Advertisement

ديوان الهذليين 003

ديوان الهذليين

القسم الثالث
ويشتمل على شعر:
«مالك بن خالد الخناعى، وحذيفة بن أنس. وأبى قلابة، والمعطل، والبريق، ومعقل بن خويلد، وقيس بن عيزارة، ومالك بن الحارث، وأبى جندب، وأبى بثينة، ورجل من هزيل، وعمرو بن الداخل، وساعدة بن العجلان، ورجل من بني ظفر، وكليب الظفرى، والعجلان، وعمرو ذى الكلب، وجنوب»
(م 3/1)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مُقدَمة
كان الشعرُ الهُذَلىّ فى كل عهود هذه اللغة موضع اهتمام كبار الرواة كالأصمعىّ وأماثل الأئمة كالشافعىّ، وصدور المؤلفين كأبى سعيد السكرىّ وأبي الفرج الأصفهانىّ، وغيرهم.
وقد ظلّ هذا الشعر الهذلىّ منذ تدوين هذه اللّغة وهو حقيبة نصوصها وجَعْبة شواهدها، وملتقَى حُفّاظها، إليه مرجع علمائها فى الاستشهاد على صحة المفردات، وعليه يعتمد الأئمة في تفسير ما التبس من محكم الآيات؛ فقد كانوا لشدّة عنايتهم بهذه اللّغة الكريمة وحرصهم على بقاء بِنْيَتها صحيحة لا يستشهدون على سلامة تعابيرهم، بما تنطق به عامّة قبائل العرب، وإنما كانوا يخصّون ولا يعمّون.
لقد كانوا لا يأخذون عن لَخْم ولا عن جُذام، ولا عن قضاعة وغسّان وإياد، ولا عن تَغْلب والنَّمِر، وإنما كانوا يأخذون العربية عن قيس وأَسَد وتميم وهُذَيل وبعض كنانة وبعض الطائّيين، ولم يأخذوها عن غيرهم من سائر قبائلهم كما يقول أبو نصر الفارابيّ.
فهذيل كانت فى اعتبار أئمة اللغة إحدى جهاتٍ ستّ لا يقُتْدَى إلا بها ولا تؤخذ اللّغة إلا عنها، فإذا عرفتَ إلى هذا أن قيسا وأسدا وتميما إنما كان
(م 3/5)

يُعتَمد عليهم في الغريب وفى الإعراب وفى التصريف، استطعتَ أن ترى بداهة أن هذيلا كانت أُولى القبائل الّتى يُقتدى بها في فصاحة اللسان، وسَعَةِ البيان.
فلئن سبقت قريش بأنّها كانت أجوَدَ العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا، لقد جاءت هذيل لاحقةً بها فى هذا المضمار أو تكاد، ولا عجب، فهي تمتّ إلى قريش بالنَّسب وبالصِّهر وبالجِوار.
فالهذليّون -على ما يحقّقه أبو حزم الأندلسىّ فى كتابه (جمهرة أنساب العرب) - هم بنو هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.
وإذا كانت قريش تسكن مكّة، فقد كانت هذيل تسكن حولها أو قريبا منها. فلا جرَم أن يكون القرشيّون والهذليّون فى الفصاحة قُسَماء، كما كانوا في الجوار والدماء أقرباء.
لقد أعرقتْ هذيل فى الشعر خاصّة، حتى كان الرجل منهم ربمّا أنجب عشرةً من البنين كلّهم شعراء.
قال صاحب الأغانى: كان بنو مُرّة عشرة: أبو خراش وأبو جندب وعروة والأتج والأسود وأبو الأسود وعمرو وزهير وجُنَادة وسفيان، وكانوا جميعا شعراء دُهاة.
ويقول الأصمعىّ: إذا فاتك الهذلىّ أن يكون شاعرا أو راميا فلا خير فيه. فانظر إلي أىّ حدّ بلغتْ هذه القبيلة من شهرة بالشعر وتجلّة لدى الثقات ومنزلةٍ عند الرواة.
حقّا إن قيام "دار الكتب المصرية" بطبع هذا الديوان لا يعدّ عملا أدبيا فحسب، ولكنّه عملُ مُجْدٍ نبيل. وهكذا قيّض الله لهذه الدار أن تُخرِج من الشعراء الهذليين أكبر عدد عُرِف حتى الآن.
(م 3/6)

فأكبر الكُتُب المعروفة فى شعر الهذليين ثلاثة، وهي: "ما بقى من أشعار الهذلين" المعروف (بالبقية)، "وشرح ديوان الهذليين لأبى سعيد السكرى" و "مجموعة أشعار الهذليين" المطبوع فى ليبزج، لم يزد أوّلها على سبعة وعشرين شاعرا كما أن الثانى لم يتجاوز تسعة وعشرين، وكذلك الثالث فإنه يشمل ستة شعراء.
هذا كلّ ما جمُع للهذليين فى الشرق والغرب فى القديم والحديث.
أما ديوان الهذليين إخراج "دار الكتب المصرية" وهو الذى نقدّم إليك الآن الجزء الثالث منه فإنه يشمل بقية مجموعة الأستاذ الشنقيطى المخطوطة المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 6 أدب ش.
أما طريقتنا فى إخراجه والمراجع التى رجعنا إليها فيه ففى مقدمتى القسمين السابقين بيانُ شافٍ وتفصيلٌ وافٍ عن ذلك.
ويلاحظ أننا لم نُغفِل مصدرا أخذْنا منه أو نقلْنا عنه إلّا ذكرناه فى موضعه من الحواشى والتعليقات التى أثبتناها فى أواخر الصفحات.
وقد بذلْنا غايةَ الجهد في تحقيق هذا الكّتاب وشرح الغامض من مفرداته مراعين فى ذلك سياقَ العبارات وما تقتضيه أساليب الهذليين، مستعينين بالمصادر التى بين أيدينا، مستضيئين بالممارسة التى خوّلها لنا طولُ نظرنا فى شعر هؤلاء الشعراء وأمثالهم.
هذا والله المسئول أن يهب لأعمالنا حسن القبول،
محمود أبو الوفا
دار الكتب المصرية
12 ربيع الثانى سنة 1369
30 يناير سنة 1950
(م 3/7)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وقال مالك بنُ خالد الخُناعِىّ (1)
يامَىّ (2) إن تَفقِدى قوما وَلَدْتِهمُ ... أو تُخْلَسيهمْ (3) فإنّ الدهرَ خَلّاسُ
عمُرو وعبدُ منافٍ والّذى عَملتْ ... ببطنِ (4) مَكّةَ آبِى الضَّيم عَبّاسُ
قال: يقول: منهم عمرٌو وعبدُ منافٍ وعبّاس.
يامَىّ إنّ سِباعَ الأرِض هالكِةٌ ... والأُذمُ والعُفْرُ والآرامُ والناسُ
العُفْو: الظَّباء يعلو بياضَها حُمرة (5). والأُدم: ضَربٌ آخُر منها فى ظهورها مسْكيّة (6)،
__________
(1) هذه القصيدة نسيها السكرى إلى أبى ذؤيب، وعزاها الحلوانى إلى مالك بن خالد الخناعى. وخناعة بضم المعجمة وتخفيف النون: هو ابن سعيد بن هذيل اه ملخصا من خزانة الأدب ج 4 ص 233
(2) فى السكرى: "ياحى" بدل "يامى". وقال فى شرح شواهد الجمل للإمام الزجاجى ص 18 من النسخة الخطية المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 185 نحو تيمور: إن الشاعر يقول ذلك لامرأته وقد فقدت أولاها، فبكت، فقال لها: يامى إن تفقدى، الخ.
(3) تخلسيهم بالبناء للمفعول: تسلبيهم. والخلس: أخذ الشيء بسرعة. وقال فى اللسان: الخلس الأخذ فى نهزة ومخاتلة.
(4) هو عمرو بن إلياس بن مضر. وفى رواية "ببطن عرعر" بدل "ببطن مكة". وآبى: من الإباء وهو الامتناع. والضيم: الظلم. ورواية السكرى "والذى رزئت". قال: وهى أجود. وبطن عرعر: موضع (اه ملخصا من الخزانة).
(5) زاد اللسان على هذا التعريف للمعفر قوله: "وهى قصار الأعناق" وفى السكرى
* "والعفر والعين والآرام والناس *
وفسره فقال: العفر: الظباء. والعين: البقر. والآرام: البيض من الظباء.
(6) قوله: "فى ظهورها مسكية" أي أن هذه الظباء الأدم هي البيض البطون السمر الظهور، يفصل بين لون ظهورها وبطونها جدّتان مسكيتان أي علامتان.
(3/1)

وهي بِيض، طوال الأعناق والقوائم. والآرام: البِيض، والواحد رِئْم، وهو الّذى لا يخالط بياضَه شيء.
والخُنْسُ لن يُعجِزَ الأيّامَ ذو حَيَدٍ (1) ... بمُشمَخِرٍّ به الظَّيّانُ والآسُ
قال: الخُنْس هاهنا الوعول، ويجوز فى الأُرْويّة (2) ما يجوز فى العَنْز؛ ويجوز فى الوَعِلْ ما يجوز فى التَّيْس، ويجوز فى البقرة ما يجوز في الضائنة، ويجوز فى الثور ما يجوز في الكَبْش. والظَّيّان: ياسَمين البرّ.
فى رأسِ شاهقةٍ أُنْبوبُها خَصِرٌ ... دون السماء له فى الجَوِّ قُرْناسُ
القُرْناس، رأس الجَبَل. أُنبوبُها خَصر: أي طريقةٌ باردةٌ (3) فى الجَبَل.
مِن فَوقهِ أنْسُرٌ سُودٌ وأَغْرِبةٌ ... وتَحْته أعنُزٌ كُلْفٌ (4) وأَتْياسُ
أَنْسُر سود وأغربة، يريد أن فوقَه نُسورا وغِرْبانا محلِّقةً فى السماء. وتَحْته: فى بعض الجبل أُرْوِيّات وأَتْياس من الوُعول، وهو فَوقَها فى قُلَّته.
__________
(1) رواية الخزانة: "تالله يبقى على الأيام ذو حيد" والتقدير "لا يبقى" على حذف "لا" بعد القسم. والآس: ضرب من الرياحين. وأيضا هو نقط من العسل، يقع من النحل عسل على الحجارة فيستدلون به أحيانا. وفى السكرى "ذو خدم" والخدم (بالتحريك): البياض المستدير فى قوائم الثور اه ملخصا.
(2) الأروية بضم الهمزة وكسرها تطلق على الأنثى والذكر من الوعول. والوعول: جمع وعل، وهي غنم الجبل.
(3) كذا فى الأصل. والذي يستفاد من السكرى أن الأنبوب طريقة نادرة في الجبل. وفى اللسان (مادة نبب) يقول: "أنبوب الجبل طريقة فيه" هذلية، وأنشد هذا البيت، وفسره فقال: الأنبوب: طريقة نادرة في الجبل. وخصر: بارد.
(4) رواية شرح القاموس (مادة تيس) "ودونه" بدل "وتحته" وكلف: غير إلى السواد.
(3/2)

حتّى أُشِبَّ لها رامٍ بمُحْدَلةٍ ... ذو مِرّةٍ بدِوار الصّيد هَمّاسُ (1)
المُحْدلة: الّتى قد غُمِز طائفُها إلى مؤخّرها، ثم عُطِف إلى مقدّمها، وأنشد قول أبى حيّة:
منصوبة دُفِعتْ فلّما أَقَبلتْ ... عَطَفَتْ طوائفُها على الأَقْيالِ (2)
ذو مِرّة: ذو (3) عقل. بدِوار الصيد أي بمداوَرة الصيد.
يُدنِى الحَشيفَ عليها كى يوارِيَها ... ونفسَه وهو للأطمارِ لَبّاسُ
الحشيف: الثوب الخَلَق. والأَطمار: الأخلاق.
فثارَ من مَرْقَبٍ (4) عَجْلانَ مقتحِماً ... ورابَه رِيبةٌ مِنْه وإيجاسُ
يقول: ثارَ من مَرْقَبِ كان يَرقُب القانصَ فى موضع يُبصِره. رابَه، أي رابَه صوتُه. وإيجاس أي حِسّ.
فقامَ فى سِيَتَيْها فانَتَحى فرَمَى ... وسَهْمُه لَبِنات الجَوْف مَسّاسُ
فى سِيَتَيها، يقول: قام سَهْما (5). وقولُه؛ فانتَحَى، أي تَحرَّف فى أحد شقَّيْه. وبَناتُ الجَوْف: الأفئدة.
__________
(1) قوله: "حتى أشب لها" أي أتيح لها. والمحدلة: القوس، لاعوجاج سيتها. (اللسان) وقد أورد صاحب شرح القاموس هذا البيت فى (مادة وجس) هكذ:
حتى أتيح له يوما بمحدلة ... ذو مرة بدوار الصيد وجاس
(2) كذا فى الأصل. والذى في اللسان والتاج (مادة طوف):
ومصونة دفعت فلما أدبرت ... دفعت طوائفها على الأقيال
قالا: الطوائف من القوس: ما دون السية، أي ما أعوج من رأسها.
(3) المرة أيضا: القوّة عامة فى العقل والجسم كما فى كتب اللغة.
(4) المرقب والمرقبة: الموضع المشرف يرتفع عليه الرقيب.
(5) "قام سهما" أي نهض قائما فى سرعة السهم.
(3/3)

فراغَ عن شَزَنٍ (1) يَعْدو وعارَضَه ... عِرقٌ تَمُجُّ به الأحشاءُ قَلّاسُ
أي عن ناحية. وعارَضه عِرْقٌ من صَدْرِه عانِد (2). أي خالَفَ (3)، أخَذَ يَمْنَةً ويَسْرة. قَلّاس: يَقْلِس (4) بالدّم.
يامَىّ لا يُعجِزُ الأيّامَ مُجْترِئٌ (5) ... فى حَوْمة الموتِ رَزّامُ وفَرّاسُ
حَوْمة الموت: مُعْظَمُه. ورَزَّام: يَرْزُم على قِرْنهِ أي يَبرُك عليه.
لَيْثُ هِزَبْرٌ مُدِلٌّ عند خِيسَتِهِ ... بالرَّقْمَتَين له أَجْرٍ وأَغْراسُ
هزَبرْ: غليظ (6). وأعْراس: جمع عُرْس.
أَحمَى الصَّريمةَ أُحْدان (7) الرِّجالِ، له ... صَيْدٌ ومستمِعٌ باللَّيل هَجّاسُ
__________
(1) يقال: راغ الصيد أي ذهب ها هنا وها هنا. وقوله: "عن شزن" أي عن ناحية وجانب، يقال: ما أبالى على أي شزنيه أو على أي قطريه وقع بمعنى واحد، أي جابيه. قال السكرى: "ويروى عن نشز" أي مكان مرتفع.
(2) يقال عند العرق (مثلثة النون) فهو عاند، وأعند أيضا: سال فلم يكد يرقأ.
(3) هذا رجوع إلى تفسير قوله: "فراغ عن شزن"، كأن الصيد حين أصابه السهم خالف فى مشيه أي مال يمينا وشمالا من شدَّة إصابته. والأخلف والمخالف: الذى كأنه يمشى على أحد شقيه.
(4) يقلس بالدم، أي يقذف به.
(5) في السكرى: "مبترك"
وفسره فقال: مبترك، أي معتمد، يعنى أسدا. وحومة الموت: معظمه. ورزام فى صوته: إذا برك على فريسته رزم.
(6) وهو أيضا الشديد. والخيس: الأجمة. والرقمتان: موضع قرب المدينة (كما فى ياقوت). والأعراس: إناثه. (السكرى) وأجر: جمع جرو، وهو الصغير من كل شيء (اللسان) أما قوله فى البيت "مدلّ" فهو من قولهم: أدل الرجل على أقرانه إذا أخذهم من فوق، وكذا البازى على صيده، فهو مدلّ.
(7) أحدان الرجال: الذين يقول أحدهم: ليس غيرى. يقال: أحد وأحدان مثل حمل وحملان. له صيد أي هو مرزوق. وهجاس: يستمع كأنه يهجس، أي يقع فى نفسه لذكائه. (السكرى). وورد هذا البيت فى اللسان هكذا:
يحمى الصريمة أحدان الرجال له ... صيد ومجترئ بالليل هماس
وفسر قوله: "أحدان" بأنه جمع واحد، وهو الرجل الواحد المتقدّم فى بأس أو علم أو غير ذلك كأنه لا مثل له. ويقال فيه أيضا: "وحدان".
(3/4)

الصَّريمة: رُمَيْلة فيها شجر، وجماعتُها الصَّرائم. قال: والهَجْس، يقول: يَسْتَمع وأنشَدَنا عيسى بنُ عمر:
يصيِّدُ أُحدانَ الرِّجالِ وإن يَجِد ... ثُناءَهُمُ يَفرَحْ بهم ثم يَزْدَدِ
صَعبُ البَديهةِ مَشْبوبٌ أظافِرُه ... مُواثبٌ أهرَتُ الشَّدْقَين هِرْماسُ
مَشبوب أظافره، أي قُوِّيتْ كما تُشَبّ النار وتُذكَى به. والبديهة، يقول: هو ذو مُبادَهة أي معاجَلة. صعبُ البَديهة، أي مبادَهَتُه شديدة. هرْماس أي شديد. "ويروى: نبِرْاس، أي حديدٌ شَهْم القلب (1) " ويقال: ذو جُرأة. ويُروَى: جَسّاس (2).
وقال يمدح زُهَيرَ بنَ الأَغَرّ -وكان أخذَ خُبَيْبَ بنَ عَدِىّ بنِ أَساف:
فَتًى ما ابنُ الأَغَرِّ إذا شَتَوْنا ... وحُبَّ الزادُ فى شَهْرَىْ قُماحِ (3)
قال أبو سعيد: "ما" زائدة (4)، وبعضُهم يُنشِد "ما ابنَ الأغرِّ" يَنْصِبه على النداء، كأنّه قال: يا فَتًى ابنَ الأغر. وقوله، شَهْرَى قُماح، هو من مُقامَحة الإبل فى الشتاء، إذَا تَشْرَب الإبلُ الماءَ فى الشتاء فقد قامَحَتْ، تَرَفَعُ رُءوسَها. وقال ابن إسحاق: أنشَدَ الأصمعىّ "وهنّ مِثلُ القاصِباتِ (5) القُمَّحِ".
__________
(1) كذا وردت هذه العبارة التى بين هاتين العلامتين فى الأصل وشرح السكرى. ولم نجد النبراس بمعنى الحديد الشهم القلب فيها لدينا من المظان. والذى وجدناه أن النبراس هو السنان العريض، والمصباح. ويلوح لنا أن قول الشارح: "حديد شهم القلب" رجوع لتفسير قوله قبل "هرماس".
(2) جساس يجس الأرض أي يطويها. هذا قول أبى سعيد السكّرىّ كما فى شرح القاموس مادة "جسس".
(3) شهرا قماح: شهران فى قلب الشتاء: كانون الأوّل وكانون الآخر، هكذا يسميهما أهل العجم.
(4) الذى فى كتاب (الإنصاف فى مسائل الخلاف ص 35 طبع ليدن) فى كلامه على هذا البيت: "تقديره ابن الأغر فتى ما اذا شتونا".
(5) القاصبات: الرافعات رءوسها ممتنعة عن الماء. وقيل: إنما الرافعة رءوسها ممتنعة عن الشرب قبل أن تروى.
(3/5)

أَقَبُّ الكَشْحِ (1) خَفّاقٌ حَشاهُ ... يُضيءُ اللَّيْل كالقَمَر اللِّيَاحَ
أقبّ: خَميص. خَفّاقٌ حَشاه، أي ليس ببَطِين، تَخفِقُ حَشاه كما يَخفُقُ جنَاحُ الطائر.
وصَبّاحٌ ومَنّاحٌ ومُعْطٍ ... إذا عادَ المَسارِحُ كالسِّباحِ (2)
صَبّاح: يقول: يَصبِح الناسَ، من مَر به صَبَحه. والمَنيحة: أن يمنحَ الرجلُ ابنَ عمِّه وجاره قِطعةً من إِبِله، فيَشْرَبَ ألبانها، وينَتفعَ بأوبارها، فإذا هي غَرَزتْ (3) رَدّها. والسَّبْحة: قميصٌ للصبيان من جُلود، وسِلْف: رقيق.
وخَزّالُ (4) لَموْلاه إذا ما ... أَتاُه عائلا قَرِعَ المُراحِ
قَرِع المُراح، يقول: يَقرَعُ مُراحه من الإبِل، لا يكون فيه إِبِل، وهو حيث يريح إبلَه.
__________
(1) الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، وهو من لدن السرة إلى المتن (اللسان) وفى السكرى أن الكشح منقطع الأضلاع مما يلى الخاصرة إلى الجنب. وخفاق، لأنه قليل اللحم. واللياح: المتلألئ.
(2) رواية اللسان * وصباح ومناح ومعط * وفى السكرى "وصباح" الخ وفسره فقال: صباح: يسقى الصبوح. ويقال: يغير فى الصباح. والمنيحة: الأصل فيها أن يعطى إبلا وغنما ينتفع بها سنة ثم يردّها، فكثر ذلك حتّى صارت العطية منيحة. والمسارح: حيث تسرح الإبل ترعى فيها. والسباح: قمص من جلود تجعل للصبيان، والواحد سبحة، وهى جبة من أدم تصير على عين الدابة ووجهها لتستره من البرد؛ وتتزر به الجارية.
(3) فى اللسان أنه يقال: غرزت الناقة من باب كتب إذا قل لبنها.
(4) فى رواية "وجزال" بالجيم وهو بمعناه (السكرى).
(3/6)

وقال يردّ على مالك بنِ عوف النَّصْرى
أَمالِ بنَ عَوْفٍ إنّما الغَزْوُ بيننا ... ثلاثَ لَيالٍ غيرُ مَغْزاةِ أشْهُرِ
يقول: إنما الغَزْو بيننا ثلاثَ لَيالٍ. يقول: ليس بيننا وبينكم ما يقيم. (1) قال: ولا يَنصِب أحدٌ "غَيْر".
متى تَنْزِعوا من بَطْنِ لِيّةَ تُصبحوا ... بقرْنٍ ولم يَضْمُر لكم بطنُ مِحْمَر
متى تَنزِعوا، أي متى تخرجوا، يقال: نَزَع إلى مكان كذا وكذا. والِمْحمَر والكَوْدَن واحد، وهو الهجَين من الدّوابّ (2).
فلا تَتَهدَّدْنا بقحْمِكَ إنّنا ... متى تأتِنا نُنْزِلْك عنه ويُعْقَرِ
بقَحْمِك أي بفَرَسِك؛ (3) والقَحْمُ والقَحْرُ: المُسِنّ. يُعقَر: جوابُ الجزاء. "قلت (4) له، بقومك" قال: لا.
فبعضَ الوعيدِ إنّها قد تكشّفتْ ... لأشْياعِها عن فَرْج صَرْماءَ مُذْكِرِ
فبعضَ الوعيد أي لا يشتدّ وعيدُك. تكشّفتْ: لَقحتْ. والصَّرْماء: التي لا لبن (5) لها؛ والمُذْكِر: [التى] تجئ بالذِّكارة، وهي شَرّ، وهذا مَثَل.
__________
(1) يقول: إنكم مستضعفون بالنسبة لنا، لا تثبتون أمام قوّتنا، فانتصارنا عليكم لا محاله واقع فى وقت يسير جدا.
(2) الفرس المحمر: اللئيم الذى يشبه الحمار فى جريه من بطئه. والكودن: البرذون الهجين، وقيل: هو البغل.
(3) القحم: الكبير من الإبل والناس وغيرهم (السكرى) وفى اللسان أنه يقال: ابغني خادما لا يكون قحما فانيا، ولا صغيرا ضرعا.
(4) الضمير فى فى قوله: "قلت له" عائد على منشد هذا البيت للشارح.
(5) الصرماء من الإبل: التى لا أخلاف لها. ومذكر: تلد الذكور، وهو مكروه فى الإبل. يقول: هذه حرب تأتى بما يكرهه الناس (السكرى ملخصا).
(3/7)

ألم تر أنّا أهلُ سَوداءَ جَوْنةٍ ... وأهلُ حجِابٍ ذى قِفافٍ مُوَقَّرِ
الحجاب: ما ارتفع من الحَرّة (1) حتى يصيَر كأنّه جبل. جَوْنة: حَرّة. مُوَقَّر: به آثارٌ فى رأسه قد وَقرَتْه.

وقال أيضا
فِدًى لبِنِى لِحْيانَ أُمِّى فإنّهمْ ... أطاعوا رئيسا منهمُ غيرَ عُوَّقِ (2)
أبأْنا بيَوْم العَرْج يوما بِمثلِه ... غَداةَ عُكاظٍ بالخَليط المفرّقِ (3)
قال: يقول: كان يومُ العَرْج علينا، فأَبأْنا به يوما بمثله، يقول: جزَيْناهم حين لقِيناهم بعُكاظ.
فقَتْلَى بقَتْلاهْم وسَبْياً بسَبْيهِمْ ... ومالًا بمالٍ عاهِنٍ لَم يُفرَّقِ
العاهن: الحاضر (4)، قال أبو سعيد: ولم أَسمَعْ له بفِعْل.
فَيْبَرحُ (5) منهمْ مُوَثقٌ فى حِبالنِا ... وعَبْرَى متى يُذْكَرْ لها الشَّجْوُ تَشْهَق
__________
(1) الحرة: أرض ذات حجارة سود نخرات كأنها أحرقت بالنار.
(2) غير عوّق: لا تحبسه الأمور. يقول: لم يعوّق القوم عن حاجتهم (السكرى). وفى (اللسان) يقال: رجل عوّق: تعتاقه الأمور عن حاجته.
(3) أبأنا: كافأنا، يقال: أبأت هذا بهذا: قتلته به (السكرى). والعرج: موضع بين مكة والمدينة، وينسب إليه العرجى الشاعر المعروف. (ياقوت)
(4) المال العاهن: الذى يبيت فى أهله. وضدّه العازب، وهو المتنحى (السكرى).
(5) فيبرح: أي لا يبرح. وفى السكرى، "فيبرح" أي لا يزال.
(3/8)

مكبَّلة قد خَرَّقَ السَّيْفُ حِقْوَها ... وأخرى عليهاِ حِقْوُها (1) لَم يُخَرَّقِ
قال أبو سعيد: الحَقْوُ هاهنا الزَّوج فيما نَرَى، والحَقْو فى موضع آخر: الإزار.

وقال أيضا
لإلْدِكَ (2) أَصحابِى فلا تَزْدَهِيهمُ ... بِسايَةَ إذ مدّتْ (3) عليكَ الَحلائبُ
كذا أنشَدَنى "لإلدكِ"، قال لى: هم الصِّغار، ويُروَى "لِوُلْدك". تزدهيهم، يقول: لا تَحقِروا أصحابى فإنّهم إذا جاء الناسُ وكَثُروا دَفَعوا عنّى، "وهى حَلْبَة وحَلائب" (4).
طَرحْتُ بذى الجَنْبَيْن صُفْنى (5) وقِرْبتَى ... وقد أَلَّبوا خَلْفى وقَلَّ المَساربُ (6)
الصُّفن: واحد، وجماعُته أَصْفان وصُفُون، والصُّفْن: شئٌ يشبِه الزِّنْفِيلَجَة (7)
يُشْتار فيه العسل، قال أبو سعِيد: وإنّما طَرَحَ صُفْنَه وقِربَتَه لِيَخِفَّ إذا هَرَب. وَقلَّ المَسارب، أي قَلَّ مكانُ أَسُربُ فيه.
__________
(1) وبكسر الحاء أيضا، وجمعه "حقىّ" بكسر الحاء وضمها مع تشديد الياء.
(2) في رواية. "أولئك أصحابى" وفى رواية "بودّك أصحابى". وساية: واد. وتزدهيهم: تستخفهم.
(3) فى رواية "دمّت علينا" (معجم ياقوت).
(4) الحلائب: الجماعات (السكرى). وفى اللسان: الحلبة الدفعة من الخيل فى الرهان خاصة، والجمع حلائب على غير قياس، ومنه "لبث قليلا يلحق الحلائب"، أي الجماعات.
(5) في السكرى: "سعنى". مكان "صفنى" والسعن: قدح صغير يحلب فيه. وقال فى لسان العرب: السعن، القدح العظيم: واستشهد بهذا البيت.
(6) رواية شرح القاموس (مادة سعن) "المذاهب" بدل "المسارب".
(7) الزنفيلجة: معرّب، وأصله بالفارسية زين بيلة (اللسان).
(3/9)

وكنتُ آمْرَأً فى الوَعْثِ (1) مِنّى فُروطَةٌ ... وكلُّ ريُود (2) حالِقٍ أنا واثِبُ
يقول: إذا كنتُ فى الوعث افترطتُه فمررت مَرا سريعا، وإذا أتيتُ حالِقا له رُيُود وَثَبْتُه. والحالِق: المُشرِف من الجبال. فُروطَةٌ: تَقَدُّمٌ.
فما زِلتُ فى خَوْفٍ لَدُنْ أن رأيتُهمْ ... وفى وابلٍ حتى نَهَتْنى المَناقِبُ
قوله: لَدُن أنْ رأيتهمْ، قال: رأَى قوما يطلبونه، فهَرَب منهم، وكان فى مِثلِ الوابِل من شِدّةِ عَدْوِه. وقوله: حتّى نَهَتْنى المنَاقب، قال: هي ثَنايَا ذات عِرْق، وكلّ طريقٍ فى جَبلٍ أو غَلْظ فهو مَنقَب.
فواللهِ لا أَغْزُو ومُزَيْنةَ بعدَها ... بأرضٍ ولا يَغْزُوهمُ لىَ صاحِبُ
أَشُقّ جِوارَ (3) البِيدِ والوَعْثِ مُعْرِضا ... كأنّى لما قد أَيْبَس الصَّيْفُ حاطِبُ
جِوار البِيد: ما جاوَرَ، وهو الجِوار، ولا واحد له. قوله: معرِضا يقول: لا أبالى ما وَطِئْتُ، أَكْسِر لا أُبالى، كأنّي حاطِب لِما أَيْبَس القَيْظ من الحَطَب.
غَيالٌ وأَنْشامٌ وما كان مَقْفِلى ... ولكنْ حَمَى ذاكَ الطَّريقَ المَراقِبُ (4)
غَيال: شجر. وأَنْشام: جمعُ نَشَم، وهو ضربٌ آخرُ من الشَّجَر. والمَرْقَبة: موضعُ المَخافة. ومَرْقَبة: جمعُه لَمراقِب.
__________
(1) فى كتب اللغة أن الوعث هو الرمل الذى تسوخ فيه الرجل.
(2) الريود: جمع ريد، وحرف يندر من الجبل. (اللسان).
(3) في السكرى: "جواز" مكان "جوار" وفسره فقال: جواز، أراد جوز. وجوز كل شيء وسطه.
(4) ورد هذا البيت فى السكرى هكذا:
غيارا واشماسا وما كان مقفلى ... ولكن حمى ذل الطريق المراهب
وشرحه فقال: غيار: يأتى الغور. وإشماس: يصعد فى الجبل يستقبل الشمس. وروى فيه أيضا: "غيال وإشآم" بكسر الغين، وشرح هذه الرواية فقال: غيال: آجام. وإشآم: يأتى الشأم. وذل الطريق: سهلها. والمراهب: المخافات (اه ملخصا).
(3/10)

ويمّتُ قاعَ المُستحيرةِ (1) إنّنى ... بأنْ يَتلاحَوا آخِرَ اللَّيلِ آربُ
يقول: نَجوْتُ منهم وتركتُهم. يتلاحوْا: يَتسابُّوا، يقول بعضُهم لبعض: فَعَلَ اللهُ بنا وفعل بنا، كيف انفَلَتْنا. يقول: فلِى حاجةٌ أنا فى أن أنجوَ ويتلاحَوْا. والإِرْب: الحاجة.
جِوارَ شَظِيَّاتٍ وبَيْداءَ (2) أَنتَحِى ... شَمارِيخَ شُمًّا بينهنَّ خَبائبُ
الخَبائب: الطرائق. جِوار: موضِعُ المُجاورة، يريد شَمَاريخَ شُمًّا بين طرائقَ شَظِيّات. بَيْداء: قَفْرِ. أَنتحِى: أعتمِد. والشَّماريخ: رءوسُ الجبال العُلا المُشرِفة، والواحد شمْراخ.
فلا تَجزَعوا، إنا رجالٌ كمِثْلِكمْ ... خُدِعْنا ونَجّتْنا المَنَى والعَواقِبُ (3)
يقول: نحن رجالٌ خُدِعنا مِثْلَك ووقَعنا، فلمّا وقعْنا نجتْنا المنَى، أي القَدَر. والعواقِب، أي كان عاقِبةً عليكم. يقول: أَوطأْنا عِشْوَةً فيكم: أخطَأْنا الطريقَ وأَخذنا الطريقَ الّذى لا ينبغى أن نأخذَه حتّى وَقعْنا فيكم.
كَمْعجِزِكْم يومَ الرَّجيعِ حِسابنَا ... كذَلكم إنّ الخُطوبَ نَوائبُ (4)
__________
(1) قاع المستحيرة: بلدة. يتلاحوا: يلوم بعضهم بعضا فى إفلاتى منهم. وآرب: أي طامع حريص. اه ملخصا من السكرى.
(2) فى السكرى: "جواز شظيات وبيدان أنتحى"، وشرحه فقال: جواز ومجاز وسط. وشظيات: رءوس الجبال. وبيدان: موضع. وأنتحى: أعتمد.
(3) ضبط السكرى قوله: "خدعنا" بالبناء للفاعل. وضبط قوله: "المنى" بضم الميم، وشرح البيت فقال: نجتنا المنى، أي منيناكم وخدعناكم: والعواقب: أي بقية من عيشنا. يقول: فلا تجزعوا مما أصابكم منا فإنا قد أصبنا منكم.
(4) فى السكرى "كمعجزكم" بضم الميم وفتح الجيم. وشرح البيت فقال: كمعجزكم، أي كاعجازنا إياكم. وحسابنا، أي كثرتنا. يقول: كما غلبتمونا غلبناكم.
(3/11)

يقول: كما عَجزْتم يومَ الرَّجيع. يقول: كما كنتمْ يومَ الرجيع كانَ لكُم علينا فلا تَجزَعوا أنْ يكون لنا عليكم يوم. وقولُه: "إنّ الخطوب نوائب" أي لكم وعليكم فلا تجزَعوا. والرَّجِيع: وادٍ لهذيل بين مكّة والمدينة.
كأنّ ببَطْنِ الشِّعْب غِرْبانَ غِيلةٍ ... ومِن فَوقِنا منهمْ رِجالٌ عَصائبُ
غِيلة: شجرٌ ملتَفّ. والشَّجر: الغِيل. والماء: الغَيْل. كأنّ ببَطْن الشِّعب من كثرتِها غِرْبانا قد اجتمعت. ومِن فوقِنا، أي من فوق الجبل أيضا. رجالٌ عَصائب، أي جماعات.
وكان (1) لهم فى رأسِ شِعْبٍ رقيبهم ... وهل تُوحِشَنْ مِنَ الرِّجال المرَاقِبُ
يقول: لا تَخْلو المَراقب من الرَّجال يترقّبون فيها.

