Advertisement

كنز الكتاب ومنتخب الأدب 002

الباب الثالث: في حكايات حسان وأخبار ملوك وأعيان
قال أبو اسحاق: وقد جَمَعْتُ في هذا الباب جُمْلةً من حكاياتٍ مُسْتغرِبة، مُشْتَمِلَةٍ على أخْبار مُسْتَعْذَبَة، تَضَمَّنتْ مَحاسِنَ
أعْيانٍ وملوك، تَحَلَّتْ أزْمانُهُم منْ فَضائلهم بقلائدَ وسُلوك. عَمَروا أنْدية النَّشوة، وارتشفوا ثُغُورَ
الأماني عَذْبَةً حُلْوة، في عزٍّ مُتَّصل الإقبالِ، وسعْدٍ مُبينِ الأسْبابِ والحِبال، وقمَعُوا الطُّغاة والعِدى،
وأحْيَوا ماماتَ منَ البذْلِ، والنَّدى، وتشَمَّروا نحو الوَغى، وأَظْهَروا سَنَنَ الهُدى، واسْتَرخصوا الحمْدَ
بالثَّمنِ الغالي، ونالوا العُلى والمَعالي. ففي تِلْكَ الشيم والشمائل يَحْسُنُ قوْلُ القائل:
يا أيها التالي كتاب محاسن ... هو ذلك القصصُ المُعَلَّى فاقصُصِ
وكان للأدب في أيامهم نَفَاقٌ، ولأهله رواء وإشراق، أنا لوهم المبرة والإكرام، وأفاضوا عليهم سوابغ
النعم والإنعام، وقلدوهم بعض الأمور، فأقاموا في أوانهم في ثروة برّ وحبور، فنظموا أسلاك القريض
من مدائحهم، ونشر مفاخرهم، ودوّنوا حسن سيَرهم وآثارهم.
حكى الوزير الكاتب أبو المغيرة بن حزم عن نفسه. قال:
(2/505)

نادمت المنصور بن أبي عامر في منية
السرور الجامعة بين روضة وغديرِ، فلمّا تَضمخَ النّهار بزعفران العشيّ، ورفرف غراب الليل
الدَّجوجي، وأسبل الليل جنحه، وتقلّد السماك رمحه، وهمّ النسر بالطيران، وعام في بحر الأفق زورق
الدَّبَران، أَوْ قَدْنا مصابيح الراحِ واشْتمَلْنا مُلاَء الارْتِياح، وللدَّجْنِ فَوْقَنا رِواقٌ مَضْروب، غنَّتْنا عنْدَ
ذلك جاريةٌ منْ جواريه تُسَمَّى أنس القلوب:
قدمَ الليْلُ عند سيرِ النَّهار ... وبدَ البدْرُ مِثْلَ نصف سِوارِ
فكَأن النَّهار صفْحةُ خَدٍّ ... وكأنَّ الظلام خَطُّ عذارِ
وكَأنَّ الكؤوس جامدُ ماءٍ ... وكأنّ المُدامَ ذائبُ نارِ
نظري قد جنى عليّ ذنوباً ... كيف مما جنته عيني اعتذاري
يَالَقَوْمِي تعجّبوا منْ غزالٍ ... جائر في محبتي وهو جاري
ليت لو كان لي إليه سبيلٌ ... فأقضيَ من حبِّه أوْ طاري
قال: فَلَمّا أكْملت الغناء، أحْسسْت بالمعنى فقلت:
كيف كيف الوصول للأقمار ... بين سُمر القنا وبيض الشفارِ
لو علمنا بأنّ حبك حقٌّ ... لطلبنا الحياة منك بثارِ
وإذا ما الكرام همّوا بشىءٍ ... خاطَروا بالنُّفوسِ في الأخْطار
قال: فعند ذلك بادر المنصور إلى حُسامه، وغلّظَ في كلامه، وقال لها، قولي واصدقي إلى منْ
تُشيرين بهذا الحنين والتشوق. فقالت الجارية: إنْ كان الكذبُ أنْجى فالصدقُ أولى وأحرى. والله ما
كانت إلاّ نظرةٌ ولَدتْ في القلب فكرة فتكلم الحُبُّ على لساني، وبرَّح الوَجْدُ بكتماني، والعَفْوُ مضمونٌ
(2/506)

عنكَ عند المقدرة، والصَّفح معلومٌ منك عند المعذرة، ثم بكت، فكأنَّ دمعها دُرٌّ تناثر منْ عِقْدٍ، أوطلٌّ
تساقط منْ وردٍ، وأنْشدَتْ:
أذنبتُ ذنْبا عظيما ... فكيف منه اعتذاري
والله قدّر هذا ... ولم يكن باختياري
والعفو أحسن شيءٍ ... يكونُ عند اقتِدارِ
قال: فعند ذلك صرف المنصور وجه الغضب إليَّ، وسلَّ سيفَ السَُّخْط عليَّ. فقلتُ: أيَّدَكَ الله، إنَّما
كانت هَفْوَةٌ جَرّها القَدرُ، وصَفْوةٌ ولَّدها النَّظر، وليسَ للمرءِ إلاّ ما قُدِّرَ لَهُ لا ما اخْتارَهُ وأمَّلهُ. فأطْرَقَ
المنصورُ قليلا، ثمَّ عَفا وصَفَحَ، وتجاوزَ عَنّا وسَمح، وخَلّى سبيلي، فَسَكنَ وجيبُ قَلْبي وغليلي،
ووهَبَ الجارية لي، فَبِتْنا بأنْعَمِ ليْلةٍ وسَحَبْنا فيها للصَّبا ذَيْله، فلَمَّا شَمَّرَ الليْلُ غدائرهُ، وسلَّ الفجْرُ
بَواتِره، وتجاوبت الأطْيارُ بضروب الألحان، في أعالي الأغصان، انصرفت بالجارية إلى منزلي،
وتكامل سُرُوري وجَذَلي.
قول الجارية:
وبدا البدْرُ مثْلَ نصفِ سِوار
من قول الأمير تميم بن المعز:
وانْجَلى الغيْمُ عن هِلالٍ تَبَدَّى ... في يدِ الأُفْقِ مثل َنصفِ سِوارِ
وقول أبي المغيرة:
وإذا ما الكرام همّوا بشيء
البيت.
(2/507)

أخذه ابن الزقاق فقال:
وأحمدُ النَّاسِ في الصَّبابةِ مَنْ ... جُلُّ أمانيه في غَوَائِلِهِ
وأول هذه الأبيات:
أقبَل يختال في غَلائلِهْ ... ويشْتكي الظُّلْمَ منْ خَلاخِلِهْ
مُهَفْهَفُ الخصرِ غيرُ مُفْعمه ... مُطَوَّقُ الجيدِ غيرُ عاطِله
يحملُ زهر النجومِ وَهْوَ رَشاً ... مَنابِتُ الزَّهْرِ منْ خَمائلِه
تتَبَعُهُ الريحُ حيثُ سارَ وقَدْ ... هامَتْ بِرَيّاهُ أوْ شَمائله
فتَلْثِمُ التُّرْبَ منْ مَواطِئِهِ ... أوْ أثر المِسْك منْ ذَلاذِلِه
بتُّ به ليتني قَتِيلُ هوىً ... لا يتمنى بغيرِ قاتِلِهِ
(وأحمد الناس) البيت. وقول الجارية في القطعة الثانية: (والعفو أحسن شيء)، معناه واضح.
ومنه قول أبي يحيى بن صمادح:
مالي وللبَدْرِ لم يَسْمَح برُؤيتِه ... لعَلَّه تَركَ الإجْمال أوْ هَجَرا
إنْ كانَ ذلكَ لِذنب ما شَعرْتُ به ... فَأكْرَمُ النَّاسِ منْ يَعْفُو إذا قَدَرا
وفي العفو قالت الحكماء: (أولى الناس بالعفوِ أقدَرُهم عليه).
(2/508)

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (ما قُرنَ شيءٌ إلى شيء أفْضل منْ حِلْمٍ إلي عقْل، ومنْ عفوٍ
إلى قُدْرَة).
وقال رجل مُذْنب للمنصور، وقد سَخِط عليه: ذَنْبي أعظمُ من نِقْمتِك عليَّ، وعَفْوكَ أعْظمُ منْ ذَنْبي،
فَرَضي عنهُ.
وقال له رجل آخر، قد استوجَبَ العقاب، وهو قد مثُلَ بين يديه: الإنتقامٍ عدْلٌ، والتَّجاوُزُ فَضْلٌ،
ونحنَ نُعيذ أمير المومنين بالله، أنْ يرضى لنفسه بأوْكَسِ النَّصِيبَيْن، دُون أنْ يَبلُغَ أرْفَع الدَّرَجَتَين.
وقال له آخر في المعنى: إنْ عاقبتَ جَزيتَ، وإن عفوتَ أحسنْتَ.
والعَفوُ أقربُ للتقوى.
ونظم الشاعر هذا المعنى فقال:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحةً ... فلا تَزْهَدَنْ عند المعافاة في الأجر
وقال الآخر أيضا في المعنى:
إن كان جُرْمي قدْ أحاطَ بِحُرْمتي ... فأحِطْ بِجُرْمي عفوكَ المأمولا
ومن أناشيد أبي عبد الله محمد بن الحسين النيسابوري في كتاب (أدب الصُّحْبة).
(2/509)

قال: أنشدني ابن أبي زائدة عن أبيه المنصور:
أذنَبتُ ذنْبا عظيماً ... وأنتَ أعْظَمُ منهُ
فجُدْ بِحِلْمِكَ أوْلا ... فاصفح بعَفْوكَ عنْه
إنْ لم أكن في فعالي ... منَ الكرامِ فَكُنْهُ
وأنشد فيه أيضا:
هَبْني أَسَأتُ كما تَقُو ... لُ فأيْنَ عاقِبَةُ الأخوَّهْ
إذا أسأتُ كما أسأ ... تَ فأيْنَ فَضلُكَ والمروَّّهْ
وأنشد فيه أيضا:
قيل لي قدْ أسا إليكَ فُلانٌ ... وَمُقامُ الفَتى على الذُّلِّ عارُ
قلْتُ قدْ جاءنا وأحدث عُذْراً ... ديَّةُ الذَّنْبِ عندنا الإِعْتِذَارُ
وأنشد فيه أيضا:
اِقبلْ معاذِير منْ يَأتيكَ مُعْتَذِرا ... إنْ بَرَّ عندكَ فيما قال أوْ فَجَرا
(2/510)

لقد أطاعكَ منْ أرْضاكَ ظاهِرُه ... وقدْ أجَلَّكَ منْ يَعْصيكَ مُسْتَتِرا
ولمَّا أسر معاوية جميل بن كعب ومثل بين يديه قال: الحمد لله الذي أمكنني منك. ألست القائل يوم
الجمل:
أصْبحَتِ الأمّة في أمر عَجَبْ ... والمُلْكُ مَجْمُوعٌ غَداً لمن غلبْ
فقلتُ قولا صادِقا غير كذبْ ... إنَّ غدا تهلك أعلام العَرَبْ
قال: لا تَقُلْ ذلك فإنَّها مُصيبة. قال له معاوية: وأيُّ نِعْمةٍ أكبرُمنْ أنْ يكونَ الله قد أمْكنَني منْ رَجُل،
وأظْفَرَني بِرَجُل قتل في ساعةٍ واحدةِ عدّةً منْ حُماةِ أصْحابي. آضربوا عنُقَهُ. فقال: اللهُمَّ اشهد أنَّ
معاوية لم يَقتلني فيك ولا لأنَّكَ ترْضى قَتْلي على حُطامِ الدنيا؛ فإنْ فَعَلَ فافعل به ما هُوَ أهله؛ وإن لمْ
يفعل، فافعَلْ بهِ ما أنتَ أهْلُه. فقال معاوية: قاتلك الله لقد سببْتَ فأبْلَغْتَ في السَّبِّ، ودَعَوتَ فبالَغْتَ في
الدُّعاء. ثم أمر به فأطلق.
وتمثل معاوية بأبيات للنعمان بن المنذر ولم يقل النعمان غيرها فيما ذكر ابن الكلبي وهي:
تعْفو الملوكُ عنِ الجَلي ... لِ من الذُّنوب لِفَضْلها
(2/511)

ولقدْ تُعاقِبُ في اليسي ... ر وليس ذاكَ لِجَهْلِها
الا ليعرف فضلها ... وَيُخَافَ شِدّةَ نَكْلِها
وما أحسن قَوْلَ يحيى بن المبارك العدوي القارئ المعروف باليزيدي في هذا المعنى يعتذر للمأمون:
أنا المذنب الخَطَّاءُ والعفوُ واسعٌ ... ولو لمْ يكن ذنبٌ لما عُرِفَ العفوُ
سَكرْتُ فأبْدَتْ مِنِّي الكأسُ بعض ما ... كرهت وما إنْ يسْتَوي السُّكرُ وَالصَّحوُ
تنَصَّلْتُ منْ ذَنْبي تَنُصُلَ ضارِعٍ ... إلى من لديه يُغْفَر العمْدُ والسَّهوُ
فإنْ تعفُ عنِّي كان خَطْوِيَ واسعا ... وإنْ لم يكن عفْوٌ فقد قَصُرَ الخَطْوُ
ولما أدخل إبراهيم المهدي على المأمون وهو في زيِّ امرأة ومعه، امرأتان، قال له المأمون: هيه يا
إبراهيم. فقال: يا أمير المومنين، وليُّ الثأر محَكم في القصاص، والعفو أقرب للتقوى، ومنْ ناوَلهُ
الزمانُ فاستولى عليه الاغترار بما مدّ له في أسباب الشقاء، أمكنَ عاديةَ الدَّهر من نفسه، وقد جعلك
الله فوق كلِّ ذي ذنب، كما جعل كلَّ ذي ذنبٍ دونك، فإنْ تُعاقِبْ فبِحَقِّك، وإنْ تعفُ فبفضلكَ.
قال المأمون: بل العفوُ يا إبراهيم فكبَّرَ ثُمَّ خَرَّ ساجِدا. فأمر المأمون بِالمقَنَّعَة فصيرتَ على صدره
ليَرى النَّاس الحالَ التي أُخِذَ عليها. ثم قال إبراهيم بعد ذلك قصيدة يشكر فيها للمأمون صنعه به.
يقول فيها:
(2/512)

إنَّ الذي قسمَ المكارم كلها ... منْ صُلْب آدم للإمام الشافعِ
جمعَ القُلُوب عليكَ جامع أهلها ... وحوى وِدادَك كلّ خير جامع
فبَذلت أعظم ما يقوم بحمله ... وَسْعَ النفوس من الفِعَالِ البارع
وعفوتَ عمَّنْ لم يكنْ عنْ مثلِه ... عفوٌ ولمْ يَشْفعْ إليكَ بِشافِعِ
قول المأمون: (هيه يا إبراهيم) هي كلمة يُسْتفهم بها من أراد أنْ يشار عليه برأي، أو أمر، وهي
مبنية على السكون. وقد تكلم بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقال يعقوب: تقول للرجل، إذا استزدته من عمل أو حديث: إيهِ. فإن وصلت قلت: إيهٍ حدِّثْنا. يعني:
إيهٍ بالتَّنوين. وقال ذو الرمة:
وقفنا فَقُلنا إيه عن أُمِّ سالِمٍ ... وما بالُ تكْليمِ الدِّيارِ البَلاقِعِ
فجاء بغيرِ تنْوين في الأصل لأنه نوى الوقف. وإذا أسكتَّه أو كفَفْته أو أغريته بالشيء قلت: إيهاً يا
فلان، فإذا تعجَّبت من حسن الشيء أو من طيبه: واهاً له ما أطيبه.
قال أبو النجم:
واهاً لِرَيَّا ثمَّ واهاً واهاً
(2/513)

ثم قال أبو النجم:
واها لِسَلْمَى ثم واها وَاها ... هيَ المنى لو أننا قلناها
يا ليت عيناها لَنا وفاها ... بِثَمَنٍ رَضِي به أباها
وكُلُّها على لفظ واحد، في الواحد والاثنين والحمع والتأنيث. قاله أبو حاتم وغيره.
وقول إبراهيم (أمكن عادية الدهر من نفسه). عاديةُ الدَّهر: شَيء يُقال له: كُفَّ عَنَّا يا فُلان عَاديتك،
وهُو ما عَداكَ منَ المَكْروه. قال أبو تمام:
مالي بِعاديةِ الأيامِ منْ قبَلِ ... لم يَثْن قَيْدُ النوى كَيْدي ولا حِيَلِي
والعادية شُغْلٌ من أَشْغالِ الدَّهْرِ يَعْدُوكَ منْ أمرٍ؛ أي يَشْغَلك. قال علقمة:
تُكَلِّفُني لَيْلَى وقدْ شَطَّ وَلْيُها ... وَعادَتْ عَوادٍ بيْننا وخُطُوبُ
أرادَ فاعلت، فحذف الألف لا لتقاء الساكنين، فلذاك قال عوادٍ. ولولا ذلك لقال عَوائد.
وقال زهير:
فصرِّم حَبلَها إذ صَرَّمَتْهُ ... وعادكَ أن تُلاَقِيَهَا عَدَاءُ
أي شغل. ويروى: (وعادى أن تلاقيها).
(2/514)

ودخل إبراهيم بن المهدي يوماً علي المأمون بعدَ مُدَّةٍ منَ الظَّفَربه، وللْعَفْو عنه، فقال له المأمون: إنَّ
هذين قدْ حمَلاني علي قَتْلك. وأشارَ إلى المُعْتَصِمِ وإلي العباس بن المأمون. فقال: ياأمير المُومنين ما
أشارَا عليك إلاّ بما يُشارُ به على قَتْلك ولكن تدع ما تخافُ بما ترجو.
وأنشد:
ردَدتَ مالِيِ ولم تَبْخلْ عليَّ بهِ ... وقَبْل ردِّكَ مالي قد حَقَنْتَ دَمي
فَبُؤْتُ منكَ وما كافَيْتُها بِيَدٍ ... هُما حَياتانِ من موْتٍ ومنْ عَدمِ
البِرُّ بِي مِنْكَ وَطَّا العذر عندك ... لي فيما أتيت فلم تُعْذَرْ، ولم تُلَم
وقام عِلْمُكَ بي فاحتجّ عندك لي ... مَقام شاهدِ عدْلٍ غير مُتَّهم
وقرأت هذه الأبيات في (النوادر) على خلاف هذه الحكاية، وهي:
رَدَدْت مالي ولم تَبْخل عليَّ به ... وقبل ردِّك مالي قد حَقنْتَ دمي
فأبْتُ منك وما كافأتها بيدٍ ... هُما الحياتان من وفر ومن عَدَمِ
وقام عِلْمُك بي فاحْتجَّ عندكَ لي ... مَقامَ شاهدِ عدلٍ غير مُتَّهمِ
(2/515)

فلو بَذَلْتُ دمي أبْغي رضاكَ به ... والمال حتى أسلّ النعل من قَدَمِي
ما كان ذاك سوى عارية رجعت ... اليك لوْ لم تَهَبْها كنتَ لم تُلَمِ
ومما اعتذر به أبو الوليد بن زيدون إلى ابن جهور فصل يقول فيه.
يامَوْلايَ الذي وِدَادِي لهُ، واعْتِدادي به، واعْتِمادي عليه، أبْقاكَ الله ماضي حد الغرار، وَارِي زَنْدِ
الأمل، ثابث عهد النعمة، إنْ سَلَبْتني - أعزك الله - لِباس إنْعامك، وعَطَّلْتني منْ حَلْي إيناسك،
وغَضَضْتَ مِنِّي طرْفَ حمَايَتِك، بعدَ أن نظر الأعمي إلي تأميلي لك، وسمِعَ الأصَمّ ثنائي عليك،
وأحسَّ الجَمَادِي بإسْنادي إليك. فلا غرْو، فقد يَغَصُّ بالماء شَارِبُه، ويقتُلُ الدَّواءُ المشْتَفى به، (ويُؤْتى
الحذرُ منْ مأْمَنه)، وإنِّي لأتَجَلَّدُ فأَقُول: هلْ أنا إلاّ يَدٌ ادْماها سوارُها، وجَبينٌ عَضَّهُ إكليله، ومَشْرَفِيٌّ
ألْصَقَهُ بالأرْضِ صاقِلُه، وسَمْهريٌّ عرِضَهُ على النَّارِ مُثْنِيه. (والغيثُ مَحْمُودٌ عواقِبُه)، والنَّبْوَةُ
(2/516)

غمْرَةٌ ثمَّ تنْجَلي، والنَّكْبَةُ: (سَحابَةُ صيفٍ عنْ قريب َتقَشَّعُ) وسيدي إنْ أَبْطَأَ مَعْذورٌ:
وإنْ يَكُنِ الفِعْلُ الذي شاءَ واحِداً ... فأَفْعالُهُ التي تَرُوقُ أُلُوفُ
فيا ليتَ شِعْري ما الذَّنْبُ الذي أذْنَبْت، ولم يَسَعْهُ عفوك، ولسْتُ أخْلُو منْ أنْ أكونَ بريئا. فأيْنَ العَدْلُ؟
أوْ مُسيئا فأيْنَ الفَضلُ؟ لوْ أنَّني أُمِرْتُ بالسُّجودِ لآدَم فأبَيْتُ، وعَكَفْتُ على العِجْلِ، واعْتَدَيْتُ في
السَّبْت، وتَعاطيّتُ فَعَقَرْتُ، وشربتُ منَ النهرِ الذي ابْتلى به جُنودُ طالُوت، وقُدْتُ الفيل لأبرهة،
وعاهدتُ قُريشاً على ما في الصَّحيفَة، وتَأَوَّلْتُ في بيعَةِ العَقَبة، ونَفَرْتُ إلى العِيرِ بِبَدْر، وانْعَزَلْتُ
لِثُلُث الناسِ يومَ أُحُد، وتَخَلَّفْتُ عنْ صلاةِ العصرِ في بني قريظَة
(2/517)

وأَنِفْتُ منْ إمارةِ أسامة، وزعَمْتُ أنَّ خِلافَةَ الِّدين فَلْتَة ورَويْتُ رُمْحي منْ كَتيبَةِ خالد) وضَحَّيْتُ بالأشْمَطِ الذي عُنْوانُ السَّجود به، لكانَ فيما
جَرى عليَّ ما يَسُومُني نَكَالا، ويَدَعُني ولوْ على المجازِ عقالا:
وَحَسبُك منْ حادثٍ بامْرئٍ ... يَرى حاسِديهِ لهُ راحِيمنا
فكيفَ ولا ذَنْبَ لي إلاّ نَميمَةٌ أهْداها كاشِحٌ، ونَبَأٌ جاءَ به فاسِقٌ. ووالله ما غَشَشْتُكَ بعْدَ النَّصيحة، ولا
انْحرفت عنْكَ بعْدَ الصَّاغية. ففيمَ عبَثَ الجفاءُ بأَذِمَّتي؟ وعاثَ في مَوَدَّتي؟ وإنَّي غَلَبَني المُغَلَّب، وفَخَرَ
عليَّ الضعيف (ولَطَمني غيْرُ ذاتِ السِّوار) ومالكَ لا تَمْنَعُني قبلَ أنْ أُفْتَرَس، وتُدْرِكُني ولمَّا أُمزَّق.
وقدْ زانني اسْمُ خِدْمتِك، وأَبْلَيْتُ الجميلَ في سماطِك، وقُمْتُ المَقامَ المَحْمود على بِساطِك:
(2/518)

أَلَسْتُ المُوالي فيكَ نَظم قصائدٍ ... هيَ الأنْجُمُ اقْتادَتْ معَ اللَّيْلِ أنْجمَا
والفضْلُ كثير، وقَدْ جِئْتُ منهُ باليَسير.
والعَفْوُ عن المُذْنِبِ: ترْكُ عُقُوبَتِه.
وأصْلُ العفو في اللغة هو ما سَهُلَ وزادَ. وفي كتاب الله تعالى (فمن عُفِيَ له من أخيه شيء) أي
يَسَّرَ. وفيه (ويَسْأَلونك ماذا يُنْفِقون قُل العفْو) أي ما فَضُلَ وزادَ.
قال أبو اسحاق:
وذَكرتُ بحكاية أبي المغيرة، حكايةً قَرَأْتُها في النَّوادر
لأبي علي البغدادي، حذتْ في المطرف حَذْوَها، وزهت بالإغْراب زهوها.
حَدَّثَ أبو علي بسند عن منصور البرمكي قال: كان لهارون الرشيد جاريةٌ غُلامية، يعني وصيفَةً في
قدِّ الغُلام، وكانَ المأمون يَميلُ إليْها، وهو إذ ذاك أمْرد، فَوَقَفَتْ يوما تَصُبُّ على يَدِ الرَّشيد منْ إبريقٍ
معها، والمامون جالسٌ خلفَ الرشيد، فأشار إليها يُقَبِّلها، فأنْكَرتْ ذلكَ بِعَيْنِها، وأَبْطَأتْ في الصَّبِّ،
على قدْرِ نظَرِها إلى المأمون واشارتها إليه. فقال الرَّشيد: ماهذا. ضعي الإبْريق من يدك. ففعلتْ.
فقال: والله لَئِنْ لمْ تُصدقيني لأقْتلنك. فقالت: ياسيِّدي أشار
(2/519)

إِلَيَّ عبد الله كأنّه يُقبلني فأنكرتُ ذلك، فالتفَتَ إلى المأمون فنظر إليه كأنه مَيْتٌ لما دَخَله من الجزع والخجل،
فرحِمهُ وضمَّه إليه وقال: يا عبد الله أتُحِبُّها؟ قال: نعَمْ يا أمير المومنين. قال: هي لكَ قُمْ، فادْخُلْ بها في تلك القُبَّة. ففعل، ثم قال
له: هل قلت في هذا الأمر شيْئا. قال: نعم يا سيدي، ثم أنشده:
ظَبْيٌ كتبتُ بِطرْفي ... من الضَّمير إليه
قَبَّلْتُه منْ بَعيدٍ ... فاعتلَّ من شفتيه
ورَدَّ أَخْبَثَ ردٍّ ... حتَّى قَدَرْتُ عليه
وفي هذا المعنى يقول أحد البلغاء: (اللَّحْظُ يُعْربُ عن اللفْظ) وقال الآخر: (رُبَّ كِنايَةٍ تُغْني عنْ
إيضاح) (ورُبَّ لحظٍ يدُلّ على ضمير). ونظمه الشاعر، فقال:
جَعَلْنا علاماتِ المَوَدَّة بيننا ... دَقائقَ لحْظٍ هُنَّ أَخْفَى من السِّحْرِ
فأعْرِفُ منها الوَصل في لين لَحْظِها ... وَأَعْرِفُ منها الهَجْرَ بالنَّظَرِ الشَّزْرِ
ومثل هذا قول بعض الحكماء: (والعينُ بابُ القلبِ). فما كان في القلْبِ ظَهَرَ في العين. وقال
الشاعر:
(2/520)

العينُ تُبْدي الذي في نَفْسِ صاحبها ... منَ المحبَّةِأوْ بُغض إذا كانا
والعينُ تَنطقُ والأفْواهُ صامتةٌ ... حتَّى ترى منْ ضميرِ القلْب تِبْيانا
وقال محمود الوراق:
وإذا تلاحظت العيونُ وأومأتْ ... وتحدثت عَمَّا تجِنُّ قُلُوبُها
يَنْطِقْنَ والأفواه صامتَةٌ فما ... يخفى عليك بَريئها أوْ مُريبُها
وقرأت في (النوادر) لأبي علي قول إبراهيم بن المهدي في المعنى:
إذا كَلَّمتني بالعُيُون الفواتر ... ردَدْتُ عليها بالدُّموعِ البَوادرِ
فلَمْ يعلم الواشون ما دار بيْننا ... وقد قُضيَتْ حَاجَاتُنا بالضمائر
ومثل هذا قول الأمير تميم:
سُبْحانَ مَنْ خَلَقَ الخُدو ... دَ شَقَائقا تَتَبَسَّمُ
وأعارها الألحاظ فَه ... يَ بِلَحْظِها تتَكَلَّم
ومثله قول الآخر أيضا:
(2/521)

أشارتْ بِلَحْظ العينِ خِيفَةَ أهْلِها ... إشارةَ مَذْعُورٍ ولم تتكَلّمِ
فَأيْقَنْتُ أنَّ اللَّحظَ قد قال مرْحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيَّمِ
ومثله قول الآخر أيضا:
أشارَتْ بعيْنها إشارة خائفٍ ... إلَيَّ حَذَارَِ الكاشحين فسلَّمتْ
فردَّ عليها الطَّرْفُ منِّي سلامها ... وأوْمَأ اليها بالهوى فتَبَسَّمت
وأنشَدني بعض الأدباء في المعنى:
إذا نحنُ خِفْنا الكاشحينَ ولَمْ نُطِقْ ... كَلاماً تَكَلَّمْنا بأعْيُننا سِرّا
فنقضي ولمْ يَعْلَمْ بِنا كل حاجة ... ولم نَكْشِف البَلْوى ولم نَهْتِكِ السَّتْرا
وقال أبو نواس الحسن بن هانئ في المعنى:
وحَثْحَثَتْ كأسها مُقَرطَقَة ... لوْ مُنِيَ الحُسْنُ ما تَعَدَّاها
تَجْمَع عيني وَعَيْنَهَا لُغَةٌ ... مُخالفٌ لَفْظُها لمَعْناها
إذا اقْتَضاها طرْفي لها عِدَةً ... عَرَفْتُ مَرْدودُها لِفَحْواهَا
يا لُغة تَسْجُدُ اللغاتُ لها ... ألْغَزَها عاشِقٌ وعَمَّاها
وهذا المعنى مليح بليغ. أراد باللغة: اللحظ، لأنه كلام الأعين. ومعنى
(2/522)

البيت الذي من هذه القطعة، أي: أعيننا غضاب وقلوبنا راضية. فلذلك قال: (مخالف لفظها لمعناها).
وقوله (بفحواها) أي بظاهر أمرهما. يقال: عرفت فحوى كلامه وقال أبو تمام:
فحواكَ عينٌ على جَواكَ يا مَذِلُ ... حَتَّى مَ لا يَتَقَضَّى قَولُكَ الخَطِلُ
ويجوز مده وقصره، قاله أبو علي في كتاب المقصور والممدود قال: وقال أبو زيد: سمعت من
العرب من يقول فَحَوَى بفتح الحاء. وهو مقصورُ لا يَجوز مده وحكى عن اللحياني: فُحَواء كلامه
بضم الفاء وفتح الحاء، والمدّ قال: وهذا نادر.
وقوله:
يا لغة تَسْجُدُ اللُّغاتُ لها
معنى السُّجود هنا: الخُضُوع والتذلل. ومنه قول الشاعر:
بِجَمْعٍ يظلُّ البُلْقُ في حجرَاتِه ... تَرى الأُكْمَ منه سُجَّداً للحَوافِرِ
(2/523)

كأنه قال: مذللة للحوافر. والسَّجود أيضا خَفْضُ الرَّأْس على جهة التعظيم. ومنه قول الأعشى:
من يلقَ هَوْدَةَ يسجُدْ غيرَ مُتَّئِبٍ ... إذا تَعَمَّمَ فوق الرأس واتَّضَعا
ومنه قوله تعالى وعز (وادْخُلوا البَابَ سُجَّداً) في أحد الأقوال، وقيل معناه: رُكَّعا عن ابن عباس
وغيره. وروى أن الباب جعل قصيرا ليدخلوه ركّعا فدخلوا مُتَورِّكين على أَسْتاهِهِمْ. والسُّجود
والخُضوع والتَذَلل نظائر في اللغة. والسُّجود في اسماء الدين معروف، وهو وضع الوجه على
الأرض. ومنه قول حميد بن ثور الهلالي:
فلمْ نُكذِّبْ وَخَرَرْنا سُجَّدا ... نعْطي الزكاة ونُقيمُ المَسْجِدا
وقال صاحب العين سجدنا لله سجودا ويقال: سجَد يسجُد سجودا، وأسجد للسجاد إذا خفض رأسه من
غير وضع لجبهته. قال الشاعر:
فَكِلْتَاهما خَرَّتْ وأَسْجَدَ رَأْسُها ... كَما سَجَدتْ نَصْرانةٌ لم تُحَنَّفِ
(2/524)

وقرأت في كتاب (الأدب): (أسْجَدَ الرَّجلُ إذا طَأْطَأ، وسَجَدَ إذا وضعَ جَبْهَته بالأرض).
ومِمَّا جاء من السجود كناية عن الرُّكوع حديث عبد الله بن عمر فيما روى عن عبد الرحمان بن أبي
الزناد عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر انه كان يقول في صلاةِ الخوفِ: "يَقُومُ الإمام وتقوم
معه طائفةٌ، وتكون طائفةٌ بينهم وبين العدو، فيسجد سجدةً واحدةً بمن معه، ثم ينصرف الذين سجدوا
سجدة، فيكونون مكان أصحابهم الذين كانوا بينهم وبين العدو، وتقوم الطائفة الأخرى الذين لم يصلوا،
فيصلون مع الإمام سجدة ثم ينصرف الإمام، وتُصلي كلُّ واحدة من الطائفتين لأنفسهم سجدة سجدة،
فإن كان الخوف أكثر من ذلك فليصلوا قياما على أقدامهم، أو ركباناً علي ظهور الدوائب".
قال موسى بن هارون الطُّوسي: كُلُّ سَجْدَةِ في هذا الحديث فمعناها ركعة. سمعت أبا خيثمة يقول:
أهلُ الحجاز يسمون الركعة سَجْدة. ويقال نساءٌ سُجَّد؛ وهنَّ الفاترات الأعين ومنه قوله:
ولَهْوي إلى حُورِ المدامعِ سُجَّد
والإسْجادُ أيْضا: إدامَةُ النَّظرِ في فتورِ وسكون، وقيل له ذلك لأنه كفعل المتذلل. قال الشاعر وهو
كثير:
(2/525)

أغَرَّك منِّى أنَّ دَلَّكِ عنْدنا ... وإسْجادَ عيْنيك الصَّيُودَيْن رابِحُ
وحكى أبو الوليد بن زيدون عن نفسه قال: كنت أيامَ شبابي وغمرة التَّصْباب، أهيمُ بغادة تُدْعى ولادة
فلمّا قُدِّر اللقاءُ، وساعد القضاء كتبت اليّ بهذين البيتين:
ترقَّبْ إذا جَنَّ الظلامُ زيارتي ... فإني رأيْتُ الليل أَكتَمَ للسّرِّ
وبي منكَ ما لو كان بالبدْرِ ما بَدا ... وبالليل ما أدْجَى وبالنجمِ لم يسْر
قال: فلمّا طوى النَّهارُ كافورَه، ونشرَ الليْلُ عنْبَرهُ، أقْبلتْ بقدٍّ كالقضيب، وَرِدْفٍ كالكثيب، وقد أطبقتْ
نرجِسَ المُقَل، على وردِ الخجل، وملنا عند ذلك إلى روض مُدَبَّج، وظلّ سَجْسج، قد قامت راياتُ
أشْجارهِ، وفاضتْ سلاسِلُ أنْهاره، وتفتحت كَمَائمُ أَزْهاره وتَأرَّجَت نفحاتُ نواره، ودرُّ الطَّلِّ منثورُ،
وَوَجيبُ الراح مزور. فلما ارتَشَفنا كُؤُوسها، وأَغْرَبَنا في الأفْواه بُدُورها وشُمُوسَها، وَشَبَبْنَا نارَها،
أدركت فيها ثارها، وَبرحَ كلُّ واحدٍ منَّا بِحُبِّه، وشَكا إليه ما بِقَلْبه، وبِتْنَا ليْلَتَنا نَجْني أُقْحُوان الثُّغور،
ونَقْطِفُ رُمَّانَ الصُّدور، فلمَّا شَمَّر الليلُ ذيلَهُ، وَجَيَّشَ الصبح خيْلهُ، وولّى الظلام منهزما، وأقبل ابن
ذُكاء مبْتَسما، ودنَتْ ساعَةُ الوداعِ صَباحا، عانَقْتُها وأنْشَدْتها ارتياحا:
ودَّع الصَّبْرَ محبّ ودَّعَكْ ... ذائعا من سره ما استودعكْ
يقرع السنَّ على أنْ لم يكنْ ... زاد في تلك الخطى إذْ شَيَّعكْ
يا أخا البدْرِ سناءً وسَنى ... حَفِظَ الله زماناً أَطْلَعك
إِنْ يُطُلْ بَعْدَكَ لَيْلي فَلَكَمْ ... بِتُّ أَشكُو قِصَرَ اللَّيلِ مَعَكْ
قوله: (إن يطل بعدك ليلي) البيت، ليس أبو الوليد اخترعه، وإنما ألمّ فيه
(2/526)

بقول جميل فاقتلعه وهو:
يطُول اليومُ إن شَحَطَتْ نَواها ... وَحولٌ نلتقي فيه قصيرُ
ويروى: (يطول اليوم لاألقاك فيه). وهذا البيت جامع لِطَرفي الطول والقصر. ولا يزال الناس
يستقصرون أمد السرور وإن طالَ، ويستطيلون أَمَدَ المكروه وإن قَصُر.
ويحكى عن أبي حاتم العتبي انه قال: سمعت أعرابيا وذكر امرأته فقال: كاد الغزال يكونُها لوْلا ما
تَمَّ منها، ونقص منه، وما كانت أيامي معها إلا كَأَباهيم قطاً قِصَراً ثم طالت بعدهاشوقا اليها، فوا أسفا
عليها. قال: والعربُ تقولُ في هذا المثل: (مرَّ بنا يوْمٌ كعقرب قصراً) إذا مرَّ عليهم يوم سرور.
وألم فيه أبو الوليد أيضا بقول مهلهل:
فإنْ يَكُ بالذَّنائِبِ طالَ ليْلي ... فقد أبْكي من الليْلِ القصيرِ
وأخذه بعض المتأخرين فقال:
يطول النهار لميعادها ... ويقصر لي عند إسعادِها
وليلي إذا ما دنت لحظة ... وما ينقضي عند ابعادها
(2/527)

وقد جمعه أبو العباس بن سيِّد في بيت واحد فقال:
فاللَّيلُ إنْ وَصَلَتْ كالليل إنْ هجرْتْ ... أشكُو من الطَّولِ ما أشكو من القِصَرِ
ومنه قول عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:
فيالك من ليل تقاصر طُولُهُ ... وما كان لَيْلِي قبل ذلك يقصُرُ
والمقصود بهذا أن أيام السرور ولياليه قصيرة، وأيام الحزن ولياليه طويله، كما ذكرنا، ولذلك قال ذو
الرمة:
ولو شئتُ قَصَّرْتُ النَّهارَ بِطَفْلَةٍ ... هَضِيمِ الحَشا بَرَّاقَةِ المتَبَسَّمِ
وأما حديث أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "يتقارب الزمان حتي تكون السنة
كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة" فذكر حجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة
قال: سألتُ أبا سِنان
عن معني هذا الحديث، فقال: ذلك من استذاذ العيش يكون. يريد،
(2/528)

والله أعلم، زمان خروج المهدي
وربوع الأَمَنَةِ في الأرض ببسطه العدل فيها.
وقرأت في النوادر قول علي بن بسام:
لاأظْلم الليل ولا أدَّعي ... أنَّ نُجُومَ الليل ليست تَغُورُ
لَيْلي كما شاءتْ فإن لم تَجُدْ ... طال وإنْ جَادَتْ فليْلي قصيرُ
وهذان البيتان منقولان من قول علي بن الخليل وهو:
لا أظْلم الليلَ ولا أدَّعي ... أنّ نجومَ الليلِ ليْسَتْ تَزُولُ
لَيْلي كما شاءتْ قصيرٌ إذا ... جَادَتْ وإنْ ضنَّتْ فَلَيْلي طويلُ
وأخذ هذا المعنى ابن خليل من قول يزيد بن عبد الملك بن مروان وهو:
لا أسألُ الله تَعْمِيداً لما صَنَعَتْ ... نامَتْ وقد أسْهرتْ عينيَّ عَيْناها
فالليلُ أطولُ شيءٍ حينَ أفْقدُها ... والليلُ أَقْصرُ شيء حين أَلْقاها
(2/529)

رجع لقول علي:
تصرّف الدهر على حُكْمِهَا ... فَهْوَ على ما صَرَّفَتْهُ يدورُ
ومن هذا المعنى قول عبد الصمد في أبيات له:
ونحنُ ضجيعان في مَجْسَدٍ ... فلِلَّهِ ما ضُمِّنَ المَجْسَدُ
فياليلة الوَصْل لا تَنْفَدِي ... كما ليلة الهجر لا تَنْفَدُ
وأبلغ ماأذكر في طول الليل، قول علي بن العباس الرومي قرأته أيضا في (النوادر):
رُبَّ ليلٍ كأنه الدَّهرُ طُولا ... قد تَنَاهَى فليسَ فيه مزيدُ
ذي نجومٌ كأنهنَّ نُجُومُ الشْ ... شَيبِ ليستْ تزولُ لكن تزيد
ومثله قول أبي بكر محمد بن أحمد الغساني:
وليلٍ كفكري في صدود مُعذِّبي ... وإلا كأنْفاسي عليه منَ الوَجْدِ
وإلاّ كعمر الهجر منه فإنه ... إذا قسته بالوصف كانَ بلا حدٍّ
(2/530)

وقال أيضا:
أطال ليلي الصدود حتى ... يَئستُ من غُرَّةِ الصَّباحِِ
كأنه إذْ دَجى غرابٌ ... قد حصر الأرض بالجناحِ
ومثله قول الآخر:
ألا ياليل هل لكَ منْ براحِ ... وهَل لأسير نَجْمِكَ من سَراحِ
ألا يا ليل طلت عليَّ حتَّى ... كأنك قدْ خُلقت بلا صباحِ
وذكروا أن أبا الوليد بن زيدون كان شديد الكَلَف بولادة قد جَعَلَ حُبَّها وَمَواصلَتها شِعاره وعناده،
وهي ولادة ابنة محمد بن عبد الرحمان بن عبد الله بن عبد الرحمان الناصر المتسمى من الألقاب
السلطانية بالمستكفي بالله. بويع له بالخلافة بقرطبة يوم السبت لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع
عشرة وأربع مائة، وانقرضت مدة خلافته في جمادى الأخرى سنة ست عشرة، فيما ذكر أبو مروان
بن حيان. وكانت ولادة هذه من الأدب والظُّرفِ، والحَلاوَة واللُّطْفِ، واحدةَ نساء زمانها، وفذةَ وقتها
وأوانها، بحيث تخْتَلِس القلوب والألباب، وتُعيد الشيب إلي أخلاق الشباب، بِحُسنِ منظرٍ ومخْبر،
وعُذُوبَةِ موردٍ وَمَصْدرٍ، وجمالٍ فائقٍ في خَلْقها، وبراعة وذكاء في طبعها وخلقها، وكانَ
(2/531)

فِنَاؤُها بقرطبة منتدىً لأحْرار المِصْر، وأعيان ذلك العصر، وميدانا بجياد النظم والنثر. يعشو أهل الأدب
إلى ضوء غرّتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب علي خلافة عشرتها، إلى سُهُولة حِجابِها، وكثرة
مُنْتابها، تخلط ذلك من فعلها بعلُوِّ نصاب، وكرَمِ انتساب، وطَهارَة أثواب، وشرف أثْواب. والله تعالى
يسمح لها، ويغفر زَلَلَها، فلقد اطرحت التحصيل، وأوجدت إلى القولِ فيها السبيل، وذلك لِمُجاهَرتها
بِلَذَّاتِها، وقلة مبالاتها، وكانت قد رسمتْ على عاتقيْ ثوبها بيتين وهما:
أنا والله أصلُحُ للمعالي ... وأمشي مِشْيَتِي وأتيهُ تِيهَا
وأُمْكِنُ عاشِقي من عَض نهْدٍ ... وأُعْطي قُبْلتي منْ يَشْتَهِيها
قال أبو الحسن بن بسام: هكذا وجدتُ هذا الخبر، وأَبْرأُ إلى الله من عُهْدَة قائليه، وإلى الأدبِ من
غَلَطِ النَّقل إنْ كان وقع فيه.
قلت: وأنا أيضا أحْكيه عن ناقليه، ولا أعتمدُ على تصحيحه ولا أدَّعيه، فلأهْلِ النُّبل والفضل عن
هذا الخبر وأشباهه مناديح، وكمْ خَبَرِ حكيَ ودوِّن، وهُو غيرُ صحيح. ولولادة أخبارٌ يفوتُ إحْصاؤها
ويقلّ استقصاؤها، وكانت في ذكاء خاطرها، وكثْرة نوادرها، آية من آيات فاطِرِها. ذكروا أنها مرتْ
ذات يوم بالوزير أبي عامر ابن عبدوس وكان من أعيان المصر، في ذلك العصر،
(2/532)

وكان مِمَّنْ هذى باسمها، وتعرَّف على حكمها، وكانت أمامَ دارِه بركةٌ تتولدُ من الأمطار، وربما استمدتْ بشيء ومما
كان ثم من الأقذار، فمرتْ به، وهو قاعدّ قد نشرَ كميه، ونظر في عِطْفيه، وحسن أعوانه إليه، فقالت
له: أبا عامر:
أنتَ الخصيبُ وهذه مِصْرُ ... فتَدَفَّقا فَكِلاكُما بحْرُ
وهذا البيت لأبي نواس من أبيات له في الخصيب والد ابراهيم عامل مصر. فتركته لا يحيرُ حرفاً،
ولا يَرُدُّ طرْفاً.
وطال عُمْرُها وعُمْرُ أبي عامر المذكور حتى أوفيا على الثمانين وهو لا يدعُ مُواصَلَتها، ولا يَغْفُلُ
مُراسَلتها، وتحيف الدهرُ المُسْتَطيلُ حالَ ولادة حتى لم يتْرُك لها شيئا من الوفْر إلا أبادَه. فكان أبو
عامر هذا يحمل كلها، ويرفعُ ظلها، على جَذْبِ واديه، ورُكود روائحه وغواديه، أثراً جميلا أبقاه،
وطَلقاً من الظَّرْف جرى إليه حتى استوفاه.
وأما أبو الوليد أحمد بن زيدون فعلمّ من أبناء العُلى، ومَحَاسِنُهُ مدى الأيام تُتْلى، وتُطَرّز بكلام الكتب
وتحلى، مرتبه في ذُرَى المجد، مُطْنَبٌ بالفخار، ومحْتده زاكي النِّجار، وأخباره مع الملوك مشهورة،
مروية في الكتب مسطورة، وحين هَمَّ بدره بالكمال، وأشْرَف علي احتفال الحال، تداركه حيْفُ
الزمن، فاعتقل وامتهن وحيل بينه وبين ولادة حتى يَئسَ من لقائها، أو أن يَنال نظره في محياها
بنكبة اشتدت بها حسراته، وتوقَّدت لها لَوْعاته وزفراتُه، فشجيت نفسه، وقَلَتْه الأيام كما (قَلَتْ صخْرا
سُلَيْمى عِرْسُهُ) فعند ذلك قال قصيدته الفريدة التي ضربت في الإبداع بأعلى سهم، وقصَّر عنها ابن
أوس
(2/533)

وابن الجهم، وعَجَزَ عن مثلها كلُّ ناظم وناثر، وفَتَنَتْ سمعَ كل أديب وشاعر، وأعْلَمَ فيها ولادة
باقامته على وُدِّها، وحفظ عهدها، وأولها:
بِنْتُم وبِنَّا فما ابْتلتْ جَوانِحُنا ... شوْقا إليكمْ ولا جَفَّتْ مآقينا
يَكادُ حينَ تناجيكُم ضمائرُنا ... يقضي علينا الأسى لولا تَأسينا
حالتْ لفقدكمُ أيامُنا فغدتْ ... سُودا وكانت بكم بيضا ليالينا
إذْ جانِبُ العيش طَلْقٌُ من تَألُّفِنا ... ومورد اللهو صافٍ من تصافينا
وإذْ هَصَرْنا غصون الأنس دانية ... قُطوفُها فجنينا منه ما شينا
ليُسْقَ عهدُكم عهد السرور فما ... كنتم لأرواحنا إلاّ رياحينا
من مبلغ الملبسينا بِانْتِزَاحِكمُ ... حزنا مع الدّهر لا يَبْلَى ويُبْلينا
أنَّ الزَّمان الذي لا زال يُضْحِكُنا ... أُنْسا بقربكم قد عاد يبكينا
غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا ... بأن نَغَصَّ وقال الدهر آمينا
فانحل ما كان معقودا بأنفسنا ... وانْبَثَّ ما كان موصولا بأيدينا
وقد يكون وَمَا يُخْشَى تَفَرُّقُنا ... فاليوم َنحنُ وما يُرجى تلاقينا
(2/534)

لم نعتَقِدْ بعْدَكُم إلا الوفاء لكم ... رأيا ولم نتقلد غيره دينا
لا تحسَبوا نأيكم عنا يُغَيِّرُنا ... أنْ طالَما غيّر النَأيُ المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلا ... منكم ولا انصرفتْ عنكم أمانينا
ولا استفدنا خليلا عنك يشغلنا ... ولا اتخذنا بديلا منك يسلينا
يا ساري البرق عادِ القصر فاسْقِ به ... من كان صرفَ الهَوى والوُدِّ يسقينا
ويا نسيمَ الصَّبابَلِّغْ تَحيتنا ... منْ لوْعَلى البُعْدِ حَيَّا كانَ يُحيينا
يارَوضة طالما أجْنَتْ لَواحِظنا ... وردا حَلاهُ الصِّبَا غضّا ونسْرينا
ويا حياةً تملَّيْنَا بِزَهْرِتها ... مُنىً ضُرُوباًولذاتٍ أفانينا
لسْنا نُسَمِّيكَ إجْلالا وتكرمةً ... وقدرك المعتلى عن ذاكَ يُغْنينا
إذا انفردتِ وما شوركت في صفة ... فحسبُنا الوصف ايضاحا وتَبْيينا
يا جَنة الخلد ابدلنا بسلسلها ... والكوثر العذْب زقُّوما وغسلينا
كأننالم نبت، والوصلُ ثالِثُنا ... والسعدُ قد غضَّ من أجفان واشينا
سِرَّانِ في خاطر الظلماء تَكتمنا ... حتى يكاد لسانُ الصبح يُفْشينا
لا غَرْوَ أنا ذكرنا الحزن حين نَأتْ ... عنه النُّهى وتركنا الصبر ناسينا
إنا قرأنا الأسى يوم النوى سوراً ... مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا
أمَّا هَواك فلم نعْدِلْ بِمَنْهله ... شُرْباً وإنْ كانَ يُرْوينا فيُظْمِئُنا
لم يَخْفَ أفق جمال أنت كوكبه ... سالين عنه، ولم نهجره قالينا
(2/535)

نأسى عليك وقد حُثَّتْ مَشعشعة ... فينا الشُّمُولُ وغنَّانا مُغنِّينا
لا أكْؤُسُ الراحِ تُبْدي منْ شمائلنا ... سيمَا ارتياحٍ ولا الأوتارُ تُلْهينا
دومي على العهد مادمنا مُحافظةً ... فالحرُ منْ دانَ إنْصافاً كمادينا
أَبْدِي وفاء وإن لم تَبْذُلي صِلةً ... فالطيفُ يقْنِعُنا والذِّكرُ يَكْفينا
وفي الجواب متاعٌ إنْ شَفَعْتِ به ... بيضَ الأيادي التي مازلت تُولينا
عليك منّي سلام الله ما بقيَتْ ... صبابَةٌ بِكِ نخْفيها فتخفينا
البيت الرابع والخامس من هذه القصيدة، يشبه قول الحارث بن هشام في أبيات له:
إذْ نلْبَسُ العيش صَفواً ما يكدِّره ... طعنُ الوشاةِ ولا ينْبُوبنا الزَّمنُ
ومثله أيضا قول الآخر:
هناكَ تغنينا الحمام وَنَجْينِي ... جَنَى اللهو يَحْلَوْ لِي لنا ويطيبُ
وقد أثبتُّ من هذا المعني في الجزء الثاني من هذا المجموع، ما اقتضته المشاكلة، وألفته المماثلة،
وحسنته نسقا ونظاما، وفتقت من زهره الأرج كماما.
وقوله:
وقد تكون وما يُخْشى تَفرقنا
(2/536)

البيت، كقول أبي أيوب سليمان بن أبي أمية:
أناجيك من بعد كان لم يكن قرب ... وألقاك بالذكر ومن دونك الحُجبُ
وقوله: (يا جنة الخُلْد) معناه: يا جنة البقاء، لأن الخُلُود هو البقاء طول الأبد. فكلُّ منْ يدْخل الجنَّة
فهو خالِدٌ فيها، وكل من يدخل النار من المعذبين الجاحدين فهو خالدٌ فيها، لقوله تعالى (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) وأهلُ الجنَّة
فيها مُخَلَّدونَ خالدون طول الأبد لقوله تعالى (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
والخُلُودُ والدَّوام والبَقاءُ والتَّأبيد نظائر في اللغة.
وقال صاحب العين: الخُلُود البقاء في دار لا يخرج منها.
والفعل: خَلَدَ يَخْلُدُ خُلُوداً، وخَلَّدَه تخليدا. والخُلْدُ اسم من أسماء الجِنان. وحدُّ الخُلُود الوُجودُ في الشيء
إلى غير نهاية. ويقال: خَلَدَهُ في السجن، وخلَدَهُ في الديوان، إذا أوجده هناك. ويقال: أَخْلَدَ فلان إلى
كذا وكذا، والمعنى رَكَنَ إليهِ ورَضيَ به. قال الله تعالى وجلَّ (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ).
والخَلَدُ البال. تقول: وقع ذلك في خَلَدي، أي في بالي. والخُلْدُ أيْضا ضربٌ من الجِرْذَان عُمي لم
تُخْلقْ لها عُيون، واحدها خِلْدَةٌ
بكسر الخاء والجميع خِلدان. والخَوالِدُ الأثافي في مواضعها، والجبال والحجارة تسمى أيضا
(2/537)

خوالد. قال الشاعر:
فتأتيك حَذَّاءَ محمولةً ... تَفُضُّ خَوالِدها الجَنْدلا
يعني بالخوالد هنا القوافي، كنى عنها بالحجارة. ومثله قول أبي تمام:
وكأنما هي في السَّماع جَنادلٌ ... وكأنما هي في العيون كواكِبُ
فأما الجُنَّةُ فمعروفة، سميت جُنَّة لأن الشجرة تَجُنُّها، أي تستُرُها. وكل شيء وقاك وسترك فهو جُنَّةٌ؛
ومنه سميت الدِّرع جُنَّةٌ. واستَجَنَّ فلان إذا استتر بشيء، والمِجنُّ: التُّرْسُ لستره صاحبه، وسمي القبر
جَنَناً من هذا.
وقال المقنع الكندي أو رافع بن هرم اليربوعي:
وصاحب السوء كالداء العياء إذا ... ما ارْفَضَّ في الجِسم يَجْري هاهنا وهنا
فذاكَ إنْ عاشَ كُنْ عنهُ بِمَعْزِلةٍ ... أوماتَ يوماً فلا تَشْهَدْ لهُ جَننا
ويروي:
إن عاشَ ذلك فأبعِدْ عنْكَ منزِله ... أوْ ماتَ ذاكَ فلا تعرف له جَنَنا
وللقبر أسماء غير الجَنَن هو الريْم والرَّمْس والجدث والحَدَب. قاله أبو علي. وقال الشاعر:
(2/538)

ولا شَمْطاء لم يَتْرك شَقاها ... لها منْ تسعةٍ إلاّ جَنينا
يعني مدفونا، أي قدْ ماتوا كلهم. وقد يسمى الرُّوح جَناناً، لأن الجسم يَجُنُّهُ.
وجَنانُ النَّاس مُعْظمهم قال الشاعر:
جَنانُ المُسلِمين أو دُّمسّاً ... وإنْ جَاوَرْتُ أسْلمَ أوْ غِفَارا
وكان أهل الجاهلية يسمون الملائكة جِنَّا لا سِتتارهم عن العيون. والجَنينُ: الولد في الرحم، والجميع
الأجنَّةُ. قال الله تعالى (أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) ويقال: أجَنَّت الحاملُ ولَدَها. وقال الشاعر:
وقد أجنَّتْ علقا ملقوحا ... ضمَّنه الأرحام والكشوحَا
ويقال جَنّ الولد يَجُنُّ جَنّا، وكذلك جَنَّ الليل، وهو يَجُنُّ جَنّاً وَمجَنَّةً، وجَنّ عليه الليل، إنْ غطَّى عليه
وستره بظلمته، وأجَنَّهُ الليل: أي ستره. وجِنَّةُ الليل أيضا بإسقاط الألف لغة، وبها قرأ علي بن أبي
طالب رضي الله عنه، وجملة من الصحابة أبو هريرة، وغيره في قوله تعالى في سورة النجم (عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى)
وقال الهذلي، وقرأته في النوادر لأبي علي البغدادي:
من المُرْبَعينَ وَمِنْ آزِلٍ ... إذا جَنَّهُ الليْلُ كالناحِطِ
(2/539)

وَجِنُّ الليل: اختلاط ظلمته. قال الشاعر:
حتَّى يجئَ وَجِنُّ اللَّيل يُوغلُه ... والشُّوكُ في وضح الرِّجْلينِ مرْكُوزُ
ويقال: جَنَانُ الليل وَجُنونُ الليل. وقال الشاعر:
ولولا جُنُونُ الليل أدركَ رَكْضُنا ... بذي الرَّمْثِ والأرْضِ عياضَ بن ناشفِ
وجِنُّ الشَّباب: حدَّته ونشاطه. وفي الحديث: "الشباب شُعْبَةٌ من الجُنون" وذلك أن الجُنُون آفة تنالُ
العقل فتزيله، وكذلك الشَّباب، قد يسرع إلى غلبة العقل بما له من قوة الميل الى الشهوات، وشدة
النزاع إليها، وكذا قول بعضهم (الغَضَبُ جنُونُ ساعة).
وقال حسان بن ثابت:
إنّ شرخَ الشَّباب والشَّعرا لأسْ ... ودما لمْ يُعاصَ كانَ جُنُوناَ
قال: (ما لم يعاص) ولم يقل (يعاصيا) كما يجب، لأنه أراد ما لمّ يُعاصَ كُلُّ واحدِ منهما. وقيل: إنّ
الشعر الأسود داخلٌ تحت ذكر الشباب، فلهذا استغنى بالضمير الواحد واكتفى به.
وفي حديث عبد الله بن عمر: "مَتِّعْنا بأسْماعِنا وأبْصارنا واجْعلهُ الوارثَ منَّا" فقال: وجعله بلفظ
الواحد، وقد تقدم ذكر الأسماع والأبصار بلفظ
(2/540)

الجماعة ففي هذا وجهان: أحدهما أن تكون التاء راجعة
إلى ضمير الفعل وهو الإستمتاع بهما.
والوجه الآخر: أن تكون الإشارة بها إلى واحد واحدٍ من كل سمع ومن كل بصر.
قاله أبو سليمان الخطابي، وقال في معني هذا الحديث قولين: أحدهما أن يكون معنى الوراثة منهما
أن تبقى صحتهما عند ضعف الكبر فيكونا وارثي سائر الأعضاء الباقين بعدها.
والقول الآخر أن يكون دعي بذلك للأعقاب والأولاد. والأول أصح.
وبالقول الثاني قال ابن سراج.
وحكي ان الحسن كان يقول في دعائه (اللَّهمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ من صَناديد القدر وَجُنُون العمَل). قال ابن
الأعرابي: الصَّنايد: الشَّدائد والدَّواهي، وجُنونُ العمل الإعجابُ به حتى يبطل عمله. وأنشد:
فدقَّتْ وجَلَّتْ واسْبكرتْ وأٌكمِلتْ ... فلَوْ جُنَّ إنْسانٌ منَ الحُسْنِ جُنَّتِ
ويقال: جُنَّ الرجلُ وأجنَّه الله فهو مجْنونٌ، والجميع مَجانين.
قال الشاعر:
(2/541)

شكوتم إلينا مَجانينَكمْ ... ونشكو إليكمْ مَجَانينا
فلَوْلا المُعافاةُ كُنَّاكهُمْ ... ولوْلا البلاءُ لَكَانُوا كنا
وسمي المجنون مجنونا لأنه قد أطبق على قلبه. وأصله من الجِنِّ، وهو السَّتْر، ويقال بالرجل جِنَّةٌ
ومَجَنَّة أي جُنُونٌ. قال الله سبحانه (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) وقال (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) وقال الشاعر:
من الدّارميِّين الذين دِمَاؤُهُمْ ... شِفاءٌ من الدَّاء المجَنَّة والخَبْلِ
وأرضٌ مَجَنَّة كثيرة الجِنِّ. والجِنَّة والجِنَّان جماعة ولد الجان. والجانُّ هو أبو الجِن خُلِق من نار، ثم
خُلق منه نسْله، وسُمُّوا جِنّاً لأنهم استجنوا من الناس فلا يرون.
قال الحسن في قوله تعالى (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) يعني إبليس خلقه الله تعالى قبل آدم عليه السلام. ونارُ السَّموم؛ الحارة
التي تقتل. والجان أيضا الحَيَّةُ البيضاء. قال الله سبحانه (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ)
وفي حديث عبد الله بن عمر قال: شرب رجل من سقاء، فانساب في بطنه جانٌّ، فنهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن اخْتِناثِ الأسْقِية واختناثُ الأسقية هي أن تمال، فيشرب منْ أفواهِها، وعند
ميلها يحدث فيها تكسر
(2/542)

ورخاوة، وبذلك سميّ المُخَنث من الرجال. وفي الحديث أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم دخل على أمِّ سلمة، وعندها مخنث.
وشرب أحد الشعراء من سقاءٍ اختثنه حتى روى فألغز وقال:
أخذت مخنثا فلثمت فاه ... فيا طيب المخنث من لثيمِ
رجع
وقوله (والكوثر العذب)، والكوثرُ فَوْعَل: من الكثرة، والواو فيه زائدة كزيادتها في الدَّوْلس، وهو
فوعل أيضا من الدَّلَس. والدَّلَس: اخفاء العيب وستره في حين البيع. والكَوثر نهر في الجنة للنبي
خاصة تتشعب منه أنهار الجنة. قالته عائشة رضي الله عنها، وروى نحوه عن النبي عليه السلام،
وقال عطاء: هو حوض النبي عليه السلام. ويومئذ قول عطا حديث أبي سعيد سنان ين مالك بن
سنان الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لي حوضا طوله ما بين الكعبة إلى بيت
المقدس أبيض من اللبن آنيته عدد النجوم" وفي حديث أنس، فيما روى أبو بن بكر أبي شيبة، عن
علي بن
(2/543)

مسهر عن المختار عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكوثر نهر وعدنيه ربي
في الجنة عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم" ويقال: الكوثر
هو الخير الذي أعطاه الله تعالى وجل النبي محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته يوم القيامة.
وقال بعضهم: الكوثر: العَجَاجُ المُلتَفُّ بعضه ببعض، وأنشد:
وقد ثار نقْعُ الموتِ حتى تَكَوْثَرا
أي حتى التف بعضه بعض.
وقال الحسن: الكوثر: القرآن.
وقوله: (زقوما وغسلينا) قال ابن زيد: لا يعلم أحد ما الزَّقُوم ولا الغِسْلين. وعن قتادة طعام الزقوم
شر الطعام وأبشعه.
والغِسْلين غسالة أجواف أهل النّار. ووزنه فِعْلِين من غسل الجراح والدبر.
رجع
قال: فلما خلص أبو الوليد من اعتقاله، وتَنَسَّمَ من الدَّهر صلاح حاله، بعد أن أعوز نفسه الجَلَد، وملأ
جوانحه الوجْد والكمد، كرّ إلى (الزهراء) ليتوارى في نواحيها، ويتسلى برؤية مَراقبها، فوافاها،
والربيع قد خلع عليها برده ونثر على
(2/544)

بساطها سوْسَنه وورْده، وأغصان ثمارها مورقة، ونواحيها
مشرقة، قد سالت جداولها، وغنَّت بلابلها، فراح أبو الوليد بين روض يانع، وريح طيبة المسرى،
وارتاح ارتياح جميل ببوادي القرى، فتشوق إلى لقاء ولادة، وحنَّ وخاف تلك النَّوائب والمحن، فكتب
إليها يصف فرط قلقه، وضيق أمده وطلقه، ويعاتبها على اغفال تعهده، ويذكرها بحسن محضره معها
ومشهده، فقال:
إني ذكرتك بالزهراء مُشتاقا ... والأفقُ طلْق ووجهالأرض قد راقا
وللنسيم اعتلالٌ في أصائله ... كأنه رقّ لي فاعْتل إشْفاقا
والرَّوضُ عنْ مائه الفضي مُبْتَسِمٌ ... كما شَقَقْتُ عن اللبات أطواقا
يومٌ كأيامِ لذاتٍ لنا انصرمتْ ... بتْنا لها حين نامَ الدّهر سُرّاقا
نلهو بما يستميل العينَ من زهر ... جال النَّدى فيه حتى مال اعناقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقي ... بكت لما بي فجال الدّمع رَقْراقا
ورْد تألق في ضاحي منابته ... فازداد منه الضحى في العين اشراقا
سَرى يُنافِحُه نَيْلُوفرٌ عَبِقٌ ... وَسْنان نبَّه معه الصُّبح أحداقا
كلٌّ يهيجُ لنا ذكرى تشوقنا ... إليك لم يعدعنها الصدر أن ضاقا
لو كان وفىَّ المنى في جَمعنا بكم ... لكان منْ أكرم الأيام أخلاقا
لا سكَّن الله قلباً عن ذِكركمُ ... فلم يطِر بِجَناحِ الشوق خَفَّاقا
لو شاء حملي نسيمُ الريح حين هفا ... وافاكُمُ بفتى أضْناه ما لاقى
(2/545)

كان التجازي بمحض الودِّ مذ زمن ... ميدان أنس جرينا فيه إطلاقا
فالآن أحمد ماكُنّا بعهدكمُ ... سلوتم وبقينا نحن عُشَّاقا
في أشعارٍ له كثيرة هي في كتاب ابن بسام وغيره مسْطُورة. وفي أبي الوليد يقول أبو الحسن بن
بسام: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شُعراء مخْزوم، أحدُ منْ جَرَّ الأيام جرًّآ، وفاتَ
الأنام طُرُاً، وصَرَّفَ السُّلْطان نفعاً وضَرّاً، ووسع البيان نظما ونثرا، إلى أدب ليس للبحر تدفُّقه، ولا
للبدر تَألُّقه، وشِعْرٍ ليس للسحر بيانُهُ، ولا للنجوم الزُّهْرِ اقتِرانُه، وحظٍّ من النَّثر غريب المَباني،
شِعريِّ الألفاظ والمعاني.
وفيه يقول أبو نصر الفتح بن محمد في (القلائد):
ذو الوزارتين أبو الوليد بن عبد الله بن زيدون زعيم الفئة القرطبية، ونَشْأةُ الدَّولة الجَهْوَرِيَّة الذي
بهر في نظامه، وطلعَ كالبَدْر ليلَةَ تمامِه، فجاء من القوْل بسحرٍ، وقلَّدَهُ أبْهى نحر، لم تصرفْهُ إلاّ بين
ريحان وراح، ولم يطلعه إلاّ في سماء مؤانساتِ وأفراح، ولا تعدى به الرؤساء والمُلوك ولا تَرَدى
منه إلاّ حظوة كالشمس عند الدُّلوك، فشرف بضائعه، وأرهف بدائعه وروائعه، وكلفت به تلك الدولة
حتى صار ملهج لسانها وحل محل انسانها.
قلت أنا: وكانَ رَحِمَهُ الله شِهابَ ذكاءٍ متألقاً، وبحر بيان متدفقا، يقذف بلسانه من البيان لؤلوآ مكنونا،
ويَبُثُّ من البلاغة ضروبا وفنونا، وفيما أثبت له في التَّصانيف، وسطر في التَّواليف، من النَّظْم الذي
أرْهَفَه بالتَّهْذيب، وطرَّزَهُ بكُلِّ معنى عجِيب، وبناه من اللَّفظ الصحيح، ووشحه بالوَشي المليح، ونثره
البديع، المزري بالدُّرّ الرفيع، دليل على أنه كان يملك من البيان بحرا لا يُمْتَطى
(2/546)

