Advertisement

ديوان الشيخ أحمد سحنون 001


الكتاب: ديوان الشيخ أحمد سحنون
المؤلف: أحمد سحنون
الناشر: منشورات الحبر (الجزائر)
الطبعة: الطبعة الثانية، 2007
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(1/1)

أحمد سحنون
ديوان
الشيخ أحمد سحنون

الديوان الأول
الطبعة الثانية 2007
منشورات الحبر
(1/3)

الكتاب: ديوان الشيخ أحمد سحنون
تأليف: أحمد سحنون
الطبعة: الثانية 2007
الناشر: منشورات الحبر
(1/4)

هذه القصائد
هذه مجموعة قصائد، بل مجموعة أحاسيس رقيقة، وخلاصة مشاعر سامية لقلب شاعر حساس في فترة من أصعب وأقسى فترات حياته العامرة بالأعمال العظكيف الحافلة بالمواقف الصلبة الصامدة.
وهل يوجد ما هو أصعب على القلب وأقسى على النفس من أن يعيش الإنسان منفردا معزولا مقطعا عن أهله وأحبائه مبعدا عن صحبه وخلانه؟ فكيف بالإنسان الشاعر رقيق القلب مرهف الإحساس؟
من الشعراء من يفضل الوحدة، وينشد العزلة لينظم أشعاره في هدوء، ويسرح بخياله بعيدا عن الضوضاء والضجيج، فالشاعر يضيق به صخب الحياة وضجيجها ومشاكل الناس ومضايقاتهم، فيلوذ بالخلاء أفقا أنيسا، يسرح بفكره ويسبح بروحه في الفضاء العريض، ويتأمل الكون العظيم، وينعم بالسكون الشامل، والهدوء الكامل، أو يتجول في الغابات والحقول بين الأشجار والورود والطيور، ليستمع لأفكاره، ويستوحي أشعاره من الطبيعة الخلابة، ومناظر بلاده الجميلة الساحرة.
وشاعرنا شاعر الطبيعة والجمال، وعاشق البحار والجبال، فكثيرا ما تغنى بحسن الربيع وعبير أزهاره وتغريد أطياره، وجمال البحر وعظمته وأسراره، وجلال الصحراء وغموضها وسكونها وشموخ الجبال وصمودها وكبريائها.
ولا أحد ينكر أن الشاعر يحتاج إلى فترات من الوحد ة يعتزل فيها الناس ويخلو إلى نفسه يعتكف بين أوراقه وكتبه، يجمع شتات فكره، ويتفرع لتنطيم نتاجه ونشر مؤلفاته، وهو في فلك مختار، مقرر بإرادته، حيث يشعر بكمال حريته وانطلاقه، أما هذه
(1/5)

العزلة التي فرضت عليه قسرا، وأرغم عليها ظلما وعدوانا، والتي قيدت حريته، وكبلت إرادته، وجعلته يحس برسف الأغلال وثقل القيود، وحرمته من الأماكن القريبة إلى نفسه، وأبعدت عنه الوجوه الحبيبة إلى قلبه، هذه الوحدة أثرت في نفسه الأدبية تأثيرا عميقا، وأصابت قلبه الكبير إصابة بالغة في الصميم.
لقد شعر بآلام الغربة وعذاب الحرمان من وطنه وهو على أديمه وتحت سمائه، وكابد لوعة الفراق والشوق والحنين إلى أحنانه وأبناء بلده وهو قريب منهم، فأي عذاب لقلبه الذي يجيش بالحب الخالص والوفاء النادر لوطنه؟ وأي شقاء لنفسه التي تفيض بالمحبة والحنان والرحمة لأبناء بلده؟
فإذا بنات قريحته تتدفق جنباتهن شعرا صادقا يعبر عن آمالهم وآلامهم، ويصف أفراحهم وجراحهم ويصور حيرتهم واضطرابهم، ويحرك وجدانهم، ويثير طموحهم، ويحثهم على الاتحاد والتآخي والتسامح، ويزرع في نفوسهم حب الخير والتمسك بالدين والإخلاص للوطن.
فالشاعر يجد السعادة القصوى والراحة الكبرى وهو بينهم يحس بمشاعرهم ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم ويساعدهم في حل مشاكلهم، ويبعث في قلوبهم الأمل، ويقوي في نفوسهم الإيمان.
لذلك كان شعوره بالحرمان من ذلكم الوصال، وإبعاده المر المرير عميقا جدا لا يقدر على وصفه والتعبير عنه إلأ هذه القصائد المؤثرة التي هي أصداء نفسه ونبضات قلبه، وخلجات فكره، وزفرات روحه في تلك الفترة العسيرة من الزمن.
عائشة سحنون
(1/6)

المقدمة
(1/7)

مقدمة الشاعر
يضم هذا الديوان جل شعري لا كله، فإن بعضه ضاع، وبعضا آخر منه حذفته أو وأدته كما يئد بعض قبائل العرب بناتهم خوف عار يلحقهم بسبب حياة هؤلاء البنات.
وحتى هذا الذي أثبته أو بقي سالما بعد الضياع والحذف من شعري لولا الإلحاح المتكرر من الأصدقاء ومن الإخوة المعنيين بحفظ التراث، والموكول إليهم جمعه ونشره لما وجدت أي باعث لتقديمه إلى القراء.
اللهم إلا باعثا واحدا هو حاجة الطلاب والدارسين للأدب، بالخصوص في أبحاثهم ودراساتهم، فإن في هذا الديوان- ولا شك- مادة من الأدب الجزائري-كيفما كانت هذه المادة- وفي نشره بعض ما يساعدهم في أبحاثهم ودراساتهم، وفي ذلك ما يرضي شعوري ويريح ضميري.
وربما دهش القراء لهذا الزهد- فيما يحرص عليه الأدباء عدة من نشر نتاجهم ورؤيته متداولا بين الناس، وفي ذلك ما يرضي غرورهم أو طموحهم لأنه- في رأيهم- يثبت وجودهم، أو يؤكده أو يوسعه ويعمقه.
وأبادر فأشرح السبب لأول: إن سبب زهدي في تقديم ديواني إلى القراء هو أنني لا أرضى عن شعري لأنني لا أراه معبرا عما أشعر به من صور وأخيلة- لأن الشعر هو شعور الإنسان- والناس يختلفون في التعبير عن شعورهم ويتفارقون، وإذا كان شعري لا يرضيني في التعبير عن شعوري، فإن معنى ذلك أنه لا يرضي غروري أو طموحي كما يحلو للناس أن يغطوا هذا الغرور بالتعبير عنه بلفظ الطموح.
(1/9)

وإني ما أزال أذكر كلمة لها أهميتها في هذا الباب لصديقنا الشيخ فرحات بن الدراجي رحمه الله، إذ يقول: "إنني أرى الشاعر غير معذور، فإما أن يكون شاعرا أو غير شاعر: شاعر يلفت الأنظار ويهز المشاعر ويحمل الناس على احترامه، وإلا فليدع الميدان لفرسانه، فليس عندي وجود لشاعر من الطبقة الثانية أو الطبقة المتوسطة، وإن شعرا يقال فيه: "شعر لا بأس به لا يصح أن يدعى شعرا".
كما أنني لا أستطيع أن أنسى كلمة لجبران لا يقول مثلها إلا جبران، وذلك إذ يقول: "أشتاق إلى الأبدية، لأنني سأجتمع فيها بقصائدي غير المنطومة، ورسومي غير المرسومة" وبعبارة أخرى: إن أعظم معبر عن غرور الإنسان هو الشعر وإن هذا الغرور الذي طبع عليه الإنسان لا يعرف حدا ينتهي إليه، وهذا هو السبب في زهد من زهد في إظهار إنتاجه، كما أنه- في الوقت نفسه- السبب في حرص من حرص على إظهار إنتاجه.
وهناك باعث آخر لنشر هذا الشعر الذي لست راضيا عنه، بالإضافة إلى واجب الحفاظ على التراث، وواجب إمداد الطلاب والدارسين، وواجب إرضاء الأصدقاء بإجابة رغبتهم-: هو أنه كان يعتبر شعرا له أهميته ومنزلته في فترة حاسمة سبقت فترتنا الحاضرة هذه، وكان فيها -حقا- حاديا في قافلة حركتنا الفكرية الإصلاحية التي سبقت الثورة ومهدت لها فكانت أساسا لها، ومن ثم فالذي يؤرخ لثورتنا التحريرية لا يسعه إلا أن يؤرخ لهذه الفترة الحاسمة التي تكون في أحشائها جنين الثورة، فإنه- بالحري- لا بد لكل ثورة مسلحة، أن تسبقها ثورة فكرية.
الجزائر 9 شوال 1395 هجرية، الموافق ل 14 أكتوبر 1975 ميلادية
أحمد سحنون
(1/10)

ابتهال
يا ملهما لروائع الشعر ... يا موحيا بخولد الفكر
يا مودع الإعجاز في الذكر ... يا مبدع الرهبة في البحر
يا موجد البسمة في الفجر ... يا خالق الفتنة في الثغر
هب لي خيال الشاعر الحر ... وقوة التحليق كالنسر
وقدرة الغوص على الدر ... لعلني أظفر بالسر
في مجتلى الفتنة والسحر ... من عالم الإلهام والشعر
من كل معنى معجز بكر ... يومض مثل الأنجم الزهر
له شذا مثل شذا الزهر ... أبقى على الدهر من الدهر
(1/11)

إلى القاريء
يا قارىء يا صديق ديواني ... يا ملهمي يا أداة إحساني
أنا لم أفكر في الذي صغه ... من كل أشعاري وألحاني
حتى لمحك في خيالي سنى ... قد شع في فكري ووجداني
وعرفت كنه سؤالك لي ... عن غايتي من نظم أوزاني
فجعلت منك معين ملحمتي ... وسماء إلهامي وإيماني
حسبك أني- قارئي- لم أجيء ... بلفظه من غير إمعان
وكل بيت صيغ لم أحبه ... مني الحياة دون إتقان
وكان حادي رحلتي ما دجا ... من ليل آلامي وأحزاني
فإن أكن قصرت عن غايتي ... ولم يفز بالحمد ديواني
ولم انل ما كنت أملته ... في الشعر من حسن وإحسان
ولم أعد من طل سعي سوى ... بمحض إفلاس وخسران
ولم تكن يا قارئي راضيا ... عنه فحسبي بذل إمكاني
(1/12)

البصائر تتكلم*
طال صمتي تحت أعباء ثقال ... وعواد أخرست كل مقال
طال صمتي تحت أحداث جسام ... عبر الكون بها طور انتقال
ظن عجزي في سكوتي وفشا ... كل قيل - سيء القصد- وقال
وغدا الناس فريقين فذو ... مقة يمحضني الود وقال
سوف يدرون بأني صارم ... لم يزده غمده غير صقال
فانشطوا للعمل المجدي فها ... قد نشطت اليوم من أسر عقالي
لم أحد عن سيرتي الأولى وإن ... "طال صمتي تحت أعباء ثقال"
__________
*- نشرت بالعدد الأول من السلسلة الثانية من البصائر، وكانت تعطلت عن الصدور مدة طويلة- ثم صدر العدد الأول منها في 7 رمضان عام 1366ه الموافق 25 جويلية 1947م.
(1/13)

إلى المعلم
نشرت بالعدد السابع من السلسلة الثانية من البصائر ثم طبعت مع قصيدة "إلى التلميذ" المنشورة بعدها ووزعت على مدارس "جمعية العلماء" باقتراح من كاتبها العام الأستاذ "أحمد توفيق المدني".

هات من نشء الحمى خير عتاد ... وادخرهم لغد جند جهاد!
هات نشئا صالحا يبني العلا ... ويفك الضاد من أسر الأعادي
هاته نشئا قويا باسلا ... إن دجا خطب يكن أول فاد!
حطه بالإسلام من كل أذى ... واحمه بالخلق من كل فساد!
واهده بالعلم فالعلم سنى! ... ومن القران زوده بزاد!
صغه للإسلام نبراس هدى ... ومثالا من ذكاء واجتهاد!
سر به في طرق مأمونة ... إن في كفيك امال البلاد
إن في كفيك بذرا فاسقه ... من ينابيع المعالي فهو صاد
إن في يمناك جيلا فاهده ... نهجه إنك للأجيال هاد!
إن في يمناك شعبا كاملا ... يتنزى بين ظلم واضطهاد
لم يزل في القيد منهوك القوى ... منذ ألقى للأعادي بالقياد
فرقت أهواؤه أجزاءه! ... ويحه لم يلتجيء للاتحاد!
وتفشى كل داء قاتل ... فيه من جهل سوء اعتقاد
(1/14)

وصل الناس إلى غاياتهم ... وهو في أسر جمود كالجماد
يا مربي النشء يا باني النهى ... يا محل الحب من كل فؤاد!
قد إلى العلياء أبناء الحمى ... وإلى تحريرهم كن خير حاد
لا تقل: شمس بني الضاد اختفت ... وطوت أيامهم سود عواد!
إن ذوى النبت فإن البذر ... باطن الأرض لينمو في ازدياد
لا تضق ذرعا ولا تهلك أسى ... أمة الضاد ستحظى بالمراد
(1/15)

إلى التلميذ
لكفي كل حشى نبع وداد ... يا رجاء الضاد يا ذخر البلاد
شعبك الموثق لم يبق له ... من عتاد، فلتكن خيرعتاد
لج الاستعمار في طغيانه ... كل يوم منه ألوان اضطهاد
لغة الضاد التي ما برحت ... لغة الإعجاز سيمت بكساد!
دينك الإسلام في أوطانه ... ناله المكروه من أيدي الأعادي
وطباع الخير في النشء ذوت ... فتولى خلقه كل فساد!
وذوو المال لهم أفئدة أكباد ... من جمود صورت أو من جماد!
سود من الشح فما! ... لهم في الخير من بيض أياد!
فمتى تحمى حمى سيم الأذى ... فعلى نشء الحمى كل اعتماد؟
ومتى تفدى بلادا طالما ... ساسها أعداؤها فالحر فاد؟
كن لها في سلمها رمزعلا ... كن لها في حربها جند جهاد
وامتثل أمر مربيك وكن! ... قبسا من روحه شهم الفؤاد
اجعل العلم دليلا وهدى ... إنما الجهل دجى والعلم هاد!
واقرإ القرآن واعرف هديه ... إنه نهج فلاح وسداد!
"خالق الناس بخلق حسن " ... فجمال الخلق عنوان الرشاد!
(1/16)

خلطة الأشرار داء فابتعد ... من أذاها وابق منها في حياد
واجتهد تدرك أمانيك فما ... تدرك الآمال إلا باجتهاد.
وليكن حاديك تحرير الحمى! ... إن نحرير الحمى للحر حاد!
هذه غايتك المثلى التي! ... إن تحصلها تنل كل مراد!
(1/17)

كشاف
ألقيت بملعب "بولغين " وأهديت إلى كشافة "لودادا" هناك، ونشرت بالعدد الثالث من البصائر في سلسلتها الثانية.

"كشاف " يا ابن الطبيعة ... وابن الحقول البديعه
كن للبلاد دليل ... كن في الجهاد طليعه
كن للجزائرعينا ... ترى وأذنا سميعه!
خصومها لم يزالوا ... يبيتون الخديعه!
صل حبل كل إخاء ... واقطع حبال القطيعه
أعد بغر المساعي! ... لابن البلاد ربيعه
أنهض أماني شعب! ... غدت مناه صريعه
وخذ له غير وان! ... حق الحياة جميعه
الفجر أبدى سناه! ... لمجده ليذيعه!
لا يدرك المجد إلا ... ساع خطاه سريعه!
ومن ونسى فمناه! ... مثل السراب بقيعه!
كشاف أنت مثال! ... من الخلال الرفيعه
لك النشاط شعار ... والجد فيك طبيعه
وفيك حلم وعطف ... على النفوس الوجيعه
وفيك رقة طبع ... والصبر عند الفجيعه!
(1/18)

تهوى الجمال بريئا ... تهوى الحياة وديعه
تهوى النسيم يحيي ... ذرى الجبال المنيعه
"كشاف" ماضيك خصب ... أوصيك أن لا تضيعه
(1/19)

إلى الشاعر! *
قال لي الشيخ "محمد البشير الإبراهيمي ": إن محمد العيد قد سكت، وقد كتبت إليه مرات كثيرة ليعود إلى الشعر فلم يجب " فقلت له: "إن محمد العيد الذي لا ينطق إلا بالشعر لا ينطقه إلا الشعر، فدعني له أحرك شاعريته بالشعر، فكتبت إليه على صفحات الجريدة هذه القصيدة فلما قرأها كتب إلى الشيخ ... يقول: هذا صوت يجب أن يجاب، وعاد إلى الشعر وبعث إلى الجريدة بالقصيدة التي مطلعها: "هيجت وجدي يا حمام "، جوابا على قيصيدتي:
إلى البلبل الذي ملأ جو الجزائر تغريدا شجيا ساحرا،
إلى الوتر الذي أسمع الدنيا أناشيد الحرية والبطولة والمجد،
إلى الشاعر الذي سكت،
إلى الرفيق الذي حجب وجهه وصوته
إلى شاعر الجزائر العظيم الشيخ "محمد العيد":

شاعر الضاد والحمى ما دهاكا ... فحرمت النهى ثمار نهاك؟
ما الذي أسكت الهزار عن ... التغريد يا ملهمي جعلت فداكا؟.
ما الذي عاق يا أخا الوحي ... والإلهام عن أن تبثنا شكواكا!؟
كنث كالطائر الصدوح فما ... تنفك يوما مرددا نجواكا!.
كنت لا تستطيع صبراعن الشعر فمن ذا بهجره أغراكا؟
كان نجواك، كان سلواك ... إن نابك خطب وفي الهوى ليلاكا
__________
*- نشرت بعدد 61 من البصائر السلسلة الثانية بتاريخ 8 صفر عام 7631 للهجرة.
(1/20)

كان دنياك كلها كيف لم ... تشغلك عن كل شاغل دنياك!
قد خلت من صداك أندية ... الشعر وملء الوجود كان صداكا
عجبا تستبيح صمتك يوما ... ويد البغي تستبيح حماكا!
أيطيب السكوت والضاد في ... شدة أسر لم تلق منه فكاكا؟
أإذا طاف بالجزائر ما حرك ... حتى الجماد طاب كراكا؟!
أإذا أوشكت بلادك أن ... تجني ثمارالمنى قطعت مناكا؟
كان حب الحمى هواك فلما ... جد جد الحمى تركت هواكا!
شبها ثورة على الظلم وابعثها ... حروبا على الطغاة دراكا!
قد شباب الحمى إلى المجد والعلياء ... وأحثث إلى الجهاد خطاكا
ولتسجل لابن الجزائر سفرا! ... من فخار وسؤدد يمناكا!
ولترتل في مسمع الدهر إنشادك ... سحرا يغري النهى شفتاك
قدم الشعر رافقت قدم ... الوحي فقم بث بالقريض هداكا
عد كما كنت شاديا فلماذا قد ... حرمت الأسماع سحر غناكا؟
(1/21)

وهذه قصيدة الشيخ محمد العيد:
هيجت وجدي
ناحت عليك سواجع الاطيار ... مذ أسكتتك فواجع الأغيار
وتساءل الاصحاب عنك فكلهم ... متطلعون لأصدق الأخبار
من لي بإقناع الرفاق فإنهم ... لم يقنعوا بقواطع الأعذار؟
لم يبق لي في الشعر غير بضاعة ... قد لا تروج بمعرض الأفكار
هيجت وجدى يا حمام بنغمة ... علوية اللهوات والأوتار
هب لي هوى كهوى الشبيبة يانعا ... أقضي به ما رمت من اوطار
ولي عن الصبوات عزمي مدبرا ... ونبا عن الندوات والأشعار
وعدلت متئد الخطى عن رحلة ... في طيها استهدفت للأخطار
وفقدت فيها المسعفين فلم اجد ... سلوى سوى التسليم للأقدار
وجنحت للحرم الذي فارقته ... زمنا جنوح الطير للأوكار
فاهتف بلحنك يا حمام ونل به ... ما ناله داوود بالمزمار
وابلغ به ما انت اهل بلوغه ... من فتنة الأسماع والأبصار
مهما شدوت أملت أغصان النقا ... وأجبت بالتصفيق في الأنهار
وهفت لك الاكباد في أحشائها ... مشدوهة من لحنك السحار
(1/22)

في كونك المعطار كون منصت ... فانشر صداك بروضك المعطار
واقصر مداك فذو السهام وإن غفا ... مترصدا ابدا لذى المنقار
لا تلحني في الصمت اني أرتئي ... أن الضمير أحق بالإضمار
أما الحمى فهواه بين جوانحي ... يرغى ويزبد زاخر التيار
متدفقا كالموج لكن صنته ... عن شاطئ الحمات والأكدار
إن الذي هو مضغة لحمية ... خلق يفوق البحر في الأغوار
علق السماء وهام في عليائها ... متنقلا كالكوكب السيار
القلب بيت الله فهو منزه ... عن ان تطيف به يد (استعمار)
ولرب مغض بات في إغضائه ... يقضان يرعى النجم في الأسحار
ويسامر الدنيا فما يدري امرؤ ... ما دار بينهما من الأسمار
ويح ابن ادم من عواقب بغيه ... وولوعه بالعيث والإضرار
ووثوقه بالنفس وهي كحية ... رقطاء فيه خفية الأجحار
ورضاه في الأعمال عن حسناته ... ولعل أكثرها من الأوزار
وتراه يلهج بالعزائم وهو في ... أيدي الضروف يدار (كالبركار)
ويح العباد من العباد فجلهم ... في نفرة أبدا وفي استنفار
مثل الوحوش وما تسلحهم سوى ... بدع من الأنياب والأضفار
من أفدح الأشرار أن يقضى على ... حرم الإلاه بغارة الأشرار
(1/23)

إن الذي زعم العدالة شرعة ... آذى (الائمة) في رضى (الأحبار)
ودهى العمومة في وشائج نسلها ... وسطى على الأجوار بالإجوار
وأحل بالقانون جرما فادحا ... وأذل دين الله للدينار
قل لابن صهيون اغتررت فلا تجر ... إن ابن يعرب ناهض للثار!
أعرضت عن خطط السلام موليا ... فوقعت منها في خطوط النار
لا تحسبن بأن صبحك طالع ... فالبدر ويحك خاح للسار
سترى امانيك التي شيدتها ... منهارة مع ركنك المنهار
القدس لابن القدس لا لمشرد ... متصهين ومهاجر غدار
يا لجنة التقسيم حدت عن الهدى ... وسخرت منه فبؤت بالإنكار
(1/24)

جمعية العلماء أدت رسالتها
ألقيت في الاجتماع العام (لجمعية العلماء) بقاعة "الماجستيك".
الأطلس- ونشرت بالبصائر في 18 ذي القعدة الحرام 1366 للهجرة.

هذى الجزائر- لا خابت أمانيها- ... قد وحدتها جراحات تعانيها
الظلم أيقظ أهلها بها وبنى ... من ضعفها قوة لا العدل بانيها
وليس كالظلم يجدو أمة قعدت ... عن العلا وببث العزم وانيها
فهات من شعرك العذب الجميل ... وصغ أغنية لشجي النفس عانيها!
هات القوافي التي تزجي بسامعها ... إلى الفداء وتغريه أغانيها!
هات الأغانى التي ألفاظها قبس ... من الحياة والهام معانيها!
غن الجزائر أنغاما سماوية ... حتى تميد بها سكرا معانيها
غن الجزائر واهتف للألى وقفوا ... في وجه كل مغير من أعاديها!
واذكر جهود حماة الضاد إنهم ... صانوا حماها وذادوا عن مباديها
يهنى "الجزائر" أن هبت كعاصفة، ... تبني المعالي ولبت صوت داعيها
هبت مؤيدة بالله معلنة، ... جهادها بعدما قد قام ناعيها
تقودها لأمانيها وغايتها، ... "جمعية العلما"جلت مساعيها
"جمعية العلما" أدت رسالتها، ... رغم العوادي ولم تبرح تؤديها!
لم تأل جهدا ولم تخضع لطاغية، ... ولم تضق بأذى ممن يعاديها
(1/25)

بوركت يا دار!
ألقيت في حفلة افتتاح "دار العلماء"- المركز العام- ونشرت بالعدد "54"
بالبصائر، في 22 ذى الحجة الحرام عام 1367 للهجرة.

بوركت يا دار لاحت لك أكدار! ... فأنت معقل جنلى العلم يا دار
قد كنت حلما جميلا رف طائره ... بالوهم حتى اجتلتك اليوم أنظار
قد كنت واجب شعب هب مندفعا ... كالسيل تحدوه للأوطان أوطار
قد كنت حاجة نفس للعلا طمحت ... فحققت حاجة في النفس أقدار
قد كنت فكرة بناء لأمته ... واليوم أنت بناء ليس ينهار
وهكذا العزم لا تثنيه عادية ... عن المضي ولا يطفيه إعصار!
عزم "البشير" أحال الضعف عاصفة ... والعزم كالسيف للأخطار بتار
"جمعية العلماء" اليوم إن طفرت ... نشوى فكم نالها من قبل أكدار!
قد هزها من وناها واستقل بها ... نسر تعود خوض الجو جبار!
فاليوم نستقبل الدنيا بأفئدة ... شعت بها من أماني المجد أنوار
واليوم نهتف بالبشرى مرددة ... نشيدها الحلو أرجاء وأقطار
واليوم نفرغ للأعمال في ثقة ... والكل للكل أعوان وأنصار!
نمضي لتحقيق غايات مقدسة ... فيها يحاربنا باغ وغدار
سلاحنا الحق والإيمان قائدنا ... وجندنا الصبر لا يعروه إدبار
"جمعية العلماء" اليوم قد وجدت ... أداتها فلتسر لم تبق أعذار
(1/26)

فجر الحياة بدا في الأفق مؤتلقا ... تهفو قلوب لمرآه وأبصار!
يا دار فيك جمال الفن قد ظهرت ... آياته كل جزء فيه آثار!
وشى مبانيك فن من بنيك سما ... كما توشي حواشي الروض أزهار
يا دار يهنيك ما تجنيه من ثمر! ... فيك البلاد وللأعمال أثمار
يا دار فيك تعيد الضاد عزتها ... وكل قلب به للضاد إكبار!
وفيك يبعث ماض طالما حييت ... على مجانيه أجيال وأعصار
وتستعاد عكاظ فيك ثانية ... بها تدوي أناشيد وأشعار
تفديك دور لغير الهدم ما بنيت ... بل تفتديك من الأسواء أعمار
يفديك جيران سوء منك أكمدهم ... جيش من السادة الأحرار جرار
غصوا بهم حنقا منهم ولا عجب ... ليسوا بأول جيران لنا جاروا
يا فتية الضاد حان الوقت فاطرحوا ... هذا الونى وانهضوا فالناس قد طاروا
سيرواعلى نهج آباء لكم سلفوا ... فإنهم في طريق المجد قد ساروا
شقوا الزحام إلى العلياء واقتحموا ... أخطارها إنما العلياء أخطار
اسعوا لتحيوا حياة العز أو فردوا ... حوض الردى فالردى يمحى به العار
أرواح آبائكم في الخلد قد هتفت ... تحرووا فجميع الناس أحرار
(1/27)

الصحراء! *
أصحراء أنت الكون بل أنت أكبر ... ومرآك في عيني أبهى وأبهر!
بلى أنت دنيا لا تحد على المدى ... إذا كانت الدنيا تحد وتحصر!
بلى أنت دنيا من هناء وغبطة ... وصفو على الأيام لا يتكدر!
بلى أنت دنيا الوحي والشعر والحجى ... فقلبي نشوان بحبك يطفر!
إذا بجمال البحر قد هام معشر ... وأعجبهم منه محاسن تذكر
أهيم بمعنى فيك مهما اجتليته ... تبدى لعيني دونه البحر يزخر
وإن شاقهم منه هدير مرجع، ... فصمتك ذو صوت بأذني يهدر
وإن سكن الناس المدائن إنني ... لجأت إلى سكنى بحضنيك يؤثر
وكيف أرى سكنى المدائن بعدما ... رأيت بها ما يستذم وينكر
نفاق على كل الوجوه مخيم ... وبغض على كل الجباه مسطر
وفوضى على رغم ادعاء حضارة ... بها لم تدع شيئا يحب ويقدر
وسعي وراء العيش ليس بمنته ... وهم على تحصيله ليس يفتر!
__________
* نشرت بالبصائر في 13 ذي الحجة الحرام 1366 للهجرة.
(1/28)

وإن قيل: في الصحراء جدب ووحشة ... وحر غدت نيرانه تتسعر!
ففيها جلال يبهر العين شخصه ... ولكن قليل من بمعناه يشعر
وفي أرضها شب الرسول محمد ... ومن أفقها انبث الهدى يتفجر
أصحراء ضميني إليك فإنني! ... -وحقك- من سكنى المدائن أضجر
أنا ابنك قد لقيت حبك ناشئا ... وإني على ذا الحب لا أتغير
وشاعرك الباني علاك ومن غدا ... بمجدك في الدنيا يتيه ويفخر!!
(1/29)

منجاة البحر! * (1)
هكذا قلت في الصحراء عندنا كنت أسكن الصحراء فلما انتقلت إلى الجزائر" العاصمة" وسكنت بحي "بولوغين"- سانت أوجين- قريبا من البحر لقيني صديقي الشاعر الشيخ محمد العيد فقال لي: من حق البحر عليك وقد أصبح جارك أن تقول فيه شيئا، حي الله الشيخ العيد فما أرق شعوره أنه يذكرنا بحق الجوار حتى مع البحر.
ولم تطل ساعة الاستجابة فقد أتيته في اليوم التالي وقلت له: "إن جار البحر قال في جاره شيئا"، وقرأت عليه القصيدة التالية:

ماذا بنفسك قد ألم ... يا أيها البحرالخضم
نام الخلائق كلهم ... وبقيت وحدك لم تنم
فالكون في صمت عميق ... غير صوتك فهو لم ...
والجو مؤتلق وفي ... جنباته البدر ابتسم
وأرى العبوس على محياك ... الجليل قد ارتسم
وأرى أنينك صارخا ... كالرعد دوى في الأكم
وأراك كالمشفى يضج ... من النسيم إذا ألم
فكأن موجك وهو ... يعثر بالصخور إذا اصطدم
دمع جرى من موجع ... فقد التصبر فانسجم!
يا بحر ما هذى الشكاة ... ألست توصف بالعظم؟
ماذا التبرم بالحياة ... كأنما أشجاك هم؟
*- نشرت بالبصائر والشهاب.
(1/30)

أتضيق ذرعا كابن ... آدم بالوجود وما انتظم؟
ومن المعمر إذ طغى ... كم أباد وكم هدم؟
أتضج من شرف يداس ... ومن المسيطر إذ ظلم!
إتضج من حر يهان ... ومن حقوق تهتضم؟
أتضج من جار يجود ... ومن وضيع يحترم؟
أتضج من عبث السياسة ... ومن أخ خان الذمم
إني حيالك واقف ... فكرت فيك فلم أنم!
وسئمت من أرقي فجئت ... إليك أطرح السأم!
فلعل منظرك الجميل ... يذود عن قلبي الألم
وسماء وحي للأديب ... حويت لمجتليك وكم حكم!
كم قد طويت من القرون ... وكم محوت من الأمم
كم قد حويت من الرفات ... وكم ضممت من الرمم
أفأنت تاريخ تضمن ... ما جرى منذ القدم؟
دم مسترادا للحزين ... وسلوة لذوي الألم
وسماء وحي للأديب ... ومجتلى حسنا أتم!
(1/31)

مناجاة البحر! (2)
وقد كان لقربي من البحر ومجاورتي اياه أثر عميق في نفسي إلى درجة أنه جعلني أشعر بأنني بقرب صديق أطارحه الحديث وافضي إليه بذات نفسي وأسأله عن ذات نفسه وكثيرا ما أوثره على الأصدقاء الذين لا تربط بينهم إلا مصالح مادية تافهة وأخصه،- من غير ملق- بكل ثنات واعجاب.
ففي ذات أمسية ساحرة حالمة من أمسيات الصيف جلست إليه على صخرة مرتفعة تداعبها الامواج الرقيقة الرخية من كل جهة، وجعلت أتأمله وأحدوا نظري فيه غير شاعر بمن حولي وإذا بي أقول، كأنني أنطر في صحيفة:

يا صامتا يتكلم ... وضاحكا يتألم!
ويا خطيبا بليغا ... ومعربا وهو أعجم!
ومانحا كل سر ... لشاعر يترنم!
لكنه عن سواه ... بسيره يتكتم!
يا راضيا مطمئنا ... وساخطا يتبرم
ويا حليما وقورا، ... وثائرا ليس يرحم
يا شاديا يتغنى! ... وشاكيا يتظلم
يا مودعا كل لغز ... يا حاويا كل مبهم
حتى كأنك لوح! ... فيه الحقائق ترسم
يا بحر يا خير دنيا ... فيها الجمال تجسم
هذي قلوب صوادى ... على ضفافك حوم
(1/32)

مطيفة بك كادت ... من شوقها تتحطم
يا بحر يا إلف روحي ... وأنسها حين تسأم
نجواك دنيا خيالي ... إذا دجا الليل خيم
ففي هديك شعر ... به النسيم ترنم
وفي صفائك سحر ... كأنه سحر مبسم
وفي هدوئك سر ... من الحقيقة أعظم
يا بحر حسبك أني ... بكل ما فيك مغرم
فأنت للشعر وحي ... وأنت للحزن بلسم
(1/33)

أغنية بجرية!
واشتد الحر يوما بدرجة مفزعة فهرع الناس إلى البحر زرافات ووحدانا شيبا وشبابا رجالا ونساء ولفت نظري من بين هذه الجموع المتراصة والمتدافعة إلأى الأمواج كالأمواج منظر اسراب الأطفال الصغار وهم يتواثبون على رمال الشاطئ بثيابهم المزركشة كالعصافير الملونة فاستولى على نفسي هذا المنظر الساحر والمشهد الرائع ولم أشعر إلا بكلمات هذه الأغنية تجري على لساني وتنساب من بين شفتي:

يا بحر يا رمز الجمال الساحر ... ومهبط الوحي لقلب الشاعر
ومطمح الأنظار والمشاعر ... ومفزع الناس لدى الهواجر
تفديك أرواح إليك تهفو
إن أقبل الصيف وهاج الحر! ... ومسنا من الحرور ضر!
وعيل من لفح الهجير الصير! ... فليس نطفي ناره يا بحر!
إلا بماء فيك لا يجف
هذى الوجوه الغضة اللطاف ... طاب لها من حولك المطاف
لها إلى جمالك انعطاف ... وما لها عن حبك انحراف
لم يرضها غير هواك إلف
تغشاك أسراب من الولدان ... نضوا ثيابهم عن الأبدان
ونشطوا للعلوم كالحيتان ... فظهروا حولك كالأغصان
بروضة جميلة تحف
(1/34)

لك محيا رائع جليل! ... ومنظر محبب جميل.
فيك نسيم بارد عليل ... يطيب فيك الصبح والأصيل
وفيك لطف في الدجى وظرف
إنا لزمنا العوم فيك دوما ... وأي نفس لا تحب العوما
لا نستطيع الصبر عنك يوما ... ولا نلذ راحة أو نوما!
إذا لم نجد خلا سواك يصفو
وكنت يوما راكبا "الترام"، الذي يمر على شاطئ البحر وكان معي صديقي السيد العمري الذي أعجبه منظر البحر فقال لي: "ألا ترى البحر كيف يبتسم اليوم؟ وكنا قد تلقينا اذ ذاك خبر موت مرشد الكشافة الاسلامية الجزائرية السيد "محمد بوردس" الذي أعدمته السلطة الفرنسية في صباح ذلك اليوم فقلت على الفور:
البحر أبدى ابتساما ... لنا وزاد ابتهاجا!
ولو درى البحر شيئا ... مما درينا لهاجا!
ويذكرني هذا اليوم بيوم آخر أشد وقعا على النفس وهو أول يوم من الربيع أشرقت شمسه على الجزائر والسجون والمعتقلات ملأى بالوطنيين ومن مراكز التعذيب يسمع أناين المعذبين وفي كل بيت ثكل وفي كل عين دمع وفي كل قلب ألم واذا بي أقول هذا البيت كأنني أقرؤه في صحيفة:
أتضحك يا ربيع بملء فيكا ... ولم أر مقلة لم تبك فيكا؟
(1/35)

كفا حزنا!
وحينما كنت بالمعتقل "معتقل بطيوه- سان لو-" وكنت أسمع هدير البحر، فقد كان المعتقل قريبا من البحر وذكرت كيف كان البحر مجتلى ناظري في الصباح وفي المساء ومستحم جسمي في الليل وفي النهاو جاشت مشاعري بهذه الحسرة اللاذعة:

كفى حزنا أني قريب من البحر ... ولا أجتلي ما فيه من روعة السحر
أيصبح لي جارا قريبا ولا أرى ... محياه؟ ما لي عن محياه من صبر
إذا ما دجا ليلي سمعت هديره ... فيعصف بي شوق ينوء به صدري
فأقضي سواد الليل بالحزن والأسى ... إذا لج بي حزني لجأت إلى الشعر!
أأحرم مرأى البحر وهو مجاوري ... وقد عشت دهرا مسكني شاطئ للبحر؟
أطارحه شجوى وأشكوه لوعي ... وأستلهم الأمواج عن غامض السر
وأسبح فيه كي تزول لواعجي ... فلا ينطفي ما في الجوانح من جمر
فيا شعري هل درى البحر أنني ... مجاوره أم أنه لم يكن يدري؟
(1/36)

إلى جار بحر الروم!
يا جار بحر الروم هل من وقفة ... لك في مناجاة وفي استفهام؟
كشفت لفكرك ما يكن بصدره ... من زاخر الأحلام والآلام
فلئن أبى الإفصاح عن أسراره ... فسل الصخور أو العباب الطامي
ولئن أبى الكل الإجابة فارتفع ... نحو الهلال الشاعر البسام
فهو الذي يوليك سحر بيانه ... ما شئت من وحي ومن إلهام
له شعر قد شققت عبابه! ... بالروح والأفكار والأحلام
كالبحر في أسراره وجلاله! ... وجماله وعبابه المترامي
بسكرة: أبو بكر رحمون
(1/37)

البحر حسبي (1)
البحر حسبي- أبا بكر- مناجاة ... وحسبه بأغاريدي مناغاتا!
وجدت فيه لآمالي مشابهة ... كما وجدت لآلامي مواساتا!
يروقني منه- إن أبصرته- عظم ... أرى به الكون لا يدنو محاكاتا!
دنيا تتيه على الدنيا بما وسعت ... قد احتوت من فنون الحسن اشتاتا
كم وقفة لا على شطيه أنشده ... شعرا وأشكوه من دنياي أعناتا
ألقي إليه أغاريدي فتسكبها ... هوادر الموج أنغاما وأصواتا
وكم تيممته والليل قد سترت ... أثوابه السود أحياء وأمواتا!
أفضى إليه بهم ذاد لا عجه ... نومي فأفلت من عيني افلاتا!
والبحر خير صديق ما شكوت له ... إلا وأولاك إصغاء وإنصاتا
هناك أنسى جوى حزني بجانبه ... ولا أحس لأتعابي معاناتا
وهل أرى صاحبا كالبحر أوليه من ... صفو الوداد ويوليني مصافاتا؟
(1/38)

قسنطينة
مهداة إلى إخوان لي هناك
نظمتها خلال الايام التي قضيتها بقسنطينة لحضور جلسات المجلس الإداري "لجمعية العلماء" في أوائل ذي الحجة الحرام عام 1367 للهجرة، وكانت المرة الأولى التي أرى فيها قسنطينة ونشرت القصيدة بالبصائر عدد "53".

"قسنطينة" أني حللت بواديك ... فلله ما شاهدت من حسن "واديك "
كأن عليه الجسر بات مرابطا ... ليحرس هاتيك الربا من أعاديك!
ذكرت به "عبد الحميد" وبأسه ... وكيف تحدى كل هول ليفديك!
وكيف بنى صرح المكارم عاليا ... وهب لتشييد المكارم يدعوك!
وجهز جيشا للجهاد مسلحا! ... بعلم وللتحرير قاد عاش يحدوك!
قضى عمره للمكرمات مشيدا ... ومات وتشييد العلا من مآتيك
وتمم ما قد خط من أسس الهدى ... بنوك فهم من بعده خير بانيك
"فمعهده "الباقي على الدهر كاسمه ... يد- لا تحاكيها يد- من أياديك
"وناديك" أحسست ابن باديس ماثلا ... به ليته قد كان عاش "لناديك"!
ولكنه إن لم يعش فرفاقه! ... على نهجه يرعون ما قد رعى فيك
"قسنطينة" لله حسنك إنه ... ليوهم أن الخلد بعض مجاليك
وما حسن أرض غير أرضك إن يكن، ... سوى نفحة مرت بها من رواييك
ولله إخوان هناك عرفتهم ... عرفت بهم صدق الهوى بين أهليك
(1/39)

وشمت سجايا العرب فيهم صريحة! ... وأين سجايا العرب إن لم تكن فيك؟
وما عشت لا أنسى مجالس فتية ... عصامية أحيت مآثر ماضيك!
وواسطة العقد "البشير"متى يفه ... بمنطقه اهتزث سرورا نواديك!
يعيد لنا مجد البيان حديثه! ... ويحيى عهودا أشرقت من مغانيك
و"معهدك المعمور لله حسنه ... لقد كان طغرى الفن بين مبانيك
قسنطينة ان لم أزرك فإن لي ... فؤادا له شوق إليك يناجيك
ولكن حظي كان عنك يصدني ... ولو لم يعقني الحظ ما كنت أسلوك
(1/40)

يا بنات النيل
ألقيت في حفلة التكريم لمديرى الفرقة القومية المصرية للتمثيل "يوسف وهبي " و"زكي طليمات " بمركز "جمعية العلماء" بالجزائر العاصمة ونشرت بالبصائر عدد 108 في 3 جمادى الأولى 1369 للهجرة.

يا بنات النيل هل من نفحة ... من عبير النيل في أردانكم؟!
لي إلى مصر هوى يا ليتني! ... طائر يصدح في أفنانكم!
فأرى موطن "شوقي " وأرى ... نيله الموحي إلى حسانكم!
كل قلب للقاكم نابض! ... هزه الشوق إلى أوطانكم!
قد وعيتم حق إخوان لكم! ... وتذكرتم هوى جيرانكم!
أبلغوا إعجابنا مصر بما! ... بلغت في الفن من إحسانكم!
نحن لا ننسى لكم فضلكم! ... كيف ينسى الفضل من إخوانكم
إنما نشكو إليكم منكم! ... وحشة لم تخف عن أذهانكم
لم تغيبوا قط عن وجداننا ... كيف غبنا نحن عن وجدانكم
نحن نصلى نار حكم بلغت! ... منه شكوانا إلى آذانكم!
نحن في بلداننا في غربة! ... فتشوقنا إلى بلدانكم!
إننا نبني ولكن من يكن ... مثلنا يحتج إلى بنيانكم!
فأعيوننا على تحريرنا! ... تجدونا السيف في أيمانكم!
(1/41)

شوق إلى صديق كريم
راسلت بها الأخ "بوزيدي" الطاهر بن بلقاسم عندما غادرنا بالجزائر وذهب إلى بلده "برج طولقة" بعد أن عاد من منفاه "بجنين بورزق " بجنوب وهران:

قضى الله أن نشقى بتفريق شملنا ... فأسكنك الصحرا وأوطننا البحرا!
نفاك إليها قبل كرها فما اشتفى ... فساقك طوعا نحوها كرة أخرى
فقل لي: أأرض "زاب" أرضتك موطنا ... أم أنت بأرض "الزاب" لم تستط صبرا!؟
وهل بين أهل "البرح" ألفيت فتية ... سراعا إلى ما يكسب الحمد والفخرا؟
وهل فيهم من كاتب يسحر النهى! ... بآياته أو شاعر ينظم الدرا؟
وهل في شباب الزاب ذو وطنية ... يرى نهضة الأوطان غايته الكبرى؟
وهل فيهم من صادق الود مخلص ... لإخوانه لايعرف الختل والغدرا؟
فإنني لم أرض "لجزائر"موطنا ... وحقك إلا مرغم النفس مضطرا
ولا ملكت قلبي بروعة حسنها ... ولا بحرها الجذاب أنساني الصحرا
ولكن رأيت "الزاب" للضيم راضخا ... ومستسلما للبغي قد ألف القهرا
تمكن منه الخوف حتى حسبته! ... تجرد من إيمانه واكتسى كفرا
إلى أن رأينا "الزاب" للشيخ زوجة ... تزوجها كرها ولم يعطها مهرا
تزوج منها لاهيا ما بحبها! ... ويجعل بعد العسر من أمرنا يسرا
(1/42)

إذا ما شكت يوما له سوء عشرة ... بما نالني من زهد آبائه عذرا
فكيف يطيق الحر فيه إقامه ... أأمل فيه لو بقيت له خيرا
ففارقته والله يعلم أنني! ... أحس لذكراه على كبدي جمرا
ولا سيما نشء به قد تركته ... بربك يوما وهو يستعبد الحرا؟
فإن ناله مني جفاء فإن لي ... وسوء خلال منه أوسعها نهرا
فصبرا لعل الله يجمع شملنا ... ولكن ملا عندها ابتزه قسرا!
(1/43)

موكب الربيع
نشرت بالبصائر عدد 220 السنة الخامسة السلسلة الثانية في 20 جمادي الثانية عام 1372 للهجرة.