وقال يذكر الوقعة
لمّا رأيتُ عَدِىَّ (2) القوم يَسْلُبهمْ ... طَلْحُ (3) الشَّواجنِ والطَّرْفاُء (4) والسَّلَمُ (5)
__________
(1) رواية السكرى: "فقلت لهم" مكان "وكان لهم" وفيه أيضا "فى رأس شعف" مكان "فى رأس شعب".
(2) فى شرح القاموس "مادة عدا": العدىّ كغنىّ جماعة القوم بلغة هذيل يعدون للقتال ونحوه. وقد شرح السكرى هذا البيت فقال: عدى القوم: حاملتهم الذين يعدون على أرجلهم. والشاجنة: مسيل الماء إلى الوادى، وهي شعاب وطرق تكون فجوة فى الجبل تتسع أحيانا وتضيق أحيانا، واحدها شعب، ويسلبهم، لأنهم هزموا فتتعلق ثيابهم بها فيتركونها. قال: لا يزال أحدهم يمرّ بالشجر فيمشقه فيأخذ ثوبه (اه ملخصا).
(3) الطلح: شجرة حجازية جناتها كجناة السمرة، ولها شوك أحجن، ومنابتها بطون الأودية، وهى أعظم العضاه شوكا وأصلبها عودا وأجودها صمغا، وهو المعروف بشجر أم غيلان (اللسان).
(4) الطرفاء: جماعة الطرفة، والطرفة شجرة معروفة، وبها سمى طرفة بن العبد الشاعر المعروف.
(5) السلم بفتحتين: شجر من العضاه، وهو صلب العيدان طولا شبه القضبان، وليس له خشب وإن عظم، وله شوك دقاق طوال حادّ إذا أصاب رجل الإنسان، وللسلم برمة صفراء فيها حبسة خضراء طيبة الريح، وفيها شيء من مرارة، وتجد بها الظباء وجدا شديدا (اللسان).
(3/12)

قال أبو سعيد: يقول: اِنهزَموا، فجَعَل الطلحُ والطَّرفاءُ يَمْشُقهمْ وهم يَعْدُون فى الشّجر، يَهرُبون منهزمين، ومِثلُ هذا قولُ الآخَر:
وأَحسبُ عُرْفُطَ الزَّوْراءُ يُودى ... علىّ بوَشْكِ رَجْعٍ واستلال (1)
قال أبو سعيد: هذا الشقِيُّ فَرِق فَحسِبَ أنّ السيفَ يُسَلّ عليه.
كَفَّتُّ ثَوبىَ لا ألوِى على أَحَدٍ ... إنِّى شَنِئْتُ الفَتى كالبَكْرِ يُخْتَطَمُ (2)
شَنِئتُ، أي أَبغَضْتُ. كالبَكْر يُختطم، يقول: إذا فَزع قامَ كما يقوم البَكْر وصيَّره بَكْرا لأنّه أضعَفُ الإبل، ولو أنّه صَيَّره فَحْلا رَفَسَه.
وقلتُ مَن يَثْقَفُوه (3) تَبْكِ حَنَّتُه (4) ... أو يَأْسرُوه يَجُعْ فيهمْ وإن طَعِموا
حَنَّتُه: اِمرأتُه. يَجُعْ فيهم وإن طَعموا، قال: يقول: يأكلون ويشربون وهو بمنزلة الكَلْب، إذا فَرَغوا أطَعموه.
وزعمَ الحسنُ فى قوله عزّ وجلّ: (مِسْكِينًا ويَتِيماً وأَسِيراً) قال: ما كان أسراهم إلّا المُشْرِكين.
__________
(1) هذا البيت لحبيب الأعلم الهذليّ. انظر صفحة 85 من القسم الثانى من ديوان الهذليين، طبع دار الكتب المصرية.
(2) لا ألوى على أحد، أي لا أقف ولا أنتظر. وقد شرح السكرى هذا البيت فقال: كفت: شمرت. ألوى: أرجع وأعطف. شنئت: أبغضت. يختطم: يذل ويؤسر. قال: ضمت ثيابي ومضيت أعدو لا ألوى على أحد اه.
(3) يثقفوه: يظفروا به، ومنه قوله تعالى فى سورة الممحنة: "إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءا".
(4) حنة الرجل وطلته وربضه وجارته وحاله وعرسه وقعيدته وزوجته وحليلته وامرأته كله بمعنى واحد.
(3/13)

واللهِ ما هِقْلةٌ حَصّاءُ عَنَّ لها ... جَوْنُ السَّراةِ هِزَفٌّ لَحْمُها (1) زِيَمُ
هِقْلة: نَعامة. والذَّكَر هِقْل. حَصّاء: قد تَحاتَّ عنها الرِّيش، وذلك من كبَرها، فهو أشدُّ لها، وأنشَدَنا "مُعْط الحُلوقِ عن عُرُضٍ": أي يُبارِيها ذَكَر فى العَدْو (2). والهِزَفّ والهِجَفّ: واحد، وهو الجافِى. وقولهُ: لَحمُها زِيَم، أي قِطَع على رءوس العِظام، يقول: ليستْ بمَذْمومة، وذلك أشدُّ لها.
كانتْ بأَوْدِيَةٍ مَحْلٍ فجادَ لها ... من الرَّبيعِ نِجاءُ نَبْتُه دِيَمُ
قال: يريد أصابها نِجاء من المطر، ونبته أيضا: دِيم من المطر، يقول: كانت بأوديةٍ غُبْر فهى بضُرّ، ثم جاد لها بنَبْتِ ما تَأْكل" وهو أشدُّ لها (3).
فهى شَنُون قد ابتَلّت مَسارِبهُا ... غيُر السَّحوِف ولكنْ عَظْمُها (4) زَهِمُ
__________
(1) لحمها زيم: متعضل متفرّق ليس بمجتمع فى مكان فيبدن (اللسان)، وفى السكرى "تالله" مكان "والله" "وهجف لحمه" مكان "هزف لحمها" وشرحه فقال: الهقلة: أنثى الظليم. والحصاء: التي لا ريش على رأسها. وهجف: ضخم. ويروى "هزف" وهو أجود الروايتين. والهزف: الخفيف. زيم: متقطع ها هنا وها هنا، وذلك لقوّة لحمه وصلابته. وعنّ: اعترض. وجون السراة يعنى ظلما (اه ملخصا).
(2) يباريها ذكر فى العدو: تفسير لقوله فى البيت "عنّ لها ... جون السراة". كأنه يقول: اعترضها هذا الظليم مسابقا لها فى عدوها.
(3) شرح السكرى هذا البيت فقال: واد محل وأودية محل سواء. ونجاء: جمع نجو، وهو السحاب. وديم: أمطار تدوم أياما، أي بين كل سحابتين ديمة، وهو المطر اللين يدوم اليوم واليومين.
(4) فى السكرى "لحمها" بدل "عظمها" وفسر البيت فقال: مساربها جوانب بطنها. يقول: قد أخذ الشحم فيها. وشنون: بين السمين والمهزول. والسحوف التى يقشر عن منها الشحم. يقول: ابتدأ فيها السمن وليست بالسحوف. وزهم: سمين. ويقال: مساربها مجارى الشحم فيها. وفى الأصل. "غير" بالباء؛ وهو تصحيف.
(3/14)

السَّحوف: الّتى تُسحَف عن ظَهْرِها قطعَةُ شَحْم. وقولُه ابتلّت مَساربُها وهي غَيْرُ السَّحوف، وهو أقوَى لها. وعَظُمها زَهِم، أي فيه مُخّ. والشَّنون: الّذى بين السَّمين والمهزول.
بأسرعَ الشَّدّ منّى يومَ لانَيِةٍ (1) ... لمّا عَرَفْتُهمُ واهتزّتِ اللِّمَمُ
قال أبو سعيد: مِثلُ هذا البيت:
يَعْدُو بهمْ قُرزُلٌ ويَلْتَفتُ النا ... سُ إليهمْ وتَخفِق اللِّمَمُ
هَجاهمْ وعَيّرهْم بفِرارهم. يقول: إنّهم عَدَوا فتحركتْ لِمَمُهُمْ وهم يَعْدون. وقُرْزل: فرس طُفَيل بنِ مالك. وطُفيل، هو أبو عامر.

غَزَتْ بنو كَعب بنِ عَمْرو مِن خُزاعةَ بنى لحيْانَ
فقال فى ذلك اليوِم (مالِكٌ) (2) ولَم يَشْهَدْه
فدًى لِبنى لِحْيانَ أُمِّى وخالتى ... بما ماصَعُوا بالجِزْعِ رَجْلَ بنى كَعْبِ
قال أبو سعيد: مُنْثَنَى الوادى يقال له الجِزْع. والخَرَزُ الّذى ينُظَم يقال له: الجَزْع. والمُماصَعة: المُماشَقة (3) بالسَّيْف. والرَّجْل: الرَّجّالة.
__________
(1) نفى "بلا" وترك ما بعدها مجرورا بالإضافة، ومثله قول الشماخ:
إذا ما أدلجت وصفت يداها ... لها الإدلاج ليلة لا هجوع
وقول رؤية: "لقد عرفت حين لا اعتراف". والنية كعدة: الفترة، من ونى ينى نية: إذا فتر.
(2) قدم السكرى لهذه القصيدة بما نصه: قال نصران والأصمعي: غزت بنو عمرو بن خزاعة بني لحيان بأسفل ذى دوران، فامتنعت منهم بنو لحيان، فقال مالك ولم يشهد معهم، ورواها ابن حبيب لحذيفة بن أنس "فدى لبنى لحيان" الخ.
(3) المماصعة: المجالدة بالسيوف.
(3/15)

ولمّا رَأَوْا نَقْرَى (1) تَسيلُ إكَامُها ... بأَرْعَنَ جَرّارٍ وحامِلةٍ (2) غُلْبِ
نَقَرَى: موضعٌ بعَيْنه. وأنشَدَنا أبو سعيد "بالجِزْع مِن نَقَرَى نِجاءُ خَريف (3) ". وقوله: تَسيلُ إكامُها، هذا مَثَل، يقول: سالَ الوادى بهم، يريد الكثرة.
تَنادَوا فقالوا يالَ لِحْيانَ ماصِعوا ... عن المَجْد حتى تُثْخِنوا القومَ بالضَّرْبِ (4)
المُماصَعة: المُماشَقة بالسيف.
فضارَبَهمْ قومٌ كِرامٌ أعِزّةٌ ... بكلِّ خُفافِ (5) النَّصْل ذى رُبَدٍ عَضبِ
الخفاف: الخفيف. الربد: آثار سود. والعضب: القاطع من السيوف.
فما ذَرَّ قَرْنُ الشّمسِ حتّى كأنّهمْ ... بذاتِ اللَّظَى خُشْبُ تُجَرُّ إلى خُشْبِ
ذَرَّ: طَلَع. وقَرْن كلّ شيء: أوْله وما يبدو منه. وذاتُ اللَّظَى: مكان. خُشْب، يقول: قَتْلاهم خُشُبٌ مُصرَّعة، وأَشَدَنا:
كأنّ قَتلاهمْ بحيث تَرتَمِى ... كخُشُبِ المَدينةِ المُحْرَنْجِم (6)
__________
(1) نقرى (بالتحريك): موضع، وإنما سكن القاف للشعر.
(2) فى السكرى: "وحامية" مكان "وحاملة" وشرح قوله "حامية" فقال: هم قوم يحمون. والغلب: الغلاظ الأعناق.
(3) هذا عجز بيت لعمير بن الجعد الخزاعى قاله فى يوم حشاش، وصدره: "لما رأيتهم كأن نبالهم": وفسر ياقوت هذا البيت فقال: أي كأن نبالهم مطر الخريف، وأورد بعد ذلك أبياتا تكملة لهذا البيت انظرها فى الجزء الرابع صفحة 804، 805 طبع أوربا.
(4) شرح السكرى هذا البيت فقال: تنادوا وتواصوا فقالوا. ماصعوا: ضاربوا. تثخنوا: تثقلوا.
(5) الخفاف (بضم الخاء) والخفيف بمعنى واحد: وربد (بضم الراء وفتح الباء): لمع؛ وعن أبى عمرو أنه يريد بالربد: قرند السيف، وهو جوهره. وأورد السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر لم يرد فى الأصل، وهذا نصه:
أقاموا لهم خيلا تزاور بالقنا ... وخيلا جنوحا أو تعارض بالركب
(6) المحرنجم: المجمع بعضه إلى بعض.
(3/16)

كأنّ بذى دَوّانَ والِجزْعِ حولهَ ... إلى طَرَف المِقْراةِ أرغِيةَ السَّقْبِ (1)
قال أبو سعيد: هذا مَثَل، يقول: أصابهم مِثلُ ما أصاب ثمود، وأنشدنا الهُذَلىّ:
ورَغَا بهمْ سَقْبُ السَّماءِ وخُنِّقتْ ... مُهَجُ النّفوسِ بِكارِبٍ متزِلِّف (2)
وأنشدنا لعلقمةَ بنِ عَبَدة:
رغا فوقَهمْ سَقْبُ السماءِ فداحِصٌ ... بشِكّتِه لم يُسْتَلَبْ وسَلِيبُ
__________
(1) روى السكرى وياقوت هذا البيت بما نصه:
كأن بذى دوران والجزع حوله ... إلى طرف المقراة راغبة السقب
ورواه السكرى أيضا:
كأن عليهم حين دارت رحاهم ... إلى طرف ... ... ... الخ
وشرحه فقال: أي هلكوا بالقتل كما هلكت ثمود حين رغا سقب الناقة فهمدوا، فكذلك هؤلاء حين قتلوا. "وذو دوّان" لم نجده فيما بين أيدينا من الكتب المؤلفة فى أسماء الأماكن والبلاد. والذى وجدناه فى معجم ياقوت أن ذا دوران واد يأتى من شمنصير وذروة، وبه بئران يقال لإحداهما رحبة وللأخرى سكوبة، وهو لخزاعة. والمقراة: موضع بين إمرة وأسود العين، وهو المذكور فى قول امرئ القيس من معلقته المشهورة:
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل
(2) البيت لأبى كبير الهذلى انظره وشرحه فى صفحتى 108، 109 من القسم الثانى من ديوان الهذليين طبع دار الكتب المصرية
(3/17)

وقال حُذَيفة بن أنَس أحدُ بنى عامر بن عَمْرو بنِ الحارث بنِ تميم بنِ سعد بنِ هُذَيل (1)
ألَا أبْلِغَا جُلَّ السَّوارِى وجابرًا ... وأبلِغْ بنى ذِى السَّهْمِ عنّا ويَعْمَرَا
سارية: مِن نُفاثةَ بنِ الدِّيل (2). قال أبو سعيد: وهو قول عمر: يا سارية الجَبَل. فيقول: أبلغْ جُلَّ أهل ذلك البيت. وقولُه: "بنى ذى السَّهْم"، قال أبو سعيد: أظنّهم من عَجزُ هَوازِن. ويَعمَر: من بنى لَيث (3).
وُقولَا لهمْ عنّى مَقالةَ شاعرٍ ... أَلمَّ (4) بقَوْلٍ لَم يُحاوِل ليَفْخَرا
يقول: قلتُ هذا القولَ ولم أحاولْ أنّى أقول باطلا، إنّما قلت حقّا ليُفخَر به. هذا مِثلُ قولك: أقولُ ذلك ولا فَخْر؛ قال: وإذا هو لم يَفْخَر كان أجْدَر أن يقولَ الحقّ.
لعلّكمُ لمّا قَتَلْتمْ ذَكرتمُ ... ولن تتركوا أن تَقْتُلوا مَن تعَمَّرَا
__________
(1) قدّم السكرى لهذه القصيدة بما نصه: وقال حذيفة بن أنس بن الواقعة -وهي أمه- أخو بنى عمرو ابن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل وبنى عبد بن عدى بن الديل يوم قتل جندب قيسا وسالما بنى عامر بن عريب الكنانيين، وقتل سالم جندبا اختلفا ضربتين ... ... ويرد حذيفة على البريق بن عياض ابن خويلد اللحيانى قوله:
لقد لاقيت حين ذهبت تبغى ... بحزم نبايع يوما أمارا
أمار: أسال الدماء. فقال حذيفة يجيبه: "ألا أبلغا" الخ.
(2) هذا قول الشارح. أما السكرى فيقول: السوارى قوم يقال لهم بنو سارية من بنى عبد بن بكر ابن كنانة.
(3) أما السكرى فقد ذهب إلى أن يعمر قبيلة من بنى نفاثة بن كنانة.
(4) فى السكرى: "ملم بقول".
(3/18)

قال: يقول: لمّا قتلتمْ ذَكَرتم الذُّحول. قوله: مَن تَعَمَّرا أي من يُنسَب إلى يَعْمَر (1)، وأنْشَد:
* وقَيس غَيْلانَ ومَن تَقَيَّسا *
أي هو منهم بنَسَب.
أَلَم تَقْتُلو الِحرْجَين (2) إذ أعْوَرَا لكمْ ... يُمِرّان فى الأيْدى اللِّحاءَ المضَفَّرا
الحْرجَان، قال: شَبَّههما من بياضهما بوَدَعتين، يقول: قتلوهما وهما فى حُرمةٍ قد أخَذَا من لحاء شجر الحَرَم فضَفَّرَا. قال: ويكون أيضا الِحرْجان رَجلين يقال لهما: الحِرْجان. ويُروَى عَوَّرا لكم أي بدَتْ لكم عَوْرَتُهما.
وأَرْبَدَ يومَ الجِزْع لمّا أتاكمُ ... وجارَكُمُ لَم تُنْذروه ليَحْذَرا (3)
لم تُنذِروه لِيحذر، يقول: سكَتُوا عنه حتّى قُتل.
__________
(1) فى شرح القاموس (مادة عمر) ما نصه: وبنو عمرو بن الحرث قبيلة، وقد تعمر: انتسب إليه، وبه فسر قول حذيفة بن أنس الهذلى "لعلكم لما قتلتم" الخ.
(2) الحرجان: رجلان كان أحدهما يقال له حرج. أعورا لكم، أي بدت لكم عورتهما. ويقال أعور الرجل إذا أمكنتك منه الغرة والعورة. وقوله "يمران" أي يقتلان فى أيديهما من لحاء شجر الحرم لتكون لهما بذلك حرمة، كان الرجل فى الجاهلية يأخذ لحاء شجر الحرم فيجعل منه قلادة فى عنقه ويديه فيأمن بذلك، فعيرهم هذا بقتل الحرجين، وقد فعلا ذلك؛ وأصل الحرج: الودعة، شبه الرجلين فى بياضهما ببياض الودعة. ويقال: أعور الرجل إذا انهزم (السكرى ملخصا) وقد أورد اللسان هذا البيت بنصه، وضبط قوله "يمران (بفتح الياء وضم الميم) وشرحه فقال: إنما عنى بالحرجين رجلين أبيضين كالودعة، فإما أن يكون البياض لونهما، وإما أن يكون كنى بذلك عن شرفهما، وكان هذان الرجلان قد قشرا لحاء شجر الكعبة ليتخفرا بذلك. والمضفر: المفتول كالضفيرة.
(3) رواية السكرى.
وأربد يوم الروع لما أتاكم ... وجاركم لم تنذروه فيحذرا
وشرحه فقال: أربد بن قيس، هو أخو لبيد بن ربيعة من أمه، يريد واذكروا أربد لما أتاكم. وفى رواية "الروع"، مكان "الجزع".
(3/19)

كَشَفْتُ غِطاءَ الَحْربِ لمّا رأيتُها ... تنَوُءُ (1) على صَغْوٍ من الرأس أصْعَرا
كَشفتُ غِطاءَ الحَرْب، يقول: كنتُ أستُرها عنهم، فقد كَشفتُ غِطاءَها وأبرَزْتُها اليوم.
بقَتْل بن الهادي وقيس بن عامر ... كَشَفتُ لهم وِتْرى وكان مُخَمَّرا (2)
كشفتُ لهمْ وِتْرِى، يقول: وِتْرا كان مُغَطّى أستُره أن يَعرفَه أحد، فقد كشفُته، والوِتْر: الذَّحْل، والذَّحْل: الأمرُ الذي أَثأَرْتَ به.
ونحن جَزَرْنا نَوْفَلاً فكأنّما ... جَزَرْنا حِمارًا يأكلُ الَقِرْفَ (3) أَصْحَرا
يقول: لم يَفزَع لقَتْله أحد، فكأَنّما قَتَلْنا به حمارا أصَحرَ، والصُّحْرة من اللون: إلى الحرة. وقِرْف الشجر. قِشرُه.
جزَرْنا حمارا يأكل القِرْفَ صادِرًا ... تَرَوَّحَ عن رمٍّ (4) وأُشْبِعَ غَضْوَرا
رِمّ: اسم ماء، وغَضْوَر: أخبَثُ الحشيش (5).
__________
(1) تنوء: تنهض. يقول: حاربتهم على صغو: على ميل، يقال: صغو فلان مع فلان أي ميله. قال: ويروى «على ضغو» والضغو: الجانب. والأصعر: الذي فيه ميل (السكرى ملخصا).
(2) ذكر السكرى في تفسير قوله: «مخمرا» ما نصه: أي وكان وترى مغطى أستره أن يعرفه أحد فيعيرنى به، فكشفته لما أدركت بثأرى، أي كنت كالرجل المقنع من الحياء حتى قتلت فيهم. وفى الحديث: خمروا آنيتكم أي غطوها.
(3) قرف الشجر: لحاؤه، والصحرة: بياض في حمرة. ونوفل: سيد بني الديل. والقرف هو لحاء العضاه، وكل شجر له شوك فهو عضاه اه ملخصا من السكرى.
(4) ذكر ياقوت فى الرم (بكسر الراء) أنه بناء بالحجاز فى شعر هذيل، وأورد هذا البيت والذي قبله منسوبين إلى حذيفة بن أنس الهذلى هذا.
(5) قال في السكرى: رم: موضع. وغضور: شجر يكون بمكة. وروى أبو عمرو وأبو عبد الله: "تروّح عن رم" بفتح الراء. والرم: ما يرتم، أي يأكل ويصيب شيئا بعد شيء. والغضور: شجر يشبه السبط، والسبط: شجر صلب طوال في السماء، دقاق العيدان، تأكله الإبل والغنم، وليس له زهرة ولا شوك وله ورق دقاق على قدر الكراث، واحدته سبطة (بالتحريك) وجمع السبط أسباط.
(3/20)

ألا يا فتىً ما نازَلَ القومَ واحداً ... بنَعْمَانَ لم يُخْلَق ضَعيفًا مُثَبَّرا
المثبرّ: الهالك، وليس هو عن الأصمعىّ (1).
أخو الحربِ إنْ عَضّت به الحربُ عَضَّها ... وإن شَمَّرتْ (2) عن ساقِها الحربُ شَمَّرا
يقول هو: الحَرْب قد زاوَلهَا وعالجَهَا، فإنّ عضّته عضّها، وإن غمزتْه غَمَزَها هو.
ويمشى إذا [ما] (3) الموتُ كان أمامَه ... لِقَا المَوْتِ يَحمِى الأنفَ أن يتأخّرا
قال أبو حفص الأصفَهانىّ: أَرْوِيه عن بُنْدار: "قِدَى الرُّمْح" مكان "لِقَا الموت" ولم يُثبت أبو إسحاقَ هذا البيت، وأنكَره، قال: قَصَر اللِّقاء.
فلو أَسمَعَ القوم الصُّراخ لقُورِبَتْ ... مصارِعُهمْ ببن الدَّخول وعَرْعَرا (4)
لقُورِبَتْ مَصارِعُهم، يقول: لقُتِل بعضُهم إلى جَنْب بعض.
__________
(1) أورد السكرى في تفسير هذا البيت ما نصه: «ألا يا فتى ما نازل القوم»، يتعجب. «وما» زائدة وقوله «مثبرا» قال: سألت الأصمعى عن تفسيره فلم يفسره، وحدثنى بحديث فيه قال: قال عمر رضي الله عنه: يا أنس، ما ثبر الناس؟ قال: عجلت لهم الدنيا وأخرت لهم الآخرة. ويروى «منترا» أي ضعيفا لا خير فيه، من النتر. وقول الله تعالى (وإنى لأظنك يا فرعون مثبورا) أي مدفوعا عن الخير محدودا. وقول عمر: ما ثبر الناس أي ما دفعهم عن الخير وأبطأ بهم عنه، (اه ملخصا من السكرى).
(2) شمرت: قلصت ولقحت واشتدّ أمرها، يريد إن غمزته لم يقر لغمزها، وإن جدّ أمرها واشتدّ جدّ واشتدّ كذلك (السكرى ملخصا).
(3) في الأصل: «إذا الموت»؛ وهو على هذا غير مستقيم الوزن، والصواب ما أثبتنا نقلا عن السكرى الذي أورد هذا البيت فقال:
ويمشى إذا ما الموت كان أمامه ... لدى الموت يحمى الأنف أن يتأخرا
وشرحه فقال: أي يحمى أنفه، يأنف من التأخر؛ يقول: لا يهرب.
(4) الدخول: موضع. وعرعر: واد بأرض هذيل. ويقول السكرى في شرح هذا البيت ما نصه: لو استمعوا الصراخ لقتلوا هناك. وقوربت: قاربت.
(3/21)

وأَدْرَكهْم شُعثُ النّواصى كأنهمْ ... سَوابقُ حُجّاجٍ تُوافِى المُجَمَّرا (1)
أي وأدرَكَهم شُعْث، أي وأدركهمْ قومٌ غُزَاةٌ شُعثُ الرءوس، فكأنّهم قومٌ مُحرِمون.
هَمُ ضَرَبوا سعدَ بنَ ليَثٍ وجُنْدُعًا ... وكَلْبا (2) غَداةَ الِجزْع ضَرْبا مُذَكَّرا
ضَربًا مذكَّرا: لا تأنيث (3) فيه. والجِزْع: مُنْثَنىَ الوادى.
نجا سالمٌ والنفسُ منه بشدْقِه (4) ... ولمَ يَنْجُ إلاّ جفنَ سَيْفٍ ومِئْزَرا
قال: يريد ولم ينج إلاَّ بجَفْن سَيْف ومئزَر، فلمّا حذفَ حرف الجرّ نَصبَه.
وطابَ عن اللَّعّاب نفسًا ورَبِّه ... وغادرَ قيسا في المَكَرِّ وعَفْزَرا (5)
قال أبو سعيد: كان اللَّعّاب لعُمارة بن الوليد، وكان استودَعَه إيَّاه، فلمَّا غُشِىَ ركبَه.
__________
(1) شرح السكرى هذا البيت فقال: شعث النواصى، أي قوم غزاة قد شعثت رءوسهم من الغزو، وشبههم في شعثهم بشعث الحجاج المحرمين. وفي اللسان: الجمار: الحصيات التي يرمى بها في مكة واحدتها جمرة. والمجمر: موضع رمى الجمار هنالك، واستشهد ببيت حذيفة هذا.
(2) يريد كلب بن عوف، وهم من بني ليث، وهم أشدّاء. السكرى.
(3) شرح السكرى هذه العبارة فقال: ضربا مذكرا أي لا تأنيث فيه ولا استرخاء.
(4) قال السكرى في شرح قوله «والنفس منه بشدقه» ما نصه: «أي كادت تخرج فبلغت شدقه». وقال: قال سيبويه: كأنه قال: «نجا ولم ينج» كما تقول: "تكلم ولم يتكلم" إذا كان كلامه ضعيفا. ونصب جفن سيف على الاستثناء المنقطع.
(5) اللعاب: من أفراس العرب. وعفزر: اسم فرس سالم بن عامر بن عريب الكنانى أخى قيس وله ذكر في ديوان هذيل (تاج العروس).
(3/22)

وقال أيضًا
عَجَبتُ لقَيسٍ والحوادثُ تُعْجِبُ ... وأصحابِ قَيْسٍ حين سارُوا وَقنَّبوا
يقول: يوم صارُوا مقْنَبا؛ والمِقنْبَ: الجماعة. قال أبو حفص: هو ما بين الثلاثين إلى الأربعين.
وعَمَّى عليه الموتُ يأتى طريقَه ... سِنانٌ كعَسْراء العُقاب ومِنْهَبُ
قال أبو سعيد: عَسْراء العُقاب، رِيشةٌ بيضاءُ تكون في جناحها. والسِّنان: بدلٌ من الموت. يقول: أصابْته طعنةٌ عَمّت عليه مَذاهبَه حين غشيتْه وغَشيَه الدّم. ومِنهَب. فرسٌ كان عندهم لقريش:
وكان لهْم في أهل نَعمانَ بُغْيةٌ ... وهَمُّكَ ما لم تُمضِه لك مُنْصِبُ
فكانت على العَبْسِىِّ أوّلَ شَدَّةٍ ... وآبُوا عليه ثم صَدُّوا وجَنَّبوا
آبوا: رجَعوا. وجَنَّبوا: عَدَوْا وقَرَّبوا.
فَأدبَرَ يَحْدو الضَّأنَ بالمَتْن (1) مُصْعِدا ... فلاقَاهُما بين القُتائِد جُنْدَبُ
__________
(1) المتن: ما ارتفع عن الأرض واستوى.
(3/23)

قال: كانا رجلَين فَأدْبر أحدهما، فلاقاهما جُنْدَب، يعنى الرجلين. بين القُتائد، قال أبو سعيد: قُتادات: نابتات بمَوْضع (1) بعَرفة.
فأَلَزَمَ قيسًا رَمْيَةً ذاتَ عانِدٍ ... وسَلَّ وسَلَّا يَضْرِبان ويَضْرِب
فأَلزَمَ قيسًا رَمْيَةً أي أَثْبتَ فيه سهما. والعاند: الدمُ يأخذ معترِضا ليس بقاصد.
وأَفلَتَ منه سالمٌ بعد كُرْبَةٍ ... وفي ثَوْب حَقْوَيْه دَمٌ يتصبَّبُ
الإزار يسمَّى (2). قال أبو سعيد: ماتَ بعضُ بناتِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَأَلْقَى حَقْوا فقال، أشْعِرنَها إيَّاه: أي إزارا. والزَّوْج يسمَّى الحَقْو (3)، يريد في ثوبه دم.
فيا لَهْفَ أمِّ العاذلات وهذه ... سَفاةٌ ولكنّى إلى الشَّفْع أرْغَبُ
إلى الشَّفْع أرْغَب، يقول: أَشتهِى أن يكونوا شَفَعوهمْ بِمثْله، وهذه سَفاة، يقول: لأمنيّة (4) سفاة.
__________
(1) لم نجد قتادات فيما بين أيدينا من المظان. والذي وجدناه قتائد بضم القاف وقتائدة وهما اسمان لموضع معروف، قال الأديبى: أو هّو اسم لثنية مشهورة: وأنشد في ذلك قول عبد مناف بن ربع الهذلى
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة ... شلا كما تطرد الجمالة الشردا
ثم قال: وقتائدات كأنه جمع الذي قبله، أي جمع قتائدة، جمع في الشعر على قاعدة العرب في أمثال له لإقامة الوزن. ثم قال: وهو جبل. وقيل: إن قتائدات نخيل بين المنصرف والروحاء.
(2) الإزار يسمى، أي يمسى حقوا.
(3) هذا على المجاز، ومنه قوله تعالى: "هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ".
(4) يقول: إن الأمنية التي عدّها أمنية هنا لا تجزئ، فهى سفاة. والسفاة: التراب.
(3/24)

كأنّ بنى عَمْرٍو (1) يُراد بدارهم ... بنَعمانَ راعٍ في أُدَيْمَةَ مُعْرِبُ
كأنّ في عمرو، يَعجَب منهم، يقول: جاءوا إليهمْ كأنّما يريدون راعيا مُعزِبا. وأُدَيمة: جَبَل، يقول: قد اجترأوا عليهم حين أَتَوْهم كأنَّهم أَتَواْ راعِيا.
وكنّا أُناسا أنطَقَتْنا سُيوفُنا ... لنا في لِقاء الموت حَدٌّ وكَوْكَبُ
حدّ: بأس. وكَوكَب كلّ شيء: مُعظَمه.
بنو الحَرْب أُرْضعْنا بها مُقْمَطِرَّةً ... فمن يُلقَ منَّا يلُقَ سِيدٌ مُدَرَّبُ
قال أبو سعيد: المُقْمَطِرّة: الكالحة الشنيعة. ويقال: اقْمَطَرَّ السَّبعُ، واقْمَطَرّت الناقة: إذا لَقِحَت. يقول: أُرضِعْنا بها وقد تهيّأتْ للشرّ. قال؛ والمُدَرَّب: الضارى. والسِّيد في كلام هُذَيل: الأسد.
فُرافِرةٌ أظفارُه مِثْلُ نابه ... وإن يُشْوِ نابُ اللَّيْث لا يُشْوِ مِخْلَبُ
فُرافِرة: يفرفر كلَّ شيء. وإن يُشْوِ نابُ اللَّيث لا يُشْوِ مخِلْبَ. يقول: إن كان نابُه يُشوِى لا ضيَر (2) فإنّ مخِلبهَ لا يُشوِى، أي هو قاتِل، يقال: أَشْواه إذا أصابَ منه الأمرَ الهيّن، وأصلُه من الشَّوَى، وهي القوائم. والقوائم غيرُ مَقْتَل ثم كثُر على ألسنتهم حتى قالوا: أَشْواه إذا لم يَقْتُله؛ وإن هو أصابه في غير الشَّوَى؛ ويقال: لم يُشوِه، إذا أصاب المَقْتَل.
__________
(1) يريد عمرو بن الحارث المتقدم ذكره في مقدمة القصيدة السابقة لهذه.
(2) في الأصل: "لا خير" بالخاء، وهو تصحيف.
(3/25)

وقال أيضاً (1)
غَلَتْ حَرْبُ بَكْر واستطارَ أَديمُها ... ولو أنّها إذا شُبّت الحَرْبُ بَرّتِ (2)
__________
(1) قدم السكرى لهذه القصيدة بما نصه: قال أبو عمرو والجمحى: كان من حديث حذيفة بن أنس أنه خرج هو ورجلان من قومه يطلبون نفرا من بني عبد بن عدى بن الديل بن بكر، وخرج الآخرون فارّين حتى أتوا مرّا وعلافا، وأقبل حذيفة وأصحابه حتى استطلعوا من محمر، قرية بين علاف ومرّ، فلم ير إلا القوم يسيرون على كر علاف، والكر: الحسي، والجمع كرار، وأنشد: * بها قلب عادية وكرار *، فأبصرهم حذيفة حين صدروا، فرصدهم حتى مرّ عوف بن مالك وابنا أخيه في بلد، فلم يزالوا يسيرون حتى قالوا تحت أراك بالعرض الذي حذيفة بصدده؛ والقوم مغترون، فلم يزل يختلهم وهم في الأراك حتى وثب عليهم فقتلهم واستاق شاءهم هو وأصحابه حتى أصبحوا الغد بجنب عرنة، وقال وهم يسوقون الغنم: "نحن رعاء الصفحة المغبون" المغبون: الذي لا يسقون إلا غبا، فلما برز لأهله تبشروا بثلته، وخذله ابن عمه، ثم إن بنى عبد بن عدى بن الديل خرجوا بعد ذلك حتى حلوا الحضر، ثم وجدوا بعرس غلامين من بنى عمرو بن الحارث يرميان الصيد، فقتلوا أحدهما، وأعجزهم الآخر، وهو أبو البراء، ثم مر بنو عبد ابن عدى، وسمعتهم أم حذيفة وهم يذكرون أنهم قتلوا أحد الغلامين، فأخبرت حذيفة، فذهب يستصرخ عليهم طوائف هذيل، ولم يشعر العبديون حتى أخبرتهم أمه أنه قد سمع ما قالوا، فخرجوا يبتغونه في البيت فوجدوه قد ذهب، فظعنوا حتى أصبحوا نحو مر، وخرجت دار من بنى سعد بن ليث حتى حلوا في دار العبديين في رباعهم، فخرج حذيفة بالقوم فطالع أهل الدار من قلة السلام، فرأهم في رباعهم، فقال: اجتنبوا بيت أمي، وأراهم مكان البيت، وأمسى لا يحسبهم إلا بنى عبد بن عدى، فوقعوا في الدار آخر الليل، فجعلوا يستلونهم، ويقول حذيفة: لكأنى أطعن في بطون بنى سعد بن ليث، وقتل ابن امرأة منهم وأباها وأخاها فقالت: يا لسعد بن ليث، ما رأيت مثل هذه الليلة قط، قال: ارفعوا عنهم، فقال حذيفة بن أنس في ذلك، رواها الأصمعى. وقال ابن الأعرابي: بل خرجت بنو عمرو بن الحرث بن تميم ابن سعد بن هذيل مغيرين يريدون بنى عبد بن عدى بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقد كانوا عهدوهم في منزل، فظعنت بنو عبد بن عدى. من ذلك المنزل، ونزله بنو سعد بن ليث بن بكر، فبيتهم القوم وهم يظنون أنهم بنو عبد بن عدى، فأصابوا فيهم، وقتلوا منهم ناسا، وقتلوا غلاما كان فيهم مسترضعا، وهو ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وهو الذى وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح، فقال في ذلك حذيفة بن أنس أخو بنى عمرو بن الحارث، وهو ابن الواقعه: "غلت حرب بكر" الخ.
(2) قال السكرى في شرح هذا البيت ما نصه: غلت: ارتفعت. واستطار: تشقق. وأديمها جلدها، وإنما هذا مثل، أي تشتت أمرها وتشقق الشر فيما بينهم. وشبت: أوقدت. وبرت: وفت، من البر، وفي هذا اليوم وضع النبي صلى الله عليه وسلم دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب في حجة الوداع.
(3/26)

قال أبو سعيد: قوله: واستطار أديمُها، هذا مَثَل، يقول: تشقّقتْ، وكل ما تشقّق فقد استطار، وإنما يريد أنّ الشرّ تَشقَّق فيما بين هؤلاء القوم.
وأخْطَأَ عَبْدًا ليلةَ الِجزْعِ عَدْوَتى ... وإيّاهمُ لولا وُقُوها (1) تَحَرَّتِ
قال هو عَبْد بن عَدِىّ بنِ الدِّيل؛ عَدْوتى: حَمْلتى. يقول أَصبْنا قوما لم نُرِدْهم لولا أنهم وُقُوها.
أَصبْنا الّذين لم نُرِد أن نصيبَهمْ ... فساءتْ كَثيرا من هُذَيلٍ وسَرّتِ (2)
أسائلُ عن سعدِ بنِ ليثٍ لعلّهم ... سِواهم وقد صابَتْ بهم فاستحرّت
أسائل عن سعد، يقول: أقول: لعل الذين وقعَ بهم الأمرُ وقع بسواهم، وقد صابتْ بهم أي كان مُعظمُها (3) بهم. وقوله: فاستحرّت، يقال: استحرّ الأمرُ ببنى فلان إذا اشتد.
وكانت كداء البَطْنِ حِلْسُ ويَعْمَرٌ (4) ... إذا اقتَربَتْ دَلّت عليهم وغَّرت
قوله: كداء البطن، يقول: كانت غائلتها تخفى كما يَخْفَى داءٌ لا يُدْرَى كيف يؤُتَى له.
__________
(1) وقوها: أي وقاهم الله، من الوقاية. وتحرت: عمدت وقصدت اليهم. وعدوتى وعادتى وغارتى واحد (السكرى ملخصا).
(2) روى السكرى هذا البيت بعد البيت الآتى، وشرحه فقال: "أصبا الذين". ويروى "أصبنا الأولاء لم نرد أن نصيهم".
(3) شرح السكرى قوله: "صابت بهم" فقال: أوقعت بهم.
(4) حلس ويعمر: قبيلتان من بني الديل، أي تدل علينا من أراد غزونا فنطمئن إليهم (اه ملخصا من السكرى).
(3/27)

يقول: فهؤلاء كداء البطن، لا خَير عندهم. وغَرّت، يقول: تغُرّهم فيطمئنون فَيَنزِل عليهم من يريد غِرّتَهمْ.
وتُوعِدُنا كلبُ بنُ عوفٍ بخَيْلِها ... عليها الخسَارُ حيث شَدّتْ وكَرّت (1)
يقول: عليها الخسار، يدعو عليهم، كقولك: عليه لعنةُ الله.
فلا تُوعِدونا بالِجياد فإِنّنا ... لكْمُ مُضْغةٌ ما لُجلِجَتْ فأَمَرّت (2)
يقول: يريدوننا فلا يَقدِرون علينا. قال: ومثلُه قولُ زهير:
تُلْجلجُ مُضْغةً فيها أَنِيضٌ ... أَصَلَّتَّ فهي تحتَ الكَشْحِ داء (3)
__________
(1) في السكرى "حيث شدّت وكرت" بالبناء للمجهول، وشرح قوله "شدّت وكرت" فقال: شدّت وكرت"، أي أرسلت الخيل. وكلب بن عوف من كنانة.
(2) في السكرى "قد لجلجت" مكان "ما لجلجت" ولجلجت: رددت في الفم، أي لا تسيغوننا ولا تقدرون علينا. أمرت: صارت مرّة. وفي رواية:
فلا توعدونا بالهياج فإننا ... لكم أكلة قد لجلجت فأمرت
ولجلجت: مضغت. اه ملخصا من السكرى.
(3) ورد هذا البيت في شرح ديوان زهير بن أبي سلمى المطبوع في دار الكتب المصرية ص 82 وهو من قصيدتة الهمزية المشهورة التى أوّلها:
عفا من آل فاطمة الجواء ... فيمن فالقوادم فالحساء
وقد ورد فيها قبل هذا البيت قوله:
فأبرئ موضحات الرأس منه ... وقد يشفى من الجرب الهناء
وشرح البيت الذي نحن بصدده بما نصه: "يقول: أخذت هذا المال فأنت لا تأخده ولا تردّه، كما يلجلج الرجل المضغة فلا يبتلعها ولا يلقيها. والأنيض: اللحم الذي لم ينضج. فيريد أنت تريد أن تسيغ شيئا ليس يدخل حلقك، أي تظلم ولا تترك الظلم، وأنشد: "مثل النوى لجلجه العواجم" وأصلت: أنتنت، فهى مثل هذا الذي أخذت، فإن حبسته فقد انطويت على داء. ويقال: صل اللحم وأصل وفيه صلول. والكشح: الجنب. وورد بعد هذا البيت مباشرة قوله:
غصصت بنيئها فبشمت عنها ... وعندك لو أردت لها دواء
(3/28)

