو ترك ما لا ينفع في الآخرة بحيث يترك الإنسان المباحات إذا لم تنفعه في الآخرة ومما يعين على الزهد أن يتأمل الإنسان في هذه الحياة الدنيا وأنها دار ممر وليست دار مقر وأنها لم تبق لأحد من قبلك وما لم يبق لأحد من قبلك لن يبقى لك قال الله تعالى (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ) يعني لن يخلد أحد في هذه الدنيا وكذلك يعلم أن هذه الدنيا دار تنغيص وكدر فما سر بها الإنسان يوماً إلا ساءه الأمر في اليوم الثاني فإذا علم حقيقة الدنيا فإنه بعقله وإيمانه سوف يزهد بها ولا يؤثرها على الآخرة قال الله تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) .
***
(24/2)

بارك الله فيكم المستمعة تقول حدثونا عن العباد والزهاد الذين أعرضوا عن الحياة الدينا وزينتها وأقبلوا على الله وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والحياة الحقيقية الدائمة التي فيها السعادة والطمأنينة في الدارين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً يجب أن نعلم أن العباد والزهاد ليس كما يتصوره كثير من الناس بأنهم الذين أعرضوا عن الدنيا كلها وانزووا في زاوية بعيدين عن الناس لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر لكن العباد هم الذين قاموا بعبادة الله على حسب ما تقتضيه الشريعة والزهاد هم الذين تركوا ما لا ينفعهم في الآخرة فما ينفعهم في الآخرة يفعلونه ولو كان في أمور الدنيا ولهذا لما اجتمع نفر من الصحابة فقال بعضهم أنا لا أتزوج النساء وقال الآخر أنا لا أكل اللحم وقال آخر أنا أقوم ولا أنام وقال رابع أنا أصوم ولا أفطر وبخهم النبي عليه الصلاة والسلام وقال عليه الصلاة والسلام (أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) فالزهد حقيقته أن يدع الإنسان ما لا ينفعه في الآخرة لا أن يدع أمور الدنيا كلها والعبادة أن يتعبد الإنسان لله تعالى بما يوافق الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هؤلاء هم العباد وأما أولئك الذين ينزوون في أماكن ولا يعرفون الناس ولا يعرفهم الناس ولا ينالون شيئاً مما أباح الله لهم من الطيبات فإن هؤلاء إلى الذم أقرب منهم إلى المدح لأن الله تعالى يقول (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فالحاصل أن العباد والزهاد هم أولاً العباد الذين يقومون بعبادة الله على ما تقتضيه الشريعة الظاهرة والزهاد هم الذين يزهدون فيما لا ينفعهم في الآخرة لا في أمور الدنيا كلها وقد يكون من أمور الدنيا ما ينفع الإنسان في الآخرة كالمال مثلاً المال قد يكون ينفع الإنسان في الآخرة ونعم المال الصالح عند الرجل الصالح وما أكثر الذين نفعوا المسلمين بأموالهم واسوا الفقراء وأصلحوا الطرق وأعانوا في الجهاد وطبعوا الكتب النافعة وحصل في أموالهم خير كثير وهم يشتغلون بالمال.
***
(24/2)

كيف تكون محاسبة النفس للمسلم وما صفة المحاسبة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: محاسبة الإنسان نفسه هو أن يتأمل ماذا فعل وماذا ترك وماذا قال وماذا سكت عنه حتى يحاسب نفسه فيقول مثلاً لم تقولي الحق في موضع كذا وكذا ولم تفعلي المعروف في موطن كذا وكذا ويقول فعلت المنكر في موضع كذا قلت الزور في موضع كذا وكذا وهكذا يحاسب نفسه عما فعلت وعما تركت من أجل أن يقيم المعوج ويزيل ما فيه الشر هذا هو معنى المحاسبة.
***
(24/2)

هذا المستمع م. م من الرياض يقول فضيلة الشيخ ما هي الأسباب المعينة على المحافظة على الدين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من الأسباب المعينة على قوة الإيمان كثرة الطاعات وأهمها الواجبات ثم النوافل لقول الله تعالى في الحديث القدسي (ما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه) وكلما ازداد الإنسان طاعة لله ازداد إيمانا وتقوى قال الله تبارك وتعالى (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) وقال تعالى (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ) فالحرص على كثرة القرآن والذكر والصلاة والصدقات وغيرها من القربات كل هذا يزيد الإنسان إيمانا وقوة وحبا للخير
وأما المعاصي فهي أسباب الشر والفساد كما قال تعالى (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) قال العلماء لا تفسدوها بالمعاصي والمعصية وكلما فعل الإنسان معصية نقص إيمانه وبعد من ربه عز وجل قال الله تبارك وتعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) ومن أسباب زيادة الإيمان أن يطالع الإنسان في سيرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه الكرام فإن فيها تربية للقلب والعقل والفكر وفيها زيادة الإيمان ومحبة للرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وتربي الإنسان تربية تامة على غرار ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
***
(24/2)

ما هي التقوى وحدثونا عن مراتبها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التقوى أن يتخذ الإنسان الوقاية من عذاب الله وذلك بأن يقوم بأوامر الله عز وجل عن علمٍ وبصيرة وأن يترك ما نهى الله عنه عن علمٍ وبصيرة وأما مراتبها فإنها تختلف باختلاف ما فعل الإنسان من المأمورات وما ترك من المنهيات فكلما كان الإنسان أقوم في فعل الطاعة كان أتقى لله عز وجل وكلما كان أبعد عن محارم الله كان أتقى لله عز وجل ولهذا كان أتقى الخلق محمداً صلى الله عليه وسلم كما قال عليه الصلاة والسلام (إني لأخشاكم لله وأتقاكم له) لأنه صلى الله عليه سلم أقوم الناس بأمر الله وأبعدهم عن محارم الله.
***
(24/2)

ما هي الدوافع للتمسك بدين الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الدوافع هي الهداية من الله عز وجل فإن من يهده الله فلا مضل له وكذلك التأمل والنظر فيما يترتب على طاعة الله عز وجل من ثواب عاجل وآجل والنظر والتأمل فيما يترتب على مخالفة أمر الله ورسوله من عقاب عاجل أو آجل فكل هذا يحفز المرء إلى فعل المأمور وترك المحظور مع الاستعانة بالله عز وجل والبعد عن رفاق السوء فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من مرافقة أهل السوء حيث مثل جليس السوء بنافخ الكير وقال إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحة كريهة وكم من إنسان هم أن يستقيم ولكنه بقي مع الرفقة غير المستقيمة فعجز فإذا ابتعد عنهم كان ذلك من أسباب الهداية.
***
(24/2)

هذا السائل من السودان أبو أسامة يقول ما هي أسباب قسوة القلب والعلاج في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أسباب قسوة القلب الإعراض عن الله عز وجل والبعد عن تلاوة القرآن واشتغال الإنسان بالدنيا وأن تكون الدنيا أكبر همه ولا يهتم بأمور دينه لأن طاعة الله تعالى توجب لين القلب ورقته ورجوعه إلى الله تبارك وتعالى ودواء ذلك بالإقبال على الله والإنابة إليه وكثرة ذكره وكثرة قراءة القرآن وكثرة الطاعات بحسب المستطاع نسأل الله لنا ولإخواننا أن يلين قلوبنا لذكره وأن يعمرها بطاعته إن الله على كل شيء قدير.
***
(24/2)

سائلة رمزت لاسمها ب ع س ل تقول مشكلتي يا فضيلة الشيخ هي أن قلبي قاسي حتى أنه من شدة القسوة إذا توفي شخص من أقاربي لا أبكي ولا تدمع عيناي إلا بعد المحاولات فهل هذه القسوة تمنع قبول صلاتي وصيامي وغير ذلك من الأعمال وهل هذا من نقص إيماني وهل إذا تصدقت على الفقراء تزيل هذه القسوة من قلبي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم بعض الناس عندهم قسوة القلب وليس قلبه لينا فتجده لا يخشع وإن أصيب بأعظم المصائب نسأل الله العافية قلبه متحجر كالحجارة أو أشد قسوة ومن أسباب لين القلب قراءة القرآن الكريم فإنه يلين القلب إذا قرأه الإنسان بتدبر وتمعن بدليل قول الله تعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) هذا وهو جبل حصى ويقول بن عبد القوي رحمه الله في داليته المشهورة
وحافظ على درس القرآن فإنه يلين قلبا قاسيا مثل جلمد
ومما يلين القلب قراءة السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم فإن قراءة السيرة لها تأثير عجيب على القلب لأنه يتذكر الإنسان وكأنه مع الصحابة فيلين قلبه ومن أسباب لين القلب رحمة الأطفال والتلطف معهم فإن ذلك يلين القلب وله تأثير عجيب ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) ومن أسباب لين القلب سماع المواعظ والقصائد التي تحي القلب ولذلك تجد الرجل إذا سمع قصيدة مؤثرة يخشع قلبه وتدمع عينه ومن أسباب لين القلب حضور القلب في الصلاة فإن ذلك من أسباب الخشوع ولين القلب نسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا لذكره وأن يعيذنا من قسوة القلب.
***
(24/2)

بارك الله فيكم هذه المستمعة وفاء من تعز اليمن تقول ماذا يفعل المؤمن إذا كان قلبه لا يخشع عند ذكر الله أو في الصلاة

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان القلب لا يخشع عند ذكر الله أو في الصلاة فهذا دليلٌ على أن القلب فيه مرض فعلى الإنسان أن يعالج هذا المرض بكثرة الإنابة إلى الله عز وجل ودعائه سبحانه وتعالى وصدق النية في طلب الوصول إلى مرضاته والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم إذا أراد الشيطان أن يحول بينه وبين عبادته وإذا رغب إلى الله عز وجل في أن يلين قلبه لذكره وما نزل من الحق ودعا الله عز وجل بصدق وإخلاص فإن الله سبحانه وتعالى قريبٌ مجيب يجيب دعوته ويحصل مطلوبه ومن أكبر الأسباب لاستقامة القلب وسلامته كثرة قراءة القرآن فإنه يلين القلوب ويزيدها ثباتاً خصوصاً إذا قرأه الإنسان بتدبر وقرأه وهو يشعر أنه يقرأ كلام الله عز وجل وقرأه وهو يصدق بأخباره وقرأه وهو يلتزم بفعل أوامره وترك نواهيه فإنه يرجى أن يحصل على خيرٍ كثير.
***
(24/2)

هذه المستمعة أختكم في الله هـ. م. غ. من حائل السعودية تقول أحب يا فضيلة الشيخ أن أستقيم على طريق الله والتقرب منه سبحانه وتعالى وأرجو من فضيلتكم إرشادي إلى بعض الطاعات المستحبة والتي تقربني من الله عز وجل وتزرع في قلبي محبته وتقواه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: العبادات المستحبة كثيرة منها النوافل في الصلوات كالرواتب الاثنتي عشرة ركعة وهي ركعتان قبل الفجر وأربع ركعات قبل الظهر بسلامين وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد صلاة العشاء ومنها التهجد في الليل بصلاة الليل وهي مثنى مثنى كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حين سأله رجل فقال ما تقول في صلاة الليل قال (مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة فأوترت له ما صلى) ومنها صلاة الضحى يصلى الإنسان ركعتين في الضحى ويزيد ما شاء الله هذه أيضاً من النوافل ومن النوافل أيضاً النوافل في الصدقة كالإحسان إلى اليتيم والقريب وما أشبه ذلك وأما الصوم صوم النفل فهو كثير كصوم يومي الاثنين والخميس وستة أيام من شوال وعشر ذي الحجة واليوم التاسع والعاشر من شهر محرم وغير ذلك والحج أيضاً كذلك فيه نوافل كالطواف بالبيت في غير طواف النسك وكتكرار العمرة والحج بقدر المستطاع هذا كله من النوافل وقد ثبت في صحيح البخاري أن الله سبحانه وتعالى قال (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) .
***
(24/2)

يقول هذا السائل ما العلاج المناسب لانشراح الصدر حيث أنني أعيش في ضيق شديد وجهوني مأجورين.

فأجاب رحمه الله تعالى: العلاج المناسب كثرة ذكر الله عز وجل قال الله تعالى (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: من الآية28) ومن العلاج ألا يهتم الإنسان بأمور الدنيا وألا يكون له هم إلا الآخرة ومن العلاج أن يكون الإنسان باذلاً لمعروفه سواء ببذل المال أو ببذل المنافع وبذل البدن يساعد إخوانه أو ببذل الجاه فإن هذا يوجب انشراح الصدر وليكثر أيضاً من هذا الدعاء ربي اشرح لي صدري ويسر لي أمري.
***
(24/2)

السائلة غادة الغامدي تقول ما حكم الحب في الله وكيف يكون؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحب في الله من أوثق عرى الإيمان فهو من الأمور المطلوبة التي يثاب عليها العبد حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المتحابين في الله تعالى ممن يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله فقال صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) فالحب في الله من أوثق عرى الإيمان وسببه أن الرجل يرى شخصا متعبدا لله تعالى قائما بطاعة الله مصلحا ما استطاع لعباد الله فيحبه على ذلك لأن أسباب المحبة كثيرة فمن أسباب المحبة القرابة والصداقة والغنى والفقر وربما يكون أيضا من أسباب المحبة المشاركة في العصيان والفسوق فيما يجري بين أهل الفسق والعصيان والمحبة في الله هي أعلاه وأفضله وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (من أحب قوما فهو منهم) .
***
(24/2)

السؤال: المستمعة أم نزار تقول أحيانا أقرأ القران وأجد أن صوتي حسن وترتيلي جيد هل يعتبر هذا من العجب الذي يبطل العمل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس هذا من العجب الذي يبطل العمل بل إن هذا من نعم الله التي يفرح بها الإنسان أن الله تعالى يعطيه صوتا جميلا وأداء حسنا لأن بعض الناس قد يحرم هذا أو هذا أو الجميع وبعض الناس يكون صوته رديئا وأداؤه كذلك ومن الناس من يكون على جانب قوي من الأداء وحسن الصوت وهذا لا شك أنه من نعمة الله على العبد فليشكر الله سبحانه وتعالى على هذا ولا يكون هذا من باب العجب إذا رأى نفسه أنه على هذا المستوى الطيب.
***
(24/2)

كيف يضمن المسلم لنفسه النجاة من الخلود في النار؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يمكن لأحد أن يضمن لنفسه ذلك لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفها كيف يشاء لكن المؤمن يرجو الرحمة والنجاة من النار بما قام به من عبادة الله وحده لا شريك له وامتثال أمر الله واجتناب نهي الله كما قال الله تبارك وتعالي (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) فالإنسان إذا قام بما أوجب الله عليه وترك ما حرم الله عليه مخلصا لله في ذلك متبعا لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه يرجو أن ينجيه الله بذلك من النار ويدخله الجنة وينبغي له في هذه الحال أن يحسن الظن بالله وألا يكون آيساً من رحمة الله عز وجل لكن مع ذلك كل إنسان يخاف ألا يكون قبل عمله لأن الإنسان بشر قد يكون في قلبه من الإعجاب بعمله ما يهدم عمله وقد يكون في قلبه شيء من الرياء وقد يكون في عمله شيء من البدعة فالضمان غير حاصل على سبيل التعيين لكن على سبيل العموم نقول قال الله تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
***
(24/2)

بارك الله فيكم السائل من الإمارات أسامة خالد يقول فضيلة الشيخ ما هو الورع وما هو الزهد وكيف يكون المسلم ورعاً زاهداً كالسلف الصالح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الزهد وصفٌ أعلى من الورع والفرق بينهما أن الورع ترك ما يضر في الآخرة والزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة فالزاهد لا يفعل إلا ما هو نافعٌ له في آخرته والورع يفعل ما هو نافع وما ليس بنافع لكن لا يفعل ما هو ضار وذلك أن الأمور لها أحوالٌ ثلاثة إما أن تكون نافعة أو تكون ضارة أو لا نافعة ولا ضارة يتفق الزاهد والورع في تجنب الضار كلٌ منهما لا يفعل الضار ويختلفان فيما ليس فيه نفعٌ ولا ضرر فالزاهد يتجنبه والورع يأتي به الزاهد يتجنبه لأنه يريد أن يكون كل شيء يقوم به في هذه الدنيا له فيه خير فهو مغتنمٌ لوقته حريصٌ على ألا يفوت من الوقت ولو شيئاً يسيراً إلا وقد عمره بطاعة الله التي تنفعه يوم القيامة والورع لا دون ذلك يفعل المباحات ويذهب وقته بدون فائدة لكنه لا يفعل المحرم يجتنب المحرم ويقوم بالواجب وبناءً على ذلك يكون الزهد أعلى مرتبةً من الورع على أنه ربما يطلق أحدهما على الآخر ربما يقال فلان زاهد يعني ورعاً أو ورع يعني زاهداً لكن عندما نقول ورع وزهد فهذا هو الفرق بينهما.
***
(24/2)

نصائح وتوجيهات
(24/2)

السائل يقول لدي أخ لا يصلى وقد أمرته ونصحته بالصلاة وبينت له أن من ترك الصلاة يكون كافراً ولكن لم يقبل نصيحتي وهو معنا يأكل ويشرب ويسكن فما الحكم في هذه الحالة هل نكون مداهنين له أم لا أفيدونا وجهونا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أوجهكم إلى النصيحة لمرة أخرى فإن هداه الله عز وجل وصلى فهذا هو المطلوب وهو من نعمة الله عليه وعليكم وإن تكن الأخرى وأبى أن يصلى فهو كافر مرتد يجب هجره والبعد عنه وإبعاده عن البيت إذا كان البيت ليس ملكا له فإن كان ملكه وجب الخروج عنه لأن تارك الصلاة كافر مرتد يجب هجره والبعد عنه وإبعاده فإن قال قائل نخشى إذا أبعدناه أن يزداد شره قلنا لا شر أعظم من الكفر فهو والعياذ بالله كافر وماذا يرجى منه إذا بقي على كفره في البيت أما إذا كان الإنسان يرجو رجاء حقيقيا بعلامات وقرائن تدل على أنه يميل إلى التوبة فهنا نقول ما دام فيه أمل ولو قليلا أن يهديه الله فإنه يبقى في البيت ويكرر له النصح.
***
(24/2)

من مصر السائلة ج م هـ تقول أعيش مع عائلة تتكون من ثلاثين شخصا ما بين رجال ونساء وأطفال جميعهم لا يصلون إلا الجمعة فبماذا تنصحونهم مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أنصحهم بأن يتقوا الله عز وجل وأن يعلموا أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة افترضها الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة المعراج وهو فوق السماوات فقبل صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأبلغ أمته بذلك وأحذرهم من التهاون بشيء منها لأن الله تعالى قال في كتابه (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) وأنصحهم إذا أدوا الصلاة أن يؤدوها بطمأنينة وألا ينقروها نقر الغراب (فإن رجلا دخل المسجد فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له ارجع فصل فإنك لم تصل لأن الرجل كان لا يطمئن فعاد الرجل فصلى كما صلى ثم رجع فسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له ارجع فصل فإنك لم تصل حتى قال الرجل والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني فعلمه وقال له إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تطمئن قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن قاعدا أو جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) وأقول لهم إن الإسلام لا يتجزأ فهم إذا كانوا يصلون الجمعة ولا يصلون غيرها هل هم لا يقرون بوجوب غيرها إن كان الأمر كذلك فهم كفرة لأن جحد فريضة الصلوات الخمس كفر بالله عز وجل وإن قالوا غيرها واجب لكنهم يتهاونون بها فإنهم على خطر عظيم كما تفيده النصوص من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
***
(24/2)

يقول هذا السائل في سؤاله الثاني والأخير لي مجموعة من الأصدقاء يتهاونون في أداء الصلاة وأيضاً يتحدثون فيما حرم الله من الكلام فهل يجوز لي أن أقاطعهم علماً بأنني عندما ألتقي بهم أقوم بتذكيرهم بالله عز وجل وأسعى لنصحهم فبماذا تنصحونني يا فضيلة الشيخ مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ننصحك بأنه إذا كان يفيد بقاؤك في صحبتهم وتجد منهم إقبالاً على النصيحة وامتثالاً لما توجههم إليهم فلا حرج أن تبقى معهم لأن في ذلك انتفاعاً لك ولهم أما لهم فظاهر وأما لك فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعلي بن أبي طالب (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم) وأما إذا كنت لا تجد فيهم إقبالاً ولا قبولاً للنصيحة فإياك وإياهم فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذر من جليس السوء وأخبر أنه كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحة كريهة أو خبيثة ثم إنه يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) .
***
(24/2)

المستمعة من العراق محافظة بابل أ. ف. ي. د. تقول في رسالتها الثانية يزورنا في البيت من الأقارب من لا يصلون ولا يؤدون الواجبات ويشركون بالله والعياذ بالله ومنهم من يقول لي إنا ندعو الأولياء والصالحين وعجزت عن نصحهم فهل يجوز مجالستهم وهم عندما أتحدث عن الدين يضحكون مني ويسخرون ويستهزؤون ويقولون لي هذه عابدة أتركوها وعندما يقولون هذا أتضايق كثيراً وأقول يسامحهم الله وعندما أقول لوالدتي يا أماه لا تشركي بالله لا تعرني أي اهتمام وإذا استمعت إلى برنامجكم نور على الدرب تقول أمي بأنك لن تدخلي الجنة على عملك هذا وإذا استمريت على سماع هذا البرنامج أو غيره من البرامج الدينية فسوف تصابين بالجنون وأقول لها أنني لست مجنونة ولكن الله هداني ماذا أفعل لكي أرضي الله سبحانه وتعالى ثم أرضي أمي والناس؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتنا أولاً نوجهها إلى هؤلاء الجماعة الذين وصفتهم بأنهم لا يصلون وبأنهم يشركون بالله ويسخرون من الدين ومن يتمسك به فإن نصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم وأن يعلموا أن دين الله حق وهو الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم وأن أركانه شهادة أن لا إله ألا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام فعليهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل من هذا الكفر والشرك البالغ غايته وعليك أيضاً أن تحرصي على مناصحتهم ما أمكن ولا تيئسي من صلاحهم فإن الله سبحانه وتعالى مقلب القلوب فربما مع كثرة البيان والنصح والإرشاد يهديهم الله عز وجل وإذا تعذر إصلاحهم فإن الواجب هجرهم والبعد عنهم وعدم الجلوس إليهم لأنهم حينئذ مرتدين عن دين الإسلام والعياذ بالله وأما قول بعضهم لك إنك إذا استمعت إلى برنامج نور على الدرب أو غيره من الكلمات النافعة تصابين بالجنون فإن هذا خطأ منهم خطأ عظيم وهو كقول المكذبين للرسل إنهم أي الرسل مجانين وكهان وشعراء وما أشبه ذلك من الكلمات المشوهة التي يقصد بها التنفير عن الحق وأهل الحق فاستمري أنت على هداية الله عز وجل وعلى الاستماع لكل ما ينفع وعلى القيام بطاعة الله سبحانه وتعالى واعلمي أن العاقبة للمتقين.
***
(24/2)

الرسالة التي نوهنا عن مرسلها رفعت علي محمد السيد من جمهورية مصر العربية يقول فيها نريد منكم وصية للوصول إلي الطريق الأصلح والأصوب في مجتمعنا الذي مُلِيء بالانحرافات حيث يوجد معنا في بلدنا مصر النصارى والصلىبين وتوجد المتبرجات وغير ذلك مما عَدَّده ولا نريد الإطالة به؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإرشاد في ذلك هو أن يعيش الإنسان بين هؤلاء عيشة الحذر الخائف ويحرص بقدر ما يستطيع على أن يفعل هو ما شرعه الله ورسوله له من العبادات يحرص على السيرة الجميلة في مجتمعه ويدعو إلى سبيل الله تعالى بالحكمة الموعظة الحسنة ما استطاع فإذا رأى شُحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فليحرص على نجاة نفسه وليدع عنه أمر العامة وهذا أعني تقوى الله عز وجل هو ما وصى به الله تعالى جميع الخلق (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ) والمؤمن العاقل يعرف كيف يسير وكيف يتخلص مع هؤلاء القوم الذين أشار إلى سلوكهم السائل.
***
(24/2)

هذه الرسالة وصلتنا من مواطن مصري يقول أنا سائق مصري محتار في تصرف زوجة كفيلي حيث أنها تأخذ حاجات من المنزل وتأمرني أنا السائق أن أنزل بها إلى السوق ثم تدخل بعض الدكاكين ثم تدخل إلى المكاتب الداخلية وتتصل بالتلفونات ساعة ونصف أو أكثر أو تستخدم تلفون الشارع ويقول إنها تهدده بالطرد وبإلصاق التهم به فهل يخبر زوجها بذلك لأنه لا يرضى هذا التصرف منها وهو رجلٌ مسلم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: حقيقة الأمر أن هذا التصرف الذي أشرت إليه إذا كان حقاً فإنه تصرفٌ سيء ولا يرضاه أحدٌ من المسلمين ونحن نشكرك على هذه الغيرة على صاحبك الذي أنت عنده بل وعلى هذه الغيرة على زوجته أيضاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً قالوا يا رسول الله هذا الظالم فكيف نصر المظلوم فقال أن تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه) فأنت ناصحُ لكفيلك ولزوجته أيضاً وعليك في هذه الحال إذا لم يفد معها النصح أن تخبر زوجها بذلك لتخرج من المسئولية وأنت إذا أخبرته بذلك فلن يضيرك شيئاً إن شاء الله لأن الله تكفل بأن من اتقى الله تعالى جعل له مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب.
***
(24/2)

ما حكم من يأمر أبناءه بالصلاة من سن التمييز حتى يبلغوا سن الخامسة عشرة وبعد ذلك لا يستجيب هؤلاء الأبناء لآبائهم فبماذا توجهون الآباء نحو هذه المسئولية في المحافظة على الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إني أظن أن من اتقى الله عز وجل واتبع هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإرشاده في أمر أولاده من ذكور وإناث بالصلاة لسبع وضربهم عليها لعشر وسأل الله لهم الهداية لا أظن أن الله عز وجل يخيبه في أولاده وأنهم سيستقيمون لكن المشكل أن بعض الناس يهمل هذه الأمانة ولا يبالي بها صلى أولاده أم لم يصلوا صلحوا أم فسدوا استقاموا أم جاروا ثم إذا كبروا عوقب بعقوقهم إياه لأنه لم يتق الله فيهم فلم يتقوا الله فيه فلا أظن أن أحدا اتقى الله في أولاده وسلك سبيل الشريعة في توجيههم إلا أن الله سبحانه وتعالى يهدي أولاده.
***
(24/2)

السائلة من الجزائر بعثت بهذا السؤال تذكر بأنها عصبية وكثيرة القلق ولا تستطيع الصبر على أتفه الأمور بل تقول ربما لا أملك مثقال ذرة من الصبر وكثيرة الشكوى من المرض مع علمي بأن هذا ليس في مصلحتي وأعلم بأن الشكوى تكون لله عز وجل فما نصيحتكم لي يا فضيلة الشيخ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتي لها ولأمثالها أن يكثروا من ذكر الله عز وجل فإن بذكر الله تطمئن القلوب وأن يبعدوا عن الأوهام والتخيلات وألا ييئسوا من روح الله ولا يقنطوا من رحمة الله وأن يحاولوا أن تكون صدورهم دائما منشرحة وأن يتناسوا ما يحصل لهم من نكبات فإن مثل هذه الأمور كلها سبب في زوال القلق ومن أهم ذلك أيضا أن يعلم أن ما أصابه فإنه بقضاء الله وقدره وأن لله تعالى أن يفعل في خلقه ما شاء لأنه عز وجل لا يفعل شيئا إلا لحكمة عظيمة.
***
(24/2)

عبد الله محمد من القصيم يقول بعض الناس يتصدون للفتوى وليس عندهم علم شرعي يؤهلهم لذلك فما نصيحتكم لمثل هؤلاء.

