Advertisement

كنز الكتاب ومنتخب الأدب 001



الكتاب: كنز الكتاب ومنتخب الآداب (السفر الأول من النسخة الكبرى)
المؤلف: أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الحسن الفهري المعروف بالبونسي (651ه)
المحقق: حياة قارة
الناشر: المجمع الثقافي، أبو ظبي
عام النشر: 2004
عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم مسلسل واحد)

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
حدثنا الشيخ الفقيه الأستاذ المقرئ العلم أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ الصالح المرحوم أبي الحسن
علي بن أحمد الفهري رضي الله عنه قراءة مني عليه في شهر صفرسنة ثلاث وثلاثين وستمائة.
قال:
الحمد لله المحمود في كل أوان، المسبَّح بكل لسان، الكائن قبل الأمكنة، والموجود في عدم الأزمنة،
الدائم الذي لا يلحقه الفَوْت، والقيوم الذي قهر عباده بالموت، القادر الذي انقاد كل شي لأمره، والجَوَاد
الذي نطقت الأَلسنةُ بشكره. مبدع السمع والأبصار، ومُكوِّرِ الليل على النهار، المُنْفَرِدِ بالإحسان
والفضل، والحَاكمِ بين العباد بالعدل، جَلَّ عن المثلِ والنَّدِيد، وتعالى عن التكييف والتحديد. زَيَّنَ
بالمصابيح السماءَ المَبْنِيَّة، وقَدَّر الأقوات في الأرض المَدْحُوّّة، يَبْسُطُ النِّعَمَ لعباده ترفيهاً وإنعاماً،
ويُقَدِّرها إذا شاء تنبيهاً وإلهاماً. هَدَانا بمنهج الرُّشْدِ بتوفيقه فَسَلَكْنَاه، ونهانا عن سبيل الغيِّ بلطفه
فتَرَكْنَاه، أشاد مَثْوى البلاغة في أجِنًّتنا، وحلَّى بالفصاحة عذبات ألسنتنا، وتَمَّم نعمتَه على عبادِه
تتميماً، وعلًّمنا ما لم نكنْ نعلم، وكان فضلُه علينا عظِيماً.
نحمَده حمداً يملأ الأفواه والصدور، ويفوق حمْدَ كلِّ حامدٍ وشَكُور، نستنزل به الرَّحمة التي وسِعتْ
كلَّ شيء، ونستكْشِفُ الغُمَّة عن كل مَيْتٍ وحيّ، ونستوجبُ
(1/69)

به المزيد من نعمه، والعِصْمَة من نِقَمه،
ونشكره شكراً يُحظِينا لديه، ويقرِّبنا زُلْفَى إليه، ونسأله النَّجاة من غِواية الشيطان، والتَّجاوزَ عن
سيئاتنا والغفران.
ونصلِّي على سيِّدنا محمّدٍٍ نبيِّه ورسوله المصْطفى، وصفيِّه أكرم الأنبياء وسَائِل، وأعظمهم فضائل،
المبعوث لخير الأمم، بالمُعجِزات والحِكَمِ، خير من افْتُتِحَتْ بذكره الدَّعوات، واسْتُنْجِحَتْ بالصلاة عليه
الطِّلْبَات، المرسول لأهل الإسلام قمراً منيراً، ولأهل والضَّلالِ قدراً مُبيراً، أزكى الأنام عوداً ونِجاراً،
وأعلاهم منصباً وفخاراً. بعثه الْلَّهُ والآفاقُ بدَياجي الكُفر مُظْلمة، وراياتُ الباطِل مُنْجِدَة ومُتْهِمَة، فنسخ
المِلَل، وأوْضَح السّبُل، ونقَل الناس عن عِبادة الأوْثان، إلى عبادة الرحمن، وصَدَع بالرِّسَالة، وبالغ في
الدلالة، وجلا غيَاهِبَ الضَّلال والرَّدى، وأحيا القلوب بنور الإيمان والهُدَى، ودَمَغ الباطل بالحق،
وحضَّ على الإيمَانِ والصِّدْق، فآمن به المُرْشِدون وكفر به المُلْحِدون، فالمُؤمِنون رَبَحوا وأمَروا،
والكافرون خابوا وخَسِروا.
صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آله صلاة دائِمةَ الاتصالِ، تتكَرَّرُ تكَرُّرَ البُكَرِ والآصال. صلاةً لا يَلْحقها
اضطرابٌ، ولا يستطيع حصرَها الحِسَاب، وعليه من لَطَائِفِ التسليم ما يُربِي كثْرةً على عدَدِ النُّجومِ،
ويُزْرِي شَذَاهُ بالمِسْكِ المَخْتُوم، ويُوافِقُ احْتِفَاَله رِضَى الحَيِّ القَيُّوم.
أما بعد،
فإني رَأيْت حِلية الأدب السامي المحل والرتب أجمل ما يتحلى به أهل الهِمَم، ومطارفَه أحْسن ما
يَلْبسه أُوُلُو المَجْد والكَرمِ، وذخَاِئرَه أنفسَ ما يقتنى، وأزاهِرَه أبهجَ مايُجْتنى، لأنه للإنسان بالصواب
مُنطِق، وللسان من عقاله مُطْلِق. وله بدورٌ من الأفكار مطالعُها، وأنهارٌ من الألبابِ مشارعُها. فالقلوبُ
لبُدورِه فَلَك، والخواطر لأنهاره مَسْلَك. تشتمل الصدور على بدوره اشتمال الكِمَاِم على النوار، وتدفق
القَرائِح بأنهاره تدفُّقَ الدِّيمَة المِدْرار. وله مَيْدان تجول فيه الأذْهَان جَوَلان الكُمَاة في المَيْدان. وله بحْر
تغُوصُ فيه الخَواطِرُ، فتَستخرجُ منه
(1/70)

اللالئ والجواهِر. تَنْظِمُ منْها الأَلْسِنة عقوداً ترُوق في العِيان،
وتُحلَّى بها أجْيَاد الملُوك والأعْيَان.
ولما أقَمْت على مُطالعة نَظْمِه ونَثْره، ومَرَيْتُ أَخْلاَفَه لاجْتِلاب دَرِّه، واقْتبسْتُ أَنْوار بدُورِهِ،
وارْتَشفتُ العذْبَ الشَّهيَّ من ثُغُورِه، وحامَتْ مدَّةً على مشارِعِهِ طيْرُ جَناني، حَويْتُ خطيرَهُ وانقاد
شارده في عِناني، وارتاض لي منه ما تشعَّبَ، وانفتح مقْفل ما تغلق وتأشَّب. فملكتُ منه حظاً وافراً،
وعِلْقاً سنياً عن مثال نور البدر سافراً.
على أن ميدانه في زماننا عاطل من الرهان، ومَصُونه قد عاد في قبضة الامتهان، وقد أفلت بدوره
ونجومه، ودرست معالمه ورسومه، وعَرِيت الهمم من مطارفه، وزُهِدَ في اكتساب معارفه، وَأَبَتْه
الطباعُ، ومَجَّته الأسماع، وأوضعت عنه القلوبُ أيْ إيضاع، وصدَّت عنه النفوس صدود الجَبَان عن
ميدان الحرب، أو الخاشع الأوَّاه عن نديِّ الشُّرب. فحامله اليوم (أضْيَعُ من قمر الشتاء) وأهون مِمَّنْ
دبَّ فوق البطحاء حين حظي أهل البطالة، وبَلغُوا البُغْية بغير آلة، ونالوا الدرك بغير سبب، وآثروا
الراحة على الطلب، وصارت قيمةُ المرء على قدر فضَّتِه وذَهبِه، لا على قدْرِ معرفته وحسبه، وهان
على كل إنسان أن يَثْلَمَ قَدْرُه، ويسلم له وفرُه.
فكم من فَدْمٍ قد غلظ طبعه، وصمَّ عن الواجب سمعُه، وبعُد فَهْمُه، وطال في جمع المال هَمُّه، وأَدْلج
في طِلاَبِه وأَسْرى، وتَكبَّر على الناس لمَاَّ أتْرَب وأَثْرَى، وجَهِل أن الدَّهر بالناس قُلَّب، وأن حِمَامه
كلَمْح البَصَر أَوْ هُو أَقْرب.
زمانٌ نُبِذَ فيه الطَّلبُ بالعَراءِ، ولحظ الطَّالبُ بعين الازْدِراء، ومالت النُّفوس مع الأهْواء، حتى
تلاعَبت بالعقول تلاعب الأفعال بالأسماء. قلَّ فيه المتنَاظَرُون وعدم المُتذاكِرونَ:
(1/71)

وَاسْتَوْثَقَ النَّاسُ ممَّا في أَكُفِّهِم ... حتى لقد نبتوا بخلاً على العُقَدِ
قد تَخَلَّقُوا باللوم، وزَهِدُوا في طلب العلوم، وصَمُّوا عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم طلب العلم
فريضَةٌ على كلِّ مُسلم. وعن قوله أيضاً عليه السلام "العالِم يدْعُو له كلُّ شيء حتَّى الحوتُ في
البحر".
وعن قوله أيضاً "مَا سَلَك أحدٌ طريقاً في طلب العِلم إلا سَلك اللَّه به طريقاً إلى الجنَّة".
وعن قول أبي عبد الله الشافعي رحمه الله: (طَلبُ العلْم أفْضَل من صلاة النَّافِلة).
وأشْبَاه هذه الأقوال كثيرة لا تُحصى، ولايَتَّسع الدِّيوان لأن تُستْقصى. وجدُّوا في الاكتساب، ولَهَوْا
عن القائل بالصَّواب:
العلمْ يَنْفع في دنيا وآخرة ... والمالُ لا بُدَّ يَرمي المرءَ في العَطبِ
ويُرْوى في التعب.
وعن قول الفطن الأريب الناظم المصيب:
إذا المرءُ لم يكسب سِوَى المالِ وَحده ... فَأَلأمُ مكسوبٍ لِأَلْأَمِ كَاسِبِ
(1/72)

فلمَّا رأيتُه كلَّ يوم إلى نُقْصان، ومَصونه يزداد مهانَةً مع الأحيان، بادرْتُ لِلتَّأليف، وجمعْتُ في هذا
التَّصْنِيف من لُبابِه الباهِرِ، وزَهْره العاطِرِ، لمُعَاً كَسَقْطِ الزًّنْد عند الاقْتِداح، أو المُرْهفات في ليل النَّقْع
يوم الكفاح. وانتقيتُ من توليدِهِ المُخترِع، ونادِرِه المستبْدِع، لُمَحاً يُخَالُ بدرُ التَّمِّ في لبَّاتها، ويتَنشّق
العنبر الهندي من هَبَّاتها. وشَّحْتُها توشيح الهَدِيِّ، وثقََّفْتُها تثقيفَ اَلقِسِيِّ، وألَّفتُ فيه من النثر البديع،
والنَّظم المطبوع والحكايات المسْتطرفَة، والأخبار المسْتظرفَة، والنوادر المستحسَنَة المسَاق، والأشعار
المهذَّبة الرقاق، ما يلتذ سُمَاعُهُ على التحقيق والاتفاق، وتجنح إليه القلوبُ والأذهانُ، جُنوحَ الطير إلى
الأوكان، لمن نشأ في جزيرة الأندلس من الكتاب والأدباء، ولمن ورد عليها من جَِّلة الفُصحاء والبُلغاء
المُتَحلِّين بحلية الأدب، المقيمين أَوَد لسان العرب، ممن طاف على رؤسائها في المائة الخامسة، ومن
كان عَلمَاً بها في المائة السادسة.
وأكثر ما عولت على المتأخرين من الأدباء والماهرين، تنبيهاً على محاسنهم وآثارهم، وترغيباً في
رسائلهم وأشعارهم. وأضربت عن ذكر المتقدمين، لتكرُّر أخبارهم على المتأدِّبين. وربما ألممت
بعض إلمامٍ بكلامِ مَنْ في عصرنا من مشاهير وأعلام.
ولئن كانت سوقُ الأدب كاسدة، وجَمْرَتُهُ هَامِدة، فلا بد في كل حين من بنين، يُحْلُونَ عاطله، ويُجلون
فضائله. ولكل مجالٍ من رجالٍ يُعْنَون بالأنباء، ويقومون بالأعباء.
وعمدتُ إلى كتاب "الذَّخيرة في محاسن أهل الجزيرة" تأليف أبي الحسن علي بن بسام أحد صيارفة
النُّثَّارِ والنُّظَّام، فألَّفتُ من جواهره المفترقة،
(1/73)

وقطفتُ من أزاهره المونقة.
وكذلك تصفحتُ كتاب "قلائد العِقيان في محاسن الأدباءِ والأعيانِ" تأليف معاصره أبي النصر أحد
أهل النظم والنثر. واغترفت من دُرَرِه السَّنيَّة، وغُرَره البهيَّة، ما استحسنتُ إثباثَه في كتابي،
وحصلتُ به على مرغبي وطِلابي، ولم أقصد إلى الطَّعن على فاضلٍ، ولا للتعصبِ لقائلٍ على قائل.
فقد سبقني المؤلفون إلى ترتيب المتقدّمين والمتأخرين، والتفضيل بين السابقين والمقصرين، في غير
ما كتابٍ أَلَّفوه، وتصنيفٍ جامعٍ صنَّفوه، ولا تعرضْتُ إلاَّ لليسير من التفصيل، وللغامض من المعاني
والتأويل، فشرحتُ أكثر ما ورد فيه من الغريب، وسلكتُ في ذلك سَنَنَ الاختصار والتقريب، لتكمل
بذلك فائدة الكتاب، ويرغب في اقتنائه ذوو الألباب، وشرفته بالشاهد من القرآن العظيم، ومن حديث
الرسول صلوات الله عليه والتسليم.
وقسمتُه على أربعة عشر باباً، أودعتها من الآداب فنوناً عِجَاباً، وجعلتُ كلَّ باب منها متفرداً بمعناه
لا يُشركه غيرُه في مقصِده ولامنحاه. ضَمَّنْتُها أسْنى الفوائد، وللبيان فيها مصادر وموارد، ولم أُخْلِه
من مثلٍ سائر، وبيت من الغريب نادر، وتشبيهٍ مصيبٍ، واختراعٍ عجيب.
(1/74)

أول الأبواب:
- باب في الفصاحة والشعر.
- باب في رسائل من منتخب النثر.
- باب في حكايات حسان.
- باب في الحب وما قيل فيه.
- باب في النسيب والتغزل.
- باب في المعاتبة والاستعطاف.
- باب في الأنوار وحدائق الأزهار.
- باب في صفة الخمر وسقاتها.
- باب في مدح الغلمان المعذرين.
- باب في ذم الغلمان المعذرين.
- باب في الفكاهة والمجون.
- باب في أوصاف شتى وفنون.
- باب في الاستدعاء.
- باب في أيام الأنس ولياليه.
(1/75)

نظمتُ جميعَها نظم الدُّر في السِّلك، وأضفتُ الشيء إلى مثله إضافة الاستحقاق والملك ولم أمتّ
سبيلي إلى الإسهاب، ولا تعلقتُ بإِطناب الإطناب، خيفة من الملل ورغبة عن الكسل. نخلتُ فيه
نصيحتي، وبذلتُ جهد قريحتي. وإن لم أكُن اخترعتُ، فَلَعَلِّي قد انْطبعتُ، وأتقنتُ ما صنَّفتُ
وجمعتُ.
على أني ما ألّفتُه إلا بذَماءنفس تالفة، وحال متغيرةٍ كاسفةٍ، وقلب عليل، وذهن كليل، وصدر بنيران
الخُطوب مشعول، وفكرٍ بحُسام النوائب مفلول، في زمان دَأْبُهُ عداوةُ الأحرار، والإساءة لذوي
الأخطار، لاينفكُّ عن إحالة الأحوال، وأن يمْحَق بشاشة أهل الوفاء مَحْقَ اللّيالي سَمَاوةَ الهلال. واهاً
له كم رفع من غبيٍّ، ووضع من عليٍّ، وأسعط من أُنوفٍ بالرَّغام، وأسقط من سادةٍ إسقاط حروف
الإدْغَام:
يحطُّ من لا تَفِي الدنيا بقيمته ... جوراً ويرفعُ أقواماً بلا قيمِ
أُعاتبه فما يعتبنُي، وأُسالمه فيصول ويُرهبني، حتى أتعجَّبَ من أمري، وأُنشدُ في سري وجهري:
من أين أُبخس لا في ساعدي قصَر ... عن المساعي ولا في مقولي خَطَلُ
إنْ نظَمتُ الكلام أحكمته، وإن نثرثُه ثَقفتُهُ وقوَّمته:
إنْ لم أكُن فارس الهيجاء من هوج ... فإنني فارس القرطاس والقلم
ولي لسانٌ يظلُّ الدرُّ مقتسماً ... ما بين منتثرٍ منه ومنتظمٍ
على أني لم أَرْضَ بالشعر بضاعةً، ولا اتخدتُ الاستجداء به حرفةً ولا
(1/76)

صناعةً، علماً بأن مرتَبتَه تَقْصُرُ عن غايات أهل الفضل، وتنقص عن درجات ذوي النُّبل؛ بل صُنْت نُطفةَ وجهي عن البذْل،
ولم أعرضْ خدِّي بالتخدُّم للذُّلِّ، ورضيتُ بالقناعة مالاً وافياً، وبإقراء كتاب الله سبحانه وتعالى شُغلاً
كافياً. فلما يسَّر الله المعينُ في جمعه وتحصيله، وترتيب أبوابه وفصوله سميته: "كنز الكتَّاب ومنتخَبُ
الآداب"، روضتُ به بستان الأدب وكان ماحلاً، وحلَّيْتُ به جِيَد الزَّمان وكان عاطلاً، وقد أبرزتُه في
معرض المُلح الأدبية مَجْلُواً، وبلسان الفصاحة متلواً. وأنا أسأل الله تعالى العصمة من الزَّلل، والنجاة
من الهذر والخَطَل، وعلى الله أتوكل، وهو حسبي فيما أقول وأفعل.
(1/77)

الباب الأول: في الفصاحة والشعر
قال أبو إسحاق: الفصاحة ميدان لا يُقطع إلا بسوابق الأذهان، ولا يُسلكُ إلا ببصائر البيان. كما أن البلاغة كنزٌ لا
يصل إليه إلا الجَهابِذة الحذَّاق، ولا يُتناول وبالأيدي، ولا يُبْصَر بالأحداق. ووجْه البلاغة للبليغ سافرٌ،
ومعناها له واضح ظاهر.
والبليغ من تشكو يده سرعة خاطِره، ويغمُر الدُّرُّ أرض قرطاسه بمواطرِه؛ إن دعا البيان أجابهُ
طائعاً، وانثال عليه من كلِّ فجّ طالعاً، فإن أطال في الخطاب، ملك أعِنَّة القلوب بالصواب، وإن أوجز
واختصر، لم يخل بالمعنى المراد ولا قصَّر، فأسمع باللفظ الفصيح، حقيقة المعنى الصحيح.
وخير ماأوتي المرءبعد عقل راجح ودين صالح، خلقٌ رضيّ، وأدبٌ وضيّ، وذكاءٌ في جَنَانِه،
وفصاحةفي لسانه. فمن تجمَّعَت فيه هذه الخصال، سلِم من آفات الجهال، وعدل عن المحال، وفاز
بنَيْل الكمال، ونَسَقَ روائق الألفاظ نَسْقاً، وملك رقاب المعاني رِقاَّ. ولاشيء أحسن من ذهنٍ ثاقب،
ومنطقٍ صائب.
(1/78)

وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فيم الجمالُ؟ فقال: في اللَّسان. وقال ابن المقفع: (الكلامُ أزمة
القُلُوب التي تقودها إلى رشدها وغيِّها). وقال عامر بن شراحيل الشعبي: (الكلام مصائد العقل). وقال
بعض الحكماء: (عقلُ المرء مدفونٌ تحت لسانه). وقال بعض البلغاء: (اللسانُ أداةٌ يظهر بها حسنُ
البيان، وظاهرٌيُخْبر عن الضمير، وشاهدٌ يُنْبئُ عن غائب، وحاكمٌ يفصلُ به الخطاب، وناطقٌ يردُّ به
الجواب، وشافعٌ تدركُ به الحاجاتُ، وواصفٌ يعرف الحقائق، وواعظٌ ينهى عن القبيح، ومزيِّن يدعو
إلى الحسن، وزارعٌ يحرث المودة، وحامدٌ يستأصل الضغينة).
وقال بعضهم: (الحظُّ للمرء في أذنه، والحظُّ منه لغيره في لسانه). وقال خالد بن صفوان لرجل:
(يرحم الله أباك. فلقد كان يقرُّ العين جمالاً، والأذن بياناً). وتكلم أحد الفصحاء، فقال له رجل سمعه:
(لكل شيء إدام، وكلامك إدام الكلام).
وسمع أحدهم رجلاً بليغاً يتكلم. فقال: (كلام هذا الوبْل على المحْل، والعذبُ البارد على الظمأ).
وقال مسلمة بن عبد الملك: (مُرُوءتان ظاهرتان: الرِّياشُ والفصاحة). يقال: ريشٌ وريّاش لما ظهر
من اللباس.
قاله أبو عبيدة. وقال
(1/79)

مجاهد: الرِّيشُ المال، والرِّيشُ أيضا مصدر قولهم: رَاشَه يريشُه ريْشاً.
والرِّيشُ أيضا ما ستَر من لِباس أو معيشة. والرِّياش الخصب. والرياشُ أيضاً الأثاث. وقيل هو
جمع الرّيش. وقرأ عاصم في رواية أَبَانٍ بن يزيد العَطّار والمفضل بن يَعْلَى الضبي عنه (وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى). في
سورة الأعراف. وَروِيتُ هذه القراءة أيضاً عن الحسن قاله أبو عبيد.
ورِيشُ الطائر ما ستره الله به. وقال الشاعر في معنى كلام هؤلاء البلغاء:
كَفى بِالمرءِ عيباً أنْ تراه ... له وجهٌ وليس له لِسانُ
وما حسنُ الرِّجال لهم بِزَيْن ... إذا لمْ يُسْعِدِ الحُسن البَيانُ
وتكلّم بعض الأدباء في مجلس المأمون بكلام أعجبه. فقال له من تكون؟ فقال: ابن أَدَبٍ أعزَّ الله
أمير المؤمنين. فقال له: (نِعْمَ النّسبُ اّلَذي
(1/80)

انتسبت إليه) قال: وهذا من كلام الحكماء؛ الأدبُ أشْرفُ النسب.
وقال ميمون بن مهران: (من فاتَه الأدب لم ينْفعه النَّسب).
وقال الشاعر في المعنى:
لكلِّ شيءٍ حسنٍ زينة ... وزينَةُ العالم حسن الأدبْ
قد يشرفُ المرءُ بآدابه ... فينا وإنْ كان دنيَّ النَّسَبْ
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (عزُّ الشُريف أدبُه).
وقال بعض الحكماء: (منْ كثُر أدبُه كثُر شرفُه وإن كان قبْل ذلك وضيعاً).
وقرأتُ في بعض تواليف الحافظ أبي الطاهر أحمد بن محمد السِّلفي، رحمه الله على شيخنا أبي
الحسن علي بن هشام روايته عنه. قال عبد الله بن
(1/81)

عائشة: وُلِدَ لكسرى موْلودٌ فجِيء ببعض أهل
الأدب وجيء بالمولود فوضع بين يديه. فقال له كسرى: ما خيْرُ ما أوتي هذا المولود؟ فقال: عقل
يولد معه قال: (فإن عدِمَه ذاك) قال: مالٌ يستُرهُ. قال: فإن عدمه ذاك. قال: أدبٌ حسن يعيش به بين
الناس. قال: فإن عدمه ذاك. قال: صاَعِقة مُحرِقة.
وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
ما وَهَب الله لامرىءٍ هبةً ... أحسنَ من عقلِهِ ومن أدبه
هما حياةُ الفتى فإنْ عُدما ... فإنَّ فَقْدَ الحياة أشبهُ به
قال أبو إسحاق:
وقَوْل ابن عائشة: ولد لِكَِسْرى، يقال بكسر الكاف وبفتحها. والكسر مذهب عبد الملك بن قريب
الأصمعي فيما حكى أبو حاتم عنه. والفتح مذهب أبي العباس المبرد.
(1/82)

وقال أبو علي البغدادي هما لغتان. واختار أبو حاتم الفتح. وقال: هو الوجه عندنا. وأنشده:
أَخْمَدْتَ كِسْرَى وأمسى قيصرٌ ... مُغْلَقاً من دونه بَابَا حَدِيدْ
ومنع ابنُ قُتَيْبة الفتح.
وكسرى اسم لملك الفرس، وقيصر اسم لملك الروم، وهرقل اسم لملكهم أيضا، والنجاشي اسم لكل
ملك من ملوك الحبشة، وخاقان اسم لملك الترك وتُبَّع اسم لملك اليمن، والقَيْلُ اسم لملك حمير، وقيل:
بل القيل أقل درجة من الملك، وفِرعَون اسم لملك العمالقة. كل هذا من قول أبي عمر المطرز وابن
خالويه وكان اسم فرعون فيما ذكر المفسرون مصعباً وقيل الوليد بن مصعب.
(1/83)

وقال بعض الحكماء: (ماوَرَّثَتِ الآباء الأبناء شيئاً أفضل من الأدب، لأنها بالأدب تكتسِب المال،
وبالجهل تُتْلِفُه).
وفي الخبر أن سليمان بن داود عليهما السلام خيِّر بين العِلْم، والمال، والمُلْك فاختار العلم فأوتي
الملكَ والمال معاً. وقال بعض الحكماء: (خيرُ ما أوتي العبد في الدنيا الحكمة، وخير ما أوتي العبد في
الآخرة الجنة). وبهذا فسّر بعض أهل العلم قول الله تعالى (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) الآية. وهو مذهب الحسن. وقيل المراد
به نِعَم الدنيا ونِعَم الآخرة وهو مذهب قتادة وأكثر أهل العلم.
وقال ابن مسلم بن شهاب الزهري (ما أحْدَثَ الناسُ مروءةً أَعْجَب إليَّ من الفصاحة).
ورأيتُ بعض تَواليف الحافظ أبي عمر النمَري رحمه الله. قال:
(1/84)

أنشدني بعض الأدباء لخلف الأحمر:
خيرُ ما ورَّثَ الرجالُ بنيهِمُ ... أدبٌ صالحٌ وحسنُ الثناءِ
هو خيرٌ من الدَّنانير والأو ... راق في يوم شدَّة ورخاءِ
تِلْك تَفْنَى والدّين والأدب الصَّا ... لِحُ لا يفنيانِ حتى اللقاءِ
وقال بعض الأدباء المتأخرين: (العِلمُ أكرمُ منهاجٍ، وسراجٍ وهاج، ما صَدِيَ من سقاهُ صوبَ صفائه،
ولاعَرِي من كساهُ ثوب بهائه، ولاحادَ عن الحقِّ لسانُ من يرويه، ولا خافَ من الخَلْقِ جَنانُ من
يَحْويه.
وجَمعُ العلوم كمالٌ، والأدبُ منها جمالٌ، وهو لسان النبيِّ العربي).
(فقيهٌ يلحنُ حمار يَطْحَن)، (كاتبٌ غيرُ أديب، أشبهُ الحيوان بِذِيب). (رُبّ وزيرٍ يُعجب الناسَ وهو
ساكتٌ، فإذا تكلَّم فكلُّ حاسدٍ شامتٌ)، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
وفي الصمت سترٌ للْعَيِيِّ وإنما ... صحيفة لبِّ المرء أن يتَكَلَّما
وقال الآخر:
(1/85)

لسان الفتى نصفٌ ونصف فؤاده ... فلم يبْقَ إلاّ صورةُ اللَّحم والدّم
وكائن ترى من ساكتٍ لكَ معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
وقال الخليل (رحمه الله):
أي شيء من اللباس على ذي السَّ ... رْو أبهى من اللسان البهيِّ
ينظمُ الحجة السنية في السلْ ... ك من القول مثل سلك الهدي
وترى اللحن بالحبيب أخي الهي ... أة مثل الصديّ على المشرفيّ
فاطلبِ النحو لِلْحِجَاج وللشِّعْ ... ر مُقيماً والمسندِ المرويِّ
والخطابِ البليغِ عند جواب ال ... قولِ تُزهى بمثله في النَّديِّ
قال ابن زياد الأعرابي: سمعتُ رجلاً يوصي بنيه، فقال: يابني أصلحوا ألسنتكُمُ، فإنَّ الرجل تَنُوبُهُ
النائبة فيستعيرُ من أخيه دابَّته وثوبه، ولا يجدُ من يُعيرُهُ لسانَه.
وقال محمد بن سيرين: ما رأيتُ على رجُل أحسنَ من فصاحة، ولا
(1/86)

رأيت على امرأة أَحْسَنَ من شحم وقال مسلمة بن عبد الملك: اللحنُ في الكلام أقبحُ من الجُذَري في الوجه.
وروى الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: أتى عمر رضي الله عنه على قوم
يرمون رِشْقاً لهمْ فأساؤوا الرَّمي. فقالوا: يا أمير المؤمنين نحن قومٌ متعلمين، فقال لهم: لإساءَتُكُمُ في
لحنكم شرٌّ من إساءتِكمْ في رميكُم أَوْ في رِشْقِكُمْ. رحم الله امرأ أصلح من لسانه. وكان عمر رضي الله
عنه يقول: (تعلَّموا العربية فإنها تُثَبِّثُ العقل).
وقيل للحسن البصري رحمه الله: (إنَّ لنا إماماً يلْحن)، فقال: أخِّروه. وروى زيد بن الحباب عن أبي
الربيع السمان عن عمرو بن دينار أن ابن عمر وابن عباس كانا يضربان أولادَهما على اللَّحن.
(1/87)

وحكى النضر بن الشُّمَيل عن الخليل بن أحمد أنه قال لحن أيوب بن كيسان فقال أستغفر الله. وحكى
يحيى بن أكثم عن نفسه قال: فبينما أنا جالسٌ مع المأمون إذْ دخل الدار فتى أبْرعُ الناس زِيّاً وهيئة
ووقاراً وهو لا يلتفت إعجاباً بنفسه. فنظر إليه المأمون فقال: يا يحيى. إنَّ هذا الفتى لا يخلو أن
يكون هاشمياً أو نحوياً. ثم بعثنا من يتعرَّف ذلك منه، فعاد الرسول إلينا فأخبرنا أنه نحويّ. فقال
المأمون: يا يحيى. أعلمتَ أن عِلْم النحو قد بلغ بأهله من عزَّة النفس، وعُلُوّ الهمَّة منزلة بني هاشم
في شرفهم. يا يحيى من قعد به نسبه، نهض به أدبه.
وفي معنى قول المأمون هذا يقول الشاعر:
كُن ابن من شِئت واتخذ أدباً ... يُغْنيكَ مَأْثورُه عن الحسبِ
وقال الآخر:
إنَّ الفتى من يقول ها أنذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
(1/88)

وقال الآخر:
فما سوَّدتني عامر عن وراثةٍ ... أبى الله أنْ أسمو بأمٍّ ولا أب
أسكن الواو من قوله: (أن أسمو) ضرورة على التشبيه بالألف. والوجه نصبها.
وقال الآخر:
ماليَ عقْلي وهِمَّتي حسبي ... ما أنا مولىً ولا أنا عَرَبي
إِنِ انتمَى مُنْتَمٍ إلى أحدِ ... فإنَّني منتمٍ إلى أدَبي
وقال أبو الطيب في هذا المعنى:
ما بقومي شَرُفْتُ بلْ شَرُفوا بي ... وبنفسي فَخَرْتُ لا بِجُدُودي
وفي معناه أيضا قول علي بن العباس الرومي:
فَلاَ تتَّكِل إلا على ما فعلتَه ... ولا تحسِبَنَّ المجدَ يورثُ بالنَّسبْ
وليس يسودُ المرءُ إلاَّ بنفسه ... وإن عدّ آباءً كراماً ذوي حسبْ
وقال بعض الحكماء: (منْ كَثُر أدبُهُ دامَ شرفُه).
وقال الشاعر:
وخير ما يجمع الفتى أدبُ ... يَزِينُه حين تُعْرَضُ النُّوبُ
لا يعرف الله حق معرفةٍ ... من لم يكن عاقلاً له أدبُ
قال إبراهيم المأمون: (من قَعَدَ به نسبُه نهض به أدبهُ) من كلام الأصمعي.
(1/89)

وشرفُ بني هاشم الذي أشار إليه المامون معلومٌ وهو الشرفُ الباذِخ الصميم، لأنهم فَضَلُوا الناس
بطيب الأُرُوم، لكونهم قبيلة المصطفى صلوات الله عليه والتسليم. جَاء في الحديث عن واثلة بن
الأسقع بن عبد العزيز الليثي قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: "إن الله اصطفى (كنانة) من ولد
(إسماعيل)، واصطفى من بني (كنانة) (قريشاً)، واصطفى من (قريشاً) (بني هاشم)، واصطفاني من
(بني هاشم) " الحديث.
وفي الحديث أيضاً عن عثمان بن الضحاك عن ابن عباس: "إن قريشاً كانت نوراً بين يدي الله
تعالى قبل أن يخلق آدم بألفي عام يُسبِّح ذلك النور فتسبح الملائكة بتسبيحه. فلمَّا خلق الله آدم ألقى
ذلك النور في صُلْبِه" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم
وجعلني في صلب نوح وقذفني في صلب إبراهيم ثم لم يزل ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام
الطاهرة حتى أخرجني بين أبوين لم يلتقيا على سفاح قط".
وفي الحديث أيضاً عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: إنا لَقُعُودٌ بفناء النبي صلى الله
عليه وسلم إذ مرت بنا امرأة فقال بعض القوم: هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو
سفيان: مَثَلُ محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النَّتن. فانطلقت المرأة فأخبرت النبي صلى
الله عليه وسلم، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال: "مابال أقوال تبلغني
عن أقوام. إن الله عز وجل خلق السماوات سبعاً فاختار العليا منها فأسكنها من شاء من خلقه، ثم خلق
الخلق فاختار من الخلق بني آدم
(1/90)

واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر واختار من
مضر قريشاً واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم. فأنا من خيار الخيار. فمن أحب
العرب فبحبِّي أحبهم، ومن أبغضَ العرب فببغضي أبغضهم".
قال الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري: (فليعلم صاحبُ الحديث أن كل
مضريّ عربيٌّ، وأن مُضر شعبةٌ من العرب، وأن كل قُرشي مُضريٌّ، وأن قريشا شعبةٌ من مُضر،
وأن كل هاشمي قرشي، وأن هاشما شعبةٌ من قريش وأنَّ كل علويٍّ هاشميٌّ).
وقد اختُلف في العَلَوِيَّةِ لمَ سُمُّوا علوية، فقيل إنه انتماء إلى علي رضي الله عنه. وقيل إنه انتماء إلى
أعلى الرُّتَبِ برسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال أبو إسحاق:
فهذا بيان شرف بني هاشم قد جئت به، وأرجع بحول الله إلى ما كنت بسبيله وسببه.
قال النبي عليه السلام: "الحكمة تزيد الشريف شرفاً، وترفع المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك".
وقال علي رضي الله عنه: قيمة كل امرئ ما يُحسن ومن حديث محمد بن مسلم بن شهاب الزهري
في هذا المعنى قال: قَدِمْتُ على عبد
(1/91)

الملك ابن مروان فقال لي: من أينَ قدِمتَ يازهريّ؟ قلت: من مكة.
قال: فمن خلفْتَ بها يَسُودُ أهلها؟ قال: قلتُ: عطاء بن أبي رباح. قال: فمِن العرب أم من
المَوالي؟ قال: قُلت: من الموالي. قال: وبِمَ سادَهم؟ قال: قلت: بالدِّيانة والرواية. قال: إن أهل الديانة
والرواية ينبغي أن يُسَوَّدُوا، فمن يسود أهل اليمن؟ قلت طاووس بن كيسان. قال: فمن العرب أم من
الموالي؟ قال: قلت: من الموالي قال: وبِمَ سادهم؟ قال: قلت: بما سادهم به عطاءُ، قال: فمن يسود
أهل مصر؟ قال: قلت يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي
قال: فمن يسود أهل الشام؟ قال: قلت مكحول قال فمن العرب أم من الموالي؟ قال قلت: من الموالي،
عبْدٌ أَعْتَقَتْهُ امرأة من هذيل. قال: قلت فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فمن
العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن
مزاحم. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قال:
قلت: الحسن بن أبي الحسن قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: ويْحَك
فمن يسود أهل الكوفة قال: قلت: إبراهيم
(1/92)

النَّخَعي قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت من العرب.
قال ويْلَك يا زهرّي فرَّجتَ عني، والله لتَسُودَنَّ الموالي على العرب، حتى يُخْطبَ لها على
المنابر والعرب تحتها. قال: قلت: ياأمير المومنين إنَّما هو أمرُ الله ودينه، من حَفِظَهُ سادَ، ومن
ضيَّعه سقط.
وقال الحجاج لخالد بن صفوان: من سيِّد أهل البصرة؟ فقال: الحسن قال الحجاج: وكيف ذلك وهو
مولى؟ فقال: احتاج إليه الناس في دينهم، واستغنى عنهم في دنياهم. وما رأيت أحداً من أشراف أهل
البصرة إلا وهو يرومُ الوُصول إليه في حلقته ليستمع إلى قوله ويكتب عِلْمَه. فقال الحجاج: هذا والله
السؤْدد).
وحكي عن العباس بن مصعب قال: خرج منْ مَرْو أربعةٌ من أولاد العبيد ما منهم أحدٌ إلا وهو إمام
عصره: عبد الله بن المبارك، ومبارك عبدٌ، وإبراهيم ابن ميمون الصائغ، وميمون عبد، والحسين بن
واقد وواقد عبد، ومحمد ابن ميمون الشكري، وميمون عبد.
وفي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عيه أنه قال: (عليكم بتعلُّم العربية، فإنها تدلُّ على
المروءة، وتزيد في الموَدَّة).
قال أبو سليمان حَمدَ بن محمد بن إبراهيم الخطابي: بقيتُ زماناً أقول ما
(1/93)

معنى زيادتها في المودَّة حتى ظَهَر لي أَنَّها المُشاكلة. وذلك أن المعرفة بكل صناعة تجمع بين أهلها. وفي هذا المعنى
يقول الشاعر:
أَدَبٌ بيننا تَوَلَّدَ منه ... نَسَبٌ والأديبُ صِنْوُ الأديبِ
وقال الآخر:
إذا كان التَّآلُفُ باتِّفاقٍ ... وحسنِ تشاكُلٍ ثَمَّ الإخاءُ
وقرأت في شعر أبي تمام في هذا المعنى:
إنْ يُكْدَ مُطْرَفُّ الإخاء فإننا ... نغْدو ونسري في إخاء تالدِ
أو يَخْتَلفْ ماء الوصال فماؤنا ... عذبٌ تحدَّر من غَمامٍ واحدِ
أو يَفْتَرقْ نسبٌ يؤلِّف بيننا ... أدبٌ أقَمْناه مقامَ الوالِدِ
وهذه الأبيات في قصيدة له خاطب بها علي بن الجهم. فلمَّا وقف ابن الجهم على القصيدة أخذ في
وصف أبي تمام وتفضيله. فقال له أحد الحاضرين: والله لو كان أبو تمام أَخَاكَ مازدْتُ على مدحك
له. فقال له علي بن الجهم: إلا يَكُنْ أخاً بالنسبِ فإنه أخ بالأدب.
وقول أبي تمام في هذه الأبيات التي ذكرناها مأخوذٌ من قول
(1/94)

الفرزدق:
يا بِشْرُ أنتَ فتى قريشٍ كلِّها ... ريشي وريشك من جناح واحِدِ
وتبع البحترى أبا تمام، فقال:
وأقلُّ ما بَيْني وبينكَ أنَّنا ... نرمي القبائل عن قبيلٍ واحدٍ
وقرأت في كتاب الذيل لأبي علي البغدادي، قول الشاعر:
العِلمُ زينٌ وتشريفٌ لصاحبه ... فاطْلُبْ هُديتَ فُنونَ العلمِ والأدَبَا
كم من حسيبٍ أخي عيٍّ وطمطمةٍ ... فدْمٍ لدى القول معروف إذا انتسبا
في بيت مكرُمةٍ آباؤهم نُجُبٌ ... كانوا الرؤوس فأضحى بَعْضُهم ذَنَبا
وحاملٌ مُعرَق الآباء في أدب ... قال المعالي به والمالَ والحسَبَا
أمسى عزيزاً عظيم الشأن مُشْتهراً ... في خدِّه صعرٌ قد ظَلَّ مُحْتَجِبا
وصاحبُ العلم معروفٌ به أبداً ... نعم الخليطُ إذا ما صاحبٌ صَحِبَا
وقال الآخر:
العلم يجلو العَمى عن قلبِ صاحبِه ... كما يُجَلِّي سوادَ الظُّلْمة القمرُ
وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها ... ولا البصير كأعمى ماله بصرُ
(1/95)

وقال الآخر:
العلم ذخرٌ وكنزٌ لا نفاد له ... نِعْم القرينُ إذا ما صاحبٌ صَحِبَا
قد يجمع المرء مالا ثم يتلفه ... عمَّا قَليلٍ فيلقى الذلَّ والتَّعَبَا
يا جامع العلم نعْم الذُّخر تجْمعُهُ ... لا تعدلنَّ به درّاً ولا ذهَبا
ومما رَويتُ بالإجازة من شعر أبي الغنائم سالم بن المحسن المقرئ في فَضْل العِلْم والحثِّ على
طَلَبِه، قوله:
طلابُ العلم همَّة كل شخصٍ ... شريفِ النفس محمود الفعالِ
وربَّتما تقمصه زريٌّ ... فطال به إلى رتَبِ المعالي
وليس بنافع لَكَنٌ وعيٌّ ... عريقاً في الرياسة والجلالِ
وربَّ مموِّلٍ وافى فقيراً ... لمعرفة الحرام من الحَلالِ
فأيُّهما الغنيُّ غنيُّ علمٍ ... أم الساعي به جهل السُّؤالِ
كلامُ الناس كُلِّهمُ سواءٌ ... ولكن ما تساوى في المقال
فللعلماءِ ألسنةٌ طوالُ ... تطول على المثَقَّفَة العَوَالي
على الجُهَلاَءِ للعلماء فَضْلٌ ... كما فُضِلَ اليمينُ على الشِّمَاِل
فلا تقْصِدْ بِعِلٍْم تَقْتَنِيه ... سوى مَرْضَاةِ رَبِّكَ ذي الجلال
فمكتسِبُ العلوم لِنَيْلِ دنيا ... غريقٌ في الجهالةِ والضَّلاَل
(1/96)

ومن يبغي بها الأخرى مفازاً ... فقد حاز المعاني والمعالي
وقال بعْضُ الحكماء: حياة الرُّوح العفافُ، وحياةُ الحِلْم العِلْم، وحياةُ العِلْمِ البيانُ.
قال أبو إسحاق:
وَقَدْ بايَنَ اللهُ سبحانه بَيْن الخواطر كما بايَن بيَنْ َالبَصَائر، فجَبَلَ بعْضَها على الفَهْمِ والبيان، فظَهر
فيها واستبان، وجَبَلَ بعضها على الجهْلِ والعيِّ، فما تعرِفُ الرُّشْدَ من الغَيَّ، ولا المَكْروه من
المَحْبوب، ولا المَْتروك من المَطْلوب. ولذلك قال صعصعة بن صوحان العبدي لمعاوية بن أبي سفيان
حين سأله أن يَصِفَ الناس، فقال: (خُلِقَ الناسُ أخْيافاًً. فطائفةٌ للعبادة، وطائفةٌ للتجارة، وطائفةٌ للبأْس
والنجدة، وطائفةٌ خُطباء، ورَجْرِِجَةٌ يكدرون الماء ويُغلُون السِّعر، ويُضَيِّ
قون الطريق فيما بين ذلك).
قوله: (خُلق الناسُ أخْيافاً) سماهم: أخيافاً لاختلاف أصولهم وطبائعهم. وإذا كان الإخوة لأمٍّ واحدة
وآباء شتى فهم أخيافٌ أيضاً. قال أبو محمد بن قتيبة وغيره، أصل الخَيَف في الخَيل. وهو أن تكون
إحدى عيني الفرس زرقاء والأخرى كحلاء.
وقال الشاعر:
الناسُ أخيافٌ وشتى في الشِّيم ... وكلُّهم يجمعُهم بيتُ الأدَمْ
(1/97)

وقولُه: رجْرِجَة: أصل الرِّجْرِجة فيما قال أبو محمد بن قتيبة وغيره من أهل اللغة: بقيةٌ تبقى من
الماء في الحوض كَدِرة خاثِرَة لا يقدر أحد أن يَشْرَبها. هذا هو أصلها. فشبه صعصعة شِرار الناس
وسَقَطهُم بها. وقد شبههم بها أيضاً الحسن البصري وذلك أنه لمَّا خرج يزيد بن المهلب، ونَصبَ
راياتٍ سوداً وقال: (أدْعُوكُمْ إلى سُنّة عمر). فقال الحسن في خبر طويل، نَصَبَ نَصْبا علَّق عليه
خِرقاً ثم أتبعه رجرجة من الناس هباء.
والرِّجْرَجة أيضاً: ما مجَّت الإبل مِنْ أفْواهها.
قال ابن الأعرابي: كان صعصعة أحد الخطباء وتكلّم ذاتَ يوم في مجلس فأطال، فقال له بعض
القرشيين: جَهِدْتَ نفسك أبا عمر حتى عَرِقْتَ وَرُبِّبَ صُدْغاكَ. فقال صعصعة: (إن العتاقَ نَضَّاخةٌ
بالعَرق). وقال يحيى بن مَعِين: (صعصعة وزَيد وسيحان بنو صوحان كانوا خطباء من عبد القيس.
قُتِل زيد وسيحان يوم الجمل).
(1/98)

وقال غير يحيى: كان صعصعة بن صوحان العبدي مسلماً على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم. ولم يلْقَه ولم يرَه، صغر عن ذلك، وكان سَيّداً من سادات قومه عبد القيس، وكان فصيحاً خطيباً
عاقلاً لسناً ديِّناً فاضلاً بليغاً يعَدُّ في أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وصعصعة بن
صوحان هذا هو الذي قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قسم المال الذي بعث اليه أبو موسى
الأشعري. وكان المال ألف ألف درهم، وفَضُلتْ منه فَضْلة. فاختلفوا عليه حيثُ يَضَعُها فقام عمر
خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (أيها الناسُ قد بَقِيَتْ لكم فَضلَةٌ بعد حُقوق الناس، فما تقولون
فيها؟ فقام صعصعة بن صوحان هذا وهو غُلام شاب. فقال: ياأمير المومنين إنما يُشاَوَرُ الناسُ فيما لم
يُنَزِّل الله فيه قرآناً، فأما ما أنْزَل الله فيه القرآن ووضعه مواضعهُ، فضَعْهُ في مواضعه التي وضَعه
الله فيها. فقال له عمر: صَدَقْتَ، أنتَ منّي وأنا منك).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الناسُ ثلاثة: عَالِمٌ رَبَّانيّ، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمجٌ
ساعٍ، لكلّ ناعِق أتباع يميلون مع كل ريح، لم يسْتضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركْن وثِيق). قوله
رضي الله عنه: (عالِمٌ ربَّاني). فالرَّبَّاني هو العالمُ الحكيمُ التَّقِي. وفي كتاب الله عز وجل (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ) وقال
الحسن؛ أَيْ فقهاء وقال: ابن جبير: أي حكماء
(1/99)

أتقِياء. وقال ابن زيد: أي كونوا مُدَبِّري أمر الناس.
وقال مجاهد بن جبر: الرَّبَّانِيُّون فوْقَ الأحْبار وقيل: الرَّبَّانيُّ هو العالم الكامل العِلْم.
وقال أبو عمر المطرز عن أبي العباس ثعلب: العربُ تقول: رَجُل ربَّاني وربِّي إذا كان عاملاً
معلّماً.
وقال محمد بن الحنفية حين مات ابن عباس: اليوم ماتَ ربَّاني هذه الأمة.
وقال أبو العباس ثعلب: (إنما قيل للفقهاء ربَّانيُّون لأنهم يُرَبّون العلم؛ أي يقَومون به).
وقال أبو إسحاق الزجاج: الرَّبَّاني: منسوب إلى عِلْم الرَّبّ، والألف والنون فيه للمبالغة، كما يقال
للعظيم اللِّحْية لِحْياني، وللعظيم الرَّقبَة رقباني،
(1/100)

وكذلك صاحب علم الرَّبِّ، وهو الدِّينُ الذي أَمَرَ به
الرَّبُّ سبحانه وتعالى، وقاله أيضاً أبو الحسن الرماني. وقال غيرهما: الربَّاني هو الذي يدير الأُمُور
ويُصْلِحُها في الولاية.
يقال: ربَّ أمْرَهُ يرُبُّه ِرَبابَةً ورَبّاًّ؛ وهو رَبَّان، إذا أصلحه بتدبيره، وقال علقمة:
وكنتُ امرأ أفضت إليك ربابتي ... وقبلك ربَّتْني فضِعتُ رُبُوبُ
الرُّبُوب جمع رَبّ. ونظيره: نَعِسَ يَنْعَسُ وهو نعْسان. وأكثر ما يجيء فعلان من فعِل يفْعل بكسر
العين في الماضي وفتحها في المستقبل. نحو عَطِشَ يعطشُ فهو عَطشان، وغضِب يغضبُ فهو
غضبان، وما كان مثله من بابه.
وربَّ أيضا وأربَّ بمعنى دام، أقامَ.
قرأتُ في كتاب (النوادر) لأبي علي البغدادي: دخل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين على عمر
بن عبد العزيز رضي الله عنهما. فقال: يا أبا
(1/101)

جعفر أوصني. قال: أُوصيكَ أنْ تتخِذ صغيرَ المسلمين
ولداً، وأوسطهم أخاً، وأكبرهم أباً. فارحم ولدك وصِلْ أخاكَ وبِرَّ أباك. وإذا صنعتَ معروفاً فَربِّه.
قال أبو علي: فربِّه أي أدِمْه. يقال: رَبَّ بالمكان وأرَبَّ؛ إذا أَقام وأدامَ. قال بشر:
أرَبَّ على مغانيها مُلِثٌّ ... هزيجٌ وَدْقُه حتَّى عفاها
ومنه قول أبي تمام الطائي، قرأته في شعره:
بِمُلِثٍّ على الفِراق ِمربٍّ ... ولِشَأوِ الهوى البَعِيد طَلُوبُ
وقول علي رضي الله عنه: (سَاعٍ لكل ناعقٍ) أي يعدو عَدْواً شديداً إلى كلِّ مُصَوِّت وصائح.
ومنه قول الأخطل:
فانْعِقْ بِضَأنِكَ ياجَريرُ فإنَّما ... منَّتْكَ نفْسُك في الخَلاَء ضَلاَلاَ
وقال صاحب العين: نَعَقَ الراعي بالغنم ينْعِقُ نعيقاً: إذا صاح بها زَجْراً. ونعَق الغرابُ نُعاقاً ونَعيقاً.
والناعقان: كوكبان من كواكب الجوزاء، أحدهما رِجلها اليسرى، والأخرى منْكِبها الأيمن، وهو الذي
يُسَمى
(1/102)

الهنْعة. وهما أضوأُ كوكبين في الجوزاء.
وأَصلُ النَّعيق: الصِّياحُ، فالنَّاعِقان الكوكبان المضيئان من الجوزاء، لأنهما كالرَّاعيين الصائحين
بالغَنَم.
وأنشدنا شيخنا أبو الحسن علي بن هشام. قال: أنشدنا الفقيه الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد
السِّلفي لنفسه في معنى قول علي رضي الله عنه وصعصعة:
ترى فئة لدى الهيجاء أسْداً ... وآلافا منازلهم حجالُ
وأقواماً خواطرهم جمادٌ ... وقوماً جُلُّ شعرهم ارتجال
وللديوان كُتَّابٌ كفاة ... تعنَّوا في تأدّبهم وجالوا
وللأخبار والسنَّن الجلايا ... ومعرفةِ الرجال كذا رجالُ
تعالى الله لم يخلق كفاء ... وفي هذا البساط لنا مجالُ
ونظر المأمون إلى الحسن بن رجاء في ديوانه، فقال له: من أنتَ ياغلام؟ قال له الحسن: الناشئُ في
دوْلتك، المُتَقَلِّبُ في نِعْمَتِك، وصريح أدمِك، عَبْدُك وابنُ عبدك الحسن بن رجاء. فقال له المأمون:
بالأدب تفاضلت العقول. وأمر له بألف دينار، وأمر أن يجعل له ديوان في خاصته من مجالس
الدّيوان. فكان ذلك سبب حرص الحسن على الأدب والزيادة منه.
(1/103)

ودخل وفْدٌ من العرب على هشام بن عبد الملك، وفيهم درواس بن حبيب، وعليه شمْلَتان، وله ذُؤابة،
وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة، فأحْجَمَ القوم وهابوا هشاماً، فوقعت عين هشام على درواس
فاستصغره. فقال للحاجب: ما يشاء أحدٌ أن يصِل إِلَيَّ ألاَّ قَدِر حتى الصبيان. فعلم درواس أنه يريده،
فقال: ياأمير المومنين إنَّ دُخولي لم يخْلُ منك بشيء، ولا أتنقصك. ولكنَّ هؤلاء القوم قدموا لأمر
فأحْجَموا عنه. (وإنَّ الكلام نشر والسكوتَ طَيٌّ). لا يُعرفُ إلاّ بنشره. قال: فانْشُرْه لاَأَبَالك. وأعجبه
كلامه فقال: ياأمير المؤمنين إنه أصابَتْنا سنون ثلاث: سنة أذابت الشَّحم، وسنة أكَلَتَ اللحم، وسنة
أنْتَقَت العظم. وفي أيديكم فُضول أموال، فإنْ كانت لله ففرقوها على عباده، وإنْ كانت لهم فعلامَ
تحْبسُونها عنهم، وإن كانت لكم فتصَدَّقوا بها عليهم، فإنَّ الله يجزي المتصدقين، ولا يُضيع أجرَ
المحسنين. وإنَّ الوالي من الرَّعية لكالرُّوح من الجسد، ولا حياة له إلا بها.
فقال هشام: ماترك الغلُاَمُ لنا في واحدة من الثلاث عُذْرا. وأمر أن تقسم في البوادي مائة ألف درهم،
وأمر لدرواس بمائة ألف. فقال: ياأمير المؤمنين اردُدْها إلى جائزة العرب. فإني أخاف أن تعْجِزَ عن
بلوغ كِفايتهم. قال: فهنا حاجة. فقال: ما لي في خاصة نفسي دون عامة المسلمين حاجة.
قال:، ولمَّا أمر المأمون بِقَبْضِ ضِياع عبد الملك بن صالح الهاشمي دخل عليه ابنه محمد. فقال:
السلام عليك ياأمير المومنين محمد بن عبد الملك ابن سليل نعمتك، وابن دولتك، وغصنٌ من أغصان
دَوحَتِك. أتأذَنُ
(1/104)

لي في الكلام؟ قال نعم. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم،
ثم قال: نسألُ الله تعالى حياطة ديننا ودُنْيانا، وَرعاية أقصانا وأدنانا ببقائك يا أمير المومنين، ونسأله
أن يزيد في عمرك من أعمارنا، وفي آثارِك من آثارنا، ويقيك الرَّدى بأسماعنا وأبصارنا مقام العائذ
بظنِّك الهارب إلى حَرَمِك وفضْلكَ، الفقير إلى رحمتك وعفوك. فأعجب المأمون بكلامه. وأمر بردِّ
ضياع أبيه عليه.
ودخل محمد بن معاذ الرازي على أبي محمد عبد الله العلوي العمري وهو بِبَلْخ، فقال له العمري: ما
تقول فينا أهْلَ البيت؟ فقال: وما أقولُ في غَرْسٍ غُرسَ بماء الوحي، وطينٍ عُجنَ بماء الرسالة. فَهَلْ
يفوح منها إلاَّ مِسْكُ الهُدى، وعَنْبَر التُّقَى. فقال له: أحسنْت. وأمر أن يُحشى فمُه دُرّاً. ثم زار العمري
من غده محمد بن معاذ فقال له محمد: إنْ زُرتنا فَبِفَضلِكَ، وإن زُرناك فلفضلك. فلك الفضل زائراً
ومزوراً.
وحكى أن المعتصم صار ذات يوم إلى خاقان يعودُه وهو مريض، والفتح ابنه يومئذ غلامٌ صغير.
فقال له المعتصم حين دخل إلى أبيه: أيُّما أملح؟ دار أمير المومنين، أوْ دار أبيك؟ فقال له: الفتح: إذا
كان أمير
(1/105)

المؤمنين في دار أبي فهي أحسن. وكان في يد المعتصم فِصٌّ. فقال له: يا فتح رأيتَ شيئاً
أحسن من هذا الفصِّ؟ فقال: نعم يا أمير المومنين، اليد التي فيها الفِصُّ أحسن.
ومرَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيان يلعبون على الطريق، فيهم عبد الله بن الزبير فهرب
الصبيان وبقي عبد الله. فقال له عمر لمَ لَمْ تفرَّ كما فَرَّ أصحابك؟ فقال له: لم يكن لي جُرْم فأفرَّ منك،
ولا كان الطريقُ ضيقاً فأوسعه عليك.
وكان إياس بن معاوية أذكى الناس، وأفهمهم وأفصحهم. حكي أنه دخل الشام وهو غلام صغير،
فوصل إلى القاضي في حقٍّ له، فتكلَّم قبل خصمه، وكان الخصم شيخاً. فقال له القاضي: أَتَقْدُمُ شيخاً
كبيراً؟ فقال له: الحقُّ أكبر منه. فقال له القاضي: اسكتْ. فقال: ومنْ ينطقُ بحُجَّتي؟ قال ما أظنكَ
تقول حَقّاً، فقال: لا إله إلا الله، فقام عند ذلك القاضي، ودخل على عبد الملك، فأخبره بخبره. فقال:
اقض حاجته الساعة. وأخرجه من الشام لئلا يُفسد على الناس.
وحكى الأصمعي، قال: قَدِمَ أعرابيٌ إلى بعض الولاة، فقال له الوالي: قل
(1/106)

الحقَّ، وإلاَّ أَوْجَعْتُكَ ضرباً.
فقال له الأعرابي: وأنت أيضاً، فاعمل بالحق، فَوَ الله لمَا تواعدك الله به من العقوبة إنْ أنت خاَلَفْتَهُ،
أعظم مما تَواعدْتني به منْ ضَرْبكَ إيّاي.
ولما ولى المامون يحيى بن أكثم قضاء البصرة أراد بعض أهلها أن يَضَعَ منه لحداثته، فقال له: كَمْ
سنُّ القاضي؟ قال: كسن عتاب بن أُسَيْد حين ولاَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة، فجعل ابن
أكثم جوابه احتجاجاً. وكانت سن عتاب حين ولاه النبي عليه السلام مكة إحدى وعشرين سنة. وقيل
ثلاثاً وعشرين.
ودخل وفد العراق على عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فافتتح شاب فيهم الكلام. فقال عمر: كبِّروا
كبِّروا؛ أي يتكلم الكبير منكم. فقال الغلام: لو كان هذا بالسِّنِّ يا أمير المؤمنين لَتَقَدَّمَك شيوخُ بني
مروان.
وقال مروان بن الحكم لحُوَيْطب بن عبد العُزَّى: تأطَّر إسْلامُك، أيها الشيخ، حتى سبقك الأحداث.
فقال حويطب: الله المستعان، والله لقد هَمَمْتُ بالإسلام غَيْرَمَا مَرَّة. كلُّ ذلك يعوقني أبوك عنه،
وينهاني، ويقول: تَضَعُ شرفك، وتَدَعُ دين آبائك لدينٍ مُحْدث، وتصير تابعاً. فأُسْكَِت مروان وندم
مروان على ما قال.
(1/107)

وحكى الصلت بن مسعود. قال: كنا عند سفيان بن عيينة فتضاجرنا. فقال سفيان: أليس من الشقاء
أن أُجالِس التابعين ثم أجالِسُكم. جالستُ ضمرة بن سعيد وجالس أبا سعيد الخدري وجالست عبد الله
بن دينار، وجالس جابراً حتى عدّ جماعة من التابعين. فقال له غلام كان في المجلس: أتُنصف يا أبا
محمد؟ فقال: نعم. فقال الغلام: والله لَشقاء التابعين بمُجالستكَ بعد الصحابة أشدُّ من شقائك بمُجالستنا
بعد التابعين، قال: فأبْلس ابن عُيَيْنَة، وتَمَثَّل بشعر أبي نواس:
خَلِّ جَنْبَيْك لِرَامٍ ... وامْض عنه بسلامِ
مُتْ بِدَاء الصَّمْت خيرٌ ... لَكَ مِنْ دَاءِ الكَلاَمِ
قال أبو إسحاق:
قوله: أبْلَسَ، يريد سكَّتَه. يقال: أبْلَسَ الرَّجُلَ فهو مُبْلس، إذا سكَتَ حُزْناً.
(1/108)

قال العجاج:
يا صاحِ هلْ تعرف رَسْما مُكْرسا
قال نَعَم أعرفه وأبْلَسَا
وانجَلَتْ عيناه من فَرْط الأسَا
وأنشد لرؤبة:
وحضرتْ يوم الخميس الأخْماسْ ... وفي الوجوه صُفرةٌ وإبلاْسْ
يعني اكتئاباً وكُسُوفاً. قال أبو عبيدة: المُبْلِس السَّاكت اليائس.
وفي حديث عمران بن حصين فيما روى يحيى بن سعيد عن هشام
(1/109)

عن قتادة عن الحسن عن عمران
أنه قال: كنا في سفر مع النبي عليه السلام، فرفع صوته بهاتين الآيتين، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ). فتأشب أصحابه حوله،
وأْبلسُوا حتى ما أوْضَحوا بضاحِكة، أي سكتُوا حزْناً.
ويقال: المُبْلِسُ الساكتُ المُنْقَطعُ الحُجَّة، ويقال: المبْلِس الحزين النادم. والإِبْلاَسُ أيضا: اليَأْسُ من
رحمة الله. قال الله تعالى (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ). أي آيِسُون من الخير والرحمة.
فأما إِبْلِيسُ، فاسم أعجمي معرّف، يدل على ذلك تَرْك صرفه، لأنه لا ينصرف للعجمة والتعريف.
هذا قول أبي إسحاق الزجاج وغيره من جِلَّة النحويين. وقال أبو عبيدة وغيره: إبليسُ مشتق من
أبلس؛ أي يئس من رحمة الله، ولم ينصرف لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء، فشبه بالأسماء
الأعجمية التي لا تجرى.
وقال: إسحاق لا يجري، وهو من أسحقَه الله إسحاقاً.
وأيوب من آب يؤوبُ على وزن فيْعول كقَيوم من قام يقوم.
وردَّ هذا القول غيره من النحويين وأبو بكر بن السراج وأبو الحسن الرماني وغيرهما، وقالوا هي
ألفاظ من العُجْمَة أُعربت ووافقت ألفاظ العربية.
(1/110)

وأما قول أبي عبيدة ومَنْ قال بقوله، لا نظير لإبليس في أسماء العرب، فمردود لأنهم يقولون:
إِحْريض لصبغٍ أحمر قال الراجز:
مُلتهب كَلَهب الإحريضِ ... يزجى خراطيم غَمَامٍ بيضِ
وهو إفعيل مثل إبليس، وإغريض للَّطلع، وثوب إضريج مُشبَعُ الصَّبْغ، وقيل: هو من الصُّفرة
خاصة. قال النابغة:
تُحيِّيهمُ بيض الولائد بينهم ... وأكسية الإضْريجِ فوق المَشَاجِبِ
وقال الآخر:
والبغايا يركضن أكسية الإض ... ريج والشَّرْعبي ذَا الأذْيالِ
وقالوا: سيفٌ إصليت للماضي الكثير المضاء. قال الراجز:
كأنني سيفٌ بها إِصْلِيتُ
وقالوا سيف إبريق، وهو إفعيل من البريق. قال ابن أحمر:
تقلَّدْتَ إبريقا وعَلَّقت جعْبةً ... لتملك حياً ذا زُهاء وجامِل
(1/111)

وقالوا: إزميل ووزنه إفعيل. قال الشاعر:
هُمُ مَنَعوا الشيخَ المُنَافِيَّ بعدما ... رأى حَمَّة الإزْمِيل فوق البَرَاجِمِ
وأشبه هذه كثيرة. وإنما سبيل إبليس كسبيل إنجيل في أنه معرَّف غير مشتق، قاله الرماني وغيره.
وقد قيل: إن إنجيل من النَّجْل وهو في الأَصْل. وقال أبو العباس ثعلب: أَبْلَسَ الرجل إذا سكت حزناً
وكآبة. وأخْرَد إذا سكت حياء، وأقرد إذا سكت ذلاّ. وأنشدً. عن ابن الأعرابي:
ولست بقَوَّالٍ لِمَوْلاَيَ إن جَنَى ... هلكت ولا إن ضامك القوم أقردُ
ولست بقوال لذي الزَّاد أبْقِهِ ... فإنكَ إنْ لم تُبق زَادك يَنفَدُ
وفي الحديث عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني وفيه أيضاً عن عطاء الخراساني أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وإياكم والإِقْرَاد". قالوا يا رسول الله وما الإِقْرَادُ؟ قال: "الرجلُ
منكم يكون أميراً أو
(1/112)

عاملاً فيأتيه المسكين والأرملة فيقول لهم: مكانكم حتى أنظر في حوائجكم. ويأتيه
الشريف والغني فيُدْنِيه، ويقول: عجِّلوا قضاء حاجته ويترك الآخرين مُقْرِدين".
ونظر الحطيئة إلى ابن عباس وهو يتكلم في مجلس عمر، فقال: منْ هذا الذي نزل عن الناس في
سنِّهِ، وعلاهم في قوله؟ وقد روى هذا الخبر أبو عمرو بن العلاء رحمه الله. فقال: نظر الحطيئة إلى
ابن عباس في مجلس عمر غالباً عليه. فقال: من هذا الذي برع الناس بعلمه ونزل عنهم بسِنِّه؟
فقالوا: عبد الله بن عباس. فقال فيه أبياتاً، منها قوله:
إنِّي وَجَدتُ بيان المرء نافلةً ... تُهدى له وَوَجَدْتُ العِيَّ كالصَّممِ
وكان عمر يقول: (نعم تُرجمانُ القرآن ابن عباس) وقال القاسم بن محمد: ما رأيتُ في مجلس ابن
عباس باطلاً قطُّ، وما سمعتُ فتوى أشْبَه بالسُّنَّة من فتواه.
وروى سليمان بن مهران الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق أنه
(1/113)

قال: كنتُ إذا رأيتُ ابن عباس، قلت: أجمل الناس، وإذا تكلَّم، قلتُ أفصح الناس، وإذا تَحدَّثَ قلتُ: أعلم الناس.
وفيه يقول حسان بن ثابث من أبيات له:
إذا ما ابن عباس بدا لك وجْهُه ... رأيتَ له في كلِّ أحواله فَضْلاَ
إذا قال لم يَتْركْ مَقَالاً لِقَائلٍ ... بمنتظمات لا مدى بينها فَصْلاَ
كَفَى وشَفَى ما في النُّفُوس فلم يدعلذي أربٍ في القول جِدّاً ولا هَزْلا
وكان عمرو بن دينار يقول: (مارأيتُ مجلساً أجْمَع لكل خير من مجلس ابن عباس؛ الحلال والحرام
وتفسير القرآن والعربية والشعر والطعام).
وحَضَر مجْلِسَه رجلٌ من الزُّهاد فسمِع القارئ يقرأ (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا). فقال الرجل: والله ما أنْقَذهمْ منها. وهو يريد
رجوعهم إليها. قال ابن عباس: خذوها مِنْ غير حكيم.
ووفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم
(1/114)

والزبرقان بن بدر، فتكلم أحدهم بكلام أعجبه. فقال: "إنَّ منَ البيان لَسِحْراً".
وفي حديث عبد الله بن عمر فيما روى زيد بن أسلم عنه. قال: أقْبَلَ رَجلان من المشرق فخطبا،
فعَجِب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ مِنَ البَيان لسِحْراً".
وسمع عمر بن عبد العزيز رحمه الله رجلاً يتكلم فقال: "هذا والله السِّحْرُ الحلال". وهذا مِمَّا نظمه
أبو تمام في قوله:
فأينَ قصائدٌ لي فيكَ تَأبى ... وتأْنَفُ أنْ أُهان وأنْ أُذالا
من السحْر الحلَال لمُجْتَنِيه ... ولم أرَ قبلها سِحْرا حَلالا
وفي حديث أُبَيّ بن كعب فيما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن مروان بن الحكم
(1/115)

عن عبد الرحمن بن عوف عن أُبَيّ بن كعب أنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ مِنَ
الشِّعْر حِكْمَة". وهذا حديث اجتمع فيه من الصحابة من يروي بعضهم عن بعض.
وفي حديث عبد الله بن مسعود فيما روى عبيدة السلماني عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "إنَّ من البيان سِحْراً وإنَّ من الشعر حكماً".
قال أبو إسحاق:
والسِّحْرُ في هذا الحديث والذي قَبْلَه، معناه: البيان في فطنة.
وقال:
وقال صاحب العين: السِّحر عَمَل يقرِّبُ إلى الشيطان ومن السحر: الأُخْذَة التي تَأْخُدُ العين حتى
تظُنَّ أن الأمر كما ترى وليس كذلك، وجمعها:
(1/116)

الأُخْذ.
والسِّحْرُ والحِيلَةُ والكَهَانَة نَظَائِر، وسمي سحراً لِخَفَاءِ سببه؛ ولذلك يوهم قَلْب الشيء عن حقيقته،
كفعل السَّحرة في وقت موسى عليه السلام لما أوهموا أنَّ العِصيَّ والحبال قد انقلبت حيواناً. قال الله
تعالى (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى). ومعنى قوله عليه السلام: "وإنَّ من الشِّعْر حكماً"؛ أي موْعِظَة، لأن كل كلمة وعظتكَ أو
زَجَرَتْك أو دَعَتْك إلى مَكْرُمةٍ وصلاح ونهتْك عن مُنْكر وقبيح، فهي حِكْمَة. وعلى هذا يتأول قوله:
"الحِكْمَةُ ضالة المؤمن". فأما قوله (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ). فقال ابن عباس: الحكمة: هي المعرفة بالقرآن نَاسِخِه ومَنْسوخه
ومُحْكَمِه ومتشابهه، وحَلالِه وحَرَامِه وأمثاله، ومقدّمه ومؤخره.
وقال قتادة: الحِكْمَةُ: الفَهّم. وقال مجاهد: الحِكْمَةُ: العقل والفقه والإِصَاَبُة في القول. وقيل غير هذه
الأقوال. وأما الحُكْمُ فمعروف.
قال أبو بكر بن دريد: يقال للرجل إذا حكَم بين الناس: حَكَمَ يَحْكُم حُكْماً، فإذا صار حَكيماً يقال له:
حَكُمَ يحْكُم، ومنه قول النمر بن
(1/117)

تولب:
وَأَبْغِض بَغِيضك بُغْضاً رُوِيداً ... إذا أنْتَ حاولتَ أن تَحْكما
وقد حَكُم الرجل يَحْكُم حِكْمَةً وحُكْماً وهو حَكِيم. ومنه قول النابغة:
احْكُم كحُكم فتاة الحي إذْ نظرتْ ... إلى حمامٍ شراعٍ وارد الثَّمدِ
أي كُنْ حكيما مصيباً كما كانت هذه الفتاة حكيمةً. ومنْ نظر بين اثنين بالعدل، والمنع من الجَوْر فهو
حَكَمٌ. قال الله عز وجل (فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا).
ويقال: حَكَم الحاكم بين القوم؛ أي ألْزَمَ كلَّ فريق منهم ما يجب عليه، ومنع من الجور.
وقال صاحب العين: "الحَكَمُ: الله تبارك وتعالى وهو أحكم الحاكمين وهو الحكيم"، والحِكْمَةُ مرجعها
إلى الِعْلُمِ والحِلْمُ والعَدْل.
وقال أبو إسحاق الزجاج: أصل الحُكم في اللغة تَعْديل الشيء ومنْع الجور أن يدخله. فمن ذلك
قولهم: أحْكمْتُ زيداً، أي منَعْتُهُ من أن يجهل على الناس، ومن هذا قول جرير:
أبَنِي حَنيفَة أَحْكِمُوا سُفهاءَكُمْ
إِنِّي أخاف عليكم أن أَغْضَبَا
(1/118)

أي امنَعُوهم أن يتعرضوا إليَّ. ويقال: حكَمتُ الفرس وأحكمْتُها، وفرسٌ مَحْكُوَمٌة ومُحْْكَمَة؛ إذا جعلتُ
في رأسها الحَكَمَة. والحَكَمَةُ ما أحاط من اللجام بالحَنَكَيْن وفيهما العذَارَان، وسُمِّيت حَكَمَة لأنها تمنعه
من الجَوْر مما يراد منه
وفي الحديث المأثور: "في رأس كل عبد حَكَمَة"، إذا همَّ بسيئة فشاء الله أن يقْذَعه بها قَذَعه، ومعنى
قَذَعه: منعه.
قال أبو العباس: أَحْكَم فلان عمله، إذا بالغ فيه فأصاب حقيقته. وأمْرٌ مُحْكمٌ لاخلل فيه، وأمر
مُسْتَحكم؛ إذا لم يكن فيه مَطْعن. ويُقال: قد أحكمتْ فلاناً التجاربُ؛ ومعناه أن التجارب قد جعلته
مُحَكِّما يمنع من الجور عن القصد. وكلُّ عمل محكم فقد مُنع من الفساد. ويقال هذه قصيدة مُحْكَمة
وحَكِيمة؛ بمعنى قول الأعشى:
وغريبةٌٍ تأتي الملوك حكيمة ... قد قُلتُها لِيقال مَنْ ذا قَالَها
وقال عمرو بن مالك:
قوالُ محكمة نقَّاض مبرمة ... فتّاحُ مبهمة حبَّاس أَورادِ
ويقال: احْتَكَم فلانٌ في مالِ فلان، إذا جاز فيه حُكْمُه. والاسم الأحكومة والحُكومة. والإِحكامُ والإتْقانُ
والانتظام والاتساق نظائر في اللغة. فأما قولُه تعالى في قضاء يحيى بن زكريا عليهما السلام (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا).
فمعناه الفَهْم في قول أكثر أَهْلِ العِلْم. وقال معمر: قال الصِّبيان ليحيى:
(1/119)

تَعَاَل حتى نلْعَبْ. فقال يحيى: ما للَّعِبِ خُلِقْتُ. فهذا معنى قوله (وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا).
وفي الحِكْمَةِ أقوالٌ شتى، وقد جئنا ببعضها. وقيل: إن الحكمةَ المَعْرِفَةُ بالدين والفقه. وقيل: هي العلم
بالأَحْكَامِ التى لا يُدْركُ عِلْمُهَا إلاَّ من قبل الرسل عليهم السلام. وقيل: الحِكْمَةُ شيءٌ يجعله الله تعالى
في القلب يُنَوِّره، كما يُنَوِّر البَصَر فيُدرك الشيءَ المبْصر. وقيل هي التي تقف بالمرء على مرِّ الحقِّ
الذي لا يشوبُهُ باطل. قال الله تعالى (حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ).
رجع
وسئِلت عائشة رضي الله عنها، هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟
فقالت: نعم، كان يتمثل بشعر ابن رواحة:
سَتُبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلاً ... ويأتيكَ بالأخبارِ منْ لم تُزَوِّدِ
قال أبو إسحاق:
كذا ورد هذا الخبر، والصحيح ما روى أبو بكر محمد بن يحيى الصولي
(1/120)

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان يقول: (ويأتيك من لم تزود بالأخبار). فيقول له أبو بكر رضي الله عنه إنما هو
(ويأتيك بالأخبار ما لم تزود). فيقول صلى الله عليه وسلم: (ذا وذاك واحد سواء) والدليل على صحة
خبر أبي بكر الصولي قول الله تعالى (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ). والمعنى أي أن يقوله. وجعل الله عز وجل ذلك علماً من
أعلام النبي عليه السلام لئِلا تدخل الشُّبْهة على منْ أُرْسِل إليهم. فيظُنُّوا أنه صلى الله عليه وسلم قَويٌّ
على القرآن، بِمَا في طبعه من القوة على إنشاء الشعر، ولا اعتراض على هذا الملحد فيما يتَّفق
الوزْن فيه من القرآن، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنَّ ما وافق وزْنُهُ وزْن الشعر، ولم
يُقْصَدْ به إلى الشعر، ليس بشعر.
ولو ثَبَثَ أن يكون شعراً، لكَان كلُّ مَنْ نَطَقَ بكلامٍ مَوْزُونٍ، من العامة الذين لا يعْرفون وزْنَ الشعر،
شاعراً. وقد بين الأئمة المتقدمون هذا المعنى بياناً شافياً.
والبيت المتقدم الذكر (ستبدي لك الأيام) ثابث في قصيدة طرفة بن العبد، أحد الشعراء الستة، وأول
القصيدة:
لخولة أطلال ببرقة تهمد
ولما قال كعب بن مالك:
جاءت سخينة كي تُغَالِبَ ربَّها ... فلْيغْلِبَنَّ مُغَالِبُ الغَلاَّبِ
(1/121)

قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا". وهذا البيت لكعب
بن مالك في قصيدة له قالها في يوم الخندق، وهو آخر بيت منها، وفيها يقول:
نأوي إلى ظِلِّ اللِّوَاء كأنَّهُ ... في صَعْدَةِ الخَطِّيِّ فيءُ عُقابِ
ومَواعِظٌ مِنْ رَبِّنا تُهْدى لَنَا ... بِلِسان أزهرَ طَيِّبِ الأثْوابِ
أعْيَت أباكربٍ وأَعْيَتْ تُبَّعاً ... وأبَتْ بسالَتُها على الأعرابِ
عرِضت علينا فاشتهينا ذِكْرها ... من بعدما عُرضت على الأحزاب
حِكَماً يراها المجرمون بِزَعْمِهمْ ... حرجاً ويفقهها أولو الألباب
جاءت سخينة كي تغالب ربَّها ... فلْيُغْلبَّن مُغَالبُ الغَلابِ
قوله: (نَأْوي إلى ظِلِّ اللواء)؛ أي نرجع إليه. واللِّواء؛ لِواء الحرب، ولواء الأمير وهو معروف،
وجمعه ألوية مثل: سِقاء وأسْقية ووِعاء وأوعية، واللواء ممدود، ويجوز قصره. وقال زهير في مَدِّه:
وتُوقَدْ نارُكم شَرَراً ويُرفَعْ ... لكم في كلِّ مَجْمَعَةٍ لوَاءُ
وقال حسان بن ثابث في قصره، من أبيات له قالها في مسافع بن عياض بن صخر:
لو كنت من هاشم أو من بني أسدٍ ... أو عبد شمسٍ أو أصحاب الِّلوَىَ الصِّيدِ
يعني بأصحاب اللواء، بني قصي.
وفي حديث أبي سعيد الخدري فيما روى عطية عنه قال: قال النبي
(1/122)

صلى الله عليه وسلم: "يرفع للغادر لواء بقدر غدرته يوم القيامة فيقال هذا لواء غدرة فلان".
فأما اللوى بالقَصْر فهو ما الْتَوى من الرَّمل، ويكتب بالياء وجمعه أَلْواء. قال ذو الرمة:
ولَم تُبق ألْواءُ الثَّمَانِي بَقِيَّة ... من الرُّطْبِ إلاّ بَطْنُ وادٍ وحاجِرُ
وقوله: فَيْءُ العُقاب، فالعقاب الطائر المعروف.
ويقال للراية العقاب تشبيها بالطائر،، ومنه قول الشاعر:
مراسٌ لا يكون له كفاء ... إذا جال الكفيف عن العُقَابِ
يعني: عن اللواء. والفيء: ما تحوَّل عن جهة الغداة برُجوع الشمس عنه. ويقال: تفَيَّأتُ في الشجر
وفَيَّأت الشجر. قال الله تعالى: (يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ). قال قتادة وغيره من أهل العلم: يعني أول النهار وآخره. وجاء
على توحيد اليمين، وجَمْع الشمال، لأن اليمين وإن كان واحداً هنا فمعناه الجمع، وقيل: لَمَّا كان تَفَيُؤ
الظِّلِّ
على ناحية الشمال وأكثرُ منه على ناحية اليمين، أَفْرَدَ اليمين وجَمَعَ الشمال، فالشمائل للكثرة
والسَّعة، وقيل: ردُّ اليمين على لفظ ما، والشمائل على معناها. كقوله تبارك وتعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ). ففي: يتخذ
ضمير مفرد عائد على لفظ (مَنْ) والضمير الظاهر في يحبونهم عائد على
(1/123)

معناها، وذلك لإبهام من وما. مرة يجعل الكلام فيهما على اللفظ. ومرة على المعنى، لأن المُبْهَم موقوف على بيان غيره له،
وقرأ أبو عمرو بن العلاء ويعقوب بن إسحاق تتفيَّأُ بتاءين؛ وجمهور القراء بياء وتاء، والتذكير
والتأنيث معلوم.
وقرأ عيسى بن عمر الثقفي بتاءين مثل أبي عمرو. إلاأنه قرأ ظُلاَلَهُ بضم الظاء وفتح اللام الأولى،
جعله جمع ظُلَّة كقراءة حمزة والكسائي في سورة يس (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ) فالظِّلال جمع ظِلّ أو ظِلَّة. والظُّلَلُ جمع
ظُلَّة مثل ظُلْمَة وظُلَم. والظُّلَّة والسِّتْرةُ من النظائر. فأما قوله تعالى (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ). فسمي ما تحتهم ظُلَلا لأنها
تُظِلُّ مَنْ تحتهم. قال أبو العباس: (والفرق بين الظِّلَّ والفيْء، أن الفَيْء ما نُسِخَ بالشمس، لأنه هو
الراجع، والظلُّ مالا شمس فيه. فكلُّ فَيْءٍ ظِلٌّ، وليس كل ظِلٍّ فيئاً). ولذلك يقال: أهل الجنة في ظِلٍّ
لا في فَيْء، لأنها
(1/124)

لا شمسَ فيها، كما قال تعالى (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) قال واصل: الفَيْءُ الرُّجُوع. قال الله تعالى (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) وقال
(فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وجمع الفيء أفْيَاء وفُيُوء.
وقال ابن مقبل:
تظل الرجال القاعدين فُيُوءُهَا ... على الحوض مادَامَتْ قياماً كما هيا
وقول كعب: (وأبت بسالتها) أي امتنعت، لأن أبَى وامْتَنَع، وتَرَكَ من النظائر، والإباءُ، والامْتِنَاع،
والتَّرْك معناها واحد. يقال أَبَى يَأْبَى إباءً، وتأَبَّى تَأَبِّياً. قال الشاعر:
بأي نُجُوم جودك يُسْتَضَاء ... أبا حسنٍ وشيمتك الإِبَاءُ
وقال صاحب العين: أَبَى يَأْبى إباءً، إذا ترك الطاعة ومال إلى المعصية كقول الله عز وجل حكاية
عن فرعون (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى) وكُلُّ من ترك شيئاً فقد أباه. ومن امتنع عن أمر وردَّه، فقد أباه. يقال لرجل أَبِيّ وقوم
أَبِيُّون وأباةٌ. قال الشاعر:
(1/125)

أَبِيُّ الضَّيْمِ منْ نَفَرٍ أُباة
وكّل من أمر بشيء فلم يفعله متَعَمِّداً لذلك فقد أباه، وإذا أباه فقد امتنع من فِعْلِه، وذلك لقضاءالله
سبحانه. وحقيقة الإباء؛ الانتفاء للشيء بإيقاع فعل بدلاً منه.
قال: والأُبَى مقصوراً داءٌ يأخذ المعز في رؤوسها فلا تكاد تسلم. يقال: أبِيَت العَنْزُ تأبى أبىً شديداً.
وعنْزٌ أبِيَّةٌ وتَيسٌ أبٍ.
قال الشاعر:
أقُولُ لكنَّاز توكَّلْ فإنَّه ... أبىً لا أظُنُّ الضَّأنَ منها نواجيَا
وأصْل هذا كله الامتناع؛ فالعَنْزُ الأبِيَّةُ تَأْبَى الاستقرار للداء الذي بها فإذا أبت الاستقرار فقد امتنعت،
ومنه قول المتلمس:
تُعَيِّرُنى أمِّي رجالٌ ولَنْ ترى ... أخا كَرَمٍ إلا بأنْ يتَكرَّما
وماليَ أمٌّ غيرها إن تركتُها ... أَبَى الله إلاَّ أن أكونَ لها ابنَ مَا
فأما الأَبَاءُ بالفتح والمد ّوالهمز فأطرافُ القَصَب. وقوله: (بسالتها)، أي حُرمتها. والبَسْلُ: الحرامُ.
(1/126)

قال زهير:
بلاٌدٌ بها نادَمتُهم و (أَلِفْتُهم) ... فإنْ تُقْويَا مِنْهُمْ فإنهم بَسْلُ
وقال الآخر:
بَكَرَتْ تلُومُكَ، بعْد وَهْنٍ في النَّدى ... بَسْلٌ عليكِ مَلاَمتِي وعِتَابِي
وكلُّ شيء تَصَعَّبَ وتمنَّع فلم يقدر عليه فقد بَسَلَ، ومنه قول الأعشى:
أجارَتُكُمْ بَسْلٌ علينا مُحَرَّمٌ ... وجارتنا حِلٌّ لكم وَحَليلُهَا
وقال أبو تمام:
يتْبع هواه ولا لَقاح لِرَهِْطِه ... بَسْلٌ وليْسَت أَرْضُه بِحَرامِ
وحكى بعض الأدباء أنَّ البَسْل كان في الجاهلية في قبائل من العرب بثمانية أشهر حُرُماً من كل
سنة. قد عرفت العرب ذلك لهم لا يُنكرونه ولايدفعونه، وكانوا يسيرون به إلى أي بلاد العرب شاؤوا
ولا يخافون منهم سطوة، وعلى ذلك جاء قول زهير: (فإنَّهم بَسْلُ) وبهذا سُمي الشجاع باسلاً، ومنه
قوله:
ما غَركُم بالأسَد الباسِل
(1/127)

وتأويله أن يكون ممنوعاً من قِرْنه محرماً عليه قربه.
والبَاسل أيضاً الكريه المَنْظَر. يقال: ماأَبْسَلَ وَجْهَ فلان، إذا كان قبيحاً. وجمع البَاِسل: البُسُل، ويثقل
ويخفف، وقد يكون البَسْل الحلال، ومنه قول الشاعر:
أيثبتُ مازِدتُم وتُلْغَى زِيادَتِي ... دَمي إنْ أُسيغَتْ هذه لكُمُ بَسْلُ
أي حلالٌ، فيكون البَسْل من الأضداد، مثل (أسَرّوا الندامة) و (شاموا السيوف) وما أشبه ذلك. فأما
قول الله تبارك وتعالى (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ). فمعناه في قول مجاهد وغيره من أهل العلم: تسْلَمُ وهو المعروف في اللغة.
تقول العرب: أبْسَلَ الرجل بِجَرِيرته، إذا أسْلَمَ لها. قال الشاعر:
هُنالِكَ لا أرْجُو حياةً تَسُرُّني ... سَجيسَ اللَّيالي مُبْسَلا بالجَرَائِر
وقال ابن عباس: معناه: تَفْضَح، وقال قتادة معناه: تَحْبِسُ. وقال
(1/128)

يحيى بن زياد الفراء معناه: ترْتَهِنُ.
وقيل معناه: تُخْزى، وقيل: معناه ترْتهِن للهلكة.
وفي الحديث أن أُسَيد بن حضير بن سماك بن عتيك مات فَأبْسل ماله بدينه، فبلغ عمر رضي الله
عنه ذلك، وكان قد أوصى له فردَّه وباعه ثلاث سنين متوالية، وقيل أربع سنين فقضى دَيْنَه. فقوله:
أَبْسَلَ ماله بدَيْنه؛ أي أسلَمَ، وذلك لما كان المال بالدَّيْن مستغرقاً ...
قال الخطابي: وكان رَدُّ عُمر المال، بَيْعُ أُصول النَّخْل على وجه النَّظَر للورثة والإبقاء عليهم، ورأى
أن يبيع ثمرها ثلاث سنين أو أربع سنين فَيُقضى منها دينه، أي يؤاجِرُها وإن كان. والحديث بلفظ
البيع، والمراد به الإجارة. وبيع المنفعة كبيع الدَّينْ. قال: أمَّا قول عمر في دعائه (آمين وبَسْلا)
فمعناه: إيجاباً ياربِّ وتحقيقاً له؛ وهو أن يدعو الداعي، فإذا فرغ من دعائه قال آمين وبسلاً. قال
الراجز:
لاَ خَابَ من نفعك مَنْ رَجَاكا ... بسلاً وعادى اللَّهَ مَنْ عاداكَا
(1/129)

رجع
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان
بن ثابث منبراً في المسجد يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله صلى اللله عليه وسلم. أو يقال
ينافح. وخرَّج مسلم في كتابه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: "إنَّ روح
القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله"، ومعنى يُنَافح: يُدافع ويَذُبُّ. يقال: نَفَحت الداَّبة
بِرِجلها إذا رَمَحَت به. قالت عائشة، وسمعته صلى الله عليه يقول: "هَجاهم حسان"، يعني قريشاً،
فَشَفَى واشْتَفَى حين قال في أبي سفيان:
هَجَوْتَ مُحَمَّداً فأجَبْتُ عَنهُ ... وَعِنْد اللَّهِ في ذاَكَ الجَزاَءُ
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشرُّكما لخيركما الفداءُ
هجوتَ محمدا بَرآَّ حنيفاً ... رسولُ الله شِيمَتُه الوَفاء
ويُروى: ولَسْتَ له بِسِيء عوض: بندٍّ، والسِّيءُ والندُّ المِثْلُ، والسِّيءُ أيضاً: المكان القفرُ.
فإنّ أبي ووالدَه وعِرْضي ... لِعرْض محمدٍ مِنْكُم وقاءُ
ثكلت بُنَيَّتي إن لم تَرَوْها ... تثير النَّقع غايَتُها كداءُ
(1/130)

ويروى:
عدمنا خيلنا إن لم تَرَوها ... تُثيرُ النَّقع موعِدُها كَداءُ
وكذا ثبث في شعره.
تُبارين الأَعِنَّة مُصْعِدات ... على أكْتافِها الأُسُل الظِّماءُ
ويروى: (ينازعن الأعنة مصغيات).
تَظَلُّ جياَدُنا مُتَمطِّراتٍ ... يُلطمهن بالخُمُر النِّساءُ
فإنْ أعْرَضتُم عنَّا اعْتَمَرنا ... وكان الفَتْحُ وآنْكَشَفَ الغِطاءُ
وإلا فاصْبِروا لِجلادِ يَوْمٍ ... يُعِزُّ اللَّهُ فيه من يشاءُ
وقال الله قد أرسَلْتُ عَبْداً ... يقول الحَقَّ لَيْس به خَفَاُء
وقال الله قد يَسَّرت جنداً ... هُمُ الأنصارُ عُرْضَتُها اللِّقاءُ
لنا في كل يوم من معدٍّ ... قتالٌ أوْ سِبابٌ أوْ هجاءُ
أمن يهْجُو رسول الله منكم ... ويَمْدحه ويَنْصُرُه سواء
وَجِبريل رَسول الله فينا ... وَرُوح القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ
قال حسان بن ثابث، هذه القصيدة يجيب بها أبا سفيان بن الحارث حين هجا رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأولها:
عَفَت ذاتُ الأصابِعِ فالجِواءُ ... إلى عَذْراءَ مَنْزِلُها خَلاءُ
(1/131)

وحكى أبو بكر محمد بن الحسين بن دريد عن السكن بن سعيد عن عبَّاد بن عبَّاد عن أبيه قال: أنشد
النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابث قصيدته التي أولها: (عفت ذات الأصابع فالجواء) فلما
انتهى إلى قوله:
هَجَوتَ محمداً وأجبت عنه ... وعِنْد الله في ذاك الجَزاء
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جَزاؤُك على الله الجَنَّة يا حَسَّان". فلما انتهى إلى قوله:
فإنَّ أبي ووالده وعرْضي ... لِعِرْضِ محمدٍ منكم وقاءُ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَقاك الله يا حسان حرَّ النار"
فلما قال حسان:
أَتهجوه وَلَسْت له بندٍّ ... فَشَرُّكما لخَيرِكما الفداءُ
قال من حَضَر: (هذا أَنْصَفُ بيت قالتْه العربُ). قال مصعب الزبيري: (هذه القصيدة، قال حسان
صَدْرَها في الجاهلية وآخرها في الإسلام).
وقوله: (بَرّاً حنيفاً). فالحنيف المسلمُ الذي يستَقبل قِبْلَة البيت الحرام على مِلَّة إبراهيم وكان حنيفاً
مُسلماً، والحنيفُ أيضاً كل من أَسْلَمَ في أمر الله فلم يَلْتَوِ في شيء. والجميع الحُنَفاءُ.
وقال بعض أهل العلم؛ قيل له حَنيفٌ لأنه تَحَنَّفَ عن الأديان كُلِّها؛ أي مال إلى الحَقِّ.
وفي الحديث: "أَحَبُّ الأديان إلى الله الحَنيفِيَّة السَّمحة وهي مِلَّة النبي صلى
(1/132)

الله عليه وسلم لاَ حَرَجَ فيها ولا ضيق".
وقال عمربن الخطاب رضي الله عنه:
حَمِدْتُ اللَّه حين هَدى فُؤادي ... إلى الإِسْلاَم والدِّين الحَنيفِ.
وقال غيره:
أَبَعْدَ حلم المسلم الحنيفِ ... راقتكَ ذات العقدِ والشنوفِ
قال أبو حاتم: قلت للأصمعي من أَيْنَ عرف في الجاهلية الحَنِيف؟ فقال: لأنّه مَنْ عَدَلَ عن دين
اليهود والنَّصارى فهو حَنيفٌ عندهم.
وكان كُلُّ من حجَّ البيتَ سُمِّي حَنيفاً. وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا الحجَّ قالوا: هَلْمُّوا نَتَحَنَّف.
وقال أبو بكر بن دريد: الحنيف العادل عن دين إلى دين، وبه سميت الحنيفية لأنها مالت عن
اليهودية والنصرانية.
وقال صاحب العين: الحَنَفُ مَيَلٌ في صدر القدَم فالرَّجل أَحْنف، والرِّجْل حَنْفاء. وسُمِّي الأحنف
لحنفٍ كان به. وقالت حاضنته وهي تُرقصه:
والله لولا حَنَفٌ بِرِجله
(1/133)

ما كان في صِبْيانِكم كَمِثْلِهِ
وأصل الحَنف الميَلُ، وقيل: الاستقامة. فسمي المستقيم حنيفاً على التفاؤل، كما سُّمِّي اللَّديغُ سليماً
تفاؤلاً بالسلامة. وكما قيل للمَهْلَ
كَة مفازة تفاؤلاً بالفوز والنجاة. هذا كله يحكى عن الرياشي وابن قتيبة وغيرهما. وقال الزجاج:
أصله المَيَل، فالمعنى أنه حَنَفَ إلى دين الله وهو الإسلام، فلا شك أن معناه قد صار الاستقامة على
دين إبراهيم، كيف تصرفت الحال في أصله. ولو استدل مُسْتَدِلٌّ على أن أصله الاستقامة لِشَرَف
الحنيفية، فاشتق لها مما يليق بمعناه، كان وجهاً. قال هذا أبو الحسن الرماني.
وقول حسان:
فإن أبي ووالده وعرضي
البيت.
روي أن حسان بن ثابث استأذن على عائشة رضي الله عنها، بعدما كُفَّ بَصَرُه، فدخل عليها
فأكرمته فلما خرج عنها، قيل لها: هذا من القوم، فقالت: أليس الذي يقول:
فإن أَبي ووَالِدَهُ وَعِرْضي ... لِعِرْضِ محمدٍ منكمْ وِقَاءُ
فهذا البيت يغفر له كل ذنب.
وقوله: (وعرضي لعرض محمد صلى الله عليه وسلم)؛ عرضُ الرجل مختلف فيه. قيل عِرْضه ما
يُمْدَحُ به أو يذم. وقيل: عِرْضُه خليقته المحمودة.
(1/134)

وقيل: عِرْضُه: حَسَبُه. وقيل عِرْضُه: ناحِيَتُه التي يصونها عن المكروه والنسب كأنها ترجع إلى قَدْره، وأصله.
واختار الرماني هذا القول، وقال: هو
أحسن الأقوال كأنك إذا قلت: عِرْضُه، فإنما قلت: الجهة التي يُمْدَحُ منها أو يُذم. فقد تكون حَسَبَه، وقد
تكون دينه، وقد تكون أفعاله.
وقولهم: عرْضُ الرجل رائِحَتُه الطَّيبة، أي الناحية التي أتَتْ بهذه الريح. وهذا الباب متسع، وفيه
اشتراك.
وقوله:
فَمَنْ يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سَوَاءُ
جاء على حذف (مَنْ). كأنه قال: مَنْ يهجوه ومَنْ يمْدحه. ومثله في القرآن العظيم قوله سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا)
أي: والذين ظلموا، لأنّ الوعيد مُسْتَحقٌّ على الكُفْر وعلى الظُّلْم، وقوله:
وعند الله في ذَاكَ الجَزَاء
أي على ذلك؛ لأنك تقول: جازيْتُه على كذا، ولا تقول جازيته في كذا.
والكلام في معاني هذه الأشعار يخرجنا عمَّا قصدناه، ويؤُول بنا إلى غيرما أردناه.
رجع
وخرَّج أبو عيسى في (جامعه)
(1/135)

عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة
القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول:
خلُّوا بني الكفار عن سبيله ... فاليوم نضربكم على تَنْزيله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويُذْهلُ الخليل عن خليله
فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يديّ رسول الله، وفي حَرَم الله تقول الشعر. فقال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (خَلِّ عنه يا عمر فَلَهِيَ أسْرَعُ فيهم من وضَحِ النَّبْل).
وفي حديث آخر (من وقع النبل).
وعن جابر بن سَمُرة بن عمرو قال: جالستُ النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة، فكان
أصْحابُهُ يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أيام الجاهلية، وهو ساكتٌ، فربما تَبَسَّم معهم. وهذا كقول أبي
سلمة بن عبد الرحمن.
وذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال، لم يكونوا منخرقين ولا
(1/136)

مُتَماوتين، وكانوا يتناشدون الشعر في مجالسهم، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أُريدَأحدٌ منهم على شيء من أَمْر دينه
دارت حماليقُ عينيه كأنه مجنون.
ومثل هذا ما روى حماد بن عبد الرحمن عن الحسن أنه قيل له: أَكانَ أصحابُ رسول الله صلى الله
عليه وسلم يمزحون؟ قال: نعم، ويتقارضون، أي يقولون الشعر، وهو القريضُ، ومنه قول عبيد بن
الأبرص حين استنشده النعمان قصيدته، وهو قد أمر بقتله فقال: (حال الجَريضُ دون القريض).
وقال أبو زيد يقال: فلان يُقَرِّضُ فلاناً تَقْريضه، إذا مَدَحه أو ذمَّه، وهما يتَقارضان الخير والشر،
وفلان يُقَرِّضُ صاحبه إذا مَدَحَه. وقال عمر بن الخطاب لعمرو بن معدي كرب حين أثنى على سعدٍ:
لَشدَّ ما تَقَارضْتُما الثَّنَاء.
وعن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: مرَّ عمر بحسان بن ثابث، وهو ينشد
الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال له: قد كنت أُنْشِدُ فيه، وفيه مَنْ هُوَ خَيْرٌ منك، يعني رسول الله
صلى الله عليه
(1/137)

وسلم، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال له: أَنْشُدُكَ اللَّهَ. أسَمِعتَ رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: أَجِبْ عني يا حسان، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِروح القُدُس ... قال: نعم.
وذكر عن علي بن زيد بن جُدْعان أنه قال: أنشد كعب بن زهير رسول الله صلى الله عليه وسلم في
المسجد: (بَانَتْ سُعاد فَقَلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ).
وعن عبد الوهاب بن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن أبي بكرة قال: كنت عند النبي صلى الله
عليه وسلم، وعنده أعرابيٌّ يُنْشِدُه، فقلت: يا رسول الله أَشِعْراً أم قرآناً؟. فقال: في هذا مرة، وفي هذا
مرة.
وعن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي أنه قال: كان الرَّجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم يتناشدان الشعر، وهما يَطُوفان حول البيت.
وعن محمد بن عبد الله المرادي عن عمرو بن مُرَّة وعن عبد الله بن
(1/138)