قد تجلى لنا محيا الربيع! ... رافلا في ثياب حسن
وتولى الشتاء يعثر في أذياله ... مسرع الخطى في الرجوع
كان ضيفا على النفوس ثقيلا ... لم تجد يوم بينه بدموع!
كان للبائسين سوط عذاب ... إذ تولى بغصة في الضلوع
كان في القلب غصة ما شعرنا ... وأداة للفتك والترويع!
كم طريح على الثرى مات ... جوعا ويتيم على الطريق صريع
لم يذوقوا طعم الهناء نهارا لم ... يذوقوا في الليل طعم الهجوع
زمهرير يفري الجلود مذيب ... وثلوج تأتي بإثر صقيع!
ورعود لها هزيم مريع ... ودوي يصم سمع السميع
ذاك جيش الشتاء ولى كسيرا ... مذ أطلت عليه شمس الربيع
وتجلت فالكون دنيا من السحر ... لمغرب بكل سحر ولوع!
فالعصافير رجعت كل لحن ... يسترق النفوس بالترجيع
حضرت مأتم الشتاء لتشفى ... من جراحات قلبها المفجوع
وثبت من مخابيء الدوح ... نشوى تتناغى بالشدو والترجيع
(1/44)

وعلى هامة الخمائل إكليل ... من الزهر محكم الترصيع!
والمروج الخضر تختال عجبا ... أثوابا حبتها بها أكف الربيع
والسهول اكتست من العشب ... والروابي ضواحك بالزروع!
وعبير الأزهار يعبق في الروض ... فتشفى به جل الوجيع
فزمان الربيع أغنية الدنيا ... والسحر في جميع الربوع
فشا البشر والطلاقة والنشوة ... وعيد الورى ومهوى القطيع
وجلاء القلوب من صدى ... الهم وسلوى الحزين والمفجوع
ونشيد الهوى وينبوع إلهام ... ووحي للشاعر المطبوع!
ايه! هل فيك يا ربيع انعتاق ... لبني الضاد من حياة الخضوع
هل يرى المسلمون فيك خلاصا ... من أسار مضن ورق فظيع
لك شهس طلوعها مستمر. هل ... لشمس لنا اختفت من طلوع؟
(1/45)

وداع الربيع
كانت أمسية جميلة ممتعة تلك التي ودعنا فيها الربيع الحبيب في ربض "بوزريعة" الجميل، عند صديق كريم وبصحبة كاتب وشاعر، هما الأستاذ إسماعيل العربي والأستاذ عبد الكريم العقون فإلى الإخوة الثلاثة أهدي هذه القصيدة:

أي سر فصل الربيع حواه ... فغزا كل ذي فؤاد هواه؟!
مجتلي للجمال والحب والشعر ... وعهد الصبا وطيب جناه
قد تجلى الفصول بين كبدر ... إن تجلى أخفى النجوم سناه
مثل عهد الشباب ولى سريعا ... أو كيوم اللقاء كان مداه
ليته لم يغب سريعا ليروى ... كل قلب من الجمال صداه
ليت كل الزمان كان ربيعا ... ليت الفصول كان فداه
مذ أطل اكتسى الزمان شبابا ... وازدهى الكون في بديع حلاه
وأقامت لها الطبيعة عرسا ... رن في مسمع الوجود صداه
فابتسام الزهور فيض سرور ... وغناء الطيور سحرغناه!
وحفيف الأوراق وسوسة الحلي ... وعرف الزهوو طيب شذاه
وتثني الأغصان رقص عذارى ... كلما نقل النسيم خطاه!
ومروج النبات والزهر بسط ... متى غرد الهزار حكاه ... !
أبدعت وشيه مغازلة الشمس ... كل سهل به بساط كساه ... !
(1/46)

وصفوف الأدواح تحكي عروشا ... وحاكت يد الغيوث سداه
وخرير الأنهار أنغام أوتار ... لم تعفر أمامهن جباه!!
كل ما في الربيع جالب أنس ... لأخى البؤس طارد لأساه!
فكأن الربيع بعث حياة! ... أو طبيب تأسو الجراح يداه
أو تباشير من منى أو ... أفانين نعيم لا تنتهي دنياه!!
يا مراد الأحلام يا مهبط ... الإلهام يا نفحة الخلود لقاه
يا مجالي الصفاء والأنس يا ... مهوي نفوس القطيع يا مرعاه!
يا مثار الإحساس للشاعر ... الشادي ومرمى أنظاره وعزاه
إن تغب فانتظار قلبي للقياك ... ولو بعد طول عهد مناه
نشرت بمجلة "إفريقية الشمالية"
(1/47)

ثورة الطبيعة، أو الخريف يودع
حال لون الرياض بعد ازدهار ... وتمشي الذبول في الأزهار
وبدت وحشة الخمائل لما، ... فارقتها سواجع الأطيار
وتعرى وجه البسيطة مما ... كان يكسوه من حلى النوار
وعرا صفحة السماء عبوس! ... فهي ترمي من غيظها بشرار
وتفشي الشحوب في ورق الغصن ... وجفت نضارة الأشجار
تلكم ثورة الطبيعة قد ... ذادت عن الكائنات كل قرار
إنها الثورة التي تنذر الكون ... بأن الخريف في إدبار!
إنها طلعة "الشتاء" وما اسمج ... مرآه الشتاء في الأنظار
إن مرآه كالشجى في حلوق الناس ... أو كالقذى على الأشفار
يا زمانا مضى سريعا وولى ... بأماني للنفوس كبار!
فيك أنس الأديب إن ضاق ... بالناس وسلوانه من الأكدار!
فيك للشاعر الذي ينشد الحسن ... مثال من ورقة الأشعار!
فيك للموجع الحزين جلاء ... النفس مما تشكوه من أضرار!
فسلام حتى تعود إلينا، ... بعد عام فنحن في الانتظار
نشرت في البصائر
(1/48)

يا زهرة!
يا زهرة هي ملهى ... لأنفس مكروبه!
وسلوة لشجى ... تذود عنه خطوبه
أفديك همزة وصل ... بين القلوب الكئيبه
أفديك قطرة غيث ... على العقول الجديبه
أفديك مبعت أنس ... لكن نفس حبيبه
لكنما فيك ذكرى ... بغيضة مرهوبه!
ذكرى الشباب المفدي ... يذوى ويبدي شحوبه
تقضى عليه سريعا ... آجالنا المكتوبه!
نشرت في البصائر
(1/49)

أشتاء ذا أم الصيف أظلا؟
يوم من أيام الشتاء أشرقت شمسه دافئة حارة منعشة! كأنه فر من أيام الصيف أو انفلت من موكب الربيع مما أوحى إلي بالقطعة التالية:

أشتاء ذا أم الصيف أظلا ... فتجلى البشر واليأس تولى
بث في الجو سريعا دفئه ... أم ربيع بمحياه أطلا؟!
يا له يوما تناسينا به ... ما دهى من عنت الدهر وجلا
شمسه أنحت على البرد فلم ... تبق للبرد ولا للثلج ظلا!
هزمت كل سحاب فانجلى ... ومحت كل ضباب فاضمحلا
وتناسى كل عار همه ... وانتشى كل فقير وتسلى
حبذا الشمس حياة وسنى ... وعزاء لأخي البؤس وظلا
نشرت بعدد 25 من البصائر، في 19 ربيع الثاني 1367 للهجرة.
(1/50)

متى يبدأ الربيع؟!
عصافير هذى الرياض اصدحي
وغني نشيد المنى وافرحي،
وعبي رحيق الهوى وامرحي،
فإنك في مهرجان الربيع
ففي مهرجان الربيع الجديد!
يطيب الغناء ويحلو النشيد!
فغني بكل نشيد بديع
فإنك في مهرجان الربيع
أقيمي على الشدو ولا تفتري
وطوفي على الأرج المسكر
وطيري إلى كل أوج رفيع
فإنك في مهرجان الربيع
سئمنا حياة الأسى والألم
فغني لننسى دبيب السأم
وننسى أسانا المرير الفظيع
فإنك في مهرجان الربيع
(1/51)

ألا تبصرين ابتسام الزهر؟
ألا تشعرين برقص الشجر؟
فإن لم تغني لقلب صريع،
فغني احتفالا بعيد الربيع
ولكن ألا تسمعين الصراخ؟
لهدم البيت ليتم الفراخ
لخطب مريع لموت ذريع
فكيف تغنين لحن الربيع؟
وذا بلبل طار من وكره!
وفر لينجو من أسر!
فلم يبق أي ملاذ منيع!
فكيف تقيمين عيد الربيع؟
إذا ما انجلت غمرات الخطوب
وحل السلام محل الحروب
فلا من دموع ولا من نجيع
هنالك يبدأ عيد الربيع
(1/52)

منظر!
يا له منظر كسا الكون سحرا ... وسرى في شعاب نفسي عطرا
ومشى في دمي حياة وفكرا! ... وجرى في فمي خيالا وشعرا
**
قد صفا الجو من سناه وأشرق ... وأديم السماء فيه ترقرق!
فكأن السماء نص تدفق! ... وعليه الهلال يطفو كزورق!
**
ضوا الليل والنهار استنارا، ... فكأن الدجى استحال نهارا
فشخصنا نحو السماء حيارى ... ننشدا الليل أين ولى وسارا
وإذا بالهلال فيها تجلى! ... برداء من سحره قد تحلى ...
قال: تدورون بالدحى أين ولى؟ ... قد توارى مني حيا واضمحلا
(1/53)

أيها الطود!
إن أعظم ما تبرر فيه عظمة الكون ويتجلى فيه جمال الطبيعة: البحر والصحراء والجبل.
وقد تقدم خلال قصائد هذا الديوان وصف البحر والصحراء.
وهذه قصيدة في عظمة الجبل خاطب فيها الشاعر جبل (الضاية) - بوسوى- من وراء قضبان المعتقل إبان حرب التحرير:

أيها الواقف المطل على ... الدنيا برأس متوج بالإباء!
يتحدى الردى ويهزأ ... بالإعصار والعاصفات والأنواء
لا يبالي صرف الليالي ... ولا يحفل بالحادثاث والأرزاء
أيها الطود ليت لي منك ما ... أوتيته من مناعة واعتلاء!
ليتني كنت- أيها الطود- حرا ... من قيود قد حطمت كبريائي
ليتني كنت منك قطعة صخر ... لا تحس الغرور في الأدعياء
وإذا ما الرياح مرت عليها ... رمقتها بنظرة استهزاء!
ليتني كنت منك حبة رمل تتهادى في حلة من ضياء!
وتلاقي غذاءها من ندى ... الفجر ومن صيب الحيا والهواء
وتغنى الأثير بالهمس لحنا ... أزلي الأنغام والأصداء
ليتني كنت منك- يا طود- ... جزءا مستقرا في القمة الشماء!
ليتني كنت لا أبالي بما يجري ... حوالي من ضروب البلاء
(1/54)

أيها الطود أيها الجبل ... الموحي جلال الخلود للشعراء
أيها المارد الذي يتحدى ... كل هول بالتيه والخيلاء!
أيها القوة الكبيرة يا نبع ... قصدي ويا معين غنائي
أنا في هذه الحياة شقي ضاق ... ذرعا بما بها من شقاء
أنا فيها عبد لأطماع ... نفسي مستذل لسلطة الأهواء
أنا نهب لكل داء ومرمى كل ... سهم من نافذات القضاء
فامنحيني منك الثبات فآلام ... جروحي قد مزقت أحشائي
وهبيني من قوة الروح ما ... أسمو به فوق هذه الأدواء
من ذراك المنيعة ابثق النور ... على التائهين في الظلماء
وتوالي الهتاف بالخطة المثلى ... من الثائرين والأنبياء
لم تزل مبعث الرسالات والثورات ... مثوى الأبطال والزعماء
أيها الطود قد بثثتك آلامي ... فهل أنت سامع لندائي؟
(1/55)

الثلج!
ماذا أرى فوق الجبال ... كأنه الثوب القشيب؟
ماذا أراه من البياض ... كأنه الشيب المهيب؟
عجبا أرى! حتى الجبال ... الشم يدركها المشيب!
أم ذاك موج البحر يكسو ... غارب الطود السليب
عجبا أيعلو الموج حتى ... ذروة الجبل الرهيب!
أم ذاك زهر الأقحوان ... كأنه الثغر الشنيب!
كلا فإنا في الشتاء الجهم ... في الفصل الجديب!
ما ثم من زهر ولا ... عشب ولا مرعى خصيب؟!
أفما سمعت الطير يعلن ... مأتم الكون الكئيب؟!
أو ما رأيت الغيث ... يبكي والرياح لها نحيب!
أفما تحس الموت في ... جسم الحياة له دبيب؟
ماذا البياض إذن- ككافور ... حكى خد الحبيب!؟
ألأن هذا الكون مات ... وذا له كفن وطيب؟!
لا فالحياة لها البقاء ... وغصنها أبدا رطيب!
وإذا نضت أثوابها ... فلكي تنام بلا وجيب!
ماذا البياض إذن- وماذا ... ثم من سر عجيب؟
لا سر يخفى ثم لا ... لغز ولا شيء غريب!
لا ما يدق ولا يشق ... على الغبي ولا الأريب
(1/56)

ما ثم إلا صورة للحسن ... ليس لها ضريب!
ما ثم إلا بسمة ... الأقدار للأمل القريب!
ذاك ابتسام الثلج ... يوحى بالروائع للأديب
(1/57)

زهرات!
زهرات تبسمت في حبور ... لانتصار السنا على الديجور
وأشارت إلى الصباح تحييه ... تحايا المظفر المنصور!
بعبير طوت عليه حناياها ... وباحت بسره للطيور
فهي تشدو بكل لحن شجي ... في انتشاء كالشارب المخمور
وتناجي الزهورنجوى محب ... مستهام متيم مهجور!
زهرات كأنهن العذارى ... في خدود تضمخت بالعطور
وثغور تبسمت في ازدهاء ... أي سحر مثل ابتسام الزهور؟
وعيون تحيي القلوب وترديها ... بما في جفونها من فتور
وقدود تميس تيها إذا ما الريح ... مرت بذيلها المجرور!
وإذا ما الفراش خف إلى أحضانها ... هائما بخمر الثغور!
زهرات نمت حيالي مثالا ... من جمال وألفة وسرور!
سوف أرعاك -يا زهور- كجارات ... حسان من كل باغ غدور
وأناجيك في صباحي وإمسائي ... وعند الضحى وعند البكرور
وإذا لم يكن جمالك يصبي ... كل قلب، لا تغضبي لا تثوري
كم نفوس تسعى بغير حياة ... وقلوب تحيا بغير شعور!
(1/58)

شجرة!
شجرة ناضرة مخضره ... إلى النفوس تبعث المسره
قامت حيال غرفتي في "المعتقل " ... مختالة كأنها طيف الأمل
ذات قوام فارع جذاب! ... يأخذ بالأبصار والألباب
أغصانها كأذرع الحسان ... تهم بالضم والاحتضان
لا غرو إن هام بها النسيم ... فمثله بمثلها يهيم!
أوراقها مثل صغار الطير ... منظرها يطرد كل ضير!
لذا أوت أسرابها إليها ... وأودعت أفراخها لديها
والشمس من عشق لها لما تزل ... تغمرها -كل صباح-بالقبل
والناس قد تفيؤوا ظلالها ... والشعراء استلهموا جمالها
سلمت- يا شجرتي- من الغير ... ولا عراك سقم ولا كبر!
ولارميت بشقاء الغربه ... فقد لقيت منه كل كربه
(1/59)

أسيرة الطير
يا أسرة الطير مرحى ... شيدت للبر صرحا!
أذهبت عن كل قلب! ... بسحر صوتك برحا!
كل النفوس الحزانى ... غدت بشدوك فرحى!
لا سيما نفس حر! ... بصدمة الظلم قرحى!
يبيت يشكو أساه ... ويشرح الهم شرحا!
داوي بشدوك نفسا ... بأسهم البيان جرحى!
فإن شفيت جروحي ... هتفت: يا طير مرحى!
(1/60)

ابنتاي
من مناغاة الطفولة
تبوأتما مهجتي يا ابنتيا! ... ولازم طيفاكما مقلتيا
أرى البيت روضا بشخصيكما ... وإن غبتما كان سجنا عليا
وأسمع صوت الحياة الرخيم ... إذا مس صوتاكما مسمعيا
وأبصر شمسي جمال متى! ... يقابل وجهاكما ناظريا
متى عدت للبيت أقبلتما ... قطاتين خفاقتين إليا
تقبل إحداكما وجنتي ... وتلثم أخراكما شفتيا
وكلتاكما تتشبث بي! ... وتثني على عنقها ساعديا
أماشيكما كصديقين لي! ... وهل أنتما غير ذاك لديا
وأدخل للبيت في نشوة ... عظيم السرور بما في يديا
هنالك تسكن نفساكما! ... بقربي وتسكن نفسي مليا
وأنسى متاعب يومي فلا ... أحس بها بعد ذلك شيا
ويعقد ما بيننا مجلس! ... يعد مثالا من الود حيا
فما فيه من أثر للنفاق ... يشوه وجه الوداد الوضيا
وما فيه ذو هيبة في الخطاب ... ولا ثم تلفى لسانا عييا!
إذا فاه أصغرنا خلته! ... "وأن لم يبن " شاعرا عبقريا!
فما كالطفولة من بلسم ... لقلب غدا بالحياة شقيا!
ابنتي متعتما بالحياة! ولا زلتما إن دجت نجمتيا
__________
نشرت بعدد 214 من البصائر في 7 جمادي الأولى 1372 للهجرة.
(1/61)

أنا وابناي
الرسالة 15 فبراير 1937م
أوحى إلي بهذه القصيدة ما قرأته للشاعر "محمود غنيم "
من قصيدته في ابنيه وهذه هي القصيدة:

وأطيب ساع الحياة لديا! ... عشية أخلو إلى ولديا!
إذا أنا أقبلت يهتف باسمي ... الفطيم ويحبو الرضيع إليا!
فأجلس هذا إلى جانبي! وأجلس هذا على ركبتيا!
وأغزو الشتاء بموقد فحم! ... وأبسط من فوقه راحتيا
هنالك أنسى متاعب يومي ... كأني لم ألق في اليوم شيا
وأحسبني بين طفلي "شاها" ... وأحسب كوخي قصرا عليا
فكل طعام أراه لذيذا! ... وكل شراب أراه شهيا
وما حاجتي لغذاء وماء! ... بحسبي طفلاي زادا وريا
وأية نجوى كنجواي طفلي ... يقول: أبي وأقول: بنيا
ويا رب لغو يفوه الصبي ... به فيكون حديثا شجيا
وأفصح من أفصح الناس طفل ... أراد الكلام فكان عييا
هنا أستعيد قديم حياتي ... وأرجع أطوي الليالي طيا
فأنسى عذاري وأنسى وقاري ... وأحسب أني عدت صبيا
أيا ابني أحبب بما تتلفان! ... وأهون بما تكسران عليا
(1/62)

يصونكما الله من حادثات ... الزمان ويبقيكما لي مليا
ويكفيكما الله شر البكاء ... ويحفظ من وقعه أذنيا
أمن كبدي أنتما فلذتان ... أم أنتما حبتا مقلتيا؟
ألا ليت شعري أتمتد بي ... حياتي فأجني غرس يديا!؟
وأشهد طفلي ييفع ثم ... يشب ويصبح شهما أبيا!
أبوك امرؤ من رجال الكلام ... فكن أنت يا ابني امرأ عمليا
فما احتقر الناس إلا الأديب ... ولا احترم الناس إلا الثريا
(1/63)

عصفورة!
من حصاد السجن

عصفوة مرت على غرفتي ... تشدو بلحن ساحر النبرة
والناس صرعى النوم لم يفطنوا ... كأنهم- بالنوم- في سكرة!
مرت تغني فاستشارت جوى ... قليي وأشواقي لعصفورتي
عصفورة تشبهها روعة ... في الوثب والتغريد والصورة
عصفورتي إن جئت أرض الحمى ... وشمت بيتا قد حوى صبيتي!
كوني رسولا صادقا للتي ... تحية الطل إلى الزهرة!
قولي لها: لا تهلكي بالأسى ... ولا يذب قلبك بالحسرة!
وابتسمي -كالزهر- لا تعبسي ... واحتفلي بالعيد في غبطة
أبوك مازال حليف الوفاء ... حاشاه أن ينساك في الغربة
بوجهك السابح في طهره! ... يحلم في النوم وفي اليقظة!
وسوف تأتي ساعة الملتقى ... لا بد للغائب من أوبة!
(1/64)

أنت!
من حصاد السجن

أنت عبير الزهر في روضة ... أثملها الفجر بخمرالندى!
أنت عناء الطير في أيكة ... ترقص للطير إذا غردا
أنت رفيف القلب في قبلة ... منعشة تطفيئ حر الصدى!
أنت دبيب البرء في مهجة ... كادت تلاقي من أساها الردى
...
أنت أمان الأنفس الخائفه ... والهول يدنو من حماها خطاه
أنت خيالات رؤى سالفه ... ما بين إقبال وعز وجاه!
أنت وميض اللمحة الخاطفه ... من أمل حلو لذيذ جناه!
أنت ظلال الواحة الوارفه ... أوي إليه من هجير الحياه!
...
أنت جمال الكون في ناظري ... لولاك لم أبصر جمال الوجود
أنت أربح الخلد في خاطري ... لولاك لم أعرف معاني الخلود
أنت سماء الوحي للشاعر! ... ينهل منها كل معنى شرود
أنت لذيذ النوم للساهر ... قد ذاد عنه الهم طعم الهجود
(1/65)

أنت وجيب الحب في خافقي ... لولاك لم يعرف فؤادي الغرام
كصوفي في حبه صادق ... يهجر في الله جميع الأنام!
"يا فوز" لم تقض مني عاشق ... ولا انجلى ليل الخطوب الجسام
هل أبصرت عيناك من بارق ... يشفى فؤادينا بنيل المرام!؟
(1/66)

إلى ولدي: رجاء
من حصاد السجن

"يا رجاء" النفس يا أقصا مناها ... يا حبيب الروح يا كل هواها!
يا نشيد القلب في أفراحه ... يا حياة الحب يا طيب جناها!
يا عزائي في شقائي يا هدى ... مهجتي إن أظلم الخطب دجاها
يا رفيف الروض يا همس الربا! ... يا دنى الأحلام يا سحر رؤاها
يا جمال الزهر في رأد الضحى ... يا ندى الأسحار يا عطر شذاها
لا تدع حزنك يرديك فكم! ... قرب الحزن نفوسا من رداها
وتجلد فأمانينا على وشك ... أن يسطع في الأفق سناها
وستلقاني فتنسى كل ما! ... ذقت من حرب الليالي وأذاها
في بلاد سوف تغدو جنة ... تجد الأنفس فيها مشتهاها
فترقب فجر يوم مشرق ... ينجلي فيه عن النفس أساها
(1/67)

وقفة على نهر الرون
من ذكريات ما وراء البحار

أمامي جمال يروع النظر ... وما بفؤادي له من أثر!
جمال ولكنه زائف! ... لقبح وراء الجمال استتر!
كحسناء لكنها مومس ... رصيد الكمالات فيها هدر
ورقطاء ملمسها ناعم! ... ولكن بفيها هلاك البشر
فإني أحس لهذا الجمال ... بقلبي وخزا كوخز الإبر!
هنا أمة ظلمت أمتي! وسامت بنيها شقاء العمر
وساست حكومتها موطني ... بأنظمة تتحدى القدر
وعاشت مثالا لسلب الحقوق ... ووأد العقول وخنق الفكر
فثارت عليها جميع الشعوب ... ودارت عليها ضروب الغير
وباتت تقاسي المصير الوبيل ... ويفزعها الفشل المستمر
وللبغي عقبى انهيار الديار ... وهدم البلاد وطمس الأثر
إذا طفحت بالشرور النفوس ... فماذا يفيد جمال الصور!؟
(1/68)

إلى أولادي!
من حصاد السجن

ما يبن أولادي يقيم فؤادي! ... لا خير في عيش بلا أولاد!
أبني ما ذكر يمر بخاطري! ... لسواكم في يقظتي ورقادي
قد عشت ذكركم نجى مشاعري ... وغذاؤها في غربتي وبعادي
فارقتكم فإذا الحياة جميعها! ... في ناظري قد جللت بسواد
لكن فرقتكم يهون وقعها! ... إنني أفارقكم لأجل بلادي
الله يرعاكم إلى أن نلتقي! ... وننال بالتحرير كل مراد
(1/69)

إلى أبي
من حصاد السجن

حياتك كلها كانت كفاحا ... مريرا قد جنيت به النجاحا!
فكنت أبا مثاليا حكيما ... به نلت السعادة والفلاحا!
وكنت أخا كريما أريحيا ... يبادلني الفاكهة والمزاحا!
وكنت معلما يقظا تقيا ... يقلدني من التقوى سلاحا!
يعلمني المكارم والمعالي ... ويهديني الفضيلة والصلاحا
حنانك كان في بؤسي عزاء ... ورأيك كان في ليلي صباحا!
فتحت بصيرتي وأنرت نهجي ... فسرت إلى الكمال خطى فساحا
ويوم فقدت أمي كنت أمي ... تواسيني وتنسيني الجراحا
فليس أحق منك بصفو ودي ... ولا أولى احتراما وامتداحا
وإن قصرت في شكري وبري ... ففضلك يفحم اللسن الفصاحا
سألت الله أن تبقى وحسبي ... بقاؤك لي رجاء واقتراحا
ليحظى ناظري بسنا محيا ... مددت به إلى الجوزاء راحا
(1/70)

الإخوان بلسم الأحزان
من حصاد السجن
مهداة إلى الأخ الكريم الأستاذ إسماعيل إسماعيل
بمناسبة إلحاقه بنا إلى معتقل "بوسوى" القديم.

اصدحي يا بلابل الأدواح ... لعناق القلوب والأرواح!
أنشدي لطلوع نجم من الصحب ... نشيد السرور والارتياح
ينجلي الهم باجتماعي باخواني ... كما ينجلي الدجى بالصباح!
ليس كالأصدقاء في الخطب ... والأيام بالأصدقاء جد شحاح
ظفرت راحتي بإخوان صدق ... ووفاء كانوا أداة نجاحي!
بعد ما غاب "خالد" ... إسماعيل يأسو كآبتي وجراحي
وإذا كانت الحياة كفاحا ... فالصديق الكريم خير سلاحي
(1/71)

ربيع 1962م
على أثر إعلان الاستقلال
راسلت بهذه القصيدة، وأنا لاجيء في مدينة "سطيف " أحد الأصدقاء 1 في الجزائر- العاصمة- على إثر إعلان الاستقلال الذي زاد في ضراوة المنظمة السرية للمستوطنين الفرنسيين المسماة "الواس" وضاعف من وحشيتها وأصبحت "الجزائر" عبارة عن مجزرة رهيبة هوجاء.

جاء الربيع ومن أحب بعيد! ... ما للذي فقد الأحبة عيد!!
أحباب قلبي فرقتهم زعزع ... فبكل أرض لاجىء وشريد!!
تركوا "الجزائر" لا عقوقا إنما ... هجروا الحياة يسودها التهديد
والطير تهجر وكرها إن أبصرت ... من حولها رامي السهام يصيد!!
جاء الربيع ولم تزل أرض الحمى ... "بالنازلات الماحقات " تميد!!
والأفق موار الجوانب باللظى ... والهول يندر والبلاء شديد
وبكل مدرجة دم لمجاهد ... وأريح قبر قد ثواه شهيد!
وبكل نفس لوعة مجتاحة ... وبكل قلب للأسى ترديد!
يا إبن الأسى هل في ربيعك نفحة ... تشفي الأسى وإلى الحياة تعيد؟
هل في ربيعك ما يبشر بالمنى ... فيعود عهد للبلاد سعيد؟
عهد تكون به "الجزائر" حرة ... لا سيد من غيرها لا "سيد"
إني لأومن بانتصار كفاحنا ... ونجاح من حمل السلاح أكيد
فبلوغ الاستقلال صار عقيدة ... من شك فيه فإنه لبليد
إني لأنشق في الزهور عبيره ... فالروض ينشر عرفه والبيد
__________
1. هو الأخ خالد بن يطو.
(1/72)

وأحس في شدو البلابل لحنه ... فالبلبل الشادي به غريد
لكن عدمت تصبري عن موطن ... ناء أدين بحبه وأشيد!
فيه تركت أحبة شوقي لهم! ... ينمو على طول المدى ويزيد
كانوا ملاذ القلب ألفى عندهم ... ما ابتغيه من المنى وأريد
ودعتهم وتركتهم لعدوهم ... وعدوهم مستهترعربيد!
يفاتن في تعذيبهم ليصدهم ... عما قضى فيه الكرام الصيد
ويهيج سورته رباطة جاشهم ... فجميعهم صعب القياد عنيد
يمضون كالأسد الغضاب إلى ... الوغى ما فيهم وكل ولا رعديد
عركوا الخطوب فلم يكن ليردهم ... بطش الطغاة ولو فنوا وأبيدوا
جاء الربيع وفي "الجزائر" مأتم ... في كل دار والسرور طريد
لم يبق بيت لم يودع راحلا ... للقبر أو لم يبك فيه فقيد!
أو لم يرع بالزوج فيه أيم!! أو لم يصب باليتم فيه وليد
فالزهر يبسم والقلوب كئيبة ... تبدى الأسى من شجوها وتعيد
ليس الربيع ربيع روض مزهر ... للطير في جنباته تغريد
إن الربيع لفي الفؤاد يظله ... أنس وعيش بالهناء رغيد
إن لم تشع من القلوب سعادة ... فالكون سجن ليس فيه سعيد
يا "خالد" الأدب الصميم لقد دنا ... يوم الجزائر هل لديك نشيد؟
ان لم تكن يوم التحرير شاعرا ... فلأنت عن ساح القريض بعيد
يوم التحرر يوم عيد شامل ... فيه يقام بكل دار عيد
(1/73)

إن رمت أن تجني الخلود فهذه ... ساحاته فاهتف فأنت مجيد
هات القصيد الفذ هذا يومه ... ما كل يوم يستجاد قصيد
قد أشرق الأمل العظيم فلم يعد ... يسع المقصر عذره ويفيد
أيشح شعرك عن بلاد طالما ... جادت عليها بالنفوس الغيد؟
فابعث هناك من "الجزائر" صيحة ... نسمع صداها فالرياح بريد
(1/74)

محياك
محياك مشرق الهاميه ... ودنيا لحوني وأنغاميه
ومبعث أنسي وبهجة نفسي ... وسلوى همومي وآلاميه
وروض قريضي وافق خيالي ... ومسرى مناي وأحلاميه
رضيتك من دون كل الورى ... ملاذا لأشواقي الناميه
علام تصديت لي بالصدود وأصليتني ناره الحاميه؟
علام تحديتني بالجفا ... وجرت على روحي الظاميه؟
علام تساعد جور الزمان ... ولم ترث للأدمع الهاميه؟
هلم لتحيي فؤادا ذوى ... ، ... وتأسو جراحاته الداميه
هلم فقد جف نبع القريض ... وكدت أحطم أقلاميه
هلم فليل الخطوب انبرى ... إلي بأمراجه الطاميه
هلم فوجهك بدري إذا ... تبدى يبدد أظلاميه
هلم فأنت ندى الفجر إن ... ألم يفتح أكماميه
تعال كفاني فقد بح صوتي ... وكلت من السير أقداميه
(1/75)

يوم ميلاد
من حصاد السجن
لقيني المجود البارع الاستاذ دليل مقران في مفتتح أكتوبر فقال لي:
اليوم يوم ميلادي فكانت القطعة التالية من وحي هذه الكلمة.

قال لي: اليوم يوم ميلادي ... فقلت: أهلا بالوليد الجديد!
وإنما أنت رهن أصفاد ... فإن تحررت فأنت الوليد!!
قال لي: الأيام غداره! ... تودعني في قفص من حديد!
وكل من يعلن أفكاره! ... فهو لدى الأيام خصم عنيد!
قلت له: إن كنت شهم الفؤاد ... فما تبالي أي باغ مريد!
وليس كالإيمان أقوى عتاد ... يبلغنا من دهرنا ما نريد!
قال لي: الإيمان لا يقتنى ... لكنه منحة حظ سعيد!
قلت له: بالحزم لا بالمنى ... قد أدرك الناس المرام البعيد
يا صاحب الصوت الندى الرخيم ... وصاحب الخلق الرضي الحميد
رتل لنا آي الكتاب الحكيم ... فهي ملاذ للوجود الشريد
وأفتتح المصحف من حينه ... يرتل الآي بصوت مديد
فانتعش الكون بتلحينه ... ومات فيه كل حزن شديد
(1/76)

عيد 1962م
يا عيد فيك عبق ... من المنى وألق!
فيك سنا الفجر بدا ... وسيزول الغسق
فجر وإن كان به ... من الدماء شفق
دماء أبناء الحمى ... بكل درب تهرق
ولحمهم على الثرى ... منتشر ممزق!
والوطن الغالي بأرواح ... بنيه يعتق!
والموت من أجل الحياة ... بالأباة أخلق!
يا عيد فيك أمل! ... له القلوب تخفق
تحرر الأوطان فيك ... غاية تحقق
فليعشق أعداء الحمى ... فإنهم قد أخفقوا
يا موطني الغالي ... الذي، أحبه وأعشق
يا من له بكل فرد ... من بنيه فيلق!
عدوه إذا رآه ... من بعيد يصعق!
ليهنك اليوم الذي ... شمسك فيه تشرق
أنعم بيوم يجد ... الراحة فيه المرهق
(1/77)

بمناسبة إيقاف القتال
اليوم ينعم بال كل شهيد ... في خلده ويقيم أعظم عيد!
ويقول كل فدائي في حفله: ... اليوم قد حطمت كل قيودي!
اليوم يفتخر "الأمير" بنسله ... ويقول أبنائي وفوا بعهودي
وبنوا كما أبنى وشادوا للعلا ... مثلي وزادوا في الفخار رصيدي
اليوم يهتف كل طير في الحمى ... لحنا جديدا ساحرا لتغريد
وتجود كل زهوره بعبيره ... من نرجس وبنفسج وورود
والشمس تخطرفي مواكب نورها ... عبر الشوارع والربى والبيد!
تغزو قلوب الناظرين بسحرها ... كأميرة في محفل مشهود
وبكل وجه ومضة من بسمة ... وبكل ثغر نبرة بنشيد!
والشعب يهتف كله مستبشرا: ... "يا فرحتي نضجت ثمار جهودي"
اليوم ترفع في "الجزائر" راية ... تحمي عرين أبوة وجدود
وتقام فيها دولة قوامه ... بالحق قائمة على التوحيد
ويشاد للأحرار فيها موطن ... وتزاح كل حواجز وسدود
إن "الجزائر" خلدت تاريخها ... بجهاد فتيتها الأباة الصيد
ثارت على ظلم الطغاة فلم تدع ... للظلم ركنا ليس بالمهدود
فاسمع أغر قصائدي في عيدها ... فبوحي ثورتها نظمت قصيدي
(1/78)

والشعر لا يوليك من أمجاده ... حتى تكون بموضع التمجيد
غر المساعي ملهمات أخي النهى ... غر القوافي كابتسام الغيد
اليوم عاد إلى الحمى أبناؤه ... بالنصر بعد النفي والتشريد
يا فرحة الأم الحزينة بابنها ... وسرور كل أب بكل وليد!
كم زوجة أذوى الفراق فؤادها ... نعمت برؤية زوجها المفقود
فإذا الحياة تشع في قسماتها ... دفاقة في غصنها الأمولود!!
اليوم تحتضن المدارس نشأها ... مثل احتضان الأم للمولود
وترن أصداء الدروس بساحها ... من كل علم كالدواء مفيد!
أبناؤها كالنحل يجني قوته ... من كل زهر كالثغور نضيد
فيحيله شهدا لذيذا شافيا! ... من كل داء للنفوس مبيد
والجهل داء والعلوم دواؤه ... فاطرد بعلمك كل جهل مود
يا ابن "الجزائر" يا مثال بطولة ... ورصيد تضحية ورمز صمود
اليوم تحصد ما زرعت ويقتدي ... بخطك كل مقيد مصفود
اليوم تبسم للحياة وتنجلي! ... سحب الأسى عن شعبك المجهود
اليوم تنعم بالسكينة والرضى ... وبلوغ غاية سعيك المحمود
اليوم أصبحت "الجزائر" حرة ... لم يبق موطن سادة وعبيد
أرض "الجزإئر" يا سماء كواكب ... ومعين الهام ومهد أسود
يا تربة الشهداء يا أرضي التي ... صنعت من الأمجاد كل فريد
يهنيك أنك صرت نصب قداسة ... ومثار إعجاب ورمز خلود!
(1/79)

قد خضت معركة التحرر لم يكن ... لك في الوغى من عدة وعديد
وعتاد خصمك حلف "الأطس" ... كله يزجي بأسلحة له وجنود!
وخرجت بالمجد الأثيل وعدت ... من ساح الوغى بالنصر والتأييد
وشهدت صرح البغي كيف ... تهدمت أركانه وانهار كل مشيد!
أعلمت سر الانتصارعلى العدى ... أرأيت كيف يبيد كل مبيد؟
ما النصر إلا الصبر إن يقرن إلى ... الإيمان يجن النصر كل مريد
لله صبرك في الكفاح فانه ... أمضى السلاح لقطع كل وريد
صبر به غدت الفتاة لبوءة ... والطفل ليث وغى وحلف بنود
فأستمسكي ما عشت بالصبر الذي ... يجلو ظلامك في الليالي السود
يا أيها الشعب الذي ذاق الأسى ... ليذوق طعم هنائه المنشود
اليوم تطوى ليلك الداجي فقد ... شع النهار بنوره الممدود
يا أيها الجيش الذي هزم العدى ... فدنا من الآمال كل بعيد
لا غرو أن تغدو لشعبك قدوة ... تحظى بحب ابن له وحفيد
وتظل في التاريخ مدرسة الوغى ... في تاج مجدك واحظ بالتخليد
فافخر بتحرير "الجزائر" درة ... يجدى بذكرك موكب التجنيد
(1/80)

ميلاد وميلاد
التقى- ونحن بمعتقل "بوسوى"- ميلادان. ميلاد الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم وميلاد الدولة المؤقتة لثورة التحرير الجزائرية فكانت القصيدة التالية من وحي هذه المناسبة.