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتي لهؤلاء أن يقرؤا قول الله تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) وقول الله تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً) وقوله تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فكل إنسان يفتي بغير علم فإنه ظالم لنفسه وظالم لإخوانه ولا يوفق للصواب لأن الله قال (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) فعلى هؤلاء أن يتقوا الله في أنفسهم وأن يتقوا الله في إخوانهم وأن لا يتعجلو فإن كان الله أراد بهم خيرا ألهمهم رشدهم ورزقهم العلم وصاروا أئمة يقتدى بهم في الفتوى فلينتظروا وليصبروا أما بالنسبة للمستفتين فإننا نحذرهم من الاستفتاء لأمثال هؤلاء ونقول العلماء الموثوق بعلمهم وأماناتهم والحمد لله موجودون إما في البلاد نفسها وإما في بلد آخر يمكنهم الاتصال عليهم بالهاتف ويحصل المقصود إن شاء الله.
***
(24/2)

ما هي الأسباب المعينة على أداء الصلوات في أوقاتها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أكبر الأسباب وأعظمها هو الإيمان بالله عز وجل والخوف من عقابه فمتى كان الإنسان مؤمنا بالله فإنه لا يمكن أن يضيع الصلاة ويؤخرها عن وقتها وإذا كان عند الإنسان تقوى من الله وخوف منه فإنه لا يمكن أن يؤخر الصلاة عن أوقاتها فأهم شيء العقيدة والإيمان وتقوى الله عز وجل وإذا كان إهمال الصلاة لأسباب معينة فإن مما يعين على إقامتها أن يدع هذه الأسباب مثل أن يكون سبب تركه لصلاة الفجر طول سهره فإنه يجب عليه أن يدع طول السهر حتى يتمكن من صلاة الفجر في وقتها مع الجماعة وإذا كان أسباب التهاون في الصلاة البيع والشراء وجب عليه الكف عن البيع والشراء إذا حان وقت الصلاة فيصلىها مع الجماعة وهلم جرا.
***
(24/2)

المستمعة تقول الكثير من الناس يشكون من الملل من كثرة الفراغ فبماذا تنصحون هؤلاء مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الملل قاتل للنفس وإفساد للبدن وجلب للهموم والغموم، ومن أكبر أسبابه ما يتسابق الناس عليه اليوم من جلب الخادمات في البيوت حتى أصبحت الربات في بيوتهم ليس لها شغل في البيت فتجد المرأة دائماً في هم تجلس في إحدى زوايا البيت ليس لها إلا الهم أو أن تخرج إلى الأسواق أو إلى الجيران فتتعبهم ولو سلم الناس من هؤلاء الخدم وصارت المرأة هي التي تخدم في بيتها كما هو شأن نساء الصحابة في عهد الصحابة وكما هو شأن الناس إلى يومنا هذا لكان هذا خيراً وأولى وفيه حفاظ المرء على ماله وحفاظه أيضاً على عرضه وحفاظ أهله من الخواء الفكري والبدني وبهذه المناسبة أنصح إخواني المسلمين عن جلب الخدم إلا للضرورة القصوى التي لا يمكن دفعها إلا بذلك، أما إذا كان الحامل على هذا زيادة الترف والتنعم فإن هذا يجر بلاءً كثيراً وتحصل به المفاسد إلا أن يشاء الله ولا سيما إذا جاؤا بامرأة كافرة فإن ذلك أقبح لأن المرأة الكافرة ربما يكون هناك أطفالاً يغترون بها وربما يكون هناك أطفالاً بلغوا سن التمييز فيتساءلون لماذا هذه لا تصلى ولا تتوضأ ولا تصوم، ويحصل في نفوسهم تهوين الدين والعمل به ولا سيما إذا لم يكن معها محرم فإن الخطر يكون أعظم وأكبر والمهم أن هذه المشكلة في الواقع لا يمكن حلها إلا أن يتقلص الطلب على هؤلاء الخدم ويرجع الناس إلى حالهم الأولى إلا عند الضرورة القصوى التي لا بد من وجود الخادم فيها.
***
(24/2)

السائلة تقول في سؤالها الثاني بعض الأحيان يحس الفرد بقلة في إيمانه وبأنه بدأ بالابتعاد عن الطاعات بماذا يوجه مثل هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن الإنسان لا يمكن أن يكون على وتيرة واحدة في إيمانه وحضور قلبه بل الإنسان ساعة وساعة ولهذا أمرنا بالطاعات في أوقات مختلفة من صلاة الفجر ومن صلاة الظهر ومن صلاة العصر ومن صلاة المغرب ومن صلاة العشاء ثم التهجد كل هذا من أجل إحياء ذكر الله عز وجل في قلوبنا لأن الإنسان لا بد أن تصيبه فترة يكسل فيها عن طاعة الله عز وجل ولهذ قال النبي صلى الله عليه وسلم (ساعة وساعة) يعني ساعة للعبادة وساعة للأنس بالأهل والاجتماع إليهم والتحدث إليهم وما أشبه ذلك ولكن على الإنسان أن يلاحظ قلبه دائما وأن يحرص على تطهيره من الشك والشرك والغل والحقد على المسلمين وغير ذلك مما يضر القلب.
***
(24/2)

السائلة تذكر بأنها متزوجة من إنسان طيب جداً ويقدرني ولي منه ثلاثة أولاد ولكنه لا يصلى في المسجد ولكنه يواظب على الصلاة في البيت سواء كان مشغولاً أم لا وأُلِحُّ عليه أن يصلى في المسجد مع الجماعة فيوافق أحياناً ويرفض أكثر الأوقات ولكنه يواظب على الصلاة في البيت فماذا يجب علي أن أفعل تجاهه؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ليس على هذه المرأة السائلة أكثر مما صنعت مع زوجها وهو النصيحة لكن ينبغي لها أن تكرر النصيحة له على وجه لا يحصل به ملل لأن مِنْ حقه عليها أن تناصحه.
***
(24/2)

المستمع محمد الحسن من جمهورية مصر العربية كفر أبو حماد الشرقية ومقيم بالطائف يقول يوجد عندنا عادة غير محمودة وهي يا فضيلة الشيخ إذا حدث خصامٌ بين الرجل وأخيه المسلم لا يكلمه لفترةٍ طويلة وإذا قابله في طريقٍ يرجع من طريقٍ آخر ولا يلقي عليه السلام وإذا ذهب إلى المسجد للصلاة فوجد الرجل الذي يخاصمه يصلى إماماً لا ينوي الصلاة خلفه بل يترك المسجد ويخرج فما نصيحتكم لمثل هؤلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتنا لهؤلاء الذين تصل بهم الحال إثر الخصومات إلى ما ذكره السائل من الهجر والقطيعة والبغضاء والكراهية نصيحتنا لهم أن يتقوا الله عز وجل وأن يعلموا أن هذا من نزغات الشيطان (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) وكذلك في غيرهما فعلى العبد أن يتقي الله عز وجل وأن لا يهجر أخاه المؤمن لعداوةٍ شخصية لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (لا يحل لأحدٍ أن يهجر أخاه المؤمن يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) نعم للإنسان أن يهجر أخاه ثلاثة أيامٍ فأقل من أجل إعطاء النفس شيئاً من الحرية في معاملة هذا الذي أساء إليه أما ما زاد على ثلاث فإنه لا يحل هجره إلا لسببٍ شرعي مثل أن يكون هذا الرجل معلناً بالمعاصي والفسوق فيهجر لعله يتوب إلى الله ويرجع إذا رأى أن المسلمين قد هجروه
والواجب على العبد أن يصبر على طاعة الله وأن يصبر عن محارم الله وأن يضغط على نفسه في إقامة شرع الله عز وجل حتى لو قالت له نفسه لا تصل خلف هذا ولا تلق السلام عليه ولا تكلمه وإذا وجدته في طريق فانصرف إلى طريقٍ آخر وما أشبه ذلك فليعص نفسه وليقم بما أوجب الله عليه وإذا علم الله منه حسن النية وقصد الحق فإن الله تعالى يعينه على ذلك ويخفف عليه الأمر.
***
(24/2)

السائلة أف ب من محافظة القريات تقول نرجو من فضيلة الشيخ أن يلقي كلمة موجزة يحث فيها الشباب على الزواج من فتيات بلدهم ولا يخرجون عن ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إنني أحث الشباب على الزواج لأن النبي صلى الله عليه وسلم حثهم على ذلك فقال صلى الله عليه وسلم (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) وأحثهم على ما حثهم عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يتزوجوا ذات الدين والخلق لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (قال تنكح المرأة لأربع لمالها وحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) وقال عليه الصلاة السلام (تزوجوا الودود الولود) لأن الودود أي كثيرة التودد يحصل منها من المعاشرة الطيبة ما لا يحصل من غيرها والودود أيضا تحمل زوجها على مواقعتها فيكثر الأولاد وأحث أبناءنا على أن يتزوجوا من بنات أبناء جنسنا من البلد لأنهم أقرب إلى الانضباط وإلى معرفة مقصود الزوج وإلى معرفة العادات وإلى قلة المؤونة لست أريد بقلة المؤونة قلة المهر لأن الغالب أن نساء البلد أكثر مهراً من نساء البلاد الأخرى لكن ما يترتب على النكاح فيما بعد من نساء البلاد الأخرى يكون كثيرا ومثقلا تجدها تحتاج إلى السفر في السنة مرة على الأقل وتحتاج إلى مؤونة السفر وتحتاج إلى أن يسافر بها الإنسان بنفسه أو يستجلب لها محرما من بلدها وتحتاج إلى هدايا لأهلها وأقاربها فمؤنتها كثيرة ثم إنه إذا قدر الله تعالى انفصال بينها وبين زوجها حصل من المشاكل إذا كان بينهما أولاد ما لا يستطيع الإنسان التخلص منه ثم إن عاداتها وما كانت عليه في بلادها في الغالب تخالف ما كانت عليه العادات هنا فيحصل بذلك تعسف وتأسف لأنها إما أن تغلب الزوج في عاداتها وإما أن يغلبها في عاداتها وحينئذ يكون التعسف في الغالب أو التأسف مع المجاملة ومن تأمل ما حصل ويحصل عرف الواقع ثم إن لدينا في بلادنا نساءً كثيرات بقينا بلا تزوج فهل نجلب بنات الناس من الخارج وندع بناتنا للهم والغم والفتنة هذا غير لائق قد يقول الشاب المهور في نسائنا كثيرة فنقول نعم لكن ليس الحل أن نجلب بنات البلاد الأخرى إلى بلادنا الحل أن نحاول بقدر المستطاع القضاء على هذه الظاهرة وهي كثرة المهور وذلك باجتماع الشرفاء والوجهاء في البلاد على تحديد شيء معين للمصلحة ونقول هذا المهر المقرر للشابة البكر وهذا المهر مقرر للكبيرة الثيب ثم إذا تزوج الرجل فليعط امرأته ما شاء ولا أحد يمنعه أو تعطيه هي ما شاءت من مهرها إذا كانت رشيدة ولا أحد يمنعها وإذا لم يجد اجتماع الكبراء والشرفاء فلا مانع عندي من أن يتدخل ولاة الأمور في هذا ويحلوا المشكلة بأي حل يريدونه وهو لا يخرج عن نطاق الشرع لأن الواقع أن هذه مشكلة يحصل بها الشر والفساد فلذلك أدعو إخواننا المسلمين إلى الجدية في إيجاد حل لهذه المشكلة على المستوى القبلي أو البلدي أو المستوى الحكومي حتى تنحل هذه المشكلة ويتزوج شبابنا من شاباتنا ونكون أسرة واحدة.
***
(24/2)

هذه رسالة وردتنا من الأخ حمد البسام من الرياض يقول أنا دائماً أسرح وأفكر دائماً حتى في الصلاة وقراءة القرآن أحياناً وفي بعض المرات تمضي نصف خطبة الجمعة وأنا أفكر ولا أدري ماذا قال الإمام في الخطبة وأنا لا أدري ماذا أفعل هل علي إثم أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن الواجب على من حضر الجمعة أن يستمع إلى خطبة الإمام ولا يجوز له أن يتشاغل عن استماعها بكلام ولا غيره وهذه الوسواس والهواجيس والتفكيرات التي تحدث لك في هذه الحال هي من الشيطان ليصدك عن ذكر الله فإن الله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) والواجب عليك أن تحاول بقدر ما تستطيع التخلص من هذا الأمر حتى تُقبل على عبادتك وأنت مستريح غير مشوش وتستمع إلى الخطبة وتنتفع بها ولا تكن كالذين قال الله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً) بل استمع وانتبه وتأمل وتفكر في معاني ما يقوله الخطيب حتى تنتفع من هذه الخطبة الأسبوعية التي أوجبها الله تعالى وأوجب السعي إليها.
***
(24/2)

هذه السائلة غادة الغامدي تذكر بأنها طالبة في المرحلة الثانوية وقد أعجبت بمدرسة تتصف بالالتزام والخلق ولكن المشكلة أن بعض الصديقات يسيئون إلى هذا المدرسة بقول أوفعل لأن هذه المعلمة تنصحهم وترشدهم وتمنعهم من اللبس المخالف للسنة في المدرسة فيقومون بالإساءة لها والضحك عليها ماذا أفعل فقد قمت ونصحت الطالبات ولكن لا فائدة فأرجو توجيه كلمة يا فضيلة الشيخ محمد للطالبات وللمعلمة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أما الطالبات فنصيحتي لهن أن يتقين الله تعالى وأن يحترمن حقوق المسلم وأن لا يسخرن بمن يلتزم بدين الله ويأمر بالالتزام بل إن من يلتزم بدين الله ويأمر بالالتزام جدير بأن يكرم ويحترم لأنه قام بطاعة الله وأما بالنسبة للمعلمة فعليها الصبر والاحتساب وأن تعلم أن كل من تمسك بدين الله فسيجد له أعداء قال الله تبارك وتعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً) والمتبعون للأنبياء لابد أن يكون لهم عدو من المجرمين فعليها أن تصبر وتحتسب وإذا وصل الأمر إلى حد لا يطاق فإن لها الحق أن ترفع الأمر إلى إدارة المدرسة وإدارة المدرسة يجب عليها أن تؤدب مثل هؤلاء الطالبات لظهور عدوانهن.
***
(24/2)

زوجتي تحلف أيماناً كاذبة وتسب أم الزوج وإخوانه ما نصيحتكم لهذه الزوجة.

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتي لهذه الزوجة أن تكون حسنة الآداب مع أم زوجها لأن ذلك مما يزيد زوجها رضاً عنها ومما يزيد الزوج إحساناً في عشرتها وهي مأجورة على ذلك وإذا ساءت العشرة بين الزوجة وأم الزوج أو أبي الزوج أو أقارب الزوج فالغالب أنها تسوء العشرة بين المرأة وزوجها أيضاً فتكون حياتهما نكداً وربما يحدث بين الزوجين أولاد فيسوؤهم أن يروا أمهم وأباهم على هذه الحال فنصيحتي للزوجة أن تصبر وتحتسب وتحسن إلى أم زوجها وأبيه ومن يعز عليه من الأقارب كما أني أنصح أيضاً بعض الأزواج الذين يريدون من زوجاتهم أن يكن خدماً لأمهاتهم فإن هذا غلط محض فالزوجة ليست خادمة لأم الزوج ولا لأبي الزوج وخدمتها لأم الزوج وأبي الزوج معروف منها وإحسان ليس مفروضاَ عليها أما خدمتها لزوجها فهذا يرجع إلى العرف فما جرى العرف بأنها تخدم زوجها فيه وجب عليها خدمته فيه وما لم يجرِ به العرف لم يجب عليها ولا يجوز للزوج أن يلزم زوجته بخدمة أمه أو أبيه أو أن يغضب عليها إذا لم تقم بذلك وعليه أن يتقي الله ولا يستعمل قوته فإن الله تعالى فوقه وهو العلي الكبير عز وجل قال الله تعالى (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) .
***
(24/2)

المستمعة فائزة محمد من ليبيا تقول البعض من الناس يعملون أشياء تخالف الشرع ويقومون بالنفاق أو الهمز أو اللمز وعندما أقول لهم بأن هذا حرام وأن الله سبحانه وتعالى سيحاسب على ذلك يقولون يوم الجحيم ربنا رحيم فماذا تقولون أنتم لمثل لهؤلاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول لمثل هؤلاء الذين يعملون السيئات ويتكلون على مغفرة الله ورحمته إنهم على خطر عظيم فإن الله تعالى يقول في كتابه (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) ويقول جل وعلا (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) فهذا الاتكال الذي يحصل من بعض الناس المفرطين المهملين لاشك أنه من إيهام الشيطان ووحي الشيطان وما يدري هذا الرجل أتكون هذه المعاصي التي هي في نفسه سهلة بريداً لمعاصي أكبر منها ثم للكفر بالله عز وجل ولهذا قال أنس بن مالك رضي الله عنه (إنكم تعملون أعمالا هي في أعينكم أدق من الشعر وإنها يعني عند الصحابة لمن الموبقات) وقال أهل العلم الإصرار على الصغيرة كبيرة والكبائر لا تغفر إلا بتوبة مع أن الهمز واللمز إذا كان بالنسبة للمؤمنين فقد توعد الله عليه بالويل فقال (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) فالواجب على المؤمن أن يتقي الله عز وجل وليعلم أن الله شديد العقاب وأنه غفور رحيم ففي جانب المعاصي يجب أن ينظر من زاوية العقاب حتى يرتدع عن المعصية وفي جانب الأوامر إذا قام بها وحصل شيء من التقصير ينظر من زاوية المغفرة والرحمة وبهذا السير على هذا النحو يتحقق أن يكون سيره على الوجه المطلوب أي بين الخوف والرجاء فإن الإنسان إذا سار إلى الله عز وجل مغلباً جانب الرجاء فقد يغلب عليه الأمن من مكر الله وإذا سار إلى الله مغلبا جانب الخوف فقد يغلب عليه القنوط من رحمة الله وإذا سار إلى الله بين الخوف والرجاء فقد سار بجناحين متساويين فيخاف عند الهم بالمعصية ويرجو عند فعل الطاعة قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدا فإن أيهما غلب هلك صاحبه وقال بعض أهل العلم الأولى أن يغلب جانب الرجاء لقوله تعالى في الحديث القدسي (أنا عند ظن عبدي بي) وقال آخرون ينبغي أن يغلب جانب الخوف حتى يعصمه ذلك من فعل الذنوب وقال بعض العلماء يغلب في حال المرض جانب الرجاء حتى يلقى الله عز وجل وهو يحسن الظن به وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف حتى يحمله ذلك على ترك المحرمات وفعل الواجبات وقال آخرون يغلب عند فعل الطاعة جانب الرجاء وأن الله تعالى يقبلها منه كما يسر له فعلها وعند الهم بالمعصية يغلب جانب الخوف حتى يردعه خوفه عن فعل هذه المعصية وهذا الأخير هو أقرب الأقوال أن يكون الإنسان عند فعل الطاعة مغلبا لجانب الرجاء وأن الذي يسرها له سيمن عليها بقبولها وعند الهم بالمعصية يغلب جانب الخوف ليمنعه ذلك عن فعل هذه المعصية والإنسان في الحقيقة له أحوال أحيانا يجد نفسه منشرحا مقبلا على الله مغلبا جانب الرجاء وأحيانا بالعكس يكون خاملا ساكنا فيغلب جانب الخوف والإنسان كما يقول بعض الناس طبيب نفسه المهم أن لا يصل إلى درجة يقنط من رحمة الله ولا إلى درجة يأمن فيها مكر الله.
***
(24/2)

المستمع م. ج من الرياض يقول هناك أشخاص يعملون أشياء محرمة في الإسلام فماذا يترتب علي نحوهم هل أقوم بنصحهم وأكتفي بذلك أم ماذا علي مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تقوم بنصحهم وإرشادهم وتخويفهم من الله عز وجل وإذا كنت تخشى أن لا يثقوا بقولك فاستعن على ذلك بأقوال أهل العلم الذين يثق بهم هؤلاء وأعطهم شيئاً من كتبهم إن كان لهم كتب أو أجوبتهم أو أشرطتهم حتى يقتنعوا بهذا فإن لم تتمكن من ذلك أو تمكنت وفعلت ولكن لم يستفيدوا شيئا فحينئذ يجب عليك أن ترفع أمرهم إلى من له السلطة عليهم بحيث يلزمهم بما يجب عليهم في حق الله سبحانه وتعالى وليعلم أن من أهم حقوق الجيران بعضهم على بعض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) وإذا كان قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) فالواجب علينا أن نحرص على هداية جارنا لأن هدايته غذاء للروح وخير له في دينه ودنياه ولا يقول أحد أخشى إن نصحته أن يزعل علي أو يهجرني فإن هذا من تخويف الشيطان بل انصحه ومره بالمعروف وانهه عن المنكر لأن هذا هو الواجب عليك والواجب عليه قبول الحق من أي نفر كان فإن لم يقبل برئت ذمة الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر وصار الإثم على من خالف.
***
(24/2)