نشَأْنا بنى حَرْبٍ تَربَّت صِغارُنا ... إذا هي تُمْرَى بالسَّواعد كَرّتِ (1)
نشأْنا، يقول: نشأْنا عليها ثم نَغْتَبِقُها (2) إذا هي تُمْرَى بالسواعد، يقول إذا هي تُمْرىَ في سواعدها، والسواعد: مَجارِى اللّبن في عروق الضَّرْع، يقول: إذا مَرَينْاها لنَحلُبها دَرّت. وكَرّت: عادت.
ونَحمِل في الأبطال (3) بِيضًا صَوارِماً ... إذا هي صابتْ بالطَّوائف تَرّتِ
صابت: نَزلتْ وقَصَدَتْ، أي كما يَصُوب الغَيْث، أي يَنحدِر. والطوائف: النَّواحى، يريد الأيْدى والأرْجُل. تَرّت: قَطَعتْ. في الأبطال: أي مع الأبطال.
وما نحن (4) إلاَّ أهلُ دارٍ مقيمةٍ ... بنَعْمانَ من عادتْ من النّاس ضرَّت
__________
(1) ورد هذا البيت في السكرى هكذا:
وكنا بني حرب تربت صغارنا ... إذا هي تمرى بالأسنة عرت
وشرحه فقال: عرتهم بشر. وتمرى: تحرك.
(2) الغبق والتغبق والاغتباق: شرب العشىّ. (اللسان).
(3) رواية السكرى "في الآباط منا" مكان "في الأبطال بيضا" وشرح البيت فقال: الصوارم المواضى، يعنى سيوفا. وصابت: وقعت. وترت: طنت، أي طنت الطوائف، قال طرفة:
«تقول وقد تر الوظيف وساقها»
أي طن. وأورد بعد هذا البيت بيتا آخر لم يرد في الأصل، وهو:
وقد هربت منا مخافة شرنا ... جذيمة من ذات الشباك فمرت
وجذيمة: من كنانة (اه ملخصا).
(4) في السكرى "وهل نحن" مكان "وما نحن".
(3/29)

وفي هذه الحرب يقول جُنادةُ (1) بنُ عامر أحد بني الدَّرْعاء، والدَّرْعاء (2): حيٌّ من عَدْوان ابن فهم بنِ عَمْرو بن قيس عيلان، واسم عَدْوان الحارث، وخلفهم في بنى سَهْم بن معاوية فيِ تميم بن سعد بن هُذَيل:
لعَمْرُكَ ماونَى ابنُ أبى أُنَيْسٍ ... وما خامَ القِتالَ وما أَضاعَا
قال أبو سعيد: قولهُ: خامَ القتال، أي عَدَل عنه.
رَمىَ بقِرانِها حتّى إذا ما ... أتاه قِرْنُه بَذَلْ المِصاعا
قوله: رَمَى بقِرانها، يعني نَبْلا. والقِران: المستوية. يقول: لمّا أنفَدها قاتَلَ بَسيْفِه. والمِصاع: القتال بالسيف.
بذى رُبَدٍ تَخالُ الأَثْرَ فيه ... طريقَ غرانِقٍ خاضت نِقاعا
رُبَد: آثارٌ فيه تَلمَع سَوادا، وإنّما يصف سيفا. وأَثْرهُ: فِرِنْدُه، وهو الّذي تراه كأنّه مَدَبّ نَمْل. فيقول: تَحسَب هذا الأَثْرَ الّذي في مَتْن هذا السيف طَريق غَرانِق، وهي طيرٌ. خاضت نِقاعا. يقول: كأنها خاضتْ في طينٍ فتُرَى أثارُ أرجُلِها. فشبّه فِرِنْدَ السيف بآثارها. وواحدُ الغَرانِق غُرْنَيْق (3).
__________
(1) لم يرد في السكرى ولا في البقية ذكر لجنادة بن عامر هذا.
(2) في الأصل "الدرغاء" بالغين المعجمة، وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا نقلا عن شرح القاموس فقد ورد فيه عن ابن دريد أن في الدرعاء بالفتح مع المد قبيلة من العرب، وتبعه ابن سيده في (المحكم) وهم حيّ من عدوان بن عمرو، وهم حلفاء في بني سهم من بنى هذيل. وقال ابن منظور: رأيت في حاشية نسخة من حواشى ابن بري الموثوق بها ما صورته: الذي فى النسخة الصحيحة من أشعار الهذليين الذرعاء على وزن فعلاء، وكذلك حكاه ابن التولمية في المقصور والممدود بذال معجمة في أوّله. قال صاحب التاج: وأظن ابن سيده تبع في ذكره هنا ابن دريد (اه ملخصا).
(3) الغرنيق (بضم الغين وفتح النون): طائر أبيض، وقيل: هو طائر أسود من طير الماء طويل العنق.
(3/30)

إذا مَسَّ الضريبةَ شَفْرَتاه ... كفاكَ من الضّريبة ما استَطاعا
ما استطاعا، أي ما وَجَد مَذْهبا.
فإنْ أكُ نائياً عنه فإِنّى ... سُرِرتُ بأنّه غَبَنَ البِياعا
غَبَن البِياع، أي ظَفِر بأصحابهم. وغَبَنَهم، أي خَدَعَهم. قال: ويريد بالبِياع المُبَايَعة.
وأَفلتَ سالمٌ منه جَريضًا ... وقد كَلمَ الذُّؤابةَ والذِّراعا
يقال للرجل إذا أفلَتَ بآخِر رَمَق: أفلَتَ جَريضا. كَلَم الذُّؤابَة والذِّراعا، يقول: أصاب ذُؤابَته وذِراعَه. ويريد بالذُؤابة الرأسَ. وذؤابة كلِّ شئٍ أعلاه.
ولو سَلِمتْ له يمُنَى يَدَيْه ... لعَمْرُ أبِيك أطعَمَه السِّباعا
يقول: قتَلَه فصار طُعْمَةً للسِّباع.
كأنّ محرَّبا من أُسْدِ تَرْجٍ (1) ... يُسَافِعُ فارِسَىْ عَبدٍ سِفاعَا (2)
__________
(1) ترج: مأسدة بناحية الغور؛ ويقال في المثل "هو أجرأ من الماشى بترج" لأنها مأسدة (اللسان).
(2) يسافع: يضرب, من قولهم سفعه بالعصا: إذا ضربه، كما يقال: سافع قرنه مسافعة وسفاعا إذا قاتله. وروى هذا البيت في اللسان "كان مجربا" بالجيم، ونسبه إلى خالد بن عامر. واستدرك مصححه هذا فيكتب على هامشه ما نصه: في شرح القاموس: جنادة بن عامر، ويروى لأبى ذؤيب.
(3/31)

وقال أبو قلابة
أمِنَ القَتولِ مَنازِلٌ ومعرَّسُ ... كالوَشْم فى ضاحِى الذِّراع يُكرَّسُ
قال أبو سعيد: يكَّرس، يُجْعل كِرْسا، وكلُّ نِظام فهو كرْس من اللُّؤْلؤ والشَّذْر. والقَتول: امرأةٌ هامَ بها.
يا حِبُّ، ما حُبُّ القَتولِ؟ وحُبُّها ... فَلَسٌ فلا يُنْصِبْكَ حُبٌّ مُفْلِسُ
فَلسَ: لا نَيْلَ معه. يقول: ليس يُبْذَل منه شيء.
خَوْدٌ ثَقالٌ فى المَنامِ (1) كَرمْلةٍ ... دَمثٍ يُضئُ لها الظلامُ الحِنْدِسُ
الدَّمث: السَّهْل الليّن. والِحنْدِس: الشديد السواد.
رَدْعُ العَبيرِ (2) بجِلْدِها فكأنّه ... رَيْطٌ عِتاقٌ فى المَصان (3) مُضَّرسُ
ردع العبير: أثَرهُ. والعَبير: ضَربٌ من الطِّيب يُجمَع بزعفران. والمصَان: التَّخْت. مضرَّس: ضربٌ من الوشى.
هل تُنْسَيَنْ حُبَّ القَتولِ مَطاردٌ ... وأفَلُّ يَخْتضِم الفَقارَ مُسَلَّسُ
__________
(1) في بقية أشعار الهذليين طبع أوربا "في القيام"؛ وهذا أجود في رأينا.
(2) في البقية "الخلوق" مكان "العبير". وورد فيها قوله: "يا حب ما حب القتول" بعد هذا البيت مباشرة. وزاد فيها بعد بيتين آخرين لم يردا في الأصل، وهما:
يا برق يخفى للقتول كأنه ... غاب تشيمه حريق يبس
تزجى له تحت الظلام أكفة ... مجنوبة نفيانها متنكس
(3) في رواية "في الصوان" مكان "في المصان" (بقية أشعار الهذليين ص 15 طبع أوربا).
(3/32)

مَطارد: هي الّتى يُشبه بعضُها بعضا: وأفلّ: سيفٌ به فُلول ممّا قد قُورع
به وقُورع به مرارا، أي به آثار. يَختضم، أي يَقطع، ويقال: سيف لا يَمُرّ بشيءٍ "إلا بشيء" (1) إلّا خَضَمه خَضما. والفَقار: مانَبَا من الظَّهر، والواحد فَقارة.
عَضْبٌ (2) حُسامٌ لا يليقُ ضَرِيبةً ... في مَتْنِه دَخَنٌ وأَثْرٌ أخْلَسُ
العَضب: القاطع. والحُسام: الّذى يحسم الدمَ من سُرعته. لا يليق: لا يَدَع شيئاً إلّا مرَّ به. ودَخَنٌ: سَوادٌ. والأَخْلس: الذّى في وَسَطه لونٌ يُخالِف لوَنه. ويقال: شاةٌ خَلْساء، إذا كانت كذلك. ويقال: يَليق ويُليق. وإنّما أُخِذ من لِقْتُ الدَّواةَ وأَلَقْتُها، وهو إذا لاءمْتَ بين الصُّوف والأَنْقاس.
وشِريجةٌ جَشّاءُ ذاتُ أزامِلٍ ... يُخْظِى الشِّمالَ بها مُمَرٌّ أَمْلَسُ
شَريجة: شُقّة، يعني قَوْسا. والجَشّاء: التي في صوتها بَحّة وليست بصافية الصوت. والأزْمَل: الصوت المختلط، وأزامِل: جمعُ أَزْمَل. يُخْظى الشِّمال: يبْعَجُه (3) من قولهم: خاظِي البَضيع، إذا نَزَع بوَتَرِه. مُمَرّ: وَتَرٌ شديد الفَتْل.
__________
(1) كذا فى الأصل.
(2) فى البقية "لين" مكان "عضب".
(3) في الأصل: "ينعجه" بالنون، ولا معنى له. ويبعجه بالباء، من قولهم: بعجه الأمر: إذا حزبه وضغطه؛ وهو أقرب إلى المراد في تفسير البيت فيما نرى. فإنه يقول: إن هذه القوس المكتنزة الغليظة الصلبة تبهظ شمال حاملها لغلظها وصلابتها. والخاظى: الغليظ الصلب، قال الشاعر:
بأيديهم صوارم مرهفات ... وكل مجرد خاظى الكعوب
وقول الهذلى أيضا:
خاظ كعرق السدر يس ... بق غارة الخوص النجائب
وأراد بالخاظى في البيتين الغلظة والصلابة.
(3/33)

بَزٌّ به أَحمِى المُضافَ إذا دعا ... وبَدَا لهْم يومٌ ذَنُوبٌ أَحْمَسُ (1)
بَزّ: سلاح. والمضاف: المُلْجَأ. يومٌ ذَنوب، أي طويل لا يكاد ينقضى كأنه يجرّ ذَيْلا وذَنَبَا طويلاً. ويقال: يوم أَبْتَر ويومٌ أجَذّ: إذا كان ناقصا.
واستَجْمَعُوا نَفْرًا ورَادَ جَبَانَهمْ (2) ... رَجُلٌ بصَفْحَتِه دَبُوبٌ تَقْلِسُ
نَفْرا، أي ذَعْرا. دَبوب: تَدِبّ بالدم، أي يَسيل منها. يقول: رادَ جنابَهم رجُلٌ به طَعْنَةٌ تَقْلِس وتَمور (3). نَفْرا ونُفُور وَنَفِيرا، ويقال يومُ النَّفْر والنُّفور والنَّفير، وأما النِّفار، فعَيْب يكون في الدوابّ.

وقال أيضا (4)
فيأسُكَ (5) من صديِقك ثم يَأْسى ... ضُحَى يوِم الأَحَثِّ (6) مِن الإياب
قال: يريد يَأْسُك (7) من الإياب.
يصاحُ بكاهِلٍ حَوْلِى وعَمْرٍو ... وهمْ كالضّاريات مِن الكلابِ
كاهِل وعَمرو: حَيّان من هُذَيل.
__________
(1) في الأصل: "أجمس" بالجيم؛ ولا معني له هنا، والصواب ما أثبتنا كما في البقية. والأحمس: الشديد.
(2) راد جبانهم، أي طلب جبانهم رجل، أو هو من قولهم: راد الرجل رودانا إذا دار وذهب وجاء في طلب شيء. اه ملخصا من اللسان.
(3) في الأصل: "تحور" بالحاء؛ وهو تصحيف. وتمور، من قولهم: مار الدمع والدم، أي سأل (اللسان).
(4) لم ترد هذه القصيدة في شرح السكرى ولا في البقية، فليلاحظ.
(5) في الأصل: "ناسك من صديقك ثم ناسى، وهو تصحيف لا معنى له.
(6) الأحث: موضع من بلاد هذيل كما في ياقوت، وأورد هذا البيت فيه كما أثبتنا. وفي شرح القاموس: الأحث: موضع في بلاد هذيل، ولهم فيه يوم مشهور، واستشهد ببيت أبى قلابة هذا.
(7) في الأصل: "ناسك" بالنون؛ وهو تصحيف.
(3/34)

يُسَامُون الصَّباحَ بذى مُراخٍ ... وأُخْرَى القَومِ تَحتَ حَرِيقِ غابِ (1)
يُسامُون، هذا مثل، يقول: يُسْقَون ما لا يَشتهون (2) أي ما يَكرهون. وقوله: تحتَ حريقِ غاب، أي تحتَ ضِراب وطِعانٍ كأنّه حَريق.
فمنّا عُصْبةٌ (3) لا هَمْ حمُاةٌ ... ولا همْ فائِتُونا في الذَّهابِ
لا هُم حُماة، يقول: لا هُم يَحْموننا, ولا هم يُجِيدون العَدْو، فنحن نُقاتِل عنهمْ لأنّهم لا يَقدِرون أن يذهبوا.
ومِنّا عُصْبةٌ (4) أخرى حُماةٌ ... كغَلْيِ النارِ حُشَّتَ بالثِّقابِ
يقول: ومنّا عُصْبَةٌ حُمَاةٌ يحَمونَنا، كما تُحَشُّ نارُ القِدْرِ بالحَطَب، وتُحَشّ: تُوقَد يقال: قد حَشَّ القِدر، إذا أَوْقَدَ النارَ تَحتَها.
ومنّا عُصْبةٌ أخرى سِراعٌ ... زَفَتْها الرِّيح كالسَّنَن (5) الطِّرابِ
يقول: ومنّا آخرونَ هرّابون كأنّهم (6) إِبلٌ قد طَرِبَتْ إلى أوْطانها. زَفَتْها: اِستخَفَّتها.
__________
(1) أورد ياقوت هذا البيت هكذا:
يسامون الصبوح بذى مراخ ... وأخرى القوم تحت حريق غاب
والصبوح من اللبن ما حلب بالغداة، أو ما شرب بالغداة فيما دون القائلة، والفعل منه الاصطباح. أما الصباح فلم يرد فى كتب اللغة التى بين أيدينا بمعنى الصبوح، ولم يتعرض الشارح لتفسيره.
(2) قوله: "يسقون ما لا يشتهون" الخ هم الذين وصفهم الشاعر بقوله "وأخرى القوم تحت حريق غاب" يقول: إن بعض القوم ينعمون ويتلذذون في حين أن غيرهم من القوم تحت الضراب والطعان كأنه في حريق.
(3) هذه العصبة هي التى وصفها الشاعر في الشطر الأوّل من البيت السابق بقوله: "يسامون الصبوح بذى مراخ".
(4) وتلك هي التى وصفها الشاعر فى الشطر الثانى من البيت السابق بقوله: "وأخرى القوم تحت حريق غاب".
(5) لعله أراد: بالسنن الشوط، من قولهم جاء سنن من الخيل أي شوط.
(6) كأنهم إبل أي كأنهم شوط من الإبل طربت أي حنت إلى أوطانها فألحت في العدو مسرعة إليها.
(3/35)

وقال أيضا (1)
يا دارُ أَعرِفُها وَحْشا منَازِلهاُ ... بين القَوائم مِن رَهْطٍ فأَلْبانِ
__________
(1) لم ترد هذه القصيدة في شرح السكرى، ولكنها وردت في كتاب البقية، وقد قدم لها بمقدمة طويلة نثبتها هنا لما فيها من أماكن وأعلام يوضحان شرحها، وهذه هي المقدمة بنصها (يوم الأحث) حدثنا أبو سعيد "قال: قال عبد الله بن إبراهيم الجمحىَّ: كان من شأن بني لحيان من هذيل أنها كانت؛ شوكة من هذيل ومنعة وبغيا، وكانوا أهل الهزوم وزحمة وألبان وعرق، وكانت لهم مياه كساب، ثم إنه كان لهم جار، فقدم له أن يأخذ رجل من بنى خزيمة بن صاهلة بن كاهل، فباعه، فغضبت في ذلك بنو لحيان وكانوا بضجن القصائرة، وأما بنو كاهل فبين ظر إلى رأس دفاق، وأما بنو عمرو بن الحارث فأهل نعمان، فقال أبو قلابة سيد بن لحيان: انطلقوا لنكلم بني عمنا فى جارنا الذي أخذوا، ونحن لعمر الله نخشى جهلهم، ولكن أظعنوا بالبيوت، وليذهب القوم فليسألوا فى جارهم الرضا، فإن أرضوا فالحال هين، وإن طارت بيننا حرب وجهنا الطعن إلى كساب وذى مراخ نحو الحرم، فخرجوا حتى قدموا لبنى خزيمة وسيدهم وبرة بن ربيعة، فنادوهم من بعيد ولم يقدموا لهم، وقالوا: يا بنى خزيمة، ردوا علينا جارنا، قالوا: لا نفعل ولا نعمة العين، ففزعت لذلك بنو لحيان وتواعدوهم، ورمى غلام من بنى خزيمة نحو بنى لحيان، قال رجل من بنى لحيان أرونى سيد القوم، فأشاروا إلى وبرة بن ربيعة أحد بنى عاترة، فنزع له اللحيانى بسهم فعقى به نحو وبرة فلم يخطئ قلب وبرة، فقتله، وتصارخ الناس عمرو وكاهل من كل أوب، فأدركوهم بصعيد الأحث، فاتبعوهم يقتلونهم، وقد جعلت بنى لحيان حامية لهم دون الظعن، فغضبت بنو لحيان وقالوا: اطلبوا خفركم: فقال أبو قلابة، لا يدلكم ببنى الحارث بن تميم، ولكن مروا الظعن تظعن، ثم اغدوا على القوم فاطلبوا خفركم، فإن رد عليكم فالخطب أيسر والحال هين، وإن كان بينكم قتال كنتم قد وجهتم ظعنكم موجها، فأبى القوم كلهم عليه، فخرجوا ومعهم أبو قلابة حتى قدموا لبنى عاترة وأدرك رجل من القوم من حلفاء بنى كاهل يقال له عمار أحد بني رايش، فأدرك أبا قلابة اللحيانى والرجل من عدوان وهو حليف لبنى صاهلة بن كاهل بن الحرث بن التميم، فقال: استأسر يا أبا قلابة فإنا خير من أخذك. قال الأصمعى. وكان أبو قلابة قد ثقل وضعف وهو في أخرى القوم، فقال أبو قلابة: انكشف عني لا أبا لك فإن وراءك رجلا خيرا منك من بنى المقعد، أو من بنى المحرث بن زبيد أو بني المعترض، وأسرع أبو قلابة ثم أدركه الثانية فقال: استسلم يا أبا قلابة فما لي بد من أخذك. قال=
(3/36)

يقول: سَكَنَها من بعدِ أهلِها الوَحْش. والقَوائم (1): جبالٌ منتصِبة. ورَهْط وأَلْبان: بلدان (2).
فدمْنَةٍ برُحَيّات (3) الأَحَثِّ إلى ... ضَوْجَىْ (4) دُفاقٍ كسَحْق المَلْبَس الفانِى
ويُروَى كسَحْق الدِّمْنة (5) الفانى: عن الأَحْوال. السَّحْق: الخَلَق، وهذه كلُّها أماكن. والدِّمنهَ: آثارُ الناس وما سَوَّدوا بالرَّماد ودَمَّنوا.
ما اِنْ رأيتُ وصَرْفُ الدَّهرِ ذُو عَجَبٍ ... كاليوِم هزّةَ أجْمالٍ وأَظْعانِ
هِزّة أَظْعان، أي سَيْرَ أَظْعان. وأصلُ الهِزّة الحَرَكة، يقال: مَرَّ المَوْكِب له هِزّة؛ إذا مرّ يهتزّ.
__________
=فادن دونك. فدنا، فقنعه أبو قلابة بالسيف فقتله، ثم أدكهم بنو الحرث بن تميم، فلم يزالوا يقتلونهم حتى غيبهم الليل منهم بذى مراخ -واد من بطن كساب- وقد أكثروا فيهم القتل، فانتقلت بنو لحيان من ذلك اليوم إلى غران وفيدة، فقال أبو قلابة الطابخى أخو بنى لحيان في ذلك اليوم، وأبو قلابة هو عم المتنخل الهذلى:
يا دار أعرفها وحشا منازلها ... بين القوائم من رهط فالبان
راجع صفحتى 13، 14 من كتاب البقية طبع أوربا المحفوظ بدار الكتب المصرية تحت رقم 1781 أدب
(1) القوائم: جمع قائمة، وهي جبال لأبي بكر بن كلاب، منها قرن النعم (ياقوت)، وأنشد هذا البيت.
(2) رهط وألبان من منازل بني لحيان (ياقوت).
(3) رحبات: موضع مذكور فى قول امرئ القيس:
خرجنا نريد الوحش بين ثعالة ... وبين رحيات إلى فج أخرب
(ياقوت).
(4) الضوج: منعطف الوادى (اللسان). ودفاق: موضع قرب مكة.
(ياقوت).
(5) في الأصل: "اليمنة" وهو تحريف لا معنى له؛ والصواب ما أثبتنا.
(3/37)

صَفًّا جَوَانَح بين التَّوْءَماتِ كما ... صَفَّ الوُقُوع حمَامَ المَشْرَب الحانِى
يقول: صَفَفْن وقوعَهنّ، جعلنَه مستويًا كما يستوى صفّ الحمام، وكلّ جانحٍ مُصْغٍ، وأنشَد:
تُصغى إذا شَدَّها بالرَّحْلِ جانِحةً ... حتى إذا ما استَوَى في غَرْزِها تَثبُ (1)
والحانِي: الذي قد حنِي ليشَرَب.
وَيحَك (2) يا عَمرو لِم تَدْعو لتقتلَنى ... وقد أجبتَ إذَا يدعوكَ أقْرانى
القومُ أعَلمُ هل أرمِي وراءَهم ... إذ لا يقاتِل منهم غيرُ خِصّان (3)
إذ عارتِ النَّبْل والتَفَّ اللُّفوفُ وإذ ... سَلُّوا السيوفَ عُراةً بعد إشْحانِ (4)
__________
(1) الغرز: ركاب الرحل، ويكون من جلود مخروزة، فإذا كان من حديد أو خشب فهو ركاب. والبيت لذى الرمة، وروايته "بالكور" بدل "بالرحل" وشرحه فقال: تصغى أي تميل كأنها تسمع إلى حركة من يريد أن يشدّ عليها الرحل. وقوله: "جانحة" أي مائلة لاصقة. والغرز سير الركاب توضع فيه الرجل عند الركوب، والوثوب: القيام بسرعة، وصفها بالفطانة وسرعة الحركة. انظر صفحة 9 من ديوان ذى الرمة طبع أوربا المحفوظة منه نسخة بدار الكتب المصرية تحت رقم 3269 أدب.
(2) في البقية "ياويك عمار" مكان "ويحك يا عمرو".
(3) الخصان بكسر الخاء. وضمها: كالخاصة، ومنه قولهم: إنما يفعل ذلك خصان الناس، أي خواص منهم. "اللسان".
(4) كذا في البقية واللسان. والذي في الأصل "أشجان" بالجيم، ولا معنى له، وهذا البيت أورده ابن برى في أماليه متمما لما أورده الجوهرى، ونسبه لأبى قلابة الهذلى، ورواه هكذا:
إذ عارت النبل والتف اللفوف وإذ ... سلوا السيوف وقد همت باشحان
اه ملخصا من اللسان.
(3/38)

عارَتِ النَّبْل: أَخذتْ كذا وكذا على غير القَصْد (1). واللُّفوف: الجماعات والواحد لِفٌّ. والإشحان (2): التهيّؤ للبكاء، وجعَلَه ها هنا للقتال. عُراة: قد تجَرّدوا للحرب، وأنْشَدَنا:
تَجرَّدَ فى السِّربال أبيضُ حازمٌ ... مُبينٌ لعَينِ الناظرِ المتوسِّمِ
إذ لا يقارِع أطرافَ الظُّبات إذا اس ... تَوْقَدْن إلاَّ كُماةً غْيَر أَجْبانِ
قوله: أطرافَ الظُّبات، أي حدّ السيوف. والكُماة: الأبطال، والواحد كمِىّ.
إنّ الرّشادَ وإنّ الغَىَّ في قَرَنٍ ... بكلّ ذلك يأتيكَ الجَديدانِ
الجديدان والأجَدّان والعَصْران والقَرْنان والمَلَوان: الليل والنهار.
لا تأمنَنّ وإن (3) أصبحتَ فى حَرَمٍ ... إنّ المَنايا بَجْنبَىْ كلِّ إنسانِ
يقول: لا تأمَننّ أن تأتيَك منيّتُك وإن كنتَ بالحرم حيث تأمن الطير.
ولا تقولَنْ لشئٍ سَوْفَ أفعَلُه ... حتى تَبَيّنَ ما يَمنِي لك المانِى
قوله: يمني لك المانى، أىُ يُقَدِّرُ لك المقدِّر.
__________
(1) هذا من قولهم: "سهم عائر" أي لا يدرى من رماه، ومنه قول الشاعر:
إذا انتسأوا فوت الرماح أتتهم ... عوائر نبل كالجراد نطيرها
أي جماعة من السهام المتفرّقة لا يدرى من أين أتت.
(2) فى الأصل "والأشجان" بالجيم، وهو تصحيف؛ والصواب ما أثبتنا.
(3) في البقية: "لا تأمنن ولو" مكان، "لا تأمنن وإن" وأورد فيه بعد هذا البيت بيتا آخر لم يرد في الأصل، وهو:
ولا تهابن إن يممت مهلكة ... إن المزحزح عنه يومه دانى
(3/39)

وقال المعطَّل أحدُ بني رُهْم (1) بنِ سعد بنِ هُذَيل يَرثِى عَمْرَو بنَ خُوَيلد، وكان غَزَا عَضَلَ بنَ الدِّيش وهم من الفارّة، فقَتَلوه، ولم يقتلوا من أصحابه أحدا.
لعَمْرِى لقد نادى المنادِى فراعَنِى ... غَداةَ البُوَيْن (2) من بَعيدٍ فأَسْمَعا
لعمرِى لقد أعلنْتَ خِرقًا مبرَّأً ... من التَّغْبِ جَوّاب المَهالِكٍ أَرْوَعا
__________
(1) لم ترد هذه القصيدة في البقية، وقد أوردها السكرى وقدّم لها بمقدّمة آثرنا إثباتها هنا لمكان الفائدة منها في تفهم أبيات هذه القصيدة، وهي: حدّثنا الحلوانى قال: حدّثنا أبو سعيد قال: قال الجمحىّ: كان من حديث عمرو بن خويلد بن واثلة بن مطحل الهذلى ثم السهمى أنه خرج في نفر من قومه يريدون بنى عضل بن ديش وهم بالمرخة القصوى اليمانية، حتى قدم لأهل دار من بنى قريم بن صاهلة بالمرخة الشامية، فسألهم عن بنى عضل، فأخبروه بمكانهم، ونهوه عنهم، وقالوا: ما نراك إلا في سبعة نفر أو ثمانية فأرجع إلى أهلك، فقال: إنما نهيتمونى عنهم للذى بينكم وبينهم من الجوار والقسامة وعند القريميين رجل من بنى عضل وأخت له تحت رجل من القوم، فسمع قولهم، فخرج إلى قومه فأخبرهم الخبر، وظلّ عمرو وأصحابه يصنع لهم، حتى إذا أمسوا وردوا وقيل لهم: ارجعوا طريقكم، فخرجوا حتى إذا جاءوهم وبلغوا بين الوترين من المرخة قالوا: ما أخمر هذا المكان، والله لو قعدنا ها هنا شهرا ما رآنا هؤلاء. ولا هؤلاء، فسمع رجل من بنى عضل، فأخبر قومه، فتغاوث عليهم أكثر من مائة رجل، فارتموا الليل حتى أصبحوا ولم تشعر بهم بنو قريم حتى ارتفع النهار، فإذا هم بالطير أسفل منهم بوكف، فسمى وكف الرماء بارتمائهم يومئذ، فوجدوا قد احتبسهم القوم بالنبل، وقتل عمرو بن خويلد بن واثلة، وتحرف أبو كتيمة -رجل من بنى قريم- فقتل سعد بن أسعد سيد بني عضل، فقال في ذلك المعطل أخو بنى رهم بن سعد بن هذيل يرثى عمرو بن خويلد بن واثلة، ويقال: بل رثاه أخوه معقل بن خويلد، ومن رواها للمعطل أكثر، وهو أصح: "لعمرى لقد نادى المنادى فراعني" الخ انظر صفحتى 275، 276 من شرح السكرى طبع أوربا وهي النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 165 أدب.
(2) البوين: ماء لبنى قشير، ويذكره بئر بن عمرو بن مرثد فيقول:
هذا ابن جعدة بالبوين مغربا ... وبنو خفاجة يقترون الثعلبا
(3/40)

قال: يقول: مبرّأ من القبيح. والتَّغْب: الهلاك والفساد، ويقال: فلانٌ صاحبُ تَغَبات، والواحد تَغْبة. وجوّاب: دَخّال (1).
جَوادًا إِذا ما الناسُ قَلَّ جَوادُهمْ ... وِسُفًّا إذا ما صَرَّحَ الموتُ أَقْرَعَا (2)
السُّفّ: الحيّة. أَقْرعَ، هو من صفة السِّف وهو أخبث ما يكون.
فأظلَم ليلِى بعد ما كنتُ مُظْهِرا ... وفاضت دُموعى لا يُهِبْنَ بأَضْرَعا (3)
المُظهر: الذي قد جاء به الظُّهْر. وقوله لا يُهِبْنَ بأَضْرَعا، أي يَدْعون ضارِعا ذَلِيلاً. وقولُه: مُظهِرَا أَراهُم الشمسَ ظُهْرًا، مثل قولِه: أظلمَ لَيلِى، أي أظلَمَ علىّ النهار وهو مضئ، ومثلُ أراه الكواكبَ ظُهْرًا.
__________
(1) شرح السكرى هذا البيت فقال: أعلنت: أظهرت موته. والخرق: السخى الكريم. والتغب: القبيح والريبة، واحدها تغبة. وأروع: ذكى القلب شهمه. جواب: قطاع. والمهالك: الفلوات التي يهلك الإنسان فيها. والتغب أيضا: العيب
(2) رواية اللسان:
لعمرى لقد أعلنت خرقا مبرأ ... وسفا إذا ما صرح الموت أروعا
ونسبه للداخل بن حرام الهذلى، وشرحه فقال: أراد رجلاً مثل السف، والسف (بضم السين وكسرها): حية تطير في الهواء. ويشرح السكرى هذا البيت فيقول: السف: ضرب من الحيات خبيث، يقال: هو الشجاع، ويقال: هو الحية الذكر. ورواه أبو عمرو: "إذا ما صارخ الموت أفزعا".
(3) شرح السكرى هذا البيت فقال: كنت في ضوء فأظلم عليّ حين قتل. ورواه أيضاً: "وأظلم ليلى" وفسره فقال: لم أر للقمر نورا، وهو مثل قوله:
شهابى الذي أعشو الطريق بضوئه ... ودرعى فليل الناس بعدك أسود
ويقال: أهاب به إذا دعاه. بأضرع: برجل ضعيف. ويروى: "بعد ما كنت مبصرا" ويروى "ما ونين بأضرعا" ماونين أي ما فترن.
(3/41)

فقلت لهذا الموتِ (1) إن كنتَ تارِكي ... لخيرٍ فدعْ عَمْرًا وإخوتهَ معَا
إن كنتَ تاركى لخير، أي إن كنتَ ترد بي خيرا.
لعمرُك ما غَزَّوْتُ (2) دِيشَ بنَ غالبٍ ... لوِتْر ولكنْ إنّما كنتُ مُوزَعا
قال: الموُزَع المُولَع بالشيء.
كأنّهمُ يَخْشَون منك محرَّباً (3) ... بِحَلْيَةَ، مَشْبُوحَ الذِّراعين مِهْزَعا
محرَّب: مَغيظ قد غِيظ وهيج، يعني أَسدا. حَلْية: موضع فيه الأُسْد والغِيل. والمَشبوح، قال: هو العريض الذراع. يقول: هو عريض الذراعين. والمهزَع: المِدَقّ، ويقال: تهزّعتْ عظامُه، إذا اندقّت وتكسرتْ.
له أَيْكَةٌ لا يأمن الناسُ غَيبَها ... حَمَى رَفْرَفاً منها سِباطًا وخِرْوَعا
قال أبو سعيد: لا أَدرى، ما الرَّفْرَف بثَبَت، ولم يعرف السّباط، ولم يَدرِ كيف ينشد هذا البيت (4). له أيْكة أي غَيْضة، لا يأمن الناسُ غيْبَها، أي لا يأمنون أن يكون فيها ما يَكرَهون. والرفرَف: شيءٌ مسترخٍ. وكل أخضَر ناعم فهو خِرْوَع.
__________
(1) في السكرى: "لهذا الدهر".
(2) يقال: غزاه (بتشديد الزاى) تغزية، وأغزاه إغزاء: إذا بعثه إلى العدوّ ليغزوه وجهزه للغزو وحمله على الغزو. وفي السكرى عند شرح قوله: "غزوت ديش بن غالب" يقول: كنت آمرك بغزوهم ولم يكن بينك وبينهم وتر. وديش بن غالب: حىّ من كنانة.
(3) في السكرى: "مدرّبا". بدل قوله "محربا". ومدرّب: معوّد.
(4) في شرح السكري ما يفيد أن الرفرف شجر مسترسل ينبت باليمن، سباط طوال، ليس بالكز الجعد. والخروع: كل نبت لين. وغيبها: ما استتر منها.
(3/42)

فمن يبقَ منكم يبقَ أهلَ مَضِنّةٍ ... أَشافَ على غُنْمٍ (1) وجُنِّب مقْذَعا
أشاف: أَشرَف. والمقْذَع: القول القَبيح. مَضِنّة مَضْنُونٌ بها.
فما لمتُ نفسى في دواءِ خُوَيلِدٍ ... ولكن أخُو العَلْداةِ (2) ضاعَ وَضُيِّعَا
يقول: لم ألُمْ نفسى على نَهي إيّاه، ولكنّ القَدَر غَلبَنى عليه، وكان أَتَى به مكّةَ فداواه وعالجَه بها.