يا للرجاء المنعش الأرواح ... يدنو جناه بعد طول كفاح
ويعيد للوطن المخيم ليله! ما قد خبا من نوره اللماح!
ويعاود الروض المصوح نبته ... ما قد ذوى من زهره الفواح
فتردد الأطيار سحر غنائها ... نشوى كنشوة طافح بالراح
ويذوق محروم السعادة طعمها ... وتزول عنه عبوسة الأتراج
ويرى طريد الظلم أفق بلاده ... متبلج الإمساء والإصباح!
اليوم ميلاد النيي محمد! ... من جاء رمز هداية وصلاح
واليوم تولد للجزائر دولة ... عربية من أهلها الأقحاح
وغدا ستشمل وحدة وطنية ... أبناء أرض إفريقيا بجناح!
يرقى بها شعب "الشمال" ذرى السهى ... وتذود عنه فضول وقاح!
"المغرب الأقصى" دعامة ركنها ... ولها بنو الخضرا أداة نجاح!
وابن "الجزائر" درة في تاجها ... أو غرة بجبينها الوضاح!
ومواطن الاستلام تطفر نشوة ... بسلافة الأفراح لا الأقداح
بنشيد الاستقلال تهتف كلها ... في ضجة كبلابل الأدواح!
يا ابن "الجزائر" يا سليل أماجد ... خلقوا لنشر مبادىء الإصلاح
(1/81)

قل للأولى حكموا بلادك بالهوى ... من كل سفاك الدما سفاح
متطفلين على الموائد ساقهم ... شره النفوس لوفرة الأرباح!
راموا لشعب باسل إدماجه ... فبدا كطود في مهب رياح!.
إن "الجزائر" لا تخاف سلاحكم ... فلها من الإيمان خير سلاح!
ولها شباب صادق العزمات ذو ... نسب عريق في الأباة صراح!
شبوا على كرم النفوس سماحة ... لكن بالعرض غير سماح!
لا يفزعون لدى الحروب من الردى ... فكأنهم خلقوا بلا أرواح!
ولقد رأيتم منهم ما ساءكم! ... وأصاب عزتكم بعمق جراح!
فجرعتم كاس الهزيمة مرة! ... وسلبتم ملكا رحيب الساح!
يا مبعدين عن الديار وما جنوا ... إثما ولا جنحوا لغير مباح!
ما ذنبهم إلا محبة موطن! ... فحياة الاستعمار موت ماح
وتعاهدوا أن ينقذوه من الردى ... بذلوا له الأرواح غير شحاح
بشراكم أدركتكم آمالكم ... وجهودكم قد توجت بفلاح
ودنا رجوعكم إلى أوطانكم ... وتعاقب الأعياد والأفراح
فلتنعموا بثمار نصر باهر ... ما مثله لسواكم بمتاح
(1/82)

تحية جيش التحرير 1961م
نضر الله هذه الأوجه الغر ... وجوه كتائب التحرير!
وحباها ما يستحق أولوا ... الفضل من الاعتبار والتقدير
وجزاها على الجهاد الذي أحيا ... صريع الكرى وميت الفتور
إن من ها هنا سينشق فجر ... يمحي من سناه ليل الشرور!
إن من ها هنا سيندك صرح ... قد تعالى من باطل وغرور
إن من ها هنا سيبعث ... شعب عربي اللسان والتفكير!
إن من ها هنا سينشر عهد ... أبدي السنا عميم النور!
وستهتز بالحياة وبالخصب بلاد ... "الشمال" بعد دثور!
فجبال "الأوراس " مطلع فجر! ... لشعوب تعيش في ديجور!
أيها الجيش يا منارا لنشرالمجد ... يفديك جيش بغي وزور
لم نجد في الجيوش مثلك إلا ... جيش "بدر" في يومه المشهور
لم تعد قط من كفاحك ... إلا بلواء المظفر المنصور
لم يكن فيك غير شهم حريء ... يتحدى الأذى كليث هصور
كل كلب عوى رماه فأراده ... فيا ويح كل كلب عقور!
وكذاك الإيمان ينبت ما لا ... ينبت الغيث من كريم البذور
أيها الجيش إن فضلك لا يخبو ... شذاه على توالي العصور
إنه الشمس لا يوارى سناها ... لحجاب- أشرقت- أو ستور
(1/83)

قد هجرت الديار في الله ... لم تحفل بزوج ولا وليد غرير
وازدريت العيش الرخى فلم ... تعبأ بنوم ولا فراش وثير
واتخذت الجبال كالنسر مأوى ... وكذاك الجبال مأوى النسور!
وتعرضت للجليد وللثلج ... ولم تخش ثورة الزمهرير
تتلقى جيش الأعاصير في الليل ... وجيش الأعداء عند البكور
ذاك جيش التحرير يحدوه للتحرير ... عزم ويقطنه في الشعور
قد سعى كي يرى مصير حماه ... رغم أنف الأعداء خير مصير
أيها الجيش طاب مسعاك فابشر ... بنجاح لسعيك المشكور!
لم تلوث يديك بالظلم بل قاومت ... ظلما عن شعبك المقهور!
واتباع، الحق الصراح سلاح ... ليس ينبو بكف ندب جسور
أيها الجيش دم على ما عهدناك ... من الجد في الكفاح المرير
علم الصبر والثبات لمن لم ... يك في حومة الوغى بصبور
وبإيمانك اعتصم إن في الإيمان ... تيسير كل أمر عسير
أي باغ لم ينخلع قلبه رعبا ... إذا ما جأرت بالتكبير!
أيها الجيش يا رجاء قلوب ... تفتديه ويا شفاء صدور
آن أن تجتني الثمار شهيات ... وتحظى بحظك الموفور
ودنا يومك الأغر الذي يغدو ... على الدهر يوم عيد كبير
عيد حرية "الجزائر" كم تثمل ... فيه من بهجة وحبور
وبه تعلن البشائر بالسلم ... لكون أداته حرب الدهور
(1/84)

وله تعقد المآتم للجيش ... الذي آب أوبة المكسور!
فبحرية "الجزائر" لا يبقى ... لمستعمر وميض سرور
لم يعد يسكن القبور ابنها البر ... وللأجنبي سكنى القصور
واستعمار الشعوب يصبح ... تاريخا لأبنائه بغيض السطور
سوف لا تترك الجزائر شعبا ... -إن تحرر- في ذلة المأسور
أيها الجيش هذه باقة من ... ذوب قلبي لا باقة من زهور
هي خجلى أمام مجد عظيم ... في حياء مما بها من قصور
فاحبها بالقبول تحفظ بمجد ... أبدي كبندك المنشور!
(1/85)

البطل!
من حصاد السجن

رأى أرض أجداده الغاليه ... تحكم فيها العدو وسادا!
فأعلنها ثورة حاميه! ... تقوض ما قد بناه وشادا!
وهب كعاصفة عاتيه! ... يبيد الشرور ويمحو الفسادا
وحدق في الأفق الأوسع! ... كما حدق الصقر يبغى اصطيادا
فخف إلى الجبل الأمنع! ... ليجو العدو ويحمي البلادا
ولم يخش جلجلة المدفع! ... فإيمانه كان أقوى عتادا
فكان على الطود صقرا صيودا ... بقوة مخلبه كم أبادا!
فكل قتيل له ليس يودى!! ... كل صريع له لا يفادى
يريد لأمته أن تسودا ... وتمحو الشقاء وتنضو السوادا
فهيج أحقاد أعدائه ... كما هاجت العاصفات الجرادا
وساقوا الجيوش لإفنائه ... فما زاده ذاك إلا عنادا
وأبدى شجاعة آبائه ... يلاقي الردى والخطوب الشدادا
وكان له من شباب البلاد ... حمى زاده قوة واعتدادا
إذا سمعوا صرخة للجهاد ... يهبوا جموعا ليفنوا فرادى!
شباب يهيم بحب الجلاد ... ويأبى لحكم الدخيل انقيادا!
ولكن قنبلة غادره! ... أصابت من الوطني الفؤادا
(1/86)

فلم يرهب القوة القاهره! ... ومات شهيدا يوالي الجهادا
وقال بلهجته الآسره! ... بلغت المراد ومت ذيادا
ودوى بصوت الرصاص الجبل ... يجوب النجاد ويطوي الوهادا
يحيي رفات الشهيد البطل ... فماج له كل طود ومادا
وأقسم أصحابه في العمل ... على الموت حتى ينالوا المرادا
فيا ابن العلا لم تمت إذ نأيت ... ولبيت داعي الحمى حين نادى
"وأوراس" لم تبك لما مضيت ... ولا لبست إذ نأيت الحدادا
فإنك لم تمض حتى بنيت! ... لها سؤددا عز أن يستفادا،
فيا من ونى عن ركاب الشباب! ... تقادم فإنك خنت البلادا،
فكم غادة في الجبال كعاب ... غدت لظهور الشباب سنادا
ففي ثورة الشعب فصل الخطاب ... إذا سئم الظلم والاضطهادا
أيا جبلا أظهر المعجزات ... وكان لعزم الشباب امتدادا
وأحيى من المكرمات الموات ... وكان حمى للعلا ومهادا
ستخلد ذكراك في الذكريات ... وتغدو نشيدا يهز الجمادا
(1/87)

الفداءي
حصاد السجن

يا لنسر في سماء المجد حلق
وبأهداب المعالي قد تعلق
مذ غدا كالنجم في الأفق تألق
عشقته كل أبصار البرإيا
ذو إباء يتحادى الحدثانا
لا يبالي حتفه لا يتوانى
كلما حورب أو سيم هوانا!
المنايا عنده دون الدنايا
تخذ الذود عن الحق شعاره
واصطفى من جبل الأوراس، داره
كلما شام العادا أطلق ناره!
إن في رشاشه ظل المنايا
غير أن الموت صياد النسور
قد أصاب النسر في أعلى الوكور
فهوى من أفقه يبن الصخور
وتلاشى البطل الحر شظايا
(1/88)

ما قضى حتى قضى حق البلاد
ومضى يثخن في جيش الأعادي
فتلقى الموت في ساح الجهاد،
باسما يهتف: قد نلت منايا
الضحايا سلم للحريات!
ومطايا لعلا والمكرمات
لم يصل شعب إلى عز الحياة
لم يكن يرقي على هام الضحايا

بلادي
بلادي تربيت في حضنك!
وذقت السعادة في أرضك!
وشمت سنا الحسن في أفقك!
فلم لا أموت وأحيا لك؟
جدودي حموا أرضك المخصبه
وبروا بأمهم المنجبه!
فلم يعرفو! العيشة المجدبه
وماتوا عليك وعاشو! لك
(1/89)

وها قد مددت إليك اليدا
وقدمت روحي إليك فدى
ولم أكترث برصاص العدا
لأفني عليك وأحيا لك
بلادي سأرفع فوق القمم
لواءك رمز العلا والعظم
وأنشر مجدك بين الأمم
وأفنى عليك وأحيا لك
بلادي شبابك فخر الشباب
لهم عزمات الأسود الغضاب
تحدوا لأجلك كل الصعاب!
ليفنوا عليك ويحيوا لك
"بأوواس" منهم عتاد عظيم
"وورسوس" فيها شباب كريم!
"وجرجرة" ذات مجد صميم!
تموت عليك وتحيا لك
وفي كل ناحية من ثراك!
شباب تبارى ليحمي حماك
ويدفع عنك ويقصى عداك
ويفنى عليك ويحيا لك
(1/90)

بلادي ثقي ببلوغ الأمل
فإن بنيك انبروا للعمل
وقال رصاصهم في الجبل
نموت عليك ونحيا لك
بلادي إذا ما دجاك امحى!
وجاء النهار وشع الضحى!
فقولي لشاديك ان يصدحا!
نموت عليك ونحيا لك
(1/91)

يا بلادي
من حصاد السجن

كل شيء نسيته يا بلادي ... وتلاشت أطيافه من فؤادي
غير ذكراك فهي تكمن في قلبي ... كمون اللظى بقلب الرماد!
والشذا في الزهور والحب في ... الأحشاء والكبرياء في الأطواد
فإذا ما بدا الصباح تجلت ... أغنيات سحرية الإنشاد!
وإذا ما دجا الظلام تراءت ... في طيوف تحوم حول وسادي
وإذا ما بلابل الدوح غنت ... قلت: صوت الحمى إلى المجد حاد
وإذا ما الرياض أبدت حلاها ... قلت حسن من "الجزائر" باد!
وإذا ما النجوم أبدت سناها ... خلته سحر نورك الوقاد!
وإذا صافح النسيم جبيني ... خلته هب من رياض بلادي
يا بلادي يا أرض أهلي وأحبابي ... ومأوى الأسود من أجدادي
وحمى مولودي ونشأتي الأولى ... ومثوى آبائي الأمجاد!
والتراب الذي مشى "ابن نصير" ... فوقه واحتمى به "ابن زياد"
لك حبي على المدى وولائي ... لك سعيي وخدمتي وجهادي
قد تحملت في هواك الرزايا ... وتمرست بالخطوب الشداد
وحملت السلاح ضد أعاديك ... ومالي سوى عداك أعاد!
(1/92)

وتحديت كل طاغية يسعى ... لتبقى أسيرة استعباد!
وتجاهلت ما حوته يداه ... من نفوذ وقوة استعداد
وجنود كالسيل يدفعها للحرب ... حب الأجانب والفساد
وهيام بالبطش والفتك طاغ ... ونزوع إلى النفي والاضطهاد
وعتاد تطل منه المنايا ... كالحات يفل كل عتاد!
ولقيت المنون وجها لوجه ... في ثبات وجرأة واعتداد
ليس لي في كفاح أعداء قومي ... غير تحرير أمتي من قيد مراد
يا بلادي هواك نجواي في ... سري وجهري ويقظتي ورقادي
طال شوقي إليك واشتد ما ... ألقاه من حرقة النوى والبعاد
هل سبيل إلى اللقاء وهل ... للمبعد المدنف الحشى من معاد؟
(1/93)

يعز علي أني لا أراك
من حصاد السجن

يعز علي أني لا أراك! ... وأني لا أشم شذا ثراك!
وأن أبعدت عنك كيف يسلو ... فؤاد لا يسليه سواك!
وأن أسكت عن شدوى وكانت ... تغاريدي تردد في ذراك!
وأن فارقن من أهوى برغمي ... وما ذنبي الوحيد سوى هواك
ولكن كل ذالك يهون عندي! ... إذا كان السبيل إلى علاك
بلادي إن ليلك قد تناهى! ... وإن الفجر قد وشى رباك
وقد لف العدى ليل طويل! ... فلا يهنأ بعقباهم عداك
وفتيتك الكرام قد استجابوا ... كأمواج الخضم إلى نداك
قد اتخذوا الفداء لهم شعارا ... وقد جعلوا شبابهم فداك
وهل مثل الشباب أداة شعب ... لمجد قد سما فوق السماك؟
وهل مثل الشباب أداة حرب ... إذا هتفت بمسعرها دراك
شبابك بات لا يعنيه شيء ... -وحقك- غير شيء قد عناك
وأصبح فارس الهيجاء يمضي ... مضى السهم يرمي من رماك
سيرخص في افتداك كل غال ... ويدفع كل سوء قد عراك
ويرخص عن جبينك كل عار ... وينفي كل ضيم عن حماك
(1/94)

فتأتي الصالحات من المساعي ... وتبني كل مكرمة يداك
أناخ بك الكرى زمنا فلما! ... أناخ الضيم ثرت على كراك
هديت إلى دوائك في نضال ... من الموت المحقق قد شفاك
وفي شغف بإحراز المعالي ... من العيش المذمم قد حماك
فلا تستسلمي لعداك وأمضي ... لنيل مناك مسرعة خطاك
فلا بنيك جندك لا يبالي ... بموت إن يكن فيه مناك!
جبال "زواوة" صنعته ليثا! ... يبث زئيره كل ارتباك!
"وأوراس" أعدت منه طودا ... تزيد ثباته نذر الهلاك
"وورسوس" أمدته بعزم! ... يفل شباة من يبغي أذاك
وإن الله إذ أعطاك جندا ... شجاعا قد أحبك واصطفاك
وقد جربت جندك فاطمئني ... لفوزك في ميادين العراك
وعيدك سوف يعلن فاستعدي ... لأعياد التحرر والفكاك!
فلا بلغت عداتك ما أرادوا ... ولا بلغ المنى ناع نعاك
ولا عاقتك أحداث الليالي ... عن المسعى ولا طالت سراك
إذا خنقت صداك يد العوادي ... فسوف تردد الدنيا صداك
(1/95)

يا لها غربة
من حصاد السجن
من وحي أغنية "بلادي" للفتاة وردة الجزائرية.

يا لها غربة عن الأوطان ... نبهت ما غفا من الأشجان
غربة ضوعفت بنفي وسجن ... ونتاهت بقسوة السجان
شل فيها فكري وأجدب ... إلهامي وأدودت بحكمتي وبياني
وقريضي قد عقني وتلاشى ... بين جدرانها صدى ألحاني!
يا لسخف الإنسان حين نراه ... يتحدى الأفكار بالجدران!
لست أعنو لقوة تتحدى ... فكرتي غير قوة الديان!
والإيمان القوي زادي وهل ... ينفد زاد من قوة الإيمان
وطريق التحرير قد حف بالأشواك لا بالورود والريحان
واستقلال الأوطان لا بد محتاج ... إلى باهظ من الأثمان
فلتكن غربتي ونفيي وسجني ... في سبيل التحرير للأوطان!
وليكن لي من إخوتي ورفاقي ... خير آس من لوعة الأحزان
إنني قد عرفت في السجن إخوانا ... بهم قد غفرت ذنب الزمان
فيهم من بني "الجزائر" شبان ... كرام من خيرة الشبان!
وصناديد من "قسنطينة" الشماء ... أرض الأبطال والشجعان
(1/96)

وليوث خاضوا الوغى في "تلمسان" ... فدانت لهم قوى الطغيان
وإذا ما ذكرت "وهران " ... فالعرب البهاليل ثم في وهران!
هاهنا إخوتي وكل مكان قد ... حوى إخوتي فخير مكان!
فلتكن سلوتي اجتماعي بإخواني ... إذا كان موطني غير دان!
وليكن عامنا الذي هل بشرى ... بانقشاع الدجى وفجر الأماني
وليكن عامنا الذي مر حدا لاستبعاد الإنسان للإنسان
قد قضينا دهرا طويلا نعاني كل ... يوم من بؤسنا ما نعاني
أرضنا تنبت السعادة لكن ... نحن في شقوة وفي حرمان
نحن في جنة ونصلى جحيما ... وسوانا يحظى بعيش هان
والغريب الدخيل يضحي ويمسي ... نافذ الأمر صاحب السلطان
فتدارك بني "الجزائر" رباه ... بلطف واشملهم بأمان
واهددهم لاتحاد رأي وعزم ... واحمهم من مصائد الشيطان
وأنف عنهم ما في العبودية الحمقاء ... من ذلة وعيش هوان
رب هبنا نصرا فإنا طلبنا ... ثمن النصر بالنجيع القاني!
رب لم يبق مسترقا سوانا ... فهب العتق للأسير العاني
فاستعباد الإنسان يا رب لا ... تقوي عليه طبيعة الإنسان
(1/97)

إن الجزائر تشكو*
يا أمة جمعتها! ... عقيدة الإيمان
وأخوة قد تلاقوا! ... على هوى الأوطان
وأنفسا ظامئات! ... للعلم والعرفان!!
تحية من فؤاد! ... في حبكم متفان!!
إن "الجزائر" تشكو ... لكم بدون لسان!
تشكو لكم ما تلاقى! ... من ذلة وهوان
تشكو اغتصاب حقوق ... تشكو ضياع أمان
فلتنجدوها لتحيى! ... كسائر البلدان!
بأن تردوا إليها! ... ما ضاغ منذ زمان!
وأن تربوا بنيها! ... فهم مناط الأماني
وتطلبوا كل حق! ... لها بكل لسان!
وتنصروا كل ساع ... وتزجروا كل وان
وأن تمدوا الأيادي ... بالخير والإحسان
وأن تكونوا جميعا ... في الخطب كالبنيان
أما الشعوب فطارت! ... في الجو كالعقبان!
ضحوا بكل عزيز! ... في خدمة الأوطان
فسجلوا كل فخر! ... يبقى على الحدثان
ما فيهم من شحيح! ... بماله أو جبان
__________
*. مجلة الشهاب ج 8 م 13 أكتوبر 1937م وألقيت في حفلة بنادي الترقي (الجزائر).
(1/98)

ونحن لم نتتبع ... ما جاء في القرآن
وهو الكتاب المرقي ... للكائن الإنسان
وهو الدواء لمرضى ... العقول والأذهان!
وهو الحسام قصمنا ... بحده كل شاني!
فكم دعانا لخير! ... بحكمة وبيان!
فما فعلنا فأبنا ... بالطرد والخسران
ويح "الجزائر" كم ذا ... تلقى من الحرمان
قضت زمانا تعاني ... من الأسى ما تعاني
قد جرعت كل صاب ... من السياسة آن!
وحملت ثقل قيد ... يعي به الثقلان
دواؤنا لو رجعنا ... إليه في القرآن!
وفي اتحاد قوانا ... قصينا والداني
وفي المفاداة منا ... بالمال والأبدان
من المحال نؤدي ... حقوقنا باللسان
وأن نمنى بوعد ... وأن نعل بثان
لو اتخدنا لنلنا! ... حقوقنا من زمان
لكن بلينا بخلف! ... أفضى إلى الخذلان
فاستيقظوا واستعدوا ... يا معشرالشبان
فخدمة الشعب فرض ... على بني الإنسان
(1/99)

ذكرى الثورة
يحق لنا أن نباهي الأمم ... ونرفع هامانت في شمم!
لو أنا مضينا على نهجنا ... تؤم الشعوب ونهدي الأمم
ونبني حضارتنا فذة ... محصنة بجميل الشيم!
ولم ننحرف عن هدى ديننا ... ولم نتخذ من هوانا صنم
لقد كان آباؤنا قدوة! ... على إثرهم سار كل قدم!
يشقون نهج الهدى للورى ... ويبنون صرح العلا والعظم
أطلوا بأنوارهم كالبدور ... على عالم غارق في الظلم
فان أصبحوا للورى سادة ... فقد بلغوا غاية لم ترم!
لقد جمعوا المجد من جانبيه ... لمجد الحسام ومجد القلم
ففي كل أفق سنا حكمة ... وفي كل جو رفيف علم
ونحن هدمنا الذي قد بنوا ... ولم نرع ما قد رعوا من ذمم
هم ابتكروا فبنوا نهضة ... حضارية تتحدى العدم!
ونحن شغلنا بتقليدنا! ... لمن قلدوا خطونا في القدم
فيا بلدا صنع المعجزات! ... وأصبح للضاد حصنا أشم
وصار بإيمانه قوة! ... تحدت قوى من بغي واجترم
وأقسم أن يطرد الغاصبين ... فنال مناه وبر القسم!
__________
*. نشرت بمجلة (التهديب الاسلامي) في شهر ماي سنة 1965 م.
(1/100)

ولكنه بعد نيل المنى ... أطاع الهوى وأضاع القيم!
ألا عد إلى منهج لم يزل ... يبوئ أهليه أعلى القمم!
ألا عد لنحيي أمجادنا! ... ونعلي من صرحنا ما انهدم!
ويا أيها الشباب الذي ... عليه المعول فيما أهم!
وعدتنا في الخطوب الشداد ... إذا ما دجا ليلنا وادلهم
ويا من تحدى جميع الصعاب ... أعيذك أن تتحدى القيم
وأن تجهل الواجبات التي! ... عليك لدين به الفضل تم
وكان سلاحك في ثورة! ... جلا كل باغ بها وانهزم!
ألا فاذكروا شهداء الحمى! ... وما بذلوا من فداء ودم!
فلا تأمنوا حادثات الزمان! ... فإن حوادثه لم تنم!
فيا ابن "الجزائر" ذي ليلة ... غدت مولدا لعلاك الأتم
فان بها ولدت ثورة! ... رددت بها حقك المهتضم
وكان لها في جميع البلاد ... ثناء يردده كل فم!
وصار لها دولة لا ترام ... لها غضبة الأسد المنتقم!
وجيش له مقلة لا تنام ... شديد المراس على من ظلم!
فأعظم بها نعمة فارعها ... فأهون شيء زوال النعم!
وبالشكر لله فلتحمها! ... تدم: إن من يحم شيئا يدم
(1/101)

وداعا ... وداعا
قيلت توديعا لرفاقي في السجن عند خروجي من السجن.

وداعا وداعا رفاقي الكرام ... وداع أخ لا يخون الذمام
وداع أخ ذاق في قربكم! ... هدوء الفؤاد وطعم الوئام
أودعكم فى دامع المقتلين ... كأني أساق لموت زؤام
وأخرج كرها فيا من رأى ... سجينا إلى سجنه ذا هيام
رضيت عن السجن من أجلكم ... وإن كره الناس فيه المقام
فما السجن حبسك في موضع ... قصي مع الأصدقاء الكرام
ولكنه البعاد عمن تود ... ملاقاته وجوار اللئام!
ولكن يخفف وقع الأسى ... ويدفع وقع الخطوب الجسام
شعوري بأن الأماني الكبار ... ستؤذن أنوارها بابتسام!
ويطلع فجر الحياة الجميل ... بأفق "الجزائر" يجلو الظلام!
وتجني ثمار الكفاح الطويل ... ونحظي برغم العدى بالمرام
وألقاكم فوق أرض الحمى ... ومن فوقنا راية لا ترام!
ومن حولنا أمة ترتجي ... وتخشى وتحظى بكل احترام
وجيش قوي يفل الجيوش ... ويمنع أمته أن تضام!
وداعا إلى يوم أن نستقل ... ونعلن عيد الحمى للأنام.
(1/102)

فرحة الأوبة
أي عيد عاد للقلب المصاب ... بعد تشريد ونفي واغتراب؟
أي بشرعاود القلب الذي ... عاش في هم وغم واكتئاب؟
أأنا الآن أرى أرض الحمى ... مثلما قد كنت من قبل الغياب؟
أصحيح أنني في موطني؟ ... أأنا بين رفاقي وصحابي؟
أأنا ما بين إخواني هنا؟ ... مكرم الأوبة مرعي الجناب؟
يا لها أمنية غالية ... أن يقر القلب من بعد اضطراب
عودة الحر إلى أوطانه! ... دونها عودة أيام الشباب
ما بلادي غير فردوس وما ... غربتي عنها سوى سوط
...
يا بلادي ها أنا عدت إلى ... تربك الغالي وألقيت ركابي
يا بلادي ها أنا عدت إلى ... جوك الصافي وأدركت طلابي
ها أنا عدت ولكن لم أجد ... في فؤادي سلوة تطفيء ما بي!
إن شوقي في أيابي لم يكن! ... غير شوقي لك من قبل إيابي
ظمئي للوطن الغالي حكى ... ظمأ الصادي إلى برد الشراب
يا بلادي يا منى نفسي ويا ... موئل الأبطال والأسد الغضاب
حسبك اليوم من الغبطة أن ... تجتني كل أمانيك العذاب!
وإذا قصر في واجبه! ... واحد منا فذا يوم الحساب!
(1/103)

من وحي الاستقلال
ألقيت فى حفل ديني بالحراش

لم يبق في أرض "الجزائر" حكم على ابن الضاد جائر
ذهب الذين بنوا سعادنهم على موت الضمائر
ومضى الذين قضت شهامتهم بتقتيل الجرائر!
وقضى الذين قفوا على مليون ثائرة وثائر
ذهبوا وللعنات في أعقابهم تصخاب هادر
والله بالمرصاد وهو لشوكة الطغيان كاسر
لم يبق إلا ابن البلاد ابن المعالي ابن المفاخر
الأمر في يده وليس سواه من ناه وآمر!
اليوم ليس لنا إذا لم نسع للعلياء عاذر!
هيا لنبني فالبلاد خرائب مثل المقابر!
نبني المكارم مثلما نبني المنازل والعمائر
نبني المدارس والمساجد والمدائن والمداشر
هيا لنزرع أرضنا من كل زاهي النبت ناضر
هيا لنخرج من بلادنا أغلى الذخائر!
هيا نعلم نشأنا! فالعلم ينهض كل عاثر!
(1/104)

هيا نجدد بالمعارف من علانا كل داثر!
ماض لنا متألق الأضواء مثل النجم باهر
لنعيد بافصحى وبالإسلام شخصية "الجزائر"
فالدين والفصحى هما عز الأوائل والأواخر
بهما تآخينا وقامت! بيننا أقوى الأواصر
وهما جناحانا وهل بسوى الجناح يطير طائر
وهما لنا النهج الذي من حاد عنه فهو خاسر
يا ابن "الجزائر" كن على النعمى لربك خير شاكر
لا تنس أن الله ينصر من لدين الله ناصر!
واذكر بأنك كنت قبل اليوم عبدا عبد كافر!
واليوم صرت منارة العز التي تعلو المنائر
وغدا لك اسم في قلوب الناس مثل الحلم ساحر
وأضفت تاريخا لتاريخ الجدود أغر زاهر!
وغدت بلادك كعبة تهفو لرؤيتها النواظر!
وغدت بطولتك الفريدة وحي فنان وشاعر
وانظر فهذا محفل فذ بصفو الحب سافر!
قد عمه فرح بتحرير الحمى طاغ وغامر!
وبدا به علم "الجزائر" من منصور وناصر
فاعمل وثابر فالنجاح حليف مجتهد مثابر!
(1/105)

وأطع حكومتك التي اضطلعت بأعباء المخاطر
و"اهتف" لكل مناضل يسعى لتشييد "الجزائر"!
ولأمة قاد أنجبت لك كل ماضي الحد باتر!
ولتبتهل لله أن يرعى لها الجيش المغامر
وانثر على قدميه إكبارا أفانين الأزاهر!
راع إذا نام الرعاة يبيت مثل النجم ساهر!
هيا نواصل سيرنا! نحو العلا فالركب سائر
(1/106)

يا جارة البحر
ألقيت بقاعة "الماجستيك " في الحفلة التي أقيمت لاتمام بناء مسجد الأمة
بحي "بولغين " بالعاصمة صبيحة 2 جانفي 1949 م.

غازلي- يا جارة البحر- العبابا ... وابسمي فالحزن عن مغناك غابا
واهتفي إن دجى- الليل انجلى ... وشعاع الفجر قد وشى الهضابا
واسلمي فالأمل الحلو دنا ... ومرجى الشر للإسلام خابا
إن عهدا قد تقضى مشرقا ... كسنا الشمس توارى ثم آبا!
هب أبناؤنا يبنون العلا ... إذ رأوا أن العلا أجدى طلابا
هجعوا دهرا فلما استيقظوا ... أسرعوا للمجد شيبا وشبابا
لم يبالوا أي صعب ركبوا ... هل يبالي طالب المجد الصعابا؟
هب نشء العرب والويل لمن ... عارض السيل ولم يخش العبابا
إن لابن الضاد عزما لو دعا ... نائي الآمال كالنجم استجابا!
إن يكن أغفى فمن شيد ما ... شاده إن نام دهرا لن يعابا
شاد دنيا من علا واجتاح ما ... شاده الباطل وافتك الرقابا
بث في الكون سنا الحق وقد ... كان قفرا من سنا الحق يبابا!
ملأ الأرض سلاما ورضى ... ودعا لله فيها وأهابا!
خلق ابن العرب للمجد الذي ... يبتني بالجد، لا المجد اغتصابا
فهلموا فانشروا تاريخكم ... وأعيدوا ماضي العرب العجابا
(1/107)

واصلوا سعيكم لا تحجموا ... فكفى الإحجام للمسلم عابا!
ابذلوا المال فما المال إذا ... لم يوفر عرضا ولم يكسب ثوابا
جددوا للمسجد العهد الذي ... أمرعت من خصبه الدنيا جنابا
وانشروا الدين الذي سدتم به ... في الورى واحموا حماه أن يصابا
واقتفوا آثار آباء مضوا ... وانشروها لبني الدنيا كتابا
وضعوا دستور أخلاق الورى ... إن أخلاق الورى أمست خرابا
وحدوا آركم فالخلف كم ... جر آفات وكم جرع صابا!
لا تهابوا بطش جبار طغى ... همة ابن العرب تأبى أن يهابا
أيرى من فك أغلال الورى ... وبنى المجد الذي طال السحابا
يقبل القيد ذليلا صاغرا ... كيف لا يحدث في الدنيا انقلابا؟
(1/108)

المغرب العربي
ألقيت بسينما "دنيا زاد" فى الاجتماع العام "لجمعية العلماء المسلمين
الجزائريين " ونشرت بعدد 158 من "البصائر" في 29 شعبان 1370 للهجرة.

"للمغرب العربي" صولة ضار ... ووثوب مقدام على الأخطار
بالحب سوف يعيد سالف مجده ... وبالاتحاد يفوز بالأوطار!
كذب الذين نعوه بل هو لم يزل ... غاب الأسود وموطن الثوار!
يا ويح الاستعمار كيف تقوضت ... آماله كالهيكل المنهار!
يا ويح أعداء العروبة من لهم ... من فاتك الأنياب والأظفار؟
قد هب كالتيار حطم سده ... من ذا يعارض غضبة التيار؟
ابن العروبة لم يعد يرضى سوى ... عز الحياة ورفعة المقدار!
قل لابن الاستعمار خل بلاده ... العرب لا يرضون باستعمار!
الذئب لا يرعى القطيع ولم يكن ... يوما مجيرا للهزبر الضاري!
من دينه الإسلام يأبى أن يرى ... أبناءه في ذلة وصغار!
من حرر العاني وفك قيوده ... أيعيش في الدنيا رهين إسار!
من فارس والروم فتح جدوده ... في داره يمسى غريب الدار؟
من "خالد " من منجبيه "وطارق" ... يخشى تنقص عائب أو زار!
إن نام فهو اليوم يهجر نومه ... لا خير في نوم بغير قرار!
واليوم يقتحم الصعاب مجاهدا ... ويخوض للعليا كل غمار!
(1/109)

ويرى اتحاد الرأي خير وسيلة ... ويرى الجهاد وظيفة الأحرار
ليعيد دولته وحكم جدوده ... ويعود ذا نفع وذا إضرار!
ويرد دنيا الفاتحين كعهدها ... في غابر الأزمان والأعصار
ويصد جيش الغاصبين عن الحمى ... هو أصل كل أذى وكل بوار
يا ابن الغزاة الفاتحين ونسل من ... رفعوا منار العدل في الأمصار
الكون في فوضى تفاقم شرها ... أنقذه فهو على شفير هار!
قد ضل مسلكه وتاه دليله ... وبه استبدت نقمة الاقدار!
وبلاؤه من كل حكم جائر! ... وشروره من سلطة الأشرار
أنقذه بالإسلام فهو شفاؤه ... إن الظلام يزاح بالأنوار!
طهره بالتوحيد من أرضاره ... الشرك مصدر هذه الأرضار
وأقمه بالأخلاق فهي سناده ... سوء الخلال أصابه بعثار!
وأرفع لواء الضاد وأهتف باسمها ... وانشرهدى الإسلام في الأقطار
حكم الطغاة إلى زوال ظله ... وزمان الاستبداد في إدبار
وطلوع فجر المسلمين سيغتدي ... في كل أفق ساطع الأنوار
(1/110)

إلى الأمة الجزائرية
ألقيت بسينما "دنيا زاد" ونشرت بعدد 157 من البصائر في 22 شعبان 1370 للهجرة، وقدمت لها "البصائر" بهذه الكلمة: "ألقيت هذه القصيدة الرائعة المؤثرة في حفلة جامع "سانت أوجين" بسينما "دنيا زاد" بالعاصمة.

إن تكوني صرت من أهل القبور ... فانشري الكفن فذا يوم النشور
أنا لا أومن بالموت وهل ... في ذبول الزهر موت للبذور؟
أتموتين وفي كل دم ... من بنيك الصيد آمال تمور؟
أتموتين وفي كل فتى ... روح "باديس" على الموت تثور؟
أتموتين وفي "بسكرة" ... "عقبة" يربض كالليث الهصور؟
أتموتين "وتوفيق " له قلم ... إن هزه هز الشعور؟!
أتموتين وفينا من له ... رأي "عباس " وإقدام البشير؟
أتموتين وفينا من غدا مثل ... "مصالي" على الهول جسور؟
هذه عدتك الكبرى التي ... ستنالين بها الفوز الكبير!
فافتحي جفنيك من هذا الكرى ... وأنفضي جنبيك من هذا الفتور
واستعدي لحياة حرة ما ... بها عسف ولا طاغ يجور
ولتكوني قوة جبارة إن ... هذا العصر جبار العصور
وإذا خالجك اليأس فلا ... يثنك اليأس وجدى في المسير
واذكري إذ كنت عنوان العلا ... وهدى الدنيا وأحلام الدهور
واقرأي تاريخك الضخم ترى ... كل سطر منه مكتوبا بنور
(1/111)

وانظري كيف ذوت تلك المنى ... وهوت من أفقها تلك البدور
صار من كان مسودا سيدا ... وغدا الآسر في قيد الأسير
وامتطى الجو مسف وغدا ... قانعا بالأرض جبار النسور
قادة المغرب إن لم تسرعوا ... بتلافي الأمر فالأمر خطير
وحدوا "المغرب " إن رمتم له ... قوة فالخلف بالموت نذير!
ثقفوا أبناءه كي تضمنوا ... فوزه فالعلم بالفوز بشير
وفروا أمواله فهي له ... عصمة والفقر مفتاح الشرور
واجعلوا الحب شعارا بينكم ... وتناسوا كل حقد ونفور!
كيف بالتحرير تحظى أمة ... طويت منها على الحقد الصدور؟
وانشروا مجد بني الضاد الذي ... كل مجد غيره إفك وزور
وقفوا للظلم صفا واحدا! ... واصبروا فالنصر يجنيه الصبور
لا ترعكم نأمة من هيكل ... يتحايا وهو في النزع الأخير!
سبب أطماعه آفاته ... إنما الأطماع للحتف جسور
وإذا ما حدتم عن دينكم ... خطوة أنذركم سوء المصير
واستعينوا الله ينصركم على ... كل باغ، إنه نعم النصير!
(1/112)

خواطر في العيد
أطل علينا يوم العيد ونحن داخل السجن، فانتظمت ... لي هذه الخواطر في القصيدة التالية:

عيد "الجزائر" هل أراك قريبا ... فأذوق فيك من السرور نصيبا؟
قد طال من زمن إليك تشوقي ... وسئمت حزنا في الضلوع مذيبا!
هل تجتلي عيني سناك فيشتفى ... قلب يشب به الغرام لهيبا؟
هل يشتفى البلد الحبيب فطالما ... ذاق البلاء وكابد التعذيبا!
هل ينجلي ليل الخطوب بأفقه ... فكفاه أن يقضي الحياة حربيا!
هل يستعيد هناءه وصفاءه ... ويرى زمانا كالربيع خصيبا!
ويعود كل مهاجر لبلاده ... ويرى حبيب في ثراه حبيبا!
شعب "الجزائر" هل أرى لك دولة ... قد ألبست ثوب الفخار قشيبا؟
أأرى "الجزائر" روضة فينانة ... ورأى بها غصن الحياة رطيبا؟
والزهر في أدواحها متبسما ... والطير في أفنانهن خطيبا!؟
كثرت مآتمنا فأفعم جونا! ... حزنا وأرجاء البلاد نحيبا!
وغدت بلاد الحسن كالروض الذي ... أضحى جديبا من حلاه سليبا!
أو مثل حسناء جفاها إلفها ... فبدا محياها الجميل كئيبا!
كلا فسوف تعود بهجة حسنها ... ويزيدها كسب المفاخر طيبا!
وتعود بعد كفاحها أمجادها ... ويقام عيد الانتصار قريبا!
وأعود أكلف ما أكون بحسنها ... وأصوغ أشعاري بها تشبيبا
فابن "الجزائر" في الحوادث لم يكن ... إلا قويا- كالقضاء- صليبا!
(1/113)

عام جديد
من حصاد السجن

عام جديد يقبل ... هل فيه خير يؤمل؟
هل فيه من فرح يتاح، ... ومن هناء يشمل؟
هل فيه للكرب المنيخ ... على البلاد تحول؟
هل فيه من ذل القيود ... تحرر وتحلل؟
هل فيه يرجع مبعد ... هل فيه يسكت معول؟
هل فيه ينصر طالب ... حقا ويخذل مبطل؟
هل للذي عاش في ... ضنك حياة أفضل؟
هل للمكافح في "الجزائر" ... من ثواب يجزل؟
شعب "الجزائز" في السجون ... وفي الحديد مكبل،
شعب "الجزائر" كالقطيع ... مشرد ومقتل!
شعب يذوب شبابه بيد ... الخطوب ويذبل؟
شعب صباياه بنيران ... الرصااص تجندل!
فعلت به الأحداث والأزمات ... ما لا يفعل!
وتراه كالليث الهصور ... بخطبه لا يحفل!
وتراه كالطود الأشم ... عدت عليه شمأل!
رباه طال بلاؤنا! ... فإلى متى نتحمل؟
رباه ما لكروبنا ... إلا عليك معول!
اجعل لنا العام الجديد ... بكل خير يقبل!
(1/114)

بشرى الجزائر
من حصاد السجن

بشرى "الجزائر" بانتصار حالها ... في كل معركة وكل مجال
صهرتهم الأحداث حتى أصبحوا ... ولهم لغايتهم مضاء نصال
كانوا أسودا في لقاء عدوهم ... في فيج غابات وشم جبال
شنوا على الطغيان أعظم ثورة ... لم يأت تاريخ لها بمثال!
الرعب كان سلاحهم في حربهم ... يفنى عدوهم بغير قتال
ريعت نفوس الظالمين لحادث ... لم يجر يوما للعدو ببال
حملت به "الرشاش" ظبيات الحمى ... وأذقن أهل البغي كل نكال
لم يلقنا أعداؤنا إلا انثنوا ... كقطيع شاء فر من رئبال
غر العدو سلاحه وجيوشه ... فأطال حربا لم تعد بنوال
هيهات لا تغني العدو جيوشه، ... وسلاحه شيئا بلا استبسال
لم يدر أن ابن "الجزائر" لم يعد، ... يرضى الحياة بغير الاستقلال!
قد ثار ثورته ليحطم قيده! ... أيعيش رهن القيد والأغلال؟!
أيعيش أبناء "الجزائر" أعبدا ... أعناقهم في قبضة الأنذال؟!
الموت أعذب موردا من عيشة ... للحر في خسف وفي اذلال
قل للألى ساورا بغير تبصر، ... لقتالهم، سرتم لشر مآل!
(1/115)

وطلبتم ما ليس يدرك فارجعوا ... متعثرين بخيبة الآمال!
ويح المطامع كم ترج بأهلها ... فيما يعود عليهم بوبال!
لولا المطامع ما استباح لنفسه ... ورد الردى شعب لأجل المال
لولا المطامع ما تنكب سالك ... ونهج الهدى واختار نهج ضلال
قل للفرنسيس الذين تجبروا ... أسرفتم في التيه والإذلال
لم تبق سوق للرقيق ولم يعد ... ملك لأحرار ولا لموال!
فاصحوا من الأحلام فاستعماركم ... لمواطن الثوار محض خبال!
وابن "الجزائر" لا يبيح بأرضه ... لسواه من حكم ولا استغلال
فاجلوا عن الوطن الكريم فإنه ... مأوى الأسود ومعقل الأبطال
(1/116)

وطني
من حصاد السجن

شد ما ألقاه من طول أسايا ... كل يوم حره يصلى حشايا!
إن ما ألقاه من شوق إلى ... وطني قد كاد يذروه شظايا!
أنا لا أرضى حياتي مبعدا ... عن بلادي أنا لا أسلو حمايا!
فإذا لم ألق الرجعى ولم ... تره عيني فيا طول أسايا!
وإذا لم ألق أحبابي به! ... عاجلا لا بد أن ألقى المنايا
وطني يا مهبط الوحي ويا ... فلك الحسن ويا مهد صبايا
يا نشيد المجد يا أغنية ... من أغاني الحب يا نجوى هوايا
يا سماء للعلا يا ملتقى ... إخوتي الصيد شبابا وصبايا
عش عزيزا سيدا محترما ... موضع الإكبار من كل البرايا
إن في أرضك آساد وغى ... لا يبالون بألوان الرزايا
إن فيها فتية لا تنثني ... عن مراميها ولو راحت ضحايا
وضحايا قدمت أرواحها ... لك قربانا عزيزا وهدايا
إن فيها أمة ماجدة! ... لم تدع للناس من مجد بقايا
أنا من أنجبته كي يفتدي ... كل جزء منك من كل البلايا
أنا من ألهمته الشعر الذي ... صاغه فيك ثناء وتحايا!
أنا إن أحيا فكي أحظى بما ... فيك من حسن ومن غر سجايا
وإذا مت شهيدا بالذي ... لك في قلبي فقد نلت منايا
(1/117)

واصل كفاحك
ألقيت في حفلة تدشين "دار الطلبة" بقسنطينة ونشرت بالبصائر.

واصل كفاحك وادأب ... يا أيها الشعب الأبي
واجمع جهودك كلها ... لتعيد دولة "يعرب"!
وتصد لليوم العظيم ... بيقظة وترقب!
طهر صفوفك من جبان ... خائر ومذبذب
ومن الذي يدعو إلى ... حزبية وتعصب!
لا تقتحم نار الوغى ... إلا بكل مجرب!
من كل سباق إلى ... خوض الغمار مدرب
كل الشعوب تحررت ... وسمت سمو الكوكب
وأراك في ركب الحياة ... تسير خلف الموكب!
وأراك تخدع بالسراب ... وكل برق خلب!
يا "طالب" العلم اجتهد ... لحصوله لا تلعب!
العلم آية ذا الزمان ... وعدة المتغلب!
العلم غرس فانتفع ... من كل غرس طيب!
العلم أنفس مقتني ... فافرغ له وترهب!
واطو الليالي باحثا ... فيما يفيدك واتعب
لا تصحب الأشرار بل ... فاهجرهم وتجنب!
في خلطة الأشرار عدوى ... مثل عدوى الأجرب
واختر من الأصحاب إن ... صاحبت كل مهذب
(1/118)

يا "طالب " العلم اغتبط ... فرجاك غير مخيب!
"جمعية العلماء" غيثك ... في الزمان المجدب!
قد أخصبت كل البلاد ... بكل روض مخصب
وحبتك مأربك الذي ... أعظم به من مأرب
فبنت لك الدار التي ... تنسيك كل تغرب!
أولتك كل عناية ... حتى غدت لك كالأب!
فانهض بعبئك كله ... وعلى دروسك فادأب
يا أيها الشعب استقم ... في السير لا تتذبذب
وبحبل دينك فاعتصم ... وبهديه فتأدب!
وعلى اتحادك فاعتمد ... من يتحد لا يغلب!
إن الذي يسعى لبث ... الخلف أكبر مذنب!
لكن شعبا يستجيب ... لمكره شعب غبي!
فاحذر من الخلف ... المبيد فإنه الورد الوبي!
يا ابن "الشمال" أخا ... المعالي للنضال الأوجب
سر في خطبي "عبد الحميد" ... تصل لأبعد مطلب
في غير تحرير "الشمال" ... جميعه، لا ترغب!
وابدأ ببذل المال ... يسهل كل أمر أصعب!
المال بعدك صائر ... لسواك إن لم يوهب
فابذله في تحطيم قيدك ... فهو أربح مكسب
ليس "الشمال" سوى ... العرين لكل ليث أغلب
(1/119)

فلسطين
نشرت بالعدد 8 بتاريخ 22 صفر عام 1367ه "بالبصائر".

أمواطئي أقدام النبيين والرسل! ... وموطن نسل الوحي بورك من نسل!
فداك العدا لا تقبلي قسمة العدا ... وللموت سيري لا تبيتي على دخل!
ولا تحفلي بالناس إن جار حكمهم ... عليك فإن الله يحكم بالعدل!
وخلفك جيش من بني العلم رابض ... ليبعد عن أرض الهدى عابدي العجل!
يدربه رمز الفدى بطل الحمى ... ذكي الحجى ماضي العزيمة كالنصل!
سيجني "بفوزي "فوزه في جهاده ... ولو بلغت أعداؤه عدد الرمل!
ويسنده "عبد الكريم" برأيه ... ويرشده "عزام" للمسلك السهل!
حوى من حماة الضاد كل مخاطر ... ومن قادة الإسلام كل فتى فحل!
فمن أشيب ساس الأمور مدرب ... ومن حدث ندب ومن بطل كهل!
جنود لها الإيمان والصبر عدة ... لدى الحرب ليسوا بالضعاف ولا العزل
نمتهم "دمشق" "والعراق" "ويثرب" ... "ومصر" "ولبنان" على الفضل والنبل
مساعير لا يثنيهم عن مرادهم ... ظلال المنايا في الصوارم والنبل!
يسيرون للهيجاء ملء صدورهم ... ثبات وعزم لا يبالون بالقتل!
لقد أقسموا أن لا تنام جفونهم ... وقد بات مسلوب الكرى بلد الرسل
فيا قادة الإسلام هبوا لتنفذوا ... مهاجر إبراهيم بالنفس والأهل
(1/120)

ويا زعماء الشرق ضموا صفوفكم ... ليصبح هذا الشرق مجتمع الشمل
لقد جد جد العرب فاقتحموا الوغى ... ولا تدفعوا جد الحوادث بالهزل
ويا أغنياء المسلمين تسابقوا ... ... إلى البذل والإيثار ذي ساعة البذل
ويا شعراء الضاد حثوا شعوبكم! ... بشعر يداويها من الجبن والبخل
فما الشعر إلا ثورة غير أنها! ... "تصول بلا كف وتسعى بلا رجل"!
ويا أيها الجيش الذي رج ذكره ... قلوب العدى باكر فلسطين كالوبل
سترجع منشور اللواء مظفرا ... ويرجع أعداء النبيين بالثكل!
(1/121)

من وحي المأساة
مأساة قتل الأخ أخاه في النزاع الدموي بين فلسطين والأردن وبين فلسطين ولبنان.