المستمع رمز لاسمه بـ ك ع يقول فضيلة الشيخ لي ولد متزوج وله طفل ويسكن معي في الدار إلا أنه يعاقر الخمر والعياذ بالله يوميا ويسبب المشاكل للعائلة إضافة إلى تلفظه بكلمات نابية وبالكفر والعياذ بالله وبالرغم من نصحي له بترك الخمر والسير مع العائلة السيرة الحسنة التي يرضاها الله عز وجل إلا أنه لم ينتصح فهل يحق لي أن أطرده من البيت لأنه ولد عاق وكيف أتصرف معه بحيث لا يغضب الله علي أو أتحمل الإثم لأنني رجل حاج إلى بيت الله الحرام وأخاف العقاب فأرجو نصحنا وتوجيهنا بذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إنني أقدم النصيحة أولاً لهذا الابن الذي ابتلي بهذه البلية وهي معاقرة شرب الخمر وأقول له إن شرب الخمر من كبائر الذنوب وإن الخمر مفتاح كل شر وهي محرمة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين قال الله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) وثبت عن النبي صلى الله علية وسلم أنه (لعن شارب الخمر) وثبت عنه أنه قال (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام) وجاء عنه صلى الله عليه وسلم (أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) والنصوص في ذلك كثيرة ومعلومة لكثير من الناس فالواجب على هذا الابن المبتلى بهذه البلية أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يقلع عنها وأن يبتعد عن شاربيها وأن لا تكون له على بال حتى يمن الله عليه بالهداية والله عز وجل إذا علم من عبده صدق النية في التوبة الخالصة فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه وييسر له التوبة ويسهلها عليه.
أما النصيحة الثانية فهي لك أنت أيها الأخ السائل ولأهل بيتك أن تشكروا الله سبحانه وتعالى على نعمته حيث عافاكم مما ابتلى به هذا الشخص وأن تحاولوا نصحه مهما أمكن فإن تيسر وهداه الله فهذا لكم وله وإن لم يفعل فلا حرج عليكم في إخراجه من البيت بل قد يكون من الواجب أن تخرجوه من البيت لئلا يسري خبثه إلى من في البيت ولئلا يحصل منه ما لا تحمد عقباه من العدوان على أمه أو على أخواته أو عليك أنت أيها السائل أو غير ذلك المهم أنه إذا لم ينته عما كان عليه من هذه الخبائث فإن الواجب عليكم أن تخرجوه من البيت ولعلكم بإخراجه تكونوا سببا لهدايته إذا رأى الأمر أنه قد ضاق عليه وأنه أصبح طريدا مبعدا عن أهله فربما يرجع إلى الله عز وجل ويتوب إلى الله ولا أرى أن تبقوه في البيت إطلاقاً.
***
(24/2)

هذه السائلة من ليبيا أرسلت في الحقيقة برسالة مطولة تقول إنها فتاة تبلغ من العمر الثالثة والعشرون ملتزمة وتحمد الله على ذلك ولكن المشكلة في أن أباها يتعاطى الخمر والمسكرات فترة طويلة وذلك سرا ولكن بحكم عملي في البيت تعرفت على ذلك فما الواجب علي علما بأنني لا أستطيع المواجهة والنصح في مثل هذه الأمور؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب على هذه المرأة أن تزجي النصيحة لأبيها بأي وسيلة لأن من بر الوالد أن يسجي ولده له النصيحة ألم تر أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال لأبيه (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً) وناصحه وكذلك نحن يجب علينا أن ننصح أمهاتنا وآبائنا بأي وسيلة فإذا كانت هذه السائلة لا تستطيع مواجهة أبيها فإن الواجب عليها أن تكتب له كتابا بدون توقيع تذكره بالله عز وجل وتبين له النصوص الدالة على تحريم الخمر والوعيد الشديد على شاربها فلعل الله سبحانه وتعالى أن ينقذه من ذلك ولا ينبغي لها أن تيأس من صلاح والدها فكم من إنسان كان فاسداً فأصلحه الله تعالى بأدنى سبب والله سبحانه وتعالى مقلب القلوب يقلبها كيف يشاء نسأل الله لأبيها الهداية ونسأل الله لها الإعانة.
***
(24/2)

هذه مستمعة للبرنامج تقول في هذا السؤال بأنها فتاة ملتزمة وتحمد الله على ذلك منذ ما يقارب من سنة ولكن قلبي في تغير مستمر وتقلب فأحيانا أشعر بقوة في إيماني وإقبال على الصلاة بخشوع وحب للخير وأحيانا تقل هذه القوة وأشعر بقسوة في قلبي فلا أبقى على حال واحدة لدرجة أني بدأت أشعر بالخوف على ديني وأخشى أن أعود كما كنت وأشعر بأن إيماني بدأ يقل تدرجيا وجهوني يا فضيلة الشيخ بما يقوي إيماني وادعو لي بالهداية والثبات على الحق؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نسأل الله لنا ولها الهداية والثبات على الحق والإنسان بشر يتغير بحسب ما يرد على قلبه وما ينظر إليه بعينه ويسمع به بأذنه ولكن على المؤمن أن يسأل الله تعالى الثبات دائما وأن يفعل الأسباب التي يثبت بها إيمانه من كثرة مراقبة الله عز وجل وذكره بالقلب واللسان والجوارح وقراءة القرآن بتدبر وتفكر فإن قراءة القرآن على هذا الوجه تلين القلب وتزيده إيمانا وكذلك يكثر من مخالطة أهل الخير والصلاح الذين يعينونه إذا ضعف ويذكروه إذا نسى والمهم أن يسأل الله تعالى الثبات دائما مثل أن يقول (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك) وما أشبه ذلك من الأدعية وسيجد الخير إن شاء الله تعالى ولكن لا يتقاعس ولا ييئس من رحمة الله ولا ينظر إلى ما وراءه مما كان عليه من معصية الله عز وجل بل ينظر إلى ما أمامه من الطاعة والخير والثواب الجزيل لمن أطاع الله.
***
(24/2)

هذا المستمع عيسى عبد اللطيف من بقيق يقول في سؤاله الكثير من الزوجات هداهن الله لا يردن من أزواجهن أن يتزوجوا عليهن فأريد بذلك نصيحة لهن من قبل الإذاعة في برنامج نور على الدرب جزاكم الله خيراً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم النصيحة في ذلك أن نقول:
أولاً للأزواج لا ينبغي أن تتزوج بأكثر من واحدة إلا إذا كان الإنسان عنده قدرة في المال وقدرة في البدن وقدرة في العدل فإن لم يكن عنده قدرة في المال فإنه ربما يكون الزواج الثاني سبب لتكاثر الديون عليه وشغل الناس إياه بالمطالبة وإذا لم يكن عنده قدرة في البدن فإنه ربما لا يقوم بحق الزوجة الثانية أو الزوجتين جميعاً وإذا لم يكن عنده القدرة على العدل فقد قال الله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) فإذا كان عند الإنسان قدرة في المال والبدن والعدل فالأفضل في حقه التعدد بأن يتزوج أكثر من واحدة لما في ذلك من المصالح الكثيرة التي تترتب على هذا كتحصين فرج المرأة الثانية وتكثير النسل الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه وإزالة ما في نفس الإنسان من الرغبة في التزوج بأخرى أما بالنسبة للمرأة السابقة فنصيحتي لها ألا تحول بين الإنسان وبين ما شرع الله له بل ينبغي لها إذا رأت من زوجها الرغبة في هذا وأنه قادر بماله وبدنه ومستطيع للعدل أن تكون مشجعة له على ذلك لما في هذا من المصالح التي أشرنا إليها وأن تعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان معه عدة زوجات وأن تعلم أنه ربما يكون في ذلك خير لها فالمرأة الثانية قد تعينها على شؤونها وتقضي بعض الحقوق التي لزوجها مما تكون الأولى مقصرة فيه في بعض الأحيان والمهم إن نصيحتي للنساء ألا يغرن الغيرة العظيمة إذا تزوج الزوج عليهنّ بل يصبرن ويحتسبن الأجر من الله ولو تكلفن وهذه الكلفة أو التعب يكون في أول الزواج ثم بعد ذلك تكون المسألة طبيعية.
***
(24/2)

المستمع يقول إنه يعمل مع رجل يصر على ارتكاب بعض المخالفات ولا يعبأ بالنصيحة وقد أحضرت له بعض الكتب الشرعية عله يستنير بها ولكن دون جدوى فهل أترك العمل معه رغم ندرة العمل عندنا أم أن نصحي وإرشادي له قد يجعله يتراجع عن معاصيه نرجو النصيحة والإرشاد؟

فأجاب رحمه الله تعالى: النصيحة في هذا الشأن يمكن أن نوجهها إليك وإليه أما بالنسبة لك فالواجب عليك أن تتابع النصيحة ما دمت ترجو أن يكون لها أثر في إصلاح هذا الرجل ولا تمل ولا تسأم ولا تيأس فإن الباب قد لا ينفتح في أول محاولة وينفتح في المحاولة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو أكثر واسأل الله له الهداية فإن دعاءك لأخيك في ظهر الغيب حريٌ بالإجابة لأن الملك يقول آمين ولك بمثله واهده بالتي هي أحسن فإن أبى وأصر على ما هو عليه من المعصية فإن كان يفعل المعصية بحضورك لأن طبيعة العمل تقتضي أن تكون حاضراً وهو يعمل المعصية فلا يجوز لك أن تبقى في هذا العمل لأن الجلوس مع أهل المعاصي معصية ومشاركةٌ لهم في الإثم كما قال الله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي إن قعدتم معهم فأنتم إذاً مثلهم أما إذا كانت المعاصي التي يعملها خارج العمل التي أنت مشاركٌ له فيه فإنه لا يضيرك أن تبقى في عملك لأنك لم تشاهد المعاصي التي يفعلها ولم ترضَ بها هذا بالنسبة للنصيحة لك أما نصيحتى له فإنني أقول عليه أن يتقي الله في نفسه وأن يتوب إلى الله عز وجل لأن الله عز وجل أوجب التوبة على عباده من جميع الذنوب قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة إلى الله فقال النبي عليه الصلاة والسلام (توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله تعالى في اليوم مائة مرة) فالواجب عليه أن يقلع من الذنب ويندم عليه ويعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل حتى تكون توبته نصوحة لئلا يفجأه الموت وهو مقيمٌ على معصيته فلا تنفعه التوبة حينئذٍ لقول الله تعالى (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) فالإنسان لا يدري متى يفجأه الموت فنصيحتي له ولكل مذنب مشفقٍ على نفسه أن يتوب إلى الله ويقلع عن ذنبه قبل أن لا يكون له مناص منه.
***
(24/2)

في رمضان يكثر القراء لكتاب الله عز وجل وهذا طيب وأجره كبير وعظيم ولكن بعد رمضان قد يهجر القرآن حتى يأتي رمضان الآخر ويبقى على الرفوف فماذا تنصحوننا وتنصحون المسلمين في هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ننصح إخواننا المسلمين ولا سيما حفظة القرآن أن يتعاهدوا القرآن بالتلاوة لينالوا الأجر ويكونوا على ارتباط بكلام الله عز وجل وأن لا يدعوا وقتاً من أوقاتهم إلا ولهم فيه خير من قولٍ أو عمل وأحث إخواني حفاظ القرآن على تعاهده لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فقال (تعاهدوا القرآن والذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها) فينبغي لحفظة القرآن أن لا يهملوه لأن إهماله والإعراض عنه حتى ينسى قد يكون فيه إثمٌ كبير وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها وهي أن بعض الشباب يتهيب من حفظ القرآن ويقول أنا لا أحفظه أخشى أن أنساه فأكون على إثم وهذا لا شك من وساوس الشيطان وتثبيطه عن الخير فأنت يا أخي ما دمت في زمن الشباب فاحفظ القرآن وتعاهدوه واستعن بالله عليه واحرص على ثباته في قلبك وإذا نسيت آيةً مع الاجتهاد فلا إثم عليك إطلاقاً فقد ثبت (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى ذات ليلة وقرأ ونسي آيةً من القرآن فذكره بها أبي بن كعبٍ بعد الصلاة فقال هلا كنت ذكرتنيها) (ومر برجلٍ يقرأ القرآن فقال يرحم الله فلاناً فقد ذكرني آيةً كنت نسيتها) فالحاصل أن الإنسان إذا اجتهد وحفظ القرآن وتعاهده ثم نسي منه ما نسي فلا إثم عليه بلاشك فعليك أيها الشاب أن تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأن تستعين بالله عز وجل على حفظ كتابه سبحانه وتعالى وأن تبدأ بحفظ القرآن وأن تحفظ أوقاتك من إضاعتها بلا فائدة وفي بلادنا ولله الحمد حلقات كثيرة من حلق تعليم القرآن حفظاً ونظراً فنسأل الله تعالى أن يعم بها جميع بلاد الإسلام وأن يحفظ بها عباده المؤمنين.
***
(24/2)

المستمعة أ. س. أم جويرية من دولة الكويت تقول بأنها فتاة منقبة تحمد الله على ذلك ولكن والدتي ترفض الخروج معي لزيارة الأهل والأقارب لأنها تعتقد بأنني مصدر إحراج لها وهي غير راضية عن تصرفاتي بلبس النقاب وعدم مصافحة الرجال وأمور الالتزام الأخرى فكيف أتصرف معها وبماذا ترشدونني مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الجواب على هذا من وجهين الوجه الأول بالنسبة لأمك فإنني أنصحها بأن تدع هذا الأمر وهو مضايقتك من أجل التزامك وأقول لها إن الواجب عليها أن تحرص على معونتك على البر والتقوى وأن تحمد الله عز وجل أن جعل من ذريتها ذريةً صالحة وكل إنسان بلا شك يفرح إذا كان أولاده صالحين من بنين أو بنات والولد الصالح ذكرٌ أو أنثى هو الذي ينتفع به والده بعد مماته لقول النبي عليه الصلاة والسلام (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علمٌ ينتفع به أو ولدٌ صالح يدعو له) ولا يحل لها أبداً أن تضايقك على فعل المعروف وترك المنكر.
أما الوجه الثاني فهو بالنسبة لك فأنت التزمي حدود الله ولا يهمك أحد لا أمك أو غيرها فأنت إذا فعلتي ما يرضي الله فلا يهمك أن يسخط عليك جميع الناس حتى أمك ومن سخط عليك بسبب طاعة الله فليسخط ولا تهتمي به أبداً وأما كونها تأبى أن تخرج معك وترى إن ذلك إحراجٌ لها فهذا من قلة بصيرتها فإنه ليس في النقاب ولا في الامتناع من مصافحة غير المحارم إحراجٌ أبداً بل هو من نعمة الله وينبغي للإنسان أن يفرح به وأن يحمد الله الذي أعانه على فعله لأن ذلك من طاعة الله عز وجل.
***
(24/2)

المستمع ع. ع. ص. من صنعاء باليمن يقول بأنه شابٌ مسلم ويحمد الله على هذه النعمة وعمري لا يتجاوز السابعة والعشرين أصبت منذ أحد عشر عاماً بمرض وذهبت إلى عدة مستشفيات في اليمن على أمل الشفاء ولكن دون جدوى وفوضت أمري إلى البارئ عز وجل فهو القادر على شفائي وتفريج كربتي وليس للمؤمن إلا ما كتب الله له ثم يقول والدي يلح علي بالزواج ولكنني أرفض خوفاً من تطور المرض خاصةً وله هذه المدة الطويلة فهل في رفضي هذا معصية لوالدي نرجو التوجيه مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن كلام هذا السائل كلامٌ طيب في كونه أثنى على ربه لهدايته إلى الإسلام وفوض أمره إلى الله لما أصابه من المرض وهكذا ينبغي للمؤمن إذا من الله عليه بالهداية والاستقامة أن يحمد الله على ذلك ويسأله الثبات عليها حتى يلقى ربه عز وجل وهكذا ينبغي للمؤمن إذا أصيب بمصيبة أن يفوض أمره إلى الله ولكن لا يدع الأسباب التي جعلها الله تعالى سبباً في إزالة هذه المصيبة وأما إلحاح والده عليه بالزواج وامتناعه عن ذلك فالذي أرى أن لا يمتنع من الزواج ما دام مرضه لا يخشى منه أن يتعدى إلى الزوجة فإن الذي أرى أن يتزوج فلعله أن يكون في زواجه خير وشفاءٌ من هذا المرض فإن بعض الأشياء قد لا يخطر بالبال أنها مفيدة مجدية ومع ذلك تكون مفيدةً مجدية بإذن الله فنصيحتي له أن يتزوج امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج) وطاعةً لوالده الذي كان يلح عليه في الزواج إلا إذا كان فيه مرض يخشى منه أن ينتقل إلى الزوجة فيكون جانياً عليها فهذا له أن يمتنع ولكن ينبغي أن يبين لوالده السبب حتى يطمئن والده ويرضى.
***
(24/2)

السائلة تستفسر عن موانع الدعاء تقول لقد دعوت الله أن يرزقني بالزوج الصالح ولكن للأسف من يتقدم لي غير ذلك وقد تقدم لي أحد الأشخاص الذي يبدو عليهم الصلاح إلا أنه كان متزوجا فرفضته لأنني لا أقبل نفسيا أن أكون الزوجة الثانية وأن تكون سعادتي على حساب تعاسة الآخرين فهل آثم في رفضه كما أنها تقول يراودني شعور بأنني سأظل بلا زواج طول عمري ومهما دعوت فلن يستجاب لي هل هذا الشعور هو تحقيق لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (قلب المؤمن دليله) ؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً نقول لها ولغيرها إن الله سبحانه وتعالى قد يمنع إجابة دعوة الشخص لخير يريده لهذا الشخص فلا يستعجل الإنسان بل يلح في الدعاء والإنسان إذا دعا ربه فلن يخيب لأمور أولا أن الدعاء عبادة يؤجر عليها ويثاب عليها.
ثانيا أن الله تعالى إما أن يجيب دعوته أو يدخرها له يوم القيامة أو يصرف عنه من السوء ما يقابل ما دعا به أو أكثر ومع ذلك نقول ألح بالدعاء فإنك إنما تدعو غنيا كريماً جوادا ولا تيأس ولهذا جاء في الحديث (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل قالوا كيف يعجل يا رسول الله قال يدعو ويدعو ويدعو فيقول لم يجب لي أو كلمة نحوها فيستحسر عن الدعاء) فهذه المرأة نقول لا تيأسي من رحمة الله كرري الدعاء وأما كونها يتقدم لها رجل ذو دين ولكن معه زوجة أخرى فتمتنع من الإجابة من أجل الزوجة الأخرى فلا أرى لها ذلك ما دام الرجل صالحا ذا خلق ودين فلتجبه وقولها لا أحب أن تكون سعادتي بشقاء الآخرين هذا غلط فإن الآخرين لا ينبغي لهم أن يشقوا بذلك فلا ينبغي للمرأة أن تغلبها الغيرة بحيث تشقى إذا تزوج زوجها لأن تعدد الزوجات مما ينبغي أن يفعله العبد إذا كان ذا قدرة مالية وبدنية وآمنا من الجور والميل فإن في كثرة النساء كثرة الأولاد وكثرة الأمة وتحصين فروج كثير من النساء الباقيات في البيوت وهو من نعمة الله عز وجل
ولولا أن الحكمة في تعدد الزوجات ما شرعه الله عز وجل ولا أذن فيه نعم إذا كان الإنسان قليل المال أو ضعيف البدن أو خائفا ألا يعدل فهنا نقول الأفضل أن تقتصر على ما عندك وتسأل الله التوفيق.
***
(24/2)

هذه رسالة وصلت من إحدى الأخوات المستمعات تعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة والرسالة طويلة وسأقوم إن شاء الله تعالى باختصارها تقول أريد أن أستشيركم في أمر يخصني وأفراد أسرتي من البنات ألا وهو أني وأخواتي البنات كتب علينا أن نظل بلا زواج لأننا قد تخطينا سن الزواج إلى ما بعده بكثير جداً جداً إن لم يكن اقتربنا من سن اليأس بالفعل هذا مع العلم ولله الحمد والله على ما أقول شهيد أننا على درجة من الأخلاق وقد حصلنا على شهادات جامعية جميعنا ولكن هذا هو نصيبنا والحمد لله نسأل الله سبحانه وتعالى الصبر والإيمان والتقوى ولكن الناحية المادية هي التي لا تشجع أحداً بأن يتزوجنا لأن ظروف الزواج وخاصة في بلدنا تقوم على المشاركة بين الزوجين باعتبار ما سيكون في المستقبل والآن وبعد أن تعديت سن الزواج وفقني الله عز وجل للعمل في الإمارات العربية المتحدة إلا أنني سمعت في برنامجكم المفضل نور على الدرب عن حرمانية هذا السفر اتباعاً لسنة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فقررت بمشيئة الله أن أقدم استقالتي للرجوع إلى بلدي مرة أخرى لأنه ليس هناك لدي من تسمح ظروفه بالسفر معي والآن أسألكم يا فضيلة الشيخ كيف نقي أنفسنا شر الألم الذي قدر لنا وكيف نحمي أنفسنا من كثرة الأسئلة التي توجه إلينا من الناس جميعاً عن السبب في عدم زواجنا فلقد أصبح اختلاطنا بالناس أمر محال بسبب هذا الأمر وأنا أعلم أن الصبر والصلاة والاستعانة بالله جل شأنه هو السبيل ولكن لاشك في أن في هذا الأمر مشقة على النفس أرجو نصيحتي وتوجيهي نيابة عن أخواتي وأسأل الله لي ولهنّ الخير بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: النصيحة التي أوجهها إلى مثل هؤلاء النساء اللاتي تأخرن عن الزواج هي كما أشارت إليه السائلة أن يلجأن إلى الله عز وجل بالدعاء والتضرع إليه بأن يهيئ لهنّ من يرضى دينه وخلقه وإذا صدق الإنسان العزيمة في التوجه إلى الله واللجوء إليه وأتى بآداب الدعاء وتخلى عن موانع الإجابة فإن الله تعالى يقول (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) وقال تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) فرتب سبحانه وتعالى الإجابة على الدعاء بعد أن يستجيب المرء لله ويؤمن به فلا أرى شيئاً أقوى من اللجوء إلى الله عز وجل ودعائه والتضرع إليه وانتظار الفرج وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا) وأسأل الله تعالى لهن ولأمثالهن أن ييسر لهن الأمر وأن يهيئ لهن الرجال الصالحين الذين يعينوهنّ على صلاح الدين والدنيا.
يافضيلة الشيخ المستمعة تقول هل عدم زواجنا هذا بما يسببه لنا من ألم فيه تكفير لذنوبنا وهل هذا الحرمان ينطبق على حالنا أم هو نصيب ومكتوب فقط؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن هذا الذي حصل نصيب ومكتوب فإن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة وكتب على العبد أجله وعمله ورزقه وشقي أم سعيد وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) ومع كونه مكتوباً مقدراً من الله عز وجل فإن الله تعالى يثيب المرء عليه إذا صبر واحتسب فإذا صبر الإنسان واحتسب على المصيبة كان في ذلك تكفير لسيئاته ورفعة لدرجاته وتكثير لثوابه قال الله تعالى (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ) وقال تعالى (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) .
يافضيلة الشيخ: تقول هل والدنا الفاضل يمكن أن يسأل عن ذلك الأمر يوم الدين؟
فأجاب رحمه الله تعالى: والدكم لا يسأل عن ذلك يوم الدين إلا إذا كان سبب التأخير منه مثل أن يأتي الخطاب الذين يرضى دينهم وخلقهم ثم يردهم نظراً لما يحصل منكم من مادة له بهذه الوظائف فإذا كان الأمر كذلك أي أنه يرد الخطاب من أجل مصلحة مادية تعود عليه فلا شك أنه آثم بذلك وأنه لم يقم بواجب الأمانة فعليه أن يتوب إلى الله ويستغفره من هذا العمل وأن يبادر بتزوجيكنّ من حين أن يأتي الخاطب الذي يرضى دينه وخلقه.
***
(24/2)

