Advertisement

ديوان الشيخ أحمد سحنون 002

أحمد سحنون
ديوان
الشيخ أحمد سحنون

الديوان الثاني
الطبعة الأولى 2007
منشورات الحبر
(2/1)

الكتاب
ديوان الشيخ أحمد سحنون
تأليف أحمد سحنون
الطبعة الأولى 2007
(2/2)

بسم الله الرحمن الرحيم
(2/3)

قصائد من السجن
(2/7)

أول يوم في الزنزانة
لا أبالي بالسجن إن كان في السجن ... رضا خالقي فذلك حسبي
إن خطبا فيه سلامة ديني ... ورضا الله لهو أيسر خطب
هل "عبد الحميد"1 في السجن مثلي؟ ... هل يكون "عبد اللطيف" بقربي؟
لست أدري، لكن سعياهما عسي ... فذنبهما إذن مثل ذنبي
عجبا: كيف يصبح النصح دنبا ... في بلاد تحتاج نصح المربي؟
يا إلهي إني عبدتك حبا ... فتقبل- يا رب- خالص حبي
يا إلهي قد أصبحت دعوة الإسلام ... تشكو بأرضنا كل جدب
فأغثها من بعدنا بدعاة ... صالحين يولونها كل خصب
كن لها حارسا من الزيغ والفتنة ... - يا رب- ليس غيرك ربي

ثاني يوم في الزنزانة
إن تكن زنزانتي ضيقة ... إن ذكر الله قد وسعها
إن من ينسى الذي أبدعه ... يذكر الدنيا التي أبدعها
ما حياة الناس إلا فرصة ... قد أتيحت ويح من ضيعها
إن ذكر الله زاد وغذى ... لنفوس طالما أشبعها
__________
1 - عبد الحميد الطبيب الذي حفظ القرآن في السجن وهو تلميذ الشاعر.
(2/9)

اليوم الثالث في السجن
اليوم ثالث يوم ... أعيش فيه سجينا
ولم أجد لي ذنبا ... به أكون مدينا
اليوم أدركت أني ... أخطأت في التقدير
إذ كنتت أحسب نصحي ... يأتي بخير كثير
إذا بنصحي ذنب ... يجر أقسى عقوبه
فهل تصحح يوما ... أوضاعنا المقلوبه؟
حسبت أني حر ... أقول ما أرتئيه
واليوم قد بان جهلي ... بما تورطت فيه
لكنني لست آسى ... على الذي كان مني
فسوف أبلغ قصدي ... وسوف يصدق ظني
(2/10)

الإخوان بلسم الأحزان1
مهداة إلى الأخ الكريم والصديق المثالي الشيخ إسماعيل بمناسبة لحاقه بنا من معتقل "بوسوي" الجديد إلى معتقل "بوسوي" القديم.
اصدحي يا بلابل اللأدواح ... لصفاء القلوب والأرواح!!
انشدي لطلوع نجم من الصحب ... نشيد السرور والارتياح
ليس كالأصدقاء في الخطب ... والأيام بالأصدقاء جد شحاح
ينجلي الهم باجتماعي بإخواني ... كما ينجلي الدجى بالصباح
ظفرت راحتي بإخوان صدق ... ووفاء كانوا أداة نجاحي!!
بعد ما غاب "خالد" جاء "إسماعيل" ... يأسو كآبتي وجراحي
كل شيء أحبه فيه من صدق ... وحلم وعفة وسماح!!
وإذا كانت الحياة كفاحا ... فالصديق الكريم خير سلاح!!
معتقل بوسوي القديم 9 - 10 - 1958م
__________
1 - عثر من بين الأوراق على ورقة هذه الأبيات "الإخوان بلسم الأحزان" بخط يد الشاعر وإمضائه وتاريخ نظمها 09 - 10 - 58 في معتقل "بوسوي" وهي ما زالت جديدة وكأنها كتبت اليوم! فآثرنا نقلها في صورة طبق الأصل كما هي زيادة على إثباتها في الديوان.
(2/11)

السجين دفين!
إن كان يدفن قبل الموت إنسان ... فهو السجين عليه الدهر سجان
وقبره السجن يقضي فيه مدتة ... بدون نفع ولا معنى له شان
دنياه أضيق دنيا عاشها بشر ... إن لم يكن عنده صبر وإيمان
والسجن للمجرم الجاني، ومن برئت ... كفاه فهو له ظلم وعدوان
وقد سجنا بلا جرم ومن عجب ... أن عد من ذنبنا فضل وإحسان
إذ نحن كنا دعاة للهدى وإلى ... ما يستقيم به شيب وشبان
فإن يكن مذنبا من قام يدعو إلى ... إسعاد أمته لم يعل بنيان
وهل إذا قلبت أوضاعنا صلحت ... أحمالنا؟ كيف يهدي الركب عميان؟
إن الحياة لسجن كيف زيد بها ... سجن به من صنوف الهم ألوان؟
يا رب جودك لم يبرح يراوحني ... وأنت بالفضل والإحسان منان
فامنن بحريتي ربي فقد سئمت ... نفسي حياة بها الأحرار عبدان
(2/12)

أشنع تهمة
أأخوض حربا لأغصب حكما ... أي ذنب يناط بي أي تهمه؟
هكذا قيل لي، فأي غرور ... وجنون وأي حرص ونهمه
أليغدو فرد سعيدا يضحى ... ببلاد عظيمة وبأمه؟
أي ساع بفتنة جاء كي يلقي ... أذاه فينا وينفث سمه؟
كيف لابن ست وشبعين أن يصبح ... خوض معامع الحرب همه؟
كيف للمقتدى به أن يرى ... يوما يخون عهدا ويخفر ذمه؟
ألهذا المصير صرنا فما أعظم ... ما قد أصابنا من ملمه؟
وإذن قامت القيامة إذ لا ... أهل دين بقوا ولا أهل همه

العنف والإقناع
عجبا للخصوم لم يرحمونا!! ... نسبونا للعنف واتهمونا
كيف نرضى بالعنف أسلوب إقناع ... لخصم لو أنهم فهمونا!!
إنما العنف ليس بثمر إلا ... العنف وهو الدمار دنيا ودينا
(2/13)

ليس يجدي مثل التحاور بالحجة ... فليستح الألى ظلمونا
وهدى الله ليس يدرك ... بالإكراه لو بعقولهم يهتدون
ولذا كان أول الفرض في الإسلام: ... "إقرأ" لو أنهم يعلمونا
يا دعاة الإسلام؛ ادعوا بإقناع ... وعلم لعلكم تنجحونا
فالنجاح في كل أمر منوط ... بتحري الإقناع لو تفقهونا
نحن لا ندعي هداية من لم ... يهده الله أيها المصلحونا
فتحروا رضى الإله يبكم ... وتفوزوا بما له تعلمونا

أي عيش؟
أي عيش بين جدران بها سجن حر؟ ... لم يكن فيما أتى من عمل للناس ضر!
إنما نبه للوضع الذي ليس يسر!!! ... إذ رأى شعبا بحلو اللفظ والوعد يغر
راضيا بالليل بعد الفجر لا يعنيه أمر ... وهو من نسل الألى كان لهم علم وفكر
ولهم في عالم الإصلاح والتحضير ذكر! ... نحن في عصر غريب الوضع لا يحكيه
لم يعد فيه لأهل الفكر والتوجيه قدر ... عصر يقتل المصلح فيه وله يكرم غر!!
(2/14)

سجنا بسعي خصومنا
سجنا ولم نعلم بأسباب سجننا ... سوى أننا كنا دعاة لديننا
ومن كان لا يرضى بدين محمد ... فإنا لنأبى ذكره بلساننا
ونكره أن نرنو له بعيوننا ... ونمقت أن يجري اسمه في ظنوننا
وكيف نوالي من يعادي الذي دعا ... إلى كل ما فيه صلاح شؤوننا
ونلنا به في الناس مجدا ورفعة ... وذكرا به قد شع نور يقيننا

سجن وسجين
قضى السجين نهاره ... بصحة منهاره
وما قضى الليل إلا ... بحرقة ومراره
يقول من غير وعي ... هل قادم لزياره؟
ومن يخبر عنه ... صحابه وصغاره؟
ماذا جناه فيأوى ... سجنا ويترك داره؟
ويحرم الناس منه ... علما حباهم ثماره
فلم يجد غير نصح ... يسديه كان شعاره
لأنه كان فرضا ... في الأمة المختاره
فكيف أصبح ذنبا ... تضيق عنه العباره
يا كاشف الضر فرج ... عن أنفس محتاره
فمن سواك لعان ... يفك عنه حصاره
(2/15)

وموثق ليس ينسى ... ربا يقيل عثاره
ومن يدافع عنه ... كالقدرة الجباره
ومن كدينك أولى ... بأن ينال انتصاره

سجين الدار
سجنوني بالدار إذ حسبوا ... داري سجنا فأخطأوا في الحساب
إن داري ليست بسجن ففيها ... كتبي، وهي من أجل صحابي
هي "سوق عكاظ" لكنها قد ... عوضت كل شاعر بكتاب
ما نظرت إلا وأبصرت فيها ... من ثمار الأفكار كل لباب
وإذا الدار أصبحت مثل بستان ... بها كل مشتهى الألباب
إن أردت التفسير ألفيت فيها ... من فنون التفسير كل عجاب
أو أردت التاريخ تظفر من التاريخ ... فيها بالرائع المستطاب
أو أردت القريض والأدب الخالص ... تظفر بالساحر الخلاب
كل ما تبتغيه تلقه فيها ... من فنون العلوم والآداب
بالسجن يري السجين به ما ... فيه طرد الهموم والأوصاب
صحبة الكتب تجعل السجن دارا ... في حماها يزول كل اغتراب!!!
وإذا ما أضيقت الدار للكتب ... تناسى السجين كل عذاب
(2/16)

ربيع السجن "1"
يا لخطب عرى وهول فظيع ... روع النفس أيما ترويع
جاء فصل الربيع يختال عجبا ... وأنا لا أرى جمال الربيع
أنا في البيت لا أرى غير بيتي ... جعلوه سجني ولا من شفيع
لا أرى الروض حافلا بالأزاهير ... ولا النهر في خرير بديع
لا ولا العشب في الهضاب وفي ... السفح ولا الطير ساحر الرجيع
لا ولا أشهد المراعي وقد ... خف إليها القطيع بعد القطيع
والحياة تميس حسنا ... وبشرا كعروس محفوفة بالجموع
لا ترى في الربيع غير مزيح ... للهموم وللسرور مذيع
غير هذا السجين في البيت لا يشعر ... إلا بحسرة في الضلوع
يا ربيعا أغيب عنه سلاما ... من مشوق للعهد غير مضيع
إن يغب شاعر الربيع فمن ذا ... يتغنى إذن بحسن الربيع

ربيع السجن "2"
يا معنى هذا الربيع أطلا ... بعد عام تحياه في الدار كلا
لم نقدم نفعا ولم تسد خيرا ... لشقي من بؤس دنياه ملا
عاد والبلبل المغرد ما زال ... سجينا يلقى هوانا وذلا
إن يغرد فليس يسمعه إلا ... اثنتان من أهله ليس إلا
زوجة وابنة أو المنزل العابس ... مذ صار للشقاء محلا
(2/17)

عاد فصل الربيع يختال عجبا ... ناشرا من بدائع الحسن ظلا
غير أن الربيع عاد غريبا ... في وجود يشكو اكتئابا وثكلا
التآخي قد صار بغضا وحقدا ... والتهادي قد صار بطشا وقتلا
وبلاد الإسلام ذل بها الإسلام ... والعز في بنيها اضمحلا
والسجايا التي بها العرب سادوا ... قد توارت وكل مجد تولى
لم يعد للربيع في النفس سحر ... إنه لم يعد كما كان قبلا
الربيع الذي له النفس تهفو ... حسنه من نفوسنا يتجلى
كيف تهفو نفوسنا لربيع ... يجد الأخ عن أخيه تخلى؟
بل يرى الأمر جاوز الحد إذ فيه ... الشقيق دم الشقيق استحلا

ربيع ولكن!!!
ربيع ولكن لم أشاهد محياه ... ولم تكتحل عيني أخيرا بمرآه
أتى وأنا في البيت رهن إقامة ... برغمي لأني قلت ما قاله الله
ومن كان مثلي لا يبارح بيته ... فأي ربيع داخل البيت يلقاه
أنا الطائر المحبوس في القفص الذي ... أعد لكي يبقى مدى الدهر سكناه
وما ذنبه إلا رخامة صوته ... أيجزى بشر من يك الخير مأتاه؟
وذا مثل الداعي إلى الخير لا يرى ... معينا عليه بل يحارب مسعاه
ولا سيما في عصرنا إذ طغت به ... أنانية معشوقها المال والجاه
سأنظم شعرا فيك يخلد ذكره ... وإن فات قلبي فيك ما يتمناه!
بدون ربيع يفقد الكون حسنه ... فما الحسن إلا اسم وأنت مسماه
(2/18)

مقدم الصيف
تتوالى الفصول فصلا فصلا ... وأنا قد فصلت عنهن فصلا
لا أرى جنة الربيع ولكن ... بجحيم الحرمان والبعد أصلى
وأتى اليوم موكب الصيف لكن ... لا أرى حسنه كما كنت قبلا
أنا في البيت مثل آنية البيت ... أريد نقلا فأمنع نقلا!!
قلت ماذا أذنبت حتى ألاقي ... ما يلاقيه مذنب ساء فعلا
هل سرقت أو هل قتلت عظيما؟ ... خبروني فإنني ازددت جهلا
قيل لي: قد نصحت والنصح ذنب ... عندنا يستحق أهلوه قتلا!!!
قلت: إني أريد موتا لأني ... عفت عيشا به أجرع ذلا!!!
والحياة في ظل حكم بلا عدل ... هي الموت بل أرى الموت أولى
(2/19)

الخريف يستهل
الخريف قد استهل وما زلت ... ببيتي رهين حكم جائر
أسأبقى مدى الحياة سجين البيت ... لا أجتلي جمال "الجزائر"؟
وأنا من بناتها ومربي ... نشئها البر من أديب وشاعر
كيف لا يسكن البلاد بنوها ... من أقاموا لها عظيم المفاخر؟
وبها يسكن الألى حاربوا ... أمجادها ومحرريها الأكابر
أفأبقى ألقى القطيعة والحرمان ... في موطني الجميل الساحر؟
كيف جاز لمن به قد تولى ... الحكم أن يسجن البريء الطاهر؟
كيف يرضى "عبد اللطيف" ... و"عباس" بشيء يشين وجه "الجزائر"؟
وهما من حمى حماها ومن شاد ... علاها وووثوها المآثر
كيف يرضى "عبد اللطيف" و"عباس" ... بأن يأتي الكبار الكبائر؟
سوف يأتي يوم به تتجلى ... واضحات حقائق وسرائر
وبه يظهر المحق عيانا ... وعلى من بغى تدور الدوائر
(2/20)

غياب فيه حضور

لئن غبت عنكم ولم أحضر ... فما غاب سمعي ولا بصري
فعيني ترى من خلال الكتاب ... ما لا يرى الناس بالمجهر
وأذني تعي كل ما تشتهي ... بواسطة الهاتف المخبر
وفكري يحلق في كل أفق ... ويأتي بكل جنى مسكر
فهل بلغ الظالمون الذي ... أرادوه بالرائد المبصر؟
وهل ربحوا وغدا خاسرا ... وهل ظفروا وهو لم يظفر؟
وكيف من النقص يأتي الكمال؟ ... ويثمر ما ليس بالمثمر؟
وهل يكرم الله حزب الضلال ... ويبخل عن حزبه الخير؟
ولا ينصر الله أهل الفساد ... ومن يخذل الحق لا ينصر
فخاب الطغاة وفاز الهداة ... ومن ربح الحق لم يخسر
(2/21)

علام؟
علام كفرت إحساني ... وجاهرت بعدواني
وحرضت على قتلي ... وقاتلت مع الجاني
وكيف تقابل الإحسان ... والخير بكفران؟
فهل تصنع ما تصنع ... مدفوعا بإيمان؟
أو أنك آخذ فيما ... فعلت بنص قرآن؟
أو أن الأمر لا يعدو ... وشاية حاقد شاني؟
وما أسرع مسعاة ... الوشاة لنسف بنيان!!
وتفتيت لطاقات ... وتشتيت لإخوان!!
وتقريب لأشرار ... وتخريب لعمران
فراجغ ما عزمت عليه ... من إثم وعصيان
وعوضه بما يحسن ... من خير وإحسان
ولا تسمع لوسواس ... لإنس أو لشيطان
فما أكثر ما يروى ... سوى كذب وبهتان
ألا فاحرص على الربح ... وجانب كل خسران
وخير الربح نفع الناس ... في سر وإعلان
فلست بغير إفضال ... وإحسان بإنسان
(2/22)

نصحتك فعاقبتني!
نصحتك إحسانا فعاقبتني ظلما ... وغشك أقوام فأوسعتهم حلما
وما هكذا الأخلاق والدين والحجى ... أترضى بأن تحيا ولم تستفد علما؟
وكنت حريا أن تكرم ناصحا ... ... وتطرد غشاشا وتوسعه ذما
ولكنني أشكو إلى الله أننا ... نعيش بعصر يؤثر الحرب لا السلما
إذا بلد لم يحترم أوفياؤه ... وساد به الأنذال فارض له الهدما

عجبت لنفسي
عجبت لنفسي كيف جرت على ... نفسي وأذللتها طوعا لمن سرهم حسبي
يبيتون حراسا علي وإنني ... لأحبوهم مما حبوت به نفسي
ولا عجب إن كنت أحسنت للذي ... تعمد إيذائي وشارك في تعسي
"فأحسن إلى من قد أساء" شعار من ... أراد مقام القرب من حضرة القدس
فيحظى برضوان الإله وقربه ... ويمسى غنيا عن معاشرة الإنس
وفي صلة الإنسان بالناس وحشة ... وخلوته بالله مجلبة الأنس
ولم أجن ما يقضي بحسبي وإنما ... دعوت إلى الإسلام بين بني جنسي
وهل يأمر الإسلام إلا بما به ... خروج بني الإنسان من حماة الرجس؟
وإن كان ذنبا أن ندين بديننا ... فحالتنا -والله- تدعو إلى اليأس
وماذا استفدنا من تحرر أرضنا ... سوى بيعنا الإسلام بالثمن البخس؟
(2/23)

فراغ الوقت
أأفقد حريتي بعدما ... قضيت حياتي حرا طليقا؟
وأصبح في البيت طيرا سجينا ... ويصبح بيتي الفسيح مضيقا
وأسمع "الله أكبر" لكن ... إذا رمت تلبية لن أطيقا
وأحرم لقيا الصديق فلا ... صديقا يؤانسني أو رفيقا
وإني أرى كل دنياي سجنا ... رهيبا إذا ما عدمت الصديقا
وما عاد يسمع لي مسجد ... كلاما مضيئا ينير الطريقا
فيكربني ضيق صدري أسى ... وكيف لمثلي أن لا يضيقا
وكيف تصير حياتى فراغا ... وبالجد كانت خضما دفيقا
أعني إلهي على ما قضيت ... لأغدو لما قد قضيت مطيقا

فراغ البال
كنت أرجو الفراغ في الوقت حتى ... يتأتي للفكر جمع اللآلي
فإذا بي في السجن أظفر بالوقت ... ولكن بلا فراغ البال
لا يفيد الفراغ في الوقت إن لم ... يفرغ البال من أسى ونكال
فمتى يجد المفكر يا رب ... خلاصا من خيبة الآمال؟
(2/24)

ذكرى الميلاد في البيت
ذكراك يا خير البرية عيد ... وأنا عن العيد السعيد بعيد
إذ أنني في البيت مشلول الخطى ... قيدت عما أشتهي وأريد
حقا أنا في البيت لا في مسجد ... للآي في جنباته ترديد
وكسته ألوان العبادة بهجة ... وتجاور الإنشاد والتجويد
والناس في أنس وفيض مسرة ... مثل الغصون مع النسيم تميد
وأنا الوحيد رهين بيتي في أسى ... ينمو وحب للنبي يزيد
لست الملوم على تخلفي الذي ... فيه اعتراني الهم والتسهيد
لا ذنب لي إلا نصيحة أمتي ... والنصح فرض -كالجهاد- أكيد
يا ليلية الميلاد تيهي وافخري ... وليهنك التمجيد والتخليد
فيك استبان النهج وانتشرالهدى ... والشرك أدبر وازدهى التوحيد
(2/25)

السجين جار المسجد
وجار لبيت الله قضى حياته ... بغشيان بيت الله للصلوات
قضى الله أن يمسي ويصبح هاجرا ... له وهو لا يخلو من الحسرات
يرى الناس يغشون المساجد دائما ... وبالرغم منه يهجر الجمعات
فيشكو إلى الله العليم بجاله ... وتختنق الآهات بالكلمات
فإن كنت يا ربي قضيت بشقوتي ... فما لي مفر من شقاء حياتي
ولكن جار الأكرمين ممنع ... وإن مسه ضر فخير أساة
وقد مسني ضر وفضلك واسع ... وقد قل أنصاري وغاب حماتي
فلا تخلني من فضلك الجم واكفني ... خيانة إخواني وكيد عداتي
(2/26)

السجن في الدار
عرفت السجن في السجن ولم أعرفه في الدار ... فإن أخرج من السجن فلم أخرج من الدار
ولا أشكو من الله ولا من حكمه الجاري ... ولكن من أخي الإنسان ذاك السبع الضاري
وحاشا سبع الغابة أن يصبح إنسانا!!! ... فما في حيوان الغاب من يأكل إخوانا!!!
وأشكو جدب هذا الكون من حرية الفكر ... فلا قيمة للإنسان يقضي العمر في الأسر!!!
ورغم دعاية الناس ورغم الواقع المر!! ... فلا تعرف دنيانا وجود الرجل الحر

السجن والقرآن!!
لجأت إلى القرآن في وحشة السجن ... فلا نور كالقرآن في ظلمة الحزن
فإن كلام الله يحيي قلوبنا ... حياة موات الأرض من صيب المزن
وإن كلام الله يشفي نفوسنا ... لدى الخوف والبأساء بالأنس والأمن
وهل ككلم الله أعظم نعمة ... على الناس نقضي باليقين على الظن؟
ولا ينفع القرآن دون تدبر ... كما لا يخاض البحر إلا على السفن
وفي السجن جو للتدبر صالح ... وهل من فراغ للتدبر كالسجن؟
(2/27)

عاد الخريف
عاد الخريف ولم تعد حريتي ... حريتي هي كل ما أتطلب
أطلقت من حبسي ولكن لم أزل ... متعقبا أنى أسير وأذهب
ذنبي العظيم حماستي لعقيدتي ... إن مسها سوء أثور وأغضب
والدين أفديه ببذل حشاشتي ... أسعى لما يحمي علاه وأدأب
ليعود دستور البرية كلها ... فهو الشفاء لما به تتعذب
هل كان هذا الدين إلا ثورة ... شع ألسنا منها وزال الغيهب
في الدين تأمين الحياة من الأذى ... وهل الحياة بغير دين تعذب؟
أنا مؤمن بالله لست منافقا ... أنا ثابت كالطود لا أتذبذب
فليرتدع من ظل يرقب غفلتي ... قلبي بحول الله لا يتقلب
من كان مأرب نفسه دنيا بلا ... دين فمالي غير ديني مأرب
(2/28)

هل يسجنون الكلام
سجنت وهل يسجنون الكلام؟ ... وإن كان سجني يسر اللئام!!
فقد سجن الأنبياء الكرام!!! ... وهل يبغض النور إلا الظلام؟
سجنت ولكنني ما جزعت!!! ... لسجني ولكنني قد صبرت!!
وبالله فيما أصبت اعتصمت! ... فليس بغير الإله اعتصام!
سيمضي نهار ويأتي نهار ... وينتصر الحق أي انتصار
ويندحر الظلم أي اندحار ... ويمضي البلاء ويأتي السلام
فلا يطمئن دعاة الظلام ... ولا يقنطن هداة الأنام
سيعقب هذا العبوس ابتسام ... فما لانحراف الطريق دوام

حب التسلط
بيتي الذي قد بناه الله لي سكنا ... قد صار سجنا يثير الهم والحزنا
وذاك فعل بني الإنسان إن لهم ... مصالحا جعلوها بينهم وثنا
ضحوا بكل نفيس في الوصول لها ... وصار كل قبيح عندهم حسنا
منها التسلط كم من أرؤس قطعت ... من أجله وبلاد أصبحت دمنا
وكم أهاج حروبا غير عادلة ... أفنت شعوبا كم قد أحجثت فتنا
حب التسلط ضعف شل قوتنا ... ولم يدعنا نحب الله والوطنا
(2/29)

أهكذا تمر الحياة؟؟
أتمر الحياة بي هكذا مملولة ... ما بها نهار جديد؟
تلك حال السجين تشتبه ... الساعات فيها فكل ماض يعود
منظر واحد فأيامه مثل ... لياليه حالكات سود!!!
أنا ميت والبيت قبري فهل ... أخشى من الموت إذ حياتي همود؟
لي حنين إلى الحياة وهل يطلب ... ما هو حاضر موجود؟
واشتياق إلى صديق وفي ... يطرد الهم خلقه المحمود
والحياة التي أحن إليها ... هي تلك التي تبني وتشيد
هي تلك التي يسارع فيها ... كل أبنائها إلى ما يفيد
ليت حريتي تعود فأسعى ... في اجتناء ما ابتغي وأريد
قد سعينا وما أتينا بشيء ... في حياة هناؤها مفقود!!
أو تدب المنون في جسمي ... الفاني فينحل هيكلي المهدود
والنعيم الذي ننافس فيه ... كل يوم منغص محدود
(2/30)

أفداح ما لقيت!!
وأفدح ما لاقيت من عنت الدهر ... فراقي لأبنائي الألى رفعوا فدري
هم أودعوا سجنا وأفردت دونهم ... سجينا ببيتي مكمدا عادم الصبر
فهم بين أنس واجتماع وألفة ... وبين حوار منعش كشذا الزهر
ولكنني ما بين هم ووحشة ... وشدة آلام يضيق بها صدري
ويحسدني من ليس يدري على الذي ... أكابده من محنة السجن والأسر
أيحسدني من ليس يدري على الذي ... يضيق به صدري ويشقى به عمري؟
أيحسدني من ليس يدري لأنني ... مقيم ببيتي أشتكي وحشة القبر؟
فيا رب إني رغم بؤسي ووحشتي ... رضيت بما ترضاه يا كاشف الضر
ولاسيما إن كان يوقظ أمتي!! ... وينصر دين الله في السر والجهر
وما نحن إلا من وسائل نصره ... ولا خيرفينا إن قعدنا عن النصر

خواطر ...
بقيت في منزلي للحبر والورق ... فما اهتمامي بأمر الخبز والمرق
لزمت بيتي وهل في غيره عوض ... عنه إذا كانت في ضيق وفي قلق
وعفت دنيا خلت مما يسر به ... ولم تزل بؤرة للزيف والملق
وهل أرى مثل بيتي في سكينته ... سلامتي من أذى الأسواق والطرق
ما بين ورقي وكتبي و"عائشة" ... ابنتي جمعت الوفاء والأنس في نسق
(2/31)

العيد الحزين
يمرالعيد بي وأنا سجين ... بيتي لا أزار ولا أزور
ومن نكدي منعت حضور صحبي ... وحول الباب حراس حضور
لأني قلت: شرع الله حق ... وشرع الخلق بهتان وزور
إذا لم ينتشر عدل وأمن ... نكاثرت المفاسد والشرور
وأظلمت النفوش وغاض منها ... رضاها وانطفى منها الحبور
ويوم العيد يفرح كل قلب ... ولا عجب إذا عم السرور
فعيدان لنا عيد صغير ... ويأتي بعده عيد كبير!!!
ونحن اليوم في عيد كبير ... ولكن شأننا شأن صغير
وهل يبقى لعيد أي معنى ... وبين ربوعنا قلب كسير؟
إذا لم تبتسم منا قلوب ... فلا جدوى إذا ابتسمت ثغور
(2/32)

بكيت على عمري
بكيت على عمري يضيع بلا نفع ... وعمري الذي قد ضاع أغلى من الدمع
وماذا يفيد الدمع من ضاع عمره ... وهل تنفع الألحان منعدم السمع؟
فيا فتية الإسلام جدوا لتربحوا ... شبابكم قبل الذهاب بلا رجع
فإنا خسرنا إذ خسرنا شبابنا ... فكل عطاء بعده غير ذي نفع
ولا تنسوا اليوم الذي فيه نلتقي ... بأعمالنا يوم التغابن والجمع
فذلك يوم لا يرى الناس مثله ... فكم فيه من خفض وكم فيه من رفع
ففيه يعز الله أنصار دينه ... ويكرمهم فيمن يودون بالشفع
وفيه سيلقى الظالمون جزاءهم ... من الخزي والضرب المبرح والصفع
فيا من تناسى ذلك اليوم إنه ... لأعظم يوم للعطاء وللمنع
ألا أكرموا الإسلام كي تكرموا ... به فإكرام دين الله من كرم الطبع
(2/33)

النسيان!!
بوركت يا أيها النسيان من آس ... لقد قضيت على همي ووسواسي
لقد تجلت به لله رحمته ... فيما يحل من الأرزاء بالناس
لولا معالجة النسيان حطمنا ... ما لا يفارقنا في الدهر من باس
وفي الحياة مآس طالما شقيت ... بها النفوس وقاست ضيق أنفاس
لله في كل شيء حكمة عظمت ... لم تخف عن كل ذي فكر وإحساس
كم يحمد الناس ذا حفظ وذاكرة ... ولو دروا حمدوا النسيان في الناسي
لولا اللجوء إلى النسيان أسلمنا ... طول المعاناة والإرهاق للياس
(2/34)

عرفتك ربي
عرفتك ربي لا بشكل وصورة ... ولا بشهود في مكان وبقعة
ولكن بما أبدعته من عوالم ... تدل على علم وإتقان صنعة
عرفتك لا بالكنه والكيف بل ولا ... بحد وتعريف وإثبات رؤية
عرفتك لا فكرا ولا بتصور ... ولكن بفضل لا يحد ونعمة
إذا مسني سقم دعوتك ضارعا ... فتكشف ما بي من سقام وعلة
وإن نابني خطعب فبابك وجهتي ... وإن نالني ضيم فوجهك قبلتي
سألتك ربي العفوعما جنت يدي ... وما كان مني من ضلال وغفلة
وقد حل بي ما لا أطيق احتماله ... وما لم أفكر فيه من شر تهمة
وأنت ملاذي في الحياة وعدتي ... وأنت الذي أرجو لتفريج كربتي
ومن ذا الذي أرجو إذا ما طردتني ... وأنت رجاء الخلق في كل شدة!
فحقق رجائي- يا إلهي- ومنيتي ... وجنب بلادي كل شر وفتنة
(2/35)

السأم!
أحسن بنفسي صراخ الألم ... قويا ليسلمني للعدم
وما ألمي سقم قد ألم ... ولكنه سأم قد جثم
وأخطر ما فيه أن لا يلذذ ... ذو سأم أي شيء طعم
ولو أنه المجد والمكرمات ... وكسب لحمد وهجر لذم
ومن خير ما في جنان الخلود ... أن ليس يوجد فيها سأم
فتبا لهذي الحياة التي ... تواجهنا كل يوم بهم
وليست تتم بها لذة ... وبالموت يختم فيها الألم
"إذا تم شيء بدا نقصه ... توقع زوالا إذا قيل: تم"

نصف العمر ...
نصف عمري ضاع في النوم سدى ... فاجعل اليقظة- يا رب- هدى
إن في النوم لموتا عاجلا ... كيف يهوى النوم من يخشى الردى؟
كيف واليقظة صارت غفلة ... ضاعفت موت الذي قد رقدا
كيف صار العقل مشلول الخطى ... كيف تغدو النفس من بعض العدا
عفوك اللهم إني حائر ... لم أجد في حيرتي ملتحدا
عجز العقل ونفسي جهلت ... فاهدني وامدد لإنقاذي يدا
(2/36)

يا لعمر قد قضيته
يا لعمر قد قضيته ... كسراج جف زيته
عشت أسعى كالذي ... يسعى لأن يخرب بيته
ليتني بالصدق والإخلاص ... قد كنت بنيته
كل ما أوجبه الله ... من الدين ازدريته
والذي حرمه الله ... من الإثم أتيته
وجميع الخطو فيما ... يسخط الله مشيته
ليتني أنفقت ما كنت ... من الدنيا اقتنيته
وتصدقت بما كنت ... قديما قد حويته
كنت مخدوعا بما ... كنت من الحسن اجتليته
فاغفر اللهم ما ... كنت من الإثم جنيته

تدهور الأوضاع
كيف نشمكو تدهور الأوضاع ... ثم ننسى أسبابها والدواعي
وأهم الأسباب أنا انحرفنا ... عن طريق اليقين والاقتناع
تستقيم الأوضاع إن نستم نحن ... على منهج الرسول الداعي
سنة المصطفى هي النهج لا ما ... نتردى فيه من الابتداع
لم لا نسلك الطريق المؤدي ... للنجاة ونحن شعب واع؟
(2/37)

أتظلمني وأنت أخي؟
أتطلمني وأنت أخي المرجى ... لدفع ملمة وهجوم خطب؟
وتحزن إن رأيت سرور نفسي ... وتفرح إن شعرت بحزن قلبي؟
وكيف تكون ذا وجه بشوش ... وقلب حشوه بغضي وحربي؟
وكيف تقابل الإحسان مني ... بكل إساءة من غير ذنب؟
وكيف اخترت منزلة الأعادي ... وأنت تعد من أهلي وحزبي؟
وأنت صديق عمري منذ كنا ... وحلف مودتي ورفيق دربي؟
أتلك طبيعة أم ذاك إرث ... لئيم مثل أرض ذات جدب؟
(2/38)

سأرحل
سأرحل عن دنيا بلوت شقاءها ... وعشت بها حتى مللت بقاءها
لقيت بها ما لا يسر ولم أزل ... أسر بمرآها وأهوى لقاءها
بها كدر أنى اتجهت لقيته ... أمامي ولكني فقدت نقآءها
فألفيتها دارا تفاقم شرها ... وألفيت أعداء الهدى أصدقاءها
وأين أرى صفو الحياة وهذه ... نفوس صحابي ما رأيت صفاءها؟
تخذت صحابا أستعيين برأيهم ... على هذه الدنيا فكانوا بلاءها
ولا خير في الدنيا إذا لم يكن بها ... أخ إن لقيناه نسينا عناءها
فصار عناء من تخيرته أخا ... فكيف تراني أستسييغ إخاءها؟
فيا رب لا تخطر بقلبي ذكرها ... ولا تبق فيه حبها وولاءها
فحسبي ما عانيته من بلائها ... وإلا فعجل للحياة فناءها
(2/39)

انتظار
انتظرنا متى يعود الصفاء ... فالحياة بلا صفاء بلاء
ونظرنا فما اعتبرنا بدنيا ... عز فيها الأوغاد والأدعياء
وطلبنا الوفاء فيها فلم نعثر ... عليه وأين أين الوفاء؟؟
وبحثنا عن العدالة حتى ... نال منا في بحثنا الإعياء
ثم عدنا باليأس مما طلبنا ... وإذا العدل غاب، غاب الهناء
ووصلنا طريقنا ننشد الصدق ... فبالصدق يستقيم البناء
وإذا الصدق ما له من وجود ... ولهذا عم الوجود الشقاء
قد سئمنا الحياة مذ أجدبت من ... كل خير ومات فيها الصفاء
وإذا أقفر الوجود من الأخلاق ... فالموت والحياة سواء
لا وداد لا رحمة لا إخاء ... لا وفاء لا غيرة لا حياء
(2/40)

الإيمان غذاء وسلاح
ويح من لم يكن له إيمان ... كيف يحي وما له اطمئنان؟
إن من يعدم القرار شقي ... ربحه في حياته خسران!!
هو يحيى كريشة في مهب الريح ... كيف يرضى بذا إنسان؟
الإيمان، الإيمان، فالماء في البحر ... غذاء تحيا به الحيتان
أنا لولا الإيمان ضقت بما ألقاه ... ذرعا واجتاحني البركان
إنما هذه الحياة كفاح ... والسلاح بها هو الإيمان

بين الهواء والهوى
قال لي ولدي رجاء: "أصابني هواء"، فنظمت القطعة التالية:
نحن ما بين هواء وهوى ... في بلاء ما لنا منه دوا
والهوى أخطر داء كم هوى ... بذوي القدر كم شرا حوى
والنوى قد زاد في إفلاسنا ... ربنا رحماك من هذا النوى
إن نوى الواحد منا صالحا ... فالنوى يبطل ما كان نوى
ما لنا يا رب من ذنب سوى ... تهم لفقها كلب عوى
كم بها من طاقة قد عطلت ... وشباب ناضر العود ذوى
(2/41)

ما هذا التلون؟
علام تروم منقصتي علاما؟ ... أحربا ما تحاول أم سلاما؟
وماذا من محاربتي ستجني ... وكيف اخترت حربي والصراما؟
ألم تك لي صديقا لا يسامى ... ومشغوغا بحبي مستهاما؟
كنت تزورني يوما فيوما ... تبادلني الولاء والاحتراما
فكيف عدلت عن خلق التصافي ... وكيف نقضت عهدي والذماما؟
وما هذا التلون أي خلق ... به تغدو الحياة لنا حماما
(2/42)

أخي!!!
أخي لا تكن من رحمة الله يائسا ... وكن باسما إن كان دهرك عابسا
فلا شيء يبقى في الحياة كما ترى ... فلا تبتئس إن عاد غصنك يابسا
ولا تحسبن الأمر فوضى كما ادعوا ... ولا عبثا، بل إن للكون سائسا
كن مصلحا إن كان غيرك مفسدا ... فإن على كل الخلائق حارسا
كن غارسا ما فيه نفع فإنما ... ستجني الذي قد كنت بالأمس غارسا
كن بالذي أعطاك ربك راضيا ... ولا تك في جمع الثراء منافسا
فإنك إن جاريت نفسك حرصها ... على المال لم تبرح تعاني الوساوسا
وكن حذرا من خلطة الناس إن ترد ... سلامة دين إن فيهم أبالسا
وإن رمت أن تغشى من الناس مجلسا ... فكن لذوي الآداب منهم مجالسا
نصحنك فاقبل نصح من عاش دهره ... لأحوال أنواع العباد ممارسا

الأمل الأمل!
تبارك الله ما أجل ... أرسى الحياة على الأمل
لولا التشبث بالمنى ... ما طاب سعي ولا عمل
نودع في السجن دون أن ... يشلنا الخوف والوجل
ويهجم الداء لانهاب ... به هجمة الأجل
نهزأ بالموت والبلاء ... ونتعالى على العلل!
(2/43)

تبدو الحياة لنا ربيعا ... يختال في أبهج الحلل
دنيا الصراع تحيلها ... الآمال تزخر بالقبل
واليأس موت فكم دنى ... خربها اليأس والملل
آل الرجاء إلى النجاح ... واستسلم اليأس للفشل

الرحمة الكبرى
تعالى الله يحيي ألف ميت ... بدعوة واحد في غيرعسر
وهل كمحمد أحيا ألوفا ... من الأموات من جهل وكفر
يقتل بعضهم بعضا جهارا ... ويحيا الكل في فزع وذعر
فجاء الرحمة الكبرى ليحيي ... نفوسا جدبة كجديب قفر
فأحياهم وصاروا خير جند ... لنشر الدين في سهل ووعر
كذاك الأرض تحيا بعد جدب ... إذا ما جادها وابل قطر
ولكن، هل تخذناه إماما ... نتابع خطوه في كل أمر؟
وننشر دينه في كل أرض ... ولا نرتاع من بطش وقهر
(2/44)

شريعة الله
شريعة الله أين اليوم مغناك؟ ... إنا فقدناك واشتقنا للقياك
إذ أبدلوك بأحكم ملفقة ... قد اختفى في ثناياها محياك
فاليوم لا ضاحك في الناس مبتهج ... بل ليس في الناس إلا عابس باك
يبكي الشريعة إذ زالت معالمها ... يبكي العدالة إذ زالت بمنعاك
وكيف نسعد في دنيا يداس بها ... شرع الإله، فلا ناه ولا شاك؟
لا شيء يسعد دنيانا سوى عمل ... بشرعة الله في وعي وإدراك
واليوم نشؤك لا يدري لشقوته ... ما الفرق ما بين نساك وفتاك
والمسلمون غدوا أسرى لغيرهم ... لما جفوك ولم يرعوا مزاياك
والمصلحون الألى كانوا منار هدى ... يبنون مجدك صاروا من ضحاياك

قسما بالله
قسما بالله: بالفرد الصمد ... واهب الوالد منا والولد
باعث القوة فينا والجلد ... بالذي يسر تحرير البلد
سوف نبقى مسلمين للأبد ... لن يخون دين منا أحد
(2/45)

نحن بالإسلام أخرجنا البشر ... من جمود عبدوا فيه الحجر
مثلما قد عبد الهند البقر ... نحن لا نقبل فينا من غدر
نحن لا يحكم فينا من فجر ... لا نوالي بل نعادي من كفر
إننا بالصدق والصبر انتصرنا ... وغلبنا كل باغ وقهرنا
وأضأنا كل داج وأنرنا ... ونهينا كل غاو وأمرنا
وبأخلاق النبيين اشتهرنا ... وحمدنا من حبانا وشكرنا
فهلموا يا بني الدنيا إلينا ... تجدوا كل أمانيكم لدينا
ديننا قد أوجب الشكر علينا ... وبه كم قد هدمنا وبنينا
فإذا نحن على الدين التقنيا ... ارتقيتم مثلما نحن ارتقينا
طالما أغرق دنيانا الظلام ... ورأى الناس بها الموت الزؤام
في حروب لم يكن فيها سلام ... وإذا ما فقد الناس الوئام
وتفشى الخلف فيهم والخصام ... لم يخلصهم سوى ورد الحمام
يا بني أمة خير المرسلين ... يا بقايا الفاتحين الأولين
يا شباب المسلمين الوارثين ... لتراث الخلفاء الراشدين
يا بني ثوارنا المستشهدين ... أعلنوا أمجادكم دنيا ودين
(2/46)

الغمرات ثم ينجلينا
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- لأصحابه يوما:
أي اللذات أعظم؟ فكل أجاب بما يعرف، وكان في المجلس عمرو بن العاص ولم يكن أجاب عن السؤال فقال له عمر:
وأنت ما رأيك يا أبا عبد الله؟ فقال:
"الغمرات ثم ينجلينا"
فرأيت تخليد هذه الكلمات بقطعة هي هذه:
قد قالها ابن العاص مذ سنينا ... يجيب سيد المحدثينا:
عمرعن سؤاله مبينا ... عن خير لذة لنا تغرينا
فيا لها من حكمة تجدينا ... - إذا وعيناها- دنيا ودينا
وذا تراثنا غدا قمينا ... كل إكبار في العالمينا
وهو الحضارة التي تغنينا ... فلم يزل كنزا لنا ثمينا
نورثه- من بعدنا- بنينا ... لكي نعيد مجدنا الدفينا
فنحن أولى الناس أجمعينا ... بأن نكون المتقدمينا
وأن نسوس الناس عادلينا ... وأن نقودهم لعليينا
(2/47)

المنايا ولا الدنايا
مثل عربي قديم
"المنايا ولا الدنايا" فمن يرض ... الدنايا فذاك شر البرايا
والذي باع دينه بمتاع ... زائل لم يكن شريف السجايا
فهادايا الإله قد فاقف ... الحصر ودين الإسلام خير الهدايا
والذي لم يغر على العرض ... لم يبق له غير أن يذوق المنايا
وهل الناس غير عرض ودين؟ ... فهما الأصل في جميع المزايا
والحياة بلا مزايا هي الموت ... الذي دونه جميع الرزايا
ومزايا الإنسان لم يبق منها ... بعد موت الأحرار إلا بقايا

قلة الفهم
قلة الفهم أثمرت كثرة الشر ... وعاثت في المسلمين فسادا
فإذا ما أردت بنيان مجد ... فاجعل العلم أسه والعمادا
كم جهول قد قام يحكم في الناس ... فسر العدى وأشقى البلادا
وإذا ما نصحته حسب النصح ... اعتداء مستوجبا أن تعادى
ولذا كان أول الدين: اقرأ ... ليكون الإسلام أقوى عتادا
(2/48)

والنبي يرى التعلم فرضا ... ويراه مثل الجهاد جهادا
ودماء الشهيد توزن والحبر ... فلا تفضل الدماء المدادا
قيمة الناس ما لديهم من الفهم ... فلا يفضل الجماد الجمادا
إنما المسلمون كانوا بما نالوا ... من العلم والهدى أسيادا
وإذا ما اهتدوا وعادوا إلى العلم ... فلا شك أن يسودوا العبادا
كيف لا يرجعون للعلم والإسلام ... بالعلم كم أقام وشادا؟
ولماذا لا ينفضون غبار ... الجهل، والجهل كم محا وأبادا؟
أيها المسلمون لا تهدموا ... الأمجاد إن لم تشيدوا الأمجادا
لا تسيئوا إلى الجدود فالاستسلام ... للكفر يؤلم الأجدادا
وبقاء انقيادكم لأعاديكم ... يثير عليكم الأحفادا
"خالفوا المشركين" قال رسول الله ... إن تفعلوا تصيبوا رشادا
وتناسوا خلافكم فالخلافات ... تثير الأضغان والأحقادا
إنكم إخوة بنص كتاب الله ... كيف نبذتم الاتحادا؟
كل شيء قد يستساغ سوى أن ... تقبلوا أن تحملوا استعبادا
"كنتم خير أمة أخرجت للناس" ... موتوا من أجلها استشهادا
(2/49)

جهلنا!
جهلنا فلم ندر ماذا عملنا ... فيا رب عفوك فيما جهلنا
فإنا ندمنا فإن نحن عدنا ... إلى الذنب خذنا بما قد عملنا
فيا رب قد خطونا لا تكلنا ... لأنفسنا قد لجأنا إليك
فإنك إن لم تقدنا ضللنا ... فإن اعتماد العباد عليك
فيا رب أنت الغني القدير ... بقولك: كن قد أقمت الحياه
وكل إلهي ضعيف فقير ... فنحن العباد وأنت الإله
إذا لم نتب من قبيح الذنوب ... فأنت الغفور وأنت الرحيم
وإن نحن تبنا فإنا نتوب ... بفضل نداك العميم العظيم
إلهي تداعي علينا الطغاة ... وغاب الحماة وغم المصير
فوحد إلهي صفوف الدعاه ... وكن خير حام وخير نصير

مرضت أخلاقنا
مرضت أخلاقنا مذ تبعت ... أمة الأخلاق أخلاق سواها
إن أخلاقا نمت في ظلها ... عزة الإسلام فاقت ما عداها
أمة القرآن قد نالت بما ... قد حوى قرآنها أقصا مناها
كيف عن أخلاقها قد أعرضت ... وتبنت كل أخلاق عداها!؟
كيف لا ترضى بأخلاق بها ... سادت الدنيا ونالت مبتغاها؟
(2/50)

وهي لما هجرت أخلاقها ... هدمت بنيانها عزا وجاها!!
أمتي يا أمة القرآن يا ... أمة الإسلام يا أمة طاها!
احفظي أخلاقك الغر التي ... قد هدى كل بني الدنيا سناها

نعمة الذكاء
ما كالذكاء موهبة ... يمنحا الله هبه
للمصطفى من خلقه ... في عقله وخلقه
بها يصير شاعرا ... بكل معنى شاعرا
كما يكون ناثرا ... يقول قولا ساحرا
كما يصير عالما ... من يعشق المكارما
ويهتدي لربه ... في يقظة من قلبه
وبالغا من التقى!! ... مكانة لا ترتقى
من اتقى الله سما ... بعلمه إلى السماء
ونال بالفطنة ما ... يغدو به معظما
أعظم به من سبب ... لنيل كل مطلب
ومن يرم نيل العلا ... بلا ذكاء فشلا
(2/51)

زرعنا نصحا
زرعنا ولكن ما انتفعنا بزوعنا ... لأنا عدمنا المستفيد من الزرع
ومن لم يجد في الناس أهلا لنصحه ... فلا خير في نصح يكون بلا نفع
ولكن درب النصح يفضي إلى العلا ... وليس يفيد النصح من ليس ذا سمع
ألا فلنواصل سيرنا عبر دربنا ... فلا بد يوما من وصول إلى النبع
فنطفئ ما نشكوه من حرقة الظما ... ونبلغ ما نرجوه للشمل من جمع
وننصر دين الله في الأرض كلها ... ونرجع ما قد ضاع من هيبة الشرع
فلا خير في الدنيا إذا لم يكن بها ... من الله شرع ناسخ شرعة الوضع
فليس لغير الله حكم وإن يكن ... فما هو غير العسف والقهر والقمع
وهل مثل صنع الله صنع لخلقه ... ألا جل صنع الله للخلق من صنع
(2/52)

الحياء والنصح
منبع الخير في الحياة الحياء ... فالحياة بلا حياء بلاء
نحن في بيأة الحياء نشأنا ... فاستقام على الأساس البناء
وبإسداء نصحنا قد بدأنا ... فتوارت من حولنا الأذواء
وإذا لم يكن حياء ولا نصح ... فلا بد أن يحل الشقاء
إذ تسود الفوضى وتقلب أوضاع ... الحياة وتستباح الدماء
مثل ما صارت البلاد إليه ... ففشت بين أهلها الأرزاء
ورأينا من الفواحش والآثام ... ما لا يرضى به العقلاء
ورأينا ما فيه هدم ونقض ... لبناء قد شاده الأنبياء
نحن أفضل أمة فلماذا ... قادنا في بلادنا الدخلاء؟
(2/53)

عجزنا عن الإصلاح
عجزنا عن الإصلاح إذ مسخ الخلق ... وهل يمكن الإصلاح إن فسد الخلق؟
إذا ما تلمسنا طريق خلاصنا ... عدمنا الذي نرجوه وانسدت الطرق
ضللنا وقد كنا نسير على هدى ... وهل من هدى يرجى إذا أظلم الأفق؟
وإن نحن عشنا دون خلق ولا هدى ... فما ذاك عيش بل هوالمحق والسحق
ولكن ليل المسلمين سينجلي ... ونمسي كما كنا لنا الفوز والسبق
ولسنا على يأس نعيش وإنما ... على ثقة أن سوف ينتصر الحق
وإن فشلت كل الوسائل في الذي ... نروم من الإصلاح لن يفشل الصدق