جهلنا فلم نتبع ما وجب! ... ولم نشكر الله فيما وهب!
فحل بنا من ضروب الشقاء ... كل بلاء كل عطب!
كنا نضيق بظلم اليهود ... فصرنا نضيق بظلم العرب!
وما عجب أن شكونا العدو ... ولكن شكوى الصدق العجب
أفى "رجب " وهو شهر حرام ... دماء تراق وحرب تشب؟
وليس لها غيرنا من وقود ... فنحن اللهيب ونحن الحطب
ولفت مواطننا فتنة ... أشد خسارا بها من غلب
بها شهر الإخوان السلاح ... كل لقتل أخيه انتدب!
وكان قتال وكانت جراح ... وكانت مآس وكانت كرب
وكانت مخاز خجلنا لها! ... وكانت ذنوب ولما نتب ...
وجل بنا ما أراد ... اليهود فتاهوا بما بلغوا من أرب
فكم شاع بينهم من سرور ... وكم هزأ عطافهم من طرب
ولا عجب أن يسر العدو إذا ... حبلنا قد رآه اضطرب!
ولم لا يسر ومجرى الأمور ... في الشرق تجري على ما أحب
ولم لا يسر عدو رأى! ... عدوا له بات يشكو النوب
إذا قتل الأخ منا أخاه! ... فقل: أجل المسلمين اقترب
(1/122)

فيا أيها المسلمون اذكروا ... عقيدتكم فهي أزكى نسب
وإن ذكر الناس أنسابهم ... وباهو بما عندهم من حسب!
فقولوا لهم: إننا مسلمون ... ولا تجهلوا فتقولوا عرب
وإن تذكروا أنكم إخوة ... غلبتم عداكم "ومن حب طب"
وصونوا دماءكم لا تراق ... لأتفه شيء وأوهى سبب!
فإنكم تسفكون الدماء بشهر ... حرام بشهر "رجب"!
ولكن عليكم بحصد اليهود ... فإنهم أصل هذا الشغب!
وإنهم أصل كل بلاء ... زكل عناء وكل نصب!
وهم سموا جو هذى الحياة ... ولم يتركوا أي شيء يحب
ألا طهروا الأرض من رجسهم ... ورووا الثرى بالدم المنسكب
ولا تكلوا أمركم للعبيد: ... عبيد العروش عبيد الرتب!
عبيد البطون عبيد الفروج ... عبيد الهوى وعبيد النشب
ولا تجزعوا أن تكونوا أصبتم ... وصبرا فمن ذا الذي لم يصب
ولا تفشلوا فالمصير الرهيب ... منتظر للعدى مرتقب!
وأولى بنصر الإله امرؤ ... تحري التقى وتحامي الريب!
فمن يتحل بثوب التقى يجد ... مخرجا وينل ما طلب!
ويلق رضى الله من جنده ... "ويرزقه من حيث لا يحتسب"
(1/123)

فلسطين إنا أجبنا النداء*
"فلسطين" إنا أجبنا الندا ... وإنا مددنا إليك اليدا!
وجئناك يا موطن الأنبياء ... لنسحق كل جموع العدا!
ويعلن شعبك أفراحه ... ويصبح في أرضه سيدا
وماذا جنى ليذوق الهوان ... ويصبح عن أرضه مبعدا
وأنت منار العلا مذ بنت ... يد الرسل مسجدك المفتدى
ومذ كنت مسرى بني الهدى ... جمعت المكارم والسؤددا
وكنت لأوجهنا قبلة! ... نخر لها ركعا سجدا!
فلا تيأسي إن عرت نبوة ... فسيف "الجزائر" لن يغمدا
وإن بدرت هفوة لم تكن ... لتخبو العزائم أو تبردا
فجرح الأسود تزيد به ... ضراء وتغدو به أجردا
وإن لنا همة لن تنام ... على ثأرها أو تذوق الردى
إلى الثأر يا معشر المسلمين ... إلى القدس كي ننصر المسجدا
إلى "القدس" نطرد منه اليهود ... إلى "مصر" ندفع عنها العدا
إلى "سوريا" كي نفك الحصار ... عن أرضها ونجيب الندا
"لعمان" إذ صمدت للعدا ... وحق "لعمان" أن تصمدا
__________
*. ألقيت هذه القصيدة ليلة ذكرى المولد النبوي الشريف.
(1/124)

هلم لنستأصل الظالمين ... ومن حالف الظلم أو أيدا
ونمحو من الأرض حكم الطغاة ... وما وطد الظلم أو شيدا
ننصف شعبا هدى واهتدى ... وننسف شعبا بغى واعتدى
وننسخ ليل الضلال الطويل ... ونطلع للناس فجر الهدى
فجيش "الجزائر" أقوى الجيوش ... يؤدب من خان أو ألحدا
سيبطل ما سن شرع الهوى ... ويصلح في الكون ما أفسدا
بأقدام جند النبي ائتسى ... بإيمان صحب الرسول ارتدى
بإصرار "عقبة" وابن "الوليد" ... و"طارق" وابن "نصير" اقتدى
وما كان جيش اليهود له ... بكفء وإن صال أو عربدا
وإن غرهم نصر يوم لهم ... فإن لنا معهم موعدا.
فقل لليهود وأشياعهم ... لقد آن للزرع أن يحصدا
فأين الفرار وأين النجاة ... لمن ناصب المسلمين العدا؟
فيا نبعة الضاد يا ابن الألى ... سعوا للمعالي فحازوا المدى
إليك انتهى نصر دين الهدى ... كما بك نشر سناه ابتدا!
فكن أبدا لتعاليمه ... مثال النضال مثال الفدى
وقد وكل الله أمر الورى ... إليك فكن للورى منجدا
كن حادي الركب نحو العلا ... فمثلك من للمعالي حدا
ويا أمة توجتها السماء ... ببعثة خير الورى أحمدا
بمولده فاحتفوا إنه ... غدا لهدايتنا مولدا
(1/125)

ومنه اقبسوا قوة في الكفاح ... غدا تنصروا وتفوزوا غدا
فلم يك ما مسكم من جراح! ... سوى بانحراف سبيل الهدى
فعودوا له إن تريدوا النجاح ... وأن لا تضيع المساعي سدى
وفي وحدة الصف أقوى سلاح ... وان الخلاف سبيل الردى
(1/126)

نحن نسل الهدى
نحمد الله نحن أزكى وأحمد ... نحن أغلى الورى تراثا وأخلد
نحن لنسل الهدى ونشء المعالي ... نحن جند الإله جند محمد
نحن أحفاد "خالد" و"المثنى" ... من له مثل ما لنا من سؤدد؟
سوف نقضي على اليهود أشياع ... اليهود ومن أعان وأيد
ونرد العدوان عن كل أرض ... لا نقر العدوان أيان يوجد
لا نبالي الأعداء مهما يكونوا ... قوة، لا نخاف لا نتردد!
إن إيماننا سيهدم ما شادوا ... وأعلوا من كل صرح ممرد!
وبإيماننا قهرنا عدانا ... وبذاك العدى تقر وتشهد
يا رفاق الكفاح إن بأيدينا ... زمام النجاح، إن نتوحد!
وبدين الإسلام نبلغ ما نأمل ... من كل ما يرام ويقصد
والذي لم يفز بحظ من ... الإسلام فليرض بالشقاء المؤبد
فلنكن شاكرين لله ما أنعم ... شكرا على المدى يتجدد
يا شباب الإسلام من يجعل ... الإسلام دينا يعش كريما ويسعد
ويجد ناصرا من الله مهما ... تتجهم له الحياة وتشتد!
يا رفاقا في "القدس" لا تحزنوا إن ... جل خطب بمن قضى واستشهد
كتب النصر للذي يحمل العبء ... ويصبر في النائبات ويصمد
(1/127)

إننا خير أمة صاغها الله ... لترقى للمكرمات وتصعد
إن نكن بعد ما ارتفعنا انحططنا ... فعقاب لكل شعب تمرد
نحن حدنا عن الهدى وسلكنا ... كل نهج سلوكه ليس يحمد
وكفرنا إحسان رب كريم ... شكره واجب علينا مؤكد.
فلنعد للطريق مهما انحرفنا ... عنه إن الرجوع للحق أرشد
رب رحماك قد دجا الليل ... أدركنا بصبح فالدرب أحلك أربد
رب رحماك قد طغى السيل ... عاملنا بلطف فصبرنا كاد ينفد
وتدارك بالنصر دينك يا رب ... فدين الإسلام ما زال مبعد
طاردته مذاهب الكفر والإلحاد ... في كل بقعة كل مطرد
رب رحماك أصبح الحكم الفاصل ... عند الخلاف حد المهند
وغدا الإخوة الأشقاء أعداء ... وشمل اتحادهم قد تبدد
ورحى الحرب أصبح الشرق ميدانا ... لها والسلام أضحى مهدد
وإذا المسلمون هذا قتيل ... دون ذنب وذا أسير مصفد!
وجريح بكل أرض صريع ... يتنزى جراحه لم تضمد
وثكالى يصحن في كل بيت ... وأيامى نشيجهن مردد!
وأخو الحكم ليس يعنيه شيء ... طالما حكمه سليم موطد
بل هو النافخ الضرام الذي ... ما زال مذ شب ناره ليس يخمد
أيها المستبد بالحكم لا تفرح ... فمهما تزرع من الشر تحصد
(1/128)

والدماء التي أريقت ستغدو ... أنهرا تغرق البناء المشيد!
وستلقى جزاء صنعك في يوم ... عظيم فيه الجوارح تشهد!
أيها المفرطون في الظلم مهلا ... إن للكون خالقا كيف يجحد؟
وله الحكم فهو يخشى ويرجى ... وجدير بأن يطاع ويعبد!
إنه وحده بكل كمال ... وجلال وقدوة قد تفرد!
لا تتيهوا على الأنام بسلطان ... يزول وثروة تتبدد
(1/129)

شبيبة البرج
نظمت تهنئة لأهالي "برج طولقة" ببناء مسجدهم.

"البرج" أنمى شبابا ... زكا خلالا وطابا
للمكرمات تسامى ... وللمعالي استجابا
وهب للخير يسعى! ... فلم يفته طلابا
مصمما لا خجولا! ... يرى ولا هياجا
قد شاد ما سوف يبقى ... للمسلمين مآبا
من مسجد لا يضاهي ... حسنا وفنا عجابا
فكيف تحرم أيد ... قد شيدته الثوابا؟
وكل موضع شبر ... غدا دعاء مجابا؟
هذي تباشير صبح! ... بدت تنير "الزابا"
فما أرى البرج إلا ... عضوا عن "الزاب" نابا
لكن منى "الزاب" فيهم ... ما هو أجدى اكتسابا
يرجو التفاتا لنشء ... من المعارف خابا
وذاق دهرا طويلا ... من الجهالة صابا!
يرجوهم أن يشيدوا ... لنشئهم كتابا!
يلقى المعارف فيه ... والفن والآدابا!
(1/130)

النشء إما تربى ... نفى عن الشعب عابا
والنشء إما ترقى ... يفتح إلى الخلد بابا!
النشء كالجند يحمي ... بلاده أن تصابا
النشء درع تقيه ... لدى الحروب حرابا
شبيبة "البرح" هبوا ... وباشروا الأسبابا
وذللوا كل صعب ... أما لقيتم صعابا!
وحكموا كل غل ... في الشعب حز الرقابا
أحيوا مآثرقوم ... شادوا الفخار اللبابا
ولتقرأوها كدرس ... ولتنشروها كتابا!
داووا من الجهل شعبا ... عن حلبة المجد غابا
داووه بالعلم تشفوا ... بالعلم شعبا مصابا
لا تحسبوا لرقيب ... ولا لواش حسابا
ولا تخافوا وعيدا ... ولا تهابوا عقابا!
لا تقبلوا أن تعيشوا ... بين الورى أذنابا
لا قلت إن لم تجيبوا ... "البرج" أنمى شبابا
(1/131)

تعالوا إلى المسجد
ألقيت في الاحتفال بمسجد "تازمالت".

تعالوا سراعا إلى المسجد ... إلى ملتقى الركع السجد!
إلى منتدى النخبة الصالحين ... إلى مبتغى الخشع الهجد!
إلى مشرق النور للتائهين ... ببيداء في غيهب أسود!
إلى عرصات الهدى والتقى ... إلى مرتقى المجد والسؤدد
فيا أيها الأنفس الظامئات ... إلى المنهل الطيب المورد
تعالى اسمعي الحكم الخالدات ... وسيرى إلى الله لا تقعدي
تعالي اسمعي العبر البالغات ... ففي نبعها ري كل صد!
ولا تسمعي لنعيق الألى ... يرون الضلالة إن ترشدي
فمسجدك الحر خير الأداة ... لفك القيود عن الأعبد
لقد صنع المسجد المعجزات ... بإنهاض مجتمع مقعد
وصاغ نفوس الجدود الأباة ... على شرف الخلق والمقصد
وأخرج جيش الغزاة الهداة ... إلى الله من كل مستأسد
وكل طموح إلى المكرمات ... سرج لخوض الوغى مفتد!
زكل سخي عظيم الهبات ... حمي شديد الإبا أصيد!
هنا "الله أكبر" يحيى الفؤاد ... صداها ولو قد من جلمد
هنا يشتفي جاهل من عمى ... هنا من يجيء غاويا يهتد!
(1/132)

هنا النصر للمسلم المهتدي ... على كل مستعمر معتد
هنا يتحرر عبد الهوى ... ويصبح في عزة السيد!
لقد طلع الفجر يا "ابن الشمال" ... فقم شاهد النور لا ترقد
وواصل خطاك بدرب الحياة ... ستجني ثمار المنى في غد!
ولا تحن رأسك للظالمين! ... ولا تخضعن لمستعبد!
فإنك من نسل قوم علوا! ... بهامتهم هامة الفرقد!
فأحي مآثرهم واستعد ... مفاخرهم وبهم فاقتد!
وكن مثلا للتقى عاليا ... يدل على شرف المحتد!
وما لك جاهد بإنفاقه ... وأنجد به كل مسترفد
فإن التعاون روح الحياة ... فكن خير عون بها تحمد!
وخذلانك المصلح المبتنى ... كنصرك للهادم المفسد!
ودنياك ليست تتيح الخلود ... سوى باكتساب العلا فاخلد
وي أيها الوفد بوركت من ... مجيب لجاعي الهدى مسعد
وبورك يومك في الدهر إذ ... به فتحت دفتا مسجد!
فما هو يوم ولكنه، ... لعمرك "عيد" به عيد
(1/133)

واضيعتا للغة الأحرار
واضيعتا للغة الأحرار ... قد أصبحت صفرا على اليسار
كادت تموت بعد الانتصار ... ولم تمت في عهد الاستعمار
سفاهة من أهلها الأغرار ... وغدرة من خصمها الغدار
يا فتية تلصق كل عار! ... باللغة الكريمة النجار
والأمة العظيمة المقدار ... تشبها منها بالاستعمار
ومجده المزيف المنهار ... رضيت بالذلة والصغار
وبؤت بالموت والانتحار ... والمسخ والفناء والدمار
يا لغة السؤدد والفخار! ... ويا لسان السادة الأخيار
ويا سجلا خالد الآثار! ... على مدى الدهور والأعصار
إنا سنبقى حارسي الذمار ... من حدثان الليل والنهار
نحميك بالأرواح والأعمار ... من السقوط ومن العثار
ونقتدي بالصفوة والأحرار ... من المهاجرين والأنصار
ونعتدي من جندك الأبرار ... فتصبحين لغة "المليار"
لا لغة الصفر على اليسار
(1/134)

السياسة
ليس التشدق بالفضول سياسة ... كلا ولا ذكر المجازر والحروب
أو أن تثير لدى الجالس ضجة!! ... حول التقدم والتأخر في الشعوب
إن السياسة أن تفكر دائما ... فيما تعالجه بلادك من كروب
وترى فتعمل ما ترى لعلاجها ... ولو اقتحمت لها المكاره والخطوب
أما التشدق بالسياسة وحدها ... من غير تضحية فذاك من العيوب
متى تنجلي الحرب؟
متى تنتهي هذي الحروب وتنتهي ... مصائب جرتها على العالم الحرب؟
ويسترجع الكون المهيض صفاءه ... وتهج عين الشرق مما جنى الغرب
فقد ضاقت الأرض الفضاء بأهلها من ... اليأس واستولى على الأنفس الكرب
__________
نشرت بالشهاب.
(1/135)

الصدق
لا شيء فوق أديم الأرض يعجبني ... كالصدق يبن الورى في القول والعمل
وليس شيء لعمر الحق يؤلمني! ... مثل النفاق ومثل الكذب في الرجل
هذا ويؤلمني أن أرى أثرا ... للصدق والكذب فاش غير منتقل

رمضان*
لحنت وانشدت في السجن بمعتقل "بوسوى" لحنها الفنان هرون الرشيد.
النور شعاع بكل مكان ... والكون مصغ والنجوم روان
وعلى الوجوه نضارة الإيمان ... يا للجمال يشع في "رمضان"
"رمضان" شهر البر والإحسان ... "رمضان" شهر الصوم والقرآن
"رمضان" أغنية بكل لسان ... "رمضان" انك غرة الأزمان
"رمضان " فيك تيقظ الوجدان ... "رمضان" فيك تحرر الإنسان
أنا فيك مبتهل إلى الرحمن ... فعسى تعود هناءة الأوطان
__________
*. نشرت بالبصائر.
(1/136)

رجاء غد
من حصادالسجن

عجبا نفرح باليوم الذي ... ينقضي من عمرنا ليس يعود!
فرح الطفل بحلوى أمه ... في غد فهو سعيد بالوعود!
إنها غفلة أيام الصبا ... تجعل الآتي بساطا من ورود
إنه بؤس بني الدنيا فما ... لهم في يومهم عيش رغيد!
يتمنون غدا إذ ربما ... يتجلى الغد عن حظ سعيد
غير أن الغد في طياته ... ربما يكشف عن هم جديد
إنه بؤس بني الدنيا فما ... بشقاء ما عليه من مزيد
انه الجهل بدنيانا التي ... قيدننا من هواها بقيود!
خدعتنا بسراب خادع ... وأرتنا أنه عذب الورود!
فلنحطم كل قيد لم يزل ... عائقا عن فهم أسرار الوجود

يا عين
يا عين أوردت قلبي ... موارد الحتف ظلما!
وأنت يا قلب كم ذا ... تجني على الجسم سقما؟
وأنت يا جسم تشقى ... ما بين هذين حتما!
(1/137)

نفسي
لي نفس جريئة تتحدى ... قدرة الله بارتكاب الخطايا
لا تبالي سخط الإله ولا سوء ... المصير ولا جيوش الرزايا!
تتحلى للناس زورا وبهتانا ... ثياب التقى وطيب السجايا!
وهي تخفي وراء ظاهرها شرا ... كأفعى فتاكة بالبرايا!
بهواها تنقاد لا بهدى العقل ... وان جرها الهوي للمنايا
اتخاذته إله وهي لا تجهل ... كم أوبق الهوى من ضحايا
تتعالى بلا علو وتنفي ... ما تراه لغيرها من مزايا!
وتعيب البريء ظلما وتنسى ... أنها قد حوت جميع الدنايا!
ويح نفسي تقودني لهلاكي ... وهي نفسي التي بها محيايا!
كن إلهي عوني عليها فنفسي ... دون كل الأنام أعدى عدايا
(1/138)

ربي
رب إنا عن نهج دينك حدنا ... حسبنا ذاك شقوة لا تزدنا
حسبنا أننا هدمنا بأيدينا ... علانا الذي بنينا وشدنا
حسبنا أننا أضعنا أمانينا ... التي طالما بها قد سعدنا
وإذا في القديم سدنا فإنا ... باتباع الإسلام في الناس سدنا
رب إنا بدينك الحق قاومنا ... عدانا وعن مباديه ذدنا!
رب إن الإسلام علمنا المجد ... فجدنا على الأنام وعدنا!
وأضأنا درب الهدى وهدينا ... كل ساع إلى المعالي وقدنا
وحدونا ركب الحضارة للحق ... الذي من معينه قد وردنا
ووجدنا الحياة فوضى فجئنا ... بحياة غير التي قد وجدنا
وطردنا الشرور من كل أرض ... وهزمنا جيوشها وأبدنا
وهدمنا معاقل الشرك حتى ... عبد الناس كلهم ما عبدنا
وغرسنا في كل نفس هداها ... ووددنا صفاءها وأعدنا!
ونشرنا الإسلام في كل صقع ... وحمينا ثغوره وشددنا!
غير أن النفوس أسرى هواها ... وهي في طبعها إلى الشر أدنى
فنكصنا وراءنا وأضعنا! ... ما ورثتا من العلا وفقدنا
فاختلفنا رأيا وكنا اتفقنا! ... وافترقنا حكما وكنا اتحدنا
وقطعنا أرحامنا فحقدنا! ... ونسينا إخاءنا فحسادنا!
(1/139)

وعن الدين والحياء انحرفنا ... وعن الصدق والوفاء ابتعدنا
وعلى الشر والفساد تواددنا ... وعن مهيع الرشاد صددنا
رب إنا بما اقترفنا اعترفنا ... وعلى جرمنا الكبير شهدنا
غير أنا إذا انحرفنا سلوكا ... ما انحرفنا يا رب فيما اعتقدنا
فإذا لم نكن لنصرك أهلا ... إذ نقضنا العهد الذي قد عقدنا
فتدارك بالنصر دينك يا رب ... فنحن الألى عن النهج حدنا
وإذا ساء بعضنا لا تؤاخذنا ... إلهي بفعله لا تدنا
بل فذاك الذي بفضلك أولى ... والذي من نداك رب عهدنا
هل يساوي من ساء فعلا وقصدا ... ببريء قد عف قلبا وردنا!
أيها المسلمون يهنيكم ذكرى ... رسول نلنا به ما قصدنا
نحن في ليلة أرنتا هدانا! ... فاهتدينا بنورها ورشدنا
إنها الليلة التي علمتنا! ... ما قهرنا به العدى وطردنا
وعرفنا بها طريق علانا ... فبلغنا من العلا ما أردنا!
فاقبسوا من ضيائها وأفيدوا ... من جناها ما مثله قد أفدنا!
فهي ميلادنا وفجر دجانا! ... ومنار لعزنا مذ وجدنا!
فلهجنا بفضلها وأشدنا ... وشكرنا إلهنا وحمدنا!
رب إنا إلى حماك التجأنا! ... رب إنا على نداك اعتمدنا
رب إنا منا إليك فررنا! ... رب إنا تبنا إليك وعدنا!
(1/140)

صلة الشاعر بربه
من حصاد السجن

رباه لم تبق لنا حيلة ... وما لنا حول ولا قوة!
وما لنا غيرك من عاصم ... يعصمنا من هذه الهوه!
عشنا بأحشاء ممزقه ... كأنها بالشوك محشوه!
عشنا بأجفان مسهده ... من أجمل الأحلام مجفوه
أوطاننا الجنات لكننا ... ناوى لسجن أنطق جوه
أيامنا الغر استحالت إلى ... صحائف للحزن متلوه!
متى نرى صفحة أيامنا! كصفحة الصارم مجلوه؟
متى نرى ظلمة آفاقنا ... أضحت بنور الفجر ممحوه؟
متى نرى ووضة آمالنا ... مفترة الأزهار مزهوه
عجل لنا بالأمل المرتجي ... وافتح لنا من فرج كوه!
وإن يكن ذنب أما رحمة ... منك لأهل الذنب مرجوه
(1/141)

رب رحماك بالفقير
نشرت بالعدد 213 السنة الخامسة، السلسلة الثانية
بالبصائر في 30 ربيع الثاني 1372 للهجرة.

رب رحماك كم يعاني الفقير ... من أسى ما له عليه نصير
حظه من تعاسة الحظ في ... الدنيا ومن شقوة الحياة كبير
يتلظى إهابه النار صيفا ... وشتاء يذيبه الزمهرير
ما على جسمه لباس يوقيه ... ولا عنده فراش وثير
كل ذنب يعزى إليه لأن ... الففير ذنب عند الأنام كبير
تتحامى العيون حتى ... لا ترى من شقائه ما يضير!
كره الناس قربه فهو منبوذ ... لديهم من غير جرم حقير
ما رأوه إلا اشمأزوا كأن ... القرب منه شر لهم مستطير
رب إن الفقير أسلمه الناس ... فلا راحم له أو مجير
كن له خير راحم ونصير! ... أنت نعم المولى ونعم النصير
(1/142)

لا تطل لومي
نشرت بالبصائر عدد 215، السنة الخامسة، السلسلة
الثانية في جمادي الأولى 1372 للهجرة.

لا تطل لومي ولا تطلب نشيدي ... أنا في شغل بتحطيم قيودي
أأغني ويدي مغلولة! ... وبرجلي قيود من حديد؟
أأغني ولساني موثق! ... وبطوق خانق طوق جيدي؟
أيغني من غدت أمته ... بعد عز الملك في ذل العبيد؟
أيغني من غدا موطنه ... بين أنياب ذئاب وأسود؟
أأغني وأنا في مأتم! ... بعد دهر كله أيام عيد؟
لا تطل لومي على صمتي فلو ... هز قومي الشعر ما حطمت عودي
بسكوتي لم يضع شعري سدى ... وبشعري طالما ضاعت جهودي
لم يعد للشعر تأثير ولو ... رج كالمدفع أو قصف الرعود!
إن قومي ألفوا طعم الكرى ... هل يفيد الشعر في قوم رقود؟
لا أغني قبل أن أجني المنى ... وأرى الإسلام خفاق البنود!
لا أغني قبل تحرير الحمى ... فإذا حرر غنيت نشيدي
(1/143)

دعني!
تمر على النفس لحطات تضيق فيها بكل شيء فتثورعلى كل شيء
وتسيء الظن بكل أحد فتنفض يدها من كل مخلوق والقصيدة التالية
صورة لحالة من هذه الحالات النفسية:

دعني أقاسي عاذابي ... ولا يهمك ما بي
ولا ترعك شكاتي ... ولا يهلك انتحابي
ولا تضق بشجوني ... ولا يسؤك اكتئابي
الدنب ذنبي لأني ... وثقت بالأصحاب
أودعت سري لديهم! ... فانسب من كل باب
كم جر لي حسن ظني ... في الناس من أتعاب
والحزم أن أتحلى ... بالشك والارتياب
إذا رأوني لقوني! ... بالبشر والترحاب!
وبسمة من محيا! ... تغري بلمع السراب
وألسن خدرتني ... بمنطق خلاب!
لم أعتقد غدر صحبي ... ولا جرى في حسابي
ولا تصورت خلي ... يضيف لي كل عاب
وليس يرضيه إلا ... تنقصي واغتيابي
ومذ تبينت أن ... الرؤوس كالأذناب
وأن ما فيه حتفي يجيء من أحبابي
(1/144)

نفضت منهم جميعا ... يدي وصنت إهابي!
واعتضت كل صديق ... عرفته بكتاب!
بصحبة الكتب تجنى ... روائع الآداب!
وكم ترى من صديق ... منافق كذاب!
(1/145)

أيها المبعد
من حصاد السجن
كما أن القصيدة التالية تصوير لمثل هذه الحالة النفسية:

أيها المبعد ما أعظم صبرك!
أنت قبل الموت قد أودعت قبرك
أنت لا تشكو لغير الله أمرك!
أين لطف الله، كي يطلسق أسرك
...
أيها المبعد قد طال بعادك
أيها المبعد هل ينسى فؤادك
ما تعانيه من الهم بلادك!
أم ترى ضل من الخطب رشادك
...
أيها المبعد قد طال غيابك!
وتمادى عن محبيك احتجابك!
أي يوم يا ترى فيه إيابك؟
فلقد أوشك أن يطوى كتابك
***
(1/146)

أيها المبعد هل تنسى حماكا؟
وله قضيت أيام صباكا!
والألى قلبك يهواهم هناك!
أم- ترى- أنساك من تهوى أساك!
...
أيها المبعد هل تنسى صغارا!
تركوا بعدك في الكوخ حيارى!
دارهم قد أصبحت للحزن دارا
وتلاشى البشر منها وتوارى
...
أيها المبعد هل تنسى رفاقا؟
عشت عهدا بينهم رق وراقا
أفتسملوهم وتعتاد الفراقا
كيف لا تهلك وجدا واشتياقا؟
...
أيها المبعد كم أشقيت بعدك
من نفوس لم تطق مذ غبت بعدك
إذ رأت عهد الوفا والحب عهدك
ورأت فقد الهنا والعز فقدك
(1/147)

***
أيها المبعد في أقصى الحدود!
أفما تسأم من هذا الجمود؟!
أفترضى العيش في هذى اللحود؟!
أفما ثرت على دنيا القيود؟!
...
أيها المبعد هل تفضي حياتك!
هكذا؟ أنت إذن ترضى مماتك!
وإذن فالأمل الأعظم فاتك!
أيها المبعد هل أنسيت ذاتك؟
...
أيها المبعد هل ترضى مكانا؟!
لا ترى في ظله إلا هوانا؟
ينقضي العمر به آنا فآنا!
دون أن تأتي ما يرفع شانا
...
أيها المبعد عن أرض حبيبه
يلفظ الآهات من نفس كئيبه
لا يهلك البعد فالنفس الجديبه
(1/148)

وحدها هي التي تحيا غريبه
...
أيها المبعد ما أفدح خطبك!
أن يكون الحب للأوطان ذنبك
وإذا حاولت أن تنهض شعبك
حاول الأعداء في أرضك حربك
...
أيها المبعد أما طال بعد!
عن بلاد هي للثوار مهد!
وبنوها الصيد في الهيجاء أسد
لم يضع جهد به يدرك مجد
...
أيها المبعد في صدرك ثوره
تقتضي مثلك أن يلعب دوره
أن تزيل الجائر الباغي وجوره
إن الاستعمار قد جاوز طوره
...
أيها المبعد أرغمت العدى!
بتفان وتحد للردى!
(1/149)

أنت لم ترضخ ولم تسلم يدا
أنت للأوطان عنوان الفدى
...
أيها المبعد إن عانيت ضرا
فألبس الصبر له حتى يمرا
سوف يغدو أعذبا ما كان مرا
أفما ترضى بأن تصبح حرا؟
...
أيها المبعد في النسيان سلوى
فانس من تؤثر بالحب وتهوى
تنس حزنا يأكل القلب وشجوا
فشباب القلب بالأحزان يذوى
...
أيها المبعد للخطب انتهاء
بالمنى كالليل يتلوه الضياء
ويعم الكون بشر وهناء
وكذا دنياك صبح ومساء
...
أيها المبعد قد آن الأوان
(1/150)

وكأن قد زال ظلم وهوان
وبدا في الأفق عز وأمان
ودنا بالمبعد النائي مكان
...
أيها المبعد يا رمز الجهاد!
لا تبت بالهم مكلوم الفؤاد!
سوف يجلو النصر ليل الاضطهاد
وترى عيناك تحرير البلاد!
(1/151)

أين يا صلاح؟
من حصاد السجن
هذه الأنشودة لحنها الفنان هرون الرشيد الذي كان معتقلا معنا وغنيت
في حفل عام من المعتقلين في معتقل الضاية "بوسوى".

أين يا صداح ماكان دنا! ... من رخاء وصفاء وهناء؟
أين ولى ذلك العهد الذي ... قد جمعنا فيه أشتات المنى؟
أين دنيانا التي عشنا بها ... كطيور الروض حبا وغنا؟
أين ما كان لنا من سؤدد ... عز فيه كل مظلوم بنا؟
أين عز كان أخفاق اللوا؟ ... أين مجد كان وضاء السنى؟
أين ملك واسع كانت به ... هذه الدنيا لدينا موطنا؟
أين ذاك العهد أيان اختفى؟ ... أين غابت كلها تلك الدنا؟
تعس الدهر الذي أبدلنا ... بالعلا والمجد بؤسا وعنا
أهي الدنيا سراب خادع ... أهي الأحلام بئس المقتنى؟
لا، فلا بد لشعب باسل! ... مثلنا أن يتخطاه الفنا!
سوف يغدو نجمنا مؤتلقا ... سوف تغدو هذه الدنيا لنا
(1/152)

رباه!
رباه طالت غيبتي عن موطني! ... فمتى أعود لموطني رباه؟!
ومتى أرى ظبيا أغن تركته! ... قد كان يلفظ من أساه حشاه!
ويظل يرنو للطريق فلا يرى ... في العائدين مع المساء أباه!
ويبيت يحلم في المنام برؤيتي ... فإذا جفاه النوم زاد أساه
ومتى تعود سعادتي "بسعيدتي" ... فلها فؤأد يكتوي بجواه!
ومتى أعود إلى "رجاء" منيتي ... فأرى محياه والثم فاه؟؟
ومتى أرى "فوزي" فرؤية وجهها ... تشفي فؤادي أو تبل صداه؟
ومتى ترى عيناي عينى "زينب" ... فالظيي زينب أولها عيناه؟
ومتى يلاقيني هزاري منشدا لحن ... اللقاء وانتشى بغناه؟
فلحون "عائشتي" تبدد وحشتي ... وتذود عن قلبي شجى أذواه
ومتى أرى كوخي الصغير فطالما ... ذقت الهوى فيه وطيب جناه؟
ومتى أرى صحبي وأهل مودتي ... فيتم للقلب المشوق هناه؟
ومتى أرى حسن "الجزائر" يا ترى؟ ... وأزيح ظلمة مقلتي بسناه؟
ومتى أرى سحر الخمائل والربى ... وأعانق البحر الذي أهواه؟
رباه طالت غيبتي فإلى متى أهفو إلى وطني ولست أراه؟
(1/153)

شتاء "بوسوي"
من حصاد السجن

جاء الشتاء بجيش من رزاياه ... تكاد تنفد من غيض حناياه!
جاء الشتاء إلى جمع ضعيف من ... الأسرى ليغدو سريعا من ضحاياه
جاء الشتاء بجيش لا يقوم له ... "أسكندر" وجيوش التتر تخشاه
جيش لهام لو أن "ابن الحسان" ... غدا يروم وصفا له خانته قواه
جيش تألف من برد يطير له ... قلب الحديد شظايا حين يغشاه
ومن جليد يحيل الأرض إن لمست ... كفاه منبته كالقفز مرعاه
ومن ضباب يرينا باالنهار دجى ... لا يهدي فيه ساريه لمرماه
ومن عواصف أوهت كل ذى ... جلد ووابل أغرقتنا منه أمواه
ونحن ليس لنا جيش ولا وزر ... ولا سلاح ولا عز ولا جاه
وإذ عدمنا لحرب البرد سابغة ... فبالتصبر والإيمان نلقاه
والسجن والنفي زادا في بليتنا ... فكل شيء يسلينا فقدناه
لولا وجود كرام من أحبننا ... قد خففوا ما نعاني من بلاياه
وغر كتب نهلنا من مشارعها ... ومأمل بمنايانا طلبناه!
لضاق كل أخي صبر بكربته ... وكانت الموت أدنى ما رجوناه
فاحثث خطاك سريعا يا شتاء ... فما وجه الشتاء بميمون فنرعاه
(1/154)

واصرف محياك كي يأتي الربيع لنا ... إن الربيع لمعشوق محياه
ففي الربيع سيجلو الهم أجمعه ... ويجتلي كل عان ما تمناه!
ونبتني لحمانا كل مكرمة ... ونجتني لبنيه ما زرعناه
يا رب إن بلاء الأسر طال بنا ... فامنن بحرية المأسور رباه

حنانيك
انقضى الصيف وحل الخريف وما زلنا أسرى بمعتقل "بطيوه" بعيدين
عن ميادين العمل لنجاح الثورة.
حنانيك! هذا الصيف قاد مر كلمه! ... وهذا الخريف انقض بالهم والبلوى
يقولون: إن الصيف كالضيف ظله ... فما باله قد صار أثقل من "رضوى"
وأصبح مرا كل ما لذ في فمي ... ولو أنه أحلى من المن والسلوى
أرى السجن خنقا للمواهب والنهى ... فكيف يطيق الحر في ظله مأوى
وهل يستطيب العيش في السجن شاعر ... تضيق به الدنيا فيجأر بالشكوى
تلم به في اليوم أخيلة الحمى ... وتنتابه في الليل أطياف من يهوى
فيقضي بياض اليوم بالهم والأسى ... ويمضي سواد الليل بالبث والنجوى
فيا رب حرر موطني كي أزوره ... فحرية الأوطان غايتي القصوى
(1/155)

يا صاحبي
يا صاحبي قد دجا نهاري
وأنت "مصباح" كل داج
فبدد الظلمات حولي
إني إلى النور في احتياج
...
يا صاحبي لم يعد فؤادي
ينبض بالحب والتصابي
فهل لديك دواء قلب
قد مات في نضرة الشباب؟
...
يا صاحبي طابت المنايا
واشتاق قلبي إلى كراه
فإنه لم يعد بوسعي
إغضاء جفني على قذاه
...
يا صاحبي قد خبا حماسي
(1/156)

فلست أرتاح للسعاده
مذ صار أهل الحجى عبيدا
وأصبح الأدعياء ساده
...
يا صاحبى هذه منانا!
مثل زهور الرياض تذوي
واحسرتا ضاع ما بذلنا
من الجهد بغير جدوى
...
يا صاحبي شاهت الحياة
ولف أرجاءها العفاء
فلست تلقى بها صديقا!
شيمته الصدق والوفاء
...
يا صاحبي لا يهلك أني
أزهد في الجاه والزعامه
فإنني لا أطيق أحيا
بلا ضمير ولا كرامه
***
(1/157)

يا صاحبي ما الذي دهانا
حتى غدونا بلا شعور؟
فنحن دون الأنام موتى
بلا حياة ولا نشور!
...
يا رب رحماك بالبرإيا
فإنهم لم يروا هداكا!
فاقترفوا الإثم والخطايا
وما لهم راحم سواكا!
...
يا رب خذ بيدي فإني
وقعت في هوة سحيقه
عشت حليف الضنى بظني
ولم أزل أجهل الحقيقه
(1/158)

من أين لي يوم؟
يقولون: إن الدهر يومان: واحد ... يسر، ويوم بالشقاوة يقدم
وقد عشت دهري كله لم أذق به ... سرورا ولكن عشته أتألم
ومن أين لي يوم لأرى فيه راحتي ... وكل ثواني العمر صاب وعلقم
إذا جن ليل فالبلاء مضاجع ... وإن لاح صبح فالشقاء مخيم
وما الناس إلا اثنان خل مخادع ... وخصم صريح شره ليس يرحم
وكل بني الدنيا على الشر منطو ... وإن غر ثغر منهم يتبسم
أنانية في كل نفس أصيلة! ... بأهوائها فينا غدت تتحكم
فمن أين يرجى الخير والشر غالب ... علينا، وعمر بالأذى يتصرم؟
(1/159)

طفع الكيل
طفح الكيل وانتهينا لحال ... رب رحماك إنها شر حال!
فغدونا مستعبدين كان لم ... نتحرر أو نحظ باستقلال!
وكأن لم نخض لظى الحرب في ... بأس الضواري وفي ثبات الجبال
وكأن لم نذد عن الشرف ... الغالي ببذل الدم الكريم الغالي
وكأنا لم نكتب الآية الكبرى ... ولم نضرب المثال العالي
في العلا في الهدى وفي موطن ... البذل وساح الفدى وكل مجال
وإذا نحن قد خسرنا مساعينا ... وعدنا بخيبة الآمال
ومحونا الجهاد والدم والدمع ... بقبح الأفعال والأقوال
ونسخنا آي الكتاب بما لم ... يجر للمؤمنين يوما ببال
إذ نسخنا شرع الإله الذي ... فيه بلوغ العلا ونيل الكمال
بقوانين ضحلة وضعتها يد ... كل سياسي دجال!
تتحدى شرع الإله جهارا ... وتبيح الحرام مثل الحلال
واستجبنا بعد الهداية ... للأهواء وهي تقودنا للضلال
فانتهينا إلى عبودية نكرا ... عبودية الهوى للرجال
وأصبنا- بعد المناعة- بالداء ... الذي هو شر داء عضال
إذ أضعنا إيماننا وهو أصل ... لصلاح الأخلاق والأعمال
فأصيبت أعمالنا بانحراف ... وأصيبت أخلاقنا بانحلال
(1/160)

وأصبنا بعد اتحاد كبنيان ... متين بفرقة وانخذال
وأصبنا بعد النحرر من ... حكم الأعادي بهذه الأغلال
وأصبنا بعد السيادة ... والعز بهذا الصغار والإذلال
فاليهود الأنذال قد أسسوا في ... أرضنا دولة من الأنذال
أسسوها في منبع النور في ... مهد الهدى في مرابض الأبطال
أسسوها لا بالشهامة والنبل ... ولكن بالمكر والاحتيال!
واشتروها لا بالدماء الزكيات ... ولكن بكثرة الأموال
واستباحوا حمى الأسود وداسوا ... وجه كل فضيلة بالنعال!
والحكومات إن تؤسس على ... الباطل فهي قصيرة الآجال
أرأيتم ما قد جنينا على ... أمجادنا بالتفريط والإهمال
كيف كنا وكيف صرنا وهل ... من أمل في الشفاء والإبلال
رب رحماك حسبنا لا ... تؤاخذنا بأفعال نشئنا الجهال
قد دعوناهم إلى الخطبة المثلى ... بضرب العظات والأمثال
فتمادوا في غيهم وتنادوا ... بتعام عن دينهم وتعال!
واستحبوا العمى فلم يثنهم ... داعي الهدى عن تشبث بمحال!
نبذوا كل خصلة من خصال ... الخير واستمسكوا بشر الخصال!
ورضوا أن يقلدوا كل من ... يدعو إلى الانحراف والانحلال!
أيها المعرضون عن منهل ... الإرواء والقانعون بالأوشال
والمبلون كل دعوة هدم ... للذي شيد من صروح المعالي
(1/161)

حسبكم ما أضعتم وكفاكم ... ما جنيتم من لعنة الأجيال
وإذا رمتم البلوغ لما كان ... من المجد في العصور الخوالي
فاطمئنوا إلى بلوغ مناكم ... إنه مطلب قريب المنال
فالطريق الوحيد للغاية المثلى ... التي ليس دونها من كمال
والتي لم تزل على الدهر ... دربا للخلود الذي بغير زوال
إن عملتم بكل ما شرع ... الدين القويم لم يبق من أشكال
إن دين الإسلام خير طريق ... لبلوغ الغايات والآمال
(1/162)

الإنسان بين تيارات الشقاء
فوق هذى البسيطة الغبراء ... منتهى البؤس للورى والشقاء
كم أديب بها شقي وإن كان ... بآدابه من السعداء
ومريض يئن من وهج السقم، ... ولا راحم من الرحماء!
وجياع معذبين يذوقون ... من الجوع شدة البأساء
وضعيف حقوقه غصبتها ... قوة سلطت على الضعفاء!
ومصاب في دينه وهو أشقى ... من عرفنا في الناس من أشقياء
يقطع الليل بالأسى ويناجي ... ربه في تضرع وبكاء!
قد صبرنا فيما قضيت ولكن ... ليس في الدين عندنا من عزاء
ونفوس الأحرار مهما أصيبت ... ببلاء لم تكترث بالبلاء
وإذا مس دينها ثار فيها ... شمم لا يلين للأرزاء
يكره الناس أن يموتوا وهل في ... الموت إلا سعادة الأشقياء
وبقدر الشقاء في هذه الدنيا ... يكون الهناء بعد الفناء
وهل الموت غير راحة نفس ... لقيت في الحياة كل عناء؟
"ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء"
"إنما الميت من يعيش كئيبا ... كاسفا باله قليل الرجاء"
__________
نشرت بجريدة الصراط.
(1/163)

ويحه كم يقاسي!
ويحه في حياته كم يقاسي ... من هموم تزول منها الرواسي!
ويحه كم يذيقه دهره الباغي ... كؤوسا لا تستساغ لحاس!
يا له الله من شقي كثير ... الحزن جم الشجون والوسواس
يا له الله كيف يثمر للناس ... ثمارا تجنى من القرطاس!
وهو يقضي الحياة فيهم كئيبا ... موجع القلب ثائر الإحساس
وتدر الإثراء واليسر كفاه ... ويشقى بالفقر والإفلاس
كسراج أنفاسه للورى ضوء ... ولكن يذوب في الأنفاس
ما له راحم على ما يعانيه ... ولا عاذر له في الناس!
غير شكوى يبثها إن طغى ... الهم عليه إلى حبيب مواس

بعد عامين في المعتقل
أبعد عامين في هم وفي حزن ... ووحشة بفراق الأهل والوطن؟
أبقى هنا مثلما قد كنت واحربا ... أن كان في مثل هذإ ينقضي زمني
رباه رحماك لي قلب ولي كبد ... وأفرخ بعدهم عني يؤرقني!
رباه رحماك بالقلب الذي عصفت ... به الرزايا وأذوقه يد المحن!
(1/164)

حظ الأديب
لله ماذا يلاقي كل ذي أدب ... وما يعانيه من ضيق ومن وصب!
لكل قوم نصيب في الحياة وما ... نصيبه أبدا فيها سوى النصب
أي أمريء شاعر لم ينفطر ألما ... وأي ذي أدب في الناس لم يصب؟
كأن ذنب الفتى آدابه وعلى ... قدر العقول يصاب الناس بالنوب
فالمرء إن كان ذا عقل وذا أدب ... يفوته حظه في الجاه والنشب
وإن يكن منهما قد نال قسمته ... يفوته حظه في العلم والأدب
ما حيلة المرء في الدنيا أليس له ... في الموت راحته من هذه الكرب؟
(1/165)

الفقير الصابر!
كم أعاني الأسى ولا أتكلم ... وإذا ما شكوت من يتألم؟
لم أجد في القلوب قلبا رحيما ... "ما تفيد الشكوى لمن ليس يرحم"؟
كيف أشكو إلى العباد شقائي ... وهم علة الشقاء المحتم؟
كل شر ألقاه في الدهر إلا ... وشرور العباد أدهى وأعظم!
ليس ما بي من الأسى غير فقري ... ورجائي في الأغنياء تحطم!
جعل الله في يديهم نصيبي ... وإذا ما طلبت حظي أحرم!
زادهم قسوة علي وحقدا ... أنني إن رأيتهم أتكتم!
وإذا الضر مسني أتحمل ... وإذا ما ظلمت لا أتظلم!
شيمة لي منحتها صيرتني ... ساخسرا بالخطوب لا أتبرم
لست أشكو بثي وحزني إلا ... لإلهي فإنه بي أرحم!
(1/166)

