Advertisement

ديوان الهذليين 002

ديوان الهذليين

القسم الثاني
ويشتمل على:
«شعر المتنخل، وعبد مناف بن ربع، وصخر الغي، وحبيب الأعلم، وأبي كبير، وأبي خراش، وأمية بن أبي عائذ، وأسامة بن الحارث، وساعدة بن جؤية، وصخر الغي وأبي المثلم، وأبي العيال، وبدر بن عامر وأبي العيال»
(م 2/1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هذا هو الجزء الثاني من ديوان الهُذَليّين.

نجتزيء في تقديمه، مكتفين بما جاء في مقدمة الجزء الأوّل، فالطريقة هنا هي ذات الطريقة هناك، والمَراجع والمَظانّ في هذا هي هي بعينها نفس المَراجع أو المَظانّ في ذاك.
لم يَبقَ إلّا كلمة نحسبها من أحقّ ما يقال الآن:
لقد كان العمل في إخراج ديوان الهُذَليّين بجميع أجزائه موكولا للشاعر الراوية الأديب الكبير الأستاذ أحمد الزين بوصفه أحد موظفي القسم الأدبي بدار الكتب وإذا به يوافيه القَدَرُ المحتوم وهو لم ينته بعدُ إلّا من إخراج الجزء الأوّل، وإلّا بعد إتمام الملازم السبع الأُول من هذا الجزء.
ويشاء الله أن يُسنَد إنجازُ الباقي من هذا الديوان إلى كاتب هذه السطور فإذا كان من الحق أن أعترف بفضل سَلَفي الصالح، فلعلّه لا يكون من الباطل إذا قلتُ: إنّي لم آلُ المستطاع في انتهاج طريقته، والتزام دستوره الذي أجمله في مقدّمة الجزء الأوّل، حيث يقول:
"فلم ندع تفسيرًا لبيت ولا روايةً فيه إلَّا ذكرناه في حواشي هذا الكتاب منبِّهين على مصدره الّذي نقلناه عنه، كما أنّنا لم نَدَع في هذا الشرح تفسيرًا للفظ غريبٍ إلّا رجعنا إليه فيما بين أيدينا من كتب اللغة، فإن لم نجد هذا التفسير أو وجدنا ما يخالفه نبّهنا على ذلك في الحواشي، وذَكَرْنا عبارة اللغويين في تفسير هذا اللفظ ولم نَدَعْ كذلك بيتا غامضَ المعنى لا يستطاع فهمه إلّا أوضحناه وأبنّا المرادَ منه".
علي أنّي لا أزعم أن الطريق كان معبَّدًا دائما، أو أنّ المَراجع كانت مسعِفةً أبدا.
(م 2/2)

ففى هذا الجزء الثاني -بالذات، وعلي الأخص- قدرٌ ليس بالقليل لم يكن له مراجع قطّ (انظر الصفحات من 197 إلي 222 من هذا الكتاب).
ولو أن الصعب في قِلّة المراجع فَحسْبُ لهان، وإنما البلاء المبين كان في أفاعيل النسّاخين، وما يجيئون به من التحريف الذي هو أشبه بالتخريف.
أترى هذا البيت؟ لقد أثبتوه هكذا في الأصل:
أضربه ضاخ قبيطا اساله ... فمر فأحلى جوزها فخصورها
في حين أن صوابه إنما هو هكذا:
أَضَرَّ به ضاجٍ فَنبْطَا أُسالَةٍ ... فَمَرٌّ فأعلى حوزِها فخُصورُها
انظر صحيفة 213 من هذا الجزء.
على أن هذا البيت ليس بالشاهد الوحيد، وإنما هناك من أمثاله شواهد {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ}، {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}.
وكلُّ ما نرجوه أن نكون قد وفِّقنا في هذا الجزء إلي ما نقصد إليه من إصلاح تحريفاته، وتكميل ما نقص من عباراته، وتفسير غريبه، وشرح ما أَشكَل في جُمَلِهِ وأبياته، وضبطِ ما التبس من ألفاظه، وتحقيق ما اشتمل عليه من أسماء الأماكن والبلاد والقبائل والشعراء، وإخراج ذلك كلِّه على الوجه الصحيح.

محمود أبو الوفا
دار الكتب المصرية
(م 2/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وقال المتنخِّلَ -واسمه مالك بن عُوَيمرٍ بن عثمان بن سُوَيد بن خُنَيس بن خُناعة ابن عادية بن صَعْصَعة بن كعب بن طانجة بن لِحْيان بن هُذَيل بن مُدرِكة بن إلياس ابن مُضَر-:
هل تعرف المَنزلَ بالأَهْيَلِ ... كالوَشْم في المِعصَم لم يَجمُلِ (1)
قال أبو سعيد: الأَهْيَل مكان. وقوله: "لم يجمل" يقول لم يُوشَم وَشما جاملا (2) أي لم يُجعَل جاملا جعلا ىلىا (3)، ومن قال: يَخمُل، أراد لم يَدْرُس.
وَحْشا تُعَفِّيه سَوافى الصَّبا ... والصيفُ إلّا دمَنَ المَنزِل
السوافي: ما تَسْفِي الريحُ، أي ريح الصِّبا. والصبا أكثر في الشتاء. وأراد مطرَ الصّيف (4) فقال: والصيفُ؛ كما قالوا: ميِّت ومَيْت؛ ويقال: هيِّن وهَيْن،
__________
(1) في الأصل: "لم يخمل" بالخاء، وهي وإن كانت رواية في البيت -كما سيأتي بعد- إلا أن سياق كلام الشارح يقتضي ما أثبتنا.
(2) في لسان العرب (مادة جمل) نقلا عن اللحياني أنه يقال: أجمل إن كنت جاملا، فإذا ذهبوا إلى الحال قالوا: إنه لجميل.
(3) كذا وردت هذه الكلمة في الأصل، وفيها تحريف لم نقف علي وجه الصواب فيه.
(4) يريد الشارح بهذا التفسير أن الشاعر أراد الصيف بتشديد الياء فقال: الصيف في بتخفيفها إذ الصيف بالتشديد هو مطر الصيف، ومثّل لذلك بميت وميت بالتشديد والتخفيف.
(1 - 2)
(2/1)

وليّن ولَيْن، يثقَّل هذا ويخفَّف. وقوله: إلا دِمَنَ المنزل. يقول: إلا أنّ الدِّمْنة بقيتْ. والدِّمْنة: آثار الناس وما سَوَّدوا (1) بالرَّماد وغيرِ ذلك، فيقول: بقى آثارُ البول والبعر، وهي الدِّمَن؛ يقول: قد عفَت الريحُ آثارَ الناس وبقيتْ دِمَن المنزل.
فانْهَلَّ بالدمع شؤونى كأنّ ... الدمع يَسْتبدر من مُنْخُل
يقال: إنّ معظم الدمع يجري من شؤون الرأس حتى يسيل من العينين، وهو (2) التلاؤم الذي بين العظام. وانهلّ: سال وانصبّ. ويَستبدر: يخرج من مُنخُل من سرعته.
أو شَنّةٍ يَنفَح من قَعرِها ... عَطٌّ بكفَّي عَجِلٍ مُنْهِلِ
شَنّة: قِرْبة انشقّت. يَنفَح، يَنفَح الماءُ، والنَّفْح ليس بسَيَلان، ولكنّه مِثل نفحة السيف. ومنه قولهم: طعنةٌ نَفوح، تَدفع بالدم دَفعا، يَخرج كأنه ضَرْب خفيف؛ ويقال للشاة إذا مشت فخرج اللّبن من ضَرْعها: نَفوح. وإذا أخلق الجِلدُ قيل: صار شَنّة. وعَطٌّ: شَقٌّ. من قعرها، يقول: من أسفلها.
ومُنهِل: مُعطِش، أي إبِله عِطاش، أو يبادِر قوما عِطاشا.
تَعنُو بمَخْروتٍ له ناضحٌ (3) ... ذو رَيِّقٍ يَغذو وذو شَلشَلِ
__________
(1) في ب "وما سوّد".
(2) وهو أي الشأن.
(3) في رواية "له قاطر" مكان قوله: "له ناضح". وفي رواية "ذو رونق"، مكان قوله: "ذو رّيق" اللسان (مادة عنا).
(2/2)

تعنو بمخروت، أي تُخرِج به. والمخروت والمشقوق واحد. والخَرْت: الخَرْق.
ويَغذو: يسيل. قال: وإذا قيل كذا وكذا كأنه يهتر (1)، فهو يغذو؛ قال الشاعر:
أُبْذِى إذا بُوذيتُ من كلبٍ ذَكَر ... أعقدَ (2) يغْذو بولهُ على الشجرْ
تعنو، يقول: عنتْ به، أي تسيل به وتُخرِج به. قال أبو سعيد: ومِثلُه قول ذي الرمّة:
ولم يَبقَ بالخَلْصاء ممّا عنت به ... من الرّطب (3). . . . . . . .
والرَّيِّق: ناحية المطر وليس بمعظمه، فهذه المزادة يَخرج منها الماء قليلا قليلا مشلشَلا، متفرقا، وهو قوله: ذو شَلشَل، وتَخرج من ثُقْب آخر متصلا ممتدّا يهتر (1)، فَضَرب هذا الذي يَخرج من هذه المزادة مَثَلا لما يخرج من عينه من الدمع، كما قال الراجز (4):
* ما بال عيني كالشَّعيب (5) العَيِّن *
ويروى أيضا:
* ما بال عيني كالشَّعيب العيَّنِ *
ذلك ما دِينُك إذ جُنِّبتْ ... أحمالهُا كالبُكُر المُبتِل
__________
(1) كذا في الأصل. ولم نجد من معانيه ما يناسب السياق؛ ولعله يهتن بالنون في كلا الموضعين اللذين تحت هذا الرقم.
(2) الأعقد من الكلاب: الملتوى الذنب.
(3) في الأصل: "من اليبس" وهو خطأ من الناسخ صوابه ما أثبتنا نقلا عن اللسان (مادة عنا) وديوان ذي الرمة المطبوع في أوربا، وبقية البيت: إلا يبسها وهجيرها. والخلصاء: بلد بالدهناء. وعنت الأرض بالنبات تعنو وتعنى: إذا أظهرته.
(4) هو رؤبة بن العجاج.
(5) الشعيب هي المزادة المشعوبة. والعين بتشديد الباء مكسورة ومفتوحة: السقاء الذي يسيل ماؤه.
(2/3)

دِينك، أي دأبك. إذ جُنِّبت أحمالُها: أخذتْ أحدَ الجانبين. والبُكُر: ما بَكَّر من النخل، والواحدة بَكور. والمُبتِل: الذي قد بان من أمّهاته (1)، والواحدة مُبتِلة.
يقول: كأنّ أظعان هذه المرأة نخلٌ قد بان منه فَسِيلُه (2). ومِثلُه قول الآخَر:
كأن أظعانَ مَيٍّ إذ رُفِعن لنا ... بَواسقُ النخل مِن يَبرينَ أو هَجَرا
عِيُرٌ عليهنّ كِنانيّةٌ ... جاريةٌ كالرَّشَإِ الأكحَل
الرشأ: الظبي الصغير. يقول: هي مثل الرشإ الأكحل في حسنه.
كالأَيم ذي الطُّرّة أو ناشيء ال ... بَرديِّ تحت الحَفَإِ (3) المُغْيِلِ
ناشيء البَرْدِيّ: صِغاره. والأَيْم: الحيّة الّتي لها مِثلُ الخُوصتين (4) في جنبها، يقال لها: ذو الطُّفْيتَين. والمُغْيِل: الذي في الغَيْل، وهو الماء السَّحُّ. والغِيل: الشجر أيضا، ففي أيّهما كان جاز. والغَيْل: الماء الّذى يجري بين ظَهرَي الشجر.
__________
(1) كذا ورد هذا التفسير في كلتا النسختين للمبتل، وهو خطأ، فإنه يفيد أن المبتل هي الفسيلة. وليس كذلك، إذ المبتل أمها. قال في اللسان: المبتل هي النخلة يكون لها فسيلة قد انفردت واستغنت عن أمها، فيقال لتلك الفسيلة البتول. وقال ابن سيدة: البتول والبتيل والبتيلة من النخل. الفسيلة المنقطعة عن أمها المستغنية عنها، والمبتلة أمها، يستوى فيه الواحد والجمع؛ وأنشد بيت المتنخل هذا.
(2) كذا في "ب" والذى في "أ" "قد بان منه نخل فسيله" وفيه اضطراب ظاهر.
(3) لم يذكر الشارح في شرح هذا البيت تفسير الحفأ، وهو البردي الأخضر ما دام في منبته، قاله في اللسان (مادة حفأ).
(4) في كلتا النسختين: "الخصيتين"، وهو تحريف صوابه ما أثبتنا نقلا عن اللسان (مادة طفى) فقد ورد فيه في تفسير ذي الطفيتين ما نصه: ذو الطفيتين حية لها خطان أسودان يشبّهان بالخوصتين.
وفي الحديث "اقتلوا الجان ذا الطفيتين والأبتر". قال الأصمعي: أراه. شبه الخطين اللذين على ظهره بخوصتين من خوص المقل.
(2/4)

تَنكَلُّ عن متِّسقٍ ظَلْمُه ... في ثغرِه الإثمِدُ لم يُفلَلِ
تنكّل: تَضحك. ويقال: انكلّ انكِلالا، إذا تبسّم. عن متّسق، أي مستوٍ. والظَّلمْ: ماء الأسنان، يقال: ظَلمُه مطّرد بعضه في بعض، جميعٌ ليس فيه شيء دون شيء. في ثغره الإثمد، يقول: في أصوله سواد كالإثمد. لم يُفلَل: لم ينكسر ولم يَكْبَر، وهي أسنان من أسنان شباب لم يَطُل الأكلُ عليها ولم يكسرها حدّ الزمان.
قال: وتُغرَز اللِّثةُ بإبرة ثم تُسَفّ بالإثمِد فيها، وهو النَّؤور.
غُرِّ الثَّنايا كالأَقاحي إذا ... نَوّر صُبحَ المطرِ المُنجَلِي
المنجلي: المنكشِف. يقول: قد انجلى المطرُ عنه وطلعتْ عليه الشمس وانقشع عنه الغَيْم. فيقول: كأنّ أسنان هذه المرأةِ أُقحُوان صبَّحه المطر. يقول: بعد ما قد غسل عنه المطرُ الترابَ. ومثله للذبيانيّ:
كالأُقحوان غداةَ غِبِّ سمائه ... جَفّت أعاليه وأسفلُه ندِى
ومثله أيضا:
إذا أخذَتْ مِسواكَها صقَلتْ به ... ثنايَا كنَوْر الأُقْحوُان المهطَّلِ
المهطّل: الذي مسّه الهَطْل، وهو الخفيف من المطر. ومثله:
ذُرا أُقْحُوانٍ راحَهُ الليلُ وارتقَى ... إليه الندى من رامةَ المتروِّحُ (1)
__________
(1) هذا البيت والبيتان الآتيان بعده لذي الرمة. وقوله ذرا أقحوان مفعول لقوله: "تجلو" في البيت السابق قبله وهو:
وتجلو بفرع من أراك كأنه ... من العنبر الهندي والمسك يصبح
وفي الأصلين: "واجه الليل" وما أثبتناه عن ديوان ذي الرمة ص 83 طبع كمبريج.
(2/5)

ومثله أيضا.
تَبسَّمُ عن أحوَى اللِّثاتِ كأنّه ... ذُرا أُقْحُوان مِن أَقاحي السَّوائفِ (1)
ومثله أيضا:
تَبسَّمَ لمحُ البَرْق عن متوضِّحٍ ... كَلوْنِ الأَقاحِي شافَ ألوانَها القَطْرُ
شافَ، أي جلا.
هل هاجك الليلَ كليلٌ على ... أسماءَ من ذي صُبُرٍ مُخْيِلِ
كليل: برق ضعيف لأنه يجيء من مكان بعيد. علي أسماء أي من نَحْو دار أسماء. مُخْيل، أي مُخِيل للمطر. مِن ذي صُبُر أي من سحابٍ ذي صُبُر، والصُبُر جمع صَبِير، والصَّبِير: الغيم الأبيض. والصَّبير جمعه صُبُر، مثل كثيف وكُثُف، وقضِيب وقُضُب. وقوله: مُخْيِل، أي سحاب ذو مُخِيلة للمطر.
أنشأَ في العَيقةِ يَرمي له ... جُوفُ رَبابٍ وَرِهٍ مُثقَلِ
العَيْقة: ساحة من ساحات البر والبحر. والجُوف: العظام الكثيرة الأخذ، ويقال رجل أجوَف أي عظيم البطن. والوَرِه: المتساقِط، كأنّ به هَوَجا مِثلَ الإنسان، بقال: رجل أوْرَه وامرأة وَرْهاء. يقول: فهذا غَيْم هكذا يمضي متساقطا. وأنشأ: بدأ. ورَباب: سحاب.
فالتَطَّ بالبُرْقة، شُؤبوبُه ... والرّعدُ حتى بُرْقة الأجوَل
__________
(1) السوائف: رمال مستطيلة مشرفة. انظر ديوان ذي الرمة ص 379 طبع كمبريج.
(2/6)

يقول: التَّطَّ سُتِر. يقول: أَخذ السماءَ كلَّها ببرق وبرعد، حتي التَطَّ هذا السحابُ حتي لا ترى من السحاب (1) شيئا إلا كلّما برَقت بَرْقة، أي كأنه ستَر السماءَ بارقا وراعدا. وشُؤْبُوبُه، مَطْرةٌ ودَفْعة شديدة ليست بعريضة. وبُرْقة الأَجْوَل: موضع.
أسدَفُ منشَقٌّ عُراهُ فذو ال ... إِدماثِ ما كان كذي المَوْئلِ
الأَسَدف: الأسوَد. وقوله منشَقّ عُراه، يقول: كأنّ عُرا هذا السحابِ قد انشقّتْ من كثرة مائه؛ وعُراه: نواحيه. يقول: نواحي هذا السحاب انبعجتْ بالماء. وهذا مَثَل ضرَبَه من غُزره، وهو مِثل قول الشاعر:
* وَهتْ أعجازُ رَيِّقِه فحارا *
يقول: وهت بالماء. ويقال: غَزُر السحابُ الأسوَد. وهذا مثل قول امريء القيس بن حُجْر:
* أَلَّح عليها كلُّ أسودَ هَطّالِ *
قال أبو سعيد: وسمعتُ أعرابيّا يقول: إذا رأيتَ السحابةَ كأنّها بطنُ أَتانٍ قَمراءَ (2) فهي أغزر ما تكون. وقوله: فذو الإدماث ما كان كذي الموئل، الموئل: المَلجأ من هذا المطر. يقول: من كان بدَمِثٍ من الأرض ومن كان بنَجْوةٍ فهما سواء لا يُحرِزهما من هذا المطر شيء، قد علا هذا السيلُ على كلّ شيء. يقول: الذي صار في مَعقِل قد غشيه، وهذا مِثلُ قول أَوْس بن حَجَر:
__________
(1) كذا في كلا الأصلين. ولعله "من السماء".
(2) القمرة: بياض فيه كدرة. قاله في اللسان؛ ثم نقل بعد ذلك عن ابن قتيبة ما نصه: الأقمر الأبيض الشديد البياض، والأنثى قمراء. ويقال للسحاب الذي يشتدّ ضوءه لكثرة مائه: سحاب أقمر الخ.
(2/7)

فمَن بنجوَتِه كمن بمَجْفِله ... والمستكِنّ كمن يمشي بِقرْواحِ (1)
والدَّمِث: المكان السهل الذي ليس بمرتفِع. والموئل: المَلجأ من هذا الغيث، وهو المرتفِع. يقول: صارا سواءً. يقول: ما كان من شيء حمار أو سَبعُ فهو كذي الموئل؛ يقول: إن الذي وَأَلَ واعتصَمَ بشيء من المطر مثل الذي في الدمث لا يُحرِز هذا مكانُه ولا يغني عنه شيء.
حارَ وعَقّت مُزْنَه الرِّيحُ وان ... قارَ به العَرضُ ولم يُشمَلِ
حار: يريد تحيَّرَ وتَردّد. وعَقّت: شَقّت الريحُ سحابَه. وانقارَ، يقول: انقطعت منه قِطعةٌ من عَرضه، وهي لغةٌ لهم؛ ومنه قولهم: قَوَّر الأديمَ إذا قطعه. وقوله: ولم يُشمَل، أي لم تُصِبه شَمال فيذهبَ كلُّه. يقول: هو يُمطِر على حاله.
مستبدِرا يَزْعَب قُدّامَه ... يَرمى بعُمِّ السَّمُر الأطوَل
قوله: يزعب، أي يمضي يتدافع؛ يقول: يمضي متدافعا. قدّامه أي أمامه.
ويزعب أيضا يَملأ. ويروى يَرْعَب. وواد مَرْعوب أي مملوء. والعُمّ: الطوال.
والعُمّ: مثل العميم (2). والسَّمُر: شجر طوال وله شوك صغار، يعني أن السيل قلَع الشجرَ ومضى به قُدُما، ومثله:
* يَكُبُّ علي الأذقان دَوْحَ الكَنَهبُلِ (3) *
__________
(1) القرواح من الأرض: الفضاء البارز الذي لا يستره من السماء شيء.
(2) يستفاد من كتب اللغة أن عما جمع عميم، وأصله عمم بضم العين والميم فخفف.
(3) هذا الشطر لامريء القيس من معلّقته اللامية المشهورة. والكنهبل: شجر من الطلح قصير الشوك.
(2/8)

ظاهَرَ نَجْدا فتَرامَى به ... منه تَوالِى ليلةٍ مُطفِل
ظاهَرَ نجدا، أي علا نجدا. وتَوالى ليلةٍ: مآخيرُ ليلة. ومطفِل، يقول: فيها نشأ الغيمُ وأَمطَر، أي هي حديثة عهد بماءٍ مِثلُ الحديثة العهد بالولد؛ ويقال: شاة مُطفِل إذا كانت حديثةَ العهد بالولادة.
للقُمْر من كلّ فَلًا نالَه ... غَمغمةٌ يَقزَعن كالحنظلِ
القُمْر: الحمير. غَمغَمة: صوت. يَقْزَعْن: يمررن في السير مرا سريعا. والحنظلة إذا يبستْ طَفَت فوق الماء فمرّت في السيل مرّا سريعا. ويقال: مرَّ يقزَع ويَمصَع ويَهَزع ويَمزَع إذا مرّ مرّا سريعا. ويروى: "من كلّ فلًا نالَه". "ومن كلّ مَلًا" والملأ: المكان المستوى؛ فشبّه الحميرَ في كل مكان أصابه هذا المطر بالحنظل اليابس إذا مرّ فوق الماء يتدحرج. قال: ويقال فلاة وفلًا وفلَوات وفُلِي. والقَزْع والمَصْع والهَزْع والمَزْع: المرّ السريع، يقال للفرس: هو ممزَع إذا كان من عادته أن يمرّ مرا سريعا؛ قال الشاعر (1): "سَفْواء (2) مِمْزَع".
فأصبَح العِينُ رُكودا على الأَ ... وْشازِ أن يَرسخن في المَوْحِلِ
__________
(1) الشاعر هو طفيل الغنويّ كما في اللسان (مادة مزع).
(2) كذا وردت هذه الكلمة في كلا الأصلين. والسفواء من الخيل: الخفيفة شعر الناصية، وليس بمحمود فيها، وهو مما تمدح به البغال. وصواب الرواية "جرداء" مكان "سفواء" فقد ورد هذا البيت في اللسان (مادة مزع) وهو:
وكل طموح الطرف شقاء شطبة ... مقربة كبداء جرداء ممزع
(2/9)

العِين: البقر. ركودا أي قياما. والأوشاز والأنشاز: الأمكنة المرتفعة.
وقوله: أن يرسخن في الموحِل، أي يدخلن. يقول: أصبحن قد اعتصمن بتلك الأوشاز أن يَغرَقن في الموحِل. يروى: مَوْحَل ومَوْحِل.
كالسُّحُلِ البِيضِ جلا لونَها ... سَحُّ نِجاءِ الحَمَلِ الأَسْوَلِ
السُّحُل: ثياب بيض، واحدها سَحْل. جلا لونها، يقول: جلا لونَ هذه الحمير (1) سحابةٌ، وكلّ سوداءَ من السحاب تسمَّى حَمَلا (2). والأسوَل: المسترخِي أسفل البطن، والاسم السَّوَل؛ وإنما هذا مَثَل. والنِّجاء مكسور الأوّل، وهو السحاب؛ (3) يقول: الحُمُر كالثياب البيض.
أَرْوَى بجِنّ العهدِ سَلمَى ولا ... يُنصِبْكَ عهدُ المَلِقِ الحُوَّلِ
قال: دعا لها بالسُقيا أي سقاها الله هذا المطر (4) أوّلَ عهده (5)، تقول: فعل ذلك بجِنّ العهد أي بحِدْثانه. ويقال: خذ هذا الأمر بجِنّه وإبّانِه، أي خذه بأوّله. قوله:
__________
(1) صوابه البقر مكان الحمير هنا. والحمر فيما يأتي بعد بذكره البقر قبل هذا البيت.
(2) فسر في اللسان (مادّة حمل) الحمل بهذا المعنى الذي ذكره الشارح هنا، كما حكى في تفسيره أيضا أنه السحاب الكثير الماء؛ وقيل: إنه المطر الذي يكون بنوء الحمل.
(3) ذكر في اللسان (مادة حمل) في تفسير النجاء بكسر النون أنه السحاب الذي نشأ في نوء الحمل. وقيل: النجاء السحاب الذي هراق ماءه، واحده نجو.
(4) ورد هذا البيت في اللسان (مادة جن) أروى بفتح الهمزة والواو مبينا للمعلوم، وفسره فقال ما نصه: يريد الغيث الذي ذكره قبل هذا البيت. يقول: سقى هذا الغيث سلمى بحدثان نزوله من السحاب قبل تغيره؛ ثم نهى نفسه أن ينصبه حب من هو ملق. يقول: من كان ملقا ذا تحوّل فصرمك فلا ينصبك صرمه. اه
(5) في كلتا النسختين "عهدها" بتأنيث الضمير؛ وسياق الكلام يقتضي ما أثبتنا.
(2/10)

بجِنّ العهد أي بحِدْثانه. يقول: سقاها الله بهذا لأنها تَثبت وتدوم. وقوله: لا يُنصِبْك، دعاء له. يقول لا تَعبَأنّ به ولا تحزن به. والحُوَّل: الكثير التحوّل.
ويُروَى المَذِق. والحُوَّل والمَذِق: الّذي في كلامه مَذَق وليس بخالص.
دَعْ عنك ذا الألْسِ ذميما إذا ... أعرَضَ واستبدَلَ فاستبدِلِ
الأَلْس: الخيانة. وقد ألَس يألِس أَلْسا. وهي المؤالسة. ويقال في الكلام: ولا مؤالسَة ولا مدالَسة، فالمدالسة أن يجيء بالشيء مظلِما. والمؤالَسة: الخيانة وقال الشاعر (1):
* هم السمنُ بالسَّنُّوت (2) لَا ألْس فيهمُ *
يقول: لا خيانة. وذميم، أي مذموم. إذا أعرض، يقول: إذا أعرض عن الودّ.
واسل عن الحبّ بمضلوعةٍ ... تابَعَها البارِى ولم يَعجَلِ
بمضلوعة، أي بقوس ضليعة، وهي الشديدة (3). وقوله: تابعها، أي تتَبَّع ما فيها.
وباريها هو الذي جعلها مطرورةً متتابعةَ العمل. ولم يعجل فيها، قام عليها قياما حسنا.
ويروى "بمبضوعة" أي بمقطوعة من شجرتها؛ وهذه الرواية أجوَد عند أبي العباس.
كالوقفِ لا وَقْرٌ (4) بها هَزْمُها ... بالشِّرْع كالخَشْرَم ذي الأزْمَلِ
__________
(1) الشاعر هو الحصين بن القعقاع، كما في اللسان (مادّة سنت).
(2) السنوت: العسل. وفي رواية "بينهم" مكان "فيهم".
(3) فسر في اللسان
(مادة ضلع) القوس المضلوعة بأنها التي في عودها عطف وتقويم وقد شاكل سائرها كبدها؛ وأنشد بيت المنتخل هذا.
(4) الوقر: الصدع والثلم.
(2/11)

الَوقْف: الخَلخال والسِّوار. وهَزْمُها: صوتها. والشِّرْعة: الوَتَر، والجماع الشِّرَع.
والخَشرَم: النحل، أي الزنابير الكبار، ويسمَّى الدَّبْرَ أيضا. والأزمَل: الصوت.
من قَلبِ نَبْعٍ وبمنحوضةٍ ... بيضٍ ولَيْنٍ ذَكَر مِقصَلٍ
من قلبِ نبع، أي من خالصِ نبع. وبمنحوضة، أي نَبل قد أُرهفتْ نِصالُها.
وليْن: لين. يقول: ليس بكَزّ.
منتخَب (1) اللُّبّ له ضربةٌ ... خَدْباءُ كالعَطِّ من الِخذْعِلِ
منتخَب، أي منخوب اللُّب. يقول: ذهب عقلُه. يقول: كأنه ليس له عقل مِن مَرِّه لا يتماسك. والخدب: الاسترخاء (2)، وركوبٌ من الرجل (3) لرأسه، وهو مِثلُ الهوَج. والعَطّ: الشقّ. والخِذْعِل: المرأة الحمقاء. ويقال: رجل فيه خَدَب إذا كان يركب رأسَه. ويقال: هذه الحمقاءُ لا تداوِي الشَّق, تدعه كما هو.
أفلَطَها اللّيلُ بِعيرٍ فتس ... عى ثوبُها مجتنِبُ المَعْدِل
أفلطها: فاجأها بِعير تَحمل بعضَ ما تحبّ هذه المرأة الرَّعْناء. وقوله: مجتنب المعدل، أي اجتنبت الطريقَ فمرّ ثوبُها بشجرة فشقّقتْه.
أبيضُ كالرَّجْعِ رَسوبٌ إذا ... ما ثاخَ في محتفَل يَختلِى
__________
(1) ضبط في اللسان (مادة خذعل) منتخب بكسر الخاء ولم يفسره؛ فلعل معناه أن هذا السيف ينتخب بضربته.
(2) لعله: "الاستجراء".
(3) في اللسان أنه يقال ضربة خدباء وطعنة خدباء، أي تهجم على الجوف؛ وقيل: واسعة.
(2/12)

الرجع: الغدير فيه ماء المطر. والمحتفَل: معظم الشيء. ومحتفَل الوادي: معظمه.
وثاخ وساخ واحد، أي غاب. يختلى: يَقطع. والرَّسوب: الّذي إذا وقع غَمُض مكانُه لسرعة قَطْعِه.
ذلك بَزِّي وسَليهمْ إذا ... ما كَفتَ الحَيشُ عن الأرجُلِ
كَفَتَ: شَّمَر. والكَفْت: الرفع. ويقال: اِكفِتْ ثوبَك إليك أي ارفعه إليك. والحَيْش: الفزع نفسُه. ويقال: وقع في الناس كَفْت إذا وقع فيهم موت وقبض. ويقال: انكفِتْ في حاجتك، أي انقبِض فيها. ويقال: رجل كفيتُ الشدّ إذا كان سريعا. ويسمى بقيع الغَرْقَد كَفْتة, لأن الناس يُدفَنون فيه.
هل أُلحِقُ الطعنةَ بالضربة ال ... خَدْباءِ بالمطّرِد الِمقْصَلِ
الخدباء: أخَذَها من الأخدَب، وهو الأهوَج (1) المتساقط. والمقصل: القاطع.
ومن رَوَى (مِخْصَل) أي يقطع الخُصْلة من اللحم.
مما أقضِّي ومحَارُ الفتى ... للضُّبْع والشَّيبة والمَقتَل
مَحارُ الفتى: مصيرُه ومرجعه. للضُّبع، إذا مات نبشتْه الضَّبعُ. يقول: فهو للموت أو للهَرَم أو للقتل. والضُبْع: جمع ضِباع.
إن يُمسِ نَشوانَ بمصروفةٍ ... منها بِرِيٍّ وعلى مِرْجَلِ
بمصروفة، يعني بخمر شربَها صِرْفا علي لحم. قوله: بِرِيٍّ أي بِرِيٍّ من هذه الخمر.
وعلى مِرْجَل أي على لحم في قِدْر.
__________
(1) قد سبق في الحاشية رقم 3 من صفحة 12 نقلا عن اللسان تفسير آخر للضربة الخدباء، فانظره.
(2/13)

لا تَقهِ الموتَ وقيّاتُه ... خُطَّ له ذلك في المَحْبَلِ
ويُروى المَحبِل بالكسر، قال أبو سعيد: إن أراد حين حملتْ به أمّه فهو في وقت الحبل في المحبَل مفتوحة، وإن كان يريد الموتَ قال: المَحبِل بالكسر (1). قال: وهو الكتاب حيث تَحبِله المنيّة؛ والرواية بالفتح.
ليس لميْتٍ بوَصيلٍ وقد ... علِّق فيه طَرَفُ المَوْصِل
يقول: ليس (2) الحيُّ بمتّصل بالميّت؛ يقول: الميّت قد انقطع، فذهبتْ منه مُواصَلتُه. وقد عُلِّق فيه السبب الّذي يصير به إلى ما صار الميّت؛ يقول: قد عُلِّق فيه الأجل، فهو يستوصِله إليه أي إلى الموت. يقول: هو اليوم حيّ. يريد أن يصيِّره إلى الموت، فكأنه متعلِّق به وإن كان قد فارقه. والوَصِيل: الذي بينه وبين صاحبه متّصَل. قال: والوَصول الّذي يصل وليس بينه وبين صاحبه صِلة، وأنشد أبو سعيد:
__________
(1) في اللسان (مادة حبل) أن المحبل بالكسر موضع الحبل من الرحم، ثم ذكر بيت المتنخل هذا ورواه بكسر الباء في المحبل شاهدا على المعنى. ثم قال نقلا عن أبي منصور: أراد معنى حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما نطفة، ثم علقة كذلك، ثم مضغة كذلك، ثم يبعث الله الملك فيقول له: اُكتب رزقه وعمله وأجله، وشقي أو سعيد، فيختم له على ذلك" الخ.
(2) ذكر في اللسان (مادة وصل) بعد أن أورد هذا البيت عدّة أقوال في تفسيره، فذكر عن ابن السكيت أنه دعاء لرجل، أي لا وصل هذا الحي بهذا الميت أي لا مات معه ولا وصل بالميت؛ ثم قال: وقد علق فيه طرف من الموت، أي سيموت ويتصل به. قال ابن سيده: والمعنى فيه عندي على غير الدعاء، إنما يريد ليسَ هو ما دام حيا بوصيل للميت، على أنه قد علق فيه طرف الموصل، أي أنه سيموت لا محالة فيتصل به وإن كان الآن حيا. وقال الباهلي: يقول بأن الميت فلا يواصله الحي، وقد علق في الحي السبب الذي بوصله إلى ما وصل إليه الميت.
(2/14)

* وليس لمَيْتٍ هالكٍ بوَصِيلِ (1) *
يدعو له بالبقاء أي لا جُعلتَ بمتّصِلٍ إلى الموتى.
أَوْدَى إذا انبتّتْ قُواه فلمْ ... يَرْكَب إذا ساروا ولم ينَزِل
أودى: مات. إذا انبتّت قُواه، إذا انقطعتْ أسبابه.
(وقال أيضا)
لا دَرَّ دَرِّيَ إن أَطعمتُ نازِلَكُمْ ... قِرْفَ الحَتِيِّ وعندى البُرُّ مكنوزُ
يقول: لا رُزقتُ الدَّرَّ، كأنه قال ذلك لنفسه كالهازئ. وقِرْف كلِّ شيء ما قُرِف يعني قِشَره. والذي يُقلعَ عنه يؤكل. والحَتيُّ: المُقْل (2)، وهو الدَّوْم.
لو أنه جاءني جَوْعانُ مهتلكٌ ... من بُؤَّس الناسِ عنه الخيرُ محجوزُ
ويروى: "عنه الخيرُ تعجيز" قوله: مهتلِك أي يهتلك على الشيء لا يتمالك دونَه (3)؛ وتعجيز: تقصير. ومحجوز: حُجِز عنه، وسمعتُ "مِن جُوَّع الناسِ"، حِيل بينه وبينه فلا يَقدِر عليه. والرواية محجوز.
أَعيَا وقَصَّر لمّا فاته نِعَمٌ ... يبادر الليلَ بالعَلياء مَحْفوزُ
__________
(1) هذا عجز بيت للغنوي، وصدره:
* كملقى عقال أو كمهلك سالم *
ويروى "ولست" مكان قوله: "وليس" كما يروى "وليس لحي هالك" الخ.
(2) فسر في اللسان الحتي بأنه سويق المقل؛ وقيل رديئه؛ وقيل يابسة.
(3) فسر في اللسان (مادة هلك) المهتلك بأنه الذي لا هم له إلا أن يتضيفه الناس؛ يظل نهاره، فإذا جاء الليل أسرع إلى من يكفله خوف الهلاك لا يتمالك دونه.
(2/15)

قال: يقول: كان مع نِعَم ففاتتْه وأَعيا عنها. ويُحفَز: يُدْفَع من خَلْفِه؛ وكل مكان مرتفِع عَلْياء.
حتّى يجئَ وجِنُّ (1) الليل يوغِلُه ... والشَّوْكُ في وَضَحِ الرِّجْلين مَرْكوزُ
يُوغله: يُدخله ويُقْدِمه إلى الناس. يقول: يُوغِله إليهم؛ ويقال: أَوْغَل في الأرض إذا أَبعَد. وجِنُّ الليل وجِنّانُه: ما أَلبَسَك (2) منه، وهو معظمه. ووَضَح الرجلين: بياضهما من أسفلهما.
قَد حال دون دَرِيسَيه (3) مؤوِّبةٌ ... نِسْعٌ لها بعِضاه الأرضِ تهزيزُ
مؤوِّبة: ريح جاءت مع الليل. ونِسْع ومِسْع: اسم من أسماء الشِّمال.
والعِضاه: كلّ شجر له شوك.
كأنّما بين لحَييه ولَبَّتِه ... مِن جُلْبة الجوع جيّارٌ وإِرزِيزُ
قال: يقال أصاب الناسَ جُلْبة أي أزمة. والجُلْبة: السنة الجَدِيبة. والجيّار: حَرٌّ يَخرج من الجوف. قال أبو سعيد: وأراد بجيّار جائرا، ولكنّه حوّل الهمزة؛ ويقال: إن للسّم جائرا أي حرارة في الجوف؛ وأنشد لوَعْلة الجَرْميّ:
* ينازِعني من ثُغْرة النحرِ جائرُ *
وهو حَرّ ووَهَج في صدره من الجوع والجَهد. والإرزيز: الشيء يغمِزه (4).
__________
(1) في رواية: "وجنح الليل" انظر اللسان (مادة جنن).
(2) الذي في اللسان (مادة جن) في تفسير جن الليل أنه شدّة ظلامه وادلهمامه.
(3) الدريس: الثوب الخلق. انظر اللسان (مادة درس).
(4) ذكر في اللسان (مادة رزز) في تفسير الإرزيز أنه الرعدة، وأنشد بيت المتنخل هذا. وذكر في (مادة جلب) أن الإرزيز في هذا البيت معناه الطعنة. كما نقل عن ابن برى في هذه المادة أيضا أنه الرعدة.
(2/16)

لَباتَ أُسوةَ حَجّاجٍ وإخوتِه ... في جَهدنا أو له شِفٌّ وتمزيزُ
يقول: بات أُسوةً أي لو كان ضيفا (1)؛ ويقال كذا وكذا أَمَرُّ مِن كذا وكذا أي أفضل. والشَّفّ: الفَضْل؛ وبعضهم يجعل الشَّفّ النقصان، وهو ها هنا الفضل. وتمزِيز، أي له مِزّ فوق ذلك وفضل وقِرًى أفضل مما لغيره، كما تقول: فلان أمزّ مِن فلان، أي أقوى مِنه وأشد:
يا ليته كان حظّى مِن طعامكما ... أَنِّي أَجَنَّ سوادِى عنكما الجِيز
الجِيز: شِقّ الوادي الذي أنت في غيره (2)؛ ويقال: نحن بهذه الجِيزة وفلان بالجِيزة الأخرى. قال أبو سعيد: وأهل الطائف يسمّون الشِّقّ الذي ليس فيه المسجد جِيزا.
إنّ الهوان فلا يَكذِبكما أحدٌ ... كأنه في بياض الِجلد تحزِيز
يقال (3): إذا أهين الرجل فكأنما جِلدُه يُحَزّ، أي يجد وجعَه كما يجد وجعَ حزٍّ في جسدِه.
يا ليت شِعرى وهَمُّ المرءِ يُنصِبه ... والمرء ليس له في العيش تحرِيز
يقول. ليس له حِرز من الموت. يُنصِبُه: يُشخصُه (4).
هل أجزِينّكما يوما بقَرضِكما ... والقَرْض بالقرض مَجزِيٌّ ومَجْلوزُ
__________
(1) يشير إلى أن قوله "لبات" جواب لقوله السابق "لو أنه جاءني جوعان" الخ.
(2) هذا أحد تفسيرين فسر بهما الجيز في هذا البيت. وفسر أيضا بأنه القبر قاله ثعلب اللسان (مادة جيز).
(3) صوابه "يقول".
(4) الصواب تفسير "ينصبه" في هذا البيت بمعنى يتعبه، من النصب بالتحريك، وهو التعب.
(2/17)

يقول: هو مَجْلُوز به، أي مربوط به حتى يُجزَى (1) به ويقال: جَلَزَ على صَدْعِ قوسِه عَقَبةً، وجَلَزَ عِلْباءَ أعلى الرمح؛ وأنشد للشّمّاخ:
* وصفراءَ من نَبْعٍ عليها الجَلائزُ (2) *
وقال أيضا
عَرفتُ بأجدُثٍ فنِعافِ عرْقٍ ... علاماتٍ كتَحْبير النِّماطِ
أَجْدُث ونِعاف عِرق، قال أبو سعيد: هي مواضعُ. والنِّماط جمع نَمَط كتحبير: كتنقيش.
كوَشْم المعْصَم المُغْتالِ عُلَّتْ ... نَواشِرُه بوَشْمٍ مُستشاطِ
الوَشْم: أن يوشَم الذراع واللِّثة بالإبرة ثم يُحْشى نَؤُورا. فيقول: كأن آثارَ هذه الديار وَشْمٌ في مِعْصَمٍ مُغْتال، كما قال زهير:
ودارٍ لها بالرَّقْمَتَين كأنّها ... مَراجِعُ وَشْمٍ في نَواشِرِ مِعْصَمِ
والمِعصَم: موضع السِّوار من الذراع. والمُغْتال: الممتلئ. ويقال: مِعْصَم غَيْلٌ ومُغال (3) ومُغْتال إذا كان رَيّانَ ممتلئا حَسَنا. ونَواشِرُه: عَصَبُه، وهو العصب الذي في باطن الذراع. عُلَّت، يقول: وُشِم مرّة بعد مرّة أخرى، وهذا مَثَل.
__________
(1) قال في اللسان (مادة جلز) قرض مجلوز يجزى به مرة ولا يجزى به أخرى، وأنشد هذا البيت شاهدا على هذا المعنى.
(2) هذا عجز بيت، وصدره: "مدل بزرق لا يداوى رميّها". وجلائز القوس: عقب تلوى عليها في مواضع؛ ولا تكون الجلائز إلا عن غير عيب في القوس.
(3) لم نجد في كتب اللغة المغال بالمعنى الذي ذكره، وهو الساعد الريان الممتليء.
(2/18)

والنَّهَل: الشربة الأولى، والعَلَل: الشربة الثانية، فيقول: هذا المِعصَم لم يُوشَم وَشْما مُخْمَلا. ومستشاط: اُستُشِيط، أي صار في النواشر رفسا (1) كأنه غَضِبَ وحَمِيَ وهذا مَثَل، أي حُمِل على أن يستشيط، ويقال: ناقة مستشاطة إذا كانت سريعةَ السِّمَن.
وما أنت الغداةَ وذكرُ سَلْمَى ... وأضحى الرأسُ منك إلى اشمِطاط
كأنّ على مَفارِقِه نَسِيلًا ... مِن الكتّان يُنزَع بالمشاط
من الكتّان، يقول: مِثلَ ما يُسرَّح من الكتّان. يَنسِل منه أي يَخرج، وإنما أراد بياضا إلى صُفْرة.
فإِما تُعرِضينَ أُمَيْمَ عَنّي ... ويَنزِعُكِ الوُشاةُ أُولو النِّباطِ
يَنْزِعُك: يَوَدُّونَكِ ويُقَرِّضُونِك (2). والنِّباط (3): الّذين يسَتنبِطون الأخبار ويستخرِجونها.
فحُورٍ قد لهوتُ بهنّ وَحْدِي ... نَواعمَ في المُروطِ وفي الرِّياطِ
ويروى "لَهَوْتُ بهِنّ عينٍ" الحُورُ: الشديدة بياض الحَدَقة الشديدةُ سوادِها. والعِين: البقر الضخام (4). قال: وإنّما شَبَّه البقر (5) بالنساء.
__________
(1) كذا ورد هذا اللفظ في كلا الأصلين؛ ولعله تصحيف صوابه "رقشا".
(2) يقرّضونك، أي يمدحونك.
(3) صوابه "وأولو النباط الذين" الخ إذ النباط جمع نبط بالتحريك وهو أوّل ما يظهر من ماء البئر.
(4) كذا ورد هذا التفسير في الأصل. وفي كتب اللغة أن العين جمع عيناء وأعين، وهو من العين بالتحريك، وهو ضخامة العين وسعتها. ومنه قيل لبقر الوحش عين صفة غالبة.
(5) يلاحظ أن في هذه العبارة تقديما وتأخيرا؛ والصواب "وإنما شبه النساء بالبقر".
(2/19)

لَهَوْتُ بهنّ إذ مَلَقِى مَليحٌ ... وإذ أنا في المَخيلة والشَّطاطِ
مَلَقِى: لِين كلامي، وهو التملّق. وشَطاطُه: طوله قبل أن يَكبَر فيتقبَّضَ جلْدُه ويَحْدَوْدِبَ ظهرُه، ويدنوَ بعضُه من بعض. والشَّطاط: حُسن القوام. والمَخيلة: الخُيَلاء.
أَبِيتُ على مَعارىَ فاخِراتٍ ... بهنّ مُلوَّبٌ كدَم العِباطِ
يقول: أَبِيتُ أتعلَّل بمَعارِيها، والواحدُ مَعْرَى (1)، وهو مِثلُ قولك: بتّ ليلتِي في اللهو، تريد على اللهو. والملوَّب. . . . . المَلاب (2). والعِباط: جماعةُ العَبيط، والعَبِيط: ما ذُبح أو نُحِر من غير مَرَض فدُمه صافٍ، وأنشد لأبي ذؤيب:
فتَخالَسَا نَفْسَيْهِما بنوافِذٍ ... كنوافِذِ العُبُطِ الّتي لا تُرقَعُ
وأنشد:
من لم يمت عَبْطًا يمتْ هَرَما ... الموت كأسٌ والمرء ذائقُها
يقال لهنّ من كَرَمٍ وحُسْنٍ ... ظباءُ تَبالةَ (3) الأُدْمُ العَواطِي
العَواطي: اللّواتي يتناولن أطرافَ الشّجر، والواحدة عاطية، ومِن هذا قولهم: هو يَتعاطى كذا وكذا أي يتناول.
__________
(1) فسر في اللسان (مادة عرى) المعارى هنا بأنها الفرش، وقيل: أجزاء الجسم، وقيل: ما لا بدّ للمرأة من كشفه كاليدين والرجلين والوجه. وفي اللسان "واضحات" مكان قوله "فاخرات".
(2) صوابه: "الملطخ بالملاب" ففي العبارة نقص. والملاب من ضروب الطيب كالخلوق.
(3) تبالة: بلدة مشهورة من أرض تهامة في طريق اليمن.
(2/20)

يُمشِّي بينَنا حانوتُ خَمْرٍ ... من الخُرْس الصَّراصرة القطاطِ
يقول: يُمشِّي بيننا صاحبُ حانوتٍ مِن خمر. وقوله: من الخُرْس الصَّراصِرة يريد أَعجَمَ من نَبط الشام يقال لهم الصَّراصرة. والقِطاط: الجِعاد، والواحد قَطَط وهو أشدّ الجُعودة.
رَكُودٍ في الإناء لها حُمَيَّا ... تَلَذُّ بأخذها الأيدِي السَّواطِي
رَكودٍ في الإناء، أي صافية ساكنة. وحُمَيّاها: سَوْرَتُها. والسَّواطي: التي تسطو إليها (1)، وهي المتناوِلة، والواحدة ساطِية.
مشعشَعة كعين الدِّيك ليست ... إذا ذِيقَتْ من الخلّ الخِماطِ
المشعشعة: الّتي قد أُرِقَّ مَزْجُها، والخَمْطة: التي قد أَخذتْ ريحا ولم تستحكِم، لم تَبلغ الحُموضةَ بعد؛ ويقال: لبن خَمِيط وسَقِيط، فالسَّقِيط: الذي قد حَمُض وفَسَد، والخَمِيط: الذي قد أَخذ رِيحا ولم يَفْسُد، وأنشد لأبي ذؤيب:
. . . . . . . . ليست بخَمْطةٍ ... ولا خَلّةٍ يَكوِى الشُّروبَ (2) شِهابُها
فلا والله نادَى الحيُّ ضَيْفي ... هُدوءا بالمسَاءةِ والعِلاطِ
يقول: لا واللهِ لا ينادِي الحيُّ ضَيْفي بعد هُدوءٍ بالمَساءة. والعِلاط، يقال: عَلَطه بشّر أي تَرَكَ عليه مِثلَ عِلاط البعير (3)، وأنشد:
__________
(1) عدّى "تسطو" "بإلى" لأنه بمعنى تعطو، أي تتناول.
(2) في رواية "الوجوه" مكان "الشروب".
(3) علاط البعير: الوسم فيه.
(2/21)

لأعلِطنّ حَرْزَما بعَلْط ... بِلِيته عند بُذوحِ (1) الشَّرْطِ
حَرْزَم رجل.
سأبْدَؤهمْ بمَشْمَعةٍ وأَثْنِي ... بجُهْدِي مِن طَعامٍ أو بِساطِ
بمَشْمَعة أي بِمزاح ولعِب ومُضاحَكة؛ ويقال: امرأة شَموع أي ضَحوك ولَعوب، وأَثْنِي بأن أبْسُط لهم بِساطي وأُطْعِمَهم طعامي؛ وإنما سمى المُزاح مُزاحا لأنه أُزِيحَ عن الجِدّ.
إذا ما الحَرْجَف النَّكْبَاءُ تَرمى ... بُيوتَ الحيِّ باِلوَرَق السِّقاطِ
الحَرْجَف: الريح الشديدة تَرمِي بوَرَق الشجر بيوتَ الحيّ. يقول: تُسقِط ورقَ الشجر على البيوت من شدّتها.
وأُعطِي غيرَ مَنْزورٍ تِلادي ... إذا التَطّت لَدَى بَخَل لَطاطِ (2)
التَطَّتْ: سَتَرتْ. ومَنْزُور: أن يُسأَل ويُكَدَّ فلا يَخرج منه شيء.
وأَحفَظُ مَنصِبي وأصونُ عِرْضي ... وبعض القوم ليس بذي حِياطِ
وأكسو الحُلّةَ الشَّوْكاءَ خِدْني ... وبعضُ الخيرِ في حُزَنٍ وراطِ
__________
(1) في اللسان (مادة علط) أن حرزما اسم بعير. والبذوح: الشقوق.
(2) لم يذكر الشارح تفسير لطاط في هذا البيت، وهي السنة السائرة عن العطاء الحاجبة عنه كما في القاموس وشرحه، وأنشد هذا البيت.
(2/22)

الشَّوكاء: الجديدة. قال: وبعض الخير لا يخرج سهلا وأنا يخرج ما عندي سهلا. والوَرْطة: الموضع الذي يقع فيه الرجل فلا يقدر أن يخرج منه، وبعض الخير يكون في موضع إن طلبته لم تقدر عليه (1).
فهذا ثَمّ قد عَلِموا مكانِي ... إذا قال الرقيب ألا يَعاطِ
يقول: إذا خاف ألاّ يدركهم حتّى يغشاه القومُ صاح وعَطْعَط. ويَعاط، من العَطْعَطة أي صوّت (2).
ووجهٍ قد طَرقتُ أُمَيْمَ صافٍ ... أَسيلٍ غيرِ جَهْمٍ ذي حَطاطِ
يريد صافي البَشَرة. أَسِيل: سهل لم يَكثُر لحمُه حتى يتبثّر. والحَطاط: البَثْر (3).
وعاديةٍ وَزَعْتُ لها حَفيفٌ ... حَفيفَ مُزبِّدِ الأعرافِ غاطِي
عادية: حاملة، قوم يَحمِلون في الحرب. وزَعْتُ: كَفَفْتُ. لها حفيف مِثلُ صوت السَّيْل له زَبَد وأَعراف. وغاطِي: مرتفِع. والأعراف: السيل إذا أَزبَد يُرَى له مِثلُ العُرْف.
تَمُدُّ له حَوالبُ مُشْعَلاتٌ ... يجلِّلهن أقمرُ ذو انعِطاط
__________
(1) لم يفسر الشارح الحزن في هذا البيت، وهي الجبال الغلاظ، الواحد حزنة بضم فسكون قال في اللسان وأنشد هذا البيت كما هنا، ورواه في (مادة شوك) "وبعض القوم"؛ ورواه ابن برى:
وأكسو الحلة الشوكاء خدني ... إذا ضنت يد اللحز اللطاط
(2) في اللسان (مادة يعط) أن يعاط كلمة ينذر بها الرقيب أهله إذا رأى جيشا؛ وأنشد بيت المتنخل هذا.
(3) البثر, يريد البثر الذي يقيح ولا يقرّح.
(2/23)

يقول: هنّ متفرّقات يجئن من كلّ حَرّة ومن كلّ مكان. أقمر: سحاب أبيض.
قال: وإذا رأيتَ للغيث (1) حوالبَ من أمكنةٍ كأنّه بطن أَتانٍ قَمْراء فذلك الجَوْد.
وقوله: تُمَدّ له حَوالب أي هذا السيل. حَوالب: دوافع. مشعَلات: متفرّقات.
ذو انعِطاط: ذو انشقاق، ينعطّ بالماء، أي ينشقّ.
لَفَقْتُهمُ بمثلِهمُ فآبوا ... بهم شَيْنٌ من الضَّرْب الخِلاط
الشَّين: آثارٌ تَبقَى قبيحةً. والخِلاط: المخالطة، أي خالَطَ بعضُه بعضا.
بضربٍ في الجَماجم ذي فُروغٍ ... وطَعْنٍ مثل تَعْطيطِ الرِّهاطِ
الرِّهاط: أُزُرُ تُشقَّق تُجعَل (2) للصبيان، واحدها رَهْط، ويقال (3): الرَّهْط والحَوْف والوَثْر تتّخذه المرأة إذا حاضت؛ وأنشد:
جاريةٌ ذاتُ حِرٍ كالنَّوفِ (4) ... مُلَمْلَمٍ تَستُره بحَوْفِ
والفَرْغ: ما بين عَرْقُوَتَي الدَّلْو، فشَبَّه هذا الضربَ حين يسيل دمُه بفَرْغ الدلو إذا انصبّ.
وماءٍ قد وردتُ أُمَيْمَ طامٍ ... على أرجائه زَجَلُ الغَطاطِ
__________
(1) كذا ورد هذا الكلام في الأصل. والذي في اللسان (مادة قمر) ويقال إذا رأيت السحابة كأنها بطن أتان قمراء فذلك الجود. وقد سبق مثل ذلك في تفسير قول المتنخل: "للقمر من كل فلا" الخ.
(2) في كتب اللغة أن الرهاط تكون من جلد، وقيل تكون من جلد ومن صوف وأنها تشق سيورا.
(3) كان المناسب التعبير بقوله: "قال"، أي الشارح المنقول عنه هذا الكلام، وهو أبو سعيد.
(4) النوف: السنام.
(2/24)

قلت: القَطا ثلاثة أنواع: جَوْن وكُدْرِيّ وغَطاط. الطامي: الذي قد تُرك حتى طَمَا وعَلاَ. وأرجاؤه: نواحيه. والزَّجَل: الصوت. والغَطاط: طير (1).
قليلٍ ورْدُه إلاَّ سِباعا ... يَخِطن المَشيَ كالنَّبْل الِمراط
الوَخْط: الزَّجّ، وهو ضرب من المشي يَخِطُ فيه يَزُجُّ بنفسه زَجّا. والمِراط التي تَمَرّطَ رِيشُها. وقوله: يَخِطْن المشيَ، يقول: كأنّهن يَنْدُسْن بأيديهن (2) إذا مَشَين كما يَمدّ (3) الخيّاط بإبرته إذا خاط.
فبتُّ أُنَهْنِهُ السِّرْحانَ عنّي ... كلانا واردٌ حَرّانَ ساطِي
ساطٍ: ذو سطوة إذا حَمَل. أُنَهْنِه. أَزْجُر: يقول: ساطٍ على صاحبِه.
والسِّرْحان: الذئب.
كأنّ وَغَى الخَمُوشِ بجانبِيه ... وَغَى رَكْبٍ أُمَيْمَ ذوِي هِياط
الخَموش: البعوض. والهِياط: الصِّياح والمجادَلة؛ ويقال: فعلتُه بعد الهِياط والمِياط، أي بعد الجَلَبة والصوت. والوَغَى والوَعَى واحد، وهو الصوت في الحرب.
كأنّ مَزاحِفَ الحيّاتِ فيه ... قُبَيْلَ الصُّبحِ آثارُ السِّياطِ
هذا بيت القصيدة، ما أحسنَ ما وَصَف!!.
__________
(1) في حياة الحيوان أن هذا النوع من القطا غير الظهور والبطون والأبدان، سود بطون الأجنحة، طوال الأرجل والأعناق، لطاف، لا تجتمع أسرابا، وأكثر ما تكون ثلاثا أو اثنتين.
(2) ندس الأرض برجله أي ضربها. ويقال: ندسه بالرمح إذا طعنه به. وعبارة القاموس: "الندس الطعن وقد يكون بالرجل".
(3) لعله "كما يندس".
(2/25)

شربتُ بجَمِّه وصَدرتُ عنه ... وأبيضَ صارمٍ ذَكَرٍ إِباطِي (1)
جَمُّه: ما اجتمع في البئر من الماء. والجَمّة: معظم الماء. قوله: إباطي يقول: قد تأبّط هذا السيفَ.
كلَوْن الملْح ضَرْبتُه هَبِيرٌ ... يُتِرُّ العَظْمَ سَقّاطٌ سُراطِي
هَبِير، أي يَهبر اللّحمَ, أي يقطعه. والهَبْرة: القطعة من اللحم، والِجماع هِبَر، يقال: أتانا بِهبَر من اللَّحم أي بِقطَع. يُتِرّ العَظْم، أي يطيّره. سَقّاط، يقول: يقطع الضريبةَ حتّى يَسقُط خلفَها. وسُراطِي: يَستَرط ما ضَرب واحدا واحدا. والهَبْر: أن يضربه ضربة فيقطعَ منه قطعة. وسُراطِي (2): يَسترِط كلَّ شيء. وقوله: يُتِرّ العَظْم، يقال ضربه فأَتَرّ يدَه، إذا طيّرها؛ وترّت هي. ويقال: السيف يَخضِم الجَزور ويَخضِم وسطَ الجزور.
به أَحمِي المُضافَ إذا دعاني ... ونفسي ساعةَ الفزَعِ الفِلاطِ
المُضاف: المُلْجَأ. والفِلاط: الذي يأتيك فجأة.
وصفراءَ البُرايةِ فرعَ نَبْعٍ ... كوَقْف العاجِ عاتِكةِ اللِّياطِ
ويُروَى: وصفراء البُراية غير خِلْط. والعاتكة: التي قَدُمتْ فاحمرّت. واللِّياط: القِشر الأعلى، ومنه لِيطة القصبة، لِيُطها قِشُرها الأعلى، وأنشد أبو سعيد "عُذافِرة
__________
(1) قال ابن السيرافي في قوله: "إباطي" أصله إباطيّ بتشديد الياء، فخفف ياء النسب؛ وعلى هذا يكون صفة لصارم، وهو منسوب إلى الإبط اللسان (مادة أبط).
(2) سراطى بتخفيف الياء أي سراطىّ بتشديدها، وخفف ياء النسبة هنا لمكان القافية، وهو على لفظ النسب، وليس بنسب. ويسترط كل شيء أي يلتهمه.
(2/26)

حُرّةُ اللِّيط (1) ". وقوله: غير خِلْط، يقال للقضيب إذا نبت على عِوج هو خِلط والقوس التي تَنبُت على عِوَج فهي على خطر لأنّها تُغمَز فتسترخي، ثم ترجع إلى حالها الأولى؛ ويقال للرجل إذا كان في خُلُقه عِوَج: هو خِلط من القوم. والبُراية: النُّحاتة.
شَنَقْتُ بها مَعابِلَ مُرهَفاتٍ ... مُسالاتِ الأغِرّة كالقِراطِ
ويُروَى "قَرنتُ بها". شنقت: جَعلتُ النَّبْل في الوَتَر فشنقتُها كما تُشنَق الناقة. ويقال: ما زال شانقا ناقته، أي رافعا رأسها. ومرهَفات: مرقَّقات. وهي النِّصال. ومُسالات: مسنونات من التحديد ليس من الصّبّ. والغِراران: جَنبا النَّصْل، وهما حدّاه. والأغرّة: جمع غِرار، والغِرار: الحدّ. وقوله: كالقِراط، والواحد قُرْط، يعني قُرْط الأذن (2). قال: يقال قُرْط وقِراط وقِرَطة وأقراط؛ وإنما أراد أنها تَبرُق كما يبرق القُرْط.
كأوْبِ الدَّبْر غامضةٍ وليست ... بمرهَفة النِّصال ولا سِلاطِ
قوله: كأَوْب الدَّبْر، أوبُه رَجْعُه. والدبر: النحل. والسِّلاط: الطوال (3)؛ يقول: كرجوع الدبر في خِفّته. وقوله: ليست بمرهَفة النِّصال، أي ليست برقاق تتكسّر.
__________
(1) لم نجد البيت المشتمل على هذه الألفاظ الثلاثة فيما راجعناه من الكتب.
(2) فسر في اللسان مادتي (قرط وشنق) القراط هنا بأنه شعلة السراج.
(3) ذكر في اللسان أن واحد السلاط سليط، وهو السهم الطويل؛ وبعد أن أنشد هذا البيت قال في تفسيره ما نصه: قوله كاوب الدبر يعني النصال.
ومعنى غامضة أي ألطف حدّها حتى غمض أي ليست بمرهفات الخلقة، بل هي مرهفات الحدّ.
(2/27)

خَواظٍ في الجَفِير مخوَّياتٍ ... كُسِين ظُهارَ أصحرَ كالِخياط
لا يعرفه الزِّياديّ ولا الرِّياشيّ. قال أبو العباس: رواه أبو عمرو الشَّيبانيّ. الخِياط: زِقُّ زيت أي كأنّه وِعاءٌ للزيت (1)، فربّما شُقّ فَجُعل مِثلَ القَروِ (2)؛ وأنشدنا:
* وصاحب القَرْوِ من الخِياطِ *
ومَرْقَبةٍ نَمَيتُ إلي ذُراها ... تُزِلّ دَوارجَ الحَجَل القَواطي
مرقبة: موضع يُرْبأ فيه ويُرقَب. نميتُ: علوتُ وارتفعتُ إلى أعاليها.
والقَواطِي: اللّواتي يقاربن الخَطو، يقال: قطا يقطو إذا قارب المشيَ.
وخَرْقٍ تَحسِر الرُّكْبانُ فيه ... بعَيدِ الغَوْلِ أغبَر ذِي نِياط
خَرْق: فلاة بعيدة واسعة. والغَوْل: البُعد؛ يقال: هوّن الله عليك غَوْل الأرض، أي بُعدَها. تَحسِر، أي تَكِلّ رِكابُهم وتسَقط من الإعياء. قوله: ذي نِياط، أي بعيد، يقول: هو من بُعدِه كأنّه قد عُلِّق ببلد آخرَ أي وُصِل به. أغبر: عليه هَبْوَة:
كأنّ على صَحاصِحِه مُلاءً ... منشَّرةً نُزِعنَ مِن الِخياط
__________
(1) لم نجد في كتب اللغة التي بين أيدينا الخياط بهذا المعنى الذي ذكره الشارح هنا. والذي وجدناه أن الخياط ما يخاط به، ولم يفسر الشارح بقية ألفاظ البيت. والخواظي: الغلاظ والصلاب. والظهار: الريش: وقيل: الظهار من ريش السهم ما جعل من ظهر عسيب الريشة، وهو الشق الأقصر، وهو أجود الريش، الواحد ظهر. والأصحر قريب من الأصهب. وقيل: هو الذي في لونه غبرة في حمرة خفيفة إلى بياض قليل. يريد ريش طائر أصحر. ولم نجد لقوله: "مخوّيات" معنى يناسب سياق البيت فيما راجعناه من كتب اللغة.
(2) لم نجد من معاني القرو معنى يناسب السياق، فلعله الفرو بالفاء الموحدة.
(2/28)

الصَّحاصح: ما استوى من الأرض؛ يقال: مكان صَحصاح وصَحصَحان: إذا كان مستوِيا. مُلاء: مَلاحف. نُزِعن من الِخياط، أي من الخياطة. شبّه السّرابَ بالملاحف البِيض إذا جرى من شدة الحرّ.
أَجَزْتُ بفِتيةٍ بِيضٍ خِفافٍ ... كأنّهمُ تَمَلُّهمُ سَباطِ
أجَزْتُ وجُزْتُ: واحد. وسَباط: الحمّى، وإنمّا سمّيت سَباطِ لأنّ الإنسان يُسبَط فيها، أي يتمدّد إذا أخذتْه ويسترخى.
وقال يرثي أباه عُوَيْمِرا
لَعَمْرُكَ ما إن أبو مالِكٍ ... بِوانٍ ولا بضعيفٍ قُواهْ
ويُروَى "بواهٍ ولا بضعيف" وهو الأجوَد عند أبي العبّاس.
ولا بألدّ له نازِعٌ ... يغارِي أخاه إذا ما نهَاهْ
ألدّ: شديد الخُصومة. له نازعٌ من نفسه، وكأنّه يقول: إذا كان له صديق فلا يُغارِيه ولا يشارُّه؛ يقول: ليس له خُلُق يَنزِعه، أي طبيعة سوء (1). يُغارِيه (2)
__________
(1) عبارة خزانة الأدب ج 2 ص 336 نقلا عن السكري في تفسير قوله: "له نازع" أي خلق سوء ينزعه من نفسه، من نزعت الشيء من مكانه، قال: ويجوز أن يكون من قولهم: "لعل له عرقا نزع" أي مال بالشبه ثم قال: وهذا عندي أولى.
(2) في الأصول "يغارّه"؛ بغير ياء. ولم نجده بالمعنى الذي ذكره فيما راجعناه من كتب اللغة وما أثبتناه عن اللسان (مادة غرا).
(2/29)

ويشارُّه ويُلاحيه. ويقال للرجل: هو يُغارِيه إذا جعل يماريه ويَعلِق به ولا يكاد يُفلِت منه. "قال: ومِثلُه قول الآخر:
ذَرِيني فلا أَعياَ بما حَلّ ساحتي ... أَسودُ فأَكْفِي أو أُطيع المسوَّدا (1) "
ولكنّه هَيِّنٌ لَيِّنٌ ... كعاليةِ الرُّمحِ عَرْدٌ نَساهْ
عَرْد نَساه، يقول: شديدة ساقُه.
إذا سُدْتَه سُدْتَ مِطواعةً ... ومهما وَكَلْتَ إليه كَفاهْ
إذا سُدْتَه، يقول: إذا كنتَ فوقه أطاعك ولم يَحسُدك؛ وقال آخَرون: المُساوَدة: المُشارّة، ولا نراه كذا، وأنشد:
* وإنْ قومُكمْ سادوا فلا تَحسُدونهمْ *
ألا من ينادى أبا مالِكٍ ... أفي أمرِنا أمرُه أم سِواهْ
يقول: يا ليت شعري من ينادي أبا مالك، وهل يسمعنّ أبو مالك بمنادٍ، وهذا على الجاري، كقولك: يا فلان أتدري ما نحن فيه. أفي أمرنا، يقول: تصير إلينا أم تذهب فتصير إلى سوانا. ألا من ينادي أبا مالك: ألا من يندب أبا مالك لنا.
أبو مالِكٍ قاصرٌ فَقْرَه ... على نفسِه ومشِيعٌ غناهْ
__________
(1) كذا ورد هذا البيت في كلا الأصلين في هذا الموضع. والصواب وضعه في شرح البيت الرابع من هذه القصيدة، إذ هو بمعناه.
(2/30)

وقال أيضا
لا يَنْسَإِ اللهُ منّا معشرا شَهدوا ... يوم الأُمَيْلِحِ لا غابوا ولا جَرَحوا (1)
لا ينسأ، قال أبو سعيد: يريد لا يؤخِّر الله آجالَهم، عجّل الله موتَهم وفناءهم؛ ومثلُه قوله: "عَرَفَتْني نَسَأَها (2) الله أي أخّرها الله".
كانوا نَعائمَ حَفّانٍ منفَّرةً ... مُعْطَ الحُلوقِ إذا ما أدرِكوا طَفَحوا
يقول: طاروا كما تطير التعائم. وطَفَحوا: عَلَوا وذهبوا في الأرض، أي عَدوْا؛ ويقال: طَفَح يطفَح طَفْحا إذا تباعد واتسع. ويقال: تركتُ النهر يَطفَح أي ممتلئا قد اتّسع في الأرض. وقال ابن أحمد: طَفّاحة الرِّجلين، أي واسعة الخَطْو. وقوله: كانوا نعائمَ حَفّان، وحَفّانه: صِغاره، أي صِغار النَّعام.
لا غَيَّبوا شِلْوَ حَجاّجٍ وشَهِدوا ... جَمَّ القتالِ فلا تَساءَلْ بما افتَضَحوا
جَمّ القِتال وجَمّ كل شيء: معظمه. وشِلْو كلّ شيء: بقيتّه.
عَقُّوا بسهمٍ فلم يشعر به أحدٌ ... ثم استفاءوا وقالوا حَبّذا الوَضَحُ
عَقُّوا بسهم أي رَموا به في السماء (3). وقالوا حَبّذا الوَضَح؛ حبّذا اللَّبَن نرَجِع اليه. واستفاءوا: رجعوا.
__________
(1) في خزانة الأدب ج 2 ص 137 "لا عاشوا ولا مرحوا".
(2) لم نجد هذه العبارة فيما راجعناه من الكتب.
(3) في خزانة الأدب ج 2 ص 137 أن التعقية سهم الاعتذار وأصل هذا أن يقتل الرجل رجلا من قبيلته فيطلب الرجل بدمه، فتجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بدية مكملة، ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوى أبوا ذلك، وإلا قالو لهم: بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي، فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون: أن نأخذ سهما فترمى به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجا بالدم فقد نهينا من أخذ الدية، وإن رجع كما صعد فقد أمرنا بأخذها وحينئذ مسحوا لحاهم وصالحوا على الدية، وكان مسح اللحية علامة على الصلح الخ ما ذكر.
(2/31)

لكن كبيرُ بنُ هِندٍ (1) يومَ ذلكِمُ ... فُتْخُ الشّمائل في أَيمانِهمْ رَوَحُ
الفَتَح: لِينُ في المَفاصل. وقوله: رَوَح، يقول يَضِربون ضَرْبا يُميلون الكفّ (2). وُفُتْحُ الشَّمائل: تَبْسُطها للرّمى (3).
تعلو السيوفُ بأيديهم جَماجِمَهمْ ... كما يفلَّق مَروُ الأَمْعَزِ الصَّرَحُ
الصَّرَح: الخالص. والأمعَز: المكان الكثير الحَصَى الغليظ. والمَعْزاء مثلهُ. ومن قال: مَعْزاء قال مُعْز؛ ومن قال: أَمعَز قال أَماعِز.
لا يُسلمِون قَريحًا كانْ وَسْطَهمُ ... يوم اللِّقاء ولا يُشْوُونَ مَن قَرَحوا
قريحا، أي جريحا. كان وَسْطَهم يوم اللقاء ولا يُسْوُون من قَرَحوا، يقول: لا يَجْرَحونه جُرْحا لا يَقتل. يقال: أَشْواه إذا لم يُصِب مَقْتَلَه، وشَواه إذا أصاب (4) منه المَقتَل. والشَّوَى: القوائم. ويقال: كلّ شئ من الأمر شَوًى ما لم يكن كذا وكذا أي هيّن. والشَّوِىّ: الشاء.
كأنّهمْ بجُنُوبِ المَبْرَكَين ضُحًى ... ضأْنٌ تجزَّر في آباطِها الوَذَحُ
ويروى تُجزَّز أي يَجُزّونه عنها بالجَلَم. والوَذَح: ما تَعلَّق بأذنابها شِبهَ أبْعار الإبل وأعظمَ من ذلك وأصغرَ من ذلك من أبوالِها وترابِ الأرض؛ يقول: كأن أعداءهم في أيديهم ضأنُ هذه صفتُها. والذي يَتعلّق في أذناب الإبل يقال له العَبَس.
__________
(1) كبير بن هند: حيّ من هذيل، كما في اللسان (مادة روح).
(2) ذكر في اللسان (مادة روح) أن الروح بالتحريك في هذا البيت: السعة لشدّة ضربها بالسف.
(3) عبارة اللسان "يريد أن شمائلهم تنفتح لشدة النزع".
(4) صوابه (إذا أخطأ) فقد ورد في اللسان (مادة شوى) أن الشوى إخطاء المقتل.
(2/32)