وقال أيضاً (3)
لِظَمْياء دارٌ كالكِتابِ بغَرْزةٍ (4) ... قِفارٌ وبالمنْحاةِ منها مَساكِنُ
قال أبو سعيد: لا أدرى أهو بالمَنْحاة أو بالمَنْجاة، وهو موضع. ومَساكنُ: منازل.
وما ذِكره إحدَى الزُّليفاتِ دارُها ال ... مَحاضِرُ (5) إلاَّ أنّ من حان (6) حائنُ
الزُّليفات، يريد بني زُلَيفة، وهو فَخِذٌ من هُذَيل.
__________
(1) في السكرى: "أشاف على مجد" وروى فيه أيضاً "مقدعا" بالدال. والمقدع: من القدع، وهو الرد. يقول: وجنب ما يقدع من الأشياء، أي يردّ، وأشاف وأشفى وأشرف وأوفى على كذا وكذا بمعنى واحد.
(2) العلداة: جبل مات به خويلد هذا، أو هو بلد (السكرى).
(3) لم ترد هذه القصيدة في شرح السكرى ولا في البقية.
(4) في معجم ياقوت أن هذا البيت لمالك بن خالد الهذلى، ورواه "لميثاء" مكان "لظمياء" وقال: غرزة والمنجاة: موضعان في بلاد هذيل.
(5) المحاضر: جمع محضر، والمحضر: المرجع إلى المياه. والحاضرون: الذين يرجعون إلى المحاضر فى القيظ وينزلون على الماء العدّ ولا يفارقونه إلى أن يقع ربيع بالأرض يملأ الغدران فينتجعونه.
(6) يقال: حان الرجل إذا هلك؛ وحان الشيء إذا قرب.
(3/43)

فإنِّى على ما قد تَجشّمتُ هَجرَها ... لمِا ضَمَّنْتنِى أُمُّ سَكْنٍ لضَامِنُ
تجشَّمتُ: تَكلَّفْتُ ذاك على مَشقّةٍ. أمّ سَكْن: امرأة.
فإِن يُمسِ أَهلِى بالرَّجِيع ودُونَنا ... جِبالُ السَّراةِ مَهوَرٌ فعُواهِنُ
قال: الرَّجيع (1) موضع. ومَهْورَ. وعُواهِن: جَبَلٌ وأماكن.
يوافِيكَ منها طارقٌ كلَّ ليلةٍ ... حَثِيثُ كما وافَى الغَريَم المُدايِنُ
فَهيهاتَ ناسٌ من أُناسٍ دِيارُهُمْ ... دُفاقٌ ودُورُ الآخَرين الأوَايِنُ (2)
فهيات، يقول: ما أبعدَ هؤلاء. وهذه أماكن.
فإِنْ تَرَنى قصْدا قَريبًا فإِنّه ... بعيدٌ على المَرءِ الحجِازىِّ آيِنُ
يقول: قَصْدِى بعيد على الرجل الحجازىّ.
بعيدٌ على ذى حاجةٍ ولو انّنى ... إذا نَفَجَتْ (3) يوما بها الدارُ آمِنُ
نَفَجَتْ: رَمَت بها يوماً الدار قِبَلَنا. أنا محارب، فهىّ وإن دنتْ فإنِّنى لا أرجوها لأنّى مُحارِب.
__________
(1) الرجيع: موضع غدرت فيه عضل والقارة بالسبعة نفر الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، منهم عاصر بن ثابت حمىَّ الدبر، وخبيب بن عديّ، ومرثد بن أبي مرثد الغنوى، وهو ماء لهذيل قرب الهدءة بين مكة والطائف. اه ياقوت.
(2) الأواين: جمع آين، وهو الرافه الوداع. (أقرب).والأون: الدعة والسكينة والرفق، ويقال: ثلاث ليال أواين، أي روافه، وعشر ليال آينات، أي وادعات (اه ملخصا من تاج العروس واللسان).
(3) في الأصل "نفخت" بالحاء؛ والصواب ما أثبتنا، إذ أنه يقال: نفجت بهم الطريق إذا رمت بهم فجأة.
(3/44)

يقول الّذى أَمسَى إلى الْحِرزِ (1) أهلُه ... بأىِّ الحَشَا أَمْسَى الخليطُ المُبايِنُ
بأىِّ الحَشا، أي بأىّ الناحية. ويقال: بأى الحَشا أهلكُ. ويقال: فلانٌ في حَشَا بني فلان، أي في ناحيتهم.
سؤالَ الغَنِّيِ أخيه كأنّه ... بِذكْرَتِه وَسْنَانُ أو مُتواسِنُ
سؤالَ الغنىّ، أي يسأل عن صديقِه كأنّه بِذِكْره نائم أو مُتناوِم.
فأيُّ هُذَيل وهي ذاتُ طَوائفٍ ... يوازن من أعْدائها ما نُوازِنُ
ذاتُ طوائف: أي ذاتُ نَواحٍ. يُوازن، أي يكون بحِذائهم. يقول: يكونون بحِذاءِ أعدائهم. يقال: بنو فلان يُوازنَّ ذاكَ: إذا كانوا بحِذائه.
وفهمُ بنُ عَمْرٍو يَعْلكون (2) ضَرِيسَهمْ ... كما صَرَفَتْ (3) فوقَ الجِذاذِ المَساحنُ (4)
الجِذاذ: حِجارةُ الذَّهب تُكْسَر ثم تُسَحل (5) على حجارةٍ تُسمَّى المَساحِن حتى يَخرج ما فيها من الذهب. والرَّحى يقال لها: المِسْحَنة.
__________
(1) الحرز: الموضع الحصين. ورواية اللسان "الحزن" بفتح الحاء مكان "الحرز". والحزن: ما غلظ من الأرض، وجمعه حزون.
(2) يعلكون: يمضغون، من قولهم: علك الشيء يعلكه (بكسر اللام وضمها) علكا: مضغه ولجلجه. والضريس: الحجارة التي هي كالأضراس، أو هي الشيء الخشن الذي يمضغ ولا يكاد يبتلع لخشونته.
(3) صرفت: صوّتت، من الصريف، وهو الصوت؛ وفي اللسان "كما انصرفت" مكان "كما صرفت". والجذاذ بالضم: حجارة الذهب لأنها تكسر وتسحل، وأيضا قطع الفضة الصغار. (اللسان).
(4) المساحن: حجارة تدق بها حجارة الذهب والفضة، واحدها مسحنة كمكنسة (كما في اللسان والتاج).
(5) تسحل أي يحك بعضها ببعض، وما سقط منها يقال له: السحالة (بضم السين) وهي ما تسقط من الذهب والفضة. والسحل: القشر والكشط.
(3/45)

إذا ما جَلَسْنا لا تَزالُ تَزُورُنا ... سُلَيْمٌ لَدَى أبياتِنا وهَوازِنُ
جَلَسْنا: أَنْجدْنا، يقول أتَيْنا نَجْدا. وأنَشَدَنا أبو سعيد:
إذا أمُّ سرْياحٍ غَدَت في ظَعائنٍ ... جَوالسَ نَجْدًا فاضت العينُ تَدْمَعُ (1)
وأنشدنا:
شمالَ مَنْ غارَبه مُفرعًا (2) ... وعن يمين الجالسِ المُنْجِدِ
رُوَيْدَ علِيًّا جُدَّ ما ثَدْىُ أُمِّهمْ ... إلينا ولكنْ وُدُّهْم مُتَاينُ (3)
جُدَّ: قُطِع. يقول: يكونون بانقِطاعِ لبنَ، وذلك أن يصيبَ الضرعَ شيءٌ فينقطع، وهو يدعو عليهم، وهذا مَثل. متمايِن: كَذوب. ويقال: كَذَب ومَانَ. والَمْين: الكَذب.
__________
(1) هذا البيت لبعض أمراء مكة، وقيل: هو لدرّاج بن زرعة، والسرياح من الرجال الطويل. وأم سرياح: امرأة، مشتق منه. والجالس: الآتى نجدا (اه ملخصا من لسان العرب). وفى شرح الشواهد للسيرافى ج 9 ص 198 من النسخة الفوتوغرافية المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 4625 أدب أن أم سرياح ها هنا امرأة. وقوله: "في ظعائن" أراد مع ظعائن قاصدات نجدا. "فاضت العين" بالدمع لفراقها.
(2) ورد هذا البيت في شرح الشواهد للسيرافى ج 9 ص 198 للعرجىّ، وشرحه فقال ما نصه: ذكر قبل هذا البيت مكانا، ثم قال: هو على شمال الذي يأتى الغور. والمفرع: المنحدر، وإذا خرج الخارج من الغور إلى نجد كان هذا المكان على يمينه والغور ينحدر. وجلس: عال، والذي يأتى الغور ينحدر، وهو المفرع، والذي يأتى نجدا مصعد. وشمال ها هنا ظرف. الخ وفي كتب اللغة ما يفيد أن قوله: "مفرعا"؛ من قولهم: "أفرع من الجبل" إذا انحدر، ومنه قول الشاعر:
* لا يدركنك إفراعي وتصعيدى *
(3) رواه ابن كيسان "ولكن بعضهم متيامن" وفسره بأنه الذاهب إلى اليمن قال: "وهذا أحبّ إلىّ من "متماين" (اللسان).
(3/46)

فأىُّ أْناسٍ نالَنا سَوْمُ غَزْوِهْمِ ... إذا عَلِقُوا أَدْيانَنَا لا نُدايِنُ
يقول: إذا كان لهم عندنا دَيْن لا نُدايِنهم إلاَّ بهذه السيوف. سَوْمُه: إتيانُه. ويقال: سامَت الإبلُ إذا ذهبتْ في الأرض تَسُوم سَوْما.
أَبَيْنا الدِّيانَ غيرَ بِيضٍ كأنّها ... فُضولُ رِجاعٍ رَفْرَفَتهْا السَّنائنُ (1)
الرِّجاع: الغُدْوان. رَفْرَفَتْها: حرَّكَتْها. السَّنائن: ريحٌ تَسَنَّنُ أي تمُرُّ، واحدها سَنِين. والرِّجاع: جمعُ رَجْع.
فإِنْ تَنْتقصْ منّا الحروبُ نُقاصةً ... فأيَّ طِعانٍ فى الحُروبِ نطاعِنُ
يقول: إن تنتقِص الحُروبُ شيئا مِن رِجالنا، فانظر كيف مُطاعنتنا لأعدائنا في الحروب.
تَبِينُ صُلاُة الحَرْب مِنّا ومِنهمُ ... إذا ما النَقَيْنا والمسالم بادنُ
تَبِين، أي تَستَبين من كان يصلَى الحَرْبَ مِنَّا، ومن كان لا يَصْلَاها وجدتَه بادِنًا لا يَهزُله شيء.
أُناسٌ تُرَبِّينا الحُروبُ كأنّنا ... جِذالُ حِكاكٍ لوّحَتْها الدَّواجْنُ
__________
(1) الديان ككتاب: المداينة والمحاكمة. يقول: إننا نأبى مداينتهم بغير السيوف البيض، أي نأبى أن نقاتلهم إلا بهذه السيوف التي كأن صفائحها تشبه في تموجاتها ولمعانها بقايا مياه الغدران عندما تمرّ عليها فتحرّكها تلك الرياح السنائن.
(3/47)

قال الشيخ: بالخطّ المَقْروء على (التَّوَّزِىّ) (1) بالجيم، فغُيِّر عند القراءة "على الأحوال" بالخاء. ووقع سماعى بالخاء، ولم يُنسَب فيه. يقول: تُربِّينا الحروبُ حتى استَنْشِئْنا جِذالَ حِكاكٍ، واحدُها جِدْل، وهي خَشَبةٌ تنصَب للجَرْبَي تحتكّ بها. والدواجِن والدواخِن واحد، يقال: قد دَجَن ودَخَن.
ويَبرَح منّا سَلفَعٌ متلبِّبٌ ... جريءٌ على الضَّرّاء والغَزْوِ مارِنُ
ويَبرَح، يقول: لا يَبرحَ. سَلْفَع: جريءٌ الصَّدْر. متلبِّب: متحزِّم، ومنه قول الشاعر:
واستَلْأَموا وتَلبَّبوا ... إنّ التَّلبُّبَ للمُغير
والضراء: الشدّة. مارِن: قد مَرَن على الغَزاةِ، هو مُرَدَّدٌ مدرَّبٌ.
مُطِلٌّ كأَشْلاء اللِّجاِم أَكَلَّه ال ... غِوارُ ولمّا تُكْسَ منه الجَناجِنُ
مُطِلّ: مُشِرف. أكلَّه: مِن الكَلال. والغِوار: المُغاوَرة. والجنَاجِن: عِظامُ الصَّدر تَنْدُر عند الهُزال، واحدها جنْجن، يقول: أضمرتْه الحربُ حتّى صار كأنّه بقيّة لجامٍ.
__________
(1) هو عبد الله بن محمد بن هارون التوّزى اللغوى المشهور، أخذ عن أبي عبيدة والأصمعى وأبى زيد، وقرأ على أبى عمر الجرمى كتاب سيبويه وكان في طبقته، ومات في سنة 238 والتوّزىّ: نسبة إلى توّز، وهي بلدة بفارس قريبة من كازرون شديدة الحرّ، لأنها في غور من الأرض، بينها وبين شيراز اثنان وثلاثون فرسخا، ويعمل فيها ثياب كان تنسب إليها، ويقال فيها أيضا "توّج" بالجيم (1) ملخصا من معجم البلدان لياقوت).
(3/48)

له إلْدُةٌ (1) سُفْعُ الوُجوِه كأنّهمْ ... يصفِّقُهمْ وَعْكٌ من المُومِ (2) ماهِنُ
السُّفْعة: حمُرة شديدةٌ تضِرب إلى السواد. قال: يصفِّقهم: يقلِّبهم، أراد أنّهم مَهازِيل. والوَعك: الحمَّى نفسُها.

وقال أيضا
ألا أَصبحتْ ظَمْياءُ قد نزَحَتْ بها ... نَوًى خَيْتَعُورٌ طَرْحُها وشَتاتُها
نَزحَتْ: بعدتْ بها هذه النِّية. خَيتْعور: باطل، يقول: عَهْدُ هذه المرأة خَيتَعور، وهو كأنّه باطل. وشَتاتُها: تفرّقُها، فهىَ في هذه المَواعيد. (3)
وقال (4) تعَلَّمْ أَنّ ما بَيْنَ سايةٍ ... وبين دُفاقٍ رَوْحَةٌ وغَداتُها
قال: رَوْحة، يومٌ أو غُدوَته. هذا يريد.
وقد دخل الشهرُ الحرامُ وخُلِّيتْ ... تِهامةُ تَهْوِى بادِيًا لهَوَاتُها (5)
دخل الشهر الحرام وخرج أهلُها حاجِّينِ فصارَت لا أحدَ فيها.
__________
(1) له إلدة أي أولاد. والولد بكسر الواو وضمها: ما ولد أيا كان، وهو يقع على الواحد والجميع والذكر والأنثى، وقد جمعوا فقالوا: أولاد وولدة وإلدة.
(2) قال في اللسان: الموم الحمى مع البرسام. وقيل: الموم البرسام.
(3) شرح السكرى هذا البيت فقال: نزحت بها: باعدتها. وخيتعور: غدارة روّاغة لا تثبت على وجه، يقال: داهية خيتعور إذا كانت شديدة فجوعا. وطرحها: بعدها. قال: أراد الغدر. وشتاتها: تفرّقها (اه ملخصا).
(4) في السكرى "وقالت تعلم" ويشرح هذا البيت فيقول: أي وقالت ظمياء. اعلم أن ما بين ساية ودفاق -وهما بلدان- مسيرة يوم، إن لم يبعد عليك الموضع فإن شئت فزر. وروحة وغداتها: مسيرة يوم إلى الليل.
(5) فسر السكرى هذا البيت بما ملخصه: تهوى، أي يهوى الناس إليها. بادبا لهواتها: فاتحة فاها لا تمنع أحدا يدخلها، أي قد دخل الشهر الحرام وخرج أهلها إلى الحج وهي فاتحة فاها لمن أرادها. (اه ملخصا).
(3/49)

[ودارٍ (1) من] الأعداء ذاتِ زَوائدٍ ... طرقْنا ولم يَكْبُرْ علينا بَياتُها
ذات زَوائد، يقول: هو حيٌّ له فُضولٌ كثيرة، أي بيّتناها بياتا ولم يَكبر ذلك علينا.
تَواصَوْا بألّا تُقْرَبَنَّ فأُشْعلتْ ... عليهمْ غَواشيها (2) فضَلّت وَصاتُها
أُشعِلتْ: تفرّقتْ عليهم وانتشرت. غَواشيها: ما غشِيَهم منها.
ضَمَمْنا عليهمْ جانِبَيْهِمْ بحَلْبةٍ ... من النَّبْلِ يَغْشىَ فَرّهُمْ غَبيَاتُها (3)
قال: يقال: حَلبَت السماءُ حَلبْةً فجعل النبلُ مِثلَ مَطْرةٍ مَطَرَتْ. فَرّهُمْ: ما فَرَّ منهم. غَبَياتها: جمع غَبْية، وهي الدَّفْعة من المطر، وهذا مَثَل.
فأُبْنا لنا مَجْدُ العَلاءِ (4) وذِكرُه ... وآبُوا عليهمْ فَلُّها وشَماتُها
__________
(1) هذه التكملة التي بين مربعين لم ترد في الأصل. وقد أثبتناها عن شرح السكرى الذى يشرح البيت فيقول: ذات زوائد: ذات حى له فضول كثيرة. ويقال: الزوائد أفواه الطرق. يقول: إن لم يعظم فى صدورنا أتيناهم ليلا، والطروق لا يكون إلا ليلا. (اه ملخصا).
(2) في السكرى "غواشينا" بالنون، وفسره فقال: أي ما عشيهم منا من الرجال، يريد أن أهل الدار تواصوا فلم تغن وصاتها شيئا، لأنهم تواصوا بأن يحترسوا لئلا يؤتوا فانتشرت عليهم غواشينا، فضاع ما تواصوا به.
(3) فى السكرى "بصائب" مكان "بحلبة" ويشرح البيت فيقول: ضممنا: أحطنا. بجانبيهم: جانبي الجبل وضيقناه عليهم. وصائب: قاصد. وفرّهم: جمع فارّهم. والغبية: الدفعة الغزيرة من من المطر، فضربه مثلا لوقع النبل. ويروى: "جمعنا عليهم حافتيهم" كما روى "فلهم" مكان "فرّهم". يقول: غشيهم منا مثل المطر (اه ملخصا).
(4) في السكرى (ريح الكلاء) قال: ويروى "مجد الحياة". وفيه "وشتاتها" مكان "شماتها". ويفسره فيقول: أبنا: رجعنا. والفل: الهزيمة والشمات. وآب عليهم: رجع عليهم. وشناتها: تفرّقها.
(3/50)

قال: يقول: رَجَعوا خائبين وقد فُلُّوا.
وقال أيضا لعامرِ بنِ سدوسٍ الخُناعيّ، وكان يُعزَى هو ورَهْطُه إلى خُزاعَة (1):
أَمنْ جَدِّك الطَّرِيفِ لستَ بلَابِسٍ ... بعاقِبةٍ إِلَّا قَمِيصًا مكفَّفا (2)
يقول: إذا كان النسبُ طَرِيفًا كانت الآباء أَقْعَد. وكانت العَربُ تَكُفُّ قُمُصَها بالدِّيباج، وأنشَد:
* كما لاحَ في جَنْبِ القَميصِ الكَفائِفُ *
وكنتَ امرأً أنْزَفْتَ (3) من قَعْر قَرْوَةٍ ... فما تأخذُ الأقوامَ إِلَّا تَغَطْرُفا
أنَزْفَت، أي انتَفَخْتَ. والَقْروَة: خشبةٌ تُنقَر ويُشَرب فيها.
تركتَ سدوسًا وهو سيّد قَوْمِه ... بُمسْتَنِّ سَيْلٍ ذى غَوارِبَ أعْرَفا (4)
__________
(1) قدّم السكرى لهذه القصيدة بما لا يخرج عن كلام الشارح هنا.
(2) يشرح السكري هذا البيت فيقول: أمن جدك الذي استطرفته بأخرة أنت تفخر علىّ. ومعنى إلا قميصا، يقول: فخرا تفخر علىّ إذا لبسته مكففا تكففه بالديباج. وبعاقبة: في آخر الأمر. (اه ملخصا).
(3) في السكرى: "نزقت" ويشرح البيت فيقول: نزقت: خرجت. وأنزقتك: أخرجنك. والقروة: أصل النخلة ينقر فيشرب فيه. تغطرفا: قسرا، أي شربت فسكرت فأنت تأتى هذا. ابن حبيب: أنزقت: من النزق. وأنزقت: سكرت. وقروة: خابية. وتغطرف: تعسف. أبو عمرو: نزفت: خرجت، وقروة: علبة؛ ويقال لميلغة الكلب قروة.
(4) شرح السكرى هذا البيت فقال: غوارب: أعال. أعرف: له عرف. وكل ما شخص فهو عرف. والسور: عرف.
(3/51)

قال الزيادىّ: كان الأصمعىّ لا يَعرِف من الرجال إلّا سدُوسا (1).
سَدَدْتَ عليه الزَّرْبَ ثمّ قَرْيَته ... بُغاثًا أَتاه من أعاجيلَ خُصَّفَا (2)
قريتَه: أطعمتَه هذا البُغاث. وأَعاجِيل: موضع. والخَصيف (3): ذو لونين.
أَظُنُّكُم (4) منْ اُسْرةٍ قَمَعِيّةٍ ... إذا نَسَكوا لا يَشْهدون المعرَّفا
__________
(1) الذي في التاج مادة "سدس" أن سدوسا بالضم رجل طائى، وهو سدوس بن أجمع بن أبى عبيد بن ربيعة بن نضر بن سعد بن نبهان. وسدوس بالفتح رجل آحر شيبانى، وهو سدوس بن ثعلبة ابن عكابة بن صعب وآخر وتميمى وهو سدوس بن دارم بن مالك بن حنظلة. قال أبو جعفر محمد بن حبيب كل سدوس فى العرب مفتوح السين إلا سدوس طيّ، وكذلك قاله ابن الكلبىّ، ومثله في المحكم، وقال ابن برى: الذي حكاه الجوهوى عن الأصمعى هو المشهور من قوله. وقال ابن حمزة: هذا من أغلاط الأصمعى المشهورة، وزعم أن الأمر بالعكس مما قال، وهو أن سدوس بالفتح اسم الرجل وبالضم اسم الطيلسان. الخ.
(2) في السكرى: "من أعاجل أخصفا". ويشرح البيت فيقول: الزرب: حظيرة الغنم. وأعاجل أخصف: موضع. والبغاث: شرار الطير. يقول: أطعمت لحمه الطير. والخصيف: لونان من بياض وسواد، وهو الخصف. أبو عمرو: أعاجل: صغار، واحدها عجل.
(3) كل لونين اجتمعا يقال لها خصيف (مستدرك التاج). وقد أورد السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر لم يرد في الأصل، وهو:
وأنت فتاهم غير شك زعمته ... كفى بك ذا بأو بنفسك مزخفا
وقال في شرحه: البأو: الفخر والكبر. ومزخف: فخور. تزخف: تفخر.
(4) في السكرى "إخالكم" مكان "أظنكم" وقد شرح البيت فقال: قمعية: منسوب إلى قمعة ابن خندف، يقال: إن خزاعة من ولده. نسكوا: ذبحوا النسيكة. والمعرف بمنى. يقول: ليسوا على دين العرب. والمعرف: بعرفة، بقول: هم من الحمس لا يقفون. اه ملخصا. والحمس: لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية، سموا بذلك لتحمسهم في دينهم، أو لاعتصامهم بالحمساء أي الكعبة، الواحد أحمس، والنسبة إليهم أحسيّ.
(3/52)

قال أبو سعيد: قَمَعة بُن خِنْدِف (1) من خُزاعة، إذا نَسَكوا للحجّ لا يشهدون المعرَّف، يعني عَرَفة.
__________
(1) في الأصل: "جندب" وهو تصحيف، والتصويب عن تاج العروس (مادة خندف) والسكرى. وخندف: أم قمعة لا أبوه كما يتوهم وهي ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. قال ابن الكلبي: ولد إلياس بن مضر عمرا وهو مدركة، وعامرا وهو طابخة، وعميرا، وهو قمعة، وكان إلياس خرج في نجعة له، فنفرت إبله من أرنب، فخرج إليها عمرو فأدركها، فسمى مدركة، وخرج عامر فتصيدها وطبخها فسمى طابخة، وانقمع عمير في الخباء فسمى قمعة، وخرجت أمهم تسرع، فقال لها إلياس: أين تخندفين، فقالت: ما زلت أخندف في إثركم، فلقبوا مدركة وطابخة وقمعة وخندف اه.
(3/53)

وقال البُرَيق -واسمه عِياض بن خُوَيلد الخُناعىّ- في رجل من بني سُلَيم، ثم من بني رِفاعة، أَسَره فأَطلقَه فلم يُثبه، فقال في ذلك (1):
واللهِ لا تَنفكّ نفسى تلومُنى ... لدى طَرَفِ الوَعْساءِ فى الرَّجُل الجَعْدِ (2)
ولمّا ظَننتُ أنّه متعبَّط ... دَعوْتُ بنى زيدٍ وألحفْته جَرْدِى
متعبَّط، أي مُقطَّع، يقال: عَبَّطه، أي قَطَّعه إذا اعتبطَهُ بالسيف. وكلُّ ثوب خَلَقٍ جَرْدٌ. وقوله: بني زيد، يقول: قلتُ يا بني فلان، وأَلقيتُ عليه ثوبي لأؤمّنه.
فوالله لولا نعمتى وازدرَيْتَها ... لَلاقَيتَ ما لاقَى ابنُ صَفْوان بالنَّجْدِ
يقول: ازدريتَ نِعمتى، لم تَرَها شيئا ولم تُثِبْنى.
فإِنْ يك ظَنِّى صادِقِى يابنَ شنّةٍ (3) ... فليس ثوابى في الجَنادِعِ (4) بالنُّكْدِ
في الجَنادع، يريد جُنْدُعا. والنُّكْد: المسئلة (5). يقول: إنْ لم يكن ظَنِّى صادقا فأَعْطوني ثَوَابي: "ولا تكفوني أنكدكم في الناس" (6).
__________
(1) لم ترد هذه القصيدة في السكرى. وقد وردت في بقية أشعار الهذليين ص 23.
(2) الوعس: الرمل الذي تسوخ فيه القوائم، وهو أعظم من الوعساء. والجعد هنا: الكريم. قال في تاج العروس مادة جعد: ومن المجاز رجل جعد أي كريم جواد، كناية عن كونه عربيا سخيا، لأن العرب يوصفون بالجعودة.
(3) الشنة: العجوز البالية على التشبيه عن ابن الأعرابى.
(4) في البقية ص 23 طبع أوربا "في الجنادات" مكان "في الجنادع".
(5) كذا في الأصل. والذي وجدناه فيما بين أيدينا من كتب اللغة أن النكد بضم النون وسكون الكاف: قلة العطاء، وألا تهنئه من تعطيه، قال الشاعر:
وأعط ما أعطيته طيبا ... لا خير فى المنكود والناكد
(6) كذا في الأصل. ولعلها "ولا تلفوني" فنأمل.
(3/54)

فأىّ فتًى في الناس تُنْقى عِظامُه (1) ... يَنالُ رِفاعيًّا فيُطْلِقه بَعْدِى
تُنقى عِظامُه، هو من قولهم: إذا لم يكن في الإنسانِ خيرٌ لا يُنْقى، أي هو مَهْزول.

وقال أيضا (2)
وَحىٍّ حُلولٍ لهم سامِرٌ ... شَهِدْتُ وشعبهُمُ مُفْرَمُ (3)
مُفْرَم: مملوء. قال أبو سعيد: كذلك سمعتُه من أهل ذلك الشِّقّ، ولَم يَعرفه من كان مِن شقِّنا.
بشَهْباءَ تَغلِبُ من ذَادها ... لَدَى مَتْنِ وازِعِهما الأَوْرَمِ (4)
أي خَلْفَ وازعها الأكثَر من الجيش. يقول: هذا الذي خَلفه معظمُ الجيش نَسمَع له ونُطيع. والأَوْرم: الجيشُ الكثير، وأصله من الوَرَم.
ونائحة صوتُها رائعٌ ... بَعثتُ إذا طَلَع (5) المِرْزَمُ
الِمرزمَ: نجمٌ يَطلعُ آخِرَ الليل.
__________
(1) يقال: أنقى العظم إذا استخرج نفيه بكسر النون وسكون القاف، والنقى كجلد: مخ العظم.
(2) لم ترد هذه القصيدة في شرح السكرى، وإنما وردت في البقية مع خلاف يسير في رواية بعض أبياتها.
(3) المفرم: المملوء. هذلية (اللسان). وفي البقية "أولى بهجة" مكان "لهم سامر". وقال في تاج العروس "أفرم الحوض: ملأه" في لغة هذيل، ورواه "وحى حلال" الخ البيت.
(4) ورد هذا البيت في البقية هكذا:
بألب ألوب وحرابة ... لدى متن وازعها الأورم
بالرفع في قوله "الأورم" وورد في لسان العرب بالكسر في قوله: "الأورم". قال: وألب ألوب: مجتمع كثير. وفي هذا البيت إقواء لاختلاف حركة حرف الرويّ فيه.
(5) في البقية: "إذا ارتفع" مكان "إذا طلع".
(3/55)

تَنُوحُ وتَسْبُر قَلّاسةً ... وقد غابت الكفُّ والمِعْصَمُ
تَسْبُر: تُدْخل كفَّها ومعْصَمَها في جوفها. قَلّاسة: جَرّاحة، تَقْلِس بالدم تَقْذفه. والمعْصَم: موضع السَّوار.
لدَى رجلٍ مائلٍ رأسُه ... تَمُور (1) الكلُوُمُ به والدّمُ
يقول: قد مال رأسُه من خروج الدم، أو قِتل. والكلُوم: الجِراح أي الِجراح تمَور بالدّمَ.
وماءٍ وَردتُ على خِيفةٍ (2) ... وقد جنَّه السَّدَفُ الأَدْهَمُ
السَّدَف: الظلمة، وربّما جُعل ضوءا. قال أبو سعيد: وإنّما يقال: جَنَّهُ الليلُ وأَجَنَّه، ويقال: هو جَنَّه على خيفةٍ، أي على خَوْفٍ ومحاذَرة.
مَعِى صاحبٌ مِثلُ نَصْل السِّنان ... عَنيفٌ على قِرْنِه مِغْشَمُ (3)
مِن الأَبْلَخِين (4) إذا نُوكِروا ... تُضِيف (5) إلى صَوْته الغَيْلَمُ
تُضيف: تَرجع إلى صوته. والغَيْلم: المرأةُ الحَسْناء. إذا نُوكروا: إذا قُوتِلوا، وأنشَد لأبي شهاب "بنو عَمِّ أُولانا إذا ما تَنَاكروا" والأبْلخَ: المتكبِّر.
__________
(1) فى البقية: "تفيح" مكان "تمور".
(2) فى البقية: "قبيل الصباح" مكان "على خيفة".
(3) فى البقية: "محطم" مكان "مغشم".
(4) البقية: "من المدعين" مكان "من الأبلخين".
(5) البقية والمخصص ج 3 ص 159: "تنيف" مكان "تضيف".
(3/56)

يشذِّب بالسَّيف أَقْرانَه ... إذا فَرّ ذو اللِّمة الَفَيْلَمُ (1)
يشذِّب: يقطِّع أقرانَه بالسّيف كما يشذِّب الرجُل أَغْصان الشَّجرة؛ ويقال: جُمَّةٌ فَيْلَم: إذا كانت ضَخْمة. وبئرٌ فَيلَم: إذا كانت واسعة، قال أبو العباس: لا يقال للبئر، إنما يقال: عَيْلَم إذا كانت غَزِيرة. وقال: الفَيْلَم المُشْط. والفَيْلَم: الجَبَان.
أَرُوعُ الّتى لا تَخافُ الطَّلا ... قَ، والمرءَ ذا الخُلُقِ الأَفْقَمِ (2)
يقول أَرُوعها بالطَّلاق. والأَفْقَم: الأَعْوَج، ومِن ذا "تَفَاقَمَ أمرُ بني فلان" إذا لم يستقِم.
فأَتْرُكُها تَبْتَغى قَيِّماً ... وأَقضِى بصاحبِها مَغْرَمِى
__________
(1) روايته في البقية:
يفرق بالميل أوصاله ... كما فرّق اللمة الفيلم
وروايته في اللسان:
ويحمى المضاف إذا ما دعا ... إذا فرّ ذو اللمة الفيلم
كما روى فيه:
يفرّق بالسيف أقرانه ... كما فرق اللمة الفيلم
والمراد بالفيلم هنا المشط. قال ابن خالويه: يقال رأيت فيلما يسرّح فيلمه بفيلم، أي رأيت رجلا يسرّح حمة كبيرة بالمشط. (اه ملخصا).
(2) لا يخفى ما في هذا البيت والذي بعده من إقواء، لاختلاف حركة حرف الروى فيهما. وفي البقية:
أروع التي لا تخاف الطلا ... ق والعبد بالخلق الأفقم
(3/57)

وقال أيضا (1)
ألم تَسْلُ عن لَيلَى وقد نَفِد العُمْرُ (2) ... وقد أَقْفرتْ (3) منها المَوازِجُ (4) فالحَضْرُ (5)
نَفِد العُمْر: ذهب عُمُرى. والمَوازج والحَضْر: مواضع.
وقد هاجنى منها بوَعْساءِ قَرمَدٍ (6) ... وأجزاعِ ذى اللَّهْباء (7) مَنزِلةٌ قَفْرُ
يَظَلّ بها الدّاعى الهَدِيل (8) كأنّه ... على الساقِ نَشْوانٌ تَمِيلُ به الخَمْرُ
الهَدِيل: الصوت (9)، ويَعنِي بالساق ساق شَجَرةٍ.
فإنْ تَك (10) في رَسْمِ الدِّيار فإِنّها ... دِياْرُ بنى زَيْدٍ وهل عنهمُ صَبْرُ
فإن أُمْسِ شَيخاً بالرَّجيع ووِلدةً ... وتُصِبحُ قَومى دون دارِهمُ مصْرُ
__________
(1) ذكر في البقية ص 42 أن الأصمعى روى هذه القصيدة لعامر بن سدوس.
(2) في القبة "ذهب العمر".
(3) في البقية: "أوحشت".
(4) ذكر ياقوت في الموازج أنه بالزاى والجيم: وهو موضع في قول البريق الهذلى وأنشد "ألم تسل على ليلي" الخ البيت.
(5) ورد في شرح القاموس أن الحضر (بفتح فسكون): بلد قديم مذكور فى شعر القدماء.
(6) ذكر ياقوت أن الوعساء رملة. وقرمد: موضع الوادى، ثم أنشد هذا البيت ونسبه لبعض الشعراء. والجزع: منعطف الوادى. وفي البقية "فروع" مكان "قرمد" وفروع: موضع في بلاد هذيل. (ياقوت).
(7) ذكر ياقوت في اللهباء أنه بفتح فسكون وباء موحدة. وقال: إنه موضع لعله في ديار هذيل، ثم أنشد هذا البيت ونسبه لعامر بن سدوس الخناعي الهذلى.
(8) في البقية: "داعى هديل".
(9) وهو أيضا ذكر الحمام؛ وقيل: هو فرخها.
(10) كذا في الأصل. والذي في البقية "وإن تبك".
(3/58)

الرَّجيع: موضع. يقول: بقيتُ بالرَّجيع مع صِبْيةٍ. وكانوا هاجَروا إلى مصر. والمعنى ومَعِي وِلدةٌ، ولكنّه نصبَها على الحال، وكان أرسلَهم عمرُ بنُ الخطاب.
أسائلُ عنهمْ كلَّما جاء راكبٌ ... مقيماً بأَمْلاحٍ كما رُبِط اليَعْرُ
اليَعْر: الجَدْى (1) الضَّخْم الّذى قد نَبَّ (2)، وهو فوق العظيم قليلا.
فما كنتُ أَخْشَى أن أُقَيمَ (3) خِلافَهُم ... بستّة أبياتٍ كما نَبَتَ العِتْرُ
العِتْر: شجرٌ له ورقٌ صِغار مِثْلُ المَرْدَقوش وهو الدهرَ (4) قليل. خِلافَهم: بعدَهم. وأملاح: موضع.
__________
(1) قال في اللسان: اليعر واليعرة: الشاة أو الجدى يشد عند زبية الذئب أو الأسد، قال البريق الهذلي، وكان قد توجه قومه إلى مصر في بعث، فبكي على فقدهم:
فإن أمس شيخا بالرجيع وولده ... ويصبح قومى دون أرضهم مصر
أسائل عنهم كلما جاء راكب ... مقيما بأملاح كما ربط اليعر
والرجيع وأملاح: موضعان؛ جعل نفسه في ضعفه وقلة حيلته كالجدى المربوط في الزبية، وذكر أيضا أن اليعر هو الجدى ربط عند زبية الذئب أو لم يربط، وبه فسر أبو عبيد قول البريق هذا.
(2) يقال: نب التيس ينب نبا ونبيبا إذا صاح عند الهياج. ولقد قال عمر لوفد أهل الكوفة حين شكوا سعدا: ليكلمني بعضكم، ولا تنبوا عندى نبيب التيوس.
(3) في البقية "أعيش" مكان "أقيم".
(4) قال في اللسان: العتر بقلة إذا طالت قطع أصلها فخرج منه اللبن، قال البريق الهذلى:
فما كنت أخشى أن أقيم خلافهم ... لستة أبيات كما نبت العتر
يقول: هذه الأبيات متفرّفة مع قلتها كتفرّق العتر في منبته. وقال: "لستة أبيات كما نبت" الخ لأنه إذا قطع نبت من حواليه ست أو ثلاث. وقال ابن الأعرابي: هو نبات مُتفرّق، قال: وإنما بكي قومه فقال: ما كنت أخشى أن يموتوا وأبقى بين ستة أبيات مثل نبت العتر. وقال غيره: هذا الشاعر لم يرث قوما ماتوا كما قال ابن الأعرابي، وإنما هاجروا إلى الشام في أيام معاوية، فاستأجرهم هناك الروم، فإنما بكى قوما غيبا متباعدين، ألا ترى أن قبل هذا البيت:
فإن أك شيخا بالرجيع وصبية ... ويصبح قومى دون دارهم مصر
"فما كنت أخشى" الخ والعتر إنما ينبت منه ست من هنا وست من هنالك، لا يجتمع منه أكثر من ست، فشبه نَفسه في بقائه مع ستة أبيات من أهله بنبات العتر. نقول: ولعل الشارح حين قال: "وهو الدهر قليل" قصد إلى أن الغتر إنما ينبت منه ست من هنا وست من هنالك فلا يجتمع منه أكثر من ذلك، لهذا فهو الدهر قليل.
(3/59)

بما قد أراهم بين مَرٍّ (1) وسَايَةٍ ... بكلِّ مَسيلٍ منهمُ أَنَسٌ عُبْرُ
أَنَس: جماعات من الناس. عُبْر: كثير. قال: ومَرّ وسايةَ: موضعان.
بشِقّ العهادِ الحُوِّ لم تُرْعَ قَبْلَنا ... لنا الصارِخُ الحُثْحوثُ والنَّعَمُ الكُدْرُ (2)
الحُثْحوث والحُثْحُث: السريع المتحرِّك (3). كُدْر: غُبْر الألوان.
لنا الغَوْر الأَعْراض في كلِّ صَيْفةٍ ... فذلك عَصْر قد خَلاها وذا عَصْرُ
الغَوْر: التِّهَمَة، والأعْراض: النواحى، واحدها عُرْض. وذا عَصْر أي هذا عَصْر.

وقال أيضا يرثِي أخاه
وما إن أبو زَيْد برَثٍّ سِلاحُه ... جَبانٍ وما إنْ جِسمُه (4) بدَمِيم
أي قبيح.
وكنتُ إذا الأيّام أحدَثْن هالِكاً ... أقول شَوًى ما لم يُصِبْنَ صَميمِى
أَحدَثْن هالكا، أي هَلَاكَ هالِكٍ. شَوًى، أي هَيِّن (5). صميمى، أي تَقَع بى. والصَّميم: الخالص.
__________
(1) رواية البقية: "بين مرّ" بفتح الراء، مشددة.
(2) في البقية:
نشق التلاع الحولم ترع قبلنا ... لنا الصارخ الحثحوث والنعم الدثر
(3) الحثحوث: الداعى بسرعة. (اللسان).
(4) في البقية: "وجهه".
(5) في اللسان: "تالله ما حبى عليا بشوى" أي ليس حبى إياه خطأ. وقال أبو منصور: هذا من إشواء الرامى، وذلك إذا رمى فأصاب الأطراف ولم يصب المقتل، فيوضع الإشواء. موضع الخطأ والشيء الهين، واستشهد ببيت البريق هذا. ثم قال: كل شيء شوى أي هين ما سلم لك دينك.
(3/60)

اَصبْنَ أبا زَيْدٍ ولا حَىَّ مِثْلَه ... وكان أبو زَيْدٍ أَخِى ونَدِيمى
فأصبحتُ لا أَدعو مِن الناس واحدا ... سوى إلْدةٍ فى الدارِ غيرَ مُقيم (1)
كأنّ عَجوزى لم تَلِدْ غيرَ واحدٍ ... وماتتْ بذاتِ الشّثِّ غيرَ عَقيمِ (2)
أي كأنّ أمّى لم تَلِد غيرى، أي مات إخْوَتى وتتابَعوا.