سلمة، فقال: كُنَّا عند عمّار بصفين، وعنده شاعر ينشده، فقال رجل: أَيُقَالُ الشعر فيكم وأنتم أصحاب محمد وأصحابُ بَدْرٍ. فقال
له عمار: إِنْ شِئْتَ فاسْمَعْ، وإن شئت فاذهب، إنه لَمّا هجانا المشركون شَكَوْنا ذلكَ إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: قُولوا لهم كما يقولون لكم، فإن كنَّا لنعلمه الإماءَ بالمدينة.
وعن الأعمش عن أبي خالد الوَالِبِي، قال: كنت أجلس في حلقة من أصحاب محمد صلى الله عليه
وسلم، فلَعَلَّهم أَلاَّ يذكروا إلا الشعر حتى يَتَفَرَّقوا.
وعن إسماعيل بن عليَّة عن أيوب عن محمد بن كثيِّر بن أفلح أنه قال: كان آخر مجلس جالسنا فيه
زيد بن ثابث مجلساً تناشدنا فيه الشعر.
(1/139)

وعن عمر بن أبي زائدة عن عبد الله بن أبي السَّفْر عن الشعبي قال: كان أبو بكر شاعراً، وكان
عمر شاعراً، وكان علي أشعر الثلاثة رضي الله عنهم.
وكانت عائشة رضي الله عنها، وهي التي غَذَاها الإيمان وزَكَّاها القرآن، وفَضلها الرحمن ... وفي
شعر العرب. وتتمثل بقول لبيد:
ذهب الذين يُعَاشُ في أَكْنافهم ... وبَقِيتُ في خَلْف كجلد الأجْرَبِ
قال أبو الزناد: ما رأيتُ أحداً أَرْوى لشعر من عروة.
فقيل له ما أرواك يا أبا عبد الله؟ فقال: ومارِوايتي في رواية عائشة، ما كان يَنْزِل بها شيءٌ إلاَّ
أَنْشَدَتْ فيه شعراً.
وروى يوسف بن عمرو وكان من كبار أصحاب ابن وهب، عن ابن وهب عن أبي الزناد،
(1/140)

عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: (رويْتُ للبيد اثنى عشر ألف بيت) قال هذا أبو عمر بن
عبد البر.
وكان بعض السلف يقول: إعطاء الشاعر من بِرِّ الوالدين.
وأعطى الحسن بن علي شاعراً فأنكر ذلك عليه بعضُ جُلَسائِه، فقال: إنَّ خَيْر ما بَذَلْتَ من مالِك، ما
وقيتَ به عرضَكَ.
ومَدَحَ نصيب الشاعر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فأَجْزَلَ له من كُلِّ صنْفِ: أعطاه إبلاً وخيلاً
وثياباً ودنانير ودراهم، فقيل له: أتَصْنَعُ هذا بمثل هذا العبد الأسود؟ فقال أما والله، إن كان جِلْدُهُ
أَسود فإنَّ ثَنَاَءُه لَأَبْيَضََ، ولقد استحق بما قال أكثر مما قال، وإنما أخذ رواحل تُنْضى وثياباً تُبْلَى،
وأعْطَى مديحاً يُرْوى وثناءً يبقَى.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لابنة هرم بن سنان المرِّي ما
(1/141)

وهب أبوك لزهير؟ فقالت:
أعطاهُ مالاً وأثاثاً أفْناه الدهر. فقال لها عمر لكنْ ما أَعْطاكموه لا يفنيه الدهر.
وقال معاوية لابن الأشعث بن قيس: ماكان جَدُّكَ قيس ين معدي كرب أعطى الأعشى؟ فقال: أعطاه
مالاً وظهراً ورقيقاً وأشياء نسيتها، فقال معاوية: لكن ما أعطاكم الأعشى لا يُنْسى.
ويروى عن بعضهم أنه قال: إني لا أُحِبُّ البقاء، وكالبقاء عندي حُسْن الغناء. وقال الشاعر في هذا
المعنى
فأثنوا عليه لا أباً لأبيكم ... بأفعاله إنَّ الثناء هو الخُلْدُ
وقال ابن عباس: الشعر ديوانُ العرب، فإذا خَفِيَ عليهم الحرفُ من القرآن الذي أنْزَلَه الله بلُغَة
العرب، رجعوا إلى ديوانها، والتمسوا معرفة ذلك منه.
وعن سفيان عن أسامة بن زيد عن عكرمة مولى ابن عباس عن
(1/142)

ابن عباس قال: إذا أعيتْكُم العربية في القرآن، فالتمسوها في الشعر، فإنه ديوان العرب.
قال أبو إسحاق:
فإن احتجَّ أحدٌ علينا بقول الله تبارك وتعالى (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ) وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يَمْتلىء
جوْفُ أحدكم قيحاً حتى يريه خيرٌ لَهُ من أن يَمْتَلِئَ شِعْراً" قلنا له: أمَّا الآية، فإنما أنزلها سبحانه في
شعراء المشركين الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. والدليل على ذلك،
أَنَّ الله تعالى قد استثنى المؤمنين منهم، فقال في الآية الأخرى (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا). إلى آخر الآية. ومعنى: وانْتَصَروا
من بَعْدِ ما ظُلِمُوا، أي ردُّوا على الكفار الذين كانوا يهْجون النبي عليه السلام. قاله ابن عباس، وأما
الغاوون، فقال: هم الكُفَّار يتبعهم ضُلاّلُ الإنْسِ والجِنِّ. وقال ابن زيد: الغاوون والشعراء هاهنا
المُشْركون. لأنَّ الغاوي لا يَتْبَعُ إلاَّ غاوياً مِثله. وقال عكرمة: الغاوون عُصاة الجن. وروى عن
مجاهد نحوه، وعن مجاهد أيضا هم الذين يتبعونَهم ويروون شعرهم. وعن الطبري: الشعراء، شعراءُ
المشركين، يتبعهم غُواة النَّاس، ومَرَدةُ الشياطين، وعُصاة الجِن.
والمراد بقوله: "إلاَّ الذين آمنوا وَعملوا الصالحات" فيما روى عن ابن عباس: ابن رواحة وحسان بن
ثابث وكعب بن مالك.
(1/143)

ومعنى: (وذكروا الله كثيرا) فيما قال ابن زيد: أي في شعرهم، وقيل: لم يَشْغَلهُم الشعرُ عن ذكر الله
عز وجل. إنَّما هاجوا من كذَّبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمَّا قول النبي عليه السلام: "لأن
يمتلئ جوف أحدكم قيحا" الحديث، فذكر عن أبي عمرو عامر بن شراحيل بن عَبْد الشعبي أنه قال:
إنَّما عُني به الشعرُ الذي هُجِي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردَّ أبو عبيدة معمر بن المثنى
وغيره من أهل العلم هذا القول، وقال: تأويل الحديث عندي غير هذا؛ لأن الشعر الذي هُجي به
النبي عليه السلام لو لم يكن إلا شطر بيت لكان كفرا، فكأنه إذا حُمِلَ وجهُ الحديث على امتلاء القلبِ
منه، فقد رُخِص في قليله، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه حتى يَغلب عليه فَيَشْغله عن القرآن،
وعن ذكر الله، فيكون الغالب عليه مِنْ أَيِّ الشِّعْرِ كَان. فأمَّا إذا كان القرآن والعلم أكثر من الشعر في
الجوف، فليس ممتلئاً منه. هذا قول أبي عبيدة وغيره، وهو صحيح موافق.
ومعنى (يَرِيَهُ): يأكل القيح جَوْفَهُ. قاله أبو عبيد وأنشد لسحيم عبدِ بني الحسحاس بن هند:
وراهُنَّ رَبِّي مثْلَ ما قَد وَرَيْنَني ... وأحْمَى على أكبادِهنَّ المكاوَِِيا
وقال الفراء: الورى داءٌ يُصيب الرجل والبعير في أجوافهما. مقصور، يكتب بالياء.
ويقال في دُعاء العرب (به الورى وحُمَّى خَيْبَرَى وشرُّ ما يُرى فإنُّه
(1/144)

خَيْسَرى).
كان أبو عمرو الشيباني والأصمعي يقولان: لا نَعْرِفُ الورى من الداء بفتح الراء، وإنما هو الوَرْيُ
بتسكين الراء. من قولهم وراه الداء يَرِيه ورْيا. وأنشد الأصمعي:
قالتْ لَهُ ورياً إذا تَنَحْنَحْ ... يالَيْتَه يَبْقى على الدَّرَحْرَحْ
وأنشد أبو عمرو:
هَلُمَّ إلى أُمية إنَّ فيها ... شِفاءَ الوارياتِ من الغليلِ
ومنه قول عبد بني الحسحاس وقد كتبناه.
ويقال للسَّاعِلِ يَسْعَلُ وهو مُبْغَضٌ إليهم: ورْياً وقُحاباً، وللمحبوب: عُمْراً وشباباً. والعُمْر والعُمُر
واحد. والقُحابُ: السُّعال.
وقال أحمد بن عبيد الداءُ هو الوَرْيُ بتسكين الراء فصُرف إلى الوَرى.
وقال أبو العباس أحمد بن يحي: الوريُ بتسكين الراء المصدر، والوَرَى بفتح الراء الاسم.
(1/145)

وقال يعقوب: إنما قالوا الوَرْيُ لمزاوجة الكلام، وقد يقولون في المزاوجة مالا يقولون في الإفراد.
قالوا: إني لآتيه بالغَدَايا والعشايا، فقالوا الغَدايا لمكان العشايا، وغداة لا تُجمع على غدايا.
وقال الأصمعي معنى: حتى يَريَه؛ أي حتى يَدْوَى جَوفُهُ.
وقال صاحب الأفعال وَريَ الإنسانُ والبعير ورىً دَوِي جوفُه وَوَرَاه الماء وَرْياً: أفسد جوفه، ووَرِيَ
الكلب سُعِر أشدَّ السُّعار.
قال أبو علي والوَرى: الخلقُ مقصور، يكتب بالياء، ويقال ماأدري أيُّ الورى هو، أيْ: أَيُّ الخَلْق.
وأنشد لذي الرمة:
وكَايِنْ ذعرنا من مهاةٍ ورامِحٍ ... بلادُ الورى ليْستْ له ببلادِ
(1/146)

فصل في الكتابة
قال: وأما الكتابة فهي تِلْوُ الخِلاَفة في القدر، وقريبة منها في الخطر، وهي أجلُّ ما طُلب وأشرف ما فيه
رُغِّبَ، وأحسنُ ما عُمل وأفيَدُ ما انْتُحِل، وأبْهَجُ ما به تُحَلي، وأعذبُ ما سُمع ووُعي. ووصف الله
تعالى بها ملائكته المقربين، فقال سبحانه وهو أصدق القائلين (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ).
وهي منصوصة في غير ما موضع في كتابه المكرم، وبها فُسِرَ قوله تعالى (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) ولا نشك أنها من الله
تبارك وتعالى هبَةٌ وإلهامٌ، وزيادةٌ فيمن خَصَّ بها من الأنعام. لا تتعاطاها الأفهام، ولا ينفك بابها من
استغلاقٍ واسْتِبهام، وما زال حامِلها للدولة قُلْباً، ولرحاها قُطْبا. جديراً أن يكون النُّجْحُ معقوداً بنواصي
آرائه، واليُمنُ معهوداً في مذاهبه وأنحائه، يُبدي فوائدهُ، ويُخْفي مكائده، ويَنْطِقُ بفصل مُشكلات
الأمور لسانه، وتخطُّ محْكماتها بنانُه، وتُقتَبَسُ أنوار السياسة منه، وتؤخَذُ آثارها عنه، وهو مُدبِّرُها
ولِسانُها، وحامل لوائها
(1/147)

وتُرجُمانها، وشِهابُها المستنار، وحسامها الماضي الغرار، يحسم عِللها، ويَرُمُّ
خَلَلها، ويُزَيِّنُ مراتِبها، ويُجَلِّي ترائبها، ويكسوها من جميل تدبيره بهجةً وبهاءً، ويُطلع بِرِقَّةِ سياسته
في آفاقها نوراً وضياءً، ولذلك قال أبو تمام في محمد بن عبد الملك الزيات:
أَلْقَى إليكَ عُرَى الأمر الإمام فقَد ... شُدَّ العِناجُ من السلطان والكَرَبُ
يعشى إليكَ وضوء الراي قائده ... خليفَةٌ إنَّما آراؤُه شُهُبٌ
إن تَمْتَنِعْ منهُ في الأوقات رُؤيتُهُ ... فكلُّ ليثٍ هَصورٍ غيلُهُ أشِبُ
أو تُلْقَ من دونه حُجْبٌ مُكَرَّمَةٌ ... يوماً فقد ألقيتْ من دونكَ الحُجُبُ
والصُّبْح تَخْلُفُ نورَ الشمس غُرَّتُه ... وقرنها من وراء الأفْقِ محتَجِبُ
وهذه الأبيات في قصيدة له.
وقوله: يعشى إليكَ؛ أي يلتمس نور الصَّوابِ فيما تأمُرُه به، وتشير عليه. قال أبو زيد يقال: عَشي
الرجُلُ عشىً شديدا، ورجلُ أعْشى وهو الذي لا يُبْصر بالليل.
وقرأ ابن عباس (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ) بفتح الشين وهو من عشِيَ يَعْشى، وقرأت الجماعة بضم الشين من عشا يَعْشو،
ومعناه يعرضُ، قاله قتادة. وقال غيره: تُظْلِمُ عَيْنُه.
(1/148)

وقال أبو موسى هارون بن الحارث: يقال عَشاَ الرجلُ يعْشو عَشواً: وهو أن يستضيء ببصرٍ
ضعيف، أو ضوء ضعيف في ظلمة. وقال أبو بكر بن دريد: العَشْوُ مصدر عَشَوْتَ إلى ضوء نارك،
أعْشو عَشْواً: إذا قصدته بليل، ثم صار كل قاصد عاشياً.
وقال صاحب العين العَشْوُ: إتيانك ناراً ترجو عندها هُدىً أو خيراً. والعاشيةُ كلُّ شيءٍ يعْشو بالليل
إلى ضوء نارٍ من أصناف الخَلْقِ، من الفَراشِ ونحوه. وأنشدوا:
متى تَأْتِهِ تعشو إلى ضوْءِ نارِه ... تَجِدْ خير نارٍ عندها خَيْرُ موقِدِ
وقال ابن الأعرابي: فلانٌ يعشو إلى فلان، إذا أتاه طالباً ما عِنْدَهُ.
قال: وجاء رجل من بني كُلاَب إلى عمر بن العزيز يشكو عاملاً له فقال له: أيْن كنت عن والي
المدينة؟ فقال: عَشَوْتُ إلى عدْلِكَ، وعلمتُ إنصافك منه، فكتب إلى والي المدينة بعزله.
قال أبو علي البغدادي: وهذه الأقوال الثلاثة متفقة في المعنى، وإن
(1/149)

اختلفت العبارات عنها وزادت ونقصت. قال: والعشا في العين مقصور يكتب بالألف لأنهم يقولون رجلٌ أعْشى، وامرأة عشواء.
وأنشد:
فإن يُمْس عندي الهَمُّ والشَّيْبُ والعَشَا ... فقدْ بِنَّ مِنِّي والسلامُ تَفَلَّقُ
ويقال: فتنة عَشواء: أي يُعْشى فيها حتى لا يَهتَدي الطريق فيها، فظهور الواو في عشواء، يدل على
أن العشا من الواو، وكذلك قلت: عَشِيَ يَعْشًى أصل الياء فيه واواً.
وقال صاحب العين: العَشْواءُ من النُّوق التي لا تُبْصِر ما أمامها، وذلك أنها ترفع رأسها فلا تتعاهد
موضع أخْفَافها. قال زهير:
رأيتُ المنايا خَبْطَ عشْواءَ منْ تُصِبْ ... تُمِتْهُ ومنْ تُخطئ يُعَمَّرْ فيهرَمِِ
قال أبو علي، وهذا صحيح في الاشتقاق، وأصله من عشا العين.
(1/150)

وقال أبو الحجاج الأعلم في تفسير بيت زهير وقوله: (خبط عشواء)، أي لا تَقْصد ولاتجئ على
بَصر. يقال: عَشا يعشو إذا جاء على بصرٍ وهداية، وعشى يَعْشى إنْ أصابه العشا؛ يريد أن المنايا
تخبط في كل ناحية كأنها عشواء لا تُبْصِر، فمن أصابته في خَبْطِها ذلك هَلَكَ، ومن أَخْطأته عاش
وهرم. وإنما يريد أنها لا تترك الشاب لشبابه، ولا تقصد الكبير لكبره، وإنما تأتي لأجل معلوم).
ومثل قول زهير قول الآخر:
منْ لَمْ يَمُتْ عبْطةً يَمُت هَرِما ... للموت كأْسٌ والمرءُ ذائقُها
وقوله: عَبطَة وهو فتى شاب. يقال: مات فُلانٌ عبطةً إذا مات في شبابه وطَرْأَة سنّه. والعبيطُ: الدَّمُ
الطري.
رجع
وقال أبو تمام أيضاً في ابن عبد الملك:
وأنتَ شِهابٌ في الملمات ثاقبٌ ... وسيْفٌ إذا ما هزَّه الحقُّ فاضلُ
مُوَرِّث نارٍ والإمامُ يَشُبُّها ... وقائلُ فَصلٍ والخليفةُ فاعِل
(1/151)

فإنك إنْ صدَّ الزمان بِوَجْهِهِ ... لَطَلْقٌ ومنْ دون الخلافة باسلُ
قوله: وأنتَ شِهابٌ: أي كالشهاب؛ وهو الكوكب المنقضي في أثر مُسْترق السمع.
وقال أبو إسحاق الزجاج، كلُّ أبيض ذي نورٍ يقال له شهابٌ، ومنه قول الشاعر:
إنّما مُصْعَبٌ شهابٌ من الل ... ه تَجَلَّتْ عن وجهه الظلْماءُ
فأما القَبَسُ فاسم لقطعة النار تُقْتَبَسُ في عودٍ أو في غيره، ومنه قول أبي زبيد:
في كفِّه صعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ ... فيها سنان كشعلة القبسِ
وفي معنى قول أبي تمام يقول أبو إسحاق المهدي:
وقد علمَ السُّلْطانُ أنِّي لِسانُه ... وكاتبه الكافي الشديد الموفقُ
(1/152)

أُوازره فيما عرى وأُمِرُّهُ ... برأْيٍ يُريه الشمس والليل أغْسَقُ
فيُمْنايَ يُمْناه ولفظي لَفْظُه ... وعَيْني له عينٌ بها الدَّهْرُ يَرْمُقُ
ولي فِقَرٌ تُضْحي الملوكُ فَقِيرةً ... إليها لدى أحداثها حين تُطْرَقُ
أَرُدُّ بها رأس الجَموح فينثني ... وأجعلها سَوْط الحَرُون فَيُعْنِقُ
قوله: أُؤازره: أي أعاوِنُهُ. قال الله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي) أي صاحباً ألجأُ إليه.
والوزيرُ: مُشْتَقٌّ من الوزر، وهو الجبل، وقيل من العَذَر وهو الثِّقَل، ومعنى قوله (اشدد به أزْري) أي
ظَهْري، يريد قُوَّتي، خص الظَّهْر لأن القوَّة فيه، ومنه قولهم: فلان شديد الأَزْرِ: أي القوَّة. وقال
تعالى: (كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ) أي أعانه حتى ساواه. وقال امرؤ القيس:
بِمَحْنِيةٍ قد آزر الضَّالُ نبْتَها ... مَجَرَّ جُيُوشٍ غانِمينَ وَخُيَّبِ
وقرئ شَطْأَه بفتح الطاء وإسكانها، فَتَح الطاء ابن كثير إلا عبد الوهاب بن فليح وعبد الله بن ذكوان
عن ابن عامر، وأبدل الهمزة واواً عيسى ين عمر الهمذاني الأعمى.
(1/153)

وأما قوله: فَآزَرَهُ، فتفرّد ابن عامر بقصره فقرأ: فازَرَهُ؛ فعله. وقد توهَّمَ قوم من أهل الضَّعفِ في
النحو وعلم التصريف، أن الوزير من هذا اللفظ، وليس كذلك، لأن فاء الفعل من الأزر همزة، ومن
الوزير واو. وتقول أزَرَني فلانٌ أي أعانني، ووازَرَني صار لي وزيرا، ولو كان منه لقيل فيه:
أزيرٌ. فتدبَّرهُ.
قال الله تعالى (كَلَّا لَا وَزَرَ) أي: لا ملجأ ولا جَبَل. قاله ابن عباس وغيره فالوَزيرُ من هذا دون ريب. فأما ما
جاء في الحديث: "ارجِعْنَ مَوْزُورَات غير مأجورات" فهو من الوِزْر. وأكثر أهل اللغة يخطئ من
رواه مأزورات بالألف. إلا أنه روى عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب أنه قال: يجوز على أن
تتبعه مأجورات ليكون الكلام على لفظ واحد.
وقوله: والليل أغسَقُ، يقال ليلٌ أغْسقُ وليل غاسِقٌ، وغَسَقُ الليل: اجتماعُ ظُلْمَتِه، وقيل بدْءٌ ظلمته،
وقال زهير:
ظَلَّتْ تجولُ يداها وهْيَ لا هيةٌ ... حتَّى أَنَارَ جنح الاِظْلاَِم والغَسَقِ
وأصلُ الغَسَق: الجَرَيانُ بالضَّرَر، من قولهم: غَسَقَت القُرْحة إذا جرى صديدها. ويُقال غسقت عينُه
غَسَقاً؛ إذا جرى دمعها بالضرر الباعث له. والغسقان صديد أهل النار، وفيه أقوال كثيرة. وفي كتاب
الله تعالى (حَمِيمٌ
(1/154)

وَغَسَّاقٌ) قُرئَ يالتثقيل والتخفيف. وسمي الليل غاسقاً لجَرَيانه بالضَّرَر في إخراج السِّباع والهوام
من آجامها وأماكنها. وكل شيء أسود فقد غَسَق. قال الله تعالى (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ). والمراد بغسق الليل في هذه الآية: صلاة المغرب والعشاء، وبالدُّلُوك
صلاة الظهر والعصر، وبقرآن الفجر صلاة الصبح. فهذه الآية متضمنة جميع أوقات الصلوات، لأن
دُلُوك الشمس، وهو ميْلُها؛ هو من لدن زوالها إلى مغيبها. وقيل: الدُّلوك المَيَلُ وهو قول ابن عباس
وجماعة من العلماء، وهو مذهب مالك رحمه الله، وهو اختيار الطبري.
قال ابن مسعود وابن زيد دُلُوكها: غُرُوبُها. واختاره القتبي وقال: العرب تقول: دَلًكَ النجمُ: إذا غابَ.
ذكر هذا أبو عباس المهدوي في كتابه، وقال فيه: (قال بعض أهل اللغة: من قال إن الدُّلوكَ الزَّوال،
فإنما قيل له ذلك،
(1/155)

لأن الناظر إلى الشمس يدْلِكُ عينه لشدة شعاعها، ومن قال هو الغروب، فإنه يدْلِكُ
عينه لِيَتَبَيَّنَها. والشاهد أن الدُّلوكَ الزَّوالُ، قول النبي صلى الله عليه وسلم "أتاني جبريل عليه السلام
لِدُلُوك الشَّمْس حين زالت فصَلَّى بي الظهر" فهذا موافق لقول ابن عباس ومجاهد وغيرهما ومقوله.
والاختيار الطبري.
وإذا كان الدُّلوك الزوال، فالمراد به في الآية صلاة الظهر والعصر. قال الشاعر:
بادَرَ قبل الدُّلُوكِ يتْبَعهُ ... وَسْنَانُ يمشي كمشية النَّزِفِ
فهذا يحتمل القولين جميعاً.
وسمِّى الله سبحانه صلاة الفجر (قرآناً) لأن الصلاة لا تَتِمُّ ولا تكْتَمل إلا بالقراءة؛ لأنها ركن من
أركانها، وجزءٌ من أجزائها.
وفي حديث أبي هريرة قال الله تعالى: "قَسَمْتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين". الحديث، أي
القراءة. فسمى القراءة صلاة. ووجْهُ القسمة فيما ذكر العلماء، أنَّ نِصْف سورة الحمد عبادة وثناء،
ونِصْفُها مسألةٌ ودعاءٌ وطَلَب. ولم يُرد به التقسيط في آي السُّور، وحُروفِها وتَجْزِئتِ
ها على السواء. فحقيقة القِسْمَة بالمعنى لا باللفظ. ودليل على أنه أراد قسمة المعاني دون الألفاظ.
(1/156)

قوله "فهذه بيني وبين عبيدي". يعني قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ولا يجوزُ أن يكون المتْلُوُّ بينه تعالى وجَلّ وبينَ عبده،
لأن المتلوَّ كلام الله سبحانه وتعالى وليس للعبد فيه شركٌ.
رجع
وقال الأحنف بن قيس: حِلْيَةُ الوُلاة وزينَتُهم: وزراؤُهم، ومن فَسَدت بِطانَتُه لم يصلح شأنُه، وكان
كمنْ غصَّ بالماء. وقال: ليس شيء أهْتَكَ للوالي من صاحب يُحْسِنُ القول ولا يُحْسِنُ الفعل. وما
أحسن هذا من قول الأحنف وأبلغه! ولقد كان رحمه الله من دهاة الحكماء وجلة الحلماء وقدوَة النُّبلاء
والفُصحاء، وخيرة العُقلاء، وأحد الشعراء، لأن النبي صلي الله عليه وسلم دعا له بالمغفرة، وذلك أنه
بَعَثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه بني سعد، فَسَمِعَ رسوله إليهم وهو يدعوهم إلى
الإسلام، فقال وهو شاب صغير: مَادَعاكم إلا لِخَيرٍ، وما حَسَّنَ إلا حَسَناً. فبلَّغ الرسول قوله هذا إلى
النبي عليه السلام فقال: (اللهم اغْفِر للأحنف) وأُعْلِمَ بذلكَ الأحْنف وهو يطوف بالبيت في زمن
عثمان فقال: هذا أوفى عملٍ عندي.
وكانت وفاته رحمه الله بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة مصعب بن الزبير، ومشى مصعب في
جنازته وحضرها.
وفي هذا المعنى من المنثور البديع والمزدوج المطبوع:
أنا عين السلطان ولسانه، وعُنوانه وتُرجمانه. أُذْناي كمائمُ أسراره، وجوانحي عيبَةُ إعلانه وأسراره.
أنا خاصته وصَفِيه وسمِيُّه. أنا المدير الحازم، والجليس
(1/157)

الملازم، ومطفئُ جمرة الحرب العوان، وقاتل
العَدُوِّ بلا صارم ولا سِنانٍ، قلمي يفُلُّ القواصل، ويتخلَّلُ الأباطح والمعاقل، ويهُزُّ المحاضر والمحافل،
ويَقْمعُ الحواسِد والعواذل.
أنا كاهل الدولة وهاديها، ومجيبُ صارخها ومُناديها، ووسْطى سِلْكِها ومدير فَلَكِها؛ إن جالت أنامِلي
في مهرق، أسمعت الصُّمَّ بلاغة وبياناً، واستنزلتِ العُصْمَ إِبْداعاً وإحساناً. أصردُ الصُّكوك فأُنَظِّمُها
تنظيماً بلسانٍ أمضى من السنان اللَّهْذَم، وكلام أَقْطَعَ من الحُسام الأخْذمِ، تَخدِي بها الرِّفاق في الآفاق،
وتهدي بها القَِطار في الأقطار. قد احتويتُ على المملكة بأسرها، وتَحَكَّمتُ في طيِّها ونشرها، أنا
قُطْبُ مدارها و (جُهَيْنَةُ أخْبارِها) وسِرُّ اختيارها واخْتِبارها، ومُظْهِر مجْدِها وفَخارِها. أعقد عُقود
الولايات لكل والٍ، وأَمْنَحُهم من المَبَرَّةِ كلّ صافية المنهل، ضافية السِّرْبالِ؛ إن تُلِيَتْ سُوَرُها في
المحاضر، أو جُلِّيَتْ صوَرُها على المنابر، عقَلَت المُسْتَوفِز والعابر، وشغَلَت خاطر كلِّ خاطر. فلا
غَرْوَ أنْ فُزْتُ منها بأعْلى القداح، وإنْ حَلَلْتُ محلَّ الأنْمُلة من الرِّماح.
وفي المعنى أيضاً: أنا للخلافة يُمْناها النَّافِعة، وراحَتُها القابضَة والداّفِعة، صاحبُ ديوانها، ومُشَيِّدُ
أركانها، ومِفْتاحُ نَيْلها، ومِصباحُ لَيْلها، أسْتَجْلِبُ فوائِدَها، وأُقَيِّدُ شَوارِدها، لولا قلمي لأصْبَح عَقْدُ
الجراحات محلولاً، ودَمُ الجنايات مَطْلُولاً، ويَدُ التَّناصُف مغْلولَةً، وصوارمُ التعاطُف مفْلولَةً، وَرَسْمُ
الرُّسوم دارِساً، وعِلْمُ التَّحْقيق مُتَشاكلاً مُتَلابساً. فأنا عارِضُها الماطِرُ، وبَحْرُها الزَّاخِر، مِفْتاحُ كلِّ غَلَقٍ
مُبْهَمٍ، ومِصْباحُ كلِّ غَسَقٍ مُظْلم. أُقَسِّمُ بالسَّويَّةِ، وأعْدِلُ بين الرَّعِيَّة. أُحَسِّنُ المعاني وأُحقِّقُها، وأُناقش
الحُسْبانات وأُدَقِّقُها. فأنا
(1/158)

القِسْطَاسُ المسْتَقيم، ومالك أَعِنَّة التَّأْخير والتَّقديم. أَحْتَلِبُ دُرَرَ الأَموال،
وأسْتَجْلِبُها إلى بيت المال. أقتدحُ كلَّ زِنادٍ، وأهزُّ مُثْمِرَ الأعْوادِ، فإلى ساحتي تَرِدُ المطايا، وعن
راحتي تََصْدُرُ الهِبَاتُ والعطايا. وَحَسْبُكَ من يَراعٍ يَرْزُقُ الجنود، ويَسْتَجْلِبُ الحُشودَ، ويُكْرِمُ الوُفودَ.
فَلَولا قَلَمي لَعادت أغصانُ الإكتساب ذاوية، وبُيوتُ الأمْوال على عُروشها خاويةً. فَأَسْرَعَتْ إليها
البُؤْسى، وأَصبَحتْ (كفُؤادِ أُمِّ موسى) فهو لا محالة مَتْجَرها الأربَحُ، وميزانها الأرْجَح، تَدِرُّ ألبانُها،
وتُثمِرُ أفْنانُها، ويَسْتَمِرّ إفْضالُها وإحسانُها. فلا جَرَمَ أنِّي رأْسُ مالها، وقُطْبُ أَعْمالها وعُمَّالِها.
وفي المعنى: كاتبٌ فَضْلُهُ راتِبٌ، وحَقُّه واجِبٌ. لسانُه لسان المُلْك، ومَكَانُه واسِطةُ السِّلْكِ، أَقْلامُه
رِماحٌ، ورَسائلُه صِفَاحٌ، وألْفاظُه وأخلاقُه فِساحٌ. إن سُئِلَ أجابَ، وإن قَرْطَسَ أصابَ.
وفي المعنى: الكِتابُ وَالِجُ الأبْواب، جرئٌ على الحُجَّابِ، مُفْهِمٌ لا يفْهَمُ، وناطِقٌ لا يَتكلَّم، به يشخص
المُشتاقُ، إذا أقلَقَه الفِرَاقُ. القَلمُ مُجَهَّزٌ لجيوش الكلام، يسكتُ واقِفاً ويَنْطق سائراً. على أرض بياضها
مُظلمٌ، وسَوَادها يُضيءُ كأنّما يُقَبِّل بساط سُلْطانٍ، أو يفتح نوار بُسْتانٍ.
وقدْ قَسَّمَ ابن مقلة الكُتَّاب على خمسة أصناف: كاتب خَطٍّ، وكاتب
(1/159)

لَفْظٍ، وكاتب عَقْدٍ، وكاتب حُكْمٍ، وكاتبُ تَدْبير.
وزاد أبو محمد بن السيد على هذه الخمسة كاتب المجلس، وكاتب العامِل، وكاتب الجيش، وكاتب
المَظَالِم، وكاتب الديوان، وكاتِبُ الشرطة. وقال: كاتب الخطِّ هو الورَّاقُ والمُحَرر وكاتب اللفظ هو
المُرسل وكاتب العَقْد هو كاتب الحِسَاب الذي يكتُب للعامل وكاتب الحُكْم هو الذي يكتب للقاضي
ونحوه ممَّن يَتَوَلَّى النَّظَر في الأَحْكاَم. وَكاتبُ التَّدْبير هو كاتبُ الُّسلْطان، أوكاتبُ وزير دوْلَتِه. ثم قال:
وهؤلاء الكُتَّابُ الخمسة، يحتاج كلُّ واحد منهم إلى أن يتَمهَّر في عِلْمِ اللِّسان، حتى يَعْلَمَ الإِعراب،
ويَسْلَمَ من اللَّحن، ويعرفَ المقصور والممدود، والمقطوع والموصول والمذكر والمؤنث، ويكون لَه
بَصَرٌ بالهِجَاء؛ فإن الخطأ في الهجاء كالخطأ في الكلام. وليس على واحد منهم أن يمعن في معرفة
النَّحو واللغة إِمْعان المُعَلِّمين الذين اتخذوا هذا الشأن صناعة وصيَّروه بضاعَةً. ولا إِمْعانَ الفقهاء
الذين أرادوا بالإغْراقِ في
(1/160)

الفقه؛ فَهْمَ كلاَمِ اللَّه، وفَهْم كلامِ رسوله، وكَيْفَ تُسْتَنْبَطُ الأَحْكام والحدود
والعقائد بمقاييس كلام العرب ومجازاتها. إنما عليه أن يتَعَلَّم من ذلك ما لا يَسَعُه جهالتُه، ثم يُكْثِر بعد
ذلك من معرفة ما يَخُصُّ صناعَتُه.
ويحتاجُ كُلُّ واحد منهم أيضا إلى العِفَّةِ ونزاهَة النَّفس، وحُسْن المعاملة للناس، وَلِينِ الجَانب،
وسَمَاحة الأخلاق، والنصيحة لِمَخْدومه فيما يُقلِّده إيَّاه، ثم يحتاجُ كُلُّ واحد منهم بعد ما ذكرناه إلى أمور
تَخُصُّه لا يَحْتاج إليها غيرُه.
ثم قسم أبو محمد رحمه الله أقْسامَهم وصَفاتِهم، ورَتَّبَ مراتِبَهم، رذَكر آلاتِهم كما قال هو في كتاب
(الاقتضاب) بأَوْجز قَوْل، وأَقْرب بيان إن شاء الله.
وإنما نَذْكُرُ مراتِبَ الكُتاب على ما كانت عليه في القِدَم. وأما اليوم، فقد تَغيَّرت عن وَسْمِها المعلوم.
ولِكلِّ دهْرٍ دَوْلة ورِجال، ولكل حال إدبارٌ وإقْبال. انتهى كلامه.
فمَنْ أراد أن يقف على ما خَصَّهم به من الصفات، وأوْجَبَ لهم من الآلاتِ في فُصُول على الحِكَمِ
مُشْتَمِلات، وعلى أنواع الفوائد مُحْتَويات، فليطالع ذلك الكتاب لئلا يلحقه فيما ذكرناه شك، أو يخامره
ارتياب.
ومن كلام أبي حفص بن بُرد في وصف القلم والدواة والمداد:
المِدادُ كالبحر، والقلم كالغَوَّاص، واللفظُ كالجوهر، والقِرطاسُ
(1/161)

كالسلْك، والدَّواة كالقلب، القلمُ
كالخاطر، والصَّحيفَةُ كاللسان. والعقلُ أبٌ والعلْمُ أُمٌّ والفكر ابنٌ، والقلمُ خادِمٌ.
ما أعْجَبَ سِنَانَ القَلَمِ! يُشْرِقُ ظُلْمَةً، ويَلْفِظُ نوراً. قَلمُ الكاتبِ أمضى منْ سِنَانِ المُحارب.
القَلَمُ سَهْمٌ تُنَفَّذُ بِه المَقاتِل، وشَفْرةٌ تُطَبِّقُ بها المفاصل.
إذا أخَدَ الكتَّاب شكَّتَهَم للكلام، واخْتَرطوا ظُباة الأَقْلام، فكم من عَرْشٍ يُثَلُّ، ودَم يُطَلُّ، وجيش يُفَلُّ،
وجبَّار يُذَلُّ. وما عُبِّئَتْ كتائب، ولا سُرِّيَت مناقب، ولا انتُضِيَت سيوف، ولا ازدلفت صفوف، حتى
تخُطَّ الأقلامُ في الطُّروس، ما تحبُّه أوْ تأباه النفوس.
على غيثِ الأقلام يتفتح زهر الكلام.
ما أصوغَ القَلَم يُجَلَّى الحِكَم. قَاتَل الله القلم كيف يَفُلُّ السِّنان، وهو يُكْسَرُ بالأسنان.
القلم يُقَلِّم أظْفَار الدَّهر، ويتَمَلَّك الأقاليم بالنهي والأمر.
(1/162)

فصل ما يُستحسن من صفات الأقلام
بِخط اليراعة يُنال حَظُّ البراعة، وأفْضل أقلامِ الكُتَّاب، المُنْتَخَبة للكتاب، مالم يَكُن في طُوله تَعَوُّجٌ،
ولا في صلابتِه ترجُّج. وكانت خُصوصية العنصر الذي نماه، وسَجِيَّةُ المنبت الذي إليه مُنْتَماه، قد
أخذت به بين الرِّقة المُتَناهية التي لا تُسْتَحْسَنُ، والغِلَظِ المفرط الذي يُسْتَخْشَنُ، وأقَرَّتْهُ على المقدار
الذي لا يَقَعُ اختيارُ الكاتب على سواه، ولا يتَعَدّاه اقتراحُه ولا يَتَخَطَّاه.
ثم انتحى بَرْيَه ذو يمين رفيقةٍ بسكينٍ رقيقةٍ، فأجادَ شَقَّه، وأحكمَ قَطَّهُ فجاء به غَيْر شاقٍّ ولاعاقِّ،
سَلْسَ الجريان إذا أُرسِل، مُوافِقاً لِلْبَنانِ إذا أُعمِل، مُعْطِياً لقياده، غَيْر بخيل بِمِداده، تتبَنَّاه الأنامل
فَتَرْأَمُهُ، وتُواصل العَمَلَ به فلا تَسْأَمَهُ.
فهو للأنامل مطية، وعلى الكتابة مَعونةٌ قوية، قصَبََُه قد استوفى من الماء ريَّه، ومن الشمس حظَّه
وزَيَّه، حتى اصفرَّ ليطُهُ، واعتدل خوطه، وتناصَفَ شَكْلُهُ فهو أولى باليد من البنان.
قال: وسُمِّي قَلَماً لأنه قُلِمَ، أي قُطِعَ وسُوّي كما يُقْلمُ الظُّفْر. وكلُّ عودٍ
(1/163)

يُقْطَعُ ويُحدُّ في رأسه ويُعَلَّمُ بِعلامةٍ
فهو قَلَمٌ، ولذلك قيل للسِّهام أقلامٌ.
قال تعالى (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) وكانت سِهَاماً مكتوبة فيها أسماؤُهم. وقيل هي في هذه الآية الأقلامُ التي يكتبون بها
التوراة. وإَلْقَاؤُهم الأقلامَ كان حين تنازعوا في كفالتها رغْبَة لِفَضْلها.
فالقلم أيضا السهم الذي يحال بين القوم. كلُّ إنْسانٍ وقَلَمُه. وهو القِدْحُ.
والقَلْم قَصُّ الظُّفْر، يُقال قَلَّمَه تَقْليماً، ومقالمُ الرُّمح كُعُوبُه، ويقال للقلم: المِزْبَرُ بالزاي، والمِذْبَرُ
بالذال. سُمِّي بذلك لأنه يُزْبَرُ به ويُذْبر: أي يَكْتُبُ. وقد فرَّق بعض اللغويين بين زَبَرْتُ وذَبَرْتُ.
فقال: زَبَرْتُ بالزاي أي كتبتُ، وذَبَرْتُ بالذال أي قرأتُ. ويقال للذي يُقْلَمُ به مَقْلَمٌ وللذي يُبْرى به
مبرى ومِبْراة، وقد بَرَيْتُه أبْريه بَرْياً. ويقال لما يَسْقُطُ من التَّقْليم القلُامَة، وهي القُلُومَة من طَرَفِه، ولما
يَسْقُطُ عن البَرْي البُرَاَيةُ.
ويقال لعُقْدَة الكُعُوب، واحدها: كَعْبٌ. ويقال لما بين عُقْدة الأنابيب واحدها: أنبوبٌ والأنابيبُ،
والكعوبُ تُسْتَعْمل أيضا في الرِّماِح، وفي كل عُودٍ فيه عَقْدٌ. وَلِيطُ القلم لَوْنُهُ، فإن قَشَّرْتَ منه قِشرة
قُلْتَ: تَلَيَّطْتُ من القلم لِيطَهُ، ويقال لطرفيه اللذين يُكْتَبُ بهما السِّنان، واحدُهما: سنّ والشّعيرتان
واحدتهما شَعِيرهٌ.
وقيل لأعرابي: ما القلمُ؟ فَفَكَّرَ ساعة، وجعل يُقَلِّب يديه، وينظُرُ إلى أصابعه ثم قال: لا أدري؟ فقيل
له: تَوَهَّمْه في نَفْسك. فقال: هو عودٌ قُلِمَ من جوانبه كتَقْليم الأظْفور.
وجَمْعُ القلم أقلامٌ كقولك في جمع جَبَل أَجْبَال وجِبَال. وإذا قُطِّع طَرَفُ القلم
(1/164)

وهُيىء للكتابة بعد البَرْي قيل فيه: قَطَطْتُه أَقُطُّه قَطّا. والمَقَطُّ بفتح الميم ما قُطَّ من رأسه، ويقال: قَضَمْتُه أَقْضِمُه قَضماً. قال فيه
المقنع الكندي:
يَحْفَى فَيُقْضَمُ من شعيرةِ أَنْفِه ... كقُلامة الأَظْفُور في تَقْلامِه.
فإن انكسرت سِنُّه قيل قَضِمَ يَقْضَمُ قََضَماً على مثل حَذِرَ يحْذَرُ حَذَراً، فإن جَعلت سِنَّه الواحدة أطول
من الأخرى عند قَطِّه، قُلْتَ حرَّفْتُه تَحْريفاً، وقلم مُحَرَّفٌ، فإن جعلت سِنَّيْه مُسْتَوِيَتَيْن
قُلْتَ: قَلَمٌ مَبْسُوطٌ، فإن سُمِع له صوتٌ عند الكتابة فذلك الصَّريفُ والصَّريرُ، فإذا كثر المِدَادُ في
رأسه حتى يقطر قيل: رَعَفَ القلم يَرْعَفُ رِعَافاً، شُبُِّه برِعاف الأَنْف، ومَجَّ يَمُجُّ مَجّاً، وأرْعَفَه الكاتب
إرْعافاً وأمَجَّه إمجاجاً. ويقال للكاتب: اسْتَمْدِدْ ولا تُرْعِفْ ولا تُمْجِج ولا تمُجَّ. أي لا تُكْثر من المداد
حتى يقطُر.
قال أبو إسحاق:
ومن المنظوم البديع التَّهذيب، الرائق التذهيب، الصادر عن الطَّبع الذكي، المُؤيَّد بالأدب الوضي،
الرفيع الدُّرَرِ، الواضح الغُرَر، الذي فاق كل وَصْفٍ، واحتوى على كل رِقَّةٍ ولُطْف، واطَّرد ماءُ
الفَصَاحة على حواشيه، ولاحَ نورُ البلاغَة على ألفاظه ومعانيه في صفة الأقلام والكُتَّاب، الآخذين
مجامع الإتقان والصواب، قولُ ابن المعتز:
قلمٌ ما أراهُ أمْ فَلَكٌ يَجْ ... ري بما شاء قاسمٌ وَيسيرُ
(1/165)

خاضِعٌ في يديه يَلْثِمُ قرْطا ... ساً كما قبَّلَ البساط شَكُورُ
ولَطِيفُ المعنى جليلٌ نحيفٌ ... وكبيرُ الأَفعال وهْوَ صغيرُ
وهذا كقول الآخر:
فزادت لدينا خُطوةً حين أقْبَلَتْ ... وفي إِصْبِعَيهَا أسْمَرَُاللّوْنِ مُرْهَفُ
أصَمٌّ سميعٌ ساكنٌ متَحرِّك ... ينال جسيماتِ العُلا وهو أَعْجَفُ
رجع
كَمْ منايا وكَمْ عَطايَا وكم حَتْ ... فٍ وَعَيْشٍ تَضُمُّ تِلْكَ السطورُ
نُقشَت بالدْجى نهاراً فما أَدْ ... ري أخطٌّ فيهنَّ أم تَصْويرُ
هكذا منْ أبوه مثل عبيد الل ... ه ينمي إلى العُلا وَيَصيرُ
عَظُمتْ مِّنة الإله عليه ... فَأراك الأميرَ وَهْوَ الوزيرُ
وفي هذا يقول الآخر:
ذا المغتدي مَائِعُ الأنْفَاسِ مَنْهَلُهُ ... وصار أَعْلاَه في القرطاس أَسْفَلُهُ
كساه من خَطِّهِ وَشْياً وقلَّدَهُ ... دُرّاً من اللَّفظ لَمْ بفصم مُكَلَّلُهُ
(1/166)

فَأَيُّ زَهّرَةِ بُسْتانٍ تُمَاِتُله ... وأَيُّ درٍّ على اللَّبات يَعْدِلُهُ
وفي المعنى أيضا:
قَصِيُر الأنابيبِ لَكِنَّه ... يطولُ مضاءً طوال الرماحِ
إذا عُبَّ لِلنِّقْسِ في دَامِسٍ ... وَدَبَّ من الطِّرْس فوق الصَّبَاحِ
تَجَلَّتّ له مشكلاتُ الأمور ... ولاَنَ لَهُ الصَّعْبُ عند الجِمَاحِ
وأنشد الصولي لطلحة بن عبيد الله:
وإذا أمَرَّ على المهارق كَفَّه ... بأناملٍ يحملن شَخْتاً مُرْهَفَا
متقاصراً متطاولاً ومفصِّلا ... وموصلا ومشتتاً ومؤلّفا
ترك العداة روا جفاً أحشاؤُها ... وقِلاعُها قَلْعاً هنالك رجَّفَا
كالحية الرقشاء إلاَّ أنه ... يستنزِلُ الأرْوى إليه تَلَطُّفا
بأبيات غير هذه.
وفي المعنى:
قَلَمٌ قَلَّمَ أظْفَارَ العِدَى ... وهو كالإبرة مَشْقُوقُ الظُّفُرْ
(1/167)

أَشْبه الحَيَّةَ إلاَّ أنه ... كلَّما عُمِّر في الأيدي قَصُرْ
وقال أبو بكر الأصبهاني:
أخْرسُ يُنْبيَك بإطراقِه ... عنْ كل ما شئْتَ من الأمْرِ
يُذرِي على قرطاسه دمعةً ... يبدي بها السرَّ ولا يدري
كعاشقٍ أخفى هَوَاه وَقَدْ ... نمَّتْ عليه عبرةٌ تجري
تُبْصِره في كل أحواله ... عُرْيانَ يكسو الناس أو يُعْري
يُرى أسيراً في دَوَاةٍ وَقَدْ ... أَطْلَقَ أَقْواماً مِنَ الأسْرِ
في أبيات غير هذه.
وقد أَكْثر الشعراء في صفة الأقلام، وفَضُّوا عن البيان كُلَّ ختام بألفاظ تريك السحر مسطوراً، والدُّرَّ
النفيس منظوماً ومنْثوراً، ووصفوا الأقلام بأبْدَع الصفات، وبوَّؤا الكُتَّاب أرْفعَ الدرجات، وفَضَّلوا القلم
على السيف في مذاهبه، وجعلوا له التَّقديم في مراتبه.
فاخَر كاتِبٌ فارساً فقال الفارس: أنا أَقْتُلُ بلا غَرر، وأنْتَ تقتل على خَطَر، فقال الكاتب: القَلَمُ خَاِدٌم
للسيف، إِنْ تَمَّ مُرادُهُ، وإلا إلى
(1/168)

السَّيْفِ مَعَاده، أَمَا سَمِعْتَ قول أبي تمام:
السَّيْفُ أَصْدَقُ أنباءً من الكتبِ ... في حدِّه الحدُّ بين الجِدِّ واللَّعِبِ
بِيضُ الصَّفائح لاَ سُودُ الصَّحائف في ... مُتُونِِهِنَّ جلاءُ الشَّك والرِّيَبِ
والعِلْمُ في شُهُب الأرْماح لاَمِعَة ... بين الخَميسيْن لا في السَّبعة الشُّهُبِ
فقال الكاتب: أما سَمِعت قول الآخر هو أبو الفتح البستي:
إذا افْتَخر الأبطال يوماً بِسَيِفِهم ... وعدُوُّه مما يُكْسِبُ المجْد والكرَمْ
كَفَى قَلَمُ الكتابِ مجداً ورِفْعَةً ... مدى الدَّهر أنَّ اللَّه أقْسَمَ بِالقَلَمْ
قول أبي تمام: (السيف أصدق أنباء) يروى أنباء بالفتح، وإِنْباء بالكسر، والفتح أجود وهو المختار.
والأنباء جمع نبأ، والنَّبأُ الخبر، والأنباء يُسْتدل بها كما يُسْتَدَل بالأخبار.
وقال صاحب العين: النَّبَأ مهْموزٌ وهو الخبرُ. تقول: جاءني عن فلان نَبَأٌ أي خَبَرٌ، وإنَّ لِفُُلانٍ نبأ أي
خبر. قال الله تعالى (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ). أي بِخَبَر. وأَنْبَأُ زَيْدٌ عمْرواً، أي أخْبَرَه. والمنبئُ المُخْبِرُ، وهو أيضا المنَبِّئُ
بسكون النون وبفتحها.
(1/169)

قال النابغة:
وَأَنْبَأَهُ المنَبِّئُ أنّ حَيّاً ... حُلولاً من حَزَامِ أو جُذاَمِ
والفعل منه أنْبأته، واستنبأته. والنَّبِيءُ بالهمز: الطريقُ الواضحُ يأخذ بك إلى حيث تريد.
وقال بعضهم: النبئُ: الرسول من النَّبإ، فعيل بمعنى مُفْعِل أي مُنبِئ، كما قيل لِلمُدَبِّر الذي يُحْكِمُ
الصنع بحسن تدبيره: حَكِيمٌ؛ بمعنى مُحَكِّم عُدِلَ للمبالغة، وكما قيل حبيب بمعنى مُحَبَّب، فإذا همزْت
النبيّ جمعته على النُّبآء، لأنه غير معتل كقولك: حكيم وحكماء، وعليمٌ وعلماء، وعظيم وعظماء.
قال العباس بن مرداس:
يا خَاتِمَ النُّبَآء إنك مرسلٌ ... بالحق كل هُدى السبيل هُداكَا
فإذا لم يُهْمز وهو الاختيار، جَمَعْته على الأنبيَاء، كما يُقال وصيٌّ وأوْصياء، ووليٌّ وَأَوْلياء، وتقي
وأتْقياء.
قوله: فإذا لم يُهْمَز وهو الاختيار، اتباعاً للحديث المأثور.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب (القراءات): (القراءة المقروء بها عندنا بإسقاط الهمز من
النبيَّ والأنبياء والنَّبيئين في كلِّ القرآن، لأن الجمهور
(1/170)

الأعظم من القُرَّاء والعامة عليها. وكذلك أكثر
العرب مع حديث رَوَيْناه مرفوعاً إن كان حُفظ. حدَّثنا محمد بن ربيعة عن حمزة بن حبيب الزيات
عن حُمْرَان بن أَعْين أن رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا نَبِيءَ الَّله، فقال: لستُ بِنَبِيء
الله، ولكني نبيُّ الله. قال أبو عبيد معناه أنه أنكر عليه الهمز).
وقال أبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي: إنَّما سُمِّيت الأنبياء لأنهم قد ارتفعت منزلتهم، واستعلت
درجتهم على سائر الخلق. قال: والقراءة بالهمز تفرَّد بها نافع وحده، وقال غيره: النَّبِيءُ الطريق،
وسمي رُسل الله أنبياء لأنهم الطَّريقُ إلى الله عَزَّ وجلَّ. والنُّبُوءة بالهمز قياسها. قاله أبو الحسن
الرماني.
(1/171)

والنبئ بالهمز، لأنه أَنْبَأَ عن الله أي أَخْبَر، والنَّبْأَةُ: صَوْتُ الكلام نَبَا بِه، قال الشاعر:
يُصيخُ للنَّبْأةِ أَسْماعَه ... إصاخة النَّاشِدِ للمُنْشِدِ
وفي الحديث: "لا تُصَلِّ على المكان النَّبيء" قال أبو سليمان الخطابي سمعت ابن سعدويهْ يقول
سمعت ابن اليمان يقول: معناه المرتفع المُحْدَوْدَب، مأخوذ من النَّبْوة وهي الارتفاع، قال أوس بن
حجر:
لأصبح رثماً دُقاق الحصى ... مكان النبيء من الكاثبِ
والكاثِبُ موضع.
والإنباءُ بالكسر معناه الإظْهارُ للنَّبأ وهو الخبر، والإنباءُ والإخبارُ والإعلامُ نظائر.
(1/172)

وقال أبو علي الفارسي في (الحجة)، قال أبو زيد، يقال: نَبَأْتُ من أرض إلى أرض أخرى، فأنا أَنْبَأُ
نَبْأً إذا خرجت منها، وليس اشتقاق النبي من هذا وإن كان من لفظه، ولكن، من النَّبَأ الذي هو الخبر،
كأنه المخبر عن الله سبحانه.
وقال غير أبي علي كلُّ ما جاء في القرآن من هذا اللفظ فهو بمعنى الخبر، وهوالذي يتعدّى إلى
مفعولين، أحدهما بحرف الجرّ، وقد يحذف حرف الجر فيتعدى الفعل فينصب. قال الله تعالى (فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا) أي
بهذا، وقال الشاعر:
أدانَ وأنْبأه الأولون ... بأنَّ المُدان مليٌّ وفيُّ
وتقول العرب: أنْبَأْتُ زيداً عمرواً أخاك بمعنى أَعْلَمْتُه قال عنترة:
نُبِّئْتُ عَمْراً غير شَاكِر نِعْمَتي ... والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لنفس المُنْعِمِ
فمن جعل نُبِّئْتُ بمعنى أُخْبِرْتُ نصبغير على الحال، ومن جعلها بمعنى أُعْلِمْتُ نصبغير على
المفعول الثاني.
وقول أبي تمام (بيض الصفائح): الصفائحُ جمع صفيحة وهي العِراض من السيوف. قال الشاعر:
ضَرَبْناهُم حتَّى إذا ارْفَضَّ جَمْعُهُمْ ... عَلَوْنَاهُم بالمُرْهَفَاِت الصَّفَائِحِ
وهي أيضاً الصَّفاحُ واحدتها صفْحَة، قال أيو العباس: أصلها ما كان من ظاهر
(1/173)

الشيء. يُقال لظاهر جلدة الإنسان: صَفْحَتُه، وكذا هو من كل شيء، ومن هذا قولهم صَافَحْتُهُ أي لَقِيَتْ صفحة كفِّه صَفْحَةَ
كَفِّي.
وفي الحديث فيما روى محمد بن كامل العماني، وعن أبان العطار عنثابث البُناني عن أنس بن مالك
قال: صافحتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أر خَزَّا ولا قَزّاً كان أَلْيَنَ من كفِّ رسول الله
صلى الله عليه وسلم وفيه التَّسْبِيح لِلرِّجَال، والتَّصْفِيحُ للنساء، أي التَّصْفِيقُ لأنها تضرب بَِِصْفَحة كفٍّ
على صَفْحة كفٍّ أخرى. وتقول نظر إليه صَفْحَا؛ أي بقدر ما أبدى صفْحَتَه لم يجاوز ذلك. ويقال
صَفَحْتُ عنه، أي لم أُؤَاخِذُْه بذنبه، وأبْدَيْتُ له على صفحةٍ جميلة. والصَّفْحُ التَّجَاوُزُ، ومنه صَفَحْتُ
الورقة أي تجاوزتها إلى غيرها. وفي كتاب الله عز وجل (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) وفيه (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) ومنه قول الحارث بن هشام
أخي أبي جهل شقيقه:
(1/174)

فَصَفْحْتُ عنهم والأحبَّةُ فيهمُ ... طَمَعاً لهم بِعِقاب يومٍ مُفسدِ
أي لم أجادلهم لأقبض صَفَاحَهم، أو أريهم ذلك في نفسي.
والرواية الصحيحة في بيت الحارث بن هشام بن الحارث المذكور: (فَصَدَفْتُ عنهم والأحبةُ فيهمُ).
وهذا البيت في أبيات له قالها معتذراً من فراره يوم (بدر)
يقول فيها:
الله يعلم ما تركتُ قِتالَهَمْ ... حتى رموا فَرسي بأشقرَ مُزْبِدِ
ووجَدتُ ريح الموت من تلقائهمْ ... في مأزقٍ والخيلُ لم تتبدَّدِ
وَعَلِمْتُ أَنِّي إن أُقَاتِلْ واحداً ... أُقتلْ ولا يَضْرُرْ عَدُوِّيَ مشْهدي
فَصَدَفْتُ عَنْهُمُ، البيت.
وقال الآخر:
صَفَحْنا عنْ بني ذُهْلِ ... وقُلْنا: القومُ إخْوانُ
والفعل منه صفَحَ يَصْفَح صَفْحاً، وتَصَفَّح تَصَفُّحاً وتَصَافَحُوا تَصافُحاً، وصافَحْتُه. مُصَافَحَةً والمراد
به: التجاوُزُ عن الذنب.
فأما قول لبيد يصف السحاب:
كأنَّ مُصَفَّحاتٍ في ذُراهُ ... وَأنْواحاً بِأيْديها المآلي
(1/175)

فالمُصَفَّحَاتُ هنا النِّسَاءُ يُلْقينَ صفحات أكُفِّهن لِبَعْضِهِنَّ على بعض فيَضرِبن بها في المناحات.
والأنْوَاحُ جمع نَوْح، ونُوَّحٌ جمع نائحة؛ والمآلي جمع مِئْلاة، وهي خِرْقَة تُمْسِكها النائحة تتلقى بها
دمعها وتُشيرُ بها إذا ناحَتْ. فشبهلبيد لمعان البَرْقِ بِلَمْع النائحة بِمِئْلاتها إذا ناحَتْ. وفي هذا التشبيه
يقول امرؤ القيس:
وتخرجُ منه لامِعاتٌ كَأنَّها ... أكفٌّ تَلَقَّى الفَوْز عِنْدَ المُفِيضِ
وقول أبي تمام أيضا:
بين الخميسين لا في السَّبْعةٍ الشُّهُبِ
يعني بالسَّبْعَة الشُّهُبٍ الدَّرَارِي السَّبْعَة، وهي أَعْلامٌ يستدل بها: زُحَل والمشتري وعطارد والمريخ
والزهرة والشمس والقمر ...
ولقول أبي تمام هذا خبر ذكره أبو بكر الصولي في شرح شعر أبي تمام.
وللسَّبْعة تصرفٌ في جلائل الأُمور، فالأيامُ سبعة والسماوات سبع والأرضُون سبعٌ بدليل قوله تعالى
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) والبحارُ سبعة. وأبواب جهنم - أعاذَنا الله منها - سبعة. في أشباه لهذا معروفة. ومن شأن العرب
أن يبالغوا بالسبعة وبالسبعين من العدد كما قال الله جل وعز (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)
(1/176)

فأما قول الشاعر:
يا مْعْطيَ الخير الكثير مِنْ سَعَهْ
إليك جاوزنا بلاداً مَسْبَعَة
وفلوات بعد ذاك مَضْبَعَهْ
فالبلاد المسْبَعَة هي الكثيرة السباع، والفلوات المَضْبَعَة هي الكثيرة الضِّباع. ويقال أسبع الرَّاعيان،
إذا وقع السَّبُعُ في مواشيهم، والمُسْبِعُ الذي أغارت السباع على غنمه. ويقال أَسْبَعَ فلان عَبْدَه إذا
أَهْمَله. قال أبو ذؤيب:
صَحِْبُ الشَّوارب لا يَزالُ كأنَّه ... عبد لآل أبي ربيعةَ مُسْبَعُ
وقال رؤبة:
إن تميماً لم يراضِع مُسْبَعَ ... ولم تلده أمُّه مُقَنَّعَا
والمُسْبَعُ الذي تموت أُمُّهُ فَيَتَوَلَّى رَضَاعَه نِسْوةٌ فَيَغْتَذي بينهن. وقال بعضهم: المُسْبَعُ وَلَدُ الزِّنا. وعَبْدٌ
مُسْبَعٌ في لغة هُذيل هو الذي ينتهي إلى سبعة آباء في العبودية. والمُسْبَ
عُ أيضا المولود لسبعة أشهر، وأمه مُسْبِع.
(1/177)

وقال صاحب العين سبعتُ فلانا عند فلان، إذا وقَعْتَ فيه وقعةً مضرةً. وقاله يعقوب.
وقال ابن قتيبة: سبعْتُ الرجل: وقعت فيه، وأطعمته السبع.
وفي حديث عبد الله بن مسعود فيما روى الحميدي، عنس
فيان، عن الأعمش، عن خيثمة، عن رجل عن عبد الله: أن الرجل ليهم بالأمر من أمر الإمارة
والتجارة، فيقول الله تبارك وتعالى للملك اصْرِفْه عن عبدي، فإني إن أنا يسرته له أدخَلْتُهُ النار
فيَصْرِفُه عنه فَيَظَلُّ يتَظنى بجيرانه: من سَبَعني من سَبَعَني، وإن صرَفَه عنه إلا الله.
وقول الآخر (إن الله أقسم بالقلم)، يعني قول الله تعالى (ن وَالْقَلَمِ) فقد نوَّه به لما ذكره في الكتاب العزيز
معتداً به في نعمه على خَلقه، وفي هذا دليل على شرفه وعظيم شأنه لما فيه من المنافع.
وفي الخبر عنابن عباس أنه قال أول ما خلق الله القلم. قال له اكتب قال، وما أكتب، قال: اكتب ما
هو كائن إلى يوم القيامة. وقال تعالى (الْأَكْرَمُ
(1/178)

الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ)، أي عَلَّم الإنسان الخَط بالقلم. وشأنُ القلم رفيع.
رجع
وممن فضَّل القلم على السيف فأحسن علي بن العباس التنوخي حيث يقول:
إن يخدم القلمَ السَّيفُ الذي خضعتْ ... له الرقابُ ودانتْ خوفَه الأممُ
فالموت والموتُ لا شيءٌ يُغَالِبُهُ ... ما زال يَتْبع ما يجري به القلمُ
بِذَاقَضى الله للأقلام قد بُرِيَتْ ... إنَّ السيوفَ لها مُذْ أُرْهِفَتْ خَدَمُ
وقال أبو عبد الله محمد بن غالب الرصافي:
قد يسكُتُ السيفُ والأقلامُ ناطقةٌ ... والسيفُ في لُغَِة الأقلام لحَاَّنُ
وقال ابن الرومي في تفضيله:
(1/179)

لعمركَ ما السيف سيف الكَمِيِّ ... بأخوف من قلمِ الكاتب
له شاهد إن تأمَّلْتُه ... ظَهَرَتْ على سِرِّهِ الغائبِ
أداةُ المنية في جانبيه ... فَمِنْ مِثْله رهبة الرَّاهِبِ
ألم تر في صدره كالسِّنَانِ ... وفي الردف كالمرهف القاضِبِ
سنانُ المنية في جانبٍ ... وحَدُّ المنية في جانبِ
وقد فضله التهامي على الرُّمح فأحسن حيث يقول:
قلماً دبَّر الأقاليم حتَّى ... قال فيه أَهْلُ التناسُخ أَمْرَا
يتبعُ الرمح أمْره إن عِشْرِي ... نَ ذراعاً بالرأْي تخدم شبرَا
وناقضه أبو العلاء المعري فقال:
دَعِ اليَرَاعَ لِقَوْمٍ يَفخرونَ به ... وبالطوال الرُّدَينياتِ فَافْتَخِِر
فهن أقلامك اللائي إذا كتبت ... مجداً أتت بمداد من دم هَدَرِ
وقد ذكرتُ في فصل الأوصاًف والتَّشْبيهات من مليح النِّظام، جُمْلة أبيات من أحسن ما قيل في
السيف وأبْلغِه وأنفسه في سوق الأدب وأسْوَغِه، تنخرط في
(1/180)

سلك ما جمعتُ، وتَرْتَبِطُ مع ما في تحريره شرعْتُ.
وقد ساوى بين الشيئين ومَدَحَ كِلْتا الخُطَّتين، أبو بكر بن قُزْمان، فقال:
يُمسك الفارسُ رُمحاً بيدٍ ... وَأَنا أُمْسك فيها قَصَبَهْ
وكلانا بَطَلٌ في فِعْله ... إنَّ الاَقْلاَمَ رماح الكتَبةْ
وهذا مما تَظَرَّفَ فيه أبو بكر وحلَّى به جيد العصر، وراقَ له زًَهراً جَنِيَّا، وتَأوَّجَ عَرْفاً ذكياً، وأَلْهجَ
على كلِّ لسان، وحلَّ من كلِّ عينٍ محلَّ الإنسان.
وفي تفضيل السيف وتقديمه يقول أبو عبد الله بن أبي الخصال الكاتب المجيد في أول مُخَمَّسته
المشهورة:
الحمد لله أضْحى الدينُ مُعْتَلِياً ... وباتَ سيفُ الهدى الظَّمآن قد رويا
إنْ كنتَ ترتاح للأمر الذي قُضِيا ... فخُذه نَشْراً ودعْ عنك الذي طُوِيا
(1/181)

السيفُ أصدق أنباء من الكتب
هو المقَيِّد للآثار والحِكم ... لولا وقائعه في سائر الأُمم
لم يحفل الناس بالقرطاس والقلم ... أينَ اليراعةُ من صمصامة خَذِمِ
في حَدِّه الحد بين الجد واللعب
والسَّمْهَرِية يتلوه ويتْبعه ... ما مال عَرشٌ رماحُ الخَطِّ يرفعه
خُدْ ما تراه ودع ما كنت تسمعه ... فالعلْمُ في شُهب الأرماح أجْمَعُه
بين الخميسين لا في السَّبعة الشهب
وهذه المخَمَّسة طويلةٌ حَسنةٌ بديعَةٌ مُسْتَحْسَنَةٌ.
وأحسن ما أذكر في صِفَةٍ القَلَم قول أبي تمام:
لك القلم الأعْلى الذي بشَباته ... تُصابُ من الأمر الكُلَى والمفاصلُ
له الخلوات اللاَّئِي لولا نَجِيُّها ... لما احتفلتْ للمُلك تِلكَ المحافلُ
لُعابُ الأفاعي القاتلاتِ لُعابُهُ ... وأرْيُ الجنى اشتارَتْه أَيْدٍ عَوَاسِلُ
له ريقة طَلٌّ ولكنَّ وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابلُ
فصيحٌ إذا استنْطقته وهو راكبٌ ... وأعجمُ إنْ خاطبته وَهْوَ راجلُ
إذا ما امتطى الخَمْسَ اللطاف وأُفرغَتْ ... عليه شِعَابُ الفكر وَهْي حوافلُ
أطاعته أطراف القَنا وتَقَوَّضَتْ ... بنجواه تقويضَ الخيام الجَحَافِلُ
إذا اسْتَغْزَرَ الذهن الذكيَّ وأقبلتْ ... أعاليه في القرطاس وهي أسافِلُ
(1/182)

وقد رَفَدَتْه الخِنْصران وشَدَّدَتْ ... ثلاث نواحيه الثلاث الأناملُ
رأيتَ جليلاً شانُهُ وهْوَ مُرهفٌ ... ضنى وسَميناً خَطْبُه وهو ناحِلُ
وهذه الأبيات في قصيدة له في محمد بن عبد الملك الزيات قرأتها في شعره، وهي قصيدة اتخذها
البيان قَلْباً، وضَمَّ عليها شِغافاً وخَلْباً، قصَّرَ عنها كل ناظمٍ، واغتَرَفَ منْ بحرها كلُّ ماهرٍ في النِّظامِ
وعالم قوله. (لعاب الأفاعي القاتلات) البيت، أخذه أبو الحسن علي بن عطية بن الزقاق فقال:
تَمُجُّ سُمّاً وجنى نخلةٍ ... فريقُها يُرجى كما يُرْهَبُ
وبعد هذا البيت
يُريك من صيغتها جوهراً ... يُنظمُ في الطِّرس ولا يثقبُ
خرساءُ لكنَّ لها منطقاً ... أقرَّ بالسبْقِ له يُعْربُ
كأنه اقتدى في البيت الثاني بقول ابن المعتز في سليمان بن وهب:
إذا أخذ القرطاس خلْتَ يَمينه ... تُفَتِّح نَوْراً أو تنظِّم جوهرا
(1/183)

وهذا المعنى أخذ القاضي أبو الحسن علي بن أحمد بن لُبَّال الشريشي حين قال:
إذا اضْطَربتْ سُمرُ اليَرَاعِ بِكفِّهِ ... تَرَى دُرَراً تَنْحَطُّ من فم أرقَمِ
وخَطّاً كما ألْقَتْ عَلَى صَحْنِ خَدّها ... عروسُ الرُّبى وَشْيَ الرياض المنمَّمِ
وفي معناه أيضاً قول الآخر:
إذا اضطربت في كفه خِلْتَ صعدةً ... وإن سقطت من كفِّه خِلْتَ أرْقَما
ومن قول شاعرنا أبي العباس أحمد بن شكيل في القاضي أبي حفص ابن عمر:
له قلم تنقاد بيضُ الظُّبا لَهُ ... وإن لقحتْ حربٌ وزُرقُ اللَّهازم
به عرف الأقوامُ ما هو كائن ... وما هو جار في نفوس العوالمِ
علا فَهْو للآجال أصدق ناسخ ... وَنَاسٍ وللأرزاقِ أعْدلُ قاسِمِ
إِذا جَالَ في القرطاس سَاقَطَ لؤلؤاً ... يُزَيِّنْ به أسلاكَه كلُّ ناظمِ
وإن ظل سَاري الفكر أَطْلَعَ أحرفاً ... تنير النهى منها بِسُودٍ فواحمِ
دعاه أناسٌ ترجمانَ ضميره ... وهل لبليغ حاجة في النواجم
(1/184)

وأنشدني بعض الأدباء:
إذا بدا القلمُ الأَعلى براحته ... مطرزاً لرداء الفخر بالقلمِ
رأيت ما اسود في الأبصار أبيض في ... بصائر لحظها للفهم غير عَمِ
كروضة نمقت من وشي زهرتها ... وافترَّ نوارها عن ثغر مبتسمِ
قوله: رأيت ما اسودَّ في الأبصار البيت، منظوم من كلام أحد البلغاء: صورة الخَطِّ في الأبْصار
سوادٌ، وفي البصائر بياضٌ. ومن قول الآخر: بِضِياء الحِكْمة اسْتِنارَةُ المرادِ.
وقال الشاعر في المعنى:
لا عجيبٌ إنْ كان شعرك نوراً ... وهْوَ يغشَى البياض بالتسويدِ
إنما النورُ بالسواد من العي ... نِ وهذا البياض للتأكيدِ
وقال أبو الطيب في المعنى:
دعانى إليك العلمُ والحِلْمُ والحِجَى ... وهذا الكلامُ النَّظْمُ والنائل النَّثْرُ
وما قُلْتُ من شِعْرٍ تكادُ سُطُوره ... إذا كُتِبَتْ تَبْيَضُّ عن نورها الحِبْرُ
وقال أبو الحسن التهامي، وهو مما استحسنته:
يَا رُبَّ معنى بعيدِ الشأو تَسْلكه ... في سلكِ لفظٍ قريب الفهم مُخْتصرِ
(1/185)

لفظٌ يكون لِعِقْد القول واسطةً ... ما بين منزلةِ الإسهابِ والخَصْرِ
إنَّ الكتابة صارتْ نحو أنمله ... والجود فالتقيا منه على قدرِ
تردُّ أقلامُه الأرماح صاغرةً ... عكساً كعكسِ شعاع الشمس للبصر
وفي كتابك فاعذر من يهيم به ... من المحاسن ما في أحسن الصور
الطرسُ كالوجه والنوناتُ دائرةٌ ... مثلُ الحواجبِ والسيناتُ كالطُّرَرِ
وفي معنى هذا البيت يقول الآخر:
فَنُوناته من حاجِبيْه استعارها ... ولا ماتُه من قدِّه المتعاطِفِ
وَمِنْ صُدْغِه الموحي اسودادُ مدادِه ... وَمِنْ وَصْلِه المحيي ابِيضَاضُ الصحائِفِ
في المعنى أيضاً قول الآخر:
انْظرْ إلى أثر المدادِ بطرسِه ... كبنفْسَج الخَدِّ المشوبِ بِوَرْدِهِ
ما أخْطَأَتْ نوناتُهُ من صُدْغِهِ ... شيئاً ولا أَلِفاتُهُ من قَدِّه
وكأنَّما أنْقاسُه من شعره ... وكأنَّما قِرطاسُه من خَدِّه
وأنشدني بعض الأدباء:
خَطُّه بهجةُ أزاهرِ روضٍ ... جاده من حِجَاه وبلٌ سكوبُ
ما العوالي على خُدودِ الغواني ... غير ما حَازَ رَقُّه المكتوبُ
(1/186)

وقال أبو الفضل الدارامي وضمنه وصف مُعَذَّر:
وكاتب أهديت نفسي له ... فَهْيَ من السوء فِدى نفسه
سلط خديه على مهجتي ... فاستأصلْتُها وهي من غرسه
كأنما خط على خدِّه ... مثل الذي قد خط في طرسه
فلستُ أدري بعدما حلَّ بي ... بمسكه أتلفُ أم نِقْسِهِ
وهذا كقول الآخر:
وشادن أسْرفَ في صدِّه ... وزادَ في التيه على عَبْدِهِ
الحسنُ قد بثَّ على خده ... بنفسجاً يرنو على ورده
رأيتُه يكتب في طِرْسه ... خَطّاً يباري الدُّرَّ من عقدهِ
فخِلْتُ ما قد خطَّه كفُّه ... للحسن قد خطَّ على خدِّه
قوله: الحسنُ قد بث على خده، أي أَظْهَر وفَرَّقَ. قال أبو بكر بن دريد: كلُّ شيء فرَّقْتَهُ فقد بثَثْتَه،
وفي التَّنْزيل (كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ).
(1/187)

ويقال: بَثثته سِرّي إذا أَطْلَعْتُهُ عليه. وانْبَثَّ الجرادُ في الأرْضِ: أي تَفَرَّقَ. والبَثُ أيضا ما يجده
الإنسان من غَمٍّ أو كره في نفسه. قال الله تعالى (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ). وأصل البثِّ: التَّفريق، فقولهم أبْثَثْتُه سري؛ لأنه
فرق بينه وبين سره بإطلاع غيره عليه.
والبثُ: الغمُّ الذي من شأنِ صاحبه أن يَبُثَّه إلى خليله.
وقيل لتقسم القلب به، وهو تفريق أسباب الغم فيه.
وقال بعضهم في صفة الكُتَّاب:
قوم إذا أخذوا الأقلامَ من قَصَبٍ ... ثم استمدوا بها ماء المنياتِ
نالوا بها من أعاديهم وإنْ بَعُدُوا ... ما لا يُنالبحدِّ المشرفياتِ
ومما يُنْسَبُ إلى أبي تمام ولم أقرأه في شعره:
مدادٌ مثلُ خافية الغرابِ ... وقرطاس كرقراق السرابِ
وألفاظ كألفاظ المثاني ... وخطٌّ مثل وشي يد الكَعَابِ
كتابٌ لو رأتْه الكتب قالت ... سرقت الحسنَ من أُمِّ الكتابِ
(1/188)

كزهر الروضة الغَنَّاء باتتْ ... ترشف نيلها ريقُ السحابِ
كلامٌ تقرعُ الآذانُ منه ... بلفظٍ وقعه وَقْعَ الهضابِ
إذا بلغ القلوب حَيين منهُ ... كَمَا يحيين من بَرَدِ الشرابِ
ومما اخترْتُ في وَصف الكَتْب من المنثور المطبوع، والكلامِ الحر الرفيع رُقْعَةً لبعض الفصحاء،
خاطبَ بها مراجعاً لبعض الفقهاء وهي:
وردَ كتابك غاية الفَصاحة، ومنتهى البلاغة والرجاحة، فقبَّلْتُهُ عشراً، وأقبَلْتُهُ مني رَأْساً وشَعْراً،
وحين فَضضْتُ ختامَهُ سقَطَ بَصري على شكل مُشِقَ خطُّه فاندمج، ووسِّع بين أسطاره فانفرج. فياله
من كتاب قصُر وطال، وجَمَد قلمُ كاتبه وسال، نتيجة برهان. مقدِّمَتاه: الطَّبْعُ والبراعَةُ والجَزالة
والإصابَةُ. جَمَع بين مبدإ البلاغة وآخرها، في سحاة طولها الشُّفْر، وعرضها الظُّفْر. ولا غرو، فمن
علم الأصول استنبط الفروع، ومن انتقى القليل، استغنى عن شُعَب الجُموع، ولذلك جعلته إماماً
اخْتَرْتُه، ومثالاً امْتَثَلْتُه، ولو أسْهَبْتُ ما بَلَغْتُ غاية الوصف، ولا أعْطَيْتُه من حقِّه النِّصْف. فلِلَّه فِطْنَةٌ
فطرتْه، ويَدٌ سَطَّرَتْهُ، وصحيفَةٌ احتوته، وأنامل لوتْه. ما أبدعَ ما وَسَقَ، وأعجبَ ما نظم واتسق، (إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ)
ودُرٌّ يُنْثَرُ، وأنفاس تَعْبَقُ، ونُفوسٌ تُسْبى وتُسْرَق. أعراضٌ كقِطَع الرَّوض، ومعانٍ كأبْكار الغواني
أُدِرْنَ قُدوداً، وكُسِينَ من وشي الكلام عقوداً. ملك عيني نوراً، ويدي مسكاً وكافوراً، ودخلتْ نفسي منه
قُوَّةٌ لا أعْرِفُها فَكَيْفَ أصفها ولا أدْريهَا، فكيف أحْكيها. ماأنْضر جَنَاهُ، وأزْهر سناهُ. وأبْهَرَ لَفْظَهُ
ومعناه. ضَمَّن من بدائع الكلام فِقَراً شوارد، وقَلَّد من نواصع الحكم دُرراً فرائد.
(1/189)

قوله: (مُشِقَ خَطُّه فاندمج) المَشْقُ: خَط فيه خفة، والمشقُ: السرعة في الكتابة، وهو يُعْزى إلى أهل
الأنبار. والعرب تقول مشقه بالرمح، إذا طعَنَه طعناً خفيفاً متتابعاً. ومنه قول ذي الرمة يصف الثور
والكلاب:
فَظَلَّ يمْشُقُ طَعْناً في جواشنها ... كأنَّه الأجر في الأعمال يحتسبُ
ويروى (في الأقتال)، وهم الأعداء واحدهم: قِتْل.
قال الأعشى:
ربَّ رَفْدٍ هَرَقْتَهُ ذلك اليَوْ ... مَ وأَسْرى من مَعْشَرِ أَقْتَالِِ
ويقال: إن المشق في الخط مدُّ الحروف، والقول الأول أوفق، لأن مد الحروف هو مَطُّها وتَعظيمها،
فأما قولهم: رقمتُ الكتاب رقماً، ونَمَقْتُهُ نَمْقاً ونَمَّقْته تَنْميقاً، ونبََّّقْتُه تنْبَِيقاً النون قبل الباء، وبنَّقْتُهُ تَبْنيقاً:
الباء قبل النون، وحبَّرته تحبيراً، ورقَشْتُهُ تَرْقيشاً، وزَبْرَجْتُهُ زَبْرَجَة وزِبْراجاً، وزَخْرَفْتُه زَخْرفة.
فهذا كله كناية عن الكتابة الحسنة.
والوشم والإعجام والترقيشُ كنايةٌ عن النقط. وقد استوفى أبو محمد بن السيد رحمه الله هذا النوع
وأكمله وقوله: (في سحاة طولها الشُّفْر) يقال لقشرة تقشر من الكتاب: سَحَاةٌ وسِحَايَةٌ وسَحَاءةٌ. والجميع
سِحَاءات وسِحايات. وسَحَاءٌ مكسور ممدود، وسحاً مفتوح مقصور وسحايا، ويقال: سَحَوت الكتاب
سَحْواً وسَحَيْته سَحْياً، إذا قشَرْت منه قشرة. ويقال لها أيضاً خِزَامةٌ، ويقال لها أيضاً إضبارةٌ وضِبَارَةٌ
(1/190)

بكسر الضاد. ويقال ضبرْت الكتاب بالتخفيف وضبَّرته بالتشديد. والإضْبارَة هي السحاة، والإضبارةُ
أيضا صُحُف تجمع وتشدّد وكما يقال: سحوت الكتاب، كذلك يقال: سحوت الشَّحم عن الجلد أسْحوه
سحواً؛ إذا قَشَرْتَهُ عنه، ويقال أيضاً: سحوتُ الطين بالمسحاة سَحْواً.
وقد يقال سحيتُ بالياء أَسْحيه سحياً. والسَّحاةُ أيضاً والمِسْحاةُ الماعون الذي يُسْحى به الطين؛ أي
يُقشر.
قال النابغة:
رُدَّتْ عليه أناصيه ولبَّدَه ... ضَرْبُ الوليدة بالمسحاة في الثَّأَدِ
وقوله، (ما أبهر لفظه ومعناه) أي ما أشد نوره وضياءه لأن الباهر الممتلئ نوراً. قال الأعشى:
حكمتماني فقضى فيكما ... أبلجُ مثل القمر الباهر
وفي الحديث المروي عنعبد خير عنعلي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قلتلعلي أُصلي الضُّحى
إذا بَزَغَتِ الشمس؟ قال (لا حتى تَبْهر البُتَيْرَاءُ)، يريد بالبُتَيْراء: الشمس، أي حتى ترتفع الشمس
ويشتد ضوؤها، ويقوى شعاعها.
والباهر أيضاً المعلِنُ بالشيء، المظهر له حتى يعلم ويعرفه من كان يجهله،
(1/191)

وهو أيضاً المبْتَهِر، يقال منه ابْتَهر فلان لفلانة، أي ذكرها مُشتهراً بها، ومنه قول الشاعر:
وقد بَهرتْ فما تَخْفى على أحدٍ ... إلاّ على أحد لا يعرف القَمَرا
قاله الخطابي وحكى عن ابن الفارسي عن الغلابي عن ابراهيم بن عمر في قول عمر بن أبي
ربيعة:
ثم قالوا: تحبُّها قلت: بهراً ... عدد القَطر والحصى والتراب
قال: كنت أحسب قوله: بهراً، دعاء عليهم، كقولهم جَدْعاً وتَعْساً وبُعْداً وسُحْقاً وما أشْبه ذلك، كقول
ابن ميادة:
فَبُعْداً لقَومي إذ يَبيعونَ مُهْجَتي ... بجارية بَهْراً لهم بَعْدَها بَهْرا
يدعو عليهم، من قولهم: بَهَرَهُ الأمر يَبْهَرُهُ بهراً إذا غلبَه، حتى فسرهالأصمعي؛ قال: معناه قلت لَهُم
مُعْلِناً غير مُكْتَتِم لذلك فأما حديث أبي موسى الأشعري وهوعبد الله بن قيس: حتى ابهارَّ الليل.
(1/192)

فقال أبو عبيد القاسم ين سلام الخزاعي البصري: بُهْرَةُ الليل: وسطه وقال أبو سعيد الضرير: قد يَبْهارُّ
الليل قبل أن ينتصف، وإنما ابهرارُه: طلوع نجومه إذا تتامت، لأن الليل إذا أقبل أقبلت فَحْمَتُه، فإذا
تطالعت نجومه واشتبكت ذهبت تلك الفَحْمَة.
رجع
وفي المعنى: كتابٌ كتَبَ إليَّ أماناً من الدَّهر، وهَنَّاني أيامَ العُمر. كتابٌ أوجَبَ من الاعتدادِ أوْفَرَ
الأعداد، وأوْدَعَ بياضُ الوِدادِ سوادَ الفُؤادِ. عَدَدتُه من حُجُول العُمْر وغُرَرِهِ، واعْتَدَدْتُهُ من فُرَصِ
العيْشِ وغُرَرِه، كِدْتُ أَبليه طيّاً ونَشراًً. قَبَّلْتُه ألْفاً ويَدَ حامِلِه عشراً. نسيتُ بحُسْنِه الرَّوْضَ والزَّهر،
وغَفَرْت للزمان ما تَقَدَّمَ من ذنْبه وما تأخر، هو أنفس طالع، وأكرمُ متطَلِّعٍ، وأحْسن واقع، وأجلَّ
مُتَوَقّعٍِ. سمْرٌ بلا سهر، وصفوٌ بلا كدَر. تمَتَّعْتُ منه بالنَّعيم الأبيض، والعيش الأخضر، واسْتَلَمْتُهُ
استلام الحجر. هو نِعْمةٌ سابِغَةٌ، وحِكْمةٌ بالِغَةٌ، ألْصَقْتُهُ بالكبد، وشَمَمْتُهُ شميمَ الولد، أبْصرْتُ منه
الزَّهر جنِياً، واستنشقته المسك ذكياً، ووردتُ الماء مرياً، والعيشَ هنياً، وسمعتُ السِّحْر بابِلياً. مَطْلَعُهُ
مطلعُ أهِلَّةِ الأعياد، وموقِعُهُ مَوْقِعُ نيْلِ المرادِ.
وفي المعنى:
وردني أَعَزَّكَ الله كتابُكَ النير بسناكَ، والعاطرُ بشذاكَ.
يَسْبي كل مُهْجَةٍ ومُقْلَةٍ بِمُعْجِز (الصَّابي)
(1/193)

ومُخْجِل (ابن مقلة) يختال من خُضْرِ السنادسِ في أرفع
الملابس. زاهية أرضُهُ منْ رُقوم بَنانِكَ، حاليةٌ سماؤُه من نُجوم بيانك. كتابٌ يقود من البلاغة كتائب،
لم يُعد مثلها مهلهل في الذنائب تلقَّيْتُه تَلَقِّي الأمير المعظم، وصافحته مصَافَحَةَ الأثير المُكَرَّم، لَمَحته
فكان أحسن من وَرْدِ الأسِيلِ، واسْتَفَْحْتُهُ فكان أطيبَ منْ برْد الأصيل، وعايَنْتُ بِعُذوبتِهِ حر الغليل،
فَصُنع صُنْعَ الزُّلال، عُرِضَ للشَّمالِ في الدِّمَن جنا النَّحل، وأطرف من بواكر النَّخْلِ.
فيَالكَ من جديد جَدَّدَ أُنْسِي، وردَّ من عصرِ الشباب أَمْسِي، مَجَّدني بحديقة تَنِمُّ بأنفاسٍ عبيقة لأبْكارِ
معانٍ حُلينَ بِدُرٍّ ألْفاظٍ، أسْحَرُ من غَوان، يَقْتُلْنَ بسحر ألحاظ. تَجْتَلي العيون ببستانه أبهى زَهْر،
وتَجْتَني القلوب من أفْنانه أشهى ثَمر، رَوضٌ طَرَّزَ البنفسج بهاره، ونوَّر الليل نُواره، فَنِقْسُه نوره،
والبياض كافوره، يُذَمُّ له الحَلْيُ المُزَيَّنُ، ويَحْسُدُ رقمه الوشيُ المُعَيَّنِ كالمِفصل ذي الشذور، على
نُحُور الحور.
قال أبو إسحاق:
هذا كلامٌ فائقٌ، ومْزْدوج رائق، وليست هذه الألفاظ أظنها دُُرراً وغرَراً، أحظى عند النّفوس من
يُسراها وأحْلى في العيون من كَراها. آمالٌ مجموعة، ومحاسن مزيَّنة مسموعة.
رياحين أرواح، وصبوح تُعُوطِيَتْ على وجه الصَّباح.
(1/194)

وفي المعنى أيضاً:
وافَتْني أطال الله بَقاءكَ، أحرفٌ كَأَنها الوشم في الخدود. تميس في حلل إبداعها كالغُصن الأملود،
وإنك لسابِقُ هذه الحلبة التي لا يُدْرَكُ غُبارها في مضمارها ولايضاف سرارك إلى إبدارها.
وما أنت في أهل البلاغَة إلا نكتة فلكها ومعجزة تتشرف الدول إلى تملكها وما زالت تشيد البناء،
وتُخَلِّد الثَّناء، وَتحفظ الأرجاءَ، وتمُدُّ الرجاء.
وفي المعنى أيضاً:
ورَدَني - أعزك اللَّه - كتابٌ ألَذ من مراشِفِ الأحباب الأتراب جلوت منه زهر المعاني في رياض
الشعر، وعروس الأماني، الربيع قبل أوانه فتقسم نظري بين شقائقه وحوذانِه ووَرْدِه من أبكارِ درر،
وأنواع غُرر بعضها من بنات الفِكْر، وبعضها من آيات مبتسمة منه، وألْسنة سُرُركَ ناطقة عنه،
فَطَرَد العبوس النفوس، وكان خطاباً ما أحسب، وبياناً ما أعذب! ملأ جوانحي مسرة، وبسط نكير أن
يصير روض النهي في حُلى روض الرُّبا، ودُرر الأفكار البحار. ولما ارتفع ناظري
(1/195)

في تلك المراتع، ورَبَع خاطري في تلك المرابع، هَزَّتْني وازْدَهَتْنِي خِفَّةُ الأزمنة، فلو كنت ممَّن يشرب الراحَ، لطِرْتُ
بلا جَنَاحٍ.
وفي المعنى أيضاً:
لَوِ اتخذتَ - أَيَّدَكَ الله - حُرَّ وَجْهي طِرْساً، وإنْسانَ عَيْني نِقْساً، وما في الأرض من شَجَرَة أقلاماً
على حين ألْهمتُ الحكمة إلهاماً، لما بلغت ما في الضمير من كرَمٍ وخَيْر فَعُذْراً عُذْراً في الحصر، عن
جلاء تلك الغُرر
ذلك الغَمْر بالغُمَر. ووافاني خِطابُك الكريمُ نظماً ونثراً، رقيق الحواشي ولا نَزْراً فاقتطعتُ منه زَهراً
وورَدْتُ به المُنى بَحراً. وما هذا الإعرابُ والكَلِمُ خطبة وشِعْرٌ، أم فِتْنَة وسِحْرٌ؟ شَدَّ ما أبْدعَ أحدهما.
فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا: نَظْمٌ ونَثْرٌ رائعُ الأعلام، يَقْرُبُ من الأَفْهام، وَيَبْعُدُ نَيْلُه عن الأوهام. أحسَنُ ما أمْلاهُ
خاطر، ناظر. يالها من ألْفاظ ومعانٍ، اطَّرَدَتْ في سلكِ إبداع وبيانٍ، نفعت به النِّعَمُ الروائح والغَوادي،
وَوَرَيْتُ بِمُضَمَّنه زِنادي، وأخْصَبَ من مُسْتَوْدَعه مُرادي، وتصفَّحْتُ منه الطَّوْل
(1/196)

وَافِيَ الذَّوائب متَّصل السحائب، وألْبَسْتُ ثوب الإجمال سابِغَ الأذيال واسع الأظْلالِ، فلقد اشتَمَلْتُ على البيان، وأصبحت
بديع هذا الزمان.
وفي المعنى أيضاً:
وقَفْتُ - أعَزَّك الله - على كتابك، فأجَلْتُ نظري حلال، وفتقت به ثبج بحر إلا أنه زلال، فرأيت
كيف يَزْدَحم في العلم من البلاغة في المذهب الأَمَم، فما شئت من فقرة محذوة بأمثالها بأشكالها، مما
اتصلت به يد الإحاطة، بصحة البراعة، وتزينت الصناعة. فهو مُؤْنسي، شغل مَجْلسِي. أخدْ بيانه
بحاستي سمعي وناظري حافتي فكري وخاطري. وأراني الدُّرَ إلاَّ إذا لم ينظم، والسحر لو صيغ عقداً
لأخْجَلَ الدُّر والعقيان، أوْحيك برداً لعطل الديباج يَهُزَّ أعطاف الضمائر، ويسري في الخواطر، وتتلقاه
النفوس تلقي إلى بَدائِعِه، فِتْنَة بِمبادِئه ومقاطعه. فللَّه قريحةٌ أذْكتْ ناره. وأَطْلَعت أنواره لغير جَهام،
وأن سيفها لغير كهام، وإنّ ثمدها لَعِدُّ وَبِحَار، وإن زَنْدَها لَمَرْخٌ وعفار. طلع علينا طلوع البدر في
الغسق، وضمَّخ أُفُقَنا بخَلُوق ذاك الخَلَق، زند ذكائه فأورى، ولمحنا
(1/197)

كوكب سمائه فأعْشى، وشاهدنا به
البلاغةَ والرئيس المتعاطي للفصاحة مرؤوساً، وتَحَقّقْنا أنَّكَ علم العلم وشهابُ لم يَزَل يجري قصبُ
السبق في مَيَادينه، ويهدي الفصَّ من رياحينه.
وفي المعنى أيصاً:
وقَفْتُ على ما أتْحَفَني سيدي من نظْمه البديع، وخَطِّه المزري بزَهر الربيع، موشحاً بِغُرر ألْفاظِه
التي لو أُعيرتْ حِلْيَتُها، لَعُطِّلْتْ قلائدُ النُّحُور، وأبْكار معانيه التي لو قُسِمَتْ حلاوَتُها، لأعذَبَتْ موارد
البُحور. فَسَرَّحْتُ طَرْفي في رياض جادتها سحائبُ العلم والحكم، وهبَّ علينا نسيم الفضل والكرم،
وابْتَسَمت عنها ثُغُورُ المعالي والهمم. فلم أدرِ، وقد حيرتْني أصنافُها، وبَهَرَتْني نُعوتها وأوصافها، حتى
كستْني اهتزازاً وإعجاباً. وأنشأت بيني وبين التماسك ستراً وحجاباً.
أَدَهَتني بها نشوة راحٍ؟ أم ازْدَهتني لها نخْوَةُ ارتياح، وانتظم عندي منها عقد ثناء وقريض؟ أم قَرَعَ
سمعي غناء معبد وغريض فياله من كتاب حوى رُتْبة الإعْجازِ والإبْداع، وأصبحَ نُزْهة القلوب
والأبْصار والأسْماع، فما منْ جارحة إلا تود لو كانت أُذْناً تَلْتَقِطُ دُرره وجواهره، أوعيناً تجْتَلي
وتجتني مناظره، أوْ لساناً يدْرُسُ محاسنه ومفاخره.
وفي المعنى أيضاً:
كتاب كريْعان الشباب، وكلام كجريال المُدامِ، وخَطٌّ في رُقْعَتِه كزهر الربيع ووشم في صحيفة كدر
النُّحور رُقِّقَ في نِظامه. روضٌ جاده من العَلْم
(1/198)

صَوْب قلمك، وهب فيه نسيم آدابك، وطلعت عليه
شمس ذُكائك والْتهابك علمك، وافترَّ عنه صدف فهمك، نَظَمَتْه يدُ براعَتكَ، وأسلكته فَيَالك من روض
صبرت قاطفه ناظري، وناهيك عن عقد جعلت حقه خاطري هو كتاب كريم، أُلْقي إليَّ من أخٍ حميم،
ما زِلْتُ أنْظرُ من حبْره في ليل مسود عن صُبْح الود، فقلت عنْدَ ذلك: لِلَّهِ دّرّ مُهْدِيه، وبنفسي أَفْديه،
من صديق صادق الإخاء، صحيح الوفاء، قَيَّدني بِقَيْد بِرِّه، فوَنَيْتُ عن غاية شُكْره.
قوله: (وجعلت حُقه خاطري) الحُقُّ بضم الحاء، وعاء مستدير من خشب. قال:
وثَدْياً مثلَ حُقّ العاج رَخْصاً ... حصانا منْ أَكُفِّ اللامِسيناَ
وتُسَميه العامة حُقَّة. والجميع: الحُقَقُ. قال رؤبة بن العجاج:
سوَّى مَساحِيهنَّ تَقطِيطَ الحُقَقْ
الحُقَقُ والحُقُّ أيضا: أصل الورَكِ الذي فيه رأْسُ عَظْم الفخد. والأحَقّ من
(1/199)

الخيل الذي يضع حافر رِجله في موضع حافريه إذا مشى، وهو عَيْبٌ قال الشاعر:
فَأقْدَرُ من عتاق الخيل نَهْد ... جوادٍ لا أحقُّ ولا شَئِيتُ
الشئيت: الذي يَقْصُر موقع حافر رجله عن موقع حافر يده، وهو عيب. والأقدر الذي تجاوز حافرَ
رجله موقع يده وهو مدح.
وقال أبو بكر بن دريد الحِقُّ من الإبل هو الذي استحقتْ أمُّه من العام الثالث الحمل. سمي الذكر حِقّاً
بكسر الحاء، والأنثى حِقَّةً وهو حينئذ ابن ثلاث سنين في قولالأصمعي، قال الراجز:
إذا سهيْلٌ مَغْرب الشمس طَلَعْ ... فابنُ اللَّبُونِ الحقُّ والحِقُّ جَذَعْ
وقال آخرون إنّما سمي حِقّاً لأنه استحق أن يحمل عليه. ويقال: أتت الناقة على حقَّها إذا جاوزت
وقت نتاجها. وأجممعوا على أن الحِقَّ دون الجَذَع من الإبل بسنة، وذلك حين يَسْتَحقَّ الركوب.
والأنثى حقة إذا استحقت الفَحْل. وتجمع أيضاً على الحقائق.
(1/200)

قال الشاعر:
ليست بأنياب ولا حَقَائِقِ ... بِيضٌ جلاء ذات مخ زَاهقِ
والفعل منها حقَّتْ تَحِقُّ حِقَّة. فالحِقَّةُ مصدر.
وقال صاحب العين الحَقُّ نقيض الباطل. تقول: حقَّ الشيء يَحِقُّ ويَحُقُّ حقّاًً: معناه وَجَبَ وجوباً.
والحقيقة ما يصير إليه حقُّ الأمر ووجوبه، تقول بلغْتُ حقيقة هذا أي بلغت يقين شأنه. وفي
الحديث: "لا يبلُغُ أحدكم حقيقة الإيمان حتى لا يعيب على مسلم بعيب هو فيه) وحقيقة الرجل ما لَزِمَهُ
الدفاع عنه، من أهل بيته. والجميع: الحقائق ويقال: أحق الرجل يُحِقُّ؛ إذا قال قولاً حقا وادعى حقاً
يوجب له.
وفي كتاب الله تعالى (الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ) والحَاقَّةُ اسم القيامة والنازلة التي حقت فلا كاذبة لها.
(1/201)

ويقال أحقَّ فلان الحق، إذا أظْهره حتى يعرف أنه حق. ومنه قوله تعالى (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ) وأصل الباب كله وضع
الشيء في موضعه. والحقُّ: الصدقُ والصواب والصحيح نظائر في اللغة.
رجع
قال أبو إسحاق:
ومما اخترتُ في هذا المعنى من المنْظُوم، وانْتخَبْتُ من الكلام المفْهوم، الفائت شأْوُه، العذب صفوه،
الذي مزَجَ من الفصاحة بالرِّقة والحلاوة، ولاحتْ عليه من البلاغة غَضارة وطلاوة، واشتملت أَلْفاظُه
على أنواع الإبداع، كما اشتملت على النَّوْر الأقماع، وبدت عليه للبيان شواهدُ، أَيَّدها اختبارُ الناقد،
بأنها أسنى الفوائد، وأنفس الذخائر والقلائد، كلام تعمر به أندية الأنس والسرور، وتشفى به من
الأوصاب النفوس والصدور، ويَصْقُلُ صدى الألباب، وتوشح حدائق الآداب.
فلو نُظِمَ في سلك لزُيِّنَتْ به النُّحور، وأغْنى عن درِّ البحور. لَفْظٌ كأنَّما شُربُ الشَّمول مَمْزوجة
بالسَّلْسبيل. لو شاء أن يذهب في صخرة تسهل الطيب له مذهباً. يوقظ الأنس من نومته ويَشْتَهيه،
ويوقد شهاب الذِّهن الخامد ويشهيه. فمن ذلك المنظوم العذب الذي يُسْني كُلَّ لبٍّ، قول أبي القاسم بن
الجد:
(1/202)

