Advertisement

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب 001




الكتاب: الاقتضاب في شرح أدب الكتاب
المؤلف: أبو محمد عبد الله بن محمد بن السِّيد البَطَلْيَوسي (المتوفى: 521 ه)
المحقق: الأستاذ مصطفى السقا - الدكتور حامد عبد المجيد
الناشر: مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة
عام النشر: 1996 م
عدد الأجزاء: 3

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الاقتضاب
في شرح أدب الكتاب
لأبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي (444 - 521 ه)
(طبعة مزيدة منقحة)

تحقيق
الأستاذ مصطفى السقا - الدكتور حامد عبد المجيد

مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة
1996
(1/1)

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على نبيه الكريم محمد وعلى آله وسلم تسليماً.
الحمد لله موزع الحمد وملهمه، ومبدع الخلق ومعدمه، وصلى الله على صفوته من بريته، ونقوته من خليقته، وسلم تسليماً.
قال أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي:
غرضي في كتابي هذا، تفسير خطبة الكتاب الموسوم ((بأدب الكتاب)) وذكر أصناف الكتبة ومراتبهم، وجل مما يحتاجون إليه في صناعتهم، ثم الكلام بعد ذلك على نكت من هذا الديوان يجب التنبيه عليها، وإرشاد
(1/27)

قارئه إليها، ثم الكلام على مشكل إعراب أبياته ومعانيها، وذكر ما يحضر لي من أسماء قائليها.
وقد قسمته ثلاثة أجزاء:
الجزء الأول: في شرح الخطبة وما يتعلق بها من ذكر أصناف الكتاب وآلاتهم.
والجزء الثاني: في التنبيه على ما غلط. فيه وضع الكتاب أو الناقلون عنه، وما منع منه وهو جائز.
والجزء الثالث، في شرح أبياته.
وأنا أسال الله عوناً على ما اعتقده وأنويه، وأستوهبه عصمة من الزلل فيما أورده وأحكيه، إنه ولي الفضل ومسديه، لا رب غيره.
قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة:
(أما بعد حمد الله بجميع محامده): أما حرف إخبار، يدخل على الجمل المستأنفة، ويتضمن معنى حرف الشرط، والفعل المشروط له، ولذلك احتاج إلى الجواب بالفاء، كما يجاب الشرط. فإذا قيل لك: أما زيد فمنطلق، فمعناه: مهما يكن من شيء فزيد منطلق. فناب (أما) مناب حرف الشرط الذي هو (مهما)، ومناب الفعل المجزوم به، وما تضمنه من فاعله، فلذلك ظهر بعده الجواب، ولم يظهر الشرط، لقيامه مقامه. وجوابه هاهنا من مدخول الفاء التي في قوله: فإني رأيت.
(1/28)

وقوله: (بعد حمد الله): بعد: ظرف، يعرب إذا أضيف إلى ما يتصل به، فإذا انقطع عن الإضافة، بنى على الضم إن اعتقد فيه التعريف، وأعرب إن أعتقد فيه التنكير. ولا يضاف إلا إلى المفرد، أو ما هو في حكم المفرد. فالمفرد كقولك: جئتك بعد الظهر، وبعد خروج زيد. والذي في حكم المفرد كقولك: جئتك بعد ما خرج زيد، وبعد أن أذن الظهر. فهذا الكلام وإن كان جملة، فهو في تأويل المفرد. ألا ترى أن تأويله، جئتك بعد خروج زيد، وبعد آذان الظهر.
وقوله: (أما بعد حمد الله): بعد: ينتصب هاهنا على وجهين: أحدهما أن يكون العامل فيه ما تضمنته (أما) من معنى الشرط، لأن التقدير والمعنى: مهما يكن من شيء بعد حمد الله. والثاني أن يكون العامل فيه (رأيت) على معنى التقديم والتأخير، كأنه قال: مهما يكن من شيء، فإني رأيت بعد حمد الله. فيكون بمنزلة قوله عز وجل: (فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر). فالعامل في اليتيم والسائل، الفعلان اللذان بعدهما، كأنه قال: مهما يكن من شيء، فلا تقهر اليتيم، ومهما يكن من شيء، فلا تنهر السائل. ولا يصح عندنا نصب اليتيم والسائل، بما تضمنته (أما) من معنى الشرط، كما صح في قوله: (أما بعد حمد الله) لأن المعاني تعمل في الظروف، ولا تعمل في المفعولات الصحاح. فأما إعمال
(1/29)

معنى الشرط في (بعد) فجائز باتفاق. وأما إعمال (رأيت) فيه، فرأى غير متفق عليه، فأبو عثمان المازني لا يجيزه، وحجته، أن خبر إن، لا يعمل فيما قبلها، لأن عامل غير متصرف. فلا يجوز أن يقال: زيداً إنك ضارب، على معنى إنك ضارب زيدا. وكذلك لا يجو عند المازني ومن وافقه، أما زيداً فإنك ضارب.
وكان أبو العباس المبرد يجيز أن يعمل خبر (إن) فيما قبلها مع (أما). ولا يجيزه مع غير (أما). فكان يجيز، أما زيدا فإنك ضارب ولا يجيز، زيداً إنك ضارب.
وكان يزعم أنه مذهب سيبويه. وحجته أن (أما) وضعت في كلام العرب على أن يقدم معها على الفاء، ما كان مؤخرا بعد الفاء، ألا ترى أنك تقول: مهما يكن من شيء فزيد منطلق، فتجد زيداً بعد الفاء، فإذا وضعت (أما) مكان (مهما)، فقلت: أما زيد فمنطلق، وجدت زيداً قد تقدم قبل الفاء. فلما كانت (أما) موضوعة على معنى التقديم والتأخير، جاز معها من التقديم والتأخير ما لم يجز مع غيرها.
ومن الحجة له أيضاً، أنه لو استحال أن يعمل خبر إن فيما قبلها مع
(1/30)

(أما)، لما جاز أن يعمل (ما) بعد الفاء فيما قبلها في قوله {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ}، لأن الفاء موضوعة للإتباع، فهي ترتب الثاني بعد الأول، ولا يجوز لما بعدها أن ينوى به التقديم على ما قبلها. فكما جاز لما بعد الفاء أن يعمل فيما قبلها مع (أما)، كذلك جاز في خبر (إن).
والمازني يفرق بين الفاء وإن، لأن الفاء قد وجدنا ما بعدها يعمل فيما قبلها مع غير (أما) في قولك! زيداً فاضرب، وبعمر فامرر، على ضروب من التأويل. ولم نجد خبر (إن) يعمل فيما قبلها مع غير (أما)، فنقيس (أما) عليه.
ومن النحويين من يجيز أما اليوم فإنك خارج، فيعمل خبر (إن) في اليوم، ولا يجيز أن يقال: أما زيداً فإنك ضارب. وحجته أن الظروف يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها.
وأما سيبويه- رحمه الله- فإنه قال في كتابة قولاً مشكلا، يمكن أن يتأول على مذهب أبي العباس، وهو الأظهر فيه. ويمكن أن يتأول على مذهب المازني.
فإن قال قائل: لأي علة لزم أن يقدم مع (أما) قبل الفاء ما كان مؤخراً بعدها مع (مهما)؟ لأنا نقول: مهما يكن من شيء فعبد الله خارج، ثم يقول: أما عبد الله فخارج، فنجد عبد الله الذي كان مؤخراً بعد الفاء (مع مهما)، لوجب أن يقال: مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم. أو يقال:
(1/31)