وقال يَرثِي أخاه (3) وقومَه
لقد لاقيتَ يومَ ذهبتَ تَبغِى (4) ... بَحزْمِ نُبايِعٍ (5) يوما أمَارا
نُبايع يوماً أَمارا، أي علما وشَيْئا فى الناس مَشْهُورا.
مقيماً عند قبرِ أبِي سِباعٍ ... سَرَاة اللَّيلِ عندكَ والنَّهارا
ويروى: سراةَ اليومِ، وهو وَسَطُه، كذلك هو من اللّيل. يقول: لاقيت يوما عند قبر أبى سِباع (6).
__________
(1) فى البقية: "سوى ولدة فى الدار غير حكيم".
(2) رواية البقية: وماتت بذات الشرى وهى عقيم" والشرى بسكون الراء: نبت. وذات الشرى موضع معروف به فى قول البريق الهذلى: "كأن عجوزى" الخ البيت (اه ملخصا من ياقوت) والشث: شجر طيب الريح مرّ الطعم يدبغ به، وذكر ياقوت أن الشث موضع بالحجاز؛ فلعل هذا الموضع قد نسب إليه.
(3) لم ترد هذه القصيدة فى السكرى، وهى مما ورد فى البقية.
(4) فى البقية: "لقد لاقيت يوم ذهبت أبغى" على صيغة البناء للفاعل.
(5) الحزم: الغليظ من الأرض، وقيل: المرتفع، وهو أغلظ وأرفع من الحزن. ونبايع بضم النون أو نبايعات الأخير على صيغة الجمع، كأنهم سموا كل بقعة نبايع، كما يقال لوادى الصفراء صفراوات: واد فى بلاد هذيل. وشك فيه الأزهرى فقال: "نبايع" اسم مكان أو جبل أو واد، وفي العباب قال: الدليل على (أن نبايع ونبايعات) واحد قول البريق الهذلي يرثى أخاه: "لقد لاقيت" الخ البيت (اه ملخصا من تاج العروس).
(6) أورد فى البقية بعد هذا البيت بيتا آخر هذا نصه:
ذهبت أعوده فوجدت فيها ... أواريا رواس والغبارا
(3/61)

فرفَّعت المصَادِرَ مستقيماً ... فلا عَيْنًا وَجَدْتُ ولا ضمارَا
العَيْن: ما عايَنْتَ. والضَّمار: الغائبُ تَتْبَعُ أَثَره (1).
سَقَى الرحمنُ جِزْعَ نُبايِعاتٍ ... مِن الجَوْزاء أَنْواءً غِزارا
بمرتجِزٍ كأنّ على ذُراه ... رِكابَ الشام يَحْمِلْن البُهَارا (2)
البُهار: مَتاع البَيْت. بمُرْتَجِز: في صوته. وذُراه: أعالِيه.
فَحَطَّ العُصْمَ من أَكْنافِ شِعْرٍ (3) ... فلَمْ يَتْرك بذِى سَلْعٍ حِمارا
العُصْم: الوُعول. وعُصْمَتها بَياضٌ في أَرْساغها. وسَلْع: جَبَل. وهذه مَواضع. وأكنَاف: نَواحٍ.
ومَرَّ على القَرائنِ (4) من نُمْارٍ (5) ... وكادَ الوَبل لا يَمضِى نُمارا (5)
__________
(1) ورد في البقية بعد هذا البيت قوله:
فلا تنسوا أبا زيد لفقد ... إذا الخفرات أجلين الفرارا
(2) ضبط هذا اللفظ في الأصل بفتح الباء؛ وهو خطأ من الناسخ صوابه ما أثبتنا. فقد جاء في اللسان (مادة بهر) أن البهار بضم الباء هو الحمل، أو هو الشيء الذي يوزن به، وهو ثلاثمائة رطل، واستشهد بهذا البيت، وقال: إنه يصف سحابا ثقيلا. وذكر الأصمعى في قوله: "يحملن البهار": أنهن يحملن الأحمال من متاع البيت.
(3) ذكر ياقوت أن شعرا بكسر فسكون: جبل بالحمى، وينسب إليه يوم شعر، كان بين بني عامر وغطفان، عطش يومئذ غلام شاب يقال له الحكم بن الطفيل، فخشى أن يؤخذ، فخنق نفسه، فسمى يوم التخانق، وأنشد هذا البيت للبريق الهذلى. وسلع: جبل في ديار هذيل، وأنشد هذا البيت أيضاً.
(4) قال في تاج العروس (مستدرك مادة قرن): القرائن جبال معروفة. مقترنة، وأنشد هذا البيت لتأبط شرا:
وحثحثت مشعوف النجاء وراعنى ... أناس بفيفان فمزت القرائنا
(5) نمار كغراب: جبل ببلاد هذيل (تاج العروس). وفي البقية:
ومر على القرائن من بحار ... وكاد الوبل لا يبقى بحارا
وضبط ياقوت (بحار) بضم الباء فقال: كذا رواه السكرى في قول البريق الهذلى، وأنشد هذا البيت.
(3/62)

لا يَمضى نُمارا، يريد أنّ المطر تَحيَّر بنُمار فلا يَمضي.
أُوَدِّع صاحبي بالَغْيبِ (1) إنِّي ... أَرانى لا أُحِسّ له حِوارا
خِوارا، أي رُجوعا.
ألا يا عَيْنِ ما فابكِى عُبَيْدا ... وعبدَ اللهِ والنَّفَر الخِيارا
"ما": زائدة. قال: يريد النَّفَر الخِيار فابكِى.
وعادِيَة تُهَلِّك مَن رآها (2) ... إذا بُثَّتْ على فَزَعٍ جِهارَا
عادِيَة: حاملة. تُهلِّك من رآها، أي تُساقِطُه.
وما إنْ شابِكٌ مِن أُسدِ تَرْجٍ ... أبو شِبْلَينِ قد مَنَع الخِدارا
شابِك، أي أَسَد قد اشتَبكَتْ أنيابُه واختَلَفتْ. ويُروَى: شائك أي أسد ذو شَوْك، وهو السِّلاح. وتَرْج (3): قِبَل تَبالَة (4). والِخدار والِخدْر واحد (5).
بأجْرَأ جُرْأةً منه وأَدهَى ... إذا ما كارِبُ المَوْت استَدارا
كارِب الموت: كَرْبهُ وما يأخذ عندَه.
__________
(1) في الأصل "بالغيث" بالثاء؛ وهو تصحيف؛ والتصويب عن البقية.
(2) في البقية: "من يراها". وقد أورد في البقية بعد هذا البيت بيتا آخر لم في الأصل وهو:
تكفت إخوتى فيها فادّوا ... على القوم الأسارى والعشارا
(3) ترج بالفتح ثم السكون: جبل بالحجاز كثير الأسد. (ياقوت).
(4) تبالة كسحابة: بلد باليمن خصبة، وكان استعمل عليها الحجاج بن يوسف الثقفى من طرف عبد الملك بن مروان، فأتاها فاستحقرها فلم يدخلها، فقيل: "أهون من تبالة على الحجاج" فصارت مثلا. وقيل: إنه قال للدليل لما قرب منها: أين هي؟ قال: تسترها عنك الأكمة، فقال: أهون علىّ بعمل تستره عنى الأكمة، ورجع من مكانه اه ملخصا من ياقوت وتاج العروس.
(5) الخدار كزمام كالخدر يكسر فسكون، وعنى بها الأجمة.
(3/63)

إذا ما الطِّفْلة الحَسْناء أَلْقَتْ ... من الفَزَعِ المَدارِعَ والِخمارا
قال: كلُّ ما تدرَّعت به فهو مِدْرع، وهو كلُّ ثوبٍ يُخاط ويُلبسَ.
وقال حين أرادتْ بنو لِحْيانَ قَتلَ مَعقِل (1) في أمرِ عَمْرٍو ومؤمِّل:
رَفعتُ بني حَوّاء إذ مال عرشُهْم ... وذلك مَنٌّ فى صُرَيم مُضلَّلُ
جَزَتْنى بنُو لِحْيانَ حَقْنَ دِمائهمْ ... جزاءَ سِنِمّارٍ بما كان يَفْعَل
الّذى يُحفَظ من قصّة سِنِمّار أنّه ألقاه من أَعْلى الأُطُم، ويُروَى أنّه الخَوَرنَق المشهور، والله أعلم. وسنِمّار: رجل كان بَنَى لرجلٍ من الأنصار أُطُما، فقال له حين فَرَغ منه: إنِّي لأَعرِف فيه حَجَرا لو قلعته لوَقعَ الأطُم كلّه، وأنه أجمَعَ على قَتْله، فقال له: اِنطلِقْ فأَرِنيه، فأراه إيّاه؛ فضَرَبَ عُنقَه.
ألم تَعَلموا أنْ قد تبدَّلْتُ بعدَكمْ ... دِيَافِيّةً (2) تَعْلُو الجمَاجِمَ مِنْ عَلُ (3)
إذا الرَّجُل الشَّبْعان صابتْ قَذالَه ... أَذاعَ به مَجْلوزُها والمقلَّلُ (4)
__________
(1) ورد في البقية ما نصه: قال البريق بن عياض حين صنعت بنو لحيان ما صنعت، وقد كان البريق كلم لمعقل بن خويلد قومه حتى أطلقوا له ابنى عجرة, فقال البريق: "رفعت بنى حواء" الخ.
(2) قوله: "ديافية" الخ قال في ياقوت: دياف من قرى الشأم. وقيل: من قرى الجزيرة وأهلها نبط الشام، تنسب إليها الإبل والسيوف، وإذا عرضوا برجل أنه نبطى نسبوه إليها. قال الفرزدق:
ولكن ديافى أبوه وأمه ... بحوران يعصرن السليط أقاربه
وفي أقرب الموارد أن الديافية ضرب من الإبل والسيوف، نسبة إلى قرية بالشام يقال لها دياف.
(3) رواية البقية:
فأعقبكم أكل الشعير سيوفنا ... مطبقة تعلوا الجماجم من على
(4) يقال: سيف مقلل إذا كانت له قبيعة، وهي التي يدخل القائم فيها، وربما اتخذت من فضة. والمجلوز: من الجلز. وهو عصب العقب. وجلائز القوس: عقب تلوى عليها فى مواضع. والقذال كسحاب: جماع مؤخر الرأس؛ وقيل: ما بين نقرة القفا إلى الأذن؛ وقيل غير ذلك.
(3/64)

وقال معقِل بن خويلِد لعبد الله بنِ عتيبة ذى المِجَنين (1)، وهو أحَدُ بني مرمض:
أبا مَعقِلٍ إنْ كنتَ أُشِّحْتَ (2) حُلّةً ... أبا مَعقِلٍ فانظر بنَبْلك مَنْ تَرمِى
أُشِّحت ووُشِّحْت سواء. والحُلّة: ثوبان من جنسٍ واحد.
أبا مَعْقلٍ لا تُوطِئَنْكَ بَغاضَتِى ... رُءوسَ الأَفاعِى في مَراصِدِها العُرْمِ (3)
إذا ما ظَعَنّا فاخلُفوا في دِيارِنا ... بقيّةَ ما أَبقَى التعجُّفُ مِن رُهْمٍ (4)
__________
(1) في الأصل: "ذى الجنبين"، وهو تحريف صوابه ما أثبتنا كما في تاج العروس، فقد ذكر فيه ما نصه: ذو المجنين بكسر الميم لقب عتيبة الهذلى، سمى بذلك لأنه كان يحمل ترسين في الحرب.
(2) أشحت ووشحت واحد، يريد إن كنت لبست الحلة، وهي ثوبان جديدان فلا تعظم وتكبّر، يهزأ به، أي تبصر من ترمى إن كنت سيدا (السكرى ملخصا).
(3) في السكرى: "أبا معقل لا توطئنكم بغاضى" وقال في شرحه: بغاضّى بغضى. ومراصدها: طرقها وحيث تكون. والعرم: الرقط. ويروى "لا توطئنك" أي لا يحملنك بغضى على أن تركب الأمر الذي يهلكك كما تهلك الأفاعى من وطىّ رءوسها. (اه ملخصا).
(4) في رواية "بقية من أبقى التعجف من رهم". وقد شرح السكرى هذا البيت فقال: إننا إذا ظعنا فانزلوا بعدنا، يعنى أنهم ضعفاء لا يقدرون أن يحلوا أنف المنزل. والتعجف: زمن الهزال. يقول: لستم تقدرون على ديارنا إذا كنا بها، فإذا ظعنا فانزلوا بها، يهزأ بهم فيقول: يا بقية من أبقى الهزال من رهم. ورهم: حىّ (اه ملخصا). وقد ورد في الأصل أمام هذا البيت ما نصه: "تم الجزء السابع، الجزء الثامن من أشعار الهذليين، وهو من غير رواية أبى سعيد عن الأصمعي". وأورد السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر لم يرد في الأصل، ونصه:
عصيم وعبد الله والمرء جابر ... وحدى حداد شرّ أجنحة الرخم
وشرحه فقال: "يقال حدى حداد" إذا رأى ظلما، أي حدّه عنا، اصرفه عنا وردّه، وقال الأصمعى: حدى حداد أي انطقى شيئا، يهزأ منها (اه ملخصا).
(3/65)

وقال مَعقِل بنُ خُوَيلِد (1)
ألا مَن مُبْلِغٌ صُرَداً مَكَرِّى ... على أَنسٍ وصاحبِه خِذامِ (2)
لَعمرُكَ ما خَشيتُ وقد بَلَغْنا ... جبالَ الجَوْز مِن بلدٍ تهامِ (3)
صَرِيخًا مُجْلِبًا مِن أهْلِ لِفْتٍ ... لحىٍّ بين أَثْلَةَ والنِّجامِ (4)
صريخا: مغيثا. ومُجلِبا: له جَلَبة.
__________
(1) قدّم السكرى لهذه القصيدة بما نصه: حدّثنا الحلوانى قال: حدّثنا أبو سعيد السكرى قال: قال الجمحى وأبو عبد الله: كان من حديث بني سهم بن معاوية أن معقل بن خويلد غزا بهم خزاعة، فأصاب منهم دارا عظيمة بلفت، وأصابوا نعما وسبيا كثيرا، فخرجوا بما هنالك يسوقونه حتى اطلعوا الرجيع وتغاوث بنو كعب، فخرجوا بجمع عظيم حتى أدركوا معقلا وأصحابه ببطن الرجيع، وقد أمنوا واغتروا ووضعوا السلاح، وهم على ماء يغتسلون، فعدت عليهم بنو كعب وهم على تلك الحال مغترون، فقتلوا منهم رجلين يقال لهما العمران، ووثبوا على معقل وهو يغتسل، فواثبهم معقل فقتل منهم ثلاثة إخوة، وكلهم بطل يعانقه هذا ويضربه هذا، ثم يعانقه هذا ويضربه هذا، حتى والى بينهم جميعا في مكان واحد والقوم يقتتلون سوى ذلك، فذلك يوم يقول الخزاعى: يا قوم، أبت السيوف معقلا؛ وعانقه الآخر، فقال: اقتلونى ومعقلا، فارتجعت خزاعة سبيهم وقد أصيب ناس منهم الثلاثة الذين قتلهم معقل، وهم أنس وأنيس وخذام، فقال معقل في ذلك: "ألا هل آتى أبا صرد مكرى" الخ البيت.
(2) روى السكرى هذا البيت:
ألا هل آتى أبا صرد مكرى ... على أنس وصاحبه خذام
وشرحه فقال: أنس وخذام: ابنا أبا صرد هذا.
(3) في رواية "من بلد تهامى" قال في شرح السكري: هذا البيت أوّل القصيدة في رواية عبد الله وأبى عمرو اه. وجبال الجوز: أودية تهامة، قالوا ذلك في تفسير قول معقل بن خويلد الهذلى: "لعمرك ما خشيت" الخ البيت (ياقوت).
(4) في رواية:
تريعا محلبا من أهل لفت ... لحيّ بين أثلة والنجام
وشرحه السكرى فقال: تريع: غريب، ومحلب: معين، وأصله من الحلب، واستعير في غيره. ولفت وواثلة: بلدان. والنجام: واد. قال ويروى "صريخا محلبا". والصريخ: المغيث. ولفت: عقبة بطريق مكة عن أبى عبد الله، وقال الجمحى: هي ثنية جبل قديد. ويروى "من آل لفت" اه ملخصا.
(3/66)

وِلاءً عند جَنْبِهما أُنَيْس ... ولم أَجْزَع مِن الموتِ الزُّؤامِ (1)
وجاءُوا عارِضا بَرِدًا وجئْنا ... كمَوْجِ البحر يقذف بالجَهامِ (2)
العارض: السَّحاب فيه بَرَد. كَمَوج البحر، كماءِ البحر، يمر فوقه السحاب.
فما جَبُنوا (3) ولكنْ واجَهونا ... بسَجْلٍ مِن سِجالِ الموتِ حامِى
فما العَمْرَانِ من رَجْلَىْ عَدِىٍّ ... وما العَمْران مِن رَجْلَىْ فِئامِ (4)
فإنّكما لجَوّابا خُروقٍ ... وشَرّابانِ بالنُّطفِ الدَّوامِى (5)
__________
(1) شرح السكرى هذا البيت فقال: موالاة، أي موالاة، يقول: واليت بين أنس وخذام والى جنبهما أنيس أيضا قتلته. والزؤام: السريع الشديد الموجز. يقال: أزأمته الشيء إذا أكرهته عليه. قال: ويروى: "ولم أهدد" مكان "ولم أجزع".
(2) في السكرى: "كهيج البحر" مكان "كموج البحر" وشرحه فقال ما نصه: انهم جاءوا كالسحاب الذي فيه البرد وجئنا نحن كما جاء البحر يمر فوقه الجهام يترامى مع السحاب عند الالتقاء (اه ملخصا).
(3) في رواية: "فما جنبوا" وشرحه السكرى فقال: السجل الدلو الملئ. يقول: نالوا منا مثلما نلنا منهم، وهذا مثل. وحام: حار. (اه ملخصا).
(4) شرح السكرى هذا البيت فقال: "ما" الأولى تعجب، كقولك سبحان الله ما هو من رجل. و "ما" الثانية فى معنى "أين" قال الفرزدق:
أتفخر أن دقت كليب بنهشل ... وما من كليب نهشل والربائع
يريد وأين كليب من نهشل والربائع. وقوله: من رجل عدىّ, قال: رجل، جماعة راجل، أي هما كل واحد منهما رجل، جعله جمعا، كقوله "يرد المياه حضيرة ونفيضة" وعدىّ القوم: حاملتهم، ويروى "فما العمران من حد وجود" كما يروى "من رجلى" بضم الجيم. والفئام: الجماعة (اه ملخصا).
(5) في رواية (الطوامى) بدل (الدوامى) وقد شرح السكرى هذا البيت فقال: جواب: قطاع. والخروق: طرق تخترق من فلاة إلى فلاة. والنطفة: الماء القليل. ثم ظلوا يقولونها حتى سموا البحر نطفة. والطوامى: المرتفعة المملوءة. يقول: هما بطلان يقطعان الفيافى ويردان المياه التي لا تورد.
(3/67)

وقال معقِل بن خُوَيلِد بن واثِلةَ بنِ مطحل، وهو الوافِد على النجاشىّ، وفد عليه في أَسرى كانوا من قومِه، فكلمّهم فيهم، فوهبهمْ له
إمّا صَرَمْتِ جديدَ الحبا ... لِ مِنّا وغَيَّركِ الآشِبُ (1)
وقول العدوّ (2) وأىُّ امرئٍ ... مِن الناس ليس له عائبُ
فيا رُبَّ حَيْرَى جُماديَّةٍ (3) ... تَنزَّلَ فيها ندًى ساكِبُ
أراد يارُبَّ ليلةٍ حَيْرَى: قد تحيَّرتْ بظُلمتِها مِن شدّة مَطَرِها وسَوادِها.
مَلكتُّ سُراها إلى صُبْحِها ... بشُعْثٍ كأنّهمُ حاصِبُ
مَلكتُ: ضَبَطتُ. وشُعْث: رِجال. حاصِب: رِيحٌ جاءت بحَصْباء.
لهم عَدْوَةٌ كانقِصافِ الأتِىِّ ... مَدَّ بِه الكَدِر اللّاحِبُ
كانقِصاف: كاندِفاع. والقَصْفة: الدَّفْعة. والأتِى: السَّيْل الكثِير.
اللاّحب: الذي يَهوِى سِريعا مستقيما في مَرِّه.
__________
(1) في السكرى أن أبا عبد الله لم يروها لمعقل هذا، وزعم أنها لخويلد أبيه. وفسر البيت فقال: الآشب: العائب. يقال: أشبه بذلك القول، أي عابه، وأصله الذى يخلط الكذب بالحق، يقال: أشبه يأشبه أشبا.
(2) في رواية "العداة" مكان "العدوّ"
(3) جمادية: باردة؛ لأن الشتاء يكون في جمادى حينئذ، قال في السكرى: "أي أنها ليلة قد تحيرت بظلمائها لم تكد تنقضى". ونحو من ذلك قول الآخر: "في ليلة من جمادى ذات أندية" الخ.
(3/68)

وسُودٍ جِعادٍ غِلاظِ الرِّقا ... بِ مِثلَهُم يَرْهب الراهبُ
يقال: مدّ النهر سُود رِجالٍ: حُبْشانَ (1).
أَتَيْتُ بأبنائكم مِنهمُ ... وليس معِى منكُم صاحِبُ (2)
فأبلِغْ كُلَيبا وإِخوانَه ... وكَبْشًا فإنِّى امرؤٌ عاتبُ (3)
عذيرَ ابنِ حَيّةَ (4) إذْ خاننِى ... ليَقْتُلَنى عَجَبٌ عاجِبُ
عَجَب عاجِب: تأكيد.
__________
(1) قال السكرى فى شرح قوله "وسود" يعنى الجبش. وأورد بعد هذا البيت بيتا آخر لم يرد فى الأصل, ونصه:
أشاب الرءوس تقدّيهم ... فكلهم رامح ناشب
والتقدى: مشى ليس فيه سرعة. يقال فلان جعل فرسه يتقدى به: إذا لم يسرع.
(2) أورد السكرى بعد هذا البيت بيتين لم يردا فى الأصل, وهما:
تروح عشارى على ضيفكم ... وللجار إذ أفزع العازب
فذلكم كان سعيى لكم ... وكل أناس لهم كاسب
وفسر البيت الذى نحن بصدده فقال: يقول جئت بهم من الحبس, لأنهم كانوا قد أسروا.
(3) فى رواية "رسولا فإنى امرؤ عاتب" وقد شرح السكرى هذا البيت فقال: عاتب: غضبان. وقد أورد السكرى الشطر الثانى من هذا البيت هكذا:
* وكيسا فانى امرؤ عاتب *
وقال فى شرحه ما نصه: ويروى وكيسا. قال: وكيس: اسم رجل. اه.
(4) فى الأصل "ابن حنة" بالنون؛ وهو تصحيف؛ والتصويب عن السكرى. وقد شرح هذا البيت فقال: عذير, يريد من يعذرنى منه لأنه أراد قتله. قال: ويروى "عذيرى" أي اعذرنى من ابن حية؛ وقوله: "عجب عاجب" ولم يقل "معجب" هذا مثل قولك: موت مائت, أي شديد وهذا توكيد.
(3/69)

فبئس الثوابُ إذا ما استُثي ... بَ يُعلىَ به الذَّكَرُ القاضِبُ (1)
فإِنِّى (2) كما قال مُمْلِى الكِتا ... بِ في الرَّقّ إذ خَطّه الكاتِبُ
يَرَى الشاهد الحاضُر المطمئن ... مِن الأمر ما لا يَرَى الغائبُ (3)

قال الأصمعى:
تحاربت بنو لحيان بنِ هذيل وبنو خُناعة بنِ سعد بنِ هُذَيل، فكانوا لا يزالون متحارِبِين، فإذا أصابت بنو خناعة مِن بنى لِحيان أحدا قَتَلوه، فإذا أصابت بنو لِحيان من بني خُناعَة أحدا باعوه، فأخذتْ بنو خُناعَة عمرا ومؤمِّلا فأسروهما وأرادوا قتلَهُما، فخرج معقِلُ بنُ خويلد بن واثلَة بن مطحل السّهمى في نفرٍ من أشرافِ قومِه فأتىَ بني خُناعة -وكان سيّدا مُطاعا- فلم يزل يكلمّهم في ذلك حتى أَطلقَوهما، وقالوا: يا بني لِحْيان: أثيبوا إخوانَكم وأَحسنوا، فإنّهم قد أطلَقوا لكم إخوانكَم، فبينما مَعقِلٌ على ذلك يلتمس لبنِي خُناعة الثوابَ إذ قيل له: إن بنى لِحْيان يريدون أن يَقْتلوك ومن معك ويَغدِروا، فقال معَقِلٌ فى (4) ذلك:
__________
(1) رواية السكرى "وشر الثواب" مكان "فبئس الثواب" وشرحه فقال: الهاء للثواب. والثواب: السيف. يقول: جئت بأشرافكم فكان حظى أن تقتلونى. وأورد السكرى بعد هذا البيت بيتا لم يرد في الأصل، وهو:
كما العبد يطلب فيه النجاح ... والعبد في رده راغب
قال: ردّه، أي ردّ النجاح (اه ملخصا).
(2) في السكرى "وإنى".
(3) شرح السكرى هذا البيت فقال: أراد يرى الشاهد ما لا يرى الغائب، فترجمه، يقول: صنعت شيئاً حين حضرت وغبتم ولم تعلموا، وكنت أنا أعلم بالأمر.
(4) لم ترد هذه القصيدة في البقية، وقد أوردها السكرى مجرّدة عن القديم لها فليلاحظ.
(3/70)

أَبلِغْ أبا عَمْرٍو وعَمْراً رِسالةً ... وجُلَّ بني دُهْمانَ عنّى الرّسائلا (1)
نُدافِع قومًا مُغضَبين عليكُم ... فَعَلْتم بهم خَبْلًا من الشّر خابِلا (2)
خَبْلا: فسادا.
دعوتَ بني سَهْمٍ فلَم يَتَلبّثوا ... سَراتُهم تُلقِى عليكَ الكَلا كلا (3)
وقد عَلمِتْ أبناءُ خِنْدِفَ أنّنا ... إذا بلغَ المَعْروف كنّا مَعاقِلا (4)
يقول: إذا بلغ المعروف وذهبَ الباطلُ وصارَ الأمرُ إلى الحقِّ كنّا معَاقِل أي حِرزا.
بنو عَمِّنا فى كلّ يومِ كَريهةٍ ... ولو قَرّبَ الأَنسابُ عَمْرًا وكاهِلَا (5)
إذا أَقْسَموا أقسَمْتُ لا أنفَكُّ منهمُ ... ولا منهما حتى نَفُكَّ السَّلاسِلا (6)
يقول: إذا أَقسَموا هُمْ لا ينفكّون أَقسمتُ أنا أيضاً أنّى لا أَزال من أولئك.
__________
(1) في رواية "كليهما" مكان "رسالة". والمراسل: مكان "الرسائل". والمراسل: جمع رسالة (السكرى ملخصا).
(2) في السكرى "من الدهر" مكان "من الشر" ويشرح البيت فيقول: خبل فؤاده إذا أفسده. ورواه الجمحى "حبلا من الدهر حابلا" بالحاء المكسورة في قوله "حبلا" يقال: إنه لحبل أحبال أي داهية، وصل أصلال مثله.
(3) ألقوا عليه الكلا كل: أي تعطفوا عليه بأنفسهم وتحدّبوا.
(4) في رواية "أفناء" مكان "أبناء" وفي رواية "المكروه" مكان "المعروف" وشرح السكرى البيت فقال: أفناء الناس: ضروب الناس. بلغ المكروه، أي ذهب الباطل وصار الأمر إلي الحق كنا معاقل من عزنا (اه ملخصا).
(5) شرح السكرى هذا البيت فقال: يريد كنا معاقل لبنى عمنا. والمعقل: الحرز، أي ولو كانوا أقرب إلينا (اه ملخصا).
(6) في السكرى "أنفك" بدون "لا" وشرحه فقال: يقول: إذا أقسموا ألا يفعلوا أقسمت أنا أنّى لا أنفك منهم ولا من أولئك الذين ذكروهم. وقوله: "منهم" يعنى بنى لحيان وبنى خناعة. وقوله: "منها" يعنى ابنى عجرة.
(3/71)

وقال قيس بن عَيزارة أخو بني صاهلةَ يَرثى أخاه الحارث بنَ خُوَيلد (1)
يا حارِ إنِّى يا ابنَ أمِّ عَمِيدُ ... كَمِدٌ (2) كأنّى فى الفُؤاد لَهِيدُ
العميد: المُثْبَت المُوجعَ، يقال: ما الذي يعَمِدُك. ولهّيد، أي كأنّ لهَدَةِّ أصابتهْ في فؤاده. واللَّهيد: الذي عَصَره الِحمل حتى انفسَخَ لحُمه.
واللهِ يَشْفِى ذاتَ نفسِى حاجِمٌ ... أبدًا ولا ممّا (3) إِخاُل لَدُودُ
يقول: لا تَشفيه حجِامةٌ ولا لَدود، وهو الوَجور من الدّواء في أحد شِقَّى الفَم.
بأبيك (4) صاحبُك الذي لمَ تَلْقَه ... بعد المواسِمِ واللِّقاء بعيدُ
يقول: هذا ذهب إلى المَوت فلا يجئ، والذي ذهب إلى المَواسم جاء.
__________
(1) أورد الشارح في الأصل أمام هذا الكلام ما نصه: "قلت: قال الصاغانى في التكملة: وقيس بن العيزارة من شعراء هذيل. والعيزارة أمه، وهو قيس بن خويلد، والعزور: الديوث انتهى منه بحروفه هكذا لفظ العيزارة في الموضعين معرفا بأل في النسخة التي نقلت منها هذا وهي جيدة ومنقولة من خط المؤلف والعلم عند الله تعالى، وكتبه محمد محمود التركزى. وفي السكرى قال: قيس بن عيزارة -وعيزارة أمّه- يرثى أخاه لأبيه وأمه، واسمه الحارث بن خويلد وأصابه حبن بمكة فمات، والحبن إذا استسقى البطن.
(2) فى السكرى: "دنف" مكان "كمد".
(3) في السكرى: "ولاءمها" مكان "ولا مما" وفسره فقال: أراد لا يشفى ذات نفسى حاجم. والحاجم: المداوى. ولاءمها: وافقها. واللدود: الذي يسقى فيلدّ في شقّ فمه. قال: يقول: لا يشفى الذي بى حجامة ولا لدود.
(4) في الأصل "يأتيك"، وهو تصحيف؛ والتصويب عن السكرى الذى شرح هذا البيت فقال: بأبيك كما تقول: بأبى أنت. والمواسم: أسواق العرب تكون في كل سنة مرة، ويروى:
لله صاحبك الذي لم تلقه ... بعد المواسم ... ... ...
أراد إلى المواسم. فهو منصوب على نزع الخافض. أراد إلى المواسم جاء وهذا لا يجئ.
(3/72)

فسَقَى الغَوادِى (1) بطنَ مكّةَ كلّها ... ورسَتْ به كلّ النهار تَجودُ
رَسَت: ثَبتتْ. تَجود: كلّ النهار.
وأَبيِكَ إنّ الحارثَ بنَ خُوَيلِدٍ ... لأَخُو مُدافَعةٍ له (2) مَجْلُودُ
أي جَلَد.
وإذا تَروّحَت اللَّقاحُ عشِيّةً ... حُدْبَ الظُّهورِ ودَرّهنّ زَهيدُ (3)
حُدْب الظُّهور من الهُزال. وزَهيد: قليل.
فحبِسْنَ فى هَزْمِ الضَّرِيعِ وكلُّها ... حَدْباءُ باديةُ الضُّلوعِ حَرُود (4)
الهَزْم: ما تكسّر من الضّرِيع، وهو الشِّبْرِق، يعنى الضَّريع. وحَرُود: لا تكاد تدِرّ، ويقال: حارَدَتْ.
وإذا جَبانُ القَوم صَدَّق رَوْعه (5) ... حَبضُ القِسِىّ وضَرْبَهٌ أُخْدُودُ
المعنى أنّ جَبانَ القومُ نفِّر فَفزِع حين رأى القِتالَ فصدّقَ رَوْعَه الحَبضُ فارتاع الارتياع كلَّه. والحَبضُ: وَقْعُ الوَتَر. وأُخدود، كأنه خَدَّ في الأرض أي شَقَّ.
__________
(1) الغوادى: السحاب تمطر غدوة. ورست: ثبتت به. وتجود: من الجود، وهو مطر شديد؛ وقد أورد السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر، وهو:
تروى الكرام به وتروى صاحبى ... وأخى جدير بالكرام سعيد
(2) فى رواية "لنا" مكان "له" ويشرحه السكرى فيقول: له مجلود أي جلد، كما يقال: له معقول، أي عقل.
(3) فى السكرى: "إذ روّحت بزل اللقاح عشية" الخ البيت.
(4) فى السكرى ص 254 "جدود" مكان "حرود" وشرح البيت فقال: الضريع يابس المشرق. وقالوا: الشبرق. وهزمه: ما تكسر منه ويبس. فاذا كان رطبا فهو الحلة. وجدود وجرود وحرود التى لا لبن لها.
(5) في السكرى: "نفره" مكان "روعه" وشرح البيت فقال: المعنى أن جبان القوم نفر ففزع حين رأى القتال؛ وهو نص ما أورده الشارح هنا.
(3/73)

أَلفَيْته يَحمِى المُضافَ كأنّه ... صَبْحاءُ تَحمِى شِبْلَها وتَحِيدُ (1)
صَبْحاء، يعني لَبُؤَةً تَضْرِب إلى البَياض والحُمرة.
صَبْحاءُ مُلْحِمةٌ جَريمةُ واحدٍ ... أَسِدَتْ ونازَعَها اللِّحامَ أُسودُ (2)
جرِيمة: كاسِبةُ واحد. وأَسِدَتْ: كَلِبَتْ.
واللهِ لا يَبْقَى على حَدَثانِه ... بَقَرٌ بناصِفَةِ الجِواءِ (3) رُكودُ
ظَلّتْ ببَلْقَعة وخَبْتٍ سَمْلَقٍ ... فيه (4) يكون مَبيتُها وتَرُودُ
الخَبْت والسَّمْلَق: ما استَوَى من الأرض. وترُود: تجيء وتَذْهب. والكَؤُود: العَقَبة الصَّعْبَة (5).
يوما (6) كأنّ مَشاوِذًا رَبعَيّةً ... أو رَيْطَ كَتّانٍ لهنّ جُلودُ
__________
(1) ألفيته: وجدته. والمضاف: المنهزم. وصبحاء، يريد لبؤة لونها أصبح، أى أغبر إلى الحمرة. وتحيد: موضع الحيدودة، أي تميل، أو تروغ كما يحيد الرجل؛ أي يقاتل فيروغ أحيانا. يصفه بالحزم والثقافة. (اه ملخصا من السكرى).
(2) في الأصل: "اللجام" بالجيم، وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا كما فى شرح السكرى. وملحمة: تطعم اللحم، ولدها يحملها على ذلك. وجريمة: كاسبة واحد. وأسدت: صارت أسدا؛ أو كلبت أو استأسدت؛ ويقال أسد وفهد، أي صار أسدا وفهدا. (السكرى ملخصا).
(3) في الأصل: "الجوار"؛ والتصويب عن السكرى الذي أورد البيت فقال:
والدهر لا يبقى على حدثانه ... بقربنا صفة الحواء ركود
وشرحه فقال: الناصفة: مطمأن ينبت الثمام، يتصل بالوادى. وركود: لأنها في دعة وخصب اه. وفى كتب اللغة أن الجواء بكسر الجيم: البطن من الأرض والواسع من الأودية.
(4) في السكرى "فيها" وشرح البيت فقال: البلقعة: التي لا شيء بها. والخبت: ما اطمأن من الأرض كهيئة الوادى. وسملق: لا نبت فيه. مستو أملس.
(5) قوله: والكؤود العقبة الصعبة، أي هي ضدّ الخبت والسملق.
(6) في السكرى: "حتى" مكان "يوما".
(3/74)

المَشَاوذ (1): العَمائم، الواحد مِشْوَذ، أراد كأنّهنّ من بياضِ جُلودِهنّ عليهن رَيْطُ كَتّان. ورَبَعيّة: منسوبةٌ إلى رَبِيعة.
كُتِبَ البياضُ لها وُبورِكَ (2) لَوْنُها ... فعيُونُها حتّى الحواجِب سُودُ
كُتِب أي خُلِقَتْ بِيضا، أي قُدِّر ذلك لها. حتّى الحواجِب سُود: كلُّ ما عَلا العينَ فهو أسَود.
حتّى أُشِبَّ لها أُغَيْبِرُ نابِلٌ ... يُغْرِى ضَوارٍ (3) خَلْفَها ويَصيدُ
أُشِبَّ لها: أُتِيح لها. أُغَيْبِر: صائد. نابِل: ذو نَبل. ضَوارِى: كلاب.
في كلِّ معترَكٍ تُغادِر خَلْفَها ... زَرْقاءَ دامِيةَ اليَديْنِ تَميدُ
البَقَر تُغادِر خَلْفَها زَرْقاء: كَلْبَة قد غُشِىَ عليها فهي تَميد من الطَّعْن (4).
يوما أرادَ لها المَلِيكُ نَفادَها ... ونفادَها بعدَ السَّلامِ يُريدُ (5)
__________
(1) المشاوذ: جمع مشوذ، وكل ثوب شددته على رأسك فهو مشوذ (السكرى).
(2) في الأصل: "وبويك"؛ وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا نقلا عن السكري الذي أورد البيت وقال في شرحه: كتب البياض لها، أي خلقت بيضا، وجعل في ألوانها البركة، فما ملأ عينيها من حدقتها حتى ينتهى إلى حاجبها أسود, لأن عين البقرة سوداء كلها.
(3) في السكرى "ضوارى" بفتح الياء، ونقول: وهو أصح إعرابا.
(4) شرح السكرى هذا البيت فقال ما نصه: معترك: موضع قتال. وزرقاء: كلبة، ويقال: بقرة قد ازرقت عيناها للموت. وتميد: تميل الخ.
(5) شرح السكرى هذا البيت فقال ما نصه: نفادها: موتها وذهابها. والسلام: السلامة. ونفادها، أي أراد الله بها بعد السلامة. قال: أراد بها المليك، يقول: أصابها هذا في يوم أراد الله بها الهلاك، والله يريد أن ينفدها أي يهلكها.
(3/75)

وقال قيُس بن عَيْزارة حين أسرْته فَهْمٌ وأخَذَ سِلاحَه تأَبّطَ شَرّا واسمهُ ثابت (1):
لَعَمْرُكَ أَنسَى رَوْعتِى يوم أَقْتُدٍ ... وهل تَترُكَنْ نفسَ الأَسيرِ الرَّوائعُ (2)
غَداةَ تناجَوا ثم قاموا فأَجمَعوا ... بقَتْلِىَ سُلْكَى ليس فيها (3) تَنازُعُ
يقول: تناجَوا فيما بينهم أي وَسْوَسوا، ثم استمرّ أمرهم على قَتْلى. وقوله: سُلْكَى، أي أَجمَعوا على أمرٍ ليس فيه اختلاف.
وقالوا عَدُوٌّ مُسرِفٌ في دِمائكْم ... وَهاجٍ لأعراضِ العَشيرةِ قاطِعُ (4)
فسكّنتهمْ بالقَول حتّى كأنّهمْ ... بَواقِرُ جُلْحٌ أَسكَنْتها المَراتِعُ (5)
جُلْح: بقرٌ لا قُرونَ لها. والمَراتع: مواضع تَرتَع.
__________
(1) قدّم السكرى لهذه القصيدة بما نصه: حدّثنا الحلوانى قال: حدّثنا أبو سعيد قال: قال قيس ابن العيزارة، وهي أمه، وبها يعرف، وهو قيس بن خويلد أخو بنى صاهلة حين أسرته فهم، فأفلت منهم وأخذ سلاحه ثابت بن جابر بن سفيان، وهو تأبط شرا، "لعمرك" الخ البيت.
(2) شرح السكرى هذا البيت فقال: أنسى، يريد لا أنسى، وأقتد: ماء؛ ويقال: موضع. والروائع، الواحدة رائعة. يقول: لا تدع نفس الأسير أن تصيبه رائعة، أي ما يروعه.
(3) في رواية: "ليس فيه" أي ليس فيه تنازع، وقد اجتمعوا عليه سلكى، أي على استقامة؛ ويقال: أمر بنى فلان سلكى إذا تتابعوا عليه. كما يقال أمرهم مخلوجة إذا تخالجوه واختلفوا فيه. وتنادرا: وسوسوا بينهم، ثم استمرّ أمرهم على قتلى (السكرى ملخصا).
(4) قاطع: أي قاطع للرحم، يقول: فاقتلوه لأنه قاطع للرحم مسرف في دمائكم وهجائكم (السكرى).
(5) بواقر: جمع باقر، أي كأنهم بقر لا قرون لها سكنت وطابت نفسها في المراتع. وهكذا هم سكنوا بعد ما أرادوا قتلى.
(3/76)