لهُ ثَبَج، ولا تُخاضُ بهِ اللجج. وناهيكَ من تحرير حلَّ من ابن عبّاد غُرةً في جبين مُلكِه، وواسطة في مُنْتَظم سِلْكِهِ،
واسْتَقَلّ من دولته بأعْبائها، ولاحَ بدْرا منيرا في سمائها، أشرق من لآلئه الإظْلامُ، وعَبِقَتْ بأرَجِهِ
الليالي والأيامُ، ولا يَتَّسِعُ هذا المجموع لاثباث محاسنه وفنونه، وتصرّفه في سهول الإبداع وحُزُونِه،
ولو أشرتُ إلى ذلك، لخرجتُ عما قصدتُ إليه من غرضي، واعتمدتُ عليه. وقد أثبتُّ له فيه ما
يشهد له بالسَّبْق، وفي الثّناء عليه بالحق.
وحكى أبو العباس أحمد بن عبد ربه في كتاب (العقد) عن أبي زيد الأسدي قال: دخلت يوما على
سليمان بن عبد الملك مروان فَوَجدته جالسا على دكان مبلط بالرخام الأحمر، مفروش بالديباج
الأخضر، في وسط بستان قد أينع وأثمر، ويشق البُستان من جانبيه ميدانٌ ينبُت الربيع، وعلى رأس
سليمان وصَائف. كُلُّ واحدة أحسن من الأخرى كأنّما شردن من الجنان، عن غفلة من الرضوان،
يُصْمِينَ بسهام الجُفون، ويُسْبين بقُدود تحكى تَثَنِّي الغُصون، ويُسْفرنَ عن بدور، ويَبْسمْنَ عن دُرِّ لم
تقلد مثله النُّحور. والشمس قد مالت للغروب، وحكت لون المُحِبِّ ساعَة وداعِ المَحْبُوب، وهَبَّ النَّسيمُ
على الغُصون فتَمايَلتْ، وحنَّتِ الأطيار فتَجاوبتْ فقلت: السلامُ عليك أيُّها الأمير، ورحمة الله
وبركاته، وكان مُطرقا، فعندما مَثُلْتُ بين يديه، وسَلَّمْت عليه، رفع رأسه إلي وقال: أبا زيد في هذا
الوقت غشيت حيّنا. فقلت أصلح الله الأمير، أو قدْ قامت القيامة؟ قال: نعم. على أهل الحب. ثم قال
لي: يا أبا زيد ما يَصْلُحُ في هذا الوقت؟ قلت: أصلَحَ الله الأمير. قهْوةٌ صفراء في زُجاجةٍِ بيضاء،
(2/547)

تناولينها جارية هَيْفاء، رخيمة الدال بديعة الشَّكل أشْرَبُها من كَفِّها، واجعل نقلي رُضابَ فمِها. فأطرق
الأمير وتَحَدَّرَتْ عبراته، وهاجَتْ لو عاته، وتحركت سَواكنه، وبكى حتى بُلَّ سِرْبالُه. فلما رأى
الوصائف حاله تَنَحَّيْن عنه، فعند ذلك قال لي: أبا زيد هذا والله آخر يوم من أيامك، وانصِرَامِ مُدَّتِك،
بالله لأضْرَبَنَّ عنقك. أو لتخبرني ما الذي أوقع هذه الصفة في قلبك.
فقلت: نَعَمْ، أصْلَحَ الله الأمير، كنْتُ جالِسا على بابِ أخيكَ سعيد، فإذا أنا بجاريةٍ قد خَرَجَتْ إلى بابِ
القصْر كالغزال، انفلت من شبكة صائد، وعليها قميص سَكْبٌ اسْكنْدراني، تبصر العين من فوقه
رمانتي صدرها، ونقش تكَّتها، وفي رجليها نَعْلان أحمران، فتعجَّبت أيها الأمير من بياض رجليها،
في حمرة نعليها، ولها ضفيرتان تضربان خصريها، قد أسبلتهما على منكبيها، وصدغان كأنهما نونان
وحَاجِبانِ كأنهما قوسان، وعينان ليستا لحور الجِنان، بالسحر مملوءتان. فأبصرت أحسن سواد، رأيته
في بياض، من لِحاظٍ مُعْتَلَّة، في جُفونِ ليست بمِراض، وعِقْدُها في نَحْرِها يبرق، والشَّمس فوق
إزارِها تُشْرِقُ. فلمّا وصلت إلى باب القصر، تَنَهَّدَتْ تنهدا جاوبتها الحِيطان، قالت: عِبادَ الله من لي
بدواء مالا يُشتكى، وعِلاج مالا يُوسى. طال والله الحجاب ومنع الجواب، ولزم الاكتئاب، فالفؤاد
مُخْتلس، والنوم مُحْتبس، والحزن دائم، والدمع ساجم. فرحم الله قوماً عاشوا تجلداً، وماتوا تبلداً، ولو
وجدنا إلى العزاء سبيلا، لكان الأمر أمراً جميلا. ثم أسبلت عبرات حكت تناثر اللؤلؤ الرطب، على
الورد الغض، ثم رفعت رأسي فقلت: أيتها الجارية إنسية أم جنية، أرضيّةٌ أمّ سَمائية؟ فقد أعجبني ما
رأيت من حسنك، وأذهلني ما سمعت من منطقك، فسترت وجهها بكمها. ثم قالت: عُذْرا أيُّها المُتَكَلِّمُ
الأديبُ فما أوْحَشَ الوحيدَ بلا مساعد، والغريبَ عن أوطانه، والنازحَ عن أحبابه وخِلانه. ثم
انصرفت، فوالله - أيها الأمير - ما رأيتُ حسنا بعده، الاّ سمج في عيني
(2/548)

لحسنها، ولا ذقت طيبا إلاّ عادَ عَلْقَما لشجوها. فاستوي الأمير جالسا، وعَبَراتُه تسكب. فقال: يا أبا زيد كاد الجهلُ يَسْتفزني،
والصِّبا يعودُ لي، والحِلمُ يغْرُبُ عنِّى. أتعرف تلك الجارية؟ قلتُ: لا، أعرفها أيها الأمير. قال: تلك
الذَّلْفاءُ التي يقول فيها الشاعر:
إنما الذَّلْفَاءُ ياقوتةٌ ... أُخْرِجَتْ من كيسِِ دِهْقانِ
اشتراها أخي الوليد بألف ألف درهم، وهي عاشقة للذي باعها، فلا يتمتع بها أخي ولا غيره إلا على
تلكَ الحال. ووالله ما يموتُ من رآها إلاّ بحسرتها، ولا يَدخُلُ القبر إلا بِغُصَّتها، ولكن في الصَّبرة
سُلْوَة، وفي توقُّع الموت بهتة. قُمْ أبا زيد واكتُمْ، فقلت: أفْعَلُ أيها الأمير، وَأمرَ لي ببدرةٍ فأخذتُها
وانصرفتُ.
قال الأصمعي في الأنف الذَّلِف؛ وهو قِصَرُهُ وصغَرُ أرْنبته: يُقال رجَلٌ أذْلَف، وامرأة ذَلْفاء.
قال أبو النجم:
للشَّمِّ عندي بهجةٌ ومَوَدَّةٌ ... وأُحِبُّ بعض ملاحَةِ الذَّلْفاءِ
وقال العجاج:
بسلهبينِ فوق أنْفٍ أذْلَفَا
(2/549)

فصل
وحكى إقبال الدولة بن مُجَاهد قال: حضرتُ عند صِهري المعتمد بن عباد، والنهارُ قد نشر من غَيمه
نَدى نَدٍ، وأسْكبَ من قَطْرِه ماء ورد، وأبْدى من برْقِهِ لسانَ نارٍ، وأظْهرَ من قُزَحِهِ بُستان آسٍ حُفَّ
بنرجسٍ وجُلَّنَار، والرَّوضُ قد بعث ريَّاه، وبثَّ الشكرلِسُقْياه. فكتب الى الطبيب الأديب أبي محمد
المصري:
أَيُّهَا الصَّاحبُ الذي فَارَقتْ نف ... سِي وعيني منه السَّتَا والسَّناءَ
نحن في المجلس الذي يهب الرا ... حةَ والمسمع الغنى والغناء
نتعاطى التي تسمى من الل ... ذة والرقة الهوى والهواء
(2/550)

فاتهِ تُلف راحة ومحيَّا ... قدْ أَعدَّا لَكَ الحيا والحياء
فوافاه الطبيب المذكور، فألفى مجلسا قد اتْلَعَتْ أَباريقُه أَجْيَادَهَا، وأقامتْ به خَيْلُ السُّرُور طِرَادَها.
وأعطَتْهُ
الأماني انطباعَها وانقيادَهَا، وأهدت الدنيا ليومه مَوَاسِمَهَا وأَعْيَادَهَا، وخلعت عليه الشمسُ شُعَاعَها،
ونشرت فيه الحدائقُ ايناعها، فأدِيرَت الرَّاحُ، وتُعُوطيت الأَقْداح، وَخامر النُّفُوسَ الابتهاجُ والارتياحُ.
ؤأظهر المعتمد في ذلك اليوم من إيناسه، ما استرقَّ به نُفُوسَ جُلاَّسه. ثم دعا بكبير، فشَرِبَه عندما
تَناوله من يَدِ المُدِير. فكان كالشمس غَرُبتْ في ثِبير، وعندما تناوله قام الطبيب ينشد شعرا بمثله:
اشْرَبْ هنيئاً عَليكَ التَّاجُ مرتَفقاً ... في قَصْر حِمْصَ وَدَعْ غُمْدانَ لِلْيَمَنِ
فَأنتَ أَوْلى بتَاج الملْكِ تَلبَسُهُ ... مِنْ هَوْذَةَ بنِ عليٍّ وابنِ ذي يَزَنِ
فطرب المعتمد حتى زحف عن مجلسه، وأسرف في انبساطه وتأنُّسه. وأمر للطبيب المصري بخلعةٍ
لا تصلح إلاّ للخلفاء، فخلعت عليه، وأدناه حتى أجلسه مجلسَ الأكْفاءِ، وأَمَر له بدنانير عدداً، وملأَ
بالمواهب منه يداً.
قول الطبيب:
اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا
شطر بيت لأبي زمعة جد أمية بن أبي الصلت، من شعر قاله في معدي كرب بن ذي يزن، أوله:
(2/551)

ليطلب الوترَ أمثالُ ابن ذي يزِن ... رَيَّمَ في البحر للأعداء أَحْوَالا
يمَّمَ قيصر لما حان رحلَتُهُ ... فَلَمْ يجد عندهُ بعض الذي سأَلاَ
وفيها يقول:
أَرْسَلْتَ أُُسْداً على سُودِ الكلابِ فقد ... أضْحَى شَريدُهُمُ في الأرضِ فُلاَّلاً
فَاشْرَبْ هنيئاً عليكَ التَّاجُ مُرتَفِقاً ... في دار غُمْدَانَ داراً منكَ محلالا
ثمَّ اطل المسكَ إذْ شالتْ نَعَامَتُهُمْ ... وأسْبِلِ اليومَ في بُرْدَيكَ إِسْبالاَ
تِلك َالمكارمُ لاَقَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ ... شِيبَا بمَاءفَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاَ
قوله: (إذْ شالت نعَامتُهُم)، العربُ تضرب زوالَ النَّعَامة مَثَلاً في الفِرار
فتقول: (شالتْ نَعَامَةُ القوم) إذا فرّوا أو هلكوا وانقرضوا. قال الشاعر:
أَزْرَى بنَا أَنَّنا شالَتْ نعَامَتُنا ... فخَالني دُونه بَلْ خِلْتهُ دُوني
وقال الآخر:
يَا ليتنَا أُمُّنَا شَالَتْ نَعَامتُنَا ... إِمَّا إلى جَنَّةٍ إِمَّا إلى نَارِ
والعرب تقول: أَشْرَدُ من نَعَامة، أي أسرع في الفرار من النَّعامة.
(2/552)

وقال الشاعر:
هُمُ تَرَكُوكَ أَسْلَحَ منْ حُبَارى ... رأَتْ صقراً وأَشْرَدَ مِنْ نَعَامِ
والنَّعامَةُ في اللغة: بَاطِنُ القَدَم، فمن مات فقد شَالَتْ رجْلُه، أي ارتفعت، وأَنْشَدُوا قول الشاعر:
تَنَعَّمْتُ لَمَّا جَاءَني سُوءُ فِعْلِهِمْ ... أَلاَ إِنَّمَا البَأْْسَاءُ لِلْمُتَنَعِّمِ
والنَّعَامَةُ أيضا: الجِلْدَة التي تغطى الدماغ، والنَّعَامَةُ: الظُّلْمَةُ. وابنُ النَّعَامة: عِرْقٌ في باطن القدم.
وقوله: (تِلك المَكَارِمُ) البيت، تمثل به عمر بن عبد العزيز رحمه الله، حين وفد عليه الرجل الذي
انتسب الى قتادة بن النُّعْمَان، الذي أصيبت عينه يوم أُحُد، فسأله عمر: من أَنْتَ؟ فقال الرجل:
أنَا ابْنُ الَّذي سَالتْ عَلَى الخَذِّ عَيْنُهُ ... فَرُدَّتْ بكَفِّ المصطفى أَيَّما رَدِّ
فَعَادَتْ كما كانَتْ لِأَوَّلِ أَمْرِهَا ... فَيَا حُسْنَ مَا عَيْن ويَا حُسْنَ مَا حَدِّ
فقال: عمر بن عبد العزيز: (تِلْلكَ المَكَارمُ لاَقَعْبَانِ مِنْ لَبَنِ) البيت بكماله.
ووصل الرجل وأحسن جَائزتَه.
وقد روي أن عيني قتادة بن النعمان الذي انتسب اليه الرجل، الوافد على
(2/553)

عمر، سقطتا معاً يوم أُحُد فردهما النبيّ صلى الله عليه وسلم وروى هذا الحديث: محمد بن أبي عثمان، عن مالك بن أنس عن
محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد، عن أخيه قتادة بن النعمان. قال:
(أصيبت عيناي يوم (أحد) فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما النبي صلى الله عليه وسلم، فأعادهما
مكانهما، وبصق فيهما فعادتان تبرقان).
قال الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني: هذا حديث غريب عن مالك، تفرد به عمار بن
نصر وهو ثقة.
وحكى الحسين بن الضحاك قال: دخلت ذات يوم على الحسن بن
(2/554)

سهل في فصل الخريف، وقد جاء الوَسْميِّ، بِرَشٍّ خفيف، واليوم قَد تَجَلَّى في أحْسَنِ مَنْظَرٍ وأَعْجَبِهِ.
وَرَوائِحُ المجْلِسِ تَتَضَوَّعُ بأذْكى نَشْرٍ وَأطْيَبِهِ.
والحسَن جَالسٌ عَلَى سَرِيرِ آبنوس، وأمامه أَباريقُ مُتْرعة بالخمر وكؤوس، وهو ينظر
الى بستانٍ أنيق، والطَّيرُ تَشْدُو في أَفْنَانِه بِلَحْن يُطْرِب، وعلى رأسه غُلامٌ، كأنه البدر، وَجَبينُهُ قَدْ جَمَعَ
بين اللَّيْل والصَّبَاح، وَثَغْرُهُ بين العقِيقِ والأقَاح. فسلمت، فرد السلام عَلَيَّ. ونظر كالمستنطق اليَّ
فقلتُ:
أَلَسْتَ ترَى ديمةً تَهطلُ ... وَهذَا صَبَاحُكَ مُسْتَقبَلُ
وهذا العُقَار وقدْ راعنا ... بِطَلْعَتِهِ الشَّادِنُ الأكحلُ
وقد أَشْكَلَ العَيْشُ في يَوْمِنا ... فيَا حَبَّذَا عَيْشُنا المُشْكِلُ
فقال: العَيْشُ مشكل، فَمَا تَرى؟ قُلْتُ: مُبَاكَرةُ القَصْفِ، وَتَقْرِيبُ الإلْفِ. فقال: شَرْطَ أَنْ تَبِيتَ. قُلتُ:
لكَ الوَفَاءُ على أَنْ يَكونَ هَذَا الواقِفُ عَلَى رَأْسِكَ يَسْقِيني. فَضَحكَ الحَسَن وقال: ذلك لَكَ عَلَى مَافيه،
ثمَّ دَعَا بِالطَّعَامِ والشَّرَابِ، ففَقَدْتُ الغُلام سَاعَةً، ثم إذا به قدْ جَاء مِنَ الحَمَّام، بجبينِ مُشْرق، وكأَن
وَجْهَهُ بَدْرٌ زَاهِر، وقدَّه غُصْنٌ نَاضِر، فقلت:
جَرَّدَهُ الحمامُ عَنْ دُرَّةٍ ... تَلُوحُ فيها عُكَنٌ غَضَّهْْ
(2/555)

كأنَّمَا الرَّشْحُ على خَدِّهِ ... طَلٌّ على تُفَّاحَةٍ عَضَّهْ
يَالَيْته زوَّدَني قُبْلَةً ... أَوْ لا فَمِنْ وَجْنَتِهِ عَضَّهْْْ
فقال لي الحسن: قد عمل فيك النبيذ، فقلت:
سقِّيَاني وَصرِّفا ... بِنْتَ حَوْلَيْنِ قَرْقَفا
واسْقِيَا المُرْهفَ الغرِي ... رَ سَقى اللَّهُ مرْهَفا
بِأبي مَاجنُ السَّرِي ... رَةِ يبْدِي تعطُّفا
فَإِذا رُمتُ ذَاك مِنْ ... ه تَأَبى وَعنَّفا
وإذا هبَّ لِلْمنا ... مِ فَقِدْماً تَخَفَّفا
فتغاضب الغُلام، وقام وقعد، واشتدَّ حَنَقُه ووعبد ثم قال لي الحسن: أَقْبل على شرابك. وقام، فناولني
الغلام قَدَحاً، والحسن قد خرج، فشربتُ وأعطاني نَقْلا فقلتُ: اجْعَلْ لي عِوَضه قُبلة، فَأبى، فقال له
فَرَج، غلام
(2/556)

الحسن، وكان يتصرفُ علينا: بحياتي، يَابنيَّ، اسعفه بما طلب، فضحك، ثم دَنامِنِّي، كأنه
يُعطيني نَقْلا، وتَغَافَل، فاخْتَلَسْتُ منه قبلة، فقال: هي حرام: فقلت:
هَوَّنَ الأمْر عليه فرَجْ ... بِتَأبِّيهِ فَسقْياً لفَرَجْ
وَبِنَفْسي نَفْس مَنْ قال وَقدْ ... كان ما كان حرامٌ وحَرَجْ
وبتُّ تلك الليلة ناعمَ بالٍ بذلك الغزَال، فلَّما أصبح، انصرفتُ، ثم عدتُ الى الحسن، حين طَلعَ
النَّهار، فقال لي: كيف مَبيتُكَ البارحة؟
فقلتُ:
تأَلَّفْتُ طَيْفَ غزال الحَرَمْ ... فواصلني بعدما قد صَرَمْ
فَغَضَّ الجفون على غَفْلَةٍ ... وأعرض إعراضة المحتشمْ
فمازلت أبسطه مادحاً ... وَأُفْرِطُ في اللهو حتى ابتسمْ
وحكمني الريم في نفسه ... بشئٍ ولكنه مكتَتمْ
فقال لي الحسين: يافاسق! أظن ما ادَّعيت في النوم كان في اليقظة. وأصْلَحُ الأشْيَاءِ بِنَا، أن نُزِيلَ
العَارَ عَنَّا، بِهِبَتِهِ لَكَ. فَخُذْهُ، لا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فيه.
قال: وكان ابن الضحاك هذا، شديد الكَلَف بالغلمان، ومُغلِّباً حجة اللُّوطي على الزَّان. وهو القائل في
بِشْر غلام أبي عيسى بن الرشيد، حين حجبه، ووَكَل
(2/557)

به حافظه، ومراقبهُ، لَمَّا بَلغَهُ أن أخاه عيسى يتعشقه. واشتدَّ لذلك حنقهُ، وقَلَقه.
وكان ذلك الغلام بِشْر يَفْضُلُ رَبَّاتِ الحجال، في الحُسْن والجَمَال، فقال:
ظَنَّ مَنْ لاَ كانَ ظناَّ ... بحبيبي بحماهُ
أرصَدَ البابَ رقيبَيْ ... نِ بهِ فاكْتَنَفاهُ
فإذا ما اشتاق وُدِّي ... ولقائي مَنَعَاهُ
جَعَلَ اللَّهُ رقيبَيْ ... ه من السُّوءِ فِدَاهُ
وحكى أبو بكر بن الاشبيلي قال:
حضرت مجلس أُنْس الوزير الكاتب أبي بكر بن عمّار بقصر الرشيد، فلما تمكن منَّا الأنْسُ، ودارتْ
بيننَا الكأْسُ، ارتجل أبو بكر أبياتاً من الشعر، وقام ينشدها، وجعل يرفع بها صوته، ويرددها وهي:
ما ضَرَّ أَنْ قيل إِسْحَاقٌ ومُوصِلُهُ ... ها أنت أنتَ وذي حِمْصٌ وإسْحاقُ
أنت الرَّشيدُ وَدَعْ مَا قدْ سَمِعتَ ... به وإنْ تَشابَهَ أَخلاَقٌ وأعرَاقٌ
للَّهِ دَرُّكَ دَارِكها مشَعْشَعة ... واحْضُرْ بِسَاقيكَ مَادَامَتْ بناسَاق
وحكى الكاتب أبو نصر في كتاب (القلائد) له قال:
(2/558)

دُعيت يوماً الى منية المنصور بن أبي عامر ببلنسية، وهي منتهى الجمال ومُزْهَى الصَّبا والشمال،
وعلى وهْيِ بنائها وَسُكُونِ الحَوَادِث بُرْهَةً في فِنَائها، فوافيتها، والصُّبْحُ قد ألبسها قميصه، والحُسْنُ قد
شرح بها عويصه. وَبِوَسَطِهَا مجلسٌ، قد تفتحت للروضة أبوابُه، وتوشحت بالأُزْرِ المبهجة أثوابُه.
يخترقه جدول كالحسام المَسْلُول، وينساب فيه انسياب الأيم بين الطلول. وضفتاه بالأدواح محفوفة،
وهو يروق كالخريدة المزفوفة.
وفيه يقول علي بن أحمد أحد شعرائها وقد دخله مع لمة من وزرائها:
قُمْ فَاسْقِني والرِّياضُ لاَبسَةٌ ... وَشْياً من النور حَاكهُ القَطْرُ
والشمسُ قد عُصْفرتْ غَلائِلُهَا ... والرَّوْضُ تَنْدَى ثيابه الخُضْرُ
في مجلس كالسماء لاَحَ لنا ... مِنْ وَجهِ من قدْ هَوِيتُهُ بدْرُ
والنهرُ مثلُ الفجر حفَّ به ... من الندَامى كوَاكبٌ زُهرُ
(2/559)

فحللتُ في ذلك المجلس، وفيه أخْدَانٌ، كأنهم الولْدَان وهُمْ في عيش لَدْن، كأنهم منه في جَنَّةِ عَدْن.
فأنختُ لَدَيْهم رَكَائبي وعَقَلْتُها، وقلّدت بهم رغائبي واعتقلْتُها. وأقمنا نتنعَّم بحسنه، طول ذلك اليوم.
ووافى الليل، فذُدْنا عن الجفون، طروقَ النوم. وبِتْنَابليلة كأن الصُّبْحَ منها مَقْدُود؛ والاغصان تميد
كأنها قدود. والمجرةُ تبصرها نَهراً؛ والكواكبُ تخالها في الجَوِّ زَهْراً. والثريا، كأنها راحة تشير؛
وعُطَارِِدُ، لنا بالطرب مشير. فلمّا كان من الغد، وافيتُ الرئيس أبا عبد الرحمن بن طاهر زائراً.
فأفضينا في الحديث، حتى انتهينا إلى ذكر منتزهنا بالأمس؛ وما نلنا من المسرات والأنس. فقال لي
الرئيس: وما بهجة مكان، قد بان قطينُه وَذَهَبَ؛ وسَلَبَ الزَّمَانُ بَهْجَتَه وانْتَهَبَ، وباد فلم يبقَ إلاَّ
رَسْمُهُ؛ ومحاه الحَدَثَان، فما يكاد يلوح وَسْمُه. عهدي به عندما فرغ من تشييده، وَتُنُوهي في تنميقه
وتنضيده.
وقد استدعاني اليه المنصور، في يوم حلت فيه الشمس بيت شرفها، واكتست الأرض بزخرفها.
فحللت به، والدُّوحُ تميس معاطفه؛ والنور يخجله قاطفه. والمدام تطلع فيه كواكبها وتغرب؛ وقد حلَّ
فيه قحطان ويَعْرب. وبين يدي المنصور، مائة غلام؛ ما يزيد أحدهم على العشر، غير أربع؛ ولا
يحل سوى الفؤاد من مربع. وهم يديرون رحيقا، خِلْتُهَا وكؤوسها دُرّاً
(2/560)

وعقيقا. فأقمنا به، والشهب تغازلنا؛ والأفلاك تنازلنا؛ ووهب المنصور في ذلك اليوم ما يزيد على العشرين ألفاً، من صلات
متصلات، وأقطاع ضياع. ثم توحش الرئيس لذلك العَهْد وأفصح ما بين ضلوعه من الوَجْد. وأنشد:
سَقْياً لمنزلة الحِمَى وكثيبها ... إذ لا أرى زمنا كأزماني بها
وحكى الأستاذ أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي قال: دُعِيتُ إلى مَجْلِسِ أُنْسٍ؛ في
ليلة كأن سَمَاءها روضة، تفتحت النجومُ وسطها زُهراً؛ وتفجرت المجرّة خلالها نهراً. وشاحها اليُسْر؛
وسِوارُها البدْر. والمجلس قد احتشد به الأنس والطرب، وقرع فيه نبعُ السُرور بالغَرَب. فكان
كالشمس ضياء، وبدر التمام بهجة وبهاء، قد فَاحَ نَسيمُ رَنْدِهِ وَآسِه، ولاَحَ سِرَاجُ تَوَقُّدِ أَكْوَاسِه، وأبدت
سرور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المحاسن أزرارها، والرَّاحُ يديرها غزال أَوْطَف، وَزَهْرُ
الأماني يُقْطَف، والحَدَثَان قد غَضَّ طَرْفه، والسرورُ قد نَشَرَ سَجْفه، فقلت مرتجلا:
يا رُبَّ لَيْلٍ قدْ هَتَكْتُ حِجَابهُ ... بزجاجة وَقادَةٍ كَالكَوْكَبِ
يَسْعى بها ساقٍ أَغَرَّ كَأَنها ... من خَدِّهِ وَرُضَابِ فيه الأشْنَبِ
(2/561)

بَدْرَانِ بدرٌ قد أمنْتُ غروبهُ ... يسعى ببدر جانح للمغربِ
فإذا نعمتَ برَشْفِ بدرٍ غاربٍ ... فانعمْ بِلَثْمِكَ نيِّراً لم يَغرُبِ
حَتَّى تَرى زُهر النجوم كَأَنها ... حول المجرَّةِ رَبْرَبٌ في مشربِ
واللَّيْلُ منْحَفِزٌ يَطيرُ غُرَابهُ ... والصُّبْحُ يتبعه بِبَازٍأشهب
وقد ذكر أبو محمد معنى هذا البيت الأخير، حين وصف مجلس أنس، فأحسن في صفة سقاته،
والصبح قد أقبل بميقاته. فَسَمَّى الخمرَ بأحسن أَسْمِائها، وأَثْنى عليها بآلائها. ونَبَّه النُّدَمَاء من نَوْمهم.
وحضَّهُم على اصطباح يومهم. فقال:
صَاحِ نبِّهْ كلَّ صَاحٍ نَصطَبحْ ... فَضْلَةَ الزِّقِّ الذي كان اغْتَبَقْ
قهوةً تحكى الذي في أضلعي ... من جَوَى الحُبِّ ومن نَفْح الحُرَقْ
مِنْ يَدَيْ سَاقٍ بَدَا منْ خَدِّهِ ... بدْرَ تمٍّ تحت فَرعٍ كَالغسَقْ
خِلْتُها إِذْ غَرَبتْ في ثَغْره ... شَمْسَها أَلْقَتْ بِخَدَّيه شَفَقْ
وَكأَن الصُّبحَ عينٌ فُجِّرَتْ ... وكأنَّ الليلَ زِنجيٌّ غرقْ
(2/562)

وكأن النَّجْمَ سرْبٌ لِمَهاً ... رَاعَهُ السِّرحَانُ صُبْحاً فافْترقْ
وهذا المعنى، قد تَدَاوَلَهُ الأُدَبَاء، وحَامَ على مسرعه الخطباء منهم والشعراء. وقصدوه قَصْدَ الظمآن
للنهر المُطرد، وشَدَوْا على أفنانه شَدْوَ الطائر الغَرِد. أخذه أبو أحمد المنفتل فقال:
بتنا كأن حداد الليل شَمْلَتُنَا ... حَتَّى غَدَا اللَّيْلُ في ثوبٍ سَحُولي
كأنَّ لَيْلَتنا والصُّبْحُ يتْبَعُها ... زِنجِيَّةٌ هَرَبَتْ قدّامَ رومي
قوله: (في ثوب سَحُولي) أي: في ثوب منسوب الى سَحُول، وهو موضع باليمن، تنسب إليه الثياب،
والسَّحْل: الثوب الأبيض، وكل ثوب من قطن أبيض، يقال له سَحْل، وهو معروف عند العرب. ومنه
قول طرفة:
وذالت كما ذَالَتْ وليدةُ مَجْلِسٍ ... تُِري رَبَّها أَذْيَالَ سحلٍ مُمَدَّدِ
ومنه أيضاً قول الهذلي يصف حمر وحش:
غَدَرْنَاها وكانت في مصامٍ ... كأنَّ سَرَاتهَا سحْلٌ نَسيجُ
قال هذا الأصمعي وأبو عبيدة.
(2/563)

وفي الحديث، فيما روى مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لما مات، كُفنَ في ثلاثة أثواب بيضٍ سُحُوليَّةٍ، ليس فيها قَميصٌ ولا عمامة.
وقد اختلف أهل العلم في كَفَنِهِ صلى الله عليه وسلم. فروى هشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب
عن أبي هريرة قال: كُفِنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربطتين، وثوب نَجْرَانِي. وعن ابن
عباس أنه قال: كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء، وقميصه الذي مات فيه. وعن
جعفر ابن محمد، عن أبيه، أنه كفن في ثوبين صَحَارِيَيْن وثوب حبرة.
قال: والصُّحْرَةُ، حُمْرَةٌ خفية الغُبْرَة. يقال: ثَوْبٌ أَصْحَرَ، وَصُحَارِيّ. ومُلاَءةٌ صَحْراء وصَحَارِيَّه.
وقال بعض أهل اللغة: الأصْحَرُ ما كان لونه لون الصَّحْراء من الأرض.
وقال الأصمعي: الأصْحَرُ قريبٌ من الأصْهَب ويقال: إن الصُّحَاريّ منسوب الى صُحَار: وهي قرية
باليمن. وروى معمر عن الزهري، عن أبي سلمة: أن أبا بكر أتى النبي صلى الله عليه وسلم في
البيت الذي توفي فيه؛ فكشف عن وجهه بُرْدَ حِبَرَة، ثم أكب عليه فقبله.
قال أبو سليمان الخطابي: وأصحِّ هذه الأخبار حديث عائشة؛ لأنها أَعْلمُ بباطن أمره. إذ كان حجب
عنه الناس، ووليه نساؤه، وأهل بيته. وقد مات صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة وفي حِجْرِها،
ودفن في حُجْرَتِها
(2/564)

لم يَخْفَ عليها شيء من أمره. ويشبه أن يكون - والله أعلم - لما مات سُجِيَ بِبُرْدٍ،
فمن رآه سُجِي ظن أنه قد كفن فيه.
قال: وقد جاء عن عائشة، ما رفع الإشكال في هذا الباب أخبرنا ابن داسة، أخبرنا أبو داوود، أخبرنا
أحمد بن حنبل، أخبرنا الوليد بن مسلم أخبرنا الأوزاعي، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن
عائشة قالت: أدرج رسول الله صلى اللله عليه وسلم في ثوب حبرة، ثم أخر عنه.
قال أبو إسحاق: ومما يؤيد قول أبي سليمان، حديث مالك عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن أبا بكر
الصديق، قال لعائشة، وهو مريض: في كم كُفِنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: في ثلاثة
أثوابٍ بيضِ سُحُولِيَّةٍ والحديث بطوله في (الموطأ). وفيه أيضا عن هشام بن عروة،
(2/565)

عن أبيه، عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كفن في ثلاثة أثواب،
بيض سحولية، ليس فيها قميص، ولا عمامة.
رجع
وأخذه أبو بكر بن ظَهَار فقال:
عَلِّلاني فَإِنَّمَا أنا حَيْثُ ... جَادَ رَوْضَ الهَوَى من الوَصْلِ غَيثُ
وَكَأَنَّ الظَّلاَمَ لَما تَوَلى ... نَمِرٌ رَاعَهُ منَ الفَجْرِ لَيثُ
وإنما ألمَّ الأستاذ أبو محمد في قوله:
والليل مُنْحَفِزٌ يطير غرابُه
البيت.
بقول الأمير تميم بن المعز، في لفظه ومعناه. حيث يقول:
وكَأَنَّ الصَّبَاحَ في الأُفْقِ بازٌ ... والدُّجَى في مَخَالِبَيْهِ غُرَابُ
وقد كرره تميم في قوله أيضا:
وانْظُرْ إِلَى اللَّيْلِ كَالزَّنْجِي مُنْهَزِماً ... والصُّبْحُ في إِثْرِهِ يَعْدُو بِأشْهَبِهِ
وأخذه أبو الحسن التهامي فقال:
(2/566)

أُحْيِي لَيالي بِتُّهَا وتُميتُنِي ... ويمُيتُهُنَّ تَبَلُّجُ الأَنوَارِ
حتى رأيت الفَجْرَ ترفع كَفَّه ... بالضوءِ رفرفَ خيمةٍ كَالقارِ
والصبحُ قد غَمَرَ النُّجُوم كَأنهُ ... سَيْلٌ طَمَا فَطَفَا عَلَى النُّوَارِ
وأخذه أبو محمد الصقلي فقال:
مَازِلْتُ أشْرَبُ كأسهُ من كفِّهِ ... ورُضَابُهُ نَقْلٌ عَلى مَا أَشربُ
حتَّى انْجَلَى الإِصْبَاحُ عن إظْلامِهِ ... كالسَّتْرِ يُرْفَعُ عن مليك مُحْجَبُ
وأخذه الآخر فقال:
في ليلةٍ أكل المِحَاقُ هلالها ... حتَّى تََبَدّى مثلَ وَقْفِ العاجِ
والصُّبْحُ يَتْلو المشتري فَكَأَنهُ ... عُرْيَانَ يَمشي في الدُّجَى بسراج
وأخذه أبو جعفر بن الأبار فقال:
والصبح ينشر من سَنَاهُ صوارما ... والليلُ يرفعُ منْ دُجَاهُ سُدُولا
(2/567)

وكَأَنَّ جُنْحَ اللَّيْلِ طرْفٌ أَدْهمٌ ... متَضَمِّنٌ من صُبحه تحجيلا
وما أحسن قول ابن المعتز في هذا المعنى وهو:
فَإنْ شئتُ غادَتْني السُّقَاةُ بكَأسها ... وقد فتح الإِصْبَاحُ في ليلهِ فَما
فَخلتُ الدُّجَى والليلُ قد مدَّ خَيْطهُ ... رداءً مُوَشّىً بالكَواكبِ مُعْلماَ
وفي هذا المعنى من قول ابن المعتز؛ أنشد أبو بكر ابن دريد، عن عبد الرحمان، عن عمه، عبد
الملك الأصمعي لرجل من العرب:
كَأَنَّ بَقَايَا الليل في أخريَاته ... مُلاَءٌ تُنَقَّى من طَيَالِسَةٍ خُضْرِ
تَخَالُ بَقَايَاهُالتي أَسْأَر الدجى ... تَمُدُّ وشيعاً فَوْقَ أَرْدِيةِ الفَجْرِ
شبهها بالوشيع، لما تراءى في خلاله، من خيوط بياض وسواد
قال: وَلِهَذَيْنِ البَيْتَيْن، خبرٌ عجيب، ونبأٌ غريب، يَجْنَحُ لسماعه كل أديب. ويُستَحْسَن موقعه في
القلوب. حكاه أبو علي البغدادي عن أبي بكر بن دريد، عن أبي حاتم، وعبد الرحمان، ابني أخي
الأصمعي عن الأصمعي.
قال: نزلت بقوم من غَنِيٍّ مجتورين، هم وقبائل من بني عامر بن صعصعة فحضرتُ ناديا لهم،
وفيهم شيخ طويل الصمت، عالم بالشعر وأيام الناس. يجتمع إليه فتيانهم، ينشدونه أشعارهم. فإذا سمع
الشعر الجيد، قرع الأرض قرعة، بمحجن في يده، فَيَنْفذُ حكمهُ على من حضر، بِبَكْرٍ للمنشد. وإذا
سمع ما لا يعجبه، قرع رأسه بمحجنه، فينفذ حكمه عليه، بشاة، إن كان ذا غنم، وابن مخاض، إن كان
ذا إبل فإذا أُخِذَ ذلك، ذبح لأهل النَّادي.
فحضرتهم
(2/568)

يوماً، والشيخ جالس بينهم. فأنشده بعضهم بيتين في وصف قطاة:
غَدَتْ في رَعِيلٍ ذي أَدَاوَى مَنُوطَةٍ ... بِلَبَّاتِها مدبوغَةٍ لَمْ تُمرَّخِ
إِذَا سَرْبَخ عَطَّتْ مَجَالَ سَرَاته ... تَمَطَّتْ فَحَطَّت بين أَرْجَاءِ سَرْبَخ
فقرع الأرض: بمحجنه وهو لا يتكلم، ثم أنشده آخر في وصف ليلة:
كأن شميطَ الصُّبح في أخرياتها
مُلاء ...........
البيتين المذكورين.
قال: فقام الشيخ كالمجنون، مصْلتا سيفه حتى خالط البرْكَ، فجعل يضرب يمينا وشمالا وهو يقول:
لاِ تُفْرِغَنْ في أذُنَيَّ بَعْدَها ... مَا يَسْتَفِزُّ فَأُريكَ فَقْدَها
إنِّي إذا السيف تولى ندَّها ... لا أستطيع بعد ذاك رَدَّها
وهو معنى مشهور. وفي الأشعار منه كثير.
وأرى أبا جعفر التطيلي إليه أومأ، وعليه نبَّه، وبه أنبأ، حيث يقول:
كمْ لَيْلَةٍ جُبْتُ مَثنى طُولها بفَتىً ... شَتَّى التََّسَالك بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّررِ
حَتىَّ بدَا ذَنَبُ السِّرحان لِي وَلها ... كَأنَّمَا هُو زَنْدٌ بالصَّباحِ يرِِِي
(2/569)

وفي قوله أيضا، من قطعة، هي ثابثة في مكانها من هذا الكتاب:
وَالصُّبْحُ يَقْدَحُ فِي الظَّلْمَاءِ نَائِرَةً ... كَأَنَّهَا نَفْثَةُ المَصْدُور عَن حَنقِ
والشَّرْقُ يَفْهَقُ وَالآفاقُ وَارِدَةٌ ... وَأَنْجُمُ اللَّيْلِ قَدْ أَيْقَنَّ بِالبَلقِِ
وقد أخذ الوزير الأجل أبو عمرو بن غياث شيخنا بيت تميم: وانظر الى الليل كالزنجي البيت، فقال
من قصيدة له طويلة:
يَا سَارياً ملَّ السُّرى الكَوْكبُ ... وَأَنْتَ تَسْرِي كَمْ وَكَمْ تدْأَبُ
كَأَنْ لَمْ تُبْصِرْ كُمَيْتَ الدُّجى ... يَرْهَقُهُ مِنْ صُبْحهِ أَشهَبُ
وَمِنْ قَوْلِي فيهِ من قَصِِيدَةٍ فِي التغزل:
كَمْ لَيْلَةٍ بِتُّها حَرَّانَ مُكْتَرثاً ... رَهْنَ الأَسى وَظَلامُ اللَّيلِ معْتَكرُ
ما بين ضدَّين من نارٍ مُؤجَّجةٍ ... ودمعُ عَيْني بماءِ الشوقِ يَنْهمرُ
ما بين خدين لا والله ما اجتمعا ... إلاَّ لأمر كبار ليس يُحْتَقَرُ
حتى رأيت كُمَيْتَ الليل منهزماً ... وأَشهبَ الصبح قد وافى به السَّحَرُ
وفيما أثبتُ منه كفاية، وَمَنِ الَّذي في وُسْعهِ أن يُحيِط بالغاية؟
والأستاذ ابو محمد بن السيد رحمه الله في أدباء (الأندلس) وأعْلامِها مشهور؛ وله من النحو والأدب
حظ موفور. وكان منفردا في فهمه ونُبْلُه؛ ومعروفا بالصحة في حكايته ونقله وله (شروحات)
وتواليف دلَّت على ذكائه، وبراعته، وتهذيبه، وفصاحته: منها كتابه على (أدب الكتاب) المسمى
بكتاب (الاقتضاب) وشرحه
(2/570)

(لسقط الزند) للمعري، جوَّد فيه وأتقن، وبالغ في الإيضاح وأحسن. وبلغ
في (المثلث) الغاية؛ بل زاد علي النهاية. الى رقة الطبع والمنزع؛ وحلاوة المعاني والمشرع. سريع
الارتجال؛ مليح الوصف لأهل الحسن والجمال. وله في التغزل مُعَشَّرات، أحسن إيات من الشمس،
وأجرى من النَّفْسِ في النَّفَسِ. عارض فيها أبا الحسن الحصري فما قصر عنه، وان لم يكن ساواهُ،
فلقد دنا في الإبداع منه.
مولده سنة أربع وأربعين وأربع مائة. وتوفي ببلنسية في رجب الفرد سنة إحدى وعشرين وخمس
مائة. رحمة الله عليه وبركاته. ذكر مولده ووفاته ابن الصيرفي في تاريخه وحكى أنه حضر مع ابن
ذي النون، المتسمى من الألقاب السلطانية بالقادر بالله رئيس طليطلة. أحيا الله بنور الإيمان رمقها
ووسمها، وأعاد
(2/571)

في ديوان المسلمين رسمها، مجلس أنس في (المنية) المتناهية في البهاء والإشراق،
الجامعة لمحاسن (اليمن) و (العراق) التي تتفجر أبدا وتقطر، وتكاد من الغضارة تمطر، والقادر بالله
قد التحف بالوقار، وَارتداَه، وحكم العقار في جوده ونداه، والدولاب يئن كناقة اثر الحُوار، أو كَثكْلى
مِنْ حَرِّ الأُوار، والمجلسُ قد راق في أعين الناظرين، ونغماتُ العود والقيان تَنْحَرُ السَّامعين، فكأنه
لحُسْنِهِ الشمس في الحَمَلِ، وأَهله قَد ابتهجوا بِنَيْلِ الأَمل، والجَوُّ قد عنبرته أنواره، والروضُ قد ذهبته
أنداؤه. والأسْدُ قد فغرت أَفْوَاهَهَا، ومجَّتْ أََمْوَاهَهَا. فقال: أبو محمد مرتجلا:
يا منظراً إِنْ رَمَقْتُ بَهْجَتَهُ ... أَذْكَرَنيِ حُسْنَ جنَّةِ الخلْدِ
تُرْبَةُ مسكٍ وَجَوُّ عَنْبرَةٍ ... وَغَيْمُ ندٍّ وطشُّ ما وردِ
وَالماءُ كاللاَّزَوَرد قد نُظِمَتْ ... فيِه اللآلي فواغِرَ الأُسدِ
كَأَنما جَائِلُ الحبابِ بِهِ ... يَلعَبُ في حافَتَيْهِ بالنرْدِ
تراهُ يُزْهَى إِذا يَحِلُّ به ال ... قادرُ زَهْوَ الفتاةِ بالعقدِ
تَخَالُهُ إَنْ بَدا لِناظِرِهِ ... بَدْراً بداَ فِي مطالع السَّعْدِ
كأَنَّما أُلبِسَتْ حَدائِقُه ... ما حَازَ مِنْ شيمَةٍ وَمِنْ مجدِ
كَأنّمَا جادَها فَرَوَّضهاَ ... بنائلٍ من يمينه رغْدِ
الرَّغْْدُ، النَّفْعُ الواسِعُ الكثير، الذي ليس فيه تعب ولا عناء.
(2/572)

وقال أبو بكر ابن دريد الرَّغْد: السعة في العيش والمرعى.
يقال: عَيْشٌ راغِدٌ، وَرَغْدٌ وَرَغيِد.
وقالَ صَاحبُ العين عَيْشٌ رَغَدٌ رَغيِدٌ: رَفيِهٌ.
وقال أبو عبيدة: الرَّغْدُ، الكَثيرُ الذي يقيك من ماء، أو عيش، أوكلاء، أو مال. يقال: قد أرْغدَ فلان،
اذا أصاب عيشا واسعاً.
وأرغد الرجل ماشيته، إذا تركها وَسوَْمَهَا فى المرعى. والرَّغِيدَة، الزُّبْدَةُ فى بعض اللغات.
وقال الأعشى يصف نيل مصر، بالرَّغَد والكثرة:
زبِداً بِمِصْرٍ يَوْمَ يَسْقيِ أَهْلَهَا ... رَغْداً تُفَجِّرُهُ النَّبيطُ خِلاَلَهَا
وقال الله سبحانه (وكُلاَ منها رَغَداً حيث شئتما).
قرأ النخعي، ويحي بن وثاب، رغدا، بإسكان الغين، وفتحها الجمهور من القراء. وهي اللغة
المستعملة الفصيحة. ويقال: قوم رَغَدٌ، ونساء رَغَدٌ.
وحكى بعض الرواة: أن المعتمد بن عباد اختص ذات يوم، بجواريه
(2/573)

وكرائمه، وشرب حتى أخذت منه الحميّا ثارها؛ وأبدت له الاماني اسفارها. فمشت بين يديه جارية، من تلك الجواري؛ وهي
كالشمس تحلت بالدراري، وعليها غلالة، لا تُخفي نضرة جسمها، وقد أسلبت ذوائب، يخفى ضوء
الشمس في مدلهمها. فسكب المعتمد عليها إناء ماء وَرْد، كان بين يديه. فامتزج الدَّلُّ ليناً واسْتِرْسَالاً؛
وتشاكل طيبا وجمالا. فأدركت المعتمد أريحيةُ الطرب؛ ومالت به راح الأدب فقال:
وَهَوِيتُ سَالِبَةَ النُّفُوسِ غَرِيرَةً ... تَخْتَالُ بين أسنّةٍ وبَوَاتِر
ثم تعذر عليه المقال؛ أو شغلته عنه تلك الحال. فأمر بعض الخدم، أن يسير إلى النَّحْلي، ويأمره
بإجازة البيت. فلما بلغ الرسول إلى النحلي، وأعلمه بالحال، وأضاف إلى البيت من حينه:
راقَتْ مَحَاسِنُهَا ورَقَّ أَدِيمُها ... فَتكَادُ تُبْصِرُ بَاطِناً من ظَاهرِ
وتَمَايلَتْ كالغُصْنِ هَزَّتْهُ الصَّبا ... والتَفَّ في وَرَقِ الشَّبَابِ الناضِر
يَنْدَى بِمَاء الوَرْدِ مُسْبِلُ شَعْرِهَا ... كالطلِّ يَسْقُطُ من جَنَاحِ الطَّائرِ
(2/574)

تَزْهَى بِروْنَقِهَا وحسنِ جَمَالها ... زَهْوَ المؤيَّد بالثَّنَاء العَاطرِ
مَلِكٌ تضَاءلَتِ المُلوكُ لقدْرهِ ... وَعَنَا لهُ صَرْفُ الزَّمَانِ الجَائرِ
وإذا لَمَحْتَ جَبِينَهُ وَيَمِينَهُ ... أَبْصَرْتَ بَدْراً فَوْقَ بحرٍ زَاخرِ
فلما وصلت الأبيات الى المعتمد ولمحها، استغربها واستملحها. وتعجب من موافقة الغرض،
واستعذاره. وأمر في الحين بإحضَارِه. فلما وصل إليه، قال له: أصبتَ وأحسنت. أَوَ معَنا كنت؟ فقال
له النحلي: يا قاتل المحْل أو ما تلوت (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ). فزاد المعتمد هذا الجواب عجبا؛ واهتز له استغرابا وتعجبا.
وقرَّبَ النحلي وأدناه، ووهب له من المال ما أرضاه به، وأغناه.
وحكى الفقيه الكاتب، أبو محمد بن عبدون، أنه ساير المتوكل على الله أبا المظفر بن الأفطس إلى
مدينة (شنترين)، أعاد الله للمسلمين مُلْكها؛ وزين
(2/575)

بنور الإيمان سِلْكَها؛ وطهر بالهدى رِجْسَهَا وإِفْكَهَا
وهي عَلَى ضفة نهر، استدار بها استدارة القُلْبِ بالسَّاعِدِ؛ فحكت واسطة عقد، على نَحْرِ كَاعِبٍ نَاهِد.
قد أطلت على خَمَائِلِها إطلال العروس من منصتها، واقتطعت في الجو أكثر من خصتها. ولها جَنَابٌ
خَصيب، يروق منه مرأى عجيب. فمروا بقصر يلبش، وقد سالت جداولُه، واخْتالت خَمَائلُه. فما
تجول به العينُ إلا في مدينة غشاء، أو بقعة أنيقة زهراء. فتلقاهم الأديب أبوزيد بن مقانا، قاضي
حضرته. فأنزلهم، وأوْرى بالمبَرَّة زنده لهم، وقدم لهم طعاما، واعتقد قبوله منه، منّاً عليه وإنعاما.
فطعموا، وقَعَدَ القاضي بباب المجلس رقيبا لا يبرح، وعين المتوكل حياء منه لا تجول ولا تَمْرح.
فخرج أبو محمد، وقد أضرمه بتثقيله، وحرمه راحة رواحه ومقيله، فلقي ابن خيرون منتظرا له، وقد
أعد لحلولهم منزله، فصار معه أبو محمد إلى مجلس، قد ابتسمت ثُغُورُ نُوَاره، وخَجِلَت خُدُودُ وَرْدِه
من زوَّارِه. وأبدتْ صُدُور أباريقِه أسرَارَها، وضمت عليه المجالس أزرارها. وحين حضروقت
الأنس وحينه، وتأرَّجتأزْهَارُه ورياحينه، وجه مَن يَرْقُب المتوكل حين يقوم جليسه، ويَزولُ موحِشُه لا
أَنِيسُهُ. فأقام الرسول، والقاضي بمكانه لا
(2/576)

يَرِيمُهُ، قد لازَمَهُ كَأَنَّهُ غَريمُهُ. فما انفصل، حتى ظن أن
عارِضَ الليل قد نَصَل. فلما علم أبو محمد بانفصال القاضي عن المتوكل، وقد أضَرَّ به من شدَّة
التثقل، بعث إليه قطيع خَمْر، وطبق وَرْد، وكتب إليه:
إليكَهَا فَاجْتَلِهَا مُنيرَةً ... وقَد خَبَا حتّى الشِّهَابُ الثَّاقِبُ
وَاقِفَةً بالبابِ لَمْ يُؤْذَنْ لَها ... إلاَّ وَقَدْ كَادَ يَنامُ الحَاجبُُ
فَبَعْضُها من المَخَاف جَامدٌ ... وَبَعْضُهَا من الحَيَاءِ ذَائبُ
فلما رآها المتوكل، وضعها أمامه، وكتب إلى أبي محمد ببيتين هما:
قَد وَصَلَتْ تِلْكَ التي زَفَفْتَهَا ... بِكْراً وَقَدْ شَابَتْ بِهَا ذَوائبُ
فَهُبََّّ حتى نستَردَّ ذَاهِبا ... من يَوْمِنَا إن استُردَّ ذَاهبُ
فصار إليه أبو محمد، ونقل ما كان في المجلس، فوضع بين يدي المتوكل، وباتا ليلتهما، لا يَريمَان
السَّهَر؛ ولا يشيمَان برقا إلا الكأس والوَتَر.
قال واصطبح المعتمد في بعض أيام مُلْكه، وسعدُه مستقيم على فلكه، والدهر من خُدَّامه، والنصر
مُلازِمٌ لأعلامه والأرضُ قد نَشَرَت مُلاَءَها؛ وَسَحَبَتْ رِدَاءَها وَجَرَّتْ فوقها ذُيُولَ السَّحَابِ؛ فاكتَسَتْ
أحْسَن جِلْبَاب. واهتَزَّ الرَّوْض لتغريد حَمَامه؛ وبرز الوردُ من كِمَامه، والأشجارُ قد نشرت شعرها؛
(2/577)

والاماني قد أماطت عُبُوسها، وأبدت بشرها، وهو إذ ذاك في قصره الذي طويل الوصف فيه قصير،
والواصف دون بلوغ مداه حسير.
فدخل عليه ابنه الرشيد فأمره بإحضار أَهْلِ أُنْسِه، المختصين بمشاهدة مَجْلِسِه؛ من الوزراء الكِرام،
والكتاب، والأدباء المشاهير الأعْلام، ممن اشتهر بالذكاء والفَصَاحَة، وسُمِّيَ بالجزالة والرَّجاحة، فلما
كَمُلَ أُنْسُ المَجلس ورَاقَ، وقام السُّرُور به على سَاق. قال لهم المعتمد: قلت البارحة بيت شعر وهو:
بعثنا بالغَزَال إلى الغَزَالِ ... وبالشمسِ المنيرةِ لِلْهِلاَلِ
وأحبّ أن يذَيّل عليه. وذلك أنه، كان قد أمر بصناعة غَزَالَيْن من ذهب، فصنعا معا من سبع مائة
مثقال خالصة. فأهدى أحدهما إلى ابنه الرشيد. والآخر إلى الحرة المصونة ابنة ابن مجاهد. وقال
البيت المذكور. فذيله الأديب أبو القاسم بن مَرْزُقان فقال:
فَذَا سَكَني أُسَكِّنُهُ فؤادي ... وذا َنجْلي أقَلِّدُهُ المَعَالي
(2/578)

شَغَلْتُ بذَا وذا خَلَدي ونفسي ... ولكني بذَاكَ رَخيُّ بالِ
دَفَعْتُ إلى يدَيه زمام مُلكي ... مُحَلَّى بالصَّوَارِمِ والعَوَالي
فَقَامَ يُقرُّعَيْنِي في مَضاءٍ ... ويَسْلُكُ مَسْلَكِي في كُلِّ حال
فَدُمتَ للعَلاء ودَامَ فينَا ... فَإنّا للكفَاح وللنزال
فَسُرَّ المعتمد بهذا القول واستحسنه، وقرب أبا القاسم من نواله ومكنه، واستغرب إصابته الغرض،
وأثبت له راتباً جَزْلاً وَفَرْض وأَمَرَه ألا يغيب عن مجلسه؛ وأدناه زيادة على ما كان في يومه وأمسه.
قوله: (فذا سَكَني) قال أبو بكربن دريد السَّكَنُ، صَاحِبُكَ الذي تَسْكُن إليه. فقال: فلان سَكَني وقال الله
تبارك وتعالى: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) أي تسكن فيه الحركات. والسكَنُ أيضا، الرَّحْمَة والبركة، قال الله تعالى وجلّ (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف بن هشام في اختياره، وحفص عن عاصم بالتوحيد،
(2/579)

وقرأ سائر القراء بالجمع لأنها صلوات جماعة. والإفراد لأنه مصدر يقع على القليل والكثير. وقد وافق حمزة والكسائي
وحفصا عن التوحيد، جماعة من غير السبعة، منهم الأعمش وحُمَيْد وابن وثاب.
والتّوحيد اختيار أبي عبيد. وقال: الصلاة بالتوحيد عندي، أكثر من الصلوات. ألا تسمع قول الله
تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) للصلوات، لا يتكلم بها إلا على العدد، كقولك: ثلاث صلوات، وأربع وخمس.
وقال صاحب العين سَكَنَ يَسْكُنُ سُكُوناً، إذا ذهبت حركته. ويقال: سَكَنَتِ الرِّيح، وَسَكَنَ المَطَر،
وسَكَنَ الغَضَب وسَكَنَ في معنى سَكَتَ. وهو المستعمل في أشياء كثيرة وفي كتاب الله تعالى (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ)، أي
سَكَنَ. شبّه سُكُوت الغضب، بسكوت الناطق، من حيث كان ثُؤْرُهُ، كالناطق، وسُكُونُه كالسُّكُوتِ، وقيل
هو من المقلوب. والمعنى ولما سكت موسى عن الغضب فهو كقولهم: أدخلت القلنسوة في رأسي
والسَّكْن بسكون الكاف، هو العيال، وهم أهل البيت، ومنه قول الشاعر:
لَيْسَ بِأَسْفَى ولا أَقْنَى ولا سَعَلٍ ... يُسْقَى دَوَاءَ قَفِيِّ السَّكْنِ مَرْبُوبِ
(2/580)

والسَّكَن أيضا المنزل، والسَّكْن السُّكانُ، والسَّكينة الوداعة والوقار. يقال: فلان ساكن هاديء وقور
وفي حديث أبي هريرة فيما روى محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه، إذا ثُوِّبَ بالصلاة، فلا تأتوها
وأنتم تسعون، واتوها وعليكم السكينة. أي: الوقار. فهي فعيلة، من السكون الذي يراد به الوقار، لا
السكون الذي هو ضد الحركة.
فأما قوله تعالى: (أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) فاختلف أهل العلم فيه. فقال علي رضي الله عنه: السَّكِينَةُ رِيحٌ هَفَّافَةٌ، لها وجه
كوجه الانسان رواه سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الاحوص عن علي.
(2/581)

والهفافة السَّرِيعَةُ المَرِّ، يقال: هَفَّتْ، تَهِفُّ، هفيفا.
ومنه قول ذي الرمة:
إِذَا مَا نَعِسْنَا نَعْسَةً قُلْتُ غَنِّنَا ... بِخَرْقَاءَ وارْفَع من هَفِيفِ الرَّواحِلِ
وقال مجاهد: لها رَأْسٌ وذَنَبٌ، كرأس الهرِّ وَذَنَبِه. وكذا قال ابن عباس، إلا أنه قال: لها عينان، لهما
شعاع، اذا الْتقى الجمعان، أخرجت رأسها، ونظرت إليهم، فينهزم الجيش من الرعب، وعنه أنه قال:
هي طَسْتٌ من ذَهَب، كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء.
قوله: (هي طَسْتٌ) فالطَّسُّ مؤنثة أعجمية معربة. يقال: الطَّسُّ، والطَّسْتُ، والطَّسَّة بفتح الطاء،
والطِّسَّة بكسرها
وتصغيرها طُسَيْسَة والجميع طِسَاسُ، وَطَسَّاة ٌ، وَطُسُوسٌ، وطُسُوتٌ أيضا، وطسيسٌ. وهو من الجمع
الشاذ، مثل كلب وكليب، وفحل وفحيل.
وقال وهب هي روح من الله، يكلمهم، اذا اختلفوا في شىء بيَّنه لهم. الضحاك: هي الرَّحمة. عطاء:
هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها.
(2/582)

وقال الحسن كانت سكينة بني إسرائيل، ما في التابوت من ميراث الأنبياء، وكان فيه عصا موسى،
وعمامة هارون الصفراء، ورصاص اللوحين اللذين رفعا. جعل الله لهم ذلك سكينة. لا يفرون عنه
أبدأ، وتطمئن قلوبهم إليه.
وقال مقاتل في تفسيره: كان في التابوت رأس كرأس الهِّرَّة، إذا صاح كان الظفر لبني اسرائيل.
والسَّكْنُ أيضا: الناروالجميع الإسكان. قال الراجز:
قُوِّمَنْ بالدُّّهْنِ وبالإسكان
والمسكينُ الذى لا شيء له. وربما جعل الناس المسكين في غير موضعه، فيجعلونه الفقير قال أبو
عبيدة وليس كذلك، لأن الفقيرالذي له شىء، والمسكين الذي لا شيء له. وأنشد أبو عبيدة:
أَمَّا الفقير الذي كانت حَلُوبتُهُ
البيت.
(2/583)

فأما قوله تعالى: (أما السَّفينة فكانت لمساَكِين يَعْمَلونَ فيِ البَحْر) فقال أبو حاتم أحسبه أنهم كانوا
شركاء في سفينة لا يملكون سواها فخالف أبا عبيدة.
والمسكنة مصدر فعل المسكين. يقال: تَمَسْكَنَ الرجُل إذا صار مسكينا ووزنه مِفْعِيل. والسُّكَّان، ذَنَبُ
السفينة الذي تعدل به. والسِّكّين، فِعِّيل من قولهم:
ذَبَحْتُ الشيء، حتى سَكَنَ اضطرابه. يذكر ويؤنث وجمعه السَّكاَكين وأصل الباب كله السُّكُون. وهو
ضد الحركة، لأن السكون، والهدوء، والثبوث، نظائر وكذلك الاستقرار والاطمئنان والثبات والمسكن
والمأوى والمثوى نظائر.
وقال الله تبارك وتعالى (يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) أي: اجعلها تأوي فيه، وتسكن إليه. ويقال: اسْكُنْ؛ أي استقر في مكانك،
ولا تتحرك. ويقال: سَكَنَ يَسْكُن سُكُونا، وأَسْكَنَهُ إِسْكَاناً. وسَكَّنَهُ تَسْكِيناً، وسَاكَنَهُ مُسَاكَنَة. وفلان
يَتَمَسْكَنُ لربه.
رجع
وحكى إبراهيم الموصلي قال: جمع الرشيد ذات يوم بين المغنين، فلم يبق أحد من الرؤساءإلا
حَضَر. وكنت فيهم. وحضر معنا أبو صدقة
(2/584)

مسكين المدني، وكان يوقِّع بالقضيب، مطبوعا حاذقا،
طيب العشرة، مَليح النادرة. فاقترح الرشيد حين عمل فيه النَّبيذ، صوتا. فأمر ابن جامع، صاحب
الستَّارة أن يغنيه إياه، ففعل؛ فلم يطرب عليه. ثم فعل ذلك بجماعة ممَّنْ حضر، فلم يحرك منه أحد.
فقال صاحب الستارة لمسكين المدني: يأمرك أمير المومنين، إنْ كُنت تُحسن هذا الصوت تُغَنيِّه. قال
إبراهيم: فاندفع فَغَنَّاه، فَأَمسكنا جَميعا متعَجِّبين، من جرأةِ مِثْله على الغِنَاء بحضرتنا، في صوت، قد
قصرنا فيه، عن مراد الخليفة.
قال إبراهيم: فلما فرغ منه، سمعت الرشيد يقول، وقد رفع صوته: أحسنت - والله يا مسكين -
وأجملت، أَعِدْه! فأعاده بِقُوَّة ونَشَاط، واجتماع قلب، فأحسن فيه كل الإحسان، فقال الرشيد: أحسنت -
والله يا مسكين وأجملت. ثم أمر برفع الستارة بيننا وبينه، فقال له مسكين: ياأمير المومنين، إن لهذا
الصوت خبرا عجيبا. قال: وما هو؟ قال: كنت عبدا خياطا لبعض آل الزبير، وكانت لمولاي عليَّ
ضريبة أدفع إليه كل يوم درهمين، فإذا فرغت من ضريبتي، تصرفت في حوائجي وكنت مولعا
بالغناء، ومحبا له. فخِطتُ يوما قميصا لبعض الطالبيين، فدفع إلي درهمين، وتغذيت عنده، وسقاني
أقداحا،
(2/585)

فخرجت، وأنا فرحان جذلان.
فلقيتني سوداء، على عاتقها جرة، وهي تغني هذا الصوت؛ فأذهلتني عن كل مهم، وأنساني ما
سمعت منها كل حاجة. فقلت لها: بحق صاحب القبر، أَلاَ أَلْقَيْتِ عَلَيَّ هذا الصَّوت. فقالت: وحقِّ
صاحب القبر، لاَ أَلْقَيْتُهُ عليك، إلا بدرهمين. فأخرجت - والله يا أمير المومنين - الدرهمين اللذين
أعددتهما للضريبة، ودفعتهما إليها فحدَّرَت الجَرَّة عن عاتقها، وقعدت تُوَقِّع عليها، واندفعت تغنيه. فما
زالت تردده عليّ، حتى كتب في صدري. وانصرفت إلى مولاي؛ فلما رآني، قال: هَلُم خراجك
فقلت: كان وكان. فقال يا ابن اللخناء ألم أتقدم إليك، إني لا أقبل لك عذرا، في حبة تكسرها، ثم
بَطَحَني، فضربني خمسين جريدة، بأشد ضرب يكون. وحلق رأسي، ولحيتي. فبت - يا أمير
المومنين - أسوء خلق الله حالا. وأنسيت الصوت، من حرارة ما نالني من الضرب. فلم يكن شيء،
هو أشد عليّ من نسيان الصوت فلما أصبحت، غطيت رأسي، وأخذت جَلَمي في كمي، ومضيت نحو
الموضع الذي لقيت فيه السوداء. فبقيت كالمتحيِّر، لا أعرف لها إسما، ولا منزلا، فلم أبرح على تلك
الحال، حتى بصرتُ بها مقبلة؛ فأنسيت كل ما نالني عند رؤيتها، وملت إليها، فقالت: أنسيت، ورب
الكعبة، الصوت. فقلت لها: الأمر كما ظننت. وعرفتها ما اتفق
(2/586)

لي، وما كان من حلق رأسي،
ولحيتي، بعد ضربي. وقلت: أرعى في الأجر وردديه علي فقالت: وحق القبر، ومن فيه، لارددته
عليك الا بدرهمين، فأخذت جَلَمي، فرهنته على درهمين، دفعتهما إليها. فحدرت الجرة عن رأسها،
وفعلت كما فعلت بالأمس، واندفعت تغني؛ فَسَاعة مَرَّت في الصوت، قلت لها: رُدِّي عليّ الدرهمين،
لا حاجة بي في غنائك.
فقالت: والله، لا تراهما، ولا تطمع في ردهما إليك أبدا ثم قالت: كأني بك، وقد أخذت مكان الأربعة
دراهم، أربعة آلاف دينار من الخليفة. ثم جعلت تغنيه، وتوقع على جرتها، وتردده عليّ، حتى رسخ
في قلبي ثم مضت عني، وانصرفت إلى مولاي حَذِراً، وَجِلاً منه. فلما رآني، قال: هلم خراجك،
فلويته لساني، فقال: يا ابن اللخناء! ألم يكفك ما مر عليك في أمسك؟ فقلت: أصدقك ولا أكذبك. إني
اشتريت بخراجي، أمس واليوم، هذا الصوت، ثم اندفعت أغني، فقال لي: ويحك معك مثل هذا
الصوت، منذ يومين، ولم تعلمني، امرأته طالق، لو كان يملك شيئا سواك لأعتقتك وأما حلق الرأس
واللحية فلا حيلة لي فيهما، وأما خراجك، فقد وهبه الله لك إلى أن ينبت شعرك. قال: واستضحك
الرشيد، وقال له: ما أدري أيها أحسن، أحديثك أم غناؤك؟ وقد أمرت لك بما حكمت به السوداء. ولم
يبرح من مجلسه، حتى قبض الأربعة آلاف دينار.
قال: وكان الشعر المذكور:
(2/587)