أما ونسيمُ الروض طاب به فجر ... وَهَبَّ له من كل زاهرةٍ نَشْرُ
تحامى له عن سره زهر الرُّبى ... ولم يدر أن السر في طيه نَشْرُ
ففي كل شُهبِ من أحاديث طيبِه ... تمائمُ لم يعلقْ بحاملها وِزْرُ
لقد فَغَمَتْني من ثنائك نفحةٌ ... يُنافسني في طيب أَنْفاسها العطرُ
تَضَوّعَ منها العنبر الورد فَانثنتْ ... وقد أوهمتني أنَّ منزلها السحرُ
سرى الكِبْر في نفسي بِهَا ولربما ... تجانف عن مسرى ضرائبي الكبْر
وَشِيبَ بها معنًى من الراح مُطْرباً ... يُخَيَّل لي أن ارتياحي بها سُكْرُ
أبا عامرٍ أَنْصِفْ أخاك فإنه ... وإياك في مَحْضِ الهوى الماءُ والخمرُ
أَمثلك يبغي في سمائي كوكباً ... وفي جوك الشمس المنيرة والبدرُ
وَيَلْتَمِسُ الحصباء في ثغَبِ الحصى ... ومن بحرك الفياض يُسْتَخرج الدُّرُّ
عَجبتُ لمن يهوى من الصُّفر تومة ... وقد سال في أرجاء معدنه التبرُ
(1/203)

قوله، (سرى الكبر في نفسي) يقال: سرى وأسرى لغتان معاً نطق بهما القرآن. قال الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا)
وقال تعالى وجل (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي) فهذا من أسرى. وأجمع القراء على الهمز في قوله تعالى (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ) في سورة (هود)
و (الحجر) و (الدخان) (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي) في (طه) و (الشعراء) إلا الحرميين، فإنهما لم يهمزا، لأنه عندهما من سرى
يسري. وقال لبيد:
إذا المرء أسرى ليلة ظنَّ أنه ... قضى عملاً والمرء ما عاش عاملُ
وقال امرؤ القيس:
سَرَيْتُ بهم حتى تكِلَّ مَطِيُّهم ... وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ
فأما بيت النابغة:
سَرَتْ عليهِ من الجوزاءِ سارِيَةٌ
فيروى على الوجهين: سرتْ وأسْرَتْ.
وقوله:
أَمِثلُكَ يبغي في سمائي كوكباً
البيت
(1/204)

كقول أبي تمام:
أعندك الشمس قد راقت محاسِنُها ... وأنت مشتغلُ الأحشاء بالقَمَرِ
وقال أبو القاسم أيضاً:
سلامٌ كأنفاس الأحبة موهناً ... سرت بشذاه العنبري صبا نَجْدِ
سَلامٌ كإيماض الغزالة بالضُّحى ... إلى الروضة الغناء غبّ الحيا العِدِّ
على من تحَرَاني بمعجز شكره ... فأعجز أدنى عفوه منتهى جَهْدِي
غَزَاني من السحر الحلال بلأمةٍ ... مضاعفة التأليف محكمة السَّرد
دلاصٍ من النَّظم البديع حصيفَةٍ ... تردُ سنانَ السَّيف مُنْثلم الحَدِّ
عليهامن الإحسان والحسن رونقٌ ... كماديسَ متنُ السيف من صدإ الغِمْدِ
وفيها على الطبع الكريم أدلة ... كما افترَّ ضوءُ السقط عن كرم الزند
أبا عامرٍ لا زال رَبْعُكَ عامراً ... بوفد الثناء الحرِّ والسؤددِ الرَّغْدِ
لقد سُمتني في حومة القول خطةً ... لففتُ لها رأسي حياءً من المجدِ
قوله: (غِبَّ الحيا العد) أي: آخر الحيا وعقبه، والحيا: المطر.
(1/205)

وقال النابغة الذبياني:
إذا حل في الأرض البرية أصبحتْ ... كئيبةَ وجهٍ غِبُّها غيرُ طائلِ
أي آخر أمرها.
وكتب أبو الحسن بن الزقاق إلى صديق له:
سلامٌ كما نَمَّ النّسيم عُلا الزَّهر ... وخاضت جُفُونُ العين إغفاءة الفجر
وهزَّ هُبُوبُ الريح عطف أراكة ... فمالت كما مَالَ النزيفُ من السُّكْرِ
على منْ إذا وَدَّعْتُه أوْدعَ الحشَى ... لَهيباً تَلَظَّى في الجوانح والصَّدرِ
ومنْ لمْ يَزَل نَشْوانَ من خمرة الصبا ... كما لمْ أزَل نَشْوانَ منْ خَمْرة الذُِّكرِ
عسى الله أَنْ يُدْني التَّزاور بيْنَنا ... فَأُنْقَلَ من عُسْر الفِراق إلى اليُسْرِ
قال: وكتب أبو الحسين بن جبير إلى أبي عبد الله الرصافي مستنجزاً عدته في منظوم وعده به:
(1/206)

ألا هَلْ نسيمٌ للرصافيِّ مُبْلغٌ ... تحيةَ مشتاقٍ يُفَتِّقها زَهْرَا
فتىً كلما استعرضْتُ بالخير ذاته ... زكتْ مثل ما خَلُصَت من سبْكه التِّبرا
عَلقْتُ به في الدهر عِلْقَ مضنة ... فأعددته ذُخْراً وحَسْبي به ذُخرا
فأدَّتني الأيام منه مودة ... عَقَدْنَا على حُكْم الإخاء بها صهرا
على أن سيُهديها إليَّ عقيلة ... من الفكر يُثني الطرس من فوقها خدرا
ولَمْ أَتَّهم تَسْويفَه غير أنني ... أَقُولُ له شوقي لعل له عُذراً
فكتب إليه أبو عبد الله مراجعاً:
لنعم القَوافِي الزُّهْرُ يَمّمَ راكبٌ ... فحلَّ فحيَّاني بها تُحفةً بِكْرا
مَسَحْتُ على عيني مُسْتَشْفياً بها ... وقَبَّلْتُها، شُكْراً لِمُرْسِلها، عَشْرا
وغُصتُ على مكْنونها فوجدتُهُ ... من الكَلم الرَّطب الذي يصفُ الدُّرّا
خلا أنها كادتْ تسيل لُدُونَةً ... فَجَفَّ عليها حِبْرها صَدَفاً خُضْرا
ملاح صفاتِ الخطِّ حتى كأنها ... تَصَوّر فيها الحُسْنُ سطراً يلي سطرا
فوالله ما أَدْري أآيةُ كاتبٍ ... أم الا ... اسْتبدَّتْ به سحرا
أمِ ابن جُبير إذْ وَشتْها يَمينه ... أراني بها غُصناً من النّور مُفْتَرا
فإنَّ كثيراً ما تناول مهرقاً ... .........
(1/207)

وهل هي إلا نفحة من ودادِه ... تُطَيِّبُني عَرفاً وترجَح بي سُكْرَا
تنفَّس ...... ... .........
أيا منهضي من حيث آتي مُقَصِّرا ... وقابل عذري ... العذرا
...... ... .........
فليتك في صدري كما أنت حاضرٌ ... وقد ركب ... وانتهبَ الشعرا
...... ... .........
لقد ... أني عنيت بأمرها ... فلم أُخْلِ من شغلي بها الفكر والصَّدرا
ولكن لها عذرٌ سيبدو وإنَّما ... أشيرُ له نظماً لأذكره نثرا
وكلام أبي عبد الله عذب سَهل، ونظمه مثقف ... الإصباح، بل كما انشق البدر ولاح، أعْبَقُ من
المسك، وأعذبُ من صفْو المُدام، شيبَ بماء الغمام، وكان كثير ... كلامه، فائز المقداح في نثاره
ونظامه. ذكرلي من طريف أخباره. وأنْشدني بديع أشعاره، من أثق به من بعض إخوانه مِمَّن يشهد
مجالس أُنْسه في عصره وزمانه، وعمَّر معه أندية السرور بالغداة والعَشِيِّ، واختص به اختصاص
الماء بالرَّيِّ.
ومن شعره المليح الطَّيارِ، المَتْلوّ في الآفاق والأقطارِ، قوله:
(1/208)

طَرَقَتْ مطْلَعَ الثُّرَيَّا وَوَلَّتْ ... والثُّريَّا تَشُمُّ رِيحَ الوقوعِ
تَحت جُنْحٍ منَ الدُّجى أَوْ رَثتهُ ... عَبقاً في قميصه المخلوعِ
أَيُّها الليل هَلْ دَرى البَدْرُ أنِّي ... بتُّ من أُخْتِه مكان الضَّجيعِ
أمكنتني من العناق فلما ... جلبَ الفجر ساعة التوديع
عمدَتْ بردها بغصنٍ وقامتْ ... تنفضُ الطل أحمراً من دُمُوعِ
وقوله:
أيُّها الآملُ خَيْمات النَّقا ... خَفْ على قَلْبك تِلْكَ الحَدَقا
إنَّ سِرْباً حُشيَ الحيُّ به ... رُبَّمَا غرك حتى تَرْمُقا
لاَتُثِرْهَا فتنة من ربربٍ ... ترْعد الأسْدَ لديهم فَرَقَا
وانجُ عنها لحظةً سهميَّة ... طالما بلَّتْ ردائي عَرَقََا
وإذا قيل نجا الركْبُ فَقُلْ ... كَيْفَمَا سَالَمَ تلك الطُّرُقا
يا رماةَ الحي موهوبٌ لكم ... ما سَفَكتم من دمي يوم النَّقا
ما تعَمّدتُم ولكن سَبَبٌ ... قَرَّبَ الحَيْنَ وأمرٌ سَبَقا
والتفاتاتٌ تلَقَّتْ عَرَضاً ... مَقْتَل الصَّب فَخَلَّتْهُ لَقَى
وعذابٌ شاء أنْ ألْتَذّه ... سفَه الحبِّ ومحتوم الشقا
(1/209)

آه من جفنٍ قريح لم يزل ... بعدكم في بحر دمعٍ غرقا
وحشاً غيرِ قريرٍ كلَّما ... رُمْتُ أن يهدأ عنكم خفقا
وفؤادٍ لم أضَعْ قطّ يدي ... فوقه خيفة أن يحترقا
ما بنجم عكَفَتْ عيني على ... رعْيه ليس يَريمُ الأُفُقا
ولعين خلعت فيه الكرى ... كيف لم تخلع عليه الأرقا
أيها النوام ما أهدأكم ... عن قلوبٍ سَهَّدَتْنَا قلقا
ما الذي تبغون من تعذيبنا ... بعد أن ذابت عليكم حُرَقا
قومنا فوزُوا بسلوانكُمُ ... وَدَعُوا لِلَّهِ من تشوقا
وارحموا في غسق الظلماء مَنْ ... بات بالدمع يَبُلُّ الغَسَقَا
علِّلونا بالمنى منكم ولوْ ... بخيَال منكم أن يَطرقا
وعِدُونا بلقاءٍ منكم ... فكثيرٌ منكمُ ذِكْرُ اللِّقا
لو خَشِينا الجَوْرَ من جيرَتنا ... لانْتَصفنا قبل أن نفترقا
واصطبحنا الآن من فضلة ما ... قد شربنا ذلك المُغْتَبَقا
فسقى الله عشياتِ الحمى ... والحمى أكرم هَطَّال سَقَى
قد رُز قناها وكانت عيشةً ... قلَّما فازَبها من رُزقا
(1/210)

لا وَسَهمٍ جاء منكم نحونا ... إنه أقْتل سهم فُوِّقا
وحُلَى نجدٍ سَنُجري ذكرها ... أوْسَعَتْنا في الهوى مُرْتَفَقا
ما حَلاَ بعدكمُ العيشُ لنا ... مُذْتبا عدتُمْ ولا طابَ البقا
فمن المنْبي إلينا خَبَرا ... وعلى مخبرنا أن يصدُقا
هل درتْ بابلُ أنا فئةٌ ... تجعل السحر من السحر رُقى
تنْقُشُ الآية في أضلاعنا ... فتقينا كلَّ شيء يُتَّقَى
من بيان الوزر الأعلى ... الذي يخجل السحر إذا ما نطقا
إلى غير هذا من كلامه الجزل، الدال على ذكاء الطبع والنبل.
رجع
وكتب إليه الأديب أبو بكر بن الأغر رحمه الله:
رعى الله طِيباً زار في النوم مضجعي ... وقد رَنَقَتْ عيني ترومُ غِرَارَا
يقولُ أنا العَبْقُ الرصافي فاغتنمْ ... حَدِيثِيَ دُرّاً تارةً وعُقارا
فقلتُ له أهلاً وسهلاً ومرحباً ... بِأكرم طيب في التغبة زارا
فمَتَّع سمعي لؤلؤاً منْ حديثه ... وخامر عِطْفِي نشوةً ووقارا
(1/211)

وسارَ وأَبقى من سنىً ومودَّة ... بعينيَّ نوراً وَِلقَلْبيَ نارا
فراجعهُ أبو عبد الله رحمه الله:
يضيءُ بعيني كُلَّما شقَّ لحظُها ... إذا أفُقِي، ياابنَ الآغَرِّ، أنارَا
أخٌ شطَّت الأوطانُ بيني وبينه ... فلم نَغْنَ إلاَّ بالوداد جوارا
إذا أتلفتْ منا النفوسُ سجيةً ... فما ضرَّنا في أن نُشتِّت ديارا
أقيه بنفس قد نشرتُ إخاءه ... عليها دِثَارا في الورى وشِعَارا
وقولُ أبي بكر رأيتكَ في الكرى ... وقد رنقتْ عيني ترومُ غِرارا
ألم يدر أنِّي مذْ كَلِفتُ بقربه ... خيالٌ إذا اشتاق الزيارة زارا
وأنَّ بعيداً أن ترى العينُ مثله ... أشدَّ اهتزازاً للعُلى ووقارا
رجاحةُعلم صادفَ النُّبلُ عندها ... مكاناً فكانا مِعْصماً وسِوَارا
يميناً أبا بكر، وأحلفُ صادقاً ... وقد قُلتها، فيما أظُنُّ مرارا
لقد كِدْتُ، والرُكبانُ تَسْري بذِكْرِكم ... أطير إليكم لو وجدتُ مَطَارا
فهل عندكم أنِّي أرى باجتماعنا ... ...... كبارا
سُررتُ بكم حتى كأن لقاءكم ... ثَنَى مِعْطفى لدن المهز
وحتى كَأَني من مُصَافَحتي لَكُم ... .........
ولما تنازعنا الأحاديث بيننا ... رأيتُ بياني في اللسان مُعَارا
وأني في قَصْدِي سبيل خطابكم ... كمن غار ......
(1/212)

فلقَّطها منكم لآلئ منطق ... تُخَاضُ إليهن العلومُ بحارا
فوالله ما أدري لحسن حديثكم ... أَأُلْقِيتُ سِحْراً أم سُقيتُ عُقارا
ودارُ أبو إِسْحَاق لاذُمَّ عهدها ... سأشكر منهاللزمان نهارا
وساعاتُ أُنس قد نَعمنا بها معاً ... جَنِيتُ بها بيضَ الأماني ثِماراَ
الطرف من فرحي بها ... وتو جدأوقات السرور قصارا
وكتب إليه الأديب أبو بكر الكُتَنْدي رحمه الله:
أعندكمُ يا ساكنَ الرَّي أنكم ... بمرأًى على بُعْد المسافة من حِمْصِ
أتقضي الليالي أن تُلِمَّ بمنزل ... ألفناه ما بين الأراكة والدِّعصِ
وإني حريصٌ أن يَعودَ كما مضى ... زمانٌ وما حِرْصُ المقادير من حرصي
فراجعهُ أبو عبد الله بقوله:
سلامٌ أبا بكر عليك وَرَحْمَةٌ ... تحيةَ صدق من أخٍ بك مُخْتصِّ
(1/213)

لَعَمْري وما عمري بصدع زجاجة ... عليك فقد تُدني الليالي كما تُقصي
لقد بان عنِّي يوم ودَّعتُ صاحبٌ ... بَرِئُ أساليب الوداد من النَّقْصِ
أقول لنفسي حين طارتْ بك النَّوى ... أخوك فريشي من جناحك أوْ قُُصِّي
فباتت على ظهر اليراع إليكمُ ... تطير بها في الوَكْر أجنحةُ الحرْص
إليَّ أَبَا بَكْرٍ نَحومُ بِأَنْفُسٍ ... ظِماءٍ إلى عهد الأُجَيْرعِ أو حمص
كأنْ لَمْ نَزُرْ تلك الرُّبى وكأنها ... عرائسُ تزهاها المواشِيطُ للنصّ
ولا رتعت تلك الأراكة فوقنا ... تلوث إزار الظل في كَفَل الدِّعصِ
وكانت لنا فيما هناك مآربٌ ... نُطيع الهوى العذريَّ فيها ولا نَعْصِي
ليالينا بالرَّيِّ والعيشُ صالحٌ ... وظلُّكَ عنها غير منتقلِ الشَّخْصِ
وما ذكْرُها إلا شفىً من علاقةٍ ... تَتَبَّعُها نفسي تتبُّع مستَقْصي
وددتُ أبا بكر، لَوَ انَّنِي عالمٌ ... وللكونِ زندٌ ليس يُقْدَحُ بالخِرصِ
هل الغيبُ يوماً فارجٌ لي بابه ... فأنظر منه كيف أُنْسُكَ في حِمْص
(1/214)

بأزرقَ مسلول الحسام معَرْبدٍ ... إذا عَبَّ في كأسٍ تحرك للرقص
ومَا مٍعْصَمٌ ريَّانُ دارَ سِوَارُهُ ... على مثل ماء الورد في بَشَر رَخْصِ
بأبهج منه في العيون إذا نهى ... ولا سيما والشَّمْسُ جانحةُ القُرصِ
خليجٌ كخيط الفَجْر تنْجَرُّ فوقه ... ذُيُولُ عَشِياتٍ مُزَخرفةُ القُمْص
وقال أيضاً:
بانة الجِزْعِ هل لديك وفاءٌ ... فَيُدَاوي جوىً ويحفظ عهدُ
هكذا تَنقضي حُشَاشَةُ نفسي ... ظَمَأ هكذا وماؤك عِدٌّ
بانة الجزع كيف آملُ بُقْيَا: ... أملٌ لا عبٌ وشوقٌ مُجِدُّ
بِدَمي أنت ما تَرَجَّح ظِلٌّ ... منْ كثيب وما ترنَّح قَدُّ
ليت شعري هَلْ يمزجنَّ هجيرٌ ... شخص ظلي بشخص ظِلِّكَ بعدُ
وقال أيضاً وهي من أَنْبل شعره، وأجمل بنيات فكره:
أدِرْها فالغمامةُ قد أجالتْ ... سيوف الماء في لَمم البطاحِ
وراق الروضُ طَيْلُوساً بهياً ... تُرَدّدُ فيه أنفاسُ الرياحِ
تقول وقد ثَنى قزحٌ عليه ... ثياب الغيم مُعْلًمَةَ النواحي
خُذوا للصحو أُهْبَتَكم فإني ... أعرتُ المزنَ قادمتيْ جناحِ
(1/215)

إلى غير هذا من كلامه المسبوك تبره، الرائق جمانه ودره.
وقال أبو محمد بن سفيان في المعنى:
باابن الملوك أَتَتْني منك معجزة ... تنأى وإن قربت في عين راجيها
يشق سامعها من جيبه طرباً ... ويسمع الصخرة الصماء داعيها
لو أن هاروتهم لاَحَتْ لناظره ... لقال ما السحر إلا بعضُ ما فيها
سِجِلَّةٌ هي لا بل روضةٌ رشفت ... ريق الغمامة فاخضرَّتْ حواشيها
وقال أبو بكر بن عمار في المعنى:
لولا الصَّحِيفَةُ ما سلوتُ فإنه ... قد قام منها لو علمتَ مقامُ
وصلتْ إليّ مع الأصيل وإنما ... وصلتْ إلي حديقةٌ ومُدامُ
برْدٌ من الكافور نمنم درجه ... مسكاً ودر عليه عنه ختامُ
(1/216)

من قطعة هي قِطْعَةُ الديباج أو ... هي قطعة البستان وَهْيَ كلام
فكأن أسطرها غصون أراكة ... ومن القوافي فوقهن حمام
نادَمتها والراح يُلْهِبُ كأسها ... عذب اللمى سَاجي الجُفُونِ غُلامُ
وتشاكلا حسناً فعانق قدَّه ... أَلِفٌ وعارض عارضيه لاَمُ
وقال أبو بكر أيضاً:
لله درُّ عقيلة أبرزتَهَا ... من خِدْرِ فكركَ في حُلى الإنشادِ
فرعاءُ عاطرةُ الذوائب واللَّمَى ... غيداءُ حاليةُ الطُّلَى والهادي
خَلُصَتْ إليَّ مع الأصيل فعارضتْ ... صِلة الحبيب أَتَى بلا ميعَادِ
خَطٌّ من النظم البديع أفادني ... حَظ الكرام وخُطَةَ الأمجادِ
وشيٌ سختْ يدك الصناع برقمه ... فَكَسَوْتنيه مُذَهَّباً بأياد
يفدي الصحيفة ناظري فَبياضُها ... ببياضه وسَوادُها بسوادِ
أهدي تحيتك الزكية طيبها ... كافور قرطاسٍ ومِسْك مدادِ
وقال أبو بكر أيضا:
ألفظُكَ أم كأسُ الرحيق المُعَتَّقِ ... وخَطكَ أم روضُ الربيع المنمَّقِ
ونظمك أم سلكٌ من الدر ناصعٌ ... يروق على جيد العروس المطوَّقِ
بعثت بها يا قطعةَ الروض قطعةً ... فَغَمتُ بها عرف النسيم المخلَّقِ
(1/217)

ثلاثة أبيات وهيهات إنما ... بعثت بها الجوزاء في صفْح مُهرقِ
هي السحر أسرى في النفوس من الهوى ... وكيف يكونُ السحر في لَفْظِ مُنْطَقِ
وهذه الأبيات في قطعة كتب بها إلى المعتصم جواباً على ثلاثة الأبيات التي ودعه المعتصمبها حين
استأذنه ابن عمار في السراح من عنده (بالمرية). وأبيات المعتصم هي قوله:
يا فاضِلاً في شكره ... أصلُ المساء مع الصَّبَاحِْ
هلاّ رفقت بمهجتي ... عند التكلم بالسّراح
إنَّ السماحَ بِبُعدكم ... والله ليس من السَّماحْ
وقال أبو الحكم بن مذحج في المعنى:
أمَا وعقيلةٍ لك غازَلتني ... بغُنْج السِّحر من جَفْنَي فلانِ
لقد أهديتَ لي منها عروساً ... معرّسُها سُويداءُ الجَنَانِ
(1/218)

جَلَتْ من رقة التعريض صفحاً ... أرقَّ من الحسام الهندواني
وَأَخْشَى أن أكون لها ظلوماً ... إذا سمّيتها سحرَ البيان
وهذه الأبيات في قطعة له راجع بها ابن عمه أبا الوليد بن حزم عن أبيات كتب بها إليه، أولها:
أَعمروٌ كم أُطامنها حياءً ... فَتُطْغِيها معاتبة الأماني
وإنْ وقف الغَرامُ بها قليلاً ... فعذْرُ أخيك في جفنيْ فلان
وقال أبو الحسين بن سراج في المعنى:
كتابٌ يزدري بالسحر عيناً ... وسمتَ به زمانَك وهو غُفلُ
معانٍ تَعْبَقُ الآفاق عنها ... يشيب لها حَسُودك وهو طفلُ
وقال أبو الحسن بن الزقاق في المعنى:
ومُوضحة كمثل النَّصل تجري ... مع الأبصار كالماء القَراح
(1/219)

ترى حُبُكَ المداد بجسم نورٍ ... كَمُخْضَرِّ الفِرند على الصِّفاح
كأنّ سواده في صفْحتيها ... يقايا الليل في وجه الصَّباح
وفي المعنى يقول بعضهم:
الحُسْنُ أجمعه في رقعةٍ طويتْ ... على تباريح أشجانٍ وأشواقِ
تقابل العين منها روضة أنفٌ ... لم يَسْقِ أزهارها غير الحِجَا سَاقِ
وأحسن ما أذكر في المعنى قول أبي تمام في الحسن بن وهب، من قصيدة قرأتها في شعره يقول
فيها:
لعمرُ بني أبي دِنْيا وعمري ... وعَمْرُ أبي وعمر بني عديِّ
لقد جلَّى كتابك كل بَثٍّ ... جوىً وأصاب شاكلة الرمي
فضضْتُ ختامَهُ فتبلَّجتْ لي ... غرائبُهُ عن الخبر الجَليِّ
وكان ألذَّ في عيني وأندى ... على كبدي من الزَّهَر الجنِيِّ
وأحسنَ موقعاً منِّي وعندي ... من البُشْرى أتتْ بعد النَّعيِّ
وضُمِّنَ صدره ما لم تُضَمَّنْ ... صدور الغانياتِ من الحُليِّ
فَكَائِنْ فيه منْ معنى لطيف ... وكائن فيه من لفظٍ بهيِ
(1/220)

وكَمْ أفصحتَ من بر جليل ... به ووأيْتَ من وَأْيِ سَنِيِّ
كتبتُ به بلا لَفظٍ كريه ... على أذُنٍ ولا خَطٍّ قَمِيِّ
فَأَطْلَقَ من عقالي في الأماني ... ومن عقل القوافي والمطيّ
رسالة من تمتَّع منذ حين ... ومتَّعنا من الأدب الرضي
فيا ثَلَجَ الفؤاد وكان رَضْفاً ... ويا شبعي برونقه وَرِيِّ
بيانٌ لم تَرِثْهُ تُراثَ دعوى ... ولم تُنْبِطْهُ من حِسْيِ بكي
(1/221)

الباب الثاني: في الرسائل المنتخبة
قال أبو إسحاق: قد جمعتُ في هذا الباب من الرسائل الفِصَاح، الفائزة القِداح، الممتزجة بالأَرْوَاحِ، امتزاج العذْب
الزُّلال بصفْو الرّاح، المحتوية على أنواع الفصاحة، والمشتملة على فنون البلاغة والرَّجَاحةِ،
والألفاظ المهذبة المساق، والفِقر الغريبة الازدواج والاتفاق؛ الباسقة الأفنان، المتناسقة الجمان، المهذبة
الأعجاز والصدور، المقصرة بالدر على الترائب والنحور، الأنيقة الديباج، المعسولة المُجَاج فقراً
رائقة بهجَة، وألفاظاً عَطِرةً أَرِجَة، جادَتْها ديم الأدب الموفَّى، وبرزتْ كالذهب المصفَّى. دُرَرٌ حيثما
أُديرَتْ أضاءَتْ، ومُشَمٌّ من حيث ما شُمَّ فاحا. فكأنما خُلِقَتْ من السِّحر، حين صُوِّرَتْ في الطُّروس
بالحبر. تُريكَ النُّجُومَ الزُّهر في أفلاكها، والجواهر المنظومة في أسلاكها، رائقة لمُجْتَليها، مفيدة
لمُجْتَنيها. إنْ أبْصِرتْ قصرت بالوشي المحبر، أو تُنُسِّمَتْ زَهِدَتْ في نفحات المسك والعنْبَر، تكسب
الخامل نباهة، وتُفيدُه رفعة ووجاهة، ألَمَّتْ بالإبداع إلمامَا، وأمسكتْ له عناناً وزماماً:
ضُرب الحلم والوقار عليها ... دون عُورِ الكلام بالأسداد
انتَخَبْتُها من كلام أعيان الأدباء المتأخرين، ومشاهير الكتاب الماهرين، مِمَّن
(1/222)

نَهَضَ به شرفه وحسبه،
ورفعه علمه وأدبه، وسما به فهمه وذكاؤه، وألْحَفَهُ بأرْدِيَةِ المجد كَلَفُه بالأدب واعتناؤه، وجمع بين
طريف البيان وتليده، وألقى إليه كل منْصف بإقليده، وَهَوِيَ فروع الأدب وأصولَه، وأحكمَ جُمَلَه
وفصوله، وملك أعنة اليراع والعوالي، واستخدم الأحرار والموالي.
فمنها رسالة كتب بها أبو القاسم بن الجد رحمه الله عن أحد الأمراء بولاية:
كتابنا أبْقاكم الله وعصمكم بتقواه، ويَسركم لما يَرْضاه، وأَسْبَغَ عليكم نُعماه. وقد رأينا واللَّهُ بفَضْله
يَقرُنُ جميع آرائنا بالتسديد، ولا يُخْلينا في كافَّة أحوالنا من النَّظر السَّديد، أنْ تُوَلِّي فلان بن فلان
مَحَلَّ ابننا، الناشئ في حجرنا، أعزَّه الله، وسَدَّده، فيما قلدناه من مَدينتيْ فلانة وفلانة وجميع أعْمالهما،
حرسهما الله على الرَّسم الذي تَوَلاهُ غَيْرُه قَبْله، فأنْفَذْنا ذلكَ له لما تَنَسَّمْناه من مخَايل النجابة قِبَلَه،
ورَضيناهُ بما نَرْجو أن يَحْتذيه ويُمَثِّله، وجرى عليه قوله وعَمَله، ونحن من وراء اخْتِبَارِه، والفحص
عن أخباره، لاَنَنِي - بحمد الله - في امتحانه وتَجْريبِه، والعناية بتخْريجه، وتَدْريبِه. والله تعالى يُحَقِّقُ
مخِيلتنا فيه، وَيُوَفِّقَنا من سَدادِ القول والعَمَل لما يُرْضيه. فإذا وصَلَ إليكم خِطابنَا فالْتَزِموا له السمع
والطاعة،
(1/223)

والنُّصْح وَاتباعَه، وعَظِّموا بحسب مكانه منا قدره، وامتثلوا في كل عمل من أعمال الحق
نَهْيَه وأَمْرَه.
والله تعالى يَمِدُّهُ بَتَوفيقه وهِدَايَتِهِ، ويُعَرِّفُكُم يمن ولايته بمنِّه وعزته.
وكتب أيضاً في المعنى:
كِتابُنا أطال الله في طاعته عُمْرَكَ، وشَدَّ بتَقواه أزْرَكَ، وعضَّدَ بالتوفيق والتسديد أمرك، من فلانة
حَرَسَها الله، وقد رَأَيْنا، والله وليُّ التَّوْفيق، والهادي إلى سواء الطريق، أنْ تُجَدِّد عَهْداً إلى عُمَّالنا،
عصمَهم الله، بالْتِزامِ أحْكام الحَقِّ، وَإِيثارِ أسبابِ الرِّفْق، لما نَرْجوه في ذلكَ من الصلاحِ الشَّامِل،
والخَيْر العَاجِل، والله يُوَفِّقُنا لما يُرْضيه من قول وعَمَلٍ بِمَنِّه.
وأَنْتَ - أعَزَّكَ الله - تَسْتَغْني بإشارة التَّذْكِرة، وتَكْتَفي بلَمْحَةِ التَّبْصرَة، بما تأوي إليه من السِّياسَّة
والتَّجْرِبَة. فَاتَّخذِ الحقَّ إِماَمَكَ، وقلِّد يَدَهُ زماَمَك، وأَجْرٍ عليه في القوِيِّ والضعيف أحكامك، وارفعْ
لِدَعْوَة المظْلُومِ حجابَكَ
ولا تَسُدَّ في وجه المُضْطَهَدِ المَقْهورِ بَابَكَ، وَوَطِّئ للرَّعية، حاطها الله، أَكْناَفَكَ، وابذُلْ لها إنْصافكَ،
واستَعْمِل عليها منْ يَرْفُقُ بِها ويَعْدلُ فيها، واطَّرِحْ كلَّ منْ يَحِيفُ علَيْها ويُؤْذيها، ومنْ سَبَّبَ عليها منْ
عُمَّالك زيادَةَ، أوْ خَرَقَ في أمرها عادَةً، أوْ غَيَّرَ رَسْماً، أوْ بَدَّلَ حُكْماً، أوْ أَخَذَ لِنَفسه منها دِرْهماً ظُلْماً،
فاعْزِلْهُ
(1/224)

عنْ أَعْمالِه، وعاقِبْهُ في بدنهِ ومالِهِ، والْزِمْهُ ردَّ ما أخذَ تَعَدِّيا إلى أهْلِه، واجْعَلْهُ نَكَالا لغِيْرهِ، لا
يُقْدمُ أحد على مثل فِعْلِه، إن شاء الله.
وفي المعنى لأبي مروان بن أبي الخصال:
كتَبْناهُ، أَيَّدَكَ اللهُ بِنَعْمائِهِ، ووفَر حَظَّكَ منْ حبائِه وأوْجَبَ لَكَ رُتْبَةَ أوْلِيائه، ونحنُ نحمدُ الله إلَيْكَ الذي
لا إله غَيْره، ولا مرْجُوَّ إلا خَيْرُهُ، ونستمده فضلَ إحْسانِه، وعوارِفَ امتنانِهِ، وهو بالإجابَةِ مليّ
وبِأَوْلِيائه عَفِي.
وقد بلَغَنا ما يَجْري بفلانَة وجِهاتها من استِطالة أهل العِدى وتَشْغيبِ ذوي الأهواء، وخُروجِهم عنْ
حدود الاستواء، حتَّى صَارَ البَغْيُ ظَهراً تَمْتَطيه الغُواَةُ، وسَنَناً تَسْلُكُه العُتاةُ، وغَمَرَ مَنارَ الحَقِّ فصارَ
موْضُوعاً، وخَفَضَ عَلَمَهُ وكانَ مرْفوعاً، فأَعْظَمْنا ما اتَّصَل، وبادَرْنا إلى حَسْمِ ما أعْضَلَ. فخاطَبْناكَ
لتَطولَ في الحَقِّ يَدُكَ، ويَسهُل في تنفيذهِ مَقْصِدُكَ، مزاحِماً في الحَقَائق بمنْكَبٍ وصَدْرٍ، مُلْجِماً في
الوفاء بأَكْمل عُذْرٍ، مُرْغِماً أنفَ المُبْطِل وإنْ كان في الدُّنيا ذا قدْرٍ. فَتَوَخَّ ذلك والْزَمَه حتَّى يَعْتَدل
المائل، ويقصُرَ المُتَطاوِلُ، ويَتَعاطى الناسُ الحقائقَ بينهم مُنِيبينَ، ويأتُوا إليها مُذْعِنين، ولذلك ظَهر.
والله كَفيلٌ، وعلى ما نَقول وَكِيل.
(1/225)

فانهضْ نهوضَ من يأوي من الحَقِّ إلى رُكْنٍ شديدٍ، وقَصْرٍ عتيدٍ، وسمِعَ بما وافاكَ منْ قِبَلِنا. ليكونَ
أَهْيَبَ لمجانيك، وأذهَبَ معَ جانيكَ بحول الله تعالى.
وله في المعنى:
كَتَبْناهُ، أبْقاكَ الله وأَكْرَمَكَ بِتَقْواه، واعْتَمَدَكَ بسَوابِغ نُعْماه، ونحن بحمد الله على مذاهِبِهِ الحُسْنى،
ونسأله العمل الذي هو إلى رضاهُ أقربُ وأهدى.
وقد اتصل بنا أنَّكَ في إنْفاذِ الأحكامِ، بعيدُ المُنَّة واهِنُ القُوّة، حتى لقد اسْتشْرَى هنالكَ أهل الغواية،
واستطال أُولُو البغْي في الإذايَة، فشقيَ المُحِقُّ بالمُبْطل، وأعْياكَ ذلكَ الدّاءُ المُعْضِلُ.
فإذا وَرَدَ كِتابُنا هذا، فاصدَعْ بالحقِّ جارياً على السَّنَنِ، وانهضْ في الأُقْضِيَة غيرَ ضعيفِ المَنَن،
وانْظُر من هُنالِكَ منَ المُتَصَرِّفينَ في غير معهودٍ، أوْ في أَمْرٍ من عندنا غير محدود. فاكْفُف عن
الرَّعِيَّة يَدَيْه، واستظْهِرْ بِعَهْدنا هذا حُجَّةً عليه، ولا تُرْهِبْ في رَفْع الاعْتِداء أَحداً. ونَحنُ من وراء
العَضْدِ لكَ كما يَجِبُ، وحمايَتِكَ كما تَظُنُّ وتَحْسِبُ.
واعْلِنْ بقراءة ما وافاكَ من قِبَلِنا لِيَرْعَوِيَ الجاهل، ويَنْتَبِهَ منْ سِنَتِه الغَافِلُ، إن شاء الله.
وله في المعنى:
كَتَبْناه أعزَّكَ الله وأكْرَمَكَ بِتَقْواه، ووصَل آلاءَكَ وَنِعَمَكَ، وجَنَّبَكَ المحاذيرَ وعَصَمَكَ. والنعمُ مُكْتَنِفَة،
والنُفوسُ بأجْزال السيادة مُسْتَشْرِفة.
(1/226)

وقدْ بَلَغَنا أنّكَ رُبَّما لِنْتَ في الأحكامِ، وأغْضَيْتَ منها على بعض الاهْتِضامِ، لطوائفَ هنالِكَ مجْبولةٍ
على الجَدَل، مَجْدودَةٍ عن الخير في القول والعَمَل. ونحنُ نتقدمُ إليْكَ أنْ تُجْري الأحكامَ على مُقْتَضاها،
وتُنَفِّذَ الأقضية مَنْ أباها، صادِعاً بأمر الله كما يَجِبُ، مُحْتَسِباً في ذاته، ومِثْلُكَ يَحْتَسِبُ غيرَ هائِبٍ ذا
مكانَةٍ، ولا مُخل بِحقٍّ ذي اسْتِكانَة. وكُلُّ ما تأْتيه من ذلكَ فنَحْنُ لَكَ عليه ظهيرٌ، وأنْتَ بِهِ مُجْزىً
ومَشْكور. فَتَفَقَّدْ ذلك لَدَيْكَ، واجعَلهُ أَوْكد الفروض عليك، ليَرْتَدِعَ الجَرِيءُ، ويذُوقَ وبالَ إساءتِه
المُسيءُ، ويَسْكُنَ في ظِلِّ الأمن العفُّ البريءُ، وَأَعْلِنْ بما خَطَبْناكَ به، لِتَسْتَشْعِرَهُ القلوبُ القاسيةُ
فَتَلينَ، وتَتَصَوَّرَهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ فَتَذِلَّ وتَسْتَكينَ، إن شاء الله تعالى.
وله في المعنى:
كَتَبْنَاه، أَكْرَمَكَ اللَّهُ بِتَقْوَاهُ، ووصَلَ لَدَيْكَ نُعْماه، وآثَرَكَ بِحُسْناه. ونحنُ نَحْمَدُ الله على آلائِهِ، لا رَبَّ
غَيْرُهُ، ثمَّ نؤكِّدُ لدَيْكَ التَّشَدد في أحْكامِكَ، وبَثَّ العَدلِ بين أَقْوامِك، وكُفَّ أيْدي أهل العداءِ، وحَمِّلْهم
على طريق الاستواء، وأنْ تتَفَقَّدَ كذلكَ أَحْوال العُمَّال عِنْدكمْ، وتُراعيَ سَيْرَ المُتَصَرِّفينَ من ... سيباً
بَيْنَكم، فإنْ جاؤوا عن الحَقِّ نَاكِبينَ، وتَوَلَّوا عنه مُدبرينَ، صَرَفْتَهم إلَيْنا بالاقْتِصار، واضطرَرَتَهُم إلى
رُكوبِ الجَادَّة أشَدَّ الاضطرار. فإنَّ الله تعالى قدْ فَرَضَ ذلكَ على الوُلاة للرَّعية، وجعلَ الراعي
مسْؤولاً عنِ الرَّعية المَرْعِيَّةِ.
(1/227)

فاصدَعَ بأَمْرِ الله غيرَ واهنِ الأيْد، ولا ضَعيفَ الكَيْدِ، ومَتى وافَقَكَ في حَقِّ مُوَافِقٌ، وتجانَفَ عنْ
سبيل القصدِ مُتَجانفٌ، طالَعْتَنا بشَأْنِه لِنُريه طريق رُشْدِه، ونأخُذَ بالأدَبِ فوق يده. إن شاء الله.
وله في المعنى:
كَتبْناه، أَعَزَّكَ الله وأكْرَمَكَ بِتَقْواه، وسلَكَ بِكَ السَّبِيل المُؤَدِّيَةَ إلى رضاه. ونحنُ نَحْمَدُ اللَّهَ إليْكَ على
مواهبهِ الجسيمَةِ، وعوارِفه المُقيمَةِ، ونَسْأَلُهُ لَكَ مزيدَ الآلاَءِ، ووفورَ الحباء. ثمَّ نُؤكِّدُ عليكَ أشَدَّ التَّأْكيد،
ونأخُذُ بالمَوْثِقِ الشَّدِيدِ، في إجراء الأحكام لَدَيْكَ على حُدُودِها المحدودةِ، وشَرَائِطِهَا المَعْهودَةِ، منْ غير
أنْ تَمُدَّ إلَيْها يَدَ القاصر، أوْ تُبالي فيها غَبْنَ الخاسر.
فقد بَلَغَنا عن بَعض المُتَصَرِّفين هنالكَ اعتِداءٌ، وورَدَتْ منْهم أنباءٌ، وَرُبَّما قد قَبَضَ إليْهم منْ غُواةِ
أهْل الجِهَةِ شيطانٌ، وكانَ لهم منْهُم على الشَّرِ أعْوانٌ وأَقْرانٌ. فَتَتَبَّع ذلك جاهداً واحْسِمْه، وَالزَمْ جانِب
العدْل ولا تَرِمْهُ، وانْهض في الحقائق حَزْماً، وكُنْ في ذاتِ الله سَهماً، ولا تُحَمِّل رعيتنا ظُلماً ولا
هضْماً. ومنْ عانَدَكَ من الوُلاةِ والمتَصرفين، ووافقَكَ من العُمَّال المشْتَغِلين، خاطَبْتَنا بِه، لنَحْمله على
القصد، ونُريه سبيل الرُّشْد.
فلا يَتَطَرَّقُ - بعد هذا العهد - أحدٌ إلى الرَّعِيَّة إلاَّ في معروف، أو أمْرٍٍ على الاجْتِماع موقوفٍ.
ومتى هِنْتَ أوْ لِنْتَ، فَإِنَّما يَجْري بَعْدُ عليكَ مَحْبُوب، وإلى قُصُورِكَ مَنْسوبٌ. واللَّهُ تعالى يُحْسِنُ في
طاعَتِهِ عَوْنَكَ، ويَصلُ يَدَكَ، ويوالي صَوْنَكَ بِعِزَّتِهِ.
(1/228)

وكَتبَ أبو عبد الله بن أبي الخصال في المعنى: كِتابُنا فَسَح الله في طاعَتِه مهَلَكَ، ووَجَّه إلى مرْضاتِه
عَمَلكَ، وأنْهَضَكَ بما قَلَّدَكَ وَحَمَّلَكَ، وَتَمم عوارِفَهُ الحُسْنَى قِبَلَكَ، منْ حَضْرَةِ فُلانَة، حَرَسَها الله، وَنَحنُ
نَحْمَدُ الله على ما أتانَا منْ فَضْله، ونَعْتَصمُ بِعُرْوَته وَحَبْله، ونُصلي أَعَمَّ الصلاة وأزْكاها على محمد
رسولهِ المَخْصُوص بالفَضْل كُلِّه، ثمَّ نَعْهدُ إليكَ، وصَلَ الله توْفيقَكَ، أنْ تُحْضر لما قُلِّدْتَهُ ذِهْنَكَ، وَتَجْمَعَ
لَهُ نَفْسَكَ، فإنَّ من رَتَّبَ من الأمْر حيثُ رَتَّبْتَ، وحسِبَ من القيام بالمُهِمَّاتِ حيثُ حَسِبْتَ، لمْ يَشْغَلْهُ أن
يَنَامَ عنْ قضيَّةٍ تَجْري ببلَدِه، ولا أنْ تُدرِكَهُ غَفْلَةٌ عنْ تَفَقُّدِ ما تَحْتَ يَدِه. والرَّعِيَّةُ بكلِّ جِهَةٍ من جهاتِكمْ
قدْ تَأَذتْ بما بَلَغَهَا من الضَّرر، وتُوُخِّيَ فيها منْ سوءِ السّيَر، حتّى نَفَدَتْ إليْنا طوائفُ الشاكينَ،
وَكَثُرَتْ عنْدنا أرْفاعُ المُتَظَلِّمينَ، وَمِنْ أَمْرِهِمْ بَيِّنٌ ومُشْكلٌ، وفي النَّاس مُحِقٌّ ومُبْطلٌ، ويَتَعَذَّرُ عليْنا،
بِتَنائي ديارِهم والبُعْدِ عنِ مساقِطِ أخْبارِهم، أنْ نَتَوَصَّلَ منْ أَمْرِهم إلى مَعرفة الصحيح من السَّقيمِ،
والمُعْوَج منَ القويمِ. ولَمْ نَخَلْ كثيراً مِمّا يرْفَعُونَهُ منْ قَوْلٍ مُزَوّر، وباطِلٍ في صورةِ الحَقِّ مُصَوّر.
وعِندما التَبَسَ الكِذْبُ منْ ذلكَ بالصدْقِ، والتَفَّ المُبْطِلُ بالمُحِقِّ، صَدَدْنا كثيراً منْ أرْفاعِهم عن
الوصول، وصَرَفْنا دُونها وَجْه القَبول، وأَوْعَزْنا إلى جَماعَتِهم، لِما خِفْناهُ منْ تلَبُّسِهمْ في الأمور،
وشَوْبِهم
(1/229)

المُباح بالمَحْظورِ، بِأنّا لا نَنْظُر لأحدٍ منْهم في حقٍّ يَدَّعيه، ولا أمْرٍ يُوجِبُه أَوْ يَنْفيه، إلاّ أنْ
يأتي بِبَيانٍ من قاضي بَلَدِه، وكتابٍ يَنْطِقُ عن صِحَّة ما بِيَدِه.
فأقْصروا وتَوَقَّفوا. وفي ونُفُوسِنا - عَلِمَ الله - منْ قِبَلِهم ما يَشُقُّ حِمْلُهُ، ولا يَخِفُّ مِثْلُهُ، وَيُمكِنُ أنْ
يَكونَ فيهم الصَّادِقُ والبَرّ، والوَجلُ المُضطَرُّ، لكِنَّ الخيْرَ أرَدْنا، والبِرُّ قَصدنا، ولما وقع هذه رَسَمنا
إلى كافّة القُضاة عُهوداً في تَصفُّح الشَّكاوي، والفحْص عنها، وألْزَمناهمْ القيام بها، وتَبَرَّأنا إلَيْهِم من
وِزْرِها، وتَخَفَّفْنا بإسنادها إليهم منْ دَرَكِها وإصْرها. والقُرْبُ لَهم في ذلك مُعينُ، وتَعَرُّفُ الحقائقِ
عندهم بِسبَبِ المُجَاوَرَة سهلٌ مَكينٌ.
ولا امْتَراء عندنا أنَّ هؤلاء الرَّافعين لو وَجَدوا في بلادهم إشْكاء وألِفُوا عِندَ مُتَقَلِّدي الأُمورِ - فَرَدَّ
ظُلاماتِهم وفاءً لَما تَجَشَّموا إلَيْنا بُعْد المَشَقَّةِ، ولا تَحَمّلوا نَحْوَنا عظيمَ الكُلْفَة والمشَقَّْة، ولولا أنّا لا نُخْلي
بَعْضَهم منَ التَّعَسُّفِ، ولا نُبَرِّئُهم منْ سوء التَّكَلُّفِ، لَشَدَّدْنا في جِهَةِ عارِضة الكلام، ولثَقَّلْنَا عليهم وطْأة
الملامِ.
ونحنُ قَدْ قَلَّدْناكَ منْ شَكاوى العَامة بِعَمَلِكَ في اللَّطيفٍ والجَليلِ، وسُمْناكَ
(1/230)

القيامَ بالخفيف منها والثَقيل،
فَتَفَقَّدْ ما قِبَلَكَ حَقَّ تَفَقُّدِهِ، وتَعَهَّدْه أَحفى تعهُّده. فإنكَ إذا أَمْعَنْتَ التَّطلُّعَ، وواليت إلى جانِبِ الرَّعية
التَّلَفُّتَ والتَّسَمُّعَ، لم يَشِذَّ عن عملك متى يجري بِنَظَرك، لاجْتِماعه وانْحصاره، وقُرْب ما بين مسافاته
وأَقْطاره. فتأمَّلْ بجهَتكَ الأحوال وصُوَرَها وتفقّد مع الأحيان شَأن الرعية وخَبَرها، وكُلّ ما رَفَعَتْه إليكَ
من أحوالها، وتَظَلَّمَتْ فيه من عُمّالها، فأَجْرِهم على الحق كيف جرى، وعَمِّمْ بنظرِكَ، ولا تَخُصَّ
قضية دونَ أُخْرى. فكلٌّ بكَ معصوبٌ، وأنتَ عليه مُحاسَبٌ، وبه مَطْلوب. ومِلاكُ أَمْركَ ومدارُهُ، على
الحُكّامِ الذين استَنْبَتّهم في الأقطار الناصية، ونَصَّبتهم في الجهة النائية؛ فَشَرْطُهم الثِّقة والدِّيانَةُ،
والصَّوْنُ والأمانةُ، فإنهم إذا كانوا بهذه الصفة، جَرَتِ الأمور على سيرها الرَّاشِدة، واستمرتْ على
مناهِجها القاصدة، وأمِنَتْ في جهَةِ الرَّعيَّةِ، وأمِنّا بكَ فيها منَ اللَّبْسِ. فلا تُقَلِّدْ أمْرَ المُسلمين إلا معْروفاً
بالدِّيانَة والعَفاف، وتقِيّاً لِيَقْنَع بالكفاف، ويَتَنَزَّهَ عن الإسْفاف.
وتَحَفَّظْ منْ كُلِّ منْهومٍ لا يَشْبَع، ومُسِفٍّ لا يَتَوَرَّعُ؛ فإنَّ الجشَعَ أعمى لا يرى ولا يسْمَعُ.
وبَعدَ توْليتك إيَّاهم، فأشْرفْ عليهم إشرافاً يَتَعَقَّبُ أعمالهم، ويتصفَّحُ أحوالهم. فإن رأيتَ منهم جَنَفاً، أوْ
منْ نَقضَ عليكَ منْ أطراف الحَقِّ طرفاً، صرَفْتَهُ مَذْموماً، وأَخَّرْتَهُ مَلُوماً. فتَفَقَّدْ هذا منْ أَمْرهم، فإنّكَ
مُضْطرٌّ إليهِ في تعرُّفِ أحوال الرَّعية التي لا نَرْضى بِهَضْمها، ولا نُقِرُّ أحداً على ظُلْمِهاَ، ولاَتتعهده.
(1/231)

وَنَتَقَدَّمُ إليكَ به مُراعَاة اللوازمِ الجارية هناكَ.
فاجعل أهمَّ أُمورِكَ أنْ تتصفَّحها وتلْمَحَها، فما لم يَكُنْ منها في عهودنا موجوداً، ولا منْ قَبْلِنا مَحْدوداً،
ولا في مصالح المُسلمين موضوعاً ولا معْدوداً، فهو ردٌّ على كلِّ والٍ رَسَمَه، ومَصْروفٌ على كلِّ منْ
ألْزَمَهُ، لا يؤدى منه فتيلَ، ولا يُحْمَلُ منه نَقيرٌ، والزّكواتُ كُلُّها على تبايُنِها في الصِّفَّةِ، وأنْواعها
المُختَلِفَة، تَجري على مُوجِبِ فريضتها، ويوقَفُ بها على حدِّ شريعَتها؛ لا تُحرَّفُ ولا تُبَدَّلُ، عنْ
جهتها، ولا تُعدَّل. ولتُؤخَذْ منَ النِّصابِ بأَعْيانِها، ولتَنْهَ أشَدَّ النهي عنْ قَبْضِ أثْمانها.
وقد ارْتفع في بَعض شكاوي الرَّعية أنها تَطْلُبُ برسم الحالي، وهو لا يُطْلب به الحاضرُ عن
الغائبِ، ولا يؤخَدُ فيه الباقي بعدَ الذَّاهِبِ.
فهذا الصنفُ منَ الجور ترفَعْهُ رفعاً تامّاً، وترُدُّ حُكْمَهُ، وتُعْفي أثره ورسمَه. وأيُّ عامل من عمّال
الرعية تعدَّى بعد ذلك عليها، أو تَسبَّب بزيادة تخصُّه إليها، ويبينُ عندك تعدِّيه، وعلمت صحةَ
استهدافه وتَصَدِّيه، فارفعْ أمْره إلى الوالي، فإنْ غَلَّ يَدَ أذيَّته، وأنْفذ عزله عن رعيته بذلك، وإلا رفعتَ
أمره إلينا مع سائر ما يتَوَقَّفُ لديكَ من الأمور التي تَقْصُرُ عنها يدكَ، وتنْقطعُ دونَ النُّفوذِ عنها غايَتُكَ
وأمرك، لينفذ في ذلك من عهدنا ما تَقِفُ منازِعُكَ عنْده، ويَسْهل لكَ كلُّ صعبٍ بعده.
هذه - أعزَّك الله - أمثالٌ مضروبَةٌ، وهداياتُها منْصوبَةٌ، وقوانينُ موضوعةٌ، وأعلامٌ على طرُقِ
الحقِّ مرفوعة. وفي أكثر ما كانت الأرفاعُ تردُ، وعصائب المتظلمين تَحْتَشِدُ. وأنْتَ إذا كَشَفْتَ غيبها،
وتَقَصَّيتَ طُرُقَها، وأعْطيتَها من بحثكَ وتأمُّلِكَ حَقَّها، ارتَفَعَتِ الشُّبْهة، وراحَتِِ العلة، وتوفرتْ على
المُتَظَلِّمينَ
(1/232)

الرحلة، وهَدَأَتِ الرَّعية، فتَفَرَّغَتْ لأشْغالها، ولزِمَتْ مصالح أعْمالها.
فانظر - أعزّك الله - في هذه الأمثلة والجُمل إلى أقصى ما تنقسم إليه أقسامها. وَقِفْها على حدِّ ما
تقِفُهُ عليه الشريعة وأحكامها.
وتَطَلُّعُنَا وكيدٌ إلى ما يتَجدّدُ منْ نُفوذك، ونُهوضكَ بهذه الوصاة الجامعَة والحجة البالغة. فاستجْمع
لإقامتها؛ فقد وقع إليكَ الإصْغَاءُ، وَستَبْلُغُنا منْ قِبَلِكَ الأنْباءُ، ويَتَّصل عندَكَ الذِّكرُ والثَّناءُ، وبَعْدَ هذا
مَوْطِنٌ يكونُ فيه المَثُوبَةُ والجزاء.
ولتَقْرأْ كتابنا هذا على الكَافَّة بالمسجد الجامعِ، شَرَّفهُ الله، ليَسْتَمِعَه منْ تَوَجَّهَ إليه الخطابُ، وتسير
بأنبائه الرِّكابُ، وتَتَلَقَّاهُ بعد الشُّهودِ الغُيَّاب. وتَبَلَّغْ منّا أَعَمَّ سلامٍ وأجْزَلَه وأَزْكاه وأحفله. والسلام
المُضَاعَفُ الأحفى علَيْكَ ورَحْمَة الله.
(1/233)

فصل ومن أحسن ما كتبوا في التقديم إلى أحكام مدينة
قَلَّدنا فلانٌ بنُ فلان، سلَّمه الله، الأحكام بفلانة وجهاتها، وتَخَيَّرنَاهُ لذلك بعد أنْ خَبَرْناه، واسْتَخْلَفْناه
عليها وقد عَرَفْناه، ووَثِقْنا بدينه، ورَجَوْنا حُسْنَ تَحْصينه، لأَنَّه إن احتاط سلِمَ، وإنْ أضاعَ أَثِمَ، فلْيُقِم
الحَقَّ على أرْكانِه، ولْيَضعِ العدْل في ميزانه، ولْيُساوِ بينَ خُصومه، ولْيأْخُذْ من الظالمِ إلى مظلومه،
ولْيَقِفْ في الأمر عند اشْتِباهه، ولْيُنَفِّذْهُ عند اتجاهه. ولا يَقْبَل غير المرضيِّ في شهادَته، ولا يَتَعَرَّفْ
سوى الاسْتِقامة من عادته، ولْيَعْلَمْ أن الله مُطَّلِعٌ على خَفِياته، وَسائِلُهُ يومَ مُلاَقاتِه.
وفي المعنى لأبي نصر كتابُ تقليدٍ وتَوْليَةٍ، وَتَشْييد رُتْبَةٍ علِيَّةٍ. أَمرَ بإنْفاذِه فلانٌ - أيَّدَهُ الله - لفلان
بن فلان أَبْقاه الله، لِيَنْظُرَ في أحكامِ المدينة بفلانة وأقْطارها، ويَحْسِمَ عنها أَدواء مردَتِها ودُعَّارها ويَعُمَّ
بالحِماية كلَّ جهة منها وناحية، ويُظلَّ من هِجِّير الإباحة أكْنافها الضَّاحية، وأَمره أنْ يَتَّقي الله حَقَّ
تُقاته ويَخْشى يوماً يأتي فيه لِميقاته، وأنْ يحْذَرَ ما أعَدَّ منَ العذاب الأليم، (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وحَدَّ لهُ رَعْيَ منْ
(1/234)

يَجِبُ رَعْيُه، ويُعْلَمَ جَرْيُهُ في ذات الله وسَعْيُهُ، وَمشَاوَرةَ الفُقهاء فيما أَشْكل، والاعْتِضاد بهم فيما حَامَ عنه
ونَكَلَ، واسْتِفْتاءهم فيما يَقَعُ من الأمورالشَّرْعِيَّة، والقوانين المَرْعية، وأنْ يكونَ لأهل الشَّرِّ بِمَرْصدٍ،
ويقفَ لهم في ثَنِيَّةِ كلِّ مَقْصِدٍ، ويفتح منْ تواريهم كُلَّ بابٍ مُوصِدٍ، وأنْ يَكْتَحل بالسهاد، وألاَّ يَنْتَحِل
غير الجد والاجْتِهاد، وألاّ يُصيخَ إلى افتراء مُفْتَر، ولا يَقْضِيَ على اجْتِراء مُجْتَرٍ، وأَنْ يعمَّ الجِهةَ
بالاحتراس، ويَضُمَّ إلى البَحْثِ عنِ الفُجَّار كلَّ عالِمٍ بالانتهازِ والافْتِراس، ممن لا يَعْلَقُ به اتَّهامٌ، ولا
يقعُ عليه إبْهامٌ، ولِيَتَنَزَّه عنِ الرُّشى، ولا تَعْلَقْ له بِدلْوٍ ولا رشا، ولْيُقِم الحُدودَ، ولايَعْدُها باجتهاد غير
مِحْدودٍ.
فَمَنْ قَرَأَهُ، فلْيَقِفْ عِنَدَهُ ولا يَتَعَدَّه، ومَنْ عارضه بِتَعَدِّيه، أوْ ناقَضَه فيما يُعيدُه منْ إنْكاره ويُبْديه، فقد
تَعَرَّضَ لنكالٍ يَسْتَقْبِلُه، وعِقابٍ يَسْتَوْبله.
وله في المعنى:
كتاب تأْكيدٍ واعْتِناءٍ، وتَقْليدِ ذي مِنَّةٍ وغَناء، أمَرَ بإنْفاذِه فلان، أَيّدَهُ الله، لفلان بن فلان، صَانَه الله،
ليتَقَدَّمَ لِوِلايَةِ المدينة بفلانة وجهاتها، ويضرح ما تكاثَفَ منَ العُدْوان،
(1/235)

في جَنَباتِها، تَنْويهاً أحْظاه
بِعَلائهِ، وكَساهُ رائقَ ملائه، لِما عَلِمَهُ منْ سَنائِه، وتَوَسُّمَهُ منْ غنائهِ، ورَجَاه منْ حُسْنِ منَابِهِ، وتَحَقَّقَهُ
منْ طهارة ساحَتِه وجنابه، وتَيَقَّنَ، - أيَّدَه الله - أنَّه مُسْتَحِقٌّ بما ولاّه، مُسْتَقلٌّ بما تَوَلاّه، لا يَعْتريه
كَسَلٌ، ولا يُثْنيه عن إمضاء صوارمُ ولا أَسَل، لمْ يكِل الأمر منه وإلى وَكِلٍ، ولا ناطهُ بِمناطِ عَجْزٍ ولا
فشَلٍ، وأمَرَه أن يراقب الله تعالى في أوامره ونواهيه، ولْيَعلمْ أنَّه زاجرُه عنِ الجور وناهيه، وسائلُه
كمّا حَكَمَ به وقضاه، (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ).
فَلْيَتَقَدَّمْ إلى ذلك بِحَزْمٍ لا يَخْمدُ تَوَقُّده، وعزْمٍ لا يُقَدُّ تَعَقُّده، ونفسٍ مع الخير ذاهبة، وعلى سَنَن البرِّ
والتقوى راكبَة. ويُقَدِّمُ للاحتراس منْ عُرف اجتهاده، وعُلِمَ أرقُهُ في البَحْثِ وسُهاده، وحُمِدتْ أعماله،
وأمِنَ تَفْريطُه وإهماله، ويَضُمَّ إليهم منْ يَحْذو حَذْوَهم، ويَقْفو شأْوهم، ممّنْ لا يُستراب بمناحيه، ولا
يُصابُ خَلَلٌ في ناحِيَةٍ منْ نواحيه، وأنْ يُذْكي العيونَ على الجناةِ، ويَنْفِيَ عنها لذيذَ السنات، وأَنْ
يَفْحَصَ عنْ مكامِنِهم، حتّى يُغَصَّ بالرَّوْع نفسُ آمنهم، فلا يستَقِرَّ بهم مَوضِعٌ، ولا يَقِرَّ منهم مُخِبٌّ ولا
مَوْضَع فإذا ظَفِرَ
(1/236)

منهم بمَنْ ظَفَرَ، بحثَ عنْ باطنه، وبَثَّ السؤال في مواضعِ تصرُّفه ومواطنه، فإنْ
لاحَتْ شبْهةٌ أبداها الكشفُ والاسْتِبْراءُ، وَتَعَدّاها البغْيُ والافْتراء، نَكَلَهُ بالعُقوبة أشدَّ نكالٍ، وأوضحَ له
منها ما كانَ ذا إشْكال، بعدَ أَنْ يَبْلُغَ أناه، ويقفَ على طرفِ مداه، وحدَّ لهُ ألا يَكْشِفَ بَشرةَ بشرٍ إلا في
حدٍّ يتعينُ، وإنْ جاءه فاسقٌ بنبأ أَنْ يتَبَيَّن، وأنْ لا يطمعَ في صاحب مالٍ موفُور، وأنْ لاَ يسمع مِنْ
مكشوف في مستور، وأنْ يسْلُكَ السَّننَ المحمودِ، ويُنَزِّهَ عقوبته من الإفراط، وعفوه من تعطيل
الحدود، وإذا انْتهت إليه قصَّة مشكلة أخَّرها إلى غَدِه، فهو على العقاب أقدَرُ منه على رده، فقدْ يَبينُ
في وقْتنا ما لا يبينُ في وقْتٍ، والمعالجة بالعقوبة من المقت، وأنْ يَتَعَهَّدَ هفواتِ ذوي الهناتِ، وأنْ
يَسْتَشْعِرَ الإشْفاقَ، ويَخْلعَ التَّكَبُّر، فإنَّه منْ ملابِسِ أهلِ النِّفاقِ، ولْيُحْسِن لعباد الله اعْتِقادهُ، ولا يَرْفُضْ
زمامَ العدلِ ومَقَادَه، وأنْ يعاقب المجرم على قدر زَلَّتِهِ. ولا يَغْتَرَّ عنْدَ ذَلَّتِه. ولْيعلم أنّ الشيطانَ أغْواه،
وزَيَّنَ له هواه، فيُشْفق منْ عَثَاره، وسوء آثاره، وسَيَشْكُرُ الله على ما وهبَ له منَ العافية، وأَلْبَسَهُ من
ملابِسها الضَّافية، ويَذْكُرَهُ جَلَّ وتعالى في جميع أحواله، يُفَكِّرَ في الحشر وأهواله، ويَتَذَكَّر وعداً يُنْجَزُ
فيه ووعيداً (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا)، والأمير -
(1/237)

أيده الله - وليٌّ له ما مدَّ عَدْلاً وبَسَطَ، وبَريء منه إنْ جارَ وقَسَطَ، فمَنْ
قرأهُ فَلْيَقِفْ عند حدِّه ورسْمه، ولْيَعرف لهُ حَقَّ قطْعِ الشرِّ وحَسْمِه، ومنْ وافقَهُ منْ شريف أوْ مشروفٍ،
وخالَفَهُ في نهيِ عنْ مُنْكرٍ أوْ أَمْرٍ بِمَعْروفٍ، فقد تعرض مِنَ العقابِ إلى ما يُذيقه وبالَ جهْلِه (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).
وفي المعنى لأبي مروان بن أبي الخصال:
كتابُ مَبَرَّةٍ مُجَدَّدَةٍ، وأثْرَةٍ مؤكدة، وحُرْمَةٍ مُتَّصِلَةٍ الأسبابِ ممُهّدَة، أمر به أبو فلان - أيده الله - لفلان
ابن فلان صانه الله، وأمَدَّه بتقواه. قَدَّمه به إلى خُطَّةِ أحكام المدينة بحاضرة فلانة، حينَ أُخيفتْ سبل
السيَّارَة، وظهر فيها أهل الفِسْق والدَّعارة، وصدُّوا المسلمين عنْ وجوه المعيشة والتِّجارة، لما رجاه
من قيامه بالخُطَّةِ واضطلاعه، وتَوَقُّده على حسمِ الشَّرِّ واجتماعه، مع ما بلاهُ قديماً وحديثاً منْ حميد
أثره، وَرَضِيِّه على الامتحان من مختبره، وتحققه من حُسْنِ مذاهبه وسِيَره، واعتقد فيه تَغْييرَ
المُنْكراتِ، وقَطْعَ المُسكرات، وَكَفَّ أهل العدوان والاسْتطالاتِ، ورَدَّ الجائرينَ عنْ القصد إلى سواء
الطريق. وعهِدَ إليه أنْ يَبُثَّ الاحتراس في سُبُلِ المسلمينَ ومسالكهم، ويُذْكيَ العيون في طُرُقِهم
ومنَاكِبِهم، إرْصاداً للمحاربينَ، وأخْذاً فوق أيدي المُفْسدينَ، ليَتَصَرَّفَ الناسُ في معائشهم آمنين،
ويمشوا في مناكبِ الأرضِ مطْمَئنينَ، وجعل عليه إقامة الحُدود، وإنفاذَ الأحكام فيها على واجب حقها
المحدود، إلاّ ما كانَ قَتْلاً أوْ رَفْعاً، فإنه مأمورٌ فيه بردِّه إليه - أيده الله - يُشاملُهُ بِحُسْنِ نظره، وَيُقَابِلُ
كُلَّ
(1/238)

إجْرَامٍ منَ العِقاب بقدرِهِ، حَذَراً أنْ تُوقِعَ الحدود في غير مواقِعِها، أوْ يُصابَ بها غيْرُ مواضعِها،
فلْيَمْضِ أبو فلان في غَيْر ما استَثْناهُ عليه من الحدود ظاهرَ القنا والأيدِ، ولْيَتَولها غير ضعيف الكَيْدِ،
دونَ أنْ يَرْعى في فاسقٍ شفاعة مثيل، وأنْ يَخِلَّ من حدود الله بِفتيلٍ، وأجْرى له منَ الوَرِق عشرة
دنانير، يقبضها مشاهَرَةً من الخراج، ليرفع منْ همَّته، ويعفَّ بها في طُعْمَتِه، ولْيَسْتَمِرَّ على صيانته،
ويزيدَ نزاهةً إلى نزاهَتِهِ، ولئلا يجِدَ ذُو الظِّنِّ لسوء ظنِّه مَسْلكاً، وَلاَ يجْعَلَ على نفسه للإساءةِ دَرَكاً.
فمَنْ قرأَ هذا الكتابَ أوْ أَُقْرِئَهُ منْ جميع العمَّال وذوي الأمر، وأتباعِهم وكافَّة الناس على طبقاتهم
وأصنافهم، فَلْيَقِفْ عندما يَسْمعُهُ، ولا يتَعَرَّضْ لعقابِ يكفُّ عناهُ ويَرْدَعُهُ، والله المُوفِّقُ.
لا ربَّ غيرهُ.
تجديد ولاية في المعنى:
كِتابُنا أدامَ اللهُ احْتِماءَكَ، وأنارَ لِنُجومِ السَّعْد سماءكَ، وجعل إلى طاعَتِه اعْتِزاءكَ وانتماءك. وقدْ وردَ
كتابُكَ الأثير، ووَقَفْنا على ما حواه، وعَرَفنا سرَّه ونجْواه، وما كانَ لفلانٍ أنْ يعْتَرِضَكَ ويَرْمي
غَرَضكَ. وقدْ وجَّهْنا إليه ما يَكُفُّ اعتداءهُ، ويصْرفُ عنك إعادته بِمَكْروه وابتداءه، فشمِّرْ عنْ ساعِدِ
الاكتفاء، وهُبَّ منْ ذلكَ الإغْفاء، وأرِنا مُنْتَهى غنائكَ، وتَوَخَّ بالاجتهادِ مُعارَضة تَقْريبكَ وإدْنائكَ،
وشِفَّ الشِّدَّة ببَنَانٍ، ولا تَقْطعْ بأثر دونَ عيانٍ، وسُدَّ سَمْعكَ عن النمائم، ولا تَغْمِد النَّصل قبل شقِّ
الكمائم، وأَقِلْ عثرات ذوي الهيآت، وادْرَإِ الحدود بالشُّبُهات، وتجاوزْ عنهم غير مُرْتابٍ، وخُذْ فيهم
بِرُخُصِ السنَّة
(1/239)

والكتاب، وامزجْ لسواهم الصَّابَ بالضَّرَب، واقرعْ في نَكَالهم النَّبْعَ بالغَرَب، والله المستعانُ.
وفي المعنى:
ما وَقع بتِلكَ الجهة نَعْلَمُهُ، ولمْ يخْفَ عنكَ توَجُّعُ السلْطانِ منه وتَأَلُّمُهُ، فَانْهَدْ لتلافي الأمرِ، وإطْفاء
ذلكَ الجمرِ، وَاسْعَ في حسْمِ عِلَلِهِ، وَرَمِّ خَلَلِهُ، واجْرِ إلى ما يُتَعَرَّفُ به حميدُ أثركَ، ويُعْرَفُ به حُسْنُ
نَظَرِكَ، ولا يَغُرُّكَ عَرَضٌ ولا يكونُ لكَ في غير تهدينِ ما نشاءُ غَرَضٌ، وإياكَ أنْ يَرْتَفِعَ عليكَ أمْرٌ
يُنْعى، أوْ يَبْلُغَ عندكَ ما يُلْقى به ما يُحْفَظُ لك ويُرْعى.
وكتب أبو نصر بتولية مواريث، وهو مما أحسن فيه:
كتابُ توجيهٍ وتَكريمٍ وتقْليدٍ وتَقْديمٍ. أمَرَ بإنْفاذِهِ فلان - أيده الله - لفلان - أبقاه الله - ليتقدَّمَ
للمواريثِ بفلانة وأعمالها، ويَرُمَّ ما وجَدَ من اخْتلالها، ويَنْظِمَ ما تناثرَ منْ عقد فوائد اسْتِقْلالها، إحْظاءً
أفاضَ عليه ملْبَسَه، وأوْرى لهُ زَنْدَه فاقْتَبَسَه، لِما عَهِدَه منْ حُسْنِ يقينِهِ، وعلِمَهُ منْ ورَعِهِ ودينِه،
وتَحَقَّقَهُ منْ حياطَتِه وتَحْصينِه، فلْيتقدَّم إلى ذلكَ معظَّمَ القدر، منشرحَ الصدرِ، موثِراً للأمانةِ، مُسْتَكْثِراً
للصيانَةِ، مُجْتَهداً فيما يعودُ على بيتِ المال بنَفعٍ، مدافعاً عنْ تَحَيُّفِهِ
(1/240)

أشدَّ دفع. لا يغْفَلُ منْ واجباته واجباً، ولا يُهْمِل من جَنَبَاتِ ارْتفاقِهِ جانباً،
ولا يدعُ رسماً منْ رسومِهِ داثِراً، ولا يَتْرُكُ أحداً بحَقٍّ منْ
حُقوقِه مُسْتَأثراً، وأنْ يَبْحَثَ عَمَّنْ يُتَوَفَّى بحْثاً يعْلَمُ به حقيقَةَ وارثِهِ وعاصبهِ، ويَسْلَمَ بِسَبَبِهِ بيتُ المال
منْ غاصبِه. فإنْ وجَدَ مالاً لا وَارِثَ لَهُ ولا مُدَّعياً، ولا باحثَ عنْ وجوبِهِ له ولا مُسْتَدْعياً، رفعه إلى
بيت المال، وحمله إليه أحقَّ احْتمال. وإنْ وَجَدَ مالاً يَدَّعيه مُدَّعٍ، وله شبهةٌ ربَّما اقتضتْ صدْقهُ،
وأَمْضت له حقَّه، جعله في ثقافٍ، وصيره في جُمْلةِ الأوقاف، بعد الإشهاد على وزْنِه إنْ كانَ عيْناً، أوْ
مبْلغه إنْ كانَ ديناً، حتّى يبينَ حقُّ مدَّعيه ويتَّضحَ، أوْ تثْبُتَ دعواهُ وتَفْتَضح. وحدَّ له افتقاد أراضيها،
وارْتِجاع ذاهبها - بتعدٍّ إنْ كانَ - وماضيها، وتَثْمير عامرِها، وإنْفاذَ مبيعِ غامرها، بعد الشهادة فيها
بالسداد، والمبالغة في الإشادة في تسويقها، والإنْشادِ، حتّى لا يُدْرَكَ فيها غَبْنٌ، ولا يَشْتَرِكَ في تَرْقيدها
أبٌ وابنٌ، مُجَوِّزاً له في ذلكَ ما يُنَفِّذُهُ ويُمْضيه، مَحْمولاً فيه على ما تقتضيه صحَّةُ تقويمه وتقتضيه.
لا اعتراض عليه فيما بدأه من ذلك أوْ تمَّمَهُ، ولا انتقاض لما عقده منه وأَبْرمه، ما لم تخْتَلَّ أعْمالُهُ،
ولم يبِنِ انْهماله.
فمنْ قرأه فلْيَسْلُكْ معه السَّنن القويم، ولْيتَقبَْلْ فيه الرأي الكريم. إن شاء الله.
(1/241)

فصل ومن أبلغ ما كتبوا لمنْ ثارَ وتَعدَّى وتَعَرَّضَ للخلاف وتَصَدَّى
أمّا بعد فكَّ الله غَرْبَ انْتزائكَ، وَعدَلَ بكَ عن انْتِمائكَ للضَّلالِ واعْتِزائكَ، فقد سلَكْتَ مَجْهلاً وذهَبْتَ
مَذْهباً مُسْتَوْبلاً، دلاكَ في مهاوي الغرور، ومنّاكَ بأماني زور، حداكَ إلى ركوبها، وسَقاكَ بِذُنوبها،
اسْتِصْغارُنا لأمْركَ، واحْتِقارُنا لِملتهب جَمْرِكَ، فوالله لئنْ لمْ تقِفْ في مكانِكَ، وتَنْحَرف عن طُغْيانِكَ،
وتَصْحُ من تهَوُّرِكَ وخِذْلانِكَ، لَأُجْهِزَنَّ نَحْوَكَ كَتَائِبَ كالليل البهيمِ، (مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ)، تزْأَرُ زئير الضَّراغِم، وتزْخَرُ
كالبحر المُتَلاطِمِ، فتَنْتَشِفُّ ماءكَ وتَكْتَشِفُ سماءكَ، وتَغْنَمُ طارِفَكَ وتِلادَكَ، وتُخَرِّبُ أرْضك وبلادَكَ،
حتى تعودَ قاعاً صفصفاً ولا تجِدُ منها مجيراً ولا منْصفاً، فتَغْدو خاويةً على عروشها كأنْ لم تَغْن
بالأمس وما منْ أهلها إلا حبيسٌ أوْرهينُ رَمْس، ولولا أنّا لا ندفَعُ إلا إِثْرَ وعيدٍ، ولا نوقِعُ إلا بعدَ نهي
نُبْدئُ ونُعيدُ، لكانت مكانَ الكُتْبِ الكتائبُ، وسمعتَ بدلاً منْ معانيه اصطكاك الركائب، وما بعد هذا إلا
منْ يُشيرُ إلى الوقائع، ويُثِيرُ لكَ غُبارَهُ الطَّلاَئِعُ، والسلامُ على من اتبع الهدى.
(1/242)

وله في المعنى:
أما بعد، أراكَ الله إخفاقَ مخائلكَ، وأعلَقَكَ في شَرَككَ وحبائلكَ، وأراكَ وبالَ بَغْيِكَ وغوائلِكَ، فقدْ
أوْرثكَ ضلالُكَ عنِ الرشاد وَسَناً، وأراكَ سيِّءَ أمْرِكَ حسناً، وثنى لكَ إلى مهالككَ عِنانا ورَسَنا،
فركبْتَ لخلافنا ظَهْراً، وأبْديْتَ أسرارَ عِصياننا جَهْراً، وسيَحْدوكَ كيْدُكَ إلى الفرارِ فلا تُطيقُ نفاذاً،
ويدعوكَ إلى الاعتصام فلا تجد ملاذاً، فما نَاوَأَنا مناوئٌ، ولا عارضنا من الغواية غاوٍ إلا عاجله
حِمَامُه، وقاتله عنا رُمْحُه وحُسامُه، ولولا أنا لا نوقِعُ قبل وعيد، ولا نزْمَعُ إلا بعد نهي مُبْدِئٍ ومُعيد،
لوجَّهنا إليكَ جيشاً تتزاحمُ أفواجه كالبحر إذ تتلاطمُ أمواجُه، تغْدو كقطعٍ الليل مواكبُه، وتبدو من
الأسنَّة كواكبُه، فيُثيرونَ قَتَاماً يعتم به جوُّك إعْتاماً، فلا ترى إلا لَمْعَ سنان، ولا تسمع إلا صَوْلَةَ بطل
فيها صدع جَنَانٍ، فيعود اغتباطكَ ندماً، ووجودُ أنصاركَ وأشياعكَ عَدَماً، فتَلومُ نفسك حين لا يغْني
الملامُ، وتستسلمُ ولا ينْفَعكَ الاسْتِسلامُ، لكنا كففنا بأسنا حتى يقدمَه الإنْذار، وتوقَّفْنا حتى يُعربَ عنّا
الإعذارُ، ثمَّ يأتي منْ بعد ذلك يومٌ عبُوسٌ قَمْطرير، لا يشرقُ فيه إلا ذابلٌ أوْ حُسامٌ طرير، وقد عَوَّدَنا
الله سبحانه ذلك في أعْدائنا، وأراناه في إعادتنا وإبْدائنا، وهو بعِزَّته يولي صُنْعَهُ الجميل معنا، ويحمي
من النوائب موْضعَنا، بمَنِّه وكرمه.
وفي المعنى لأبي بكر بن القصيرة:
(1/243)

أمّا بعدُ يا أمَّةٌ لا تَعْقِل رُشْدها. ولا تَجْرِى إلى ما تَقْتََضي نِعَمُ الله عندها، ولا تُقْلِعُ عنْ أذى تفشيه قرباً
وبُعْداً جُهْدَها، فإنَّكم لا ترْعونَ لجارٍ حرمة، ولا ترْقبون في مومِنٍ إلاَّ ولا ذِمَّة، قدْ أعْماكُمْ عنْ
مصالحكم الأشرُ، وأضَلَّكمْ، ضَلالاً بعيداً البَطَر، ونَبَذْتُم المعروفَ وراء ظهوركم، وأتَيْتُمْ بما نُنْكِرُهُ
مُقْتدياً في ذلك صغيركم بكبيركم، وخاملكم بمشهوركم، ليسَ فيكم زاجرٌ، ولا منكم إلا غويٌّ وفاجِرٌ،
وما نرى إلا أنَّ الله عزَّ وجلَّ شاء مَسْخَكُمْ، وأرادَ فسْخَكم ووسْخكم فسلّط عليكم الشيطانَ الرجيم يغُرُّكم
ويُغْريكم، ويُزَيِّنُ لكم قبيح معاصيكم، وكأنَّكم به، وقد نكص على عقبيه، وقال إني بريءٌ منكم،
وَتَرَكَكُمْ في صَفْقَةٍ خاسرةٍ، لا تَستقيلُونَها إنْ لمْ تَتُوبوا لا في دنيا ولا في آخرة.
وحَسْبُنا هذا إنْذاراً لكمْ، وإعْذاراً قبلَكُمْ، فتوبوا وأنيبوا وأَقْلِعُوا وانْزعوا، واقضوا من أنْفُسِكُم جميع منْ
وترْتُموه، وانصفوا جميعَ منْ ظَلَمْتُموهُ وغَشَمْتُموه، ولا تَسْتَطيلوا على أحد بَعدُ، ولا يكُنْ منكم إلى أداة
صَدَرٌ ولا وِرْد، وإلا عاجَلَكم منْ عقوبَتنا ما يَجْعلكم مثلاً سائراً، وحدثاً غابراً، فاتقوا الله في أنْفُسكم
وأهْليكم، وإياكُم والاغترار فإنَّه يُوَرِّطُكمْ فيما يُوذيكمْ، ويُلْقيكم إلى ما يَشْمَتُ به أعاديكم، وكفى بهذه
تبصرة وتذْكرةً، ليس لكم بعدها حُجَّةٌ ولا معْذرةٌ، وما توْفيقي إلا بالله.
وفي المعنى لأبي القاسم بن الجد: كتابنا أبْقاكمُ الله وسَدَّدَكُمْ وأراكُمْ
(1/244)

مصالحكم وأرْشَدَكم، وجعل إلى سبيل التخلص مقْصدكم. وقداتصل بنا ما حملكم عليه الاغترار،
وأنْكرناه، وحقُّه الإنْكار، منَ الجريرة
التي جرَّها سُفهاؤكم، والفتْنة التي أثارها غَوْغاؤُكم، وضَعُفَ عنْ كفِّها حَلُماؤكم، في العبث بذلكَ الغلامِ
والتخطي بعد ذلك إلى حزِّ رأسه، وتَفْريقِ أشْلائه، وتَحْريق أوصاله وأعْضائه، ورُكوبِكم الرُّؤوسَ في
مُواقَعة الآثام، وسَفْكِ الدَّم الحَرَام، وما لكم في المعاصي من الجرأة والإقدام، بدعةٌ لم تُبْتَدعْ قَبْلها،
ولاأتتِ الجاهلية مثْلها، وشقّاً لعصا الطاعة وقطعاً لحَبْلها، وتَحَوُّلاً إلى ظلِّ العصيان من ظلها،
وتعرضاً للعقوبة ورغبة في الارتسام بدلها، فِعْلُ منْ غمطَ النِّعمة، واستعجل النِّقمَةَ، واخْتارَ على
العافيَة المحنة. وسنفرغُ بحسم هذه الأمور، ونُحْدثُ لكم فيها الأحكام من قدر ما أحْدَثْتُمْ منَ الفجور،
ونُعجل لكم الآن بعض مالَكم فيه أَدَبٌ يَزَعُكُم، وتقديمٌ يرْدَعُكم. فأوْجَبْنا في الخطيئة على من قتَل
الغُلامَ ظُلْماً، وانتهَكَ حُرْمتَه جُرْماً، غرامَةَ ألْفٍ وخَمْسِ مائة دينار، ولا مناصَ لهم عنْ أدائها، ولا
عُذْرَ في التَّأخر عن قضائها، وأمرنا فلانا أنْ يَسْتَوفي عددها، ويسْتَعجل أمدها، ويتحاشى منها أهل
الصلاح والعفاف، ويؤخَذَ بها أهلُ التسرع إلى الشر والإسْفاف. فإنْ أخذ هذه على أيْدي السُّفهاء،
وانقطعتْ بها أسبابُ العداءِ، وإلا أنْزَلْنا بهم العقاب الأشنعَ، والنكال الأوجع. فارتدعوا مما أنتم عليه
مما لمْ تزالوا تجروا إليه منْ ثَوْرةٍ في الشرِّ إثْر ثورَةٍ، وفوْرَة في النِّفاقِ بعدَ فَوْرَة، واعلموا أنَّ
استِطالَتَكم تُورِّثكم الندامة، وأنّ استقامتكم تُعَقِّبُكم السلامة، فاختاروا ما شِئتُم منَ الاعْوِجَاجِ أو
الاسْتِقامَةِ. فإنَّ لكلٍّ عندنا جزاءً مَعْلوماً، وجُزْءاً منَ الثوابِ أوِ العقاب مقْسوماً. ولا حول ولا قوة إلاّ
بالله.
ومن إنشائه أيضاً في المعنى:
كتابُنا أبْقاكم الله وَعَصَمَكم بتقواه، ويسركُم منَ الاتِّفاق والائتلاف إلى ما
(1/245)

يرْضاهُ، وجَنَّبَكم من الشَّقاقِ والخلاف ما يُسْخِطُهُ ويَنْعاه.
من حضْرة فلانَة، حرسها الله، وقدْ بَلَغَنا ما تأكَّدَ بينَ أعْيانِكُم منْ أسْبابِ التَّباعد والتَّبايُنِ، ودواعي
التَّحاقد والتَّباغُض، والتَّناقضِ والتَّدابُر، وتَمادي التَّقاطع والتهاجر، وفي هذا على فُقَهائكم وصُلَحائكم
مطعنٌ بيِّن، ومَغْمَرٌ لا يَرْضاهُ مومِنٌ ديِّن. فهَلاّ سعوا في إصلاح ذات البين سعيَ الصَّالحينَ، وجَدُّوا
في إبْطال أعْمال المُفْسدينَ، وبَذَلُوا في تأليف الآراء جُهْدَ المُجْتَهدينَ، ورَأَيْنا - والله المُوَفِّقُ للصَّواب
- أنْ نُعْذرَ إليكم بهذا الخطاب، فإذا وصل إليكم وقرئ عليكُم (الأمارة بالسوء) وَارْغَبُوا في السُّكونِ
والهدوء، ونَكِّبوا عن طريق البَغْيِ الذميمِ المشنوء، واحذَروا منْ دواعي الفِتَن، وعواقب الإحن، ما
يجرُّ رديَّ الضَّمائر، وفساد السرائر، وعَمَى البصائر، ووخيم المصائر، وَأَشْفِقُوا على أدْيانِكم
وأعْراضكم، وأَخْلصوا السمعَ والطاعَةَ لِوَالِي أُمورِكُمْ، وخَليفَتِنا في تَدْبيركُمْ وسياسَة جمهوركم، أبِي
فلان الكريم علينا أَبْقاه الله وأدامَ عِزَّتَه بِتَقْواه. واعْلَموا أنَّ يدَهُ فيكم كَيَدِنا، ومَشْهده كَمَشْهَدِنا، فقفوا
عندَما يَحُثُّكم عليْه، ويَدْعوكم إليْهِ، ولا تَخْتَلِفوا في أمر منَ الأمور لديه، وانْقادُوا أَسْلَسَ انقياد بِحُكْمه
وعَزْمه، ولا تُقيموا على ثَبَجِ عنادٍ بينَ حَدِّه ورَسْمِه. والله
(1/246)

تعالى يفيءُ بكمْ إلى الحُسْنى، ويُيَسِّرُكُم إلى ما فيه صلاحٌ الدين والدُّنيا بِمَنِّه وكَرَمِهِ.
ومن إنشاء أبي نصر في المعنى:
كتَابُنا أَرَاكُمُ الله مرَاشِدَكُمْ، وحَسَّنَ منازِعكم ومقاصِدكم، وأَلْحَفَ السَّدادَ مصادِرَكم وموارِدَكُم. يوم كذا
من شهر كذا عن جيش لجِبٍ، ونصْرٍ غيرِ مُحْتَجِبٍ، وبَأْسٍ إليكم مُنْسَرِبٍ، وحَنَقٍ عليكم مُضْطَرِبٍ
مُلْتَهبٍ. والله تعالى يَكُفُّ طُغْيانَكُم، ويَكْفي عُدوانَكُم، ويَتَأَدَّى من قِبَلِ الأمير أبي فلان الذي أمَّرْناه
عليكم ووَلَّيْناه، وأمَرْناهُ أنْ يَتَوَلَّى منَ أمْركم ما تَوَلَّيْناه، وهو يُمْنى يدينا، وأَسْنى منْ لدينا. لسانه
لِساننا، وأعوانُه فيكم مُرْهَفُنا وَسِنانُنا، يُسْرِعُها لمَنْ اعتدى، ويَرْفعها عمَّن طاع واهتدى، حتى يُسوِّي
عِوَجَكم، ويزيل هََرَجَكم، ويُسَكِّنَ وهَجَكم، ويُوَضِّح في الاسْتِقامة سَنَنَكم ومَنْهَجَكم. فَأَعْلِنُوا له بالسمع
والطاعة، وابْلُغُوا في إقامة رَسومه والوُقوفِ عند حدُودِه أَبْعد غاية الاسْتِطاعَة.
ولا تَحْمِلوا أمْره على ما حمَلْتُم عليه أمر منْ تقدَّمَ، فيَحِيقُ بكُمُ النَّكالُ ولا يَنْفَعُكُم النَّدَمُ. ولا تَغْتَروا
بِمن أغْضى لكم عن أذى، وأطْبَقَ جفنه منكم عن قذىً فبِاللَّه إنْ سامَ منكم بارِقُ خلافٍ، ولم تأتَلِفوا
لديه أحسنَ ائتلاف، لَيَجْزِيَنَّكُم أسْوأَ جزاءٍ، ويُزيلَ ما بِكمْ منْ انْتِزاءٍ، حتى تَعُودوا لحْماً على وَضَم،
ولا يَبْقى منكم
(1/247)

غيرُ مهيض مهتضَم، كما قال رَبُّنا في قومٍ تَقَيَّلوا شياطينهم (فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ).
فقد صحَّ عندنا أنَّكم في سَنَنِ الغدرِ سالِكون، وعلى وَثَنِ البَغْي والمكر عاكفون. فنَكِّبوا عنْ هذه
السبيل، وتَبَرَّؤوا منْ هذا المذهب الوبيل، واسْتَشْعِروا إعْداداً للطاعة وإسْراعاً، وأَظْهروا اشْتِمالاً
لِجَلابيبِها وادِّراعاً. وهو مُجازٍ لمحسنكُم بالإحسان الحميد، ولِمُسيئكُم بالعقابِ الشديد. وقول الله تعالى
لكم حسيب، وعليكم شهيد (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)
ومن إنشائه في المعنى:
أمَّا بعدُ، فإنَّ الأيْدي قد امتدتْ، ودواعي التَّعدي قد اشْتَدَّتْ، وأموالُ الناس تُنْتَهبُ، وزواجِرُ كتاب الله
لا تُرْتَهبُ، وأنتَ تَنامُ عنْ كفِّ هذا الانتِهاب، وتَلينُ في موضعِ السَّطْوة والإرهاب، تعْتَكِفُ على
الراح وراحاتها، وتقفُ عندَ بُكَرِها وروَحاتِها، وقديما أفْسَدَتِ الراحة الأحوال، وجَرَّتْ إلى أهلها
الأهوال فدعها فليس بأوانها، واكتفِ منْ صحيفة الشَّرِّ بعُنوانها،
(1/248)

وأكثرِ الصَّوْلةَ، واحْذَرْ أنْ تكونَ
للمَكْروه عندك جَوْلَة، ولَينُبْ عنْ سوْطِكَ سَيْفُكَ، حتى يُرْهِبَ خيالُكَ وطيْفُك، والله الموفِّقُ للرَّشاد.
(1/249)

فصل ومن أحسن ما كتبوا في المبايعة
ما أنشأ أبو عبد الله ابن أبي الخصال رحمه الله:
الحمدُ لله الذي رفع ذكر الإسلام وأعلاه، وجعله دينه الذي اختاره واصطفاه، وتكَفَّل الأئمَّةُ هُداه،
ليسْتَخْلِفَنَّهم في الأرض وليُمكننَّ لهم دينهم الذي ارتضاه، عهداً منه جلَّ وعلا مسْؤولاً، ووعداً بالإنجازِ
موصولاً، وَميراثاً لعباده الصالحين مبْذُولاً.
وصلّى الله على منْ أَيَّده بتَنْزِيلِه، وائتَمَنَهُ على تحريمه وتحليله، ودعا بالحكمة والموعظة الحسنة
إلى سبيله، محمد نبيَّه المصطفى ورسوله الذي بينَ عنِ الرَّحمن، وأَوْضَحَ معالِمَ الإيمان، وسنَّ بيعة
الرِّضوان، وأعْطى صَفْقَاتِ الأيْمان، وعَقَد على لُزُومِ الطَّاعة، وحَذَّرَ منْ مُفارَقة الجماعة، صلى الله
عليه، وعلى سائر رُسُله وأنْبيائه، وعلى صَفْوَته وخِيَرته منْ أرْضه
(1/250)

وسمائه. فلن يزالَ الناسُ بخير ما سلكوا سبيله، وأمُّوا دليله، واتَّبَعوا قيله، وتمسكوا بما بلَّغَ إليهم، وكانوا شهداء على الناس، وكان
الرُّسول شهيداً عليهم رضي الله عنِ الخلفاء الراشدين الذين قطعوا في الدين الاختلاف، وأوجبوا على
أنفسهم الاسْتِخْلاف، ورأوا أنْ يَنْظُروا للمسلمين بعدَ مماتهم، كما نظروا لهم في حياتهم، فصار حقُّ
الأئمة معَظَّماً، وعقد الأمَّة منْتَظِماً، وشَمْلُ الإسْلامِ مجموعاً، ودُعاءُ الإمام مسموعاً.
وإنَّ الأمير الأجلَّ أبو فلان، أقْصى الله في أمره، وخَلَّدَ على الأنامِ جَمال سيره، لمّا انتظمَ أمره
واتَّسَقَ، وتَمَهَّدَ مُلْكه واسْتَوْسَقَ، وقمعَ أهل الشقاء والعِنادِ، وقضى حقَّ الله في العباد، وغَرِقَت كَفُّهُ
المبارَكةُ بالأعنَّةِ في الجهاد، وتَعَوَّد عاتِقه في سبيل الله حَمْل النِّجادِ، ووطِئتْ كتائبُهُ المنصورة أقاصي
الأغْوارِ والأنْجادِ، اطلع في عواقبِ الأمور، وصدَّقَ نفسه - نفَّسَ الله مَهَلَها - عن المقدور، ولاحظَ
قوْلَ القائلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيْتَ إنْ جئتُ ولمْ أجِدْكَ؟ فَتَلَقَّاها بالتَّصديقِ، وأجابها
عنِ الصِّدِّيق، فاهتدى بهُدَاه،
(1/251)

واقتفى أَثره وجرى في مَداه، واحتمل - أيَّد الله أمره - وفَسَحَ طويلاً
عُمْرَهُ في صلاح منْ وُكِلَ إلى فضْلِه، وَوُضِعَ على يَدَيْ رَأْفَتِهِ وعَدْلِه، نَصَبَ الارتياء والإرْتيادِ،
وتَعَبَ الإصدارِ والإيرادِ، ولمْ يَسْتَبِدَّ دونَ المُشاورة، وهوَ أحقُّ الناس بالاسْتِبْدادِ.
وما زال الفَضْلُ يَتَمَيَّزُ، إلى أهله يَتَحَيَّزُ، ونورُ الله بينَ يدي عقده وحله، يُُرْشِدُه إلى منْ رأى الناس
دون مَحَلِّه، فقلَّدَ الأمير الأجلَّ أبا فلان، رفعَ الله أَعْلامَهما، وأطال أيّاَمهما، عهدَهُ ونَصَّبَهُ إماماً للناسِ
بعْدَهُ. ولمْ يألُ نُصحاً لله ولمنْ اسْتَرعاهُ أمورهم، وَوَلاهُ تَدْبيرُهم، تَخَيُّراً أُسِّسَ على التَّقْوى، وشُدَّ
بالعزمِ الأقوى. والله يَجْزيه على سعيه المبرور، وعمله المذْخور، أفْضَلَ ما جزى به إماماً اسْتَخْلَفَهُ
في أرْضه، وقامَ بحقِّه وفَرْضِه، وعَدَلَ في بَسْطِه وقَبْضِهِ، وَأَعْمَلَ رايةَ الرِفْقِ فيما يَعُمُّ البِشْرَ، ويَضُمُّ
النَّشْرَ.
وورد عَقْدُهُ المطاعُ على عامله بفلانة وأعْمالها، أبي فلان بن فلان، وجماعة المسلمين بها، أعزَّهم
الله، وحرسها، يتَضَمَّنُ ما انْشَرَحَتْ إليه الصدور، وسَكَنَ إليْه الجَمْهور، وأَمِنَ بِعَقْدِه المَحْذُورُ، وشَمَلَتْ
به المَسَرَّة، واسْتَشْرَفَتْ نحْوَهُ المنابِرُ والأسِرَّةُ وأَمَدَّه بالبيعة له، وأخذها على منْ قَبْلَهُ فقامَ أبو فلان
بهذا
(1/252)

المُهِمَ الجَسيمِ، والعهد الكريم، قيامَ المُجِدِّ المُشيحِ، المُجْتَهدِ النَّصيح، ودعا كافَّةَ الناسِ إلى هذه
البيعة المبارَكَة التي وُصِلَتْ بالتَّقوى أسْبابُها، وفُتِحَتْ إلى الحُسْنى أبْوابُها، فأتوها عِجَالاً، وابْتَدَروها
أرْسالاً، وأهلُّوا بالتكبير والتحميد إِهْلالاً، ودخلوا فيها مُسْرِعينَ، وأجابوا دَاعِيهَا مُهْطِعينَ، وشكروا الله
تعالى على ما وُفِّقَ لَه أمير المسلمين وناصرُ الدين، منْ جَمْع كلِمَتِهم على منْ هو مُتَقَيِّلٌ رَأْيَهُ الأسْنى،
وَتِلْوُهُ في الخلائقِ الحسنى، وسألوه تباركَ وتعالى أنْ يُديمَ في يديْ أمير المسلمين طِيالَها، ويُديم
اتِّصالها، ويَمُدَّ بُكَرَها وآصالها، حتى لا يخْلعَ أثْوابَها إلا بعد مهْلٍ، لمْ يَبْلُغْه شأوُ الخلفاء، ولا تناوَلوه
بيد الاسْتيفاء، ثُمَّ يصيرُ الأَمرُ إلى وارثِ مجْدِهِ، ووليِّ عهدهِ. والأمة راضية مُقِرَّةٌ، والإمامةُ في
نِصابِها مُسْتَقِرَّةٌ، وصُنْعُ الله الجميل يُراوِحها ويُغاديها، ويَقْضي بإعْزازِ أوْلِيائِها، وإذْلالِ أعادِيها.
وحين عمَّت المسلمين هذه البُشرى،
(1/253)

وجاءتْهم المذاهبُ بها تَتْرى، أَعْطَوْا صَفْقَةَ أيْمانِهم مُبْتَدِرينَ،
واختاروا مَنِ اخْتارَ الله لهمْ وإمامُهم العادل مُسْتَبْصِرينَ، وبايعوا الأمير الأجلَّ، وليَّ عهد المسلمين
على السَّمع والطاعة، وبَذْلِ الجُهد والاسْتِطاعَةِ، وعلى أنْ يكونوا لمنْ راده حزْباً، وعلى منْ حاده
حرباً، ولا يألوهُ نُصْحاً في القُلِّ والكُثْرِ، والعُسْر واليُسْر والرِّضا والسَّخَط، والقربِ والشحط، والمَكْرَهِ
والمَنْشَطِ، وفي كل منْحى منْ أنْحائه ومتوجَّه. وجعلوا الله على أَنْفُسِهم لذلك كفيلاً وأشْهدوا على الوفاء
به. (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) (وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) وكتب المَلَأُ منْ بني فلان، ومنْ تلاهمْ أسماءهم في هذا الكتاب، ليكونَ باقياً في الأعْقابِ وثابِتاً
مع الأحْقابِ. ودانوا الله تعالى بما أمضوه وعَقَدوه، وارْتَضَوْه واعْتَقَدوه، والْتَزَموا الوفاء به وشَدَّدُوه،
ورضى الله تعالى يَهديهم، وَيَدُهُ جَلَّ وتعالى فوقَ أيْديهم وذلك في شهر كذا من سنة كذا.
قول أبي عبد الله رحمه الله: (ولاحظ قول القائلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم) حديث مأثور،
وخبر مشهور. روى الشافعي عن إبرهيم بن سعد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف
(1/254)