وقلتُ لهمْ شاءٌ رَغيبٌ (1) وجامِلٌ ... وكلُّكمُ من ذلك المالِ شابِعُ
وقالوا لنا البَلْهاءُ (2) أوَّلَ سُؤْلةٍ ... وأعراسُها واللهُ عنّى يُدافعُ
يعني الذين أسروه وقالوا لنا البَلْهاء، وهى ناقةٌ عنده. وأعراسُها: ألاّفُها يريد أَخْذَ ما معها من الإبل. أوَّلَ سُؤلَة: أوَّلَ ما سَألنا.
وقد أَمَرتْ بى رَبَّتى أمُّ جُنْدَبٍ ... لأُقتَلَ لا يَسْمَعْ بذلك سامِعُ (3)
رَبَّتى: يعني امرأة (4) الذى أَسَره قالت: اُقتُلوه سرًّا لا يسَمَع أحد.
تقول اقتُلوا قَيْسا وحُزُّوا لِسانَه ... بِحَسْبِهم أن يَقْطَع الرأسَ قاطِعُ
ويأمُر بي شَعْلٌ لأُقْتَل مُقْتَلا ... فقلتُ لشَعْلٍ بئسَما أنتَ شافِعُ (5)
سَرَا ثابتٌ بَزِّى ذَميما ولم أكُنْ ... سَلَلْتُ عليه شَلَّ مِنّى الأَصابِعُ
__________
(1) في الأصل: "رغيت" بالتاء، وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا نقلا عن السكرى الذي قال في شرح هذا البيت ما نصه: الرغيب: الكثير، يريد فقلت لهم خذوا مالى ودعونى. وجامل: جمع جمال (بكسر الجيم) أي سأعطيكم.
(2) البلهاء: ناقته، وكانت نجيبة فارهة. وأعراسها: أصحابها وألافها. وسؤلة، أي أوّل ما سألنا. والله عني يدافع، أي والله يدافع عني الأسر. وقال أبو عبد الله: البلهاء أمنية عظيمة لا يقدر عليها. وأعراسها: أولادها. وقال أبو عمرو: ناقة كريمة كانت له فقالوا أوّل ما سألوه: أعطناها. (السكرى ملخصا).
(3) في رواية: "ليقتل" مكان "لأقتل". وقوله: "لا يسمع بذلك سامع" جزمه على الدعاء، كأنه قال: لا يمكن ذاك. اه ملخصا من السكرى.
(4) يعنى امرأة تأبط شرا الذي كان أسيرا عندها, لأنها هي التي قالت: اقتلوه سرا لا تخبروا بقتله أحدا.
(5) أراد الشاعر بقوله: "بئسما أنت شافع" أي شافع قولك هذا بتكراره مرة أخرى, لأن امرأته كانت قالت اقتلوه. وشعل: لقب تأبط شرا. ومقتل: مصدر قتلته إذا حملته على أن يقتل، كأن شعلا حمل غيره على أن يقتل قيسا. وفي رواية:
ويأمر بى سمع لأقتل مقتلا ... فقلت لسمع بئسما أنت شافع
وسمع: رجل (اه ملخصا من السكرى).
(3/77)

ثابت، يعني تأبَّطَ شرّا حين أَسرَ قيسَ بنَ عَيزْارة. سَرَا بزِّى: أي سَلبَه. وسَرَوْت عن ذراعى إذا حَسَرْت. وسَرَوْت الجُلَّ عن الفَرَس (1).
فَويْلُ أمِّ (2) بزٍّ جَرَّ شَعْلٌ على الحَصَى ... فُوقِّرَ بَزٌّ ما هُنالِك ضائعُ
شَعْل: لَقَبُ تأبَّطَ شرّا، يريد فَوْيل أُمِّ بَزٍّ لهَلكَة شَعْل، وهو تأبّط شرّا وُلقِّب بذلك لأنه لبس سَيْف قيسٍ حين أَسَرَه، فجعل يجرّه على الحصَى. فوُقِّر أي صارت به وَقَرات وهَزَمات في السيف.
فإِنّك إذْ تَحْدُوكَ أمُّ عُوَيْمِرٍ (3) ... لَذو حاجةٍ حافٍ مع القوِم ظالِعُ
قولُه: إذ تَحْدوك، أي تَتْبَعك الضَّبع، وهو مَثَل، أي تَسوقُك الضَّبعُ من ضَعْفِك. وظالِع، أي ضَعيف. يقول: تَسوقُك الضَّبعُ تَطمَع أن تَأكُلَك.
وقال نِساءٌ لو قُتِلتَ لساءَنا ... سِواكُنّ ذو الشَّجْوِ الّذى أنا فاجِعُ
يقول: ما لكنّ تبكين، يَبْكى عليّ أَهْلى. والفَجْع: نزول المصيبة.
__________
(1) يقال: سروت الجل عن الفرس، أي نزعته. كما يقال: سروت عن ذراعى أي كشفت وحسرت. وقوله: "ذميما" أي غير محمود. ثم قال: "شل مني الأصابع" دعا على نفسه فقال: شل مني الأصابع ألا أكون سللت عليه السيف فقتلته، كما تقول: ثكلتنى أمي، لم لم أقتله، وقد أورد السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر، وهو:
فيا حسرتى إذ لم أقاتل ولم أرع ... من القوم حتى شد مني الأشاجع
قال: وهذا البيت رواه أبو عمرو وحده.
(2) شرح السكرى هذا البيت فقال: كان تأبط شرا قصيرا فلبس سيفه، أي سيف قيس، فجرّه على الحصى، فوقره جعل فيه وقرا. وقوله: فويل أم بز، أي فويل لأمه. وبزه: سلاحه، أخذه حين أسره فجعل يجرّه على الحصى، فأحدث هذا الجرّ بالسيف وقرات. (اه ملخصا).
(3) أراد أم عامر، فصغر؛ وقوله: "حاف" كناية عن ضعفه وعدم قدرته على الهرب.
(3/78)

رِجالٌ ونِسْوانٌ بأكناِفِ رايَةٍ ... إلى حُثُنٍ ثَمَّ (1) العُيونُ الدَّوامِعُ
يَعنِي بَناتَه وأهلَه. وراية: موضع. وأكنافُها: ما حَوْلَها. وحُثُن: موضع.
سَقَى اللهُ ذات الغَمْر وَبْلاً ودِيمةً ... وجادتْ عليها البارِقاتُ (2) اللَّوامِعُ
بما هِى مقْناةٌ أنِيقٌ نَباتُها ... مِرَبٌّ فتَرْعاها (3) المخَاضُ النَّوازِعُ
قوله بما هي مقناة أنيقٌ، أي سقاها اللهُ نَدًى، يريد ذاتَ الغَمْر. ومقْناة ملزمة، ومنه: اقْنَيْ حيَاءَكِ، أي الزَمِيه. وأَنِيق: مُعجِب. والنَّوازِع: تَنْزع إلى أَوْطانها. والمخَاض: إِبِلٌ حَوامِل. مِرَبّ، أي مُجتمعٌ للنّاس. ومِرَبُّ الإبِل: الموضعُ الّذى ارتبَّتْ به أي أقامتْ.
وإن سالَ ذو ماوَيْنِ (4) أَمْسَتْ قِلاتهُ ... لها حَدَبٌ تَسْتَنُّ فيه الضَّفادِعُ
__________
(1) في رواية "تلك" أي هناك في هذا الموضع من يبكى عليّ وتدمع عينة. وأورد السكرى بعد هذا البيت. بيتا آخر لم يرد في الأصل، وهذا نصه:
ستنصرنى أفناء عمرو وكاهل ... إذا ما غزا منهم مطىّ وعاوع
المطىّ: الرّجالة، واحدهم مطو. ووعاوع: جريئون على السير لا يبالون أليلا ساروا أم نهارا واحدهم وعوع.
(2) بارقات: سحائب فيها برق. ولوامع: تلمع بالبرق.
(3) في رواية "فتهواها" وأراد بقوله "مقناة" أنها موافقة لكل من نزلها. ولغة هذيل "مفناة". بالفاء. والمخاض: الإبل الحوامل لستة أشهر، قد تمخض حملها في بطونها، ومرب الإبل: الموضع الذي أربت به أي لزمته (السكرى).
(4) في رواية "ذو الماوين" وفي رواية: "لها حبب" ويشرح السكرى هذا البيت فيقول: القلات: جمع قلت، وهى مناقع ماء تكون عظيمة أو وقع فيها البختىّ لغرقته. والحبب: بكسر الحاء: طرائق الماء. قال السكرى: "ويروى لها حدب" كما في الأصل. والحدب: منون وقلات في الأرض. وذو الماوين: مكان.
(3/79)

ذو ماوَيْن: موضع. والقِلات: النَّقْرُ في الصَّخْر. ولها حَدَب: للقِلات.
إذا صَدرتْ عنه تمشّتْ مخَاضُها ... إلى السِّرّ تَدْعوها إليه الشَّفائعُ (1)
يقول: إذا صدرت عن ماوَين. والسِّرُّ: بطنُ الوادى وأكرَمُ موضعٍ فيه، ومنه فلانٌ في سِر قومه. تَدْعوها إليه الشَّفائع، كأنّ هذا الموضع شَفيعٌ لها فتأتيه فتَرعىَ به.
لها هَجَلاتٌ سَهْلَةٌ ونِجادَةٌ ... دَكادِكُ لا تُوبَى بهنّ المرَاتِع (2)
الهَجَلات: بطونٌ من الأرض مطمئنّة، واحدُها -هجل. والنِّجاد: ما ارتَفعَ من الأرض. ولا تُوبىَ بهنّ: لا تنقص. يقال: أُوبِيَتْ هذه الأرض: إذا قلَّ نبتهُا.
كأنّ يَلَنْجُوجًا ومِسْكًا وعَنْبَرًا ... باشرافِه طلَّت عليه المرَابِع (3)
طَلّت: من الطَّلّ، وهو النَّدَى، شبهّ طِيبَ النَّبتْ به. المرابع: سحاب تمُطر في الربيع.
__________
(1) في رواية: "إذا حضرت عنه" ويشرح السكرى هذا البيت فيقول: يقال: حضرنا عن ماء كذا أي تحوّلنا عنه. قال: والسر: مشرب. وقوله: "الشفائع" يقول: كأن في ذلك البيت شيئا يشفع لها إليه، قال الفرزدق:
رأت هنيدة اطلاحا أضر بها ... شفاعة النوم للعينين والسهر
(اه ملخصا).
(2) في رواية: المراضع. وفسر السكرى هذا البيت فقال: الهجل: بطن من الأرض لين. والنجاد: شرف غليظ يلقاك معترضا. و"دكادك" أي ليس بمرتفع كالجبل. توبي: تنقطع. والعرب تقول: في أرض بنى فلان فلات لا توبي، أي لا ينقطع ماؤها. والمراضع: السحاب. وفي رواية: "تأبى بهن المرابع": والمرابع: الإبل التى لا ترد الماء إلا ربعا، أو هي التى تأكل الربيع (اه ملخصا).
(3) اليلنجوح: العود، شبّه طيب النبت به. وطلّت: نديت. والمرابع: سحائب تمطر في الربيع وهي من الإبل التى تنتج في أوّل النتاج، الواحدة مرباع. (اه ملخصا من السكرى).
(3/80)

وقال مالكُ بنُ الحارث أخو بنى كاهل بن الحارث ابن تَميم بن سعد بن هذُيل (1)
تقول العاذِلاتُ أكلَّ يَوْمٍ ... لَرِجْلةِ مالِكٍ عُنُقٌ شِحاحٌ (2)
كذلك يُقتَلون معى ويومًا ... أَءُوب بهمْ وهمْ شُعْثٌ طِلاحُ (3)
طِلاح: من الإعياء.
ويومًا نَقْتُل الأَثْارَ (4) شَفْعًا ... فَنتْركُهمْ تَنُوبُهم السِّراحُ
الأَثْآر: جمع ثأر، يقال: فلان ثَأرى الذي أَطْلب. والشَّفع: الاثنان. والسِّراح: الذئاب.
فلستُ بمُقْصِرٍ ما سافَ مالِى ... ولو عُرِضَتْ بِلَبَّتِىَ الرِّماحُ
__________
(1) قدّم السكرى لهذه القصيدة بما نصه: قال مالك بن الحارث أخو بنى مالك بن الحارث بن تميم ابن سعد بن هذيل. وقال الجمحىّ: هو أخو بنى كاهل حلفاء هذيل، وكاهل أخو ثقيف.
(2) في رواية:
وقال العاذلات أكل يوم ... بسرية مالك عنق شحاح
كما روى "لرجلة مالك" والسرية: الجماعة. والرجلة: الرجالة. وعنق من القوم: أهل شدة وبصر، كأنهم أشحاء على ما في أيديهم. والعنق (محركة): ضرب من السير. (اه ملخصا من السكرى).
(3) في السكرى:
فيوما يغنمون معى ويوما ... أؤوب بهم ... ... الخ
وفسر البيت فقال: أءوب. أرجع. وطلاح: معيون. (اه ملخصا).
(4) في رواية: "الأبطال" مكان "الأثآر". (السكرى).
(3/81)

أي فلستُ بمُقصِر عن الغَزْو. ما سافَ، أي ما دام مالى يموت، يقال: رجلٌ مُسيف إذا ماتت إبلهُ وذهب مالهُ. والسُّواف: الموت.
ومن تَقْلِل حَلُوبَتُه ويَنْكُلْ ... عن الأعداءِ يَغْبُقه القَراحُ (1)
يكون غَبوقُه ماءً خالصا.
فلُوموا ما بدَا (2) لكُم فإِنّى ... سأعْتِبكْم إذا انفَسَح المُراحُ
يقول لقومِ عاداهم يَهزَأ بهم: إنِّى سأكُفّ عن الغَزْوِ إذا اتسَع المُراح، أي مُراحِي فصِرْتُ صاحبَ إبلٍ كثيرةٍ، ومُراحُه: حيث تَروح إبلُه.
رأيتُ مَعاشِرًا يُثنَى عليهمْ ... إذا شَبِعوا وأوجهُهُمْ قِباحُ (3)
يَظَلُّ المُصْرِمون لهم سُجودًا ... ولو (4) لم يُسْقَ عندهمُ ضَياحُ
المُصرِمون: الفقراء، أي يعظِّمونهم وإن لم ينالوا منهم شربةَ لَبَن. والضَّياح والضَّيْح: اللبن المخلوط بالماء.
__________
(1) شرح السكرى هذا البيت فقال: حلوبته: ما يحلب. وينكل: يجبن. يقول: من لا يعز لا يكون له لبن، ويكون غبوقه الماء القراح.
(2) في رواية "فلوموا ما قصدت لكم فإنى" الخ البيت.
(3) أي يثنى عليهم إذا كانوا ذوى مال وإن قبحت وجوههم؛ لأن المال يزينهم ويستر عن الناس عيوبهم (اه ملخصا من السكرى).
(4) في السكرى "وإن لم يسق" وقال بعد أن أنشد هذا البيت: هذا آخرها في رواية الجمحىّ وأبي عبد الله.
(3/82)

كَرهتُ (1) العَقْرَ عَقر بنى شُلَيْلٍ ... إذا هَبّت لِقارِيها الرِّياحُ
العَقْر: مكان، وكَرِهه لأنّه قُوتِل فيه. وشُليل: جدُّ جَرير بنِ عبد الله البَجَلىّ. وقارِيها: وقْتهُا، يقال ذلك للريح إذا هبّت لوقتِها.
كرهتُ بنى جَذِيمةَ (2) إذ ثَرَوْنا ... قَفَا السَّلَفَين وانتَسَبوا فباحوا
ثَرَوْنا: كانوا أكثرَ منّا. قَفَا السَّلَفَين: موضع. وقوله: فباحوا أي كَشفوا عن أنسابهم وكانوا يكتمونها قبلُ، فقالوا: نحن بنو فلان.
فأما نِصفُنا فَنَجا جَريضًا ... وأما نِصفُنا الأَوْفَى فطاحُوا
الجَرَض: أن يَغَصّ بالرِّيق. والنِّصْفُ الآخَر قُتِل. قال هذا يعتذِر حين هَرَب.
وقد خرجتْ قلوبهمُ فماتوا ... على إخوانهمْ وهمُ صِحاحُ
يعني الذين أفلتوا خرجتْ نفوسهمْ على إخوانهم من الحُزن وهم صحاح.
وصَمَّمَ وسطَهمْ سُفْيانُ لمّا ... ألمّ بهم عن الوِردِ الشِّياحُ (3)
__________
(1) في رواية: "شنئت" مكان "كرهت"، وهما بمعنى واحد. وشليل: من بجيلة (السكرى).
(2) في رواية "كرهت بنى خزيمة" قال السكرى: وهم من بني صاهلة.
(3) يشرح السكرى هذا البيت فيقول: صمم: ركب رأسه لما ألم به، أي حين اعتراه الجدّ والقتال الشياح: الجدّ والمضىّ. والورد: ورد القتال، أي عن أن يرد القتال. وفي رواية "عن الوشز السراح" مكان "عن الورد الشياح". والوشز: ما ارتفع من الأرض، وجمعه أوشاز. والسراح: الذئاب, شبه الرجال بها. ورواه ابن الأعرابي "عن الشزن السراح" والشزن: المكان الغليظ. والسراح: الانطلاق. (اه ملخصا).
(3/83)

صمّم، أي رَكِب رأسَه لِما اعتراه. عن الورْدِ الشِّياح: الِجدّ، أي اعتراه الِجدُّ والقِتال فشغَلَه عن أن يَرِد.
مَجازَ نِجادِ أَنْصَحَ وانتحَوْه ... كما يتكفّت العِلْجُ الوَقاحُ (1)
نِجاد: جمع نَجْد، وهو ما ارتفع. وأنْصَح: موضع. وانتحَوْه: اعتمدوه. ونصَحْت الثوبَ: خِطْتُه. والعِلْج: الحِمار الغليظ. والتكفّت في العَدْوِ أن يتقبّض ويُسِرع. والوَقاح: الشديد الحافر.
لِعادتِه وما قد كان يُبلِي ... إذا ما كَفَّتَ الظُّعنَ الصَّباح (2)
لِعادتِه، يعنِي الّذى صمّم لعادةٍ كان يتعوّدها مِن شِدّة العَدْو. ويُبلِى مِن الفِعلِ الجمِيل. إذا ما كَفَّت الظعنَ صَباحُ الغارة، تكفّتَ: أَسَرع.
إذا خَلّفتَ خاصِرتَىْ سَرارٍ ... وبطنَ هُضاضَ حيث غَدَا صُباحُ (3)
خلّفتَ: تركتَ. وسَرار: موضع. والخاصِرتان: الناحيتان. وهُضاض: وادٍ.
__________
(1) روى السكرى هذا البيت هكذا:
فألقى غمده وهوى إليهم ... كما يتكفت العلج الوقاح
وشرحه فقال: يتكفت في عدوه أي يتقبض. والعلج: الحمار الغليظ. والوقاح: الشديد الحافر. ورواه الجمحى: "مجاز فجاج منصح" قال: فجاج: ما بين جبلين. ومنصح: مكان.
(2) فى رواية "لعادته التي قد كان يبلي" وهذا البيت لم يروه سلمة ولا الباهلىّ. لعادته، يعنى هذا الذي قد صمم، أي لعادة قد كان يتعوّدها من شدّة الغزو. ويبلى: من الفعل الجميل، إذا ما كفت الظعن صباح الغارة. (السكرى ملخصا).
(3) في رواية "باطنى سرار" مكان "خاصرتى سرار". (السكرى).
(3/84)

تركتَ صديقَنا وبلغتَ أرضًا ... بها عُذْوٌ لنَفْسِك (1) أو نَجاحُ
يقول: إمّا أن تَبلُغ عُذْرا وإمّا أن تُنجح.
فلا يَنْجو نَجائى ثَمَّ حَيُّ ... من الحَيَوان (2) ليس له جَناحُ
أي لا يستطيع أن يَعدُوَ عَدْوِي يومئذ شيءٌ فيه رُوح، أي كلّ شيء ليس بطائرٍ فأنا أَسبِقه.
على أنّى غَداةَ لَقِيت قَسْرًا ... لم ارمهِمُ وقد كَمل السِّلاح
يقول: نجوتُ هذا النَّجاء، إلاَّ أنّى يوم لقيتُهم لم أَرْمهم، قال هذا يعنِّف نفسَه أي قصّرت في القتال (3).

قال: وكان أبو جندب بن مرّة القِردىّ اشتكى، وكان له جارٌ من خُزاعَةَ يقال له حاطم، فوقعتْ به بنو لِحيانَ فقتلوه قَبْلَ أن يَستَبِلّ أبو جُنْدَب من شَكاتِه وأخذوا مَاله وقتلوا امرأته، فلما برأ أبو جُنْدَب
__________
(1) في السكرى "لنفسى" مكان "لنفسك".
(2) في رواية "من الحيوات"، أي لا ينجو نجائى حىّ فيه روح. ليس له جناح، أي ليس يطير. وفي رواية أخرى "من الأحياء": أي لا يعدو عدوى شيء فيه روح يومئذ.
(3) زاد السكرى بعد هذه الكلمة قوله: "ومعى سلاحى".
(3/85)

خرج حتّى قدِم مَكّة، فاستَلمَ الرُّكن وقد شُقَّ عن اْستِه، فطافَ فعرَف الناسُ أنّه يريد شرّا؛ فقال أبو جُندَب (1):
إني امرؤٌ أَبكِى على جَاريَّهْ ... أَبْكى على الكَعْبِىِّ والكَعْبِيّهْ
ولو هلكتُ بَكيَا عليَّهْ ... كانا مكانَ الثّوب من حِقْوَيَّهْ
يعني الرَّجُلَ وامرأتَه.

وقال أبو جنْدَب أيضاً (2)
مَن مْبلغٌ مَلائكِي حُبْشِيّا ... أخَابنِي زُلَيفةَ الصُّبْحِيّا
قوله: مَلائكي رَسائلى، من الأَلوكة. وزُليْفة: من هُذَيل، وبنو صُبْح أيضاً.
__________
(1) قدّم السكري لهذين البيتين بما نصه (هذا يوم العرج)، حدّثنا الحلواني قال: حدّثنا السكرى قال: قال الجمحيّ عبد الله بن إبراهيم: كان أبو جندب اشتكى شكوى شديدة، وكان يقال له "المشئوم" وكان له جار من خزاعة يقال له حاطم بن هاجر بن عبد مناف بن ضاطر، فوقعت به بنو لحيان فقتلوه قبل أن يستبلّ من وجعه، واستاقوا ماله وقتلوا امرأته. قال الأصمعيّ: قتله زهير بن الأغر، وكان أبو جندب يومئذ وجعا مدنفا. قال الجمحى: وقد كان أبو جندب كلم قومه فجمعوا له غنما، فلما أفاق أبو جندب من مرضه خرج من أهله حتى قدم مكة، ثم جاء يمشي حتى استلم الركن وقد شق وكشف عن استه، ثم طاف بالكعبة فعرف من رآه من الناس أنه أتى بشر، ثم صاح وطفق يقول: "إني امرؤ" الخ. وقد شرحهما فقال: يقول: لو هلكت في جرارهما بكيا عليّ وطلبا بثأري لأنهما كريمان. ويقال: عذت بحقوك، يريد أنهما كانا في موضع المعاذ، أي كانا منى مكان من أجرت. ويقول الباهلي: هذا مثل يضرب في الرجل يعوذ بالرجل ويتحرّم به، يقال: أخذ بحقوه، كأنه يأخذ بحقويه، فيقول: هو بمنزلة من عاذ بحقويّ.
(2) هذه القصيدة رواها الأصمعيّ، ولم يروها ابن الأعرابي ولا أبو عمرو ولا الجمحيّ، وقال السكرى في شرح هذا البيت: ملائكي: رسائلي. وحبشي: اسم رجل. وبنو زليفة: حيّ من هذيل. وصبح: من قوم يقال لهم بنو صبح. ويقول الباهلي: زليفة هو ابن صبح بن كاهل قال: أراد أن يقول "مآلكي" بدل "ملائكي". والألوكة: الرسالة.
(3/86)

أما تَرَوْنِي رَجلاً جُونِيِّا ... حَفَلَّجَ الرِّجْلين أفَلِجيّا (1)
حَفَلّج: أفحَجَ. والأَفْلَجِي: متباعِدُ السّاقيَن.
سَلُوا هُذَيلا وسَلوا عَليَّا ... أما أَسُلُّ الصارمَ البُصْرِيّا (2)
جتى أموت ماجدًا وَفِيّا ... إذا رأيتُ جارَنَا مَغْشِيّا
يقول: إذا عَقدتُ للجار عَقْدا وَفَيتُ به حينَ غُشِيَ ليُقاتَل.
فلّما فرغَ من طَوافِه وقَضَى من مكّة حاجَته خرج مع الخُلعاء من بن بكرٍ وخُزاعة، فاستحاشَهمْ على بن لِحيان، فقَتل فيهم وسَبَا من نسائهم وذَراريهم، فقال أبو جُندَب (3):
ألا ليتَ شِعرِى هل يلومنّ قومُه ... زُهَيْرًا عد ما جَرَّ من كلّ جانبٍ (4)
زهير، من بني لحيان. جَرَّ: جَنَى علي نفسه جرائرَ من كلّ جانب.
__________
(1) الجوني: الأسود. والحفلج: الأفحج. ثم جعله كالنسبة له، فقال: "أفلجيا" كما قال أبو ذؤيب "ولا جيدر يا قبيحا" وإنما هو جيدر أى قصير، هذا عن الباهلي. ويقول أبو عبيدة في رجل فلان فلج، أي في أصابعه تباعد. اه ملخصا من السكرى.
(2) عليّ: من كنانهَ. والصارم: الماضي. وبصريّ بضم الباء: سيف عمل ببصرى الشام. (اه ملخصا من السكرى).
(3) ورد في الأصل بعد هذه الكلمة قوله: "ثم استجاش بكر وخزاعة على بن لحيان فقتل فيهم وسبا، فقال أيضاً". وواضح أن هذا الكلام فيه تكرار لا معنى له. فتأمل.
(4) شرح السكري هذا البيت فقال: جرّ: من الجريرة. وقوله: يلومنّ قومه زهيرا: أضمر قبل أن يذكر مظهرا. قال: زهير من بني لحيان. وجرّ: جنى على نفسه من كل وجه. وقال الباهلي: هل يلومنّ قومه حين وقعت به وكافأته.
(3/87)

بكفَّيْ زُهَيْرٍ عُصبةُ العَرْجِ منهمُ ... وَمن يَبغ (1) في الرُّكْنَيْن لَخْمٍ وغالبِ
العَرْج: بلدٌ أصابهمْ فيه. والعُصْبة: الجماعَة من الناس الّذين هلكوا أي نكفّهم من أولئك الّذين تبَّغوا السّبْي. غالب: (2) قُرَيش.

وقال أبو جندب أيضا
فَفرّ زهَيْرٌ خِيفةً من عِقابِنا ... فليتكَ لم تَفْرِرْ فتُصبِح نادِما (3)
فلهفَ ابنة المجنون (4) ألّا نُصيبهَ ... فنُوفِيَه بالصاع كَيلًا غُذارِما
يقال؛ غَذْرَمَ في الكيلِ إذا جازَفَ. وقولُه: فلهفَ ابنة المجنون، يقال ذلك للمرأة إذا أصيبتْ بحميم لها.
وتَلقَى قُمَيْرا في المَكَرِّ وحَبْتَرًا ... وجارَهمُ في الفَجْرِ يَدْعُون حاطِما (5)
حماطم: الذي قُتل
__________
(1) في رواية "ومن بيع" بكسر الباء. وفتح العين (السكرى).
(2) شرح السكرى هذا البيت فقال: يقول: زهير قتلهم. قال: العرج بلد أصابهم هذا الأمر به. والعصبة: الجماعة من الناس، أي كان هذا الأمر بكفيه، أي أولئك الذين أهلكوا بيعوا؛ والمعنى السبي الذي بيع. وغالب: من قريش. ولخم: من اليمن. والركنان: لخم وغالب: خفض بالصفة اه.
(3) في رواية: "فرّ زهير رهبة من عقابنا" (السكرى)
(4) أراد بابنة المجنون هنا: امرأة أبي جندب.
(5) في رواية "يدعون في الفجر" مكان "في الفجر يدعون". وقمير وحبتر: من خزاعة. وحاطم: هو ابن هاجر بن عبد مناف المقتول. ويقول الباهلي: إنهم ينادون: يا لثارات حاطم.
(3/88)

وما خِلتُنى لابن الأغَرِّ مثمِّرًا ... وما خِلتُنى أَجنِى عليه الجَرائما
يقول: فما خِلتُنى أثمِّر المالَ فيجيء فيأخذه. والجَريمة: الأمر يَجرِمه الرجلُ إلى أُناس.
على حَنَقٍ صبَّحتهم بمُغِيرةٍ ... كرِجْلِ الدَّبَى الصَّيْفيّ أصبَح سائما
يقول صبحتهم على حَنَق بمُغيرة، وهي خيلٌ تُغير. كرِجْل الدَّبَى، يقول: كأنّها قِطعةُ جَراد من كثرتها. وذَكَرُ الجَرادِ في الصَّيْف أسرَعُ خُروجا. وسامَ يسوم في الأرض: مَضَى فيها.
بَغيْتُهمُ ما بين حَدّاءَ والحَشَا ... وأورَدتهمْ ماءَ الأُثَيْل فعاصِما (1)
حَدّاء والحَشا: مكانان. والأُثَيل وعاصم: مكانان.
إلى مَلَح الفَيْفَا فقُنّةِ عازِبٍ ... أُجمِّعُ منهمْ جامِلا وأَغانِما (2)
القُنّة: رأس الجبل أُجمِّع: آخُذُ منهم. الجامِل، هي الإبِل. وأغانم: جمعُ أَغنام.
__________
(1) شرح السكري هذا البيت فقال: حداء بالحاء: طريق جدة. والحشا: واد. وقال أبو عمرو: الأثيل نبت. ويروى جداء والحشا. وأثيل وعاصم: ماءان. قال الباهلي: هذه كلها مياه اه وقال ياقوت: حداء بالحاء واد فيه حصن ونخيل بين مكة وجدّة يسمونه اليوم حدّة بفتح الحاء. وجداء: بنجد، وموضع بالشام أيضا. والحشا: واد بالحجاز. والحشا أيضاً جبل الأبواء بين مكة والمدينة. والأثيل: قرب المدينة. وهناك عين ماء لآل جعفر بن أبى طالب بين بدر ووادى الصفراء لبني جعفر ابن أبي طالب. وعاصم: اسم موضع. قال ياقوت: أظنه في بلاد هذيل.
(2) الفيفا: موضع. والجامل: الإبل. وأغانم أراد غنما، يقال غنم وأغانم وأغانيم. وقنة عازب: جبل. وملح: موضع (اه ملخصا من ياقوت).
(3/89)

وقال أبو جندب أيضا
لقد أَمسَى (1) بنو لِحيانَ مِنّى ... بحَمْد اللهِ في خِزْىٍ مُبينِ
جَزيتُهم بما أَخذوا تِلادِى ... بني لِحْيان كَيلَا يَحرَبونِي
تَخِذتُ غَرازَ إثرَهمُ دليلًا ... وفَرُّوا في الحِجازِ ليُعْجِزوني (2)
غراز كقَطامِ وسَحابٍ: موضع ه قاموس. وفَرّوا في الحِجاز، أي إلى الحِجاز كقوله تعالى: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ}، أي إلى أفواههم.
وقد عَصّبتُ أهلَ العَرجِ منهمْ ... بأهلِ صُوائقٍ إذ عَصَّبونِي (3)
أي لفَفْتُ هؤلاء بهؤلاء. والعَرْج: موضع.
__________
(1) في السكرى: "لقد أمست" الخ.
(2) كذا في الأصل والذي في السكرى غران وقد قال في شرح هذا البيت ما نصه: غران واد. وقوله يعجزوني أي يفوتوني ويغلبوني. وقال الباهلي: لزمت هذا الوادى في طلبهم. وقال أبو عمرو تخذت: اتخذت. ولغة هذيل "تخذت" اه ملخصا. والذي في ياقوت: غران: واد ضخم بالحجاز بين ساية ومكة.
(3) شرح السكرى هذا البيت فقال: عصبتهم: صنعت بهم ما صنعوا بي من الشرّ الذي صنعوا بأهل صوائق. وقال أبو عمرو عصبتهم: حرّبتهم أي أخذت أموالهم. قال: لففت هؤلاء بهؤلاء وجمعت بينهم. والعرج: مكان. ويقول الباهلي: يعنى أنه غزا أهل العرج بأهل صوائق. وزاد السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر، وهو:
تركتهم على الركبات صعرا ... يشيبون الذوائب بالأنين
وقال: لم يروه أبو عبد الله ولا أبو نصر ولا الأخفش. ورواه الجمحى وأبو عمرو والأصمعي: "على الركبات جرحي" قال: وصعرا: مائلين.
(3/90)

وقال أبو جُنْدَب أيضا
لقد عَلمتْ هُذَيلٌ أنّ جارِى ... لَدَى أطرافِ غَيْنَا مِن ثَبيرِ (1)
أَحُصُّ فلا أُجيرُ ومن أُجِرْه ... فليس كَمن تَدلَّى (2) بالغُرور
لكم جِيرانُكمْ ومَنعْتُ جارِى ... سَواءً ليس بالقَسْم الأَثيرِ (3)

وقال أبو جُنْدَب أيضاً
ألا أبلِغَا سعدَ بنَ لَيثٍ وجُنْدُعًا ... وكَلْبًا (4) أثيبوا المَنَّ غيرَ الكدَّرِ
سعد وجُنْدُع: من كنانة، أثيبوا: كانت لهم يدٌ عندهم.
__________
(1) ورد في الأصل أمام هذا البيت ما نصه: قلت قال الصاغاني في التكملة: وغينا ثبير شجراء في رأسه وكل غيناء فهي خضراء, والصواب بالإعجام. وغيناء: قلة جبل ثبير كهيئة القبة، هذا كلامه بعينه في فصلي العين والغين. وشرح السكرى هذا البيت فقال: رواه الأصمعي: "على أعلى الشواهق من ثبير" وقال: غينا ثبير: قاف وأعلاه. ونقل عن الباهلي أنه يقول غينا ثبير: قلة ثبير التى في أعلاه تسمى غيناء، وهو حجر كأنه قنة، وهو ثبير غينا، وثبير الأعرج، وثبير الأحدث. قال: أظنه الأحدب، وثبير آخر، فهنّ أربعة أثبرة. يقول: فهو في منعة وعز، فكأنه في جبل لا يقدر عليه. ويقول أبو عمرو: هو في الحرم.
(2) ورد في الأصل أمام هذا البيت ما نصه: "قلت قال الصاغاني في التكملة والذيل والصلة: وفلان يحص إذا كان لا يجير أحدا. قال أبو جندب الهذلي: "أحص فلا أجير" الخ، وأما قول أبي طالب: "بميزان صدق لا يحص شعيرة" الخ فمعناه لا ينقص. انتهى منه بحروفه. أحص: "أمنع الجوار فلا أجير، ومن أجره فليس هو في غررور". وفي السكرى "يدلي" بضم الياء جهول، وشرح البيت فقال: أحص: أمتنع وآبي ذلك. وأحص: أقطع ذاك. قال: أحص أمنع الجوار ولا أجير، ومن أجرته فليس بمغرور، أي لا أجير إلا من أمنع، ومنه يقال: رحم حصاء أي قطعاء لا توصل. وسنة حصاء: شديدة يتخاذل فيها. ويقول الباهلي: كان الرجل إذا لم يجر قيل: فلان يحصّ.
(3) قال السكرى في شرح هذا البيت: سواء، أي حقا لم أستأثر عليكم، فلكم جيرانكم ومنعت أنا جاري.
(4) كلب: حي من كنانة، وهؤلاء كلهم من كنانة. وأثيبوا من الثواب فإن لكم لم أكدره، وذلك أنه كانت له يد عندهم، أي، اشكروا على ذلك. والثواب: الشكر بلغة هذيل
(3/91)

فَنهنَهتُ أُولَى القوم عنّى بضَربةٍ ... تَنفَّسَ منهما كلُّ حَشْيَان مُجْحَرِ (1)
نهنهتُ: كففتُ عنّى هذا الذي مَنّ عليهم به. والحَشْيان: الذي به الرَّبْو، وهو أيضا الذي يَشتكي حَشاه: والمعنى تَنفّس الذي كان لا يتنفس حين ضربتُه.
ولا تحسَبنْ جارِى إلى ظِلِّ مَرْخةٍ ... ولا تَحْسبَنْه فَقْعَ قاعٍ بقَرقَر (2)
المَرْخة: شجرةٌ ليس لها مَنَعة. والفَقْعة: الكَمْأة بالقاع تُوطأ وُتؤْخَذ. والقَرْقَر: ما استوى من الأرض.
وكنتُ إذا جارِى دَعَا لَمضُوفَةٍ ... أُشَمِّرِ حتّى يَنصُفَ الساقَ مِئْزرِى (3)
مَضُوفة، أي أمر ضافَه، أيُّ نَزَل به وشقَّ عليه. والمُضاف: المُلْجَأ.
__________
(1) في رواية: "ونهنهت أولى القوم عنكم بضربة"، وامرأة حشياء مثل رجل حشيان. ودابة حشية: ممتلئة ربوا. والمجحر: المنهزم. (اه ملخصا من السكري).
(2) في رواية: "فلا تحسبا جارى" وقد شرح السكري هذا البيت فقال: المرخة: شجرة صغيرة لا تمنع من لاذبها. والفقع: ضرب من الكمأة رديء. والقاع: مطأن من الأرض حر الطين. والقرقر: الصلب يكون فيه الفقع، فمن مرّ به اجتناه، قال: لا تحسبنه بمذلة كالكمأة الرديئة التي توطأ وتؤخذ ليس عليها ستر، فلا شيء أذل منها. والقرقر أيضا: ما استوى من الأرض.
(3) في السكرى: "وكنت إذا جار دعا لمضوفة" وفسر المضوفة فقال: أي همَّ ضافه أو أمر شديد، يقال: لي إليك مضوفة أي حاجة. ضفته: لجأت إليه وأضفته ضممته إلى رحلي. ويقال رجل مضاف: ملجأ. ويقول الباهلي: بمضوفة، بأمر يشقق منه، قال الجعدي:
* وكان النكير أن تضيف وتجأرا *
(3/92)