وقال يَرثى أُثَيْلةَ ابنَه
ما بالُ عينِك تبكى دمعُها خَضِلُ ... كما وَهَى سَرِبُ الأَخراتِ منبزِلُ
ويُروَى الأخراب. السَّرِب: السائل يكون فيه وَهْيٌ فيَنسرب الماء منه. والأخرات، جع خَرْت: وهو الثُّقْب؛ ومن قال: الأخراب فأراد العُرَى واحدتها خُرْبة. "والُعروة خُرَزٌ حولها يقال لها الكُلْيَة (1) " والخُرْبة: العروة، ومن قال: الأخرات فكل خَرْت خَرْق: وهو مَثل. يقول: مبتلّة، تَبُلّ كلَّ شيء من كثرة دموعها.
لا تَفْتَأُ الدهرَ مِن سَحٍّ بأربعةٍ ... كأنّ إنسانَها بالصاب مكتحِلُ
يقول: لا تنفكّ الدهرَ تبكى. والصاب: شجرة إذا ذُبحتْ يخرج منها لبن إذا أصاب شيئاً أحرقه، وإذا أَصاب العينَ سُلِقتْ وانَهمَلتْ.
تَبكيِ على رَجُل لم تَبْلَ جِدَّتُه ... خَلَّى عليكَ فِحاجا بينها سُبُلُ
لم تَبْلَ جِدّته: لم يُستَمْتَع به, مات شابا، يقول: لم يُتَملَّ به. فجاجا بينها سُبُل. يقول: كان يسدّ عنك كل مَسَدّ من المكروه، فلما مات خلّى عليك فجاجا بينها سُبُل سُلِك عليها من الشرّ. قال: إذا أردتَ أن تَعبُرَ أتيتَ ذلك به. يقول: خَلَّى عليك طُرُقا لم تسدَّ ثُلَمُها.
فقد عجبتُ وما بالدهر من عَجَبٍ ... أنَّى قُتِاتَ وأنت الحازمُ البَطَلُ
__________
(1) كذا وردت هذه العبارة التي بين هاتين العلامتين في الأصل. وهي مضطربة الألفاظ مستبهمة الغرض. والذي وجدناه في كتب اللغة في تفسير الكلية أنها مستديرة مشدودة العروة، قد خروت مع الأديم تحت عروة المزادة. وفي عبارة أخرى أنها الرقعة التي تحت عروة الإداوة.
(2/33)

يقول: وما بالموت من عجب أنَّى قُتِلّت. يقول: كيف قُتِلتَ وأنت شجاع بَطَل.
ويْلُمِّه رَجُلا تأبى به غَبَنًا (1) ... إذا تجرّد لا خالٌ ولا بَخَلُ
ويْلُمِّه رجلا: كلمة يُتعجَّب بها, ولا يراد بها الدعاءُ عليه، لا خالٌ ولا بَخَلُ أي لا مَخيلة فيه، أي لاخُيَلاءَ فيه. ولا بَخَل أي لا بُخْل، يقال: بخيل بين البُخْل والبَخَل.
السالكُ الثُّغْرةَ اليَقْظَانَ كالِئُها ... مَشْىَ الهَلوكِ عليها الخَيْعَلُ الفُضُلُ
الثُّغْرة والثَّغر، واحد، وهو موضع المخافة ومكان الخوف. والهَلُوك: التي تهالَكُ
وهي الغَنِجة المتكسِّرَة تَهالَكُ وتَغزَّل وتَساقَطُ. والخَيْعَل: دِرع يخاط أحدُ شِقّيه
ويُترَكَ الآخَر. والفُضُل: التي ليس في درعها إزار بمنزلة لِحاف. والخَيْعَل:
ثوب. والفُضُل: امرأة (2)، ولكنّه على الِجوار، على حدّ قولهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.
والتاركُ القِرْنَ مصفرّا أنامِلهُ ... كأنه من عُقارِ قهوةٍ ثِمَلُ
مصفرّا أناملُه، يقول: نُزِف دمُه، حتى ذهب دمه. واصفرّت أناملهُ وعاد كأنّه سَكْرانُ.
مُجدَّلا يَتلقّى جلِدُه دَمَه ... كما يُقطَّر جِذعُ النخلة القُطُلُ
ويُروَى جذع الدَّوْمة. يقول: يسيل دمُه على جلده. والِجلْد: بشرته.
ويقطَّر: يُصَرع. ويقال: عُود قُطُل، أي مقطوع. يقول: فينجدل كما ينجدل الجِذع إذا قُطع. والدَّوْمة: نخلة المُقْل. قال: ويقال قطَلهَ يَقطِلةُ قَطْلا.
__________
(1) الغبن بالتحريك: ضعف الرأي. وتأبى به غبنا أي تأبى أن تلحق به ضعفا في رأيه وتصفه به.
(2) في كتب اللغة أن الفضل المرأة في ثوب واحد.
(2/34)

ليس بعَلٍّ كبيرٍ لا شَبابَ به ... لكنْ أُثَيْلةُ صافى الوجهِ مُقْتَبَلُ
العَلّ: الصغير الجسم. الكبير: المُسنّ. ويقال للقُراد أيضًا: عَلّ. وأنشَدَنا:
* ولو ظَلَّ في أوصالِه العَلّ يَرتقِي * (1)
والعَلّ: القُراد ها هنا. مقتبَل: مستأنَف الشباب.
يجيبُ بعد الكَرَى لَبّيك داعيَه ... مِجْذامةٌ لِهواه قُلْقلٌ وَقِل
ويُروَى وَقُل. ويُروَى عَجِل وعَجُل. يجيب بَعد الكَرى، يقول: إذا دعاه داع بعد نومه قال له: لَبَّيك. والمجذامة: الذي يقطع هواه. والجَذْم: القَطْع. يقول: يَقطع هواه إذا كان فيه غَيّ. والقُلْقُل: الخفيف. والوَقِل: الجيّد التوقُّل (2).
حُلْوٌ ومُرٌّ كعَطْفِ القِدحِ مرّتهُ ... بكلّ إنْي حَذاه اللّيلُ ينَتعِلُ
كعَطْف القِدْح، يريد طُوِىَ كما يُطوَى القِدْح. ومرّته: فَتْلَتهُ. ويَنتعل: يسرى في كّل ساعة من الليل من هدايته، وإنْيٌ: واحد الآناء، وهي الساعات ومن ذلك: (ومِنْ آناءِ اللَّيلِ).
فاذهب فأيُّ فتًى في الناس أحرَزَه ... من حَتْفه ظُلَمٌ دُعْجٌ ولا جَبَلُ
__________
(1) ورد هذا الشطر في الأصل هكذا:
* ولو ظل العل يرتقى *
وفيه نقص ظاهر، وقد أثبتناه هكذا نقلا عما يأتي بعد في هذه النسخة؛ فقد ورد هذاالشطر في موضع آخر منها مكررا عند شرح بيت عبد مناف بن ربع * صابوا بستة أبيات وأربعة * الخ ص 40 س 9.
(2) التوقّل: التصعيد في الجبل.
(2/35)

يقول: لا تُحرزه الظُّلَم ولا الجبل، لا تُحرِزه من (1) حَتْفِه.
ولا السِّما كان إن يَستَعْلِ بينهما ... يَطرْ بخُطّةِ يومٍ شَرُّه أصِلُ
يقول: لا يُحرِزه السِّما كان أيضًا من حَتْفه. يقول: يصير حظُّ ذلك اليوم له. والأصِل: ذو الأَصْل. يقال: جَدَعه الله جَدْعا أَصِلا أي مستأصِلا. يقول: إن صار بين السِّماكين أتاه الموت. والأصل: الشديد الاستئصال. ويقال: طار فلان بخيْر ذلك الأمر، أي صار ذلك له.
ولا نَعامٌ بَجوٍّ يَسْتَرِيدُ به ... ولا حِمارٌ ولا ظَبيٌ ولا وَعِلُ
قوله: يستريد به، أي يَرُودُ به يجيء ويَذهب، أي يجول فيه؛ ويستريد يسَتفعِل مِن يَرود. وجَوّ: واد. وكلّ بطن واد داخلَ الأرض فهو جَوّ.
أَوفَى يَبيتُ على أقذاف شاهِقةٍ ... جَلْسٍ يَزِلّ بها الخُطّاف والحَجَلُ
الأقذاف: جمع قُذُف. والقُذُف: الناحية من الجبل. جَلْس: نَجْد.
وكل مُشِرف ومرتفِع جَلْس، وأنشَدَنا أبو سعيد:
إذا ما جلسْنا لا تَزال تزورنا ... سُليمٌ لدى أبياتنا وهَوازنُ
أي أتينا نَجْدا.
فلوُ قُتِلتَ ورِجْلي غيرُ كارِهةِ ال ... إِدلاجِ فيها قَبِيضُ الشَّدّ والنَّسَلُ
يقال: عدوّ قَبيض، أي شديد. والنَّسَل: من نَسلان الذئب، وهو ضرب من المشي نحو الهَدَج، يقول لو قُتلتَ ورجْلي صحيحة فيها ما أنقبض به في حاجتي لفعلتُ.
__________
(1) لم يفسر للشارح الدعج في هذا البيت، وهي الشديدة السواد.
(2/36)

إذًا لأَعملتُ نفسى في غَزاتِهِمُ ... أو لَابتعثْتُ به نَوْحًا له زَجَلُ
الزَّجَل: شدّة الصوت. "له نَوْحا" (1) أي تَنُوح عليه. قاد: والنَّوْح الجماعة من النساء يقال لهنّ نَوْح.
أقول لمّا أتانِي النّاعِيانِ بهِ ... لا يَبْعَدِ الرمح ذو النَّصلَين والرَّجُلُ
قوله: ذو النّصلين أي ذو الزُّجّ والنَّصْل، وهذا مَثَل معناه لا يبعَدْ فلانُ وسلاحُه.
رمْحٌ لنا كان لم يُفلَلْ نَنوءُ (2) به ... تُوفَى به الحربُ والعَزّاءُ والجُلَلُ
قوله: تُوفَى به، رجَعَ إلى الرجل فقال: كان سلاحا لنا تُعلىَ به أي تُقهَر به الحرب إذا كان فيها؛ ويقال: أوفَى على الجبل إذا علا على الجبل؛ وأَوفَى على السطح إذا علا عليه. والعَزّاء: الشِّدْة. والجُلَل, والواحدة جُلّى، وهي العظيم من الأمر.
رَبّاءُ شَمّاءُ لا يأوِى لقُلّتِها ... إلاَّ السحاب وإلّا الأَوْبُ والسَّبَلُ
ورَوَى أبو عمرو:
. . . . . . . . لا يدنو لقُلّتها ... إلا العُقابُ وإلّا الأَوْبُ والسَّبَلُ
رَبّاء: يُرْبَأ فوقها، يقول: لا يدنو لقُلَّتها، أي لرأسها، أي لا يعلو هذه الهَضْبة من طولها إلاَّ السحاب. والأَوْب: رجوع النَّحْل. والسَّبَل: القَطْر حين يسيل.
__________
(1) كذا وردت هذه العبارة التي بين هاتين العلامتين في كلا الأصلين، ويلاحظ أن لفظ البيت "به" مكان "له". وهو مخالف لفظ الشارح.
(2) تنوء به أي تنهض به.
(2/37)

شعر عبد منافِ بنِ رِبع
وقال عبد منافِ بن رِبْعٍ الجُرَبىٌّ يذكر يومَ أَنفِ (1) عاذ
ماذا يَغِير ابنتيْ رِبع عَوِيلهُما ... لا وترقُدان ولا بُوسَى لمن رَقَدا
قال أبو سعيد: يقال فلان يَغير أهلَه ويَمير أهلَه، والمَصَدر الغَيْر والمَيْر.
يقول: فماذا يردّ عليهما. ويَغِير يجيئهما بشئ، أي بخيرٍ يُكسِبُهما أنْ يُعْوِلا. ويقول: من رقد فليس عليه بؤس، إنما البؤس على من حَزِن لسهر أو مرض. والبُؤس: الضِّيق. وعَويلُهما، من العَوْلة أي بكاؤهما؛ يقال: يُعول عل الميّتْ أي يبكى عليه ويقال: فلان يَغير أهلَه أي يَكسِب لهم. قال أبو سعيد: وقيل لحسّان بن ثابت الأنصارىّ - رضي الله عنه - أيُّ الناس أشعَر؟ فقال: رجل بأذُنِه، أم قَبيلُ بأسِره (2)،؟ قال: هُذَيْل فيهم نيّف وثلاثون شاعرا أو نحو ذلك، وبنو سنان مِثلُهم مرّتين ليس فيهم شاعر واحد.
كلتاهما أبطِنتْ أحشاؤها قَصَبًا ... مِن بطنِ حَلْيةَ لا رَطْبا ولا نَقِدا
__________
(1) قال ياقوت: أنف بلد في شعر هذيل، ثم ذكر البيتين الثالث والسابع من هذه القصيدة، وروى الشطر الأول من البيت السابع بغير ما هنا وقال: كانوا غزوا ومعهم حمار فسماه جيش الحمار. قال: وفي أخبار هذيل: خرج المعترض بن حنواء الظفرى ثم السلمى لغزو بني هذيل فوجد بني قرد (من هذيل) بأنف، وهما داران إحداهما فوق الأخرى بينهما قريب من ميل، وسماه عبد مناف بن ربع الهذلى أنف عاذ وقد ورد خبر هذا اليوم مستوفى في خزانة الأدب ج 3 ص 174 فانظره ثم. كما ورد فيها أيضا شرح لهذه القصيدة.
(2) كذا وردت هذه العبارة في الأصل. وقد ورد فيه أمامها ما نصه: قف على قول حسان هذا: على أنه يلاحظ أنه لا مناسبة بين هذا الكلام وشرح البيت الذي نحن بصدده.
(2/38)

يقول: كأنّ في جوفهما لأ البكاء والحنين مزاميرَ. وحَلْية: واد. والنَقِد: الذي قد نَخِر، ومِثله قول الشاعر (1):
بَرَكَتْ على ماء الرِّداع كأنّما ... برَكتْ على قَصَبٍ أجشَّ مهضَّمِ
ويروى مهزَّم. ومهضَّم: مكسَّر، ومثلُه قول الشاعر:
أوما ترى إبلى كأنّ صدورها ... قصَبٌ بأيدى الزامرِين مجوَّفُ
والنَّقد: المؤتكِل. ونَقِدتْ أسنانُه تَنْقَد: ائتَكَلتْ.
إذا تَجرَّد نَوْحٌ قامتاَ معه ... ضربا أليما بسِبتٍ يَلعج الجِلدِا
إذا تجرّد: تهيّأ. نَوْح أي نساء يَنُحن قياما نُحْنَ (2) معهنّ. والنَّوْح: النساء القيام.
وقوله: "يَلعَج" يُحرِق الجلد. ويقال: وجدتُ لاعجَ الحُزْن أي حُرْقتَه. ووجدتُ في جلدى لعْجا، أي حُرقة.
لَنِعمَ ما أَحسنَ الأبياتُ نَهنَهةً ... أُولَى العَدِىِّ وبَعْدُ أحسَنوا الطَّرَدا
الأبيات: قوم أُغيَر عليهم فَنهَنهوا عن أنفسهم، أي ردّوا العدوّ. والنَّهْنَهة الرّدّ.
أُولَى منصوبة بقوله نهَنهة. والعَدِىّ: العاديَة، وهم الحاملة. أحسَنوا الطَّردَا أي أحسَنوا طردَهم بعد أن نَهنَهوا أُولَى العَدِىّ، ولا واحد لها. والطَّرَد هو الطّوْد عن أنفسهم.
__________
(1) البيت لعنترة. والرداع بالكسر: واد يدفع في ذات الرئال؛ وقيل: الرداع بالضم ماء لبنى الأعرج ابن كعب بن سعد.
(2) الصواب "ناحتا".
(2/39)

إذ قَدَّموا مائةً واستأخرتْ مائةٌ ... وَفْيًا وزادوا على كلتيهما عَدَدا
وَفيا، أي تماما، أي قدَّموا مائة وأخَّروا مائة. وزادوا يريد على ما قدَّموا وأخَّروا.
صابوا بستّة أبياتٍ وأربعةٍ ... حتى كأنّ عليهمْ جابيًا لَبِدا
صابوا أي وقعوا. قال: وهذا كقولك "صاب المطر ببلدة كذا وكذا" أي وقع بها. وقوله: حتى كأنّ عليهم جابيا لِبَدا، قال: يقال إنّ الجابىَ الجرادُ نفسُه، واللِّبَد: المتراكِب بعضُه على بعض. قال أبو سعيد: وليس الجابيء الجراد وحدَه، ولكنْ كلُّ ما طَلع فقد جَبَأ يَجْبَأُ جَبْأ. قال: وهو مِثلُ قول الشاعر:
* ولو ضَلَّ في أوصاله العَل يَرتقِى *
فالعَلُّ ها هنا القُراد، وكلّ صغير الجسم عَلُّ.
شَدُّوا على القوِم فاعتَطُّوا أَوائلَهم ... جَيشَ الِحمارِ ولاقَوْا عارِضا بَرِدا
اعتطّوا أوائلهم، يقول: شقّقوا أوائلَ القومِ. ولاقَوا عارضا: ضربَه مَثَلا يقول: لاقَوا مثلَ عارضٍ من السماء فيه برَد؛ يقول: فجيشنا مِثلُ العارض الذي فيه بَرَد. قال أبو سعيد: وإنّما قيل له جيش الحمار لأنه كان معهم حمار يحَمِل بعضَ متاعهم. والعَطّ: الشَّق؛ ويقال: اِنعطّت مُلاءتُه.
فالطَّعْن شَغْشغةٌ والضَّرْب هَيقَعةٌ ... ضربَ المعوِّل تحت الدِّيمة العَضَدا
شَغْشَغة: حكاية لِصوت الطعن حين يَدخل. والضَّرب هَيْقَعة حكايةٌ لصوت الضرب والوَقْع. وقوله: ضرْبَ المعوِّل، المعوِّل الّذي يبنى عالَةً، والعالة
(2/40)

شجر يقطعه الراعى فيَستظلّ به من المطر يكون الرجل يحتاج الى الكِنّ فيَقطع شجرةً فيضعها عل شجرتين فيستظِلّ تحتها. والعَضَد: ما قُطِع من الشجر، وجعله تحت الدِّيمة لأنّه أسمعُ لِصوتِه إذا ابتلّ.
وللقِسيِّ أزامِيلٌ وغمغَمةٌ ... حِسَّ الجَنوب تَسوقُ الماءَ والبرَدَا
الأزامل: الصوت المختلِط (1). والغَمْغَمة: صوت مختلِط لا تفهمه. ويقال: غَمْغَة وغمَاغم؛ ويقال يغمغم غَغمةً إذا تكلّم بشئ لا يُفهَم, وحِسّ الجنوب: صوتُها. ويقال: سمعتُ حِسّا من أمرٍ رابنى. والحِسّ: الصوت. ويقال: سمعتُ له أزمَلا, ولا يقال منه فِعْل.
كأنّهمْ تحت صَيْفى له نَحَمٌ ... مصرِّحٍ طَحَرتْ أسناؤُه القَرِدا
له نَحَم، أي صوت ينتحِم مثل نَخيم الدابّة. ومصرِّح: صرّح بالماء أي صَبّه صبّا، صار خالِصا. طَحَرتْ: دَفَعتْ القَرِد من السحاب، وهو الصّغار المتراكب بعضُه فوق بعض، والواحدة قَرِدة. وأسناؤه: جمع سَنًا، وهو ضوءه. وطَحَر عنه القَرِدَ أي نحّاه. والطَّحْر: الدَّفْع. ويقال: سَهْمٌ مِطْحَر، إذا كان شديد الدَّفْعة يعني المذهب؛ وأنشد لطَرَفة بنِ العبد:
طحُورانِ عُوّارَ القَذَى فتراهما ... كمكحولَتَىْ مذعورةٍ أُمِّ فَرْقدِ (2)
__________
(1) كان الأولى أن يقول: الأصوات المختلطة. أو يقول: الأزامل، جمع أزمل، وهو الصوت المختلط. وفي اللسان (مادة زمل) أن أزملة القسيَّ رنينها؛ وأنشد هذا البيت.
(2) يصف في هذا البيت عينا نافته، ويشبهما بعينى بقرة خائفة.
(2/41)

حتى إِذا أسلكوهم في قُتائِدةٍ ... شَلًّا كما تَطرُدُ الجَمّالةُ الشُّرُدا
قال أبو سعيد: الجَمّالة أصحاب الِجمال. والضَّفّاطة: التي تَحِمل البَزّ والمتاع. يقال جاءت الضَّفّاطة. والرَّجّانة التي تَحمِل الزِّمْل (1) وهي مثلُها، والزَّوْمَلة: التي تحمِل المَتاع؛ وقال الأخطَل:
وداويّةٍ قَفْرِ كأنّ نَعامَها ... بأرجائها القُصوَى رَواجنُ هُمَّلُ
قال: تسمَّى الرُّفْقة رَجّانة إذا كانت تَحمِل المتاع. والزَّوْملة: الإبل التي تَحمِل المتاع؛ يقال: جاء فلان في زَوْملة إذا جاء في إبل تَحمِل المتاع. وقوله: رواجن هُمَّل، قال: هذه الإِبل تَحمل المتاع وقد جَرِبَتْ وطُلِيتْ بالقَطِران، فكأنّها نعام (2)، وأنْشَدنا أبو سعيد:
* ورجّانة الشام التي نال حاتمُ *
قلت: فالدَّجّانة؟ قال: هي مثلُ الرَّجّانة أيضا. قال: وحاتمٌ هذا، حاتمُ بنُ النُّعمان الباهلي. والجَمّالة: أصحاب الِجمال. والحّمارة: أصحاب الحَمير. والسَّيّافة: أصحاب السيوف. وقوله:
* حتى إذا أسلَكوهمْ في قُتائدة *
قال: قُتائدة، ثَنِيّة، وكلّ ثَنِيّة قُتائدة. وقوله: شَلًّا، قال الأصمعيّ: ليس لها جواب (3).
قال أبو سعيد: وسمعتُ خَلَفا الأحمرَ يُنشِد رَجَزا عن أبي الجودىّ:
__________
(1) الزمل: الحمل بكسر الحاء.
(2) مقتضى لفظ بيت الأخطل تشببه النعام بالدواجن لا تشبيه الدواجن بالنعام كما ذكره الشارح.
(3) ليس لها جواب أي ليس لقوله "إذا" في البيت جواب. وفي خزانة الأدب ج 3 ص 173 إن الجواب محذوف لتفخيم الأمر أي بلغوا أملهم أو أدركوا ما أحبوا أو نحو ذلك. قال: وهذا هو الصواب من أقوال ثلاثة.
(2/42)

لو قد حَداهن أبو الجُودىِّ ... برَجزٍ مُسْحَنْفِر (1) الهُوِيِّ
* مستوِياتٍ كنَوَى البَرْنِىَّ *
فلمَ يجعل لها جوابا. وقد يقال: إنّ قوله: "شَلَّا" جوابٌ، كأنه قال: حتى إذا أسلكوهم شَلّوهم شلا (2).
* * *

وقال يرَثى دُبَيّة (3) السُّلَمّى، وأمّه هُذَليّة (4)
ألا ليت جيشَ (5) العَيْرِ لاقَوْا كَتِيبةً ... ثلاثين منّا صَرْعَ ذاتِ الحَفائلِ
قال أبو سعيد: صرعُها ناحيتها، والصَّرْعان: الناحيتان؛ وصَرْعا النّهار أوّله وآخره؛ ويقال للّيل والنهار: الصَّرْعان، والعَصْران. والمِصْراعان مِن هذا. وبَيْت مصرَّع إذا كانت له قافيتان، مثلُ قوله:
ألا عِمْ صَباحا أيها الطَّلل البالى ... وهل يعِمَنْ من كان في العُصُرِ الخالى
وذات الحَفائل: موضع (6) معروف في شِعر هُذَيل.
فِدًى لبني عَمرٍو وآلِ مؤمِّل ... غداةَ الصّباح فِديةً غيرَ باطلِ
__________
(1) المسحنفر: الماضى السريع.
(2) ورد في الأصل بعد هذا الكلام قوله: "تم الجزء الرابع ويتلوه الخامس".
(3) دبية السلمى هو الذي دل بني ظفر من سليم على أخواله من هذيل يوم أنف عاذ السابق ذكره وأم دبية هذا من بنى جريب بن سعد بن هذيل، وقتل دبية في هذا اليوم مع من قتل من بنى ظفر، وكان جيش بني ظفر وهو جيش الحمار مائتين، وكانت الغارة على بني قرد من هذيل إلى آخر ما ورد في خزانة الأدب ج 3 ص 174 عن هذا اليوم من كلام طويل، فانظره ثم.
(4) ورد في الأصل قبل قوله (وقال يرثى) الخ قوله: الجزء الخامس من أشعار الهذليين عن الأصمعى.
(5) جيش العير، هو جيش الحمار الذي سبق الكلام عليه.
(6) في نسخة أخرى "مكان".
(2/43)

فِدى لبنى عمرو، يقول: إنّما أُحبّ أن أَفديهم فِدْيةً لستُ فيها بمبطل أي ليس فيها باطل.
همُ مَنعوكْم من حُنينٍ ومائه ... وهم أسلَكوكم أَنفَ عاذِ المَطاحِلِ
أسلَكوكمْ: حَمَلوكمْ على أن سلكتموه. عاذ المَطاحل: موضع يقال له عاذ المطاحل، وأَنشَد:
* من حَجَّ من أهل عاذٍ إنَّ لى إِربَا *
الإرْب: الحاجة.
ألا رُبّ داعٍ لا يجاب ومُدّعٍ ... بساحة أَعْواءٍ وناجٍ مُوائلِ
مدّع، يقول: أنا ابن فلان، وأَعْواء: بلد. والْمُوائل: الّذى ... (1) مَنْجًى ويقال: لا وألت نَفْسُك، ويقال: وأَلَ يَئِل.
وآخَرَ عُرْيانٍ تعلَّقَ ثَوْبُه ... بأهداب غُصْن مُدْبِر لم يُقاتِلِ
يريد وآخَر مُدْبرٍ: منهزمٍ فتعلَّقَ ثوبُه بشجرةِ طَلْحْ، فترَكَه وذهب لم يَلتفت إليه لأنه مَرّ وهو هارب فشقّ ثوبَه غصن. قال: والهُدْب: ما ليس له ورقة في وسطها خطّ نحوَ الأَسَل والطَّرفاء والأَثْل وشِبْهه.
ومستلفِجٍ يَبغِى المَلاجئَ نفسَه ... يعوذ بجَنْبَى مَرْخةٍ وجَلائلِ
__________
(1) موضع هذه النقط كلمة ساقطة من الأصل، ولعل صواب العبارة "الذي يطلب منجى".
(2/44)

المستلفِج: اللاّصق بالأرض الّذى لا يستطيع البَراحَ من الهُزال وذهابِ المالِ والضعف. ويقال للرجل إذا احتاج: قد استلفَجَ وقد أَلفَجَ، وألفَجَ البعيرُ إذا ضَعف فضرَبَه مثلًا، أي هذا ضعيف. والجَلائل: (1) الثُّمام، والواحد جلِيلة، وأنشد:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلةً ... بوادٍ وحَوْلى إذخرٌ (2) وجليلُ
تركْنا ابن حَنْواءَ الجَعورِ مجدَّلا ... لَدَى نَفَر رءوسهم كالفَياشلِ
يقول: قد طار الشَّعْر عنها وبقيتْ تبرُق، ولم يفسّر ابن حَنْواء الجعور لأنّه هجاء (3).
فيا لَهْفَتَا على ابنِ أُختِىَ لهفةً ... كما سَقَط المنفوسُ بين القَوابل
النفوس: الذي أمّه نُفَساء؛ وهو الصبيّ؛ يقول: قد قُتِل فطُلَّ كما طُلّ هذا بين القوابل. يقول: هَلَك بيننا ولم نشعرْ كما هلكَ المولودُ بين القوابل وهنّ لا يَشعرن.
تَعاورتُما ثوبَ العُقوق كِلاكما ... أبٌ غيرُ بَرٍّ وابنُمٌ غيرُ واصِلِ
يعنِي قاتلَ دُبَيّةَ ودُبَيَّة أتَيَا عُقوقا (4).
__________
(1) الثمام: نبات ضعيف وتخشى به خصائص البيوت.
(2) الإذخر: حشيش طيب الريح أطول من الثيل. قال أبو حنيفة الإذخر له أصل مندفن دقاق ذفر الريح، وله ثمرة كأنها مكاسح القصب إلا أنها أرق وأصغر، ويطحن فيدخل في الطيب، وهي تنبت في الحزون والسهول، وقلما تنبت الإذخرة منفردة. قال: وإذا جف الإذخر ابيض الخ ملخصا. والبيت لبلال.
(3) الحنواء: الحدباء. والجعور بفتح الجيم: الكثيرة الجعر؛ والجعر: ما يبس من العذرة.
(4) كذا ورد هذا التفسير في الأصل. وهو غير ظاهر. وكان الأولى كما يظهر لنا أن يقول "يعنى أبا دبية ودبية أتيا عقوقا" كما يقتضيه لفظ البيت، وذلك لأنهما حاربا بني هذيل مع صلتهما بهذه القبيلة أما قاتل دبية فهو من أخواله لا من آبائه.
(2/45)

فما لكم والفَرْطُ (1) لا تَقْرَبونه ... وقد خِلْتُه أَدنى مآبٍ لقافلِ
فما لكم والفَرْط لا تَقْربونه، يقول: أجليتكم عن بلادكم بهزائمَ. قال أبو سعيد: ودُبَيّة قُتِل في الجاهليّة، ولم يقتله خالد بن الوليد -رضي الله تعالى عنه - قال: "وكانت العُزَّى شجرةً لها شُعبتان فقطعها خالد بن الوليد، وقال خالد للعُزَّى.
كُفرانَكِ اليومَ ولا سبحانَكِ ... الحمد لله الّذى أهانك" (2)
والقافل: الراجع إلى أهله.
فعَيْنى ألا فابكى دُبَيّة إنه ... وَصولٌ لأرحامٍ ومِعْطاءُ سائلِ
فقَلْصِى وَنْزلِى (3) ما وَجدتمْ حَفيلَه ... وشَرِّى لكم ما عشتمُ ذو دَغاوِلِ
يقال: حَفَل عَقْله إذا اجتَمعَ، وكذا يقال للوادى إذا كثر ماؤه، وحَفَلَ المجلسُ إذا كثر أهله. وحَفَلت الناقةُ إذا اجتمع لبنها؛ ويقال للرّجل إذا عمل عملا اجتَهَد فيه: احتَفَل، واحتفال الشيء: شِدّته واجتماعه. قَلْصِى: انقباضى عنكم. ونَزْلَىْ (4): استرسالى لكم. وقوله: ذو دَغاوِل أي ذو غائلة. ولا ندرى واحدةَ دَغاوِل، ولكنّا نَرَى أنّها دَغْوَلة.
__________
(1) يلاحظ أن الشارح لم يفسر الفرط وهو طريق بتهامة قاله ياقوت وأنشد هذا البيت.
(2) ذكرت هذه العبارة هنا لأن المرثى كان صاحب العزّى ومن سدنتها انظر الأغانى ج 21.
(3) في الأصل: "وبزلى"؛ بالباء. والتصويب عن اللسان (مادة قلص) وروى فيه "قد وجدتم".
(4) قال في السان بعد ذكر ما ورد هنا في تفسير القلص والنزل: يقال للناقة إذا غارت وارتفع لبنها قد أقلصت، وإذا نزل لبنها قد أنزلت؛ وحفيله: كثرة لبنه (اه).
(2/46)

وقد بات فِيكم لا يَنام مهجِّدا ... يُثبِّت في خالاته بالجَعائلِ
يقول: حين دلهّمْ على هُذَيل قال: ما تجعلون لى وتُعْطوننى، يقول: دَلّ على خالاته، يُثبِّت فيه (1) الجَعالة، وكانت أمّه من هذيل وأبوه من بني سُلَيم، فدَلَّ على خالاته وهو يثبِّت الجَعالة عليهم ليُعْطوه ما وعدوه إذا ظفِروا بهم. يقول: اقتلوهم وأعطونى جَعائل. قال: وواحدة الجَعائل جَعِيلة.
فوالله لو أدركتُه لمنعتُه ... وإن كان لم يَتركْ مقالا لقائل
فوالله لو أدركتُه، يقول: لو أدكتُه لم يُقتَل لمنعتُه وإن كان قد استوجب القتل. قال أبو سعيد -ولم يَشهدْه لمّا قُتِل-:
وما القومُ إلا سبعةٌ وثلاثةٌ ... يخوتون أولَى القوم خَوْتَ الأَجادِلِ
يَخُوتون، يقول: ينقضّون انقضاض الصّقور، أي يمَشقونهم (2) مَشْقَ الصُّقور.
وما القومُ إلّا سبعة وثلاثة، قال: يقول هؤلاء الّذين امتنعوا هذا عدَدُهم، يريد
بذلك مدحَهم؛ يخوتون: ينقضّون. وخوّات إنّما سُمّى بهذا، وأنشد أبو سعيد:
فخاتت غزالا جاثمًا بَصُرتْ به ... لَدَى سَمُراتٍ عند أَدْماءَ سارِبِ (3)
__________
(1) صوابه فيهن، أي في خالاته.
(2) يمشقونهم، أي يطعنونهم. والمشق: الطعن الخفيف السريع.
(3) البيت لصخر الغيّ. وخاتت غزالا أي انقضت عليه واختطفته، يصف عقابا، وأدماء سارب: أي تسرب في الأرض، يريد أم هذا الغزال.
(2/47)

وقال يردّ على المعترض بن حَنْواءَ الظَّفَرىّ
ألا أبلغ بنى ظَفَرٍ رسولا ... ورَيْبُ الدهر يَحدُث كلَّ حينِ
يريد ما يَريبك من الدهر يجئ في كلّ زمان من الزمن.
أحقًّا أنّكم لمّا قَتلتمْ ... نَداماىَ الكرامَ هجوتمونى
فإِنّ لدى التَّناضِب من عُوَيْر ... أبا عمرٍو يَخِرّ على الجبين
التناضب: واحدته تَنْضبة (1). وعُوَير: مكان.
وإنّ بعُقْدة الأنصاب منكم ... غلاما خَرّ في عَلَقِ شَنِين
عُقْدة الأنصاب: موضع. والشَّنين: الّذى يتشنّن، أي يتصبّب. ويقال: شَنَّ على رأسه قِربةً من ماء.
ورَدْناه بأسيافٍ حِدادٍ ... خَرجن قبُيلَ من عند القُيونِ
قوله: من عند القُيون أي حديث عهدهن بالشَّحذ والصِّقال (2).
تركناه يَخِرّ على يديه ... يَمُجّ عليهما عَلق الوَتينِ
فما أَغنَى صِياحُ الحيِّ عنه ... ووَلوَلةُ النّساء مع الرَّنينِ
وإِنّا قد قَتَلنا من علمتمْ ... ولستم بعدُ في قُفٍّ حَصينِ
__________
(1) ذكر ياقوت التناضب بكسر الضاد وقال: كذا وجدته بخط ابن أخي الشافعي؛ ثم قال: وغيره بضمها.
(2) يلاحظ أن الذي يفيد هذا المعنى الذي ذكره الشارح هو قوله "قبيل" لا قوله: "من عند القبون". فكان الأولى أن يقول: "قوله قبيل من عند" الخ.
(2/48)

يقول: قتلنا من علمتم ولستم في مَنَعة بعد أن فعلْنا بكم ما فعلْنا؛ نحن سنعود عليكم، أي ليس يمنعنا منكم شيء. والقُفّ: المكان الغليظ. يقول: أنتم في مكان ليس بالحصين ولا المنيع. وقُفّ وقِفاف. قال: والقِفاف يُمتَنع فيها لغِلَظها.
يقول: وقد قتلْنا منم رجالا قد علمتموهم أنتم.
* * *

وقال أيضًا
ولقد أتاكم ما تَصُوبُ سيوُفنا ... بعد الهَوادة كلَّ أحمرَ صِمْصِمِ
قال أبو سعيد: صوْبُها ها هنا هو قصدُها لعدوّها. بعد الهوادة يعني بعد الدَّعة (1) التي بيننا وبينكم. والهَوادة: اللِّين والدَّعة. والصِّمْصِم: الغليظ، أي أنتم حُمْر (2). يقول: فسيوفنا تقصد قصدَ كلِّ أحمَر صمْصِم.
حَصَّ الجَدائرُ رأسَه فتركنَه ... قَرعَ القَذالِ كبيْضةِ المستلئِم
الجَدائر: جمع جَديرة، وهي زَرْبُ الغنم، وهو صغير الباب. فيقول: أنتم أصحاب شاءٍ فتدخلون في الزَّرْب الصغير فيصيب رءوسكَم، فينحصّ شَعرها. والقَذال: ما عن يمين القَمَحْدُوَة (3) وشمالِها، وهما قَذالان. والمستلئم: الّذى قد لبس لَأْمَتَه، والَّلأْمة: السلاح. والجَديرة: زَرْب الغَنَم.
لولا تُفلَّقُ بالِحجارة رأسُه ... بعد السيوف أتاكُم لم يُكلَم
__________
(1) في الأصل: "الديمة"؛ وهو تحريف.
(2) حمر: لا سلاح معهم.
(3) القمحدوة: الهنة الناشزة فوق القفا، وهي بين الذؤابة والقفا منحدرة عن الهامة، إذا استلقى الرجل أصابت الأرض من رأسه.
(2/49)

يقول: هذا الّذى حَصَّ الجَدائُر رأسَه لولا أنّ رأسه يُشدَخ بالحجارة قلّ عملُ السيوف فيه من شدّته وغِلَظه وهُجونته. وإنّما يصفهم بالكِدْنة والهُجُونة.
وأنا الّذى بَيَّتُّكمْ في فِتيةٍ ... بمَحَلّةٍ شَكِسٍ وليلٍ مظلِم
أغارَ عليهم ليلا، يقول: أغرتُ عليكم ليلا وأنتم في مكان غليظ بليل مظلم ومَحَلّة عسِرة شديدة ليست بسهلة ولا ليّنة.
كانت على حَيّان (1) أوّلُ صَوْلةٍ ... منّى فأَخضبُ صفحتَيه بالدَّمِ
حيّان: اسم رجل منهم. والصفحتان: الجَنْبان.
ثم انصرفتُ إلى بنيه حولَه ... بالسيف عَدْوةَ شابكٍ مستلحِم
هذا أَسَد. ومستلحِم: آكلِ اللَّحم. والشابك: الّذى قد اشتَبكتْ أنيابُه.
أُنحِى صَبيَّ السَّيف (2) وَسْطَ بيوتِهمْ ... شَقَّ المعيِّث في أَديم الملْطَم
أُنحِى: أعتمد، وبعض الناس ينشد: "أَنحَى صبيَّ السيف" أي حَرَّفه. والمعيِّث: الذي يَعيث ويُفسِد. وأنشدنا "فعَيَّث في الكنانة (3) يَرجِع". والمِلطَم (4): أديمٌ يقابَلُ به آخَرُ فذاك لَطْمُه، وهو مِثلُ قول الجَعديّ:
لُطِمن بُترسٍ شديدِ الصِّفا ... قِ من خَشَب الجَوْزِ لم يُثْقَب (5)
__________
(1) كذا ورد هذا الاسم في الأصل.
(2) صبي اليف: حدّه.
(3) هذا بعض عجز بيت لأبي ذؤيب حمارا وصائده؛ وهو:
فبدا له أقراب هذا رائغا ... عجلا فعيّث. . . . . . . . الخ
ويلاحظ أن التعييث في بيت أبي ذؤيب معناه إمالة الصائد يده في الكنانة ليأخذ سهما, وليس معناه الإفساد كما هنا.
(4) في القاموس أن الملطم أديم يفرش تحت العيبة لئلا يصيبها التراب.
(5) يصف حصانا؛ وقبله:
كأن مقطّ شراسيفه ... إلى طرف القنب فالمنقب
لطمن الخ.
(2/50)

شعر صَخْر الغَيّ
وقال صَخْر الغَىّ بن عبد الله يَرثى أخاه أبا عمرو بن عبد الله، نهشتْه حيّة فمات (1):
لعَمرُ أبي عَمرٍو لقد سافَه المَنا ... إلى جَدَثٍ يُوزَى له بالأَهاضِبِ
قال أبو سعيد: المَنا: المقدار، يقال: مَناك الله بأفعىَ يمَنِيها لكَ مَنْيا أي قدّرها لك.
يُوزَى له، يُشخَص له ويُرفع (2) له في موضع مرتفِع. والأَهاضب: جمع هَضِيب (3).
والهضَبات: جمعُ هَضْبة، وهي رءوس الجبال، وإنما يتعجب من صنعتِه. يقول: لم يَنزِل به إلى الأرض.
لِحَيّةِ جُحْرٍ (4) في وِجارٍ مقيمةٍ ... تَنمَّى بها سَوق المَنَا والجَوالب
"يريد وسَوْقَ المَنَا والجَوالب" (5)، والمَنَا: القَدَر. وكلّ جُجْر يسكن فيه حَنَش من أحناش الأرض فهو وجار. يقول: ساقه إلى هذه الحيّة فَتَنمَّى بتلك الحيّة إليه.
__________
(1) ورد في أوّل هذا الشعر من شرح أشعار الهذليين للسكرى ص 6 طبع أوربا ما نصه: قال صخر الغي بن عبد الله الخثمى أحد بنى عمرو بن الحارث يرثى أخاه أبا عمرو ونهشته حيَّة فمات، وقد رويت لأبي ذؤيب. ويقال: إنها لأخي صخر الغي يرثى بها أخاه صخرا، ومن يرو يها لأخى صخر الغى أكثر اه.
(2) عبارة السكرى: يستوى له ويصلح.
(3) كذا في الأصل. والذى في اللسان (مادة هضب) أن أهاضيب جمع أهضوبة. قال: وهي مثل الهضب بفتح الهاء وسكون الضاد جمع هضبة.
وذكر السكرى في تفسير هذه الكلمة ما نصه: وقوله بالأهاضب يقال للجبل المفترش بالأرض ليس بالطويل هضبة. وهضبات وهضاب وأهاضب وأهاضيب للجمع اه.
(4) في رواية "لحبة قفر".
(5) كذا وردت هذه العبارة التي بين هاتين العلامتين في الأصل. ولعل الصواب فيها يريد وسق الجوالب بإسقاط كلمة "المنا" أي سوق المنا وسوق الجوالب.
(2/51)

حتى أَتَتْه (1) سَوقُ المَناَ، أي القَدَر. والجَوالب: ما يَجلِب الدهرُ. والوِجار: حُجر الحيّة والضَّبعُ.
أخي لا أخَا لي بعدَه سبقتْ به ... منيّتُه جَمْعَ الرُّقَى والطَّبائب (2)
يقول: سَبقتْ به منيّته ما جَمَع من الرُّقى. والطَّبائب وهم الأطبّاء، ويكون الطبائب جمعَ طبيبة، وهي امرأة، قال: رد الطَّبيبات (3) إلى الطَّبائب.
فعينىّ لا يَبقَى على الدهر فادِرٌ ... بتَيْهورةٍ تحت الطِّخافِ العَصائبِ
يريد فيا عينىّ لا يَبقَى على الدهر فادِر، والفادر: المسنّ من الأوعال، والتَّيْهورة: الهُوِيُّ في الجبلى والرمل. والطَّخاف والطِّخاف والطُّخاف (4) واحد، وهو الرقيق من السحاب. والعصائب من السحاب: الشقائق. يقول: كان الغيْمُ بتكاثره على الجبل مثلَ العصائب (5)، وهي الشقائق من السحاب.
تَمَلَّى بها طُولَ الحياة فقَرْنهُ ... له حِيَدٌ أَشرافها كالرَّواجبِ
تَملَّى بها أي تمتَّع بها طولَ الحياة والِحيَد: حروفُ شَواخص؛ لأنه طالَ عمره بها فقَرْنُه له حِيَد. قال: وإذا كان له سنة صار في قرْنه حَرْف.
__________
(1) في شرح السكرى في تفسير قوله "تنمى بها". الخ يقول: ارتفع بهذه الحية المنا إلى الجبل.
(2) في رواية:
أخ قد تولى لا أخا لي بعده ... سبقت به. . . . . . . . الخ
(3) كذا وردت هذه العبارة في الأصل.
(4) يستفاد من هذه العبارة تثليث الطاء.
والذي وجدناه في كتب اللغة الطخاف بفتح الطاء وكسرها، والطخف أيضًا؛ ولم نجد الطخاف بضم الطاء فيما راجعناه من الكتب.
(5) قال السكرى: أي هو في موضع مخصب قد أصابه المطر.
(2/52)

والرّواجب بعض الناس يقول: هي السُّلَامَيات (1)، وبعضهم يقول: هي ظهور المفاصل.
يَبيتُ إِذا ما آنَسَ اللّيلَ كانِسًا ... مَبِيتَ الغَريبِ ذى الكساء المُحارِبِ
هذا مَثَل؛ يقول: يبيت ناحيةً كما ينَتحِي ذو الكساء المحارِبُ لأهله وولده الذين قد غاضَبَهم، فهو يبيت ناحيةً. يقول: مَبيتَ غريب قد غاضب أهلَه فذهب عنهم. قال أبو سعيد: والوَعِل لا يبيت أبدا إلَّا منفردا.
مَبيتَ الكبير يَشتَكي غيرَ مُعتَبٍ ... شَفيفَ عُقوقٍ من بَنيه الأقارب
الشَّفيف: الأذى. يقول: هو كبير اْشتَكَى من أهله عقوقا فتنحَّى عنهم وذهب؛ ويقال: أجد شَفيفا في أسناني إذا وَجَد فيها أَذىً ووَجَعا. غيرَ مُعتَب يقول: لا يُعتِبونه إن اْستَعْتبَهَم.
بها كان طِفْلا ثم أَسْدَسَ فاستَوَى ... فأصبحَ لِهْمًا في لهُومٍ قَراهِبِ
اللِّهْم: المُسِنّ. والقَراهِب: المسَانّ. أسْدَس وقع سَديسُه (2).
يروعَّ من صوت الغرابِ فينتحِي ... مَسامَ الصُّخورِ فهو أهرَبُ هارِبِ
__________
(1) السلاميات قيل هي الأنامل، وقيل: ما بين كل مفصلين من أصابع الإنسان؛ وقيل: هي عظام الأصابع، الواحدة سلامى كحبارى.
(2) السديس: السنّ التي تلي الرباعية. قاله السكرى في شرح أشعار الهذليين ص 9 طبع أوربا. والذي في الأصل: "وقع في سديسه" وقوله: "في" زيادة من الناسخ. وما أثبتناه عن شرح السكريّ.
(2/53)

يقول: يروَّع من كلّ شيء يسمعه، يريد أنه يَفزَع من كلّ شيء. والمَسامُ: المَسَرح، يقال: سامَ يَسوم سَوْما ومَساما؛ يقول: يكون مَسَرحُه الصُّخور. يَنتحِي: يَعتمِد. يريد أنه مفزَّع هارب يَسرَح في الصّخور فهو هارب.
أُتِيحَ له يوما وقد طال عمرُه ... جريمةُ شيخ قد تَحنَّبَ ساغِب
أُتِيحَ له: عَرَض له ومُنِىَ له. وجَريمة القوم: كاسِبُهم؛ ويقال: فلان جَريمةُ بني فلان، أي كاسِبُهم. وتَحنَّبَ: اِحْدَوْدَب. والساغب: الجائع.
يُحامِى عليه في الشّتاء إذا شَتَا ... وفي الصيف يبغيه الجَنَى كالمنُاحِبِ
المُناحِب: المجاهِد. وأصلُه الخَطَر، يعني كالّذى يبالِغ في الأمر. قال أبو عمرو ابن العلاء: سار رجل سَيْرا شديدا في الجاهليّة، فقيل لابنه ابنُ منحِّب. ويقال: تَناحبَ القومُ أي تَناذَروا. والمُناحِب: المجاهِد (1)، قال جرير: "جَرَيْنَ على نَحْب" (2). قال بعض الناس على "جَهْد". وقال بعض الناس: على نَذْر نَذَروه في أنفسهم. قال: والجَنَى الكَمْأة وما يُجتَنَى من الأرض. ويقال: نَحَب في السّير أي جَهَد ويكون النَّحْب الخَطَر. تَناحَبوا: تَخاطَروا.
فلمّا رآه قال لِله مَن رأى ... من العُصْمِ شاةً مِثْلَ ذا بالعَواقبِ
بالعَواقب أي بآخِر الزمن. يقول: من رأى مِثلَ هذا في هذا الوقت! ويقال: وذلك بعاقبة، أي بآخِر الأمر؛ وأنشد أبو سعيد لأبي ذؤيب:
__________
(1) في الأصل: "المناحب" مكان قوله: "المجاهد"؛ وهو تحريف.
(2) هذا بعض بيت، وهو:
بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا ... عشية بسطام جرين على نحب
(2/54)

نهيتُكَ عن طِلابِكَ أمِّ عَمْرٍو ... بعاقبةٍ وأنتَ إذ صحيحُ
أَطافَ به حتّى رماه وقد دنا ... بأسمرَ مفتوقٍ من النَّبْلِ صائب
المفتوق: العريض النَّصْل. وصائب: قاصد.
فنادَى أخاه ثم طار بشَفْرة ... إِليه اجتزار الفَعْفَعىِّ المُناهِبِ (1)
الفَعْفَعىّ: الخفيف (2). يقول: حين رماه نادى أخاه يعني صاحِبه، ثم ظهر (3) يَجْتزِر.
وللهِ فَتْخَاءُ الجَناحين لِقْوَةٌ ... تُوسِّد فَرْخَيْها لحُومَ الأرانبِ
فَتْخَاءُ الجناحين أي ليّنة مَفصِل الجناح، يقال: فَتِخَتْ يدُه تَفْتَخ فَتَخا، يعني أنه إذا مدّها تجس (4). واللِّقْوة: المتلقِّفة إذا أرادت شيئا تلقَّفتْه.
كأنّ قلوبَ الطير في جَوفِ وَكْرِهَا (5) ... نَوَى القَسْبِ يُلقَى عند بعض المَآدب
قال: المأدَبة والمأدُبة واحد، وهي الدَّعوة، ونَواةُ القَسْبة أصلَبُ مِن غيرها وإنّما يريد كثرتَها.
__________
(1) المناهب: المبادر كأنه قد أخذ نهبا، قاله في شرح أشعار الهذليين ص 11 طبع أوربا.
ورواه في اللسان (مادة فعفع) "ثم قام بشفرة". وفي شرح أشعار الهذليين للسكرى ص 11 طبع أوروبا أنه يروى "إحتزاز" والمعنى عليه يستقيم أيضاً.
(2) ورد في اللسان (مادة فعفع) أن الفعفعانى هو الجزار، هذلية، وأنشد هذا البيت.
(3) لعل صوابه "طار" مكان "ظهر" كما هو لفظ البيت.
(4) كذا وردت هذه الكلمة في الأصل فلعل الصواب فيها: "لم تجس" أي لم تصلب ولم تيبس يقال جسا يجسو إذا صلب ويبس، واذن فقوله: "لم" قد سقط من الناسخ.
(5) في رواية "كأنّ قلوب الطير عند مبيتها". والقسب: التمر اليابس يتفتت في الفم.
(2/55)

فخاتَتْ غزالا جاثِما بَصُرتْ به ... لَدَى سَمُراتٍ عند أَدْماءَ سارب
خاتت: انقضّت عليه عند ظبيةٍ أَدْماء. سارب: تَسُرب في الأرض.
وسَمُرات: شَجَرات، والواحدة سَمُرة، وهي أمُّ غَيْلان.
فمرّت على رَيْدٍ فأَعْنَتَ بعضَها ... فَخرّت على الرِّجلين أخيَبَ خائب
الرَّيْد: الشِّمْراخ من الجبل انقضّت عليه. أَعنَتَ أي أَهْلَك. ويقال عَنِتَتْ رِجلُه ويدُه تَعْنَت: تَلِفتْ، فأَعنتَ بعضَها أي فأتلَفَ بعضَها، أي جناحَها.
تصيح وقد بان الجَناحُ كأنّه ... إِذا نَهضتْ في الجوّ مِخراقُ لاعِبِ
تصيح، يقول: تُصرصِر العُقاب لانكسار جَناحِها تسمع لها صَرصَرة.
وقد تُرِكَ الفَرْخان في جَوْفِ وَكْرِها (1) ... ببَلدةِ لا مَوْلًى ولا عند كاسِب
ببَلْدةِ لا مَوْلًى أي لا ولىَّ عليهما يقوم بأمرهما.
فُرَيْخان يَنْضاعان في الفَجْر كلَّما ... أَحَسَّا دَوِىَّ الرِّيحِ أو صوتَ ناعِبِ
يَنْضاعان، أي يتحرّكان كلَّما طلع الفجر. ومنه يقال: تَضوَّع المِسكُ أي تحرّك؛ ويقال: ضاعنى ذلك الأمر أي حرّكنى، ويقال ضاع الفرخَ صوتُ أبيه أي حركّه، ومن ذلك قول الشاعر:
تَضوَّعَ مِسكًا بَطُنَ نَعمانَ أن مشتْ ... به زينبٌ في نِسوةٍ عَطِرات
__________
(1) في رواية:
* وفرخين لم يستغنيا تركتهما * ببلدة الخ.
(2/56)

فَلم يَرَها الفَرْخانِ عند مَسائها ... ولَم يَهْدآ فى عُشِّها من تَجاوُبِ
عُشّها: وَكْرُها. من تَجاوُب، من صِياح.
فذلك ممّا يحدِث (1) الدهر إِنه ... له كلُّ مطلوبٍ حَثيثٍ وطالِبِ
يقول: للدّهر كلُّ مطلوب وطالب. يقول: قد ذهب بهما، يأتى عليهما الموتُ.

وقال صَخْر
وكان قَتَل جارا لبنى خُناعةَ من بنى سعد بنِ هُذَيل من بنى الرَّمْداء من مُزَيْنة فحرَّض أبو المثلَّم قومَه على صخرٍ ليَطلبوا بدمِ المُزَنىّ، فبلغ ذلك صَخْرا، فقال في ذلك (2):
إِنِّى بدَهْماءَ عَزَّ ما أَجِدُ ... عاوَدَنى من حِبابِها زُؤُدُ
قال أبو سعيد: قولُه عَزَّ ما أجد، أي شَدّ ما أجد، يقال للرجل: تفعل ذلك فيقول: عَزَّ ما وشَدَّ ما؛ قال: وأنشد أبو عمرو بن العلاء:
أُجُدٌ (3) إذا ضَمُرَتْ تَعزَّزَ لحُمها ... وإذا تُشدّ بنِسْعِها لا تَنْبسُ
والحِباب والحُبّ واحد، وليس بجَمْع. والزُّؤُد: الذُّعْر.
__________
(1) فى رواية: "مما أحدث". وفى رواية "حكيم" مكان "حثيث".
(2) كذا ورد هذا الكلام في الأصل. وفى شرح أشعار الهذليين للسكرى صفحة 12 طبع أوربا مقدمة لهذه القصيدة ما نصه: حدّثنا أحمد بن محمد قال: حدثنا أبو سعيد السكرى قال: عمد صخر إلى جار لبنى خناعة ابن سعد بن هذيل ثم لبنى الرمداء من بنى خناعة فقتله، وهو رجل من مزينة، وكان المزنى جاور آل أبى المثلم فحرض أبو المثلم قومه عليه، وأمرهم أن يطلبوا بدمه، فبلغ ذلك صخرا، فقال يذكر أبا المثلم اه ولا يخفى ما بين العبارتين من الاختلاف وما فى عبارة الأصل من قصور مخلّ بالمعنى.
(3) الأجد من النياق: القوية الموثقة الخلق والبيت للمتلمّس.
(2/57)

عاوَدَنى حبُّها وقد شَحَطتْ ... صَرْفُ نَواها فإِنّنى كَمِدُ
النوى: النيّة. وشَحطتْ: بَعُدتْ. فإنّنى كمِد، أي أنا أكمَدُ لذلك.
والله لو أَسمعتْ مقالتهَا ... شَيخا من الزُّبّ رأسُه لَبِدُ
من الزُّبّ، أي كثير الشَّعْر لا يَدَّهِن، فرأسه لَبِد.
مآبُه الرُّومُ أو تَنوخُ أو ال ... آطامُ من صَوَّرانَ أو زَبَدُ
مآبُه الرُّومُ أي مَنزِله حيث ينَزِل بالرُّوم أو تَنوخَ، وهو حاضُر حَلَب. وصَوَّران (1): دون دابِق. وزَبَد قيل حِمْص (2).
لفَاتَحَ البَيْعَ عند رؤيتها ... وكان قبلُ ابتياعهُ لَكِدُ
لفَاتَحَ البَيْعَ، هذا مَثَل، يقول: لأَنفَقَ (3) بيعَه وسَهّل شأنَه وكاشَفَ بَيْعَه. قال: وليس بالبيع والشراء (4). واللَّكِد: اللَّحِز الّذى ليس بسهل؛ ويقال: لَكِد شَعرُه من الوسخ ولَكِد الوسخُ على بدنه، ولَكِدٌ ومُلاكِد، وأنشدنا أبو سعيد "ولا (5) يزال على بدنه
__________
(1) قيل أيضاً إن صوّران كورة بحمص.
(2) ذكر ياقوت فى زبد عدّة أقوال فقيل:
انهما جبلان باليمن، وقيل قرية بقنسرين لبنى أسد؛ وقيل انها في غربى مدينة السلام. ولم يرد فيه قول بأن زبد هي حمص.
(3) أنفق بيعه: روّجه ويسّره.
(4) في شرح السكرى أن البيع في هذا البيت بمعنى الانبساط؛ أخذه من الباع. وورد هذا القول أيضاً في اللسان "مادة بوع" فقد ورد في ما نصه. وقيل البيع والانبياع الانبساط؛ وفاتح أي كاشف يصف امرأة حسناء يقول: لو تعرضت لراهب تلبد شعره لانبسط إليها الخ. كما فسر قبل ذلك البيع والابتياع في هذا البيت بمعنى المسامحة فى البيع.
(5) كذا ورد هذا الكلام الذي بين هاتين العلامتين في الأصل. وواضح ما فيه من اختلال الوزن والنقص. ولم نقف على تصحيح ما فيه من الخطأ فيما راجعناه من المظان.
(2/58)

ملاكد" ويقال تلَكَّد التمرُ على الوَتدِ من الجُلّة، وأخذ فلان ابنَه فتلكَّده إذا احتضنه وتورَّكه.
أَبلِغْ كبيرا (1) عني مغلغَلةً ... تَبرُق فيها صحائفُ جُدُدُ
مغلغَلة، أي رسالةً. تَبرُق، أي أمرٌ بيّن واضح.
الموعدينا في أن تقتِّلَهم ... أفناءُ فَهمٍ وبيننا بُعَدُ (2)
قال: يقول بينهم بُعَد من الأرض فتقتِّلَهم أفناء فهم، ويوعدوننا نحن أي لا يصلون إلينا حتى يُقتَلوا.
إنِّي سيَنهَى عنّي وَعيدَهمُ ... بِيضٌ رِهابٌ ومُجْنأُ أُجُدُ
بِيض رِهاب، أي سهام مرهَفة رقاق. ويقال للبعير إذا رقّ وهَزُل: رَهْب، ومُجنْأ: تُرْس مُجْنأ، لأنّه محدودب. أُجُد: شديد صُلب، وأنشد أبو سعيد للفرزدق في الأَسَد:
ليثٌ كأنّ على يديه رحالةً ... شَثْنُ البَراثن مُوجَدُ الأظفارِ
يريد شديدَها موثَّقَها، قال أبو سعيد: وأنشدنا أبو عمرو بنُ العلاء:
أُجُدٌ إذا ضمرتْ تَعزَّزَ لحُمها ... وإذا تُشَدّ بنِسْعِها لا تَنْبِس
أي لا تَرْغُو.
__________
(1) كبير: حيّ من هذيل.
(2) البعد بضم ففتح جمع بعدة بضم فسكون، وهي الأرض البعيدة. وأفناء فهم: أخلاط منهم. وروى بعد بفتح أوله وثانيه، جمع باعد كخادم وخدم.
(2/59)

وصارِمٌ أُخلِصتْ خَشيبتُه ... أبيضُ مَهوٌ في مَتنِه رُبَدُ
وصارمٌ أُخلِصتْ خشيبته؛ أي أخلِصَ طبعُه. مَهوٌ: رقيق قد أمْهِىَ، فِرِندُه يربدّ، ويقال: هذا شرابٌ مَهْو: إذا كان رقيقا. ورُبَد: لُمَع مخالِفة لسائر لونه إلي السواد، وهي من الرُّبْدة. وفي الحديث: "لا تُخاصِم فيربَدَّ قلبُك" أي يسودّ وهذا ممّا يكون في السيف من الفِرِنْد.
فَلَيتُ عنه سيوفَ أريَحَ حتّى ... باء بكفّى ولم أَكَدْ أَجدُ
فَلَوْت وفَلَيْت واحد. وأَرْيَحَ: قرية بالشام يقال لها أَرِيحاء، وقولهُ: باء بكَفّى أي صار، يقول: رجع ولم أكد أَجِدُه (1). وفَلَوْت: بحثتُ. قال أبو سعيد: وسمعتُ بعضَهم يُنشِد باءَ كفِّى فحذفوا الباء، وبعضهمِ يُنشِد: باءَ بكَفِّى:
فهوَ حُسامٌ تُتِرُّ ضربتُه سا ... قَ المُذَكِّى فعَظْمُها قِصَدُ
تُتِرّ: تَقطَع وتُنْدِر يقال: ضرَبَه فأترَّ ساقَه. والمذكِّى: المسِنّ. قِصَد: كِسَر، واحدتها قِصْدة. والحُسام: القاطع من السيوف.
وسَمْحةٌ من قِسمِىِّ زارةَ صَفرا ... ءُ هَتوفٌ عِدادُها غَرِدُ
سَمْحة: سهلة. وزارة: من أَسْدِ السَّراة. وعدادُها صوتُها. وغَرد: بعيد الصوت.
كأنّ إرنانَها إذا رُدِمتْ ... هَزْمُ بُغماةٍ في إثرِ ما فَقَدوا
__________
(1) قال الجمحى: لم أكد أجد، أي لم أكد أجد له نظيرا أي للسيف (شرح السكرى).
(2/60)

إرنانُها: صوتها. إذا رُدِمت: إذا أُنْبِض (1) فيها. هَزْمُ بُغاة في إثرِ شيء فقدوه فهم يطلبونه (2).
ذلك بَزِّى فلن أُفِّرطه ... أخافُ أن يُنجِزوا الّذي وَعَدوا
بَزِّى: سلاحي. فلن أفرِّطه، أي فلن أَدَعَه.
فلستُ عبدًا لمُوعِدِىَّ ولا ... أَقبَلُ ضَيمْا يأتى به أَحَدُ
قال أبو العباس: إنّما هو لمُوعِدِىَّ ولم يَستجِد لمُوعِدِين.
جاءت كَبيرٌ كَيْما أخفِّرَها (3) ... والقومُ صِيدٌ كأنّما رَمِدوا
الصَّيَد: داء. يأخذ الإبل فى رءوسها فَترفَعُ رءوسَها وتسمو بها، فإذا كان ذلك في الرّجل كان من كِبْر وطَماحة.
في المُزَنىِّ الّذى حَشَشْتُ (4) به ... مالَ ضَريكٍ تِلادُه نَكِدُ
__________
(1) في شرح أشعار الهذليين ص 16 طبع أوربا في تفسير قوله، "ردمت"، ما نصه: قوله "ردمت" وذلك أن ينزع في الوتر ثم يتركه فيردم الكف أي يصيبه، ومن ذلك ردمت الباب أي ردم الكف كما يردم الباب. وفي كتب اللغة ردمت أي صوّتت -مبنيا للمجهول- بالإنباض.
(2) في شرح أشعار الهذليين ص 16 طبع أوربا نقلا عن الأصمعي في تفسير قوله: "هزم بغاة". ما نصه: يكون القوم يبغون شيئا بالأرض القفر، فإذا كلم بعضهم بعضا همس إليه بشيء من الكم، فشبه صوت القوس بذلك. والهزم: الصوت.
(3) أخفّرها: أمنعها. السكرى.
(4) يقال: "حششت مالى بمال فلان" أي قوّيته به وزدته عليه.
(2/61)

جاءت كبيرٌ في أمر هذا المزنيِّ الّذي أخذتُ منه ما لَه فقوّيتُ به مالى.
والضريك: المحتاج الضرير، يعني الرجلَ صاحبَ المال ضريرٌ غَدَرَ به فأَخذَ إبلهَ فزادها على إبله. وقوله: تِلادُه نَكِد، يقول: لا تناسَلُ ولا تَنْمِى.
تَيْسُ تُيوسٍ إِذا ينُاطِحُهما ... يألَمُ قَرْنا أَرُومُه نَقِدُ
أَرومُه: أصلُه. ونَقِد: مؤتكِل، وإنّما هجاه فقال: قَرْنُه ضعيف.

وقال يرثى ابنه تلِيدا
أَرِقتُ فبِتُّ لم أذق المَناما ... وليلِى لا أُحسّن له انصراما
الأَرَق: أن يَسهَر ولا ينام. انصراما أي ذَهابا.
لعَمْرُكَ والمنَايا غالباتٌ ... وما تُغنِي التَّميماتُ الحِماما
التَّميمات: العُوَذ. والِحمام: المقدار.
لقد أَجَرى لمَصْرَعه تَلِيدٌ ... وساقتْه المنيّة من أَذاما (1)
أبو بكر بن دُرَيد: أَذام بالدال والذال جميعاً.
إلى جَدَثٍ بجَنْب الجَوِّراسٍ ... به ما حَلَّ ثمّ به أَقاما
الجَدَف والجَدَث واحد، وهو القبر. والجَوّ: من. راسٍ: مقيم، يقال: وما يرسو إذا ثبت.
__________
(1) كذا ضبط في معجم ياقوت وشرح أشعار الهذليين طبع أوربا بفتح الهمزة، وضبط في الأصل "أذاما" بضم الهمزة، وهو من أشهر أودية مكة.
(2/62)

أَرَى الأيّامَ لا تُبقى كريما ... ولا العُصْمَ الأَوابدَ والنَّعاما
العُصْم: الوُعُول، والواحد أَعصَم. والأَوابِد: الموحِّشة. والواحد آبد وقد أَبَد إذا توحّش.
أُتِيحَ لها أُقيَدْرُ ذو حَشيفٍ (1) ... إذا سامت على المَلَقات ساما
الأُقَيْدِر: تحقير الأَقْدَر، وهو القصير العنق (2). والحشَيف: الثوب الخَلقَ. والمَلَقات: جمع مَلَقه، وهو المكان الأملس من الجبل.
خَفىُّ الشخص مقتدِرٌ عليها ... يَشُنّ على ثمَائلها السِّماما (3)
مقتدِر عليها أي قادر عليها. وقوله: يَشُنّ أي يَصُبّ. والثَّمِيلة: موضع الطعام، وإنّما أراد أنه يَرمى في موضع الطعام من أجوافها.
فيَبْدُرُها شرائعَها فيَرمِى ... مَقاتِلَهما فيَسفيها الزُّؤاما
الزّؤام: الموت العاجل، يقال مَوْتَةٌ (4) زأمة، وموتٌ زُؤام وزُعاف وذعاف (5) أي قاضٍ قال: وهذه السهام التي ذَكَر سهامُ الزُّؤام.
ولا عِلْجان (6) يَنْتابان رَوْضا ... نَضيرا نَبْتُه عُمًّا تُؤاما
__________
(1) في الأصل "خشيف" بالخاء، وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا نقلا عن اللسان مادة (حشف) وشرح أشعار الهذليين ص 36 طبع أوربا.
(2) في شرح أشعار الهذليين ص 38 في تفسير الأقيدر أنه القصير المختلف القدمين.
(3) في رواية "السهاما".
(4) لم نجد في كتب اللغة التي بين أيدينا "موتة زأمة".
(5) في الأصل "ورعاف" بالراء؛ وهو تحريف صوابه ما أثبتنا نقلا عن كتب اللغة وشرح أشعار الهذليين.
(6) يريد ولا يبقى على الأيام علجان.
(2/63)

عِلْجان: حماران، والعِلجْ: الغليظ من الحمير. والعُمُّ: الذّي قد تمّ نبتُه واعَتمّ. تؤاما: اثنين اثنين.
كلا العِلْجَين أصعَرُ صَيْعَرىٌّ ... تَخالُ نَسيلَ مَتْنيَه الثَّغاما
الصَّيْعرَىّ والأَصْعَرىّ واحد: وهو الذّى يلَوى عُنُقَه (1) وجعَلهَ هكذا لشدّته والنَّسيل: ما تَطايَر من عقيقته، يعني شَعره. والثَّغام (2): شجر أبيض، والواحدة ثَغامة.
فباتا يأملات مِياهَ بَدْرٍ ... وخافا راميا عنه فَخَاما (3)
مياه بدر: موضع معروف بعينه ... فخاما أي فحادَا عنه.
فَراغَا ناجيَيْن وقام يَرمى ... فآبت نبَلهُ قِصَدا حُطاما
ناجيَيْن: ذاهبَينْ. قِصَدا: كِسَرا. حُطاما: قِطَعا.
كأنّهما إذا عَلَوَا وَجينًا ... ومَقطَعَ حَرّةٍ بَعَثَا رِجاما
الوَجين: الغليظ من الأرض. وقوله ومَقطعَ حَرّة: أي إذا اْنقطعت الحرَّة
صار في آخرها حجارةٌ ورَضْراض. والرِّجام: جَحَر يُجعَل في طرف الحبل (4) وفي الطَّرَف الآخَر دَلْوٌ فينخرط انخراطا، فيقول: فهما ينخرطان في العَدْوِ.
__________
(1) كذا ورد هذا التفسير في الأصل وشرح أشعار الهذليين للسكرى طبع أوربا ولم نجد في كتب اللغة التي بين أيديا من فسر الصيعريّ بهذا المعنى. والذي وجدناه بهذا المعنى الأصعر وحده .. أما الصيعرىّ فقد ررد في كتب اللغة أنه يقال: أحمر صيعرى أي قانئ. وسنام صيعريّ: عظيم.
(2) في كتب اللغة أن الثغام نبت يكون في الجبل ينبت أخضر، ثم يبيض إذا يبس، وله سنمة غليظة، ولا ينبت إلا في قنة سوداء، وهو ينبت بنجد وتهامة، ويشّبه به بياض الشيب.
(3) في شرح أشعار الهذليين طبع أوربا "فحاما" بالحاء المهملة؛ وفسره السكرى بأنهما دارا حول الماء.
(4) في اللسان (مادة رجم) أن الرجام حجر يشد في طرف الحبل ثم يدلى في البئر فتخضخض به الحمأة حتى تثور، ثم يستقى ذلك الماء، وهذا كله إذا كانت البئر بعيدة القعر لا يقدرون على أن ينزلوا فينقّوها. وقيل هو حجر يشدّ بعرقوة الدلو ليكون أسرع لانحدارها؛ وأنشد هذا البيت.
(2/64)

يُثيران الجنَادلَ كابِياتٍ ... إذا جارا مَعًا وإذا استقاما
كابيات: يَكْبو (1) ترابها أي يَسفَح. يقول: إذا أثارا هذه الجنادلَ خرج من تحتها غُبار.
فباتَا يحُيِيان الليلَ حتّى ... أضاءَ الصبحُ منبلِجا وقاما (2)
يقول: باتا يحييان الليلَ كلَّه لا ينامان.
فإمّا يَنْجوُا من خوف (3) أرضٍ ... فقد لَقِيَا حُتوفَهما لِزاما
وقد لَقِيَا من الإشراق خَيْلا ... تَسوفُ الوحشَ تحسبها خياما
السائف: الصائد. وأصل السائف الشامّ، وأنشدنا أبو سعيد لزياد في مُنقِذ أخي المَرّار بن مُنقِذ العَدَويّ وأخي بني العَدَويّة:
من غير عُرْيٍ ولكن من تبذُّلهمْ ... للصّيد حين يَصيح السائفُ اللَّحمُ
وقوله: تحسبها خياما، شبّه الخيلَ. بالخيام، أي تحسبها بيوتا.
بكلّ مقلِّصٍ ذَكَرٍ عَنودٍ ... يَبُذُّ يَدَ العَشَنَّقِ واللِّجاما
__________
(1) في شرح أشعار الهذليين ص 40 طبع أوربا "كابيات: مغيرات الألوان. وكابيات: منتفخات عظام؛ ويقال للحجر إذا وقع في الأرض: قد كبا".
(2) قاما أي كفّا عن العدو ووقفا.
(3) في شرح أشعار الهذليين للسكرى "حوف" بالحاء المهملة، وحوف الوادى ناحيته وحرفه. وفسر فيه أيضا ص 40 قوله "لزاما" بقوله: معاينة. لازمه: عاينه. اه.
(2/65)

أي بكلّ مقلِّص مُشِرف طويلِ القوائم يعني فَرَسا، العَنود: الّذى يعَترِض في شِقّ. والعَشَنَّق: الطويل من الرجال، والخيل أيضًا. وقوله: يَبُذّ، أي يَغلِب يدَه ويعلو عليها ويقهرُها.
فشامَتْ في صدورهما رماحا ... من الخَطِّىِّ أُشرِبت السِّاما
شامت: أَدخَلتْ (1). والخَطّ: ما بين [عُمانَ (2)] إلى البحرين.
وذكَّرني بكاىَ على تليدٍ ... حمَامةُ مَرَّ جاوبَتِ الحَماما (3)
يقول: ذكَّرَني بكاىَ على ابنى تَليد حمامةٌ بمَرَّ، ومَرَّ: (4) موضع.
تُرجِّع مَنطِقا عجبا وأَوفتْ ... كنائحة أتت نَوْحا قِياما
تُنادِى ساقَ حُرَّ وظَلتُ أدعو ... تَليدًا لا تُبِين به الكَلامْا (5)
قال أبو سعيد: ظَنّ أنّ ساقَ حُرّ ولدُها، فجعله اسما له (6).
لعلّك هالكٌ إمّا غلامٌ ... تَبوّأَ من شَمَنْصيرٍ مُقاما (7)
شَمَنْصِير: جبل.
__________
(1) في الأصل: "دخلت"؛ وهو تحريف.
(2) موضع هذه الكلمة بياض في الأصل.
وقد أثبتناها أخذا من كلام ياقوت في التعريف بهذا الموضع، فقد ذكر أن الخط سيف البحرين وعمان. وفي القاموس أنه مرفأ السفن بالبحرين.
(3) في رواية "حمام جاوبت سحرا حماما".
(4) يريد مرّ الظهران، وهو واد قرب مكة.
(5) في شرح القاموس (مادة حرر) "ما أبين لها كلاما".
(6) في كتب اللغة، أن ساق حرّ ذكر القماريّ، سمى بذلك لصوته. وقيل بن ساق حرّ صوت القمارى وبناه صخر الغي في هذا البيت فجعل الاسمين اسما واحدا. وعلله ابن سيده. فقال: لأن الأصوات مبنية إذ بنو من الأسماء ما ضارعها.
(7) في شرح أشعار الهذليين طبع أوربا في تفسير هذا البيت ما ملخصه: يخاطب نفسه يقول: لعلك تموت إن مات غلام. ثم قال بعد ذلك: وشمنصير بلدبه دفن (يريد المرثى) والمعنى لعلك ميت إن غلام مات، يصلح لما مضى ولما يستقبل. وفي لعل معنى الاستفهام، كقولك: أتموت إن غلام مات ليس هو بتمنّ ... الباهلي، يقول لنفسه: لعلك تقتل نفسك إن كان غلام مات. وما زائدة. أه
(2/66)

وقال يرثيه أيضاً
وما إنْ صوتُ نائحةٍ بِلَيلٍ (1) ... بسَبْلَلَ لا تَنامُ مع الهُجودِ
نائحة، يعني حمامةً تنوح. وسَبْلَل: موضع. لا تنام مع الهُجود: لا تنام مع النِّيام.
تَجَهْنا غادِيَين فساءلتْنِى ... بواحدها وأَسأَل عن تَلِيدى
قوله: تَجَهْنا، أي تَواجَهْنا وتَقابَلْنا. غادِييْن: غدوتُ وغدتْ هي فسألتني عن فَرْخها، وسألتُها أنا. عن تَليد ابني هذا، كقوله:
دَع المغمَّر (2) لا تَسألْ بمَصرَعِه ... واسأل بمَصْقَلةَ البَكْرىِّ ما فَعلا
وهذا كقول الآخرَ:
سألْتنى بأناسٍ هَلَكوا ... شَربَ الدهرُ عليهمْ وأَكَلْ
فقلتُ لها فأمّا ساقُ حُرٍّ ... فبانَ مع الأوائل من ثمَود
قال: ظَنَّ أنّ ساق حُرّ ولدُها فجعَله اسما له. وقوله: فقلتُ لها وقالت لي إنّما هذا مَثَل، كأنّى قلت لها وهى تنوح على فرخها حين قالت لى: ما فَعَل فرخى؟ فقلتُ: لا تَرَيْنَه. فقالت: فأنت لا ترى تَليدًا أبدا آخرَ العمر.
وقالت لن ترى أبدا تَلِيدًا ... بعَينِك آخِرَ العمرِ الجديد
العمر الجديد، يعني أن كلّ يوم جاء فهو جديد.
كِلانا رَدَّ صاحَبه بيأسٍ ... وتأنِيبٍ ووِجدان بعيدِ
__________
(1) في رواية "نائحة شجىّ".
(2) في الأصل: المعمّم؛ وهو تحريف. والبيت للأخطل من قصيدة يمدح بها مصقلة بن هبيرة الشيباني. والمغمّر، هو القعقاع الهذلى (انظر ديوان الأخطل)
(2/67)

يقول: يَبعُد منه وِجْدانُه، أي لا يجده إلّا بعيدا. ومعناه لا يجده أبدا. قال: ويَروَى، "بوِجدان شديد".