الهدى والهوى
الهدى والهوى طريقان للناس ... وكل له دعاة وأهل
والذي قاد للهداية عقل ... والذي قاد للغواية جهل
واحتمال الشقاء صعب ولكن ... احتمال الهناء لا شك سهل
(2/54)

استقم!
استقم فالحياة لا تستقيم ... طالما أنت في الضلال مقيم
استقم لا تقم على الشر إن كنت ... حكيما فالشر رأي سقيم
استقم إن ترد مقاما رفيعا ... كيف يعطى الثمار فكر عقيم؟
استقم يستقم لك الدين والدنيا ... وتظفر بالمجد وهوعظيم
استقم فاستقامة المرء عنوان ... على أنه حصيف حكيم
والذي عاش في الضلالة لا يهدي ... خطاه إلا الحكيم العليم
استقم واحترس من اليأس فالله ... رءوف بالمذنبين رحيم

غرور الحياة
غفلنا وليس الموت عنا بغافل ... وجرنا ولم نرهب حكومة عادل
وإنا أمنا دهرنا وصروفه ... وأيامه محفوفة بالغوائل
وذاك غرور بالحياة وغفلة ... وما غرت الدنيا امرءا غير جاهل
ولم ننتفع بالعقل وهو دليلنا ... ومن ضل بعد العقل ليس بعاقل
ولم ننتفع بالدين وهو سبيلنا ... لعاجل نفع في الحياة وآجل
إذن فالذي يهدي هو الله وحده ... وما عقلنا والدين غير وسائل
فهيا نبادر بالتدارك ولنعد ... إلى الله ولننفض غبار التثاقل
(2/55)

يا ضيعة العمر
يضيع العمر أكثره هباء ... ونغفل عن نهايتنا غباء
نشيع ميتا في كل يوم ... ونلقى الموت صبحا أو مساء
ونأمل فوق ما نحيا ونبقى ... كأن الناس قد منحوا البقاء
ولكن الحياة لها انتهاء ... وننسى أن للعمر انتهاء
سأترك هذه الدنيا برغمي ... لألفي عند خالقي الجزاء
فما أدري أفي الفردوس نزلي ... أجاور في الجنان الأنبياء
فأحمد حسن عاقبتي وألفي ... هناك رفاق عمري الأوفياء
هنالك لا أرى ضيقا وكربا ... ولا ألقى نفاقا أو رياء
فإني قد سئمت هنا حياة ... لقيت بها من الناس العناء
وإن كانت جهنم لي مقرا ... فقد ذهبت مشاريعي هباء
ولكني إذا ما ساء فعلي ... ففضل الله يشمل من أساء
فيا من فضله عم البرايا ... مطيعهم وعاصيهم سواء
سألتك رحمة تمحو الخطايا ... وحاشا أن تخيب لي رجاء
(2/56)

ليت الحياة!
ليت الحياة صفت من الأشواب ... وخلت من الآفات والأوصاب
ووفت وما خانت ولم تطبع على ... غدر الصديق وفرقة الأحباب
لكنها لم تخل من كدر ولم ... تخلص لأهل الفضل والآداب
الأنبياء بها أشد شقاوة ... من كل نشال بها نصاب
والمصلحون يحاربون وما لقوا ... فيها سوى الأرزاء والأتعاب
دنيا تغر ولا تسر وليتها ... تبقى ولا تفنى فناء حباب
يا عاشق الدنيا حجاك أضعته ... لا يعشق الدنيا أولوا الألباب

دنيا الغرور!
كم تغر الحياة من حكم الله ... عليه بأن يعيش الحياتا
فهي تبدو حسناء ذات محيا ... ساحر يسلب التقي الثباتا
جمعت كل ما يشوق فما منا ... مطيق من قبضتيها انفلاتا
نحن أسرى سلطانها حيث لا نملك ... إلا الخضوع والإخباتا
وترانا نذمها! عجبا نغذو ... دعاة ولا نكون حماتا
إن نذم الذي نحب ونهوى ... نك في المنطق الصحيح جناتا
رب ألهم عقولنا الرشد حتى ... لا نعير دنيا الغرور التفاا
(2/57)

دنيا
دنيا تجر إلى الهلاك ... ما من مشاكلها فكاك
لا يسلم المتعلقون ... بها ولو بلغوا السماك
المال فيها فتنة ... والأقربون هم الشراك
والدين يلقى ما يذوب ... له الفؤاد من انتهاك
والمصلحون بكل متتجه ... لهم نصبب شباك
والمفسدون تأمروا ... ما فيهم أحد يشاك
يتمتعون بما اشتهوا ... وبهم مصائرنا تحاك
والناس في حرب وليسوا ... ينتهون من العراك
والحكم للأقوى وأنصار ... الهدى ليسوا هناك
وأرى الشقاء لمن غدا ... وله بذا الغرب احتكاك
إن المقلد ميت ... قبل الممات بلا حراك
يا غافلا عما يصير ... إليه أوشك منتهاك
إن الهلاك لمن أطاع ... هواه فلتحذر هواك
(2/58)

هذه الدنيا
تبا لدنيا يسود الجاهلون بها ... ويحكم الناس ظلام وضلال
لا صدق فيها ولا دين ولا خلق ... وكيف يحلم بالعلياء جهال؟
وكل ذي أدب فيها أخو نصب ... والشاعر الفحل لم ينعم له بال
وصاحب الدين منبوذ ومجتقر ... والعالم الحر قد ضاقت به الحال
والبنت قاضية فيها وشرطية ... والأمر فوضى وعم الناس زلزال
لذا ترى عقلاء الناس قد زهدوا ... فيها فلم يغرهم جاه ولا مال
الناس فيها كركاب بباخرة ... تقاذفتها أعاصير وأهوال

زهرة جميلة ولكنها تذوي
كم هذه الدنيا جميلة ... لو أنها تبقى جميله
لكنها تذوي كما ... تذوي أزاهير الخميله
ما هذه الدنيا سوى ... كالحلم متعتها قليله
والناس مذ فتنوا بها ... عدموا المروءة والفضيله
فالكل يسعى جهده ... كي يجعل الدنيا حليله
ماتت ضمائرهم فماتوا ... ميتة الأمم الذليله
أيضل ذو عقل وذو ... بصر- علىعلم- سبيله؟
(2/59)

كيف نفهم الحياة!
علام عصينا الإله؟ ... ونحن نحب الحياه
وكيف تطيب الحياة؟ ... بغير اتباع الإله
لأن اتباع الإله ... طريق لفهم الحياة
وليس لفهم الحياه ... سوى فهم شرع الإله
ألا فأطيعوا الإله ... لتجنوا ثمار الحياه

الموت والحياة
أفظع الأشياء أن الموت آت ... إنه يأتي لإنهاء حياتي
أي شيء مفزع كالموت أم ... أي شيء هو أغلى من حياتي
يا حياتي أنت يوما تنقضي ... ما الذي يبقى إذا ضاعت حياتي؟
غير أني إن أكن أعددت ما ... فيه خير لم تكن ضاعت حياتي
فحياتي هذه مرحلة ... لحياة هي خير من حياتي
وحياة ألتقي في ظلها ... بإلهي، هي والله حياتي
(2/60)

حياة أو ردى؟؟؟
علام أضاع الناس وقتهم سدى؟ ... فلم يكسبوا علما ولم يطلبوا هدى
فكان فراغا وقتهم مثل فكرهم ... خلا من معان تثمراليوم أو غدا
وباءوا بسخط الله إذ كفروا به ... وهل مهتد مثل الذي ضل واعتدى؟
كم ثروة في الوقت ضاعت بجهلنا ... وكم جاهل لم يدر ما كان بددا
لماذا خلقنا إن خسرنا حياتنا؟ ... وكانت فراغا لا تسر سوى العدى
إذا ما خلت من كل نفع حياتنا ... فليس ببدع أن نسميها الردى

تجارب الحياة!!!
أنا لست آسى على أن أموت ... وأخلص من سجني الأفظع!
ولكن تجارب عمر الطويل ... إذا أنا مت تموت معي!!
وما الحي إلا تجاريبه!!! وما شع من فكره المبدع
تجاريب تحوي ثمار العقول ... وأسرار مجتمع أروع!
ولولا التجاريب ضاقت بنا ... رحابة عالمنا الأوسع!
وعفوك يا رب إني جنيت ... وجرت على قدسك الأرفع
فما في التجايب لي من ... يد فأنسبها لي أو أدعي!!
ولكن لك الفضل في كل ما ... علمت وجربت يا مبدعي
(2/61)

متى متى؟؟
متى يا إلهي تنتهي صولة الكفر ... ويصبح دين الحق حرا من الأسر
فحاشاك ربي أن تؤيد باطلا ... وتخذل حقا لا يعيش بلا نصر
ودينك هو الحق والكفر باطل ... فكيف استبد الكفر يا رب بالأمر؟
ولم تبق للإسلام دولته التي ... بها عم ظل العدل في البر والبحر
وأنت إلهي عالم بالذي جرى ... ولست إلهي راضيا بالذي يجري
ونحن ضغاف عن محاربة العدى ... وليس لنا إلا القليل من الصبر
فخلص إلهي دينك الحق إنه ... يعاني عذاب الأسر في قبضة الكفر
وليس له يا رب غيرك ناصرا ... وإلا سيبقى موثقا أبد الدهر

الكنوز الثلاثة
الدين والإيمان والخلق الكريم ... في هذه الدنيا هي الكنز العظيم
هذي الثلاث أساس كل سعادة ... فإذا عدمناها فدنيانا جحيم
لا شيء كالإيمان يهدي خطونا ... ويقودنا عبر الصراط المستقيم
ويردنا عن فعل كل قبيحة!! ... ويمدنا بالصبر والخلق السليم
والدين معيار الكمال فمن يعش ... من غير دين فهو شيطان رجيم
وملاك ذلك كله الخلق الذي ... يوحى به الإيمان والدين القويم
(2/62)

خلق يعم الناس نفح عبيره ... كالورد ينقل عطره مر النسيم
إن الحياة غنية بكنوزها ... وأهمها وأجلها الخلق الكريم

كيف
كيف ننسى الموت والموت ذكور ... وهو لا يفتأ يغشى ويزور؟
كيف ننسى طالبا لا يختفي ... مرسلا من حاكم ليس يجور؟
كيف ننسى الحكم بالإعدام أم ... كيف لا نرتاع من هول المصير؟
نحن محكوم علينا بالردى ... كلنا يفنى وإن طال المسير
يا لها من غفلة مضحكة ... عن مصير فادح الهول خطير
هذه الغفلة من آفاتنا ... بل هي العلة في كل الشرور
ولو أنا لم نكن في غفلة ... ما استسغنا أبدا طعم السرور
سوف لا ننسى لدى يقظتنا ... أننا لم نك إلا في غرور
(2/63)

درس
لم نرع للدين لا عهدا ولا نسبا ... ولم نخف نقمة لله أو غضبا
ولم نحافظ على أمجاد أمتنا ... بل كل يوم نرى من حمقنا عجبا
أنمنع الدرس يا للخزي وهو لنا ... قد كان في نيل ما نسعى له سببا؟
فإن خلا منه بيت الله صار بلا ... نور وكيف ونور المسلمين خبا
وإن صبرنا على إسكات دعوتنا ... فإننا سوف نشكو الويل والحربا
وكيف نحيا بلا دين ولا خلق ... ومن يكن ذهبا منه فقد ذهبا
والناس قد عبدوا أهواءهم وغدوا ... مثل الألى جعلوا معبودهم ذهبا
والحر من لم يكن عبدا لشهوته ... فإن دعته إلى ما لا يليق أبى

الناس والدين
إذا انفلت الناس من دينهم ... فقل: إن مدتهم لن تطول
فلا يصلح الجسم من غير روح ... ولكنه للفناء يؤول
وما الدين إلا ملاك الحياه ... تزول الحياة إذا ما يزول
لنا خالق في رضاه الهدى ... وليس لإرضائه من وصول
سوى أن نسيرعلى نهجه ... فثم الرضاء وثم القبول
فقل للذي عاش من غير دين ... ضللت السبيل فعد للسبيل
ولا تترك العمر يمضي سدى ... فذلك فعل ضعاف العقول
(2/64)

الدين والعقل
متى يهتدي الإنسان بالدين والعقل ... فيخرج من تيه الضلالة والجهل؟
فلم يبرح الإنسان في جاهلية ... ولم ينتفع بالعقل أو بهدى الرسل
ولم تبرح الأهواء تفسد دينه! ... وتفسد دنياه فيطغى ويستعلي
ويسعى لما فيه شقاء وجوده ... وإفناء أهليه فيسرف في القتل
ويمعن في استهتاره وجنونه ... فينشر ما يأتيه من سيء الفعل
ولو كان ذا عقل لأخفى عيوبه ... فكيف وستر الفضل من جملة الفضل؟
ومن لم يفده الدين والعقل عاش في ... جحيم عذاب واغتراب عن الأهل
وما الأهل إلا أسرة الدين والحجى ... أولئك أهل الصدق والجد والفضل
ألا أيها الإنسان ويحك ما الذي ... أصابك حتى تترك الجد للهزل؟
وما الجد إلا أن تكون على هدى ... وما الهزل إلا أن تبيت على ذل
وما الذل إلا الذنب ينقل فاضلا ... شريفا عظيم المكرمات إلى نذل
فيا رب لا يرجى لإصلاح حالنا ... سواك، فأنت البر ذو الحلم والبذل
(2/65)

لله هذا الدين!
لله هذا الدين كم أسدى لنا ... من نعمة وأجلها الإيمان
لولا يد الإيمان تنقدنا من الأحزان ... هدت عزمنا الأحزان
إن المصائب في الحياة كثيرة ... كم هد من رجاتها بنيان
لكن للإيمان قوته التي ... لا يستقر أمامها الحدثان
إن كان للطغيان سلطان فما ... يطغى على إيماننا سلطان
يا موقظ الأمم التي نامت على ... ضيم وأخرس نطقها الطغيان
ثم استجابت للنداء فجلجلت ... صرخاتها وتفجر البركان
قد خطو أمتنا لتبنى مجدها ... وأساسه الإيمان والإحسان

الصبر أساس
الصبر للدين الحنيف أساس ... وعليه أقدار الرجال تقاس
والصبر معراج لإدراك العلا ... وبه الغرائز والنفوس تساس
فالحلم صبر والشجاعة والفدى ... والجود والإيثار والإيناس
من كان ذا صبر ينل ما يشتهي ... أو لا فإن نصيبه الإفلاس
(2/66)

لماذا؟
لماذا يشيع الظلم في أمة العدل؟ ... وكيف يضيع الفضل في منبع الفضل؟
ونحن منا ر العلم ماذا أصابنا؟ ... فصرنا مثالا للغباوة والجهل!!
رضينا بوضع ليس يرضاه عاقل ... وهل منع بذل النصح يرضاه ذوعقل؟
لذلك ساد الشر واستفحل الأذى ... وأصبح دين المكرمات بلا أهل

علام النفاق
علام يريد الناس إخفاء أفكاري؟ ... وإلباس ثوب مستعار لأشعاري؟
لقد ألف الناس النفاق فمن يكن ... صريحا يلاقي منهم كل إنكار
ولست بذي وجهين في الناس إنما ... مصير ذوي الوجهين حتما إلى النار
وما لي جلد غير جلدي وإنما ... إعارة جلد غير جلدي من العار
ومذ دخل التقليد للغير أرضنا ... أسأنا لمجد شامخ غير منهار
وهل لشعوب الأرض مجد كمجدنا ... وهل يقبل الأخيار تقليد أشرار؟
ونحن الألى سدنا الشعوب جميعها ... وقدنا لتحرير الألى غير أحرار
وجدنا على الدنيا بأسمى حضارة ... أضاءت دجى الدنيا بباهر أنوار
وعدنا لسوء الحظ أضعف أمة ... ومركابنا قد لفه شر إعصار
فصرنا إلى الإفلاس من بعد ثروة ... ومن بعد إقبال أصبنا بإدبار
(2/67)

دولة القرآن
نحن أهل القرآن والإيمان!!! ... قد خصصنا بالفضل والإحسان
إذ زرعنا في كل أرض هدى الله ... فسدنا على بني الإنسان
ثم جدنا على الضعاف فذدنا ... عنهم كل معتد وأناني
ثم عدنا للجاهلية من غير ... اضطرار للكفر والعصيان
وارتكسنا في الظلم والجهل من بعد ... حياة في العدل والعرفان
ورضينا بعد الإمامة بالتقليد ... من غير حجة أو بيان
ورفضنا الأصيل من حيث قابلنا ... الدخيل بالحب والإذعان
يا لهذا الإنسان يسمو فلا يعلوه ... شيء في هذه الأكوان
ثم ينحط للحضيض فيمسي ... بعد هذا السمو رمز هوان
(2/68)

قطيع بلا راع
كم ليلة قضيتها ساهرا ... لا أغمض الجفن ولا أستريح
ألقى من الآلام أضعاف ما ... يلقاه مكسور الجناح جريح
مفكرا فيما أصاب الورى ... وما أصاب الكون من نتن ريح
من ردة عمت وطمت فلا ... تلقى سوى فوضى وكفر صريح
والدين في كل بلاد غدا ... مثار هزء واتهام قبيح!
والناس قد أمسوا قطيعا بلا ... راع فلا من مرشد أو نصيح
قد فقدوا ما وهب الله من ... خلق وتمييز وعقل صحيح
وانسلخوا من دينهم جملة ... إذ قد أباحوا كل ما لا يبيح
تدارك- اللهم- دين الهدى ... ولو بإنزال لعيسى المسيح

التفكير في العواقب
تكلفني النفس أعلى الأمور ... وليس من العجز لا أنشط
ولكن بمقدار قرب المكان ... تكون سلامة من يسقط
بقدر الصعود يكون الهبوط ... فإياك والرتب العاليه
وكن في مكان إذا ما سقطت ... تقوم ورجلاك في عافيه
(2/69)

وفد الحج
أيها الذاهبون للحج بوركتم ... وفودا تطير لله حبا
غيرأنا من بعدكم لم نطق صبرا ... فبتنا للشوق والوجد نهبا
إن ذكرنا ما أنتم فيه من قرب ... وفوز نزد بلاء وكربا
لم يكن باختيارنا أن تخلفنا ... وكيف نأبى من الله قربا
حسبنا عنكم عوائق شتى ... لم نطاق دفعها فلم نجن ذنبا
غير أنا إذا حرمنا فلم نحرم ... دعاء من طاف منكم ولبى
فامنحونا الدعاء فهو دواء ... ناجع كم أعاد لله قلبا
(2/70)

الشح بالمال
يا من يشح بمال وهو يتركه ... وراءه قد أضعت المال مختارا!
فإن ترد حفظه فابذله مبتغيا ... رضى الإله ولا تمسكه إقتارا
فالبخل يمسكه والبذل يحفظه ... مضاعفا كهطول الغيث مدرارا
من شح شح عن النفس التي أمرت ... بالبخل واستوجبت ببخلها النارا
فالنفس أمارة بالسوء مغرية ... فاحذر هواها وعش بالخير أمارا

مانع الزكاة
يا شحيحا بماله كيف ترضى ... أن تعيش مثل الفقير فقيرا!
أفتشقى بالجمع والمنع يا ويحك ... إذ فى غد ستصلى سعيرا؟
ثم يبقى ما قد جمعت لمن لم ... يؤت رشدا أو يحسن التدبيرا
فإذا ما جمعت يذهب أدراج ... الرياح مبذرا تبذيرا
وإذن لم تكن بشحك إلا ... ذا غباء وجاهلا مغرورا
ابذل المال يكثر المال فالمال ... القليل بالبذل يغدو كثيرا
مثلما تزرع القليل من البذر ... وعند الحصاد يلفى وفيرا
ليس بالشح يحفظ المال أو ينمو ... فانفق وجانب التقتيرا
إن شحا لا يحفظ المال خير ... منه بذل يستوجب التقديرا
كيف والمال بالسماحة ينمو ... كالنبات تسقيه ماء نميرا
ليس كالشح آفة توجب المقت ... وتولي الخراب والتدميرا
(2/71)

آفة البخل أصلها آفة الحرص ... الذي كان بالشقاء نذيرا
إن بالحرص قد عصى أبوانا ... ومصير العصيان كان خطيرا
إذ حرمنا بالحرص جنة عدن وفقدنا العيش الهنيء القريرا
وكذا الحرص أوقع الطير في الفخ ... فكان له الهلاك مصيرا
حبة القمح لم تكن تعدل العمر ... لو أن الحرص كان بصيرا
والحياة مهما تطل بعدها الموت ... ويبدو العمر الطويل قصيرا
رب سخ قلب الغني وكن عونا ... لمن بات في الشقاء أسيرا
ليس للبائسين ربي نصير ... كن -إلهي- للبائسين نصيرا

نفسي
تعذبني نفسي بفرط طماح ... وترهقني هما بطول جماح
وأخطر أعداء العباد نفوسهم ... فيا طالما أوحت بغير صلاح
وكم فشل جرته للأمم التي ... قضت زمنا تسعى لنيل نجاح
ومن شقوة الإنسان أن تك نفسه ... عدوا له تدعو لغير فلاح
وأي شقاء مثل شقوته التي ... بها يرهق الإنسان طول كفاح؟
فنفسي إلى ما فيه ضري تقودني ... وتمعن في حربي بغير سلاح
ويقتادها الشيطان وهو عدوها ... عدوان راما صرعتي وجراحي
فيا رب كن عوني على نفسي التي ... أسرت لها إني طلبت سراحي
وإن طال بي أسري ولم أغد معتقا ... أطلت بكائ واحتسبت نواحي
(2/72)

الى أين انتهينا؟
إلى أين نحن رفيقي انتهينا؟ ... وماذا من المخزيات أتينا؟
وماذا من المنكرات ارتكبنا؟ ... وهلما نحن عن كل خير نأينا؟
نعم قد جنينا جميع المخازي ... ولم نرع حقا ولم نقض دينا
ولم نخش من عمنا خيره ... وكل أوامره قد عصينا
ولم نتق الله في خلقه ... وكيف؟ وإنا قتلنا الحسينا
فلا نحن للصالحات نهضنا ... ولا نحن بالصالحين اقتدينا
ولم نتورع -أخي- عن حرام ... ولم نتصدق بما في يدينا
وإنا نرى الظلم يفشو فلا ... نقوم، لتغيير ما قد رأينا
فيا رب عفوك إنا اعترفنا ... بأنا اقترفنا وأنا اعتدينا
وأنا ضعفنا وأنا جهلنا ... فلا تأخذنا بما قد جنينا
فلولاك يا ربنا ما خلقنا ... ولولاك يا ربنا ما اهتدينا
(2/73)

فرصة العمر
إلهي لقد أعطيتني الفرصة الكبرى ... لك الحمد ربي حين أعطيتني العمرا
وهل مثلها من فرصة ذهبية ... تبلغني المجد الذي يرفع الذكرا؟
ولكن لفرط الجهل مني أضعتها ... ولم أنتفع بالعمر دنيا ولا أخرى
وهل حسرة في الدهر تشبه حسرتي؟ ... وهل مثل خسري في الحياة ثرى خسرا؟
وهل فرصة كالعمر ضيعتها سدى؟ ... وهل ثروة كالوقت قد ذهبت هدرا؟
وليس كتوفيق الإله موجه ... خطاي إلى ما يعصم العقل والفكرا
فلا تخلي يا رب منه فطالما ... هداني بليلي حين كان لي الفجرا
(2/74)

إلى الله أشكو
إلى الله أشكو ما تقاسيه أمتي ... وما هي فيه من هموم وأحزان
فذا عالم قد باع بالفلس دينه ... وذا حاكم من غير عدل وإحسان
وهل طائر دون الجناحين طائر ... وهل هو يعلو دون ما طيران؟
جناحا المعالي عالم متحرر ... وحاكم عدل عاش غير أناني
فإن لم يكونا فالحياة شقية ... يذوق بها الإنسان كل هوان
وإن وجدا عشنا حياة سعيدة ... نحل من العلياء كل مكان
فيا رب عجل للأنام بعالم ... يسير بهم نحو العلا بأمان
تحلى بحسن الخلق والدين والحجى ... حريص على خير الورى متفان
وسدد ولي الأمر في كل خطوة ... لنيل أمانينا بغير توان
وليس يرى في الدين خصما مناوئا ... يتابع أهلوه كل مكان
له سند من عالم متحرر ... بصير بأمر الدين غير جبان
يوجهه فيما به نشر دينه ... وينصحه في رقة وحنان
ويوقظه من جهله وغروره ... ويحميه من جور ومن زوغان
فإن يجتمع هذا لأمتنا تفز ... بعزة سلطان ورفعة شان
(2/75)

رباه!
رباه أمرك نافذ ومطاع ... قاد السفينة في الخضم رعاع
والمسلمون وأنت مولاهم لقد ... حادوا عن النهج القويم فضاعوا
والحزن ساور كل أهل عقيدة ... مذ ساءت الأحوال والأوضاع
والناس إلا قلة معدودة ... أسرتهم الشهوات والأطماع
والحر قد أمسى بلا حرية ... مثل السوائم يشترى ويباع
لا تصلح الدنيا بلا دين ولا ... داع يحض على الهدى فيطاع
كنا الأئمة للشعوب إذا بنا ... بين الشعوب جميعها أتباع
يا قادة الإسلام لا تتواكلوا ... وجب الفدى وتأكد الإسراع
ودعوا الخلاف فما فشا في أمة ... إلا وعم أسى وحل ضياع
والاتحاد هو الدواء ولم يكن ... بالمستحيل لو اختفت أطماع
إنا بنو بلد توحد أهله ... ليست به فرق ولا أوزاع
فعلام هذا الخلف يستشري فلا ... يتعاون الرؤساء والأتباع
(2/76)

في محكمة الأمن
نحن في "محكمة الأمن" حضرنا ... ولما تصدره فينا انتظرنا
ذنبنا أنا بما يجدي أمرنا ... وعلى ما ناب من خطب صبرنا
وبما يحيي معالينا جهرنا ... وعلى ما يعجز الناس قدرنا
وبهذا الدين كم باغ قهرنا ... وجيوش قد هزمنا ودحرنا
وعلى كل العراقيل انتصرنا ... وإذا نحن بذا الخير اشتهرنا
وبنينا كل مجد ونشرنا ... وإليه قد دعونا وأشرنا
رب: إنا كم حمينا وأجرنا ... فأجرنا فبك الله استجرنا
ولنعماك حمدنا وشكرنا

بعد الخروج من السجن
قد خرجنا من قبرنا وبعثنا ... وسجون الأحرار مثل القبور
هل نرى - يا ترى- الذي قد فقدنا ... ويذوق الفؤاد طعم السرور؟
أم نلاقي ما قد لقيناه في السجن ... من الهم والأسى والشرور
غير أني أرى الحياة كسجن ... فيه يحيا الطليق كالمأسور
وإذن نحن بين سجن وسجن ... في شقاء المقيد المقهور
يا لبؤس الإنسان يخدع بالدنيا ... وما هي غير إفك وزور
إنها مثل ما حكى الله في محكم ... تنزيله "متاع الغرور"
(2/77)

ما أشبه الليلة بالبارحة!
قد خرجنا من سجننا غيرأنا ... لم نذق بعد نعمة الحريه
أينما نتجه نجد وجه شرطي ... يراقب خطواتنا بحميه
فمتى نستريح رباه من رؤية ... وجه للشرطة السريه؟
لم يكن ذنبنا سوى أننا ندعو ... لبعث للأمة العبقريه
وننادي كل الشعوب بإخلاص ... لإيجاد ثورة خلقيه
فانعمي أيها الحكومات بالا ... ليس فيما ندعو إليه أذيه
ليس من همنا أنقلاب ولا حكم ... فإنا ذوو نفوس أبيه

سراح
أطلق الشاعر من محبسه ... ليرى وجه الربيع الباسم
بعد أن عاش زمانا لا يرى ... غير وجه للجدار القاتم
إن دفن الحي لم يبق سوى ... في نظام المستبد الظالم
غير أن الله يحمي حزبه ... من أذى كل ظلوم حاكم
يبغض العلم وكم أرشده ... رجل العلم لرأي حازم
وأولوا الحكم ضعاف إن أبوا ... في القضايا أخذ رأي العالم
(2/78)

بين السياسة والوطنية
(2/79)

الحاكم إمام المسلمين
حاكم المسلمين يدعى إماما ... كيف عادى إمامنا الإسلاما؟
وتوارى عن شعبه وتعالى ... وتعدى حدوده وتعامى
فاستحل الحرام وهو إمام ... وإذا بالحرام ليس حراما
وإذا قام عالم ونهاه ... عن تعدي الحدود "يلق أثاما
فيضاعف له العذاب" ويلقى ... في ثرى سجنه يعاني السقاما
وتطول به الإقامة في السجن ... كجان وقد يذوق الحماما
كابن تيمية الذي مات في السجن ... بلا موجب وكان إماما
رب قيض للدين صاحب دين ... كابن عبد العزيز يرعى الذماما
ويرى المسلمون عزتهم عادت ... به والتقي يلقى احتراما
إن حكام عصرنا مذ تولوا ... عزلوا عن حياتنا الإسلاما
كيف نرجوهم لدين جفوه ... واستمدوا من غيره الأحكاما؟
(2/81)

انتخاب الرئيس
انتخاب الرئيس شيء عظيم ... فالرئيس هو الصديق الحميم
وهوالمرشد الأمين لخير الشعب ... والوالد العطوف الرحيم
غير أن انتخاب من هو كفء ... هوعبء على الشعوب جسيم
إنه أعظم الأمانة إذ فيه ... الهناء أو الشقاء المقيم
والكرام بكل أرض ولكن ... ليس يدري الكرام إلا الكريم
واختيار الأكفاء من غير أكفاء ... به الاختيار لا يستقيم
وبلادي -والحمد لله- فيها ... من كرام الأكفاء قدر صميم
رب فاهد لمن رضينا لحكم الشعب ... أنت الهادي وأنت الحكيم
(2/82)

أين السلام؟
يا "ابن عبد السلام " أين السلام؟ ... والسلام أساسه الإسلام
ذهب الأمن والسلام ولم تصلح ... شعوب لنا ولا حكام
هل تطيب الحياة إن ذهب الأمن ... ولم يبق في الحياة سلام؟
هل تطيب الحياة عطل فيها ... من تعاليم ديننا الأحكام؟
وفشا الجور واختفى العدل واجتاح ... الشباب تفرق وانقسام
وتوارى الإخاء والحب والود ... وضاع الحياء والاحتشام
ولمحنا الفوضى تدب وكاد ... اليأس يغشى الحمى وضج الأنام
يا "ابن عبد السلام" هل من علاج ... لبلاد حاقت بها الأسقام؟
إن أرضا قد أنجبتك لتدعوك ... إلى حسم دائها. والسلام
(2/83)

يا لسخف الحياة!
يا لسخف الحياة ساد اليهود ... كيف للعرب بعدهم أن يسودوا
لم يعد للأسود قدر إذا ما ... ولي الأمر في الحياة القرود!
عاش أجدادنا أسودا ألا نهلك ... حزنا إن أنكرتنا الجدود؟
قد ذللنا - يا رب- من بعد عز ... هل إلى عزنا قريب نعود؟
يا رسول الإله يا رحمة للخلق ... يا من به استنار الوجود
قومك اليوم سامهم كل ضيم ... لم تعد راية لهم أو جنود
قوم موسى وقوم عيسى غزوهم ... وسبوهم والحارسون رقود
وفلسطين لم تذق لذة الغمض ... ولم يسترح بنوها الصيد
قد قصوا في جهادهم نصف قرن ... والرزايا في كل يوم تزيد
والحكومات يشهدون ولكن دون ... جدوى ولومهم لا يفيد
إن ذكراك لم تعد حافزا مذ ... أثقلتهم سلاسل وقيود!
غير أن الإسلام أهل لنصر الله ... إذ بسناه يحيى الوجود
ويعم الهدى وينتشر العدل ... وترفع للإسلام بنود
(2/84)

قم أيها المسلم!
قم أنر درب العلا للسائرين ... وأعد عهد الهداة المهتدين
لم ير العالم عهدا صالحا ... مثل عهد الخلفاء الراشدين
كيف أخليت الحمى من حارس؟ ... كيف قد أطمعت فيك المعتدين؟
كيف يرضى المؤمنون المتقون ... بسلوك الكافرين الفاسقين؟
أنت لم تخلق لتحيا خاضعا ... لسوى الخالق رب العالمين
أنت لم توجد لتبقى رازحا ... تحت نير الجائرين الظالمين
أمة الإسلام تدعوك إلى ... وحدة تجمع شمل المسلمين
ورسول الله يدعوك إلى ... نهضة شاملة دنيا ودينا
والملمات التي حاقت بنا ... كيف لا توقظ منا النائمين؟
والخلافات وما أفظعها ... أخذت تفتك كالداء الدفين
أيها الذائد عن دين الهدى ... يا سليل الفاتحين الأولين
إن عارا تاريخيا مخجالا ... حل بالأمة قد أندى الجبين
أن يرى "القدس" أسيرا صاغرا ... في يدي صهيون ذا طرف حزين
وفلسطين تعاني جرحها ... وحدها تشكوك بالدمع السخين
(2/85)

قم أعد دورك في دنيا العلا ... فالورى حادوا عن الحق المبين
و"دساتيرهم" قد أفلست ... وتوارى زيفها منذ سنين
وإذا العالم محتاج إلى ... منقذ يرقب دور المسلمين
لم يعد لنقذه من دائه ... غير ما جاء به طه الأمين
إنه دين علا دين حجى ... إنه دين هدى للعالمين
أنت مسؤول عن الدين الذي ... لم يزل يرسف في قيد مهين
قد تداعى الشرق والغرب على ... حربه وهو هدى للحائرين
وذووه ما نجا من ظلمهم ... أي ظلم مثل ظلم الأقربين؟
(2/86)

خير الأمم
هذه الأمة خير الأمم ... وهو حكم الله في نتزيله
منذ أن أوجدها من عدم ... وحباه المجد في تفضيله
**
كيف كانت كيف صارت لا تسل ... وانظر الواقع فهو الشاهد
بينما هي جهاد لا يمل ... إذ بها اليوم رماد خامد
**
واكتفت في سيرها أن تقتدي ... بالألى كانوا بها مسترشدين
ويحها، ما بالها لا تهتدي ... بتراث الخلفاء الراشدين؟
**
يوم كانت دولة متحده ... تطلع الشمس عليها وتغيب
وهي في نشر الهدى مجتهده ... تتحدى الضعف في عزم عجيب
**
وإذا الدولة صارت دولا ... بعضها يقتل بعضا كالعداى
همها السلطة لا تأسى على ... ما أضاعت من معاليها سدى
**
(2/87)

ما لهم حرية إذ أصبحوا ... أعبدا "للروس" أو "أمريكا"
والذين استعمروا لن يفلحوا ... مثل عصفور يلاقي شركا!
**
فارعنا- اللهم- واجمع شملنا ... وابعث النخوه في ولاتنا
فالألى كانوا تولوا قبلنا ... هم بناة المجد في أمتنا
**
فإذا رام الهدى ولاتنا ... سلكوا النهج الذي قد سلكوا
ولتسر في إثرهم خطواتنا ... ندرك المجد الذي قد أدركوا
**
أمتي كوني بدنياك قويه ... إنما الضعف طريق للفناء
أمة القرآن لم تخلق شقيه ... فأقيمي للعلا أقوى بناء
(2/88)

أين الاستقلال؟
أين الاستقلال أين ارتحلا! ... أين ذاك الحلم أين انتقلا؟
أين حكم الله في الأرض التي ... سجدت لله مذ دهر خلاض؟
قد بذلنا الجهد لكن لم نذق ... ثمر الجهد فماذا حصلا؟
انتظرنا ثلث قرن عبثا ... ضيع الجهد الذي قد بذلا!
نحن قد ثرنا لنبني مجدنا ... نحن قد ثرنا لنجني الأملا
وسئمنا كل حكم جائر ... فطلبنا حكم عدل قد خلا!
كيف لا يعدل حكم من أخ ... إن يكن بالأخ ظلم نزلا!
فتردى الوضع فالدين غدا ... عند جل الناس كما مهملا
والألى كانوا إلى الله دعوا ... أعرضوا عنه وضلوا السبلا
كل حكم غيرحكم الله لا ... يأمل الناس به أن يعدلا
إن الاستقلال أغلى فرصة ... فلنكن أهلا لتشييد العلا
ليس الاستقلال رقصا ماجنا ... أو غناء فاحشا مبتذلا!
يا شبابا عربيا مسلما ... ابق للشعب المفدى معقلا
ابق رمزا ابق عنوانا على ... أمة تعشق تشييد العلا
ابق للإسلام حصنا وحمى ... واغد للعدل المرجى موئلا
(2/89)

استقلال بدون استقرار
إذا لم يك استقرارنا متحققا+ فغاية الاستقلال لم تتحقق
ومن أين الاستقرار والظلم حاكم ... يخرب ما شدنا معا غير مشفق؟
ويحتقر الدين الحنيف ويعتدي ... عليه ويرمي بالأذى كل متق
ومهدرة حرية الرأي بيننا ... فإن يدع ذو علم إلى الدين يشنق
فأصبح دين الله خصما يدينه ... أخو سلطة في حكمه لم يوفق
لقد ضاع الاستقلال منا ولم يعد ... به ديننا الأسمى فماذا الذي بقي؟
ومن ضاع منه دينه وبلاده ... ولم يك ذا رأي فذلكم الشقي!
(2/90)

الراعي والرعية
إذا الراعي غدا ذئبا ... فمن ذا يحفظ الغنما؟
وصارالناس ليس لهم ... رعاة تحفظ الذمما
لذا قد عمت الفوضى ... وحبل وئامنا انصرما
وهل تصلح للناس ... حياة أسها انهدما
صلاح الناس بالدين ... الذي يؤويهم القمما
ويجعل منهم حصنا ... يصون الخلق والقيما
وإن تركوا بلا دين ... أضاعوا العرض والشمما
وصار نهارهم ليلا ... وصار وجودهم عدما
وهل نحن بغيرالدين ... صرنا نفضل الأمما؟
(2/91)

الداعيه
ألا إن أفضلنا الداعيه ... بما اختار من رتبة عاليه
وهل مثل مرتبة الأنبياء ... والرسل مرتبة ثانية؟
تصدوا لإعلاء مجد السماء ... فكانت مساعيهم بانيه
وعاشوا يداوون مرضى النفوس ... فكانت علاجاتهم شافية
ولم يغفوا أن يبثوا الحماس ... لكي يوقظوا الهمم الغافيه!
وإن الشقاء سقام النفوس ... وإن السعادة في العافية
وكم واجهوا من صعاب ومن ... عذاب ومن محن قاسيه
ولم يثنهم ذاك عن سعيهم ... لكي يدركوا الغاية السامية
فأعظم به شرفا لم يتح ... سوى للرسول أو الداعيه
(2/92)

فتنة السياسة
فرقتنا سياسة الأعداء ... ففقدنا أخوه الأصدقاء
وغدا بعضنا لبعض عدوا ... يا لها من سياسة خرقاء
إننا كلما قفونا خطى الأعداء ... تهنا في فتنة عمياء
انتخاباتنا وبال علينا ... وأنتما آتنا طريق شقاء
إنما الحزم أن نخالف ما سن ... العدو فذاك حبل الرجاء
خالفوا المشركين قال رسول ... الله وهو جدير بالإصغاء
وهي أسمى سياسة إن سلكناها ... نجونا بها من الأخطاء
أين منها سياسة سنها ... الغرب فتلك سياسة الأهواء
إنما نحن أمة صاغها الإسلام ... عنوان عزة وإباء
إن تسر خلفها الشعوب لكي ... تجلو دجاها تعش حياة ضياء
(2/93)

تحت الضغط الاستعماري
أثناء بحثي بين أوراقي المبعثرة عثرت على قطعة شعرية كنت نظمتها تحت تأثيرالحكم الاستعماري الغاشم، وهي هذه:
نحن لا نشتكي ولا نتكلم ... نحن في الناس أمة تتألم
ذبحوها لكنها لم تمت كي ... لا يموت العذاب فيها فترحم
نحن لسنا أحيا ولسنا بموتى ... نحن نحيا حياة أهل جهنم
حكمونا بغير ما أنزل الله ... وهل في الأحكام من ذاك أظلم؟
إنه الكفر، إنه المسخ، بل ما ... قد بلينا بما أشد وأعظم
فلماذا هذا السكوت؟ أما للمرء ... نطق؟ أم أنه صار أبكم؟
فلنثر ثورة الأسود على الظلم ... فتغدو صروحه تتحطم
وإذا نحن قد رضينا بحكم الظلم ... فالخير أن نموت ونعدم
(2/94)

رابطة الدعوة الإسلامية
برابطة الدعاة يطل عيد ... أمتنا ستبلغ ما تريد
ويخرس كل باغ مستبد ... ويقتل خصمها الحزن الشديد
فرابطة الدعاة بشير عهد ... يعود لنا به المجد التليد
ويكمل ما بدأنا من بناء ... ودولتنا بوحدنتا تعود
فوحدتنا وقد عادت سيدنو ... بعودتها لنا الأمل البعيد
بموقفنا الموحد سوف نمضي ... على النهح القويم فلا نحيد
بموقفنا الموحد سوف نجني ... ثمارا لا تزول ولا تبيد
فيا شعب الجزائر ته فخارا ... فخظك في الورى الحظ السعيد
فواصل ما بدأت بلا توان ... وخلد ما بناه لك الجدود
فإن تفعل فإنك سوف تحظى ... بما ترجو وعقباك الخلود
فذكرك قد سرى في كل ناد ... وصيتك في الورى الصيت البعيد
فلا تيأس وثق بالنصر وابشر ... فإنك سوف تبلغ ما تريد
فإنك نسل من شادوا وسادوا ... وإنك مثلما سادوا تسود
قد اتحد الدعاة فلا نكوص ... عن الأمر المقرر أو محيد
(2/95)

وهذا المولد النبوي بشرى ... بأنا مثلما كنا نعود!
ألا أيها الداعون فامضوا ... لمسعاكم فمسعاكم حميد
وإن يصدر من الباغين سوء ... فنصحهم هو الرأي السديد
فليس كمنهج الإقناع داع ... إلى أن يذعن الخصم العنيد
وإن لم يجد فيهم أي نصح ... فإن الصخر يقطعه الحديد
و"جبهتنا" الفتية سوف تمضي ... إلى الهدف الموحد لا تحيد
ترافق أمتها في كل درب ... تناوئ من يناوئ أو يكيد
فقل للجاحدين ألا أفيقوا ... فليس يفيدكم هذا الجحود
وقل للقاعدين ألا فقوموا ... فليس يفيدكم هذا القعود
وقل للجامدين متى تهبوا ... وإلى متى هذا الجمود
وقل للحاكمين لقد نهضنا ... ووحدت المواقف والجهود
ألا فلتعلم الدنيا جميعا ... بأنا أمة ليست تبيد
(2/96)

أمة طه
نحن، من نحن؟ نحن أمة طه ... مجدنا ما انتهى ولن يتناهى
نحن عند الإله خير بني الدنيا ... جميعا دينا وخلقا وجاها
قد رضينا بالله ربا فلم نخضع ... لغير الإله منا الجباه
نحن أهل الإيمان لا نرهب الكفر ... ولا من بكفره يتباهى
قد ملكنا جميع ما تسع الدنيا ... عنت أرضها لنا وسماها
نحن سدنا على الورى كيف عدنا ... للورا، أتذل أمة طه؟
كيف نام من أيفظ الناس من نوم ... وضل من قد هداهم وتاها
فتعالي- يا أمتي- ننشرالضوء ... فهذ الحياة عم دجاها
وتعالي نوقظ بنيها من النوم ... فهذ الحياة طال كراها
ولتعودي فالجاهلية عادت ... فجأة بضلالها وعماها
واغرسي القيم التي تتثمر الإيثار ... والحب، واتركي ما عداها
يا سليل الأمجاد يا طارد الأعداء ... من أرضه وحامي حماها
عد كما كنت هاديا أمما ضلت ... سبيل الهدى تقود خطاها
ولتسرداعيا بني هذه الدنيا ... جميعا كي يطيعوا الله
(2/97)

إنهم قد عصوا فحل بهم ما ... قد جنوا وتحملواعقباها
يا شباب الإسلام يا معقد الآمال ... يا قوة تخيف عداها
وحد الصف لا تخض أبدا حربا ... بلا وحدة تدسك رحاها
والجهاد هو السبيل إلى النصر ... ونيل المنى وطيب جناها
أنت للمكرمات خير أداة ... يا شباب الإسلام يا جند طه
(2/98)

بين القرآن والسلطان
من وحي قول عثمان بنا عفان رضي الله عنه:
إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن
ما أحوج القرآن للسلطان ... لو آمن السلطان بالقرآن
كيما يطبق حكمه بنفوذه ... وبذا تكون سعادة الإنسان
فبغير قرآن وسلطان معا ... ينهار ما يعلو من البنيان
ويعيش أبناء البسيطة مثلما ... تقضي حياة فصائل الحيوان
ويصير للفوضى وجود شامل ... في كل متجه وكل مكن
الناس بالقرآن والسلطان في ... عز وفي أمن وفي اطمئنان
والملك- إن ترك الملوك الحكم ... بالقرآن- غير موطد الأركان
الحكم حكم الله جل جلاله ... لكن ينفذه ذوو السلطان
والحكم من غير الكتاب تحكم ... يفضي إلى الخسران والحرمان
والمسلمون شقوا بنبذ كتابهم ... والعز كل العز في القرآن!
لم ننفع من جهلنا بتراثنا ... وكذا السفيه يبوء بالخسران
الماء مبذول ويقتلنا الظمأ ... والماء يطفئ غلة الظمآن
يا ويحنا لم ننتفع بعقولنا ... والعقل أصل هداية الإنسان
يا ويحنا إنا اتهمنا ديننا ... وكتابنا بالزور والبهتان
أنحمل القرآن كل نقيصة ... والله برأه من النقصان
ونحيد عن منهاجه بسلوكنا ... لا نستحي بالذنب والعصيان
(2/99)

الله لم ينسخه تكريما لنا ... وزيادة في الفضل والإحسان
لكن نسخناه بسوء سلوكنا ... وعدولنا عن نهجه الرباني
إنا جهلنا قدر نعمته فلم ... نتلقها بالشكر والإذعان
الجهل أكبر دائنا فلننسلخ ... من دائنا بالعلم والعرفان
لو أن من وثبوا إلى الحكم دروا ... ماذا أتوا وجنوا على الأوطان
فدعوا إلى ما فيه خير بلادهم ... بالحكم بالإسلام أعظم بان
وبنوا على آدابه وأصوله ... تربية الفتيات والفتيان
ورموا بهاتيك القوانين التي ... جاءوا بها في لجة النسيان
لتحول الوضع السفيه وهيمنت ... في كل أرض دولة الإيمان
لكن طغيان الملوك أبى لهم ... أن يذعنوا للحق والبرهان
ورأوا نفوسهم أحق ألوهة ... وعبادة من مبدع الأكوان
وزعيمهم فرعون لم يخجل بما ... نادى به في غابر الأزمان
حين ادعى كذبا وزورا أنه ... رب العباد وما له من ثان
فطواه موج البحر ثم رمى به ... والبحر يلفظ جيفة الإنسان
يا للغرور يكون ربا وهو ... يفنيه الردى والرب ليس بفان
لم يشك دين الله ذا جرم مدى ... التاريخ ما يشكو ذوو التيجان
هوأصل كل بلية حلت بنا ... يا ليتنا نبقى بلا سلطان!!
(2/100)

اغتيال "ضياء الحق"
أيخبو "اضياءالحق" والكون مظلم ... بكل أخي حكم يجور ويظلم
وهل كضياء الحق يجلو دياجيا ... يضل بها الساري فينجو ويسلم
وإن ضياء الحق أقسم أنه ... بغير هدى إسلامه ليس يحكم
وإن ضياء الحق قد عاش داعيا ... لدين به تسمو النفوس وتعظم
ويا طالما كانت به العرب سادة ... وعاشت زمانا بالسعادة تنعم
فأردت "ضياء الحق" أيد أثيمة ... ترى الخير في أن لا يرى النور مسلم
ولكن أمر الله في الناس غالب ... بأن ينصر الإسلام والكفر يهزم
ألا يا "ضياء الحق" كنت علامة ... لعهد يسود الحق فيه ويكرم
وتخرس أفواه الطغاة وتختفي ... عروش وما قد شاده الظلم يهدم
وإنا بغيرالعدل لا نحكم الورى ... وإنا بغير الحق لا نتكلم
ألا يا ضياء الحق مجدك خالد ... وذكرك سيار وفقدك معقم
فنم مطمئنا في الخلود منعما ... فأنت شهيد الشهيد منعم
شرفت بدين قد حوى المجد كله ... له تبذل الدنيا ويسترخص الدم
فمن ذاد عنه فاز بالمجد كله ... ومن حاد عنه فهو لا شك يندم
(2/101)

محنة لبنان
لبنان يا بلد الجبال الشم يا دنيا الخيال
يا مهبطا للوحي والإلهام يا مهد الجمال
يا نبع "جبران" الذي أوحى له السحر الحلال
يا وحي "ميخائيل" رمز العبقري من الرجال
يا أرض "إيليا" التي قد أثمرت أشهى الغلال
إني ليحزنني -وحقك- ما أمضك من نكال
وأراك قد حملت ما لا يستطاع له احتمال
وأراك موشكة لزوال وأنت في أوج الكمال
قامت قيامتك التي رجت لوقعتها الجبال
الطائفية بين أهلك كانت الداء العضال
(2/102)

داء تحاشاه العلاج ولم يفد فيه احتيال
لبنان يا دنيا المكاتب والمطابع والرجال
في وحدة الصف النجاة من التلاشي والزوال
اصمد صمود جبالك الشم وخذ منها المثال
لبنان ليس يزول إن زواله موت الجبال
لبنان معجزة الجمال فلن يزول ولن يزال
لبنان تبقى آية لله تشهد بالجبال
(2/103)