عن أبيه محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، قال: أتت امرأة إلى رسول الله صلى عليه وسلم فسألته عن شيء
فأمرها أنْ ترجع إليه. فقالتيا رسول الله أرأيْتَ إنْ جِئْتُ ولمْ أجِدْكَ؟ تعنى الموت. فقال لها رسول الله
صلى الله عليه وسلم: إنْ لم تجِديني فإيتي أبا بكر. قالالشافعي: في هذا الحديث دليلٌ على أنّ الخليفة
بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه.
ومن إنْشَاءِ الفقيه الكاتب الماهر شيخنا أبي عمرو بن محمد عبد الله بن غياث ما كتب به عن أهل
(شريش) في بيعة أمير المؤمنين أَبِي يوسف المنصور رحمة الله عليهم:
الحمد لله الذي يَسَّرَ أَسْبابَ الخير وسَهَّلها، وأَدْنى قطافَ الأماني وذلَّلَها، وأَهَّلَ للخلافة خلَفاءَ كَمَالَهم
أَهَّلها، وأَسَّسَ قواعِدها على قواعد البِرِّ والتقوى وأصَّلَها، وجَعَلَ الفُتوحات خُدَماءها وخَوَلَها (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا
(1/255)

مُمْسِكَ لَهَا) والصلاة على سيدنا محمد المُبْتَعِثِ بشيراً ونذيراً إلى كافة الأمم. والكُفر قد أغواها وخَذَلَها، وحَمَّلها
من الطُّغْيان والعصيان على ما حَمَّلها، فبين سَنَنَ السُّنن والفرائض وأوْضح سُبُلها، وصَدَعَ بأمر الله
حتى شَفى أدْواءها، وحَسَمَ عِلَلَها، والرِّضا عنِ الإمام المعصوم، المَهْدِيِّ المَعْلُوم، القَائِم بأمر الله، آخِر
الأَعْصار، وقد بشَّر به أوَّلها، الواضحِ العلامات والدَّلالةِ، عَلِمَها منْ عَلمِها، وجَهلِها من جَهَلِها.
والدُّعاء لصاحبه وخليفته سيدنا ومولانا أمير المؤمنين الذي تَمَّمَ تِلكَ البِداءات وأكملها، وسقى نَفَسَ
الخلافَة منْ ينابيع العدل نميرها وسلسلها. ولسَيِّدنا ومولانا الخليفة المُرتضى أمير المؤمنين ابن أمير
المؤمنين، المُتَكَفِّل لطائفة التَّوحيد بالنَّصر الذي اكتفلها وكَفَلها، ومدَّ لها ظلالَ النَّجاة بجميع الأرجاء
والجهات ورفع ظُلَلَها، ولابنه الأمير الأجل المنصور الناصر لدين الله أبي يوسف ابن الخليفة
المرتضى مُبْلِِغِ الخلافةِ أمَلَهَا، ومُسَوِّغِها جَذَلَها، المُعَدِّ لطائفة الزَّيْغ من البيض والسُّمر قِرَاها ونُزُلها،
المُجَلِّي غَيَاهبَها، والكفر قد أسْبَلها، وسَدَ لَها بفتوحات تَشْتَمِلُ على أقاليم لم تُصخْ للدعوة الإمامية
أَسْمَاعَها، فسبق سَيْفُها عذَلَها، وإنَّ الله تعالى لما بعثَ محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة
بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذْنِه وسراجاً منيراً، دعا إلى الهدى، وأوضح طرق الشريعةِ منْفسحة
المدى، ووعد وأوْعدَ، وألانَ وشَدَّدَ، ويسَّرَ وما عَسَّرَ، وبَشَّر وما نَفَّر، فهدى به منْ هدى إلى الصِّراط
المُسْتَقيم، والمِنْهاجِ القويمِ، ثُمَّ بَشَّرَ بِذَخيرة الوجود، وسِرِّ النبإ المقصود، الإمام المعصومِ، المهديِّ
المَعْلومِ، فلاحت بشائرُهُ بالمغرب الأقصى، وانتشرت أنوار هدايته فيما دنا منَ الأقاليم وقصا، متميزاً
بالعلامات، مبرزاً بالدلالات، فَأَحْيَا السُّنن والفرائضَ بعد دروسها، وبسطَ وجوهَ الأماني بعد عُبُوسِها،
على
(1/256)

حين انقراضِ الحقائقِ، وجَهْل الخلائقِ، فَقَطَعَ أسباب تلْك العلائق، وبسط العَدْلَ في المغارب
والمشارق، ثم أكمل الله تلك البداية، وأبدأ الهداية بخليفته أميرِ المؤمنين المشرقِ الجبين، عن أنوار
الفتح المبين، ثم وَلَّى أمْرَهُ العزيز احتياطاً للدين ابنَه الخليفة الأهدَى أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين
الذي يأوِي العدلُ منه إلى (رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، المأثور الآثار، الواضح الآيات وضوح النهار.
ثم انعقدت البيعةُ عنْ إِجْماعٍ من الجماعةِ الطَّاهرَة، والطائفةِ الظاهرةِ، عِلْماً منهم بمَخائِلِ الاعتِناءِ
الإلهيِّ ودلالاته، إذ الخلفاء ورثَةُ الأَنْبِيَاءِ، و (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ونظراً لِدينِ الله وعِصْمَةً لعبيده، وأخْذاً بعقودِه - كما
أمر - وعهودِه، للأمير الأجل المنصور الناصر لدين الله أبو يوسف بن الخليفة أمير المؤمنين بن
أمير المؤمنين، أيَّد الله أمرهم، وأعزَّ نصْرهم، فاستقرَّ الأمر في قراره، وانتهى إلى قُطْبِ مدارِه،
فاقْتدى بهم سَلَفُ الموحِّدين، وكافةُ المسلمين وبايعوه بيعةَ الرِّضْوان، وأعطوه صَفْقَةَ الأيْمَانِ ومَوَاثيقَ
الأَيْمَان، فشدَّتْ أركان الإِيمَانِ، ونفخَتِ الأرْواحُ في الأجسام، ونادى مُنادي الحقِّ في الأنام، هي بيعة
الرِّضوانِ يُشرعُ وسَطَها بابُ السلامةِ، فادخلوها بسلام، فتلقى عبيدُه كافةُ أهل (شريش) ذلك المنادي
أفواجاً، وسلكوا إلى الطاعة منهاجاً، وبادرُوا إلى الفَرْض الذي إليه البِدارُ يجِبُ، بقُلوبِ تكاد شوقاً إلى
ذكره - أيَّده الله - تَجِب، وبايعوه بيعة خالصة، أدّاها صفاءُ الاعتقادِ إلى الأَلسنة، وخطَّ الأيدي منْ
حاضرٍ وبادٍ بإخلاصٍ من الضمائِرِ، في السرائر والظواهر، على الأمْنِ والأمانة، والعدل والسَّمْع
والطاعَةِ، في المَنْشَطِ والمَكَْْرَهِ، والعُسر واليُسر، اقتداءً ببيعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
الرِّضوانية، وأخْذاً بالمواثيق والعُهُودِ الأَيْمَانِيَة،
(1/257)

وعلى ما بويع عليه إمامُنا المهدي رضي اللَّهُ عنه
وخليفَتاه بعده، حسَبَ الوعْدِ السَّابِقِ له من الله، (وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ). تلوح البركاتُ في وجوه مساعيهمْ، وتَنْثالُ
الخيراتُ عليهمْ بخلوص معتقدهم لها وتَصافيهمْ، وكلَّما مدُّوا أيْدِيَهُمْ للمُبَايَعة تلا عليهم لسانُ الإسلام (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)
وأَقْبَلوا على الطاعة، ومُوَافقةِ الجماعةِ، ورَسَموا الخُطُوطَ، وأَشْهدوا الله على ضمائرهم لِعِلْمِه بها، (وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا).
(فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).
وذلك في مستهل جمادى الآخرة سنة ثمانين وخمس مائة.
ومنْ إنْشاء بعض أهل العصر، وهو بلَدِيُّنا الفقيه الحافظ أبو الحسن علي بن إبراهيم بن الفخار:
الحمد لله مُفِيض النِّعَمِ المتواتِرة، ومُسْبِغ المنن المتَكاثرة، ومرسل الآيات المُتَظاهرة، الذي وقفت
الأوهامُ عن حمَى عظمته قاصرةً، وبقيت الأفهامُ دون جلالِه حائرة صاغرةً، وصلواتُه وبَركاته على
محمد نبيه، وأمين وحْيه، المؤيَّدِ بالمعجزاتِ القاهرةِ، والبراهين البَاهرة، ورضوانُه عن الخلفاء
الراشدين، الهادين المهتدين، الذين أرسلوا من الفضل سماء ماطِرة، فأحيتْ من العدل أرْضاً هامدة
ورسوماً داثِرَة، ونَسْتَوْهِبُ الدُّعاء لسيدنا الخليفة الإمام المبارك
(1/258)

الأَوْحَدِ، الميمون الأسعد أهل المقامات
الطاهرة، والكرامات الظاهرة، بالسُّنة ناطقة، ونياتٍ صادقة، بأن يؤتيه اللَّهُ خيرَ الدنيا والآخرة،
ويُسْبِغ عليه نِعمهُ الباطنة والظاهرة، ويقْمَع به الطغاةَ والجبابِرة، والحمد لله الذي لم يُخْل بلاده، ولا
أهمل عباده، من خليفة تجْتَمِعُ عليه الأمة، وتدوم به النِّعْمَةُ، يَحْفَظُ دينه القويم، وينهجُ بأهله صراطه
المستقيم، ويَعصِمهم من تشعُّبِ الأهواء ويَمْنَعَهمْ من تَغَلُّبِ الأعداء، ويَحْتَقِنُ في أُهَبِها متحرم الدماء،
ويقطع دونهم أيدي الاعتداء، ويقيم الشريعة على الطريقة الواضحة، ويُجري حدودها وأحكامها على
سبيل أعلامها اللائحة. وأوجَبَ على الأمة طاعته فَرْضاً حَتْماً، وأمرهم بالذَّب عنه والقيام دونه أمراً
حزماً، وجَعَلَها مقرونةً بطاعته وطاعة رسوله. فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). عِصَاماً ربط به عِبَاده إلى سلوك
سَبيلِه، وبَيَّنَ الرُّسُولُ عليه السلام أنَّ تقلد بيعته والقيام بدعوته أوْجَبَ خصال الملة الحَنِيفَة. فقال
صلى الله عليه وسلم: "منْ ماتَ وليس في عُنقِهِ بيعة ماتَ ميتَةً جَاهِلية".
قال أبو إسحاق:
ذهب أبو الحسن في الآية التي استشهد بها، وهي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). إلى أنَّ أولي الأمر: الأمراء، وهو
مذهب أبي هريرة وابن عباس وجماعة من الصحابة، وأولي العلم، ومذهب جرير بن عبد الله
ومجاهد وغيرهما، أن أولي العِلْم هم العلماء،
(1/259)

وقيل أولو العلم بالقرآن وطاعة الله تعالى اتِّبَاع أوامره
وامتثالها، والانتهاء عمَّا نَهَى عنه، وطاعة رسوله واتباع سنته
رجع
والحمد لله الذي أقَرَّها في نِصَابها الشريف، وقَدَّرها في بيتها المنيف، وجَعَلَها مُطَّرِدةٌ في أهلها،
اطِّرادَ الكُعُوبِ، جارية بين باسطي فَضْلِها، وناشِري أهْلِها، على أُسلوب الذين عَرَفَتْهم وعَرَفُوها،
وأَلِفَتْهم وألِفُوها، وكانوا أَحَقَّ بها وأهْلَها، إذْ صلُحَتْ بهم كما يَصْلُحونَ بها وتِلْكَ نِعْمةٌ لا يُقامُ بِشُكْرها،
ولا يُحاطُ بقدْرِها. حَفِظَ بها حوزة الإسلام، وعَصَمَ بِبَرَكَتِهَا أُمَّةَ محمد نبيه عليه السلام، حين وقع
الإجماعُ والإصفاقُ، وحَصَلَ الارْتباطُ والاتفاق، على مبايَعة من شهدت له خصائص الصفات، وقامت
له حقائق السِّمات، بأنَّه مُسْتَحِقُّ الخلافة وَمُسْتَوْجِبُها، ونَجْمُها الثَّاقِبُ وكَوْكَبُها، ومستودعُ آياتها
الصَّادقة، وحامِلُ رايتها الخَافِقَة، الذي يَمْلؤُها عَدْلاً، ويَسَعُها بفضله فَضْلاً، ويحْمي ذِمارَها، ويُؤَمِّنُ
أكْنافَها وأقْطارها، ويُفْني أعْداءها، ويَحْفَظ أرْجاءها. الأمير الأجَلُّ الأسْعد أبو فلان المَخْصوصُ
بالنَّصْرِ والتَّأْييدِ، المقْرونُ الآراء بالنُّجْحِ والتَّسْديد، جَعَلَ الله خِلافَته محْفُوفَةً بطول البقاء وامتداد
العمر، مقْرونَة باتِّصال السَّعْدِ واسْتِيلاء الأَمْرِ، ولما سمعَ عبيدُها اللائذُونَ بأمْنِ حَرَمِها، المُعْتَصِمونَ
بواقي عِصَمِها، المُسْنِدونَ لعَميمِ فَضْلها وامْتِنانها، المُتَعرِّفون عظيمَ عَدْلها وإحْسَانها، أهلُ فلانة منْ
عَقْدِ هذه البيعة السعيدة، وارتباط عُقودها الحميدة، ووافى داعيها، فإنَّ بابها قد فُتِحَ لداخِليه بسلام،
ولواءَها المَنْصورقد رُفِعَ لِمُبْتَغيه
(1/260)

الكرامِ، أجابوه مُسْرعين بألْسِنَةٍ ناطقة، ونِيَّاتٍ صادقة، وصدور
مُنْشَرِحة، وقلوبٍ مُنْفَسِحَةٍ، مُبادرينَ الانْتِظَامَ في سلكِ الطَّاعة، مُسَارعينَ لاقْتِفَاءِ سَنَنِ الطَّائفَةِ
المَنْصورة والجماعة، وأَعْطوا صَفْقَةَ أَيْديهم، ويَدُ الله فَوْقَها، مُتَطَوِّقينَ على ما يُرْضي الله تباركَ
وتعالى طَوْقَها، والْتَزَموها بيعَةَ رِضْوانٍ، وعقيدة إِيمَانٍ، واعْتَقَدوا بها السمع والطاعة على كلِّ حال
وفي كل زمانٍ، وعَلِموا أنَّ الله سبحانه قدْ صَنَعَ بها صُنْعاً كريماً، والْتَزَموا الوفاء بها. (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). وكَتَبَ العبيدُ المُسْتَبْشِرُون أَسْماءهم بِسَوادِ عيونِهم، في صفحات قلوبهم ويقينهم، شاهدين على أَنْفُسِهم بما
الْتَزَموه منْ هذه البيعة السعيدة، وارْتَبَطُوا لهُ منَ العُهودِ الوَكيدَة، (وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا). وذَخَروها إلى (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا). وذلك في شهر
كذا من سنة كذا.
ثمَّ خَتَمَ الرُّقْعَةَ بهذا الدُّعاء: اللهمَّ اجْعلها خلافة عُقِدَتْ على التَّقوى معَاقِدُها، وعَمرَتْ بالوفاء معاهدها،
واجْمَع القُلُوبَ على حُبِّ خَليفَتِكَ، على عبادِكَ وسُلْطانِكَ في بلادِكَ، وأَلِّفْ عليه كلمة الإسلام، وانْصُرْ
به دينَ نبيِّكَ محمد عليه السلام، وآوِ العبادَ منه إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قرارٍ وَمعينٍ، واجْعلها كلمةًَ باقية في
عَقِبِه إلى يومِ الدينِ.
اللهم وَفِّقْهُ للخيرِ وأعِنْهُ عليهِ، وأَصْلِحِ الرَّعيَّة به وعلى يديه، وأطل اللهمَّ عُمْره، وأَدِم تَأْييده ونَصْرَهُ،
وأبْقِه خليفةً سعيداً مُجاهداً في سبيلِكَ، مُتَّبِعاً سُنَّةَ رَسولِكَ، وأَيِّدْه بجُنْدِكَ القوي، ونَصْرِكَ العلي، وأَعْل
كَعْبَه، وانْصُرْ حِزْبَه، واهلكْ منْ حَادَهُ وأَعِدَّ حَرْبَهُ، (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وأَنْتَ (نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).
(1/261)

ومن إنْشاء الكاتب أبي بكر بن أَخْيَل من أهل عصرنا:
الحمد لله الذي جعل الخِلافة نظاماً لا يَنحل، ولزاما لا يَخْتَلُّ، يُحْفظُ بها الإسْلام، ويَتَّصِلُ ما سَنَّهُ
النبيُّ عليْهِ السلام، فهي، كمال الدين والدُّنيا، وجمالُ كلِمَة الله العُلْيا، تَحْقِنُ الدِّماءَ وتَحُوطُ الأموالَ،
وتُقيمُ منْ أَوَدِ الحَقِ ما مالَ، وتَمْحو رسمَ الحرامِ وتُثَبِّثُ الحلالَ، وتَأْخُذُ للضعيف منَ القويِّ، وتُجْري
الكافَّةَ على المَنْهَجِ الواضِحِ السَّوِيِّ، بالمبادَرة إلى انْعقادها وارْتِباطِها، والمُحافَظَة على قواعدها
الموصلة وأَشْراطها، أوْكَدَ ما تتقدَّمُ إليه الأمْر، وتُسْتنزلُ به الرَّحْمَةُ
(1/262)

السابِغَةُ والنِّعْمَة، فهي كمالُ الكمالِ
وتمامُ التَّمامِ، الجُنَّةُ الواقِيَةُ والعِصْمَةُ الباقية لجميعِ الأنامِ، والحمد لله الذي جَعَلَها في حُماة أمْره العظيم،
ووُلاةِ حزْبِه الكريم على التَّوالي والدَّوام، والصلاة ُعلى محمد نبيه هادي الأمة بعد ضلالتها، ومُنْقِذِها
من حيرةِ جهالَتِها، التي أَمْسَكَ بِحَجَرِها عنِ النَّار وأَبانَ لها واضِحَ المَنارِ، وعلى آلِه وأَصْحابِه
المهاجرين والأنْصار، الذين سلكوا طريقتَه، وعَرَفوا حقيقَتَه، وعلى خُلَفائه الذين حاطوا أُمَّتَه، وتَمَّموا
نِعْمَتَه، والرِّضا عن الإمام المعصوم، المهديِّ المَعْلوم، مُحيي رَسْمِهِ بعد الدُّثور، ومُعيدِ بَدْأَتِه في إقامة
الحقِّ وصلاح الجَمْهور، قام رضي الله عنه، والجَوْرُ قد ظهرَ، وحِزْبُ الباطِلِ قد مَهَرَ، والإسلام قد
دَرَسَ رسمه، ولم يبقَ منه إلا اسْمُه، وكلُّ ذي رأيٍ مُعْجَب برَأْيه، منْقادٌ بأَعِنَّة هواهُ في ذميمِ سَعْيِه،
فَشَحَذَ بصائرَ الأمة، وأَنْقَذها منْ ضلالَة تِلْكَ الغُمَّة، وأَطْلَعَ عليها أَنْوارَ الهداية والعِصْمَة، حتى عاد
الإسلامُ جديداً غَضّاً، وعَرَّفَها واجِباته نافلة نافلة، وفَرْضاً فرضاًً، فلما اسْتَنار المسلكُ والمنهجُ، وفُتحَ
- لمنْ قدِّرَتْ لَهُ السَّعادة - البابُ الذي يلِجُ، لحقَ بالرَّفيق الأَعْلى، وجَلَّ مَقامُهُ الكريم وعلا، وخَلَعَ
أشعَّة أنْواره، وهدايَةَ آثاره، على صاحبه المُرْتَضَى، وسيْفه المنتضى، سيدنا ومولانا الخليفة أمير
المومنين، فسَدَّ ذلكَ المكان، وكان للأُمَّةِ كما كانَ، يَتْعَبُ لِنَعيمِها، ويَدْأَبُ في إصْلاح فاسِدِها وحِفظِ
قويمها، وسَلكَ بها طريقة صاحبه الإمامِ المهدي في الرِّفْقِ بالضعيف منها والقوي، كَفَلَها كذلك مدَّة
عُمْرِه، مُتَوَخِّياً لها النَّصيحة في نهيه وأمره، ثمَّ تقَلَّدَ الأمرَ بعد ذلك سالكاً تِلْكَ المسالِك الخليفة الإمامُ
أمير المؤمنين أبو يعقوب ابن سيدنا ومولانا أمير المومنين، أعزَّ الله بهم الدين فاقتفى آثارَهم
الواضحَة، ومَقاصِدَهم الصالحة، لا يَغِبُّ الأمة إحسانُهُ وإنْعامه، ولا يَعْدِلُ بهم عنْ سَنَنِ الخُلَفاء آبائه
الراشدينَ إِحْكَامُهُ، يحفظُهم ليلاً ونهاراً،
(1/263)

ويَلْحَظُهم بعين الرِّفق إسْراراً وجهاراً، ثمَّ نَشَأَ الشابُّ التَّائِبُ،
الدَّائِمُ على طاعَة ربه الدائِبُ، الأمير الأجَلّ المنصور الناصر لدين الله عز وجل أبو يوسف ابن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، وصلَ الله لهم عادَةَ النَّصر والتَّمكينِ، فظهر لأبيه منْ مخائله الكريمة،
وشَمَائِلِه الجميلة الوسيمة وكرمِ النَّجيرَة والشِّيمَة، ماأَدَّاهُ إلى أن اسْتكفاه، فتَعَرَّفَ اليُمْن والأمان في كل
ما أَتاهُ، ولمْ تَزْلْ عُيُونُ الموحدينَ. - أيَّدَهم الله - إليه ممتدَّة، ونُفُوسُهم لتَعْظيمِه وتَقْديمه مُعَدَّةٌ، لما
شاهدوه منْ هدْيِه وإخْباتِهِ، وتَعَرَّفوه منه في جميع حالاته وأوقاته، ومواضع مشاهده وخَلَواته. والسَّعْدُ
يَعِدُهم بإنْجازِ ذلك الوَعْدِ، وإحْرازِ الحظِّ الأسْنى منه والعيش الرَّغْدِ. فلَمَّا اسْتَحْكَمَتِ السعادة، تَحَرَّكَتْ
منهم الرَّغْبَةُ الوكيدَةُ والإرادةُ، فاجْتَمَعَ الملأُ الأَعْلى منْ أهلِ الحَضْرَةِ المُعَظَّمَةِ الذينَ يُقْتَدى بآثارِهم،
ويُهْتَدى بمنارِهم، على مبايَعَته بيْعَة إيمانِ وأمان، وعَدْلٍ وإحسانٍ، فأعطوْا بذلك صَفْقَة الأيْمَانِ
والأيْمُنِ، واثِقين بما لَهم بها منَ الفَضْلِ والإِحْسانِ، والخَيْراتِ الحسانِ، وإنَّها بيْعَةٌ شابَهَتْ بيعة
الرِّضْوان، نَفَثَتْ في الأَمْواتِ رُوحَ الحَيَاةِ، وجَمَعَت الأهواء المَفْطورَة على الاخْتلاف والشَّتاتِ،
وعَرَفَتْ أنَّ لله تعالى بهذه الأُمّةِ أَكْبَر العِناياتِ، ولمَّا نفذَ الأمرُ لعبيدِهم أهل فلانة بادَرَ الجميعُ منهم
إلى عَقْدِ البيعَةِ الكريمة، وشكر النعمة الجسيمة، واثقين بما لَهم فيها منَ الصَّلاحِ الشَّامل للجمهور
المُتَعَرَّفِ به كافَّة الأمور، المُشَرِّفِ لأعْقابِهم على ومرِّ الدُّهور، حظٌّ ساقهُ إلَيْهمْ وافِدُ السعادة، فقد
عَوَّدَهم الله بطاعَتِهم التي هي طاعَةُ الرحمن ومادَّةُ الأمانِ أَكْرَم العادَةِ، فأعْطى الجميعُ منَّا صَفْقَةَ
أَيْمانِهم، حافِظينَ إيمَانَهِمْ وأَمَانَهُم، وبايَعْنا بِنُفوسِ مُنْشَرِحَةٍ، وآمالٍ مُنْفَسِحَةٍ، وعُهودٍ مُؤَكِّدَة، والأيْمان
مُشَدَّدَة، والآرَاءُ مُسَدَّدَة، سيدنا الخليفة الأمير الأجلَّ المنصور أبا
(1/264)

يوسف ابن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، أَعزَّ الله بهم الدين على ما بويِعَ به الإمامُ المعْصومُ المهدي المعْلومُ رضي الله عنه،
والخليفتان من بعده، وعلى السمع والطاعة، بيعة مُجَددة مُؤكدة، في السِّر والجهر، والعُسْرِ واليُسْرِ،
والمُكْسَلِ والمُنْشطِ. وأَكَّدْنا في ذلكَ عهود المُغْتَبِطِ المرْتَبِطِ، وأَوْقَفْنا بِمَحْضَرِ كافَّةِ الناسِ بذلكَ شَهَادة
الأشْياخِ والأعْيانِ واعْتَقَدناه أَشْرَفَ ما ضُمَّتْ عليه اليدان.
فالحمد لله الذي مَنَّ علينا بهذا المقام الشريف، والعَهْدِ الكريمِ المُنيفِ، الذي اهْتَزَّتْ لَهُ نُفوسُ الكافَّة
إعْجاباً وارْتِياحاً، واتَّخَذوا التَّحدّثَ بِه والشُّكْرَ له هَجِيرَاهُم مساءً وصباحاً، وتعَرفوا منْ بَرَكاتِه
ومُتَوَجَّهاتِه يُمْناً شامِلاً ونَجاحاً، وإنَّها لَنِعْمَةٌ جَلَّتْ عنِ الشُّكرِ والذِّكْرِ، وبَهرتْ بآياتِها الباهِرَة خواطِرَ
الفِكْرِ، والله سُبحانه المسْؤول أنْ يُنْهِضَ عَبيدَه بالْتزامِ الطاعة، جَهْدَ الاسْتِطاعةِ، وَبِشُكْرِ سيِّدِنا الخليفَةِ
الأمير الأجل المنصور أبي يوسف ابن سيدنا ومولانا أمير المؤْمِنين على اعتنائهم بالأمَّة، وإفاضَتِهم
عليها عوارِفَ النِّعْمَةِ والرَّحْمَة، ولْيَنْصُرْ أَعْلامهُمْ غرباً وشَرْقاً، ويَجْعَلَ حامِدَ أمرهم، وجاحد خَيْرِهمْ،
الأخَسَّ الأشْقَى بِمَنِّه ويُمْنِهِ.
وكتَبَ العبيدُ شَهادَتَهم بما فيه عنهم وعنْ كافَّتِهمْ، في مستهل جمادى الأخرى سنة ثمانين وخمسمائة.
قوله: (واتخذوا التحدث به والشكر له هِجِّيراهم)؛ أي كلامهم متردداً بينهم المرة بعد المرة.
وفي حديث عمر أنه كان يطوف بالبيت، وهو يقول: رَبَّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
وقِنا عَذابَ النَّار. مالَهُ هِجِّيرَى غيره.
والهِجِّيرَى أيضا، إسم مصدر، ولم يأت صفة، قاله أبو علي. يقال ما زال
(1/265)

ذلك هِجِّيراه: أي عادته قال ذو الرمة:
رمى فأخْطأ والأقدار غالبةٌ ... فانْصَعْنَ والوَيلُ هِجِّيَّراه والخَرَبُ
وللأديب الكامل أبي عبد الله الرصافي في مدح السيد المكرم أبي سعيد ابن أمير المؤمنين رحمة الله
عليهم قصيد فريد، اشتملت على أنواع البلاغة أبياتُه، وحسن إثباته، وهو:
من عانَدَ الحقَّ لم يعْضُدْه بُرْهانُ ... وللهدَى حجةٌ تعلو وسُلْطانُ
ما يُظهر اللهُ من آياته فعَلى ... أتَمِّ حالٍ وصُنْعُ الله إتْقانُ
منْ لم يرَ الشَّمْسَ لَمْ يحْصُلْ لناظِرِهِ ... بين النَّهار وبين الليل فُرْقانُ
الْحَمْدُ لله حمد العارفينَ به ... قد نوَّر القَلْبَ إسلامٌ وإيمانُ
عقْلٌ وثابِتُ حِسٍّ يقْضيانِ معاً ... للأمر أنَّ سراجَ الأمْرِ عُثْمانُ
السيدُ المتعالي كُنْهُ سُؤدَدِهِ ... عمَّا تُحاولُ أَلْبابٌ وأَذْهانُ
(1/266)

مَنْ زَارَ حضرته العَلْيا رأى عجباً ... الملك في الأرض والإيوان كيوانُ
كنا إلى الملإ العلويِّ نَنْسُبُهُ ... لَوْ ناسَبَ الملأَ العُلْوي إنْسانُ
كأنّما يتعاطى فَصْل مَنْطِقِه ... عن التكلم لُقمانٌ وسَحبانُ
يُغْضي عن الذنب عفواً وهو مقتدرٌ ... ويترُكُ البطشَ حلماً وهو غَضْبانُ
وفطنة من وراء الغيب صادقة ... منها على فضلها في الحلم عنوان
مزيَّةٌ ما أراها قبله حصلت ... لواحد من ملوكِ الدَّهر مذْ كانوا
أستغفرُ اللهَ إلا قصَّةً سلَفَتَْ ... قد كان فُهِّمَها يوماً سُلَيّمانُ
وما جرى ذكرُه في مُضْمرٍ وفمٍ ... إلا تعطر إسْرارٌ وإِعْلانُ
يُريكَ باسِمَ نَوْرِ منْ أَسِرَّتِه ... لكنه من نمير البِشْر رَيَّانُ
لوْ كانَ للبدْرِ عنْدَ التمِّ مَبْسَمُهُ ... لمْ ُيُدْرك البدر بعد التَّمِّ نُقْصانُ
مرأى عليه اجتماع للنفوس كما ... تَشَبَّثَتْ بلَذيذِ النَّوْمِ أجْفانُ
للعَيْنِ والقلبِ في إقبالِه أمَلٌ ... كأنَّهُ للشبابِ الغضِّ رَيْعانُ
مبارَكٌ لم يَزل يُرْضِي النَّدى بِيَدٍ ... لها على هبة الآلاَفِ إدْ مانُ
يا جيشهُ لا تدَعْ منْ جودِ راحَته ... أهمُّ وَفْرِ الفتى خَيْلٌ وشُجْعانُ
المنتقي الخيلَ أفذاذاً مكرمةً ... قد حُسِّنَتْ خِلَقٌ منها وألْوانُ
والمصطفِي الجند آساداً محرَّبة ... قنيصُها في الوغى رَجْلٌ وفُرْسانُ
(1/267)

منْ كلِّ أبيضَ مثْل النَّصْل مُنْتَهِض ... بالجيش إنْ عزَّ ديوانٌ ومَيْدانُ
يغشى الكريهة منها باسلٌ بطلٌ ... على الكتيبة مقدامٌ فَطَعَّانُ
سارٍ منَ النَّقْعِ في ظلماء فاِحمَةٍ ... والشهبُ في أُفُقِ المُرَّان خرصانُ
ومعتد ومن الخطيِ في يده ... عصاً تَلَقَّفَ منها الجيشَ ثُعْبانُ
لا يخدُمُ الأمر فيما كان من أرب ... الاهي ملء عين المجد يقظانُ
ممن له حدُّ سيفٍ أوْ شبا قلمٍ ... شرارُهُ في الوغى والفهم نيرانُ
يسَلُّ مِقْوَلَهُ إنْ سامَ مُنْصلُهُ ... وللخِطابِ كما للحربِ أوْطانُ
قدْ يَسْكُتُ السيفُ والأقلامُ ناطِقَةٌ ... والسيفُ في لُغَة الأقلامِ لحَّانُ
يا أيها السَّيدُ المنهلُّ قائلُه ... مُذْ كان والعارضُ الهتَّانُ هتَّانُ
الأرض للقطر ما لم تهم عاطشةٌ ... والنَّجمُ في الأفْقِ ما لم تسْرِ حَيْرانُ
(1/268)

ليَهْنَإِ اليومَ أهْلُ الأرض إنَّهُمُ ... بالأمن في ظلك المممدود سُكانُ
عدلا ملأتَ به الدُّنيا فأنْت بها ... بين العباد وبين الله ميزانُ
بني الخليفة والمجد الذي سبقتْ ... به كرامُ أروماتٍ وأزْمانُ
من قيس عيلانَ أقمارُ العلاء وما ... أدْراكَ يا مَجدُ ما قيسٌ وعَيلانُ
أبياتُ مَعْلُوةٌ في كلِّها لكمُ ... بأسٌ كريمٌ على التَّقوى وبُنْيانٌ
فلو لحقتُمْ زمانَ الوحي نُزِّلَ في ... تلكَ الصفاتِ مكان الشعر قرآنُ
أثْبَتُّمُ الملك في خَضْراءَ باسِقةٍ ... حتى خمائلها عدل وإحسانُ
ليْت الجياد سَرَتْ عني مبلِّغَةً ... بُشْرى يُسَرُّ بها أهلٌ وجيرانُ
إنِّي أنَخْتُ رِكابي منْ بلادكم ... بحيثُ تنعمُ أرواحٌ وأبدانُ
مُخَيَّماتٌ من الجوزاء عيشتها ... فيما اشتهى رائدٌ واختار لَهْفانُ
الماءُ صَدَّاءُ والسلطان سيدنا ... أبو سعيد ونَبتُ الأرض سَعْدانُ
تلك الشمائل إن لم تَسْرِ في بدنٍ ... رُوحاً فهنَّ له رَوْحٌ ورَيْحانُ
وإنْ يكنْ لفْظها راحاً وحاش لها ... فقد ثَنَتْني حتى قيل نشوانُ
(1/269)

يا كوكب الدين والدنيا وإن طُمِسَتْ ... مَمَا لِكٌ بِكَ في الدنيا وأدْيانُ
هام الورى بك حتى ما يرى أحدٌ ... إلاَّلهُ بِكَ شُغْلٌ أوْ لهُ شانُ
فكلُّ عينٍ عدتْ مرآكَ عابرةٌ ... وكلُّ قلبٍ تسلّى عنك خَوَّان
شَغَفَتْ غرناطةٌ حباً ومنك لها ... بالحلِّ وصلٌ وبالتَّرحال هجرانُ
مولايَ ماذا عليها مُذْ حَلَلْتَ بها ... منْ أنْ يقار بها ناسٌ وبُلْدانٌ
إذا تذكرتَ أوطاناً سكنْتَ بها ... فلا يكُنْ منك للْأضْلاعِ نسيانُ
في كُلِّ ناحيةٍ شوقٌ وأََعْوزهَا ... منْ ذا الذي يعْتَريه عنك سُلوانُ
فإنّما أنت زوَّارٌ لِتَشْفيَهَا ... منْ بعْدِما شَفَّها وَجْدٌ وتَحْنانُ
والكلُّ غرناطةٌ إنْ تُمْس شيقةً ... إليك قرطبةٌ لم يسل جيَّانُ
دُمْ لليالي وللأيام ما اخْتلَفَتْ ... تُزْهى بِمَنْظرك الباهي وتَزْدانُ
وفي جنودك من عدو ذي شيع ... في البيض بيضٌ وفي السودان سودانُ
ومن هنا سُورٌ للفتح طائلةٌ ... فيها إذا تُليَتْ ذكرى وتبيانُ
(1/270)

منْ لم يُصِخْ نحوها والسيفُ مُلْتَحِفٌ ... فسوف يقرؤها والسيفُ عُرْيانُ
موتُ العدا بالظُّبا دَيْنٌ وإنْ مَطَلَتْ ... به سُيُوفُكُ فالأيامُ ضُمَّانُ
فكُنْ منَ الظَّفَرِ الأعْلى على ثقة ... منك الظُّبا ومن الأعْناقِ إذْعانُ
لا زال كلُّ عدوٍّ في مقاتله ... دمٌ إلى سيفِكَ الرَّيَّان ظمآنُ
قال أبو إسحاق:
أثْبتُّ هذه القصيدة الفريدة التي أنْزل فيها القوافي من أعلى معاقلها، وأصاب أغراض المعاني في
شواكلها، أطلعها في سماء البيان غُرة زاهرة، وأظهرها للعيانِ آية باهرة. أرَقُّ من فرند الحسام،
وأَعْذَبُ من المُدام ممزوجة بماء الغَمام. وشَّحْتُ هذا البابَ بأزهارها، وحَلَّيتُ جيدَه بِدُررها
وجواهرها.
وأرْجع إلى إثبات مَنْثور كالزهر الغضِّ، لأعْطِفَ أنواعَ البيان بعضها على بعض.
(1/271)

فصل ومن أحسن ما كتبوا في مخاطبة الأمراء
ما كتبه أبو عبد الله بن أبي الخصال إلى أمير المسلمين وناصر الدين رحمة الله عليه:
أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، وهَدْيُهُ هدْي الأئمة المُتَّقينَ، وتَجاوَزَهُ تجاوُزَ البرَرَةِ
الأكْرَمينَ (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). ولا زال على آثارهم مقتدياً، ولمآثرهم مُحْيِياً، وعلى سَنَنِهم في الإيراد والإصدار
مُحْتَذِياً.
كتبْناه عن اعتراف بإحسانه، والتحاف بأمانه، واعْتِصامٍ بحَبْل طاعَته وسُلْطانِه، ودُعاء إلى الله تعالى
جَدُّه في حسن الدِّفاع لنا خاصَّة، وللمسلمين كافَّة، عن عُلُوِّ مكانه، والله عز وجل اسمه، يستجيب له
الأدعِية البَرَّة، ويوالي لديه النِّعَمَ الثَّرَّةَ، ويَجْنيه من كلِّ رأي يَرْتَئيه، ومنحى كريم يَنْتَحيه، غِبْطَةً دائمة
ومسرَّة، وأنَّ الكتاب الجليل، والصَّفح الجميل، طالعنا من تلقائه ناصع الأَغَر، واضح الحجول
والغُرر، رافعاً للخَطَر، واقعاً من قلوب البشر، موقع صيِّبِ المطَر، فشفى غُللَ الصُّدُور، وفاضَ على
الجَمهور، وأَجْمَل بإذْهابِ الرَّوْعِ وكَشْْفِ المحْذور، وخَلُصَتْ بُشْراهُ إلى عذارى الخُذور. وتَخَلَّصْنا -
والحمد له - ثم له منْ خُطَّة
(1/272)

ضيقٍ، وأسَغْنا ما كنّا لا نُسيغُهُ منْ ريقٍ، وأخذ بحظه منْ أنْعامه كلُّ
فريق، وعاذَ الكلُّ منْ عَفْوِه الواسِع بأمْنَعِ معاذِه، وعلموا أنَّه - أعلى الله أمْرَه - كظَمَ غيظاً، وهو
يقْدِرُ على إنْفاذِهِ.
وإنَّا لَنَرْجو أنْ تَكون هذه المأْثُرَةُ التي رُفِعَت لها الأبصارُ، وتهادتْ حديثَ جلالَتها الأَمْصارُ، من
أوْثَقِ أَعْماله عند مآله، وأرْجَحِ قُرَبِه في مُنْقَلَبِه، فهَنأه الله ما منْ سعة الحِلْم أتاه، وبارَكَ له فيما خَوَّله
ووأوْلاهُ (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) والحمد لله الذي ذخر هذه المنَّة الخطيرة لأيامه، وسلكها في نظامه، وصير له من ذكرها
في الآفاق ما تزينُ الملوك لإعْظامه، وتعْجَبُ منْ نقَائصها وتمامه. ونحن بما به أمر - أيَّد الله أمره -
آخذون، وبالموعظة الحسنى للعوام لافظون. وما زلنا - عَلِمَ الله - نحذرهم ونتَّقيهم، ونرفقُ بهم كلَّ
الرِّفق ونُداويهم، ولمَّا نلنا بفضلِ الله، ثمَّ بفضله الموهوب، واطمأنت بإحسانه القلوب، بادرنا حضرته
الجليلة معْلِمينَ، ولِما افتَرَضَ الله علينا معْلنين، وبآلائه وحسنِ بلائه مُعْتَرِفين. فجوزيَ خيرَ جزاء
العارفين المُنْعَمين، ولَقَّاهُ يومَ الفزَعِ الأكبر فوزَ الناجين الآمنين، ولا حرمه الله اغْتِفَارَ الزَّلاَّتِ، وإقالة
العثرات التي تَجْمَعُ الدنيا والدين، وأيْدينا بيد الأمير الأجل، وَالِينَا، أيَّدَه الله، في هذا الأمر وسواه
شابكة بموصوله وأوامره، أَمْضاها الله في التَّظافُرِ والائْتلافِ، مُطاعَةٌ مقْبولةٌ، ولا نَدَّخرُ عنه في حال
من الأحوال نصيحة، ولا نَألوه محافظة صريحة ومُوالاةً في ذات الله تعالى صحيحة، وإنَّه ليرى منَ
الرفقِ ما نراه، ويَرْعى من أمورِ العامَّة ما نرعاه. والله يرفعُ مَسْعاهُ، ويُيَسِّره لما يرضاه.
(1/273)

وكتب أيضاً في المعنى:
أطال الله بقاء الأمير الأجل، السيد الأفضل، وصيته في كل مَكْرومَةٍ طائرٌ ذاهبٌ، وأيَّامه مننٌ،
ومواهب. ولازال سعْدُهُ ثاقبٌ، ومجْدُهُ عاقِبٌ، وهمَّتُه المآثر الخالدة المناقِبِ.
كتَبْتُهُ، كتبَ الله لك واضِحَ الآثار، وأَعْبَقََ الأخبار، وبَلَّغَكَ أقْصى الآمال والأوطار، عنْ إعظامٍ
وإكْبارٍ، وتَشَوُّقٍ وادكار، ورواحٍ في شُكْرِكَ وابْتِكار، واعْتِرافٍ بما للإسْلامِ منْ ديمٍ غِزارٍِ، وتَرْبِيَّة
كتربية عمْروِ بن شَأْسٍ لِعِرار وإنّي، وإنْ كنْتُ نَشْأةَ ناديهم، ورَهْنَ أَيَادِيهم، لأرى لكَ منَ الحقِّ ما
كنتُ أرى لِشُيُوخِهم المُوَقَّرِ قُعْدُدَ عُلاهُم، وشَبابِهِم النَّاضِرَة أَفْنان صباهم. سقى الله معاهدَهم ورُباهُم،
وأَجْمَلَ في كلِّ نادٍ ونَديّ ذِكْراهم. وما منْ يَدٍ للحُلَّةِ أرْعاها كيدٍ أنتَ مُوليها وموْلاها. عَوَّضْتَني من
تلك الأنهار بحراً زاخِراً، ومن تلك النُّجومِ بَدْراً باهراً، وأَعَدْتَ لي به بعد المشيبِ عهْدَ الشَّبابِ
ناضراً، وأرَيْتَني كل غَائبٍ من المُلوكِ حاضراً:
ولقيتُ كلَّ الفاضلينَ كأَنَّما ... ردَّ الإله نُفوسهم والأَعْصُرَا
نسَقُوا لنا نَسْقَ الحساب مقدماً ... وأتى بذلك إذ أتى متأخرا
(1/274)

وذلك الذي ليس الكمالُ والجلال رحمته سِيماه، ولأْلاؤُهُ أن يزالَ الأمير الأجل الأوحد الأفضل أبو
فلان، كبتَ الله عِداهُ، وأقرَّ به عُيُونَ عُلاه.
تضاءلَتْ لقَدْرِه الأقْدارُ، وتَقاصرتْ دونَه الأخْطارُ، قامَ الله تعالى بحَقِّه فحَبَّبَهُ إلى خَلْقِه:
وإذا أَحَبَّ اللهُ عبده يوماً ... ألقى عليه محبَّة النَّاسِ
هذه الحضرة، حاضِرُها وبادِيها، وأعْلامها وهواديها، لاهِجَةٌ بحَمْدِهِ، داعِيَةٌ لِمَجْدِهِ، ومُعْتَرِفَةٌ بحسنِ
آثاره، متواضعة لما بهرهم وَرَاقَهُمْ منْ سكينَتِه ووَقارِهِ:
ملكٌ عليه تحية وسلامٌ ... أَلْقَتْ عليْهِ جمالَها الأيامُ
وكتب أيضاً في المعنى:
وردتَ ورود مُنْهل الغمام ... وسيبُكَ والحيا هامٍ وَهَامِ
فهذا أخضرُ النفحات نَضْرٌ ... وهذا أحمر الصفحات دَامِ
هما سِرُّ الحياة ولا حياةٌ ... بغير الغيث في ظِلِ الحُسَامِ
وما اعْتدل الزمان وطاب ... إلا بِعَدْلِ سجيةِ الملْك الهُمَامِ
لقد فازت دمشقُ بتاشفين ... وطار لها به أعلى السِّهامِ
(1/275)

وما فوق التى نالوا محلٌّ ... وبين ظهورهم هدي الإمام
ولما لمْ أفِدْ لقضاء حقٍّ ... أزَرْتُنديه وفدَ السَلاَمِ
أطال الله بقاء الأمير الأجل، الملك الأوحد الأفضل، رالأفئدة تهوى إليه، والقبول يوضع له، والمحبة
تُلْقى عليه. والآمالُ تُخَيِّمُ لديه، ومقاليدُ السيادة والسياسة في يديه، ولا زال يحوز المدى، ويُزْجي
كتائبَ النَّصر، وجيوشَ الهُدى، ويأخُد كل تَقِيَّةٍ على العدى، وهو - أيده الله - لا يزال في انتظام
منقبة، واقتحام عقبة، وموارد ومصادر مرْتَقبة، ومساعٍ كل سماء لها أرض، وأداء حقِّها على
الحاضروالبادي فَرْض.
فالحمد لله الذي ثَنَاه عن مغزاه راضياً، ولحقوق الثغر قاضياً، وهنيئاً له وللإسلام به، يُمنُ المآب
والمَقْفَل، وانفِتَاحُ كل مُرْتِج مُقْفَل، وغزو العدو في عُقره المنيع، وأمره الجميع، ولقد حلَّت عليهم
المنايا وحامتْ، لولا جُدُرٌ دُونَهم قامتْ، وسَتَجْعَلُها العزائمُ
بحول الله دكاًّ، تَصُكُّهم بوادرها صكّا ساعَده القَدَرُ، وحالَفَه الظَّفَرُ، ولا زال يغْزو ويُنْصَرُ، وعَدوه
يُصْرَعُ ويُعَفَّرُ، بحول الله وطوله. واقرأ على حضرته الجليلة أعم السلام وأوفاه، وأبرَّه وأحفاه، ثم
السلام المُجدد عليها ورحْمَةُ الله وبركاته.
(1/276)

قوله في القطعة (في ظلِّ الحُسام) الظِّلُّ هنا يريد به: العِزَّ والمَنَعَة. ومنه قول الفرزدق:
فلوْ كُنْتَ مَوْلى الظِّل أوْ في ظلالِهِ ... ظَلَمْتَ ولكنْ لا يدَيْ لكَ بالظلْمِ
معناه: لو كنتَ ذَاعِزَّ، أو في ظلال ذي عزة. وقال أبو تمام:
القَوْمُ ظِلُّ الله أَسْكَنَ دينَهُ ... فيهم وهم جَبَلُ الملوكِ الراسي
وفي حديث أنس بن مالك: "السُّلْطانُ ظلُّ الله في الأرض" معناه ما ذكرناه.
وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن هذا السلطان
الذي ذكت له الرقاب، وخضعت له الأجساد، ما هو؟ قال: "ظلُّ الله في الأرض فإذا أحْسَنَ فله الأجر،
وعلكيم الشكر، وإذا أساء فعليه الإصْر، وعليكم الصبْر" وقد يكون الظِّل بمعنى السَّتْر، ومنه قول
القائل للرجل الشريف: أنا ظلُّك: أي في سترك وذُراك. ولا أزالَ الله عنَّا ظلك. ومن هذا ظلُّ
الشجرة، وكذلك ظلُّ الليل وهو سوادُه. قال ذو الرمة:
قد أعْسِفُ النَّازِحَ المجهول مَعْسَفُهُ ... في ظِلِّ أخضر يدعو هَامَهُ البُومُ
ويروى: في ظل أَغْضف.
وقد يكون الظلُّ أيضا بمعنى القُرب والدُّنُو والاختصاص، ومنه قول أبي صخر الهذلي:
(1/277)

ورنقت المنية فَهْي ظلٌّ ... على الأبطال دانية الجَناحِ
ومن هذا قولهم: أَظَلَّنا شَهْرُ الصومِ، وأَظَلَّنا الأميرُ وما أَشبه هذا من كلامهم.
رجع
وكتب بعض الأدباء في هذا المعنى بعد الصدر:
وإنّى، أَعَزَّ الله المَلِكَ الكريم، لما أضاءتْ لي أهِلَّةُ مفاخِرِه في سماء النِّجَار، وأشْرَقَتْ شموسُ مكارِمِه
على مفارِقِ الأحرار، وأبْصرتْ شمائلُه الزُّهْرُ تُثيرُ منَ الهُمومِ كامِنَها، ومَحاسِنُهُ الغُرّ تُوقِظُ منَ الآمال
قائمها، تَيَقَّنْتُ أنَّ القُلُوبَ بحَقٍّ انْقادتْ له في أَعِنَّتِها، وتهادتْ إليه النُّفوسُ بأزِمَّتها؛ فآلَيْتُ ألّا أُلِمََّ إلا
بحِماه، ولا أَحُطُْ رَحْلاً إلا في ذُراه، عِلْما بأنَّهُ نثْرةُ الفجر، وغُرَّةُ الدَّهر. فَتَيَمَّمْتُ سارِياً في طالع
نوره، مُتَيَمِّناً بِيُمْن طائره، بأمل مُتَحقِّق الرِّبْح، موفَّقَ النُّجْح، حتى حَلَلْتُ بدوْحَةِ المجد، وأَنَخْتَُ بذِرْوَةِ
السَّعْدِ، فَجَعَلْتُ أنْثرُ منْ جواهر الكلامِ، ما يُرْبي على جواهر النِّظام، وأنْشُرُ منْ عِطْر الثَّناء، ما
يُزْري بالرَّوْضَةِ الغَنّاء، وحاشَ للفضل أنْ يُعَطِّلَ ليلي منْ أقْمارك، أوْ تُجَلي أُفُقي منْ أنْوارِكَ، فَأُرَى
مُنْخَرطاً في غير سِلْكِكَ، مُنْحطاً إلى غير مُلْكِكَ، لا جَرَمَ أنَّه من استضاء بالهلال غني عن الذُّبالِ،
ومن استنار بالصباح، ألْقى سنا المصباح. تالله ما هزَّتْ آمالي ذوائبُها إلى سِواك، ولا حَدتْ أطْماعي
ركَائبها إلى حاشاكَ، ليكون لذلك في آثار الموسِمي للْماحل، وعلى جمال الحلي للعاطل، بسيادتك
الأولية، ورياستك الأزلية، التي يَقْصُرُ عنْ وَصْفها إفصاحي، وَيَعي عنْ بعضها ثنائي وإيضاحي.
فالقراطيس عنْدَبَثِّ مناقبِكَ تَفْنى، والأقلامُ في رسم آثارك تَحفى.
(1/278)

ومنها: والسعيدُ منْ نَشَأ في دوْلَتِكَ، وظهر في جُمْلَتِك، واستضاء بغُرَتكَ، والفائزُ بالسبْقِ منْ لَحْظَتْه
عُيُونُ رِعايَتِكَ، وكَنفه حِرْزُ حمايَتِكَ. ُفأنْت الذي أمِنَتْ بعدْله نوائبُ الأيام، وقويت بفضله دعائم
الإسلام، تختال بك المعالي اختيال العروس، وتَخْضَعُ لجلالِكَ أعِزّة النُّفوسِ، بسابِقةٍ أشْهَرَ منَ الفجر،
وفِطْنَةٍ أَنْورَ منَ البدر، وهِمَّةٍ أبْعدَ من الزهر:
لقد فاز من أضحى بكم متمسِّكاً ... يمد إلى تليد عزّكمُ يدا
سلَكْت سبيل الفضل خُلْقاً مُرَكَّباً ... وغيرُك لا يأتيه إلا تجلدا
يُهَنِّيكُُمُ مجدٌ تَلِيدٌ بَنِيتُمُ ... أغار لعمري في البلاد وأنْجَدا
وإنّما أهدي لمولاي خِدمتي، وأضع في ميزان اختياره همتي، لأمتاز في جملة عبيده، وأشهر في
خِدْمَته وعديده:
وما رغْبتي في عَسْجَد أستفيده ... ولكنها في مفْخر أسْتَجدُّه
وكل نوالٍ كان أوْ هو كائنٌ ... فلَحْظةُ طرْفٍ منكَ عندي نِدُّه
فكن في اصطناعي مُحسنا كَمُجَرِّبٍ ... يبن لك تقريبُ الجواد وَبُعْدُهُ
إذا كنت في شك من السيف فَابْلُه ... فإمَّا تُنَفِّيه وإما تُعِدُّه
وما الصَّارمُ الهنديُّ إلاَّ كغيره ... إذا لم يُفارِقْه النجادُ وغِمْدُهُ
وكتب بعضهم بعد الصدر:
ثم إنَّ شُكْري نِعْمَة اللَّه عَلَيَّ بِمَا جدَّدَهُ مِنْ ملاحظة سيدنا حالي، وتداركَهُ بطِبِّ التَّطَوُّل مَرَضُ آَمَالِي،
بما لا أؤمِّلُ معَ المبالغة والإغْراق فيه، فَكَّ نفسي بحال من رِقِّ أياديه، غير أني أحسن لها النظر،
وأُجْمل عليها الأُحْدُوثة والخَبَر، وأدْخُلُ في جملة الشاكرين؛ إذْ هو، أيَّده الله، كعبَةُ فضل، وغمامةُ
بذلٍ، وحُسامُ حقٍّ، ولسانُ صدْقٍ، يحمده أولياؤه، ويشهدُ له بالفضل أعْداؤه،
(1/279)

والليالي بأفعاله مُشْرِقة، والأقدارُ من خوفه مُطْرِقة، ومازالَ، أبْقاه الله، يَنْصُرُ نباهتي عن الخمول، ويَسْتنْقِذُني منَ التَّعَبُّدِ
للتَّأميل، فصرتُ أعجزُ عن أوصاف نعمَته شكراً، وتَنطِقُ حالي عن آثارها فخراً، فأقول:
لما تحَصَّنتُ من دهري بخلعته ... سَمَتْ بحملانه ألحاظُ إقبالي
وواصلتني صلاتٌ منه رُمْتُ بها ... أختالُ في حلل للجاه والمالِ
فَلْيَنْظُرِ الدَّهرُ عقبى ما صبرت له ... إذْ كان منْ بعض حُسَّادي وعُذَّالِي
ألم أكده بحسن الانتصار إلى ... أن صنْتُ حظي عن حل وتَرْحالِ
بَلَغْتُ مَنْ لا تجوز السُّؤْلَ قائله ... ولا يدافع عن فضلٍ وأفضالِ
ياعارضاً لم أَشِمْ مُذْ كنتُ بارقَه ... إلاَّ رَوِيتُ بغيث منه هطَّال
رُويَد جُودك قد ضاقتْ به هِمَمِي ... وردَّ عنّي برغم الدهر إقلالي
لم يبق لي أملٌ أرجو نداك به ... دهري لأنك قد أفنيتَ آمالي
وكتب قريع دهرنا، وأديب عصرنا، الوزير الأجل أبو عمرو محمد بن عبد الله بن غياث شيخنا، في
المعنى:
الحمد لله موالي الآلاء، ومُسْبغِ النَّعماء، وجاعِلِ هذا الإقبالَ، المُوذِنِ بالإِقْبَالِ. عنوانُ الفتوحات التي
تُفْتَحُ لها أبوابُ السماء، ويرتَبِطُها النصر ارْتِباط الري في الماء، ويخْدمها بالسعدِ الذي تتلاعبُ موادُّه
بصروف الدهر تلاعب الأفعال بالأسماء، والصلاة على سيدنا محمد خاتم الرسل والأنبياء، الذي ما
ضلَّ ولا غَوى، ولا نطَقَ عن الهوى، فتختلف عليه مختلفاتُ
(1/280)

الأهواء. السراجُ الوهَّاجُ الذي بهرتْ آياته، وأشرقت إيَاتُه وأَخْرَسَتْ معْجِزاتُه أَلْسِنَةَ الفصحاء البُلغاء، وصدعَتْ بأمر الله في تبليغ رسالاته
عزماتُهُ مصمِّمَة المَضاء والإمضاء، ودعا فأسْمَعَ بالأسنة واللُّهى صُمَّ العِدا في الصخرة الصماء.
والرضا عن الخلفاء الراشدين الهادين إلى السبيل السواء، السالكين منْ أفعاله وأقواله على المحجَّة
الحنيفية البيضاء، بأخْلاق خُلِقْنَ من التمني فلاقت كل داء بالشفاء، وعن الإمام المعصوم المهدي
المعلوم الكافي أكفَّ البغْي والاعْتداء، وعن أصحابه الأئمة الخلفاء المذخُورين للأمر العزيز يتوارثه
الأبناء عن الآباء، وراثة مورث العَلْيَاءِ بما توارث من ثُراث الأنبياء:
فغار الكفر في ظُلَم الدياجي ... ولاح الدينُ في حلل الضِّياءِ
والدعاء لسيدنا ومولانا الخليفة الأتقى، ملجأ الدين الأوقى، الموفَّقِ الآراء، النافخِ أرْواح أشباح الأمل
والرَّجاء بجميع الجهات والأرْجاء، المجْلي غياهب الظَّلْماء، عن أنوار الاقتداء، سيف الله المحلى
بالمحامد والثناء، المعيد منارَ الكفر كمنبت الهباء، المصيِّر أهله كهشيم الغُثَاءِ:
بعزم يلبس الأيام يُمْناً ... ويطوي الأرض منشورَ اللِّواءِ
ونصرٍ للرياح به هبوبٌ ... لأقصى الأرض من غير انتهاء
فَيُصْعِقُهُمْ بصاعقة المنايا ... ويمطرهم شآبيبَ الفناء
وبعدُ، فإنه لما كانت هذه (الجزيرة الأندلسية) غربية المعنى على الإطلاق،
(1/281)

فذة الحسن باصطفاقٍ واتفاق، يتمثل بها في الآفاق، وتحدو بأوْصافها حداة الرفاق، وتُزْهى بمنظرها الرائق، وبخيرها
الفائق على الشام والعراق، وكانت بين عَدُوَّيْن يقطعانِ عنها فيما سلفَ الإرفاق، من الأمن والأرزاق،
أحدهما البحر الذي هي منه كالمِعْصَمِ في سوارٍ أوِ الخِصْر في نطاق. والثاني الكفر الذي أحدق بها
إحداق الأشفار بالأحداق، وكانا يطمسان أنوارها كالأجفان للنواظر عند الإرْتِدادِ والإنْطباقِ، وكلاهما
قد فَغَرَ عليها فاه لإضرامِ الأعْلاقِ، وإطْفاء الأنوار الواضحة الإشراق، حتى عاد بدْرُها هلالاً في
قبضة المُِحاق، وكادت تبكي عيون السبعة الطباق، إلى أنْ تلافاها النَّظَرُ المهدي، والأمر الإمامي،
فأحيا رمقها الخافت، وأَعَادَ كمالها الفائت، فاعْتَصَمَتْ منه أوثق اعتصام، وتوقَّتْ منه بأوقى واقٍ، ولم
يزل النظر الإمامي يستمد لها على الدوام، ويلقيه خليفة إلى خليفه وإمامٌ إلى إمامٍٍ، فيقع منها موقع
الماء الزُّلالِ على شدة الأُوام، إلى أنْ أفضى النظر إلى الخليفة العليّ الإمام المرضيّ، المَقْتَفِي، أثر
المهدي أبي عبد الله محمد ابن الخلفاء الأئمة المؤيد بالنصر الحفيِّ، الذي لا يكتحل جَفْنه بمنام، ولا
يخْلو خاطرهُ النَّيِّرُ عن اهتبالٍ بها وبغيرها وعنِ اهتمام، فأطلع بآفاقها بدر تمام، يحمل بين جوانحه
إِقْبَالَ
(1/282)

ضِرْغَامٍ، في ذكاء إياس وعلم ابن العباس وحلم الأحنف ورصانة (رضوى) اختصاصاً بواحد
جمع له ما في الأنام، مُنْبَسِط الوجه رحيبَ الصدر، يفيض بِكَفِّه منْ كل أَنْمُلَةٍ بَحْرُ إنْعامٍ، ويهْمِي بها
من أفضاله واكفُ غَمامٍ، ويسُلُّ على منْ عاداهُ سيف انْتِقامٍ، يجْلبُ له الحِمام، قبل وقتِ الحُمام،
وتَخْدُمُه صروف الدهر في كل مقامٍ، ويُيَسِّرُ له السعد كلَّ مرامٍ، حتى عادتْ لياليه مُشْرِقَةً كالأيام،
مُجْلِيَةً دياجي الظُّلْمِ، وسَدف الإظلام. صنْوُ الخليفة الذي تُزْهى الدُّنْيا به شرفاً، ومُجْتَنِي الخلافة حسباً
ونسَباً وسلفاً، المقتفي منْ سَنَنِ آبائه الخلفاء ما اقتفى، السيد المُعَظَّمُ الشأن، المُوَقَّرُ المكان أبو إسحاق
المحتسبُ نفسه وبنيه وماله في نصر الدين وحياطة المسلمين قُرُباتٍ عند الله وزُلْفى، المجلّي من
الضلال والمحال ظلماً وسَدَفاً، المُفْضي عزائمه حتى لا يَذَرَ على الأرض كافراً متمرداً ولا منافقاً
متشوفاً، ولا عادلاً عن المحجة البيضاء الحنيفية ولا مُنْحرفاً. يقود جيوشاً يضيق عنها ذرعُ الزمانُ،
ويخشى سطوتَها طارقُ الحدَثان، وينْصرفُ بأمر الله الذين هُم حزْبُه الملوان:
فمن سره المحْيا فسمعٌ وطاعةٌ ... ومنْ يحسُد الموتى يُدِنْه بعصيان
(1/283)

ما منهم إلا روضةُ ندى، وهضْبةُ هدى، وغمامٌ يُحْتدى، وحُسامٌ به يَرْدى منْ يردى، ببأسهم على
الدَّهر يُسْتَعْدى، وبأنوارهم يُقْتدى ويُهتدى، ملائكُ لكنَّهم في الحرب أسود عواجسُ لهم ملابس، قد
استلموها للحرب فهي ملابس، كتائب ومواكب، تحسدها الكواكب، بَوَاسِلُ بأيديهم عَوَاسِلُ، كأن أْسنتهم
النجوم، نثرتها سماء الدين العلي وفهي لشياطين الكفر رجوم، تقلَّدوا بوارقَ وأرْسلوها صراعق. لَيْلَهُم
عَجَاجُهم، ونورُ التوحيد سراجُهم، بركاتهم قد وَضحَتْ وضوح النهار، ولاحَتْ كتائبهم مخايل
الاسْتِبْشار:
حملوا قُلوبَ الأسْد بين ضلُوعهم ... وَلَووْا عمائمهم على الأقمارِ
وتقلَّدوا يوم الوغى هندية ... أمضى إذا سُلَّتْ من الأقدار
ولله إقبالٌ نفخَ في شخص الأمن رُوحَهُ، وجر على الحقٍ كفَّهُ، فكان فسيحه، وشفى من الدين لواعجه
وتباريحه، وأهبَّ على الكُفر زَعْزَعا ريحه، وركب على ليليه المظلمة سرجه ومصابيحه. فَبُشْرى ثم
بُشْرى للأندلس والإسلام، وبحمص فكم قد تزخرفت لهذا الإقبال، كأنها جنَّة الرضوان، فادْخلوها
بسلامنزَّه الله عن السرار بدور كمالهم، وضاعف إشراقاً أنوار جلالهم، ولا يضْحِنا من وارِفِ ظلالهم،
ومنَّ علينا بِقَبُولهم وإقبالهم.
ثم ختم الرسالة بهذه القصيدة الفريدة، التي تختال لها المعالي كما تختال بالحلي والحلل الكواعب
الخريدة، وهي:
(1/284)

إذا لم يجبني الدهر حين أسائله ... سيتلو لسانُ الأمر ما أنا قَاِئلُهْ
فللملأ الأعلى حديثٌ تُذيعه ... لنا ألْسُنُ الأيام فَهْي رَسَائلهْ
صَحائِفُها إذْ تُجتلى صفحاتُها ... تبشر بالفتح الذي حان آجِلُهْ
وهل جرت الأقدارُ إلا بِنصْره ... فآجِلُه فيه تساوى وعَاجِلُهْ
أَمَا هو أمرُ الله ليس يَفُوتُه ... مراد إذا ما شاءه فهو فَاعِلُهْ
ولما تشكَّت أرضُ أندلُسٍ وقد ... عراها من الشَّوق المبرِّح قَاتِلُهْ
وألقت إلى الأنباء واعي سَمْعِها ... عسى الأمرُ قد زمَّتْ إليها رَوَاحله
وحنت حنين الجذْع لكن رجاؤها ... يراسلها لا تحْزني وتراسله
فمولاك مصروفٌ إليك اعتناؤه ... ولا شيءَ عن أسباب نصرك شَاغِلُه
فقالت وأَنَّى لي بذلك برهةً ... وهذا مَحَلُّ الصبر أقوتْ منازلُه
إلى أن تلافاها البَشير وجاءها ... كما جاء يعقوبَ القمِيصُ وحامِلُه
وإذا سمعتْ ذكر البَشير تزخْرفت ... بزي جِنَان الخلد أو ما يشاكله
وقابل شكواها الخليفةُ بالرضا ... فجدَّ وأبوابُ الفتوح تُقابله
ووجَّه جيْشاً والسعود تقوده ... بحزمٍ كإعصار الرياح قَنَابِلُه
دَرَارِ دوارٍ فوق أفلاكِ ضمَّرٍ ... تُريكَ ارتداد الطَّرف كيف تعاجله
تباري الرياح العاصفات ولا يُرى ... لها أثرٌ في التُّرب حين تزاوله
فَمِن مُنْعَلٍ بالبرق أجرَد سابحٍ ... سليمٍ شظاه لم يُحرَّقْ أباجِلُه
(1/285)

ومِنْ أخضَرٍ خاض الدجى إذْ سرى به ... وخاضت به نهر النهار أَسَافلهْ
ومن أشقرٍ كالتبر إذ سال ماؤه ... عليه فغشَّاه من التِّبْر سائلهْ
ومن أشْهَب كالشيب حلَّ بِمَفرقٍ ... فسال على المُسْوَدِّ منه يُزايلُهْ
وورْدٍ ولكنْ كالدهانِ مهفهفٍ ... أقبَّ أسِيلِ الخد نَهْدٍ مراكِلُه
عليه هِزَبرٌ ترجف الأرضُ خوفَه ... بَراثنه أسيافُه وعواسِلُهْ
عجبت له في الحرب مرٌّ لقاؤُه ... وقد عذبت للواردين مناهلهْ
عجبت له مُذْكانَ في المهد لم يزل ... يقوم به الملك الذي شُقَّ بازِلهْ
أما هو سيفُ الله سُلَّ على العِدَى ... وما غمده إلا التُّقَى وحمائلهْ
هو السيد الأعلى المحبب للورى ... هو الفذّ لكنْ لا تُعدُّ فضائله
فأنَّى يُضَاهَى أو يُباهَى علاؤه ... وقد جمعتْ شملَ المعالي شمائلهْ
قدومُ أبي اسحاق يُمنٌ ورحمةٌ ... وأمنٌ وفتح يجمع الكلَّ شاملُهْ
فلله يوم قد تجَلَّى بأفقه ... وليس له بالأفق نورٌ يماثلهْ
تَخِدْنَاه عيداً لا نرى العيد غيره ... أواخرُه محمودةٌ وأوائلهْ
فقل لذوي الإلحاد ما كان ظنكمْ ... بذي لَجب لجَّاته وصواهلُهْ
إذا أمَّ أرض الشرك تنشد أهلها ... صحا القلبُ عن سَلْمَى وأقصر باطِلُهْ
(1/286)

إذا حل حزبُ الله يوماً بساحتي ... أصيبتْ من الكُفر الصريح مَقَاتلهْ
ألم يعلموا أنْ صالتْ الأسْدُ في الوغى ... وعنَّ لها لا تستطيع تُصاولهْ
ألم يعلموا أن الغمام إذا همت ... سحائبه لا تستطيع تُسَاجِلُهْ
ألم يعلموا أن البحار تمدها ... إذاهي فاضت بالنوال أَنَامِلُهْ
ألم يعلموا أن الزمان تهابُه ... حوادثه في كل أمر يحاولهْ
حُسامٌ ولكنْ في يد الأمر مرهفٌ ... سنانٌ ولكن في يد الحق عَامِلُهْ
وهذا البيت مما أجاد فيه الاستدراك والتقسيم، ودافع في صدر كل حديث وقديم، سلك فيه مسلك
البلغاء من المتأخرين، واحتذى حذو المجيدين منهم والماهرين، كقول أبي بكر بن عمار:
غصنٌ ولكنَ النفوس رياضُهُ ... رَشَأٌ ولَكِنَّ القُلوبَ عَرَارُهُ
وكقوله أيضاً:
ببدر ولكن من مطالعه الوغى ... وليثٍ ولكن من براثنه الهندي
وكقوله أيضاً:
بدور ولكنَّ السماء محاربٌ ... وأُسْدٌ ولكنَّ العرين حروبُ
وكقول حسان بن المصيصي:
(1/287)

جرَّ الذُّيول ولكن من محافله ... على التناد ولكن منْ شبا الأَسَلِ
رجع
تهيم به زُهْرُ النجوم بأُفْقها ... فَطَوراً تناجيه وطوراً تغازلُهْ
وهل هي إلا من أسارير وَجْهِه ... فمن ذَايُبَاهيه سنىً أو يعادلُهْ
فلا خَطْبَ إلا وَهْيَ عنه تذوده ... ولا حادث إلا وعنه تُنَاضِلُهْ
إذا قيل شمسٌ فهي من بعض نوره ... وإن قيل بحرٌ فالبحارُ جَداوله
ولو كان هذا البيت في مدح الرسول، لبلغ به غاية السُّؤل، وألقى إليه كل ناظم طائعاً وأعْطاه صَفْقة
يده مبايعاً:
فلو وَهَبَ الدنيا لأقسم أنها ... أقلُّ نوالاً للأنامِ يناوِِلُهْ
ولولم يكن في كَفِه غيرُ نفسه ... لجاد بها فليتق اللهَ سائلُهْ
لو أنَّ ما أولى الورى فاض في الثرى ... لضل به البحرُ المحيطُ وَسَاحِلُهْ
قرارة علمٍ ثم رَضْوَى رصانة ... ودوحةُ فضلٍ ثَمَّرتْها فَوَاضِلُهْ
له شيمٌ مأثورة الفضل لم تَزَلْ ... وسائلُ من أعْيت عليه وَسَائِلُهْ
هَمَتْ ببساط الأرض سُُحْبٌ هباتُه ... وعمَّتْ جميع العَالَمِينَ نوافلُهْ
سميَّ خليل الله أَنْدلسٌ غدت ... مقامٌ وحيث الغزو فيها تُواصله
وأنت وَلِيُّ الله ناصرُ دينه ... ومن يخذُل الإسلام فالله خَاذِلُهْ
وكل وَلِيٍّ أو عدوٍّ فإنه ... بما عامل الله الكريم يُعامله
وياحمصُ بُشرى ثم بشرى عميمةٌ ... بحزب هدىً وافاك واللهُ كَافِلُهْ
(1/288)

قوله:
ولو لم يكن في كفه غير نفسه
البيت
هو لمسلم بن الوليد وقد تمثل به أبو تمام في قصيدة له مدح بها المعتصم وفي مدح السيد أبي إسحاق
هذا يقول الأديب الكامل أبو العباس أحمد بن شكيل رحمه الله قصيدته الفريدة وهي:
بُشْرَايَ دَالَتْ دَوْلَةُ المعْصُوم ... بِحَيَا العُفَاةِ وَنُصْرَةِ المَظْلُومِ
بِقُدُومِ إبْراهيمَ سَيِّدِنَا الرِّضَا ... قَدِمَتْ وُفُودُ السَّْعْدِ خَيْرَ قُدُومِ
حَيَّتْ مُحَيَّاهُ المَواسِمُ والْتَقَتْ ... مِنْهُ العُيُونُ على أَغَرَّ وَسِيمِ
وَتَحَدَّثَ الحيُّ الجَميعُ بِقُربِْهِ ... فَتَرَوَّحُوا في نَضْرَةٍ وَنَعيمِ
فَالظِّلُّ مَمْدُودُ كَأَنَّا في ذُرى ... عَدْنٍ بِهِ وَالشُّرْبُ منْ تَسْنِيمِ
وَالأَرْضُ رَاجِفَةٌ وَما رَجَفَاتُهَم ... إِلاَّ لِأَنَّ بِهَا قُلُوبَ الرُّومِ
(1/289)

شَهِدَ الزَّبُورُ بِهَا وَللإله ... فَضْلاً عَلَى المَنْثُورِ وَالمَنْظُومِ
عَذُبَت مَوَارِدُ جُودِهِ فَلَوَ انَّنِي ... أوُرِِِدْتُهَا لَشَرِبْتُ شُرْبَ الهِيم
حَاوَلْتُ مِدْحَتَهُ فَبِتُّ بِلَيْلَةٍ ... مَا لَيْلُ مَهْجُورٍ وَلَيْلُ سَلِيمِ
تَبِتُ القَوافِي في يَدِي فَأَنِسُّهَا ... بِجَلاَلِهِ فَتَفِرُّ مِنْ تَنْظِيمِ
حتَّى كَأَنِّي مُفْحَمٌ أَوْ أَنَّ بِي ... عِيّاً وَذَاكَ العِيُّ غَيْرُ ذَمِيمِ
وَلَقَدْ وَثِقْتُ بِحِلْمِهِ فَنَظَمْتُهَا ... سَعْياً لَعَمْرُكَ لَيْسَ بِالمذْمُومِ
مَدْحُ الأَمِيرِ ابنِ الخَلِيفَةِ قُرْبَةٌ ... للَّهِ كَالتَّكْبِيرِ وَالتَّعْظِيمِ
قُلْ لِلَّذي شَادَ النَّسِيبَ مُقَدِّمًآ ... مَدْحُ الأَمِيرِ أَحَقُّ بِالتَّقْديمِ
فَإِذَا طَرِبْتَ إلى النَّسِيبِ فَنَفْثَةٌ ... بَعْدَ الصَّلاَةِ عَلى ذَوِي المَعْصُومِ
وَإِذَا بَلَغْتَ إلى الخِيَامِ فَبَلِّغَنْ ... مِنِّي الخِيَامَ وَدَائعَ التَّسْلِيمِ
لَهْفِي عَلَى حَيِّ حَلاَلٍ قَوَّضُوا ... خِيَمَ الرُّبَا لِبِنَاءِ خَيْم الخِيمِ
وَمَضَوْا وَلَوْ أنَّ النُّجُومَ نَوَاظِرٌ ... عَارُوا عُيُونَ الشُّهْبِ بالتَّغْييِمِ
(1/290)

وَلأَنَّ عَيْنَ الشَّمْسِ عَيْنٌ رَفَّعُوا ... ظُلَلَ العَجَاجِ عَلَى عِمَادِ الكُومِ
لاَثُوا مُدَثَّرةَ السُّجُوفِ وَظَلَّلُوا ... فَوْقَ الحُدُوجِعلى شَقِيقَةٍ رِيمِ
قَمَرَ الجَمَالِ فَسَلْ بِهَا وَبِخِدْرها ... مِنْ هَالَةٍ مَحْفُوفَةٍ بِنُجُوم
جَرَّبْتُ لَذَّاتِ النُّفُوسِ فَلاَ أَرَى ... كَالرَّكْبِ يَخْبِطُ في حَشَى الدَّيْمُومِ
مُتَرَنِّمِينَ عَلَى ذُرَى كِيرانِهِمْ ... وَصَرِيرُهَابَدْلٌ مِنَ التَّرْنِيمِ
في كُلِّ طَامِسَةِ الصُّوَى لاَ يَهْتَدِي ... فيها الدَّليلُ بِمَعْلَمٍ مَعْلُومِ
كانتْ صَحائفُ قفرها غُفْلاً فَقَد ... رَسَمَ السُّرَى وَخْدِي بِها ورَسِيمِي
قُلْ لِلْمَطِيِّ تَجَلَّدِي لاَ بُدَّ مِنْ ... صِنْوِ الخَليفَةِ فَاقْعُدِي أَوْ قُومِي
سِيري على اسْمِ اللَّه في أمَلي فَقَدْ ... ضَمِنَ المَطَالِبَ جُودُ إِبراهِيمِ
سِيري إلى مَلْكٍ رِضىً في مَالِهِ ... حَقُّ لِسَائِلهِ ولِلْمَحْرُومِ
القَائِدِ الخَيْلَ العِتَاقَ كَأنَّها ... سِيدَانُ رَمْلٍ أو نُجُومُ رُجُومِ
(1/291)

فِيهَا قَتَاتُ الطَّيْر يَرْتَعُ بِالضُّحَى ... وَلها انْقِضَاضَةُ لِقْوَةٍ يَحْمُومِ
نَضَحَ الحَمِيمُ جُلُودَهَا فَتضوَّعَتْ ... فكَأَنَّ مِسْكاً رَشْحُ كُلِّ أديمِ
مِنْ كُلِّ وَرْدٍ خَاضَ بَحْراً من دمٍ ... فنَجا بِلَوْنِ الأَحْمَرِ المَذْمُومِ
أَوْ أَشْقَرٍ غَشَّتْه شَمْسُ جَبِينِهِ ... شَفَقاً وَعِطْفَاهُ هُبُوبُ نَسِيمِ
أَوْ أَصْهَبٍ شَرِبَ المُدامَ أَدِيمُهُ ... فأقلَّ فارِسَهُ بِرَسْمٍ قَدِيمِ
أَوْ أَشْهَبٍ رَقَمَتْ قَرَاطِسُ جِلْدِهِ ... فأتى الوَغى بكتابِه المرْقومِ
أَوْ أَبْلَقٍ كَالقِدْحِ يَحْسِبُ أَنَّهُ ... قَدْ قُلِّدَتْ مِنْهُ الوَغَى بِبَرِيمِ
أَوْ أَدْهَمٍ أَرْخَى الظَّلاَمُ سُدُولَهُ ... مِنْه ُعَلَى طِرْفٍ أَحَمَّ بَهِيمِ
خيلُ الأمير أعَدَّها فَكِلاهُما ... خَلَفٌ مِنَ النُّعْمانِ واليَحْمُومِ
يا خَيْلَ موْلانا أبِيني حالَةً ... فلَقد خَلَطْتِ الضُّمْرَ بالتَّطِهِيمِ
أمَعَ الأعِنَّةِ تَمْرحينَ تَجاذُباً ... وعلى الكَتيبَةِ شِدَّة التَّصْميمِ
(1/292)

إنْ كُنْتِ غزِلانَ الصَّريمَةِ فاسْنَحي ... أَوْ كُنْتِ عِقبانَ السَّراء فَحُومي
لمَّا استهلَّ بها الثّغُورَ صَوارِخاً ... طَلَعَتْ طُلُوعَ العارِضِ المركومِ
تقعُ السَّنابِكُ بالصَّفا فتَرى بهِ ... آثارَها كالطَّابَعِ المخْتُومِ
قالتْ جُموعُ الرُّومِ حينَ وَطِئْتَهُمْ ... وَيْلٌ لِبيضِ رُؤُوسِنا المَخْطوم
فيها بُرُوقُ المَشْرَفِيَّةِ لُمَّعاً ... تَعِدُ الكُماةَ بجَحْفَلٍ مَهْزُومِ
والزَّاعِبيَّةُ كُلِّ صِلٍّ مُطْرِقٍ ... شرِهٍ لسدِّ المُهْجَةِ المَكْتُومِ
والخافِقاتُ كأنَّ أفْئدة العِدى ... أكْسَبْنَها الخَفَقانَ بالتَّعْليم
والمُسْرَداتُ منَ الدِّلاص كَأَنَّها ... عَرْضَ السَّلامَةِ رَدٌّ للتَّجْسيمِ
وأراكَ في الجَيْشِ اللَّهامِ وأهْلِهِ ... قَلْباً يُصانُ بِجُؤْجُؤٍ وحَزيمِ
(1/293)

وَلَوِ انفَرَدْتَ من الفوارِسِ للعِدى ... لَهَزَمْتَهُم بالآيِ منْ حامِيمِ
اللَّهُ حِزْبُكَ لا الخمِيسُ وأهْلُهُ ... والنَّصْرُ جنْدُكَ ليْسَ كُل شَتيمِ
إنَّ الإمام رآكَ في أعْمالِهِ ... كالبَدْرِ يسْطعُ ليلةَ التَّتْميمِ
فَرَمى ظلامَ الظُّلْمِ منْكَ بِنَيِّرٍ ... عَدْلٍ رَؤُوفِ بالعِبادِ رحيمِ
يَقِظٍ نِقابُ ظُنُونِهِ كَيَقينه ... إنَّ العُلُومَ نتَائجُ التَّرجِيمِ
باتَ الطُّغاةُ على المَضاجِعِ غُفَّلا ... عمَّا يُرادُ وباتَ غيرَ نَؤُومِ
تَأْبَى السِّياسة أنْ يُهَوِّمَ ساعَةً ... أنَّى تَحامِي الملْكِ يالتَّهْويمِ
وَهْوَ الحَكِيمُ يزينُهُ سَفَهُ الَوَغَى ... إنَّ الحَليمَ هُناكَ غيرُ حليمِ
بَشِّرْ يتامى المُسْلِمينَ بوالِدٍ ... مِنْهُ يَحُوطُ ذِمارَ كُلِّ يتيمِ
والمُمْحِلاتُ منَ البلادِ بوابلٍ ... منْ جُودِهِ يُحْيِي الأنامَ سُجُوم
وَلْتُنْذِر الرُّومَ الطُّغاةَ بِعاصِفٍ ... من باسِهِ مثلَ الدَّبُورِ عقيمِ
ظَنُّوا بِهِ قَدْ زَارَهُمْ مُتَوشِّحاً ... بنِجَادٍِ عَضْبِ الشَّفْرَتَيْنِ صَمِيم
في عُصْبَةِ التَّوْحِيدِ يَقْدُمُهُمْ بِأبَّ ... هة الجَلالةِ في حُلى التّكْريمِ
يَرْتَدُّ طَرْف العَيْنِ عَنْهُ مَهَابَةً ... ويَجِلُّ لَوْلا الحِلْمُ عنْ تَكْليمِ
(1/294)

فَإِذَا تنَادَيْنَا بِحَضْرَتِهِ رَوَت ... عَنَّا النُّحَاةُ غَرَائِبَ التَّرْخِيمِ
وَإِذَا رَأَوْا جَرْيَ القَضَاءِ بِأمره ... فهِمُوا يقينَ الحزْمِ والمَحْزُومِ
كمْ ذا أفَضِّلُ مَدْحَهُ وَلو انَّني ... كنْتُ ابن صفوانٍ خطيبَ تميمِ
لَعَجزْتُ عَنْ وَصْفِ الأَمِيرِ وإنَّما ... يُومي الخديمُ بمقصِدٍ مَفْهومِ
أَجِدُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ يَعْدِلُ حجَّةً ... وَعَلى ذَويهِ كَعُمْرَةِ التَّنعيمِ
إِنَّ القَوَافِي ذُو تَقِلُّ لِقَدْرِهِ ... ليقل عنها قدْرُ كلِّ عظيمِ
إِنْ كُنَّ دُرّاً فَهْيَ مِنْ تَنْظِيمي ... أوكُنَّ زُهْراً فَهْيَ منْ تَنْجِيمي
وَإِذَا انتَسَبْنَ نَمِينَ أَكرَْمَ مَعْشَرٍ ... منْ آلِ قَحْطانٍ وأشْرَفِ خيم
صَدَفِيَّةٌ كِنْدِيَّةٌ تَرْعَى المُنى ... فلَرُبَّما أكَلَتْ مُرَارَ سُمُومي
دُفِنَتْ بِأَنْقَرَةٍ مَعَ الضِّلِّيلِ فَاسْ ... تَخْرجْتُهَا مِنْ ثَوْبِهِ المَسْمُوم
عَرَبِيَّةٌ في بُقْعَةٍ عَجَمِيَّةٍ ... فرَّتْ إلى صدْري من التَّعْجيمِ
فَمَنِ ادَّعَى السِّحْرَ الحَرَامَ فإنني ... بِحَلالِ هذا السِّحْرِ حَقُّ زعيمِ
وَإِلى أَبِي إسحَاقَ مَوْلاَنَا الرِّضَى ... يَا نَفْسُ أَمِّي جَلَّ مِنْ مَأْمُومِ
(1/295)

وَخُذي أَمَاناً مِنْ زَمَانِكِ عنده ... فلقد أجازَ عليكِ حُكْمُ ظَلُومِ
مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي الخُطُوبَ بأنني ... آوي لِرُكنٍ ليْسَ بالمُهْدُوم
فات الغنى كفي فكم من حاسد ... فَرحٍ وكَمْ مِنْ صَاحِبٍ مَهْمُوِم
فطلبت جدواه ليحْدقني غنىً ... سِيَّاَن فيه حَاسِدِي وحَمِيمِي
ورجوت خدمته لِيَخْدُمَنِي الورى ... فَأَفُوزَ باسْمِ الخَادِمِ المَخْدُومِ
قال أبو إسحاق:
قد جئت بهذه القصيدة على طولها، وأثبتها بكمالها، لانطباعها، وقلة فضولها. وكل مُنْصف يشهد
بِتَفْضِيلها. فبمثلها يحل الكتْب ويسير حيث شاء الرَّكْبُ، ولله درُّ أبي العباس فلقد كان في النظم طويل
الباع، كثير الانطباع، متأخراً بذَّ الأوائل، وحط من مراتبه كلَّ مُتَطَاوِل وقوله:
فإذَا تَنَاديْنَا بِحَضْرَتِهِ رَوَتْ ... عَنا النحاة غرائب التَّرْخِيمِ
يريد أن السيد الممدوح ذو هَيْبَة ووقَارٍ وسكينة وجلالة، فإذا تنادوا بحضرته تنادوا بلفظ خفيف
سهل، لأن الترخيم تخفيف اللفظ وتسهيله، فإذا قلت: رخم الاسم فمعناه سهَّل النطق به بحذفك منه.
قال الأصمعي: أخذ عني الخليل معنى الترخيم وذلك أنه لقيني فقال لي: ما تُسَمِّي العرب الكلام
السهل؟ فقلت له: العرب تقول: جارية رخيمة: إذا كانت سهلة الكلام قالذو الرمة فأوضح معناه:
(1/296)

لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هُراءٌ ولا نَزْرُ
فالهراء الكثير، والنَّزْرُ القليل، فأراد أن كلام هذه الجارية محذوف الأطراف، ليس فيه زيادة على ما
يراد، فعمل الخليل باب الترخيم.
وأنشدني بعضُ أشياخي قولابن المعتز وهو من أملح ماقيل في تكرير اللفظ وأحسنه، وفيه ذكر
الترخيم:
لساني لسري كتومٌ كتوم ... ودَمعي بحُبي نَمومٌ نَمُومُ
ولي مالكٌ شفَّني حُبُّهُ ... بديعُ الجمال وسيمٌ وسيمُ
لهُ مُقْلَتا شادِنٍ أحور ... ولفظٌ سحور رخيمٌ رخيمُ
فَدمْعي عليه سجومٌ سجومٌ ... وجِسْمي عليه سقيمٌ سقيمُ
ومما يستَحسنُ أيضا من تكرير اللفظ، قول الفقيه أبي غالب منصور بن إسماعيل لكنه في طريق
الزهد، ومقصد أولي التوفيق والرشد، وهو:
إذا كنتَ تَزْعم أن الفراق ... فراق الحياة قريبٌ قريبُ
وأن المقدّمَ ما لا يفوت ... على ما يفوت معيبٌ معيبُ
وأنَّ المعدَّ جهازَ الرحيل ... ليوم الرحيل مصيبٌ مصيبُ
(1/297)

وأنت على ذاكَ لا ترعوي ... فأمرك عندي عجيب عجيب
وزاد الهروي محمد بن القاسم من قوله:
وأنَ الموفَّقَ في الحالتين ... لقصْدِ السبيل عجيبٌ عجيبُ
وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجملة من الصحابة، ابن مسعود وغيره (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ)، وتبعهم على
هذه القراءةسليمان ين مهران الأعمش قال أبو الفتح عثمان بن جني هذا منْ أحَقِّ الأشياء بالترخيم،
لأنه موضع قد ذهبت فيه قُوَاهُمْ، ولم ينفعهم شكواهم، فضعُفوا عن تتميم نداء مالك؛ خازن النار وابن
صفوان الذي ذكر أبو العباس، هو خالد بن صفوان، وكان إذا ذكر الغريب من الكلام بحضرته قال
(ليس هو بغريبٍ وإنَّما نحنُ الغُرباء فيه).
وقوله:
إنَّ القوافي ذو تقلُّ لقدره
البيت
جاء به على لغة طيء، لأنها تجعل ذو مكان الذي ولا تغيره عن حاله في جميع الإعراب بل يجيء
به على هيئة واحدة في إفراده وتثنيته وجمعه، وتذكيره وتأنيثه. قال أبو حاتم: وهي لغة كثير من
فصحاء العرب.
(1/298)

وأنشد أبو زيد:
فإنَّ بيتَ تميم ذو سمعْتُ به ... فيه تَنَمَّتْ وأرْستْ عزَّها مُضَرُ
ومثله قول الحسن بن هانئ:
حُبُّ المدامة ذو سمعتُ به ... لم يُبْقِ فِيَّ لغيره فَضْلا
وقوله: (يا نفس أَمِّى جل من مأموم) معناه اقصدي. يقال منه: أمَّه يؤمُّهُ أَمّاً: إذا قصده. والأمَّةُ
الجماعة من هذا المعنى، لأنها تؤم جهة واحدة، ومنه الأمة: القُدْوَةُ للأنامِ في الخير. كقوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ)
لأنه يُؤتَمُّ به ومنه الأُمَّة: القَامَةُ لأن العين تمتد إليها وتؤُمُّها. ومنه أيضاً الأمة: الاستقامة، لأنها تَؤُمُّ،
أي تقصد على طريقة واحدة خلاف التخليط في المذاهب. ومنه أيضاً الأُمَّةُ: الحين، للجماعة التي تَؤُمُّ
جهة واحدة. ومنه أيضاً الأُمَّة: أَهْلُ المِلَّة الواحدة كقولهم: أُمَّة موسى، وأمة عيسى، وأمةمحمد صلى
الله عليهم وسلم.
ذكر معنى هذا كله أبو عبيدة معمر بن المثنى. والمأمومُ:
المقصود إليه، والمأْموم: المصلي خلف الإمام. والمأْمُومُ الذي شُجَّ مَأْمُومُه، وهي من الجراح التي
تبلغ أمَّ الدماغ، وأمُّ الدماغ هي الجلدة التي قد جمعته.
قال ذو الرمة:
(1/299)

كأنَّهُ بين شرْخَيْ رَحْلِ ساهِمَةٍ ... حَرْفٍ إذا ما استرقَّ الليل مأمومُ
أي مشجوج. ورجلٌ مَمُومٌ: إذا أصابَه المُومُ.
وقوله: (ورجوتُ خدمَته ليَخْدُمني الورى) البيت، من قول أبي تمام في أبي سعيد محمد بن يوسف
الثغري:
ومنْ خَدَمَ الأقوامَ يَرْجو نوالهم ... فإني لم أخْدُمْكَ إلا لأخْدما
ومثله أيضا قول أبي جعفر محمد بن عبد الملك في الحسن بن سهل من قصيدة له:
لم أمْتَدِحْكَ رجاءَ المال أطلبه ... لكنْ لتُلبِسني التحجيل والغُرَرَا
ومن مدائح الأديب أبي العباس قوله:
اللَّهُ أكْبَرُهذا وَجْهُ إسْحاقا ... هَذَا الهِلاَلُ وهذا الشمس إِشْراقَا
هَذَا الإمامُ الذي طَابَتْ مَخَابِرُهُ ... وَطَابَ نَفْساً وأغْصاناً وَأَوْرَاقَا
هذا الَّذي جِيدَت الدنيا بنائلِهِ ... وَأَوْرَقَ الصَّخْر مِنْ جَدْوَاهُ إيرَاقَا
هذا الّذي أَمِنَ الفجّ العميق بهِ ... وطَيَّر الرومَ وَالصُّلْبَانَ إِشْفَاقَا
هذا الذي هَجَرَ الأوطانَ مُحْتِسِباً ... في طَاعةِ اللَّهِ يُفْنِي العُمْرَ إِنْفَاقَا
(1/300)

يا فَرْحَةَ الثَّغْرِ بِالمَلْكِ المؤَيَّد بَلْ ... يافرحةَ الدِّين وَالدُّنْيا بإسْحَاقَا
لمَّا تَجَلَّى رَأتْهُ عَيْنُ طَاعتنَا ... جَمراً فَأَعْضَاؤُنا قَدْ صِرْنَ أَحْدَاقَا
لَكِنَّمَا مُقْلَةُ الإِذْفُنْشِ قَدْ شَخَصتْ ... فَمَا تُدِيرمن الإِطْرَاقِ حِمْلاَقَا
في قَلْبِهِ مِنكَ نِيرَانٌ مُسَعَّرَةٌ ... تُفْنِي الجَوَانِحَ إِلْهَاباً وَإِحْرَاقَا
نَزْلُ الجَحِيمِ أَتَاهُ قَبَلَ مَهْلَكهِ ... فإِنْ تَمَادَى بِهِ كُفْرٌ فَقَدْ ذَاقَا
في أبيات غير هذه، وفي قصائده انطباع وتطويل، يشهدان له بالتقديم والتفضيل. وقد أثبت من
كلامه في هذا الديوان ما يعذُبُ سماعُه، ويحسن استطلاعه.
وكتب أبو النصر:
أطال الله بقاء الأمير الأجل صفوة المجد الصميم، وغُرَّةِ الزَّمَنِ البهيم الذي استظهرتِ المعالي بعُلياه،
وفَخَرَتِ الأواخر على الأوائل بِلُقْياه، للملك يُبْرئُه من أوْصابِه ويُبْقيه في قِصابه، ويَقيه من استلابه
واغتصابِه.
قد تحولت الرئاسة، أيدك الله، إذْ تحولت عنها حِوَلاً، وعاثَتْ فيها الأيامُ، وكانت لها خَوَلاً، فعادتْ
كالأفْقِ غابت شمسه، والجسد ذهبتْ نفسه، والأنامل عَدِمَتْ ظُفْراً، والدِّيارِ الأوائل أصبح أهلها سفر
المُحَصِّبِ غداة النَّفْر، أوْ كنصيبِ بَعْلِ ليلى بالجَفْرِ فهي تبدو كالمعصم فارقه السوار، والكِمام تساقَطَ
عنه النُّوَّارُ. لا تتحركُ من سكونها، ولا تَأوي طيرُ الآمال إلى وكونها. وكيف
(1/301)

ينبسط انْقباضُها؟ ويرتَفِعَ بَعْدَكَ انْخِفاضُها، وكنتَ لها بدْراً فهَجَرْتَ مطلعها، وفُؤاداً فأقْفَرْتَ أضْلُعَها. وكمْ راقتْ بكَ
صفْحَتُها، وهَبَّتْ بأذكى من المسكِ نفْحَتُها، حتى كأنَّ الشبيبَةَ حَشْوُ لِوائها، أو الغزالَةَ بعض أضوائها.
فأجْفانُها عليكَ باكية، وإليكَ بَمَضََضِ الثَّكل شاكية. تتفجَّع على ملِكِ كانَ لها جَمالاً، وتتوجَّعُ على سِيَرٍ
غَدَتْ لها يميناً وشمالاً. ولئن فارقت منها معهداً مألوفاً، ومشهداً بالكتائبِ محفوفاً، بما يبدو منها سِنَانٌ
لامِعٌ، ولا يَغْدو لها مُطيعُ ولا سامِعٌ. وكيف يُؤلفُ جسمُ بغير فؤاد؟ ومَنَ يَرْكَبُ نُمُوراً بعد جواد؟ وما
تركتها إلا بعد أنْ ألْحفْتَها بالبهاء، وأَجْرَيْتها إلى أمد الانْتِهاء. وقد تُهجَرُ نفائس الأعْلاقِ، وتبلى
المليحة بالطلاق.
ولم تُحَطَّ - أيدك الله - إنّما الملك حطَّ من فلكه، وعُطِّل منْ حُلى مُلْكِه. فالنُّجومُ إذا غارت أوْرَثتِ
المطالع ارْتِداداً، وكستْها بعد الإنارة تعداداً. والتاج تضربه المفارقُ، ويَهُونُ بعده المفرقُ المُفارقُ،
والشمس تتَهاداها المغارِبُ والمشارقُ.
وله في المعنى وضمنها شكية.
أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصِر الدين، الذي أشرق به الإسلام وأنار، ولاح به للعدل علم
ومنار، للحقائق يجلو ظلامَها، ويُزيلُ عنْ يد الباطل زمامها.
قد أوْلاَني - أيَّده الله - من إسْعافه، ووطَّأني من أكْنافه، وثنى إليَّ من عدله وإنصافه، ما عصم حالي
من اختلالها، وشفاها من اعتلالها، فما تألَّمْتُ من حادث إلاّ شَفاه، ولا شَكَوْتُ من أمر كارثٍ إلا كفاه،
والله يقارضُهُ بثوابٍ يعدو لديه حاملاً، ويجعله في الحشر كالئاً وكَافِلاً، بمنِّه.
(1/302)

ووقع - أدام الله تأييدَه - أمرٌ فزِعْتُ إليه في وقْعه، ورجوتُ إليه جبرَ صدعه، وذلك أنَّ فُلاناً، وفَّقه
الله فيما جُعِلَ إليه، وأوضحَ له مُشْكِل ما يقع بين يديه، لم يَقْنَعْ منِّي مُنْذُ وليَ إلا بالتَّحَيُّفِ والاهْتضَامِ،
والمثول بين يديه في المحاكمة والاِخْتِصَام، ولم يرض بوكيل يكون عِوضاً، وأجعلُ أمري إليه
مفوَّضاً، فعدلتُ - أيدكَ الله - أحكامي عنه، وأَزَلْتُها منه، وآليْتُ أنْ أصرفها إلى منْ يُزيلُ تخْييلها،
ويسْلُكُ بها سبيلها.
وقد كان خاطبه القاضي فلان - وفَّقه الله - بعقودٍ، أَثَارَتْها غَوائِلُ وحُقُود، لَيس بها على مُثْبِتِها،
ولَيْس عليه قبل تَثَبُّتِها. فلما أعادَ نظرها، وأجاد تدبرها، بان لديه تَدْليسُها، واستبانَ إليه تَلْبيسُها،
فشاوَرَ، الفقهاء بالأندلس والعدوة، واتخذهم قادة وهو القدوة، فأجْمَعُوا على تَقْطيعِها، والتَّنْكيل لمُشيعِها
ومُذيعِها. ونفذَتْ بذلك فتاويهم، واتفق عليها قاضيهم، فتلوَّمَ فلان المذكور في ذلك واشتمل عليها
واحتوى، ثم زعم أنها ضاعت من مُسْتَوْدَعِه، وأُخِذَتْ من مرْفَعِه. وأنا أضْرعُ إلى أمير المسلمين -
أيده الله - في مُخاطَبَتي بإِسْلامِها إليَّ، وصرفها عليَّ، والله تعالى يُبْقيه للعدل سِرَاجاً وهَّاجاً، ولا يُبقي
به منَ الأمور اعوِجاجاً.
وله في مثل ذلك:
أطال اللَّهُ بقاءَ الأمير الأجل، ناصر الدولة، ومحي الملة، الحميد الشِّيِم، البعيد مناطَ الهمم خافقة،
وآياتِ الأمل نافقة، لديه سنياتُ الأعمال، لو أنَّ النجومَ - أيدك الله - عن أفْلاكِها مُنْتَقِلَةٌ، وبمنازلها
مسْتَبْدِلة، لَمَا اتَّضحت إلا في جَبِينِكَ، ولا ارتاحتْ إلا إلى يمينك. هذا ومنها الثُّريَّا والسِّماك، ومَطالعها
بروجٌ وأفْلاك.
فكيف لا تَحْتَشِدُ لديك الهمم، وتَرِدُ موارِدَ نداكَ الأممُ، ومَكَانها
(1/303)