وقال صخر أيضا
لِشَمّاءَ بعد شَتاتِ النَّوَى ... وقد كنتُ أَخْيَلْتُ بَرْقا وَليفَا
أخيلتُ: رأيتُ المَخيلة، والمَخِيلة، هو الّذى يُتخيّل (1). ويقال: أخيَلَتِ السماءُ بعد (2). ووَلِيفا: متتابِعا اثنين اثنين، مرتين مرّتين. قال أبو سعيد: سمعتُ عيسى بنَ عمر يقول: كان رؤبة يُنشد:
* والرَّكْضُ يومَ الغارةِ الإيلاف *
والوِيلاف. وبعض العرب يقول: وَلَّف بينهم، والأكثر يقول: أَلَّف بينهم.
وسمعت أبا عَمرٍو يقول: اجتمعوا من شَتات. والشَّتات: اسم الشَّتّ.
أَجَشَّ رِبَحْلاً له هَيْدَبٌ ... يكشِّف للخال رَيْطا كَشيفا
أَجَشّ: سحاب (3)؛ لأنّه ذَكَر البرقَ فعُلمِ أنّ ثَمّ سحابا، والرِّبَحْل: الثقيل. والخال: المَخِيلة، يعني سحابا ذا مَخِيلة. يكشِّف للخال، أي الغَيم الذي فيه الخَيلة. والرَّيْط: البَرْق (4). كشِيفا "أي يكشفه (5) من أجل الّذي فيه"، وأنشَدَنا لأوس بن حجر:
__________
(1) كان الأولى أن يقول: "هي التي تتخيل" أي السحابة التي يظن أنها ماطرة.
(2) يلاحظ أنه لامقتضى لقوله "بعد" في هذه العبارة.
(3) في كتب اللغة أن الأجش من السحب الشديد الصوت برعده، ليس مطلق السحاب.
(4) تفسير الريط بالبرق إنما هو على طريق التشبيه. وعبارة السكرى "ويعني بالريط البرق إذا انكشف".
(5) كذا ورد هذا التفسير في الأصل للكشيف؛ وهو غير ظاهر. والذي في شرح أشعار الهذليين للسكرى ص 42 طبع أوربا: كشيفا مكشوفا. وفي اللسان (مادة كشف) ريط كشيف: مكشوف وأنشد بيت صخر هذا، ورواه "يرفع للخال"، الخ. ثم نقل عن أبي حنيفة أنه يعنى أن البرق إذا لمع أضاء السحاب فتراه أبيض، فكأنه كشف عن ريط.
(2/68)

كأنّما بين أعلاه وأسفلِه ... رَيْطٌ منشَّرةٌ أو ضوءُ مِصباحِ
ويقال: هذا خالٌ حَسَنُ البرق. والهَيْدَب من السحاب: الذي تراه كأنّ عليه هُدْبا أو خَمْلا.
كأنّ تَواليَه بالمَلا ... سفائنُ أعَجَم ما يَحْنَ رِيفا
تَواليه: مآخيره، أي بعد ما تَوالَى منه أي يَتبع بعضُه بعضا. وقوله: ما يَحْنَ ريفا، أي امتَحْن من الريف، أي اشتَرَيْن من موضع الرِّف (1). والمَلا: موضع (2).
أَرِقْتُ له مِثلَ لَمْعِ البَشي ... رِ يقلِّب بالكفّ فَرْضا خَفيفا
يقول: أرِقت لهذا البرق وهو يلمع مِثلَ لَمْعِ البشَير بالكفّ، فَرْضا أي تُرْسا (3). والبَشِير الّذى يبشّرك، إذا أَقبَل حرّك تُرْسَه، أي اعلَموا أنّي غنمتُ.
فأَقبَلَ منه طِوالُ الذُّرَا ... كأنّ عليهنّ (4) بَيْعا جَزِيفا
أي أُخِذَتْ (5) له جِزافا غيرَ كَيْل فأُوقِرَتْ له كما يريد، يعني بذلك أن السحاب ثقيل.
وأقبَل أي أستَقبَل (6).
__________
(1) في شرح أشعار الهذليين في تفسير الريف في هذا البيت أنه الساحل وحيث يكون الخصب.
(2) ورد في الملا عدّة أقوال: منها أنه مدافع السبعان، والسبعان واد لطىّ يجيء بين الجبلين. والأصيفر في أسفل هذا الوادى، وأعلاه الملا (ياقوت) وقيل: ان الملا مستوى من الأرض.
(3) في شرح أشعار الهذليين ص 43 طبع أوربا عدّة أقوال في تفسير الفرض، فمنها أنه الترس كما هنا؛ وقيل العود؛ وقيل القدح؛ وقيل الخرقة. قال: والعود أجود. وقال الأصمعى عن بعض أعراب هذيل "ثوب".
(4) عليهن أي على السفن المشبه بها السحاب، أو على الإبل قولان في ذلك. انظر شرح أشعار الهذليين.
(5) أخذت وأوقرت أي الأحمال. وعبارة شرح أشعار الهذليين أخذ ... فأوقرت الخ. فحذف التاء في الأولى وأثبتها في الثانية.
(6) عبارة السكرى "فأقبل منه" من المقابلة لا من الإقبال"
(2/69)

وأَقبَلَ مَرًّا إلى مِجْدل ... سِياقَ المقيَّد يمشى رَسِيفا
سِياقَ المقيَّد، أي هو يمشى الرَّسيف. والرَّسيف: أن تقيّد الدابة فتُقاربَ الخَطوَ. فيقال عند ذلك: مرّ يَرْسُف في قيْده. ومَرّ ومِجْدَل: موضعان (1).
ولمّا رأى العَمْقَ قُدّامَه ... ولمّا رأى عَمَرا والمُنِيفا
العَمْق وعَمَر والمُنيف: بُلدان (2).
أَسالَ من اللّيل أشجانَه ... كأنّ ظواهرَه كنّ جُوفَا
الأشجان: طرائقُ في الغِلَظ. وقوله: ظواهره كنّ جُوفا، أي كأن ما ظهر منه من الأشجان من كثرة الماء. يقول: كأنّ ما ارتفع من الأرض كان وادياً من كثرة ما حَمَل من الماء (3).
وذَاك السِّطاعُ خِلافَ النِّجا (4) ... ءِ تَحسبه ذا طِلاءٍ نَتيفا
__________
(1) في ياقوت أن مر الظهران موضع على مرحلة من مكة؛ ولم يرد فيه تعيين لمجدل، غير أنه ضبطه بفتح الميم؛ وضبطناه بكسرها عن القاموس. ويريد بقوله: "وأقبل مرا" أن السحاب استقبل هذا الموضع. قال في شرح أشعار الهذليين: أقبل استقبل، من قوله عز وجل: (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم).
(2) العمق: واد من أودية الطائف. وعمر: جبل في بلاد هذيل (ياقوت). والمنيف: جبل يصب في مسيل مكة كما في تاج العروس مادة "ناف" ولم يعين ياقوت المنيف المقصود في هذا البيت وإن كان قد عين غيره مسمى بهذا الأسم.
(3) عبارة الجمحيّ: واحد الأشجان شجن، وهي المسايل، كأن ظواهره أودية من كثرة السيل. يقول: صرن بطونا (انظر شرح السكرى).
(4) النجاء: السحاب، الواحد نجو، وهو الذي قد هراق ماءه. وقيل هو السحاب أوّل ما ينشأ.
(2/70)

السِّطاع: جبل (1). يقول: تَحسِبه ممّا مشَقَه وصَقَله وأذهب عنه الغبارَ بعيرا نتيفا أي بعيرا نُتِف من الجرب ... ... (2) بالهِناء وهو القَطران، فهو أسوَد: يعني هذا الجبل من كثرة ما أصابه من المطر. وخِلاف النِّجاء، أي بعد النِّجاء.
إلى عَمَرَينِ إلى غَيْقةٍ ... فَيَلْيَلَ يَهدِي (3) ربَحْلا رَجوفا
إلى عَمَرَين إلى غَيْقة، أي مع (4) غيقة، وعَمَران: بلدة (5). والرِّبَحْل: الثقيل. والرَّجوف (6): الذي يَرْجُف من كثرة ما به من الرعد رَجَفَ (7)، وهو مِثل قوله:
* وكلّ رَجّافٍ يسوق الرُّجَّفا * (8)
كأنّ تَوالَيه بالمَلا ... نصارى يُساقون (9) لاقَوْا حَنِيفا
__________
(1) السطاع: جبل بينه وبين مكة مرحلة ونصف من جهة اليمن.
(2) لعل موضع هذه النقط كلمة سقطت من الناسخ وهي "وطلي" مبنيا للمجهول أو ما يفيد معناها.
(3) في رواية "يزجى" مكان "يهدى"، وفي رواية "زحوفا" مكان "رجوفا" انظر شرح أشعار الهذليين طبع أوربا.
(4) كذا في الأصل. ولم يتضح لنا معنى المعية التي ذكرها الشارح في تفسير قوله "إلى غيقة".
(5) عمران هو عمر السابق التعريف به في الحاشية رقم 2 صفحة 70 وإنما ثناه ضرورة، وهو واحد. وفي غيقة عدّة أقوال: منها أنه موضع بظهر حرة النار؛ وقيل: موضع بين مكة والمدينة. ويليل: جبل بالبادية. وقيل موضع قرب وادى الصفراء.
(6) في الأصل: والرجيف، وهو تحريف، إذ الرجيف مصدر. كما أنه ليس هو لفظ البيت.
(7) كذا وردت هذه الكلمة في الأصل. ولعله يريد بها بيان الفعل الماضي، إذ قد تقدّم مضارعه.
(8) وكل رجاف الخ أي كل سحاب يسوق السحب أمامه. ولم نجد هذا الشطر فيما راجعناه من الكتب.
(9) ضبط قوله "يساقون" في شرح أشعار الهذليين للسكرى بفتح القاف، من السقيا؛ وفسر فيه على هذا الضبط. ولم يضبط في الأصل، غير أن الشارح هنا قد فسره على أنه بضم القاف من السوق وسنذكر في الحاشية الآتية بعد كلام السكرى في ذلك.
(2/71)

توالِيه، يعنِي مآخيرَ هذا الغيم تَسُوق. يَسوقُ فيها صوتٌ كصوت النصارى. يقول: يَسُوقون (1) في عيد لهم. لاقَوا حنيفا فاحتفَلوا له في هذا العيد، والحَنيف من غير دينهم، فاحتفَلوا له. وكذلك من لقى من هو على غير دينه فأَحلط (2). يقول: لا يكاد يَبرَحِ مِثلَ هؤلاء النّصارى الّذين عَزَفوا (3).
فأَصبحَ ما بين وادى القُصو ... ر حتّى يَلَمْلَمَ حوضا لَقِيفا
اللَّقيف: المتلجِّف (4) الأصل الذي قد أكل الماءُ أسفلهَ. يقول: تَرَك السيلُ ما بين هذين الموضعين حوضا واحدا. ووادى القصور ويلَمْلَم: موضعان (5).
له ماتِحٌ وله نازِعٌ ... يَجُشّان بالدَّلو ماءً خَسيفا
له ماتح وله نازع، يقول: هذا الغيم قد استَقَى من الغيم، فكأنّ له ماتحا يملأ دَلْوَه. وله نازع ينَزعها، يعني الدَّلو؛ وهذا مَثَل. يقول: فهذان يُخرجان ما في البئر
__________
(1) كذا ورد هذا التفسير في الأصل. وقد فسره السكرى على أنه يساقون بفتح القاف، من السقيا قال في شرحه هذا البيت ما نصه: يساقون يسقون في عيدهم. لاقوا حنيفا فاحتفلوا له لاقوا رجلا من غيرهم فاحتشدوا له ولهم ضجة. وتواليه: أواخره. ويساقون يسقى بعضهم بعضا ... والحنيف: المسلم هاهنا. الجمحى، لاقوا حنيفا فكفروا له. ابن حبيب، يساقون أي يسقون كما قالوا: يثانيه أي يثنيه. والملا: أرض مستوية. أه.
(2) ورد الإحلاط في كتب اللغة بعدة معان: منها الإقامه بالمكان، والجدّ في الأمر، والغضب؛ وكل من هذه المعاني تصح إرادته هنا، غير أن قوله بعد "يقول: لا يكاد يبرح" الخ يرجح تفسير الإحلاط هنا بالمعنى الأوّل.
(3) عزفوا، أي لهوا وغنوا ولعبوا بالمعازف، وهي الطنابير ونحوها.
(4) عبارة بعض اللغويين في تفسير اللقيف "لقف الحوض لقفا بالتحريك: تهوّر من أسفله". وهو بمعنى المتلجف.
(5) وادى القصور في بلاد هذيل. ويلملم: جبل من الطائف على ليلتين أو ثلاث، وهو ميقات أهل اليمن.
(2/72)

من الماء. يَجُشّان: يستخرجان. والجَشّ: إخراج ما في البئر من حَمْأَة (1) وماءٍ وقَذَر. والخسيف من الآبار: التي [يُكسر (2)] جبَلُها عن الماء.
فإِما يَحيننّ أن تَهْجُرى ... وتَنْأَى نواكِ وكانت قَذوفا
تَنَأَى: تَباعَد. قَذوف: بعيدة؛ ويقال أيضاً: نيّة قَذوف في ذلك المعنى.
فإنّ ابن تُرْنَى إذا جئتُكمْ ... أَراه يدافِع قولاً عنيفا
يقال للرجل إذا ذُكِر بلؤمٍ أو منَقَصة: ابن تُرْنى. وابن تُرْنَى كأنّه يمهجِّن أمّه (3) لأنّ ابن تُرْنى وابن فَرْتنى من أسماء العَبِيد. والعُنْف: الخُرْق (4).
قد افنى أناملهَ أزمُه ... فأَمسَى يَعَضُّ عليّ الوظيفا
أَفنَى أناملَه، يقول: يعَضّ على يديه من الغيظ. والأَزْم: العَضّ، يقال: قد أَزَمَ يدَه يأزِمها أَزْما إذا عضّها (5).
__________
(1) في الأصل "من جمة"؛ وهو تحريف.
(2) موضع هذه الكلمة التي بين مربعين بياض بالأصل. والسياق يقتضى إثباتها نقلا عن شرح السكرى طبع أوربا. وقد وردت الكلمة التي بعدها في الأصل مهملة الحروف من النقط. وفي شرح السكرى "حيلها" بالحاء والياء المثناة مكان "جبلها"، وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا نقلا عن كتب اللغة، فقد ورد في اللسان (مادة خسف) ما نصه: والخسيف البئر التى نقب جبلها عن عيلم الماء فلا ينزح أبدا. وقال بعض اللغويين أيضاً في معنى البئر الخسيف إنها التى تحفر فى حجارة فلا ينقطع ماؤها.
(3) في اللسان أنه يقال لفاجرة ترنى، وهو منقول عن ترنى مبنيا للمجهول من الرنوّ، وهو إدامة النظر وذلك إذا زنّت بريبة. وفي شرح السكرى أنه يريد بابن ترنى تأبط شرّا.
(4) بقى تفسير قوله في البيت "يدافع" وقد فسره الجمحيّ في شرح السكرى فقال: يدافع يتكلم.
(5) بقي تفسير الوظيف في البيت، وقد فسره السكرى فقال: الوظيف الذراع. يقول: قد أفنى أصابعه فهو بعض على مفصل بين الساعد والكف الخ.
(2/73)

فلا تقعدَنّ على زَخّةٍ ... وتُضمِرَ فى القلب وجدا (1) وخِيفا
على زَخّة أي على غيظ. قال: ولم أسمعه فى كلام العرب ولا في أشعارهم إلاَّ في هذا البيت. ويقال: زخَّ في صدرِه يَزُخّ زَخّا إذا دَفع في صدرِه. وقوله: وَخِيفا جمع الخِيفة (2).
ولا أَبغِينّكَ (3) بعد النُّهى ... وبعد الكرامة شرّا ظَلِيفا
يقول: لا تكلِّفنى أن أبغيَك بعد النُّهى أي بعد أن كنتَ من أهل النُّهى وأهلِ العقل. والظَّلِيف: الغليط (4)؛ ويقال: مكان ظَلِيف إذا كان غليظا.
ولا أَرقَعنّك رَقْعَ الصَّدِي ... عِ لاءَمَ (5) فيه الصَّناعُ الكَتِيفا
يقول: لا أَرقعنّك بالهِجاء، أي لا تكلّفْنى ذلك. والصَّديع: الإناء يَنصدِع فيُرقَع. والكَتِيف: الضِّباب، واحدها كَتِيفة. والصَّناع: المرأة.
وماءٍ وَردتُ على زَوْرةٍ ... كَمْشى السَّبَنتَى يَراح الشَّفِيفا
على زَوْرة أي على اْزوِرار ومَخافة. والسَّبَنْتى النَّمِر، وهو من أسمائه، ثم صار كلّ جرئ الصدر بعد ذلك سَبَنْتَى، وأنشدنا:
__________
(1) في رواية، "غيظا".
(2) في الأصل: "الخافة"؛ وهو تحريف صوابه ما أثبتنا نقلا عن شرح السكرى. وفسر الجمحىّ الخيف بالمخافة.
(3) في رواية "ولا أجشمنك" شرح أشعار الهذليين.
(4) عبارة بعض المفسرين: ظليف شديد ممتنع.
(5) في رواية "خالف فيه الرفيق". وفي رواية "القيون" مكان "الصناع" وفي رواية "تابع فيه" (السكرى).
(2/74)

سوف تُدْنيك من لَمَيسَ سَبَنْتا ... ةُ أَمارتْ بالول ماءَ الكِراضِ (1)
والشَّفيف: البَرْد (2). يقول: يجد البرد فينقبِض ولا يُسرع المشىَ. قال: فكذلك أنا مَشَيتُ على رِسْلِى. يقول: وردته على آزوِرارٍ ومخافة وأنا مقشعرّ مخافَة أن يكون به عدوّى.
فَخضخَضتُ صُفْنِىَ في جَمِّهِ ... خِياضَ المُدابِرِ قِدْحا عَطوفا
المدابِر: الذي يعادِى صاحبَه ويقاتلُه من كلَبه على القِمار فقد قُمِر فهو يُخضخِض قِدْحَه من الحَرْد (3). والعَطوف: القِدْح الّذى يردّ (4) مرّة بعد مرّة. وخِياض يريد خِواض "في معنى (5) خائض" والصُّفْن: بين القِربة والعَيْبة. يقول: خَضخَضتُ الصُّفنَ لم أقدِر أن أستقىَ منِه مما عليه (6) حتّى حرّكت الصُّفْن. فكشفتُ ما عليه من الدِّمْن (7)، يعني بهذا أنّه لا عهد له بالبَوْك (8).
__________
(1) البيت للطرماح. والكراض، قيل: هو ماء الفحل. يقال: كرضت الناقة تكرض كرضا وكروضا قبلت ماء الفحل بعد ما ضربها ثم ألقته، واسم ذلك الماء، الكراض؛ وقيل الكراض في البيت هو حلق الرحم بفتح الحاء واللام. والسبنتاة الناقة، وصفها بالقوة لأنها إذا لم تحمل كان أقوى لها اه ملخصا من اللسان (مادة كرض).
(2) ذكر بعض المفسرين أن الشفيف الريح الباردة فيها ندى. ويراح الشفيف أي يشمه. وقال بعض المفسرين: يراح يستقبل الريح (السكرى).
(3) الحرد: الغيظ والغضب. وقال في اللسان (مادة خوض) في تفسير المدابر أنه المقمور يقمر فيستعير قدحا يثق بفوزه ليعاود من قمره القمار.
(4) كذا في شرح السكرى. وفي اللسان أن القدح العطوف هو الذي يعطف على القداح فيخرج فائزا. وقيل هو القدح الذي لا غنم فيه ولا غرم، سمى بذلك لأنه فى كل ربابة يضرب بها. وفى الأصل "يراد"، وهو تحريف.
(5) كذا وردت هذه العبارة التي بين هاتين العلامتين في الأصل. ولم نتبين معناها؛ والذي في اللسان (مادة خوض) أن الخياض هو أن تدخل قدحا مستعارا بين قداح الميسر، يتيمن به، يقال: خضت في القداح خياضا وخاوضتَ القداح خواضا وأنشد هذا البيت؛ ثم قال في تفسير خضخضت: إنه تكرير من خاض يخوض.
(6) في الأصل "علمته"، وهو تحريف صوابه ما أثبتنا كما يقتضيه السياق.
(7) الدمن: البعر، يقال منه دمنت الماشية الماء.
(8) البوك تنوير الماء. ولا عهد له أي للماء.
(2/75)

فلّما جَزَمتُ به قِربتى ... تَيمّمتُ أَطرِقةً أوِ خَلِيفا
يقال جَزَم فلانُ قِربتَه إذا ملأها؛ وجَزَم إناءَه إذا ملأه. وأَطرِقة: جمعُ طريق. والخَلِيف: طريق وراء جَبل أو خَلْفَ وادٍ، جمعه خُلُف وأَخلِفة.
معى صاحب داجِنٌ بالعَزاةِ ... ولم يك في القوم وَغْلا ضعيفا
الدّاجن: المعاود مرّة بعد مرّة. ودَجَنَ يَدْجُن دُجونا. يقول: قد دَجَن فيها كما يَدْجُن البعير في النَّوى. ودَجَن ورَجَن سواء. والوَغْل: النَّذْل. "والغَزاة ها هنا (1) في معنى الغَزْو؛ لأنّها المرّة (2)؛ وقد أخطأ فيها".
ويَعْدو كعَدْو كُدُرٍّ تَرى (3) ... بفائله ونَساهُ نُسوفا
قوله: ويَعْدو، قال أبو سعيد: إنما قال يعدو لأنّ هُذَيلا ليسوا بأصحاب دوابَّ، إنّما هل رَجّالة. والكُدُرّ: الغليظ، يقال: حمار كُدرّ وكُنْدُر وكُنادِر. والفائل: عِرْق يَجرِى في الوَرِك فَيستبطِن الفَخِذ إلى الساق. والنُّسوف: آثارٌ من عَضّ، واحدها نَسْف، وهو الأَخْذ بمقدَّم الفم.
__________
(1) وردت هذه العبارة التي بين هاتين العلامين في الأصل ضمن شرح البيت الآتى، وهو خطأ من الناسخ والصواب وضعها هنا.
(2) لأنها المرة تعليل لدعواه بعد أن الشاعر قد أخطأ في استعمال لفظ الغزاة هنا. والذي وجدناه في كتب اللغة أن الغزاة اسم من غزوت العدو. قال ثعلب: إذا قيل غزاة فهو عمل سنة، وإذا قيل غزوة فهى المرة الواحدة من الغزو، ولا يطرد. (مستدرك التاج واللسان).
(3) روى صدر هذا البيت "كعدو أقب رباع ترى" الخ شرح أشعار الهذليين.
(2/76)

وقال ابنُ عبدِ الله أخو صخر الغيّ، لَقَبُه الأعلم، يقال له: حبيب (1) الأعلم.
لمّا رأيتُ القومَ بال ... عَلْياءِ دون قِدَى المَناصِبْ
قال أبو سعيد: يقال قِدى وقيد وقاد واحد. ويقال: قِيد وقادَ رُمْح، وأنشَدَنا الأصمعىّ عن عيسى بنِ عمر:
* وصبرى إذا ما الموتُ كان قِدَى الشَّبْرِ (2) *
والمَناصِب: بلد (3). والمَناصِب: أنصاب الحَرَم.
__________
(1) ورد في شرح السكرى في سبب هذه القصيدة ما نصه: "حدّثنا الحلوانىّ قال: حدّثنا أبو سعيد السكرىّ قال: قال أبو عبد الله الجمحىّ (عبد الله بن إبراهيم): أقبل الأعلم واسمه حبيب ابن عبد الله وهو أخو صخر الغى الهذلىّ ثم الخثمى وأخوه صخير، ومعه صاحب له حتى أصبحا مدّخلين بجبل يقال له: السطاع، بحيّرة، بلدة معروفة فى ذات يوم من أيام الصيف شديد الحرّ وهو متأبط قِربة لهم فيها ماء، فأيبستهما السموم حتى لم يكادا يصبران من العطش، فقال الأعلم لصاحبه: اشرب من القربة لعلى أرد الماء فأشرب منه وانظرنى مكانك. وقال أبو عبد الله: فأيبستهما الشمس والسموم، فقال لصاحبه: مكانك لعلى أرد الماء فأشرب منه وبنو عبد بن عدى بن الديل من كنانة على ذلك الماء، وهو ماء الأطواء، فهم فى ظل مستأخرون عن الماء قدر خذفة (أي رمية بحصاة) فأقبل يمشى متنقبا ووضع سيفه وقوسه ونبله دون صاحبه، فلما برز للقوم مشى رويدا مشتملا، فقال بعض القوم من ترون الرجل؟ فقالوا: نراه. أحد بنى مدلج بن ضمرة. ثم قالوا لفتى من القوم: الق الفتى فاعرفه, ثم قال بعضهم: إن الرجل آتيكم إذا شرب فدعوه، فأقبل يمشى حتى رمى برأسه في الحوض، وأدبر عنهم بوجهه، فلما روى أفرغ على رأسه الماء ثم أعاد نقابه، ثم رجع طريقه رويدا، وصرخ القوم بعبد على الماء فقالوا: هل عرفت الرجل الذي صدر؟ قال: لا، قالوا: فهل رأيت وجهه؟ قال: نعم، وهو مشقوق الشفة على حين أن كان بينه وبين القوم رمية سهم قاصدة، فقالوا: ذاك الأعلم، فعدوا في أثره وفيهم رجل يقال له جذيمة، ليس في القوم مثله عدوا، فأغروه به، فطردوه فأعجزهم، ومرّ على سيفه وقوسه ونبله، فأخذه ثم مرّ بصاحبه فصاح به فضبر معه، (أي عدا معه) فأعجزهم، فقال الأعلم فى تلك العدوة: لما رأيت الخ.
(2) كذا ورد هذا الشطر في السان (مادة قدى) وصدر البيت.
ولكن إقدامى إذا الخيل أجحمت ... وصبرى. . . . . . . . الخ
والذي في الأصل: "وضرب إذا ما الموت كان قدى الستر"؛ وفيه تصحيف في كلمتين.
(3) في شرح السكرى أن المناصب أيضا الأغراض والمرامى. والمعنى عليه أظهر من تفسيره بأنه بلد فيما نرى. كما رواء أيضا المناصب (بضم الميم) وفسره بأنه الرامى يرميك وترميه.
(2/77)

وفَرِيتُ من فَزَعٍ فلا ... أرمِى ولا وَدّعتُ صاحبْ
وفَريتُ أىَ بَطِرتُ (1) فلم أودِّع صاحبى الذّى فررتُ عنه، وتركتُه، ولم أقدِر على أن أَرمِىَ.
يُغْرون صاحِبَهم بنا ... جَهْدا وأُغْرِى غير كَاذبْ
أغْرى أبا وَهْبٍ لِيُعْ ... جِزَهمْ ومَدّوا بالحَلائبْ
يقول: مَدّوا بالحَلائب في أَثَرى؛ ويقال: جاءت حَلائبُ مِثل السُّيول. والحَلائب: الجماعات (2).
مَدَّ المُجَلْجِلِ ذى العَما ... ءِ اذا يُراحُ مِن الجنَائبْ
المُجلجِل: الّذى له جَلْجَلة، والجَلْجَلة في السحاب، والجَلْجَلة في الرعد. والمعنى على السحاب. والسَّيل في المطر. والعمَاء: السّحاب الرقيق، ويُراح: تصيبُه الرِّيح. الجَنائب: جماعةُ الجَنوب. والجَلْجَلة: الصوت الصافى.
يُغرَى جَذيمةُ (3) والرِّدا ... ءُ كأنّه بأقَبَّ قارِبْ
بأقَبَّ، يعني حمارا أَقَبَّ البطن. قارِب: يَقْرُب الماءَ (4)، أي بحمارٍ من حَمير الوَحْش خَمِيص.
__________
(1) بطرت أي تحيرت ودهشت.
(2) واحدة الحلائب حلبة، وهو جمع غير قياسىّ كما في كتب اللغة. قال السكرى: هو مثل نوبة ونوائب.
(3) جذيمة: الرجل الذي عدا في أثره، كما تقدّم.
(4) يقرب الماء، أي يطلبه.
(2/78)

خاظٍ كعِرْق السِّدْرِ يَسْ ... بِق غارةَ الخُوصِ (1) النَّجائبْ
الخاظى: الممتلئ. يقول: هو أحمر كأنّه عِرْقُ سِدر.
عَنّت له سَفْعاءُ (2) لُكّ ... تْ بالبَضِيع لها الخبائبْ
سَقْفَاء، يعنى نَعامةً فيها به بعض الانحناء، وكلّ طويل فيه انحِناء فهو أسقَف. وقوله: لُكّت أي صُكّت به صَكّا (3). والخَبائب: طرائقُ من العصَب فيها اللَّحم (4) والواحدة خَبِيبة. وعَنّتْ له، أي عَرضَتْ له.
وخَشِيتُ وَقع ضَريبةٍ ... قد جُرِّبتْ كلَّ التجارِبْ
قال أبو سعيد: الضريبة السيف. والضريبة: المضروب (5). قال: يسمَّى به الفاعل، ويسمَّى به المفعول. قد جُرِّبتْ كلّ التجارب أي قد جُرِّبتْ وجُرِّبتْ وجُرِّبتْ مرارا كلَّ التجارب.
فأكون صَيْدَهمُ بها ... وأصير للضُّبْعِ السَّواغِبْ
الضُّبع: جمع ضَبُع. والسّواغب: الجياع، والواحد ساغِب.
جَزَرًا وللطَّير المُرِبَّ ... ةِ والذّئابِ وللثّعالبْ
__________
(1) غارة الخوص أي دفعتها في العدو. والخوص: الغائرات العيون من الإبل والخيل (السكرى).
(2) كذا ورد هذا الفظ في الأصل وشرح أشعار الهذليين للسكرى أوربا ص 56 وهي رواية في البيت. وفسر السكرى السفعاء بأنها السوداء الوجه في حمرة، غير أن الشارح هنا قد قد فسره برواية أخرى "سقفاء", وورد في شرح السكرى أنه يروى أيضا "صقعاء"، وهي البيضاء الرأس.
(3) عبارة السكرى: لكت أي حمل اللحم على مواضع العصب.
(4) عبارة السكرى ص 56 الخبائب: طرائق اللحم.
(5) يلاحظ أن المراد هنا المعنى الأوّل للضريبة، وهو السيف.
(2/79)

المُرِبّة: الثابتة اللازمة، وأَنشَد (1):
لَعَمْرُ أبِي الطَّيْرِ المُرِبّةِ غُدْوةً ... على خالدٍ لقد وقعن على لَحْمِ
وتَجُرُّ مُجْرِيةٌ لها ... لَحِمى إلى أَجْرٍ (2) حَواشِبْ
مُجْرِية: ذات أَجْرٍ (2). وحَواشِب: منتفِخات الجنُوب.
سُودٍ سَحاليلٍ كأ ... نّ جُلودَهنّ ثِيابُ راهبْ
قال: يريد أنّ ثياب الرُّهْبان سُود: وسَحاليل: ليِّنة (3)، فهذه ضِباع، واحدها سِحْليل (4)، ولا أعرفه بثَبْت.
آذانُهنّ إذا احتَضَرْ ... نَ فَريسةً مِثلُ المَذانبْ
المَذانب: المَغارفَ الّتى يُغَرفَ بها، والواحد مِذْنَبة.
يَنزِعن جِلْدَ المَرْءِ نَزْ ... عَ القَيْن أخلاقَ المَذاهبْ
المَذاهب: خِلّة (5) مُذْهَبة تُجعَل على جَفْن السيف، فإذا اختُلِعت (6) ونُزِعتْ عن الجَفن أُعيد عليه غيرُها.
__________
(1) البيت لأبى خراش، وسيأتي شرحه في هذا الجزء.
(2) أجر، جمع جرو، معروف.
(3) لم نجد هذا التفسير فيما راجعناه من كتب اللغة للسحاليل، والذي ذكره السكرى أن واحد السحاليل سحلال وهي العظام البطون، يقال: أنه لسحلال البطن إذا كان عظيم البطن، ثم نقل عن الأصمعى أنه لا يعرف السحاليل.
(4) الذي وجدناه في كتب اللغة أن السحليل الناقة العظيمة الضرع؛ ولم نجد السحليل بالمعنى الذي ذكره هنا.
(5) كان الأولى أن يقول "خلل" أو "أخلة" بصيغة الجمع لموافقة التفسير للمفسر؛ أولعل ألفا قد سقطت من الناسخ في قوله "خلة" والأصل أخلة جمع خلة وهي بطائن مذهبة تغشى بها أجفان السيوف تنقش بالذهب وغيره.
(6) ورد في كلتا النسختين "نزعت" بإسقاط واو العطف وإثبات هذه الواو قبل قوله بعد: "أعيد" والصواب نقلها إلى هذا الموضع كما أثبتنا إذ هو مقتضى السياق.
(2/80)

حتى إذا انتَصَف النها ... رُ وقلتُ يومُ حَقُّ دئبْ (1)
يقول: هذا يومُ عَدْوِى إلى اللّيل أدْابَه (2)؛ ويُروَى: نَصَفَ النهارُ، وهو الأجوَد.
رفّعتُ عَينى بِالحجا ... زِ إلى أُناسٍ بالمَناقب (3)
وذكرتُ أهلى بالعَرا ... ء وحاجةَ الشُّعْثِ التَّوالِب
التَّوالِب: الحِجاش الصِّغار من أولاد الحمير، وإنّما ضَرَب هذا مَثَلا، وأنشَدَنا:
* على بَيْدانةٍ (4) أمِّ تَوْلَبِ *
المُصرِمين من التِّلا ... دِ اللَّامحِين إلى الأقاربْ
المُصِرمين: المُخِفِّين، وأصله صاحب صِرْمة، والصِّرْمة: القطعة من الإبل ما بين الخَمس إلى العشر (5).
__________
(1) في شرح السكرى "ذائب" بالمعجمة؛ وفسره بأنه الشديد الحرّ.
(2) أدأبه، أي أدأب الذي يطرده؛ قال السكرى في شرح هذه الكلمة: دائب من الدأب، أي يدأب يومه، والمعنى الرجل الذي طرده. قال: ويروى: "ويومى حق رائب" من الريبة.
(3) ذكر ياقوت في المناقب أنه اسم جبل معترض، ويسمى بذلك لأن فيه ثنايا وطرقا إلى اليمن وإلى اليمامة وإلى أعالى نجد وإلى الطائف، ففيه ثلاثة مناقب يقال لإحداها الزلالة، وللأخرى قبرين، وللثالثة البيضاء. وقال السكرى في شرحه: المناقب أماكن. وقال أيضاً: الطرق في الغلظ وبين الجبل مناقب. وروى السكرى هذا البيت "رفعت عينىّ الحجاز" الخ. ورفعت عينى بالحجاز أي نظرت إليه نظرا بعضه أرفع من بعض كما يستفاد من كتب اللغة فى معنى الترفيع، يقال: رفع في عدوه إذا عدا عدوا بعضه أرفع من بعض.
(4) البيدانة: الأتان، اسم لها، وهذا بعض من عجز بيت، وهو:
ويوما على صلت الجبين مسحج ... ويوما على بيدانة الخ
اللسان (مادة بيد).
(5) بقى تفسير قوله: اللامحين إلى الأقارب، وقد شرح ذلك السكرى فقال: اللامحين إلى الأقارب، إلى من يأتيهم من أقاربهم بشئ يأكلونه. اه
(2/81)

ويجانِبَيْ نَعمانَ (1) قل ... تُ أَلَنْ يُبَلِّغَنى مآرِبْ
مآربِى، أي ما أريد من حوائجى (2).
دَلَجى (3) إذا ما اللّيلُ جَنّ ... على المُقَرَّنةِ الحَباحِبْ
المقرَّنة: التى دنا بعضُها من بعض من الجبال. والحبَاحِب: الصِّغار منها. جَنَّ يقول: أَلْبَس الجبالَ الّتى يدنو بعضُها من بعض؛ وقال ابن أحمر:
فَصدِّق ما أقولُ بحَبْحَبِىٍّ (4) ... كَفْرخِ الصَّعوِ فى العامِ الجَديبِ
يعني بَكرا صغيرا.
ما شئتَ (5) من رجلٍ إذا ... ما اكتَظَّ من مَحْضٍ ورائبْ
يقول: إذا امتلأ بطنُه حتى يكُظَّه الشِّبعَ.
حتّى إذا فَقدَ الصَّبو ... حَ يقول عَيشٌ ذو عَقاربْ
ذو عقارب، أي عيشٌ فيه مكروه؛ ويقال للأمر الّذى فيه بعض ما يُكرهَ: فيه ذَنَبُ عَقْرَب.
__________
(1) ذكر السكرى أن نعمان من بلاد هذيل.
(2) عبارة السكرى: مآرب، حوائج، بدون إضافة إلى ياء المتكلم في كلا اللفظين.
(3) دلجى: فاعل لقوله فيما سبق "يبلغنى".
(4) الحبحبىّ: الصغير الجسم. والصعو: صغار العصافير.
(5) ورد في شرح السكرى قبل هذا البيت بيت آخر لم يرد هنا، وهو:
والحنطئ الحنطىّ " يم ... ثج بالعظيمة والرغائب
والاتصال بين هذا البيت وبين ما بعده قوى ظاهر. وقال السكرى في شرحه ما نصه: الحنطئ القصير. والحنطىّ الذي يأكل الحنطة ويسمنْ عليها. يمثج: يطعم. يقول: هو يكرم ويطعم الرغائب، واحدتها رغيبة، وهي السعة في العيش من كل ضرب أراد. ويروى "والحنطئ المرّيح يم ... جد" قال: الحنطئ يأكل الحنطة. ومرّيح: من المرح. أبو نصر، الحنطئ: المنتفخ. قال: ولم يعرف الأصمعىّ البيت اه.
(2/82)

(وقال يذكر فرّته الّتى كان فَرَّها)
كرهتُ جَذيمةَ العَبْدىَّ لمّا ... رأيتُ المَرءَ يَجْهَد غيرَ (1) آلى
غير آلِى، يقول: لا يَدَعُ مِن الجُهْدِ شيئا.
فلا وأبيكِ لا يَنجو نَجائى ... غداةَ لقيتُهم بعضُ الرجالِ
هواءُ مِثْلُ بَعْلِكِ مستميتٌ ... على ما فى إعائِكِ كالخيالِ
قوله: هواء، أي نَخيبُ القلب. قوله: مستميت، يقول: يستميت. على ما في وِعائك، لا يُخرِجه ولا يَطعَمُه له خَيالٌ (2) ومَنظَر، ليس بشيء. قال أبو سعيد: ويقولون: إعاؤه وإسادُه.
يدمِّي وجهَ حَنَّتِه إذا ما ... تقول تَلفَّتَنّ إلى العِيال
قال: ويقال لامرأة الرجل حَنَّتهُ وطَلَّتُه وحَوْبَتهُ ورَبَضه وعِرْسهُ. ويقال: هل اتخذت رَبَضًا؟ وَربَضُ الرّجلِ: أهلهُ.
ويَحسِب نفسَه مَلِكا إذا ما ... تَوسَّدَ ظَبْيةَ (3) الأَقِطِ الجُلالِ
كأنَّ مُلاءتَىَّ على هِزَفٍّ ... يَعُنُّ (4) مع العِشيّة للرِّئالِ
__________
(1) قال السكرى في شرح هذا البيت: جذيمة الرجل الذي عدا في أثره، قد كرهه لأنه كان فارسا.
(2) فسر السكرى الخيال في هذا البيت بأنه شيء يصنع للذئب أن يقرب الغنم.
(3) الظبية: جراب صغير؛ وقيل إنه يتخذ من جلد الظبية. والأقط: شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل.
(4) يعن بضم العين: لغة هذيل. وغيرهم يقول: يعن بكسرها قاله السكرى. وروى في اللسان "على هجف" من قوله: "على هرْف".
(2/83)

يقول: كأنّ ملاءتَىَّ على ظَلِيم من سرعتى. يَعُنّ: يَعترِض، ويقال: اِعتَنَّ لى وعَنَّ لي يَعُنُّ عَنِينا. والرِّئال: فِراخ النَّعام، والواحد رَأْل. قال: والهِزَفّ والهِجَفّ من الظِّلْمان: الجافى.
على حَتِّ البُرايةِ زَمْخَرِىِّ السَّ ... واعِدِ ظَلَّ في شَرْىٍ (1) طوالِ
على حَتّ البُرَاية، أي سريع حين لا يَبقى منه إلّا بُراية (2)؛ ويقال للناقة: إنها لذات بُراية إذا كانت تُركَب بعد نُحولها. وقوله: زَمْخَرِىّ، الزَّمْخَرِىّ الأجوف (3). والسّواعِد: مواضعُ المُخّ من عظام الظَّليم. والظَّليم لا مُخَّ فيه. يقول: هو أجوَفُ قَصَبِ الجَناح (4). والسواعد أيضا: عروقُ الضَّرْع التي تَدِرّ. والسواعد أيضاً: مَجارِى عيون البئر.
كأنّ جَناحَه خَفَقانُ رِيحٍ ... يمَانيَةٍ برَيْطٍ غيرِ بالى
يقول: كأنّ جَناحَيْه ممّا يَخفِق بهما رَيْط تَضْرِبه ريحُ الجَنوب. غيرُ بالى أي جديد لم يتمزّق.
__________
(1) الشرى: شجر الحنظل، وقيل: شجر تتخذ منه القسيّ. ووصفه بالطول لأنهن إذا كن طوالا سترن الظليم فزاد استيحاشه، ولو كن قصارا لسرح بصره وطابت نفسه قاله في اللسان.
(2) عبارة اللسان (مادة حت) الحت السريع وأنشد هذا البيت، ثم قال: وإنما أراد حتا عند البراية أي سريع عند ما يبريه من السفر؛ وقيل: أراد حت البرى، فوضع الاسم موضع المصدر. ثم ذكر قولا آخر في معنى حت البراية وهو أنه منحت الريش لما ينفض عنه عفاءه من الربيع، ووضع المصدر الذي هو الحت موضع الصفة الذي هو المنحت.
(3) قيل في تفسير الزمخشرى أيضا إنه الغليظ الطويل.
(4) الذي وجدناه فيما بين أيدينا من الكتب أنه يريد وصفه بأنه أجوف العظام مطلقا لا قصب الجناح خاصة.
(2/84)

بَذَلْتُ لهم بذى شَوْطانَ (1) شَدِّى ... ولَم أَبْذُل غَداتئذٍ قتالى
ذو شَوْطان: مكان. يقول: بذلتُ لهم عَدْوِى ولم أبذُلْ قِتالى.
وأَحسِب عُرْفُطَ الزَّوْراءِ يُودى ... علىَّ بوَشْكِ رَجْعٍ واستِلالِ
يقول: كأنّ هذا الموضع (2) يُعينُ علىَّ مِن فَرَقِى (3). واستِلال، أي كأنه يَسْتَلُّ علىّ السيفَ لمِا دخلنى من الفزع. والوَشْك: العَجَلة. ويقال: آدِنِي على ذاك أي أعنِّى عليه. قال: وأهل الحجاز يقولون: قد استأدَيتُ الأميرَ أي استعنتُه.

(وقال أيضًا)
أَعَبْدُ اللهِ يَنْذُر يالَسَعْدٍ ... دَمِى إن كان يَصْدُق ما يقولُ
أي أنه كاذب لا يقدر على ذلك.
متى ما تَلقَنى ومعى سلاحى ... تُلاقِ الموتَ ليس له عَديل
يقول: هو، تُلاقى الموتَ نفسَه، ليس يَعدِلُه شيء.
__________
(1) في رواية "بذى وسطان" (ياقوت والسكرى).
(2) صواب العبارة: "كأن عرفط هذا الموضع" كما يستفاد ذلك من كلام السكرى، فقد ورد فيه ما نصه: يقول: كلما طلعت عرفطة أحسبها إنسانا يعين عليّ من الفرق. وقال في موضع أخر، يقول: كلما مررت بشجرة ظننتها تعين علىّ. الخ والذي وجدناه عدة مواضع يسمى كل منها الزوراء. والعرفط: من شجر العضاه، وله صمغ كريه الرائحة، وهو يفرش على الأرض لا يذهب في السماء، وله ورقة عريضة وشوكة حديدة حجناء, وتصنع من لحائه الأرشبة التي يستقى بها الخ.
(3) في الأصل: "فوق"؛ وهو تحريف
(2/85)

تُشَايعُ (1) وَسْطَ ذَوْدِكَ مُقْبَئنًّا ... لِتُحسَبَ سيّدا ضَبُعا تَبُولُ
المشايَعة: دعاء الإبل، وهو الشِّياع، وأنشد لحسّان بنِ ثابت:
طَوَى أبرَقَ العَزّافِ يَرعدُ مَتْنُه ... حَنين المَتالى خَلفَ ظَهْر المُشايِعِ (2)
وهو دَعّاء الإبل. والمُقْبئنّ: المجتمِع (3). والذَّوْد: ما بين الثلاثة إلى العَشَرة من الإبل.
عَشَنْزَرَةٌ جَواعِرها ثَمانٍ ... فُوَيقَ زماعهَا وَشْمٌ حُجُولُ
العَشَنْزَرة: الغليظة (4). وقوله: جواعرُها ثمانٍ، يقول: إنّ للضَّبُع في دُبُرهاُ خُروقا (5) عِدةً فُوَيْقَ زِماعها، والزِّماع: جمع زمعة، والزَّمَعة: شَعَرات خَلْفَ ظِلْفِ الشاة، فضربه مَثَلا، وهي شَعَرات مجتمِعة مِثلُ الزيتونة. وَشْم (6): خطوط.
__________
(1) في رواية "فشايع". وفى رواية "مستقنا" مكان، "مقبئنا" من القن بكسر القاف، وهو الذى يقيم مع غنمه يشرب ألبانها ويكون معها حيث ذهبت. ويريد بقوله "ضبعا" نداءه أي يا ضبعا فهو منصوب على النداء. قاله السكرى في شرحه ص 63 طبع أوربا وورد فيه أيضا وفى اللسان "مادّة قئن" وفى هامش الأصل "تنول" بالنون وفسره في الأصل بقوله: " أي تحرك استها". وفسره السكرى فقال: هي التي إذا مشت تحرك رأسها. وذكر الأزهرى في تفسير قوله "مستقنا" ضبعا الخ أي مستخدما امرأة كأنها ضبع "اللسان مادّة قنن"، وذكر السكرى في معنى هذا البيت أنه يقول: إنك ذو يسر ومال.
(2) في ديوان حسان "نحو صوت المشايع" وأبرق العزاف: موضع بالمدينة. والمتالى: التي تتلوها أولادها. يصف برقا.
(3) فى "شرح السكرى: المقبئن المنتصب. وفي رواية "مقتئن" أي منتصب أيضا؛ قاله في اللسان وفى شرح السكرى.
(4) زاد السكرى "المسنة" أيضا.
(5) قال في اللسان في تفسير قوله: "جواعرها ثمان" أن لها جاعرتين فجعل لكل جاعرة أربعة غضون، وسمى كل غصن منها جاعرة باسم ما هي فيه.
(6) روى "خدم" بالتحريك مكان "وشم" والخدمة مثل الخلخال، وهو لون يخالف سائر لون رجلها قاله السكرى ص 64 وفى السكرى أيضا "رسم" بضم أوله وفتح ثانيه؛ وما هنا هو ماء يرد في اللسان. ولم نجد الرسم في مادّة رسم بمعنى النقط أو الخطوط فيما راجعناه من كتب اللغة؛ وقد انفرد بذلك السكري فى شرحه نقلا عن الجمحى.
(2/86)

تراها الضُّبْعُ أعظمَهنّ رأسا ... جُراهِمةُ لها حِرَةُ وَثِيلُ (1)
الجُراهمة: العظيمة الرأس (2)؛ ويُروَى حُراهِمة بالحاء (3). وحِرَة يعني حِرًا، يريد أنّها خُنْثَى (4).
وإِن السيّد المعلومَ منّا ... يجود بما يَضَنّ به البخيلُ
السيّد المعلوم، هو الّذى يجود ويعطِى.
وإنّ سِيادة الأقوام فاعلمْ ... لها صَعْداءُ (5) مَطلَعُهَا طويلُ
مَطلَعُها: مكانُها (6) لأنّها تَطلعُ منه، شديدُ التصعّد. وفي الحديث أنّ عليّا قال: هذا بشيرٌ قد طلع اليَمَن. وقول: "صَعْداء" يريد موضعا شديدَ التصعُّد.
__________
(1) الثيل: جراب قضيب البعير. وقال السكرى في شرح قوله. لها حرة وثيل، يقال إنها خنثى.
(2) في اللسان: الضخمة الثقيلة. وقال السكرى: الجراهمة المغتلمة.
(3) وبالعين المهملة أيضاً اللسان مادة (عرهم).
(4) في الأصل "أنثى" وهو تحريف صوابه ما أثبتنا كما يقتضيه معنى قوله: "لها حرة وثيل". وانظر اللسان مادّة "جرهم". وقد نقلنا عبارة السكرى الدالة على هذا أيضا فيما سبق.
(5) كذا ضبط هذا اللفظ في اللسان (مادة صعد) بفتح الصاد وسكون العين، وفسره فقال: أكمة ذات صعداء: يشتدّ صعودها على الراقى. وضبط في الأصل وفي شرح السكرى بضم الصاد وفتح العين؛ وروى هذا البيت في اللسان" وإن سياسة" الخ.
(6) عبارة السكرى "مطلعها: الإشراف على أعلاها".
(2/87)

وقال أبو كبير (1) -واسمه عامر بن الْحُلَيسْ- أحد بني سعد بن هُذَيل ثم أحد بنى جُرَيْب
أزهير هل عن شيْبةٍ من مَعْدِلِ ... أم لا سبيلَ إلى الشَّباب الأوّل
قوله: أَزُهَيرْ، قال أبو سعيد: يريد زُهَيْرة. وقوله: هل عن شَيْبة من مَعْدِل، يقول: هل عن شَيْبةٍ من مَصِرف، أم لا سبيلَ إلى شَبابى الّذى مضى.
__________
(1) كان السبب في هذه القصيدة أن أبا كبير تزوّج أم تأبط شرا، وكان غلاما صغيرا، فلما رآه يكثر الدخول على أمه تنكر له، وعرف ذلك أبو كبير في وجهه إلى أن ترعرع الغلام، فقال أبو كبير لأمه: ويحك، قد والله رابنى أمر هذا الغلام، ولا آمنه، فلا أقربك. قالت: فاحتل عليه حتى تقتله، فقال له ذات يوم: هل لك أن تغزو؟ فقال: ذاك من أمرى. قال: فامض بنا؛ فخرجا غازيين ولا زاد معهما، فسارا ليلتهما ويومهما من الغد حتى ظن أبو كبير أن الغلام قد جاع، فلما أمسيا قصد به أبو كبير قوما كانوا له أعداء، فلما رأيا نارهم من بعد قال له أبو كبير: ويحك قد جعنا، فلو ذهبت إلى تلك النار فالتمست منها لنا شيئا؛ فمضى تأبط شرا فوجد على النار رجلين من ألص من يكون من العرب، وإنما أرسله إليهما أبو كبير ليقتلاه، فلما رأياه قد غشى نارهما وثبا عليه، فرمى أحدهما وكرّ على الآخر فرماه، فقتلهما، ثم جاء إلى نارهما فأخذ الخبز منها، فجاء به إلى أبي كبير، فقال: كل لا أشبع الله بطنك، ولم يأكل هو، فقال: ويحك، أخبرنى قصتك، فأخبره، فازداد خوفا منه، ثم مضيا في ليلتهما فأصابا إبلا؛ وكان يقول أبو كبير ثلاث ليال: اختر أي نصفى الليل شئت تحرس فيه وأنام وتنام النصف الآخر. فقال: ذلك إليك، اختر أيهما شئت، فكان أبو كبير ينام إلى نصف الليل ويحرسه تأبط شرا، فإذا نام تأبط شرا، نام أبو كبير أيضاً لا يحرس شيئا، حتى استوفى الثلاث، فلما كان في الليلة الرابعة ظن أن النعاس قد غلب على الغلام فنام أوّل الليل إلى نصفه، وحرسه تأبط شرا، فلما نام الغلام قال أبو كبير: الآن يستثقل نوما وتمكننى منه الفرصة، فلما ظن أنه قد استثقل أخذ حصاة فحذف بها، فقام الغلام كأنه كعب فقال: ما هذه الوجبة؟ قال: لا أدرى والله، صوت سمعته في عرض الإبل, فقام فعس وطاف فلم ير شيئا، فعاد فنام، فلما ظن أنه استثقل أخذ حصية صغيرة فحذف بها، فقام كقيامه الأوّل، فقال: ما هذا الذى أسمع؟ قال: والله ما أدرى، لعل بعض الإبل تحرّك، فقام وطاف فلم ير شيئا، فعاد فنام، فأخذ حصاة أصغر من تلك، فرمى بها، فوثب فطاف ورجع إليه، فقال: يا هذا إنى أنكرت أمرك، والله لئن عدت أسمع شيئا من هذا لأقتلنك. قال أبو كبير: فبت والله أحرسه خوفا أن يتحرّك شيء من الإبل فيقتلنى، فلما رجعا إلى حيهما قال أبو كبير: إن أم هذا الغلام لا أقربها أبدا وقال هذه القصيدة اه ملخصا من (خزانة الأدب ج 3 ص 467 طبع بولاق) وزعم بعض الرواة أنها لتأبط شرا.
(2/88)

أم لا سبيلَ إلى الشّبابِ، وذِكرُه ... أَشهَى إليّ من الرّحيق السَّلْسَل
قال ابن دُرَيْد: وذِكرُه وذِكرِه بالضم والكسر. " الرحيق: اسم الخمر. والرَّحيق: اسمٌ يقع علي الخمر (1) ". والسَّلْسَل: السهل في الحَلْق السَّلِس.
ذهب الشبابُ وفات منِّى ما مضى ... ونضا زُهَيْر كرِيهتى وتبطُّلى
نَضا: انسَلخ. وكريهتُه: شدّته، ورجلَ ذو كريهة، أي شِدّة. وسيف ذو كريهة أي ماضٍ على الضرائب الشِّداد.
وصَحَوتُ عن ذكر الغوانى وانتهَى ... عُمُرِى وأَنكرتُ الغَداةَ تقتُّلِى
وانتهى عمرى، يقول: بلغ عُمُرِى نهايتَه. تقتُّلى، أي تكسُّرى وتغنُّجى.
أزهير إن يَشِب القَذالُ فإِنّنى ... رُبَ هَيْضَلٍ مَرِسٍ لَفَفْتُ بهَيْضَلِ
ويُروَى: لَجِبٍ. يقول: يا زُهَيْرة، إنْ يَشِب القَذالُ وهو ما بين الأُذُنين والقفا. والهَيْضَل والهَيْضَلة واحد، وهم الجماعة من الناس يُغْزَى بهم. مَرِسَ: ذو مَراسة (2) وشدّة:
فلَففْت بينهمُ لغير هَوادةٍ ... إلّا لسَفْكٍ للدِّماء محلَّلِ
لفَفَت بينهم في الحرب: كنت رئيسا عليهم.
حتى رأيتُ دماءَهمْ تغشاهمُ ... ويُفَلّ سَيفٌ بينهم (3) لَم يُسْلَل
__________
(1) لا يخفى ما في العبارتين من التكرار.
(2) أراد بالمراسة هنا شدّة المعاجلة في الحرب.
(3) ويفل سيف الخ، يريد أن سيوف أعدائه تفل وهي في أغمادها قبل أن تسل خوفا ورعبا.
(2/89)

ويُروَى: ويُفَلّ سيْفٌ، ويُغَلّ (1). تَغْشاهم، يقول: حتى رأيتُ دماءَهم تسيل عليهم.
أزهير إن يُصبِحْ أبوكِ مقصِّرا ... طِفْلا يَنوءُ إذا مَشَى للكَلْكَلِ
يقول: صار كأنّه طِفْل من الصِّبْيان لكِبَره وسِنِّه. والكَلْكَل: الصَّدْر وجَمْعُه كَلا كِل.
يَهدى العَموُد له الطريَق إذا همُ ... ظَعَنوا ويَغمِدُ للطّريق الأَسْهَلِ
العَمود: العصا التي يتوكّأ عليها. والأسهَل: الأليَن. وظَعَنوا: شَخَصوا.
فلقد جمعتُ من الصّحابِ سَرِيّةً ... خُدْبا لِداتٍ غيرَ وَخْشٍ سُخَّلِ
الأخدب: الأهوَج. خُدْبا، وهم الّذين يركبون رءوسَهم لا يردّهم شيء. والسُّخَّل: الضِّعاف، وإذا ضعف حَمْل النخلة قيل: قد سَخَّلتْ. قال أبو سعيد: ولا أدرى ما واحد السُّخَّل. ويقال: نخل سُخَّل إذا كان قليلَ الحَمْل. ولِداتٍ: قَرُب بعضهمْ من بعضٍ في السنّ. والوَخْش: النّذْل من كل شيء (2)؛ ويقال وَخشُ المَتاع.
سُجَراءَ نفسى غيرَ جمعِ أُشابَةٍ ... حُشُدًا ولا هُلْكِ المَفارش (3) عُزّلِ
__________
(1) يغل سيف بالغين، من الغل بضم الغين وهو شدّة العطش. وذلك لأن السيف إذا كان في غمده لم يسلل، فكأنه عطش إلى الدماء.
(2) قوله: "من كل شيء" كان مقتضى هذا التعميم أن يقول "الرذل" بالراء، لا النذل بالنون، إذ النذالة خاصة بالناس، والرذالة يوصف بها الناس وغيرهم، كما يستفاد من كتب اللغة.
(3) حشدا أي لا يدعون عند أنفسهم شيئا من الجهد والنصرة والمال؛ ويقال للواحد حشد بفتح أوّله وكسر ثانيه، وحاشد. والعزل بالتشديد: الذين لا سلاح معهم، فهم يعتزلون الحرب.
(2/90)

سُجَراء نفسى، قالوا سَجِير الرجل صفيُّه وخاصّتُه، وأنشد أبو سعيد:
* وأنت صَفِىُّ نفسِه وسَجِيرُها (1) *
"والواحد (2) سَجِير (2) ". وقوله: ولا هُلْكِ المَفارِش، ليس أمّهاتُهم أمّهاتِ سوء. والهَلوك، هي الّتي تتساقط على زوْجها وتَغَنَّج.
لا يُجْفِلون عن المُضاف ولو رأَوا ... أُولَى الوَعاوِعِ كالغَطاطِ المقبِلِ
لا يُجْفِلون: لا يَنْكشفون. والمُضاف: المُلْجأ. وقوله: أولَى الوَعاوِع أي أوْل من يُغيث (3) من المقاتِلة. يقول: إذا رأَوْا أعدائهم يَحمِلون عليهم كما يبدو الغَطاط (4) لم يُجْفِلوا عن ثغرهم وقاتَلوا عنه. والوَعاوِع: جمع وَعْوَاعَة (5).
يتعطّفون على البطئ تعطُّفَ ال ... عُوِذ المَطافِلِ في مُناخِ المَعقِلِ
العُوذ: جمع عائذ، وهي الّتى معها ولد صغير. قال: والمَطافِل الّلاتى معهنّ أطفال لهن (6) (أولاد صغار). والمَعقِل: الحِرْز الذي يأوون إليه فيكون لهم حِرْزا. فيقول: هؤلاء القومُ يتعطّفون على جَرحاهم وقَتلاهم كما تتعطّف العُوذ.
__________
(1) هذا عجز بيت من قصيدة لخالد بن زهير يخاطب بها أبا ذؤيب، وصدره:
تنقذتها من عبد وهب بن جابر ... وأنت صفى. . . . . . . . الخ
وفى رواية * وأنت صفى النفس منه وخيرها *
(2) يلاحظ أن معنى هذه العبارة التي بين هاتين العلامتين يستفاد مما سبق.
(3) في الأصل: "يعبث" بالعين المهملة؛ وهو تحريف. والتصويب عن كتب اللغة.
(4) قد سبق التعريف بالغطاط في الحاشية رقم 1 من صفحة 25 عند قول المتنخل:
وماء قد وردت أميم طام ... على أرجائه زجل الغطاط
فانظره ثم.
(5) صوابه جمع "وعواع" إذ لم نجد الوعوعة إلا بمعنى صوت الذئب والكلب. والوعاوع في البيت أصله وعاويع فحذف الياء للضرورة قاله ابن سيده اللسان والقاموس مادة (وعع).
(6) في الأصل "وهن"؛ وهو تحريف صوابه ما أثبتنا.
(2/91)

ولقد سَرَيتُ على الظَّلام بمغْشَمٍ ... جَلْدٍ من الفِتْيان غيرِ مُهَبَّلِ (1)
الْمِغشَم: الذي يَغْشِم الناسَ ويَظلمُهم ولا يتخاجَأ (2) عن شيء. والمهبَّل: الكثير اللحم (3).
ممّا (4) حَمَلْن به وهنّ عَواقِدٌ ... حُبُكَ الثّيابِ فشَبَّ غيرَ مثقَّلِ (5)
ويُروَى "حُبُكَ النِّطاق"، يقول: حَملتْ به أمّه وهى فَزِعة، وكانوا يقولون: إذا حَملت المرأةُ وهي فَزِعة فجاءت بغلام جاءت به لا يطاق.
قال أبو سعيد: وكانت العرب تقول: من حَملتْ به أمُّه وهي فَزِعةُ جاء مفزِّعا فقال: "حملت به" وقد تَحزّمتْ للهَرَب فجاء هكذا. والحُبُك: كلُّ ما حُزِم به شيء فهو حِباك.
حَملَت به في ليلةٍ مَزْءودةٍ ... كَرْها وعَقْدُ نِطاقِها لَم يُحلَلِ
كان أبو عبيدة يَنصِب مزءودة، والأصمعيّ يجرّها، يجعل الزّؤدَ للّيلة. ومزءودة: فَزِعة. يقول: أكرِهتْ فلم تَحُلَّ نِطاقَها، قال الأصمعىّ: وحدّثنى عيسى بنُ عمرَ قال: أنشدتُ هذا البيتَ خيرَ بنَ حبيبٍ فقال: قاتله الله، يَغْشِمُها (6) قبل أن تَحُلَّ نِطاقَها.
فأتت به حُوشَ الجَنان مبطَّنا ... سُهُدا إذا ما نام لَيْلُ الهَوْجَل
__________
(1) في رواية "غير مثقل".
(2) ولا يتخاجأ عن شيء، أي لا يتباطأ.
(3) زيد في كتب اللغة (المتورم الوجه).
(4) مما، أي هو من الحمل الذي حملن به الخ. وفي رواية "ممن" انظر خزانة الأدب ج 3 ص 466.
(5) في رواية "غير مهبل".
(6) يغشمها: يغصبها.
(2/92)

حُوش الفؤاد، يقول: فؤادُه وَحْشِىّ (1). مبطَّن: خَميصُ البَطْنِ، ورجل مِبْطان إذا كان [غير] (2) خَمِيص البطن. وقوله: سُهُدا، يقول: لا ينام الليلَ كلَّه، هو يَقْظانُ. والهَوْجَل: الثقيل؛ ويقال: فَلاةُ هَوْجَل إذا لم يكن يُهتدَى فيها، إذا لم يكن فيها عَلَم.
ومبرَّأً من كلِّ غُبَّرِ حَيْضةٍ ... وفَسادِ مُرضِعةٍ وداءٍ مُغْيِلِ
الغُبَّر: البقيّة. وقوله: وفساد مرضِعة، يقول: لم تَحمِل عليه فتسقيه الغَيْل وليس به داءٌ شديد قد أَعضَل (3). الحَيْضة: المرّة من الحَيض. قاد: وسمعتُ أبا عمرو بنَ العَلاء يقولها: الحَيْضُ غِذاء الصبيّ.
فإذا طَرَحتَ له الحَصاةَ رأيته ... يَنْزُو لوَقْعَتها طُمورَ الأَخْيَلِ
قال: يريد أنه حديد القلب لا يَستثقِل في نومه. والأَخْيَل: طائر أخضرُ يُتشاءم به. طُمُور: نَزْو.
ما إنْ يَمَسُّ الأرضَ إلاَّ مَنِكبٌ ... منه وحَرْفُ الساقِ طَىَّ المِحْمَل
يقول: إذا اضطجع لم يَمِسَّ الأرضَ إلاَّ مَنكِبُه وحرفُ ساقِه لأنّه خميص البطن، فلا يصيب بطنُه الأرضَ، والمِحمَل: مِحمَل السَّيف.
__________
(1) في اللسان: حوش الفؤاد حديده.
(2) لم ترد هذه الكلمة التى بين مربعين في الأصل. والصواب زيادتها. فقد ورد في كتب اللغة أن المبطان هو الضخم البطن من كثرة الأكل.
(3) يلاحظ أن قوله: "قد أعضل" تفسير لرواية أخرى في البيت، وهي "وداء معضل" مكان "مغيل" وكان الأولى للشارح تفسير ما ورد في هذا البيت هنا. والمغيل بضم الميم وكسر الياء، من الغيل، وهو أن تغشى المرأة وهي ترضع، فذلك اللبن الغيل، يقال أغالت المرأة ولدها وأغيلته بفتح الياء فهى مغيل بكسر الغين ومغيل بسكونها وكسر الياء إذا أرضعته على حبل. انظر كتب اللغة.
(2/93)

واذا رَميتَ به الفِجاجَ رأيتَه ... يَنْضُو مَخارِمَها هُوىَّ الأَجْدَلِ
الفجاج: الطُّرُق. والواحد فَجّ. ويَنْضُو: يَقطَع ويَجوز. والمخَارم: أنوف الجبال، والواصد منها مَخْرِم (1). والأجدل: الصَّقْر.
واذا نَظَرْتَ إلى أَسرّة وَجْهِه ... بَرقتْ كبَرْقِ العارضِ المتهلِّلِ
أَسِرَتُه: طرائقه. والعارض، هو الّذى يجئ مُعارِضا في السماء. والمتهلِّل: المُمْطِر.
وإذا يَهُبُّ من المنام رأيتَه ... كُرتُوب كَعْبِ السّاق ليس بزُمَّلِ
يقول: تراه منتصِبا كانتِصاب الكَعْب. والرُّتُوب: الانتصاب. والزُّمَّل: الضعيف. ويقال: رجل زُمَّل وزُمَّيْل وزُمّال وزُمَّيْلة. يقول: يَنتْصِب إذا قام من منامه كما يقوم الكَعْب إذا رَتَب.
صَعب الكَريهة لا يُرامُ جَنابُه ... ماضى العزيمةِ كالحُسام المِقْصَلِ
قال: يقال رجل ذو كريهة إذا كان له صبرٌ علي النبلاء. وقوله: ماضى العزيمة، يقول: عزيمتُه ماضية، إذا اعتَزم على أمرٍ قَضاه. والمِقْصَل: القاطع.
يَحمِى الصِّحابَ إذا تكون عظيمةُ ... وإذا هم نَزَلُوا فمأوَى العُيَّلِ
قال: يكون حاميةَ أصحابِه إذا وقعوا في عظيمة، وإذا صاروا في منازلهم فبيتُه مأوَى الفقراء. والعُيَّل: جمع عائل.
__________
(1) وقيل: المخزم الثنية بين الجبلين.
(2/94)

ولقد شهدتُ الحىَّ بعد رُقادِهمْ ... تُفْلَى جمَاِجمُهمْ بكلّ مقلَّلِ
بعد رُقادهم، قال: كأنّهم بُيِّتوا. وتُفْلَى: تُعْلَى. بكلّ مقلَّل بكلّ سيف جُعلتْ له قُلّة، وهي القَبِية (1) , وكذا الرواية مقَلَّل. ويُروَى "بكلّ مؤلَّل" وهو المحدَّدَ المرقَّق. ويُروَى بكلّ منخَّل (2) أي متنخَّل (2)، هذا عن ابن دُرَيد.
حتّى رأيتُهمُ كأنّ سحابةً ... صابتْ عليهنم وَدْقُها لَم يُشْمَلِ
صابت تَصُوب تَنحدِر كما ينحدر المطر. وقوله: لَم يُشمَل أي لم تُصِبْه الرِّيح الشَّمال، وذاك أن الشَّمال إذا أصابته انقَشَع.
نَضَعُ السّيوفَ على طَوائفَ منهم ... فنقيمُ منهمْ مَيْلَ ما لَم يُعْدَلِ
الطوائف: النواحى، الأيدى والأرجل والرءوس. وقوله: ميلَ ما لمَ يُعدَل قال: مَيْلُه فضْلُه وزيادتُه. وإنما يريد أنّ هؤلاء القومَ كانوا غَزوْهم فقتلوهم فكان ذلك المَيلُ مَيْلا على هؤلاء القوم المقتولين ثم غَزَوْهم بعدُ فقتلوهم، فكان قتلهم لهم قياما للمَيْل، وهو مِثْلُ قولِ ابنِ الزِّبَعْرَى:
* وأَقَمْنَا مَيْلَ بَدْرٍ فاعتَدَلْ *
يقولها في يومِ أحُد. يقول: اِعتدَلَ يومُ بَدْر إذ قَتلنا مثلَهم يوم أُحُد. ويُروَى:
تقعُ السيوفُ على طوائفَ منهمُ ... فيُقام منهم مَيْلُ ما لم يُعْدَلِ
__________
(1) قبيعة السيف ما كان على رأس قائمه، وهى التي يدخل القائم فيها، وربما اتخذت من فضة. وفى الأصل: "مفلل" في البيت و"فلة" بالفاء في الشارح؛ وهو تصحيف إذ لم نجد الفلة بهذا المعنى فيما بين أيدينا من كتب اللغة.
(2) ورد هاتان الكلمتان اللتان تحت هذا الرقم بالحاء المهملة فى الأصل؛ ولم نجد فيما راجعناه من كتب اللغة نحله ولا تنحله بتشديد الحاء, المهملة، من النحول؛ والصواب ما أثبتنا. "والمنخل والمتنخل" بالخاء المعجمة مشدّدة أي المنتقى المتخير المصفى.
(2/95)