قلبي!
في حنايا الضلوع قلب دام ... قرحته حوادث الأيام!
كل يوم به سقام ملح ... وضنى زائد وحزن نام!
مثخن بالجراح لم يبق فيه ... موضع قد خلا من الآلام!
رق سقما فلو ألمت به ريح ... لهاجت بلواه بالإلمام!
برم بالحياة قد ضاق ذرعا ... بفسيحات كونه المترامي!
لم يذق فيه راحته فتمنى ... يائسا أن يذوق طعم الحمام!
عاف دنيا لم تتسع لذوي ... الفضل وأهل العقول والأفهام!
ملئت بالشقاء والبؤس ... ألوانا وغصت بالشر والآثام!
تضع الشاعرالأديب وتقصي ... دون ما رحمة ذوي الإلهام!
والغبي البليد فيها سعيد ... نال أو في الحظوظ والأقسام!
يا لك الله أيها القلب من قلب ... حليف الشقاء نضو السقام!
دائم الاضطراب والخفق ... تبدي زفرات كمثل حر الضرام!
لم تجد في الأنام من مسعد يرجى ... فأعرضت عن جميع الأنام!
فاعتصم بالعزاء، يا قلب لا ... تجزع فصفو الحياة كالأحلام!
والخطوب الجسام في هذه الدنيا ... لمن حصة النفوس العظام
وسواء من عاش فيها سعيدا ... في رخاء وغبطة وسلام!
والذي قد قضى الحياة كئيبا ... وغدا نهبة الخطوب الجسام!
كل من في الوجود يودع لحدا ... ضيقا رهن جندل ورغام!
(1/167)

يا عيد
نظمت في عيد الأضحى سنة 1360 للهجرة، إبان
المجاعة العالمية السوداء التي كانت إحدى عواقب
الحرب الوخيمة ونتائجها السيئة.
يا عيد هل أنت عيد ... أم أنت هم جديد؟
لم يبتهج بك طفل ... ولا اشتهاك وليد
البرد فيك مذيب ... والزمهرير مبيد
والثلج إن غاب يوما ... فلا يغيب الجليد!
وللعواصف نفح ... به تذوب الجلود
وللمجاعة فتك ... بالعالمين شديد
فما لهم فيك قوت ... ولا لديهم وقود
ولا عليهم لباس ... لا طارف لا تليد
وكل ما فيه نفع ... لجائع مفقود!
إلا النقود ولكن ... ماذا تفيد النقود
فكيف أدعوك عيدا ... وليس فيك سعيد؟
(1/168)

نجوى
أعزز علي بأن أراك كئيبا ... أو أن أراك من العزاء سليبا
في ناظريك أرى ظلالا للأسى ... وعلى محياك الجميل شحوبا
وجه كما ابتسم الربيع محبب ... لا تكسه روحي فداه قطوبا
هذي الحياة على ابتسامك عذبة ... وإذا غضبت وجدتها تعذيبا!
ماذا يطيب من الحياة جميعها ... إن لم تكن لي في الحياة حبيبا!
دنيا -وإن خدع الأنام سرابها- ... جمعت من الألم المرير ضروبا
وبدا لعيني صفوها فوردته ... فوجدته بالمنغصات مشوبا!
وطلبت خلا أرتضيه فلم أجد ... إلا عديما للوفاء كذوبا!
متطلعا للعيب في إخوانه! ... فكأن فيه على أخيه رقيبا!
يلقاك بالوجه الضحوك وقلبه ... من بغضه قد أضمر التقطيبا
دنياك قل بها الوفاء وحسبها ... عدم الوفاء مساويا وعيوبا
لا نشك فيها غربة فهي التي ... يحيا بها الحر الكريم غريبا!
(1/169)

أي هم تعاني؟
لمحت على وجهك الناحل! ... ظلالا من الكمد القاتل!
وفي جفن عينيك غرب الدموع ... ترقرق في نرجس ذابل!
وفي ناظريك الأسى كامنا! ... ينم على ألم داخل!
وقد شاع في وجنتيك الشحوب ... فألوي بروض الصبا الحافل!
أبن أي هم تعاني فما ... عهدتك في الخطب بالذاهل
وكفكف- فديتك- دمعا جرى ... على ورد خديك كالوابل
ودع لمحياك هذا الجمال ... فلم صار كالقمر الآفل؟
فهذا الأسى- إن يدم- قاتل ... وموتك- يا منيتي- قاتلي
(1/170)

ذكراك
ذكراك ملء فمي وشغل لساني ... وحيث أفكاري وهمس جناني
وسماء أحلامي وفيض خواطري ... وشفاء آلامي وسر بياني
ذكراك أغنيتي التي أشدو بها ... فتذوب في نغماتها أحزاني!
ذكراك تطفيء ما بقلبي من جوى ... قد كاد يلهب من لظاه كياني
ذكراك نفح الروض تفعل بي كما ... فعلت بنان الريح بالأغصان
ذكراك تبعث في فؤادي نشوة ... هي في فمي أحلى من الألحان
ذكراك تنسيني متاعب شقوتي ... وتزيد في جذلي وفي اطمئناني
ذكراك فيض الحب بين جوانحي ... وخيالك الموحي إلى الأذهان
ذكراك دنيا الشعر كل رغائبي ... في هذه الدنيا وكل أماني
يهنيك قلبي أنه حرم الهوى ... لك لم يحل به هوى إنسان
يهنيك لو فتشته لوجدته ... من لوعة الأشجان كالبركان
فاحميه من نار الهوى لا تتركي ... مأواك تتلفه يد النيران!
فبسحر عينيك اللتين أصابتا ... قلبي وسحر جمالك الفتان!
إلا رحمت عذاب صب مدنف ... فالحسن مشتق من الإحسان
(1/171)

سلطة الألحاظ
ليس قي الكون سلطة بخضع ... الناس لها مثل سلطة الألحاظ
فالعيون الوسنى نراها ضعافا ... وهي أقوى في الفتك بالأيقاظ
كم رمت أنفسا وأصمت قلوبا ... وأذلت من تائه جواظ 1
مذ تصدى شيطان شعري إليها ... رجمته من لحظها بشواظ
سحرها روت ما حوت من فتور ... ليس سحر الرموز والألفاظ

حبيبتي!
حبيبتي اطرحي الدلالا ... ولا تزيدي الحشى خبالا
وقصري عمر التنائي ... فإنه -وهواك- طالا
وداركي أكبدا صوادي ... تكاد تشتعل اشتعالا!
وأسفري كالصباح نورا ... واشرقي كالضحى جمالا!
وابتسمي كي تراك عيني ... طلعت في أفقي هلالا!
فوجهك البدر وهو هاد ... فكيف زدت به ضلالا!
وقدك الغصن لم تمله ... ريح ولكنه أمالا!
يا أقرب العالمين دارا ... مني وأبعدهم منالا
هلا رحمت كسيف بال ... يا أنعم العالمين بالا
__________
1. متكبر.
(1/172)

مساجلة أدبية!
اجتمع الأساتذة: بدوي جلول، أحمد سحنون، محمد العيد، في أحد المنتزهات الجميلة
بالعاصمة "الجزائر" فمر أمامهم ما حرك شاعريتهم بالأبيات التالية، وكأنهم خاطبوا في ذلك
الشخص المرئي شخصا آخر غير مرئي "الشهاب".
بدوي:
وفتاة مرت بنا ذاصباح ... تتثنى كأنها غصن بان!
سحنون:
ثم ولت وما رثت لقلوب ... رشقتها بلحظها الفتان
العيد:
قربت وصلها القلوب ولكن ... حال من دونها اختلاف اللسان
بدوي:
ربة الدل داركي أنفسنا ... تعاني من الضنى ما تعاني
لفتة ترجع الحياة إلى القليل ... وعطفا يعيد ميت الأماني
سحنون:
وارتشافا من خمر ريقك يطفي ... ما بنا من لواعج الأشجان
وابتساما ينير ظلمة نفس ... عذبت بالصدود والهجران
العيد:
أحسني فالحسان في شرعة ... الآداب أولى الأنام بالإحسان
ملك الحسن أمرنا فأرانا ... كيف يبلى الإنسان بالإنسان
(1/173)

البصائر تحيي قراءها
بمناسبة توديعها سنتها الخامسة ونشرت بعدد225
من البصائر في 26 محرم الحرام سنة 1372 للهجرة.
يا أحبائي وقرائي سلاما ... كنتم للدين والفصحى دعاما!
عشت دهرا بينكم مرعية ... وكذاك العرب يرعون الذماما
سوف أرعاكم وأوليكم جنى ... طيبا تجنونه عاما فعاما
سوف أغدو روضة فواحة ... تقطفون الورد منها والخزامى
غير أن النار إن أعوزها ... حطب باخت ولم تزدد ضراما
أنا مصباح وضوئي باهر ... وبدون الزيت لا أجلو الظلاما
فأمدوني بزيت وابذلوا ... كل غال تدفعوا عني الحماما
أنا مجد الضاد إن لم تحرسوا ... مجدكم لم تصحبوا الدنيا كراما
(1/174)

المجلس الإسلامي الأعلى
ليهنك يا شعب العلا المجلس الأعلى ... فما المجلس الأعلى سوى المثل الأعلى
حلمت به دهرا وغنيت باسمه! ... فكنت به أولى وكنت له أهلا
فيا ابن العلا سر في طريق العلا ولا ... تقل للأولى يحدون ركب العلا: مهلا
دنت منك آمال كبار فلا تبت ... على اليأس وابسم للحياة وكن جذلا
وقل: مرحبا أهلا بوفد محمد ... وقل- لعمري- أن يقال له: أهلا
وكن خير عون بامتثالك أمره، ... يعد كل صعب في طلاب العلا سهلا
وإن لم تكن عونا له لم يكن له ... غناء كرام صائب لم يجد نبلا!
فلا تفعلوا إن المصير لفادح ... يصب عليكم من مصائبه وبلا!
وتبقوا بلا دين وأية أمة ... تعيش بلا دين ترى الخسف والخبلا
هلموا لدين الله ننشر لواءه ... ونهزم به الفوضى وندفع به الجلى
فإنا بدين الله كنا أعزة! ... فلو لم نعق الدين لم نعرف الذلا!
وكنا منارالعلم والفهم والحجى ... فلو لم نفرط فيه لم نعرف الجهلا!
فعودوا إليه إن أردتم هداية ... فمن حاد عنه "وهو نهج الهدى" ضلا
وأعظم ما أهدى لنا الله دينه ... فكل عطاء دونه جل أو قلا!
ونحن بدنيانا نسيرعلى شفا ... بأسفله يلقى الردى كل من زلا
(1/175)

وما الخطة المثلى لمن رام خطة ... سواه فلا تنأوا عن الخطة المثلى
فلا تحسبوا التحرير يغنى عن الهدى ... ولا محض الاستقلال يكسبنا الفضلا
فلا كان الاستقلال إن جانب الهدى ... ولا بقى التحرير إن حارب العدلا
فلم نطلب التحرير بالدم والفدى ... لنغدو قطيعا سائما عدم العقلا
ولا أننا ثرنا لتحطيم قيدنا! ... لنجعل في أعناقنا للهوى غلا
أعيذكم أن تمسخوا الثورة التي ... بذلتم فأغليتم لإنجاحها البذلا
وسودوا بهذا الدين في الناس آخرا ... كما سدتم كل الأنام به قبلا!
وذودوا سهاما صوبت نحوه فلم ... يزل يتلقى من خصوم الهدى نبلا
فمن لم يذد عن دينه ما يسوؤه ... فليس بذي دين وإن صام أو صلى
(1/176)

أهلا وسهلا
قيلت تحية لأحد الوفود العلمية المصرية في زيارتها للجزائر.
وفد مصر الكريم أهلا وسهلا ... سوف تلقى ما بيننا لك أهلا!
لح بأفق "الجزائر" الجهم بدرا ... وعلى جدب أرضها فاغد وبلا!
أمح من أفقها المعبس دجنا ... وانف من أرضها الكئيبة محلا!
صف بها كل ما تشاهد وانقل ... لبني النيل ما تشاهد نقلا!
قل لهم إن في "الجزائر" شعبا ... عربيا يسام خسفا وذلا!
قل لهم إنه يكابد ظلما! ... قل لهم: إنه يقاوم جهلا!
فامنحوها معارفا وامنعوها ... لم تزل مصر للمكارم أهلا!
لم تزل من قديمها موطن ... الفن غذته طفلا وحاطته كهلا!
وملاذا للدين والضاد مذ ... كانت لدين الإسلام والضاد ظلا
سوف نرعى إحسانكم ما حيينا ... ونرد الجميل قولا وفعلا
(1/177)

وفد العروبة
نظمت بمناسبة زيارة وفد المعلمين العرب إلى الجزائر
وإقامة حفلة للدكتورة بنت الشاطئ بالأوقاف.
انهض إليه مسلما ... بعث النبي معلما
وانثرعلى أقدامه ... الورد النضير معظما
واجعل فؤادك ... بالمحبة للمعلم مفعما
واقبس سناه لتهتدي ... واتبع خطاه لتغنما
رضي المعلم أن يكون ... لكل خير سلما!!
فرمى بطرف لا يحيد ... عن العلا نحو السما!
ومشى أمام السائرين ... مسارعا متقدما!
يهوى البلاد متيما ... وعلى الجهاد مصمما
يا شاعرا إن يشد ... بذ المنشدين وأفحما
هات النشيد العذب ... واهتف منشدا مترنما
وفد العروبة جاء ... يحمل للجزائر بلسما!!
أهلا بإخوتنا الكرام ... الذائدين عن الحمى!
هذا القطاع من العروبة ... كاد يتلفه الظما
(1/178)

جفت منابعه وغاض ... رواؤه وتجهما!!!
وخبا ضياء العلم ... والآداب فيه فأظلما!!
وأناخ بين ربوعه ... الجهل البغيض وخيما
فلتطلعوا فيه بدورا ... ولتلوحوا أنجما!
أهلا برائدة النساء ... الوافدات على الحمى
أهلا بأعظم حامل ... من بعد مي مرقما!
أهلا" بعائشة" التي ... قدر البيان بها سما!!
كم دبجت، ببراعتها ... للضاد سفرا قيما!!!
حلي بأرض طهرت ... من كل رجس بالدما
لم يبق فيها أي قيد، ... كل قيد حطما!
وغدت كروض فانزلي ... فيه وطيبي مقدما!
ثم امنحينا من بيانك ... كل ما يجلو العمى
ويعيد لابن الضاد ... منزله الأعز الأكرما
فمن العجائب أن يظل ... ابن العروبة أعجما
ويرى بغير لسانه!!! ... في أرضه متكلما
من لم يكن بتراثه ... يعتز لم يك مسلما
(1/179)

أيها الصقر!
نظمت وألقيت في 28 جوان 1969 م تحية
للأستاذ أحمد "صقر" بمناسبة زيارته "الجزائر".
مرحبا "بالصقر" قد جاء إلى ... بلد الثورة من أرض الصقور
كلنا شوق إلى رؤيته ... وقلوب طافحات بالسرور
مرحبا بالعلم فالعلم حيا!! ... مؤذن من بعد موت بالنشور
مرحبا بالأدب الجم الذي ... هو خصب بعد محل ودثور
مرحبا بالخلق السمح الذي ... هو عنوان على صدق الشعور
أيها "الصقر" الذي قد طار ... من وكره إنك في خير الوكور
أنت في الأرض التي كم أنجبت ... من صقور للمعالي ونسور
أنت في الأرض التي قد صنعت ... ثورة قد هزمت حلف الفجور
أنت في الأرض التي قد حطمت ... كل كبر في فرنسا وغرور!!!
أنت في الأرض التي كم شيدت ... من علا يبقى على كر الدهور
ولها شوق إلى كل فتى ... همه السعي لإحياء الشعور!!
فلتقم ما بيننا محترما مثل ... شمس قد أحيطت ببدور
(1/180)

ضيوف!
قيلت بمناسبة زيارة وفد فني مصري "للجزائر".
ضيوف ولكن هم على النفس أكرم ... من الأهل والأبناء والله يعلم
ضيوف من الشرق الذي منه أشرقت ... أشعة نور الوحي والكون مظلم!!
من النيل من مهد الحضارات من حمى ... أبي الهول والأهرام حوليه جثم
من البلد الفادي من الوطن الذي ... بآفاقه شع العلا والتقدم!!!
بلاد بها "قطب" وفيها رفاقه ... أحن إليها كل يوم وأحلم!!!
فيا نبت وادي النيل أهلا ومرحبا ... حللتم بأوطان تحن إليكم!!!
لقد شاركت ألحانكم في جهادنا!! ... فكانت كجيش للمغيرين يهزم
إذا كان للرشاش فضل ففنكم ... حداء له فضل عليه مقدم
وإن أصبحت أرض "الجزائر" حرة ... فمنكم لها في الرأي جيش عرمرم
فليلتكم غراء لاح بأفقها!! ... بمقدم أبناء الكنانة أنجم!
فمطلعكم للبشر والألنس مطلع ... ومقدمكم للمجد والعز مقدم
فكل لسان بالمحامد ناطق!! ... كل فؤاد بالمحبة مفعم!!!
فغنوا لنا لحن السرور فطالما ... أناخ بنا حزن به الطفل يهرم
وهاتوا لنا الفن الذي فيه برؤنا ... من الهم، إن الهم داء محطم
(1/181)

فلله هذا الشعب كم ذاق من أسى ... فأكثر أهليه يتيم وأيم!!
ففي كل عين في "الجزائر" أدمع ... وفي كل قلب حرقة وتألم!!
ولكنها لم تستكن لعدوها ... ولم يثنها في العيش صاب، وعلقم
إلى أن علت في الأفق راية نصرها ... وأصبح فيها كل قيد يحطم!!
وغادر جيش الاحتلال ربوعها ... ولم يبق فيها للفرنسيس مغنم
وأعلنت الأفراح في كل بقعة!!! ... فللطير تغريد بها وترنم!!
وها هي شحارير الكنانة بيننا ... تشاركنا عيدا له الكون يبسم
وذا "خالد" يصغى إلى لحن "كارم" ... ولحن "نجاة" وهو نشوان مغرم
يحاول أن يوحي له بقصيدة ... "فخالد" في نظم الروائع ملهم
وها هي أفلاذ "الجزائر" تحتفي ... بكم كسوار أنتم فيه معصم
فغنوا فذا عرس العروبة إنها ... اذا عرست لم يبق في الأرض مأتم
(1/182)

يا شبابا النيل!!!
نشرت في 178 من البصائر في 9 ربيع الثاني 1371 للهجرة.
مصر ذا نهجك فامضي لا تحيدي ... لتعيدي عهد ماضيك المجيد!
لا تهابي الموت ما الموت سوى ... سلم المجد ومفتاح الخلود!
حبذا ورد المنايا إنه ... منفذ الأحرار من عيس العبيد
لا تضيعي الوقت في القول سدى ... ليس بالأقوال تحطيم القيود
أتلاقين بسيف من هبا! ... من يلاقيك بسيف من حديد
منطق القوة أجدى فاجعلي ... قوة العدة منه والعديد!
واطردي الضيف الذي لم يرض من ... صاحب البيت سوى قطع الوريد
واحفظي حرمة أبناء لقوا ... حتفهم في البحر أو فوق الصعيد
ذهبوا في الوثبة الأولى فدى ... لك من ثورة بركان مبيد!
يا شباب النيل هذا يومكم! ... فأرونا فيه أقدام الأسود
لا تلينوا للعدا وادرعوا ... بثبات الجأش والعزم الوطيد
واجعلوا الإيمان أقوى عدة ... تغنموا النصر على الباغي العنيد
قوة الإيمان لا ترهب ما ... حشد الطغيان من "جيش عتيد"
قوة الإيمان لا تعد لها ... قوة النار ولا بأس الحديد
من لمصر اليوم إن لم تطردوا ... من حماها كل شيطان مريد!؟
(1/183)

ابذلوا أرواحكم من دونها ... تبذلوا في برها أقصى الجهود
واشتروا حرية الوادي بها ... نهي لا تشرى بجاه أو نقود!
كيف للمسلم أن يخشى الردى ... وهو يخشى فوته أجر الشهيد!
كلنا للنيل جند مخلص ... ذاك فرض ليس عنه من محيد!
يا بني "التأميز" قد أسرفتم ... وتعدى ظلمكم كل الحدود!
ما الذي أغضبكم من أمة ... نزلت فيكم على حكم الجدود!
بلغ ابن النيل أقصى رشده ... فارفعوا الحجرعلى الابن الرشيد!
وإذا أبطركم إنكم! ... لم يزل نجم علاكم في صعود!
فتجبرتم وقلتم إننا! ... أهل بطش وأولو بأس شديد!
فاتقوا عاقبة البغي التي ... أهلكت عادا وأودت بثمود!
إن يوما فيه يهوى نجمكم ... لهو يدوم منكم غير بعيد!
يا بني الإسلام كنتم أمة ... تتحدى كل جبارعنيد!
سستم الناس بعدل شامل ... فتساوى الناس في عيش رغيد!
كيف صرتم تطمئنون إلى ... سلطة الأشرار والعيش الزهيد
فلتعودوا قوة جبارة! ... وليكن جندكم أقوى الجنود
وليسد دين التآخي وليزل ... ظل الاستعمار من هذا الوجود
عم دنياكم ظلال حالك ... فأروا الدنيا سنا فجر جديد
(1/184)

يا موكب الله
تحية لوفد القراء العراقيين في زيارتهم "للجزائر".
يا موكب الله يا تالين قرآنه ... إن القلوب للقياكم لظمآنه
أهلا بكم كلنا راض ومغتبط ... بكم يراكم بعين الحب إخوانه
شعب الضحايا يرى فيكم أساة هدى ... فشنفوا بهدى القرآن آذانه
رانت على قلبه أحزانه وشكا ... آلامه فلتذودوا عنه أحزانه
يا أهل بغداد مازلتم شموس علا ... وأرضكم لم تزل بالمجد مزدانه
بغداد كانت لأهل العلم عاصمة ... وروضة بفنون العلم فينانه
تهفو إليها قلوب الناس قاطبة ... كل ليحى بالعرفان بلدانه
وهل رأى الناس لليونان فلسفة ... لولا بنان من المأمون فنانه
بنى لها دارعلم واستحث لها ... من قد أتموا بنقل العلم بنيانه
فمن يكن ناسيا للمحسنين يدا ... لسنا بناسين "للمأمون" إحسانه
بنى لها الشرف الأعلى فلا عجب ... إذا غدا كلنا في المدح إحسانه
فمن يكن من بني "الأفرنج" مدعيا ... سبقا لعلم فضحناه وبهتانه
السبق للشرق لا للغرب نعرفه ... أعطاه علما كما أهداه إيمانه
لولا يد الشرق مات الغرب من زمن ... أو ظل أبناؤه للشرق عبدانه
وسوف نبصره عادت إمامته ... للغرب واسترجع الإسلام سلطانه
يا وفد بوركت من وفد ودمت لنا ... غمامة بهدي القرآن هتانه!!
لا خير في مسلم يهديه خالفه ... قرآنه ثم يجفو الدهر قرآنه
(1/185)

من هنا
القصيدة التي نطمت وألقيت في مهرجان الشعر في
28 أفريل 1975 م بقاعة "المقار" "الجزائر".
من هنا من ساحة ... المجد وأفق العظمات
من هنا من باحة الضاد ... وأرض المعجزات!!
من سماء العدل والحق ... ومن دنيا الهداة
من روابينا ميادين ... الفدى والتضحيات!
من هنا من ملتقى ... الأبطال مهد الثورات!
من حمى المليون ... والنصف الصناديد الأباة
وهبوا للوطن الغالي ... النفوس الغاليات!
من هنا من هذه الأرض ... بدا نور الحياة!
الحياة الحرة المثلى ... على رغم العداة!
وتعالى الضوء فانجاب ... حجاب الظلمات!
وبدا منه محيا ... مشرق بالبسمات!
وجه دنيا غضة ... مطلولة بالنشوات!
وجه عهد طافح ... بالبشر جم الرغبات
نجتلي في ظله الوارف ... أغلى الأمنيات!
ونرى المستقبل المأمول ... وضاء السمات
(1/186)

إخوتي: يا قادة الفكر ... ويا وفد البناة!
أي عيد نلتقي ... فيه جميل القسمات
ضم إخوانا نمتهم ... للعلا أسمى اللغات
هو عيد الشعر ... عيد الكلمات الملهمات
التي كم شحذت ... واستهضت من عزمات
وأثارت عبقريات ... وأحيت موهبات!
وأنارت لخطى السارين ... درب الحريات!
هو عيد الذكريات ... الباقيات الصالحات
مرحبا بالذادة الأحرار ... والصيد الحماة
مرحبا بالألسن الفصحى ... وأحلى النغمات
مرحبا بالعيد عيد ... الشعر باني النهضات
إنه أقوى سلاح ... إنه خير أداة!
مرحبا أهلا وسهلا ... وتحايا طيبات!
كل أرض بكم تزهو ... وتسخو بالنبات!
ولهذي الأرض تاريخ ... ندى الصفحات!
تربها الزاكي عبير ... من دماء زاكيات!
طالما كان مجالا ... لحروب طاحنات!
كل شبر فيه قبر!! ... لفتى أو لفتاة!
ليس من خاف من ... الموت جديرا بالحياة
إخوتي: يا صاغة الشعر ... ويا ركب الحداة
(1/187)

يا رفاقا أقبلوا ... كالطير من كل الجهات
لبلاد عزمها ... حطم آمال الغزاة!
شوقها شوق صد ... ظمآن لماء الفرات!
فانفحوها من جنى ... الشعر بأزكى النفحات!
واجعلوا الشعر جهادا ... مستميتا للطغاة
ورصاصا يحمل الموت ... لأعداء الحياة
وصروحا شاهقات ... لمعلا والمكرمات
واجعلوا منه غذاء ... للعقول النهمات
ليكن حثا وكسبا ... للعلوم النافعات!
لا تضعها فيها نصرك ... غريقا في سبات
ليكن دربا إلى النصر ... وجسرا للنجاة!
كن أخي حربا على ... تلك الفنون المائعات
وعلى الشعر الذي ... يغرى بفعل المنكرات
لا يكن شعرك خلوا ... من معاني الكلمات!
هيكلا من غير روح ... وصراخا في فلاة!
لا يكن يدعو إلى ... نوم النفوس اليقظات!
ليكن شعرك جندا ... في "فلسطين" الفتاة!
لا يبالي الهول لا ... يرهب خوض الغمرات!
ضع له شعرا له ... ثورة أقوى العاصفات!
ضع له خير مثال ... للشعوب التائرات!
(1/188)

التي تاريخها يعطي ... الدروس البالغات!
أي شعب، شعب هذا ... البلد الجم الهبات؟
أي شعب جاد بالروح ... وضحى بالحياة؟
ذلكم شعبي الذي ... قلم أظفار البغاة!
وجنى نصرا سيبقى ... أثرا في الخالدات!
غير أنا اليوم جرنا ... عن طريق المكرمات
وانطلقنا في سباق ... لانتهاك الحرمات!
وتقاعسنا ونمنا عن ... أداء الواجبات!
وتخاذلنا أمام ... النظم المستوردات!
وتجاهلنا الذي تملكه ... من ثروات!
وتحالفنا على رفض ... المبادئ الصالحات
وركعنا وسجدنا ... للمبادي الوافدات
وظللنا نؤثر ... التقليد كالببغوات
ومن التقليد ما ... يضحك حتى الثاكلات
ومن التقليد أن أضحى ... الفتى مثل الفتاة
بشعور مرسلات ... وقدود مائلات!
وثغور ذهبيات ... الثنايا لامعات!
من تري يحمي حمى ... الأوطان عند النائبات
فلنعد سيرتنا الأولى ... بعزم وثبات
حينما كنا منارا في ... الليالي الحالكات!
(1/189)

ودروعا سابغات ... تتحدى الأزمات
لا نبالي بالمنايا ... في سبيل الأمنيات
يا شباب العرب الأمجاد ... يا نسل الهداة
لا تدع ثروتك العظمى ... وترضى بالفتاة
إنها العدة فيما خضته ... من غمرات
أيقظوا بالشعر من عاش ... في ماض وآت
(1/190)

محرم!!
ألقيت بنادي (الرشاد) في الاحتفال برأس السنة الهجرية ونشرت بعدد 14 من السلسلة الثانية من البصائر في 3 محرم الحرام عام 1367 للهجرة.
هيا بني الضاد هيا ... جند الشباب تهيا
قد هب من طول نوم ... وجد في الخير سعيا
رعى حقوق بلاد ... له تقاضه رعيا
سقيا له من شباب ... يرعى الحقوق ورعيا
إن الشباب ليحيي ... بلاده حين يحيا
يا فتية الضاد هذا ... شهر"الحرم" حيا!
شهر تألق فيه ... تاريخنا عبقريا!
يبدو به كل عام ... كغرة في محيا!
ثأر يحكم سفر مجد ... مضى ويبقى نقيا!
أحداثه تتجلى ... درسا تسامى عليا!
لكنكم قد نبذتم ... تاريخكم ظهريا!!
ولو سلكتم خطاه ... لما غدا منسيا!!
عودوا إليه ففيه ... ما يستفز الخليا!!
عودوا له إن أردتم ... نشئا قويا فتيا!!
متيما بالمعالي ... ومسلما وطنيا!
(1/191)

عودوا لهجرة طه!! ... تروا من المجد دنيا!
قد أعلن الحق فيها ... للخافقين جليا!
فشع في كل أفق ... ومد في الأرض فيا!
وطالما قد توارى ... وعاش سرا خفيا!
محمد من قريش!! ... قد سيم كيدا وبغيا!
ما ازداد حلما وصفحا! ... إلا وتزداد غيا!
فراح يهجر أرضنا!! ... لم تستمع منه هديا
قد حكمته غلاما ... وحاربته نبيا!!
والحر إن سيم خسفا ... رام المكان القصيا!
فأم "يثرب" يبغي! ... بها مجيرا وفيا
لما أتاها أقامت ... له احتفالا سنيا!
تنظرته اشتياقا ... صباحها والعشيا!
خفت إليه جميعا ... شيخا بها وفتيا!!
كل يحس نزوعا ... به يدب قويا!!
يسمو لمرأى نبي ... قد اصطفاه وليا!!
فاستقبلته كنور ... يهدي الصراط السويا!
وكان في الدهر يوما ... أبقى صدى ودويا!
ألقى "بيثرب" جمعا ... من الشباب زكيا!
حمى به الدين حتى ... غدا به محميا!
وراح طه قريرا ... بما أصاب رضيا!
(1/192)

رآى حواليه جندا ... بنصر طه حريا!
لما يريد مطيعا ... على العتاة عتيا!
وأبصر الدين فيهم ... معظما مرعيا!
فمد إذ ذاك طرفا ... إلى الأمام سميا
فأبصر الكون يهوى ... به الضلال هويا
والناس في الشرك غرقى ... عن الحقائق عميا!
على الضعاف عتاتا ... حول الطغاة جثيا!
فتابع الفتح يزجى! ... له شبابا كميا!
حتى غدا الكون طرا ... بهديه مهديا!
يا نش! ء طه المرجى ... وجنده المفديا!
ومن بذكراه أضحى ... رغم العوادي حفيا
محمد ليس يرضى! ... بأن تعيش شقيا!
وإن قنعت بدون ... يكون منك بريا!
إن لم تكن مثل طه ... فلست من طه شيا
تبني كما كان يبني ... مجدا يطول الثريا
إلى الأمام لنحيي! ... ما كان بالأمس حيا
إلى الأمام لنقصي ... عن الحمى الأجنبيا!
عار على جند طه! ... أن لا يكون قويا!!
(1/193)

شهاب محمد!!!
ألقيت بحفلة ذكرى المولد النبوي بنادي "المولودية" بالجزائر العاصمة،
ونشرت بعدد 23 من "البصائر" بتاريخ 5 ربيع الثاني عام 1367 للهجرة.
شباب محمد نعم الشباب ... إذا نودوا لمكرمة أجابوا
يميل بهم إليه هوى ملح! ... ويحدوهم إليه هوى عجاب
ويزجيهم إلى الذكرى وفاء ... لصاحبها كما يزجى السحاب
أتوا يتطلعون إلى قطاف ... من الآداب فيها يستطاب
لقد صدئت نفوس من أساها ... وخير جلائها الأدب اللباب
حياة محمد فيها حياة!! ... وسيرته إلى العلياء باب
ومجد محمد "إن غال مجدا!! ... ذهاب" ليس يعروه ذهاب
وليس يضيره الإغفال شيئا ... كما لا يخلق السيف القراب
ونور الشمس إن حجبته سحب ... فهل يمحو سنا الشمس الحجاب؟
فيا جند الشباب إلى المعالي ... مضيا مثلما يمضي الشهاب
إذا لم تقتفوا آثار طه ... فليس لكم إلى طه انتساب
ولستم بالأسود إذا رضيتم ... بأن تسطوا بأرضكم الذئاب
ولستم نسل آباء كرام ... وأنفسكم كأرضكم- نهاب!!
أيمسي ابن البلاد غريب ... دار ويرى للدخيل بها جناب
(1/194)

ويمسي ابن الفتوح رهين أسر ... وطعم الأسرار للأحرار صاب؟
تحارب بنت "يعرب" في حماها ... وينشب في ابنها ظفر وناب!!
أتخشون الحمام وليس فيه ... حياة بالأذى أبدا تشاب؟
لقد شبث بأرض الشرق نار ... لها في القبلة الأولى التهاب؟
وأنتم خير من خاضوا لظاها ... فكيف يروعكم هذا الذباب؟
سيغدو الموقدون لها وقودا ... ومن رام الخراب له الخراب
رسول الله ها هي ذي أفاقت ... شعوب العرب يحدوها الشباب
تسير إلى العلا بمضاء عزم ... وإقدام تذل له الصعاب!!
لها الإيمان إن ضلت دليل ... ودين إن أصابت لا يصاب
وقد جئنا نبايع من جديد ... بأنا للحمى أسد غضاب!!
ندافع كل من يبغي أذانا ... وحقك لا نفر ولا نهاب
علينا العهد أن نرضيك جندا ... تفك به من الرق الرقاب
دماء جدودنا فينا تنزت ... تطالب والجدود بنا أهابوا
فلا عاش الجبان ولا استقلت ... بهياب إلى مجد ركاب!!
(1/195)

إن أردت النصر
إن أردت النصر في كل قضيه ... فانصر الحق ولا تخش أذيه!!
واتخذ من يوم بدر مثلا ... إنه حجتك المثلى القويه!!
نصر الله به من نصروا ... دينه من كل ذي نفس زكيه
خرجت فيه قريش ما لها ... هدف تسعى إليه أو قضيه
خرجت كي تطفيء النور الذي ... هو نور العدل نور المدنيه
لترى الأمة من بعد الهدى ... قد تردت في ضلال الهمجيه
فانثنت مدحورة مقهورة ... ترتدي ذلا وخزيا ودنيه
وحبا الله بنصر حاسم ... حزبه الداعي لخير البشريه
يا لها مكرمة خالدة!! ... من معالينا خلود الأبدية
(1/196)

ذكريات المجد
نظمت وألقيت بمعتقل "الضاية" في المولد النبوي.
ذكريات المجد في الماضي المجيد ... مغرياتي كل يوم بنشيد!!
والمساعي الغر ينبوع النهى ... كم أمدتها بآيات الخلود!!
من له ماض كماضي العرب في ... صفحات المجد والصيت البعيد!
كانت الدنيا ظلاما مطبقا! ... طافحا بالشر والظلم المبيد!
وإذا الكون تغشاه السنا ... مشرق الأنوار من ثغر وليد
وإذا ابن العرب طه قد أتى ... منقذا صرعى الهوى أسرى الجمود!
وإذا بالشرك ولى القهقري ... بعد ما كان منشور البنود
وإذا بالظلم منهوك القوى ... ناكس الأعلام مقهور الجنود
وإذا ابن البيد والقفر له ... في مواريث العلا أقوى رصيد
يا لطفل بسم الحظ له ... فغدا في قومه بيت القصيد
يا لشعب نهض الكون به ... من عثار منذر بالموت مود
يا ليوم أصبح العرب به!! ... بابن عبد الله في عز وطيد
هل رأى التاريخ في أبطاله ... مسعرا في الحرب مثل "ابن الوليد"؟
أم رأى مثل "ابن عوف" أو رأى ... "كابن عفان" أخا فضل وجود؟
(1/197)

هل رأى مثل "أبي بكر" إذا ... ضلت الآراء ذا رأي سديد؟
أو رأى مثل "علي" مثلا ... للتقى والعلم والبأس الشديد؟
هل رأى مثل "صلاح الدين" ... في ساسة العالم أو مثل "الرشيد"؟
إننا أحفاد أبطال الورى ... إننا أبطال تايخ مجيد!
وإذا أرخى الكرى أجفاننا ... "فالكرى يغمض أجفان الأسود"
غير أنا قد هجرنا نومنا!! ... ونهضنا للمعالي من جديد
كلنا حن إلى تحريره!! ... كلنا هب لتحطيم القيود!
كلنا اشتاق إلى استقلاله ... كلنا ضاق بأغلال العبيد!
يا رسول الله صرنا قوة ... لا تبالي أي جبار عنيد!
عجز الشيطان عن إغوائنا ... مذ قهرنا كل شيطان مريد!
إننا أمتك المثلى على ... رغم أيام على ابن الضاد سود
لم تزل فينا تعاليم الهدى ... لم تبد فينا مواريث الجدود
لم ينل من عزمنا ظلم العدى ... عزمنا أقوى من الظلم العنيد
إذ لنا عزم كتيار طغى ... ليس تثنيه منيعات السدود
ولأهل الظلم يوم فلقد ... ذهب الله بعاد وثمود!
يا فتى العرب الأولى شادوا العلا ... وهدوا للحق والخلق الحميد
لا تعد ترضى قعودا بعدما ... ذقت طعم الموت في هذا القعود
لا تعد تقبل ضيما لا تعد ... راضيا بالدون والعيش الزهيد
أنت قبل اليوم حر سيد ... وأراك اليوم في ذل القيود!
(1/198)

ذلة الأحرار في النفس لها ... غصة من دونها حز الوريد
ذلة الأحرار في أوطانهم ... شقوة ليس عليها من مزيد
إننا ثرنا على جلادنا ... وتمردنا على كل مريد!
إننا ضقنا بأحكام الهوى ... فتطلعنا إلى الحكم الرشيد
فامض لا يصرفك عن نيل المنى ... خلب الوعد ولا زيف الوعيد
واستهن بالبذل في نيل العلا ... وأرض بالأشواك من أجل الورود
لا يبالي طالب المجد بما ... في سبيل المجد من جهد جهيد
لا تهب إن رمت تحرير الحمى ... ما تراه من عتاد وعديد
لا تخف فالخوف موت عاجل ... والردى جسر إلى العيش الرغيد
أيخاف المؤمن الموت وقد ... كتب الله له أجر شهيد؟
نجم أعدائك أمسى آفلا ... وأرى نجمك أضحى في صعود
(1/199)

ذكرى رأس السنة الهجرية
من حصاد السجن
أي تاريخ كتاريخ جدود؟ ... كل يوم منه سفر من خلود!
كل يوم ثورة جبارة! ... تنجلي عن نصرة الحق الطريد
ونضال في سبيل الله كم! ... شاد من طارف مجد وتليد
وضحايا من بني الإسلام قد ... غمرت أشلاؤهم كل صعيد
مولد الإسلام ميلاد هدى ... من ضلال وحياة من جمود
مولد الإسلام ميلاد علا ... لبني الأرض وتحطيم قيود
إنه النور الذي أخرجهم! ... من ظلام الشرك والظلم المبيد
خير تاريخ على وجه الثري! ... يولد اليوم لأنضاء الوجود
إنه تاريخ من قاد الورى! ... للسجايا الغر والخلق الحميد
هجرة الإسلام للأرض التي ... نصرته بدء تاريخ الجدود
إذ غدا يعلن عن قوته! ... فتوارى كل شيطان مريد
ومضى يكتسح الأرض التي ... قاومته من سهول ونجود
فإذا أعداؤه أضحوا له ... قوة تخشى من الخصم اللدود
وإذا دولته مرهوبة ... بحجى"عمرو" وسيف "ابن الوليد"
وإذا الإسلام في كل وغى ... خاضها يعلن عن فتح جديد
(1/200)

وإذا الشعب الذي أرهقه ... حكم جلاديه من عهد عهيد
فصبا واشتاق للحكم الذي ... كان فيه سيدا غير مسود
ومضى يسعى لتحرير الحمى ... يتلقى الموت في بأس الأسود
امض كالإعصار جبار الخطى ... في تفان وتحد وصمود
وانتصب كالطود في وجه العدى ... وتجاهل هول نار وحديد
وادرع للخطب لا تخش الردى ... فالردى أهون من عيش العبيد
"جبهة التحرير" لا يصرفها عن ... هواها أي جبار عنيد!
ولها الجيش الذي قوته! ... قوة التيار تودى بالسدود
أيها المسجون لا تأس على ... ما تعانيه من الخطب الشديد
لا تقل طال حنيني للحمى! ... لا تقل طال اشتياقي لوليدي
من يكن يعرف ما يطلبه! ... هان ما يبذل فيه من جهود
ثمرة الجهد الذي تبذله! ... أن ترى شعبك خفاق البنود
وترى أغلاله قد حطمت! ... وترى أجناده أقوى الجنود
وترى آماله قد حققت! ... وترى نجم بنيه في صعود
ولقاد أوشك أن تجني ما! ... بذرت كفاك للشعب المجيد
فترقب عيد تحرير الحمى! ... فهو في تاريخه أعظم عيد
واحمد الله على الجهد الذي ... حرر الأوطان واهتف بالنشيد
(1/201)

ذكرى الإسراء والمعراج
هذه الليلة من أمجادنا
سرها كالروح في أجسادنا
ذكرها يوحي إلى أولادنا
أننا من أمة لا تهرم
هذه الليلة قد غاب دجاها
يسنا خير عباد الله طاها
فعلا منزلة جل مداها
وبنى المجد الذي لا يهدم
قد سرى للقدس في جنح الظلام
موطن الأديان والرسل الكرام
حيث صلوا كلهم وهو الإمام
أي فضل بعد هذا يزعم؟
إن في هذا دليلا قاطعا!
ديننا المتبوع ليس التابعا
كل من يدخل فيه طائعا
يحمد العقبى به ويكرم
(1/202)

وارتقى يغمره فيض السنا!
ودنا من ربه ثم دنا!
وجنى من كل علم ما جنى!
ودرى السر الذي لا يعلم
راكبا أول صاروخ ظهر!
يدرك الغاية في لمح البصر!
ذاك صنع الله لا صنع البشر!
إنه خلق الإله الأعظم
كم تحدى الروس بالعلم وتاه!
زاعما صاروخه لغز الحياه!
أين علم الخلق من علم الإله؟
كيف لا يزهى بهذا مسلم؟
أين نحن الآن من هذا المدى؟
كل هذا المجد قد ضاع سدى
وضللنا نهجنا بعد الهدى
ذاك جرح المسلمين المؤلم
كيف ضاغ المجد كيف انذثرا!؟!
وهوى عقد العلا وانتثرا؟!
إنه الدين الذي سدنا الورى!
بهداه لم يعد يحكم!!
(1/203)

فإذا عدنا إلى دين الهدى!
عاد ما ضاع من المجد سدى!
فلنعد ولنبذل الروح فدى
فالعلا دون الفدى لا يسلم
(1/204)

ليلة الشك
ليتها تسفر عن صبح أغر!
ينشر النور على دنيا البشر!
فهو في ليل تدجى واكفهر!
ليل كفر وتحد وبطر
هذه الليلة هل فيها منانا؟
هل نرى فيها سنى من رمضانا
ذلك النبع الذي يروي صدانا
ذك الضيف الحبيب المنتظر
ذلك الشهر الذي يغمرنا!
بسنا النور الذي يشعرنا
بمبادينا وما كان لنا!
من بطولات وأمجاد غرر
(1/205)

يوم كنا للورى خير الأمم
سادة الدنيا سجايا وشيم
أعدل الناس وأوفاهم ذمم
أطهرالخلق سجايا وسير
كانت الدنيا بنا تزدهر!
والمروءات بنا تنتصر!
والبطولات بنا تفتخر!
إننا للأرض شمس ومطر
إن ترد تبلغ به أقصا المدى
إن ترد تبلغ أقصا المدى
فاجعل الشهوة للعقل فدى
تدرك المجد وتظفر بالوطر
غير أن الخير لم يقصر على
زمن بل كل من رام العلا
سلك الدرب الذي يفضي إلى
قمة المجد ولو لاقى الخطر
(1/206)