حضيض، وليس لها إشْراقٌ ولا وميض. وإنِّي وإنْ كُنْتُ منْ هذا الصِّنْفِ الأرضي، والجِنْسِ البشري،
فلي نفسٌ لا تقْنَعُ بمكانِها، ولا تقِرُّ إلا في مرفعِ كيوانها. فهي لا تُعَرِّجُ إلا على السُّها،
ولا تتفرَّجُ إلا في سدرة المنْتَهَى ولذلك لم تُبد
الابْتِسامَ إلا إلى مُلْكِك، ولم أرَ الانتظام إلا في سلكك، وقدْ سرتُ مسير الشمس، ولم يبقَ لي غَيْرُكَ من
ملوكِ الإنس، فما استسغْتُ عند ملِكٍ لهم جيشاً، ولا وجَدْتُ رقيقَهم إِلاَّ خَيْشاً، فعَلِمْتُ أنّي في فنائك
أستقر، وأنَّ عَيْني باجتلاء عينك تقر، فقوضتُ إليك رَحْلي، وبَشَّرْتُ بخِصبكَ مَحْلي، وجَعَلْتُ أخُبُّ
وأخِذ، ولا ألْوي على منْ أجد، إلى أنْ فَرَغْتُ من الأرض وصحوتُ منْ سراها، وقُرِّبَتْ لي الفُلْكُ
فقلتُ: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) وما زلتُ بين قوادمها وخوافِيها، ألاحِظُ المنايا حيناً وحيناً أُوافيها، حتى حطَّ لي في جانِبِ
حضرتِكَ الشراعُ والسَّفينُ، وآويتُ منها (إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) فقلت (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) وقَدَّمْتُ كتابي بين يدي لقائي، وجعلتُه طليعة رجائي،
ورَأْيُهُ - أيده الله - فيما يراه منْ تنويه الوصول، والتوجيه المأمولِ. إن شاء الله.
(1/304)

قال أبو إسحاق:
لم يذكر أبو نصر في جوازِ البحر إلا ثلاثَ كلمات، وأعْرَضَ عن ذلك إعْراضَ الخاشع عن
الملْهيات، وأمْسَكَ عنه إمساكَ الزّاهد عن الشهوات، وأيْنَ هو من قول أبي الوليد بن حزم طود الذكاء
والفهم في أبي العلاء بن زهر حيث يقول:
يا بن زُهرٍ طإِ الثريا عبيراً ... وحصى البيد لُؤلؤاً وعقيقَا
وتلقَّ الهواء وهو طليق ... كمحياك حين تلقى الصديقا
ما ترى الريح كيف هبتْ رخاء ... لك بعد الهبوب ريحاً خَرِيقَا
وضحى البحر هيبةً لك لمَّا ... جئته سالكاً عليه طريقا
غمَرَتْه من راحتيك بحارٌ ... صاح من وجهها الغريق الغريقا
فَرِقَ اللج منه حين استطارت ... منه أحشاؤه فريقاً فريقا
جُزْهُ ياابن الكرام أرضاً ذلولا ... أو فَقُدْه إنْ شئتَ طِرفاً عتيقا
وانتض الحزمَ حيثُ كنتَ حساماً ... واصحب النُّجْحَ حيث كنت رفيقا
(1/305)

وتفيأ عُلاكَ ظِلاًّ ظليلا ... وتنشَّق ذكراكَ مسكاً فتيقا
ومنْ قولالرُّصافي أبي عبد الله المنزه عن التعقيد والاستكراه، حيث يقول في هذا المعنى من قصيد
فريد له في ملك متواضع أوَّاه:
تسنَّم الفلكَ في شط البحار وقد ... نودين ياخير أفلاك العلا سيري
فسرنَ يحملن أمر الله من مَلِكٍ ... بالله منتصرٍ بالله منصور
تومي له بسجودٍ كلّ مَحْرَكة ... منها ويوليه حمداً كلّ تصدير
لما تسابقن في بحر الزُّقاقِ به ... غادرن شطيه في شك وتَحيير
أهزَّ منْ موجه أثناء مَسرور ... أم خاض من لُجِّه أحشاء مذعور
كأنَّه سالك منه على وشلٍ ... في الأرض منْ مُهَجِ الأسياف مقطور
من السيوف التي ذابت بسطوته ... وقد رمى نار هَيْجاها بتسعير
ذو المنشآت الجواري في أجرَّتها ... شكلُ الغدائر من شكلٍ وتضْفير
من كل عَذْراء حُبْلى في ترائبها ... ردْعانَ منْ عَنْبَرٍ وردٍ وكافور
تخالُها بين أيدٍ منْ مجاذِفِها ... يَغْرَقْنَ في مثل ماء الورد مَبْخُورِ
(1/306)

ورُبَّما خاضَتِ التيارَ طائرُهُ ... بمثل أجْنِحة الفَتْحِ الكواسير
كأنَّما عبَرَتْ تحْتالُ عائمَةً ... في زاخرٍ منْ ندى يُمْناهُ معْصورِ
حتى رمتْ جَبَلَ الفَتْحَيْنِ منْ كَثَبٍ ... بساطعٍ منْ سناهُ غير مبْهور
والقصيد طويل مستعذب في الأسماع والعقول.
وكتب أبو النصر أيضاً:
أطال الله بقاء الأمير الأجل شِهاب الرئاسة المُسْتَنارة، وحُسامها الماضي القرار، معْتلياً على أسلاكها،
مُغْتدياً بين فرْقَدِها وسماكِها.
كتبتُ، أيَّده الله، وقد حَلَلْتُ هذا الجَناب، ونزَلْتُ عن مُتُون الرِّكابِ، صادِراً عنْ قَلْعة حماد، وَمُسْرعاً
إسراعَ الجيادِ إلى الآمَادِ. وعندي من التطلُّعِ إلى علائهما ما لو كانَ بجفنٍ ما رمَقَ، أوْ بلسانِ ما نَطَقَ،
أوْ بنجمٍ ما ظهرَ، أو بفجر ما اشتهر. وقد كُنْتُ واليْت مطالعته منْ كلِّ أرضٍ، وقضيتُ منه كل سُنَّةٍ
وفرْضٍ، وأعْلنْتُ بإشعاره إعلاني بالإيمان، وكَلِفْتُ بشِيَمِه الطاهرة كلَفي بطاعة الرحمن. وما زالتِ
الأيامُ تعدُ لمفاوضَته وَتُمنِّي، وتُبْعِدُ سببَ مُداخَلَته وتُدْني، حتى قَرَّبْتُهُ تقريبَ اللفظ من المعنى،
وصرتُ منه قابَ قوسين أوْ أَدنى، فَعَصَفَ قَدَرٌ أجْرانِي بحكمه وقضائه، وعداني عن اقتداء ذلك الحظ
واقتدائه،
(1/307)

فأصْبحتُ في ديارِ بَكْرِ بْنِ وَائِل ... ونُزِعْتُ عنْ تلكَ الرُّبا والخَمائل.
والآن أرْجو تقريب ذلك الوعدِ؛ إذْ كُنْتَ باقِياً على العهد. والأميرُ الأجلُّ يُحلُّني من اعْتِنائه مَحَلاًّ
رفيعاً، ويَشْفَعُ الوِدُّ الذي اتَّخَذتُهُ بينَ يدَيْهِ شفيعاً. إنْ شاء الله.
(1/308)

فصل ومن أحسن ما كتبوا في صدور الرسائل
أطال الله بقاء الأمير الأجل، السيد الأفْضَل. وجوانِبُ أمره مَحْمِيَّة، وهِمَمَهُ عليَّةٌ، ومراميه في الكلامِ
قصيَّة، وسيرته في الأولياء حفيَّة، والفجاجُ إلى سُؤدَدِه مَطويَّة، ولا زال له في كل فضيلة شُُفوفٌ
ومَزِيَّة.
كتَبْتُهُ، - أيَّده الله - من مدينة كذا، كمّا يجبُ من إجْلال قدرِه، وإجْمالِ ذكره، وَتَوَفِّيه والقيامِ بشُكْرِه.
وقد علم - أيَّدَهُ الله - مالي في طَاعته المُمَهَّدة بعدْله، سقى الله أَكْنافَها، وأمَّنَ أَوْساطَها وأَطْرافَها.
وفي المعنى:
أطال الله بقاء الأمير الأجلِّ، وسَعْدُهُ حاشِدٌ حافِل، وصُنع الله تعالى لأوامره العلية كافل، ولا زال
الأمنُ يَشْمَلُ بلادَهُ، والنَّصْرُ يَصْحَبُ أجْنادَهُ، والرُّعْبُ يُذْعِرُ أضْدادَهُ، ويكْثر سوادَه.
كتبته عنْ طاعَةٍ أرْجو عند الله تعالى قرْضها، وأُقيمُ في السَّرِّ والجهرِ فرْضَها، والله المُسْتَعانُ على
حِفْظِ حُدُودِها، وَمُراعاةِ مَواثيقها وَعُهودِها.
وفي المعنى:
أطال الله بقاء الوزير الأجَلِّ، السيد الأفضل، ومواردُهُ خيرة، وأيامه صاحيةٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، والدُّنْيا
بمحاسنِه مُفْتَخِرَةٌ.
كَتَبْتُهُ أيَّدَهُ الله والودُّ تليدٌ، والعهد حميدٌ، والثَّناء مُبْدئ ومُعيد.
(1/309)

وفي المعنى:
أطال الله بقاء سيدي الأكرم، ومنَادي الأَفْخَم، وسَنَدي الأعْصَم، وفسحَ مَهَلَهُ، وَتَمَّمَ آلاءهُ الحسْنى قبلَهُ،
وأَنْهَضَهُ بأعْباءِ ما حَمَّلَهُ.
كتبْتُهُ، وعندي لكَ البِرُّ الأَحْفى، والإِكْرامُ المُوَفى، وقَدْ توافتْ لَكَ كتُبٌ كثيرَةٌ، ومُطالَعاتٌ خطيرَةٌ،
واصلْتَ فيها الاهْتِمامَ، ووَفَّيْتَ الذِّمامَ. ومثلُكَ - ولا مِثْلَ لكَ - حفظ عُهود الإخْوان، وعلم أنَّ حُسْنَ
العهد منَ الإيمان.
وفي المعنى:
سيدي الأعْلَى، وظهيري في الجلَّى، لا زالت الخيراتُ إليْكَ وافِدَةً، والمَسَرَّاتُ عليْكَ وارِدةً، ودُمْتَ
وأيَّامَكَ وأوْطارَكَ مُساَعِفة مساعِدة.
سيدي الأعْلى، وظهيري الأعزَّ الأحْمى، وصفي الأكْرَمَ الأولى، تمليتَ النُّعْمى، واجتَلَيْتَ الحسناءَ
والحُسْنى، وبلَغْتَ منَ الدارِينِ الحظَّ الأسْنى، ولا زالتْ آمالُك تتَيَّسَرُ وتتَسنَّى.
وفي المعنى:
أطال الله بقاء الفقيه الأجل، المُشاوَر الأفضل، كبيري الموقر المُبَجَّل، مَحْمِيةٌ أرْجاؤه، متَأتِّيةٌ أَوْطارُهُ
وَأهْواؤُهُ، عَبِقاً ذِكْرُهُ وثناؤهُ، ولا زال معْموراً بالآمال ذُراه وفِنَاؤهُ.
وَكَتَبْتُهُ، أدامَ الله عِزَّك، عنْ مصافاةٍ في ذاتِ الله معقودة، وموالاةِ على البرِّ والتقوى مشدودة، وأنْديَةٍ
بمحاسنه مشهودة، ومظاهرةٍ بقيادته معضودَة، والله، عزَّ اسمه، يتكفل بسجاياه المحمودةِ، ويُجزيه
أعلى مراتبِ شفوفه المعهودة.
وفي المعنى:
أيَّدَ الله الفقيه الأجلّ، الإمام الحافظ الأكمل، قاضي الجماعة الأورع الأفضل، بعصمته وتقواه، وجعله
في كنفه المنيع وحماه، وتولاه بالحياطة فيما
(1/310)

يتولاه، وكافأه على جميل نظره وصالح مسعاه، ولا زال متقلبا في رحمته ورضاه.
آخر:
أَيَّد الله الفقيه الأجَلَّ الإمامَ الأوحَدً قاضي الجماعةِ، وأَعَدَّ لهُ كرامَة الأبرار، وأَخلَصَهُ بخالِصة ذكرى
الدَّارِ، وأَدامَ الحقَّ به عَالِي الشِّعَار، والعَدْلَ واسِعَ المضْمارِ، مُنْتَشِرَ الأنوار.
كَتَبتُه، وأنا أُبِرُّهُ وأُعْظِمُهُ، وأُوجِبُ حَقَّهُ وأُقَدِّمُهُ وأُوفي شُكْرَهُ وأُتَمِّمُه.
آخر:
أطال الله بقاء الرئيس الأجل، الزَّعيم السيِّد الأفْضل، لابتناء سُؤدَدٍ ومَجْدٍ، واقتناء شُكْرٍ وحمدٍ.
ولازال أوْفى الناس بذمة وعهدٍ.
كتبته، والشوق في نحْرِه مبتدِرٌ، والقلبُ في أمْرِه منْحدرٌ، وقد كان الزمان بأنْسه استدار وأشرق به
الأفق ونار، وزار الفضْلُ كُلُّه حين زارَ، ثُمَّ اسْتَقَلَّ ظَاعِناً بِظُعُنه وسارَ، فلا جرمَ أنَّ العيشَ استحال،
وأنَّ الليل على قصره طال:
وما ذُقْتُ طعْمَ الماء إِلاَّ وجدتُهُ ... سوى ذلك الماء الذي كنْتُ أعرف
وفي المعنى:
سيِّدِي وكَبِيِري ووَلِيِّي، وظهيري الذي أُعِدُّهُ لِمُهمَّاتِ أُموري أعزَّكَ الله بالتقوى، وأوْردَك من رضاه
المنهل الأرْوى، وأسْبَغَ عليك النُّعمى، وجعَلَكَ وإِيَّايَ في كنفه الأحْمَى.
كتبْتُه كما يكتُبُ الصديقُ شاكراً لما أَوْلَيْتَني منْ مُشارَكَةٍ بَرَّه، ومُكارَمَةٍ ثَرَّه، وقد تقَدَّمَ ذلكَ غير ما
مَرَّه.
(1/311)

وفي المعنى:
سيدى الأعْلى، وعِلْقِي الأنْفسَ الأغْلى، الذي أَزُورُ منْهُ على البُعْدِ أكْرَمَ مَزُورٍ، ويَحُطُّ الشوقُ شخْصَهُ
في الضمير حطَّ حقيقةٍ لا حطَّ زورٍ، وبقيتَ موفي حُقوقَ المبَرَّة غير منزوفٍ ولا منْزُورٍ، ولا زلتَ
موجودَ المشارَكَةِ والاهتبال، ماثلاً في كلِّ خاطر وبالٍ، تَجْبُرُ مهيضاً، وتَسْتَفيدُ الشكرَ والأجرَ عريضاً.
وفي المعنى:
أَيَّدَ الله الفقيه الأجلَّ، الإمامَ الأوْحدَ الأكْمَلَ، قاضي القُضاةِ الأَقْصى الأعدل، تأييدَ وليِّ أجمع على
محبَّتِه الأَهْواء، وقَيَّضَ لَهُ في العدل والسياسة الظهراء، وما زالَ علمُهُ يُقْتَبَسُ، وذِكْرُهُ على الأسماء
يُحْتَبَسُ، ومَحَلَّهُ الجليلُ يُعَظَّمُ ويُقَدَّسُ.
وفي المعنى:
أطال الله بقاء الفقيه الأجل، الإمَامِ القاضي الأفْضل، هَضَبَة السُؤْدَدِ والحِلْمِ، وحاملِ لِوَاءِ المجدِ
والعلم. والعدلُ يعْتَصمُ بناديه، والفَضْلُ يتَّسِمُ بواديه، ولازالَتِ البشائرُ تَسْتَقْبِلُ وافِديه، وتَرُوحُ وتَغْدو
إلى رائحه وغاديه.
وفي المعنى:
أطال الله بقاء الفقيه الأجل، وثَنَاؤُهُ يَعْبَقُ، وَشَأْوُهُ في المجد وغاياتِهُ يَسْبٍِقُ، ولا زالتِ الأيامُ في
اعْتِلائه وارْتقائه تتَأَنّقُ، ووجْهُ أُفْقِه يَتَألَّقُ ببشره ويتَطَلَّقُ.
وفي المعنى:
سيدي الأعْلى، ومُعْتَمِدي في الجُلَّى، المقَلَّدُ المُنْتَضَى، والعمادُ المرْتضى، الذي ارْتاحُ لذكره الأرِج،
واجْتَلى منْ ذكره كلَّ مُبْهج، لا زال أمركَ رشيداً، ونظرك سديداً، ووطْؤُكَ على أهل العُقُوقِ شديداً،
ومَداكَ في كل صالِحَةٍ بعيداً، وذكْرُكَ، أَعَزَّكَ الله، يَجْري، والخبَرُ يَثْبُثُ ويَسْري، وتذكر أخلاق الفتى
وهو لا يدري.
(1/312)

وفي المعنى:
أطال الله بقاءَ السَّيِّدِ الشَّريفِ المُشْرِقِ منْتَماهُ، الطَّيِّبِ مُعْتَزاهُ، الباهِرِ مَجْدُهُ وسناه، ودُرَرُ بيانِهِ تتقَلَّد،
وغُرَرُ لِسانِهِ تَعْمُرُ عُمْرَ الدَّهْرِ وتَخْلُدُ، ولا زالَ قُدْوَةَ عِلْمٍ، وهَضْبَةَ سُؤْدَدٍ وحِلْمٍ.
وفي المعنى:
أطال الله بقاء رئيسي الأَسْنى، المأْنوسِ المَغْنَى، مُرْتَدِياً بالنصر، مُعْتَلِياً على مَفْرِقِ النَّسْرِ، قد هَبَّتْ
نوافِحُ معاليكَ، أيَّدَكَ الله، فَطابَ مَسْراها وَوَكَفَتْ سَحَابُ أياديكَ، فصابَ نداها بنسيمِ تلْكَ مدى الأيامِ
عاطرٌ، وغَمامِ هدىً على الأنامِ ماطرٌ.
وفي المعنى:
سيدي الأعلى وعمادي الأسنى، ومَشْرعي الأصْفى، وحظِّي الأكرم الأوفى. لا زِلْت ظافِراً بآمالِكَ،
وممَتَّعاً بذويكَ وآلِكَ، محْفوظاً من المكاره في نفسك الكريمة ومالك.
كتبتُهُ يا أَهْلي عن العهد الأكرمِ، المُوَثَّقِ الذِّمَمِ. يا سادَتي الأخِلاَّء، وإخْواني الأصفِياء، وأهلَ مَوَدَّتي
الأوْفياء الكُرَماء. أدامَ الله لكمُ البُشرى وافية، وأوْرَدَكم موارد النُّعْمى صافية، وألْبَسَكم ملابس الكرامة
سابغة ضافية.
كتبته شاكراً لصِلاتكم، ومتحقِّقاً فَضْلَ مُسَاهَمَتِكم وموالاتِكم. أيُّها الأخُ الصميمُ، والوليُّ الحميم،
والماجدُ الكريمُ حالَفَكَ السقيُ العميمُ، وعاقَدَكَ التَّرْفيعُ والتَّعظيمُ، ولا برَحَتْكَ النَّضْرةُ والنعيمُ، وسقى
بلداً أمْستْ به عُلاكَ تحُلُّهُ منَ المُزْنِ ما تروي به وتشيمُ.
(1/313)

فصل ومن أحسن ما كتبوا في استفتاح الصداقة
قديماً تواصل الناسُ على البُعْدِ، وتهَادَوا ثَمْر الإخلاص عن الود، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّم سببٌ موجِبٌ
للتواصل، ولمْ يَرِدْ رائدٌ مُقْتَضٍ للتَّراسُلِ، وما أَقُول إنَّ مُخالطةً تمَكَّنتْ لا سببَ لها، ومباسطة تهدَّتْ لا
باعِثَ عليها. فإنَّ جُنُوحَ النفس لاسْتِصْفاءِ الفُضَلاء، واقتناء موداتِ الأولياء، أقوى أسبابِ الارتباطِ،
وأَرْعى أبوابِ الاخْتِلاط. ومحالٌ أنْ تَنْجَذِبَ نفسٌ، إلى منْ ليسَ لها به أُنْس، أوْ يَكْلَفَ ضميرٌ بمن
ليس له به حظٌّ موفور. وقد تَحَلَّتْ مُخَاطَبَتِي إيَّاكَ، بحَلْي المحبة فيك، والمعرفة بجميل مذَاهِبِكَ
ومَسَاعيكَ، والرَّغْبَةِ في اقْتِناء خُلَّتِكَ، وادخار صداقتكَ، لما اشتهرمنْ أحوالكَ الجميلة، وظهر منْ
خلالكَ النَّبيلة، ومن كان على ما أنْتَ عليه، فَمَرْغُوبٌ فيه، مُنْجَذبٌ إليه، مَطْلُوبٌ إخاؤه، مَخْطُوبٌ
صفاؤُهُ، مَحْبُوبٌ على البِعادِ، مُفْدى حتى منَ الأَضْدادِ.
وفي المعنى:
إِنْ كانت المعرفةُ لمْ تَحِقَّ، (فكم أثر أهدى منْ عيْنِ)، (وكمْ خَبَرٍ أَغْنى عنْ خُبْر). وإنْ كانت الأُلْفةُ لمْ
تتفِقْ. فَرُبَّ طارِفٍ حديثٍ، أكْرَمُ منْ تالِدٍ مَوْروثٍ. ومنابِتُ الفضْلِ باسِقَةُ الفُروعِ، حميدَةُ الجميعِ،
طيِّبَةُ الجنَى، جميلة المَخْبَرِ والمرأى، لا تروقُ إلاَّ بما يَرِفُّ، ولا تُثْمِرُ إلاَّ بما يشِفُّ. وأنْتَ أعزَّكَ
الله، في أطْيَبِهَا مَعْدِناً، وأكْرَمِها مَوْطِناً، ومنْ أزْكاها مغرساً، وأسْراها منْبِتاً، ولا يَرِدُ منكَ إلاَّ ما يعْبَقُ
نسيمه، ويلَذُّ شميمهُ، ويروقُ منْظره، ويفوقُ مخْبَرُه، وما زِلْتُ
(1/314)

أعْرفُ لكَ الحقَّ الوكيد، والسبْقَ البعيد،
والسعي الحميد، والقول السَّديد. فلاشَكَّ أنَّكَ غُرَّةٌ في وجه الدهر البهيم، ومعْذِرَةٌ من إساءةِ هذا الزَّمنِ
المُليمِ؛ فما أَخْطَأَتْ عنكَ الفراسَةُ، ولااخْتَلَفَتْ فيك الرِّئاسة؛ بل أَوْفيتَ على المقدار المظْنونِ، وأَتَيْتَ
منْ وراء المُتَيَقَّنِ المضنونِ. ولئنْ أخَذْتُ في ذكرِ فضائلِكَ، أوْ عَطَّرْتُ كلامي بطيبِ شمائلكَ، فلسانُ
الأيامِ بها أَفْصح، ولها أَشْرح، وإنْ عدلْتُ إلى وصفِ ما أَعْتَقِدُه فيك وأُضْمِرُهُ، وأَطْويه من ودادِي لك
وأَنْشُرُهُ، فشاهدُ الضمير بها أَنْطَق، وعنه أصْدَق، فليس إلا الإتفاقُ والإصطلاحُ، على ما تتناجى به
النفوسُ والأَرْواحُ.
وفي المعنى:
وربَّما تَهَيَّأَتِ الصداقة، وتَمَكَّنتِ العلاقة، على تنائى الدِّيار، وبُعْدِ الأمْصارِ، بالأخْبارِ السائرة،
والأنْباء المُتَواتِرَة ببارعِ المناقِبِ، وباهِر المذاهبِ، وجميل التَّناسُبِ، وسامي المنازلِ، وجميل
الفضائلِ، فتتعارَفُ القُلوبُ ويَجْمَعُها عِقْدُ الوِدادِ، وإنْ تناءتِ الأشخاص في البلاد، وينْتَظِمُ سِلْكُ
الصفاء، وإنْ لم يكنْ سبيلٌ إلى اللقاء. وقد خَطَبْتُ وِدَّك، ورجوت أنْ أجِدَه مُوَطَّأَ الكنَفِ، مُهَيَّأَ اللُّطفِ،
سلسَ الزمامِ، سهل المرامِ، لما فضَّلَكَ الله بضروبِ من المفاخِر وصنوفٍ من المآثِرِ، تتأمَّلُها أَعْيُنُ
النُّظَّار، وتتحَمّلها أَْلْسُنُ الأخْبارِ، ويَخُطُّها سوادُ الليل على بياضِ النَّهارِ، ويُحَدِّدُ بها حادي الرفاق إلى
أقاصي البلاد والآفاق، ويسري بها سَراة الرُّكْبانِ، إلى أقاصي البُلْدانِ، حتّى لقد أَسْمَعوها كل أُذْنٍ
صمّا، وأَرْوها كل عيْنٍ عمْيا. فألْويةُ الحمد عليك خافِقَةٌ، وأَلْسِنة المجْدِ بفضلك ناطقة. والله تعالى
يُبْقيكَ للمكارم نظاما، وللأفَاضل إِماما، بِمَنِّهِ.
وفي المعنى:
إنْ كانت المُداخَلةُ بَيْننا لم يُفْرجْ لها بابٌ، ولا عَلِقَتْ بها أسْباب، ولا رُمِيَ
(1/315)

لها في مُحَصَّبِها جِمار، ولاعَطَفَ بنا نحوَ كَعْبَتِها اعْتِمارٌ، فقد جمعتنا في معرف المعرفة مواقفُ، وضَمَّتْنا من معالم العلم
معاهدُ ومآلف، ووشحتْ بيننا منْ أواصر الأدَبِ أَنْسابٌ، وضَرَبَتْ علينا في مدارس الطَّلَبِ قِبابٌ، ولا
غَرْوَ من تداني القلوب على تنائي الدِّيَاِر، وائتِلافِ النفوس مع اخْتلاف النِّجار، فقد تتعارفُ الأندادُ
على البعاد، وتتناكَرُ الأضدادُ مع قربِ السوادِ والوسادِ، ورُبَّما أَلَّفَ تشاكُلُ الشيم والأخلاق، بينَ
مسْتَوْطِنِ الشامِ وساكن العراق، وقديماً حنَّ زَهْرُ الغَوْرِ إلى نسيم نجد، وامتزَجَ عنْبَرُ الشِّحْر بمسكِ
الهند، على أني لا أدَّعي رُتْبتكَ في فنونِ العلم والآدابِ، ولا أتَعاطى إلاّ بشرط القياد والأصْحابِ،
ومنْ يُضاهي محَلَّ الفرْقَدِ، بِمَنْبِتِ الغَرْقَد، ويُشَبِّه رُتْبَةَ التَّقليد، بدرجة النَّظر والتوليدِ، أوْ يُقارِنُ بينَ
الالْتِباسِ والبيانِ، ويعارضُ قوة القياس بضَعْفِ الاستِحْسان؛ لكني وإنْ لم أعُد في رعيلك، ولا أضيفُ
مُبْرَمي إلى سجيلِكَ، فعندي منْ بضائعِ الكَلِمِ ما ينْفُقُ في سوقِكَ، ولدي منْ سوامي الهِمم ما يَعْبَقُ
بِبُسوقك، ولعل بعض كلامي يمدُّ في ذُراكَ، ويحْظى برضاك، ويصادفُ عندك رأياً جميلاً، ويستوقف
لحظك ولو قليلا. بقيتَ حلْيَة للدهر فائقة، وغُرَّةً في وجهه رائقه.
وفي المعنى:
(1/316)

أَمَا وأحاديثُ فَضْلِكَ صحيحَةُ الإسْنادِ، وأَدِلَّةُ سرْوِكَ قوية العماد، ومطالعُ عِلْمِكَ وفهمِكَ ساطعة
الأنوار، ومناهِجُ هدْيِكَ وسَعْيِكَ واضحةُ الصُّوى والمنارِ، فلا عَجَبَ أنْ تَحُومَ على سُرْعَةِ مداخلتكَ
حوائمُ الأَلْباب، وتَنْتَهِزَ في الْتِماسِ مواصلَتِكَ فُرَصُ الدَّواعي والأسباب، ولم أَزَلْ مولعاً برائقِ صفتك،
ومُلْتَمِساً سبب معْرِفَتِكَ، حِرْصاً على التَّجَمُّل بِحِلْيَتِكَ، ورَغْبَةً في التَّيَمُّن بصلتك، لأنكَ، والله يُبْقيكَ،
أحقُّ منِ احْتُذِيَ على مِثاله، واقتُديَ بصالح أعْماله، واستقرتْ آثارُ البِرِّ في مواقِعِ خطاه، وانتسخَتْ
أخْبارُ الزُّهد والقصد منْ صحائف هُداه، وأَجْدَرُ بمن اتَّخَذَ صاحباً، وسلَكَ منْ سُبُلِكَ أثراً لاَحِباً، أنْ
يأمنَ في جدك مسالِك العثار، ويعْدَمَ في جوارِكَ نقْعَ الفِتَنِ المُثارِ، والله تعالى يُبْقيكَ لأشْتاتِ الفضائل
نظاماً وفي كل صالحة إماماً، ويوسِع النعمة بك وفيك سبوغاً وتماماً.
ولمَّا اتَّفَقَ شخُوصُ فلان إلى الحضرة، وعلِمْتُ أنَّ انْجذابه إلى جَنَباتِكَ، ووَعَيْتُ عنه جُمَلاً حساناً من
صفاتِكَ، رأيْتُ أنْ أصحبه خطاباً، وأَمُدَّ في ساحة الانْتِظامِ طُنُباً وأسباباً، حِرْصاً على أنْ يتَوَكَّدَ في
ذاتِ الله إخاؤنا، وتتفق في سبيل مرْضاتِه وطرُقِ طاعاته أَنْحاؤنا، وحملته مع ذلك من لطائف الحمْد،
ومخائل الود، ما إذا أعرته ناظرَ تأملك، وصادِقَ تحمُّلكَ، عَلِمْتَ به خُلُوص ضميري، وصفاءَ نميري،
وسلامة عُهودي، ودمانةَ تهائمي ونُجُودي.
وفي المعنى:
كتبتُه عن ضمير انْدَمَجَ على سِرِّ اعْتِقادكَ صدرُهُ، وتَبَلَّجَ في أُفْقِ ودادِكَ بدْرُهُ، ومالَ على صفحاتِ
ثنائكَ مِسْكُه، وصار في راحتكَ مِلْكُه. ولما ظفرْتُ بفلان، حملتُه منْ تحِيَّتِكَ زهراً جنِيَّا، يوافيكَ عرفُه
ذكيَّا، ويقضي منْ حقكَ فرْضاً مقْضيّاً، على أنَّ شخصَ جلالِكَ لي ماثِلٌ، وبينَ ضلوعي نازلٌ، لايَمَلُّه
خاطر، ولا يحلُّ عقده ناثر.
(1/317)

فصل ومن أحسن الجواب على أنواع هذا الخطاب
مرحباً بك أيُّها البَرُّ الفاتحُ، والرَّوْضُ النافحُ، فما أحْسَنَ توَلُّجكَ، وأعْطَرَ تأوُّجكَ، لقد فتحتَ بالمخاطَبَة
باباً طالَ ما كنْتُ له هيَّاباً، ورَفَعْتَ حجاباً تركَ قلبي وجَّاباً، وما زِلتُ أحومُ عليها شَرْعَةً، فلا أُسيغُ
منها جَرْعَة، وأُغازِلُها أمَلاً، فلا أُطيقُها عَمَلاً، وأُلاحِظُها أمداً، فأموتُ دونها كمداً:
وفي تعبٍ منْ يحْسُدُ الشمسَ نورَها ... ويطمع أنْ ياتي لها بضريبِ
إلى أنْ وردني كتابُكَ الخطير، مشْتَمِلاً على ضربِ من الكلام، رائعِ الإعلامِ، يقربُ منَ الأفهامِ،
ويَبْعدُ نيله عن الأوهامِ، قد أرْهفَتَ نواحيَه بالتَّهْذيبِ، وطَرَّزْتَهُ بكلِّ معنى غريبِ، وحسَّنْتَ معانيه
باللفظ الرائعِ المهيب، فازْددْتُ به تهيباً ورُعْباً، وعاينْتُ منه مركباً صعباً، وقُلْتُ التغافُلُ عن الجوابِ،
أوْلى بذي الصوابِ، إذْ ليس بأديب مَنْ يقيسُ الشِّبْرَ بالباعِ، والمُدَّ بالصاعِ، والجبانَ بالشُّجاعِ. فمن
طلبَ فوقَ طاعته افتَضحَ، ومن تعسَّفَ الخرق النازح رزحَ، ومنْ سبحَ في البحْر فكم عسى أنْ
يسْبَحَ، لاجرمَ أنَّهُ اقتضى في المراجعة صديقٌ لنا، كريمٌ علينا، لم يلْتَفِتْ إلى معذِرةٍ، ولاسمحَ في
نظْرِة، فتكلَّفْتُها بحُكْمِ عَزَمْتُهُ تحت قراحٍ خَصَرٍ، ونازح
(1/318)

بَصَرٍ. فقد يَكْدِي على علمك الخاطر، ويخْوي
النجم الماطر، ورُبَّما عادَ اللَّسِنُ في بعضِ الأوقاتِ لكناً، والجوادُ كودناً، وبحْرُ القريحة ثمداً، وَحُسامُ
الذِّهْنِ معْضَداً؛ فإنْ تَفَضَّلْتَ بالإغْضاءِ، وسامَحْتَ في الاقْتِضاء، وسلمتْ لكَ في اليدِ البيضاء، وبرزت
لشكركَ في الفضاء، واجْتَليَت منه، أدام الله عزَّكَ، بمعنى تعذر تلاقينا عند قرب تَدَانِينَا، فُصُولاً
حِساناً، حَسِبْتُها بُرْهاناً، ورأيْتُ السِّحْرَ الحلالَ عِياناً؛ ولئنْ اعْتَرَضَ عائقُ الزمان منْ دون ذلك الأمل
وقد عادنا من أَمَمٍ، وصار أَدْنى منْ يدٍ لفمٍ، فإنَّ نفوسنا، بحمد الله، في المقاصد والأغراض، مُتَلاقيةٌ
على موارد الإخلاص والإمحاضِ، واللهُ تعالى يحفظُ جواهرنا من الأعراض، ويصونها من الاِنْتِكاثِ
والانتقاضِ، بمَنِّه وطوْلِهِ، إنَّهُ على كل شيء قدير، بيده الأمرُ والتَّدبيرُ، وأمَّا ما جَلاهُ سيدي منْ
صورةِ الوِدِّ، في معرض الجِدِّ، فقد ثوى بينَ الجوانح محلالاً يؤمُّ الدهرَ عقده حلاًّ، ولا يزالُ حبي في
رعيه مُسَهَّداً، وقلبي لصونه ممهداً، إنْ شاء الله، وأقرأ عليكَ، يا سيدي المُعَظَّم، في خلَدي سلاماً
شريف النِّصابِ، كريمَ الأحسابِ. والسلامُ الأَتَمٍّ على سيدي الأعظم، ورحمة الله.
وفي المعنى:
أهلاً بمَجْدكَ النافح، وودك المُصافح، الذي سفر عن الأُنْسِ مُحَيَّاه، وبعثَ إلى النفس نفسَ السرورِ
وريَّاهُ، ففعمَ أرْجاءها، وأولاها رجاءها، وإني بِمُفاتَحَتِكَ لأسَرُّ من حاتم بالضيف، ومن الهائم بالطيف،
كما أني بحُلَّتِكَ أغْبَطُ منْ عمرو بالصمصامة، ومن المحْلِ بصوب الغمامة، فخذني في زمام ودادك
منْقاداً، وأطْلعني في سماء اعتقادكَ كوكباً وقَّاداً، لا يَغُورُ ولا يغيبُ، ولا يَحْجُبُهُ أبداً
(1/319)

عنكَ مَغيبٌ، ودونكَ منْ صفائي منها لا يُحَلَّأُ وارِدُهُ ولا تُكَدِّرُهُ موارده، ومن إخْلاصي غُصْناً لا يُدْرِكُه ذبُولٌ، ولا
تغِبّه صَبَاً للتَّعاهُدِ ولا قَبُول، بحول الله تعالى.
وكتب أبو عبد الله بن أبي الخصال مجاوباً لمستأذن في الزيارة:
أيها الساطعُ نشراً وأرجْ ... كيفَ يستأدننا منْ قد ولجَْ
كيف يستأذن مَنْ مسكنُه ... في عيونٍ ونفوس وُمهَجْ
ما على المسك ولا البدر ولا الصب ... ح من اذْنٍ إذا الصبحُ انبلجْ
إنما أنت سنى تهدي شذىً ... في سنىً بالقلب والروح امتزجْ
وافتني لسيدي وظهيري، لازالت هممهُ تعلو الهمم وتفوتها، ونفائسه تغذو النفوس وتَقُوتُها، رُقْعةٌ خلعَ
عليها سناهُ، وعُنيت بحوْكها يُمْناه، فجاءتْ كالحلة يضاحكُ الشمس إبريزُها، ويُحاسِنُ الروضَ تَفويفُها
وتطْريزُها. بدائعُ ينْحَطُّ عن ذرْوَتِها البديعُ، ويقتبسُ من جذوتها الأشقر الصديع. سامرها الأدبُ
مُعيناً، وخامرها الطبعُ مَعيناً، فجلاها حوراً عيناً؛ فلله طِرُسُكَ وما نسق، وبرُّكَ لقد علا وبسقَ.
وأهْلاً بكَ منْ عريقٍ سبق، وسليلِ خَطّي صَدَقَ. لَشَدَّ ما استوْليْت
(1/320)

على مداكَ، واستويت إلى سماء مُنْتَداكَ، وتَقَيّلتَ أباك وطعنت في ثغر النحور عداك ولعاً لك من منتم إلى سابق لم يلحقه عثار، ولا شُقَّ له غُبار. وحبذا مُنتماك. لقد ذكر جِواراً، وحرّك من عهدنا الماضي حِواراً. لا جرم أنَّ عهدي بك ناضرٌ، وإنَّه
بك على الغيبة القصية حاضر، وياماء من أنبأكَ أني صادٍ، ويا صُبْحُ قد كانت عيني لك بمرصاد.
ومُحالٌ أنْ يستَأْذن على النفس مُناها، وعلى الكبد الحَرَّى ريها وبشراها، وعلى العين الساهرة كراها:
أنت الكرى مؤْنساً عيني وبعضهمُ ... مثل القذى مانعاً عيني من الوَسَنِ
ورعى الله داعياً إلى البِرِّ دَعا، ورحم الله منْ نبتَ على دِمْنَتِهِ المَرْعى.
وأقرأ عليك سلاماً هو المسك فتيتاً، والدُّرُّ نظيماً وشتيتاً.
يواليكَ مقيلاً ومبيتاً. والسلام المجدد المردد عليك، ورحمة الله وبركاته.
ولغيره:
أما البلاغة فأَنْتَ ابن بَجْدَتِها، وأمَّا الفصاحة فأنت لا بسُ بُرْدَتِها، وأما البراعة فأنتَ رافعُ عَلَمِها،
وممْسِكُ بعِنانها وقَلمِها، ولا غَرْو فمنْ غُذِّيَ بصفْوِ الأدبِ، ورُقيَِّ منه أسْنى الرُّتبِ، أتى منَ الإبداعِ
بالعجبِ العجيبِ، وتقَنَّص شأْوهُ بالسَّهْمِ المُصيبِ. ولَمّا فَضَضْتُ ختامَ كتابِكَ الخطير، وتأمَّلْتُ ما
أوْدَعْتَهُ منه في السطور، رأيْتُ بدائعَ دوتها السحر، ولآلئُ يُزْدهى بها النَّحر، وغرائب يَعذب بها لو
مازجه البحر؛ فاعترفت إليكَ بالتَّقصير، وقلت أنَّى يقاسُ السُّها
(1/321)

بالبدر المنير. وماكفاكَ، أبْقاكَ الله،
حتى قابَلْتَني بما لو قوبلتْ به النُّجومُ لانْحَطَّتْ إليْكَ منْ سمائها، والغيومُ لتَرَقْرَقَتْ عليكَ منْ أرْجائها،
أوِ السَّمومُ لسمحتْ بنسيمِها وأنْدائها، وذلكَ ما أَبْدَيْتَهُ مما أَدَّيْتَهُ، بلْ أَهْدَيْته من تلكَ الرسالة المطبوعة
المساق، الغريبة الازدواج والاتِّفاق، التي أنت رَبُّ قلائِدها، وأَبُو فوائدها، وولي خرائدها، وواحد
أقرانه جلالة، وقريعُ دَهْرِهِ جزالة، ونَسيجُ وحدِهِ أصالةً.
فالحمد لله الذي أخْطَرَني ببالِكَ، وعرضني على اهْتِبالِكَ، ولله زمانٌ سبَّبَ فتحَ باب مُخاطَبَتِكَ، وأوانٌ
خلعَ عليَّ حُلَّةَ مواصَلَتِكَ، ومازالَ وُدُّكَ في طي الجوانح، وإنْ شطَّ المزارُ، وعيانُكَ في أنْحاء
الضلوعِ، وإنْ نزحتِ الديارُ، وقد تقحمتُ لمُجاوَبَتِكَ لُجة، وآثرْتُ بمعارَضتكَ ما هو على حُجة، لا
زال جدُّكَ مُقْبلاً، وسعدُكَ مُتَّصلاً، بمنه. والسلام.
(1/322)

فصل ومن أحسن ما كتبوا إلى الإخوان وأطلعوه من غُرر البيان
يا سيدي، وأعظم عَدْوِي والعِسْقَ الخطير في مُعْتَقَدِي. الحميد عَهدُه، الوكيدَ على مرِّ الأيام عَقْدُه،
ومنْ أبْقاه الله قريبَ المُراد، خصيب المَرَاد. وَرَدَني، أَعَزَّكَ الله، كتابُكَ الأثير، والنَّفيسُ الخطير، فَسَّر
بما أَهْداهُ منْ صلاح حالِك، كما أَساء بما أَدَّاه من اشتغال بالك، بإعْياء المذْهَبِ، في سوء المطلب، وما
سدّ الله باباً، إلا فتح أبْواباً. فَهَوِّنْ على النفس العزيزة أعاد الله أُنْسها وانْسَ فَوْتَ مالم يُحْتَم، وتعذرَ
مالم يُقْسم، ولا تكترثْ لِسهمٍ أَخْطأ، وحظ أَبْطأ، فما كلُّ ساع يحظى، ولا كل غريم يقضى، ولا كل
سهم يصيب، واذكر قول حبيب:
وقد يكهم السيفُ المسمى منيةً ... وقد يرجع المرءُ المظفَّر خائبا
فانتض، أعزَّكَ الله، منْ أثوابِ الغُربَة، إنَّكَ غير مملولُ الصحبة، وتنزَّهْ عن نوال المذلة، رُبَّ مكثرٍ
بعد قلَّة، وانصرف راشداً، ولا تَهبْ حاسداً، فالحاسد لئيمٌ، والمحسود كريم، وأَقْبِلْ إليَّ، مُغْتَبِطاً بما
لديَّ، فحالي حالُكَ، ومالي مالك، لا يخونك عُسْر، ما دام لي يُسر:
(1/323)

ولا تُتْبع التثريبَ نَفْساً جَهِدْتَها ... على فوتِ حظٍّ نيْله لم يُقَدَّرِ
فَقَدْ يخلف المطلوب ما ظنَّ مُعْذِرٌ ... وتجني المُنى عفواً يمينُ المعذِّر
إذا كنتَ في قَدْر الدَّراريِّ رِفْعةً ... فقل لليتامى رُب نُجْحٍ مقَهْقر
ولا تَيْأَسَنْ من عودة الدَّهْر إنَّه ... يُمِرُّ ويُحْلِي ليسَ هذا بمنْكر
وما تتَّقِي منْ شامتٍ عند نبوةٍ ... وَحدُّك أَمْضى منْ فُتور بأحْور
ولا عارَ في تقصير جَدٍّ بسَائِقٍ ... إذا لم يكن في باعِه بالمُقَصِّرِ
ذَرِِالهَمَّ في الأعْراض إن أَعْرَضَ القنا ... بجوهر فهم يزدري كلَّ جوهرِ
ففي كفِّكَ اليُمْنَى يسيرٌ من المنى ... إذا أعْسرتْ كفُّ الغنيِّ بمُعْسِرِ
وفي سحرك المنظومِ تعجيزُ بابلٍ ... وفي وَشْيِكَ المرقومِ تكسيرُ عبقرِ
أدال الله يدي من بينك، بأوْبةٍ يُقَرِّبُها لمحُ عيني وعينك، وَحَرْسُ مُهْجَتِكَ الكريمة، إنها الحظُّ
والغَنيمة.
قوله (فقد يخلف المطلوب ما ظَنَّ معذر): المُعْذِرُ في طلب الحاجات، هو المبالغ المجتهد الذي أعْذَر:
أي أَتَى بعذر صحيح. والمُعَذِّرُ
بفتح العين وتشديد الدال مكسورة، هو المتواني في أمره، فهو مُقَصِّر فيه، ويوهم أنَّ له عُذْراً ولا
عُذْر له. ويكون أيْضاً بمعنى مُعْتذر، أدغمت التاء في الدال. والاعتذار يكون بحق مرة، وبباطل مرة.
ويقال أعْذر في الأمر، إذا قَصَّر فيه.
وقرأ ابن عباس والضحاك
(1/324)

وحُمَيْد (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ). بالتخفيف، وتابعهم يعقوب. ورواها قتيبة بن مهران عن
الكسائي ورواها أبو كريب عن أبي بكر بن عياش عن عاصم. ووجْهُ التخفيف فيه أي الذين بالغوا
في العُذْر. ومنه قولهم (قد أعذر من أنْذَر). وقرأ الجمهور وجاء المُعَذِّرون. بالتثقيل. على أنَّ الأصل
المعتذرون، فأدغَمت التاء في الذال كالمزمِّل والمدثر والمذكر وشبهها.
قال المفسرون مجاهد وقَتَادة وغيرهما: هم نفر من غفارٍ جاؤوا النبي عليه السلام فاعتذروا إليه، فلم
يقبل منهم لِعِلْمِه صلى الله عليه وسلم أنَّ اعْتذارهم باطل.
وقرأت في النوادر قول أبي بكر بن دريد ليس المقْصِر واحداً كالمقصِّر. حكم المعذر غير حكم
المعذّر.
وقوله (ذر الهم في الأعراض) الأعراض جمع عِرض، وهو معلوم.
(1/325)

وقوله (إن أعرضَ القَنا) أي: إن أعرض القنا عنك، هو من قولهم: أَعْرَضْتُ عن فلان، وأعْرَضَ
هو عني. ومعناه: تنَحَّيْتُ عنه وتنَحَّى هو عني، فأريته عُرْضَ وجهي وأراني عُرْضَ وجهه. ويقال
أيْضاً: أعْرض لكَ الشيء إذا بدا. ومعناه أراك عَرْضه. ومنه قول عمرو بن كلثوم:
وأعْرَضَتِ اليَمامةُ واشْمَخَرَّتْ ... كأَسْيافٍ بأيْدي مُصْلِتينا
وفي هذا اللفظ اشتراك، وبابه متسع.
وقوله: (أعسرتْ كفُّ الغني بمعسر) يقال: أَعْسَرَ الرجُل يُعْسر إعْساراً، فهو مُعْسِرٌ إذا افتقر، ورجل
أَعْسرُ، يقال ذلك أيْضاً للذي يعمل بشماله. وعَسُر الشيء عُسْراً. وفي كتاب الله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: اليسر: الإفطار في السفر، والعُسْرُ: الصَّوم فيه وفي المرض.
وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة وهو محصور: (إنه مهما تنزل
بامرئ شديدة، يجعل الله بعدها فرجاً، وإنه لن يغلب عُسْرٌ يُسْرَيْن).
قال أبو سليمان قوله: لن يغلِب عسر يسرين إنما هو تأويل قوله تعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا). وفي ظاهر التلاوة
عُسْران ويسران؛ إلاَّ أن المراد به عسر واحد؛ لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر
(1/326)

مذكور بلفظ التنكير مرتين. فكأن كل واحد منهما غير الآخر.
وقال الفراء: العرب إذا ذكرت نكرة، ثم أعادتها بنكرة مثلها صارت اثنتين. كقولك: إذا اكسبت
درهماً فأنفق درهماً. فالثاني غير الأول. وإذا أعدتها بمعرفة فهي كقولك: إذا كسبت درهماً فأنفق
الدرهم، فالثاني هو الأول.
قال الفراء: (ومن هذا قول بعض الصحابة: لن يغلبَ عُسْرٌ يُسْرين. وقال بعض المتأخرين: (هما
سواء لا فرق بينهما، والذي استشهد به الفراء غير ذلك. وذلك أن القائل إذا قال: إن في الدَّارِ زَيْداً إنَّ
في الدار زيداً مرتين، لم يدل على أنه غير زيد واحد، كما لم يدل على أكثر من دار واحدة).
قال: وقول عمر (لن يغلبَ عسرٌ يُسْرين) معناه أن للعسرين يسرين. إمَّا فرجٌ عاجِلٌ في الدنيا، وإما
ثوابٌ في الآخرة.
وقال محمد بن المؤمل في قوله تعالى (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) قال: هو من مظاهر القول، يراد به التوكيد كقوله (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ).
وكقول الشاعر:
إذا التيازُ ذو العضلات قلنا ... إليك إليك ضاق بها ذِراعا
وكقول الآخر:
(1/327)

هلا سألت جموع كِنْدَ ... ةَ حين ولَّوا أين أَيْنا
وقوله: (من مظاهر القول) مما يؤكد ويقوي القول؛ من الظهير، وهو العون.
وقوله: (تكسير عبقر). عبقر موضِع باليمن ينسج فيه الديباج.
قال الأصمعي: إذا استحسنت العرب الشيء واستجادته قالت فيه عَبْقَري. وأصله أنَّ عَبْقَر موضع
تجود فيه صناعة الوشي. قال الراجز:
متكئاتٌ فوق فرش العبقَرِ ... في جنة الله الجليل الأكبرِ
وقال ذو الرمة:
حَتَّى كأنّ رياض القَشٌْع ألبسها ... من وشي عبقر تحليل وتنجيدُ
وفي حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أريتُ في المنام أُنَازِعُ
على قليبٍ بِدلو بَكْرة، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف. والله يغفر له، ثم جاء
عمر بن الخطاب فاستحالت غرباً، فلم أر عبقرياً يفري فَرْيَه حتى روى الناسُ وضربوا بعطن". ومنه
قول زهير:
(1/328)

بِخَيْلٍ، عليها جِنَّة عبقرية ... جديرون يوماً أن ينالوا فيستعلوا
قال:
والمراد بهذا، والله أعلم، قصرُ مدة خلافة أبي بكر رضي الله عنه لأنها كانت، فيما ذكر، سنتين
وثلاثة أشهر وعشرة أيام. وطول مدة خلافة عمر رضي الله عنه، لأنها كانت عشر سنين وستة أشهر
وأربعة أيام. ذكر هذا أهل العلم بالتاريخ.
رجع
جواب الرسالة المتقدمة:
يا مولاي وسيدي، وربَّ النِّعَمِ الجسيمَة، سيدي ذا الأيادي الغُرِّ، والنِّعَم الخُضْرِ، والمواهب الجزيلة،
والمذاهب الجميلة، والهمَّة العالية، والرتبة السامية، والآداب المنخولة، والشمائل المعسولة، ومنْ أطال
الله بقاءهُ، والآمال موقوفة عليه، وحنانُ النجاح في يديه، والسعْدُ دائمٌ، والحسودُ راغمٌ، تجري الأقدارُ
على مرْغوبه، في تسيير مطْلُوبه.
كتبْتُهُ، أبْقى الله مولايَ وسيدي، عنِ العهد الكريم، والودِّ السليم، لاغاية له فأَحُدُّها، ولانهاية فأقِفُ
عندها؛ لكنني أُحيلُ على معْهودٍ، غير محدود، ولمَّا بعدتِ الدارُ، وشَطَّ المَزارُ، لمْ يبْقَ منَ التواصل،
غير التراسُل، فهو عند الاضطرار، تواصُلُ الأحرار، بَقِينَا نتعلل بالحروفِ، ونُقيمُ الصِّفة مقامَ
الموصوفِ، فجَفَّتِ الموارد، وقلَّ الصادر والوارد، فلا وصل إلا بِخَيال يَسْري، أوْ نسيم يجري:
ولما أَتَتْني الريح من نحو أرْضكم ... وقد ضُمِّخَتْ بالطيب كُلُّ المسالِكِ
تُذكرني عهداً كريماً وجيرة ... كراماً نماهمْ كلُّ أرْوَع تائك
(1/329)

وإذْ أنَّا شَرْقيَّ العُذَيبِ بفتية ... تُمَلِّكُهم أَخْلاقُهم كلّ مالكِ
يبذُّون أبناء الزمان نجابة ... ورقَّةَ آدابٍ ولينَ عَرَائِكٍ
حَنَنْتُ ونارُ البين بين جوانحي ... تثير سحاباً عن هموم هوائك
وأَيْقَنْتُ أن الطيبَ أطيب ... ... قد اكتنفت بيتي علي بن مَالِك
فتىً لو أَلمَّتْ بالقبُور حلاوةُ ... شمائله أحْيا بها كلَّ هالِكِ
ولو خاطبَ الكفار في نبذ كفرهم ... لعادَ إلى نهجِ الهُدى كل آفِكِ
ولو أنَّ نور البدركان كنورِه ... لما استصعبتْ سير الدجى نفس سالِك
مهذبة أعْراقُهُ في نِجارِهِ ... مقابلة من سامك حذو سامك
فمن قاسه بالناس جهلاً بقدره ... يكنْ مثل من قاس اللجَيْنَ بآنُك
فلونُهما قد يستوي عند ناظر ... وبينهما بَونٌ بعِيدٌ لسابك
وهذا كقول أبي جعفر التُّطيلي:
والناس كالناس إلا أنْ تُجَرِّبَهم ... وللبصيرة حُكْمٌ ليس للبَصَرِ
(1/330)

كأَلأَيْكِ مُشْتَبِهاتٌ في منابِتِها ... وإنَّما يقعُ التفضيلُ بالثَّمر
وفي المعنى:
يا مولاي ومؤيدي، ومصادي ومَعقِلي، ومَصْدَري في الحادثاتِ وموردي، الرفيع المزير، القليل
الشكل والنَّظير، ومنْ أطال الله بقاءَهُ خافِقاً لواء عزِّه، وشاهِقاً بناء حِرْزِه، قد طوَّقني مولاي ومؤَيِّدي
لا يُحيطُ بها قوْلٌ ولا ذِكْرٌ، ولا يَبْلُغُها وصفٌ ولا نشْرٌ، ولا يُؤدِّيها عنِّي عملٌ ولا شُكْرٌ:
وكيفَ أُؤَدِّي شُكْرَ من إِنْ شكرتُه ... على بِرٍّ يومٍ زادني مثْلهُ غدا
فإنْ رُمْتُ أقضي حقَّ بعض الذي مضى ... رأيتُ له فَضْلاً عليَّ مُجدََّدَا
فالله ولِيُّ جزائكَ، على ما كانَ منْ نعْمائكَ، ووَصَلَ كتابُكَ أَسَرُّ الِكتُبِ عندي مَنْظَراً وَمَخْبَراً، وأَجَلُّها
مورداً ومَصْدراً، أشْهى منْ لمْحة الحبيب، وغَفْلة الرَّقيب، فحلَّ منْ قَلْبي محَلَّ الماء من الظَّمآن،
والوصل بعد الهجران، والنماء بعد النُّقصان، والشفاء بعد السقمِ، والوجودِ بعد العدمِ. فحَمِدْتُ الله على
ماأعْلَمْتَني فيه من سلامة حوبائك، وشكَرْتُهُ على ذلكَ شُكرَ المُعْتدِّ ببقائك، المُبْتَهل إليه في حُسنِ
ولائكَ، ودوامِ نَعْمائكَ.
فلَمَّا فرغْتُ من قراءة الكتابِ، أخَذْتُ في الجوابِ، فأنْفذتُه نحوكَ مُتَطَلِّعاً ما عنْدَكَ، فلمَّا تأخَر جوابُكَ،
ظَنَنْتُ أنَّ كتابي لمْ يصلْ، فأرْدَفْتُهُ بكتابي هذا مؤَكِّداً عليكَ، بلْ راغِباً في إجابتي نحو بابِكَ،
ومطالعتي بكتابك، وحرَّكني ما أنا عليه من محبتك، والشَّوقِ إلى رؤيَتِكَ، أنْ قُلْتُ أَبْياتاً يسيرَة منَ
الشعر، تشهد لي ببعض الأمر، فلَكَ الفضلُ في الإصغاء إلَيْها، وعليها، وهي:
(1/331)

أحِنُّ شوقاً إلى أبي الحَسَن ... كأنَّ أهْلي لديه أو وطني
ما في حنيني إليه من عَجَبٍ ... صبري عنه من أعظم المِحَنِ
ما باخْتِيارٍ صَبرْتُ عَنْهُ ولو ... أعْطيْتُهُ مِنِّي الوصلَ لمْ أبِنِ
أوحكم القلب في زيارَته ... لطار شوقاً إليه منْ بدني
أَقسمت بالله يا أبا حسنٍ ... ماذُقْتُ مُذ غبت لذة الوسن
ولستُ أعتد مدةً سلفَتْ ... لم تكُ فيها معي من الزَّمَنِ
ولا أُريدُ المقامَ في بلدٍ ... لم تك من ساكنيه يا سَكني
يريدُ قومي بأنْ أُثاقِبَهم ... ولا يكاد الفؤاد يسعدني
كمْ أكثروا عذله فقلتُ لهم ... حُبُّ بني مالِكٍ تَمَلَّكني
ياقومِ إني إذا أبنْتُ لهمْ ... خشيتُ ربِّي بأن يُعذِّبني
كمْ لِعليِّ علَيَّ منْ منَنٍ ... غُرٍّ وكم نعمة قد أَلْبَسني
وكمْ أيادٍ بيضٍ لهُ قِبَلي ... يَؤدُّني حَمْلُها ويُثقلني
فلستُ أقضيه حقها أبداً ... لكنْ لساني الشكر ليس منّى
لا زال في عِزَّةٍ وفي شَرَفٍ ... ما سجَعَ الهاتفاتُ في فَنن
وفي المعنى:
يامولاي بعَلائه، وسيِّدي بسَنائه، وتتابُع مِنَنِه وآلائه. دوْحةُ ظلالٍ، وروْضةُ آمالٍ، الذي إنْ كاثرْتَ
به كَثُر، أوْ فاخَرْتَ بحَمْدِه بهر، ومنْ أدامَ الله بهجة أيامه، ومتَّعَ العبادَ بعدلِ أحْكامه.
كتبته، أَبْقى الله مولاي وسيدي، إِثْر ما وردَ كتابُه الرائقُ، بلْ شِهابُهُ الطارِقُ، مطرَّزاً بسحر بيانه،
موشَّحاً بوشيِ بنانه، يرفلُ في أثْوابِ البلاغة الضَّافية، ويكرعُ في
(1/332)

مواردها الصَّافِية لفظٌ سَكْرٌ في المراشِفِ، لَدْنُ المعَاطِفِ، إنْ سُمْتَه أطمع، أوْرُمْته امتنعَ، سوانِحُ أفْكار، بينَ نَظْمٍ ونثارٍ، كلاهما أَلْيَقُ بالنفس من ذمائها، وأشهى إليها من حياتها، تكادُ الأقلامُ تَدَّعيه، والقراطيسُ تعيه، إنْ قُرئَ فالأسحارُ
ساجدة، أوْ نُشِرَ فالأعْلاقُ كاسدة، نقده معجز، ونَيْلُهُ مُعْوِز، وحُقَّ لمن انتمى البحرُ إلى كرمه،
وتواضع النجم إلى هممه، وحلَّ السِّحْرُ بين لسانه وقلمه، أنْ تُقَلِّدَهُ الكتابَةُ دُرَرَها، وتَكْسوهُ البلاغة
تحْجيلَها وغُرَرَها. وكيفَ لا، وفكرُهُ قد غذَّتْْهُ الفِطَنُ بمائها، وأنارته العلومُ منْ سَنَاها وسَنَائها، فالذَّكاءُ
يعده، وبحارُ العلوم تمدُّهُ. لا جرمَ أنَّ منْ تعاطى شأوَ مباراته، وتعرضَ إلى ميدان مُجاراته، أَتْعَبَ
خاطرَه، وأسهر ناظره، وفصح اليقينُ ظنونه، وأَُرْتِجَ بابُ القول دونه. ولمَّا تطلَّعت العينُ في رُقومه،
وسفرتْ إلى الفُؤادِ بمنْثوره ومنظومه، طوى خِلْبَه عليه، مُغْتَبِطاً بما لديه، فكم غُلَّةٍ برَّد، وأُنْسٍ جَدَّد
بلْ كم أمَلٍ بلَّغَ، وجَذَلٍ سوَّغَ. كتابٌ هوَ من العينِ انْسانُها، ومنَ الحياة أمانها، ماذكر منَ الشوقِ إلا
الذي أُجدُه، ولا وصفَ من الودِّ غير ما أعْتقده، ولمَّا أرَدْتُ الأخْذَ في مراجعته، أَيَّدَه الله، خَذَلَتْني
فِكَري، وسكنت بلاغته حصري، فرأيْتُ التجامُلَ عن التَّثاقُل، أوْلى منَ العتاب في ردِّ الجوابِ.
وفي المعنى:
أطال الله بقاء الفقيه الوزير، والسيد الفاضل المزير، أبي فُلان مولي المحاسن ومالكها، وباني
المفاخر وسامكها، اللابِس من الحمد سبع دروعٍ، والماجد بأكرم
(1/333)

أصولٍ وأنْجبِ فُروع. إنسانُ عين
زمانه، وحاوي قصب السَّبْق في زمانه، ذو المجد المؤَثَّل، والقدر المرفَّل، ومعال خفضت كل عال.
كبَتَ الله حاسديه، وأنْمى غِبْطَتَهُ وكَثَّر غابطيه، وتَمَّمَ نعماءه، وحرسَ منْ فرده الحاسدين سماءه.
كتبته عن لسان يخدُمُ ما أَُضمِره، وجَنانٍ يستقلُّ كثيره وَيَسْتَنِيرُه، وذكرٍ أعْطر من النَّدِّ يعْبَقُ شذاه،
والروض ينفَحُ في نداه، وأطيبَ من الراح، تُشَجُّ بالبارد القرَاح. أُعيده تَرْديداً، فأجِدُه لذيذَ المذاقِ
جديداً. تشوَّفتِ النفس تفديك، إلى جميل ذكر تهديك، وشُكْرٍ تضوَّع بريَّاه، بجامٍ تَنِمُّ حُمياه، فسمحت
القريحة بنزْرٍ وجَّهْت به على عجَل، مُسْتقيلاً ما مرَّ من عِثارٍ فيه أو زَلل، فتصفَّحْ بمثل عَطْفِك، على
شريطَة الصفْحِ ما قصَّر عنْ جليلِ وصفِكَ. والسلام.
وفي المعنى:
يامولاي إقْراراً، وإلى الحقِّ بِداراً، اعترافاً وقوْلاً بما سلَفَ من آلائكَ التي هي الكواكِبُ شُهْرة،
والحصى كثْرة: ولو سكَتوا أثْنَتْ عليْكَ الحقائب.
ومن أطال الله بقاءه بعدلٍ يضعه، وجميلٍ يصنعه، وشُكْرٍ يُمْسِكُ لواءَهُ، ومجْدٍ يُشَيِّدُ سناءه.
كتبته، أيدك الله، وأنا في مُخاطبتي إياكَ بين فقر تَعرِض، وحَصَر يَعْتَرض، وخَاطِرٍ يقدمُ، وقلمٍ
يحْجِمُ، وحُقَّ لمن أجال فكرهُ في منصبك المنيف، ومَحَلكَ الرفيع الشريف، ومجدك الكثيف وجلالكَ،
وكريم خلالِكَ، ولو كانت له براعة سَحْبَان
(1/334)

ويَراعَةُ بديع الزمان، أن يدهشَ جَنَانه، ويخرس لِسَانُه،
وترعشَ بنانه، غير أنَّ الإدلال، يقتضي الاسترسال، فكل يحل عقده، ويُنْفقُ مما عنده، وإنْ كنت في
ذلك كمن سابَقَ الجواد بمطية، وفاخر غانماً بعطية. ولما وردَ كتابُهُ الخطير الذي هو ريحانَةُ النفس،
وسرُّ السرور والأنس، مددتُ يد البدارِ إليه، ووقفْتُ وقُوفَ الحريصِ عليه، فاطَّرَدَت لي البلاغة منْ
أَثْنائهِ، وتَضَوَّعَ المسْكُ منْ أرْجائه، وأدارتِ الفصاحة عليه جِرْيالَها، وسحبَت مُخْتالةً أذْيالها، وقد
انتظم فيه وشيُ صنعاء بزهر الرياض، وسحرُ بابل بغنجِ الأعين المراض. وقد أخذ النثر صَدْرَ
ميدانه، وتلاه القَرِيضُ ثانياً من عنانه، ولما هزت السطور قدودها، وأقامت الأبيات بنودها، واستولى
القصيد أمده، واستوفى عدده، أعدَّت القوافي سلاحها، وسدَّدَتْ رماحَها، فَحمِيت جنابها، ومنعتْ
ركابها، فتحامت الرَّوِيَّ اضْطرارا، وركبت العروضَ اخْتيارا، فَنَمتْ ببعضِ المُشاكَلة، وإنْ كان بُعْداً
عنِ المُمَاثَلة:
إلى ذي شيمةٍ شَغَفَتْ فُؤادي ... فلولاه لقُلْتُ بها النَّسيبا
وكيف لا أحن إلى سليل أكارمٍ، وأحرص على شقيق مكارمٍ، وأتشوَّقُ إلى رضيع مجد، تشوقَ حُرَّان
إلى بدر نجد، وله مشاهدُ أحلى لديَّ من الشِّهاد، وأشهى إليَّ من الغُمْضِ عقِبَ السُّهاد. كلٌّ يشهدُ بسبْقِ
أوَّليَّتِه، وعِتْقِ سجِيَّته،
(1/335)

وكريم محْتِدِه، وطيبِ مولده. ولئِنْ قصَّرَتْ يدُ الجزاء عنْ مُقارضةِ قَرَْضِه،
وتأديةِ ما حقَّ منْ وكيد فرضه، لأشْكُرَنَّ ما أَلْبَسْتَنيه من باهر حلاه، وجَلَّلنى من فاخر نُعْماه، وله
الفضل الكامل، والبِرُّ الشامل، في قبولِ جُهدي، منْ مبْذولِ وجْدي، ليحوزَ المِنَّتين، وينظم النِّعْمتين،
وذو الجلال والكَمالِ، يأخُذ له بأكمل الفضل، وأطول الطول، ويُتِمَّ نعمَتَهُ عليه، كما أتَمَّها على البُراة
المُنْجبين آبائه الأكرمين، إنَّه ولي المُنْعمين، لا شريكَ له.
وكتب أبو نصر إلى أبي محمد بن السيد البطليوسي:
أطال الله بقاء الفقيه الأجل، غمامي المستهل، وحسامي المستل، والأيام تتشرَّفُ ببقائه، والهِمم
تتشوفُ إلى لقائه. اليوم أغْفِرُ للأيام ذنُوبها، وأُعَطِّرُ صَبَاهَا وجنوبها، وأبْعثُ منْ حمدي لها عبقاً
ورياً، وأديرُ عليها الشكر حُمِّياً، وأخْلعُ عن المطايا عقالاً، ولا أكَلِّفُه وخْذاً ولا إرْقالاً، ولا أبْتَغي بها
مراقاً، وأجْعَلُ ظهورها عليَّ حِدَاقاً، فقد أرتْني لخيامكَ أعْلاماً، وشَفَتْني منْ آلامِ بِعادِكَ وكانت آلاماً
وَسَأَحُلُّ من فنائكَ ضيفاً، وأراكَ شخْصاً بعد أنْ تَمَنَّيْتُكَ طَيْفاً.
وأَنْفَذْتُهُ من الجزيرة وقد ابتسم ثغر الصباحِ، ووسمَ وقعُ أيدي المطايا خُدُودَ البِطاحِ، وللغَمامِ انْسجامٌ
يحكي نداكَ، وللخليج فيضٌ كأَنَّهُ يداكَ، وللجَوِّ عُبوسٌ أكْسَبَ الروضَ طلاقةَ مُحياكَ، وساعة لُقياك،
وسأُوافيكَ، فأَهصر أَفْنانَ
(1/336)

تَحَفِّيكَ، وألْتقط الدُّرَّ النفيس من فيكَ. وقد أَتْمَمْتُ الكتابَ الذي كنتُ بدأته،
وحَليتُ به العصر وقلَّدْتُه، وقد خَصَصْتُكَ بالذكر فيه، وأنتَ بفضلكَ تتأمَّلُهُ وتَجْتَليه، فَتَعْلَمَ به
إخْلاصي، وتتحقَّقَ به غاية اخْتِصاصي، ولكَ الفضْلُ في مراجعةٍ تُطْلِعُها بدْراً عليَّ، وأجدُها نوراً
يسعى بين يدي. َّ إنْ شاء الله عزَّ وجل.
فراجعه الأستاذ أبو محمد:
أطال الله بقاء ذي الوزارتين الجليل، الكاتب النبيل، قريع دهره، وبديع عصره، الذي عليه تُثْنى
الخناصر، وبِمثله يفاخر المُفاخر، مرقىً من المراتب أَعْلاها، مُلْقى من المآرب أقصاها:
ليس بالمنكر أنْ برَّزتَ سَبْقاً ... غير مدفوعٍ عن السَّبْق العِرَابُ
وافاني، أدام الله عزَّكَ، كتابٌ شغل حاسَّتيْ سمعي وناظري، وملأ حافتي فكري وخاطري، أراني
الدُّر إلا أنَّه لم يُنَظَّمْ، والسحر إلا أنَّه لم ُيُحَرَّم؛ بل لوْ صيغَ عِقْداً لأخْجَلَ الدُّرَّ والعقيان، أوْ حيكَ بُرداً
لعطَّل الديباج والخُسْروان، فلله قريحة أذْكتْ ناره، وأطلعتْ أنواره، إنَّ مُزنها لَغَيْرُ جهام، وإنَّ سيفها
لغير كهام، وإنَّ ثَمْدَهَا لَعِدٌّ وبِحَارُ، وإنَّ زَنْدها لمرجٌ وعَفَار.
وحبَّذا سيدي أدام الله عزَّه، وقد طلعَ علينا طُلوعَ البدْرِ في الغسقِ، وضَمَّخَ أفقنا بخُلُوقِ ذلكَ الخلق،
فاقتدَ حْنا زَنْد ذكائه فأَوْرى، ولَمَحْنا كوكَبَ سمائه
(1/337)

فأعْشى، وشاهدْنا به البلاغة شخْصاً محسوساً،
والرئيس المتعاطي للفصاحة مرؤوساً، أقْدَمَه الله خير مَقْدَم، وأَغْنَمَهُ أَفْضَل مَغْنم، بمنِّه، ورأَيّتُكَ، أطال
الله بقاءكَ، قد نَحَلَْْتني فَضْلاً، لم أكنْ له أهْلاً، وحَلَّيتني بمفاخر وحلىً، اقتبسْتُها مِمَّا لكَ منْ مآثر
وَعُلىً، وقدْ أبى الله إلا أنْ يكونَ لك الفَضْلُ، منْ بعدُ ومنْ قبْلُ. والخليلُ بالخليلِ يَزْهى وينجحُ: (وكلُّ
إناء بالذي فيه يرْشَح). ولازالتْ أنْدية المَجْدِ بك مَعْمورة، وأَلَوية الحمد عليك منشُورة، بحول الله
تعالى وكرمه.
وفي المعنى لأبي نصر:
أطال الله بقاء ذي الوِزَارتين الأجل عمادي الأعْلى، وكوكبي المُجْتَلى، مُنْتَظماً للرئاسة في سِلْك،
مُبْتسماً عن ذكائه وعنائه كل مِلْك. ما أحَقَّ - أدام الله عزك - دولة أنت كوكَبُ سمائها، والمسْتَقِلُّ
بأعْبائها، أنْ تنتظمَ لواليها أشْتاتُ البلادِ، وتَشْتَمِلَ عليه أهواء العباد، وتنْفَسِحَ له مضيقاتُ الآماد،
برأيكَ السديد الذي إذا اقتدحَ أوْرى، وإذا سرى إلى صبحه صار حميد السُّرى. هذا لو كانَ صاحِبُكَ
من الأمر عارياً، وتقلدهُ تطاوُلاً عليه وتعادياً، دُونَ إجْماعٍ من الأمة، واطلاعٍ لِمُلِمَّةٍ. فكيف إذا كان
ملكاً عِراقِيَّ الأخلاقِ، حِميريَ الأعْراق، يشرق لسناه الظلامُ، وتعْبَقُ منْ أرجِهِ الليالي والأيام، وتَفْرَقُ
منْ سطواته الليوثُ في الآجام.
لقد جَمَعَتْكما مُشَاكَلَةٌ، وألَّفَتْ بيْكُما ممُاثَلةٌ، أقامتْ للمَعارِفِ عندَكما سوقاً، وأوْضَحَتْ بكما لأقاليمِها
طريقاً.
فللآدابِ عندكما جولة، ودوْلَتُكُما تزدري بسيفِ الدولة. لا جرمَ أَنَّهُ بك - أَيَّدَكَ الله - أَظْهر، وحَظُّه
من الذكاء بك أَوْفر.
(1/338)

وأَنْفَذْتُهُ من فُلانَة، من منزلِ الوزير الجليل أبي فلان، قارضَ الله عارفَتَيْ تَهمُّمِه وتَحَيُّفه، فإنَّه أَسالها
جداوِلاً، وأحلَّ منْهُما منازلاً مُخْضَرَّة ومناهِلاً، فلَوْ شاهَدْتَني وأنا أمْرَحُ بيْنَ نُعْماهُ مراحاً، وأقْتَرحُ ما
شَاءتْ عليَّ علْياهُ اقتراحاً، لرَأَيْتَ عيشاً هنيَّا، وأُنْساً من الوحشة عريَّا. وأَبْصرتَ منْهُ - أَعزَّهُ الله -
عِلْقاً للفضائِلِ سنيَّا، وقد رجوتُكَ لجزائه، وأَمَّلْتُكَ لوفائهِ. وأنْتَ - إنْ شاء الله - لِنِدَائهِ مجيبٌ، ولفعله
مثيبٌ، وأقرأُ عليكَ سلاماً كإشراق راحنا، والْتِصاق ارْتِياحنا، ورحمةُ الله تعالى وبَرَكاتُهُ.
وكتب أبو عبد الله بن أبي الخصال:
بِلَوشْةٍ نُخْبةٌ من العربِ ... هَمُّهُمُ في السَّماحِ والأدَبِ
ضَنُّوا بأَحْسابِهم، وجُودُهُمُ ... مُنْتَهَبٌ مالهم منَ النَّشَبِ
كمْ فيهم للأخِ الغريبِ إذا ... حلَّ بهمْ من بني أخٍ وأبِ
ومُؤْثرٍِ للعبيد زار عَلَى ... كُلِ حميمٍ مُشابِكِ النَّسَبِ
جادوا على عذْرِهم ولوْ بَخِلُوا ... لقامَ لِعُذْرٍ حاضِرُ النُّوَبِ
الوُزَراءُ الظُّهراءُ الجِلَّةُ، مكارِمُهُم مُسْتَهِلَّة، وسيادَتُهم مُسْتَقِلَّة، وعليهم للنَّدى أدِلَّة، وحَلَّتْهم لبني
الحاجاتِ حُلَّة، فلا تَخَوَّنَت عزتهمْ ذلة، ولا خامرَتْ خدهم، وهم الصوارمُ الماضية، كِلَّة. ضيْفُهم مُكْرَمٌ
بِعَقْوَتِهم وناديهم، وجارُهم في
(1/339)

الأزماتِ منْ أَوْسطِ أهاليهم، بَلْ تتخَطَّاهم إليه الصَّفْوةُ والخلاصةُ (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).
يتَنَافسُونَ في الإحْسانِ، ويتقارَعونَ على الضِّيْفانِ منْ كُلِّ موضُوعِ الخِوَانِ، مبْدئٍ بنُفوسِ الإخْوان:
حبِيبٌ إلى الزُّوار غِشْيانَ بَيْتِهِ ... جميلُ المُحَيَّا شفَّ وهْوَ أديبُ
وكتب أيضا:
أبا عبد الإله اسْلَمْ مَلِيّا ... وَدُمْ في أَسْبَغِ النُّعْمى عليَّا
وثِقْ بالله وارْجُ الفَضْلَ منهُ ... فَقِدْماً كُنْتَ مِفضالاً وَفِيّا
تلقَّتْكَ المكارِمُ والأيادي ... فألْفَيتَ الزمان بها رخِيَّا
سيِّدي الأعْلى، وكبيري المُفَدَّى، تسنَّتْ أوْطارُكَ، وتَأتَّتْ أَقْدارُكَ، وعزَّ في كلِّ حالٍ مَحَلُّكَ ومِقْدارُكَ.
كَتَبْتُهُ، وقد صدرَ النَّجيبُ السَّريُّ، والذكيُّ الألمعيُّ، أبو فلان - أَعزَّهُ الله - وقد أَلْفى لكَ في كلِّ دارٍ
إخْواناً، وأَصْفياءَ على البرِّ أعْوانا، وذلكَ بفضل ما أَسْدَيْتَ، وكرَمِ ما قدَّمْتَ وأَوْلَيْتَ. وأنْتَ - بحمد
الله - إلى كلِّ النُّفوسِ حبيبٌ. وكلُّ حرٍّ فلهُ فيكَ ومِنْكَ نصيبٌ. وسيُخْبِرُكَ بما انْقَضى، والله يُتَمِّمُ
الأمل المٌرْتضى، ويُعينُكَ بسيْفِ العدْلِ المنْتَضى. ورَسَمْتُهُ، واليومُ قُرٌّ، والريحُ صِرٌّ، والشيْخُ في هذه
الشَبرَاتِ غِرٌّ، والنَّفْسُ إلى أَنْبائكَ مُطَّلِعَة، والأُذْنُ مُسْتَمِعه. أَمَدَّكَ الله بحُسْنِ الصنيعِ، وأبْقاكَ مشْكوراً.
(1/340)

وكتب:
سيدي الأعْظم، ومُعْتمَدي الأكرم، وسنَدي الأعْظَمِ، ومنْ أَبْقاهُ الله محمودَ الذِّمم، محسودَ الهمم. لمْ أَزَلْ
- أَعَزَّكَ الله - أَسْتَنْزِلُ قُرْبَكَ براحة الوهم، عن ساحة النَّجْم، وأَنْصِبُ لكَ شركَ المُنى، في خلَسِ
الكرى، وأُعَلِّلُ فيه نفس الأمل، بضربٍ سابِقِ المثل:
ماأقَْدَرَ اللَّهُ أنْ يُدْني على شحَطٍ ... منْ دارُهُ الدٍّونُ ممنْ دارُهُ صُولُ
وما ظَنُّكَ، وقد نزلَ على مسافة يومٍ، وطالما نفرَ عنْ حالةِ نومٍ، ودنا حتى همَّ بالسَّلامِ، وقدْ كانَ منْ
خُدَعِ الأحْلامِ. وناهيكَ منْ طيْرِ، وقَدْ حُمْتُ حولَ المورِدِ الخَصَرِ، وذَمُمْتُ الرشأَ بالقِصَرِ، ووقفَ بي
ناهضَ القدرِ، وقْفةَ العيرِ بينَ الوِرْْدِ والصَّدَرِ. فهَلاّوصَلَ ذلكَ الأمل ببِاعٍ، وسَمَحَ الزَّمَنُ بإجْماعٍ،
وطُويتْ بيننا رُقْعَةُ أميالٍ، كما زُويَتْ مراحِلُ أيَّامٍ ولَيال. وما كانَ على الأيام لو غَفَلَتْ قليلاً، حتّى
أشْفِيَ بلقائكَ غليلاً، وأتَنَسَّمَ منْ روْح مُشاهَدَتِكَ نفساً بليلاً. ولئنْ أَقْعدتْني بعوائقِها عنْ لقاء حُرٍّ،
وقضاءِ برٍّ، وسفرٍ قريبٍ، وظفرٍ
(1/341)

غريبٍ، فما تَحَيَّفَتْ وِدادي، ولا ارْتَشفت مِدادي، ولا غاضتْ كلامي،
ولا أَخْفَتْ أقْلامي. وحسْبي بلِسانِ النُّبْلِ رسولاً، وكفى به أَمَلاً وسُولاً. وفي الكتابِ بلغةُ الوطَرِ،
ويُسْتَدَلُّ على العينِ بالأثر. على أنِّي إنَّما وحيتُ وحيَ المُشير باليسيرِ، وأمَّلْتُ فَهْمَكَ على المسطور
في الضمير، وإنْ فرغْتَ للمراجعة ولو بِحَرْفٍٍ، أوْ لمْحَةِ طرف، وصلْتَ صديقاً، وبَلَلْتَ ريقاً،
وأَسْدَدْتَ يداً، وشفيتَ صدى، لا زالتْ أياديكَ بيضاً، وجاهُكَ عريضاً، ولياليكَ أَسْحاراً، ومساعيكَ
أنْواراً.
وأقرأُ على سيدي الأعْظم سلاماً أَرِجَ الأرْجاء، مُنْبَلِجَ الصباحِ والمساء. والسلامُ المعادُ المُتَمِّمُ على
سيدي الأعْلى، ورحْمة الله تعالى وبركاته.
ثمَّ خَتم الرُّقْعة بهذه الأبيات:
هوَ الدَّهرُ لا يُبْقي بِمُر ويَحْلَوْ لِي ... وسيَّانَ عنْدي ما يُجِدُُّ وما يُبْلِي
إذا أَشْكَلَتْ يوماً عليهِ مُلِمَةٌٌ ... فمِنْ ظهرِ قلْبي يَسْتمِدُّ ويَسْتمْلي
سألْقي بحَدِّ الصَّبْرِ صُمَّ خُطوبه ... ولوْ صيغَ فيها الشيبُ منْ حدَقِ النَّبْلِ
وأَعْرِضُ عنْ شكْواه إلا شَكِيَّةً ... لها منْ هوى مرآكَ ضرْبٌ منَ الخبْلِِ
روى لي أحاديثَ المُنى فيكَ غَضة ... ولكنَّها لم تَخْلُ منْ غَلَطِ النَّقْلِ
وجادَتْ بقُرْبِ الدّارِ غيْرَ مُتَمِّمِ ... ويارُبَّ جودٍ قُدَّ منْ شيَمِ البُخْلِ
تراءَى لي العذْبُ النَّميرُ فلَيْتِني ... برَدْتُ لهاتي منه في نَغْبَةِ النَّهْلِ
أَتَحْجُبُ شمسَ الفضلِ بُرْدَةُ ليْلَهِ ... ولوْ وَصَلَتْ أرْدانَها ظُلْمَةُ الجَهْلِ
ويَخْشُنُ مسْراها لموْطئ أَخْمَصي ... ولو نَبَتَتْ في جُنْحها إِبَرُ النَّحْل
أَجَلْ قَيْدُ هذا الدَّهر أضيقُ حَلْقَةً ... وأقْصَرُ للخَطْوِ الوساعِ منَ الكَيْلِ
سأبْعثُ طيفي كلَّ حينٍ لعلَّه ... يُصادِفُ منْ نَجْوى خيالِك ما يُسْلِي
(1/342)

ودونَكَ منْ روْضِ السلامِ تحيَّةٌ ... تُنَسِّيكَ غَضَّ الوردِ في راحة الطَّلِّ
ولبعضهم في المعنى:
سيدي، وأعْظَمَ عَدَدي، وأَعَزَّ منْ شدَدْتُ على حبْلِ إخائه يدي، وأَعْدَدْتُ ذُخْرَ صفائه لأبدي، ومنْ
أبْقاه الله راضياً عن الزَّمنِ، في المُقامِ والظَّعنِ. لم أزلْ - أعزَّكَ الله - مذْ صمَّ اغترابُكَ، وَنَعَقَ
غُرابُكَ، أَتَعَجَّبُ منْ تَحوُّلِكَ، وأتَشوَّقُ لما يردُ منْ قِبَلِكَ، فلمْ أَظْفَرْ منْ خبَرِكَ بيقينٍ، ولا وقَفْتُ منْ
كيفيَّةِ مقرِّكَ على ثَلَجٍ مُبين، إلى أنْ وردَ (جُهَيْنَةُ أَخْبارِكَ)، وَعْيَبَةُ أَسْرارِكَ، الأديبُ أبو فلان، فكشفَ
منْ صورةِ أمْرِكَ ما الْتَبَسَ، ووصَفَ منْ جلِيَّةِ حالِكَ ما سرَّ وآنَسَ، وذكَرَ أنَّ ذلكَ القُطْرَ - أَنَّسَهُ الله -
رَحُبَتْ بِكَ معاهِدُه، وعَذُبَتْ لكَ موارِدُه، واشتملت عليكَ أفْياؤُه، وتضاحكتْ إليكَ أرْجاؤه. ولا غرْوَ منْ
نفاقِكَ حيثُما احْتللْتَ، وقَبُولِكَ أيْنما انْتقَلْتَ، فمنْ تحلى بمِثْلِ حلاكَ لمْ يضعْ كيفَ تصرَّفَ، ولا عدِمَ
للُّطْف أيْنَما انْحرفَ، والله يصْنَعُ لكَ صنْعاً جميلاً، ويُنْيلُكَ أَيْنما سلكْتَ آمَلاً وسُؤْلاً.
ووَصَل خِطابُك الخطيرُ، فجلى عنْ وَجْهِ بِرِّكَ وَسيماً، وشَخَّصََ منْ عهدكَ عميماً، وأَهدى إليَّ منْ
رياضِ فَضْلِكَ نسيماً، ومنْ عَرَارِِ حمدكَ شميماً، فيا حُسْنَ موقِعِه منَ الضمير، ويا نُبْلَ منزعِه الجميل
المشكور.
(1/343)

وكتب أيضاً، وقد قدم عليه بعض إخوانه:
حالي - أعزَّكَ الله - قدْ شافهتَ نجِيَّها، وعلمْتَ لا محالة خفيَّها. لمْ تُغْدِفْ دونَك قناعاً، ولا انْقَبَضَتْ
عنْكَ اسْتِجْماعاً. والإعرابُ عنها جهْلٌ، والحجابُ دونَها سهلٌ، ورُبما كان لسانُ الصامتِ أنْطَقَ،
وشاهِدُ الجمالِ أًصْدَق.
ولمَّا وردْت، يمن الله موردَكَ ومَصْدرَكَ، وجبَ القِرَى، ولوْ بِبَرَضٍ من الثَّرى، وتعيَّنَتِ المبَرَّةُ، ولوْ
بمثقالِ الذَّرَّةِ، على أنّي لوْ نظَرْتُ إلى قدرِكَ لوقَفْتُ خجِلاً، وانْصرفتُ وجِلا. لكن جَهدَ المقلِّ جَلَلٌ،
ونزْرَ المُدِلِّ مُحتمل. فَمَهِّدْ بفضلِكَ للعُذْرِ كنفاً، وأوْسِعْهُ لَطفاً وتبَّا لدَهرٍ لا يُخْجِلُهُ ضياعُكَ، وتؤلمه
أوجاعُكَ. والله يُقيله عثرة الأدب، ويرفعُ من خدِّه التَّرِبِ. بِمَنِّه.
ومن جيد المنظوم في هذا المعنى، قول الشاعر أظنه أبا بكر العَلاَّف:
للخِلِّ قدْرٌ بِخَلَّتَيْن ... مني نقداً بغير دَيْنِ
(1/344)

لأنني في الوصالِ أصفو ... عنْ كلِّ ريْثٍ له وزيْنِ
وأنّني لا أزالُ أحْنو ... حُنُوَّ هَين عليه بين
وبعد هذا وذاكَ سرٌّ ... كالصَّفو منْ خالِصِ اللُّجيْنِ
ومَحْضُ ودٍّ بغيْر مذْقٍ ... وصِدْقُ عهدٍ بغيْر ميْن
فإذا دنا بالوِصالِ منَّي ... أَسْكَنْتُهُ في سوادِ عيْني
وإنْ جفاني وصَدَّعَني ... حفظْتُ ما بينه وبيني
ولمْ أشُبْ وهو لي مشوبٌ ... مازلتُ من أمره بشين
ومن جيده أيضا قول الآخر:
نصلُ الصديقَ إذا أراد وِصالنا ... ونَصُدُّعنه صدوده أحْيانا
إنْ صَدّعَني كنتُ أكرم مُعْرضٍ ... ووجدتُ عنه مذْهباً ومكانا
لا مُفْشياً بعد القطيعة سرَّه ... بل كاتماً من ذاك مااسترعانا
إنَّ الكريم إذا تَقَطَّعَ ودُّهُ ... كتمَ القبيحَ وأظْهرَ الإحْسانا
وأنشد ابن خالويه:
هجَرْتُكَ لا قِلىً منِّي ولكنْ ... رأيْتُ بقاءَ ودِّكَ في الصدودِ
كهجر الحائماتِ الوِرْدَ لمَّا ... رأَتْ أنَّ المنِيَّةَ في الوُرودِ
(1/345)

تفيظ نُفوسها ظمأً وتَخْشى ... حَذاراً وَهْيَ تنظر من بعيد
تصُدُّ بوجهِ ذي البغْضاء عنهُ ... وترمُقُهُ بألحاظِ الوَدُودِ
(1/346)

فصل فصول مستحسنة من رسائل في الشفاعة والوسائل
سيدي الأعلى ومعْتمدي الأسنى، وذُخْرَ أَيْدي الأسْرى وعارفةَ زمني الحُسنى، ومنْ أبْقاهُ الله مُبْلِغَ
المُنى، مُسَوِّغَ النُّعْمى، لئنْ كانت الأيَّامُ - أَعزَّكَ الله - قدْ قلَّصَتْ أدْيالَ أحْوالِكَ، وسلَّطَتْ هجيرَها
على برْدِ ظلالكَ، وكدَّرتْ بأقذاء صروفها صفوَ آلائِكَ، فما استلانتْ نبْعَكَ، ولا أحالَتْ عنْ عادةِ
الجميلِ طبعكَ، ولا عفَّتْ في مرابعِ السَّناءِ والثَّناء ربْعكَ. فقد يجْري الجوادُ وهوَ منْكوبٌ، ويتجَمَّلُ
الحُرُّ وبه نُدُوبُ، والله يُجْبِرُ الصَّدْعَ، ويُجْمِلُ الصُّنْعَ، بعِزَّته.
ويتأدَّى خطابي - أعزكَ الله - منْ يد فلان آمِلُكَ - أبقاه الله - وقد علمتَ ما دُهيَ به وطنُهُ منْ
خطوب الزَّمَنِ، وضروبِ المِحنِ، وتغلُّبِ عُبَّادِ الوثنِ، ودفعتْهُ الضرورةُ إلى استِرْفادِ الأحْرارِ،
والتَّكسبِ بالأشعارِ، وهو ممن يتصرَّفُ في الصِّناعةِ بلسانِ منِع، ويأوي منها إلى طبع غير طبِع، ولهُ
في قَبُول عفوٍ المنيلِ إجْمالٌ، وعندهُ في شكرِ الغَرْبِ المُخْتَصر احْتِفالٌ. ولمَّا عرفَ ما بيْننا منْ عهدٍ لا
يُفارقُ نِصَابَهُ كرمُ، ولايلحقُ شبابَهُ هرمٌ، اتَّخَذَ خطابي هذا عُنوانَ شعره، ولسانَ أمره، ودليلاً على
موضعه، ومشيراً إلى مقْصِدِهِ، ومنزعه، وأنْتَ بسرْوِكَ تُصْدِقُ آمله إن شاء الله. والسلام.
وفي المعنى:
(1/347)

منْ حلَّ مَحَلَّكَ - أعزَّكَ الله - في كرمِ النصابِ، واخضِرارِ الجِنَابِ، لم يخْلُ كنَفُهُ منْ آمِلٍ يردُهُ،
وفاضِلٍ يعْتَمِدُهُ، فالمنزعُ الرَّحبُ ينْتابُهُ الكرامُ، والموردُ العذْبُ كثيرُ الزحام ومنْ حداهُ ذكرك، وهداهُ
يُسْرُكَ، أبو فلان واسمه أشهر منْ أنْ ... عليه أوْ أشيرَ إليه، وله منْ ذواته وأدواته شوافع، وعنده منْ
طُرفِ الحكمِ وغرائبِ الأدبِ بدائع، وكان تحت نعمة وافية الجناح، وحُرمةٍ سائلة الأوضاح، تُكْبِرُهُ
الكبراء، وتوثرُه الأُمراء، وتحسدُ سامي قدره الأنداد، وينجحُ بنثْرهِ ونظّمه الطِّرْسُ والمداد، ثمَّ عَطَفَ
الدَّهْرُ عليهِ، وانتشَفَ مالديه، ورماهُ بأنْفَذِ سهامِهِ، وأجْوَر أحْكامه، فاضْطُرَّ إلى التَّغرُّبِ في البلادِ،
والتقلُّبِ ما بينَ مبرَّاتِ الأمْجادِ، وقدْ حطَّ رَحْلَهُ ببابِكَ، والتحَفَ بأَطْنابِكَ، وأنْتَ إلى الجميل أهوى،
وبحسن الصنع أولى، والله تعالى يبقيك حِلْيَةَ فخَارٍ، وكعبَةَ زُوَّار، بمنِّه.
وفي المعنى:
سيدي الأعلى، ومعتمدي الأقْوى، وظهيري الأكرم الأوفى، لا زالتْ تُعْقَدُ الآمالُ عليْكَ، وتَخُبُّ
الرِّكابُ إليْكَ، وتُلْقى الرِّحالُ لديْكَ، وتتأثَّلُ النِّعَمُ في يديكَ.
كتبْتُهُ - أدام الله عزكَ - ولا مزيد على ما بالنفس منْ تَوْقٍ، وبالقلبِ منْ صبابَة إلى تلْكَ المعاهد
وشوق، أمتَعَ الله بكَ السَّيَّادَة، ولا أَعْدَمَكَ آلاءَه المعْتادَه، ويتأَدَّى منْ قِبَل فلان - أبقاه الله - وقد
انْقطعتْ به الحبال، وتَقَلَّصتْ عنه الظِّلال، وأتعبته المطامع والآمال، وشكتْهُ البكرُ والآصال، وكُلَّما
رُمْنا لهُ تعَلُّقاً تعرَّضتِ القواطِعُ
(1/348)

وأعْرَضَ الإقْبَالُ، ومنْ أَنْواعِ الدَّاء ما لا طِبَّ لَهُ إلاَّ الانْتقال، ومنْ
زالتْ بهِ الدَّارُ، فحَقُّهُ الزَّوالُ. وسألني، والذِّمامُ يُطيعُه، وإدارَةُ الخيْرِ لا تُضيعُهُ، مُخاطَبَتكَ، فأجَبْتُهُ،
ولعَلَّ الله تعالى قد اخْتارَكَ لمثواه، وجَعَلَكَ ربَّ نُعْماه، لا زِلْتَ للأحْرارِ مُصْطَنعاً، ولحاجاتِ الأوْلياء
موضعاً، وأَقْرأُ عليكَ - دامَ عِزُّكَ - أَعَمَّ سلامٍ وأَوْفاه، وأَبَرَّه وأَحْفلَه. ثُمَّ السَّلامُ المُرَدَّدُ المجدَّدُ عليك،
ورحمة الله تعالى وبركاته.
وله في المعنى:
أطال الله بقاء الأمير الأجَّلِّ، الملِكِ السيد الأفْضَلِ، وَعَدْلُهُ ممدود، وناديه بكُلِّ صالِحةٍ مشهودٌ، ورِفْقُهُ
معْهود، وبابُ مُلْكهِ موْرود، ولازالَ تُفْتَح به، بعد الوفودِ وفود. الأميرُ الأجَلُّ - أيَّدَه الله - بما وضع
الله له مِنَ القُبولِ، والعدل المُطَّرِد الموصول، تتسابَقُ الحسناتُ إليه، وتترادَفُ الخيْراتُ عليه، والله
عزَّ اسمه يدَّخِرُ لَهُ ما يُجْريه منَ المَكْرماتِ على يديْه، ويُتِم لَهُ النِّعْمة الراهنة لديْهِ، وأنَّ فُلاناً - أَعزَّه
الله - منْ أعيانِ كذا، وذوي السَّلَفِ الطاهرِ فيهما طاعَتهُ - أعزه الله - ذَكَر أنَّهُ سُعِيَ بَيْنَهُ وبيْنَ فلان
بِفسادٍ، وتَنَكَّرَ لَهُ بعْدَ البرِّ المُعْتادِ، وهوَ بعدْلِ الأمير الأجل - أيَّدَهُ الله - لائِذٌ، ومنْ كلِّ ما يُنْفِقُ عليهِ
عائذٌ، وسبَقَ لهُ إلى هذه الحضرة تَكْرارٌ أشْهَرَ بها عيْنَهُ، وأَثْبَتَ المودَّة بين أَهْلِها وبينه، وقامَ بينَ يَدَيْهِ
منْ وسائلِ أوْليائهِ فيها ما يُؤنِسُ مَقْصِدَه، ويُقيمُ أوَدَه، على أنَّ الأميرَ الأجلَّ - أيَّدَهُ الله - لِكَرَم
السَّجية، والشِّيمِ الرَّضيَّة، وسِيَرِه الفاضِلة في الرَّعية، لا يَحْتاجُ معَهُ إلى شفيعِ، ولا يتَوَسَّلُ إليْهِ بأَجْدى
منْ خُلُقِهِ الرَّفيع. أمَدَّه الله بحُسْنِ الصنيع، وأَبْقاه مشكوراً منَ الجميع، بِجُودهِ ومجْدِه. والسلام.
وفي المعنى لابن طاهر:
(1/349)

أطال الله بقاء الأمير الأجلِّ ناصر الدوْلة ومُعِزّ المِلَّةِ، وأَيَّدَهُ، وأَعْلى يدَهُ: الشفاعاتُ - أَيَّدَكَ الله -
على قَدْرِ مُلْتَحِفيها، ولكُلِّ عنْدَكَ منْزِلةٌ يُوافيها، ولمَّا تأمَّلَ ذو الوزارتين الفاضلُ أبو فلان - أبقاه الله
- مالَكَ في الناس، منَ الطَّوْلِ والإيناس، بما جُبلتَ عليه من شرَفِ السجية، والهممِ العليَّة، حتى مالتْ
إلَيْكَ الأهْواءُ، وارْتَفَعَ لَكَ بالحمدِ اللِّواءُ، قصدَ ذراكَ، واعْتَقَدَ اليُمْنَ في أَنْ يراكَ، فيَملأَ منْ زهرِ العُلا
أَجْفاناً، ومنْ نهرِ النّدى جِفاناً، ويَسْتَبْدِلَ منْ صدِّ الزَّمانِ إقْبالاً، ومنْ تهاوُنِ الأيامِ اهْتِبالاً، ولهُ قِدَمُ
الوَجاهة، وقَدَمُ النَّباهةِ، ويَدُلُّ عليْهِ بيانُهُ، كما يَدُلُّ على الجوادِ عِنانُهُ، وأرْجو أنْ ينالَ بكَ الآمالَ
غَضَّة، والأيادي مُبْيَضَّة، فأقُومُ على مِنْبَرِ الثناء خطيباً، وأُوقِدُ على جَمْرِ الآلاءِ عُوداً رطيباً، لازِلْتَ
للقاصدينَ ملاذاً، وللرَّاغبينَ عياذاً.
وكتب في المعنى أبو مروان بن أبي الخصال:
سيدي الأكرم، وملاذي الأَعْصم، دُمْتَ في السعد الأَدْوم، والثَّناء الأفخَم، أما أعزَّك الله بما أَلْتَزِمُهُ منْ
برك، أتحامى كثرة التكليف، وأَميلُ إلى جانِبِ التَّخْفيف، وكُنْتُ اعْتَقَدْتُ بعْدَما أُسْعِفْتُ فيه منْ
مَرْغُوبٍ ألاَّ أُكلف سواه مَجْدكَ، فأحوزَ رُتْبَةَ المُخْلِفِ عنْدَكَ، (لكنِّي أرى الحديث شجوناً). وهذا الفتى،
موصلُ الرُّقعة، هو في أهل الصيانة معُدودٌ، ولهُ في تخَدُّمِ جوانِحِ الأعْيانِ منابٌ محمودٌ، وعنْده عيالٌ،
وفي حاله إقْلالٌ، وهو مطْلوبٌ بعدد يؤدِّه
(1/350)