متكوِّرين على المَعارِى بينهمْ ... ضَرْبٌ كتَعْطاط المَزاد الأَنْجَلِ
متكوِّرِين، أي بعضُهم على بعضَ، على المَعارِي، وهي السَّوْءات (1). يقول: سقطوا عليها حين ضُرِبوا. والأَنْجَل: الواسع، مِثل طَعْنة نَجْلاء أي واسعة.
نَغْدو فنَتْرك في المَزاحِف من ثَوَى ... ونُمِرُّ في العَرَقاتِ من لم يُقْتَلِ
ابن دُرَيد "من لم نَقْتُل". نُمِرّ، يقول: نُوثِق. والعَرَقة: حبلٌ مضفور مِثلُ ضَفْر النِّسْعة. ويقال: السَّفيف (2) (الزَّنْبيل)، للواحد منه عَرَقة.
ولقد رَبَأتُ إذا الرجاُل تَواكَلوا ... حَمَّ الظَّهيرة في اليَفاعِ الأَطْوَلِ
ربَأْتُ، يقول: كنتُ ربيئةً لهم. وحَمُّ الظَّهيرة: مُعْظَمُها.
في رأسِ مُشرِفةِ القَذالِ كأنّما ... أَطْرُ السَّحاب (3) بها بَياضُ الِمْجدَلِ
قال: إنما هذا مَثَل. يقول: لها عُنُق مُشْرِف، وإنّما يَعنِي هَضْبة والمِجْدَل: القَصْر، والمَجادِل للجَمْع.
وعَلَوْتُ مُرْتَبِئا على مَرْهوبةٍ ... حَصّاءَ ليس رقيبُها في مَثْمِلِ
__________
(1) ورد فى اللسان (مادة عرى) في تفسير المعارى أنها مبادى العظام حيث ترى من اللحم؛ وقيل هي الوجه واليدان والرجلان؛ وأنشد هذا البيت. وتعطاط: من العط، وهو الشق.
(2) ويقال: السفيف، أي ويقال في معنى العرق إنه السفيف أي الزنبيل، كما ورد في كتب اللغة في بعض الأقوال؛ ففى كلام الشارح حذف إذ لم يذكر العرق بدون هاء.
(3) أطر السحاب، أي مأطوره، فهو مصدر بمعنى المفعول. والأطر: الاعوجاج، يريد ما تعطف من السحاب على هذه الهضبة.
(2/96)

مرْهُوبة: يُرْهَب أن يُرقَى فيها. حَصّاء: ليس فيها نبات. وقوله: ليس رقيبُها في مَثْمِل. أي ليس رقيبها في (1) حِفْظٍ. مرتبئا أي كنتُ رَبيئةَ القَومِ.
عَيْطاءَ مُعْنِقَةٍ يكون أنيسها ... وُرْق الحَمامِ جَميمُها لمَ يُؤْكلِ
العَيْطاء: الطويلة العُنُق. والمُعْنِقة: الطويلة. وقوله: جَميمُها لم يؤكَل يقول: لا يَرْقىَ فيها راقٍ ولا راعٍ ولا أحدٌ فيأكُلَ جَميمها (2). أنيسها وُرْق الحَمام يقول: لا يؤنسك فيها إلاَّ الحَمامُ الخُضْر (3).
وَضَعَ النَّعاماتِ الرِّجالُ بَريدِها (4) ... من بين شَعْشاعٍ وبينِ مظلَّلِ
النَّعامة: خشبتانُ تُنصَبان ويُلقَى عليهما ثُمامٌ يَستظِلّ بما الرَّبيئة من الشمس والمطر.
أخرجتُ منها سِلْقةً مهزولةً ... عَجْفاءَ يَبرُقُ نابُها كالِمعْوَلِ
سِلْقة: ذِئبة، والذَّكَر سِلْق، عَجْفاء: مهزولة. وقولُه: كالِمعْوَل، يريد حديدةَ الناب كأنّ نابَها طَرفُ مِعْوَل.
__________
(1) في الأصل "في خفض" بالخاء والضاد، وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا كما يستفاد من كتب اللغة، فقد ورد فيها أن المثمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية: الملجأ.
(2) الجيم: ما نهض وانتشر من النبات. وفي عبارة أخرى: هو ما طال بعض الطول ولم يتمّ.
(3) أراد بالخضر الورق من الحمام وهي التي فيها سواد وغبرة؛ والعرب تطلق الخضرة على السواد. وفي اللسان (مادة خضر) أن الخضراء من الحمام الدواجن وإن اختلفت ألوانها لأن أكثر ألوانها الخضرة. وفي التهذيب أن العرب تسمى الدواجن الخضر وإن اختلفت ألوانها خصوصا بهذا الاسم لغلبة الورقة عليها.
(4) الريد: الحرف الناتئ في عرض الجبل. والشعشاع: الظل غير الكثيف الذي فيه فرج.
(2/97)

فزجزتُها فتلفّتتْ إذ رُعْتُهما ... كتلفُّت الغَضْبانِ سُبَّ الأَقْبَلِ (1)
قال: قَدَّم وأَخَّر، وإنَّما يريد كتلفُّت الغضبان الأقبَل سُبَّ، إذ رُعْتُها يعني الذئبةَ أفزعتُها.
ومعي لَبوسٌ للبَئيس (2) كأنّه ... رَوْق بجَبْهة ذى نِعاج مُجْفِلِ
ذى نعاج يعنى نوراً. والنِّعاج: البقر. والرَّوْق: القَرْن. ومعي لَبوس يقول: تأبَّط شَرًّا (3) اتَّخَذه لَبوسا.
ولقد صبرتُ على السَّموم يَكُنُّنى ... قَرِدٌ على اللَّيتَيْنِ غيرُ مرجَّلِ
قَرِد يعنى شَعرَه، يقول: قد قَرِد (4) من طول ما تركتُه لم أَدْهُنْه ولم أَغسِلْه.
صَدْيانَ أَخذَى الطَّرْفِ في ملمومةٍ ... لونُ السّحاب بها كلون الأَعْبَلِ
الأَخْذَى: الّذى في طَرْفه استرخاء من عطش. والأَعْبَل: المكان الذي فيه حجارةٌ كبيرة بِيض. وقوله: في ملمومة يعني هَضْبةً مدوَّرةً قد لُمَّ بعضُها إلى بعض.
مستشعِرا تحت الرِّداءَ وِشاحَةً (5) ... عَضْبا غَموضَ الحَدِّ غيرَ مفلَّلِ
يريد أن وِشاحَه سَيْف. والعَضْب: القاطع. والغَموض: الرَّسوب إذا مَسَّ الضريبةَ غَمُض مكانُه.
__________
(1) الأقبل: من القبل بفتحتين، وهو في العين إقبال سوادها على الأنف. وقيل هو مثل الحول بالتحريك أيضًا.
(2) البئيس: الشجاع.
(3) لعل في هذه الكلمة تبديلا من الناسخ والصواب تأبط رمحا بدليل قوله: "كأنه روق".
(4) قرد أي تجعد وتلبد.
(5) الوشاحة بالتاء: السيف قاله في اللسان (مادة وشح). وأنشد هذا البيت. وفي الأصل: "وشاحه" بالهاء غير منقوطة.
(2/98)

ومَعابِلا صُلْعَ الظُّباتِ كأنّها ... جَمرٌ بمَسْهَكةٍ تُشَبّ لمُصْطلِي
مَعابِل: سهام عِراض النِّصال. وقوله: صُلْع الظُّبات، يقول: تَبرُق، ليس عليها صَدَأ. بمَسْهَكة: بموضع شديدِ الرِّيح؛ ويقال سَهَكَت الريحُ وسَهَجَتْ إذا مرّت مرًّا سريعا. ويقال: رِيحٌ سَهُوك وسَهوجٌ إذا كانت تَقشِر الأرضَ من شدّة مَرِّها. تُشَبُّ: تُوقَد. يقول: هذه النِّصال كأنّها جَمْر.
نُجُفا بَذَلْتُ لها خَوافيَ ناهِضٍ ... حَشْرِ القوادِم كاللِّفاع الأطحَلِ
النُّجُف: العِراض النِّصال والظُّبات. وبذلك سُمى الرجلُ مَنْجوفا. والحَشْر: اللِّطاف (1) القُذَذ. واللِّفاع هو الكِساء واللِّحاف. والأَطحَل: الّذى كلَوْنْ الطِّحال إلى الغُبْسة والحُمْرة.
فإذا تُسَلُّ تَخَلخلتْ أرياشُها ... خَشْفَ الجَنوبِ بيابس من إِسْحِلِ
يقول: ليس رِيشُها بكَزّ، فإذا مسستَها سمعتَ لها خَشْفة أي صوتا. والإسْحِل: شجر (2).
وجَليلةِ الأنساب ليس كِمثلِها ... ممّن تَمتَّعُ قد أتتْهما أَرْسُلى
ويُروَى ممن يُمتِّع. والتَّمتيع: حُسنُ الغِذاء والتّنعيم. يريد امرأةً سَرِيّةَ الأنساب ليس مِثلُها؛ ثم قال: ممّن تَمتَّعُ هذه المرأةُ التي ذَكَر.
__________
(1) يلاحظ أن الشارح قد فسر الحشر وهو مفرد باللطاف وهو جمع، وكان الصواب أن يقول: ما لطف من القذذ، كما هي عبارة اللغويين؛ أو اللطيف من القذذ؛ والقذذ: ريش السهم، الواحدة فذة بالضم والتشديد.
(2) هو شجر يشبه الأثل تتخذ منه المساويك، ويعظم حتى تتخذ منه الرحال.
(2/99)

ساهرتُ عنها الكالِئَين كلاهما ... حتى التفَتُّ إلى السِّماك الأَعزَلِ
يقول: "سلت (1) بكلاوهما" أي ترقّبْتُهما حتى نُوِّما ثم سِرْتُ إليها.
قد خلتُ بيتا غيرَ بيتِ سَناخةٍ ... وازدرتُ مُزْدارَ الكريِم المُعْوِلِ
يقول: دخلتُ بيتا ليس بيتَ دَبّاغ ولا سَمّان ولا بيتَ صاحبِ وَدَك ولا بيتَ قَذَر أي بيتا طيّبَ الرِّيح، ويقال: سَمنْ سَنِخ إذا كان متغيّرا. والمُعْوِل: المُدِلُّ (2) عليه، إنما عَوَّل عليه، أي أدلَّ عليه. وعَوَّلْتُ عليه، أي أَدلَلْتُ عليه.
فإذا وذلك ليس إلاَّ حِينَه ... وإذا مضى شيءٌ كأن لم يُفْعَلِ
قال أبو سعيد: كذا أنشَدَنيهِ الأصمعيُّ ليس إلاَّ حِينَه بفتح النون، لم يُفْعَل أي يَكُن، فإذا وذلك، قال أبو سعيد: الواو زائدة، قال: قلتُ لأبي عَمْرو: يقول الرجل: ربَّنا ولك الحمد. فقال: يقول الرجل: قد أخذتُ منك هذا بكذا وكذا، فيقول: وهو لك:

(وقال أبو كبير أيضاً):
أُزهَيَرُ هل عن شَيبةٍ من مَقْصَرِ (3) ... أم لا سبيلَ إلى الشّباب المُدْبِرِ
يقول: هل أستطيع أن أَقْصُرَ حتى لا أشيب؟
__________
(1) كذا وردت هذه العبارة التي بين هاتين العلامتين في الأصل. ولم نقف على وجه الصواب في تحريفها. ورواية اللسان (مادة سهر): "فسهرت عنها الكالئين فلم أنم" ثم قال: أي سهرت معهما حتى ناما.
(2) الصواب حذف كلمة "عليه" والاكتفاء بقوله: "المدل". وقد فسر في اللسان (مادة عول) المعول بالحريص. كما فسره أيضاً بما يوافق ما هنا في الشرح، يقال: أعال وأعول إذا حرص.
(3) ضبط هذا اللفظ في الأصل بكسر الصاد، والقواعد تقتضي الفتح كما أثبتنا.
(2/100)

فَقَدَ الشبابَ أبوكِ إلاَّ ذِكرَه ... فاعجبْ لذلك فِعْلَ (1) دهرٍ واهكَرِ
قال أبو سعيد: الهَكر: أشدّ العَجَب.
أزُهَيْرُ ويحَكِ ما لرأسِي كلَّما ... فَقَدَ الشَّبابَ أَتَى بلَونٍ مُنْكَرِ
يقول: أَتىَ بلَوْن أُنكِره، وهو يريد بياضا بعد سواد.
ذهبتْ بشاشتُه وأصبح واضحا ... حَرِقَ المَفارِق كالبُراءَ الأَعْفَرِ
البشاشة: اللّذّة (2). والحَرِق: الّذى كأنما أصابته نار أو رِيحٌ فاحترَق. وقوله: كالبُراء، البُراء والبُراية واحد، وهو بُراية القِىسيّ. والأَعْفَر: الأبيض الّذى تعلوه حُمْرة.
ونُضِيتُ ممّا تَعْلَمين (3) فأصبحت ... نفسى إلى إخوانِها كالمُقذَرِ
نُضِيتُ أي سُلِخْت. كالمُقْذَر أي ذلك الأمرُ الَّذى يستقذِره الناس أي يُستقذَر، وهو كالمصْدَر.
فإِذا دعاني الداعيمان تأيَّدَا ... وإذا أُحاوِلُ شَوْكَتى لَم أُبْصِرِ
تأيَّدَا: تَشَدّدا. يقول: لا أسمع صوتا، فقد قَلَّ سمعي. وإذا أحاول شوكتى يعني شوكةً تدخل رِجْلَه وفي بعض جسده.
يا لَهْفَ نفسي كان جِدّةُ خالدٍ ... وبياضُ وجهكَ للتَّراب الأَعْفَرِ
يقول: دُفِن في أرضٍ ترابُها أعفَرُ إلى الحُمرة ما هو.
__________
(1) في اللسان (مادة هكر) "ريب دهر".
(2) الذي وجدناه في كتب اللغة أن البشاشة هي الطلاقة والانبساط والأنس ونحو ذلك. ولم نجد البشاشة بمعنى اللذة فيما راجعناه من الكتب.
(3) في اللسان "مادة نضا" "مما كنت فيه".
(2/101)

وبياضُ وَجْهٍ (1) لم تَحُلْ أَسْرارُه ... مِثلُ الوَذيلة أو كسَيْف الأَنْضَرِ
أسرارُه: طرائقه. لَم تَحُلْ: لم تَغيَّرْ. والوَذِيلة: سَبيكةُ الفِضّة. والأنضَر: الذهب.
فرأيتُ ما فيه فثُمَّ رُزِئْتُه ... فلبِثتُ بعدَكَ غيرَ راضٍ مَعْمَرِي (2)
يقول: فرأيتُ ما فيه من خصال الخير. والمَعمَر: حيث يُسكَن ويُعمَر، وهو المنزل؛ ويقال: أنت بَمَعْمَر ترَضاه، أي بمنزل تَرْضاه. وأنشد:
* يا لَكِ من حُمَّرة (3) بمَعْمَرِ *
ولرُبَّ من دَلَّيتُه لحَفيرةٍ ... كالسّيف مُقتَبَلِ الشّاب مُحبَّرِ
مقتَبَلُ الشباب أي مستأنَفُه. محبَّر: محسَّن مزيَّن.
ثم انصرفتُ ولا أَبثُّكَ حِيبَتِى ... رَعِشَ الجَنان أَطيشُ فِعْلَ الأصْوَرِ
حِيبَتُه: سوءُ حالِه. ويقال: فلان بحِيبة سُوء. والرجل الأَصْوَر: الّذى فيه صَوَر إلى أحد شِقَّيه، وذلك أنّه انشِناج في أخادعِهِ فيَصُور.
هل أُسْوةٌ لك في رجالٍ صُرِّعوا ... بِتلاعِ تِرْيَمَ هامُهُم لَم يُقْبَر
صُرِّعوا: قُتِلوا. بتِلاعِ تِرْيَم: موضع. لم يُقْبر: لم يُجَنَّ.
__________
(1) روى هذا البيت في اللسان (مادة نضر) "وبياض وجهك".
(2) روى هذا البيت في اللسان (مادة عمر) غير راضي المعمر. وقال في قوله "فثم": إن الفاء زائدة.
(3) الحمرة: طائر صغير كالعصفور. وقيل: هي القبرة. والذي نحفظه: "يا لك من قبرة" وهي رواية اللسان (مادة عمر).
(2/102)

وأخو الأَباءةِ إذْ رأى خِلّانَه ... تَلَّى شِفاعا حَولَه كالإذْخِر (1)
تَلَّى أي صَرْعى. شِفاعا: اثنين اثنين، يريد قَتلَى كثيرةً كالإذْخِرِ، قال أبو سعيد: ولا نجد إذْحِرَة واحدةً، إنما نجد الأرض مُستَحْلِسة. والأَباءَة: الأَجَمة والجِماع الأَباء.
لمَّا رأى أن ليس عنهم مَقْصَرٌ ... قَصَرَ الشِّمالَ بكلّ أبيضَ مطْحَرِ
قَصَرَ الشِّمال، يريد حبَسَ شِمالَه، والمِطْحَر: سَهْمٌ بعيدُ الذَّهاب.
وعُراضة السِّبَتَيْن (2) تُوبِع يَرْيُها ... تأوِى طوائفُها لعَجْسٍ عَبْهَرِ
هذه قَوْس؛ يقول: هي عرِيضة مُدْمَجة مستديرة. والعَجْس: كَبِدُها حيث يَقبِض الرامي. ويقال عَجْس وعُجْس ومَعْجِس ثلاث لغات. والعَبْهَر: الممتلئ.
يأوِى إلى عُظْم الغَريف ونَبْلُه ... كسَوام دَبرْ الخَشْرِم المتثوِّرِ
الغَريف: شجر. وقوله: كسَوام دَبرْ، سَوامُه: ذَهابهُ في السماء كما تَسُوم الإبلُ تَذهبُ في الأرض تَرعى. والدَّبْر: الذي يعسِّل. والخَشْرَم: الذي يلسع، كأنَّه أضاف بعضَها إلى بعض (3) إذا كان لا يعسِّل.
__________
(1) الإذخر: حشيش طيب الريح أطول من الثيل، وهي شجرة صغيرة، قال أبو حنيفة: الإذخر له أصل مندفن دقاق ذفر الريح، وله ثمرة كأنها مكاسح القصب إلا أنها أرق وأصغر، ويطحن فيدخل في الطيب وهي تنبت في الحزون والسهول، وقلما تنبت الإذخرة منفردة.
(2) سية القوس: ما عطف من طرفيها، وفيها الفرض الذي فيه الوتر. وطائف القوس: ما بين سيتها وأبهرها، والأبهر من القوس: ما بين الطائف والكلية.
(3) ذكر في اللسان (مادة خشرم) أن الخشرم مأوى النحل أو أميرها، وأنشد بيت أبى كبير هذا وقال: أضاف الدبر إلى أميرها أو مأواها، ولا يكون من إضافة الشيء إلى نفسه.
(2/103)

يَكوِى بها مُهَجَ النفوس كأنّما ... يسقيهمُ بالبابِليِّ المُمْقِرِ
يَكوِى بها أي يَلْذَع بها مُهَجَ النفوس. وقوله: بالبابِليّ، يقول: كأنّما سقاهم سُمَّ بابل. والمُمْقِر: المرّ. والممقِر: الصَّبِر.
من يأتِه منهم يَؤُبْ بمُرِشّةٍ ... نَجْلاءَ تُزْغِل مِثلَ عَطِّ المِستَرِ
بمُرِشّة؛ يريد بطعنة ذاتِ رَشاش، وهي الّتى ينتشِر نَضْحُها. وقوله: تُزْغِل أي تَدفَع بالدّم دَفْعة بعد دَفْعة. والمِسْتَر: الثوب يُسَتر به الإنسانُ فيَعُطُّه (1).
أم مَن يُطالِعه يَقُلْ لِصحابِه ... إنّ الغَريفَ تُجِنّ ذاتَ القنْطر
الغَرِيف: شجر. والقنْطِر: الداهية.

وقال أيضا
أَزُهَيرُ هل عن شَيبةٍ من مَصْرِفِ (2) ... أم لا خُلودَ لباذِلٍ متكلِّف
أزُهَير إنّ أخًا لنا ذا مِرّةٍ ... جَلْدَ القُوَى في كلّ ساعةِ مَحْرِفِ
ذا مِرّة، أي ذا قوّة. في كلّ ساعةِ مَحْرِف، يقول: يَحترِف ويتقلّب ويتصرّف.
فاردتُه يوما بجانِب نخلةٍ ... سبَقَ الِحمامُ به زُهَير تَلهُّفي
يقول: إنّه كان مريضا وكان يتلهّف عليه فسَبَقه به الِحمام، أي غلبه القدَر عليه. ونَخْلة (3): موضع.
__________
(1) يعطه: يشقه.
(2) روى في اللسان (مادة حرف) "من محرف" بفتح الميم وكسر الراء مكان "من مصرف" وهو بمعناه.
(3) نخلة الشآمية اليمانية: واديان على ليلة من مكة من بلاد هذيل قاله في التاج.
(2/104)

ولقد وردتَ (1) الماءَ لم يَشرَب به ... بين الرَّبيع إلى شهور الصَّيِّفِ
إلاَّ عَواسلُ كالمِراط مَعِيدةٌ ... بالليل مَوْردَ أَيِّمٍ متغضِّفِ
عَواسل، يعني تَعسِل في مَشْيها، تمرّ مرّا سريعا، وإنما يعني ذئابا، ويقال: الذئب يَعسِل وينَسِل، إذا مرّ مرّا سريعا (2)؛ وقال الجعديّ:
عَسَلانَ الذِّئب أَمسَى قارِبًا ... بَرَدَ اللّيلُ عليه فنَسَلْ
ويُروَى إلّا عَواسر، يقول: هذه الذئاب تَعسِر بأذنابها (3). والمِراط، النَّبْل المتمرِّطة الريِّش. وقوله: معيدة أي معيدةُ الشُّرْب. والأَيمْ: الحيّة. والأصل الأَيِّم ولكن خَفِّفوا. وقوله متغضِّف أي منطوٍ متثَنٍّ. وقوله: معيدة، أي معاوِدة لذلك مرّة بعد مرّة.
يَنسلن في طُرُقٍ سَباسِبَ حَوْلَه ... كقِداحِ نَبْلِ محبِّرٍ لم تُرْصَفِ
لم يَعرِف أبو إسحاق هذا البيتَ ولا الّذى بعده، وعرفهما الرِّياشيّ، قال: أنشَدَنيهما الأصمعىّ في هذا الموضع، قال: وأخبرني الأصمعىّ قال: كان طُفَيل الغَنَوىّ يسمَّى في الجاهلية محبِّرا، وذلك لأنّه كان يزيِّن شِعرَه ويحسِّنُه. والمحبِّر: المحسِّن المزيِّن للشيء. وقوله: يَنسلْن، يعني ذئابا يَنْسلْن، وهو شبيه بالعَسَلان. والسَّباسب: جمع سَبْسَب، ومِثْلُه البَسْبَس، وهو المستوِى البعيد، والجمع البَسابسِ.
__________
(1) في الأصل؛ وردت "بضم التاء" والصواب فتحها كما قاله ابن برى في البيت التاسع عن هذه القصيدة؛ وقد ذكرنا قوله في الحاشية رقم 3 من صفحة 106.
(2) زاد في اللسان (مادة عسل): في معنى عسلان الذئب: واضطرب في عدوه وهز رأسه.
(3) تعمر بأذنابها، أي تكسر أذنابها إذا عدت قاله في اللسان (مادة عسر) وأنشد هذا البيت وروى فيه "كالقداح" من قوله: "كالمراط".
(2/105)

تَعوِى الذّئابُ من المَجاعة حولهَ ... إهلالَ رَكِب اليامِن المتطوِّف
اليامِن: الّذى يجيء من اليَمَنَ، وأنشَدَ لرؤبة:
* بيتُك في اليامِن بيت الأيْمن (1) *
زَقَبٌ يَظَلّ الذئبُ يَنتَبعَ ظِلَّه ... من ضِيق مَوْردِه استنِانَ الأَخلَف
الزَّقَب: الضَّيِّق، فيمرُّ فيه الذئبُ في عُرضٍ من ضِيقه، وهو المكان المُعْورُ اّلذى لا يُدَلّ فيه. قال: والاستِنان العَدْو. والأخلَف: العَسِر المخالِف المعوجّ (2)، يقول: فلِضيق هذا المَوْردِ يمشى الذئبُ فيه على حَرف كما يمشى الأخلفُ إذا مَشى.
ولقد وردت (3) الماءَ فوق جِمامِه ... مِثلُ الفَرِيفةِ صُفِّيتْ للمُدْنَف
الفَرِيقة: حُلْبة تُطْبَخ للنُّفَساء مع حُبوب (4)، فشبّه ماءَ ذلك السنن بالفَريقة لصُفْرته.
فصدَرْتَ عنه ظامئا وتركتَه ... يَهْتزُّ غَلْفَقُه كأن لم يُكشَفِ
الغَلْفَق والعَرْمَض والطُّحْلُب: الخُضْرة الّتي على الماء. يهتزّ: يتحرّك.
ولقد أَجَزْتَ الخَرْق يَركُدُ عِلْجُه (5) ... فوقَ الإِكامَ إدامةَ المُستَرْغِفِ
__________
(1) نقل صاحب اللسان عن بعض اللغويين تفسير اليامن بمعنى اليمين كالقادر والقدير وأنشد بيت رؤبة هذا.
(2) زاد في التاج قوله: الذي كأنما يمشي على شق.
(3) في اللسان (مادة فرق) قال ابن بري: صواب إنشاده: "ولقد وردت" بفتح التاء؛ لأنه يخاطب المرئيّ. (وفي اللسان "المرّى"؛ وهو تحريف). والذي في الأصل "وردت" بضم التاء.
(4) في اللسان أن الفريقة بر وتمر وحلبة تطبخ للنفساء؛ وقيل تمر وحلبة.
(5) العاج: حمار الوحش. وفي الأصل: المسترغف بالغين؛ وهو تصحيف.
(2/106)

أَجَزْت وجُزْت سواء. الخَرْق: الأرض البعيدة. يَركُد، الركود القيام لا يتحرك ولا يأكل، وذلك إذا اشتدّ عليه الحرّ حتى يبوخَ له النهارُ فيَرعىَ ويأكل. والمسترعِف: الذي بَصدِمه الحَرّ فيطأطئ رأسَه. إدامةَ المسترعِف، يقول: كما يديم المسترعف رأسَه، كما يَفعل الّذى يرعف.
فأجَزْتَه بأفَلَّ يُحسَب أَثرُه ... نَهْجا أبانَ بذى فَريغٍ (1) مَخرَفِ
الأفلّ: السَّيف به فَلَلٌ وُفلُولٌ (2) معا، قد قُورِعَ به. نَهْج: ماضٍ ذاهِب. والمَخْرَفة: الطريق من طُرُق النَّعَم (3). ومن قال: "قَريع" كان كما قال الراعي:
كهُداهِدٍ كَسَرَ الرُّماةُ جَناحَه ... يدعو بقارعة الطريقِ هَدِيلا
ويقال: "تركتُه على مِثلِ (4) مَخرَفةِ النَّعَم"، أي علي طريقها.
ولقد نقيم إذا الخُصُوم تَنافَدوا (5) ... أحلامَهم صَعَرَ الخَصيم المُجْنِفِ
المُجْنِف: الّذى يأمر بأمرٍ فيه جَنَف، أي عِوَج. والصَّعَر: المَيل؛ ويقال: والله لأقيمنّ صَعَرك أي مَيلَك.
__________
(1) الفريغ: الطريق الواسع. وفي الأصل: فريع بالعين المهملة؛ وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا نقلا عن اللسان (مادتي خرف وفرغ).
(2) ذكر فى اللسان أن الأصح في معنى الفلول أنه جمع فلة لا مصدر.
(3) كان الأولى أن يقول: المخرف والمخرفة إذ المخرف لفظ البيت.
(4) كان الصواب أن يقول: "تركته على مخرفة النعم أي على مثل طريقها" بنقل كلمة "مثل"
إلى العبارة التي تليها، وهو ما روى في حديث عمر رضي الله تعالى عنه "تركتكم على مخرفة النعم" أي على مثل طريقها التي تمهدها بأخفافها. اللسان (مادة خرف).
(5) تناقدوا: تناقشوا. وروى في اللسان (مادة جنف): "تنافدوا" بالفاء، وهو من نافدت الخصم منافدة إذا حاججته حتى تقطع حجته.
(2/107)

حتّى يظلّ كأنّه مثبِّت ... بِرُكوحِ أمغَرَ ذى رُيودٍ مُشرِفِ
الرُّكْح: الناحية من الجبل. ورُكْحَا كلِّ شيء: ناحيتاه (1). وأَمغَر: جبل أحمد يقول: مِن فَرَقِ أن يخطئ كأنّه على حرفِ جبلٍ يَتّقي أن يَسقُط منه.
وإذا الكُماةُ تَعاوَروا (2) طَعْن الكُلَي ... نَدْرَ البِكارةِ في الجَزاءَ المُضْعَف
يقول: كما تُندَر البِكارة في جَزاء الدمِ، وهو الدِّيَة. المُضْعَف: الّذى قد أضْعِف ديتُه (3)، يريد الدِّيَة التى تُضاعَف. والكَمِيّ: الشحاع الذي يَدْرِى كيف جهةُ قِتالِه.
وقال أبو إسحاق: هذا مأخوذ من كمَى الرجلُ شجاعَته يَكْمِيها كَمْيا، وكَمَى بها (4) إذا كتمها، وجَمْع كَمِيّ كُماة.
وتَعاوَروا نَبْلا كأنّ سَوامَها ... نَفَيانُ قَطْر في عَشِيٍّ (5) مُرْدِفِ
سَوامُها: ما يَسُوم منها أي ما يُرمىَ منها (6) به. ومُردِف: مُظْلِم.
ورَغَابهمْ سَقْبُ السماء وخُنِّقتْ ... مُهَجُ النفوسِ بكارِبٍ متزلِّف
__________
(1) في نسحة "جانباه".
(2) في اللسان (مادة ندر) "تنادروا" مكان قوله: "تعاوروا" ثم قال بعد ذلك؛ يقول:
تندر البكارة في الدية وهي جمع بكر من الإبل، قال ابن برى: يريدان الكلي المطعونة تندر أي تسقط فلا يحتسب بها كما يندر البكر في الدية فلا يحتسب به. الخ
(3) الصواب إسقاط قوله "ديته" إذ المضعف صفة للجزاء الذي قد أضعف هو، لا للقتيل الذي قد أضعفت ديته.
(4) لم يذكر في اللسان ولا في القاموس (مادة كمى) أنه يقال: كمى بشجاعته وإنما ذكر هذا الفعل معدّى بنفسه.
(5) في الأصل: "نفيان قرط في غشيّ" وهو تحريف في كلا اللفظين إذ لم نجد للقرط ولا للغشيّ معنى يناسب السياق فيما راجعناه من كتب اللغة.
(6) كان الأولى أن يقول: "ما يرمى به منها".
(2/108)

يقول: أصابهم ما أصاب قومَ ثمودَ حين رغا بهم البَكر (1) من الهلاك؛ وأنشِدْنا لعَلْقمةَ فيِ عَبْدة:
رغَا فوقَهُمْ سَقبُ السماء فَداحِصٌ (2) ... بشِكّته لَم يُستلَبْ وسَلِيبُ
وقوله: بكارِبٍ متزلِّف، بكارِب، أي بِكَرْب. متزلِّف: يتزلّف منهم أي يدنو من أجوافهم.
وتبوّأ الأبطالُ بعد حَزاحِزٍ ... هَكعَ النَّواحِز فى مُناخ المَوْحِف (3)
الهَكعْ: السُّعال. يقول: تبوَّأ الأبْطَالُ يَهْكَعون، يقال: هَكَعَ يَهكَع هُكاعا وهَكعا. النواحِز، يقول: يَزْحَرون (4)، قال: وأنشدَني أبو عمرو بنُ العَلاء:
إذا راعِياها ثَوَّراها لمَنزِلٍ ... تُحَزْحز حتى يأذَنا بالتحَزْحز (5)
يقول: جَعلوا يَزْفِرون كما يَزْفر البعير الناحِز.
عَجلتْ يداكَ لخيرِهمْ بمُرِشّةٍ ... كالعَطِّ (6) وَسْطَ مزَادةِ المستخلِفِ
__________
(1) يريد بالبكر ولد ناقة صالح التي عقروها؛ وأضافه إلى السماء لأنه رفع إلى السماء قاله في اللسان (مادة دحص).
(2) الداحص هو الذي يبحث بيديه ورجليه وهو يجود بنفسه كالمذبوح.
(3) ورد هذا البيت في اللسان مادة (هكع) بعد ذكر الهكاع بمعنى السعال، وقال في تفسيره ما نصه: الحزاحز: الحركات، ومعناه أنهم تبوّأوا مراكزهم في الحرب بعد حزاحز كانت لهم حتى هكعوا بعد ذلك وهكوعم بروكهم للقتال كما تهكع النواحز من الإبل في مباركها أي تسكن وتطمئن. وقال في مادة (زحز) ما نصه: والحزحزة من فعل الرئيس في الحرب عند تعبية الصفوف، وهو أن يقدم هذا ويؤخر هذا، يقال هم في حزاحز من أمرهم، وأنشد هذا البيت ثم قال: والموحف: المنزل بعينه، وذلك أن البعير الذي به النحاز يترك في مناخه لا يثار حتى يبرأ أو يموت. وفي مادة (وحف) أن الموحف مبرك الإبل.
(4) في اللسان أن النحاز سعال الإبل إذا اشتدّ.
(5) لم نجد هذا البيت فيما بين أيدينا من الكتب.
(6) العط: الشق. والمزادة: الراوية معروفة.
(2/109)

بمُرِشّة، أي بطعنةٍ واسعةِ الفَرْغ، يتفرّق دَمها. والمستخلِف: الذي يَستقِي لأصحابه.
مُسْتَنّةٍ سَنَنَ الفُلُوِّ مُرِشّةٍ ... تَنفِى الترابَ بقاحِز مُعْرَوْرف
يقول: تَجرِى على وجهها كما يَستنّ (1) الفُلوّ. وقوله: تنفِي التراب، أي تَطْرُدُه هذه الطعنةُ إذا دُفعت دَفْعة. والقاحز: النّازى. والمُعْرَوْرِف: الّذى له عُرْف. يقول: يَخرج منها الدمُ كأنّه عرْف في الطُّول، وإنما عَنَى بالقاحز الدّمَ نفسَه.
يَهدِى السباعَ لها مُرِشُّ جَدِيّةٍ ... شَعْواءَ مُشْعَلةٍ كجَرِّ القَرْطَف
يقول: تَشَمُّ السباعُ الدمَ فتَتبعُه. وقوله: شَعْواء. والشعْواء: المنتشِرة. والمُشْعَلة: المتفرِّقة. والجَدِيّة: الطريقة من الدم، وجِماعُها جَدايَا. والقَرْطَف: القطيفة، وكلُّ ما كان له خَمْلٌ فهو قَرْطف.
ولقد غدوتُ (2) وصاحبى وَحْشيّةُ ... تحت الرداء بَصيرةٌ بالمُشْرفِ
وصاحبى وحشِيّة، يريد رِيحا تَرفع ثوبه (3). بصيرةٌ بالمُشرِف، يقول: من أشَرفَ للرِّيح أصابتْه.
حتّى انتهيتُ إلى فِراشِ عَزيزةٍ ... سَوْداءَ رَوْثةُ أَنفِها كالمِخْصفِ
__________
(1) الفلوّ: المهر إذا بلغت سنه سنة قاله في اللسان (مادة فلا) وأنشد صدر هذا البيت.
(2) في رواية "عدوت" بالمهملة انظر اللسان (مادة وحش).
(3) فسر في شرح القاموس الرداء بأنه السيف.
(2/110)

يريد أنّ طَرف مِنْسِرِها حديد دقيقٌ كأنّه مِخْصَف، وهو الّذى تُخصَف به أَخفافُ الإبل (1). والرَّوْثة: طَرف الأَنف. وإنّما يريد طَرَف مِنْقارها، وإنّما ذَكَر عُقابا. وفِراشُها: عُشُّها.
* * *

وقال أيضا
أَزُهَير هل عن شَيْبةٍ مِن مَعْكِمِ ... أم لا خُلودَ لباذلٍ من متكرِّم
قال أبو سعيد: قوله: مَعْكِم، أي مَرجِع (2)؛ ويقال: مضى فما عَكَمَ أي ما رَجَع. والباذل: الذي يَيذُل مالَه. يقول: ماله خلود.
يَبكى خَلاوةُ أن يفارقَ أُمَّه ... ولسوف يلقاها لَدَى المتهوِّمِ
يقول: سوف يَلْقاها في المنام. وخلاوة اسمُ ابنِه.
أَخَلاوَ إنّ الدهر مُهلكُ من تَرَى ... من ذى بنين وأمِّهمْ ومِنِ ابنِم
والدهرُ لا يَبقَى على حَدَثانه ... قُبٌّ يَرِدْنَ بذى شُجونٍ مُبْرمِ
قبّ: خِماصُ البطون، يريد حميرَ وَحْش. بذى شُجون، والشُّجون: شِعاب تكون في الحَرّة، يَنبتُ المَرعَى مكانَها. والمُبْرِم: الذي قد خرجتْ بَرَمَتَه. والبَرَمة: ثمر الطَّلحْ.
يَرتَدْن ساهرةً كأنّ جَميمَها ... وعَيمَها أسدافُ ليلٍ مظلمِ
الساهرة: الأرض. وأنشَدَنا أبو سعيد لأميّة بنِ أبي الصَّلْت الثَّقَفيّ:
__________
(1) الصواب "وهو الذي تخصف به الأخفاف"، فإن أخفاف الإبل لا تخصف.
(2) عبارة اللسان نقلا عن الجوهري: "معكم: معدل ومصرف".
(2/111)

وفيها لحمُ ساهرةٍ وبَحْرٍ (1) ... وما فاهوا به لهمُ مقيمُ
والجَميم: النبت الذي قد نَبَت وارتفع قليلًا ولم يَتمّ كلّ التمام، صار مثلَ الجُمّة. والعَميم: المكتهِل التامّ من النّبْت؛ وأنشَدَنا لأبي ذؤيب:
أَكَلَ الجَميمَ وطاوعتْه سَمْحَجٌ ... مِثلُ القَناة وأَزْعلتْه الأَمْرُعُ
أزعَلَتْه: أنشَطَته.
في مَرتَع القُمْرِ الأَوابد أُسقيتْ ... دِيَمَ العَماءَ وكلَّ غَيْثٍ مُثْجِم
مَرْتَع: حيث تَرتَع وتَرعى. والقُمْر: حُمُرٌ بيضُ البطون. والأَوابِد: المتوحِّشة؛ ويقال: قد أَبَد إذا توحَّش، وأنشَدَنا لاْمرئ القيس:
* قَيْدِ الأَوابِدِ هَيْكَلِ * (2)
والدِّيَم: جمع دِيمة، وهي المطر الساكن. والعَماء: السحاب الرقيق.
والغَيْث: يُجعَل مرّة اسما للكَلَإ، ومرّة اسما للمطر. ومُثْجِم: مقيم، ومُنْجِم: مُقْلِع. ويقال: قد أثجمتْ علينا السماءُ حتى خشينا الهلاكَ. وأنْجمتْ إذا أَقلعتْ وأنشَدَ لأبي ذؤيب:
* فَأثجَمَ بُرْهَةً لا يُقلِعُ (3) *
بُرْهة: زمنٌ وحِين، أي أَقامَ.
__________
(1) يريد لحم البرّ والبحر. وفيها، أي في الجنة.
(2) بيت امرئ القيس:
وقد أغتدي والطير في وكناتها * بمنجرد قيد. . . . . . . . الخ
يصف حصانا.
(3) البيت بتمامه:
بقرار قيعان سقاها وابل ... واه فأثجم برهة لا يقلع
(2/112)

واهى العُروضِ إذا استطار بُروقُه ... ذاتَ العِشاء بهَيْدَبٍ متهزِّم
واهٍ: يقول كأنّما تشقّقتْ نواحيه بالماء. والهيْدَب: الّذى يتدلّى من السحاب كأنّه هُدْبُ قطيفة. ومتهزِّم: متشقِّق بالماء. استطارَ بُروقُه، أي انكَشفَ.
وكأنّ أصواتَ الخَموش (1) بجَوِّه ... أصواتُ رَكْبٍ في مَلاً متزنِّمِ
الخَموش: البَعوض كأنّ أصواتهنّ تطريبُ رَكْب يُغَنّون في صَحرْاء؛ ويقال: راكب ورَكْب مِثلَ صاحب وصَحْب وسافر وسَفْر وشارب وشَرْب.
عَجِلَ الرياحُ لهمْ فتَحمِلُ عِيرُهمْ ... مُصْطافةً فَضَلاتِ ما في القُمْقُمِ
يقول: أصابوا رِيحا فطابت أنفسُهم. وقوله: فَضَلاتِ ما في القُمْقُم، أي فَضَلات ما في الدَّنّ. وقال الآخر:
* كَمْيحِ (2) القَماقِم ما في القِلال *
ومصطافة: في الصيف.
فرأين قُلَّةَ فارسٍ يَعْدو به ... متفلِّقُ النَّسَيَنِ نَهْدُ المَحْزِمِ
يعنى هذه الحمير الّتى وصفها. قُلّة فارس: رأس. نَهْد المَحزِم، أي عظيم البطن، وهو موضع الِحزام للفرسِ.
ذو غَيِّثٍ بَثْرٍ يَبُذُّ قَذالُه ... إذ كان شَغشَغَةُ (3) سِوارَ المُلجِمِ
__________
(1) ضبط في الأصل الخموش بضم الخاء؛ وقد ضبطناها بالفتح عن اللسان "مادة خمش".
(2) أصل الميح في الاستقاء أن ينزل الرجل إلى قرار البئر إذا قل ماؤها فيملأ الدلو بيده يميح فيها بيده قاله في اللسان (مادة ميح).
(3) الشغشغة: تحريك اللجام في فم الدابة، يقال: شغشغ الملجم اللجام إذا امتنعت الدابة على اللجام فردّده في فيها تأديبا.
(2/113)

الغيِّث: شيء بعد شيء من جَرْيِه؛ ويقال بئر ذاتُ غَيِّث إذا كان ماؤها يجيء شيئاً بعد شيء. وفرس ذو غَيِّث أي يجيء منه عَدْوٌّ بعد عَدْو؛ يريد أنّه شديد الجَرْي، وإنما جَعَل هذا مَثَلا. والبَثْر: الكثير. وسِوارُ المُلْجِم: مُساوَرَتُه إيّاه إذا كان الإلجام.
وكأنّ أَوْشالَ الجَدِيّةِ وَسْطَها ... سَرَفُ الدِّلاءَ مِن القَلِيبِ الِخضْرِمِ (1)
الوَشَل: الماء يَقطُر ويسيل؛ ويقال عَيْن بني فلانٍ تكفيهم ويَذهَب باقيها سَرَفا في الأرض. والخِضِرم من الآبار: الكثيرة الماء. والخِضْرِم من الرجال: الكثير الخير والفضل.
قال الأصمعي. وزعم جريرُ بنُ حازم (2) قال: قال لي العجَّاج: أو قال لرجل: أين تريد؟ قال: البحرين. قال. لَتَوافِقنّ بها نَبيذا خِضْرِما أي كثيرا. وسَرَفُ الدِّلاء: ما يَذهب من الماء فضلا عمّا يُستقَى، يقال: ذهب ماءُ القَلِيبِ سَرَفا.
متبهِّراتٍ بالسِّجال مِلاؤها ... يخْرجن من لجَفٍ لها ملقِّمِ (3)
__________
(1) يلاحظ أنه لا صلة بين هذا البيت وبين ما قبله؛ والظاهر أن قبل هذا البيت بيتا أو أكثر قد سقط من القصيدة، إذ أن هذا البيت في وصف طعنة طعن بها هذا الفارس السابق ذكره أحد هذه الحمر كما يتبين ذلك من ذكر الجدية، وهي الطريقة من الدم.
(2) في اللسان (مادة خضرم) "ابن الخطفي" وقد وردت فيه هذه القصة هكذا: وخرج العجاج يريد اليمامة، فاستقبله جرير بن الخطفى، فقال: أين تريد؟ قال: أريد اليمامة؛ قال: تجد بها نبيذا خضرما" اه.
(3) ضبط هذا اللفظ في اللسان مادتي (لجف وبهر) بفتح القاف المشدّدة. والذي في الأصل: "كسرها" وهو الصواب كما يظهر لنا.
(2/114)

المتبهِّر: الممتلئ. ويقال للرجل: بَهَرَه أمرُ كذا وكذا أي ملأ صدرَه. واللَّجَف: ما تَهدّم من طَىِّ البئر من أسفلها، يريد صوتَ الماء؛ ويقال: سمعتُ تَلقُّمَ البئرِ يعنِي صوتَ الماءِ من (1) أسفلها.
فاهتَنجن مِن فَزَعٍ وطارَ جِحاشُها ... من بين قارِمِها وما لَم يَقْرِم
القارم: الّذى قد فُطِم فهو يَقْرِم من بُقول الأرض؛ ويقال للرجل إذا كان زَهِيدا في الطعام: إنّما يَقرِم كما تَقرِم السَّخْلة.
وَهَلًا وقد شَرَعَ الأسِنّةُ نحوَها ... من بين مُحْتَقٍّ بها ومشرَّمِ
الوَهَل: الفَزَع. والمُحْتَقّ: الذي قد أُصيبَ فاحتَقَّ الرَّمْيَة (2). والمشَّرم: الذي قد شُقَّ بالعَرْض، يقال: شْرَمَه يَشرِمه شَرْما.
__________
(1) عبارة القاموس "تلقم الماء: قبقبته من كثرته".
(2) عبارة اللسان (مادة حقق) المحتق من الطعن: النافذ إلى الجوف، وأنشد هذا البيت، ثم قال: أراد من بين طعن نافذ في جوفها وآخر قد شرم جلدها ولم ينفذ إلى الجوف. وعبارته في (مادة شرم) المحتق الذي قد نفذ السنان فيه فقتله ولم يفلت. وقال في التشريم: هو أن ينفلت الصيد جريحا. وأنشد هذا البيت أيضا.
(2/115)

وقال أبو خِراش
واسمه خُوَيلِد بنُ مُرُّة أحدُ بني قِرد بنِ عمرو بنِ معاوية ابن تميم بن سعد بن هُذَيل، ومات في زمن عمر بنِ الخطاب -رضي الله تعالى عنه- نهشته حيّة -وهو صحابيّ
"قال أبو حِراش- يرثى أخاه عمرو (1) بنَ مُرّة وإخوَتَه فَرَطوا أمامَه". وأبو خاش وإخوتُه بنو لُبْنَى:
لَعَمْرِى لقد راعت أُمَيْمةَ طَلْعنى ... وإنّ ثَوائي عندها لَقليلُ
ثَوائى: مُكْثى. والثَّواء: المُقام. يقول: راعَتْها رُؤْيتي.
تقول أَراه بعد عُرْوةَ لاهِيًا ... وذلك رُزْءٌ لو عَلمتِ جليلُ
لاهيًا: لاعبا، من اللهو. جليل: عظيم.
ولا تحسَبي أنِّي تناسَيتُ عهدَه ... ولكنّ صبرى يا أُمَيْمَ جميلُ
ألم تعلمي أن قد تَفرَّقَ قبلَنا ... خليلَا صَفاءٍ مالكٌ وعَقيلُ
__________
(1) كذا في كلتا النسختين الشنقيطية والأوربية. ويلاحظ أن هذه القصيدة قالها في رثاء أخيه عروة بن مرة وحده دون بقية إخوته، كما يتبين ذلك من القصِيدة، وكما يدل على ذلك ما ورد في الأغاني ج 21 ص 65 طبع أورابا فقد ورد فيه ما نصه: دخلت أميمة امرأة عروة بن مرة على أبى خراش وهو يلاعب ابنه، فقالت له: يا أبا خراش، تناسيت عروة وتركت الطلب بثأره ولهوت مع ابنك، أما والله لو كنت المقتول ما غفل عنك، ولطلب قاتلك حتى يقتله. فبكى أبو خراش وأنشأ يقول: "لعمرى لقد راعت" القصيدة. وأما التي في رثاء عمرو بن مرة وإخوته فهي القصيدة التي تلى هذه.
(2/116)

قال أبو سعيد: هما رجلان (1) كانا في غابر الأُمَم.
أَبَى الصبرَ أنِّي لا يزال يَهيجُنى ... مَبيتٌ لنا -فيما خَلَا- ومَقِيلُ
وأنِّي إذا ما الصُّبح آنستُ ضَوءَه ... يعاوِدني قِطعٌ علىَّ ثقيلُ
آنستُ: ضوءَه. يقول: كأن قد قَرُب الصبحُ منّى في ظنّي. وقِطْع أي قِطْع من اللّيل أي بقيّة.
أَرَى الدهرَ لا يَبقَى على حَدَثانهِ ... أَقَبُّ تُبارِيه جَدائدُ حُولُ
أقبّ: حمارٌ خَميص البطن. جَدائد: جمع جَدود وهي الّتى لا لبن لها وحُول: جمع حائل، وهي الّتى لم تَحمل من عامها.
أَبَنَّ عقاقًا (2) ثم يَرْمَحْن ظَلْمَه ... إباءً وفيه صَولةٌ وذَميلُ
قال أبو سعيد: الإبانة: استبانةُ الحَمل؛ يقول: أطهرن حَملَهنّ. وقوله: "ظَلمه" قال: هو طَلبُه منهنّ السِّفادَ في غير موضعه، فمن أراد المَصدَر قال: "ظَلْمَه"، ومن أراد عَمَلَه قال: "ظُلْمَه"؛ وإنما يُنشَد "ظَلْمَه"، ومثله دهنتُه دَهْنا إذا أراد العَمَل، وإن أراد الاسم قال: دهنتُه بدُهْنٍ طيّب، قال: وهذا مِثلُ قول
__________
(1) مالك وعقيل: هما نديما جذيمة الأبرش، وإليهما يشير متمم بن نويرة في رثاء أخيه مالك بقوله:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وبهما يضرب المثل في الاجتماع وعدم التفرق.
(2) في الأصل: "عفافا" بفاءين؛ وهو تصحيف؛ والعقاق كسحاب وكتاب الحمل بعينه، كما ورد أيضاً أن العقاق بكسر العين أيضاً جمع عقق بضمتين، وهو جمع عقوق كصبور، وهي الحامل. ويلاحظ أن بين معنى هذا البيت وبين قوله في البيت الذي قبله "حول" وهي الأتن اللواتي لم تحمل تناقضًا ظاهرًا.
(2/117)

الرجل: والله لأدفعنَّ ظَلْمَك عن ظُلْمِه. قال: يقول هنّ لَقِحْن، فوَضْع السِّفادِ في غير موضعه؛ ويقال: أعقَّت الأَتانُ، إذا عَظُم بطنُها؛ ويقال: قد ظَلَم الرجلُ سِقاءَه وهو أن يَمْخَضَه ويضعَ يدَه فيه قبل أن يَرُوب؛ وأنشَدَنا عيسى بنُ عمر:
وصاحبِ صِدقٍ لم تَنَلْني (1) شَكاتُه ... ظَلمَتُ وفي ظَلمِي له عامِدًا أَجْرُ (2)
يعني سقاه ما في سِقائه قبل أن يُدرِك. وقوله: وفيه صَولة وذَمِيل، يقول: وله عليهنّ أيضاً صِيالٌ وذَميل (3).
يَظَلّ على البَرْز اليَفاعِ كأنّه ... من الغارِ (4) والخوفِ المُحِمِّ وَبِيلُ
البَرْز: ما يَبرُز للضِّحِّ (5). واليَفاع: ما ارتَفَع من الأرض. والوَبِيل: العصا الغليظةُ الشديدة. والإبّالة: حُزْمة من حَطَب؛ وأنشَدَنا لطَرَفة بن العَبْد:
__________
(1) في اللسان (مادة ظلم)، "لم تربني" بكسر الراء وسكون الباء.
(2) ورد في اللسان (مادة ظلم) في تفسير هذا البيت ما نصه: هذا سقاء سقى منه قبل أن يخرج زبده.
(3) الذميل كأمير: سير لين مع سرعة؛ وقيل: هو فوق العنق بالتحريك.
(4) قال في اللسان (مادة غور) الغار: شجر عظام له ورق طوال أطول من ورق الخلاف وحمل أصغر من البندق أسود له لب يقع في الدواء؛ وله دهن يقال له دهن الغار. فيريد الشاعر أن هذا الحمار يخاف أن يكون في هذا الشجر صائد مستتر، أو أنه يحسب أن هذا الشجر شخوض فهو مذعور منه؛ وقد سبق مثل هذا المعنى في شعر ساعدة، قال في وصف حمار وحش:
موكل بشدوف الصوم يرقبها ... من المناظر مخطوف الحشا زرم
والصوم: شجر على شكل شخص الإنسان كريه المنظر جدا الخ ما ذكرناه في التعريف بهذا الشجر فانظره ثم في ج 1 ص 194 حاشية 5 من هذا الديوان. أو لعله يريد بالغار هنا الجماعة من الناس.
(5) الضح: الشمس؛ وقيل: ضوءها.
(2/118)

فمرّت كَهاةٌ (1) ذاتُ خَيْفٍ جُلالةٌ ... عَقيلةُ شيخٍ كالوَبيلِ يَلَنْدَدِ
أَلَنْدَد ويلَنْدد: الغليظ الشديد. وقوله: الغار [والخوف] (2) المُحِمّ، هو الذى يأخذ (3) معه هَمٌّ وحديثُ نفس. ويقال: حاجة مُحِمّة. وإنما يريد أنه ضَمَر حتّى صار مِثلَ العصا؛ وأنشَدَنا خَلَف الأحمر:
لا يَلتَوى من الوَبيِل القِسْبارْ (4) ... وإن تَهَرّاه بها العبدُ الهارْ
تَهرّاه، يعني ضرَبَه بالهِراوة.
وَظلَّ لها يومٌ كأنّ أُوارَه ... ذَكا النارِ من فَيْحِ الفُروغِ طَويلُ
الأُوار: الوَهَج. وقوله: ذَكا النار، هو اشتعالها من وَهَج طَبْخِ السَّموم.
وقوله: مِن فَيْح الفُروغ، يقول: يَفيح (5) من فُرُوغهِ أي من مَجْراه الّذى يَجرِى منه كمِثْل فَرْغِ الدَّلْو. طويل: لا يكاد ينقضى مِن طُولِه وشِدّته.
فلما رأين الشمسَ صارت كأنّها ... فُوَيْقَ البَضِيعِ في الشُّعاع خَمِيلُ
البَضيع: الجزيرة في البحر. يقول: صارت الشمس حين دنتْ للغروب كأنّها قطيفةٌ لها خَمْلٌ لشُعاعِها. يقول: تراها كأنّ لها هُدْبا. وكلّ جزيرة في البحرِ بَضِيع.
فَهيَّجَها وانشامَ نَقْعا كأنّه ... إذا لَفَّها ثم استمَرّ سَحيلُ
__________
(1) الكهاة: الناقة الضخمة التى كادت تدخل في السن؛ أو هي العظيمة السنام الكريمة على أهلها. ويريد بالشيخ أباه.
(2) لم ترد هذه الكلمة التي بين مربعين في الأصل؛ والسياق يقتضى إثباتها.
(3) حذف مفعول "يأخذ" للعلم به، أي يأخذك معه همّ أو يأخذ المرء معه الخ.
(4) القسبار والقشبار: من أسماء العصا.
(5) يفيح، أي يفور ويسطع ويهتاج.
(2/119)

اِنْشامَ (1) نَقْعا: دخل فيه، أي دخل فى نَقْع كأنّه هذا النَّسيجُ قبل أن يُنْسَج. والنَّقْع: الغُبار. والسَّحِيل: خَيْطٌ لم يُبرَم، شبّه به الحمار (2).
مُنيبًا وقد أَمسَى تَقدَّمَ وِرْدَها ... أُقَيْدِرُ مَحْموزُ القِطاعِ نَذيلُ
مُنيبا أي راجعا. مَحْموز القِطاع، يقال: رجل محموز الفؤاد أي شديد الفؤاد. ويقال: كلّمته بكلمةٍ حَمَزتْ فؤادَه، وإنما يريد أنه محموز السّهام. والأقَيْدِر: القصير العُنُق؛ ويقال: نذِيل ونَذْل وسَمِيح وسَمْح، وإنما جَعَله نَذِيلا لقشَفِه ورَثاثةِ حالِه. والقِطْع: النَّصْل العريض القصير. والقِطاع للجميع. فيقول: "هي مَباعجُ (3) منكرة"، يعنى سِهامَه.
فلما دَنَتْ بعد استماعٍ رَهَفْنَه ... بنَقْب الحجاب وَقْعُهنّ رَجيلُ
قوله: بعد استماع، أي بعد ما استَمَعتْ هل تَسمَع صوتا أم تَرَى أحدا. وقوله: بنَقْب الحجاب، أي بطريقه، وكلُّ طريقٍ فى غِلَظٍ نَقْبٌ. والحِجاب: مرتَفعٌ يكون فى الحَرّة (4) عند اعتداله انقطاعها (5). فيقول: ليست بمنبسِطة. والنَّقْب: الطريق فيها، وهو مرتفع. وقولُه: رَجِيل، يقال: دابّة ذات رُجْلة أي قويّة على
__________
(1) فى الأصل: "انسام" بالسين المهملة؛ وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا نقلا عن اللسان (مادة شام) فقد ورد فيه: "والانشيام فى الشئ: الدخول فيه".
(2) صوابه "الغبار" مكان قوله "الحمار" إذ المعقول هو تشبيه الغبار بهذه الخيوط التي لم تبرم؛ لا تشبيه الحمار بذلك.
(3) المباعج: المشقوقة، يريد أنها مفتوقة الأغرة، أي الحدود، أي أنها عريضة النصال.
(4) الحرة: أرض ذات حجارة سود نخرة كأنما أحرقت بالنار.
(5) عبارة اللسان: "الحجاب منقطع الحرة".
(2/120)

السَّيْر. ويقال: رجُل رَجِيل: إذا كان قويًا على المشى صَبورا. ويقال: حَرّة رَجْلاء، أي غليظة مُنكرة.
يُفَجِّينَ بالأَيْدِى على ظَهْرِ آجِنٍ ... له عَرْمَضٌ (1) مستأسِدٌ ونَجِيلُ
يفجِّين بالأَيْدى أي يَفْتَحْن ما بين أيديهنّ. وقوله: مستأسِدٌ، إذا طال النَّبتُ يقال: قد استأسَدَ النَّبْت. والنَّجِيل: ضَرْبٌ من الحَمْض.
فلمّا رأى أن لا نَجاءَ وضَمَّه ... إلى الموت لِصْبٌ حافظٌ وقَفِيلُ
اللِّصْب: الشّق فى الجبل. والقَفِيل: المكانْ اليابس. حافِظ، يقول: هو يَحفَظه أن يأخذ يمينا وشِمالا فيمرَّ على غير طريق الرامى.
وكان هو الأدنى فَخلَّ (2) فؤادَه ... من النَّبْل مفتوقُ الغِرار بَجِيلُ
يقول: كان هذا الحمارُ أقربَهنّ من الرامى. وقوله: مفتوق الغِرار أي عريض النَّصْل. والغِرار: الحدّ. قال: والغِراران الحدّان. والبَجِيل: الضَّخْم؛ ويقال: رجل بَجِيل وبجَال، إذا كان ضَخْما، يوصَف به الرجل، وإنما هو ها هنا السَّهْم.
كأنّ النَّضِىَّ بعد ما طاش مارِقا ... وراءَ يديْه بالخَلاء طَمِيلُ
النَّضِىّ: القِدْح من غير حديدةٍ ولا رِيش. قال: هذا أصلُه، ثم كثر حتي صار السهمُ نفسُه يقال له النَّضِىّ. والطَّمِيل: المَطْلِىّ؛ يقال: طمَلَه بالدَّمِ وطَلاه سواء.
ولا أَمْعَرُ (3) السّاقَيْن ظَلَّ كأَنَّه ... على مُحْزَئلّات الإكامِ نَصيلُ
__________
(1) العرمض والعرماض: الطحلب. قال اللحيانى وهو الأخضر مثل الخطمى يكون على وجه الماء اللسان (مادة عرمض).
(2) خل، أي ثقب، يقال: خل الشئ إذا ثقبه.
(3) ولا أمعر الساقين: عطف على قوله فى البيت السابع من هذه القصيدة: "أقب" الخ.
(2/121)

أَمعَرُ الساقين (1): يريد صَقْرا من الصُّقور. والنَّصيل: حَجَر يُجعَل فى البئر (2). والمُحْزئلّ: المُشِرف، والمجتمِع، ومِثلهُ قولهُ:
وأَقبَلتِ اليَمامةُ وَاحزألّت ... كأسيافٍ بأَيْدِى مُصْلِتينا (3)
رأى أَرْنَبا مِن دونها غَوْلُ أَشرُجٍ ... بَعيدٌ عليهنّ السَّرابُ يزولُ
غَوْل، أي ذاتُ بُعْد. أَشرُج: شقوق تكون فى الحَرّة بعيدةٌ طوال. ويقال: شَرْج، وشُرُوج للجِماع. يزول: يتحرّك علينّ السراب.
فضَّمَّ جَناحَيه ومِن دون ما يَرَى (4) ... بلادٌ وُحوشٌ أَمْرُعُ ومُحولُ
بلادٌ وُحوش، أي بلاد واسعة تسكنها الوحوش. وقد نَفَضَ هذه البلادَ الواسعة (5)، ومثلُه: الدار من أهلها وُحوش، أي خاليةٌ إلاَّ من الوَحْش.
تُوائِلُ منه بالضَّراءِ كأنّهما ... سَفاةٌ لها فوق التراب زَليلُ
تُوائِل: يريد لتنجوَ منه. والضَّراء: ما واراك من الشجر، وهو ما يواءَل فيه. زليل أي تَمُرّ. يقول: من خِفّتها كأنّها سَفاةُ بُهْمَى (6) تَزِلّ فُوَيْق الأرض؛ ومِثلهُ قول لَبيد بنِ ربيعة: "تَزِلُّ عن الثَّرى أزلامُها (7) " أي من خِفّتها. والسَّفاة: شَوْكَةُ.
__________
(1) أمعر الساقين: لا ريش عليهما.
(2) فى اللسان: النصيل حجر طويل مد ملك قدر شبر أو ذراع.
(3) البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته، وروى أيضا "فأعرضت اليمامة واشمخرّت".
(4) فى كلا الأصلين "ترى" بالتاء، وهو تحريف.
(5) يقال: نفض المكان إذا نظر جميع ما فيه حتى يعرفه.
(6) البهمى: نبت تجد به الغنم وجدا شديدا ما دام أخضر، فإذا يبس هر شوكه وامتنع، وهو يرتفع قدر الشبر، وهو ألطف من نبات البر. وقال أبو حنيفة: هي خير أحرار البقول رطبا ويابسا، وحين تخرج من الأرض تنبت كما ينبت الحب ثم يبلغ بها النبت إلى أن تصير مثل الحب، ويخرج لها إذا يبست شوك يشبه شوك السنبل اللسان (مادة بهم).
(7) يصف الشاعر ناقة، والبيت بتمامه:
حتى إذا حسر الظلام وأسفرت ... بكرت تزل عن الثرى أزلامها
أسفرت: دخلت فى وقت الإسفار. أزلامها، يريد قوائمها التى تشبه الأزلام أي قداح الميسر.
(2/122)

يقرِّبه النَّهْضُ النَّجيحُ لمِا يَرَى ... ومنه بُدُوٌّ مَرّةً ومُثولُ
يقول يبدو مرّةً فيَظهر ويتبيّن، ويَمثُل أحيانا فيغيبِ مُثولَ ذَهابٍ، تقول: رأيث شخصا فى جوف اللّيل ثم مَثَل عنّى فلم أرَه أي غاب.
فأَهوَى لها فى الجوِّ فاختَلَّ قَلْبَها ... صَيُودٌ لحَبّات القلوب قَتولُ
فأَهوَى لها، يقول: أَهوَى بِيَدِه ليَخْطَفَها. فاختَلَّ أي انتظم. صَيُود، يقول: هو صَيُود لحَبّات القلوب، يعنى الأفئدة.
* * *

وقال أيضًا
فَقدتُ بنى لُبْنَى فلمّا فَقَدْتُهمْ ... صبرتُ ولم أَقطَعْ عليهمْ أَباجِلى
قال أبو سعيد: بنو لُبنَى إخوته، وضرَبَهم مَثَلا. قال: يقول لم أَجْزع كجَزَع غيرى. والأَبْجَل: عِرْق فى الرجل (1)، يقول: صبرتُ فلم أَقطعْ نفسِى فى آثارِهم؛ وأَقطعْ عُروقى عليهم.
حسانُ الوجُوهِ طيّبٌ حُجُزاتُهُمْ ... كريمٌ نَثاهمْ غيرُ لُفٍّ مَعازِلِ
قوله: طيّب. حُجُزاتُهمْ، أي هم أعفّاء، يقال: فلان طيّب الحُجْزة (2)، إذا كان عفيفا؛ وقال النابغة الذُّبيانىّ:
حِسانُ الوُجوه طيّب حُجُزاتُهمْ ... يُحيَّوْنَ بالرَّيحْان يومَ السَّباسِبِ (3)
__________
(1) زاد فى اللسان "غليظ".
(2) الحجزة فى الأصل: معقد السراويل والإزار.
(3) يوم السباسب: عيد للنصارى قاله فى اللسان مادة (سبسب) واستشهد ببيت النابغة هذا إلا أنه ذكر فى أوله "رقاق النعال" بدل "حسان الوجوه".
(2/123)

وقوله: كريمٌ نَثاهمْ، يقال: نَثَا عليه ذلك الأمرَ إذا بحث عنه (1) واستخرجه.
والأَلَفّ: الثقيل؛ ويقال: فى لسانه لَفَف، إذا كان فيه ثِقَل. والأعزَل: الّذى لا سِلاح معه (2).
رِماحٌ من الخَطِّىَّ زُرْقٌ نِصالهُا ... حِدادٌ أعاليها شِدادُ الأسافلِ
زُرْق: بِيض، وتقول: نُطْفة زَرْقاء، إذا كانت بيضاء، تريد الماءَ، وعَنى بالنِّصال الأسنَّةَ.
قتلتَ قتيلا لا يُحالِفُ غَدْرةً ... ولا سُبّةً لا زلتَ أسفلَ سافلِ
لا يحالِف غَدْرْةً أي لا يلازم الشرِّ والغَدر. لا زِلْتَ أسفلَ سافِل، لا زِلتَ فى سَفالٍ ما عِشتَ.
وقد أَمِنونِى واطمأنّت نفوسُهمْ ... ولم يَعلَوا كلَّ الّذى هو داخلى
داخلى، أي ما فى جوفي من الوجد والحُزْن.
فمن كان يرجو الصّلحَ منهمْ فإِنّه ... كأحمرِ عادٍ أو كُلَيبٍ لِوائلِ
يقول: هذا القتيلُ كأحمرِ عاد، وإنما يريد كأحمرِ ثمودَ الذي عقر الناقة. يقول: هذا القتيلُ فى شؤمِ ذاك وفي شؤمِ كُلَيبٍ لوائل.
__________
(1) ورد فى الأصل بعد قوله: "عنه" قوله: "منه شيئا"، وهي زيادة من الناسخ لا مقتضى لها هنا؛ وفى كتب اللغة أنه يقال: ثنا عليه قولًا إذا أشاعه وأظهره؛ يصفهم بأن كرمهم متحدث عنه.
(2) يلاحظ أن الشارح قد فسر الأعزل ولم يبين واحد المعازل المذكور فى البيت. ويستفاد من كتب اللغة أن أصل معازل معازيل، واحده معزال، وهو بمعنى الأعزل.
(2/124)

أُصيبتْ هُذَيْلٌ بابن لُبْنَى وجُدِّعتْ ... أُنوفُهمُ باللَّوْذَعىِّ الحُلاحِلِ
اللَّوْذعىّ: الحديدُ اللّسان ذو القلب الذّكىّ. والحُلاحِل: الرَّكين الرَّزين وأَنشد لامرئ القيس:
القاتلِين المَلِكَ الحُلاحِلا ... خيرَ مَعَدٍّ حَسَبا ونائلا
رأيتُ بنى العَلّات لمّا تَضافَروا ... يَحُوزون سَهْمى دونهمْ بالشَّمائلِ
تَضافَروا: تَعاوَنوا. والتّضافُر: التعاوُن. وقولُه: فى الشّمائل (1)، أي يجعلوننى فى الشمائل؛ وهذا مِثلُ قولهم: عندى فلانٌ باليمين، أي بالمنزلة العُلْيا.
فلَهْفِى على عَمرِو بنِ مُرّةَ لَهْفةً ... ولَهْفِى على مَيْتٍ بقَوْسَى المَعاقِلِ
قَوْسَى المَعاقل: موضع من بلاد هُذَيل أو بناحيتهم (2).
* * *

(وقال أيضًا)
لقد علمتْ أُمُّ الأُدَيْبِرِ أنّنى ... أقول لها هَدِّى ولا تَذْخَرى لحَمْى
قوله: هَدِّى، أي اقسِمى هدّيتَكِ وما عندَكِ ولا تَذْخَرى.
فإِنّ غدًا إن لا نجِد بعضَ زادنا ... نُفِئْ لكِ زادا أو نُعَدِّكِ بالأَزْمِ
__________
(1) "فى الشمائل" بالفاء مكان الباء، هذه رواية أخرى وردت فى اللسان أيضا (مادة شمل). وفسر قوله "فى الشمائل" فقال: أي ينزلوننى بالمنزلة الخسيسة.
(2) ذكر ياقوت أن قوسى بلد بالسراة، كما ذكر أيضا أن فيه قتل عروة بن مرة أخو أبى خراش ونجا ابنه خراش. وعروة هذا هو الذي يريده الشاعر فى هذا البيت بقوله "ولهفى على ميت" الخ.
(2/125)

نُفِئ لكِ زادا، أي نُفِىْ عليكِ فَيْئا، ونُعَدِّك: نَصْرِفُكِ بإمساك الفم، أي نَصْرِفُكِ بأَزْمِه لا تأكلين. وحدّثنا الأصمعىّ قال: حدّثنا سُفْيان بنُ عُيَينة قال: قال عمرُ بنُ الخطّاب - رضي الله تعالى عنه - للحارث بن كَلَدة: يا حارِ، ما الطِّبّ؟ قال: الأَزْم، يعني إمساكَ الفم عن الطعام.
إذا هي حَنّتْ للهوى حَنَّ جَوْفُها ... كجَوْف البعير قَلبُها غيرُ ذى عَزْمِ
يقول: إذا حَنّث إلى أهلها وبلدِها فَتحتْ فمهَا، تحنّ كما يحنّ البعير. قَلْبُها غيرُ ذى عَزْم، أي هي غير ساكنة، وذلك أن العازم يَسكُن.
فلا وأبيكِ الخير لا تَجِدينَه ... جَميلَ الغِنَى ولا (1) صبورا على العُدْمِ
يقول: لا تَجِدِينه جميلَ الأمر إذا استغنى ولا تَجِدينه صَبورا اذا افتَقَر.
ولا بَطَلا إذا الكُماةُ تَزيَّنْوا ... لَدَى غَمَرات الموتِ بالحالك الفَدْمِ
الفَدْم: الثقيل من الدم، وهو ها هنا الخاثر، وكذلك صِبْغٌ مُفْدَم. قال أبو سعيد: وزْينتهُمْ فى الحرب أن يتضمّخوا بالدم؛ وهذا مَثَل. والفَدْم: الشديد الحُمْرة. وثوبٌ مُفْدَم: إذا كان مشبَعَ الصِّبغْ، وأراد هو بالحالك الفَدْم أىَّ دم شديدِ السّواد؛ يقول: إذا كان هذا زينتهم.
أبَعْدَ بلائى ضَلّتِ البيتَ مِن عَمًى ... تُحِبُّ فِراقى أو يَحِلُّ لهما شَتْمِى
__________
(1) فى النسختين الشنقيطية والأوربية "إلا صبورا"؛ وهو تحريف إذ لا يتفق هذا مع قوله بعد: "ولا بطلا". والصواب ما أثبتنا نقلا عن خزانة الأدب ج 2 ص 365. وقال البغدادى فى تفسير هذا البيت: يقول: إن تزوجت زوجا لا تجدينه متعففا ولا يصبر على العدم أي الفقر. اه
(2/126)