مهما يكن من شيء فاليتيم لا تقهر. فلما وضعت (أما) موضع مهما، صار الكلام: فأما اليتيم فلا تقهر، فتقدم اليتيم الذي كان حكمه التأخير؟
فالجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أن (أما) كان القياس أن يظهر بعدها فعل الشرط. كما يظهر مع (مهما). فلما حذف للعلة التي قدمنا ذكرها. قدم بعض الكلام الواقع بعد الفاء ليكون كالعوض عن المحذوف.
والثاني: أن الفاء إنما وضعت في كلام العرب للإتباع أي لتجعل ما بعدها تابعاً لما قبلها. ولم توضع لتكون مستأنفة، والإتباع فيها على ضربين: إما إتباع اسم مفرد، كقولك: قام زيد فعمرو. وإما إتباع جملة لجملة كقولك: قمت وضربت زيداً. فلو قلت: (أما فزيد منطلق)، لوقعت الفاء مستأنفة، ليس قبلها اسم ولا جملة يكون ما بعدهما تابعاً له، إنما قبلها حرف معنى لا يقوم بنفسه، ولا تنعقد به فائدة الاسم، فقالوا: أما زيد فمنطلق، ليكون ما بعدها تابعاً لما قبلها، على أصل موضوعها.
واستيفاء الكلام في هذه المسألة يخرجنا عن غرضنا الذي قصدناه، وليس كتابنا هذا كتاب نحو، فنستوعب فيه هذا الشأن. فمن أراده فليلتمسه في مواضعه إن شاء الله.
قوله (بجميع محامده): ذهب أكثر اللغويين والنحويين إلى أن المحامد جمع (حمد) على غير قياس، كما قالوا المفاقر، جمع فقر، والمذاكر جمع ذكر.
(1/32)

وقال قوم: المحامد: جمع محمدة وهذا هو الوجه عندي، لأن المحمدة قد نطقت بها العرب نثراً ونظماً. قال الأحنف بن قيس ألا أدلكم على المحمدة؟ .... الخلق السجيح والكف عن القبيح وقد قال النحويون: إن الأفعال التي يكون منها الماضي على (فعل) بكسر العين، فقياس (المفعل) منها أن يكون مفتوح العين في المصدر والزمان والمكان، كالمشرب والمعلم والمجهل إلا كلمتين شدتا، وهما المحمدة والمكبر فجاءتا بكسر العين. قال أعشي همدان:
طلبت الصبا إذ علا المكبر ... وشاب القذال فما تقصر

فإذا كانت المحمدة موجودة في كلامهم، مشهورة في استعمالهم، فما الذي يحوجنا إلى أن نجعل المحامد جمع حمد على غير قياس.
قوله: (والثناء عليه بما هو أهله): الثناء ممدود، إذا قدمت الثاء على النون. فإذا قدمت النون على الثاء، قلت: نثا مقصوراً. والغالب على الثناء الممدود أن يستعمل في الخير دون الشر. فأما المقصور فيستعمل في الخير والشر.
(1/33)

وقد جاء الثناء الممدود في الشر إلا أنه قليل، ومحمول على ضرب من التأويل. أنشد أبو عمر المطرز عن ثعلب.
أثنى على بما علمت فإنني ... أثنى عليك بمثل ريح الجورب

وقد يجوز لقائل أن يقول إنما أراد أني أقيم لك الذم مقام الثناء، كما قال تعالى {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. والعذاب ليس ببشارة، إنما تأويله: أقم لهم الإنذار بالعذاب الأليم مقام البشارة. فإذا حمل على هذا التأويل، لم يكن في البيت حجة.
وفعل الثناء الممدود رباعي. يقال: أثنيت إثناء. والاسم: الثناء، كقولك: أعطيت إعطاء، والاسم: العطاء.
وفعل النثا المقصور ثلاتي يقال: نثوت الحديث نثوا: ذكرته ونشرته نثيا. وحكى سيبويه ينثو نثا، بالقصر، وثناء بالمد.
قوله: (والصلاة على رسوله المصطفى): الصلاة منه تعالى: الرحمة. ومن الملائكة: الدعاء. ومن الناس: الدعاء والعمل جميعاً. قال الأعشى:
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضى ... نوماً فإن لجنب المرء مضطجعا
(1/34)

فمرتحل، بفاء الحاء: جمل قد وضع عليه الرحل.
وقال يصف الخمار والخمر.
وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم

والمصطفى: المختار، وهو مفتعل من الصفوة، وهي خيار كل شيء، وأصله مصتفو أبدلوا التاء طاء لتوافق الصاد في الاستعلاء، وتجاوزت الكلمة ثلاثة أحرف، فانقلبت الواو ياء كانقلابها في أغزيت وأعطيت. ثم تحركت الياء وقبلها فتحة، فانقلبت ألفا.
وقوله: (وآله): ذكر أبو جعفر بن النحاس أن (آلا) يضاف إلى الأسماء الظاهرة، ولا يجوز أن يضاف إلى الأسماء المضمرة. فلم يجز أن يقال صلى الله على محمد وآله. قال: وإنما الصواب: (وأهله). وذكر مثل ذلك أبو بكر الزبيدي في كتابه الموضوع في لحن العامة. وهذا مذهب الكسائي. وهو أول من قاله، فاتبعاه على رأيه، وليس بصحيح، لأنه لا قياس له يعضده ولا سماع يؤيده. وقد رواه أبو علي البغدادي عن أبي جعفر بن قتيبة عن أبيه هكذا، ولم ينكره. وروى أبو العباس المبرد في الكامل أن رجلاً من أهل الكتاب، ورد على معاوية، فقال له معاوية: أتجد نعتي في شيء من كتب الله؟ فقال: إي والله، حتى لو كنت في أمة لوضعت عليك يدي
(1/35)

من بينها. قال: فكيف تجدني؟ قال: أجدك أول من يحول الخلافة ملكا، والخشنة لينا. ثم إن ربك من بعدها لغفور رحيم.
قال معاوية: فسرى عني ثم قال: لا تقبل هذا مني ولكن من نفسك، فاختبر هذا الخبر. قال: ثم يكون ماذا؟ قال: لا تقبل هذا مني ولكن من نفسك، فاختبر هذا الخبر. قال: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون منك رجل شراب للخمر، سفاك للدماء، يحتجن الأموال، ويصطنع الرجال، ويجند الجنود، ويبيح حرمة الرسول. قال: ثم ماذا؟ قال: ثم تكون فتنة تتشعب بأقوام حتى يفضى الأمر بها إلى رجل أعرف نعته، يبيع الآخرة الدائمة، بحظ من الدنيا مخسوس، فيجتمع عليه، من آلك، وليس منك، لا يزال لعدوه قاهراً، وعلى من ناوأه ظاهراً، ويكون له قرين مبين لعين. قال: أفتعرفه إن رأينه؟ قال: شد ما، فأراه من بالشام من بنى أمية، فقال ما أراه هاهنا. فوجه به إلى المدينة مع ثقات من رسله، فإذا بعبد الملك بن مروان يسعى مؤتزرا، في يده طائر. فقال للرسول: ها هو ذا. ثم صاح به! إلى أبو من قال: أبو الوليد. قال: يا أبا الوليد. إن بشرتك ببشارة تسرك،
(1/36)

ما تجعل لي؟ قال: وما مقدارها من السرور، حتى نعلم ما مقدارها من الجعل. قال: أن تملك الأرض. قال: مالي من مال. ولكن (أرأيتك) إن تكلفت لك جعلاً، أأنال ذلك قبل وقته. قال: لا. قال: فإن حرمتك، أتؤخره عن وقته؟ قال: لا. قال: فحسبك ما سمعت. هكذا روى أبو العباس وغيره في هذا الخبر (من آلك وليس منك) بإضافة (آل) إلى الكاف. وأبو العباس من أئمة اللغة بالحفظ. والضبط.
وقال أبو علي الدنيوري في كتابه الذي وضعه في إصلاح المنطق. تقول: فلان من آل فلان، وآل أبي فلان. ولا تقل: من آل الكوفة ولكن من أهل الكوفة فإذا كنيت قلت: هو من أهله، ولا تقول: من آله إلا في قلة من الكلام فهذا نص بأنها لغة.
وقد وجدنا مع ذلك (آلاً) في الشعر مضافاً إلى المضمر. قال عبد المطلب حين جاء أبرهة الأشرم لهدم الكعبة.
لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك
لا يعلبن صليبهم ... ومحالهم غدواً محالك
وانصر على آل الصليب ... وعابديه اليوم آلك
(1/37)