ولكنّنى جَمْرُ الغَضا مِن وَرائه ... يُخَفِّرني سَيْفى إذا لَم أُخَفَّر
جَمْر الغَضا، يريد أتحرّق من ورائه غَضَبا. يخفِّرني سَيْفى: يكون خَفِيري إذا لم يكن لي خفير.
أبَى الناسُ إلاَّ الشرَّ مني فدَعْهمُ ... وإيّاىَ ما جاءوا إليّ بمُنكَرِ (1)
إذا مَعشَرٌ يوما بَغَوْني بَغَيْتُهمْ ... بمُسْقِطة الأَحْبال فَقْماءَ قِنْطرِ (2)
بغَوْني: أرادوني بشرّ. بمُسْقِطة الأحبال، أي بداهيةٍ تسقط النساءُ منها. فَقْماء: ليست بمستِوية، هي على الطريق. وقِنْطِر: داهية.
إذا أدركتْ أُولاهمُ أُخْرَيَاتُهمْ ... حَنَوْتُ لهمْ بالسَّنْدرِىِّ (3) الموتَّرِ
يقول: إذا أَدركتْ أُولاهم أُخراهم فاجتمعوا فصارُوا في مكانٍ واحد. رميتُهمْ حينئذٍ بالسَّنْدَرىّ، وهو ضَرْبٌ من النَّبْل. وحَنَوْتُ: انحرفتُ وتهيأتُ للرّمي. وموتَّر: مفوَّق. فُوِّقَ الوَتَرُ إذا جُعِل في الفُوق.
__________
(1) في رواية: "أبى الناس إلا الشرّ منهم فذرهم" أي أبى الناس إلا الشرّ فدعهم يريدونه مني (السكري ملخصا).
(2) في رواية: وكنت إذا قوم بغوني أتيتهم ... بمسقطة الأحبال ... ... الخ
أي بغيتهم بداهية تسقط النساء من شدتها. وفقماء: في فمها عوج، أي قبيحة المنظر. وقنظر: داهية. ويقول الباهلي: الأفقم الأمر غير الملتئم.
(3) نقل السكرى عن الباهلي ما نصه: السندرى ضرب من الخشب تعمل منه القسيّ والنبل. ويقال: قوس سندرية.
(3/93)

وطَعْنٍ كَرمْح الشَّوْلِ أمستْ غَوارِزًا ... جَواذِبُها تأبَى على المتغبِّر (1)
يقول الشَّولُ إذا رُفِعت اللَّبنَ تأبى على الذي يَطلُب غُبْرَها. والغُبْر بقيّة اللَّبن. والمتغبِّر: الذي يَطلُبه، ويقال: جَذَبتْ: إذا رَفَعتْ لبنَها, وكذلك دَفْع هذه الطَّعْنة بالدّمِ كرَمْح هذه الشَّوْل.
مَننتُ على ليثِ بنِ سعدٍ وجُنْدُعٍ ... أَثِيبي بها سعدَ بنَ لَيْثٍ أو اكفُرِى (2)
يريد أَثيبِى يا سعدُ أي اعرِفي هذا ليكون عندكِ ثَواب.
وقلتُ لهمْ قد أَدرَكتْكمْ كَتِيبةٌ ... مُفسِّدةُ الأَدبار ما لَم تُخَفَّرِ (3)
ويروَى: ما لم تُنفَّر. قوله: "مفسِّدة" يقول: كَتيبةٌ إذا أَدركتْ دبر كتيبةٍ أفسدتْها. ما لم تخفَّر: ما لم تنفذ لها خفارتُها.
__________
(1) في رواية "بطعن". والشول: الإبل الحوامل التي خفت ألبانها، فإذا أخذ اللبن في النقصان فذلك الجذوب بضم الجيم، يقال: ناقة جاذب. والمتغبر: الذي يطلب الغبر وهو بقية اللبن، أي أن هذه الناقة إذا قل لبنها تأبى عَلى المتغبر؛ ويقال: جذبت الناقة إذا رفعت لبنها؛ فشبه دفعة هذه الطعنة بالدم كرمح هذه الشول، وذلك أنها طلب منها اللبن فأبت على المتغبر، فرمحته ومنعته، فكذلك دفعة هذه الطعنة بالدم .. (اه ملخصا من السكرى).
(2) في رواية:
مننت على سعد بن ليث وجندع ... أثيبي بها سعد بن ليث أو اكفر
وقال السكرى في شرح هذا البيت: أثيبي يا سعد أي اعرفى ليكون هذا ثوابا، وسعد: قبيلة.
(3): شرح السكري هذا البيت فقال: مفسدة الأدبار: تطعن في الدبر. ما لم تنفر: تمنع. وقال الجمحي: ما لم تنفر، أي تهزم. ويقول الباهلي: إنها إذا شدّت على قوم قطعت دابرهم.
(3/94)

وقال أبو بُثَينة (1)
ألا أَبلِغْ لدَيْكَ بَني قُرَيْمٍ ... مُغَلغَلَةً يَجيءُ بها الخبَيرُ
بنو قُرَيم: من هُذَيل. ومُغَلْغَلة: رسالة تَتَغَلغل كما يتغَلْغَل الماءُ بين الشجر.
ألا يا ليتَ أُهْبانَ بنَ لُعْطٍ ... تلفَّتَ (2) وَسْطَهم حين استُثِيروا
أستثُيروا كما تُستَثَار الغنمُ والعبَيد.
__________
(1) لم ترد هذه القصيدة في شرح السكرى. وقد وردت في بقية أشعار الهذليين ص 17 طبع أوربا ونسيت فيها لأهان بن لعط بن عروة بن صخر بن يعمر بن نفانة بن عدى بن الديل، والأبيات بنصها هي:
ألا أبلغ لديك في قريم ... مغلغلة يجيء بها الخبير
فردّوا لي الموالى ثم حلوا ... مرابعكم إذا مطر الوتير
فما إن حب غانية عناني ... ولكن رجل راية يوم صبروا
وقلت أبا بثينة غير فخر ... شهدت بن بثينة إذ أبيروا
غداة جنيدب يحدو رعيلا ... كما أنحى على الجلب الأجير
فإنه قصاركم منا لحرب ... تزف الشحط أو عقل ضرير
وبعد أن أنشد هذه الأبيات قال: قال أبو بثينة:
ألا يا ليت أهبان بن لعط ... تكفت وسطهم حين استثيروا
فيقتل أو يرى غبنا مبينا ... وذلك لو دريت به نصور
كأن القوم من نبل ابن روح ... لدى القمراء تلفحهم سعير
جلبناهم على الوترين شدا ... على أستاههم وشل غزير
سنقتلكم على رصف وضر ... إذا لفحت وجوهكم الحرور
(2) كذلك في الأصل. والذي في البقية: "تكفت" فتأمّل.
(3/95)

فيقتل أو يَرَى غَبْنا مُبينا ... وذَلك -لو علِمت به- نَصُورُ
أي ليتَه شَهِد أنِّي نَصُور.
كأنّ القومَ مِن نَبْلِ ابنِ رمحٍ (1) ... إذا القَمْراء تلفَحُهمْ سَعِيرُ
جَلبناهمْ على الوَتَرَين شَدًّا ... على أستاهِهِم وَشَلٌ غَزِيرُ
سَعَيتُ لكمْ على رَجْفٍ وَطَرٍّ ... إذا لفَحتْ وجُوهَكمُ الحَرورُ
* * *

وقال رجل من هُذَيل
يا ليتَ شِعرِى عنكِ والأمرُ عَمَمْ ... هل جاء كعباً عنكِ مِن دين النَّسَمْ
يقال: أمرٌ عَمَم، إذا عَتم، فيقول: جاء كَعْباً عنك هذا الخبر.
ما فَعلَ اليومَ أُوَيْسٌ في الغَنَم ... تاحَ لها في الرِّيح مِرِّيحٌ أَشَمْ
أُويْس: تصغير أَوْس، وهو الذِّئب. تاحَ لها: قُدِر لها. مرِّيح: مَرِحٌ رافعٌ رأسَه. أشمّ: مرتفِع متكبِّر.
فاعتامَ منها لَجُبَةً غيرَ قَزَمْ ... حاشِكَةَ الدِّرّةِ وَرْهاءَ الرَّخَمْ
اعتامَ الذئبُ منها لَجْبة، أي اختار. واللَّجبة: حين خَفّ لبنُها، وهي الّتى أَتَى عليها من نَتاجِها أربعةُ أشهر فخفّ لبنُها. غيرَ قَزَم: غيرَ لئِيمة. حاشكة الدِّرّة.
__________
(1) في البقية "روح" مكان "رمح".
(3/96)

يقول: محفَّلة وقد وَلَّى لبنُها. وَرْهاء الرَّخَم، أي تَرْأَم وتحِبُّ حبًّا أَوْرَه من شِدّته. والأَورَه: الأحمَق. والرَّخَم: الحُبّ، يقال ألقيت عليه رَخَمتى أي حُبّى وإلفي.
أَقبلتُ لَا يشتدّ شَدِّي ذو قَدَمْ ... وفي الشِّمال سَمْحَةٌ من النَّشَمْ
سَمْحة: سهلة، يعني قَوْسا. والنَّشَم: شجرٌ تُعمَل منه القسِيّ.
ضَفراءُ من أقواسِ شَيْبانَ القُدُمْ ... تَعُجّ في الكَفِّ إذا الرامى اعتزَم
تَرنُّمَ الشارفِ في أُخْرَى النَّعَمْ ... فقلتُ خُذْها لا شَوًى ولا شَرَمْ
تَعُجّ هذه القوسُ في الكفّ كترنُّم الشارِف، وهي المُسِنّة في أخرى النَّعَم، أي هذه لا تَسير مع النَّعَم لِكبَرها. ولا شَوًى لا أَصبْتَ غيرَ المَقْتَل. ولا شَرَم (1)، يقال شَرَم إذا خَرَم (2) ولم يَصنَع شيئا.
قد كنتُ أقسمتُ فَثنَّيتُ القَسَم ... لئن نأَيْتُ أو رَمَيْتُ مِن أَمَمْ
ثَنَّيْت، أي وكَّدتُ اليميَن. مِن أَمَم: من قَصْد، وهو موضعٌ لا قريبٌ ولا بعيد، هو بين ذلك.
* لأَخْضِبَنْ بعضَكَ من بعضٍ بدَمْ *
__________
(1) ورد هذا الشطر في اللسان (مادة شرم) منسوبا إلى عمرو ذى الكلب، وشرحه فقال: إنما أراد ولا شق يسير لا يموت منه، إنما هو شق بالغ يهلكك، وأراد "ولا شرم" بالتسكين، فحرّك للضرورة. (اه اللسان).
(2) وردت هذه الكلمة في الأصل مهملة الحروف من النقط. وقد صوّبناها هكذا عن لسان العرب (مادة شرم) إذ قال ما نصه: يقال للرجل المشقوق الشفة السفلى أفلح. والمشقوق الشفة العليا أعلم. والمشقوق الأنف أخرم؛ والمشقوق الأذن أخرب. والمشقوق الجفن أشتر، ويقال في كله: أشرم.
(3/97)

وقال عَمْرو بنُ الداخل (1)
تذكَّرَ أمَّ عبد اللهِ لمّا ... نأتْه والنوَى منها لجوجُ
يقول: إذا نَوَتْ لجّت في المُضِيّ (2).
وما إن أحوَرُ العينين رَخْصُ ال ... عظامِ تَرُودُه أُمٌّ هَدُوجُ (3)
تَرودُه: تَرودُ حَوْلَه. والهَدوج: لها هَدْجَةٌ وصَوْت، يعني غَزَالا.
__________
(1) أورد السكري في مقدّمة هذه القصيدة ما نصه: حدّثنا الحلواني قال: حدّثنا أبو سعيد السكري قال: قال عمرو بن الداخل: هكذا يروى الجمحي وأبو عمرو وأبو عبد الله. وقال الأصمعيّ: هذه القصيدة لرجل من هذيل يقال له الداخل واسمه زهير بن حرام أحد بني سهم بن معاوية "يذكر أم عبد الله" الخ.
(2) شرح السكرى هذا البيت فقال: نواها: وجهها الذي أخذت فيه إذا انتوت فيه النية لجت في المضيّ، وربما لجت في القيام. نأته: بعدت عنه. لجوج: قد فعلت ذلك مرة بعد مرة. وروى أبو عمرو:
ذكرتك أم عبد الله لما ... نأيتم والهوى منا لجوج.
(3) في رواية "تردّه" وفسر السكرى البيت فقال: تردّه، تتعهده في ذهابها ومجيئها وتطوف عليه. هدوج: لها عليه هدجة أي حنين وتهدّج، أي تقطع صوتها تقطيعا. ويقول الباهلي: الهدجة صوت كأنه تهميم، ويقال: سمعت هدجة الرعد أي صوته. ورخص العظام أي حديث العهد بالنتاج، فعظامه رخصة لينة. ورواه أبو عمرو:
وما إن أخطب الخدين طفل ... ترعّى حوله أم هدوج
والأخطب: الذي في سواد وبياض، يعني غزالا. وهدوج: متحركة، هدجت تهدج: تحرك إذا مشت. والهدجان: مشي النعام (اه ملخصا).
(3/98)

بأحسنَ مُقلةً (1) منها وَجِيدًا ... غَداةَ الحجْرِ مَضحكُها بَليج
بلَيج: واضح.
وهادِيةٍ تَوَجَّسُ كلَّ غَيْبٍ ... لها نَفسٌ إِذا سامَتْ نشيجُ (2)
هادِية: بقرة. تَوَجَّس: تَسَمَّع. كلَّ غَيْب: يقول: إذا وقعتْ في مكانٍ يواريها توجَّستْ. وسامَت: سَرحَت. ولها نَشيج، من الفَزَع كأنّه يَقلعَ نَفْسَها من جَوفِها قَلعا.
تُصيخُ إلى دَوِيِّ الأرضِ تَهْوِى ... بمِسمَعِها كما نَطِفَ (3) الشَّجيجُ
قوله: تُصيخ، تُصغِي وتَسَمَّع. وقوله: كما نَطِف الشَّجيج، والنَّطِف: أن تَهجُم الشَّجَّةُ على أمّ الدِّماغ، فإذا كان كذلك لم يقدِر أن يرفعَ رأسَه.
عَززْناها وكانت في مَصامٍ ... كأنّ سَراتَها سَحْلٌ نَسيجُ
__________
(1) في السكري "مضحكا"، مكان قوله "مقلة" وشرح البيت فقال: الحجر الذي بالبيت، يريد أنه رآها ثم. وبليج: مشرق واضح. والمضحك: موضع الأسنان التي تبدو إذا ضحكت. (اه ملخصا).
(2) في رواية: "إذا سامت لها نفس نشيج" وشرح السكري هذا البيت فقال: هادية: بقرة تتقدّم كل البقر. توجس: تسمع على ذعر. وسامت: رعت وذهبت وجاءت. نشيج: انتحاب من صدرها يصيبها ذاك من الفزع. والنشيج: صوت شبيه بالنفس. أبو عبيدة: نشجت إذا ردّدت نفسها إلى صدرها. ويروي "إذا سافت" مكان "إذا سامت" وسافت، أي شمت الأرض من الحذر إذا وقعت في غيب أي في مكان يواريها.
(3) في رواية "كما أصغى" مكان "كما نطف" وقال السكري في شرحه: تصيخ تصغى وتتسمع. تهوى به: تضعه على الأرض. والمسمع: الأذن، يقال أصغى إصغاء أمال لئلا يصيبه الدم. (اه ملخصا).
(3/99)

ويُروَى غَرَرْناها، أي أخذْناها على غِرّة. والمَصام: مَكانُها. وسَراتُها: ظَهْرها. والسَّحْل: ثوبٌ أبيضُ.
ويُهلك نفسَه إن لَم يَنَلها ... وحُقَّ له سَحِيرٌ أو بَعيجُ
هذا الصائد يُهلِك نفسَه إن لم يَنَلْ هذه البقرة. وحُقَّ له سَحير، أي يصيب سَحْرَه ويَبعَج بطنَه، يقال للِّرئة السَّحْر، يقال سَحَرْته وبَعَجْتُه.
وأَمهَلَها (1) فلمّا وَرَّكَتْه ... شِمالًا وهي مُعْرضَةٌ تَهيجُ
ورَّكَتْهْ: جعلتْه حِيالَ ورِكَيْها. وهي مُعْرضة قد أَمكَنَتْه من عُرضِها. تَهيج: تمرّ كالرِّيح الهائجة. أَمهَلها: تركها حتى تقدم.
أُتِيحَ لها أُغَيْبِرُ ذو حَشيفٍ ... غَبىٌّ في نَجاشَتِه زَلُوجُ (2)
لها: للبقرة صائدٌ أغبَر. حَشِيف: ثوبٌ خَلَق. والنَّجْش: حَوش الصَّيد. زَلُوج: يَزْلج يُسْرِع. غبيٌّ في قَناصتِه (3)، أي يُخفي شخصَه.
دَلَفْتُ لها أوانَئذٍ بسَهْم ... نَحِيضٍ لم تَخَوَّنْه الشُّروجُ (4)
__________
(1) في رواية "ويممها" مكان "وأمهلها" و "وركتني" مكان "وركته" وشرحه السكرى فقال: يممها: قصد إليها، ووركته خلف وركها عن شمالها. معرضة: قد أبدت عن عرضها. تهيج في شدّها: تمرّ كالريح الهائجة. (اه ملخصا).
(2) الأغيبر، هو الداخل أخو بني سهم نفسه. والأغيبر: تصغير أغبر. ويروى "أقيدر". والأقيدر: مقارب الخطو.
(3) هذه رواية أخرى في البيت فليلاحظ.
(4) في رواية "خليف" مكان "نحيض" وقال السكرى في شرحه: تخوّنه: تنقصه. والشروج: الشقوق والصدوع، واحدها شرج. وفي رواية "محيض" كما هنا، وشرحه فقال: المحيض الذي قد أرقت شفرته، يقول: لم يأته الخوف من قداحه، كما تقول: خانته أمه. ونحيض أيضاً دقيق. ولم تخوّنه: أي لم تضعفه. (اه ملخصا).
(3/100)

دلفْتُ للبقرة. نَحيض: دقيق. لم تَخوَّنْه: لم تضعفه الشُّروج، وهي الشُّقوق. الدُّلوف: سيرٌ فيه بُطءٌ.
سَدِيدِ (1) العَيْرِ لَم يَدْحضْ عليه ال ... غِرارُ فقِدْحُه زَعِلٌ دَرُوجُ
سَدِيد، يعني السَّهْم. لم يَدْحضْ، لم يزلق عليه الغِرار. والغِرار: المِثال الذي يضرب عليه النصل. فيقول. لم يَزْلق أحدُهما على الآخَر، فجاء مِثالٌ سَديدُ العَير، أي قاصد. والعَيرْ: الناتئُ في وَسَطِ الزُّجِّ. وزَعِل: نَشيط. ودرُوج: يدْرُج من خِفّته.
عليه من أَباهِرَ لَيِّناتٍ ... يُرِنُّ القِدْح ظُهْرانٌ دَموجُ (2)
يُرِنّ: من الرَّنّة. وظهْران: ظهرُ الأَبهَر من الرِّيش ليس من القوادم ولا من أقصى الخَوافى. والأَبهَر من القوس: ما دون السِّيَة. وَدَموج: دامج. ظُهْران الرِّيش: القصير من الريش. والبطنُ: الجانب الطويلُ من الرِّيش.
كَمتْن الذئبِ لا نِكْسٌ قَصيرٌ ... فأُغرِقه ولا جَلْسٌ عَموجُ
__________
(1) في السكرى "شديد" مكان "سديد".
(2) دموج: أي دامج بعضها بعضا، أو هي مشتبهة في الاندماج والصلابة، يريد عليه دموج من أباهر يعني من أقواس لينات أي ذات قذذ لينات. (اه ملخصا من السكري).
(3/101)

كمَتن الذئب، يعنِي السهمَ في استوائه. قوله: لا نِكسٌ، النَّكْس: الذي قد انكَسَر نصلُه فقُلِب فجُعِل سِنْخُه نَصلا. ولا جَلْسٌ عَموج، ليس بطويلٍ (1). أُغرقُه: إذا شَرَعتُ فيه تحاوَزَ وتَثَنَّى، ومنه تَعَمُّجُ الحيّة أي تلوِّيها (2).
يقرِّبُها لمُطعَمِها هَتوفٌ ... طِلاعُ الكَفِّ مَعْقِلُها وَثِيجُ
الكَثِيف والوَثيج واحد. يقرِّب الوحشيّةَ إلى مُطعَمِها، وهو صائدُها. هَتُوف في صَوْتها، أي قوسٌ. طِلاعُ الكَفّ، ما يَملأ الكفَّ حتى يَفْضُل عنها. ومَعقِلها وَثيج، معقِلُ كلِّ شيء حِرْزُه، فيقول: إذا جُذِبَتْ فالّذى ترجع إليه كَثيفٌ وهو الوَثيج.
كأن عِدادَها إرْنانُ ثَكْلَى ... خِلالَ ضُلوعِها وَجْدٌ وَهِيجُ (3)
عِدادُ القوس: صَوْتُها. خِلالَ الضُّلوع: بينَها. وَهيج: من وَهَج النار.
__________
(1) قوله: "ليس بطويل" وهذا معنى الجلس. والعموج: الذي يتعمج أي يلتوي ولا يقصد.
(2) شرح السكري هذا البيت فقال: كمتن الذئب في استوائه. والنكس: الذي جعل أعلاه أسفله. وفوقه: مكان نصله. (اه ملخصا).
(3) عدادها: صوتها تعاوده كلما نبض عنها صوّتت، ومنه أخذ عداد الحميّ. وإرنان ورنين سواء. وخلال ضلوعها أي في قلبها وجد بولدها. وهيج: يتوهج ويلتهب في صدرها. ويروي: "مخالط صدرها". اه ملخصا من السكرى.
(3/102)

وبِيضٍ كالسّلاجِمِ مُرهَفاتٍ ... كأنّ ظُباتِها عُقُرٌ بَعيجُ (1)
بِيض: يعني نَبلا. والمعنى على النِّصال. مُرهفات: مرقفات. والسَّلاجِم: الطِّوالَ. الظُّبات: حَدُّها. عُقر بَعيج: العُقر أصل النَّار.
أَحاطَ الناجِشانِ بها فجاءتْ ... مكاناً لا تَروغُ ولا تَعُوجُ (2)
نَجَشاها فَثارت. والناجِشان: الصائدان، يَنجُشان: يَحُوشان. ومكاناً: إلى مكانٍ لا تستطيع أن تروغ ولا أن تَعُوج، أي وقعتْ بين جبلين لم يزالا يَحُوشانها حتي لجأتْ إلى هذا المكان.
فراغتْ فالتمسْتُ به حَشاها ... وخّرَّ (3) كأنّه خُوطٌ مَريجُ
__________
(1) البعج: الشق، يقال: بعج بطنه بالسكين إذا شقها وخضخضها فيه. قال الهذلى: "كأن ظباتها عقر بعيج" شبه ظبات النصال بنار جمر سخى فظهرت حمرته، يقال: اسخ النار أي افتح عينها؛ وقد أورد السكرى هذا البيت وقال في شرحه ما نصه: يريد وبيض سلاجم، والكاف زائدة، يريد النصال، وكان معناه أنها تشبه السلاجم. والسلاجم: الطوال، واحدها سلجم، أي أن هذه النصال على قدر من الطول جيد. والمرهف: المرقق المحدّد. والظبة: حدّ السهم. والعقر: الجمر. والجمرة عقرة، وعقر النار معظمها، وأصلها في لغة أهل الحجاز ونجد؛ وقد جاء في السكرى بعد هذا البيت بيت آخر لم يرد في الأصل وهو:
وصفراء البراية فرع نبع ... تضمها الشرائع والنهوج
وشرحه فقال: الفرع ما كان من قضيب واحد. والنهوج: مطلع الصخرة الذي طلعت منه. والشرائع: حيث يصلون إليها منه، أو مكان ينبت فيه شجر القسيّ. والبراية ما برى من القوس.
(2) الناجشان: اللذان يحوشان، وهما صائدان. وتعوج: تعطف. ويروى "أطاف الناجشان". (السكري ملخصا).
(3) في رواية "فخر". وشرح السكرى هذا البيت فقال: راغت: خنست يعني البقرة، و"به" أي بالسهم الذي وصفه كمتن الذئب. راغت: حادت عنه. والحشا: حشوة الجوف، كأن السهم خوط أي غصن أو قضيب. مريج: قد طرح وترك، ويقال: مريج أي قلق، يقال: مرج الخاتم في يدى. والتمست: قصدت. وخرّ: سقط. (اه ملخصا).
(3/103)

راغَت: البقرة. وخَرَّ السهمُ: سقَط. كأنهّ خُوطٌ أي غُصْن. مَريج، أي سَهْل، مَرِج كأنّه يَقلق من سَعةِ مَوضِعه.
كأنّ الريشَ والفُوقَيْن منه ... خلافَ النَّصْلِ سِيطَ به مَشِيجُ (1)
أى كأنّ الريش والفُوقَيْن مِن السهم. خِلافَ النَّصل: بَعدَ النَّصل. سِيطَ به مَشيج، أي خَرجَ قُذَذٌ مِن الرِّيش. ومَشيج: مُختلِط من الدّم والماء.
فظَلتُ وظَلَّ أصحابي لديهمْ ... غَرِيضُ اللَّحمِ نيءٌ أو نَضيجُ (2)
غَريض: طريّ.
__________
(1) منه أي من السهم. وخلاف: بعد. يقول: كأن هذا السهم سيط بدم أي خلط بدم لما خرج من الرمية. ومشيج، أي دم مختلط بماء. ويروى "والفوقين منها" أي من السهام. يقول: خرج وقد دمي الريش والفوقان؛ يريد أنه نفذ في الرمية حتى أصاب الفوق والريش الدم. وقال أبو عبيدة: أراد فوقا واحدا، فثناه، كما قال: "فنفست عن أنفيه" وإنما هو أنف واحد الخ.
(2) في رواية: "فظلت وظل بينهم صحابي". أما قوله: "أو نضيج"، "فأو" هنا في معنى الواو، يريد "نيء ونضيج"، وماء السماء يسمى الغريض لحداثته. (السكرى ملخصا).
(3/104)

وقال ساعدة بنُ العَجْلان يذكر أخاه مسعودا حين قتله ضَمرْة بنُ بكر
لمّا رأيتُ عَدِىَّ ضَمرةَ فيهمُ ... وذكرتُ مَسعوداً تَبادَرَ أَدْمُعِي (1)
عَدِىّ ضَمْرة: حاملة تَعْدو على أرجلهم.
ولقد بكيتُكَ يومَ رَجْلِ شُواحِطٍ ... بمعَابِلٍ نُجُفٍ وأبيضَ مِقطعِ (2)
ويُروَى: يومَ جِزْعِ شُواحِط. قوله: بمَعابل، أي رميتُ الّذين قَتَلوك. نُجُف: عِراض، يعني المعَابل وأَبيَض: سَيْف.
شُقَّتْ خَشِيبتَهُ وأُبْرِز أَثْرُه ... في صَفْحَتَيه كالطَّريق المَهْيعِ (3)
شُقّت خَشِيبتُه، أي عُرَّض طَبعهُ الأَوَّل. وأُبرِز أَثْرُهُ, أي نُقيَّ حتّى ظَهَر أَثْرُه، أي فرِنْدُه. كالطريق المَهْيَع: الطريق البيِّن.
__________
(1) في رواية: "لما سمعت دعاء ضمرة فيهم". وفي رواية: "تبادرت ادمعي" أي تبادرت سيلانا (السكرى).
(2) في رواية: "صلع" مكان "نجف". وقد شرح السكرى هذا البيت فقال: شواحط واد. ورجل: رجالة. والمعبلة: سهم عريض النصل. ومقطع: سيف قاطع. ويروى "جزع شواحط" يقول: كان بكائي إياك أن رميت الذين قتلوك. وصلع: براقة. وقال الباهلي: إنه جعل يرميهم وينادى أخاه، فذلك بكاؤه إياه. (اه ملخصا).
(3) قال السكري في شرح هذا البيت: النصل إذا طبع وعرض قبل أن يصقل فقد شقت خشيبته وقد خشب فهو خشيب ومخشوب. والخشيبة: الطبع: وأثره: فرنده. يقول: صقل فظهر فرنده كالطريق المهيع.
(3/105)

يَا رمْيةً ما قد رَمَيْتُ مُرِشّةً ... أَرْطاةَ ثم عَبَأْتُ لابن الأجدَعِ (1)
أراد يا رَميةً و"ما" حَشْوٌ. ومُرِشّة: بالدم. وأرْطاة: رجل. ثم عبأْتُ: أي هيأتُ له رميَةً أخرى.
ورميتُ فوقَ مُلاوَةٍ (2) مَحْبوكَةٍ ... وأبَنْتُ للأَشهادِ حَزَّةَ أَدَّعِى
يقول: أصابت المِعْبَلةُ حَبْلَ المُلاوَة فلم تَعمل. وأَبَنْت للأشْهاد، أي بيّنْت لمِن حَضَرني. وحَزّةَ أدّعي أي حين (3) أدْعو فأقول: أنا فلانُ ابن فلان.
بين المصعِّدِ والمصوِّبِ رأسَه ... وأقول شِقّ شِمالهِ كالأضرَعِ (4)
يقول: رَمَيْتُه فهو بين المُشرِف صدرُه والمُطَأمِنه. والأضرَع: الخاشع.
ولَحَفْتُه منها حَليفًا نَصْلُه ... حَدِّى كحَدِّ الرُّمح ليس بِمنْزْعِ (5)
__________
(1) قوله: "يا رمية" كأنه يتعجب من الرمية. "وما" هنا صلة. ومرشة: بالدم. وأرطاة وابن الأجدع: رجلان من كنانة (السكرى).
(2) في رواية: "ملاءة" مكان "ملاوة"، وفي رواية "ساعة أدعى" مكان "حزة أدعى" ومحبوكة؛ محتزم بها، وحبكته: حجزته. (اه ملخصا من السكرى).
(3) في نسخة: "حيث".
(4) في رواية: "صدره" مكان "رأسه"، وقال السكرى في شرحه لهذا البيت: الأضرع: الخاشع. يقول: رميت بين المصعد والمصوّب صدره بين ذا وذا. شق شماله؛ لأنه جرح مما يلي فؤاده في شقه الأيسر. قال: رميته وهو بين المشرف صدره والمطأطئ، أي أصابه فخشع، يقول: مال على شقه فهو صريع. وهذا البيت آخر القصيدة في رواية الأصمعي، والباقي عن الجمحي والباهلي ونصران وأبي عمرو.
(5) في رواية: "ألحفته منها"، وفي رواية: "حدّ" مكان "حدّى" وشرح السكري هذا البيت فقال: ألحفته جعلته له لحافا يلبسه أي ألصقته به. والحليف: الحادّ. ويقال: فلان حليف اللسان أي حديده. والمنزع: الذي لا يمضى أي لم يبلغ إذا رمى به، أي ليس له سنخ من السهام، يعني أنه ليس له حديدة تدخل في العود، فإذا رمى به لم يمض.
(3/106)

لحَفْته، أي جعلتُ له لِحافا، أي ألصَقْتهُ. والحَليف: النَّصْل الحادّ. ويقال: رجلٌ حليف اللِّسان أي حادُّه. ليس بِمنْزَع، والمِنْزَع: السَّهم الّذى لا يَبْلغُ.
فَطلَعْتُ مِن شِمراخِه (1) تَيْهورَةً ... شمَّاءَ مُشرِفةً كرأسِ الأَصْلَعِ
فطَلَعْتُ من شِمْراخه، أي من رأس الجبل. تيهُورة: أصلُ التَّيهْورة المطمئن من الرمل يَشقّ على الصاعد، فأراد صعبةَ المَصعَد. شَمّاء: مُشِرفة. كرأس الأصلع: لا شيء فيها.
أَهوِى على أَشرفِها لا أَتَّقِى ... كذَفِيفِ فتخاءِ القَوادم سَلْفَعِ (2)
فَتْخاء: عُقابْ في حَناحها فَتَخ, أي استِرْخاء. سَلْفعَ: جريئة.
تَغْدُو فتُطعِمُ ناهِضًا (3) في عُشِّها ... صُبْحا ويُؤْرِقُها إذا لم يَشبَعِ
يُؤْرِقُها: من الأرَق. تَغدُو صُبْحا كما تقول تَغدو غُدْوَة.

وقال ساعدة بن العجلان (4) أيضاً
ألا يا لهفَ أَفْلَتَنِي حُصَيْبٌ ... فقَلبي مِن تذكُّرِه عَمِيدُ (5)
العَميد: المُثْبتَ الشديدُ الأمرِ من الوَجعَ.
__________
(1) الشمراخ: قلة الجبل. تيهورة: مشرفة يشرف منها على هول بعيد، والجمع تياهير. كرأس الأصلع، يريد أنها ملساء لا نبت بها مثل رأس الأصلع. قال: وأصل التياهير مطمأنات من الرمال يشق الصعود فيها، أراد أنها صعبة المصعد (اه ملخصا من السكرى).
(2) شرح السكرى هذا البيت فقال: أهوى ألقى نفسي على أشرافها. والذفيف: الطيران. ويقال: عقاب فتخاء للين في جناحها. والسلفع: السوداء الجريئة الماضية.
(3) الناهض: الفرخ.
(4) قدم السكري لهذه القصيدة بمقدّمة طويلة عنوانها "هذا يوم العريش" فانظرها في صفحة 70 من النسخة الأوربية المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 165 (أدب) وهو في هذه القصدة يهجو حصيبا الضمري.
(5) في رواية "بليد" مكان "عميد" والعميد: المثبت الموجع أي الذي أصابه الأرق من شدّة وجعه. (السكري).
(3/107)

فلو أنِّى ثَقِفْتُكَ (1) حينَ أَرْمِى ... لآبَكَ مُرْهَفٌ منها حَدِيدُ
آبَك: رَجَع إليك. مُرْهَف: حديد.
وَقِيعُ الكُلْيَتَيْن له شَفِيفٌ ... يَؤُمُّ بقِدْحه عَيْرٌ سَدِيدُ
الوَقيع: الّذى وُقِع بالمِيقَعة، وهى المِطْرَقة. والكُلْيتَان: ناحيتا النَّصْل من مؤخّره. له شَفِيف، أى رقّة يَكاد يُرَى ما وراءَه من رِقّته. يَؤُمُّ: يَقْصِد بِقدْحه. والعَيْرُ: الناشزُ وَسطَ النَّصل كالحَدَر.
فما لَكَ إذ مَرَرْتَ على حُنَيْنٍ ... كَظِيماً مِثلَ ما زَفَرَ اللَّهِيدُ
يقول: ما لَكَ كظيما، والمَكْظوم: الّذى أُخِذ بنَفسه. والكَظائم: الآبار. وحُنَين: ماءٌ قَريبٌ من مكّة. واللَّهيد: الّذى لَهَدَه الحِمل، أى عَصَره وضَغَطه.
وما لَكَ إذ عَرَفْتَ بنى خُثَيمٍ (2) ... وإيّاهمْ على عَمْدٍ تَكيدُ
خُثَيم: من هُذَيل، أى مالَكَ تَرَكتَهم، وإيّاهم كنتَ تَكِيد، أى تَطلُب وتريد.
تركتَهُم وظَلْتَ بِجَرِّ يَعْرٍ (3) ... وأنتَ كذاكَ ذو خَبَبٍ مُعيدُ
الجَرّ: ما غَلُظ من الحِبال، جرّ يَعْر: حَبل ومُعيد: مُعاِود، قَد جرّب الأمور.
__________
(1) في رواية: "عرفتك" مكان "ثقفتك". (السكرى).
(2) في رواية: "ومالك إذ عرفت بني تميم" وفى رواية "بنى خثيم" وشرحه السكرى فقال ما نصه: يقول إياهم كنت تريد، فمالك تركتهم وفررت منهم وقد جئتهم على عمد.
(3) شرح السكرى هذا البيت فقال: يعر: جبل أو مكان. وجرّه: ما غلظ منه. والمعيد: المعاود لذلك أيضا: أو هو الذى فعل الأصل مرة بعد مرة. يقول: إنك فررت.
(3/108)

أقمتَ به نهارَ الصيفِ حتّى ... رأيتَ ظِلالَ آخِره تَؤُودُ (1)
أي حتّى تَرَى الظِّلالَ تَؤُود، يقال: آد النهارُ إذا رَجَع. ظِلال آخِره، أي آخر النهار، ويمتدّ الظِّلّ فَيجئ الفَيْء.
غَداة شُواحِطٍ فنَجَوْتَ شَدًّا ... وثَوْبُكَ فى عَمَاقِيةٍ هَرِيدُ (2)
عَماقِيَة: شجرة. هَرِيد: مَشْقوق. يقول: عدوتَ هارِبًا فتعلّق ثوبُك بهذه العَماقيَة، يقال: هَرَدَ ثوبَه وهَرَتَه إذا شقّه.
ولولا ذاك لاقَيْتَ المَنايا ... صُراحيَةً (3) وما عنها مَحيدُ
صُراحية: خالصة، أي لرأيتَ المنَايا مُواجهة.
فلا تَعرِض لذِكر بنِى خُثَيم ... فإِنّهمُ لدَى الهَيْجا أُسودُ (4)
__________
(1) آد العشىّ: مال. يقول: عدوت من الفزع حتى تعلق ثوبك في شجرة واختبأت بهذا المكان وتركت أصحابك حتى قتلوا. وهو يهجوه بهذه الأبيات كما لا يخفى.
(2) في رواية "عباقية" مكان "عماقية". وقال السكرى في شرحه لهذا البيت. شواحط: بلد. وعباقية: شجرة. وهريد: مشقوق. وهريد وهريت واحد. يقول: عدوت هاربا وتعلق ثوبك بهذه الشجرة. (اه ملخصا).
(3) روى هذا البيت في السكرى هكذا:
فلولا ذاك آبتك المنايا ... جراهية وما عنها محيد
وقال في شرحه: ويروى "مكافحة" كما يروى "صراحية" من قوله في البيت "جراهية". يقول: ولولا ذلك العدو لآبتك أي جاءتك جراهية أي علانية غير سرّ. ومحيد: معدل. (اه ملخصا).
(4) في رواية: "فأقصر عن غزاة بنى خثيم". (السكرى).
(3/109)

هم تركوا صِحابَك بين شاصٍ ... ومُرتفِقٍ على شَزَنٍ يَميدُ (1)
ومرتفق: متّكئ على ناحية لم يوسَّد، أي لولا ما صنعت من العَدْو. ويَميدُ: يذهب ويَجئ.
وهم تركوا الطريقَ وَأسلكُوكمْ ... على شَمّاءَ مَسلَكُهَا بعِيدُ (2)
ويُروَى مَهواها بعيد، يقول: تركوا الطريقَ لَم يَحمِلوكم عليه وأَسلَكوكمْ على ثَنيّةٍ إذا وقعُتمْ منها تكسّرتم أي حين انهزموا، يقال: سَلكتُه الطريقَ وأسلكتُه إذا أدخلتَه فيه.
ولكن حالَ دونَكَ كلُّ طِرْفٍ ... أَبانَ الخيرَ وهو إذٍ وَليدُ (3)
طِرْف: كريم. ثم أبان الخَير وهو صغير.
__________
(1) الشاصى: الذي قد انتفخ فارتفعت رجلاه؛ وأصله من شصت القربة شصوا إذا ملئت ما. فارتفعت قوائمها، وكذا الزق إذا ملئ خمرا فارتفعت قوائمه وشالت، قال الفند الزمانى في الحماسة:
وطعن كفم الزق ... شصا والزق ملآن
وكل ما ارتفع فقد شصا (تاج العروس) ومرتفق: متكئ على ناحية مرفقه وشزن: مكان غليظ؛ أو الناحية. ويميد أي يتحرّك. اه ملخصا من السكرى.
(2) روى السكرى هذا البيت هكذا:
وهم منعوا الطريق وأسلكوكم ... على شماء مهواها بعيد
وقال في شرحه ما نصه: شماء: عقبة طويلة في الجبل. مهواها: أي ما بين أعلاها إلى الأرض، أي جعلتكم تقعون منها. ويقال: سلكته الطريق وأسلكته الطريق إذا أدخلته فيه (لغتان).
(3) في رواية "أبان الخير" بكسر الخاء، وقال السكرى في شرحه هذا البيت: الطرف بكسر الطاء وسكون الراء: الرجل الكريم. والخير: الكرم. وطرف هاهنا: رجل كريم. يقول: عرف منه الخير وهو صغير، أي استبان فيه الخير وهو يومئذ صبيّ. (اه ملخصا).
(3/110)

وقال رجل من بن ظَفَر يَرثيِ من أصابت بنو صاهِلَة مِن قومِه (1):
ألا يا عَيْن بَكِّى واستجِمِّى ... شُئُونَ الرأسِ رَجْلَ بنى حَبِيبِ
مَطاعيمٌ إذا قَحَطَتْ جُمادَى ... ومَسَّاحوا المَغايِظ بالجُنوبِ (2)
يقال مسح غَيظَه بجَنْبه إذا احتمَلهَ.