أنا شاب في السادسة والعشرين من العمر تزوجت فتاة مسلمة والحمد لله لكن مشكلتي هي أن والدي وأمي لم يوافقوا على ذلك الزواج أما أنا فقد تزوجتها بموافقة أهلها ورضاها وبعد مدة قصيرة من الزواج بدأت مشاكل بين زوجتي وأهلي أمي وأبي وإخواني فهم يريدون من زوجتي الشغل خارج البيت في المزرعة ومعهم كثير من إخواني وأنا غير موجود معهم فأنا موظف والمشكلة أن جميع من في البيت ما عدا أنا وزوجتي يحبون صوفية هذا الزمان الذين تكثر فيهم البدع والخرافات ومن هذه البدع أنهم يذهبون إلى السيد ويعملون أوراق على شكل مربعات ويكتبون فيها أشكالاً وألواناً لا نعرف ما هي هذه الكتابة وليست من القرآن ويحرقونها في النار والكثير من البدع وأنا أنصح لهم ولا يفيد ذلك وجوابهم في ذلك أنهم يقولون أنت البارحة صرت في الدنيا وأنت اليوم تعلمنا بديننا والحقيقة أنني لم أستطع أنا وزوجتي أن نعيش في هذا البيت من كثرة المشاكل وهم يلحون علي أن أطلق زوجتي وأنا لا أقبل بذلك مما جعلني أترك هذا البيت وأسكن في بيت ثاني مع العلم أنهم لن يقبلوا أن أعيش معهم أو أن أرجع إليهم أبداً وإذا رجعت فإنهم يهددوني فماذا أعمل أرجو من فضيلتكم تفصيل ذلك ونصيحتكم جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتنا أولاً لأهلك ننصحهم أن يكفوا عما هم عليه من هذه الخرافات البدعية التي ما أنزل بها من سلطان والتي لا تزيدهم من الله تعالى ألا بعداً لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وحذر صلى الله عليه وسلم من البدع وقال (كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) وإذا كانوا صادقين في إرادتهم لله عز وجل والدار الآخرة فليتبعوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فإن بذلك السعادة في الدنيا والآخرة قال الله تبارك وتعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وهم إذا رجعوا إلى خالص السنة وصفائها عرفوا أن ما هم عليه ضلال وخطأ وانشرحت صدورهم للإسلام واطمأنت قلوبهم به وعرفوا قدر الحياة التي قال الله تعالى عنها (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وأما بالنسبة لك فإنني أوصيك بتقوى الله عز وجل أنت وزوجتك وأن تستقيم على أمر الله سبحانه وتعالى وما صنعته من انفرادك عنهم في البيت أنت وزوجتك فإنه موافق للصواب فلتبق مع زوجتك في هذا البيت بعيداً عن البدع والخرافات ولتصل والديك وأقاربك بما يجب عليك ولتحرص على نصيحتهم دائماً وتبين لهم الحق ولا تيئس فإن القلوب بيد الله سبحانه وتعالى وكم من إنسان كان بعيداً عن الحق وبكثرة النصح والإرشاد والتوجيه بالأدلة المنقولة والمعقولة حصل له الخير والفلاح
***
(24/2)

السؤال: السائل يقول أنا أعمل بالمملكة العربية السعودية وأسكن مع أخوة لي مصريين وكلنا والحمد لله على خلق ونحافظ على جميع أنواع العبادات ولكن يا فضيلة الشيخ يوجد بيننا رجل لا يصلى الفرض إلا لوحده منفرداً ولا يصلى إلا يوم الجمعة مع الجماعة ولقد نصحناه كثيراً بالصلاة معنا في الجماعة لكنه لم يمتثل لأي نصيحة أو توعية من إخوانه وكذلك إذا دخل علينا المنزل لا يقول السلام عليكم ورحمة الله أو السلام عليكم ويقول لن أقول لأحد السلام عليكم أنا حر أقول ما أشاء بمزاجي فوجهونا في ضوء ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نوجه الأخ المسئول عنه بالتوبة إلى الله عز وجل والقيام بما أوجب الله عليه من صلاة الجماعة وكذلك ننصحه بأن يسلم على إخوانه إذا دخل عليهم لأن هذا من حقهم عليه قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (حق المسلم على المسلم ست وذكر منها إذا لقيته فسلم عليه) أما بالنسبة لهؤلاء فإن عليهم النصيحة لهذا الأخ الذي تخلف عن الجماعة ولا يصلى إلا يوم الجمعة وهو أيضا لا يسلم عليهم ويهددونه بأنه إذا لم يستقم طردوه من صحبتهم ولا حرج عليهم أن يطردوه من صحبتهم إذا أصر على ما هو عليه من المنكر اللهم إلا أن يخافوا أنه لو ذهب عنهم لارتكب إثماً أشد من الإثم الذي هو عليه فيما بينهم فهنا يتوجه أن يقال يبقى عندهم ويناصحونه لعل الله يهديه.
***
(24/2)

رسالة بعثت بها السائلة أم فيصل أختكم في الله من الرياض كتبت بأسلوبها الخاص وهي رسالة مطولة فهمت من هذه الرسالة شيخ محمد حفظكم الله بأن بينها وبين زوجها مشاكل حيث تذكر أنها تعاني من مرض نفسي وبأنها لا تستطيع أن تقوم برعاية زوجها الرعاية الكاملة الأسرية فما هو السبيل لبناء الحياة الأسرية السعيدة في مثل هذه الحالة وإذا كان التفاهم من جانب واحد وهو الزوج وأما والزوجة فمقصرة فبماذا تنصحونها وتطلب منكم أن تدعو لها؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أنصحها بأن تصبر وتحتسب وتحاول بقدر ما تستطيع أن تصلح العشرة بينها وبين زوجها وهي مع دعاء الله تعالى والاستعانة به وحسن النية ستنال مقصودها فإن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً ولا تتعجل بطلب الفراق وأما دعاؤنا لها فإني أسأل الله تعالى أن يصلح حالها مع زوجها ولكني أخبرها وأخبر غيرها أيضا أن دعاء الإنسان لنفسه أفضل من طلبه من غيره فكونه هو الذي يدعو الله تعالى خير له من أن يقول يا فلان ادع الله لي لأن الله تعالى يقول (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) ومنة الله عليك خير من أن يمن عليك رجل مثلك أو امرأة مثل المرأة ولا شك أن من طلب السؤال من غيره سيناله شيء من الذل والتذلل لهذا المطلوب فكونك لا تطلب أحدا وتبقى عزيز النفس خير من أن تطلب شخصا يدعو لك فوصيتي لهذه المرأة ولغيرها أن يدعو ربهم عز وجل وألا يلتفتوا إلى غيرهم وأن يدعو الله وهم موقنون بالإجابة غير مستبعدين لها وليكرروا السؤال والدعاء فإن الله تعالى يحب الملحين بالدعاء وليعلموا أن الله تعالى قد يمنع عنهم ما دعوه به لمصلحتهم حتى يكرروا الدعاء ويخلصوا اللجوء إلى الله عز وجل والدعاء نفسه عبادة يقرب إلى الله وانتظار الفرج من الله تعالى عبادة يوجب تعلق قلب العبد بربه عز وجل وكم من إنسان ازداد إيمانا بتأخر إجابته وازداد لجوءا وافتقارا إلى الله حين تأخرت إجابة الطلب ولا ينبغي للسائل أن يستحسر ويتعجل فيقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي بل يلح ويلح مرارا وتكرارا فإنه ليس بخائب إطلاقا لأن الله تعالى إما أن يستجيب له وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم مما هو فيه وإما أن يدخر ذلك له أجرا وثوابا يوم القيامة.
***
(24/2)

بعض الناس يجعل من يوم الجمعة موعدا لرحلاته ونزهاته هل لكم توجيه في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إني أوجه النصيحة لهؤلاء القوم الذين يجعلون يوم الجمعة محلا أو وقتاً للرحلات والبعد عن صلاة الجمعة أن يتقوا الله عز وجل وأن يحمدوا الله تعالى على نعمه وعلى ما نحن فيه من رخاء ورغد وأمن وأن يشكروا الله عز وجل ثم الحكومة التي جعلت للناس متسعا في الإجازة الأسبوعية حيث أضافت إلى يوم الجمعة يوم الخميس وبالإمكان أن يجعل الإنسان يوم الخميس هو يوم رحلاته ويجعل يوم الجمعة هو يوم شراء حاجاته الأسبوعية لأن بعض الناس يقول إني في يوم الخميس أتفرغ لشراء الحاجات الأسبوعية فنقول اجعل يوم الجمعة هو يوم التفرغ لشراء الحاجات الأسبوعية واجعل يوم الخميس يوم رحلات أما أن تجعل ذلك يوم الجمعة وتواظب على هذا وكل جمعة تخرج من بلدك وتترك صلاة الجمعة فهذا يفوتك خيراً كثيراً وربما تقع في إثم.
***
(24/2)

المستمع ع ح ط يقول في هذا السؤال ما هو توجيه فضيلتكم لمن أصر على عدم قبول الحق لأن المتحدث يصغره بالسن أولأن السامع في قلبه شيء على نفس المتحدث أرجو النصح والتوجيه في هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نصيحتي في هذا إذا كان هذا المصر على المعصية سواء كانت فعل محرم أو ترك واجب وكان أخوه أو صاحبه يصغره في السن ويعلم أنه لن يقبل منه نصيحتي للمنصوح أن يقبل النصيحة من أي شخص كان فالحق هو مراد المؤمن وهو ضالة المؤمن أينما وجده أخذه أما بالنسبة للناصح فإذا كان يعلم أو يغلب على ظنه أن هذا سوف يحتقر النصيحة ولا يقبلها فيطلب ذلك ممن هو أكبر منه حتى يقوم بالنصيحة لهذا الرجل المصر على المعصية.
***
(24/2)

ما الطريقة المثلى لنصح الجار الذي يتخلف عن الصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الطريقة المثلى لنصح الجار أن تذهب إليه في البيت أو تدعوه إلى بيتك أو ترافقه في السوق وتتلطف معه وتخاطبه بالتي هي أحسن وتقول له أنت جاري ولك حق علي وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالجار خيرا ولك حق علي أن أساعدك في كل ما فيه منفعتك في الدين والدنيا وتأتي له بالأسلوب الذي تراه مناسبا ثم تنتقل بعد ذلك وتقول إن من خير ما أهدي إليك أن أنصحك بالمحافظة على الصلوات لأن الصلاة عمود الدين وتذكر له من فضلها وتحذره من إضاعتها ثم تقول ومن إقامتها والمحافظة عليها أن تصلىها مع الجماعة ثم تذكر له فضل الجماعة وتحذره من التخلف عنها وفي ظني أن الإنسان إذا نصح بطريق طيب لين فإنه سيؤثر قوله بلا شك إذا كان مخلصا لله تعالى في نصيحته غير شامت ولا منتقد فإن كلمة الحق إذا خرجت من قلب ناصح أثرت تأثيرا بليغا إما في الحاضر وإما في المستقبل ألا ترى إلى موسى عليه الصلاة والسلام لما أحضر إليه السحرة في مجمع عظيم قال لهم موسى (وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى) قال الله تعالى (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ) يعني حل بينهم النزاع في الحال لأن الفاء في قوله (فَتَنَازَعُوا) تدل على الترتيب والتعقيب وعلى السببية أيضا إذا دخلت على الجمل فإنها تفيد السببية فانظر كيف أثرت هذه الكلمة في أولئك السحرة تنازعوا أمرهم بينهم وإذا حل التنازع في أمة أو طائفة فإن مآلها الفشل والخذلان قال الله تعالى (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) هذا ما أراه في نصيحة جارك حول تهاونه بصلاة الجماعة فإن أفاد فيه ذلك فهذا هو المطلوب وإن لم يفد فإن عليك أن ترفع الأمر إلى الجهات المسئولة وبذلك تبرأ ذمتك.
***
(24/2)

أبو معاذ من الرياض كتب رسالة مضمونها عندما يتقدم شاب لخطبة فتاة يقوم أهل العروسة بالسؤال عن العريس وذلك عن طريق جيران العريس وزملائه في العمل عن دينه وأخلاق ذلك العريس فنجد البعض يخفون الحقيقة عن أهل العروسة فنجدهم يثنون على العريس ويصفونه بأوصاف ليست في الحقيقة موجودة فيه لدرجة أنهم يجعلونه من المحافظين على الصلوات في المسجد مع الجماعة وهو في الحقيقة قد لا يعرف طريق المسجد ولم يركع لله ركعة واحدة وغير ذلك من ارتكاب بعض الآثام وما خفي كان أعظم وكم من ضحية ذهبت في مثل هذه القضية يقول السائل وهذا ما حصل لإحدى الأخوات الملتزمات نحسبها كذلك ولا نزكي على الله أحداً ولكن بعد الزواج اكتشفت حقيقة هذا الزوج ومدى الغش والكذب الذي وقع لها من قبل هؤلاء الناس مما اضطرها إلى طلب الطلاق فأرجو توضيح حكم الشرع في نظركم في فعل هؤلاء وما نصيحتكم لهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً نبين حكم اللفظ الذي قال عريس وعروسة الواقع أنهما ليس عروسين ولكنهما خاطبٌ ومخطوبة فينبغي للإنسان إذا تلفظ بالكلمات أن تكون كلماته محررة منقحة
أما ما يتعلق بوصف بعض الناس للخطيب بأنه ذو خلق ودين وهو برئٌ من ذلك أو ناقصٌ في ذلك فهذا والله عين الغش وهو مخالفٌ للدين لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (الدين النصيحة) كررها ثلاث مرات (الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة) قالوا لمن يا رسول الله قال (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) وهؤلاء الذين يمدحون الخاطب وهم كاذبون والله ما نصحوا لعامة المسلمين بل غشوا وخدعوا ثم إن هؤلاء المساكين يظنون أنهم محسنون إلى الخطيب وهم أساؤا إليه حيث غشوا به الناس ثم هو سوف يتنكد فيما بعد إذا عرف أنه ليس ذا خلق ودين سوف يكون هناك نكد بينه وبين الزوجة وبين أهله وأهلها ويرجع الزواج جحيماً والعياذ بالله ونصيحتي لهؤلاء أن يتقوا الله عز وجل وأن يبينوا الحقيقة ولو كان ابنهم حتى لو كان ابنهم وخطب من أناس وهم يعرفون من ابنهم أنه ذو كسلٍ في العبادة وذو سوءٍ في الخلق فيجب أن يبينوا ويقولوا والله ولدنا قليل الصلاة مع الجماعة وسيئ الخلق قريب الغضب بطئ الإفاقة من الغضب فإن شيءتم زوجوه وإلا اتركوه هذا هو الواجب قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) وهذا الذي ذكر السائل من وقوع بعض الملتزمات في مشاكل من أجل هذا الغش أمرٌ واقع وكثيراً ما نسأل عنه وفي هذه الحال ينبغي عند العقد أن يقال نشترط عليه أن يكون مستقيماً في دينه وخلقه فإن لم يكن مستقيماً فلنا الفسخ حتى يرتاحوا فإذا لم يكن مستقيماً فلهم الفسخ لأن استقامة الدين والخلق من الأمور المطلوبة كما في الحديث (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ومفهوم الحديث إذا لم نرضَ دينه وخلقه فلا نزوجه فأقول إذا خفنا أن نقع في مثل هذه الحال وهو كثير نقول بشرط أن يكون مستقيم الخلق والدين فإن لم يكن كذلك فللمرأة الفسخ ويكون هذا شرطاً صحيحاً مقصوداً قصداً شرعياً إذا لم يكن مستقيم الدين والخلق بسم الله فسخت نكاحي منه وتسلم منه.
***
(24/2)

التوبة
(24/2)

بارك الله فيكم، المستمع خالد سليمان الواصل يسأل ويقول ما هي شروط التوبة النصوح؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوبة النصوح من الذنوب واجبة فإن كان الذنب فعل محرم وجب الإقلاع عنه، وإن كان ترك واجب وجب تداركه بفعله إن كان مما يمكن فعله، أو بفعل بدله إن كان له بدل وإن لم يكن له بدل ولم يمكن فعله كفت التوبة، وللتوبة شروط خمسة:
الشرط الأول أن يكون الحامل لها الإخلاص لله عز وجل لا يقصد بها رياءً ولا سمعة ولا جاهاً ولا تزلفاً لمخلوق ولا غير ذلك من أمور الدنيا، بل لا يريد بها إلا وجه الله والدار الآخرة.
الشرط الثاني أن يكون عنده شيء من الندم على ما فعل بحيث لا يكون الفعل وعدمه سواء عنده بل يشعر بنفسه أنه متألم ونادم على ما وقع منه من الذنب، لأن هذا الندم والألم هو الذي يحمله على أن يتوب إلى الله ويرجع إليه وهو الذي يدل على صدق توبته.
الشرط الثالث أن يقلع عن الذنب في الحال بقدر استطاعته فإن كان الذنب ترك واجب وجب عليه فعله إن كان مما يمكن فعله أو فعل بدله إن كان له بدل وإلا كفى الندم على ما أهمل من الواجب، وإن كان فعل محرم وهو لا يزال متلبساً به وجب عليه الإقلاع عنه فوراً ومن ذلك إذا كان الذنب اعتداءً على غيره فإنه يجب عليه إن كان الاعتداء بأخذ مال أن يرد المال إلى صاحبه وإن كان بمظلمة أن يتحلله منها إلا أن بعض أهل العلم قال إذا كان العدوان بالغيبة وصاحبه لم يعلم أنه اغتابه فإنه يكفي أن يستغفر له وأن يثنى عليه ثناءً يقابل ما حصل منه من غيبة، ولكن لابد أن يكون هذا الثناء مطابقاً للواقع.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود في المستقبل إلى هذا الذنب الذي تاب منه، فأما إن تاب من الذنب ولكنه في نيته إذا سنحت له فرصة أن يعود إليه فهذه توبة عاجز وليست توبة نصوحاً بل لا بد أن يعقد العزم على ألا يعود إلى الذنب الذي تاب منه.
الشرط الخامس أن تكون التوبة في وقت قبولها، فإن كانت بعد وقت قبولها لم تنفع صاحبها، ووقت القبول هو أن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها وقبل حضور أجل التائب فإن طلعت الشمس من مغربها قبل التوبة فإن التوبة لا تنفع لقول الله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وقال النبي عليه الصلاة والسلام (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها) ، وإذا حضر الأجل فإنها لا تنفع التوبة ولا تقبل لقول الله تعالى (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) وعلى هذا فيجب على المؤمن أن يبادر بالتوبة لأنه لا يدري متى يفجأه الأجل وكم من إنسان خرج من بيته ولم يرجع إليه، وكم من إنسان نام على فراشه ولم يقم منه، وكم من إنسان جلس على الأكل ولم يتمه، فالموت ليس له وقت معلوم للبشر حتى يُمْهِلَ في التوبة فالواجب على كل مؤمن أن يبادر بالتوبة قبل أن يفوت وقت قبولها، قال الله تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
***
(24/2)

بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هذه السائلة من ليبيا تقول بأنها أخطأت مرة ثم تابت ودعت الله كثيرا أن يغفر لها ولكن لديها شعور دائما بالذنب فبماذا تنصحونها يا فضيلة الشيخ مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول إن هذه المرأة التائبة كونها تشعر دائما بذنبها يدل على أن توبتها صادقة لكثرة الندم معها على ما فعلت من معاصي ولكني أقول لها ابشري فإن حال الإنسان بعد التوبة قد تكون أكمل من حاله قبل فعل المعصية لأنه يحصل له بالتوبة الإنابة إلى الله والانطراح بين يديه والتبرأ من الحول والقوة والتبرأ من الإعجاب بالنفس واستصغار النفس واحتقارها أمام عظمة الله وكل هذه معان جليلة ترقى بالإنسان إلى درجة أكمل مما كان عليه قبل التوبة لأن مثل هذه الأمور مفقودة من قبل وعلى هذا فلتبشر بالخير ولتنتهي عما حصل من المعصية فإنها قد غفرت وزالت وانمحى أثرها ولتتذكر ما جرى لآدم عليه الصلاة والسلام حيث نهاه الله أن يأكل من الشجرة ولكنه خالف وعصى قال الله تعالى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) فلم يحصل الاجتباء إلا بعد أن تاب من المعصية فاجتباه الله وتاب عليه وهداه هداية علم وهداية توفيق وهذا يدل على ما أسلفنا وهو أن الإنسان بعد التوبة النصوح قد تكون حاله أكمل مما كانت عليه قبل فعل المعصية وإنني بهذه المناسبة أود أن أقول إن للتوبة شروطا لابد منها وهي خمسة
الأول الإخلاص لله عز وجل بالتوبة بحيث لا يحمله على التوبة رجاء شيء من الدنيا أو خوف شيء في الدنيا بل يكون الحامل له على التوبة رجاء ما عند الله من الثواب للتائبين والتخلص من أوضار هذا الذنب الذي قام به.
الشرط الثاني أن يندم على ما حصل من الذنب ويتحسر ويود أنه لم يفعله.
الشرط الثالث أن يقلع عن المعصية فإن كان الذنب ترك واجب استدركه وفعله إن كان ممكناً وإن كان الذنب فعل معصية أقلع عنها في الحال ومن ذلك ما إذا كانت المعصية حقا لآدمي فإن الواجب عليه أن يبادر بالتخلص من هذا الحق إن كان مالاً يرده إلى صاحبه إن كان حيا معلوما عنده وإن كان ميتا رده إلى ورثته وإن جهله أو نسيه تصدق به عنه
والشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود في المستقبل يعني يكون لديه عزم على ألا يعود إلى هذه المعصية في المستقبل وليس الشرط ألا يعود إلى المعصية في المستقبل الشرط أن يعزم ألا يعود ثم إن سولت له نفسه فعاد فإن توبته الأولى تبقى على صحتها ويحتاج إلى توبة جديدة للذنب الجديد
الشرط الخامس أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه التوبة بأن تكون قبل حضور الأجل وقبل طلوع الشمس من مغربها فإن كانت بعد حضور الأجل فإنها لا تقبل لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها) ويشهد لذلك قوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وإنني أحث إخواني الذين لا يزالون على الذنب أن يبادروا بالتوبة قبل فوات الأوان وأن يعلموا أن عظم الذنب لا يمنع التوبة فقد قال الله تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً) .
***
(24/2)

بارك الله فيكم هذا المستمع إلى البرنامج عبد الواسع اليماني يقول في هذا السؤال بأنه إنسان متزوج وقبل وفاة والدي كنت لا أصلى الصلوات الخمسة وكنت أيضا أعمل المعاصي ثم بعد وفاة والدي هداني الله إلى الطريق المستقيم وأصبحت أصلى وأعمل الخير وأحافظ على الواجبات فما الواجب علي لأكفر عن ذنوبي الماضية وأريح ضميري؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الإنسان إذا تاب إلى الله توبة نصوحا فإن الله تعالى يقبل توبته ويعفو عن سيئاته مهما عظمت قال الله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) وقال الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فإذا تاب الإنسان من ذنبه مهما عظم فإن الله يتوب عليه ولكن ليعلم أن للتوبة شروطا لا بد من تحققها وهي
أولا الإخلاص لله عز وجل بأن ينوي بتوبته الرجوع إلى ربه من معصيته إلى طاعته ولا ينوي التزلف إلى البشر أو التقرب إليهم أو الجاه أو المال أو ما أشبه ذلك بل تكون توبته خالصة لله وحده طلبا للنجاة من عقابه والوصول إلى ثوابه
الثاني الندم على ما مضى منه من التقصير في واجب أو انتهاك محرم وقد يشكل هذا الشرط على بعض الناس لأن الندم انفعال نفسي فكيف يمكن للإنسان أن يتصف به والجواب على ذلك أن نقول المراد بالندم أثره أي أن يظهر عليه الأسى والحزن على ما مضى من ذنبه فهذا هو الندم
الثالث أن يقلع عنه في الحال أي عن الذنب في الحال فلا تصح التوبة من ذنب مع الإصرار عليه لأن التوبة من ذنب مع الإصرار عليه من الاستهزاء بالله عز وجل ومثال ذلك لو قال أنا أتوب إلى الله عز وجل من غيبة الناس ولكنه ما يزال يغتابهم فكيف نقول أن هذا توبته صحيحة لو قال أنا أتوب إلى الله من أكل الربا ولكنه لا يزال يأكل الربا فهذا لم يتب لو قال أتوب إلى الله من ظلم الناس وهو لا يزال مستوليا على أموالهم بغير حق وما أشبه ذلك فإن توبته لا تصح مهما فعل لأنه لم يقلع عن الذنب
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود إلى الذنب في المستقبل يعني بأن تكون توبته قاطعة للذنب لن يعود إليه فإن قال أتوب إلى الله وأقلع عن الذنب وندم عليه ولكن في نيته أن يعود إليه في وقت ما أو في حال ما فإن توبته لا تصح لابد أن يعزم ألا يعود فإن قال قائل عزم ألا يعود لكن غلبته نفسه فعاد هل تبطل توبته الأولى فالجواب لا تبطل توبته الأولى لأنها تحققت التوبة بعزمه ألا يعود وهذا هو الشرط وليس الشرط ألا يعود بل العزم على أن لا يعود وبينهما فرق ظاهر فإذا تاب إلى الله من ذنب توبة نصوحاً ثم عاد إليه فإن توبته الأولى لا تبطل لكن يجب عليه أن يجدد توبته من فعل الذنب مرة أخرى
الشرط الخامس لقبول التوبة أن تكون في وقت قبولها لأنها يأتي على الإنسان نفسه زمان لا تقبل فيه التوبة فإذا طلعت الشمس من مغربها لم تقبل التوبة لقول الله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيراْ) وذلك وقت طلوع الشمس من مغربها فإن الشمس إذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم ولكن لا ينفع نفس إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً وكذلك التوبة فإنها لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها وإذا حضر الأجل لم تقبل التوبة لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) فإذا عاين الإنسان ملك الموت فإنها لا تقبل توبته لأن هذه توبة ليست عن رغبة بل توبة المضطر فلا ينفع ولهذا لما أدرك فرعون الغرق (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فقيل له (أَالآنَ) يعني أالآن تتوب (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَة) فأنجاه الله ببدنه وأظهره من أجل أن يكون آية على موته وهلاكه لبني إسرائيل الذين أرعبهم حتى يتيقنوا أنه مات فالمهم أنك مهما عملت من ذنب إذا تبت إلى الله تعالى توبة نصوحاً فإن الله يتوب عليك بل إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين.
***
(24/2)