قف بالمنازل ساعة فتأمل ... هل بالديار لزائر من منزل
مَا بالدِّيار منَ البِلَى وَلَقَد أرى ... أن سوف يحملني البِلى في مَحْمَلِ
وحكى بعض الوزراء بإشبيلية، قال: خرج المعتمد في بعض الأيام، يريد (لورقة) ليتطلع على
أحوالها، ويتفقد جميع أعمالها. فاشتد وجده بمن كان يهوى، وتحقق أنه على البعد ليس يقوى. وألم به
شغفه وهيامه، وغلب على قلبه غرامه فوصل (لورقة) ليلا، واستدعى القائد أبا عيسى بن اليَسَع في
ساعة لم يخف فيها زائر من مراقب، ولم يبد في الأفق غير نجم ثاقب فَريعَ القائد أبو عيسى لذلك،
وجَزِعَ جَزَعاً شديدا هنالك، حتى ودع من تَخَلَّف؛ وَأَوصى بِمَا خَلَّف، وسار إلى المعتمد فوصل، وما
للأمن إلى قلبه وُصول، وهو يتخيل أن الجوّ صَارمٌ وَنُصُول. فلما مَثُلَ بين يديه، وسَلَّم عليه، قرَّبَه
المعتمد وآنسه، وسكَّن رعبه وتوَجُّسَه،
(2/588)

وأخذا في الحديث ساعة. وليس للمعتمد في كتمان حاله استطاعة
فقال للقائد: خرجت من (اشبيلية)؛ فحدث في النفس غرام طوته ضلوعي؛ وكفكفت به غَرْب دموعي
بفتاة هي الشمس، أو كالشمس إخالها: لا يجول قُلْبُها ولا خلخالها. وفيها أقول عند وداعها، يوم تفطر
كبدي وانصداعها:
ولما التقينا للوداع غديةً ... وَقَدْ خَفَقَتْ في ساحة القصر راياتُ
بكينا معاًً حتى كأن عيوننا ... بِجَرْي الدموع الحُمرمنها جِراحاتُ
وقد زارتني هذه الليلة في مضجعي؛ وأبرأتني من توجعي وأمكنتني من عناقها، وبردت كبدي من
إحراقها لما سقتني سلسال رُضابها ومتعتني من دلالها وخضابها. فقلت:
أبَاحَ لَطيفي طَيْفُها الخَدَّ والنَّهْدَا ... فعض بها تفاحةً وجنى وردا
ولو قدرت زارت على حال يَقْظةٍ ... ولكنْ حِجَابُ البَيْنِ ما بيْنَنَا مدَّا
أَمَا وَجَدَتْ عَنَّا الشُّجُون ُمُعَرَّجا ... وَلاَ وَجَدَتْ منا خَطوبُ النَّوَى بُدَّا
(2/589)

سقى اللهُ صَوْبَ القطر أُمَّ عُبَيْدة ... كَمَا قد سَقَتْ قَلْبِي على حَرِّهِ بَرَدَا
هي الظَّبْيُ جيداً والغَزَالَةُ مَنظَراً ... وَرَوْضُ الرُّبَا عَرْفاً وغُصْنُ النَّقا قَدَّا
فأكثر القائد استعادتها، وكرر استجادتها؛ فأمر له المعتمد بخمس مائة مثقال، وولاه (لورقة) من حينه.
قال أبو إسحاق:
أجاد المعتمد في قوله وانطبع، وأحسن ما شاء وإن لم يكن اخترع، وشكر للطيف حين زاره ما صنع
وقوله: برّدت كبدي. فيه لغتان: بَرَّدْتُ بالتشديد، وبَرَدْتُ بالتخفيف.
وينشد قول الراجز:
قد علِمَتْ أنِّي مُرَوِّي هَامِهَا ... وبارد الغَليل منْ أُوَامِها
إذا عقدتُ الدَّلْوَفي خِطَامِهَا
خِطَامُها: رشاؤها.
وأنشد أبو زيد:
(2/590)

قد وَرَدَتْ من بحر ذِي عَدوق ... خَوامِصاً جاءتْ من العَقِيقِ
ترتشفُ الماء ارتِشَافَ الريقِ ... كأنما يَبْرَدْنَ بالغَبوقِ
قال هذا قاسم في (الدلائل). وحكى عن الحسين، عن أحمد بن يحيى عن ابن الاعرابي. قال: تقول
العرب: وَسْقني وَأَبْرِد.
ومعناه: ايتني به باردا. وأسقني وأَبْرِدْ غليلي. قال: وزعم بعض أهل العربية أنك تقول: برَّدت
الماء: من الإِبْراد، وبرَّدته من الإسخان وقال: هو من الأضداد. وكان ينشد في ذلك بيتا يغلط فيه:
عابت الماء في الشتاء فَقُلْنَا ... بَرِّديهِ تُصَادِفِيهِ سَخِينَا
وإنما هو: بَلْ رُدِّيهِ فأدغم اللام في الراء كما يقرأ (بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
قال: وفي الحديث، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما فتح (خيبر)، وهي مخضرة من الفواكه؛
فواقع الناس للفاكهة؛ فمغثتهم الحمى، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أيها
الناس إن الحمى رائد الموت، وسِجْنُ الله في الأرض. فبرِّدوا لها الماء في الشِّنانِ؛ ثم صبوه عليكم
فيما بين الصلاتين".
(2/591)

قال: يعني المغرب والعشاء الآخرة: قال: ففعلوا فذهبت عنهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن الَّله لم يخلق وعاءً مُليءَ شراً من بطن، فإن كان لا بدّ فاجعلوا ثُلُثاً للطعام وثلثاً للشراب وثلثاً
للريح". وكذلك الحديث الآخر في الحمّى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرنا أن نُبْرِدَها
بالماء. وأن نُبَرِّدهَا. والرجلُ مُبَرَّدٌ وبارِد. والأَبْرَدان: الغَدَاةُ والعَشِيُّ. والأبردان أيضا: الظِّلُّ والفَيْءُ،
سُمِّيَا بذلك لِبَرْدِهِمَا، وطيب الهَوَاءِ فيهما. ويقال لهما أيضا: البَرْدَان.
فأما الحديث المروي عن أبي هريرة في (الموطأ)، وغيره: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:
"إذا اشتدَّ الحرُّ، فَأَبْرِدوا عن الصلاة، فإنَّ شِدَّة الحرّ من فَيْح جَهَنَّمَ" فليس من بَرْدَي النّهار اللذين هما
الغداة والعشى، ولا من بَرْدَي الظِّلِّ وَالفَيْء. وإنما الإِبراد في هذا الحديث يراد به انكسار وَهَج
الشمس بعد الزوال. وسمي ذلك إبْرَادا، لأنه بالإضافة، إلى حر الهاجرة بَرْدٌ. قاله أهل العلم: أبو
سليمان وغيره.
وحكى عن محمد بن كعب القُرظي أنه قال في قوله: "أَبْرِدُوا بالصَّلاة" قال: كلام العرب، إذا كان
القوم في سفر، فزالت
(2/592)

الشمس، وهبت الأرواح، تنادوا: أَبْرَدْتُمْ، أَبْرَدْتُمْ بالرواح. وكان يعد إِبْراداً حين
تزول الشمس وقول المعتمد في صفة الجارية: لا يجول قُلْبُهَا ولا خلخالها فالقُلْبُ بضم القاف هو
السِّوارُ. قال فيه الشاعر، وهو خالد بن يزيد بن معاوية من أبيات له:
تَجُولُ خَلاَخيل النِّساءِ وَلاَ أَرى ... لِرَمْلَةَ خَلْخاَلاً يَجُولُ وَلاَ قُلْبَا
وبعده:
فَلاَ تُكْثِروا فيهَا المَلاَمَ فَإِنَّنِي ... تَخَيَّرْتُهَا مِنْهُم زُبَيْرِيَّةً قَلبا
أُحِبُّ بني العَوَّامِ طُراً لِحُبِّها ... وَمن أَجْلِهَا أَحْبَبْتُ أَحْوَالَهَا كَلْبا
إِذَا نَزَلَتْ أَرْضاً تَحَبَّبَ أَهْلُها ... إِلَيْهَا وإِنْ كَانَتْ منازِلُهَا جَدْبا
فَإِنْ تُسْلِمي أُسْلِم وَإِنْ تَتَنصَّرِي ... يُعَلِّقْْ رِجَالٌ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ صُلْبا
ويروى: (أُحِبُّ بني العوام طُرّاً بِحُبِّهَا).
َوقُلْبُ النخلة بالضم أيضا، وهي شطبة بيضاء، تخرج في وسطها، كأنها قُلْب فضة. سميت بذلك،
لبياضها. والجميع قُلُوب.
(2/593)

وقوله في هذه القطعة:
تخيرتُها منهم زبيريَّةً قَلْبَا
هو بفتح القاف. يقال: هو عربيٌّ قَلْبٌ، وعربيةٌ قَلْبٌ.
قال أبو عبيدوَ إِنْ شئتَ قُلْت: عربيةٌ قَلْبَة. وإن شئت ثَنَّيْتَ، وهوالمحض.
قال ابن الاعرابي يقال: إنه لعربيٌّ مَحْضٌ، وَقَلْبٌ، وهو الخالص المحض.
وتجوز التثنية فيها. فإذا جمعت وحَّدْتَ.
وفي حديث علي رضي الله عنه، فيما روى سفيان، عن أبي رزين عنه، أنه كان يقرأ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وكان
قرشياً قَلْباً يعني قرشيا خالصا محضا والذي يراد من هذا الحديث، أن عليا كان يقرأ إياك بالهمز وهو
قرشي، والقرشيون ليس من لغتهم الهمز وفي الحديث، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بأسير
يرعد، فقال: ادْفُوهُ يريد أدفئوه، من الدِّفْء. فَذَهَبُوا بِه، فَقَتَلُوهُ، فوَدَاهُ رسول الله صلى الله
(2/594)

عليه وسلم
قال أبو سليمان: ولو كان يريد معنى القتل، لقال دافوه، أو دافّوه، بالتثقيل. يقال: َدافَيْتُ الأسير،
وِداففته، إذا أجهزتَ عليه. ويقال: دافوه بالتخفيف لغة جُهَيْنة.
قال ابو بكر بن دريد ويقال دَأفتُ الأسير بالدال، وذَأفْتُ بالذال معجمة، إذا أجهزت عليه.
وقرأ أبو سوَّار الغنوي "هِيَّاك نَعْبد وهياك نستعين" بالهاء فيهما بدلآ من الهمز. قالوا: وهي لغة قليلة
الإستعمال، وأكثر ما تجيء في الشعر.
أنشد أبو حاتم عن الأخفش:
(2/595)

فَهِيَّاكَ والأمرُ الذي إن توسَّعَتْ ... مواردُه ضاقت عليه مصاِدرهُ
وأنشد إسماعيل الأسدي، عن يموت بن المزَرِّع البكري البصري.
قال: أنشدتني أم الهيثم القبرية لنفسها:
دَعَوْتُ عِيَاضاً يَوْمَ صَعْدَةَ دَعْوَةً ... وَعَالَيْتُ صَوْتي يَاعِيَاضَ بنَ طَارِق
وقُلْتُ لهُ هِيَاكَ والبُخْلَ إنهُ ... إذَا عُدَّتِ الأَخْلاقُ شَرُّ الخَلاَئقِ
وحكى الحسن بن أبي مهران عن أحمد بن يزيد الحلواني عن عيسى بن مِينَا قَالُون، أنه قال: كان
أهل المدينة لا يهمزون، حتى همز ابن جندب فهمزوا. وابن جندب هو مسلم بن جُنْدَب الهذلي،
القاص، يكنى أبا
(2/596)

عبد الله. أخذ القراءة عرضا عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وسمع ابن عمر
وأسلم مولى عمر. وروى عنه القراءة نافع بن أبي نعيم، وزيد بن أسلم، ويحيى بن سعيد الأنصاري،
وابن أبي ذيب.
قال مالك رحمه الله: جاء رجل إلى سعيد بن المسيب فقال: يا أبا محمد أيُّ الأيام خَيرٌ، فقال: سل
عن ذلك القاضي مسلم بن جندب فذهب فسأله فقال: يوم النحر، ثم رجع إلى سعيد، فأخبره بما قال له
مسلم، فقال سعيد: أعرابي يعظم الدماء. أعظم هذه الأيام يوم الجمعة.
رجع
ونذكر هنا بعض ما قيل في طيف الخيال. إذ الشيء يذكر بالشيء، للشبه والمثال.
قال: أبو القاسم الشريف:
(2/597)

إنَّ طَيْفَ الخَيَالِ زارَ طروقاً ... والمطايا بيْنَ القِنانِ وَشِعْبٍ
زارني واصلاً على غير وعْدٍ ... وانثنى هاجراً على غير ذَنْبِ
كان قلبي إلَيْهِ رائِد عَيْني ... فَعَلى العَيْنِ منه مُنَّةُ قَلْبي
وقال أيضا:
أَلَمَّ خَيَالٌ من أمَيْمةَ طَارقٌ ... وَمِنْ دُونِ مَسْرَاهُ الِّلوَى والأَفَارِقُ
أَلَمَّ بِنَا لَمْ نَدْرِ كيْفَ لمامهُ ... وَقَدْ طَالَ ما عَاقَتْهُ عَنَّا العَوَائقُ
نَعِمْنَا بِهِ حَتَّى كَأَنَّ لقاءَنا ... وَمَا هُوَ إلاَّ غَايَةُ الزُّور صادِقُ
وهذا كقول الطائي الصغير وهو البحتري:
وَيَكْفيكَ منْ حَقٍّ تَخَيُُّلُ بَاطِلٍ ... تَرُدُّ بِهِ نَفْسَ اللَّهيفِ فَتَرْجعُ
وقال الشريف أيضا:
وَسَّدنِي كَفَّهُ وَعَانَقَني ... وَنحْنُ في سَكْرَةٍ من الوَسَن
وبات عِنْدي إلى الصَّبَاحِ وما ... شاع التقاءٌ لَنا وَلم يَبِنِ
خَادَعني ثم عَدَّ خَدْعَته ... بمقلتي مِنَّةً من المِننِ
وقال أبو الحسن التُّهَامِي:
أَهْدَى لَنا طَيفهاُْ نَجْداً وَساكِنهُ ... حتَّى اقْتَنَصْنَا ظِبَاءَ البَدْوِ والحَضر
(2/598)

فَبَاتَ يَجْلُو لَنَا من وَجْهِهَا قَمراً ... من البَرَاقع لولا كُلْفَةُ القَمَر
وَرَاعَها حَرُّ أَنْفَاسي فَقُلْتُ لَها ... هوَايَ نَارٌ وَأَنْفَاسي من الشَّرَرِ
وَزَادَ دُرُّ الثَّناَيَا دَرُّ أَدْمُعِها ... فَالْتَفَّ منتظِمٌ منه بِمُنْتَثِرِ
فَمَا نَكِرْنَا من الطَّيْفِ المُلِمِّ بنَا ... مِمَّنْ هوينَاهُ إلا قِلةَ الخفرِ
فَسرتُ أَعْثُر في ثَوْبِ الدُّجى وَلَها ... والجَوُّ رَوْضٌ وَزُهْرُ الشُّهْبِ كالزَّهَرِ
وللمَجَرَّةِ فوق الأرض مُعْتَرِضٌ ... كَأَنَّهَا حَبَبٌ يَطْفُو على نَهَرِ
وللثّريا ركودٌ فوق أَرْحُلِنَا ... كَأَنَّهَا قِطْعَةٌ من فَرْوَةِ النَّمِرِ
قوله:
أهدى لنا طيفُها نجداً وساكِنَهُ
نَجْدُ: بلد، سمي نجْداً لعلوه عن انخفاض تِهَامَة، وأصل النَّجْد العلوّ. يقال: لكل مرتفع من الأرض؛
نَجْدَة. ورجل نَجْدِيِّ؛ منسوب إلى نَجْد، ورجل نَجْد، بيِّن النجدة، إذا كان جَلْداً قويا. قيل له ذلك.
لاستعلائه على قرنه.
ويقال: اسْتَنْجَدْتُ فلانا، فَأَنْجَدَنِي؛ أي: اسْتَعَنْتُه على خصمي فأعانني.
كما يقال: استرشدته، فأرشدني. قال الشاعر:
إذا استنجدتُهُمْ ودعوتُ بكراً ... لتَنْصُرَني كسرتُ بهم همومي
(2/599)

وقال أبو عبيدة: يقال: نَجَدْتُ الرجل، أَنْجُدُهُ. إذا غَلَبته وَأَنْجَدْتُه إذا أعنته ومنه حديث معاوية أنه
قال: إني لألقى الرجل، أعلم أن في نفسه علي شيئا، فأستثيره، فيثورني بقدر ما يجد في نفسه،
فيوسعني شتما وأوسعه حلما. ثم ألقاه بعد ذلك صديقا، استنجده فينجدني، وأريده، فيقبل إلي.
والنَّجْدُ أيضا، الكَرْبُ والغَمُّ، لِعُلُوِّه على صاحبه.
والنِّجَادُ: مَا عَلاَ على العاتق من حمالة السَّيف. وفي كتاب الله تعالى (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) أي: الطَّريقَين: طريق
الخير، وطريق الشر. سُمِّيِا بذلك، لظهور الإنسان فيهما.
والنَّجْدُ أيضا، ما يزين به البيت، من أنواع البسط والثياب.
يقال: نَجَدْتُ البيت تَنْجِيداً. وقال ذو الرمة:
حتى كَأَنَّ رياضَ القُفِّ أَلْبَسَهَا ... منْ وَشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وَتَنْجِيدُ
والنَّجَّادُ، هو الذي يفرش البيوت، وهو أيضا المُنَجِّد رجع:
وقال أيضا:
وَأَرَادَ الخيال لَثمي فصَيَّرْ ... تُ لِثَامي دُون المَرَاشِفِ سَتْرَا
اصرفي الكَأْسَ من رضابِكِ ... عَنِّي حاشَ للَّهِ أَنْ أُرَشَّف خَمرَا
(2/600)

ولوَ اَنَّ الرُّضَابَ غيرُ مدَامٍ ... لم تكوني في حَالَةِ الصَّحّوِ سَكرَى
وقال أيضا:
عَبَسْنَ مِنْ شَعَرٍ في الرَّأسِ مُبْتَسمٍ ... مَا نَفَّرَ البيضَ مِثْلُ البيضِ في اللَّمَمِ
وقَبَّلَتْني تَوْدِيعا فَقُلْتُ لَها ... كُفِّي فَلَيْسَ ارتِشَافُ الخَمْرِ من شِيَمي
لَوْ لَمْ يَكُنْ رِيقُهَا خَمْراً لمَا انْتَطَقتْ ... بِلُؤْلُؤٍ من حبَابِ الثَّغْرِ مُنْتَظمِ
ولو تيقنت غيرالرَّاحِ في فَمِهَا ... ما كُنْتُ ممَّنْ يَصُدُّ اللَّثْمَ باللَّثمِ
وزَادَ ريقَتَهَا بَرْداً تَحدُّرُها ... على حَصَى بردٍ من ثَغْرِهَا شَبِمِ
والبيت الثاني من هذه القطعة، يشبه قول الرضي:
وقَبَّلْتُهُ فَوْقَ اللِّثَامِ فَقَالَ لي ... هي الخَمْرُ إلاَّ أَنَّهَا بِفِدَام
وقال الإيَادِي علي بن محمد:
طَيْفٌ يَزُورُكَ من حَبيبٍ هَاجرٍ ... أَهْلاً بِهِ وبِطَيْفِهِ من زَائرِ
(2/601)

شَقَّ الدُّجَى وَسَرَى فَأَمْعَنَ في السرَى ... حتَّى أَلَمَّ فَبَاتَ بينَ مَحَاجري
يَحْدو به هَيْفَ القَضِيبِ المَنْثَني ... نَحْوِي وَسَالِفَةَ الغِزَال النَّافِر
للَّهِ دَرُّكَ من خَيَالٍ وَاصلٍ ... أسْرَى فَأَنْصَفَ منْ حَبِيبٍ هَاجرِ
عَلَّلْتُ غُلَّةَ قَلْبٍ صَبٍّ هائِمِ ... وَقَضَيْتُ ذِمَّةَ فَيْضِ دَمْعٍ مَاطِرٍ
وقال أبو الحجاج الرمادي:
لا شُكْرَعندي للحَبيب الهَاجِرِ ... بل كلُّ شكري للخَيَالِ الزَّائر
فكَأنَّمَا يخشى العيونَ نَهَارَه ... فيزورني تحت الظلامِ السَّاترِ
نَوْمي يُريهِ لِنَاظِري فَكَأنهُ ... قبل المَنَامِ قد اختفى في نَاظِري
وقال أبو العباس بن سيد:
إن التي بَخِلَتْ عَلَيَّ بِوَصْلِها ... شُحّاً، وأََغْرَتْنِي بها اللوامُ
بَعِدَتْ فَقَرَّبَهَا التَّذَكُّرُ والكرى ... حتى تساوتْ يَقْظة ومنامُ
فَلِذَاكَ أعْتَقِدُ التَّخَيلَ وصلةً ... والطَّيْفَ، إذْ لا يمكن الإلمامُ
وَلَرُبَّ ممنوعٍ تَضِنُّ به النَّوَى ... فتجُودُ لي بِوِصالهِ الأحلامُ
وقال أبو إسحاق الخفاجي:
(2/602)

يا حبَّذَا والطَّيْفُ ضَيْفٌ طَارقٌ ... طَيْفٌ علَى شَحَطٍ أَجَدَّ مَزَارَا
تَلْوي الشَّمُولُ به قَضيباً رُبَّما ... عَاطَى بِسُوسَانٍ هُنَاكَ عَرَارَا
فَلثَمتُ فيمَا قَد لَثَمتُ عَلاَقَةً ... خَدّاً يَسِيلُ مَعَ العُقارِعُقَارَا
مَا إِنْ دَرَيْتُ وقَدْ نَعِمْتُ بِلَثْمِهِ ... ماذا رَأَيتُ أَجَنَّةً أَمْ نارَا
وقال الأستاذ أبو محمد بن صارة:
وَزَائرَةٍ واللَّيْلُ مُلْقٍ جِرَانه ... أتَاني بِهَا وَجْدِي وَفَرْطُ وَلُوعي
فَبَاتَتْ تُعَاطِيني سُلاَفَ رُضَابِها ... وَبِتُّ أُهَادِيها جُمَانَ دُمُوعِي
فَأَيُّ مَهَاةٍ بِتُّ مُقْتَنِصاً لَها ... وَلَكِنْ بِقَلْبِي في كِنَاسِ ضُلُوعي
وأنشدني بعض الأدباء:
ضَنَّ بالقُرْبِ إذْ أَنَا يَقْظَا ... نُ وَأَعْطَى كَثيرَهُ في المَنامِ
فالتقينا كما اشتَهَيْنا ولا عَيْ ... بَ سِِوى أَنَّ ذَاكَ فِي الأَحلاَمِ
وَإِذَا كَانَتِ الملاَقَاةُ لَيلاً ... فَاللَّيَاليِ خَيْرٌ مِنَ الأَيامِ
وهذا كقول أبي تمام الطائي:
(2/603)

اللياليِ أَحْفىَ بِقَلْبِى إِذاَ ما ... جَرَّحَتْهُ النَّوىَ مِنَ الأَياَم
يا لَهَا لَذَّةً تَنَزَّهتِ الأَر ... واحُ فِيهَا سِرّاً مِنَ الأَجْسامِ
مَجْلِسٌ لمْ يَكنْ لَنَا فِيهِ عَيْبٌ ... غَيْرَ أَنا فِي دَعْوةِ الأَحلامِ
قال أبو إسحاق:
وَطَيْفُ الخَيَال، ما عرض للإنسان، وخطر بباله، من كل شىء. والطَّيْف مصدر من قولهم: طاف
يَطِيفُ، وقِيل: هو من الواو.
وأصله: طَيْوِفٌ
قال أبو اسحاق الزجاج: يقال: طُفْتُ عليهم أَطُوفُ. وَطَافَ الخَيال يَطيِفُ.
وَقَالَ أَبوُ الحَسَن الكِسائي: الطَّيْفُ: اللَّمَم ُ، وَالطَّائِفُ: ما طاف حول الإنْسان.
وقال أبو عمرو بن العلاء: الطَّيفُ: الوَسْوَسَة. وأنشد غيره:
أنَّى ألَمَّ بكَ الخَيَالُ يَطِيفُ
وقال أبو الحسن الرماني: الطَّائفُ؛ طَائفُ الجن والشيطان:
وكل شيء يَغْشَى القلب من وسواسه فهو طيفه، وأنشد:
أَرَّقَني زَائرُ طَيْفٍ أَرَّقا
يعني أنه رأى خيالها في منامه.
وأنشد نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء، قول حسان بن ثابث:
(2/604)

مَا هَاجَ حسَّانَ رُسُومُ المَنَامْ ... ومَظْعَنُ الحيِّ ومبنَى الخِيَامْ
جِنِّيةٌ أَرَّقَني طَيْفُها ... تذهبُ صُبْحاً وتُرَى في المَنامْ
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، والكسائي ويعقوب "إذا مسَّهُم طَيْفٌ من الشيْطَانِ تَذَكَّروا" بغير ألف ولا
همز
وقرأ سائر السبعة: نافع، وغيره (طَائِفٌ) على وزن فاعل وقرأ ابن عباس، وابن جبير، طيِّفٌ
بتشديد الياء مكسورة
ومعنى قراءة أبي عمرو ومن وافقه؛ أنهم جعلوه مصدر طاف الخيال، يَطِيفُ طَيْفاً. مثل كال يَكِيلُ
كَيْلاً، وبَاعَ يَبِيعُ بَيْعاً. ويحتمل أن يكون مخففا من طَيِّفٍ، كَمَيْتٍ من مَيِّتٍ
ومعنى قراءة نافع، ومن وافقه؛ أنهم جعلوه أيضا مصدراً كالعاقبة والعافية. قاله أبو محمد مكي. قال:
وفَعْل أكثر في المصادر من فَاعِل.
(2/605)

ومعنى قراءة ابن عباس وابن جبير. ومن وافقهما، أنهم جعلوه، من طاف يطوف. فالأصل فيه
طَيْوِف.
حكى أبو زيد: طَاف الرجل، يَطُوفُ طَوْفاً: إذا أقبل وأدبر. وأَطَافَ يُطِيفُ إذا جعل يستدير بالقوم،
ويأتيهم من نواحيهم ويشهد لهذا القول، قول امرىء القيس:
أطافَتْ بِهِ جِيلاَنُ .....
وقيل: الطَّائفُ، ما طَافَ به من وسوسة الشيطان. والطَّيْف من اللمم. والمَسُّ: الجنون.
وقال أبو بكر بن دريد طَافَ يَطُوفُ طَوْفاً: إذا دَارَ حول الشيء.
وأَطَافَ به، يُطِيفُ إِطَافَةً: إذا ألم به.
ويقال: أطاف فلان بهذا الأمر: إذا أحاط به. والطَّوَّافُون: المماليك. لقوله تعالى (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ).
والطَّوْفُ، خشب يُجْمَع بعضه إلى بعض، ويركب عليه في البحر
والطَّوَفَان؛ مصدر لطَافَ يَطُوفُ.
(2/606)

فأما قولهم طَافَ بالبيت. فتقول فيه: فهو طَوَّاف. قال: والطَّائِف الذي بالغَوْر؛ إنما سمي طَائفاً
بالحائط الذي بنوا حوله في الجاهلية؛ حصنوها به. وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت:
نحن بَنَيْنَا طَائِفاً حَصِينا ... نُقَارِعُ الأعداءَ عن بَنِينا
وأصل الباب كله، الدَّور، والطائف. والدّائر، والحائل نظائر.
والطائفة من كل شيء: قطعة منه. يقال: طائفة من الناس، ومن الليل.
وقال صاحب العين الطُّوفَان؛ الماء الذي يغشى كل مكان. كما قال تعالى وجل (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) وكان سَيْلاً عظيماً.
وطُوفانُ الليل: شدةُ سواده. وهو مُشَبَّهٌ بالماء الذي يَغْشَى كل شيء. ومنه قول العجاج:
(2/607)

وعم طُوفانُ الظلام الأثأبا
والأثأب: شجر شبه الطَّرْفَاء إلاَّ أنه أكبر.
وحكى بعض وزراء (اشبيلية) أن المعتمد بن عباد وجه ابنه المعتدّ بالله إلى (شِلْب) والياً؛ وكانت
بُلْغَة شبابه؛ ومَأْلَفَ أحبابه التي عمر نجُودَها غلاما؛ ويذكر عهودها احلاما. فقال يخاطب ابا بكر بن
عمار:
ألا حَيِّ أَوْطَاني بِشِلْبٍ أبا بَكْرِ ... وَسَلْهُنَّ هل عهْدُ الوَِصال كَمَا أدري؟
وَسَلِّمْ على قصر الشَّراجيب عن فَتًى ... له أبداً شوْقٌ إلى ذلك القصر
منازلُ آسادٍ وبيضٍ نواعمٍ ... فناهيك من غِيلٍ وناهيك من خدْرِ
فَكَم ليلةٍ قد بتُّ أنعمُ جُنْحَها ... بِمُخْصِبَةِ الأردافِ مُجْدِبَةِ الخَصرِ
وبيضٍ وسُمْرٍ فاعِلاتٍ بمُهْجتي ... فعالَ الصِّفَاحِ البيضِ والأُسُلِ السُّمْرِ
وَلَيْلٍ بِسَدِّ النَّهْرِ لَهْواً قَطَعْتهُ ... بِذَاتِ سِوارٍمثل مُنْعَطَفِ النَّهرِ
نَضَتْ بُرْدَهَا عَن غُصْنِ بان مُنَعَّمٍ ... نَضِيرٍكما انشق الكِمامُ عن الزَّهرِ
وقصر (الشَّراجيب) الذي ذكر؛ كان متناهيا في الإشراق؛ مباهيا لزوراء
(2/608)

(العراق). ركضت فيه جياد راحاته؛ وجرى الدهر مطيعا بين بُكَرِه وروحاته. أيام لم تحلّ عنه تمائمه،
ولا خلت من أزهار الشباب كمائمه. وكان يَعْتَدُّها مَجْبَى مالِه؛ ومنتهى اعماله، الى بهجة جنباتها؛ وطيب نفحاتها وهباتها،
والتفاف حمائلها؛ وتقلدها لنهرها مكان حمائلها، وفيها يقول أبو بكر الداني:
ألا عَلِمَ المعتدُّ بالله أنّني ... بِحَضْرَتِهِ في جنَّةٍ شَقَّها نَهْرُ
وما هو نهر أعشَبَ النبتُ حوله ... ولكنه سيف ٌحمائله خُضرُ
فلما صدر عنها، وقد حسنت آثاره في تدبيرها؛ وانسدلت رغائبه على صغيرها وكبيرها. نزل
المعتمد عليه مشرفا لأوبته؛ ومعرفا بسمو قدره لديه ورتبته. فأقام يومه عنده مستريحا؛ وجرى في
ميدان الأنْس بطلا مشيحا.
وكان المعتمد واجِداً على ابنه الراضي؛ فذكَّرَتهُْ الحُميّا بُعْدَهُ عنه ونَواه؛ فَحَنَّ عند ذلك لِلُقْيَاه، وزال ما
كان يَجِدُ عليه؛ فأمر بإحضاره بين يديه. فلمْ ياتِ ابنُهُ الراضي إلا وقد مَالت بالمعتمد نَشْوَتُه؛ بعدما
ازدهته من الطَّرب أَرْيَحِيَّتُه. فلما وصل ابنه الراضي؛ أَلْفاه قد أغفى في مُنْتداه؛ وهو
(2/609)

طريح في منتهى مداه. فأقام تُجَاهه؛ ينتظر انتباهه. وصنع في أثناء ذلك شعراً؛ أتقنه وجوّده. فلما استيقظ أبوه
من نومه، أنشده:
ألآنَ تعودُ حياة الأملْ ... ويدْنو شفاء فؤادٍ مُعلْ
فقد وعدَتْني سَحابُ الرِّضا ... بِوابِلِها حين جادت بطلْ
ويُورقُ للعزِّ عُصنٌ ذَوَى ... وَيَطْلُعُ للسَّعْدِ نجْمٌ أفلْ
أيا ملكاً أمْرُهُ نافذٌ ... فَمَنْ شَا أعزَّ ومَنْ شَا أَذَلْ
وَلا غَرْوَ إن كان منك اغْتِفَارٌ ... وإن كان منا جميعا زَلَلْ
فمثلك وَهْوَ الذي لم يزَلْ ... يعود بحلمٍ على من جَهِلْ
وحكى أبو الحسين بن سراج أنه حضر الكتاب والوزراء، مجلس أنْسٍ (بالزهراء)؛ في يوم غفل
عنه الدَّهر، فلم يرْمُقْه بِطَرْف؛ ولم يطْرُقْه بصرْف. أرَّخت به المسراتُ عَهْدَها؛ وأبرزت له الأماني
خَدَّها. وأباحت للرائدين حماها؛ وأرشفتهم لَمَاهَا فلم يزالوا ينتقلون من قصر الى قصر؛ ويبْتَدِلون
الغُصون بِجَنْيٍ وهَصْر. ويتَوقَّلون في تلك الغرفات؛ ويتعاطون الكؤوس بين تلك الشرفات. حتّى
استقروا بالرّوض، بعدما قضوا من تلك الآثار
(2/610)

أوطاراً؛ ورَمَقُوا بالاعتبار أقْطَارا فحلّوا منه في درَانيك
رَبِيع مُفَوَّفَة بالأزهار؛ مُطَرَّزَةٍ بالجداول والأنهار. والغصون تختال في أَدْواحها؛ وتَنْثَني في أكُفِّ
أرواحها. وآثار الديار قد أشرفت عليهم، كثكالى ينحن على خرابها؛ وانقراض أطرابها. والوَهْي
بمشيدها لاعب؛ وعلى كل جدار غُرَابٌ نَاعِبٌ. وقد مَحَت الحوادث ضِيَاءَهَا؛ وَقَلَّصَت ظِلاَلَهَا
وَأَفيَاءَهَا. وَطَالَ ما أشرقت بالخَلائف وابتهجت، وفاحت من شَذَاهم وتَأَرَّجت أيام نزلوا خلالها؛
وتَفَيَّؤُوا ظلالها، وعَمَروا حدائقها وجناتها؛ ونبهوا الآمال من سِنَاتِها، وراعوا اللُّيوث في آجامها؛
وأخجلوا الغُيُوثَ عند انسجامها. فأضحت ولها بالتَّدَاعي تلفع واعتجار، ولم يبق من آثارها إلا نُؤَي
وأحجار، وقد وهت قبابها، وهرم شبابهاوقد يَلينُ الحديد؛ وَيَبْلَى على طَيِّهِ الجديد. فبيناهم يتعاطونها
صغارا وكبارا؛ ويُديرُونَهَا تأنسا واعتبارا، إذا برسول المعتمد قد وَافَاهم برقعة فيها مكتوب:
حسد القصر فيكم الزهراء ... وََلَعَمْرِي وَعَمْرُكُم ما أَساءَ
قَد طَلَعْتُمْ بِهَا شُمُوساً صَبَاحا ... فَاطْلَعُوا عندنَا بُدُوراً مسَاءَ
فعند ذلك، صاروا إلى قصر البستانَ بباب (العطارين)؛ فَأَلْفَوْا مجلساً يَحَارُ فيه الوَصْف؛ قد احتشد
فيه اللهو والقصف، وتوقدت نجوم مُدَامه؛ وتأوَّدَت قدود خدامه. وَأَرْبَى على الخَوَرْنَقِ والسَّدير؛
وأبدى صفحة البدر من أزرار المدير. فأَقاَموا لَيْلَتَهُمْ لم يطرقهم نوم؛ ولاَ عَدَلَهُمْ عن طيب اللذات سَوْم
(2/611)

وَحَكَى بعض الأدباء أن الوزراء الثلاثة بني القَبْطُورْنَة، باتوا في أيام الصِّبَاحِينَ، استطابوا الهوى؛
بين الجنوب والصَّبَا، في (المنية) المسماة (بالبديع)؛ وذلك في أوان الربيع. وبروضَ كان المتوكل
كَلِفاً بِمُوَافَاته؛ مُبْتَهجاً بحسن صِفَاته. وكان يستفزه الطَّرَب مَتى ذَكَرَه، وينتهز الأُنْسَ منه، روحاته
وبُكَره؛ ويدير حُمَياه على ضفة نهره؛ ويخلع فيه سره لطاعة جهره، ويقطف رياحينه وَزَهْرَه، ويقف
عليه اغفاءه وسهره. فطردوا خيل اللذات حتى أَنْضَوْهَا؛ ولَبسوا برود السرور وما نَضَوْهَا. حتى
صدعتهم العُقَار؛ وطلحتهم تلك الأوتار فلما هَمَّ رداء الفجر أن يُبْدَى؛ وجبين الصُّبح أن يُتَبدَّى،
استيقظ أبو محمد وقال:
يَا شَقِيقي أَتَى الصَّبَاحُ بِوَجْهٍ ... سَتَرَ اللَّيْلَ ضَوؤُهُ وبَهاؤُهُ
(2/612)

فاصْطبِحْ واغْتَنِمْ مَسَرَّةَ يَوْم ... لَسْتَ تَدْرِي بما يَجيء مَسَاؤُهُ
ثم استيقظ أبو بكر فقال:
يَا أخي قُمْ تَرَ النَّسيمَ عَليلا ... باكِر ِالرَّوْضَ والمُدَامَ شَمولاً
لا تَنَمْ واغْتَنِمْ مَسَرَّةَ يوْمٍ ... إنََّ تَحْتَ التراب نَوما طَويلاَ
ثم استيقظ أبو الحسن فقال:
يَا صَاحِبَيَّ ذَرَا لَوْمي وَمَعْتَبَتي ... قُمْ نَصْطَبِحْ خَمْرَةً ما خير ما ذَخروا
وَبَادرا غَفْلَةَ الأَيامِ وَاغْتَنِما ... فاليومَ خُبْرٌ ويبدو في غَدٍ خَبَرُ
وفي معنى هذه الأبيات يقول أبو بكر الغساني من أبيات له:
سَقِّني يا غلام فالعيش عضٌّ ... وعُيُونُ الخُطُوبِ عَنَّا رَقودُ
لاَ تَبِعْ عَاجل السُّرور وبَادِرْ ... فعساه يَعُودُ أولاَ يَعودُ
وقرأت في النوادر لأبي علي البغدادي مثل هذا المعنى:
لاَ تَدَعْ لذَّةَ يوْمٍ لغدٍ ... وَبِعِ الغَيَّ بِتَعْجِيل الرَّشدْ
إنهَا إن أخرَتْ عن وَقْتِها ... باخْتِدَاعِ النَّفْسِ يَوْماً لَم تُعدْ
فاشْغَلِ النفسَ بها عن شُغْلِها ... لاَ تُفَكِّر في حَمِيمٍ وَوَلدْ
(2/613)

أَوَمَا خُبِّرْتَ عَمَّا قيلَ في ... مَثَلٍ بَاقٍ على مَرِّ الأبدْ
إِنَّمَا دُنْيايَ نَفْسِي فإِذَا ... تَلِفَتْ نفْسي فلاَ عاشَ أَحَدْ
قال: وكان أبو محمد، أحد هؤلاء الثلاثة أعجوبة ذلك العصر؛ وفارس ميداني النظم والنثر. وقد
تَرَدَّى من الفصاحة برداء كبريائها؛ وتزين بتاج بهائها؛ وقعد على ثبج جوزائها، وتصرف في
ساحاتها وأرجائها وهو القائل:
وَمُنكرة شَيْبي لعرفانِ مَوْلدي ... تُرَجِّعُ والأجْفَانُ ذات غروبِ
فقلت يسوق الشيب من قبل وقته ... زوال نعيم أو فراق حبيبِ
وهو القائل أيضا:
إذا ما الشوقُ أرقني ... وبات الهَمُّ من كَثَبِ
فضَضْتُ الطينَة الحمرا ... ء عن صفراءَ كالذهبِ
وقال أيضا:
يا خليليّ لقَلبٍ ... نيلَ من كُلِّ الجهاتِ
إنْ هَامَ بِلَيْلَي ... وبِرَيَّا والبنات
وبِأَنْ صادَتْهُ أَسمى ... بَين بيضٍ خَفرات
بِلحاَظٍ ساحِراتٍ ... وَجُفُونٍ فاتراتِ
وَبِجِيدِ الظَّبْيَة ارتا ... عتْ فَظَلَّتْ في التفاتِ
وَبِعَيْني مغزل تر ... عى غزالاً في فلاة
تَتَمَشَّى بين أترَا ... بٍ لهَا حورٍ لات
(2/614)

وَعليها الوَشْيُ والخ ... زُّوَبُرْدُ الحبرات
رَاعَهَا لمَّا التقينا ... ما دَرَتْ من فَتكات
عَثَرتْ ذُعْراً فَقُلْنا ... وَالَعا للْعَثرات
ضَحِكَتْ عُجْباً وقالتْ ... لأخصِّ الفتيات
راجعيه ثم قولي ... ائتنا في السَّمراتِ
وارْقَب الأَعداءَواحْذَرْ ... من عُيُونٍ نَاظراتِ
فَإذا أَعْلَقَ فيها النْ ... نومُ أشراك السناتِ
وعلاَ البَدرُ جَلاَبي ... بُ لِباس الظلمات
فَاطْرَق الحَيَّ تَجِدْنا ... من وراء الحُجرات
فالتقينا بعد يأْسٍ ... بدليل النفحات
وتَلاَزَقْنَا اعْتِنَاقا ... كَالْتِوَاءِ الألفاتِ
ونَفثنا بيننا شَجْ ... واً كَنَفْثِ الراَّقِيَاتِ
وَبَرَدْنا لوْعةَ الحُ ... بِّ بمَاء العبراتِ
وَتشاغلنا ولم نَعْ ... لمْ بأنَّ الصبحَ آتِ
وَبَدَتْ فيه تباشي ... رُ مشيبِ في شواتِ
قوله: (بينِ أَتْرَاب لها حور لِذَات). لِدَةُ الرجل؛ الذي وُلِدَ معه، أَوْ قَرُبَ من ميلاده، والجمع لِدَاتٌ
ولِدُونَ أنشد يعقوب:
(2/615)

صفواءُ أعجلها الشبابُ لِدَاتَها ... موسومةٌ بالحسن غير قَطُوبِ
تخطو على فَرْديتين غَدَاهُمَا ... غَدَقٌ بساحة حائر يَعْبُوبُ
يقول: سبقت أقرانها في الشباب. ومنه قول ابن قيس الرقيات:
لم تَلْتَفِتْ لِلِدَاتِها ... وَمَضَتْ عَلى غُلَوَائها
يقال: كان ذلك في غُلَوائه؛ أي حين يَغْلُو فيطول. وغَلاَ النَّبْت، يغْلُو غُلُوّاً: إذا طال، وكذلك غَلاَ
الصبي: إذا شَبَّ.
قال الحارث بن خالد:
خُمْصَانَةٌ قَلِقٌ مُوَشَّحُها ... رُؤدُ الشَّبَابِ غَلاَ بِهَا عَظْمُ
رُؤدُ الشَّبَابِ؛ أى نَاعِمَة الشباب. ويقال للجارية، إذا شبت شبابا حسنا، وجاوزت لِداتِها؛ قد غَلاَ بِهَا
عظم.
وأنشد أبو حاتم عن أبي زيد قول الراجز:
حَتَّى إذا غَلاَ بُنَيَّ وَاحْتَجنْ ... وَزَانَهُ الشَّحْمُ وللشحم زِيَنْ
وقول الشاعر: (موسومة بالحسن): أي عليها سمةٌ من الحسن. وقوله في
(2/616)

البيت الثاني: (على برديتين): أي على ساقين، كأنهما بَرْديَّتان، في بياضهما وصفائهما، واملساسهما.
قال العجاج:
كأنَّمَا عِظَامها برْدِيُّ ... سَقَاهُ رِيَّاحائرٌ رَوِيٌّ
قال: والبرْدِيُّ أعقد له. ويقال: مكان حائر؛ إذا كان مطمئن الوسط مرتفع الحروف.
وفي حديث العباس بن عبد المطلب، رحمه الله قال: كنت لِدَةَ الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقوله وبَدَتْ فيه تَبَاشي ... رُ مَشِيبٍ في شَوَاتِ
تَباشيرُ كل شيء: أَوَائِلُه.
قال أبو الحسن الرماني: ولم أسمع منه فعلا، ومنه تَبَاشِيرُ الصبح.
قال الشاعر:
تَبَاشَرُوا بعد ما طال الوجيفُ بهم ... بالصُّبح لما بَدَتْ منه تباشيرُ
وقوله في شَوَات: أي في شعر رأسي النابت على شَوَاتي؛ وهي جِلْدَة رأسه. والجميع شَوىً. قال الله
تبارك وتعالى (نَزَّاعَةً لِلشَّوَى). وقال الأعشى:
(2/617)

قَالتْ قُتَيْلَةُ مَالَهْ ... قَدْ جُلِّلَتْ شَيْباً شَوَاتهْ
أَمْ لاَ أَرَاهُ كَمَا عَهِدْ ... تُ صَحَا وَأَقْصَرَ عَاذِلاَتهْ
وحكى عن أبي عبيدة أنه قال: أنشد الأخفش أبو الخطاب أبا عمرو بن العلاء، بيت الأعشى:
قَالَتْ قُتَيْلَةُ مَالهُ ... قد جُللت شيبا شواتهْ
فقال أبو عمرو لأبي الخطاب: صحفت، إنما هي سَرَاتُه، ولكنك رأيت الراء منتفخة فصَيَّرتها واوا.
قال: فغضب أبو الخطاب، وأقبل علي وقال: إنما هيشواته، وهو الذي صحف، والله؛ لقد سمعت هذا
باليمامة من عدة من الناس.
قال أبو عبيدة: فأخذنا بقول أبي عمرو. فما مضت إلا أيام حتى قدم علينا رجل مُحْرِم، من آل
الزبير، فسمعته يحدثه بحديث فقال: اقشَعَرَّتْ شواتي، فعلمت أن أبا الخطاب وأبا عمرو أصابا
جميعا.
وسَرَاةُ كلِّ شيء: أعلاه. وقال أبو ذؤيب:
إذا هي قامَتْ تَقْشَعِرُّ شَوَاتُهَا
وقال أبو تمام:
(2/618)

خَضَبَتْ خَدَّهَا إلى لُؤْلُؤِ العِقْ ... دِ دماً أنْ رَأَتْ شَوَاتي خَضيبَا
أي خضبت خدها بالدمع المشوب بالدم. والشَّوى أيضا إِخْطَاء المَقْتَل يقال: رماه فأَشْوَاه؛ إذا أخطأ
مَقْتَله. قال ابن مقبل:
أَرْمي النُّحورَ فَأُشْويها وَتَثْلِمُني ... ثَلْمَ الإِنَاءِ فَأَعْدُو غَيْرَ مُنْتَصِرِ
وأنشد الأصمعي:
لا يُسْلِمُونَ قَريحاً حَلّ وَسطُهُمُ ... يَوْمَ اللِّقَاءِ وَلاَ يُشْوُونَ مَنْ قَرَحوا
قال: ويقال أَشْوَاه؛ إذا لم يصب مَقْتَلَه. وشَوَاهُ؛ إذا أصاب منه المَقْتَل. والشَّوَى أيضا؛ اليَدَان
والرِّجْلاَن.
يقال فَرَسٌ عَبْلُ الشَّوَى: أى غليظ القوائم. قال امرؤ القيس:
سَليم الشَّظَى عَبْلِ الشَّوَى شَيْجِ النَّسَا ... لَهُ حَجَبَاتٌ مشْرِفاَتٌ على الفالِ
ويقال: كل مصيبة ما أخطأتك شَوىً، وكل ذلك شَوى ما سلم دينك: أي هَيِّن.
قال الشاعر:
وكنتُ إذا الايَّامُ أَحْدَثْنَ هَالكاً ... أَقُولُ شَوىً ما لم يُصِبْنََ صَميمي
(2/619)

والشَّوى أيضا: رُذَالُ المال. قال الشاعر:
أَكَلْنَا الشَّوَى حتَّى إذا لم نَجِدْ شَوى ... أَشَرْنَا إلى خَيْرَاتِهَا بالأَصابعِ
رجع
وأبو محمد القائل أيضا مخاطبا لأبي نصر الخاقاني:
أَبَا النَّصْرِ إنَّ الجَدَّ لاَ شَكَّ عاثرُ ... وإنَّ زَمَاناً شَاء بينك جَائرُ
فلاَ تُوِّجَتْ من بعد بَيْنِك رَاحةٌ ... براحٍ ولا حنت عليها المزامرُ
ولا اكتحلت من بَعْد نأيك مُقلةٌ ... بنوم ولا ضُمَّت عليها المَحاجرُ
ولي رغبةٌ جاءتك وهي مُدِلَّةٌ ... تسوق إليك المجد وهو أزاهرُ
لِتَعْلَمَ أَنِّي عن جوابك عاجزٌ ... ومعتذرٌ فيه فقل أنا عاذرُ
وكيف أجاري سابقاً لم يقم له ... هبوبُ الصبا والعاصفاتُ الخواطرُ
إذا قيل مَنْ هذا يقولون كاتبُ ... وإن قيل من هذا يقولون شَاعِرُ
وإن أخذ التحقيقُ فيك بِحقِّه ... فقيلَ وَمَنْ هذا يقولون سَاحرُ
تُشَيِّعُكَ الألبابُ وهي أَوَاسِفُ ... وتتبعك الالحاظُ وَهْيَ مَوَاطرُ
وكتب الكاتب أبو الحسين بن جبير إلى أبي عبد الله محمد بن غالب الرُّصافي:
(2/620)

يَعِزُّ عَلَيْنَا أَنْ يُقَصِّرَ بالعلاَ ... زَمَانٌ وَمَازَالَ الزَّمَانُ يُقَصِّرُ
عَجِبْتُ لِدَهْرٍ غَضَّ منكَ سَفَاهةً ... لَقَدْ غَضَّ من عَيْنٍ بهَا كَان يُبْصِرُ
فأجابه أبو عبد الله بقوله:
أَيَا شَائِقِي ملءَ الضُّلُوع ودونَهُ ... مها ويمدُّ الخَطْوَ فيها فَيَقْصرُ
ويَا عضُدي عند المُليمِ ونَاصِري ... عَلى نُوَبِ الدُّنيَا ومثلك يَنْصُرُ
بصرت بحالي مُنْعَماً وَمَنِ الذي ... يُحِسُّ بأَحْوَالِ الصديق ويبصِرُ
شَمَائلُ تُكْنِي عن إعانتك التي ... تَناَهى بها في الطِّيب خِيمٌ وَعُنْصُرُ
ستقدم من شكري عليكَ عقيلةٌ ... سِوَى مجدها يُحْصَى الثَّنَاء ويحصُر
يتيمةُ نظمٍ لا تزال بحُسنها ... تَوارثها بعدي بلادٌ وأَعْصُرُ
وكتب إلى بعض إخوانه:
خَليلي أبا بكر فهَلْ تَمَّ حيلةٌ ... يكون إليها في نَواكَ رُجُوعي
سَيُخبرك السلوان أني رُمته ... فحال اشتياقي دونه ونزوعي
ولو كنت في غير الضلوع مخيما ... عذرت على هذا الحنين ضلوعي
وكتب أبو محمد بن القبطورنة أيضا إلى أبي الحسين بن سراج (بقرطبة) وجماعة من إخوانه:
يا سيِّدي وأبي هُدىً وجَلالَةً ... ورَسولَ وِدِّي إن طلبتُ رسولاَ
(2/621)

عَرِّجْ بِقُرْطُبَةٍ إِن آنْتَ بَلَغْتَها ... بأبي الحسين ونَادِهِ تَمْويلاَ
واذا سَعِدْتَ بِنَظْرَةٍ في وَجْهِهِ ... فَاهْدِ السَّلاَمَ لِكَفِّهِ تَقْبيلاَ
واذْكُرْ لَهُ شُكْري وشَوْقِي مُجْملاً ... ولو استطعتُ شرحتُه تفصيلا
بِتَحِيَّةٍ تُهْدَى إِليه كَأَنَّما ... جَرَّتْ عَلَى زَهرِ الرِّيَاضِ ذُيولاَ
وَأَشِمَّ منها المُصْحَفِيّ على النوى ... نَفَساً يُنَسِّي السَّوْسَنَ المَبْلولاَ
وَإلى أبي مَروانَ منْهَا نفحة ... تُهْدِي بها نَوْرَ الرُّبى مَطْلولاَ
وإذا لقيتَ الأَصْبَحي فَسَقِّهِ ... من صَفْوِ وِدِّي قَرْقَفاً وَشَمولاَ
وأبو عَليّ بُلَّ منه رِيقَةً ... مِسْكاً بماء غَمَامَةٍ محلولاَ
واذْكُرْ لَهُم زمناً يَهُبُّ نَسِيمُهُ ... أُصُلاً كَنَفْثِ الرَّاقيات عَليلاَ
مولى وموليَ نعمةٍ وكرامةٍ ... وَأَخَا إِخَاءٍ مخلصاً وخَليلاَ
بالحَيْرِ لاَ عَبَسَتْ هناكَ غمامةٌ ... إِلاَّ تَضَاحَكَ إِذخراً وجليلاَ
يوماً وليْلاً كان ذلك كلَّهُ ... سَحَراً وهذا بكرةً وأصيلاَ
(2/622)

لا أدركت تلك الأهلة دهرها ... نقصاً ولا تلك النجوم أفولا
قال أبو إسحاق:
(الحير) الذي ذكره أبو محمد في هذه الأبيات؛ هو (حير الزجالي) معروف خارج (باب اليهود
بقرطبة). وفيه يقول أبو عامر بن شهيد:
لَقَدْ أَطْلَعُوا عِنْدَ بَابِ اليَهو ... دِ شَمْساً أَبَى آلْحُسْنُ أَنْ تُكْسَفَا
تَرَاهُ آلْيَهُودُ عَلَى بَابها ... أَميراً فَتَحْسِبُهُ يوسُفا
وفيه يقول ويصفه وكان في ذلك الأوان من أبدع المواضع وأجملها؛ وأتمها حسنا وأكملها، قد جعل
منه مرمرا صافي البياض؛ يخترقه جدول كالحية النضناض، وكانت به جَابِيَةٌ؛ كل لجة فيها كَابية. قد
قُرْبِسَتْ باللاَّزَوَرد سماؤه؛ وتأزرت به جوانبه وأرجاؤه، والرّوض قد اعتدلت أسطاره؛ وابتسمت عن
كمامها أزهاره. قد مَنَعَ الشمس أن ترمق ثراه؛ ويعطر النسيم بهبوبه عليه ومسراه. شهد به أبو محمد
بن القبطرنة المذكور مع الجلة؛ من أصحابه ليالي وأياماً؛ كأنما تصورت من لمحات الاحباب؛ أوقُدَّت
من صفحات الشباب،
(2/623)

وكانت لأبي عامر بن شهيد به مشاهد؛ أعطاه فيها الدهر ما شاء، ووالى عليه
الصحْووالانتشاء، وكان هو وصاحب الروض المدفون، بإزائه، أليفيْ صبوة؛ وحليفيْ نشوة. عكفافيه
على جِرْيَالِهِمَا؛ وتصرفا بين زهوهما واختيالهما، حتى رداهما الردى؛ وعَدَاهما الحِمَامُ عن ذلك
المدى؛ فتجاورا في الممات، تجاورهما في الحياة، حينَ تقلصت عنهما وارفات تلك الظلال؛ عند بلوغ
الآجال. وإلى ذلك العهد أشار أبو عامر، وبه عرّض، وبكثرة تشوقه إليه صحّ ومرض، حيث قال
عند موته مخاطبا لصاحبه المذكور، وأمر أن يدفن بإزائه، وتكتب هذه الأبيات عند قبره:
يَا صَاحبي قُمْ فَقَدْ أَطَلْنا ... أَنَحْنُ طُولَ المَدَى هُجودُ
فقَالَ لي لَنْ تَقُومَ منْها ... مَادَامَ منْ فَوْقِنَا الصَّعِيدُ
تَذْكُرُكُمْ ليلةٌ نَعِمْنا ... بِظِلِّهَا والزَّمَانُ عِيدُ
وَكَمْ سُرُور هَمَى عَلَينا ... سَحَابَةً ثَرَّةً تَجُودُ
كلٌّ كَأنْ لَمْ يَكنْ تقضى ... وَشُؤْمُهُ حَاضِرٌ عَتيدُ
حَصَّلَهُ كَاتبٌ حَفيظٌُ ... وضَمَّهُ صَادِقٌ شَهيدُ
يَا وَيْلَنَا إنْ تَنَكَّبَتنا ... رَحْمَةُ مَنْ بَطْشُهُ شَد يدُ
يَا رَبِّ عَفْواً فأَنْتَ مَوْلًى ... قَصَّرَ في حَقِّهِ العَبيدُ
أضيف هذا المنظوم، إلى كلام منثور في لوح، وغرز عند رأس قبره، رحمة الله عليه.
(2/624)

قال: وكان أبو عامر في ذلك الأوان؛ قُدْوَةَ الوزراء والأعْيان. وكان كلُّ شَاعر وكاتب، بَيْنَ صِلَةٍ منه
وَرَاتب، يحضرون مجالس آدابه؛ ولا يَنْفَصِلونَ عن بابه. وكان له بباب الصَّوْمَعَة من الجامع،
مَوْضِعٌ لا يُفارقه أكثر نهاره؛ وَلاَ يخليه من نَثْر دُرره وأَزْهَاره. فبينما هو قاعدٌ فيه ليلة سبع
وعشرين من رمضان، مع جُملَة من الوزراء، والإخوان، وبهاء ذلك الزمان، وهم قد حَفُّوا به، وهو
يَخلطُ لهم الجِدَّ بالهزل؛ ولا يفرط في انبساط مستهتر، وانقباض جزل. وإذا بجارية من أعيان
المصر؛ وأهل العَفَاف في ذلك العصر، وهي في جملة من جَوَاريها؛ بين من يَسْتُرها ويُوَاريها؛ قد
جعلت تَرتَاد موضعاً لمناجاة رَبِّها؛ وتبتغي منزلا لاستغفار ذَنْبِها. وهي مع ذلك حذرة متنقبة؛ خائفة
ممن يرمقها مترقبة، وأمامها طفل لها، كأنه بدر على غصن آس؛ أو ظبي يمرح في كِناس. فما
وقعت عينها على أبي عامر ولت سريعة؛ وتولَّت وَجِلة مروعة؛ خيفة منها على نفسها أن يشبِّب بها
أو يشهرها باسمها، ويعرف بمنصبها. فلما نظر إليها ووقعت عينه عليها، وتحقق خبرها، قال قولا
فضحها به وشهرها:
وناظِرةٍ تحت طيّ القناع ... دَعَاهَا إلى الله للْخَيرِ دَاعِي
سَعَتْ بِابْنِهَا تبتغي منزلاً ... لِوَصْلِ التَّبَتُّلِ والانقِطاعِ
فَجَاءَتْ تَهَادى كمثلِ الرَّؤومِ ... تُرَاعي غَزاَلاً بأَعْلى يَفاعِ
وَجَالَتْ بأَربعِنَا جَوْلةً ... فحلّ الربيع بتلك البقاعِ
(2/625)

أتتنا تَبختر في مَشْيِها ... فَحَلَّتْ بوَادٍ كَثيرِ السِّباعِ
وريعتْ حِذَاراً على طِفْلهَا ... فَنَادَيْتُ يا هذه لا تُرَاعي
غَزَالُكِ تَفْرَقُ منه الليوث ... وتنصَاعُ منه كماةُ المصاعِ
فَوَلَّتْ وللمسك من ذَيْلهَا ... على الأرضِ خَطٌّ كَظَهْرِ الشجاعِ
وأخبار أبي عامر معْروفة، وَمَنَازِعُهُ شريفة. وقد أثبتَ ابن بسام في كتابه؛ من نوادره القصَار
والطِّوال؛ وتعريفَاته السائرة سير الأمثال؛ ما لا يُحَاطُ بإِحصائه؛ ولا يلحق غاية انتهائه. وفيه يقول:
كان أبو عامر بن شهيد (بقرطبة) ينبوع آماتها؛ ومادَّة حَيَاتِها، وحقيقة ذاتها، ومعنى أسمائها
ومُسَمَياتها. نادرة الفلك الدَّوَّار؛ وأُعجوبة اللَّيل والنَّهَار إنْ هَزَلَ؛ فَسَجْعُ الحَمَامِ؛ وإن جَدَّ؛ فَزَئيرُ الأسَد
الضرغام. له نظمٌ كما اتسق الدُّرُّ على النحور؛ ونَثْرٌ كما خُلِطَ المِسْكُ بالكافور.
وقد أثبتنا من مقطوعاته الغزليات في هذا التأليف، ما فيه أمنية الخالي، ولهو اللاهي؛ ويشهد له
بالتقديم والتناهي. ويجنح بالكبير إلى الصِّبا؛ ويكون حجة لمن صَبا.
حكى عن نفسه رحمه الله قال: لما قدم زهير فتى ابن عامر حضرة
(2/626)

قرطبة من (المرية)، ومعه وزيره أحمد بن عباس؛ وجه عن جماعة من الكُتَّاب، والأعيان، والمشاهير من الأصحاب، والإخوان؛ كأبي الاصبغ عبد العزيزالطبني، وأبي حفص بن برد، وأبي بكر بن الحناط وأبي عبد الله المرواني،
وغيرهم من الأكابر، وتخلفت أنا، فسأل عنّي، وأمر
(2/627)

بإحضاري، فوافاني رسوله بدابة، فركبت
وسرت إليه. فلما وصلت وجدت أحمد بن عباس غائبا عن المجلس، وألفيت كل من كان فيه مراقبا
لقدومه. فتحرك أهل المجلس لدخولي، ورحب بي الكل منهم عندَ حلُولي فَلمْ أَسْتَوِ قاعدا إلاَّ وابن
عباس قد أقبل يَجُرُّ ذَيْلَ الخيلاء؛ ويسبل رداء الكبرياء، وهو يَتَرَنم؛ والإِعْجَابُ يخامره؛ والزَّهْوُ
يسايره. فسَلَّمْتُ عليه تسليم من يعرف حقَّ الرجال، وجمعت في كلامي بين الإيجازِ والإِكماَل. فرمز
رمزا خفيفا، وردَّ علي السلام ردّاً ضعيفا. فعلمت أن في أنفه نَعْرةً؛ لا تخرج إلاَّ بِسَعُوطِ الكَلاَمِ، ولا
تُرَامُ إلا بمثقب النظام فرأيت الأصحاب يصغون إلى تَهَمْهُمِهِ؛ ويصيخون إلى تَرَنُّمِه. فسألتهم عن
ذلك. فقال لي أبو عبد الله الحَنَّاطي وَكَانَ كثيرَ التَّعَصُّب علي؛ جالبا في المحافل ما يسوء الأولياء
إليّ: الوزيرحَضَرَهُ قَسيمٌ من شعره؛ وهو يسألنا إجازته فعلمت أنّي بذلك المراد؛ وعليَّ في الإجازة
الاعتماد فاستشهدته فقال مرضُ الجُفُونِ وَلَثْغَةٌ في المنطِقِ. فأخذت القلم مستعجلا؛ وكتبت مرتجلا
على القَسيمِ مذيلا ولما أمرت به ممتثلا:
مَرَضُ الجُفُونِ ولثغَةٌ في المَنْطِقِ ... سَبَبَانِ جَرَّا عِشْقَ مَنْ لَمْ يَعْشقِ
مَنْ لي بألثَغَ لا يَزال حَديثهُ ... يُذْكي على الأكبادِ جَمْرَةَ مُحْرقِ
يُنْبِي فَيَنْبُو في الكلام لِسانهُ ... فكأَنَّهُ من خَمْرِ عَيْنَيْهِ سُقِي
لا تُنْعِشُ الألفَاظُ منْ عَثَرَاثِها ... ولَو آنَها كُتِبَتْ لَهُ في مُهرَقِ
(2/628)

فأقمت ساعة، ثم سلمت، وَمَشيتُ عنهم إلى منزلي فلم أَلْبَثْ أن ورد عليّ بعضهم، وأعلمني أن ابن
عباس، لم يرض بما جئت به من البداية، ونسبني إلى التقصير فيه، وسألني أن أحمي عليه مكاوي
الكلام؛ وأن أقرع سمعه بضروب من الإقماع والإفحام. وذكرلي أن ادريس بن اليماني هجاه فأفحش؛
فلم أستحسن الإفحاش. فقلت فيه معرضا؛ إذ التعريضُ من محاسن القول:
أبو جَعْفَرِ رجلٌ كاتبٌ ... مَليحُ شَبَا الخَطِّ حُلْو الخَطَابَهْ
وذُو عَرَقٍ لَيْسَ ماءَ الحَياءِ ... ولَكِنَّهُ رشْحُ فضلِ الجَنَابهْ
جرى الماءُ في سُفْلِهِ جَرْيَ لِينٍ ... فأَحْدَثَ في العُلْوِ منه صَلاَبهْ
قوله:
وذو عرق ليس ماء الحياء
يشبه قول أبي الوليد بن زيدون؛ لكنه زاد فيه زيادة لطيفة، ونكتة ظريفة فقال:
(2/629)

مخَضَتْ في آسْتِهِ الأُيُورُ حَليباً ... فَعَلَتْ عَيْنهُ من الزُّبْدِ نُقْطَهْ
وأَخَذَ هذا المعنى أبو الحسن بن الزقاق، فقال يهجو أزرق:
وأَزْرَقَ والأُمُورُ لَها اشْتِباهٌ ... ويوُتَى العَيْنُ من قِبَلِ العجانِ
ولَماَّ شَكَّ أسفَلَهُ العَوالى ... جَرَى في عينه زَرَقُ السِّنانِ
وقوله (فأحدث في العلو منه صلابة) البيت، كقول بعض الأدباء، في قريب من هذا المعنى:
صَلُبَتْ ولاَنَ القَاعُ منها فَاسْتُهُا ... لَوْلاَ لِيَانَةُ قَاعِهَا لَمْ تَصْلُبِ
ومثله قول النابغة الذبياني:
جَفَّتْ أَعَالِيهِ وَأَسْفَلُهُ نَدِي
وهذا الكلام كله إقذاع، ومرفوض بالإجماع.
والمناسبة التي بين قطعة أبي عامر وبينه، جرَّتني إليه؛ وأَحْوَجَتْني للتعريج عليه. فلذلك تَعَلَّقَ
بإطنابي؛ واثبتُّهُ في كتابي. وليس الهجاء مما يليق بهذا الديوان؛ لما فيه من الفُحش والبهتان. فلذلك
نبذته نَبْذَ الكُرَاع من الأديم؛ وحذفته حذف الهاء في الترخيم وقول أبي عامر في صفة الألثغ، مما
انطبع فيه، ولا سيما على البديه.
ومن جيِّد ما قيل في صفة الألثغ، قول أبي الحجاج الرمادي وهو:
(2/630)

الَّراءُ لا تَرْجُو الوصَالَ ولاَ أنَا ... الهَجْرُ يَجْمَعُنَا فَنَحْنُ سوَاءُ
فإذَا خَلَوتُ كتبتُهَا في رَاحتي ... وبَكِيتُ منتحباً أَنَا والرَّاءُ
وفي هذا المعنى أيضا يقول الأديب الظريف الأستاذ أبو القاسم بن العريف:
أيهَا الألثغُ الذي شَفَّ قَلْبي ... جُدْ بِحَرْفٍ ولَوْ نَطَقْتَ بِسَبِّي
هَجْرُكَ الرَّاءَ مثلُ هَجْري سَواءُ ... فَكِلاَنَا معذَّبٌ دونَ ذَنْب
فإِذَا شِئْتُ أَنْ أَرى لي مَثَلا ... في هَوَاني خَطَطْتُ راَءً بِجَنْبي
وقال أبو نواس الحسن بن هانىء:
وَبِأبي أَلْثَغُ لاَجَجْته ... فقالَ في غُنْجٍ واخْتِناثِ
لَمَّا رَأى منِّي خِلافي له ... مَا لَقِي الناَّثُ من النَّاثِ
قارَعْتُهُ صَفْراءَ كَرْخِيةً ... قَدْْ جُلِبَتْ منْ كَرْمِ حرَّاثِ
إِبْريقُنَا منتَصِبٌ سَاعة ... وتَارةً مبتَرِكٌ جاث
(2/631)