يقول: لا أَبصرتْ، دعاءٌ عليها. ضَلّت كما يَضلّ الأعمى، يدعو عليها يقول: أَعمَى الله بصَرها حتى لا تهتدى إلى البيت.
وإنّى لأُثْوِى الجُوعَ حتى يَملَّنى ... فيَذهبَ لَم يَدْنَسْ ثيابى ولا جِرْمى (1)
لَأُثوِى الجوعَ، يقول: أطيلُ حبسَه عندي حتى يَمَلنَّى. يقول: أَصبِر صَبْرا شديدا. والجِرْم: الجسد. يقول: لَم يَلحقْنى عار.
وأَغتَبِق الماءَ القَراحَ فأنتهِى (2) ... إذا الزاد أَمسَى للمزلجَّ (3) ذا طَعْم
يقول: أَغتبِق الماءَ القَراح تكّرما فتنتهى نفسى، وأنشَدَ لحسّانَ بنِ ثابت:
وأُكثِرُ أهلى من عِيالٍ سواهمُ ... وأَطوِى على الماءِ القَراحِ المبرَّدِ
وأنشد لعنترة:
ولقد أَبِيتُ على الطَّوَى وأَظَلُّه ... حتّى أَنالَ به كريم المأكَلِ
والمزلَّج: الّذى ليس بالمَتين، وهو الأمر الخفيفُ الّذى ليس بكثيف وكذلك هو أيضا من الرجال الّذي ليس بالتامّ (4). وَعَيْشٌ مُزَلجَّ: إذا كان فيه بعض
__________
(1) ذكر صاحب الأغانى فى ترجمة أبى خراش ج 21 ص 60 طبع بولاق أن أبا خراش أقفر من الزاد أياما، ثم مر بامرأة من هذيل جزلة شريفة، فأمرت له بشاة فذبحت وشويت، فلما وجد بطنه ريح الطعام قرقر، فضرب بيده على بطنه وقال: إنك لتقرقر لرائحة الطعام، والله لا طعمت منه شيئًا. ثم قال: يا ربة البيت؛ هل عندك شيء من صبر أو مر؟ قالت: تصنع به ماذا؟ قال: أريده، فأتته منه بشئ فاقتمحه ثم أهوى إلى بعيره فركبه، فناشدته المرأة فأبي، فقالت له: يا هذا، هل رأيت بأسا أو أنكرت شيئا؟ قال: لا والله، ثم مضى وأنشأ يقول: "وإنى لأثوى الجوع" (الأبيات) إلى قوله * فللموت خير من حياة على رغم *
(2) روى فى الأغانى "فأكتفى" مكان قوله: "فأنتهى".
(3) ضبط المزلج فى الأصل بكسر اللام المشددة، والصواب فتحها كما فى كتب اللغة.
(4) ورد فى كتب اللغة التي بين أيدينا للمزلج بفتح اللام مشددة عدة معان، وهى أنه البخيل، والدون من كل شيء، والذى ليس بتامّ الحزم، والناقص الضعيف، والناقص الخلق بفتح الخاء، والملزق بالقوم وليس منهم؛ ولم يرد فيها أنه الأمر الخفيف الذى ليس بكثيف.
(2/127)

النقص. وقوله: ذا طَعْم، أي ذا شهوة اذا اشتهاه وكان طيبّا عنده وطاب فى فمه.
فأنْتهَى: فأكُفُّ عنه.
أَرُدُّ شجاعَ البَطْنِ قد تَعلَمينَه ... وأُوثِرُ غيرى من عِيالِكِ بالطُّعْم
هذا مَثَل، يقول: الجوع يتلظّى فى جوفى كما يتلظّى الشُّجاع (1). والطُّعْم: الطعام.
مخافةَ أن أحيا برَغْمٍ وذِلّةٍ ... وللَموتُ خيرٌ من حَياةٍ على رَغمِ
ويُروَى رُغْم. قال أبو سعيد: رَغْم ورُغْم سواء، يقول: أَطوِى ولا آكُل أحَبُّ إلىّ من أن أَغشَى وَليمةً أعيَّرُ بها. ورَغْم: هَوانٌ ومَذَلّة.
رأت رجلًا قد لوّحتْه مَخامِضُ ... وطافت برَنّان المَعَدَّيْنِ ذى شَحْمِ
يقول: رأتْنى هذه المرأةُ وقد غيّرتنْى هذه المخَامِص وأضمرَتنْى، وطافت بشاب مِرنانِ المَعَدَّيْن، إذا ضرب مَعَدَّيْه أَرَناَّ من صفائهما وصلابتِهما، فسمعتَ لهما صوتا. والمَعَدّ: ما تحت العَضُد (2)، وهو موضع رِجْل الفارس من الفَرَس؛ فيقول: أنا متشنِّج المَعَدَّيْن، وقد استرخَى مَعَدّاىَ واضطرَبا وماجَا.
غذِىِّ لِقاحٍ لا يزال كأنّه ... حَمِيتٌ بدَبْغٍ عَظْمُه غيرُ ذى حَجْم
الحَمِيت: النِّحْى يُرَبّ، فإذا رُبَّ فهو حَمِيت. بدَبْغ أي جديد لم يُستعمَل؛ عَظْمُه غيرُ ذى حَجْم، يقول: عَظْمُه ليس له حَجْم من السِّمَن.
__________
(1) قال فى اللسان فى معنى شجاع البطن: إن العرب تزعم أن الرجل إذا طال جوعه تعرضت له فى بطنه حية يسمونها الشجاع والصفر (بالتحريك). وقال الأصمعى: شجاع البطن شدة الجوع.
(2) عبارة بعض اللغويين أن معدّى الإنسان جنباه.
(2/128)

تقول فلولا أنتَ أُنكِحْتُ سَيّدا ... أُزَفُّ إليه أو حُمِلْتُ على قَرْم
تقول له هذه المرأة: أولا أنّى ابتُليتُ بك وأُنكِحْتُك لأنكِحتُ رجلا سيّدا سِواك. والَقرْم: الفَحْل الّذى يربَّى ولم يُستعمَل. تقول: وحُمِلتُ أيضًا على قَرْم.
لعَمْرِى لقد مُلِّكْتِ أمرَكِ حِقْبةً ... زمانا فهلّا مِسْتِ فى العَقْم والرَّقْمِ
يقول: قد كنتِ تملكِين أمرَكِ زمانا فهلّا تزوّجتِ رجلا غيرى يكسوكِ العَقْمَ والرَّقْم. والعَقْم: ما وُشِّىَ ثم أُدخِل خَيْطُه ثم أُخرِجَ فوُشِّى (1). والرَّقْم: ما رُقِم. والعَقْم والرَّقْم: ضَرْبانِ من الوَشْى.
فجاءت كخاصِى العَيْرِ لم تَحْلَ جاجةً ... ولا عاجةً منها تَلوحُ على وَشْمِ
كخاصِى العَيْر، جاءت منكسِرة، وخاصِى العَيْر يَستحيى ممّا صنع، والمرأة إذا خَصَت العَيْرَ لم يبَقَ شيء من البُذاء إلاَّ أتته. يقول: فعلَتْ مثلَ هذا ثم لم تَحْلَ بشئ؛ قال حُمَيد فيُ ثَوْر:
جُلُبّانةٌ وَرْهاءُ تَخصِى حِمارَها ... بِفى مَن بَغَىَ خيرا لديها (2) الجَلامِدُ
وقوله: لمَ تَحْلَ، أي لم تفعل، من الحَلْى. جاجةً، قال: الجاجة خَرَزة من رديء الخَرَز. والعاجة: ذَبْلة. وقولهُ: على وَشْم، يقول: ليست بموشومة
__________
(1) عبارة اللسان (مادة عقم) إنما قيل للوشى عقمة لأن الصانع كان يعمل، فاذا أراد أن يشى بغير ذلك اللون لواه فأغمضه وأظهر ما يريد علمه. وهى أوضح فى المعنى.
(2) فى اللسان (مادة جلب) "إليها" مكان قوله "لديها". والجلبانة: المصوّتة الصخابة الكثيرة الكلام. وقال فى قوله: "تخصى حمارها": إذا بلغت المرأة من البذلة والحنكة إلى خصاء عيرها فناهيك بها فى التجربة والدربة؛ وهذا وفق الصخب والضجر؛ لأنه ضدّ الحياء والخفر.
(2/129)

ولا مزيَّنة. قال: وكانت أيديهن تُوشَم بالنَّؤور. يقول: فلم تكن هذه تَلبَس سوارَ ذَبْل (1) على وَشْمٍ فى اليد.
أفاطِمَ إنِّى أَسبِق الحَتْفَ مُقبِلًا ... وأَتركُ قِرْنى فىَ المَزاحِف يَستدمِى
أَسبِق الحَتْف، يقول: أَرَى القومَ العَدُوَّ مقبِلين يريدوننى فأنجُوَ منهم وأسبِقَهم عَدْوا، وقوله: مُقبِلا أي مُقدِما، وواحد المَزاحف مَزْحَف، وهو موضع القِتال.
وليلةِ دَجْنٍ من جُمادَى سَرَيْتُها ... إذا ما استَهَلِّت وهى ساجيةٌ تَهْمِى
الدَّجْن: إلباسُ الغَيْم [الأرضَ] (2). وقوله: "تَهمِى" أي تسيل.
وشَوْطٍ فِضاحٍ قد شَهِدتُ مُشايِحًا ... لأُدْرِكَ ذَحْلا أو أُشِيفَ على غُنْمِ
شَوْطٍ فِضاح، يقول: إنْ سُبِق فيه رجل افتَضَح. والمشُايِح: الجادّ الحامل فى كلامَ هُذَيل. وقوله: أُشِيف على غُنمْ أي أُشِرف على غنيمة.
إذا اْبتَلّت الأقدامُ وَالْتَفَّ تَحتَها ... غُثاءٌ كأَجواز المُقرَّنةِ الدُّهْمِ
يقول: إذا اْبتلّت الأقدامُ من نَدَى اللَّيل. قال أبو سعيد: وتِهامة كثيرة النَّدَى. يقول: إذا جلسوا ابتَلّت أقدامُهم، يَعنِي أنّهم كانوا يَعْدُون على أرجلهم فيكسِرون الشجرَ بأرجلهم. وقوله: كأجواز، أي كأوساط الدُّهْمِ من الإبل.
__________
(1) الذبل: شيء كالعاج يتخذ منه السوار؛ وقيل: هو ظهر السلحفاة البحرية.
(2) هذه الكلمة التي بين مربعين ساقطة من الأصل؛ والصواب إثباتها نقلا عن اللسان (مادة دجن).
(2/130)

والمقرَّنة: التى تُقرَن بأخرى؛ لأنّها صعاب، فلذلك تُقرَن، وجَعلَ الغُثاءَ كاجواز المقرَّنة لأنّه أراد كثرتَه وكَثافتَه.
ونَعْلٍ كأَشْلاءِ السُّمانَى نَبَذْتُها ... خلافَ نَدًى من آخِر اللّيلِ أورِهْم
نَعْل كأشْلاء السُّمانى، أي نعل قد تقطّعتْ، فشبَّهها بسُمانىَ قد أُكِلتْ، وإنما أراد شِلْوَ السُّمانَى المأكولة فبقىَ جَناحاها وجلدُها، فشَبَّهَ بذلك. والرِّهمْ (1): المطر الضعيف الساكن الليّن، والواحد رِهْمة، والجماع رِهام ورُهام (2) ورِهَم.
إذا لم ينازِعْ جاهلُ القومِ ذا النُّهَى ... وبَلَّدَت الأعلامُ باللَّيَلِ كالأُكْمِ (3)
يقول: استَسْلَم القومُ للأَدِلّاء. وبَلَّدَت، أي لَزِقتْ بالأرض فَتَرى الجبلَ كأنّه أَكَمة فى جوف الليل يَصغُر فى عَيْنِك. والأعلام: الجبال، والواحد عَلَم
تراها صِغارا يَحْسِر الطَّرْفُ دونَها ... ولو كان طَوْدا فوقَه فِرَقُ العُصْمِ
يقول: تراها باللّيل قِصارا وإن كان طَوْدا أي جَبَلا، فوقه فِرَق الأَرْوَى ويَحسِر الطرْف: يَكِلّ الطَّرْف.
وإنِّى لأَهدِى القومَ فى ليلة الدُّجّى ... وأَرمِى إذا ما قيل: هل مِن فَتًى يَرمِى
الدُّجى: الظُّلْمة. والدُّجى: ما أَلْبَسَ من الغيم الدنيا.
__________
(1) فى الأصل: "والرهمة"؛ والتاء زيادة من الناسخ كما يدل عليه قوله بعد: "والواحد".
(2) كذا ورد هذا اللفظ مضبوط الراء بالضم فى الأصل؛ ولم نجد هذا الجمع بهذا المعنى فيما راجعناه من كتب اللغة.
(3) الأكم بضمتين: جمع إكام بكسر الهمزة؛ وسكن الكاف للضرورة.
(2/131)

وعاديَةٍ تُلقِى الثيابَ وَزَعْتُها ... كرِجْلِ الجَراد يَنْتَحى شَرَفَ الحَزْم
العادية: الحاملة. تُلْقِى الثياب، مِن شِدّة عَدْوِهم تَقَع عَمائهُم ومَعاطِفُهم وهي أردِيَتُهم، والواحد مِعْطَف. وزَعْتُها: كفَفْتُها. يَنتحِى: يَقصد له. شَرَف الحَزْم، وهو المكانَ الغليظ. والحَزْنُ مِثْلُه.
* * *

وقال أيضا (1)
عَدَوْنا عَدْوةً لا شكَّ فيها ... وخِلْناهمْ ذُؤَيبْةَ أو حَبيبا
قال أبو سعيد. يقول: حَمَلْنا حَمْلةً لا شكّ فيها. والعَدْوة: الحَمْلة. وذُؤَيبْة وحبيب: حَيّان من عجز هَوازِن. قال: يقول: حَمَلْنا حَمْلَةً لا يُشَكّ فيها.
فنُغرِى الثائرِين بهمْ وقُلْنا ... شِفاءُ النفسِ أن بَعَثوا الحُروبا
أَغْرَيْنا الثائرِين، قلنا: خُذْ يا فلان، خُذْ يا فلان. قال الأصمعىّ: وسمعتُ ابنَ أبى طَرَفةَ يقول: "شِفاء النفس إن" كَسرَ إنْ، ومِثلُه:
* عِيَر (2) على أنْ عَجَّل المَنايا *
__________
(1) سبب هذه القصيدة كما فى الأغانى ج 21 ص 59 طبع أوربا أن أبا خراش أقبل هو وأخوه عروة وصهيب القردى فى بضعة عشر رجالا من بنى قرد يطلبون الصيد، فبيناهم بالمجمعة من نخلة لم يرعهم إلا قوم قريب من عدّتهم، فظنهم القرديون قوما من بنى ذؤيبة أحد بنى سعد بن بكر بن هوازن، أو من بنى حبيب أحد بنى نصر، فعدا الهذليون إليهم يطلبونهم، وطمعوا فيهم حتى خالطوهم وأسروهم جميعا، وإذا هم قوم من بنى ليث بن بكر فيهم ابنا شعوب أسرها صهيب القردى، فهم بقتلهما، وعرفهم أبو خراش فاستنقذهم جميعا من أصحابه وأطلقهم، فقال أبو خراش هذه القصيدة يمنّ على ابنى شعوب أحد بنى شجع ابن عامر بن ليث فعله بهما.
(2) عير أي عير بضم العين وتشديد الياء مكسورة.
(2/132)

كأنّى إذ عَدَوْا ضَمَّنتُ بَزِّى ... من العِقْبان خائتةً طَلوبا
يقول: كأنّى أَلبستُ بَزِّى عُقابا. يقول: لما حملوا علينا كأنى أَلبستُ بَزِّى وهو سِلاحُه من سرعتى عُقابا. خائتةً، أي منقضّة. طَلوبا: تَطلُب الصَّيْد.
جريمةَ ناهِضٍ فى رأس نِيقٍ ... تَرَى لعِظامِ ما جَمعت صَليبا
جَريمةَ ناهِض، أي كاسِبَةَ فَرْخٍ، وهو الناهض. والنِّيق: الشِّمْراخ من شمَاريخ الجَبَل. والصَّليب: الوَدَك، وأَنشَدَ لعَلْقَمةَ بن عَبْدة:
بها جِيَفُ الحَسْرَى فأمّا عِظامُها ... فبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فصَليبُ (1) يَعنِى الوَدَكَ.
رأت قَنَصا على فَوْتٍ فضَمّتْ ... إلى حَيْزُومِها رِيشًا رَطيبا
قَنَصا أي صَيْدا. على فَوْتٍ أي سَبْق. والرَّطيب: الناعم الّذى ليس مُتَحاتًّا. والحَيزْوم: الصَّدْر وما احتَزَم عليه، ويقال للرجل: اُشدُدْ حَيازِيمَك لهذا الأمر، أي تَشَدَّدْ عليه واعزِمْ، وأَنشَدَنا:
* وشَدِّى حَيازِيمَ المَطِيّةِ بالرَّحْلِ *
__________
(1) البيت من قصيدة يمدح الشاعر بها الحارث بن جبلة بن أبى شمر الغسانى، وكان قد أسر أخا علقمة شأسا، فرحل علقمة يطلب فكه، وأوّل القصيدة:
طحا بك قلب فى الحسان طروب ... بعيد شباب عصر حان مشيب
والضمير فى قوله: "بها جيف الحسرى" يعود على المنان فى البيت الذى قبله، وهو:
هدانى إليك الفرقدان ولا حب ... له فوق أصواء المتان علوب
والمتان جمع متن، وهو المكان الصلب الملتوى. والعلوب: الآثار. والحسرى أي المعيبة، وجعل عظامها بيضا لقدم عهدها، أو لأن السباع والطير أَكلت ما عليها من اللحم فبدا وضحها. والصليب: الودك الذى يخرج من الجلد. وقيل: الصليب اليابس الذى لم يدبغ. وكان وجه الكلام أن يقول "جلودها" فلم يمكنه، فاجترأ الواحد عن الجمع لأنه لا يشكل. اه. شرح الأعلم الشنتمرى لديوان علقمة ص 27 طبع الجزائر.
(2/133)

فلاقَتْه ببَلْقَعةٍ بَرازٍ ... فصادَمَ بين عَيْنَيْها الجَبُوبا
البَلْقَعة: المستوِى من الأرض ليس فيه شيء. والبَرا: الفَضاء البارز ليس حولَه شيء يَسَتُره. فصادَمَ بين عَيْنَيْها الجَبوبا، يقول: حين مرّت تريد الغزالَ أخطأَتْه فصَكّت الجَبوبَ برأسها. وبَلْقَعة: جَمْعُه بَلاقِع، ومنه الحديث: "اليمين الغَموسُ الفاجرُة تَدَع الديارَ بلاقِع". والجَبوب: الأرض. قال أبو سعيد: يقول أهلُ الحِجاز: أَخَذَ جَبُوبةً (1) من الأرض.
مَنَعْنا من عَدِىِّ بنى حُنَيْفٍ ... صِحابَ مضرِّسٍ وابنَى شَعُوبا
اِبنَا شَعوب: قوم من بنى لَيْث، وهم حُلَفاء العباس. والعَدىّ: الحاملة.
وبنو حُنَيف: بعضُ من كان يقاتل الهُذَلِيّين.
فأَثْنوا يا بَنِى شِجْعٍ علينا ... وحَقُّ ابنَىْ شَعوبٍ أن يُثيبا
شِجْع: ابن لَيث (2)، يقول: اثْنوا علينا ببلائنا عندكم.
فسائلْ سَبْرةَ الشِّجْعىَّ عنّا ... غَداةَ تَخالُنا نَجْوًا جَنِيبا
تَخالُنا: تَحسَبنا. والنَّجْو: السحاب. والجَنيب: الّذى قد أصابته الجَنوب وهو أَدَرُّ له، وإذا شُمِل يُقْشَع، يقول: وَقْعُنا بهم مثل وَقْع سَحابةٍ تمُطِر، ومثلهُ:
__________
(1) الجبوبة: المدرة.
(2) فى التاج أنه شجع بن عامر بن ليث، وهو بطن من كنانة، وهو جدّ الحارث بن عوف الصحابي.
(2/134)

كأنهمْ تحت صَيْفىٍّ له نَحَمٌ ... مصرِّحٍ طَحَرتْ أَسناؤه القَرِدا (1)
[وأنشد لعلقمة بنِ عبْدة].
كأنّهمُ صابت عليهِم سحابةٌ ... صَواعِقُها لطيرهنّ دَبيب
بأن السابقَ القِرْدِىَّ أَلقَى ... عليه الثوبَ إذ وَلَّى دَبِيبا
السابق: سبقَ القوَم فأَلقَى عليه رداءَه وأَجارَه. قال: وكان الرجل إذا أَلْقَىَ ثوبَه على الرجل فقد أجاره، وأنشد:
ولَم أَدْرِ مَن أَلْقَى عليه رداءَه ... ولكنّه قد سُلَّ من ماجِدٍ مَحْضِ (2)
وقوله: إذ وَلَّى دَبِيبا، يقول: دَبَّ إليه دَبِيبا يُخْفِيه حتى ألَقَى عليه الثوبَ.
ولولا نحن أَرهَقَه صُهيبُ ... حُسامَ الحدّ مَذْروبا خَشِيبا
أرهَقَه: أغشاه. والمَذْروب: الحديد. والخَشِيب: الصقيل.
والحُسام: الحادّ. والخَشيب: الحديث عهدٍ بالصِّقال. والخَشْب: الطَّبعْ الأوّل، ثم صار كلّ صقيلٍ خَشيبا. أرهَقَه: أغشاه صُهَيب.
به ندعُ الكَمِىَّ على يديه ... يخِرّ تَخالُه نَسْرا قَشِيبا
قشِيب: مسموم. وإنما يراد أنه سُقى القِشب، وهو خَرْبَق تُقتَل
__________
(1) قد سبق هذا البيت فى شعر عبد مناف بن ربع مع شرحه، فانظره.
(2) البيت لأبي خراش وسيأتى بعد ضمن مقطوعة له.
(2/135)

به النُّسور، وهو أن تَجعَل للنسر لحما (1) فيأكلَه، وكلّ مخربَقٍ قَشِيب ومُقَشَّب، وأنشد لطُفَيل:
* إلى وَكْرِه وكلّ جونٍ (2) مقشّبِ (3) *
قال: وإنّما ذكر النسورَ بهذا لأنّ النسور هي الّتى يُجعَل لهما فى الِجيَف القِشْب لتُقتَل، وكلّ مسموم مقشَّب.
غداةَ دعا بنى شجْعٍ ووَلَّى ... يؤمّ الخَطْم لا يدعو مجِيبا
لا يدعو مجيبا، أي لا يدعو أحدا يجيبه. والخَطْم: موضع (4) أو جبل.
وقال أيضا (5)
لعلّك نافعى يا عُرْوَ يومًا ... إذا جاورتُ من تحت القبورِ
إذا راحوا سِواىَ وأَسلمونى ... لخَشْناءِ الحجارةِ كالبعير
__________
(1) أي لحما خلط بالسم.
(2) الجون: المسنّ.
(3) هذا عجز البيت، وصدره:
كسين ظهار الريش من كل ناهض ... إلى وكره. . . . . . . . الخ
يصف نبلا، وقبله:
رمت عن قسىّ الماسخىّ رجالنا ... بأجود ما يختار من نبل يثرب
والماسخىّ: القواس. وهى قصيدة طويلة كان سببها أن (غنىّ) قبيله طفيل أغارت على طئ
فدخلوا سلمى وأجأ، وهما جبلان لطئ فسبوا سبايا كثيرة، فقال طفيل هذه القصيدة، وهى فى أوّل ديوانه المطبوع فى لندن، وأوّلها:
بالعفر دار من جميلة هيجت ... سوالف حب فى فؤادك منصب
(4) قال ياقوت: الخطم موضع دون سدرة آل أسيد، وأنشد هذا البيت الذى نحن بصدده.
(5) كان سبب هذه القصيدة فيما ذكره صاحب الأغانى ج 21 ص 60 طبع بولاق أن بنى فهم وقيل بل بنى كنانة أسرت عروة بن مرة أخا أبى خراش، فلما دخلت الأشهر الحرم مضى أبو خراش إليهم ومعه=
(2/136)

إذا راحوا سِواى "يقول: إذا ذهبوا إلى مكانى (1) " لخشناء الحِجارة، أي لحفرة. وقوله: "كالبعير"، يعني ظهر القبرِ كأنه بعير بارِك.
أخذتَ خفارتى (2) وضَربتَ وجهى (3) ... فكيف تُثيبُ بالمَنّ الكثير
يقول: أخذتَ ما أخذتَ وخَفَرْت، أي أخذتَ مالا كثيرا خفرت أهلَه فكيف تثيبنى بمنيّ.
__________
=ابنه خراشُ، فنزل بسيد من ساداتهم، ولم يعرّفه نفسه، ولكنه استضافه، فأنزله وأحسن قراه، فلما تحرم به انتسب له وأخبره خبر أخيه، وسأله معاونته حتى يشتريه، فوعده بذلك، وغدا على القوم مع ذلك الرجل فسألهم فى الأسير أن يهبوه له، فما فعلوا. فقال لهم: فبيعونيه، فقالوا: أما هذا فنعم، فلم يزل يساومهم حتى رضوا بما بذله لهم، فدفع أبو خراش إليهم ابنه خراشا رهينة، وأطلق أخاه عروة ومضيا حتى أخذ أبو خراش فكاك أخيه وعاد به إلى القوم حتى أعطاهم إياه وأخذ ابنه، فبينا أبو خراش ذات يوم فى بيته إذ جاءه عبد له فقال له: إن أخاك عروة جاءنى وأخذ شاة من غنمك فذبحها ولطمنى لما منعته منها. فقال له: دعه. فلما كان بعد أيام عاد فقال له: قد أخذ أخرى فذبحها. فقال: دعه. فلما أمسى قال له: إن أخاك اجتمع مع شرب من قومه، فلما انتشى جاء إلينا وأخذ ناقة من إبلك لينحرها لهم، فعالجته فوثب أبو خراش إليه فوجده قد أخذ الناقة لينحرها، فطردها أبو خراش، فوثب أخوه عروة إليه فلطم وجهه وأخذ الناقة فعقرها وانصرف أبو خراش، فلما كان من غد لامه قومه وقالوا له: بئست لعمر الله المكافأة كانت منك لأخيك، رهن ابنه فيك وفداك بماله ففعلت به ما فعلت، فجاء عروة يعتذر إليه، فقال أبو خراش هذه القصيدة.
(1) كذا وردت هذه العبارة التي بين هاتين العلامتين فى الأصل، وهى لا تؤدى المعنى الذى أراده الشاعر من قوله: "إذا راحوا سواى" كما هو ظاهر؛ والمعنى الذى أراده الشاعر من البيت واضح.
(2) الحفرة والحفارة (بضم الخاء فيهما) والخفارة والخفارة بفتح الخاء فى الأولى وكسرها فى الثانية: الأمان والذمة.
(3) فى الأغانى ج 21 ترجمة أبي خراش "ولطمت عينى" مكان "وضربت وجهى".
(2/137)

بما يمّمتُه (1) وتركتُ بِكْرِى ... بما أَطعمتُ مِن لحِم الجَزورِ
هذا مثل؛ يقول: كان عندي طعام طيّب فأطعمتُه إيّاه وتركتُ ولدى، فآثرتُه على نفسى وولدى. وبِكْره: ابنه. ويمّمت: قصدتُ له.
ويوما قد صبرتُ عليك نفسى ... مع الأشهاد مرتدِىَ الحَرورِ
قوله: صبرتُ عليك نفسى: فى السَّفَر والعَزْوِ. والأشهاد: من شهد الوقعة، وهم كانوا شهِدوا معه. مع الأشهاد، أي مع الشهود على ما أقول. والحَرور يصيبنى أيضًا. والحَرور: السَّموم.
وقال أيضًا
أَواقِدُ لم أغرركَ فى أَمْرِ (2) واقِدٍ ... فهل تنتهى عنّي ولستَ بجاهلٍ
يقول: لم آتِ فيما بينى وبينك أمرا ترى أنّى محسن فيه وأنا مسيء، فقد غررتُك، فهل أنتَ منتهٍ عنّى وأنت عاقل ولستَ بجاهل. ولم يعرف الأصمعىّ واقدا هذا. يقول: فلم أحمِلْك على غِرّة.
__________
(1) ورد فى الأغانى ج 21 ص 61 قبل هذا البيت بيت آخر لم يرد فى هذه القصيدة، وهو:
إذا ما كان كس القوم روقا ... وحالت مقلتا الرجل البصير
وفى اللسان (مادة كس) (إذا ما حال) وفسر الكس بأنه قصر الحنك الأعلى عن الأسفل. وفى عبارة أخرى أنه خروج الأسنان السفلى مع الحنك الأسفل، وتقاعس الحنك الأعلى، وهو كس وهي كساء، وأنشد صدر هذا البيت. وفى (مادة روق) فسر الروق بأنهم طوال الأسنان، والواحد روق، وأنشد صدر هذا البيت أيضًا.
(2) فى النسخة الأوربية "أم" مكان "أمر"؛ وهو تحريف لا معنى له.
(2/138)

أواقِد لا آلوك إلاّ مهنَّدا ... وجِلدَ أبِى عِجلٍ وثيق القبائلِ
قوله: لا آلوك أي لا أدَعُ جهدا فى أمرك ولا يكون جهدِى لك إلاَّ هذا المهنَّد، وهو السيف. وجِلد أبى عِجل، أي جِلد ثور قد عُمل منه تُرْس. وقوله: وثيق القبائل، وهى القِطع، والواحد قبيلة، يقول: عُمِل هذا االترسُ من قبيلتين أو ثلاتِ قبائل، وكذلك قبائل الرأس.
غَذاهُ من السِّرَّينِ (1) أو بطنِ حَلْيةٍ ... فُروعُ الأَباءِ فى عَميمِ السوائلِ
الأباء: القصبِ. والعمِيم: ما اعتمّ من النبت فى سوائل المطر. والسوائل: الأماكن التى تسيل بالماء.
مِشَبّ إذا الثيران صَدّتْ طريقَه ... تَصدَّ عن عنه دامِياتِ الشَّواكِلِ
المِشبّ: المَسِنّ، وهو الشَّبوب والشَّبَب. وقوله: صدّت طريقَه، أي ردّت طريقَه، وتصدّعن: تفرّقن. ويقال: تصدّع عنه القوم، إذا تفرقوا عنه. قال: والشاكلة: الطِفْطِفة التي بين بعض الجَنْب والوَرِك (2).
يَظَلّ على البَرْزِ اليَفاعِ كأنّه ... طِرافٌ رستْ أوتادُه عند نازلِ
البَرْز: ما برز من الأرض. واليَفاع: ما ارتفع من الأرض. والطِّراف: بيتٌ من أَدَم. رست: ثَبتتْ.
__________
(1) السرين: بليد قريب من مكة على ساحل البحر، بينه وبين مكة أربعة أيام أو خمسة. وفى حلية عدّة أقوال منها أنه واد بين أعيار وعليب يفرغ فى السرين؛ وقيل: إنه واد بتهامة أعلاه لهذيل وأسفله لكنانة؛ وقيل غير ذلك (ياقوت).
(2) الطفطفة: كل لحم مضطرب، أو هي الرخص من مراق البطن. وقيل: هي أطراف الجنب المنضلة بالأضلاع.
(2/139)

وقال فى صديق له من آل صُوفة (1) خُدّام الكعبة فى الجاهليّة "كان حَذاهُ نعلين"
حَذانِى بعد ما خَذِمتْ نِعالى (2) ... دُبَيّةُ إنّه نِعم الخليلُ
بمَوْرِكتيَنِ مِن صَلَوَىْ مِشَبٍّ ... من الثّيران عَقْدُهماْ جميلُ
قال أبو سعيد: سمعتُ من يُنشِد.
بمَوْرِكتين شَدَّهمُا طُفَيْلٌ ... بصَرّافَينِ عَقدُهما جَميلُ
يقول: بشِراكَين يَصْرفان (3)، ويروى مُقابَلتين، أي لهما زِمامان. وقوله:
بمَوْرِكَتين أي من الوَرِك ... والصَّلَونِ: ما فوق الذَّنَب من الوَرِكين.
بِمثلِهما نروحُ نريد لهوًا ... ويَقضِى حاجَه الرَّجل الرجيلُ
ويروى "ويَقضِى الهمَّ ذو الأَربِ الرَّجيلُ" والأَرب: الحاجة. والرَّجيل: القوىّ على المشى.
__________
(1) صوفة: أبو حي من مضر وهو الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، سمى صوفة لأن أمه جعلت فى رأسه صوفة وجعلته ربيطا للكعبة يخدمها. قال الجوهرى: كانوا يخدمون الكعبة ويجيزون الحاج فى الجاهلية، أي يفيضون بهم من عرفات فيكونون أوّل من يدفع. وفى الأغانى ج 21 ص 57 طبع بولاق أن الذى حذا أبا خراش هاتين النعلين هو دبية السلمى وهو صاحب العزى، وأحد سدنتها، وكان قد نزل به أبو خراش فأحسن ضيافته، ورأى فى رجله نعلين قد أخلقنا فأعطاه نعلين من حذاء السيت، فقال أبو خراش هذه القصيدة يمدحه.
(2) حذا الرجل نعلا: ألبسه إياها كأحذاء. وخذمت نعالى: تقطعت.
(3) يصرفان، أي يصوّتان. وذكر فى اللسان (مادة صرف) أنه عنى شراكين لهما صريف.
(2/140)

فنِعمَ معرَّسُ الأضياف (1) تَذْحَى ... رِحالهَم شآميَةٌ بَلِيلُ
تَذحَى: تسوق وتستخِفّ، ضربَه مَثَلا. ويقال: ذحا إذا ساق سَوْقا سريعا. وحدا (2) مِثلها، وهما لغتان، وأنشد أبو سعيد لرجل يرثى أبا عبيد:
وكأنمّا كانوا لمقتلِ ساعةٍ ... بَرَدًا ذَحَتْه الرِّيحُ كلَّ مسِيلِ
ذحَتْه وحَدَتْه سواء. قال أبو سعيد: وفي هوازِن قبيلتان (3) دَحْوَة ودَحْيَة.
يُقاتِلُ جُوعَهم بمكلَّلاتٍ ... من الفُرْنىِّ (4) يَرْعَبُهما الجَميلُ
يرعَبها، أي يملؤها. ويقال: رُعِبت الأودية مِن المطر. والجميل: الشحم المذاب. ويقال: رُعِب الوادى، وتركتُه مرعوبا، وأنشد لابن هرْمَة:
ما حازت العَرْبُ (5) من ثُعالةَ والرَّوْ ... حاء منه (6) مرعوبةُ المُسُل
أي مملوءة منه.
__________
(1) روى هذا البيت فى اللسان (مادة ذحا).
ونعم معرّس الأقوام تذحى ... رحالهم. . . . . . . . الخ
وفسره فقال: أراد تذحى رواحلهم؛ وقيل: أراد أنهم ينزلون رحالهم فتأتى الريح فتستخفها فتقلعها فكأنها تسوقها وتطردها.
(2) فى كلتا النسختين "حاذ" بالذال المعجمة؛ والألف زيادة من الناسخ؛ كما أننا نجد حذا بالمعجمة فيما راجعناه من كتب اللغة بالمعنى الذى ذكره، والذى وجدناه بهذا المعنى حدا ودحا بالدال المهملة فيهما.
(3) ورد هذان الاسمان فى كلتا النسختين بالذال المعجمة؛ وقد أثبتناهما بالمهملة نقلا عن القاموس وشرحه مادتى (دحو ودحى).
(4) الفرنىّ: خبز غليظ نسب إلى الفرن الذي يختبز فيه.
(5) العرب بفتح العينُ وسكون الراء كما فى تاج العروس (مادة عرب) ناحية بالمدينة. وفى معجم البلدان بفتح العين وكسر الراء، وذكر أنها ناحية قرب المدينة، ولم يذكره معرّفا بالألف واللام.
(6) منه أي من المطر. والمسل (بضمتين) نسايل الماء، وإنما جمعوا المسيل على مسل لتوهم أن الميم أصلية فيه؛ وقد ورد فى اللسان (مادة سيل) كلام كثير فى هذا الجمع فانظره ثم.
(2/141)

وقال أبو خراش أيضًا
يذكر فرّة فرّها من فائد وأصحابِه الخُزاعيِّين، وكان مِن حديث أبي خِراش أنه خرج بزوجة (1) أبيه مُرّة "وكان مُرّة خلَف بعد لُبْنَى أمِّ أبى خراش وإخوته السبعة عليها" (2)، وأنّ أبا خراش أَتى بها مكّة وأمرها أن تقضِى ما أرادت من نُسُكٍ أو غيرِه، وقعد لها بالأخشَب (3)، وقال لها: احذرِى أن يعرِفك أحد، فإنّ بهذا البلد قوما قد وترتهم من بنى كعب بنِ خزاعة، فلقِيها فائد فعرفها، وقال لها: كم معكِ من بنِيكِ؟ فإنّى رجل من عشيرتِكِ أحدِ بنى سَهْم، فإنّ بهذه القرية قوما قد وتَرَهُم أبو خِراش، فاقعدى وأخبِرينى بحوائجكِ، فأقعدها واشترى لها حوائجها، وقال لها: أيُّ بنيكِ معك؟ قالت: أبو خِراش. قال: فامضى ولا تخبِرى أحدا سواى خبرى. قال: وتقدّم فائد لأبي خِراش حتى قعد له بالطريق، ورجعت المرأةُ إلى أبى خِراش، فقال لها: مَن لقِيَكِ؟ ومن رأيتِ؟ قالت: رأيت رجلاً من بنى سَهْم، وكان أحرصَ على أن أخفِىَ أمرى منك، فنعته لها أبو خِراش، فقالت:
__________
(1) فى الأغانى ج 21 ص 55 طبع بولاق أن التي كانت مع أبى خراش هي زوجته أم خراش.
(2) كذا وردت هذه العبارة التي بين هاتين العلامتين فى كلتا النسخين؛ والمعنى أن مرة كان قد تزوّج هذه الزوجة بعد لبنى أم أبي خراش. والذي فى الأغانى ج 21 ص 61 أن إخوة أبى خراش، كانوا عشرة وهم: أبو خراش وأبو جندب وعروة والأبح والأسود وأبو الأسود وعمرو وزهير وجناد وسفيان، وكانوا جميعاً شعراء دهاة سراعا لا يدركون عدوا ... الخ.
(3) الأخشب: واحد الأخشبين، وهما جبلان يضافان تارة إلى مكّة وتارة إلى منى؛ أحدهما أبو قبيس، والآخر قعيقعان. وقال ابن وهب: الأخشبان الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى.
(2/142)

نعم، إنه لهو، قال: ذلك فائد، وقد قتلتنِى. قالت: فارجع إلى قريش فخذ منها جِوارا، فأبى (1) عليها أبو خِراش وذهب بها، وقال لها: القوم بالمُغمَّس (2) فامضِى إليهم، وحملها على جملٍ لمرّة نجيب، وقال لها: إذا خلفتِ القوم فاجهدى بعيركِ فإنى شاغلهم عنكِ، ولن يتعرّضوا لكِ حتى ييئسوا منّي. فمضت، وجاء أبو خِراش يبطئ فى المشى، ويُصلِح نعلَه حتى خلفتْهم المرأة، ثم جَهدتْ بعيرَها حتى كأنّ خمارَها فى أطراف الشجر نَسْجُ العنكبوت، وأتاهم أبو خِراش حتى سلّم عليهم يُطمِعهم فى نفسه لتذهب المرأة، فقالوا: مرحبا يا خُوَيلِد، وأقبلوا إليه غيرَ سِراع وهم يميلون نحوه، ولا يريدون ذُعْرَه، وقد قدّموا فائدا بذَنَب الثَّنِيّة، ثم عدَوْا عليه وشدّ أبو خِراش يؤمّ ذَنَب الثنيّة أسفلَ مِن فائد، وقالوا: إليك يا فائد، خذ يا فائد، اِضرب يا فائد، اِرمِ يا فائد، وزعموا أن قوس أبى خِراش انقطعتْ حِمالتها وانفلت أبو خراش، وجاءت امرأةُ مُرّة إليه (3)، فقال لها: ويلكِ ما فعل أبو خِراش؟ قالت: قتِل، قتله فائد وأصحابه. قال: ويلكِ، قتِل وأنتِ تنظرين؟ قالت: نعم، قال: كيف انفلتّ أنتِ؟ قالت: إنّه لم يُقتل حتى خلفتُ القوم، قال: فأخبِرينى كيف كان قتلُه؟ قالت: عهدى به وقد التفّ عليه القوم، فقال: هل سمعتِ من شيء؟ قالت: سمعتُ: "يا فائد اضرب، يا فائد ارم"؛ فقال: إن أخطأتْ أسهُمُ القومِ أجابنى، وصرخ مُرّة فاستجاب له أبو خِراش، ففى ذلك يقول أبو خِراش:
__________
(1) فى كلتا النسختين "فأبلى"، وهو تحريف.
(2) المغمس بفتح الميم المشدّدة وكسرها: موضع قرب مكة فى طريق الطائف.
(3) إليه أي إلى مرة زوجها.
(2/143)

رَفَوْنِى وقالوا يا خويلدُ لا تُرَعْ ... فقلت وأنكرتُ الوجوهَ همُ همُ
رفونى، أي سكّنونى، وكان أصلُها رفؤونى. قال أبو سعيد: وأهل الحجاز يهمزون. فترك الهمزة، وأنشد لحسان بنِ ثابت:
"يرفؤون (1) ... "، قال ليس هذا باستفهام، هم هم أي هم الذين كنت أخاف.
فعَدّيتُ شيئا والدَّريسُ كأنمّا ... يزعزِعه وِرْدٌ (2) من المُومِ (3) مُرْدِمُ
عَدّيتُ: صُرِفتُ عنهم، وهم أصحابه، أي انحرفتُ قليلا ولم آخذْ على وجهى.
والدَّرِيس: الثوب الخَلَق. والمُرْدِم: الملازم، يقال: أردمتْ عليه الحمّى إذا لازمته.
تَذَكُّرَ (4) ما أين المَفرُّ وإنّنى ... بغرزِ الذى ينجِى من الموتِ معصِم
تذكُّرَ: نَصْبٌ، "وسألتُه (5) عنه" فقال: كان عيسى بن عمر يقول: تذكُّرُ ما أين المَفرّ؛ ولم يكن يدرى ما القراءة. وكان أبو عمرو يُنشِد: تَذكُّرَ ما أين المَفرّ، وهي القراءة. والمَفَرّ: المَنْجَى والذَّهابُ فى الأرض. وقوله: يَغْرزِ الذّى يُنجِى مِن
__________
(1) كذا وردت هذه الكلمة فى كلا الأصلين؛ وقد راجعنا ديوان حسان بن ثابت فى عدة طبعات فلم نقف على وجه الصواب فيها.
(2) فى الأغانى ج 21 ص 26 "وعك" مكان قوله: "ورد" والمعنى عليه يستقيم أيضاً.
(3) الموم: الحمى. قاله ابن برى.
(4) فى الأغانى ج 21 ص 56: "تذكرت" مكان قوله: "تذكر" و"بحبل" مكان قوله: "بغرز".
(5) لم نتبين مرجع الضمير هنا.
(2/144)

الموت مُعصِم، يقول: أنا متعلّق بعَدْوٍ شديد فيُنجِينى. ويقال للرجل: اُشدد يديك بغَرْزِ (1) فلان، إذا أمره أن يَلزَمه. ويقال: أعصَمَ الرجلُ بعُرْفِ فرسِه إذا تعلّق به، والمُعصِم: المتعلّق.
فوالله ما رَبْداء أو عِلْجُ عانةٍ (2) ... أقبُّ وما إنْ تَيْسُ رَبْلٍ (3) مصمِّمُ
الرَّبْل: نبت يَنبتُ فى قُبْلُ الشتاء (4). ورَبْداء: نعامة سوداء إلى الغُبرْة.
وعِلْج: حمارٌ غليظ. أقبّ: خميصُ البطن. ومصمِّم: يركب رأسَه ويمضِى. وعَنَى بالتّيسِ (5) ظبيا.
وبُثّت حِبالٌ فى مَرادٍ يَرودُه ... فأخطأه منها كِفافٌ مخزَّمُ
فى مَرادٍ يَرودُه، أي فى مسارحَ يَسرَح فيها. وكِفاف، يعني كِفّةَ الحابل وهي شيء يُعمَل مِثل غِلاف القارورة؛ ثم يُجعل فيها خَرْق، ثم يُجعل عليها خَيْط بأُنشْوطة، ويغطَّى بتراب، فإذا دخلتْ يدُ الظبى فيها نفَضَها فنَشِبَت (6). وقوله: مخزَّم، أي منظَّم.
__________
(1) الغرز فى الأصل: ركاب الرحل، وهو فى هذا البيت وفى قوله: "اشدد يديك بغرز فلان" استعارة.
(2) العانة: القطيع من حمر الوحش.
(3) فى الأغانى ج 21 ص 56 "رمل" مكان قوله "ربل".
(4) فى قبل الشتاء بضم فسكون وبضمتين أي فى أوّله؛ والقبل بهذا الضبط من الزمان: أوّله. وعبارة اللغويين فى تفسير الربل أنه ضروب من الشجر إذا برد الزمان عليها وأدبر الصيف تفطرت بورق أخضر من غير مطر.
(5) قال فى اللسان (مادة تيس): والعرب تجرى الظباء مجرى العنز فيقولون فى إناثها المعز، وفى ذكورها التيوس، قال الهذلى:
وعادية تلقى الثياب كأنها ... تيوس ظباء محصها وانبتارها
(6) عبارة اللسان: الكفة ما يصاد به الظباء يجعل كالطوق.
(2/145)

يَطيحُ إذا الشَّعْراء صاتت بجَنْبِه ... كما طاح قِدْحُ المستفيضِ الموشَّمُ
يطيح: يُشرِف (1). والشَّعْراء: ذُباب يَلسَع. وصاتت هاهنا أصاتت، وليس بمعروف (2). ويروى أيضاً: "إذا الشَّعْراء طافت بجَنبِه" والمعنى دَنَت، وهو أحسن فى هذا. والمستفيض: الّذي يُفِيض بالقِداح يَضرِب بها. والموشَّم: قِدْح فيه علامات.
كأنّ المُلاء المَحْضَ خَلْفَ ذِراعِه ... صُراحِيُّهُ والآخِنِىُّ المتحَّمُ
ويروى المخذَّم، وهو المقطَّع المشقَّق. قال: والمحض الخالص الأبيض. وصُراحِيّه: أبيضه. والآخِنىّ: ثياب كتان، وهي رديئة دون الجيدة (3). والأَتحمِىّ: بُرودٌ يَمانيّة فيها خطوط خُضر وحُمر.
تراه وقد فات الرُّماةَ كأنّه ... أمامَ الكِلاب مُصْغى (4) الخدِّ أَصْلَمُ
قال: نصب "مصغِىَ" على الحال. وقوله: أصلم، يقول: كأنّه من شدّة ما صَرَّ أذنيه (5) أصلم. مُصغ: من شِدّة العَدْو.
__________
(1) لعله "يسرع" إذا لم نجد الطوح والطيح بمعنى الإشراف، وإنما يكون بمعنى الذهاب فى الأرض أو الإشراف على الهلاك.
(2) فى كتب اللغة أن صات وأصات كلاهما بمعنى واحد أي صوّت. فقوله هنا: "وليس بمعروف" غير ظاهر.
(3) فى اللسان أن الآخنى ثياب مخططة. وقبل: الآخنى ثياب سود لينة يلبسها النصارى.
(4) أصغى خدّه، أي أماله للاستماع.
(5) صر أذنيه، أي سوّاهما ونصبهما للاستماع. وأصلم: مستأصل الأذن.
(2/146)

بأجوَدَ مِنّى يومَ كَفّتّ عادِياً (1) ... وأخطأنى خَلْفَ الثَّنِيّةِ أسهُمُ
الكَفْت: الانقباض والسرعة. ويقال: اِكفِت إليك ثوابَك، أي اضمُمه إليك؛ وانكفِتْ فى مشيِك أي أَسِرع.
أُوائل بالشّدّ الذَّليقِ وحَثَّنى ... لَدَى المتَنِ مشبوحُ الذِّراعان خَلْجَمُ
أَوائل بالشَّدّ، أي أطلب النجاة بالشّدّ. والمشبوحُ الذِّراعين: العريض الذراعين. وحَثَّنى على الشّدّ، يعنى رجلاً يعدو خلفه. والخَلْجَم: الطويل. والذَّليق: الحديد. وقوله: "لدى المَتْن" يريد خلف ظهرِه.
تذكَّرَ ذَحْلا عندنا وهو فاتِكٌ ... مِن القوم يَعْروه اجتِراءٌ ومَأَثَمُ
يَعرُوه: يعتريه، يُلِمّ به. فاتِك: مُقدِم على الأمر. ويقال للرجل إذا كان جريئا على الأمر: فاتِك.
فكِدتُ وقد خَلّفتُ أصحابَ فائدٍ ... لدى حَجَر الشَّغْرَى من الشَّدّ أَكْلَمُ
حَجَر الشَّغْرَى: حجر قريب من مكة (2). قال أبو سعيد: وكانوا يركبون منه الدابّة؛ وقيل: كانوا يقولون: إذا كان كذا وكذا [أتيناه (3)، فإذا كان ذلك] أتوه فبالوا
__________
(1) روى فى الأغانى "وافيت ساعيا" مكان قوله "كفت عاديا" وقد ورد فى الأغانى أيضاً قبل هذا البيت قوله:
بأسرع مني إذ عرفت عديهم ... كأنى لأولاهم من القرب توأم
ثم روى فيه "وأجود" مكان قوله "بأجود" ليصح عطفه على قوله "بأسرع".
(2) قيل إنه الشغزى بالزاى المعجمة وألف التأنيث؛ وقيل بالراء المهملة، وقال نصر: هو شغراء بالراء ممدودا. قال ياقوت: كانوا يركبون منه الدواب. وقال فى (مادة حجر) إنه الشغرى بالراء على وزن سكرى. قال: وهو بالراء أكثر، ثم ذكر أنه حجر بالمعرّف، وأنشد بيت أبى خراش هذا؛ وانظر القاموس وشرحه (مادة شغز) بالزاى.
(3) هذه التكملة التى تحت هذا الرقم لم ترد فى الأصل. وقد أثبتناها عن شرح القاموس (مادة شغر) بالراء.
(2/147)

عليه. فقيل: حَجَر الشَّغْرَى لضربٍ من الكُفْر، لأنّهم يَشغَرون عليه. وفائد: رجل من خُزاعة كان طرد أبا خِراش، وقد فرغْنا من قصّته.
تقول ابنتى لمّا رأتنى عشيّةً ... سلِمتَ وما إن كِدتَ بالأمس تَسلَمُ
ولولا دِراكُ (1) الشَّدِّ قَاظْت حَليلتِى ... تَخيّرُ من خُطّابها وهي أَيِّمُ
دِراك الشدّ: مُدارَكته، وهي سرعتُه. قاظت: أتت عليها قَيْظة أي صَيْفة.
فتَقعُد أو تَرضَى مكانى خليفةً ... وكاد خِراشُ يومَ ذلك يَيْتَمُ
* * *

وقال أبو خِراش فى قتلُ زهير بن العَجْوة أخى بنى عمرو بنِ الحارث
وكان قتلَه جميلُ بنُ مَعَمر بنِ حبيب بنِ حُذافة (2) بن جُمَح بن عمرو بن هُصَيص يوم حُنين، وجده مربوطا فى أُناس أخذهم أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فضرب عنقه (3)، وكان زهير خرج يطلب الغنائم، فقال أبو خراش يرثيه:
فَجَّعَ أضيافى جَميلُ بنُ مَعمَرٍ ... بذى فَجَرٍ تأوِى إليه الأَرامِلُ
ويروى: فَجّع أصحابي. بذى فَجرٍ: بذى معروف.
__________
(1) ورد فى الأغانى قبل هذا البيت قوله:
فقلت وقد جاوزت صارى عشية ... أجاوزت أولى القوم أم أنا أحلم
(2) فى الأغانى ج 21 ص 58 "ابن وهب" قبل قوله: "ابن حذافة".
(3) زاد فى الأغانى قبل هذه العبارة قوله: وكانت بينهما إحبة فى الجاهلية.
(2/148)

طويل نِجادِ البَزِّ (1) ليس بَجيدَرٍ ... إذا اهتزّ واسترخت عليه الحمائل
نِجاد البزّ، يريد بالبَزّ هاهنا السيف. والجَيْدَر: القصير. واسترخت عليه الحمائل، حمائل طويلة، وأراد أنه طويل.
إلى بيته يأوِى الغريب إذا شتا ... ومُهتلِكٌ بالى الدَّريسَيْن عائلُ
الدريسان: الثوبانِ الخَلَقان. وعائل: فقير. وعالَ الميزانُ إذا مال. وعالَ الرجلُ إذا افتقر.
تَروَّحَ مَقْرورا وراحت عشيّةً ... لها حَدَبٌ يحَتثُّه فيُوائِلُ
وراحت عشيّةً، أي راحَ رائحُها. لها حَدَب: لها عُرْفٌ (2). والحدب يحتثّ هذا الرجلَ إلى الحىّ.
تكاد يداه تُسْلِمان رِداءَه ... من الجُود لما استقبلَتْه الشَّمائلُ
أي يداه لا تَحبِسان شيئا من مالِه أي يعطِى إذا هاجت الشَّمال فى الشتاء.
فما بالُ أهلِ الدّارِ لم يتحمّلوا (3) ... وقد بان منها اللَّوْذَعِىُّ الحُلاحِلُ
اللّوذعىّ: الحديد البيِّن اللسان. والحُلاحِل: الرَّزِين فى مجلسه.
__________
(1) فى الأغانى "السيف". مكان "البز" و "إذا قام واستنت" مكان قوله: إذا اهتز واسترخت.
(2) كذا ورد هذا اللفظ فى الأصل مضبوطا بضم العين وسكون الراء وضمتين على الفاء، وهو تحريف إذ لم نجد الحدب بهذا المعنى فيما راجعناه من كتب اللغة؛ على أنه إن كان فهو غير مستقيم، ولعل صوابه: "لها عنف" أي شدّة. وفى كتب اللغة أن حدب الشتاء شدة برده قال الشاعر:
لم يدر ما حدب الشتاء ونقصه ... ومضت صنابره ولم يتخدّد
(3) رواية اللسان (مادة لذع): لم يتفرّقوا ... وقد خف عنها ... الخ.
(2/149)

فوالله لو لاقيتَه غيرَ مُوثَقٍ ... لآبكَ بالِجزْعَ الضِّباع النَّواهلُ
النّواهل: المشتهِيات للأكل كما تَشتهَى الإبلِ الماء. والجِزع: منعطف الوادى.
وإنّك لو واجهتَه إذ لقِيتَه ... فنازلتَه أو كنتَ ممّن ينازِلُ
لظلّ جَميلُ أسوأَ القوِم (1) تَلّةً ... ولكنّ قِرْنَ الظَّهْرِ للمرءِ شاغِل (2)
ولم أنسَ أيّاما لنا وليالِيا ... بحَلْيَةَ إذ نَلقَى بها من نُحاولُ
فليس كعهد الدّار يا أمَّ مالِكٍ ... ولكن أحاطتْ بالرِّقاب السَّلاسِلُ
أراد الإِسلام أحاط برقابنا، فلا نستطيع أن نعمل شيئاً.
وعاد الفتى كالكهلِ ليس بقائلٍ ... سِوى العَدْل (3) شيئا فاستراح العواذل
يقول: رجع الفتى عما كان عليه من فتوّته وصار كأنه كَهْل. قوله: فاستراح
العواذل لأنهنّ لا يَجِدن ما يعذلْن فيه سِوى العدْل أي سوى الحقّ.
فأصبح إخوانُ الصَّفاءِ كأنّما ... أَهالَ عليهمْ جانِبَ التُّربِ هائلُ
__________
(1) فى رواية "أفحش القوم صرعة".
(2) تلة أي صرعة. ويريد بقرن الظهر القرن الذي جاءه من جهة ظهره. ورواية الأغانى ج 21 ص 59 "ولكن قرن المرء للظهر" الخ.
(3) رواية الأغانى "سوى الحق".
(2/150)

وقال أبو خراش يرثِى خالد بنَ زهير
أَرِقتُ لِهمٍّ ضافنى بعد هَجْعةٍ ... على خالدٍ فالعَينُ دائمةُ السَّجْم
إذا ذكرتْه العينُ أغرَقَها البُكَى ... وتَشرَق من تَهمالِها العَينُ بالدَّمِّ (1)
تَشَرق: تَنشَب، ومنه شِرق بالماء، إذا انتَشَب الماءُ فى حلقِه.
فباتت تراعى النجمَ عَينٌ مريضةٌ ... لمِا عالهَا واعتادها الحزنُ باِلسُّقْم
عالها أي أثقَلَها أو بلغ منها.
وما بعد أن قد هَدّنى الدهر هَدّةً ... تَضالَ لها جِسمِى ورَقَّ لها عَظْمِى
تَضالَ: مخفّفُ تَضاءل.
وما قد أَصابَ العَظْمَ منّى مُخامرٌ ... من الداء داءٌ مستكِنٌّ على كَلْم
قوله: مُخامِر، أي مستِكنّ (2) ملازِم.
__________
(1) نقل صاحب اللسان عن الكسائى (مادة دمى) قال: لا أعرف أحدا يثقل الدم، فأما قول الهذلى:
* وتشرق من تهمالها العين بالدم *
أي بتشديد الميم. مع قوله: "فالعين دائمة السجم"، فهو على أنه ثقل فى الوقف فقال الدمّ، فشدّد، ثم اضطر فأجرى الوصل مجرى الوقف. كما قال: "ببازل وجناء أو عيهل" أي بتشديد اللام الخ.
(2) عبارة الخزانة ج 2 ص 318 "مخالط وملازم".
(2/151)

وأن قد بدا منّي لما قد أصابنى ... من الحزن أنِّى ساهمُ الوجهِ ذو هَمِّ
شديد الأسى بادى الشُّحوبِ كأنّنى ... أخو جِنّة يعتاده الخَبْلُ فى الِجسمِ
الأسى: الحزن. والخَبْل: فساد العقل والِجسم.
بفقد امرئ لا يجتوى الجارُ قُرْبَه ... ولم يك يُشْكَى بالقطيعةِ والظُّلمِ
لا يجتوى: لا يكره.
يعود على ذى الجهلِ بالِحلِم والنُّهى ... ولَم يَكُ فَحّاشا على الجار ذا عَذْمِ (1)
ولَم يكُ فَظًّا قاطعا لقرابةٍ ... ولكن وَصولا للقرابةِ ذا رُحْم
ذا رُحْمِ: ذا رَحمةٍ.
وكنتَ إذا ساجرتَ منهم مُساجِرًا ... صفحتَ بفَضْلٍ فى المُروءة والعِلِم
قوله: ساجَرْت، خالَلْت، من المُخالّة.
وكنتَ إذا ما قلت شيئاً فعلتَه ... وفُتَّ بذاك الناسَ مجتمِعَ الحَزمِ
فإن تك غالتْك المنايا وصَرْفُها ... فقد عِشتَ محمودَ الخلائقِ والِحلمِ
كريمَ سجيّات الأمور محبَّبا ... كثيَرُ فضول الكفّ ليس بذى وَصْمِ (2)
__________
(1) العذم: الأخذ باللسان واللوم والوقيعة.
(2) وضع فوق كلمة "وصم" فى الأصل قوله: "عيب".
(2/152)

أَشمَّ كنَصْلِ السيفِ يرتاح للندَى ... بعيدا من الآفاتِ والخُلُقِ الوَخْم
قوله: يرتاح للندى: يخِفّ للندى.
جمعتَ أمورا يُنفِذ المَرَّ بعضُها ... من الحِلْم والمعروفِ والحَسَبِ الضَّخْم
المَرَّ: لغتهم، يريد المرءَ يا هذا. يقول: بعض هذه الأمور التي فيك تجعل المرء نافذا، فكيف كلّها، فقد اجتمعت فيك.
أتته المنايا وهو غَضٌّ شَبابُه ... وما لِلمنايا عن حِمَى النَّفسِ مِن عَزْمِ (1)
وكلّ امرئ يوما إلى الموت صائر ... قضاءً إذا ما حان يؤخذ بالكَظْم (2)
وما أحد حىٌّ تأخّرَ يَومُه ... بأخلدَ ممّن صار قبَل إلى الرَّجْمِ
الرجم (3): القبر.
سيأتي على الباقِين يومٌ كما أتى ... على من مضى حتمٌ عليه من الحَتْمِ
فلستُ بناسِيه وإن طال عهدُه ... وما بعدَه للعيشِ عِندِىَ من طعمِ
__________
(1) العزم هنا بمعنى الصبر، قاله البغدادى فى الخزانة ج 2 ص 319.
(2) الكظم: "الحلق" وقيل "الفم" وأصله بفتحتين وسكَن ثانيه ضرورة قاله البغدادى فى الخزانة ج 2 ص 319 وفسر الكظم بالتحريك فى اللسان بأنه مخرج النفس بفتح الفاء، وأنشد بيت أبى خراش هذا وروايته "إلى الله" مكان قوله: "إلى الموت"، و"إذا ما كان" مكان قوله: "إذا ما حان".
(3) أصله الرجم بفتح الجيم، وسكن ضرورة، انظر خزانة الأدب للبغدادي.
(2/153)

وقال أبو خِراش (1) أيضا
إنكِ لو أبصرتِ مَصرَع خالدٍ ... بجَنْبِ السِّتارِ (2) بين أظْلَمَ فالحَزْمِ
أظلم: مكان (3). والحزم: مكان غليظ (4).
لأيقنتِ أن البَكْر ليس رزِيّةً ... ولا النابَ لا انضمّت (5) يداكِ على غُنْمِ
خيّبكِ الله، أي لا غنِمت يداكِ إذ صِرتِ تحزنين على هذا البَكر.
تذكّرتُ شَحوًا ضافَنى بعد هَجْعةٍ ... على خالدٍ فالعينُ دائمة السَّجْم
شجوا: حُزْنا. والسَّجْم: الصّبّ.
لَعمرُ أبِي الطّيرِ المُربّةِ (6) بالضّحى ... على خالدٍ لقد وقعنَ على لحَم
__________
(1) هذه القصيدة يرثى بها أبو خراش خالد بن زهير أيضا كالتى قبلها.
(2) الستار: جبل بالعالية فى ديار بنى سليم.
(3) قال الأصمعى عند ذكره جبال مكة "أظلم الجبل الأسود من ذات حبيس" وأنشد للحصين بن حمام المرى:
فليت أبا بشر رأى كر خيلنا ... وخيلهم بين الستار وأظلما
(معجم البلدان).
(4) فى خزانة الأدب ج 2 ص 317 أنه يريد حزم بنى عوال. وفي معجم البلدان أن حزم بنى عوال جبل بأكناف الحجاز على طريق من أم المدينة لغطفان.
(5) فى خزانة الأدب: "لا اضطمت".
(6) المربة: المقيمة. وقد روى هذا البيت بعدّة روايات ذكرها صاحب خزانة الأدب ج 2 من صفحة 316 إلى صفحة 319 فانظرها مع هذه القصيدة والقصيدة التي قبلها.
(2/154)

يقول: لو رأيتِ خالدا والطير تأكله لاستخففتِ بهلاكِ البَكْر والناب.
قوله: "لقد وقعنَ على لحم" كان (1) ممنَّعا.
كُلِيه ورَبِّى لا تجيئين مِثلَه ... غداةَ أصابتْه المنيّةُ بالرَّدْمِ
يريد لا تجيئين إلى مِثلِه. والرَّدْم: موضع.
فلا وأبِى لا تأكل الطيرُ مِثلَه ... طويلَ النِّجاد غيرَ هارٍ ولا هَشْم
قوله: غير هارٍ، أي غير ضعيف. وهشم: مِثل ذلك. هارٍ، أراد هائرا أي ضعيفا.
* * *

وقال أبو خراش أيضا
ما لِدُبَيّةَ منذ العامِ لم أرَهُ ... وَسْطَ الشُّروبِ ولم يُلْمِمْ ولمَ يَطِفِ (2)
دُبَيّة: كان سادِنا لبعض الأصنام (3)، فضرب خالد بن الوليد عنقَه. طاف الخيالُ طَيْفا.
__________
(1) يشير الشارح بهذا إلى أن قوله "لحم" فى البيت مقدّر الصفة، ولهذا نكر. وفي تفسير آخر لحم أيّ لحم ذكره صاحب خزانة الأدب ج 2 ص 316
(2) الأصمعى يقول: طاف الخيال يطيف. وقال غيره: يطوف. وفي الأغانى ج 21 ترجمة أبى خراش "منذ اليوم".
(3) قد سبق أن دبية السلمى هذا كان سادنا لعزىّ غطفان وكانت ببطن نخلة، وقد هدّمها خالد بن الوليد.
(2/155)

لو كان حيًّا لغاداهم بمُترَعةٍ ... فيها الرَّواوِيق مِن شِيزَى بَنِي الهَطِفِ
بمترَعة: بَجْفنة مملؤةٍ فيها خمر. وبنو الهَطِف: بنو أسد (1) بنِ خزيمة، كانوا حلفاء لِبنى كِنانة، وكانوا يعملون الِجفان (2)، والرواوِيق: المصافى.
كابِى الرماد عظيمُ القِدْرِ جَفْنَتُه ... عند الشتاء كَحوْض الَمْنهَل اللَّقِفِ
كابى الرماد: عظيم الرماد. والمَنهَل: الّذى إِبِلُه عطاش. والحوض اللَّقِف: الذي يتهدّم من أسفله، يتلقّف من أسفله أي يتهدّم (3).
أَمسَى سُقامٌ خَلاءً لا أنيسَ به ... إلاَّ السّباعُ (4) ومَرُّ الرِّيح بالغَرَفِ
سُقام: موضع (5). والغَرَف: شجر (6). وسُقام كغُراب: وادٍ، وقد يُفتَح.
__________
(1) عبارة الأغانى ج 21 ص 58 "قوم من بنى أسد" الخ. وفى القاموس وشرحه أنهم من كنانة أو من أسد بن خزيمة.
(2) فى القاموس أنهم أوّل من نحت هذه الجفان.
(3) عبارة الأغانى ج 21 ص 58 فى تفسير اللقف. "اللقف": الذي يضرب الماء أسفله فيتساقط وهو ملآن.
(4) فى رواية "إلا الثمام".
(5) ذكر ياقوت أن سقام واد بالحجاز، وأنشد بيت أبى خراش هذا، ثم نقل عن أبي المنذر أن قريشا كانت قد حمت للعزى شعبا (بالكسر) من وادى حراض يقال له سقام يضاهئون به حرم الكعبة، وأورده مضموم السين.
(6) ذكر فى اللسان أن الغرف بالتحريك: الثمام فى بعض أقوال، وأنشد بيت أبى خراش هذا، ورواه (غير الذئاب) ثم ذكر أيضاً رواية الأصل.
(2/156)

وقال أيضاً
أفى كلِّ مُمسَى ليلًة أنا قائلٌ ... من الدّهر لا تبعَدْ قتيلَ جَميلِ (1)
فما كنتُ أخشى أن تَنالَ دِماءنا ... قريشٌ ولمّا يُقتَلوا بقَتِيلِ
وأَبرَحُ ما أمِّرتُمُ ومَلَكتُم ... يدَ الدهرِ ما لم تُقتَلوا بغَليلِ
ما أُمِّرْتم إذا كانت الإمارة فيكم، فأَبرُح بغليلٍ ما لم تُقتَلوا. والغليل: خَرُّ فى الصدر يكون من الغيظ، ويكون من العطش فى غير هذا الموضع.