يعني قريشاً، لأن العرب كانوا يسمونهم آل الله. لكونهم أهل البيت.
وقال الكميت:
فأبلغ بنى الهندين من آل وائل ... وآل مناة والأقارب آلها
ألوكاً توافى ابني صفية وانتجع ... سواحل دعمي بها ورمالها

وقال خفاف بن ندبة:
أنا الفارس الحامي حقيقة والدي ... وآلي كما تحمي حقيقة آلكا

واختلف الناس في قول الأعشى:
كانت بقية أربع فاعتمتها ... لما رضيت من النجابة آلها

فقال قوم: أراد بآلها: شخصها. وقال آخرون: أراد رهطها.
وكذلك قول مقاس العائدي:
إذا وضع الهزاهز آل قوم ... فزاد الله آلكم ارتفاعا

ميل: أراد بالآل: الأشخاص. وقيل: أراد الأهل. وقد قال أبو الطيب المتنبي، وإن لم يكن حجة في اللغة:
والله يسعد كل يوم جده ... ويزيد من أعدائه في آله
(1/38)

وأبو الطيب وإن كان ممن لا يحتج به في اللغة، فإن في بيته هذا حجة من جهة أخرى. وذلك أن الناس عنوا بانتقاد شعره. وكان في عصره جماعة من اللعويين والنحويين كابن خالويه وابن جنى وغيرهما. وما رأيت منهم أحداً أنكر عليه إضافة (آل) إلى المضمر. وكذلك جميع من تكلم في شعره من الكتاب والشعراء كالوحيد، وابن عباد والحاتمي وابن وكيع، لا أعلم لأحد منهم اعتراضاً في هذا البيت. فدل هذا على أن هذا لم يكن له أصل عندهم، فلذلك لم يتكلموا فيه.
و (آل): أصله أهل. ثم أبدلوا من الهاء همزة، فقيل أأل، ثم أبدل من الهمزة ألف، كراهية لاجتماع همزتين. ودل على ذلك قولهم في تصغيره: أهيل، فردوه إلى أصله.
وحكى الكسسائي في تصغيره أويل. وهذا يوجب أن تكون ألف آل بدلاً من واو، كالألف في باب ودار.
قوله: (عن سبيل الأدب ناكبين): السبيل: الطريق، وهي تذكر وتؤنث. والناكب: العادل. يقال: نكب عن الطريق ينكب نكوبا. وقد قيل: نكب (بكسر الكاف) ينكب نكبا. قال ذو الرمة:
وصوح البقل نأاج تجئ به ... هيف يمانيه في مرها نكب

قوله: (ومن أسمائه متطيرين): يريد أنهم يتشاءمون بالأدب ويجعلونه
(1/39)

حرفة على صاحبه فإذا رأوا متأدباً محروباً، قالوا: أدركته حرفة الأدب. وكذلك قال الشاعر:
ما ازددت من أدى حرفاً أسربه ... إلا تزيدت حرقاً تحته شوم
كذاك من يدعى حذفاً بصنعته ... أنى توجه منها فهو محروم

قوله: (أما الناشئ منهم فراغب عن التعلم): الناشئ: الصغير في أول انبعاثه، وجمعه: نشأة. كما يقال: كافر وكفرة. ويقال: ناشئ ونشأ. كما يقال: حارس وحرس. قال نصيب.
ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النشأ الصغار

وراغب عن التعليم: تارك له. يقال: رغبت عن الشيء: إذا زهدت فيه، ورغبت عن الشيء: إذا حرصت عليه.
قوله: (والشادي تارك للازدياد): الشادي: الذي نال من الأدب طرفا. يقال: شدا يشدوا. ويقال: لطرف كل شيء: شدا، قال الشاعر:
فلو كل في ليلى شدا من خصومة ... للويت أعناق الخصوم الملاويا

والازدياد: افتعال من الزيادة، وأصله: ازتياد، أبدل من التاء دال، لتوافق الزاي في الجهر، طلبا لتشاكل الألفاظ، وهرباً من تنافرها.
قوله: (والمتأدب في عنفوان الشباب ناس أو متناس، ليدخل في
(1/40)

جملة المجدودين ويخرج عن جملة المحدودين). عنفوان الشباب: أوله، وكذلك عنفوان كل شيء والناسي: المطبوع على النسيان. والمتناسي: المتغافل مشتق من قولهم: حددته عن الشيء: إذا منعته من، وكل من منع من شيء فهو حداد. يقال لحاجب السلطان: حداد، لأنه يمنع من الوصول إليه. وكذلك البواب. وسمى الأعشى الخمار حداداً فقال.
فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدادها

وأراد بالمجدودين: أهل الأموال والمراتب العالية في الدنيا. وبالمحدودين: أهل الأدب الذين حدوا عن الرزق: أي منعوا منه. واللام في قوله: ليدخل في جملة المجدودين تسمى لام العلة والسبب كالتي في قولك: جئت لأضرب زيداً. كأنه قيل له: لم جئت؟ أو توقع أن يطالب بالعلة الموجبة لمجيئه فقال: لأضرب زيداً.
يريد أن المتأدب قد اعتد أن أهل الأدب محرومون محارفون عن الرزق، فهو يتناسى الأدب فراراً من أن يدخل في جملتهم فيلحقه من حرفة الأدب ما لحقهم.
قوله: (فالعلماء مغمورون): كان أبو علي يرويه بالراء، وكان ابن القوطية يرويه بالزاي، ولكل واحدة من الروايتين معنى صحيح.
(1/41)

أما من رواه بالراء فهو من قولك: غمره الماء: إذا غطاه: ويقال: رجل مغمور: إذا كان خامل الذكر. يراد أن الخمول قد أخفاه، كما يغمر الماء الشيء فيغيبه. ومن رواه بالزاي فهو من قولك: غمزت الرجل: إذا عبته وطعنت عليه.
يريد أن العلماء يبدعون ويكفرون، وينسب إليهم ما لعلهم براء منه وقد قال علي عليه السلام: الناس أعداء ما جهلوا. وقال الشاعر:
والجاهلون لأهل العلم أعداء
ويروى: أن بعض الجهال شهد على رجل بالزندقة عند بعض الولاة، فقال المشهود عليه: قرره- أصلحك الله على شهادته- فقرره على شهادته، فقال: نعم. أصلحك الله هو قدري مرجئ رافضي، يسب معاوية بن أبي طالب الذي قتل علي بن أبي سفيان. فضحك الوالي وقال: يا بن أخي والله ما أدري على أي شيء أحسدك، أعلى حذقك بالمقالات، أم على علمك بالأنساب، وأبطل شهادته، وأمر بتخلية المشهود عليه.
وقوله: (وبكرة الجهل مقموعون): كرة الجهل: دولته، من قوله تعالى (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) أي الدولة. والكرة أيضاً: (فعلة) من كر عليه في الحرب يكر كراً: إذا حمل عليه.
يريد أن الجهل كر على العلماء، فقمعهم وأذلهم، كما يكر الفارس على قرنه، فيصرعه. ويقال: قمعت الرجل إذا أذللته وصرفته عما يريد.
(1/42)