وأخذ هذا المعنى أحد الظرفاء فقال:
اليوم يوم ثلاثا ... فاسق النديم ثلاثا
في ود ظبي رخيم ... يقول للكَأْسِ كاثا
وحكى أبو بكر محمد بن أحمد المصحفي قال: دخلت يوما على الوزير أبي عامر بن شهيد، أعُودُه
في العِلَّة التي مات منها؛ فَتَأَنَّسَ بي، وسألني عن حالي، وجرى الحديث بيننا إلى أن شكوت له تَجَنِّيَ
من كنت أهواه عليَّ، وتألفه من كان ينسب الخمول والتقصير إلي، ونفاره عني؛ وتماديه في البعد
مني. وأعلمته بما أنا من الاحتدام والقلق؛ وما أكابد من الأشجان والأرق، فقال لي سأسعى في صَلاَح
ذات البين؛ وأوضح له ما زخرف من الإِفك والميْن. ويزول الخلاف، وتؤولُ الحالُ إلى الائتلاف. ثم
خرجتُ عنه، وأنا مسرور عنا له داع إلى الله تعالى في صحته، وبُرْئِه من اعتلاله. فلقيتُ ذلك
المتجنى، مع بعض الأصحاب، فوليت عنهم، ولم أَدْنُ منهم فأنكر ما رأى منَّا ذلك الصديق؛ وسأل
المتجني عن السبب المُوجِبِ للانصرام والتفريق. فأخبره بما جرى واتفق، من التهاجر الذي سبق،
والسبب الموجب للإعراض. فجدّا في مشيهما، وأسرعا في الانتهاض، حتى لحقاني، وعزم علينا في
الكلام؛ فتكلمنا وتعاتبنا، ومشينا، حتى وصلنا دار أبي عامر، واستأذن عليه، فأذن لنا، ودخلنا. فلما
رآنا أبو عامر ضحك، وقال: من كان الذي تَوَلَّى إِصْلاَحَ مَا كُنَّا سُرِرْنَا بِفَسَادِه؟ فقلت: قد كان ما كان.
فأطرق قليلا ثم
(2/632)

أنشد:
مَنْ لاَ أُسَمِّي وَلاَ أَبُوحُ به ... أَصْلَحَ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَهْوَى
أَرْسَلْتُ مَنْ كَابَدَ الهَوَى فَدَرَى ... كَيْفَ تُدَاوَى مَوَاضِعُ البَلوَى
وَلي حُقُوقٌ في الحُبِّ ظَاهرةٌ ... لكِنَّ إلْفي يَعُدُّهَا دَعوَى
يَارَبِّ إنَّ الرسولَ أَحْسَن لي ... يَا رَبِّ فاحفَظهُ لي من الأَسْوا
وحكى بعض الوزراء بإشبيلية ممن عُنِيَ بالاخبار، والبحث على السير والآثار. أن أبا المطرف عبد
الرحمان بن هشام بن عبد الجبار، المتسمى من الألقاب السلطانية بالمستظهر بالله، أحد أمراء بني
أمية؛ خطب حبيبة، ابنة عمه المستعين سليمان بن الحكم، فَلَوَتْهُ أمها شَنَف، المدعوة بأم الحكم. وكان
بقلبه منها نار تتوقد؛ وشوق يتزيد، وجوى ناره لا تخمد، وََوَلُوعٌ يتجدد مع الاحيان ويتأكد. عافت
عيناه منه الكرى؛ وكاد النحولُ يخفيه فما يرى. وكانا قد نشأ معاً في وقت واحد؛ وعن طارف وتالد.
فلما اشتد بها كلفه؛ وأقلقه شغفه، وخامرت لوعات الأسى فكره؛ وأضاقت أسباب المنع والصدّ صدره
كتب إليها بقوله:
وَجَالِبَةٍ عُذْراً لتَصْرفَ رَغْبَتي ... وتَأْبَى المَعَالي أَنْ نُجيزَلها عذْرَا
يُكَلِّفُهَا الأَهلونَ رَدِّي سَفَاهةً ... وَهَلْ حسنٌٌ بالشمس أن تمنع البدرا
(2/633)

وماذا عَلَى أُمِّ الحبيبة إذْ رأتْ ... جَلاَلَةَ قَدْرِي أنْ أَكُونَ لها صِهْرَا
جَعَلْتُ لَهَا شَرطاً عليّ تَعَبدي ... وسُقْتُ إِلَيْهَا في الهَوَى مُهْجَتي مَهرَا
تَعَلَّقْتُهَا من عبد شَمسٍ غَريرةً ... مُحَدَّرَةً من صيد آبائها غرَّا
حمامةُ بنت العبشميِّين رفرفتْ ... فَطِرتُ إليها من سَراتهمُ صَقرَا
لَقَدْ طالَ صومُ الحبّ عنك فما الذي ... يَضُرُّكِ عنه أن تكوني له فِطرَا
وإني لأسْتَشْفي بِمَرِّي بداركمْ ... هدوءا واسْتَسقى لساكنها قَطراً
وَأَلْصِقُ أَحْشائي ببَرْدِ تُرَابِها ... لأُطْفِئ من نار الأسى بكمُ جَمراً
فإِنْ تَصْرفِيني يا ابْنَةَالعمِّ تصرفي ... وَعَيْشِكِ كُفْؤاً مدَّ رَغْبَتَه سَتْرَا
وإني لأرجو أن أطوِّق مَفخريِ ... بِمِلْكي لهَا، وَهْيَ التى عَظُمَت فَخْراً
وإِنِي لَطَعَّانٌ اذا الخَيْلُ أَقبلتْ ... جَراَئِرُهَا حتى تَرَى جُونَها شُقراً
وإِني لأَوْلى النَّاس من قَوْمِهَا بها ... وأَنبَهُهُم ذِكراً وأَرفَعُهُم قَدراً
وعِنْديَ ما يُصْبي الحَليمَة ثَيِّباً ... وَيُنْسي الفَتاة الخَوْد عُذْرَتَهاَ البكرا
جمالٌ وَادابٌ وَخُلْقٌ موطَّأٌ ... ولفظ إِذاَ ماَ شِئتِ أسمعكِ السِّحْرا
فَللْمُسْبِلِ النُّعْمىَ عَلَيَّ بِفَضله ... حَقائق نُعْمى لا أملُّ لهاَ نَشرَا
وأبصرها ذات يوم؛ فأومأ إليها بالسلام؛ فلم ترد عليه خجلا منه فكتب إليها:
سَلاَمٌ على مَنْ لَمْ يَجُدْ بِكَلامه ... وَلَمْ يَرَني أهلاً لردِّ سَلاَمه
(2/634)

سَلاَمٌ على الظبي الذي كلما رَمى ... أَصَابَ فؤادي عَامداً بسهامه
بنفسي حبيبٌ لم يَجُدْ لمحِبه ... بطيفِ خَيالٍ زائرٍ في مَنامه
أَلَمْ تعلَمي يَاعذْبَةَ الماء أنني ... فتىً فيك مخلوعٌ عِذَارُ لجامه
وإني وفيٌّ حافِظ لأَذِمَّتِي ... إذا لم يقم غيري بحفظ ذِمامه
يُبَشر ذَاكَ الشِّعْرُ شِعْرِيَ أنه ... سَيُوصل حبلي بعد طول انصرامه
وما شَكَّ طَرْفي أن طَرْفَكِ مُسْعِدي ... ومُنْقِذُ قلبي من حِبَال غَرامه
عليك سلام الله مِنْ ذِي تَحيَّةٍ ... وإن كان هذا زَائداً في اجترامه
ومن شعره أيضا فيها قوله:
تَبَسَّمَ عن دُرٍّ تَنَظَّمَ في الوَرْسِ ... وَأَسْفَرَ عنْ وجهٍ يَنوبُ عن الشَّمسِ
غَزَالٌ بَراهُ اللهُ من نُورِ عَرْشِهِ ... لِتَقْطيعِ أَنْفَاسي، وليس منَ الإنسِ
وَهَبْتُ له مُلكي وروحي ومُهْجَتي ... ونفْسي ولا شَيءٌ أَعَزُّ من النَّفْسِ
وقال أيضا فيها:
طال عُمْرُ الليْلِ عندي ... مُذْ تَوَلَّعْتِ بِصدِّي
يا غَزَالاً نَقَضَ الوُ ... دَّ ولم يُوفِ بِعَهدي
أَنَسِيتِ العهد إذْ بتْ ... نا عى مَفْرش وَرْدِ
(2/635)

واجْتَمَعْنَا في وشاحٍ ... وانتظمنا نَظْمَ عِقْدِ
وَتَعَانَقْنا كَغُصْنيْ ... نِ وقدَّانا كقدِّ
ونُجُومُ الليلِ تَحكي ... ذَهبا في لاَزَ وَرْدِ
وهذا تشبيه مصيب؛ ساقه في لفظ مختصر عجيب. ومثله في الحسن وانطباع الألفاظ والمعاني، قول
أبي بكر محمد بن أحمد الدِّمشقي الغسَّاني، وهو:
كَأَنَّ نُجُومَ الليْلِ حول مِجَرِّها ... وقد حدَّ منها للْغُروب عَزَائمُ
جُفُونٌ حَمَاهَا الشوقُ أن تُطْعَمَ الكَرى ... فَأَعْيُنُهَا مستيقظات نَوائمُ
وَوَصف النُّجوم وقد ظهرت في الماء، بعض الشعراء المجيدين فأحسن:
اُنْظُرْ إلى زُهْرِ النُّجُومِ وقَدْ بَدَتْ ... في النَّهْر يعجبُ ذَاتُها من ذَاتِهَا
فَكَأَنَّهَا سِرْبُ الحِسانِ تَطَلَّعَتْ ... لِترى منَ المرآةِ حُسْنَ صِفاتِهَا
وقال الأديب أبو تمام غالب بن رباح الأندلسي:
أَصِلُ السُّرَى والليل في خوضي له ... بَحْر رَكِبْتُ عليه أَسْبَح زورق
وَالأفقُ قد نظمَ النجومَ كَأنَّها ... دُرٌ تَنَاثر في بساط أزرقِ
(2/636)

وهذا لفظ أبي محمد بن وكيع حيث يقول:
حتَّى بَدَتْ زُهْر النجومِ كَأَنَّهَا ... دُرّ نُثِرْنَ عَلى بساطٍ أَزْرَقِ
قال: وهنَّأهُ بعض الشعراء بالخلافة، يوم بويع في قصيد كتب به إليه؛ في رَقٍّ مبشور، واعتذر من
ذلك ببيتين وهما:
الرَّقُّ مبشورٌ وفيه بِشَارَةٌ ... بِبَقَا الإمامِ الفاَضِلِ المستظهرِ
مَلِكٌ أَعَادَ العيش غَضّاً شَخْصُهُ ... وكذَا يَكونُ بِهِ طَوَالَ الأَدْهرِ
فأَجزل صلته، ووقع على ظهر رقعته بهذه الأبيات:
قَبلنا العُذْرَ في بَشْرِ الكتابِ ... لِمَا أَحْكَمْتَ مِنْ فَصْلِ الخِطابِ
وَجُدْنَا بالجَزَ مِمَّا لدينَا ... على قَدر الوجُودِ، بلاَ حِسابِ
فَنَحْنُ المنعمون إذا قَدَرْنَا ... ونحنُ الغافرون أذى الذباب
ونحنُ المطْلعونَ بِلاَ امْتِراءٍ ... شُمُوسَ المَجْدِ من فلك الثواب
قوله: (أذى الذباب). الأذى، هو الضرر بالشيء. والأذى: كل ما تأذيت به. قال امرؤ القيس:
(2/637)

وإذا أُذيتُ بِبَلْدَةٍ ودَّعْتُها ... ولاَ أُقيمُ بِغَيْرِ دَارِ مُقامِ
يقال: أَذِيَ الرجل يأْذَى أذىً. ورجل آذٍ: إذا كان شديد التَّأَذِّي.
وحكي أن رجلا من بني أمية، وقف للرشيد على طريقه، وبيده كتاب، وفيه أربعة أبيات:
يا أمينَ الله إنِّي قَائلٌ ... قولَ ذي صدق ولُب وَحَسَبْ
لَكُمُ الفضلُ علينا ولنا ... بكمُ الفضلُ على كلِّ العربْ
عبدُ شَمْسٍ كانَ يَتْلُوهَا شِماً ... وهُما بعْدُ لِأمٍّ وَلأَبْ
فصلِ الأرحامَ منا إِننا ... عبدُ شَمْسٍ عَمُّ عبدِ آلمطلبْ
فاستحسن قوله الرشيد، وأمر له لكل بيت بألف دينار. وقال: لَوْ زِدْتَنَا لَزِدْنَاك.
قوله:
قول ذي صدق ولُبّ وحسب
اللُّبُّ: العقل. وهو مأخوذ من لُبِّ النخلة، على جهة التشبيه بريه وجمعه ألْبَابٌ.
قال أبو بكر بن دريد: اللُّبُّ العقل.
(2/638)

يقال: لَبَّ الرجل يَلَبُّ؛ إذا صار لبيبا.
ولُبُّ كل شيء؛ الخالص منه. وهو داخل الشيء الذي يركبه القشر. ويقال: لَبَّ بالمكان لَبّاً، وأَلَبَّ به
إلْباباً؛ إذا لزمه وأقام به.
واللَّبَّةُ من الصدر؛ موضع القلادة والجميع لَبَّات. قال امرؤ القيس:
كَأَنَّ عَلى لَبَّاتِهَا جَمْرَ مُصْطَلٍ ... أَصَابَ غَضىً جَزْلاً وكُفَّ بِأَجْذَالِ
والتلْبيبُ؛ مجمع ما في موضع اللَّبَبِ من ثياب الرجل.
ومنه قولهم: أخذ فلان بِتَلابِيب فلان وكل من جمع ثيابه، وتحزَّم فهو متَلَبِّب. ويشبه به المتَسَلِّحُ
بالسلاحِ.
وقال صاحب العين اللَّبَب: البال. تقول: الأمر منه في لبَبٍ رخي: أي في بال رخي وسمى بذلك.
لأن فيه اللُّب. وقال أبو تمام:
سَأَشْكُرُ فُرْجَةَ اللَّبَبِ الرَّخِيِّ ... ولِينَ أَخَادِعِ الدَّهْرِ الأَبيِّ
واللبب من الرمل؛ شبه حِقْفٍ بين معظم الأرض، وَجَلَدِهَا، وهو مُستَرَقُّ الرمل. قال ذو الرمة:
بَرَّاقَةُ الجِيدِ وَاللَّباتُ وَاضِحَةٌ ... كَأَنَّهَا ظَبْيَةٌ أَفْضَى بِهَا لَبَبُ
وقال أبو تمام:
(2/639)

أَلْوَى بِصَبْرِك إِخّلاَقُ اللِّوَى وهَفَا ... بِلُبِّكَ الشَّوْقُ لَمَّا أَقْفَرَ اللَّبَبُ
وسمي لَبَباً للزوم بعضه بعضا؛ كلزوم لُبِّ الشيء له، وكذلك المُتَلَبِّبُ المُتَحزِّمُ بثيابه، بعضها ببعض.
وأخذ بتلبيبه؛ إِذَا لزمه في ذلك الموضع. ومنه: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ: أي ملازمة لأمرك، وإسعاداً لك. وهو
مصدر. مثنى للتكثير والمبالغة في التأكيد، لا تثنية حقيقة؛ بمنزلة قوله تعالى (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) أي نعمتاه. على
تأويل اليد هنا على النعمة.
وذهب يونس بن حبيب البصري في لَبَّيْكَ؛ إلى أنه اسم مفرد، وليس بمثنى، وان ألفه إنما انقلبت
ياء لاتصالها بالمضمر على حد لَدَيَّ وعلَيَّ.
وذهب سيبويه؛ إلى أنه مثنى، بدليل قلب ألفه ياء مع المظهر، وأكثر الناس على مذهب سيبويه.
قال أبو بكر بن الانباري ثنوا لَبَّيْكَ كما ثنوا حَنَانَيْك: أي تحننا بعد تَحَنُّن.
وأصل لَبَّيْك: لَبَّبْكَ؛ فاسْتُثْقِل الجمعُ بين ثلاث باءات؛ فأبدل من الثالثة ياء، كما قالوا من الظَّنِّ
تَظَنَّيْتُ. والأصل تَظَنَّنْتُ.
قال الشاعر:
(2/640)

يَذْهَبُ بي في الشِّعْرِ كُلَّ فَنِّ ... حَتَّى يَرُدَّ عَنِّي التَّظَني
أرادَ التظنن. ومثله تَسَرَّيْتُ سُرِيَّة. والأصل تَسَرَّرْتُ من السِّر؛ وهوالنكاح. ومثله لَبَّيْكَ. واشتقاقها
كما اختلف في صيغتها. فقيل: معنى لَبَّيكَ: اتِّجاهي وقصدي إليك؛ مأخوذ من قولهم: دارى تَلُبُّ
دَارَك: أيتواجهها. وقيل: معناها محبَّتي لك؛ مأخوذ من قولهم: امرأة لَبَّةٌ؛ إذا كانت مُحِبَّة لِوَلَدها،
عاطفة عليه وقيل معنى لَبَّيْكَ: إخلاصي لك؛ مأخوذ من قولهم: حَسْبُهُ لُبَاب؛ اذا كان خالصا محضاً.
ومن ذلك لُبُّ الطعام، ولُبَابه: أي خالصه.
وقيل معنى لبيك أي أنا مقيم على طاعتك. وإجابتك، مأخوذ من قولهم: قد لَبَّ الرجل بالمكان، وأَلَبَّ؛
إذا أقام فيه، ولزمه.
قال الشاعر:
مَحَلُّ الهَجْرِ أَنْتَ بهِ مُقيمُ ... مُلِبٌّ ما تَزُولُ وَلاَ تَريمُ
وقال الآخر:
لَبَّ بِأَرْضٍ مَا تَخَطَّاهُ العَنَمْ
(2/641)

قال أبو بكر بن الانباري: وإلى هذا المعنى، يذهب الخليل، وخلف الاحمر.
وفي حديث عبد الله بن عمر: أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ
لاَ شَرِيكَ لَكَ). والمعنى؛ إجابة لك، وإقامة عندك وملازمة وعن ابن جريج، عن ابن شهاب قال:
كانت تلبية قريش، وأهل مكة في الجاهلية، تلبية إبراهيم خليل الرحمان عليه السلام؛ حتى كان
عمرو بن يحيى فزاد فيه بعد قوله له: (لَبَّيْكَ لاَ شَريكَ إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك). قال: وتلبية
نزار، ومضر: (لَبَّيْكَ حقّاً حقّا تَعَبُّداً ورِقاً. جئناك للنصاحة ولم نأت للرَّقَاحة). وفي رواية أخرى:
(جئناك للرَّبَاحة) والنَّصَاحة؛ إخْلاَصُ العمل. والنَّاصِح؛ الخالص من كل شيء. يقال: نَصَحْتُ العسل؛
إذا صفيتها.
وقال: نفطويه نَصَحَ الشيء؛ اذا خَلَص. وأَنْصَحُ له القول؛ اذا أَخْلَصَه له. وفي كتاب الله تعالى (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ).
وفي الحديث عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن
(2/642)

تميم بن أوس بن خارجة الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الدِّين النَّصيحة، إن الدِّينَ النصيحة، إن الدين
النصيحة" قال أبو عبد الله المازري في كتاب (المعْلِم) له: النَّصِيحَةُ تحتمل أن تكون مشتقة من
نَصَحْتُ العسل؛ اذا صفيتُه. وتحتمل أن تكون من النُّصْح؛ وهي الخياطة. ويقال للإبرة: المنْصحَةُ
والنَّصاَحُ: الخيط الذي يخاط به. والنَّاصِحُ الخَائط. فمعناه أنه يَلُمُّ شَعَتَ أخيه بالنُّصْح، كما تلم
المِنْصَحَةُ خَرَق الثوب. وهذا القول، وقول نفطويه، متفقان في المعنى، والاشتقاق؛ لأنه يصفو لأخيه،
كما يصفو العسل إذا نصحَ قال أبو سليمانوالرَّبَاحَةُ: الرِّبْحُ. يقال: رَبَحٌ ورِبْحٌ ورباح وَرَبَاحَةٌ.
والرَّقَاحَةُ: جمع المال، وكسبه. والرَّقَاحيّ: التاجر. وفلان يَرْقَحُ معيشته: معناه يصلحها. قال الحارث
بن حلزة:
(2/643)

يتركُ ما رقحَ مِنْ عَيْشِهِ ... يَعيشُ فِيهِ هَمَجٌ هَامِجُ
ويروى يعبث فيه: أي يُعْبَدُ فيه.
قال: وكانت تلبية قيس عيلان، ومن وَالاَها، وكان بينهما، وبين بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكانوا لا
يستطيعون أن يدخلوا مكة متفرقين:
واللَّهِ لَوْلاَ أَنَّ بَكراً دُونَكا
يبارك النَّاسُ ويَهْجُرُونَكَا
مَا زَالَ منَّا غنجٌ يَاتونَكا
العَنَجُ الجماعة في السفر، قال: وكانت تلبية عكّ:
أَتَتْكَ عَكُّ عَانيَهْ
عِبَادُكَ آمْ يَمَانِيَهْ
على قِلاَصٍ نَاجِيَهْ
العانيةُ: الخاضعة الأعناق، يقال: عَنَا الرَّجُل يَعْنُو: إذا خضع وذَلَّ. قال اللَّه تبارك وتعالى (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ) أي
ذلت. قاله ابن عباس وغيره
(2/644)

ولذلك قيل للأسير: عَانٍ. وقوله: (عبادك أَمْ يَمانيَة) يريد اليمانية. جعل
أمْ بدلاً من اللام، وهي لغة لهم، كقول أبي هريرة: (طَاب أمْ ضَرْب) يريد: طاب الضرب؛ أي حلَّ القتال.
رجع
قوله: عبد شمس كان يتلوهاشما: يريد أنهما كانا أخوين، وأبوهما عبد مناف بن قصي. واسم هاشم:
عمرو. وفيه يقول الشاعر:
عُمْرو العُلاَ هَشَم الثَّريدَ لِقَوْمه ... ورِجَالُ مَكَّة مُسْنِتُونَ عِجَافُ
وبفعله ذلك سمي هاشما.
وحكى أبو المطرف عبد الرحمان بن فُتُوح، عن نفسه قال بينما أنا ذات ليلة في رمضان؛ أطوف
بالمسجد الجامع (بألمرية) وأردد قول العباس بن الأحنف:
وأحسنُ أيّامِ الهَوَى يَومُكَ الذي ... تُروَّعُ بالتحريش فيه وبالعتْب
إذا لم يكن في الحبِّ سُخْطٌ ولا رِضىً ... فَأَين حلاوةُ الرسائل والكَتبِ
(2/645)

وإذا بفتى وسيم، كما شب عقيق خديه؛ وتم شَاربه بالتذكير عليه، وكأنما طبعت الصوارم من عينيه،
واستعير اللين من عطفيه فسلم عليّ سلاما؛ ارتاحت له نفسي؛ وَتَنَسَّمتُ منه أُنْسي، فردَدْتُ عليه
السلام، رَدَّ مَنْ تَوَسَّمَ فيه سِمَةَ الفَهْمِ، مُتَحَقِّقاً بالاختبار لا بالوهم. فقال لي: بحرمة الأدب ألا ما أعدت
عليّ إنْشادك فأنشدته القطعة بجملتها. فقال لي: وَرِيَتْ بِكَ زِنَادي؛ وَسَقَتْكَ الرَّوَائح والغَوَادي. أخبرني
عن السبب الموجب لإنْشَادِك البيتين، وترْدِيدهما.
فقلت له: بُليتُ بخلّ مولعٍ بالخلاف؛ قَليلِ الإِنْصَاف. إن لا يَنْتُه غَضب؛ وإن استعتبته عَتب. وقد
يعلم الله اشفاقي لفرقته؛ وتشوقي لرؤيته. فقال لي: جنبك الله عتبه؛ وقلب لك قلبه. ثم ولَّى عني، وقد
غرس الله في قلبي ثمرة وِدِّه؛ وأَشْفَقْتُ من بعده. فبت ليلتي تلك مستأنسا بخياله؛ مسرورا بوصاله،
حتى بدت غرة الصبح لامعة، كأنها عجاجٌ سُلَّ من تحته مُنْصُل؛ وخليجه ينساب كأنه جدول فقمت
بانيا على قصده؛ فلم ألبث أن سمعته يَنْشُد، ويَطْلُب مَنْزِلي، فوصل، وقرع الباب، فأذنت له فدخل،
فقمتُ إليه، ورَحَّبْتُ به، فقال لي: يا ابن الكرام هذا يَوْمٌ قد تَكَاثف غَيْمُه؛ وتَجَهّم أُفْقُه، وخَفَق قلبُ
رعده، ولمع بَرْقُه. ونحن لا نجد السبيل إلى الخمر، فبم نقطعه. فقلت: الرأي إلى سيدي، أبقاه الله.
فقال لي: كيف ذكرُك لرجال مصْرك؛ ووُقوفك على نبهاء عصرك. قلت: خَيرذكر. فقال أخبرني من
أعذبهم لفظا، وارجحهم وزناً قلت: الرقيقُ حاشية الظَّرف، الأنيق ديباجة اللطف، أبو حفص بن برد.
قال: فمن أقواهم استعارات، وأصحهم تشبيهات، قلت: البحر العجاج، السراج الوهاج أبو عامر بن
شهيد. قال: فمن أَذكرهم للأشعار، وأقصهمْ للأخبار. قلت: الحلو الظريف، البارع اللطيف، أبو الوليد
بن زيدون. قال: فمن أكلَفُهم بالبديع، وأشْغَفُهُم بالتقسيم والتتْبِيع. قلت: الرَّاتع في روض الحَسَب،
المستظل بِمَرْخ
(2/646)

الأدب، أبو بكر يحيى بن إبراهيم الطبني. وأنشد:
وخاطب قُسّاً في عُكَاظٍ مُجَاوباً ... على البُعْدِ سَحْبانٌ فألجمَهُ قسُّ
فَمَا رَأَيْتُ فَتى أظرف منه، على صِغَر سنه، فتذاكرنا بَقِية يوْمِنا، الى أن فَرقَ اقبالُ الليل بيننا.
فبقيتُ أُْنْشد بمَفَاخرِه، وأَذْكُرُ مَآثِرَه، وأرى أنّه في الدَّهْر إحْدَى غرائبه، وأُعْجوبة من عجائبه.
قال أبو إسحاق:
نسب أبو المطرف البيتين اللذين في أول الحكاية، للعباس بن الأحنف ونسبهما غيره، لأبي حفص
الشطرنجي، مولى المهدي. وقرأتهما في النوادر لأبي علي البغدادي لغيرهما:
تحبَّبْ فإن الحبَّ داعيةُ الحبِّ ... وكَمْ منْ بعيد هو مُسْتَوجِبُ القُرْبِ
تَفكَّرْ فإن حُدِّثْتَ أَن أَخَا هَوىً ... نجا سالماً فارجُ النجاةَ من الحُبِّ
وآحسنُ أَيام الهَوى يومُك الذي ... تروَّعُ بالتَّحْريش فيه وبالعَتْبِ
إذا لم يكن في الحب سُخطٌُُ وَلاَ رِضىً ... فأين حَلاَوَةُ الرسائلِِ والكُتْبِ
(2/647)

هذا ما ثبت في (النوادر): لست أَدري، أكملت القطعة. أم بقي منها شىء؟ وأخذ المعنى الأخير منها
كشاجم فقال:
لولا اطراد الصَّْْْيد لم تَكُ لذَّةُ ... فتطاردي لي بالوصَالِ قليلا
هو الشَّراب أَخُو الحَيَاة ومالَهُ ... من لَذَة حتى يُصيب غَليلا
وأخذه الآخر، وضمنه اعتذار تأخير هدية. فقال:
أَخَّرَ ما عنده لتَطْلُبَهْ ... ولَذةُ الصَّيد حينَ تطردهْ
وأخذه أبو بكر بن عمار فقال:
فلولاامتناعُ الفَتاةِ الكَعَا ... بِ لَمَا كَمُلَتْ لَذَّةُ النَّاكِحِ
وهو معنى قد وُلِجَ بابُه، وتُجُوذ بت أهدابه، وأصله من المثل السائر: (تَمنَّعي أشْهَى لك).
وحكى إبراهيم بن المهدي عند نفسه قال: خرجت في بعض الأيام، من عند المامون، فطفت في أزقة
بغداد متنزها، حتى أتيت الى زقاق، وفيها دار بأعلاها شباك مطل. فنظرت إلى الشباك، فرأيت كفا
ومعصماً، دلَّه عقلي،
(2/648)

وكدت لا أتمسك على مركوبي فالتفت إلى خائط بمقربة من الدار، فمشيت إليه،
وسألته عن صاحب الدار. فقال لي: هو رجل من تجار البز. فسألته عن اسمه. فقال: فلان بن فلان.
فقلت: أهو ممن يشرب النبيذ؟ قال لي: نعم، وأحسب أن عنده اليوم راحة. فقلت:
ومن ينادمه؟ فقال: تجار مثله. فبينما أنا واقف مع الخَائط أسأله، إذْ أقبل فَتيان راكبان في أوَّلِ
الدَّرْبِ. فقال الخائط: هذان منادماه اليوم. فسألته عن أسمائِِهما. فقال: فلان وفلان. فقلت: أكون اليوم
طفيليا. فحركت دابَّتي، وداخلتهما. وقلت لهما: جعلت فداكما قد استبطاكما أبو فلان - أعزه الله -
أعني صاحب الدار. وسايرْتُهُماحتَّى بَلَغْنَا البَاب، فأَجَلاَّنِي وقدمانِي. فدخلْتُ، ودَخَلا. فلما رآني معهما،
لم يشك أني منهما، بسبيل أو قادم قدمت عليهما، فرحبَ بي، وأقْعَدَني في أجل المَراتب، ثم جيء
بالطعام، فأكلنا طعاما مختلف الألوان لا أدْرِِي، أطعمه طيب، أم رَائِحتَه. وكنت قبل أن أدْخل المنزل،
قد شممت رائِحَة تلْكَ الأَلْوَان، فَتَمَنَّيْتُها، وشَغَلَني عنها الكف والمعصم. فقلت حينئذ: هذه الألوان!
فمن لي بالكف والمعصم. ثم سرنا الى مجلس المنادمة، فحللنا في أحسن منزل فشربنا أقداحا، ثم
أقبلت جارية راعني جمالها، كأنها قمر، فسلمت، وقعدت، وجئ بعود، فوضع في حجرها، فجسَّتْه،
فاستبنتُ حذقها في جسها للعود، ثم اندفعت تغني:
توهَّمه طَرْفي فأصْبحَ خَدُّه ... وفيه مكَانَ الوهم من ناظِري أُثَرْ
وصافحُه كفي فآلم كفه ... فَمِنْ لَمْسِ كفي في أنَامِله عَقَرْ
(2/649)

ومَرَّ بِفِكري خاطراً فَجَرحته ... ولم أرَ شيئا قَطُّ يَجْرَحَهُ الفِكَرْ
فهيجت بلابلي، وطربت بحسن شعرها، ثم غنت:
أشرتُ اليها هل عرفتِ مَوَدَّتي ... فَرَدَّتْ بِطرفِ العيْن إني على العهد
فَجُدْتُ عن الإِظهَار حِفظاُ لِسِرِّهَا ... وحادت عن الإِظهار أيضاً على عمْدِ
فصحْتُ: السِّلاحَ وفجأني من الطرب، ما لم أملك به نفسي، ثم اندفعت تغني:
أليس عجيباً أنَّ بيتاً يضمُّني ... وإيَّاكِ لا نخلو ولا نتكلمُ
سِوَى أعْينٍ تَشكُو الهوى بجُفُونها ... وَتَقْطيعِ أنفاس على النار تُضْرَمُ
إشَارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسيرُ أجفانٍ وكف يسلّم
فحسدتها - والله - على معرفتها بالغناء، وإصابتها المعنى، وأنها لم تخرج عن المعنى الذي ابتدأت
به غناءها. فقلت: بقي عليك يا جارية، فضربت بعودها الأرض، وقالت: متى كنتم تحضرون
مجالسكم البغضاء؟ فتغير القوم لذلك، فندمت على ما كان مني، ثم قلت: أما عندكم عودُ غير هذا؟
قالوا: بلى. فأتيت بعود، وأصلحت من شأنه، ثم غنيت:
ما للمنازل لا يُجبن حزينا ... أَصَمِمْن أم بَعُد المدى فبلينا
(2/650)

رُوحُوا العشية روحة مذكورة ... إِنْ متْنَ مِتْنا وإن حيينَ حَييناً
فما أتممت الغناء، حتى قامت الجارية، فأكبت على رجليّ تقبلهما. وقالت: معذرة يا سيدي. فوالله ما
سمعت أحداً يغني هذا الشعر غناءك. وقام مولاها، والرجلان، ففعلوا كفعلها وطربوا، واستحسنوا
الشراب، فشربوا بالطاسات، ثم اندفعت أغني:
أفي الحقِّ أن أُمسي ولا تذكرينني ... وقد سجمت عيناي من ذكرك الدَّما
إلى الله أشْكو بُخلها وسماحتى ... لها عَسَلٌُ مني وَتَبْذُلُ عَلْقما
فداوي مصاب العقل أنْتِ دواؤه ... ولا تتركيه ذاهل العقل مُغْرَما
إلى الله أشكو أنها أجنبية ... وإني لها بالوُدِّ ما عِشْتُ مكرما
فطرب القوم حتى خرجوا عن عقولهم، أو كادوا. فأمسكت عنهم ساعة، حتى تراجعوا ثم غنيت:
هذا مُحبك مَطوِيّاً على كمده ... فاضَتْ مدامعه سحّا على جسَدِهْ
له يَدٌ تسأل الرحمانَ راحتَه ... مما به ويدُ أحْرى على كَبِدهْ
فجعلت الجارية تصيح: هذا والله، هذا والله، لا ما كنا فيه. وسكر القوم، وكان صاحب المنزل حسن
الشرب، صحيح العقل. فأمر الغلمان أن
(2/651)

يخرجوا الرجلين الى منازلهما، وخلوت معه، فشربنا ساعة،
ثم قال لي: يا سيدي ذهب ما مضى من أيامي باطلا، اذ كنت لا أعرفك. فمن أنت يا مولاي؟ ولم
يزل يلحُّ علي، حتى أخبرته الخبر. فبادر اليّ، وجعل يقبل رأسي، ويقول: يا سيدي، ولا تكون هذه
المحاسن إلا لمثلك. وإني لجالس مع الخلافة، ولا أشعر.
ثم سألني عن قصتي، فأخبرته بما رأيت من الكف والمعصم. فقال للجارية: قومي، فقولي لفلانة
تنزل. فلم يزل ينزل إلي جواريه، واحدة بعد أخرى، فأنظر إلى كفها ومعصمها وأقول: ليس هي،
حتى قال لي: والله ما بقي غير أمي، وأختي. ووالله لأنزلتهما اليك. فعجبت من كرمه، وسعة صدره.
فقلت: جعلت فداك أبدأ بالأخت قبل الأم، فعسى أن تكون هي. فبرزت، فلما رأيت كفها ومعصمها.
قلت: هي هذه. فأمر غلمانه، فصاروا إلى عشرة من جيرانه، فأقبلوا معهم، وأمر ببدرتين، فيهما
عشرون ألف درهم. ثم قال للمشائخ: هذه أختي فلانة، أشهد كم أني قد زوجتها من سيدي ابراهيم بن
المهدي. وأمهرتها عنه عشرة آلاف درهم فرضيت، وقبلت النكاح. ودفع إليها البدرة، وفرق الأخرى
على المشايخ. وقال: انصرفوا راشدين، بارك الله عليكم. ثم قال: يا سيدي، أمهد لك في بعض
البيوت، فتنام مع أهلك. وأحشمني ما رأيت من كرمه. فقلت: بل أُحضر عمارية، وأحملها الى
منزلي. فقال: ذلك لك. فكان ما أمرت به. فوالله لقد تبعها من الجهاز ماضاقت عنه البيوت. فجاءني
منها ولد، يقوم رأس أمير المؤمنين، أيده الله.
حدث إبراهيم بن المهدي بهذه الحكاية، في مجلس: أبي العباس المأمون في اليوم الذي أذخل عليه
الزنادقة العشرة، والطفيلي معهم، ساعة جيء بالرجل الطفيلي فقال المأمون من هؤلاء القوم قد نفذت
عدتهم؟ فقيل له:
(2/652)

وجد مع القوم، فجيء به. فسأله المأمون عن قصته، فقال له: أنا رجل طفيلي.
وخبره مشهور. فأمر المأمون بتأذيبه، على فرط تطفيله، ومخاطرته بنفسه وكان إبراهيم بن المهدي
قائما، بين يدي المأمون. فقال: يا أمير المؤمنين هب لي ذنبه، وأحدثك بحديث عجيب في التطفيل
عن نفسي. قال: قل يا إبراهيم. فحدثه الحكاية المذكورة فتعجب؛ المأمون من كرم ذلك الرجل. وأطلق
الطفيلي، وأعطاه عطية سنية، وأمر ابراهيم باحضار ذلك الرجل فصار بعد ذلك اليوم من خواص
المأمون وأهل مودته ولم يزل معه على أحسن الأحوال في المنادمة وغيرها.
ومما يناسب هذه الحكاية، حدث أبو محمد الشعبي الوراق، وكان على باب (خراسان)، على الجسر
الأول، عن حماد بن إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب الموصلي قال: بينا أنا ذات يوم عند المأمون، وقد
جلا وجهه، وطابت أنفاسُه، إذ قال: يا اسحاق هذا يوم خلوة وطيب. فقلت: طيب الله عيش أمير
المؤمنين، وأدام سروره وفرحه. فقال: يا غلمان صدوا علينا الباب، واحضروا الشراب. قال: ثم أخذ
بيدي، وأدخلني مجلساً غير المجلس الذي كنا فيه، واذا به قد نصب فيه كل ما يحتاج اليه، حتى كأنه
كل شيء كان قد تقدم الإذن فيه. فأكلنا وشربنا، وأخذنا في لذتنا، وأقبلت الستارات من كل ناحية،
بضروب من الغناء، وصنوف من اللهو. فلم نزل على ذلك، الى آخر أوقات النهار. قال: فلما غربت
الشمس، فقال لي: يا إسحاق! خير أيام الفتى أيام الطرب. قلت هو والله يا أمير المؤمنين. قال: فاني
فكرت شيئا. فهل لك فيه؟ قلت: يا سيدي أوَ أتأخَّر عن أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه. قال: لعلنا
نباكر الصبوح في غدوة غد، وقد عزمتُ على دخلة إلى دارالحرم، فكن
(2/653)

بمكانك، ولا ترمْ، فاني وافيك عن قريب. فقلت: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين!
ثم مضى الى دار النساء، فما علمت به خبراً إلى أن ذهب من الليل عامته.
قال إسحاق: وكان المأمون من أشغف خلق الله بالنساء، وأشدهم ميلا اليهن. فعلمت أن النبيذ قد غلب
عليه، وأنهن قد أنسينَه أمري، وما كان تقدم له من ذكري لسرعة رجوعه. فقلت في نفسي: هو -
أعزه الله - في لذته، وأنا هنا في غير شئ. وفي َّبقية، وعندي صبيَّة، قد كنت اشتريتها. وكانت
نفسي متطلعة إلى افتضاضها، فنهضتُ مسرعاً عند ذكرها. فقال الخدم: يا سيدي! أيَّ شئ عزمت،
وأين تريد. قلت: أريد الإنصراف. قالوا: فإنْ طلبك أمير المؤمنين. قلت: انه أدام الله سروره من لذة
طربه، واشتغاله، وما هو فيه يشتغل عن طلبي. وقد كان بيني وبينه موعد، قد جاز وقته، ولا وجه
لجلوسي قال إسحاق وكنت مصدقَ القول في دار المأمون، مسموع القول، لا أعارض في شئ.
فخرجت أبادر الباب، فلقيني غلمان الباب، وأصحاب النَّوبة. فقالوا: يا سيدي إن غلمانك قد انصرفوا،
وكانوا قد جاؤوك بدابة، فلما علموا بمبيتك في الدار انصرفوا. قلت: لأصبر، وأنا أتمشى الى الدار
وحدي. قالوا: نحضرك دابة من دواب النَّوبة. قلت: لا حاجة لي بذلك. قالوا: فنمشي بين يديك
بمِشعل. قلت: ولا أريد ذلك. ومضيت حتى اذا صرت ببعض الطريق، وجدت حركة البول، فعدلت
الى بعض الأزقة، لئلا يراني أحد من العوام أبول على الطريق فَبُلت حتى إذا قمتُ لبعض الحيطان،
اذا بشئ معلق من بعض ذلك الدور الى الزقاق. فما تمالكت أن تماسحت، ثم دنوت الى ذلك الشيء،
لا أعرف ما هو فاذا أنا بزنبيل معلق كبير، بأربعة آذان فاذا هو ملبس بديباح، وفيه أربعة أحبُل
(2/654)

إبريسم فلما نظرت إليه، وتبينته قلت: والله، إن لهذا لسبباً، وإن له امرا. وأقمتُ ساعة أروِّي أمره،
وأفكر فيه، حتى اذا طال ذلك، قلتُ: والله لأتجاسر، ولأجلسن فيه، يكون ذلك ما يكون. ثم لففت
رأسي بردائي، وجلست في جوف الزنبيل. فلما أحسَّ من كان على ظهر الحائط بثِقله جذبوا الزنبيل
اليهم، حتى انتهوا إلى ظهر الحائط، فإذا بأربعة جوار صغار، يقلن لي: انزل بالرحب والسعة.
أصديق أم جديد؟ فقلت: لا بل جديد. فقلن: يا جارية قومي بين يديه بالشمعة وأبدرت بين يدي
بشمعة، حتى نزلت الى دار نظيفة بها من الحُسن والظرف والنظافة ما حِرْتُ له، ثم أدخلتني الى
مجالس مفروشة ومناصِّ مرصوصة، بصنوفٍ من الفرش الذي لم أر مثله إلا في دار ملك أو خليفة،
فجلستُ في أدنى مجلس من تلك المجالس، فما شعرت بعد ساعة إلا بضَجَّة وجَلَبَة وستُور قد رُُفِعَتْ
في ناحية من نواحي الدار، وإذا بوصائف يتَسَاعيْن، في أيدي بعضهنَّ الشمع، وبعضهن المجامر،
يسجر فيهن فيهن العود والعنبر، واذا بينهن جارية، كأنها قمر طالع على الغصون، فما تمالكت عند
رؤيتها أن نهضت فقالت: مرحبا بك من زائر، وليس تلك عادتك. وجلست، ورفعت مجلسي عن
الموضع الذي كنت فيه. فقلت: عن ما قصد: والله، الى ذلك، ولا أعلم كان وقع الي. فقالت: فعلى كل
حال أنسيت. قلت: انصرفت من عند بعض اخواني،
(2/655)

وظننت أني على وقت، فخرجت في وقت ضيق، فحركني البول، فعدلت إلى هذا الطريق فوجدت زنبيلا معلقاً،
فحملني النبيذ أن جلست فيه فان كان خطأ، فالنبيذ حملني عليه، وإن كان صوابا فالله ألهمنيه. قالت: لا ضير، إن شاء الله. وأرجو أن تحمد عواقب أمرك. فما صناعتك؟ قلت: بزاز قالت أين: مولدك؟ قلت: بغداد، قالت: وأيِّ الناس؟
قلت: من أوساطهم. قالت: حياك، وقرت دارك. فهل رويت من الأخبار شيئا. قلت: شيئا ضعيفاً
فقالت: ذاكرنا شيئا مما حفظت. قلت: جُعِلْتُ فداك، ان للداخل دهشة، ولكن تبتدئين بشئ من ذلك،
فأتأنس بالمذاكرة. قالت: لعمري، لقد صدقت. فهل تحفظ لفلان قصيدته التي يقول فيها كذا وكذا. ثم
أنشدتني لِجماعة من الشعراء الأقدمين، والمحدثين، من أحسن أشعارهم، وأقاوليهم، وأنا مستمع أنظر
من أي أحوالها أعجب: من ضبطها، أم من حُسن لفظها، أم من حسن اقتدارها على اللفظ، والنحو،
ومعرفة وزن الشعر. ثم قالت: أرجو أن نذهب عنك بعض ما بك من الإنقباض، فقلت: أي والله، قد
كان ذلك ثم قالت: فإن: رأيت أن تنشدنا من بعض ما تحفظ فافْعَلْ قال: فاندفعتُ أُنشد لجماعة من
الشعراء، فاستحسنتْ نشيدي، وأقبلت تسألني عن أشياء تمرُّ في شعري كالمختبرة لي، وأنا أجيبها بما
أعرف في ذلك، وهي مُصْغيّة اليَّ، ومستحسنة لما آتي به، حتى إذا أتيتُ على ما فيه مَقْنَعٌ، قالت:
والله ما قصَّرت، وما توهمت فيك ما ألفيت، وما رأيت في أبناء التجار وأبناء
(2/656)

السُّوقة مثلَ ما معك، فكيف معرفتك بالأخبار وأيام الناس؟ قلت: قد نظرت في شئ من ذلك. فقالت: يا جارية أحضرينا ما
عندك. فما غابت عنا شيئا، حتى قدمت إلينا مائدة لطيفة، قد جمع عليها غرائبُ الطعام السريِّ،
فقالت: إن الممالحة أوَّل الرضاع، فدونك. فتقدمت، فأقبلت أعتذر بعض الاعتذار، وهي مع ذلك
تحثني وتضع بين يديِّ، وإني لمتقسَّم القلب لِمَا أرى من ظرفها وعقلها، وحسن خفرها، وكثرة أدبها،
حتى رُفِعت المائدة، وأحضرت آنيةُ النبيذ فوضعت بين يدي صينية وقنينة وقدح ومِغْسل، وبين يديها
مثلُ ذلك، وفي وسط المجلس من صنوف الرياحين وغرائب الفواكه، مالم أره اجتمع لأحدٍ، إلا لوليِّ
عهدٍ أو سلطان، قد عُبِّئَ أحسن تعبئة، وهيءَ بأحسن تهيئة
وحكى نصر بن علي الجهضمي قال: كان رجل طفيلي يجاورنا، فكنت إذا دعيت إلى مكان، ركب
بركوبي، ومضى معي. فدعاني ذات يوم جعفربن سليمان أميرالبصرة، فركبت، وركب الطفيلي معي.
فقلت: والله، لأفضحنه اليوم. فلما حضرت المائدة، أقبلت على الطفيلي، فقلت: حدثنا ابن زياد عن
أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله صلى
(2/657)

الله عليه وسلم. قال: "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله"،
"ومن مشى الى طعام ولم يدع اليه فقد دخل سارقا وخرج مغيراً"، قال: فأقبل الطفيلي عليّ،
وقال أبا عمرو. وتروي هذا الحديث، على مائدة الأمير. ولعل لا يحضرها أحدٌ، إلا
وهو يظن بك أنك تقصده به. أما علمت أن ابن زياد هذا كذاب، متروك الحديث، وأن أبان بن طارق
كان يمشي في السكك، فيلعب به الصبيان. أين أنت من حديث أبي عاصم عن ابن جريح، عن أبي
الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم،
(2/658)

قال: "طعام الواحد كافي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة"
قال نصر: فكأني لقمت حجراً في فمي. فلما خرجنا أقبل عليّ الطفيلي وجعل يقول:
ومَنْ ظَن مِمَّنْ يُلاقِي الحُروبَ ... بألاَّ يُصابَ فقدْ ظَنَّ عَجْزَا
وحكى بعض الأدباء، قال: كان بسوسة إفريقية رجل أديب ظريف، فهام بغلام جميل من غلمانها،
يروق العين منظره، ويسترق الأحرار مخبره فلما استولى على ذلك الرجل غرامه، وكلفه، وتمادى به
أسفه وشغفه، عمد الى المدام، ليداوي بها بعض ما يجد من الآلام، فشرب منها فوق المقدار، وأسرف
حتى غلبت على عقله سورة العقار، وحمله السكر على خلع ثوب الوقار، فأخذ قبس نار، وجاء الى
دار ذلك الغلام ليحرقها؛ فرأى ذلك من فعله بعض الجيران، فأطفأ النار، وسلمت الدار، وبقي عليها
من السَّتر أوقى صَدار. فلما أصبح، جيء بالرجل إلى الحاكم، لما وشى به أهل النمائم،
(2/659)

فسأله لم فعل ذلك، فأنشأ يقول:
لمَّا تمادى على بِعَادي ... وأضْرمَ النَّارَ في فُؤَادِي
ولم أجِدْ مِنْ هَوَاهُ بُدّاً ... ولا مُعيناً عَلَى السُّهادِ
حَمَلْتُ نَفْسي عَلَى وُقُوفي ... بِبَابِهِ حَمْلَةَ الجَوادِ
فَثَارَ مِنْ بَعْضِ نارِ قَلْبِي ... أَقَلَّ مِنْ قَدْحَةِ الزِّنادِ
فاحترقَ الدَّارُ دونَ عِلْمي ... ولم يكنْ ذاكَ منْ مُرَادِى
فاستظرفه قاضي البلاد، وتحمل عنه قيمة ما أفسد.
قال أبو عبد الله الحميدي: فكنت أظن أن هذه المعنى ممَّا تفرد به هذا الرجل حتّى أخبرتُ أن
نصربن أحمد دخل على أبي الحسين المثنى في
(2/660)

إثر حريق المربد فقال له: هل قلت في هذا شيئا؟ فقال: ما قلت شيئا ولكن أنشدك ارتجالا:
أتتكم شهود الورى تَشْهد ... فَمَا يستطيعون أَنْ يَجْحدوا
فَيَامِرْ بَدِيُّونَ ناشدتكم ... على أَنَّني مِنْكُمُ كَمِدُ
جَرَى نَفَسي صُعُداً نحوكم ... فَمِنْ حرٍّه احترق المِرْبدُ
وهاجت رياحُ حنيني لكم ... فظلت بها نارُكم توقدُ
فلولا دموعٌ جَرَتْ لم يكنْ ... حَرِيقُكُمُ أَبَداً يَخْمُدُ
قوله:
وهاجت رياح حنيني لكم
البيت.
كقول أبي اسحاق الحصري:
وَلَقَدْ تَنَسَّمْتُ الريَاحَ لَعَلَّني ... أَرْتَاحُ أَنْ يبعثن منك نسيما
فَأَثَرْنَ منْ حُرَقِ الصبابة كامناً ... وأذَعْنَ من سِرِّ الهوى مكتوما
وكذَا الريَاحُ إذا مررنَ على لَظى ... نارٍ خَبَتْ ضَرَّمْنَهَا تَضْريماً
(2/661)

وفي معناه يقول ابن هُذَيْلِ القرطبي:
رَوَّحَني عَائِدي فقلتُ له ... مَهْ لا تَزِدْنِي على الذي أجِد
أَمَا تَرَى النَّارَ وَهْيِ خَامِدَةٌ ... عند هُبوبِ الرّياح تَتَّقِدُ
قوله: (مَهْ) معناه: اكْفُف. يقال: مَهْمَهت بالرجل؛ إذا زجرته. ومثله صَهْ. ومعناه: اسكت.
وفي الحديث عن: ابن عباس، أن النبي عليه السلام دخل على عثمان بن مظعون حين مات. فأكب
عليه ثم رفع رأسه، فكأنهم رأوا أثر البكاء في عينيه، ثم جثا عليه الثانية؛ فرفع رأسه فرأوه يبكي، ثم
جثا عليه الثالثة، ثم رفع رأسه، وله شهيق فعرفوا أنه يبكي، فبكى القوم. فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: "مَهْ. إنما هذا من الشيطان. ثم قال: استغفروا الله".
وفي الحديث أيضا، فيما روى معمر عن الزهري، عن صفوان بن
(2/662)

عبد الله بن صفوان، أنه قال: قام رجل يوم صفين. فقال: اللهم العن أهل الشام.
فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: مَهْ. لا تسب أهل الشام جَمّاً غفيراً؛ فإن منهم الأبدال.
قول علي رضي الله عنه: (جَمَّاءٌ غفير) كلمة معناها: الوفور والكثرة.
وحكى أبو عمر المطرز فيها ثلاث لغات. يقال: جاء القوم جَمّاً غفيرا. وهذا أفصحها. وكذا جاءت
في حديث أبي ادريس الخولاني قلت: يا رسول الله: كم الرسل من ذلك؟ قال: ثلاث مائة وثلاثة عشر
جما غفيرا. الحديث.
وجاء القوم جَمَّاء الغفير، والجَمَّاء الغفير، وعلى هذه اللغة الثالثة جاء قول الشاعر:
كبيرُهم وطِفْلُهُم جَميعاً ... هُمُ الجَمَّاءُ في اللَّوْمِ الغَفيرُ
وقال الكميت:
وقد كان جِلَّتُهُمْ والرَّعَا ... عُ جَمَّاءَ في شَنآنِي غفيرا
وحكى غير أبي عمر وجاء القوم جَمَّا الغفير، بالإضافة. قال أبو عمر
(2/663)

وقد تناظر فيها أبو العباس أحمد بن يحيى ومحمد بن يزيد في الاعتلال لها، والاحتجاج لإلزامها، النَّصَفُ من الإعراب.
وحكى عن البصريين، ومن يقول بالاشتقاق. الجَمَّاء، مشتقة من قولهم بئر جَمَّة أي كثيرة الماء.
والغَفِير؛ مأخوذ من الغَفْرِ، وهو السَّتْر، ومنه سمى المِغْفَر، لأنه يُغَطي الرأس ويسْتُره. والمعنى أنهم
لكثرتهم يغطون وجه الأرض وحكى غير أبي عمر أن المعنى: جاءوا جميعا. والجَمَّاءُ الغَفير؛ بيضة
الحديد التي تجمع الشعر. والمعنى أنهم جاءوا مجتمعين، كاجتماع البيضة، وما تحتها من جَمَّة الشعر،
وهو اجتماعه. والغفير من قولهم: غَفَرْتُ المتاع، إذا غطيته وسترته. وانتصابه على الحال قال أبو
حاتم: تقول العرب: هم فيها الجَمَّا الغَفير بالنصب على توهم جَمّاً غفيرا. لأن الحال لا يكون معرفة.
قال: وهذا مثل قوله:
لا هَيْثَمَ الليلةَ للمطي
وهيثم معروف بعينه. وإنما تنصب في النفي النكرات، وترفع المعارف. ومثل قوله: لا هيثم الليلة
للمطي: قول معاوية: كان إذا أتته معضلة شديدة يقول: (مُعْضِلَةٌ ولا أبا حسن لها).
وحكى سلمة، عن الفراء أنه قال: هذه معرفة وضعت في موضع
(2/664)

النكرة، وأعطيت إعرابها. كأنه قال: معضلة ولا رَجُلٌ لها كأبي حسنٍ، يؤخذ عِلْمُهَا من قِبَلِهِ
وحق التبرئة أن تقع على النكرة كقولك: لا باكيةَ لخَمرة، ولا حامية للجيش.
وكقول الشاعر:
تعدو الذئاب على من لا كلاب له
رجع
وما أحسن قول ابن الرومي في المعنى المتقدم:
لاَ تُغْرين جوىً بِلَوْمٍ إنَّهُ ... كالريحِ لا يُغْري الناربالإحراق
وقول عبد المحسن أيضا:
قَبَّلْتُهَا أشْتَفي بِقُبْلَتِها ... فَزَادَني ذَلك اللَّمَى أَلَمَا
(2/665)

ولأبي العشائر في المعنى وهو:
ما بالُ ريقك ليس مِلْحاً طَعْمُهُ ... ويزيدني عَطَشاً إذا ما ذُقْتُهُ
وحكى أبو العباس محمد بن يزيد المبرد قال: ارتاح محمد بن عبد الله بن طاهر يوما للمنادمة، وقد
حضرهُ وزِيرُهُ ابن طالوت، وكان أخصَّ النَّاس به، وأَحْضَرَهُم لِخَلَوَاتِه. فَأَقْبَلَ عليه، وقال: لا بد لنا
في يومنا هذا، من ثالث تَطِيبُ بقوله المُعَاشَرَة، وتَلَذُّ بِمُؤَانَسَتِه المُنَادَمة. فَمَنْ تَرى أَنْ يَكُون؟ واعفنا
من شَرسِ، الأَخْلاق، أَوْ دنس الأَعراق، أَو طَاهِرِ الأَخلاق. فَأَعْمل ابن طالوت فكره، ثم قال: أيُّها
الأمير، خَطَر ببَالي رَجُلٌ، ليست علينا من مُجَالسته مؤُنة. قد خَليَ من إبْرَام المَجَالِس، وبَرِئَ من ثِقَلِ
المُؤَانس. خفيف الوطأة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أردت. قال: وَمَنْ ذلك؟ قال: ماني الموسوس.
قال: أَحْسَنْتَ واللهِ فلتتقدم إلى أصحاب الثمانية والعشرين في طلبه برقعة
(2/666)

رقعة. فما كان إلا هنيهة، واقتنصه صاحب الكرخ، وجاء به إلى باب الأمير فأخذ، وحذف ونظف، وأُدْخِل الحمام، وأُلْبِسَ ثياباً
نظافا، وأُدْخِلَ على الأمير. فقال: السلام عَليك أيها الأمير. فقال محمد: وعليك السلام ياماني. ألم يَأْنِ
لك أن تزورنا على حين شوقٍ منَّا إليك، ومنازَعَة قُلُوبٍ نحوك. فقال ماني الشوقُ شديدٌ، والحُب ُّ
عَتيدٌ، والمزَارُ بعيد، والحِجَابُ صَعْبٌ، والبوَّابُ فَظٌّ. فلو سَهَّلَ لَنَا في الإذن، لَسَهُلَتْ علينا الزِّيَارة
فقال الأمير: أَلْطَفْتَ في الاسْتِئْذَان، فَلْتُلْطِف لَك في الاذن، لا يُمْنَعَنْ ماني أيَّ وَقْتٍ جَاءَ، أو وَرَدَ، من
ليْل أَوْنهَار. ثم أَذِن له في الجُلُوسِ، فَجَلَسَ، ودَعَا له بالطَّعَامِ، فَأَكَلَ، ثم غَسَلَ يَدَيْهِ وأخذ مجلسه وكان
محمد قد تَشَوَّقَ إلى السَّمَاع منْ تنوسة جارية ابنة المهدي. فأُحْضِرت، فكان أول ما غَنَّتْ به:
ولستُ بناسٍ إذْ غَدَوْا فتحدرت ... دُمُوعي على الخَدَّين من شدةِ الوَجْدِ
وَقَوْلي وقد زَالتْ بليلٍ حُمُولُهُمْ ... بَوَاكِرُ تَخْدي لا يَكنْ آخر العهدِ
فقال لها ماني: أحسنت وبحق الأمير ألا ما زِدْتِ فيه:
وقمْتُ أنَاجِي الفِكْرَ والدَّمْعُ جَائِرٌ ... بمُقْلَةِ مَوْقُوفٍ على الضُّرِّ والجَهْدِ
ولَمْ يُعْدِني هذا الأمير بِعِزَّةٍ ... على ظالمِ قد لَجَّ في الهَجْرِ والصَّدِّ
(2/667)

فاندفعت الجارية تُغَنِّيه. فقال الأمير: أَعَاشِقٌ أنت يا ماني؟ فاسْتَحْيَى، وَغَمَزَ ابن طالوت أَلاَّ يَبُوحَ له
بشيء، فيسقط من عينه. فقال: مَبْلَغُ طَرَبٍ وشوق. كان كامنا فَظَهَرَ. وَهَلْ بَعْدَ المَشِيبِ صَبْوَة؟
ثم اقترح محمد على تنوسة بهذا الصوت:
حَجَبُوهَا عن الرِّيَاح لأنِّي ... قُلت يا رِيحُ بَلِّغِيها السَّلاَمَا
لَوْ رَضُوا بالحِجابِ كانَ ولكِنْ ... مَنَعوها عندَ الرِّيَاحِ الكَلامَا
فَغَنَّتْه فَطرِبَ محمد، ودَعا برطل فشرب. فقال ماني: ما على قائل هذا الشِّعر، لوْ زَاد فيه:
فَتَنَفَّستُ ثُمَّ قُلتُ لِطَيْفِي ... آهِ إن زُرتَ طيفَها إلْماماَ
خُصَّها بالسَّلاَمِ سِرّاً وإِلاَ ... منَعوها لِشِقْوَتِي أَن تَنَاما
فكان أثقفَ لدبيب الصبابة بين الأحشاء؛ وألطفَ تغلغلا الى كبد الصَّدى من زُلاَلِ الماء، مع حسن
تأليف نظامه، والانتهاء بالمعنى الى غاية تمامه. فقال محمد: أحسنت يا ماني. ثم أمر تنوسة بإلحاقهما
بالبيتين الأولين، والغناء بهما. ففعلت، ثم غنت بهذين البيتين:
يا خَليليَّ ساعةَ لاَ تَرِيما ... وعَلَى صَبَابَةٍ فأُقِيما
ما مَرَرْنا بِدارِ زَينبَ إلاَّ ... هَتَكَ الدَّمعُ سِرِّي المَكْتوما
(2/668)

فاستحسنه محمد. فقال ماني: لولا رهبة التعدي، لأضفت إلى هذين البيتين، لا يَرِدان على سَمْعِ ذِي
لُبٍّ، فَيَصْدُرَان إلاَّ عن استحسان لَهُما فقال محمد: الرغبة في حسن ما تأتي به حائِلَةٌ دون كُلِّ رهبة.
فَهَاتِ ما عنْدَكَ. فقال:
ظَبيةٌ كالهلالِ لو تَلحُظ الصّخْرِ ... بطَرْفِ لَغَادَرَتْهُ هَشِيما
واذا ما تبسَّمَتْ خِلتُ إيما ... ض بُرُوقٍ أوْ لُؤْلُؤاً مَنْظومَا
فقال محمد: أحْسَنْتَ وَاللَّهِ يا ماني. فَأجِزْ هذا الشعر:
لِم تَطِبِ اللَّذَّاتُ إِلاَّ بِمَن ... طابَتْ بهِ اللَّذَّاتُ تَنُّوسَهْ
غَنتْ بِصِوْتٍ أطلقتْ عَبْرةً ... كانتْ بِحُسْنِ الصَّبْرِ مَحْبُوسَهْ
فقال ماني على البديه:
وكَيْفَ صَبْرُ النَّفْسِ عنْ غَادَةٍ ... أظْلِمُهَا إن قُلْتُ طَاوُوسهْ
وَجُرْتُ إنْ شَبَّهْتُها بانَةً ... في جَنَّةِالفِردوْسِ مغْروسهْ
وَغَيرُ عَدْلٍ إنْ عَدَلْنا بها ... جَوهرة في البحْرِ مَغمُوسَهْ
ثم سكت، فقال محمد: عدافِي وَصْلِك لها، فقال ماني:
جَلَّتْ عن الوَصْفِ فَما فكرةٌ ... تَلْحَقُها بالنَّعْتِ مَحْسُوسَهْ
(2/669)

فقال محمد: أحْسنت، فقالت تنوسة: وجب شكرك يا ماني، فَساعدك دهرُك، وعَطَفَ عليك إِلْفُك،
وقارنك سرورك، وفارقك محذورك. واللَّهُ يُديمُ لنا ذلك ببقاء مَن به اجْتمع شَمْلُنا فقال لها ماني عند
قولها: (وَعَطَف عليك إلفك) مجيبا:
لَيْسَ لي إِلْفٌ فَيَقْطَعُنِي ... فَارَقَتْ نَفْسِيَ الأَبَاطِيلُ
ثم أنشأ يقول:
أَنا مَوْصُولٌ بِنِعْمَةِ منْ ... حَبْلُهُ بِالمَجْدِ مَوْصولُ
أَنا مَغْبوطٌ بِزَوْرَةِ منْ ... طَبْعُهُ بِالحمدِ مَأْمُولُ
ثم أومأ إليه ابن طالوت بالقيام فنهض وهو يقول:
مَلِكٌ قلَّ النَّظَيرُ له ... زَانَهُ الغُرُّ البَهَاليلُ
طاهري في مركبه ... عُرْفُهُ في النَّاسِ مَبْذُولُ
دَمُ منْ يَشْقى بِصَارِِمه ... مَعَ هُبُوبِ الرِّيح مَطْلُولُ
يا أَبَا العباس صنْ ... أَدَباً حَدُّهُ بِالدَّهْرِ مفْلُولُ
فقال محمد: وجب جَزَاؤك، لِشُكْرك على غير نعمة تقدمت. ثم أقبل على ابن طالوت فقال: ليْسَت
خساسةُ المرْءِ، ولا اتضاح المنظر، ولا نُبُوُّ العين عن الظَّاهر، بِمُذْهِبٍ جَوْهَرِيَّة الأدب المركبة في
الإنسان. وما أخْطأ صالح ابن عبد
(2/670)

القدوس حيث يقول:
لاَ يُعْجِبَنَّك مَنْ يَصُونُ ثِيابَهُ ... حَذَرَ الغُبارِ وَعِرْضُهُ مَبْذولُُ
ولَرُبَّما افْتَقَرَ الفَتَى فَرَأَيْتَهُ ... دَنِس الثِّيَاب وعرْضُهُ مَغْسُولُ
قال ابن طالوت فما رأيتُ أحْضَرَ ذِهْناً منه؛ إِذْ تَقُولُ له الجارية: (عَطَفَ عليك إِلْفُكَ)، وإبعاده عند
قولها ذلك بقوله:
ليس لي إلفٌ فَيَقْطَعُني ... فارقَتْ نفسِي الأباطيلُ
فلم يزل محمد بن عبد الله بن طاهر مُجرياً عليه رزقا سنِيّاً حتى توفي.
(2/671)

الباب الرابع: في الحُبِّ
قال أبو إسحاق:
وقد أثبتُّ في هذا الباب السَّابغ الأطناب؛ المتصل الأسباب، من الأحاديث، وأقوال العلماء،
والحكماء، جملا تعيد سامعها ثملا، دون تعاطي أكواس العقار؛ وإصاخة إلى تحنين المزاميز
والأوتار.
والحبُّ نقيض البُغْض، وخِلاَفه. وأصل الحب: الإِرَادَة. بدليل قولهم: أحببت أن أفعل كذا؛ بمعنى:
أردت أن أفعل. يقال منه: أحبه يحبه إحباباً. وحبَّه حباً. وتحبب تحببا. وحببه تحبيبا.
وقال صاحب العين: المحبَّةُ: الحُبُّ. وقد استعاروا لفظ الحب، لميل الطباع. كقولهم: فلان يحب ولده
أن يميل طبعه إليه، والحُبُّ أيضا، الجَرَّةُ الضخمة. سميت بذلك لأنها تضم ما يُحَبّ. فأما الحَبّ بفتح
الحاء، فجمع حَبَّة؛ من بُرٍّ، أو شعير، أو زبيب، ونحو ذلك. وحَبَّةُ القلب؛ ثمرته. والحِبّ بكسر الحاء؛
القُرطُ؛ من حبّة واحدة.
وقد تنازع الناس في ابتداء وقوع الحب، وكيفيته. وهل كون وقوع عن نظر، وسماع، واختيار، أم
عن اضطرار.
(2/672)

وسئل حماد الراوية عن الحب فقال: الحب شجرة أصلها الفكر، وعروقها الذكر، وأغصانها السهر،
وأوراقها السقم، وثمرها المنية.
وسئل بعض الحكماء عن الحب فقال: هو أغمض مسلكاً في القلب، من الروح في الجسد. وليس أمر
الهوى إلى الرأي فيملكه، ولا إلى العقل فيدبره. بل قدرته أغلب، وجانبه أعزّ من أن تنفذ فيه حيلة
حازم أو لطف محتال