وقال أبو خِراش أيضا (2)
حَمِدتُ إلهى بعد عُروةَ إذ نجا ... خِراشٌ وبعضُ الشّر أهوَنُ من بعضِ
عروة: أخوه، وخِراش: ابنُه. وبعض الشرّ أهوَن مِن بعض، إذ لم يُقتَلا جميعاً.
__________
(1) قتيل جميل، هو زهير بن العجوة الذي قتله جميل بن معمر فى قصة تقدم ذكرها.
(2) كان سبب هذه الأبيات فيما ذكره صاحب الأغانى ج 21 ص 63 أن عروة بن مرة وخراشا ابن أبى خراش أخى عروة خرجا مغيرين على بطنين من ثمالة يقال لهما بنو رزام وبنو بلال (بتشديد اللام الأولى كما فى خزانة الأدب ج 2 ص 459) طمعا فى أن يظفرا من أموالهم بشيء، فظفر بهما الثماليون فأما بنو رزام فنهوا عن قتلهما، وأبت بنو بلال إلا قتلهما حتى كاد يكون بينهم شر، فألقى رجل من القوم ثوبه على خراش حين شغل القوم بقتل عروة، ثم قال له: انج، وانحرف القوم بعد قتلهم عروة إلى الرجل، وكانوا أسلموه إليه، فقالوا أين خراش، فقال أفلت منى فذهب، فسعى القوم فى أثره، فأعجزهم، فقال أبو خراش هذه الأبيات يرثى أخاه عروة، ويذكر خلاص ابنه، وقد وردت هذه الأبيات أيضاً فى خزانة الأدب ج 2 فى الكلام على الشاهد السادس بعد الأربعمائة من صفحة 458 إلى صفحة 463 فانظرها مع قصتها التى نقلناها هنا عن الأغانى مشروحة أبياتها شرحا مطولا.
(2/157)

فوالله لا أَنسَى قتيلا رُزِئتُه ... بجانب قُوسَى (1) ما مشيتُ على الأرض
بلى إنّها تعفو الكُلومُ وإنّما ... نُوكَّل بالأدنى وإنْ جَلّ ما يَمضِى
قوله: بلى إنّها تَعفو الكُلوم، تَبرأُ وتَستوِى. نوكَّل بالأدنى، يقول: إنما نحن نحزن على الأقرب فالأقرب، ومن مضى ننساه وإنْ عَظُم.
ولَم أَدرِ من أَلقَى عليه رِداءَه ... ولكَنّه (2) قد سُلَّ من ماجِدٍ مَحْضِ
وذلك أنّه لما صُرِع أَلقىَ عليه رجل ثيابَه فواراه، وشُغِلوا بقتل عروة، فنجا خِراش. وهذا الرجل الذي أَلقَى عليه ثوبه من أَسْدِ شَنوءة، فقال:
ولم أدرِ من أَلقَى عليه رداءَه ... ولكنّه قد سُلّ من ماجِدٍ مَحْضِ
ولمَ يكُ مَثْلوجَ الفؤادِ مهبَّجًا ... أضاع الشبابَ فى الرَّبيلةِ والخَفضِ
مثلوج الفؤاد، لم يكن ضعيفَ الفؤاد، باردَ الفؤاد. مهيَّج: مثقَّل. أضاع الشبابَ فى الرَّبيلة والخفض، يقول: أضاعه فى المُقام فى الخفض الدَّعَة. والرَّبِيلة: كثرة اللَّحمِ وتمامُه.
ولكنّه قد نازعتْه مخامِصٌ ... على أنّه ذو مِرّةٍ صادقُ النَّهضِ
نازعتْه مخَامِص، أي جاذَبهَ جُوع. وصادق النهض حين يَنهض فى الأرض.
__________
(1) ضبط هذا الاسم بفتح القاف فى القاموس وشرحه ضبطا بالعبارة، وضبط فى الأصل بضم القاف. وفي خزانة الأدب ج 2 ص 460 ما يفيد أنه يروى بفتح القاف كما يروى بضمها. وهو موضع جلاد السراة من الحجاز، قاله فى تاج العروس، وأنشد هذا البيت.
(2) فى رواية "سوى أنه" من قوله "ولكنه".
(2/158)

كأنهّمُ يشَّبّثون بطائر ... خفيفِ المُشاش عَظمُه غيرُ ذى نَحْضِ
يقول: هؤلاء الّذين يَعْدُون خلفَ خِراش كأنّهم يتعلّقون بطائر خفيفِ المُشاسْ، أي ليس بكثير اللحم. قال: عظمُه غيرُ ذى نَحْض، أي هو خفيف ليس بثقيل. والنَّحْض: اللحم. والنَّحْض: أخذُ اللحم عن العظم.
يبادر قربَ الليلِ فهو مُهابِذٌ (1) ... يَحُثُّ الجَناحَ بالتبسُّط والقَبْضِ
فهو مُهابِذ، يعني الطائر، فهو جادٌّ ناجٍ، وأصله مِن مَرَّ يَهْذِب، ولكنه قَلبَه. والقبض: أن يَقبِض جَناحه.
* * *

وقال أيضاً
لستُ لمُرّةَ إنْ لم أُوفِ مَرقَبةً ... يَبدو لىَ الحَرْفُ منها والمقاضِيبُ
أُوفِ: أُشْرِف. والمقاضيب: مواضع (2) القَتّ، يقال للقَتّ (3) القَضْب.
فى ذات رَيْدٍ كذَلقْ الفَأْسِ مُشرِفةٍ ... طريقُها سَرَبُ بالناس دُعْبوبُ
الرَّيْد: حرف ناتئٌ من الجبل. كذَلْق الفأس، كحدّ الفأس، طريقُها سَرَب شائع، الناس فيه يتسّرب بعضهم فى إثر بعض. دُعْبوب: موطوء.
__________
(1) رواية اللسان (مادة هذب) "جنح" مكان "قرب" و"مهاذب" على الأصل مكان "مهابذ"، وروى فيه مادة "هبذ" "مهابذ" كما هنا.
(2) فى الأصل "موضع".
(3) القت: الرطبة من علف الدواب.
(2/159)

لَم يَبقَ من عرشِها إلاَّ دِعامتُها ... جِذْلانِ مُنْهدمٌ منها ومنصوبُ
قوله: من عرشها، وهو أن يوضع فوق هذه الدِّعامةُ ثُمامٌ أو شيء يستظلّ تحته. فيقول: لم يَبق من عرشِ هذه إلا جِذْلان: عُودان، واحد قائم والآخر ساقط.
بصاحب لا تُنالُ الدهَر غِرَّتُه ... إذا افتَلَى الهَدَفَ القِنَّ المعازيبُ (1)
فأراد لستُ لمُرّة إن لم أُوفِ مَرقبةً بصاحبٍ لا يَفْتُر إذا افتَلَى الهدف. والهَدَف: الثقيل الوَخم من الرجال. والقِنّ: الذي أبوه عبدٌ وأمّه أمة. وقوله: اِفتَلَى الهدفَ أي فلاه (2) من أهِله كما يُفلَى الفَلّو (3) من أمّه، أي ذهبت به الغنم وهي معازيب فأراد: بصاحبٍ ليس براعٍ.
بَعثتُه بسواد الليلِ يَرقُبُنِى ... إذ آثر النومَ والدِّفءَ المنَاجِيبُ (4)
المَناجِيب: الضعفاء الذين لا خير فيهم. ومنه سهمِ منجاب (5) للّذى لاريش عليه. والدِّفء، أي عليه ما يُدفِئه.
__________
(1) أصل المعازيب هنا معازب جمع معزبة كمفرقة وهي الأمة، ولكن أبا خراش أشبع الكسرة فجاءت منها ياء. قال فى التكملة: الهدف الثقيل، أي إذا شغل الإماه الهدف القنّ. (تاج العروس).
(2) فلاه من أهله، أي عزله وفصله. وأصله عزل الجحش والمهر عن الرضاع.
(3) الفلو بفتح الفاء وتشديد الواو وبكسر الفاء مع تخفيف الواو: الجحش والمهر إذا فطما.
(4) فى الأصل: "المناخيب" بالخاء فى البيت وفي شرحه، وهي وإن كانت رواية أخرى فى البيت بهذا المعنى الذي ذكره، إلا أن قوله بعد، "ومنه سهم منجاب" يدل على أنه قد اختار رواية الجيم. وفى اللسان مادة (نجب) أنه يروى المناجيب والمناخيب بالجيم والخاء.
(5) فى الأصل: "منخاب" بالخاء، ولم نجد السهم بهذا المعنى فيما راجعناه من كتب اللغة. والذي وجدناه "منجاب" بالجيم انظر اللسان والقاموس. والسهم المنجاب هو الذي يرى وأصلح ولم يرش ولم ينصل.
(2/160)

مِثلُ ابنِ واثِلةَ الطَّرّادِ أو رَجُلٌ ... من آلِ مُرّةَ كالسِّرحان سُرْحوبُ
سُرْحوب: طويل.
يَظَلّ فى رأسها كأنّه زُلَمٌ ... من القِداح به ضَرْسٌ وتعقيبُ
زُلَم: قِدْح به ضَرسٌ يؤثِّر فيه لأنه قد أُعلم. كثير الفوز: له علامة من عَقَبٍ وضرس. والضَّرْس: أن يُعَضّ حتى يؤثّر فيه.
سَمْحٌ من القوم عُريانٌ أشاجِعهُ ... خَفَّ النَّواشُر منه والظَّنابِيبُ
عُرْيان أشاجُعه، ليس بكثير اللحم (1). النواشر: عَصَبُ ظَهرِ الكفّ (2).
كأنّه خالد فى بعض مِرّتِه ... وبعض ما ينحلُ (3) القومُ الأكاذيِبُ
يقول: هذا يشبِه خالدا فى بعض مِرّته، فى بعض انفتاله وإقباله، ثم قال: وبعض ما يقول الناس الكذِب.
* * *

وقال أبو خراش أيضاً
ولا واللهِ لا أَنْسَى زهَيرًا (4) ... ولو كَثُرَ المَرازِى والفُقُود
أَبَى نِسيانَه فقرِى إليه ... ومَشهَده إذا اربدّ الجُلُود
قوله: اربدّ، أي تغيّر.
__________
(1) لم يفسر الأشاجع، وإنما فسر المراد بقوله "عريان أشاجعه". والأشاجع: أصول الأصابع التى تتصل بعصب ظهر الكف.
(2) بقى تفسير الظنابيب: جمع ظنبوب، وهو حرف الساق اليابس من القدم. وقيل عظم الساق.
(3) نقل الأزهرى فى اللسان عن الليث أنه يقال نحل فلان فلانا إذا سابّه فهو ينحله أي يسابّه.
(4) يريد زهير بن العجوة السابق رثاؤه فى صفحة 148 من هذا السفر.
(2/161)

وذِمّتُه إذا قَحَمتْ جُمادَى ... وعاقَبَ نَوءَها خَصَرٌ شديد
قوله: قحمت، يعنى اشتدّت، يقال أصابتهم قحمة: سنة شديدة. والأنواء: سقوط النجوم لِطالعٍ غيرِها.
ولا واللهِ لا يُنْجيكَ دِرعٌ ... مُظاهَرةٌ ولا شَبَحٌ (1) وَشِيدُ
مُظاهَرة، أراد حَلْقتين حَلْقتين. والشَّبْح: الباب (2)، وكلّ عريض شَبْح. والشِّيد: الجِصّ. يقول: لا ينجيك بابٌ ولا بنِاء. ويقال: شَبَحه مدّه (3) للضرب وغيره.
ولا يَبقَى على الحَدَثان عِلجٌ ... بكلّ فَلاةِ ظاهرةٍ يَرودُ
ظاهرةٍ: ما ارتفع عن الأرض. يَرود: يطلب.
تَخطّاه الحتُوف فهو جَوْنٌ (4) ... كِنازُ اللَّحم فائلُه رَديدُ
قوله: رَدِيد، مجتمع مردود بعضه على بعض.
غدَا يرتاد فى حَجَراتِ غَيْثٍ ... فصادَفَ نَوءَه حَتْفٌ مُجِيدُ (5)
__________
(1) فى كلا الأصلين "شيح" بالياء المثناة؛ وهو تحريف؛ وتصحيحه عن القاموس.
(2) فى القاموس "الباب العالى البناء".
(3) فى الأصل: "بيده" مكان؛ "مدّه"؛ وهو تحريف.
(4) الجون: حمار الوحش. وكناز اللحم أي صلب اللحم. والفائل: اللحم الذي على خرب الورك. والخرب: ثقب رأس الورك.
(5) ضبط فى الأصل المخطوط مجيد بفتح الميم؛ وتصحيحه عن النسخة الأوربية واللسان (مادة جود) والقاموس.
(2/162)

غدا الحمار يرتاد. وحَجَرات: نواحٍ. فصادفَ نوءَه حتفٌ مُجِيد، أي حاضر أَخذَه من جَوْدِ (1) المطر. يقول: هذا الحتف أذهب عنه نوء المطر الذى كان يرعاه بسببه.
غدا يرتاد بين يَدَىْ قَنِيصٍ ... تُدافِعه سَفَنَّجةٌ عَنودُ
القَنِيص: الصائد. تُدافِعه: تَدفَع ذلك العلِج؛ والسفنّجة: البعيدة الخطو. وعَنود، أي متحرِّقة من النشاط، والسفنّجة: النعامة، شبّه الفرسَ [بها] (2).
جَمومٌ نَهْدَةٌ ثَبْتٌ شَظاها ... إذا رُكبتْ على عَجلٍ تَصيدُ
جَموم: كثيرة الجَرْي، إذا ذهب جرىٌ جاء جرىٌ كما يَجِمّ ماء البئر. والشَّظا: عَظْمٌ إلى جانب الوَظيف. يريد وَظيفَ اليد، يقال: شَظِىَ الفرسُ، إذا زال عن موضعه (3).
فأَلجَمها فأَرسلَها عليه ... وولَّى وهو منتفِدٌ (4) بعيدُ
منتفِد (4): انتفد (4) مِن عَدْوِه واْستوفاه، مشتّقة من نَفِد (4) ينَفدَ (4) أي ذهب أَجمعَ.
__________
(1) كذا فى اللسان (مادة جود). والذى فى الأصلين: "جودة".
(2) لم ترد هذه الكلمة التى بين مربعين فى كلا الأصلين؛ والسياق يقتضيها.
(3) زال عن موضعه، أي زال ذلك العظم. وذكر بعض اللغويين فى الشظا أنه عصب صغار في الوظيف. إلى أقوال أخرى فيه.
(4) وردت هذه الألفاظ التى تحت هذا الرقم كلها فى كلتا النسختين بالقاف؛ وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا نقلا عن اللسان وغيره.
(2/163)

كأنّ الَمرْوَ بينهما إذا ما ... أصاب الوَعْثَ منتقِاً هَبيدُ
المَرْو: الحجارة البِيض. قوله: بينهما، بين الفرِس والحمار، منتقِفا هَبيد شبّه الَمْروَ وما تَكسَّر منه بحوافر الفرس بَحْنظل منتقفٍ قد نقِف وأُخرِج ما فيه.
فأَدرَكَه فأَشرَعَ فى نَساهُ ... سِناناً حدُّه حَرِقٌ (1) حديدُ
(77) فَخرَّ على الجَبينِ فأدركتْه ... حُتوفُ الدهرِ والحَينُ المُفيدُ (2)
* * *

أقبل غلام من بنى تميم ثم أحد بنى حنظلة بنِ مالكِ بن زيد مَناةَ حتى نزل فى بنى حُرَيث بن سعد بنِ هُذيل [على رجل] (3) يقال له غاسل بن قَمِيئة، فقتله فقال أبو خراش فى ذلك:
كأنّ الغلامَ الحنظلَّى أَجارَه ... عُمانِيّةٌ قد عَمَّ مَفرقَها القَمْلُ
عُمانيّة: اِمرأةٌ من عُمانّ.
أَباتَ على مِقراكَ (4) ثمّ قَتْلتَه ... على غير ذَنْبٍ ذاكَ جَدَّبكَ الثُّكْلُ
__________
(1) حرق وحديد كلاهما بمعنى واحد؛ كأنه ذو إحراق، قاله فى اللسان (مادة حرق).
(2) المفيد بالفاء، أي المهلك، من أفاده إذا أهلكه. والفيد بفتح الفاء: الهلاك من فاد الرجل يفيد بفتح الياء إذا مات (اللسان).
(3) هذه التكملة عن النسخة الأوربية؛ وقد وضعت فيها بين مربعين أيضا، ولا يستقيم الكلام بدونها.
(4) المقرى والمقراة: القصعة يقرى فيها الضيف.
(2/164)

فهل هو إلَّا ثوبُه وسلاحُه ... وما بكُم عُرْيٌ إليه ولا عُزْلُ (1)
وما بكم عُرْىٌ إليه، أي لكم ثياب وسلاح تغنيكم عنه. ويقال: رجل أعزَلُ إذا كان لا سلاح معه.
دعا قومَه لمّا اْستُحِلّ حَرامُه ... ومِن دونهمْ عَرْضُ الأَعِقَّةِ (2) فالرَّمْلُ
ولو سمعوا منهم (3) دُعاءً يروعهمْ ... إذا لأتتْه الخيلُ أعينُها قُبْلُ (4)
شَواحِىَ (5) يَمْرِيهنّ بالقوم والقَنا ... فُروعُ السِّياطِ والأعِنّةُ والرَّكْلُ
يَمريهنّ: يُخرِج ما عندهنّ الرَّكْل وتحريكُ السِّياط.
إذًا لأتاه كلُّ شاكٍ سِلاحُه ... يُعانِشُ يومَ البأسِ ساعِدُه جَدْلُ
قوله: كلّ شاكٍ سلاحه، ذو شوكةٍ؛ يعانش: يعانِق. جَدْل: مجدولة.
فلو كان سَلْمَى جارَه (6) أو أَجارَه ... رِياحُ (7) بنُ سعدٍ رَدَّه طائرٌ كَهْلُ
__________
(1) عزل بضم فسكون، أي ولا أنتم عزل من السلاح. قاله في اللسان (مادة عزل) كما روى فيه أيضاً بفتح فسكون.
(2) الأعقة: جمع عقيق، وهو الوادى، وكل ما شقه ماء السيل في الأرض فأنهره ووسعه فهو عقيق.
(3) كذا في جميع الأصول؛ وهو غير واضح؛ ولعل الصواب «منه».
(4) قبل، من القبل بفتح القاف والباء، وهو إقبال إحدى الحدقتين على الأخرى. وقيل: هو إقبالها على عرض الأنف. وقيل القبل والحول واحد، ويريد أن الخيل تنظر فى جانب.
(5) شواحى، أي فاتحات أفواهها؛ (القاموس وشرحه).
(6) جاره، أي جارا له، والجار: الذى أجرته من أن يظلمه ظالم.
(7) روى فى اللسان (مادة كهل) «رماح بن سعد» وفى أساس البلاغة (مادة كهل) «رياح» الياء المثناة كما هنا.
(2/165)

يريد سلمى بنَ مَعقِل من بنى صاهِلة. ورياح بن سعد من بنى زُلَيفة. قوله: طائر كهل، أراد رجلا كهلا عظيمَ الشأن (1).
تَرى طالبِى الحاجاتِ يغشَوْن بابَه ... سِراعا كما تهَوِى إلى أُدَمَى النَّحلُ
أُدَمى: موضع.
* * *

وقال في ذلك مَعقِل بنُ خُوَيْلِد
أظُنّ ولا أدرى وإنّى لقَائلٌ ... لعلّ الغلامَ الحنظلىَّ سيُنْشَدُ
سيُنشَد، أي يُطلَب، يعني الغلامَ الّذى قُتِل.
إذا جاء خَصْمٌ كالِحفافِ لَبوسُهمْ ... سَوابغُ أبدانٍ (2) ورَيْطٌ معضَّدُ
معضّد: فيه خطوط. والِحفاف، يقال: قوم أحِفّة إذا حَفّوا على الشئ. والِحفاف: ما استدار (3).
__________
(1) أورد في اللسان هذا البيت (مادة كهل) ثم نقل عن ابن سيدة أنه قال: لم يفسره أحد. قال: وقد يمكن أن يكون جعله كهلا من المبالغة في الشدّة. ثم نقل عن الأزهرى أنه يقال: طار لفلان طائر كهل إذا كان له جد وحظ في الدنيا.
(2) كذا في شرح السكرى ص 109 طبع أوربا والذي في النسخة الشنقيطية "ربذى"؛ وهو تحريف. وفسر السكرى البدن واحد الأبدان بأنه الدرع الصغيرة، وهذا التفسير غير ظاهر لمنافاته لقوله: "سوابغ" والأولى تفسير البدن بأنه الدرع عامة.
(3) ذكر السكرى في تفسير الحفاف في هذا البيت أنه جبل.
(2/166)

تُخاصِم قوما لا تَلقَّى جوابَهمْ ... وقد أَخذتْ من أنفِ لِحيتِك اليدُ (1)
يقول: كنتَ غلاما حَدَثا لا تُعاتَب، واليومَ قد أخذتَ بلحيتك. ويقول: أنت صبىّ فلستَ مّمن يلقى الجواب. وأنف كلّ شيء أوّلُه.
* * *

وقال أبو خِراش يحرّض على بنى بكر
أَبلغْ عليًّا (2) أطال اللهُ ذُلَّهمُ ... أنّ البُكَيرَ (3) الّذى أَسعَوْا به هَمَلُ (4)
قوله. أَسَعوْا به، يقال: سعيتُ وأَسعيتُ.
__________
(1) ورد هذا البيت في اللسان (مادة أنف) ونسبه ابن سيدة لأبى خراش، قال: واستعمله (أي الأنف) أبو خراش في اللحية، وأنشدِ هذا البيت، ثم قال: سمى مقدّمها أنفا، يقول: فطالت لحيتك حتى قبضت عليها ولا عقل لك. وكذلك في تاج العروس (مادة أنف) وقال السكرى في شرحه لهذا البيت ما نصه: لا تلقى جوابهم، لا تقوم لجوابهم ولا يحضرك، وقد طالت لحيتك حتى قبضت على أنفها أي طرفها وأنت لا عقل لك؛ وهو قول ابن حبيب أيضا. قال: يقول: كنت غلاما حدثا لا تعاتب، فاليوم قد أخذت بلحيتك، أي صرت رجلا ولست تقدر على الجواب ... ... قال الباهلى: عملت عملا ندمت عليه، ومن عمل النادم العبث باللحية.
(2) يريد على بن بكر بن وائل. وروى "أشعوا" بالشين المعجمة. وأشعى به: اهتم. كما روى "أشغوا به" بالشين والغين المعجمتين، من قولهم: أشغى فلان رأيه إذا فرّقه. وبكير: اسم رجل قتلوه. وهمل: غير صحيح. انظر اللسان (مادة سعا وشعا وشغا) فقد روى هذا البيت في هذه المواد الثلاث.
(3) بكير: اسم رجل قتلوه. كما في اللسان (مادة شغا).
(4) فسر في اللسان (مادة شغا) قوله في البيت "همل" فقال: غير صحيح.
(2/167)

السِّلْمُ سَلْمٌ (1) ولا ينفكّ ضِغثُهُم (2) ... أو يَنحَرَ البَكرَ منّا مَرّةً رَجُلُ
إذا أجارُوا عَوَى في بيتِ جارِهم ... إمّا حِرابٌ وإمّا مثلَه قُتِلوا هذا رجل جاوَرَهم فلم يحفظوه ولم يدفعوا عنه. وحِراب: من المحاربة.
كم من عَقيدٍ وجارٍ حَلَّ عندهمُ ... ومن مُجارٍ بعهد الله قد قَتَلُوا
العقيد: الحليف.

وقال أبو خِراش أيضا ويُروَى لتأبّط شَرّا
لمّا رأيتُ بنى نُفاثةَ أقبَلوا ... يُشْلون كلَّ مقلِّصٍ (3) خِنّاب
يسْلون: يَدْعون، ومنه أشليتُ الكلبةَ إذا دعوتَها. وخِنّاب: طويل.
فنَشِيت رِيحَ الموتِ من تِلقائهمْ ... وكرهتُ (4) كلّ مهنَّدٍ قَضّابِ
نشِيت: شمِمت ريحَ الموتِ. والقَضّاب: القَطّاع.
ورَفعتُ ساقا لا يُخافُ عِثارُها ... وطرحتُ عنّى بالعَراء ثيابى
العَراء: الصَّحْراء.
__________
(1) السلم بفتح السين وسكون اللام: الاستخذاء والانقياد والاستسلام.
(2) الضغث من الخبر والأمر: ما كان مختلطا لا حقيقة له.
(3) الفرس المقلص: هو الطويل القوائم، المنضم البطن. وقيل: المشرف المشمّر.
(4) روى في اللسان (مادة نشا)، "وخشيت وقع مهند قرضاب" مكان قوله: " وكرهت" وقيل: إن هذا البيت لقيس بن جعدة الخزاعي.
(2/168)

أَقبلتُ لا يشتدّ شَدِّى واحدٌ ... عِلْجٌ أَقَبُّ مسيَّرُ الأقرابِ (1)
قوله: مسيَّر الأقراب أي فيه خطوط. أقَبّ: ضامر.
الله يعلم ما تركتُ منبِّها ... عن طيبِ نفسٍ فاسألوا أصحابى
لامَتْ ولو شَهِدتْ لكان نكيرُها ... ماءً يَبُلّ مشَافِرَ القَبْقابِ
يقول: لو شهدتْ هذه الّتى لامتْه لكن نكيرُها أن تَبول. والقَبْقاب: الفرْج، أي القَبْقاب في صوته.
* * *

وقال أبو خراش أيضا
لَحَى اللهُ جَدًّا راضِعا (2) لو أفادَنى ... غَداةَ الْتَقى الرَّجْلانِ فى كفٍّ ساهِكِ
الرَّجْلان، أراد الفريقين من الرَّجّالة. ويُروَى، ماهِك، وهو اسم رجل.
فإِنْ تزعمى أنِّى جَبُنتُ فإنّنى ... أَفِرُّ وأَرمِى مَرّةً كلَّ ذلكِ
أقاتِلُ حتّى لا أرَى لى مُقاتَلا ... وأنجو إذا ما خِفتُ بعضَ المَهالكِ
قوله: مقاتَلا، قِتالا مفتعل ومُفْعَل ومُستفعَل ومُفاعَل تكون مواضعَ وَمصادر.
__________
(1) الأقراب: جمع قرب كقفل، وهو الخاصرة اللسان (مادة قرب).
(2) راضعا، أي لئيما؛ وسمى به لأنه من شدة لؤمه يرضع إبله أو غنمه من ضروعها لئلا يسمع صوت حلبه.
(2/169)

وقال أبو خِراش أيضا حين هاجر ابنُه في خلافة عمر (1) رضي الله عنه
ألا مَن مُبْلِغٌ عنّى خِراشًا ... وقد يأتيك بالنبإِ البعيدُ
وقد يأتيكَ بالأخبارِ من لا ... تجهِّز بالِحذاء ولا تُزِيدُ
أخذ هذا من قوَل طَرَفة: "ويأتيك بالأخبار من لم تُزوِّد" قوله: "تُزيد" أراد ولا تزوِّد.
ينُادِيه ليَغبِقَه كُلَيبٌ ... ولا يأتى لقد سَفِهَ الوَليدُ
يناديه كُلَيب: عبد أبى خِراش. ليَغبِقَه: ليسقِيَه اللّبن فى قَبَلِ (2) الليل. والوليد: ابن أبى خِراش.
فرَدَّ إناءه لا شيءَ فيه ... كأنّ دموعَ عينيه الفَريدُ (3)
يقول: ناداه العبدُ ليغَبِقَه، فلّما لم يجِده رَدّ إناءَه فارغا وبكى.
__________
(1) ذكر صاحب الأغاني ج 21 ص 68 في هذا الخبر أن خراش بن أبي خراش الهذلى هاجر فى أيام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وغزا مع المسلمين، فأوغل في أرض العدوّ، فقدم أبو خراش المدينة، فجلس بين يدي عمر وشكا إليه شوقه إلى ابنه، وأنه رجل قد انقرض أهله، وقتل إخوته، ولم يبق له ناصر ولا معين غير ابنه خراش، وقد غزا وتركه، وأنشأ يقول هذه الأبيات؛ فكتب عمر -رضي الله تعالى عنه- بأن يقبل خراش إلى أبيه، وألا يغزو من كان له أب شيخ إلا بعد أن يأذن له.
(2) في قبل الليل أي فى مقابلة الليل.
(3) الفريد: جمع فريدة، وهي الشذر من فضة كاللؤلؤة. والشذر: صغار اللؤلؤ، شبه الدموع بها.
(2/170)

وأصبَح دون غابِقِه وأمْسى ... جبالٌ من حِرارِ الشام سُودُ
وأصبح دون غابقِ ابنِه إذ هاجر.
ألا فاعلم خِراشُ بأنّ خير ال ... مُهاجِرِ بعد هِجرتِه زهيدُ
يقول: إذا هاجر وذهب فإنّ خيره قليل، وهو الزهيد، أي ما أقلَّ ما يصيب من الخير إِذا هاجر.
فإِنك وابتغاءَ البِرّ بَعدِى ... كمخصْوب اللّبان ولا يصيدُ
هذا مثَلَ، يعني أنّ الكلب يلطِّخ حلقَه وصدرَه بالدم يُرِى بذلك الناسَ أنه قد صاد ولم يصِد.
* * *

وقال أبو خِراش حين نهشتْه الأَفْعَى (1)
لعَمرُكَ والمنايا غالباتٌ ... على الإنسان تَطلعُ كلَّ نَجْدِ
لقد أَهلكتِ حيّةَ بطنِ أَنْفٍ (2) ... على الأصحاب ساقاً بعد فقدِ
__________
(1) ذكر صاحب الأغانى ج 21 ص 69 طبع ليدن قصة أبى خراش هذه حين نهشته الأفعى فى خبر طويل فانظره.
(2) بطن أنف: من منازل هذيل، نزل به قوم على أبى خراش فخرج ليجيئهم بالماء فنهشته حية فمات، قاله ياقوت، وأنشد هذا البيت. وروايته: "ساقا ذات فقد" مكان "بعد فقد" وذات فقد أي إن فقدها مما يشق على الأصحاب ويعظم عليهم، وذلك لما وهبه الله من سرعة عدوه بها، ولذلك يقول فى شعر آخر:
لقد أهلكت حية بطن أنف ... على الأصحاب ساقا ذات فضل
فما تركت عدوّا بين بصرى ... إلى صنعاء يطلبه بذحل
(2/171)

ويُروَى: بطنِ (1) قَوٍّ، وكان بنو مُرّة عشرة (2): أبو جُندَب، وأبو خِراش والأبحّ، والأسوَد، وأبو الأسوَد، وعمرو، وزُهير، وجَناّد، وسفيان، وعُروة؛ وكانوا دَهاةً شعراء.

وقال أُميّة بنُ أبى عائذ (3)
ألا يا لِقوِم لِطيف الخَيالِ ... يؤرِّق (4) من نازحٍ ذى دلالِ
يقال: طاف الخيالُ يَطيف. يؤرّق: يُسهِر.
أجازَ إلينا على بعدِه ... مَهاوِىَ خَرْقٍ (5) مَهابٍ مَهالِ
أجاز: قَطَع إلينا على بعده. مَهاوِى: المواضع التي يهوى فيها. والمَهْواة بين الثَّنيتين: النَّفْنَف (6). ومَهاب: موضع هيبة. ومَهال: من الهول (7).
__________
(1) قوّ: منزل للقاصد إلى المدينة من البصرة. وقال الجوهرى: قوّ بين فيد والنباج. وقال ياقوت: هو واد يقطع الطريق تدخله المياه ولا تخرج، وعليه قنطرة يعبر عليها القفول يقال لها بطن قوّ.
(2) لعل ذكره إخوة أبى خراش في هذا الموضع لمناسبة ذكره موته، أو لمناسبة الفراغ من شعره. وكان الأولى ذكر ذلك عند ذكر مرئيته لإخوته في أوّل شعره.
(3) أمية بن أبى عائذ العمرى أحد بنى عمرو بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، شاعر إسلامى من شعراء الدولة الأموية، وقد مدح بنى مروان. وذكر ابن الأعرابى أنه وفد على عبد العزيز بن مروان بمصر وطال مقامه عنده، وكان يأنس به، ووصله صلات سنية اه ملخصا من الأغانى ج 20 ص 115 طبع بولاق.
(4) فى رواية "أرّق" بصيغة الماضى. و"من نازح" أي طيف جاء من نازح انظر السكرى ص 180 طبع أوربا.
(5) الخرق: البلد الواسع.
(6) النفنف: كل مهوى بين جبلين.
(7) من الهول، أي موضع هول، كما فى السكرى.
(2/172)

صَحارِى تَغوَّلُ جِنّانُها ... وأحدابَ طَوْدٍ رفيعِ الِجبالِ
موضع صحارِى نَصْبٌ، ولكنّه سكّن الياء. تَغوَّل جِنّانُها: تكون واحدة من الغِيلان (1). والحَدَب: ما ارتفع من الأرض.
خَيالٌ لجَعدة قد هاج لى ... نُكاسا من الحبّ بعد اندمالِ
يقال: عرض له نُكْس ونُكاس. ويقال: اندَمَل إذا أفاق.
تَسدَّى مع النوم تِمثالهُا ... دنوَّ الضَّباب بِطَلٍّ زلُالِ
يقول غشِيَنا خيالهُا كما يغشى الضبابُ الأرضَ. والطل: الندى. وزلال: صافٍ.
فباتت تسائلنا في المنام ... وأَحببْ إلىّ بذاك السؤالِ
تُثنّى التحيّةَ بعد السلام ... ثم تُفدِّى بعَمٍّ وخالِ
فقد هاجنى ذِكرُ أُمِّ الصَّ ... بِىِّ (2) من بعد سُقمٍ طويلِ المِطالِ
المِطال: المطاوَلة.
ومَرّ المَنونِ بأمرٍ يَغو ... لُ من رُزءِ نفسٍ ومن نقصِ مالِ
إلى الله أشكو الّذى قد أَرَى ... من النائباتِ بعافٍ وعالِ
__________
(1) عبارة السكرى في تفسير "تغول"، تغول: تلوّن، أخذ من الغيلان لأنها تلوّن.
(2) ضبط فى شرح السكرى طبع أوربا "الصبى" بضم الصاد وفتح الباء وتشديد الياء.
(2/173)

يقول: النائبات التي تنوب. وقوله: بعافٍ وعالٍ، أي تأخذ بالعفو (1) والسهولة وتَقهَر فتعلو وتعظُم. ومنه: تعالَى الأمرُ، إذا تَفاقَم.
وإظلالَ هذا الزمانِ الذّى ... يقلِّب بالناس حالًا لِحال
إظلاله: إشرافه.
وجَهدَ بَلاءً إذا ما أتى ... تَطاوَلُ أيّامه واللّيالِى
وقِدْمًا تعلّقتُ أمَّ الصَّبىِّ ... مِنّى على عَزَفٍ واكتهالِ
أي عزفتُ عن النساء واكتهلتُ.
فسَلِّ الهمومَ بعَيْرانةٍ ... مُواشِكةِ الرَّجْعِ بعد انتقالِ
عَيْرانة: مشبَّهة بالعَيْر. مُواشِكة: سريعةُ رَجْعٍ يديها. والمُناقَلة: ضربٌ من السَّيْر (2). والنِّقال: الحجارة (3) الصغار، واحدها نقلة.
ذَمولٍ تَزِفّ زفيفَ الظَّلي ... م شَمَّر بالنَّعْف وسْطَ الرِّئالِ
الزّفيف: مدارَكة المشى. والنَّعْف: ما سفل عن الحجر وارتفع عن مَسِيل الوادِى.
__________
(1) لم ترد هذه الباء في الأصل. وقد أثبتناها عن السكرى.
(2) قال السكرى: يقال ناقة مناقل إذا وقعت في خشونة وحجارة ناقلتها بقوائمها فتوقيها حتى لا يصيبها منه شيء.
(3) ورد النقال بمعنى الحجارة في شطر بيت للقتال الكلابى، وهو:
* بكريه يعثر في النقال *
(اللسان مادة نقل).
(2/174)

وترمَدُّ هَمْلَجةً (1) زعزَعا ... كما انخرط الحبلُ فوق المحَالِ
ترمدّ: تمضِى سريعا. والزّعزع: التحرّك في السير، كما انخرط الحبل فوق البَكْرة، وهي المحَالة.
وإن غُضَّ من غربِها رفَّدتْ ... وَسِيجا وأَلوَتْ بجَلْسٍ طُوالِ
غُضَّ من غَرْبِها، من حدّها ونشاطِها. ورَفَّدتْ: ضربٌ من السير يقال له: الترفيد (2). بجَلْسٍ طُوال، بقوائمَ (3) طُوال، يقال: جِسم جلس أي طويل.
ومن سَيْرها العَنَقُ المُسْبطِ ... رّ والعَجْرفِيّة بعد الكَلالِ
العنق المسبطِرّ: السهل (4). والعجرفيّة: الشديد، يقول: إذا كَلّت رأيتَ فيها عجرفيّة من شِدِّة نفسها، وبقيّة فيها.
كأنّى ورَحْلِى إذا رُعتُها ... على جَمَزَى جازئٍ بالرمالِ
قوله: رعتها، هو أن يزجرها أو يضِربها. وجمزى، حِمار يَجمِز (5)، قال الأصمعىّ: لم أسمع (فَعَلى) مذكَّرا إلا فى هذا الحرف. جازِئ: اجتزأ بالرُّطْبِ عن الماء.
__________
(1) الهملجة: خسن السير فى سرعة.
(2) فى شرح السكرى فى تفسير قوله: رفدت المشى (أي بتشديد الفاء) اتبعت بعضه بعضا، كما ورد فيه أنه روى "وجيفا" مكان "وسيجا" كما روى "رسميا" أيضا، وورد فيه أن الوسيج ضرب من السير، ولم يعينه. ولم يرد فى اللسان (مادة وسج) أكثر من أن الوسيج سير سريع.
(3) فسر فى شرح السكرى الجلس بأنه الطويل، وكذك الطوال بضم الطاء، ثم قال بعد ذلك: أي أشرفت بعنق طوال أي طويلة. وفى اللسان (مادة رفد) أنه أراد بالجلس أصل ذنبها.
(4) عبارة السكرى: "العنق: السير المنبسط. والمسبطر: المسترسل السهل".
(5) كذا ورد هذا التفسير فى الشرح، وقد ورد فى اللسان (مادة جمز) أنه شبه ناقته بحمار وحش، أما السكرى فقد قال: إنه يعني ثورا. ويجمز: يسرع.
(2/175)

هجانِ السَّراةِ ترى لونهَ ... كقُبْطِيّة الصَّون بعد الصِّقالِ (1)
هِجانِ السراة، يعنى الثور الأبيض الظهرِ؛ يقال: ثوبٌ صَوْن، إذا كان يصان.
حديدِ القَناتَين عَبْلِ الشَّوَى ... لَهاقٍ تلألؤه كالِهلالِ
حديدِ القَناتين، يعنى حديد القَرْنين. عَبْل الشَّوَى، يعنى غلِيظَها. لهَاق: أبيض.
أحمِّ المدامِع يَبنِي الكِناس ... في دَمِثِ التُّربِ يَنثالُ هالِ
أحمِّ: أسوَد. يبنِي الكِناس: يحفِر يتّخذه كِناسا. ينثال: يَسِيل. وهال يَهيلُ إذا تناثر (2).
من الطاوِياتِ خِلالَ الغَضَى ... بأجمادِ حَوْمَلَ أو بالمَطالِى
يريد من الثيران التي قد طوت أي خَمِصت. وخِلال، بين الغَضَى. وأجماد: الواحد جُمُّد، وهو ما غلظ. وحَوْمَل: موضع. والمَطالِى: نحو نجران.
أو اصحمَ حامٍ جَرامِيزَه ... حَزابِيةٍ حَيَدَى بالدِّحالِ
__________
(1) ذكر السكرى أنه يقال: ثياب قبطية (بضم القاف وكسرها) كأنها نسبت إلى القبط. وقال في شرح قوله "بعد الصقال" أي بعد حدثان العهد بالجدّة.
(2) عبارة السكرى: "وهال: هائل، مثل هار وهائر" الخ.
(2/176)

أصحم: حِمار يضرِب إلى الصُّفرة والسواد. حامٍ جرامِيزه، أي بدنَه، يقال للرجل جمع جرامِيزَه، إذا أراد يثِب. وحَزابِية: مجتمِع الخَلْق. وحَيَدَى: يحيد وهو بالدَّحال جمع دَحْل، والدَّحْل: هُوّة من الأرض فيها ضِيق.
يُرِنّ على مُغْزِياتِ العقاق ... ويَقْرُو بها قفَراتِ الصّلالِ
يُرِنّ: يصوّت هذا الحمار. على مُغْزِيات: اللّواتى يحمِلن في آخر الزمن ويضعن فى آخر الزمن. والعِقاق: أن تَضخم بطونهنّ عند الحمل، يقال: هي عَقوق. ويَقْرو: يَتبَع. قَفَرات الصِّلال، ما تفرَّق من المطر، الواحد صَلّة. الأصمعىّ، يقال: أرض صَلّة (1) ومطر صَلّة. وخُفٌّ جيّد الصِّلّة، أي جيّد الِجلد.
مُرِبًّا بهنّ له أمرُه ... وهنّ له حاذِراتٌ قَوالِى
مرِبّ: لازَمَ الأُتُن. له أمره (2). قلَيْنه: أبغضنه لأنهنّ حَوامِل.
لواها عن الماء حتّى أبت ... -لِحبّ الوُرودِ- أنِيقَ الأَكالِ
لواها: منعها. والأَكال: ما أُكِل حولها: وقوله: حتى أبت لِحبّ الورود بقول: عطشتْ حتّى إنها ترى ما تأكل فلا تستطيع أكلَه من العطش.
وذكّرها (3) فَيْحُ نجِم الفُرو ... غِ مِن صَيْهَد الشمسِ بَردَ السِّمالِ
__________
(1) أرض صلة، أي يابسة. وليس مرادا هنا، وإنما المراد بالصلة ما تفرق من المطر.
(2) له أمره أي للفحل، لا يخالفنه في ورود ولا غيره.
(3) في رواية "فأوردها فيح" الخ. اللسان (مادة سمل) وشرح السكرى. وروى "فيح" بالنصب أي أورد العير أنّه برد السمال في فيح نجم الفروغ، كما روى فيح بالرفع أيضا، أي أوردها الحرّ الماء اللسان (مادة سمل أيضا).
(2/177)

الفَيْح: الفُروع (1): فُروغ الدَّلْو (2)، الواحد فَرْغ. والصَّيْهَد شدّة وقع الشمس. والسِّمال: جمع سَمَلة، وهى بقايا الماء.
فظلّت صَوافنَ خُوصَ العيون ... كبَثّ النّوى بالرُّبا والِهجالِ
فظلت يعنى الحُمُر. صَوافن، الصافن الذى قد رفع إحدى قوائمه. خُوص العيون: غائراتها. كبثّ، أي كما يُبَثّ النوى أي هنّ متفرّقات. والهَجْل: ما اطمأنّ (3)، وكان الأصمعىّ يقول: الصافن الذى قد فرّق بين رجليه.
وظلّ يسوِّف أبولهَا ... ويُوفِي زَيازِىَ حُدْبَ التِّلالِ
يسوّف أبوالها: يشمّ. ويوفِى: يعلو. زَيازِى: ما غلظ من الأرض، الواحد زِيزاءة. حُدْب التِّلال: مشرِفات.
مُشِيفا يراقِب شمسَ النهار ... حتى تقلّع فَيءُ الظِّلالِ
مشيف: مشِرف على هذا التّل. يراقب الشمسَ أن تغيبَ فيرِد. وقوله تقلّع فئُ الظِّلال. الفئ: رُجوع (4). والظلّ: مِن حِين تطلع الشمسُ إلى أن ينتصف النهار، فإذا زالت صار فيئًا إلى أن تغيب.
__________
(1) كذا في الأصل. وعبارة السكرى: الفيح وهج نجم الفروغ.
(2) في اللسان أن الفرغ نجم من منازل القمر، وهما فرغان: منزلان في برج الدلو، فرغ الدلو المقدّم وفرغ الدلو المؤخر الخ.
(3) أي ما اطمأن من الأرض.
(4) في شرح السكرى "الرجوع" معرفا؛ وهو أنسب.
(2/178)

فطافَ (1) بتعشِيرِه وانتحىَ ... جَوائلَها وهو كالمسُتجالِ
جوائلها، ما جال منها حين حمل عليهنّ. بتعشيره أي بنَهيقه. انتحى: اعتمد. وهو كالمستجال أي كأنما أصابه فَزَع (2).
وهيّجها لاحِقٌ وَقعُه ... لآثارِ (3) منكمِشاتٍ (4) عجال
لاحق وقعه لآثارها، أي يَلَحق آثارها.
نَواجِىَ مندفِقاتِ الصُّدو ... رِ بالمرَطَى لاحقاتِ التَّوالى
المرطى: عَدوٌ هيّن. التَّوالى: الأرجل (5).
يؤمّ بها وانتحتْ للنّجا ... ءِ عينَ الرُّصُافة ذات النِّجال
يؤمّ: يَقصِد بالحُمُر. والنِّجال: ما يَخرج من البئر من النَّزّ. ويقال للسرير الذي يحرَّك فيه الصبىّ مِنَزّ.
تَهادَى حَوافُرها جَنْدَلًا ... زواهقَ ضربَ قُلاةٍ بِقالِ
__________
(1) في رواية "فصاح" (السكرى).
(2) قال السكرى فى تفسير المستجال فى هذا البيت ص 187: المستجال: "المستخف (بفتح الخاء) ". وفي اللسان (مادة جول): استجيل: ذهبت به الريح هاهنا وهاهنا اه.
(3) في رواية "لأدبار" مكان (لآثار) السكرى.
(4) منكمشات: جادّات ماضيات.
(5) ذكر السكرى التوالى بمعنى المآخير، كما ذكر أنها بمعنى الأرجل كما هنا.
(2/179)

تهادَى: ترمِى به اليدُ إلى الرجل. زواهق: نوادر. وقوله: ضرب قُلاةٍ، يقال: جع قُلَة (1)، وهي الّتى تُضرَب بالقال، وهو عُود؛ ويقال للعُود مِقْلًى (2).
إِذا غُرْبةُ عَمَّهنّ ارتفع ... ن أرضا ويَغْتالها باغتيالِ
إذا غَرْبُه يعنى غربَ الِحمار، وهو حِدّته ونشاطه. ارتفعن أرضا، أي تنحّين إلى أرض. ويغتالها باغتيال أي يدرِكها حتى يغتال ما بينها وبينه بَعدْوِه أي يُذهِبه حّتى يَلحَقها، وهذه أرض تغتال الماشىَ، أي تُذهب مشيَه ولا يستبين المشُى فيها لبعدِها.
يَجيش عليهنّ جيّاشُه ... وهنّ جَوافِلُ منه جَوالِ
يَجيشُ عليهنّ بما فارَ من عدْوِه وهنّ جَوافل أي منقلِعات (3). وجَوالٍ، أي تركن مكانهنّ وأجْلَين عنه. والجَلّالة: الإبل تأكل العِذرة. والجِلَّة: المَسانّ من الإبل.
يَغُضّ ويَغْضِفْن مِن رَيِّقٍ ... كشُؤبوبِ ذى بَرَدٍ وانسِحالِ (4)
__________
(1) فى كتب اللغة أن القلة والقال عودان يلعب بهما الصبيان، فالقلة: العود الصغير الذى يضرب بالقال. والقال: العود الكبير الذى تضرب به القلة.
(2) ومقلاه أيضا بالهمز.
(3) عبارة السكرى: جوافل: هوارب، يقال: جفل، انقلع ... ثم قال: جوافل منقطعات منه.
(4) الانسحال: الانصباب.
(2/180)

يغضّ، يعنى الحمار يكفّ بعض جَريِه. وَيغضِفن، يعنى الأُتُن. وقال: الغَضْف: الكفّ (1). وقال: يَغضِفن من رَيِّقٍ، يعنى من أوّل جريهنّ. كشُؤبوب، وهي سحابة رقيقة قليلة العرْض، شديدة وقع المطر، وأراد حَدّه.
إذا ما انتَحَين ذَنوبَ الحِضا ... رِجاشَ خَسيفٌ فَريغُ السِّجالِ
انتحين: تحرّفن له. وساجَلْن فى العَدْوِ، [هذا] (2) يَغرِف ذَنوبا (3) والآخر يغرِف ذَنوبا. وجاشَ خسيفُ أي فار عليهنّ بحرٌ من عَدْوِه، يقال: بئرٌ خَسِيفٌ إذا كثر ماؤها. ويقال: دابّة فَرِيغ، واسع العَدْو.
يُحامِى الحَقِيق إذا ما احتَدَمْ ... ن حَمحَم فى كَوثرٍ كالجِلالِ (4)
يقول: هو من الحمير يَحمِى حقيقتَه وهو ما يحقّ عليه أن يحميه. واحتدمن: اشتدّ عَدوُهنّ. والاحتدام: شدّة غَلَيان القِدْر. وحَمحَم فى كوثر: غبارٍ كثير. والِجلال: جمع جلّ (5)، أي قد ركِبها الغبار.
__________
(1) لم نجد الغضف بمعنى الكف فيما راجعناه من كتب اللغة. والذى فى شرح السكرى فى شرح قوله: "ويغضفن" ما نصه: "وهن يغضفن غضفا" يريد الأتن يأخذن أخذا من الجرى بغير حساب وكذلك فى القاموس. (مادة غضف).
(2) هذه الكلمة أو ما يفيد معناها ساقطة من الأصل. والسياق يقتضى إثباتها.
(3) الذنوب: الداو وأراد به هنا النصيب من العدو.
(4) ورد هذا البيت فى اللسان (مادة كثر) ورواه "وحمحمن" بإسناد الفعل إلى الأتن، وزيادة واو العطف.
(5) ذكر السكرى أنه شبه الغبار بجلال الدواب. وجلال كل شيء غطاؤه، جمع جل بفتح الجيم وضمها وتشديد اللام.
(2/181)

كأنّ الطِّمِرّة ذاتَ الطما ... حِ منها لضَبْرته (1) بالعِقالِ
يقول: كأنّ الطِّمرّة من هذه الحمير، وهى الوثوب كأنّها فى عِقال من إدراكه إيّاها. وذات الطِّماح، أي تَطمَح فى العَدْو أي تُبعِد.
فأورَدَها مستحِيرَ الجِما ... مِ ذا طُحْلُبٍ طافِيا فى الضِّحالِ
مستحير: قد امتلأ، ليس له موضع يمضى فيه من كثرته. والجمَّ: ما جَمّ من الماء. والضَّحْل: ما رقّ من الماء.
فلّما وردن ابتدرن الشُّرو ... عَ بسطَ الأَكفِّ لأخذِ (2) العَوالِى
يريد كما يبسط الرجل يده يأخذ عاليةَ الرمح. والشُّروع: الكرُوع.
فألقت جَحافِلَها (3) فى الجِما ... مِ مَيْحَ القَماقِم ما فى القِلالِ (4)
تُجيل (5) الحبَاب بأنفاسِها ... وتجلو سَبيخَ جُفالِ النُّسالِ
قوله: تُجيل الحبَاب: تنفخه بأنفاسها حتى تنحِّى عنها حبَاب الماء.
__________
(1) الضبر: العدو والوثب.
(2) فى رواية "لقبضَ" مكان "لأخذ".
(3) الجحافل للدواب بمنزلة الشفاه من الإنسان والمشافر من الإبل.
(4) لم يذكر الشارح فى تفسير هذا البيت شيئا. وقد ذكر السكرى فى تفسيره أن الجمام: جمع جمة وهي مجتمع الماء. والميح: الاستخراج.
(5) فى رواية "تثير" مكان "تجيل" وفى رواية "جفال سبيخ" السكرى.
(2/182)

والجُفال: ما يتجفّل (1) من الماء. والسَّبيخ: ما نَسَل من الريش فوقع على الماء، فهي تنحّيه.
وتُلقِى البَلاعيِمَ فى بَرْدِه ... وتُوفِي الدُّفوفَ بشُرْبٍ دِخالِ
البلاعيم: مجارِى الطعام والشراب؛ الواحد بُلْعوم. تُوفى الدُّفوف: تملأ جنوبها حتى تنتفِخ. بشُرْبٍ دِخال، الشرب: الماء بعينه. والشُّرب: المصدر (2). وأصل الدِّخال أن يؤتَى بإبل لم تشرب فتَكرع فى الحوض، فإذا فرغت صُيّرتْ فى العَطَن ثم يوتى بإبلٍ غيرِها فتصيَّر على الحوض ثم يُدخَل بين كلّ بعيرين بعير مّما قد شرب أوّل مرّة ليؤثَر به، فذلك الدِّخال.
فلمّا وردن (3) صَدَرْنَ النَّقِيل ... كأوبِ مَرامِى غَوِىٍّ مُغالِى
النَّقيل: المُناقلة فى السير، وهو إذا وقع فى حجارة ناقَلَ قدمَه أي وضعها بين حجرين. والمُغالى: الّذى يغالى أيّهما (4) أبعد سهما.
فأسلَكَها (5) مَرصَدا حافظا ... به ابن الدجى لاصِقا كالطِّحالِ
__________
(1) يلاحظَ أنه لم يفسر الجفال تفسيرا واضحا. والذى وجدناه فى كتب اللغة أن الجفال ما نفاه السيل من الغثاء والجفاء (شرح القاموس) وهذا هو المناسب لما فى هذا البيت من معانى الجفال.
(2) في كتب اللغة أن الشرب مصدر شرب يكون مثلث الشين، وبمعنى الماء، تضم شينه وتكسر.
(3) فى رواية "روين" مكان "وردن". وفى رواية "ابتدرن" مكان "صدرن" شرح السكرى.
(4) أيهما أي هو أم صاحبه الذى يراميه. ولم يفسر المرامى بفتح الميم وهى السهام. وأوبها: رجوعها، أي إدبارها حين تذهب كما فى شرح السكرى.
(5) فى رواية "فأوردها" مكان "فأسلكها" وفى رواية "لاطئا" مكان "لاصقا" وفى رواية "على ابنُ الدجى" مكان "به ابن الدجى".
(2/183)

فأسلَكَها الفحل على حيث يَرصُد الرامى، وهو ابن الدجى. والدُّجْية: القُتْرة والبُرْأة والزُّبْية (1). وهو لاصق فى قترته كما لِصق الطِّحال بالجنب.
مُقِيتا (2) مُعِيدا لأكل القنِي ... صِ ذا فاقةٍ مُلحِما للعِيالِ
مقيت: مقتدِر. ومعيد: معوّدَ لذلك، ومُلحِم: يطعِم عيالَه اللحم.
له نسوةٌ عاطِلاتُ الصُّدو ... رِ عُوجٌ مَراضِيعُ مِثلُ السَّعالى (3)
عاطلات: ليس عليهن حُلِيّ.
(82) تَراح يداه لمحشورةٍ ... خَواظِى القِداحَ عِجافِ النصالِ
تراح يداه، أي تخفّ للرمى. ومحشورة، أي نَبْل أُلطِف (4) قُذَذها (5) فهو أسرعُ لها وأبعد. وخَواظى: مِتان. وعِجاف النصال، أي مُرهَفةٌ رقيقة.
__________
(1) الدجى: بيع دجية. والدجية والقترة والبرأة والزبية كلها أسماء للسكان الذى يتوارى فيه الصائد. وقد فسر بعض الشراح ابن الدجى فى هذا البيت فقال: يعنى أنه يراصدها بالليل فهو ابن الدجى السكرى.
(2) فى رواية "مفيدا" مكان "مقيتا" ويفيد: يكتسب (السكرى).
(3) ورد فى الأصل مكتوبا فوق كلمة: "السعالى" فى البيت كلمة: "الغيلان" تفسير لها "وروى" "عطلات" بدون ألف بعد العين. وقد ورد هذا البيت فى اللسان:
ويأوى إلى نسوة عطل ... وشعث مراضيع مثل السعالى
والمراضيع: جمع مرضع أي ذات رضيع. والعوج: المهازيل.
(4) فى شرح السكرى "الصق" مكان قوله: "الطف". وكلا المعنيين يصح تفسير لفظ المحشورة به انظر اللسان (مادة حشر).
(5) كذا فى شرح السكرى. وهو ما يستفاد من اللسان أيضا (مادة حشر). وفى الأصل: "قدّها" وهو تحريف. وقذذ السهم: ريشه.
(2/184)

كَخَشْرَم دَبْرٍ له أَزْمَلٌ ... أو الجمَرِ حُشَّ بِصُلْبٍ جِزالِ
يعني أنّ السهام تمرّ كما يمرّ الدّبْر (1) في بَريقه. لها أزْمَل أي صوت. والخَشَرم: النحل أو الجمر في بريقه. حُشَّ: أُوقِد بحَطَبٍ صُلبٍ جزل.
على عجِسِ هَتّافةِ المِذْرَوَيْ .. ن زَوراء مُضجَعةٍ في الشّمالِ
العجس: مقبِض القوس. وهتّافة المِذروين، أي لطرَفيها صوت نبض. زوراء: مُعْوجّة. مُضجَعة، يقول: إنما (2) هو في مكان ضيق مِثل اللّحد لا يستطيع أن ينصبها.
بها مِحَصٌ غيرُ جافِي القُوَى ... إذا مُطَّ (3) حَنَّ بَورْكٍ حُدالِ
مَحِص: وترٌ مُحِص حتى ذهب زِئْبِره. وقُواه: الطاقات، الواحدة قوّة. إذا مُطَّ: جُرّ. حَنَّ من صلابته. وَرْك: خشبتُها من أصلِ قضيب، وهو وَرْكُه (4). والحُدال: أن تكون سيَتُها أدخلَ من الأخرى (5).
__________
(1) الذي في شرح السكري "كما يمر الدبر في خفته". والدبر: النحل.
(2) هو، أي الصائد.
(3) في شرح السكرى واللسان (مادة ورك) "مطى" بسكون الطاء وياء بعدها مفتوحة. وأصله مطى بكسر الطاء، وسكنت للضرورة ومطى، أي مدّ، وكذلك مط بتشديد الطاء في رواية الشارح هنا.
(4) في السكري "وهو وركها" بتأنيث الضمير.
(5) سية القوس: رأسها، وعبارة السكري في تفسير الحدال: "وحدال فيها حدل أي طمأنينة إلى أحد جانبيها تنحدر سيتها قليلًا". وفي عبارة أخرى "أن يكون أحد منكبيها أوفى من الآخر".
(2/185)

فعَيَّثَ ساعةَ أفْقَرْنه ... بالايفاقِ (1) والرَّمي أو باستِلالِ (2)
عيّث: رجَع بيده إلى كِنانتهِ ليأخذ سهما. أفقرنه، أمكنّه من فِقارهنّ. والإفاق: أن يضع الفُوقَ (3) في الوتر. أو باستِلال هو أن يَستلّ مِعْلبته (4) من الجَعْبة.
يصيب الفَرِيص وصِدقا يقو ... لُ مَرْحَى وأَيْحَى إذا ما يُوالِي
الفَريص: مُضغة مَرجِع (5) الكتِف. ومَرْحَى: يقال عند الَفَرح والإصابة (6).
فعّما قليلٍ سَقاها معًا ... بمُزْعِفِ ذِيفانِ قِشْبٍ ثُمالِ
عمّا قليل: أراد عن قليل. بُمْزعِف، وهو الموت الوَحِيّ. والذِّيفان: السمّ. والقِشْب: ما يُخلَط بالسمّ من شيء. وثُمال: مُنقَع.
سِوى العِلْجِ أخطأه رائغًا ... بثَجْراءَ ذات غِرارٍ مُسالِ
يقول: سقاها بمُزعفٍ سوى العِلج أخطأه فلم يصِبه، والعِلْج: الحمار الغليظ. بثَجْراء: مِعْبلة (7) غليظة. ذات غِرار، وغِرارها: حدّها. ومُسال: مُطال.
__________
(1) كذا في شرح السكري. والذي في الأصل: "بافاقَ"؛ وهو تحريف.
(2) في شرح السكري: "والاستلال".
(3) الفوق من السهم: موضع الوتر.
(4) المعبلة: نصل طويل عريض.
(5) قال بعض اللغويين في تفسير الفريصة: إنها المضغة التي بين الثدي وموضع الكنف من الرجل والدابة. وقال السكري: هي مضغة لحم في موضع الكنف.
(6) وكذلك أيحى مثل مرحى في هذا المعنى.
(7) قال السكري في تفسير قوله ثجراء، أي عريضة الوسط من المعابل.
(2/186)

فجالَ عليهنّ في نَفْرِه ... ليَفْتَنّهنّ زَوالَ الزَّوالِ (1)
قوله: فجال عليهنّ، أي اعتمد عليهنّ. في نفره: حين نفر. ويفتنهنّ: يَسبِق (2) بهنّ، أي ليزول بهنّ عن الرامي.
فمّا رآهن بالجَلْهَتَي ... ن يَكبون في مُطحَرات الإِلال
الجَلْهة: ما استقبَلَك من جانب الوادي. يَكبون في مطحَرات، يعني السهام. والمُطحَر: المُلزَق القَذِّ، جَعل حِرابَهن (3) لِطافا. والإلال: الِحراب، الواحدة أَلّة.
رَمىَ بالجَراميز عُرْضَ الوَجِي ... نِ وارمدَّ في الجري بعد انفتالِ
رمى بجَراميزه: بنفسِه (4). والوَجين: ما اعترض لك من غِلَظ. وارمدّ: أسرع في العَدْو بعد أن كان انفتل انفتالةً فجال، والحمار هو الذي رمَى بجراميزه.
بشأوٍ له كضَريم الحَري ... قِ أو شِقّة البَرْق في عُرْضِ خالِ
الشأو: الطَّلَق. وشِقّة (5) البرق تُرَى في ناحيةِ خالٍ، والخال (6): السحاب.
__________
(1) رواية السكري: "لزول الزوال".
(2) كذا في الأصل. وفي شرح السكري "يشتق" بدل "يسبق"؛ وهو أقرب لما في كتب اللغة. قال في اللسان (مادة فنن) افتن الحمار بأتنه واشتق بها إذا أخذ في طردها وسوقها يمينا وشمالا وعلى استقامة وعلى غير استقامة، فهو يفتن في طردها أفانين الطرد. والذي في الأصل: "يسبق"؛ وهو تصحيف.
(3) عبارة السكري "جعلهن حرابا لطافا" أي جعل السهام، وهو الصواب في هذه العبارة. وكان الأولى وضعها في تفسير الإلال كما هو صنيع السكري.
(4) في شرح السكري: جراميزه جرمه.
(5) عبارة السكري "شقة البرق انشقاقه وانكشافه".
(6) الخال: السحاب المتهيئ للمطر.
(2/187)

يَمرّ كَجنْدَلة المَنْجني ... قِ يُرمَى بها السُّورُ يومَ القتال
فماذا تَخَطْرَفَ من حالقٍ ... ومن حدَبٍ وحجابٍ وَجال
تخطرف يعني الحمار يمرّ بشيء مرتفِع فيثبُه. وحجاب: ما حجب وارتفع. والجال: حرف الشيء (1)؛ ويقال: جُول وَجال. والحَدَب: ما أشرف.
فأحيا وَجيفًا وآلافُه ... تَجيش بهنّ القُدور الغَوالِي
فأحيا الحمار ليلته ليَجِفَ به في السير. وآلافه (2) يعني آتُنَه قد صيدت فصارت في القُدور تغلي بهنّ.
وقَطَّع ألواذَ داوِيّةٍ ... صحارِىَ غُلّانِ طَلْحٍ وَضال
الأَلْواذ: ما أطافَ بالفَلاة. واللَّوْذ: حِضن الجبل أي ناحيته. والغُلّان: الواحد غالّ، وهو ما اطمأنّ من الأرض وكثر شجرُه. والضال: السدْر.
وليلٍ كأنّ أفانينَه ... صَراصِرُ جُلِّلن دُهْمَ المَظالي (3)
__________
(1) يريد حرف الجبل.
(2) آلاف: جمع إلف بكسر الهمزة وسكون اللام.
(3) أورد في اللسان (مادة ظل) هذا البيت، وقال في المظالي ما نصه: إنما أراد المظال (أي بالتشديد) فخفف اللام فإما حذفها أي اللام الثانية وإما أبدلها ياء لاجتماع المثلين، لا سيما إن كان اعتقد إظهار التضعيف فإنه يزداد ثقلا وينكسر الأوّل من المثلين فتدعو الكسرة إلى الياء؛ فيجب على هذا القول أن يكتب المظالي بالياء. قال: ومثله سواء ما أنشده سيبويه لعمران بن حطان.
قد كنت عندك حولا لا يروّعني ... فيه روائع من إنس ولا جاني
وإبدال الحرف أسهل من حذفه. اه.
(2/188)

أراد قطّع ألواذَ داوِيّة وألواذَ ليلٍ. أفانِينه: نواحيه. صَراصِر (1)، يقول: كأنّ الليل من هذه الإبل الصرصرانيّات، وهي المولَّدات النَّبَطِيّات. دُهْم أي فوقهنّ أخبِيةٌ سود.
وأضحَى شَفيفًا (2) بقَرْن الفَلا ... ةِ جَذْلانَ يأمَنُ أهلَ النِّبالِ
أي هو فرِح لأنّه بقرن الفلاة، وهو أعلاها وأبعدها من الصائد.
فإن يَلقَ خيلا فمستضلِعٌ ... تَزَحزحَ عن مُشَرعاتِ العَوالِي
يقول: إنْ لقِي الحمارُ الخيلَ قوِيَ بها، أي انتَحى (3) حين أشرعت الرماح.
أشبِّه راحلتي ما تَرَى ... جَوادا ليُسمَع فيها مقالي (4)
وأنجو بها عن دِيار الهوا ... نِ غير انتحالِ الذليلِ المُوالي
المُوالِي: من الموالاة (5)، أي ليس كما ينتحِل الذليل الموالي، أي أنّي لا أقول ذلك انتحالا. وأنجو بها: بناقته.
__________
(1) الصراصر: والصرصرانيات جمع الصرصراني. والصرصرانيات: الإبل بين البخاتي والعراب.
(2) قال السكري في تفسير قوله: "شفيفا" قد شفه ما لقى.
(3) في الأصل: "صحا"؛ وهو تحريف.
(4) قال السكري في شرح هذا البيت ما نصه: جواد: سريعة. قال: جوادا يعني الحمار. وقوله: "ليسمع" أي ليحفظ اه.
(5) قال السكري في شرح هذا البيت ما نصه: الموالي: من الموالاة، وهو أن يقول أنا مولى فلان فيقال له: ليس كما تقول" الخ.
(2/189)

وأطّلِب الحبّ بعد السُّل ... وّ حتى يقالَ امرؤٌ غيرُ سالي (1)
فحينا أُصادِف غِرّاتِها ... وحِينا أصادِف أهلَ الوِصال (2)
أُسلِّي الهمُومَ بأمثالِها ... وأَطوِي البِلادَ وأَقضِى الكَوالِي (3)
أي أقضى ما تأخّر عليّ من الحقوق. ومنه الحديث يُكره الكالئ بالكالئ (4)، وهو الدَّين بالدَّين، وكلأتُ في الطعام: أسلفتُ فيه.
وأجعل فُقْرتَها عُدّةً ... إذا خِفتُ بَيّوتَ أمر عُضالِ (5)
يقال: بعير ذو فُقْرة إذا كان قويّا على الركوب، وأفقرتُ ظهرَه إذا أعرتَه ليرُكب. وبَيّوت: جاءَ بياتا. وعُضال: شديد.
__________
(1) روى السكرى قبل هذا البيت بيتين آخرين لم يردا في نسخة الأصل، وهما:
واطلب النجح من متلف ... يقطع بالناس عقد الحبال
فيوما أراجع أهل الصبى ... ويوما أصرم أهل الوصال
(2) قال السكري في شرح هذا البيت ما نصه: أي غرات ذلك العيش، يقال: عيش غرير أي ساكن، وجارية غريرة: ساكنة لم تجرب الأمور والأشياء. قال: يقول: أصادفها ساكنة مغترة لم تحذر اه.
(3) الكوالي: أصله الكوالئ، بالهمز كما في كتب اللغة وشرح السكري. وبأمثالها أي بأمثال راحلته.
(4) في شرح السكرى: "الكالئ" "الدين الغائب". وقال السكري في شرحه ما نصه: "كان الأصمعي لا يهمز الحديث المأثور الكالي بالكالي أي الدين بالدين، وكان الكسائي وأبو عبيدة يهمزان". وقال أبو عبيدة في هذا الحديث الكالئ بالكاليء أي النسيئة بالنسيئة اللسان (مادة كلأ).
(5) قال السكرى: هذا البيت آخرها في رواية الأصمعي. وزاد بيتين بعده، وقال فيهما: روى هذين البيتين الأخيرين الجمحي وحده، وهما:
فأقرى مهجد ضيف الهمو ... م صلبا لها عنتريس المحال
فحينا سمينا وحينا يح ... ط سديف السنام بوشك ارتحال
(2/190)

وقال أُميّة (1) بنُ أبي عائذ أيضا
لِمن الديارُ بعَلْىَ فالأَخراصِ ... فالسَّودتين فمَجْمَعِ الأَنواصِ (2)
فضِهاءِ (3) أَظَلمَ فالنَّطوفِ فثادِقٍ ... مَتْن الصَّفا المتزحْلِف الدَّلّاصِ (4)
متزحلِف: قد تزحلف وتملّس. والدلاّص: الأملس.
أَلْفتْ تَحُلَّ به وتُؤلف (5) خَيمةً ... إلْفَ الحمامةِ مَدخَل القِرْماصِ
__________
(1) ذكر السكري أن الأصمعي لم يرو من هذه القصيدة إلا ستة أبيات. قال: قد أعلمنا على رأس كل بيت رواه في موضعه، وأوردها تسعة وعشرين بيتا: ولم يرد منها في الأصل هنا غير سبعة أبيات.
(2) الأبواص أو الأنواص. وزاد السكري على هاتين الروايتين "الأوباص" عن الأصمعي. والأحراص بالحاء المهملة مكان الخاء المعجمة عنه أيضا. وعلى: موضع في جبال هذيل، ولم يذكر ياقوت الأخراص وذكر السودتين والأبواص، ولم يعينهما، وإنما روى هذا البيت في كل منهما.
(3) ذكر ياقوت هذه الأمكنة الثلاثة التي في هذا البيت ولم يعين المكانين الأولين، وإنما روى هذا البيت في كل منهما، وذكر الثالث وهو ثادق وقال: هو واد في ديار عقيل فيه مياه. ونقل عن الأصمعي أنه واد ضخم يفرغ في الرمة، وأنشد أبياتا ذكر فيها هذا الموضع.
(4) كتب الشارح في هامش الأصل رواية أخرى في هذا البيت وهي:
. . . . . . . . فصائف ... فالنمر فالبرقات فالانحاص
أنحاص مسرعة التي حازت إلى ... هضب الصفا المتزحلف الدلاص
وكتب تحت ذلك ما نصه: هكذا وجدته في معجم البلدان لمؤلفه ياقوت في (مادة أنحاص) وصائف وضهاء ونمر وهضب الصفا وكتبه محمد محمود لطف به. وروى السكرى "فبارق" مكان "فصائف" كما روى الرواية التي ذكرها الشنقيطي أيضا.
(5) وتؤلف خيمة، أي تألفها، قال الأصمعي: تألف وتؤلف واحد، يقال: ألفت الشيء وألفته السكري ص 177 طبع أوربا.
(2/191)

القِرْماص: بيت الحمام، وأراد أنّها أَلِفت هذه المواضع كما ألِفت الحمامة موضعَها.
ليلَى وما ليلَى ولم أَر مِثلَها ... بين السماء والأرض ذات عِقاصِ
بيضاءَ صافيةَ المدامِع هُولةً ... للناظرِين كدُرّةِ الغَوّاصِ (1)
أو مُغزِلٍ بالخَلِّ أو بخَلِيّةٍ ... تَقرُو السَّلام (2) بشادِنٍ مِخماصِ
المخماص: الخمِيص البطن.
قد كنتُ خَرّاحا وَلُوجا صَيْرَفا ... لم تَلتحِصْني حَيْصَ بَيْصَ لحَاصِ
صيرفا، أي أتصرّف في الأمور. وقوله: لم تلتحِصنى لم تَنْشب فيّ. ويقال: لحص فيّ هذا الأمرُ إذا نشِب، فأراد لم تنتشبني، وهو من لَحَص يَلْحَص، يقال وقع في حيصَ بيصَ إذا وقع في الأمر لا يخرج منه. لحَاصِ كقَطامِ: الداهية؛ هكذا قاله في (لسان العرب) (3).
__________
(1) روى الأصمعي "صفراء" مكان "بيضاء". وهولة أي تهول من رآها بحسنها، (السكري).
(2) مغزل: ذات غزال، وتقرو السلام أي تقصد إلى هذا الشجر وتتبعه.
(3) في لسان العرب (مادة لحص) بعد أن أنشد هذا البيت ما نصه: أخرج لحاص مخرج قطام وحذام. وقوله: لم تلتحصني، أي لم تثبطني، يقال لحصت فلانا عن كذا والتحصته إذا حبسته وثبطته. وروى عن ابن السكيت في قوله: لم تلتحصني أي لم أنشب فيها، قال الجوهري: ولحاص فعال من التحص مبنية على الكسر وهو اسم الشدة والداهية لأنها صفة غالبة كحلاق اسم للمنية، وهي فاعلة تلتحصني. وموضع حيص بيص نصب على نزع الخافض، يقول لم تلتحصني أي تلجئني الداهية إلى ما لا مخرج لي منه. وفيه قول آخر: يقال التحصه الشيء أي نشب فيه، فيكون "حيص بيص" نصبا على الحال من لحاص اه.
(2/192)

وقال أميّة بن أبي عائذ أيضا
تمدّحتَ ليلَى فامتْدِح أمَّ نافعٍ ... بعاقبةٍ (1) مثل الحَبِير المُسلْسَلِ
بعاقبة، أي في عقب الأمر. والحَبير: ثياب الِحبَر، أراد امتداحها مدحا حسنا.
فلو غيرَها من وُلْدِ عمرٍو وكاهِلٍ ... مدحتَ بقولٍ صالحٍ لم تُفَيَّلِ
يقال: رجل فائل الرأيِ أي ضعيفه.
ألا ليت ليلَى سايرتْ أمَّ نافعٍ ... بوادٍ تَهامٍ (2) يومَ صَيْفٍ ومَحفِلِ
يقول: ليتها سايرتْ أمَّ نافع حتى تفضَحَها في المَحفِل وهو الجماعة.
وكِلتاهما ممّا عدا قبلُ أهلُها ... على خير ما ساقوا ورَدُّوا لمَزْحَلِ
قوله: على خير ما ساقوا ورَدُّوا لمَزْحَل، أي على خير ماشِيَتهم التي ساقوا، يقال: هو يسوق مالا (3) إذا كان يسوق رعيته. ورَدُّوا لِمَزْحَل، أي رَدّوها من الكَلَاء لتُركَب.
فذلك يومٌ لن تَرَى أمّ نافعٍ ... على مُثْفَرٍ (4) من وُلدْ صَعْدةَ قَنْدَلِ
__________
(1) في شرح السكري ص 205 طبع أوربا "بقافية" وروى فيه أيضاً "بفاخرة" كما رويت فيه رواية الأصل، وذكر ما قاله الشارح هنا في شرح قوله "بعاقبة" وقال: أراد فامتدحها بمثل وشي الحبر. والمسلسل: وشى مثل السلاسل الخ.
(2) تهام، أي تهامى إذا فتحت تاء تهام لم تشدد الياء، وإذا كسرتها شدّدت ياء النسبة.
(3) في السكري: "مالاً عظيما".
(4) مثفر، من أثفر الدابة، أي شدها بالثفر بالتحريك، وهو السير الذي يكون في مؤخر السرج أو البرذعة. ويجعل تحت ذنب الدابة.
(2/193)

قوله: لن ترى أمّ نافع على مُثْفَر، أي لن تراها تركب حِمارا من وُلدِ صَعْدة، يقال للحمير بنات صَعْدة. والقَنْدَل: الضخم الرأس.
حَمولةِ (1) أخرى أهلُها بين مَهْوَرٍ (2) ... إلى مُحْزِئٍ (2) من أهل كَرْمٍ وسنبلِ
قوله: حمولة أخرى، كقولك في الكلام: لا يلقى فلان فلانا على حمار حَمولة آخَر، أي يحمل غيرَه، أي لن ترى أمّ نافع على حمار. وقوله: من أهل كرم وسنبل، يقول: هي من أهل الزرع ليست بدوِيّة.
ولكن على قَرْمٍ هجانٍ مشرَّفٍ (3) ... بلؤمتِه أو ذات نيِرَينِ عَيْطَلِ
على قَرْم، وهو فحل. هجان: أبيض قد قارَفَ الكرَمَ. بلؤمته أي بجَهازِه. عَيْطَل: طويلة العنق.
إذا النَّعْجةُ الأَذْناءُ كانت بقَفْرةٍ ... فأيّانَ ما تَعدِل لها الدهرَ تَنزِلِ (4)
__________
(1) في شرح السكري بيت آخر قبل هذا البيت، وهو:
ولا تبعا تمشي برأس خزومة ... لها قبة أن ترب فيها تجلجل
حمولة الخ.
(2) ذكر ياقوت "مهور" ولم يعينه. ولم يذكر "محزئا" وفي السكري "إلى مسكن" مكان "إلى محزئ".
(3) في شرح السكري "موكل ... بلؤمته" وروى فيه "بشوزنة" مكان "بلؤمته" كما روى فيه "بشوزنه" أي بهيئته. وذكر في تفسير (ذات نيرين) أنه يقال للبعير إذا كان كثيفا هو ذو نيرين أي ذو طرائق من الشحم واللحم أي سمين. . . . . . . . ثم قال: وذو نيرين مأخوذ من الثوب الذي سدى بنيرين. الخ.
(4) الأذناه: عظيمة الأذنين طويلتهما، وفي شرح السكري "إذا النعجة العيناء" وفيه أيضا: فأيان ما يعدل بها الرئم. قال: لم يعرف الأصمعي هذا البيت ولم يقل فيه شيئا لمكان النجم ولم يكن يتكلم في الأنواء .. اه.
(2/194)

وقال أسامة بن الحارث (1)
ما أنا والسَّيْرَ في مَتْلَفٍ ... يعبِّر بالذَّكَر الضّابِط
يعبِّر بالذَّكَر أي يحمله على (2) ما يَكره، والضابط: يعني البعيرَ العظيم (3). يقول: ما أنا وذا، أي لستُ أبالي السيرَ في مهلَكة.
وبالبُزْل (4) قد دَمَّها نَيُّها ... وذاتِ المُدارأة العائطِ
قد دمَّها نَيُّها، أي طلاها شحمُها. وذات المُداراة: يعني الناقةَ التي بها اعتراض وشدّةُ نَفس. والعائط: التي قد اعتاط رَحِمُها فلم تَحمِل، وهو أقوى لها.
وما يتوقَّين مِن حرَّةٍ ... وما يتجاوزن مِن غائطِ
حرّة: حجارة غليظة. غائطِ: مطمئنٌّ من الأرض.
وِمن أَيْنِها بعد إبدانِها ... ومن شَحْمِ أَثباجِها الهابطِ
الأَيْن: الإعياء. وإبدانها، يقول: أبدنها الربيعُ والعُشْب. والأَثباج: الأوساط. هابِط: كان في الأسنِمة فهبط.
تَصيحُ جَنادِبُه رُكَّدًا ... صِياحَ المَساميرِ في الواسِطِ
__________
(1) أسامة بن الحارث الهذلي لم نقف على ترجمة وافية له فيما لدينا من المظانّ، وقد أورد عنه ابن قتيبة في الشعر والشعراء ص 419 ما نصه: مالك بن الحارث الهذلي وأخوه أسامة. ومالك الذي يقول:
فلست بمقصر ما ساف مالي ... ولو عرضت للبتي الرماح
(2) في كتب اللغة أنه يقال: عبر به الأمر إذا اشتدّ عليه.
(3) الذي في كتب اللغة أن الضابط هو القوي على عمله والشديد.
(4) وبالبزل، أي ويعبر هذا المتلف بالبزل، أي يشق عليها ويشتد.
(2/195)

واسط الرَّحْلِ مثل القَرَبُرس (1).
فهنّ على كل مُستوفِزٍ ... وُقوعَ الدَّجاجِ على الحائطِ
وإلا النَّعامَ وحَفّانَه ... وطَغْيَا من اللَّهَقِ الناشِطِ
الحَفّان: صِغار النعام. وطَغيَا من اللَّهَق هو، نُبَذٌ (2) من البقر. وناشِط: ثور يَخرج من أرض إلى أرض.
إذا بلغوا مصْرَهم عُوجِلوا ... من الموت بالهِمْيَغ الذاعِطِ
هِمْيغ: موتٌ وَحِيٌّ. والذاعِط: الذابِح.
من المُرْبَعِين ومِن آزِلٍ ... إذا جَنّه الليلُ كالناحِطِ
المُرْبَعين، الّذين يُحَمّون الرِّبْع من الحُمّى. والآزِل، الذي في ضِيق. وناحِط: زافِر.
عَصاكَ الأقارِبُ في أَمرهِم ... فزايِلْ بأمِركَ أو خالِطِ
يقول لنفسه: إنّ أقاربَكَ لم يَسمعوا قولك، فزايِلْهم أو خالِطْهم.
ولا تَسقُطنّ سُقوطَ النَّوا ... ةِ مِن كَفِّ مرتضِخٍ لاقِطِ
المرتضِخ: الذي يَدُقّ النوى للعَلَفِ.
__________
(1) القربوس: حنو السرج. والحنو: كل شيء فيه اعوجاج أو شبه الاعوجاج. اللسان (مادتي قربس وحنا).
(2) طغيا بفتح الطاء وضمها: جمع طغية، والطغية من كل شيء" نبذة منه. قاله أبو زيد في اللسان (مادة طغى). على أن هذا البيت قد ورد في اللسان أيضا مادة طغى شاهدا على أن "طغيا" مقصورة غير مصروفة: الصغيرة من بقر الوحش، ونسب فيه هذا البيت إلى أمية بن أبي عائذ الشاعر السابق.
(2/196)

وقال أسامة بن الحارث أيضا
أَبَى جِذْمُ قومِك إلاَّ ذَهابا ... أَنابوا وكان عليهم كتّابا
جِذم: أصل. كتّاب: قَدَر.
أقاموا صُدورَ مُسِنّاتِها (1) ... بَواذِخَ يَعتَسِرون الصِّعابا
أي أقاموها في السَّيرِ. مُسنّات: يعنِي الإبِل. بواذِخ: مشِرفات. يَعتسِرون أي يركبون.
من المُضَريّات لا كَزّةً ... لَجُونا ولا رَاشَة الظَّهْر نابا (2)
مضريّات: منسوبة إلى مضر. ولجون: بطيئة. والكزَّة: التي ليست بوَساعٍ في السَّيْر. ولا راشةَ (3) الظَّهْر: ولا ضعيفتَه.
كأنّ يديها إذا أَرْقلتْ (4) ... يَدَا ذاتِ ضِبَّين تَعرُو سِبابا
كأن يدي الناقة إذا أَرقلتْ يدا امرأة في صدرها ضِبّان، أي حقْدان. تَعْرو سِبابا أي تُسابُّ أخرى.
كأصَحمَ فَرْدٍ على عانةٍ (5) ... يقاتِل عن طُرَّتيه (6) الذُّبابا
__________
(1) في اللسان مادة (شبب) مشباتها. وروى هذا البيت.
(2) الناب: الناقة المسنة.
(3) في اللسان (مادة راش) جمل راش الظهر: ضعيف. وناقة رائشة: ضعيفة.
(4) الإرقال: ضرب من السير.
(5) العانة: القطيع من حمر الوحش. وروى في اللسان "على حافة".
(6) قال الجوهري: الطرتان من الحمار خطان أسودان على كتفيه، وورد في تفسير قول أبي ذؤيب: "عبل الشوى بالطرتين مولع" أن الطرتين خطان يفصلان بين الجنب والبطن.
(2/197)

يقول هذه الناقة كأنها حمار يقاتل عن طُرّتيه أي عن جنبيه الذباب إذا أكله. والأصحم: الاسم من الصُّحْمة، وهي سواد في صُفرة.
أَقَبَّ طريدٍ بنُزْهِ الفلا ... ةِ لا يَرِد الماءَ إلاَّ انتِيابا
أقب: ضامر. طريد: طردتْه الخيل. بنُزه الفلاة، أي بعيد من الناس (1)، يريد أنه ينتاب الماءَ في الأيام لا كلّ يوم.
إذا الخِمْس (2) تمّ له في اللِّفا (3) ... ظِ أَحدَثَ وِرْدًا له واقترابا
اللِّفاظ: البقل. وقوله؛ أحدَثَ وِرْدا له واقترابا، أي وِرْد الماءِ.
إذا القَطر أَخلَفَ أوطانَه ... وماءُ الرُّزونِ يَشيم الذِّهابا
أوطان هذا الحمار أخلَفَها الماء من الرُّزون، فجعل يَشيم السحاب، ينظر أين يقع. الرُّزون: الواحد رَزْن، وهو موضع يمسك الماء. والذِّهاب: المطر (4).
شَنُونٌ إذا رِيعَ من فارسٍ ... يُواثِب قَبْل العوالي وِثابا
__________
(1) أورد في اللسان (مادة نزه) هذا البيت، وقال في تفسير نزه الفلاة: إنه ما تباعد من الفلاة عن المياه والأرياف.
(2) الخمس: شرب الإبل يوم الرابع من يوم صدرت، لأنهم يحبسون يوم الصدر فيه. (اللسان مادة خمس).
(3) هكذا فسر الشارح اللفاظ بالبقل وضبطه بشم اللام المشددة، والذي وجدناه في كتب اللغة أن اللفاظ بهذا الضبط هو ما طرح به. وأنشد الجوهري لامرئ القيس يصف حمارا:
يوارد مجهولات كل خميلة ... يمج لفاظ البقل في كل مشرب
أما مجيئه بمعنى البقل كما في القاموس وشرحه فهو اللفاظ بكسر اللام المشددة.
(4) الواحد ذهبة بكسر الذال وسكون الهاء، وهي المطرة.
(2/198)

عَوالي الرماح: ما يقارب السِّنان. وشَنون: بين السمين والمهزول، يعني الحمار. يواثب: يثب.
إذا ما اشتَأَى شَرَفا قَبْلَه ... وواكَظَ أَوشَكَ منه اقترابا
اشتأى: عدا، من الشَّأوِ، وهو الطَّلَق؛ يقال عدا شَرَفا أو شَرَفَين. الأصمعيّ معناه إذا رأى الشَّرَف من بعيد يعدو حتى يبلغَه، ثم يعدو شَرَفًا آخر. وواكَظ: داوم ولازَم.
كوَقْع الحَرِيق بيَبْسِ الأبا ... ءَ تلتهب النار فيه التهابا
الأباء: القصب.
فمُوشِكةٌ أَرضُنا أن تَعود ... خلافَ الأَنيس وُحوشًا يَبابا
ولم يَدَعُوا بين عَرْض الوَتي ... رِ حتّى المَناقب إلاَّ الذِّئابا
الوتير: موضع. والمَناقِب: ثنَايا في غِلَظ، واحدتها مَنْقَبة. يَبابا: خالية، ليس بها إلاَّ الذئاب.
* * *

وقال أسامة بنُ الحارث لرجلٍ من قَيْسٍ هاجر في خلافة عمر ابن الخطّاب -رضي الله عنه-:
عصاني أُوَيْسٌ في الذَّهاب كما عصتْ ... عَسُوسٌ صَوَى في ضَرِعها الغُبْرُ مانعُ
(2/199)

العَسوس: السيّئة الخُلُق من الإبل. وقوله: "صَوَى" يَبِس في ضَرعها الغُبْر، وهو بقيّة اللبن في الضَّرع. مانع: تأبى أن تُحلَب.
عَصانِي ولم يَرْدُدْ عليّ بطاعة ... لمُكْثٍ ولم تقبض عليه الأَشاجِع
أي لم يَردُد عليّ جوابا. لمُكثٍ، أي لم يمكث كما أمرتُه، ولم تقبض عليه الأشاجع (1)؛ أي خرج من يدي.
كَفِيتُ النَّسا نَسّالُ حَدِّ ودِيقةٍ ... إذا سكن الثَّمْلَ الظِّباءُ الكَواسِع
كفيتُ النَّسا، أي سريع في عَدْوه. نَسّال، يقال: نَسَلَ في عَدْوِه: إذا اشتدّ، ونَسَل: إذا سقط ريشه. والوَدِيقة: شدّة الحرّ. وقوله: إذا سكن الثَّمْلَ الظِّباء، الثمل: المُقام في الخفض والدعة. يقال: ثَمَل بمكان كذا. والكَواسع من الظباء: التي أدخلتْ أذنابَها بين أرجُلِها.
كأنّ أخاه حين يُظلَم عِنده ... من العِزّ في مسرودَةِ السَّكِّ دارِعُ
يقول: كأنّه -إذا شكا ظلما- في درعه. والسَّكّ: سدّ الخرق. والسَّكّ ها هنا المسامير. ومَسْرُودة: معمولة تُوبِع عليها العمل.
وكانوا ذوِي دارٍ يَزِين حِجازَهم ... شمَاريخُ حافَتْها شُجونٌ صَوادعُ
حجازهم: مكانهم. والشّماريخ: رءوس الجبال. وقوله حافَتْها، أي أخذتْ وَسْطَها. والشُّجون: مَجارِي الماء.
__________
(1) الأشاجع: أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف.
(2/200)

وكنت إذا ما الظُّلمُ أحقَبَ (1) كِفْلَه ... على مُعظم آبَى به وأدافِع
الكِفل: كِساءُ يُلقَى حول السَّنامِ، ثم يُردَف عليه الرجُل إذا أراد الركوب، فيقول: إذا الظلم حَمَل عليّ مَركَبه لم أقبلْ ذلك.
كأنّ أَتِيَّ (2) السَّيلِ مدَّ عليهمُ ... إذا دفَعتْه في البَداحِ الجَراشِع
يقول: مات هَؤلاء الذين كانوا لي عَضُدا وقوّة، فكأنّ سَيْلا جَرَّهم، والبَداح: متّسَعٌ من الأرض. والجَراشِع: أودِية.