قوله: (حين خوى نجم الخير): أي سقط. وكانت العرب تنسب الأنواء إلى منازل القمر الثماني والعشرين.
ومعنى النوء: سقوط نجم منها في المغرب مع الفجر وطلوع نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق. وسمى نوءاً إذا سقط الغارب، ناء الطالع ينوء نوءا، وكل ناهض بثقل فقد ناء.
وبعضهم يجعل النوء سقوط. النجم كأنه من الأضداد. وكانوا إذا سقط منها نجم وطلع آخر فحدث عند ذلك مطر أو ريح أو برد أو حر نسبوه إلى الساقط. على أن يسقط الذي بعده. وإذا سقط ولم يكن عند سقوطه مطر ولا ريح ولا برد ولا حر: قالوا: خوى نجم كذا، وأخوى. فضربه بان قتيبة مثلاً لذهاب الخير، كما ضرب كساد السوق مثلاً لزهادة الناس في البر، وإعراضهم عنه.
والأشهر في السوق: التأنيث. وقد حكى فيها التذكير. أنشدنا الفراء:
(1/43)

بسوق كثير ريحة وأعاصيره
وسميت سوقا، لأن الأرزاق تساق إليها. وقيل: سميت سوقاً: لقيام الناس فيها على سوقهم. والبر: الخير والعمل الصالح.
وقوله (وبارت بضائع أهله): البوار: الهلاك. يقال: بار الشيء يبور بوراً وبواراً (بفتح الباء)، فإذا وصفت به، قلت: رجل بور، (بضم الباء) وبائر. قال ابن الزبعري.
يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور

والبضائع: الأموال التي يحملها التجار من بلد إلى بلد للتجارة، واحدتها بضاعة، وقد تكون البضاعة: المال على الإطلاق، واشتقاقها من البضع وهو القطع.
يراد أنها قطعة من المال. فجعل العلم للعالم كالبضاعة للتاجر. يقول: هلكت بضائع العلماء التي استبضعوها من العلم حين لم يجدوا لها طالباً.
وقوله: (وأموال الملوك وقفا على النفوس): كل شيء قصرته على شيء آخر، ولم تجعل له مشاركاً فيه، قيل: إنه وقف عليه. ومنه يقول القائل لصاحبه: مودتي وقف عليك. ومنه قيل لما جعل في سبيل الله تعالى: وقف. يريد
(1/44)

أن الملوك كانوا أجدر الناس في النظر في العلوم لسعة أحوالهم، وهم أزهد الناس فيها، قد جعلوا أموالهم وقفا على نفوسهم، لا يصرفونها إلا فيما يأكلون ويشربون ويركبون وينكحون، لا فضل فيها لغير ذلك.
وقوله: (والجاه الذي هو زكاة الشرف يباع بيع الخلق): يريد أنه مبتذل يناله كل من يريده. والخلق للواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، لأنه يجرى مجرى المصادر. وقد يثنى ويجمع، فيقال: ثياب أخلاق، لأنه يوصف به فيجرى مجرى الأسماء وقد قالوا: ثوب أخلاق، فوصفوا به الواحد. قال الكسائي: أرادوا أن نواحيه أخلاق، فلذلك جمع. قال الراجز
جاء الشتاء وقميصي أخلاق ... شراذم يضحك منها التواق

والتواق: ابنه.
وقوله: (وآضت المروءات): أي رجعت. ومنه قيل: فعل ذلك أيضاً أي فعله عوداً.
وقد اختلف الناس في حقيقة المروءة ما هي؟ وحقيقتها أنها الخصال الجميلة التي يكمل بها المرء، كما يقال: الإنسانية: يراد بها الخصال التي يكمل بها الإنسان. وإلى هذا ذهب أبو بكر ابن القوطية.
(1/45)

وزعم قوم أن المروءة من المرء كالرجولة من الرجل، يريدون أنه مصدر لا فعل له، وهذا غلط، لأنهم قد قالوا: مرء الرجل: إذا حسنت هيئته وعفافه عما لا يحل له. فالمروءة مصدر (مرؤ) بمنزلة السهولة، مصدر سهل والصعوبة مصدر صعب. واشتقاق المروءة من قولهم مرو الطعام ومرئ فهو مرئ: إذا انساغ لآكله، ولم يعد عليه منه ضرر. ومنه يقال: كله هنيئاً مرئيا. فمعنى المروءة: الخصال المحمودة، والأخلاق الجميلة، التي تحبب الإنسان إلى الناس حتى يصير حلواً في نفوسهم، خفيفاً عليهم ..
وقوله: (في زخارف النجد وتشييد البنيان): زخارف: جمع زخرف، وأصله الذهب، ثم سمى كل مزين ومحسن زخرفا. والنجد: ما يزين به البيت من أنواع البسط. والثياب. يقال: نجدت البيت تنجيدا. قال ذو الرمة.
حتى كأن رياض ألقف ألبسها ... من وشى عبقر تجليل وتنجيد

ويقال للذي يفرش البيوت: النجاد والمنجد. ويقال لعصاه التي ينفض بها ثياب: المنجدة. وتشييد البينان: رفعه وإطالته. ويقال: بل هو تجصيصه. ويقال للجص: الشيد. قال الله تعالى: (ولو كنتم في بروج
(1/46)

مشيدة). وقال الشماخ:
لا تحسبني وإن كنت امرأ غمراً ... كحبة الماء بين الصخر والشيد

وقوله: (ولذات النفوس في اصطفاق المزاهر): لذات: مرفوعة بالعطف على المروءات. والمعنى: وآضت لذات النفوس. والاصطفاق: الضرب، وهو افنعال من الصفق، والطاء مبدلة من تاء الافتعال، أبدلت طاء لتوافق الصاد التي قبلها في الاستعمال ويتجانس الصوت ولا يتنافر. والمزهر: عود الغناء.
وقوله: (ومعاطاة الندمان) المعاطاة: المناولة، وهو أن تأخذ منه، ويأخذ منك. والندمان والنديم: سواء، يقال: فلان ندماني وفلان- نديمي. فمن قال ندمان: جمعه على ندامي، مثل سكران وسكارى، ومن قال نديم: قال في الجمع ندماء، مثل ظريف وظرفاء. قال الشاعر:
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم

وقوله: (ونبذت الصنائع، وجهل قدر المعروف، وماتت الخواطر) ونبذت: أي تركت واطرحت. والصنائع: جمع صنيعه، وهي ما اصطنعت إلى الرجل من خير. ويقال: فلان صنيعة لفلان، أي يؤثره ويقربه. ويقال:
(1/47)

قدر وقدر، بسكون الدال وفتحها. والمعروف: اسم واقع على كل فعل قد تعارفه الناس بينهم وألفوه. والخواطر: الأذهان، واحدها: خاطر. وحقيقة الخاطر: ما يخطر ببال الإنسان من خير أو شر.
وقوله: (وزهد في لسان الصدق وعقد الملكوت): لسان الصدق: يستعمل على معنين: أحدهما: قول الحق. والثاني: الثناء الحسن. قال الله تعالى: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) وهو الذي أراده ابن قتيبة بقوله بعد هذا: ويسعده بلسان الصدق في الآخرين.
فأما لسان الصدق المذكور في هذا الموضع، فيحتمل أن يريد به قول الحق، ويحتمل أن يريد أن الناس زهدوا فيما يبقى لهم من الثناء الجميل. وكان الأخفش علي بن سليمان يروى: وعقد الملكوت، بفتح العين، وسكون القاف، يجعله مصدر عقدت عقدا. وكان أبو القاسم الصائغ يرويه بصم العين، وفتح القاف، يجعله جمع عقدة، مثل غرفة وغرف.
وهكذا رواه أبو علي البغدادي وأبو بكر بن القوطية. واسم العقدة في اللغة: الضيعة يشتريها الرجل، ويتخذها أصل مال. يقال: اعتقد الرجل إذا اتخذ أصل مال يتركه لعقبه. ويقال لها أيضاً: نشب، لأنها تمنع
(1/48)