وقال معاذ بن جبل: الحُبُّ أَصْعَبُ ما رُكِب، وأَسْكَر ما شُرب، وأفظع ما لُقِي، وأَحلَى ما اشْتُهِي،
وأوجع ما بَطَن، وأشهر ما عَلَن. وأنه لكما قال الشاعر:
وَلِلْحُبِّ آيَاتٌ إِذَا هِيَ صَرَّحَتْ ... تَبَدَّتْ عَلاَمَاتٌ لَهَا غُرَرٌ صُفْرُ
فَبَاطِنُهُ سُقْمٌ وَظَاهِرُهُ جَوَى ... وَأَوَّلُهُ ذِكرٌ وَآخِرُهُ فِكْرٌ
والهوى آمرٌ مطاع، وقائد متبع. يفتن الأذهان، ويشجع الجبان. وعلامته نحول الجسم، واصفرار
اللون، وخشوع البصر، وتواتر التنفس، وسرعة الدمع.
وقال علي رضي الله عنه: (آفَةُ العَقْل الهَوَى). وقال عبد الله بن
(2/673)

عباس: (الهَوَى إِلهٌ مَعْبُود). وتلا قول امره تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ).
وقال بعض الحكماء: - الهَوَى جَلِيسُ مُمْتع، واَلِيفٌ مونس، ومالك قاهر. يملك الأبدان وأرواحها،
وامقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والنفوس واراها. توارى على الأبصار مدخله؛ وخفي عن
القُلُوبِ مسلكُه.
وسئل أبو نوفل المدني: هَلْ سَلِمَ أحدٌ من الحب والهوى؟ فقال: نعم، الجِلْفُ الجافي الذي ليس له
فَضْلُ ولاَفَهْمٌ. فأمَّا من في طبعه أدنى ظَرْف، أو أقل لُطْف، أو معه دماثة أهل (الحجاز) وحلاوتهم،
ورقة أهل (العراق) وأدبهم؛ فهيهات هيهات. وما رأيت فاضلا يسلم من الهه؛ لكن في الناس من يملك
نفسه، ويغلب هواه، ولا يظهر ما كمن في قلبه.
قوله: (الجِلْف الجافي) يريد الأعرابي الجافي في خلقته وأخلاقه.
وقال أبو حاتم عن أبي عبيدة: الجِلْفُ هو الجافي، الخالي الجوف مثل الدن الفارغ. ويقال للشاة
المسلوخة بلا رأس، ولا بطن: جِلْف. وإِنما يقال للرجل: جِلْف؛ إذا وصف بالجَفَاء، وقلة العقل. يراد
أن جوفه هواء خال من العقل. وأنشد يعقوب، لقيس بن الخطيم:
(2/674)

كَأَنَّ لَباتِهَا تَبَدَّدَهَا ... هَزْلَى جَرَادٍ، أَجْوَازُهُ جُلُفُ
يَعْني بِلاَ رُؤُوس، ولاَ قَوَائم. فشبَّه ما على لَبَّات هذه المرأة من صنعة الذهب بالجراد. والجِلْفُ من
كل شيء: ما كان غير نَظِيف، ولا مُحْكَم.
أنشد ابن الأعرابي، عن أبي صالح الفزاري:
الْوَحْشُ خَيرٌ مِنْ مَبِيتٍ بِتُّهُ ... بِجَنُوبِ زَخَّةَ عِنْدَآلِ مُعَارِكِ
جَاؤُوا بِجِلْفٍ مِنْ شَعيرٍ يَابِسٍ ... بَيْنِي وَبَيْنَ غُلاَمِهِمْ ذِي الحَارِكِ
والوَحْشُ؛ أن يبيتَ الرجل طاوياً. ومنه قول حميد يصف الذئب:
وإِنْ بَاتَ وَحْشاً طَاوياً لم يَضِقْ بِهَا ... ذِراعاً ولم يُصْبِحْ لها وَهْوَ خاشِعُ
ويقال: بَاتَ القوم أو حاشاً، وقد أَوْحَشُوا مُذْليلتين، أو ثلاث: أي ذهب زاَدُهم، والرَّجلُ مُوحِشٌ بَيِّنُ
الإِيحاش، ويقولون: تَوَحَّش للدواء: أي أَخْلِ جوفَكَ من الطعام.
وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فيما روى نعيم بن حماد
(2/675)

عن سفيان، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أبي عثمان بن شبة، قال: سمعت علياً يقول في صلاة المغرب اللَّهم العن
فلاناً الجلف الجافي. وقيل لأعرابي: صفْ لنا الحب، فانتحب ثم قال بِالقَلْبِ وَثْبَتُه، وبالفُؤاادِ وَجْبَتُه، وبالأحشاء نارُه،
وسائر الأعضاء خُدَّامُه، العَقْلُ من الحبِّ ذَاهل، والجِسْمُ نَاحِل، وَالدُّمُوعُ هَوَامِل. مُرُورُ الأَيَّامِ
المُخْلِقَات تُجَدِّدُه؛ والإساءة من المحبوب لاتفسده. ثم أومأ بيده إلى قلبه وأنشأ يقول:
أَلاَ فَتَخَلَّصْ إِنَمَا أَنْتَ شَامِتُ ... لمَا لم يكن يَا قلبِ يَنْفَعُكَ الزَّجْرُ
كَأن دُمُوعي غصنُ طَرْفَاءَ حَركت ... أَعَاليه أَرْيَاحٌ وَأهطله قَطْرُ
قال أبو إسحاق:
وهو يَتَوَلَّد، ويَتَسَبَّبُ من النَّظَرِ، وتَكَرُّرِ اللَّمْحِ بالبصر. والدَّلِيلُ على هذا، قول الرسول عليه السلام:
"النَّظَرُ سَهْمٌ مسمومٌ من سِهَامِ إِبليس. فمن تَرَكَهُ خَوفاً من الله، أثابه الله إيماناً يجد حَلاَوَتَه في قلبه".
وقال عليه السلام: "لاتُتْبِع النظرة النظرة. فإِنَّما لَكَ الأولى وليست لك الآخرة". ولهذا المعنى، دخلت
(من) في قوله تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ).
(2/676)

لأن النظرة الأولى لاتَمْلك، فوجب التبغيض لذلك. ولم يقل ذلك في الفروج؛ لأنها تملك. وغَضُّ
البَصَرِ عن جميع المحرمات؛ عن كل ما يُخْشَى الفتنة من أجله واجب.
ولما وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس؛ كان فيهم غلامٌ أَمْرَد، ظاهر الوضاءة؛
فأجلسه النبي عليه السلام وراءه. وقال: "كَانَتْ خَطِيئَةُ دَاوود النَّظر".
وفي الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "لاتُجَالِسُوا أَوْلاَدَ الملوك، فَإِنَّ لَهُم فِتْنة كفتنة العذارى".
وجاء عنه عليه السلام أنه قال: "غضُّوا أَبْصَارَكم عن الغلمان المُرْد فإن لهم فِتَناً كَفِتَن النساء".
وقال سعيد بن حميد الكاتب:
نظرتُ وقَادَتني إلى الحَتْفِ نَظْرَةٌ ... إِلَيكِ بِمَكْنونِ الضَّمِير تُشِيرُ
فَلا تَصْرِفَنَّ الطَّرْفَ فِي كُلِّ مَنْظَرٍ ... فَإِنَّ مَعَارِيضَ البَلاَءِ كَثِيرُ
(2/677)

وقال مهيار في المعنى:
نَظرةٌ عَادَتْ فعادت حَسْرَةً ... قتل الرَّامِى بِهَا مَنْ جَرَحَا
وقال الآخر في المعنى:
نَظرَةٌ كَانَتْ لِحَيْنِي سَبَباً ... جَلَبَ الْحَيْنُ لَهَا مَا جَلَبَا
وقال ابن الرومي فيه:
أورثت قلبي سقاماً ... نظرة فيها سقامُ
وقال الأديب الكامل، أبو العباس أحمد بن عبد ربه:
نَظَرْتُك نَظْرة بِالخِيف كانَتْ ... جَلاءَ العَيْن بَلْ كَانَتْ قَذَاها
فآهاً كَيْف تَجْمَعُنا الليالي ... وآهاً من تَفَرُّقِنا وآها
وقال المُؤَمِّلُ بن أميل:
شَفَّ المُؤَمِّلَ يوم الحيرة النظر ... ليت المؤملَ لم يُخْلَقْ لَهُ بَصَرُ
وقال غيره:
الحُبُّ دَاءُ رجالٍ يُقتلُون به ... ظلماً وأولُ أسبابِ الهوى النَّظَرُ
قد كنتُ أحْذَره حتى ابْتُليتُ به ... لو كان ينفعني الإشْفَاقُ والحَذَرُ
(2/678)

وقال ادريس بن اليماني:
عَن الهوى إِنْ تَسَلْ: أصلُ الهوى النظر ... وَرُبَّمَا قَادَ حَتْفَ المُهْجَة البَصَر
وقال فيه أبو محمد بن عبد البر:
لاَ تُكْثِرَنَّ تَأَملا ... وَاحْبِسْ عَلَيكَ عِنَانَ طَرْفِكْ
فَلَرُبَّما أَرْسَلْتَه ... فَرَمَاكَ في مَيْدَانِ حَتْفِكْ
وقال أبو محمد الجزيري:
واغْضُضِ الطَّرْفَ تَسْتَرِحْ من غرامٍ ... تكتَسِي فيه ثوبَ ذُلٍّ وَشيْنِ
فبلاءُ الفتَى اتِّباعُ هَوَى النف ... س وبَدْءُ الهوى طُمُوحٌ بعَيْنِ
وجاء عن ابن عباس أنه قال: كُنَّا عند رسول الله صلى الله عليه، فمرَّبنا غلامٌ من الأَنْصَار، جميل
الوجه، فَحَدَّ إليه نظرهُ، فقال له (جبريل) عليه السلام "لِمَ فَعَلْتَ ذلك يا رسول الله"؟ فقال: "رأيت وجهاً
جميلا فسبحت الله أحسن
(2/679)

الخالقين".
وقال سفيان بن عيينة: كنت عند بكر بن عبد الواحد بن زيد، فمرّ به غلام من (ثقيف) حسن
الصورة، فحدّق إليه بصره، ثم قال: (أَتُرَانَا لاَ نشتهي الذّكران من الرِّجال، وَشُرْب الخمر في
البساتين؛ ولكن خوف الله تبارك وتعالى يَمْنَعُنا).
وفي كتاب الشيخ أبي حامد رحمه الله، أن أهل مصر مكثوا أربعة أشْهُرٍ، لم يكن لهم غذاء إلاّ النظر
إلى وجه يوسف الصديق عليه السلام. كانوا إذا جاعوا، نظروا إلى وجهه، فيشغلهم جماله عن ذلك.
ألا ترى أن الله تعالى قال في كتابه العزيز: (مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)، لأنهن أبلغن في ملاحظة جماله، حتى ما أَحْسَسْنَ
بذلك.
وسئل أعرابي عن الهوى، فقال: هو داء تداوى به النفوس الصحاح، وتسيل منه الأرواح، وهو سُقْمٌ
مُكْتَتِم، وَجَمْرٌ مُضْطَرِم، وأنشد:
الحبُّ دَاءٌ عَيَاء لاَدواءَ له ... يَضِلُّ فيه الأطباءُ النحارِيرُ
قد كُنتُ أحسِبُ أن الوَاصِفِين غَلَوْا ... في وصفه فإذا بالقوم تقصيرُ
وكان عامر الشعبي رحمه الله يقول: إِنَّمَا سمى الهوى هوى، لأنه يهوي بصاحبه.
(2/680)

وحقيقة الحُبِّ أنه أَرْيَحِيَّة؛ تحدث في النفس داعية إلى مالايجوز في العقل. وذلك أن اتباع الهوى
مذموم. قال الله تبارك وتعالى (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).
وقال الطبيب إبقراط: الهَوَى بين المُتَصَافِيَيْن؛ هُوَ اْمْتِزَاجُ النَّفْسِ بالنفس، كما المَاءُ إذا امتزج بالماء،
عَسُرَ تَخْلِيصُهُ عَلَى مَنْ رَامه. والنُّفُوسُ أَرَقُّ من الماء، وألطفُ مَسْلَكاً.
فلذلك لاتُزيله مرور الأيام، ولا يُخْلِقه تصرف الدهر، ولاَيَدْفَعُه دافع دَقَّ عن الأوهام مَسْلكُه، وَخَفِيَ
عن الأبصار مَوْضِعُه، وحارت العقولُ في كيفية تَمَكُّنه، غير أنَّ ابتداء حركته، وعظيم سلطانه هما
من القلب. ثم ينقسم على سائر الأعضاء؛ فيبدي الرعدة في الأطراف، والصفرة في الألوان، والثقل
في اللسان، والزلل، والعثار في المنطق، حتى ينسب صاحبه إلى النقص مما يلحقه من الإضطراب،
والتغيير في جميع أحواله. وألمه أشد الآلام. وعلاج صاحبه، يعزب عن الأطباء وذوي الأفهام.
ولذلك قال أبو تمام:
أَمَّا الهَوَى فَهُوَ العذابُ فَإِنْ جَرتْ ... فِيهِ النَّوَى فَأَلِيمُ كُل أَليمِ
قال: وأحبت امرأة رجلا؛ فما فرطت في حبه، فجاءت أختها، فقالت لها: كيف أنت من حُبِّ فلان؟
فقالت: حَرَّكَ، وَاللَّهِ، حُبُّه السَّاكِن، وَسَكَّن المُتَحَرِّك. ثم أنشأت تقول:
قد كنت أَسْمَعُ بالمُحبِّ وَشَجّْوِهِ ... فَأظَل منه معَجَّباً أَتَفَكَّرُ
(2/681)

حَتّى ابْتُلِيتُ من الهوى فَعُظْيمَةٌ ... كادَ الفُؤاد من أَجْلها يَتَفَطَّرُ
فقالت: واللَّهِ، لا أذهب حتى أسأله؛ كيف هُو مِنْ حبك. فجاءته، فسألته: كيف أنت من حب فلانة؟
فقال لها: (الهوى هوانٌ)، ولكن خولف باسمه، وإنما يعرف ذلك من استبْكته المعارف والطلول مثلي.
وأنشد:
للحُبِّ نارٌ على قلبي مُضَرَّمَةٌ ... لم يَبْلُغِ النارُ منها غَيْرَ مِعْشَارِ
الماءُ يَنْبُعُ منها في محاجرنا ... ياللَرجاَلِ لماءٍ فَاضَ من نار
وهذا كقول أبي بكر بن دريد من أبيات أربعة قرأتها في (النوادر) لأبي علي:
عجباً لنار ضُرِّمَتْ في صدره ... فاستَنْبَطَتْ مِنْ جَفْنِهِ يَنْبُوعَا
لَهَبٌ يَكون إذَا تلبَّسَ في الحَشَا ... قيظاً فيظهرُ في الجفونِ ربيعاَ
وقال مزروع البصري: بينما أنا أسير في أزقة (البصرة)؛ إذ سمعت صوت رجل؛ فوقفت عليه،
وهو ينشد، فقلت له: ما تقول؟ فأنشد:
قلبي إلى مَاضَرَّنِي داعي ... يُكثر أشواقي وأَوْجَاعِي
(2/682)

لعَلَ ما أبقَى على ماأرى ... يوشك أن ينعاني النَّاعِي
كيفَ احْتِرَاسِي منْ عَدُوي إِذاَ ... كانَ عُدِّوي بَيْنَ أَضْلاَعِي
قال: فقلت له: مَا العِشْقُ؟ فقال هو ارْتِيَاحٌ في الخِلْقَة، وفَرَحٌ يَجُولُ في الرُّوح، وسُرُورٌ تُسَبِّبُه
الخواطر، في مُسْتَقَرِّ غَامض، ومَحَلٍّ لَطِيفِ المَسَالِك، يتصل بأجزاء القُوَى، وَيَنْسَابُ في الحركات.
وهو أُنْسُ العَقْل، وَبَشَاشَةُ الخواطر. وأنشد:
كُلُّ النفوس لها في قَتْلها قَوَدٌ ... إلاَّ نُفُوسٌ أَبادتها الدُّمَى القُتْلُ
وكُلُّ جرحٍ له شيءٌ يُلائمه ... إلا جروحاً جَنَتْهَا الأعينُ النُّجْلُ
وقال الضحاك: بينما أنا أطوف بالبيت؛ إذ سمعتُ جارية تقول: اللهمَّ مالكَ يوم القضاء، وخالقَ
الأرضِ والسماء، فارحَمْ أَهْلَ الهوى، واستنقذهم من البلاء، واعطف عليهم قلوبَ أَوِدَّائِهمْ بالصَّفاء،
إنك سميعُ الدعاء، فقلت: يا هذه، أما تَتَّقِينَ اللَّه، وأَنْتِ في الطواف، فأَقْبَلَتْ عَلَيَّ بوجه، كأنه فَلْقَةُ
قمر. وقالت: إِليكَ عَنِّي! لاَيُرْهِقُكَ الحُبُّ؟ فقلت: وما الحُبُّ؟ قالت: جَلَّ، واللَّهِ، أنْ يَخْفى، وخَفِيَ أن
يُرَى، له كُمونٌ ككمون النار في الحجَر إِنْ قَدَحْتَه أَوْرَى؛ وَإنْ تَرَكْتَهُ تَوَارَى.
وأنشدني بعض الأدباء لسعيد بن حميد:
(2/683)

ولم أَرَ مثلَ الحبِّ أسْقمَ ذا هوى ... ولا مثل حُكْمِ الحُبِّ كيف يَجُورُ
لَقَدْ صُنتُ نفسي في الضمير لَوَانَّهُ ... يُصَانُ لدى الطَّرف النَّمُوم ضميرُ
وأنشدني غيره في المعنى:
ليس خَطبُ الهوى بِخَطِبٍ يَسِيرِ ... لا يُنَبِّيكَ عَنْهُ مِثْلُ خبيرِ
ليسَ أَمرُ الهَوَى يُدَبَّرُ بالرَّأ ... ي وَلاَ بالقِياسِ والتَّفْكِيرِ
إِنَّمَا الأَمْرُ في الهوى خَطَراتٌ ... مُحْدَثَاتُ الأُمُور بَعْدَ الأُمُورِ
وأنشد أبو نصر في (القلائد) قول الأديب أبي جعفر الأعمى التطيلي:
هُوَ الهَوَى وَقديماً كنتُ أَحْذَرُهُ ... السُّقْمُ مَوْرِدُهُ والموتُ مَصْدَرُهُ
يالوعةً وجلا من نظرة آمل ... الآن أعرف رشداً كنت أنكره
جِدٌّ من الشوق كان الهَزْلَ أَوَّلُهُ ... أقَلُّ شيءٍ إذا فكرت أكْثَرُهُ
وَلي حبيبٌ دَنَا لولا تَمنُّعه ... وقد أقولُ نَأَى لولا تَذكُّرُه
وقال الآخر في المعنى:
يَا عَاذِلي قَدْ كُنْتُ قَبْلَكَ عَاذِلاً ... حَتَّى ابْتُليتُ فَصِرْتُ صَبّاً ذاهلا
الحُبُّ أول ما يَكُونُ لجاجة ... فإذا تَمَكَّنَ صَارَ شُغْلاً شَاغِلا
(2/684)

هذا من لفظ العبّاس بن الأحنف حيث يقول:
الحُبُّ أَوَّلُ مَا يَكُونُ لجَاجَةً ... تَاْتِي بِهِ وَتَسُوقُهُ الأَقْدَارُ
حَتَّى إِذَا اقْتَحَمَ الفَتَى لُجَجَ الهَوَى ... جَاءَتْ أُمُورٌ لاَ تُطَاقُ كِبَارُ
وَسُئِل أحد البلغاء عن الحب، فقال:
مَنْ كَانَ لَمْ يَدْرِ مَاحبٌّ أَحَسَّ بِهِ ... أَوْ كَانَ في غَفْلَةٍ أَوْ كَانَ لَمْ يَجِد
فَالحُبُّ أَوَّلُهُ رَوعٌ وآخِرُهُ ... مِثْلَ الحَرَارَةِ بينَ الخِلْبِ والكَبِد
وأنشد أبو نصر في قلائده، قول أبي القاسم بن العطار:
الحبُّ تَسْبَحُ في أَمْوَاجِه المُهَج ... لَوْ مَدَّ كَفّاً إلى الغَرْقَى بِهِ الفَرَجُ
بَحْرُ الهَوَى غرَّقت فيه سَواحِله ... فَهَلْ سَمِعْتُمْ بِبَحْر كُلُّه لجج
بين الهوى والردى في لحظه سبب ... هذي القلوب وهذي الأعين الدُّعْجُ
دين الهوى شرعة غفلٌ بلا كتب ... كما مسائله ليست لها حجج
لا العَذْلُ يدخل في سمع المشُوقِ ولا ... شخص السلو على باب الهوى يلج
(2/685)

كأن عيني وقد سَالَتْ مدامعها ... بحر يفيض على آفاقه خُلجُ
وقالت علية أخت ابراهيم بن المهدي:
وُضع الحُبُّ على الجَوْرِ فَلَوْ ... أنْصف المعْشوقُ فيه لَسَمجْ
لَيْسَ يُسْتَحْسَنُ في أَمْرِ الهَوَى ... عَاشِقٌ يُحْسِنُ تأليفَ الحُجَجْ
وقليلُ الحبِّ صِرْفاً خالصاً ... لك خيرٌ من كثيرٍ قد مُزِجْ
وقال الآخر، وقرأته في (النوادر) لأبي علي البغدادي:
مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنْ سَيَكْتُمُ حُبَّهُ ... حتى يُشَكِّك فيهِ فَهْوَ كَذُوبُ
الحبُّ أَغُلَبُ للفؤَاد بِقَهْرِه ... من أن يُرى للسَّتْر فيه نَصيبُ
وإذا بَدَا سرّ الفؤاد فإنه ... لم يبدُ إلاَّ والفَتَى مَغْلُوبُ
إِني لأَبْغَضُ عاشقا مُتَسَتِّراً ... لم تَتَّهِمْهُ أَعْيُنٌ وقُلوبُ
وقال العتبي سمعت أعرابيا يقول: مِسْكِين العاَشِق، الرِّيحُ يُقْلِقُه، وَلَمَعَانُ البَرْق يُؤَرِّقه، وَرُسُومُ الدِّيَار
تُحْرِقه، والعَذلُ يُؤلمه، والتَّذْكير يسلمه، والبُعْدُ يجرحه، والقُرْبُ يُهَيِّجُه، واللَّيْلُ يُضَاعف بَلاَءه، والنَّوْمُ
لايوجد حذاءه،
(2/686)

ولقد تداويت بالبُعْدِ وَالقُرْب فَمَا نَجَحَ فيه دَوَاء، ولا عَزَّاني عَنْهُ عَزَاء. ولقد أحسن الذي يقول:
وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّ المُحِبَّ إِذَا دَنَا ... يَمَلُّ وَأَنَّ النَّأْيَ يَشْفِي مِنَ الوَجْدِ
بِكُلِّ تَدَاوَيْنَا فَلَمْ يَشْفِ مَابِنَا ... عَلَى أَنَّ قُرْب الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ البُعْدِ
القُرْبُ نَقِيضُ البُعْدِ، ونَظِيرُه الدُّنُوُّ والمجاورة. وأصل القُرْبِ، والبعد، والدنوّ؛ أن توصف بها
الأجسام؛ كما أن الحركة والسكون، إنما هما في الأصل للأجسام، وقد يقال: هذا المعنى قريب من
ذاك، على معنى المشاكلة، كمقاربة معنى الدلالة، لمعنى الحجة، ومعنى الإشتباه لمعنى الإلتباس،
ومعنى العمل لمعني اليقين، ومعنى الدوام لمعنى الخلود، ومعنى اللزوم لمعنى البقاء، وقالوا: كلُّ قُرْبٍ
كَوْن، وليس كل كون قُرباً. ومسافة القُرْب معقولة، كما أن مسافة البُعْد معقولة أيضا. وهما أصلان
يُسْتَدَلُّ بهما على الكون، لأن الشيئين، أو الجزءين في أول حال وجودهما، لا يخلوان من أن يكونا
متلاصقين، أو متباينين. فما تلاصق كنى عنه بالبعد والتقارب والتباين، على مراتب معقولة.
والقُرْبُ أيضا؛ قُرْبُ الفرس؛ وهو كَشْحُه: وهو من لدن الشاكلة إلى مَرَاقِّ البَطْن، وكذلك من لدن
الرُّفْعِ إلى الإبط: قُرُبٌ من كل جانب.
ويقولون: فَرَسٌ لاَحِقُ الأَقْرَابِ فيجمعون. وإنما له قُرْبَانٌ؛ ولكن لِسَعَته جمعوه. كما يقولون: شاةٌ
عظيمة الخَوَاصر. وإِنَّما لها خاصرتان. وقد بيّنا هذا في داخل الكتاب.
(2/687)

ويقولون: فَرَسٌ مُقْرِبٌ؛ وهو الذي قد قَربَ مَرْبِطُه، ومَعْلَفُه لكرامته. والجميع المُقْرَبَات، والمَقَارِيب.
ويقول: قَرَّبَ الفرس تَقْريبا. وتقريبه دون الجَرْي ويقال: قد حَيّاً فلان وَقَرَّبَ؛ إذا قال: حَيَّاكَ اللَّهُ،
وقَرَّبَ دَارَك.
والقُربَان: ما تَقَرَّبْتَ به إلى الله تعالى، تبتغي قُرْبة، وتقرِّباً ووسيلة. قال الله تعالى (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ). ذكر أهل
العلم، أن القُرْبَان الذي تقبله الله عز وجل؛ قربان هابيل؛ وكان كبشاً حبسه الله عنده، حتى أخرجه
لإبراهيم عليه السلام فداء لابنه، والقُرْبَان الذي لم يتقبله الله، قربان قابيل، وكان زرعاً. وكان علامة
تقبل القربان، أن تأتي نار من السماء فتأكله.
وقُرْبَانُ المَلِكِ قَرَابِينُه، ووزراؤه. يقال: هذا قُرْبَانٌ من قرابين الملك. مجموع بالنون. وهم الذين
يستشفع بهم إلى الملوك. وأنشد أبو بكر بن دريد في قرابين الملك:
وَمَالِي لاَ أُحِبُّهُمُ وَمِنْهُمْ ... قَرَابِينُ الإِلَهِ بَنُو قُصَيِّ
وقال صاحب العين: القَرَبُ: طلب الماء ليلاً. تقول: قَرَبَ الماء يَقْرُبُهُ، وقد قَرَّبَهُ قَرَباً؛ إذا طلبه ليلا،
قال الشاعر:
(2/688)

عَسَلاَنَ الذّيبِ أَمْسَى قاَرِباً ... بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
ولا يقال لطالب الماء نهاراً قَارِبٌ، وقال الكميت:
هَاجَ الصَّوادي والحِرَّانُ فانْدَلَقَتْ ... وَانْقَضَّ سَائِقُهَا الحادي لَهَا القَرِبُ
والقَارِبُ: سفينة صغيرة تكون مع أصحاب السفن البحرية، تستخف لحوائجهم. والجمع: القَوَارِب.
والقِرَابُ للسَّيف والسِّكين، والفعل منه: قَرَّبْتُ قِرَاباً بالتشديد. ولغة أخرى: قَرَبْت قِرَابا. ويقال: قَرَبَ
فلانٌ أهله قُرْبَاناً، كناية عن الغِشْيَان. وَمَا قَرَبْتُ هذا الأمر، ولا قربت فلاناً قُربَاناً ولا قُرْباً.
وَيُقَال: أَقْرَبَت الشاة فهي مُقْرِبٌ؛ إذا دنا ولادها. وكذلك الأتان. ولا يقال للناقة إلاَّ أَدْنَتْ فهي مُدْنِ.
رجع
وقرأت في كتاب (النوادر) لأبي علي أخبرنا أبو بكر. قال: أخبرنا أبو حاتم عن الأصمعي. قال:
كان بشر بن أبي مروان شديداً على العصاة، فكان إذا ظفر بالعاصي أقامه على كُرسي، وسمّر كفه
في الحائط بمسمار، ونزع الكرسي من تحته، فيضطرب حتى يموت معلقا. وكان فتى من بني عِجْل
مع المهلب، وهو يحارب الأزارقة، وكان عاشقا لابنة عم له.
(2/689)

فكتبت إليه تستزيره، فكتب إليها:
لَوْلاَ مَخَافَةُ بِشْرٍ أَوْ عُقُوبَتُهُ ... أَوْ أَنْ يَشُدَّ عَلَى كَفِّيَ مِسْمَارُ
إِذاً لعطلتُ ثَغري ثم زُرْتُكُمُ ... إِنَّ المحبَّ إِذَا ما اشتاقَ زَوَّارُ
فكتبت إليه:
لَيْسَ المحبَّ الذي يخشَى العقابَ وَلَوْ ... كَانَتْ عُقُوبَتَهُ فِي إِلْفِهِ النَّارُ
بَلِ المُحِبُّ الَّذِي لاَ شَيءَ ينفعُهُ ... أَوْ يَسْتَقِرُّ وَمَنْ يَهْوَى بِهِ الدَّارُ
قال: فلما قرأ كتابها، عطَّلَ ثغره، وانصرف إليها، وهو يقول:
أستغفرُ اللهَ إِذ خفتُ الأمير وَلَمْ ... أَخْشَ الذي أنا فيه غيرُ مُنْتَصِرِ
فشأنُ بِشْرٍ بِلَحْمِي فَلْيُعَذِّبُهُ ... أو يَعفُ عَفْوَ أمير خيرِ مقتدرِ
فَمَا أُبَالِي إِذا أَمسيتِ راضيةً ... يا هندُ مانِيلَ من شَعرِي وَمِنْ بَشَرِي
ثم قدم (البصرة)؛ فما أقام إلا يومين، حتى وشي به واش إلى بشر. فقال: علي به، فأتيَ به فقال:
يافاسق، عطلت ثغرك! هلموا الكرسيَّ. فقال: أعز الله الأمير إن لي عذراً، فقال: وما عذرك؟ فأنشد
الأبيات، فرق له وكتب إلى المُهَلَّب، فأثبته في أصحابه.
وحكى أبو العباس أحمد بن عبد ربه في كتاب (العقد). قال: قال رجل من الأدباء: لقد جلت في
مشارق الأرض، ومغاربها، حتى وصلت إلى حقائقها، فوجدت الإنسان إنما فضل الحيوان بالنطق
المعبر عن النفس، المخبر بما يَهْجُسُ في الحس، ويتصور في الضمير. ورأيت اللسان خادم الجنان،
بتصرفه يتصرف،
(2/690)

ومع توقفه يتوقف. ووجدت العقل إِمَام الخَواطر؛ وَزِمَام النَّوَاظرِ، وجَلاَء
البَصَائر. ومالك الأفهام، وسُلْطَان الأوهام. وَشهِدْت الهَوَى يَخْدَعُ العقل ويَسْحَرُه؛ وَيَمْلِك اللب وَيَقْهَرُه،
ويغلب اللبيب ويَبْهَرُه، حتى يَرْتبط بملكه؛ وَيَنْخَرِط في سِلكه. وَعَهِدْتُه لاَ يَعْلَق إِلاَّ بذوي الأَفْهَام
اللَّطِيفة، وَالأَوْهَامِ الشَّرِيفَة. فمن اتَّسَعَ بالأَدَبِ بَاعُه؛ واشتدَّ في الظرْف ذِرَاعُه، وزكا أصله وفرعه،
وكرم ذهنه وطبعه، وشق بحره وسمعه. وألف من الحلاوة جوا غذيا؛ وصادف من النظافة ثرى ثريا.
ولذلك قال عُبَيْد الريحاني: لاَ يَخْلُو أحدُ من صَبْوةٍ إلاَّ أن يكونَ وَحْشِيَّ الخِلْقَةِ، مَنْقُوضَ البِنْية، خلاف
تركيب الاعتدال. وقال الرسول عليه السلام: "عجب ربنا سبحانه من شابٍّ ليست له صبوة".
وقال الأعمش: (كانوا يَسْتَحِبُّون أن تكون للشاب صبوة).
وروى عن ابراهيم بن يزيد النَّخعي، إنه كان يعجبه أن تكون للصبي إذا نشأ صبوة. وإِنَّمَا كان
يعجبهم ذلك منه، وإن كان تَرْكُ الصَّبا أسلم له، لأنه إذا تاب وارعوى، كان أشدَّ لاجتهاده في الطاعة،
وأبعد له من أن يعجب بعمله، وذكر للأعمش هذا الكلام، عن ابراهيم، فقال: يخاف، ويحذر، ويجتهد.
وقال أبو حازم: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ السيئَة؛ إن عمل حسنة قط، أنفع له
(2/691)

منها. وإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الحَسَنَة؛ إن عمل سيئة قط، أضر عليه منها.
قال ابن الأعرابي: معناه؛ أن يعمل الذَّنْب؛ فلا يزال منه مشفقاً وَجِلاً أن يعاوده فينفعه ذلك. ويعمل
الحسنة فيحتسبها على ربه، ويعجب بها، ويَنْسَى فضل الله عليه فيها فتهلكه.
وقال الحسن: إِنَّ الرَّجُلَ لَيذنب الذَّنب، فما يزال كئيبا حتى يَلْقَى ربه؛ وإذا مال الرجل إلى الهوى
قبل: صَبَا يَصْبُو صَباً وَصَبْوَةً. قال الشاعر:
وَمَا يَسْتَوي الصَّابي ومَنْ ترَكَ الصَّبَا ... وَان الصَّبَا لَلْعَيْشُ لَوْلاَ العَوَاقِبُ
وكانوا يقولون (الغَريبُ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَبيب).
وحكى يحي بن الفضيل، عن الأصمعي أنه قال: كنت في بعض البوادي، فقال لي أعرابي: يا
أصمعي! أنت بهذه البلدة غريب. فقلت له: نعم. فقال: هيهات هيهات! (إنما الغريب من جفاه
الحبيب). وقال الشاعر:
وفي الجِيرةِ الغَادِينَ مِنْ بطن وَجْرَةَ ... غَزالٌ كحيلُ المُقْلَتَينِ رَبِيبُ
فلا تحسَبِي أن الغريبَ الذي نأى ... ولكنَّ مَنْ تَنْأَيْنَ عنه غَريبُ
(2/692)

وشكا مؤدب أولاد سعد بن سليمان إلى سعد بعض أولاده. فقال له سعد: ومَا يُرِيبُكَ منه؟ قال:
إِنَّه يَتَعَشَّقُ، وَيَشْغَلُ بَالَه. فقال له سعد: دَعْهُ يَتَعَشَّق، فإِنه يَظْرُفُ، وَيَنْظُفُ، وَيَلْطُفُ.
قال أبو إسحاق:
والفرقُ بين الحبِّ والعِشْق: أن الحُبَّ في غالب الأمر عَارٍ من الشهوة؛ بَلْ في كل الأمر. لأن الله
تعالى قال في كتابه العزيز (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).
وقال تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).
وفي حديث أبي هريرة فيما روى حفص بن عاصم عنه: إن من السبعة الذين يُظِلُّهم الله - عز وجل
- في ظِلِّه، يوم لاظِلَّ إِلاَّ ظِلُّه رجلا لقى آخر فقال له: وَاللهِ إِنِي لأُحِبُّكَ في اللَّهِ عز وجل، وقال
الآخر مثل ذلك.
وفي كتاب (الشهاب):
(2/693)

"حَبَّذَا المُتَحَابُّونَ مِنْ أُمَّتِي" وفي الحديث الصحيح: "لايَزَالُ العَبْدُ يتقرب إِلَيَّ
بالنوافل حتى أحبه". ومحبة الباري سبحانه للعبد؛ رحمته إياه، وتوفيقه للعمل بطاعته. ومَحَبَّةُ العبد لله
تعالى إِنَابَتُه إليه، وَعَمَلُه بطاعته، وانْتِهَاؤُه عن مَعْصِيَّته. فَكَنَّى عن هذا كله بالمحبة. وليس في هذا
كله شهوة. إنما هو إِرَادة ورغبة في حَمْد الله، والثَّنَاء عليه. وحُبُّ المؤمن للمؤمن هو إِرَادَتُه مَدْحَه،
والثَّنَاء عليه قضاءً لحقه. فإذا قيل: المُومِنُ يحب المومن؛ فمعناه أنه يريد مدحه، وَيَلْهَج بالثناء عليه.
ولا يقال: المومن يريد المومن؛ لأن المحبَّة لما كانت تستعمل على مَيْل الطباع، أخرجت ذلك المخرج
في الكلام، للمبالغة فيما يراد من التعظيم في الصفة. وليس العِشْقُ كما ذكرنا، لأنه مَمْزُوجٌ بالشهوة،
وهو لَذَاذَاةٌ تَصْدُرُ عن فُرُط.
اللَّحْظ، وكثرة الإستحسان بمناسبة روحانية ومجاذبة فلكية، وهو مخصوص بالشَّباب؛ فإن صادف
مسنا، فذلك فتنة مُضّلَّة، نعوذ بالله منها.
وقال بعض الحكماء: العِشقُ ضرورة شغل نفس فارغة. وقال أرسطوطاليس: العِشقُ ضرورةٌ داخلة
على النفوس.
(2/694)

وقال بعض الحكماء: العِشْقُ طَمَعٌ يتولد في القلب، ويَنمى، وتسري إليه موادُ الحركة، فكلما قَوِيَ،
ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الفِكر والهيمان، وضيق الصدر. فإذا فَسَد الفكر،
أدى ذلك إلى الجنون؛ فربما قَتَل العاشقُ نفسه، وربما مات غَمّاً وحُزناً، وربما نظر إلى معشوقه،
فمات فرحاً، وربما شَهقَ الشهقة، فَخَفِيَ روحه أربعة وعشرين ساعة، فَيُظَنُّ أنه قد مات فيدفن حيَّا.
وربما تنفس الصعداء، فخفيَ روحه في تَامُورِ قلبه، وينضم القلب عليه فلا ينفرج حتى يموت. وقد
ترى العاشق إذا سمع بذكر محبوبه تستحيل لونه، ويموت دمه، ويخفق قلبه. وهذا كله صحيح موجود
عند أهل العشق.
وقال الشاعر، وقيل هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:
سقيمٌ لايموتُ ولا يَفِيقُ ... قد أَقْرَحَ جَفْنَه الدَّمْعُ الطَّلِيقُ
شَدِيدُ الحزنِ يحزنُ مَنْ رَءَاهُ ... أَسِير الصّبو نَاظِرُه أريقُ
ضَجِيعُ صَبَابَة وَحليفُ هَوْنٍ ... تَحمَّل قلبُه ما لا يُطيق
يَظَل كأنه ممَّا اجتواه ... يَسْعرُ في جوانبه الحَرِيق
قال: ولمَّا ارتحلت ليلى عن قيس، جعل يقبل موضع رجليها من الأرض،
(2/695)

وحول خبائها. فلما رأى ذلك قومه، أقبلوا على أبيه بالعذل واللَّوم. فقال ذريح، لما رأى حاله تلك: قد جنيت عليك يابني! فقال
له قيس: قد كنتُ أخبرك أَنِّي مَجْنون بها، فلم تَرْضَ إلا بقتلي.
فاللَّهُ حسيبك، وحسيب أمي. وأقبل قومه يَعْذِلُونَه في تقبيل التراب، فأنشأ يقول:
فما حُبِّي لِطِيب تُرَاب أرضٍ ... ولكنْ حُبُّ مَنْ وَطِئَ التُّرَابَا
فهذا فعلُ شَيْخَيْنَا جميعاً ... أَرَادَا لِي البليَّةَ والعَذَابَا
وكان من أمره بعد ذلك ماعلم، وشهر. نعوذ بالله من آفة العشق، وفتنته.
وقال حامد البلْخي: سمعت أعرابيا ينشد:
أَهَاجَ سرورُ القَلب مِنِّي حرارةً ... فَأَوْرَثَه سُقماً على آخر الدَّهرِ
فقلت له: هَل للسُّقْم من الحُبِّ دواءٌ؟ فقال: إِلْتِقَاءُ الشَّفَتَيْنَ، بِضَمِّ البَدنَيْنِ. وقيل لهند بنت الحسن: مَا
أَلَذَّ شَئً في الدُّنْيَا؟ فقالت: قُبْلَةُ فَتَاة فتىً ضَمَّهُمَا هوىً. وَعَيْشِكَ مَا ذُقْتُهَا.
(2/696)

وقال جالينوس: مُحَادَثَةُ الرَّجل من يهوى، تَسُلُّ التَّعَب والنَّصَب من مَفَاصِله سَلاّ.
وقال بعض الحكماء: صَفْوُ العِيش؛ الخُلْوةُ بِمَنْ تُحب. وسُئلَ بعضُ الظُّرفاء فقيل له: مَا أَحَبُّ شيٍ
إليكَ في الدُّنْيَا؟ فقال: خُلوةٌ بِمَنْ أحب، لايرانا إِلاَّ الموت.
وقال أبو صخر الهذلي في هذا المعنى، من قصيدة قرأتها في (النوادر) لأبي علي:
تمنيتُ من حُبِّي عُلَيّةَ أَنَّنَا ... على رَمَثٍ في البحر ليس لنا وَفْرُ
على دائمٍ لايَعْبُرُ الفُلْكُ مَوْجَهُ ... ومن دونِنَا الأهوالُ واللُّجَجُ الخُضْرُ
فَنَقْضِي هَمَّ النَّفْسِ في غير رِقْبَةٍٍ ... وَيُغْرِقُ مَنْ نَخْشَى نَمِيمَتَهُ البَحْرُ
فالرَّمَثُ أعواد يضم بعضها إلى بَعض، فيركب عليها في البحر.
وَيُرْوَى: (على رمث في الشرم). والشَّرْمُ: البَحْرُ من قولهم: شَرَمْتُ الشيء إذا شَقَقْتَه. والبحر؛ من
قولهم بحرت الشيء؛ إذا شققته أيضا شقّاً واسعا. وقيل: الشّرْمُ لُجَّة البحر، ومنه البحيرة، وهي الناقة
المشقوقة الأذن، والناقة بَحِيرَةٌ وَهَجُورَةٌ. ويقال للبحر أيضا: البَضِيعُ من قولهم: بَضَعْتُ الشيء إذا
شَقَقْتُهُ.
قوله: (ويغرق من نَخْشَى نميمته) أي: أفشاه للحديث. قال أبو زيد:
(2/697)

يقال منه: رجلٌ نَمٌّ، من قومٍ
نَمِّينَ، وأنِمَّاء. وامرأة نَمَّةٌ، من نسوة نَمَّات.
قال الشاعر:
ولاَ أَكْتُمُ الأَسْرَارَ لكنْ أَنُمُّهَا ... ولا أَتْرُكُ الأَخْبَارَ تَغْلي عَلَى قَلبي
وقال الآخر:
إِن النَّمُومَ أُغَطِّي دونَهُ خَبَرِي ... وَلَيْسَ لي حِيلةٌ فِي مُفْتَرِي الكَذِبِ
ومثل هذا البيت قول الآخر:
لِي حِيلَةُ فِيمَنْ يَنُ ... مُّ وليس في الكذَّابِ حِيلَهْ
مَنْ كانَ يَخْلقُ مَا يَقُو ... لُ فَحيلتي فيه قَلِيلَهْ
ويروى: (مَنْ كان يَكذِبُ ما أَرادَ).
(2/698)

وحكى الزبير بن أبي بكر قال: حَجَّ مروان بن عبد الملك مع الوليد بن عبد الملك بن مروان، فلما
كانوا بوادي القُرَى، جرت بينه وبين أخيه الوليد بن عبد الملك مُحاورة، والوليد يومئذ خليفة، فغضب
الوليد فأمضَّه فتفوَّه مروان بالردّ عليه. فأمسك عمر بن عبد العزيز على فِيه فمنعه من ذلك. فقال
لعمر: قتلتني! رددت غيظي في جَوْفِي. فما راحوا من وادي القُرى حتى دفنوه.
فله يقول الشاعر:
لَقَد غادَرَ الرَّكْبُ اليَمَانُون إذْ غَدَوْا ... بِوَادِي القُرى جَلْدَ الجَنَانِ مُشَيَّعَا
فَسَاروا فَلاَ مروانَ للحيِّ إذْ شَتَوْا ... وَللرَّكْبِ إِذ أَمْسَوْا مُضلين جُزَّعَا
وذكر غير الزبير، أن الشعر لجرير بن عطية.
(2/699)

قال: وكان مروان أخا يزيد بن عبد الملك لأمّه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وزاد:
أَبَا خَالدٍ فَارَقْتَ مروانَ عَنْ رِضىً ... وكانَ يزينُ الأرضَ أَنْ تُرَيَا مَعَا
قال: ومثل النَّمَّام: القتَّات، والقَسَّاس أيضا مثله. وقد فرق بعض أهل اللغة بينهم، فقال: النَّمَّام: هو
الذي يكون مع القوم يتحدثون فَينِمُّ حديثهم.
والقَتَّاتُ: هو الذي يتسمع على القوم، وهم لايعلمون، ثم يَنِمُّ حديثهم.
والقَسَّاسُ: الذي يَقُسُّ الأخبار؛ أي يسأل الناس عنها، ثم ينشرها، ومثل ذلك قولهم: رجل نَمِلٌ.
والنَُِّمْلَةُ مثل القلق بالخبر.
والنَّمِلُ: هو الذي لايكتم الخبر، ولا يستطيع الصبر عليه، وهو أيضا النَّمَّال. وقد نَمَلَ يَنْمُلُ.
وقال الكميت:
وَلاَ أُزْعِجُ الكَلِم المُحَفَظَاتِ ... إِلَى الأَقْرَبِينَ ولا أَنْمِلٌ
(2/700)

أيْ: لا أَمشي بِالنَّميمة.
ويقال: رجلٌ نَمِلُ الأصابع؛ الذي لايكاد يكُفُّ أصابعه عن العبث، وكذلك إذا كان خفيف الأصابع في
العمل، وكذلك الفرس؛ وهو الذي لايكادُ يستقرّ.
قال هذا قاسم في الدلائل، وأنشد:
لَسْنَا بِإِخْوَانِ أَقْوامٍ يُغَيِّرُهُمْ ... قَوْل العُدَاةِ ولاَذُو النَّملةِ النَّمِلُ
قال: وفي حديث عمر رضي الله عنه أنه قال للحطيئة: إِيَّاكَ والشعر! قال: لاأَقْدِر ياأمير المؤمنين
على تركه؛ مأْكَلَةُ عِيالي، ونُمْلَةٌ على لساني، قال: فَشَبِّبْ بِأَهْلك، وَإِيَّاكَ وَكُلُّ مِدْحَةٍ مُجْحِفَةٍ! قال: يا
أمير المؤمنين! وما المدحَةُ المُجْحِفَة؟
قال: تقول: بنو فُلانٍ خيرّ من بني فلان. إمْدَحْهُمْ ولا تُفَضلهُمْ، قال: أَنْتَ يا أمير المومنين أشعرُ
مني.
قال: والنَّمُّ، والقَتُّ، والقسُّ، والتَحَسُّسُ بالحاء، والتَّجَسُْسُ بالجيم نظائر في اللغة، ومتقاربات في
المعنى.
قال الشاعر:
تجنيت سُعْدى رَهبَة أن يشيد لي ... إذا زرت سعدى الكاشح المتحسسُ
يروى بالجيم؛ من قولهم (تجسس) وبالحاء من قولهم (تحسس)، وقرأ الحسن.
(2/701)

رجع
وسأل ابراهيم بن المهدي بعض المجانين. ما المحاسن؟ فأنشده:
يقولون في البستان للعين نزهة ... وفي الخمر والماء الذي غير آسنِ
إذا شئت أن تلقى المَحَاسِنَ كُلَّهَا ... ففي وَجْهِ مَنْ تَهْوَى جميعُ المحاسن
ورأيت في بعض تواليف الحافظ أبي نعيمْ بسند، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "النظرة إلى الخضرة والوجه الحسن يزيدان في البصر".
(2/702)

فصل
قال: ومن غريب الأحاديث والحكايات في معنى الحب، ماروى عن أبي عبد الله عكرمة مولى ابن
عباس لله، قال: بينما نحن عند عبد الله بن عباس، إذ أقبل فتية يحتملون فتى من بني عذرة، قد بلي
بدنه، وكانت له حلاوة، وجمال. فجاءوا به حتى وقفوا بين يديه، وقالوا: استشف لهذا الفتى يا ابن عم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما الذي به؟ قال: فترنم الفتى بصوت خفي، لا يستبين، وقال:
بِنَا من جَوَى الأحزان والحبِّ لوعة ... تكاد لها نفس المحبِّ تذوبُ
ولكنما أَلْفَى حشاشة مقولى ... على مابه عودٌ هناك صليب
وما عَجَبٌ موت المحبين في الهوى ... ولكن بقاء العاشقين عجيب
ثم شهق شهقة فمات، فقال ابن عباس: هل رأيتم غلاماً مثل هذا؟ والله، إنه لقتيل الهوى، لادية له،
ولا قود فيه، فأنشد بعض أهل المجلس:
(2/703)

قَضَى اللَّهُ في القَتْلَى قِصَاصَ دِمَائِهِمْ ... وَلكنْ دماءُ العاشقين جُبَارُ
تُطَلُّ دِماء العاشقين وثأرُها ... لدى الحَدَقِ المرضَى وذلك ثَارُ
وأنشد آخر منهم:
ما يَذْكُرُ الدهر لي سُعْدَى وَقَدْ فقدتْ ... إلاَّ تَرَقْرَقَ دَمْعُ العين فاطَّرَدَا
يالَلرِّجالِ لِمَعْشُوقٍ بِلاَ تِرَةٍ ... لاَتَأخذون له عَقْلاً وَلاَ قَوَدَا
قال عكرمة: فقال ابن عباس: نرغب إلى الله في العافية، ومازال يتعوذ بالله من الحبِّ بقية يومه.
قول الشاعر:
قَضَى اللَّهُ في القَتْلَى قِصَاصَ
أي: فرض الله في القتلى قِصاص دمائهم وأوجب، والقِصَاصُ: الأخذ من الجاني مثل ما جنى،
والقِصَاصُ، والمقَاصَةُ، والمعاوضة، والمبادلة: نظائر في اللغة.
يقال منه: قصَّ يَقُصُّ قَصّاً وَقِصَصاً، وأقَصَّهُ به إقْصَاصاً، واقْتَصَّ منه اقتصاصاً.
وَاسْتَقَصَّ اسْتِقْصَاصاً؛ إذا طلب القِصَاص، وقَاصَّهُ مَقَاصَّةً وقِصَاصاً.
وقال أبو بكر بن دريد: قَصَّ الشيء بِالمِقَصِّ يَقُصُّهُ قَصّاً. وقَصَّ الحديث يَقُصُّهُ قَصَصاً.
(2/704)

وقوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ)، يعني القرآن اقتفاء الأثر قَصَصٌ أيضا. قال الله تعالى (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا).
والقِصَاصُ التَّقَاصُّ، من الجراحات والحقون شيء لشيء.
واقْتَصَّ منه: أَخَذَ منه. قال الله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).
وقال صاحب العين: القَصّ: الصَّدْر هو المُشَاشُ المغروسةُ فيه أَطْرَافُ شَرَاسيف الأضلاع في وسط
الصدر.
والقُصَّةُ من القُصَاصِ معروفة. والقَصَّةُ الجَصُّ.
وفي هذا اللفظ اشتراكٌ، وبابه مَشِيعٌ.
وقوله: (دماء العاشقين جُبَار): يعني أن دماءهم هَدَر لاَدِية فيها.
وفي حديث أبي هريرة فيما روى، عن عبد الرزاق عن معمر، عن همام بن مُنَبِّه عنه، النار جُبَار،
(2/705)

ورواه مسلمة بن علقمة، عن داوود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. قال: قال
رسول الله صلى عليه وسلم: (النَّارُ جُبَار والبِئْرُ جُبَار والمعدنُ جُبَار وفي الرَّكَازِ الخُمُسُ).
وقوله: النَّار جٌبَار، قال الخطابي: يتأول على وجوه: أحدها أن يكون معنى ذلك إباحة النار،
واقتباسها من غير إذن موقدها، وأنه إذا أخذ منها جَذْوة، لم يلزمه لها قيمة.
وقال بعضهم: تأويله: النارُ تطير بها الريح، فتحرق متاعاً لقوم، يريد أنه لايلزم موقدها غرامة.
ومنهم من فرق بين النار يوقدها رجل، ليصطلي بها، أو يشوي عليها لحماً، وبين أن يوقدها عبثا لا
لأرب، فرأى ما تَجْنِي تلك هدراً، وماتجني هذه الغرامة. وأنكر بعضهم هذه اللفظة، وزعم أنها
تصحيف، وإنما هو: البئر جُبَارٌ.
وذلك أن أهل (اليمن) يُميلون النار. فكتبها بعضهم بالياء فرأى القارئ البئر، فصحفها بالنار، كذا قال
أبو بكر بن المنذر.
(2/706)

وقال يحيى بن معين: أصله البئر جُبار، ولكنه صحفه معمر، وقال أبو عمر بن عبد البر: في قول
يحيى بن معين نظر. وذكر أبو الحسن الدارقطني الحديث في كتاب (العلل) فقال: قال إسحاق بن
ابراهيم بن هانئ، عن أحمد بن حنبل: إنما هو البئر جبار، وأهل (صنعاء) يكتبون النار بالياء على
الامالة، فصحفوا على عبد الرزاق البئر بالنار، والصحيح البئر.
قال أبو الحسن الدارقطني: إسحاق هذا له عن أحمد مسائل، وكان ألزم إليه من ابنه.
وفي الحديث عنه عليه السلام "جُرْحُ العَجْمَاءِ جُبَار". وهذا دون خلاف، والعَجْمَاءُ: هي البهيمة،
سميت عجماء لامتناعها من الكلام، قال امرؤ القيس:
صَمَّ صَدَاهَا وَعَفَا رَسْمُهَا ... واسْتَعْجَمَتْ عَنْ مَنْطِقِ السَّائِلِ
وانما وَشَّحْنَا أبواب هذا الكتاب بهذه الأخبار؛ رغبةً في استكمال فوائده، واستغراب مقاصده،
واستحسان مصادره، وموارده.
رجع
وحكى الفضل بن الحُبَاب، عن الرياشي قال: خرج جماعة من
(2/707)

أهل (البصرة) يريدون الحَجّ. فلما
كانوا ببعض الطريق، إذا غلام واقف على المحجَّة وهو ينادي: أيها الناس! هل فيكم أحد من أهل
(البصرة)؟ قال: فملنا إليه، وقلنا له: مَاتُريد؟ قال: إن مولاي يريد أن يوصي إليكم. فسرنا معه؛ فإذا
شخص ملقى على بعدٍ من الطريق، تحت شجرة لا يحير جوابا، فسلمنا عليه وجلسنا حوله، فلما أحس
بنا رفع طرفه، وهو لايكاد يرفعه ضعفاً. ثم أنشأ يقول:
يَا بَعيدَ الدار من وطنه ... مُفرداً يَبْكي عَلَى شَجَنِهْ
كُلَّمَا جَدَّ البُكَاءُ بِهِ ... زَادَتِ الأسقامُ في بَدَنِهْ
ثم أُغْمِي عليه طويلا، ونحن جَلُوسٌ عنده، فأقبل طائر فوقع على بعض أغصان الشجرة، وجعل
يغرد، ففتح عينيه ثانية، وجعل يستمع تغريد الطائر، وأنشأ يقول:
وَلَقَدْ زاد الفُؤَادَ شَجَىً ... طَائرٌ يَشْدُو عَلَى فَنَنِهْ
شَفَّهُ مَا شَفَّني فَبَكَى ... كُلُّنَا يبكي عَلَى سَكَنِهْ
ثم تنفس، وفاظت نفسه، فلم نبرح من عنده حتى كفناه، وتولينا الصلاة عليه. فلما فرغنا من دفنه،
سألنا الغلام عنه، فقال هذا العباس بن الأحنف.
قال أبو اسحاق: ومن مليح شعر العباس قوله:
(2/708)

تَحَمَّلْ عَظِيمَ الذَّنْبِ مِمَّنْ تُحِبُّهُ ... وَإِنْ كُنْتَ مَظْلُوماً فَقُلْ أَنَا ظالِمُ
فَإِنَّكَ إِلاَّ تَغْفِر الذَّنْبَ في الهَوَى ... يُفَارِقْكَ مَنْ تَهْوَى وَأَنْفُكَ رَاغِمُ
فَطُوبَى لِمَنْ أَغْفَى مِن اللَّيْلِ سَاعَةً ... وَذَاقَ اغْتِمَاضاً إِنَّ ذَاكَ لَنَاعِمُ
وقوله أيضا:
أَغَبَّ الزّيارَة لَمَّا بَدَا ... لَهُ الهَجْرُ أَوْ بَعْضُ أَسْبَابِهِ
وَمَا صَدَّ عَنْهَا وَلَكِنَّهُ ... طَرِيدُ مَلاَلَةِ أَحْبَابِهِ
وقوله أيضا:
إِنْ قَالَ لم يَفْعَلْ وإن سيلَ لَم ... يَبْدُلْ وَإِنْ عُوتِبَ لَمْ يَعْتَبِ
حبٌّ بِهِجْرَاني ولو قال لي ... لاَ تَشْرب البارِدَ لَمَ أَشْرَبِ
وقوله أيضا في مشي النساء:
شمس مقررة في خَلْقِ جاريةٍ ... كَأَنَّما كَشْحُها طَيُّ الطَّواميرِ
كأنها حين تمشي في وَصَائِفِها ... تخطو على البيض أو خُضْر القواريرِ
والطَّواميرُ، جمع أطمار، وأَطْمَار جمع طَمْر: وهو الثوب الخَلَقُ، ومثله في
(2/709)

الجودة والحسن في مشي النساء، قول ابن مقبل في النوادر لأبي علي:
يَهْزُزْن للمَشْي أَوْصَالاً مُنَعَّمَةً ... هَزَّ الجَنُوبِ مَعاً عِيدانَ يَبْرِينَا
أَوْ كاهتِزَازِ رُدَيْنِيٍّ تَداوله ... أَيْدي التِّجار فزاد وامَتْنَه لينا
ويروى: (هز الكُمَاة).
يمشين هَيْلَ النَّقا مالتْ جَوَانِبُهُ ... ينهال حينا وينهاه الثَّرى حِينَا
قوله: عَيْدَان، وزنه فَيْعَال، وهو من: عَدَنَ، إذا أقام، والنون فيه أصلية، وهو جمع عَيْدَانة. والعيدانة:
النخلة إذا طالت، ونفذت عروقها إلى الماء.
والنَّقَى من الرَّمل: قِطْعَةٌ مُحْدَوْدَبَةٌ يُكْتَب بالياء، ويكتب بالألف، لأنك تَقُولُ في تَثْنِيتِه: نَقَوَان ونَقَيَان،
والواوُ أكثر. قاله أبو علي البغدادي، وأنشد:
كَحِقْفِ النَّقَا يَمْشي الوليدانِ فوقَهُ ... بِمَا احتَسَبَا مِنْ لينِ مَسٍّ وتَسْهَالِ
ويُرْوَى: (وَإِسْهَالِ)
قال أبو علي: وبَنَاتُ النَّقَا، وشَحْمُ النَّقَا، وشَحْمَة الأرض: دودٌ بيض يَدْخُل في الرمل تُشَبَّهُ بها
الأصابع.
(2/710)

قال الراعي:
وفي القُلْبِ والحِنَّاءِ كَفُّ بَنَانِها ... كَشَحْمِ النَّقَا لَمْ يُعْطِها الزَّنْدَقَادحُ
وقال ذو الرمة:
وَأَبْدَتْ لَنَا كفّاً كأَنَّ بَنَانَها ... بناتُ النَّقَا تَخْفَى مراراً وتظهرُ
وقال: والنَّقَا أيضا: كل عَظْمٍ فيه مُخُّ، وجمعه أَنْقَاء.
وأنشد أبو محمد بن رَسْتَم لابن لجإ:
طويلة والطُّولُ مِنْ أَنْقَائِها
أي: من عِظَامِها المُمِخَّة.
وقال محمد بن القاسم: النَّقَى: العَظْمُ المُمِخُّ، مقصور يكتب بالياء.
ومثله في الحسن في المعنى قول ذي الرمة:
(2/711)

وَلَمْ تَمْشِ مَشْيَ الأُدْمِ في رَوْنَق الضحى ... بِخَرعابك البيضُ الحِسَانُ الخرائِدُ
ومثله قول الآخر:
يمشين في الرَّيْطِ والمُرُوطِ كَمَا ... تَمْشِي الهُوَيْنَا سَوَارحُ البقَرِ
وقرأت في النوادر لأبي علي، قول عمر بن أبي ربيعة في المعنى:
أبْصَرْتُها غدوةً وَنِسْوَتُها ... يَمْشِين بين المَقَام والحجَرِ
بيضاً حساناً خرائداً قُطُفاً ... يَمْشِينَ هَوْناً كَمِشْيَة البَقَرِ
قَد فُزْنَ بالحُسْنِ والجمال معاً ... وفزن رِسْلاً بِالدَّلِّ والخَفَرِ
قوله (قطفا): هو جمع قَطُوف، وهي التي تقارب خطوها من المشي، قال امرؤ القيس:
فجاءت قطوفَ المشي هَيَّابَةَ السُّرَى
وقوله: (هونا وَرِسْلاً) أي: رِفْعاً. ومثله في الاستحسان، قول الحطيئة في المعنى:
حَصَانٌ لها في البيت زِيٌّ وَبَهْجَةٌ ... وَمَشْيٌ كَمَا تَمْشِي القَطَاةُ قَطُوفُ
ومثله أيضا قول الكميت في المعنى:
(2/712)

يَمْشِين مَشْيَ قَطا البِطاح تأوداً ... خُمْصَ البُطُونِ رَوَاجِحَ الأكْفَالِ
والقَطا في هذا البيت، والذي قبله، ضرب من الطير معروف يستحسن مشيه، واحدته قَطَاة، ويقال
في جمعه أيضا: قطوات.
قال الأخطل:
مُصَاحبةُ خوصاً كَأَنَّ رِحالها ... عَلَى قطوات من قَطَا عالج حُقْبِ
ومن أمثالهم: (لو تُرِكَ القطا لَنَامَ)، ولايكتب إلا بالألف.
والقطا أيضا، جمع قطاة، وهو مابين الوركين، ويكتب بالألف أيضا، قال النابغة الجعدي:
على أَنَّ حَارِكَهُ مُشْرِفٌ ... وَظَهْرَ القَطَاةِ وَلَمْ يَحْدَبِ
وقال امرؤ القيس:
يُديرُ قَطَاةً كالمَحَالَةِ أَشْرَبَتْ ... إِلَى سَنَدٍ مِثْل العَبِيط المُذَأَّبِ
ويقال في مثل يضرب للرجل الأحمق (ما تعرِفُ قَطَاتَهُ مِنْ لَطَاتِه)، ولَطَاتُه جبهته، فمعناه: مايُعْرَفُ
من حُمْقِه، أعلاه من أسفله.
ومثل ماذكرنا من حسن مشي النساء، قول الآخر:
أَلاَ إِنَّ قَلْبِي لَدَى المُعْصِرَات ... يُمَشِِّينَ مَشْيَ إرَاخِ البقرِ
(2/713)

والمُعْصِرَات في هذا البيت جمع مُعْصِر، وهي الجارية إذا قاربت الإدراك، قال الشاعر:
جَارِية بسفوانَ حَارُهَا ... قد أعصرتْ أو قد دَنَا إِعْصَارُهَا
وقال الآخر:
فَكَانَ مِجَنى دون من كنْتُ أتَّقى ... ثلاث جوارٍ كاعبان ومُعْصِرُ
ويقال: إن صلاة العشي، إنما سميت عصراً لأن مدى وقتها يقارب غروب الشمس، وهو من هذا
المعنى.
وفي الحديث عن عبد الله بن فَضَالة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "حافظ على
العصرين".
والعَصْرَان: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها. لأن العصرين عند العرب: الغَدَاة
والعَشي، وهما أيضا الليل والنهار. وقال حميد بن ثور الهلالي:
(2/714)

ولَنْ يَلْبث العَصْران يومٌ وليلةٌ ... إذا طَلَبَا أن يُدْرِكا ما تَيَمَّمَا
فجعلهما يوم وليلة، ومنه قول الآخر:
أُمَاطِلُهُ العَصْرَيْن حتَّى يَمَلَّنى ... ويَرْضَى بنصف الدَّين والأَنْفُ رَاغِمُ
والعَصْرُ أيضا الدهر، ومن قول حميد بن ثور أخذ ابن المعتز قوله:
أَلَمْ تَرَ أن الدهر يومٌ وليلةٌ ... يَكُرَّانِ من سبت عليك إلى سَبْتِ
فقل لجديد العيش لابد من بِلي ... وقل لاجتماع الشمل لابد من شَتِّّ
وقول البحتري في مشي النساء بديع مستحسن أيضا، وهو:
لَمَّا مَشَيْنَ بِذِي الأَرَاكِ تَشَابَهتْ ... أَعْطَافُ قُضْبَانٍ بِهِ وقُدودِ
في حُلَّتَيْ حِبْرٍ ورَوْضٍ فالْتَقَى ... وَشْيَانِ: وَشْيُ رُبِّي وَوَشْيُ بُرُودِ
وَسَفْرْنَ فامْتَلأَتْ عُيونٌ زَانَها ... وَرْدَانِ: ورد جنىً وَوَرْدُ خُدُودِ
وَضَحِكْنَ فاغترف الأقاحي من ندىً ... غَضٍّ وَسَلْسَالِ الرُّضابِ بَرودِ
وأنشد أبو محمد بن قتيبة للأعشى، مايستحسن في هذا المعنى:
كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا ... مَشْيُ السَّحَابَةِ لاَرَيْثٌ ولاَ عَجَلُ
رجع
(2/715)

وقرأت في (النوادر) لأبي علي البغدادي، قال الفضل بن محمد العلاَّف، لما قدم بغاء ببني نُمَيْر
أسرى كنت أذهب إليهم، فأسمع منهم، فلا أعدم أن ألقى الفصيح منهم. فأتيتهم يوما في عقب مطر؛
وإذا فتى منهم حسن الوجه، قد نهكه المرض وهو ينشد:
أَلاَ يا سنا بَرْقٍ على قُلَلِ الحِمَى ... لَهِنَّكَ من برْقٍ عليَّ كريمُ
لمعت اقتداء الطير والقومُ هُجَّعُ ... فهيَّجتَ أسقاماً وأنت سليمُ
فهل من معيرٍ طرفَ عيْنٍ خَليّةٍ ... فانسانُ طرفِ العامريِّ كليمُ
رَمَى قلبه البرقُ اليماني رميةً ... بِذِكرِ الحِمَى وَهْناً فبات سقيمُ
فقلت له: ياهذا! إنك لفي شغل عن هذا. فقال: صدقت يا أخي! ولكن أيقظني البرق فتذكرت. ثم
اضطجع فما لبث غير ساعة، حتى مات، فتوهمنا عليه غير الحب.
وحكى عن سعيد بن حُمَيْد أنه قال: رأيت (بالبصرة) شابا، وفي يده
(2/716)

مدية، والناس حوله، وهو ينادي بأعلى صوته ويقول:
يومُ الفراق من القيامة أطولُ ... والموتُ من ألمِ التفرق أجملُ
قالوا الرحيل فقلت لست براحلٍ ... لكن مهجتي التي تترحَّلُ
ثم بَقَرَ بَطْنَهُ، وخر ميتا. فسألت عن شأنه، فقيل لي: كان يهوى فتى لبعض الملوك، فحجب عنه
يوما واحدا، ففعل ما ترى.
وحكى عن الحميد أنه قال: رأيت رجلا متعلقا بكم صبي، وهو يتضرع إليه ويظهر له المحبة،
فالتفت إليه الصبي وقال: إلى متى هذا النفاق الذي تظهر، فقال له: قد علم الله أني صادق فيما أقول؛
حتى لو قلت لي مت لمت، فقال له الصبي: إن كنت صادقا فمت، قال: فتنحى الرجل وغمض عينيه
فوجده ميتا.
قال أبو إسحاق:
وشبيه بهذا، لكن من غير علاقة الحب؛ بل من الزهد في الدنيا، والإنابة، للرب ماحكى أبو القاسم
خلف بن عبد الملك بن بَشْكُوَال
(2/717)