وقال أسامة بنُ الحارث
أجارَتَنا هل ليلُ ذي الهَمِّ رَاقِدُ ... أم النوم عنّي مانعٌ ما أُراوِدُ
أجارتَنَا إنّ امرأً لَيعُوُده ... مِن ايسَرَ ممّا بِتُّ أُخفِي العَوائدُ
يقول: إنه لَيُعاد الرجل مِن أيسر مما بي.
تذكّرتُ إخواني فبِتُّ مسهَّدا ... كما ذَكرتْ بَوًّا من الليل فاقِدُ
مسهَّد: مُفعَّل، من السُّهد. والبَوُّ: جِلدٌ يُحشَى للفاقِد ولدَها يُذبح أو يموت فتَرْأَمُه وتدِرّ عليه، وإذا ذكرته حنّت.
لَعَمرِى لقد أمهلتُ في نَهيِ خالدٍ ... عن الشام إمّا يَعصِينّكَ خالدُ
__________
(1) الحقب بالتحريك: حبل يشد به الرحل في بطن البعير، تقول منه: أحقبت البعير.
(2) أتى السيل: الذي لا يدرى من أين أتى.
(2/201)

أَمهلتُ، أي نهيتُه في مُهْلة قبل أن يأزِف أمره أي جعلتُ له مُهْلة ولم أَجُدْ بنفسه، وكان نهاه أن يهاجِرَ. وقوله: إمّا يعصينّك خالد، أي عصاك خالد.
وأمهلتُ في إخوانِه فكأنّما ... يُسمَّع بالنَّهْي النَّعمامُ الشَّواردُ
وأَمهلُ في أصحابه الّذين معه، فكأنمّا أَسمعتُ النهيَ الذي نهيتُ نعاما شُرَّدا، والنعام موصوف بأنه لا يَسمَع، قال الشاعر [وهو علقمة]:
* أصَمّ لا يَسمَع الأصواتَ مَصْلومُ *
فقلتُ له لا المرءُ مالِكُ نفسِه ... ولا هو في جِذْمَ العَشيرةِ عائدُ
يقول: المرءُ لا يَملِك أمرَه. قد عزم على الذَّهاب، وإذا ذهب لم يقدِر على الرجوع. يقول: لا يعود من سفره.
أَسَيْتُ على جِذْمِ العَشيرةِ أصبحتْ ... تُقَوَّرُ منها حافَةٌ وطَرائدُ
أَسَيْتْ: حَزِنْت. والجِذْم: الأصل. وأصبحتْ تُقَوَّرُ نها حافة: أي تُقطَّع منها قِطعَةٌ فتذهب كما يُقَوَّر الأديم. وطرائد: أتباع. ويقال: أسَىَ إذا داوَى وأصلَح".
فوالله لا يَبقَى على حَدَثانه ... طريدٌ بأوطانِ العَلايةَ فارِدُ
العَلاية: مكان. والفارِد: الممتلئ من الحمير.
مِن الصُّحْم مِيفاءُ الحزُونِ كأنّه ... إذا اهتاج في وجهٍ من الصبحِ ناشِدُ
مِيفاء الحزوُن: مِشْراف. إذا اهتاج: إذا ثار في أوّل الصبح كأنّه ناشِدٌ يَطلُب شيئًا ضَلَّ له.
(2/202)

يُصيِّح في الأسحارِ في كلِّ صارةٍ (1) ... كما ناشَدَ الذِّمَّ الكَفِيلَ المعاهدُ (2)
يصيِّح هذا الحمار بالأسحار، وقوله: كما ناشَدَ المعاهدُ الكفيلَ الذِّمَّ، قال له: أَنشدُكَ اللهَ، والذِّمّ: الواحدة ذمّة. والمُعاهد: الذي أُعطِيَ عَهْدا إن يُوفَى له قَضَى مذَمّته أي ذِمامَه، والذِّمام: الحرمة.
فَلاهُ عن الآلافِ في كلِّ مَسكَنٍ ... إلى لَحَقِ الأوزارِ خيلٌ قوائدُ (3)
فلاه: نحّاه. عن كل مسكن إلى لحق الأوزار (4): إلى أن لحق بالملاجئ. خيل قوائد: فالخيل التي فَلَتْه طردتْه إلى هذه الملاجئ.
أرتْه من الجَرْباء في كل مَنظَرٍ ... طِباباً فَمَثواه النهارَ المَراكِدُ
أرت الفحلَ الآتُن طبابًا، والطِّباب: طُرّة من السماء تَظهر، أي حملتْه الآتن على أن صار في مكان بين جبال فلا يرى إلا طُرّة من السماء، إلا ناحية وطريقة فهو يأمن الليل، فإذا كان النهار فهو على شَرَف. والجرباء: السماء (5).
__________
(1) لم يفسر الشارح لفظ "صارة" وهي من الجبل أعلاه. أو هي الأرض ذات الشجر.
(2) كذا ورد هذا البيت في المخصص لابن سيدة ج 10 ص 80 طبع بولاق، وفيه "بالأسحار" مكان "في الأسحار" وعلق عليه الأستاذ الشنقيطي فقال ما نصه: هذا البيت لأسامة بن الحارث الهذلي يصف حمار وحش ... ونظيره قول امرئ القيس يصف حمار وحش مثله.
يغرد بالأسحار في كل سدفة ... تغرد مياح الندامى المطرّب
(3) اللحاق بالتحريك: مصدر لحق بفتح اللام وكسر الحاء وفتح القاف، ويجوز أن يكون جمعا للاحق كما يقال: خادم وخدم وعاس وعسس. اللسان (مادة لحق).
(4) الأوزار: جمع وزر بالتحريك وهو الملجأ، قاله في اللسان (مادة وزر).
(5) هكذا فسر الشارح هذا البيت، ويلاحظ أنه لم يفسر المراكد هنا، وقد جاء في اللسان (مادة ركد) في تفسير المراكد ما نصه: والمراكد: مغامض الأرض، قال أسامة بن حبيب الهذلي يصف حمارا طردته الخيل فلجأ إلى الجبال في شعابها وهو يرى السماء طرائق:
أرته من الجرباء في كل موطن ... طبابا فمأواه النهار المراكد
ورواه في (مادة جرب): * أرته من الجرباء في كل موقف * الخ.
(2/203)

يَظَلّ مُحَمَّ الهمِّ يَقسِم أمرَه ... بتَكْلِفةٍ هل آخِر اليوِم آئدُ
يَظلّ هذا الفحلُ مُحَمّ الهمّ، يأخذه مِثلُ (1) الزَّمَع، يقال: أحمني هذا الأمر وأهمّنى سواء. بتَكْلِفة: شيء لا يُجدى. يَقِسم أمرَه: ينظر أين يأخذ. وقوله: هل آخر اليوم آئِد، ينظر هل بَقي من الفيءِ شيء، هل ينقلب الظل فيستريح بمجيءِ الليل. قال الأصمعي:
حُذاميّةٌ آدت لها عَجْوة القِرَى ... فتأكل بالمأقوط حَيْسا (2) مجعَّدا
المأقوط: السَّوِيق المخلوط بالأقِط (3).
بقادِمَ عَصْرٍ أُذهِلتْ عن قِرانها ... مراضِعُها والفاصلاتُ الجَدائدُ
بقادمِ عصرٍ، أي بأوّل الزمن، أذهِلتْ عن قِرانها، الواحد (4) قَرِين. والمَراضِع: التي تُرِضع. والفاصِلات: التي ذهبت ألبانُها أي أذهَلَها الرّماة عما كانت تُقارن. والجَدَائد: التي لا لبن لها.
إذا نضَحَتْ (5) بالماءَ وازداد فورُها .. نَجا وهو مَكدودٌ من الغمّ ناجدُ
__________
(1) الزمع: الدهش بفتحتين.
(2) الحيس: الأقط يخلط بالتمر والسمن.
(3) الأنط: شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى يمصل.
(4) لم نجد قرانا جمع قرين فما لدينا من كتب اللغة. والذي نستظهره أنه جمع قياسيّ كسمين وسمان وكريم وكرام وعظيم وعظام وكبير وكبار.
(5) رواية اللسان (مادة نجد):
إذا نضخت بالماء وازداد فورها ... نجا وهو مكروب من الهم ناجد
وجاء فيه أيضا أن النضح والنضخ بمعنى واحد.
(2/204)

إذا نضحَتْ: إذا عَرِقت، أَرسَلَتْ الماءَ. ناجد: عَرق من الكرب. وفَوُرها يقول: فارت بالغَلْي في عَدْوها. نجا الحمار، أي سبق وهو مكدود مغموم أي قد كَدَح فيه الغمّ وأَثَّر.
يُعالِج بالعِطْفَين شأوًا كأنَّه ... حَريقٌ أشاعتْه الأَباءةُ حاصدُ
هذا الحمار يعالِج بالعِطْفين، أي يتكفّأُ فكأنه يعالج عِطْفَيه. والشَّأو: الطَّلَق كأنه حَرِيقٌ أشاعته الأباءة: ألهبته. والأَباءة: الأَجَمة من القصب، يقال: شَيِّع نارَك: أَلْهِبْها.
يقَرِّنه والنَّقْع فوق سَراتِه (1) ... خِلافَ المَسيحِ الغَيِّثُ المترافدُ
يريد يُقَرِّنه الغيث (2) المترافِد، وهو جَرْيٌ بعد جرْي، والنَّقع فوق سَراته: يعني الغُبار، وقوله خِلافَ المسيحِ: بعد العَرَق (3)، فأراد أنه مترافد يرفُد بعضه بعضا لا ينقطع جريُه وإن عَرِق.
اذا لَجَّ في نَفْرٍ يَشُقُّ طريقَه ... إِراغةَ شَدَّ وَقْعُه متواطدُ
قوله: إذا لج في نَفْرٍ أي نَفَر ثم لجّ فيه إِراغة، ومنه يقال في الكلام: إنه ليرُيغ أمرا يطلبه. وقوله: متواطِد أي ثابت دائم.
كأنّ سُرافِيّا عليه إذا جَرَى ... وحارَبَه بعد الخَبارِ الفَدافدُ
الخَبار: اللَّيّن من الأرض. وقوله: كأنّ سُرافِيّا يريد ثيابا بيضًا عليه من الغُبار. وحارَ بَه الفَدافدُ بعد الخَبار، والفَدْفَد: ما صَلُب من الأرض.
__________
(1) سراته: ظهره.
(2) يقال: فرس ذو غيث: إذا جاءه عدو بعد عدو".
(3) سمى العرق مسيحا لأنه يمسح إذا صب اه اللسان (مادة مسح).
(2/205)

وحَلَّأه عن ماءِ كلِّ ثَمِيلةٍ ... رُماةٌ بأيديهمْ قِرانٌ مَطارِدُ
حَلّأه: طرَدَه ومنَعَه رُماةٌ بأيديهم مطَارِد. والقِران: نَبْل مقترِنة بعضها يشبه بعضا. ومَطارِد: أراد بعضُها يطرد بعضا؛ ومُفتعِل تُجمع على مَفاعل مِثل مغتلمِ ومغالِم ومؤتزِر ومآزِر. قال العجاج:
إذا كَسَرْنَ النّقبَ المَآزِرا ... وأزْنَت الأشعّةُ المَحاجِرا
وشَقّوا بمَنْحوض القِطاع فؤادَه ... لهم قِتَرات (1) قد بُنِين مَحاتِد
شَقّوا فؤاد الِحمارِ أي جهدوه وأضعفوه. بمنحوض، أي بدقيق القِطاع أي أرهِف ورُقِّق. وواحد القطاع قِطْع، وهو نَصْل قصير عريض. محاتد: أصول قد كانت قديمة، ومنه عين حُتُد إذا كانت قديمة. وهو من محَتِدِ صِدق.
فحادَثَ أَنْهاءً له قد تقطّعتْ ... وأشمَسَ لمّا أخلفَتْه المعَاهِدُ
حادَثَ يعني هذا الفحل، أي عاودها مرّة بعد مرّة، ومنه يقال حادِثْ سيفَكَ بالصِّقال أي اصِقُلْه مرّة بعد مرّة، وواحد الأنهاء نِهْي، وهو الغدير، وتقطّعت: ذهب ماؤها. أَشْمَس: دخل في شدّة الشمس واشتدّ عليه لمّا أخفلتْه ما كان يَعهَد من الماء، يقال شَمَسَ اليومُ. إذا كان ذا شَمْس.
له مَشربٌ قد حُلِّئتْ عن سِمالِه ... من القيظ حتى أَوحشتْه الأَوابِد
له مشرب أي لِلفحل. قد حُلّئتْ عن سِماله الوَحْش. والسِّمال: بقيّة الماء الواحدة سَملَة. والأوابد: الوَحْش. وأوحشَتْه: هجرتْه لا تأتيه.
__________
(1) يلاحظ أن الشارح لم يعرّف القترات بكسر القاف وفتح التاء كما هي في الأصل. والذي في اللسان (مادة قتر) القتر والقترة (بكسر القاف وسكون التاء) نصال الأهداف.
(2/206)

كأنّ سَبيخَ الطيرِ فوق جِمامِه ... إذا ضربتْه الرِّيح صُوفٌ لبَائدُ
السَّبِيخ: ما سقط من رِيش الحمام. والجِمام: ما اجتمع من الماء، الواحدة جُمّة، يقال: اسقِنى من جُمّة مائك، وجمِّ. وشبّه السبيخَ بصُوفٍ قد تلبّد. والسَّبِيخ: القطعة من القُطن. ويقال له من الصوف العَمِيت، ومن الشَّعر الفَلِيل.
بمَظمأةٍ ليست إليها مَفازةٌ ... عليها رُماةُ الوَحش مَثنَى وواحِدُ
هذا المكان موضِعُ عطشٍ فلا يزال يَطلب الماءَ. ومَفازة: مَنجاة، أي ليست عند المكان مَنْجاة، أي يهلِك فيها، ومعناه له مشرب بمَظْمأةٍ عليها الرُّماةُ اثنان وواحد.
فماطَلَهُ طولَ المَصيفِ ولم يُصِبْ ... هَواهُ من النَّوءِ السحابُ الرّواعِدُ
أراد فماطل الفحلَ السحابُ الرّواعد. أي طاوَلَه ولمَ يجِد هواه: وهو الموضع الذي يريد.
إذا شَدّه الرِّبْع السواء فإنّه ... على تِمِّهِ مستأنِسُ الماءِ وارِدُ
إذا شَدّه الرِّبْع أراد شادّه وعاسَرَه. والربع أن يرِد رِبْعا، فإنه على تِمِّ ذلك الرِّبع مستأنِسٌ ينظر.
أنابَ وقد أمسَى على الباب قَبْلَه ... أُقَيْدِرُ (1) لا يُنْمِي الرَّمِيّةَ (2) صائدُ
__________
(1) الأقيدر: تصغير الأقدر، وهو القصير من الرجال، وأراد به هنا الصائد، كما في اللسان (مادة قدر) عند شرح قول صخر الغى:
* أتيح لها أقيدر ذو حشيف * الخ.
(2) يقال أنميت الصيد فنمى ينمى، وذلك أن ترميه فتصيبه ويذهب فيموت بعد ما يغيب عنك؛ ويقال أصمى الصيد إذا رماه فقتله مكانه. فقوله: لا ينمى الرمية، أي أنه يرمى فيصمى.
(2/207)

وقال ساعدة بين جُؤيّة
قال في الأُمّ (1): هذا من غير رواية أبى سعيد جعلناه في هذا الموضع (2):
يا نُعْمَ إني وأيديهمْ وما نَحَروا ... بالخَيْفِ حيث يَسُحّ الدافِقُ المُهَجا
وأيديهم: موضعه خَفْض؛ لأنّه يمين. والْخَيْف: خيْف مِنًى. والْخَيف أصله ما سفل عن حُجْزة الجبل وارتفع عن مسيل الوادي. وقوله: يسحّ: يصبّ والدافق: الناحر. والمُهَج: خالص الأنفُس.
إنِّي لأهواكِ حقّا (3) غيرَ ما كَذِبٍ ... ولو نَأَيتِ سِوانا في النَّوَى حِجَجا
نأيتِ سوانا، أي عند غيرنا. والنَّوَى: النيّة، وهو الوجه الذي تريده.
حُبَّ الضَّرِيكِ تِلادَ المالِ زَرَّمَه ... فقرٌ ولم يتّخذْ في الناس مُلتَحَجا
الضريك: الفقير. زرّمه فقرُه، أي أفقره وقطع عنه الخَير، ومنه أَزرمتُ بولَه أي قطعتُ عليه بولَه. والملتحَجُ والمَلْجأ والعُصْرَةُ والعَصْرَ والمعتصَر والمَعقِل والوَزَر كلّ هذا واحد.
صِفْرِ المَباءةِ ذي هِرْسَينِ (4) منعجِفٍ ... إذا نظرتَ إليه قلتَ قد فَرَجَا
__________
(1) لعل الشارح أراد بالأمّ هنا الأصل الذي نقل منه هذه النسخة التي بين أيدينا. وأم الشيء أصله.
(2) شعر ساعدة من رواية أبي سعيد تقدم في السفر الأوّل من هذا الديوان فانظره.
(3) في رواية "حبا" مكان "حقا" اللسان (مادة زرم).
(4) في كتب اللغة أن الهرس ككتف الثوب الخلق.
(2/208)

صِفر المبَاءة، يقول: أي خالي مَبارك الإبل. ذى هرسين: ذى خَلَقين. منعجِف: مهزول. قد فَرَجا: قد فَتح فاهُ للموت.
أَنَدَّ مِن قارِبٍ رُوحٍ قَوائمُه ... صُمٍّ حوافرُه ما يَفْتأ الدَّلَجَا
أَندّ، أي أنفَر، يقَول: هو أَنفَر من حمار وحشٍ في قوائمه رَوَح، أي اتساع. تقول: دَابّة رَوْحاء للأنْثى. ما يفتأ الدَّلَجَا، أي ما يزال يُحيى ليلتَه جميعاً يسير.
أَخِيلُ (1) بَرْقا مَتَى حابٍ له زَجَلٌ ... إذَا يفتِّر (2) مِن تَوْماضِه حَلَجا
قال: أَخِيلُ برقًا متى حابٍ له زَجَل، أراد أَخِيلُ بَرْقا، من حابٍ. حَلَجَ يَحلِجُ حَلْجا. أَخيلُ بَرْقًا، أي أَرَى خِلافَه مَطَرا، يقال: أَخالُ وأَخِيلُ بَرْقا متى حابٍ. أراد أَخِيلُ برقاً من حابٍ. والحابِى: السحاب المرتفِع. ومتى في معنى (3) مِن. وإنّما سمّى حابيا لأنّه قد أشرف قبل أن يطبِّق السماء. والتَّوْماض: اللَّمْع الضعيف من البَرْق. وحلَجَ: مَطَر. وأصلُه المطر الضعيف الخفيف.
مستأرِضا بين بَطْن (4) اللِّيثِ أيمَنه ... إلى شَمَنْصِيرَ غيثا مُرسَلا مَعِجا
__________
(1) ضبط هذا اللفظ في الأصل بفتح الألف وسكون الخاء وفتح الياء واللام وهو غير مستقيم الوزن وقد ضبطناه هكذا نقلا عن اللسان (مادة حلج) على أنه قد ورد في اللسان (مادة ومض) مضموم الألف.
(2) في اللسان (مادة حلج) "تفتر" بفتح التاء والفاء وتشديد التاء المفتوحة. ثم قال بعد أن أنشد هذا البيت ما نصه: "ويروى خلجا" مكان "حلجا".
(3) زاد في اللسان (مادة حلج) بعد أن أنشد هذا البيت الذي نحن بصدده ما نصه: أو بمعنى (وسط) أو بمعنى (في).
(4) في اللسان (مادة معج) "أعلى" مكان بطن".
(2/209)

قوله مستأرِضا، أي قد استأرض (1) وثبتَ بالأرض. الليِّث وشَمَنْصِير: موضعان. ومَعِج: سريع.
فأَسْأَدَ الليلَ إرقاصا (2) وزَفْزفةً ... وغارةً ووَسِيجا (3) غَمْلَجًا رَتِجا
الإسئاد: سيرُ اللَّيل. والزَّفْزَفة: الصوت. صوتُ مَرِّه وحفيفه. قوله:
وغارة، الغارة العَدْو، يقال: أغار إغارةَ الثعلب. والغَمْلَج: العَدْوُ المتدارك. والرَّتِجُ، هو نفسُه مسرِع.
حتى أَضافَ إلى وادٍ ضَفادِعُه ... غَرْقَى رُدافَى تَراها تَشْتكي النَّشَجا
رُدافَى: يتبع بعضها بعضا. والنَّشج: تقلُّع النفس من أجوافها قَلْعا.
ولا أُقيمُ بِدارِ الهُونِ إنّ ولا ... آتِى إلى الغَدْر أخشى دونَه الخَمجَا (4)
بدار الهُون: بدار الهوان. إنّ بمعنى، نَعَم، ثم قال: ولا آتيِ إلى الغدر. والخَمَج: سوء الثناء، ومنه خَمِج اللحمُ: إذا أَرْوَح. وخَمِج الدِّين: إذا فسد.
__________
(1) قال في اللسان (مادة أرض) وقد يجيء المستأرض بمعنى المتأرض وهو المتثاقل إلى الأرض واستشهد بهذا البيت.
(2) يلاحظ أن الشارح لم يفسر "إرقاصا" في البيت، وهو من أرقص القوم في سيرهم إذا كانوا يرتفعون وينخفضون.
(3) الوسيج: ضرب من السير.
(4) في اللسان "مادة خمج" "الخدر" مكان "الغدر" وفيها أيضاً أن هذا البيت أورده ابن برى في أماليه:
ولا أقيم بدار للهوان ولا ... آتى إلى الغدر أخشى دونه الخمجا
(2/210)

وقال أيضا
أهاجَكَ من عِيرِ الحبيبِ بُكورُها ... أجدّت بِلَيلٍ لم يعرِّج أميرُها
أميُرها: الذي يأمرها بالسير ويؤامَر في كلّ أمر.
تَحمّلن مِن ذات السُّلَيم (1) كأنّها ... سَفائنُ يَمٍّ تَنتَحِيها دَبُورُها
تنتحيها دَبورها: تعتمِدُها.
وكانت قَذوفًا بالنّوى كلَّ جانبٍ ... على كلّ مَرٍّ يستمرّ مُرورُها
يقول: كانت الإبل من عادتها أن تَقذِف بالنَّوى. تَذهَب بها في كلّ جانب: على كلّ مَرٍّ: على كل مضىٍّ وذَهاب. يستمرّ مُرورُها: يَمضِى.
ميمِّمةً نَجْدَ الشَّرى (2) لا تَرِيمُه ... وكان طريقاً لا تزال تَسيرُها
لا تَريمُه: لا تَريم عنه، لا تبرَح. ونجد: كلّ مشِرف.
وما مُغزِلٌ تَقْرُو أسِرّةَ أَيْكةٍ ... منطَّقةٍ بالمَرْدِ ضافٍ بَرِيرُها
مُغزِل: أمّ غزال. تَقرُو أسرّة أيكة أي تتبع طرائق في بطون الأودية. منطَّقة: محفَّفة بالمَرْد. والمَرْد: ثمر الأَراك، وهو ما أَدْرَكَ منه. ضافٍ: كثِير.
__________
(1) قال في تاج العروس (مادة سلم): وذات السليم موضع، واستشهد بهذا البيت.
(2) قال ياقوت في معجمه: نجد الشرى موضع في شعر ساعدة بن جؤية الهذلى حيث قال:
* مميمة نجدا الشرى لا تريمه * الخ
(2/211)

بَريرُها، والبَرير: ثمر الأَراك يَجمعَ الغَضَّ منه والمُدرِكَ جميعاً. والكَباث: الغض منه.
إذا رَفَعتْ عن ناصلٍ منْ سُقاطةٍ ... تُعالِي يديْها في غُصونٍ تُصِيرها
يريد إذا رَفعتْ هذه الظبيةُ رأسَها عن ناصل. والناصل: ما سقط من هذه السقاطة. ثم تُعالِى يديْها أي تَناوَلُ ثمَرَ الأراك. في غصون تُصيرُها: تمُيلُها وأهله من صاره يصُوره إذا أمالهَ.
بِوادٍ حرامٍ لم تَرُعْها حِبالةٌ ... ولا قانصٌ ذو أَسْهُمٍ يستثيرُها
ومنكِ هُدُوَّ الليلِ برقٌ فهاجَنى ... يصدِّع رُمْكا مستطيرا عَقيرُها
ومنكِ معناه من ناحيتك. وهدوّ الليل: بعد ساعة من الليل. قوله: يُصدِّع رُمْكًا. تَفرَّق عن بَرْق، أي هذا البرقُ تَفرَّجَ عن سحاب رُمْك، فشبّه السحابَ بُرُمْك (1) قد استطار منها عَقيرُها. والعَقير. الذي عُقر من الخيل فهو يتحامل مرّة يرتفع، ومرّة يسقُط.
أَرِقتُ له حتى إذا ما عُروضُه ... تَحادتْ وهاجَتْها بُروقٌ تُطيرُها
أَرِقْتُ لهذا البرق حتى إذا ما عُروضُه يعني سحابَه. والواحد عَرْض. تَحادتْ يرِيد حَدَا بعضُها بعضا، أي تَلَا بعضُها بعضا.
__________
(1) قوله: فشبه السحاب برمك، أي بخيل رمك. والرمكة بضم الراء وسكون الميم: لون الرماد.
(2/212)

أَضَرَّ (1) به ضاحٍ فنَبْطَا (2) أُسالةٍ (3) ... فَمَرٌّ فأعْلَى حَوْزِها (4) فخُصُورُها
أضرّ به: لَصِق به ودنا. وضاحٍ: وادٍ وسط وادٍ "أساله من السيل (5) ". ومرّ: موضع. خُصورها: ما حولها (6).
فرَحْبٌ (7) فأعلام القُروطِ (8) فكافرٌ (9) ... فنخلةٌ (10) تلَّى طَلْحُها وسُدُورُها
قوله تلّى: صرعى، وهذه كلّها أماكن.
__________
(1) ذكر ياقوت أن الضاحي واد لهذيل، وأورد بيت ساعدة هذا، وقال بعد أن أنشده ما نصه: أضر به أي لصق به، ودنا منه أي دنا الماء من ضاح الخ.
(2) ورد هذا البيت في الأصل هكذا:
أضر به ضاخ قبيطا أساله ... فمر فأحلى جوزها فخصورها
ولا يخفى ما في غالب مفرداته من تصحيف. وقد صوّبناه هكذا نقلا عن اللسان وياقوت في عدّة مواضع منهما. وقال ياقوت: نبط شعب من شعاب هذيل ... وضاح ومر ونبط مواضع.
(3) ذكر ياقوت في معجمه ان أسالة بالضم والتخفيف: اسم ماءة بالبادية.
(4) الحوز: موضع بالكوفة. قاله ياقوت في معجمه.
(5) كذا فسر الشارح هذه العبارة التي بين هاتين العلامتين. والذي في اللسان ومعجم البلدان أن أسالة موضع، واستشهدا بهذا البيت الذي نحن بصدده.
(6) في كتب اللغة أن الخصر هو الطريق بين أعلى الرمل وأسفله، ويجمع على خصور.
(7) كذا في الأصل. وقد أورده ياقوت مضبوطا بضم الراء وسكون الحاء، وقال: إنه موضع في بلاد هذيل؛ وذكر بيت ساعدة هذا.
(8) في الأصل "الفروط" بالفاء. والصواب ما أثبتنا نقلا عن ياقوت، فقد ذكر في معجمه أن القروط موضع في بلاد هذيل؛ وأنشد هذا البيت.
(9) ذكر ياقوت أن كافرا واد في بلاد هذيل. واستشهد بهذا البيت.
(10) قال ياقوت في معجم البلدان: نخلة الشامية واليمانية: واديان لهذيل على ليلتين من مكة يجتمعان ببطن مر، الأوّل يصب من الغمير، والثاني يصب من قرن المنازل الخ والطلح والسدر: معروفان.
(2/213)

ومنه يَمانٍ مُستطِلّ وجالسٌ ... بعَرضِ السَّراةِ مكفهِرًّا صَبِيرُها
ومنه يمان: من السحاب. مستطِل: قد استطلّ وأَلبسَ. وجالِس: أَتَى نَجْدا. والعَرْض: الوادى. مكفهِرّ السحاب: الذي قد ركب بعضُه بعضا. والصَّبير: الغَيم الأبيض البطئ البراح، ومنه: صبرتُه، حبستُه. والصَّبير: الكفيل، لأنّه محبوس بصاحبه.
فحَطَّ من السُّول (1) الملمّ (2) وتَلّه ... يَحِفّ بأَرباضِ الأراكِ ضَريرُها
ويروَى، من [... ...] (3) الملم، والمعنى واحد. الملمّ: جبل. والأرباض: ما عَظُم من الشجر، الواحد رَبُوض، ثم جُمِعَ فقيل: رُبُض، ثم جُمِع رَبضٌ على أرباض. يحفّ: من الحفيف. وضَريرُها: ما أَضرَّ به من الشجر واقتلعه. ويقال في غير هذا الموضع: إنّه لذو ضَرير، إذا كان ذا صَبر على ما يقاسى من السفر وغير ذلك.
وتالله ما إنْ شَهْلةٌ أمُّ واحدٍ ... بأَوجَدَ منّى أن يُهانَ صغيرُها
__________
(1) السول: السحب المسترخية.
(2) كذا ورد هذا اللفظ في الأصل غير مضبوط في هذا الموضع وفي الموضعين الآتيين بعد في شرح البيت. نقول: وقد عرفه بعد بأنه جبل؛ ولم نقف عليه فيما بين أيدينا من الكتب المؤلفة فى أسماء الأماكن والجبال. والذي في معجم البلدان أن الأراك جبل لهذيل. قاله الأصمعي.
(3) مكان هذه النقط لفظة ساقطة من الأصل بمعنى "السول"، ولعلها "السحب" بتسكين الحاء، بدليل قوله بعد: والمعنى واحد.
(2/214)

امرأة شَهْلة: كبيرة. بأوجَدَ: بأشدَّ وَجْدا. أن يُهانَ صَغيرُها، أي يُهان وَلدُها.
رأته على يأسٍ وقد شابَ رأسُها ... وحين تَصدَّى للهَوانِ عَشيرُها
رأت ولدها على يأس من أن تلد. تَصدّى لهوانها عشيرُها: زوجُها، أي كبرتْ فهانت عليه.
فشَبَّ لها مِثل السِّنان مبرّأ ... إمامٌ لِنادى دارِها وأميرُها
عِناشُ عَدُوٍّ لا يَزال مشمِّرًا ... برَجْلٍ (1) إذَا ما الحَرْبُ شُبَّ سعيرُها
عناش عدوّ: معانِق عدوّ، يقال: اعتنشه واعلوْطه إذا هو عانَقَه، وقوله: شُبَّ: أوقِد.
تَقدّمَ يوما في ثلاثةِ فتيةٍ ... بجَرْداءَ نُصْبٍ للغَوازى ثُغورُها (2)
أي تقدّم ابنُها في ثلاثة نفرٍ. بجَرْداء: بأرض. نُصْب، أي نُصْب عيونهم. للغوازى: جمع غُزاة.
فبَينَا همُ يَتّابَعون لينتهَوا ... بقُذْفٍ نِيافٍ مستقِلٍّ صُخورُها
بينا هم، يعني ابن المرأة ومن معه. يتّابعون: يتبع بعضُهم بعضا. بقُذْف: أي إلى قذف. والقُذْف: الناحية من الجبل. نِياف، يعني جبلا طويلا، مستقلّ: مرتفِع.
__________
(1) برجل: أي برجال.
(2) الثغور: جمع ثغر، وهو موضع المخافة من أطراف البلاد.
(2/215)

رأَوْا من قِدَى الكَفَّين قُدّامَ عَدْوةٍ ... محُيطًا به من كلّ أَوْبٍ حُضورُها
مِن قِدَى الكَفَّين، أي من قدر الكفَّين. يقال: قِيدَ رُمْح وقادَ رمح وقابَ رمح أيضا. وأنشد الأصمعىّ:
ولكنْ إقدامى إذا الخيلُ أحَجمت ... وصبرى إذا ما الموتُ كان قدَى الشِّبرِ
من كل أوب: من كلّ وجهة، حضورها.
فورَّك (1) لَينْا أَخْلصَ القَينُ أثْره ... وحاشِكةً يَحْصى (2) الشِّمالَ نذِيرها
قوله: فورّك لَيْنا، أمالَه إلى يده. وأراد بلَيْنٍ سيفا ليْنا. وأثْرُه فِرِندُه. وحاشكة: القوس تَحشِك بدِرّتِها إذا رمى عنهما أسرع سهمُها (3). قوله: يَحصَى الشِّمال، أي يؤثِّر في الشمال وتَرُها "يقال حَصِىَ يَحصَى حَصًا" والنذير: الوَتَر نفسه.
يُزَحزِحهم عنه بنَبْلٍ سَنِينةٍ ... يُضِرُّ بحَبّاتِ القلوبِ حَشُورُها
يزحزحهم: ينحّيهم عن نفسه، يعني ابن المرأة. بنَبْلٍ سَنينة: محدودة. وحبّات القلوبِ: الواحدة حَبّة، وهي عَلَقة جامدة سوداءُ في القلب. حَشورُها: حديدُها أي ألطِف الريش وحُدِّد قذَذُه (4).
__________
(1) قال في اللسان "ورّك لينا" أي أماله للضرب حتى ضرب به، يعنى السيف.
(2) ورد هذا البيت في اللسان (مادة حشك) "يحمى" مكان "يحصى". وورد أيضاً في اللسان في (مادة حصى) فقال يحصى بضم الباء وكسر الصاد، وأنشد هذا البيت، ثم قال بعد أن أنشده بهذا الضبط قبل يحصى في الشمال يؤثر فيها.
(3) ويقال: قوس حاشك وحاشكة إذا كانت مواتية للرامى.
(4) القذة: ريش السهم. وللسهم ثلاث قذذ، وهي آذانه. اللسان "مادة قذذ".
(2/216)

فلمّا رآهم يركبون صدورَهم ... كبُدْنِ إيادٍ يوم ثُجَّت نُحورُها
يركبون: يقعون على صدورهم. كبدن إيادٍ يوم ثُجَّت، يوم أسيلت دماؤها من نحورها.
تَمَلَّزَ مِن تحت الظُّباتِ كأنّه ... رَداةٌ إذا تَعلُو الخَبارَ نُدورُها (1)
تَمَلّز: نجا وأفلت. والظُّبَة: حدّ السيف. ورَداةٌ: صخرة. شبّهه بها في عَدْوه. نُدور: أعلى الجَبَل. والخَبار: الأرض الرِّخوة فيها "حرقه" (2) وجِحَرة.
بِساقٍ إذا أُولَى العَديِّ تبدّدوا ... يخفِّض رَيْعانَ السُّعاةِ غَوِيرُها
بساقٍ، أي يعدو على ساقه. إذا أُولَى العَدِىّ. والعَدِىّ: الحاملة التي تعدو به (3). وقوله: يخفّض أي يسكّن، رَيْعان: أوائلَ السّعاة الذين يَعْدون. والغَوير: العَدْو. وأصله من الغارة، يقال: أَغارَ إغارةَ الثعلب: إذا عَدَا فأسرع في عَدْوِه.
وجاء خليلاه إليها كلاهما ... يُفيض دموعا لا يَرِيثُ هُمورُها
لا يريث: لا يبطئ. قوله همورها: ما هَمَرَ وسال.
يُنِيلانِ باللهِ المجيدِ لقد ثَوَى ... لدى حيث لاقَى زَينُها ونَصيرُها
يُنيلانِ: يحلفان. أَنالَ يمينا إذا حلف. زَيْنُها ونصيرُها: اِبنُها.
__________
(1) الندور: جمع نادر، وهو من الجبل ما خرج منه وبرز.
(2) كذا ورد هذا اللفظ الموضوع بين هاتين العلامتين في الأصل مهمل الحروف من النقط. ويبدو أنه مصحف عن "خرق". والخرق: الأرض البعيدة المتسعة وعبارة اللسان في الخبار أنه هو ما لان من الأرض واسترخى وكانت فيها جحرة بكسر الجيم وفتح الحاء، جمع جحر.
(3) في اللسان أن العديّ هو جماعة القوم يعدون لقتال ونحوه وقيل العدى أوّل من يحمل من الرجالة وذلك لأنهم يسرعون العدو؛ وقيل إن العدى جماعة القوم بلغة هذيل.
(2/217)

فقامت يسِبْتٍ يَلْعَج الِجلْدَ مارِنٍ (1) ... وعزّ عليها هَلْكه وغُبورُها
يلعج: يحرق. مارِن: ليّن. وغُبورها: بقاؤها.
فبينا تنوح استبشَروها بحِبِّها ... صحيحا وقد فَتَّ العِظامَ فُتورُها
ويُروَى "تنوح أَبشَروها بحِبِّها".
فخرّت وألقت كلَّ نَعلٍ شَراذِمًا ... يلوح بِضاحِى الِجلْدِ منها حُدورُها
شراذِما: قِطَعا. بضاحى جلد حُدورُها، الواحد حَدْر، وهو الوَرَم، يقال حَدَر جلده: إذا نتَأَ ووَرِم.

وقال ساعدة أيضا
لعمركَ ما إن ذو ضِهاءٍ (2) بهيّنٍ ... علىَّ وما أَعطيتُه سَيْبَ نائلِ
ذو ضِهاء: موضع دَفن ابنَه فيه، فيقول: ليس عليّ بهيّن. وما أعطيتُه سيْبَ نائل، يقول: إنى لم أعطه عطية من يهب وينيل.
ولو سامنِي المانِى مكانَ حياتهِ ... أناعِيمَ دَهْرٍ مِن عِبادٍ وجامِلِ (3)
__________
(1) وقريب من هذا قول عبد مناف بن ربع الهذلى:
إذا تأوب نوح قامتا معه ... ضربا أليما بسبت يلعج الجلدا
ولعل هذا النوع من اللطم على الموتى كان من عاداتهم.
(2) كذا ضبط هذا اللفظ في الأصل بكسر الضاد. وضبط في معجم البلدان بضم الضاد، وعرّفه فقال: إنه موضع في شعر هذيل، قال ساعدة بن جؤية يرثى ابنا له هلك بهذه الأرض، وأنشد البيت الذي نحن بصدده، ثم قال بعد أن أنشده: جعل ذا ضهاء ابنه لأنه دفن فيه.
(3) الجامل: القطيع من الإبل.
(2/218)

ولو سامنى أي دهري، أواده مني وعَرَض ذالك عليّ والمانى: القادر. أراد الدهر.
وقال اشترِط ما شئتَ إنّك ذاهبٌ ... بحُكْمِك مِن شَفْعِ المُنى والجَعائلِ
وقال اشترط، يعني المانى، وهو الدهر. إنك راجع بحكمك من شَفْع المُنى، الشَّفْع: الزَّوْج. والجعائل: ما يُجعل له، والواحدة جَعِيلة.
لقلتُ لدهرِي إنّه هو غُزْوتِى ... وإنِّي وإنْ أرغبتَنى غيرُ فاعِلِ
قوله: هو غُزْوتي، يريد الذي أغزو وأطلب.
وقد كان يومُ اللِّيثِ لو قلت أُسوةً ... ومَعْرَضةً لو كنت قلت لِقائلِ
يقول قد كن يومُ اللِّيث أسرةً لو قلتَ يا دهر ما قلتَ في أنّى أسوة، أي أصاب غيرنا فيه ما أساءنا. ومَعرَضة: يُعرَض علىّ القولُ فيه.
فناشُوا بأرسان الجِيادِ وقرّبوا ... عَناجِيجَهم مجنوبةً بالرواحِلِ
ناشوا: تناوَلوا. والعَناجيج: الطّوال الأعناق. مجنوبة، يعني هذه الخيل تُجنَب إلى الإبل.
علىَّ وكانوا أهلَ عِزٍّ مقدَّمٍ ... ومَجْدٍ إذا ما حَوّضَ المجدَ نائلِى
حَوّضَ، يقال: إنى لأحوّض حولَه وأُحوِّط.
أتاهم وهم أهلُ الشُّجونِ وحَبْوةٍ ... مَكانُ عَزِيزٍ مِن هوازِنَ قابِلِ
(2/219)

قوله: وهم أهل الشجون، أي أتاهم مكانُه، مثل قولك: أتاني مكانُك بالبصرة. والشجون أي همى (1) وحزنى. وحبوة عطية.
وكلِّ شَموسِ العَدْوِ ضافٍ سَبِيبُها ... ومنجَرِدٍ كالسِّيد نَهْدِ المَراكلِ
شموس: لا يُدركَ عَدْوُها. سَبِيبها: ناصيتُها. وضافٍ: كثير. والمنجرِد: الماضي. نهد المَراكل: ضخم موضع عَقِبَى الراكب. فأراد أنه منتفخ الجنبين.
يُمِرّ على الساقينِ وَحْفًا كأنه ... دَنَا حَفَإٍ مرّت به الريحُ مائلِ
يمُرّ هذا الفرسَ على الساقَين. وَحْفا: يريد ذَنبَا كثير الشعر كأنه حَفَأ. يريد أعالى الَبَرْدِيّ. والحَفَأ: البرديّ.
فبَيْنَاهمُ عند المَسَدّ شآهمُ ... بأيّامِ نارٍ ضوءُها غيرُ غافل
شآهم: سبقهم بهذه الأيام وهي أيّام حرب. ضوءها غير غافل: لا يسكن. والمَسَدّ: موضع.
فقالوا بشير أو نذير فسلّموا ... وأَلْكَدَ آياتِ المَنَى بالحَمائلِ
أَلكَد: ألصق. والمنَى: القَدَر، والمنيّة. بالحمائل، يقول: الموتُ لَصِق بحمائل السيوف.
__________
(1) قوله: "أي همى وحزني" كذا في الأصل. وفي اللسان: الشجون جمع شجن بمعنى الحاجة والطلبة، وبمعنى هوى النفس، وبمعنى الحزن أيضا؛ فتأمل.
(2/220)

وقال ساعدة أيضا
إن يَكُ بيتى قَشعَةً (1) قد تَخَذّمتْ ... وغُصْنا كأنّ الشوكَ فيه المَواشمُ
قَشْعة: قطعة نِطع. وغصنا يعني شجرا. قد تخذّمت: قد تقطّعت. المواشم: الإبَر، الواحد ميشَم.
فذلك ما كنّا بسَهلٍ ومرّةً ... إذا ما رَفعْنا شَثّةٌ وصَرائمُ
يقول: ذلك إذا ما كنّا بالسهل، ومرّة إذا ما رفعنا خيامنا فلنا صَرائمُ وشَثّة وهو من الشجر تعمل منه البيوت.
ففد أشهَدُ البيتَ المحجَّبَ زانَه ... فِراشٌ وجُدْرٌ مُوحَجٌ ولَطائمُ
يقول: إن كانت هذه بيوتي فقد كنتُ أشهد البيتَ المحجَّب زانَه فِراش. الموجَح: الكثيف الغليظ. واللطائم: العِير التي فيها الطِّيب.

وقال ساعدة أيضاً
ألْبُ عَزِيز أَوْجَفوا إيجافا ... قد آلَفوا وخَلَّفوا الإيلافا
ألْبُ عزيز: جماعته. والعزيز: رأسُهم. والإيجاف: ضربٌ من السَّير.
قوله: آلفوا، أي صاروا أَلْفا. وخلّفوا الإيلاف، أي زادوا على الألف.
__________
(1) في الأصل: "فشقة" بالفاء الموحدة الفوقية والقاف؛ وهو تصحف، وقد صوّبناه عن المخصص لابن سيده ج 6 ص 3 طبع بولاق إذ ورد في هذا البيت بنصه.
(2/221)

قَوما يهُزّون قَنًا خِفافا ... سَبْراً (1) يَخُلّون به الأجوافا
يَخُلّون: ينتَظِمون الأجوافَ بالرماح.
فَارْمِ بهم لِيّةَ والأخلافا ... جَوْزُ النُّعامَى صُبُرا كِفافا (2)
ليّة: موضع، يريد جمعهم هذا الموضع. كما يجوز، كما يَجمع الجَنوبُ السحاب. والنُّعامَى: الجَنوب. والصُّبُر: جمع صَبِير، وهو الغيم الأبيض. والأخلاف: طُرُق، واحدها خليف.
__________
(1) هو من سبر الجرح يسبره سبرا إذا نظر مقداره ليعرف غوره.
(2) لم يفسر الشارح قوله: "كفافا" وكفاف السحاب: نواحيه، وأسافله.
(2/222)

شعر صخر الغيّ وأبى المثلَّم
وبلغ صخرًا (1) أنّ أبا المثلَّم يحرّض عليه، فقال صخر
ليتَ مبلِّغا يأتى بقولٍ ... لِقاءَ أبى المثلَّم لا يَريثُ
قوله: لِقاءَ أبى المثلّم، تلِقاءَه، أي قُبالتَه. لا يَريث: لا يبطئ.
فيخبِرَه بأنّ العَقْلَ عندي ... جُرازٌ لا أفَلُّ ولا أَنيثُ
قوله: بأنّ العقل عندي جُراز، أي فيخبرَه أنّ الدّية التي يَطلبُها سيفٌ: جُراز، أي قاطع. لا أفَلّ، أي ليس بمفلول. وهو "الهمار ماهن (2) " وأراد أنّ حديده ذَكَر.
به أَقِمُ الشُّجاعَ له حُصاصٌ ... من القَطِمِين إذ فَرّ اللُّيوثُ
به، أي بهذا السيف. أقِم الشجاع: أردّه، يقال: وَقمتُه فأنا أَقمه وَقْما، وهو أسوأ الردّ. قوله: له حُصاص، أي له جدّ ونشاط في مَرّه. والقَطِمِين، كأنّهم فحولٌ قد اغتلَمَت.
سمعتُ وقد هبَطْنا مِن نُمارٍ (3) ... دعاءَ أبى المثلَّم يستغيثُ
يُحرِّض قومَه كي يقتلونى ... على المُزَنيِّ إِذ كَثُر الوُعوثُ
الوُعوث: الخَلْط (4). يقال: أَوعَث، إذا خَلّط وأفسد.
__________
(1) هو صخر الغيّ المتقدم ذكره انظر صفحة 51 من هذا السفر.
(2) كذا وردت هذه الكملة في الأصل بهذا الرسم ولم نهتد إلى وجه الصواب فيها. وقد راجعنا السكرى فوجدناه يقول ما نصه: "والأفل": "النرماهن" وهو الذي من حديد غير ذكر.
(3) نمار: جبل في بلاد هذيل (ياقوت).
(4) ورد هذا البيت في اللسان (مادة وعث) مستشهدا به على أن الوعوث هي الشدّة والشر. كما ورد فيه أيضا أن الوعث هو فساد الأمر واختلاطه ويجمع على وعوث
(2/223)

وكنتُ إذا سمعتُ دعاءَ داعٍ ... أُجيبُ فلا ألَفُّ ولا مَكيثُ
الألفّ: المعتلّ.

فأجابه أبو المثلَّم
ألا قُولَا لعبد الجهل إنّ الص ... حيحة لا تُحالِبُهما الثَّلوثُ
الثَّلوث: الناقه التي يَبِس أحدُ أخلافها.
أَنَسْلَ بني شُغارَةَ (1) من لصَخْرٍ ... فإنّي عن تفقُّركم مَكيثُ
يقول: إنّي عن أن أفعل بكم فاقرة (2) ذو تمكّث. وشُغارة: لقب.
لحقُّ بني شُغارَة أن يقولوا ... لصخر الغيِّ ماذا تستبيثُ
تستبيث: تستثير.
متى ما تُنكِروها تَعرِفوها ... على أقطارها عَلَقٌ نَفِيثُ
أي متى ما تقولون: ما هذه؟ تشكّون فيها، تردّ عليكم وتعرفونها. يريد كَتيبةً كريهة. والعَلَق: الدم. نفيث: ينَفُث بالدم.
فإن تك قد سمعت دعاءَ داعٍ ... فغيرى ذلك الداعي الكَريثُ
يقول لصخر: إن كنت سمعتَ دعاء داعٍ فأنا لست بذلك الدّاعى الذي يكترث. وكَرَثَ وكَرَب سواء.
__________
(1) كذا ضبط هذا اللفظ في الأصل بضم الشين. والذي في السكرى أنه بكسرها.
(2) الفاقرة: الداهية الكاسرة للفقار.
(2/224)

لعلّي إن دعوتُكَ من قريبٍ ... إلى خيرٍ لِتأتيَه تَريثُ
من راثَ يريث.
ومن يك عَقْلُه ما قال صخرٌ ... يُصِبْه من عشيرته خبيثُ
وذلك أنّ صخرا قال: ليس لكم عندي إلاَّ السيف. فيقول: هذا الذي لا يُعطِى عقْلَه إلا بالسيف يوشِك أن يضربَه رجل من عشيرته خبيثٌ بالسّيف.

فأجابه صخر
لستُ بمضطرٍّ ولا ذى ضَراعةٍ ... فخفِّضْ عليك القولَ يابَا المثلِّمِ
يقول: لستُ بمضطرّ في الأمور. والضّراعة: الخضوع.
وخفِّض عليك القولَ واعلم بأننى ... من الأَنَس الطاحي (1) الجميعِ العَرَمْرَمِ
قوله: الأَنَس الطاحي، المراد المنبسط (2). وقال الأصمعيّ: العرمرم الشديد؛ وغيره يقول: الكثير.
أبَتْ لىَ عمرٌو أن أُضامَ ومازِنٌ ... وقِردٌ ولَحْيانٌ وفَهْمٌ (3) فسلِّمِ
قوله: فسلِّم، أي فسلِّم الأمرَ.
__________
(1) روى في اللسان (مادة طحا): "الطاحي عليك" مكان "الطاحي الجميع".
(2) قوله: "المراد المنبسط". في اللسان الأنس بالتحريك: الكثير من البشر. والذي في السكرى، الأنس: الحيّ، والطاحي: المتسع المنتشر.
(3) هذه كلها أسماء قبائل من هذيل (السكرى).
(2/225)

إِذا هو أمسَى بالحلاءة شاتيًا ... تقشِّر أعلى أنفِه أمُّ مِرْزَمِ
يقول: إذا أَمسَى، يعني أبا المثلَّم. والحِلَاءة: موضع (1). وأمّ مِرْزَم: الشِّمال، يعيّره، أي أنه نازلٌ بمكان سَوءٍ بارد. ويُروَى "كأنّي أراه بالحلاءة".

فأجابه أبو المثلَّم
أصخر بنَ عبد الله خذها نصيحةً ... وموعظةً للمرء غيرِ المتيَّم
خذها نصيحة: خذ هذه الكلمة التي أرمى بها نصيحةً. والمتَّيم: المضلِّل الذاهب العقل.
أصخر بنَ عبد الله قد طال ما تَرَى ... وإلاَّ تَدَعْ بَيْعا لعِرْضِك يُكْلَم
يقول: إنْ جعلتَ عِرضَك بضاعةً تبيع بها وتشترى كُلِمَ.
أصخر بنَ عبد الله إن تك شاعرا ... فإنّك لا تُهدِى القَريضَ لمُفحَمِ (2)
أصخر بنَ عبد الله قد طال ما تَرَى ... ومن لم يكرِّم نفسَه لم يكرَّم
أصخر بنَ عبد الله مَن يَغْوِ سادرًا ... يُقَلْ -غيرَ شكٍّ- لليدينِ وللفم
قوله: من يَغْو سادِرًا، أي يركب رأسَه في غيّه كأنه لا يَعقل. قوله يُقَل لليدين وللفم، أي يقال له: قَع على يديك وفيك، أي أبعَدَك الله، يقال:
__________
(1) الحلاءة بفتح الحاء وكسرها: موضع شديد البرد. وأم مرزم: الريح الباردة بلغة هذيل. قاله ياقوت، وأنشد بيت صخر الغيّ هذا.
(2) رواية السكرى "إن كنت شاعرا" والمفحم: العيى؛ ومن لا يقدر أن يقول شعرا.
(2/226)

غَوَى يَغوِى غَيّا (1)، وغَوِىَ الفَصيلُ يَغوَى غَوًى (2). قال الأصمعيّ: وهو أن يشرب حتى يَتختّر (3). وقال بعضهم: ألاّ يذوق من اللّبن شيئاً حتى يموت.
أصخر بنَ عبد الله هل ينفعنّنى ... إليك ارتجاعى أَفنُدى وتسَلُّمِى
ارتجاعى عن أفندي، أي هل ينفعنى أن أردّ الفَنَد عنك، وهو القول القبيح. ارتجاعى، موضعه رَفْع، ونَسقت بتسلّمى عليه، وأوقعت ارتجاعى على أفنُدى، كقولك: هل ينفعنّى ردّ القبيح وحسنُ فعلي.
أعيّرتنى قُرَّ الِحَلاءةِ شاتيًا ... وأنت بأرضٍ قُرُّها غير مُنجِمِ
غير مُنْجِم: غير مُقلِع، يقال: أنجمَت السماءُ، إذا أقلعتْ.
فإن تَنفِنى نحوَ الحِلاءةِ تَنفِنى ... إلى أَنَسٍ طاحِى الحُلولِ عَرَمْرَم
قوله: طاحى الحلول، متّسع الحلول. عرمرم: شديد. وغير الأصمعىّ يقول: كثير. والحلاءة؛ موضع.
بها يَدَع القُرُّ البَنانِ مكزَّما ... وكان أَسيلا قبلَها لم يكزِّمِ
قو،: مكزّم أي قصير متقبِّض. وأسيل: طويل.
__________
(1) يقال: غوى يغوى غيا من باب ضرب: ضل وانهمك في الجهل.
(2) عبارة اللسان "غوى الفصيل" والسخلة يغوى غوى (من باب علم) فهو غو (بتنوين الواو المكسورة) أي بشم من اللبن وفسد جوفه، وقيل: هو أن يمنع من الرضاع فلا يروى حتى يهزل ويضربه الجوع وتسوء حاله ويموت هزالا، أو يكاد يهلك.
(3) التختر: التفتر والاسترخاء وفتور البدن من مرض وغيره.
(2/227)

وجدتُهم أهلَ القِنَى (1) فاقْتَنَيْتُهمْ ... وأعْفَفْتُ فيهم مُسترادِى ومَطْعَمِى
قوله: وجدتهم أهل الإيجاد (2) والإمساك كما يَقتنى الرجلُ الشيءَ. ومُستَراد: حيث يَرُود، ومَطعَمُه: حيث يأكل.
مَصاليتُ في يوم الِهياجِ مَطاعمٌ ... مَضاريبُ في يوم القَتامِ المرزِّمِ
قوله: مصاليت، أي متجرّدون في الهَيْجاء. والقَتام: الجيش (3). والمرزّم: الذي ضرب نفسه الأرضَ وثبت (4). ويُروَى:
* مَطاعِينُ في يوم القَتام المرزّم *

فأجابه صخر
ماذا تريدُ بأقوالٍ أُبلَّغها ... أبا المثلَّم لا تَسهُل بك السُّبُلُ
أي لا سهّل الله عليك الطريق.
أبا المثلَّم إنّى غيرُ مهتضَمٍ ... إذا دعوتُ تَميمًا سالت المُسُلُ
__________
(1) وردت هذه الكلمة في الأصل مضبوطة بفتح القاف. وهو خطأ من الناسخ فيما يظهر لنا؛ وقد ضبطناه بكسر القاف كما في (اللسان) (والسكرى).
(2) في السكرى "الاتخاذ".
(3) الذي في اللسان أن القتام هو الغبار.
(4) قوله: المرزم الذى ضرب بنفسه الأرض وثبت. قال في اللسان: رزم القوم ترزيما، إذا ضربوا بأنفسهم لا يبرحون. نقول: وقد روى هذا البيت في اللسان بما نصه:
مصاليت في يوم الهياج مطاعم ... مضاريب في جنب الفئام المرزم
قال: والمرزم: الحذر الذي قد جرب الأشياء يترزم في الأمور، لا يثبت على أمر واحد؛ لأنه حذر. والفئام: الجماعة من الناس.
(2/228)

المُسُل: مَسايل الماء، أي يأتيك عددٌ كثير. غير مهتضَم: الذي يهتضم من حقه ولا يُوفّى له.
أبا المثلَّم أقصِرْ قبل فاقِرةٍ ... إذا تُصيب سَواءَ الأَنْفِ تَحتفِلُ
اقصِر: كُفّ. قبل فاقرة، وهي الضربة تصيب الأنف فتفقِره. والفَقْر: القَطْع: وسواء الأنف: وسطه. تحتفل، يعنى الفاقرة تبدو وتَعظُم. ومنه يقال: حَفَلَ سوادُ شَعرِها وجهَها أي بيّنه وحسّنه، ومنه أحفلتْ فلانةُ في الزينة.
أبا المثلَّم قَتلَى أهلِ ذى خَنَب ... أبا المثلَّم والسَيْءَ (1) الذي اْحتَمَلوا
يريد اذكر قَتلَ أهلِ ذى خَنَب. واذكر السَّيِّء الذي احتمَلوا.
أبا المثلَّم لا تُخفِرْهُم أبدا ... حتى الممات ولا تَنْسَ الذي فَعَلوا
يقال أخفَرت فلانا، إذا نَقضْت ما عقدت له.
أبا المثلَّم مهلًا قبل باهِظةٍ ... تأتيك منّى ضَروسٍ نابُها عَصِلُ
قوله: باهظة، وهي الغَلَبة والفَلْج. وبهَظَه وكرَثَه وكرَشَه وغنَظَه (2) إذا فَدَحه.
وضَروس: عَضوض. وعَصِل، أي أنها قديمة. (3).
أبا المثلَّم إنّى ذو مُبادَهةٍ (4) ... ماضٍ على الهَوْل مِقدامُ الوَغَي بَطلُ (5)
__________
(1) السيء والسى بتخفيف الياء في الأولى وتشديدها في الثانية، مثل هين وهين، قال الطهويّ:
ولا يجزون من حسن بسئ ... ولا يجزون من غلظ بلين
(2) يقال: غنظة الأمر غنظا فهو مغنوظ. والغنظ والغناظ: الجهد، والكرب الشديد، والمشقة.
(3) العصل (بالتحريك) في الناب: اعوجاجه. وناب عصل (بفتح الكسر): معوج شديد. وقول الشارح هنا: أي أنها قديمة. قال في اللسان: ذلك أن ناب البعير إنما يعصل بعد ما يسنّ، يريد أنه بعوّج فيشتدّ فيحصل منه الشر العظيم.
(4) المبادهة: المفاجأة.
(5) ورد في الأصل بعد هذا البيت قوله: تم الجزء السادس، الجزء السابع من الهذليين، وهو من رواية أبي سعيد عن الأصمعي.
(2/229)

فأجابه أبو المثلَّم أيضا
يا صخرُ إن كنتَ ذا بَزٍّ تجمِّعه ... فإنّ حولك فتياناً لهم خِلَلُ
البَزّ: السلاح. وقوله: لهم (1) خِلل، أراد السلاح، وهذا مَثَل.
أو كنتَ ذا صارمٍ عَضْبٍ مَضاربُه ... صافِي الحديدة لا نِكْسٌ ولا جَبِلُ
النِّكس: الضعيف، وأصله السهم ينكسر نَصْلُه، فيضربونه حتى يطول بعض الطول، ويقلبون الفُوقَ فيضعونه موضع القُطْبة (2) ولا يزال ضعيفا. والجَبِل: الكَزّ الغليظ الذي ليس بسهل. والعَضْب: القاطع.
وسَمحةٍ من قِسِيِّ النِّبع كاتمةٍ (3) ... مِثِل السَّبيكةِ لا نابٌ ولا عُطُلُ
سمحة: قوس سهلة ليست بكزّة، تعطيه ما عندها عفوا. كاتمة: ليس فيها صَدْع. والسَّبيكة: الصفراء. ويروَى: لا نِكْسٌ ولا عُطُل، لا نِكْس، يقول: لم يُجعل أسفلُها أعلاها، وليست عُطُلا من الوَتَر. ويروى أَبْن (4). يقول: ليست بذات عُقَدٍ ولا كَزازة. قال: والنّكس، الضعيف من كلّ شيء.
__________
(1) الخلل في الأصل جمع خلة يكسر الخاء، وهي بطانة يغشى بها جفن السيف، تنقش بالذهب وغيره.
(2) القطية: نصل صغير قصير مربع في طرف سهم. وقيل: إنه طرف السهم الذي يرى به في الغرض.
(3) الكاتمة والكنوم (بفتح الكاف) من القسيّ: التي لا شق فيها. وقد روى هذا البيت في المخصص لابن سيدة هكذا:
وسمحة من مرفوع النبع كاتمة ... مثل السبيكة لا نكس ولا عطل
(4) الأبن بفتح الهمزة وسكون الباء: التهمة، من الأبنة بضم الهمزة وسكون الباء، وهي العيب في الخشب والعود. ويقال ليس في حسب فلان أبنة، أي ليس فيه وصمة (اللسان).
(2/230)

يا صخر فاللَّيث يَستبقِي عشيرتَه ... قُنْيةَ ذي المال وهو الحازم البَطلُ (1)
يقول: يستبقيهم كما يَستبقي ذو المال قُنْيته من المال.
يا صخر تَعلَمُ أنّ مرَجعَه ... وادي الصديق إذا ما تَحدُث الجُلَل
يقول: إذا حدث من الأمور أمرٌ كبير عَرَف أنّ وادَى صديقِه له صالح. رجع إلى صديقه عند الحادث العظيم. والجُلَل، هي الجلائل، والواحد الجُلَّى: الأمر العظيم الجليل. والجُلَل، كقولك: العُظْمَي والعُظَم.
يا صخر ويحك لِم عيرّتَني نَفَرا ... كانوا غداة صباحٍ صادقٍ قُتِلوا
قال: يعني غداةَ صباحٍ يَصدُق القِتال, وقال شفيق بن حريّ حُجّة لقوله: لِمْ عَيّرتَني:
إذا لم أنكِر النَّكْراءَ عنّي ... فلِم أَغْزُو وأخْتَطّ البِلادا
قال: يقول: لم عيّرتَني هؤلاء النفر.
يا صخر (2) ثم سعي إخوانُهم بهمُ ... سَعْيا نَجيحًا فما طُلُّوا ولا خَمَلوا
طُلُّوا: طُلّت دماؤهم (3) , خَمَلوا: صَغُر شأنهم.
__________
(1) في رواية:
فإن ذا اللب يستبقي عشيرته ... قنيان ذي المال وهو الحازم البطل
(السكري).
(2) في رواية: "يا صخر ثمت لا راثوا ولا فشلوا".
(3) طل دمه على المجهول: هدر؛ وقيل: لم يثأر به، وهو أكثر من المعلوم، فهو مطلول.
(2/231)