الإنسان الرحيل والانتقال، فلا يبرح. وتسمى أعمال البر والخير عقداً، لأنها ذخائر يجدها الإنسان عند الله تعالى. ويعتقد بها الملك عنده: أي يستوجبه ويناله. والملكوت: الملك. أي زهد الناس في أعمال البر التي ينالونه بها المراتب عند الله تعالى.
وقوله: (فأبعد غايات كاتبنا في كتابته: أن يكون حسن الخط، قويم الحروف). يريد أن الكاتب ينبغي أن تكون له مشاركة في جميع المعارف لأنه يشاهد مجالس الملوك، التي يحضرها خواص الناس وعلماؤهم، ويتحاورون فيها، في أنواع المحاورة، وأصناف المذاكرة. فلشدة زهادة الناس في العلم ورغبتهم عنه، قد صارت غاية الكاتب أن يحسن الخط، ويقيم حروف الكتابة فإذا صار في هذه المرتبة، زها بنفسه، وظن أنه فاق أبناء جنسه.
وقوله: (وأعلى منازل أديبنا أن يقول من الشعر أبياتاً في مدح قينة أو وصف كأس). يريد: أن الأدب له غرضان:
أحدهما: يقال له الغرض الأدني. والثاني: الغرض الأعلى. فالغرض الأدنى أن يحصل للمتأدب بالنظر في الأدب والتمهر فيه قوة يقدر بها على النظم والنثر. والغرض الأعلى: أن يحصل للمتأدب قوة على فهم كتاب الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وصحابته. ويعلم كيف تبنى الألفاظ الواردة
(1/49)

في القرآن والحديث بعضها على بعض، حتى تستنبط منها الأحكام، وتفرع الفروع، وتنتج النتائج، وتقرن القرائن، على ما تقتضيه مباني كلام العرب ومجازاتها، كما يفعل أصحاب الأصول.
وفي الأدب لمن حصل في هذه المرتبة منه أعظم معونة على فهم علم الكلام، وكثير من العلوم النظرية. فقد زهد الناس في علم الأدب، وجهلوا قدر الفائدة الحاصلة منه، حتى ظن المتأدب أن أقصى غاياته أن يقول أبياتاً من الشعر.
والشعر عند العلماء أدنى مراتب الأدب، لأنه باطل يجلى في معرض حق وكذب يصور بصورة صدق. وهذا الذم إنما يتعلق بمن ظن صناعة الشعر غاية الفضل، وأفضل حلى أهل النبل، فأما من كان الشعر بعض حلاه، وكانت له فضائل سواه، ولم يتخذه مكسباً وصناعة، ولم يرضه لنفسه حرفة وبضاعة، فإنه زائد في جلالة قدره، ونباهة ذكره.
(وأبيات): تصغير أبيات. ويروى (أبياتاً) على التكسير. والتصغير هاهنا: أشبه بغرضه الذي قصده، من ذم المتأدبين. والقينة: المغنية. وقد قيل: إنه اسم يقع على كل أمة، مغنية كانت أو غير مغنية. واشتقاقها من قولهم: قنت الشيء وقينته: إذا زينته بأنواع الزينة. واقتانت الروضة: إذا ظهرت فيها أنواع الأزهار. والكأس: الإناء بما فيه من الخمر. ولا يقال للإناء وحده دون خمر كأس، كما لا يقال مائدة حتى لا يكون عليها طعام، وإلا فهي خوان. ولا يقال قلم حتى يكون مبرياً، وإلا فهو قصبة وأنبوب.
(1/50)

وقد حكى يعقوب أنه يقال للإناء وحده كأس. وقوله: (وأرفع درجات لطيفنا: أن يطالع شيئاً من تقويم الكواكب، وينظر في شيء من الفضاء وحد المنطق). يريد باللطيف هاهنا: المتفلسف، سمى لطيفاً للطف نظره، وأنه يتكلم في الأمور الخفية التي تنبو عنها أفهام العامة وكثير من الخاصة. ويعني بالفضاء: الحكم بدلائل النجوم على ما يحدث من الأمور. وحد المنطق: كتاب يتخذه المتفلسف مقدمة للعلوم الفلسفية، كما يتخذ المتأدبون صناعة النحو مقدمة للعلوم الأدبية. وبينة وبين علم النحو مناسبة في بعض أغراضه ومقاصده.
وقوله: (وفلان رقيق): الرقة: ضد الخشونة في كل شيء. هذا أصلها. ثم تستعار، فتستعمل على ثلاث معان:
أحدها: الرحمة والإشفاق: ويقال: رقت له نفسي، يريدون بذلك ذهاب القسوة التي تضاهي الخشونة.
(1/51)

والثانية: حلاوة الشمائل واللياقة. يقال: رجل رقيق الحواشي. يريدون بذلك ذهاب الجفاء والتعجرف عنه.
والثالث: الحسن والجمال. ولذلك قالوا لبائع الخدم: بائع الرقيق. وقد رواه قوم في أدب الكتاب .. وفلان رفيق (بالفاء)، وهو مثل اللطيف. ورأيت قوماً من علماء عصرنا يروونه: (وفلان دقيق)، يذهبون إلى الدقة وهذا خطأ فاحش، لأن العرب لا تقول رجل دقيق إلا للخسيس. وهو ضد قولهم: رجل جليل. ويقولون: فلان أدق من فلان: إذا كان أخس منه. قال الشاعر:
خالي أبو أنس وخال سراتهم ... أوس، فأيهما أدق وألام

فإذا أرادوا دقة الذهن، قالوا: دقيق الذهن فقيدوه بذكر الذهن، ولم يطلقوه. أو قالوا: دقيق النظر، ونحو ذلك مما يبين المراد بالدقة.
وقوله: (فهو يدعوهم الرعاع، والغثاء، والغثر) الرعاع: سقاط الناس وسفلتهم. والرعاع من الطير: كل ما يصاد ولا يصيد. والغثاء: ما يحمله السيل من الزبد. والغثر: الجهال والأغبياء، واحدهم أغثر. ويقال كساء
(1/52)

أغثر وأكسية غثر: إذا كثر صوفها حتى تخش، وتخرج عن الاعتدال. ويقال لسلفة الناس: الغثراء والدهماء. وكل غبرة يخالطها كدر حتى تقارب السواد فهي عثرة.
وقوله: (وهي به أليق): أي ألصق. يقال: هذا الأمر لا يليق بك: أي لا يلصق ولا يتعلق. ومنه اشتقت (ليقة الدواة) لالتصاقها. ومنه قيل: ما لاقني بلد كذا، ولا ألاقني: أي ما أمسكني.
وقوله (الزاري على الإسلام برأيه): الزاري: الطاعن المتنقص. يقال: زريت عليه: إذا عبته وتنقصته. وأزريت به: إذا قصرت.
وثلج اليقين: برده. ويقال: ثلجت نفسي بالشيء: إذا سرت به وسكتت إليه. وإنما سمي السرور بالشيء، والسكون إليه ثلجا، لأن المهتم بالشيء الحزين يجد لوعة في نفسه، وحدة في مزاجه. فإذا ورد عليه ما يسره، ذهبت تلك اللوعة عنه، فلذلك قيل: ثلجت نفسي بكذا، وهو ضد قولهم: احترقت نفسي من كذا والتاعت.
وقوله: (فنصب لذلك): كذا الرواية (بفتح الصاد. وهو من قولهم: نصبت لفلان الشر أي أعددته ليقع فيه ونصبت له الحرب. وأصل ذلك أن الصياد ينصب حبائله للصيد ليقع فيها، فاستعير ذلك في كل من يكيد غيره ليغتره ويوقعه في المكروه.
ومنه سميت الفرقة المبغضة لعلي رضي الله عنه ناصبة.
(1/53)