لبنان والطائفية
الطائفية داء لا دواء له ... وهل هناك دليل مثل لبنان؟
وأي داء كداء الخلف إن له ... إنذار عاصفة أو هول بركان؟
إذ دمر الخلف ما شادت مواهبه ... بنار حرب لها انساق الشقيقان
لبنان موطن أديان وحيث ترى ... تفريق دين ترى تفريق أوطان
سعادة الناس في تشريع خالقهم ... ومن شقاوتهم تشريع سلطان
وشارع الدين للإنسان خالقه ... والكفر تشريع إنسان لإنسان
وديننا دين توحيد ومحنتنا ... أنا ابتلينا بتعديد لأديان
لبنان جرحك جرح العرب قاطبة ... وجرح كل أخي دين وإيمان
وإن جرحك جرح لا اندمال له ... إلا بتوحيد إيمان وإخوان
ولا سبيل إلى التوحيد إلا على ... دين أتانا بتوحيد وقرآن
وهو الذي سمي الإسلام وانتشرت ... به الهداية في سر وإعلان
وأصبح الناس عبادا لخالقهم ... ولم يعودوا به عباد أوثان
(2/104)

نكبة "الكويت"
ما الذي كان وماذا قد جنيت يا "كويت"؟
أنسيت الله إذ أعطاك مالا فاغتنيت؟
أنسيت النار لم تشعر بها حتى اكتويت؟
أنسيت الجائع العريان مما قد حويت؟
أنسيت العدل والإحسان؟ ماذا قد أتيت؟
أضللت الآن عن نهج الهدى؟ هلا هتديت؟
هذه الدنيا غرور في غرور لو دريت!!!
سوف تمضي بعد أن تترك ما كنت اقتنيت
عد إلى الله وتب في الحال يا شعب الكويت
وسيمحو الله بالتوبة ما كنت جنيت!!
وترى الفرحة بعد الحزن حلت كل بيت!
والذي مات شهيدا هو حي غير ميت
(2/105)

الغارة الحاقدة
غارة "واشنطن" على ليبيا ... بدافع الطغيان والكبرياء
وقتلت فلذاتنا الأبرياء ... إذا خبا شعاع وحدتنا
نعش أبد الدهر أشقياء
...
الدم في "إيران" لما يزل ... والقتل في "بغداد" سخط نزل
والخطب في "لبنان" خطب جلل ... والجرح في "الصحراء" لم يندمل
...
فالخلف قد ضاعف أدواءنا ... هذا الذي جرأ أعداءنا
فلتجمع الآلام أهواءنا ... ولنتبع في الحرب آباءنا
فإنهم كانوا لنا قدوة ... والحب قد كان لهم عدة
...
والصبر قد كان لهم قوة ... والدين قد كان لهم عصمة
أبناء بحر العرب لا تأمنوا ... غدر بني الروم ولا تجبنوا
لا تهنوا اليوم ولا تحزنوا ... فأنتم الأعلون إن تؤمنوا
(2/106)

جهاد "أفغانستان"
صدق الجهاد وخالص الإيمان ... عادا لنا في ثورة "الأفغان"
ما كل من خاض المعارك صادق ... ولو أنه من أعظم الشجعان
إن الجهاد الحق ثورة مؤمن ... قد عاف عيش مذلة وهوان
سجنا غدت هذ الحياة وشانها ... ما شاع من ظلم ومن عدوان
منذ انطوى علم الجهاد سعى إلى ... حكم الشعوب مغامر وأناني
إن الجهاد يذود كل مسلم ... من غير أهليه عن الأوطان
من قال: إني مسلم فليجتهد ... في أن يميت الوحش في الإنسان
فلقد تمرد واستبد به الهوى ... فغوى وصار مطية الشيطان
فلنطرح هذا التواني ولنسر ... في موكب الثوار في "الأفغان"
ولنبذل الأموال والأرواح في ... تأييد إخوتنا بكل تفان
إن التعاون كان سر نجاحنا ... في دولة الإنصاف والإحسان
فإذا أردنا فوزنا فلنتحد ... متعاونين تعاون البنيان
يا ثائر "الأفغان" ذكرك خالد ... أحييت ذكر مجاهد رباني
اتبع "جمال الدين" في إقدامه ... كالليث لم يرضخ لذي سلطان
فغدا مثالا للجهاد وللفدى ... متحديا للظلم والطغيان
يسعى لتحرير البلاد لأنه ... يسعى لعودة دولة القرآن
(2/107)

جرح فلسطين
لله جرحك يا فلسطين ... قد مزق القلب منه سكين
جرج مضى دهر ولم يندمل ... ولا رثاء أجدى ولا تأبين
والعرب هل ماتوا فلا غيرة ... قد بقيت فيهم ولا دين؟
ما كان للعرب أن يموتوا فما ... زال لهم عز ولا تمكين
لولا هم لم تبق ماثلة ... حضارة شعت وتمدين
قد أشرقت مننهم شموس هدى ... وبهم قد امتلأت ميادين
لكن أذلتهم ملذاتهم ... والمال والجاه والسلاطين
واليوم هم في يد أعدائهم ... مستضعفون عزل مساكين
هانوا وكانوا سادة للورى ... ذلوا فقلوا وهم ملايين
صاروا بغاثا لا يحس بهم ... وهم نسور وشواهين
أيستهان بهم كأنهم ... أضعف شعب وهم به براكين؟
لكنما الأسد دائما أسد ... فلتحن أرؤسها الثعابين
والأدعياء يلقون مصرعهم ... إلى متى تخدع العناوين؟
ألست مسرى طه ومعراجه ... ومدفن الرسل يا فلسطين؟
لا تيأسي سوف تنصرين ويعتز ... بنوك الغر الميامين
وليخز أعداؤك اليهود فلن ... يفلح أعداؤك الملاعين
ما في الوجود مثل اليهود أذى ... وسوء خلق إلا الشياطين
(2/108)

جهاد فلسطين!
فلسطين جرحك جرح الكرامه ... وجرح الكرامة يأبى التآمه
ألم يكف هذا الجهاد الطويل؟ ... فهل يوم نصرك يوم القيامة؟
متى تظفرين بنيل المنى؟ ... متى تنعمين بطيب الإقامه؟
متى تطهرالأرض من رجسها؟ ... فرجس اليهود يفوق القمامه
فلسطين لا تأمني واحذري ... عديمي المروءة والاستقامه
ولا تثقي بمواعيدهم ... فكم جر موعدهم من ندامه
ولا تخدعي بابتسامتهم ... فكم خدع الناس بالابتسامه
كما يخدع الغر لين الأفاعي ... وفي ذلك اللين يلقى حمامه
فهم سلموك لحكم اليهود ... فصرت لصهيون دار إقامة
ألا إن دنيا يسود بها ... أراذالها لا تساوي قلامه
وهل كاليهود أخس طباعا؟ ... وهل كاليهود أشد لامه؟
فلسطين صبرا فلم يبق من ... يصون حماك ويرعى ذمامه
سوى شعبك المتحدي الصعاب ... مثال الإباء ورمز الشهامة
فلسطين سوف يجيء الصباح ... ويدبر ليل سئمت ظلامه
ويثمر هذا الكفاح الطويل ... سلاما طويلا يكون ختامه
ويلتئم الشمل بعد الشتات ... فكم بت تنتظرين التآمه
لقد عشت رمز الكفاح المجيد ... إلى أن بلغت مقام الزعامه
(2/109)

متى يا فلسطين؟
يا فلسطين متى يبرأ جرحك ... خبرينى ومتى يطلع صبحك؟
ومتى يجلو السنى هذا الدجى ... ومتى يا ليل يطوي الكشح جنحك؟
يا فلسطين لقد جل الأسى ... نفد الصبر وما ينفد برحك
جرحك الدامي سيبقى سبة ... للألى ما همهم كالنفس جرحك
هم لعمري إخوة لكنهم ... لم يكن منهم سوى الأقوال منحك
فاصمدي وحدك للخطب ولا ... تهلكي حزنا فلن يهدم صرحك
إن إسرائيل لن تبقى ولا ... بد من يوم به يظهر نجحك
وإذا ما ذلك اليوم أتى ... لا يكن منك لمن قصر صفحك
يا مثال الصبر يا رمز الفدى ... أن ذبح الدين والأخلاق ذبحك

اليهود!
الحرب ما بين اليهود وبيننا ... هي سبة للمسلمين جميعا
عشنا أعز الناس ثم أذلنا ... من عاش ذلا كالحمام فظيعا
ذل اليهود وأي ذل مثله ... ذل به يذوي الإباء صريعا
فإذا تمادى بالشعوب فإنه ... سم يموت به الشعور سريعا
وإذن فنحن أذل خلق الله إذ ... فقنا اليهود مذلة وخضوعا
أو لا فكيف أذلنا من دوننا ... عددا فيحصدنا اليهود جموعا؟
يا رب عاقبنا بكل مصيبة ... عظمى فلن تجد الجميع جزوعا
إلا اليهود فلن نطيق بلاءهم ... إن اليهود هم البلاء جميعا
(2/110)

بين العراق وإيران
بين العراق وبين إيران ... شبت بهذا العصر ناران
نار العداوة وهي محرقة ... ما شاع من فضل وإحسان
وهي التي قد شبت النار التي ... تأتي وعلى الإنسان والبنيان
نار تدمر كل شيء ثابت ... وتدك ما شادت يد الإنسان
أين الذي شرع الإله وسنه ... للناس من عدل ومن إيمان؟
النار نار الله تحرق من عصى ... أحكامه وانقاد للشيطان
في ذلك اليوم الذي - لا غيره- ... يدعى بيوم الربح والخسران
يوم به الأعمال توضع كلها ... ما جل أو ما دق في الميزان
ما للعباد وللعداء أما دروا ... بأخوة الإنسان للإنسان؟
ولم استباج المؤمنون قتال من ... كانوا -يقينا- إخوه الإيمان؟
أتكون بين مجاهد ومجاهد ... حرب يخوض غمارها الأخوان؟
وبها يباد المؤمنون بغير ما ... جرم ويشهر موتهم ببيان
بل إننا لنتيه فخرا عندما ... يتكاثر القتلى من الإخوان
فنقول: ألفا قد قتلنا في العراق ... وقد تكون الألف في إيران
لا فرق فالقتلى جميعا إخوة ... والأمر فيما بيننا سيان!!
لا خير في حرب تثار حمية ... فالخاسرون بها هم الطرفان
والمسلمون جميعهبم قد شاركوا ... بسكوتهم في الإثم والعدوان
رباه إنا قد أسأنا كلنا ... فتولنا بالعفو والغفران
(2/111)

"أمريكا" و"روسيا"
"أمريكا" و"روسيا" اقتسما الأرض ... فشطر لذا وشطر لذاك
لهما أصبح البرايا رعايا ... لا يطيق الجميع منهم فكاكا
وأشاعا الخلاف بين البرايا ... واستحال الخلاف حربا دراكا
والضعيف وقودها خلضعا كرها ... ليجلو عدوه السفاكا
والقوي يستعمر الخلق لا يحولو ... له غير أن يكون كذاكا
كيف للاخ أن يريد لإخوان ... له شقوة لهم وهلاكا؟
كيف يا مدعي الحضارة ترضى ... أن يعم الأنام ظلما أذاكا؟
وترى أنك السعيد إذا أشقيت ... كل الورى، فما أغباكا!
لو عقلت لما رضيت بخير ... لا يعم الأنام أين حجاكا؟
رب كيف لم ينفع الناس عقل ... وهو يهدي لأنه من سناكا؟
رب إن الهدى هداك فمن عاش ... شقيا حرمته من هداكا
(2/112)

بلادي الحبيبة!
يا بلادي التي أحب وأهوى ... وأصوغ فيها الروائع نشوى
وأباهي بمجدها وأناجي ... بعلاها الأشم أروع نجوى
كم لقيت من المعادين ظلما ... ولقيت من المحبين شجوا!!
فالبيوت غدت مثابة حزن ... والسجون غدت لأهليك مأوى
لم تكوني أذنبت لكن إيمانك ... جر على محبيك بلوى
إن يطل بك ما تعانين من بلوى ... فإني بالحزن أفنى وأذوى
ليس لي منك يا بلادي بديل ... ليس لي في سوى مغانيك مثوى
سوف أبني علاك -ما عشت-حتى ... تصبحي في البلاد جنة "مأوى"
ربنا إننا أسأنا وأخطأنا ... وإنا تبنا فصفحا وعفوا
وأعد صفوفا الذي كان إنا ... لم نذق مذ تلبد الجو صفوا
هذه الصحوة التي كم تشوقنا ... إليها لم تترك الجو صحوا
وأضعنا استقلالنا وهدمنا ... ما بنينا مذ أصبح الجد لهوا
يا عروس الشمال يا جنة الدنيا ... ومأوى لكل مجد ومثوى
دمت مهدا للمكرمات وأفقا ... للجمال وللكمالات مهوى
لا يهلك المصاب إن سنا الفجر ... سيمحو غياب الليل محوا
وكذا المعدن النفيس إذا ما ... دخل النار زاد حسنا وصفوا
والعدو الذي يحارب دين الحق ... يصلى نار الجحيم فيشوى
والبناء الذي يقوم على الظلم ... سيهوي والحق يسمو ويقوى
(2/113)

بلدي الجميل
بلدي الذي قد عشت تحت سمائه ... ونعمت فيه بمائه وهوائه
وقضيت فيه شبيبتي وكهولتي ... وشغفت فيه بحسنه وبهائه
إني سأحرسه وأحمي أرضه ... وسأبذل الغالي لأجل فدائه
وأذود عنه الطامعين وكل من ... يشري سعادة نفسه بشقائه
ويسوؤني أني أراه مسخرا ... لمسخر لسواه من أبنائه!!
كم مدع كذبا وزورا حبه ... وعداؤه أربى على أعدائه
يسعى ليقبر مجده وتراثه!! ... ويشين سمعته بسخف غبائه
يعنى بحسن ثيابه وبشعره ... وبعقد ربطته ولمع حذائه
وبدينه لا يعتني ولو أنه ... يؤذى النبي وآله بإزائه
والخمر والفحشاء في جيرانه ... والكفر والإلحاد في أبنائه
وتراه يهدم بيته ليعيش في ... بيت الذي يسعى الهدم بنائه
شخصية الإنسان سر وجوده ... وبدونها ينهار من عليائه
إن المقلد عاش عبدا بل قضى ... أيامه ميتا بمحض رضائه
رضي الفناء لنفسه ولو أنه ... لم ينتبه أو يعترف بفنائه
بلد الجزائر أنت أجمل بقعة ... غنى عليها الشعر خير غنائه
في كل شبر منك وقفة شاعر ... جادت له بالسحر من إيحائه
(2/114)

وبكل منعطف رفات مجاهد ... لقي الردى "والمجد ملء ردائه"
لقنت الاستعمار درسا خالدا ... وحكمت باستئصاله وفنائه
واليوم فاحذر أن يعود فربما ... عاد العدو مع القطيع التائه
ينجو القطيع إذا حماه رعاته ... ويضيع إن نامت عيون رعائه

أرضي الحبيبة
أرضي يا منبت العلا ... لله كم أنت تألمين
غرقت بالأمس في الدما ... واليوم في البؤس تغرقين
أين الكفاح وما جنى ... جهاد سبع من السنين؟
هل أثمر الأمن والمنى ... وبهجة الأهل والبنين؟
أم أثمر الهم والعناء ... وضاع ما كنت تأملين؟
يا أرض أجدادي الألى ... سادوا الأنام دنيا ودين
وحملوا مشعل الهدى ... والرشد للناس أجمعين
تفديك نفسي من الردى ... ماذا البكاء وذا الأنين؟
ستظفرين رغم العدى ... بما أردت ستظفرين
ما دام مطمحك العلا ... لا تيأسي سوف تبلغين
(2/115)

اتحد!!!
اتحد فالنجاح في الاتحاد ... يا شباب الفدى ونشء الجهاد
إننا أمة اتحاد به سدنا ... وعدنا على جميع العباد
اتحدنا رأيا وفكرا وخلقا ... واتحاد الشعوب أقوى عتاد
وإذا نحن قوة تتحدى ... كل ذي قوة وذي استبداد
ما دهانا حتى أصبنا بخلف ... عاث فينا كمنجل الحصاد؟
غيرأنا لم يخب فينا سنا القوة ... إنا كالنار تحت الرماد
فلنعد لاتحادنا مثلما كنا ... يعد ما لنا من الأمجاد
ولنعد للإخاء والحب رفافا ... وصدق الولا وصفو الوداد
يا شباب الإسلام يا جند طه ... يا كريم الآباء والأجداد
أتنام عيناك والبلد الطيب ... يشكو تسلط الأوغاد؟
كيف ترضى انتشار هذ المخازي؟ ... كيف تغفو عن كل هذا الفساد؟
يا شباب الإسلام يا زارع الإحسان ... والفضل في الربى والوهاد
في الصحاري وفي الحواضر في البر ... وفي البحر في جميع البلاد
في أراضي كسرى وقيصر والأحباش ... واصل مسيرة الأمجاد
ادع للخير للفضيلة للعدل ... لنشرالسلام للاتحاد
يا شباب الإسلام حسبك أن تدعى ... شباب الإسلام رغم العوادي
(2/116)

يا شباب الجهاد في أحلك الأيام ... جاء الصباح قم للجهاد
ربنا يا ميسر الخير يا هادي ... العباد لشقوة أو رشاد!!
نحن نهفو وأنت تعفو ولا نخجل ... من ذي الإيجاد والإمداد
مزقت شملنا الأنانية الحمقاء ... فاستحوذت علينا الأعادي
وغزانا حب الظهور فكل ... الوقت نقضيه في الحديث المعاد
فاجمع الشمل وافضح الزيف ... واستأصل فئات النفاق والإلحاد!!
وانصر المسلمين واخذل أعاديهم ... ليسمو نجم الهدى في البلاد

أين أخوة الإسلام؟
أيقتل مسلم عمدا أخاه ... بكل قساوة القلب الحقود
لشبر من تراب؟ قد مسخنا ... قرودا، بل أحط من القرود
وتوقد نار حرب كل يوم ... يزج بها بآلاف الجنود
ويهدم ما تعالى من بناء ... ويهدر ما تعاظم من جهود
وتقطع كل آصرة لقربى ... فنمعن في التحجر والجمود
فأين أخوة الإسلام منا ... وحفظ للمبادئ والعهود؟
أترخص أمة الإسلام حتى ... ثكون أقل شيء في الوجود؟
(2/117)

تقاتل المسلمين
أأقتل إخوإني وما اقترفوا ذنبا؟ ... ولا ذنب مثل القتل ما أعظم الخطبا!
تفشى وباء القتل في عصرنا الذي ... دعوه بعصر النور، تبا لهم تبا
فإنا بهذا القتل صرنا لحالة ... من الكفر والعصيان سودت القلبا
أقطعة أرض بين جارين أصبحت ... مثار خلاف بيننا تشعل الحربا؟
وما بين بغداد وإيران شاهد ... بأنا تخلفنا ولم نلحق الركبا
وماذا الذي نجنيه بعد اقتالنا ... إذا نحن أفنينا الأقارب والصحبا؟
تعالوا لنحي لا لنقتل إننا ... دعينا إلى الإحياء فلنلزم الدربا
(2/118)

أطفال الجزائر في انتفاضة الجزائر
أتباهى بأنني ابن الجزائر!! ... إنها نسبة العلا والمفاخر
تربة تنبت البطولات والمجد ... كما تنبت الرياض الأزاهر
يتبارى أطفالها للمعالي ... لا يبالون بالردى والمخاطر
يتحدون كل هول ويسعون ... إلى الموت كالليوث الكواسر
كالسيول المزمجرات وكالإعصار ... كالموج كالسيوف البواتر
وكذا الطفل في الجزائر ... جندي شجاع يهابه كل جائر
يقذف الرعب في القلوب بما ... يقذفه من حجارة كالخناجر!!
والجزائر آية الله في الكون ... تحدى أبناؤها كل فاجر
سوف يلقي سلاحه كل باغ ... وسيلقى جزاءه كل غادر
وسيدري من ليس يدري بأن ... الله في ملكه قوي قاهر
فاذكرالعهد أيها الجند واحفظ ... ما ائتمنت فأنت جند الجزائر
(2/119)

نحن!
نحن شعب إلى المعالي نهضنا ... واندفعنا نهدي الشعوب الحيارى
ثم من بعدما ارتقينا هوينا ... ووقعنا لدى العدو أسارى
إذ أسأنا سلوكنا وانحرفنا ... وعدلنا عن الطريق جهارا
وارتمينا نسير في كل درب ... في محاكاة غيرنا نتبارى
ونسينا أنا التدين هدينا ... من حكينا لو قد بقينا غيارى
يا لسخف العقول كيف ارتضينا ... دون عذر تقليدنا للنصارى؟
والنصارى أعداؤنا منذ كانوا ... قاتلونا وحاربونا مرارا
حشدوا كل ما لديهم من الجند ... وساقوه جحفلا جرارا
مثلما جندوا الضغائن والأحقاد ... واستعملوا الصليب شعارا
ثم باءوا بكل خزي وخسر واثنوا موقرين ذلا وعارا
وانثنى المسلمون بالسؤدد الباقي ... على الدهر عزة وانتصارا
تلك كانت ثمار إيمانهم في ... كل حرب وقد كفتهم فخارا
وثمار الإيمان أعمال بر ... وبها ذكرهم تعالى انتشارا
غير أنا من بعدهم قد تقاعسنا ... وساءت أعمالنا آثارا
(2/120)

فجنى الأولون سبقا ومجدا ... وجنينا تخلفا وبوارا!
فلنتب ولنعد إلى الله فالنهج ... القويم لنا أطال انتظارا
وإذا لم نعد سريعا فإنا ... قد رضينا بأن نموت انتحارا
إننا خير أمة كيف نرضى ... أن نزول من الحياة اختيارا؟
(2/121)

أفانين
(2/123)

ثروات كثيرة
ثروات كثيرة قد حبانا ... من حبانا حياتنا وحمانا
ثروة الدين والعقيدة والصحة ... والعقل والهدى والبيانا
ثروه المال ثروه الخلق والخلق ... السوي وكل لك كانا
ثم إنا عباده ثم ... إنا خلفاء له على دنيانا
ثم إنا نحيا حياتين دنيانا ... حياة ومثلها أخرانا
كيف نعصي الإله هذا الذي أجزل ... هذا الجميل والإحسانا؟
رب إنا ندعوك أتمم علينا ... كل ما قد أوليتنا غفرانا
كي نرى الفضل كله لك- يارب - ... فزدنا تفضلا وامتنانا
(2/125)

النسيان رحمة
جعلت لنا النسيان- يارب- رحمة ... فلولا يد النسيان حطمنا اليأس
لأنا نلاقي في الحياة نوائبا ... شدادا ولا عون لدينا ولا بأس
على أن للنسيان تأثيره الذي ... يداوي ويأسو كالطبيب الذي يأسو
وإنا لفي عصر تفاقم شره ... ويوشك يوما أن يفيض به الكأس
به قد أصيب الرأس لا الجسم بالأذى ... وماذا يفيد الجسم إن مرض الرأس؟
(2/126)

ضعف العقول
يا لضعف العقول والأفهام ... ولأسرى الشكوك والأوهام
أمل فوق ما نعيش ونبقى ... وحياة تمر كالأحلام!!
نطمئن إلى الحياة ومحكوم ... على الكائنات بالإعدام
أي عقل هذا الذي ليس يجدي ... أهله في مزلة الأقدام؟
أي عقل هذا الذي أهله يحيون ... مسخدمين كالأنعام؟
ما حياه الذي يعيش بلا عقل ... ولا يستضيء بالإسلام؟
إن من عاش دون عقل ودين ... لم يكن عاش عمره في سلام
إنما عاش في شقاء وبؤس ... واضطراب وفتنة وخصام
(2/127)

في الناس ...
في الناس ذو عقل وتجربة ... فهو أخو نفع وتوجيه
تحتاجه الأمة في عسرها ... يخرجها من ظلمة التيه
وفيهم من لم يكن عنده ... علم ولا رأي يزكيه
فهو على أمته عالة ... يضعفها الضعف الذي فيه
وفيهم ذو ثروة همه ... أن يبني المجد ويحميه
يجعل من ثروته سلما ... يرقى به نحو أمانيه
وفيهم ذو سلطة عادل ... في شعبه يحمي معاليه
وفيهم ذو جرأة ناصح ... نيل الأماني في مباديه
وفيهم ذو أدب شاعر ... يذكر الشعب بماضيه
وفيهم الداعي إلى دينه ... تنشر الأضواء من فيه
فاحرصن على أن لا تني باذلا ... ما ينشر الضوء ويبقيه
لا خير في من لا رصيد له ... في الخير كل بين أهليه
(2/128)

أتغضب؟
أتغضب؟ يا للعجب ... وماذا يفيد الغضب؟
كأن الذي قد جرى ... بلا حكمة أو سبب
ألا فانس ما قد جرى ... وخذ في الذي قد وجب
كن ثابتا حازما ... لتحظى بنيل الأرب
ولا تك عبدا الهوى ... فتحرم أغلى النسب
لأنك عبد الإله ... العظيم الرفيع الحسب
وهل نسب مثله؟ ... يحصله من طلب؟
أتغضب؟ كم غاضب ... جفاه الذي قد أحب
وكم غاضب لم ينل ... من السعي غيرالتعب
ولو لم يطع حمقه ... لما فاته ما طلب
أتغضب مما عرى؟ ... ومن ذا الذي لم يصب؟
وهل لك من حيلة ... تقيك الأذى والعطب؟
وليس الذي قد جرى ... بمنجيك منه الهرب
وهل أنت ملك لربك ... أم أنت ملك الغضب؟
(2/129)

تكبرت!
تكبرت هل فكرت فيم تكبرت ... أأنت جدير بالذي فيه فكرتا؟؟
ألم تدر أن الكبر لله وحده؟ ... وأنت ضعيف الحول كيف تجبرتا؟
ومن أي شيء قد خلقت؟ ألم تكن ... خلقت من الماء المهين وصورتا؟
أتكذب؟ إن الكبر أعظم كذبة ... لأنك قد أشركت حين تكبرتا
وكيف رضيت الشرك وهو كبيرة؟ ... كيف ضللت النهج كيف تحيرتا؟؟
وأعطيت عقلا كيف عطلت نفعه؟ ... وأعطيت تدبيرا فهلا تدبرتا؟
ألا فتواضع واترك الكبر إنه ... لربك لو فكرت شيئا وقدرتا

يا مرائي
يا مرائي لم يأت شيئا من الأشياء ... إلا بدافع من رياء
لم يكن مخلصا بقول ولا فعل ... فلم ينتفع بفضل الذكاء
إذا غدا؟ سعيه كرماد ... بعثرته الرياح عبر الفضاء
نسي الخالق الذي كان سواه ... ووفاه حظه في العطاء
شغلته أطماعه عن سواه ... وهواه عن سائر الأهواء
(2/130)

وإذا ما تشابهت هذه الأخلاق ... كان الرياء كالكبرياء
يتعالى كلاهما يبتغي الشهرة ... بين الرياء والخيلاء
خلقان تباريا في اقتناص المجد ... دون جدارة أو حياء
لا تكلني-ربي- لنفسي، فنفسي ... عذبتني بكثرة الأسواء
واحمني من شرور كل مراء ... يتزيى بأخدع الأزياء

الحسود!
ليس أغبى من الحسود ولا ... أضعف عقلا ولا أقل حياء
هو لا يستحي من الله إذ لم ... يرض منه لخلقه إعطاء
إنه باعتراضه يتحدى الله ... لم يخش سخطه والجزاء
والبخيل أقل شرا وإن كانا ... جميعا لم يحسنا وأساءا
غير أن الحسود شح بما لم ... يك يحويه خسة رعناء
وأحق الجميع بالفضل من يؤثر ... بالفضل كالغمام سخاء
وتراه لا يقرب السوء مهما ... فسد الناس عزة وإباء
(2/131)

الإسراف
يسرف الناس في الكلام ولا ... يدرون أن الكلام جسر الخصام
مثلما يسرفون في النوم والنوم ... عدو الحياة صنو الحمام
وكما يسرفون في اللهو والمزخ ... وفي الحب والعداء العقام
ذاك داء الإسراف في كل شيء ... وهو داء قد عم بين الأنام
غير أنا من أكثر الناس إسرافا ... خلافا لمنهج الإسلام

البخل والجبن
البخل والجبن لا أرضاهما أبدا ... لمؤمن فهما في اللؤم صنوان
والمؤمنون أجل الخلق شيمتهم ... أن يهجروا شر ما يعزى لإنسان
فالبخل يمنع فعل الخير صاحبه ... والجبن يمنع قول الحق سيان
خلقان شرهما لم يحكمه خلق ... ولم يضارعهما في اللؤم خلقان
والناس همهم بخل وجبن فلم ... يعنوا بحق ولم يسعوا لإحسان
إلا القليل، وهل يغني القليل إذا ... ما قد وجدنا لتعمير وبنيان
(2/132)

الأنانية والحرص
أنانية الأنسان أضل شقائه ... وشدة حرص المرء أصل بلائه
من الحرص يأتي كل داء ومن يكن ... حريصا فما من مطمع في شفائه
متى ما يرى ما لا تمنى امتلاكه ... وشمر يسعى جاهدا لاحتوائه
وما حسد الإنسان إلا لحرصه ... ولا شح إلا خاضعا لندائه
ولا قتل النفس الحرام سوى به ... كما مات قابيل قتيلا بدائه
وما سرقت كف ولا خان خائن ... ولا نشبت حرب سوى بحدائه
ومن جنة الفردوس اهبط آدم ... بحرص منه قد ذاق طعم شقائه
فلا داء مثل الحرص صير نجمنا ... برغم السنا لا نهتدي بضيائه
فيا رب إن الحرص قد شل خطونا ... إليك فخلص خطونا من رشائه
دعوناك- ربي- فاستجب لدعائنا ... فلا رأي للمضطر غير دعائه
(2/133)

إهدار العقل
شغف الناس بالحياة التي تفنى ... ولم تعنهم حياة الخلود
وهو شيء مناقض لسمو العقل ... وهو محكم في الوجود
كيف يحيا هذا التناقض أم كيف ... سنحيا في ظله المنكود
كيف يختار عاقل ظلمة الليل ... البهيم على الصباح الجديد
هل يفوز الإنسان من غير حظ ... من ضياء بطيب عيش رغيد؟
إنما العمل كالضياء الذي يهدي ... خطى الركب في ظلام البيد
إنما العقل قائد كيف أضحى ... "باتباع الأهواء" شر مقود؟
يا لبؤس الإنسان يحسب حرا ... وهو "يحيا مكبلا بالقيود!
يا أخا العقل إن تسر بهدى العقل ... تجد ما تريد غير بعيد!
وإذا لم يقدك عقلك لم تبلغ ... مناك وعشت عيش الطريد
ليس كالعقل نعمة- لا تكن أبله- ... يا خير كائن في الوجود
واستشر عقلك الذي هو مصباحك ... في ظلمة الليالي السود
(2/134)

ثقل النصح على الناس
لا يبغض الناس شيئا مثل نصحهم ... والنصح أعظم ما يهدى إلى الناس
وليس يبغض ما فيه سعادته ... إلا امرؤ غير ذي عقل وإحساس
يا ناصح الناس إن الناس أكثرهم ... أعداء من نصحوا فاصبر على الباس
كم ناصح رام إنهاضا لأمته ... لم يجز إلا بإخماد لأنفاس
ومن غدا الغش للأوطان ديدنه ... نجا وأصبح محمولا على الراس
وإنما الدين نصح مثمر أدبا ... من صدق حب وإيثار وإيناس
(2/135)

الفكر كنز
أعطيت كنزا فلم تقدر مزاياه ... وليس كالفكر في أسنى هداياه
وأنت بالفكر مخلوق له خطر ... يسمو على كل مخلوق بدنياه
على روائعه شيدت حضارتنا ... والفن من نبعه قامت زواياه
في السلم والحرب لم تنضب موارده ... منذ القديم ولم تنفد عطاياه
لكنما الفكر لم يستغن عن مدد ... من السماء ليهديه ويرعاه
لأن للفكر طغيانا سيحمله ... يوما على هدم ما شادته يمناه
لا بد للفكر من دين يذكره ... بالله- إن رام غيرالخير- يخشاه
وليس يصلح من قد صيغ من حمإ ... سوى ضميرعن الفحشاء ينهاه
(2/136)

حسن الخلق
أبيت على هم وأصبح في هم ... فمن هو أولى منك يا دهر بالذم؟
وكل بلاء أصله الظلم في الورى ... ومن ذا الذي في الناس ينجو من الظلم؟
فكم من صديق غرني بابتسامه ... وما هو إلا الشهد يمزج بالسم
وما قيمة الدنيا بغير صداقة ... تخفف ما نلقى من الهم والغم
وليس كحسن الخلق كنز ومن يعش ... على حسن خلق ليس يخشى من العدم
ومنذ أضعنا خلقنا ضاع سلمنا ... فليس لنا في حربنا اليوم من سلم
وليس كمثل الظلم للحرب معلنا ... وليس يعيد السلم كالصفح والحلم

الصبر!
ثبت الله أرضنا بالجبال ... وقلوب الرجال بالاحتمال
قوة الصبر أشبهت قوة الطود ... بدنيا الهموم والأوجال
تتحدى الإنسان في هذه الدنيا ... ضروب الأسى كسود الليالي
فيلاقي جيوشها بتحد ... صامد دونه صمود الجبال
فإذا مات فالمصاب جليل ... وإذا عاش عاش للأهوال
(2/137)

عاش كي يشهد الأحبة صرعى ... في ذهول وحيرة وخبال
يا لهذا الإنسان ماذا يلاقي ... من بلاء لا ينتهي ووبال
فكأن الإنسان جاء ليشقى ... ثم يفنى ويختفي كالخيال

الصدق
بلغني أنني ذكرت عند بعض الاصد قاء في جملة أسماء فقال: "هو أصدقهم، ومن أجل ذلك فهو سيتعب كثيرا" فقلت:
يكلفني صدقي متاعب جمة ... فأحملها حرصا على ميزة الصدق
لأني رأيت الصدق قل وجوده ... لدى الناس حتى صار كالغل في العنق
وهل ثم خلق مثله فأريده ... شعارا به أسمو لدى الله والخلق؟
ولو عم هذا الخلق في الناس لانبروا ... إلى الخير، كل يبتغي قصب السبق
وقد كان خير الخلق في الصدق قدوة ... لذلك يدعى "الصادق" الصادق الخلق
ولو أن خلق الصدق يلبس صورة ... تميزه كانت له صورة الحق
وفائدة الصدق الجميل عظيمة ... تضارعه في النفع فائدة الودق
فكن صادقا مهما لقيت من الأذى ... ولو أن خلق الصدق قادك للشنق
(2/138)

الصدق والنفاق
قيل لي: إن صدقك في مجتمع خسر- في جملة ما خسر- مزية الصدق سيتعبك جدا، فنطمت الأبيات التالية:
نعم: إن صدقي سوف يتعبني جدا ... ولكن بغير الصدق لا أبتني المجدا
فإني بغير الصدق أخلف موعدي ... وإني بغير الصدق لا أحفظ العهدا
وأزداد مقتا من قريبي وصاحبي ... ومن خالقي سخطا وعن غايتي بعدا
أيطلب مني أن كون منافقا ... وأصبح كذابا وأغدو مرتدا؟
لماذا؟ أأختار الضلال على الهدى؟ ... لأربح دينارا به أخسر الحمدا
وما كنت أرجو الحمد للحمد ذاته ... ولكن لأن الصدق يمنحني الجدا
بل الجد هو الصدق في الأمر كله ... فمن يتحر الصدق يبلغ به القصدا
وأكثر أخلاق الرجال حبائل ... لصيد رخيص لا يكلفهم جهدا
وما كنت أرضى أن أبيع كرامتي ... مقابل شيء يجلب المقت والحقدا
سأبقى- ولو لم يصدق الناس- صادقا ... وإن لم أنل منهم ثناء ولا ودا
(2/139)

في غيبة الصدق
في غيبة الصدق ضاع الجد والشرف ... إذ ضيع الخلف ما قد شيد السلف
كانت منازلنا في المجد شامخة ... ونحن في وحدة والشمل مؤتلف
الشرع قائدنا والخلق رائدنا ... والخلف منصرم والهم منصرف
كل لكل أخ يرعى مودته ... ولم يصب مجدنا هدم ولا تلف
(2/140)

حياة بلا دين
حياة بلا دين حياة حقيرة ... تصرفها الأهواء والشهوات
كما كان أهل الجاهلية في عمى ... وجهل به قد عمت الظلمات
وهل نحن من بعد اطراح لديننا ... سوى صور ليست بهن حياة؟
وأي حياة للذي لم يكن له ... نظام حياة؟ إنها لممات!!
وإنا نعيش اليوم في جاهلية ... مثقفة عمت بها النكبات
تجادل في مكر لتأييد باطل ... ودحض لحق أكدته ثقات
فهل عقل هذا العصر يولد كافرا ... يحارب من للحائرين هداة؟
ويمعن في وضع العراقيل ضدهم ... ولكن، لتشريع الإله حماة
فيا معرضا عن نهج ربك جاهلا ... متى تنجلي عن عقلك الغمرات؟
إذا لم تعد قبل الفوات إلى الهدى ... فقد عشت عمرا كله هفوات
(2/141)

الدين النصيحة
علام يغش الناس بعضهم بعضا ... وقد جعل الله تناصحهم فرضا
بل الدين هوالنصح إذ ليس مثله ... يصح دواء للأصحاء والمرضى
إذا لم يكن نصح محا الغش كل ما ... بنى الله لم يترك سماء ولا أرضا
ومن عجب أن يبغض الناس نصحهم ... أنانية لم تحفظ الدين والعرضا
فيا رب أيقظ في النفوس رشادها ... ليرضى الألى أوجدتهم بالذي ترضى

التقوى
ساء ذوقي وساء رأيي لما ... ساء فعلي فلم يعد لي وزن
أي أضعت نفسي بسوء سلوكي ... فليطل بالذي أساء الحزن
إن هذ الحياة- والله- بحر ... والسلوك الحميد فيها السفن
والسلوك الحميد غرسة إيمان ... فحيث الإيمان حيث الأمن
والسبيل لكل خير هو التقوى ... فغير التقوى ضياع وغبن
(2/142)

وصية
سرب من الطالبات ... يدعو لخير الفتاة
قد جاء طلب ... مني وصية للبنات
يقول لي في حياء ... وحيطة وأناة
نرجوك تقديم نصح ... لنا ومنح وصاة
فقلت: كن مثالا ... للنسوة الصالحات
وابقين رغم العوادي ... على المدى مسلمات
فليس في الناس خلق ... يفوق خلق الثبات
بدونه لا يذوق ... الإنسان طعم الحياة
ولا يتم بناء ... للمجد والمكرمات
وبالتذبذب ضاعت ... جهود أقوى البناة
فإن وعيتن نصحي ... تكن خير البنات
(2/143)

حياة ودنيا!
حياة تمر مرور السحاب ... وميل إلى الغي لا ينتهي
ودنيا تغر غرور السراب ... وعمل أسير بما يشتهي
...
وحرص يطول ولا يقصر ... وعمر يسير ولا يرجع
وموت يطوف ولا يفتر ... وجهد يضير ولا ينفع
...
ومن ملك المال لا ينفق ... ومن خلق الخلق لا يعبد
ومن ولي الأمر لا يشفق ... ومن وهب الرزق لا يحمد
...
ومن يدع للخير يلق الهوان ... وفوضى تعيش بغير حدود
ومن يدع للشر يعطى الأمإن ... ودعوى نظام بغير وجود
...
أهذ حياة- ترى- أم منون؟ ... فيا رب عفوك عما أقول
وهل نحن في سكرة أم جنون؟ ... فإنا نعيش بغير عقول
(2/144)

دنيا النفاق
أ"رضوان"1 ما دنيا النفاق لنا مأوى ... فهل في غد نأوي إلى جنة المأوى
لقينا بها ما ساءنا وأمضنا ... فهل نحن نلقى في غد كل مال نهوى
أرضوان فلنلجأ إلى الله ولنقل: ... ألا فاحمنا يا كاشف الضر والبلوى
دعوناك فارحم ضعفنا وتولنا ... ولا تخزنا يا عالم السر والنجوى
وخلص دعاة الحق من قبضة العدا ... وقد خطونا ونهج بنا منهج التقوى

تفاوت
أترضى بأني لا أمر بفيكا ... وأني قد أفنيت عمري فيكا؟
ومالي فكر في سواك وليس لي ... بقلبي فراغ يقتضيه شريكا
وإني على التوحيد في الحب لم أزل ... وإني من المكروه عشت أقيكا
فعاملتني عكس الذي قد عملته ... ولم أك لو فكرت غير أخيكا
سأبقى- وإن لم تبق- للود حافظا ... وأرعى حقوقا للهوى وأفيكا
(2/145)

ضيعة الآمال
سلبني اللصوص كيس نقودي الذي كان يحتوي مبلغا ضخما، فرج رجاء -ابني الوحيد- رجة عنيفة، فأنشأت هذه الأبيات:
"أرجاء" ضاعت من يدي كل آمالي ... فلست أبالي بالذي ضاع من مالي
وأعظم ما ضيعت صحبي ومن يعش ... بغير صحاب لم يعش ناعم البال
وهل ذاق طعم العيش من عاش وحده ... بعيدا عن الأصحاب في المهمه الخالي؟
على أننى وإن خان صحبي لم أخن ... صحابي وإن يسلوا فما أنا بالسالي
وتسمية الأنسان تشعر أنها ... لتحقيق معنى الأنس بالصحب والآل
"أرجاء" إن المال ليس بنافع ... إذا كان في أيدي شحاح وجهال
"أرجاء" ليس المال إلا وسيلة ... لتشييد أمجاد وتحقيق آمال
ولكن هذا المال قد صار آفة ... لتدمير أوطان وتمزيق أوصال
فلا كانت الأموال إن لم تكن ... سوى قيود بأعناق الرجال وأغلال
(2/146)

معيار
مرضت فصح ود الناس عندي ... وكنت أظن ودهم نفاقا
وأضحى ملتقى صحبي سريرى ... وأضحى الاختلاف لنا اتفاقا
فزاد بعلتي للناس ودي ... وقلبي زاد بالحب ائتلاقا
وإيماني تضاعف بامتحاني ... وسوق معارفي زادت نفاقا
كأن القلب من تبر فيصفو ... ويشرق كلما زاد احتراقا

هل لهذا البلاء حد؟
"أرضوان" هل هذا البلاء له حد؟ ... فما زال يقوى كالحريق ويمتد
إذا قلت: حان السلم، فالسلم لم يحن ... وإن قلت: زال الكرب، فالكرب يشتد
وقد كان لي صبر أفيء لظله ... فلم يبق لي صبر ولم يبق لي جهد
كم لي من الإخوان من كان عهده ... وثيقا فأمسى وهو ليس له عهد
ولكنني أبقيت لي منهم أخا ... وإن لم يدم من واحد لهم ود
"ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد"!
(2/147)

الأصنام!
لا تظنوا عهد العبادة للأصنام ... ولى فلم تعذ أصنام
إنما قد تطورت فإذا أصنامنا ... اليوم مرأة وغلام
وإذا المال صار يعبد ... والناس ركع من حوله وقيام
وكذاك الوظيف والمنصب العالي ... وجاه يهفو إليه الأنام
بعدما عاش أكثر الناس ... والأصنام فيهم حجارة ورجام
أيعيش الإنسان عبدا لأصنام ... فأين العقول والأفهام؟
أنعم الله بالعقول على الناس ... فنعم الإفضال والإنعام
وحباهم من وحيه ما ينمي ... فيهم العقل وهو شرع يقام
فاستهانوا بالعقل والشرع لم ... ينفعهم العقل لا ولا الإسلام
رب إن الهدى هداك فلولاك ... ضاع الهدى وضل الأنام
(2/148)

بين المنى والمنايا
المنايا تحول دون الأماني ... يا لدنيا ليست بدار أمان
بينما نحن في لذيذ من العيش ... وفي غفلة من الحدثان
إذ بنا نفقد العزيز علينا ... فنعاني من حزننا ما نعاني
ليس من موتنا مفر ولو عشنا ... طويلا فالكل لا بد فان
ألف عام قد عاش نوح ولكن ... مات فالموت غاية الإنسان
وعسى أن يكون في الموت والخوف ... من الموت يقظة الوسنان
غير أن الإنسان في غفلة لم ... يصح منها يعيش كالسكران
والغريب في الأمر غفلة من سوف ... يموت كغفلة الحيوان
ولضعف الإيمان آثاره فيما ... شكونا من فتنة الشيطان
وقوي الإيمان ليس عليه ... من شرور الشيطان من سلطان
ياقوي الإيمان لا تخش من شيء ... إذا ما اعتصمت بالإيمان
وألذ الأشياء في هذه الدنيا ... جميعا قراءة القرآن!!
وألذ اللذات دنيا وأخرى ... ما وعدنا من رؤية الديان
فلنعش عمرنا مطيعين لله ... بصدق في السر والإعلان
ولنواظب على التلاوة للقرآن ... نحظ بالعفو والغفران
ونفز بأعز ما يطلب المؤمن ... من ربه بخير مكان
بشهود للحق في حضرة القدس ... أجل مراتب الإحسان
(2/149)

صحتي ثروتي
صحتي ثروتي التي عشت ... لا أذكر فأصبحت بالأدواء
فذكرت الذي نسيت من ... الصحة فالداء نافع كالدواء
من يعش غير ذاكر نعمة ... تعد يرم بفادح الأرزاء
ليعود إلى الذي وهب الصحة ... بالشكر دائما والثتاء
يا أخا النعمة التي لم تكن ... لها نعمة بلا استثناء
نعمة الصحة التي إن عدمناها ... نعش رهن شقوة وعناء
اغتنم ما وهبت تظفر بما ترجوه ... من صحة وطول بقاء
(2/150)

إن أردت
إن أردت الربيع تلقاه في ... كل زمان وفي جميع الفصول
لا ربيعا يأتي زمانا ويمضي ... مثل ضيف أو مثل طيف جميل
فتلفت صوب الكتاب فما ... فيه من الحسن ما له من مثيل
وربيع الكتاب أبقى على الدهر ... - إذا قيس- من ربيع الحقول
ليس يعرو روض الكتاب ذبول ... ورياض الربيع رهن الذبول
هو دنيا الجمال والسحر فيه ... لجميع المنى طريق الوصول
وإذا ما أردت علما ففي ... المصحف أصل المعقول والمنقول
وإذا اشتقت أن ترى قدرة الله ... فانظر صورة الكون تحظ بالمأمول
إنما الكون آية الله خططتها ... يداه، عليه سحانه أقوى دليل
بل أرى الكون شاهدا على من أبدع ... الكون لينفي به ارتياب العقول
وإذا ما أردت خلا وفيا ... ليس في صدق وده بدخيل
ثابتا لا يحول فاستغن عن ... مال لديه تفز بكل قبول
وإذا ما أردت عرضا ... من الذم سليما فلذ بصمت طويل
وإذا ما أردت عيشا حميدا ... مستقرا فلتعتصم بالخمول
وإذا الحق ناله عسف جبار ... فكن مثل صارم مسلول
وكذا السيف يلزم الغمد في ... السلم وينضى في كل خطب مهول
لحقوق مهضومة ولعرض ... مستباح ومبدإ مغلول
(2/151)

أيها الإنسان
أيها الإنسان ما أعجب أمرك ... كيف لا تعرف عند الله قدرك؟
لم تزل في غفلة فاضحة؛ غفلة ... الطفل الذي لم يك أدرك
كيف لا تعرف ما أوتيحه ... من مزاياك التي تسكن صدرك؟
أنت عن رب البرايا نائب ... كيف لا تذكر من يعلن ذكرك؟
كيف تبقى عن سناه صابرا ... تعس الصبر الذي يشبه صبرك
لو نصرت الله في أحكامه ... كنت قبل اليوم قد حققت نصرك
أنت لو سرت على منهاجه كنت ... قد سدت الذي قد ساد عصرك
كانت الدنيا ظلاما لا ترى ... أي نور قبل أن تبصر فجرك
كيف خالفت التعاليم التي إن ... تخالفها تكن أظهرت كفرك؟
وتبنيت التعاليم التي ... عشت في باطلها تنفق عمرك
هي خسر كيف لا ترفضه ... كيف ترضى أيها المسلم خسرك؟
عد إلى الله تنل رضوانه ... عد إليه قبل أن يهتك سترك
عد إلى ربك يا نائبه ... إن من أغضبته يملك أمرك
(2/152)

طول العمر
نؤمل طول العمر دون تبصر ... بآفات طول العمر في الجسم والعقل
إذا لم يصح الجسم والعقل لم يكن ... بدودنهما للعمر إن طال من فضل
وكيف يعيش ابن الثمانين حجة ... بجسم بلا ضعف وعقل بلا خبل؟
ولم يبق من أترابه أي صاحب ... يؤانسه في بيأة الظلم والجهل
يعيش ضعيف الجسم والفكر والحجى ... ويحيا غريب الروح والصحب والأهل

المثل الأعلى
لنا مثل أعلى فهلا اتبعناه ... فنلنا الذي كنا قديما طلبناه
ولكن تمردنا ولم نتبع سوى ... هوانا أفأردانا الهوى إذ أطعناه
وكيف وقعنا في الضلال وعندنا ... دليل ولكن الدليل عصيناه؟
ومن ذا الذي يعصي الدليل سوى ... الذي أطاع على عدم هواه فأرداه
فيا ربنا ارزقنا الهدى إنما الهدى ... هدية من سوى الورى وهو الله
وإنك مولى من أردت صلاحه ... وقد خاب عبد لم تكن أنت مولاه
(2/153)

يراعي
ليراعي مكانة لا يساميها ... لساني لأنها أبديه
ما يقول اللسان يفني وما خط ... اليراع حياته سرمديه
وينوب عن اللسان إذا كان ... رسولا إلى الجهات القصيه
ويراعي هو اللسان الذي يبقى ... إذا أدكت حياتي المنيه
والحضارات كلها لم تكن ثبقى ... بدون اليراع منها بقيه
ولذا أقسم الإله به فاقتعد ... المجد والسجايا السنية