أبو سعد من الجمهورية العراقية محافظة واسط يقول في رسالته لقد كنت في شبابي أعمل أعمالاً لا يرضاها الله والآن أنا تبت فماذا أفعل لأكسب رضا الله وما هي شروط التوبة الخالصة أفيدوني بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ما دمت ذكرت أنك تبت من هذه الأعمال التي كنت تعملها في حال صغرك وهي لا ترضي الله ورسوله فأبشرفإن (التوبة تجب ما قبلها) قال الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (التوبة تهدم ما قبلها) والتوبة النصوح هي التي جمعت شروطاً خمسة
الشرط الأول أن تكون خالصة لله بأن لا يحمل الإنسان عليها رياء ولا سمعة ولا مدارة لأحد ولا مداهنة في دين الله وإنما يتوب إلى الله تعالى وحده خالصاً من قلبه فإن فقد هذا الشرط لم تقبل التوبة لأن جميع الأعمال الصالحة من شروطها الأساسية أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى.
الشرط الثاني أن يندم على ما مضى من فعله بحيث يتأسف ويحزن لما حصل منه لأن هذا دليل على صحة توبته وانكسار قلبه أمام الله عز وجل وأنه حقيقة راجع إلى الله.
الشرط الثالث أن يقلع عن ذنبه إن كان متلبساً به فإذا كانت توبته من حق آدمي فلا بد أن يؤدي هذا الحق إلى صاحبه كما لو كان قد ظلم أحداً من الناس بأخذ ماله بسرقة أو غش أو غير ذلك فإنه لا تصح التوبة حتى يؤدي ذلك الحق إلى صاحبه وكذلك لو كان قد ظلمه بغيبة وتكلم في عرضه أمام الناس فإنها لا تصح توبته حتى يستحله من تلك الغيبة إلا أنه إذا كان لم يعلم أنه قد اغتابه فإن من أهل العلم من يقول في هذه الحال لا يحتاج إلى أن يستحله بل يثني عليه في الأماكن التي كان يغتابه فيها بما هو موصوف به من صفات المدح ويستغفر الله له ويغني ذلك عن استحلاله وإذا كانت التوبة من حق من حقوق الله مثل أن يكون عليه واجب لله تعالى كزكاة أو كفارة فإن التوبة من ذلك أن يبادر بفعل هذا الشيء الذي وجب عليه لله.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود في المستقبل فإن تاب ولكن من نيته أنه إذا حصلت له الفرصة عاد إلى الذنب فإن التوبة هنا ليست بصحيحة لأنها ليست رجوعاً حقاً إلى الله سبحانه وتعالى.
الشرط الخامس أن تكون التوبة في أوانها أي في الوقت الذي تقبل فيه فإن لم تكن في أوانها فإنها لا تقبل والوقت الذي تنقطع به التوبة ولا تقبل نوعان وقت عام ووقت خاص فالوقت العام هو طلوع الشمس من مغربها فإن الشمس إذا طلعت من مغربها لم تقبل توبة تائب لقول الله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) والمراد ببعض الآيات هنا طلوع الشمس من مغربها فإنه لا توبة بعده وأما الخاص فهو حضور الأجل فمن حضر أجله فإن توبته لا تقبل لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) فمن لم يتب إلا بعد معاينة الموت وغرغرته بروحه فإنها لا تقبل توبته فإذا تحققت هذه الشروط الخمسة صارت التوبة نصوحاًَ مقبولة وإذا قبلها الله عز وجل فإنها تعم كل ذنب تاب منه واختلف أهل العلم رحمهم الله هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره فقال بعضهم إن التوبة لا تصح من ذنب مع الإصرار على غيره مثل أن يتوب الإنسان من شرب الدخان مثلاً لكنه مصر على حلق لحيته فقال بعض أهل العلم إن توبته من شرب الدخان لا تقبل لأنه مصر على معصية الله في حلق لحيته وقال بعض أهل العلم إنها تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره وهذا القول هو الراجح ولكن من تاب من ذنب مع الإصرار على غيره لا يستحق الوصف المطلق للتائب فلا يدخل في التوابين توبة مطلقة ولا يستحق المدح الذي يمدح به التوابون وإنما يمدح مدحاً خاصاً مقيداً بتوبته من هذا الذنب المعين.
***
(24/2)

بارك الله فيكم فضيلة الشيخ المستمع ع. ن. ف. ح من قطر بعث برسالة يقول فيها بأنه يقترب الآن من الثلاثين من العمر يقول وقد عشت في مطلع شبابي وحتى قبيل الزواج ارتكب الكثير من المخالفات وأنا الآن قد تبت إلى الله توبة نصوحا ونادم على ما صدر مني من أفعال وأقوال لا ترضي الله جل وعلا فهل علي كفارة يا فضيلة الشيخ على ما مضى أم أن التوبة النصوح تكفي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوبة النصوح تكفي وتهدم ما كان قبلها من المعاصي بل من الكفر أيضاً لقول الله تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ولقوله تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أعلى أنواع المعاصي في حقه تعالى وفي حق بني آدم في النفوس وفي حق بني آدم في الأعراض فذكر الشرك وذكر قتل النفس بغير حق وذكر الزنا فالشرك جرم في حق الله وقتل النفس جرم في أنفس الخلق والزنا جرم في أعراضهم ومع ذلك قال (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فأبشر أيها السائل ما دمت تبت إلى الله توبة نصوحاً فإن الله تعالى سيغفر لك ما سبق من ذنبك مهما عظم، ولكن التوبة لابد فيها من شروط خمسة
الشرط الأول أن تكون خالصة لله بألا يحمله عليها شيء من أمور الدنيا لا يبتغي بها الإنسان تقرباً إلى أحد من الناس ولا رياء ولا سمعة وإنما يحمله عليها خوف الله ورجاؤه، خوف الله تعالى من معصيته ورجاؤه بتوبته.
الشرط الثاني أن يندم على ما وقع منه من المعصية بمعنى أنه يتأثر ويحزن مما حصل ويتمنى أن لم يكن،
والشرط الثالث أن يقلع عن المعصية التي تاب منها فلو قال بلسانه إنه تائب ولكنه باق ومصر على المعصية كانت توبته هباء منثوراً بل هي إلى الهزء بالله أقرب منها إلى الجد فلو قال أنا تبت إلى الله من الغيبة ولم يزل يغتاب الناس فأين التوبة؟ لو قال تبت إلى الله من أكل المال بالباطل وهو لا يزال مصراً عليه فأين التوبة؟ لو قال تبت إلى الله من النظر إلى المحرم وهو مصراً عليه فأين التوبة؟ لابد أن يقلع عن المعصية ومن ذلك رد الحقوق إلى أهلها فلو قال أنا تائب من ظلم الناس ولكن حقوق الناس في ذمته فإنه لم يتب.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود إلى المعصية في المستقبل، فلو قال أنا تائب وندم على ما مضى وأقلع عن الذنب لكن في قلبه أنه لو حصلت له الفرصة لعاد إلى الذنب لم يكن تائب حقيقة بل لابد أن يعزم على ألا يعود ويجب أن نتفطن لكلمة يعزم على ألا يعود فإنه لا يشترط ألا يعود فلو كان حين التوبة عازم على ألا يعود ولكن سولت له نفسه أن يعود فإن التوبة الأولى لا تبطل لكنه يحتاج إلى توبة جديدة لعوده إلى الذنب.
الشرط الخامس أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه وذلك بأن تكون قبل حضور الأجل وقبل طلوع الشمس من مغربها فإن وقعت التوبة بعد حلول الأجل لم تقبل وإن وقعت التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لم تقبل أيضاً، ودليل ذلك قوله تعالى (وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) ولهذا لم يقبل الله توبة فرعون حين أدركه الغرق وقال (آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ) فقيل له (أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) يعني بروحه وذلك بحضور أجله، وإن وقعت التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لم تقبل أيضاً لقوله تعالى (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن التوبة تنقطع إذا طلعت الشمس من مغربها، والشمس الآن تشرق من المشرق وتغرب من المغرب فإذا إذن الله لها أن ترجع من حيث جاءت رجعت فخرجت من المغرب وهذا في آخر الزمان فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون ولكن (لا يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وخلاصة شروط التوبة أنها خمسة الإخلاص لله والندم على ما حصل من الذنب والإقلاع عنه والعزم على ألا يعود وأن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه نسأل الله أن يتوب علينا جميعاً.
***
(24/2)

المستمع حسن سعيد سوداني ومقيم بالعراق يقول في رسالته ما حكم الشرع في نظركم في رجل سب الدين بحالة غضب هل عليه كفارة وما شرط التوبة من هذا العمل حيث أنني سمعت أهل العلم يقولون بأنك خرجت عن الإسلام بقولك هذا وأيضاً يقولون بأن زوجتك حرمت عليك أفيدونا بهذا الموضوع؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحكم فيمن سب الدين الدين الإسلامي أنه يكفر فإن سب الدين والاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله عز وجل وبدينه وقد حكى الله تعالى عن قوم استهزؤا بدين الإسلام حكى الله عنهم أنهم كانوا يقولون إنما كنا نخوض ونلعب فبين الله عز وجل أن خوضهم هذا ولعبهم استهزاء بالله وآياته ورسوله وأنهم كفروا به فقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) فالاستهزاء بدين الله أو سب دين الله أو سب الله ورسوله أو الاستهزاء بهما كفر مخرج عن الملة ومع ذلك فإن هناك مجالاً للتوبة منه لقول الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فإذا تاب الإنسان من أي ردة توبة نصوحاً استوفت شروط التوبة الخمسة فإن الله تعالى يقبل توبته وشروط التوبة الخمسة هي:
أولاً الإخلاص لله بتوبته بأن لا يكون الحامل له على التوبة رياء أو سمعة أو خوفاً من المخلوق أو رجاء لأمر يناله من الدنيا فإذا أخلص توبته لله وصار الحامل له عليها تقوى الله عز وجل والخوف من عقابه ورجاء ثوابه فقد أخلص لله تعالى فيها.
والشرط الثاني أن يندم على ما فعل من الذنب بحيث يجد في نفسه حسرة وحزناً على ما مضى ويراه أمراً كبيراً يوجب عليه أن يتخلص منه.
الشرط الثالث أن يقلع عن الذنب وعن الإصرار عليه فإن كان ذنبه ترك واجب قام بفعله وتداركه إن أمكن وإن كان ذنبه بفعل محرم أقلع عنه وابتعد عنه ومن ذلك إذا كان الذنب يتعلق بمخلوقين فإنه يؤدي إليهم حقوقهم أو يستحلهم منها.
الشرط الرابع العزم على ألا يعود في المستقبل بأن يكون في قلبه عزم مؤكد ألا يعود إلى هذه المعصية التي تاب منها.
والشرط الخامس أن تكون التوبة في وقت القبول فإن كانت بعد فوات وقت القبول لم تقبل وفوات وقت القبول عام وخاص أما العام فإنه طلوع الشمس من مغربها فالتوبة بعد طلوع الشمس من مغربها لا تقبل لقول الله تعالى (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) وأما الخاص فهو حضور الأجل فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع لقول الله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) أقول إن الإنسان إذا تاب من أي ذنب ولو كان ذلك سب الدين فإن توبته تقبل إذا استوفت الشروط التي ذكرناها ولكن ليعلم أن الكلمة قد تكون كفراً وردة ولكن المتكلم بها قد لا يكفر بها لوجود مانع يمنع من الحكم بكفره فهذا الرجل الذي ذكر عن نفسه أنه سب الدين في حال غضب نقول له إن كان غضبك شديداً بحيث لا تدري ما تقول ولا تدري حينئذ أنت في سماء أم في أرض وتكلمت بكلام لا تستحضره ولا تعرفه فإن هذا الكلام لا حكم له ولا يحكم عليك بالردة لأنه كلام حصل عن غير إرادة وقصد وكل كلام حصل عن غير إرادة وقصد فإن الله سبحانه وتعالى لا يؤاخذ به يقول الله تعالى في الأيمان (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) ويقول تعالى في آية أخرى (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) فإذا كان هذا المتكلم بكلمة الكفر في غضب شديد لا يدري ما يقول ولا يعلم ماذا خرج منه فإنه لا حكم لكلامه ولا يحكم بردته حينئذ وإذا لم يحكم بالردة فإن الزوجة لا ينفسخ نكاحها منه بل هي باقية في عصمته ولكن ينبغي للإنسان إذا أحس بالغضب أن يحرص على مداواة هذا الغضب بما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله رجل فقال يا رسول الله أوصني فقال لا تغضب فردد مراراً قال لا تغضب فليحكم الضبط على نفسه وليستعذ بالله من الشيطان الرجيم وإذا كان قائماً فليجلس وإذا كان جالساً فليضطجع وإذا اشتد به الغضب فليتوضأ فإن هذه الأمور تذهب عنه غضبه وما أكثر الذين ندموا ندماً عظمياً على تنفيذ ما اقتضاه غضبهم ولكن بعد فوات الأوان.
***
(24/2)

بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هذا الشاب من مصر يقول بأنه ارتكب بعض المعاصي فتاب إلى الله توبةً نصوحاً فهل لي من توبة من ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أروي قصة (رواها لنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ كان فيمن سبق قتل تسعة وتسعين نفساً بغير حق ثم ذهب إلى راهب يعني عابد من العباد فقال له إنه قتل تسعة وتسعين نفساً بغير حق فهل لي من توبة قال الراهب ليس لك توبة لأن الراهب استعظم الأمر أن يكون قتل تسعة وتسعين نفساً ثم يتوب قال ليس لك من توبة فلم يعجبه هذا الجواب فقتل الراهب فأتم به المائة فصار مائة نفس قتلهم بغير حق ثم دل على عالم فسأله وقال إني قتلت مائة نفس فهل لي من توبة قال له ومن يحول بينك وبين التوبة باب التوبة مفتوح ولكن أنت في دارٍ يعني في بلدٍ أهلها أهل سوء لكن اذهب إلى القرية الفلانية أو قال البلد الفلاني يعني فإن فيها قوماً صالحين فذهب وفي أثناء الطريق جاءه الموت فنزلت إليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب واختصموا أيهم يقبض روحه نسأل الله تعالى أن يتولى قبض أرواحنا ملائكة الرحمة تنازعوا فبعث الله إليهم من يحكم بينهم وقال قيسوا ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب فهو من أهلها فقاسوا ما بينهما فكان أقرب إلى قرية أهل الصلاح فقبضته ملائكة الرحمة) هذا وهو ممن كان قبلنا ممن كانت عليهم الآصار والأغلال وهذه الأمة ولله الحمد رفع عنها بنبيها صلى الله عليه وسلم الآصار والأغلال وقال تعالى في كتابه (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فهؤلاء قومٌ أشركوا وقتلوا النفس بغير حق وزنوا فانتهكوا حق الله الذي هو أعظم الحقوق وانتهكوا دماء النفوس المحرمة وانتهكوا الأعراض ومع ذلك يقول الله عز وجل فيهم (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) حتى المنافقون إذا تابوا تاب الله عليهم لقوله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) فنقول لهذا الأخ السائل إذا تبت إلى الله من أي ذنب فإن الله يتوب عليك مهما عظم الذنب وربما تكون بعد التوبة أحسن حالاً منك قبل التوبة ولكن إذا كان الذنب يتعلق بآدمي فابرأ منه فإذا كان مالاً فرده إليه وإن كان مظلمة عرض كما لو اغتبته في المجالس فاستحله إن كان علم أنك اغتبته أو خشيت أن يعلم وإن لم يعلم بالغيبة ولا تخشى أن يعلم فاستغفر له وأثني عليه بما هو فيه من الخير والخصال الحميدة في المواطن التي كنت اغتبته فيها ونسأل الله لنا ولكم التوبة.
***
(24/2)

رجلٌ ترك الصلاة لعدة سنوات أثناء دراسته في الخارج وترك الصيام لمدة ثلاث سنوات وعندما عاد إلى بلده تاب فهل يقضي الصلاة والصيام؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجب عليه قضاء الصلاة والصيام فيما مضى ولكن عليه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى وأن يكثر من الطاعات كالصلاة والذكر والصدقات والصيام والحج والعمرة فإن الحسنات يذهبن السيئات وهذه قاعدة ينبغي على الإنسان أن يعتبرها كل عبادة مؤقتة بوقت إذا أخرجها الإنسان عن وقتها بدون عذر شرعي فإنه لا يقضيها لأنه لو قضاها لم تصح منه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي مردودٌ عليه ومن المعلوم أنه من أخر العبادة المؤقتة عن وقتها ثم فعلها بعد خروج وقتها فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردوداً وحينئذٍ لا فائدة له من فعل العبادة بل عليه أن يتوب إلى الله عز وجل ويرجع إليه ويتوب الله على من تاب.
***
(24/2)

أحسن الله إليكم السائل من جدة ع ع د يقول شخص نوى أن يفعل معصية ونوى في نفس الوقت بأنه إذا انتهى من فعل هذه المعصية أن يتوب إلى الله هل تقبل هذه التوبة أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا فعل المعصية بهذه النية فإن هذه النية لا تنفعه ولا تخفف عنه من عقوبة المعصية لكن إذا فعل المعصية ثم تاب توبة نصوحاً قبلها الله عز وجل لقول الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .
***
(24/2)

هذا السائل بدر من المجمعة يقول بأنه فتى يبلغ من العمر الثالثة والعشرين يقول كنت لا أصلى ولكن الآن أحرص على الصلاة في مواقيتها والحمد لله والتزمت في كل شيء وأحافظ على السنن الرواتب ولكنني أشرب الدخان وحاولت كثيرا أن أقطع هذه العادة فلم أستطع بماذا توجهونني جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أقول الحمد لله الذي هداه حتى صار يصلى فهو في الحقيقة أسلم بعد رده فعليه أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة، أما ما يتعلق بشرب الدخان فهناك وسائل تعينه على ترك الدخان:
منها أن يترك الدخان شيئا فشيئا فيقلل من شربه أولا حتى يزول ما في جسمه من آثار هذا الدخان.
ثانيا أن يستعمل بعض العقاقير بمشورة الطبيب التي تحجبه عن الرغبة في شرب الدخان.
ثالثا أن يبتعد عن مجالسة أهل الدخان لأن الإنسان إذا جالسهم فإنه قد يشتاق إلى شرب الدخان مع زملائه الذين جلس إليهم.
رابعا أن يحرص على صحبة الرفقة الطيبة لأنه إذا صحبهم فسوف يمتنع عن الدخان ما دام معهم وهذا مما يعينه على تركه.
خامسا وهو من أقواها أن يكون لديه عزيمة قوية يدع بها الدخان ولقد كان رجلاً مسافرا مع أحد الطيبين وكان هذا يشرب الدخان فلما أخرج البكت من أجل أن يشرب الدخان قال له الرجل الطيب يا فلان نحن ما سافرنا لنكتسب إثما ونحن إذا شاركناك في الجلوس وأنت تشرب الدخان صرنا آثمين كإثمك فإما أن تدع هذا الدخان وإما أن نترك السفر فما كان من هذا الشارب للدخان إلا أن انفعل ثم أخذ علبة البكت وقطعها ومزقها ورمى بها يقول شارب الدخان فما عدت إليه بعد ذلك لأنه عزم وصمم وقال ما هذا الشراب الذي يمنعني أن يصاحبني الطيبون فانتقد نفسه وصار ذلك من أسباب ترك الدخان هذا مع معونة الله عز وجل وتوفيقه.
***
(24/2)

السائل خالد أأ يقول في هذا السؤال تخرجت من الثانوية ولكنني قد غشيت في بعض المواد الإنجليزية وأنا الآن علي مشارف الجامعة ماذا يلزمني في ذلك هل يلزم التوبة في مثل هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يلزم عليك التوبة إلى الله عز وجل وألا تعود لمثل هذا وذلك لأن الغش في الامتحان في أي مادة يعتبر غشا كما هو لفظه وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال (مَنْ غش فليس منا) فعليك أن تتوب إلى الله وادخل الجامعة الآن مع التوبة واستمر في مجانبة الغش وإذا قدر لك شهادة جامعية بدون غش فإن الله سبحانه وتعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
***
(24/2)

أفيدكم أنني في بداية شبابي كنت على الطريق غير الإسلامي حيث كنت لا أبالي بالعبادات أحيانا أصلى وأصوم وأحيانا لا أصلى ولا أصوم وكنت لا أكترث للمحرمات ولمدة خمسة عشر عاما تقريبا إلا أنني الآن استقمت وحافظت على العبادات وقد تبت إلى الله توبة نصوحاً لله عز وجل عمّا كنت عليه وأنا نادم أشد الندم وأرجو من الله أن يتقبل توبتي وسؤالي يا فضيلة الشيخ ماذا علي من ناحية الصلاة والصوم التي لم أقم بتأديتها في أوقاتها علما بأنني لا أحصي تلك الأيام لطول المدة وهل التوبة تكفي تكفيرا لذنبي؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولا أهنئك بتوبة الله عليك وتوفيقك للتوبة وأسأل الله تعالى أن يثبتك على ذلك وأن يمن علينا جميعا بالتوبة النصوح التي يمحو الله بها ما سلف من ذنوبنا وأن يعصمنا في مستقبل عمرنا ثانيا أبشرك بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (التوبة تهدم ما قبلها والإسلام يهدم ما قبله) وتوبتك هدمت ما سلف من ذنوبك وليس عليك قضاء ما فات ولكن اسأل الله الثبات على طاعته إلى أن تلقاه واحرص بقدر ما تستطيع أن تدعو إخوانك الذين كانوا مثلك إلى ما من الله به عليك من التوبة والتزام الصراط المستقيم (فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) وهذا من شكر نعمة الله عليك أن تدعو إخوانك الذين أسرفوا على أنفسهم إلى التوبة النصوح والاستقامة على دين الله.
***
(24/2)

هذا السائل الذي رمز لاسمه بـ م م يقول في هذا السؤال سمعنا بأن تارك الصلاة جميع ما يقوم به لا يؤجر عليه ولكن إذا هداه الله عز وجل للصلاة هل يحتسب له ما كان يقوم به من عمل طيب في الوقت الذي كان لا يصلى فيه أم يبدأ ثواب الأعمال من تاريخ التزامه بالصلاة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا تاب الإنسان من كفره سواء كان كفره بترك الصلاة أو بالاستهزاء بدين الله أو بسب الله أو بسب رسوله صلى الله عليه وسلم أو بسب شريعة من شرائع الله فإنه يغفر له ما قد سلف لقول الله تبارك وتعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) ولأن الردة تهدم ما قبلها والتوبة تهدم ما قبلها يقول الله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ويقول تبارك وتعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فإذا تاب غفر الله له ما سبق من ذنبه وعاد إليه ما عمل من الأعمال الصالحة قبل ردته لأن الله تعالى اشترط في حبوط العمل فيمن ارتد أن يموت على الردة فقال (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) بل إنما عمله من خير حال ردته يكتب له لقول النبي صلى الله عليه وسلم (أسلمت على ما أسلفت من خير) .
***
(24/2)