وتروق: تعجب، وتهول: تفزع. وقوله: (فإذا سمع العمر والحدث الغر قوله (الكون وسمع الكيان): الغمر: الذي لم يجرب الأمور. ويقال رجل غمر (بضم الغين وتسكين الميم) وغمر (بضمهما) وغمر (بفتحهما ومغمر بمعنى واحد. والحدث الغر: الصغير. والكون: خروج الشيء من العدم إلى الوجود. والفساد: خروجه من الوجود إلى العدم وسمع الكيان (بكسر السين): الرواية. ويروي سمع (بفتح السين). فالسمع بالفتح المصدر من سمعت. والسمع بالكسر: الذكر. يقال: ذهب سمعه في الناس ومن روى: (وسمع الكيان) بالكسر، وتوهمه فعلاً ماضياً، ونصب به الكيان فقد أخطأ. إنما هو كتاب له يعرفونه بهذا الاسم.
فمن قال: سمع الكيان (بفتح السين): فمعناه: سماع ما يكون. ومن كسر السين فمعناه ذكر الكيان.
والكمية والكيفية، الكمية: المقادير التي يستفهم عنها بكم. والكيفية: الهيئات والأحوال اللتان يستفهم عنها بكيف.
وكان أبو إسحاق الزجاج يقول: الكمية بتشديد الميم، والقياس التخفيف. وكذلك روى عنه بالتخفيف. ومعنى راعه. أفزعه. ومعنى طالعها: قرأها وأشرف على معانيها. ومعنى (لم يحل بطائل): لم يظفر بمنفعة.
(1/54)

وحقيقة الطائل: أن كل شيء له فضل وشرف على غيره، يتنافس فيه من أجله يقال: رجل طائل وذو طول، قال الطرماح.
لقد زادني حباً لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل

وقوله: (إنما الجوهر يقوم بنفسه) إنما عند البصريين، لها معنيان.
أحدهما: تحقير الشيء وتقليله. والثاني: الاقتصار عليه. فأما احتقار الشيء وتقليه، فكرجل سمعته يزعم أنه يهب الهبات ويواسي الناس بماله، فتقول: إنما وهبت ردهماً، تحتقر ما صنع، ولا تعتده شيئاً.
وأما الاقتصار على الشيء، فنحو رجل سمعته يقول: زيد شجاع وكريم وعالم. فتقول: إنما هو شجاع. أي ليس له من هذه الصفات الثلاث غير الشجاعة.
وتستعمل إنما أيضاً في رد الشيء إلى حقيقته، إذا وصف بصفات لا تليق به، كقوله تعالى: {إنَّما الله إِلهٌ واحِدٌ}. وقوله: {قٌلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}. وهذا راجع إلى معنى الاقتصار. وذكر الكوفيون أنها تستعمل بمعنى النفي واحتجوا بقول الفرزدق:
أنا الضامن الراعي عليهم وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
(1/55)

قالوا معناه: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي.
والذي أراده ابن قتيبة من هذه المعاني الثلاثة ههنا، معنى التحقير والتقليل لأن احتقر ما جاءوا به ولم يره شيئاً. ألا تراه قد قال مع هذين كثير، فجعله كله هذيان. وهذا ظريف جداً. لأنا لا نعلم خلافاً بين المتقدمين والمتأخرين من أصحاب الكلام، أن الجوهري يقوم بنفسه، والعرض لا يقوم بنفسه وكذلك رأس الخط النقط، والنقطة لا تنقسم، كلام صحيح لا مطعن فيه وهذا يدل على أنه كان غير بصير بهذه الصناعة، لأنه عابهم بما هو صحيح، وإن كان ينبغي أن يذكر مذاهبهم المخالفة للحق، المجانية للصدق، كما فعل المتكلمون من أهل ملتنا رحمهم الله.
وقد روى أن الذي دعاه إلى الطعن عليهم في كتابه هذا، أنه كان متهماً بالميل إلى مذاهبهم واعتقادهم. فأراد- رحمه الله- أن ينفي الظنة عن نفسه XXX والطعن عليهم.
والكلام في الجوهر على حقيقته وفي العرض فيه غموض. وأقرب ما يمثل به للمبتدئ بالنظر، أن يقال: الجوهر: هو الجسم، كالإنسان والفرس والحجر ونحو ذلك. وأعراضه: أحواله وصفاته المتعاقبة عليه كالألوان: من بياض وسواد وحمرة وصفرة، والحركات المختلفات من قيام وقعود واضطجاع وجميع ما عدا الجوهر، فاسم العرص واقع عليهم. وإنما مثلنا الجوهر بالجسم دون غيره مما يقع عليه اسم الجوهر، لأن الذين أثبتوا جواهر ليست بأجسام كالعقل والنفس والهيولي والصورة والأبعاد المتجرة من المادة. والنقطة
(1/56)

والجزء الذي لا يتجزأ، ليس يمتنع أحد منهم أن يسمى الجسم جوهراً، فصار الجسم هو الجوهر المتفق عليه، والأشخاص تسمى الجواهر الأول، وأنواعها وأجناسها: الجواهر الثواني. والعرض منه سريع الزوال، لا يوجد زمانين، ومنه ما هو بطئ الزوال عن حامله. ومنه ما لا يفارق حامله إلا بفساده.
وقد ذهب قوم من المتكلمين المتأخرين إلى أن الأعراض كلها لا يجوز أن تبقى زمانين. والنظر في الصحيح من هذين القولين لا يليق ذكره بهذا الموضع.
وقوله: (ورأس الخط النقطة، والنقطة لا تنقسم): النقطة عندهم: عبارة عن نهاية الخط ومنقطعة. ولا يصح أن تنقسم، لأن الانقسام إنما يكون فيما له بعده، والنقطة عارية من الأبعاد الثلاثة. ومنزلة النقطة في صناعة الهندسة منزلة (الوحدة) في صناعة العدد، فكما أن الوحدة ليست عدداً، إنما هي مبدأ للعدد وعلة لوجوده، كذلك النقطة، ليست بعداً ولا عظماً. إنما هي مبدأ للأبعاد والأعظام، وعلة لوجودها. وهذه النقطة يفرض بالوهم أنها أول مراتب وجود الأعظام، ثم لحقها بعد واحد، وهو الطول، فصارت خطأ. ثم لحق الحادث منها بعد آخر، وهو العرض، فصار سطحاً، ثم لحق ذلك بعد ثالث وهو العمق أو السمك، فصار جسماً. فصارت النقطة بهذا الاعتبار مبدأ الخط. والخط مبدأ السطح، والسطح مبدأ الجسم. ثم يكون الانحلال بعكس ما كان عليه التركيب، لأن الجسم ينحل إلى السطح، وينحل السطح إلى الخط، وينحل الخط إلى النقطة.
ومن المتكلمين من يرى أن الجسم ينحل إلى أجزاء لا تتجزأ. ومنهم من
(1/57)

يرى أن الجزء يتجزأ أبداً فلا نهاية. ولهم في ذلك شغب يطول.
وقوله: (والكلام أربعة): أمر، واستخبار، وخبر، ورغبة):
لم يختلف أحد من المتقدمين والمتأخرين في أصول الكلام: أنها ثلاثة: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، ويسمى الفعل كلمة، ويسمى الحرف أداة ورابطاً فأما معاني الكلام الذي يتركب من هذه الأصول، فإن المتقدمين والمتأخرين، قد اختلفوا في أقسامها، كم هي؟ فزعم قوم أنها لا تكاد تنحصر، ولم يتعرضوا لحصرها، وهو رأي النحويين البصريين من أهل زماننا. وزعم قوم أن الكلام كله قسمان: خبر، وغير خبر. وهذا صحيح، ولكن يحتاج كل واحد من هذين القسمين إلى تقسيم آخر.
وزعم آخرون أنها عشرة: نداء، ومسألة، وأمر، وتشفع، وتعجب وقسم، وشرط، وشك، واستفهام.
وزعم آخرون أنها تسعة، وأسقطوا الاستفهام، لأنهم رأوه داخلاً في المسألة.
وزم قوم أنها ثمانية، وأسقطوا التشفع، لأنهم رأوا داخلاً في المسألة كدخول الاستفهام.
(1/58)