القلم
لي لسانان فإن يصمت لسان ... نطق الثاني بإعجاز البيان
قلم يبني الحضارات التي ... تتحدي بمبانيها الزمان
قلم قد أقسم الله به ... أحرز الفضل على كل لسان
قلم سوف أغذيه دمي ... فهو عن أسرار قلبي ترجمان
يا إلهي لك حمدي كلما ... أفصح الإثنان عما في الجنان
(2/154)

ستنقشع السحب
ستنقشع السحب رغم العدى ... ويظهر بعد الضلال الهدى
ويندحر الظلم والظالمون ... ويذهب ما بيتوه سدى
فإنا جنود الإله الألى ... بإصرارها تتحدى الردى
ونحن شرعنا دروب العلا ... ونحن ابتدعنا سبيل الفدى
ونحن الذين بنا يحتمى ... ونحن الذين بنا يفتدى
وإن لشرع الإله الدوام ... وحكم الطغاه قصير المدى
ويجني الهداة مناهم ولا ... ينال المنى من بغى واعتدى

ستلين الأمور
ستلين الأمور بعد اشتداد ... وسيغشى طعم السرور فؤادي
ذاك طبع الحياة تكدر حينا ... ثم يأتي صفو الحياة العادي
إذ عرفت الحياة بعد اختبار ... فإذا كل حاله لنفاد
بينما أهلها بأحسن حال ... فاجأتهم بالسوء سود عواد
وإذا بالسرور قد عاد حزنا ... وإذا النور عاد ليل سواد
وإذن أنا لا أضيق بشيء ... هو فان في أقصر الآماد
إنما ينبغي الرضى بقضاء الله ... فهو الهدى وعين الرشاد
(2/155)

الجراد
أقمنا كل سوق للفساد ... فهوجمنا بأسراب الجراد
وإن من الجراد لشر جند ... يصيب ذوي الشرور من العباد
وإنا كالجراد أذى وشرا ... كلانا قد أغار على البلاد
إلهي لا تؤاخذنا فإنا ... لنبرأ من فساد ذوي الفساد

جار وفار
الجار والفار عاثا في منازلنا ... يا رب رحماك مط فأر ومن جار
والفرق بينهما في الشر متضح ... فالجار أعظم إضرارا من الفار
الفار يأكل ما في الدار من سغب ... والجار يهدم ما يبنى من الدار
ورب جار قضيت العمر أطعمه ... مودتي خان أوطاني وأوطاري
حياتنا قد خلت من كل ذي ثقة ... بعدا لها من حياة الخزي والعار
(2/156)

"ياسين" المسكين
يا لطفل أضاعه والداه ... في طلاق لم يدركا عقباه
لم يمت والده لكنه أمسى ... يتيما يجتر طعم أساه
إن حنت أمه عليه فضمه ... لديها فقد أضاع أباه
وإذا ما أبوه أمسكه لم ... يلق أما ما مثلها يرعاه
فهو في الحالتين لم ينتج من ... يتم فيا لياسين ما أشقاه!
(2/157)

حجنا وحجاجنا
"في هذا العصر"
مما يلفت النظر بشكل واضح ومحير أن معظم حجاجنا يعودون بعد حجهم أشد إقبالا على الدنيا وأكثر تكالبا عليها بحيث لا يكادون يتصدقون على فقير أو يتورعون عن حرام مما أوحى إلي بهذه الأبيات:
تحجون إلى البيت الحرام ... ولا تتورعون عن الحرام
وهل للحج من معنى إذا لم ... نتب من بعده عن كل ذام؟
وإن الحج تطهير خطير ... يدنسه القليل من الآثام
وإن الذنب بعد التوب شر ... من الذنب الذي قبل الفطام
وكل عبادة لم تحي قلبا ... أراها كالجهام من الغمام
فيا حجاجنا انتفعوا بحج ... به يرقى إلى أسمى مقام
ولا تتهاونوا بفروض دين ... به أدركتم أقصى مرام
وذوبوا في عبادتكم خشوعا ... تنالوا الأجر من رب الأنام
وأكبر فرصة حج متاح ... فأولوا حجكم كل اهتمام!!
فما فرضت مكررة لشخص ... وإن كانت تكرر كل عام
(2/158)

عودة الحجاج
أحجاج بيت الله لا تنقضوا العهدا ... وإلا فلا ترجوا لزرعكم حصدا
وإذا ما قصدتم أن تتوبوا بحجكم ... فبالله يا حجاج لا تفسدوا القصدا
أتبنون قصرا ثم ترضون هدمه ... ومن ذا الذي يرضى لما قد بنى هدا؟
إذا عدتم من حجكم فلتحافظوا ... على حجكم إن رمتم الخير والرشدا
وكونوا مثال الجد والصدق تنجحوا ... وإلا فقد ضيعتم الأجر والجهدا
كيف وقد أحرمتم وسعيتم ... وطفتم ولبيتم وجددتم العهدا
ألا إن لب الدين تهذيب خلقنا ... وإن كان سوء الخلق قد جاوز الحدا
وإن كنتم أذنبتم قبل حجكم ... فدون اقتراف الذنب فلتجعلوا سدا
ودوموا على حمد الإله وشكره ... فإن الذي أوتيتم يوجب الحمدا
(2/159)

عجز الطب
أعجز الطب كثزة الأدواء واختلاف الميول والأهواء
في زمان تقدم الطب فيه ... بكشوف على يد العلماء
غير أن الأدواء زادت فلم ... تكف جهود الأساة والخبراء
يحضر الناس كل يوم ضروبا ... من غذاء تربو على الإحصاء
كيف يرجى لمالئ بطنه من ... كل هذا الطعام طعم الشفاء؟
إن طعم الشفاء أطيب من كل ... طعام إذ فيه طعم الهناء
غير أن الذي قضى العمر عبدا ... لهواه لم ينفع بالدواء
وإذا قيل في الزمان الذي ... نحيا زمان تقدم وارتقاء
لم نعارض في أننا قد تقدمنا، ... ولكن تقدما للوراء
غير أنا نرجو السعادة والعصر ... الذي نحن فيه عصر الشقاء
قد تبارت فيه المذاهب في حرب ... تسيل بها بحار الدماء
ورياح البغضاء دبت إلى البيت ... فصار الأبناء كالأعداء
والذي زاد في شقاوة هذا ... العصر ضعف اليفين والاهتداء
مرض النفس جالب مرض الجسم ... وضعف اليقين أصل الداء
فتدارك باللطف يارب نفسا ... لم تزل في شقاوة وبلاء
(2/160)

اجتماع النقيضين
نثور على الظلم إما ظلمنا ... ولا ننكر الظلم إما ظلمنا
وكيف اجتماع النقيضين حتى ... قبلنا به وله قد حكمنا؟؟
أنانية ما رأينا لها ... شبيها ولا مثلها قد علمنا
وهل ننكر الظلم من غيرنا ... ونقبله إن يك الظلم منا؟
ولا شيء كالظلم يقضي على ... بناء المعالي الذي قد أقمنا
ولا سيما من قريب حميم ... نفر إليه إذا ما ظلمنا
وهل يزرع الحقد بين القلوب ... كالظلم لو أننا قد فهمنا؟
فبالظلم كم من شعوب أبدنا ... وبالظلم كم من صروح هدمنا
فيا رب إنا سئمنا الحياة ... ولم لا؟ ومن شرها ما سلمنا؟
سئمنا حياة بلا راحة ... وعفنا وجودا به قد سقمنا
سقمنا بكون سقيم جديب ... مزايا الكمال به قد عدمنا
عدمنا العدالة فيه فما ... بخير ولا بهدوء نعمنا
قدمنا إليه صحاحا وصرنا ... مراضا، فيا ليتنا ما قدمنا
(2/161)

ما هذا التلون؟
علام تروم منقصتي علاما؟ ... أحربا ما تحاول أم سلاما؟
وماذا من محاربتى ستجني ... وكيف اخترت حربي والخصاما؟
ألم تك لي صديقا لا يسامى ... ومشغوفا بحبي مستهاما؟؟
وكنت تزورني يوما فيوما ... تبادلني الولاء والاحتراما
فكيف عدلت عن خلق التصافي ... كيف نقضت عهدي والذماما؟
وما هذا التلون أي خلق ... به تغدو الحياة لنا حماما؟

فرص الحياة
عجبا لنا! فرص تتاح لنا! ... وتضاع منا دون فائدة لنا
وأهمها هذ الحياة بطولها! ... وتمر مسرعة ولا تبقى لنا
وأهم من هذ الحياة شبابنا ... هو زهرة العمر التي منحت لنا
ونضيعه جهلا ونحسب أننا ... نلنا به ما فيه تكريم لنا
لله كم فرص أضعناها وكم ... غصص جرعناها معاقبة لنا
(2/162)

وفي ظل البيت
في ظلال البيوت تأوي السعادة ... في سياج من التقى والعبادة
قد أقام الإسلام بنيانها ... بالعدل والحب والحيا والزهاده
وتولى تسييرها رجل يعرف ... فيها بقوة في الإراده
غير أن البيوت صارت جحيما ... مذ تولى النساء فيها القيادة
كيف والله خص من دفعوا المهر ... وزادت عقولهم بزياده؟
وهي أن يمنحوا القيادة للبيت ... ويعطوا على الجميع السياده
إن شعبا لم يرض لله حكما ... لهو شعب يسير نحو الإباده

لست أخشى
لست أخشى إلا الذي يملك ... الضر وفي يده حياتي وموتي
ولذا فإذا أمرت بما فيه رضى ... الله لست أخفض صوتي
وإذا كان في يد الله رزقي ... فهو آت بلا ضياع وفوت
(2/163)

ليلة ليلاء
يا ليلة رج فيها الرعد والتمعت ... فيها البروق وعم الذعر والفزع
في كل ثانية للرعد دمدمة ... وللبروق التماع ليس ينقطع
متى نرى فيك ضوء الصبح فهو ... لنا أنس فلسنا بنوم فيك ننتفع
لا شيء كالأمن لكنا نعيش بلا ... أمن وليس لنا في نيله طمع
إذ ليس في هذه الدنيا سعادتنا ... لكن نغر بدنيانا وننخدع

عام مضى وأتى عام
عام مضى وأتى عام ونحن على ... ما يسخط الله من قول ومن عمل
أما لنا عبرة فيما مضى فإذا ... كنا زللنا فلا نمضي مع الزلل
وإن نكن قد فعلنا ما يليق بنا ... فنحن نمضي كما كنا على عجل
(2/164)

عتبت على نفسي
عتبت على نفسي وإن لم يفد عتبي ... لتوريطها إياي في حمأة الذنب
وثقت بها من غير علم بشرها ... ولم أدر أن الشر مسكنه قلبي
ففالت: أليس الذنب دنبك والذي ... يطيع هواه ليس ينجو من الكرب
أطعت الهوى والعقل أولى بطاعة ... ومن لم يقده العقل ضل عن الركب
ففلت لها: أنت الهوى وأنا الذي ... أطعتك مخدوعا فحدت عن الدرب
ولكن مرد الأمر لله وحده ... ييسر ما نلقى من المأزق الصعب
فما زال يهدينا سوي سبيله ... وما زال يحبونا المزيد من القرب
(2/165)

الشيطان!
ألا أيها الشيطان لا شر أعدائي ... ولا طالبا ضري وجالب أدوائي
ويا ساهرا ليل الشتاء بطوله ... وقد نام حتى الليل والكوكب النائي
ونامت جموع الطير في وكناتها ... كما نام حتى الحوت في لجج الماء
وأنت تقضي الليل لم تطعم الكرى ... كأنك ذو داء ولست بذي داء
تفكر فيما يجلب الشر للورى ... وتبحث في شيء ترى فيه إيذائي
ألا بئسما تختاره من وظيفة ... أتسعد بالشيء الذي فيه إشقائي؟
جعلت شقاء الناس دأبا وعادة ... وأول من أشقيت أول آبائي
إذا كنت أشقيت العباد جميعهم ... فإنك أشقى الخلق عند الألباء
(2/166)

يا دنيا
عرفتك اليوم يا دنيا التفاهات ... يا مرتعا للمخازي والسخافات
يا دار غم لأحرار الرجال ويا ... مثوى شقاء لأرباب المروآت
يا بؤرة للأسى والحزن يا شركا ... فيه الحتوف لآمال وغايات
يا مومسا لم تزل تغري بفتنتها ... صرعى هواها ومهدا للغوايات
لم يخل فيك كرام الناس من عنت ... هجرتك اليوم يا دنيا المعاناة!!
لو لم يكن فيك غير الموت يصرعنا ... لكنت أجمع دار للشقاوات
كم من رضيع بصدر الأم عاجله ... حمامه بين غصات وأنات
ومن كعاب كبدر التم طلعتها ... في ليلة العرس زفت للمنيات
ومن مريض يكاد السقم يسلمه ... إلى الردى بين ساعات وساعات
ومن سجين بلا ذنب ولا سبب ... يقضي الحياة دفينا في دجنات
أما الوفاء وأما الصدق فاحتجبا ... وشاع غدر وزيف في الصداقات
ولا وجود لإيثار ولا كرم ... ولا إخاء يرجى في الملمات
ولا ضمير ولا دين ولا خلق ... عرفتك اليوم يا دنيا التفاهات
(2/167)

"دار الحديث" بتلمسان
هنا روح بان تطوف بنا ... بنى للعلا فأجاد البنا
هنا صوت داع يهيب بنا ... من الخلد يدعو لوحدتنا
هنا عالم طالما حثنا على كل ما فيه عزتنا
لقد شاد دارا لأمته ... بها كم قطفنا ثمار المنى
لقد شاد "دار الحديث" التي ... نتيه بها وتتيه بنا
وهل في بناة العلا ماجد ... كمثل "البشير" بأمتنا؟
وأهل "تلمسان" من مثلهم ... يشيد العلا ويجيد البنا؟
فكانوا له خير عون على ... مشاريعه الطيبات الجنى
ولم أر كالعلم أس بناء ... ونهج كمال ونبع سنا
ولا "كالجزائر" أرض جهاد ... ترى كل صعب به هينا
فيا أمة قدوة في العلا ... وعنوان مكرمة تقتنى
ليهنك "دار الحديث" التي تمد شباب الحمى بالمنى
مضى نصف قرن عليها ولم ... تزل آية تتحدى الفنا
فمن رام يبني صروح العلا ... لأمته فليجئ ها هنا
فأرض تلمسان أرض العلا ... و"دار الحديث" منار السنا
(2/168)

ذكرى دار الحديث
الحياة تبنى وتهدم والمجد ... لبان لا هادم للبناء
"والبشير" بنى فأعلا ولم يهدم ... سرو الجهل فهو أخبث داء
وإذا لم تصدق القول فانظر ... لبناء مطاول للسماء!!!
إن دار الحديث أقوى دليل ... يتحدى معاول الأعداء
ليس كالعلم في الحياة بناء ... ليس تفنيه عاديات الفناء
والحديث خير العلوم مع القرآن ... فليخرسن كل ادعاء
أمتي أمة المكارم لا أمة ... رقص مستفحش وغناء
يا بلادي يا منبت العز والفخر ... مثوى الأجداد والآباء
وعرين الأسود مذ وطئت ... أرضك جند الصحابة البسلاء
جددي عهدك الذي أخرج ... الدنيا من الظلمات للأضواء
(2/169)

بين وحشة المرض
وأنس الكتاب
أرأيتم ذاك النشاط العجيبا ... صار ذاك النشاط مني دبيبا
قد عراني داء المفاصل حتى ... صرت في منزلي أعيش غريبا
ليس لي مؤنس سوى صحبة الكتب ... وأعظم بها صديقا حبيبا
فإذا لم تجد صديقا ففي الكتب ... تجد ذلك الصديق الأديبا
(2/170)

شعري!
شعري يدون ما يجول بخاطري ... ويسجل المكنون من أفكاري!!
ويمدني بالسحر من آياته ... والسحر ضمن عرائس الأشعار
ويكون أنسي حين تعظم كربتي ... ببياض ليلي واسوداد نهاري
وله أعبر عن محبة خالقي ... وأداء شكري للعظيم الباري
وأحرض المتخلفين ليلحقوا ... بالركب: ركب كتائب الأحرار
وأجاهد المتقاتلين لصالح ... المتربصين بنا من الأشرار
وأبث في الجبناء روح حماسة ... لتزول خشيتهم من الأخطار
هذا هو الشعر الذي ندعو له ... لا شعر كل مخنث ثرثار!!!
لم يبق للأدب المخنث موضع ... إذ هو داء شبابنا المنهار
العصر عصر الأقوياء فمن يكن ... فيه ضعيفا يلق كل بوار!!
ما الشعر إلا دعوة بناءة ... تبني العلا وتشيد كل فخار
الشعر من وحي الذي أوحى الشرائع ... والكتاب لرسله الأبرار
من لم يكن للوحي أهلا لم يكن ... أهلا لوحي روائع الأشعار
فليسكت المتخنتون فإنهم ... لا يصلحون لخوض أي غمار
(2/171)

مكتبتي صديقتي
أمكتبتي ما أنت إلا صديقتي ... وفيت وخان الصحب صفو مودتي
وجدت صديق اليوم ليس بنافع ... وجودك أغناني بأعظم ثروة
ولا مال مثل العلم فالعلم خالد ... وليس بقاء المال إلا لمدة
وهل كرياض العلم روض أزاهر ... أزاهره تبقى ليوم وليلة؟
ولكن زهر العلم ليس بذابل ... يحييك مهما جئته بابتسامة
عجبت لمن يخلي من الكتب بيته ... ويملأه من كل تبر وفضة
وهل ذهب كالعلم ينفع أهله ... بدنيا ويحظى في الحساب بجنة؟
(2/172)

مكتبتي المبعثرة
يا كنوزا مبغثره ... وهي للعرب مفخرة
يا تراثا من الحجى ... والعقول المفكره!
يا ورودا جميلة ... يا بساتين مثمره
يا نفوسا نبيلة ... يا عيونا معبره
فيك من كل ماسة ... فيك من كل جوهره
قد تصدت لك ابنة ... كسنا الصبح خيره 1
فأزاحت عنك الغبار ... فأصبحت مسفره
وغدوت وضيئة ... الوجه كالشمس نيره
وبدوت كروضة تبهج ... النفس مزهره
عشت يا زينة المكاتب ... بالخير ممطره!
واحة ظلها ظليل ... بصحراء مقفره
إن بيتا بلا كتاب ... لشبيه بمقبره!
__________
1 - ابنتي وكاتبتي عائشة التي تقوم دائما بتنطيف المكتبة وتنسيقها وتنظيم كتبها.
(2/173)

داري!
داري التي انفتحت على المسجد ... كنت وإياها على موعد
مشرقها المسجد فهي على نور ... فمن ينزل بها يهتد
ومن يعش فيها ففي مأمن ... من مجرم باغ ومن معتد
بوأني الله بها معبدا ... يا حبذا المسجد من معبد
وليس لي جار سوى بيته ... أو الإمام الناصح المرشد
يحقها روض وتزهو بها ... مكتبة كالروض للمجتلي
ومن بنى دارا ولم يتخذ ... مكتبة فيها فلم يرشد
وإن مكتبتي غدت مثلا ... ما مثل مكتبتي لدى أحد
فمنزلي مسجد ومكتبة ... وروضة نضرة إلى الأبد
فالحمد لله على أنعم ... لم تنقطع يوما ولم تنفد
(2/174)

رفيف القلب
(2/175)

دموع اللقاء
لقيني ولدي "رجاء" بعد اعتقالي في زيارة لي بالمستشفى فلما وقع نظره علي خنقته العبرة وطفر الدمع من عينيه ومر على الحادث عام وشهران ثم تمثل لي فجأة لينتزع من نفسي هذه القطعة الطافحة بالألم:
لا تبك عينك في اللقا ... يكفي بكاؤك في الفراق
واستبق دفعك إنه ... ذوب الحشاشة في المآقي
واغنم أويقات الصفا ... ما بين لثم واعتناق
ليست خطوب الدهر ... تحلم عنك للدمع المراق
والدمع ليس بمطفئ ... ما بالفؤاد من احتراق
أ "رجاء" يا رمز الوداد ... المحض في دنيا النفاق
أنت العزاء لذي فؤاد ... مثخن مما يلاقي!!
فإذا ذهبت ضحية ... الأحزان إني غير باق
(2/177)

إلى ولدي رجاء
عندما زارني ولدي "رجاء" بمستشفى "عين النعجة" انهمرت دموعه الساخنة على وجهي وهو يقبلني فأحسست بها نارا ملتهبة تحرق قلبي وتفتت كبدي -وكنت فاقد النطق- فلم استطع أن أعبر عما يجيش بنفسي ويختلج في صدري من ألم وعذاب، وشوق وحنان، وعندما خرج ولدي ودعته عيناي الحزينتان وقلبي الدامي يتفجر بهذه الأبيات، التي أمليتها فيما بعد على ابنتي وكاتبتي:
رجاء أنت رجائي ... وبلسم لشفائي
لو لم أهبك حياتي ... لما رضيت بقائي
لكن أعيش لتبقى ... ممتعا بالهناء
وأئقي عنك دهرا ... يلح في الإيذاء
ويبتلي كل حر ... بفادح الأرزاء
فكن ببيتك بعدي ... من أعقل الأبناء
وكن- إذا غبت يوما- ... كأعظم الآباء
ولا تضيقن صدرا ... بالهم والبرحاء
وعش "لسرين" واسلم ... على المدى "لعلاء"
واحرس "نبيلا" لينجوا ... من الأذى والبلاء
(2/178)

الحفيد الغائب
إلى حفيدي، رضا سحنون الذي فرقت بيننا وبينه الأقدار مدة طويلة:
يا "رضا" أين أنت؟ طال غيابك ... ليت شعري، متى يكون إيابك؟
أنت لم تدر من أبوك ولا في ... أي بيت من البيوت انتسابك
أنت لم تجن أي ذنب لكي ترمى ... بهجر يطول فيه عذابك
يا "رجاء" رضا ابنك البكر قد كان ... مناك وأنت غض شبابك
لا تطل- يارجاء- بعدك عنه ... فهو ذنب به يطول عتابك
لا "رضا" سوف تعرف الأب والجد، ... أهلا بهم يعز انتسابك
وستحلو لك الحياة وتنسى ... كل آلامها ويذهب مصابك
يا "رضا" أنت من سلالة بيت ... ماجد فليزد به إعجابك
لا تطأطئ رأسا ولا تبك حزنا ... قد حوى المجد والفخار إهابك
فرجاء أبوك والجد سحنون ... فلا تخش سبة أصحابك
وإذا ما الكل قصر فالجد ... سيرعاك فلتنم أعصابك
أنا "سحنون " يا رضا لا تخف شيئا ... فسوف ترضى ويعلو جنابك
أنا أرضيك يا رضا وأراعيك ... وأسعى لكي يزول مصابك
وسيبدي لك التلاميذ ودا ... وسيولونك الرضا أترابك
فلتعش يا رضا سعيدا فقد زالت ... مآسيك وانتهت أوصابك
(2/179)

ختان حفيدي
علاء سحنون
ختان "علاء" مبعث للتفاؤل ... بتحقيق ما يسعى له كل عامل
وحفل "علاء" في الربيع مبشر ... بعهد سعيد للربيع مماثل
ووجه علاء كالربيع صبا ضحة ... وروعة حسن مثل ورد الخمائل
لذلك نرجو أن يكون ختانه ... بداية عهد بالمسرات حافل

حفيدتي
نسرين سحنون
أأنت ورد أم أنت "نسرين"؟ ... أم أنت كلتاهما وياسمين؟
بل أنت أبهى الزهور أجمعها ... بل أنت تطوير وتمدين
من أين للورد لون خديك أم ... من أين للنسرين تلوين؟
وإنما أنت سحر عصفورة ... لها غناء حلو وتلحين
فلا "علاء" ولا "نبيل" له ... سحرك فلتسعدن "نسرين"
(2/180)

نجاح نسرين
إلى حفيدتي نسرين سحنون بمناسبة نجاحها في امتحان شهادة البكالوريا. "نسيرين" خير من النسرين لو فطنوا ... فكيف سموك - يا نسرين- نسرينا؟
والورد خير من النسرين لو علموا ... فوردة أنت تكوينا وتلوينا
والاسم ليس ببان وحده شرفا ... إن لم تضيفي إليه العلم والدينا

بسمة غضة
إلى حفيدي الصغير "عادل سحنون"
بوجهك ألمح يا "عادل" ... حيا يسيرها عادل
فتغدو به أرضنا جنة ... ويطلع كوكبنا الآفل
وتشرق في الأفق شمس ... السلام وذلك ما يأمل الآمل
أ "عادل" دم بسمة غضة ... بها يختفي يأسنا القاتل
ويحيا الرجاء بقلب "رجاء" ... ويورق روض المنى الذابل
(2/181)

أعادل
إلى حفيدي، الجميل الفنان الحساس: عادل سحنون.
"أعادل" يا كوكابا في سمائي ... ويا ثمرا ناضجا من عطائي
ويا نغمة حلوة من غنائي ... ويا بسمة عذبة في شقائي!!
ويا ومضة أشرقت في "رجائي" ... ويا زهرة عبفت بالسخاء
ويا صحورة حية من إبا ... سلمت لتبقى مثال الوفاء
وصدق الولاء ونبل الإخاء

إلى ابنتي سعيدة
"سعيدة" يا حلم نفس سعيده ... وبسمة فجر الحياة الجديدة
وتمثال نبل عزيز المنال ... وصورة حسن ستبقى فريده
حياتي سأنفقها كلها ... لتحقيق كل مناك البعيده
وأبذل كل الذي في يدي ... لكي تظفري بالحياة الرغيدة
(2/182)

إلى ابنتي الغالية، سعيدة
أي ابنة كسعيده ... لها المزايا الفريده
نبلا وهمة نفس ... كالنيرات بعيده
وحسن رأي وذوق ... مع السجايا الحميده
أما الجمال ففيه ... بين اللدات وحيده
حازت من الغصن قدا ... حوت من الظبي جيده
فكل بيت حواها ... حوى الحياة السعيده
لا يعرف الحزن يوما ... ولا الخطوب الشديده
بل كل يوم تجلى ... له، رأى فيه عيده

سعيدة ابنتي
زارتني ابنتي سعيدة وأنا رهن الإقامة الجبرية بمنزلي، فرأيت الحزن مخيما على وجهها الصبوح وتنطق به ملامحها الجميلة، فعانقتني وانفجرت باكية، فتأثرت تأثرا عميقا أوحى إلي بهذه الأبيات:
سعيدة عادت لي بكل كيانها ... بنبل محياها وصدق حنانها
وقد رجها الخطب الذي لم يكن له ... شبيه، ولم تعرفه دنيا جنانها
أيحبس دنيا الخير باغ مسلط ... وتطلق دنيا الشر في عنفوانها؟
ويحبس "سحنون" أبوها بداره ... وكان أبوها آخذا بعنانها
إذا ما أراد الله إهلاك أمة ... أتاح لها من يستهين بشانها
(2/183)

تبا لها دنيا!!
موت الأكباد!! مهداة إلى روح ابنتي "سعيدة"
أتينا إلى الدنيا برغم اختيارنا ... ونرحل عنها مثلما قد أتينا
لقينا بها ما لا نطيق احتماله ... من الهم والآمال فيها أضعناها
وهذ منى نفسي "سعيدة" لم أذق ... هناء حياتي مذ فقدت محياها
بها نزل الموت المفرق فجأة ... كصاعقة! لم ندر كيف فقدناها
ولم يرحم البيت الذي هي روحه ... ولا أسرة تحنو عليها وترعاها
ولم يقدر العشر الأواخر قدرها ... ولا العيد إذ في ليلة العيد وافاها
ولم يرحم البنت الوحيدة بعدها ... "نعيمة" إذ كادت تلاقي مناياها
ولم يك- لما زارها الموت عندها- ... سواها فكادت أن تجن لبلواها
ولا حافظ القرآن منية أمه ... "مرادا" ولا الآي الكريمة راعاها
ولم يرع "سلمانا" ولا بكر أمه ... "فؤادا" ولا الزوج الذي ليس ينساها
وإني من هول المصاب شقيقها ... "رجاء" ولم يصبر أبوها لمنعاها
ولا أخوات لم يصبن بمثلها ... صعقن جميعا للردى إذ توخاها
فلله ما أشقى الورى بحياتهم ... ولله ما أشقى الحياة وأقساها
(2/184)

وتبا لدنيا لا يدوم صفاؤها ... ولا تنقضي آلامها ورزاياها
ويا عجبا ممن يغر بزيفها ... ويعبدها حبا وينسى بلاياها
فيا عالم النجوى ويا راحم الورى ... وكاشف بلواها وسامع شكواها
سألتك إيمانا برحمتك التي ... وسعت بها الدنيا وعمت عطاياها
سألتك لطفا عاجلا يطفأ الجوى ... وصبرا يقي نفسي مفاتن دنياها

الجزائر آخر يوم من رمضان 1415 للهجرة.
(2/185)

ساعة الدفن
مهداة إلى روح ابنتي "سعيدة"
ليس شيء يفتت الأبادا ... مثل أن يدفق الأب الأولادا
قطع تسكن القلوب فتغزوها ... المنايا فتسكن الألحادا!
وأنا مذ دفنت إحدى بناتي ... واكتسى بيتها الوديع الحدادا!
لم أذق للحياه طعما ولم أشعر ... سوى بالهموم تغزو الفؤادا!!
يا سعيدة مذ دفنتك لم أشتق ... طعاما ولا استسغت رقادا!
وإذا ما أردت نسيان ذكراك ... ذكرت من بعدك الأولادا!
أو أنسا "نعيمة" طلعة الشمس ... وهل أستطيع أنسى "فؤادا"!
ثم "سلمان" وهو قد هده الخطب ... أأنساه ثم أنسى "مرادا"!!
يا لدنيا الغرور كم نتتفاني في ... هواها حبا وكم نتعادى!!!
كل يوم نزداد فيها شقاء ... وبلاء وما بلغنا مرادا!!
ثم ننسى ما سوف نلقى من ... الموت وما بعده وننسى المعادا
رب فارحم "سعيدة" واعف عنها ... وارعها وارع بعدها الأولادا
ومر الصبر أن يجاور مثواهم ... ليمحو الأسى ويجلو السهادا
وتداركهم بلطفك واحفظهم ... وزدهم تآلفا واتحادا!!

الجزائر في أول يوم من شوال 1415 للهجرة.
(2/186)

غياب سعيدة
"سعيدة" غابت ولم ترجع ... فيا لك من نبإ مفزع
ظنناه محض خيال غريب ... تصوره مرجف مدع
"سعيدة" ماتت كأن لم تعش ... بأحلامها بغد ممرع
هو الموت يأكل أحلامنا ... ويأكلنا وهو لم يشبع
سعيدة إن لم تعيشي ولم ... تعودي فنحن على المهيع
سنلحق يوما بمن قد مضوا ... بسير حثيث الخطى مسرع
"سعيدة" نومك رهن الثرى ... أطار هجوعي فلم أهجع

عيد "سعيدة"
الناس في أهليهم قد عيدوا ... "وسعيدة" قد عيدت في قبرها
وجميعهم نعموا بشمل جامع ... "ونعيمة" ذهب المصاب بصبرها
من يوم أن ذهب الحمام بأمها ... فشغلت عن كل الأمور بأمرها
(2/187)

أعائش 1
أعائش: يا دنيا لحوني وأنغامي ... ومسرح آمالي ومشرق إلهامي
إذا طفحت نفسي بآلام دهرها ... ذكرتك فانجابت همومي وآلامي
كلامك في أذني كالشهد في فمي ... ونثرك مثل الشعر يبرئ أسقامي
ودمعك ما أجريته حين نلتقي ... على الخد إلا زاد شقوة أيامي
فلا تذرفي- بالله- دمعك إنني ... أحس به سهما على قلبي الدامي
لئن غاب عن عيني محياك لم يغب ... خيالك عن قلبي ولا حبك النامي
وإن غاب عن أذني حديثك إن في ... خطابك ما يشفي بتعبيره السامي
فصبرا على الخطب المفرق بيننا ... فعقباه أن نحظى بعز وإعظام
ولا تيأسي فالليل لا بد منته ... دجاه بصبح مشرق النور بسام
ويجتمع الشمل الشتيت وننتشي ... بتحقيق آمال كبار وأحلام
__________
1 - "عائش" هي ابنة الشاعر وكاتبته، وكان يدللها بعائش، وعيش وما إلى ذلك من أسماء التدليل.
(2/188)

أعائشتي
أ "عائشتي" أنت أمنيتي ... وأنت نشيدي وأغنيتي
جمال بديع وذوق رفيع ... وذهن سريع، صفات ابنتي
فيا شغل فكري ويا وحي شعري ... ويا خمر سكري ويا نشوتي
أعيذك من نزوات النفوس ... وأهوائهن ومن غضبة
أعيذك من حسد ملحف ... يهد قواك ومن غيرة!
أعيذك من كل خلق يشين ... فضائلك الغر يا ظبيتي
فحسبك أنك لي كوكب ... ينير بلؤلئه ظلمتي
وحسبك أنك سلوى الفؤاد ... تذودين حزني في غربتي
(2/189)

ابنتي كاتبتي
إلى ابنتي عائشة
أأنت ابنتي أم أنت كاتبتي التي ... حفظت بنات الفكر من كل ضيعة
وإلا لضاعت واستبد بها الردى ... وفي ذاك تضييع لأعظم ثروتي
وأوتيت حسن الخط أعظم ميزة ... خصصت بها أغنتك عن كل ميزة
وحسبك أن الله أقسم معلنا ... لقيمته الجلى بأقدس آلة
فقد أقسم الرحمن بالقلم الذي ... به خلدت آتار كل حضارة
ألا سلمت تلك الأنامل إنها ... تسجل أشعاري تراثا لأمتي

إلى ابنتي وكاتبتي "عائشة"!
لك فضل على خلود بياني ... يا مثال الذكاء والإتقان
أنت لي الكاتب المعبر عما ... في ضميري وما يكن جناني
بيراع يغني بجودة خط ... وبيان عن آلة الإنسان
أقسم الله باليراع ولم يقسم ... بفضل اللسان في القرآن
إن فضل اليراع أبقى على ... الدهر وأثرى من معطيات اللسان
لا تظني أني نسيت الذي ... قدمته يا ابنتي- من الإحسان
أنت ذكرى أمي وهيهات أن ... يدنو منها طيف من النسيان
(2/190)

إلى أم أولادي
"أعائشتي" كوني بأمك برة ... فلو لم تكن كانت حياتك مرة
فلا تغضبي يوما عليها فتهلكي ... ولا يك عصيان لها منك مرة
فأمكم كانت سياجا عليكم ... وكانت ملاكا عفة ومبرة
تضحي لكم بالنفس حبا ورحمة ... وتدعو لكم بالحفظ سرا وجهرة
وإن مسكم يوما سقام تفزعت ... وكادت تلاقي الموت هما وحسرة
فإن تغضبوها تغضبوا الله ربكم ... وتجنوا عليكم سبة ومعرة

همسة في أذني حفيدي
"فؤاد ومراد"
صبوتي بين فؤاد ومراد ... صبوة الروح إلى أعظم زاد
فكلا ابني مثال نادر ... من ذكاء وكمال ورشاد
غير أني في اشتياق مقلق ... "لفؤاد" كل يوم في ازدياد
لم يزرني- فليزرني مسرعا- ... أيعيش الجسم من غير "فؤاد"؟
(2/191)

أفؤاد عش
إلى حفيدي فؤاد بمناسبة عقد قرآنه، بعد وفاة أمه سعيدة:
أفؤاد عش دنيا السرور ... ولا تعش دنيا الحزن
فلسوف تلقى في الزواج ... شفاء قلب يمتحن!
ولسوف تنسى ما لقيت ... من المصائب والمحن!!
الحزن بئس الزاد في ... دنيا الكوارث والفتن
والصبر نعم الزاد ... فهو الكنز ليس له ثمن
دنياك فرصتك الوحيدة ... لا تضيعها إذن!!
عشها كعدن فهي ... عدن قبل أن تلقى عدن
وارحم "سعيدة" فهي لم ... تفرح وماتت بالحزن

الجزائر في 27 جويلية 1995م.
(2/192)

يا فؤاد
إلى حفيدي فؤاد في يوم زفافه:
يا فؤاد: ليطمئن فؤادك ... صافحتك المنى وزال سهادك
إذ بنيت العش الجميل ... وأكرمت بزوج بها يتم مرادك!
فيها ستعيش عيشا كريما ... تتوالى في ظله أعيادك!!
فالحياة بدون زوج كسجن ... ليس يرجى في ظله إسعادك
والزواج كجنة فاغتنم حطك ... منه وليستفد منه زادك
ولتكن برفيقة العمر برا ... وليحطها على الدوام ودادك
شيمة المؤمن الوفاء على طول ... المدى وليكن عليه اعتمادك

الجزائر في 21 مارس 1996م.
(2/193)

دنيا الطفولة
إلى سعيدة الصغرى، ابنة حفيدي فؤاد
دنيا الطفولة دنيا لا تدانيها ... دنيا ولو أنها الدنيا وما فيها
والطفل في البيت روح البيت يملؤه ... حبا وطهرا وتقديسا وتنزيها
والبيت روضة أنس إن بحل به ... طفل رأت رداء الأنس كاسيها
والبيت ليس به طفل كمقبرة ... قد ألجم الصمت من حلوا بواديها
والطفل أول موجود قد احتفلت ... له الحياة وآوته مغانيها
وأينا لم يكن طفلا غداة أتى ... هذ الحياة وأمسى من أهاليها
والعقم داء به تشقى الحياة وفي ... سحر الطفولة ما يشفي مآسيها
وهل كعصفورة في الروض شادية ... تحيي النفوس بعذب من أغانيها؟
(2/194)

رسائل صغيرة إلى فراخي الصغار
سعيدة
سعيدتي يا منية الأسرة ... لا تهلكي بالهم والحسرة

عائشة
أعائشتي يا صورة المجد ... لا تحزني فالحزن لا يجدي

رجاء
رجاء يا ينبوع إلهامي ... أنت الرجاء لقلبي الدامي

زينب وفوز
أعائشتي أبلغي زينبي ... تحية أب بها معجب
وقولي لها: إن فوزا أخوك ... فلا تحسديه على منصب
فإن يك لك حسن الغزال ... ففوز له حيلة الثعلب

أم أولادي
حامية العش عليك السلام ... عيشي لأفراخي حمى لا يضام
(2/195)

أحمد سحنون الصغير
قال لي ولدي رجاء عندما رزق بولده الصغير أحمد:
سأسميه- يا أبي- أحمد ليخلد اسمك ويكون أحمد سحنون الصغير، فسرني ذلك وهنأته بهذه الأبيات:
رجاء يهنيك "أحمد" ... إذ هو مجد تجدد
بنوك مثلك حسنا ... كالشمس ضوءا وسؤدد
من كنت أنت أباه ... فالنبل فيه مؤكد
"رجاء" ذكرك باق ... على الزمان مخلد
(2/196)

باقة شعر للأحبة
(2/197)

تحية
إلى الأخ الكريم إمام الدعوة الإسلامية الشيخ محمد الغزالي حفطه الله.
بمثل "الغزالي" تحيا الأمم ... وتبلغ في المجد أعلى القمم
إمام تبوأ عرش القلوب ... وأثنى على فضله كل فم
أنارت معارفه كل أفق ... كغيث سقى أرض وعم
(2/199)

مراد هبة السماء
إلى الإمام والواعظ والخطيب والخلق السمح: مراد خيشان من المعجب به والمباهي به: والده الروحي أحمد سحنون.
"مراد" يا هبة السماء ... "مراد" يا روعة الوفاء
"مراد" يا نعمة الضياء ... "مراد" يا قمة العطاء
"مراد" يا يسمة الرجاء ... "مراد" يا ومضة الذكاء
يا آية الطهر والنقاء ... يا نبعة الحب والولاء
"مراد" يا لذة الشفاء ... "مراد" يا نشوه اللقاء
متعك الله بالبقاء ... وفي أمان من البلاء
"مراد" يا هبة السماء

الرفيق الوفي
إلى أفضل جليس وخير أنيس، إلى الإبن الروحي: الوفي النقي عبد الحكيم عمرون الذي سعدت بطيب صحبته وجميل رفقته.
يا رفيقا كل ما فيه جميل ... قلبه الطاهر والخلق النبيل
تخذ الصدق شعارا والوفا ... ووفاء الناس في الدنيا قليل
لك حبي وولائي فلتعش ... مطمئن النفس يا نعم الخليل
وليعش بيتك رمزا للعلا ... في سلام إنه الظل الظليل
(2/200)

زرعنا الطيب
مهدة إلى شبيبة "أسامة بن زيد"
ألا يا زرعنا الطيب ... سقاك المطر الصيب
فأما خلقك السمح ... فرأس المال والربح
فما أتقى وما أهدى ... شبابا يعشق المجدا
شبيتنا ذخيرتنا ... بها تقوى عزيمتنا
بها تحمى عقيدتنا ... بها تعلوم مكانتنا
فيا أغلى أمانينا ... ويا أحلى أغانينا
ويا صبحا لنا أنور ... ويا حلما لنا أخضر
سأحميك مدى العمر ... من الإلحاد والكفر
فتغذو القدوة المثلى ... وتمسي المثل الأعلى
ويا عالمنا السحري ... إليك هدية الشعر
فإنك قمة الفخر ... وإنك غرة الدهر
(2/201)

يا طبيبا
إلى الأخ الطبيب "عبد الحميد صايشي"
يا طبيبا لم أدعه بل أتاني ... لعلاجي تطوعا وابتداء!!!
طرق الباب، قلت: من طرق ... الباب، فقال: أنا طبيب جاء
حاملا للشفاء قال: لمن يحمل ... في نصحه إلينا الشفاء
قلت: أهلا لمن يطب لشعب ... عاش يشكو الأدواء والأرزاء
وسلاما "عبد الحميد" ومرحى ... بالطبيب الذي يزيح الشقاء!!
أنت رمز الفداء في أمة ... تحتاج منا تضحية وفداء
أنت ممن يعطون من قبل أن ... طلب منهم تكرما وسخاء!!!
إن في اسمك ما يذكر باسم ... خالد عاش يحمل الأعباء
إنه اسم "عبد الحميد" الذي ... سر الصدق وأكمد الأعداء
أنت للطب و"ابن باديس" ... فكل بنى فأعلى البناء للعلم
ولذا سوف يحفظ اسمك شعب ... ليس ينسى البناء والبناء
(2/202)

عبد الحميد صايشي
"الطبيب الذي حفظ القرآن في السجن"
يا حافظ القرآن وهو طبيب ... تفديك أجسام لنا وقلوب
كنت الرقيب على الجسوم فصنتها ... واليوم أنت على القلوب رقيب
فاشف الجسوم بطبك المحيي ... فكم أنقذت جسما بالسقام يذوب
ثم اشف بالقرآن داء قلوبنا ... فبه القلوب من الشرود تؤوب
يهنيك- يا عبد الحميد- فضائل ... ما نالها-بين الرفاق- طبيب!!
طب وقرآن وخلق آسر ... فاهنأ فإنك للجميع حبيب

تحية إعجاب
للحكيم سعيد شيبان
شيبان أوتي علم الطب والدين ... فكان أرأف بالمرضى المساكين
والله يؤتي "بفضل منه" حكمته ... من اصطفاه لتشييد وتمكين
والطب والدين في الإسلام ما ... اجتمعا إلاعلى كل تعمير وتمدين
ليت الأطباء كانوا مثله لنرى ... حضارةه الضاد في كل الميادين

3 شعبان 1408 للهجرة 21 مارس 1988 م
(2/203)

إلى شاعر الصحوة الإسلامية
مصطفى الغماري
يا "مصطفى" يا شاعر الصحوة ... هذ حياة الهم والشقوة
الشاعر الغريد لا ينتهي ... من محنة إلى محنة
يعيش ما بين أناس بلا ... فهم يقضي العمر في غربة
يجتر ما يشكوه لم يلق من ... يسمع ما يشكوه من كربة
لمن تغني يا هزار الحمى ... والناس في نوم بلا يقظة؟
لا يطربون إذا شدوت ولا ... يدرون ما في الشعر من روعة
إن رمت أن تشدو فاقصد إلى ... إخوتك الأطيار في روضة
هناك تلقى من يصيخ إلى ... غنائك الساحر في نشوة!!
فاصدح وغرد واطرب كما تشتهي ... واقض هناك العمر في غبطة
كطائر يأوي إلى شكله ... يعيش في أنس وفي بهجة
يا بلبل الفصحى وغريدها ... وفخرها "يا شاعر الصحوة"
إن نحن سمينا بروادكم ... فأنتم في الشعر في القمة
عشر دواوين وأربعه ... ما مثلها أبلغ في الحجة!!
لا تترك الشعر فدرب العلا ... يقطعه الشاعر في وثبة
دنيا بلا شعر كزهر بلا ... عطر وإيمان بلا عفة
لا تجمل الدنيا بلا شاعر ... يعلن ما فيها من الحكمة
(2/204)

هنيئا ... يا أبا الأجيال
إلى الأديب الكبير الداعية المجاهد الشيخ أحمد سحنون
سلاما لا نجي الغربة الخضرا ... سلاما أيها الشاعر
ويا شاهد عصر لم يزل بشرى ... وطبعا ضمه الخاطر
يفيء إليك ظل النخلة ... السمرا لأنك فيئها الغامر
وتغدق تينة بالكلمة العذرا ... ومنك هتافها الساحر
ومنك الوجد بوح الشهقة ... السكرى بليل الحضرة الساهر
دموع من لقاء الله لا تعرى ... وقلب بالهدى عامر
وفيك المجد رغم الموجة ... النكرا تلم غثاءها العابر
وتعصر من سراب وارد ... خمرا وتحا حالمها العاطر
...
هنيئا أبا الأجيال ... بعد العيد أعياد
وطير العمر يا ... أعياده حر وغراد
وموسم صحوة الأوراس ... أمجاد وأمجاد
مداها الخالدان ... الأخضران الذكر والضاد
وأنت الرمز لا يثتيه ... إرعاد وإرباد
(2/205)

ولا المد الذي مدوا ... ولا الكيد الذي كادوا
فكان لنا مع الإفلاس ... يا للعار ميعاد
أبا الأجيال ما ... للدرب تحفر فيه أوتاد
فرابطة بلا ربط، ... وإنقاذ، وإرشاد
ومجهلة ... قصاراها ... تسابيح .. وأوراد ...
وأرسدة وفرنسة ... ومركسة وإلحاد
أبا الأجيال منك شفاء ... من زلوا ومن حادوا
فوحدنا على قدسية ... سمحى ... هي الزاد
هنيئا يا أبا الأجيال ... بعد العيد أعياد
وطائر عمرك الميمون ... في الأعياد غراد

مصطفى الغماري
(2/206)

إلى شاعر العواطف الصادقة
مصطفى الغماري
أيا ملحمة كبرى ... ويا فارسنا الظافر
ويا ثورتنا العطمى ... على الملحد والكافر
ويا غضبة شعب ... مسلم مستبسل ثائر
ويا روضتنا الغناء ... يا غريدنا الساحر
تفجرت لنا نهرا ... وفجرا صادقا باهر
وقد أسمعتنا شعرا ... كنفح الروضة العاطر
فحلق في سماء الشعر ... يا أكثر من شاعر
وخض في بحره الطامي ... فإنك سابح ماهر
فشعرك وجه الشعر ... إلى منبعه الطاهر
وضمد جرحنا الدامي ... بشعر ساحر آسر
فشعبك لم يزل يشكو ... أذى المتجبر الكاشر
وللشاعر ثورته ... على المتسلط الجائر
فكن يا "مصطفى" حربا ... على الخائن والغادر
وته بقريضك الحادي ... عالى متشاعر فاجر
فأنت الكوكب الهادي ... وأنت المثل السائر
(2/207)

إلى ابننا الشاعر الصوفي
مصطفى الغماري
سبحات أوحت بها ليلة القدر ... شفاه جبريل تأسو الجراحا
رددتها شفاه قيثارة الشعر ... فأحيا القلوب والأرواحا
مذ شدا "مصطفى" غدا شاعر الدنيا ... وكان على الزمان اقتراحا
وسرى شدوه ليأشو دنيانا ... فصارت أحزاننا أفراحا
أيها النائمون قوموا فهذا الشعر ... قد حرك الربى والبطاحا
وتهادى بالسحر لللطود والدوح ... فهز الأطواد والأدواحا
كم دعوا شاعرا وليس له شعر ... وسموه بلبلا صداحا
أجدبت روضة القريض وشحت ... منذ صار حمى القريض مباحا
إن للشعر أهله فإذا غابوا ... فقل للجميع ألقوا السلاحا
(2/208)

أبا غدة!!
كنت قد قرأت كتاب: "صفحات من صبر العلماء" لمؤلفه أبو غدة عبد الفتاح، وأعجبت به كثيرا وتمنيت لو أكمل هذا الموضوع بإضافة جزء آخر يستوعب فيه ثمار الصبر في سائر المجالات، فإن الصبر أساس كل عمل ناجح.
ولما زارني الؤلف في منزلي يوم 17 شوال 1402 للهجرة 7 أوت 1982م
عندما زار الجزئر في الملتقى السادس عشر للفكر الإسلامي فاتحته في هذا الوضوع وعرضت عليه الاقتراح ضمن هذه الأبيات:

"أبا غدة" قد زرتنا بعد مدة ... ذكرناك فيها بالجميل من الذكر
على"صفحات" فذة قد كتبتها ... تبين أن العلم يدرك بالصبر
وبالصبر يبنى كل مجد ويرتقى ... وبالصبر يعنو كل صعب من الأمر
فليتك حققت المنى وأتيتنا ... بسفر به تزداد فخرا إلى فخر
فحقق أمانينا بسفر تضمه ... إلى سفرك الماضي تنل وافر الشكر
(2/209)

في سبيل الفضائل
مهداة إلى الدكتور ثابت
قد كان يدعى ثابتا ... لينال كل مرامه
فوفى بمعناه وراح ... يعيش في أحلامه
لكن أحلام العظيم ... تزيد في آلامه
ضربوه ظلما ما له ... ذنب سوى إسلامه
ضربوه ضربا كاد ... لورد يسلمه حمامه
جعلوا فضائله التي ... تعفيه من إجرامه
تعس ابن آدم إذ ... يكون الفضل من آثامه
قد حاربو لأنه ... قد سادهم بسلامه
سجنوا الطبيب فمن ... يداوي الشعب من أسقامه؟
لله ما يلقاه هذا ... الشعب من حكامه
تبا لعصر لا يسود ... به سوى ظلامه
(2/210)