في فوائده عن أبي محمد بن عتاب بسند إلى منصور بن محمد
البصري، قال: أرسل أمير المومنين مِنْ سُرَّ مَنْ رأى إلى نصر بن علي الجهضمي، وكان زاهدا،
يامره بتقلد القضاء فأبى، فروجع في ذلك ثلاث مرات فأبى، فأمر أمير المومنين إن هو لم يُجِب قُيِّد
وأُوتيَ به.
فأعلم بذلك نصر، فقال: أَنْظِرُوني اليَوم، فدخل الحمَّامَ، واغْتَسَل وتَنَظَّف، وخرج إلى دَارِه فأعدَّ
أَكْفَانَه وحُنُوطَه، وبَعَثَ إلى رَجُل كان يغسل المَوْتَى، فتقدَّم إليه بما يريد مِن غَسْله، ثم اسْتَقْبَل القِبْلَة
فَصلَّى ركعتين، ودَعَا بما دَعا، وتمدَّد فمات، وغُسِّل وكُفن.
قال منصور: وكنتُ فيمَنْ صَلَّى عليه، فلما عَلِمَ السُّلْطَان بِخَبَره، نَدِمَ على مَاكَانَ مِنْه إِلَيه. وكانت
وفاتُه رحمة اللَّه عليه سنة خمسين ومائتين، فيما ذكره
(2/718)

أبو عبد الله محمد بن اسماعيل البخاري.
وخرَّج أبو القاسم أيضا في (الفوائد) بسندٍ إلى القاسم بن ثابت بن حزم السرقسطي، أن الوالي
بسرقسطة أراد تقديم قاسم القضاء بها، فأمر أباه ثابثا أن يعلمه بذلك، فأعلمه أبوه بالخبر، فأبى، فأخبر
أبوه الوالي بذلك، فقال: إن لم يفعل ما أمرته به، أخرجته عن بلدي، فقال له أبوه: يابني تكلفني في
آخر عمري الخروج عن بلدي، والتطوف بالبلدان. فقال له: يا أبت أمهلني إلى غد. فلمَّا أتى الليل،
صار قاسم في محرابه، فصلَّى طول ليلته، وأصبح ميتا في محرابه رحمة الله عليه، وندم الوالي
على ذلك، وقال: ليتني لم آمره بما يكره.
قال أبو إسحاق:
وإنما جئت بهذين الخبرين اعتباراً وإجلالاً، وإعلاماً بمكانة هذين العالمين العاملين عند الله تبارك
وتعالى.
(2/719)

وقرأت في (ذيل النوادر) لأبي علي قال: استُعْمِلَ النعمان بن بشير على صدقات بَلِيّ وعذرة. فبينما
أنا، يقول النعمان، في بعض مياههم، إذ رأيت بيتاً مفرداً إلى ناحية، وإذا بفنائه رجل مستلقٍ وامرأة
قاعدة، وهو يتغنى ويقول:
جَعَلْتُ لِعَرَّافِ اليَمَامَةِ حُكْمَهُ ... وَعَرَّافِ حَجْرٍ إنْ هُمَا شَفَيَاني
فَقَالاَ نَعَمْ تَشْفى من الدَّاء كلِّه ... وقاما مَعَ العُوَّاد يَبْتَدِرَان
فَمَا تَرَكا من رُقْيَةٍ يَعْلَمَانِها ... وَلاَ سَلَْوَةٍ إلاَّ وقد سَقَيَانِي
وَمَا شفيا الداء الذي في كله ... وَمَا ذَخَرا نصحاً وما أَلَوَاني
(2/720)

فَقَالاَ شَفَاكَ اللَّهُ وَاللَّهِ مَالنا ... بِمَا ضُمِّنَتْ منكَ الضُّلُوعُ يَدَانِ
فقلت للمرأة: ما قِصَّته؟ فقالت: هو مريض ما تكلَّم بكلمة، ولا أَنَّ أَنَّةً منذ وقت كذا إلاَّ الساعة، ثم
فتح عينيه وأنشأ يقول:
وكان مِنْ أُمَّهَاتي باكياً أبدا ... فاليومَ إِنِّي أرَاني اليومَ مَقْبُوضاَ
تَسَمَّعِيهِ فَإِنِّي غيرُ سَامِعِه ... إذَا حُمِلْتُ على الأعناق مَعرُوضاَ
ثم خفت فمات فغمضته، وغسلته، وكفنته، وصليت عليه، ودفنته، وقلت للمرأة: من هو؟ فقالت: هو
قتيل الحب عروة بن حزام.
وحكى عمرو بن بحر الجاحظ، قال: كنت جالساً بالرَّقة عند صديق لي، وكان معنا فتى يتعشق
جارية مغنية، كانت معنا في المجلس، فضربت العود، وغنت:
عَلاَمَةُ ذُلِّ الهَوَى ... على العَاشِقينَ البُكَا
وَلاَ سيَّمَا عاشِقٌ ... إذا لم يَجِدْ مُشْتَكَى
فقال لها الفتى: أحسنتِ واللَّهِ ياسيدتي!. أَفتأذنين لي أن أموت؟. فقالت: مت راشداً. فوضع رأسه
على الوسادة، وأطبق فمه، وغَمَّض عينيه، فحركناه
(2/721)

فوجدناه ميتا.
وحكى أبو عمرو بن بحر أيضا، قال: قصدت أمير المومنين المتوكل على الله، لتأديب ولده. فلما
رآني استبشع منظري، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وصرفني، فلمَّا خرجتُ، لَقِيتُ محمد بن ابراهيم
وهو يريد الانحدار إلى مدينة السَّلاَم، فَرَغِبَ إِليَّ في النهوض معه، فأجبته إلى ذلك، فلما وَصَلْنَا
أَحْضَر الطَّعام، فأكلنا ووضع الشراب، فَشَرِبنا، وضُربت سَتَّارة، وأمر عَوَّادةً له تُغَنِّي، فَغَنَّتْ:
كلُّ يومٍ قَطيعةْ وعتابُ ... ينقضي دَهْرُنا ونحنُ غِضَابُ
ليت شِعْري أَنَا خُصِّصتُ بهذاَ ... دونَ غيري أَمْ هكذا الأحْبابُ
ثم سكَتَتْ، وأمَرَ طَنْبُورِيَّةً تُغَني، فَغَنَّتْ:
وارحمتا لِلْعَا شقينا ... ماذا يلاقي العاشقونا
همْ يُظْلَمُونَ ويُهْجَرُو ... نَ وَيُقَطَّعُون وَيَصبرونَا
يَتَجَلَّدُون وَيُظهِرُو ... نَ تَجَلُّداً للِشَّامِتِينَا
ثم قالت لها العوّادة: فيصنعون ماذا؟ فقالت: يَصْنَعُون هكذا. ورمت بيدها
(2/722)

إلى السَّتارة فَهَتَكَتْها وبرزَتْ كأنَّها قمر، فرمت بنفسها في الماء.
وكان على رأس مُحَمَّد غُلام قائمٌ يضاهيها في الجمال، وكانت بيده مذَبَّة يَدُبُّ بها عن محمّد، فرمى
المدية من يده، وصَارَ إلى الموضع الذي رَمَتْ فيه بنفسها، وأنشأ يقول:
أَنْتِ الَّتي غَرَّقْتنِي ... بُعْدَ القَضَا لَوْ تَعْلَمِينَا
لاَ خيرَ بَعْدَكِ في البقا ... والموتُ زَيْنُ العاشقِينَا
وَرَمَى بِنَفْسِه في المَكَان ثُمَّ عَانَقَها في الماء، وغَاصَا جميعاً، فما ظَهَرَا بَعْدُ.
فَلَمَّا رَأى ذلك محمد رَاعَه، وقال: ياعمرو، لتحدثني بحديث يسليني عن هذه القضية، وإلاّ لحقتك
بهما فتحيَّرتُ، ثمَّ حضرني خبرٌ ظريف مثله. فقلت له:
إِنَّ سليمان بن عبد الملك بن مروان جلس يوماً إلى المظالم فعرضت له بطاقة فيها مكتوب: إِنْ رأى
أمير المومنين، أَيَّدَه الله، أَنْ يُخْرِجَ لي فلانة، يَعْني بعض خَدَمه، فتغنِّي لي بثلاثة أصواتٍ فعل،
فاغْتَاظ سليمان لذلك، وأَمَر مَنْ ياتيه برأس صاحب تلك البطاقة، ثم أتبعه رسولاً آخر يأمره
(2/723)

بإدخاله عليه، فلمَّا مثل بين يديه، قال له: ماحَمَلك على ما صَنَعْتَ؟ فقال: الثِّقَةُ بِحِلْمِكَ، والتَّوَكُلُ على عفوك،
فَأَمَرَ لَهُ بالجلوس حتّى لم يَبْقَ مِنْ بني أميةَ أحدٌ، وخلا المجلس، فأمر بإخراج الجارية بِعُودِهَا،
فخرجت به معها، ووضع لها كرسيّ، فجلست عليه، فقال له: اخْتَرْ! فقال: تغني:
تَعَلَّقَ رُوحِي رُوحَهَا قَبْلَ خَلْقِنا ... وَمِنْ بَعْدِمَاكُنَّا نِطَافاً وفي المهدِ
فَزَادَ كَمَا زِدْنَا، فأصبح نَامِياً ... ولَسْنَا وإِنْ مِتْنَا بِمُنْتَقِضي العَهْدِ
ولكنَّهُ باقٍ على كُلِّ حَادِثٍ ... ورائدنا في ظُلْمَة القبر واللَّحْدِ
فغنت ذلك، فقال له سليمان: قُلْ. قال: تأمر لي برطل، فَأُوتيَ به فشربه، ثم قال: تغني:
إذا قلتُ مَابي يابُثينَةُ قَاتلي ... من الحبِّ قَالَتْ ثابِتٌ وَيزيدُ
وَإِنْ قُلتُ رُدِّي بعضَ عَقْلِي أَعِشْ بهِ ... مع النَّاسِ قالت: ذاك منك بعيدُ
يموتُ الهوى مِنِّي إذا مَا لَقِيتُهَا ... ويحيا إذا فَارَقْتُها فَيَعُودُ
فغنت ذلك، فقال له سليمان: قُلْ. قال: تَأمُرُ لي برطل فَأوتي به، فشربه. ثم قال: تغني:
لقد كُنْتِ خيرَ الناسِ لو دَام وُدُّها ... ولكنَّما الدنيا مَتَاعُ غُرُورِ
(2/724)

وكُنَا جميعاً قبل أَنْ تُظهر الهوى ... بِأحْسَنَ حَالَيْ غِبطَةٍ وَسُرُورِ
فَمَا لَبِثَ الواشونَ حتَّى بَدَتْ لهم ... بُطونُ الهوى مَقْلُوبَةً بظُهُور
فغَنَّتْ ذلك، فقال سليمان: قُلْ. قَالَ: تَأمر لي بِرِطْل، فآُوتيَ به، فشربه، فلمَّا اسْتَتَمَّه وثَبَ عَلَى قُبَّة
سليمان، وَرَمَى بنفسه عَلَى دِمَاغِه، فمات، فقال سليمان: إِنَّا للَّه وإِنَّا إليه راجعون، أَتَراهُ الجاهلَ توهَّمَ
أَنِّي أُخرجُ له جاريتي، ثمَّ أَردُّها إلى مِلْكِي!.
وقال لأحد الغلمان: ياغلام خُذْ بيدها، فانطلق بها إلى أهله، إِنْ كان له أَهْل، وَإِلاَّ بِعْها وَتَصَدَّقْ بِثمنها
عنه، فأخَذَ الغلامُ بيدها، وكان في ناحيةَ الدار حُفْرة، قد أعدت لماء المطر، فجذبَتْ يدها مِنْ يَدِ الغُلاَم،
وقالت:
مَنْ مَاتَ عِشْقاً فَلْيَمُتْ هَكَذا ... لاَ خير في العِشْقِ بِلاَ مَوْتِ
ورمَتْ بنفسها في تلك الحُفْرَةِ على رَأْسِهَا فَمَاتَتْ، فهذا ما كان من أمرهما، فتعَجَّبَ محمّد من ذلك،
وكَسَاني، وانْصَرفت.
وحكى بعض الرواة، قال: كان محمد بن حميد الطوسي جالساً في بعض الأيام مع ندمائه، فغنت
جارية له من وراء الستارة:
يَا قَمَرَ القَصْرِ مَتَى تَطْلُعُ ... أشْقَى وغَيرِي بِكَ يَسْتَمْتع
إِنْ كَانَ رَبِّي قَدقَضَى مَا أَرى ... مِنكَ على رَأسي فَمَا أَصْنَعُ
(2/725)

وكان على رأْسِ مُحمَّد غُلامٌ بيدِهِ قَدَح يَسْقيه، فرمى بالقَدَح عَنْ يده، وقال: تَصْنَعِين هَكَذَا. وَرَمَى
بِنفسه مِنَ الدَّارِ إلى دِجْلَة. فَهَتَكَت الجارية السَّتارة، ثُمَّ رَمَتْ بِنَفْسِها عَلَى أَثَرِه فنزل الغَاصَةُ خَلْفَهُمَا،
فَلَمْ يُوجَد واحدٌ منهما، وَقَطَعَ مُحَمّد الشَّراب، وقام عَنْ مَجْلِسِه.
وكان لرجل من التجار جارية كان يحبها حُبّاً شديداً، فاعتَلَّت ذات يومٍ، فأخذ في عَمَل حساءٍ. فبينما
هو يحرك ما في القدر، إذ قالت الجارية: آه!. فدهش الرجل وسقطت الملعقة من يده، وجعل يحرك
مافي القدر بيده حتى تساقطت أصَابِعه، وهو لايشعر. فلما رأت الجارية ذلك، قالت: ما هذا؟. فقال:
هذا من أجل قولك: آه.
قال: وخَرَّج أبو حامدٍ في كتابه، قال: (إنَّ بعض المحبين خلا بمحبوبه، فقال له: أنا، واللَّهِ، أُحِبُّك
بقلبي كله، وأنت تعرض عني بوجهك كلِّه، فقال له المحبوب: إنْ كنتَ تحبني، فأيُّ شيء تنفق
عليَّ؟. فقال له: ياسيدي أُمَلِّككَ ما أَمْلك، ثم أنفق عليك روحي حتى أهلك).
وحكى علي بن عاصم قال: قال لي رجل بالكوفة من بعض إخواني: هَلْ لك في عاشق تراه؟. قلت:
بلى، فَمَشيتُ معه إلى فتًى كأنما نُزعَ الروحُ من جسده، وهو مُوْتَزِرٌ بِإِزَارٍ مُرْتدٍ بِآخر، وهو قاعدٌ
متفكر، وبيده وردة. فذكرنا له بيتاً من الشعر، فتهيَّج وقال:
جَعَلتُ منْ وَرْدَتها ... غنيمةً فوق يدي
(2/726)

أَشُمُّها مِنْ حُبُّها ... إذَا عَلاَني جُهُدي
فَمَنْ رَأَى مِثلي فَتًى ... بِالسُّقْمِ أضْحي مُرْتَدي
ثم أطرق إلى الأرض، فقلت: ماشأنه؟. فقال لي: عشق جارية لبعض أهله، فأعطى فيها كل ما
يملك، وهو سبع مائة دينار، فأبى أهلها أن يبيعها منه، فنزل به ماترى.
ونقلت من كتاب (العقد) قال أبو زيد الأسدي:
كانت بالمدينة قَيْنَةٌ من أحسن النّاسِ وَجهاً، وأكمَلِهِمْ عقلاً، وأَفْضَلِهم أدَباً. قَرَأت القُرْآن، وَرَوَت
الأشْعَارَ، وتعَلَّمَت الإعْراب، فَوَ قَعَت عند يزيد بن عبد الملك، فَأَخَذَت بِمَجَامع قَلْبه. فقال لها ذَات
يوم: مَالَكِ قَرَابة تُحِبِّين أن أصطنعهم، وأُهدي إليهم معروفاً. قالت: يا أمير المومنين! أَمَّا قرابة، فلا،
ولكنَّ بالمدينة ثلاثة نَفَرٍ كانوا أَصْدِقاء لمولاي، وأُحِبُّ أن ينالوا من خير ما صِرْتُ إليه، فكتب إلى
عامله بالمدينة في إِشخاصِهم، وأن يُعْطِيَ كلَّ واحد منهم عشرة آلاف درهم ففعل ذلك. فلمَّا وصلوا
إلى باب يزيد، استُؤْذِن لهم عَلَيْه، فَأَذِنَ لهم، فدَخَلُوا فَأَكْرَمَهُمْ، وسأَلهُم عَنْ حوائجهم فأمَّا الإثنان، فذكرا
حوائجهما، وأمَّا الثالثُ فسأله عن حَاجَتِه. فقال: يا أمير المومنين! مَالِي
(2/727)

حَاجَة، فقال له: ويحك! ألستُ أَقْدِر عَلَى حَاجَتِكَ. قال: بلى، يا أمير المومنين. ولكن حاجتي لا أحْسِبُك تَقْضيها. فقال: ويحك! سَلني، فإنَّكَ لاتَسَلْني حاجةً أَقْدِرُ عليها إلاَّ قضَيْتُها. قال: يا أميرَ المومنين، حاجتي أَنْ تَامر جاريتك التي
أكرمتنا لها أن تغني صوتاً؛ أَشْربُ عليه ثلاثة أرطال. فتغيّر وجه يزيد، وَقَامَ مِنْ مَجْلسه، فدخل على
الجارية، فأعلمها بذلك، فقالت: ومَا عليك، يا أمير المومنين؟ قال: سَأَفْعلُ ذلك. فلمَّا كان من الغد، أمر
بالفتى، فأُحْضر وَأُمِرَ بكراسي ثلاثة من ذهب، فوضعت؛ فقعد يزيد على أحدها، وقعدت الجارية على
الثاني، وقَعَدَ الفتى على الثالث. ثُمَّ دَعَا بالطعام، فأَكَلُوا جميعا، ثم أتى بِصُنوف الرِّيَاحِين، والطّيب،
فَوُضعت، ثم أمر بثلاثة أرطال، فَمُلِئَتْ. ثم قال للفتى: قل ما تريد، وَسَلْ عن حاجتك. فقال: تأمرها يا
أمير المومنين تغني:
لا أَسْتطيعُ سُلُوّاً عن مَوَدَّتها ... أَوَ يَصْنَعُ الحبّ بي غير الذي صَنَعا
أدعو إلى هَجْرِها قَلبي فيُسعدني ... حتى إذا قيل هذا صادقٌ نَزَعَا
وزادني رغبةً في الحب أن منعت ... أحب شيء إلى الإنسان ما مُنِعا
فأَمَرَهَا، فَغَنَّت، وشرب يزيد، وشَرِبَ الفتى، وَشَرِبَت الجارية. ثم أمر
(2/728)

بالكُؤُوس فَمُلِئَتْ. ثم قال: أُذْكُرْ حَاجَتك! فقال: تامرها يا أمير المومنين تغني:
تخيرتُ منْ نُعمان عُودَ أَراكة ... لهِنْدٍ وَلَكِنْ مَنْ يُبَلِّغُهُ هِنْدَا
أَلاَ عَرِّجَا بي بَارَكَ اللهُ فيكما ... وإِنْ لَمْ تكُن هِندٌ لِآَرْضِكُمَا قَصْدا
فأمرها، فَغَنَّتْ، وَشَرِبَ يزيد، وشَرِبَ الفتى، وشربت الجارية، ثم أمر بالكؤوس فَمُلِئْتْ. ثم قال: أُذْكُرْ
حَاجَتك! فقال: تامرها يا أمير المومنين تغني:
مِنِّي الوِصَالُ ومنكمُ الهَجْرُ ... حتى يؤلف بيننا الدهرُ
واللهِ لاَ أَنْسَاكُمُ أبداً ... ماَ لاَحَ نجمٌ أوْ بَدَا فَجْرُ
فَلَمْ تَسْتَتِمُّ الأبيات، حتّى خَرَّ الفَتى مغشيَّاً عليه، فقال يزيد للجارية: قومي فانظُري مَا حَالُه. فقامت
الجارية، فحركته، فإذا هو مَيْت. فقال لها يزيد: ابْكِيهِ. قالت لاَأَبْكِيهِ، يا أمير المومنين، وَأَنْتَ حَيٌّ
أبداً. قال لها: ابْكيه، فَوَ اللَّهِ لَوْ عَاشَ، لَمَا خَرَجَ الأَبكِ.
ونقلت من كتاب (الأغاني). قال سليمان المنقدي: قلت لهند بنت الوضاح: انشديني بعض ماقلت في
المغيرة بن سعيد. ولم ير الناس أحداً بلغ به الهوى، ما بلغ بها فأنشدت:
يحنّ إلى مَنْ بِالعقيقةِ قلْبُهُ ... حنيناً يُبْكِّي الطير في غُصُنِ السِّدْرِ
تَنفسْتُ لَمَّا هاج قلبي بذكره ... فأمْسَكْتُ مِنْ خوفٍ الحريق علي الصَّدْرِ
وَوَاللَّه لو فَاضَتْ على الجمر لوعتي ... لأحرق أدنى حَرِّها لهب الجَمْرِ
(2/729)

فقلت: يا هَذِه، أكُلُّ هذا منَ الحُبِّ، قالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَآُمِّي، كيف ولَوْرَأَيْتَنِي وَعُنْفُوَان هوايَ، لرأيت
خَبلاً يُذَوِّب الحديد لحرارته. ولقد عَذَلني من يغمه بعض ما بي فقلت:
لَحَى اللَّهُ مَنْ يَلْحَى عَلَى الحُبِّ عَاشقا ... ولا كَانَ في قُربِ وَلاَ زَالَ في بُعْدِ
وَمَاذَا عَلَيْهم أَنْ تراءى وِصَالُنَا ... وَإِنْ نَمَّ مَا كُنَا نُسِرُّ من الوَجْدِ
ثم تنفست، فخشيت على بدني من حرارة نفسها. فقلت: ما هذا التنفس؟ فقالت: على حلاوة ذلك
الدهر، ورطوبة أغصانه، وإني وإياه، لكما قالت هالة بنت قيس التميمية:
أَرَانِي قد حَييتُ وَكُنْتُ مَيْتاً ... إذا طَرَقَ الخيالُ بِمَنْ هَوِيتُ
رَضِيتُ ذَهَابَ نفسي في رضاه ... رضيتُ بِذاكَ يَارَبي رَضِيتُ
قال: فلمح عليها شيئا خوفاً من وفاتها.
ونقلت منه أيضا: قال أبو المنجاب رأيت في الطواف، فتى نَحِيفَ الجسم، بَيَّن الضَّعْف، يَلُوذُ،
ويَتَعَوَّذُ، ويقول:
وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ الحبَّ يُجْمَعُ كُلُّه ... وَيُقْذفُ في قلبي وينغلق الصدرُ
فَلاَ يَنْقَضِي مافي فؤادي مِنْ الهوى ... ومن فرحي بالحبِّ أو ينقضي العمرُ
فقلت له: يا فتى! أَمَا لهذه البنية حُرْمة تَمْنَعُكَ من هذا الكلام؟ قال: بَلَى. واللَّهِ، ولكنَّ الحبَّ مَلأ قَلْبي
بِبَراحِ التَّذكير، فَفَاضَت الفِكرة. وإني
(2/730)

لأدعو الله أن يثبته في قلبي، ويجعله ضجيعي في قبري. هذا
دعائي. وانصرف من جهتي.
وحكى عن قيس بن محمد العبدي، قال: إِني لَبالمزدلفة بين النائم واليقظان؛ إذْ سمعتُ صوتاً شجيا،
وبكاءً حزيناً، فاتَّبَعْتُ الصوت، فإذا بِجَارية كأنها قمر، ومعها عجوز فَلَطِئْتُ بالأرض أُلاَحِظُها من
حيث لاتراني، وأُمَتع عيني بحسنها، وهي تقول:
دَعوتكَ يَامَولايَ سِرّاً َوَ جَهْرةً ... دُعَاءَ ضَعيفِ القَلْبِ من محمل الذّنْبِ
بُلِيتُ بِقَاسِي القلبِ لا يَعْرفُ الهوَى ... وَأَقْتَل خَلْقِ اللَّه بِالعَاشق الصَّبِّ
فَإِنْ كنتَ لَمْ تَقْضِ المودة بيننا ... فلاَ تُخْلِ مِنْ حُبِّ لَه أبداً قَلْبِي
قال: فقمت إليها، وقلت لها: بنفسي أَنْتِ مع هذا الوجه الحسن، يمتنع عليك ماتريدين؟ فقالت: نعم.
والله، وإنما يفعل ذلك تصبّراً وفي قلبه مني أكثر مما في قلبي منه. فقلت لها: كم ذا البكاء. قالت:
أبداً، لويصير الدمع دماً، وتنطفئ نفسي غمّاً. فقلت: إن هذه الليلة آخر ليلة من ليالي الحجّ. فلو سألت
الله تبارك وتعالى التوبة مما أنت فيه، والمغفرة لما سلف، رجوت أن يذهب الله حبّه من قلبك. قالت:
يا هذا؛ عَلَيْكَ بِنَفْسِك، في طلب رَغْبَتِك،
(2/731)

فإِني قدمت رغبتي إلى من ليس يجهل بغيتي، وحولت وجهها عني.
وحكى عبد الصمد بن علي الهاشمي قال: بينما أنا نائم في الحِجْر؛ إذ سمعت نشيجاً، وبكاء خفيَّا،
خلف ستر، وقائلا يقول:
عَفَا اللَُّّهُ عمَّن يَحْفظ العهد جَهْدَهُ ... ولا كان عفو اللَّه للنَّاقِضِ العَهْدِ
ضنيتُ وهاج الحزنُ والدَّمعُ سره ... فغاضَ لهُ صَبْري وقاض له وَجْدِي
قال: فرفعت الستر؛ فإذا بامرأة مسفرة، كأنها فلقة قمر، أو شمس طالعة، تجلت عنها غمامة. فقلت:
يا هذه! لو سألت الله تبارك وتعالى الجنة مع هذا التضرع، والبكاء ما حرمك. وهذا وجهك الحسن،
لاتسترينه، فسترته، وقالت: سبحان من خلق فسوّى، ويعلم السر والنجوى. وأنا والله فقيرة إلى رحمة
ربي، والجمع بيني وبين حبي. وقد سألت الله كلا الأمرين، رجاء فضله، واتكالا على عفوه وطوله،
وولت عني، فراعني، والله، قولها حتى استعذت بالله من الشيطان الرجيم.
وحكى أبو الفرج عن أحمد بن عبد الله بن عيسى، قال: خَرجَ قومٌ من
(2/732)

أصحابنا إلى (الشام)، فبينما هم يسيرون في بعض الطريق، في يوم شديد الحر؛ إذْ رفع لهم قصر. فقال بعضهم لبعض: لو ملنا
إلى هذا القصر، فَقِلْنَا بِفنائه حتى يذهب الحرّ. فَمِلْنَا إليه. فبينما نحن كذلك؛ إِذ انْفَرَجَ لنا باب القصر
عن مثل الغزال المروع، فنظرنا فإذا جارية، كأنها قضيب بان في كثيب. فقالت: مِمَّن القوم؟ فرماها
كل واحد منَّا بحدقته. وقلنا أصاميم من هاهنا. فقالت: هل فيكم أحد من (مكة)؟ فقلت: نعم. أنا رجل
من (بني مخزوم)، من أهلها، وسكانها. فأنشأت تقول:
يَا مَنْ يُسَائلُ عنَّا أينَ مَنْزِلُنا ... بِالأُقحوانة منا منزل قَمِنُ
إذْ نلبسُ العَيْش صفْواً مَا يكدره ... طعن الوشاة ولاينبوبنا زَمَنُ
وإِنَّ ذا القصر حقّاً مَا به وَطَني ... لكن مكة فيها الدارُ والوطن
ثم شهقت شهقة، فخرجت عجوز، فنضحت على وجهها الماء، وقالت: لك في كل يوم مثل هذا
مرات، والله للموت خير لك من الحياة على مثل هذا. فقلت للعجوز: ماقصة هذه الجارية؟ فقالت:
كانت، والله، لرجل من قريش، من أهل مكة فباعها، فهي لاتزال تحن إليه.
وحكي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، مرّ بطريق في المدينة، فسمع
(2/733)

جارية تترنم، وتقول:
وَهَوِيته من قبل قطع تمائمي ... مُتَماشياً مِثْلَ القَضيب الناعِم
وكأَنَّ نورَ البدرِ غُرّةُ وجهه ... يَنْمي ويَصْعَد في ذؤابة هاشم
فدق عليها الباب، فخرجت فقال: وَيْلَكِ أَحُرّةٌ أم مَمْلوكة؟ قالت: يا خليفة رسول الله! مَمْلوكة. قال:
فَمَنْ هَويتِ؟ فبكَتْ، ثم قالت: يَا خليفة رسول الله! بِحقِّ القبر، إلا ما انصرَفْتَ عنِّي. قال: وَحَقهِ، لا
أرِيمُ أوْ تُعْلِميني، فبكَتْ وقالت:
وأنا التي لَعِبَ الغَرَامُ بقلبها ... فبَكَتْ لحبِّ محمد بن القاسِمِ
قال: ويلك ابْنِي أَرَدْتِ! فقالت: ومتى صرت هاشميا؟ قال. صدقت، والله. فصار إلى المسجد، وبعث
إلى مولاها، فاشتراها منه، وبعث بها إلى محمد بن القاسم ابن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم
وقال: هؤلاء، والله، فتن الرجال. وكم قد مات منهن من كريم، وعطف عليهن من سليم.
وحكى الضَّحاك قال: إِنِّي لَفِي الطَّواف، وقد مضى أكثر الليل، وإذا بامرأة كأنها الشمس طلعت، على
قضب غرس في كثيب، وهي تقول:
(2/734)

رأيتُ الهَوَى حُلْواً إِذاً اجْتَمَع الوَصْلُ ... وَمُرّاً على الهجران لاَ بَلْ هُوَ القَتْلُ
وقَدْ ذُقْتُ طِيبَه على القُربِ والنَّوى ... فَأَبعَدُهُ وَجْدٌ وَأَقْرَبُهُ خَبْلُ
وحكى مهاجر بن قبيصة قال: أني لأسير بين (العلياء) و (جرش) أريد الحج؛ إذ سمعت نشيجاً من
هودج، فدنوتُ فإذا بصوت شجي، وكلام خفي وامرأة تقول:
وَمَا غابَ شخصه ... غير أنني ... رأيت النوى قذَّافةً بِالتصبُّرِ
فإِن تجمع اللَّهمَّ بيني وبينهُ ... يَفُزْ بالهَوَى قَلبي ويفْرج منظرِي
فلا تُعْطِني في الحج يا ربِّ غيرهُ ... فَحَسْبي به منْ كلِّ شيءٍ مُقَدَّرِ
فقلت لها: يا هذه! سألتِ اللَّه عظيما، ومتى عهدكِ به؟ قالت: كنت قائماً قبيل، فدخل عليَّ من باب
الهودج فَلَثم وجهي، فانتبهت للثم، وهو مختلط بقلبي، فقلتُ لها: فَبِالذي يجمع بينك وبينه، أَلاَ أَريتني
الموضع الذي لثمه، فرفعت السَّجْف وأشارت إلى خالٍ في خَدها. فما خلته إلاّ عقرباً لدغت فواد.
فقلت لها جُعِلْتُ فداكِ! وقد جعلت ذلك وقفاً عليه، قالت: نعم، واللَّهِ إلى يوم التنادي.
(2/735)

وحكى أبو الفرج. قال: كان لفتًى من التجار جارية من أجمل الناس، وكان معجباً بها، فأنفق عليها
مَالَه كله، حتى قلّت ذات يده، وضعف حاله، فذكرت له ذلك ذات يوم، فقال: مابلغني قطُّ شيء إلا
والذي صرت إليه أعظم. فقالت: هل لك في خير عوض، قال وماذاك؟ قالت: تبيعني، وتنتفع بثمني؛
فإن أصبت خيراً، وصلتك وإن تكن الأخرى، فقد أصبت مني عوضاً. قال: فعرضها على عبد الله بن
جعفر، فلما نظر إليها، أعجب بها، فقال: بكم هي؟ فقال: ما أدري؟ ولكن اَعْطِ فيها ما شئت. فأعطاه
مائة ألف درهم. فلما أخذ المال، نظر إلى الجارية، وجعل يقول:
وَلَوْلاَ قُعُودُ الدَّهرِ بي عنك لَمْ يكُنْ ... يُفَرِّقُنَا شيءٌ سِوى الموت فَاعْذُرِي
عَليكِ سَلاَمُ اللَّه لاَوَصل بَيْنَنَا ... وَلاَ زَوْرَ إِلاَّ أَنْ يشاءَ ابنُ جَعْفَرِ
فلما سمع عبد الله بن جعفر قوله، رق له، وقال: يا فتى! هي لك والمال، بارك الله لك فيهما. فانطلق
الفتى بالجارية والمال.
وحكى أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، قال: كان بالكوفة رجل يدعى ليث بن زياد، وكانت له
جارية، قَدْرَبَّاها، وأحسن أدبها، فخرجت فائقة في كل فن، مع كمال الجمال، فبقى معها مدة طويلة،
حتى ضعفت حاله، وقلّ ما بيده، فتبينت الجارية منه الاقلال. فقالت: يا مولاي! لو بعتني، كان أصلح
لك مما أراك فيه؛ وإن كنت أظن أني لا أصبر عنكَ. فَقَصَد رجلاً من النهيكيين يعرفها، ويعرف
فضلها، وباعها منه بمائة ألف درهم. فلما قبض المال، ووجه بها إلى النهيكي جزع عليها جزعاً
شديداً، فلما استقرت الجارية عند النهيكي
(2/736)

نزل بها من الوجد بمولاها، مالم تستطع دفعه ولا كتمانه، فباحت به، وأنشأت تقول:
أَتاني الَبَلاَ حَقّاً فَمَا أَنَا صَانِعُ ... أَمُصْطَبِرٌ لِلْبَيْنِ أَمْ أَنَا جَازِعُ
كَفَى حَزَناً أنِّي عَلَى حَرِّ جَمْرَةٍ ... آُقَاسِي نُجُومَ اللَّيْلِ وَالقَلْبُ نَازِعُ
فَإِنْ تَمْنَعُوني أَنْ أَمُوتَ بِحُبِّه ... فَإِنِّي قَتِيلٌ، وَالعُيُونُ هَوَامِعُ
فلما سمع النهيكي شعرها دعابها، وأرادها، فامتنعت منه، وقالت له: ياسيدي إنك لاتنتفع بي. فقال
لها: ولمَ ذلك؟ قالت: لما بي. فقال: وما بك، صفيه لي. قالت أجد في كبدي نيراناً تتوقد، لايقدر على
إطفائها أحدٌ. فلا تسأل عما وراء ذلك. فرحمها ورقّ لها، وبعث بها إلى مولاها، وسأله عن خبره،
فوجد عنده مثل الذي عندها، فرد عليه الجارية، ووهب له من ثمنها خمسين ألفاً، ولم تزل عنده حتى
مات.
وحكى محمد بن عبيد، قال: كانت عندي جارية، وكنتُ أُحِبُّها فَبِعْتُها، فَتَبِعَتْهَا نَفْسِي، فصرت إلى
مولاها مع جماعة من إِخوانه، فسألته أن يُنيلَني، وأزيده خمسين ديناراً، فأبى عليّ، فانصرفت من
عنده، وفي قَلْبِي منها مَا لاَ أقدر أَنْ أَصِفه، فَرُمْتُ الصَّبْرَ، فَلَمْ أَقْدِرْ عليه، فبت ساهراً لا أدري ما
أَصْطَنع؟ فلما اشتدَّ ما بي من الجهد، وكتبت اسمها في يدي، واستقبلت القبلة، فكلَّما طرقني طارق من
ذكرها، رفعت يديَّ إلي السماء وقلت: يا مولاي! هذه قصتي. فلما كان في السحر من اليوم الثاني، إذا
برجل يضرب عليَّ الباب، فقلت: مَنْ هذا؟ فقال: أنا مولى الجارية، فخرجت إليه. فقال لي: خذ
الجارية، بارك الله لك
(2/737)

فيها. فقلت له: خذ دنانيرك والرِّبح. فقال: ما كنتُ لآخذ ديناراً ولا درهماً،
فقلت: ولم ذلك؟ قال: لأني أتاني البارحة آتٍ في منامي. فقال لي: ردَّ الجارية على ابن عبيد، ولك
على اللَّه الجنَّة، قال ابن عبيد: فأنشدته عند ذلك:
لَوْ تَرَاني وقَد هَدَتْ كلُّ عَيْن ... وَدُمْوعي تجري على الخدَّين
ربِّ ياسيدي بِفَضْلكَ والقُدْ ... رَة يَسِّرْ وِصَالَ قُرَّة عَيْني
وحكى أبو الفرج، قال:
كان للحسن بن رجاء جارية رائعة الجمال، فائقة الكمال، فعلم بها المعتز باللَّه، فأخذها منه، وكان
الحسن يحبها حبّاً شديداً وتحبه، فشرب معها المعتز ذات ليلة، فسكر قبلها، وبقيت وحدها جالسة، ولم
تبرح من المجلس هيبة منه، فتذكرت ما كانت فيه، فأخذت العود، وغنت عليه، بصوت حزين، عن
قلب قريح:
لاَ كانَ يَومُ الفراق يوماً ... لم يُبْقِ للمقلتين نَوْمَا
شَتَّتَ مني ومنك شَملاً ... فَسَرَّ قَوماً وسَاءَ قَوْمَا
يا قومِ مالي ووجد قلب ... يَسُومُنِي في العذاب سَوْمَا
مَالاَمَني النَّاسُ فيه إِلاّ ... بَكِيتُ كَيما أُزَادَ لَوْمَا
فلما فرغت من صوتها، رفع المعتز رأسه إليها، والدمع يتحدّر على خدّها، كالفريد انقطع سِلكه،
فسألها عن الخبر، وحلفها أن يُبلغها أملها، فأعلمته الخبر، فردها إلى الحسن، وأحسن إليه، وألحقه في
ندمائه.
(2/738)

وحكى حماد بن إسحاق الموصلي، عن ابراهيم ابن المهدي، أنه قال: حججت مرة مع الرشيد، فبينما
نحن في الطريق، وقد انفردت وحدي، وأنا أسير على دابتي، إذ غلبتني عيناي، فخرجت بي الدابة
عن الطريق، فانتبهت بعد حين، وأنا على غير الجادة. واشتد عليَّ الحر، وعطشت عطشا شديداً،
فبعد ذلك ارتفع لي خيال، فعمدت إليه، فإذا بقبة، وتحتها بئر، وذلك بين (مكة) و (المدينة)، ولم أربها
انسانا، فاطلعت في القبة؛ فإذا أنا بأسود نائم، فلما أحسّ بي، فتح عينيه واستوى جالساً، فرأيت أسود
عظيم الصورة، راعتني هيئته. فقلت يا أسود! اسقني من هذا الماء. فال: يا أسود! اسقني من هذا
الماء، محاكيا لي. وقال: ان كنت عطشان، فانزل فاشرب. وكان تحتي برذونٌ خبيث، نفور، فخشيت
أن أنزل عليه، فينفر، فضربت رأسه، وما نفعني الغناء قط، أكثر مما نفعني ذلك اليوم، وذلك أني
رفعت صوتي، وغنيت:
كفنوني إِنْ مِتُّ في دِرْعٍ أَرْوَى ... واستقوالي مِنْ بِئْر عروةَ مَائي
فَلَها مربع بجنب أجاج ... وصيف بالقَصر قَصر قُبَاءِ
سُخنة في الشتاء بَاردة في الصْ ... صَيْف بَدْرٌ في الليْلة الظلماءِ
فرفع الأسود رأسه، وقال: أَيُّمَا أَحَبُّ اليك، أسقيك ماء وحده، أو مَاءً وَسَوِيقا؟ قلت: الماء والسَّوِيق،
فاخرج قَعْساً له، فصب السَّوِيق في القدح، وسقاني، وأقبل يضرب بيديه على رأسه، وصدره،
ويقول: واحَرَّ صَدْرَاه! وَانَارَاه! اللهب في فؤاداه. يا مولاي! زدني. وأنا أزيده، وأشرب السَّويق. ثم
(2/739)

قال لي: يامولاي! إِنَّ بَيْنَك، وبين الطّريق أميالاً، ولستُ أَشُكّ أنك تَعْطَش، ولكن أملأ قربتي هذه،
وأحملها قدامك. فقلت: افعل. فملأ قربته، ورفعها الي، وصار قدامي يمشي، وهو يَخْجَلُ في مِشْيته،
غير خارج عن الايقاع. فإذا أمسكت لأستريح، أقبل علي فيقول: يامولاي! أَعَطِشتَ؟
فأغنيه، حتى أوقفني على الجادة، ثم قال لي: سِرْ رَعَاكَ اللَّه، ولا سَلَبك، فأكساك من هذه النِّعم، بكلام
أعجمي معناه هذا الدعاء. فلحقت بالرفقة، والرشيد قد بثَّ الخيل يطلبونني، حين فقدني. فَبُشِّر بي
حين رأوني؛ فلما أتيته، قَصَصْتُ عليه القِصَّة، فقال: عليّ بالأسود. فما كان إلاّ هنيهة، حتَّ مَثُلَ بين
يديه، فقال له: وَيْلَكَ، ما حَزَّ في صدرك؟ فقال: يا مولاي مَيْمُونه. قال: ومن ميمونه؟ قال: بنت
حبشية. قال: ومن حبشية؟ قال: بنت بلال. فأمر من يستفهمه؛ فإذا الأسود، عبد لبني جعفر الطيار
وإذا السوداء التي يهواها، لقوم من بني الحسن بن علي رضوان الله عليهم. فأمر الرشيد عند ذلك
بابتياعها له؛ فأبى مواليها أن يقبلوا ثمنا، ووهبوها للرشيد فاشترى الأسود، وأعتقه، وزوّجه منها،
ووهب له من ماله (بالمدينة) حديقتين، وثلاث مائة دينار.
وحكى أبو الفرج عن حماد الراوية، قال: خرجت في بعض الطرق، أريد (البصرة)؛ فبينما أسير، إذ
لقيت غلاماً يرعى إبلاً، وهو يتغنّى ويقول:
أَلاَ لِلَّهِ قَلبي كَيْفَ يَصْبُو ... بِخَودٍ لاتريدُ له ثَوَابا
أُحِبُّ وَمَا أُحِبُّ سِوَى كريمٍ ... لَهُ أصْلاَن قَدْ فَرعا وَطَابا
وقَدْ زَعَمَتْ لُبَانة أَنَّ رأسي ... تَغَيّر لَوْنُه مِنْه وَشَابَا
(2/740)

لُبَانَةُ هَجْرُكُمْ أَبْلَى فؤادي ... وَمن يَبْلُ الهوى فقد اسْتَرابَا
قال: فوقفت عليه، وقلت: أَعِدْ عليّ ما قلت. فقال امض راشداً، واستعذ بالله. فقلت: وممّ استعيذ.
قال: مِنْ هَجْرِ محبوب، أو قِلَّة نَصِيب. قلت: ويحك! وَإِنك لَتَعشق. فقال: أَهْلُ العِشق كِرَام، وأهلُ
السُّلُوّ لِئَام. قلت: فلمن هذا الشعر؟ فقال: هو لي. قلت: فمن لُبَانة؟ قال: جارية لبعض أهلي، كلفت بها
زمناً، وأخذت منها أماناً. فأبى المقدار؛ وشط المزار، وتباعد الجوار. ياشيخ! هل لك في القِرى. قلت:
نعم، على اسم الله عز وجل. فأتاني بِوَطْبِ فيه لبن، فشربت منه، وترنمت وقلت:
وإني لأهواها وأهوى لقاءَها ... كما يشتهي الصادي الشرابَ المُبردَا
عَلاقَةُ حبِّ لجَّ في سَنَنِ الصّبا ... فَأُبْلَى وما يزداد إلاَّ تَجَدُّدَا
اذا أنت لم تعشق ولَم تَدْر ما الهوى ... فَكُنْ حَجَراً مِنْ يَابس الصَّخْرِ جَلْمَدَا
قال فبكى ثم قال:
وَلَوْ أَنَّ مَابِي بِالحَصَى فَلَقَ الحَصَى ... وبالرِّيحِ لَمْ يُسْمَعْ لَهنَّ هُبُوبُ
وَلَوْ أَنّنى أَسْتَغْفِر اللَّهَ كُلَّما ... ذَكَرْتُكِ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيَّ ذُنُوبُ
قال: فوعدته، ثم انصرفت عنه.
وحكى أبو بكر الصولي، قال: رأيتُ رجلا من أهل الأدب، قد ذهل
(2/741)

عقله، وتبيَّن فكره، فاستوقفته، وقلت: يا فلان! ماحالك؟ وأين النعمة؟ فقال: تغيّر قلبي، فتغيرت النعمة. فقلت: بِمَ تغَيّر؟
قال: بِالحُبِّ، ثم بكى، وأنشأ يقول:
إنَّ التجمُّلَ شيءٌ لستُ أحسنُه ... وكيفَ أُخفي الهوى والدَّمْعُ يُعْلِنُهُ
أَمْ كيفَ صبرُ مُحِبٍّ قَلْبُه وَجِلُ ... الهَجْرُ يُنْحِلُهُ والشوقُ يُحزنُهُ
أَمْ كيفَ يَنْسى الهَوى مَنْ أَنْتَ هِمَّتُه ... وفترةُ اللَّحظِ مِنْ عينيك تَفْتِنُهُ
فقلتُ: واللهِ لقد أحسنت. فقال: قِفْ قليلا حتى أسمعك. فوقفت فقال:
خَلِّ دَمْع العَيْنِ يَنْهَمِل ... إنَّ مَنْ تَهْوَاهُمُ وَارتَحَلُوا
كُلُّ دَمعٍٍ صانه كَلفٌ ... فَهْوَ يوم البَيْن مُنْهَملُ
ثم تركني، ومضى لشأنه.
وحكى بعض الرواة، عن علي بن الجهم، قال:
كانت ماردة، جارية للرشيد، وكان بها مولعاً، فغاظته ذات يوم، فانقطعا
(2/742)

عن الكلام مدة، فتكبّرت على الرشيد أن ترجع إليه بدلالة الحبّ. وتكبّر الرشيد عليها بعِزَّة الملك. فكتبت إلى عنان، جارية
الناطفي، تستشيرها في ابتداء الصلح، فكتبت عنان إليها:
الحُبُّ أَرْزَاقٌ ولكنما ... للحبِّ أسبابٌ تُقوِّيهِ
فساعدي مولاكِ في كُلِّ مَا ... يَطلبُه منك ويُرضِيهِ
لاتستزيديه النوى كارهاً ... لكن بما يهوى استزيديهِ
فانما يرعى الهوى بالهوى ... وليس يرعى الحب بالتيهِ
فلما قرأت الأبيات عَلِمْت أنها قد نصحتها، فتزينت أحسنَ زينة، ثم جاءت إلى الرشيد، فَأَكبَّتْ عليه،
فقال لها: كَيْفَ كَانَ هَذاَ؟ وماَ حَمَلك على ما فعلت الآن؟ فأخبرته الخبر، فضحك وأمر لعنان بجائزة
سنية، وأمرت لها هي بمثلها.
وحكى علي بن الجهم أيضا، قال: كان للمتوكل جارية تدعى محبوبة، وكانت في نهاية من الظرف،
والأدب، والحسن، والجمال. فكان المتوكل معجبابها؛ فغضب عليها لسبب اتفق بينهما، ومنع جواري
القصر من كلامها. فبقيت في حجرتها لايكلمها أحدٌ أياما. فرأته ليلة من الليالي، كأنه قد
(2/743)

صالحها. فلمَّا أَصْبح دخَلَت عليه. فقال لي: يا عليّ. قلتُ: لبَّيك وَسَعْدَيْك يا أمير المومنين، قال: أَعَلِمْتَ أَنِّي رأيتُ
محبوبة في منامي، وكأنِّي قد صالحتُها وصالحتني. فقلتُ: إذاً يَقَرُّ اللَّهُ عينك ويسرك، فبينما نحن في
ذلك من حديثها؟ إذ جاءت وصيفة له فقالت: يا مولاي. سمعت صوت عود عند محبوبة. فقام المتوكل
ودخل عليها وهي تضرب عودها وتقول:
أَدُورُ في القَصْر لاَ أَرى أحداً ... أَشْكُو إليه ولا يُكَلِّمُني
حتَّى كأَنِّي أَتَيتُ مَعْصيةً ... لَيْسَتْ لها توبةٌ تُخَلِّصُني
فَهَلْ شفيعٌ لنا إلى ملك ... قد زارني في الكَرى فَصَالحني
حَتَّى إذا ما الصَّباحُ لاحَ لَنَا ... عادَ إلى هَجْرهِ فصَارَ مَنِي
قال: فلما رأت أمير المومنين أَكَبَّتْ على رجليه تقبلهما. فقال لها: ما هذا؟ قالت له: يامولاي رأيتك
البارحة في منامي، كأنك قد صالحتني. فقال لها: وأنا - والله - رأيتك في ليلتي هذه، كأنك قد
صالحتني. فردها إلى مرتبتها، كأحسن ما كانت.
وحكى بعض الرواة، قال: كان لهارون الواثق جارية؛ كان يحبها حبّاً شديداً. فوقع بينه، وبينها عتاب
ذات ليلة. فقالت له: يامولاي! إنْ كنت تستطيل عَلَيَّ بِعِزُّ الخلافة، ونَخْوَةِ المُلك، فإِني استطيل عليك،
بِدَلاَلَةِ الحبِّ،
(2/744)

وسُلطَان الهوى. أَتَراكَ لم تسمع قط بخليفةٍ قبلك، عَشِقَ فَذَلَّ لمعشوقته، واستوفت منه
حقَّها كاملا. ولكن يامولاي، ما أرى لك نظيراً في طاعتك ومحبتك. فقال الواثق عند ذلك: لله درّ
العباس بن الأحنف حيث يقول:
أَمَا تَحْسَبِينِي أَرى العاشقين ... قليلا ولَسْتُ أَرَى لي نَظِيرَا
لَعَلَّ الذي بِِيَدَيْهِ القُلُوبُ ... سَيجْعَلُ في الصبرِ خيراً كثيراً
وقرأت في (النوادر) لأبي علي، عن معاوية بن صدقة الجَحْدَري قال: كان رجل من مجاشع، يقال
له سعد بن مطرف، يهوى ابنة عم له، يقال لها سعاد. فكان ياتيها، ويتحدث إليها، ولا يعلمها بما هو
عليه من حبها، حتى سلّ جسمه، ونحل بدنه. فبينما هو ذات يوم معها جالس؛ إذ نظر إليها، وجعل
يقول:
وَمَا عَرَضَتْ لي نظرةٌ مُذْ عَرَفْتُهَا ... فَأَنْظُرُ إِلاَّ مُثِّلَتْ حيثُ أَنْظُرُ
أَغَارُ علَى طَرْفي لها فكأنني ... إِذَا رَامَ طَرْفي غَيْرَهَا لستُ أُبْصِرُ
وأحذر أنْ يطغى إِذَا بُحْتُ بالهَوى ... فأَكْتُمُهَا جَهْدِي هَوَايَ وأستُرُ
فلما سمعت ذلك، ساءها، وكرهت أن ينتشر خبرها، فأَقْصَتهُ، وأظهرت هجره، فكتب إليها:
مِتُّ شَوْقاً وكدتُ أَهْلِكُ وَجْدَا ... يومَ أَبْدَى الحبيبُ هجْراً وَصَدَّا
بِأِبِي مَنْ إِذا دَنَوْتُ إِليهِ ... زَادَني القربُ منه نأياً وبُعْدا
لاَ وَحُبِّيهِ لاَ وَحَقِّ هَوَاهُ ... مَا تَنَاسَيْتُهُ ولاَ خُنْتُ عَهْدا
حَاشَ لِلَّه أَنْ أَكون خَليَّاً ... مِنْ هَوَاهُ وقد تقطعتُ وَجْدَا
كَيفَ لاكيفَ عن هَوَاهُ سُلُوّي ... وهو شمسُ الضحى إذا ما تبدَّى
(2/745)

فكانت تحبّ مواصلته، وتشفق من الفضيحة، فتظهر هجره، وتبعده. فلم يزل عليل القلب والبدن.
قوله: (ولا خنت عهدا)، أصل العهد: العقد الذي يوثق به. يقال عهد عهداً. وأهل العهد، هم
المعاهدون؛ ومنه المعاهدة. والإعتهاد مثل التعاهد. ومنه قول الطرماح:
ويطيع الذي قد أوجبه الل ... ه عَلَيْهِ فليس يَعْتَهِدُهُ
وَسُمِّيَ الذِّمِّى مُعَاهِداً، لأنه عَاهَدَ، وبَايعَ على ما هو عليه، من إعطاء الجزية. فإذا أسلم، ذهب عنه
اسم المُعَاهِد. وعَهِيدُك: الذي تُعاهده ويُعَاهِدك. وقال الشاعر، هو نَصْر بن سيار:
فَللَتُّرْكُ أوْفَى من نزارٍ بِعَهْدِهَا ... وَلاَ يَأْمَنَنَّ العَهْدَ يَوماً عهيدهَا
والعهد: الوصية.
قال صاحب العين: عَهِدَ يَعْهَدُ عَهْداً. وهو من الوصية، والتقدم إلى صاحبك، ومن ذلك اشتق العهدُ
الذي يكتب للولاة من الوصية والتقدم إليه، ويجمع على العُهُودِ، والعَهْدُ: الالتقاء والإلمام. يقال: مالي
بفلان عَهْد، وإِنّى
(2/746)

لقريبُ العَهْد به، وبعيد العَهْد به، أي: الالتقاء. والعَهْدُ: المنزل الذي لايزال القوم إذا
انتأوا عنه، رجعوا إليه. قال رؤبة:
هَلْ تَعْرِفُ العَهْدَ المُحِيلَ أَرْسُمُهْ ... عَفَتْ عَوَافِيهِ وَطَالَ قِدَمُهْ
والمَعْهَدُ: الموضع الذي تعهد به شيئا. والجمع المعَاهِد.
قال النابغة:
أهاجَكَ من سُعْدَاك مغنى المعاهد
وقال أبو تمام:
قِفُوا جَدِّدُوا من عَهْدِكم بالمعاهد ... وَإنْ هِيَ لم تَسْمَعْ لِنِشْدَانِ نَاشِدِ
والعَهْدُ: الأمان. قال الله تعالى (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
هذا في بعض الأقوال. وقيل: العَهْدُ في الآية: معناه النبوّة، وقيل الامامة. وقيل: الأَمْر بالوَفَاء للِظَّالم
فيما عَقَدَه من ظلمه.
وقال الحسن: ليس لهم عند الله عَهْدٌ يعطيهم عليه خيراً في الآخرة؛ فأما في الدنيا، فقد يعاهدون،
فيوفى لهم. فكانه على هذا التأويل طاعة، يحتسب بها في الآخرة ويجوز في هذا الحرف في العربية
الرفع لافي القراءة، لأنه في المصحف الظالمين بياء.
(2/747)

قال يحي بن زياد الفراء: لأنَّ مَا نَالك، فقد نِلْته. وتقول: نَالَنِي خيرك، ونِلْتُ خيرك.
وقرأ أُبَيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود برفع الظالمين، ونصب العهد. والعَهْدُ: اليمين. ومنه قولهم:
علَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وميثاقه

والعَهْدُ: المَطَر، وهو الذي يردِفُ الوَسْمِيّ. وكُلُّ مَطَر يكون بعد مَطَر؟ فهو عَهْد. والجميع عِهَاد،
ومنه قول الشاعر:
هَراقَتْ نُجومُ الصَّيفِ فيها سِجَالَها ... عِهاداً بِنَجْمِ المَرْبَعِ المتَقَدِّمِ
وقال أبو بكر بن دريد: العِهْدَةُ والعَهْدَةُ: مطر السنة، والجمع عِهَادٌ وعُهُود. قال الشاعر:
أَميرٌ عَمَّ بِالمعْروفِ حَتَّى ... كأَنَّ الأَرْضَ أَسْقَاهَا العِهَادَا
وقال الآخر:
مُستنيرٌ كالبَدْرِ عام العُهُودِ
ويقال: عُهِدَت الروضة فهي مَعْهُود: إذا أصابَهَا عِهَادٌ من المطر. ومنه قول أبي تمام الطائي:
(2/748)

سَقَى عَهْدَ الحِمَى صَوْبُ العِهَادِ ... وَرَوَّضَ حَاضِرٌ مِنْهُ وَبَادِ
ويُروى (سبل العهاد). وقال أبو النجم:
تَرْعَى السَّحابَ العَهْدَ وَالفتوحا
والفُتُوحُ هنا مَطَرٌ بعد مطر. والعُهْدَةُ: كتاب الشراء والجميع العُهَد. وإذا كان في الشيء فساد قيل:
إنّ فيه العُهْدَة. وهذا كله عن أهل اللغة. فأمّا قول أبي تمام الطائي:
لَيَالِينَا بالرّقْمَتَيْنِ وأَهْلَِهَا ... سَقَى العَهْدَ مِنكِ العهدُ والعهُد والعَهْدُ
فالعَهْد الأول، وهو الوقت الذي عَهِدَ هابه قبل فرقتها. والعَهْدُ المتكرر، هو المطر، وقد بينه بقوله في
البيت الثاني:
سَحَابٌ متى تسحب على النّبت ذيلها ... فَلاَ رجل ينبو عليه ولاجعدُ
هذا قول أبي بكر الصولي. قال: والعَهْدُ: المِلْحُ. تقول منه: مِلْحُ فلان على ركبته؛ يراد به أن عهده
غير محفوظ عنده؛ إنما هو مُضَيَّع. ومنه قول مسكين الدارمي:
لاَ تَلُمْها إِنها من نِسْوَةِ ... مِلْحُها موضوعة فوْق الرُّكَبْ
(2/749)

وإنما قال موضوعة؛ لأن الملح يذكر ويؤنث.
وأصل الباب كله: العَهْد الذي هو العَقْد؛ وإنما قيل لمطر السنة عَهْد؛ لأنه ينعقد به النبات.
وعَهِدْتُ فلا نا بمكان كذا وكذا، وأحدثت به عَهْداً. وأصله العقد على الالتقاء، والالمام. ثم كثر حتى
سمى نفس الالمام عهداً. والعَهْد، والعَقْد، والأَمْر، نظائر في اللغة. وعَهْدُ الوالي معروف. والفرق بين
العَهْد، والأمر، أن الأمر له صيغة متميزة من صيغة الخبر، وغيره من أنواع الكلام، وليس كذلك
العهد. وقد اختلف في العَهْد، إذا أقسم به.
فقالت طائفة من الفقهاء: كفارة يمين. وقالت طائفة: لاكفّارة
فيه. وقد أكد الله سبحانه أمر العهد في كتابه العزيز (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)، وكل عَهْدِ يحسن فعله، فلا ينبغي حله. وإذا
عاهد الإنسان على معصية، فحلُّ ذلك العَهْدِ واجبٌ عليه. واليمين على المعصيّة، سبيلها كسبيل العهد
على المعصية.
وقد جاء عن النبي عليه السلام: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليات الذي هو خير
وليكفر عن يمينه". وقد بسطنا القول في هذا اللفظ، وفي غيره؛ إذا عرض لنا؛ ليقف على ذلك كله
أهل المعرفة، والفهم؛ فتتحصل لهم جمل من أنواع العلم، ممّا تشتد حوائجهم إليه، وتعظم لهم الفوائد،
والانتفاع
(2/750)

به، عند وقوفهم عليه. والله الموفق للصواب، وعنده حسن الثواب.
وقوله في البيت الرابع من القطعة: (وقد تقَّطعت وَجْدا). التَّقْطِيعُ، مَغَصٌ يجده الإنسان في أمعائه.
والتَّقْطِيعُ أيضا القَدُّ. يقال: هذا شيء حسن التقطيع أي القد، ويقال: قطع فلان على فلان تقطيعاً؛ إذَا
لونه عليه. والفرق بين قطَّع بالتشديد، وقَطَعَ بالتخفيف، أن التشديد في الكثرة والمبالغة، والتخفيف
فيما قلّ. ويقال: هذا الثوب يَقْطَعُك إِقْطَاعاً، ويُقَطَّعُ لك تقطيعاً؛ اذا صلح عليك قميصاً ونحوه.
ويقال: قطَّعَهم الله أحزاباً، فتَقَطَّعوا. قال الله سبحانه: (وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا).
ويقال للفرس الجواد: انه لَيَقْطَعُ الخيل؛ وذلك اذا خلفها ومضى. قال:
يُقَطِّعُهُنَّ بِتَقْرِيبِهِ ... وَيَأْوِي إلى حُضُرٍ مُلْهِبِ
ويقال للأرنب السريعة الشديدة: مُقَطَّعَةُ النياط. والنِّياط: المَفَازَة. وقيل عرق في البطن. والباب
متسع، واللفظ مشترك.
رجع
قال: وكان للمأمون جارية، كان يحبها حبّاً شديداً. فعتب عليها في شيء، وقع بينهما، فأعرض عنها،
وأعرضت عنه؛ ثم أسلمه العزاء، وأقلقه الشوق، فأرسل إليها يطلب مراجعتها، فأبطأ الرسول عنه،
ثم رجع إليه، فقال المأمون:
(2/751)

بَعَثْتُكَ مرتاداً فَفُزْتَ بنظرة ... وأغفلتَني حتى أسأتُ بكَ الظَّنَّا
ونَاجيتَ مَن أهوى وأنت مقرّب ... فيا ليتَ شِعْري عَنْ دنوك مَا أَغْنَى
ونزهت عيناً في محاسن وجهها ... وَمَتَّعت باستظراف نغمتها أُذْنا
أرى أثراً منها بعينك لم يكُنْ ... لقد سَرَقَتْ عيناك من عينها حُسْنَا
ثم إن المأمون أقبل مسترخيا لها؛ فسلَّم عليها فلم ترد عليه، وكلمها فلم تجبه، فأنشأ يقول:
أَجيبي ليس يُوجعُكِ الكلامُ ... ولا يُؤْذي محاسنَك السَّلامُ
أنا المامون والملِك الهُمام ... ولكني بحُبّكِ مُسْتَهَامُ
يَخف عليكِ ألاَّ تقتليني ... فيبقَى الناسُ ليس لَهُمْ إِمام
وحكى أبو نواس، قال: وقع بين الرشيد، وجارية له، هجر فاعتراها صلف الحسن. واعترى هارون
تيه الخلافة، والأمر والنهي، ونخوة السلطان. فلا هي تبدأه بالكلام، ولا هو يبدأها. فوقع هارون من
سببها في أمر عظيم. فدعا بدعبل الخزاعي الشاعر، فقص عليه الخبر، فقال: أنا أردّها عليك، يا
(2/752)

أمير المومنين. فكتب إليها دعبل:
أَين الشَّبَابُ وَأَيةً سلكا ... ضَحِكَ المَشْيبُ برأسِهِ فَبَكَى
لاتَعْجَبِي يَا سَلْمُ مِنْ رَجُل ... وَجَدَ السَّبِيلَ اليه مُشْتَرَكا
قًصر الملامة في هَوَى رَشأٍ ... بَلْ أَيْنَ يُوجَدُ كلُّ مَنْ هَلَكَا
يا ليت شعري كيف نومُكُما ... يا صاحبيّ اذا دَمِي سُفِكَا
لاتأخذي بظلامتي أحداً ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا
وبعث بالرقعة اليها؛ فلما قرأتها الجارية، وقّعتْ في أسفلها: تعزز علينا بأبهة السلطان، وتكبرّنا عليه
بتيه الحسن؛ فلينظر أينا أشد عذابا وأبقى.
فلما نظر هارون إلى الرقعة، قال: أراجعها - والله - على رغم أنفي، لأن عذابها أشدّ من عذابي.
وحكى إسحاق بن ابراهيم الموصلي، قال: بعث إلي الرشيد ذات
(2/753)

ليلة؛ فأتيته متخوفا. فأجلسني وانّسني. فبينما أنا قاعد معه؛ إذ جاءت جارية كأنها لؤلؤة، فأقعدها في حجره، ثم قبلها،
وقال: يا إسحاق! غني. فأخذت العود، وغنيت:
جِئْنَ من الرُّومِ فياَ حبّذا ... يَرْفُلْنَ في المِرْطِ ولينِ المَلاَ
مقرْطَقَاتٍ في صُنُوف الحُلى ... يا حبّذ البيضُ بتلك الحُلا
قال: فتبسمت الجارية، ودعا برطل فشرب، وسقاها، وسقاني. وقال لي: أعد. ثم دعا برطل،
فشرب، وسقاها وسقاني. وقال: عَلَيَّ بفلانة، وفلانة، جاريتين من جواريه، فمثلتا بين يديه؛ فأقعد
الواحدة عن يمينه، والأخرى عن شماله، وأمرّ يده عليهما، وقال. أَرْوِعْنِي يااسحاق! قلت: قُلْ: أيها
الأمير، فأنشد:
مَلَكَ الثَّلاثُ الآنساتُ عناني ... وَحَلَلْنَ مِنْ قلبي بكل مكان
مَالِي تُطَاوِعُنِي البريَّةُ كُلُّها ... وأُطيعهنَّ وهنَّ في عِصْياني
ماذاكَ إِلاَّ أَنَّ سُلْطَانَ الهوى ... وبِهِ قَوِينَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِي
(2/754)

ثم أمر لي بخمسين ألف درهم، وأمرني بالإنصراف فانصرفت. وفي جواريه الثلاث يقول هارون أيضا:
ثلاث قَدْ حَلَلْنَ حِمَى فؤادي ... وَأُعْطِينَ الرَّغَائِبَ من فؤادي
نَظَمْتُ قُلُوبَهُنَّ بِخَيْطِ قلبي ... فَهُنَّ قَرَابَتِي حَتَّى التَّنَادِي
فَمَنْ يَكُ حَلَّ من قلبي مَحَلاَ ... فَهّنَّ مَعَ النَّواظِرِ في السَّوَادِ
قال أبو إسحاق:
وذكرت بهذه الحكاية، حكاية سلكت في الظرف سبيلها؛ ومزجت بالرقة معناها، وتأويلها؛ فأنار
صبحها، وفاز قِدحها. وهي أن المستعين سليمان بن الحكم، أحد خلفاء بني أمية، كان في مدته
(بقرطبة) أمّن الله أرجاءها، وأخصب أفناءها، كلفا بثلاث جوار، كنّ نهاية في الجمال، والحسن
والدلال. فجلس يوم أنس، فدعا الواحدة، فأقعدها في حجره، والثانية عن يمينه، والثالثة عن شماله.
وأنشأ يقول:
عجباً يَهَابُ اللَّيْثُ حَدَّ سِنَانِي ... وَأَهَابُ لَحْظَ فَوَاتِرِ الأَجْفَانِ
وأقَارعُ الأَهْوَالَ لامُتَهَيِّباً ... منها سِوَى الإِعْرَاضِ والهِجْران
(2/755)

وَتَمَلَّكَتْ نفسي ثَلاَثٌ كَالدُّمَى ... زُهْرُ الوُجُوهِ نَواَعِمُ الأَبْدَانِ
كَكَوَاكِبِ الظُّلْمَاءِ لُحْنَ لِنَاظِرِ ... مِنْ فَوْقِ أغصانٍ عَلَى كُثْبان
هذي الهلالُ وتلك بنتُ المشْتَري ... حُسْناً وهذي أخْتُ غُصْنِ البَانِ
حاكمتُ فيهنَّ السُّلُوَّ إلى الهوى ... فَقَضَى بسلطانٍ على سُلطاني
فأَبَحْنَ من قلبي الحِمَى وتَركنني ... في عِز مُلْكي كالأسير العَانِي
مَا ضَرَّ أَني عَبْدهنَّ صبابة ... وبَنُو الزَّمانِ وهُنَّ مِنْ عُبْدَاني
إنْ لَمْ أُطِعْ فيهنَّ سُلْطَانَ الهَوى ... كَلَفاً بهنَّ فَلستُ مِنْ مَرْوَانِ
لاتعْذِلُوا ملكاً تَذَلَّلَ في الهوى ... ذُلُّ الهَوَى عِزٌّ ومُلْكٌ ثاني
وإِذا الحبيبُ أَحَبَّ أَمنَ إِلْفه ... خَطَب القِلى وحوادث السُّلْوانِ
وكان سليمان من أهل الشراسة والحزم والذكاء والفهم، لمَّا بويع وقدم عليه أبو العباس بن مدُّوس،
رسول أهل الثغر بالبيعة من قبل منذر بن يحيي، فخلَّى سبيله ووصله بصلة وكتب إليه:
قَد بَعَثْنَا إليكَ أَكْرَمَكَ الل ... هُ بشيءٍ نَزْرٍ فَلاَ نَسْتَقِلَّهْ
وتَقَبَّلْهُ وابْسُط العُذْر حَتَّى ... يَبْسُطَ اللَّهُ كفَّنا المُنْهَلَّهْ
فإذا كان جاءكَ الخيرُ يَتْرَى ... بنواَلٍ عليكَ حتَّى تَمَلَّهْ
(2/756)