هذا السائل يقول يعتريني أحيانا شعور بالذنب وتأنيب الضمير والإحساس بالنقص وأستحضر الأخطاء التي وقعت فيها ولو لم تكن برغبتي والأشياء الصغيرة التي مضى عليها سنوات كثيرة فهل هذا من وساوس الشيطان وما الحل والعلاج؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحل والعلاج هو التوبة إلى الله عز وجل فكلما تذكر الإنسان الذنب أحدث لنفسه توبة ولكن لا يجوز له أن يسيء الظن بالله فيظن أن الله لا يتوب عليه لأن من تاب توبة نصوحا تتم فيها الشروط تاب الله عليه ولا بد قال الله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ) ولكن التوبة لها شروط:
الشرط الأول أن تكون خالصة لله.
الشرط الثاني أن يندم الإنسان على ما فعل من الذنب.
الشرط الثالث أن يقلع عن الذنب في الحال.
الشرط الرابع أن يعزم على ألا يعود.
الشرط الخامس أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة أما الإخلاص فضده الشرك فإذا تاب الإنسان للخلق لا لله فتوبته غير مقبولة لقول الله تعالى في الحديث القدسي (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) وأما الندم فلأن الإنسان إذا لم يكن منه ندم صارت السيئة وعدمها سواء عنده وهذا يعني أنه غير مبال ولا مكترث فلا بد أن يكون هناك ندم وجزع في النفس على ما فعل من الذنب إما ترك واجب أو فعل محرم وأما الإقلاع فمعلوم أنه لا توبة مع الإصرار يقول أتوب إلى الله من الربا وهو يتعامل بالربا كيف يكون هذا ويقول أتوب إلى الله من الغيبة وهو يغتاب الناس فالتوبة الرجوع من معصية الله إلى طاعته فمن لم يقلع عن الذنب فليس بتائب ولهذا يجب على من عنده مظالم للناس إذا تاب إلى الله أن يرد المظالم إلى أهلها فلو سرق إنسان من شخص سرقة وتاب إلى الله فلا بد أن يرد السرقة إلى صاحبها وإلا لم تصح توبته ولعل قائلا يقول مشكلة إن رددتها إلى صاحبها أفتضح وربما يقول صاحبها أن السرقة أكثر من ذلك فيقال يستطيع أن يتحيل على هذا بأن يكتب مثلا كتاب ولا يذكر اسمه ويرسله إلى صاحب السرقة مع المسروق أو قيمته إن تعذر ويقول في الكتاب هذه لك من شخص اعتدى فيها وتاب إلى الله ومن يتقِ الله يجعل له مخرجا وأما أن يقول أخاف أن أفتضح أو أخاف أن يدعي صاحب المال أن المال أكثر فهذا لا يعفيهم من رده.
***
(24/2)

رسالة من سوريا بعث بها أمجد أ. أ. يقول توفي والدي وهو غير راضٍ عني وأنا في الخامسة عشرة من عمري لأنني كنت في طريق الشيطان والمخالفات والمعصية وعندما بلغت العشرين عدت إلى الله وإلى ديني وإلى صلواتي وتغيرت حالتي وأخذ الندم مني ما أخذ بسبب عدم رضا والدي عني والآن أنا شاب عدت إلى الله وأعيش مع والدتي التي لم يبقَ لي في الدنيا سواها لم يمر يومٌ إلا وأبكي بحرقة على تفريطي عندما أقرأ عن بر الوالدين ولكن ما يطمأنني أنني عشت مع كتاب الله رفيقي الوحيد في هذه الدنيا استأنس بتلاوته تعبداً لله عز وجل فيهدأ قلبي وتسكن جوارحي ويذهب عني الحزن والغم وأتذكر والدي الذي توفي وهو غير راضٍ عني لكن عزائي الوحيد في هذه الدنيا بأنني كرست جهدي في محبة والدتي والمشاركة في أعمال الخير والدعوة إلى الله عسى ربي أن يتوب علي فهل من نصيحة يا فضيلة الشيخ تطمئنني بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يقال إن التمر لا يستبضع إلى هجر وحال الرجل الذي التي سمعناها حالٌ طيبة لا يستطيع الناصح مهما بلغ من النصح أن يوصل المنصوح إلى مثل هذه الحال التي ذكرها عن نفسه وأبشره بأنها حالٌ طيبة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يمحو بها ما سلف من ذنوبه وآثامه وتقصيره في حق والده وأقول له إنك قد قرأت قول الله عز وجل (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) وأرجو أن يكون هذا الوصف منطبقاً عليه أنه أناب إلى الله وأسلم له وأسأل الله لي وله الثبات على دينه إلى الممات أقول هنيئاً له بما من الله عليه من هذا الرجوع إلى ربه عز وجل والاستقامة على دينه وبره بوالدته وحبه للخير وأسأل الله أن يزيده من فضله ويحقق لي وله ولإخواني السامعين والمسلمين جميعاً ما نرجوه من نصرٍ وعزٍ في الدنيا ومن كرامةٍ في الآخرة إنه على كل شيء قدير.
***
(24/2)

المستمع رمز لاسمه بـ ن. م. ع. يقول إذا تاب الإنسان ورجع إلى ربه حيث كان لا يصلى هل يلزمه النطق بالشهادتين والاغتسال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا تاب الإنسان الذي كان لا يصلى إلى الله عز وجل وعاد إلى صلاته فإنه يكون مسلماً بصلاته لأن من كفر بالشيء صار مسلماً بفعله وهو سوف يقول في نفس الصلاة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأما الاغتسال فهو مبنيٌ على وجوب الاغتسال إذا أسلم الكافر فمن قال إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الغسل قال إن هذا إذا عاد إلى صلاته وجب عليه الغسل ومن قال بعدم وجوب الغسل على من أسلم قال إنه لا يجب على هذا أن يغتسل ولكن لا شك أن الأفضل له أن يغتسل خروجاً من الخلاف وإبراءً للذمة.
***
(24/2)

هذه المستمعة أم نزار تقول في هذا السؤال فضيلة الشيخ بالنسبة للتائب هل يلزمه التشهد والاغتسال للدخول في دين الله من جديد

فأجاب رحمه الله تعالى: أما التائب من الكفر فإنه يغتسل إما وجوبا على رأي كثير من العلماء وإما استحبابا على رأي آخرين وأما التائب من المعصية التي دون الكفر فلا يشرع له أن يغتسل لأنه لم يخرج من الإسلام بل العاصي مسلم ولو عظمت معصيته إذا لم توصله معصيته إلى حد الكفر هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن كبائر الذنوب مهما عظمت إذا لم تصل إلى حد يخرج الإنسان من الملة فإنه لا يكفر بها الإنسان ثم إن مات وقد تاب منها فإن الله يتوب على من تاب كما قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وإن مات قبل التوبة فهو داخل في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له
***
(24/2)

هذا مستمع رمز لاسمه بـ ج. ع. م. يقول بأنه شاب في الثانوية ولم أكن أصلى وإذا أمرت بالصلاة من الأهل فأنا أصلى بغير وضوء لوجود غشاوة على قلبي والحمد لله لقد اهتديت لله سبحانه وتعالى وأصبحت من أصحاب المساجد بحمد من الله وإن شاء الله لن أغير منهجي هذا إلى اليوم المكتوب وحقيقة سبب هدايتي لله سبحانه وتعالى عندما سمعت خبر موت في حادث حصل لأحد الأقارب الأعزاء فاهتديت إلى الله فكانت عبرة لي بحمد من الله والحقيقة إنني خائف إن كان الله سبحانه وتعالى سوف يقبل عودتي للهداية لهذا السبب أو العبرة التي مرت عليّ أم لا وما الواجب عليّ في هذه الحالة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوبة إلى الله سبحانه وتعالى مقبولة بأي سبب كانت فمن تاب تاب الله عليه والحوادث والمصائب تكون أحياناً خيراً يتعظ بها الإنسان ويتوجه إلى الله عز وجل ويلين قلبه والله سبحانه وتعالى قد جعل لكل شيء سببا وعليه فإن توبة السائل مقبولة إن شاء الله تعالى وما تركه من العبادات في أيام سفهه فلا قضاء عليه فيها ولكن ندعوه إلى أن يكثر من التطوع والأعمال الصالحة والاستغفار والذكر ونسأل الله لنا ولهم الثبات وحسن الخاتمة والعاقبة.
***
(24/2)

كيف تمحو الحسنةُ السيئةَ هل تذهب السيئة وتبقى الحسنة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم هكذا قال الله عز وجل (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) فعلى هذا إذا فعل الإنسان حسنة بعد سيئة فإنها تذهبها وتمحوها محواً ولا سيما إذا كانت الحسنة هي التوبة من ذلك الذنب فإن التوبة تجب ما قبلها قال الله تبارك وتعالى (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) .
***
(24/2)

ما حكم من تاب من إحدى الكبائر وعاهد الله على كتابه وأمام بيته الكعبة المشرفة أن لا يعود إلى تلك المعصية ثم خانته نفسه وضحك عليه إبليس اللعين وعاد إلى تلك المعصية ثم تذكر وندم وتأسف فما حكمه وهل عليه كفارة وهل له توبة أفيدونا جزاكم الله عنا خير الجزاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كانت نفسه خانته ثم تذكر وندم فإنه يتوب إلى الله سبحانه وتعالى ويستغفر من هذا الذنب ويكفر كفارة يمين لأنه لم يف بالنذر الذي عاهد الله عليه فعليه كفارة يمين مع التوبة والاستغفار.
***
(24/2)

هذه رسالة وردتنا من المرسل ح خ ق ن من الظهران يقول في رسالته أولاً من عمل عملاً لا يرضي وجه الله ثم تاب ثم عاد إلى هذا العمل مراراً وتكراراً فهل له من توبة أم لا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم له توبة لعموم قوله تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) فهذا الرجل إذا تاب من هذا الذنب توبة نصوحاً تاب الله عليه ثم إن دعته نفسه فيما بعد ذلك إلى مقارفة هذا الذنب ففعله ثم تاب منه توبة نصوحاً مخلصاً فإن الله يتوب عليه وهكذا كلما فعل ذنباً ثم تاب منه توبة نصوحاً صادقة ثم غلبته نفسه فيما بعد على فعله ثم أعاد التوبة فإنه يكون على آخر أحواله إن كان آخر أحواله التوبة النصوح فإنه كمن لا ذنب له وإن كان آخر أحواله أنه مصر على هذا الذنب فإن له حكم المصرين عليه.
***
(24/2)

المستمع أ. ب. ع. مصري يقول في رسالته لقد ارتكبت ذنباًَ ثم توجهت بالتوبة إلى الله عن هذا الذنب وقضيت عنه كفارة ثم ارتكبت الذنب مرة أخرى وقضيت الكفارة عن هذا الذنب مرة أخرى وحتى الآن وأنا تائب عن هذا الذنب ما حكم الشرع في نظركم في عملي هذا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا أذنب الإنسان ذنباً ثم تاب إلى الله توبةً نصوحاً مستوفية لشروط التوبة الخمسة وهي أن تكون توبته خالصة لله عز وجل وأن يندم على ما حصل منه من الذنب وأن يقلع عنه في الحال وأن يعزم على ألا يعود في المستقبل وأن تكون التوبة في وقت تقبل فيه بأن تكون قبل حلول الأجل وقبل طلوع الشمس من مغربها فإذا تاب هذه التوبة فإن الله تعالى يتوب عليه ثم إن عاد إلى الذنب مرة أخرى وتاب فإن الله تعالى يتوب عليه وهكذا كلما تاب تاب الله عليه وما دامت حاله الآن على الاستقامة والتوبة فإنه يرجى له الخير في المستقبل ونسأل الله تعالى أن يمن علينا وعليه بالتوبة النصوح.
***
(24/2)

أغضبت والدتي عدة مرات حتى إنني تطاولت عليها بالسب والشتم والكلام غير اللائق لأسباب تافهة ظناً مني بأنها تحب أخي الأكبر أكثر مني بمعاملتها السيئة لي وأنا أعلم بأن غضبها من غضب الله ورضاها من رضا الله والآن هي تكلمني وراضية عني فماذا أفعل لأكفر عما فعلت أرشدوني بارك الله فيكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن إغضابك لوالدتك وكلامك عليها ذلك الكلام السيئ محرم ولا يجوز لأن الله تعالى يقول (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم (من أحق الناس بحسن صحبتي يا رسول الله قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك) وهذا دليل على أن إحسان الصحبة للأم أوجب وأوكد من الأب ومع ذلك فإن كلاً من الأم والأب له حق يجب على الإنسان أن يقوم به وإذا حصلت من أحد إساءة لأبويه أو أحدهما فإن طريق الخلاص من مثل ذلك أن يستحلهما وإذا استحلهما وعفوا عنه ورضيا فإن التوبة تجب ما قبلها ولا يعاقب على ما صدر منه إذا علم الله تعالى من نيته صدق التوبة والإخلاص فيها.
***
(24/2)

المستمع أبو محمد من القطيف يقول لقد نويت أن أصوم لله شهرين متتابعين تكفيراً عما ارتكبته في حياتي وحينما علم بذلك بعض زملائي سألوني إن كنت قد ارتكبت عملاً يوجب كفارة صيام شهرين متتابعين فقلت لهم لا فقالوا ليس عليك شيء لو لم تكمل الصيام بل لا يجوز لك ذلك فامتثلت كلامهم وقطعت الصيام فهل كلامهم هذا صحيح وماذا يجب علي أن أفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كلامهم صحيح والإنسان لا يمكن أن يفعل من العبادات إلا ما أذن الله فيه ولم يأمر الله تعالى عباده أن يصوموا شهرين متتابعين احتياطاً عما قد يكون وقع منهم من الذنوب ولكن الإنسان مأمور بأن يكثر من التوبة والاستغفار فإن النبي عليه الصلاة والسلام حث على ذلك حيث قال (يا أيها الناس توبوا إلي ربكم فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) هذا وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأما قطعك الصيام حين أخبروك فهذا حق وهو من كمال الإيمان أن يقف الإنسان عند الحق متى تبين له فقد أحسن من انتهى إلى ما سمع والذي أنصحك وسائر إخواني المسلمين ألا يتعبدوا لله تعالى بشيء حتى يعلموا أنه من شريعة الله ليعبدوا الله تعالى على بصيرة فالشرع ليس إلينا وإنما هو إلى الله ورسوله ولهذا عاب الله تعالى وأنكر على من اتخذوا شركاء معه يشرعون للعباد فقال (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) .
***
(24/2)

سؤال الأخ من الجمهورية العراقية من مدينة كركوك عما يعانيه المسلمون الآن من الذل والهوان فهل يمكن أن نقول المسلم الذليل تطلب منه التوبة عن ذلته وهل تعتبر الذلة أيضاً معصية؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الذل أثر من آثار المعاصي وعقوبة وليست هي المعصية بل المعاصي من فعل العبد والذلة من قضاء الله وقدره عليه بسبب معاصيه ويمكن أن يتوبوا من المعاصي فتعود إليهم العزة لأن الله يقول سبحانه وتعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) والإيمان وصف فوق وصف مطلق الإسلام (قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) فالآن هذه الآية التي كانت في الأعراب في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم تنطبق اليوم على كثير من المسلمين حاضرتهم وباديتهم يقولون آمنا ولكن في الحقيقة نقول لهم قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وذلك لكثرة المعاصي والمخالفات التي تنقص من إيمانهم فنحن نقول يمكن أن تعود العزة إلى المسلمين اليوم إذا كانوا مؤمنين ورجعوا إلى دينهم حقاً فإن الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين.
***
(24/2)

أحسن الله إليك هل صحيح بأن دعاء سيد الاستغفار ينوب عن الاستغفار سائر اليوم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: سيد الاستغفار أن تقول (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) هذا سيد الاستغفار وهو أفضله ولكن ينبغي للإنسان أن يكثر من ذكر الله ومن استغفار الله فإن هذا دأب الصالحين ودأب عباد الرحمن قال الله عز وجل (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) .
***
(24/2)

ورد حديث فيه (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر الله له ذنبه ولو كان فاراً من الزحف) هل معنى ذلك أنه يدخل في الحديث الكبائر؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الفرار من الزحف من كبائر الذنوب قال الله تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ *ومَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وعده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الموبقات أي من المهلكات وذلك لما يترتب عليه من إذلال المؤمنين وإعزاز الكافرين أما إذلال المؤمنين فمن المعلوم أنه إذا ذهب واحد من الصف انكسرت قلوبهم وصار فيهم ذل وأما إعزاز الكافرين فإن الكافرين يقولون هذا أول الهزيمة شدوا عليهم فيبقون على مجابهة المسلمين ولهذا كان من كبائر الذنوب.
***
(24/2)

يقول السائل إبراهيم أبو حامد ما هي فوائد الاستغفار الدينية والدنيوية وهل هناك كتاب مؤلف في ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: فوائد الاستغفار أن الإنسان إذا استغفر ربه بصدق وإخلاص وحسن ظن بالله عز وجل فإن الله تعالى يغفر ذنبه كما قال الله تبارك وتعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وإذا غفر الله له ذنبه واتقى الله سبحانه وتعالى كان من فوائد ذلك أن الله تعالى يجعل له من أمره يسرا ويرزقه من حيث لا يحتسب كما قال الله تبارك وتعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ من أمره يسرا) وقال (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) .
***
(24/2)

هل صحيح بأن كل شخص يقول كلمة استغفر الله يغفر له؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا قال الإنسان استغفر الله بنية خالصة وصدق في طلب المغفرة وتمت شروط التوبة في حقه فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه بل يحب ذلك منه كما قال الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم (أن فرح الله بتوبة عبده كفرح الإنسان بوجود ناقته التي ضلت عنه وعليها طعامه وشرابه فالتمسها فلم يجدها فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت فإذا بخطام ناقته متعلقاً بالشجرة فأخذ بخطام الناقة وقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح) ولا أحد يقدر قدر هذا الفرح إلا من أصيب بمثل هذه المصيبة فالله تعالى يحب من عبده أن يتوب ويحب من عبده أن يستغفر وقد أمر الله تعالى بالاستغفار في كتابه في عدة آيات والاستغفار هو طلب والمغفرة والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه لأنها مأخوذة من المغفر الذي يغطي به الإنسان رأسه في القتال يتقي به السهام ففيه ستر ووقاية وهكذا المغفرة فيها ستر للذنوب ووقاية من عقوباتها فإذا استغفر الإنسان ربه بصدق وإخلاص مع مراعاة شروط التوبة فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه ويتوب الله على من تاب.
***
(24/2)

أحسن الله إليكم السائل الذي رمز لاسمه خ. ف. م. ع يقول إذا اغتاب شخص ما بعض الناس وذمهم وقام بعمل صدقة لهم جارية عمّا تحدث عنهم من ذكر سيئ هل يكفي هذا؟ وهل يوفي هذا من حقوقهم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الحقوق التي تجب على الإنسان لغيره نوعان حقوق مالية وحقوق عرضية أما الحقوق المالية فلا بد أن نردها إلى أصحابها مهما كان الأمر فلو أن شخصاً جحد حقاً لآخر وليس به بينة للمدعي ثم تاب إلى الله وجب عليه أن يرد الحق إلى صاحبه على أي حال كان وأما الحقوق العرضية من سب وقدح ونحوه فلابد أيضا من استحلال صاحبها إذا علم أن هذا صدر منه لأنه إن لم يفعل بقي في نفس صاحبه شيء فلابد أن يستحله ويتخذ واسطة بينه وبينه إذا خاف أنه إذا ذهب إليه يستحله لم يفعل وتكون الواسطة واسطة خير وأما إذا كان لم يعلم بما انتهكه من عرضه يعني لم يعلم أنه اغتابه أو أنه ذمه في شيء فإنه لا يحتاج إلى أن يخبره ولكن يثني عليه في المجالس التي كان اغتابه فيها ويستغفر الله له وهذا يكفي إن شاء الله.
***
(24/2)

أحسن الله إليكم ما رأيكم يا فضيلة الشيخ بالشخص الذي تصدق عن كل من اغتابه بعد أن تاب إلى الله من ذلك؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا تاب الإنسان من الغيبة توبة نصوحاً فإن من تمام توبته أن يستحل الشخص الذي وقعت منه الغيبة عليه إن كان يعلم أنه قد بلغه أنه قد اغتابه أما إذا كان لم يعلم فيكفي أن يستغفر له وأن يذكر محاسنه في المكان الذي كان يغتابه فيه لأن الرجل إذا أحسن إلى من اغتابه بالثناء عليه بما هو أهله فالحسنات يذهبن السيئات.
***
(24/2)

إذا اغتاب شخص شخصاً آخر ولم يستطع التحلل منه فهل يكفي الاستغفار والدعاء له؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصحيح فيمن اغتاب أحداً من الناس أنه لا يمكن أن يكون منه في حل حتى يستحله شخصياً إذا كان هذا الذي أغتيب قد علم بالغيبة فإن كان لم يعلم بذلك فإنه يكفي أن يستغفر له ويذكره بالخير في المجالس التي اغتابه فيها وذلك لأن الغيبة من كبائر الذنوب وهي ذكرك أخاك بما يكره لقول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الغيبة (الغيبة ذكرك أخاك بما يكره) وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أن الغيبة من كبائر الذنوب التي لا تغفر إلا بتوبة فلا تكفرها الصلاة ولا الصدقة ولا الصيام ولا الحج بل لا بد فيها من توبة وليعلم أن الغيبة من كبائر الذنوب لعامة المسلمين فإذا كانت لخاصتهم كاغتياب العلماء أو ولاة الأمور كانت أشد وأشد إثماً وذلك لأن اغتياب العلماء ليس اغتياباً لهم شخصياً ولكنه اغتياب لهم شخصياً وتقليل لقيمتهم العلمية وهم هداة الأمة فإذا قلّت قيمتهم العلمية قلّ اهتداء الناس بهم وكان ذلك إضعاف لمصدر من مصادر الشريعة وهم العلماء وأقول لمصدر من مصادر الشريعة لأننا لا نعلم الشريعة إلا عن طريق أهل العلم فإنهم هم ورثة الأنبياء فإذا قلنا قولاً يقلل من شأنهم ثم قلت قيمتهم بين الناس قل قبول الناس لقولهم وانجرحت الشريعة بسبب ذلك وأما اغتياب ولاة الأمور ففيه أيضاً تقليل لهيبتهم وإضعاف لامتثال الناس أمرهم وسبب للتمرد عليهم فكانت غيبتهم أعظم من غيبة عامة الناس وأشد خطراً وأكبر إثماً فلذلك أحذر إخواني المسلمين من غيبة العلماء وغيرهم من ولاة الأمور ولست بذلك أقول كفوا عن مساويهم ولا أن هؤلاء العلماء أو الأمراء معصومون بل هم يخطئون كغيرهم ولكن الطريق السليم أن نتصل بالعلماء الذين بلغنا أو رأينا منهم ما يجب التنبيه عليه فنذكر لهم ما أخطئوا فيه وهم بخطئهم قد يكونوا معذورين إما بتأويل أو بجهل في الواقع أو لغير ذلك من الأعذار فإذا اتصلنا بهم وبينا لهم ما نرى إنه خطأ وناقشناهم فيه فقد يكون الصواب معهم ونكون نحن مخطئين وقد يكون الصواب معنا وحينئذٍ يلزمهم أن يرجعوا إلى الصواب والخلاصة أن الغيبة من كبائر الذنوب لأي واحد من المسلمين وأنها تتعاظم ويكبر إثمها فيما إذا كانت للعلماء أو ولاة الأمور فنسأل الله تعالى أن يحمي ألسنتنا مما يغضبه ونسأل الله تعالى أن يكفنا عن مساوئ غيرنا ويكف غيرنا عن مساوينا وإن يجعلنا ممن رأى الحق حقاً واتبعه ورأى الباطل باطلاً واجتنبه.
***
(24/2)

بارك الله فيكم هذا المستمع سعود من بريده يقول فضيلة الشيخ اغتبت أحد الأشخاص في مجلس من المجالس نظرا لأنه أساء إليّ ثم ذهبت إليه لأستسمحه عن هذه الغيبة فقدمت له عذري وقلت له أعتذر منك فقد اغتبتك وأرجو أن تسامحني ولكنه قال أذهب الله لا يحلك فما حكم الشرع في عملي هذا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نقول إن الواجب على الإنسان إذا تاب من مظلمة لأخيه عليه أن يؤدي إليه مظلمته في الدنيا قبل أن تأخذ من أعماله الصالحة في يوم القيامة إن كانت مالا فليؤده إليه وإن كانت عرضا فليستحل منه وإذا بذل ما يستطيع من طلب إحلاله منه فأبى من له حق فإنه مع التوبة الصادقة النصوح يقضي الله عز وجل عنه ما تحمله لأخيه والذي أشير به على إخواني المسلمين أن الإنسان إذا جاءهم معتذرا من عدوان اعتدى عليهم به فليقبلوا عذره ليقبل الله أعذارهم منهم يوم القيامة فإن من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وكيف يتحمل الإنسان أن يأتيه أخوه معتذرا نادما يطلب منه أن يحلله ثم يقول لا حللك الله هذا شيء ينبغي أن لا يوجد في مجتمع مسلم يود لأخيه ما يود لنفسه فها هنا أمران الأمر الأول نصيحة هذا الذي اغتاب غيره بأن يحرص غاية الحرص على أن يحلله في الدنيا فإن بذل كلما يستطيع ولم يحصل هذا فإننا نرجو من الله عز وجل أن يتحمل عنه وأما بالنسبة للذي جاء إليه أخوه يعتذر منه فإننا نحثه على قبول عذره فإن ذلك مما يزيل العداوة والبغضاء ويصفي القلوب ويدني بعضها من بعض وإذا عفا عن عباد الله عفا الله عنه.
***
(24/2)

المستمع عوض عبد الوهاب يقول في رسالته كيف يتخلص الشخص من حقوق العباد سواء كان مالاً أو غير ذلك ولم يستطع الوفاء به.