وإنْ قلَّ، ومُخِلٌّ بوفره فيما أخلَّ، فإنْ وسعه الاحتمالُ، ووقعَ
لهُ الاحتيالُ، أنْعمت بالهُ ونَعَّشْتَ عياله، وكأنَّما حُزْتَ الحُسْنى لهُ، ثمَّ يُثْبتُ لك في ديوان المُنَعمينَ
ذكْرٌ جميل، ولنْ يضيعَ منَ الخيْر فتيلٌ. وأمَّا ما أتوَخَّاهُ منْ شُكْرِ هذه إليْكَ فما يَتَّصِلُ مع الأبدَ،
ويَقْصُرُ فيه اليوم مع الغدِ.
وفي المعنى لأبي عبد الله أخيه:
سيدي الأعلى، وعمادي الأَوْثَقَ الأسنى، وحظِّي الأكرم الأوفى. بقيتَ لضيْمٍ تدْفَعُهُ، وباطِل تدعه،
وَعَلمٍ في إقامة الدين ترفعه. أَبَرَّ الأعمال ظلامَة تردُّ، ودِعامَة في الحقِّ تُشَدُّ، وباب جورٍ عن الناسِ
يُغْلَقُ ويُسَدُّ.
وإنَّ المؤذن أبا فُلان - أبْقاه الله - طُرِفَ عن خِطته في الأذانِ، بما أَدْركَهُ منْ بَغْيٍ، وخبيثِ سعْي،
وأُعْلِمْتُ أنّ قاضي الجماعة - أدام الله توفيقه - أشار بإعادته إلى أذانه، وإثباته في الرتبة الأولى منْ
مكانه. ولمْ أشُكَّ أنّ إشارَتَهُ - وُصِلَ توفيقه - أمْضى من التصريح، واللسانِ الفصيح. غير أنَّ
المؤذِّنَ المذكور عناني بعضُ أمره، وتَوجَّه إليَّ لشدِّ أزْرِه، ولعلَّ الخُطَّة تسَعُهُ، ومنْ كان أَمَلُهُ فيها
موضعُه، وإنْ ضاقَ عنْهما الاحْتمالُ، فالذي بُغِيَ عليه أوْلى أنْ يُنْصَرَ، وأحَقُّ أنْ يؤْخَدَ بيدِهِ إذا عثرَ.
وأنتَ بفضْلك تأتي هذا الأمر منْ بابه، وتُحرزُ إنْ شاء الله فضل ثوابه. والسلام.
(1/351)

وله في المعنى:
خَطَطْتُ هذه الأحرُفَ، أطال الله بقاء ذي الوزارتين الأجل، السيد الأوْحد الأكمل، على استحثاثٍ
حفزَ، ووقْتٍ أوْجَبَ أنْ أوجِز، وعظيمِ شُغْلٍ بلَّدَ الخاطر وأعجز. وهي مُتَأَدِّيَّةٌ إليه من يدي، وفي
صحُْبَة كبدي. والجلاءُ منْ هذا أنَّ سَليلَ نِعمتكَ القاسمَ ولدي، يَمَّمَ تِلْكَ الحضْرَة التي بكَ بهاؤُها،
ولأجْلِكَ يجبُ اعْتمادُها، واتِّخاذُها مُبْتَغى سبب، منْ تقْييدِ سُنَّةٍ وأدَب. فاضْمُمْهُ أيُّها السَّيِّدُ إليكَ ابْناً،
واستخدمه، إنْ شئتَ عبْداً قنَّا، فمِنَ رضايَ ورِضاهُ، أنْ تكونَ سيِّدَهُ ومولاهُ. ولم أَمْلِكْ مزيداً على هذه
الأحرف. والله المستعان.
ولغيره في المعنى:
أكرمُ يد - أعزكَ الله - يُقَلِّدُها المرءُ جيدَ مجْدِه، ويُزَيِّنُ بها ديوانَ حمده، ما سَدَّ خلَّةً منْ حسيبٍ،
أَقْعَدَتْهُ يدُ الدَّهر المريبِ، وموصلهُ - وصلَ الله حُرْمتَكَ بالسلامة، منْ قلَّدَ الأيام أبو فلان - رضي الله
عنه - فإنَّه توسَّلَ بي إلى مكارِمكَ في ترميقِ حالتِه، والرَّمَّ لحوالَتِهِ، فإنَّما جَفَّتْ غضارَتهُ بعدْ النِّعْمة،
وبدَّلَتْهُ بالتقتير منْ رغدِ النِّعْمة، وحوَّلتْهُ إلى الضِّيقِ بعدَ السَّعَة، وإلى التُّجُولِ مِنَ الدَّعَة، ومثْلُكَ،
ولامثيلَ لكَ، رقَّ لما بِهِ، ورَعاهُ لشرف نِصَابِه، واغْتَنِمِ الصنيعة فيه، وحَقِّق ضماني عنْده وما
يرْتجيه. فإنكَ ستجْزِلُ بما تُسْديه، أجْمَلَ الذِّكرِ، وأحفَلَ الشكرِ، مع الأجْرِ المَغْبُوطِ والذخْرِ المحوطِ.
والله تعالى لا يعْدِمُكَ ارْتهانَ المِنَنِ وارْتباطَ الأحرارِ، ويَحْرُسُكَ منْ حوادثِ الليْل والنهارِ.
(1/352)

وفي فصل:
وفلانٌ ممنْ يأوي إلى خيرِ وصلاح، ويسْتَضيءُ منْ طلَبِ العلم بمصباحِ، وبحَسَبِ ذلكَ أُحِبُّ
حياطَتَهُ، وأريد إرادَتَهُ، ورَغْبَتي حفِيَّةٌ لدى مَجْدِكَ في أنْ تَضَعَه منك ببالٍ، وتُخَفِّفَ ما يطرأُ عليهِ من
أثْقال، وتُقلِّده منْ مُحاَفَظَتِكَ ما يَحْصُلُ به على مزِيَّةِ حالٍ، حتّى يُرى عليه أثرُ الشافعِِ، وتَلذَّ خبَرَهُ أُذْنُ
السَّامِع، وثقتي بما خَطَطْتُ لكَ منْ سُطُورِي هذه أَغْنَتْني عنِ الاحْتفالِ، والإلْحافِ في السُّؤالِ، وأنتَ
أرْطَبُ عوداً، وأخْصَبُ نائلاً وجوداً، منْ أنْ يُثْنِيَكَ
عن العُلا ثانٍ، أوْ يَفْتَقِرَ المشْفوعُ لك فيه إلى ضمانِ. بقيتَ للفضلِ رَبْعاً يُحَطُّ لديه، وثِمالاً يُعَوَّلُ
عليه. والسلام.
وفي فصل:
وفلانٌ أعزَّهُ الله بِتَقْواه، وأعانه على مانواه، مِمَّنْ لهُ منَ العِلْمِ حظٌّّ وافرٌ، ووجْهُ سافر، وعندَهُ دواوينُ
أَغْفالٍ، لمْ تُفْتَحْ لها على الشيوخِ أقْفال. وقصدَ تلكَ الحضرة ليُقيمَ أوَدَ متُونها، ويُعاني رَمَدَ عُيُونها، وله
إلَيْنا وسائلُ أوْجبَت الإشادة بذكره، والاعْتناء بأمره، وله عندنا مكانة حفِيَّةٌ تَقْتَضي مُخاطَبَتَكَ بخَبَرِهِ،
وإنْهاضَكَ إلى قضاء وطره، وأنتَ - إنْ شاء الله - تُسدِّدُ عَمَله، وتُقرِّبُ أمَلَهُ، وتُسَبِّبُ أسْبابَ العَوْنِ
لهُ.
وفي فصل:
أما وَكنَفُ بِرِّكَ لمنْ أمًّكَ من أهْلِ الفضْلِ مُمَهَّدٌ، وجفنُ رِعايَتِكَ لهمْ
(1/353)

مُسَهَّدٌ، ومنزِلُ حفايتكَ بهم مُتَعهَّد،
فكُلُّ وعْرٍ يلْقونَهُ في سبيل قَصْدِكَ مُسْتَسْهل، لا يَمُرُّ لهم دونكَ مَنْهل، ولا يضلُّ بهم، وأنت العلم،
مَجْهل، ومِمّنْ رأَى أنْ يقْتَحِمَ نحْوَكَ ظهره لحجَّة ومحجَّة، ويقرن في أُمّ كعبةِ فَضْلكَ بينَ عُمْرَةٍ وحَجَّة،
ويرْحل إلى حضرتِكَ المألوفة مُهاجِراً، ويَعْتَمِدَها في طَلَبِ العلْمِ تاجراً، ليَجْتَهِدَ في جَمْعه وكسبه
اجتهادَ مُغْترب، ويملأَ منْ فوائدِهِ وفرائده وعاءً غير سَرِب. ومذْهبُهُ الاقتباسُ منْ أنْوارِك، والالْتباسُ
منَ الدَّهرِ بِجوارِكَ، والاستئْناسُ بأسِرَّةِ بشْرِكَ ومسَرَّةِ حوارِك فلان، وله في الفضل مذهب، يبهرج
عنده الذهب، وعنده في النُّبلِ غرائب، لا يُفارِقُ زَنْدَها اللهبُ وسَتُقْرِبُهُ فَتستغرِبُه، وتخبره، فتكبره،
إن شاء الله.
وفي فصل كتبه أبو القاسم بن الجد إلى أبي الحسن بن الأخضر رحمة الله عليهما:
إذا كان عهد الإخاء ممَّا رقَمَتْه يدُ الطَّلَبِ، في صفْحةِ الأدبِ، لمْ ينْسخْ لهُ الدَّهرُ حُكْماً، ولا أحالَ
الزَّمَنُ منه رسماً؛ بلْ يتجدَّدُ على تقادُمِ الأحقابِ، ويتردَّدُ أبداً في غضارة، الشباب وإنّما هو في
الحقيقة نسبٌ لا يَخْفى، ورحمٌ لا يَجِفُّ لها ثرى، وذمامٌ تُثْنى عليه الخناصر، والْتحامٌ تُشير إليْهِ
البناصِرُ. فالأديبُ صنْو الأديب، وكفى شاهداً بتمازج القلوب. وفي علمك ما سلف
(1/354)

بيننا من العهد المُزْري حُسنُه بِزَمَنِ الوردِ، سقاه الله صوب العهاد، ولا زال مُخْضَرَّ المرَاد، فما كان إلا غُرَّةً انْتُهِزَتْ
منْ تهاتُفِ البيضِ الغرائرِ، ولُمْعة اقْتُبِسَتْ من تضاحُك الترائبِ تحت سود الغدائر.
ولما علم أبو فلان، حليفُ شُكْرِكَ، وأليفُ بِرِّك، ما بيننا منَ المناسبِ الرُّوحانية، والمذاهبِ الأدبية،
استنهضني لشكر ما خصصته به من تقريب مَحَلٍّ، وتَخْفيفِ كَلِّ. فنَهَضْتُ في ذلكَ نهوضَ المبدئ
المُعيد، والْتحفْت برداءِ الثَّناء عليْكَ في المَحْفَلِ المشْهودِ، وسَرَّني كونُ هذا الفتى الدمث الخليقة،
السَّديد الطريقة، منْ إنْشاء تخريجكَ وتفهيمكَ، وأغْصانِ تَثْقيفكَ وتقويمِكَ، فإنّه يَقومُ بشكرما تُسْديه
إليْه، ويفي بصونِ ما تودِعه لديه، وليسَ كلُّ منْ أُوليَ الجميلَ يشكر، ولا كلُّ شجر وإنْ سُقيَ يُثْمِر،
وأنت بسروكَ توسعُ قريحته ذكاء، وصفْحتهجلاءً، حتى يَخْلُصَ خُلُوصَ الذهب، ويتخصص بحلْية
الأدب، مُحْرزاً في ذلك ذكراً يشيعُ خبره، ويفوح عنْبَره، والله تعالى يُبْقيكَ لهذا الشأْنِ تُذيعُ أسْرارَه،
وترفَعُ منارَه.
وكتب أيضاً لغيره في المعنى:
مَنْ دفعَتْهُ الأيام - أعزّك الله - إلى التَّقلُّبِ في الأقطار، والتَّكَسُّبِ بالأشعار، لم يَخْفَ عليه تواضع
الأحرار، في النُّجود والأغْوار. على أنَّ رسمَ الشعْرِ قدْ درَسَ أَوْكادَ، ومُرْتادَ البِرِّ قدْ عدِمَ المُرادُ
والمَرَاد؛ إلا أنَّ صاحِبَ هذا الشأنِ لا بُدَّ أنْ يتَصَرَّفَ، أَنْْجَحَ أوْ أخْفَقَ، ويتسَوَّقُ كسد أو نفق.
(1/355)

وأبو فلان ممن دخل ذلك الصنع فأحْمده، وتخيل يُمْنَ مُعَاوَدَته فاعتمده، وله في صنعةِ القريضِ باعٌ،
وبشُكْر ما يُولى اضطلاعٌ، وبين فكَّيْه لسانٌ كشقَّة مِبْرد، أوْ ظُبة حسامِ فردٍ، ولمَّا كنت - أعزَّكَ الله
مُقَدَّما في أعْلام مِصْرِك، وأَعْيانِ عصركَ، وعَلِمَ ما بيْننا منْ سهْمِ الوِدادِ، وكريمِ الإعْتِقادِ، سألني
مُخاطبَتَكَ راغباً في أنْ تُسَدِّدَ له هنالكَ غرضاً، وتُسَهِّلَ منْ حياضِ امله فُرَصاً، وترفع له في سبيل
التَّزْكيَّةِ مناراً، وتُقَلِّدَهُ منْ صَوْغِ التّحْلية طوقاً وسِواراً، فأجبتهُ لما يمُتُّ به إلىَّ منْ وكيدِ ذمامِ، وحميدِ
إِلْمام، والثِّقة بنُزُول رَغْبتي إليكَ على طرفِ ثمام، وشرف اهتمام. وأنتَ بسَرْوِكَ تُدْنيه منْ كنَفيْ
قُبُولكَ وإقْبالكَ، ولا تُخْليه من الأُنْسِ بِتَهَمُّمِكَ واهْتِبالِكَ، حتى يَصْدُرَ وهجيراه شُكر إجْمالكَ ونشر
صنيعة منْ جاهكَ أوْ مالكَ إن شاء الله.
وله في المعنى:
من عهد - أعزَّك الله - أُنْسَ فِنَائِكَ، وحُسْنَ اعْتنائك، وألِفَ برْدَ أفْيائكَ، ولينَ أرْجائكَ، لمْ يحبسْهُ
عنكَ مَسكَن ولا وطن، ولا لذَّ له في غير حجركَ وظلِّكَ وسنٌ، فمُولِي الجميل محْبوبٌ، ومكان الأنْسِ
مطلوبٌ، وفي عِلْمِكَ أنَّ النُّفوس تلْتَمِسُ الرُّجْحانَ، وتعتمدُ الفضلَ حيثُ كان.
وفلانٌ ممن قَيَّدَهُ إحسانُكَ، واسْتَعْبدَه امتنانُكَ، فهو لا يعْدِلُ بكَ أحداً، ولا
(1/356)

يحُلُّ عنْ عِصْمَةِ تأميلكَ يدأَ، فإذا بعد عنْ جنابِكَ لمْ يَسُغْ له قرار، ولا اطمأنتْ به دار. وقد بعثهُ صدْقُ الانْقطاع إليْكَ، على حَسْمِ
العُلَقِ الموجِبَة لبُعده عن ظلِّ جناحِكَ، وأُنْس الْتِماحِكَ، ولمْ يبْقَ له في غير مكانِكَ، سببٌ يجْذِبُهُ، ولا
أملٌ يُصَدِّقٌه أوْ يُكَذِّبُهُ. وأنتَ بِمَجْدِكَ تُوالي اصطناعه، وتُراعي انْقطاعه، وتلحظُ بعينِ تهمُّمِك ضياعَهُ.
(1/357)

فصل ومن أحسن ما كتبوا في التهنئة من الكلام الرفيع والنثر المشتمل على كل معنى بديع:
ابن أبي الخصال:
سَكَنَ الزَّمان فلا يَد مذْمُومة ... للحادثات ولا سوامٌ تَذْعرُ
أطال الله بقاء الأمير الأجل، الملك الأكرم الأفضل، والبشائرُ إليه تسْتَبِقُ، والفُتوحُ في أَعْدائه تَتّسِقُ،
وأَلَوِيَةُ نصرِهِ تَخْفِقُ، ووُفودُ التَّهْنئةِ نحْوه تزْدَحِمُ، والحُتُوفُ على أقْتالِه تَقْتَحِمُ، والمنايا فيهم شرقاً
وغرباً تحْتَكِمُ، وسيوفُ الحقِّ في أوصالهم تُطَبِّقُ وتُصمِّمُ.
كتبتهُ، كتبَ الله لكم الذِّكْرَ الأرْفع، والسَّعدَ الأنْصع، والفضْلَ الأعَمَّ الأوْسع، عنْ دعاءٍ يرْفَعُهُ
إخْلاصٌ، وَوَلاَءٍ لا يضَعُهُ انتِقاصٌ، وشُكْر يسْتنْزِلُ النِّعمَ، كما يسْتَنْزِلُ العُصْمَ اقْتِناصٌ، واستمساكٍ بآيه
وظِلِّهِ الذي هو منَ
(1/358)

الأَيَّامِ مناَصٌ، وعلى الكِرامِ جُنَنٌ واقية ودِلاصٌ، وتَشيع في عُلاه، وتَسُرُّعٍ إلى
رِضاه. يكافئُ إحْسانهُ منه عموم واخْتِصاص. والله المليُّ بِتَتْميمِ ما يَعْجِزُ عنه الشكرُ، ولا يَبْلُغُ كنْهَهُ
الذِّكرُ. فقد أوْضَحَ لنَصْرِ الإسْلامِ سُنناً، وأبْلى المُسْلِمينَ والأميرَ المؤيِّدَ منهُ بلاءً حسناً، وأوْسعَ العُيُونَ
الساهرة قُرَّةً ووسناً، وأعاد الليْلَ، وقدْ كانَ مُعْتَرَكَ الهمومِ الوالِجة سكناً، بِمهْلك المارقين النَّاكثينَ الذين
جعلَ الله لِمَهْلِكهِمْ موعداً، (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا).
اطَّلعَ اللهُ عليهم فقَلاهم ومَقَتَهُم، وعمَّهُم، لاجْتِرائهم وافْترائهم، بعذابٍ سَحَتَهُمْ. لجُّوا في الضَّغَائنِ
والإصْرارِ، و (بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ). فتِلْكَ أنْواحهم في آفاقِ الديارمُرْتَقِيَةٌ، وأرْواحُهم في أطباقِ النَّارِ مُلْتَقِيَة، كادوا
الإيمانَ، وآسفوا الرحمن، وتقارَضوا الإفْكَ والبُهتان، واسْتَخَفُّوا الجهَّال، وأمَّلُّوا الآمال.
وما بَقَاءُ فلان الطَّريدِ المَلْعونِ، وقدْ فُجِعَ بخليلِه المفْتون، ورسولِه المجْنُونِ، وجمْعِهِ الذي أوْدَتْ به
رَحَى الحربِ الزَّبُونِ، ونَعى إليّه نفسه الخبيثة رأس الكفرة
(1/359)

غشتون. وصَمَدَ القَدَرُ إلى اعْتِرافِهم،
وشرعَ في خَفْضِ أعْلامِهم، وبَدَأَ بَنَقْضِ إبْرامِهم. فباطِلُهُم بائرٌ زاهقٌ، وآخرهم بأوَّلِهم لاحِقٌ، ونِظامهم
التَّالي في التَّناثُرِ مُتسابِقٌ.
فالحمد لله الذي ما شاء صَنَعَ، ولا مانِعَ لِما أَعْطى ولا مُعْطي لِما مَنَعَ، ذَكَّرَ المؤمنين بنعمته تخْويفاً
وتَحْذيراً، وأَذْهَبَ عنهم الرِّجْس وطَهَّرَهم تطهيراً. واستدرجَ الظالمين فاستكبروا في أنفسهم وَعَتَوْا
عُتُوَّا كبيراً حتّى إذا ذَلَّتِ الرِّقابُ وخَضَعَتْ، ونكَسَتِ الأبْصارُ وخَشَعَتْ، ومالَ البأْسُ بالرَّجاء،
وضاقتْ بما رَحُبَتْ فسَحاتُ الأرْجاء؛ تدارَكَهم منه الجميلُ وصَفْحُهُ، وجاءهم نصرُهُ العزيزُ وفتْحُه.
وكم قدْ رأَيْنا السُّحُبَ قاسِيَةً جامِدَة، والأرْضَ خاشعَةً هامِدَةً، فمَنَّ بِنِعْمَتِهِ المَطَر، وتلاحقَ اليُسْرُ منْ
أمرِه واحدَةً كلمْحِ البصرِ. فإذا آثار رحْمةِ الله قدْ وَضَحَتْ وتَبَيَّنَتْ، والأرْضُ قدْ أخَذَتْ زُخْرُفَها
وازَّيَنَتْ.
(1/360)

حكمةٌ من الله بالِغةٌ، ونِعْمَةٌ في طَيِّ المكْروهِ سابِغةٌ. فلَوْلا الكدَرُ ما عَذُبَ الصَّفْوُ، ولوْلا الذَّنْبُ لما
عرِف العَفْوُ. فهَنيئاً للأمير الأجَلِّ، المَلِكِ الأفْضلِ ما ارْتداه في تِلْكَ المواطنِ من النَّصْرِ، وأُفْرغَ عليه
من الصَّبْرِ، وانْتَشَرَ لَهُ منَ الصيتِ العالي والذِّكْر. فلقد أَلَفْاهُ الأمير أَيَّدَهُ الله في تلكَ الشدائد أشدَّ رُكْنٍ،
وأَثْبَثَ رِدْءٍ. ولَقد كافَح عنْ مُلْكِه، ودرأَ عنْ سُْطانه أكْرَمَ دَرْءٍ. دافع الله له عنْ حَوْبائِهِ ومَتَّعَ دولتهُ
الغرَّاءَ بمشْهده السامي وغنائه، وجزاهُ منْ نصيحته الحفية، ومُوالاتِه الصريحة الوفيَّة أحْسنَ جزائِهِ.
مكان القوْلِ - أيَّدَهُ الله - مُتّسِع، ولسانُ البيانِ عنْ غايَتِهِ منْقَطِع. وحَسْبيَ اعترافٌ بأيادِيهِ، وخِدْمَتي
تَقْتَضي حقَّ ناديه، والله تعالى يُظْهر أمْرَه ويُعْليه، وعلى أكرمِ ما عوَّدَه يُجْريه.
وأقرأُ على حضرتِهِ الجليلة أرْفعَ التَّحِيَّاتِ وأَوْفاها، وأَبَرَّها وأَتْقاها، وأَدْوَمَها وأَبْقَاها. ثُمَّ السلامُ
المُضاعَفُ المُرَدَّدُ، الموالي المُجدَّدُ عليها ورحمة الله.
وفي المعنى لأبي عبد الله بن أبي الخصال:
كتابُنا بعد صَدرِنا عن الغزو الذي نحن فيه. والحمد لله بين أمر جميلٍ، وصنيعٍ جليلٍ، وعَمَلٍ مبرورٍ
يُرْفعُ، وسَعْيٍ مشكورٍ، يُضْمَنُ لصحائف القبول ويُسْتَوْدع.
ونحن نشرحهُ لك حسبَ اتفاقه، ونسوقُ القول على اتِّساقه، لتتلقى فَضل الله بما تلَقَّيْناهُ منْ شُكْرِهِ،
وتُقدِّر صُنْعَهُ الكريم حقَ قدره.
فكانت وِجْهتنا هذه - تقبلها الله - معْقودةً أوَّلاً على قصد العدوِّ المنيخ على
(1/361)

(طُلَيْطُلَة) - أعادها الله
- لرفعهِ عن عُقْرها، ودفعه عن أُفْقِها وقُطْرِها، إذ كان الدفاعُ عنْ أهلِها من قواعد الصُّلْحِ وعُقُوده،
وشروطِ السَّلْمِ وعُهوده. فترامت إلى العدوّ - دمره الله - الأنباءُ بازْدِلافنا إليه، وَوَرَدَتْهُ عُيُونُهُ بِمَقْدَمنا
عليه، فاستشعرَ الخوفَ رُوعُه، وفُضَّ بمَهابَتِنا جَمْعُه، ووردنا الخبر بقفوله، ونحن إذ ذاك لم نتعدَّ
(غافق) - حرسها الله - فهناك عقدنا الضمير على النُّفوذِ لوجْهَتنا، والتمادي في غزوتنا، حتى نطَأ
بلاده وطء مُقَيَّد، ونُعيد مصانعها كالطريق المُعَبَّد، فسرنا حتى وافينا (قَلْعَةَ رباح) - حرسها الله -
فوصَلَ إلينا بها كتاب عاملِ أرِيليَة
يذكر أن الجمع المنفصل آنفاً عن (طُلَيْطُلة) تأَلَّفَ مرةً في حفل، وأقبل يُريدُ غدرَ مِسْطاسة في ثلاثة
آلافٍ، بين خيلٍ ورَجلٍ، ودنا حتى اضْطَرَبَ محَلَّتهُ بوادي الرَّمل فاستَخَرْنا الله على قصده، واستعنَّاه
(1/362)

سبحانه على حطمه، وصمدنا تِلْقاءهُ، وصَمَّمْنا لا ننوي إلا لقاءهُ، ووصلنا نحوه السيرَ فأدْرَكْناه،
وحثثنا السعيَ وواليْناه، حتى لَحِقْناه بِدارِ الفائزَةِ، فبِتنا بها ناجزينَ لبَيَّتِنا، عامدين لِطَيَّتنا.
فَوَرَدَ أيضاً كتابُ عاملِ أريلية المذكور، وأنَّ هذا العدُوَّ المُحْتل بوادي الرَّمل أسرَ رَجُلاً من أهلِ
أريلية فحدَّثَهُ بما أرَدْناهُ، وأخبرهُ بقصدنا إيَّاه، فكعَّ عن المصامدةِ، وضَعُفَ عن المُقاومةِ، ونكَصَ على
أَعْقابِه، ورأى أنّ وَجْهَ الحزْمِ في انْقلابِه. فحَمِدنا الله تعالى على ما أوهَنَ منْ كَيْده، وأضْعف منْ أيده،
ورأينا عندما صحَّ لدينا من خبره وتبيَّناه من صَدَره، أن نجْعلَ الغزوَ إلى جِهَتيْ مَكَّادَة وشَنْت أولاليه،
فَتَقَدَّمْنا نحوهما، ويَمَّمْنا بينَ أفْقهما، فقدَّمنا بين أيْدينا من العسكر - أنماه الله - أَلْفاً وخمس مائة
فارسٍ، تُصْبِحُهم مُغيرة، وتحلُّ بهم دائرة مبيرة، فصبّحوا مكادة وأحْرقوها من جميع جهاتها، وشنوا
الغارة على، ذواتها، واكتسحوا ما وَجَدوا من غنيمَتِهم، واسْتَوْعبَ القتْلُ والأسْرُ من أَلْفي خارج
مدينتهم، ثمَّ تلَوْناهم نحن في جمعنا
(1/363)

الموفور، ولوائنا المنصور، فقدَّمْناها فما اضطربنا الأبْنية، ولا
نصبنا الأخْبية، حتى دمّرْناها تدميراً، وجعلناها هبَاءً مَنْشُوراً. ودام أعداءُ الله ثُبوتاً فرشقَتْهم السهامُ،
وطالعهم الحِمامُ، واشتدَّ عليهم القتالُ، وضاقَ بهم المجالُ، حتى دُخلت المدينة عليهم منْ أبوابها،
وألجأهم الحَصْرُ إلى الترقي في أسبابها، والتعلق بذَوائبِ قِصابها، واسْتُبِيحَ حمى المدينة بأخْلائها،
واستولى السبي والحريقُ على أرْجائها، وصارَ أمر أعداء الله آخراً إلى أن تحزبوا بالقصبة لمنعتها،
واعتصموا بذِرْوَتها وعقْوتها، وكانوا عدداً جمَّاً لا طمعَ لنا في غلبتهم إلا في الأمد الطويل، والاستعداد
الجليل. فأمسكنا عنهم بعد أن جدَّ عليهم البلاء، وأخذ القتل منهم والسباء، ومس كثيراً منهم القُرْحُ،
وأثْخَنهُمُ الجُرْحُ، وخلال محاولتنا أمر مكادة أنفذنا إلى شنت أولاليه من عسكرنا، وقَّره الله، من
عاجلها بالحَيف، وتقبَّلها بالسيفِ، فقتل رجالها، وأسر عيالها، وألحقها مُلْحَقَ أختها مكادة في التغيير،
والحريق المُستطير، وصدر عنها، وقد زلزِلتْ قواعدها، وخرِّبَت معاهدها، وعوجلت بقطع الدابر،
وغودِرتْ كالرسمِ الدَّاثر، وتُرِكت تنوء بالجَدِّ العاثر. وحين فراغنا من حطْمِ تلكَ الجهات، وتدويخ تلك
الساحات، أخذنا في الصدر باللواء منشوراً، والجمع موفوراً، والفَتْح يُشْرِقُ نوراً، فأُبْنا، وبلاءُ الله
عندنا حسن جميل، وظلّ السلامة على الأولياء ممدود ظليل. والحمد لله على ما عرَّفنا من الظَّفَر،
وسوغنا من الغُنْمِ الأوفر، حمداً يتكفل بمزيد النِّعم، ويقتضي دوامَ صُنعه الأكرم. لاَ رَبَّ غيره.
(1/364)

وطالعناك لتأخذ من النعمة المتجددة بقَسْمك، وتضرب فيها بسَهْمك، وتَبُثَّها هنالك، حتى يَسْتَوي
الأولياء في ذلك، وتبلغ سلاماً عميماً ورحمة الله.
وكتب أيضاً في المعنى:
كتَابُنا، كَتَبَ الله لنا ولكم، مِيسَمَ الظُّهورِ، واضِحُ الطريقَةِ مُسْتَقيماً، وعرَّفَنا وإيّاكم صُنْعه الجميل،
شامل المَبَرَّة عميماً، وتَمَّمَ علينا وعليكمْ في عصمة الأوْلياء، والنَّصر المؤزَّر على الأعْداء نِعْمَتَه
تَتْميماً، وأوْزَعَنا منْ لَطائِفِ ذِكْرِهِ، ووَظائفِ شُكْرِهِ، ما يسْتمِدُّه لزيماً ويَسْتصْحِبُهُ مُسْتَديماً.
منْ فُلانَة - حرسها الله - ونحن نُمَهِّدُ لنشر سُنَنِ الله تعالى وآلائه، وذكرما أوْلاه منْ حُسْنِ بلائهِ،
ونُصلي على محمد خاتِمِ أنْبيائهِ، وعلى صحابته الأكرمين، وأهل بيته الطاهرين، صلاة تقتضي حقَّه
وحقَّ أصفيائه، وتَسترُ في البرِّ بِتَمامه ووفائه.
وبعدُ، فإنَّ الله جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، وعزَّتْ لأوْليائه نُصْرَتُهُ، وسمَا الدينُ القَيِّمُ وأُسْرتهُ، وجعَل لهم على
أعْدائهم (لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)، وخَذَلَ مَنْ كانَ للشيطان وليَّا، ووعدَ - جَلَّ وتعالى - وكان وعدُهُ مأتياً، وأمرهُ (حَتْمًا مَقْضِيًّا)،
لَيُحْضرِنَّهم حول جهنَّم جُثِياً، و (لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا)، ولا أغْنى مِمَّن عمَّ شَرُّهُ العباد، وأَظْهَرَ في الأرضَ الفساد،
(1/365)

وردَّ عنْ سَننه اللاَّحبِ الجهاد، ومنعَ خيل أوْلياء الله الجهاد. فسبيلُ هَلَكَتِه - بحمد الله - قدِ انْتُهِجَتْ، وجِدَّةُ
شياطينِهِ قد أُخْلِقَتْ - بحول الله - وأَنْهِجَتْ، وما اشتدَّتْ أزْمَةٌ على منِ اتَّقى الله إلا انْكَشَفتْ
وانفرجتْ، ولا أيْنَعتْ للباطلِ أيْكةٌ إلا اجْتُثَّتْ بيدِ الحقِّ عُرُوقُها بعدَما وشجَتْ. فَسُيوفُ أوْلياء الله تأخُذُ
من أعْدائه فوْقَ ما تدع، ويُفرِّقُ منهم ما كانَ الطُّغيانُ يجْمَعُ، وكتائبُ الإيمانِ دأْباً تَحْصُدُ ما ينْميه
الكُفْرُ ويَزْرَعُ، ودونَكم - أعزَّكم الله - منْ متجدد الوقائع فيهم فتحاً مُبيناً يُشْرقُ لأْلاَؤُه ويَسْطَعُ،
ويروقُ منه المرأى المبْهِجُِ والمسْمَعُ. فُتُوحٌ - بحمد الله - تتبارى، وإقبالٌ سافِرٌ لا يتوارى، وحُجَجٌ
عاليةٌ يُسَلِّمُ لِبُرْهانها الساطعِ منْ يتمارى، وما بين تلك الوقائع التي طحنتهُم رَحَاها، وبين هذه التي
صليَ بحرها منْ أمَّها ونَحاها، إلا عشيةٌ أوْ ضُحاها. فنُفُوسُهم بتقاضاها الإصباح والإمساءُ، ودِماؤُهُم
تُحْقَنُ بإراقَتِها في حقِّها الدِّماءُ، وتروى منها كلَّ يومٍ القُلوبُ الحِرارُ والأسلُ الظِّماءُ، وتُؤدي إلى
الطاعة الضافية فيها الهيْجاءُ، (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ). وإنّما صارَ إليهم الأمير الأجل، ولي العهد، مَكَّن الله ظفره، وخلَّد
في كلِّ صالحة أثره، تحت جناحِ ليلٍ، وفي سَرْعَانِ خيل، وخفَّ معه منَ الأبطال كلُّ ساحبِ ذيلٍ،
وطالِبِ نيل، فادرعوا معه السُّرَى، وخلَّطوا نار الحرب بنار القِرَى، (وسقط العشاء بهم على أسودٍ
شَرَى)، فجادت بأنْفسها أحسابٌ للصيانة تتَبَدَّلُ، وحَرِصوا على الموتِ فَوُهِبَ لهم العُمْرُ الأطول،
واستوى في الذَّبِّ عن الدين المُكره والبطل، وكشفَ الله
(1/366)

تلكَ المارِقة المثيرَة، وقد اخترِم منها نُفوسُ
أثيرَة. وكم منْ فئةٍ قليلَةٍ غلَبَتْ فِئةً كثيرة.
وآب الأمير - أيده الله - ومنْ معه منْ حِزْبِ الله الغالبينَ، غالِبين - بحول الله - ظاهرين. وقد
كفى الشاهدينَ والغائبينَ، وهذه - أعزَّكُم الله - مِنَنٌ تتْرى عليكم وُفودها، وتُؤدِّيها
إليكم بيضُ الليالي وسُودُها، وتَقْذِفُ بها إلى الأغوارِ طبقاً عنْ طبَقٍ نُجُودُها، ومنْ حقِّ منْ يسهر
لِكَرَاكُم، ويتَهَمَّمُ ببشراكم، ويحدوكم إلى الدُّعاءِ الصالحِ بذكراكمْ، ويَلْحَظَكمْ على البُعْد بعينِ رِعايَتِه
ويراكم، أنْ تُمَهِّدوا له - أعْلى الله يَدَه - فلأنفسكم تُمَهِّدون، وفي مصالِحكم تَجْهَدونَ، وأكرم مسؤولٍ
تَسْألُونَ، وأنْتُم تَقْرَأون وتتْلُون (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
يسَّرنا الله وإِيَّاكم لإخْلاصٍ تَنْفَعُ فضيلَتُهُ، ولا تُرَدُّ وسيلتُهُ، وتَصْدُقُ بوارِقُهُ، ولا تَكْذِبُ مخِيلتُه،
بوجوده ومجْدِهِ، ويُبَلِّغُونَ - أعزَّكم الله - سلاماً كثيراً أثيراً. ثمَّ السلامُ المجدَّدُ المُردَّدُ عليكمْ ورحمة
الله وبركاته.
وكتب أيضاً إلى بعض الأمراء:
عاد الرئيس إلى الأمير كما ارْتَضى ... ومضى مَضاء المشرفيِّ المنْتضَى
ظَفِرَتْ يداه بكوكب سَنَّى له ... في كل مظْلمة طريقاً أبيضا
ورمى به أغراضه فأصابَها ... وكَأَنّما كانتْ ديوُناً تُقْتَضى
أطال الله بقاء الأمير الأجلِّ، الملكِ الأعزِّ الأفضل. وسعوده تَنْتَظِمُ، وَوُفُوده
(1/367)

تَزْدَحِمُ، ووقُودُهُ يشِبُّ ويضْطرِمُ، وسيُوفُهُ في رقابِ الأعادي تحتكمُ. ولازال اليُسْرُ منْ رواده، والنَّصر من أَمْدادِه، والعيثُ
بين عاتِقِهِ ونِجادِهِ.
كتَبْتُهُ، وقدْ أَرْسَلَ منْ عِنانى، وأَطْلَقَ لساني، ومدَّ منْ يدي وبَناني، ونَوَّرَ أُفُقي وجَناني، وُرُودُ عِلْقِهِ
الأخطَر، ووافِدِهِ الميْمون المنْظرِ، وحُسامِهِ الذَّكرِ، وولي أيامِهِ الأفصحِ الأكبر، وسفيره في كل إقبالٍ،
ورسوله في كل أمر ذي بالِ، الرئيسِِ الأجلِّ، الزَّعيمِ الأوْحدِ الأفْضل، أبي فُلان ذي الشيَمِ الزُّهْرِ،
والأخْلاقِ الغُرِّ، أحسن الله ذكراه، وشكر تأْدِيبَه وسَرَاه، وحفظَ بهِ مجْدَهُ وعُلاه، وتَمامَ أدواته الباهرةِ
وحُلاه. فهنَّأه الله بالنعمة الجليلة في إيَّابه، وأرْصَدَ له مُكافآتِ جدِّه وانْتِدابِهِ، ولا زال عنْ ملْكِهِ نائباً،
ولِسَعْده صائباً، وبنَصْرهِ ضارباً وبِيُمْنِِ نقيبَتِهِ غالباً.
ولمَّا كانتِ التَّهْنِئةُ بوُرُودِهِ منْ فُروضَ خِدْمَتِهِ، وحُقُوقِ نِعْمَتِهِ، وأدْنى القُربِ إلى هِمَّتِهِ، نفثْتُ بهذه
الرُّقْعة على الهَرَم، ورَسَمْتها في ضوء مصباحٍ يهدي بصري في الظُّلَمِ:
وإنَّ سِتِّينَ إلى أَرْبَعٍ ... قدْ أحْوجتْ عيْني إلى تُرْجُمانْ
وفي لِساني إنْ نبا ناظري ... خيرٌ كثيرٌ وبِحَسْبي لسانْ
أدْعو إلى اللهِ وأُثْني به ... على الأميرِ اليُوسُفِيِّ الهِجانْ
أيْنَ الذي كانَ له المَغْربان ... طُرَّا وقدْ دانَ له المَشْرِقانْ
لازالتْ دعْوتهُ عالية، وفُتُوحُهُ متَوالية. والسلامُ الأتمُّ المُردَّدُ على حضْرَتِه العالية، ورحمة الله
وبركاته.
(1/368)

وكتب غيره يهنئ بِأَخْذِ معقل:
جِراحَةُ الأيامِ - أيَّدكَ الله - هَدَر، وجِنايَتُها قدر، وليس للمرء حيلة، وإنَّما هي أَلْطافُ الله جميلَة،
تَسْتَنْزِلُ الأعْصَمَ منْ هضابِه، وتَأخُذُ المُغْتَرَّ بأثوابه، أحْمَدُهُ عوْداً وبدْءاً على النِّعْمة التي ألْبَسَكَ
سرْبالَها، والفِتْنَة التي أَطْفَأ عَنْكَ اشْتِعالَها، والرئاسة التي حَمَا فيها حِماك، ورَدَّ خاتَمَها إلى يُمْناك، وقدْ
تَناوَلته يدٌ خَشْناء، فاستقالته يدك الحسناء، فلم يكنْ عِنْده أهلاً لتِلْكَ البنانة، ولارآهُ شكلاً لخِنْصِر
الخِيانَةِ، والأعناقُ تقطعها المطامع، والنِّفاقُ يستو عرفيه الطامع فأَقرَّ الله عزَّ وجَلَّ الحال في نصابها،
وأَبْرزها في كمالها تَتْرى بين أترابها، ووضعت الحرب أوْزارها، وأخْفَتِ الأُسودُ أَغْيالَها، وزآرها،
ومنْ كانتْ مذاهبُه كمذاهبِك، وجوانِبُهُ للسلامة كجوانِبِكَ، أعْطتهُ القُلُوبُ أسْرارها، وأعْلَقَتْهُ المعاقِلُ
أسْوارها، وانْجلتْ عنْهُ الظَّلْماءُ، وأكْرَمَ قرْضَه الجزاءُ، فلْيَهْنِكَ الإيَّابُ والغَنيمة، وهُما المِنَّةُ العظيمَةُ،
ولْيكُنْ لهُما منْ نفسك مكانٌ، ومنْ شُكْرِِكَ لله بالموهبة إعْلان، وأمَّا حظِّي منها، فحظُّ مسْلُوبٍ أَمْكَنَهُ
سلَبُه، وذي مشيبٍ عاوَدَهُ شبابُهُ وطرَبُه، ولما اقترنالي كانا مُعْظَمَ آمالي، وَعلِمْتُ أنَّ بِهِما زوال
الخِلافِ، وتَوَطَّؤَ الأكنافِ، وأنَّ بالصَّدرِ تَبْتَلِجُ الصُّدور، ويَبْتَهِجُ
(1/369)

السُّرور، بادَرْتُ إلى توْفيةِ الحقِّ لك،
وتَعَرَّفت الحال بكَ، مُشَيِّعاً بالدُّعاء في مزيدِكَ، ضارِعاً في الإدامَةِ لِتأْييدِكَ، فإنَّ الوقتَ إساءة وأنت
إِحْسانُهُ، والخيرَ عَيْنٌ وأنتَ إِنْسانُه. والسلام.
وفي المعنى لأبي نصر:
أَطال الله بقاء القائد الأعْلى، ونُجُومُ السَّعْد في سمائهِ مُتَّقِدَة، وأَفْئدَةُ المجْد لِعلائِهِ مُعْتَقدة، ولازالتِ
الأيامُ تطْلُعُ به سروراً، وتَدَعُ الدِّينَ بهِ مسْروراً. فقدْ ألبس الإسلامَ ظهوراً، وجعلَ يومه مشهوراً. وما
تزالُ عزماتُ القائدِ الأعْلي فائزاتِ القدح المُعلى، فإذا رمى غرضاً قرطسهُ، وإذا أمَّ عَلَماً نَكَّسهُ، وإنْ
قاتَلَ كتيبَةً كتَبَ إليْها من المنايا كتُباً تقَعُ عَلَيْها وتَسْقُطُ، والبيضُ تَشْكُلُها، والأسنَّةُ تنقط. ورُبَّ يومِ
هياجٍ الْتَهَبَتْ جوانِبُه بتوْقُّدِ الهجيرِ، وحامَتْ كُمَاتُهُ على نهرٍ أوْ غدير. والقَتامُ قدْ تكاثَفَ كحاثِر
الأنْفاسِ، وترادَفَ فمَنَعَ منْ تداني الأشخاص. والأسنة تبدو كأنَّها أنْجُمُ السماء، والسُيُوفُ تَلُوحُ كأنَّها
جداوِلُ ماءٍ، فأوْرَدهم منها غُدُراً، لم يُطيقُوا عنها صدراً، وثنى إليهم قنا أَطْرافِها قِصَدٌ، وكأنَّها في
سماءِ النَّقْعِ للكماةِ رَصَد، فَصَبَّحَ قُلْمُرية بكل فتى كالحُسامِ المُهَنَّدِ، طويل نجاد السيفِ رحْبِ
(1/370)

المُقَلَّد، فحالَ بسيطَها بالغارة الشّعْواء، وأراها بأنَّه منسجمُ الأهواء. فقد أحْماها وهو مُباح، وأرْواحُ فوارِسها
تُسْتَباحُ، فكَأنَّ وميضَ بيضِهِ بُرُوقٌ وخواطِف، وهاماتهم أزْهارٌ وهْوَ قاطِف، ولله عقائلُ منْ سبْيهم
زُفُّوا إليه، ولمْ يَخْطُبُهُنّ إلا بحرابِه، ولا أُولِمَ لَهنَّ غيرُ طعْنِه وضِرَابِه، فبرزْنَ في يومٍ مهول، ينْظُرْنَ
نظرَ ذهولٍ، وقد نشَرْنَ الغدائر حزْناً، وأَسْبَلْنَ المدامِعَ مزْناً، والشُّموسُ لهنَّ حواسِد، وهنَّ لديه ملقيات
كواسد. ولا بطل يرنُو إلى كاعِبٍ، وسيفُه في يده كمِخْراقِ لاعب، فَعُدْنَ مُعَطَّلاتٍ حتى منَ التَأمُّل،
وأَبْدَيْن الكآبة لمَّا ضعفْنَ عنِ التَّجمُّل. وكم منْ خَوْدٍ كانت عن الحرير مرْتَفِعَة، وصوناً عن الشمس
مُتَلَفِّعة. بدتْ للعيُونِ، واكْتَسَبَت ملابسَ هونٍ، فَزِعَتْ بالويلِ، وسعتْ بين أرجُل الخيل. لم تلْقَ حافِظاً،
ولمْ تَر بالحَثَرِ لها لاحظاً. فأَرْضُ الرُّوم منْ وقائِعِ القائِد الأعلى قد اخْتلِسَ فُؤادُها، ويَئِسَ من استقلالها
عُوَّادُها، فلازالتِ الدولة به مَحْمية الأقطار، مقضيَّةَ الأوْطارِ، تَتَوالى عليها الفُتُوحُ توالي العهادِ على
الرَّوْضِ، والوِرادِ على الحوض.
قوله: (في هذا المزدوج كحاثر الأنفاس وتداني الأشخاص) جمع فيها بين السين والصاد، لأنهما من
مخْرج واحد، وهو المٌخْرج التاسع من مَخَارج الفم، ولا شتراكهما في الصَّفير والهمْس؛ فالجمع بينهما
في مثل هذا جائز، كما فعل الراجز حيث يقول:
(1/371)

يَا أُمَّ عمرو عَجِّلي بِقُرْصِ
وَعَجِّلي قَبْل طُلُوعِ الشمسِ
وخبزة مثل جُماءِ التّرسِ
أنشده أبو علي في كتابه (المقصور والممدود) عن ابن الأنباري عن أبي العباس عن ابن الأعرابي.
وله في المعنى:
كتابُنا - أبقاكم الله - والمَسَرَّاتُ تَرِدُكم، والخيراتُ تعتمِدُكم، يوم كذا من شهر كذا، وقد فتحَ الله لنا
وللمسلمين، وشفى بنصره صدور قومٍ موُمنين، وأَورثنا أرض الشركِ وما كُنَّا لها وارثين. وشرحُ ذلكَ
أنَّنا خرجْنا ذائبين عنْ هذا الدين أنْ يُسْتَباحَ، وحامِين لحماه أنْ يُباح، فنفرْنا خفافاً وثقالاً، وما حللنا
الموثِق عقالاً، إلى أنِ احْتللنا بلاد الروم وهي آمنة تحسبُ أنَّها لا تُراع، وساكنةٌ لم يُحرِّكها قراع، قد
انتشرَ أهْلُها انتِشارَ سوامِها، فروِيتْ آمالُ المُسلِمينَ بعد أُوامها، وظَلُّوا يَسْتاقونَ النعمَ، ويُوافُونَ المَغْنَمَ
الأعمَّ، حتى وافينا قاعِدَتهم العُظْمى، وقدْ تسامَت عن الحوادثِ فما تخْشى لها إناخَة، وصمَّتْ عنِ
الكوارثِ فما إليْها إصاخَة. فرأيْنا مَعْقِلاً لا يَبْلُغُهُ النَّجمُ، ولا يُصيبُه منهُ رجْمٌ،
(1/372)

أشبَ الجوانب، مُنْسرِبَ الذِّوائبِ، قد اخترقتِ الجداوِلُ ساحاتِه، ودَبَّجَتِ الأزاهِرُ مساحاته. وأدْواحُه تنعَطِفُ في أكُفِّ الرِّياحِ،
وتكادُ تنْعَصِفُ منَ الارتياحِ، قد نشرت ورقها ذوائبُ الحِسانِ، وزهرتْ لتَأميلِها كأنّها زهرةُ بُسْتان.
فرأيْنا روْضاً تروقُ، وأرْضاً كأنَّما خلع عليها الشُّروقُ، فضربتِ المَحَلاتُ بها مضارِبها، وأخَذَتْ
جوانِبَها كلها مشارقها ومغاربها، فلمّا رأى أهلُها ذلك سُقِطَ في أيديهم، وحَلَّ البلاء في ناديهم، فلم يَبْرُزْ
منهم ذلك اليوم أحدٌ، وصارَ الرُّعْبُ بيننا وبينَهم حدٌّ، فَبِتْنا بعد أنْ هَدَمْنا صوامعها والكنائس، وخَلَعْنا
أَلْسِنَةَ تِلْكَ النَّواقِس، فلَّما بدا منَ الفَجْرِ سُفُورُ، ونشَرَ للصُّبْحِ كافُور، برزَ لنا منها أُسُودٌ على عِقْبَانٍ،
وجُرْدٌ كأَنَّهم الكُثْبانُ، ونحنُ مسْتلِمونَ بالسلاحِ، مُعْلِنُونَ بدعوة الفلاح. فحملوا علينا حمْلةً ظَنَنَّا أنَّ
الجبالَ إلينا زاحفةً، وكادتِ القُلُوبُ منها تعودُ واجِفَة، فصبرنا لحرِّ طعانِهم، وتجرَّعنا مرارةَ مُرَّانِهم،
وأَقْبَلْناهُم وجُوهاً تتهَلَّلُ إذا عَبَسَ الحُمَامُ، وأَنْفُساً تتجَلَّدُ كلَّما عضَّها الحُسامُ. فتَجَرّعْنا الغَصصَ
وتَجَرّعوا، وأَشْرَعْنا إليهم مثْلَ ما إلَيْنا أشْرعوا، وتواقفْنا طويلاً وقدْ حَمَتِ الصُّدور، وكُؤوسُ المنايا
تَدُور، وعزائمُ البأسِ تُنْتَضى، والأرْواحُ تُقْتَضى، إلى أنْ صدقَ المُسْلِمونَ في الجِلادِ والطعانِ،
وحملوا عليهم كأنَّهم العِقْبان، فوَلَّى المُشركونَ أمامَهم مُنْهَزِمينَ، وتَوَلاَّهم المسلمون بالسُّيوفِ مُلْتَزِمينَ،
ووقفوا لهم دونَ المعقِل فلمْ يكنْ لهم مَنْفذ، وما نجا منهم ولا فذّ. وتَحَصَّلَ للمُسْلِمينَ منْ دوابِّهم
وأسْلابِهم ما اسْتَوْفروهُ حظّاً، وأَقَرُّوا به لَحْظاً، والحمد لله ربِّ العالمين. وصلى الله على محمدٍ خاتم
النبيين.
(1/373)

وله في المعنى:
أطال الله بقاء الأمير الأجلِّ للأرْضِ يتملَّكُها، ويستديرُ بسعْدِهِ فلكُها. قدِ اسْتَبْشَرَ الملك - أيّدك الله -
وحقّ لهُ الاستبشارُ. فقد أوْمأ إليه السَّعْدُ وأشارَ، بما اتَّفقَ له منْ توْليتِكَ، وخَفَقَ عليها منْ أَلْوِيَتِكَ.
ولقدْ حُبِيَ منْكَ بملِكٍ أمْضى من السَّهْمِ المُسَدَّدِ، رحْبِ المُقَلَّد، يتقدَّمُ حيثُ يتأَخَّرُ الذابِلُ، ويُكْرَمُ إذا
بَخِلَ الوابلُ، ويحْمي الحِمى كربيعَة بن مُكَدَّم، ويسقي الظبى نجيعاً كلونِ العنْدَمِ. فهنيئاً للأنْدلس، لقد
استردتْ عهد خُلَفَائها، واسْتَجَدَّتْ رُسومَ تلكَ الإمامةِ بعدَ عفائها، فكأنْ لمْ تَمُرَّ أعاصيرُها، ولمْ يَمُتْ
حَكَمُها ولا ناصرُها اللذان عَمَرا رُصافة والزَّهْرا، ونكحا عقائل الرومِ. وما بذلا إلا المشرفيَّة مهراً.
والله أَسْأَلُهُ إظْهارَ أيَّامِكَ، وبه أرْجو انتشارَ أعْلامِكَ، حتى يكونَ عَصْرُكَ أجْمَلَ من عَصْرِهم،
ونصرُكَ أغْربَ من نصْرهم، بمَنِّهِ وطَولِهِ.
وكتب أبو بكر بن عمار إلى المعتمد بن عباد عند منصرفه ظافراً من غزوة بهذا المنظوم:
(1/374)

بُشْراكَ قدْ كمُلَتْ لنا بُشْرانا ... وهَناكَ ما بِكَ سَرَّنا وهَنَانَا
فتْحٌ فتَحْتَ بهِ افتتاحَكَ للهدى ... وجعلتَ من مربلَّة عُنْوانا
ظَلَّلْتَ منْ شَجَرِ العَوالي دِيننا ... ورقمت منْ روضِ النَّدى دُنْيانا
حَمَلَتْنا تِيجانَ سعْيِكَ للهُدى ... فلْتَحْمِلَنْ منْ شُكْرنا تيجانا
أجْنَيْتَنا ثمر المنى منْ دَوْحةٍ ... لم تتخِذْ غيرَ الوغَى بُسْتانا
فتْحاً تقلَّد بالسيوفِ جواهراً ... قد فصلتْ بدم العِدى مَرْجانا
خلعَت به كفُّ السُّرُورِ على المُنى ... بُرْدَ النَّجاحَ مُطَرَّزا رضوانا
وسَرى نسيمُ النَّصر في غُصن العُلا ... فاهتزَّ حتى خِلْتَهُ نشوانا
لله حاجِبُكَ الذي جرَّدته ... سيفاً إذا نبتِ السيوف أبانا
غصنٌ من العَلْياء أبدى روضة ... وطُلىً وأَثَّرَ حُسْنُهُ إحْسانا
قمرٌ أعَدَّ من الجوادِ لحربه ... فُلْكاً ومنْ حِلَقِ الدروع عنانا
ماءٌ إذا عنَتِ العداةُ فإن عَنَتْْ ... نارٌ تُثيرُ من العجاجِ دُخَانا
أهْدى نسيمُ الفتْحِ منْ روْضِ الظُّبا ... غَضّاً يُعَطِّرُ حِمْصنا أرْدانا
وجلَى عَروسَ المُلْكِ لم ينقُد لها ... في المَهْرِ إلا مُرْهَفا وَسِنانا
عُرْسٌ يعودُ على عدُوِّكَ مأْتماً ... ومسَرَّةٌ تُهْدي له أحْزانا
غَنَّتْ بهِ في دوحِ حمصَحمائمٌ ... نعبتْ على غرناطةٍ غِرْبانا
(1/375)

عجَباً لواهي الحبْلِ في صنْهاجةٍ ... ضاهى متينَ الحَبْلِ في قحطانَا
أسْرِعْ لصرعته أبا عمروٍ فقد ... قدَّتْ لَهُ كفُّ الرَّدى أَكْفانا
أيُّ جاريكَ العلا طرفاً ولمْ ... تَتْركْ ظُباكَ لراحَتَيْهِ لَبانا
هَوِّنْ عليكَ فكم جموحٍ قبْله ... ألْجَمْتَهُ هذا الحسامَ فَلانا
وارتَعْ وإنْ تَبْغِ ارْتِياحَكَ منهمُ ... فلقد قبَضْتَ نُفُوسَهم أثمانا
سيُنيرُ رُمْحُكَ كوْكَباً ترمي بِهِ ... من نجْلِ إسحاقَ الرَّدى شيطانا
ويشبُّ سيفُكَ في الوغى ناراً تُقَرْ ... رِبُ رأْسَ باديسٍ لها قُرْبانا
قدرٌ من الله العظيم مُعجَّلٌ ... منْ يستطيعُ دفاعَ ما قدْ آنا
أَبْشِرْ فقدْ لاحَ الصباحُ لناظرٍ ... ورأوا لمُلْكِكَ فيهمُ بُرهانا
إنْ كُنْتَ منْ لخْمٍ وسُدَّتِهمُ فقد ... سادَ النبيُّ محمدٌ عدْنانا
ولئن تملكْتَ الزَّمانَ فإنَّما ... أعْطيتَ حقَّكَ فيه لا عُدْوانا
أنتَ القريبُ من النُّفوسِ محَلَّة ... هذا وإنْ عرَّشْتَ في كيوانا
والله لا صُححَتْ أيْمانُ امرئٍ ... حتى يُصححَ حُبُّكم إيمانا
(1/376)

إنْ كنتُ معتقداً هواكمْ مِلَّةً ... فلقدْ تلوتُ بمدحكُمْ قُرآنا
كيف السبيلُ لشكرِمَا أوْليْتَنَا ... ونَدَاكَ أفحم من أعدَّ لسانا
حَمّلتنا ثمرَ الأيادي مُفْضَلاً ... أشْفِقْ فقدْ أثقَلْتنا أَغْصانا
أمْطرْتَنا سُحْبَ المكارم ثرَّةً ... أمْسِكْ فقد خوَّفْتَنا الطُّوفانا
لا صُبْحَ أشْرَق منْ جبينِكَ في وغىً ... قد حيَّرتْ في ليلها الأجْفابا
أحيانُ تصدُرُ عنْ أعاديكَ الظبا ... وِِرْداً وَقَدْ أوْرَدْتها سَوْسانا
في مجلسٍ أَجْريتَ فيه دماءَهم ... راحاً جعلتَ لها القنا رَيْحانا
ياأيُّها الملكُ الذي عهدي به ... منْ كان ظمآنَاً إلى ظمآنا
مالِي يُعَطِّلُني زماني بَعْدَما ... حلَّيْتُ فيه بمدحكَ الأزْمانا
إنِّي تجِرْتُ ورَأْسُ مالي حُبُّكم ... أيَحِلُّ لي أَنْ أشْتَكى خُسْرانا
بَدِّدْ دُجى ليلي بأَقْمارِ النَّدى ... فلقدْ بقِيتُ بليلها حيرانا
وامنُنْ بِتَسْريحي وصكٍّ يَقْتَضي ... بُرْئي ونُصْحي للزَّمانِ أمانا
واقْبَلْ إليكَ جوادَ شكري مُسْرَجاً ... إنْ أنتَ أعددتَ النَّدى ميدانا
لوكان أحْراراً عداؤكَ موئلي ... لدَعوتُ أنْ تَسْتاقَهُمْ عُبْدانا
لكِنْ هوى بهمُ الضَّلالُ وأَصْبَحَتْ ... هاماتُهُم لسيُوفِكمْ أَجْبانا
قال أبو إسحاق:
نَكْتَفي بهذا القصيد الفريد الزّاهي، على نكتَة الخطبة، ودُرَّةِ التاج، ووسْطى العُقود. والمنظومُ في هذا
المعنى كثير الأنواع والضروب، ومنه المُتَعارَفُ المعاني والقصيُّ الغريب، وأبو بكر بن عمار
مشهور في أكابر الأدباء، وأعلام الشعراء، مديدُ الباعِ، كثيرُ الانْطباع.
(1/377)

وكتب أبو نصر يهنئ بولاية:
سيدي الأعلى، ومعتمدي للجَلَّى، وبدْرَ أسْعُدي المُجْتَلى، ومنْ أطالَ الله بقاءهُ، والأيامُ تُرْقيه أرْفَعَ
مراتِبِها، وتنتظُمُ مجْدَه على ترائبها. لقد سرَّني - دام عِزُّكَ - أنْ حليَ بِكَ ذلكَ الكرسِيُّ بعد عَطَلِهِ،
وحفِيَ منْكَ بفارسِهِ وبَطَلِهِ، فأنِسَ بعدَ نفاره، واقتبسَ ناراً منْ مرْخِهِ وعفارِهِوقد قَذِيَ نَاظِرُه، وشجِيَ
خاطرُهُ، أسفاً على نُزُولِكم عنْ أعْوادِه، وكَلَفا بكمْ لمْ يُزِلْكم عنِ فُؤادِه، فالحمد لله الذي أصارَالأمر إلى
أرْبابِهِ، وأعادَ إليْهِ أيَّامَ شبابِهِ، وسقى الله تلكَ الحضرة فإنَّها مُشْرِقَة، وغُصونُ المُنى فيها مورِقة. فكمْ
حَمِدْتُ عَصْرَها، وواليتُ جنيَ الأماني وهَصْرَها، ورَحِمَ الله الذِّاهبينَ منها، فلقدْ أجْرَوْني في ميدانِ
البِرِّ طلَقاً، وأرَوْني الدَّهرَ صُبْحاً وفلقاً، لا أرى مثْلَهمْ مُنْجداً ولا مُعيناً، ولا يزالُ دَمْعِي أبداً عليهم
معيناً، والله تعالى يُبْقي سيدي الأعْلى جابِراً لذلكَ الصَّدْع، ورادِعاً للوْعَتِهم وأنالها بالرَّدْعِ.
أبو عبد الله بن أبي الخصال:
أطال الله فيما ترضاهُ يقاءكَ، ومَكّنَ سعْدَكَ وعلاءَكَ، وأَظْهَرَ مجْدَكَ وسناءكَ، وعمَّر بالآمال فناءكَ،
ورفعَ في كلِّ صالحة بناءكَ، ولازِلْتَ تتعرَّفُ منْ نِعَمِهِ المزيدَ، وتَجْتَلي الصُّنْعَ الجميلَ الحميدَ، وتُدْرِكُ
الشأوَ الصالِح البعيد.
كتَبْتُهُ - أدامَ الله عزك - وقدْ بَلَغَني ما نيطَ بكَ من الأمر، وقُلِّدْتَ منْ حمايَةِ الثَّغْرِ، فسألْتُ الله تعالى
لكَ أَعَمَّ الآضْطِلاعِ والاكتفاء، وأتَمَّ الاستقلال ... ،
(1/378)

وأنْ يؤيدكَ بنصره العزيز، ويكتُبَكَ في أهل السبْقِ
والتَّبْريزِ، وأنْ يجْعَلَكَ في كنَفِهِ المنيعِ الحريزِ، وأنْ يُظْهِرَكَ على منْ يليكَ من الأعزاء، ويُبْقيكَ
ميْمُونَ الأمر منصور اللِّواء، وهو تعالى بمَنِّهِ يستجيبُ لك صالحَ الدُّعاءِ، ويَمُدُّكَ بالتوفيق والتسديد
في جميع الأنحاء.
وله يهنئُ بولاية القضاء:
أطال الله بقاء الوزير الفقيه الجليل، ذي القدر النبيل، والذكر الجميل، والمجد الأثيل، والبيتِ
المُعْرِضِ في المكارم المستطيل. وَجَنَابُهُ بِدِيَمِ النِّعمِ خَضِلٌ، ومكانُهُ بِوُفُودِ السَّعدِ مُسْبِلٌ هَطِلٌ، وأيَّامُهُ
تتبارى في معالٍ لهُ تبْنيها، وحظُوُظٍ تُدْنيها والقدرُ موافق فيها.
مِثْلُكَ - أدامَ اللهُ عِزَّكَ - مِنَ السَّادات، المُهَيِّئينَ لدرجاتِ المجْدِ والسيادات، المُعْرِقينَ في الوجاهة،
المُشْرِقينَ في مطالِعِ النَّباهَة، إذا تَبَوَّؤوا ذِرْوَةَ علاءٍ، واقتَعَدوا غاربَ سناء، وانتظموا مع النجوم في
سلكِ سماءٍ، فإنَّما حازوا تُراثَ آباءٍ عنْ آباء. وتِلْكَ سبيلُهُ في خُطَّة القضاء التي هامتْ بمعاليه،
ومَثُلَتْ ضارِعَةً تناديه، وتَشَبَّثَتْ بهِ تشبُّثَ العاطل بالحُلِيِّ، والعاطش بالمنهلِ الرَّوي، حتى رقَّ لها
الزَّمان، فاطمأنتْ لها الدَّارُ واسْتَقَرَّ بها المكانُ.
(1/379)

فهنيئاً لها من فاضلٍ أرْوَعَ فازتْ بعُلُوِّ هِممِهِ،
وأصْبَحَتْ في ذِممِهِ، وعزَّتْ بكرمِهِ؛ فالعدل لباغيه مُتاحٌ، والحَقُّ لسائلِه مُباح، ولئنْ عَمَّتْ هذه النِّعمة
أُمَمآً، وشفَّتْ صُدُوراً ونَفَتْ لَمَماً. فإنِّي لمخصوصٌ منها بفضْل مزيَّةٍ، وحصَّةٍ على الحضيض عَلِيَّةِ،
لِما يَجْمعُنا منْ أَذِمَّةٍ تُرْبي على النَّسَبِ، وترجح وزناً بأواصر الحسب. ولذلك ابتدرتُ المُساهمة
ابتداراً، ورفقْتُ بما بيننا نداءا وشعاراً. والله يعرِّفُنا وَإيَّاهُ بركة ما قلَّده، ويُطيلُ مُدَّته ويفسحُ أمده. وبي
إلى مُطالعتكَ ظمأٌ وبَرْحٌ، وشوقٌ لا يَأتي عليه تفسيرٌ ولا شَرْحٌ. والله تعالى يُعرِّفك السداد في القول
والعمل، ويُبْلِغُكَ أَقْصى العُمرِ والأمل بقدرته.
ولبعضهم يهنئ بولاية الوزارة:
في إحاطتكَ الوافية، ودِرايَتكَ الوافرة، إنِّي بكَ - أعزَّكَ الله - راجِحُ ميزان الذُّخْر، مُنْهَلُّ ماء الفخْرِ،
ثريُّ أرْضِ الوِدِّ، عطرُ رائحة العهد، وأنَّ بُشْرايَ تتابعتْ، وأنَّ هِلالكَ في الوزارةِ طَلَعَ بدْراً، وأنَّ
مداكَ بها صار شَفْعاً وكان وِتْراً، فقلتُ ساقها شغفها، وزانها شرفهُ لا شرفها. فَلْيَهْنكَ حُلُولُكَ بِفَرْقَدَيْها،
وجَمْعُكَ بينَ نَيِّرَيْها. وإنَّكَ مُقَلَّدُها منْ خلالِكَ فذَّا وتَوْءماً، ومُلْبِسُها منْ صفاتِك
(1/380)

طرْزاً وَعَلَماً، حُسْنَ يقينٍ، ومَتانَةدين، وطيبَ جِذْمٍ، ورُسُوخَ ورعٍ وعِلْمٍ، وأدباً كالروضِ نبَّهتْهُ الصَّبا، وكرماً كالغيثِ عَمر
الرُّبا. ولقد قعدتُ للتَّهْنِئةِ فأقْبَلَتْ عليَّ هواديها، وانْقادتْ عليَّ منْ حاضرها وباديها، فإنْ تقدَّمْتُ فَلِفَرْطِ
الهبَة، وإنْ تَأَخَّرْتُ فلعِظَمِ الهيْبة.
قوله: (فقلت ساقها شغفها وزانها شرفه لا شرفها) من قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك
أنَّهُ لما عهد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالخلافة، ودفع إليه عهده مختوماً، وعمر لا يعرفُ
ما فيه. فلمَّا عرفَ ما فيه رجع إلى أبي بكر حزيناً كَهَيْئَةِ الثَّكْلى، وهو يقول: (حمَّلْتَني عِبْئاً لا
أَضْطَلِعُ به، وأَوْرَدْتَني مورِداً لا أدْري كيْفَ الصَّدَرُ عنه). فقال له الصديق: (ماآثرتُكَ بها، ولكني
آثرْتُها بك، وما قَصَدْت مساءَتك ولكنْ رجوتُ إذخال السرور على المؤمِنين بك). ومن هذا أخد
الحطيئة قوله:
ما آثروكَ بها إذْ قدَّموكَ لها ... لكن لِأَنْفُسِهم كانتْ بها الأمرُ
وتبعه الحسين بن مُطَيْرْ فقال:
مُبْتَلَّةُ الأطْرُفِ زانتْ عُقُودها ... بأحْسَنِ مِمّا زَيَّنَتْها عُقُودُها
ويروى: (مُحَصَّرة الأوساط). وتبعه الآخر فقال:
وتزيدين أطيب الطِّيب طيباً ... إنْ تَمَسِّيه أيْن مثلكِ أيْنا
(1/381)

وأخذه علي بن العباس الرومي فقال:
وأَحسنُ من جيدِ المليحة عِقْدُها ... وأحسنُ من سِرْبالها المتَجَرِّدُ
إنما هو: (وأحسن من عقد المليحة جيدُها). وما وقع في الكتاب وهمٌ. فانظره.
ويروى: (آنق من عقد المليحة) وأخذه الشريف الرضى فقال:
حُلِيُّهُ جيدُهُ لا ما يُقَلِّدُهُ ... وكُحْلُهُ ما بِعَيْنَيْهِ منَ الكَحَلِ
قال أبو إسحاق:
وفي حفظي أبيات لأبي بكر الصولي من النظم المستحسن، والكلام العذب الحسن، وهي في معنى
التهنئة بالوزارة؛ غريبة المنحى والمنزع، ويحسن إثباتها في هدا الموضع. فقال:
لِيَهْنِكَ يا خير مُسْتَوْزَرِ ... خِلاَفةُ خير الورى جعفرِ
إمام هدى عمَّنا جوده ... فأصبح كالعارض الممطرِ
أَتَمُّ من الشمس في حسنها ... وأزهرُ منْ بدْرِها الأزهَرِِ
وَلِيتَ أموراً فأوردتها ... موارد محمودة المصدرِ
وحُطْتَ الإمامَ وأموالَهُ ... على رغمِ باغٍ وَمِنْ مُكْبِرٍ
(1/382)

وقد أقبلتْ نحونا فتنةٌ ... ترُوعُ بجانِبِها الأوْعرِ
فأشرق رأيكَ في ليلها ... ؤأوضح للسامع المبصرِ
وأصلحتَ بالعدل منْ جوْرها ... وأسرعتَ بالعُرفِ في المنكرِ
وكانت سعودك في نَحْسْها ... أتمَّ سعودٍ من المشتري
بحزمٍ يُجلِّي الدُّجى والعمى ... ورأيٍ يُقيم صغا الأصعرِِ
فقوَّمت في ساعة بيعةً ... تميلُ لغيرك في أشْهُرِِ
وددت إليها على رغمهم ... شوارد من معشر نَبَّرِِ
فألْسنَة الناس مجموعة ... فمنْ بينِ داعٍ ومستبشِرِِ
بقيتَ ولا زلتَ في نعمةٍ ... تدوم وتبقى على الأعْصُرِ
قوله: (خِلافَةُ خير الورى جعفر) هو جعفر بن المعتضد بالله أحمد بن طلحة ابن المؤمن بن جعفر
المتوكل. بويع له بالخلافة لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين، وسنه
يومئذ ثلاث عشرة سنة. ودامت خلافته خمسا وعشرين سنة إلاستة عشر يوماً. استوزر في مدة
خلافته اثني عشر وزيراً، وكانت في أيامه أمور وعجائب لم تكن قبل مدته. وله ألف أبو بكر محمد
بن يحيى الصولي قائل هذه القصيدة، كتاب (الشبان) تسمى المقتدر بالله. وكان دُرِّيَ اللون. أحور،
أصهب، ربع القامة توفي يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر شوال سنة عشرين وثلاث مائة.
(1/383)

وقوله: (فأشرق رأيك في ليلها) معناه أضاء. وفي كتاب الله تعالى (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا). أي أضاءت بنور ساطع ظهر
فيها.
قال الشاعر:
أَشْرَقتَْ دارُنا وطابَ جَنَاهَا ... واسْتَرَحْنا منَ الثَّقيل فراسِ
وقوله تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) أي حيث طلعت عليهم الشمس، لأن المَشْرَقَةَ، والمشْرُقَة بفتح الراء وضمها حيث
يقعد المَشَرِّقُ في الشمس.
قال الشاعر:
تُحِبِّينَ الطَّلاقَ وأنتِ عندي ... بعيشٍ مثْل مَشْرُقَةِ الشِّتاءِ
ويقال: شَرَقَت الشمس شُروقاً إذا طلعت.
قال امرؤ القيس:
فَصَبَّحهُ عند الشُّرُوقِ غُديَّةً
وأشرقتْ، إذا أضاءت. قال الله تعالى (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ). ويقال: (لاأفعل ذلك ماذرَّ شارِقٌ): أي ماطلع قرن الشمس.
ويقال: المَشْرِقُ والمغْرِبُ، والشَّرْقُ والغَرْبُ لمطلعِ الشمس ومغْربِها.
(1/384)

وقال أبو بكر بن دريد: الشرْقُ والمَشْرِقُ صد الغرْب والمغرب والمشرقان والمغربان مَشْرِقا الشتاء
والصيف ومغْرباهما. والمشارِق مطالع الشمس كل يوم، وكذلك المغارب، حتى تعود إلى المشرق
الأول في الحول.
وأيامُ التَّشْريق أيام يُشَرَّقُ اللحم في الظِّلِّ.
وقال صاحب العين: أيامُ التشريق. كانوا يُشَرِّقُون اللحم في تلك الأيام للشمس، وهي الأيامُ
المعدودات، والأيام المعلومات عشر ذي الحجة.
ويقال: شَرِقَ الرجُلُ يشْرَقُ شَرَقاً بكسر الراء في الماضي، وفتحها في المستقبل، وفي المصدر إذا
اغتص. قال عدي بن زيد:
لو بِغَيْرِ الماء حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنْتُ كالغَصَّانَ بالماء اعتصاري
وقال أبو تمام:
(1/385)

أغْنَيْتَ عنِّي غَنَاء الماء في الشَّرق
ويقالُ: شرِقَ الثوبُ بالصَّبْغ إذا احمرَّ واشتدت حمرته. ولَطَمَ فلانٌ فلاناً فشرقَ الدم في عينيه إذا
احمرت.
وذكر الأصمعي أن رجلاً لَطَمَ رَجُلاً بآخر فاشرورقَتْ عينه، واغْرورقتْ، فقدِم إلى الشعبي فقال:
لها أمرها حتَّى إذا ماتبوَّأتْ ... بأخْفافِها مأوىً تبوَّأَ مَضْجَعا
يعني أنه لا يحكم فيها حتى ينظر إلى ما يصير أمرها.
وأصل الباب الطلوع.
وفي الحديث (لاتَشْرِيقَ إلاّ في مصرٍ وفي مسجدٍ جامع) أي: لا صلاة عيد.
وسمي الغَصَصُ شَرَقاً لأنه يطلع راجعاً. وكذلك شرق الثوب بالصبغ إذا اشتدت حمرته مشبَّه
بالشمس الطالعة.
وقولهم: ناقة شرقاء، إذا شقت أذنها بنصفين طولاً، لأنه شقٌّ يطلع منه ضوء وكذلك الشاة.
(1/386)

والشَّرْقُ أيْضاً طائر من الطير والصوائد مثل الصَّقر.
قال الشاعر:
قدَ اغْتَدي والصُّبْح ذو فَليقِ
بمُلْجَمٍ أكلف شوذنيقِ
أجْدَلَ أوْ شرْقٍ من الشروقِ
وقوله: (يقيم صغا الأصعر)؛ أي ميَل المائل. وقد ذكر الصَّغا مشروحاً في موضعه من الجزء الثاني
من هذا المجموع.
والصَّعرُ داءٌ يأخُذ الإبل في أعناقها ورؤوسها، فتلوي أعناقها إلى ناحية من أجله. فشبه المتكبِّر على
الناس، المُعْرِض عنهم تكبّراً لذلك.
وفي الحديث (كلُّ صعَّارٍ مَلْعُون).
يقال: رجل صعار؛ وهو ذو الكِبْر والأبَّهة، لأنه يميل بوجهه، ويعرض عن الناس. قال المتلمس:
وكُنَّا إذا الجبَّار صعرَ خدَّه ... أَقَمنا له منْ ميْلِه قتقَوَّما
وقال بشر بن خازم:
(1/387)

ألا يا عينِ فابكي لي سُمَيْرا ... إذا صعرت من الغضبِ الأُنُوفُ
وسميرا أخوه.
وذكر الصَّعَّار مالك بن أنس رحمه الله، وفسره بالنَّمَّام. وفي كتاب الله تعالى (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ). قرأه ابن كثير وابن
عامر وأبو جعفر يزيد بن القعقاع ويعقوب (ولا تصعّر) بغير ألف مشدد العين. وقرأ سائر السبعة
بالألف من غير تشديد. وقيل هما لغتان بمعنى: لا تُعرض بوجهك عن الناس تجبراً وتكبراً.
حكى سيبويه أن ضاعف وضعَّفَ بمعنىً ... صاعر وصَعَّر. وقال الأخفش: لا تصاعر بالألف لغة
أهل الحجاز، وبغير ألف معَ التشديد لغة بني تميم. وروى شِبْل عن ابن كثير
(1/388)

(ولا تُصْعر) بإسكان الصاد.
وروى ذلك عن الحسن وعاصم الجحدري. والمشهور عن ابن كثير تشديد العين من غير ألف كما
تقدم.
وقرأتُ في كتاب النوادر لأبي علي البغدادي أخبرنا أبو عبد الله يعنى أبا بكر بن دريد. قال: أخبرنا
عبد الرحمن عن عمه قال: قال أعرابي كبير السِّن: أصبحتُ والله تُقيِّدني الشعرة، وأعثر بالبعرة.
وقد أقام الدَّهْرُ صَعَري، بعد أن أقمت صَعَرَه. قال أبو علي: (الصَّعر: المَيَلُ) ومعنى صَعَري في هذا
الخبر، أي مَيَلي إلى اللهو والصِّبا والعوج الذي كان في زمان الشبيبة.
يقال: رجل أصْعَر: أى مائلُ العنق، وكذلك المتكبر على الناس، يميلُ بوجهه عن الناس إلى ناحيةٍ
من الكِبْر.
رجع
وكتب بعض الأدباء إلى صديق له مهنئاً بالابتناء بأهله. وأهل الرجل زوجه. والتأهُّلُ: التَّزَوُّج،
وأهل الرجل أيضاً أخصُّ الناس به، وأهلُ الإسلام من يدين، به وأهل القرآن: من يقرؤه، ويقوم
بحقوقه. وأهل البيت سكانُه. وقولهم: مرحباً وأهلاً، أي اختصاصاً بالتحية والتكرمة. وأصل الباب:
الاختصاص. ويقال أهَّلته لهذا الأمر: أي جعلتُه أهلاً له. والأهلي خلاف البَرِّي.
وأول الرسالة:
بأيْمَن طائر وأتمِّ سعدٍ ... يكون من الكريمين اجتماع
أما أنَّه المجد اليفاعُ، والحسن المُطَاعُ، تعارفت الطباعُ، فتلاءمتِ الأنفس
(1/389)

الشعاع، كما التقى الكوكبانِ، واقترن النيران كما حاصر الريحُ الضَّيْغَم، وهاصَر النسيم الغصنَ المنَعَّم:
كما راقَ فوقَ المِعْطَفِ الصارِمِ العضبُ ... كما التفَّتِ الصهْباءُ والبارِدُ العذْبُ
بل كما فاوت القداح، ونُظم الوشاح، واعتلقَ الروضُ عبَقه، واعتَنَقَ شنٌّ طَبَقَه، فحَبَّذا النسبُ، شابكهُ
الصِّهر والحسبُ، عانده التقي البَرُّ على حين جرتِ الأيامِن، واكتنفَ الحرمَ الآمن، فبالبنين والرَّفاء،
والنعيم والصفاء، والثروة والنماء، والعزَّة القعساء الشماء، وعلى الموافقة والوفاق، والدوامِ والاتفاقِ،
والحظُوظ والحدود، والبسطاط الممدودِ، وتتابُعِ البُشرى بالفارس المولود، ومالي تأوَّدْت أعْطافاً،
وتأنَّقْتُ أوْصافاً، وتهللتُ جَذَلاً، وبسطتُ في الدعاء مَذَلاً. أَهَنَّاني الأربُ؟ أم صفا لي المشرب؟ وقد
غبتُ عن اليوم المشهود، وما عَلِمت الإذن للوفود. ولم أقم في السماط، سافراً عن وجه الاغتباط،
أتلقى الدَّالِجَ بمبرورِ التحية، وأبدي الخارج بحكم السرور والأريحيَّة، وأتَخَدَّمُ وقْعَ الوحي والإيماء،
وأتقدَّم منَ المُصافاةِ والمُوالاةِ في الغفير الجمَّاء. كلاّ، ولا شهدتُ ليلة الزفاف، وما حَلَّتْ من محاسنها
الأفواف، حيث دارت المنى سلاماً، وصارت العلا دوحة ألفافاً، وأبدى رَوْنَقَ السيف حلاء، وأبرز
عقيلة الحي هِداءً. هنالِكَ جلَّتِ النَّعماء، ونهلتِ الأظْماءُ. فيالهُ منظراً، ووعداً مُنْتَظراً، لو ناجيتهُ منْ
كثب، وَكَرَعْتُ منه في المنهل الأعذب، ولَنعمَ ما
(1/390)

مُنِحَ ذلكَ الموكبُ لماسح أهْداها جُمَلاً، فكَأنَّما أَسْداها
أملاً، أثْلَجَ الفُؤاد، وأورى الزناد، وأحقبَ المراد، وفاء بالنفس أوكاد، وقلَّتْ عنْ قراهُ، نفسٌ جندلت
يسراه، وأوجب لذكراه، وقد كان من الحقِّ أن أهاجر، وأَعْصِيَ الناهي والزاجر، فأرْقى جواراً،
وأُشْفى بالمحاضرة أُواراً، ولكنها الأيام تزع، ويغيرما أودُّ تقع، فأبْسُطُ عُذراً، وإني لك ذخراً، وطبْ
مدى الدهر خَبَراً وخُبْراً، وتملَّكْها منه أيادي غرّا. والسلامُ.
وكتب بعض الأدباء عن أمير زفَّ ابنته إلى صهره:
قد انتظَمْنا انتظام السلكِ، وصَرَّحنا عن مشارِبِ الحال الجامعة لنا قذاه كلَّ إفْكٍ وشكٍّ، وظهر الحقَُّ
المبينُ من الميْنِ، (وتبيَّنَ الصُّبح لذي عينين)، وأنفَذَتِ الهديةالمُقْتَضاة محفوفةً بالحرم والمحارمِ،
مكنوفة بالكرائم، تمَّ بالأعلامِ الأكارمِ. وأنا أسألُ الله في متوجهها ومُنْقَلَبِها الرِّعايةَ الموصولة بك،
والكفاية المعهودة منك، حتى يفئ عليها ظلُّكَ، وَيَبُوءَ بها مثوى الحماية مَحَلَُكَ، ويحميها حرْزُكَ
ومكانُك، ويأويها عزُّك وسلطانُك، ثم حسبي عليها كرمُكَ وكَنَفُكَ، وخليفتي عليها برُّكَ ولُطْفُكَ. فهي
الآن ملكُكَ، وأنت الكريمُ المُسْجِح، وبضاعة متجري وأنت المربح المنجح، والله يُبقيكَ ويُعْليكَ، وتَشُدُّ
قبْضَتُكَ على رقابِ أمانيكَ وأراجيك. ذخر الأبد، وعِمادَ الأهل والولد، وعندَكَ ثمرةُ النفسِ وفلذةُ الكبد.
فارَقْتَها عنْ شدَّةِ ضَنَانَة، وأسْلمتها بعد طول صيانة، وما زُفَّتْ إلا إلى كريمٍ يحملها محمل الأمانة،
ويقضي فيها الديانة، ويرعى لها حق انقطاعها عن أهلها، واغتِرابِها عنْ ملائها ومنْشئِها. وهو حكمُ
الله الواجب، وقدره الغالب،
(1/391)

وسُنَّتُه المشروعَة، ومشيئتُهُ المتبوعة. ولنا في رسول الله أسوة، وفيما
قاله في مثل هذه قدوة. وتلا قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) وقد قال عليه السلام: "فاطمة بِضْعَةٌ مني فمن أكرمها فقد
أكرمني ومن أهانها فقد أهانني اللهم بارك لها وبارك عليها".
وقد تصور لي أنّ قطعة مني فاقت منفصلة عني، فلمَّا تفكرتُ في خُرُوجِها إليك، وأنت منْ أنت
تماسكتُ، وتراجعْت عند ذلك وتمالكتُ. والله تعالى يُطْلِعُني منْ سلامة الوُصول، وكرامة الحُلُول، ما
يُقِرُّ العين، ويَسُرُّ النَّفسَ بمَنِّه.
وذكر أبو منصور في كتابه قال: لما زفّ بختيار ابنته إلى تغلب بالموصل، أمر أبا إسحاق الصابي
فكتب عنه فصلاً في المعنى استحسنه البلغاء وتحفظوه، وهو:
وقد توجَّه أبو النَّجم بدر الحرمي وهو الأمين على ما يلحظُه، والولي بما
(1/392)

يحفظه، يحمل الهدية وإنَّما نُقلتْ منْ وطنٍ إلى وطن، ومن مُعَرَّسٍ إلى مُعَرَّس، ومن مأوى برٍّ وانعطاف، إلى مأوى كرمٍ
وألْطاف، ومن منبت درتْ له نَعْمَاؤُهُ، إلى منشإ يجود عليه سماؤه، وهي بضعة مني انفصلت إليكَ،
وثمرة من جَناني حصلت لديك، ومابان عني منْ وصلتُ حبله بحبلكَ، وتخيَّرْتُ له بارعَ فضْلِكَ.
جواب هذا الفصل من إنشاء أبي الفرج الببغاء قال بعد الصدر:
وأمَّا أبو النَّجم فقد أدى الأمانة إلى أهلها، وسلَّمَ الذَّخيرة الجليلة إلى مُتَقَبِّلها، فجَلَّتْ عنِ العزِّ في
وطنها، وأوتْ منْ حِمى الأسد إلى مُستقرها، وسكنها، منتقلة من عطن الفضل والكمال، إلى كنف
السعادة والإقبال، وصادرة عن أنبل وِلادَةٍ ونسب، إلى أشرف نصاب وحسب وفي اليسير منْ لوازمِ
فُروضها، وواجباتِ حُقُوقها، ما يُغْني عنِ الوصاة بها. وكيف يوصي الناظر بنوره، أو يُحَضُّ القلبُ
على حفظِ سُرُورِه؟
(1/393)

قال أبو إسحاق:
وكناية الأُدباء عن الزوجة بالهَدِيَّة، كنايةٌ رفيعة سَنِيَّة، وكان شُعراءُ العرب في الجاهلية، وصدرِ
الإسلام يُشَبِّبُون بالنساء، ويُعلنون بأسمائهم، حى توَعَّدهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ذلك،
وعهد إليهم ألا يُشبب أحد منهم بامرأة معلناً باسمها. وقد نفى نَصْر بن الحجاج بن علاط البهزي من
المدينة، وكان فتى جميلاً، من أحسن أهل المدينة صورة حين سمع امرأة تنشد:
هلْ منْ سبيلٍ إلى خمر فأَشْرَبَها ... أمْ هل سبيلٌ إلى نصر بن حجاج
وحكى الفضل بن موسى عن داوود العطار، أنه قال: سمع سليمان بن عبد الملك في معسكره صوت
غناء، فَدَعا بهم، فقال: أمَا أنَّ الفرسَ ليصهل فتستودق له الرَّمَكَةُ، وأنَّ الجمل لَيَخْطِرُ فتضبع له
النَّاقة، وأن التِّيس لينهب
(1/394)

فتستحرمَ له العَنْز، وأن الرجل ليغني فتشتاقُ إليه المرأة. أُخْصوهُم. فقال له
عمر بن عبد العزيز إنها مُثْلة وطلب إليه فخلَّى سبيلهم.
قال: ولَمّا كان ذلك من أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عادَ الشعراء بعد ذلك يُكنون عن
النساء بالشجر، والثِّيابِ، والأزُرِ، والحُلَلِ، وما أشبهها. من ذلك قول أحدهم:
فيا سَرْحَةَ الرُّكْبانِ ظِلُّكِ بارِدٌ ... وماؤُكِ عذْبٌ لو يُباحُ لشارِبِ
ومنه قول حُمَيْد بن ثور الهلالي:
أبَى الله إِلاَّ أنَّ سرْحةَ مالِكٍ ... على كلِّ أَفْنانِ العِضاه تروقُ
فالسرحة في هذين البيتين كناية عن امرأتين.
وقال الآخر:
يا سرحَةً حرمتْ عليَّ وإنَّها ... لألذُّ منْ ماءِ الحياةِ وأعْذبُ
ما بعد ظلِّكِ لي مَقيلٌ فاعْلمي ... كَلاّ ولالِيَ بعد مائكِ مشربُ
والسَّرحة: الشجرة الملياء، ليس فيها شوك، ترتفع وتطول. وقال عمر بن
(1/395)

أبي ربيعة:
فَوَاعِدِيه سَرْحَتَيْ مالِكٍ ... أو الرُّبا بينهما أَسْهَلا
وانتصاب (أسهلا) في هذا البيت بإضمار فعل كأنه قال: ائتِني مكاناً أسهلاً. ومثله قول الآخر:
ألا يا نخلةً منْ ذاتِ عِرْقٍ ... عَلَيْكِ ورحمة الله السلامُ
كنى بالنخلة عن امرأة. وقال أبو بكر بن الأنباري في قول ليلى تصف الإبل:
رَمَوْها بِأثوابٍ خفافٍ فلنْ ترى ... لها شبهاً إلاَّ النِّعَامَ المنَفَّرا
معناه: بأَنْفُسٍ. وقال الآخر:
ألا أْبْلِغْ أبا حفْصٍ رسولاً ... فدىً لكَ من أخي ثقة إزاري
أى: فدى لكَ أهلي، وقيل نفسي.
ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار ليلة العقبة: "أبايعكم على
(1/396)

أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم". أخذ البراء بن مَعْرُور بيده وقال: نعم، والذي بعثك بالحقِّ لَنَمْنَعَنَّك مما نمْنَعُ
منه أزُرَنا؛ أي أنفسنا ونساءنا.
وعن إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي في قول الله تعالى وجل في سورة المدثر (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: معناه
نساءك طهرهن.
وعن ابن عباس والنَّخعي، وغيرهما من أهلِ العلمِ بالتفسير، أن معناه ونفسك فطهر.
وعن مجاهد فيه: أي وعملك فأصلح. والعرب تقول: فلانٌ طاهرُ الثوب، ونقيُّ الثوب. إذا كان حَسَنَ
العَمَل، طاهراً من الذنوب، ومن كل فعل مذموم. قال الشاعر:
طاهر الثوب لا يقارب حَوْباً ... أريحيّ متوّج ذُو نوالِ
وقال الآخر:
مُطَهَّرُ الثوب لا كَفاءَ له ... من قومه حين يذكر الكرمُ
فأما حديث أبي سعيد: إن الميت يُبْعَث في ثيابه التي مات فيها، فقال
(1/397)

فيه الخطابي أبو سليمان هذا يتأول على وجهين:
أحدهما أن يكون الثيابُ كناية عن العَمَل الذي يموت عليه ويختم له به، ويدلّ على ذلك حديث
الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يبعث العبد على مامات
عليه".
ويقال: فلانٌ دَنِسُ الثوب، إذا كان خبيث الفعل والمذهب. ولَبِسَ الرجلُ ثوب غدْرٍ إذا غَدَرَ. قال
الشاعر:
فإنَّي بحمد الله لا ثوبَ غَدْرَةٍ ... لَبِسْتُ ولا منْ ريبَةٍ أتَقَنَّعُ
ويروى: (لاثوب غادر) ويروى: (ولا من فجرة).
والوجه الآخر، أن يراد بالثياب ما يُلبسُ ويكتسى؛ يُريدُ أنهم يُبعثون من قبورهم، وثيابهم عليهم ثم
يُحْشرونَ إلى الموقف حفاة عراة.
وروى بعض الصحابة أنَّهُ لمَّا حضره الموت قال: أحْسِنوا كفَني فإن الميت يُبْعَثُ في ثيابه التي مات
فيها.
(1/398)

وفي الحديث فيما روى قتيبة عن الليثي عن هشام ابن سعيد عن عطاء الخرساني قال: كان عمر بن
الخطاب قد خطب إلى علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم فقال عليّ: إنها صغيرة، وإني مرْسِلُها إليكَ
حتى تنظر إلى صِغَرها. فأرسلها إليه، وقال لها: قولي له إنّ أبي يقول لك: هل رضيت الحُلَّة؟
فجاءته وقالت له ما قال لها أبوها. فلما نظر إليها، قال: نعم، قد رضيتها. فكنَّى عنها رضي الله عنه
بالحُلَّة.
والحُلَّةُ ثوبان: إزارٌ ورداء. ولا تُسمَّى حلة حتى تكون جديدة تحل عن طيها.
وقال الله تعالى وجلّ (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) فاللباس في هذه الآية كناية عن الأنفس، لأن النساء يَصِرْنَ بمنزلة ما يُلْبس.
وقال النابغة الجعدي:
إذا ما الضجيجُ ثنَى عِطْفَهُ ... تَثَنَّتْ عليه فكانتْ لِباسا
وقد كنَّت العرب عن النساء بغير ما ذكرناه من الشجر، والحُلل والأزر. من ذلك قول علقمة:
يحملن أترجَّةً نضْحَ العبير بها ... كأنَّ تَطْيابَها في الأنف مشمومُ
فجعل الأترجة كناية عن امرأة. ومنه قول عنترة:
(1/399)

ياشاةَ ما قنصٍ لمن حلَّتْ له ... حرُمَتْ عليَّ وليتَها لم تَحرمِ
فكنَّى بالشاة عن المرأة. وقال الأعشى:
فَرَمَيْتُ غَفْلةَ عينه عن شاته ... فأصبتُ حبَّةَ قلبها وَطَحَالَهَا
وقال ابن نُمير:
كأنَّ على الظَّعائن يوم بانوا ... نعاجاً ترتعي بَقْلَ البِراثِ
البِراثُ: الأماكن السهلةُ. واحدها: بَرثٌ، مفتوح الأول قاله أبو العباس فكنى بالنِّعاج عن النساء.
ومثله قول امرئ القيس:
هما نَعْجتانِ منْ نِعاجِ تبالَةٍ ... لدى جُؤْذُرين أو كبعض دُمى هَكِرْ
وفي كتاب الله تعالى (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ).
فهذا كله كناية عن النساء. والنعجة عند العرب: البقرة الوحشية. قال امرؤ القيس:
فَبَينا نعاجٌ يرْتعين خَميلةً ... كَمَشْيِ العَذارى في المُلاءِ المُهَذَّبِ
وكلُّ هذه الكُنى، إنما تقع على الفتيات والكواعب الحِسَان الخفرات؛ من
(1/400)

كل طَفْلَةٍ عرُوبٍ هيفاء، ريَّا المخلخل:
إلى مثلها يرنو الحليمُ صبابةً ... إذا ما اسبكَرَّتْ بين درْعٍ ومِجْولِ
وما سِوى هذا الجنس من ذَوات الأسْنان اللاتي لايَعْلقن بقلب إنسان، فلهنَّ أسماء غير مستحسنات
بألفاظ وصفات مختلفات، كمثلِ ما ورَدَ في كتاب "أنواع الأسْجاع" من تأليف ابن أبي الزلازل. قال:
وجدت في كتاب أبي أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي حدثني محمد بن سهل قال: أخبرنا عمارة
بن وثيمة قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد قال: أخبرنا المفضل بن موسى المروزي
(1/401)

قال لي أبو حنيفة ألا أحَدِّثُكَ حديثاً ظريفاً. قلت: بلى. قال أخبرنا حماد بن سليمان عن إبراهيم النخعي عن
رجل يقال له عبد الله أظنه ابن بجينة. قال: جاء زيد بن حارثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال
له النبي عليه السلام: أَتَزَوَّجْتَ يا زيد؟ قال: لا. قال: تَزَوَّجْ تَسْتَعِفَّ مع عِفَّتِكَ ولا تَزَوَّجْ خمساً من
النِّساء. قال: وماهُنَّ يارسول الله؟ قال: لا تزوَّجْ شهْبَرَةً، ولا لَهْبَرَةً، ولا نَهْبَرة، ولا هيْذَرَة ولا لَفوتاً.
قال زيد والله يارسول الله ماأعرف مما قلت شيئاً. قال: أما الشَّهبرةُ فالزرقاءُ البدينة، وأما اللَّهبرة
فالطويلة المَهْزُولَة، وأما النهبرة فالعجوز المُدْبرة، وأما الهيدرة فالقَصيرَة القبيحة الدَّسيمة، وأما اللفوت
فذات الوَلَدِ من غيرك.
قال المروزي: وضحكَ أبو حنيفة لها ضَحْكاً طويلاً وكان لا يضحك إلا تَبَسُّماً.
وذكر الخطابي أبو سليمان هذا الحديث ولم يسنده. وهذه الأسماء فيه. إلا أنه قال هيْذَرَة بالدال
معجمة، وقال: الهيذرة الكثيرة الهَذَر؛ وهو الكلام الذي لايُعْبَأُ
(1/402)

به. يقال: هَذَرَ الرجل في منطقه يهذِرُ هَذراً، ورجُلٌ هذَّارٌ ومِهْذارٌ. قال: وأرى اللهبرة، إنما هي النَّهْبَلَة، وهي العجوز المدبرة. يقال شيخ
نهبَل، وعجوز نهبلة. قال الشاعر:
مأوى اليتيم ومأوى كل نهبلةٍ ... تأوي إلى نهبلٍ كالنِّسْر عُلْفُوفِ
وقال في الشهبرة، هي الفانية. يقال شَهْبَرَة وشَنَهْبَرَة، وشَهْبَرِيَّة. وقال في النهبرة، إن كان محْفوظاً
فهي التي قد أشرفت على الهلاكِ. والنَّهابِرُ المَهَالِكُ. ومنه الحديث: "من جمعَ مالا منْ تَهَاوُش أذْهبَهُ
الله في نهابِرَ".
وقال في اللفوت كما جاء في الحديث. قال: وسُمِّيَتْ لَفوتاً لأنها لا تزال تَلْتَفِتُ إلى ولَدِها وتَشْتغِل به
عن الزوجِ.
قال ابن الأعرابي: أوصى بعض الأعراب ابن عمِّ له أرادَ التَّزَوُّجِ. فقال له: إًيَّاكَ والحنانة، وهي
التي كان لها زوج قبلك فطلَّقَها، فهي تحِنُّ إليه. وإِيَّاك والمنانة. وهي التي لها شيء تُعْطِيكَ منه، فتمُنُّ
عليك بذلك. وإِيَّاكَ والمُسَوِّفَة. وهي التي إذا أراد زوجها منها الخُلْوة، تقول له سوفَ سوف حتى
يكسل وينام. وإياك واللفوت وهي التي لها ولدٌ من غيرك، فهي تلتفتُ إليه وتشتغل به عنك. وإياكَ
والمشْفاة؛ وهي التي دفنتْ ثلاثةَ أزواج.
قال ابن الأعرابي أنشدنا المفضل:
مِشَفَّاةٌ إذا عَلِقَتْ بِقِرْنٍ ... دنا َذاك القَرِينُ من الحِمَامِ
وفي الحديث "خيْرُ نسائكم العطرةُ المطرةُ" فالعطرة من العِطْر، والريح
(1/403)

الطيبة، يريد المرأة التي تُكثر استعمال الطيب. قال حسان بن ثابث:
شأنها العِطرُ والفراشُ ويَعْلُو ... هَا لُجَيْنٌ ولُؤْلُوٌ منْظُومُ
والمطِرَةُ من المطرِ، يريد التي تُكثِرُ الاغتسال والتنظُّفَ بالماء.
وقال أبو عمر المُطَرِّز: المُطْرُ: كثرة السواك.
وحكى عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال: وصف أعرابيٌّ جاريةً فقال: (بيضاء فضَّة،
عَطِرة مَطِرة، مشياصٌ خفِرَة). والمِشْياصُ: الكثيرة السِّواك.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالأبكارِ فإنَّهنَّ أطيبُ أفواهاً وأنْتَقُ أرحاماً وأرْضى
باليَسير".
وقد ذكر أبو علي البغدادي في نوادره، أسماء زوج الرجُلِ بألفاظ مختلفة باشتقاقها وتفسيرها. فإنَّ
قال قائل أيُّما أفصح؟ زَوجُكَ بلفظِ التذكير، أو زوجَتُكَ بإثباث علامة التأنيث؟ قيل له: زوجَكَ على
لفظ التذكير، لأن الله تعالى يقول في كتابه العزيز (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) وقال الله تعالى (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) وقال (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ). فأزْواجٌ جمع زوج
بطرح الهاء، ولا يصِحُّ أنْ يكون جمع زوجة.
وأنشد أبو العباس المبرد:
وأراكُمْ لَدى المُحَامَاة عندي ... مثل صَوْنِ الرجال للأزْواجِ
(1/404)