ورفع إليه بعض خدامه بشعر يعتذر إليه، فَوَقَّعَ على ظهر كتابه:
قَرَأْنا ما كتبتَ به الينا ... وعُذْرُكَ واضحٌ فيما لَدَيْنَا
وَمَن يكن القريضُ له شفيعاً ... فَتَرَك عِتَابِه فَرْضٌ عَلَيْنَا
وكتب إليه القاضي أبو القاسم بن مقدام شاكيا ضيق حاله، بأبيات أولها:
أََهَلْ تَرْضَى لعبدك أن يُذَالاَ ... وَأن يَبْقَى على الدنيا عِيالاَ
فبعث إليه بصلة، وكسوة، ووقع له على ظهر رقعته، بهذه الأبيات:
مَعَاذَ اللَّهِ أن تبقى عِيالا ... وأن ترضَى لِمِثْلِكَ أن يُذَالاَ
وَكَيفَ وَأَنْتَ مُنْقَطِعٌ إلينا ... وقد عَلِقَتْ يَدَاكَ بنا حِبَالاَ
ودونك من نوافِلناَ يسيرٌ ... ولَكِنَّا انْتَقَينَاهُ حَلاَلاَ
وأشباه هذا من أفعاله كثيرة؛ لكنه تحمل في قيامه بالأمر إثما عظيماً؛ وتقلد من دماء المسلمين عبئا
جسيما. فكم هتك من أستار، وحزب من أمصار، وكانت أيامه، أيام استطال على الرعيّة، وخلافته
خلافة غير مرضية، ولم تزل كذلك حتى
(2/757)

قتل سنة سبع وأربعمائة. قتله علي بن حمود بيده، بعد أن استفتى الفقهاء في ذلك،
فأفتوه بقتله؛ لأنه قتل هشاماً المؤيد، في خبر طويل، ليس من غرضي استقصاؤه.
وحكى أبو الفضل الكاتب، قال: أحبَّ غلامٌ جارية، وكان معها في مَكْتَبِ واحد؛ فلم يزل الغلامُ
يَتَلَطَّفُ بِمُؤدِّبِه، حتى صار قريباً منها. فلما كان في بعض الأيام، ترقَّبَ غفلةً من الغلمان، فكتب في
لَوْحِ الجارية:
ماذا تَقولينَ فيمَنْ شَفَّه سَقَمٌ ... مِنْ أجل حُبِّكِ حَتَّى صار حَيرانَا
فلما قرأت الجارية ما كتب، وَقَّعَتْ أسفله شفقا عليه ورحمة له:
إذا رأيناَ مُحبّاً قد أضَرَّ به ... طُولُ الصَّبَابَة أوليناه إحسانا
وحُكي أن بعض ولد جعفر بن سليمان؛ أصابته علة مجهولة، فكان
(2/758)

يختلف إليه خصيب الطبيب، وكان ماهراً في صناعة الطب، فكان يحلف أن مابه من علة، وأنه لعاشق.
فأشار يوماً إلى أهله أن يسقوه نبيذاً، ففعلوا، فلما سكر، طلب رقعة، فأحضرت له، فكتب فيها:
ولَقَدْ قُلْتُ لِقَومِي ... حين جَاؤُوا بِخَصِيبِ
ليس واللَّهِ خَصيبٌ ... لِلَّذي بي بِطَبِيبَ
إِنَّمَا يَعْلَم مابي ... مَنْ بِهِ مثلُ الذي بِي
فلما وقف والده على الرقعة، ونظر إلى الأبيات، ازداد عنده جاهاً، وشرفا، وكشف عن أمره؛ فإذا
هو يتعشق بعض جواري القصر، فأمر له بها، وأحسن إليه.
قال: وقال أبو الطيب محمد بن القاسم النميري: مارأيت شاباً، ولا شيخاً من ولد العباس أصون
لنفسه، ولا أضبط لجأشه، من أبي العباس عبد الله بن المعتز. وكان يعيب الحب، وينكره، ويقول:
إنما هو ضرب من الحمق. وإذا رأى منا مطرقا، اتهمه به، ويقول له: وقعت وَالله يا فلان، وذهل
عقلك، وسخف رأيك إلى أن رأيناه قد حدث له سهو شديد، وفكر زائد، وزفير متتابع، وسمعناه ينشد:
أسرَ الحُبُّ أَمِيراً ... لم يَكُنْ قَبلُ أَسيرَا
(2/759)

فَارْحَمُوا ذُلَّ عَزِيز ... صَارَ عبداً مستجيراَ
فقلنا له: جعلنا فداك! هذه أشياء كنت تنكرها وتعيبها منّا. ونحن الآن ننكرها منك. فكان يرجع عن
بعض ذلك تصبّراً، وتحمّلا، ثم لايلبث أن يظهر مستوره، حتى تحققنا أمره، ودخل في جملة
المرحومين. فسمعته ذات يوم، وهو ينشد:
كُنْ إذا أحببتَ عبداً ... للَّذي تَهْوَى مُطيعاَ
لَنْ تنالَ الوَصْلَ حتَّى ... تلزم النفس الخضوعا
فكتبت إليه:
بَكَتْ عينه وشَكَا حُرقة ... منَ الوَجْد في القَلْبِ ماتَنْطَفي
فقلتُ له سَيِّدي ما الَّذي ... أرى بك، قال سقامٌ خَفِي
فقلتُ: أَعِشْقٌ فقال: اقْتَصِرْ ... عَلَى ما تراهُ أَمَا تَكْتَفِي
ثم سرت إليه، فقال: يا أبا الطيب! لقد عصيت ابليس أكثر مما عصى ربّه، إلى أن أوقعني في
حباله. فأخبرني بقصته. فسعيت بلطف التدبير، وأعانني حزم النظر، حتى فاز بالظفر.
وحكى محمد بن عبد الله العتبي فقال: كانت لعمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، جارية بارعة
الجمال؛ جامعة للكمال. فنظرت إليه يوما، وهو يبكي، من خشية الله عز وجل. فقامت عند ذلك،
ولبست أحسن ملبس، وتحلت بنفيس الجوهر، وتطيبت بأذكى الطيب، وأقبلت، وهي تقول:
وكَأَنَّها لَمَّا اسْبَكَرَّتْ مُزْنَةٌ ... وَسط الرَّياض ضميرها لم يرعَدِ
فلما نظر إليها عمر، قال لها: والله إنك لقرة العين؛ ولكن من
(2/760)

أَوْبقَتْهُ ذنوبه، وكثرت عيوبه؛ فالبكاء مثله قليل. وأنشأ يقول:
مَنْ كَانَ حِينَ تُصِيبُ الشمسُ جَبْهَتَهُ ... أَو الغُبَارُ يَخَافُ الشمسَ وَالشَّعَثَا
وَيَأْلَفُ الظِّلَّ كَيْ تَبْقَى بَشَاشَتُهُ ... فَسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْماً رَاغِماً جَدَثَا
فِي ظِلِّ مُظْلِمَةٍ غَبْرَاءَ مُوحِشَةٍ ... يُطِيلُ تَحتَ الثَّرَى في جَوْفِها اللَّبَثَا
تَجَهَّزِي بِجِهَازٍ تَبْلُغِينَ بِهِ ... يَا نَفْسُ قَبلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا
ثم مسح عينيه، وأدناها من نفسه؛ فلما رأته الجارية قد ألفها، وحنّ إليها، قالت: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) إلى آخر الآية، ثم
قالت: يا أمير المومنين؛ أين أنت، من قول امرئ القيس:
مِنَ القَاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْدبَّ مُحْوِلٌ ... مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الأنف مِنْها لأَثَّرَا
يا أمير المومنين! الذي جمعنا في الدنيا، قادر أن يجمعنا في الآخرة في الجنة، ومستقر الرضوان
والرحمة.
قال: فانشرح إليها، وبقي معها بقية يومه.
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله من الفضلاء، وأحد الشهداء. ودام في الخلافة سنتين وستة
أشهر وأربعة عشر يوماً. وكان للعدل في أيامه ظهور، ولأهله حبور وسرور.
(2/761)

وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يقول: (إِنَّ مِنْ ذريتي رجلا بوجهه شينٌ يملأ
الأرض عدلا). وكان الرجل الذي ذكر عمر - رضي الله عنه - عمر بن عبد العزيز؛ لأن أمه هي
أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. وكانت في وجهه شَجَّةٌ من ضربة دابة. بويع له بعهد
عمه سليمان بن عبد الملك في يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع وسبعين.
وكانت وفاته في رجب سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأشهر.
وحكى أبو حاتم، عن الأصمعي، قال: أخبرني نافع بن أبي نعيم أنه لما مات عمر بن عبد العزيز،
رثاه أحد موالي أهل المدينة، فقال:
قد غَيَّب الدَّافنون اللحد إذْ دَفَنُوا ... بِدَيْر سَمْعَان قسطاس الموازين
مَنْ لم يكنْ همُّه عيْناً يُفَجِّرها ... ولا النَّخِيلَ ولا رَكْضَ البَرَاذِين
قال: والأبيات التي أنشدها عمر بن عبد العزيز رحمه الله هي لعبد الله بن عبد الأعلى القرشي،
وهي عشرة أبيات قرأتها في النوادر لأبي علي البغدادي وأولها:
تَجهَّزِي بِجَهَازٍ تبلُغين به ... يا نفسُ قَبْلَ الرَّدى لم تُخْلَقِي عَبَثا
(2/762)

وَسَابِقي بُغْيَةَ الآمال وَانْكَمِشِي ... قبل اللِّزَامِ فلا مَنْجَى ولاَ غَوَثا
ولا تَكُدِّي لمن يبقى وتَفْتقري ... إنَّ الرَّدى وارثُ الباقي وَمَاوَرِثا
واخْشَيْ حَوَادِثَ صَرفِ الحِينفي مَهَلٍ ... واستيقِنِي لا تكوني كالذي انْتَجَثا
عَنْ مُدْية كان فيها قطعُ مُدَّتِه ... فوافق الحرثَ محروثاًكما حَرثَا
لا تَأْمَني فَجْعَ دَهْرٍ مُورِطٍ خَبِلٍ ... قد استوى عنده من طاب أو خَبُثَا
يارُبَّ ذي أَملٍ فيه على وجلٍ ... أضحى به آمناً أمسى وقد جُئِثَا
مَنْ كَان حين تُصيبُ الشمسُ جبهته ... أو الغبارُ يخاف الشمسَوالشَّعَثَا
ويألفُ الظل كَيْ تبقى بَشَاشَتُهُ ... فسوف يسكن يوماً راغماً جَدَثَا
في قَعْرِ مُوحشةٍ غبراء مُقفرةٍ ... يُطيل تحت الثرى في جوفها اللبَثَا
ويروى في رمسها، مكان جوفها.
وقوله: (أمسى وقد جُئثَا) أي: فَزِعَ، والمجؤُوثُمن الرجال: المخوف الذي ذهب فؤاده، من شدة الفزع.
وحكى أبو نواس قال: كنت في بعض الأيام عند يحي بن سليمان بن الفضل بن الربيع، وهو صبي
صغير، فأخرج إلى رقعة، وفيها مكتوب:
ياسيدي! قد أماتت خطرات الهجر قلبي، وتولدت فظاعته في الأحشاء.
(2/763)

وتعلم أن لذة العيش في الدنيا وصل المحبين؛ فلولا كتابك الذي قرأت هذه الساعة، لسفكت سيوف
الهجر دمي، وناطت ناره على كبدي.
وبعد هذا مكتوب:
كتابٌ أتاني من حَبيبٍ بِخطِّه ... فما أضعف النُّعْمى وما أوجب الشكرا
فلم أرَ مثلى لم أمت مذ قرأته ... لقد رُزِقَتْ نفسي التجلد والصَّبرا
وظلتْ تناجيني بما في ضميرها ... أنامل خطت لي بِأَقْلامها السِّحْرا
فقلت له: ياسيدي، يا ابن الوزير، لمن هذه الرقعة؟. ورجوت أن استخف به لصغر سنه، فأنشدني
هذين البيتين:
أَجُودُ بِمكْنونِ التِّلاد وإنني ... بِسرّك عمَّن سَالَنِي لَضنينُ
سَأصْفيك ودِّي مَا حَييتُ وَإن أمت ... بِوُدِّك عظمي في التراب دَفينُ
ثم قال لي: ياحسن، قُلْ في الفراق، والهجر، واللقاء، والوصل.
فقلتُ:
لا بَاركَ اللهُ في الفراقِ وَلا ... بَارَكَ في الهَجْر مَا أَمَرَّهُما
بل بارك اللهُ في اللقاءِ كَمَا ... بارك في الوصل ما أكدَّهُما
لو ذبح الهجر والفراق كَمَا ... تذبح شاة لما رحمتهما
وحكى عبد الله بن المعتز عن الزبير بن بكار، قال:
رأيتُ بِالثَّغْر رجلا، عليه أثر الذِّلة والاستكانة، كثير التنفس، وحركات الحبِّ لا تخفى. فسألته عن
خبره، حين خلوت به، فكانَ جوابه إلىَّ، تَحدّر أَدْمعه، وقال:
(2/764)

أنا في أَمْرٍ رَشادٍ ... بَين غَزْوٍ وَجِهادِ
بَدَني يغزو الأَعادي ... والهَوَى يَغْزُو فُؤَادي
وحكى أبو نواس أيضا، قال: حدثني سليمان بن ابراهيم، قال: بينما أنا ذات يوم أمشي في أزقة
البصرة، إذ سمعت جارية تترنم وتقول:
يَا دَوْلَةَ العِزِّ من بعد الخمول ويا ... إِقبالَ دنيا بلا شيءٍ من الكَدَرِ
يا فرحة الصَّبِّ بالمحبوب إذ ظفِرَتْ ... منه اليدان به في ساعة الظَّفَرِ
يابرْد غُلَّة أُمٍّ غاب واحدها ... مُسافراً ثم وافاها من السفرِ
ياراحة النفس يا بردَ العليل إذا ... أتاه بعد اتِّصال الوصْل بالسَّهرِ
يافرحةَ في قلوب الناس كلهم ... ياطلعة الشمس بل يا طلعة القمر
أصبحتَ أملح مَنْ في الناس مِن بَشَرٍ ... كأنك الأمن بعد الخوف والحذر
غُصْنٌ مِنَ البان تثنيه الرياحُ على ... زَهْرِ الرياض اذا هَبَّتْ مَعَ السَّحَرِ
فقلت لانسان كان خلفي: لقد جمعت هذه محاسن الدنيا. فمن تخاطب؟ قال: هي عاشقة لابن مولاها،
وأبوه قد حال بينهما.
وحكى أبو العباس محمد بن يزيد، قال: لما قدم علينا محمد بن طاهر، قال: هل عندكم موسوم بأدب،
منسوبٌ إلى معرفة، يستراح إليه؟ فأرسل بي إليه. فلما دخلت عليه، سلّمتُ، فرد علي السلام،
وأمرني بالدنُوِّ، فدنوت، ثم التفت إلي، بعد أن أمهلني ساعة. فقال لي: أنت أديب (العراق).
(2/765)

فقلت: كذا يَزْعُمُ من يَوَدُّني. فقال: أَنْشدْني ما استحسنه منك. فأنشدته من أشعار المُتقدِّمين. فقال لي: ليس
عن هذا أسألك؛ وان كنت لم تفارق الصواب. فقلت: الأميرُ أوْلى بالهِداية والإرشاد، فليردني إلى
موضع إرادته. فالتفت إلي، باقبال وبِشْر، فقال: أُناجيكَ بما كُمَنَ في الضَّمير، وتحكم من سرّ الهوى،
لي حبيب خلّفته مقيماَ (بنيسابور) وأنا (ببغداد)، وجعل يقول:
أقام ببلدة ورحلت عنها ... كِلانَا بَعْدَ صَاحِبِه غَريبُ
أَقَلُّ النَّاسِ في الدنيا سُروراً ... محبٌّ قد نأى عَنْه الحَبِيبُ
ثم تَنَفَّسَ الصُّعداء، وقال: اعذر أيها الأستاذ، فمَا أَوْحَشَ الغَرِيبَ بِلا حَبِيب! جعلت حبه تحفة نفسي،
وأسكنته قلبي، ومحل ناظري من مقلتي. فقلت له: أيها الأمير! استبدل به بديلا؛ واتخذ غيره خليلا.
فان الهوى ما ألفته النفس؛ فلعلها عند معاينة العوض، تقع قناعة، وزهادة في الأول. فقال: هيهات
ياأستاذ! وأنشد:
وَلَمّا أبى إلا جماحاً فُؤَادُه ... وَلَمْ يَسْلُ عن لَيْلَى بمالٍ ولا أَهْلِ
تسلّى بأُخرى غيرها فإذا التي ... تسلَّى بها تُغْرِي بليلى ولا تُسْلِي
ثم قال: يا أستاذ! هيهات حبّ من ذهب بذخائر القلب والحشا، وجرى مجرى الروح في الأعضاء.
لا سبيل إلى زواله، الا بزوال النفس عن جثمانها. والله، إن مت، فما أموت إلا بغصّة فراقه، ولا
أفارق الدنيا، إلا على البعد منه. أما سمعت قول أبي تمام:
(2/766)

نَقِّلْ فُؤادك حيث شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ
كَمْ مَنْزلٍ في الأرض يَأْلفُهُ الفتى ... وَحَنِينُه أبداً لأول مَنْزِلِ
فبينما أنا معه، وقد أخذ في ذكره؛ إذ دخل علينا حاجبه بكتاب من عند حبيبه (بنيسابور). فلما أراد
أن يتناوله، استولى عنه من السرور، ما أزال عنه خمرة الكآبة. فلما فكه، وقرأه، ناولنيه. فقرأت فيه:
لَعَمري لَئِنْ قَرَّتْ بقربك أعين ... لقد سخنت بالبعد منك عُيونُ
فما أقبحَ الدنيا إذا كنت نائيا ... وَما أحسنَ الدنيا بحيث تكون
فسر أو أقم وقف عليك مَحَبَّتِي ... محلكَ من قلبي عليك مَصونُ
فلما كان بعض أيام استدعاني، وقال: لِيَهْنِئْكَ رؤية السرور. قلت: وماذاك؟ قال: اعلم أن الحبيب
قادم عن قريب. ثم استعبر، وبكى. فقلت: الحمد لله الذي ألف بينكما بعد الفراق. فلم ألبث إلا قليلا،
حتى دخل الحاجب، فقال: قدم فلان. فقال: ائذن له، فدخل غلام، كأن وجهه البدر ليلة تَمِّه، قد ركب
على غصن بان؛ أو قضيب خيزران. يرفل في عصب (اليمن)، أَدْعَجُ العينين، مَقْرُونُ الحاجبين،
أَسِيلُ الخدين. أرقُّ من الهواء؛ وأحسن من الماء، وأضوءُ من سليل الأنواء. فدعا الأمير بكرسي من
فضة، مرصّع بالديباج الأحمر، مكلل بالدر؛ فأجلسه عليه، وقعد هو بين يديه، وقال: التَّذَلُّلُ للحبيب؛
هو الحسيب. ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم، وقال لي: ينصرف الأستاذ راشداً، ويقبل العذر.
وقال سعيد بن حميد:
اليَوْمَ أيْقنتُ أَنَّ الحبَّ مَتْلَفَةٌ ... وأنَّ صاحبه منه على خَطَرِ.
(2/767)

كَيْفَ الحَياةُ لِمَنْ أَمْسَى عَلَى شَرفٍ ... منَ المَنية بين الخوف والحذَرِ
يَلُومُ عَيْنيه أحْياناً بِذَنبهما ... ويَحْمِلُ الذنْبَ أحيانا على القدرِ
وقال غيره في المعنى:
وَمَا في الأرضِ أشقَى من مُحبٍّ ... وإنْ وَجَدَ الهَوَى عَذْبَالمذاقِ
تراهُ باكياً في كُلِّ حالٍ ... مَخَافَةَ فُرْقَةٍ أَوْ لاشتياقِ
فَتًَسخنُ عينه عند التَّنَائِي ... وتَسْخُنُ عَيْنُه عند التلاقي
فَيَبْكِي إن نَأَوْا حذراَ عليهم ... وَيَبْكِي إنْ دَنَوْا خَوفَ الفِراقِ
وهذه القطعة في معناها كقول الآخر:
لقد كُنتُ أبكي قبل أن تَشحط النوى ... فكيف إذا ما غبت عنك أكونُ
ومنه قول أبي تمام الطائي:
بَكَتْهُ بما أبكته أيام صدرها ... خَلِيٌّ وما يخلو له من هوى صَدْرُ
وأخذ هذا المعنى أيضا الأديب أبو حاتم الحجاري الأندلسي فقال:
(2/768)

وَزًائرٍ زارني قَد هَجَعَتْ ... عينايَ حين تبلح الفجرُ
بَكيتُ للقرب ثم قلتُ له ... من ثَمرِ الوصلِ يُجْتَنَى الهَجْرُ
وفي معناه قول أبي بكر الغساني:
يُوَاصِلُنِي طَوْراً وَيَهْجُرُ تَارًَةً ... الا رُبَّ هَجْرٍ جَرَّ أسْبابَهُ اللِّقَا
وفي معناه أيضا قول سعيد بن حميد:
ما كنتُ أيامَ كنتِ راضيةً ... عنّي بذاكَ الرِّضى بمغْتبطِ
عِلماً بأن الرضى سَيَعْقُبُهُ ... منك التجني وكَثْرةُ السُّخُطِ
فكلُّ ما ساءني فَعَنْ خُلُقٍ ... وكلّ ما سرّني فَعَنْ غَلَطِ
وقد جمعه أبو الطيب في بيت واحد فقال:
أيَّ يَوْمٍ سَرَرْتني بِوِصَالٍ ... لَمْ تَرُعْنِي ثَلاثةً بِصُدُودِ
وقبل هؤلاء، قال العباس بن الأحنف في المعنى:
إذا رَضِيَتْ لَمْ يَهْنِنِي ذَلك الرّضى ... لِصِحَّةِ عِلْمي أنْ سيعقبهُ عَتْبُ
(2/769)

وأَبكي إذا ما أَذْنَبْتُ خَوْفَ عَتْبِها ... فأسْأَلُها مَرْضاتِها ولها الذَّنْبُ
وِصَالُكُمُ هَجْرٌ وحُبُّكُمْ قلى ... وَعَطْفُكُمْ صَدٌّ وسِلْمُكُمْ حَرْبُ
(2/770)

فصل
قال أبو اسحاق: والولوع بالجمال، سجية ركبها الله في الظرفاء، وفطنة خصّ الله بها أهل الفهم والذكاء. وليس
بأريب عندهم من خرج عن حد الهوى. وفي هذا المعنى قال أحدهم:
إذا أنت لم تَعْشَقْ ولم تدْرِ ما الهوى ... فكُنْ حجراً من يابِسِ الصَّخْر جَلْمَدا
وقال الآخر:
وما الناس إلا العاشِقونَ ذَوُو الهوى ... ولا خيرَ فيمنْ لا يُحبُّ ويعشقُ
وهو مذهب جوهري، ومنهج علي، يخص الله سبحانه به من شاء من عباده، ولا ينكر الميل إلى
الجمال، إلا جاف فدْم. قد عزب عنه الفهم، وعرته من الجهل نوائبه؛ وادلهمت في جوانحه غياهبه.
وقد قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إني لأحب الجمال حتى في شراك نعلي.
وفي الحديث (أن الله عز وجل جَمِيلٌ يُحِبُّ الجمال). وسُمِّي الباري
(2/771)

سبحانه جميلا، لانتفاء النقص عنه. والمعروف عندنا أن الجميل من بني آدم، من له صورة حسنة، تامة الصفات. وحسن الصورة، مبعدٌ للنقص والشين عنها. وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يجعل جميل في هذا الحديث بمعنى
مجمل. كما يقال كريم للرجال المكرم. فكريم بمعنى مكرم. وقيل: إنَّ الحُسْن أول سعادة المرء، ورائد
اليُمْن، وسائق النجح.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من أُعْطي حسن خلق وحسن صورة وحسن زوجة فقد أعطي
خير الدنيا والآخرة). وقال عليه السلام: "اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه" ونظم هذا بعض الشعراء
فقال:
حُسْنُ ظَنِّي اليكَ أَصْلَحَكَ الل ... ه إِذْ قالَ مُفصِحٌ إفْصَاحَا
ودعاني اليك قولُ رسولِ الل ... ه دَعَاني فَلا عدمت النَّجاحا
إنْ أردتم حوائِجاً عند قوم ... فتلقوا بها الوجوهَ الصِّباحا
وقال الآخر:
سَلُوا الحاجات أصبحهم وجوها ... ولا تسلو اللئام وَلا القباحا
وقال الآخر:
حَدَّثَنَا عن خَلَدٍ خَالِدٌ ... وَخَالِدٌ حَدث عن عامرِ
(2/772)

إن رسول الله في مجلس ... قد قَالَ للبادي وللحاضرِ
إذا أردتم حاجة فاقصدوا ... كل صبيح حسن الناظر
وقال:
لقد صدق الرسولُ وقال حقّا ... وَخَيْر القول ما قال الرَّسولُ
إذا الحاجاتُ عَزَّتْ فاطلُبُوها ... إلى مَنْ وجهُهُ حَسَنٌ جَمِيلُ
وقال عليه السلام: "ان الله لا يعذب حسان الوجوه سود الحدق". والله تعالى وجل بلطف حكمته،
وشريف صنعته، لم يخلق الصورة مختارة الصفات، سالمة من الشين والآفات، إلا عن فضل منه
كامل؛ وعز شامل. ولا خص أهل الجمال بالصفات السنية؛ والأخلاق الرضية، إلا وقد استوجبوا ذلك
منه. والدليل على ذلك، أن الله تبارك وتعالى لم يخلق نبيا قط، إلاَّ وقد بهر أهل زمانه، بسماحته
وحسنه وإحسانه.
والتخلق في سنن الحب بالعفاف، دأب الفضلاء والأشراف، والمنهج الذي سلكه منهم الأتقياء، وأهل
الورع والأولياء.
ورأينا في كتاب (الوشاح) لأبي القاسم المواعيني - رحمه الله -: العشق إذا تزين بالعفاف، فهو
معنى شريف.
(2/773)

وقال بعض المفسرين في قول الله تبارك وتعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) أي من اتقى الله في خُلَّتِه: يعني في صداقته،
فهو خليل وإلا فهو عدوّ.
وجاء عن ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما، أن أهل المعاصي في الدنيا، يعادي بعضهم بعضاً يوم
القيامة.
وفي هذا المعنى، يقول القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي رحمه الله: وكُلُّ مَوَدَّة في الله تبقى
على الأيام من سعة وضيق، وكل مودة فيما سواه فكالحلفاء في لهب الحريق.
وقال أبو الحسن التهامي في معناه:
شَيْئانِ ينقَشِعانِ أَوَّلَ وهْلَةٍ ... ظِلُّ الشَّبابِ وخُلَّةُ الأَشْرَارِ
وعن أبي الدرداء أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَفْضَلُ أَهْلِ
(2/774)

الوَرَع، مَنْ أتَتْه جاريةٌ حسناء، ذات وجهٍ جَميل، وحَسَبٍ كريم، وَرَاوَدَتْه عن نفسه، فقال: إِنِّي أخاف الله رب العالمين".
وقال كعب الاحبار. في بعض ما أنزل الله على موسى عليه السلام: "إنَّ الشَّاب العَابِد التَّارك شَهْوَتَهُ
من أَجْلِي، أَوْ مِنْ خشيتي، أُبَشِّرُهُ بِكَرامتي، وَعِزَّتي وَجَلالي، لَوْ أقسمَ عَلَيّ أن أزيل له الجبال من
أماكنها لفعلتُ".
وحكى يحي بن عمر أن عبد الرحمان بن القاسم خرج إلى الحج، فبينما هو قاعد بالأَبْوَاء، إذْ أتته
جارية كأحسن ما يكون من الجواري، فجلست اليه، فمدّ يده ليعطيها شيئا، فقالت: لا واللهِ، ما أريد
هذا منك، وإنما أيد منك ما يكون من الرجال إلى المرأة. فأدخل رأسه بين ركبتيه وجعل يبكي، فجاء
أصحابه فوجدوه على تلك الحال، فسألوه فأخبرهم بالقصة، فجعلوا يبكون فقال لهم: وما يُبْكيكُم؟
فقالوا: نبكي لأنّا لو ابْتُلِينا بمثل ما ابْتُلِيتَ به، لم نأمن على أنفسنا الفتنة. فبينما عبد الرحمن ابن
القاسم نائم، اذ رأى في منامه رجلاً حسن الصورة، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا يوسف بن يعقوب.
فقال له ابن القاسم: لقد كان شأنك مع امرأة العزيز عجبا. فقال له يوسف عليه السلام: وأنت شأنك
مع صاحبة الأبواء أعجب، لأني هممت، وأنت لم تهمّ.
(2/775)

قال: وسليمان بن يسار أخا عطاء. اتفق له مثل ما اتفق لابن القاسم رحمة الله عليهما.
وحكى أن أعرابيا عًَشِقَ جارية، ذات حسن وجمال، واشتدّ بها كَلَفُه. فقيل له: ما كنت تصنع بفلانة،
لو ظَفِرْت بها في مكان لا يراكما أحد؟ فقال: كنت، والله، أفعل ما أفعله، بحضور أهلها؛ شكوى
وحديث عذب، واجتناب ما يُسْخِط الرّب. ورحم الله أبا عبد الله نفطويه في قوله:
ليس الظَّريفُ بِكامِل في ظرفه ... حتّى يكُونَ عن الحَرامِ عَفيفَا
فإذا تَعفَّف عن مَحَارمِ ربّه ... فَهُناك يُدْعَى في الأَنَامِ ظَريفَا
وقال أيضا:
وَكمْ ظَفِرْتُ بمن أَهْوى فَيَمْنَعُنِي ... منه الحياءُ وخوفُ الله والحَذَرُ
وكَمْ خَلَوْتُ بِهِ يوماَ فَيَقْنَعُنِي ... منه الفكاهةُ والتّقْبيلُ والنظرُ
أَهْوَى المِلاَحَ وأهْوَى أَنْ أُجالِسَهُمْ ... ولَيْسَ لي في حَرَامٍ مِنْهُمُ وَطَرُ
كذلك الحُبُّ لا إِتْيَانُ فَاحشةٍ ... لا خَيْرَ في لذّةٍ من بعدها سقَر
قوله (من بعدها سقر). يعني النار أَعَاذَنا اللهُ مِنْها. وسُمِّيت سَقَر، لشدة
(2/776)

ايلامها. من قولهم: سَقَرَتْهُ الشمسُ تَسْقُرُهُ سَقْراً؛ إذا آلمت دماغه. ومنه السَّقْرُ بالسين والصاد، لشدة ألمه في صيده. والسين
الأصل. والصاد مبدلة منها من أجل القاف. وقرأ زكرياء بن يحى بن عباد في سورة لقمان (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ) بالصاد
من أجل الغين، ولا تنصرف سَقَر للتأنيث والتعريف.
رجع
وحكى عن العتبي أنه قال: سألت عن الظَّرْف. فقيل لي: الظَّرْفُ في أربع: الحياءُ والكرمُ، والعِفَّةُ
والنَّزاهة.
وقال بعضهم: الظَّرْفُ في أربع: كَلَفُ النفس، وسخاء الكَفِّ، وعِفَّةُ الفَرج، وكِتْمانُ السِّر.
وقال بعضهم: الظَّرْفُ في ثلاثة: كَلَفُ النفس، وعفة الفرج، وكتمان السر. وكان أبو حاتم رحمه الله
يختم القرآن في كل أسبوع، ويتصدّق كل يوم بدينار.
وحكى أبو عمرو البصري، قال: سمعت أبا عثمان الخزاعي يقول لأبي حاتم: كنت البارحة بين
النائم واليقظان، كأني في المحراب، اذ سمعت قائلا يقول:
أَبُو حَاتِمٍ عالِمٌ بالعُلومِ ... وأَهْلُ العلومِ لَهُ كالخَوَلْ
(2/777)

عليكم أبا حاتمٍ إنه ... له بالقراءةِ عِلْمٌ جَلَلْ
فإن تَفْقدوه فلن تُدركوا ... لَهُ مَا حَيِيتُم بعلمٍ بَدَلْ
فبكى أبو حاتم سروراً بما قال. وفيه يقول أبو عمر والبصري:
إلى مَنْ تَفْزَعُونَ إذا فُجِعْتُم ... بسهلٍ بعده في كل بابِ
وَمَنْ ترضونه منْ بعد سهلٍ ... إذا أودَى وَغُيِّب في التُّرابِ
وقال مروان بن عبد الملك: سمعت الرياشي، ونحن على قبر أبي حاتم نَتَرحّمُ عليه، وهو يقول:
ذَهَبَ معه بعلم كبير فقال له بمحضر أصحابه: كتبه. فقال العباس: الكتب تودي ما فيها ولكن صدره.
ومع عِلْمِه الفائق، وفِعْلِه الجميل، كان يميلُ إلى أبي العباس محمد بن يزيد المبرد. إذْ كان يَلْزَمُ
حلقته، وهو غلام. وكان أبو العباس وسيماً جميلا، وفيه يقول أبو حاتم، وقد اشتد به هيامه:
ماذا لقيتُ اليومَ منْ ... متمجِّن خنثِ الكَلاَمْ
وَقَفَ الجمالُ بخده ... فَسَمتْ لَهُ حَدَقُ الأنامْ
حَرَكاتُهٌ وسُكُونُهُ ... نَجْني بها ثَمر الأثامْ
وإذا خَلَوْتُ بمثلهِ ... وعزمتُ فيه على اعتزامْ
لم أَعد أَفْعَالَ العَفَا ... فِ وذاكَ وَكْدٌ للغرامْ
نفسي فِداؤك يا أبا العب ... اس حلَّ بكَ اعتصامْ
(2/778)

فارْحَمْ أَخَاكَ فإِنَّهُ ... نَزْرُ الكَرى بادي السَّقَامْ
وَأَنِلْهُ مَا دُون الحَرا ... مِ فليس يرغَبُ في الحرامْ
وحكي أن أبا العباس أحمد بن عمرو بن سُريج الشافعي، وأبا بكر بن داوود القياسي اجتمعا يوماً في
مجلس الوزير أبي الحسن على بن عيسى بن الجراح، فتناظرا في الإيلاء فقال أبو العباس بن سُريج
لأبي بكر بن داوود: أنت بقولك: (مَنْ كَثُرتْ لحظاته، دامَتْ حَسَراتُه) أبصر منك بالكلام في الإيلاء
فقال له أبو بكر: لئن قُلتَ ذلك، فإني أقول:
أُنَزِّهٌ في رَوْضِ المحاسِنِ مُقْلَتي ... وأمنعُ نفسي أنْ تَنَالَ مُحَرَّما
وأَحْمِلُ مِنْ ثِقْلِ الهوى ما لَوَ انَّهُ ... يُصبُّ على الصّخْر الأَصَمِّ تَهَدَّما
وَيَنطِق طَرْفي عنْ مترجمِ خاطري ... فلولا اختلاسي رَدَّهُ لَتَكَلَّمَا
رأيت الهوى دعوى من الناس كُلِّهِمْ ... فَلَسْتُ أرى حُبّاً صحيحاً مسلّما
(2/779)

فقال له أبو العباس: لِمَ تفتخر عليَّ؟ لو شئتُ أيضا أنا لقلت:
ومطاعمٍ للشَّهْدِ مِنْ نغَماتِهِ ... قَد بِثُّ أمنعُه لَذيذ سِنَاتِه
صَبّاً بِحُسْنِ حَديثه وكلامه ... وأكرّرُ اللّحظاتِ في وَجناته
حتى إذا ما الصُّبحُ لاحَ عَمُودُهُ ... ولّى بخاتم رَبّه وَبَراتِهِ
فقال أبو بكر: يُحْفَظ عليه ما قال، حتى يقيم شاهِدَيْ عَدْل، على أنه ولى بخاتم ربِّه. فقال له أبو
العباس: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك:
أُنَزّه في روض المحاسن مُقْلتي
فضحك الوزير أبو الحسن، وقال: لقد جمعتما ظَرفا ولُطفا.
قال: وكان القاضي شريح بن الحارث رحمه الله من كبار التابعين والفضلاء، والمتورعين والعلماء
المتقدمين. استقضاه عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم،
ومعاوية رحمه الله. فكانت مدة ولايته القضاء ستين سنة. وكان ذا فطنة، وذكاء وعقل، وأعلم الناس
بالقضاء. وكانت زوجه زينب امرأة من بني تميم. وكان يحبها حباً شديداً. فأخذها ذات يوم في شيء
غاظه، وعتب عليها فيه، واشتد احتدامه حتى ضربها بالسوط. فلما عاين حالها ندم على ضربها،
ورقّ لها، وبكى شفقا عليها ثم قال:
رأيت رِجالاً يضربون نِسَاءهُمْ ... فَشُلَّتْ يميني يَوْمَ أضْرِبُزينبَا
(2/780)

أَأَضْرِبُها في غير ذنب أتتْ بهِ ... فما العدلُ مني ضربُ مَنْ ليسَ مُذْنِبَا
فزَينبُ شَمْسٌ والنساءُ كَواكبٌ ... إذا طلَعَتْ لم تُبقِ مِنْهُنَّ كوْكَبَا
وهذا البيت الثالث لفظ النابغة حيث يقول:
أَلَمْ تَرَ أنّ الله أعْطاك سَوْرَةً ... تَرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
بِأنكَ شمسٌ والملوكُ كواكبٌ ... إذا طلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنهنّ كَوْكَبُ
ومن هذا المعنى جرى المثل في قولهم: (السراج لا يضيء بالنهار).
ومنه أخذ إبراهيم بن العباس قوله:
مَا كُنْتُ فيهن إلا كنْتَ واسطة ... وكُنَّ دُونكَ يُمْناها ويُسْراها
واليه أشار بشار في قوله:
ولكن جواري الحيّ اذ كنتِ فِيهِمُ ... قباحٌ فلمّا غِبْتِ صِرْنَ مِلاحَا
ولبعض شعراء (كندة) في معنى قول النابغة
(2/781)

يمدح عمرو بن هند:
تَكَاد تَمِيدُ الأرضُ بالنّاسِ أنْ رَأَوْا ... لعمرو بن هندٍ غَضْبَةً وَهْوَ عاتب
هُوَ الشّمْسُ وَافَتْ يومَ سعدٍ فَأَفْضَلَتْ ... على كُلِّ ضَوْءٍ والملوكُ كواكبُ
وأخذه نصيب فقال:
هو البدرُ والنّاسُ الكواكبُ حَوْلَه ... وهَلْ تُشْبِهُ البدْرَ المضيء الكواكبُ
وإلى هذا المعنى أشار أبو تمام الطائي في قوله:
وَقالتْ أتَنسَى البَدْرَ قُلْتُ تجلدا ... إذا الشَّمْسُ لم تَغْرُبْ فلا طلع البدْرُ
قال أبو اسحاق:
ولا شك في أنّ الصَّالحين، مالِكُون لِشَهَوَاتِهِم، مُرَاقِبُون الله تعالى في خَلَواتِهِمْ، مُتَيقِّنُون أن الله عز
وجل مُجَازيهمْ على أعمالهم. فلا يخطر نَزْغُ الشيطان ببالهم.
ومن هذا المعنى يقول أحد البلغاء منهم، أظنه نابغة بني شيبان:
إِنَّ من يركب الفواحش سرّاً ... حين يَخْلو بفعله غير خالي
(2/782)

كيف يخلو وعنده كاتباه ... شاهداه وربنا ذو الجلال
وقال الآخر:
إذا ما خَلَوْتَ الدهرَ يوماً ... خَلوتَ ولكنْ قُلْ عَلَيَّ رقيبُ
ولا تَحْسَبَنّ اللهَ يغفل ساعة ... ولا أَن ما يخْفَى عليه يَغيبُ
وقال الآخر في المعنى:
ياراكبَ الذّنب أما تستحي ... الله في الخُلوة رَائِيكَا
غَرَّكَ منْ ربّك إمهاله ... وَسَتْرُهُ طول مَسَاويكَا
وقد قال الله في كتابه العزيز المنير (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ). فالعَبْدُ الوَرِع الدَّيَّان، يخاف من عقاب الرحمان، يخشى الله
تعالى في غيبة الناس عنه، أشد من خشيته، إذا شاهدوه وتدانوا منه.
وأثبت هنا من كلامهم في معنى العَفَاف، قطعاَ من النَّظْم السري، واللفظ الأدبي؛ ضَمَّنُوها معنى
العفاف، وأباحوا اللَّثْم والارتشاف، تَعَلُّلاً للنفوس الصَّادِية والمُهَج، ولم يروا في ذلك من بأْسٍ وَلا
حَرَج.
فمنها قطعة للأديب الكامل أبي الوليد بن حزم يقول فيها:
(2/783)

وكَمْ ليلة كادَ المنى يَسْتَفِزُّني ... ولا رِقْبَةٍ دون الأمَاني ولا سَتْرُ
وفي ساعدي بدرٌ على غُصن بانةٍ ... يَودّ مكاني بين لبّاتِه البَدْرُ
وفي لحْظِهِ كالسُّكْر لا مِنْ مُدَامةٍ ... ولولا اعتراضُ الشكِّ قُلتُ هو السكْرُ
وقد سلَبتْهُ الراحُ سَورة كبْره ... وَمَالَ على عطفيه وانقطع العُدْر
وبين ضُلُوعي، يعلمُ الله، حَاجةٌ ... طواها عفافي لا كما زعم الغَيْرُ
فَلَمْ يكُ الا ما أباحَ لي التُّقى ... ولم يبق إلا أن يحلّ لي الخمرُ
وقال أبو الوليد أيضا:
وكم ليلةٍ ظافرت في ظلها المنى ... وقد طَرفَتْ من أعين الرُّقَباءِ
وفي ساعدي حُلْوُ الشَّمائل مترفٌ ... لعوبٌ بِيَأسي تارة ورجائي
أُطارِحُهُ حُلْوَ العتابِ وربما ... تَغَاضَبَ فاسْتَرضَيته بِبُكَائِي
وفي لحظه من سورة الكأسِ فَتْرَةٌ ... تَمُتُّ إلى ألحاظه بِوَلاءِ
وقد عابَثَتْهُ الرَّاحُ حتَّى رَمَتْ به ... لَقى بين ثِنْيَي بُرْدَتِي وَرِدَائِي
على حاجةٍ في النفسِ لو شِئْتُ نِلْتُهَا ... ولكن حمتني عِفَّتِي وَحَيَائِي
وقال أبو الحجاج الرمادي:
ولَيلةٍ راقبتُ فيها الهوى ... على رقيبٍ غير وسْنانِ
والرّاحُ ما تنزل من راحتي ... وقتاً ومن راحة نُدْمَاني
(2/784)

وَرُبَّ يومٍ قَيْظُه مُنضِجٌ ... كأنه أحشاءُ ظَمآنِ
أَبْرزَ في خدًَّيه لي رَشحَهُ ... طَلاً على وَردٍ وَسَوْسَانِ
وكان في تحليل أَزْرارِه ... أَقْودَ لي منْ أَلِف شَيْطانِ
فُتِّحت الجنَّةُ من جَيْبه ... فَبِتّ في دَعوة رِضوانِ
مُرُوَّةٌ في الحبِّ تنهى بأنْ ... يُجَاهَرَ اللَّهُ بعصيان
وقال أيضا:
لَيَالِيَ بِعْتُ العاذلينَ أمانتي ... بفتكي وَوَلّيْتُ الوشاة آذَانِي
وإذ لي نَدْمَانان سَاقٍ وَقينة ... رشيقان بالأرواحِ يَمْتزجانِ
أَمدّ الى الطّاوُوس في تارةٍ يدي ... وفي تارَةٍ آوي إلى الورشان
فكُنْتُ أديرُ الكأسَ حتّى أراهما ... يميلان من سُكْرٍ ويعتدلان
ونفضي إلى نومٍ فإن كُنتَ جاهلاً ... مكاني فَوُسْطَى العقد كانَ مكاني
فكانا لما في الجسم من رقَّةِ الضَّنَى ... يكادانِ عند الضَّمِّ يَلتقيان
فَلَو تُبصِرُ المضنى وبدراهُ حَولهُ ... لقُلْتَ السُّها من حَوْله القمران
وما بِيَ فخرٌ بالفُجُور وإنما ... نَصيبُ فجوري الرشْفُ والشفتان
وما أبدع قول البحتري في هذا المعنى حيث يقول:
بَاتَ نَديماً لي حتّى الصَّبَاحْ ... أغيدَ مجدول مكانِ الوشاحْ
(2/785)

كأنَّما يَضحكُ عَنْ لُؤْلؤٍ ... منضدٍ أوْ بَرَدٍ أو أَقَاحْ
تَحْسَبُهُ نًَشْوَانَ مَهْمَا رَنَا ... لِلْفَتْر منْ أجفانِهِ وهو صاحْ
بِتُ أفدِّيهِ ولا أرعوي ... لِنهي نَاهٍ عنهُ ولَحْي لاَحْ
أَمْزُجُ كأسي بِجَنَا رِيقِهِ ... وإنما أَمْزُجُ راحاً بِرَاحْ
يُسَاقَطُ الوَرْدُ عَلَيْنا وقد ... تَبَلَّجَ الصُّبْحَ نسيمُ الرِّياحْ
أغضيتُ عن بعض الذي وقد يُتَّقَى ... من حرج في حُبِّه أَو يُباحْ
سِحْرُ العُيُونِ النُّجْلِ مُسْتَهْلِكٌ ... لُبِّي وتَوْرِيدُ الخدود المِلاَحْ
ومثل هذا في الحسن وتضمين المعنى قول أبي جعفر بن الأبار:
عاطيته كأساً كأنَّ سُلافها ... مِنْ رِيقه المعْسُولِ أووَجَنَاتِه
حتّى إذا ما السُّكْرُ مالَ بِعِطْفه ... وَعَنَا بِحُكْمِ الوَصْلِ في نشواتِهِ
هَصَرَتْ يَدِي منهُ بِغُصْنٍ ناعم ... لمْ أَجْنِ غَيرَ الحِلِّ منْ ثَمَرَاتِهَ
وأَطَعْتُ سلطانَ العَفافِ تكَرُّماً ... والمَرْءُ مجبولٌ على عاداتِهِ
ومثله أيضا قول ابن فرج الجَيَّانِي:
وطائِعةِ الوِصَالِ عَفَفْتُ عَنْها ... ومَا الشيطانُ فيها بِالمُطَاعِ
(2/786)

بَدَتْ في الليل سافرةً فَهانتْ ... دَياجي اللّيل سافِرةَ القِناعِ
ومَا مِنْ لحظَةٍ إلا وَفيها ... إلى فِتَنِ القُلُوبِ لها دَوَاعي
فَمَلكْت الهَوى جمحاتِ شوْقي ... لأجْريَ في الَعَفَافِ على طِبَاعي
وبِتُّ بِها مَبيتَ السَّقْبِ يَظْمَا ... فَيَمْنَعُه الكَعَامُ عَنِ الرَّضَاعِ
كذاكَ الرَّوْضُ ما فيه لمثلي ... سِوَى نَظرٍ وشمٍّ منْ مَتَاعِ
ولستُ من السُّوائِمِ مُهْمَلاَتٍ ... فأَتَّخِذَ الرِّياضَ منَ المرَاعِي
وفي هذا المعنى الشريف، يقول أبو الحسن الحُصْري الكفيف:
قَالَتْ وَهَبْتكَ مُهْجتي فَخُذْ ... وَدَعِ الفِراش ونَمْ على فَخِذِي
وثَنَتْ إلى مِثْلِ الكَثيبِ يَدي ... فَأَجَبتُها نِعْمَ الأريكةُ ذي
وهَمَمْتُ لكن قال لي أَدَبي ... بالله منْ شَيْطانِك اتَّعِذِ
قَالَتْ عَفَفْتَ فَعِفْتَ قُلتُ لها ... مُذْ شِئْتُ بِاللَّذَّاتِ لَمْ أَلُذِ
وفي هذا المعنى يقول الأديب أبو جعفر الأعمى التطيلي من قصيدة له:
فَلَو تراني قد اسْتَسْلَمتُ مُرتَقباً ... مِنْها حنانَ الرضى أو جَفوةَ الغَضَبِ
حتّى إذا ما ألانَتْ تلك جانبها ... والقلبُ مهما أرُمْ تَسكينَه يَجِبِ
(2/787)

طَفقتُ أَلثمُ كفّيْها وقد جنحت ... إِليَّ تَضحكُ بين العُجْب والعَجَبِ
ثم افترقنا وقد ساءت حَفائظنا ... إن اجْتَمَعْنا ولم نَأثمْ ولم نحب
لله مِثليَ ما أدنى سَجيتَه ... من المعالي وأَنآها من الرِّيَبِ
كَمْ مأثمٍ مُستلذٍ قد هَمَمْتُ به ... فلم يَدعني له ديني ولا حَسَبِي
وقد كرّر أبو جعفر هذا المعنى أيضا حيث يقول:
سَرَتْ وَقَدْ وَقَعَ السّاري بجانبه ... والشمسُ تَضْربُ دُهْمَ اللّيل بالبلقِ
بَدْرٌ لمُلتَمِسٍ، غُصنٌ لِمُعْتَنِقٍ ... خَمرٌ لمغتَبقٍ، مِسْكٌ لمُنَتِشِقِ
وَأَقْبَلَتْ تَحسبُ الظّلْمَاءَ تَكْتُمها ... وقَدْرَمَتْها نُجُومُ الليل بالحَدَقِ
والصُّبْحُ يَقْدَحُ في الظلماءِ نائرةً ... كأنها نفْثةُ المصدُورِ عنْ حَنَقِ
والشرق يَفْهَقُ والآفاقُ وَاردةٌ ... وأَنْجُمُ الليلِ قد أَيْقَنّ بِالغَرقِ
كأنَّما الروضُ أهْداها وَشِيعَهَا ... فاستصحبت لمةً من طيب العَبَق
تَتَوَّجَتْ بِالدُّجى فَالشَّعْرُ مِنْ غَسَقٍ ... والخدُّ من شَفَقٍ والثّغر من فَلَقِ
أَلْهُو بِمِسْكِ شَذَاها لا أُحَاوِلُ مَا ... وَرَاءَ ذاكَ وَلَوْ حَاوَلْتُ لَمْ أُطِقِ
فَبِتُّ أَحْسِبُ أنِّي قَد طرقتُ بِها ... رَوْضاً شَمَمْتُ لها طيباً ولم أَذُقِ
وعلى هذا الروي أثبت هنا لأبي الحسن بن الزقاق بعض قصيدة له:
زارتك من رقْبةِ الواشي على فَرَق ... حتى تبدَّى وميضُ المرهَفِ الذَّلِق
(2/788)

فخفّض الجَأشُ منها أن ملك يَدي ... نهر يَغَصُّ به الواشون مِنْ شَرَق
سكَّنتها بعدما جالت مدامِعُها ... بِمُقْلَتيها فِرنْداً في ظُبا الحَدَقِ
فَأَقبلتْ بينَ صَمْتٍ مِنْ خَلاخِلها ... وبين نطق وشاح جَائلٍقَلقِ
وأَرسَلَتْ منْ مُثنَّى فرعِها غَسَقا ... في ليلةٍ أَرسلتْ فرعاً من الغَسَقِ
تبدو هلالا وَيبْدو حَليُها شُهُباً ... فما تُفَرِّقُ بين الأَرْضِ والأُفقِ
غازلتُها والدُّجَى الغربيبُ قد خُلعَتْ ... منهُ على وَجْنتيها حلة الشَّفقِ
حتى تقلص ظلُّ الليل وانفجرتْ ... للْفَجْر فيه يَنَابيع من الفلقِ
فودعت وعيونُ المزنِ تُسعده ... عند الفراقِ بِدمعٍ واكفٍ غدق
وقال أبو الحسن أيضا:
مُذْرَقَّ الصُّبْحُ رَاقني الغَسَقُ ... أْحْسَن حَالِي في الدُّجَى الأَرَقُ
قدْ ذَهَبَتْ دولةُ العِتَابِ وَقَدْ ... جاءتْ خُيُولُ الأَعْتابِ تَسْتَبقُ
وأَشْرَقَ الدَّهْرُ حِينَ أَسْفَر مِنْ ... أُمِّ سُلَيْمان خَدّها الشَّرِقُ
جَاريةٌ: بَعضُها، إِذا بَرَزَتْ ... ضَوْءُ صَبَاحٍ، وبَعْضُها غَسَقُ
إنْ وَصَلَتْ فالسُّرُور متَّصلٌ ... أَوْ فَارقَتْ فالعَزَاءُ مُفْتَرقُ
مَمْشُوقَةٌ القَدِّ بِتُّ مُعْتَنِقاً ... لَهَا، وبَعْضُ الغُصُونِ يَعْتَنِقُ
(2/789)

لَمْيَاءُ تَأْسُو ببردِ ريقَتها ... ما أثرت في فؤادي الحدقُ
أَرشفُ منْها مُقَبِّلاً رَتْلاً ... كأَنَّ ماءَ الكُرُومِ أَغْتَبِقُ
عَايَنْتُ مِنْ خَصْرِ المهفهف مَا ... أَخْبَر عنهُ وِشَاحُها القَلِقُ
وَذُقْتُ منْ ثَغْرها المنظم ما ... حدَّث عنه مِسْواكُها العَبِقُ
تقُولُ لي موهناً وقد عَلِمَتْ ... أَنَّ فؤادي منْ هَجْرهَا فَرِقُ
لا تَخَف الكاشحين إنْ نَطقُوا ... فيك بِمَيْنٍ وَهَبْهُمُ صَدَقُوا
أنت من القلب بالسوادِ فَثِق ... بِحَبْل مَنْ بِالوُشاةِ لا يَثِقُ
فَبِتُّ أنهى الهمومَ عن خَلَدي ... بِلَثْمِ خَدٍّ كأَنَّهُ شَفَقُ
في جُنْح ليلٍ يكاد يحسدهُ ... في حسْنِه أَو ضِيَائِه الفَلَقُ
أَطلع بَدْري وَبدر غَيْهبه ... فاستوت الأرضُ فيه والأفقُ
قوله: راقَني الغَسَقُ أي: أعجبني. تقول: راقني الشيء ويرُوقني روقا: إذا أعجبك.
قال العُتبيّ: ذكر أعرابي امرأة فقال: تَبْسمُ عن حُمْش اللّثات كأَقاح النبات، فالسعيدُ من ذاقه، والشقي
من راقه. أي من أعجبه ولم ينله. وقال ذو الرمة:
وسَاعَفَتُ حَاجَاتِ الغَوَاني وَرَاقني ... عَلَى البُخْلِ رَقْرَاقَاتُهُنَّ البلائحُ
وقوله: (لمياء) يريد أن لها لَثّةً لَمْيَاء. واللَّمَى: سُمْرَةٌ تضرب إلى السَّواد،
(2/790)

وليست بحمراء وهي الحُوَّةُ، والحُمَّةُ. ولَثَّةٌ حَوَّاء وحَمَّاء. ويكون اللَّمَى أيضا في الشفتين؛ فإذا كان فيهما فهو سُمْرة تخالطها
حُمْرة. وقال ذو الرمة:
لَمْيَاءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ
وقد شرحنا هذا البيت في مكانه، من الجزء الثاني من هذا المجموع، ونبهنا على معناه البديع.
وقوله:
أَرْشُفُ منها مُقَبَّلاً رَتلاً
.....................
يعني؛ فما حسن الثغر مليح الصفة معجبا لمن رآه؛ وإنما يوصف بالرَّتَلِ: الكلامُ السَّهْلُ السَّالمُ من
التَّقْعير، الحَسَنُ التَّأليف. يقال:
تَرتَّلْ في كَلاَمِكَ: أي حُسْنُه وسهله في بيان. وقال امرؤ القيس:
رَاعَتْ فُؤَادكَ إذْ عَرَضْتَ لها ... بدلالِها وَكَلامِها الرَّتْلِ
وقال أيضا:
مُبَتَّلَةٌ هيْفَاءُ زان حَديثها ... بَهَاءٌ وَتَأْييدُ الخَطِيب المرتلِ
(2/791)

فاستعار أبو الحسن الرَّتْل للفم؛ إذ الكلام منه يبين.
وقال بعض المتأخرين:
ألا حبَّذا خِلٌّ عزيز وَحَبَّذَا ... كلامٌ لبِنتِ السَّالمي رَتِيلُ
وقال أبو الحسن أيضا:
وَمِفْتًَانٍ قتولِ الدلِّ ريّا ... يجاذبُ خَصْرَها ردفٌ رداحُ
سرت إذْ نَامَتِ الرقباءُ نحوي ... ومسكُ الليل تُمريه الرياحُ
وقد غنى الحلِيُّ على طلاها ... بوسواسٍ فجاوبه الوشاحُ
يحاذر من عمود الصبح نوراً ... مخافةً أن يُلِمّ به افتِضَاحُ
فلم أرقبلها والليلُ داجٍ ... صباحاً بات يَذْعَرُه صَبَاحُ
وقال أبو الحسن أيضا رحمه الله:
دَعَوْتُ وراء السِّجْفِ منها جِدايَةً ... مَرَاتِعُهافي أضْلُعٍ وَقُلُوبِ
تُمسِّحُ عَنْ أجْفَانِها سِنَةَ الكَرى ... بِرَاحَةِ فِضيّ البنانِ خضيبِ
فَغَازلتُها والليلُ مُلقٍ جِرانَه ... إلى أن تَمادى نَجْمُهُ لِغُرُوبِ
(2/792)

ونَازَعتُها شًكْوى ألذّ من الكرى ... تُسَكِّنُ من لَذْغٍ بنا وَوَجيبِ
فَيَا ليتَ أنَّ النَّسر قُصَّ جَنَاحُهُ ... وًَيَالَيتَ أَنَّ الصُّبحَ غيْرُ قريبٍ
قوله:
دَعوتُ وراء السَّجفِ منها جِدايةً
فالجداية من أولاد الظباء بمنزلة الجدي من أولاد الغنم. يقال للذكر والأنثى جداية. قاله أبو علي،
وأنشد لِعنترة:
وكَأَنَّمَا التفَتَتْ بِجِيدِ جَدَايَةٍ ... رَشأ مِنَ الغِزْلانِ حُرٍّ أَرثَمِ
وقال أبو جعفر بن الأبار:
وَمُنعَّمٍ غَضِّ القطافْ ... عَذْبِ الغروب للارتشافْ
قد صيغَ من دُرِّ الجَما ... لِ وَصِينَ في صَدَفِ العَفَافْ
وسَقَتْه أنديةُ الشبا ... بِ بمائها حتى أنَافْ
فَتَرَوَّضَتْ منه الريا ... ضُ وسُلِّفَتْ مِنهُ السُّلاَفْ
مَهْما أردتُ وفاقهُ ... يوما تعرّضَ للخِلافْ
لَمَّا تَصَدَّى للصُّدُو ... دِ وَمَالَ نحو الإنحرافْ
هيَّأتُ مِنْ شَرَكي له ... فِعل اللِّطافِ مِن الظِّرافْ
فَسَقَيْتُهُ ماءً بها ... وأدرتُ صافيةَ بِصَافْ
حتّى تَرنَّحَ مَائلاً ... كالغُصن مال بِهِ انعِطَافْ
(2/793)

فوردتُ جَنَّةَ نَحْره ... وَنَعيمُها داني القِطافْ
وضَممتُ نَاعِمَ قَدِّهِ ... ضَمّ المضاف إلى المضافْ
فورِعْتُ في حين الجَنَى ... وكفَفْتُ عن فرق الكَفافْ
وَعَصِيتُ سلطانَ الهوى ... وأَطَعتُ سُلطانَ العَفَافْ
وقال أبو جعفر أيضا وأحسن:
لم تدرِ ما خَلَّدَتْ عَيْناكَ في خَلَدي ... من الغَرامِ وَلا ما كابدْت كبدي
أفديك من زائرٍ رَامَ الدنُوَّ فَلم ... يَسْطِعْهُ من غرق في الدَّمْعِ مُتّقد
خَافَ العُيونَ فوَافاني عًَلَى عًَجَل ... مُعطّلاَ جيدَهُ إلا مِنَ الغَيَدِ
عاطَيْتُهُ الكأسَ فاستحيتْ مُدامتها ... من ذلك الشَّنَبِ المعسولِ والبَرَدِ
حتّى إذا غازلَتْ أجفانَهُ سِنةٌ ... وَصَيَّرَتْهُ يد الصَّهْبَاءِ طَوْعَ يَدي
أردت توسيدهُ خَدِّي وَقَلَّ لهُ ... فقال كفُّكَ عندي أفضلُ الوُسُدِ
فَبَاتًَ في حَرَمٍ لا غَدْرَ يَذْعَرُهُ ... وبِتُّ ظَمآنَ ولم أصدُرْ ولمْ أرِد
بَدرٌ ألَمّ وبدرُ التّمِّ ممتحقٌ ... والأفق مُحْلَوْلِكُ الأرْجاء من حسد
تَحيّر الليل فيه أين مطلعه ... أمادرى الليلُ أنَّ البدرَ في عضدي
وتروى هذه القطعة لادريس بن اليماني، وهي لمن كانت منهما، بديعة
(2/794)

متقنة في معناها، رفيعة مزجت من العفاف، بعذوبة وحلاوة، ولاح عليها من الإبداع نضارة وطلاوة.
وقوله في أول القطعة: (ولا ما كابدت كبدي). يقال منه: كَابَدَ يُكابِدُ مُكَابَدَةً. والكَبَد: المشقّةُ والشدة.
قال الله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ). قال ابن عباس: معناه في شدة من حمله وولادته، ورضاعته ونبت أسنانه، وقيل:
يُكَابِدُ أمر الدنيا والآخرة. وهذا قول قتادة، ومعناه ما ذكرنا. وقال الشاعر:
لَقيتُهُمْ والمنايا غَيْرُ دافِعَةٍ ... لما أمرت به والمُلْتَقَى كَبَدُ
أي شديد، ويقال للخصوم: إنهم لفي كَبَدٍ من أمرهم، وبعضهم يُكَابِدُ بعضا. والرجل يُكَابِدُ الليل، إذا
بات ساهراً مغموما.
قال الشاعر:
أُكَابِدُ هَذا اللّيل حَتَّى كأنما ... عَلَى نجمه أَلاَّ يَغُورَ يَمِينُ
وتقول: كابَدْت الليل بِكَابِدٍ شديد؛ أي بِمُكَابَدَة شديدة، قال العجاج:
وَلَيْلَةٍ من اللّيالي مَرَّتِ ... كَابَدْتُهَا بكابِدٍ وَجَرَّتِ
(2/795)

وقال لبيد:
عينيّ هَلاَّ بَكيتِ أرْبَدَ إِذْ ... قُمْنَا وقام النِّساءُ في كَبَد
ويروى (وقام الخصوم في كبد) أي؛ في حزن شديد ومشقة. وأنشد الأصمعي لبعض الخوارج:
أَلاَ في اللَّه لاَ في النَّفسِ شالت ... بِداوُدٍ وأسرته الجُذُوعُ
إِذَا ما اللّيْل أظلمَ كابدوهُ ... فَأَسْفَر عَنْهُمُ وهمُ رُكُوعُ
أطارَ الخوف نومَهم فقاموا ... وأهلُ الأمْنِ في الدنيا هُجُوعُ
وحكى بعض الرواة، قال: خرج ذو الرمة، ومزاحم العقيلي من (الجفر) وأخرجا معهما روايا
لأهلهما، وكانوا (بالدّهْناء). فجن عليهما الليل، فباتا الى رجل من بني عدي، يقال له جزء بن عبد
الله. فلما كان في وسط الليل، أخذ ذو الرمة وجع في بطنه، فمات منه قبل أن يصبح. فخرج
(2/796)

جزء بالروايا حين أصبح، فطرق أهلهما عند العتمة، فنعاه اليهم، فقال مسعود أخو ذو الرمة:
نعى لي جزء ذا الرميمة موْهنا ... فبتُّ بِلَيْل إذْ نَعَاه أكابدُه
ألا سَوفَ أَبْكي ذا الرميمة حِقبة ... كَمَا لَوْبي الأولى بَكَتْنِي أَوَابِدُهْ
إلى الله أشكو لا إلى النَّاس آنني ... ولَيْلَى كانا موجعٌ مات وَاجِدُهُ
غَصصْتُ بِرِيقي حين جَاءَ نَعِيُّهُ ... وَمَا المَاءُ حتى حَرَّ في الصَّدْرِ بَارِدُه
قول مسعود:
ألا سوف أبكي ذا الرميمة حقبةً
كقول لبيد يخاطب ابنتيه:
إلى الحول ثُمَّ اسمُ السَّلاَمِ عليكما ... وَمَنْ يَبْكِ حَولا كامِلاً فقد اعْتَذَرْ
وأخذه أبو تمام الطائي فقال:
ظَعَنوا فكان بُكَايَ حَوْلاً بَعْدَهُم ... ثُمَّ ارعَوَيْتُ وذاكَ حُكْمُ لبيدِ
وفي حديث حذيفة بن اليماني فيما روى محمد بن قيس عن عمرو ابن مرة، قال: قال قوم لحذيفة:
إن خيارنا قوم يكابدون هذا الليل؛ فاذا
(2/797)

نعِسَ أحدهم، ربط جوزه إلى سماء البيت، ثم قام يصلي فقال:
حذيفة: قبَّح اللَه قوما أولئك خيارهم. خياركم من لم يترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه. وهذا الذي
قال حذيفة، هو قول النبي عليه السلام إلا أنه جاء على التقديم والتأخير.
ومنه قول عبد الله بن عمر (احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لأخراك كأنك تموت غدا).
والحرث والاحتراث؛ اصلاح المال وتثميره. وفي كتاب (الشهاب) للقضاعي: "أصلحوا دنياكم
واعملوا لأخراكم".
وقد نظم أبو القاسم الألبيري في هذا المعنى قوله، حيث يقول:
المالُ ذلٌّ وذُلٌّ ... ألا يرَى لكَ مالُ
فاحرصْ كَأنك باقٍ ... فما لِذي الفقْرِ حالُ
واقْنع فإنكَ فانٍ ... غداً فكلٌ مُحالُ
وقوله: (ربط جَوْزه إلى سماء البيت)؛ أي وسطه. جَوْزُ كل شيء وسطه. والجميع أجْواز. قال
الشاعر:
(2/798)

باتَتْ تَنُوشُ الحوض نوشاً من عَلا ... نَوشاً به تقْطع أجْوازَ الفَلاَ
أي أوساطها. والنَّوْشُ: التَّنَاوُلُ.
قال يعقوب: يقال نَاشَ فلانٌ فلانا ليأخذ برأسه، ونَهَشَ إلى فلان ليأخذ برأسه. وهما سواء.
ومثله أيضا: التَْناوُشُ. يقال تَنَاوَشَ القوم: إذا تناول بعضهم بعضا في القتال، وهي المُنَاوَشَة
والمُهَاوَشَة.
في حديث قيس بن عاصم فيما روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عنه قال: "إذا متّ فَغَيِّبُوا قبري
عن بكر بن وائل، فإني كنت أُناوِشُهُم". أو قال (أهاوشهم في الجاهلية) وحقيقة المعنى في الهَوَشِ؛
الفَسادُ والاخْتِلاطُ.
قاله أبو سليمان الخطابي. ومنه هَوشاتُ الشوق. ومن المناوشة، قوله تعالى (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) وقرئ هذا الحرف
بالهمز، ويترك الهمز. قرأه نافع بن أبي عامر اليحصبي، وحفص عن عاصم ويعقوب بن خليفة
الأعشى،
(2/799)