إلى أخي العظيم، أبي بكر جابر
سبفت إلى أسمى المعالي أبا بكر ... كما عاش سباقا إليها أبو بكر
وأصبحت نجما في العلا يهتدى به ... كما يهتدى في ظلمة الليل بالبدر
ولا عجب إن كانت سميت جابرا ... فكم من مهيض نحوه قمت بالجبر
كم من يد أسديتها لي عقرتني ... بها عن أدائي نحوها واجب الشكر
فلا زلت في دنيا المكارم آية ... تضيف لها دنيا من الصيت والذكر

هدية متواضعة
إلى ابننا الكريم الأستاذ عبد العزيز السلومي الذي احتفى بمقدمي إلى أرض الحرمين الشريفين وأكرمني غاية الإكرام شكر الله صنيعه:
أقر الله عينك "بالحكيم" ... ولا خابت ظنونك في "تميم"
ودام لك النعيم بوجه طفل ... جميل قد تسمى "بالنعيم"
وإن الطفل يشبه والديه ... بما يأتيه من خلق كريم!!
أيا "عبد العزيز" لقيت خيرا ... بما أسديت من فضل عظيم

مكة المكرمة 12 ربيع الثاني 1408 للهجرة 4 ديسمبر 1987م.
(2/211)

إلى الصديق الصادق الأخ "بوقادوم" عبد الرحمن
الذي لم يتخل عني في محنتي
لست أنسى- ما عشت- خير صديق ... كان رمز الوفاء في يوم ضيق
كيف أنسى "عبد الرحن" الذي عاش ... مع الأصدقاء وسط الحريق؟
كيف أنسى من ليس ينسى صديقا ... أو ينسى حر رفاق الطريق؟
لست أنسى من كان لي بعد ... إبراهيم أرعى لعهد حب وثيق
دمت "عبد الرحمن" رمز وفاء ... للإخاء وصورة للصديق

إلى ابني البار عز الدين معاش
سميت "عز الدين" ثم عززته ... فأصبحت عز الدين صدقا وتطبيقا
وبالخلق والعقل اكتملت حصافة ... فصرت بتكريم الكرام خليقا
ولم تنسني في محنتي بل رعيتني ... وكنت لي ابنا طيعا وصديقا
سأبقى على صدق الوفاء محافظا ... ويبقى لساني بالثتاء طليقا
(2/212)

إلى مجلد كتبي
"أبو جمعة"
ما كان من حق "أبي جمعة" ... نسياننا أكثر من "جمعة"
لم يرحم المحبوس في بيته ... وهو أحق الناس بالرحمة
وإن يكن يصبر عن صحبه ... فإنه للكتب ذو صبوة
فليأتني فورا فإن لم يطق ... فليسأل "الهاتف" عن حاجتي
هذا ولا أنسى له فضله ... بما حبا كتبي من خدمة

الصدق
مهداة إلى الصيق الصادق والعالم الجليل "الأستاذ عبد الرحمن شيبان"
تبينت نورا شع في وجه صاحبي ... فبت قرير العين أهتف مسرورا
أعيذك من دعوى الصداقة ناصحا ... فلا تك بالبهتان والزور مغرورا
فما كل من يدعى صديقا بصادق ... سوى من ترى للصدق في وجهه نورا
(2/213)

إلى ابننا البار
"كمال" لغويني
ما "كمال" إلا مثال كمال ... وبأمثاله تشاد المعالي
ذو سجايا قد جنبته الدنايا ... ومزايا تشع بالآمال!
ويراع يخط كل جميل!!! ... وجمال اليراع سر الجمال!
وإذا فزت يا "كمال" بزوج ... ذات خلق بلغت كل منال!
يا كمال كملت دينا ودنيا ... ليت كل الشباب مثل "كمال"

صحبة "رضوان غليد"
رضيت من الدنيا بصحبة "رضوان" ... لما فيه من نبل وفضل وإحسان
وهل كان "رضوان" سوى بسمة الرضى ... تداعب أحلامي وتذهب أحزاني
فدل بأن الصدق لم بخب نوره ... على رغم ما عانيت من بعض إخواني
أ "رضوان" عش للنبل والمجد والعلا ... عليك من المولى سحائب رضوان
وإياك أن ترضى بصحبة معشر ... رضوا أن يعيشوا كالعبيد لسلطان
فدنياك دنيا الزيف والحيف والأذى ... قد امتلأت من كل زور وبهتان
ولا خير في الدنيا إذا لم تقم بها ... حكومة عدل من حديث وقرآن
(2/214)

أخوان
مهداة إلى الأخوين "عبد الرحمن سعادة ومحمد سعادة"
أخوان تعاونا في البناء ... فاستحقا معا عظيم الجزاء
ورأى الناس منها الصدق ... والإخاص فاستوجبا جزيل الثتاء
ونجاح البناة حب من الله ... ومن خلفه طويل البقاء
شاد "عبد الرحمن" مجدا وجاراه ... أخوه "محمد" في البناء
هكذا فليك الإخاء سباقا ... للبناء فذاك لب الإخاء

عبد الرحمن سعادة
ما "لعبد الرحمن" بين الرجال ... في جليل الأعمال من أمثال
شاد بنيانها العظيم على الصدق، ... فلم يع بالجهود الثقال
ورأى الله صدقه فحمى ... مشروعه بالعظيم بين الرجال
ليس فضل الرجال محض ادعاء ... إن فضل الرجال بالأعمال
(2/215)

محمد سعادة
لأنت أخي صورة للسعادة ... فلا عجب أن تسمى"سعاده"
سبقت كل معاني الكمال ... جمال خصال وحسن عبادة
ورمز سخاء ونبل حياء ... ومجد إباء وصدق زهاده
فدم يا "محمد" عنوان فضل ... ولابن الجزائر أزكى شهاده

هنيئا حجك المبرور
نظمت بمناسبة عودة صهري عمر مسعودي من أداء حجته.
غبت عني والمشكلات حضور ... وتوارت مسرة وحبور
وتوالت مصائب وهموم ... واستجدت بعد الأمور أمور
وتلفت لم أجدك بجنبي ... فإذا هذه الحياة غرور
إن من لم يكن لديه صديق ... تتحداه في الحياة الشرور
عمر -يا رفيق عمري- هنيئا ... لك- ما عشت- حجك المبرور
(2/216)

مصطفى
مهداة إلى ابني "مصطفى لونيس" بمناسبة زواجه.
مصطفى يا مثال نضج الشباب ... يا نبيل الآداب والأحساب
يا بناء من الفضيلة يا رمز ... وفاء للأهل والأصحاب
يا نشاطا ويا حماسا ويا جدا ... دؤوبا يمضي مضي الشهاب
رب فرد يفوق جمعا وجمع ... دون نفع مثل الصدى في اليباب
أو سراب يظن ماء ولا ماء ... ولكنه خداع السراب
"مصطفى" يا رصيد مجد سيبقى ... يتحدى تطاول الأحقاب
هذه باقة من الشعر أهديها ... إلى باقة من الآداب
ذاك يا مصطفى مكانك من ... كل المحبين من ذوي الألباب
ليلة العرس هذه ليلة العمر ... وهل هي منه غير اللباب
فاغتنمها وانعم بها وانس ما كان ... من الاضطراب والاكتئاب
إن يوما بلا زواج ليوم ... هو في الطول مثل يوم الحساب
يا شباب استجب لدعوة طه ... لا تعش يا شباب عيش اغتراب
إن تركت الزواج عشت بلا دين ... ولم تخل من أسى وعذاب
(2/217)

ليس كالتزويج
مهداة إلى الصديق الكريم الشيخ "عبد اللطيف سلطاني" بمناسبة تزويج ابنه "توفيق".
ليس كالتزويج فرحه ... أيها الباذل نصحه
بلسم يستأصل الداء ... ويشفي كل قرحه
وإذا حابك الدهر ... فقد يعلن صلحه
قر عينا إنما "توفيق" ... من روضك نفحه
طالما لاقيت في إصلاح ... هذا الشعب ترحه
إن من يدعو لدين ... الحق لا يعدم برحه
نحن جاهدنا لكي ... نشفي لهذا الشعب جرحه
جرحه القاتل أن لا ... يدرك المسلم نجحه
نحن جاهدنا لكي ... نعلي للإسلام صرحه
وسعينا كي نرى ... المسلم قد ضاعف ربحه
وانطوى ليل أساه ... وأزال الصبح جنحه
فمتى ينبلج الصبح ... لمن يرقب صبحه؟
فلنواصل عرض هذا ... الدين للناس وشرحه
(2/218)

ولنتابع دعوة العالم ... للسلم وللخير ونصحه
لا يخاف المؤمن ... الحق ولو أيقن ذبحه
وكذا المصباح يفنى ... وهو يغطي الناس رشحه
يا فتى الإسلام هذا ... الكون يرجو منك فتحه
كن متى تدعوه سمحا ... شرعة الإسلام سمحه
وادع بالحكمة تضمن ... نصرة الحق ونجحه
أنا لا أهديك إلا ... الشعر إن الشعر ملحه
أي طعم لطعام إن ... تذق لم تلف ملحه؟

الجزائر في 9 ذي القعدة 1401 للهجرة الموافق 8 سبتمبر 1981م.
(2/219)

أخ لا ينام
أجريت عملية جراحية للأخ الكريم الشيخ "عبد اللطيف سلطاني" وهو رهن الإقامة الجبرية بمنزله "بالقبة" وبلغني النبأ الفاجع وأنا مثله رهن الإقامة الجبرية وبلغني أنه لا ينام لشدة الآلام، فبت ليلتي في أرق شديد ولما أسفر الصبح لم أشعر إلا وهذا البيت يجري على لساني:
أأنام ولي أخ لا ينام ... من جراحاته التي لا تنام؟
فنظمت على أساسه القصيدة التالية وفاء لأخوة الشيخ!

أخ لا ينام
أأنام ولي أخ لا ينام؟ ... من جراحاته التي لا تنام؟
نزعت منه قطعتان لذا في ... موضعين من جسمه آلام
قطعة من جبينه حيث يهوي ... بالسجود وكله استسلام
وأزيلت من رجله القطعة الأخرى ... فتشكو آلامها الأقدام
وإذا ما أضيف جرح بقلب ... دونه ما تحسه الأجسام
وأضيفت إليها علة السنن ... تزيد الآلام والأسقام
عاش "عبد الطيف" يدعو إلى ... الله جريئا كأنه الضرغام
(2/220)

فأثار الأحقاد في الأنفس المرضى ... التي لا يروقها الإسلام
فأشارت بأن يوجه للشيخ ... اتهام يبنى عليه انتقام
نفذ الأمر ثم هوجم ليلا ... ما له جنحة ولا إجرام
وهو قد جاوز الثمانين في العمر ... فأين العقول والأحلام؟
أأنام إذن- وفي بلدي ما ... ليس يرضى وجود الإسلام؟
أأنام ملء الجفون وبيت الله ... يشكو قد غاب عنه الإمام؟
أأنام وليس في أي قطر ... من بلاد الإسلام حد يقام؟
إن إفلاسنا كبير لأنا ... لم يعد بالتراث منا اهتمام
ما بنينا مجدا ولكن هدمنا ... ما بناه لنا الجدود العظام
(2/221)

تهنئة
إلى ابننا الأستاذ حمو بن حرشاش بزواجه السعيد.
ليهنك أن أحرزت من دينك الشطرا ... بإحراز زوج يوجب الحمد والشكرا
وخير متاع في حياتك زوجة ... تقر بها عينا وتسمو بها قدرا
إذا لم يدم بين الصحاب مودة ... فإن وداد الزوج يصحبك العمرا
إذا غبت عنها لم تخنك لأنها ... تدين بدين لا يجيز لها الغدرا
وإن نظرت عيناك يوما لوجهها ... رأيت بها الحسن الذي في الصدرا
وتنجب للإسلام فتيته الألى ... يزيد بهم عزا ويجني بهم نصرا
فحافط على الكنز الذي إن حفظته ... سعدت مدى الأيام لا تعرف الفقرا
(2/222)

الزوجة الفاضلة
إلى صديق بمناسبة زواجه
ما أضيق الدنيا على رحبها ... إذا خلت من زوجة فاضله
وآدم لو لم يجد زوجة ... قضت عليه الوحدة القاتله
حياتنا بحر ولا بد من ... سفينة تبلغنا ساحله
أو صاحب يصدق في حبه ... وليس مثل المرأة العاقله
فيا شبابا عاش في وحدة ... أو صحبة لامرأة سافله
اخرج من الوحدة لا ترضها ... واحذر زواج المرأة الجاهله
فأنت في سجن وفي غربة ... فاحرص على أن تدرك القافله
قافلة الأزواج فهي التي ... تحيا حياة الغبطة الكامله
يا زوج عش بالحب في جنة ... ما الحب إلا جنة عاجله
(2/223)

طلعة وليد
رزق ابننا الأديب الأستاذ سليمان بن الفقيه بابن ذكر بعد خمس بنات سماه -باقتراح مني- محمد، متعه الله بسلامته وطول حياته، فشاركت الأسرة النبيلة- أسرة ابن الفقيه- فرحتها بهذه الأبيات.
يا "سليمان" أي عهد جديد ... فزت فيه بطلعة من وليد؟
من تراه يلقي على البيت نورا ... بعد ليل من الظلام مديد؟
غير وجه "محمد" مثلما أشرق ... وجه محمد في الوجود
طالما عشت ترقب الأمل الباسم ... في لهفة وشوق شديد
فإذا "بمحمد" قد بدا مثل ... هلاهل بدا بليلة عيد
يا لآل الفقيه يغمرهم حظ ... سعيد وأي حظ سعيد؟
أي حظ كطلعة من صبي ... بعد خمس من الحسان الغيد؟
فاحمدوا الله واشكروه يزدكم ... فهو ما زال منعما بالمزيد
وتقبل هدية الشعر يا رمز ... الوفاء فالشعر رمز الخلود
إن دين محمد سوف يعلو ... بجهاد "محمد" من جديد
(2/224)

إلى شريف الخصال
الأخ في الله "ابن علي بلقاسم" بمناسبة ولادة بنت له سماها " نور الهدى".
لقد لاح نور الهدى ... بميلاد "نور الهدى"
وإنك أهل لأن ... تسر وأن تسعدا
لأنك في شرف ... الخصال بلغت المدى
سجايا تسر الصديق ... وأخرى تسوء العدى
فلا زلت يا "بن علي" ... مثالا به يقتدى
وكهفا به يحتمى ... ونجما به يهتدى
ولا زلت في نعمة ... وعشت "لنور الهدى"
ولا حل سوء بها ... ووقيت سوء الردى
(2/225)

تهنئة بالوليد محمد
أهدي المقطوعة التالية إلى الابن الباز الأستاذ "مصطفى الأونيس" الذي طلب إلي أن أختار اسما لابنه الأول متعه الله ببقائه وطول حياته.
بحثت عن اسم لابننا بسمة الغد ... فلم أر في الأسماء مثل محمد
فيا مصطفى ابشر بالوليد فإنه ... سيصبح للإسلام أعظم مفتد
وسوف تراه ثابتا في جهاده ... وسوف تراه منجزا كل موعد
وسوف تراه هادما كل عائق ... وسوف تراه بانيا كل سؤدد
وما الابن إلا صورة الأب إن غوى ... غوى الابن أو يرشد أبو الابن يرشد
ومن يطلب ابنا صالحا فليكن له ... أبا صالحا فالابن بالأب يقتدي
لقد كان من لقيا الربيع بموعد ... ليحيا بمجد كالربيع مخلد!!
3 شعبان 1408 للهجرة 21 مارس 1988م
(2/226)

أهنيك يا "يحيى"
مهداة إلى ابننا الإمام يحيى صاري بمناسبة ولادة ابنه البكر "لقمان".
أهنيك يا "يحيى" بميلاد "لقمان" ... فبسمه "لقمان" نهايه أحزان
وحكمة "لقمان" ستمحو غباءنا ... فحكمة "لقمان" منارات عرفان
سيقبل عهد بالمسرات باسم ... ويدبر عهد من نفاق وبهتان
فنرجو "للقمان" حياة مديدة ... لتنتعش الذنيا بحكمه "لقمان"
(2/227)

فراق الأحبة
(2/229)

فراق الأحبة!
إلى الله أشكو فراق الأحبة ... وما ذقت من كل هم وكربه!
وما قد تحملت من غربة ... وهل كفران الأحبة غربه؟
وما هي غربة جسم يموت ... ويمرض دون ارتقاء وجذبه
ولكنها غربة الروح والروح ... تبقى وتحيا بصفو المحبه
فإن فارقت من تحب ذوت ... ومال الرواء ليقضي نحبه
وفي جمع شملي غذاء لروحي ... وأنس لمن أوحش الشوق قلبه
فيا رب عبدك يرجو قبولا ... لما قد دعا أن تقرب صحبه
فقد طال عن صحبه بعده ... ومنيته أن تحقق قربه!
(2/231)

مات توفيق
القصيدة التي نطمت غداة وفاة صديقي الكريم الشيخ: "أحمد توفيق المدني" 13 محرم الحرام 1404ه، للهجرة 19 أكتوبر 1983م.
مات توفيق! كيف يا توفيق؟ ... يتحدى اجتماعنا التفريق؟
كيف يعدو كف المنايا على ... الصف فيجتاح صفنا التمزيق؟
ومشاريعنا التي قد بنينا ... كيف يجتث صرحها التعويق؟
مات توفيق! أين تمضي أخي ... قل لي؟ وأين اللقاء؟ أين الطريق؟
مات توفيق! أي طعنة سكين ... لها في حشاشبتي تمزيق
مات توفيق! يا له خبرا يذهل ... لم يستطع له تصديق
يا لهول المصاب يا نكبة ما ... مثلها نكبة بشعب تحيق
ألهذا توفيقا نحن خلقنا؟ ... يا لهول المصير يا توفيق؟
أخلقنا لكي نموت فلا يبقى ... طويلا مع الصديق الصديق؟
كيف ننسى اجتماعنا حيث لا ... نكتب إلا مما ينتقى ويروق؟
حيث في مكتب "البصائر" لقيانا ... وكل إلى اللقاء مشوق!
يا أخا الجد والدؤوب: أيا نسرا ... هوى كان دأبه التحليق
(2/232)

إنني لأحس ضيقا بصدري ... والحياة بلا صديق تضيق
دارنا هذه متاع غرور!! ... ليت أنا من الغرور نفيق
مت "توفيق" يا رفيق حياتي ... وأنا بتراب بيتي لصيق
لا أطيق تشييع نعشك للقبر ... فعفوا إن كنت لست أطيق
لم أعد في الحياة حرا طليقا ... ليتني في الحياة حر طليق
إن وجها لصاحب لم يذب ... حزنا لموت صديقه لصفيق
أنا إن أبق- بعد صحبي- فكي ... أبكيهم ثم ليس يبقى الرفيق
لم نعد نلتقي- أخي- إن بعدا ... دونه القبر لهو بعد سحيق
ولي الله بعد موتك فالدنيا ... على رحبها علي تضيق
وفؤادي إن ودع الصحب لا ... يبرحه الحزن فهو حزن عميق
يا صديقا زان الصداقة بالخلق ... الكريم فلم يعبه صديق
قاده الحلم والتواضع للمجد ... فلم يك بالصعاب يضيق
يا حليف التأليف أنفق فيه ... عمره واليراع نعم الرفيق
نم قريرا -أخي- فإن الذي ... شيدت للضاد بالبقاء خليق
فالبناء الذي يشيده العلم ... الصحيح هو البناء الوثيق
ووداعا فليس نعدم لقيانا ... بدار الخلود "يا توفيق"
(2/233)

في ذكرى الشيخ
محمد العيد آل خليفة
ذكرت شاعر هذا الموطن الغالي ... شيخ القريض وباني صرحه العالي
ذكرت أخلاقه المثلى ذكرت به ... دنيا من الود لم تخطر على بال
ولم أك قد نسيت "العيد" فهو أخي ... ولست للأخ بالناسي ولا السالي
كان الوفاء لنا دينا نقدسه ... وحبنا ليس بالفاني ولا البالي
والشعر والحب عاشا توأمين كما ... عاش الندى والشذى في روضه الحالي
الشعر يأوي إلى قلب أقام به ... حب وليس لقلب المبغض القالي
"العيد" عيد القوافي الغر فهو لها ... مجدد بعدما عاشت بأسمال
"العيد" بلبلها الغريد منذ شدا ... شفا "الجزائر" من رق وإذلال
كم كابدت في عهود الرق أمتنا ... من جور حكم ومن هم وبلبال
الشعر حاد حداها نحو غايتها ... حتى هداها إلى تحطيم أغلال
يا "عيد" يا رافعا للشعر رايته ... يهنيك ما نلت من حب وإجلال
ومن خلود لشعر صغت جيده ... يبقى حديثنا لأزمان وأجيال
نحن الألى حرروا بالشعر أمتهم ... وخلدوها بأقوال وأفعال
(2/234)

إن الحياة بلا شعر نلوذ به ... لنبع حزن وآلام وأوجال
لا خير في روضة لا شدو فيها ولا ... في شاعر بات فيها خالي البال
ومن يمت حسه فالشعر ليس له ... إلا كمثل الصدى في المهمه الخالي
"العيد" قد ضمه قبر يضيق به ... من قبل تحقيق أهداف وآمال
ونحن من بعده حتما سنلحقه ... فبعضنا سابق وبعضنا تال
(2/235)

في ذكرى الشيخ العربي التبسي
عاش للدين والوطن ... لم يرد راحة البدن
يومه مثل ليله ... لم يذق لذة الوسن
إنما ذاقكل ما!!! ... يرهق النفس من محن
قد تحدى الصعاب ... والظلم والحرب والفتن!!!
باع لله نفسه!!! ... ورضاه هو الثمن
داره عرضها السموات ... والأرض في "عدن"
كان مثل اسمه على ... لغة العرب مؤتمن
حارسا للحمى غيورا ... على سمعة الوطن!!
كان إيمانه له ... قوة تقهر الزمن!
جمع العلم والتقى ... والمروءات في قرن!
فهو إن عاش أو قضى ... لم يكن بالذي غبن
فاسمه بالعلا ... وبالمكرمات قد اقترن
كان مثل "البشير" في ... علمه وبه وزن
و"ابن باديس" في تقاه ... فمن مثله إذن؟
قام يدعو لله ما ... هاب بطشا ولا جبن
يعلن الحق لا يبالي ... بسخط ولا إحن
(2/236)

كن صريحا شعاره ... لا تنافق ولا تخن
وتحل بالجد لا ... تتهاون ولا تهن
كان فذا في فهمه ... للكتاب وللسنن
فبمثل الفقيد من ... قادة الرأي في الوطن
قد وصلنا إلى المنى ... وحصلنا على المنن
وانتبهنا من الكرى ... وانتفضنا من الكفن
وعرفنا طريقنا ... وارتقينا إلى القنن
وقهرنا عدونا ... وانتصرنا على المحن
فإذا نحن قد حزنا ... فما أبخس الثمن
فبه زال بؤسنا ... ونسينا به الحزن
وكفى أنه الذي ... جاد بالروح والبدن
فإذا مات لم يمت ... بعده ذكره الحسن
يا سماء من المعالي ... ودنيا من المنن
وعفافا بلا رياء ... وبذلا بغير من
قر في عليين واسلم ... من اللهم والفتن
إن في عليين سكنى ... الفؤاد الذي امتحن
(2/237)

تأبين شيخي العظيم الإمام "محمد خير الدين"
يا لدنيا نحيا بها عرضة ... للنائبات وتنتهي بالفناء!!!
كل يوم منها يمر نلاقي ... ما يدك الأطواد من أرزاء
أي رزء أشد من موت من تحيا ... البلاد به من العلماء؟
وإذا ما خلت بلاد من العلم ... فذاك لها نذير شقاء!
إننا اليوم قد فقدنا إماما ... كان بدرا في الليلة الظلماء
كان ملهمي الذي قد حدانى ... بهتافاته إلى العلياء!
كان رائدي الذي قد هداني ... رأية لبلوغ كل رجاء!!
كان ذا حكمة ورأي وحزم ... وتفان وحكة ودهاء!
رحم الله عالما قد فقدناه ... على قلة من العلماء
ورعا الله أمة فقدته ... وهداها إلى جميل العزاء!!
نحن في حاجة إلى عالم ... يبني ويعلي البناء كالآباء
نحن في حاجة إلى قائد كفء ... وكيف السبيل للأكفاء
يا بلادي يا منبت المجد يا أرض ... الجهاد يا موطن العظماء
لا تحيدي عن نهج آبائك ... الصيد الأباة لا ترجعي للوراء
(2/238)

واتركي السير خلف من كنت ... تهديهم ودومي للناس نجم اهتداء!
نحن أتباع صفوة الخلق طه ... نحن أولى الورى كل ثناء!
رب عجل للمسلمين بنصر ... واحمهم من مكائد الأعداء
ليس مثل الإسلام دين به نرجو ... النجاة من معضل الأدواء
فاهدنا لاتباعه فهو لم يبق ... لدينا منه سوى الانتماء!!
وانتماء بلا اقتداء وتطبيق ... لكل الأحكام محض افتراء!!
(2/239)

هكذا تنقضي الحياة
القصيدة التي رثى بها الشاعر صديقه "الشيخ عبد اللطيف سلطاني" رحمه الله 10 رجب الحرام 1404ه للهجرة، 12 أفريل 1984م.
هكذا تنقضي الحياة ويمضي ... الصالحون وتنتهي الآجال
هكذا تأفل النجوم ويشتد ... الظلام وتصرع الآمال
هكذا يخلص السجين من ... السجن فبالموت تكسر الأغلال
فليفق من غروره كل مغرور ... بدنيا يسطو عليها الزوال
ما أشد المصاب ما أفدح ... الخطب وأقساه أن يموت الرجال
جاءني هاتف بمنتصف ... الليل بنعي تندك منه الجبال
قال: عبد اللطيف مات، فهد ... الخطب عزمي ورجني الزلزال
إن عبد اللطيف نصفي الذي ... مات فكيف المصير كيف المآل؟
وحياة مصيرها الموت ... ليست بحياة، لكنها أوجال
كيف عبد اللطيف خلفتني ... فردا بدنيا سأءت بها الأحوال؟
وتوارى الأخيار واستأسد ... الأشرار فيها وعاثت الأنذال؟
كان "عبد اللطيف" كالطود ... لا يثنيه عن رأيه الجريء نكال
(2/240)

كان "عبد اللطيف" لا يرهب ... الموت ولا تستفزه الأهوال
كان من طبعه الصراحة إن ... هاب الرجال يقدم به استبسال
ولذا طار للجنان التي يثوي ... الكرام بها ويأوي الكمال
فهنيئا -أخي- تخلصت من ... دنيا الأذى وانتهى بك الترحال
سوف تلقى هناك في جنة ... الخلد ربيعا لا يعتريه زوال
وستلقى هناك إخوانك ... الأبطال إذ ثم يلتقي الأبطال
سوف تلقى "عبد الحميد" أبا النهضة ... حيث الجنى وحيث الظلال
وستلقى "البشير" من شاد ... للفصحى صروحا من العلا لا تطال
وستلقى "فرحات" و"العربي" ... الشهم من هو للكمال مثال
وستلفى أستاذ "ميلة" من ... لوالاه أودى بمجدنا الإهمال
إذ تولى تسجيل تاريخنا ... فاحتل من مجدنا ذرى لا تنال
وهنا ما تركت إلا إخاء ... كاذبا مثلما تراءى الآل
وعناء لا ينتهي ورجاء ... لا ينال وعثرة لا تقال
(2/241)

في جنازة
الأخ الشيخ عبد اللطيف سلطاني رحمه الله
مات من بعدما سخا بالحياة ... لبلاد عاشت "ظروف" ممات
عاش يحيي شعورها مثلما يحيي ... نزول الحيا أصول النبات
وتحدى من أجلها السجن والموت ... ولم يكثرت ببطش الطغاة
يا "لعبد اللطيف" أصبح في ... الناس مثالا من جرأة وثبات
وغدا بين صحبه موضع ... الإجلال إذ كان من أجل الدعاة
مات في داره سجينا فكان ... موته عبرة ورمز عظات
إذ تراءت للشعب آية صدق ... للفقيد من آيه البينات
فتداعى لداره مسرع الخطو ... تداعي الأمواج مندفعات
معربا عن وفائه للذي ... جاد لجمهوره بأغلى الهبات
في وداع ما بعده وداع ... والوداع الأخير عند الوفاة
إن يكن ذاك واجبا فهو في ... حق المربين أيسر الواجبات
فوداعا أخي إلى حين أن نلقاك ... في ملتقى الكرام الأباة
في جنان الخلود حيث سيحظى ... العاملون بأطيب الثمرات
ما عملنا نلقاه أعظم أجرا ... فهنيئا للمتقين الهداة
وعليك من رحمة الله أضعاف ... الذي قد بذلت من خدمات

11 رجب الحرام 1404 للهجرة 13 أفريل 1984م
(2/242)

في أعقاب الفاجعة
القصيدة التي قيلت في أعقاب مواراة جثمان الأخ العظيم الشيخ: "عبد اللطيف سلطاني" رحمه الله يوم رجب الحرام 1404 للهجرة 13 أفريل 1984م.
جنازة "عبد اللطيف"علامه ... على موقف الحشر يوم القيامه
وما مثلها آية في الوفاء ... والنبل والصدق والاستقامه
وما مثل شعب الجزائر شعب ... يقيم البناء ويرسي دعامة
ويحفظ للدين أحكامه ... ويحمي حماه ويعلي مقامه
ويقضي على نزوات الطغاة ... فأورد عز فرنسا حمامه
وحطم أسطولها المعتدي ... فولى ذليلا يجر انهزامه
وللظالمين المصير الوبيل ... وللمؤمنين الرضى والسلامه
ولم أنس إذ مات "عبد اللطيف" ... مثال الإباء ورمز الشهامه
وقد خرج الشعب في ثورة ... وجثمان "عبد اللطيف" أمامه
وما مثل يوم الوداع الأخير ... هولا سوى هول يوم القيامه!
تداعت جموع الشباب كبحر ... يموج على القيد يبدي انتقامه!
تلاقت جميعا على موعد ... تعبر عن سخطها في صرامه!
وتعلن صامتة أنها متى ... عرض الهول خاضت عرامه
وتغدو لإسلامها معقلا ... فتصون حماه وترعى ذمامه
وأعظم به رافضا للخضوع ... لمن خانه أن يقود زمامه
عشقتك شعبي مثال الوفاء ... وصدق الولاء وحفظ الكرامه
(2/243)

أين عبد اللطيف؟
القصيدة التي ألقيت في حفل توزيع الجوائز بمسجد "عبد الحميد" بالقبة وهو المسجد الذي كان الفقيد يلقي فيه دروسه ويقوم بكل أعماله الدينية
روح "عبد اللطيف" لما تزل تخطر ... ما بيننا هنا وتطوف
إنه طالما تردد في هذا ... المكان حديثه المألوف
أين "عبد اللطيف"ما باله لم ... يسمع اليوم صوته المعروف؟
ها هنا كان موضع الشيخ ماذا ... قد جرى؟ ليس طبعه التسويف
إنه ليس بالكسول ولا ممن ... يقول: قد أخرتني الظروف
ذو نشاط وجرأة ليس يثني ... عزمه عائق ولا تخويف!!!
طالما جابه الصروف التي يخشى ... أذاها فلم تعقه الصروف
إن "عبد اللطيف" صلب قوي ... رغم سود الخطوب شهم أنوف
إن "عبد اللطيف" دوحة أمجاد ... وفضل لها جنى وقطوف
ذو طموح ما كان يعنيه في دنياه ... إلا التدريس والتأليف
وصواب في القول والفعل لا يرزي ... به الانحراف والتحريف
ووفي ما خان- إن خان صحب- ... فله الاحترام والتشريف
ووجود من غير دين وأخلاق ... تزين هو الوجود السخيف
فاجتباه شعب الجزائر فالشعب ... بأوفى رجاله مشغوف
(2/244)

لست أنسى عبد اللطيف الذي ... غالته من قبل أن أراه الحتوف
إنه مات وهو في الدار مسجون ... كشمس محا سناها الكسوف
فإذا بالظلام خيم والشعب ... مهول برزئه ملهوف
يا محبي عبد اللطيف اسألوا الله ... له العفو فهو بر رءوف
واجعلوا منه قدوة فهو رمز ... لجهاد ترتاع منه الصفوف
وكذا الناس واحد مثل ألف ... إذا تحامت عبد اللطيف الألوف

الجزائر 19 رمضان 1404 للهجرة.
(2/245)

فقد صديق
ضللت طريقي مذ فقدت صديقي ... وأصبحت في دربي بغير رفيق
وكيف يطيب العيش بعد أحبتي؟ ... ولا خير في الدنيا بغير صديق
وموت أحبائي نذير نهايتي ... وأني إلى موتي عرفت طريقي
ومذ قيل لي: "عبد اللطيف" مضى ... إلي منازله الأخرى شرقت بريقي
سلام على دنيا شقيت بأهلها ... ولم أك من بأسائها بمفيق
وذقت بها كل الطعم سوى الردى ... وما أنا من قيد الردى بطليق
فلم أر فيها كالصداقة نعمة ... تفرج ضيقي إن أصبت بضيق
(2/246)

سئمت الحياة
سئمت حياة ليس فيها هناء ... وعفت وجودا ليس فيه صفاء
وعفت رجالا ليس يبدون غيرة ... وعفت نساء ما لهن حياء
وأفدح خطب حل بي فقد إخوة ... بهم تم في عصر الخراب بناء
وجربت صحبا غيرهم فنبذتهم ... وأخطر أعدائي هم القرباء
وضقت بقلب للحقائق لم يزل ... يداس به نبل ويؤذى إباء
وهل بعد أن ودعت كل أحبتي ... تطيب حياة أو يسر بقاء؟
لقد أفلت كل النجوم وأظلمت ... منازل لم يخمد بهن ضياء
ولم يبق لي "عبد اللطيف" وقبله ... خبا ضوء "عباس" فعم بلاء
و"توفيق" غالته المنون فأجدبت ... رياض أمانينا فهن خلاء!
سعادة دنيانا وجود أحبة ... كرام، وإلا فالحياة شقاء
(2/247)

وفاة صديق
السجن الصغير، والسجن الكبير
طار من سجنه الذي ضاق ... ذرعا بالذي فيه من أذى وبلاء
غير أن الرفيق إذ طار لم يحفل ... بمن لم يطر من الرفقاء
لا عليه فإنه ليس يبقى ... بعده واحد من السجناء
لسمت أعني السجن الذي شاده ... المخلوق بل ما بناه رب السماء
إنه هذه الحياة بما ... فيها من الكارثات والأرزاء
والجميع بها سجين ومحكوم ... علينا جميعنا بالفناء
غير أنا بعد الفناء سنحيا ... في خلود لا ينقضي وبقاء
ونعيم إذا فعلنا جميلا ... وجزاء الجميل خير الجزاء
أو جحيم نصلاه إن نحن ... خالفنا تعاليم خاتم الأنبياء
(2/248)

تخلفت عن الركب
تخلفت عن الركب ... لتسحقني رحى الخطب
وأبقى للأسى وحدي ... أعاني شدة الكرب
أقلب في جحيم الحزن ... من جنب إلى جنب
فلا برح الضنى جسمي ... ولا ذاق الكرى هدبي
أودع كل يوم صاحبا ... من خيرة الصحب
أودع فيه ما يحلو ... وأفقد فرحة القلب
وهل تحلو الحياة إذا ... خلت من خالص الحب؟
وأمست ساحة كبرى ... لعرض مشاهد الحرب
فيا ربي قد اشتقت ... إلى لقياك يا ربي
فحسبي ما أحس من ... الورى من وحشة حسبي
ولا سيما وقد حادوا ... -بما ابتدعوا- عن الدرب
سنوا الخصب جلت عنا ... وغالتنا سنو الجدب
وقرب الناس لا يجدي ... فجد لي منك بالقرب
(2/249)

رزء عباس
أيها الدنيا سلاما ... لم أجد فيك سلاما
لم تكوني دار أمن ... كيف أرضاك مقاما؟
لست أوليك ثناء ... بل سأصليك ملاما
إن تري شخصا له ... فضل تذيقيه الحماما
أ "لعباس" أردت ... الشر والموت الزؤاما؟
إن "عباس" عظيم ... القدر بل كان إماما
كان في دنياه ... بالأمجاد صبا مستهاما
كان -والله- أبي ... النفس لم يقرب حراما
كيف حاربت أخا ... الفضل وسالمت اللئاما؟
إن هذا الجرح لا ... ألفي له قط التئاما
رزء "عباس" أحال ... النور في عيني ظلاما
شر ما في هذه الدنيا ... التي ساءت مقاما
أن ريب الدهر ... لا يسلبنا إلا الكراما
موت "عباس" نعى ... نفسي لأتلوه لزاما
(2/250)

أنا إن طابت حياتي ... بعده خنت الذماما
كان "عباس" طرازا ... من إخاء لا يسامى
أيها الغافل والراغب ... أن يبقى دواما
نحن هلكى كيف غرت ... هذه الدنيا الأناما؟
إنها دنيا كحلم ... طاف بالناس مناما
غير أن الناس ... يزدادون بالدنيا غراما

الجزائر يوم 14 جمادى الثانية 1403ه للهجرة، 29 مارس 1983م يوم دفن الصديق العزيز عباس التركي.
(2/251)

من آثار موت الأحبة
أتى الموت "عباسا" فقلت على الإثر: ... منية "عباس" طريقي إلى القبر
كيف سأبقى بعد رفقتي التي ... أقامت صروح المجد خالدة الذكر؟
ولا سيما "عباس" من عاش صورة ... ورمزا لصدق الود والشيم الغر
أ "حمزه" لا تغتر بالعيش بعده وكن ... من هجوم الموت يوما على ذكر
كيف يطيب العيش "حمزة" بعدما ... فقدنا صديق العمر في زمن العسر
ومن جاوز السبعين أضحى على شفا ... من الموت إذ قد صار في آخر العمر
وهل بلغ السبعين طه نبينا ... لو أن الذي يغني سوى الخير والبر
وهبنا بلغنا عمر نوح فما لنا ... بقاء، ولو عشنا إلى آخر الدهر!!!
كفانا غباء ولنبادر بتوبة ... تكفر ما كنا جنينا من الوزر
علمنا ولكن ما عملنا فما لنا ... إذن في الذي كنا جنيناه من عذر
وهيهات لا يجدي المقصر عذره ... أمام إله الخلق في ساحة الحشر
أ "حمزة" "عباس" مضى لسبيله ... فقم نتدارك ما يفوت من الأمر
أ "حمزة" حرص المرء ينسيه موته ... لذا تنقضي أيامه وهو لا يدري
ويا ليتها تمضي بما فيه نفعه ... ولكنها تمضي ضياعا وفي خسر
(2/252)

ومن عاش في الدنيا ولم ينتفع بها ... فما عاش إلا كالذي هام في قفر
وكم من أناس لم يعيشوا حياتهم ... لأنهم لم يعرفوا باطن السر!!!
وهل من حياة للذين قضوا بها ... حياتهم من غير وعي ولا فكر
و"عباس" قد عاش الحياة وذاقها ... وأدرك فيها ما يفيد وما يغري
وحقق فيها كل خير لقومه ... وقاوم فيها كل داع إلى الشر
لذاك فعباس غدا علما ولم يمت، ... بل سيبقى في الورى خالد الذكر
(2/253)

يا راحلا!!!
الذكرى الأولى لوفاة عباس التركي 28 مارس 1984م
يا راحلا كان دنيا ... من الكمالات تبنى
وكان نهج حياة ... أضفى على الكون حسنا
وما ترحل حتى ... قد نال ما يتمنى
دينا ودنيا وذكرا ... مخلدا ليس يفنى!
"عباس" قد مر عام ... على رحيلك عنا!
وما ذكرناك إلا ... تضاعف الشوق منا
"عباس" يهنيك أنا ... لكل خير سبقنا!
ولم نخل بعهد ... ولا نكصنا وخنا!
ولا خشينا "فرنسا" ... ولا ذللنا وهنا!
لكن يحز بنفسي ... ويملأ القلب حزنا
أن شيعوك وأنا ... في دورنا قد سجنا
فلم نشيعك فيمن ... قد شيعوا فجزعنا
"عباس" أوتيت فضلا ... قد عم ريفا ومدنا
وقد رزقت ثباتا ... وعفت في الناس جبنا
(2/254)

وكنت للدين كهفا ... و"للجزائر" حصنا
وكنت للصدق أفقا ... وللصداقة ركنا
وعشت للعلم عونا ... ترعاه حسا ومعنى
بل قمت فيه بما لم ... نكن به نحن قمنا
فكنت أعظم قدرا ... وكنت أرفع شأنا
فأنت تاريخ شعب ... قد ساد حربا وأمنا
"عباس" ذكراك منا ... قريبة حيث كنا
ذكراك لا تتلاشى ... حتى تزول ونفنى
(2/255)

ذكرى "مصباح"
ذكرت خلال سجني بالمنزل أخي "مصباح الحويذق" وما كان من إبعاده وموته مبعدا عن محل سكناه "بالحراش" فأوحت إلي ذكراه الأليمة بالقطعة التالية:
إذا تذكرت "مصباحا" بكيت أسى ... وقلت: أين رفاقي؟ كلهم ذهبوا
إذا بقيت ولم أالحق بهم بقيت ... نفسي بغربتها تبكي وتنتحب
وغربتي فقد أصحابي، ومن فقدوا ... أصحابهم فهموا حقا قد اغتربوا
"مصباح" عنوان آداب ورمز علا ... ونبع صدق بدنيا أهلها كذبوا
"مصباحا" قد عاش "مصباحا" لأمته ... فحين مات توارى النور واللهب
قد عاف دنيا يهان الصالحون بها ... ولا يراعى بها فضل ولا أدب
ليست بدار مقام وهي راحلة ... والصفو منعدم والشمل منشعب
(2/256)

كيف فارقتنا؟
رثاء أخي الشيخ "حمزة بوكوشة رحمه الله"
"أحمزة" رزؤك رزء الوفاء، ... وصدق الإخاء ونبل الشيم
أحمزة فارقتنا مثلما ... تفارق جدب البقاع الذيم
أتترك إخوانك الأوفياء ... يعانون كل ضروب الألم
وقد شرد المعشر الكارثات ... وقد خضبت كل أرض بدم!
أحمزة قد كنت نعم الصديق ... تفي بالعهود وترعى الذمم
أحمزة كيف تركت الرفاق ... وآثرت مثواك بين الرمم؟
فهل ضقت ذرعا بدنيا الغرور ... ومرضى الشعور وموتى الهمم؟
وقد كانت ذا أمل راسخ ... برجعى إمامة خير الأمم!!
أحمزة كنت أخا حكمة ... تشع كما كنت إحدى القمم
فنم في ظلال الخلود فكم ... سهرت تعاني ضروب الألم
(2/257)

تتابع صحبي
تتابع صحبي للأفول كأنجم ... فيا ليتني قد مت قبل صحابي
فإن الذي يبقى الأخير ولم يمت ... يعاني من الأحزان كل عذاب
إذا مات من واحد عظه الأسى ... كأن الذي في القلب وقع حراب
فضاقت به الدنيا وبان نعيمها ... كحلم منام أو كلمع سراب
أمن بعد "توفيق" و"عباس" قبله ... يطيب طعامي أو يسوغ شرابي
ومن لم يصب يوما بفقدان صاحب ... فما هو مهما يبتلى بمصاب!!
وسلني فإني ذقت فقد أحبتي ... فكان كسم أو عصارة صاب
فيا رب لا أشكو القضاء وإنما ... وفيت لأصحابي رفاق شبابي
للحزن وقت ثم يخبو وإنما ... حوادث دنيانا كمر سحاب
(2/258)

أدنياي
أدنياي يا دنيا الغرور إلى متى ... تزيدين في كربي وتسعين في قتلي؟
أكلت صحابي قبل أكلي فما بقوا ... ولست بتأخيري نجوت من الأكل
ولكن من حانت منيته مضى ... وألحق بالصحب الذين مضوا قبلي
وعلة تأخيري لأشقى بفقدهم وإلا ... فما يجدي انفرادي عن شكلي
فإنهم صحبي الذين اتخذتهم ... رفاقي الأولى زالت بهم ظلمة الجهل
وإن حياتي لا تطيب بدونهم ... فإني وإياهم لكالشخص والظل
فإن أقفرت منهم حياتي كرهتها ... لأنهم أصل المروءة والنبل
وإني سأحيي ذكرهم بقصائدي ... وأذكرهم ما عشت بالحمد والفضل
(2/259)

مات دون البلوغ
مات تحت الردم وهو يافع لم يبلغ الحلم "فيصل رزاز" شقيق الأستاذ "محمد السعيد رزاز"، فجالت القريحة بهذه الأبيات الجريحة.
مات دون البلوغ يا لهفة الأم ... أتحيا من بعده أم تموت؟
إن موت البنين صاعقة ... تندك منها معاقل وبيوت
لا محيص من الردى إنه ... يقتل أبناءنا ونحن صموت
وإذا مت قضى الإله بموت ... ليس للمؤمنين إلا السكوت
إنما الموت ليس يشبع والناس ... له دائما طعام وقوت
والذي لم يمت سريعا فهل ينجو ... من الموت؟ إنه لا يفوت
ليس ينجو في الغاب ليث ولا ... في الجو نسر وليس يفلت حوت
10 رمضان 1407 للهجرة 13 ماي 1987م.
(2/260)

خطبك يا رزاز!
في جنازة الأستاذ محمد السعيد رازز رحمه الله
خطبك- يا رزاز- لا ينسى ... وجرحك الغائر لا يؤسى
وموتك ارتجت له أمة ... أرخصت في خدمتها النفسا
وأمك الولهى براها الأسى ... لطول ما جرعت البؤسا
بالأمس قد ودعها "فيصل" ... واليوم تودع بعده الرمسا
كنت الرجاء لها فلما خبا ... رجاؤها جرعتها اليأسا
شبابك الغض ذوي فجأ ... مثل الكسوف إذا عرا الشمسا
شعبك ما أصبح في بهجة ... إلا وفي الحسرة قد أمسى
تبا لدنيا يسطو عليها الردى ... لا دنبا يبقي ولا رأسا
إن تك قد فارقتها لم تكن ... فارقت إلا الهم والبؤسا
"رزاز" هل حقا سكت فلم ... نعد نرى بحثا ولا درسا؟
ولم نعد نسمع من صوتك ... المعهود لا نطقا ولا جرسا
رحلت- يا رزاز- من قبل أن ... تبني وترسي لبيتك الأسا
إن الثلاتين التي عشتها ... مرت كحلم يخادع النفسا
"رزاز" قد أودعتنا وحشة ... من بعد ما كنت لنا أنسا
موتك -يا رزاز- رزء العلا ... فكيف لا نحزن أو نأسى؟
(2/261)

موث رجال الفكر زلزلة ... تهدم من بنياننا الأسا
"رزاز" سوف ترى رفاقا لنا ... سبقوا وتلقى عندهم أنسا!!
أبلغهم عنا تحياتنا ... وأننا للعهد لا ننسى!!
وانعم بقرب الله فهو لمن ... عاش نقيا لم يقرب الرجسا
قد عشت تدعو لدينه جهرة ... ولم تكن تدعو له همسا

19 سبتمبر 1987م 25 محرم الحرام 1408 للهجرة.
(2/262)

لا تموتي أم رزاز!
لا لأم فقدت أبناءها ... فغدت تبحث عن آثارهم
جمعت صورا لهم ثم مضت ... تطلب المخبوء من أخبارهم
وهي لا تنفك تبكي مذ رأت ... قصر الآجال في أعمارهم
"فيصل" لم يبلغ الحلم لذا ... لم يكن إلا صدى إنذارهم
و"سعيد" بعده فارقهم ... يا لحزن قد ثوى في دارهم
لا تموتي -أم رزاز- ولا ... تهلكي بالحزن في آثارهم
إنهم في جنة ليس بها ... من بني الدنيا سوى أطهارهم
إن في الموت خلاصا عاجلا ... من بني الدنيا ومن أوضارهم

15 صفر 1408 للهجرة 8 أكتوبر 1987م.
(2/263)

في ذكرى الشيخ أحمد باشن
رحمه الله
مسجد "النص" غاب عنه الإمام ... والوفاء للغائبين ذمام
مر عالم على غياب أبي عبد ... الرحيم الذي طواه الحمام
مسجد "النص" لم تغب عنه ذكراه ... ولم ينسه الشباب الهمام
عالم زان علمه بتقاه ... وتحلى بما تحلى الكرام
عاش كالنجم هاديا عاش كالنهر ... كريما به يزول الأوام!
عاش نهب الآلام لم يفقد الصبر ... وإن برحت به الآلام!
ومضى بعد أن قضى ما به ... تدنو الأماني وتثمر الأحلام!
ويسود الإخاء والحب والإخلاص ... بين ربوعنا والسلام
رحم الله من دعا فلباه ... وجاد قبرا حواه الغمام
وجزاه على الجهود التي بها ... عز المسلمون والإسلام
وإذا ما الردى طواه فذكراه ... لدنيا لم تطوها الأيام
وستبقى على المدى نبع إلهام ... لنشء قد غاب عنه الإمام

7 ربيع الأول 1408 للهجرة، 30 أكتوبر 1987م.
(2/264)

موت أخي مصطفى!
أخي مات والأخ لا يخلف ... فتبا لدنيا بها نكلف
نعيش بها عرضة للردى ... وفيها نفارق من نألف
لقد فضح الموت دنيا بها ... نموت وأعياننا تتلف
وإنا كأغصان دوح متى ... يمر بها عاصف تقصف
أخي لم أودعك قبل الرحيل ... فحزني لفقدك لا يوصف
فراقك يا "مصطفى" رجني ... وأذهلني وقعه المتلف
وبغض لي طيبات الحياة ... وأنكرت منها الذي أعرف
وكيف تطيب الحياة وقد ... ترحل عني الأخ المسعف؟
لقد مات غما بما بثه ... وروجه خصمه المرجف
وكان غيورا على عرضه ... يعذبه حسه المرهف
فضاق بما لم يطق ذرعه ... فأودى به حزنه المتلف
فيا رب كم قد عفوت وكم ... غفرت لخلقك ما أسلفوا
إذا ما أساء أخي أو هفا ... فليس سواك به يرأف