فأجاب رحمه الله تعالى: حقوق العباد إما مالية وإما بدنية فإن كانت تتعلق ببدن الشخص فالتخلص منها ألا يمانع الإنسان من له الحق في أخذها فإذا وجب عليه قصاص في جرح أو في عضو من الأعضاء فالتخلص من ذلك أن يمكن من له الحق من الأخذ بالقصاص وأما إذا كانت مالية فإن التخلص من ذلك أن يؤدي الحق إلى صاحبه فيؤدي المال إليه إن كان موجوداً أو إلى ورثته إن كان معدوماً فإن لم يكن له ورثه أدى ذلك إلى بيت المال وبهذا يتخلص منه أما إذا عجز عن أداء الحقوق إلى أهلها فإنه قد ثبت في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) فإذا كان هذا الإنسان حريصاً على الأداء ساعياً فيه ما أمكن ولكنه عجز وكان من نيته أن يؤدي فإن الله تعالى يؤدي عنه الحق لمن له الحق بمنه وكرمه وتبقى ذمة هذا العاجز بريئة وأما من أخذ أموال الناس لا يريد أداءها وإنما يريد إتلافها عليهم وأكلها بالباطل فإن الله تعالى يتلفه بالنقوص في أمواله وربما يتلفه أيضاً بالأخذ من حسناته كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال (من تعدون المفلس فيكم قالوا من لا درهم عنده ولا متاع قال المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال ثم يأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار) وعلى المرء أن يتخلص من حقوق العباد ما دام في زمن المهلة وأن يؤديها إليهم وألا يماطل بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مطل الغني ظلم) .
***
(24/2)

المستمع من السودان يقول في سؤاله الثاني نسي عندي أحد الأخوة من السعوديين مبلغاً من المال قدره خمسمائة ريال نتيجة خطأ حسابي ولا أعرف مكانه وهو لا يعرف هذا الخطأ وأريد أن أتخلص من هذا المبلغ إبراءً لذمتي هل يجوز لي أن أتصدق بهذا المبلغ بالريال السعودي أم بالعملة السودانية على بعض الفقراء والمحتاجين من أقاربي وجيراني أم أن هناك طريقة أخرى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تبحث عن هذا الرجل فإذا يئست منه فلك أن تتصدق بالخمسمائة ريال على الفقراء هنا أو في السودان وسواءٌ تصدقت بها بالنقد السعودي أو تصدقت بها بالجنيه السوداني المهم أنه يجب عليك أولاً أن تبحث عنه فإذا يئست فتصدق به وهكذا نقول في كل مالٍ مجهولٍ صاحبه إذا بقي عندك ويئست منه فلك أن تتصدق به عنه ثم إن قدم يوماً من الدهر فخيره قل له إن المال الذي لك تصدقت به بناءً على أني لا أتمكن من الاتصال بك والآن أنت بالخيار إن شيءت أجزت ما فعلته ويكون الأجر لك وإن شيءت أعطيتك مالك ويكون الأجر لي.
***
(24/2)

هذا المستمع رمز لاسمه بـ س. س. أبو عبد الله السعودية جدة يقول فضيلة الشيخ كيف يتحلل الإنسان من مظالم الناس سواءٌ كانت أموال أو غيبة أو نميمة وإذا كانت أموالاً ولا يعرف كيف يردها فماذا يفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يتحلل الإنسان من حقوق الناس بأحد أمرين إما بالوفاء وإما بالإبراء أما الوفاء فإذا كانت أموالاً يردها إلى أصحابها إن كان يعلمهم وإن كان قد نسيهم فليتذكر وإن كان يجهل محلهم فليبحث فإذا تعذر العثور عليهم فليتصدق بها عنهم يكون لهم أجرها وله هو أجر التوبة وإن كان أصحابها قد ماتوا وخلفوا ورثة فإنه يبحث عن ورثتهم ويسلم إليهم المال لأن المال انتقل إلى الورثة بعد موت المورث فإن جهل الورثة ولم يعلم عنهم شيئاً ولم يتمكن من العثور عليهم فعل ما سبق يتصدق به عنهم لأنه انتقل إليهم وإذا كان الحق عرضاً بأن يكون قد تكلم في عرضه وسبه فإنه يتحلل منه بأن يطلب منه العفو فيقول إني أرجو أن تعفو عما قلت فيك فقد قلت كذا وكذا وينبغي من المظلوم الذي طلب منه العفو أن يعفو لأن هذا أخاه جاء يعتذر إليه فينبغي أن يقبل عذره (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وكما قال الله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) وقال تعالى (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وإن كان هذا المظلوم في عرضه لم يعلم بأنك قد اغتبته فمن أهل العلم من يقول اذهب إليه وأخبره واطلب منه العفو ومنهم من يقول لا تخبره ما دام لم يعلم ولكن استغفر له وأثني عليه بالصفات التي هو متصفٌ بها وهي حميدة في الأماكن التي اغتبته فيها فإن الحسنات يذهبن السيئات وإن كان حقوقاً أخرى فعلى هذا الباب تذهب إليه وتستحله وإذا حللك فإن هذا من تمام توبتك فإن قدر أنك قد اغتبت شخصاً قد مات ولا تتمكن من الاستحلال من الغيبة فإن الله إذا علم من قلبك صدق النية فهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين ربما يتحمل عنك هذه المظلمة ويأجر صاحبها ويثيبه عليها.
***
(24/2)

بارك الله فيكم هذا المستمع أ. أ. ف. مقيم بالمدينة المنورة بعث بهذا السؤال يقول كنت أعمل موظفا في إحدى الشركات وكانت توكل إلي أحيانا مهمة الصرف للعمال رواتبهم ولكني كنت لا أقوم بها على الوجه الأكمل وذلك لأنني كنت آخذ جزءاً يسيرا من راتب كل واحد منهم بحجة أنه لا يوجد لدي صرف وسرت على هذه الطريقة لمدة عام وقد تركت العمل بها منذ أربعة أعوام وندمت ندما شديدا على ما فعلت خصوصا لما علمت أن حق العباد لا تكفي فيه التوبة بل لابد من إرجاعه إلى أصحابه وأصحابه يتعذر علي معرفتهم الآن خصوصا وأن عهدي بهم قد طال وكذلك يتعذر علي معرفة نصيب كل واحد منهم على وجه التحديد فماذا أفعل أفيدوني أثابكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: ما قاله السائل بأن التوبة لا تتم فيما يتعلق بحق العباد إلا بأداء الحق إليهم أو استحلالهم منه هذا صحيح والطريق إلى التخلص من حق هؤلاء الذين ظلمتهم به أن ترجع إلى السجلات في الوقت الذي كنت تعمل هنالك فإذا رجعت عرفت الموظفين الذين تصرف لهم ثم تتصل بهم وتستحلهم مما صنعت فإن أحلوك فذاك وإن لم يحلوك فإنك تتفق معهم على مصالحه وأي مصالحة تتفقون عليها فإن ذلك جائز فإن تعذر عليك هذا الأمر وصار أمرا غير ممكن فإنك تتصدق بما يغلب على ظنك أنك أخذته منهم تنوي بذلك الخلاص منه لا التقرب به إلى الله لأن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بما لا يحل لا يكون قربة للفاعل لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) .
***
(24/2)

هذه الرسالة وردتنا من مكة يقول مرسلها م ب ش أني حصلت على ثوب شخص في بيته وأخذت منه فلوس عدة مرات كثيرة ولا أدري والله ما عدد الفلوس التي أخذتها ويوم كبرت تبت إلى الله وسمعت حديث يشدد فيمن أخذ مثل هذه النقود أفيدونا والله يحفظكم ويرعاكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تتوب إلى الله سبحانه وتعالى مما فعلت وأن تتصل بصاحب هذه النقود وتصطلح معه على ما تتفقان عليه مما تدفعه له عما أخذت فأنت ابحث عن الرجل هذا واتفق معه على أي شيء تتفقان قليلاً كان أم كثيراً يحصل به المقصود وبراءة الذمة.
***
(24/2)

السائل م م ح من المنطقة الشرقية يقول الذنوب التي بين العبد وبين خالقه يغفرها الله ولكن الذنب الذي علي لشخص آخر يجب أن أذهب إليه وأن أطلب منه العفو والسماح ولكنني لا أستطيع أن أتوجه إليه ولا أستطيع أن أواجه هذا الشخص مهما كانت الأسباب لأنني أنا في منتهى الإحراج منه وسمعتي عنده طيبة وقد ظلمته وسببت إليه بعض الإشكال ماذا أفعل أفيدوني أفادكم الله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تستحل من ظلمته في عرضه أو ماله أو بدنه في الدنيا قبل الآخرة لأنك إن لم تستحله في الدنيا فسوف يأخذ من حسناتك يوم القيامة بقدر مظلمتك إياه إن كانت المظلمة كبيرة أخذ من حسناتك الكثيرة وإن كانت صغيرة بقدرها فلابد أن تستحله لكن إذا كنت لا تستطيع مواجهته فإنه يمكنك أن تكتب إليه رسالة بغير قلمك بل بالمطبعة وتقول رجل نادم حزين على ما صنع إليك من الإساءة في عرضك أو مالك أو ما أشبه ذلك يطلبك العذر ولك من الله الأجر وهو بنفسه إذا ورد إليه مثل هذا الخطاب فالذي ينبغي له أن يعفو ويعذر لقول الله تبارك وتعالى (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ولقوله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وهذا الرجل النادم لاشك أن العفو عنه إصلاح فإذا عفى عنه فإن أجره على الله وكون أجره على الله أعظم من كونه أجره يؤخذ من حسنات الظالم ثم يَرِدُ سؤال هل يجب أن أعين ما ظلمته فيه أم يكفى أن يحللني عن المظالم مطلقا الذي يظهر لي إذا كانت المظلمة قد بلغته فلابد أن يعين وأما إذا لم تكن بلغته فإنه لا حرج أن يطلب منه العفو على سبيل الإطلاق.
***
(24/2)

إنسان سرق من إنسان آخر حاجة بسيطة أيام جهله وعدم معرفته بالأمور وعواقبها وهذا الشيء قد لا يساوي عشرين ريال، وضاع هذا الشيء الذي سرق، فلما كبر وعقل وأرشد هذا السائل ندم على فعله هذا وهو يعرف صاحبه، ولكن يستحي منه أن يصرح له بالأمر فماذا يفعل هل يتصدق بقيمتها بعد أن يقومها ويعرف كم تساوى أو ماذا يفعل افتنا أثابكم الله تعالى؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان يعلم صاحبها فالواجب عليه أن يستحله بأي طريقة لأن هذا حق معصوم معين فيجب إيصاله إليه، وأما الحياء فلا ينبغي أن يستحي الإنسان من الحق، فإن الحياء من الحق خور وجبن وضعف في النفس، فالواجب عليه أن يخبر صاحبه إن طلب رد عوض ما سرق فليعطه، أو طلب مثله وأمكن أن يوجد له مثل فليرسل له مثله، وليس في ذلك شيء إطلاقاً، وأنا سمعت قبل أيام عن شخص محترم كان قد أخذ شيئاًَ زهيداً من آخر وقت صباه، فجمع الله بينهما على غير ميعاد فقال له إنني أطلب منك أن تحللني عن شيء أخذته منك في زمن الصبا وسمى له الذي أخذ، فضحك صاحبه، وقال هذا شيء أنت مسامح فيه، فلعل صاحبنا هذا يكون مثله.
***
(24/2)

هذه الرسالة وردتنا من تبوك يقول سؤالي هو أني سرقت حوالي خمسة كفرات سيارة وبعد الصلاة ندمت على ما فعلت ولأني ما ينفعني الندم تمنيت أن يدي تقطعت أرشدوني والله يجيركم ويثيبكم؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذه الكفرات التي سرقتها إن كنت تعلم صاحبها وجب عليك ردها إليه بأي وسيلة وإذا كان صاحبها قد مات وجب عليك أن تردها إلى ورثته وإذا لم يكن له ورثة فإنك تردها إلي بيت المال أو تصرفها في المصالح العامة إذا لم يكن هناك من يتقبلها من جهة الدولة وإذا كنت لا تعلم صاحبها سرقتها من سيارة لا تدري من هي له فإنه يجب عليك أن تصدق بقيمتها لأن المجهول كالمعدوم فلما تعذر علم هذا الشخص الذي سرقت منه هذه الكفرات فإنك تتصدق بها عنه أي بقيمتها والله تبارك وتعالى يعلمه ويصل إليه ذلك وأنت تبرأ بها من ذمتك.
***
(24/2)

بارك الله فيكم السائل ع. ح. ب. من السودان يقول إذا جمع شخص أموالاً كثيرة من تجارة في أشياء محرمة ثم تاب إلى الله فهل يجوز له أن يحج من ذلك من المال أو يتصدق منه أو يتزوج منه أو يبني منه مسجداً لله؟

فأجاب رحمه الله تعالى: كل من اكتسب كسباً على وجه محرم فإن هذا الكسب لا يحل له ويجب عليه التخلص منه وذلك بأن يرده إلى أصحابه إن كان ظلماً محضاً لم يأخذ عنه عوضاً وإلا فإنه يتصدق به تخلصاً منه أو يبني به مسجداً أو ما أشبه ذلك من طرق الخير ولكن لا بنية التقرب إلى الله لأن ذلك لا يفيده فإن من تقرب إلى الله بكسب محرم لم يقبله الله منه لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً ولا تبرأ ذمته منه أيضاً لأنه لم يرد الخلاص بهذه الصدقة منه ولكن على من اكتسب مالاً محرماً وتاب إلى الله أن يبذله فيما يرضي الله سبحانه وتعالى تخلصاً منه لا تقرب به وبهذا تبرأ ذمته.
***
(24/2)

بارك الله فيكم هذا مستمع للبرنامج لم يذكر الاسم هنا يقول في سؤاله الأول هناك شخص كان عليه دين وبعد مدة ليست بالقصيرة نسي هذا الشخص هل سدد هذا الدين لمستحقيه أم لا فماذا يفعل هذا الشخص؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان على الإنسان دين وشك في تسديده فالأصل بقاؤه حتى يتيقن أنه قد سدده ولكن الوصول إلى اليقين في هذه المسألة سهل يتصل بأصحاب الدين الذين لهم الحق ويسألهم هل قضاهم أم لا وحينئذٍ يعمل بما يجيبونه به ولكن ربما يتيقن أن عليه ديناً لشخص ولكن نسي هذا الشخص ونسي أن يكون قضاه ففي هذه الحالة يُخرج هذا الدين صدقة للفقراء أو مساهمة في بناء مسجد أو في غير ذلك من وجوه الخير ثم إن قدر أن صاحب الدين أتى إليه يخبره فيقول له إن الدين الذي لك علي قد صرفته في كذا وكذا لأني أيست من العثور عليك فإن شيءت فهو ماضٍ والأجر لك وإن لم تشأ فأنا أعطيك هذا الدين ويكون الأجر لي.
***
(24/2)

هذا المستمع رمز لاسمه بـ م. ص. س يقول فضيلة الشيخ بأنه متزوج ومعه عدد من الأطفال وكان غير مهتدي إلى الطريق المستقيم فقد لعبت الميسر وشربت الخمر وأسرفت علي نفسي وعلي أولادي وبعد ذلك هداني الله إلى الطريق المستقيم وقراءة القران والصلاة والصوم بعد أن كنت لا أصوم رمضان أفيدوني جزاكم الله خيرا هل من كفارة عما بدر مني في الأيام السالفة أرجو الإفادة من فضيلة الشيخ مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا شك أن هذا سؤال عظيم مهم وفيه ما ذكره السائل من المنكرات العظيمة كالخمر والميسر وما أشار السائل إلى عظمه من الذنوب ولكني أقول إن باب التوبة لم يزل مفتوحاً ولله الحمد فقد فتح الله بابه للتائبين في كل وقت يبسط جل وعلا يده في الليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب مسيء الليل وقد بين الله سبحانه وتعالى في كتابة أنه يغفر الذنوب جميعا لمن تاب فقال الله تعالى وتبارك (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) وقال الله تعالي (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) فذكر الله في هذه الآية الشرك وقتل النفس بغير الحق والزنا فالشرك عدوان على الله وقتل النفس عدوان على النفوس والزنا عدوان على الأعراض ومع ذلك بين أن من تاب من هذه الذنوب العظيمة فإن الله سبحانه وتعالى يبدل سيئاته حسنات وقال تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) وإذا كان الكافر إذا انتهى عن كفره وتاب إلى الله منه غفر الله له ما سلف فكذلك العاصي إذا انتهى عن معصيته وتاب منها غفر الله له ما قد سلف ولكن الحقوق المتعلقة بالعباد كغصب الأموال وأخذها بغير حق يجب على التائب أن يردها إلى أصحابها فإن كانوا قد ماتوا ردها إلى ورثتهم فإن جهلهم فإنه يتصدق بها عنهم وتصل إليهم وتبرأ بها ذمته هذا إن لم يكن أخذ هذه الأموال بمعاوضة وعقد بمعاملة مع أصحابها فإذا كان أخذ هذه الأموال بعقد ومعاملة ومعاوضة مع أصحابها فإنه لا يردها إليهم مثل الميسر الذي ذكره السائل إنه كان يأخذه فإن هذا بعقد صادر عن رضا من الآخر فلا يلزمه إن يعيد إليه ما أخذه منه ولكن يتصدق به تخلصا منه ولا يرده إلي صاحبه لأنه لو رده إلى صاحبه لجمع له بين العوض والمعوض أو لو رده إلى صاحبه لرده إليه وهو راض بخروجه منه على وجه محرم نعم لو فرض أن صاحبه جاهل بأن الميسر حرام فهنا نقول رده على صاحبه لأنه أعطاه إياك معذورا وخلاصة القول إن من تاب من أي ذنب فإن الله يتوب عليه لكن إذا كان الذنب متعلق بحقوق الآدميين التي يجب ردها إليهم فإنه لا تتم التوبة إلا برد هذه الحقوق إلى أهلها.
***
(24/2)

هذا السائل يقول بأنه سرق من بيت أحد الأصدقاء قميصاً ولكنني أستحي جداً أن أرده علماً بأنني نادم أشد الندم على فعلتي فماذا أفعل؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن ترد القميص إلى صاحبه فإن كان قد تلف وجب عليك رد مثله فإن لم يكن له مثل بأن كان مثله قد هجر وتركه الناس وجب عليك رد قيمته ولكن يقع الإنسان في حرج في مثل هذا كيف يرد ما سرقه على صاحبه إن قال هذا مالٌ قد سرقته منك وقع في إشكال فربما يأخذه إلى الجهات المسئولة وربما يدعي أن ماله أكثر من ذلك وما أشبه هذا فماذا يصنع فالجواب يعطي من يثق به هذا المسروق سواءٌ كان مالاً أو دراهم ويقول يا فلان اذهب بها إلى فلان يعني صاحبها وقل له هذه من شخص أعطانيها لك وكفى وإن كانت دراهم يمكن أن يجعلها الإنسان في ظرف ويرسلها في البريد وما أشبه ذلك فإذا وصلت إلى صاحبها بنية أنها أداءٌ لما في ذمته لهذا الرجل فإنها تجزئ.
***
(24/2)

إذا كان الإنسان لصاً وعاش على اللصوصية ثم تاب هل يجب عليه رد كل شيء فعله وثانياً إذا اكتسب إنسان مالاً غير حلال ثم تاب فما حكم هذا المال؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إن الإنسان إذا تاب من اللصوصية فإن من تمام توبته أن يرد الأموال إلى أهلها إن كانوا أحياءً أو إلى ورثتهم إن كانوا أمواتاً ولا تتم توبته إلا بذلك وإن كان يجهلهم مثل أن يكون قد نسيهم أو تغيرت محلاتهم ولا يدري أين ذهبوا فإنه يتصدق بذلك لا تقرباً إلى الله لأنها لا تقربه إلى الله فإن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً ولكن يتصدق به للتخلص منه وإبراء ذمته من تبعته فيتصدق به بنية أنه لصاحبه الذي أخذه منه والله سبحانه وتعالى عليم بذلك يعلم صاحبه وينفعه به وأما ما أخذه من أهله من أهل الأموال بطريق محرم فهذا ينقسم إلى قسمين أحدهما أن يكون برضا الدافع والثاني أن يكون بغير رضاه فما أخذه برضا الدافع فإنه إن تقاضى الدافع عوضاً عنه فلا يرده إليه لأنه إذا رده إليه جمع له بين العوض والمعوض وإن لم يأخذ الدافع عوضاً عنه رده عليه مثال الأول رجل استعمل كاهناً في كهانة فتكهن له والكهانة حرام (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) ولهذا كان كسبه خبيثاً حراماً لكن لنفرض أن الأمر وقع فتكهن له وأعطاه حلوانه يعني أجرته ثم تاب هذا الكاهن فإنه لا يرد هذا الحلوان إلى الذي أعطاه إياه لأن الذي أعطاه إياه قد أخذ عوضه حيث تكهن له الكاهن ولكنه أي الكاهن يتصدق بهذا العوض الذي أخذه على وجهٍ محرم ولا يرده إلى صاحبه وأما إذا كان أخذه برضى صاحبه ولم يعوضه عنه فإنه يرده إليه مثل أن يتوسط لشخص بأمرٍ واجبٍ عليه أن يتوسط فيه كدفع ظلمٍ عنه فهذا واجبٌ على كل مسلم أن يعين أخاه بدفع الظلم عنه فإذا لم يفعل إلا بعوضٍ يأخذه كان هذا العوض حراماً عليه فإذا تاب وجب عليه أن يرد العوض إلى صاحبه الذي سلمه له وذلك لأنه في مقابلة أمرٍ واجبٍ على الفاعل وما كان واجباً عليه فإنه لا يجوز أن يأخذ عنه عوضاً هذا إذا كان برضى الدافع وهو يعلمه ففيه هذا التقسيم إن كان قد أخذ عوضاً عنه فلا يرده عليه وإلا رده عليه أما إذا كان المكتسب بغير رضاً من الدافع مثل أن يدعي على شخصٍ ما ليس له ثم يأتي ببينة كاذبة ويحكم له على هذا المدعى عليه فيأخذه فهذا يجب عليه إذا تاب إلى الله أن يرده إلى صاحبه بكل حال وكذلك إذا غصب من أحدٍ شيئاً والغصب غير السرقة لأن السرقة يأخذ من حرزه خفية والغصب يأخذه عياناً جهراً بالقوة كذلك لو غصب من أحدٍ شيئاً وتاب إلى الله فعليه أن يرد هذا المغصوب إلى صاحبه لأنه بغير رضاً منه.
***
(24/2)

السائلة تقول بأنني كنت أقوم بإعطاء الدروس الخصوصية نظراً لأنني مدرسة وكنت لا أعتقد أنها حرام لأن معظم المدرسين يفعلون ذلك أما الآن فقد تأكدت بأنها لا تجوز وندمت على ذلك ولكن هل المال الذي جمع من هذه الدروس حرام أم لا وما السبيل إلى التوبة وهل تكفي لتطهير المال وإن كان حراماً فكيف أتصرف فيه خاصة بأن هذا المال وضعت عليه راتبي من الرواتب السابقة طول المدة فكيف لي التخلص من ذلك مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من المعلوم أن هذا العمل المحرم ليس محرماً شرعاً في حد ذاته لكنه محرم لنهي ولاة الأمور عنه وهذا العوض الذي أخذته السائلة قد أدت مقابله إلى المتعلمين فهي أعطت عوضاً وأخذت عوضاً وإذا تبين لها الأمر ثم تابت فما اكتسبته حلال ولا يلزمها أن تتصدق به لقول الله تبارك وتعالى في المعاملين بالربا (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) فلتهنأ بهذا المال الذي اكتسبته ولتعلم أنه لا شبهة فيه ولا إثم عليها فيه.
***
(24/2)