قال: وخرجتْ بنو صاهلَة من اللَّيل فَأدْرَكَهم الطَّلب وفيهم رجلٌ من بَن ظَفَر يقال له كُليَب (3)، فقال كليُبَ:
أنا كُلَيْبٌ ومَعِى مِجَنِّى ... بازِلُ عامَين حدِيثُ (4) سِنِّ
أَضرِبُ رأْسَ البَطَل المِعَنِّ (5) ... حتى يُمِيطَ في الخَلَاءَ عنّى (6)
المِعَنّ: الذى يَدخل فيما لا يَعنيه.
__________
(1) هذان البيتان لم يردا في شرح السكرى، وقد وردا في كتاب بقية أشعار الهذليين طبع أوربا صفحة 28 في النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم (1781) أدب، وقد قدّم لهما في هذه النسخة بما نصه: "قالت راثية بنى حبيب ترثى من قتل من قومها. وقال أبو عمرو: بل هي لرجل من بنى ظفر لم يسمه. "ألا يا عين" الخ.
(2) في كتب اللغة أنه يقال: مسحت غيظ فلان بجنبي أي لاطفته.
(3) قال في البقية: هو كليب بن عهمة من بنى ظفر بن الحارث بن بهثة سيد بنى سليم.
(4) في البقية "خدين السنّ".
(5) في البقية "المعتن".
(6) أورد في البقية بعد هذين البيتين ما نصه: فقعد له (أي لهذا الراجز) رجل فرماه بالسهم فقتله ورجع من كان معه من بنى سليم، فقال في ذلك شاعر بنى صاهلة عبد بن حبيب أخو بنى قريم ابن صاهلة، قال الأصمعى: فرماه عبد بن حبيب، وقال في ذلك:
ألا أبلغ يمانينا بأنا ... قتلنا أمس رجل بنى حبيب
قتلناهم بقتلى أهل عاص ... وقتلى منهم مرد وشيب
فأنتجنا الكلاب فوركتنا ... خلال الدار دامية العجوب
(3/111)

قال: وكان بين بنى ظَفَر وبين العَجْلان بنِ خُلَيد قَسامة (1)

فلامه ناسٌ من قومِه، فقال العجلان
مَتى لامنى فيها فإِنِّى فعلتُهما ... ولَم آتِها مِن ذِى جَبانٍ ولا سِتْرِ
جمعتُ لرَهْطِ العائذِىّ سَرِيّةً ... كما جَمَعَ المعذورُ (2) أَشفِيةَ الصدر
__________
=تركنا ضبع سمى إذا استباءت ... كأن عجيجهن عجيج نيب
كأن القوم إذ دارت رحاهم ... هدوءا تحت أقمر ذى جنوب
هدوءا تحت أقمر مستكف ... يضيء علالة القلق الحليب
فلم تك ساعة حتى تركنا ... مباءتهم كبلقعة الغريب
فلولا أوب ساقى أم عمرو ... لصفت بحرة الأنس الحريب
تزحزحنى قوائم صائبات ... خلاف الوقع مجمرة الكعوب
كأن زواهق المعزاء خلفى ... زواهق حنظل بلوى غيوب
فلا والله لا ينجو نجائى ... غداة الجوز أصحم ذو ندوب
وهذه الأبيات جميعها مما انفرد بها كتاب البقية وحده فانظره في ص 28 من النسخة المطبوعة بليدن المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 781 أدب.
(1) في البقية عن الأصمعي قال: غزت بنو صاهلة وعليهم غافل بن صخر القرمى فأصابوا نفرا من بنى ظفر وأسروا العائذين عائذا وعويذا، فكان أحدهما في بنى قريم والآخر في بنى مخزوم، فأمرهم العجلان ابن خليد أن يقتلوهما، وكان العجلان دليلهم ليلتئذ، وكان بين قومه وبين بنى سليم قسامة، فغضب من قوله رجل من قومه، وقتلت بنو قريم أسيرهم ولم يفدوه، فقال العجلان بن خليد، ورواها الأصمعى والجمحىّ:
جمعت لرهط العائذين سرية ... كما جمع المعذور أشفية الصدر
فأوفت قريم صاعها إذ أمرتهم ... بأمرهم وضل في عائذ أمرى
فإن تشكوا لن تشكروا لي نعمة ... وإن تكفروا فلا أكلفكم شكرى
فمن لامنى فيها فإنى فعلتها ... ولم آتها من ذى جنان وذى ستر
فذل بها قوم وبيّضت أوجها ... تحوّلن من طول الكلالة والوتر
(2) المعذور: الذي أصابه العاذور، وهو داء في الحلق معروف.
(3/112)

أشفِية: جمع شِفاء. العائذيّ، من بنى عائذ. والمعذور: الذى يجِد في حلقِه وجعا.
فان تشكرونى تَشكروا لىَ نِعمةً ... وإن تكفرون لا أكلِّفكم شكرِى

وقال عَمرو ذو الكَلْب من كاهل، وكان جارًا لهذيل (1)
ألا قالتْ غَزِيِّةُ إذ رأتْنى ... ألَم تُقتَلْ بأرضِ بنى هِلال (2)
أَسَرَّكِ لو قُتِلْتُ بأرضِ فَهْمٍ ... وكلٌّ قد أبأتُ إلى ابتهالِ (3)
وكل قد أبأت إلى ابتهال، ابتهلوا في قتله، أي اجتهدوا.
__________
(1) قدّم السكرى لهذه القصيدة بما ملخصه: قال عمرو ذو الكلب بن العجلان بن عامر بن يرد بن منبه، وهو أحد في كاهل، وكان جارا لبنى هذيل. قال: منهم من يقول: عمرو ذو الكلب، ومنهم من يقول: عمرو الكلب، سمى بذلك لأنه كان معه كلب لا يفارقه وقال ابن حبيب: إنما سمى ذا الكلب لأنه خرج فى سرية من قومه وفيهم رجل يدعى عمرا، وكان مع عمرو هذا كلب، فسمى ذا الكلب:
غزية آذنت قبل الزيال ... وأمسى حبلها رث الوصال
وأمست عنك نائية نواها ... بشقة شنأ غر السبال
لم يرو هذين البيتين الأصمعى، ورواهما أبو عمرو وأبو عبد الله. وغزية: امرأة. والزيال: المفارفة. والشنأ: الأعداء، واحدهم شانئ وهو المبغض. وغر: بيض، وأنشد لزهير بن جناب:
في آل مرة شنأ ... لى قد علمت وآل مرّه
سادات قومهم الأولى ... من وائل وأولى بحرّه
ولكلهم أعددت تي ... احا تمرّ له الأجرّه
الأجرّة: جمع جرير. وتياح: فرس سريع. ومرة بن ذهل بن شيبان الخ.
(2) قال السكرى: هذا البيت أوّلها في رواية الأصمعي.
(3) روى هذا البيت في السكرى هكذا:
أسرّك لو قتلت بأرض فهم ... وهل لك لو قتلت غزىّ مال
وفى شرحه قال ما نصه: هكذا روى الأصمعى على الإكفاء. ورواه كذلك أبو عمرو بالرفع في قوله "مالى":
تؤمل أن تصار بأرض فهم ... وهل لك لو قتلت غزى مالى
أي هل يكون لك مالى. اه. ملخصا.
(3/113)

بَجيلة دونَها ورِجالُ فَهْمٍ ... وهل لكِ لو قُتِلتُ غَزِىَّ مالِى (1)
"وقال بعضُهم: أكفأ ولم يُرِد الإضافةَ إلى نفسه".
بَجيلة أي هم وراءها بينى وبينهم. قال الأصمعىّ: قوله هل لكِ مالٌ لو قُتِلتُ يا غَزِيّة، إنّما يرِثُنى أهل.
فإِما تَثقَفونى (2) فاقتلونى ... وإن أَثقَف فسوف ترَونَ بالِى
يقول: إنْ قُدِر لكم أن تصادِفونى فاقتلوني. يقال: ثَقِفْته، أي قُيِّض لي وثقِفْتُه: صادفتُه. ومن أثقف (3) أي ومن أثقفه منكم.
فأبرَح غازِيا أَهدِى رَعِيلًا ... أَؤُمّ سَوادَ طَوْدٍ ذى نِجالِ (4)
__________
(1) ورد هذا البيت في السكرى هكذا:
بجيلة دوننا ورجال فهم ... وكل قد أناب إلى ابتهال
وفسره فقال: ابتهال: اجتهاد من غير دعاء. وابتهل في الدعاء اجتهد. وأناب: رجع. ودونها: أراد وراءها. الخ.
(2) في رواية: "فإن أثقفتمونى".
(3) هذه رواية أخرى للبيت كما يستفاد من شرح (السكرى) وقال في شرح هذا البيت ما نصه: إن قدّر لكم أن تصادفونى فاقتلوني، يقال: أثقفته أي قيض لي، وثقفنه: صادفته. ويروى: "ومن أثقف" أي من أثففه منكم فسوف أقتله.
(4) شرح السكرى هذا البيت فقال: فأبرح، يريد فلا أبرح. والرعيل: الجماعة. وأؤم: أقصد. وطود: جبل. والنجال: ما يستنجل من الأرض. أي يخرج منها. ورواه أبو عمرو "ذى نقال" يعنى ثنابا متصلا بعضها ببعض، الواحد نقيل ومنقل، والجمع مناقل، وأورد السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر لم يرد في الأصل، وهو:
ويبرح واحد واثنان صحبى ... ويوما في أضاميم الرجال
وفي شرحه قال: أضاميم: جماعات، واحدها إضمامة، وإضمامة الكتب، وإضبارة الكتب. (اه ملخصا).
(3/114)

فأبَرح، يريد لا أزال غازيا أَهدِى رَعيلا، أي أكون أوّلهم، أؤمّ: أقصِد. سَوادَ طَوْد. والطود: الجبل. ذى نِجال، أراد قوما في جبل يَقصِد إليهم، أي فلا أزال أطلبه، والنِّجال: الواحد نَجْل وهو النَّزُّ يجرِى على وجهِ الأرض.
بفِتيانٍ عَمارِطَ من هُذَيلٍ ... هم يَنْفُونَ آناسَ الحِلال (1)
العُمْروط: الذي ليس له شيء. وقوله: يَنْفونَ آناسَ الحِلال، أي أنهم يمرّون بالأَنَس الذين هم حَلّةٌ عظيمة فيَهْرُبون من خوفهم. الحَلَّة: الموضع الذي يُنزَل، والِحلّة: القوم الذين يَنزِلون فيه.
وأبرحُ في طَوالِ الدّهرِ حتى ... أقيَم نِساءَ بَجلةَ بالنِّعالِ (2)
طَوال الدهر: طُول الدهر. وبَجْلة: من بنى سُلَيم، يعني في المأتَم.
__________
(1) العمارط: الذين لا يتركون شيئا إلا أخذوه، واحدهم عمروط كعصفور. وشرح السكرى هذا البيت فقال: ينفون: يطردون. وآناس: جمع أنس. وحلال: جمع صلة (بكسر الحاء وتشديد اللام) وهي المحلة، أي يغيرون عليهم فيهربون. وتطلق الحلة على الناس أيضا. ورواه أبو عمرو: "يحثون الأنيس من الحلال" وفسره فقال: الحث: القتل. (اه ملخصا).
(2) قوله: "بالنعال" أي يضربن بها صدورهنّ على قتلاهنّ، أي أقتلهم فتنوح نساؤهم ويضربن بالنعال وجوههنّ وصدورهنّ، وهكذا كنّ يلطمن في الجاهلية. وقد تقدّم هذا المعنى فى قول عبد مناف ابن ربع الهذلى:
إذا تأوب نوح قامتا معه ... ضربا أليما يسبت يلعج الجلدا
انظر القسم الثانى من ديوان الهذليين صفحة 39 طبع دار الكتب المصرية. وزاد السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر لم يرد في الأصل، وهو:
بجيلة ينذرون دمى وفهم ... فذلك حالهم أبدا وحالى
(3/115)

على أن قد تَمنّانى ابنُ تُزنَى ... فغَيرِي ما تَمَنَّ مِن الرجال (1)
(ما) صِلة، يريد تَمنّاني من الرجال. ابنُ تُرْنى: لَقبٌ يُلَقَّبُ به.
تَمنّانى وأبيضَ مَشرَفِيّا ... أُشاحَ الصَّدرِ أُخْلِص بالصِّقالِ (2)
يقول: السيف منّى بمَوضع الوِشاح من الصَّدر.
وأسَمرَ مُجْنَأً مِن جِلْدِ ثورٍ ... أصَمَّ مُفلِّلا ظُبَةَ النِّبالِ (3)
أسمَر، يعني تُرسا. مُجْنأ: أحدَب. أصمّ: ليس فيه خِلَل. مفلِّل: يكسِر حَدِّ النبال.
__________
(1) قال في شرح السكرى: إذا ذمّ الرجل الرجل قال له: يا ابن ترنى ويا ابن فرتنى، وهو شتم للمرأة خاصة. وقوله: "فغيرى ما تمن" أراد فغيرى ممنى و"ما" صلة، وزاد السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر، وهو:
فلا تتمنى وتمن جلفا ... جراهمة هجفًا كالخيال
جراهمة: ضخم. والهجف: الذي لا لب له، كالخيال أي لا غناء عنده. (أه ملخصا من السكرى).
(2) في رواية: "وشاح الصدر" ووشاح وأشاح سواء، يقول: هو مني بمكان وشاحى يعنى سيفي. والمشرف: منسوب إلى المشارف، وهى قرى للعرب تدنو من الريف. وأورد السكرى بد هذا البيت بيتا آخر، وهو:
وشجرا كالرماح مسيرات ... كسين دواخل الريش النسال
وفسره فقال: شجر: نصال عراض الأوساط، الواحد أشجر. والنسال بضم النون مشّدة: التى قد نسلت رواه أبو عمرو وحده.
(3) فى رواية:
وأسمر مجنأ من جلد ثور ... أصم مفللا ظبة النصال
بالرفع قوله "وأسمر مجنأ"، وشرحه السكرى فقال: أسمر يعني ترسا. والمجنأ: المقبب المحدودب. والأصم: الذى لا خلل فيه. والظبة: الحد. ويفللها: يكسرها. والنصال: جمع نصل. يقول: يكسر حد النصال (اه ملخصا).
(3/116)

وإيفاقى بسَهْمِى ثم أَرْمِى ... وإلّا فالأباءَة فاشتمِالى (1)
الإيفاق: أن بضع الوَتَرَ في فُوق السَّهم. وقولُه: وإلّا فالأبامة فاشتمالى، هو أن يَهوِىَ بيَدِه إلى السّيف. والمعنى (2) إنما هو رَمْيٌ، فإن لم يكن رَمْيٌ فإنما هو بقَدْر ما أهوِى بيدِى إلى السيف. يقول: إلّا بقَدْر اشتماله على الثّوب.
مَنَتْ لكَ أن تُلاقِيَنى المنَايا ... أُحادَ أُحادَ في الشَّهرِ الحَلالِ (3)
مَنتْ لك: قَدَّرَتْ لك الأقدارُ أن تكون واحدا وأما أكونَ واحدا في الشهر الحَلال.
وما لَبْثُ القِتالِ إذا التَقَيْنا ... سِوَى لَفْتِ اليَمينِ على الشمال (4)
اللَّفت: الَّلىِّ.
__________
(1) روى هذا البيت فى السكرى هكذا:
فإيفاقى بسهم ثم أرمى ... وإلا فالأباءة فاستلالى
وشرحه فقال: الإيفاق أن يوضع الفوق في الوتر. والأباءة أن يردّ يده، يقال: أباء يده أي ردّها إلى قائم سيفه ليأخذه، وأصل هذا أن يذهب بيده إلى السيف. والمعنى إنما هو رمى، فإن لم يكن معى رمى فإنما هو يقتدر ما أهوى بيدي إلى السيف، أي أردّ يدى إلى خلفى، وهذه لغة لهم ليست لغيرهم. (اه ملخصا).
(2) ورد فى الأصل فوق هذه الكلمة قوله: "ومعناه" ورسم فوقها "خ".
(3) قوله: "حلال" أي ليس بحرام، يريد الدعاء، كأنه يدعو أن يقدّر ذلك. ونصب "احاد" على الحال أي واحدا واحدا. ورواه أبو عمرو "احم الله ذلك من لقاء" أي قدّر الله أن ألقاك وحدى ووحدك (أه ملخصا من شرح السكرى).
(4) فى رواية: "سوى رجع اليمين على الشمال".
(3/117)

يَسُلّون السيوفَ ليَقْتلونى ... وقد أَبطنْتُ مُحْدَلةً شِمالى
المُحْدَلة: القوس التى عُطِفَتْ سِيَتاها. والرجل مُحْدَل (1). أَبطنتهُا: جعلتُها في باطنِ شِمالى.
وفي قَعْرِ الكْانةِ (2) مُرْهَفاتٌ ... كأنّ ظُباتِها شَوْكُ السِّبالِ
مُرهَفات: حِداد (3). والسِّبال: شجرٌ له شَوْك.
وصَفْراء البُراية فَرْع نَبْعٍ ... مُسَنَّمة على وَرْكٍ حُداِل (4)
حُدال: مُجَدلة. وقال بعضُهم: يُتورَّك فيها.
فهذا ثَمَّ قد علموا مكانى ... إذا اختَضَبَتْ من العَلق العَوالى (5)
العَلَق: الدم.
__________
(1) قوله: والرجل محدل، يقال: إنه لتحادل إذا نكس رأسه وانحنى، وإنه لأحدل، وبه حدل. وحدل بفتح الحاء وكسر الدال يحدل بفتحهما حدلا إذا كان منحنيا.
(2) الكنانة: الجعبة.
(3) يعنى سهاما حدادا مرققات.
(4) روى السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر يرد في الأصل، وهو:
وصفراء البراية عود نبع ... كوقف العاج من ورك حدال
وشرحه فقال: وقف: سوار. والعاج: الذبل. في ورك: أي هي من أصل شجرة. حدال أي فيها حدل، يعني فيها طمأنينة من أحد رأسيها. وقال ابن حبيب: الورك الوتر. وفسر الحدال بالمدمج. وقال الأصمعي: وركه أشد موضع فيه.
(5) في رواية "ثم" بضم الثاء، وفسر السكرى البيت فقال: علق الدم هو ما تكبد منه. ويريد بالعوالى عوالى الرماح، وهي أعاليها.
(3/118)

ومَرْقَبةٍ يَحارُ الطَّرْفُ فيها ... إلى شَمّاءَ (1) مُشْرِفِة القَذالِ
أقَمتُ بِرَيدِها يومًا طويلا ... ولم أُشرِفْ بهما مثلَ الخيَالِ (2)
يقول: أَقمتُ مُستَترا لم أُشْرِف؛ لأنه انْ أَشَرفَ فُطِن به.
ومَقْعَدِ كُرْبةٍ قد كنتُ فيها ... مكانَ الإصبَعَينِ من القِبالِ
يقول: توسّطتُها كما يتوسّط قِبالُ النَّعلِ الأصبَعَين.
فلستُ لِحاصِنٍ إن لم تَرَوْنِى ... ببَطنِ صريحةٍ ذاتِ النِّجاِل (3)
أي فلستُ لأمٍّ حاصِنٍ، والحاصن: العفيفة. ذات النِّجال، أي النَّزّ. صريحة: اسم موضع.
وأُمِّى قَيْنةٌ إن لم تَرَوْنى ... بعَوَرَشَ تحتَ (4) عَرْعَرِها الطِّوالِ
عورَش: اسم موضع.
__________
(1) الثماء: العالية. وفي رواية: "تزل الطير" مكان "إلى شماء". وشرحه السكرى فقال: ومرقبة: أراد ورب مرقبة، يحار الطرف فيها من بعدها. والقذال: الرأس، يريد رأس المرقبة.
(2) الريد: الحرف يندر من الجبل. يقول: أقمت منكبا ولم أقم مشرفا؛ لأنه إن أشرف أنذر بأصحابه، وقد أورد السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر، ونصه:
ولم يشخص بها شرف ولكن ... دنوت تحدر الماء الزلال
رواه أبو عبد الله وحده. يقول: لطأت كما يلطأ الحاذق ولم يشخص بها بصرى أي لم أرهب، ولكنى كنت بمنزلة الماء الذي يهتدى لمنحدره.
(3) في رواية:
فأمى قينة إن لم ترونى ... ببطن صريحة ذات النجال
(4) في السكرى: "وسط" مكان "تحت" وشرح البيت فقال: عورش: مكان. والعرعر: شجر، وكل أمة قينة. وكل عبد قين. والقين: الحداد. والقن (بكسر القاف وتشديد النون): أن يكون آباؤه وأجداده عبيدا، وجمعه أقنان.
(3/119)

قال أبو عُبَيدة
كان ذو الكَلْب يَغْزُو فَهْما، فوضَعوا له الرَّصَد على الماء، فأخذوه وقتلوه، ثم مَرّوا بأختِه جَنوب، فقالت لهم: ما شأنُكم؟ فقالوا: إنّا طلبْنا أخاكِ عَمْرا. فقالت: لئن طلبتموه لتجِدُنّه مَنِيعا، ولئن أضَفْتموه لتجِدُنّ جَنابَه مَرِيعا، ولئن دعوتموه لتجِدُنّه سريعا. قالوا: فقد أخذناه وقتلْناه، وهذا سَلَبُه، قالت: لئن سلبتموه لا تجِدُنّ ثنّته وافية، ولا حُجْزته جافية، ولا ضالّته كافية، ولرُبّ ثَدْىٍ منكم قد افتَرشَه، ونهبٍ قد احْتَرَشه، وضِبٍّ قد اخْتَرَشه، ثم قالت جَنوبُ تَرثِى أخاها:
سألتُ بعَمرٍو أخي صَحْبَه (1) ... فأَفظَعنى حين رَدُّوا السُّؤالَا
صحبه: أصحابه.
فقالوا قنلْناه فى غارةٍ ... بآيِة (2) أَنْ قد وَرِثْنا النِّبالا
النِّبال: جع نَبْل.
فهلّا إذنْ قبلَ رَيْبِ المَنون ... فقد كان رَجلا وكنتمْ رِجالا
قوله: رَجْلا يعنى رجُلا.
__________
(1) في رواية: "أخا صحبة"، وفي رواية: "ردّ"، مكان (ردّوا). (السكرى).
(2) في السكرى: "بآية ما إن" مكان قوله "بآية أن قد" والآية: العلامة. و"ما" صلة، يريد بآية أن ورثنا.
(3/120)

وقالوا أُتِيحَ له نائمًا ... أَعَزُّ السِّباع عليه أَحالَا (1)
أُتِيحَ له نَمِرَا أجْبُلٍ ... فنالَا لَعَمْرُكَ منه مَنالا (2)
جمع جَبل.
فأُقِسم (3) يا عمرو لو نَبَّهاك ... إِذَنْ نَبَّها منكَ داءً عُضالا
الأمر العُضال يعضِل أي يشتدّ.
إذنْ نَبَّهما غيَر وِعْدِيدَةٍ ... ولا طائشٍ رَعِشٍ حِين صالا
من الصيال.
إذنْ نَبَّهَما لَيْثَ عِرِّيسةٍ ... مُفِيدًا مُفِيتا نُفوسًا وَمَالا (4)
العِرِّيسة: الموضع الّذى يكون به الأسد.
إذَنْ نبَّها واسِعًا ذَرعُه ... جميعَ السِّلاحِ جَليدًا بُسالا
هِزَبْرًا فَرُوسًا لأقرانِه (5) ... أبِيًّا إذا صاوَلَ القِرْن صالا
الهِزَبْر: اسم السَّبعُ. والفَرُوس: الّذى يَدُقّ الأعناق.
__________
(1) أتيح له: قدر له. وأحال، أي حمل عليه فقتله وأكله.
(2) أورد السكرى بعد هذا البيت بيتا أخر، ونصه:
أتيحا لوقت حمام المنون ... فنالا لعمرك منه ونالا
(3) في السكرى: "فأقسمت" مكان "فأقسم".
(4) المفيت: مهلك النفوس والمال.
(5) رواية السكرى: "لأعدائه ... هصورا إذا لقى" مكان قوله: "لأقرانه ... أبيا إذا صاول" وشرحه فقال: الهصر: الجذب والغمز. قال: يفرس القرن أي يدقه. ويقال: هزبره إذا قطعه. ويقال: هصرته أي كسرته. (اه ملخصا).
(3/121)

هُمَا مَعْ تَصرُّف رَيْبِ المَنُونْ ... من الأرض رُكْنًا عَزِيزاً أَمالا (1)
هُمَا يومَ حُمَّ له يومُه ... وقال أخُوفَهْم بُطْلًا وفَالا (2)
حُمَّ: أي قُدر.
وقد عَلِمتْ فَهْمُ عِندَ اللِّقاء ... بأنّهمُ لك كانوا نِفالا (3)
كأنهمُ لَم يُحِسّوا به ... فيُخْلُو النّساءَ له والحجالا
ولمُ ينزِلوا لَزَباتِ (4) السِّنين ... به فيكونُوا عليه عيالا
اللَّزَبات: الشدائد.
وقد عَلمِ الضَّيفُ والمُرْمِلُون (5) ... إذا اغبَّر أُفْقٌ وهَبّت شَمالَا
أي هبّت الريحُ شَمالا.
وخَلّتْ عن اوْلادِها المُرضعات ... فلَم تَرَ عَيْنٌ لمُزْنٍ بِلالا
بِلال: بلَلَ.
__________
(1) فى رواية: "الزمان" مكان "المنون"، وفى رواية: "ثينا" مكان "عزيزا" وريب المنون أو الزمان: أحداثه. والثبيت: الثابت (السكرى ملخصا) وفى الأصل: "فتخلو النساء" بالرفع.
(2) يقال للرجل إذا أخطأ: قال رأيه. وقول: "هما" يعنى النمرين.
(3) النفال: الغنائم. والنفل (محركة): الغنيمة.
(4) في رواية: "ولم ينزلوا بمحول السنين".
(5) في رواية: "وقد علم الضيف والمجتدون"، والمجتدون: الطالبون الجدا. والجدا: العطية. والأفق: ناحية السماء (السكرى ملخصا).
(3/122)

بأنّك كنتَ الرَّبيع المرَيع (1) ... وكنتَ لمِن يَعتَفِيك الثِّمالا
المَرِيع: الواسع.
وخَرْقٍ تَجاوَزْتَ مَجهولَهُ ... بوَجناءَ حَرْفٍ تَشَكَّى الكَلالا (2)
وكنتَ النهارَ به شمسُه ... وكنتَ دُجى الليلِ فيه الهلالا
وخيلٍ سَرَتْ لك فُرسانُها ... فَولَّوْا ولم يَستقلّوا قبالا
القِبال: شِسْع النعل.
وحَيٍّ أَبَحْتَ وحَيٍّ صَبَحْتَ ... غَداةَ الهِياجِ مَنايَا عجالا (3)
الهياج: اللقاء. وعِجال: عَجَلة.
وكلّ قبيلٍ وإنْ لم تكن ... أَردتَهمُ منك باتُوا وِجالا (4)
__________
(1) في رواية:
بأنك كنت الربيع المغيث ... لمن يعتريك وكنت الثمالا
وشرحه السكرى فقال: الثمال الغياث. الخ.
(2) الخرق: الموضع ينخرق فيمضى في الفلاة. والوجناء: الغليظة. مشتق من الوجين وهو الموضع الغليظ. والحرف: الضامر، يقال: بعير حرف وناقة حرف.
(3) في رواية:
فحيا أبحت وحيا منعت ... غداة اللقاء منايا عجالا
(4) الرجال: المتخوّفون.
(3/123)

وقالت جَنوبُ أيضا تَرْثيه
كلُّ امرئٍ بطواِل العَيْشِ مكذوبُ (1) ... وكلُّ مَن غَالبَ الأيّامَ مَغلوبُ
طوال العيش: طُوله، أي تقول له نفسه: طال عُمُرك.
وكّل حىٍّ وإن طالت سلامتهمْ ... يومًا طرِيقُهم في الشّرّ دُعْبوبُ
الدُّعبوب: الطريق الموطوء، أي سَيركَبون طِريقا في الشرّ.
وكلُّ مَن غَالبَ الأيّامَ مِن رَجُلٍ ... مُودٍ وتابِعُه الشُبّان والشِّيبُ (2)
بينَا الفَتَى ناعِمٌ راضٍ بعيشتِه ... سِيقَ له من دَواهِى الدَّهر شُؤْبوب
ويُروَى: نَوازِى (3). والشُّؤْبوَب: الدَّفْعة من المَطَر.
__________
(1) شرح السكرى هذا البيت فقال: أي يكذب (للمجهول) أي تكذبه نفسه بالأماني، تقول له: يطول عمرك. اه.
(2) رواية السكرى:
وكل من حج بيت الله من رجل ... مود فمدركه الشبان والشيب
قال: ويروى "وتابعه" مكان "فمدركه" والهاء للرجل. وقوله "من رجل" يريد من رجال، أي أنهم جميعا يهلكون ويموتون. (أه ملخصا).
(3) في رواية: "نوادى الدهر" وفي رواية: "نوازى الأرض" وفسر السكرى الرواية الأولى فقال: نوادى الدهر: أوائله، وكذلك نوادى كل شيء. وفسر الرواية الثانية فقال: نوازى الأرض: نازية نزت من شر، وأورد بيتا آخر بعد هذا البيت لم يرد في الأصل، وهو:
يلوى به كل عام لية قصرا ... فالمنسمان معا دام ومنكوب
وشرحه فقال: "ويروى له" مكان "به" و "به" أجود، أي يكون القيد طويلا فيقصر منه، وإنما هذا مثل، أي يقصر له كل عام من قيده. والمنسمان: الظفران. والدامى: الذي يدمى أي ينزل منه الدم. ومنكوب: قد أصابته نكبة. وأراد بقوله "قصرا" أن الأيام تقصر خطوه فكأنه بعير مقيد. وضرب هذا مثلا للبعير؛ لأنه إذا كبر صار هكذا، وكذلك يصير الرجل أيضا عند الكبر.
(3/124)

أَبلِغْ بن كاهلٍ عنِّى مُغلغَلةً ... والقومُ مِن دونهمْ سَعْيا ومَرْكوبُ (1)
مُغلغَلة: رِسالة تَغلغَلتْ إليهم حتى وَصَلَتْهم. وسَعْيَا ومَركوب: موضعان.
أَبلِغْ هُذَيلا وأَبلِغْ من يُبلِّغها ... عنَّى رَسولًا (2) وبعضُ القَوْلِ تكذيبُ
بأنّ ذا الكَلْبِ عَمْرًا خَيْرهم نَسَباً (3) ... ببَطْنِ شَريانَ يَعوِى عنده الذِّبب
بَطن شَرْيان: موضعٌ قُتِل فيه.
الطاعنُ الطعنةَ النَّجْلَاء يتَبَعها ... مُثْعَتْجِرٌ من دِماءِ الجَوْف أُثْعوبُ (4)
تَمشِى النُّسورُ إليه وهي لاهِيةٌ ... مَشْىَ العَذَارَى عليهنّ الجَلابِيْبُ (5)
__________
(1) بنو كاهل من هذيل. ومغلغلة: يتغلغل بها إليهم. ورواه أبو عمرو:
لا مرحبا بخيال بات يطرقنى ... والقوم دونهم سعيا ومركوب
وقد أُورد السكرى بعد هذا البيت بيتا آخر ولم يرد في الأصل وهذا نصه:
والقوم من دونهم أين ومسغبة ... وذات ريد بها رضع وأسلوب
وفسره السكرى فقال: الأين الإعياء. والمسغبة: الجوع. وذات ريد: يريد الجبل، جعله هضبة شامخة لها حروف نادرة. والرضع: شجر، وفى غير هذا الموضع الرضع أولاد النخل. ويقال: بل هو ها هنا أولاد النخل. والأسلوب: أراد شجر السلب الذي يكون فيه الليف الأبيض، الواحدة سلبة.
(2) في السكرى "حديثا" مكان "رسولا".
(3) في السكرى: "خيرهم حسبا".
(4) في رواية "من نجيع الجوف" وفسره السكرى فقال: نجلاء واسعة. والمثعنجر: السائل الذي يتصبب. والنجيع: الدم. وأثعوب: ينثعب. قال: ويروى "أسكوب" وأسكوب من السكب أي منسكب. (اه ملخصا من السكرى).
(5) شرح السكرى هذا البيت فقال: لاهية أي آمنة لا يذعرها شيء لأنه قد مات، فالنسور يعد موته أصبحت لا تفرق منه. يقول: فهى آمنة تمشى مشى العذارى. وقال ابن حبيب: لاهية، أي تلهو بلحمه لأنه مقتول.
(3/125)

المُخرِج الكاعِبَ الحَسْناءَ مُذْعِنةً ... في السَّبْيِ يَنفَحُ من أَرْدانِها الطِّيبُ (1)
فلم يَرَوْا مِثلَ عَمْرٍو ما خَطَتْ قَدَمٌ ... ولَن يَرَوْا مثلهَ ما حَنَّت النِّيبُ
فاجزُوا تأبَّطَ شَرًّا لا أَبَالكمُ ... صاعاً بصاعٍ فإِنّ الذُّلّ مَعْتُوبُ

وقالت ترثيه أيضا
يا ليتَ عَمْرًا وما لَيْتٌ بنَافِعةٍ ... لم يَغْزُ فَهْمًا ولَمْ يهبِط (2) بِواديها
شَبَّتْ هُذَيْلٌ وفَهْمٌ بينَنَا إِرَةً ... ما إنْ تَبُوخُ وما يَرتَدُّ صاليِها (3)
وليلةٍ يَصْطلِى بالفَرْثِ جازرُها ... يختَصُّ بالنَّقَرَى المُثرينَ دَاعِها (4)
لا يَنْبَحُ الكَلْبُ فيها غيرَ واحدةٍ ... مِن العِشاء ولا تَسْرِى أَفاعِيهْا (5)
أطعَمْتَ فيها على جُوعٍ ومَسْغبةٍ ... شَحْمَ العِشار إذا ما قامَ باغِيها (6)
تم ديوان الهذليين بحمد الله وتوفيقه الجميل
__________
(1) شرح السكرى هذا البيت فقال: أردانها: أكمامها. ومذعنة: مطيعة. والكاعب: التي قد كعب ثدياها.
(2) ويروى: "ولم يحلل.
(3) شرح السكرى هذا البيت فقال: شبت: أوقدت. والإرة: موقد النار، تريد نارا. وأراد بالإرة الحرب. وأصل الإرة حفرة يوقد منها. ما تبوخ: ما تسكن. وما يرتد صاليها أي ما ينزع عنها.
(4) شرح السكرى هذا البيت فقال: من شدّة البرد يصطلى بالفرث أي يدخل يديه ورجليه فى الكرش. والنقرى: أن يدعو واحدا واحدا، أي يدعو الرجل من ها هنا والرجل من هاهنا يخص ولا يعم. وعنى بالمثرين: أهل الثروة والغنى. والجفلى، هي أن يعمّ في دعائه، كقول طرفة:
نحن في المشناة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدِبَ فينا ينتقر
بصف شدّة الزمان.
(5) يعنى أن الكلب لا يستطع أن ينبح من شدّة البرد. ولا تسرى: لا تجيء: ليلا. والسرى: السير بالليل.
(6) المسغبة: الجوع. وإذا اختلف اللفظان جيء بهما جميعا، ومثله: "وهند أتى من دونها النأى والبعد" وباغيها، أي الذي يبغى القرى. ويروى: "يا عمرو يوما إذا قام ناغيها".
(3/126)

(ما جاء في آخر ورقة من ديوان الهذليين)
"فهرس أشعار الهذليين هذه
أبو ذؤيب، واسمه خويلد بن خالد.
خالد بن زهير.
ساعدة بن جؤية.
المتنخل، واسمه مالك بن عويمر.
عبد مناف بن ربع.
صخر الغىّ.
حبيب الأعلم أخو صخر الغىّ.
أبو كبير، واسمه عامر بن الحليس.
أبو خراش، واسمه خويلد ابن مرة.
أمية بن أبي عائذ.
أسامة بن الحارث.
أبو المثلّم.
أبو العيال.
بدر بن عامر.
مالك بن خالد.
حذيفة بن أنس.
أبو قلابة.
المعطل.
البريق، واسمه عياض بن خويلد.
معقل بن خويلد.
قيس بن العيزارة.
مالك ابن الحارث.
أبو جندب بن مرة.
أبو بثينة.
رجل من هذيل.
عمرو بن الداخل.
ساعدة بن العجلان.
رجل من بنى ظفر.
كليب الظفرى.
العجلان.
عمرو ذو الكلب.
جنوب أخته".
(3/127)