25 شوال 1406ه للهجرة، 2 جوليت 1986م
(2/265)

لسنا سواء
ليس الرجال سواء ... ولا النساء سواء
فواحد مثل ألف ... أراجلا ونساء
وكم رأينا ألوفا ... من الرجال هباء
موتى وإن حسبتهم ... عيوننا أحياء
وكم رأينا كراما ... بما لهم أسخياء
وآخرين رأينا لئاما ... بما لهم بخلاء
ومدعين لعلم ... لا يحسنون الهجاء!
وسائرين حيارى ... لا يعرفون اهتداء!
إذا استقاموا صباحا ... لم يستقيموا مساء!
كم رأينا بناة ... لا يتقنون البناء
وكم رأينا نساء ... أهديننا عظماء
لا يفتأون حماة ... لدينهم أوفياء
مجاهدين هداة ... أكارم أتقياء
كم نساء بهن الهناء ... صار عناء
(2/266)

فلا يطقن جميلا ... ولا يردن ثناء
ولا يسامحن زوجا ... إن كان يوما أساء
وليس ذا بعجيب ... فالأرض ليست سواء
وهن حرث بهذا ... جبريل بالوحي جاء
يا ابني "سعادة" إني ... أزف شعري عزاء
في رزء أم حبنا ... بمن أجادوا البناء

بمناسبة وفاة والدة الإخوة "سعادة" رحمها الله بتاريخ 8 صفر 1407 للهجرة12 أكتوبر 1986م.
(2/267)

من السجن إلى القبر
مهداة إلى روح "شراطي يخلف" رحمه الله
من السجن إلى القبر ... وما من أحد يدري
بما بيت من أمر!! ... وما دبر من شر!!
وما أخفي من مكر!! وما قد حيك من غدر
لكل مفكر حر!! ... متى يا عالم السر؟
تحررنا من الأسر ... لقد ضقنا بما يجري
على الأحرار من قهر ... كفى لم يبق من صبر
وغابت بسمة الفجر ... ولم يبق سنا الفجر
كفى يا كاشف الضر ... كفانا شقوة العمر
وضغط الألم المر ... فهل في ضجعة القبر
تحررنا من الأسر ... ودفن شقاوة العمر
(2/268)

من وحي الطبيعة
(2/269)

اختلاف الفصول
في اختلاف الفصول أعظم عبره ... إن نظرنا نخرج بأعظم خبره
زمهرير الشتاء ينذرنا الله ... به في الحساب إن نعص أمره
وسموم في الصيف ينذرنا بالنار ... إن نحن لم نقدره قدره
وجمال الربيع بشرى بما نلفيه ... في الخلد من جمال ونضره
واعتدال الخريف نلقاه في جنة ... عدن ما بين ماء وخضره
كل شيء لم يخل من حكمة لله ... تبدو لكل صاحب نظره
رب إني آمنت بالعلم والقدرة ... فيما أبدعت علما وقدره
كل ما في الوجود آية صدق ... تتحدى من راح يعلن كفره
(2/271)

حر شديد
حر ولكن دون حر جهنم ... قد طال منه تضجري وتبرمي
إن كان حر الصيف يؤذيني فما ... صبري على حر الجحيم المؤلم
فأجر عبادك رب من أهوالها -فلذاك أولى بالكريم المنعم

إطلالة الخريف
لعام 1407 للهجرة
قد أطل الخريف ملتحفا بالسحب ... في عزة وفي كبرياء!!
يتهادى ما بين صفين من زهر ... وعشب كالغادة الحسناء
والنسيم العليل يخطر نشوان ... بشدو الطيور في إصغاء
حل والناس من سموم وحر ... في بلاء أعظم به من بلاء
فبدا كابتسامة الفجر في الليل ... وكالبرء للمصاب بداء
إن إطلالة الخريف بشير ... بابتسام المستقبل الوضاء
إن فيه جني الثمار وما أحسن ... أن تجتنى ثمار الرجاء
(2/272)

في الشتاء درس
إن هذا الشتاء كم فيه من درس ... لمن يفهم الدروس العميقه
إنه يكشف الحقيقة للغافل ... عنها وجاهل بالحقيقه
إنه يشعر الشقيق بألوان ... البلاء التي تهد شقيقه
فييواسى شقيقه بالذي يدفع ... عنه عسر الزمان وضيقه
إنه غضبة الطبيعة تجتاح ... الضعيف مريدة تمزيقه
إن هذا البلاء مبعث عطف ... وإخاء ورحمة بالخليقه
والذي فجر الزلال من الصخر ... ليهدي من ضل منا طريقه
والحياة تعاون وهو من أهداف من ... أهدافها ليتنا نرى تحقيقه
غير أنا قد نعرف الهدف الأسمى ... ولكن قد لا نرى تطبيقه

الشتاء والفقير
قد أطل الشثاء ويح الفقير ... كم يعاني من شدة الزمهرير
يسمع الرعد قاصفا فتراه ... خائفا من وقوع شر كبير
ويرى السحب في السماء فيهتز ... اهتزاز المروع المذعور
ما يرا الغني من نعمة الله ... يراه الفقير لسع شرور
للغني الزرع الذي يطلب ... الغيث وليس للجائع المقرور
(2/273)

غير أن الفقير عوضه الله ... بحس لم يتسم بالغرور
ليس فيه من كبرياء ولا شح ... وفيه قناعة باليسير
وهو في يوم حشره ليس يخشى ... من حساب على الكثير عسير
يا ذوي المال لا تشحوا بما ليس ... بباق بل صائر للدثور
واذكروا إخوة لكم لا يبيتون ... شباعا أو في فراش وثير
إنهم مثلكم قد اندفعوا ... كالسيل في خوض ثورة التحرير
ليس عدلا أن يرمو (الكوخ في حين ... سواهم يحظى بسكنى القصور
سوف يأتي يوم يكونون فيه ... أغنياء في غبطة وسرور
وتكونون في افتقار وبؤس ... حيث لم تشعروا ببؤس الفقير
إن يكن ما لكم كثيرا فأنتم ... مفلسون من رحمة وشعور
وغدا تفلسون من رحمة الله ... ورضوانه بيوم النشور
فاذكروا الملتقى العظيم لدى ... اليوم العظيم وفكروا في المصير
أنفقوا المال في المهم من ... الأوجه لا في الإسراف والتبذير
إنما المال فرصة وابتلاء ... وسبيل إلى اغتنام الأجور
فاربحوا ما لكم ولا تخسروه ... بالمعاصي والشح والتقتير
(2/274)

ربيع هذا العام
1412 للهجرة
يا ربيع احتجبت فلست ربيعا ... أنا لم ألق فيك حسنا بديعا
أنا إن لم يك الربيع بقلبي ... لا أبالي أن لا أناجي الربيعا
إن يكن موطني جريحا وآمالي صرعى يخر قلبي صريعا
أيها الطائر المغرد صمتا ... فالطيور هنا تموت سريعا
وتحفظ فالأمن لم يبق أمنا ... بل غدا الأمن عندنا ترويعا
إن أردت السلام في هذه ... الأرض التي تستباح لن تستطيعا
أيها الزهر كيف تبدي ابتساما؟ ... وعيون الأطفال تذري الدموعا
أيها البحر كيف تبدي هدوءا؟ ... وانتشاء والهول هد الربوعا
أيها الكون كيف ترجو سلاما ... والجزائر أوشكت أن تضيع؟
لا سبيل إلى السلام إذا لم ... يصبح العدل منهجا مشروعا
(2/275)

تحية وذكرى
ستة أيام "بدلس"
يا لها من أيام هانئة حلوة أتيح لي أن أقضيها في بلدة "دلس" الجميلة مع نخبة من الأبناء البررة شرفوني بدعوتهم الكريمة، فكانت أياما خصبة عامرة بالمفيد النافع من الدروس والمحاضرات والنقاش والمحاورات، كما كانت أقوى دليل على كرم أبناء "دلس" ونبلهم.
فإلى تلك النخبة الكريمة من أبناء تلك البلدة الجميلة وفي مقدمتهم: "الحاج محمد لونيس" ومدرس الرياضيات "مصطفى لونيس". ولا أنسى رفيقي من الجزائر الأستاذ "حمو".
أزجي هذه التحية، وأهدي هذه الباقة الشعرية:
ما كان أسعدني ما بشاطئ "دلس" ... ما يبن أبنائي وبين صحابي
ما فيهم إلا مثال صادق ... للدين والأخلاق والآداب
بهم يعيد الدين سالف مجده ... والحكم فيه بسنة وكتاب
لله ما أحلى المقام "بدلس" ... والبحر يبدو فتنة الألباب
والموج يهمس للنسيم بسره ... فيجيبه بالبشر والترحاب
والشمس تبعث بالشعاع تحية ... تنساب بين جنادل وعباب
فيغار موج هادر لا ينثني ... يبدي الأسى بملامة وعتاب
ما كان أشبه "دلسا" في حسنها ... ببلاد "أندلس" وعهد شباب
يا طالبي سحر الطبيعة سارعوا ... تجدوا بهذا الربض كل طلاب
(2/276)

جبال "صوحان"
جبال "صوحان" إني جئت ملتمسا ... لديك راحة قلب متعب عان
لاقى من الهم أضعافا مضاعفة ... فعاش نهبا لآلام وأحزان
هل فيك يلقى إذا وافى ظلالك ما ... يشفي الجراحات أو يسمو بإيماني؟
يممت ساحات في شوق وفي أمل ... فاستقبليني بترحاب وتحنان
أقيم عندك أياما أزيح بها ... عن كاهلي ما أعاني منذ أزمان
يا حبذا فيك ظل وارف خضل ... يشفى به كل مكروب وولهان
إني سئمت مقامي في مواطن لا ... أرى بها غير مفتون وفتان
يشكو بها كل من تلقاه مشكلة ... فكل مشكلة نيطت بإنسان
أظل أبحث عن حل لمشكلة ... فإن أصب حلها أرضيت وجداني
وإن عدمت لها حلا تضاف إلى ... مشاكلي وبها تزداد أحزاني
جبال "صوحان" من يأتي لرؤيتها ... لا شك ينسى بها جبال "لبنان"
للطير فيها أناشيد مرددة ... على منصات أدواح وأفنان
وللنسيم لدى الأسحار هينمة ... وفي الأصائل يحكي مشي نشوان
وللطبيعة أسرار تبوح بها ... لكل مفتتن بالحسن هيمان
فلتبق أجبال "صوحان" محط منى ... فقد وجدت بها برءا لأشجاني
وسوف تصبح ذكراها الحبيبه لي ... ينبوع وحي وإلهام لوجداني
(2/277)

من وحي الجبال
ألا يا جبال "صوحان" ... حكيت جبال لبنان
هواؤك برء مكروب ... وحسنك ري ظمآن
وفيك سكينة تغري ... وتلهم كل فنان
فررت إليك من زيف ... ومن حيف وعدوان
ومن كذب ومن ملق ... ومن زور وبهتان
وجئت إليك ملتمسا ... لديك شفاء أحزاني
مواطننا غدت سجنا ... عليه ألف سجان
وفي حضن الجبال ملاذ ... كل معذب عان
منحتك كل ما عندي ... أناشيدي وألحاني
سأحبوك مدى عمري ... بإيثاري وإحساني
وأوليك صباباتي ... فحبك ملء وجداني
(2/278)

صحراؤنا!!
لصحرائنا فضل يذاع ويذكر ... ويوصف بالمجد الذى ليس ينكر
ألم تكن الصحراء مشرق شمسنا ... يشع على الدنيا سناها وينشر؟
فيا ليت أني قد أقمت بأرضها ... ولم أرتحل عنها إلى حين أقبر
وإني لذو شوق إليها يهزني ... إليها ولكنى برغمي أصبر
وهل أنا إلا ذرة من ترابها؟ ... وهل أنا في تركي لأرضي مخير؟
فيا زائر الصحراء يهنيك أن ترى ... بلادا يروع المجد فيها ويبهر
وتسمع الآذان صوت أذانها ... فتهفو إليه كل نفس وتسحر
وتسمع في كل المنازل قارئا ... يرتل ما يحيي القلوب ويأسر
فقف ساعة تحمل إليها تحيتي ... فمثل بلادي بالتحية أجدر
على أن أرضي بالذي قد سخت به ... علي لما تحتاج مني أكثر
ولكن تحياتي لها إذ أبثها ... تترجم عن شوقي لها وتعبر
فإن بقلبي لوعة لفراقها ... يؤججها ذكر لها ليس يفتر
ولكن حبي سوف يرجعني لها ... ففي الحب ما يحدو ويسطو ويقهر
فتربة أرضي ريحها برؤ علتي ... وأفدح داء بعد أرضي وأخطر
فيا من سكنتم أرض صحرائي التي ... أباهي بها كل البلاد وأفخر
هنيئا كم بوئتم خير بقعة ... فمن مثلكم بالحمد والشكر أجدر؟
تعيشون أحرارا كراما أعزة ... فلا حاكما تخشونه أو مسيطر
(2/279)

البحر أكرم جار
كنت جارا للبحر خلال الأيام التي قضيتها للعلاج من داء المفاصل بمركز "سيدي فرج" الصحي في شهر ربيع الأول من سنة 1407 للهجرة، نوفمبر 1986م، فأوحى إلي البحر بالقطعة التالية:
بقربك يا بحر قر قراري ... وهل كجوارك حسن جوار؟
نأيت به عن هموم الحياة ... وبطش الطغاة وبأس الضواري
وجدت بقربك يا بحر سلوى ... لقلبي وإنهاضه من عثار!!!
وعاد إلي هدوئي الذي ... به أنتج الفكر طيب الثمار
وأني انتفعت بوقتي الذي ... تلاشى سدى كتلاشي البخار
أنا عاشق البحر- يا بحر- فانعم ... بقربك من عاشق للبحار
إذا ما تبسمت كنت سلاما ... لنفسي وحريتي من إساري
وإن ثرت ثارت بحار شجوني ... وأصبح شعري براكين نار
فنفسي بحر، فطورا تثور ... وطورا تحاكي هدوء البحار
فحسبك أنك ملهم شعري ... لذاك اتخذت هواك شعاري
(2/280)

أيها البحر!
أيها البحر لا عدمتك جارا ... ليس ممن خان الجوار وجارا
عدت يا بحر عن جديد إلى ما ... فيك يغري العقول والأنظارا
أيها البحر عشت عمرا طويلا ... ووعيت الأحداث والأخبارا
فارو لي ما وعيت يا بحر واذكر ... كم عظيم على أديمك سارا
والحروب التي بمائك شبت ... والدماء التي جرت أنهارا
وأبن لي كم من عروش وتيجان ... وملك تحت الخضم توارى
وارو كم كنت مدفنا لجمال ... الشباب جم المنى وعذارى
أيها البحر إن منظرك الساحر ... يوحي للشاعر الأشعارا
ولهذا أتيت- يا بحر- أستلهمك ... الذكريات والأسرارا
أنت يا بحر شاعر تلهم الشاعر ... في الشعر جدة وابتكارا
والذين لا يدركون جمال ... البحر للجهل والجمود أسارى
(2/281)

ظل الله
يا بحر ما أنت إلا بحر أسرار ... وذكريات وآيات وأفكار
وليس يدرك ما تحويه من عظم ... غير امرئ قلبه بحر لأسرار
فيه الذي فيك من سخط ومن غضب ... ومن عناد وإقدام وإصرار
ومن هدوء ومن صمت ومن دعة ... ومن متاهات أعماق وأغوار
يا بحر هل أنت تدري من يناجيك في ... ليل كبحر من الأسرار موار؟
وهل يناجيك إلا شاعر كلف ... بالبحر، كالبحر تيارا بتيار
ما أنت يا بحر شطآنا ولا زبدا ... وإنما أنت ظل الخالق الباري
(2/282)

من وحي رمضان
(2/283)

طالعنا رمضان
رمضان طالعنا طلوع هلله!! ... فجلا عبوس نفوسنا بجماله
من لم يكن حاز الكمال فإنة ... فيه سيحظى موقنا بكماله
رمضان ميلاد لشعب طالما ... قد عاش رهن شقائه وضلاله
فالفرحة الكبرى لنا بقدومه ... والعزة القعساء في استقباله!
فليغتنم فيه هدايته امرؤ ... ضل السبيل ولم يطب لحاله
هي فرصة عظمى فمن لم يغتنم ... إدركها فليرض سوء مآله
(2/285)

أهلا رمضان
رمضان يا رضوان حل ... هل للمشاكل فيه حل؟
هل يطلق المسجون في ... رمضان يا رضوان هل؟
هل فيه تسعد أفمتي ... الثكلى بتحقيق الأمل؟
هل فيه تعلن دولة ... الإسلام رائدة الدول؟
هل فيه ينتشر السلام ... فلا ارتياع ولا وجل؟
رمضان يا شهر الفتوح ... ونصر آبائي الأول!
أيعود من دنيا المكارم ... والمفاخر ما افل؟
واحسرتا لإبن الجزائر ... بعد عز كيف ذل!
واحسرتا للمرشد ... الهادي لدين الحق ضل!
وارحمتا للنسر نسر ... الجو كيف هوى وزل!
واحسرتا فالمنكرات ... بكل أرض تستحل
فكأن قانون السماء ... طوى الصحائف وارتحل
والجاهلية أقبلت تطوي ... السننين على عجل
والناس يقتل بعضهم ... بعضا بلا أدنى خجل
لا يعرف المقتول ... ماذا قد جنى حتى قتل
(2/286)

وكذاك يجهل قاتل ماذا ... جرى حتى قتل
فوضى تدمر ما بنى ... الباني وما شاد الأول
رباه إنا مسلمون ... على صراطك لم نزل
خطب ألح عليهم ما ... مثله خطب جلل!!
رمضان يا خير الشهور ... ومن به المجد اكتمل
بالصوم بالقرآن ... بالفتح المبين قد استهل
أهلا بمقدمك الكريم ... بخير ضيف قد نزل
إنا لفي شوق كما ... تشتاق للضوء المقل
فلأنت سائقنا ... وهادينا إلى خير العمل
ولأنت حادينا إلى ... من حبه كل الأمل
رب الخلائق كلهم ... سبحانه عز وجل
(2/287)

رمضان هذا العام
1412 للهجرة
رمضان هذا العام كيف تكون ... والشعب فيك مكبل مسجون؟
من للتراويح ومن يسعى لها ... المسجد المأسور فيك حزين؟
أين الجماهير التي فيما مضى ... ما مسجد إلا بها مشحون؟؟
أين الدعاة وأين قد ذهبوا بهم ... تبكي قلوب فقدهم وعيون؟
والناس هذا مثخن بجراحه ... فقد الدواء وما لديه معين
ومشرد عن أهله ومحاصر ... في بيته ومطارد مفتون
والمسلمون بأرضهم في غربة ... هذا بلا مأوى وذاك مدين
والحاكمون استأسدوا وتنمروا ... لا يرحمون ولا لديهم دين
وهم الألى وصلوا إلى غاياتهم ... بحهاد شعب بالجهاد يدين
يا حاكمون نسوا حقوق شعوبهم ... والشعب ذاك العاقل المجنون!!
إياكم أن تغضبوه فتندموا ... فالشعب إن يغضب فليس يلين
ولتحذروا أن تمنعوه حقوقه ... فوجودكم بوجوده مرهون
وبقدر ما تولونه من بركم ... يتضاعف التأييد والتمكين
غضب الملايين احذروه فإنه ... غضب الأسود إذا استبيح عرين
إني نصحت لكم فلا تسترسلوا ... في غيكم إن النصيح أمين
(2/288)

أيا عجبا!
أيا عجبا نصوم عن الطعام ... ولكن لا نصوم عن الحرام
وهذا الصوم يشبه صوم طفل ... يذاد عن الحليب لدى الفطام
فيا لله من فرص كبار ... تمر بلا اهتمام واغتنام
وكم من فرصة تأتي وتمضي ... وأعظم فرصة شهر الصيام
حبانا الله فيه كل خير ... وأكرمنا به في كل عام
فشهر الصوم مدرسة لقوم ... لهم شغف بأخلاق الكرام
وإن الفضل يدركه رجال ... عظام من ذوي الهمم العظام

فاتح رمضان 1408 للهجرة 18 أفريل 1988م.
(2/289)

رمضان ابتسم
رمضان ابتسم فلست عبوسا ... لست تلقى في المؤمنين يؤوسا
ابتسم طالما طلعت على الدنيا ... بدورا في ليالها وشموسا
إن تاريخنا سجل بطولات ... ملأنا بالمعجزات الطروسا
نحن جند محمد نحن قد ثرنا ... لأن الأدناب صارت رؤوسا
ولأن الأحرار صارث عبيدا ... ولأن الأسود صارت تيوسا
ليس مثل الإسلام دين تلقى ... من جميع الأنام حربا ضروسا
وتلفى أبناؤه من ضروب ... العسف ما مثله يشيب الرؤوسا
وهو باق "رغم العدى" وسيبقى ... مشمخر البناء يأبى الدروسا
نحن أهل التوحيد والاعتقاد ... الحق لسنا بوذية أو مجوسا
لم نثلث ولم نجسم ولم نشرك ... كما كان قوم عيسى وموسى
إن صوت القرآن حين دعا ... للعلم "اقرأ" أحيا صداه النفوسا
وتحدى إعجازه العرب فانصاعوا ... إليه يطأطئون الرئوسا
رمضان ابتسم ولح بدر تم ... في الدياجي يمحو سناه النحوسا
إن "اقرأ" أصل لكل الحضارات ... أتاحت لكل جيل دروسا
(2/290)

رمضان ابتسم كفانا اكتئابا ... رمضان ابتسم كفانا عبوسا
فبك الأميون سادوا عضلى الناس ... وعاشوا أئمة ورؤوسا
ابتسم سوف تنجلي هذه السحب ... برغم العدى وتغدو شموسا
يحكم الخلق مبدع الخلق من ذا ... غصب الحكم واسترق النفوسا
سيدين الإله من حكم الخلق ... وجارى في شره إبليسا
رمضان ابتسم، فمستقبل ... الإسلام يجلو عن الحياه العبوسا
أنت شهر الفتوح شهر انتصار ... الروح تبدو بين الشهور عروسا
(2/291)

ليلة النصف من رمضان
كاد السنا يخبو فصبر جميل ... لم يبق من رمضان إلا القليل
قد كان شمسا باهرا نورها ... يهدي الحيارى وينير السبيل
لم يبق إلا النصف والنصف لا ... يكفي ولا يشفي الفؤاد العليل
والنصف لا يبقى ولكنه ... بعد قليل مؤذن بالرحيل
تبا لدنيا خيرها زائل ... وشرها يحظى بعمر طويل!
لم يسترح فيها الجواد الكريم ... ولم يفز فيها الشحيح البخيل!
لكنها مزرعة كم سعى ... فيها ذوو الرأي لفعل جميل!
(2/292)

من نعمة الصوم!!!
من نعمة الصوم تنبيهي إلى السحر ... ذاك الذي ذقت فيه أطيب الثمر
ونلت أعظم لذاتي مضاعفة ... كان فيه بلوغي أعظم الوطر
إذ فيه ناجيت ربي خاليا يقظا ... بكل ذاتي بكل السمع والبصر
فيا لها نعمة لا أستطيع لها شكرا ... ولو عشت في شكر مدى العمر

من وحي رمضان
بين العقل والشهوة
آفة الإنسان تحكيم الهوى ... وبه في هوة البؤس هوى
ونداء العقل لا يسمعه ... وهو بالعقل على الكون استوى
لو بنور العقل قد كان اهتدى ... نال ما كان تمنى ونوى!!!
سخر الله له بالعقل ما ... قد تحدى كل حي من قوى
إن هذا العقل أغلى نعمة ... من حواه كل خير قد حوى
غير أن العقل قد أهدره ... معظم الناس فأودى وذوى
وإذا الشهوة صارت ملكا ... بلغت في الحكم أعلى مستوى
(2/293)

يوم بدر
يوم بدر كليلة القدر في القدر ... وفي رفع راية الإسلام
ليلة القدر أنزل الله فيها ... ما يرقى الإنسان من أحكام
وحمى دينه ببدر فتمت ... نعمة الدين والهدى للأنام
أكرم الله حزبه فيه بالنصر ... وأخزى العدو بالانهزام
يوم بدر وليلة القدر كانا ... درتي رمضان شهر الصيام
رمضان شمس الحياة فلولاه ... لعشنا حياتنا في الظلام
(2/294)

فتح مكة
بفتح مكة تم النصر والغلب ... وسارعت لقبول الدعوة العرب
فمكة مركز القوى وعاصمة ... للعرب وهي إلى توحيدهم سبب
وموقف لرسول الله منفرد ... في فتح مكة ترويه لنا الكتب
عفا به عن قريش ثم قال لهم: ... ألا اذهبوا، لم يؤاخذهم بما اكتسبوا
فكان أحلم خلق الله قاطبة ... إذ لا يسامى له خلق ولا أدب!!
وأي حلم سوى حلم الرسول له ... ترجو قريش التي منها أتى العطب
فكان حلم ابن عبد الله معجزة ... ومن يكن قدوة مثلى فلا عجب
ولم يرد فرقة الأنصار إنهم ... جند الإله الذي لنصره انتدبوا
فعاد صحبتهم نحو المدينه لم ... يعد لسكنى سواها عنده أرب
واختار مضجعه فيها فكان لها ... نعم الجزاء ونعم المجد والحسب
وأصبحت كعبه أخرى يحج لها ... كل قلب إليها بالهوى يثب
والأرض تسعد أو تشقى بساكنها ... وأسعد الناس من بقربه كسبوا
والناس أهل لمن يعنى بأمرهم ... ومن لخيرهم يسعى ويحتسب
(2/295)

احفظوا عهد رمضان
إذا ما انقضى شهر الصيام فإننا ... سنحفظ عهد الصوم لا ننقض العهدا
فليس الذي لا يحفظ العهد مسلما ... ولو أنه في صومه استنفد الجهدا
فلا تأمنوا من ليس يحفظ عهده ... فليس على شيء وإن أظهر الزهدا
إذا ما انقضى شهر الصيام رأيته ... وقد كان ذا دين لشهوته عبدا!!
فيا رب تبتنا على العهد إننا ... ضعاف، ووفقنا لما يبعث المجدا
وحقق لنا النصر الذي قد وعدتنا ... ولا تطو للإسلام في بلد بندا

رمضان غرة الأزمان
"رمضان " شهر ما له من ثان!!! ... ولفضله قد خص بالقرآن
شهر التطهر والتحرر والتقى ... شهر العطاء الثر والإحسان
والأرض فيه بالسماء تعانقت ... وتعاونا لسعادة الإنسان
وإذا اغتدى شعبان شهر تحول ... فالفضل مرجعه إلى رمضان
إذ فيه بدء الوحي بدء خلاصنا ... بحصول ما نلنا من الإيمان
وتعد منه بألف شهر ليلة ... والصوم فيه والجهاد سيان
فإذا هما اجتمعا ببدر فليكن ... رمضان فيه غرة الأزمان
(2/296)

ليلة القدر
أيا ليلة قد أوتيت عظم القدر ... مدى الدهر حتى سميت ليلة القدر
تجلى إله العرش فيها لخلقه ... وخولهم فيها مضاعفة الأجر!!
وليس يرد الله فيها سؤالهم ... ولو أنه يربو على زبد البحر!!
وأنزل فيها وحيه لمحمد وقال ... له: "اقرأ" وهي مكرمة العمر
وكان بها "الروح الأمين" وجنده ... نشيدهم فيها: "سلام" إلى الفجر
وفضلها الله على الدهر كله ... فلا غرو أن ندعوها ليلة الدهر
فهل أمة في مجدها تبلغ الذي ... بلغنا فإنا أمة المجد والفخر
فيا رب أهلنا لشكرك إننا ... لنعجز ما عشنا عن الحمد والشكر

يوم بدر وليلة القدر
بيوم بدر وليلة القدر ... فزنا بما يبقى مدى الدهر
إنا جنينا النصر لم نعتمد ... إلا على الإيمان والصبر
سبعون صرعى قد لقوا حتفهم ... من شيعة الطغيان والكفر
ومثلهم سبعون لم يسلموا ... إلا ليلقوا ذلة الأسر
يا يوم بدر دم لنا آية ... خالدة للمجد والفخر
فيك أعز الله حزب الهدى ... وباء حزب الكفر بالخسر
ذكراك يا بدر شفاء لما ... بتنا نعانيه من الضر
(2/297)

نشقى بما كنا شقينا به ... قدما فيا لتعاسة العمر
أهواؤنا لعبت بوحدتنا ... لعب الرياح بهدأة البحر
وتحطمت ما بيننا وحدة ... كانت وسيلتنا إلى النصر
كل توجه نحو غايته ... من غير تدبير ولا فكر
يا رب حقق نصرنا مثلما ... حققته يا رب في بدر!!!
17 رمضان 1408 للهجرة 4 ماي 1988م

رمضان رمضان رمضان
أي شهر قد ساد كل الشهور ... فتجلى في حلة من نور!!
وتوالت فيه الفتوحات وانجابت ... عن الكون حلكة الديجور
والشياطين صفدت فهي لا تغوي ... وتغري بكل إفك وزور
كل خير فيه يسير وفعل الشر ... فيه تلفيه غير يسير
أي شهر غير الذي أنزل ... القرآن فيه فكان خير الشهور
رمضان الذي به ولد الإسلام ... دين الإنشاء والتعمير
رمضان شهر الهداية ... والتوبة شهر التحرير والتطهير
شهر تزكيه النفوس وتهذيب ... العقول بالعلم والتنوير!
شهر تقوية الإرادة والصبر ... وشهر التوجيه والتذكير
شهر تخليصنا من الشرك ... والإلحاد والإثم والخنى والفجور
ليتنا نستغله في الذي يجدي ... ويهدي لصالحات الأمور
(2/298)

ليتنا لا نضيعه في السخافات ... ولا نستغله في الشرور
ليتنا ننشد الكمال ونهتم ... بلب الأمور لا بالقشور
ليت إخواننا يتوبون فيه ... عن حروب الخراب والتدمير
إنها الفرصة التي إن أضعناها ... ندمنا عند الحساب العسير
وخسرنا ما هيأ الله في الصوم ... من الربح والعطاء الكثير
وإذا ما انقضى ولم نشف من داء ... فنحن نحيا بدون شعور
رمضان هو الربيع إذا غاب ... الربيع بخصبه الموفور
رمضان يغني بترتيل آيات ... الكتاب عن سحر شدو الطيور
وعبير أنفاس من صام أو سبح ... فيه ينسي عبير الزهور
نحن أهل القرآن أهل التعاليم ... التي بددت ظلام العصور
رب وحد صفوفنا واحم شبان ... البلاد من الهوى والغرور
وأنر دربنا إليك فإنا ... قد ضللنا فلم نزل في ثبور
واهد من حاد عن سبيلك ... واحفط سالكيه من زلة وعثور
وانصر المسلمين في كل أرض ... ما لنا غير ربنا من نصير
لا تدع لليهود حكما ولا ملكا ... فجنس اليهود أصل الفجور
واحم وارحم وانصر فسلطين ... والقدس وكن للضعيف خير مجير
قد دعوناك ليلة القدر نشكوك ... خصوم الحمى وظلم العشير
ليلة القدر موسم سنوي ... للعلا للهدى لمنح الأجور
رب قيض للدين من ينصر الدين ... ويقضي على جميع الشرور
وجهاد الأفغان داركه يا رب ... بفوز يبقى حديث الدهور
(2/299)

فضل الأواخر
كم للأواخر من سبق وتقديم ... فاستوجبت كل تبجيل وتعظيم
فليلة القدر في العشر الأواخر قد ... حازت على ألف شهر كل تكريم
وعشر ذي الحجة الباقي له قدم ... في الصالحات بتخصيص وتعميم
وآخر الأمم امتازت بخيرية ... بحكم خالقها من غير تحكيم!!
فالسبق للفضل لا للوقت ظاهرة ... قد أحرزت كل تأييد وتسليم
وهكذا الكون ينبي عن مكونه ... بكل ما فيه من علم وتنظيم
يا معرضا عن تعاليم الإله ألا ... عد عاجلا إنها خير التعاليم

عشنا
عشنا ثلانين يوما في ظلال هدى ... ونور تقوى وإيمان وإسلام
عشنا خلال ليالي الصوم مجتمعا ... كم رام هدما له آلاف هدام
وعاش في رمضان النور مؤتلقا ... لم يستطع محوه آلاف ظلام
ونور أمجادنا لم يخب منذ بدا ... يهدي خطانا إلى تحقيق أحلام
وأيفظ الناس من نوم ومن عمه ... ولم يكن موقظو الدنيا بنوام
عشنا نشيد صروح المجد عالية ... وننشر العدل في حزم وإقدام
فاذهب كما جئت يا شهرا أتاح لنا ... صفو الحياة بإعزاز وإكرام
(2/300)

وداع رمضان
وداعا أيها الضيف ... الذي حل بوادينا
وعاشرنا بآداب ... جعلناها لنا دينا
أقام ولم يقم فينا ... ثلاثا بل ثلاثينا
أيا رمضان قد كنت ... سلاما في مآسينا
أيا رمضان قد كنت ... غذاء لأمانينا
ورمزا لحضارتنا ... ونبعا لمبادينا
وكنت لنا معلمنا ... وكنت لنا مربينا
تعلمنا محبتنا ... تعلمنا تآخينا
تعلمنا إرادتنا ... تعلمنا تعالينا
تبصرنا بحاضرنا ... تذكرنا بماضينا!
لقد جلت أياديك ... التي ملأت أيادينا
كما كانت حروف ... اسمك نورا في ليالينا!
(2/301)

في الدقائق الأخيرة من رمضان
الطبيب الماهر
لم يبق من رمضان غير دقائق ... ويزول مثل زوال أمس الدابر
يا حسرتا لفراقه ففراقه ... ما كان غير فراق عهد زاهر
رمضان ما رمضان عهد حضارة ... بعطائها زخرت كبحر زاخر
رمضان عنوان الكمال لأمة ... صنعت على عين الحكيم القادر
أكرم به شهرا كأكرم زائر ... أعطى وأجزل مثل غيث غامر
رمضان يوفده الإله معالجا ... لسقامنا مثل الطبيب الماهر
رمضان ينسينا الهموم بعطره ... بين الشهور كمثل روض زاهر
فإليك يا رمضان خير تحية ... من حافظ عهد الصديق وشاكر
(2/302)

مناسبات وأعياد
(2/303)

الفرحة الكبرى
نزف إليهم البشرى ... بقرب الفرحة الكبرى
بأسنى المجد في الدنيا ... وأوفى الأجر في الأخرى
بأنا فاتح الشهر ... الذي قد طاول الدهرا
سنفتح "مسجد الأرقم" ... يا ما أعظم البشرى
فشهر الصوم والقرآن ... لم يعدل به شهرا
نقيم به التراويح ... ونجعلها له ذكرى
ونجعل صومه زلفى ... ونجعل نطقنا ذكرا
ونقضي الشهر منهمكين ... فيما يعظم الأجرا
ونرعى حرمة الدين ... إلى أن نسكن القبرا
فزدنا -ربنا- مجدا ... وزدنا -ربنا- نصرا
ورفقنا لما تر ض ... وافرغ علينا صبرا
ولا توهن لنا عزما ... ولا تهتك لنا سترا
ولا تترك أخا غدر ... يبيت ضدنا غدرا!!!
فخذ -رب- بأيدينا ... إلى أن نعبر الجسرا
ودنيانا لنا جسر ... نمر به إلى الأخرى
إلى الله إلى الجنة ... حيث الراحة الكبرى!
فكم لك من أياد جمة ... تستوجب الشكرا
ألقيت بمناسبة الإعلام بقضاء شهر رمضان بمسجد "دار الأرقم الجديد" لسنة 1407 للهجرة 1987.
(2/305)

مسجد دار الأرقم
عمل سوف لا يبيد مدى ... الدهر ويبقى منارة الأجيال
وخلود الأعمال مرتهن بالصبر ... والجد في مساعي الرجال
وخلود الرجال يحظى به من ... رامه في جلائل الأعمال
حبذا المسجد الذي طالما قد ... عاش في الناس معقد الآمال
سوف يغدو عما قريب بما ... يثمر للناس مضرب الأمثال
فتية قد سمت سلوكا وأخلاقا، ... وزادت صبرا وطول احتمال
بذلوا فيه ما يضن به من ... ليس أهلا للخير والإفضال
فغدا آية من الفن والإبداع ... عنوان روعة وجمال
إنه المسجد الذي سوف يحدو ... من يريد الهدى لخير مآل
وسيغدو علامة الصحوة الكبرى ... ورمز العلا ومهوى الكمال
مسجد "الأرقم" الذي نشر ... الضوء وأدنى أقاصي الآمال
كان حلما مراودا كل نفس ... فغدا واقعا بعزم الرجال
إن أوتاد هذه الأرض أفذاذ ... رجال هم لها كالجبال
رحمة الله لم تدع هذه ... الأرض ترج العباد بالزلزال
يا جنودا الإله يا أمة الإسلام ... يا خير من يسعى للمعالي
(2/306)

قد بلغتم ما عشم تتمنون ... ونلتم ما رمتم من منال
فاسمعوا الآن ما يقول كتاب ... الله للمصطفى من الأقوال
"فإذا " ما "فرغت فانصب" فلم ... تخلق سوى لجلائل الأعمال
فالحياة حقل فهيا بنا نزرع ... هذي الحياة دون نكال
وقبيح بصاحب الحقل أن ... يتركه للضياع والإهمال
يا شباب الإسلام والضاد يا من ... لم يزالوا في الناس خير مثال ...
لا تحيدوا عن نهجكم إنه ... نهج يؤول بكم لخير مال
فاتح رمضان 1407 للهجرة 29 أفريل 1987م.
(2/307)

غدا عيد الاستقلال
غدا عيد الاستقلال وهو نتيجة ... لطول جهاد حارب الكفر والظلما
وإن جهاد الكفر والظلم واجب ... فمن لم يجاهد لم يذق للمنى طعما
لذا جعل الله الجهاد وسيلة ... لرع الذي يبغي لدين الهدى هدما
وقد شيدت أمجادنا بجهادنا ... فسدنا الألى سادوا أوائلنا قدما
وإن الجهاد الحق إصلاح أمة ... بتطهيرها من كل ما يكسب الإثما
وقد ساد هذا العصر من كان ذا هوى ... إذا ما تولى الحكم لم يحسن الحكما
تسربل ثوب الجهل رغم ثقافة ... فلم ير إلا ما يبيد الورى علما
إذا لم يفدنا العلم خلقا ولا تقى ... فتبا لعلم يثمر الهم والغما
تفنن هذا العصر في صنع آلة ... تسوق إلى الحرب التي تقتل السلما
فهل مثل هذا الجهل علم يفيدنا؟ ... فلا كان علم ينشر الثكل واليتما
فيا أمة سادت قديما بدينها ... ففازت بدنيا تعرف العدل لا الظلما
ولا تعرف الحقد اللئيم ولا الأذى الذ ... ميم ولكن تعرف الصفح والحلما
على نهجه فاستأنفي السير تظفري ... بأعظم مجد ينصف الروح والجسما
ولا تطلبي ود الألى عبدوا الهوى ... وكانوا وما زالوا لدين الهدى خصما
(2/308)

ولا تأمنيهم بعد ما ذقت شرهم ... فمن جاور الحيات لم يأمن السما
ومن عجب أنا ابتلينا بودهم ... فكنا لهم برءا وكانوا لنا سقما
إذا ما اقتفينا خطوهم في سلوكنا ... فلا عجب أن نخطئ الدرب كالأعمى
رضينا بوضع ليس يرضاه مؤمن ... ومن لم يكن ذا غيرة رضي الذما
إذا كان في استقلالنا حسم دائنا ... فيا رب داء ما استطعنا له حسما
(2/309)

في ذكرى التحرير
9ربيع الأول 1408 للهجرة، 1 نوفبر 1987م.
ليتنا نستفيد من ثورة التحرير ... درسا بهجرنا كل ظلم
كيف يرضى باظلم من حارب ... الظلم ولم يخش من عقاب ملم؟
وكفى الظلم أنه توأم الكفر ... بنص من الكتاب وحكم
إن ذكرى التحرير توحي بتحرير ... النفوس من كل خبث ولؤم
وتقيم البناء أوثق مما ... كان بالدين قائما والعلم
وتري الناس أننا أعدل الناس ... وأولاهم جميعا بحكم
كيف حدنا عن الطريق وجرنا ... وارتكبنا في حكمنا كل جرم؟
وغدا الأخ يقتل الأخ في حرب ... ضروس ورافضا كل سلم
والإخاء في الله صار عداء ... والشقيق قد صار ألأم خصم
والعدو غدا صديقا حميما ... أي إثم؟ وأي داء وسقم؟
يا رفاق الطريق ماذا دهانا ... فرضينا بعد البناء بهدم؟
"فاستقيموا على الطريقة" وامضوا ... وتخلوا عن كل سوء وإثم
وتحلوا بكل خلق كريم ... وسلوك بر وحزم وعزم!
(2/310)

أي غنم نجنيه من ثورة التحرير ... إن ضل سعينا أي غنم؟
رب إن ساء فعلنا لا تؤاخذنا ... بذنب وجد بعفو وحلم
سفهاء لنا جنوا غير أنا ... قد سكتنا عنهم فبؤنا بإثم
زينوا للشباب كل قبيح ... وحموهم من كل نقد وذم
وحبوهم كل الوسائل للإجرام ... حتى غدوا نماذج جرم
لا تؤاخذ بفعل كل سفيه ... من أساء بصمته دون علم
شهداء البلاد عذرا إذا لم ... نستطع بعدكم إزالة ظلم
(2/311)

بمناسبة ذكرى الثورة التحريرية
1404 للهجرة 1983م.
مرارة الظلم شبت نار ثورتنا ... فحاذروا الظلم يا حكام دولتنا
فإن للظلم لذعا غير محتمل ... ولو يكون به تحصيل غايتنا
لا سيما من قريب يستعين بنا ... ونستعين به في دفع كربتنا
إنا انتصرنا على قوات ظالمنا ... وكان ايماننا أصلا لقوتنا
فليخش حكمنا عقبى تجبرهم ... ولا يقولوا: سنفنيكم بعدتنا
فنحن عدتهم بل أصل قوتهم ... لم يبلغوا غاية بلا معونتنا
فلا يتيهوا بما نالوا بقوتنا ... بقولهم: لستم سوى رعيتنا
ما الحاكمون بغير الشعب غير يد ... بلا سلاح فلا يجحف بقيمتنا
نحن الجنود الألى نحمي البلاد كما ... حكمنا قادة تسعى لرفعتنا
كلا الفريقين مسؤول ومؤتمن ... يسعى بجد وإخلاص لخدمتنا
فإن جر حاكم أو يستبد فلا ... يظفر ولو كان ذا قربى بطاعتنا
يا رب إنك تدري ما ألم بنا ... وما نكابده من سوء حالتنا
فإننا قد خذلنا بعد نصرتنا ... وإننا قد أهنا بعد عزتنا
فلا تكلنا إلى تدبير أنفسنا ... فنحن نعجز عن تطبيب علتنا
(2/312)

وإن إصلاح أمر الشعب مرتبط ... في كل حال لإصلاح لقادتنا
فهم بمنزلة القلب الذي ارتبطت ... به الجوارح إبقاء لصحتنا
فامنن بإصلاح حكم البلاد ... ففي إصلاح دولتنا إصلاح أمتنا
ثم احم إيماننا واحرس مسيرتنا ... وقد بنور الهدى خطوات فتيتنا
وانصر مبادئنا واخذل مناوئنا ... واسلك بثورتنا منهاج دعوتنا
واحقن دماء أريقت دون ما سبب ... واهزم صفوف أعادينا بوحدتنا
(2/313)

رجب الحرام
رجب شهر رفعة ومحبه ... فيه لاقى خير النبيين ربه
ثم ناجاه دون أي حجاب ... أي فضل وأي زلفى وقربه
وبه شرع اللقاء مع الله ... بفرض الصلاة في خير صحبه
فهو ذكرى كريم كل مصل ... ولذا صار للكمالات تربه
أي شهر قد كان مسرى ... ومعراجا لطه وملتقى للأحبه
فيه قد أنسى النبي أساه ... وشفاه اللقاء من كل كربة
ولقاء الرسول بالله ينسيه ... لقاء الألى يريدون حربه
ولقاء العباد داء ولكن ... لقاء الإله قد كان طبه
رجب شهر رؤية ولقاء ... فغدا ضمن أشهر هي نخبه
رؤيه الله واللقاء به قد ... بوآ خير خلقه خير رتبه
(2/314)

في ذكرى الإسراء والمعراج
ما ليلة الإسراء في القدر ... أقل مجدا من ليلة القدر
في ليلة الإسراء كان لقاء ... ما مثله يحدث في الدهر
لقاء خير الخلق -يا حبذا- ... بالله رب الخلق والأمر
أي لقاء مثل هذا اللقاء ... تم بجنح الليل في سر
بين حبيبين ما أجلهما ... يدرك ذلك كل من يدري
إن الذي خص به المصطفى ... مجد سيبقى خالد الذكر
رجب تبوأ خير منزله ... أضحى بها كالدهر لا الشهر
إذ صار شهر الحب شهر ... الرضى شهر العطاء الغامر الثر
شهر العلا والمجد شهر المنى ... شهر الهدى والفوز والنصر
يا ليلة المعرج يا ليلة ... في الدهر أضحت غرة الدهر
تيهي على كل الليالي بما ... حويت من مجد ومن فخر
(2/315)

من وحي الإسراء والمعراج
أي شهر قد جل قدرا وجاها ... إذ توارت به متاعب طه
جاوزت طورها قريش بإيذاء ... نبي الهدى وزادت سفاها
ليتها إذ تنكرت لهداه ... تركت منهج الهدى لسواها
لم تراعي للبيت حرمته الأولى ... فضل الصواب منها وتاها
أي معنى للبيت يبقى إذا ما لم ... تعفر فيه العباد الجباها؟
أي أمن يبقى إذا عدم الأمن ... ببيت به الأمان تناهى؟
فأتى الطائف الذي ظن أن ... نصرا لدينه في حماها
يلفي فرمته بما تنوء به شم ... الرواسي من ظلمها وأذاها
ورأى ربه البلاء الذي يغشاه ... في كل بقعة يغشاها
فحماه من الأذى ودعاه ... ليرى الرؤية التي ما رآها
إنه "رجب" العظيم الذي فيه ... رئى الرجل العظيم الله
ورئى كل ما شفى النفس من ... حمق قريش وما أزال أساها
أي شيء أجل من رؤية الله ... وأعلى قدرا وأعظم جاها؟
ذاك حب الإله يمنحه ... الله أحباءه ومجد تناهى
(2/316)

وهو نصر لكل داع إلى الله ... على كل من تحدى الله
رب رحماك إننا في انتكاسات ... بها استهتر العدو وتاها
نحن نحيا في مثل ما كان يحياه ... الرسول خير النبيين طه
تتحدى قوى الضلال قوى الحق ... وتقفو عين الطغاة خطاها
فتدارك -رباه- شرعتك المثلى ... براع ذي غيرة يرعاها
وتدارك دعاتها -رب- بالنصر ... لكي ينشروا ضياء هداها
(2/317)

شهر التحول "شعبان"
ته دلالا شعبان في كل عام ... حزت ما تستحق من إكرام
في تاريخ الإسلام قد كنت ... تحويلا لإرساء منهج الإسلام
حولت قبلة الصلاة من "القدس" ... إلى "مكة" لمعنى سام
هو تحويل دعوة الحق من أبناء ... إسحاق بعد طول مقام
ليقوم بها بنو الأخ إسماعيل ... آباء يعرب بدوام
فبشعبان حولت قبلة الدين ... وفيه قد كان فرض الصيام
وهو باب لشهر رمضان شهر ... الخير شهر الصيام شهر القيام
شهر وحي القرآن شهر حياة ... القلب شهر الإحسان والإنعام
فلنحول حياتنا فهي قد ... آلت لشر الذنوب والآثام
ولنجدد صفاءها فلقد ... أزرت بنا بين سائر الأقوام
بعد ما كان وجهها مشرق ... الحسن ودنيا الصفاء والابتسام
فتعالوا نحقق اليوم معنى ... "كنتم خير أمة" في الأنام
ونبث السلام في الأرض إنا ... قوم من قد أتى لنشر السلام
نذر الحرب قد توالت ولا ... يبعد أن تشمل الورى بحمام
كيفف ينسا خليفة الله ما يطلب ... منه من وحدة ونظام
كيف ينسى أن لا تقم حياة ... بسوى الحب خالصا والوئام
إن هذي الحياة يهدمها الحقد ... وتسمو بالحب والاحترام
(2/318)

يا عيد
1412 للهجرة
يا عيد هل أنت لنا عيد ... أم أنت للأحزان تجديد؟
هل شملنا يا عيد مجتمع ... كما مضى أم عم تبديد؟
هل نحن في أمن وفي دعة ... أم حظنا قمع وتهديد؟
إخواننا في السجن في مأتم ... وليلهم هم وتسهيد!!!
والبيت لم يبق له عائل!! ... لم تحوه الصحراء والبيد
والزوجة الولهى كواها الأسى ... لحزنها مذ غاب تصعيد
أين أبي يسأل أبناؤها؟ ... أين أبي قد أقبل العيد؟
وما لها علم فيسكتهم ... يتم بلا يتم وتشريد
لكن سننسى كل آلامنا ... فإنها للمجد تمهيد!!
والدولة العظمى التي شادها ... فيما مضى آباؤنا الصيد
ننشر أعلامها التي طويت ... تحدو كتائبها الأناشيد
يا عيد إن نظفر بآمالنا ... فذاك عيد النصر يا عيد
(2/319)