ويعقوب بن اسحاق الحضرمي بغير همز،. جعلوه مشتقا من ناشَ يَنوشُ؛ إذا تناول. قال الشاعر:
كغزلان خذلن لجذع نخل ... تَنُشْنَ الدَّانِيَاتِ من الغُصُونِ
وقرأه أبو عمرو. وحمزة والكسائي، وأبو بكر بن عياش عن عاصم بالهمز وتحتمل قراءتهم وجهين:
أحدهما: أن يكون من التَّناوُل كالقراءة الأولى. فلما انضمت الواو جاز همزها، كقولهم: أَدْوُرٌ في
جمع دار.
والوجه الثاني: أن يكون معناه: التَّأخُّر والرَّجُوع.
ومن ذلك قول الشاعر:
تَمَنَّى أنْ تَؤُوبَ إِلَيَّ ميّ ... وليسَ إلى تَناوُشِها سبيلُ
أي: إلى رجوعها. وقال الآخر:
(2/800)

تَمَنَّى نئيشاً أن يكونَ أطاعني ... وقد حدثتْ بعْدَ الأمورِ أُمورُ
وقرأت في (النوادر) لأبي علي قول أم ضيغم البلوية في معنى العفاف:
وبِتْنا فُوَيْق الحيِّ لا نحنُ منهم ... ولا نحنُ بالأعداء مختلطان
وبتنا يقينا ساقطَ الطَّلِّ والنَّدى ... من الليل بُرْدا يُمنة عِطرَانِ
نغذ بذكر الله في ذات بيننا ... إذا كان قلبانا بنا يردان
ونصدر عن زي العفاف وربّما ... نَقَعْنا غليل النفس بالرَّشَفانِ
وقال سعيد بن حميد:
زائرٌ زارَنا على غير وعد ... مُخْطَف الكَشْح مُثْقَلُ الأرْدافِ
غالَبَ الخوف حينَ غالبه الشو ... قُ وأخفى الهوى وليس بخافي
غَضَّ طرفي عنه تُقَى الله واختا ... ر على بَذْلِه بقاء التَّصافي
(2/801)

ثم ولّى والخوف قد هزَّ عِطْفي ... ه ولم يَخْلُ منْ لِباس العفاف
والشَّريف الرضي ممن أوضح معنى العفاف وبيَّنه، وأبدى سره وأعلنه، حيث يقول من أبيات له:
بِتْنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى ... يلفنا الشوق من قَرْنٍ إلى قدمِ
وبات بارقُ ذاكَ الثَّغْرِ يُوضِحُ لي ... مَواقِعَ اللَّثْمِ في داجِ منَ الظُّلَمِ
وباتَت الرِّيح كالغبْرَا تُجاذِبُنا ... على الكثِيبِ فُضولَ الرَّيْطِ واللَّمَمِ
وَأَكْتُمُ الصُّبْح عنها وَهْيَ غافلة ... حتَّى تكلَّمَ عصْفورٌ على علَم
فقُمتُ أنفضُ بُرْداً ما تعلقه ... غيرُ العفاف وراء الغيْبِ والكَرَمِ
قوله:
وباتَ بارق ذاك الثغر
البيت.
كقوله في قطعة أخرى:
أبكى ويبْسِمُ والدُّجَى ما بيننا ... حتَّى أضاء بِثَغْرِهِ ودُمُوعي
وقوله: (وباتت الريح) البيت، كقول ابن المعتز:
والرِّيح تَجذبُ أطراف الرِّداء كما ... أَفْضى الشَّفيقُ إلى تنْبيهِ وَسنانِ
وأخذه ابن نباتة فقال:
(2/802)

إذا ما الصُّبْحُ أسْفَرَ نبَّهَتْني ... جَنُوبٌ مسَّها مَسَّ الشفيقِ
وأخذ بيت الرضي أبو بكر بن عمار فقال:
بحيثُ اتَّخَذْنا الروضَ جاراً يزورنا ... هداياه في أيدي الرِّياحِ النَّواسِمِ
تُبَلِّغُنا أنْفاسُه فنَرُدُّها ... بأعْطَرِ أْنْفاسٍ وَأَذْكى لِناسم
تسير الينا ثمَّ عنَّا كأنها ... حواسدُ تسعى بيننا بالنَّمائم
وقال بعض المتأخرين:
فاجتنَيْنا من المُنى كلَّ غضٍّ ... ووصلنا صَبُوحَنا بالغَبُوقِ
ثُم بِتْنا نُدير كأْسَ الحُمَيَا ... ورِضاباً يُزْري بصرْف الرَّحيقِ
غير أنَّ العَفافَ لم يرضَ خِلاَ ... غيرَ مَصِّ الشفاه والتعنيق
قوله:
وصلنا صبوحنا بالغبوق
فالصَّبوح: شُرْبُ الغداة. والغبوق:
(2/803)

الشُّرْبُ بالعَشِيِّ. وفي نصفِ النَّهَار: القيل. وبين المغرب والعَتَمَةُ الصَّفْحُ والصَّفَحُ بفتح الفاء
وبتسكينها. وفي السَّحَر: الجَاشِرِيَّة. قال الشاعر:
وندّمانٍ يزيد الكأسَ طيباً ... سَقَيْتُ الجاشريَّة أوْ سَقَاني
وهذا الذي قلنا، حكاه أبو العباس المبرد عن البصريين، وحكاه أيضا أبو العباس ثعلب عن الكوفيين،
قالا: وكلُّ شراب يُشْرَبُ في أي زمان كان فهو الصَّفْحُ. يقال: أتاني فصفَحْتُه أي فسقيته. وأتاني
فأصْفَحْتُهُ؛ أي حرمته وزودته. وسلك هذا المعنى المتقدم بَلَدِيُّنا القاضي أبو الحسن بن لبّال فانطبع فيه
حيث قال:
ومُهَفْهَفٍ عَبَثَ الشَّمولُ بِقَدِّه ... عبَثَ الفُتُورِِ بِلَحْظِه الوَسْنانِ
عَضَّتْ خَلاخِلُهُ وَجالَ وشاحُه ... ولَوى مَآزِرَهُ على كُثْبانِ
ما كنتُ أحسبُ قبل رُؤية وجْهِهِ ... أنَّ البُدورَ تدورُُ في الأغصان
غازَلْتُهُ حتَّى بَدالي ثَغْرُهُ ... فحسبْتُهُ دُرَّا على مَرْجانِ
كم ليلةٍ عانَقْتُهُ فكَأنما ... عانقتُ منْ عِطْفَيْهِ غُصْنَ البانِ
(2/804)

يطْغى ويلعبُ تحت عقدِ سواعدي ... كالمُهْرِ يلعبُ حتى ثَنْي عِنانِ
وهذا البيت، مليح المساق، بديع في معنى العناق.
وفي معناه يقول أبو الحسن بن الزقاق:
ومُرْتَجَّةِ الأعطاف أمَّا قوامُها ... فلَدْنٌ وأمّا رِدْفُها فرداحُ
ألمَّت فبات الليلُ من قِصَرٍ بها ... يطيرُ وماغيرُ السُّرُور جَناحُ
فبِتُّ وقدْ زارَتْ بأَنْعَمِ ليلةٍ ... تعانقني حتَّى الصَّباح صَباحُ
على عاتقي منْ ساعديْها حَمائلُ ... وفي خصرها من ساعديَّ وِشاحُ
وهو القائل أيضا في المعنى:
وآنسةٍ زارتْ معَ الليلِ مَضْجَعي ... فعانقتُ غصنَ البانِ منها إلى الفجرِ
أُسائلُها أينَ الوِشاحُ وقد سرَتْ ... مُعَطَّلَةً منه مُعَطَّرة النشْرِ
فقالت وأوْمَتْ للسِّوارِ نَقَلْتُه ... إلى مِعْصَمي لمَّا تقلْقَلَ في خَصري
وأحسن ما أذكر في معنى العناق، قول الشاعر، قرأته في (النوادر) لأبي علي:
خَلَوتُ فنادَمْتُها ساعَةً ... على مثْلِها يحْسُدُ الحاسِدُ
كَأنَّا وثوبُ الدُّجى مُسْبَلٌ ... علينا لمُبْصِرِنا واحدُ
(2/805)

أخذ هذا المعنى عبد الله بن المعتز، فقال:
ما أَقْصَرَ الليلَ على الرَّواقِدِ ... وأهْوَنَ السُّقْمَ على العائدِ
يفديكَ ما أبقيتَ من مُهْجتي ... لسْتُ لِما أوْليتَ بالجاحِدِ
كأنَّني عانقتُ رَيحانةً ... تنَفَّسَتْ في ليْلها الباردِ
فلَوترانا في قميص الدُّجى ... حَسبْتَنا منْ جَسَدٍ واحدِ
وقول علي بن الجهم أيضا في المعنى:
سَقَى اللهُ ليلا ضَمَّنا هَجْعةً ... وأدْنى فُؤاداً من فُؤادٍ مُعَذَّبِ
فبتْنا جميعاً لو تُراقُ زُجاجةٌ ... من الخمر فيما بَيْنَنَا لم تسَرَّبِ
وقرأت في (النوادر) قول علي بن العباس الرومي في المعنى:
أُعانِقُها والنَّفسُ بعدُ مَشُوقَةٌ ... إليها وهَلْ بعدَ العِنَاق تدانِي
وألثمُ فاها كيْ تموتَ حرارتي ... فيشتدُّ ما ألْقى منَ الهَيَمانِ
وَلَمْ يَكُ مِقْدَارُ الذي بي من الجوى ... ليشفيَه ما ترشُفُ الشَّفتانِ
كأنَّ فؤادي ليس يَشْفِي غليله ... سوى أنْ يرى الرُّوحَيْنِ يَمتزجانِ
وقال القاضي أبو الحسن رحمه الله:
(2/806)

ألَمَّتْ وما غيرُ الوِشاح وشاحُ ... ولا غيرُ أطرافِ الثُّدِيِّ رِماحُ
ولا غيرُ ما فوقَ الروادفِ بانةٌ ... ولا غيرُ ما فوقَ الجُيُوبِ صَباحُ
ولا وَرْدَ إلاَّ ما حَوتْ وجناتُها ... ولا غيرَ منظومِ الثُّغورِ أقاحُ
فبِتْنا وما تحتَ الوِشاحِ مُحَرَّمٌ ... علينا وما فوقَ الوِشاحِ مُباحُ
وكان القاضي أبو الحسن رحمه الله للعلياء سِمَاكاً وسُها، تتيه بمفاخره (شريش) على (حمص)
وَتَزْهَى، وكانت له سجايا أعذب من الرَّشفات، وأحلى من النمير والفرات، مبرأة من السهو، منزهة
من التكبر والزهو.
غذَّته الأصالة بزلالها؛ ورفَّته العفة تحت ظلالها، فرقى من المعالي أعلى هضابها، وبذَّ أتراب الإنابة
وجميع أربابِها، لم تعرف له قط صبوة؛ ولا خطت قدماه في زلة خطوة. أعفّ الناس باطنا وظاهرا؛
وأطهرهم أردانا ومآزرا. حامل فقه وآداب؛ متفننا في اللغات والإعراب. جليل المقدار؛ سليم الإعلان
والإسرار، عدلاً في أحكامه؛ جزًلا في نقضه وإِبرامه. محلّى بالسكينة والوقار؛ معلما بِسِيمَا الأخيار
والأبرار، ملتزماً للتواضع والتأنيس؛ برّا بالرَّائِد والجليس، ومهابة الحال، والصواب في المقال. وليَ
القضاء، وهو كاره لخِطته؛ خائف من وطأته، إبقاء منه على صيانته، وحفظا لديانته. وفي ذلك يقول:
كنت مذ كنت خائفاً ... أنْ ألِي خُطَّةَ القضا
لم أُرِدْها وإنَّما ... ساقها نَحْوِيَّ القضا
مع أنه كان - رحمه الله - قاصداً قصد المتورعين؛ سالكاً منهج المشرعين، عارفا بالأحكام
وحقائقها؛ حافظا لجلائلها ودقائقها، جاريا في
(2/807)

أحكامه على السنن القويم؛ سالكا لمنهج الشرع المستقيم.
صادق اللهجة؛ ساطع شهاب المقالة والحجة، مشكورا بكل لسان؛ مجيبا إلى كل ناء ودانٍ. تلوح أنوار
البر على أفعاله؛ وَيُقْتَدَى بصالح أعماله. وكان له نَظم كانتظام الجواهر، وابتسام الأزاهر. وله في
ميدان الكلام المطبوع سبْقٌ وظهور، وتصرُّفه في سُهُوله وحُزُونِه مشهور، وقد أثْبَتُّ في هذا
المجموع، ما ترتشفُه الأنفس الصَّادية ماءً نميراً، وتتخذه الآذانُ سميراً، ويملأ القلوب سرورا،
والعيونَ مهجة ونورا.
وله قصائد سلطانيات، ومقاطع إخوانيات، ومزدوجات من النظم والنثر مطبوعات، في أوصاف
شتى ومعانٍ مختلفات. طابَ نشرها، وفاحَ عنبرها. أشهر من الفجر إذا تمكَّن الإسفار، وأنور من
البدر ليلة الإبدار.
فمن ذلك قوله يخاطب بعض إخوانه، وهو الأديب الكاتب أبو الوليد يونس ابن محمد القسطلي:
ياخليليَّ بالرِّكابِ سُحَيراً ... عَرِّجَا بالجزيرة الخضراءِ
حيث هزَّ الغدِير عِطْفَيْهِ ... مما أفْلَتَتْهُ أناملُ الحصباءِ
وانْبَرَى يستحيلُ بين شواطِي ... هِ زُلالاً منْ دُرَّةٍ بيضاءِ
(2/808)

ووَشى القطرُ جانبيه فباهَى ... بأزاهِيره نجومَ السَّماءِ
وانْثَنى مِعْطَفُ القضيبِ اخْتِيَالاً ... لغناءِ الحَمامةِ الورْقاءِ
وتراءَى أبو الوليد فخرَّتْ ... لِسَنَاهُ كواكبُ الجوزاءِ
ورَقَى رتبةَ الوزارَةِ حتَّى ... حلَّ تاجاً بِمَفْرِقِ الوزراء
فهنيئا لك الجزيرةُ ماذا ... حُزْت منه من السَّنا والسَّنَاءِ
فاحفظيه من الحوادث حتَّى ... تنجلي بيننا وجوهُ اللقاء
وقال أيضا يخاطب الفقيه القاضي ابن أخيل:
سائِلْ بغُرته الهلالَ المُقْمِرَا ... أَشَذىً تفاوحَ عَرْفُه أم عنْبَرَا
وسَلِ البَرَاعةَ في أنامِلِ كَفِّهِ ... شذْراً يصوغُ بطِرسه أم جَوْهَرَا
أم حالتِ القِرطاسُ كافوراً بها ... فسرَتْ تَمُجُّ عليه مسكا أذْفَرَا
أم صدْرُ غانيةٍ تمزَّقَ جيبُها ... فغَدَتْ تحوكُ الوَشْيَ فيه مُصَوَّرا
ولعلَّها رأتِ الوشيجَ لدى الوَغَى ... فحكتْ لراحته الوشيجَ الأسْمَرا
يامَنْ تََخَيَّلَ من كتابة أخْيَلٍ ... ... تَدَرْهَمَ نوره وتَدَنَّرَا
هلاَّ حسبت به السماء صحيفةً ... والليلَ حِبْراً والكواكبَ أسْطُرَا
قاضٍ أتى والحقُّ غُصْنٌ ذابِلٌ ... فسقاه ماء العدْلِ حتَى أثْمَرا
(2/809)

وقال يخاطب الأديب أبا العباس أحمد بن سَيِّد:
يا سيدي والزمانُ يَبْلَى ... وعَهْدُ وُدِّي لكمْ جَدِيدُ
إنْ فرَّقتْ بيننا اللَّيالي ... فوُدُّكُمْ في الحَشَا عتيدُ
وكتب إلى الحجاج صحبة الفقيه أبي بكر بن عبد الله بن حَبَاسَة الشريشي:
متَى أقولُ وقد كلَّتْ ركائبُنا ... من السُّرى وارتكاب البيدِ في البُكَرِِ
يانائمين على الأكوارِ ويْحكمْ ... شدُّوا المطي بذكر الله في السَّحَرِ
أما سَمِعْتُم بِحادينا وقد سَجَعتْ ... وُرْقُ الحمائم فوق الأيْك والسَّمُر
هذي البشائِرُ يا حُجّاج قد وجبتْ ... غداً تحطُّونَ بينَ الرُّكْنِ والحجَرِِ
وقال أيضا، وكتب بها إلى حمص، وقد حنَّ إلى أحبَّائه ومَعاهده، في ظلالِ أَمْنِها مع إخوانه
وأصحابه، وزمان جادَ له بالآمال، ولأيَّامهِ غُرَرٌ وحُجُول، تروقُ العيونَ في البُكر والآصال:
سلامٌ على حِمْصٍ وإنْ غيَّر البِلَى ... معَاهِدَ منها نِلتُ فيها الأمانيا
وحُقَّ لَهَامِنِّي السَّلامُ لأنَّني ... وردتُ بها ماء الشبيبَةِ صافيا
وفي وجَناتِ الدَّهْرِ إذْ ذاكَ رونقٌ ... كما رونَقَ الصَّقْلُ الحُسامَ اليمانيَا
(2/810)

وقال أيضا:
إذا أبْصَرَ المحزونُ أرضَ شُذُونَةٍ ... وحسْنَ محيَّاها أفاقَ منَ الحزْنِِ
كأنَّ على غيَطانِها ومُتُونِها ... دَبابِيجَ خُضْراً أحْكمتْها يدُ المُزْنِ
مذانِبُ تنْدى في مُرُوجٍ كأنها ... عِذَارٌ بِخَدَّيْ ذي جمالٍ وذي حُسْنِ
وفي هذا المعنى، من مدح المواطن، والثناء على مبهج الأقطار الأريضَةِ والأماكن كما يثني على
إخوان المودة والتصافي. قول معاصره ومراسله أبي عبد الله الرصافي، حيث يقول:
كم للصُّدُورِ بِبَرجَهْ ... من انفِساحِ وفُرْجَهْ
قُطْرٌ عليه ضمانٌ ... منْ حيثُ ما يُتَوَجَّه
إنْ يَبْسُطِ النَّفْسَ أُنْساً ... ويَمْلإ العينَ بَهّجَهْ
وقول أبي عبد الله الرصافي أيضا:
(2/811)

خَلِيليَّ ما للرِّيحِ قدْ عَبَقَتْ نَشْرَا ... وما لِرُؤُوسِ الرَّكْبِ قدْ رُنِّحَتْ سُكْرَا
هلِ المسكُ مفتُوقاً بِمَدْرَجَةِ الصَّبا ... أمِ القومُ أجْروا منْ بَلَنسيةٍذِكْرَا
خليليَّ عُوجابي قليلا فإنَّه ... حديثٌ كبرْدِ الماء في الكبدِ الحرَّى
قِفا غيرَ مَأموريْن ولْتَصْدَيَا بها ... على ثقةٍ للمُزْنِ فاسْتَسْقيا القَطْرا
بجسر معانٍ والرُّصافة إنَّهُ ... على القطْر أنْ يَسْقِيَ الرُّصافة والقُطْرا
بلادي التي ريشَتْ قُوَيْدِمَتي بها ... فُرَيْخاً وآوَتْني قرارتها وكْراَ
ومنها:
وقالُوا هلِ الفِرْدَوسُ ما قدْ وَصَفْتَهُ ... فقُلْتُ وما الفِرْدَوْسُ في الجنَّة الأخرى
بَلَنْسِيَةٌ تلكَ الزَّبَرجَدَةُ التي ... تسيلُ عليها كلُّ لُؤْلُؤَةٍ نَهْراَ
هيَ الدُّرَّةُ البيْضاء من حيثُ جِئْتَها ... أضاءتْ ومنْ للدُّرِّ أنْ يُشْبِهَ البَدْرَا
خَليليَّ إن أصدر إليها فإنَّها ... هِيَ الوَطَنُ المحبُوبُ أوْ طَنْتها الصَّدْراَ
(2/812)

ولَمْ أطْوِ عنها الخَطْوَ هجراً لها إذَنْ ... فلا لثَمَتْ نعْلي مناكِبَها الخَضْرا
ولكنَّ إجْلالاً لِتُربتها التي ... تضُمُّ فتاها النَّدْبَ أوْ كَهْلَها الحرَّا
أكارِمُ عاثَ الدَّهْرُ ما شاءَ فيهِمُ ... فبادَتْ لياليهم فهل أشتكي الدَّهْرا
تقَضَّوْا فمن نجمٍ هُنالك ساقطٍ ... أَبى الله أنْ يرْعى السًّمَاكَ أو النَّسْرا
والقصيد كبير. وقد أثبت منه ما فيه منشرح للصدر.
وقال أبو عبد الله أيضا:
ولا كالرصافة من منزلٍ ... سقتها الغمائمُ صوْبَ الولِي
أحنُّ إليها ومن لي بها ... وأين السريُّ من المَوْصلِ
وفي بلنسية يقول الكاتب أبو نصر مثنياً عليها ومتشوقا إليها:
سَقى الله عهْداً سالفاً ومودعاً ... أسالَ فُؤادي في المحاجِر أدْمُعَا
وحَادَكَ يا روضاً من المُزْنِ واكفاً ... لِتُبْصِرَ عيني منْ نَبَاتكَ مُمْرِعَا
وخَصَّ بسُقْياهُ بلنسيةَ المُنى ... وحيَّى مُراداً للأماني ومُرْبِعا
معاهدُ عادتْ للجَنائِب ملعباً ... وكانتْ مَقيلاً للسُّرورِ ومربعا
زَمَانٌ بنو عبد العزيز وُلاتُها ... وُجُودُهُمْ يحكي السَّحائبَ هُمََّّعا
(2/813)

وقد أرجت منهم وطاب نَسيمها ... كأنَّ فتيق المسك عنهم تَضوَّعا
وقدْ كانَ هذا القَطْرُ أزْهَرَ مبْهَجاً ... ترى الزَّهْر في بَطْحائه متضلعا
فعادَ ذراهُ مُوحشاً بعدَ أُنْسِهِ ... وأَصْبَحَ منْهُمْ خاليَ الرَّبْع بلْقعَا
أطافَ بِهِمْ صرْف الزّمانِ فوَدَّعُوا ... فلا مجْدَ إلاَّ قدْ تَوَلَّى وودَّعا
بكيتُ لهم حتَّى القيامة حسرةً ... وحُقَّ لعيْني أنْ تفيضَ وتَهْمَعا
وقد كمل هذا الغرض في الجزء الثاني من هذا الكتاب ويا بعد ما بينه وبين قول أبي تمام ذي
الاصابة والصواب، في قصيدته الثائية التي ذم في آخرها المنازل المالكية، حيث يقول:
والمالكيةُ لم تكُنْ لي منزلاً ... فمقابِر اللَّذاتِ منْ قُبْراثَا
لمْ آتِها منْ أيِّ وجه جِئتُها ... إلاَّ حَسِبْتُ بُيُوتَها أجْداثا
بَلَدُ الفلاحةِ لو أتاها جرْوَلٌ ... أعني الحطيئة لاغْتدى حرَّاثا
تصدَى لها الأذهان بعد صقالها ... وتَرُد ذكْرَانَ العُقُول إناثا
أرضٌ خلعْتُ اللهو خَلْعي خاتَمي ... فيما وطلَّقْتُ السُّرُورَ ثلاثا
(2/814)

فصل
جملة من شعر القاضي أبي الحسن رحمه الله في أوصاف شتى. قال:
نشَرَتْ ثلاثَ ذوائِبٍ من شَعْرها ... لِتُظلَّني حَذَرَ الوُشاةِ الرُّمَّقِ
فكأَنَّني وكَأَنَّها وكَأَنه ... صبْحانِ باتَا تحت ليلٍ مُطْبِقِ
وقال في معنى العِناق:
لا مِثْلُ ضمِّى عليّاً وهو يُتْحِفُني ... سُلافَةً هيَ بُرْءُ العاشِق الدَّنِفِ
عانقْتُهُ ورِداءُ الوصْلِ يَجْمَعُنا ... حتَّى الصَّباحِ عناقَ اللاَّمِ للأَلِفِ
أخذ هذا من قول الآخر:
يامنْ إذا قرأَ الإنْجِيلَ ظَلَّ لَهُ ... قلْبُ الحنيفِ عن القُرآنِ مُنْصَرِفا
رأيْتُ شخصكَ في نومي يُعانِقُني ... كما يُعانِقُ لامُ الكاتِبِ الألِفا
وقال في الجَلَم:
(2/815)

وَمُعْتَنِقَين ما اتُّهما بِعِشْقٍ ... وإنْ وُصِفَا بضمٍّ واعتناقِ
لعَمْرُ أبيك ما اجتمعا لمعنىً ... سِوى حَالِ القطيعة والفراقِ
وفي الخطَّاف:
أهْلا بِخُطَّافٍ أتانا زائرٍ ... غردٍ يذكِّرُ بالزمان الباسِمِ
لَبِستْ سرابيلَ الصَّباحِ بُطُونُهُ ... وظُهُورُه ثوبَ الظَّلامِ العاتِمِِ
وقال يصف الشيب:
بكَتْ دَمي أنْ رأتْ مشيبي ... يضحكُ في مفْرِقِ الجَبينِ
نَوَّرَ غُصْنَ الشَّبابِ مِنِّي ... هلْ يُنْكَرُ النَّوْرُ في الغصونِ
فقلتُ لا تحزني أُسَيْمَا ... ونَشِّفِي أدْمُعَ الجُفُونِ
كأنه أشار في البيت الثالث إلى قول ابن الرومي، أومأ إليه بالإيماء الخفي:
قدْ يَشيبُ الفتى وليس عجيباً ... أنْ يُرى النورُ في العشيب الرَّطيبِ
وفي هذا المعنى يقول الآخر أيضا:
(2/816)

فلا تُنْكري منهُ المشيبَ فإنَّه ... غُبارُ صروفِ الدَّهْر فوقَ قُرونِهِ
هَبِيهِ كمثل الرَّوْض لمَّا تَأَزَّرَتْ ... رُباهُ، بَدَا نُوارُهُ في غُصُونِهِ
وقال القاضي أيضا:
قَوَّسَ الشِّيبُ قَناتي ... بَعْدَ أنْ كانتْ سَوِيَّهْ
وغدا يَشدُو برَأْسِي ... أنَا عنوانُ المَنِيَّهْ
وقال أيضا في المعنى:
تَعَجَّبَتْ أنْ رأَتْ مَشيبي ... يضحكُ في مفرقي سُمَيَّهْ
لا تعْجَبي فالبياضُ زِِِيٌّ ... مِنْ زِيِّ قوْمي بني أُمَيَّهْ
وقال يصف البدر:
أُنظُرْ إلى البَدْرِ في السماء وقدْ ... حَفَّتْ بحَقْوَيْهِ الأَنْجُمُ الزُّهْرُ
كأَنَّهُ بركةٌ مُفضَّضَةٌ ... حُفَّ بها منْ جَنابِها زهْرُ
وقال أيضا:
يا مَنْ أتَى يَخْرُصُ الزَّيتونَ فارغةً ... ويَستدِلُّ على ما فاتَ بالوَرَقِِ
أتَعْلَمُ الغيبَ دونَ الناسِ كُلِّهمُ ... لا والذي خلق الإنسانَ منْ عَلَق
وإنَّما أتَتْ فيما تَسْتدلُّ بهِ ... كثاقِبِ الدُّر في داجٍ منَ الغسَقِ
فَتُبْ إلي اللهِ واحْذَرْ منْ عواقِبِهِ ... (منْ يَرْكبِ البحرَ لا يَأمَن من الغرقِ)
(2/817)

وسأله سائل عن أكل لحم ابن آدم مَيِّتاً. أيجوز للمضطر إليه أم لا؟ فقال:
وإذا اضْطُرِرتَ لآدمِيٍّ مَيٍّتٍ ... فلْتَهْرَبَنْ منه هُرُوبَ الآبِقِ
فالما لكيُّ يرى سواءً أَكْلُهُ ... مع قتْلِهِ هذا كَلامُ الصَّادِقِ
والشافِعيُّ يرى مباحاً أكْلُهُ ... للبائِس المضطر خِيفة عائقِ
يَعْتاقهُ منْ جُوعهِ فلَرُبَّما ... يغْتالُهُ فيَمُوتُ مِيتَةَ فاسِقِ
وقال أيضا:
هاكَ منِّي بيتا سيَكْثُر إن م ... تُّ على أَلْسُنِ الرُّواة اختلافُهْ
إنَّما تنْظُر العيونُ لِشَخْصيْ ... ن لِمنْ ترتجيه أوْ منْ تَخافُهْ
وقال أيضا: وكلف ذلك في فتى وسيم جزار، كأنه كوكب دريّ من كواكب الأسحار. قد أطلعه
الحُسْنُ شمسا في فلكه؛ وأوْمَأَ كل من رآه اليه بِتَمَلُّكه. لا يَنْفكُّ دمْعُ عاشِقِه عن أنْ يَنْهَلَّ أوْ يَنْسكِب،
ولا قلْبُه عن غرام ونَصَب. يخلط جده باللعب، ويضحك بين العَجَبِ والعُجْب:
يا هِلالا قدْ تَبَدَّى ... فوقَ أَزْرارِ الجُيُوبِ
وقضيباً يَتَثَنى ... فوقَ أحْقافِ الكَثيبِ
كُنْ كمَا شِئْتَ وَدَعْني ... فيكَ منْ قوْلٍ كَذُوبِ
لسْتَ جَزَّاراً ولكنْ ... أنتَ جَزَّارُ القُلوبِ
ولمَّا وَرَدَ عليه الخبرُ بتَأخيره عن القَضاء، واستراحه من أمر وَلْيه، ولم يزل فيه مُبْغِضاً، حَمِدَ الله
سرّا وَجَهْرا، ومَلأَ الأسماع ثناء عليه وشكراً، كأنه كان خائفا مذعورا، فجاءتْهُ بالآمان البُشْرى، أوْ
فقيرا بائسا بالمنزل الرَّحْبِ والقِرى. وسُرَّ
(2/818)

بذلكَ سُرُورَ حاتِم طىء بالضيْف؛ أو العاشِق المهجور
بإلمامِ الطَّيْفِ. فعادَ بعْدَ اكتئابه مُستبشراً جَذِلاً. وأنشأ يقول بِلِسانِ السُّرور مُرْتجلا:
حُملْتُ على القَضاءِ ولمْ أُرِدْهُ ... وكانَ علَيَّ أثْقَلَ منْ ثبيرِِ
فلَمَّا أنْ عُزلْتُ جَعَلْتُ أَشْدُو ... لقدْ أُنْقِذْتُ من شَرٍّ كبيرٍ
وهذا المصراع الثاني من قصيدة مهلهل التي أولها:
أَلَيْلتنا بِذي جُشُمٍ أَنِيري ... إذا أنْتِ انْقَضَيْتِ فلا تَحُوري
وأنْقدني بياض الصبح منها ... لقد أنقذتِ منْ شَرٍّ كبيرٍ
شهدت جنازته - رحمة الله عليه وبركاته - في اليوم الثالث، وهو يوم الثلاثاء من شهر ذي القعدة
سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة وأنا يومئذ غلام يافع بين يَدَيْ أُسْتاذي خاضِع مُتَواضعٌ. مُولَعٌ بالأدَبِ
وجَمالِهِ؛ ومَقْتَبِسٌ أنْوارَ العِلْم منْ رجالِه:
أقُولُ لسَائِلٍ عنِّي مُلِحّ ... طِلابُ العِلْمِ رَيْحاني وراحِي
فخرجت خارج المدينة بعد صلاة العصر، وهي قد ألقت من فيها من أهلِها وساكنيها؛ واجتمع
قاصيها إلى دانيها. والناس بينَ باكٍ ملء عينيه، ومسْتَرجعٍ عاضٍّ على يَدَيْه. وصُلي عليه، ثم دُفِن
الحلمُ والوَرَعُ معه في قبره، وتعطَّلَ جيدُ الزّمانِ منْ نظْمِه ونَثْرِه.
(2/819)

رجع
وحكى محمد بن عرفة عن نفسه قال: دخلتُ على محمد بن داوُود الأصبهاني في مرضِه الَّدي ماتَ
منهُ. فقلت له: كيفَ تَجِدُكَ يا سيدي؟ فقال: حُبُّ منْ تَعْلَم أوْردني ما تَرى. فقلت له: كيفَ بالاستِمتاع
به مع القُدْرة عليه. فقال: الاستمتاع به علي ضربين:
أحدهما: النَّظرُ المُباحُ، والاخر: اللَّذَّةُ المَحْظُورةُ، يَمْنَعْنيها ما حَدَّثَني به أبي، عن أشياخه عن ابن
عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، انه قال: "منْ عَشِقَ فَعَفَّ وَكَتَمَ ومَاتَ فهو شهيد".
وفي الحديث عن أبي سعيد الخدري، انه قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم. (العِشْقُ في
غير ريبَة كَفَّارةٌ للذُّنوبِ).
وكانَ يحي بن معاذ يقول: لو كان لي من الأمر شيء ما عذبت العشاق؛ لان ذنوبهم ذنوب
اضطرار، لا ذنوب اختيار.
وروى عن النبي عليه السلام، قال: "الصبْرُ ثلاثة: صَبْرُكَ عن المَعْصية، وصبْرُكَ علي المُصيبَة،
وصبْرُك على الطََّاعة، فالصبر على المصيبة ثلاث مائة درجة. والصبر على الطاعة ستمائة درجة.
والصبر عن المعصية تسعمائة درجة".
وقيل ان الله تبارك وتعالي يُمَحِّصُ خطايا أهل الهوى، ويكفر سيئاتهم لطول محنتهم، بطول محبتهم.
(2/820)

وفي هذا المعنى قال المؤمل:
يكفي المُحبينَ في الدُّنيا عذابهمُ ... والله لا عذَّبتْهُم بَعْدَها سقرُ
وقال بعض الحكماء: (اغلقْ أبوابَ الشَّهواتِ بأَقْفال الزَّهادةِ، وافتح أبوابَ البِرّ بمفاتيح العبادة؛ فإنَّ
ذلك يُدْنيكَ من السعادة، وتستوجبُ به من الله الزيادة).
وحُكيَ أن رجلا راوَد امرأةً عن نفسها، فقالت له: أما أنّكَ قدْ سَمِعْت الحديث، وقرأت القرآن فأنت
أعلم؟ فقال لها: اغلقي أبواب القصر. فأغلقتها، فدنا منها، فقالت له: بقي بابٌ لم أُغْلِقْهُ. قال: أيُّ بابٍ؟
قالت: البابُ الذي بينكَ وبينَ الله، فزالَ عنها وانْصرفَ.
وحكى أن رجلا من العرب قال: خرجت في طلب ضالَّة، فاذا أنا بجارية كأنها عَلَم، فراوَدْتُها عن
نفسها، فقالت: ويلك. أمالَكَ زاجِرٌ منْ عَقْلٍ، إذْ لمْ يكن لكَ ناهٍ من دينٍ. فقلت لها: والله ما ترانا إلاّ
الكواكبُ. فقالت: فأين مُكَوْكِبُها؟ فوالله، لقد زال بِكَلامِها عن نفسي ما كان خَطَرَ بِها.
وحكي أن رجلا من أهل (البصرة) عَشِقَ جاريةً مملوكة وكان يعْلمُ ذلك، فعاتبها يوما على ذلك،
فقالت له: والله يا مولاي ما كان الاَّ الجميل. ثم انه كَمَن لهما بحيث لمْ يعلمهما، فَسَمِعَهُما يتحدثان
ويتشاكَيان، ثم انتحبَ الرجل مَلِيا، وبكى حُبّاً لها. فقالت له لجارية: أكَلُّ هذا الذي بك من حبِّي؟ فقال:
أيْ والله فقالت: فَلْيَفْرخْ رَوْعك، ولْتَطِبْ نفسُك؛ فإن الله فرَّجَ عنك، فاصنع بي ما شئت، فانه لا مانع
لك. فاشتد بكاؤه، لما سمع قولها
(2/821)

وأنشأ يقول:
أمَّا الحرام فلستُ أركب محرما ... وطِلابُ مِثلك في الحلال شديدُ
إنَّ امرءاً أمسيت مِلك يمينه ... يقْضي عليك بحكمه لَسَعِيدُ
قال: فلما تفرقا من مكانهما، مشي اليه مولاها، وقال له: اني قد وهبت لك فلانة. وسأله عن خبرهما.
فقال له: ما كان بيننا يعلم الله. ألا ما قال الشاعر:
لا والذي تسجد الجِبالُ لهُ ... مَالِي بما تحت ثوبِها خَبَرُ
ولا بِفيها ولا هَمَمْتُ بها ... ما كانَ إلاّ الحديثُ والنظرُ
قال: وأحبَّ رجل امرأة، فأفرط في حبها، فلقيها في بعض الأيام. فأعلمها يذلك، فأخبرته أنَّها تجد بِهِ
أكثر ممَّا يَجدُ بِها. ثمَّ الْتقيا بعد مدّة، فلم يكن بينهما الا ما أحلَّ الله. ثم بقيا على تلك الحال مُدَّةً طويلة،
الى أنْ ماتت المرأة منْ شِدَّة حُبِّ ذلك الفتى. فكان يجيئ إلى قبرها ويُصلِّي عليه. فجاء ذات يوم،
وصلى وَقَعَدَ متفكرا، فغَلَبَتْهُ عيناه وهو قاعدٌ عند القبر، فرآها في منامه. فقال لها؛ كيفَ أنت؟ وما
لَقِيتِ بعد الموت. فقالت: لَقيتُ خيراً وأنشأتْ تقول:
نِعْمَ المحبة يا حَبِّي ونعم هوىً ... حبّ يقود إلى خيرٍ وإحسانِ
(2/822)

فقال: علي ذلك إلى ما صرت إليه. فقالت:
إلى نعيمٍ وخيرٍ لا زوال له ... في جنة الخُلْد مُلكٌ ليس بالفاني
ثم قال لها أذكريني فإنِّي لست أنساك. ثم قالت: لا والله ما أنْساكَ، ولقد سألتُ الله تعالى قُرْبكَ،
فأَعِنِّي على ذلك بالإجْتهاد ثم ولَّتْ عنه. فقال لها: مَتى أراك؟ فقالت له سآتيكَ عن قريب إن شاء الله.
فلمْ يعِشْ الفتى بعد ذلك إلاَّ سبعة أيام ومات يرحمه الله.
قال: ورأيت في كتاب (الأغاني) عن ابراهيم بن عثمان العُذْري، قال: رأيت عمر بن ميسرة، وهو
كهيئة الخيال لا يكلم أحداً. وكان أهله يرون أنه عاشق، فيسألونه عن علته، فيبكي ويقول:
يُسائلُني ذُو اللُّبِّ عنْ أصْل عِلَّتي ... وما أنا بالمُبْدي إلى النَّاس علَّتي
سأكْتُمُها صَبْراً على حرِّ جَمْرِها ... وأسترها إذ كان في السَّتْرِ راحتي
إذا كنتُ قدْ أبْصَرْتُ موضع عِلَّتي ... وكان هَوانيفي مواضِعِ لذتي
صبرتُ على ما بي احتسابا ورغبةً ... ولم أكُ أُحْدُوثاتِ أهلي وَخُلَّتِي
قال: فما ظَهر فحوى أمره، ولا عَلِم أحدٌ بقصته حتى حضره الموت. فقال: إنَّ التي كان بي من
أجْلِها هذا الألمِ، هي فلانة ابنة عمي. والله ما حجَبَني عنها
(2/823)

وألزمني الصبر على الضُّر إلاَّ خوفُ الله تعالى. فمن ابتلى في هذه الدنيا بما ابْتُليتُ به، فلا يكن أحد أوثق عنده بسِرِّه من نفسه. ولولا أن الموت نزل بي هذه الساعة، ما أُعْلِمكم بقصتي، فاقْرؤُوها منِّى السلام. ومات في الحين رحمه الله.
قوله:
سأكتمها صبراً على حرِّ جمرها
كَتْمُ الشيء؛ إخفاؤُه مع الدَّاعي إلى اظهاره. ولا يقال لمن أخفى أمراً لا يدعو إليه داعٍ: كاتِمٌ. ونظيرُ
الكِتْمان؛ الإخْفاء والإسرار.
يقال: كَتَمَ زيدٌ الأمر يكْتُمُهُ كتْماً، واستَكْتَمَه استكتاماً، وكاتَمَهُ مُكَاتَمَةً، وتَكاتَمَ القوم تكتُّماً.
وقال صاحب العين: الكِتْمانُ: نقيض إعلان السِّرِّ.
ورجل مِكْتامُ السِّر؛ إذا كان معروفا بذلك. وناقة كَتُوم؛ وهي التي لا ترْغُو إذا ركبها صاحبها: أي لا
تَصيح. والجميع الكواتم. وإنما تفعل ذلك لصبرها على السَّير، وإنها لا تضْجَرُ منه، ولا تَسِيمُهُ. وقال
الشاعر:
ولم تبق إلاّ كل ادماء حرّة ... كواتم لم تضجر ولم تتبلدِ
والكَاتِمُ من القِسِيِّ: التي لا ترن. والكاتِمُ أيضا: الخارز.
قال الشاعر:
فسالتْ دموعُ العين ثم تحدَّرَتْ ... فلِلّه دمعٌ ساكتٌ ونمُومُ
(2/824)

فما شَبَّهَتْ الاّ مزادة كاتم ... وَهَتْ أوْ وَهى منْ بينهن كتُومُ
فكاتِم بمعنى خارِز، وكَتُوم بمعنى خَرُوز.
وتقول: أكتَمْتُ الرَّجُل؛ إذا وجدْته كاتما لسرِّك. كما تقول: أَحْمَدْتُه. وقال الشاعر:
لأ كتمت عبد الله والله عالِمٌ ... بمُستَوْدَعاتٍ ما لهن كَتومُ
فمعنى أَكْتَمْتُه: وجدته كَاتِما. ومستودعات يعنى: كلمات مستودعات. وقال الشاعر:
لئن كتمت أسماء فينا صنيعة ... فقد تكتم الأرضون والزرع فاسدُ
والكثْمانُ يحسُنُ على أحوال، ويقبح علي أحوال أُخَر. فكتمانُ السِّرِّ الذي تضرُّ إذَاعتُه ضرراً لا
يستحق بجرم، ولا يُقْصَدُ به نفع واجب حسن. وكتمان السر الذي تعتدل فيه الأمور، يَحْسُنُ فِعْلُهُ
وتَرْكُه.
وكِتْمانُ العلم والشهادة قبيح في الجملة.
وفي الحديث عن عبد الرحمان الحُبُلِّي عن عبد الله بن عمر بن العاصي ان رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: "من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار"
(2/825)

وفي الحديث أيضا عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه
وسلم "من سئل عن علم يعلمه فكتم الجم بلجام من نار".
وقيل: من ورَعِ العالم أن يَتَكَلَّم، ومن ورَعِ الجاهل أن يَسْكت.
وعن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم. وتَلا قول الله تبارك وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ). وهذا
تغليظ للحال في كتمان علوم الدين.
وذكر أبو الحسن الرماني في قوله تبارك وتعالى (ويلعنهم اللاعنون) أربعة أقوال:
أولها: أن اللَّاعِنين هم الملائكةُ والمومنون.
وعَزَا هذا القول إلى قتادة والربيع وغيرهما. قال: وهو الاختيار لقوله تعالى في وعيد الكفار (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)
فلعنة الله الكاتمين كلعنة الكافرين.
القول الثاني: قيل اللاَّعنون دواب الأرض وهوامّها يقول: منعنا المطربمعاصي بني آدم. قال: وهو
قول مجاهد وعكرمة. والقائل أن يقول، كيف جاز أن يقال للبهائم وهوام الأرض اللاعنون. وجوابة
أنه لما أضيف إليها
(2/826)

فعل من يعقل، عوملت معاملة من يعقل. كما قال (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ).
القول الثالث: اللاَعنون كل شيء، سوى الثَّقَلَيْن والإنس والجن. كذا روى عن ابن عباس فيما حكاه
الفراء.
القول الرابع: قال ابن مسعود إذا تلاعن المتلاعنان، ويروى الرجلان، رجعت اللعنه على المستحق
لها، فان لم يستحقها أحد منهما، رجعت عى اليهود الذين كتموا ما أنزل الله.
والمعنى بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا).
الآية. في قول أكثر أهل العلم: أهل الكتاب؛ من اليهود والنصارى. قاله ابن عباس ومجاهد والربيع
والحسن وقتادة والسِّدِّي، وجماعة سواهم. وقيل يعني بها كل من كتم ما أنزل الله. وكل من كتم شيئا
من علوم الدين. فالوعيد لازم له، لأنه قد فعل مثل فعل أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
روى عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار، سألوا نفراً من اليهود عمّا في التوراة، فكتموهم اياه،
فكان ذلك من فعلهم سبب نزول الآية. وقيل: نزل هذا الوعيد فيهم. إذ معلوم من حالهم الكتمان.
والكتاب المذكور في الآية. قيل:
(2/827)

هو التوراة والانجيل. وقيل: كل كتاب أنزله الله. وأصل اللَّعْن الابعاد على جهة الطرد.
قال الله سبحانه (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ) أي أبعده الله. فإذا أخبر الله تعالى أنه لعن عبداً فمعناه الاخبار، فإنه أبعده من
رحمته. إذا قيل: لعنه الله، فمعناه الدعاء، كأنه قيل: أبعده الله. ولا يجوز لعن من لا يستحق العقوبة.
إذ اللعن في الحكم؛ الإبعاد من رحمة الله بإيجاب العقوبة. فدبره.
قال الشماخ:
دعوت له القطا ونفيتُ عنهُ ... مَقام الذِّيبِ كالرَّجُلِ اللَّعينِ
أرادَ مَقامَ الذئب اللعين.
والكِتْمانُ؛ اختيارٌ من الكاتِم وقصد، وليس كالنسيان؛ لأن النسيان اضطرارٌ. وتعلّم العلم واجب ثم
العمل به، وهذه الآية التي استقصيت الكلام عليها، مضمنة الزجر عن كتمان علم الدين، والحض
عليه والترغيب فيه، وألزم شيء للعالم، بيان ما يعلمه، وافشاؤه وذكره عند من لم يوته الله منه شيئا
امتثالا لقوله تعالى (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) الآية.
ولقول الرسول عليه السلام لأبي هريرة: "يا أبا هريرة علم الناس القرآن وتعلَّمْه فإنك إنْ مِتَّ وأنتَ
كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق،
(2/828)

وعلم الناس سُنَّتي وان كرهوا الحديث بطوله".
ومن أحسن ما يذكر هنا وألقيه بما ذكرته، حكاية الحسن بن أبي الحسن البصري مع الحجاج بن
يوسف.
حكى عبد الملك بن قريب الأصمعي في أخباره عن أبي نعامة، قال: كنا جلوساً ذات يوم عند الحسن
في المسجد الجامع؛ فإذا الحجاج بن يوسف قد أقبل على برذون أبيض، وحوله شُرْطُه يسعون، حتى
انتهى الى الحَلْقَة، فسلم ثم نزل فجلس بيني وبين الحسن.
قال أبو نُعَامَة: وكان الحسن يحدث حديثا فمضى في حديثه، ولم يقطعه من أجل الحجاج حتى فرغ
منه. ثم أقبل على الحجاج يسائله، فقال الحجاج: أيها الناس. ان هذا الشيخ مبارك معظم لأمر الله جلّ
وعز، عالم بحق أهل القبلة، ناصح لأهل هذي الملة، صاحب استقامة، ونصيحة للعامة. فعليكم بهذا
الشيخ. فألزموه واحضروا مجلسه. فان مجلسه مجلس يعرف فضله، وترتجى عاقبته. فلولا الذي
لزمنا من هذه البلية، وحق الرعية، لأ حببت مشاهدتكم، وحضور شيخكم. ثم نهض فانصرف؛ فما
لبثنا أن جاءت من عنده سفرة عليها أطعمة من كل ضرب. وجاءت أشربة وتحف فوضعت بيننا.
فأكل من أكل، ثم رفع ذلك. وقام شيخ كبير، فاستقبل الحسن بوجهه، فسلم ثم قال: يا أبا سعيد؛ شيخ
كبير من أهل، الديوان، وعطائى حقير زهيد. وانه لما خرج عطائي كلفت فيه فرسا وسلاحا. وما فيه
يحتمل ذلك، ولا فيه فضل من عيالي. وان عليّ لدينا ما أصل إلى الخروج منه. ثم بكى
(2/829)

بكاء شديدا. فرفع الحسن رأسه، فبكى أشد من بكائه، ثم قال: ان سلطاننا هذا أخفر ذمة الله، وتحول عباد الله،
وقتلهم علي الدينار والدرهم، وقطعهم عضوا عضوا. أخذه من كل خبيث، وأنفقه في كل سرف
مضغة قليلة، وندامة طويلة. أما إذا خرج عدوّ الله، فصاحب مراكب رفافه؛ وسرادقات هفافه؛ وإذا
خرج أخوه المسلم فطاويا، راجلا مهموماً، مالهم أراحنا الله منهم.
قال: فسعي هذا إلى الحجاج ووالله ما برحنا، حتى جاء حرسيّان، في أعناقهما سيفان. فقالا للحسن:
أجب الأمير. قال أبو نعامة: فخفنا والله. وكانت مخوفة. فانطلقت معه أنا وثابت حتى دخلنا على
الحجاج، وهو قاعد على سريره، وبيده قضيب يضرب به. والغضب ظاهر في وجهه، فانتهى إليه
الحسن، فسلم ووقف بين يديه. فقال له الحجاج: يا حسن. أنت صاحب الكلمات قبيل. قال: نعم،
أصلح الله الأمير. قال: فنكس الحجاج رأسه، وأطرق طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: أعدهن يا علي.
فاعادهن كلهن، ما أسقط منهنّ واحدة. فأطرق الحجاج أيضا طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: وما دعاك
إلى هذا. قال: ما أخذ الله تبارك وتعالى علينا في كتابه، في قوله (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) قال: وكان الحسن يفسرها:
لتتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل فأطرق أيضا طويلا، ثم رفع رأسه فقال: اذهب أيها الرجل، فتكلم
بما بدا لك، فانما أنت والدٌ في أنفسنا، غير ظنين عندنا ولا متهم؛ بل ناصح لخاصتنا وعامتنا، فليس
مثلك يؤاخذ بقول ما كان؛ لأنك ما تريد إلا خيراً.
قال: فانصرف الحسن - رحمه الله - الى مجلسه. تمت الحكاية.
فهكذا يجب للعالم أن يكون حاله، وتصدق أقواله وأعماله.
(2/830)

قال: وذكر المدائني أن رجلا أحب جارية، فطلب منها قبلة، فأبت عليه، فأنشدها:
سألتُ عَطا المكيَّ هل في تَعانُقٍ ... وقبلةِ مُشتاقِ الفؤادِ جُناحُ
فقال: معاذَ الله أنْ يُذهب التُّقى ... لتخليص أكبادٍ بِهِنَّ جِراحُ
فقالت الجارية: أنت سمعت عطاء. يقول هذا. وسألته عنه فاجابك بهذا. فقال: نعم، فأباحت له ما
طلب. وقالت له: اياك أن تتعدى ما أمرك به عطاء.
قوله: (مَعَاذَ الله)؛ أي أعوذ به معاذاً. والمعاذُ: المَلْجَأُ؛ لأن معنى: أَعُوذُ بِاللَّهِ: أَلْجَأُ إلى الله، وأستعينه
وأستجير به. ومَعَاذ الله منصوب على المصدر، كأنه وضع موضع عوْذاً وعِياذاً وعطاء المكي، هو
عطاء بن أبي رباح يكنى أبا محمد، وكان أسود أعور أفطس، أشل أعرج، ثم عمى يعد ذلك. وكان
أبوه أسود، وأمه سوداء. اسمها بركة. واسم أبي رباح أَسْلَم مولى آل ابن خثيم القرشي الفهري. قاله
البخاري وكان عطاء فصيح اللسان إذا تكلم، يستمع له ويقبل قوله.
وقال اسماعيل بن مسلم: كان عطاء يطيل الصمت؛ فإذا تكلم يخيل الينا أنه يؤيد. وكان من القراء.
سمع ابن عباس، وأبا هريرة، وأبا سعيد، وابن عمر وجابر بن عبد الله. وروى عنه عمرو بن دينار،
وقيس بن
(2/831)

سعد، وحبيب بن ثابث ومالك بن أنس.
وتوفي سنة خمس عشرة ومائة وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وقال يحيى بن معين حج سبعين حجة
وتوفي وله مائة سنة.
فأما عطاء بن يسار مولى ميمونة بنت الحارث، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فمدني ويكنى أبا
محمد أيضا. وقيل أبا عبد الله، وأخوه سليمان بن يسار، وموسى، وعبد الملك، وعبيد الله أيضا
اخوته. وكلهم من أهل الفقه والحديث. أدرك زمان عثمان، وهو صغير. وكان صاحب قصص،
ولأبيه يسار عن رسول الله صلي الله عليه وسلم رواية، وكان عطاء من القراء أيضا. وسمع من أبي
هريرة وابن عمر وقد جاءت عنه روايات عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء. قال محمد بن يحي
بن الحذاء، في كتاب
(2/832)

"التعريف": ولا يعرف له، يعنى عطاء، ادراكهما. وتوفي عبادة سنة أربع
وثلاثين بالرملة من الشام، وهو ابن ثنتين وسبعين سنة. روى عن هشام بن عروة، أنه قال: ما رأيت
قاضيا خيرا من عطاء بن يسار. وقال مالك رحمه الله؛ بلغني أن عطاء كان يلبس ثوبين مصبوغين
بالزعفران. وروى عنه زيد بن أسلم، وعمرو بن دينار وتوفي سنة اثنتين ومائة. وقيل سنة ثلاث.
وقيل توفي سنة أربع وتسعين.
قال محمد بن يحيى: وهذا أقرب للصواب.
وأما عطاء بن السائب بن زيد الثقفي فكوفي، يكنى أبا زيد. أدرك على بن أبي طالب رضي الله
عنه، وروى عنه شُعْبَة بن الحجاج، وأبو بكر بن عياش، وحفص بن سليمان. حدث أبو بكر بن
عياش عنه، قال: مشيت أنا وأبي مع علي بن أبي طالب. فقال عليٌّ لأبي: منْ هذا؟ فقال: ابني.
فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة. فما زلتُ أَتعرَّف الخير.
وكان من القراء أيضا. أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمان السلمي.
وحدَّث قاسم بن أَصْبِغ
(2/833)

البَيَّانِي، عن أحمد بن زهير، عن أبيه عن جرير، عن واصل بن سليم. قال:
صحبتُ عطاء بن السائب في طريق مكة. فكان يقرأ القرآن في ليلتين. وتوفي رحمه الله سنة ست
وثلاثين ومائة.
وأما عطاء بن يزيد الليثي، فمدني ويكنى أبا محمد أيضا. وقيل أبا يزيد سمع أبا أيوب، وتميماً
الداري، وأبا سعيد الخدري، وأبا هريرة. ولم يذكره أبو عمرو في طبقات القراء.
وسمع منه الزهري، وروى مالكَ عن ابن شهاب، عن عطاء، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي
أيوب الأنصاري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث"
فذكر الحديث.
وروى مالك أيضا عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم. قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن".
(2/834)

وتوفي سنة سبع ومائة وهو ابن ثنتين وثمانين سنة وأما عطاء بن عبد الله الخرساني، ويقال عطاء
بن مَيْسَرَة. قاله أبو بكر البزاز وغيره، فهو مولى آل المهلب بن أبي صفرة. ويقال مولى المطلب.
ويكنى أبا عثمان وقيل أبا الوليد وقيل أبا أيوب.
ولد سنة خمسين وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة. وقيل سنة ثلاث وثلاثين ومائة. ودفن ببيت
(المقدس). وقال يحيى بن معين: قد روى مالك عن عطاء الخرساني، وعطاء ثقة، قد رأى ابن عمر
وسمع منه.
وقال عمرو بن علي الفَلاَّس: عطاء ليس به بأس. روى عنه مالك وغيره.
وكان عطاء كثير الجهاد إلى بلاد الروم، وكان يقوم من الليل في بلاد الروم، فينادي في خبائه: يا
يزيد بن يزيد، ويا عبد الرحمان بن يزيد، ويا هشام بن الغاز. ويا فلان ويا فلان، يعنى من كان حوله
ومعه. قوموا. فإن قيام الليل، وصيام النهار، أيسر من مقطعات الحديد، وشراب الصديد، النجا النجا.
(2/835)

قال أبو اسحاق:
قد جئت بهذه الأسماء وبعض أخبارها، وإن لم تكن شرط كتابي تشريفا وتتميماً لفوائده؛ واستعذابا
لمصادره وموارده.
وأرجع إلى اكمال باب الحب، والنهي عن ارتكاب الذَّنْب، واجتنابِ ما فيه سَخْطُ الرَّب.
سُئل أبو هريرة عن تأويل قول الله تبارك وتعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ). فقال: (النظرةُ والغَمْزةُ والقُبْلَةُ والمُباشَرةُ).
وعن ابن عباس؛ ان اللَّمم كل ما دون الزناء، وعنه أيضا أنه قال: والرجل يُلِمُّ بذنب ثم يَتوب.
وقال: ألم تسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:
إنْ تغفر اللهُمَّ تغْفر جَما
وأيُّ عبد لكَ لا أَلَمَّا
(2/836)

والشعر لأبي خراش الهذلي ومعنى ألماَ: أي لم يُلِمَّ بِذَنْبٍ. والعرب تدخل (لا) على الفعل الماضي،
وتقرنها به، فتنوب مناب (لَمْ) إذا قرنت بالفعل المستقبل.
قال الله تبارك وتعالى (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى) أي؛ لم يصدِّق، ولم يصل. يريد فلا صدق بربه ولا صلى له. وقال تعالى
(فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) أي؛ لم يسلك الطريق الذي فيه النجاة. قاله ابن زيد وعن ابن عباس العقبة: جبل في جهنم وقيل:
هو تمثيل معناه: لم يفعل ما أمر به والاقتحام في اللغة: الدخول على شدة وضغط.
وقال ذو الأصبع العَدْوَانِي يخاطب ابن عم له:
لاهِ ابْنُ عمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ ... عنِّي ولا أنتَ دَيَّاني فتَخزُوني
أي لم تفضل عليّ. (فلا) في هذه المواضع كلها بمعنى (لم)؛ لأن (لم) نفيٌ للفعل الماضي. وهو من
عوامل الجزم. والجازم لا يدخل على الفعل الماضي لأنه مبني.
رجع
وعن مجاهد والحسن أنهما قالا في معني الآية (إِلاَّ اللَّمَم). قالا: هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعود.
(2/837)

وعن أبي صالح: اللمم: الزنية ثم يثوب.
وقال بعض أهل العلم: اللمم صغار الذنوب
وقال نفطويه: اللمم: أن يأتي ذنبا لم بكن له بعادة.
وفي الحديث عن الزُّهْري عن سعيد بن المسيب عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم. قال
لها: "يا عائشة إنْ كنتِ ألممتِ بذنْبٍ فاسْتَغْفري الله فإنَّ العبْدَ إذا ألمَّ بذنْبٍ ثمَّ تابَ واستغفرَ الله غَفَر
لَهُ".
وعن ابن عباس وسئل عن الآية (إلاّ اللمم) فقال ألستم أعراباً. أما سمعتم قوله:
وَمَنْ زِيارته لِمَامُ
قال سفيان: يريد قول الشاعر:
بأهلي منْ تَبْغَضُهُ عزيزٌ ... عليَّ ومنْ زيارتُهُ لِمامُ
ويروى تحببه.
ومنْ أُمُسِي وأُصْبحُ لا أراهُ ... ويطْرُقُني إذا هَجَعَ النِّيامُ
أتنْسى إذْ تُودِّعُنا سُلَيْمَى ... بِفَرْعِ بَشَامَةٍ سُقِيَ البَشام
قال: ومثله الإلمام واللَّمة.
حكى أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: يقال: أَلْمَمْتُ به إلْماما. وماأتيته إلاَّ لِماما. وقال
الشاعر:
(2/838)

لئن آثرتْ بالحبِّ أهل بلادها ... على نازِحٍ منْ أرْضِها لا ألُومُهَا
وهلْ يَسْتَوي منْ لا يَرى غيْرَ لَمَّةٍ ... ومنْ هُوَ ثاوٍ عند ليلى مُقيمها
والعرب تقول: ما تأتينا إلاّ لِما ما وإلْماما؛ أي في الحين بعد الحين. وقال الشاعر:
رِياشي منكم وهَوايَ مَعَكُم ... وإنْ كانت زِيارتكم لِمامَا
وقال جرير:
كِلاَ يَوْمَيْ أُمامَةَ يومُ صدّ ... وَإنْ لم تَأْتنا إلاَّ لِمَاما
وعن الحميدي عن سفيان عن أبي حُسَيْن: اللِّمَامُ: الفينة بعد الفينة.
قال صاحب العين: الفينة بعد الفينة. يريد الحين بعد الحين. قال: ولا يكون اللَّمم أن يهمَّ ولا يفعل؛
لأن العرب لا تقول: ألمَّ؛ إلاّ إذا فعل الإتيان؛ لا أنه همَّ به ولم يفعله.
قال: واللَّمَمُ في الاستثناء صحيح، لأن الإلمام بالفاحشة فاحشة. فاللَّمَمُ من جنس الفواحش، وهو
مستثنى من جملة الكبائر، وسائر الفواحش. وهو فاحشة مغفورة إذا لم يصرّ عليها فاعلها بدليل قوله:
(إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ). والمغفرة لا تكون إلاَّ عن ذنب.
(2/839)

رجع
ولله درّ القائل:
فيا نفسِ ما لَقيتِ منْ لاعِج الهوى ... ويا قلبِ ما جَرَّتْ عليك النَّواظرُ
ويا عيني مالي ومَالَكِ كلمَا ... هَمَمْتِ بَوَصْلٍ قام لي منك زاجرُ
وان الحجا والصونَ والحِلْم والتُّقى ... لَدَيَّ لِرَبَّاتِ الخُدورِ ضَرائرُ
أقولُ وقدْ نَمَّ الحليُّ بحرْسِه ... علينا ولا حتْ للصباحِ تَباشيرُ
أيا رَبِّ حتَّى الحليّ مما أخافُه ... وحتَّى بياض الصُبح مما أُحاذِرُ
وبِتْنا وباتَ الناسُ ساءتْ ... ظنونُهم وثوبي، ممَّا حرَّم اللهُ، طاهِرُ
قوله: (لربّات الخدور ضرائر). الضرائر: جمع ضَرَّة. ومنه قول امرئ القيس:
عنيفٍ بِتَجْمِيع الضَّرائر فاحِشٍ
وضَرَّةُ الإبْهام: لحمة تحتها، ومثلها ضرّة الضَّرْع. والضَّراء من الضُّرّ. وقومٌ أَضِرَّاء. والضِّرَارُ
مصدر ضارَّة. وفي الحديث (لا ضرَرَ ولا ضِرار). ومنه: الضِّرَارُ: أي الضُرُّ. وإذا أضرَّ بالرجل
المرض قلت: رجل ضرير، وامرأة ضريرة. والضرير: الرّجل الذَّاهب البصر.
والضَّرُورة: اسم لمصدر الاضطرار.
وقال صاحب العين: الضَّرُّ والضُّرُّ لغتان. يعني بفتح الضاء وضمها. فإذا
(2/840)

جمعت بين الضَّرِّ والنَّفع: فتحت الضاد. قال الله تعالى: (قُلْ لا أمْلك لِنَفسي نَفْعاً ولا ضَرَّا).
وقال ابن دريد الضُّرُّ: الهُزالُ بعينه.
وضريرَا الوادي: جانباه وكُلُّ شيء دَنا منك فزاحَمَكَ فقد أضرَّ بك. قال الشاعر:
لأمِّ الأرض وَيْلٌ ما أجنتْ ... بحيث أضرَّ بالحَسَنِ السبيلُ
ونظير الضُرِّ: الأذى والألم. وأصل الباب: الانتقاض؛ لأن الضَّرَرُ انتقاض الحقِّ. والضريرُ البصر
منتقض النور. والضَّرَّتان المرأتان للرجل؛ سميتا بذلك: انتقاض كل واحدة منهما ما كان لضرتها.
لأن ما كان للواحدة صار مقتسماً بين الاثنتين.
وقوله:
أيارَبِّ حتَّى الحليّ مما أخافه
البيت.
أخذه ابن الزقاق، فقال من أبيات له:
وقدْ غَنَّى الحلي على طُلاها ... بِوَسْواسٍ فجاوَبَهُ الوشاحُ
(2/841)

تحاذر منْ عَمود الصُّبحِ نوراً ... مَخافَةَ أن يُلمَّ بنا افتضاح
وفي هذا المعنى من العفاف، يقول بعض أهل العصر من قصيدة له:
كم ليلة بتنا ونحنُ بمعزلٍ ... عنْ كل واشٍ في الهوى يلْحانِي
والليلُ قدْ أرخى السّدول وجنحه ... مذ كان مشتملٌ على الكِتْمانِ
وكواكبُ الآفاق تسري وُقْداً ... والرَّاحُ تُطلعُ أنجُما بِبَنانِي
ومُنادمي عذبُ المراشفِ أحورٌ ... بالأنْس منه وبالوصالِ حَباني
لما رأى ظمئي لخمرةِ ثغره ... مَزَج الكُؤُوسَ بريقه وسَقَانِي
وسَقيتُهُ حتى تمايَل عِطْفُه ... والقدُّ لينا مثل خوطِ البانِ
وتحيرتْ أجفانه وتمكنتْ ... سنَة الكَرى منْ طرفِه الوسْنانِ
وسَّدْتُه عَضُدي وبات مُعانِقي ... وبَرَّدْتُ حرَّ الوجدِ بالرَّشْفانِ
ورغبتُ عن فعل اللئام وعفَتي ... تَنْهَى عن الآثام والعصيانِ
ما نلتُ إلا ما أباحَ لي التقى ... لو حلت الصَّهباءُ للإنْسانِ
في أبيات غير هذه.
وفيما أثبتُّ من الحكايات والأخبار، ورقائق هذه الأشعار، ما فيه المقنع والكفاية. ولا يتسع هذا
الديوان لاستقصاء الغاية. ويجب على كل من ابتلى بالهوى أن يكتم هواه، ولا يبوح به إلي سواه،
وأن يُحذِّر نفسه عواقب ربه، ويشغل بخشيته تعالى شعاب قلبه. ومن ظفر بمن يهوى فليعف،
ويتجنب مالا يحل ويكفّ، ويعلم انّ التقى حبل الله؛ فمن تمسك به عصمه، ومن رغب عنه كبته
وقصمه. والرفيع من رفع نفسه عن الدنيات، والوضيعُ من مال مع النفس
(2/842)

الأمارة بالسوء الى الشهوات.
نسأل الله ربنا أن يعصمنا من الهوى، وأن يحفظنا من المكاره، ويجنبنا البدع والأهواء، ويسلك بنا
المحجة البيضاء، ويمنّ علينا بهداه، ويوفقنا الى ما يحبه ويرضاه، ويعمر قلوبنا بمحبته، ويدخلنا في
رحمته، ويختم لنا بجنته، بطوله وعزَّته.
كمل السفر الأول من النسخة الكبرى من كتاب "كنز الكتاب ومنتخب الآداب" بحمد الله وعونه
والصلاة على سيدنا ومولانا محمد نبيه المصطفى وعلي آله وصحبه وسلم تسليما.
وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر المحرم مفتتح عام ثلاثة وتسعين وتسعمائة عرف الله
بركته وخيره.
(2/843)