هكذا الإسلام في كل زمان
إن يكن ميلاده في رمضان
فهو للمسلم عز وأمان!
أبد لى الدهر وفوز وظفر!
وإذا النكسة قد حلت به!
وتشكي اليوم من أوصابه
فالذي يشكوه من أسبابه!
أنه من بعد إيمان كفر
إنه قد شك في إسلامه
وعصى الخالق في أحكامه
أترى يسلم من آلامه
من مشى فوق طريق من إبر!
هل رأى المسلم كالإسلام فخرا
يكسب العز به دنيا وأخرى
إن دينا يجعل الذلة كفرا
ما البرايا دونه غير صور!
(1/207)

أيها الشعب إلى أين المسير!
احذر العقبى وفكر في المصير
إنما العيش بلا دين حقير
أي عيش لضمير قد فجر؟
أفضل الأشهر ما فيه نزل
أفضل الكتب على خير الرسل
يرشد الناس إلى خير السبل
ذلك القرآن دستور البشر
فاغنموا أيامه الغر صياما
ولياليه المنيرات قياما
طالما أنفقتم الليل نياما
وبياض اليوم لغوا وهذر
إنما العمر لنا أعظم فرصة
فليكن منه لنا أعظم حصه
فهو إن أفلت منا صار غصه
وسئلنا عنه إن ضاع هدر
(1/208)

يوم بدر
يا يوم "بدر" لأنت في القدر ... تكاد تفضل "ليلة القدر"
ذكراك للمسلم ذكرى العلا ... والمجد ذكرى العز والفخر
ذكرى الندى بالنفس ذكرى الفدى ... ذكري ثبات القلب والصبر
ذكرى البطولات التي توجت ... برغم أنف الدهر بالنصر
ذكراك تحي في النفوس المنى ... ببعث أيام لنا غرا!
فإننا- يا بدر- قد أظلمت ... أيامنا بعد سنا الفجر!
لم يبق للإسلام حكم ولا ... لشرعة الإسلام من قدر
ليت لنا يوما كبدر يرى ... فيه ظهور الحق كالبدر
والدين يسمو نجمه مثلما ... كان سما في سالف الدهر
ويرجع الحكم لنا نافاذا ... ممتثلا في النهي والأمر
إنا سئمنا حال من قيدت ... رجلاه والواقع في الأسر
فإن من قلد في سيره ... يسعى إلى الموت ولا يدري
أبعد أن ثرنا على قيدنا ... وزال قيد الذل والقهر
نرضى بقيد آخر مرهق! ... للحر؟ قيد العقل والفكر!؟
وقد جنينا النصر في ثورة ... كان جناها أمل العمر
لكننا لما بلغنا المدى ... من ربحنا صرنا إلى خسر
لما منحنا نعمة الله لم ... نقابل النعمة بالشكر
(1/209)

يا غزوة جبريل من جندها ... يبث ووح الخوف والذعر
يسير قي جيش عظيم من ... الأملاك أهل البر والطهر!
قد امتطوا خيلا على أهبة ... لسحق أهل الزيغ والكفر!
كي يطمئن المؤمنون إلى ... أن لهم عاقبة الأمر
ما كان أحراك بأن تخلدي ... بخالد الألحان في الشعر
وأن تكوني مثلا يحتذي ... وقدوة خالدة الذكر!
فإننا نحي على نسبة! ... لأهل بدر الأنجم الزهر
لم نشعل الثورة لو لم تكن ... دماؤهم في دمنا تجري
فليخش من كدر من صفونا ... وسامنا بالسوء والمكر
وحول االثورة عن نهجها ... وعامل الأحرار بالغدر
وعاث في أرض لنا حرة! ... طاهرة بالإثم والشر!
ورام أن يغرق سكانها ... بعد دم الثوار بالخمر
إنا بنو بدر وهيهات أن ... يرضى بنو بدر سوى الصدر
لسنا أميركانا ولا ننتمي ... للروس في سر ولا جهر
لكننا من أمة حرة! ... قد أنجبت كل فتى حر
جئنا إلى الدنيا بدين الهدى ... مثل شعلال في الدجى يسري
فمن يرم منا الهدى نعطه ... هدى بلا من ولا أجر!
ومن يرم كفرا فنحن الأولى ... جئنا لكي نقضي على الكفر
(1/210)

ذكرى بدر
يوم به قد عظم القدر ... للمسلمين وضوعف الأجر
يوم التقى الجمعان في غرة ... للحق فيها كتب النصر!
جمع لأهل الحق في قلذة ... وجمع كفر أعدادهم كثر
ذلك يوم قد غدا غرة ... للدهر لم يحلم به الدهر!
وأي يوم حازما حازه! ... ذاك الذي قيل له بدر
جنى به أصحاب طه المنى ... ونال خزيا من دينه الكفر
سبعون قتلى جندلوا في الثرى ... حياتهم وموتهم خسر
ومثلهم أسرى يساقون في ... ذل ويغشى وجوههم قهر
وأي ذل كالأسر فالموت ... خير من حياة يظلها الأسر
فليطمئن لخير عاقبة ... شعب وفي لدينه بر!
نحن بنو"بدر" التي أصبحت ... أمثولة النصر ولا فخر!
وكل نصر بعدها لم يكن ... غير جنى وهي له بذر!
ثم غدت "بدر" بسفر العلا ... أغرودة خلدها الشعر
وفجرت بالخير طاقتنا! ... فانهزم الباطل والشر
وأصبح الإيمان ذا دولة! ... يرهبها الطغيان والكفر
(1/211)

وانتشر النور وعم الضيا ... بعد الدجى وانبلج الفجر
وأصبحت "يثرب "مهد العلا ... كمكمة يحجها السفر!
لكن خبا إيماننا وانطفا! ... كما خبا وانطفأ الجمر!
فحلت الفوضى وشاع الخنا ... وانتشرت ما بيننا الخمر!
وصار من يدعو إلى خطة ... مثلى يظن بعقله شر!
ويلحظ المؤمن والمتقى ... من الشباب النظر الشزر!
ومن يكن مثل بني جنسه ... في زيه فهو الفتى الغر!
يا حسرتا ضاعت مقاييسنا ... وانطمست أخلاقنا الغر!
وانقلب الوضع لدينا فلم! ... يبق لنا عرف ولا نكر!
ومذ نتكرنا لتاريخنا ... وديننا حل بنا الخسر!
فهل سنبقى هكذا لا يرى ... لشأننا وزن ولا قدر
من بعد ما كنا ملوك الورى ... وأمرنا ما فوقه أمر!
وقادة للناس يعنو لنا ... فيما نريد العبد والحر
وقدوة في الصالحات كما ... يهدى الركاب الأنجم الزهر
بل إننا للناس نبراسهم ... كأننا الشمس أو البدر
منا الأولى أسماؤهم لم تزل ... على فم الدنيا لها ذكر!
لم يطوها الموت ولم يحوها ... كما حوى أصحابها القبر
من "كأبي بكر" الذي قد غدا ... لفتنة الدين به جبر؟!
(1/212)

وهل فتى في العلم أضحى له ... حظ "علي"؟ أنه البحر!
ومن ك"سعد" و"المثنى" إذا ... ما اشتد خطب وأعوز الصبر؟
و"خالد"! ليت لنا خالدا! ... آخر يشفي بسيفه العصر
إن سمعت أعداؤه ذكره ... يرجهم من بأسه الذعر
وكيف يطوي الموت أسماء من ... بهم لرايات العلا نشر؟
مثل "ابن رشد" "وابن سينا " ... الذي به استناروا أخصب الفكر
فكيف نخشى إفلاسنا ولنا ... من ثروات جدودنا ذخر؟
فلننتفع بتراثتا قبل أن ... يقضي على أرواحنا الفقر!
ولنتحد ولنقد سفيتنا ... من قبل أن يطوينا البحر
وحسبنا هذي الدماء التي ... ليس لنا في سفكها عذر
إذا "فلسطين" بكت شجوها ... يمسنا لبكئها ضر!
ليس لنا عذر إذا لم يكن ... منا لما تسعى له نصر
إنا لأخوان ومن حقنا ... أن لا يرى لدمائنا هدر
فلنتعاون ولنكن قوة ... خارقة يعنو لها الدهر
(1/213)

ذكرى بدء نزول القرآن
من حصاد السجن
آن للسائر في ليل الحياة! ... يطأ الأشواك أن يلقي عصاه
طالما اشتاق لأن يجني المنى ... ويريح النفس من طول سراه
ويذوق الأمن في ظل الرضى ... ويرى في سعيه طيب جناه!
ها هو الفجر نضا ثوب الدجى ... وتحلى كل أفق بسناه!
وبدا في كل وجه ألق! ... مشرق يعرب عن نيل رجاه
طالما جرع من الآمه ... ما تمنى معه ورد رداه
طالما ضج من القيد الذي ... عاقه عن سعيه نحو علاه
طالما حورب في أفكاره! ... وحماه البغي عن صون حماه
يا له من تائه في مجهل ... متناء ليس يدري منتهاه
غير أن ابن العلا من "يعرب" ... عاف أن يبقى أسيرا لعداه
فوثبنا للمعالي وثبة ... بددت عن كل مكروب أساه
ثم ثرنا ثورة صادقة ... زلزلت أصداؤها عرش الطغاه
وكذاك الخطب إن طاف على ... نائم هب سريعا من كراه!
واضطهاد الحر في أوطانه ... طالما شب لظى الحرب لظاه
يا رسول الله لو تبصرنا! ... نتحذى كل أعداء الحياه
(1/214)

نتحدى السجن والنفي معا ... نتحدى الموت في كل اتجاه
لو ترانا أمة واحدة ... كلنا ينصر في الخطب أخاه
كلنا يبذل ما في وسعه ... كلنا تسرع في الخير خطاه
كلنا هب لتحرير الحمى ... جاعلا تحريره أقصى مناه
من فتى كالسهم سباق إلى ... مورد الحتف ليجني مبتغاه
وفتاة روحها في كفها! ... ضربت خير مثال للفتاه
لو ترانا خلتنا عدنا كما! ... كنت فينا لمباديك حماة
يا شباب الضاد يا نسل الأولى ... لم تلن منهم لجبار قناه!
يا سليل المجد يا نبت العلا ... من "بني مزغنة" الصيد الأباه
لست، من طه ولا من حزبه ... إن تحد عن نهج طه وهداه!
ثمار النصر يجنيها الأولى ... جاهدوا في الله يبغون رضاه
كيف يجني النصر عباد هوى ... لا يبالون بعصيان الإله
يا فتى الإسلام هذي ليلة ... جمعت ما جل من عز وجاه
هذه الليلة من تاريخنا! ... ذكرها يجلو عن القلب أساه
ولد الإسلام فيها مثلما ... يولد الحب بإعلان الشفاه
نزل القرآن فيها مثلما ... ينزل الغيث على الأرض الفلاه
ليلة السابع والعشرين لم ... تك غير النور في ليل الحياه!
إنه الشهر الذي قد حاز ما ... لم يحز شهر ولم يبلغ مداه
فيه "بدر" مبدأ النصر الذي ... كم عنت فيه وكم ذلت جباه
(1/215)

وبه "الفتح" الذي تم به ... نصر دين الله وانجاب دجاه
يا رهين السجن من أجل الحمى ... ما جنى إثما ولا شرا أتاه!
إنما طالب بالحق الذي! ... إن ينم عنه يكن شر الجناة!
لا يخنك الصبر في معضلة ... إنما الصبر سبيل للنجاه!
واعتصم بالله يعصمك ... ولا تخش مخلوقا ولا ترج سواه
لا تقل نحن قليلون فما! ... تضعف القلة من جند الإله
لا تقل ليست لنا أسلحة ... وعتاد مثلما عند الطغاه!
عدة الإيمان أقوى عدة ... كم أبادت من معدات العتاه
لك في "بدر" دليل قاطع ... إذ جنى العزل من النصر جناه
فانصر الله تجده ناصرا ... وأبذل الخير وجانب ما عداه
كلنا يحصد ما يزرعه! ... كلنا رهن بما تجني يداه!
وامض في النهج الذي ترسمه ... "جبهة التحرير" في حرب البغاه
إن يوما فيه تغدو سيدا! ... سوف يجلو ظلمة اليأس ضحاه
(1/216)

يا لها من ليلة
يا لها من ليلة شع سناها ... مجدنا فيها إلى الشمس تناهى
كيف لا نشعر بالعزة في ... ليلة زدنا بها عزا وجاها
قد تلقى الوحي فيها شرعة ... سمحة خير عباد الله طه
ليلة القدر وما أدراك ما ... ليلة القدر التي جل سناها
كلها محض سلام وصفا ... وسنا نور جلا عنها دجاها
نزل القرآن فيها رحمة ... وشفاء،! فازدهى الكون وناها
ليلة القرآن ما أعظمها ... ليلة قد شمل الدنيا سناها
هي بالقرآن نالت رتبة ... لم تنلها ليلة أخرى سواها
أين نحن الآن من سفر العلا؟ ... أين دنيا من كمالات بناها؟
أي مجد قد أضاعت أمة ... بسوى القرآن لم تبلغ مناها
أعرضت عنه وقد أيقظها ... من كراها، ثم عادت لكراها
وغدت نقفو خطى أعدائها ... وهي كانت تقتفي الدنيا خطاها
وغدت تشكو إليهم فقرها ... بعد أن كانت مثالا في غناها
عجبا! قد بلغت في مجدها ... قمة "لم تبلغ الطير ذراها"
وتهاوت لحضيض مخجل ... أمة لم يدرك الناس مداها
كيف كنا أمة واحدة ... تتحدى كل من يبغي أذاها
(1/217)

فغدوها أمما شتى بلا ... قائد يسعى بها نحو هداها!
وإذا الأمة صارت أمما ... بددت ما جمعته من قواها
وإذا ما فقدت قوتها ... فهي لا تلبث أن تلقى رداها
ربنا: تدعوك من أعماقها ... أمة طال على الشوك سراها
لم تعد تشكوك من أبنائها ... بل شكت أبناءها مما عراها
لم تر الراحة في استعمارها ... ولدي استقلالها زاد شقاها
قد دعت في ليلة القدر ومن ... قد دعا فيها ينل طيب جناها
فاشفها مما بها والطف بها ... وأهدها نهج الهدى واحم حماها
(1/218)

رباه ندعوك ليلة القدر
رباه ندعوك ليلة القدر ... اردد لنا ما ضاع من قدر
وانصر مساعينا لنشر الهدى ... يا ناصر الإسلام في "بدر"
وأحقظ مبادينا فقد حوربت ... من شيعة الإلحاد والكفر
وتبت اللهم أقدامنا! ... إنا من الموت على جسر
من بعد ما كنا هداة الورى ... إلى العلا كالأنجم الزهر
كان لنا دين ودنيا فلم ... يبق بأيدينا سوى القشر
صرنا إلى الإفلاس من كل ... ما شدناه من عز ومن فخر!
ولم نعد نعني بغير الذي ... يفضي بنا للشر والخسر
فالخمر راجت سوقها فوق ما ... راجت بأرض الشرك والكفر
وأي شيء مهلك للورى ... وجالب للشر كالخمر؟
نهيتنا عنها وسميتها! ... رجسا لما في الرجس من ضر
لكننا من جهلنا لم نكن ... ندري بما في الأمر من سر
واليوم قد صارت لها دولة ... وأهلها صاروا أولى الأمر
أما الربا فهو الأساس الذي ... قامت عليه نهضة العصر
فأكلهم سحث وكأس الطلا ... شربهم في السر والجهر
وصار بيع العرض في عصرنا ... محللا من غير ما نكر
له قرار بيننا نافذ! ... وعمل الناس به يجري
وصار من تنهاه عن غيه ... كأنما النهي له مغر!!
(1/219)

رباه قد ضل سبيل الهدى ... نسل الهداة السادة الغر
وسار في درب الضلال الذي ... يفضي إلى الموت ولا يدري
مقتفيا خطو دعاة الهوى ... من كل مسلوب الحجى غر
ممثلا دور القرود الذي ... يدعونه دور الفتى الحرا!!
رباه: هذي حالنا لم تدع ... يا رب من صبر لذي صبر!!
فالصبر لا يحمد في موطن ... يساس فيه الخير بالشر!!
كلا ولا يحسن في أمة ... لا تعرف النفع من الضر!!
كلا ولا يحسن في موضع ... تداس فيه حرية الفكر!!
ولا إذا ما الدين لم تحترم ... آدابه في اليسر والعسر!!
فما لكسر الدين من جابر ... ولا لموت الروح من نشر!!
فلا تؤاخذنا بما قد جنى ... صرعى الهوى يا رب من شر
فحكمك العادل حاشاه أن ... يجرى سوى الوازر بالوزر
وإن يكن ذنب فما زلت ذا ... عفو عن الذنب وذا غفر!!
رباه: إنا أمة المصطفى ... من قد سما في الفضل "والقدر"
ونحن أبناء الهداة الألى كانت ... لهم منزلة الصدر
قد حملوا مشعل دين الهدى ... إلى أقاصي البر والبحر
فأصبح الإسلام ذا دولة ... مطاعة في النهي والأمر
فهب لنا أخطاءنا إننا ... ندعوك ربي "ليلة القدر"
(1/220)

ليلة المولد النبوي
هزم النور الظلاما ومحا الحب الخصاما
وانزوى الباطل لما هازم الباطل قاما!
وانطوى حكم الطواغيت الذي أشقى الأناما!
وتهاوت من علاها دولة الشرك حطاما
وأفاقت من كراها أنفس ماتت مناما!
وتوارت خقبة ذاقت بها الموت الزؤاما
وتصافى الناس لما أخذ الكفء الزماما
وتفشى العدل لما خيرهم صار إماما
وأظل الكون عهد شع أمنا وسلاما
وغدا ابن البيد في أوج المعالي يسامى
في سبيل الله قد جاهد لا يخشى الحماما!
ومن الأمجد قد شيد ما يبقى دواما!
أي شيء قد جرى حتى اكتسى الكون ابتساما
وغدا كالروض حسنا فاح وردا وخزامى؟
حادث أنعش في الأنفس آمالا عظاما!
إن مولودا يتيما لم يكن مثل اليتامى!
أسفرت غرته كالبدر إذ يجلو الظلاما!
إنه ميلاد أوفى الخلق عهدا وذماما!
(1/221)

إنها البشرى بأن النهج للخير استقاما!
إننا في ليلة الذكرى التي جلت مقاما!
أسفرت عن مولد الطفل الذي ساد الأناما
والليالي ربما تفضل إحداهن عاما!
وكذاك الناس تلقاهم كراما ولئاما!
تجد الأبله فيهم مثلما تلقى الإماما!
هذه الليلة تحكي ليلة القدر تماما
أمتي: يا أمة السؤدد شيخا وغلاما!
أمة الأبطال من كانوا لدنياهم دعاما!
لم يعيشوا عالة في الناس بل عاشوا كراما!
لم يكن شعبك أذنابا ولكن كان هاما!
أين ذاك المجد أنى غاب أم أين أقاما!
كيف صارت تلكم الوحدة خلفا وانقساما؟
ولماذا لم يجد دين الهدى منك اهتماما؟
كيف صارت أمة الإسلام لا تلقي احترما؟
بعد ما كانت به اسمى بني الدنيا مقاما
نحن بالإسلام سدنا ليت ذاك العهد داما
آثر الدنيا على الدين وبالشهرة هاما!
ونرى النشء على اللذات واللهو أقاما!
(1/222)

وبنات اليوم لا تلقى لديهن احتشاما!
كل يوم ببنات الغرب يزددن هياما!
إننا لم نعتصم بالدين والخلق اعتصاما!
كلنا أصبح بالدنيا معنيا مستهاما!
لا نبالي ما أصبنا! أحلاما أم حراما!
قد نبذنا شرعة الله ولم نخش ملاما!
وتجاوزنا المدى حين تعاطينا المداما!
والربا في بلد الإسلام قد صار نظاما!
نجست فينا دمانا مذ غدا العيش حراما
كيف نرجو بعد هذا السوء للداء انحساما
كيف نرجو لجراحات "فلسطين" التئاما؟
كيف نرجو وحدة تستأصل الداء العقاما؟
فعلاما نرتضي الخسران يا قوم علاما؟
فتعالوا نتدبرأمرنا لا نتعامى!
سوف تفنى هذه الدنيا فلن تبقى دواما
وأرى العاقل من بادر دنياه اغتناما
نحن أنشأنا الحضارات وأيقظنا الأناما
ووهبنا الناس أخلاقا وعلما ونظاما
وأزحنا عن جميع الناس أعباء جساما!
(1/223)

ومنحنا الكون بالعدل جمالا وانسجاما!
فبلغنا ما سما من كل فضل لا يسامى
كيف سرنا الآن خلفا بعد ما كنا أماما؟
وانتهينا لحياة لم نكن فيها كراما!
خمدت جذوتنا أعظم ما كانت ضراما
وخبت ثورتنا الكبرى التي شبت دواما
والتي قد حطمت كل الطواغيت القدامى
وسرت تلتهم الباطل والشر التهاما!
بينما كانت على المظلوم بردا وسلاما
ورضينا "بعد ما سدنا سوانا" أن نضاما
لم نعد نثار للعرض ولا ندفع ذاما!
لم نجد بالروح للإسلام حبا وغراما!
لم نعد من أجله نقتحم الهول اقتحاما!
نبصر الإلحاد يغزونا ولكن نتعامى!
ونرى المعني بالأمر عن الواجب ناما!
(1/224)

الليلة الغراء
ألقيت بنادي الترقي في الحفلة التي أقامتها جمعية الشبيبة الإسلامية الجزائرية إحياء لذكرى المولد النبوي الشريف ونشرت بالبصائر:
من ذا الذي قد أتى للعالمين هدى؟ ... ومن دعا للعلا والمجد مجتهدا؟
ومن تعرضت الدنيا إليه فلم ... يقبل عليها ولم يمدد إليها يدا
ومن أتيحت له لذاتها فنائى ... عنها، وفي طيبات العيش قد زهدا
ومن تصدى له الأعداء أجمعهم ... فلم بخفهم ولم يرهب لهم عددا
ومن أقام على الأخلاق دولته ... فمن سما خلقه فيها كمن عبدا
أساسها العدل والشورى دعامتها ... وروحها الرحمة الكبرى هنا وغدا
لا غرو أن سعد المستمسكون بها ... فكل راض بحكم الله قد سعدا
محمد ذاك ينبوع الكمالات من ... في هذه الليلة الغراء قد ولدا
جاء الوجود فألفى الناس في عمه ... والجهل فرقهم في دينهم بددا
والعرب في فتن أفنت جموعهم ... غاراتهم ليس تخبو بينهم أبدا!
ودولتا فارس والروم أمعنتا ... في ظلمهم، ونظام الكون قد فسدا
هذى من الشرق لا تنفك تبغتهم ... في كل حين فتسبى المال والولدا!
وتلك من غرببهم تصلى لحومم ... نارا لسيوف وصبر العرب قد نفدا
حتى أتت رحمات الله تنفذهم ... فأشرق الكون مذ نجم الرسول بدا
والله يحيي بمفرد واحد وأمما؟ ... كالغيث يهمي الأرض والبلدا
دعا الأنام إلى التوحيد ينذرهم ... عواقب الشر إن لم يمنحوه يدا
(1/225)

والعرب تعرفهم ما العرب إنهم ... قوم أبوا أن يولوا أمرهم أحدا
وليس بالسهل توحيد لكلمتهم ... من بعدما افترقوا رأيا ومعتقدا
لكنه لم يزل فيهم يقارع! ... بقوة الحق لم يرهب لهم عددا
حتى أتو خضعا قد بايعوه على ... أن يمنحوه بنيهم والنفوس فدى
ذاك الإباء الذي قد كان غطرسة ... في العرب حوله إيمانهم رشدا
وذلك الخلف قد لانت ضراوته! ... برحمة تخضع الشحناء واللددا
وأصبح الكون إخوانا وليس لهم ... من غاية غير نشر الدين مطردا
فلم يزالوا ونشر الدين رائدهم ... حتى، تآلف جند الله واتحدا!
ودعوة الحق إن لاقت مصادمة ... وحاربتها نفوس أفعمت حسدا
لا بد أن تغمر الدنيا بأجمعها! ... ويفتديها الذي بالأمس قد جحدا
يا أمة رضيت بالقيد صاغرة! ... وضيعت مالها من سؤدد خلدا!
وملكت أمرها من ليس يرحمها ... وأعرضت عن كتاب الله وهو هدى
هذا الذي غير التاريخ وجهته ... دينا وفكرا وأخلاقا ومعتقدا
غيرتم دينه جهلا بقيمته! ... وخنتم عهده من بعدما فقدا
كنتم جنودا له تحمون دعوته ... فصرتم- بعد تقليد العدو- عدا
أضعتم ما به تعلون قدركم ... وتصلحون من الأخلاق ما فسدا
فإن أردتم شفاء من شقاوتكم ... فليس في غيره إصلاحكم أبدا!
(1/226)

يا أملا تجددا
نظمت وألقيت بمسجد "باب الوادي" ليلة المولد النبوي من سنة 1394 للهجرة.
يا أملا تجددا للعرب في شهر الهدى
شهر به أيقظنا الله وكنا هجدا!
شهر قد بعث الله لنا محمدا
وأنقذ الله به حياتنا من الردى
وكان فيه نصرنا على طواغيت العدى
وكل من جاهد في الله به تأيدا!
شهر به كل شباب العرب قد تجندا!
وفيه كل وطن الإسلام قد توحدا
واجتمع الشمل الذي بالأمس قد تبددا
فلا ترى غير أخ يمد لاخ اليدا!
يقسم غير حانث يمينه المؤكدا!
أني على غير جهادي قط لن أعتمدا
وأنني سوف أوالي زحفي المؤيدا!
وأبذل الجهد الذي أجني به النصر غدا
فيصبح ابن السادة الأحرار حرا سيدا
لا نوم بعد اليوم حتى لا أرى مستبعدا
إنا ورعدنا وحلفنا أن نبر الموعدا!
(1/227)

إنا عزمنا كلنا لم يبق من ترددا
إنا تعاهدنا على أن نبذل الروح فدى
إنا نوصينا بأن لا نغمد المهندا!
إن جرد السيف فلا حق له أن يغمدا!
حتى ننال كل ما له الحسام جردا!
لسنا نهاب خطرا لسنا نخاف أحدا!
فليستعد شعب صهيون ليوم أسودا!
يغدو به جمعهم مشتتا مشردا!
وليس ذا بدعا فذا تاريخهم منذ بدا!
لم ير شعب مثله! مشردا مضطهدا!
اذ ليس شعب مثله في الأرض قد تمردا
يقتل حتى من أتى له رسولا مرشدا!
لم ير إلا مفسدا مستهترا مذ وجدا
إذن فقد آن لزرع مثله أن يحصدا
وآن للشوك الذي يؤذي الورى أن يحصدا
يا أمة قد رفعت للناس أعلام الهدى
وشيدت مجدا سيبقى خالدا على المدى
لا تتركي القدس لمن عاث به وأفسدا!
تلك بقاع أصبحت ملكا لنا مؤيدا!
(1/228)

والمسجد الأقصى غدا للمسلمين مسجدا
منذ غدا ابن العاص فاتحا له مؤيدا!
كم مسلم قاتل في ذاك الثرى واستشهدا
واليوم صهيون ذا صال به وعربدا!
أصليه نارا واصمدي فإنه لن يصمدا
أو فاطرديه إنه آن له أن يطردا!
واسترجعي أرضك لا تبقى له مستوردا
الذئب مهما صال لا يصبح يوما آسدا
رباه كن عونا لنا وكن لنا مؤيدا!
ابعث لنا ملائكا كيوم "بدر" مددا
واجعل جيوش الظالمين المعتدين بددا
يا أمتي لا تخدعي بالصلح إن صلح بدا
لا خير في الصلح الذي للموت يمسى موردا
صلح بلا حق يعود لا يكون أبدا!
صلح اليهود خدعة ليست تغر أحدا!
لأنه الخلق الذي عليه قد تعودا!
يا أمة الإيمان يا رمز الجهاد والفدى
الصبر خير عاصم من يعتصم به اهتدى
كوني لدى البأساء صفا واحدا متحدا!
(1/229)

واتخذي من الشباب الناهضين عددا!
يا أمة قد كرمت! سجية ومحتدا!
واختارها الله لدينه القويم سندا
احمي حماك واحرسي تراثك المخلدا
يا أمتي لا تتركي دينا ولا معتقدا
هما طرفا نصرنا الأول والنصر غدا
أمضي ولا تستسلمي- يا أمتي- إلى العدا
لا تتركي النصر الذي أحرزته يمضي سدى
(1/230)

هنا ولد الإسلام
نظمتها عند زيارتي للبقاع المقدسة سنة 1968م، وألقيتها في عرفات
في حفلة ضمت نخبة من الإخوان العلماء والأدباء والأصدقاء:
هنا ولد الإسلام وأنهزم الكفر ... وتم لأنصار الحنيفية النصر
وأنزل قول الله: "أكملت دينكم" ... فحق علينا "ما حيينا" له الشكر
هنا كل شبر منبع للسنا هنا ... مواطيء جبريل إهنا "البيت والحجر"
هنا "زمزم" يروي الظماء هنا "الصفا" ... "والمروة" يسعى في أديمها السفر
هنا "عرفات " ها هنا المجد كله ... هنا حلت التقوى هنا ولد الفخر
هنا "غار ثور" حيث كان محمد ... توارى ونسج العنكبوت له ستر
هنا "أحد" مثوى البطولة والفدى ... هنا ملتقى النصر العظيم هنا "بدر"
هنا "مكة" حيث العلا حط رحله ... هنا "يثرب" حيث البراءة والطهر!
وأي بلاد حازت الفضل مثلها ... بلاد بها قد خط للمصطفى قبر؟
ولما تحدته قريش غدت له! ... مهاجره والخير ينكره الشر!
فكانت له عند الملمات بلسما ... وأنصاره قد كان أبناؤها الغر
وكانت له من عصبة السوء والأذى ... حمى عاصما، والعسر يعقبه اليسر
وصارت له دارا يحف بها السنا ... ويعرفها جبريل والآى والذكر
هنا عرفت دنيا الفضائل وانطوت ... حياة من الآلام وانكشف الضر
وإن ضلام الليل ليس بدائم! ... فلا بد من نور إذا طلع الفجر
(1/231)

هنا صارت الصحراء روضة جنة ... فلا جد بها جدب ولا قفرها قفر
فمن أين للدنيا بمثل بلادنا ... مآثرها لا يستطاع لها حصر!
معالم باتت للمعالي معالما ... يعيش بها التقوى ويحيا بها الفكر
ومن ها هنا كان النبي محمد ... يسير جند الله يقدمه النصر!
وقادته "سعد" و "زيد" و"خالد" ... لهم هيبة تغنو لها البيض والسمر
وتخشاهم أعداؤهم فكأنهم ... بغاث ترائ في السماء لها صقر
لقد آمنوا بالله وأعتصموا به ... فما نابهم ضعف ولا خانهم صبر
إذا انتصروا يجنوا ثمار انتصارهم ... مغانم أو ماتوا فحظهم الأجر
فيا أمتي هذا هو البلد الذي ... به كنت في عز وكان لك الصدر
لأن به الإسلام أشرق نوره ... ودانت له الدنيا وتم له الأمر
وهل بسوى الإسلام نجمك قد سما ... وطابت لك الأيام وابتسم الدهر
وقبلتنا إما نصلي ومأمن ... فلا خوف يعرو من أتاه ولا ذعر
وحج له فرض على كل مسلم ... يؤدي به شكر ويرجى به ذخر
ويرقى به عند الإله منازل ... ويروي به شوق ويمحى به وزر
فأين توارى ما لنا من مكارم! ... وكيف تهاوى كله ذلك القدر؟
لقد كنت ذا قدر تسامى إلى السما ... كأنك بدر كيف قد أفل البدر؟
تيقظت في العصر الذي نام أهله ... وصرت لنوم حينما استيقظ العصر
وذو الجد يمضي ليله غير نائم ... فكيف له بالنوم إن طلع الفجر
تنكبت نهج المصطفى وهو واضح ... فحلت بك البلوى وحاق بك الخسر
(1/232)

وسرت بنهج ليس يهدى سلوكه! ... إلى غاية لكنه للردى جسر
ولم تحفظي العهد الذي مذ نقضته ... شقيت فلم يعصمك بر ولا بحر
وحدت عن الدين الحنيف وهديه ... فلا نهيه نهى ولا أمره أمر
وأصبح ما قد كان قبل محرما ... مباحا بقانون به حلت الخمر
وأصبح سوق للبغاء ميمم! ... ونشأك في سوق البغاء هم التجر
فعودي إلى النبع الذي مذ هجرته ... ظمئت فلا يرويك نبع ولا نهر
وذي فرصة العمر التي إن أضعتها ... ولم تغنميها ضاع من يدك العمر
ألا جددي العهد الذي قد بدأته ... بذا الوطن الغالي وعيشك مغبر
فأصبحت في عيش رغيد ونعمة ... لواؤك خفاق وثغرك مفتر
فإن فعلي جددت ما ضاع من علا ... وروضك بسام وربعك مخضر
ألا أيها الوفد الكريم تحية ... وبورك منك الحج والعيد والنحر
وعشت إلى أن يصبح الدين سائدا ... ويصبح من أنصاره البيض والحمر
وكل بلاد الله تحت لوائه! ... وقانونه حر وأنت به بر!
فلا خير في الدنيا إذا هي أفقرت ... من الدين والأخلاق وانتشر الكفر
(1/233)

يا لها أمنية أحيت مواتي
نظمت خلال إقامتي بأرض الحرمين الشريفين لأداء الحج للمرة الثانية سنة 1972م.
يا لها أمنية أحىت مواتي ... وشفت كل تبايح حياتي!
وأعادت خصب أرضي وسقت ... زرع أفكاري وغدت رغباتي
وأحالتني شبابا طامحا ... طافحا بالأمنيات الباسمات
وإذا النشوة تسري في دمي ... وفمي يشدو بأحلى النغمات
أأنا في "مكة" مهد الهدى ... وبلاد الذكريات الخالدات
أأنا في يقظة أم حلم! ... أصحيح أنني في "عرفات"؟
مع إخوان كرام لم يكن ... همهم غير بناء المكرمات
أهنا نحن بساحات "منى" ... قد تلاقينا لرمي الجمرات؟
يا لها أمنية غالية! ... عذبة بل هي أغلى أمنياتي
أأنا أمشي على الأرض التي ... كان يمشي فوقها خير الهداة؟
أأنا انشق ريح المصطفى؟ ... أأنا اآان بأرض المعجزات؟
أأنا في "زمزم " أشرب من ... خير ماء قد سقى خير لهاة
إذ سقى طه وأحيى هاجرا ... وابنها كان له حبل نجاة
كم هتفنا: إننا في ظمإ ... فاسقنا -رباه- من قبل الممات
ظمأ الروح الذي لا يرتوي ... كم شكونا منه حر اللفحات
(1/234)

إنه مزرعة الخير فلا ... تخرجوا منه بأيد صفرات
إنه مدرسة جامعة ... فخذوا منها الدروس النافعات
غير أنا لم يعد ينفعنا كل ... ما في هذه المؤتمرات!
حيث إن المسلمين اشتغلوا ... عن معاني حجهم بالترهات
زهدوا في كل ما ينفعهم ... واكتفوا بالجمع للمقتنيات
لم يروا في الحج إلا صورا ... من طواف ودعاء وصلاة
انهم لو أدركوا ما فيه من ... حكمة لم يكتفوا بالشكليات
ليت أن المسلمين انتبهوا ... إنهم ما برحوا صرعى سبات
يا وفود الله هل فكرتم ... في الذي حل بنا من مثلات؟
غربة الإسلام في أوطانه ... نكبة أعظم بها في النكبات
أهله قد نسخوا الحكم به ... بقوانين مستوردات
حصروه في العبادات وقد ... أبعدوه عن مجالات الحياة
إنها الكارثة الكبرى التي ... قد لقيناها بصبر وثبات
إنها المظلمة الأولى التي ... قد قبلناها بحلم وأباة
فلتعد ثورتنا الكبرى التي ... أنست الدنيا جميع الثورات
ترجع الحق إلى أصحابه ... وتعيد المجد وضاء السمات
وتفك الأسر عن دين الهدى ... فنرى الأحكام فيه نافذات
هذه غايتنا قد وضحت ... فلنجاهد دونها حتى الممات
إنه شوق ملح مقلق! ... لنرى تلك البقاع الطاهرات
(1/235)

ها هنا يرقد طه المجتبى ... ها هنا قبر حوى خير رفات
ها هنا كم أرسلت من آهة ... ها هنا كم أرسلت من عبرات
ها هنا موطن أشتات المنى ... من يذد عنه يمت بالحسرات
يا رفاقي في إجلاء النور من ... مشرق النور ومثوى الرحمات
ضاعفوا الجهد فهذى فرصة لا ... تقل: إن هي ضاعت سوف تأتي
هذه الفرصة كالعمر فلا ... تدعوها لضياع وفوات
كفروا عن كل ذنب واجمعوا ... كل يوم ثروة من حسنات
يا وفود المصطفى يا موكبا ... في سبيل الله خاض الغمرات
وسرى يحدوه شوق وهوى ... مسرع السير حثيث الخطوات
تخذ الجو مطاياه ولم ... يرض بالسير على متن الفلاة
يا حجيج البيت يا ركب الهدى ... يا سليل المجد يا نسل الأباة
جعل الله لنا مؤتمرا ... فيه قد ألفنا بعد شتات
إنه مؤتمر الحج الذي ... سنه الله لنا كنز عظمات!
إنه أوطانكم قد جمعت ... فيه مثل الطير من كل الجهات
هو للمسلم حقل مثمر ... يجتني منه لذيذ الثمرات
إنه متجركم فلتحرصوا ... أن تفيدوا منه خير الصفقات
(1/236)

عظمة محمد - صلى الله عليه وسلم -
ليس العظيم الذي قد ساد أمته ... بسحر منطقه أو خلقه الحسن!
أو استرد لها حقا بصارمه ... أو ذاد عنما العدى أو عسف ممتهن
إن العظيم الذي مذ جاء أمته ... سادت به أمما سادت مدى الزمن
حلت محلا به ما حله أحد! ... وحل منها محل الروح للبدن!
من ذاك؟ من ذا تحدى كل ذي عظم ... في الكون؟ إن لم يكن محمدا فمن؟
ذاك اليتيم حليف الحزن كيف دعا ... إلى الهدى ساخرا من كل ذي وثن
ذاك الفقير ربيب القفر كيف بنى ... حضارة مثلها في الدهر لم يكن!
ذاك الذي ما تلا حرفا ولا كتبت ... يمناه سطرا تحدى كل ذي لسن
ووحد العرب أهواء ومعتقدا! ... وكان بعضهم لبعض ذا إحن!
لتلك معجزة التاريخ كم دهشت ... أمامها من نهى جلت ومن فطن؟
فأين أمة طه؟ أين موطنها؟ ... واحر قلباه قاد صارت بلا وطن
أبعد أن ملكت روما وقيصرها ... وملك كسرها غدت مفقودة السكن؟
وأين أعلام جيش العرب خافقة ... على المدى في سهول الأرض والحزن؟
وأين "خالد" سيف الفتح أين ثوى؟ ... وأين "عقبة" نار الحرب كيف فنى؟
إنى لأخجل إذ ألقى شبيبتنا ... حليفة اللهو في لج من الفتن!
والأجنبي حليف الجد منهمك ... من حولهم في بناء المجد ليس ينى
نار من الحزن في قلبي يؤججها ... شهود حال حمى يدعو إلى الحزن
(1/237)

شهود أندلس أخرى قد احتضرت ... والموت دون حياة القيد والرسن
فاسترجعوا يا شباب الضاد مجدكم ... فمثلكم من ينشر المكرمات عنى
مستقبل الشعب في أيدي شبيبه ... فاسترخصوا في المعالي غالي الثمن
لا تأمنوا أجنبيا حل بينكم! ... فما العدو على مجد بمؤتمن
ردوا المنية إن رمتم حياة علا ... فما تتاح لذي جبن وذي وهن
بئست حياة يعاني الموت صاحبها ... وحيدا الموت أن أنجى من المحن
حسب "الجزائر" هذا النوم إن به ... موت الشعوب، وشر الموت في الوسن
(1/238)

مات ابن باديس!
نظمت هذه القصيدة يوم مات الفقيد العظيم بالذات في 16 أفريل سنة 1940، في أول عهدي بالشعر وهي أول ما نظمت من شعر الرثاء، ولذلك آثرت أن أتركها نظمتها أول مرة لم أدخل عليها أي تعديل:
مات ابن ياديس حادى أمة العرب ... إلى المعالي وحامي دولة الأدب
مات ابن باديس يا للمسلمين فكم ... عرا الجزائر من هول ومن شغب
مات ابن باديس يا للمسلمين فكم ... دهى الجزائر في ابن صالح وأب
مات ان باديس سيف العرب وأحربا ... من للعروبة بعد السيف بالغلب؟
مات ابن باديس لم تفلل عزيمته ... من النضال ولم يسأم من الدأب
ولم يمد لغير الله منه يدا! ... ولم يخف بطش جبار ولم يهب
"جمعية العلماء" اليوم والهة! ... لم تستطع جلدا من شدة الوصب
قد ودعت خير آس في نوئبها ... وشيعت خير فاد ساعة الكرب
والجامع الأخضر اهتزت جوانبه ... مما عراه من الأرزاء والنوب
فكل موضع شبر منه مضطرم ... وكل طالب علم جد منتخب!!
لله نعشك إذ حف الجلال به ... والخلق تغمره في موكب لجب
سبعون ألفا على الأعناق تحمله ... جميعم بين محزون ومكتئب
وكلهم لابن ياديس تلاميذة ... يفدونه كلهم بالروح والنشب
(1/239)

هيهات لو كان في ورد المنون فدى ... فداه سبع ملايين1 من العطب!
من "للجزائر" وارباه، إن بحثت! ... عن قائد كابن باديس فلم تصب
أو اشنكت من أذى باغ ومضطهد ... لذائد غير هياب فلم تجب
من للشهاب وقد أودى محرره ... بكاتب لا يشوب الجد باللعب؟
من "للبصائر" بعد اليوم يبرزها! ... يراعه الحر في أثوابها القشب؟
قد كان في كل أسبوع يصدرها ... بنفحة منه في أسلوبه العجب
ومن لتفسير آي الله يرسلها ... على رؤوس خصوم الحق كالشهب؟
ومن لآمال أبناء تملكهم ... من بعده اليأس من إدراك مطلب؟
كان ابن باديس يغذوهم معارفه ... فودعوا مذ تولى فيه خير أب
كان ابن باديس خصم الجهل ما فتئت ... يمناه تصرعه في كل مضطرب
كان ابن باديس عف النفس مقتنعا ... من دهره بحياة العلم والأدب
كان ابن باديس رحب الصدر مبتسما ... يلقى الخطوب بقلب غير مضطرب
كان ابن باديس للإسلام سابغة ... ترد عنه سهام الطعن والريب
كان ابن باديس لا ينفك ذا كلف ... بالصالحات وللعلياء ذا طلب
كان ابن باديس في أوصافه رجلا ... لكنه كان في أخلاقه كنبي
فاليوم يبكي بنو الإسلام قاطبة ... على ابن باديس من عجم ومن عرب
فأي طرف عليه غير منسفك؟ ... وأي قلب عليه غير ملتهب؟
لم يبق طعم لعيش بعد مصرعه ... إن الحياة بلا باديس لم تطب
__________
1 - كان سكان الجزائر إذ ذاك يقدرون بهذا العدد.
(1/240)

ما حال جسم إذا ما الرأس فارقه ... لا خير بعد ذهاب الرأس في الذنب
باديس نم في جوار الله معتصما ... بحفرة القبر من هم ومن نصب
ومن خيانة أخوان وكيد عدى ... ومن رياء ومن حقد ومن غضب
القبر أوسع من دنيا تضيق بها ... نفس الأديب وتضنى الحر بالتعب
عليك من رحمات الله أدومها ... بكل غيث على مثواك منسكب
ودام مجدك نجما يستضاء به ... في كل داجية إن غبت لم يغب
(1/241)

اكسفي يا شموس
اكسفي يا شموس ... واحتجب يا قمر
واطلعي بالنحوس ... يا نجوم القدر
وأطيلي العبوس ... يا ثغور الزهر
قد غدا باديس ... مودعا في الحفر
*
كالئى الإسلام ... حارس للضاد!
حارب الأوهام ... ونفى الإلحاد
واستحث الأنام ... لحياة الجهاد
وسما بالنفوس ... واتقى بالفكر
*
اكسفي يا شموس ... واحتجب يا قمر
واطلعي بالنحوس ... يا نجوم القدر
وأطيلي العبوس ... يا ثغور الزهر
قد غدا باديس ... مودعا في الحفر
*
ليت باديس لم ... يرتحل مسرعا
ليته قد أتم ... ما بنى مبدعا
ليته لم ينم ... في الثري مضجعا
غير أن الرؤوس ... للمنايا أكر
*
اكسفي يا شموس ... واحتجب يا قمر
واطلعي بالنحوس ... يا نجوم القدر
(1/242)