بمِنْسَرٍ مَصِعٍ يَهدِي أوائلَه ... حامِي الحقيقةِ لا وانٍ ولا وَكَلُ (1)
المِنسَر: الجيش الكثير الذي لا يمرّ بشيء إلا اقتلعه (2). والمَصِع: الشديد المصاع، وهو الضِّراب بالسيف. قال أبو سعيد: وأنشدنا أبو عمرو:
* إذا كان ذا سَيفٍ ولمّا يُماصِعِ *
حامِي الحقيقة، وهي أن يَحمَي ما يحِقّ عليه وينبغي له أن يَحمي. والوَكَل: المُواكِل الذي لا يلي الأمَر، يَكِله إلى غيره.
مشمِّرٌ وله في الكفِّ مُحدَلةٌ ... وأصمَعٌ نَصلُه في الكفّ معتدِلُ (3)
مشمِّرٌ، أي ماضٍ غير منثنٍ, يعني هذا الجيش. مُحدَلة: قوس قد عُطِفت سِيَتُها (4). والأَصْمع: الذي يجتمع ريشُه من الدم. والأصمع: الحديد الذي قد حُدّد.
يكاد يُدرَج دَرْجا أن يُقلِّبَه (5) ... مَسُّ الأناملِ صاتٌ قِدْحُه زَعِلُ
__________
(1) روى هذا البيت في شرح السكري هكذا:
يا صخر يهديهم حامي الحقيقة مث ... ل الليث لا خامل نكس ولا وكل
(2) عبارة السكري: "المنسر من الخيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين".
(3) قال السكري: ورواه الأصمعي:
يا صخر بالكف مطرور وقيعته ... مركب في أشد القدح معتدل
وسيف مطرور، أي صقيل.
(4) سية القوس، قيل: رأسها، أو اعوج من رأسها.
(5) رواية السكري: "يا صخر يدرج درجا أن يحركه" وفسره فقال: كأن يدرج أن تدره الأنامل. . . . . . . . يقول: هذا السهم إذا حرك درج على الظفر. والقدح يكسر القاف وسكون الدال: السهم قبل أن ينصل ويراش. وفي الحديث أن عمر كان يقوّمهم في الصف كما يقوم القدّاح القداح والقدّاح (بفتح القاف وتشديد الدال): صانع القداح.
(2/232)

يقول: كأنه يدرج من أن تُدِرَّه الأنامل. والصات: الذي يصوّت، أي له صوت. والزَّعِل: النشيط. والزَّعَل: النشاط، وهو الهَبَص أيضاً، يقال: هَبَصت السَّخْلةُ إذا نَزَتْ ولعبتْ.
يا صخر وَرّادَ ماءٍ قد تَمانَعه (1) ... سَوْمُ الأراجِيلِ حتى جَمّه طَحِلُ
يقول: فرّق بعضَهم من بعض، وامتنع أن يورَد حق كَثُر وعلاه العَرْمَض.
ويقال: مَرُّوا يَسومُون، أي يَسرَحون. وقوله: طَحِل، أي كثير. والرَّجْل والرَّجّالة والأراجيل: جمعٌ للرجل. وجَمّه: ما اجتمع من مائه.
يا صخر جاء له من غير مورِدِهِ ... بصارِمَينِ معًا لم يَثنِه وَجَل
يقول: أتَي ذلك الماءَ من غير وجهه، كأنّه أتاه من وجهٍ آخَر. بصارمَين: بنفسه، وبسيفه. وقوله: لم يَثنِه وجَل، يقول: لمَ يَفرَق فيردّه عنه جُبْنٌ.
يا صخُر خَضْخَضَ بالصُّفْن (2) السَّبيخَ كما ... خاضَ القِداحَ قَميرٌ (3) طامعٌ خَصِلُ
الصُّفْن: شيء مثل الزِّنفلِيجة. والخَصِل: الكثير الخَصْلِ إذا قامَر. ويقال للرجل: إنه لخَصِل السهام، إذا كانت لا تزال تقع قريبا من الهَدَف، فهو يطمع
__________
(1) تمانعه: منعه هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء .. السكرى.
(2) الصفن بفتح الصاد وضمها. شيء يتخذ من الجلد يوضع فيه الزاد وما يحتاج إليه. وقال السكرى: إنه مثل السفرة يأكل عليها ويستقى بها إذا لم يكن معه دلو. وقد عرّفه الشارح بعد بأنه شيء مثل الزنفليجة: وهو لفظ معرّب، وأصله بالفارسية زين بيله.
(3) القمير: المقامر. يقال: هو قميرك أي مقامرك (أقرب الموارد).
(2/233)

في الصواب. والسَّبيخ: ريش الطير على الماء. وكلُّ ما نَصَل من شيء فقد سَبَّخ. ويقال: اللهم سَبِّخ عنّا الحمّى.
يا صخر ثم استَقي ثم استمرّ كما ... يَمشِي السَّبَنْتَي (1) سَروبٌ ظَهرُه خَضِلُ
خَضِل، أي قد أصابه مطر فابتلّ. قال: وهذا كقوله:
* كَمَشْيِ السَّبَنْتَي يَراحُ الشَّفيفَا (2) *
أي ينحرف من الخوف. والخَضِل: النَّدِىُّ.
قال أبو سعيد: وسمعتُ من ابن أبى طَرَفَةَ أنهم أخذوا عليه بالطُّرُق، فجاء من موضع لا يَرى أنّ أحدا يجيء منه، وهو موضع الوُعول، فجاء فشرب، ثم استقَى فذهب، وقد بعثوا عدا يرصُده، فقالوا له: هل رأيتَ أحدا؟ فقال: نعم، رأيت رجلا مشقوقَ الشفة جاء فكَرَع في الحوض، ثم استقَى وذهب. قال أبو سعيد: وكان أبو المسلَّم في شفته عَلَم (3).
يا صخرُهم يَبعثون النَّوْحَ منقطِعَ اللّ ... يلِ التَّمامِ كما تُسْتَوْلَهُ العُجُلُ
العُجُل: جمع عجَول، وهي التي أكل السبع ولدَها أو مات. وقوله: هم يَبعثون النوحَ، يقول: هؤلاء الذين يطلبونك هم يَقتلون (4) حتى يبعثوا عليه نَوحا. يقول يُوقِعون بهم فيَدَعون الحيَّ يبكون عليهم كما تُستَوْلَه العُجُل.
__________
(1) السبنتي: الجريء المقدام من كل شيء، أو هو الأسد أو النمر.
(2) هذا عجز بيت لصخر الغي؛ وصدره: "وماء وردت على زوررة". انظر صفحة 74 من هذا السفر.
(3) العلم بالتحريك: الشق في الشفة العليا. ويقال: بعير أعلم، إذا كانت شفته العليا مشقوقة، فإذا كان الشق فى الشفة السفلى فهو أفلح.
(4) عبارة السكرى في شرح هذا البيت نصها: "أي يقتلون الرجال فيبعثون النساء ينحن كما تستوله، تستفعل، من الوله. والواله: التي كاد عقلها أن يذهب في إثر ولدها لعجلتها في جيئها وذها بها جزعا.
(2/234)

فيهم طِعانٌ كَسفْعِ النارِ مُشعَلةً ... إذا مَعاشُر في وادِيهمُ تُبِلوا
قوله: كسَفْع النار، يقول: يضطرم كما تضطرم النار، فهذا عندهم إذا طُلِب الوِتْرُ. وقوله: في واديهمُ تُبِلوا، أي وُتِروا، أي أصيبوا بذَحْل. والتَّبْل: الذَّحْل.
تالله لو قَذَفُوا صخراً بفاقِرةٍ (1) ... إذًا لقيل أصابوا المَيلَ فاعتَدَلوا
قال، يقول: لقيل أصابوا من صاحبهم واعتدلوا.
فانبُلْ (2) بقومكَ إمّا كنتَ حاشِرَهم ... وكلُّ جامِعِ محشورٍ له نَبَلُ
اُنبُل بقومك، أي أرفق بقومك إن كنت حاشرَهم، أي جالِبَهم على قوم آخرين إن كانوا يطيعونك، وهو يهزأ به. وكلّ من فعل هذا فهو رفيق. والنابل: الحاذق، أي كن حاذقا بِما تصنع من أمر قومك.
كلوا هنيئا فإن أنفقتُم بَكَلًا ... ممَّا تُجِيز بَنُو الرَّمداء فابتَكِلوا
البَكْل: الغنيمة. فابتكِلوا أي فاغتنموا. قوله: هنيئا، أي يهزأ بهم ليحرِّض على صخر بني الرَّمْدَاء الذي أصاب فيهم رجلا، وذلك أن مُزَينة خَفَرُوا رجلا، فوَثَب عليه صخر فأكل مالَه، فقال أبو المثلّم هذا يحضِّض أولئك عليه.
قال: ثم خرج صخرٌ بعد مُهاجاة أبى المثلَّم في نفرٍ، فأغاروا على بني المُصْطَلِق وهم فَخِذ من خُزاعة، فأحاطوا به، فاستبطأ أصحابَه، فأنشأ يقول:
__________
(1) الفاقرة: الداهية الكاسرة للفقار.
(2) رواية السكرى في هذا البيت "تنبل بقومك" الخ وقال: تنبل، أي لتنبل بضم الباء فيهما
(2/235)

لو أنّ أصحابي بنو معاويه (1) ... أهلُ جُنوبِ نخلةَ الشآميهْ
قال أبو سعيد: هي نخلة يمانيّة، ونخلة شآميّة. والشآميّة، هي التي فيها البستان.
ما تركوني للكلاب العاوِيهْ ... ولا لبِرذَونٍ أغرِّ الناصيهْ
قال: يقول: لو شهِدوني ما تركوني حتى أصير هَدَرًا لهذه الكلاب.
* * *

وقال أيضاً
لو أنّ أصحابي بنو خُناعَهْ (2) ... أهلُ النّدَي والجُودِ والبَراعهْ
قال أبو سعيد: قال: أمرٌ بارع إذا كان أمرا شريفا رائعا؛ ويقال أيضاً: رجل بارع، أي رجل مرتفِع الشأن. وحدّثني الرِّياشيُّ قال: قال الأصمعىّ: بيت أبى ذؤيب أبرَع. بيتٍ قالتْه العرب:
والنفس واغبهٌ إذا رغّبَتها ... وإذا تُرَدّ إلى قليل تَقنَعُ (3)
__________
(1) معاوية: حي من هذيل. وجنوب: نواحي. وقد جاء على هامش الأصل أمام قوله في هذا البيت (الشآمية) قوله: (ومن كثير نفرز بانية) وكتب الشارح أمام هذا الشطر أيضا ما نصه: "قلت زدت هنا هذا الشطر من رواية ابن هشام في سيرته". ونقول: إن هذا الشعر قد ورد في شرح السكري مع اختلاف في الترتيب من جهة، وزيادة بعض الأشطر من جهة أخرى، وهذا نص ما أورده:
لو أن أصحابي بنو معاويه ... أهل جنوب نخلة الشآميه
ورهط دهمان ورهط عاديه ... ومن كثير نفر زبانيه
لبزلت حولى عروق آنيه ... ما تركوني للذئاب العاويه
(2) خناعة: قبيلة من هذيل، وقد أورد السكرى هذا البيت مع اختلاف يسير في بعض مفرداته، وهو:
لو أن أصحابي بنو خزاعة ... أهل الندى والمجد والبراعة
ثم قال: خزاعة حي من هذيل.
(3) انظر السفر الأوّل من هذا الديوان صفحة 3 سطر 8
(2/236)

الحامِلُو السّيوفِ (1) والقَرّاعهْ ... ... لَمَنَعوا من هذه اليَراعهْ
القَرّاعة: التِّرس الصلاب، وأنشدنا أبو سعيد "ومُجنْأٍ أسمرَ قَرّاع" (2) أي صليب. واليراعة: الضعيف. يريد به الرجل الذي ليس له قَلْب، كأنه قصب أجوَف. واليراعة: القصب نفسُه، وأنشَدَنا للجَعْدىّ:
فَجئنا عارِضًا بَرِدا وجاءُوا ... حريقًا في غَريفٍ (3) ذي يَراعِ

وقال أيضا
لو أنّ عندي من قُرَيْم رَجْلا ... بِيضَ الوُجوهِ يَحمِلون النَّبْلا
* لَمَنَعونى نَجدةً ورِسْلا (4) *
رَجْلا: يريد رِجالا. والرَّجْل: الرَّجّالة. وقُرَيْم: حيٌّ منهم.
__________
(1) رواية السكري "تحت جلود البقر القراعة".
(2) المجنأ: الترس، سمى بذلك لا حديدا به. وهذا عجز لأبى قيس بن الأسلت السلمى من بيتين أوردهما في اللسان نصهما:
أحفزها عني بذى رونق ... مهند كالملح قطاع
صدق حسام وادق حده ... ومجنأ أسمر قطاع
(3) الغريف: الجماعة من الشجر الملتف.
(4) قال في اللسان عند ذكر هذا البيت ما نصه: قال صخر الغي ويئس من أصحابه أن يلحقوا به وأحدق به أعداؤه وأيقن بالقتل:
لو أن حولى من قريم رجلا ... لمنعونى نجدة أو رسلا
أي لمنعوني بقتال وهو النجدة، أو بغير قتال وهو الرسل. والرسل والرسلة: الرفق والتؤدة، وزاد السكرى بعد قوله: أو رسلا، قوله: سفع الخدود لم يكونوا عزلا.
(2/237)

وقال أيضا
يا قَوْمِ ليستْ فيهمُ غَفيره ... فامشوا كما تَمشِى جِمالُ الِحيره
قوله: فيهم غفيرة، أي لاَ يغفِرون ذنبا.
* واعلُوهم بالقُضُب الذُّكورهْ (1) *
يعني بالسيوف. قال: فقَتَلوه.
* * *

فقال أبو المثلَّم يرثيه
لو كان للدّهر مالٌ عند مُتلدهِ (2) ... لكان للدهرِ صخرٌ مالَ قنْيانِ
قال أبو سعيد: إنّما ضرب هذا مَثَلا، يقول: لو كان الموتَ يقتنى شيئا لافَتَني خيرا، أي اتّخذه مالاً لا يفارقه. والتالد: القديم عند القوم.
آبِى الَهضيمةِ نابٍ بالعَظيمة متْ ... لافُ الكريمةِ لا سِقطٌ ولا وانِي
آبِي الهَضيمةِ، يقول: يأبَى أن يُهتَضم من حقّه. نابٍ بالعظيمة، يقول: إذا وقعت به عظيمة نَبَا بها وأدرَكَها واحتَملَها (3). وقوله: مِتْلاف الكريمة، يقول:
__________
(1) رواية السكري: "وارموهم بالصنع المحشورة" مكان قوله: "واعلوهم بالقضب الذكورة". وفسر الصنع بأنها السهام، والمحشورة بأنها المقذذة. ثم قال أيضا: ويروى "واعلوهم بالقضب المأثورة" وفسر المأثورة فقال: المأثورة التي بها أثر بفتح الهمزة وسكون الثاء، وهو الفرند.
(2) رواية السكري لهذا الشطر:
* لو كان للدهر مال كان متلده *
بضم الميم وسكون التاء وكسر اللام وفتح الدال، وفسر "متلده" بقوله: "متلده" أي الذي يتلده أي يحبسه.
(3) كذا في الأصل. والذي في السكرى: وينبو بالخصلة العظيمة أي لا يطمئن إليها.
(2/238)

يَعقِر المالَ الكريمَ من الإبل ويَهبُ الخيلَ وما كان كريما. لا سِقْطٌ ولا وانى، أي ليس بضعيف. والسِّقط: الساقط. والواني: الضعيف.
حامِى الحقيقة نَسّاُل (1) الوَديقةِ مِعْ ... تاُق الوَسِيقةِ جَلْدٌ غيرُ ثِنْيانِ
نسّال الوديقة، أي يَنسِل في الوَديقة. والوديقة: شدّة الحَرّ، وهو حين تدنو الشمس من الأرض. ويقال للصيد إذا دنا من الرجل: قد وَدَق. معتاق الوسيقة، يريد أنه إذا طرد طريدةً فاتَ بها، فقد أعتقها، والثِّنْيان: الذي إذا عُدّ القومُ لم يكن أوّلا وكان ثانيا. فيقول: لم يكن صخرٌ هكذا.
رَبّاءُ مَرْقَبةٍ مَنّاعُ مَغْلَبةٍ (2) ... (3) رَكّابُ سَلْهَبةٍ قَطّاعُ أقرانِ
رَبّاء مَرْقَبة، يقول: يَرْبَأُ أصحابَه في رأس جبل. مَنّاع مَغلَبة، أي يَمْنع من أن يُغلَب. وقوله: ركاّب سَلْهَبة، وهي الفرس الجسيمة الطويلة من الخيل. قَطّاعْ أقران، أي يصل ويقطع (4). والقَرَن: الحبل يُقرَن به البعيران. ومعناه أنه يصل من كان أهلا أن يوصَل من الإخوان، ويقطع من سواهم.
هَبّاطُ أوديةٍ حَمّالُ ألْوِيَةٍ ... شَهّادُ أنْدِيَةٍ سِرْحانُ فِتْيان
__________
(1) هو من نسل الماشي ينسل بكسر السين وضمها نسلا ونسلانا بمعنى أسرع.
(2) رواية السكرى عن الجمحي "دفاع مغلبة" مكان "مناع مغلبة".
(3) رواية السكرى "وهاب سلهبة".
(4) قوله: "يصل ويقطع" الخ ما قاله في شرح قوله: "قطاع أقران" قال السكرى عند شرحه لهذه العبارة: أي أنه لا يثبت على ما لا ينبغي عليه الثبات.
(2/239)

هَبّاط أودية، يريد يَهبِط الأودية في العَدْو. حَمّال ألوِية، يقول: يقود الجيش، فهو يَحمل اللواءَ بين يديه. شَهّاد أندِية، يقول: يَشهد الأمورَ الِجسام إذا انتدوا وتناجَوا في الأمكنة المخوفة. وقوله: سِرْحانُ فِتْيانِ. والسرحان في كلام هُذَيل: الأسد. وفي كلام غيرهم: الذئب.
يَحمِى الصِّحَابَ إذا كان الضِّرابُ (1) ويَكْ ... فيِ القائلن إذا ما كُبِّل العانى
قوله: إذا ما كُبّل العاني، يقول: إذا ما جاءوا يطلبون في عانٍ قد كُبّل كفاهم الكلامَ. يَحمى الصحابَ إذا كان الضراب، أي إذا وقع ضَرْبُ السيوف.
فيتركُ القِرْنَ مصفرًّا أنامِلُه ... كأنّ في رَيْطَتيه نضخُ إرقانِ
الإرقان: ضربٌ من الصِّبغ أحمر.
يعطيك ما لا تكاد النفس تُرسِلُه ... مِن التِّلاد وَهوبٌ غيرُ مَنّانِ
يقول: يعطيك من التَّلاد ما لا تطيب بمثْله الأنفسُ ويَهَبُ ولا يَمَنُّ.
__________
(1) أورد السكرى من قوله: "إذا كان الضراب" عدّة روايات، منها "إذا فر الجبان".
(2/240)

وقال أبو العيال (1)
يرثي ابنَ عم له يقال له: عبد بن زهرة، قتل في زمن معاوية بن أبي سفيان بالروم، رضي الله تعالى عنهما وعن جميع الصحابة العدول:
فَتًى (2) مَا غَادَرَ الأَجْنَا ... دُ لَا نِكْسٌ ولا جَنَبُ
قال أبو سعيد: النِّكْس إنما ضربه مثلا للسهم يُرْمَى به فينكسر نَصْلُه، فيؤخذ فيُضرَب النصل حتى يطول قليلًا، ويُقلَب السهم فيجعل فوقه أسفله، ويجعل أسفله فوقه، فلا يزال ضعيفا، فيقول: ليس كهذا السهم ضعيفا. والجَنَب والجأْنَب والجانَب، هو القصير، وإنما يريد الجَأْنَب، فترك الهمز. قال: يقول: فتًى من الفتيان غادروه لا نِكْس ولا جَنَب. والسِّنْخ: القِدْح من النصل، وهو الذّي يُقلَب.
ولا زُمَّيْلةٌ رِعدِي ... دةٌ رَعِشٌ إذا رَكِبوا
الزُّمَّيْلة والزُّمَّال والزُّمّل والزُّمَّيْل: الضعف من الرجال. والرِّعْديدة: الذي يرُعَد عند القتال فيؤخذ. والرَّعِش: الّذى إذا طُعن ارتعشتْ يداه فلا يَقصِد رُمحُه إذا كان كذلك.
__________
(1) أبو العيال الهذلي هو ابن أبي عنترة؛ وقال أبو عمرو الشيباني: ابن أبي عنترة بالثاء المثلثة، وهو أحد بني خفاجة بن سعد بن هذيل. كان شاعرا فصيحا مقدّما من شعراء هذيل مخضرما، أدرك الجاهلية والإِسلام، ثم أسلم فيمن أسلم من هذيل، وعمر إلى خلافة معاوية. وهذا القصيدة رثي بها ابن عمه عبد ابن زهرة. ويقال إن المرثي كان أخاه لأمه اه. ملخصا من الأغانى ج 20 ص 167 طبع بولاق. وفي الشعر والشعراء ص 420 ما يفيد أن أبا العيال رثي بهذه القصيدة رجلا من قومه.
(2) رواية السكري "فتى ما غادر الأقوام" ويقول: أن هذا على التعجب، أراد أي فتي غادروا.
(2/241)

ولا بِكَهامةٍ بَرَمٍ ... إذا ما اشتدّت الِحقَبُ
ويُروَى ولا كَهْكاهةٍ بَرَمٍ. والكَهامَة والكَهام واحد، وهو الكلَيل اللسان والبَرَم: الذي لا يَيْسِر ولا يأخذ معهم، أي مع القوم إذا أخذوا في الميسر وأنشدنا "لا يَيْسِرُونَ مع أيسار الجَزور ... " والكَهكاهة: الشيخ (1).
ولا حَصِرٌ بخُطبتِه ... إذا ما عَزّت الخُطَب (2)
الحَصِر: الذي يُحصَر. والخُطبة: الكلام. والخِطْبة: طلب الرجل النكاح.
ذكرتُ أخي فعاوَدَني ... صُداعُ (3) الرأس والوَصَبُ
الوصب: الوجع، وهو النَّصَب والتعب أيضا.
كما يعتاد ذاتَ البَ ... وّ بعد سلوِّها الطَّرَبُ
ذات البوّ تسلو عن ولدها ثم تذكره فتصيح. والبَوّ: جلدُ ولد الناقة يُحشَى تبنًا ويُلقَى على عِفاءٍ (4) فتَرْأمُه وتشمّه. وسلوُّها: بعد ما تسلو. والطرب: خِفّة وليس بفرح.
فدمعُ العَينِ مِن بُرَحا ... ءِ ما في الصّدر يَنسكِبُ
__________
(1) فسر السكري الكهكاهة بأنه الذى يهاب كل شيء، يكهكه، إذا رأى الحرب يقول: كه كه.
(2) عزت: قلت وامتنعت.
(3) روى "رداع" مكان قوله "صداع". والرداع: النكس بضم النون وسكون الكاف. قال ابن الأعرابيّ: ردع على المجهول إذا نكس في مرضه. اللسان.
(4) العفاء: ما كثر من الوبر والريش، واحدته عفاءة بكسر العين (اللسان مادة عفا).
(2/242)

قال: يقال: أجد بُرَحاء في صدرى، أي حرّ وجد وحُزْن. ورُحِضَ (1): عَرِق. والتبريح: المشقة، ومن ذا برّح بي تبريحا شديدا. قال: والجائر، حَرٌّ يجده الرجلُ (2) في صدره.
كما أَودَى بماءِ الشَّنّ ... ةِ (3) المخروزةِ السَّرَبُ
السرب: الماء نفسُه يصبّ في الإِناء لتنتفخ سيورُه التي في الخُروز، فما تسرب من الماء منه فذلك السَّرَب. وأنشدنا لجرير:
* كما عَيَّنتَ بالسَّرَب الطِّبابا * (4)
ويقال: سقاء عيِّن أي قد رقّ حتى كاد أن يبدوَ منه مِثل العيون؛ وأنشَدَنا "كأنّه من كُلى مفريّةٍ سَرَب" (5). وأنشدنا أيضا "عيناك دمعُهما سَروب". ويقال: تَعيَّن السقاء، إذا كان كذلك، وأنشد للقُطاميّ:
ولكنّ الأَديم إذا تَفرَّى ... بِلًى وتعيُّنًا غَلب الصَّناعا
__________
(1) قال في اللسان (مادة رحض): ورحض الرجل بالبناء للمجهول رحضا: عرق كأنه غسل جسده.
(2) الجائر والجيار: حر في الحلق والصدر يكون من غيظ أو جوع. وينشد في الجائر:
فلما رأيت القوم نادوا مقاعسا ... تعرض لي دون الترائب جائر
وفي الجيار:
كأنما بين لحييه ولبته ... من جلبة الجوع جيارو إرزين
(3) الشنة: القربة الخلق.
(4) هذا عجز بيت له، وصدره:
بلى فارفض دمعك غير نزر ... كما عينت. . . . . . . . . الخ
والطباب: جمع طبابة بكسر الطاء فيهما، وهي السير بين الخرزتين (اللسان).
(5) هذا من شعر ذى الرمة، وصدر البيت: "ما بال عينك منها الماء ينسكب".
(2/243)

على عبدِ بنِ زهرة طُو ... لَ هذا الليل أكتئب
يقول: على عبد بن زهرة أكتئب. والكآبة: الحزن.
أخ لي دون من لِى مِن ... بِنى عَمٍّ وإنْ قَرُبُوا (1)
يقول: هم في المودّة عندي دونَه، وهم أقرب إليّ منه.
طَوَى من كان ذا نسبٍ ... إليّ وزادَه نسبُ
يقول: طَوَى هو من كان ذا نسب وصار دونهم إليّ عندي، وزاده هو نسبٌ إليّ آخر دون الأقارب.
أبو الأيتامِ والأضيا ... فِ ساعةَ لا يُعَدُّ أبُ
أبو الأيتام والأضياف، يقول: يأوى إليه الأيتام والأضياف؛ ويقال لمن تنزل عليه الأضياف: هو أبو منزلهم.
له في كلّ ما رَفَع ال ... فتى من صالحٍ سببُ
قال: يقول: كلُّ ما قدّم الرجال من خيرٍ فله فيه نصيب.
أَقامَ لَدَى مدينةِ آ ... لِ قُسطنطِين وانقلبَوا
ألَا لِلَّه دَرُّكَ مِن ... فَتَى حَيٍّ (2) إذا رَهِبوا
قال: يقال للرجل إذا أُعجِب منه: لله درّك؟
__________
(1) رواية السكري:
سجيرى دون من لي من ... بني عمي وإن قربوا
وسجير الرجل: صفيه وخليله.
(2) رواية السكرى "قوم" مكان "حي".
(2/244)

وقالوا مَن فتىً للحر (1) ... بِ يَرقُبُنا وَيرتَقِبُ
يرقبنا: ينظُر لنا. ويرتقب: ينظُر لنفسه.
فلَم يوجد لشرْطتهمْ (2) ... فتًى فيهم وقد نَدَبو (3)
شرطتهم: ما شرطوا عليه من الاْرتقاب، أي ما اشترطوا إلا فتًى لكذا وكذا.
فكنتَ فَتاهمُ فيها ... إذا تُدعَي لها تثب
مآقِطُ مَحضَةٌ وحِفا ... ظُ ما تأبَي به الريَب (4)
مآقط: مشاهد وأيامِ شِداد، يقال: كان في مَأْقِط، أي في يوم شدّة، ويقال: إنه لذو مآقِط، أي أيام شِداد أَبْلَى فيها. ومحضة: خالصة. والمأقِط المضيق: قوله: حِفاظ ما تأبَى به الريب، يقول: مخافة ما تأبى به الريبة، فلا يقرب الريبة.
فإِنّك مُنجِحٌ بأخي ... كَ محمودٌ بك الطلَب (5)
__________
(1) روى السكري "للثغر" بدل "للحرب" وفسره فقال: الثغر، الفرجة بينك وبين العدوّ. وفي اللسان أن الثغر موضع المخافة من فروج البلدان.
(2) شرطتهم، قال السكري: الشرطة العهد الذي اعتقدوا عليه وشرطهم الذي اشترطوا بينهم. ويكون أيضا العلامة، يقال: شرطته بكل إذا جعلت فيه علامة.
(3) ضبط السكري قوله: "ندبوا" (بالبناء للمجهول) وفسره بقوله: دعوا (بضم الدال) للأمر.
(4) روى السكري هذا البيت هكذا:
مآقط محضة وحفا ... ظ ما تأتى به الريب
ثم قال: وينصب مآقط محضة على قولك: كنت فتى كريما جوادا.
(5) السكرى في قوله: منجح بأخيك، قال: منجح، أصبت به النجح. وجاء هذا البيت في السكرى هكذا:
فإنك منجح بأخي ... ك مجموع لك الرغب
قال: "الرغب" بضم الراء وفتح الغين: المال الكثير؛ ومنه رغيب ورغب، مثل كبير وكبر.
(2/245)

يقول: إذا كنتَ تُدخِله في حوائجك أنجِحْتَ، بإذن الله.
وقد يَهدى لفعل العُرْ (1) ... فِ خَيْرُ الجَدِّ والأَدَبُ
وقد يهدى: يقول: كان هذا الرجل يفعل الخَيرَ، وكان شريفا، والخَير مصدر خَيَرَ، يقال: هو خَيرٌ منه خَيْرا.
نجيبٌ حين يُدعَي إنّ ... آباءَ الفتى نُجُبُ (2)
وكان أخي كذلك كا ... مِلا أمثالهُ العَجَبُ
قال: يقول: وكان أخى مِثله من الفِتْيان عَجَب، فعلهُ من العجب.
له دَعَواتُ أهلِ الذِّك ... ر والأعْلَين والسَّلَبُ
له دعوات أهل الذكر، أي صوتُ أهلِ الذِّكْر، يقول: إذا دُعىَ أهل الذكر والعُلا من الأمور الشريفة دُعِىَ معهم. والسَّلَب؛ يقول: له سَلَب الأقران في الحرب أيضا.
ولا ينفكّ جَنْبٌ من ... عدوٍّ تحتَه تَرِبُ
يقول: لا يزال قد صَرَع قِرْنَه فَترَّبَه.
__________
(1) روي هذا البيت في السكري: "وقد يهدى لفعل الخير".
(2) نجب: كرام الأولاد. وروى هذا البيت:
نجيب حين يدعي وال ... فتى آباؤه نجب (السكري)
(2/246)

مُشيحٌ فوق شِيحانٍ (1) ... يدور (2) كأنّه كَلِبُ
المُشيح: الجادّ الحامل، يقال: بَطَل مشيح.
فذلك في طِراد الخي ... لِ ثم إذا هم انتَسَبوا
يقول: يَضرب ويَطعن، فيقول: خذها وأنا ابن فلان.
على أقدامهم يمشو ... ن في أيمانهم خَدَبُ
الخَدَب: تَهاوِى الشيء لا يحتبس. ويقال: رجل خَدِبٌ كأنّه تساقَطَ. ورَكوبٌ لرأسه. وكذلك الضربة الخدباء التي لا تُرجَع.
وقد ظهر السَّوابغُ في (3) ... همُ والبَيْضُ واليَلَبُ
اليَلَب: نُسُوع قد كانت تُرصف فيلبسها الرجل مِثل البيضة بدلا من البَيضة وتُلبَس تحت البَيضة.
__________
(1) شيحان: ضبطها في الأصل بكسر الشين، ولم يفسرها. والذي في اللسان مادة (شيح): الشائح الغيور، وكذلك الشيحان بفتح الشين وكسرها، وهو الحذر على حرمه؛ أو هو الطويل الحسن الطول.
(2) كذا في الأصل، وقد روي هذا البيت في اللسان هكذا:
مشيح فوق شيحان ... يدر كأنه كلب
ويدر، من قولهم: در الفرس بدر دريرا ودرّة: إذا عدا عدوا شديدا. أما السكرى فقد روى هذا البيت هكذا:
مشيح فوق شيحان ... يميح كأنه كلب
وفسره فقال: المشيح في كلام هذيل الحامل الجادّ الأصمعى يكسر الشين في شيحان وأبو عبد الله يفتح يريد الفرس الشديد النفس يميح في عدوه ودورانه أي هو نشيط. والذي كأنه كلب يريد الرجل يأخذه مثل الكلب من النشاط.
(3) لم يفسر الشارح السوابغ، وهي الدروع الواسعة، عن السكري.
(2/247)

ومطّرِدٌ من الخطّ ... ىِّ لا عارٍ ولا ثَلِبُ
قال أبو سعيد: كان يُرفَأ بالخَطيّة (1) إلي الخّط، وهي قرية بالبحرين، فنسبت القنا إلى الخَطّ. والثَّلِب: القديم المتكسّر المُتَحاتّ، يقال: ثلب البعير إذا تكسّرَ وضَعُف. والعارى: المنكسر الجلد.
يكاد سِنانُه من حَ دِّ ... هِ في الشمسِ يَلتهبُ
يكاد سنانه يُورى نارا من شدّة بياضه.
ومشقوقُ (2) الخَشيبة مَشْ ... رَفىٌّ (3) صادقٌ رُسَبُ (4)
مشقوق الخشيبة، يعني سيفا عُرِّضت طبيعته. رُسَب: أي يَرْسُب إذا ضرب به.
خِضَمٌّ لم يُلق شيئًا ... كأنّ حُسامَه اللَّهَبُ
لم يُلقِ، يقول: لم يحبِس شيئا، ويقال: ما ألاقَنى المطر، أي لم يحبسنى، ويقال للرجل: ما يُليق شيئا، أي ما يَحبس شيئا، ويقال للسيف: ما يُليق شيئا
__________
(1) قوله: الخطية، أي الرماح الخطية، نسبة إلى الخط، وهو مرفأ السفن بالبحرين، تنسب إليه الرماح يقال: رمح خطي، ورماح خطية بفتح الخاء وكسرها على القياس وعلى غير القياس؛ وليست الخط بمنبت للرماح، ولكنها مرفأ السفن التي تحمل القنا من الهند، كما قالوا: مسك دارين. فقول الشارح: يرفأ بالخطية إلى الخط، أي أنهم يرفؤون بها أي جمعونها في هذا المرفأ. وهذا من قولهم: أخذ رفء الثوب لأنه يرفأ فيضم بعضه إلى بعض. اه ملخصا من اللسان.
(2) مشقوق الخشيبة، يقال: سيف مشقوق الخشيبة، أي عرض (للمجهول وتشديد الراء المكسورة) حين طبع.
(3) المشارف: قرى من أرض اليمن أو أرض العرب تدنو من الريف، تنسب اليها السيوف المشرفية.
(4) يقال: سيف رسب (بضم ففتح) ورسوب (بفتح الراء): ماض، يمضى في الضريبة ويغيب فيها.
(2/248)

أي ما يَردّ ضربتَه شيء. والحسام: القاطع. واللَّهَب: النار. يقول: كأن حدّه النار.
إذا عُقَبٌ قضَوْا نَحْبًا ... يقوم خلافَهم عُقَبُ
قوله: إذا عُقَب يقول: إذا تعاقبوا الغَزْوَ فكلَّما قضى قوم غزوَهم رجعوا، وتهيّأ آخرون للغزو، ويقال هذه عُقْبة بني فلان كأنّها نوبتُهم.
تَرى فُرسانَهم يُردُو ... ن إرداءً إذا لَغَبوا
يُردُون، يقول يحملون خيلَهم على الرَّدَيان (1). قال أبو سعيد: وإذا ذهب النشاط حاء الرَّدَيان. لَغَبوا: فَتَروا.
كأنّ أسنّة الخَطِّ ... ىِّ تَخطِر بينهم شُهُبُ
الخطّ: قرية من قرى البحرين للتجار في الجاهلية يُشتَرى منها القَنا. والشُّهُب: جمع شِهاب. والشِّهاب: النار.
وحَمَّجَ (2) للجبان المو ... تُ حتى قلبُه يَجِبُ
يقول: نظر الجبان إلى الموت فهابَه. والتحميج: رفعُ البصر الى السماء وفتحُ العينين. يقول ذهب قلبه حتى ما يدرى أيقبل أم يدبر، كأنه مبهوت، وأنشد لذى الإصبع العُدْواني:
آإن رأيت رأيتَ بني أبِي ... كَ محمِّجين إليك شُوسا
__________
(1) الرديان: ضرب من السير.
(2) رواية السكرى: "وحمج للهلاك المرء".
(2/249)

أي سدّدوا النظر.
وكان قرينَ قلبِ المر ... ءٍ شَكُّ الأَمر والرُّعُبُ
قوله: شكّ الأمر والرّعب، قال: المرعوب الطائر القلب. يقول: ذهب قلبه حتى لا يدرى أيُقْبِل أم يُدْبِر.
رأيتَ أُوليِ محاضَرة ال ... قِتاد إذا خَبَوا ثَقَبوا (1)
أُولِى محاضَرة القتال، هم الذين يحضرون القتال، إذا فتر أمرُهم الْتَهَبَ بَعدْو (2) ويقال: ثقَبَت النارُ؛ إذا اشتعلتْ.
تَرَى عبدَ بنَ زهرةَ صا ... دقا فيهمْ إذا كَذَبوا
صادقا فيهم، يقول: تراه يَصدُق القتال إذا لم يَصدقُوه هم.
يَلُفّ طوائفَ الفُرْسا ... ن وهو بلَفِّهم أرِبُ
هو بلَفِّهم أَرِب، أي ذو علم بهم، يَحمِل عليهم فيجمعهم ويضعضعهم أي هو حاذق بقتالهم.
كما لَفّ القُطامِىُّ ال ... قَطام لم يؤنِه الطلبُ
__________
(1) رواية السكري لهذا البيت:
رأيت ذوى محاضر ال ... قتال. . . . . . . . الخ
وفسره قال: يقول الذين يحضرون الحرب في هذا الوقت إذا خبوا أي سكنوا. ثقبوا: أوقدوا أي التهبوا كما تلتهب النار، فكذلك ترى عبد بن زهرة.
(2) كذا في الأصل. ويبدو أنها محرفة عن "بعد".
(2/250)

القُطامىّ: الصقر (1). يُؤْنِه: يُفْتِره، ومنه، تَوانَى فى الحاجة، ويقال: ونَى بَنِى، وأوناه ذلك الأمر، أي أفَتَرَه.
ويُورِدُ ثم يَحمِى أن ... يعرِّدَ باسلٌ دَرِبُ
الباسل: الشديد. والَّدرِب: الضارِى، يقول: يَرِد ثم يأنف أن يرجِع. ويقال: عَرَّد إذا فرّ، وعَرَّد القومُ عن فلان، أي فرّوا عنه. والباسل: الشجاع. ويقال: باسل، بيّن البَسالة، والبَسْل: الحرام. ويقال ذلك بَسْل وأنشَدَنا أبو عمرو بن العَلاء:
حنّتْ إلى نخلةَ القُصْوى فقلتُ لها ... بَسْلٌ حرامُ إلى تلك الدَّهاريس (2)
وقال الأعشى:
فجارتُكم بَسْلٌ علينا محرّمٌ ... وجارتُنا حِلٌّ لكم وحَليلُها
ويَحمِله جَمومٌ أرْ ... يَحىٌّ صادقٌ هَدبُ
الجَموم: الذي يذهب له جريٌ ثم يثوب له جريٌ آخَر. والأريَحيّ: الذى تأخذه خِفّة للعطاء. والصادق: الصُّلْب في أمره. والهَدِب (3): الطويل العُرْف. والسَّبيب: شَعر الذَّنَب.
__________
(1) في السكرى أن القطامى اسم للبازى وللصقر وللشاهين.
(2) الدهاريس: الدواهى، واحده دهرس بكسر الدال وضمها.
(3) رواية السكرى "هذب" بالذال المكسورة، وفسوها فقال: هذب أي سريع. وهو متفق مع رواية اللسان لهذا البيت، فقد جاء فيه: أهذب الإنسان في مشيه والفرس في عدوه والطائر في طيرانه: أسرع وأنشد هذا البيت، ثم قال: هو على النسب، أي ذو هذب.
(2/251)

أجَشُّ مقلِّصُ الطَّرفي ... ن في أحشائه قَبَبُ
الأجشّ: الذي لصوته جُشّة. والقَبَب: الخَمصَ. والمقلِّص الطرفين (1). الذي يُشرِف عُنُقه وعَجُزُه.
إذا ما احتُثّ بالساقَيْ ... نِ لم يَصبِر له لَبَبُ (2)
يقول: ينقطع لبَبُه من نشاطه وشدّة جَرْيه. يقول: يَخرج من جِلدِه من شدّة جريه.
كما ينقضُّ مِن جوّ ال ... سماء الأجدَلُ الدَّرِبُ
الدَّرِب: المتعوّد الذي قد تعوّد. والأجدل: الصقر. والجِماع: الأجادل.
رَزيّة قومه لم يأ ... خذوا ثَمنَا ولم يَهَبوا
يقول: ذهب لم يهبوا هبةً ولم يأخذوا به ثَمَنا (3).

وقال
وكان حُصِر (4) ببلاد الرُّوم في زمن معاوية، فكتب إلى معاوية كتابا، فقرأه معاوية على الناس:
مِن أبى العِيالِ أبى هُذَيلٍ فاعرِفوا (5) ... قولى ولا تَتَجَمْجَمُوا ما أُرِسلُ
__________
(1) الطرفان: يداه ورجلاه، كما في السكرى.
(2) اللبب كاللبة، وهو موضع القلادة من الصدر من كل شيء. (اللسان).
(3) عبارة السكرى في تفسير هذا البيت: لم يأخذوا ثمنه، يريد ديته، ولم يهبوها أي لم يهبوا ديته لقاتله اه ملخصا.
(4) رواية السكري "حصر هو وأصحاب له" الخ.
(5) رواية السكرى: "فاسمعوا" بدل "فاعرفوا".
(2/252)

قال أبو سعيد: يقال: جَمَجموا بينهم أمرا، إذا لم يظهِروه للناس وكتموه (1).
أبلغْ معاويةَ بنَ صخرٍ آيةً (2) ... يَهوِى إليك بها البَريدُ المُعجلُ (3)
والمرَء عَمْرا فأته بصحيفةٍ ... منّى يلوح بها الكتاب (4) المُنْمَلُ
المُنْمَل: الذي كأنّ سطوره مَدَبُّ نَمْل (5).
وإلى ابن سعد إنْ أؤخرْه ففد ... أزرَى بنا في قَسْمه إذ يَعدِل
قال: هو ابن سعد بن أبي سَرْح، يقول: قَسْمُه للجند أن أَعطَى بعضَهم وترك بعضا. وقوله: أزرَى بنا أي قصّر بنا.
في القَسْم يوم القَسْم ثم تركتُه ... إكرامَه ولقد أرَى ما يَفعَل (6)
والى أُولِى الأحلام حيث لقيتَهم ... حيث البقيّةُ (7) والكتاب المُنزَل
أنَّا لقينا بعدَكم بديارنا ... من جانب الأمراج يوما يُسأل (8)
__________
(1) في السكرى: الجمجمة هي أن يردّد الشيء في نفسه. وفي اللسان أن الجمجمة ألا يبين كلامه من غير عيّ. وفي التهذيب: ألا تبين كلامك من عي، وقيل: هو الكلام الذي لا يبين من غير أن يقيد بعى ولا غيره، والتجمجم مثله.
(2) الآية: العلامة (عن السكر).
(3) رواية السكرى:
أبلغ معاوية بن صخر آية ... يهوى إليه بها البريد الأعجل
(4) في السكرى: "كتاب منمل" ولم يبين الشارح المراد بقوله "والمرء عمرا" في البيت، وعرفه السكرى فقال: أظنه عمرو بن العاص.
(5) عبارة السكرى: منمل: متقارب الخط.
(6) يلاحظ أن الشارح لم يشرح هذا البيت. ويقول السكرى: أكرمته فلم أشكه ولم أهجه، يقال تركتك إكرامك وإجلالك وهيبتك.
(7) قال السكرى في تفسير هذا البيت: إن البقية هي المرجع الحسن في المروءة والدين. والكتاب المنزل فيهم.
(8) في السكرى: يسأل أي يسأل عنه لشدّته. ويروى يبسل، أي كريه المنظر.
(2/253)

أمرا تضيق به الصدور ودونه ... مُهَج النفوس وليس عنه مَعدِل (1)
في كل معترَك يُرَى منّا فتًى ... يَهوِى كعَزْلاء (2) المَزادة يَزْغَلُ
المُعترَك: موضع القتال حيث اعتركوا، ويَزغَل: يخَرج دمه كما يَخرج ماء المَزادة؛ يقول يَدفع بالدم دَفعا، وأزغلت الناقة البول، وأزْغَلَت القَطاة في حَلْق ولدها. وكلّ دفعة زُغْلة. وأنشد لابن أحمر:
فأزغلتْ في حلقه زُغْلَةً ... لم تَظلم (3) الجِيدَ ولم تَشْفَتِرُّ
تشفترّ: تتفرّق.
أو سيّدٌ كَهْلٌ تَمورُ (4) دماؤه ... أو جانحٌ فى صدر رُمْحٍ يَسْعُل (5)
الجانح: المائل في أحد شِقّيه، أو منكسِر فيه الرمح، فهذا كلّه جُنوح. وصاحب الدم المطعون يَشرَق بالدم فيَسعُل.
حتى إذا رَجَبٌ تَخلَّى (6) وانْقَضَى ... وجُمادَيانِ وجاء شهرٌ مُقبِلُ
شَعَبانُ قدّرنا لوَفْق رحيلِهمْ ... سَبْعا يُعَدّ لها الوفاءُ فتَكْمُلُ (7)
__________
(1) مهج النفوس: خوالصها.
(2) لم يفسر الشارح العزلاء وهى مصب الماء من الراوية والقربة، وسميت عزلاء لأنها في أحد خصمى المزادة لا فى وسطها ولا هي كفمها الذي منه يستقى فيها. والجمع العزالى.
(3) في اللسان "لم تخطئ الجيد".
(4) تمور، من مار الشئ يمور مورا، إذا اضطرب وتحرك، ومنه قوله تعالى: "يوم تمور السماء مورا". اللسان.
(5) روى السكرى هذا البيت:
أو سيدا كهلا يمور دماغه ... أو جانحا في صدر رمح يسعل
(6) في السكرى "تجلى" بدل "تخلى".
(7) روى السكرى هذا البيت:
شعبان قدرنا لوقت رحيلهم ... تسعا يعد لها الوفاء فتكمل
وشرحه فقال: تسعا أي تسع ليال.
(2/254)

تقول؛ عَشْرٌ خَلَوْن من رجب، وذا كقولك: السنون الخوالى.
وتجرّدَتْ حْرب يكون حِلابُها ... عَلَقا ويَمرِيها الغوىُّ المبطِلُ
يكون حِلابُها عَلَقا، أي تحلب دما. ويَمرِيها الغوىّ، أي يستدرّها الغويّ. يقول: أهلُها غُواة.
فاستقبَلوا طرَف الصعيد إقامةً ... طَورا، وطَوْرا رِحلةٌ فتَنقُّلُ
طرف الصعيد، هو بمصر (1)، فهم ينتظرون، وهم يقيمون مرّة كذا ويرحلون مرّة كذا.
فَترى النِّبالَ تَعِيرُ في أقطارنا ... شُمُسا كأنّ نِصالهَنّ السُّنبلُ
تَعير: يعنى تَذهب غيرَ قواصد يَمنة ويَسرة. وأقطارنا: نواحينا. قال: يقول. يبعدون من الشرّ ونبعد. وقوله: شُمُسا، أي تَنْزو نَزْوا كأنّ نصالهنّ السنبل من حدّتها.
وتَرى الرماحَ كأنّما هي بيننا ... أشطانُ بئر يُوغِلون ونُوغِلُ
الشطَن الحبل، وأشطان بئر: أحبال بئر. قوله يوغلون ونوغل: أي يطلبون الدخول فينا ونطلب الدخول فيهم (2).
__________
(1) قوله: طرف الصعيد هو بمصر الخ الذي في السكرى: الصعيد التراب، وكل خارج قرية إذا برزت منها فهو صعيد. وفي تعريف الصعيد في لسان العرب أقوال كثيرة أظهرها أنه وجه الأرض، والتراب أيضا. وظاهر أن الشارح لم يرد إلا تحقيق موضع هذا المعترك بأنه كان بصعيد مصر.
(2) في السكرى: "يوغلون ونوغل" أي ننفذ الطعن وينفذونه.
(2/255)

" شعر بدر بن عامر وأبى العيال"
قال: أصيب ابن أخ لأبي العيال وهو ابن أبى عُتَير أحد بني خُناعة، وكان ممّن خرج إلى مصر في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وكان فيه بعض الرَّهَق، وهو الفساد، فاتهم ابن أبي عُتَير ابنَ عمّ له يقال له: بدر بن عامر، اِتّهمه أن يكون ضَلْعُه مع خصمائه، فبلغ ذلك بدرا، فقال في ذلك بدر بن عامر:
بخلتْ فُطيمةُ (1) بالّذى تولينى ... إلاَّ الكلام وقلّما يُجديني
فطيمة: اِسم امرأة. وقوله يجديني: يغنينى.
ولقد تَناهَى القلبُ حين نهيتُه ... عنها وقد يَغوِى إذا يَعصينى
أفُطَيم هل تدرين كم من مَتْلَفٍ (2) ... جاوزتُ لا مرعًى ولا مسكونِ
ابن دُرَيد: لا مَرِعٍ.
غَوْرِيّه (3) نجديّه شرقيّه ... غربيّه، متشابهٍ ملعونِ
متشابه رَدَّه على مَتَلف. شرقيّه غربيّه، يقول: يشبه بعضها بعضا. قوله: ملعوت، يُلعَن. يقول مَنْ سَلَكه: اللهمّ العْنه من طريق، ما أصعَبَه وأبعَدَه!.
__________
(1) في "السكرى" أميمة".
(2) متلف: طريق يتلف الناس فيه. ولا مرعى، أي لا رعي فيه ولا يسكن (السكرى).
(3) الغور: ما انخفض من الأرض. والنجد: ما ارتفع منها "السكرى".
(2/256)

كالزَّمْهَرير إذا يُشَبّ (1) يُميتهُم ... بالبَرْد في طُرُق لهمْ وفنونِ
فترى البلادَ كأنّها قد حُرّقتْ ... بالنار والتَهبتْ بكلّ وَجينِ
الوَجين: المكان الغليظ من الأرض.
وأبو العيال أخى فمن يَعرِض له ... منكم بسُوءٍ يؤْذنى ويَسونى
إنّى وجدتُ أبا العيال وعِزَّه ... كالِحصْن لُزَّ بجَنْدَلٍ مَوْضونِ
يقول: كأنه حصنٌ لك، إذا عُذْتَ به كأنك دخلتَ حِصْنا. وقوله: بجَنْدَل مَوْضون، كأنه نُسِج نَسْجا ضُفِر ضَفْرا فهو أصلب له. ووَضِينُ الرَّحل منسوجٌ نسجا. وبعض العرب يسمّيه السَّفيف (2) يراه قد سُفّ.
أعيا المجانيقَ الدّواهِي دونَه ... وتركنه وأبَرَّ بالتحصين
قال: يقول: هذا الحصنُ لا تُطيقه المَجانيق من صلابته وشدّته. وقوله: أبرّ بالتحصين، أي غَلب بالتحصين. كأنه حِصْن له مَنَعة.
أسدٌ تَفَرّ الأُسْد من عُرَوائه ... بَعوارض الرّجّاز أو بعُيونِ
__________
(1) عبارة السكرى: يشب أي يشتد، وروايته للشطر الأخير من هذا البيت:
* بالبرد فى طرق لها وفنون *
وفسره فقال: لها أي للفلاة. وفنون: تشتعب من طرقها.
(2) فى اللسان: السفة ما يسف من الخوص كالزنبيل ونحوه، أي ينسج.
(2/257)

عُرواؤه: حِسّه. قال: ويقال: لا يزال يعروه شرّ أي يأتيه، يُلمّ به، ويقال: أجد عُرَواءَ من حُمَّى أي حِسّا. والعوارض: النواحى. والرجّاز: موضع (1).
ويَجُرّ هُدّاب الفليلِ كأنّه ... هُدّابُ خَمْلةِ قُرْطُفٍ (2) مَمْهُونِ
القُرْطُف له هُدّاب. ويقال للضبع إنها لذات فَليل، أي شعرٍ ممهون منفوش
ولصوته زَجَل إذا آنستَه ... جَرْىَ الرَّحَى بَجرينِها (3) المَطْحونِ
ويروى جَرَّ الرحى: أي ما جرّت الرحى وجَرَنَتْ من طحينها. "فهذا الأسد يجرّ الرجال قد قتلهم كما تجرّ هذه الرحى طحينها (4) ".
وإِذا عَددتُ ذوى الثِّقاتِ فإنّه ... ممّا تَصولُ به إِلىّ يمينى
__________
(1) لم يفسر الشارح قوله في البيت "بعيون" كما أنه لم يضبط "الرجاز" وضبطه ياقوت ضبطا بالعبارة في معجمه ج 2 ص 753 طبع أوربا فقال: الرجاز بفتح أوله وتشديد ثانيه وآخره زاء، وعرّفه فقال: انه اسم واد بعينه ينجد عظيم، وقد روى البيت فيه هكذا:
أسد تفر الأسد من عروائه ... بمدافع الرجاز أو بعيون
ولكن السكرى ضبط الرجاز بضم الراء، وقال ما نصه: الرجاز وعيون موضعان. وزاد فنقل عن أبي عمرو رأيا آخر وهو أن عوارض الرجاز أي حيث يلقاه الرجال فيرجزون به، وقوله: بعيون، أي عيون الذين ينظرون إليه.
(2) كذا ضبط هذا اللفظ في الأصل بضم القاف والطاء. ولم نقف على هذا الضبط فيما بين أيدينا من كتب اللغة. والذي وجدناه أن القرطف بفتح القاف والطاء، وهو القطيفة التى لها خمل. وفي حديث النخعىّ في قوله تعالى: (ياأيها المدثر) أنه كان متدثرا في قرطف (اللسان).
(3) الجرين: الطحن (بكسر الطاء) بلغة هذيل.
(4) كذا وردت هذه العبارة التى بين هاتين العلامتين فى الأصل. ولعل المقصود "فهذا الأسد يجرن الرجال قد قتلهم جرنا أي طحنا شديدا كما تجرن هذه الرحى طحينها".
(2/258)

فأجابه أبو العيال
إنّ البَلاءَ لَدى المَقاوِسِ مُخرِجٌ ... ما كان من غَيبٍ ورَجْمِ ظُنونِ
البلاء: الابتلاء. والمِقوَس: الحبل الذي يمُدّ على صدور الخيل، ثم تُرسَل (1) فذلك البلاء يُخرِج أخبارَهنّ، أي يُخرِج ما كان من غيب وما كان من ظنّ فيصير إلى الصدق، ويقول أهل الحجاز للحبل الذي يوضع على صدور الخيل حين يراد أن تُدفَع: مِقْوَس؛ يقول: البلاء لدى المَقاوِس، عند الرِّهان يُعرَف اللجواد من غيره.
فإِذا الجوَادُوَني وأَخلَفَ (2) مِنْسَراْ ... ضُمْرا فلا تُوقِنْ له بيقينِ
الوَنَى: الفَتْرة. يقول: إذا أَخلَف في ذلك الوقت فلا يُلتَفت إليه. والمِنسَر ثلاثون أو أربعون (3). وقوله: ضُمرا أي من الضُمْر، أي إذا قُومِر عليه لم يصب خيرا فحُدِّثت عنه بعد ذلك بخير فلا تُوقِن بذلك. يقول: يُخرج المِنسَر ذلك.
لو كان عندك ما تقول جعلتَني ... كنزا لرَيْب الدهرِ عند ضَنِينِ
يقول: لو كان عندك ما تقول مما تُثنى عليّ لجعلتنى كنزا تَخبَؤُه كما يُخبأ الكنز عند شحيح عليه، وذلك أنه يُشفق على الكنز. والضنين: الشَّحيح.
__________
(1) ورد هذا البيت في اللسان (مادة قوس) وفسر المقوس بأنه الحبل الذي تصف عليه الخيل عند السباق. ثم نقل عن ابن الأعرابي أن الفرس يجرى بعنقه وعرقه، فإذا وضع في المقوس جرى بجد صاحبه. ويقول السكري في تعريف المقوس: إنه حبل تصف وراءه الخيل ثم ترسل.
(2) أخلف منسرا أي جاء بعده (السكري).
(3) فسر السكرى المنسر بأنه ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل. وقد أورد في لسان العرب (مادة نسر) في المنسر أقوالا كثيرة، فانظرها.
(2/259)

فلقد رمقتُك في المجالس كلِّها ... فإذا وأنت (1) تعينُ من يبغينى
قوله: رمقتُك أي نظرتُك. من يبغينى أي من يبغينى شرًا.
هلّا درأتَ الخَصْمَ حين رأيتَهم ... جَنَفوا عليّ بِألسُنٍ وعُيونِ
قال أبو سعيد، أرويه جَنَفا علىّ، وجَنفوا علىّ جميعا. وقوله: درأتَهم: أي دفَعتهم ورأيتَهم أهَل مَيلٍ عليّ بألسنتهم وعيونهم، وهم لهم جَنَف. والجَنَف: الميل. والجَنِف: المائل المتحامِل: جَنَفا: مَيْلا. ويقال: جَنِف يَجْنَفَ جَنَفا، وتَجانَف: تمَايَل.
وزجرتَ عنّى كلَّ أبلَخَ كاشحٍ ... تَرِعِ المقالةِ شامخِ العِرْنِينِ
الأبلخ: المتكبّر في نفسه. تَرِع المقالة: سريعُها لا يحبسها. ويقال: هو يُترِع إلى الشرِّ أي يُسرع. والتَّرِع: السريِع المسرِع إلى الشرّ، وكأن أصلَه ممتلئ، ويقال: اتَّرَع (2) الإناءُ. وقوله: شامخ العِرْنين، يقول: هو شامخ بأنفه. قوله: زجرتَ، أي كففتَ.

فأجابه بدرُ بنُ عامر
أقسمتُ لا أنسَى مَنيحةَ واحدٍ ... حتى تَخَيَّطَ بالبياض قُرونِى (3)
__________
(1) ذكر السكرى أن الواو في قوله "وأنت" مقحمة، مثل قولهم: اللهم ربنا ولك الحمد.
(2) اترع الإناه: امتلأ.
(3) قال في اللسان: وخيط الشيب رأسه وفي رأسه ولحيته (بتشديد الياء المفتوحة): صار كالخيوط، أو ظهر كالخيوط، مثل وخط، وتخيط رأسه كذلك، قال بدر بن عامر الهذلى:
تالله لا أنسى منيحة واحد ... حتى تخيط بالبياض قرونى
ثم نقل عن ابن حبيب أنه إذا اتصل الشيب بالرأس فقد خيط الرأس الشيب فجعل خيط متعديا، قال: فتكون الرواية على هذا "حتى تخيط (بضم التاء وفتح الياء مشدّدة) بالبياض قروني" وجعل البياض فيها كأنه شيء خيط بعضه إلى بعض. قال: وأما من قال خيط في رأسه الشيب بمعنى بدا فإنه يربد تخيط بكسر الياء مشدّدة أي خيطت قرونى وهى تخيط، والمعنى أن الشيب صار فى السواد كالخيوط ولم يتصل لأنه لو اتصل لكان نسجا.
(2/260)

ابن دريد: تُخيَّط. قال أبو سعيد: يقال: قد خَيَّط فيه الشيبُ وبلغ. ونَقَّب فيه الشيب "أو أستمرّ لهذه القبر (1) " والمنيحة العطيّة، وأصله أن تُعار الناقةُ أو الشاةُ فتُحلَبَ ثم تُرَدّ.
أو أستمرّ لمَسْكَنٍ أثوِى به ... لقرَارِ مَلْحُودِ العِداءِ (2) شَطونِ
الشَّطون: العَوْجاء من الآبار. وأصل ذلك أن يكون في جوفها زَوَر فتُجذب دلُوها بحبلين، وهما شَطَنان، ومن هذا قولهم: نيّة شَطون. يقول: منحتَنى ما ليس فيه خير ومنحتُك أنا نُصحِى.
ومنحَتنى جَدّاءَ (3) حين منحَتنى ... شَحْصًا بمالئةِ الِحلاب لبَونِ
قال: الشَّحْص من المال: الذي ليس فيه لبن، يقال: إبل شَحْص وغنم شَحْص (4) وأنشدنا لحُميد بن ثور - رضي الله تعالى عنه -:
__________
(1) قوله: "أو استمر لهذه القبر": يبدو أن الشارح جاء بهذه العبارة هنا ليصل معنى هذا البيت بالبيت التالى، لقوله فيه "أو استمر لمكسن أثوى به" وقد روى السكرى هذا البيت هكذا:
حتى أصير لمسكن أثوى به ... لقرار ملحدة العداء شطون
وفسره فقال: المسكن القبر.
(2) لم يفسر الشارح العداء في هذا البيت، ولكن اللسان فسره فقال: العداء ممدود: ما عاديت على الميت حين تدفنه من لبن أو حجارة أو خشب أو ما أشبهه، ويقال أيضا العدى كإلى والعداء: حجر رقيق يستر به الشيء. ويقال: لكل حجر يوضع على شيء يستره عداء. وفسر السكرى العداء بأنه الأرض التى ليست بمستوية الحفر.
(3) الجدّاء: التي لا لبن بها (السكرى).
(4) إذا ذهب لبن الشاة كله فهي شحص بفتح الشين وسكون الحاء، الواحدة والجميع في ذلك سواء (اللسان).
(2/261)

بدت يوم رُحْنا عَوْهَجُ (1) لا شَحاصَةُ ... نَوارٌ (2) ولا رَيّا الغزال لِحَيبُ (3)
يقول: منَحتَنى شَحْصا ليس لها لبن ومنحتُك أنا مالئةً لِحلابك. وإنما ضرب هذا مَثَلا، يقول: منحَتنى شحصاء. وإنما يريد ثنائى ومدائحى. والحِلاب: ما يُحلب فيه، والمعنى منحتُك اللَّبون، ومنحتَنى أنت الشَّحَص.
وحبوتُك النُّصْحَ الذي لا يُشَترى ... بالمال فانظر بعدُ ما تَحْبونى
وتأمّل السِّبتَ الذي أحذوكُم ... فانظر بِمثلِ إمامِه (4) فاحذونِى
يقول: مِثلَ ما صنعتُ بك فاحذونى، وليس ها هنا نعل، إنما هذا مثَلَ، يريد ما أحذوكم من الثناء فافعلوا بى مِثله. والسِّبْت: النعل المدبوغة، بالقَرَظ. يقول: اُحذُنى مِثلَها.

فأجابه أبو العيال
أقسمتَ لا تَنسَى شَبابَ (5) قصيدةٍ ... أبدا فما هَذا الّذى يُنْسينى
قال أبو سعيد: يقول: إنك تبدأ شَبابَ شِعْر، فما هذا الذى ينسينى وقد أقسمتَ لا تَنسى.
__________
(1) العوهج من النوق: الطويلة العنق.
(2) في الأصل "ثوار" بالثاء؛ وهو تصحيف. والنوار: النافرة. ويجمع على "نور" بضم النون، وهي النوافر من الظباء والوحش وغيرها، وتقول: نسوة نور أي نفر من الريبة.
(3) اللحيب من الإبل: الفليلة لحم الظهر.
(4) إمامه: مثاله. (السكرى).
(5) في رواية "مقال" (السكرى).
(2/262)

فلسوف تنَساها وتعَلمُ أنّها ... تَبَعٌ لآبيةِ العِصابِ (1) زَبوُنِ
يقول: سَتنسَى مَنيحتك وتعلم أنها تبعُ آبية العِصاب زَبون، إن حُلبتْ لم تَدِرّ وإن عُصِبتْ زَبَنتْ ورَمحتْ، يقال: هذه ناقة زبون. والزَّبنْ: الرَّمْح.
ومنحتَنى فرضيتُ زِىَّ منَيحتى (2) ... فإذا بها وأبيكَ طَيف جُنون
زِيّها: مَرآتها. يقول: رضيتُ هيئتها ومَرآتها فإذا بها طيفٌ من الجنّ؛ وهذا مَثَل ضربَه له.
جَهْراءَ لا تألو إذا هي أظهرتْ ... بَصَرا وما مِن عَيْلة تُغنينى
الجَهْراء: التي لا تُبصر في الهاجرة من الدوابّ والإبل، أي منحتنَى شاةً لا تُبصر. والأجهر مِثلُها. لا تألو: لا تستطيع بصرا. قال: وسمعتُ رجلا بمكّة يقول: لا آلو كذا وكذا: لا أستطيعه.
قرِّبْ حِذاءَك قاحِلا أو ليّنا ... فتَمَنَّ في التّخصير والتَّلْسِينِ
قال أبو سعيد: كانت العَرب إذا تنوّقتْ في جلود البقر لَسّنتْ وخَصّرتْ، فقال هذا الأوّل من الشاعرين: انظر حذائى فاحذونى. فقال هذا الآخر: قرّبْ حذاءَك الّذى حذوتَنى أحذُك مِثلَه على مثاله، وتَمَنّ في التخصير والتلسين، وأنشدنا:
إلى معشر لا يَخصِفون نِعِالهَمْ، ولا يَلبَسون السِّبْتَ ما لم يخصَّر
__________
(1) يقال: عصب الناقة يعصبها عصبا وعصابا إذا شدّ فخذيها أو أدنى منخريها بحبل لتدر (اللسان)
(2) في رواية: "أمنحتنى جهد اليمين شَمّلة". وفي رواية أخرى: "ومدحتنى فرضيت رأى منيحتى" (السكرى).
(2/263)

وليس ثمّ جذاء، إنما هذا مَثَل، وكانت العرب إذا حَذَتْ حذت خاما وإنما الخام من جلوم الإبل، لأنّها لا تُدبغَ، لم تخصَّر ولم تُلسَّن.
وارجع مَنِيحتَك الّتى أتبعتَها ... هُوعًا (1) وحَدَّ مذلَّقٍ مسنون
قوله: هوعا، أي أتبعتَها قَيئا، أي أنك لم تَهبْها طيّب النفس، وأتبعتَها تطلُّعك نفسَك إليها، وأتبعتَها حدَّ مذلَّق مسنون (2) أي مِثلَ الرُّمْح تؤذينا به. ويقال: الهوع الجَزَع، والهوع "مثل الصو والصو (3) " يقال: هاع يهوع هوعا مِثل جَزِع يَجزَع جَزعا ويقال: رجلٌ هاعٌ لاعٌ.

فأجابه بدر بن عامر
أزعمتَ أنِّي إذ مدحتُك كاذِبٌ ... فشفَيتَنى وتجارِبي تَشفينى
يقول: زعمتَ أنّى كاذب إذ مدحتُك فشفيتَنى ممّا في صدرى، وما جرّبتُ منك يشفينى.
وزعمتَ أنّى غيرُ بالغ غايةِ ال نُّ ... جَباءِ إنّ الدهر ذو تَلْوِينِ
إن الدهر ذو تلوين، أي ذو تقلّب. يقول: قد تغيَّر الزمن حتى تقول هذا إلىّ؟
__________
(1) ضبط هذا اللفظ في الأصل هكذا. ولم نجد هذا الضبط فيما لدينا من كتب اللغة. والذى في اللسان هاع يهوع ويهاع هوعا (بفتح الهاء وتسكين الواو) وهواعا وتهوّع: قاء. أما الذى بمعنى الجبن والفزع فهو هاع يهاع ويهيع هيعا. وقد استشهد اللسان على هذا المعنى بهذا البيت لأبى العيال وضبطه هوعا بفتح الهاء وسكون الواو، وفسره فقال: ردها، أي منيحتك فقد جزعت نفسك في أثرها.
(2) حد، أي لسانك الذي يشبه حد المذلق المسنون.
(3) كذا في الأصل.
(2/264)

فودِدتُ أنّك إذ وَنَيْتُ ولم أنَلْ ... شرفَ العَلاءَ تكفينى
يقول: فودِدتُ أنّك تكفينى إذ زعمتَ أنّى غيُر بالغ غاية النجباء. ويقال: ونَيتُ في الأمر فأنا أَنى فيه وَنْيا إذا أنتَ فترتَ عنه.
فتُبِرّ حتّى لا تُحارَى سابِقا ... فانظر أينَقص ذاك أم يُزُكينى
فتُبِرّ أي تغلب في السَّبق، ويقال: سابقُ مُبِرّ. يقول: اُنظُر إذا كنت سابقا أينقص ذلك منّي أم يزيدنى.

فأجابه أبو العيال
يا ليت حَظِّى مِن تَحَدُّب (1) نَصْرِكْمْ ... وثَوابِكم في الناسِ أن تَدَعونِى
قال أبو سعيد: قالوا له: نفعل بك كذا وكذا، ونفعل بك كذا وكذا من الخير؛ فقال: يا ليت حظى من ثوابكم أن تَدَعونى أو تسألونى حوائجَكم.
حتى اذا أنتمْ فعلتمْ ذاكُمُ (2) ... فَخَلاكُمُ ذَمُّ إذَّا وسَلونِى
ذهب العتابُ فلا أرى إلاّ امرأً ... جَلْدًا يقول لدىّ ما يَعنينى
يقول: ذهب العتابُ فَلم يَبق إلّا رجل جَلد يقول: ما يعنينى أن يقال كذا ولستُ مِن ذا في شيء. عندي ما يَشغَلنى عن هذا.
يَنأَى بجانبه ويزعم أنّه ... ناجٍ من اللَّوْماء غيرُ ظَنين
اللَّوْماء: اللؤم. والظَّنين المتَّهَم. والظَّنون: الذّى لا يوثَق بما قِبَله.
__________
(1) التحدّب: التعطف (السكرى).
(2) في السكرى "ذلكم".
(2/265)

نَكِدتْ علىّ مَشارِبى مِن نحوِكم ... فصَدَرْتُ وارتدّت علىّ شؤونِى
يقول: ليس لي قِبَلكم مودّة، فصدرتُ ولم أُصب حاجتى. شؤونى أي أمورى التي رجوتُ أن تُنفَّذ لي. والشأن: شأن الرجل وأَمُره، والجميع الشؤون.

فأجابه بدر بن عامر
من كان يَعنيه مُقاذَعةُ امرئٍ ... ثاوٍ بمعرَكةٍ فما يَعنينى
يقول: من كان يعنيه مقاذعة امرئ فإنّ ذلك لا يعنينى أنا.
بكلِام خَصمٍ أو جِدالِ مُجادِلٍ ... غَلِقٍ (1) يُعالِج أو قَوافٍ عِينِ
يقول: لا يَخفَى علىّ القولُ السهل، والقول الخشِن أعرِف فَحْواه.
ولقد عرفتُ القولَ يأتى ساكِنًا ... ولقد عرفتُ مَقالةَ التخشين
ولقد نَطقتُ قَوافياً إنسيّةً ... ولقد نطقتُ قوافىَ التّجنِينِ
قوله: قوافى التجنين: أي قوافى الجنّ (صلّى الله على محمّد) يقول: نطقتُ ما يقولُ الإنس وما يقولُ الجنّ، الوحشيّة منها وغيرها أيضا.
ولقد تَوارَثُنى الحوادث واحدا ... ضرَعا صغيرا ثمّ ما تَعْلونى
يقول: تصيبنى حادثةٌ بعد حادثةٍ ترث إحداهما الأخرى، وقد جرّبتُ الأمورَ حَدَثا صغيرا فما عَلَتْنى، أي ما قهرتْنى.
__________
(1) الغلق ككتف: الغاضب. والقوافي العين: المختارة.
(2/266)

فتركننى لمّا رأين نَواجِذى ... في الرَّرْق مِثلَ مَعاولِ الزَّيتون
يقول: حين بَزَلْتُ وصارت نواجِذى مِثلَ المعَاولِ التى يقُطع بها الزيتون وإذا التفّ الزيتون حدّت. والرَّوْق: حدّ الأسنان (1).
عُصُلا قَواطعَ إن تكادُ لَبَعْدَ ما ... تُفْرِى صريَع عِظامِها تُفرينى
العُصُل: المعوجّة. والأعصل: الأعوج. يقول: إنْ تكادُ لتُفْرِى صريعَ خشب الزيتون العظامٍ منه ترجع عليّ فُتفْريني. صريَع عظامها: أي قد صرعتْ عظامَها. يقول: تعود علىّ فتُفْريني، وذلك أنّها تُنفِذ الضريبةَ حتى تكاد أن تعود علىّ (2).

فأجابه أبو العيال
وإخالُ أنّ أخاكمُ وعتابَه ... إذ جاءكمْ بتعطّفٍ وسُكونِ
يقول: إذا أَظهرَ لكم اللِّينَ فوراء ذلك غائلة.
يمشى إذا يمشى ببطنٍ جائع ... صِفْرٍ ووجهٍ ساهمٍ مدهونِ
يقول: باطنه خبيِث، وظاهره خبيث.
فيُرَى يَمثّ ولا يُرَى في بطنه ... مثقالُ حبّة خردلٍ موزونِ
قال: يقول: يُرَى جسدُه كأنّه يَمَثّ دَسمَا وباطنه خبيث.
__________
(1) عبارة السكرى في شرح هذا البيت: الروق: أول الشباب. والنواجذ: أقصى الأضراس. والمعاول مثل الفؤوس ... عظام منها، وأضافها إلى الزيتون لأنها يقطع بها الزيتون.
(2) لعلك ترى في تفسير الشارح هذا البيت بعض التكرار. وقد فسره السكرى فقال: الأعصل: المعوج، يريد النواجذ، ثم رجع إلى المعاول فقال: إن تكاد لبعد ما تفرى، أي تقطع صريع عظامها وهو ما صرع من عظام شجر الزيتون. تفرينى: تقطعنى.
(2/267)

أو كالنّعامة إذ غدت من بيتها ... ليُصاغَ قَرْناها بغير أَذِين
فاجتُثّت الأُذْنان منها فانتهتْ ... صَلْماءَ ليست من ذوات قُرونِ
يقول: ذهبت النعامة تطلب قرنين فاجتُثّ أُذُناها، ومعناه: تطلب عندي الخير بمنازعتك إيّاى فرجعتَ مجدوعا.
فاليوم تُقضَى أمّ عَمرٍو دَينَها ... وتَذوقُ حدَّ مصوَّنٍ مكنون
تُقضَى أمّ عمرو دينها، هذا مَثَل. يقول: اليوم أجازيكّ بما فعلت لي.
تم القسم الثانى من ديوان الهذليّين
ويليه القسم الثالث، وأوّله وقال مالك بن خالد الخناعىّ،،
والحمد لله رب العالمين
(2/268)