وزعم قوم أنها سبعة وأسقطوا (الشك) لأنه من قسم الخبر.
وزعم آخرون أنها ستة، وأسقطوا الشرط، لأنهم رأوه من قسم الخبر.
وكان أبو الحسن الأخفش يرى أنها ستة، وهي عنده: الخبر، والاستخبار والأمر، والنهي، والنداء، والتمني.
وقال قوم هي خمسة: قول جازم، وهو خبر، وأمر، وتضرع، وطلب، ونداء.
وقال جماعة من النحويين: الكلام أربعة: خبر، واستخبار، وطلب، ونداء. فجعلوا الأمر والنهي داخلين تحت الطلب، والتمني داخلاً تحت الخبر.
وقال آخرون، وهم الذين حكى قولهم ابن قتيبة: أقسام الكلام أربعة: أمر، واستخبار، وخبر، ورغبة.
وقال قوم: هي ثلاثة: أمر، واستخبار، وخبر، وجعلوا الرغبة داخلة في الأمر. والكلام في تحقيق هذه الأقوال وتبين الصحيح منها، له موضع غير هذا.
(1/59)

وقوله: (والآن: حد الزمانين: يعنون بالزمانين الماضي والمستقبل ويعنون بالآن، الزمان الحاضر. وسموه حد الزمانين، لأنه يفصل بين الماضي والمستقبل، وهو يستعمل في صناعة الكلام على ضربين: أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز. فالآن الذي يقال على الحقيقة، لا يمكن أن يقع فيه فعل ولا حركة على التمام، لأنه ينقضي أولاً فأول، وليس بثابت. إ نما هو شبيه بالماء السيال الذي يذهب جزءاً بعد جزء. فإن الزمان الذي ينطلق فيه بالجيم من جعفر، لا يلبث حتى يجئ الزمان الذي ينطق فيه بالعين. والزمان الذي ينطق فيه بالعين، لا يلبث حتى يجئ الزمان الذي ينطق فيه بالفاء. بل يذهب كل زمان منه ويعقبه الآخر، فلا يرد الثاني، إلا وقد صار الأول ماضيها. ولهذا جعلوه كالنقطة التي لا بعد لها.
وأنكر قوم وجوده، وقالوا: إ نما الوجود الماضي والمستقبل، وأما الزمان فلا وجود له. وهذا غلط أو مغالطة، لأنه قصر مدته، لا يخرجه عن أن يكون موجوداً، بل هو الموجود على الحقيقة، ولو لم يوجد (زمان حاضر) لما كان شيء موجوداً، لأن وجود الأشياء مرتبط بوجود الزمان. فلا يصح أن يوجد شيء من الأجرام في غير زمان. وإنما شرطنا الأجرام، لأن الأشياء
(1/60)

المعقولة، التي لا تقع تحت الحواس، وليست بأجرام لا توصف بالوقوع تحت الزمان، وإنما توصف بأنها واقعة تحت الدهر، وأما البارئ تعالى فليس بواقع تحت دهر ولا تحت زمان. فهذا هو (الآن) على الحقيقة.
وأما (الآن) الذي يستعمل على المجاز، فهو الذي يستعمله الجمهور، وهو المستعمل في صناعة النحو. فإنهم يجعلون كل ما قرب من الآن الذي هو كالنقطة من الماضي والمستقبل آناً. فلذلك يقولون: هو خارج الآن. وأنا أقوم الآن. لأن الآن الذي بهذه الصفة، هو الذي يمكن أن تقع فيه الأفعال والحركات على الكمال. فهذان المعنيان هما المراد بالآن عند المتقدمين.
فأما أهل صناعة النحو العربي، فلهم في اشتقاقه والسبب الموجب لبنائه على الفتح كلام طويل. فأما اشتقاقه ففيه قولان:
أحدهما أن يكون مشتقاً من آن الشيء يئين: إذا حان، فالألف فيه على هذا منقلبه عن واو، كالألف التي في باب ودار، لأن آن يثين، الذي بمعنى حان، من ذوات الواو عندنا. وقد قيل: إنه من ذوات الياء. وسنتكلم عليه إذا انتهينا إلى موضعه إن شاء الله تعالى.
والثاني: أن أصله (أوان). واختلفوا في تعليله، فقال بعضهم: حذفت الألف منه، وقلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها.
وقال بعضهم: بل قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. فاجتمعت ألفان ساكنتان، فحذفت الثانية منهما لالتقاء الساكنين. وكانت أولى بالحذف لأنها زائدة.
(1/61)

وأما العلة الموجبة لبنائه، فاختلفوا فيها أيضا. فقال سيبويه وأصحابه:
إنما بنى (الآن) وفيه الألف واللام، لأنه ضارع المبهم المشار إليه، وذلك أن سبيل الألف أن تدخلا لتعريف العهد، كقولك: جاءني الرجل أو لتعريف الجنس، كقولك: قد كثر الدرهم والدينار. فلست تقصد إلى درهم بعينه، ولا دينار بعينه، وإنما تريد الجنس كله. أو لتعريف الأسماء التي غلبت على شيء، فعرف بها، كالحارث والعباس والدبران والسماك فلو دخلت الألف واللام (الآن) على غير هذه السبيل- لأن الآن، إنما هو إشارة إلى الوقت الحاضر- خالف نظائره فبنى. وقال قوم: إنما بنى لأنه وقع من أهله معرفة بالألف واللام. وسبيل ما تدخل عليه الألف واللام. وسبيل ما تدخل عليه الألف واللام أن يكون نكرة، ثم يعرف بهما. فلما خرج عن نظائره بنى.
(1/62)

وكان الفارسي يقول: إنه معرفة بلام مقدرة فيه غير اللام الظاهرة، وأنه بنى لتضمنه معنى اللام، كما بنى أمس.
وكان الفراء يزعم أنه في الأصل فعل ماض من قولك: آن الشيء يثين، أدخلت عليه الألف واللام، وترك على فتحه محكياً، كما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قيل وقال. فأدخل حرف الجر على الفعلين الماضيين وحكاهما.
وقرأت في بعض ما يحكى عن الفارسي، ولم أقف على صحته، أنه قال: الصواب: (والآن حد الزمانين) بالرفع. واعتل لذلك بأن العلة التي أوجبت بناءه، إنما عرضت له وهو مشار به إلى الزمان الحاضر. فإذا قال: (والآن حد الزمانين) فليس يشير به إلى زمان، إنما يخبر عنه. فوجب أن يعرب، إذ قد فارق حاله التي استحق فيها البناء.
وهذا وإن كان كما قال، فليس يمتنع أن يترك مفتوحاً، كما كان على وجه الحكاية. كما تقول: (من): حرف خفض. وقام: فعل ماض، فتتركهما مبنيين على حالهما، وإن كانا قد فارقا باب الحروف والأفعال وخرجا إلى باب الأسماء.
وكذلك ذهب الأخفش في قوله تعالى {لَقْد تَقطَّع بيْنكُمْ} إلى أنه في موضع رفع بتقطع. ولكنه لما جرى منصوباً في الكلام تركه على حاله
(1/63)

وكذلك قوله: (ومِنَّا دُونَّ ذَلِك). وكذلك رواه أبو علي البغدادي عن أبي جعفر بن قتيبة عن أبيه، بفتح النون.
وقوله (والخبر ينقسم على تسعة آلاف، وكذا وكذا مئةٍ من الوجوه) هذا الفصل قد جمع خطأ من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه خفض مئة، وحكمها أن تنصب، لأن أسماء الإشارة لا تضاف، ولأن كذا وكذا، كناية عن الأعداد المعطوف بعضه على بعض، من إحدى وعشرين إلى تسعة وتسعين. والمميز بعد هذه الأعداد، حكمه أن ينصب.
والوجه الثاني: أن قوله: كذا وكذا مئة، أقل ما يمكن أن يقع عليه أحد وعشرون، فكأنه قال: على تسعة آلاف وإحدى وعشرين مئة، وإحدى وعشرون مئة: ألفان ومئة.
فكان ينبغي أن يقول: إن الخبر ينقسم إلى أحد عشر ألفاً ومائة. ولا يحتاج إلى تكلف هذا العي.
والوجه الثالث من الخطأ: أنه نسب إلى القوم ما لم يقولوه. فإنا لا نعلم أحداً منهم قال: إن الخبر ينقسم على ما ذكره.
(1/64)