وأطيلي العبوس ... يا ثغور الزهر
قد غدا باديس ... مودعا في الحفر
*
ما لهذا الوجود ... قد كساه السواد؟
واحتوه الركود ... وبدى في حداد
وتفشى الخمود ... في جميع البلاد
وعرا كل بؤس ... كل نفس وقر
*
اكسفي يا شموس ... واحتجب يا قمر
واطلعي بالنحوس ... يا نجوم القدر
وأطيلي العبوس ... يا ثغور الزهر
قد غدا باديس ... مودعا في الحفر
*
أيها الشعب لذ! ... بالعزاء الجميل
ثم بالله عذ ... من مصاب جليل
وعلى الرزء خذ ... كل أجر جزيل
واحتسب في الرئيس ... كنزك المدخر
*
اكسفي يا شموس ... واحتجب يا قمر
واطلعي بالنحوس ... يا نجوم القدر
وأطيلي العبوس ... يا ثغور الزهر
قد غدا باديس ... مودعا في الحفر
(1/243)

عبد الحميد بن باديس في ذكراه الأولى
ألقيت بنادي المولودية "بالجزائز" العاصمة ونشرت بجريدة البصائر:
باديس يا حب الجزائر ... يا شهيد غرامها
وحسامها الحامي حما ... ها من مريد حمامها
ومعيد غابر مجدها ... والبيض من أيامها
وطبيبها من جهلها ... والجهل أصل سقامها
تبكيك أيامك المصابة ... في أعز كرامها
قد كنت شمس نهارها ... قد كنت بدر ظلامها
حققت من آمالها ... وشفيت من آلامها
ونظرت في أخلاقها ... فغسلتها من ذامها
ودحضت حجة من يريد ... الكيد من أخصامها
فغدت وموتك موتها ... القاضي على أحلامها
كانت تؤمل فيك ... يا باديس نيل مرامها
من ذا لها من بعد ما ... رميت بفقد إمامها؟
من ذا لها إن أوذيت ... أو نيل من إسلامها؟
قد كنت موضع حبها ... من شيخها وغلامها
قد كنت إن خطب ألم ... بها شباة حسامها
(1/244)

قد كنت إن طاشت ... نهاها آخذا بزمامها
قد كنت قائدها الجريء ... لخيرها وسلامها
قد كنت للفصحى وفيا ... راعيا لذمامها!
وشريعة الإسلام كنت ... تعد من أعلامها
قد عشت ترفع دائبا ... من شأنها ومقامها
تعني بنشر علومها! ... وحلالها وحرامها
فجلوت من أسرارها! ... وبحثت عن أحكامها
لم تدخر في برها! ... وسعا وفي إكرامها
وقد كنت نفسا عافت ... الدنيا وجمع حطامها
هامت بحب بلادها ... وقضت حقوق هيامها
ضمئت إلى نيل المنى ... حتى قضت بأوامها
ذكراك يا باديس لا ... أقوى على إيلامها
شبت بقلبي فاكتوى ... قلبي بمس ضرامها
وتمثلت في أنفس ... فقضت على إلهامها
عقلت وحقك ألسنا ... ما جمجمت بكلامها
ذكراك في الدنيا ... ستبقى حية بدوامها
ذكراك أنت فأين أنت ... ألست عقد نظامها؟
نجواك طيب حديثها ... ودعاك مسك ختامها
(1/245)

روح باديس
ألقيت في الذكرى الثانية لوفاته أثناء حفلة فخمة أقيمت "بنادي المولودية" بالجزائر "العاصمة". ونشرت في العدد 187 - السنة الخامسة- السلسلة الثانية من البصائر بتاريخ 26 رجب الحرام عام 1371 للهجرة:
آن أن يهجر الكرى الأحرار ... ويثور لحقهم ويغاروا
آن أن تكسر القيود بلاد! ... ذل فيها ابنها وعز الجار
رب خطب قد ضم شملا شتيتا ... رب ضربه انتفت أضرار
كل خطب وإن تناهى اشتدادا ... فوقه في البلاء الاستعمار
أي صوت دعا البلاد فلبت ... وتداعى كبارها والصغار؟
تلك- والله- روح باديس دبت ... في بنيها كما تشب النار!!
روح باديس ثورة في دمانا ... تتتنزى فيحدث الانفجار
روح باديس يقظة الروح إن ... شعت تولى الدجى وشع النهار
روح باديس للجزائر روح ... كيف تتثنى مضاءها الأخطار؟
روحها نفحة الحياة لشعب ... عيل منه على الهوان اصطبار
كيف ينسى شعب الجزائر ... باديس وباديس نجمه السيار؟
كيف ينسى شعب الجزائر ... باديس وباديس سيفه البتار؟
كيف ينسى شعب الجزائز من ... كان على حقه المضاع يغار؟
إن خلت منه أعين ما خلت من ... ذكره ألسن ولا أفكار!!
(1/246)

أو يغب منه في ثرى القبر جسم ... لم تغب منه في الثرى آثار
لو تأتي من المنايا فداء ... أرخصت في افتدائه الأعمار
مات عبد الحميد بالكره منا ... وبكته القلوب والأنظار
كل قلب لديه حزن عميق ... كل عين بها دموع غزار
مات عبد الحميد لم يفده فاد، ... ولا هابه الردى الجبار
مات لكن ما مات من كابن ... باديس تباهي بمجده الإعصار
مات لكن جهاده الفذ ... يحييه إذا ما عرا الأنام اندثار
مات لكن ما مات حتى بدت ... من غرسه لبلاده أثمار
مات حرا وحسبه ذاك فخرا ... لم يحم حوله مدى العمر عار
وحوى قبره من المجد بحرا ... ما حوت مثل ما حواه البحار
يا ابن باديس ها هم اليوم ... أبناء الحمى بل أبناؤك الأبرار
قد حداهم حب وشوق ملح ... ووفاء يزينه إكبار!!
من رآهم يقل خضم من الناس ... ترآءى أو جحفل جرار!!
حشدتهم ذكراك من كل صوب ... ولقد يحشد الجموع اذكار
جلسوا خشعا لذكراك قد ... غشى جلال جوههم ووقار
إنك اليوم بيننا تشهد الحفل ... وإن لم تعلق بك الأبصار
مصغيا للتنشيد نشوان للآي ... طروبا تهزك الأشعار
رفرفت روحك الحبيبة فرحى ... فوقنا والملائك الأطهار
نم قريرا "عبد الحميد" فأبناؤك ... جند الحمى بسيرك ساروا
(1/247)

نم قريرا ففي "الجزائر" أسد ... بهم في الخطوب يحمى الذمار
نم قريرا "عبد الحميد" بمثواك ... فمثواك فيه يرعى الحوار
نم قريرا فالقبر للحر خير ... من حياة سادت بها الأشرار
نم قريرا فالقبر أوسع دارا ... لامرئ لم تسعه في الأرض دار
نم قريرا فقد تعبت كثيرا ... وتحرر فليس ثم إسار!!
يا فتى الضاد والحنيفية السمحة ... يا ابن الألى على الظلم ثاروا
قم ففد أدبر الظلام وشعت ... في سماء الجزائر الأنوار
قم فتى الضاد فالربيع تجلى ... وشدت في الخمائل الأطيار
وصفا الجو وازدهى الروض ... وافترت للقياك تبسم الأزهار
روح باديس في دمائك قد ... ضحت ففيم الونى وفيم القرار؟
ثر على القيد في الحياة فقد ... ثار عليه آباؤك الأحرار
لا تخف واشيا ولا كيد باغ! ... إنما الخوف في الشعوب بوار
قم فما في الوجود غير فتى الضاد، ... ومن كاده طواه الدمار!
إن ما شاده الهدى أبدا ... يبقى وما شاده الهوى ينهار
جاهد الجهل والتفرق والجبن ... فعقبى جهادك الانتصار
(1/248)

الذكرى الثالثة
للشيخ عبد الحميد ابن باديس
نشرت بتاريخ 8 جمادى الثانية بالبصائر:
إذا غال عبد الحميد القدر ... فغادر دنيا الأذى والكدر
وصار إلى غاية كلنا ... لها صائر ليس منها مفر!
فآثاره تتحدى البلى ... فإن تذهب العين يبق الأثر
فكم هالك ذكره خالد! ... بصالح آثاره قد نشر!
وحي بنسيانه ميت! ... وإن لم يكن جسمه قد قبر
لقد كان "عبد الحميد" امرأ ... كبير الفؤاد جليل الخطر
قضى العمر يبني صروح العلا ... ويهدم ما شاد ظلم البشر
وينشئ للضاد جيلا قويا ... ليدرأ عن جانبيها الخطر!
يسير على نهج آبائه! ... يجدد من مجدهم ما اندثر
فكم نشر العلم في أمة ... ظلام الجهالة فيها انتشر
وأحيى هدى الدين في أنفس ... بها كل داء عياء وقر!
رمى "بالشهاب" دجى ليلها ... ونور البصائر حتى انحسر
تفجر من جانبيه البيان ... قويا تفجر ماء النهر!
ففسر آي الكتاب الكريم ... وأظهر ما قد حوى من عبر
وصور إعجازه للورى ... وروعة ذاك البيان الأغر
(1/249)

ووجد في النشء روح الفدى ... وحب العلا وسمو الفكر
تمثل في شخصه "عبده"! ... بروح سمت وذكاء ندر!
وصدق تجلى بأعماله ... وصبر تحدى وعزم بهر
خلال زكت فحكت رقة ... نسيم الصبا وأريج الزهر
بدت في الشبيبة آثارها ... وغذى بها عصره فازدهر
فيا مسلما عينه للكرى! ... وكانت حليفة طول السهر
ويا هادئ النفس تحت الثرى ... وقد كان من ثورات القدر
ويا صارما أبدا مصلتا! ... حمى الدين ممن بغى أو فجر
ونافح عن موطن طالما! ... تعذب من أجله فاصطبر
علام ارتضيت الثرى مضجعا ... وما عود السيف غمد الحفر؟
تركت الحمى لخصوم الحمى ... وأسلمت أبناءه للغير!
فهلا تمهلت حتى ترى ... بعينك غرسك يؤتي الثمر؟
على أننا سنحث الخطى ... ونمضي لنجني ثمار الظفر
وتغدو الجزائر تاج البلاد ... ويرجع من عزها ما غبر!
وتخلع هذ القيود التي ... بها قعدت عن بلوغ الوطر!
حملت الأمانة منذ الصبا ... وما حلت عنها طوال العمر
وحملت نشأك أعباءها ... فطب يا ابن باديس نفسا وقر
(1/250)

أعظم بها سيرة
نظمت إحياء لذكرى الشيخ مبارك الميلي ونشرت بعدد
26 من البصائر بتاريخ 26 ربيع الثاني عام 1367 للهجرة:
ذكراك لم تبرح مثار شجون ... وغليل أكباد وسهد جفون!
لم أستطع مر الليالي محوها ... ولسوف تبقى بعد مر قرون
كم من دفين في الثرى وكأنه ... من ذكره المأثور غير دفين
ما فاه باسمك في "الجزائر" ذاكر ... إلا وشفعه يفيض شؤون
لم ينس شعبك يا مبارك عالما ... رواه من ورد النهى بمعين
لم يقض بالتأبين بعض حقوقه ... وأقلهن إقامة التأبين
ودعت في يوم عبوس وجهه ... ورحلت عنه في الليالي الجون
لم ينس شعبك جلف جد لم يمل ... أبدا للذة راحة وسكون!
سدت جميع فراغه أسفاره ... وغدا له التأليف خير قرين
لم ينس شعبك بانيا يبراعه ... أسس العلا ودعائم التمكين
والعلم نهج للسعادة أول ... وسلاح شعبك في الوثاق رهين
شعب أسير فكره بجموده ... بتحرر الأوطان غير قمين
حررت من سوء اعتقاد بالذي ... حررته في الشرك من تبيين
وجلوت تاريخ "الجزائر" بعدما ... عفى معالمه غبار سنين
أحكمت من لغة البيان أصولها ... وجمال أسلوب أغر مبين!
(1/251)

وقرنت بالأخلاق ما أوتيته ... من جم آداب ونضج فنون
وطبعت ذلك كله بتواضع! ... وصحيح ود لا يشاب ودين!
أديت قسطك من جهادك وافيا ... وقضيت ثقل مغارم وديون
ومضيت لم تعلق بعرضك وصمة ... لجوار ربك بين حور عين
وتركت جرحا ليس يبرح داميا ... وحمى من الأخلاق غير مصون
أعظم بسيرتك التي لو تحتذي ... لم يبق شعبك في قيود سجين
(1/252)

الذكرى الأولى لوفاة الإمام
محمد البشير الإبراهيمي
في 19 ماي سنة 1966 م
لا تقل يا ناعي الأحرار ماتا ... لم يمت من علم الناس الحياتا
كيف يطوي الموت من خلف ما ... يقهر الموت فأحيا وأماتا؟
إنه أحيا بلادا لقيت! ... حتفها جهلا وضعفا وشتاتا!!
وأمات الجهل والدجال بما ... علم الشعب غلاما وفتاتا!
لم يمت باني النهى ساقي الحجى ... من أحيا آدابه عذبا فراتا!
مذ شدا ألحانه ساحرة ... هب من مات جمودا وسباتا!
كسا الفصحى حلى زاهية ... زادت الفصحى خلودا وحياتا
وتلقى دونها كل أذى! ... وتفانى في هواها واستماتا
وحدا أبناءها نحو العلا ... فمضوا كالشهب للمجد سعاتا!
غير هيابين قوات العدا ... عصبة الإيمان لا تخشى الطغاتا
وحمى ميراث باديس الذي ... بهر العالم عزما وثباتا!
وجنى حرية الشعب التي ... أنفق من أجلها العمر وماتا!
كيف أنت الآن يا نشء الحمى ... لم تعد ميراثه الضخم التفاتا؟
كيف هادنت الألى لم يخجلوا ... أن يكونوا لمباديه عداتا؟
ويكونوا للتعاليم العدا ... ومباديهم حماتا ودعاتا!
يا بناة الثورة الكبرى التي ... أفزعت ألباب من عاشوا عتاتا
أين ما كان لكم من غيرة ... لم تكن ترضى لكم قط هناتا؟!
(1/253)

أين نلك الهمة الشماء كم ... سخرت ممن نسميهم دهاتا؟
أين إقدام وعزم وفدى؟ ... يا لدنيا انفلتت منا انفلاتا؟
إن تحررنا فإنا أعبد ... لهوى عاق علانا وأفاتا؟
قيم الروح التي سدنا بها ... زمنا صرنا لها اليوم عدتا،
ما الذي نشكوه من أعدائنا ... إن نكن نحن على الدين جناتا
فاحذروا أعداءكم ان لهم ... غرة إما انحرفتم وبياتا!
يا أخا المجد ويا ترب العلا ... يا أبيا شرف الصيد الأباتا!
يا مثالا من تفان ووفا! ... نم قريرا طبت روحا ورفاتا
عشث عنوان خلا فذة ... أدبا جما وحلما وأناتا!
عشت نبعا صافيا يروي النهى ... لترى أبناءها صيدا كماتا
عشت ترى النشء كي يسمو إلى ... مستوى النضج كما ترعى النباتا
عشت نبعا صافيا يروي النهى ... عشت نجما ثاقبا يهدي السراتا
عشت عمرا كله سعي إلى ... وحدة تصبح للمجد أداتا!
عشت تبني فتهدمت بما ... عشت تبنيه وأتعبت البناتا
نم قريرا كل ما شيدته ... سوف نغدو ذادة عنه حماتا
سوف لا ينساك منا أحد ... بل سنبقى لمباديك رعاتا
كيف ننسى بانيا آثاره ... سوف تحيي ذكره إن هو مات
كل من يخلص في أعماله ... لم يكن يعدم أنصارا ثقاتا
(1/254)

الذكرى الثانية لوفاة الإمام
محمد البشير الإبراهيمي
سنة 1967 للميلاد
تبا لدنيا ترفع الأنذال ... وتحارب العظماء والأبطال
وتبارك المتلونين وتحتفي! ... بالخائنين وتكرم الجهالا
وتسوم أهل الفضل جحد جوهودهم ... وجهادهم وتخيب الآمالا
النبل فيها مهدر ومطارد! ... والعدل أبعد ما يكون منالا
وعلى الهوان بها أقام ذوو النهى ... لم يلق ذو أدب بها إقبالا
يا ويح حظ المسلمين أكلما! ... بأن النجاح لهم يؤول خبالا
فجعوا بمن موت المكارم موته ... وحياته تهب الحياة كمالا
ويعيد للفصحى نضارتها التي ... كانت بها العليا تتيه دلالا
فقد "البشير" أحال لون صباحها ... ليلا يمد على الوجود ظلالا
لا كنت يا يوما نعيت لنا العلا ... لما نعيت الضيغم الرئبالا
وأصبت آمال البلاد فصوحت ... ورميت صرح المكرمات فمالا
رزء جسيم لو أناخ على ذرى ... جبل بكلكله لدك وزالا؟
يا ناشر الفصحى وباعث مجدها ... نلت المنى فقشيت أنعم بالا
خلدتها -رغم العدا- وكسوتها ... أدبا به زادت سنى وجمالا
ذكراك ما زالت منار حياتنا ... تهدى السرى وتوجه الأجيالا
ذكراك ما زالت مثار شجوننا ... هدت عزائمنا وكن جبالا
قد عشت تبني للعروبة والحمى ... مجدا يطول النيرات جلالا
(1/255)

وخرجت من دنياك لم تملك بها ... شبرا ولم تترك لأهلك مالا
لكن تركت من المحامد ثروة ... تبقى إذا فنى الثراء وزالا
علمتنا كيف الثبات فكلما! ... قد ناب خطب زدته استبسالا
كانت مقالات "البصائر" أسهما ... نفاذة تصم العدا ونصالا
لكن خجلنا آذ رأينا نكسة ... قد زلزلت آمالنا زلزالا
تلك التعاليم التي لم تألها ... سقيا ورعيا أهملت إهمالا
والضاد بعد بيانك الخصب اشتكت ... جدب المكان وأعولت إعوالا
وأستأسدت بعد الأسود أرانب ... تبدي زئيرا في الحمى وصيالا
كل له رأي يحاول فرضه ... في الدين زاد المسلمين خبالا
والأمر فوضى والشريعة عطلت ... إذ صار ما قد حرمته حلالا
وإذا بميراث النبي محمد ... لم يلق تقديرا ولا إجلالا!!
وأخجلنا أيضيع ميراث العلا ... منا ونطمع أن نعد رجالا
عجبا! مسخنا بالهوى استقلالنا ... أم كيف ندعو موتنا استقلالا!
(1/256)

فرحات أي فراغ قد تركت لنا؟
ودعت داءك إذ ودعت دنياك ... فاهدأ فلا داء بعد اليوم يلقاكا
كافحت جيشا من الأسقام مدرعا ... بالصبر محتسبا في الله بلواكا
إن يشك يوما أخو ضر لعائده! ... فأنت لم تبد للعواد شكوكا!!
وتلك همة نفس قد عرفت بها ... ما حدت عنها إلا أن زرت مثواك
والداء مطهرة للمؤمنين فعد ... مبرأ النفس من ذنب لمولاكا
فرحات أي قلوب قد رحلت بها ... وأي ثكل به عمرت مأواكا
وأي حزن به ودعت كل أخ؟ ... وأي ثكل به عمرت مأواكا؟
وأي يتم لأطفال وأي أسى ... لزوجة عشت ترعاها وترعاك؟
فرحات أي فراغ قد تركت لنا؟ ... وأي سهم من الأقدار أصماكا؟
أخذت من بين صحب كلهم جزع ... لو يستطيع الفدى بالروح فاداك
فرحات ليتك لم تسرع بفرقتنا ... وليت سهم المنايا قد تخطاكا!!
فرحات! إن ينس ذو ود أحبته ... فالله يعلم أني لست أنساكا!!
وكيف أنسى وفي "ناجي"* وإخوته ... متى لمحتهم تجديد ذكراكا؟!
وكيف ينساك من في الناس خدن وفا ... أغلى أمانيه في دنياه لقياكا؟
فرحات: إنا فقدنا فيك مكتبة ... حوت ثمار النهى لما فقدناكا!!
فرحات إنا دفنا فيك طود علا ... وزاخرا من علوم اذ دفناكا!!
__________
*. ابن الفقيد.
(1/257)

رباه دارك بلطف منك أنفسنا ... فما لنا طاقة يا رب لولاكا
في كل يوم لنا نوديع مرتحل!! ... يعز تعويضه رباه رحماك
فرحات: نم في ظلال الخلد مبتعدا ... عن الأذى واطرح أعباء دنياكا
عدمت كل صفاء في مواردها ... فرحت تبحث عن صفو بأخراكا
فرحات: تهنيك دار قد نقلت لها ... في ظلها رحمات الله تغشاكا!!
لا تشك من وحشة فيها فان بها ... "مباركا" و"ابن باديس" رفيقاكا!
(1/258)

عبرات على فقد والده
الشيخ الدراجي
إلى صديقنا الشيخ فرحات
أدرع للأسى ولذ بالعراء ... إنما الصبر شيمة العظماء
عالم الأرض ليس يخلو من ... الآلام والحر عرضة للبلاء
ليس في الموت والحياة كما تدري ... شقاء سوى انتهاء شقاء
ليس في الموت مايكدر صفوا ... إنما الموت راحة من عناء
في سبيل الإله ما أنت لاقيه ... أخي من فوادح الأرزاء
في سبيل الإله فقد أب ... لكم عدة لدى البأساء
لم تمتع براحة بعد فقد الأهل ... حتى فجعت في الأبناء
وإذا الموت واقف لك ... بالمرصاد يودي بأكرم الاصدقاء
بأب لك كان آخر ما أبقى ... لك الدهر من خيوط الرجاء
قد رماه بالأمس سهم فلبى ... دعوة الحق من سهام القضاء
كان "والحق ليس ينكر" ... في الناس مثالا من همة ومضاء
كان "والحق ليس ينكر" للإصلاح ... مهما يدعى من النصراء
كان أقصى مناه أن تك ... في يوم قريب من أكبر العلماء
أمطر الله قبره صيب المزن ... ولقاه منه خير الجزاء!!!
وعزاء أخي فذي غاية ... الإنسان والكل صائر للفناء!!!
(1/259)

يا أميرا على القلوب
نظمت بمناسبة نقل رفات الأمير عبد القادر إلى الجزائر.
عاشها في عبادة وجهاد ... وقضى رهن غربة
لم يضع سيفه ولم يهجر المصحف بل عاش هاجرا للرقاد
لم يعقه جهاده لحماه عن حقوق لدينه والضاد
واذا ما قضى الحقوق جميعا مال نحو القريض والإنشاد
وأنال التألف منه التفاتا فحبانا منه بأكرم زاد!!!
ذاك شأن الأميلا لم يك مغترا بدنيا مصيرها للنفاد
لم يدع وقته يمر بلا نفع، فأبقى للنفع أقوى عتاد!
انه نبعة الرسول الذي قد كان خير العباد والزهاد
من يكن مثله مثالا لشعب لم يفته بلوغ أي مراد!!!
أيها الشعب يا سليل البطولات وسر الآباء والأجداد
ها هو القائد المظفر قد عاد لأرض الحمى برغم الأعادي
ها هو ابن "الجزائر" البر قد أضحى قريب المزار للوراد!
وأتاك الأمير بعد انسحاب الاحتلال وموت الاستعباد
إن يكن مات نائي الدار إنا قد أعدناه مكرما للبلاد
وبناة الأوطان أولى بدفن في ثراها من كل باغ وعاد
(1/260)

ليناموا بحضنها بعد طول الجهد مثل السيوف في الأغماد
وهي في شوقها إليهم تضاهي شوق أم لرؤية الأولاد
أيها الشعب لست أخليك من عتب فبعض العتاب محض الوداد
كيف تنسى ما شاد قائدك الفادي من المكرمات والأمجاد؟
كيف تنسى ما كان من خلق سمح ودين واع وصدق اعتقاد؟
كيف تنسى فكرا يضيء دياجي كل علم كالكوكب الوقاد!؟
كيف أعددت في الجزائر قبرا للأمير المظفر الأجناد!؟
قبل تطهيرها من الزيغ والإلحاد والإثم والخنى والفساد
فرفات الأمير أولى بأن تدفن بين القلوب والأكباد!!
أن خير الوفاء ما كان للأهداف لا للرفات والأجساد!!
فترسم خطاه في الدين والخلق وحب العلا وصدق الجهاد
لم يكن قائد "الجزائر" يرضى غير حكم الإله بين العباد!
كان ذا غيرة على الدين والأخلاق ذا ثورة على الإلحاد!!
كان جم الحيا أصم عن الفحشاء عف اللسان شهم الفؤاد
فليكن قدوة لنا ولندع تقليدنا للأسافل الأوغاد!!
كيف نأبى تقليد آبائنا من حيث نرضى تقليدنا للأعادي؟
يا أميرا على القلوب ويا عنوان فضل وحكمة وسداد
ومثالامن البطولة والمجد ورمز الفدى والاستشهاد
كم هزمت العدى وكم قد تقحمت من الهول والخطوب الشداد
(1/261)

قر عينا وانعم بعقباك بألا ... برجوع لموطن
في جوار المجاهدين الألى قد ثبتوا في الجهاد كالأطواد
قد وفوا لبلادهم فحموها وفدوها أكرم بهم من فاد
رحمات الإله تغشاك في القبر وتغشاهم ليوم المعاد
وعليك السلام واخلد بذكر وثناء يبقى بغير نفاد!
(1/262)

ماذا جنى قطب؟
ألم بنا من فاجع الهم ما جلا! ... وحل بنا من فادح الظلم ما حلا!!
وأصبح مرمى للأذى كل مؤمن ... وذل من الأحرار من لم يكن ذلا
وديست كرامات الرجال وأزهقت ... نفوس لها الصف الأمامي في الجلى
وأصبح حكام البلاد شرارها ... إذا ما تولوا أهلكوا الحرث والنسلا
وعاث فسادا كل من نال رتبة ... وحاد عن الإسلام من لم يحد قبلا
أيقتل "قطب" أي خطب مزلزل؟ ... وأي مصاب حل بالأمة الثكلى؟
أيعدم "قطب" كيف؟ يقبل مسلم ... بأن يفقد الإسلام قائده الأعلى؟
أتشنق مصر خير أبنائها حجى ... وتقوى وأخلاقا فما أفضع القتلا؟
أتخنق مصر مجدها وندوسه؟ ... لقد عدمت مصر الكياسة والعقلا؟
وأغضبت الإسلام والضاد والعلا ... وباءت بخزي يمسح الفضل والنبلا
وماذا جنى"قطب" لتزهق روحه ... ويشنق اين العدل؟ قد شنقوا العدلا
وما ذنب "قطب" غير ايقاظ قومه ... ونشر تعاليم الحنيفية الملى؟
لئن كان ذنب "قطب" وصحبه ... فما أبخس العليا وما أضيع الفضلا!
لقد فقد الإسلام خير رجاله ... ومن لم نجد بين الدعاة له مثلا
فعاد ظلام الجاهلية ثانيا ... وأطفيء نور طالما أوضح السبلا
ألا ثورة للعلم تغسل عارهم! ... وتكتسح الفوضى وتستأصل الجهلا؟
وترجع للإسلام هيبة حكمه ... وعزة أهليه ودولته الفضلى
(1/263)

ولم لا يثور العرب ضد طغاتهم ... إذا كان صمت الحر يغري به النذلا؟
كفاكم سكوتا فلتهبوا لتنقذوا ... كرامتكم إن كنتم للعلا أهلا
وجودوا ببذل الروح من أجل دينكم ... وفي نصرة الإسلام فلترخصوا البذلا
ولا تنصبوا للحكم إلا أخا هدي ... يغار على الدين الحنيفي أن يبلا
ولا تقبلوا للرأي حكما فإنه ... حليف هوى قد خالف الله والرسلا
وهل يحكم المخلوق والله حاكم ... بنص كتاب لم يزل بيننا يتلى
وما الكفر إلا الحكم بالرأي والهوى ... ومن ها هنا قد ضيع العرب السؤلا
ومن ها هنا كانت بداية ضعفها ... ومن ها هنا صرنا لهوتنا السفلى
فلم يبق بعد اليوم للصبر موضع ... ولا خير في الصبر الذي يورث الذلا
فثر، لا تقل! صبرا شباب محمد ... وثب واقتحم نار الوغى لا تقل: مهلا
وعودوا إلى ما كنتم من جهادكم!! ... سينصر حزب المؤمنين وإن قلا
وذودوا عن الأحكام من جار أو طغى ... وردوا إلى الإسلام من ضل أو زلا
ومن يغترر بالملك فالملك زائل ... فإن الليالي للورى بالأذى حبلى
ولا دام حكم قام بالجور ولهوى ... ولكن حكم الله يعلو ولا يعلى
(1/264)

أتونس خطبك خطب الشمال
نظمت في رثاء "المنصف" باي تونس ونشرت بعدد 51
من البصائر في 24 ذي القعدة الحرام عام 1367 للهجرة.
لقد عصف الموت "بالمنصف" ... فما أنت يا موت بالمنصف!
أتعصف بالذائدين الحماة! ... وبالمستبدين لم تعصف؟
وتنسف ركنا سما للعلا! ... وابنية البغي لم تنسف!
أيا موت ويحك ماذا جنيت ... لما قضيت على "المنصف"؟
أبحت حمى "تونس" للمغير ... بإغماد صارمها المرهف!
وأذويت آمالها الناضرات ... وهي جنى بعد لم يقطف
وهجت أساها وأبديت من ... مقاتلها للعدى ما خفى
أ "منصف" خطبك أوهى القوى ... وأعيا البيان فلم يسعف!
بكتك العيون بفيض الدموع ... ولكن بحق الوفا لا تفي!
وهل يطفيء الدمع من ثاكل ... جوى في الجوانح لا ينطفي
لقد كنت للشعب رمز الثبات ... ورمز المفاداة للمقتفي!
تغربت عنه فلم تنسه! ... ولم تسل بالغير أو تكلف!
وأوذيت فيه بمر الأذى ... فلم ينب صبرك أو يضعف!
وزلت وذكراك لما تزل ... وطيفك لم ينأ أو يختف!
وعرضك في الناس لم يتهم ... بقول محق ولا مرجف
(1/265)

"تونس" خطبك خطب الشمال ... فلوذي بصبرك لا تأسفي!
وجرح الجزائر لم يشفه ... تأس إذا كل جرح شفي!
أ "تونس" ترعاك عين الإله ... إذا غاب عنك الصديق الوفي
سينتقم الله ممن بغى! ... وما الله للوعد بالمخلف
(1/266)

مات محيي الدين!
قيلت في رثاء الزعيم الإصلاحي "محيي الدينالقليبي" التونسي ونشرت بالعدد 296 من "البصائر":

أي وجه أطفأ الموت سناه؟ ... أي طود عاصف الدهر طواه؟
أي كنز من فخار وعلا! ... وكمالات ثرى القبر حواه؟
أي بنيان من المجد هوى ... بعد أن شارفت النجم ذراه؟
أي نسر صاده سهم الردى ... أي نعي ردد الشرق صداه؟
مات محي الدين ما أشأمه ... ناعيا جدد للقلب أساه!
مات لكن لم يمت من عمره ... كله في طاعة الله قضاه!
عاف دنياه فلم يستهوه ... كل ما فيها ولم يغو حجاه!
إنما كل أمانيه بها ... يقظة الشرق وتحرير حماه
لم يعش عبد هوى لكنه ... عاش حرا طيب الله ثراه
(1/267)

لا تمت إنه مات طه
ألقيت في جنازة "طه سلطاني" نجل صديقنا الداعية الإسلامي القدير "الشيخ عبد اللطيف سلطاني" تعزية للصديق الكريم في مصابه الجلل بفقد نجله الذي اختطفته المنية غريبا عن وطنه في الولايات المتحدة حيث كان يدرس العلم إثر حادث اصطدام:

لا تمت إن مات طه إنه عمر تناهي
هذه الأرض ملايين ثوت تحت ثراها!
وهم بالأمس قال كانوا نجوما في سماها!
والمنايا لم تزل تملأ بالأحياء فاها!
واذن نحن بنو الموتى علاما تنساهى؟؟
ولنا يوم سيطوينا كما كان طواها!
يا لنا حمقى بدنيا سوف تفنى نتباهى!
كلنا صب بها يفنى غراما في هواها!
قلبه ليس به فضل لمحبوب سواها!
أيحب القلب دنيا ليس ينجو من أذاها
يا أخا عاش لذى الأمة نجما في دجاها
لا تمت حزنا فيخبو في لياليها سناها!
ابق كي تقضي على الجهل الذي صال وتاها
أنت من شعب بنوه ليس يحنون الجباها
قد بنوا بالصبر والإقادام للأوطان جاها
إن يمت طه فقد مات رسول الله طه
(1/268)

عظم الرزء!!
نظمت رثاء الفقيد العزيز صديقنا الكريم الحاج محمد معقل الذي توفى في منتصف ديسمبر 1973م:

عظم الرزء وجل الحادث ... وطوى هضبة فضل حدث
أيوارى تحت أطباق الثرى ... ذلك الجد الذي لا يعبث؟
أيوارى هكذا في لمحة! ... تالد العلياء والمستحدث
ومثال من إباء وتقى! ... لم يحم حول حماه رفث!
يا لدنيا كلما قلنا صفت! ... ذهب الصفو وران الخبث
إن من يحلف أنا عرض ... للمنايا صادق لا يحنث
أرأيتم كيف يطوينا الردى؟ ... كل شيء ذاهب لا يلبث
"معقل" أورثتنا الحزن الذي ... ليس يبلى، بل سيبقى يورث
"معقل" عشت ملاذا للوفا ... في زمان أهله قد نكثوا
ولقد أنجبت نسلا صالحا ... كل يوم خيره مستحدث
سوف لا ينسون روحا نفثت ... فيهم العزة فيما تنفث
"معقل" زرعك آتى أكله ... كل ساع حاصد ما يحرث
(1/269)

لا ينجى من الموت "معقل"
كما نظمت هذه القطعة لنفس الغرض:

"أمعقل" لا ينجى من الموت معقل ... ومن عجب أنا عن الموت نغفل
منيتنا تأتي على حين غفلة! ... وكل على حكم المنية ينزل!
فتبا لدنيا لا تدوم لأهلها ... وكل مقيم من بنيها سيرحل
وإن كتاب العمر لابد تنتهي ... صحائفه والموت للكل منهل
"أمعقل" إن الموت أخطر رحلة ... نمر بها والقبر للمرء منزل
وما القبر بعد الموت آخر منزل ... ولكن وراء القبر ما هو أعضل
"أمعقل" أيام الهناء قصيرة ... وأيام بلوانا من الدهر أطول
وأعظم خطب فرقة بعد عشرة ... فذاك هو الخطب العظيم المزلزل
أيا غافلا عن غاية صائر لها! ... تزود من التقوى إذا كنت تعقل
ويا من أضاع العمر في غير طائل ... ستسأل عما كنت بالأمس تعمل
فليس سوى التقوى يفيدك في غد ... وليس على غير الإله المعول
(1/270)

دع الأسى
نظمت في 22 أكتوبر 1941م تعزية للصديق الكريم السيد العمري بن بلقاسم في ابنه محمد الذي توفى في 18 من الشهر المذكور سنة 1941م:

دع الأسى وتجلد ... واصبر لموت محمد!
ما في الأنام موقى ... من الردى أو مخلد!
وكل حي سيغدو! ... بين الجنادل ملحد!
فما البكاء بمجد! ... ولا العويل المردد!
آهات قلبك تفنى ... ودمع عينيك ينفد!
ولا يردان شيئا ... مما يضيع ويفقد!
كفكف دموعك واصبر ... فالصبر أجدى وأحمد!
(1/271)

إلى أخي العمري
ذلك الصديق الذي عصف الموت بأركان بيته:
زوجته وابنه وأخته.
فإلى هذا الصديق الكريم أقدم هذه الأبيات لعله يجد فيها بعض العزاء:

أعزيك في الزوج أم في الولد ... وأوصيك بالحزن أو بالجلد؟
حياتك نضاحة بالأسى ... ودنياك مملوءة بالكمد!
ودهرك ما يأتلى راميا ... يصيبك في القلب أم في الكبد
مضى "سالم" لم تمتع به ... قليل المقال قصير الأمد!
وأختك من قلبه ودعت ... وغال الردى بعده من تود!
فكيف أعزيك فيما دهى ... وخطبك لم يك شخصا فقد؟
ولكنه خطب بيت طواه موج ... الردى بين جزر ومد
فها قد عرفت غرور الحياة وما ... قد حوت من ضروب النكد
فما هي والموت في اثرنا! ... سوى معبر لحياة الأبد!
وما نحن إلا عوار بها ... وأية عارية لا ترد؟
وان الورى غرض للردى ... وسهم الردى ليس يخط أحد
__________
نشرت في 16 ذي الحجة الحرام 1368 للهجرة.
(1/272)

كلنا للفناء
قيلت رثاء لوالد صديقنا الأديب الشيخ البشير بن داود في 22 ديسمبر سنة 1940م:
لذ جاهدا بالعزاء ... فكلنا للفناء!
ما للقضاء مرد ... فاستسلمن للقضاء
تبا لعيش بدنيا ... رهينة بالشقاء!
فليس فيها صفاء ... يخلو من الأقذاء
وليس فيها موقى ... من محنة وبلاء
وليس فيها أديب ... يذوق طعم الهناء
كل الخلائق ... فيها يلقون كل عناء
فإن أصبت برزء ... من أعظم الأرزاء
فإنما أنت فرد! ... من جملة البؤساء
وإن أبوك تولى! ... مفارق الأحياء!
وعاف دنيا البلايا! ... وطار نحو السماء
فهذه الدار ليست! ... لنا بدار بقاء!
فجاد كل سحاب ... ثراه بالأنواء
ولا عدمت اصطبارا ... أخي وحسن عزاء
(1/273)

الله أكبر!
قيلت في رثاء الأخ العامل السيد "رشيد بطحوش" وألقيت على قبره يوم دفنه:
الحق نادى يا رشيد ... ما من إجابته محيد!
ولأنت أولى من يلبي ... أمر بارئه المجيد!
والموت ليس بمفلت ... أحدا فنطمع في الخلود!
الله أكبر إن رزءك ... وقعه فينا شديد!
الله أكبر يوم نعيك ... قد تفتتت الكبود!
لم يبق جفن بالدموع ... على فراقك لا يجود!
هذي "الجزائر" كلها ... تبكي أخا الخلق الحميد
هذي الجموع بأسرها ... صفت حيالك كالجنود
جمدت تجاه الخطب ... لا تبدي كلاما أو تعيد
قد كنت عفا طاهر ... الأذيال ذا رأي سديد
قد كنت لا تنفك ذا ... عمل لشعبك أو يسود
كم قد بذلت إلى المشا ... ريع المفيدة من جهود
هذي "الشبيبة" لم تزل ... أثرا على الدنيا جديد
لم تألها جهدا ولا قصرت ... في عمل يفيد!
نم في ضريحك آمنا ... فلأنت حي لا تبيد
لحد تحل به رفاتك ... لهو من خير اللحود!
(1/274)

المعري!
ألقيت بالذكرى الألفية للمعري "بنادي المولودية" بالجزائر "العاصمة" ونشرت بالعدد 8 من البصائر في 3 ذي القعدة عام 1367 للهجرة.
عاش في دنياه محروما حريبا ... وقضى أيامه فيها غريبا
ملهم أجدب فيها وله ... نبع شعر يخصب المرعى الجديبا
عبر الشاطئ فيها ناصبا! ... لم يدق من راحة فيها نصيبا
رفض الدنيا ولم يعبأ بها ... فمضى منها كما جاء سليبا
لم يرد مالا ولا نسلا ولم ... يتخذ زوجا ولم يعلق حبيبا
ضاق بالكون فلم تسكن به ... نفسه واشتاق أن يلقى شعوبا
يا لها نفسا ترى الكون لها ... ضيقا والقبر تلفيه رحيبا!
أي نفس تلكم النفس التي ... كبحت أهواءها كبحا عجيبا
أي نفس تلكم النفس التي ... تجد الراحة أن تلقي شعوبا
تلكم نفس المعري من غدا ... بيننا اليوم بذكراه قريبا
تلك نفس الشاعر الفذ الذي ... خلد الدهر له شعرا حلوبا
كان ذا قلب كبير ثائر! ... في إهاب كاد أن يمحى شحوبا
كان كالبركان لا يلفظ من ... فمه إلا زفيرا ولهيبا!
أبصر الدنيا ظلاما قاتما ... ورآى للظلم سلطانا رهيبا
(1/275)

فانزوى في كوخه منفردا! ... ساخرا بالكون مهتاجا غضوبا
ساخطا منقبضا لم يبتسم ... أبدا يوما ولم يبصر طروبا
عافه كونا حقيرا مفعما! ... بمساوي الناس مكتظا عيوبا
كان فخر الضاد كم ألبسها ... من غوالي شعره ثوبا قشيبا
شعره فيه من الروعة ما ... ينعش الروح وستهوى القلوبا
كان مرآة لما في عصره ... بث من آرائه فيه ضروبا
وجلا الدنيا به واضحة ... لم يغادر جانبا فيها معيبا
إيها الشاعر كم نال الأسى ... منك في الدنيا وكم ذقت الكروبا
هل وجدت القبر منها منقذا ... للذي يقضي بها العمر كئيبا؟
هل ببطن الأرض للشاعر ما ... يمكن النفس وينسيها الخطوبا؟
هل به نوم لمن لم تكتحل ... عينه بالنوم أنبئني مجيبا؟
نحن أنضاء الأسى يا ليتنا! ... قد قطعنا هذه الدنيا وثوبا!
(1/276)

دمعة على "مصباح"
مات "مصباح" فانطفا مصباح ... ودجى الليل واختفى الإصباح!
وعرا صفحة السماء قطوب ... وكسا الكون من أساه وشاح!
وسرى في النفوس حزن وذعر ... وتواوى السرور والانشراح!
إنه الموت إن بدا تكتسي ... الدنيا اكتئابا وتنطوي الأفراح!.
غير أنا إن غاب "مصباح"عنا ... لم يغب علمه ولا الإصلاح!
كان سيفا لم يعرف الغمد يوما ... عاش يحمى به الهدى والصلاح
كان "مصباح" ثورة تفزع البغى ... ونارا لهيبها يجتاح!
عاش "مصباح "مثلما عاش ... مصباح ضياء تهفو له الارواح
قاهرا للظلام لم يثنه الاعصار ... يوما ولم تخفه الرياح!
طاهر الثوب طاهر القلب ... بسام المحيا عبيره فواح!
وقضى مبعدا وقد هده ... طول الكفاح وأثخنته الجراح!
أيذاد عن الحمى كل صب ... بحماه وللعدو يباح؟
يا أخا حبه وفاء وصدق ... وهواه هو اللباب الصراح
لم يخف بطش مستبد ولم ... يرهبه جيش ذو سطوة أو سلاح
كنت لا تعرف الفرار كطير ... دأبه الوثب والغنا والصداح!
كت، رمز الثبات والصبر ... كالطود الذي لا تهزه الأرياح!
إنه الموت لا مفر من الموت ... وكل له انتهاء يتاح
(1/277)

وحياة الإنسان في هذه الدنيا ... كسجن والموت فيها سراح!
يا أخا من صفاته الصدق ... والإخلاص والنبل والندى والسماح
وبها أحرز النجاح وهل يحرز ... إلا بمثلهن النجاح؟
عشت عمرا من الكفاح طويلا ... نم قريرا فما عليك جناح
(1/278)

مصرع زهرة
كان لمصرع تلك الزهرة: "عابدة خير الدين" التي قطفتها يد المنية وهي ما تزال غضة الاهاب ريانة العود تأثير كبير في نفسي بل كان كزلزال عنيف هز كياني وألهب وجداني فعلى تلك الزهرة أسكب هذه العبرة.
هادوؤك في الظلمة البارده ... عزيز على النفس يا "عابده"
ونومك وحدك في حفرة ... أطار المنام عن الوالده
تمثلتها في جوي عاصف ... بها فهي واجمة جامده
تمثلتها يستبد الأسى ... بها فهي ثائرة حاقده
تمثلتها صعقت إذ رأت ... بنيتها جثة هامده
تمثلتها بعد مدفنها ... قضت ليلها كله ساهده
فتبا لدنيا مسراتها ... كأنفاس أبنائها نافذه
تخادعنا بضروب المنى ... وآفاتها للمنى راصده
تحاربنا بجيوش الهموم ... علينا بها أبدا وافده
فيا زهرة لم تزل غضة ... وما رجمتها اليد الحاصده
علاما تعجلت هذا الرحيل ... ولست لدنياك بالعائده؟
أتألف نفسك سكنى الثرى ... وتهجر أسرتها الواجده؟
فهل أوحشتها شرور الورى ... فعادت إلى ربها صاعده؟
(1/279)