أين العيد؟
العيد؟ أين العيد يا مسلم؟ ... وكل ما تبصره مؤلم
الليل قد خيم في أرضنا ... فما بها صبح لنا يبسم
غاب سنا الصبح فما من سنا ... فكل يوم حالك مظلم
زماننا في يد أعدائنا ... وقلما من شرهم نسلم
والثقة العمياء في غيرنا ... تجتاحنا من حيث لا نعلم
والحرب -يا للهول- أودت بنا ... تزهق أرواحنا ولا ترحم
والدم لم تبق له حرمة ... وأي أرض لم يصبها الدم؟
لم يسلم "القدس" ولم يسترح ... "لبنان " فالموت به يجثم
وفي "فلسطين" أقام الأسى ... يتيمها يصرخ والأيم
وبين "إيران" و"العراق" جرى ... دم به أمجادنا تهدم
ياويح من يقتل إخوانه ... ظلما ولا يبخل أو يندم
والناس في "الصحراء" لم يعرفوا ... نوما وبالراحه لم ينعموا
والحال في "الأفغان" أدهى ففي ... "لأفغان" شعب مؤمن يعدم
والجوع في إفريقيا قاتل ... بغير ملء البطن لم يحملوا
(2/320)

ومن لديه المال لم يكترث ... بما يعاني البائس المعدم
كم شح بالمال حازه غيره ... من بعده وهو به يأثم
والدين لم يبق له حكمه ... والخلف بين العرب مستحكم
دنيا بلا دين ودين بلا ... حكم ووضع سيء مؤلم
وأي طعم لحياة بها ... قد استوى الصالح والمجرم؟
فهل لنا عيد نسر به ... كغيرنا، أم عيدنا مأتم؟
(2/321)

عيدان
عيدان: عيد النصر والفطر ... رمزان للمجد وللفخر
لا جامعا بدرين في ليلنا ... ليل انتشار الظلم والكفر
كأنما كانا على موعد ... ... لمحفل البهجة والبشر
لكن قلبا شاعرا لم يكن ... يشعر بالأعياد أو يدري
لأنه قد كان في معزل ... عن كل ما يبهج أو يغري
إذ أنه قد كان في غربة ... قاسية إذ كان في الأسر
وأي عيد لامرئ أهدرت ... قيمه من غير ما وزر ...
فالعيد قد آل إلى مأتم ... والخير قد آل إلى شر
والأنس قد آل إلى وحشة ... والأمن قد آل إلى قهر
وانقلب البشر إلى ترحة ... وانقلب الربح إلى خسر
رباه هل عيد لنا يرتجى ... ننسى لديه شقوة العمر؟
عيد يعاد الوضع فيه كما ... كان لنا في سالف الدهر
حيث كتاب الله دستورنا ... نذعن فيه للنهى والأمر
أما إذا دام لنا وضعنا ... فخطونا يسرع للقبر
وشر ما في الأمر أنا على ... علم ولا نهتم للأمر
(2/322)

عيد المرأة
كنت عيدا على الدوام مديدا ... وعجيب أن يجعلوا لك عيدا
هم أرادوا أن يمدحوك فما زادوا ... على أن أروك هجوا جديدا
أنت أم وأنت بنت وأخت ... ثم زوج تشيد بيتا سعيدا
كيف قد أنزلوك عن مستةى ... صاغك فيه الإسلام عقدا نضيدا
ثم صاغوا قضية منك لم ... تبرح حديثا مكررا لن يفيدا
أنت نصف مكمل نصفك الآخر ... لن يستطيع عنك محيدا
لم يريدوا خيرا بفصلك إذ فصلك ... كان عليك خطبا شديدا
خدعة لليهود جازت على- المرأة فاستسلمت لها تقليدا
كنت في البيت درة زانت البيت ... وكنت نجما يضيء بعيدا
بل لقد كنت ربة التاج فيه ... لم تعاني بؤسا ولا تنكيدا
جردوك وأبعدوك عن البيت ... وما كنت قد فعلت حميدا
إنما البيت برلمانك فيه ... قد تقلدت تاجاك المعقودا
فانتقلت إلى المعامل تقضين ... النهار شغلا وجهدا جهيدا
نلت في البيت ما هويت مدى ... عمرك حبا جما وعيشا رغيدا
ذاك نهج الإسلام من شيد ... الله به للأنام مجدا تليدا
من يحد عنه لم يجد راحة ... النفس وذاق الحرمان والتشريدا
فلماذا عدلت عنه لتشريع ... يزيد حياتنا تعقيدا؟
(2/323)

عرفة
لله مجد "عرفه" ... من الذي ما عرفه؟
يوم جليل القدر ... ما أعظمه وأشرفه
تم به الإسلام دين ... الله دين المعرفه
"اليوم أكملت لكم" ... له شعار وصفه
علم كتاب الله أين ... منه لغو الفلسفه؟
من عاش محروما من ... القرآن عاش في سفه
ومن يحد عن نهجه ... الواضح خان سلفه
ومن يلازم نهجه ... يدرك لباب المعرفه
أحبب بيوم ضاعف ... الإسلام فيه شرفه
ما العيد يوم النحر ... إن العيد يوم عرفه
(2/324)

من وحي "عرفات"
هذه أمة طه ... مجدها لا يتناهى!
مجدها دام وزالت ... كل أمجاد سواها!
لا يجارى ما أقامت ... من معالي أو يضاهى!
فتأمل شيخها يسبق ... في الفضل فتاها
أقبلت من ريفها تسعى ... وهبت من قراها!
وأتت من كل فج ... شوقها يحدو خطاها
جعلت طاعة مولاها ... وتقواه مناها
أمة قد بلغت من ... كل ما تهوى مداها
شيدت ما لم يشيده ... سواها من علاها
وأقامت دولة العدل ... التي عم سناها
أنصفت أبناءها فيها ... ولم تظلم عداها
وجنى كل الألى عاشوا ... بها طيب جناها.
فتساوت أمم الأرض ... جميعا في هواها
جعل الله الذي ... ينوي لها الشر فداها
وبنوها كلهم كالأسد ... يحمون حماها
هم لغير الله لم يعنوا ... ولم يحنوا الجباها
(2/325)

"عرفات" هذه يعبق ... بالمسك ثراها
كل شبر منه قد ... فاخر بالفضل وتاها
جمعت من كل أرض ... أعظم الأمة جاها
كلهم مستغرق في كل ... ما يرضي الإله
كل من يسعى لما يفنى ... فقد ضل وتاها
يا بني الدنيا جميعا ... "هذه أمة طه"

الأضحية سنة مؤكدة
نحرنا أضاحينا وصنا مبادينا ... فلم نخسر الدنيا ولم نخسر الدينا
وقد عدم الإيمان من ليس راحما ... فقيرا ولم يرع الضعاف المساكينا
فقل للألى لم ينصفوا السنة التي ... بها شيد الإسلام صرح تآخينا
ضللتم طريق العدل حين دعوتم ... لإشباع بطن أن تجيعوا ملايينا
ألا إنما الإسلام دين عدالة ... ومن أجل نشر العدل كانت مساعينا
(2/326)

عيد الأضحى عند المسلمين
يذج المسلمون كالأغنام ... في بلاد تدين بالإسلام
يذبحون وذابحوهم أشقاء ... استباحوا قطيعة الأرحام
هكذا عيدنا أضاحيه من فتياننا ... الغر لا من الأنعام
أي عيد- إذن- لمن فقد الأمن ... وبات مهددا بالحمام؟؟
أيها المسلمون يا أمة سادت ... وجادت بفضلها للأنام
وأبادت ما في الوجود من ... الآفات والفاحشات والآثام
ثم شادت دنيا العدالة ... والإحسان: عودوا لسالف الأيام
1406 للهجرة 1986م

رأس السنة الهجرية
1404 للهجرة
مر عام وحل عالم وهذا ... العمر منا يفر عاما فعاما
غافلين عما سنلقاه من خزي ... أمام من شرع الإسلاما
ونسينا أنا سنسأل في ... حين ملأنا ملفنا آثاما
عجبا للذي نراه بصيرا ... كيف يعمى؟ أو أنه يتعامى؟
نحن أهل الإسلام أعظم دين ... وبه نحن قد فضلنا الأناما
كيف صرنا دون الأنام فهل أننا ... مسخنا دون الورى أنعاما؟
فلنراجع حسابنا ولنسدد ... ديننا ولنحقق الأحلاما
ولنحطم كل العراقيل ولننشد ... حياة كريمة أو حماما
الجزائر في 1 محرم الحرام 1404ه 7 أكتوبر 1983م.
(2/327)

عاشوراء! عاشوراء!
يا عاشورا يا خزينا في عاشوراء ... يا دمنا الأغلى المراق في العراء
ليست دماء حيوان بل دماء ... سبط محمد إمام الأنبياء
يا عاشوراء لم تمت يا عاشوراء ... يا موسم الحزن وملتقى البلاء
يا موت خير المؤمنين الأتقياء ... يا من سيبقى حزنه بلا انتهاء
موت الحسين موت ميراث الوفاء ... يوم به لم يبصر الناس الضياء
موت به غابت عن الدنيا ذكاء ... وخيم اليأس وفارق الرجاء
فاطمة الزهراء يا خير النساء ... يا من ولدت شبها للأنبياء
وسيد الشباب في دار الجزاء ... ومن أبوه رابع للخلفاء
سعدت إذ لم تحضرى "بكربلاء" ... ولم تعيشي لتري يوم البلاء!!!
يوم ترين ابنك تبكيه السماء ... مجند لا يخوض في نهر الدماء
يقتله أشقى الورى بلا مراء ... من لم يكن في وجهه أدنى حياء
ولم يكن في صدره أي إباء ... ولا مروءة ولا أي وفاء
يا أمة قد أسخطت رب السماء ... فانحدرت بعد الصعود والعلاء
إلى مهاوي الاندثار والفناء ... كيف احتملت أمتي هذا الشقاء؟
يا أمتي إن جاء يوم عاشوراء ... فلتذكري أنك عدت للوراء
منذ قتلت سبط خير الأنبياء ... فلتعلمي أنك أشقى الأشقياء
ولتقبلي عسف اليهود الأدعياء ... ذاك جزاء الجهلاء الأغبياء
الجزائر في 10 محرم 1404للهجرة 16 أكتوبر 1983م.
(2/328)

مولد المجد
12 ربيع الأول 1408 للهجرة 4 نوفمبر 1987م
يا لمجد ما مثله أي مجد ... لا يقوم بحمده أي حمد!!
قبس نحن من ضياء أتى الدنيا ... ليجلو الدجى وللحق يهدي
ولد المجد يوم مولد طه ... يا لعهد ما مثله أي عهد
عاش طه يبني من المجد ما لا ... يستطيع بناءه أي فرد!
وتنوء به جهود الملايين ... ويبقى في المجد رمز التحدي
غير أن الظلام عاد على ... الدنيا وعادت أخلاقنا للتردي
يا رسول الأخلاق إنا شغلنا ... عن سجايا العلا بما ليس يجدي
لم نعد نقتفي خطاك كما ... كنا فهنا في دولة المستبد
وبقينا في التيه نمشي بلا هاد ... ولم ندر ما نعيد ونبدي
وفقدنا البند الذي كان يحدونا ... وكيف نسود من غير بند؟
إن من كان هاديا ضل عن نهج ... هداك فسار من غير رشد
وإذا ما الرعاة ضلوا فقد ضاع ... القطيع ولم يفد أي جهد
وزهدنا فيما لدينا وأولينا ... الذي عند غيرنا كل ود
مجدنا كان لا يضاهيه مجد ... كيف صرنا وما لنا أي مجد؟
ولقد كان عندنا خير جند ... فغدونا وما لنا أي جند
(2/329)

غير جند مستبسل في قتال ... الشيخ والطفل باذلا كل جهل
بسلاح الأعداء يزهق أرواح ... الأشقاء ناقضا كل عهد
سخرته بلا رضى منه تجار ... الحروب من كل خصم ألد
اعترفنا بما اقترفنا فيا رب ... اعف عنا فليس غيرك يهدي
لا خيار للعبد فالسيد المالك ... لا يترك الخيار لعبد

ليلة المولد
أيا ليدة ما مثلها قط في الدهر ... لقد فضلت على ليلة القدر
وما هي إلا ليلة المولد التي ... تجلى دجاها عن أجل من البدر
تجلت عن الهادي البشير الذي به ... تجلى عن الدنيا دجى الجهل والكفر
لقد كانت الدنيا خلاء من الهدى ... تعيث بها قوى التمرد والشر
فبدد عنها ظلامها وظلامها ... وأخرجها من حمأة الرجس للطهر
فصارت به الدنيا مباءة رحمة ... وروضا من الآداب والفضل والبر
وهل تصلح الدنيا بغير محمد ... وما عبقت إلا بأخلاقه الغر؟
وفي الروض حسن غير أن وجوده ... يقوم على نهر بباطنه يجري
(2/330)

ربيع الأول شهر الذكرى الأولى
ما الذي صير الوجود ربيعا ... فاكسى -كالربيع- حسنا بديعا؟
كل ما شاق شاع فيه ولولاه ... لما كان شائق أن يشيعا
وأقيمت للطير والزهر فيه ... حفلات تحوي الجمال جميعا
حل شهر"الربيع" من منح الله ... العباد به المقام الرفيعا
إذ تجلى وجه الوليد الذي لم ... يكن سواه للأنام شفيعا
وجه طه الذي استطاع من ... الأعباء ما ليس غيره مستطيعا
وحد العرب تحت راية توحيد ... الإله والشرك خر صريعا
وأقام العدل الحقيقي في الأرض ... وسوى بين الأنام جميعا
ودعا للإخاء والسلم والرفق ... وشاد للحب حصنا منيعا
وتصدى للجاهلية والفوضى ... بحرب ليست تريق نجيعا
إنما هي رحمة ومؤاخاة ... وليست قتلا وهدما فظيعا
وسما بالحياة واحترام الإنسان ... واستأصل السلوك الوضيعا
وأقام الحضارة الحقة المثلى ... فعمت نفعا وجلت صنيعا
تلك حقا حضارة جمعت دون ... سواها العلوم والتشريعا
إن ذكرى الميلاد توحي بأن ... المجد في أن تطاع لا أن تطيعا
(2/331)

مولد محمد
"صلى الله عليه وسلم"
نحن في مولد النبي "محمد" ... كل شيء من حولنا يتجدد
كل شيء تدب فيه حياة ... لم تكن قبل مولد النور توجد
فبدا البشر في الوجوه دليلا ... ناطقا بالسرور بالنور يولد
وكذا الطير صادحات تغني ... بلحون تزري بألحان "معبد"
والسماء ازدهت صفاء وحسنا ... وعلى البحر بسمة البشر تشهد
والجبال اكتست جلالا فكل ... إصبع بالجلال لله تشهد
آذن الله للوجود الذي مل ... الكرى أن يكون لله معبد
إن ذكرى "محمد" خير ذكرى ... إذ بها نجتلي حياة "محمد"
غير أنا لم نتبع صاحب الذكرى ... فصرنا نعصي الإله ونجحد
وإذن فلتكن لنا هذه الذكرى ... انطلاقا منا لما فيه نزهد
ولنتب توبة إلى الله تمحو ... ما اجترحنا من كل ما ليس يحمد
ولنعاد الخلاف ولنتعلم ... من عدانا اليهود أن نتوحد
فمن العار أن نسوى بإسرائيل ... في أي موطن أو مشهد
إن هذا يؤذي النبي فكيف الأمر ... لو أصبحوا أعز وأمجد
وإذا كانت الهزيمة منا ... من أمام اليهود فالأمر أنكد
(2/332)

مولد طه
بمولد طه رفعنا الجباها ... ألا نتباهى بمجد تناهى؟
وكان انتصارا وكان اختبارا ... وكان شعارا وكان فخارا!
وقد كان فجرا وقد صار ذخرا ... كما صار ذكرى توجه فكرا
فنحن الأيمه وأعظم أمه ... وأرفع همه وأطهر ذمه
وأحفظ عهدا وأصدق وعدا ... وأوثق عقدا وأكمل رشدا
سنبقى مثالا لمجد تعالى ... وخلق تلالا هدى وجمالا
(2/333)

يا هدى الحائرين
في ذكرى المولد النبوي
قد خبا النور واكفهر الظلام ... وشكا ظلم أهله الإسلام
وتوالت مصائب وتتالت ... نوب وتضاعفت آلام!
واختفى الحب والإخاء وشاع ... الحقد والخلف بيننا والخصام
لا حياء لا غيرة لا تغاض ... لا إباء لا رحمة لا وئام!
لا حنان لا رأفة لا أناة ... لا ثبات لا وحدة لا نظام
يا رسول السلام لو أبصرت عيناك ... كيف يموت فينا السلام
فاستباح الأخ اغتيال أخيه ... لا عقابا يخشى وليس يلام
لم يعد للسلام في الأرض ظل ... فالحروب لم يخب منها ضرام!
وخلت أنفس الأنام من ... الرحمة وهي لكل خير دعام
أمة المسلمين أمة أخلاق، ... فأين الأخلاق والأحلام
أين غاب الوفاء أين اختفى الصدق، ... وأين العهود أين الذمام؟
وفشا الخوف وانتفى الأمن ... وانهارت صلات وقطعت أرحام
وإذا لم يقم على الخلق ما نبني، ... فعقبى ذاك البناء انهدام
يا رسولا للإنس والجن يا ... نورا مبينا يفر منه الظلام
يا إماما للرسل يا خاتما ... للوحي يا من على الدوام إمام
يا شفيعا يا رحمة يا سلاما ... يا منارا للعدل إنا نضام!
(2/334)

يا هدى الحائرين، إنا ظللنا ... وبنا يهتدي ويهدي الأنام!
لو ترانا نسير في كل درب ... في ضلال كأننا أنعام
ربنا فاهدنا وسدد خطانا ... واعف عنا فكلنا آثام
نحن نشكوك إخوة نقضوا عهد ... الإخاء وهم لنا حكام
وشكونا أعداءنا قبل أن ... نشكو لإخواننا فأين السلام؟
وإذا لم نجد سلاما على الأرض، ... فكيف بها يطيب المقام؟
لا رعى الله عيشنا فهو موت ... "رب عيش أخف منه الحمام"
رب هذي ذكرى نبيك قد ... عادت وآمال شعبه آلام
الجراح لم تندمل والرزايا ... ما انتهت والعيون ليست تنام
والبيوت لم يبق فيها رجال ... وبنوهم يا ويحهم أيتام!!
والعيال في حاجة لطعام ... والرجال في السجن كيف الطعام؟
رب رحماك أعضل الخطب ... واشتداد البلاء وضلت الأفهام
رب فاكشف عنا البلاء فإن ... كنا هفونا فالعفو منك يرام
وإذا لم نطعك يا رب فيما ... قد شرعت فحسبنا الإسلام
كم لقينا من الأذى من أعاديه ... وفي حبه يطيب الحمام
إن أهل الإسلام أعظم عند ... الله قدرا وغيرهم أقزام
نظمت هذه القصيدة في ربيع الأول عام 1413 للهجرة بمدينة دلس- الجزائر.
(2/335)

ميلاد محمد - صلى الله عليه وسلم - ميلاد أمة
يوم ميلاد الهدى ميلاد طه ... فيه نور الحق في الدنيا تناهى
يوم ميلاد النبي المصطفى ... منح الدنيا التي ضلت هداها
بدأت فيه حياة فذة ... في العلا والمجد تأبى أن تضاهى
لم يك الإنسان في الدنيا سوى ... سائر قد ضل مسراه وتاها
فأتى الرائد يهديه إلى ... من يرى في قربه عزا وجاها
والذي ليس يؤدى شكره ... غير أن يحنى له الناس الجباها
ما الذي جاء به طه سوى ... أعظم الأديان إذ أرضى الإله
فأقيمي دينه يا أمة ... بلغت بالمصطفى أقصى مناها
بلغت منزلة عالية ... لم تصلها أمة أخرى سواها
إن دعا عيسى فأحيا ميتا ... واحدا معجزة عظمى أتاها
إنما طه دعا أمته ... فأفاقت ثم قامت من رداها
أين شخص واحد من أمة ... بلغت أسمى مكان في علاها؟
كل أديان الهدى فيما حوت ... بلغت في دين طه منتهاها
(2/336)

مجد محمد
- صلى الله عليه وسلم -
إن ما أوتي النبي محمد ... كل يوم آثار تتجدد
كيف يفنى الذي يزيد ولا ينقص ... بل هو خالد ليس ينفد
إن ما أوتي النبي هو الدين ... الذي من به تمسك يسعد
وخلال كريمة أوجدت جوا ... من الطهر مثله ليس يوجد
وكنوز من حكمة فجرت في ... الأرض نور الهدى الذي ليس يخمد
وعليه القرآن أنزل ينبوعا ... من الصدق والبيان المخلد
أعجز الألسن الفصيحة واقتاد ... إلى الله من به كان ألحد
والذي لم يكن ليحدث حتى ... بعث الله صفوة الخلق أحمد
هو تحقيق وحدة العرب حتى ... أصبح العرب كالبناء المشيد
بعد خلف به الحروب استمرت ... والبقاء للعرب أضحى مهدد
ثم مجد المعراج من بعد إسراء ... كلا الحادثين مجد تفرد
في العروج التقى مع الله وانجاب ... الحجاب عن الكمال الأوحد
وراى ذا الجلال في بهرة النور ... بلا صورة وكيف محدد
وبإسرائه التقى بالنبيين الكرام ... في خير حفل ومشهد
ثم صلى بهم إماما فأعظم ... بصلاة تقام في خير مسجد
والإمام ما مثله من إمام الله ... والمصلون رمز فضل مؤبد
(2/337)

يا له من سجل مجد تعالى ... ما أعظم الرسول محمد!
حاز ما لم يصل إليه النبيون ... جميعا من كل فضل وسؤدد
فغدا قدوة لكل عظيم ... في الوجود يثنى عليه ويحمد
كيف نشقى ونحن أمة طه ... من غدا ذكره من الشمس أخلد؟

مولد المصطفى
12 ربيع الأول 1408 للهجرة 4 نوفبر 1987م.
ألجم الباطل والزيف اختفى ... يوم ميلاد النبي المصطفى
مولد النور الذي لما بدا ... عمت الرحمة والدر صفا
فتصافى الناس فيما بينهم ... وإذا الخصم عن الخصم عفا
وغدا الكل إلى الكل أخا ... واحتمى من كل ظلم واشتفى
ورأى الناس أمانا شاملا ... واختفى كل بلاء وانتفى!!
ثم عادت ظلمة الليل التي ... عمت العالم والنور انطفا
ثم عاد النور في صحوتنا ... ووفى للدين من كان جفا
وسنبقى أبدا ندعو إلى ... نورنا من ضل عنه وهفا
(2/338)

في ذكرى المولد النبوي الشريف
هدفي في الحياة أن أنشر الدين ... الذي قد دعا إليه محمد
وأغالي في مدحه وأباهي ... بموارثه التي لا تنفد
وأصافي من اهتدى بهداه ... وأجافي من حاد عنه وألحد
فالذي قد أحبه ليس يشقى ... والذى لا يحبه ليس يسعد
والذي يقتفي خطاه سيرقى ... كل يوم إلى المعالي ويصعد
يا رسول الهدى ويا معدن الخلق ... العظيم ويا سنى ليس يخمد
يا سماء للعدل يا منبعا ... للفضل يا مشرق العلا والسؤدد
قد عثرنا وليتنا إذ عثرنا ... قد نهضنا لنستمر ونصمد
وشعرنا بأننا قد هدرنا ... وحدة الصف والإخاء المشيد
وحدة الصف قوة تتحدى ... كل صعب وكل باغ تمرد!
وإذا ما تصدعت صخرة ... الوحدة فالشعب بالفناء مهدد
يا شعوبا تفرقت فهي فوضى ... إن أصل الشقاء شمل تبدد
فلنعد لاتحادنا مثلما كنا ... فإنا -والله- شعب موحد
إن حظينا بوحدة ترأب الصدع ... فنيل المراد شيء مؤكد
يا صباحا لمحته من بعيد ... بالأماني والبشريات مورد
نحن أسرى شوق إليك شديد ... ليس يبلى لكنه يتجدد!
وإذا ما الصباح لاح سناه ... فالظلام من حولنا يتبدد
ضل من لم يسر على نهج طه ... خاب من لم يدن بدين محمد
(2/339)

مولد النور
يا مولد النور يا شهر الكرامات ... يا مشرقا للمعالي والهدايات
يا شهر أمجادنا الكبرى ومولدها ... يا مبعثا للهدى خير الرسالات
يا شهر طه الذي مذ هل مطلعه ... باهت به الأرض أملاك السموات
لذاك تدعى "ربيعا" إذ خصصت بما ... لم يؤت غيرك من شتى الكمالات
في ليلة منك غراء قد انطلقت ... بمولد "المصطفى" عظمى البشارات
وعم نور الهدى فس الأرض قاطبة ... من بعد دهر قضته في الضلالات
والله يسعد من حقت سعادته ... من العباد بأسباب السعادات
والله يعلم من حقت سعادته ... وكان مستوجبا عليا المقامات
وأسعد الناس في دنيا وآخرة ... من خص دون البرايا بالشفاعات
وأعظم الرسل قدرا إذ به ختمت ... وعممت ما منحنا من رسالات
"محمد" خير خلق الله كلهم ... ومنقذ العرب من موت الجهالات
وحقق الوحدة الكبرى وكيف بها ... من بعد حرب عداوات وثارات؟
ليهن أمة طه أنها حظيت ... بما تؤمل من تحقيق غايات!
(2/340)

يوم الجمعة
يا ليوم حسنه ما أبدعه ... ولأنوار الهدى ما أجمعه
هو يوم رسم الله له ... خطة محكمة متبعه
حقق الله به وحدتنا ... في اجتماع شامل ما أروعه
كل أسبوع به موعظة ... لإمام كم هدى من سمعه
إن يوما هو خير كله ... هو يوم الأمة المجتمعه
ليس في الأيام ما يفضله ... أفضل الأيام يوم الجمعه
وحدة الأمة عنوان على ... أنها في القمة المرتفعه
والذي أوجبها في شرعه ... هو دين الحكمة المبتدعه
وإذا وحدتنا أدركها ... وهن أحدث فينا زغزعه
وتفرقنا فكل لم يعد ... يوم جد الجد يدري موضعه
فلنا يوم به أمتنا ... سوف تسعى للمعالي مسرعه
وتحيل الكون فردوسا كما ... صنعت أيدي الجدود المبدعه
إن من كان مع الله فهل ... لا يكون الله والناس معه؟
(2/341)

بمناسبة العام الجديد
1984 للميلاد
هكذا العمر يمر ... هكذا الحلو يمر
تعست دنيا بها ... حالاتنا لا تستقر!
بينما ننعم بالصحة ... إذ يحدث ضر
ويقل الخير فيها ... بينما يكثر شر
وبها يسعد نذل ... حيث لا يسعد حر
لا يرى فيها أبي ... النفس بالعيش يسر
فالذي لا يعرف ... الدنيا بمرآها يغر؟
والذي يعرفها ... يعرض عنها ويفر!
خاب من أضحى ... على إيثار دنياه يصر
رب إني بخطايايا ... وتفريطي مقر
إنني تبت وأقلعت ... وما في الأمر سر
هذه الدنيا التي ... تخدعنا لا تستمر
إنما هي إلى الدار ... التي تبقى ممر!
(2/342)

في ذكرى أول ماي
عام 1983م
قد دعينا إلى العمل ... ونهينا عن الكسل
وخلقنا لما دعينا ... فحيا على العمل
فإذا نحن قد فعلنا ... فذا غاية الأمل
ذا هو العيد عيد كل ... أخي همة بطل
ليس عيد الفراغ عيد ... التثاؤب والملل
أي عيد لمن قضى ... يومه غير مشتغل
إن للشغل نشوة ... دونها نشوة الثمل
وأخو الشغل وقته ... يتقضى على عجل
لا يحس سآمة ... لا ولا وطأة الثقل
لا أحب الحياة في ... عمل غير متصل
إن من عاش فارغا ... ليس يخلو من الزلل
(2/343)

شهر الفجائع 8 ماي
شهر الفجائع لا عليك سلام ... إذ فيك حرب ليس فيك سلام
قد أصبح الإنسان وحشا كاسرا ... وتوارت الرحمات والأرحام
وتظافر الأعداء في عدوانهم ... وتوالت الأرزاء والآلام!
في كل بيت مأتم وجنازة ... وأرامل وتكاثر الأيتام
لم ينج شيخ أو عجوز لا ولا ... أعفى الرضيع ولا الجنين حمام
إذ تبقر الأم التي في بطنها ... بنت ستوضع أو يعيش غلام
هل للرضيع جرائم فيدان أم ... للأجنة في الحشى آثام؟؟
كيف استباحوا قتل مخلوق بلا ... ذنب وهم متمدنون عظام؟
هل هذه مدينة؟ بئست إذن فاحرص ... على مدنية قد شادها الإسلام
لا خير في مدينة ليست على ... غير المجازر والحروب تقام
أيباد أبناء الجزائر جهرة ... ويذبحون كأنهم أغنام؟
ذاك الذي رامت فرنسا مثلما ... صنع التتار ولم يتم مرام!
إذ خاض هذا الشعب ثورته على ... أعدائه واستيقظ الضرغام
وإذا "الجزائر" دولة مرهوبة ... ورأى العدا ما يصنع الإسلام
ورأت فرنسا كيف أخفق سعيها ... وهوت جميعا تكلم الأحلام
والنصر لا يجنيه إلا أهله ... وعلى الطغاة الظالمين حرام
ليت الذين تغرهم قواتهم ... علموا بأن لا يفلح الظلام
واللاهثين وراء زيفهم اهتدوا ... لضالالهم واستيقظ النوام!
(2/344)

من وحي الثامن ماي
شعب الجزائر شعب الصبر والجلد ... شعب الشجاعة والإقدام كالأسد
أبناؤه صمدوا في كل ملحمة ... لأنهم آمنوا بالواحد الصمد
ما حاولته فرنسا من إبادتهم ... آل إلى ضده من وفرة العدد
والزرع تدفعه إن رحت تقطعه ... إلى نمو سريع منه مطرد
والمسلمون هم زرع الإله فمن ... يرد مساءتهم يصدر ولم يرد!!
وهم بحق جنود الله قد خلقوا ... لنصر ما صح من دين ومعتقد!!
ومن يحاربهم يرتد مندحرا ... ولم ينل غير محض الهم والكمد
ومن يعش عاش منصور اللواء ومن ... يمت يفز بخلود الروح والجسد
باعوا نفوسهم لله خالصة ... فهل يخافون بعد الله من أحد؟
قد جاهدوا في سبيل الله مذ وجدوا ... لم يثنهم عنه حب المال والولد
خمسون ألفا بأسبوع فقط قتلوا ... ولم يريدوا سوى حرية البلد
وما استفاقت فرنسا من غوايتها ... إلا على صوت شعب غاضب حرد
قد أعلن الثورة الكبرى لأن بها ... فكاك شعب من الأغلال مضطهد
سبعا ونصفا من الأعوام أنفقها ... شعب "الجزائر" في بؤس وفي نكد
(2/345)

لكنه نال ما قد كان يأمله ... من عتق نفس ومن عز ومن رغد
يا ابن "الجزائر" يا ابن الثائرين لقد ... عرفت نهجك فالزمه ولا تحد
تحل بالدين والأخلاق إنهما ... مجد الخلود الذي يبقى إلى الأبد
ولا تكن أبدا في الناس إمعة ... كببغاء بلا فكر ولا خلد
ما ينفع الناس يبقى لا يبيد ولا ... يبيد إلا عديم النفع كالزبد
عش كي تفيد ولا تعش بلا هدف ... فإنما أنت ظل الواحد الصمد
هلم فاعمل لدنيا قد خلقت بها ... ولا تقل: أنا مخلوق لدنيا غد
ازرغ لتحصد وابذل ما يفيد تجد ... ما قد بذلت وإن فرطت لم تجد
ما دمت حيا فلا تقعد بلا عمل ... ولا تكن عالة يوما على أحد
بادر من الآن قبل الموت منطلقا ... فإنما أنت موجود إلى أمد
(2/346)

يوم المجاهد
من سمت نفسه تسامى عن الظلم ... فما الظلم غير خسة نفس
وظلام في الحس جر إلى ظلمة ... ظلم فالظلم ظلمة حس
والفرنسي من طبعه الظلم فالظلم ... -إذن- شيمة لكل فرنسي
والذي يستكين للظلم لا أظلم ... من ظلمه الذميم الأخس
إنه بقبوله الظلم قد جرأ ... أسرى الهوى على كل رجس
أي رجس كالظلم يقضي على ... الأمن فنحيا حياة هم وبؤس
وبلادي لم تقبل الظلم بل ثارت ... على الظلم في حماس وبأس
طردت كل أجنبي ولم تبق ... على أي خادع مندس
غير أن عدوى تعاليمه لما ... تزل في البلاد طالع نحس
إن هذا يوم "المجاهد" جاهدنا ... به الظالمين من كل جنس
وسنقضي عليهم مثلما كنا ... قضينا عليهم بالأمس
وتدوي "الله" في كل ... مكان ويختفي كل رجس
(2/347)

ذكرى يوم المجاهد
"يوم المجاهد" يا بناء أمجاد ... وفخار كل فدائي ومجاهد
فيك التقى صيد الرجال ليرسموا ... لبلادهم خط النضال الصامد
قد أقبلوا متحمسين وكلهم ... ذو جرأة مثل الهزبر الحاقد
غضبا على مستعمري الوطن ... الذي لم يعن إلا للإله الواحد
وتخيروا -كالأسد- غيلا نائيا ... في عزلة عند "الصمام" الخالد
وهناك قرر "للجزائر" ما به ... تحيا حياة مكرمين أماجد
"يوم المجاهد" لم تكن أسطورة ... بل أنت شغل أقارب وأباعد
ذكراك لم تبرح منار بطولة ... وسماء إلهام ونبع محامد

أعظم شاهد
في ذكرى يوم المجاهد 1983م.
"يوم المجاهد" أنت أعظم شاهد ... بأجل أمجاد لنا وأماجد
شعب تدل عليه أعظم ثوره ... كتبت له تاريخ نصر خالد
شعب "الجزائر" ذاك أصبح معلما ... للثائرين على النظام الفاسد
قد علم الأمم الشجاعة والفدى ... والصبر في محن لها وشدائد
"شعب الجزائر" عش منار مكارم ... ومثال إقدام وشعب محامد
(2/348)

مناجاة
(2/349)

ابتهالات!
فضلك الجم يا إللهي باهر ... مثلما حكمك الخلائق قاهر
كل ناء طلبته منك دان ... كل ما غاب من أماني حاضر
كنت -يا رب- لي كما كنت أرجو ... ليتني أنني على الشكر قادر
أنت حقا -يا رب- رب جميع الخلق ... رب الخفي رب الظاهر
رب من في السماء والأرض رب ... الكون رب لسابح ولطائر
آمن الكل أنك الخالق البارئ ... فالكل خاضع لك صاغر
أنا يا رب عبدك الطائع الراضي ... بكل الذي به أنت آمر
فارض عني وقد خطاي فإن لم ... تتدارك أمري فحظي عاثر
لا تكلني ربي لنفسي فإني ... تائه الخطو ضائع الرشد حائر
ومصيري إن لم تقد خطواتي ... في الطريق السوي شر المصائر
رب حسبي رضاك عني فإن نلت ... رضاك فالخير واف ووافر
وإذا لم أنله "لا قدر الله" ... فما في الوجود مثلي خاسر
(2/351)

لا تؤاخدني إلهي
لا تؤاخدني إلهي بالذي ... كان مني من ذنوب وخطايا
فأنا عبد ضعيف عاجز ... عادم القدرة في كبح هوايا
لم أجد لي بياة صالحة ... أو صديقا صادقا يأبى الدنايا
عشت في مجتمع ممتلئ ... بالدنايا ومحاط بالرزايا
كم به من فتنة عارية ... وشرور من خمور وبغايا
ومعي النفس التي ما فتئت ... تمقت النهج الذي فيه هدايا
فاحمني -يا رب- من فتنتها ... وعلى نهج الهدى ثبت خطايا
فلقد عودتني الفضل الذي ... طالما ضاعفت لي منه العطايا

لك الحمد ربي
نظمتها بمناسبة خروجي من مستشفى "سيدي فرج" معافى:
مرضنا وعوفينا وعدنا كما كنا ... فيا رب مما قد أتحت لنا زدنا
هديت وأهديت الكثير ولم نكن ... حمدناك -يا رب- لك الحمد ما عشنا
وعافيتنا من كل سوء وفتنة ... وأي عطاء مثل دفع الأذى عنا؟
وما النعمة الكبرى سوى الصحة التي ... إذا لم نجدها لم نجد بعدها أمنا
وما الأمن إلا للسعادة موئل ... فإن لم يكن، فرت سعادتنا منا
ومن يعتصم بالله يبلغ مراده ... ولم يلق في دنياه هما ولا حزنا
(2/352)

من أرضي إلى أرضي
قلتها في الطائرة أثناء رجوعي من أرض الحرمين الشريفين إلى أرض الوطن.
قد عدت من أرضي إلى أرضي ... بكل ما يغني وما يرضي
من موطن الوحي وأرض الهدى ... إلى بلاد الخصب والخفض
من مبعث الثورة ضد الخنى ... لمواطن الثورة والرفض
من مولد الإسلام من مهده ... إلى ربوع الخلق المحض
من مشرق الإيمان من أفقه ... إلى بلاد الأدب الغض
من سدة المجد وعرش العلا ... إلى ملاذ الدين والعرض
فمن صحارينا لشطآننا قد ... عدت من أرضي إلى أرضي
16 ربيع الثاني 1408 للهجرة 7 ديسمبر 1987م

النعمة والشكر
فضلك اللهم لا أحصيه كثرة ... فأنا لا أستطيع الدهر شكره
كيف والشكر عليه نعمة ... تقتضيني شكرها في كل مره
بعض ما أوليتني من نعم ... شكره يستغرق الإنسان عمره
وهو ذو مقدرة محدودة ... ومع الشيطان لا يملك أمره
إنما النعمة صيد نافر ... فهي دون الشكر ليست مستقرة
فأعني كي أوفي شكرها ... إنها بالشكر تبقى مستمره
(2/353)

شوق وذوق!!!
يا أرض ميلاد النبي محمد ... بوركت من أرض ومن ميلاد
يا منبع التقوى ويا أفق العلا ... يا منبت الآباء والأجداد
يا زينة الدنيا ويا نبع الحجى ... يا ملتقى العباد والزهاد
يا سر أعماق الوجود ولبه ... ومنارة التوجيه والإرشاد
يا غرة التاريخ يا رشد النهى ... يا مطلع الإيجاد والإمداد
يا موطن الحرمين يا مهد الهدى ... يا مشرق النور المبين الهادي
جبرل سار على ثراك وخالد ... قاد الجيوش لخوض خير جهاد!!
وتعطرت تلك البطاح وبوركت ... ساحاتها بدماء الاستشهاد
وتأسست للعرب أول دولة ... جعلت من الإخلاص خير عتاد
قامت على عدل وإحسان فلم ... توصم بطغيان ولا استبداد
شوقي إليك على المدى متجدد ... وهواك لم يبرح حليف فؤادي
ما زرت أرضك مرة إلا نما ... حب لأرضك ليس بالمعتاد!
وإذا حبست عن الزيارة إنني ... لأحس حزنا مثل وري زناد!
وتهب ريح منك أشعر أنها ... ري وبرء للفؤاد الصادي!
يا ليتني ما غبت عنك فإن أمت ... كانت هناك منيتي ورقادي
يا أمة الأمجاد لا تتخلفوا ... عن أن تزوروا منبت الأمجاد!
(2/354)

بين البيت والمقام
بمقام إبراهيم كان مقامي ... والحجر والبيت الحرام أمامي
وبمشرق الأنوار قد أنزلتني ... يا رب حسبي قد بلغت مرامي
استنشق العرف الزكي وأنثشي ... بأريج أرض الوحي والإلهام
يا ليتني أبقى هنا يا ليني ... ألقى هنا عند الحمام حمامي!
يا ليت قبري خط في هذا الثرى ... فصبابتي تثوي هنا وغرامي
فالأرض كل الأرض صارت ... بؤرة للإثم والعدوان والإجرام!
وقرابة الأرحام قد عبثت بها ... أيد تبيح قطيعة الأرحام
وأخوة الإسلام أسكت صوتها ... صوث النحيب وصرخة الآلام
فالحرب قائمة بكل ضراوة ... تقضي على الآمال والأحلام
حرب على طول المدى لا تنتهي ... ودعاتها لم يقبوا بسلام
يا رب إن أوليتني ما أرتجي ... فلأنت أهل الفضل والإنعام
يا من يجيب دعاء من يدعونه ... أدعوك من قلب جريح دام!!
قيض لدينك من يفك حصاره ... ويعيد عزة أمة الإسلام!
واحرس مبادئه ووفق أهله ... كي يجعلوه مصدر الأحكم
10 ربيع الثاني 1408 للهجرة 2 ديسمبر 1987م.
(2/355)

لك الحمد يا رب
لك الحمد كم أوليت يا رب من فضل ... وآتيت من علم ووقيت من جهل
ووفقت من بر وألهمت من تقى ... ومن خلق سهل ومن منطق جزل
فإن كنت -يا رب- عن الشكر عاجزا ... فما شكر هذا الفضل بالعمل السهل

سرينا
سرينا لأرض العلا والخلود ... ونبع الصفاء وسر الوجود!
ودنيا كمال بغير حدود!!! ... وكعبة فضل وقمة جود
سرينا إلى أن طوينا البعيد ... إلى أن أوينا لركن شديد
لأفق حوى كل مجد تليد ... نطير بأجنحة من حديد
سرينا نروم شفاء القلوب ... فقد مرضت باقتراف الذنوب
وما من شفاء سوى أن نتوب ... فقد جنحت شمسنا للغروب
سرينا وأشواقنا حاديه ... إليها وآمالنا هاديه
وأرواحنا بالهوى صاديه ... وألبابنا بالمنى شادية
سرينا إلى التربة الحالية ... كل مآثرنا الخالية
لطيبة للروضة الغاليه ... لمكة في فرحة طاغيه
وها قد وصلنا إلى ما قصدنا ... كل الذي قد قصدنا وجدنا
لك الحمد يا ربنا إذ عبدنا ... إلها يبلغنا ما أردنا
(2/356)

أعظم بها بشهرى
رأيت مناما وجه من جاء رحمة ... فأنعم بها بشرى وأعظم به ذخرا
وهل كرسول الله ذخرا مخلدا ... فينفع في الدنيا ويشفع في الأخرى
فيا رب إذ فضلتنا بمحمد ... فأوليتنا مجدا وخلدتنا ذكرا
أنلنا اتباعا للذي جاءنا به ... فنصبح في الدنيا أجل الورى قدرا
ليكمل أوليتنا باتباعه ... وتملأ سمع الدهر ألسننا شكرا

ذكر الله! ذكر الله
تضيق بي الدنيا فأفزغ للذكر ... وهل مثل ذكر الله أرحب للصدر؟
وهل مثل ذكر الله أشفى لدائنا؟ ... وهل مثل ذكر الله أجدب للصبر؟
وهل مثل ذكر الله أدنى إلى الغنى؟ ... وهل مثل ذكر الله أبعد للفقر؟
وهل مثل ذكر الله أوصل للمنى؟ ... وهل مثل ذكر الله أنفع في العسر؟
وهل مثل ذكر الله أقهر للعدى؟ ... وهل مثل ذكر الله أدفع للشر؟
وهل مثل ذكر الله للهم طارد؟ ... وهل مثل ذكر الله أجمع للفكر؟
وهل مثل ذكر الله أزجر للهوى؟ ... وهل مثل ذكر الله أعظم للأجر؟
فيا رب مالي غير ذكرك عدة ... فلا تخل قلبي -يا إلهي- من الذكر
(2/357)

قيام الليل
يا ممضيا ليله مناما ... أتيت ما يوجب الملاما
فالعمر شطران منه شطر ... ليل فلا تمضه حماما
والليل خير الشطرين فيه ... تلقى الهدوء والانسجاما
ولا تحس ضوضاء صوت ... ولا صياحا ولا كلاما
والقلب يخلو من الخطايا ... والفكر يصفو وبه تماما
كم أنتج الباحثون فيه ... معارفا تنفع الأناما
واكتشف العارفون فيه ... معارجا ترفع المقاما
فيا أخي إن تنم كثيرا ... تخسر كثيرا فكن هماما
فإن أردت حصول تقوى ... فاطو الظلام به قياما
وإن أردت اكتساب علم ... تجلو بأنواره الظلاما
شمر على ساعديك واصمد ... واسهر ولا تطلب المناما
غناك في الليل فالتمسه ... به ستغنى به دواما
ولا تنمه تعش فقيرا ... ولن ترى في الكرى مراما
علام تقضي الحياة موتا ... وأنت ذو فطنة، علاما؟
(2/358)

غربة الإسلام
لقد أصبح الإسلام في دار غربة ... فلست ترى إلا عدوا محاربا
ولست تراى إلا صديقا منافقا ... ولست ترى إلا حقودا مشاغبا
وما نفموا منه سوى الصدق والهدى ... وعدل وإيمان تحدى الكتائبا
وقد كان رمزا للسيادة والعلا ... ومن كان مغلوبا به صار غالبا
وهل كان إلا سلما لرقيهم ... به بلغوا مذ طبقوه الكواكبا
وهل كان إلا ثورة خلقية ... حضارية في النفع تحكي السحائبا
وهل كان إلا نور علم وحكمة ... وهل كان إلا الصبح يجلو الغياهبا
وهل كان إلا دين فكر ومنطق ... فلا رحمة ترجى إذا كان غائبا
متى تنتهي -يا رب- غربتنا التي ... عدمنا بها من كان بالأمس صاحبا
(2/359)

غربة المسلمين
مر بي الشاب "ناصر الدين" وأنا أفكر في غربة المسلمين، فأجرى الله على لساني هذه الأبيات رثاء لحال المسلمين:
يا "ناصر الدين" هل للدين أنصار ... وأنت مستعبد والناس أحرار؟
بالأمس كانت لنا الدنيا بأجمعها ... واليوم ليس لنا أهل ولا دار
والقول ما قال أهل الغرب وحدهم ... والأرض يحكمها بالعسف جبار
كل التعاليم والآداب مهدرة ... وكل ما شيد ابن الضاد منهار
ولا ترى غير أشلاء ممزقة ... ومن دماء بني الإسلام أنهار
عار على أمة الإسلام غربتها ... لا العار -يا رب- نرضاه ولا النار
يا أمة المصطفى إن لم تقومي بما ... أتى به المصطفى فالنار والعار
وأنت مسؤولة عن نصره فإذا ... لم تنصريه فما للدين أنصار
(2/360)

دين الله؟
رب إنا بغير دينك نشقى ... وبتحكيمه نسود ونرقى
لم نكن خير أمة بسوى ... الإسلام إنا به نفوز ونبقى
خاب من حاد عن هداه فلم ... يقض على باطل ولم يقض حقا
إن دين الإسلام دستور من ... شرعه للعباد حقا وصدقا
عجبا كيف يترك الناس ما ... يجعلهم سادة ويرضون رقا؟
من هنا ندرك الحقيقة للإنسان ... فهو الضعيف فكرا ونطقا
هو لولا فضل من الله جم ... سحقته حوادث الدهر سحقا
يا بعيدا عن ربه وهو محتاج ... إليه دوما حياة ورزقا
عد إليه فأنت عبد لدنياك ... تجد عنده من الرق عتقا
وتنل ما تريد دنيا وأخرى ... وإذا لم تعد فإنك تشقى

دار القرآن
طف بدار القرآن واسع إليها ... فستلقى القرآن يتلى لديها
وستلقى بناتنا وبنينا ... حائمات مثل الطيور عليها
تلك أمنية الجزائر، كم قد حنت ... لإدراكها نفوس ذويها
(2/361)

سر إليها وطف بها واقر فيها ... وتحمل أزكى سلامي إليها
وإذا ما لقيت نفسا بنتها ... فتواضع لها وقبل يديها
(2/362)

ألا كيف؟
ألا كيف ينسى الناس من ليس ينساهم؟ ... ومن هو بالإحسان والفضل يرعاهم
وما انفك لم يشغله عنهم سواهم ... وتشغلهم عنه توافه دنياهم
وكيف استطاع الناس نسيان ربهم ... ومنه -لعمري- عيشهم ومناياهم؟
ولم ينسهم من رحمة أو كلاءة ... وما كان محتاجا لنيل عطاياهم
وكلهم يحتاج فيض عطائه ... فأين مزاياهم وحسن سجاياهم؟
ولا عيب في الإنسان مثل جحوده ... جميل الألى تبني الحياة مزاياهم
والأم منه جاحدو فضل ربهم ... فتلك لعمر الله كبرى خطاياهم

سأبكي
سأبكي إلى أن ينفد الدمع من جفني ... وأحزن حتى ألفظ الروح في حزني
فلم يبق في هذي الحياة مساعد ... على ما تفشى في الحياة من الغبن
فكم من أخ قد كنت أحسبه أخا ... بذلت له ودي فخاب به ظني
فضاقت بي الدنيا الرحيبة بعدما ... بلوت أذاها فهي أضيق من سجن
فخذ بيدي يا كاشف الضر واحمني ... فإئك ذو فضل علي وذو من
(2/363)

أشكوك يا رب
كتبت عشر قطع شعرية جديدة في دفتر صغير وخبأته في مكان ما ريثما أعطيه لكاتبتي- التي هي ابنتي عائشة- لتنقلها مع القصائد الأخرى ثم نسيت المكان الذي خبأت فيه الدفتر، فبت مشغول الفكر حائرا من هذا
النسيان الذي بسببه أضعت الكثير، فقلت هذه الأبيات:
أشكوك -يا رب- نسيانا ألح على ... ما عشت أودع من علم بذكرتي
ومن تجارب لا أحصي لها عددا ... فصرت أحيا بلا علم وتجربة
وقد أضعت الذي قد صغت من قطع ... عشر، فأصبحت محتاجا لتعزية
لقد نسيت مكنا فيه دفترها ... فلم أصب مثلها يوما بكارثة
رباه! ذاكرتي ضاقت بموهبتي ... وليس لي حيلة في حل مشكتي

بدنيانا سكنا
بدنيانا بلا قصد سكنا ... ونتركها برغم الأنف منا
فإن نشرب من اللذات كأسا ... بها نشرب من الآفات دنا
فهل ستكون عقبانا عقابا ... شديدا أم سيعفو الله عنا
على أنا إذا كنا أسأنا ... فإنا لم نسيء بالله ظنا
بأن الله ذو فضل ومن ... ونرجو دائما فضلا ومنا
(2/364)