بارك الله فيكم هذا السائل سوداني رمز لاسمه بـ أ. أ. م. يقول فضيلة الشيخ إذا أخذ الإنسان من أخيه حق بغير علمه وأراد أن يرده له وخاف من الفتنة ماذا يعمل مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: السائل يقول إذا أخذ من أخيه حقاً ولعله أراد إذا أخذ من أخيه شيئاً ثم منّ الله عليه فتاب فإن الواجب عليه أن يرده إليه بأي وسيلة وليسلك الوسيلة التي ليس فيها ضرر مثال ذلك لو سرق منه مائة درهم مثلاً ثم تاب وأراد أن يردها إليه من المعلوم إنه لو قال إني سرقت منك هذه الدراهم وإني تبت إلى الله وأردها عليك إنه ربما يحصل في هذا شر وربما يقول المسروق منه إنك سرقت أكثر من ذلك فيحصل خصومة ونزاع فحينئذٍ يمكن أن يجعلها في ظرف ويرسلها مع صديقٍ مأمون ويقول لهذا الصديق أعطها فلان وقل له إن هذه من شخص كان أخذها منك سابقاً ومن الله عليه فتاب وهذه هي وحينئذٍ لو قال له صاحب المال أخبرني من هذا الشخص فإنه لا يلزمه أن يخبره به وله أن يتأول إذا ألجأه إلى أن يخبره به فيقول والله لا أعرفه وينوي بقوله والله لا أعرفه يعني والله لا أعرفه على حالٍ معينة غير الحال التي هو عليها فبذلك تبرأ ذمة الآخذ ويحصل لهذا الواسطة خيرٌ وأجرٌ كثير.
***
(24/2)

بارك الله فيكم السائل من السودان يقول عندما كان شاباً كانوا يخرجون مع بعض الشباب إلى البر ويسرقون ما يجدون من ماعز أو بقر ويقومون بذبح هذا الذي سرقوه ويأكلونه والحمد لله تبنا إلى الله وهدانا إلى الطريق المستقيم مع العلم بأن أصحاب هذه المواشي موجودون الآن وإذا صارحناهم قد تحصل مشاكل لا حد لها وبعضهم قد مات ماذا نفعل يا فضيلة الشيخ أفتونا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الواجب عليكم وأنتم تعرفون من هي له هذه البقر والغنم أن تؤدوا المظالم إلى أهلها فإن لم تفعلوا فسوف يأخذون هذه المظالم من أعمالكم يوم القيامة وبذلك تكونون مفلسين فقد حدث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم أصحابه قال (من تعدون المفلس فيكم قالوا من لا درهم عنده ولا متاع قال إن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات كالجبال فيأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته وهذا من حسناته فإن لم يبق من حسناته شيء أخذ من سيئاتهم وطرح عليه ثم طرح في النار) والمشاكل التي قد تحدث فيما لو صارحتموهم بأنكم سرقتم يمكن تلافيها بأن تعطوا قيمة هذا المسروق من تثقون به من الناس فيسلمها لهم فإن هذا الذي تثقون به إذا كان من معارفهم فلن يتهموه بأنه هو الذي سرق وفي هذه الحال أقول إنكم تعطونهم القيمة لأن الرجوع إلى القيمة هنا قد يكون من الضرورة وإلا فإن الواجب على من أتلف حيوانا لشخص أن يرد عليه مثل هذا الحيوان لأن الحيوان من الأشياء المثلية على القول الراجح من أقوال أهل العلم وإذا لم تجدون من تثقون به من معارفهم الذين يؤدون إليهم حقهم فبإمكانكم أن ترسلوا هذا بالشيك أو بجنيه سوداني في البريد فإن خفتم أن يطلعوا على ذلك بواسطة اسمكم على الشيك تعين أن ترسلوه بالجنيه السوداني أما إذا كان صاحب البقر أو الغنم غير معلوم عندكم فإنكم تتصدقون بقيمة ذلك تخلصا مما في ذممكم ليكون أجره لصاحب البقر والغنم.
***
(24/2)

البائع الذي يخطئ في الحساب قد يعطي للزبون بالزيادة وبالأقل وبدون قصد هل يدفع الخسارة ويأخذ الزيادة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: نعم يجب على البائع إذا علم أن المشتري أعطاه أكثر مما له يجب عليه أن يرده إليه إن علمه فإن كان قد مات رده إلى ورثته فإن لم يعلمه وأيس من رجوعه فإنه يتصدق به عنه وأما إذا تبين أن المشتري أعطاه أنقص مما له فله أن يبحث عن هذا المشتري ويطالبه بالناقص لكن هل يقبل أو لا يقبل هذا أمر يرجع على المحكمة.
***
(24/2)

هذه السائلة امرأة تقول مرضت ثم نامت في المستشفي لعدة أيام وعند خروجها أخذت معها ما يقارب من أربعين كوبا زجاجيا وأشياء أخرى معها ولم تكن تعلم بحكم عملها هذا وانتقلت من منطقتها إلى منطقة أخرى ماذا يجب عليها هل تقوم بإرجاع ذلك أم تتصدق بثمنها مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أرجو ألا يكون على هذه المرأة إثم فيما أخذت من الأكواب الزجاجية حيث ظنت أن أخذها لا بأس به لكن يجب عليها أن تردها إلى المستشفى سواء انتقلت عن البلد الذي كانت فيه أم بقيت فيه لأن هذا حق لآدمي وحق الآدمي لابد من إيصاله إليه أو استئذانه منه وعلى هذا فيجب عليها أن ترد هذه الكؤوس التي أخذتها إلى المستشفى الذي أخذتها منه.
***
(24/2)

هذا السائل يقول في إحدى الحلقات كانت لكم إجابة على أحد السائلين بأن الرجل الذي أكل مال غيره بغير وجه حق إذا تاب توبة نصوحاً عليه أن يرد المال لصاحبه ولكن إذا كان هذا المال من المال العام فكيف يفعل أفيدونا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: إذا كان هذا المال الذي أخذه على غير وجه شرعي من المال العام فليرده إلى من أخذه منه مثلا أخذه من وزارة يرده للوزارة أخذه من مدرسة يرده إلى مدير المدرسة أو قائدها أو ما أشبه ذلك لكن لو أخذ مالا من شخص ثم تاب وكان هذا الرجل المأخوذ منه مجهولا لا يدري أين مكانه ولا يعلم عن أصله ولا نسبه فهنا يتصدق به عنه ثم إذا قدر أنه جاء يوماً من الدهر فليخبره بأنه تصدق به عنه فإن أجاز الصدقة به فثوابه له وإن قال لا أعطني مالي فليعطه ماله وتكون الصدقة للتائب الذي أخذه من قبل.
***
(24/2)

هل التوبة تكفر الربا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: التوبة تكفر كل شيء وتهدم ما قبلها من الربا وغيره لكن الربا يقول الله تعالى فيه (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ) يعني إذا تاب الإنسان من معاملة ربوية والمطلوب لم يوفه بعد فإنه ليس له إلا رأس ماله فقط مثال ذلك رجل أعطى شخصاً ألف ريال على أن يكون ألفاً ومائتين بعد سنة فهذا ربا فإذا منّ الله عليه وتاب فلا يأخذ من صاحبه إلا ألف ريال فقط لقوله تعالى (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) .
***
(24/2)

هذا سائل من جمهورية مصر العربية ممدوح يقول تبت إلى الله وعندي مال اكتسبته من الحرام ويستحيل عليّ أن أرده لأهله فماذا أفعل به وإذا تصدقت به فما هو موقف المتصدق عليه إذا كان يعلم إن هذا المال حرام جزاكم الله خيرا؟

فأجاب رحمه الله تعالى: هذا المال الذي اكتسبه من حرام إذا كان مأخوذا من صاحبه قهرا كالمسروق والمغصوب والمنهوب وما أشبه ذلك وهو يعلم صاحبه فلا بد أن يوصله إلى صاحبه بأي حال من الأحوال مهما كانت النتيجة لأن هذا حق مسلم خاص معلوم صاحبه فعليه أن يوصله إليه بأي وسيلة إما عن طريق شخص موثوق وإما عن طريق البريد وإما بأي وسيلة ولابد من هذا وأما إذا كان صاحبه غير معلوم بأن يكون هذا الرجل أخذ أموالا من أناس كثيرين لكن لا يدري من هم فحينئذٍ يتصدق به تخلصا منه عن أصحابه وهم عند الله تعالى معلومون أما بالنسبة للمتصدق عليه فهو حلال له ولا حرج عليه فيه لأنه كصاحبه الذي تصدق به عليه لا يعلم مالكه فهو له حلال هذا إذا كان أخذه بغير رضا صاحبه أما لو أخذه برضا صاحبه كما لو كانت معاملات ربويه أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي تعقد بإذن صاحبها وهي حرام شرعا فإنه لا يردها على صاحبها ولكن يتصدق بها تخلصا منها ولا ينويها عن صاحبها أيضا بل ينوي التخلص فقط وهي حلال لمن تصدق بها عليه.
فضيلة الشيخ: يقول هل يجوز أن أتصدق من هذا المال على أهلي؟
فأجاب رحمه الله تعالى: لا يجوز أن يتصدق به على أهله لأنه إذا تصدق به على أهله فكأنه ملكه.
***
(24/2)

الدعاء
(24/2)

السائل يقول حدثونا عن فضل الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء هو سؤال الله عز وجل وهو من العبادة لقول الله تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) وهو في الحقيقة من أسباب معرفة الإنسان قدر نفسه وقدر ربه لأنه لا يسأل ربه إلا وهو يعتقد أنه بحاجةٍ إلى الله وأن الله تعالى عالمٌ بحاله وأنه غني وأنه كريم وقد يتأكد الدعاء في مواطن منها آخر الليل لأنه (ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) وكذلك بين الأذان والإقامة وكذلك في حال السجود فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمنٌ أن يستجاب لكم) وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وكذلك عند دخول الإمام يوم الجمعة ما بين مجيئه إلى أن تقضى الصلاة فإن هذا موطن إجابة فيدعو الإنسان بعد فراغ المؤذن من الأذان وإذا شرع الخطيب في الخطبة سكت ويدعو بين الخطبتين ويدعو في صلاة الجمعة كل هذه مواطن إجابة وكذلك يدعو إذا فرغ المؤذن من الأذان وصلى على النبي صلى الله عليه على آله وسلم ودعا لنفسه فإنه حريٌ بالإجابة بل هذا أوسع فإن كل ما بين الأذان والإقامة وقت إجابة للدعاء.
***
(24/2)

هذا مستمع يسأل عن موانع الإجابة في الدعاء وعن أوقات إجابة الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أولاً يجب أن نعلم أن الدعاء نفسه عبادة وأنه يحصل به القربى إلى الله عز وجل لقول الله تعالى (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ولأن الإنسان إذا دعا ربه فإنه معترف لنفسه بالقصور ولربه بالكمال ولهذا توجه إليه سبحانه وتعالى بالدعاء وهذا تعظيم لله عز وجل وتعظيم الله تعالى عبادة، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدعاء عبادة وإذا كان كذلك فإن الإنسان يحصل له التقرب إلى الله تعالى بمجرد دعائه، ثم إنه إذا دعا حصل له مع العبادة إما ما دعا به يعني يحصل له مقصوده الذي دعا الله أن يحصله، وإما أن يصرف عنه من الشر ما هو أعظم من النفع الحاصل بمطلوبه، ومن ذلك أن يكون هذا المطلوب لو حصل للإنسان لكان له به فتنة، وإما أن يدخر الله له أجره عنده يوم القيامة فكل من دعا الله سبحانه وتعالى فإنه لا يخيب أبداً ولكن الدعاء له شروط بل له آداب منها أن يعتقد الإنسان حين الدعاء أنه في ضرورة إلى ربه وفي افتقار إليه وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، ومنها أن يعتقد كمال ربه عز وجل وكمال رحمته وإحسانه وفضله وقدرته ومنها أن يكون مؤمِّلاً وراجياً للإجابة، لا يدعو وهو شاك هل يحصل هذا الشيء أو لا يحصل بل يدعو وهو موقن بالإجابة ومنها ألا يعتدي في دعائه وذلك بأن يسأل الله سبحانه وتعالى ما لا يمكنه شرعاً أو قدراً فإن سأل الله ما لا يمكن قدراً فهذا لا يجوز وهو نوع من السخرية بالله عز وجل، وكذلك لو سأل الله ما لا يمكن شرعاً فإنه طعن في الدعاء ونوع من السخرية بالله عز وجل، ومن الآداب ألا يدعو بما لا يحل شرعاً فلا يدعو بإثم ولا بقطيعة رحم، ومن الآداب أيضاً ألا يكون مطعمه وملبسه من الحرام أي أن يكون مطعمه وملبسه ومسكنه حلالاً فإن الحرام يمنع إجابة الدعاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بحرام فأنى يستجاب لذلك) فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجيب الله لهذا الرجل الذي كان مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام وهذه المسألة الأخيرة أعني اجتناب الحرام قد تكون عزيزة نادرة في كثير من الناس فمن الذي يسلم من أكل الحرام كثير من الناس يأكل أموال الناس بالباطل بالكذب بالغش بالتمويه والتزوير أو ينقص من واجب وظيفته أو غير ذلك من الأسباب الكثيرة التي توقع الإنسان في الحرام، هذه الستة كلها من آداب الدعاء ينبغي للإنسان أن يراعيها وأن يحرص عليها، أما أوقات الإجابة والأحوال التي ترجى فيها الإجابة فمنها الثلث الأخير من الليل فقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى (ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) ومنها ما بين الأذان والإقامة فإن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد ومن الدعاء بين الآذان والإقامة أن تدعو الله في السنة التي تكون قبل الصلاة فإن السنة التي تكون قبل الصلاة فيها دعاء في السجود وفيها دعاء بين السجدتين وفيها دعاء في التشهد ومن الأحوال التي ترجى فيها الإجابة أن يكون الإنسان ساجداً فإن الدعاء في السجود أقرب ما يكون للإجابة قال النبي صلى الله عليه وسلم (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) أي حري أن يستجاب لكم، وقال النبي عليه الصلاة والسلام (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) فينبغي للإنسان بعد أن يؤدي الذكر الواجب في السجود وهو قوله (سبحان ربي الأعلى) ويكمل ذلك بما ورد مثل (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) (وسبوح قدوس رب الملائكة والروح) أن يكثر من الدعاء في حال سجوده لأنه أقرب إلى الإجابة، لكن إذا كان إمام فلا ينبغي له أن يطيل إطالة تشق على المؤمنين وتخرج عن السنة التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يفعلها وكذلك إذا كان مأموماً لا يتأخر عن الإمام في حال السجود من أجل أن يطيل الدعاء.
يافضيلة الشيخ: وماذا عن ليلة القدر ويوم عرفة؟
فأجاب رحمه الله تعالى: هذه أيضاً من أوقات الإجابة عشية عرفة وليلة القدر وهي خير من ألف شهر وهي كغيرها من الليالي بالنسبة للإجابة أي أن آخر الليل فيها وقت إجابة وهي خير من ألف شهر بالدعاء فيها وفي بالبركة التي تحصل بها كما قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ) .
***
(24/2)

ما هي أوقات إجابة الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أوقات الإجابة وأحوال الإجابة وأمكنة الإجابة كل هذه ينبغي للإنسان أن يتحراها فمن أوقات الإجابة الثلث الأخير من الليل لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له حتى يطلع الفجر) وكذلك الدعاء بين الأذان والإقامة فإن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُردُّ، وأما الأحوال فمن الأحوال التي ترجى بها الإجابة حال المضطر فإن المضطر إذا دعا الله استجاب له لقول الله تعالى (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ) ومن ذلك أيضاً إذا كان مظلوماً فإن المظلوم مستجاب الدعوة لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ ابن جبل حين بعثه إلى اليمن (إياك وكرائم أموالهم يعني أخذها في الزكاة واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) ومن الأحوال التي ترجى فيها الإجابة إذا كان الإنسان ساجداً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن يستجاب لكم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وأما الأمكنة فإن المساجد ترجى فيها الإجابة أكثر مما ترجى في الأماكن الأخرى، ومن الأماكن التي ترجى فيها الإجابة الطواف بالبيت وقد كان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في طوافه بين الركن اليماني والحجر الأسود (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) .
***
(24/2)

ما هي موانع إجابة الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: موانع إجابة الدعاء لا يمكن حصرها في الحقيقة لأن هناك موانع خفية وهي ما يقوم بالقلب من استبعاد الإجابة وما أشبه ذلك ولكن من الموانع الحسية أن يكون الدعاء مشتملاً على ظلم مثل أن يدعو على شخص وهو غير ظالم له أو يدعو بقطيعة رحم أو يكون ممن يأكل الحرام فإن أكل الحرام من أقوى موانع الإجابة قال النبي عليه الصلاة والسلام (إن الله طيب لا يقبل إلا طيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجيب الله دعاء آكل الحرام المتغذي به اللابس له مع أنه قد أتى بأسباب إجابة الدعاء فأكل الحرام من أقوى موانع الاجابة سواء كان هذا الحرام حصل بالغش أو الكذب أو الربا أو الظلم أو غير ذلك.
***
(24/2)

في سؤاله الثاني يقول المواضع التي يستجاب فيها الدعاء ما هي وما هي الأماكن كذلك وما هي آداب الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء آخر الليل وفي الجمعة ساعة لا يوفقها عبد مسلم يسأل الله شيئاً وهو قائم يصلى إلا أعطاه الله إياه وفي عشية يوم عرفة أي في آخر النهار وفيما بين الأذان والاقامة ومن الأماكن التي يستجاب فيها الدعاء أن يكون الإنسان ساجداً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) ومع ذلك ينبغي للإنسان أن يكون ملحاً على الله عز وجل في كل وقت في الدعاء لعله يصادف نفحة من نفحات الله سبحانه وتعالى يسعد بها في الدنيا والآخرة وأما آداب الدعاء فكثيرة من أهمها بل هو أهمها الإخلاص لله عز وجل بأن يوقن الإنسان في قلبه حال الدعاء أنه يدعو إلهاً قريباً مجيباً ومنها اجتناب الحرام في الأكل لأن أكل الحرام والتغذي به من الأسباب التي تمنع إجابة الدعاء كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً) (وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يارب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يستجاب لهذا الرجل الذي مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ومن آداب الدعاء أن يرفع الإنسان يديه إلا في المواضع التي دلت السنة على أنه لا رفع ومن آداب الدعاء أن يدعو الإنسان ربه وهو على جانب كبير من الأمل بأن الله سبحانه وتعالى يستجيب دعاءه نسأل الله أن يوفقنا وإخواننا والمسلمين لما فيه الخير وأن يستجيب دعاءنا بما ينفعنا.
***
(24/2)

تقول السائلة سمعت مرة من أستاذ التربية الدينية أن من أكل لقمة واحدة من حرام فإن الله لا يستجيب لدعائه أربعين نهاراً فهل هذا صحيح أرجو إفادتنا مأجورين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: لا أعلم صحة هذا الحديث ولكن له أصل وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام قال النبي صلى الله عليه وسلم (فأنى يستجاب لذلك) فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من كان مطعمه حرام وملبسه حرام وغذاؤه حرام فإنه يبعد أن الله يستجيب دعاءه وهذا يدل على أنه يجب الحذر من أكل الطعام الحرام والتغذي به ولباسه لأنه حري أن تمنع بسببه إجابة الدعاء.
***
(24/2)

المستمع يحي قاسم يقول ما هي الأعمال التي إذا عملها الإنسان قبل أو بعد الدعاء كانت الإجابة مؤكدة؟

فأجاب رحمه الله تعالى: أهم شيء لتحقيق إجابة الدعاء الإخلاص لله عز وجل يعني يدعو الإنسان ربه ويشعر بأنه مفتقر إليه سبحانه وتعالى ومن المهم اجتناب أكل الحرام لأن أكل الحرام مانع من موانع إجابة الدعاء لما ثبت في الحديث الصحيح (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً) وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يا رب وملبسه حرام ومطعمه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) فإذا صدق الإنسان في اللجوء لله عز وجل والافتقار إليه وأخلص لله واجتنب أكل الحرام فإنه حري أن يجاب وليعلم أن الله عز وجل إذا لم يجب العبد في دعائه فإن الله تعالى يدخر ذلك له يوم القيامة أو يصرف عنه من السوء ما هو أعظم من ذلك والداعي لربه على خير على كل تقدير فليدعو ربه وليؤمل الإجابة ولا ييئس من رحمة الله.
***
(24/2)

السائلة منى إبراهيم تقول ما الحكمة في أن دعاء المسافر مستجاب وهل هذا حديث؟

فأجاب رحمه الله تعالى: السفر من أسباب إجابة الدعاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم (ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك) هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام (فأنى يستجاب لذلك) يعني بعيدٌ أن الله تعالى يستجيب لهذا الداعي لكونه متغذياً بالحرام مطعمه أو ملبسه وكذلك تغذيته بالحرام فإنه بعيدٌ أن يستجيب الله دعاءه فقوله يطيل السفر يدل على أن إطالة السفر من أسباب إجابة الدعاء والحكمة في ذلك أن المسافر يكون متفرغ القلب ليس عنده ما يشغله كما يشغله في المدن والقرى ثم إن المسافر في الغالب يدعو دعاء مضطر ملتجئ إلى الله عز وجل لأنه في سفر ولا سيما إذا كان السفر سفر خوفٍ وقلق فإن الداعي سوف يكون إلحاحه بالدعاء وإقباله على الله أكبر مما لو كان على خلاف ذلك وهذا من أسباب إجابة الدعاء.
***
(24/2)

ما هي الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الدعاء له أوقاتٌ وأحوال تكون أقرب إلى الإجابة أما الأوقات فمنها ثلث الليل الآخر لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) ومنها ما بين الأذان والإقامة فإن ما بين الآذان والإقامة لا يرد الدعاء ومنها ساعة الجمعة وهي ما بين دخول الإمام إلى أن تقضى الصلاة أو آخر ساعةٍ بعد العصر فإن هذه الساعة لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلى يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه أما الأحوال التي ترجى فيها الإجابة فهي أحوال السجود فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ومنها حال الضرورة فإن الله سبحانه وتعالى يجيب المضطر إذا دعاه ومعلومٌ أن المضطر يدعو بإخلاص وافتقار واعتقاد أن الله قادرٌ على رفع هذه الضرورة ولهذا يستجيب للمضطر ولو كان كافرا كما قال الله تعالى (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) الآية ومنها إذا كان الإنسان مظلوماً فإن دعوة المظلوم لا ترد لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذٍ حين بعثه إلى اليمن (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) هذه مواضع وأحوال مما ترجى فيه إجابة الدعوة.
***
(24/2)

ما شروط الدعاء المستجاب وحدثونا عن آدابه وما رأي فضيلة الشيخ لمن ينشرح صدره ويبتسم أثناء الدعاء إيماناً بالله ويقيناً بالإجابة واستحضاراً لعظمة الاتصال برب العالمين؟

فأجاب رحمه الله تعالى: من أهم شروط الدعاء الإخلاص لله عز وجل بأن يكون الإنسان بدعائه لله عز وجل مستشعراً فقره إلى ربه وغنى ربه عنه مستشعراً قرب الله تبارك وتعالى عند الدعاء وإجابة الله تعالى للدعاء قال الله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ومن آداب الدعاء أن يرفع يديه عند الدعاء لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً) وذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرجل (يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب) ومن آداب الدعاء أن يلح الإنسان في الدعاء ويكرر حتى وإن تخلفت الإجابة في أول مرة أو ثاني مرة فليكرر فإن الله تعالى قد يمنع الإجابة عن العبد في أول مرة من أجل أن يزداد في دعاء ربه وافتقاره إليه وأيضاً يكون امتحاناً للعبد هل يستمر في دعائه لله أو يستحسر فيمتنع فألح أيها الأخ المسلم على ربك في الدعاء فإن الله يحب الملحين في الدعاء ولا يحل لإنسان أن يدعو بإثم أو قطيعة رحم لأن هذا من الاعتداء في الدعاء والاعتداء في الدعاء محرم فلو دعا على شخص بشيء لا يستحقه هذا الشخص فقد اعتدى في دعائه فلا يحل له وللدعاء آداب كثيرة معروفة ويرجع في ذلك إلى الكتب المؤلفة في هذا الباب.
***
(24/2)

السائلة إلهام أختكم في الله من الأحساء لها مجموعة من الأسئلة تقول في السؤال الأول من أسباب إجابة الدعاء أن يفتتح بالحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله فهل الأفضل القيام بذلك عند الدعاء بعد التشهد في الصلاة وفي السجود أيضاً؟

فأجاب رحمه الله تعالى: الصلاة كلها حمد وثناء فالإنسان من حين أن يدخل فيها يقول (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) ثم يقرأ الفاتحة أو يقول (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد) ودعاء الله ثناء عليه لأنه اعتراف من العبد بالقصور واعتراف منه بكمال الله عز وجل ورحمته وعلمه فالصلاة كلها ثناء في التشهد الأخير الذي هو محل الدعاء فيه ثناء على الله وصلاة على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو يبتدئ التشهد بالتحيات لله والصلوات والطيبات وهذا ثناء على الله ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم على نفسه وعلى عباد الله الصالحين ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج بعد ذلك إلى صيغة معينة في الحمد والثناء على الله أو في الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل إذا فرغ من قوله (أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال) دعا بما أراد.
***
(24/2)