فإن قال: لِمَ لفْظُ التذكير أفصحُ وأكثر في الاستعمال، والمعنى مؤنث؟ قيل له لما كانت الإضافة
تلتزمُ الاسم في أكثر الكلام، كانت مبنية له، وكانت بطرح الهاء أفصح؛ إذ كانت أخفّ مع الاستغناء
بدلالة الإضافة عن دلالة هاء التأنيث.
وحكى أبو عبيدة قال: رأيت الأصمعي يوثر ترك الهاء في الزوجة، ويرى أن أكثر كلام العرب
عليه. وكان الكسائي يرى أن أكثر كلام العرب بالهاء، ومن ذلك قول الفرزدق:
فإنّ الذي يسعى لِيُفْسِدَ زَوْجَتي ... كَساعٍ إلى أُسْدِ الشَّرى يستبلُّها
ومنه قول الآخر:
فبَكى بَنَاتي شجوهنَّ وزَوْجتِي ... والطَّامِعون عليَّ ثُمَّ تَصَدَّعوا
قال الكسائي: وطَرْحُ الهاء لغة لأزد شنُوءة. وكان أبو العباس المبرد يقول بقول الأصمعي من أن
الوجه طرح الهاء، وبه قال أبو الحسن الرماني.
وقال صاحب العين. الزوجُ: امرأة الرجل، وهي لغةٌ في الزوجة، زوجة الرجل. والزوج يقال
للذكر، ويقال للأنثى وهو لفظ مشترك. فالزوج المرأة التي لها بعْل، والزوج: الرجل الذي له امرأة،
والزوج ضد الفرد. وأصل الزوج: الشكل. يقال: زاوَجَ بين هذين؛ أي شَاكَلَ بينهما. وقال أبو بكر
بن دريد: كُلُّ اثنين زوجٌ، وكلُّ أنْثى وذكر: زوجان. وفي كتاب الله تعالى
(1/405)

(وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) فيه (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ). ويقال: لفلان
زوجان من الحمام؛ أي ذكر وأنثى، وقوله سبحانه وتعالى (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا) أي الأصناف.
والزِّوجُ النَّمط ويقال الدِّيباج. قال لبيد:
من كُلِّ محْفُوفٍ يظل عَصِيُّهُ ... زَوْجٌ عليه كِلَّةٌ وقِرامُها
وقال الله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) وقال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)
فمن نعمةِ الله على عباده، أن جعلَ للرجل زوْجاً من شكْلهِ، لأنَّ الشَّكْلَ إلى شكله أسكن، وله آلف،
وبه آنس. وقال:
يألَفُ الشكْلُ شكْلَه ... ليسَ هذا بِمُشْكل
فَجَعَلَ جَلَّ وعزَّ المرأة من شكل الرجل، لِيُتِمَّ نعمته على عباده، وتَعْظُمَ منَّته عليهم. فله النِّعمة
السابِغَة، والحُجَّة البالغة، تباركَ وتعالى علوَّاً كبيراً.
رجع
ولمَّا وصلت قطرُ الندى بنت خمار بن أحمد بن طولون المعروف بخمارويه إلى المعتضد بمدينة
السلام. قال علي بن العباس الرومي في
(1/406)

ذلك:
ياسَيِّدَ العرب الذي قُدرتْ لهُ ... باليُمن والبَركات سيدةُ العجمْ
أَسْعِدْ بها كَسُعودِها بِكَ إنَّها ... ظَفِرتْ بما فوقَ المَطالِبِ والهِممْ
ظَفِرَتْ بِمالِئ ناظريها بهجةً ... وضميرها نُبْلاً وكفيها كرمْ
شمسُ الضُّحى زُفَّتْ إلى بدْرِ الدُّجى ... فتَكشَّفتْ بهما عن الدنيا الظُّلمْ
قوله: (ظفرت بمالئ ناظريها) البيت، كقول أبي تمام:
ملءُ عيني سماحَةً وجمالاَ ... وفُؤادي مَهَابةً وجَلالا
إلا أن قول ابن الرومي أتم وأكمل، لا شتماله على ثلاثة ألْفاظ تتضمَّنُ ثلاثة معانٍ، وألْفاظ أبي تمام
أربعة، واقعة على معنيين في الحقيقة، فتأمله.
ولما زُفَّتْ الأُتْرُجَّة بنت أشناس إلى الحسين بن الأفشين وأقيم لهما العرس الذي جاوز الحدَّ في
المِقدار، ولم يُر مِثْلُهُ في سالف الأعمار، وكانا غايتين في الحُسْنِ والجمال، والبهجَة والكمال. قال
المعتصم فيهما:
زُفَّتْ عَروس إلى عَروس ... بنت رئيسٍ إلى رئيسِ
أيُّهما كانَ ليت شِعْري ... أَجَلَّ في الصُّدور والنُّفوسِ
(1/407)

أَصاحِبُ المرهف المحلَّى ... أمْ ذو الوِشاحَيْنِ والشموس
قال أبو إسحاق:
وهذا الاسم، أعني العَرُوس، يشترك فيه المذكر والمؤنث.
فمن وقوعه على المذكر قول الشاعر:
كأن الصِّبا والشَّيْبُ يطمسُ نورَه ... عروسُ أناس مات في ليلة العُرسِ
فأمَّا قول امرئ القيس:
لها ذنبٌ مثلُ ذيلِ العروسِ ... تَسُدّ بِهِ فَرْجَها من دُبُرْ
فيحتمل الوجهين.
وكتب بعضهم يهنئ بمولود:
إنَّ أَحَقَّ ما انبسطَ فيه للتهنئة لسانٌ، وتصرَّفَ في ميادينِ معانيه بيانٌ وبنانٌ، أملٌ رُجِيَ فتَأَبَّى زماناً،
واستدعِيَ فلَوى عِناناً، وطاردَتْهُ المُنى فأتعَبَها حيناً، وغازَلتْهُ الهِممُ فأشعرها حنيناً، ثمَّ طَلَع غيرَ
مُرْتَقَب، وورَدَ منْ صُحْبَةِ المناصِح في جَحْفَلٍ لَجِب، فكان كالمُشيرِ إلى ما بعْدَه من مواكبِ الآمالِ،
والدليل إلى ما وراءهُ منْ كواكِبِ الإقبال، أو كالصبْحِ افترَّتْ عنِ أنوارِ الشمس مباسِمُهُ، والبرْقِ
تَتَابَعَتْ إثْر وميضهِ غمائمهُ، وفي هذه الجملة ما دلَّ على المولود، الذي بَشَّرَ بترادُفِ الحُظوظ
وتضاعُف السعود، ونيلِ الأملِ المولود. فيالَهُ نجمُ سعادةٍ، طلَعَ في أُفْقِ سيادة، وغُصْنُ سناءِ، تفرعَ
من دوحة هناء. لقد تهَلَّلَتْ وجوهُ المحاسِنِ باستهلالهِ، وأقْبَلتْ وفودُ الميامِنِ لاسْتِقْبالِه، ونُظِمتْ له قلائدُ
التمائم، من جوهرِ المكارِمِ، وخُصَّ بالثُّدِيِّ الحوافل، بلسانِ الفضائل،
(1/408)

وما كان منبِتُ الشرَفِ بانفرادِ تلْكَ الأرومَة الكريمة إلا مُقْشَعِرَّ الرُّبا، مُغْبَرَّ الثرى.
فأمَّا وقد اهتزَّ في أيْكَةِ السيادة قضيبٌ، ونشأَ منْ
بيتِ النجابَةِ نجيبٌ، فأخْلِقْ بذلك المنبِت أنْ تُعاوِدَه نضرَتُهُ، وترفَّ عليه حَبْرَتُهُ، ويراجِعه رَوْنَقُهُ
وبهاؤهُ، وتُضاحِكَهُ أرْضُهُ وسماؤُهُ. فالحمد لله الذي ثنى الأمل بعد جماحه، وعادَ يَخْتالُ في حلْيَةِ غُررِ
الجذَلِ وأوْضاحه، وهو المسؤول أنْ يَهْنِئَكَ منه صنعاً يَحْسُنُ في مثله الحسدُ، ويُتَمَنى لفضله النسْلُ
والولدُ.
وفي المعنى لأبي عبد الله بن أبي الخصال:
هنيئاً - أعزَّكَ الله - بهلالٍ جلا غياهِبَ الحندِسِ. وطلع بين الجواري الكنَّسِ لله درَّهُنَّ منْ جوارٍ
خمس، كالجواري الخمس، طلعن بين القمر والشمس، إلا أنَّهُنَّ كالدُّرِّ المكنون، لا يُلْمَحنَ بالعُيونِ، لقد
استزدن به جَمالاً، وحَسُنَّ بهاء وكمالاً، فجِئنَ ككعُوبِ قناةٍ رُكِّبَ عليها سِنانُها، وأَلْفاظِ عُلا جاءَ آخراً
بيانُها؛ بلْ كبيْتِ القصيدِ، منْ عَرُوضِ المديد، رُكِّبَ منْ سِتِّةِ أجزاء كساها الآخر ثوب بهاء، فُضِّلَ
دُونهُنَّ بالرويِّ، وخُصَّ منَ العافية بأحسن الزَّيِّ.
(1/409)

فلله أصلٌ أثْمَرتْهُ أبْراعُهُ، لقدْ عَظُمَ بسُوقُهُ وارتفاعُهُ. أَنْجَبَ، فما تُهْصَرُ أغْصانُهُ باليدينِ، وأعْرَبَ،
فتعدَّى فعْلُ كرمِهِ إلى مفْعُولينِ
وله في المعنى:
هنيئاً - أعزَّكَ الله - بهلالٍ، طلَع بأُفْقِ جلالٍ، وفرْعٍ كريمٍ، تولَّدَ بين فهرٍ وتميم، ما أزْكى ثراهُ،
وأسْنى مُنْتَماهُ، بطلَ زماناً بالطُّلُوعِ، ولوى أعْرافاً بالبُسُقِ والفُروعِ، حتى جاء في زمانٍ جَمَعَ المحاسِنَ
وجنَّدَ، وبدا في مكانٍ فضَّلَهُ ذو التَحْصيلِ فأنشد:
فمَنْ تَكُنِ الحضارَةُ أعْجَبَتْهُ ... فأيُّ رِجالِ باديةٍ ترانا
ومنْ ربَطَ الجِحاشَ فإنَّ فينا ... قَناً سُلْبا وأفْراساً رهانا
لقد تشوفَت إليه الدفاتِرُ، وتزَيَّنَتْ لَهُ الأقْلامُ والمَحابِرُ، وقرَّتْ بهِ عينُ العليا، وابتهجتْ للقائه الدُّنيا.
انظرْ إلى الأشجارِ كيف افترَّتْ عن جذلٍ مباسمها، وإلى الأزهارِ كيفَ شُقِّقَتْ من طَرَفِ كَمائِمِها،
وإلى الأنهار كيفَ سَحَبَتْ ذُيُولها، وإلى الأطيارِ كيفَ رجَّعتْ خفيفَ أغانيها وثقيلَها. فصلْ به -
أعزَّكَ الله - قوادِمَ سعْدِكَ بالخوافي، (وارْمِ أعْداءكَ بثلاثَةِ الأثافي)، واسعدْ بهذا
(1/410)

الولدِ، مثل اليوم بالأمسِ والغد. ثلاثة تألَّفتْ منها الشهورُ، واجتمعتِ الأعوامُ والدُّهورُ. سوَّغَكَ الله ما أتاكَ وبلَّغَكَ في
الدارينِ هَناكَ بقدرته. والسلامُ.
قال أبو إسحاق:
كان هذا المولود وُلد بالبادية زمن الربيع، بعد وَلَدَيْن تقدّماه وسبِقاه في عُنْصُره ومنْتماه. فلذلكَ أنْشَدَ
أبو عبد الله رحمه الله ماأنشده، ونبه على طيب النجار والمَحْتِد، وأبْلَغَ فيما نص، وخصَّه من الثناء
الجميل بما خَصَّ.
وقوله:
(فمنْ تَكُنِ الحضارةُ أعْجَبَتْه) في الحَضارة لغتان معروفتان: الحضارة بفتح الحاء، والحِضارة
بكسرها وكذلك الغشاوة والغِشاوة. كسر الغين في الغشاوة أفصح ويجوز فيها الضم، أعني في الغين
من الغشاوة. وحكى يعقوب عن أبي زيد: البداوة بفتح الباء، والحضارةُ بكسر الحاء.
وعن الأصمعي: البِداوَةُ بالكسر، والحضارَةُ بالفتح. وحَكى أبو علي البغدادي عنهما مثل ذلك. وقال
أبو سليمان الخطابي في (شرح غريب الحديث): البَدَاوَةُ: الخروجُ إلى البادية، وفيهما لغتان.
قال أبو زيد: البِدَاوَةُ والحِضارةُ، يعني بالكسر. وقال الأصمعي: البَداوة: والحضَارة بالفتح. وأنشد:
فمن تكن الحضارة أَعْجَبَتْهُ ... فأيُّ رجال باديةٍ تَرَانا
(1/411)

فقول الخطابي مخالف لما حكى يعقوب وأبو علي.
وقال صاحب العين: البادية اسم الأرض التي لا حضَرَ فيها، وإذا خرج الناس منَ الحَضَرِ إلى
المراعي والصحاري قيل: قد بدَوْا بَدْءاً. والاسم البدء.
وقال الله تعالى وتباركَ (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ). يُرْوى أن مسكن يعقوب عليه السلام كان بأرض كَنْعَان، وكانوا أهل
مواشٍ وبرية.
ويقال: أهل البدو وأهل الحَضر، ويقال: بدَا الشيء يَبْدو بُدُوّاً إذا ظهر. وبدا لفلان في هذا الأمر بداً
وبدْءاً. ونظير بدا: ظهر وعلن، ويلتبس به بدأ يَبْدَؤُ بدَاءً بالهمز، وليس منه في لفظ ولا معنى؛ لأن
الأول من الظهور، والثاني من الإستئناف.
وفي كتاب الله تعالى (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ). قرأه أبو عمرو بن العلاء (بادئ) بالهمز على معنى: اتّبعوك في أول
الرأي، ولم يفكروا ولم ينظروا ورواها نصير بن يوسف عن الكسائي.
وقرأ القُرَّاء الستة بادي بغير همز. والمعنى: اتبعوك في ظاهر الأمر.
(1/412)

وفي حديث عائشة رضي الله عنها فيما روى أبو بكر بن أبي شيبة عن شريك عن المقدام بن شريح
عن أبيه عنهما. قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدو إلى هذه التلاع وأنه أراد البداوة
مرة، فأرسل إليَّ ناقة محرمة من إبل الصدقة" قال: والناقَةُ المحرَّمة: هي التي لم تُرْكَبُ ولم تُذَلَّل،
وأعرابي محرَّم إذا لم يُخالِط أهل الحضر. ويقال: سَوْطٌ مُحَرّم وهو الذي لم يكمل دِباغه. قال
الشاعر:
وإنَّ قليل المالِ للمرءِ مُفْسِدٌ ... يَحُزُّ كَمَا حَزَّ القطيعَ المُحرَّمُ
وذلكَ أنه إذا لم يبالغ في دباغه، كان أشد لضربه.
قال أبو بكر بن دريد: القطيعُ: السوط من العَقب. والجميع قُطُع.
قال: والحَضَرُ خلاف البَدو، ويقال: حَضَرْتُ القوم أحضرهمْ حُضوراً: إذا شهدتهم. والحاضرُ خلاف
الغائب. وحاضرتَ الرجل مُحاضَرة وحِضاراً، إذا عَدَوْتَ معه. وحاضَرْتَه إذا جَاثتَتهُ عند السلطان أو
في خصومة. والحضيرة: الجماعَة ما بين الخمسة إلى العشرة يُغْزَى بهم. قالت الجهينية:
(1/413)

فَرِدِ المياهَ حضيرةً ونَقيصَةً ... وِرْدَ القَطاةِ إذا اسمألّ التُّبَّعُ
وَمحْضَرُ القَوْمِ: مرْجِعُهُمْ إلى المياه بعدَ النجْعَةِ. ويقال أَحْضرَ الفرس إحْضاراً: إذا عدا عدْواً شديداً.
واستحضرته استحضاراً. ومن نوادر كلامهم (فَرَسٌ مِحْضير) ولا يَكادُون يقولون مِحْضَاراً. وإبلٌ
حِضَار، وهي الإبل البيض، ولا واحدلها من لفظها مثل الهجان سواء. وقال أبو ذؤيب:
معتَّقَةٌ صِرْفٌ يكونُ سِباؤها ... بناتُ المخاضِ شُومُها وحِضارُها
وألقت الشاة حضيرتَها، وهو ما تُلقيه بعد الولد من المَشْأمة وغيرها. وحضْرةُ الرجل: فناؤه.
وأصل الباب الحُضُور خلاف الغيبة، فمنه إحضار الفرس، لأنه أحضر ما عنده من العدو. ومنه
الحضيرة: الجماعة، يُغْزى بهم، أي من حَضَر من غير احتشاد. ومنه حضيرة الشاة، ما تلقيه بعد
الولد من المشأمة وغيرها، وهو ما يَحْضُرُها من ذلكَ بعد الولادة. ومنه الحِضارُ: الإبل البيض لأنها
على ألوان أهل الحَضَر من البياضِ دون البادية.
(1/414)

رجع
وولد لأبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله، وهو المتسمى من الألقاب السلطانية بالمقتدر مولود،
فكتب إليه أبو بكر الصولي بأبيات يقول فيها:
بالرُّشدِ والإِقْبالِ والجِدِّ ... والطَّائرِ الميْمُونِ والسَّعْدِ
هَنَّاكَ ياخيرَ الوَرَى قادمٌ ... أقبل للبيعة والعهدِ
مبارََكُ الطلعةِ ميمونُها ... مومنٌ للحلِّ والعًقْدِ
لو بيَّنَ المنْبِرُ عن نفسه ... شكا إليه شدةَ الوجد
وفيها يقول:
تنطقُ بالسُؤدد أَعْطافُه ... كنُطقِ عيسى وهو في المهْدِ
زاركَ عن شوق إلى قُرْبه ... زَورَةَ معشوقٍ على وعد
وما أحسن قول أبي بكر بن عمار في المعتمد، وولد له ابن وابنة في يوم واحد:
اِهنأْ بنَجْلَيْكَ منْ أُنْثى ومنْ ذكرٍ ... لا يعدم الضَّوء بين الشمسِ والقَمَر
وقبله قال ابن الرومي:
شمسٌ وبدرٌ ولدا كوكباً ... أقسمتُ بالله لقد أنْجَبَا
ثلاثةٌ تُشرق أنوارُها ... لا بُدِّلَتْ من مشْرِقٍ مغْرِبَا
تباركَ الله وسبحانه ... أيَّ شهاب منكم أثقبا
إن طاب أو طبتم فما أبعدت ... فروع مجدٍ أشبهت منصبا
(1/415)

أنتم أناسٌ بأياديكمُ ... يستغفرُ الدهرُ إذا أذنبا
إذا جنى الدهرُ على أهله ... وزاد في عِدّتكم أعتَبا
وأخذ معنى أول هذه الأبيات بعضهم فقال:
شمس الضُّحَى قُرنتْ إلى بَدْرِ الدُّجى ... حتَّى إذا اجتمعا أتَتْ بالمشتري
قال: ولَمَّا قدم أبو القاسم الهوزني من الحَضْرَة بعد النَّبْوة التي خَلَصَتْ إلى غَرْبه، والروعة التي
كادت تذهب بِرُوحه وسِرْبه، كتب إليه أبو القاسم بن الجد برقعة يُهَنِّيه فيها بالعافية، وبنعم الله التي
أثوابُها عليه سَابِغَةٌ ضافية:
وَكَمْنِعْمَةٍ لا يُسْتَقَلُّ بشُكْرِها ... إلى اللَّه في طَيِّ المكارهِ كامِنَهْ
قد يُجْتَنى - أعزَّكَ الله - من شجرةِ المساءةِ ثمْرُ المَسَرَّة، ويُجْتَلى وجْه المحبوب غِبَّ المكروهِ
مُشرقَ الأسرَّة، وربما تهجَّمَ القدرُ وضميرهُ مُبْتَسم، وتصَلَّب الزمنُ وعهدهُ مُحْتَشمُ؛ وإنَّما يُنظرُ إلى
مواقع الأقدار في الإصْدارِ، وتُحمدُ مجاري الأعمال عند المآل. وفي هذه المُقدمة دلالةٌ على النَّبْوةِ
التي ما اعتكرَ جُنْحُها، إلاريثما وضح صُبْحُها، ولا نَعَبَ بالبعد غُرابُها، حتى التَفَتَ إلى
(1/416)

سانِحِ السعْدِ رِكابُها، ولا استطارَلها في قلبِ الولي صَدْعٌ، حتَّى اشتَمَلَ منها على أنْفِ العَدُوِّ جَدْعٌ، وما ذاكَ إلاَّ أنَّ
سُلطانَ الحقِّ أَنْجَدَكَ وأيَّدَكَ، وبُرْهانَ الفضْلِ قامَ معكَ وأطالَ يدك، وحاش للعلمِ أنْ يُلبِسَ حامِلَهُ
خُمولاً، وأن يَحثَّ له نحو الإذالة حمُولاً، فَوَشْكَانَ ما استقلَّتْ بكَ أيدي الآثار، في الصُّدورِ العثار،
وخاصمتْ عنكَ ألْسُنَ السَّنن عوارضَ المِحن، وما سِرْتَ إلا وظِلُّ الكرامةِ عليكَ ظليلٌ، وصنعُ الله
لكَ رَسِيلٌ، وبكَ كفيلٌ. فلئنْ أوْحَشَ مسيرُكَ لقد آنَسَ ظُهورُكَ، ولئنْ سَمُجَ اغتِرابُكَ لقد حَسُنَ اقترابُك؛
ولئنْ سخِنَت العينُ بعدكَ، لقد بينَ البينُ فقدَكَ. فالحمدُ لله الذي أوشك مقْدَمَكَ، وأعْلى قَدَمَكَ، ورفع في
كل مِكْرُمَةٍ عَلَمَكَ، وإيّاه تعالى أسأل، أنْ يهنيكَ ويهنئَ فيك عارفة السلامة، ويُبْقيكَ بعيدَ الصِّيتِ رفيعَ
القدْرِ في الظَّعَنِ والإقامةِ. ولولا تَرَدُّدي في عقابيل سُقم لزمتْ جسمي شهوراً، واتخذتْهُ ربعاً معموراً،
لما استنبْتُ في التهنِئةِ خطاباً، ولحثَثْتُ نحوكَ رِكاباً. وأنتَ بِسَرْوكَ تُوسع العُذْرَ قَبولا، وتقْبلُه وجهاً
جميلاً.
وكتب يهنئ منْ صَدَرَ عن بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي محمد عليه الصلاة والسلام:
كتبتُ، وقدْ هزَّني وافدُ البُشْرى، واستَخْفَّني رائدُ المَسَرَّةِ الكُبْرى، بما سناهُ الله تعالى منْ قُدُومِكَ
محوطَ الجوانبِ والأرجاء، منُوطَ الفخارِ بِذوائبِ الجَوْزاء، مَخْطوطَ الأثر في مواطئ الرُّسُلِ ومواطنِ
الأنبياء. فيالَهَا حجَّةً مبرورة ما أتمَّ
(1/417)

مناسِكَها، وأوْضَحَ في مناهجِ البِرِّ مَسالِكَها، لقدْ شهدَ فيها الميقاتُ
بِخُلُوصِ إحْلالِكَ وإحرامِكَ، واهتزَّ البيتُ العتيق لطوافِكَ واستِلامِكَ، ورضيَتِ (المرْوَة) و (الصفا)
عن كمالِ أشواطِكَ، وتهلَّلَ (بَطنُ المسيل) لسعيِكَ فيه وانحطاطِكَ، ثمَّ بالموقف الأعظمِ منْ (عَرَفَة)
سطعَ عرفُ دُعائكَ وتَخشُّعِكَ، وارتفعَ خفْضُ رغْبَتِكَ وتضرُّعِكَ، في البيت المكرم من المُزْدَلِفَةِ حظي
تقَّرُّبُكَ وتزَلُّفُكَ، وزكا تهجُّدُكَ وتَنَفُّلُك، وعندَ (الإفَاضَةِ) فاضتِ الرحمة عليكَ، وكمُلَتِ النعمةُ لديكَ.
وأمَّا (منىً) ففيها قضيْتَ مُناكَ وأَوْطارَكَ، وقُبِلَتْ هَدَايَاكَ وجِماَرُكَ، وحُطَّتْ خَطَاياكَ وأوْزارُكَ، فما
صدرت عنْ تِلْكَ المعالم المُكرمة، والشعائر المُعَظَّمة، إلا وهيَ راضيةٌ عنْ عَجِّك وثجِّكَ، شاهدةٌ لكَ
بكمالِ حجِّكَ، مُشْفِقَةٌ منْ فِراقِكَ وبُعْدِكَ، مُتَعَلِّقةٌ لوْ أمْكَنَهَا بِبُرْدِكَ، وقَبْلَُ أوْ بَعْدُ ما تأنَّستْ بكَ يثرِب،
ورفعَ لكَ في جَنَباتِها مضرب، فشافهتَ منازلَ التنزيل، وطالَعْتَ معاهِدَ الرَّسولِ، وقَضيْتَ منْ زيارةِ
القبرِ الكريمِ واجباً، وقُمْتَ بينَهُ وبينَ المنْبَرِ ضارِعاً وراغِباً. فما حُجِبَ عنهُ عليهِ السلامُ زَوْرُكَ
وإلْمامكَ، وقصْدُكَ وائْتمامُكَ، وصلاتُكَ وسلامُكَ؛ بَلْ كانَ لكُلِّ ذلكَ واعياً سامعاً، ويكونُ لكَ بحولِ الله
شاهداً شافعاً، فهَنَّأكَ الله، وما منَحَكَ منْ جزيلِ الأجرِ في موقفِ الحَرمين، وأطارَ لكَ منْ جميلِ الذكرِ
في الخافقيْنِ.
(1/418)

ولمَّا قعَدَ بي عنْ قصْدِكَ ما قَعَدَ، ولمْ يُمَكنِّي الوفودُ عليكَ في جُمْلَةِ منْ وفد، استنَبْتُ كتابي منابي،
والسلام.
قال أبو إسحاق:
وأبو القاسم بن الجد هذا ممن له في الآداب السبقُ والتقديمُ، وفي المجد والحسب محلٌّ إلى جانب
الجوزاء مقيمٌ، وكان مليحَ الكلامِ في المنثور والمنظوم، تصرَّفَ في النوعين تصرُّفاً غير مذموم.
وهو القائل في صفة المطر بعد تمادي القَحْطِ وتوالي الكَدَر:
لله تعالى في عباده أسرارٌ، لا تُدْرِكُها الأفكار، وأحكامٌُ، لا تنالُها الأوهامُ، تختلفُ والعدلُ متفرّقُ
وتفترق والفضلُ مجْتَمعٌ مُتَّسق، ففي مِنحها نفائسُ المأمولِ، وفي مِحَنها مداوِسُ العُقول، وفي فوائدها
حدائقُ الإنْعامِ رائقةٌ، وبينَ أرجاءِ شدائدها بوارقُ الإعذار والإنذار خافقة، وربَّما تفتَّحت كمائم
النَّوائب عنْ زهْرِ المواهب، وانسكبتْ غمائمُ الرَّزَايا، بنفحاتِ العطايا، وَصَدَعَ ليلَ اليَأْسِ صُبْحُ
الرَّجاءِ، وخلعَ عامِلَ البَأْسِ وَالِي الرخاء، وذلك بتدبير اللطيف الخبير، وتقديرِ العزيزِ القدير.
ولمَّا ظَنَّتْ بِتَثَبُّطِ الغيثِ الظُّنون، وانْقَبَضَ منْ تَبَسُّطِ الشَّكِّ اليَقِينُ، واسْتَرابَتْ حِياضُ الوِهادِ، بعُهودِ
العهادِ، وتأهَّبَتْ رياضُ النِّجَادِ، لبُرودِ الحداد،
(1/419)

واكتحلتْ أجْفانُ الأزْهارِ، بإثْمِدِ النَّقْعِ المُثارِ، وتعَطَّلَتْ
أجْيادُ الأنْوارِ، منْ حُلِيِّ الديمَةِ المِدْرارِ، أرْسلَ الله تعالى بين يديْ رحمته ريحاً بليلةَ الجناحِ، مَخيلَةَ
النَّجاحِ، سريعةَ الإلقاح، فنَظَّمتْ عقودَ السحابِ، نَظْم النِّجاب، وأحْكَمتْ بُرُود الغَمَام، رائقَةَ الأعلام.
وحينَ ضرَبَتْ تلك المَخيلةُ في الأُفقِ قِبابها، ومدَّتْ على الأرضِ أطنَابَها، لم تَلْبَث أن انتهِكَ رواقها،
وأنْبَتَكَ وشيكاً نِطاقُها، وانبَرتْ مدامِعُها تَجْري بأجفانِ المُشْتاقِ، غداةَ الفراقِ، وتحْكي بنان الكرامِ، عند
أَرْيَحِيَّةِ المُدامِ، فاسْتَعْبَرَتِ الرِّياضُ ضَحكاً ببكائها، واهتزَّتْ رباب النَّباتِ طرباً لتغْريدِ مُكائِها،
واكتَسَتْ ظهورُ الأرْضِ منْ فيضِ آلائها، خُضْرَ ملائها، فكأنَّ صنْعاء قدْ نشرتْ على بساطها بِساطاً
مُفَوَّفاً، وأهْدتْ إليها منْ زخارِفِ بَزّها ومطارفِ وشْيِها ألْحافاً وتُحَفاً، وخُيِّلَ للعُيُون أنَّ زُهْر النُّجُومِ،
قدْ طَلَعَتْ منْ مواقِعِ التُّخومِ، ومباسِمَ الحسانِ، قد وصلتْ بافترارِ الغيطان، فيا بَرْدَ موقِعها على القُلوبِ
والأكبادِ، ويا خُلوصَ رَيِّها إلى غُلل النُّفوسِ الصواد، كأنَّما استعارتْ أنْفاسَ الأحْبابِ، أوْ ترشَّفَتْ
شنَبَ الثَّنايا العذاب، أو تَحَمَّلتْ ماء الوصال، إلى نارِ البَلْبال، أوْ سرَتْ على أنْداء الأسحارِ وريْحانِ
الآصال. لقد تبينَ للصُّنْع الجميلِ منْ خلالِ ديمِها تنَفُّسٌ ونُصولٌ، وتمكَّنَ للشكر الجزيل في ظلالِ
نعَمها مُعرَّسٌ ومقيل.
(1/420)

فالحمد لله على ذلك ما انسكبَ قَطْرٌ، وانصدع فَجْرٌ، وتوقَّد قبس، وتردّد نفس، وهو الكفيلُ تعالى
بإتمام النَّعماء، وصلة أسباب الحياة والحياء بمنِّه.
وفي هذا المعنى فصل لأبي عمر الباجي يقول فيه:
إنَّ لله تعالى وجلَّ قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل، ومنحاً يجعلها لقومٍ صلاحاً وخيراً،
وعلى آخرين فساداً وضيراً. فلا نظير له ولا نديد (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) وبعد ما كان من إمساك الحيا، وتوقف السُّقْيا،،
قد ريع به الآمن، واستطير له الساكن، ورجفت الأكبادُ فزعاً، وذُهلت الألباب جزعاً، وأذكت ذكاء
حرها، ومنعت السماء درَّها، واكتست الأرض غُبْرَةً بعد خضرة، ولبستْ شُحُوباً بعدَ نضْرة، وكادتْ
بُرُودُ الأرض تُزْوى ونِعمُ الله تُطوى. نشرَ الله العزيزُ الكريمُ رَحْمَتَهُ، وبسطَ نعمتَهُ، وأتاح منَّته،
وأزاح محنته، فبعتَ الرياحَ لواقِح، وأرسلَ الغمام سوافح، بماءٍ دفقٍ، ورواءٍ غَدِقٍ، منْ سماءٍ طبقٍ،
واستهلَّ جفْنُها فَدَمَعَ وسحَّ دمعها فهمع، وصابَ وبْلُها فنَقَعَ، فاستوْفَت
(1/421)

الأرضُ ريَّا، واسْتَكْملَتْ منْ نباتها أثاثاً وريَّا، فزينة الأرض مشهورة، ومِنَّةُ الرَّبِّ موفورةٌ، والقُلوبُ ناعِمةٌ بعد بُؤْسها، والوجوه
ضاحكةٌ بعد عُبُوسها، وآثارُ الجزعِ ممحُوَّة، وسُوَرُ الشُّكرِ متْلُوَّة. ونحنُ نستزيدُ من الواهبِ نعمةَ
التَّوفيق، ونستهديه في قضاء الحقوق، إلى سواء الطريق، ونستعيذُ به من المِنَّةِ أنْ تَصيرَ فِتْنَة ومنَ
المَحْنَةِ أنْ تَعودَ مِحْنة، وهوَ حسْبُنا ونِعْم الوكيل.
قال أبو إسحاق:
وذكرتُ بهذا المزدوج البديع المَسَاق والتَّرتيب، خبر الأعرابي أبي مجيب إذْ هو في معناه، وكان
رجلاً من بني ربيعة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم فيما ذكر ابن الأعرابي قال: لقد رأيتنا في
أرض عَجْفاء، وزمانٍ أعْجَف، وشجرِ أغْشم في قُفٍّ غليظٍ وحارَةٍ مُدَرَّعَةٍ غَبْراء، فبينما نحن كذلك، إذْ
أنْشَأ الله من السماء غيثاً مُسْتكِفَّا أنْشأهُ مُسْبِلَةً غزالية، ضخاماً
(1/422)

قطْرُهُ جَوْداً زاكياً نزَّله رزقاً لنا، فنعش
أموالنا ووصل طرقنا وأصابنا. وإنّا لَبِنَوْطَةٍ بعيدة الأرجاء، فاهْرمَّعَ مَطَرُها حتى رأيتُنا، وما نرى إلا
غير السماء والماء، وصهواتِ الطَّلْحِ يضرب السيلُ النِّجَافَ، وملأ الأودية فرعبها، فما لبثنا إلا عشراً
حتى رأيناها روضة تَنْدَى.
تفسير غريب هذا الخبر. قال قاسم بن ثابث: قوله مُدَرَّعَّة؛ أي أكل ما حولها. وشاة درعاء؛ إذا
ابيضَّ رأسُها وسائرها أسود. ويقال ماء مُدْرِعٌ؛ إذا أُكِلَ ما حوله من الكلأ. والمُسْتَكِفُّ؛ المستدير،
وكل مستدير كِفَّةٌ. وكل مستطيل فحرفُهُ كُفَّةٌ، وكلُّ شيء جَمَعْتَه فقد كفَفْته. واسْتَكَفَّ القوم الشيء، إذا
أحدقوا به، واستَكَفَّ السائلُ إذا بسطَ كفَّهُ يسأل. وتَكَفَّفَ السائلُ الأبواب إذا مدَّ
(1/423)

كفَّه للسؤال. ويقال كفَّ عن الشيء يكُفُّ كفَّا إذا انقبض عنه. قال الله تعالى: (وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ) وكِفَّةُ الميزان بالكسر، كِفُّ الذي توضع فيه
الدراهم. وكُفَّةُ الثوب بالضم حاشيته. والكُفَّة بالضم أيضا ما يُصادُ به الظِّباء يجعل كالطوق. والكِفَفُ
دَارَاتُ الوَشْمِ. والمكفُوفُ الأعمى. وأصل الباب الجمع.
وقال أبو إسحاق الزجاج: أُخِذَ من المنع. تقول كَفَفْتُهُ عن كذا أي منعته. وفي كتاب الله تعالى (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)،
وانتصاب كافة على الحال.
والغزالي: أفواه الجراد. شَبَّه تَحَلُّبَ المطرِ بالغزالي.
وقوله: (ووصَلَ به طُرُقنا لأنهم لا يقدرون على الضَّرب في البلاد) كذا قال قاسم. قال: وهذا
كالحديث المرْوِيِّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلاً شكا إليه الجَدْب فقال: يا رسول الله
هَلَكَتِ الأموالُ، وانقطعت السُّبُلُ فادْعُ الله لنا.
والنَّوْطَةُ المَفازةُ، وجمعها نِيَاط سُمِّيتْ بذلكَ لأنها كأنها من بعدها مَنُوطَةٌ بِمَفَاوزَ أُخَر لا تَكادُ تنقطعُ.
والإهْرِمَّاعُ كالإنْهمال. اهرَمَّعَ الرجلُ في منطِقِهِ وحديثه، يهرمِّعُ اهرمَّاعاً، وهو مُهْرَمِّع، والعينُ
تهرمِّعُ، إذا درَّت الدَّمْع سريعاً. ورجل مُهْرَمِّعٌ أيْ سريع البكاء.
وقوله (رعب الأودية) أي ملأها. قال الشاعر:
(1/424)

يقابل جُوعَهُم بمُكلَّلاتٍ ... منَ الفُرْنِيِّ يَرْعَبُها الجميلُ
والنِّجافُ واحدتها نَجَفَة، وهي تكون في بطنِ الوادي شِبْهِ جدارٍ ليسَ بحدٍّ عريض.
رجع
وكتب بعض الأدباء إلى صديق له قدم من سفر:
طَلَعْتَ طُلُوعَ البَدْرِ بعدَ مُحَاقِهِ ... وأُبْتَ كما آبَ الرَّبيعُ المُزايِلُ
وَرَدَنِي، أطال الله بقاء عمادي الأعظم، وملاذي الأعصم، كتابه الأكرم، يُبَشِّرُ بِقُدومِهِ، وتَطلُّعِ المجْدِ
منْ رُسومِهِ، فجَذَبَ الزَّهو عِطفي، وجادَ صوبَ النعمة والمَسَرَّة رَبْعِي وكهفي، وجاذبَتْني النفسُ إليهِ
عِناقَ السباقِ، واسْتَخَفَّني الطَّرَبُ والجذلُ حتى كِدْتُ أطيرُ بجَناحِ الاشتياق، وحُقَّ لمن أرهفْتَ طبعه
وغربَهُ، وأمَّنْتَ بِمُحَامَاتِكَ سرْبَه، وكنتَ شرْقَ طرْفِه إذا نظرَ وغرْبَه، أنْ يحُلَّ إلى لُقْياكَ، ويهيمَ
بعُلاك، ولا يَسْتَقرَّ حتى يجْمَعَه وإيَّاكَ أرضٌ، ويتمَكَّنَ لهُ منْ قضاء حقكَ فرْض. ولولا أنِّي قدْ وردْتُ
منَ السَّاقة على اختلالٍ قدْ أخذتُ في سَدِّهِ ورَمِّه، وانتشار قد شرعتْ يدي في جَمْعِهِ وضمِّه، لأعْمَلْتُ
إليك ركابي، قبل كتابي، ولقدَّمْتُ إعْمالَ قدمي، وأخْفيتُ شَبَاةَ قلمي، وعنْدَما أفْرغُ من حالي ومُعاناتها،
ونَسْتَطِبُّ - إن شاء الله - منْ سدِّ خَلاَّتِها، أنقضُّ إلى ذلكَ الأفقِ انقضاضَ الأجْدَل، وأرْكَبُ صهوةَ
العجَلِ. والله تعالى يُعَرِّفُكَ يُمْنَ مَقْدمِك، ويُورِدُ الإخوانَ مشارِع كرَمِك، بمَنِّه.
(1/425)

فصول من كلامهم في معنى التَّعْزية
لما توفي الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن أصبغ، كتب أبو عبد الله محمد بن أبي الخصال إلى
بنيه رقعة افتتحها بهذه الأبيات:
أَعَلِمْت منْ حَمَلُوا على الأعْوَادِ ... أرأيْتَ كيْف خبا ضِياءُ النادي
جبَلٌ هوى، لوْ خرَّ في البحر، اغتدى ... منْ وقعه، مُتتابِعَ الأرْبادِ
يالَيْتَ أنِّي ما اقْتَنَيْتُكَ صاحِبَا ... كمْ قِنْيَةٍ جَلَبَتْ أسىً لِفُؤاد
بَرْدُ الضُّلُوع بمَنْ تُحِبُّ بَقَاءَهُ ... مِمَّا يَجُرُّ حَرَارَةَ الأكبادِ
ياسَادَتي المُعَظّمين وكُبَرَائِي، وأنْصاري المُقَدَّمين وظهرائي، والعُمدةُ المنيعَةُ الذين أَعُدُّهم منْ خيرِ
العتادِ لِمَنْ ورائي. كلأَكُمُ الله وكَلأَ المجْدَ فيكمْ بعِصمَتِهِ المُطيفِةِ، وتكَفَّلَ بِهِممِكُمُ الباسِقَةُ المنيفَةِ،
وحَجبَكُم بصونِهِ عنْ صُرُوفِ الأيام وحَوادِثِها العنيفَةِ، وأحسن عزاء المسلمين وعزاءكم في البحر
الذي أسْلَمْنا بعده إلى ضَحْضَاح، والجبلِ الذي كُنّا نَلُوذُ بظلِّهِ فتَركَنا أيَّ تركٍ إلى أجْرد
(1/426)

صاحٍ، ندفعُ ظالمنا ببنانٍ وراحٍ. وقدْ كُنّا نذُودُه منْ جَلالَتِهِ ومَهَابَتِهِ بأمْضى سُيُوفِ وأنْفذِ رماحٍ. يا حَرَّها على
الأكبادِ، ويالها مُصيبَةً فتَّتْ على الأعضادِ، وعَمَّتْ أهل الرُّبا والوهادِ، وقدحتْ في الجوانِحِ والعُيُون
نارَ الجَوَى والسهادِ:
إذا ما دَعَوْنَا الصَّبْرَ بعدَكَ والبُكَا ... أجابَ البُكَا طَوْعاً ولم يُجِبِ الصَّبْرُ
فإنْ ينقطعْ منكَ الرَّجاءُ فإنه ... سيبْقى عليكَ الحُزْنُ ما بَقِيَ الدَّهْرُ
أُشْهِدُ لقدِ اسوَدَّ ناظري من الأرضِ حينَ نُعيَ، وتَمنَّيْتُ أني دُعيتُ فأجَبْتُ حينَ دُعي:
وأقبَلَ ماءُ العينِ مِنْ كُلّ زَفْرَةٍ ... إذا ورَدتْ لمْ تَسْتَطِعْها الأضالِعُ
فُجِعْنا به حينَ نَظَم الفَضائلَ كُلّها نَظْماً، واستولى على أمدِ التَّقْوى شدَّا وحزْماً، واستوى على ذِرْوَةِ
المَعَالي سيِّداً ضخْماً، نراهُ للإسْلامِ أمْنَةً وسكَناً، ونَعْتَدُّهُ قيماً على أماناتِ الدَّهرِ مُؤتَمَناً، ونَعْتَقِدُهُ مِمّنْ
بَشَّرَ الله منَ المؤمنين الَّذين يعملونَ الصالحاتِ أنَّ لَهُمْ أجراً حسناً:
وَكُنْتُ أرَجِّي أنْ أُمَلاَّهُ حِقْبَةً ... فحالَ قضاءُ الله دُونَ رجَائِيا
ألا لِيَمُتْ منْ شاء بعْدَك، إنَّما ... عليكَ، مِنَ الأشياءِ كان شائيا
ولئنْ سُرّ بيوْمِهِ الشامتُ والكاشحُ، فما ألْوى به الخطبُ الفادحُ الكالِحُ، إلاّ
(1/427)

حينَ لمْ يبْقَ مَشرِقٌ ولا مغْرِبٌ إلا ولهُ فيه مُثْنٍ ومادِح، ووراءهُ - بحَمدِ اللَّه - منكم مَنْ يُدافِعُ عنْ مَجْدِهِ ويُنَافِح، ويَسْمُو مِنَ
المَكَارِمِ إلى حيثُ سما، ويَرْمي في المآثر إلى حيثُ رمى، وينْتَمي إلى جُرْثُومَةِ العربِ إلى أكرمِ
مُنْتَمى. فالتَّعَزِّي عليهِ بكُم ماثلٌ، والسُّلْوانُ عنِ الأحزانِ بِمَكانِكُمُ السَّادِّ لِمكانِهِ حاصِلٌ، وكُلُّكُمْ بعدَ ذلك
السَّيِّدِ الماجدِ سيِّدٌ فاضِلٌ، لا يَتَّكِلُ على الحسبِ، ولا يَقْصُرُ عنْ أهْلِ الرُّتَب.
وإنِّي، وإنْ عَزَّيْتُكُمْ - أعَزَّكُمْ الله - لَمِمَّنْ يُعَزَّى بمجْدِه، ويجدُ به حَقَّ وجْدِهِ، ولا يَرى فَقْدا كفَقْدِهِ. كانَ
في كلِّ فضيلةٍ قريعَ دَهْرِهِ، ونَسَيجَ وَحْدِهِ. وأنْتُمْ - بحمدِ الله - السَّادُّونَ في الدِّينَ والدُّنْيا مَسَدَّهُ منْ
بَعْدِهِ. وأعْتَذِرُ إليكمْ - أعَزَّكُمْ الله - منْ أشْغالٍ وكيدَةٍ مُسْتَحَقَّة، وفِكَرٍ في أشْتاتٍ مُسْتَرَقَّة، ولوْ أعْمَلْتُ
في هذا الرُّزْء قدَمي، مكانَ قَلَمي، لمَا بلغتُ قَدَرَه، ولقدْ شهِدْتُ بقلبي معَ مَنْ شهِدَهُ وحضره، وفيكم -
بحمد الله - منْ تُرْفَعُ إليه الأبصار إجْلالاً، فَتَرى فيه منَ الماضينَ - رحمكم الله - مُشابهةً كريمةً
وأمثالاً. وأنتُم - أعزَّكمُ الله - تَجْعلُونَ سَيْرَهُ وهَدْيَهُ إماماً ومِثالاً، وتَمْلؤونَ الحَضْرةَ بَهَاءً وجَمالاً.
بُدُورٌ يَسْري بها السَّارونَ، ويَقْتَدي بها المُقْتَدُون، ولا يتجاوزُها المُنْتَهُون. أقَرَّ الله بكم عُيُونَ الأوْلياء،
وأفاضَ عَلَيْكُمْ سَوَابِغَ النَّعْماءِ، وأشْرَبَ قُلُوبَكمْ جميلَ الصَّبْرِ والعزاءِ، بِكَرَمِهِ. وأَقْرَأُ عليكمْ أعَمَّ السّلامِ
وأنْماهُ، وأبَرَّهُ وأحْفاهُ، ثمَّ السلامُ المُرَددُ، عليكُم ورحمةُ الله وبَرَكاتُه.
قوله: (فما ألوى به الخطب الفادح الكالح، إلا حين لم يبق مشرق ولا مغرب إلا وله فيه مُثْنٍ ومادح)
من قطعة شعر قرأتها في النوادر لأبي علي أولها:
مضى ابنُ سعيدٍ حينَ لم يبْقَ مَشْرِقٌ ... ولا مغرِبٌ إلاَّ له فيه مادِحُ
وما كُنتُ أدْري ما فواضِلُ كفه ... على الناس حتَّى غيَّبَتْهُ الصَّفائحُ
(1/428)

فأصبح في لَحْدٍ من الأرض ميِّتاً ... وكانت به حياً تضيق الضحاضح
فما أنا من رُزءٍ وَإِنْ جَلَّ جازِعٌ ... ولا بسرور بعدَ موتِكَ فارح
كأنْ لم يَمُتْ حَيٌّ سواك ولم تقم ... على أحدٍ إلا عليك النَّوائح
لئنْ حَسُنَتْ فيكَ المراثِي وَذِكْرُهَا ... لقد حَسُنَتْ من قبلُ فيكَ المدائح
سأبكيكَ ما فاضتْ دُموعي فإنْ تَقْضِ ... فَحَسْبُكَ مِنِّي ما تحنُّ الجوانِحُ
وكتب أبو القاسم بن الجد في المعنى:
لا بدَّ منْ فقْدٍ ومنْ فاقدٍ ... هيهاتَ ما في الناسِ منْ خالِدِ
كُنِ المُعَزّي لا المُعَزّى بِهِ ... إنْ كانَ لا بُدَّ منَ الواحِدِ
إذا لمْ يَكُنْ بُد منْ تجَرُّعِ الحِمامِ، وتَشَتُّتِ النَّظامِ، وانصداع شملِ الكِرامِ، فمِنَ الاتفاقِ السعيدِ، والقدَرِ
الحميدِ، أنْ يرثَ أعْمار البيْتَةِ الكريمة مُشَيدُ عُلاها، وتسْلَمَ منَ القِلادَةِ وُسْطاها، فمَدارُ الكِنايةِ على
مُعَلاها، وفخَارُ الحَلْبَةِ بِمُحْرِزِ مداها، وفي هذه النُّبْذةِ إشارةٌ إلى منْ فَرَطَ منَ الإخوةِ الفُضلاء، ودَرَجَ
منَ السَّاداتِ النُّجَباء، فإنَّهم، وإنْ كانوا في رُتْبَةِ الفضلِ صُدُوراً، وبَدَوا في سماءِ النُّبْلِ بُدُوراً، فإنَّ
شمسَ عُلاكَ أبْهرُ أضْواءً، وأزْهرُ أنْواراً، وظِلَّ حمايتِكَ على بنيهم ومُخَلَّفيهم أنْدى آصالاً، وأبْرَدُ
أسْحَاراً.
(1/429)

ونُعي إليَّ، أوْشَكَ الله سُلْوانَكَ، ولا أخْلى منْ شَخْصِكَ الكريمِ مَكَانَكَ، الوزيرُ أبو فُلان بَرَّدَ الله ثراه،
وكرَّم مثْواه، فكَأنَّما طعنَ ناعيه في كبدي، وظعَنَ حاديه بذخيرةِ خلَدي. لا جرمَ أنِّي دُفِعْتُ إلى غَمْرَةِ
من التلدُّدِ لو صُدم بها الدَّهرُ لحار، أَوْدُهِمَ بِمِثْلِها الحزمُ لخار، ثمَّ ثابَتْ إليَّ نفسي وقدْ وَقَدَها الجَزَعُ،
وعَضَّها الوَجَع، فأطلْتُ الاسْتِرجاع، وجمَعْتُ الجلَدَ الشعاع، وهَاأنا عندَ الله أَحْتَسِبُهُ جُماعَ فضائل،
وجمالَ محامل، وحديقةَ مكارم ضَرَّحَتْ، وصحيفة محاسِن درستْ وامَّحَتْ؛ وما اقتصرتُ منْ رسْم
التعْزِيَّةِ المَألُوفِ، على القليل المَحْذُوف، إلاَّ لِعِلْمي بأنّ التَّعَزِّي لا يُورِدُ عَلَيْكَ غريباً، ولا يُسْمِعُكَ منْ
موْعِظَةٍ عجيباً، فيكَ يقتدي اللبيب، وعلى مثالكَ يجْتَزئ الأريبُ، وإلى غَرَضِكَ يرْمى المُصيبُ، وفي
تجافي الأقدارِ عنْ حَوْبائِكَ، وسُقُوطِها دُون فِنَائكَ، ما يَدْعُو إلى حُسْنِ العزاء، ويُهَوِّنُ جلائلَ الأرْزاء،
لا صَدَعَ الله جَمْعَكَ، ولا قَرَعَ بِنَبْأةِ المكْروهِ سمْعَكَ، بِعِزّتِه.
وفي المعنى للكاتب الماهر أبي عبد الرحمن بن طاهر:
أَقَمتُ لَهْفَانَ وقدْ أسْمَعَ النَّاعي، فأضْرِمَ نار الأسى بينَ أضْلاعي، للرَّزِيَّةِ العُظْمى، التي رمى سَهْمُها،
فأصْمى، بوفاةِ منْ جُمعَتْ فيه المحاسنُ والخِلال، وزالَ كما تَزُولُ الجبالُ، وقَلَّ له المُشاَبِهُ والنَّظيرُ،
وماتَ بمَوْته البشرُ الكثيرُ، أبو فُلان ربُّ الشَّرَفِ الصَّميمِ، والحَسَبِ العِدِّ الكريمِ، أوْ سَعَهُ الله رحماهُ،
وجعلَ الجنّةَ مَأْواه، فإنّا لله وإنَّا إليهِ راجِعُون؛ على الرَّزِيَّةِ فيه،
(1/430)

لَيّتَني بالنفسِ أَفْديه، فأمّا القلبُ فَمُنْحَلّ
ومُسْتَلبٌ، وأمّا الدمعُ فمُنْهَلّ ومنْسكِبٌ. سقى الله جَدَثَهُ سَبَلَ القَطْرِ، ونَفَّعهُ بحسنِ المذهبِ وجلالَةِ
القدْرِ، وجزاه جزاءَ المُحسنينَ، وأنْزلهُ دارَ المُقامَةِ في علّيّين، وهَنَّاكَ الله ميراثَهُ منَ الرِئاسةِ، ومَكَانَهُ
من النَّفاسَةِ، ومَنَحَكَ العُمْر الطَّويل، وأمْتَعَكَ العِزَّ الظليل، وساعدكَ بكلِّ ما تهواهُ الزمانُ، ولا زالَ بكَ
يتَحَفَّلُ ويَزْدان.
قول أبي عبد الرحمن رحمه الله: (ومات بموته البشر الكثير) مأخوذ من قول الشاعر:
لًَعَمْرُكَ ما الرَّزِيةُ فَقْدُ مالٍ ... ولا شَاةٌ تموتُ ولا بَعيرُ
ولكن الرَّزيَّةَ فقدُ قرْمٍ ... يَمُوتُ بموته بشَرٌ كثيرُ
ويروى: يموت من آجِلِهْ. وهذا من قول عَبْدَة بن الطبيب يرثي قيس بن عاصم:
(1/431)

عَلَيْكَ سلاَمُ الله قيْسَ بن عاصمٍ ... ورَحْمَتُهُ ما شاء أنْ يتَرَحَّما
تحِيَّة منْ غَادَرْتَهُ عَرَضَ الرَّدى ... إذا زار عنْ شحطٍ بلادكَ سَلَّما
فما كانَ قيسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ واحدٍ ... ولكنه بُنْيانُ قومٍ تهَدَّما
والمتقدم بهذا المعنى امرؤ القيس حيث يقول:
فَلَوْ أنّها نفْسٌ تَموتُ جميعةً ... ولكنّها نفْسٌ تساقَطُ أنْفُسا
أخذه أبو العباس أحمد بن عبد ربه صاحب (كتاب العقد) فقال:
منْ يُرْتَجَى بعدكَ أوْ يُتَّقى ... وفي يدَيْكَ الجودُ والباسُ
ماعِشْتَ عاش الناسُ في نِعْمَةٍ ... وإنْ تَمُتْ مات بكَ النَّاسُ
وقول الشاعر: (فقد قَرِمَ) القَرْمُ: هو السيد الكريم من الرجال، وأصله الفحل من الابل يُكْرَم ويُصان،
فلا يُمْتَهن ولا يُذَلَّلُ بالحَبْل، وإنَّما يُعَدُّ للضِّراب. قال الشاعر:
فَحَزَّ وظيفُ القرْمِ في نصف ساقه ... وذاكَ عِقال لا يُنَشَّطُ عَاقِلُهْ
ويقال له أيضا المُقْرَم. قال الشاعر:
(1/432)

إذا مُقْرمٌ منَّا مَضى لسبيله ... تَخَمَّطَ فينا نابُ آخرَ مُقْرَمِ
ومثل هذا قول المرار الأسدي:
وإذا فُلانٌ ماتَ عنْ أُكرومَةٍ ... رقعُوا معاوزَ فقْده بفُلانِ
وفي حديث علي رضي الله عنه، أخبرنا أبو الحسن القرم كنى به عن نفسه.
قال: وعزّى عبد الرحمن بن أبي بكرة سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ منْ طالَ
عمره فقد الأحِبَّة، ومنْ قصر عمره كانت مُصيبتُه في نفسه. قال: ونظر أعرابيٌّ إلى قومِ يدفنونَ
حريمَة لهم، فقال: نعمَ الصّهر صاهَرْتُم، تَأْمَنُونَ به العار، وتكفون به سوء الأُحْدُوثَة، وما لِمَضْنونٍ
بها من النِّساء أكرمُ من قبْر.
وحكى الأصمعي قال: سمعتُ أعرابياً يقول: غَفَلْنا ولمْ يغْفل الدَّهرُ، ولم نتَّعِظْ فيه بغيرِنا، حتى وعَظَ
غيرَنا بنا. فقد أدرك السعادة منْ تنَبَّهَ، وأدرك الشقاء منْ غفَلَ، وكَفى بالتَّجربة واعظاً.
(1/433)

قال: وسمعت أعرابياً يقول لقوم يدفنون ميْتاً لهم: جافى الله عنْ ميتِكُم الثَّرى، وأعانَه على طُولِ
البِلى، وآنسه في الهُوَّةِ الظَّلماء، حين تتصدَّعُ عنه الأقرباء. قال: ودخلتُ على امرأة من العرب
بأعلى الأرض في خِباءٍ لها، وبين يديها بُنَيٌّ لها، قد نزل به الموت، فقامتْ إليه فأغْمَضَتْهُ، وعَصبَتْه،
وسجَّتْهُ، ثم قالت: يا ابن أخي. قلتُ: ما تشائين؟ قالت: ماأحَقَّ منْ أُلْبِسَ النعمة، وأُطيلتْ به النَّظرة،
ألايدَعَ التوثق من نفسه قبل حلِّ عُقْدته، والحُلُولِ، بعَقْوَته والمَحَالة بينه وبين نفسه. قال: وما تقطر
من عَيْنَيْها دمعة صبراً واحتساباً، ثم نظرت إليه فقالت: والله ما كان مالُكَ لِبَطْنِكَ، ولا عُمْرُكَ لعِرْسِك.
ثم أنشدت:
رحيبُ الذِّراعِ بالتي لا تُشينُه ... وإنْ كانتِ الفحشاءُ ضاقَ بها ذَرْعا
قال: وحجَّتْ امرأة من العرب ومعها ابن لها، فأصيبتْ به، فلمّا دُفِنَ قامتْ على قبره، وهي مُرَجِّعةٌ
فقالت: والله يا بُنيَّ لقد غذَوْتُك رضيعاً، وفقدْتُكَ سريعاً، ولم تكن بين الحالين مدةً أَلتَذُّ بعيشِك منها،
فأصبحتَ بعد النَّضارة والغضارة ورونقِ الحياة صديعاً، تحت أطباقِ الثَّرى جسداً هامداً. أي بُنيَّ، لقد
سحبت الدُّنيا أذْيالَ الفناء، وأَسْكنتْكَ دارَ البَلى، ورمَتْني بعدكَ بالداهية الدَّهْياء. أي بُنَيَّ لقد أوْرَثَ
الحُزْنُ نَفْسي فادِحَةً وهي لقلبي شاذِخة. ثم قالت: أيْ رَبِّ، منكَ العدْلُ، ومنْ خَلْقِكَ الجَوْرُ، وهَبْتَ لي
قُرَّة عَيْن فلم تُمَتِّعْني به كبيراً، بل
(1/434)

سَلَبْتَنيه وشيكاً، وأمَرْتنى بالصبر، ووعَدْتَني عليه بالأجْرِ، فصدَقْتَ
وَعْدكَ، وأصبْتَ قضاكَ. اللهمَّ ارحمْ غُرْبَتَه، واسْترْ عَورته، يوم تُكْشَفُ الهَناتُ والسَّوْءات. ثم
انصرفت، فلما أرادت الخروج إلى أهلها عادت إلى قبره، وقفت عليه وقالت: أيْ بُنَي، قدْ تزَوَّدْتُ
لسفري، فياليتَ شعري؛ ما زادُكَ لسَفَرِكَ، وبُعْدِ طريقَك، ويومِ ميعادِك. اللهمَّ إنِّي أسألُكَ لَهُ الرِّضى
بِرِضائي عنه. ثم قالت: اسْتَوْدَعْتُكَ من استودعَنيكَ في أحْشائي جنيناً، وَاثُكْلَ الوالِدات. ما أمضَّ
حرارة قُلُوبِهِنَّ. وأقْلَقَ مضاجعهُنَّ، وَاثُكْلَ الوالدات. ما أطول ليلهُنَّ. وأقْصرَ نَهارَهُنَّ، وَاثُكْلَ الوالدات
ما أقلَّ أُنْسَهُنَّ، وأكثر وحْشَتَهُنَّ، وَاثُكْلَ الوالداتِ ما أبعَدهنَّ من السَُّرور. وأقْرَبهُنَّ من الأحزانِ.
ثمَّ لمْ تَزَلْ تقُولُ من الكلامِ مثْلَ هذا، حتَّى أبْكَتْ منْ سَمِعَها، ثمَّ حَمِدت الله عز وجلَّ، واسترجعتْ
وصلَّتْ عند قبره ركعاتٍ وانطلقتْ.
قال: وسمعتُ صالحاً المُري يُعَزِّي رجلاً على ابن له توفي فقال له: إن كانت مُصيبَتُكَ بابنِك لم
تُحدثْ لكَ موعِظة في نفسك، فمُصيبتُكَ بابنكَ جَلَلٌ في مُصيبتكَ في نفسك، فإيَّا ها فابْك.
قال: وماتَتْ أخْتٌ لرَجُلٍ فوجدَ عليها وجْداً شديداً، فقال له رجل آخر:
وإذا تُصِبْكَ مُصيبَةٌ فاصبِْر لها ... عَظُمتْ بليَّةُ مُبتلىً لا يصْبِرُ
قال: ونالتْ أعْرابياً مُصيبةٌ، فسَمِعْتُهُ يقول: إنَّها والله جعلتْ سُودَ الرُّؤوسِ بيضاً، وبيضَ الوُجوهِ
سوداً، هَوَّنَت المصائب، وشيَّبَت الذَّوائبَ.
قال: وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا عزَّى عن ميِّتِ، قال لِوَلِيِّه: ليس
(1/435)

مع العزاء مُصيبةٌ، ولا معَ الجزعِ فائدة. والموتُ أهْوَنُ ما بعْدَه.
واذكرُوا فقْدَ نَبِيِّكم، تهونُ عنْدَكمْ مُصيبتُكُم، صلى الله علي محمد، وعَظَّمَ أجْرَكُم.
قال: وكان علي رضي الله عنه يقول إذا عزَّى أهل المَيِّت؛ إنْ تجْزَعوا فمَحَلُّ جزَعٍ، وإنْ تصبِرُوا
ففي ثوابِ الله العوَضُ منْ كلِّ فائتٍ، صلى الله على محمد وعظمَ أجْركم.
ولما قُتِل زيد بن الخطاب بن نفيل أخو عمر لأبيه، حزن عليه أخوه عمر رضي الله عنه حزناً
شديداً، وقال: ما هَبَّت الصَّبا إلا وأنا أجِدُ منها ريحَ زيد. وقال رضي الله عنه حين نُعِيَ ابنه: رَحِمَ
الله أخي، سَبَقَني إلى الحُسْنَيَيْن، أسلم قبْلي واستُشهد قبلي. ولما أنشده متمم بن نويرة اليربوعي راثية
في أخيه مالك. قال رضي الله عنه لو كنت أُحْسِنُ الشعرَ لقُلتُ في أخي زيد ما قُلتَ في أخيكَ مالك،
فقال له متمم: لو أنَّ أخي ذهبَ على ما ذهبَ عليه أخوك لَمَا حَزَنْتَ عليه. فقال له عمر: ما عزَّاني
أحدٌ بأحسن ممَّا عزَّيتني به.
(1/436)

وكتب أبو نصر في تعزية وضمَّنها غريقاً:
أتاني ورحلي بالعراقِ عشيةً ... وأيدي المَطايا قدْ قَطَعْنَ بنا نَجْدَا
نَعِيٌّ أطارَ القلبَ عن مستقره ... وكنتُ على قصدٍ فأغلطني القَصْدَا
نَعَوْا واللهِ باسِقَ الأخلاق لا يخلف، ورموا قلبي بسهم أصاب صميمه وماأخْلَف. لقد سام الرَّدى فيه
حُسناً ووسامة، وطوى بطيِّه نجدةً وقسامة،، فتعطَّلَ منه النَّدى والنَّدِيّ، وأشكَل فيه الهُدى والهَديّ. كمْ
راعَ البدْرَ ليلة إبْدارِه، وروَّع العدُوَّ في عُقْر داره. وكمْ سلَّ السيوفَ طولُ قراعه، ودلَّ عليه الضيوفَ
موقدُ النَّار بيفاعه، وتشوَّفَ إليه السرير والمنبرُ، وتصرَّفَ فيه الثناءُ المحبَّرُ. أيُّ فتى غدا له البحر
ضريحاً، وأَعْدى عليه الحينُ ماءً وريحاً، فتبَدَّلَ منْ ظِلِّ عُلاً ومَفَاخر، إلى قَعرٍ طامي اللُّجَجِ زاخر،
وعوَّضَ من صهواتِ الخيْلِ، بلهواتِ اللُّجَجِ واللَّيْلِ، غريقٌ حَكى مُقْلَتيَّ في دَمْعِها، وأصابَ نفسي في
سمعها، ومنْ حُزْنٍ أنِّي لا أسْتَسقي لهُ الغَمامَ فمالَهُ قبرٌ تَجودُه، ولا ثرى تُرْوى بِه تهائِمُهُ ونُجُوده، وقدْ
آليْتُ ألا أُودِعَ الريحَ تحيَّةً، ولا يُورِثُني هُبُوبُها أَرْيَحِيَّةً، فهي التي أثارتْ منَ الموجِ حنقاً، ومشتْ
عليها خَبَباً وعَنَقاً،
(1/437)

حتى أعادَتْهُ كالكثبان وأوْدَعَتْهُ قضيب بان. وَوَاأَسَفاً لزُلالٍ غاضَ في أَُجَاج،
وسلْسالٍ فاضَ عليه بحْرٌ عَجاج. وما كان إلا جوهرٌ آبَ إلى عُنْصره، وغاب عنْ عينِ مُبْصرهِ، ولقد
آن للحُسامِ، أن يُغمد ولا يُشامَ، وللعَذارى ألا يَحْجُبهنَّ الخَفْرُ والاحتشام، يَنُحْنَ فتى ما درَّتِ الشمسُ إلا
ضَرَّ أَو نَفَعَ ويبْكينَ منْ لمْ يدَعْ فقْدُهُ للأنْسِ من مُنْتَفَعٍ. صديقٌ ما حمِدْتُ فيه الأيامَ إلا ذَمَمْتُها، ولا
بَنيتُ به أرْكان المُنى إلا هَدَمْتُها. فكم غدوْنا بروضة مُوَشِّيَة، ووقَفْنا بالسراةِ عشيةَ، وبِتْنا لمْ نَرُمِ
السَّهر، ولم نَشِمْ برْقاً إلا الكأسَ والزّهرَ؛ ولو غير الحِمام زحَفَ إليه جيشه، أوْ سِوى البحر رجف
إليه ارتجاجه وطيشه، لثناهُ من أَسِرَّتِه منْ يتَهَيَّبُهُ ليثَ الشَّرى، ويرهَبُه البطلُ الباسلُ إذا استشرى،
منْ كلِّ أروع، إن عجَّل إليه المكروه ثبَّطهُ، أوْجاءه الشرُّ تأَبَّطَهُ؛ لكنه الموتُ لا ترُدُّهُ الصَّوارمُ ولا
الأسل، ولا يُفوتُه ذئابُ الغضا العُسَّلُ وذكرتُ بمعنى هذا المُزْدَوج الكافي، قولَ الأديب الكامل أبي
عبد الله الرصافي من أبيات له في المعنى وهي:
(1/438)

يا بدر حمصٍ والسِّرار ثلاثةٌ ... عدْ عودةً لا توحش الأيامَا
أما البهاء فقد خلعت رداءه ... يومَ ادرعت من الخليج غماما
وقضتْ وفاتك أن أُقول لعبرتي ... يا ماء كُنْ سقياً له وسلاما
والنهر لا تبق الربيع بشطه ... زهراً ولاألف القضيب حماما
فلقد أرقت به حشاشة مهجة ... ثنت المشارب مسكةً ومداما
ماذا عليه وقد علاك مفاضة ... تياره لو لم يقلك حساما
وأبو نصر قُدْوةُ الكُتاب، وصاحبُ إبداعٍ في كتابته وإغرابٍ، مُخْتَص بالانْطِباع، وجودَةِ القريحة
وذكاء الطِّباع، وهو القائل في المعنى:
أطال الله بقاء أمير المسلمين، وناصر الدين، الشائع عدْلُه، السابِغِ فضْلُه، العظيمِ سلطانه، العلي
شأنه، السني قدره ومكَانُه. في سعدٍ يصرفُ عنه أعْيُنَ النوائب، وجدٍّ يضربُ دونَهُ أوْجه المصائب.
كلُّ رُزْءٍ - أدامَ الله تأييده - وإن عَظُمَ وجَلّ، حتى استولى منه على النُّفوسِ الوجَل، إذا عدا بابه،
وأخطأ حجابَهُ. فقد أخْطَأ - بحمد الله - المقتل، وصدَّ عنْ سواء الغرض وعدل. وإذا كانت أقدار الله
تعا لى غالبةً لا تُطاول، وأحكامه نافذة لاتُزاوَلُ، فالصَّبرُ لِمَواقِعِها أوْلى، والتَّسليمُ لِجَوازِها أقربُ
لِرِضَى المولى، والتزامُ أوامِره أشرفُ وأعْلى.
كتبتُهُ - أدامَ الله تأييدَكَ - والنفسُ بنار زَفْرَتِها مُحْترقة، والعينُ لعبرتها شرقَةٌ مُغْرَوْرِقة، لِما نفذَ بهِ
قَدَرُ الله المَقْدُور، وقضاؤُهُ المسطورِ، منْ وفاةِ الأميرِ الأجلِّ أبي فُلان قدَّسَ الله روحَهُ، وسقى
ضريحهُ، فيالَهُ رُزْءٌ أقْصَمََ الظَّهرَ، ووسَمَ النُّجومَ الزُّهرَ، وأبْكى الأجْفانَ، وأذْكى الأحزانَ، بِمكانَتِه منَ
الدَّوْلَةِ المُنيفَةِ، ومنزِلته من السَّوْرةِ الرَّفيعةِ الشريفةِ، وعندَ الله عزَّ وجلَّ تحْتَسبُه ذخيرةً
(1/439)

عُظْمى، ونسْأَلُ لهُ المغفرة والرُّحْمى. فإنَّه كان - نضر الله وجْهَهُ - مُتَوَفِّرَ الهِمَّةِ على الجهادِ، منْ أهلِ الجدِّ
في ذلكَ والاجتهاد. وحسْبُه أنَّه لم يَقْض نَحْبَهُ إلاَّ في عَسْكَره، فأدْرَكَهُ الموتُ مُهاجراً، ومَعَ الله سبحانه
وتعالى تاجرا، وأرْجُو أن يكونَ الله تباركَ وتعالى قدْ قرَنَ لهُ فاتِحةَ السعادَةِ، بخاتِمَة الشهادةِ.
وأنّ أمير المُسْلِمينَ أوْرى في الرِّئاسةِ زَنْداً، منْ أنْ تُضَعْضِعَهُ الخُطوبُ وإنْ أهَمَّتْ، أو تُوجِعَهُ
الحوادثُ إذا ادْلهمَّتْ. والله يُحْسنُ عزاءهُ على فجَعِه، ولا يُدْني كارثةً منْ وَلَعِه.
ولغيره في المعنى:
الدُّنيا، صرفَ الله عنْكَ صُرُوفَها، على الفجائِعَ مَبْنِيَة، وقُصَاراها كَدَرٌ أَوْمَنِيَّةٌ، (وإن الحازِمَ من وطَّنَ
لأحداثها)، وأيْقَنَ بانتِكاثِها، فأوْسَعها صدْراً رحيباً، وقلباً صليباً.
كتبتُه - أطال اله بقاءكَ - والدُّمعُ محْدُورٌ، وقدْ حُمَّ قضاءٌ ونفذَ مقْدور، بوفاةِ الشيخِ أبي فلان أبينا
وقُرَّة أَعْيُننا. كان نضَّرَ الله وجْهه ولقاه مغْفِرته ورحمَتَه، ورفعَ في دارِ المُقامَةِ منزلتَهُ. فناهِيكَ أسفي
عليه وتَوَجُّعي، وما أوْ قدَ نارَ الأسى بينَ أَضْلُعي، فأيُّ ذِهنٍ - أعزّكَ الله - ينْطاعُ، أمْ أيُّ كلامٍ
يُستطاعُ، واللسانُ معقولٌ، والفُؤادُ منْقولٌ، والشَّجْوُ دائم، والدَّمعُ ساجِم، لما طرقتْ به الأيامُ، وقرعَتْ
به أسماعَ الأنامِ. فإنّا لله وإنّا إليه راجِعون. لقد أظْلَمَتْ لهذا الرُّزْء الآفاق، وأدركَ بدْرَ تمامِها المُحاقُ،
وإلى الله الشَّكْوَى، فهو
(1/440)

الذي أضْحكَ وأبْكى، وهكذا تزول الجبالُ، وينْصَرِمُ المآل، ويتهَدَّم البناءُ،
ويضْمَحِلُّ السَّنا والسناء. وما أُعَزِّيك - أعزك الله - وأترك نفسي، وقد شرذتما سكَني وأُنْسي، ونالني
من الكربِ لهذا الخطبِ ما لوْ شهِدْتَهُ لراعكَ المنظر، ولجَعَلت نفْسَكَ الكريمة تنْفَطر.
وفي فصل:
وإنَّ الدُنْيا لفي حداد، لما قصدَتْ به منْ داهية نآد، فقد كان قائماً بأعْبائها، مبيداً لأعدائها، فهي تَبْكِيه
بأدمُعٍ سجام، وتنْدُبُهُ في كلِّ مقامِ، فيا سُرْعَ ما سلَبَتْهُ المنون، وقد قرَّتْ به العيون، وفَخَرَ به المجْدُ
والفخارُ، وأنابَ قدرُهُ على الأقدار، وعندَ الله تعالى نحتسبُهُ كريمَ النِّصاب قرْماً رفيعاً، وطوداً منيعاً،
وقدْ تساويْنا في الرَّزِيَّةِ، فلْنَعُدْ إلى التَّسليةِ بذلكَ أوْفَرَ ذُخْراً، وأعظمَ أجراً.
وفي هذا المعنى من المنظوم الجَزْل المُشتمل على فنون الانطباع، والنبلِ المُوقِظِ من نوم الغفلة
والسِّنة، والداعي إلى الادِّكار والموعظة الحسنة، المُذكَّر بانصداع الشمل، وفراقِ الوطن والأهل،
وانخرامِ النظامِ، وتجرُّعِ كؤوسِ الحِمام، قصيدٌ فريد للأديب الكامل أبي العباس أحمد بن شكيل في
رثاء والده أبي الحكم، وتوفي في شوال سنةثلاث وستمائة رحمة الله عليه وبركاته:
حَذَار حذار منْ ركُون إلى الزَّمَنْ ... فمن ذا الذي يُبقيعليهِ ومَنْ ومَنْ
أَلَم تر للأحداثِ أقْبَلَها المُنى ... وأقَتلها ما عرَّضَ المرء للفتنْ
تُسَرُّ منَ الدُّنيا بما هو ذاهبٌ ... ويبكي على ما كانَ منها ولم يكنْ
(1/441)

أرى دارنا ليْسَتْ بدارِ إقامَةٍ ... أرَدْنا ثواءً عنْدَها وهيَ في ظعَنْ
فكمَ سكن الدُّنْيا ملوك أَعِزَّةٌ ... تفانوا فلم تَسْتَبْقِ منهم لها سكنْ
وكمْ في الثَّرى دَسَّتْ جَبينَ مُتَوَّجٍ ... فأصبحَ بالأقدامِ يُوطا ويُمْتَهَنْ
وذي جُنَّةٍ كانت تقيه منَ الرَّدى ... أتاه الرَّدى فاعْتاض منها ثرى الجَنَنْ
وكالصَّقرِ فوْقَ السابِقاتِ اعْتَضَتْ به ... أعَاليَ أعْوادٍ منَ النَّعْشِ فارْجَحَنْ
ومنْ ضاقَتِ الدُّنْيا به وبِجَيْشِه ... طوتْ شخْصَهُ في قيْدِ شبْرٍ من الكفنْ
ومحْتَجِبٍ لا يخرقُ الإذْنُ حُجْبَه ... ولَجْنَ مناياهُ عليه وما أَذِنْ
وذي حرَسٍ لا يَغْفَلُونَ احتراسهُ ... رمَتْهُ فلم يُنْصَرْ عليها ولم يُعنْ
وماسحِ عِطْفيهِ منَ الدَّرنِ انبرَتْ ... لَهُ الدُّودُ أكْلاً فانْثنى دَرَنَ الدَّرَنْ
وذي أَمَلٍ منْ دُونِه أجَلٌ لَهُ ... غَدَا شرَكاً ما كانَ قبلُ له وسَنْ
فما أَعْثَرَ الآمالَ في أجلِ الفتى ... وأقربَ أيَّامَ السرورِ من الحزَنْ
عفاءٌ على الدنْيا فإنَّ نعيمَها ... كأَضْغاثِ أحلامٍ تلَذُّ بلا وسنْ
فبَيْنا الفتى في ظلِّها إذْ تقَلَّبَتْ ... بهِ فاتَّقَتْهُ وهيَ قالِبَةُ المجَنْ
لعَمْركَ إنِّي قدْ حزنْتُ فلمْ أَهِنْ ... وكُنْتُ جديرَ الرُّزْءِ بالحُزْنِ والوَهَنْ
دَهَتْني المَنَايا في أبي حَكَمٍ أبي ... ومنْ قبْلُ وارَيْتُ الشَّقيقَ أبا الحَسَنْ
فيالَكُما بدْريْ علاء تساقطا ... وكانا سنا عيْني وأسْناهُما الأسنْ
تَضَمَّنَ شَوَّالُ مناياهُما معاً ... فبينَهُما حوْلٌ وفَقْدَُهُما قَرَنْ
(1/442)

تلا فقْدُ هذا فقْدُ ذا مُتتابِعاً ... فشمْسٌ تلتْ بدْراً وأصْلٌ تلا غُصُنْ
خلا منْهُما النَّادي وكانا وقارَهُ ... فزُلْزِلَ رَضْوى واستُطِيرتْ به حَضَنْ
ولمْ يُبْقِ رَوْضي بعدَ هَلْكهِمَا الحَيَا ... وكُنْتُ أسَقِّي مِنْهُما السُّحُبَ الهُتُنْ
فَلِلَّهِ صبري بلْ شُجُوني فإنَّني ... نشَرْتُ اصْطِباراًوانْطَوَيْتُ على شجَنْ
بدا أعْظم الأرْزاء واكتَتَمَ الأسى ... فناقَضْتُ جُلَّ النَّاسِ في السِّر والعَلَنْ
فَقُلْتُ لجِسْمِي خالياً أنتَ والضَّنى ... وللرُّوحِ بِئسَ الرُّوح مالَك لمْ تَبِنْ
فقال فُؤادي هلْ أذُوبُ منَ الأَسَى ... فَقُلتُ تعَجَّلْ لا أبا لكَ وافْعَلَنْ
وقالتْ دُمُوعي هلْ أَفيضٌ وإنْ جَرى ... معي الدَّمُ مسْفُوحاً فقلتُ افعَلي وَإنْ
أبْعدَ يعيشٍ سلْوَةٌ وتَصَبُّرٌ ... لقدْ فَسَدَتْ عنْدي صنائعُهُ إذَنْ
فأيْنَ الأيادي السَّالِفاتُ التي بها ... شهيدٌ عليَّ الطِّفْلُ والكهْلُ واليَفَنْ
وأيْنَ حَنانٌ كنْتُ أعْرِفُهُ بهِ ... فيا قَلْبُ ما أشْجى عليهِ وما أحَنْ
وكمْ مِنَنٍ من دون مَنِّ تتابَعَتْ ... عليَّ لهُ، والنَّاسُ مَنٌّ بلا مِنَنْ
وكمْ منْ عظيمٍ قدْ وقاني بنفسه ... فهانَ ولولا عَطْفُهُ بِيَ لمْ يَهُنْ
سأُثْني عليه بالذي هُوَ أهلُهُ ... وإنْ يَكُ تَقْصِيرٌ فإقْصارُ ذي لسنْ
أبي ما أبي لا يُبْعِدِ اللهُ مثلَهُ ... وَمَنْ مِثْلُهُ ذو اليُسرِ في عُسْرَةِ الزَّمَنْ
جوادٌ يزينُ الجُودَ منْهُ تواَضُعٌ ... ففَوْقَ الذي أبْدى منَ الجُودِ ما أكَنْ
إذا سُئلَ المعروفَ أسْبَلَ وابِلا ... وإنْ هو لمْ يُسْألْ تفَجَّرَ أوْ هَتَنْ
(1/443)

ولَمْ يَدَّخِرْ في أمْسِهِ قُوتَ يَوْمِهِ ... نزاهَةَ نفْسٍ لا كَمَنْ حَاطَ واخْتَزَنْ
ولو قال أبو العباس رحمه الله: (قناعة نفس) عوض (نزاهة نفس) لكان المعنى أطبع، والمساق أبهى
وأبدع. على أن قوله مطبوع موافق، وسنا البلاغة عليه لافح ورائق، لأنه كان في النظم قدوة أهله،
وسالك فِجَاجِه وسُبله، حسن التصرف في ميدانه، ومُبَرَّزاً أمام حلْبته وفرسانه، ولم أقصد بهذا التنبيه
الطعن عليه، ولا نسبة التقصير إليه، فلست مِمَّن يعدل السَّبَج بالذهب، ولا يعرف الفرق بين النَّبعْ
والغَرَب.
رجع
شبيبَتُه بينَ المَكارِمِ واللُّها ... وشيبَتُهُ بينَ الفرائضِ والسُّنَنْ
لَعَمْري لنِعْمَ المرءُ حيَّا وهالِكاً ... لِدَافِنِهِ الفخْر العظيمُ بمَنْ دَفَنْ
فبُورِكَ منْ قبْرٍ وطُهِّرَ منْ ثرى ... وقُدِّسَ منْ روحٍ وعُوفيَ منْ بدَنْ
رجَوْتُ لهُ عفْوَ المُهَيْمِن إنَّهُ ... هوَ المَلِكُ الغَفَّارُ ذو الطَّوْلِ والمِنَنْ
لَه المُلْكُ في الدَّارَينِ والحُكْمُ مثْلَ ما ... لَهُ المَلَوَانِ والَّذي فيهما سكَنْ
وأرْجُو لَهُ حُبَّ النَّبِيِّ مُحمَّدٍ ... فذَنْبُ مُحِبِّيه بِغُفْرانِه قَمَنْ
وأرْجُو لِسُقياهُ سِقايةَ مورِدٍ ... حَلا حوْضُهُ ما بينَ أَيْلةَ واليَمنْ
(1/444)

فقدْ قامَ بالتَّوحيدِ والخمسِ عُمْرُهُ ... وصلَّى على المُخْتار واتَّبَعَ السُّنَنْ
خَلِيلَيَّ إنَّ الصَّبْرَ صبْرٌ ولا أرى ... سِواهُ لشَجْوي إنَّهُ أعصَمُ الجُنَنْ
قِفا حَيِّيا القَبْرَ الذي حَلَّهُ أبي ... معي إنَّهُ رأْيٌ بريءٌ منَ الغَبَنْ
ولسْتُ وإنْ أنْحَى الزَّمانُ بصرفِه ... علَيَّ ونالَتْني صُروفٌ منَ المِحنْ
بفاقِدِ شيءٍ منْ أبي غيرَ شخْصهِ ... ولا بائِع القُربَى ببخْسٍ منَ الثَّمَنْ
عَسى الله في الفِرْدَوْسِ يجْمعُ بَيْننا ... فإنَّ الرَّدى إنْ كانَ يجْمَعُنا حَسَنْ
قوله: (الملوان والذي فيهما سكن) المَلَوان: اللَّيلُ والنّهار. قال: ابن مقبل:
ألا يا ديَار الحَيِّ بالسَّبْعَانِ ... أمَلَّ عليْها بالبَلى المَلَوَانِ
ويقال: الليل والنهار أيضاً الجَدِيدَان. قال سويد بن عامر:
فالخيرُ والشرُّ مقرُونان في قرَنٍ ... فكلُّ ذلك يأتيكَ الجديدان
ولهما أسماء سوى ما ذكرنا.
وفي رثاء أخيه أبي الحسن رحمه الله يقول، وذلك في شوال من سنة اثنتين وستمائة:
رِضىً بقضاءِ الله فَهْوَ مُصِيبُ ... وصبراً على الأحداثِ فهيَ تَثُوب
خليليَّ قَدْوارى التُّرابُ أحبَّتي ... فَلَمْ يَبْقَ لي فَوْقَ التُّرابِ حبيبُ
أَقِلاَّ وقُوفاً بالمنازِل أَوْقِفا ... فإنَّ الذي تَسْتَبْعِدان قريبٌ
(1/445)

ألَم تُخْبِرا عنْ صاحِبِ القَبْرِ إنّه ... بِمَرْأى منَ الأهلينَ وهو غريبٌ
تَنَاذَرَهُ الخِلاَّنُ يأْساً فأصْبحوا ... لهم جيئةٌ منْ حَوْلِه وذهُوبُ
وأيُّ نوىً أنْأى منَ القبْرِ شُقَّةً ... وأيُّ بَقاء بالممَات يطيبُ
على الجدثِ المَهْجُور عُوجاَ فسلِّما ... سقاهُ الحَيا الوَسْمِيُّ حينَ يَصُوبُ
وإلاّ فَعَيْني، إنْ أبى الغَيْثُ، مُزْنَةٌ ... يدِرّ شمالٌ صوبها وجَنُوب
إذا هاجَها ذِكْرُ الأحِبَّة أجْهشَتْ ... وأسْبلَ دَمْعٌ بالدِّماءِ مَشوبُ
تَأَوّبَني هَمّي فَبتُّ كَأنَّني ... على مُسْتَقِلاَّتِ النُّجُومِ رقيبُ
كأنَّ اطَّلاَعَ الشُّهْبِ بينَ محَاجِري ... فَمِنْ ناظري تَبْدو، وفيه تغيبُ
كأنَّ الدُّجى، والشُّهْبَ هَمِي ونارَهُ ... إذا شبَّ منْها في الضلوعِ، لَهيبُ
تقطَّعُ أنْفاسي فأقْطَعُ لَيْلَتي ... حَنيناً، كما حنَّتْ روائِمُ نيبُ
أقولُ ونفْسِي والأسى قدْ تَمازَجا ... وقَلْبيَ منْ حَر الفِراقِ يذوبُ
أَلاَ مَثَلٌ لي إنَّه لِيَ مُعْجِزٌ ... وإنِّي لأَمثَالِ الوَرََى لَضُرُوبُ
إذا قُلتُ في شيء كأنِّي كُنْتهُ ... وسِرُّ اتِّخَاذِ المُشْبِهينَ عجيبُ
أنا الميْتُ والثَّكْلانُ والصَّبُّ والشَّجِي ... فأيُّ شبيهٍ بَعْدَ ذاكَ أُصيبُ
وما سكَني إلاَّ ضريحٌ كأنَّهُ ... لأنْسي به، ظَبْيٌ أحَمُّ ربيبُ
أعاوِدُ لثْمَ التُّرْبِ فيه كأنَّهُ ... لِرشْفي لهُ، ثَغْرٌ أغر شنيبُ
أقامَ عَلِيٌّ في ثراهُ مُغَيَّبا ... ولِلْبَدْرِ منْ بعدِ الطُّلوع غرُوبُ
بعيداً عنِ الإخْوانِ رهْنَ قرارةٍ ... تَضَوَّعُ منْ أنْفاسِهِ وتَطيبُ
(1/446)

على سفَرٍ لا زادَ فيه سوى التُّقى ... ولا ظَاعِنُ الأقْوام عنهُ يؤوبُ
أخي سَلَبَتْنيه الخُطُوبُ مُشيحَةً ... وما الدَّهْرُ إلا سالِبٌ وسَليبُ
وكنتُ أرَجِّي أنْ تزيدَ حَيَاتَهُ ... حياتي، فَشَانَتْها عليَّ شَعُوبُ
وكُنتُ أرجيه لكُلِّ مُلِمَّةٍ ... فقالَ الرّدى إنَّ الرَّجاءَ كَذُوبُ
وكانَ سريعاً حينَ يُدْعى إلى النَّدى ... وكمْ منْ فتىً يُدْعى وليسَ يُجيبُ
وكان حَياً في المَحْلِ يعْلَمُ ضيفُهُ ... إذا أمَّهُ أنَّ المحلَّ خصيبُ
وكانَ أخا حِلْمٍ يزينك شاهداً ... وتَأمنُ منهُ الغيبَ حين يغيبُ
ولمْ يكُ ذا عيبٍ ولا كان عائباً ... ولكنْ نقيُّ اللِّبْسَتَيْن أديبُ
فتًى هُوَ حدُّ السيْفِ إنْ رُمْتَ ضيْمَهُ ... وغُصْنٌ لمَنْ رام السَّماحَ رطيب
غَنيٌّ عن الأقوامِ ليسَ بباسط ... يداً لثوابِ وَهْوَ كانَ يُثيبُ
جميلٌ فأمَّا وجْهُهُ فمُنَوَّرٌ ... طليقٌ وأمَّا صدْرُهُ فرحيب
رُزِيناه لَمَّا لمْ يكُنْ فيه مَطْعنٌ ... ولمْ يكُ راجي الخير منهُ يخيبُ
وألْوى به المِقْدارُ غضّاً شَبابُهُ ... تميلُ إليه أعْيُنٌ وقلُوبُ
فَضاعَفَ وجْدي واسْتَحَرّ مُصَابُهُ ... وولَّى عزائي عنهُ وهو مريبُ
وليسَ كمَفْقودٍ تقادَمَ عهْدُه ... وغطَّى عليهِ مسحقٌ ومشيبُ
أقولُ، وقدْ غنَّتْ حمامةُ أَيْكَةٍ ... ومالَ بِها بينَ الأراك قضيبُ
أساجِعةَ الأغصانِ نوحاً، فإنني ... على النَّوْحِ منْ بينِ اللُّحُونِ طرُوبُ
سُقيتُ حُمَيَّا الشّوقِ، فالهَمُّ سُكْرُهَا ... وأكثرُ ما ألْهى المَشُوقَ نحيبُ
(1/447)

ومُسْتَبْشِر أبْدى السُّرُورَ لِنَكْبَةٍ ... ألَمّتْ بنا والحَادِثاتُ ضُرُوبُ
فَقُلْتُ انتظرْ عُقْبى الزَّمانِ فَرُبَّما ... سقاكَ ذُنُوباً إنْ كَفاكَ ذُنُوبُ
فنحنُ بكينا نبْتَغي الأجر في البُكا ... ونحنُ صبَرْنا والصَّبُورُ لبيبُ
وما جَزَعي للحادثات استِكانةٌ ... ولكنَّه للهالكين نَصيب
ولا جَلَدي عنهم سُلُوَّا وقسْوة ... ولكنَّ عُودَ الأكرمين صليبُ
فطوبى لمَنْ لمْ يُعْنَ إلاّ بنفسِه ... ويا ربَّنا إنّي إليكَ أتُوبُ
وله يرثي جدته للأم ونقلتها من خطه:
أدارَ البِلَى أما عمَرت بِمَعْشري ... فأنتِ الَّتي تُدْعينَ قَفْراً وبلْقَعاَ
على كثرةِ الأهْلينَ أوْحشتِ زائراً ... وأُلْهَبتِ أكباداً وأجْريْت مدْمَعا
إليك مآبُ الكُلِّ منهمْ مُلَبّثٌ ... قليلاً، وَمِنْهُمْ منْ توَلَّى وودَّعا
ألا ليْتَ شِعْري كيفَ مسَّ الثَّوى بِها ... فإنِّي أرى فيها مِهَادا ومَضْجَعا
مَضاجِعُ ليْسَ النَّوْمُ فيها بِلَذَّةٍ ... ولا النَّوْمُ فيها أنْ تَهُبَّ وتَهْجَعَا
إلى الحَشْرِ، واسم الحَشْرِ وَفْقٌ لِشَكْلِهِ ... جمَاعُ أمورما أهمَّ وأشْنَعا
مقامٌ يَعُمُّ الإنْسَ والجِنَّ هَو لُهُ ... ويُحْشَرُ فيه الوحشُ سِرْباً مُفَزَّعاً
تُبَدَّلُ فيه أرْضُهُ غيْرَ أرْضِنا ... وتُطْوى السَّمَواتُ العُلى طيّةً مَعاَ
فيالكَ يوْماً قلَّ سعْي الورى لهُ ... وما فيه للإنْسانِ إلاَّ الذي سعى
تُغَرُّ بِدُنْيا ليسَ تترُكُ منْزِلاً ... أنيساً ولا شملاً لقومٍ مُجَمَّعاَ
رماني الرَّدى قصْداً فأقْصَدَ مُهْجَتي ... وأخْطَأَ جُثْماني فأخْفى وأوْجَعَا
أُصِبْتُ بأصلٍ كنْتُ فرْعاً لفرْعِهِ ... وشَأْنُ الرَّدى أنْ يهْصِرَ العُود أجْمَعَا
(1/448)

فنَفسي التي أبْكي، وإنْ كنْتُ باكِياً ... عَليها، فدَمْعي قدْ تقسَّمَ أَدْمُعا
دَعَتْها المنَايا فاسْتَجابَتْ دُعَاءها ... سريعاً وداعِي الموتِ أسرعُ منْ دَعاَ
فَخِلْتُ عَلَيَّ الأَرضَ حَتَّى كأنّما ... حرامٌ على الأجْفانِ أنْ تتطلَّعا
وحَتْمٌ عليْها أنْ تَصُوبَ فما هَمَتْ ... على مُمْحِلٍ إلاَّ وأَصْبَحَ مُهْرَعَا
بَكى بَعْدَها المِحْرابُ شَوْقاً لقربها ... وروَّضَ منْها التُّرْبُ خِصْباً فأيْنَعَا
وصلَّى عليها كاتِبا ها وصَحْبُها ... وجيرَتُهَا شيْخاً وكهلاً ومُرْضِعاً
سأُثْني عليها بالِّذي هيَ أَهْلُهُ ... فإنَّ ثنائي طابَ قيلاً ومَسْمَعاَ
وما المدحُ والتَّأبينُ ممَّا يَرُدُّهَا ... ولكنَّهُ قدْ صار مَبْكى ومجْزَعَا
عليكِ سلامٌ لا تلاقي بينَنا ... سلاَمُ امرئٍ أمْسى بِفَقْدِكِ موجِعاَ
وله يرثي ابنين لأبي الحجاج يوسف بن مطروح من خطه أيضا:
قِفْ بِرَبْعِ الأسى وُقُوفَ الطَّليح ... وشِبِ الدَّمْعَ بالدّمِ المَسْفوحِ
واقضِ منْ واجِبِ البُكاء فَعَيْنَا ... كَ تَجُودانِ عنْ فُؤادٍ قريحِ
إنَّ شدْوَ الزَّمانِ نوْحُ الثَّكَالى ... وحُمَيَّاهُ كلُّ دمْعٍ سفوحِ
وسيفْنى كما فنينا ويلْقى ... مالَقينا منْ فُرْقَةٍ ونُزُوحِ
وتَغُولُ المنُونُ مِنَّا أناساً ... ذهَبُوا إذْ مَضَوا بجِسْمي ورُوحِي
(1/449)

وأرى الدَّهّر شامِتاً بالمَعالي ... في سَلِيلَيْ فتى بني مَطْروحِ
طلعا طَلعَة الهلالِ علَيْنا ... واسْتَسرا سِرَارَه في الضَّريحِ
هَصَرَتْ منْهُما المَنُونُ قَضيبي ... نِ فَمَالاَ مَعاً إلى التَّصْريحِ
يَا تُراباً أَجنَّ شَخْصَيْهِما أج ... ننْتَ رُكْنَيْ عُلا وبَابيْ مديحِ
وصغيرين غيرَ أنَّ المَعَالي ... قدْ يُمَتَّعْنَ بالصَّغير الصَّريح
أرِجَتْ تِلكم البطاحُ لطيبٍ ... ساطِعٍ منْهُما بعرفٍ نفُوحِ
لَيْسَ مِسْكاً وإنَّما هُوَطِيبُ الذْ ... ذِكْرِ تَسْري بعرْفِهِ كُلُّ ريحِ
ضَلَّ سَعْيُ البُكاةِ إلاَّ على أحْ ... مَدَ، يانَفْسُ أَسْعديني ونُوحي
مُر إذْ لا مُحمَّدَ الحيِّ باقٍ ... فاسْتَشِفَا ثَمَادَ قلْبي القريحِ
أسْعداني يافَرْقَدان وغُورا ... فَرْقَدا الأرض غوَّرا في الصفيحِ
كيفَ تَبْقى النُّجومُ بعدَهُما لمْ ... تنْكَدِرْ والجِبالُ ذاتُ جُنُوحِ
كيفَ لمْ تلْفظِ المَقابِرُ موْتَا ... هَا ويبْدُو الأديمُ غيرَ صحيحِ
ليسَ إلاّ أنَّ التَّصبُّر أجْدى ... منْ بُكاء يدُومُ غيرَ مُريحِ
ولقدْ قُلْتُ للوَزير أبي الحَجْ ... جَاج صبْراً لِريبِ دهْرٍ مُشيحِ
(1/450)

مِثْلُ مَفْقُودِكَ اسْتباحَ حِمى الصَّبْ ... رِ كما مِثْلكَ ارْعَوى للنَّصيحِ
فاصْطَبِرْ وارتقِبْ مُراجَعَةَ الحُسْ ... نى مِنَ اللَّهِ فَهْوَ غيرُ شحيحِ
قوله في أول القصيدة (وقوف الطَّليح) يريد الفَاتِرُ المُعْيي.
يقال طَلَحَ الرَّجُلُ يَطْلَحُ طَلْحاً: إذا عَيِيَ وفَتُرَ. قال الشاعر:
لقدْ طَلَحَ البينُ القَذُوفُ ركائبي ... فَهَلْ أَرَيَنَّ البَينَ وَهْوَ طليحُ
ويقال: ناقةٌ طليح أيضاً بغير هاء. وأنشد أبو العباس أحمد بن يحيى لأبي حية النُّمَيْري:
وقالوا حماماتُ فَحُمَّ لِقاؤُها ... وطَلْحٌ فَزِيرَتْ والمَطِيُّ طليحُ
وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ كُفارَ قريش لَمَّا بَلَغَهم إسْلامه ثاروا عليه، فمَا برِحَ
يُقاتِلُهُم حتّى طَلَحَ. والطَّلَحُ أيْضاً، النِّعْمَةُ. قاله ابن السكيت وأنْشد قول الشاعر:
كم رأيْنا من أُناسٍ هَلَكُوا ... ورَأينا المَلْكَ عَمْراً بِطَلَحْ
أي: صَاحبُ نِعْمة.
وكتب لأحد أصحابه يُعَزِّيه في ابنة أخ له من خطه أيضاً:
صبْراً أبا عبد الإله عنِ الَّتِي ... سَلَبَتْ جميلَ الصَّبْرِ يوم تَوَلَّّتِ
عنْ دُرَّةٍ جَلَّى الضَّريحُ جَمَالَها ... وعَقيلةٍ بالمَكْرماتِ تَحَلَّتِ
حُجِبَتْ بِتُرْبِ القَبْرِ عنْ أبْصارِنا ... لكِنَّها بينَ الجوانِحِ حَلَّتِ
(1/451)