بكيت
بكيت ولم يشفني ما بكيت ... على ميت خلا منه بيت
على هدم كل الذي قد بنيت ... وما ضاع من كل ما قد حويت
بكيت على كل دنب جنيت! ... بكيت على خطوات مشيت!
بكيت على أنني قد سعيت!! ... إلى ما رمته واشتهيت!
وأني كل الثمار جنيت!!! ... شربت ولكنني ما ارتويت
أكلت ولكنني ما اكتفيت ... أمرت ولكنني قد أبيت!
نهيت ولكنني قد عصيت ... وأني لما لا يفيد اقتنيت
وأني بحضن الهوان ارتميت ... وأني بأعداء ديني اقتديت
وأني بأهل الضلال اهتديت ... وأني لدار الغرور أويت!
وأني لبهرجها قد هويت! ... وأني بدنيا الطغاة احتميت
وأني ابتسمت لهم وانحنيت ... وأني بغدر الصحاب اكتويت
وأني رأيت ويا ما رأيت! ... رأيت الورى كل حي كميت
لذا قد بكيت ويا ما بكيت ... ولم يشفني كل ما قد بكيت
(2/365)

رب سبحانك
رب سبحانك أبدعت الوجودا ... رحمة منك وإحسانا وجودا
إنه آيتك الكبرى التي ... لم تزل تثبت لله الوجودا
فإذا ما جحد الناس ففي ... صنعك الباهر ما ينفي الجحودا
رب إني لك قد وجهت وجهي ... رب إني لك أخلصت السجودا
رب إني بك آمنت فهب لي ... ما به أزداد صبرا وصمودا

بين المقدرة والمغفرة
رب هب لي من لدنك مقدره ... أو فهب لي إن عجزت مغفره
إن أرد ما فيه نفع لم أجد ... قدرة حتى كأني لم أرد
فإذا لم أبلغ القصد فلا ... ذنب لي لكن حرمت الأملا
إن شوقي لسناك غالب ... غير أني لم يكن لي قارب
رب هيء لي أسباب الهدى ... وأنر دربي لألقاك غدا
(2/366)


أنا مسلم
أنا مسلم وكفى بأني مسلم ... حوت المكارم كلها أنا مسلم
أنا مسلم رغم العدا فهم الألى ... كانوا العد، حسدا لأني مسلم
أنا مسلم ما عشت لا أخشى الردى ... لكن أسر به لأني مسلم
أنا مسلم تشفي الجراح جميعها ... وتحل مشكل وضعنا أنا مسلم
أنا مسلم سبب الوصول لخالقي ... ووسيلتي لرضاه أني مسلم
أنا مسلم سأفوز يوم لقائه ... بجميل رؤيته لأني مسلم
أنا مسلم داري هناك بجنة ... الفردوس تخليدا لأنى مسلم
أنا مسلم حزت السعادة كلها وحظيت بالحسنى لأني مسلم
أنا مسلم كانت بداية لمجدنا ... وتكون آخر مجدنا أنا مسلم
أنا مسلم سمة الخلود لأمتي ... قد عقنا من لم يقل أنا مسلم

الجهل أصل البلاء
إن جهلي يا رب أصل بلائي ... فقني من مزالق الجهلاء
واعع ضعفي ولا تكلني لنفسي ... واعف عما ارتكبت من أخطاء
واهدني للذي تحب وترضى ... واحمني من مكائد الأعداء
إن حسبي رضاك إن ترض عني ... نلت ما أبتغي بغير عناء
(2/367)

أسلموا! أسلموا!
بمناسبة اعتناق "غارودي" للدين الإسلامي الحنيف، بعد رحلته الطويلة بين الأديان اللأخرى.
أيها الناس الألى لم يسلموا ... أسلموا قبل حلول الأجل
أسلموا تغئنموا فرصكم ... أسلموا تجنوا ثمار الأمل
**
إن هذا العمر أغلى فرصة ... سيضيع العمر إن لم تغنم
إنكم لم تخلقوا كي تكفروا ... بالذي أوجدكم من عدم
**
إنما أوجدكم كي تعبدوا ... ربكم فلتعرفوا سر الوجود
أسلموا فورا ولا تنتظروا ... نفد العمر وما زلتم رقود
**
إن "غارودي" الشيوعي لقد ... صار بالإسلام ذا حظ عظيم
إن من لم يحظ بالإسلام لم ... يحظ من دنياه بالخير العميم
(2/368)

يا أمة القرآن حسبك
نحن أمة القرآن وكفانا فخرا أننا أمة القرآن لأن أمتنا صنعها القرآن صنعا لا يصنعه غير القرآن، ما أبين عجز الإنسان، أمام القرآن المعجز للإنسان: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}.
يا أمة القرآن حسبك أننا ... ندعى بحق أمة القرآن
فعليك بالقرآن فالتزمي به ... أو لا فإنك بؤت بالخسران
والله أكرمنا بحفظ كتابه ... والله ذو كرم وذو إحسان
وإذا حفظناه ولم نحفط به ... أحكامه فالحفظ كالنسيان
ما أنزل القرآن كي نشقى وكي ... نحيا حياة تعاسة وهوان
والله فضلنا على كل الورى ... والفضل منه لا من الإنسان
(2/369)

أمة القرآن
أمة القرآن تشقى؟ ... أيكون الأمر صدقا؟
وإذا ما شقيت ... من يا ترى يسعد حقا؟
وإذا مات صحيح ... هل مريض الجسم يبقى؟
وإذا لم يرق ذو علم ... هل الجاهل يرقى؟
أمة القرآن لا ثشقى ... ولا تدرك سبقا
إنها أكمل خلق الله ... إيمانا وخلقا
وإذا حل بها الداء ... الذي تشكو وتلقى!
وغدت في لجة الآلام ... والأرزاء غرقى
إنه جهد الذي حقق ... ما جل وشقا
وستصحو وسيغدو ... نجمها أشرق أفقا
(2/370)

العلم والخلق
سألزم نفسي كل ما يرفع النفسا ... وأمنعها أن تقرب الإثم والرجسا
إذا هبطت أخلاقنا ساء حالنا ... وإن كرمت أخلاقنا لم تخف بأسا
فقل للذى لم يسم بالعلم خلقه ... ضلل فلم ترشد ولم تفقه الدرسا
فلا خير في علم عقيم وإنني ... أرى العلم دون الخلق لا يرفع الرأسا
هل الغيث يعطي ثروة الزرع وحده ... إذا الأرض لم تصلح لأن تحضن الغرسا
فسبحان من لم يجعل الخلق نسخة ... مكررة جنا من الخلق أو إنسا
بل اختلفوا في كل شيء لحكمة ... قد اختلفوا معنى كما اختلفوا حسا
بل اختلفوا عقلا وخلقا وصورة ... ودينا وتفكيرا كما اختلفوا جنسا
فيا رب قد خطوي إلى ما ينيلني ... رضاك وذكرني رضاك فلا أنسى
فغاية آمالي رضاك فإن أنل ... رضاك فلا عزا فقدت ولا أنسا
(2/371)

إنابة
رب أعطيتني من العمر ما يكفي ... لإصلاح وضعي المنهار
إن ستا من السنين وسبعين ... من العمر أطول الأعمار
كيف أجدبتها من الخير كالأرض ... التي أجدبت من الأثمار
كيف ضيعتها فلم أحظ منها ... بسوى الموبقات والأوزار
كيف لم أنتفع بعمري ولي عقل ... يقيني ضلالتي وعثار
أين عقلي إن لم يكن لي إيمان ... يشير بالخير والإيثار
أين رأي وحكمة بهما كان ... على معضل الأمور انتصار
فتفضل يا رب بالعفو عني ... وتقبل إنابتي واعتذار

مطلبي
الله مطلبي الأجل ... حتى يحل بي الأجل
فهو الملاذ فليس لي ... في غيره أبدا أمل
والعبد ذو ظلم وإن ... الله كرم من عدل
ما زال بالنعم السوابغ ... منعما منذ الأزل
أفلا يقوم بشكره ... أدبا فيخلص في العمل
لكنه عبد الهوى ... ضل السبيل ولم يزل
يحيا بلا هدف بلا ... معنى بلا أدنى خجل
(2/372)

لماذا خلقت؟
خلقت كي أرضي إلهي بأعمالي ... فيا خجلي إن ضاع عمري بإهمالي
وأوقفني ربي وألقى سؤاله ... علي لكي يبدي الذي كان من حالي
وقال: ألم أجعلك أعظم كائن ... فأصبحت بين الخلق بالموضع العالي؟
فكيف رضيت الدون من بعد رفعة ... بأقبح أفعال وأسوئ أقوال؟
وهل عملي إن لم أكن فيه مخلصا ... يخلصني من نار هم وبلبال؟
وإن ظهرت في موقف الحشر خيبتي ... سيكثر نوحي عند ذاك وإعوالي
فيا رب وفقني لما قد خلقتني ... فإن به -يا رب- تحقيق آمالي
وإن نلت بعضا من رضاك فإنه ... ليكثر -يا رب- على الخير إقبالي
(2/373)

عظم الخطب!
رب مالي إلا إليك التجاء ... عظم الخطب وادلهم البلاء
أينما سرت لا أرى غير ألوان ... انحراف يضج منها الإباء
إذ غلونا في حبنا للمحاكات ... كأنا ما عندنا آباء
من يرانا يقل مسخنا نصارى ... أو يهودا لا أننا أصلاء
تحن ثرنا على الأجانب حتى ... ما تبقى بأرضنا دخلاء
فلماذا نقلد الآن أعداء ... البلاد كأنهم أصدقاء؟
إن هذا التقليد يقتل فينا ... عزة النفس وهو داء عياء
فلنثر ضد موتنا إننا الأحياء ... حقا، ما مثلنا أحياء
نحن خير من الذين نحاكيهم ... فكيف يقلد الأدنياء
إنما المسلمون أفضل خلق الله ... إذ بهم استقام البناء
(2/374)

الله أكبر!
"الله أكبر" آية التوحيد ... فغدت تردد أيما ترديد
"الله أكبر" أصل كل حقيقة ... "الله أكبر" في الحياة نشيدي
"الله أكبر" كم أقضت مضجعا ... وقضت على مستهتر عربيد
"الله أكبر" قوة كم دمرت ... من صرح بغي للطغاة مشيد
"الله أكبر" حصن كل مجاهد ... وعتاده للنصر والتأييد
"الله أكبر" بلسم لجراحنا ... ودواء داء للأنام مبيد
"الله أكبر" قوتنا وطعامنا ... وصلاتنا ونشيدنا في العيد
"الله أكبر" ذكرنا وشعارنا ... وهتافنا لله بالتمجيد
(2/375)

صوت المؤذن
صؤت المؤذن صوت المجد من قدم ... من لم يجبه يصب بالخزي والندم
لأنه صوت إيمان بخالقنا ... وموجد كل مخلوق من العدم
"الله أكبر" عنوان لقوتنا ... لا نرهب الموت لا نأسى لسفك دم
فنحن بالله في أمن وفي دعة ... وإننا خير من يمشي على قدم
"الله أكبر" لم نبرح نرددها ... فهي النشيد لنا في كل محتدم
لكن حماستنا قد جف منبعها ... فلم يعد عندنا شوق إلى القمم
وقد خبت بيننا روح الإباء فلم ... نغضب لتقصيرنا عن سائر الأمم
ودب كل خلاف بيننا وفشا ... موت الضمير ونقض العهد والذمم
كانت لنا همم عظمى بلغنا بها ... ما قصرت عن مداه همة الأمم
حتى اهتدت أمم الدنيا بحكمتنا ... واليوم ما بالنا صرنا بلا همم؟
رباه إنا أضعنا كل ثروتنا ... من المكارم والأمجاد والعظم
فامنن علينا بإيقاظ لهمتنا ... لنسترد الذي قد ضاع من قيم
وامنن علينا يإنهاض لكبوتنا ... لنلحق الركب أو نشفى من السقم
ولا تكلنا إلى تديبر أنفسنا ... فنحن نعجز عن إصلاح منهدم
(2/376)

الحياة سجن
سمت حياتي فهي "سجن مؤبد" ... وليس بغير الموت أخلص من سجني
صديق بلا صدق وعلم بلا تقى ... ودين بلا فهم وأمن بلا أمن
ونقض لميثاق وخلف لموعد ... وهتك لأعراض وحزن على حزن
وفرط غرور بالحياة وزيفها ... وما الحي فيها غير ميت بلا دفن
وإني في الدنيا كراكب لجة ... وقد كاد موج البحر يذهب بالسفن
غريب فما لي من قريب ولا أخ ... وكم من قريب لي كم لي من خدن
حياة تجلى قبحها وخداعها ... ولم تك دارا للجمال وللحسن

الرجاء لا يموت
أنا إن أظلمت الدنيا فما أظلم قلبي ... أنا إن زاد بلائي زاد إيماني بربي
أنا إن أجدب روضي بعد إثمار وخصب ... وتوارى النور من أفقي وأخفى الشوك دربي
سطعت في داخلي شمس "رجائي" وهو حسبي ... وإذا حل بي الموت فما أعظم كسبي
إذ به أرجع لله بإيماني وحبي!! ... وأرى ما كنت أرجو من مناجاة وقرب
وإذا حزت رضى الله فيا فرحة قلبي ... أي حظ مثل حظي من إلهي رغم ذنبي

أسير لنهايتي
أحس بأني سائر لنهايتي ... وأني على وشك الرحيل من الدنيا
ولا ضير إن أرحل فقد عشت حافظا ... مدى سنوات العمر للقيم العليا
(2/377)

القرار الأخير
سأهجر دنيا الزيف والزيغ والرجس ... وأخلو إلى نفسي لتسعد بي نفسي
فحسبي نفسي فهي دنياي كلها ... ولست أبيع النفس بالثمن البخس
فإنا بدنيانا كراكب لجة ... يظل على خوف قريب من اليأس
تحف به الأخطار من كل جانب ... ويصبح فيما يتقيه كما يمسي
فمن يأمن الدنيا تصبه شرورها ... وينقل فيها من نعيم إلى بؤس
فكن- يا أخا الدنيا- على حذر وكن ... خبيرا، بصيرا، واعيا، مرهف الحس
وقدم بها ذخرا لنفسك بما غد ... فما الغد إلا غرسة اليوم والأمس
وجند بها طاقاتك الخمس كلها ... لتحمد عقبى الجد في حضرة القدس

إن يريدوا قتلي
إن يريدوا قتلي ولم يرد الله ... قتلي فذاك محض جهاله
إنما الأمر أمر من خلق ... الإنسان لا أمر من يريد قتاله
فنجوت ولم لنالوا مرادا ... والمنافق يكشف الله حاله
غير أني عفوت عنهم وإن لم ... أعف عنهم عددت ذاك سفاله
وأنا أحمد الذي من باللطف ... وأخزى أهل الأذى والنذاله
قصتي حجة على كل من يقتل ... شخصا أو يستبيح اغتياله
(2/378)

يستريح الكتاب
يستريح الكتاب مني إذا كنت ... استرحت من الحياة بموتي
وصريخ اليراع يسكت إن يعلن ... صريخ الحمام لإسكات صوتي

النهاية
فكرت في أني سأترك منزلي ... يوما وأترك من أحب ورائي
فشعرت بالموت الذي سيحل بي ... قد دب مثل السم في أحشائي
والموت يوقظني من الحلم الذي ... لم أستفق منه لفرط غبائي
والحزن بعدي سوف يلزم أسرتي ... زمنا ويلزم من يود لقائي
ويزول حزنهم علي إذا نسوا ... ذكري كما ينسون صدق ولائي
وإذا الحياة قد انتهت وإذا الردى ... قد حل بالأحياء والأشياء
(2/379)

الشعر المنثور
(2/381)

حوار!
رأتني أعمل فقلت لي:
اعمل، ولا تقض حياتك هائما في أودية الخيال!
وقل شعرا تشيد فيه بالعمل، فيعلم الناس أنك تعيش في دنيا الواقع، لا في دنيا الخيال،
فلم أجد ما أقول لك إلا أن أحيلك على ما نشر لي من شعر،
فكثيرا ما كان الشعر مرآة لصاحبه تعكس صورة حياته، وتكشف عن وجه
سلوكه،
فقلت لي:
إنني لم أقرأ شعرك، وإنما أسمعني بعض معارفي شيئا منه،
فقلت لك:
إذا لم تقرأ شعري فانظر إلى عملي، فإن عملي يعطيك صورة من نفسي التي
يعرب عنها شعري!
فقلت لي:
يجب أن تعمل، وتقول شعرا في العمل.
فلم يبق لي معك إلا أن أقول لك:
سأعمل وسأقول شعرا في العمل، وسأهدي إليك هذا الشعر، وأصبحت أعمل، وأصبحت أنظم، وإليك ما نظمت:
(2/383)

شعري
رب ألهمتني شعرا، فألهمني شكرا.
ووهبتني فكرا، فهب للساني ذكرا.
إن نعمك زادت على قدرتي على شكرك وذكرك.
فأنا -يا رب- أعجز ما أكون عن شكرك وذكرك.
وهذا ما يسبب شقائي وحرماني، فإن نعمة الاتصال بك لا تعد لها نعمة، وإن
لذة مناجاتك لا تفوقها لذة.
فيا الله، ما أشقى من حرم نعمة قربك، ولذة الاتصال بك.
رب ألهمتني شعرا أدون به مظاهر قدرتك، وسوابغ نعمك.
وأسجل به عبارات شكرك وتمجيدك، وأعرب به عن امتناني لك، وشعوري
بجلالك وإفضالك.
إن مجد القلم والفكر الذي خصصت به طائفة من خلقك لمجد لم يظفر به إلا من أضفيت عليهم رضاك ورعايتك،
فكيف نستطيع أن نفي بحقك من التقدير والشكر؟
(2/384)

الشاعر
زاد سكان قريتي يوما إضافيا في توزيع الماء، ليستغلوه في إحداث مزرعة مشتركة للبطيخ، وكان في القرية رجل واسع الحيلة، بارع النكتة، حلو الحديث، وكان هو الرجل الوحيد الذي لم يثمر بطيخه رغم كبر أوراقه.
فكان يسبق جيرانه مطلع كل صبح فيأخذ من بطيخهم ويضعه تحت ورق بطيخه، حتى إذا جاء وقت جني البطيخ رأد الضحى ذهب مع الناس وأخذ من البطيخ كما يأخذون، ولكنه كان يهمس في آذان أوراق بطيخه الكيبرة قائلا:
"عليك الورق وعلي الثمر"
هكذا الشاعر مع روضة. هي ورق بلا ثمر، قبل أن يقف بها شاعر ويتأمل فيها.
فإذا أسعدها الحظ بشاعر يقضي حيالها لحظات، عادت جنة مثمرة لا ينفد ثمرها، ولا يعروه ذبول، وأصبحت في الوجود صفحة مشرقة من كتاب الخلود ...

ميلاد!
في ساعة بين الليل والنهار أخدت مجلسي تحت شجرة، وأمام روضه، أشهد الصباح يولد فيولد الكون ويتنفس فتتنفس الحياة.
كل شيء هادئ، وادع ساحر، يدعو إلى الغبطة، ويغري بالنشوة، ويبعث على الاستغراق في التأمل والتفكير،
الزهور تتفتح في سكون، والندى يتدحرج إليها من أعالي الأفق فيقبل ثغورها في صمت.
والنسيم المرح النشوان بروعة المشهد يتسلل إليها من مخدعه السحري على بساط الأثير فيحتضنها في رفق، ويناجيها في همس، ويغازلها في خشوع.
(2/385)

وصغار الطير الملونة الأجنحة والمناقير تستيقظ نشيطة فتحرك أجنحتها في بطء وتمد مناقيرها إلى أعلى تتحسس الحياة وتترقب اليقظة لتتأهب للنهوض من أعشاشها وتنطلق حيث تتجمع حلقا على منصات الشجر، وفوق ذوائب الأغصان لترتيل أنشودة الصباح والسماء الساجية مصحية صافية قد اختفت من صفحتها النجوم، وانحسرت عن محياها الغيوم، وارتدت وشاحا أبيض لماعا كأنما فصل من اللجين، أو صيغ من حور العين.
ولم تلبث عصائب الطير أن تجمعت من أعشاشها واندفعت في جوقة مؤتلفة متسقة ترسل من حناجرها الصغيرة ألحان أنشودة الصباح!
فسرت الحياة في كل شيء، ودبت اليقظة في كل حي، ولم يبق أسير نومه إلا هذا الجاهل المغرور الذي يسمى"الإنسان"، ويتبجح بأنه سيد الأكوان، وهو يبيع أطيب ساعات يومه، بساعة من نومه.
ليت الذي ينام هذه الساعة، عرف قيمة ما أتلف من بضاعة وليت المصر على هذه الهفوه، يدرك مقدار ما بدد من ثروه، في هذه الغفوه.
لو أدرك المسكين ما في هذه اللحظات القصار، من صدر النهار من سحر وفتنة، وصفاء ورقة، لترقبها مطلع كل فجر ترقب الظماء إلى برد الماء ..
إنه يعلم ولكنه قلما انتفع بما يعلم.
ولما عدت إلى البيت بعد أن أرويت غلتي من روعة هذا المشهد وسمع صرعى الكرى، وقع أقدامي على الثرى، ارتفعت حناجرهم بصيحات الاستنكار لأنني حرمتهم من نومهم، وكدرت عليهم صفاء يومهم.
... فيا لغباوة الإنسان!
(2/386)

وطني!
يا أرض أحلامي، وسماء إلهامي.
يا مهد صباي، ومعهد هواي.
يا مسرح أفكاري، ودنيا أشعاري.
يا ملتقى رغباتي، ومستودع ذكرياتي.
يا مرقد أجدادي، وموطن أمجادي.
فوق خصب أرضك، وتحت سحر أفقك، نشأت وتربيت، وبطيب هوائك وعذوبة مائك انتشيت وتغذيت وفي حدائقك الزاهية وشواطئك الحالية نظمت قصائدي ومقطوعاتي ومن صخور جبالك الشاهقة ورمال صحاراك الواسعة، صغت أناشيدي وأغنياتي.
ومن صباياك الفاتنات وعذاراك الساحرات تعلمت الغزل ومن أجلك وحدك يا وطني كان لي في الحياة أمل كل شيء فيك -يا وطني- يسحرني ويغريني
بالحياة سماؤك الصافية، وشواطئك الحالية، ورياضك الزاهية، وطيورك الشادية.
وذلك الطفل النشيط ينتبه في الصباح الباكر مذعورا كالظبي أو كما انتفض
العصفور بلله القطر، فيغسل أطرافه ويبدل ثيابه ويصفف شعره، ثم يطبع
على فم أمه قبلة ويتناول محفظته وينطلق إلى المدرسة ليثقف عقله ويسر
أهله ويخدم أمته.
وتلك البنت المطيعة المهذبة التي تخطر في البيت كما تخطر الفراشة في الروض غادية رائحة في مساعدة أمها حتى إذا فرغت من شأنها في البيت أصلحت من شأن
(2/387)

نفسها، فرجلت شعرها وقسمته ضفيرتين وأرسلت به على الكتفين، ثم تناولت سلتها وأخذ تسمتها إلى السوق في تصون وخفر، لتعود بها مملوءة خضرا وفاكهة.
وذلك العامل الكادح الذي يهب من نومه لعمل يومه، فيعول أهله ويعلم طفله ويعد منه للوطن مواطنا صالحا وجنديا باسلا.
سماؤك -يا وطني- أصفى سماء، وشمسك أسطع شمس، وبحرك أجمل بحر، وجبالك أمنع الجبال، وصحاراك أجل الصحارى وتربتك أخصب تربة، وثمارك أشهى الثمار، وأبناؤك أبر الأبناء فأنت خير الأوطان.
إن عملي لك، ودفاعي عنك، وتحريري كل شبر من أرضك، وموتي من أجلك، ونومي في ثراك، هي كل ما يجول في رأسي من أفكار، ويختلج في قلبي من آمال، ويتردد على لساني من نجوى يتمثل في حركاتي من أعمال.
لقد زاحمني فيك -يا وطني- حليف جشع، وأسير طمع، لم ينبت في أرضك، ولم ينحدر من صلبك، ولم يجر في عروقه دم أبطالك، إنما رمى به حب الاستعمار، من وراء البحار، ليصبح شجى في الخلق وقذى في العين، وكابوسا على الصدر، فدافعته بالحسنى فلم ينفع، وقاومته بالمنطق فلم ينجح، فامتشقت السلاح، وصممت على الكفاح وأعلنت الثورة.
فلم يحترم ثورتي ولم يعترف بحريتي، وقابل النار بالنار، وواجه الحديد بالحديد، فلم تزدد الثورة إلا ضراما، ولم تزدد الخصومة إلا عراما، ولم يكن خصمي شريفا، فأقصاني عنك وحرمني منك وجعل حرماني من قربك عقابا لي على حبك.
ولكن كن واثقا يا وطني بأنني سأطهر أرضك من أقدام هذا الطفيلي الوقح، وسأعود إليك وفي يدي نسيج رايتك، وعلى لساني نشيد حريتك.
فانعم بالا، وقر عينا، ولا تكترث بأعدائك، فأنا جنديك الباسل، وابنك البار،
وخادمك الأمين ...
(2/388)

الحرية!
حبيبتي حمراء الخدين بلون الدم الفاني ذات شعر أسود لامع مجدول، كسلاسل من حديد مصقول، لها عينان نجلاوان ترميان بالشرر، كعيارين ملتهبين حين ينطلقان إلى الهدف!
صوتها ذو رنين قوي مثير شجي تنخلع له القلوب، وتطيش له الأحلام كصليل السلاح عند تحريكه لتنفيذ حكم الإعدام.
حبيبتي نشوى بمجد الجمال، والهيمنة على قلوب الرجال.
حبيبتي شرود متمردة، تياهة متكبرة، لا تسلس لي قيادها إلا بعد أن تجرعني
عنادها، ولا تجود لي بوصالها إلا بعد أن تعذبني بدلالها، ولا تقنع مني إلا ببذل الروح في سبيلها.
وحتى بذل الروح أبت أن ترضى به سهلا يسيرا، بل لا تقبله إلا على طريق
محفوف بالأخطار، مزروع بالأشواك، متخلل بالعقبات مملوء بما يمض القلب ويضني الجسم ويسهر الجفن.
من أجل ذلك تحملت مفارقة الوطن، وتجرعت مرارة الغربة، وزج بي في السجن، وطوح بي إلى المنفى، وألقي بي في خضم من المتاعب والمكاره، لألفظ روحي
(2/389)

على التدريج وأهبها في مهل وبطء، وفي ضيق وعسر، لحبيبتي الغالية المدللة "الحرية".
الحرية التي أحبها كل ذي شعور، وكل ذي طموح! يتطلع إلى المجد، ويتوق إلى الكمال.
ولكنها لم تحب إلا الذين وهبوها أرواحهم، ومنحوها حياتهم ففازوا برضاها،
وظفروا بقربها، أو أصابهم سهم الردى الذي تصدوا له راضين مطمئنين، فماتوا شهداء حبها مبتسمين مبتهجين.
إنها الحرية: معشوقة العظماء، ومعبودة الشعراء.
على أن حبيبتي، رغم شرودها وعنادها، ودلالها كبريائها، لا تبرح سريري، ولا
تغادر غرفتي، إنها تأوي إلى مضجعي كل ليلة، إنها في متناول يدي، إنها رهن إشارتي، وطوع إرادتي، فهي إذن قريبة بعيدة، وليس في الأمر غرابة.
إنها قريبة ممن له إرادة تسيطر على هواه، وتقتل في نفسه جراثيم الخوف مما يعترض سبيله إليها من مكاره الحياة.
وهي بعيدة ممن استعبدته نفسه فأخلد إلى الأرض واتبع هواه.
وهل أضاع من أضاع حريته إلا بعد أن أضاع إرادته؟
حبيبتي: "إنني طوع إرادتك فكوني طوع إرادتي"!
(2/390)

في السجن
في السجن: وجدت الفراغ الذي كنت أنشده فلا أجده، ولقيت رفاقي الذين كنت أسمع عنهم ولا أسمع منهم، وعثرت على "المختبر" الأساسي للإيمان، والمسبار الحقيقي للأخلاق.
في السجن: عرفت زيف الحياة وباطلها، فقد كنت قبل أن أدخل السجن أتمنى لو أتيح لي فراغ أنظم فيه أشعاري، وألم شعث أفكاري، وأصل إلى ما لم أستطع أن أصل إليه في ضوضاء الحياة من معرفة أسرار الحياة.
فلما دخلت السجن فقدت استقرار النفس، وهدوء البال، فلم أنتفع بالفراغ،
وأدركت أن فراغ الوقت بدون فراغ البال لا قيمة له ولا جدوى منه.
في السجن: أدركت شقاء الوجود وعجز الإنسان عن الوصول إلى سعادته، فقد كنت قبل أن أدخل السجن أشقى بضوضاء الحياة فلما دخلت السجن شقيت بقيود الحياة.
في السجن: عرفت أن للأحرار قيودا كما أن للسيوف غمودا وذكرت قول ابن الجهم:
"قالوا: حبست-. فقلت: ليس بضائري حبسي، وأي مهند لا يغمد؟ "
وقلت: كيف لا يضير المهند أن يغمد؟ وما جدوى المهند في الغمد؟ "وما تصنع بالسيف إذا لم تك قتالا؟ "
في السجن: أكلت من شجرة المعرفة التي أكل منها الإنسان الأول فعرف؛ عرف الخير والشر، فعرف سر الحياة.
وإن أدى ثمن هذه المعرفة غاليا بحرمانه من الجنة التي أخرج منها، كما أديت أنا ثمن هذه المعرفة غاليا، بإخراجي من جنة بلادي إلى هذا السجن ...
(2/391)

عزلة
صدم نفسي الصخب المعربد، وصدع رأسي الفضولي المستأسد، في حجرة مخثنقة الأنفاس، بازدحام الناس، يفعمها دخانا خمسون إنسانا، ويملأها ضجيجا خمسون لسانا، فخرجت أطلب لي في العزلة أمانا، فلم تتح لي إلا بعد جهد جهيد، وبحث شديد، إذ كلما جلست مجلسا ظننته منعزلا سقط علي فيه من لا يسعني طرده، ولا أرتاح إلى ظله.
وعندما ظفرت من الفراغ بلحظات محدودة، فوجئت بما ردني إلى صوابي، ونبهني إلى خطئي في ضيقي بالناس، وضجري بالضوضاء، لقد وجدت في العزلة ظلا من السكون، ولكنه من السكون الذي يحرك الشجون، فقد أتاح لي جو العزلة أن أفكر، وأتاح لي التفكير أن أعرف، ولكن معرفة ما ينغص علي عزلتي، ويضاعف قلقي، وإن هداني إلى الحقيقة المرة التي يجب أن أعرفها، ولو أقضت مضجعي، وشردت النوم عن عيني، وأطارت الهدوء من نفسي، عرفت تفاهة الحياة، وزيف الأحياء، وعرفت مع ذلك أنني مرغم على أن أحيا هذه الحياة مع هؤلاء الأحياء مرغم على أن أعود إلى الصخب الذي منه فررت، والفضول الذي به ضقتط وإذا وجد ما يحرر من هذا الرق، ويخلص من هذا السام، فهو الموت الذي يعالج الألم بالألم، وينسخ الوجود بالعدم، ويقدم بنا على عالم مجهول، يكتنفه غموض مهول، جعلنا نلج من الموت فرارا، ونرضى بالحياة اضطرارا، وهكذا خرجت من عزلتي القصيرة، بتجربة خطيرة تكون لي في فترات ضيقي بالحياة خير ذخيرة، وهي أن الحيا كل لا يتجزأ، ووحدة لا تتفرق، هي لقاح من خير وشر، ومزيج من حلو ومر، وأن من قضي عليه بأن يحيا هذه الحياة لا بد أن يبلو خيرها وشرها، ويذوق حلوها ومرها.
وإن الذي يحسب الحياة خيرا بلا شر، وحلوا بلا مر، لهو الذي جهل الحياة ولم يهتد فيها إلى سر، رحماك اللهم، ما أجل حكمتك، وأعظم قدرتك، وأسمى تدبيرك ...
(2/392)

القلم!
أنت صديقي العزيز يا قلم، كم أزحت بك من ألم! وأطرت من سأم!!
وكم جلوت بك للشعر عرائس، وخططت على الورق حدائق، كم قطفت بك من رياض الكتب أزهارا. وجنيت من بساتين الأفكار ثمارا. كنت لي خير شفيع إلى من أحب. ونعم الترجمان عما أكن.
كم حفظت بك من ذكريات، وسجلت من مشاهد، ودونت من معارف.
إن سنك -يا قلم- لأعظم قدرا، وأكبر جدوى من سن المحراث فإذا كان المحراث يقوت بطونا، فأنت تقوت عقولا، ولئن كنت دون المحراث حجما، وكنت منه أضعف جسما، فإن فيما تنتج من بدائع الفكر، وروائع الفن، وحقائق العلم، لأعظم دليل على أن الأشياء لا تقوم بكبر الأحجام وعظم الأجسام وإنما تقوم بالنتائج والآثار، وإنك لأعظم في الأثر، وأجل في الخطر، من المطر، وأخلد على الزمن، من الزمن، لله أنت -يا قلم- لولاك لما كان للبشرية تاريخ، ولما اتصل ماضيها بحاضرها، ولما انتفع آخرها بتجاريب أولها، لله أنت -يا قلم- تغمس منقارك الذهبي في المادة السوداء، ثم تسعى على الرقعة البيضاء، فتأتي بالمعجزة الكبرى.
إذ تخلق كائنات حية عجيبة تتكلم وهي صامة، وتخبر عن قديم العصور وسحيق الدهور، وتتحدث عن اكتشافات الفلك، واختراعات العلم، وابتكارات الشعر، ودقائق الفلسفه، فتجعل من الورق روضة للعين، ونزهة للقلب ومدرسة للفكر، وتراثا خالدا تتداوله الأيدي، وتتوارثه الأجيال ...
لله أنت يا قلم، إذ أراك تسبق الرصاصة إلى الطريق.
فإذا كانت الرصاصة قدحت زناد الثورة، فأنت خططت برامجها ورسمت أهدافها فكنت صاحب الخطوة الأولى في طريق التحرير ...
(2/393)

ورقة!
أحببتك -يا ورقة- كما يحب الفلاح أرضه الطيبة.
فأنت أرضي الطيبة الخصبة التي أبذر فيها حب قلبي، فتنبت الثمار الشهية التي تغذي القلوب، وتوقظ المشاعر، وتضمد الجروح، وتطفئ اللواعج، أحببتك، يا ورقة، كما تحب الحسناء مرآتها التي ترى فيها وجهها، فأنت مرآة قلبي التي أرى فيها ما يمور فيه من آمال وآلام، وأشواق وأحزان، وصحو وضباب، ونور وظلام، أحببتك، يا ورقة، كما يجب الطفل لعبته المفضلة، التي يجد فيها هوى نفسه، فيقضي معها معظم وقته، فأنت هوى قلبي، وموضع حبي، وهوايتي المفضلة، أحببتك، يا ورقة، كما يحب الشاعر صفحة السماء، وأديم الماء، وكما يحب العليل المسهد وجه الصباح المشرق، أنت، يا ورقة، بيضاء كقلوب الأطفال، نقية كسرائر الأنبياء، رقيقة كعواطف الشعراء، ناعمة كأحضان الأمهات، لهذا، يا ورقة، أودعتك ما يكنه قلبي من أشواق، وائتمنتك على ما يحويه صدري من أسرار، وبثثتك ما تعانيه نفسي من آلام، واتخذتك صديقا، واصطفيتك نجيا، ورضيت بك نصيبا من كل هذه الحياة ...
(2/394)

فراشة!
لله أنت، يا فراشة، جسم ضعيف، وإهاب لطيف، وجناح شفيف، ولكن أثرك في النفس كبير، وإيحاؤك للقلب عميق، وصورتك للعين باهرة، من أين أقبلت، يا فراشة؟
من روض غني با لزهور والعطور خارج أسوار هذا السجن؟
أم من هذه الأصص الصغيرة المرصوفة المكونة من علب الصفيح، التي زرعتها ونسقتها وألفت من مجموعها روضا حاليا بالزهر، نافحا بالعطر، أنامل بستانيين مهرة من هؤلاء المحكوم عليهم بالحرمان من أوطانهم، والإقامة في هذه الرقعة الصغيرة المسورة بالأسلاك المحروسة بالجند، التي تسمى المعتقل؟
ومن أي شيء صاغ الله إهابك هذا اللطيف، وجناحك هذا الشفيف؟
من نعومة الحرير، أم من نضرة الزهور، أم من رقة الخدود والنحور؟
وما هذا التطواف الدائب الذي لا يقف ولا يفتر، بكل باسم من الزهر، أو حال من الشجر، أو زاه من العشب، كأنما أنت عاشق لا يمل قرب من يحب، ولا يرتوي
صداه من النظر إليه، ولا تشبع نهمته من لثم شفتيه؟
لله أنت، يا فراشة، ما أبدع تكوينك، وما أروع سحرك وما أحبك إلى النفس الحساسة المولعة بكل رائع جميل، فكأنما لفرط رقتك وشفافيتك وسحر ألوانك، وخفة حركتك، وسرعة تنقلك، قطعة ملونة متموجة مضطربة من الهواء الرقيق المنعش، لا يراها إلا شاعر بعين الخيال، ...
(2/395)

الصديق!
أين مني ذلك الصديق الممتاز:
الذي يوجه خطوي، ويكمل نقصي؟ ويسعى في نفعي، ويجد في درء الخطر عني؟
أين الصديق الذي تنعكس أفراحي وأحزاني على صفحة وجهه كما تنعكس صور الأشياء على المرآة المصقولة الصافية، فيفرح لفرحي، ويحزن لحزني، ويشعرني بذلك أنه جزء متمم لي؟
أين الصديق الذي يحس الألم يجثم على صدري، والأسى يحز في نفسي، فأقرأ سطور الألم مكتوبة على محياه، وأتبين لذعات الأسى يتغضن لها جبينه، وتنقبض لها أساريره؟
أين الصديق الذي يتفحصني كلما لقيني ليرى ما ينقصني فيكمله وما يهمني فيعينني عليه، وما يكربني فيدفعه عني؟
أين الصديق الذي إذا حضر استروحت السعادة في قربه، وإذا غاب أحسست جزءا هاما من وجودي ينقصني، فأنا في شوق ملح جامع حتى يعود فتعود سعادتي؟
أين الصديق الذي إذا سمع الثناء علي والإعجاب بي لم يحسد ولم يحقد، بل أرى وجهه يشرق بالبشر والابتهاج، ولسانه ينطق بالإكبار والإعجاب؟
أين الصديق الذي يمحضني نصحه، ويهبني قلبه، ويقاسمني زاده، ويعتذر إلي من تقصيره لأن منزلة الصديق عنده فوق كل منزلة؟
أين هذا الصديق؟ وهل هو موجود؟
أم أن هذا الصديق ثالث المستحيلات، كما يقولون؟
(2/396)

السعادة!
لكل إنسان أمل، وأمل كل إنسان أن يحيا سعيدا، وسعادة كل إنسان في حصوله على ما يعوزه ويحتاج إليه، وتطيب حياته من أجله.
فإن كان ضيق العيش، فارغ اليد، فسعادته في الحصول على مال يقيم أوده، ويسد عوزه، ويصون ماء وجهه، وإن كان سيء الصحة مختل المزاج، فسعادته في عودة صحته، واعتدال مزاجه، وإن كان جديب المنزل من ابتسام الطفولة ومرح الأطفال فسعادته في أن تشرق جنبات بيته بولي عهده، ووارث اسمه، وإن كان يعيش في بلد مستعبد فسعادته في أن يرى وطنه حرا، وأبناءه أعزة.
وإن كان رهن السجن أو المعتقل، فسعادته في إطلاق سراحه وعودته إلى بلاده واجتماع شمله بأهله وأبنائه، وإن كان ممن أصابه الحب بسهمه، فسعادته في قربه من حبيبه ينتشي برياه، وتكتحل عينه بمرآه، ويعب من رحيق الحب ما يطفئ غلته، ولكن قد تجتمع للإنسان كل هذه الألوان من السعادة وهو أظمأ ما يكون إلى السعادة، ذلك لأن السعادة شعاع لا ينبعث إلا من داخل النفس، وما هذه الألوان التي يطلبها الناس خارج النفس، ويرون فيها سعادتهم غير وسائل قد تتخلف عن الوصول بهم إلى السعادة أما السعادة الحقة التي يحس كل إنسان حلاوتها ولذاتها
(2/397)

فهي في راحة البال التي تعقب أداء الواجب لسعادة المجموع فكم من أناس ظفروا بكل ألوان السعادة من صحة ومال وولد واجتماع شمل، ولكنهم لا يفتأون يحسون فراغا في نفوسهم وخواء في قلولهم، وشفاء في حياتهم، ذلك لأن لهم بالا يعذبهم وضميرا يؤنبهم، لأنهم جلبوا الشقاء لغيرهم، إما بالإساءة إليهم، وإما بعدم سعيهم فيما يجلب السعادة لهم، فتخلوا بذلك عن أداء واجبهم في ميدان النفع العام، فباتوا يرون أنفسهم كائنات منحطة أقل شأنا من ذباب يلد العسل، ودود يلد الحرير، وأزاهير تنفح بالعبير، لأن كلا من هذه الكائنات الضعيفة كانت قوية بمساهمتها في النفع العام، فما أتفه الإنسان إذا لم ينفع به أبناء جنسه، ولم يعش إلا لنفسه، السعادة الحقة -إذن- أن تحس أن القلوب من حولك تخفق بحبك، لأنك كففت عن الناس أذاك، واحتملت منهم أذاهم، وبذلت لهم نفسك ومالك، فبت قرير العين، هادئ النفس، ناعم البال، تهتصر أفنان السعادة وترتشف رحيقها، وتشعر بأنك إنسان كامل، ومخلوق ممتاز، جدير بمكانه في الوجود، بين عظماء الرجال ...
(2/398)

أشعار من الخلان
(2/399)

حتى سحنون!
مهداة إلى العلامة الجليل "الشيخ أحمد سحنون" من "أحمد الطيب معاش"
رصاص الطيش والغدر ... رمى شيخي ولم يدر
بأن الغدر مكروه ... وقتل النفس كالكفر
رمى "سحنون" قناص ... فلم يهتم بالأمر
لأن الشيخ في شغل ... عن التقتيل بالذكر
وإن الشيخ في منأى ... عن العصفور والوكر
وإن الشيخ لا يقوى ... على التقريع بالجهر
أتى المحراب مسنودا ... وقد يحبو من الضر
ولم يشفق على نفس ... ولم يبخل على الغير
فينوي ركعتي فجر ... فيغدو الفجر كالوتر
لأن الطلق أثناه ... فحار الشيخ في الأمر
وألغى الركعة الأخرى ... رصاص الكفر والغدر
وسار الشيخ محمولا ... على الأعناق كالبدر
ولم يعبأ بمن أدمى ... ولم يحفل بما يجري
أتم الفجر والقاني ... على الخدين والصدر
ناجى ربه جهرا ... ولم يغفله في السر
فقال الناس للجاني ... ألم تخجل من الفجر؟
فيا شيخي وقى الله ... مثال الصدق والصبر
(2/401)

ويا شيخا بلا كوخ ... ودون القدر في قصر
فهل شر جزا خيرا ... وهل خير جزا الشر
سؤل صغته عمدا ... وعذري أقبح العذر
فما لوي على جهل ... وما لؤمي على الدهر
فإن اللوم يا شيخي ... على الشعراء والشعر!!
فكم واد به هاموا ... فزاد الغير في القهر
وكل اللوم -يا مثلي- ... على الأمثال كالدر
رضعناها بأثداء ... وقرآن مدى العمر
فنلنا بعد آماد ... عباب المد والحزر
ونالت أرضنا نهرا ... رمى الأحلام في البحر
وتقتيلا بلا حد ... وتسخيرا بلا أجر
فصار الموت غداء ... ورواحا بنا يزري!!
وضاع الشعب من فقر ... وشاع الفقر كالكفر
ومحي فتنة أودى ... بكل الناس هل يدري؟
ويمضي الجرح لا يصغى ... وعمق الجرح كالقبر
ويمضي الشيخ محمولا ... فغنى الحزن في الفجر
وطالت ليلة أخرى ... وغابت ليلة القدر
الجزائر في 3 أوت 1996م
(2/402)

سحنون ... الله حافظكم
مهداة إلى فضيلة الشيخ "أحمد سحنون" من "الأخضر بن الطاهر"
شيجي ... أحقا رصاص الغدر قد حاما ... لما رأى النور في عينيك بساما؟
وهل أصاب الأذى محراب معتكف ... قد كان عند صلاة الفجر قداما؟
وهل توارى جناة السوء عن حرس ... وهل "أسامة" يشكو اليوم آلاما؟
كيف أدركت أن السهم منتظر ... فقلت للابن: مهلا ... فالردى قاما؟
خابت يد الجهل في طمس الهدى علنا ... لم تخدش علما ولا سنا وأسقاما
بشراك "سحنون" إن الله حافظكم ... من كل طيش ومن يرضاه إجراما
تبقى نجاتك يا "سحنون" في خلدي ... كيوم "باديس" حين العدا موته راما
هل يقتل الشيخ في أرجاء مسجده ... والقلب في لجة الإيمان قد عاما؟
أنصاره فتية للحق ساجدة ... تبدي الثتاء وترجو العمر أحلاما
روحي فداك- أيا شيخي ويا أبتي- ... أهديك شعرا وأتلو النصر أنغاما
أهواك في الله -يا فخر الحمى- زمنا ... وإن تناءت بنا الأقدار أعواما
أنت الإمام وإن أصواتنا خرست ... أنت الذي أيقظ بالعزم نواما
قد كنت للشعب نبراس الهدى أملا ... بل كنت كالنجم للظالمين مقداما
في دعوة الله كم عانيت من ظلم ... هيهات أن يسعد الرحمن ظلاما
(2/403)

على المنابر كم ألقيت من درر ... لوحدة الصف كم ناديت أقواما
والدرس بعد رحيل الصحب مزدهر ... تمحو عن النشء أحقادا وأوهاما
حتى الشجون فقد ثارت بمعتقل ... لما اللسان عن التغريد قد صاما
ديوان شعرك في الأعماق مسكنه ... "كنوزنا" قد حى شرحا وأحكما
ماذا أقول ونار الحقد في وطني ... عمياء تقتل أشبالا وأعلاما
رباه رحماك إن الخطب منشر ... في كل دار ... متى تطويه إعداما؟
تبا لمن مزق الأوتار في فرح ... وأجهض البسمة الحبلى وإلهاما
لولا التقى لهجرت الناس كلهم ... لقد سئمت رصاصا ثم أصناما
سر في خطى المجد لا تجزع لنائبة ... فالله حارس كل الخلق إكراما
الأخضر بن الطاهر 14 أوت 1996م
(2/404)

رسالة إلى "الوزير شيبان عبد الرحمن"
مهداة إلى الشاعر "أحمد سحنون" من الشاعر "عبد الرحمن زناقي"
لقد جئته صبحا مجيئة زأئر ... لأشهد عملاقا بأثواب شاعر
وقائد أفكار يقود جيوشها ... إلى النصر محفوفا بكل المفاخر
وقد كان طلق الوجه فيه مهابة ... تنبئ عن نبل بأقصى السرائر
فذكرني جمعية سلفية ... بها شرف المولى جميع المنابر
وأعلى بها قدر الجزائر في الورى ... وأطلق منها بغتة كل ثائر
فزودني والزاد كان وصية ... بها قد رأيت الله في حلم خاطري
وأقرضني ديوانه كي أرى له ... حصاد سجون القهر في عهد جائر
ولما قرأت السفر يممت مسجدا ... بهضبة مجد في ضواحي الجزائر
لكي أرجع الأشعار صبحا لربها ... وقد خرزت في السفر مثل الجواهر
ولكن وجدت الشاعر الفحل غائبا ... ومسجد ما فيه ظل لزائر
ولما سألت القوم قال كبيرهم: ... وهم في مكان عامر بالمخاطر
لقد سجن الصقر الذي كان فكره ... يقود إذا ما طار مليون طائر
فصليت شفعا ثم إني بلا ونى ... لفظت كلاما فيه أرقى المشاعر
وعدت إلى داري بصحبة هاتف ... يردد قولا في كهوف ضمائري
سأوصل أسفارا إلى خير شاعر ... له انقادت الأبيات طوعا كناثر
ولو أنني في السجن صرت ... لأنني أوفي ديوني أولا قبل آخر
ومن بعد أيام رجعت وإنني ... وجدت حبيب الله بين العساكر
(2/405)

فقلت: -لعمر الله- سحنون قد غدا ... أميرا بربع بالنبالة زاهر
وكان "رجال الأمن" في الحي كله ... عيونا، ألا يا بؤس تلك النواظر
لقد أصبحت أرض الجزائر مسرحا ... وقد مثلت فيها فصول "المساخر"
أيسجن شيخ في الثمانين سنه ... وتفتح حانات لمليون ساكر؟
ويسرق أشخاص جهارا بأرضنا ... وتبنى لأجل الفسق أرقى المواخر
فماذا جنى حتى رأينا ظلاله ... تجاوز من عاشوا بشر العنابر
لقد أذنب الشيخ الجليل لأنه ... بأقواله إحياء موتى البصائر
لقد قال للحكام في كل حقبة ... كلاما يقود الناس نحو المآثر
ألا فاتركوا الإنسان في الأرض كلها ... يقول الذي يبغي بثغر مجاهر
فحرية الإنسان فعلا ومنطقا ... ألذ لنا من كل تلك المظاهر
نطقنا فقال الحاكمون بأننا ... نريد به تضليل كل الدساكر
ومن بعد قالوا مثلنا، فغدت لهم ... كفوف جميع الناس مزمار ساحر
ألا يا وزيرا، حاز كل فضائل ... ومن هو فعلا كابر من أكابر
ومن عنده طبع به ساد في الورى ... ومن كان يعفو عن جميع الجرائر
ألست من القوم الذين بخيلهم ... بدا الظلم يغفو في كهوف المقابر
أ "شيباننا" أدرك أخاك فإنه ... غدا حزن سكان القرى والحواضر
ألسنا جميعا أسرة؟ فادفع الأذى ... عن الشيخ سحنون بأفعال قادر
فإنك -يا شيبان- في كل حقبة ... به ربطت -والله- كل الأواصر
(2/406)