فان تزهدي في نعيم الحياة ... فهل أنت في مجدها زاهده؟
وكنت بها مثلا يحتذي ... من الخلق والسيرة الماجده
فنامي بلحدك في غبطة ... فذكراك رغم البلى خالده
__________
نشرت بالبصائر عدد 237 في ذي القعدة 1372 للهجرة.
(1/280)

الحب في الله
مهداة الى الداعية المجاهد في الله الشيخ "عبد اللطيف سلطاني" بمناسبة زواج ابنه فيصل في 1 ماي 1969م.
الحب في الله أقوى! ... من كل شيء وأبقى
من فاز منه بحظ! ... الذي فاز حقا!
ولي أخ عاش يسعى! ... للمكرمات ويرقى!
من أطهر الناس ثوبا ... من أنبل الخلق خلقا!
محضته كل ود! ... من قطرة الغيث أنقى
وإن ظمئت فإني ... من وده المحض أسقى
لم نختلف قط يوما ... فالحب أوسع أفقا!
عشنا رفيقي كفاح ... ندعو إىا الله وفقا!
لم نرج مطماع دنيا ... لم نخش في الله خلقا!
نحمي حمى الدين ممن ... يروم للدين محقا!
له علينا حقوق! ... غدا لها مستحقا!
أقل حق علينا! ... أنا نموت ويبقى!
ونحن أصدق عهدا ... من أن نضيع حقا!
نريد للدين عزا ... وللعقيدة عتقا!
إلى متى نحن نرضى ... للدين وأدا وخنقا؟
(1/281)

كيف تسعد أرض ... بها العقيدة تشقى؟
وهل تحرر قوم ... يرضون للدين رقا؟
أيقبل الحر كفرا ... يغزو حماه وفسقا؟
أتغرق الخمر أرضا ... عاشت من الدم غرقى؟
إذن لقد زاد عصر ... الكشوف جهلا وحمقا
واحسرتا كم يعاني ... الإسلام منا ويلقى!
بعد التحرر ذل ... الإسلام غربا وشرقا
خيانة ليس نرضى ... بها شعارا وخلقا
وإن رضينا غششنا ... دينا محضناه صدقا
"من غشنا ليس منا" ... ونال بعدا وسحقا!
وان سكتنا فانا ... خنا الحقيفة نطقا!
"عبد اللطيف" بلغت ... المنى بنسلك حقا!
بهم عنيت فحازوا ... بحسن رأيك سبقا!
وكنت خير مثال ... لهم فجاروك طبقا!
أن عق نسل فإنا ... لم نلف نسلك عقا!
إليك باقة زهر! ... تزيد جوك عقبا!
ولا أرى بين شعر! ... أزجيه والزهر فرقا
وإن يكن ثم فرق ... فالشعر أغلى وأرقى!
ولنمض "بعد"سويا ... لخدمة الدين طلقا
(1/282)

نحمي له كل يوم! ... حقا ونرتق فتقا
ولا نبالي عدوا! ... إذ ليس نرهب خلقا
وكيف بالله نخشى ... من ليس يمنع رزقا؟
حتى نرى الدين أضحى ... من كل سوء موقى
وكل من رام سوءا! ... بالدين يعدم شنقا
لم يعطنا الله دينا ... لكي نضل ونشقى
(1/283)

إلى الأستاذ مبارك الميلي
تهنئة بإبلاله
برئت من السقم الذي أنهك الجسما ... وهدد فيك العلم والأدب الجما
فكان على الإصلاح برؤك نعمة ... وكان على أعدائه نقمة عظمى
تمنى رجال أن تموت لأنهم! ... رأوا منك في إقناعهم رجلا شهما
ولكن لطف الله جاء بضد ما ... تمنوه فازدادوا على غمهم غما
وما لك ذنب غير أنك جئتهم ... بدعوة إصلاح فكنت لهم خصما
تصديت صوب الشرك تمحو رسومه ... وتثيت للتوحيد أبنية شما
فأرشدت مخلوقا وأرضيت خالقا ... ونافحت عن دين أرادوا له هدما
لذلك أبقاك الإله نكاية! ... لهم ونفى عن جسمك الضر والسقما
ومن كان في نصر الإله فإنه ... سيحرسه حقا وينصره حتما!
أهنيك بالبرء الذي لم يكن سوى ... نجاح جديد للمبادئ قد تما
(1/284)

رسالة الشرك
تقريظ لكتاب "رسالة الشرك" الذي ألفه الشيخ "مبارك الميلي" ونشرت بالبصائر:
هي ليست رسالة الشرك ... والله ولكن رسالة التوحيد!
والذي يقرأ الرسالة لم يلق ... لغير التوحيد من ترديد
وإذا الباطل امحى ثبت الحق ... جليا برغم أهل الجحود
حبذا تلكم الطريقة في إبطال ... دعوى مكابر وعنيد!
كم حوت تلكم الرسالة من ... دقة بحث سما ومن تجديد!
قد خلت من مذاهب أحدثت ... للناس في الدين بدعة التقليد
فهي ليست سوى حديث صحيح ... أو نصوص من الكتاب المجيد
دجتها يراعة لم تكن تعتاد ... غير الإبداع والتجديد
قلم لم يكن لغير فتى "ميلة" ... ذي الرأي والمقال السديد
أنت أرضيت "يا مبارك" شعبا ... بالذي قد بذلته من جهود
أنت أبصرت في العقائد داء ... فتكفلت بالعلاح المفيد!
سفرك اليوم بلسم لجراحات ... بدت في عقيدة التوحيد
هو ضرب من الخلود ولا ... غزو فقد عشت مغرما بالخلود
(1/285)

"توفيق" أعطيت توفيقا وتسديدا
أهدي إلى الصديق الكريم الشيخ احمد توفيق المدني" نسخة من مؤلفه الجديد: "جغرافية القطر الجزائري" فأعجبت بالروح الوثاب في مؤلف الكتاب الذي ما يزال حواما في أجواء تاريخ الجزائر يعرض منه من حين لآخر صفحات مثل قطع الرياض خدمة لبلاده واستمرارا في جهاده وأكبرت في "توفيق" هذا التوفيق:

"توفيق" أعطيت توفيقا وتسديدا ... فاتب وجدد عهود الضاد تجديدا
منحت موهبة التارخ فأحي به ... ألمجد قومك إحياء وتخليدا!
منذ اعتقلت يراعا لم تزل كلفا! ... به وطرفك بالمجهول معقودا
نهجت في البحث نهجا قد عرفت به ... شر المناهج ما قد كان تقليدا
"وللجزائر" ماض مشرق عبق! ... ما ذنبها أن يظل الدهر موؤودا
"مبارك" قد قضى حقا لها ومضى ... وأنت لم تألها حبا وتمجيدا
كلاكما قد بنى بالعلم صرح علا ... وليس كالعلم للعلياء تشييدا
لو كان للشعب بناؤون مثلكما ... لم يبق في قبضة الأعداء مصفودا
(1/286)

باقة من الشعر في عرس صديق
خير ما في الوجود ساعة أنس ... بين صحب ينسى بهم كل بؤس
غير أن النفوس ذاقت من الآلام ... ما يخنق السرور وينسى
يا أخا قد عرفته أريحيا ... كنبات نماه أكرم غرس
وصديقا يرعى الجميل وفيا إن ... أصيب الوفاء يوما بنكس
لا تلمني إن شح نبعي فلم ... أسمعك لحنا يغري بأعذب جرس
دوحة الشعر في "الشمال" وما ... كانت طيور الشمال يوما بخرس
غير أن "الشمال" طال أساه ... ومن الهم ما يؤود ويؤسي
وسئمنا ارتقابنا مطلع الفجر ... فعذنا بالله من كل يأس
ليت شعري هل تنجلي هذه السحب ... فتبدو في الأفق أسطع شمس
مس حرية الجزائر كي يجلو ... سناها الهموم عن كل نفس
ويعود "الشمال" جنة عدن ... طهرته الآلام من كل رجس
ذاك يوم لابد آت وفيه سيقيم ... "الشمال" أعظم عرس
وسينسى شعب "الجزائر" ما يحظى ... وضع يبني على خير أس
وسنبني حياتنا من جديد كل ... به في غد جراحات أمس
(1/287)

تذكار أدبي
يهدى الى قاضي الحكومة الجزائرية المؤقتة بسطيف الأخ الأديب الأستاذ "محمد الشريف خرشي" تخليدا الذكرى مجلسنا عشية 12 مارس 1962م، بمنزل العامل الصديق السيد العياشي:
خير ما تقتنيه نفس زكيه ... تنشد المكرمات تأبى الدنيه
خلصت كالنضار من كل شوب ... فهي نور به حياة البريه
همها أن تكافح الظلم عن شعب كريم يحيا حياة شقيه
ويفك القيود عن أمة طال بها الانتظار للحريه!
وتعيد المجد السليب لأرض تنبت المجد بالدماء السخيه
طالعتني هذى السمات النبيلات بوجه "الشريف" ذات عشيه
ذلك الكوكب المشع مضاء ... وإباء وغيرة وطنيه!
فحمدت الأرض التي أنبتته ... فهي مهد النبوع والعبقرية
وشكرت اليد التي جمعتنا ... فهي بالشكر والثناء حريه
(1/288)

ما أوحش الدنيا بغير صديق!
مهداة إلى الأخ الحاج سليمان نجار في حفل تزويج إحدى بناته في بلدة "عين البنيان" في 6 جويلية سنة 1968م:
ما أوحش الدنيا بغير صديق ... ولو أنها تغري بحسن بريق
إن الحياة بلا صديق مخلص ... كالسجن حف بظلمة وبضيق
وأنا نحمد الله فزت بأخوة! ... كل أخو ود أبر وثيق!
كالروض بساما بغير تكلف ... كالشمس شعاعا بغير حريق
والحب في ذات الإلاه سعادة ... ليست تصاب بلوعة التفريق
هي من نصيب المؤمنين وحظهم ... ليست تتاح لملحد زنديق!
كأخي "سليمان" الذي جربته ... فوجدته في الله خير رفيق
وهو الرفيق بصحبه ورفاقه ... وبما له في الخير غير رفيق
و"بصالح" صلحت جميع أموره ... فغدا بمجد أبيه جد خليق
رباه من صغر على الدين الذي ... سلكت به العلياء خير طريق
وبلوته فوجدته مثل أسمه ... يسعى بطرف في الكمال طليق
ولسوف يبلغ ما يروم من العلا ... كالنسر طاف الجو بالتحليق
اهنأ "سليمان" بأكرم أسرة ... وانعم بحظ في الكرام حقيق
إنا لنرجو من بنيك جميعهم ... تتويج إرث علاك بالتطبيق
(1/289)

تحية الوفد بعودته من باريس
أيها الوفد ما علمتم سيبقى نشرت بالبصائر وبالرابطة العربية:
مرحبا معشر الحماة الكرام ... يا مثال الثباث والأقدام!
مرحبا بالمنافحين بجد ... عن حمانا وعزنا المستضام
مرحبا ثم مرحبا ثم أهلا ... ثم أزكى تحية وسلام!
فتحت صدرها البلاد للقياكم ولاقتكم بقلب ظامي
أنتم راحة البلاد فلما ... ودعتكم لم تكتحل بمنام
أنتم عزها وهيهات أن تقبل ألا رجوعكم بسلام!
أنتم سيفها تذودون عنها ... غرة الظلم عند كل اصطدام
أنتم قلبها المفكر فيها! ... أنتم بلسم الجراح الدوامي
قد رأيتم آلامها فتألمتم ... لما نالها من الآلام!
وتضجرتم لما قد فشا فيها من الانخذال والانقسام
فاندفعتم تناضلون عداها بالحجى واليراع قبل الحسام
وتجشمتم لها كل صعب ... وتجاهلتم م ورود الحمام
وأتيتم باريس تبغون إنصافا ... فلاقتكم بكل احترام!
وتحفت بكم وهشت للقياكم واصغت لما لكم من كلام
واستجابت إلى الحقوق التي كانت لكم واجبا على الأقوام
حينما قامت الحروب على ساق ودارت على رؤوس الأنام
(1/290)

والمنايا على الورى حائمات ظامئات الى اختطاف الهام
كان لابن "الجزائر" السبق فيها يتلظى سعيرها باقتحام
أمن الحق أن نكون سواء في الرزايا وفي الخطوب الجسام
واذا ما انجلى الغبار رددنا عن حظوظ لنا وعن أقسام
أيها الموطن المفدى بنفسي طالما عشت عيشة الأنعام
طالما فيك قد تحكم قوم من دعاة الأحداث والأوهام
همهم في بطونهم ليس إلا أوردونا موارد الإعدام
فلتجاهدهم فما لك فيهم غير تشويه سمعة الإسلام
إنما جندك المدافع عن حقك والمفتدي بلا إحجام
هذه العصبة الجريئة قلبا ... فأطع أمرها تفز بالمرام
بايعوك على الوفاء الى الموث مضحين بالنفوس الكرام
أيها الوفد ما علمتم سيبقى ... أثرا خالدا على الأيام
فالأممام الأمام يا صفوة الشعب ويا خير قومه للأمام
(1/291)

أطلت الغياب
من المراسلات الشعرية
كنت في سريري بمصحة "القديس لوقا" بمدينة ليون الفرنسية قسم طب العيون وعيناي معصوبتان لا تريان النور اثر عملية جراحية اذ دخل عليا الأخ الأستاذ عيسى دوس وبيده جريدة "البصائر" وبها القصيدة التالية بالعنوان
اعلاه وبإمضاء: عبد الكريم العقون مع التقديم التالي:
مهداة إلى رفيقي الشاعر الأستاذ أحمد سحنون الذي نزح إلى أوربا منذ شهرين للاستشفاء فطالت غيبعه وانقطعت عنا أخباره فاشتقنا الى مجلسه وعهوده:
رفيق الصبا وصديق العمر ... عليك سلام ندى عطرا!
يحفظك في غربة ما بها! ... صديق يواسيك عند الخطر
رحك عن الصحب يا خيرهم ... وخلقت في النفس أقوى الأثر
وطرت عن الروض يا طائرا ... تغني مساء وعند السحر!
يشنف أسماع كل الورى ... فيشفي جراح الأسى والغير
وعقد الرفاق الذي صغته ... نقد كاد بعدك أن ينتثز
فكل مضى نحو آماله! ... وفارق صحبا بهم يفتخر
نأى عن مجالسهم ويحهم ... فلولا معارفه لاندثر!
(1/292)

أطلت الغياب أيا "أحمدا" ... فعد ليعود لذيذ السمر
فان "رجا" قلبه خافق ... وزينب مشتاقة تنتظر
"وحمزة" يسأل في كل حين ... و"توفيق" أشواقه تستعر
و"بعزيز" لما يزل لاهجا ... بذكركم كما قد عبر!!
فكل غدا بعدكم ذكرا! ... أحاديث تلك الليالي الغرر
و"منبرنا" عطلت آيه ... فكل قد اشتاق تلك الدرر
وطوقت أعناقنا بالجميل ... وأحييت أثار مجد غبر!!
عهدناك تهفو إلا رفقة! ... فما لك أمسكت حتى الخبر
ترى هل نسيت عهودا خلت ... ملونة بأجل الصور؟
نداعب أحلامنا الراقصات ... ونشدو بلحن المنى المبتكر
شفاك الإله فعد سالما ... لتطلع في أفقناكالقمر
الجزائر- عبد الكريم العقون
(1/293)

إلى أخي عبد الكريم
وبما أن هذه تحية يجب أن تقابل بأحسن منها أو ترد كما قال الله عز وجل: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} فقد بت ليلتي تلك أراود قريحتي علها تسعفني بما يريح عن كاهلي هذا الدين ويؤدي عني هذه التحية فما كاد الصبح يتنفس حتى كانت القصيدة تتنفس معه نفس الحياة وعاد إلي الأخ عيسى فأمليت عليه القصيدة من ذاكرتي لأن الكتابة متعذرة علي بسبب المرض فكتبها وبعث بها إلى الجريدة. وهذا هو نصها:
إلى أخي الكريم الأستاد "عبد الكريم": ردا على قصيدته الأخوية الرائعة.
أخا الحب والذكريات الغرر ... وخدن القوافي وحلف السمر
وحقك لم أنس عهدا مضى ... جميلا سريعا كلمح البصر!
قطفنا به من ثمار المنى ... أفانين من يانعات الثمر
يرف خلال عهود الصبا ... رفيف الفراشة حول الزهر
وما زلت رغم تنائي الديار ... ذاك الصديق الوفي الأبر
مواثيقنا غضة ما تزال ... وعقد الهوى بيننا ما انتثر
وهل أنا ناس أخا شاعرا ... بدائعه خالدات الأثر!
اقمنا معا سوق حر الفريض ... وصغنا لآلئه والدرر
وكان مثال الوفاء الذي! ... يعز ويندر بين البشر
بعثت بقلبك في أسطر ... يلج به شوقه المستعر!
(1/294)

ولكن كأنك لم تدر ما ... ألم بخدن الصبا من غير
غريب بروحي وجسمي معا ... حليف الهموم ضجيع السهر
أقضي نهاري على طوله ... بلذع الدواء ووخز الأبر
وعيناي كلتاهما عصبت ... بأربطة حرمتني النظر
فمن أين لي طاقة بالجواب ... يطمئن صحبي برد الخبر؟
ومن أين أقضي حقوق الرفاق؟ ... وهل أستطيع تحدي القدر؟
ولكن أيام هذا البلاء ... ستمضي ويعقبها ما يسر!
وأرجع نحو الرفاق الكرام ... قرير الفؤاد معافى البصر
ويجتمع الشمل بعد الفراق ... وننعم بالصفو بعد الكدر
فقل للرفاق إلى الملتقى ... سنظفر بالأمل المنتظر
وعاقبة الصبر معروفة ... لأصحابها ببلوغ الوطر
مصحة القديس لوقا بليون
(1/295)

وداع بعد غياب
من المراسلات الشعرية
إلى صديقي الكريم سيدي عبد الكريم العقون وإلى كل صديقق لم
أتمكن من توديعه لمفاجأة عودة المرض التي اقتضت عودتي حالا إلى
طبيبي الخاص بمدينة ليون بفرنسا:
مثال الوفاء وصدق الإخاء ... وقى الله عينيك كل ابتلاء
فقد عاود الداء عيني فما ... نعمت طويلا بطعم الشفاء
وعدت لمنفاي خلف البحار ... كما كنت مستسلما للقضاء
وخلفت بعي فراخي الصغار ... يذيبون أعينهم بالبكاء!
وعوجلت عن رؤيتي للرفاق ... وتوديع إخواني الأوفياء
فبلغ سلامي لهم واعتذاري ... وسلهم بربك حسن الدعاء
وإني لراج من الله أن! ... يزيل عنائي ويكشف دائي
ويرجعني للحمى عاجلا ... لأوفيه حقه في الفداء!
وأنشر تاريخ أمجاده ... وأبني له منزلا في السماء
وأجعل أنشودتي حبه ... وأوثرها وحده بالغناء
فتلك أقل حقوق الحمى ... علي وأيسرها في الأداء
ومن عاش ينكر حق البلاد ... عليه فذاك عديم الوفاء
مصحة القديس لوقا بليون.
(1/296)

حنين إلى صديق نازح
من المراسلات الشعرية
أيها النازح في أرض بعيده ... لست تدري أن آلامي شديده
برحت بي لم تدع من عمري ... ساعة واحدة تمضي سعيده
ويح نفسي كلما فارقها ... من أحبت عافت الدنيا وحيده
ويح نفسي قد قضت أيامها ... من نوى أحبابها حيرى شريده
لا رعى الله الليالي إنها! ... أبعدت عني أخا أهوى شهوده
كل يوم لي بذكراه أسى! ... كل يوم لي تباريح جديده!
أيها الغائب عن عيني وفي ... خاطري ذكراه لم تبرح نشيده
لا يطل حزنك إن طالت نوى ... ولتكن نفسا لدي الخطب عنيده
إن عهدا قد تقضى جامعا ... شملنا عل الليالي أن تعيده
نشرت بالبصائر عدد 21.
(1/297)

سلمان منا أهل البيت
قال هذه الكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلمان الفارسي رضي الله عنه، حين سمعتها أثرت في تأثيرا بالغا، فهذا رجل من فارس لا صلة له من حيث النسب بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن تقواه قربته هذه القرابة من رسول الله وهذه هي القرابة التي تنفع صاحبها وبهذه الكلمة أو بالأحرى بهذه الشهادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفنا منزلة هذا الصحابي الجليل حتى تمنيت لو ولد لي ولد أن أسميه ااسلماناا وولد لي حفيد فتحققت لي هذه الأمنية وفي يوم ختانه نظمت هذه القطعة:
أعظم شيء به تهنا ... قول الرسول: "سلمان منا"
"سلمان" من صفوة كرام ... عاش لدين الإسلام ركنا
موطنه فارس ولكن ... بموطن الروح كان يعنى
لم يرض دين المجوس دينا ... فكان في حيرة معنى!
فسار يبغي الهدى فلقي ... "بمكة" ملجأ وحصنا!
وصار من أهل بيت طه ... وقال طه: "سلمان منا"
"سلمان" يا سلوة لروحي ... ويا عزاء لها وأمنا!
يا شعاع الهدى بقلبي ... ان لاح لم يبق فيه حزنا
كنت الرجاء له فلما ... أتيت كنت هوى وخدنا
دنيا الطفولة خير دنيا ... تكاملت بهجة وحسنا
لكن أذا لم تكن جديرا ... باسمك "سلمان" صرت غبنا
(1/298)

"سلمان " ياروضة عليها ... سخا الحيا والهزار غنى!
هذا ختانك وهو عيد ... أزف فيه إليك لحنا!
كل حبيب سوى"رجاء"1 ... فأنت للقلب منه أدنى!
وإن غدا عتابا "فؤاد"2 ... فليهن بألا وليطمئنا!
فان تكن زهرة بروضى ... فإنه كان فيه غصنا!
وإن أكن قلت فيك شعرا ... فهو الشريك بكل معنى
عشت غالى أن أراك رمزا ... لكل مجد يعلى ويبنى
__________
1. الابن الوحيد للشاعر.
2. حفيده الأكبر وشقيق "سلمان".
(1/299)

فؤاد
خصوصيات
فؤاد هوالحفيد البكر الذي عرفه بيت الشاعر فملأه بهحة وسرورا وأفعمه أريجا منعشا نشق فيه الشاعر عبير السعادة وفتح لعينيه آفاقا جديدة وعوالم كانت مجهولة فنظر إلى محياه الجميل يوما وكان - اذ ذاك - في سنته الثانية فقال:
فؤاد يا مهوى الفؤاد ويا ... أثمن ما في منزل الشاعر
ويا مثالا من جمال الصبى ... وآية من حسنه النادر!
اني لفي شوق إلى قبلة ... أقطفها من فمك الساحر
تشفي فؤادا لم يزل يصطلى ... نار الأسى من دهره الغادر

إلى حفيدتي "ناعمة"
التي هي الآن تخطو إلى سنتها الثالثة:
يا حسنها من وردة ناعمه ... تدعى لدى أسرتها "ناعمه"
هي تحفة في البيت نادره! ... وأميرة في بيتها حاكمه
ومطاعة فيما تشير به ... مخدومة في البيت لا خادمه
إن لم تطع أسرتها أمرها ... فهي لديها أسرة ظالمه
وأن ترد حلوى ولم تعطها ... حالا تثر ثورتها العارمه
يا صورة للحسن رائعه ... وفتنة يقظانة نائمه
أدامك الله مثالا على ... نعمته السابغة الدائمه
(1/300)

بسمة الحظ
خصوصيات
تلطف صديقي الشاعر الأستاذ "عبد الكريم" "العقون" فأسند إلي تسمية ابنه الثاني الذي فتح عينيه على شمس ربيع الأول سنة 1368ه فاستعرضت أسماء عدة علقت بذاكرتي فخف على لساني منها اسم الوليد فاخرته للوافدالجديد:
فإلي الوليد الجديد اهدي هذا اللحن الجديد:

بسمة الحظ في ابتسام الوليد ... فاحتفل لاقتبال عهد سعيد!
كم تمنيت أن يتيح لك الحظ ... رفيقا إلى "رضاك " الوحيد؟
أي سحر يشع في البيت إن ... هل وليد وأي عيش رغيد؟
إن بدرين في سمائك قد ... لاحا وعيدا أطل من بعد عيد
فافرغ اليوم للقريض وشنف ... كل سمع بكل لحن جديد!
(1/301)

إلى الأخ الشاعر
خصوصيات
بمناسبة زواجه
"ربيع" هذا ربيع ينسيك حسن الربيع!
هذا ربيع التلاقي فما ربيع الزروع؟
يحيي الشعور ويوحي بكل معنى بديع!
وكل لفظ عصى يأتيك خير مطيع!
سحائب الشعر فيه تهمي كغيت مريع!
ما الحب للشعر إلا كالماء للينبوع!
فاقطف ثمارا لأماني وانعم بشمل جميع!
نشرت بعدد 80 من البصائر في 25 رجب 1368 للهجرة.
(1/302)

عمر الزهر
إلى الوالد الثاكل صديقي أحمد شقار الذي فجع بموت ابنه "حسن البنا" الذي لم يعمر غير ستة أشهر:
لا شيء مثل فرقة الأولاد
أدعى إلى حرارة الأكباد
كالنار إذ تقدح بالزناد
لكنها الدنيا إلى نفاد
والمرء فيها رائح وغاد
لإي غفلة، والموت بالمرصاد
يلحظه بمقلتي صياد
سهامه لدمه صواد
فكيف يلهو حاضر أو باد
بالعيش، أو يهنا بالرقاد
من عنقه في قبضة الجلاد؟
شقا وصبرا إن عدت عواد
على رياض الشعر والإنشاد
فعصفت بالغصن المياد
وسحقت فاكهة الفؤاد
في عمر الأزهاو والأولاد
ما أقرب الموت من الميلاد
(1/303)

زمانك تاب من صلف
خصوصيات
رزق صديقنا الأستاذ علي السايح، بعد طول انتظار وطول حرمان، غلاما أغر مباركا طلب إلي أن انتخب له اسما فلم أجد مثل اسم: الحسن وهل كاسم "الحسن البنا" الذي جدد الله بقوة روحه وقوة بيانه وقوة استعداده وقوة حجته وقوة تضحيته قوة سلطة الإسلام على الأرواح والعقول والأفكارم.
فإليك - يا أب الحسن - يا علي - هديتي الشعرية في القطعة التالية:
ليهنك يا أبا "الحسن" ... تبسم حظك الحسن
ولا تحزن فغرته! ... ستجلو ظلمة الحزن
زماك تاب من صلف ... وحسبك توبة الزمن
أطال الله مدته ... وصان به حمى الوطن
نشرت بعدد 236 من البصائر في 29 شوال 1372 للهجرة.
(1/304)

هنا قبر "سعدان"!
نقشت على قبر سعدان ونشرت بالبصائر:
هنا صارم أغمدته المنون ... وما كان يألف غمد الجفون!
هنا جسد أنهكته السقام ... وقلب ألحت عليه الشجون!
هنا نام طرف تحدى الكرى ... ولم يلتفت لحياة الفتون!
هنا قبر "سعدان " رمز الفدى ... سقته الغوادي بغيث هتون

لطيفة
مهداة إلى الأخ الداعية الشيخ "عبد اللطيف سلطاني" بمناسبة ولادة ابنته "لطيفة":
يا زهرة غضة لطيفه ... حتى غدت وإسمها "لطيفة"
يحرسك الله من عواد ... تعدو على الدوحة الوريفه
"عبد اللطيف" أبوك كني ... لنيل أخلاقه حليفه!
لم تبق من قيمة لبنت ... إلا بأخلاقها الشريفه!
(1/305)

إلى الشباب! *
إلى القلب النابض بالحياة والقوة في هيكل الإنسانية إلى معقد أملها ومناط ثقتها إلى شعلة الإحساس والحيوية المتأججة في صدر الوجود: إلى الشباب، إلى "شباب المؤتمر الإسلامي الجزائري" الذي يمثل الشباب العامل المجد ويسير إلى أداء رسالته بجرأة وإخلاص تحت قيادة زعيمه المجاهد الأستاذ الأمين العمودي أقدم هذه الباقة الشعرية:
ليهنك اليوم يا شباب! ... جند إلى الخير قد أهاب
يهنيك جند غدا قويا! ... مسدد العزم لا يهاب
يهنيك جند لدى المعالي... والمجد يستسهل الصعاب
آماله في الحياة شعب! ... في حبه استعذب العذاب
فجد لا ينثتي ليحظى! ... من بغية المجد بالنصاب
يقوده قائد "أمين"! ... شعاره: العز للشباب!
يسعى لتحريره بلادا! ... ذاقت من الظلم كل صاب
يسعى لتحطيمه غلولا ... بحملها ناءت الرقاب
إلى العلا يا شباب إنا ... نفديك بالروح والإهاب

*. أهديت إلى شباب المؤتمر الإسلامي ونشرت بالبصائر.
(1/306)

يا له من ثائر
يا له من ثائر لم يغلب!
هب للحرب بإيمان نبي!
غاضبا لم يرض حكم الأجنبي!
يا له من ثائر لم يغلب!
...
ثار كالإعصار في وجه الطغاة
سار والنصر حليف لخطاه
همه المجد وتحرير حماه!
يا له من فاتك إن يغضب
اسأل التاريخ عن أمجاده
كل مجد جاء من أجداده
واسأل الثورة عن أحفاده
إنهم كانوا وقود اللهب
هذه الثورة صارت علما
سون تهدي بسناها الأمما
وستبقى للمعالي سلما
(1/307)

وبها يدرك أقصى مأرب
نحن قد ثرنا لتحرير الوطن
نحن أرخصنا له كل ثمن
فبدلنا الروح فيه والبدن
لنراه فوق هام الشهب
يا فتى مازيغ يا ابن العرب
يا حفيد الأسود "المغرب"
لك بالعلياء أقوى سبب
فامض في كسب المعالي وادأب
(1/308)

عودة المبعدين
من حصاد السجن
دنا مثل ضوء النهار...شعاع الأمل
فهيا لنجني الثمار...ثمار العمل
ثمار الكفاح الطويل...كفاح الطغاه
كفاح العدو الدخيل...عدو الحياه!
حياة الإخاء الكريم...حياة الوئام!
حياه السمو العظيم...حياة السلام!
شباب الشمال الأشم...شباب البلاد!
ألا عد فأرضك لم...تعد في حداد!
بلاد "الجزائر" ما...أحبت سواك!
فسارع لأرض الحمى...وودع أساك!
سعيت فنلت الخلود...خلود الزمن!
فهيا رفاقي نعود! ...لأرض الوطن
(1/309)

العامل الجزائري
من حصاد السجن
أخوض غمار العمل! ... وأهوى حياة الكفاح
لأقطف زهر الأمل! ... وأجني ثمار النجاح
...
أحب اقتحام الصعاب ... وأهوى ركوب الخطر
وهل مثل عزم الشباب ... كفيل بنيل الوطر
...
أنا ابن "الشمال" الأبي ... خلقت كأطواده!
نماني ثرى "المغرب"! ... لتشييد أمجاده!
...
أنا ابن "الجزائر" من ... له مثل آبائيه!
أنا ابن "الأمازيغ" لن ... أذل لأعدائيه!
...
أنا صخرة راسيه ... يقوم عليها الأساس
أنا ثورة عاتيه ... أنا شعلة من حماس
...
سأبذل روحي فدى ... لتحرير أرض الجدود
فلا يهنأن العدى ... فاني خلعت القيود
(1/310)

العمال
من حصاد السجن
نحن عمال البلاد! ... نحن رمز الاتحاد!
ما لدينا من مراد ... غير إسعاد الوطن
...
ما لإدراك الأمل ... غير إتقان العمل
فلنجد لا نمل ... ولندع طيب الوسن
...
نحن أبناء "الشمال" ... قد خلقنا للنضال
قد زكت منا الفعال ... وصفت منا الفطن
...
نحن جند وعتاد! ... في ميادين الجهاد
كم محونا من فساد! ... وأزلنا من فتن
...
انتدبنا للفدى! ... ووثبنا للردى
لم نهب قوى العدى... ان نهب نحن فمن؟
...
إنما نحن أسود ... عن عريننا نذود
كل عاد لنسود... رغم أحداث الزمن
...
نحن حصن للوطن ... نحن درع ومجن
نحن روحا وبدن... نتقي عنه المحن
...
نحن للجزائر! ... موطن المفاخر
نحن للمآثر! ... نحن للخلق الحسن
كل ما يرقي البلاد! ... فله نحن عماد
نحن للعز سناد ... نحن للمجد ثمن
(1/311)

نشيد الشباب الجزائري
نشر بالبصائر عدد 210 من السنة الخامسة -السلسلة الثانية في 5 ربيع الثاني عام 1372 للهجرة.
أهلا بكم يا جنود ... با نسل خير جدود... وثبتم كالأسود
للمعالي
أنتم شباب البلاد... أنتم عتاد الجهاد... نهضتم للجلاد
والنظال
أنتم شعاع الأمل... أنتم أداة العمل... أنتم لعمري المثل
للكمال
إن الجزائر لا... تبغي بكم بدلا... نمتكم للعلا
كالجبال
هبوا إلى الصالحات... حثوا على المكرمات ... كونوا مثال الثبات
في النزال
كونوا مثال الفدى... كونوا ردى للعدى... ومن طواه الردى
(1/312)

لا يبال
الظلم قد خيما ... والكون قد أظلما ... فلتنقذوا العالما
من وبال
لما يزل حائرا ... عن الهدى جائرا ... إلى الورا سائرا
في ضلال
آباؤكم في القدم ... كانوا هداة الأمم ... شادوا صروح العظم
بالعوالي
هم أيقظوا الهمما ... هم علموا الأمما ... هم لقنوا الأقوما
في الخلال
تاريخكم حافل ... في مجده رافل ... وغيره آفل!
للزوال
كتابكم لم يزل ... خير كتاب نزل ... ما زال منذ الأزل
(1/313)

ذا جلال
لسانكم في الزمان ... خلد مجد البيان ... قد طال كل لسان
ذا مقال
هيا انهضوا يا جنود ... أبى حياة الخلود ... ستحكمون الوجود
في المآل
(1/314)

حارس الشرق غاب
النشيد الذي نظم للذكرى الأربعينية لوفاة أمير البيان "شكيب أرسلان" ونشر بالعدد الأول من السلسلة الثانية من البصائر بتاريخ 7 رمضان 1366 ه 1947 م وأقيمت ذكرى الأربعين "بنادي المولودية" بعاصمة "الجزائر" وألقيت عدة خطب وقصائد من بينها هذا النشيد الذي وضع له لحن خاص وأنشده تلاميذ "مدرسة الرشاد":
حارس الشرق غاب ... في خضم العدم!
وقضى ليث غاب ... وهوى بدرتم!
وتردى عقاب! ... من سماء العظم!
وثوى في التراب ... طود مجد أشم!
يا له من مصاب ... جل هولا وعم!
أمة العرب كم! ... ذاد عنها العدى
وكفاها النقم ... وحماها الردى!
كم جلا من ظلم ... وهدى وافتدى
ورمى من ظلم ... وأجاب الندا
ومحا ما يعاب! ... وبنى ما انهدم
حارس الشرق غاب ... في خضم العدم
ما "شكب" سوى ... شعلة من حماس
(1/315)

وحجى قد حوى ... كل عزم وباس
أي نجم هوى! ... في ثرى الأرماس
فأثار الجوى! ... في نفوس الناس
وبكاه الشباب ... بدموع ودم
حارس الشرق غاب ... في خضم العدم
ذاك نجم البيان! ... في سماء الأدب
قد بدا للعيان! ... ضوؤه واحتجب!
فلو أن الزمان! ... تارك ما وهب!
ظفر المشرقان! ... ببلوغ الأرب
غير أن الشهاب! ... ضوء لم يدم
حارس الشرق غاب ... في خضم العدم
إن توارى "شكيب" ... في عباب الزمن
إنه لن يغيب ... منه غير البدن
و"شكيب" الأديب ... ذو الحجى والفطن
سيحل القلوب ... وهي خير وطن!
وسيبقى كتاب! ... مجده كالعلم!
حارس الشرق غاب ... في خضم العدم
(1/316)

يا أخي
يا أخي يا ابن بلادي...يا رفيقي في الجهاد!
يا سليل "ابن نصير"...وحفيد "ابن زياد"
يا عتادا للعلا والمجد يا خير عتاد!
مشعل الحق الذي تحمل للأجيال هاد!
صوتك المفعم بالصدق إلى التحرير حاد
فاشف بالتحرير شعبا ... بات مكلوم الفؤاد
يا أخي أنت أداتي في كفاحي وسنادي
همك الموجع همي ... وعواديك عوادي
وبلاد عشت فيها ... وتربيت بلادي
والذي يعشقه قلبك يهواه فؤادي
هات يمناك لنمضي ... في تحد واتحاد!
الحمى يدعوك والشعب ... إلى لقياك صاد!
والبنود الخضر نادتك ... لميدان الجهاد!
يا أخي تاريخك المشرق مثل الشمس باد!
بمآتيك تغني! ... كل صداح وشاد!
لا تقل قد أنذر الأفق ... بأرزاء شداد!
(1/317)

وارتدى شعب "بني مازغ" ... أثواب الحداد!
فصباح النصر ينضو عنه جلباب السواد!
يا أخي يا حارس الأوطان من باغ وعاد!
والذي كان على أعدائه صعب القياد!
والذي كان له من صبره أعظم زاد!
سوف تجني ثمر النصر ... وتحظى بالمراد!
ويزول الضيم والعسف وعهد الاضطهاد
لا تضق بالنفي والسجن ولا طول البعاد
سوف تنسى كل هم يوم تحرير البلاد
(1/318)

لغتي!
لغتي بها شاد العرب
مجدا به ساد الأدب
إن ذدت عنها لا عجب
فلغيرها لا أنتسب

لغي هي الكنز اللباب
لغي هي السحر العجاب
مذ أصبحت لغة الكتاب
شاب الزمان ولم تشب

لغتي هواها لي نشيد!
حبي لها أبدا جديد
سأعيد ماضيها المجيد
غضا كشمس لم تغب

هيا نشيد بذكرها
ونعيد ساطع فجرها
إنا كتيبة نصرها
لسنا نبالي من غضب
(1/319)

نشيد جمعية العلماء
يا بني شعب الجزائر الأباة...للمعالي
أنتم نسل "الأمازيغ" الكماة...في النزال
كل من ضحى بنفسه فمات...لا يبالي

فالأمام الأمام...لا تولوا القهقري
ليس نرضى أن نضام...في الورى أو نقهرا

أنتم نسل الألى قادوا الأمم...للنجاة
أخرجوها من غياهب الظلم...للحياة
ملأوا الأرض علوما وحكم...وانتباه

فالأمام الأمام...لا تولوا القهقري
ليس نرضى أن نضام...في الورى أو نقهرا

لغة القرآن تدعوكم فلا...تخدلوها
شرعة الإسلام دينكم فلا...تهملوها
(1/320)

وبلاد أنجبتكم...للعلا حرروها
فالأمام الأمام...لا تولوا القهقري
ليس نرضى أن نضام...في الورى أو نقهرا

أيها القوم ارجعوا مجد الجدود...من جديد
كل شعب عن حماه لا يذود...لا يسود
فاكتبوا بدمكم صك الخلود...في الوجود

فالأمام الأمام...لا تولوا القهقري
ليس نرضى أن نضام...في الورى أو نقهرا

لقنوا الأبناء أنما الحياة...في النضال
واسلكوا بهم طريق المكرمات...في الخلال
ولتكونوا رمز جد وثبات...وكمال

فالأمام الأمام...لا تولوا القهقري
ليس نرضى أن نضام...في الورى أو نقهرا
(1/321)

نشيد حياة الجزائر
حياة الجزائر أمنيتي! ...وحب العروبة أنشودتي
وتحرير أبنائها بغيتي...فسيرى إلى المجد يا أمتي
فأنا بنو المجد منذ القدم

فهيا بنا يا جنود الوطن...لتخليد آثارنا في الزمن
ونشر الهدى والفعال الحسن...فنحن الألى طوقوا بالمنن
رقاب الورى ووفوا بالذمم

حياة الجزائر أمنيتي،
فإني أسمع صوت الجدود...يهيب بنا من وراء الوجود!
يقول: انهضوا للعلا يا أسود...وخطوا اسمكم في سجل الخلود
ولا تكتبوا المجد إلا بدم

حياة الجزائر أمنيتي،
منحنا معارفنا المشرقين...فتحنا بأسيافنا المغربين
ملأنا بآثارنا الخافقين...بلغنا بعزتنا الفرقدين
وشدنا المعالي وسدنا الأمم
(1/322)

حياة الجزائر أمنيتي،
لنا لغة الضاد خير اللغات ... ودين هدى الناس للصالحات
وسفر حوى الحكم البالغات ... فهبو! سراعا غالى المكرمات
فتاريخكم حافل بالعظم

حياة الجزائر أمنيتي! ... وحب العروبة أنشودتي
وتحرير أبنائها بغيتي! ... فسيري إلى المجد يا أمتي
فإنا بنو المجد منذ القدم
(1/323)

من مثلنا في الأمم؟
من مثلنا في الأمم!
في حلبة التقدم!
وفي علو الهمم!
من مثلنا في الأمم؟

سدنا وقد ساد الظلام
جدنا بما أعيا الكرام
قدنا إلى الخير الأنام
من مثلنا في الأمم؟

نحن الهداة والحداة
نحن الحماة والبناة
نبني العلا والمكرمات
من مثلنا في الأمم؟

تاريخنا زان الوجود
أمجادنا سفر الخلود
إن لم نسد فمن يسود؟
من مثلنا في الأمم؟
(1/324)

منا الثقاة العالمون
منا الثقاة العاملون
منا الغزاة الفاتحون
من مثلنا في الأمم؟

هل أنجبت مثل عمر؟
كل سلالات البشر
حكما ورأيا ونظر!
من مثلنا في الأمم؟

أو أنجبت "كابن الوليد"!
في الحرب والبأس الشديد
أو أنجبت مثل الرشيد؟
من مثلنا في الأمم؟

من كان نسر قشعم!
لم يهو غير القمم
نحن بنو التقدم
من مثلنا في الأمم؟
(1/325)

من مثلنا في الأمم؟
في حلبة التقدم؟
وفي علو الهمم؟
من مثلنا في الأمم؟
(1/326)

نشيد "المليون ونصف شهيد"
موطن المليون والنصف شهيد...حاز فخر لم يجزه موطن!
سوف يبقى خالدا ليس يبيد! ...مجد شعب رددته الألسن!
أي أرض قد حوت مجد السماء...تلك أرض الشهداء المنجبه
تنبت الأبطال والصيد كما...تنبت الزهر الحقول المخصبه
إننا شعب البطولات الألى...قهرنا كل باغ معتد!
نسل "مازيغ ونسل يعرب"! ...وسليل كل هاد مهتد
نحن لم نسع إلى سفك الدماء! ...بل ثأرنا للحقوق المهدره!
فأقمنا للمعالي سلما...وحفرنا للطغاة مقبره!
"طارق" شيد "للجزائر"...من فخار ما تحدى الزمنا
"وابن باديس" و"عبد القادر"...صيرها للفخار موطنا
وبلغنا بعدهم هام السهى...وبنينا مثلهم مجد الخلود!
نحن في بدء العلا والمنتهى...أمة الأمجاد في هذا الوجود!
أيها الثابت في ساح الجهاد...مثل "أوراس" ومثل "جرجره"
صاغك الله لتحرير البلاد...مثلا تقفو الشعوب أثره
فارفع الرأس وسر في كبرياء...وتقدم كل ساع للعلا
فمباديك مبادي الأنبياء...ومساعيك مساعي البسلاء
(1/327)

مجالسة الكتاب
قال لي أحد الأصدقاء، عندما زارني إلى منزلي ورأى المكتبة تشغل الجزء الأكبر من المنزل: أظن أن هذه الكتب الكثيرة لا تتركك تنام إلا قليلا، فقلت هذه الأبيات:

جليسي الكتاب أبر الصحاب...به قد جنيت الأمني العذاب
وإن نزلت بي صعاب الحياة...فزعت إليه فأنسى الصعاب
فكيف أنام وحولي كتبي؟ ...وفي النوم أفقد دنيا الكتاب
ودنيا الكتاب هي الروض عندي...به كل ما لذ طعما وطاب
فما شئت من كل خلق ودين...وعلم غزير وفن عجاب!
وما شئت من سمر لا يمل...به للقلوب الغذاء اللباب
ومن صحبة الصالحين التي...يداوى بها كل خلق يعاب
إلى صحبة الراسخين التي...يزال بها الشك والارتياب
وكم من حقائق تعي العقول...يكشف عنها الكتاب النقاب
وإن الكتاب لأوفى صحابي...فكيف افرق أوفى الصحاب
وهل أطمئن لنوم به...وتمر حياتي مر السحاب؟
وإن الحياة بجانب كتبي! ...تجدد في حياة الشباب!
وبيت بغير كتاب به...تطيب الإقامة بيت خراب
(1/328)