بَخِلَ الغَمامُ بِصَوْبِه عنْ ترْبِها ... فَسَقيتُها العَبَراتِ لَمّا انْهَلَّتِ
عَزت على الكُرَماء مِنْ مفْقُودَة ... ودهتْ مُصيبَتُها الجلالَ فَجَلَتِ
لوْ تسْتَبينُ الأرْضُ قدْرَ جَلالِها ... بِكُمُ لألْقتْ شخْصها وتَخَلَّت
ريْحانَةٌ ذبَلَتْ وقَرَّتْ أعْيُنٌ ... ألْقَتْكِ أيَّامَ السُّرورِ وقلَّتِ
حازتْ بكُمْ شرَفَ العُمُومَةٍ فانجلتْ ... شَمساً دَهَاهَا الكسفُ حين تجَلَّتِ
فاصْبِرْ فإنَّ الحُرَّ منْ إنْ تَدْعُهُ ... للصَّبْرِ طابتْ نفسهُ وتَسَلَّتِ
فالموْتُ أمْرٌ عمَّ فينا حُكْمُهُ ... خَضَعَتْ لعِزَّتِهِ الرِّقابُ وذَلَّتِ
وقال أيضاً يرثي:
وخَبَّرَني النَّاعُون ما صَنَعَ الرَّدَى ... بِأسْماءَ منْ أفْعالهِ النَّكراتِ
فكَذَّبْتُ ما قالُوا، وإنْ كانَ صادِقاً ... فيَا خيْرَ مُنْعىً، وشرَّ نُعَاتِ
أساءتْ بأسْماء الخُطُوبُ صنيعَها ... إليْنا، فأَنْسَتْ سالِفَ الحَسَنَات
طَوى التُّرْبُ منها في حَشاهُ سريرَةً ... منَ المجْدِ، والأسْرارُ للْمُهَجَاتِ
ورَوَّضَ ظَمْآنَ الثَّرى منْ سَمَاحِهَا ... فأنْبَتَ زهْرَ الحمْدِ أيَّ نباتِ
سَقَاها الحَيا، والفخْرُ في ذاكَ للحَيا ... وَإلاّ سَقَاها سائلُ العَبَراتِ
وإلاّ سقاها جُودُها في ضريحِها ... فقدْ كانَ مثْلَ الغيثِ في اللَّزَباتِ
وقالوا: عَجُوزٌ. قُلْتُ: رُبَّ صَنيعَةٍ ... تزيدُ بها حُسْناً على الفَتَيَاتِ
مَضَتْ سَلَفاً، والكُلُّ يقْفُو سبيلَها ... مُشَيَّعةً بالبِرِّ والصلَواتِ
شَفَى النَّفْسَ أنْ لمْ يَخْلُ منها مَكَانُها ... ولمْ تَكُ مثْلَ الأعْظُمِ النَّخرَاتِ
ولَكِنَّها أبْقَتْ فُرُوعاً كثيرةً ... حياةً لَها منْ بَعْدِ كُلِّ مَمَاتِ
كَمِثلِ أبي بَكْرٍ، ومثْلِ سليلِه ... خَلِيلِي أبي إسْحَاقَ خيْرِ لِداتِي
(1/452)

لَعَمْرُ المَنَايا لا تَفُوزُ بِمِثْلِها ... فقدْ فَعَلَتْها أعْظمَ الفَعَلاتِ
تداعَتْ سماءُ العِزِّ فانْفَطَرَتْ لها ... وأضْحتْ نُجُومُ الفَخْرِ مُنْكَدِراتِ
وباتَ الأسى فيها يَقُضُّ مَضاجِعي ... ويَمْنَعُ أجْفاني لذيذَ سِناتِ
فَقُلْ للْمَنَايا قدْ وتِرْتِ سَرَاتِنا ... تراتٍ بَظَنِّي مِنْهمُ بِترات
فَلَوْ كُنْتِ شَخْصاً ما اجتَرأتِ عليْهم ... وجَنَّبْتِهِم عنْ هيْبَة وَهِباتِ
خليليَّ منْ عَلْيا مُراد تَصَبَّرا ... ففي الصَّبْرِ أعْوانٌ على الحَسَراتِ
وكُفَّ الدُّموعَ الواكِفاتِ فإنَّما ... دُمُوعُ الفَتى وقْفٌ على العَرَصَاتِ
فيَارُبَّ مَنْ تَبْكيه يَضْحَكُ فرْحَةً ... وأنْت عليهِ دائِمُ التَّرحَاتِ
فإنَّكَ لاقٍ من سُرورٍ ومنْ أسىً ... وما هُوَآتٍ لا مَحالَةَ آتِ
وقال أبو العباس أيْضاً في رثاء الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما:
أحَقُّ ما كان منْ قَلْبي تباريحُ ... فَلْيَهْنِئِ العَيْنَ أنَّ الدَّمْعَ مَسْفُوحُ
تَأَلَّقَ البرْقُ غَوْرِيا فسَحَّ لَهُ ... سُحْبٌ منَ الدَّمْعِ لَمَّا هَبَّتِ الرِّيحُ
يَاأَيُّها البرْقُ إنِّي عنكَ في شُغُلٍ ... دُونَ المزارِ فَيَافٍ بيْنَنا فيحُ
تخْدي النَّجائبُ حوْلاً في نَفَانِفِها ... لا يأتيهنَّ إعياءٌ وتطْليحُ
وكيْفَ بالسيْرِ في جَرْداء بَلْقَعَةٍ ... أقْرى مراتِعَها القَيْصُومُ والشيحُ
(1/453)

وسوْفَ أَجْشَم نَفْسي سيْرَ تلكَ إلى ... بيتٍ أطافَ بهِ في فُلْكِهِ نوحُ
قَبْرٌ بِيَثْرِبَ هَمِّي لوْ ظَفِرْتُ بِهِ ... ومقْصدٌ بِجِبالِ الطَّفِّمَطْرُوحُ
منْ كانَ في جَفْنِه دَمْعٌ يَضِنُّ بِهِ ... فُإنَّ دَمْعي لأهلِ البيتِ ممْنُوحُ
آلَ النَّبيِّ لَقدْ سُقْيتُمُ عَلَلاً ... كأسَ المَنايا فَمَغْبُوقٌ ومَصْبُوحُ
صَلَّى الإلهُ على أشْلاءِ مُنْجَدلٍ ... بِكَرْبلاءَ يُحَيِّي رَوْحَه الرُّوحُ
أوْفى على معْرِك الأبْطال مُحْتَسِباً ... ليْت شِعَاراهُ تَهْليلٌ وتَسْبيحُ
يافارساً هاشمِياً ما أضرَّبِه ... تثاقُلُ القومِ إذْ نادَاهُمُ رُوحوا
طاروا وأثْبَتَ في الهيْجَاء أَخْمَصَهُ ... صبْراً، وكانَ لَهُ عنْها مناديحُ
حتَّى ثَوى الفارِسُ الحجَّاجُ يتْبَعُهُ ... منْ هاشِمِ الخَيْرِ فُرْسانٌ جَحاجِيحُ
لمْ يتقوا الضرْبَ بالأكتافِ إذْ صُرِعوا ... بل النَْجيع على اللَّبَّاتِ مَنْضُوحُ
تنْدى الوُجُوه نجِيعاً وَهْيَ مُشْرِقةٌ ... كَأنَّها في دُجَى الهَيْجَا مَصَابيحُ
لوْ كُنْتُ شاهِدَ يوْمِ الرَّوْعِ قُلْتُ له ... لشائحُ القومِ جَلْدٌ دونهُمْ شِيحُ
ولا اخْتَضَبْتُ أمامَ الصِّفِّ منْ جَسَد ... جُوداً بنَفْسي، وبعْضُ الجُودِ مرْبُوحُ
ضلَّتْ حُلُومُ أناسٍ كيفَ لمْ يَرِدوا ... نارَ الكِفاحِ، وزنْدُ الحرب مقدُوحُ
(1/454)

أمَّ الحسينُ بِهِمْ عَدْناً فلَمْ يَلجُوا ... بابَ الجنان عِياناً وهْوَمفْتُوحُ
أمَّا ابنُ حرب فَدَعْ حرْباً وأسْرتَه ... تلكَ الجُسومُ لَو انَّ العِرْضَ ممْدُوحُ
طافوا برأسِ ابن خَيْر الناس كُلِّهم ... بئْسَ الطَّوافُ ونِعْمَ الرَّأسُ والرُّوحُ
ولسْتُ أبْسُطُ قَوْلاً في دَعِيِّهِم ... كُلُّ الدَّعيينَ مَلْعُونٌ ومَقْبُوحُ
ياعينُ جُودي على قتْل الحُسين دَمآً ... وابْكي جَهَاراً، فإنَّ الوَجْد تصريحُ
ويا لساني عاوِدْ مَدحَهُ أبَداً ... وإنَّ أيْسَرَ ما فيه الأماديحُ
قوله رحمه الله: (فيَافٍ بَيْنَنَا فيح)، أي: أرض مُقْفرّة مُتسعة بعيدة. قال الشاعر:
ونَاحتْ وفَرْخاها بِحيثُ تراهُما ... ومنْ دُون أفْراخي مَهَامهُ فيحُ
وقوله:
(ولست أَبْسُطُ قولاً في دَعِيِّهم). فالدَّعِيَّ يعني به عبيد الله بن زياد دَعِي ابن أمية. ووالده كان يقال له
زياد بن أبي سفيان ويقال زياد بن أبيه وزياد ابن أبه وزياد بن سمية بكل هذه الأسامي كان يدعى
وكان قبل الاستخلاف ببني أمية. يدعى بزياد بن عبيد الثقفي وأمه سمية جارية للحارث بن كِلْدَة
الثقفي وكان زياد طويلاً جميلاً يَكْسِرُ إحدى عيْنَيْه. وفي زياد هذا قال الفرزدق للحجاج:
(1/455)

وقَبلك ما أَعْيَيْتُ كاسِرَ عَيْنِه ... زياداً فلمْ تَعْلَقْ عليَّ حَبائلُهْ
وبَعثه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في إصلاح فسادٍ وقع باليمن، فلما رجع من وجهته خطب
خطبة لم يسمع الناس مثلها، فقال عمرو بن العا ص: أمَا والله لوْ كَان هذا الغُلامُ قُرَشِيَّا لَسَاقَ النَّاس
بِعَصاه، فقال أبوسفيان بن حرب: والله إِنِّي لأَعْرِفُ الَّذي وضَعَهُ في رحِمِ أُمِّه. فقال له علي بن أبي
طالب رضي الله عنه: ومن هو يا أبا سفيان؟ قال أنا. فقال له علي: مَهْلاً يا أبا سفيان. وأنشد في ذلك
أبو سفيان أبياتاً من الشعر وهي:
أما والله لَوْلا خَوْفُ شخْصٍ ... يراني يا عَلِيُّ من الأعادي
لأَظْهَر أمْرهُ صخْرُ بنُ حربٍ ... ولم يُكْنِ المَقالة عنْ زياد
وقد طالت مجاملتي ثقيفاً ... وتركي فيهِمُ ثَمْرَ الفُؤادِ
وفي زياد وأخويه، يقول يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري وقيل ان عبد الرحمن بن الحكم هو
القائل:
إنَّ زياداً ونافعاً وأبا ... بكرة عندي من أعجب العَجَبِ
هُمُ رِجَالٌ ثلاثةٌ خلقوا ... من رحم أنثى كُلُّهُمْ لأب
ذا قُرشِيٌّ، كما يقولُ، وذا ... مولىً وهذا ابن عمه عَربي
وحكى الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أنه قال: قال عبيد
(1/456)

الله بن زياد ما هُجِيتُ بشَىءٍ أشَدَّ عَلَيَّ منْ قوْلِ ابن مفرغ:
فكِّرْ ففي ذاك إنْ فكَّرتَ مُعْتبَرٌ ... هَلْ نلْتَ مَكْرُمةً إلاَّ بتَأميرِ
عاشتْ سُمَيَّةُ ما عاشتْ وما عَلِمَتْ ... أنَّ ابْنَها من قريشٍ في الجماهير
وليزيد بن مفرغ في هجاء زياد وبنيه أشعار كثيرة كقوله:
أعَبَّادُ ما للرُّومِ عنك مُحَوَّلٌ ... ولالك أُمٌّ من قريش ولا أبُ
وقلْ لعبَيْدِ الله: مَالكَ والِدٌ ... بِحقٍّ، ولا يَدْري امرؤُ كيف تُنْسبُ
وقصته مع عباد وعبيد الله أخيه مشهورة. وقال هو أو غيره في زياد:
زيادٌ لسْتُ أدْري منْ أَبُوهُ ... ولكنَّ الحمار أبو زياد
وفيه أيضا يقول:
شهدتُ بأنَّ أمّك لم تُباشِرْ ... أبا سُفيان واضعةَ القِنَاع
ولكنْ كان أمْراً فيه لَبْسٌ ... على وَجَلٍ شديدٍ وارْتِياع
وفيه يقول عبد الرحمن بن الحكم حين اعتذر من هجائه من أبيات
(1/457)

له:
زيادٌ من أبي سُفيانَ غُصْنٌ ... تَهَادى ناضراً بينَ الجِنَان
أرادَ أخَاً وعَمَّا وابنَ عمٍّ ... فمَا أدري بعينٍ ما تَراني
وأنتَ زيادةٌ في آل حربٍ ... أحبُّ إليَّ من وُسْطى بَنَاني
وعبيد الله هو الذي وجه عمر بن سعد بن أبي وقاص لقتال الحسين بن علي رضي الله عنهما، حين
ولاه يزيد (الكوفة) وهو (بالبصرة) فخرج مسرعاً حتى قدم الكوفة، وبعث عمر بن سعد لقتال الحسين
وأردفه شمر بن ذي الجوشن الضبابي لعنه الله، والخبر مشهور. وقتل الدَّعي عبيد الله ابراهيم بن
الأشتر ليلة التقائه معه بالمجاز وقيل حارر وهو اسم نهر بناحية الموصل. وكان إبراهيم بن الأشتر
على جيش المختار بن عبيد، وعبيد الله على جيش لعبد الملك بن مروان، فتقاتلا في ذلك الموضع،
حتى دخل عليهما الليل من يوم عاشوراء سنة سبع وستين بعد قَتْلِ الحسين بست سنين، وتمادى
القتل، فقتل إبراهيم عبيد الله، وانهزم أصحابه أشد هزيمة. فلمّا كان عند الصبح قال إبراهيم
لأصحابه: إنِّي قتلتُ البَارِحَة رَجُلاً، فَوَجدْتُ عليه أثر طيب، فمَا أراهُ إلاَّ عبيد الله بن زياد فالتَمِسُوه،
فإنِّي قَسمتُهُ بنصفين، فرميتُ ذِراعيهِ نحوَ المَشْرِق، وساقَيْهِ نحوَ المَغْرِب فالْتَمِسوه. فَوَجَدوه كما ذكر،
فلمَّا قُتِلَ عُبيد الله حُزَّ رأسُهُ، وبَعَثَ به المختار بن عبيد بن مسعود إلى علي بن الحسين،
(1/458)

وحكى الرّسولُ الذي مشى برأسه إلى علي بن الحسين، قال: دَخَلْتُ على علي بالرأس، وهو يتَغَذَّى، فقال:
سُبْحان الله. لقدْ أُدْخِلَ رأْسُ أبي عبد الله، يعني الحسين على عبيد الله بن زياد، وهو يتغدَّى.
رجع
وقال أبو العباس أيضاً:
يابَرْقُ بَرقاً بينَ مَرْوَةَ والصَّفا ... باكِرْ بِسُقْيا الحَجِّ ديناً قدْ عَفا
واهْدِ الحَجيجَ إلى مَعالِم مكَّةٍ ... فلقدْ تركْتَهمُ حَيَارى وُقَّفا
حَمِّل عِمَامَكَ ديمَةً منْ زَمْزَمٍ ... وانْضَحْ بِريَّاها القُلوب الرُّجفا
وَاكْحَلْ جُفُوني منْ سَوافي ريحها ... إنِّي أشحُّ بتُرْبِها أنْ يَنْسِفَا
بينَ الحجونِ إلى الحطيم لأحْمدٍ ... أثَرٌ زكَامنْهُ الثَّرى وتَشَرَّفا
بِمِنىً بجَمْرَتِه إلى عَرَفاته ... ناهيكَ مسْعى للنَّبي وموْقفا
والحِجْرُ والحَجَرُ الأحمُّ تَأَلَّقتْ ... أَنْوارُهُ فأبى الهُدى أنْ تُكْسَفا
وَمَقامُ إبراهيمَ يَدْعو رَبَّهُ ... قد أثَّرَتْ قَدَمَاهُ في صُمِّ الصَّفا
والبيتُ ذو الأستار تمْسَحُ رُكْنهُ ... وُرْقُ الحَمَامِ عِياذَةً وتعَطّفا
(1/459)

يالَيْتَ أنِّي في ذراهُ حَمَامَةٌ ... أدَعُ الهديل سُدًى وَأَبْكي المصطفى
يا عيْنُ بَكِّي للدَّفينِ بِطيبَةٍ ... ولِمَفْرقٍ بِدَمِ الوَصيِّ تغَلَّفا
أخَوَيْنِ خَيْرُهُما بِحَرَّةِ يثْرِبٍ ... ثاوٍ وَآخَرُ بالعِراقِ تَخَلفا
شُلَّتْ يمينُ المُلْجَميِّ فإنَّهُ ... تَرَكَ الإِمَامَة بالإمام على شَفا
أرَتِ الشَّماتَة بالوَصِيَّ أمَيَّةً ... لا سَرَّها قتْلُ الوصيِّ ولا شَفى
ودَّت أمَيَّةُ لوْ يُصابُ بِسَيْفِها ... يكْفِيكَ جَمرُهُ يا أميةُ لوْ كَفى
أشَفَاكُمُ منْ يومِ بدْرٍ قَتْلُهُ ... تِلْكَ الشَّهادَةُ ما بذلكَ مَنْ خَفَى
وَابْكِي على السِّبْطين بعْدَ أبيهماَ ... حُبَّا لِجَدِّهِما الرَّحيمَ الأرْأفا
عَمْري لقدْ جَارَ الضَّلالُ على الهُدى ... بالطَّفِّ في قتْلِ الحُسينِ وطَفَّفا
واهاً لَها منْ عَثْرةٍ لوْ تُتَّقى ... واهاً لَها من ضِلَّةٍ لوْ تُقْتَفى
ماكانَ أجْدَرَها بأنْ تَدَعَ الظُّبا ... متَشَظِّياتٍ والقَنا مُتَقَصِّفَا
رضِيَتْ قُرَيشٌ أنْ يُقَتَّلَ هاشِمٌ ... فعَلى قُريشٍ بعْدَ هَاشِمٍ العَفا
لا دَرَّدَرُّ العَبْشَمَيَّةِ كمْ لَها ... منْ فَتْكةٍ فيهم عَلَتْ أنْ تُوصَفا
(1/460)

لوْ أنَّ صقْراً في مكانِ أمَيةٍ ... لَحْماً لَحَامَ على الحُسين ورَفْرفا
أوْ أنْ لَيْثاً يوْمَ خَرَّ مَكَانَها ... غَرَثاً لَمَهَّدَ للحُسين وأَلْطَفا
أوْ أنَّ سِرْبَ قطاً غداةَ شَكا الصَّدى ... وافاه مجَّ لِوِرْدهِ ما اسْتَخْلَفَا
مَنَعُوهُ ماءَ النَّهرِ ليْتَ مَدَامِعي ... مَعَهُ إذاً لَسَقى الرِّكابَ ولا اشْتَفى
إنّي لأشْرِقُ بالزُّلالِ تَذكُّراً ... هُمُ وأقْلقُ بالنَّعيم تَأسُّفا
يا لَيْتَ شِعْري كيفَ كانَ على العَصا ... رأْسُ الحُسَيْن ونُورُهُ كيفَ انْطَفا
أمْ كيفَ تُقْرعُ بالقضيبِ ثنِيَّةٌ ... كانتْ ملذاً للنَّبِي ومَرْشفا
إنْ يرفعُوا رأسَ الحُسين فقبْلَه ... رَفَعوا لواذاً منْ أبيه المُصْحَفا
إيهاً حديثاً عنْ فُؤادي إنَّهُ ... ذكرَ الرسولَ وآله فتشوَّفا
مَالي طَرِبْتُ بذكْرهمْ فكَأنَّني ... عاقَرْتُ منْ ذكرِ الأحِبَّةِ قرْقَفا
أقِمِ الصلاةَ على النبيِّ فإنّها ... تذَرُ الذُّنوبَ الشُّمَّ قاعاً صَفْصَفَا
صلّى الإلهُ على النبيِّ وآلهِ ... من ضَمَّ خَمْسَتَهُمْ كِساءٌ قدْ صَفا
ياربِّ إنِّي قدْ أنِسْتُ بِحُبِّهم ... فاجعلهُمُ لِيَ عنْ سِواهُمُ مَصْرِفَا
قوله: (والحِجر والحَجَرُ الأَحَمُّ) يعني الأسود، وإنما قال: الأحمُّ لِيقُوم له الوزن. وفَضْلُ هذا الحجر
عظيم، وشرفه معلوم، وذُكِرَ أنه يمين الحيّ القيوم.
(1/461)

حدَّث يحيى بن سليم عن ابن جُرَيْج قال: سمعت محمد ابن عباد ابن جعفر المخزومي يقول: سمعت
عبد الله بن عباس يقول: إن هذا الرُّكْنَ الأسوَد، هو يَمينُ الله في الأرض، فَصافَح بِه عبادَهُ مُصافحة
الرجل أخاه.
وقال القاضي أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن العثماني كتبَ إلَيَّ الشًّيْخُ أبو الفتوح طاهر بن علي
الرفاء المصري وأجاز لي الرواية عنه قوله:
في الحجَر الأسْود سرُّكُمَا ... في غامضات العلم أسرارُ
فَهْوَ يمينُ الله في أرضه ... واللَّهُ للأشياء يختارُ
وإنَّما الأمثال مضروبةٌ ... وفي رموز القول تذْكارُ
وطاعةُ الله وعصيانُهُ ... عقباهما الجَنَّةُ والنَّارُ
والوَصِيُّ الذي ذَكَرَ هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسنذكر بعد هذا طَرَفاً من خبره.
والملجمي هو عبد الرحمن بن ملجم التَّجُوبي. وقيل
(1/462)

السُّكُوني، وقيل الحميري. قال الزبير بن بكار:
تَجُوبُ رجل من حِمْير كان أصاب دماً في قومه، فلجأ إلى مراد فقال: جئت إليكم أجوبُ البلاد، فقيل
له: أنت تجوب. فسمي به. وهو اليوم في مُراد، وهم رهط ابن مُلْجَمُ المرادي ثم التَّجُوبي، وأصله من
حمير، ولم يختلفوا أنه حليفٌ لمراد، وعِدادُه، فيهم، وكانَ فاتكاً ملعُوناً انتدب من لقايا الخوارج لِقَتْل
علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقتله ليلة الجمعة لثلاث عشرة، وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت،
وقيل بقيت من رمضان. سنة أربعين، وفي ذلك يقول شاعرهم:
علاه بالعَمُودِ أخو تجوبِ ... فأوهى الرأس منه والجبينا
وقُبِضَ رحمةُ الله عليه ورضوانه في أول ليلة من العشر الأواخر منه.
وذكر المزني عن الشافعي عن سفيان بن عيينة قال: قال لي جعفر بن محمد توفي علي بن أبي
طالب وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وقتل الحسين بن على، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفي
علي بن الحسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفي محمد بن علي بن الحسين وهوابن ثمان
وخمسين سنة.
(1/463)

قال سفيان: قال لي جعفر بن محمد وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين سنة، فتوفي فيها رحمة الله
عليه وعليهم.
(حُبَّا لِجَدِّهِما الرَّحِيم الأَرْأَفَا) جاء به منصوباً على المدح للمبالغة فيه. ومثله قول الشاعر:
إلى المَلِكِ القَرْمِ وابن الهُمَامْ ... وليثَ الكَتِيبَةِ في المزْدَحَمْ
فنصب (ليث) على المَدح. وقال الآخر:
الخائضَ الغَمْرَ والميْمونَ طائرُهُ ... خليفَةَ الله يُسْتَسْقى به المطرُ
نصب الخائض والميمون وخليفة الله على المدح والترفيع.
ومثله أيضا قول الآخر:
لقد حَمَلَتْ قَيْسُ ين عيْلاَنَ ... حَرْبَها على مُسْتَقلِّ بالنَّوائبِ والحربِ
أَخَاها إذا كانتْ غضاباً سمَالَها ... على كلِّ حالٍ منْ ذَلولٍ ومنْ صعْبِ
فنصب (أخاها) على المدح. ولولا ذلك لخفضه على البدل من مستقل.
وقال يونس في قوله عزَّ وجل (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ)، وفي قوله تعالى
(1/464)

(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ): نصبهما على المدح. ونظير هذا من الكلام:
مرَرْتُ بِزَيْدٍ الرجَل الصَّالحَ. فإن خفضته جعلته بَدَلاً من زيد، وإن رفعته على إضمار هو. والنصبُ
على المدحِ والذم والترحُّم والاختصاص؛ إنَّما هو بإضمار: أعني. فمثال النصب على المدح ماذكرناه
من الأبيات، ومن قول الله عز وجل. ومثال الذم قوله عز وجل في صفة المنافقين (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ) وقوله تعالى (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا)
و (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) على قراءة عاصم ومنه قول الشاعر:
سَقَوْني الخمر ثمَّ تَكَنَّفُوني ... عُداةَ الله من كَذِبٍ وَزُورِ
وقول النابغة:
وَجُوهَ قرودٍ تبْتغي من تُخَادِعُ
نصب عُدَاة الله، ووجوه قرود على الذَّم. ونظيره في الكلام: مررت بزيد الفاجرَ. والفاسقَ. ومثال
الترحُّم قولك: مررت بزيد المسكينَ والضعيفَ. ومنه قول الشاعر:
(1/465)

ولقدْ خَبَطْنَ بُيُوتَ يشْكُرَ خَبْطةً ... أخْوَالَنَا وهُمُ بَنُو الأعْمَامِ
فنصب (أخوالنا) على الترحم، ومنه قول امرئ القيس:
فأَسْقِي بِهِ أُخْتِي ضَعيفَةً إذْ نأَتْ ... وإذْ بعُِدَ المزار غير القريضِ
فنصب ضعيفة على الترحم. فأمّا قول ذي الرمة:
وَأَنْتُمْ بني قيسٍ إذا الحربُ شَمَّرَتْ ... حُمَاةُ الوغى والخائضُونَ العواليَا
فانصبه إن شئت على المدح، وإن شئت على الاختصاص. ومن المنصوب على الاختصاص قول
الشاعر:
إنَّا بني مُنْقَرٍ قوم ذوو شَرَفٍ ... فينا سراةُ بني سعد وناديها
ويروى هذا البيت على مساق آخر وهو:
إنَّا بَني منقر لا نَنْتَمِي لأبٍ ... عنْه ولا هَو بالآباء يَشْرِينا
أي يبيعنا. كأنه قال: إنا، أعني بني منقر. وهذه الوجوه التي ذكرناها كثيرة في الشعر والكلام.
رجع
وقول أبي العباس (أم كيف تُقْرَعُ بالقضيب ثنية) الحسين. وذلك أنه لما قتل رضي الله عنه يوم
عاشوراء سنة إحدى وستين، قتله سِنَان بن أنس، وقيل سنان بن
(1/466)

أبي سنان النخعي، وقيل قتله شَمْر بن ذي الجَوْشَن الأبرص الضبابي، وأجهز خولي بن يزيد الأصبحي لعنة الله عليهم ثلاثتهم وسخطه.
حزّ رأسه خولي، وأتى به عبيد الله بن زياد، وهو يقول:
أوْ قِرْ رِكَابي فِضَّةً وذَهَبا ... إني قتلتُ الملِكَ المُحَجَّبا
خيْرُ عِبادِ الله أُمَّا وأبا ... وَخَيْرُهم إذْ يُنْسَبُون نَسَبا
فقال له عبيد الله بن زياد: فَلِمَ قَتَلْتَه إنْ كان خير عباد الله أمَّا وأباً؟ فضرب عنقه ثم أمر بحمل
الرأس إلى يزيد بن معاوية، فحكى القوم الذين حَمَلُوه، أنّهمْ نزَلوا منْزلاً من المنازِل، ووضعوا الرأس
بين أيديهم، فرأوا يداً من حديد قد خرجت فكتبت على جبين الحسين بالدم:
أتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَت حُسيناً ... شَفَاعةَ جَدِّهِ يوْمَ الحِسَابِ
ويروى أنّ هذا البيت وجد مكتوباً في كنيسة من كنائس الرُّوم، وعليه تاريخه مذ كتب، فَعُدَّ تاريخه
فوجد قبل الإسلام بثلاث مائة سنة. فلما وصل الرأس إلى يزيد جعل ينكث بقضيب كان في يده على
ثَنِيَّةِ الحُسين وهو يقول:
نُفلِّقُ هاماً من رجالٍ أعزَّةٍ ... علينا وَهُمْ كانوا أَعَزَّ وأظلما
فقال له أبو برزة نَضْلة بن عبيد الأسلمي: ارفعْ قضيبَكَ فَطَالَ واللهِ ما رأيتُ رَسول الله صلى الله
عليه وسلم يُكِبُّ عليه يقبله فذلك الذي عنى أبو العباس بقوله: (أم كيف تقرع بالقضيب) البيت.
(1/467)

وحكى أبو عمر المطرز عن أحمد بن يحيى بن ثعلب عن عمر بن شبة قال: دخل سِنَان بن يزيد
النَّخَعي على الحجاج: فقال له الحجاج كيفَ صنعتَ بالحسين؟ فقال: دَسَرْتُهُ بالرُّمْح دَسْراً، وهَبَرْتُهُ
بالسيفِ هَبْراً، ووكَلْتُه إلى امرئ غيري وَكْلاً فقال الحجاج: ألاَ واللهِ لا تَجْتَمِعُونَ في الجنَّةِ أبَداً. وأمَرَ
له بخمسة آلاف درهم. فلما ولي قال: لا تُعْطُوه إياها.
وحكى مروان بن معاوية الفزاري عن محمد بن عبد الرحمن عن أبي مسلم النخعي انه قال: رأيت
رأس الحسين قد جيء به، فوضع بدار الإمارة بالكوفة بين يدي عبيد الله بن زياد. ثم رأيت رأس
عبيد الله بن زياد قد جيء به، فوضع في ذلك الموضع بين يدي المختار بن عبيد. ثم رأيت رأس
المختار قد جيء به، فوضع في ذلك الموضع بين يدي المصعب، ثم رأيت رأس المصعب قد جِيء
به، فُوُضِعَ ذلكَ الموْضع بين يدي عبد الملك بن مروان، فرأى عبد الملك مني اضطراباً يوم جيء
برأس المصعب، فسألني، وأخبرته بالقصة. وقلت: وهذا رأس المصعب بين يديك، فَوَقاكَ الله يا أمير
المومنين. قال: فوثب عبد الملك عن ذلك المجلس وأمَرَ بهَدْمِ الطَّاق الذي كان عليه.
(1/468)

رجع
وقال أبو العباس أيضاً يمدح أهل البيت صلوات الله عليهم. وقد سئل بعض الجفاة عن تفضيلهم
وتطهيرهم وتقديمهم على من سواهم فقال:
عَادَيْتُ في الله قوْماً أنْكَرُوا رَصَداً ... للدِّينِ تَطْهيرَ أهْلِ البيتِ ذي الحُجُب
ياأهْلَ بيتِ النَّبِيِّ المصطَفى حَرَبي ... ممَّنّ يُخَفِّضُ منْ أَقْداركُم حَرْبِي
منْ لمْ يَقُلْ إنَّ خيرَ النَّاسِ كُلهُمُ ... أنْتُم، فقدْ سدَّ بابَ الصِدْق بالكَذِبِ
اللهُ طهَّرَكُم والرِّجْسَ أذْهَبَه ... عنْكم، شَهادَةُ ربَّ العرْشِ في الكُتُبِ
وقائلٍ لا، جَوَاباً عنْ طَهارَتكمْ ... ويْلٌ لِقَائلِها، إنْ كانَ لمْ يَتُبِ
أخو الرَّسول، أبو السِّبْطَيْنِ، أكْرمُ منْ ... يَمْشي على الرّتبِ أوْ يَرْقى على الشُّهُب
يا منْ يُفاخِربالأْنساب، هلْ لكَ في ... فخْرٍ فحُبُّ النبيِّ المُصْطَفى حَسَبي
وحُبُّ فَاطِمَةٍ والمرتضى حَسَنٍ ... وصِنْوِهِ وعليِّ كاشف الكُرَبِ
يومَ البعير ويومَ النَّهْروانِ ... وفي صفِّين داوى شُكاةَ الدينِ بالقُضُبِ
ما كنتُ أجْعَلُ شَكاً في أبي حَسَنٍ ... ولوْ رَمَتْني جميعُ العُجْمِ والعَرَبِ
وقال أيضاً في المعنى ردَّا على ذلك الجافي المذكور بعينه:
لقدْ طَهَّرَ الرحْمنُ آلَ محمدٍ ... وأذْهَبَ عنْهُمْ رِجْسَهُمْ وَهَدُوا كُلاَّ
عَجِبْتُ لِقوْمٍ لا يرَوْنَ وصيَّة ... أبا حَسَنٍ للأمْرِ يومَ انْتدوا أهلاً
أَمَا كان في آلِ النَّبيِّ مُحَمَّدٍ ... بِزَعْمِهم منْ يَشْهَدُ العقْدَ والحَلاَّ
كَذَبْتُمْ، أخُوهُم كانَ فيهمْ وَعَمُّهُ ... أشَدُّ الوَرى رأْياً وأوْثقُهم إلاَّ
(1/469)

فمَنْ كان يَدْعُوهُ الرَّسُولُ لنصْرِه ... إذا لَقَحَتْ حرْبٌ ومنْ كانَ للْجُلاَّ
ومنْ كان في دارِ النَّبيِّ خليفَةً ... كهَارُونَ من مُوسى، ومنْ بسَطَ العْدْلا
ومنْ كانَ مَوْلىً منْ يُوالي مُحَمَّداً ... ومنْ كانَ أَسْمى في المنَاسِبِ أوْ أعْلى
فموسى وهارُونٌ كأحْمَدَ والرِّضا ... عَليٍّ فهلْ من ثالِثٍ نَالَ ذا الفضْلاَ
أخُوَّةُ خيْرِ النَّاسِ خيْرُ مزِيَّةٍ ... فأيْنَ بِكُمْ عنْ هذه أوْضَحُوا السُّبْلاَ
وأرْبَعَةٌ والمصطَفى خامًسٌ لهُم ... أفاضَ عليهمْ مرطهُ وتَلا فَصْلاَ
وفيهم عليُّ بالكِسَاء مُلَفَّعاً ... وفي سورة الإنسان أمْداحُهُ تُتْلى
وإني لأعْطي أوَّلَ الفضْل رُتْبَةً ... وإنْ لامَنِي قوْمٌ لأوَّل منْ صلَّى
قوله رحمه الله: (ومن كان في دار النبي خليفة) إلى آخر الأبيات، إشارة إلى علي بن أبي طالب
رضي الله عنه. ذلك أن علياً أول من آمن بالله من الناس بعد خديجة، وأول من صلى مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم معها، وأنه صلى القبلتين، وهاجر وشهد (بدراً) و (حديبية) وسائر المشاهد،
وأبلى يوم (بدر) و (أُحُد) و (الخَنْدَق) و (خَيْبَر) بلاء عظيماً، ولم يتخلف عن مشهد شهده الرسول
عليه السلام إلاّغزوة (تَبُّوك)، فإن رسول الله صلى الله عليه خلفه على (المدينة) وعلى عياله، وقال
له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي
(1/470)

بعدي)، وقال له عليه السلام: (أنت أخي وصاحبي).
وآخى بينه وبين نفسه صلى الله عليه وسلم يوم آخى بين المهاجرين والأنصار، وقال له:
"أنت ولي كل مؤمن بعدي، وأنت الذائذ عن حوضي يوم القيامة، تذود عنه الرجال كما يُذادُ البعيرُ
الصادي". وزوَّجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة في سنة اثنتين من الهجرة، وهي سيدة
أهل الجنة ماخلا مريم ابنة عمران، وقال لها: "زَوَّجْتُكِ سيِّداً في الدنيا والآخرة" وفضائله رضوان
عليه كثيرة لا تحصى، وخصوصية بالنبي صلى الله عليه وسلم مشهورة. وكان رضي الله عنه يقول:
"أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يقولها أحد غيري إلاّ كذَّاب". وروى عن جماعة من الصحابة عن النبي
عليه السلام انه قال يوم (خيبر) لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله،
ليس بفرار يفتح الله على يديه. ثم دعا لعلي وهو أرمد، فتفل في عينيه، وأعطاه الراية، ففتح الله
عليه. ولما نزلتْ (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا). دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة وعلياً وحسناً وحسيناً، وهو في بيت
أم سلمة، فأقعد علياً عن يمينه، وفاطمة عن شماله، وحسناً وحسيناً في حجره، وألقى الكساء على
نفسه صلى الله عليه وعليهم، وقال: "اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرَّجس وطهرهم تطهيرا"
وإلى هذه الفضائل أشار أبو العباس في أبياته المذكورة.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة رحمه الله، ومكانه من العلم
(1/471)

والفَضْل والوَرَع مَعْلُومة: كُلُّ منْ نازَعَ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في خلافته، فهو باغ. على هذا عهدت
مشايخنا لقوله عليه السلام: "تقتل عمار الفئة الباغية" يعني عمار بن ياسر بن عامر العبسي. وقتل
عمار رحمه الله (بصفين) وكان مع علي رضي الله عنه، ووُجِدَ مقتولاً على باب سرادق معاوية.
وأتى يومئذ رجلان إلى معاوية يختصمان في رأسه وسلبه، أحدهما: أبو الغادية الجهني، والآخر هوى
بن ماتع. وقيل هوى بن جزء طعنه أبو الغادية واحتزّ هوى رأسه، ويقال إنهما اختصما في رأسه،
وسلمه إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فقال لهما، اخرجا عني، فإني سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: "أولعت قريش بعمار يا ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار".
وفي مقتل عمار يقول الحجاج بن غزية الأنصاري من أبيات رثاه بها:
قال النَّبِيُّ له تَقْتُلْكَ شِرذمةٌ ... سِيطَتْ لُحومهمُ بالبَغْي فُجَّارُ
فاليَوْمَ يعلمُ أهلُ الشام أنهمُ ... أصحابُ تلك وفيها العارُ والنارُ
وكان أهلُ الشّام يسمون قتل عمار فتح الفتوح. وفي عمار قال رسول الله
(1/472)

صلى الله عليه وسلم، وقد سمع رجلاً من المهاجرين قد أغلظ عليه في شيء، فقال: "عمَّار جِلْدةُ ما بين عيني وأنفي فمن بلغ
منه فقد بلغ مني" وأشار بيده فوضعها على عينيه.
وقال أبو العباس في طريقة الصوفية:
حدَّثني الشوقُ عنْ تباريحي ... أن ضنى الجِسْمِ صَيْقَلُ الرُّوحِ
وأنَّ صُفْرَ الوُجُوه مُسفرَةٌ ... تُشْرِقُ في الليل كالمَصابيح
وأنَّ رَوْحَ الإلهِ مُطَّلِعٌ ... على المحبينَ في التراويح
أفْلَحَ عبدٌ جَفا الكرى سَهَراً ... بين سجودٍ وبين تسبيح
خلا بمولاه غيرَ مُلتَفِتٍ ... في الجمْعِ للفَرْقِ غيرَ تَلْوِيح
أصبح منْبتُ سيْرهِ فَلَه ... منْ لُطْفِ مَوْلاه أيُّ تَرْويحِ
شاهدٌ ماغَابَ في سَريرَتِه ... وطَارَ إحساسُهُ معَ الرِّيحِ
لا مثْلَ منْ لُوِّنَتْ مَسَالِكُه ... فَتاهَ بينَ المَهَامهِ الفيحِ
عرِّضْ بالحقِّ في المثال لهُ ... والفوْزِ، لوْ نالَهُ بتصريح
موْلاي إنِّي علَيْكَ مُعْتَمدٌ ... فجُدْ بفضْلٍ عليَّ ممْنوحِ
ونجِّني فالذُّنوبُ مُغْرقتي ... وأنتَ نجَّيْتَ تابِعي نوحِ
وفي المعنى أيضاً يقول:
أجيرَةَ بيتي مالَكُمْ بِكُمُ السَّهوُ ... أمَرَّلكمْ شَجْوٌ وطابَ لي الشَّجْوُ
خَدعْتُكُم واسْتَأثرَ القلبُ بالهَوى ... لكُم مُرّهُ البادي وفي كبِدي الحُلْوُ
(1/473)

أبَتْ كَبِدُ المشتاقِ أنْ تَسْأمَ الجَوَى ... ولو سئمتْ لم يَسْأم الجَسَدُ النِّضْوُ
لقدْ سَقَمَتْ أهْواؤُكُم فَزَلَلْتُمُ ... ولوْ صحَّتِ الأهْواءُ لا تّصَلَ الخطْوُ
وَليَ سيِّدٌ لمْ يَعْلَم النَّاسُ كُنْهَهُ ... قريبٌ فإنْ هَاجَرْتُهُ بعُدَ الشَّأوُ
جَوادٌ إذا فرَّ المُسِيءُ بِذَنْبِهِ ... إليه فأدْنى جُودِهِ الصَّفْحُ والعَفْوُ
تشاغَل أقْوامٌ بِخِدْمَةِ عِزَّةٍ ... فعَزُّوا وأعْلى عزَّهُمْ ذلكَ القَتْوُ
رَدَدْتُ بِحُبِّيهِ على النّاسِ حُبَّهمْ ... وهلْ كنْتُ أسْتَسْقي وفي يَدِيَ الدِّلوُ
وما سرني أنْ أملكَ الأرضَ كُلّها ... وأنَّ فُؤادي منْ مَحَبَّتِه خِلْوُ
ولوْ أنَّ قلبي في يَدَيَّ بلا هَوى ... لجُنَّ فما ظَنِّي به وهوَ الحشْوُ
إذا هاجَ لي شَوْقٌ تَيَمَّمْتُ نَحْوَه ... على أنَّ منْ أحْبَبْتُ ليسَ لهُ نَحْوُ
وليسَ لَهُ أيْنٌ وليسَ له لَدُنْ ... وليسَ لَهُ مثْلٌ وليسَ لهُ صِنْوُ
أمَثِّلُهُ في خَاطري فيفُوتُنِي ... وبالقَلْبِ منْ عِرْفانهِ التِّيهُ والزَّهْوُ
وقدْ طارَ حتَّى قرَّ في مطْلَعِ الهُدى ... فسَوْداؤُهُ حَضْرٌ وأضْلاعُهُ بَدْوُ
أُوَاصِلُهُ في كُلٍّ خَطْرَةِ خاطِر ... ولا لعبٌ عندَ الوِصال ولا لَهْوُ
وُقُوفاً على سُفْلِ البِساطِ تَجِلَّةً ... ولوْلا انْبِساطي كانَ موقِفيَ العُلْوُ
فواحسْرَتي إنْ خابَ مَسْعايَ عنكُم ... ولوْ خابَ أيضاً ما اعْتَرى حُبِّيَ السَّهْوُ
ولا كهذا فَلْيَهْوَ منْ كانَ ذا هَوى ... وإلاّ فحُبُّ النَّاسِ أكْثَرُه لهْوُ
سُقيتُ الهَوى صِرْفاً فَعربَدْتُ صاحِياً ... ولكنَّ صحْوي دُونَ أيْسَرِهِ النَّشْوُ
حَنَانَيْكَ إنَّ الحُبَّ كَأْسٌ شَرِبْتُها ... على ظَمَأ صَفْواً فكَدَّرني الصَّفْوُ
فدُونَكُمُ يا أيُّها الشَّرْبُ فانعَموا ... دُموعي لكم خمرٌ ونَوحي لكم شدْوُ
(1/474)

قال أبو إسحاق:
انتهى ما اختلسْتُه واخْتَطَفتُه، ومن أزْهارِ كَلامِهِ واقْتطَفْتُه. ويا حُسْنَها من أزَاهِر، وبدائِعَ وجَواهِر.
أفْكارٌ وألْبابٌ، أحْسَنُ منْ ساعَاتِ الوِصالِ والاقتِراب، بعدَ يَأْسٍ منَ الأحْباب، أُمْنِيةُ راغِبٍ، وعَقِيلَةُ
مُبْتَغٍ وطالِبِ. موالك للقلوب والأسماع، وأفتَنُ منَ الحَسْناء سافرَةَ القناع:
لوْ كنَّ في فَلَكٍ لكُنَّ كواكِباً ... أوْ كُنَّ في وجْهٍ لكنَّ عُيُونَا
وكان الأديب أبو العباس رحمه الله فريد الإبداع في زمانه، معروفاً بانطِبَاعه وإتْقانِه، ولَهُ في أنواع
المديح قصائدُ سُلْطَانيات، تُوليكَ كثْرة طائل، وتدلكَ على أنْبَلِ قائل. بصير بمعاني اللغاتِ والآداب،
كثير التَّنْديرِ في كَلاَمِه والإغرابِ، وقدْ أثْبَتُّ في هذا الديوان من شعره المليح المعاني، السَّالمِ المبَاني،
ما يَسْترِقُّ القُلوبَ والنفوس، وتتيه بحُسْنه المَهَارِقُ والطُّرُوسُ.
وُلِدَ لعشر ليال خلت من شهر رجب الفرد سنة ثمانٍ وسبعين وخمسمائة، وتوفي رحمه الله ضحى
يوم الثلاثاء الثالث عشر لجمادى الأخرى سنة خمس وستمائة.
وقال الفقيه الوزير أبو الربيع سليمان بن موسى الكَلاَعي البلنسي من أهل عصرنا، في مدح
الرسول وأزواجه، والصحابة وأهل البيت، وسَمَّى هذه القصيدة: "نَتِيجةُ الحُبِّ الصَّميمَ وزَكَاةُ المنثُور
والمنْظوم" نفعَهُ الله بما صَنَّفَ ونظم في أهل البيت، وفي تَعْزِيزِ نبينا المصطفى المكرم، وفي
أزواجه، أمَّهاتِ المؤمنين
(1/475)

الخَفَرات الطَّاهرات، العَفائف المكرمات، وبلغه من إحسانه الجزيل ما أمَله،
وتقبل دعاءه وعمله فقال رضي الله عنه وأجاد في النسق والنظام، وضمّن أولها ذكر مثال نعل النبي
عليه السلام:
يا مَنْ لِصَبٍّ يرى أشْجَانَه النظرُ ... مَهْمَا تَبَدَّى له من حُبِّه أثَرُ
يَفي لهُ الصَّبر عند النائبات فإن ... يَلُحْ لهُ أثرٌ لمْ يبْقَ مُصْطَبِرُ
وذاكَ غيرُ ذميم من مواقِعِهِ ... إذا تعقَّبهُ التنقيحُ والنَّظَرُ
فلا يُبالي الشَّجَى وَجْداً يُعَالجه ... في ذاكَ لوْ طارَ من حافاتِه الشَّرَرُ
ولا يرْوي اعتذاراً عن لواعِجِه ... فما عن الرُْشد والتوفيقِ معتذرُ
هدىً أضَل عزاء المستهامِ بِما ... رأى فيَا لِضلالٍ بالهُدى يفِرُ
رأى مِثالاً لنعلِ المُصْطَفى فَهَفا ... بِهِ النِّزاعُ وهَاجَتْ شَوْقَهُ الذِّكَرُ
وليْسَ نُكْرُ نزاع عند رُؤيَتِه ... لكنْ قَسَاوَتُهُ في مثْلِها نُكُرُ
أعوذُ بالله من قلبٍ يُطالِعُها ... فلا يُرى بأليمِ الوجْدِ ينْفَطِرُ
وحَاشَ للهِ أنْ تُهدى الضُّلوعُ على ... أبْصَار آثارِ منْ حيزَتْ لهُ الأَثَرُ
مَن صَرَّحتْ بِمزايا فضْل سُؤْدَدِه ... آيُ الكتاب وشادت مَدْحهُ السُّوَرُ
محمدٌ خيرُ خَلقِ الله كُلِّهِمُ ... مَمَّنْ نمَت يمَنٌ أوْ من نمت مُضرُ
وغيرهم من جميع العالَمين فَلا ... يَزِغْ بِذي العقْلِ عنْ سمْتِ الهُدى البَصَرُ
فَيا مُطارَ الحشَى شوقاً لرُؤيته ... والعينُ تشْتاقُ مهْما أبْصرَ الأثَرُ
مثالُ نعْلِ النبي المصطفى عِوَضٌ ... منْ نعْلِهِ حينَ حالتْ دُونَهُ الغِيَرُ
فمَرِّغ الشَّيْبَ في ذاكَ المِثَالِ عَسى ... بِذاكَ شوْبُكَ للأعْمالِ يُغْتَفَرُ
واسْتَشْعِرنْ لَثْمَها في لَثْمِ مَمْتَثِلٍ ... به حذاءً لهَا أَودى به العُصُرُ
(1/476)

ففي مُشابهِ آثارِ الأحِبَّةِ مَا ... يُرَى به وجْدُ مَشْغوفٍ ويَسْتَعِرُ
واركبْ من الشَّوقِ نحو المصطفى مَتْناً ... شَجْوَ الضلوع فلا يَفْنى ولا يَذَرُ
وَادْأَبْ على ذكَ واصْبِرْ تجنِ خيْرَ جَنىً ... في جَنَّةٍ إنَّما يَحْظَى بها الصَّبرُ
وفي الصلاةِ عليه أيُّ ما وَطرٍ ... فلا يَعُوقَنْكَ عنْ إدْمانِها وَطَرُ
واذْكُرْ مواعدَهُ الحُسْنى لِمُنْتهِجِ ... سَبيلها يتَقَرَّاها ويَغْتَفِرُ
ونادِ في كلِّ نادٍ إذْ تمُرُّ بِهِ ... نِداءَ منْ أُحْكِمَتْ منْ حُبِّهِ المِرَرُ
صلَّى الإلهُ وأهلُ الأرْضِ كُلُّهُمُ ... معَ السماء وشمسُ الأُفْقِ والقمرُ
والأنْجُمُ الزُّهْرُ منْ أَعْلى معَارِجِها ... والنورُ والظُّلُماتُ البُهْمُ والغُرَرُ
والوحشُ في القَفْرِ والطيرُ المطيفَةُ في ... جوِّ السماء تعالى ثمَّ تنْحَدرُ
وكلُّ ما ضمَّنَهُ عُلْوٌ وضُمِّنَه ... سُفْلٌ من الخلق مما ليس يَنْحصرُ
أزْكى صلاةٍ وأنآها مَدى شرَفٍ ... بكُلِّ معنى لَدى الإعْياءِ يُعْتَبَرُ
كالشَّمسِ في أُفُقٍ كالمِسْكِ في عَبَقٍ ... كالدُّرِّ في نسَقٍ بلْ دُونَها الدُّرَرُ
على البَشير النَّذيرِ المنْتَقى كَرَماً ... من مَحْتِدٍ طابَ منْهُ الخُبْرُ والخَبَرُ
منْ مَعْشَرٍ إنَّما هُمْ منْظراً بَشَرٌ ... لكنْ مزاياهُم يُعْنى بِها البَشَرُ
على المبارك منهم مذهباً وأباً ... وشيمةٌ شأْنُها في الذِّكْرِ مُسْتَطِرُ
على الَّذي ابتهجَتْ سُبُلُ النَّجَاة به ... على الذي خُتِمَتْ فَخْراً به النُّذُرُ
على ابنِ آمِنَةَ المَرْجُوِّ نائُلُهُ ... يوْمَ القيامَةِ إذْ يُهْدى لَهُ الظَّفَرُ
على المُؤَثِّل دُونَ الأنبياء إذا ... جَدَّ الحسابُ وأَدَّتْ فَيْحَها سقَرُ
على الذي كَلَّمَتْهُ الشاةُ مُشْعِرَةً ... بِسُمِّها فانْثَنى عنْ قصْدِها الضَّرَرُ
(1/477)

على الَّذي لمْ تُهْدِ تَحِيَّتها ... إليه مَهْمَا رَأَتْهُ الأرضُ والشَّجَرُ
على الذي كان يُسْتَسْقى الغَمَامُ به ... فَتَسْتدرُّ بِهِ منْ صَوْبِه الدُّرَرُ
على الذي نبعتْ بالرَّيِّ أنْمُلُهُ ... للوارِدِينَ فهالَ الوِرْدُ والصَّدرُ
فَيَا لِيُمْنِ مُحَيّاً إنْ سألْتَ بِهِ ... في الجَذْبِ جاءَكَ وَفْقَ البُغْيَةِ المَطَرُ
ويا لَيُمْنى ويُسْرَى ما عَطَاؤُهُما ... في أَعْسَرِ العُسْرِ إلاَّ اليُمْنُ واليُسرُ
وضُوعِفتْ بركاتُ الأرْض فانْبَعَثَتْ ... مَشاهِبُ الخِصْبِ بالأَرْزاقِ تَبْتدِرُ
على الذي أَسْعَدَ الأيامَ مَبْعثُهُ ... فاستشْعرتْ طيبَها الآصالُ والبُكَرُ
على الذي حُبُّهُ موت بِمُخْلصه ... على مشارع صَفْوٍ مَا بِها كَدَرُ
صلاةُ صدق وإخْلاصٍ إذا صَدَرَتْ ... عن الضمير فلا ريْبٌ ولا سَدَرُ
تزُورُ تُربتَه دأْباً نَوَافِحُها ... فيسْتَمِدُّ شذاها الرَّوضُ والزَّهرُ
إذا انْبَرَى رائحٌ منها يُيَمِّمُها ... بَاراهُ في قصده المَحْمودِ مُبْتَكِرُ
فلا تزالُ بها الآذانُ عَالِيَةً ... يَحْدوبِها السَّفْرُ أوْ يحْلو بها السَّمرُ
بلا انقضاءٍ ولا عدٍّ ولا أَمَدٍ ... ما غرَّدَ الوُرْقُ أوْ ما أوْرَقَ الشَّجَرُ
(1/478)

وَبعده صلواتُ الله عَاطِرَةً ... على الصَّحابَة تَتْلُو زُمْرةً زُهَرُ
جماعة تَحْسِبُ الصديقَ أوَّلَهُمْ ... وَتِلْوُهُ في تناهي فضْلِه عُمرُ
وللشَّهيد ابن عَفَّانٍ مَكانتُه ... وفي عَلِيٍّ أثارتْ سِرَّهَا الأثَرُ
وللزُّبيرِ حوَارى النبي سنَا ... جَلاَلةٍ هي في عيْن العُلا حَوَرُ
وطَلْحَةُ الخيْرِ لا تُهْمِلْ فَضَائِلَه ... وفيضَ كفٍّ لَهُ بالجودِ تَنْفَجِرُ
ومِلْ إلي الخَالِ سعْدٍ فَهْوَ مَنْ قَصَفَتْ ... بهِ الأكَاسِر قَصفاً والقنا كِسَرُ
في موقفٍ يُعْذَرُ الفرَّارُ فيه فَما ... ثناهُ عن هولِهِ جُبْنٌ ولا خَوَرُ
والمُسْتَقِلُّ بِشُورى القومِ مُؤتَمِناً ... على الخِلافَةِ يأْبَاهاً ويَنْشَمِرُ
ذاكَ الأمينُ ابنُ عَوْفٍ فارْضَ عَنْهُ وَعَنْ ... جَمِيعهمْ فَهُمُ أهلُ الرِّضى الزُّهُرُ
ثمَّ اذْكُرنْ عَامِراً واعْمُرْ بِمِدْحَتِهِ ... أَسْماعَ كلِّ عِبادِ الله ما عَمَرُوا
ذاكَ الذي طلَّقَ الدُّنيا وزُخْرَفَها ... فما تعَلَّقَهُ منْ غمْرها غُمَرُ
فيالَهُ منْ أميرٍ باتَ مُدْرَكُهُ ... في كلِّ ما كانَ يأْتِيهِ ويَأْتَمِرُ
(1/479)

وما تأخَّر عنْ إهْمالِ واجِبِه ... ذِكْرُ ابنِ زيْدِ ولكنْ قبْلَهُ أُخَرُ
هُمُ الأُلى سَبَقَتْ ذكراهم وَهُمُ ... أهْلُ السَّوابِقِ لا ميْنٌ ولا هَذَرُ
وَكُلُّهمْ وسَعيدٌ عاشرٌ لَهُمُ ... لاَيَدَّعي شَأوَهُمْ في الفخْرِ مُفْتَخِرُ
وأمْرُ حمْزَة لا يَخْفى على أحدٍ ... ولا مَكَانَتُهُ في الدِّينِ تُفْتَقَرُ
عمُّ النَّبيِّ وليْثُ الحرب ما بَرِحَتْ ... تَشْقَى بأسْيافِهِ الأعْداءُ والجذُرُ
ومَدْرُهُ البَأْسُ عبَّاسٌ وموقِفه ... مُسْتسْقيا وغَزَالَى السُّحْبِ تَنْهَمِرُ
ساقي الحجيج وعَمُّ المصطفى وَأَبو ال ... أمْلاَكِ تُنْبِيكَ عنْهُ الكُتْبُ والسِّيَرُ
وفي بَنِيهِ مَعَاني المَجْدِ أجْمَعها ... قدْ قَرَّ في كلِّ سمعٍ عنهم خَبَرُ
وكُلُّ أبناء منْ حَبَّرْتَ مِدْحَته ... لهُ بُرُودُ ثَناءٍ دونها الحِبَرُ
ولا كَسِبْطَيْ رسولِ الله منْ أَحَدٍ ... وهلْ كفاطِمَةٍ من صفها بَشَرُ
ومَنْ دنَتْ مِنْ رسول الله نِسْبَتُهُ ... دُنُوُّها لهُمُ لمْ يَخْتَطِرْ خَطَرُ
وكُلُّ ذي رَحِمٍ منه فإنّ لهُ ... بذاكَ فَخْراً قُواه ليْسَ يَنْبَتِرُ
وسائرُ الصَّحْبِ والأنْصارِ أَوَّلُهُمْ ... أهلُ الثَّناءِ فهم آوَوْا وهُمْ نَصَرُوا
(1/480)

أيَّامُهُمّ بَيَّضَتْ وجْهَ النبي رضىً ... وَسَوَّدَتْ أوْجُهَ القوْمِ الأُلى كفَروا
وَإِنَّهُمْ لَخيارٌ فارْعَ حَقَّهمُ ... فَسُنَّةُ الحَقِّ ألاَّ تُهْمَلَ الخِيَرُ
وانظِمْ إلى سِلْكِ منْ تُهْدي الثَّناءَ لَهُ ... أزْواجَهُ فلهَنَّ الشَّأْنُ والخَطَرُ
خديجَةُ البَرَّةُ العُلْيا مَكَانَتُها ... وزيرَةُ الصِّدقٍ في الإسلام والوَزَرُ
وأُمُّ كُلِّ بَنيه غَيْرُ منْ وَلَدَتْ ... عَقيلةُ القبْطِ أدَّى ذلكَ الأَثَرُ
وهْيَ المُحَيَّاةُ منْ جبْريلَ مُبْشِرَةً ... بِبَيْتِ دُرٍّ فَحُمَّتْ عِنْدَها البَشَرُ
وبَعْدَها ابنَةُ أَعْلى النَّاسِ منْزِلَةً ... عِنْدَ الرسول بَما أَعْلاهُ مُخْتَبَرُ
فتِلْكَ عائِشَةُ المشهورِ موضِعُها ... من حُبِّه فاعْذِرُوها إنْ عَرَا أَشِرُ
وليسَ من شَأْنها لكن مَكَانَتُها ... حَرى بِهِ فَلْيُزايِلْ صَدْرَكَ الوحَرُ
عَلامَةُ الدِّين أُمُّ المؤمنين متى ... يَحْضُرْنَها العِلْمُ يَضْمَنْ سَبْقَها الحضرُ
وَحَفْصَةُ بنتُ فاروقَ الهُدى فَلَهَا ... سَعْيٌ منَ السِّرِّ عند الله مُدَّخَرُ
صَوَّامَةٌ ونَهَارُ الصيف مُحْتَدِمٌ ... قَوِّامَةٌ والدُّجى مُرْخَى لَها الأُزُرُ
وكُلُّ أزْواجِه بالدين مشتملٌٌ ... وكلُّهنَّ بتقوى الله مؤتزرُ
وكلُّهن لنا أُمٌّ مباركةٌ ... منْ كُلِّ منْ ضَمَّت الأبياتُ والحُجُرُ
مُباركاتٌ تَوَلِّى الله معتَلياً ... تَطْهيرَهُنَّ فَهُنَّ الصَّوْنُ والطُّهُرُ
وإنْ غَدَوْنَ احتقاراً للْحُلَى عُطُلاً ... فَخَيْرُ زينَتهن الدِّين والخَفَرُ
وما حُلاهُنَّ بالأَصوافِ مُدْركَةٌ ... وكلُّ ما طال منها فهو مُخْتَصَرُ
كذاكَ وصْفُ الصِّحابِ الغُرِّ تَعْجِزُ عَنْ ... أَدْناهُ ما نَظَموا منه وما نثَروا
(1/481)

فليسَ إلاَّ الرِّضى عَنْهُمْ وصدْقُ هَوى ... فيهم تَوَفَّرَ عن إِخْلاصِه العِذَرُ
وذَكِّرْ ما ساعد الإمْكانُ ذاكرةً ... فالعَجْزُ من بعد بَذْل الجَهْدِ مُغْتَفَرُ
وليسَ عجزٌ ولَكِنْ شَأْوُ حَقِّهمُ ... شيءٌ يُقَصِّرُ عنه الطولُ والقِصَرُ
فيا لِساني وقَلْبي ما يَعُوذُكُما ... عَمَّا يَحِقُّ لَهمْ عِيٌّ ولا حَصَرُ
أوتيتُما حسنَ إدْراكٍ فلا تنياَ ... واجْرِيا لمدى باغيهِ مؤْتجِرُ
وبالِغا إنْ ونى بُعْدُ المَدى بِكُما ... في الاجتهادِ فإعْذارُ الفتى عُذُرُ
وأيُّ عَتْبٍ على منْ رامَ مُجْتَهداً ... مثْلُ الّذي رُمْتُما فاعْتَاقَهُ قَدَرُ
خُصَّا وعُمَّاً عسى ألاَّ يَفُوتَكُما ... من الصَّحابَة لا أُنْثى ولا ذَكَرُ
وَكَرِّرا وأَعيدا أنتُمُ فئةً ... غَيْثُ الرِّضى مُسْتَهِلٌّ كُلَّما ذُكِروا
واسْتَجْزِلِ الدُّخْرَ من إخلاَصِ حُبِّكَ يا ... قلبي لهُم فَلَنِعْمَ الزادُ والدُّخْرُ
وفي الدُّعاءِ رجاءٌ لا يَخيبُ ولا ... يغِبُّ مُرْتَقبٌ منه ومنْتَظِرُ
فاصْدَعْ به يالِساني ضارِعاً أَبَداً ... ففي الضَّراعَةِ ما يُقْضى بِهِ الوَطَرُ
ويا إلهيَ أَمْتِعْني بِحُبِّهمُ ... حتَّى يُعَمِّرَ بي أَحْشاءَهُ العَفَرُ
وجَازِ يا رَبِّ قلبي عنْ مَحَبَّتهمْ ... عَفْواً يُزوِّدُني إذْ جَدَّ بي السَّفَرُ
واصرف عِنانَ اعتنائي نحْوَ خِدْمَةِ مَا ... يُرْضيكَ عنْ زَلَلِي ما امْتَدَّبي العُمُرُ
كَمُلَ ما أَسْداهُ الفقيه العلم وألْحَمَهُ، ويا حُسْنَ ما أَنْشَأه ونَظَمَه منَ الثَّناء الجميل وتَمَّمه، ولقد سَلَكَ
سبيلاً لا يَعْدَمُ سالكَهُ ثواباً، ولا يزْدادُ من الله تعالى إلاّ دُنُوَّا واقتراباً، والله تعالى يَنْفَعُهُ بما قال، ويأ
جُرُهُ كما أطْنَبَ في الثناء على منْ يُحِبُّ وأطالَ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ منْ مناقِبِ الرسول عليه السلام
وأصحابه مَعْلُومٌ مشهور، وفي الكتب بالأسانيد الصحاح مذكورٌ، وجاء بالعشْرة رضي الله عنهم على
النَّسقِ الواجبِ، في الأماكن من الفضلِ والمراتِب، والسَّنن الذي اتَّفَقَ عليه الأئمة والعُلَماءُ المتقدَّمون
سرحُ هدْي الأُمَّة.
(1/482)

قال الحافظ أبو عمر رحمه الله في كتاب (الصحابة): وقف جماعة من أئمة السلف وأهل السنة في
علي وعثمان، فلم يُفَضِّلوا واحداً منهما على صاحبه، منهم مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان
وابن معين. وأهل السُّنة اليوم على تقديم أبي بكر في الفضل على عمر، وتقديم عمر على عثمان،
وتقديم عثمان على علي، وعلى هذا جماعة أهل الحديث من زمن أحمد بن حنبل؛ إلاّ خواصّ من
جِلَّة الفقهاء، وأئمة العلماء، فإنهم على ما ذكرناه عن مالك ويحيى وابن معين. فهذا ما بين أهل الفقه
والحديث في هذه المسألة، وهم أهل السنة.
قال: وكان يحيى بن معين يقول: من قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعرف لعلي سابقته
وفضله، فهو صاحب سنة. ومن قال أبو بكر وعمر وعلى وعثمان، وعرف لعثمان سابقته وفضله،
فهو صاحب سُنَّة.
قال يحيى بن معين: خَلَوْتُ بأحمد بن حنبل على باب عثمان بن مسلم فقلت: ما تقول؟ قال: أقول:
أبو بكر وعمر وعثمان.
وفي الحديث عن محمد بن طلحة عن أبي عبيدة بن الحكم عن الحكم بن جَحْل قال: قال لي علي
رضي الله عنه: لا يُفَضِّلُني أحدٌ على
(1/483)

أبي بكر وعمر إلاَّ جَلدْتُه جلد المفتري. وأنكر ابن معين قول منْ قال:
كُنَّا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم
نسكت. وتكلم فيه بكلام غليظ، لأن القائل بذلك، قد قال بخلاف ما اجتمع عليه أهل السنة من السلف
والخلف من أهل الفقه. والأثر أن علياً أَفْضَلُ الناس بعد عثمان. هذا مما لم يختلفوا فيه، وإنما اختلفوا
في تفضيل علي وعثمان.
وقول أبي الربيع: (وللزبير حواري النبي) البيت، هو أبو عبد الله الزبير بن العوام بن خويلد بن
أسد ابن عبد العزيز بن قصي، وفي قصي يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه، وهو حواريه، وابن
عمته صفية بنت عبد المطلب.
وقال عليه السلام: "الزُّبير ابن عمتي وَحوَاري من أمتى".
وقال عليه السلام: "لكل نبي حواريّ وحواري الزبير" وسمع ابن عمر رجلاً يقول: أنا ابن الحواري
فقال: (إن كُنْتَ ابن الزبير وإلاَّ فلا).
قال محمد بن السائب:
الحواري الخليل، وأنشد قول جرير:
أَفَبعْدَ مَقْتَلِهمْ خليلَ محمَّدٍ ... تَرجُو العُيُونُ مع الرسول سبيلا
رقال غيره، الحواريُّ: النَّاصر، وأنشد:
ولكنه ألقى زمام قَلُوصِه ... فيحيا كَرِيماً أو يَمُوتَ حواريا
(1/484)

وقال غيره: الحواريُّ: الصَّاحبُ المستَخلص. وقيل غير ذلك.
وأصلُ الحَوَرِ في اللغة: شِدَّةُ البياض.
وقوله: (وَمِلْ إلى الخَالِ سَعدٍ) يعني سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن وهب. وقيل:
وهب بن عبد مناف الزهري القرشي.
جاء في الحديث عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء سعد فقال:
أنت خالي، وكان سعد مجاب الدِّعْوة مشهوراً بذلك، لأن النبي عيه السلام دعا له وقال: "اللهم سَدِّدْ
سَهْمهُ وأجبْ دَعْوَتَه" وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وذلك في سرية عبيدة بن الحارث. وفي
ذلك يقول سعد:
ألا هَلْ جاءَ رسول الله أني ... حَمَيْتُ صحابتي بصدور نَبْلِي
أذودُ بها عَدُوَّهمُ ذياداً ... بكلّ حَزُونةٍ وبِكُلِّ سَهْلِ
فما يعتد رامٍ من مَعَدٍّ ... بسهمٍ مَعْ رَسُولِ الله قبلي
ولما قُتِل عن راية المشركين من بني عبد الدار يوم أحد من قتل، أخذ اللواء غلام لهم أسود، وكان
اللواء قد انتكس فنصبه العبد وبربر يسُبُّ. رماه سعد بسهمٍ ُأصاب ثغرته، فسقط العبد صريعاً، فأقبل
أبو سفيان، وقال: منْ رَدَاهُ منْ رَدَاهُ؟ أي، منْ رماهُ، ومن أصابَه.
(1/485)

يقال: رَدَيْتَ الرجل، إذا رميته. وأكثر ما يستعمل رَدَيْتَ في رمي الحجارة.
وسعد والزبير جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه، فقال لكل واحد منهما: "ارم فِداكَ أبي
وأمي" وكان سعد بن أبي وقاص من القُرَّاء وكان يكنى أبا إسحاق.
وقوله: (ذاك الأمين ابن عوف) يعني عبد الرحمن بن عوف. روى عن رسول الله صلى اله عليه
وسلم أنه قال: "عبد الرحمن بن عوف أمينٌ في السماء أمين في الأرض". وقال فيه عبد الرحمن: سيد
من سادات المسلمين. وفي الحديث فيما روى ميمون بن مهران عن ابن عمر أن عبد الرحمن ين
عوف قال لأصحاب الشورى، هل لكُم أن أخْتار لَكم، وأُشْفَى منها؟ فقال علي رضي الله عنه: أنا أولُ
منْ رضي، فإني سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عيه وسلم يقول: "أنت أمينٌ في أهل السَّماء، أمينٌ في
أهلِ الأرض".
ومناقبهم رضوان الله عليهم أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تُحْصى وتُحْصَرُ، وهمُ الأولياءُ الذين
طلقوا الدنيا ثلاثاً، وتركوا أسباب زخارفها رِثَاثاً. آياتُ فضلِهم ظاهِرة، وأَقْمار شَرَفِهم وسؤدَدِهم نَيِّرَةٌ
باهِرةَ، ومراتِبُهمْ عالية، وأماكِنُهم هائلة، ورحمَةُ الله عليهم مُتَواتِرةٌ مُتوالية، رضي الله عنهم أجْمعين.
وقال الوزير الأجل أبو عمرو بن غياث شيخنا في رثاء ابن لأحد أعيان بلدنا:
هذي المَطالِعُ أيْنَ بَدْري السَّارِي ... أَتُرى اعْتَراهُ مَدارُه بِسِرارِ
أومَلَّ مطلعهُ فَمَال إلى الثَّرى ... يَسْري على فُلْكٍ به دَوَّارِ
(1/486)

هَيْهَاتَ أعْجَلَه الأُفُولُ بأفْقه ... إنَّ الأُفولَ لآفةُ الأَقْمار
يا كَوْكَباً ما كانَ أَقْصَرَ عُمْره ... وكذاكَ عُمْرُ كواكِبِ الأسْحَار
لَهْفي عليْكَ وقلَّ لَهْفي أن أرى ... حَيَّاً وما غيْرُ البُكاءِ شِعارِ
ياموتَ كِبْدي قد أَخَذْتُ ولم تدَع ... إلاّ أنينَ الحُزْنِ تحتَ دثار
أقْسمتُ لوْ أنِّي بمُقلةٍ نائم ... ما إنْ أحسَّتْ غيرَ دَمْعي الجاري
بكَ كُنْتُ أُبْصِرُ يا بُنَيّ وها أنا ... أعْمى وإنيِ منْ ذوي الأبْصارِ
بكَ كنتُ أسْطو أوْ أصولُ على العِدَى ... في جُنْح ليْلٍ أوْ ضياء نَهارِ
بكَ كنُت مُنْتَصِراً فما أَسْلمْتَني ... للنَّائبات ولا أضَعْتَ ذماري
لهْفي عَلَيْكَ وتمَّ لَهْفي دائماً ... ضَعُفَتْ قوَايَ وَبُدِّدَتْ أنصاري
سلَبَتْكَ عَنِّي النَّائباتُ بسُرْعَةٍ ... سلبَ النَّواظر منْ حِمَى الأشْفار
كُنْتَ المُهَنَّدَ حيْثُ شمَتُك لمْ تزَلْ ... في نُصْرتي أمْضى من الأقْدار
والسّيفُ مهْما شيمَ رُدَّ لِغِمْدِهِ ... معنى الغَمُودِ صيانَهُ الأشْفارِ
إنْ تَعْذِلُوني لَسْتُ أوَّلَ والِهٍ ... أوْ تَعْذِرُوني قدْ بَدَتْ أَعْذاري
إنْ كُنْتُ معْتَرِفاً فمِنْ حُكْمِ الأسى ... أوْ كُنْتُ أُنْكِرُ لمْ يُفِدْ إنْكاري
لوْ كانَ دَمْعي قدَّرَ بَعْضِ تَفَجُّعِي ... أَغْنى الورى عنْ وابِلِ الأمطارِ
ياأيُّها المُغْتَرُّ منْ أَيَّامِهِ ... دَارِ انْقِلابَ صُرُوفِها بكَ دارِ
لاتخْدَعَنْكَ بَوارِقٌ منْ أُفْقِها ... وحَذارمنها ما اسْتَطَعْتَ حَذارِ
لا تخْدعَنْكَ من الزمانِ مَسَرَّةٌ ... خُلِقَ الزَّمانُ مَساءَةَ الأحرارِ
وإليكِ يا دُنْيا فلسْتُ بِغافِلٍ ... عَمَّا جَرى لبََنيك أوْ هُوَ جارِ
أَجَهِلْتِ ما تُطْوى عليهِ بِذي الورى ... أوَ ما درَيْتِ بأنَّني بِكِ دَارِ
كَمْ كدْتِ منْ أَهْلِ العُلُومِ وغيرهِمِ ... حتَّى منَ الرُّهْبَانِ والأحْبارِ
(1/487)

وفَتَكْتِ بالأبْطالِ دُونَ أَسِنَّةٍ ... وَقَواضِبٍ فَتكاتِ ليْثٍ ضارِ
وإذا قَتَلْتِ بلاَ قتالٍ لمْ يُفِدْ ... كَسْبُ المُهَنَّدِ والقَنا الخَطَّارِ
دارُ الفَناء نَعُدُّها لِبَقائنا ... عيْنُ المُحالِ بَقاءُ هذي الدارِ
دارُ الرَّحيلِ نعُدُّها لِقَرارِنا ... كَيْفَ القرارُ بغيرِ دارِ قرارِ
مَكَّارَةٌ غَرَّارَةٌ غَدَّارَةٌ ... وثَّابَةٌ سلاَّبَة الأعْمارِ
أكَّالةٌ أبْنَاءَهَا قَتَّالَةٌ ... من غيرِ خَوْفِ مُطالبِ بالثَّارِ
دَرَّاكَةُ الأوْطارِ منْ مَطْلُوبِها ... قدْ أمَِّنَتْ منْ طالِب الأوتارِ
إنْ أًَقْبَلَتْ فَلْتَرْتَقِبْ إدْبارَهَا ... لا بُدَّ للإقْبالِ منْ إدْبارِ
أوْ أوْردَتْ فلْتَرْتَقِبْ إصْدارَهَا ... لا بُدَّ للإيرادِ منْ إصْدارِ
وإذا صَفَتْ حِيناً تَشُوفُ صَفَاءَهَا ... لِلْحَيْن بالأقدارِوالأكْدارِ
إسْكَنْدَرٌ طَوَّافُها جَوَّابُها ... فَتَكَتْ بِه وبِجَيْشِهِ الجَرَّارِ
جَيْشٌ يَظَلُّ به الفَضاءُ مُعَضِّلاً ... تَرَكَ الإكَامَ كَأنَّهُنَّ صَحَار
أيْنَ الفَراعِنة الَّذين تَمَرَّدُوا ... وتَجَبَّروا سَفَهاً على الجَبَّارِ
أيْنَ الّذين إلى الرِّياحِ تعرَّضوا ... صاروا لَنا خبَراً منَ الأخْبارِ
عَصَفَتْ علَيْهِم للمَنُونِ عَواصٍفٌ ... نَقَلَتهُمُ منها لدَارٍ بَوَار
وهذه القصيدة طويلة، ذكربها أسماء أفناهم المَلَوان، وأخْلََق جَديدَهُم الجديدان، وعَفَّتْ آثارَهُم خُطُوبُ
الأزْمان، ولا يَبْقى على الخدمان، إلاّ القائم الدَّائم الواحدُ المَنَّان، وكُلُّ شيءٍ بعْدَه فمنقطع وفان.
وقوله:
يا كوكباً ما كان أقصر عمره
(1/488)

البيت بكماله لأبي الحسن التهامي.
وقوله:
جيش يظل به الفضاء
البيت بكماله للنابغة الذبياني.
وقال أيضا:
رجاءٌ كانَ فانْقَطَعَ الرَّجاءُ ... وللأشْياء حدٌّ وانْتِهاءُ
إذا سَبَقَ القضَاءُ فلا مرَدَّ ... لِمَا فينا به سَبَقَ القَضاءُ
يُريدُ المرءُ أنْ يُوتى مُناهُ ... ويأبى الله إلاّ ما يَشاءُ
فلا تغْتَرَّ بالدُّنْيا وذَرْها ... فَعُقْباها وعُقْبَانَا فَنَاءُ
إذا ما افْتَرَّ عنْ أمَلٍ صَباحٌ ... فرَاقِبْ مَابِهِ يَأْتي المَسَاءُ
فيا مغرور إنْ أثرى تنبَّه ... فما تحتَ الثَّرى يعني الثواءُ
ويا مغرور بالفاني بعز ... يسومُ الذُّل حيث هُوَ البَقَاءُ
سَيَفْنى كلُّ مَخْلُوقٍ سَريعاً ... فلا يَبْقَى الخَلاءُ ولا الملاَءُ
ألا يا موْتُ حَسْبُكَ لمْ تدَعْ لي ... بما يقْوى به عنْدي العزاء
سَلَبْت الرُّوح عن جِسْمٍ ضعيفٍ ... فأيْنَ الرِّفْقُ أوْ أيْنَ الحَياءُ
إذا لمْ تَرْثِ يَوْماً للثَّكَالى ... بَدَتْ منْكَ القَسَاوَةُ والجَفَاءُ
أَلاَهَلْ مُبْلِغُ مِنِّي سلاماً ... يَهُبُّ مع الرِّياحِ به رَخَاءُ
(1/489)

إلى القبر الّذي في كُل حينٍ ... يَطوفُ بِهِ المَكَارِمُ والعلاءُ
إلى شخْصٍ إذا أَنْصَفْتَ فيه ... فَقُلْ فَضُلَ الرِّجَالَ به النساءُ
أسامِعَةً ندايَ إذا أُنَادي ... شقيتُ وخبْتُ إنْ خابَ النِّداءُ
دعوتُ وما أرى لكِ منْ جَوابٍ ... أيَنْبو عنْ مَسَامِعِك الدُّعاءُ
بَكَتْكِ إذاً عَدِمْت الأُنْسَ حتى ... بكتْ لي الأرْضُ حُزْناً والسّماءُ
وكادَتْ شُهْبُهاتَنْقَضُّ ثَكْلى ... لِتَبْكِيني وأَدْمُعُها دِماءُ
فكمْ أخْفَيْتُ حُبَّكِ في ضميري ... وأمّا الآنَ قدْ بَرَحَ الخَفاءُ
ولوْ يُجْدي البُكاءُ عَلَيكِ شيْئاً ... لكانَ لكُلِّ جارِحَةٍ بُكاءُ
ولوْ تُفْدى من الدُّنيا بشَيْءٍ ... لقَلَّ بما حَوَتْهُ لَها الفِداءُ
وَلَوْ وقِيتْ بشيءٍ منْ رَدَاها ... لَدامَتْ والنُّفوسُ لَها وقاءُ
ومنها:
فلَيْتَكِ في مَحَلك منْ فُؤادي ... دُفِنت ولا يَطُولُ بيَ الشَّقاءُ
وإلاّ في سَوادِ العينْ منِّي ... فعيني فيكِ أوْ قَلْبي سَواءُ
فإنَّكِ قدْ ثَويتهما زماناً ... وليتَ يَدُومُ بيْنَهُما الثَّواءُ
ومنها:
عَجِبْتُ لهالَةٍ عَجِلَتْ أُفولاً ... وَكَمْ عن .....
فَيا بعضي فقدْتَ الكُلَّ مِنِّي ... وهَلْ للبَعْضِ عنْ كلِّ بَقاءُ
سأَدْعو الله في سِرٍّ وجَهْرٍ ... مَحَلكِ حيثُ حَلَّ الأَوْلِياءُ
(1/490)

ونَفْسي سوفَ تُقْضى عنْ قريبٍ ... وليس ِلحُزْنها فيك ِانْقِضاءُ
قوله:
يريد المرءُ أنْ يوتى مُناه
البيت بكماله لأبي الدرداء عويمر بن عامر وقيل ابن قيس الأنصاري رحمه الله، روى من حديث
ابن عيينة، ومن حديث إسماعيل بن عباس أيضاً، أنه قيل لأبي الدرداء: مالكَ لا تقول الشعر، وكل
لبيب من الأنصار قال الشعر. قال: وأنا قد قُلْتُ شعراً. فقيل: وما هو فقال:
يريد المرء أن يُؤتَى مناه ... ويَأْبَي الله إلاّ ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي ... وتَقْوَى الله أَفَضَلُ ما استفادا
كذا قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيره.
وقال الوزير أبو عمرو أيضاً:
سَحُّوا دُمُوعَكُمْ وإلاّ كَفْكِفُوا ... فالمجد يبْكي والمَكارمُ تَهْتِفُ
والحُزْنُ جَلَّ كَأَنَّما هذا الورى ... يعْقوبُ والمفْقودُ منهُ يوسُفُ
رُزْءٌ عَظيمٌ حلَّ حتَّى إنَّه ... لِوُقُوعهِ اهتزَّ المَقامُ الأشْرَفُ
ياكَوْكَباَ أوْ يا هِلالاً اطْفَأَتْ ... أنوارهُ ريحٌُ ولكنْ حرْجَفٌ
(1/491)

هَلْ تُكْسَفُ الأقْمارُ غيرُ كوامِلٍ ... أعَلِمْتُمُ أنّ الأهِلَّةَ تُكْسَفُ
بَكَتِ السماءُ لفَقْدِهِ ونُجُومها ... والأرضُ قدْ كادَتْ تَميدُ وترْجُفُ
ونَعَتْهُ إذْ سَمِعَتْ بهِ أمُّ القُرى ... وبَكى الحطيمُ وزمزم ومُعَرَّفُ
والعالمُ الأعْلى يطيبُ بقبْرهِ ... وعليه أفْواجُ المعالي عُكَّفُ
عجباً لقبْرٍ حلَّ منه ضريحُهُ ... أنْ ليسَ يَنْبُتُ في ثراه الزخرفُ
لو كانَ بالدُّنْيا الذي بي أصبحت ... منها المعالم وهْيَ قاعٌ صَفْصَفُ
ياليتهمْ دَفَنوه بين جوانحي ... تسقيه فيها سَحْبُ دمعي الوكَّفُ
أوَ ليْسَ أهْلُ الأرضِ طُرّاً أُثكِلوا ... فجُفُونُهُمْ أبداً نجيعاً تذْرِفُ
سُكَّانَ أَحْنَاءِ الجوانح ربعُكم ... منكم خلاءٌ والأسى مُسْتَخلف
عيناي أفْقَدني الرَّدى إحداهما ... أَوَ ليست الأخرى لدمعي تضعُفُ
ويدايَ أفقَدني الردى يُمْناهما ... وليست الأخرى ... تعطف
والقصيد طويل، ولفظه لفظ جزيل، ومعناه معنى جليل، والنظير في مساقه نزرٌ قليل. وكلام الوزير
الأجلِّ كلّه رفيع، ومنحاه بديع، يحلُّ من القلوب في صميمها، ويزين العيون بهجة بأزاهر آداب حياة
النفوس في نسيمها، كثيراً ما يأتي بالمبدعات، ويبرز من خاطره أنواع المعجزات، حتى كان ما أنزل
على الملكين أو مرتبط في مُجَاجِ أقلامه.
وفي رثاء أحد الأعيان يقول أبو الحسن بن عطية رحمه الله:
كذَبَتْ ظُنُونُكَ ما العَزاءُ جَميلا ... أو ما رأيتَ َدمَ العُلا مَطْلُولا
(1/492)

هذا جَوادُ أبي شجاعٍ مُخْبِراً ... أن الجواد انقضَّ منه قتيلا
ولَطالما لَبِسَ الدُّروعَ غَلائلاً ... ولطالما جَرَّ الرّماحَ ذُيولا
وسَرى إلى الغاراتِ وهْي كتيبة ... مِلْء الفضاء فَوارِساً وخُيُولا
واسْتَقبَلَ الزَّمَنَ البَهِيم فَلمْ تزلْ ... أيَّامُهُ غُرَراً به وحُجُولا
حتى اسْتَفاضَ عليه بَحْرُ حِمامِه ... يَرْبَدُّ فيه أَسِنَّةً ونُصُولا
في مأزِقٍ ضنَْك المسالك رَتَّلَتْ ... فيه الظُّبَى سُوَر الرَّدى تَرتيلا
حَامَ الكُماةُ فكَرّ كَرَّةَ ضيغمٍ ... لم يرْض إلا السَّمْهريَّة غِيلاَ
لَبِسَ الشهادَةَ حُلَّةً حمراء منْ ... عَلَقٍ تَعُمُّ السَّامِريّ فُضولا
يا شَدَّ ما اتَّخَذَ المنية خِلَّةً ... منْ بعْدِ ما اتَّخَذَ الحُسامَ خَليلا
وأجالَ عادِيةَ الجيادِ مُحَارباً ... وأذالَ أعْناقَ التِّلادِمُنيلا
يا رَاحِلاً رَكِبَ الحِمَامَ مَطِيَّةً ... هَلْ تَرْتَجي بعْدَ الرَّحيلِ ٍقفولا
غَادَرْتَ مَعْمُورَ المَكارِمِ بَلْقعاً ... وتَرَكتَ رَبعَ المَعْلُوّاتِ مَحيلاْ
إنْ كُنْتَ وَدَّعْتَ الحَياةَ فإنَّما ... ودَّعْتَ داءً في القلوب دخيلا
إنْ كانَ واراكَ الصَّفيحُ فإنَّما ... وارى رَقيقَ الشَّفْرتينِ صقيلا
أزْرى بهِ طُولُ الضِّرابِ وغادَرَتْ ... في مضْربيه الحادثاتُ فُلولاَ
أمَّا الأنامُ عُيُونُهم وقُلُوبُهم ... فلقد مُلئنَ مَدامِعاً وَغليلاَ
عِنْدِي حديثٌ عنْ وجيبِ ضُلُوعهم ... لوْ كنت تُصْغي للحَديثِ قليلا
لمْ تبقِ منْ نطفِ المَدامعِ قَطْرةً ... إلاّ وراحَ مَصُونُها مَبْذُولا
(1/493)

مازِلْتَ صَبَّاً بالشهادةِ في الوغى ... حتى وجدْتَ إلى الوصال سبيلا
فبكى الحصانُ الأعْوَجِيّ تَحَمْحُماً ... والهُنْدُ وانيّ الجُرازُ صليلا
واغرورقت عينُ السَّماءِ ورُبَّما ... رفعتْ كواكِبُها عليكَ عويلا
وتَغيَّر الصُّبْحُ المُنيرُ فَخِلْتُهُ ... ممَّا تَسَرْبَلَ بالشَّحوبِ أَصيلا
ياحسرةً نفتِ الرقادَ وأَطْلَعتْ ... للشَّيْبِ في رأس الوليد نُصُولا
ما كانَ أجْدرَنا لمَصْرَعِ أرْقم ... أنْ تَغتدي بي حيثُ حلَّ حُلُولا
أببعده نَبْغي الحياةَ إذنْ فلا ... نَقَعَ م البُكا منَّا عليه غليلا
قُلْ للمؤمل كُفَّ عنْ شَأوِ المُنى ... رمت المنُونُ فأصمَتِ المأمولا
واهْتِفْ بَمَنْ رَكِبَ السُّرى نَسْراً فَمَا ... تُجْدي السُّرى بعد الوزير فتيلا
خَلَعَ ابنُ لَبُّونٍ ثيابَ حَياتِهِ ... فاخْلَعْ وجيفاً بعْده وذميلا
يا حامِليه إلى الثَّرى رِفْقاً به ... فالمجدُ أصبح للثَّرى مَحْمولا
خُضُّوا به قلبي الشجيَّ لفقدِه ... ولْتَجْعَلُوه من الضريح بَديلا
أوْ فاكفليه يا سماءُ فإنه ... مااعْتادَ نجْمٌ في سِواكِ أُفولا
كان الشِّهاب المستضيء فلم يَنُبْ ... عنْ نُوره نور السماك دليلا
(1/494)

كان الغمامَ المُسْتَهل فما لنا ... نشْكو وإنْ همت السحاب مُحُولاَ
عَظُمَ المُصابُ وقدْ أُصيبَ بَمَعْرِك ... أخذَتْ بهِ منْهُ العُداةُ ذُحولا
والرُّزْءُ ليسَ يَحُلُّ أوْ يُلْفِي الذي ... أَصْماه سهمُ الحادِثاتِ جليلا
أين الذي ْهُدِمَتْ صَوارِمُه الطَّلى ... وغدا بتشْييدِ العلاءِ كفيلا
أيْنَ الذي مَلَكتْ حُلاهُ نَواظِراً ... ومَسامِعاً وقرائحاً وعُقُولا
وسَرى فَسَميْنا النجوم حَبّا حَبَا ... وحَباً فَسَمَّيْنا الغمامَ بَخيلا
من ذاْ يَسُدُّ مَكانَه في غارَةٍ ... تَرَكَتْ سوابقها الحزُونَ سُهُولا
أمْ منْ يُنُوبُ منابَه لحوادث ... تَذَرُ العَزيزَ بحكمهن ذليلا
أوَ لَمْ يكن يغشى الحُروبَ منَازِلاً ... فيشبُّها بحُسامه مسْلُولا
أَوَ ما غَدا بِجياده فتَبَخترت ... مَرَحاً وَرَجَّعَت الغناءَ صهيلا
ما بالُهُ نبَذَ السَّوابح والقنا ... وأقامَ عنْ شُغْلٍ بها مَشْغولا
ما بالُه تَرَكَ الجُفونَ سَحائباً ... ما بالُه تركَ الجُسُومَ طُلُولا
يا دَهْرُ أما غِلْتَ منه مُثَقَّفاً ... لَدْنَ المِهَزِّ وصارماً مصقولا
يا قبرُ كيفَ وسعت منه سحابة ... وَطْفاء ساجية الذُّيولِ هَطُولا
قدْ زُرْتُ موضِع قبره فكأنّما ... قابَلْتُ منه روْضَةً وقَبُولا
ونشرْتُ حرَّ ثنائهِ فكأَنما ... عاطيْتُ منهُ السامعين شَمولا
(1/495)

ما رَاعَنا موْت الوزير فلمْ يزَلْ ... حَيّاً لِمَنْ يَتَأَوَّلُ التَّنْزيلاَ
لكِنْ جَزِعْنا للفراقِ وقدْ نَوى ... عَنَّا إلى دارِ القرارِ رَحيلا
الله أنْزلَهُ الجِنَانَ ومَدَّ منْ ... رضْوانه ظِلاًّ عليهِ ظليلاَ
وقال أبو الحسن أيضاً:
ألا يا واقِفاً بي عنْدَ قَبْري ... سَلِ الأجْداثَ عنْ صرفِ الليالي
وعنْ حالي فإنْ عَيَّتْ جَواباً ... فعبْرتُها تُجيبُ أَخا السُؤالِ
لئنْ شمِتَ العدُوَّ بِنا فَمَهْلاً ... سَيُنْقَلُ للصفائح كانتقالي
وأيُّ شَماتَةٍ في ترْكِ دُنْيا ... لِذي أملٍ رأى عنها ارْتِحال
وكنتُ أُقيمُ بين النَّاسِ فيها ... فصرت إلى المُهَيْمن ذي الجلالِ
ومعنى هذه القطعة من قول الحُصْرِي في ابنه:
لا يَشْمَتَنَّ الأعادي ... فليس بالموتِ عارُ
لا الياسمينُ المندَّى ... يبقى ولا الجُلُّنَارُ
وقال أبو الحسن أيضاً:
(1/496)

أَإِخْوانُنَا والموتُ قد حالَ بيننا ... وللموت حكم نافذٌ في الخلائٍق
سبقتكم للحين والعمر حلبة ... وأعلم أن الكل لا بُدّ لا حِقي
بِعيشكم أو با ضطجاعي في الثَّرى ... ألم يكُ في حلوٍ من الودّ رائق
فمن مرّ بي فليمض بي مترحّماً ... ولا يك منسيّا وفاء الأصادقِ
وقال أبو الحسن أيضاً:
بيْني وبينَ الحادِثاتِ خِصامُ ... فيما جَنَته على العُلاَ الأيَّامُ
كسَفت هِلالَ سَمائها منْ بَعْدما ... وافاهُ منْ كرمِ الخلال تَمامُ
ورَمتْ قضيبَ رِياضها بتَقَصفٍ ... غَضّاً سقاه منَ الشّبابِ غَمامُ
فاليَوْمَ بُستانُ المَكارِمِ ما حِلٌ ... واليومَ نُورُ المَعْلُواتِ ظلاَمُ
رامتْ صُرُوفُ الحادِثاتِ فأدْرَكَتْ ... منْ كانَ لم يبْعدْ عليه مَرَامُ
أوْدَتْ بِمُهْجَتِهِ اللّيالي بعْدَما ... فخَرتْ بهِ الأسْيافُ والأقْلامُ
وغدا وراحَ المجْدُ ذا ثقةٍ بهِ ... أنْ يردعَ الأحداثَ وهْيَ جِسامُ
وبدَتْ عليه منْ حُلاه شَمائلُ ... لا تَهْتَدي لِنُعُوتِها الأوْهامُ
كالرّوْضِ لمّا دَبَجتْه غَمامَةٌ ... والمسْكُ لمّا فُضّ عنهُ خِتام
ناحَتْ عليهِ الشهبُ وهي عَوابِسٌ ... وبَكى عليه الغيمُ وهْوُ جَهَامُ
وانْجابَ ظِلُّ الأُنْسِ فهوَ مقلَّصٌ ... وامتدَّ ليلُ الخطْبِ فهوَ تَمامُ
وارْبَدَّ نورُ الشمس في رَأْد الضُّحى ... حتّى استوى الإشْراق والإظلامُ
(1/497)

ما للمَدامِعِ لا يطَلُّ بها الثرى ... والسَّادَة الكُبراء فيه نِيامُ
أكَذا يُبادُ حُلاحلٌ ومُهَذَّب ... أكذا يُقالُ مُسَوَّدٌ وهُمام
تعس الزّمانُ فإنما أيّامُهُ ... وَمُقامُنا في ظِلِّها أحْلامُ
لَتَرى الدِّيارَ وهُنَّ بعدَ أنيسها ... دُرُس المَعالِمِ والجُسُومُ رِمامن
والنسرُ مقْتنصٌ بأشراك الردى ... وبناتُ نَعْشٍ في الدُّجى أيتامُ
بأبِي قتيلٌ قَاتِلٌ حُسْنَ العزا ... مُذْ أقصدته من المنُونِ سهامُ
غدَرتْ به أمُّ اللُّهَيْمِ وَطالما ... فلَّ الخميسَ المجْرَ وَهْوَ لُهَامُ
وأبى له إلاّ الشهادَةَ ربُّه ... ومَضاؤُهُ والبَأْسُ والإقْدامُ
يا عيْنُ شَانُكِ والمدامعُ فَاسْجِمي ... ولْتَعْلَمي أنَّ الهُجوع حرامُ
إنَّ الذي كان الرجاءُ مُشيَّداً ... بِوفائه غَدَرَتْ به الأيامُ
فتكَ الرَّدى بأبي شُجاعٍ فَتكَةً ... زَلَّتْ لها رَضْوى وخرَّ شَمَامُ
فُقِدَتْ لها الآدابُ والألْباب ... والأحْسابُ والإسْراجُ والإلْجامُ
بَدْرٌ ولَيْثٌ أَقْفَرتْ منْ نُورهِ ... وآبائهِ الهالاتُ والآجامُ
نَدَبَتْهُ أبْكارُ الحُرُوبِ وعُونُها ... وبكاهُ حِزْبُ الله والإسلامُ
أيُّ السُّيوفِ قَضى عليه وبينَهُ ... قِدْماً وَبَيْنَ ظُبا السُّيوفِ ذمامُ
(1/498)

وبأيّ لحْدٍ أوْ دَعُوه وإنه ... ماقَطُّ أودِعَ في الضّريحِ حُسامُ
ما كانَ إلاّ التبْرُ أُخلِصَ سبكُهُ ... فاسْتَرْجَعَتْهُ تُرْبَةٌ ورغامُ
يا حامِليه قِفوا عليْنا وقْفَةً ... يَشْفى بها قبلَ الوداعِ هُيامُ
رُدُّوا وليَّ الله حتَّى نَشْتفي ... من أروعِ شُفيتْ بِهِ الآلامُ
لا تُسْلِمُوهُ إلى الثَّرى فلسيفه ... مُذْ كان مِنْ أعدائه استسلامُ
ولتدْفِنُوه في الجَوانِح والحشا ... إنْ كانَ يُقْنِعه بهن مقامُ
واسْتَنْشِقُوا لِثَنائهِ عَرْفاً كما ... يَنْحطُّ عنْ نَفْسِ الصَّباحِ لِثامُ
أعْززْ عليّ بِزَهْرةٍ مَطْلُولة ... أمْسَتْ ولا غيْرَ الضَّريح كِمَامُ
أعزِزْ عليَّ بِضيغم ذي سَطْوةٍ ... أجَمَاتُه بعد الرِّماح رِجَامُ
إنْ كانَ أَفْنَتْهُ الحُرُوبُ فشَدَّما ... فنِيَتْ بِمُنْصُله الطلى والهامُ
أَوْرَاحَ مَهْجورَ الفِناء فَطالَما ... هَجَرَتْ به أرْواحَها الأجْسامُ
أمُضرّجاً بِدِ مائه هي ميتَةٌ ... وقْفٌ عليها السَّيّد القمقامُ
البأسُ والإقدامُ أوْ ردكَ الرَّدى ... إنْ كان أنجَى غيرَك الإحجامُ
(1/499)

قدْ كنتَ في ذاكَ المُقامِ مُخَيَّرا ... لكنْ ثبتَّ وزلّتِ الأقدامُ
لم تُلف فيه سِوى الفرارأو الرَّدى ... فاخترتَ صِرْفَ الموتِ وَهْوَ زُؤامُ
فأَبَتْ لَكَ الذَّمَّ المكارِمُ والعُلا ... والسَّمّهريُّ اللدنُ والصمصامُ
اللَّيلُ بعْدَكَ سَرْمدٌ لا ينقضي ... فكأنما ساعاتُه أعوامُ
والأُنْسُ غمٌّ والسُّرورُ كآبةٌ ... والنَّومُ سُهْدٌ والحياةُ حمامُ
لمن اطَّرَحْتَ المجدَ وَهْوَ كأنه ... طُللٌ تُعَفِّيهِ صَباً وغمامُ
ولمنْ تركتَ الصَّافِنات كأنها ... موسُومَةٌ باللؤمِ وَهْيَ كِرَامُ
ولقدْ عَهِدْتُكَ كوكباً أبراجُهُ ... جُرْدُ المذاكي والسّماءُ قَتامُ
وعَهِدْتُ سيْفَكَ جَدْوَلاً في وَرْدِهِ ... يَوْمَ الكريهَةِ للنُّفوسِ زِمامُ
بَكَتِ السَّوابقُ منْ تَسَمَّى أرْقماً ... والحرْبُ سلْمٌ إنّه ضرغامُ
زفرتْ لموتِ أبي شجاعِ زفرةً ... لم يَبْقَ سَاعتَها لَهُنَّ حِزامُ
عَمَّتْ رَزِيَّتُه القُلوبَ فَكُلُّها ... كَأْسٌ وأنواعُ الهُمومِ مُدامُ
كَثُرَ العَوِيلُ عليه يومَ نَعِيِّه ... حتّى كأن العالمينَ حِمَامُ
وَحَكَتْ دموعَ الغانياتِ عقُودُها ... لو لم يَكُنْ لِعُقُودِهِن نِظام
يا حامِلينَ النَّعْشَ أيْنَ جِيادُه ... يا مُلْبِسيه التُّرْبَ أيْنَ اللامُ
أيْنَ السَّماحةُ والفَصاحَةُ والنُّهى ... منهُ وأيْنَ الجُودُ والإكرامُ
(1/500)

أضْحى لعمرُ الله دون جلاله ... سَتْرٌ منَ الأجداث ليس يُرامُ
أأبا شجاعٍ إنْ حُجِبْتَ بربوةٍ ... فالزَّهْرُ مَنْبتُه رُبى وأكامُ
قُمْ تبصر الخفراتِ حولكَ حُسَّراً ... إنْ كان يُمكنكَ الغداة قيامُ
واسمعْ عَويلَ بُكائها فلقد بكتْ ... لِبُكائها الأصْواءُ والأعْلامُ
ضَجَّتْ لِمَصْرَعِكَ النَّوادِبُ ضجَّةً ... سَدَّتْ مسَامِعها لها الأيَّامُ
أبْشِرْ بِدارِ الخُلْدِ منكَ بِمَوْعِدٍ ... واهنأْ فَفيها غِبْطَةٌ ودَوامُ
مرَّ الغمامُ على ثَراكَ محيِياً ... فَعلى الغمامِ تحِيَّةٌ وسلامُ
هاهنا كمل الباب بعون الله وتأييده.
(1/501)