والذي دعا ابن قتيبة إلى الغلط في خفض المئة فيما أحسب، أنه رأى النحويين قد قالوا: إذا قال الرجل: له عندي كذا وكذا درهماً، بحرف العطف، فهي كناية عن الأعداد من أحد وعشرين إلى تسعة وتسعين. وإذا قال: له عندي كذا كذا درهماً، بغير واو، فهي كناية عن الأعداد من أحد عشر إلى تسعة عشر. وهذا اتفاق من البصريين والكوفيين. وقال الكوفيون خاصة: إذا قال له عندي (كذا أثواب)، فهي كناية عن الأعداد المضافة إلى الجمع، من ثلاثة إلى عشرة، وإذا قال: له عندي كذا درهم، بالإفراد، فهي كناية عن الأعداد المضافة إلى المفرد من مئة إلى تسع مئة.
ولا يجيز البصريون إضافة (ذا) إلى ما بعده، لأن المبهم لا يضف. فرأى ابن قتيبة أن الكوفيين يجيزون الخفض، ولم يفرق بين ما أجازوا فيه الخفض وما لم يجيزوا، لأنه كان ضعيفاً في صناعة النحو. وفي كتابة هذا أشياء كثيرة تدل على ذلك.
ألا تراه قد قال في كتابة. هذا باب ما يهمز أوسطه من الأفعال ولا يهمز وأدخل في الباب: (رقأت في الدرجة) و (ناوأت الرجل) و (روأت في الأمر)، وهذه الأفعال كلها مهموزة اللام. وأدخل في الباب أيضاً: (تأممتك XXX)، وهذا مهموز الفاء. وليس في الباب شيء مهموز العين، إلا (ذأى العود يذأي).
وفي باب (فعل يقعل ويفعل)، بفتح العين في المستقبل وضمها: شم يشم ويشم. وشم الذي تفتح الشين من مضارعه، إنما هو (فعل) بكسر العين لا (فعل). وشم الذي يضم الشين في مضارعه فعل مفتوح العين. ولو كان
(1/65)

شم يشم المفتوح الشين (فعل يفعل) على ما توهم لكان شاذاً. وكان يجب أن يدخله في الأفعال التي جاءت على (فعل) بفتح العين في الماضي والمستقبل. وليس فيها حرف حلقي ولا عيناً ولا لاماً، نحو أبي يأبى، وركن يركن ولم يفعل ذلك.
وقوله: (كانت وبالاً على لفظه وعياً في المحافل):
الوبال: الثقل. والمحافل: المجالس والمواضع التي يجتمع فيها الناس، واحدها محفل بكسر الفاء.
والكن: كل ما ستر الإنسان من بيت ونحوه، وجمعه: أكنان.
وقوله: (فكان ابتداء تفكره آخر عمله، وآخر عمله بدء تفكره): كذا الرواية عنه، وهي عبارة فاسدة، لأنه لم يزد على أن عكس الكلام والثاني هو الأول بعينه. وإنما كان يجب أن يقول: فكان ابتداء تفكره آخر عمله، وآخر تفكره ابتداء عمله، ونحو هذا حتى يصبح الكلام.
ومرادهم بهذا الكلام أن كل محاول لأمر من الأمور، فإنما يقدم أولاً في فكره. الغاية التي يريدها، ثم يفحص عن الأسباب التي توصله إلى تلك الغاية وذلك الغرض، فيقدمها في العمل أولاً فأولاً على مراتبها، حتى يصل في ما سبق إليه أول فكره.
وقوله: (فصل الخطاب): أي بيانه. وأصل الفصل: الفرق بين الشيئين، حتى يمتاز كل واحد منهما من صاحبه. ويسمى كل قول فرق بين الحق والباطل: فصلاً. ومنه قيل للعضو الذي يمتاز من غيره: مفصل وفصل.
وقول الخطيب في خطبته، والكاتب في رسالته: (أما بعد)، يسمى
(1/66)

فصل الخطاب، لأن من شأن الخطيب والكاتب أن يبدأ أولاً بحمد الله تعالى، والصلاة على رسوله، ثم يقول: (أما بعد)، ويبدأ باقتصاص ما قصد نحوه فيكون قوله: أما بعد فصلاً بين التحميد الذي صدر به، وبين الأمر الذي قصده وحاوله:
وقوله: (فالحمد لله الذي أعاذ الوزير أبا الحسن أيده الله من هذه الرذيلة) يعني عبيد الله بن يحيي بن خاقان، وكان وزير المتوكل، فعمل له ابن قتيبة هذا الكتاب، وتوسل به إليه، فأحسن عبيد الله صلته، واصطنعه وعنى به عند المتوكل، حتى صرفه في بعض أعماله. والرذيلة: ضد الفضيلة. وحباه: خصه والخيم: الطبع.
(والسنن): الطريق. ويقال: تنح عن سسن الطريق، بفتح السين والنون. وعن سنن الطريق، بضم السين وفتح النون وعن سنن الطريق بضم السين والنون، وعن سنة الطريق: يراد بذلك محجته. وقوله: معتلقة: محبة.
وقوله: (وأيديهم فيه إلى الله مظان القبول ممتدة): يريد بالمظان: الأوقات التي يظنون أن الدعاء فيها متقبل، وهي جمع مظنة. قال النابغة:
(فإن مظنة الجهل الشباب)
يريد الوقت الذي يظن فيه الجهل. ومظان: منصوبة على الظرف. والعامل فيه قوله: ممتدة. تقدير الكلام: وأيديهم فيه إلى الله ممتدة مظان القبول. وقوله: (يهجع): ينام. وقوله: (ويلبسه لباس الضمير) أي يظهر عليه حسن معتقده. أخذه من قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أسر سريرة ألبسه الله رداءها)).
(1/67)

وقوله: (يصور): يميل ويصرف. يقال: صاره يصوره ويصيره: إذا أماله. وقرئ (فصرهن إليك) وصرهن، أي يجمع القلوب المختلفة على محبته.
وقوله: (ويسعده بلسان الصدق في الآخرين): يريد الثناء الحسن. قال الله تعالى: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ}: أي ذكراً جميلاً. وحقيقته: أن اللسان هو الخبر. والكلام سمى لسانا، لأنه باللسان يكون، على مذهبهم في تسمية الشيء باسم غيره، إذا كان منه بسبب. والمراد بإضافته إلى الصدق، أن يجعل له ثناء حسنا، تصدقه أفعاله، حتى يكون المثنى عليه غير كاذب فيما ينسبه إليه، لأن الإنسان لا يكون فاضلاً إذا أثنى عليه بالكذب.
وقوله: (وأعفوا أنفسهم من كد النظر): أي أراحوها من ذلك. والعفو: ما جاء سهلا بلا كلفه ولا مشقة. والخزي: الفضيحة. يقال: خزي يخزى خزيا: إذا افتضح. وخزي يخزى خزاية: إذا استحيا.
وقوله: (من موقف رجل من الكتاب) قال ابن القوطية: هذا الرجل هو محمد بن الفضل. وهذا غلط، لأن محمد بن الفضل، إنما وزر للمتوكل وكان شاعراً كاتباً حلو الشمائل، عالماً بالغناء، وولى الوزارة أيضاً في أيام المستعين. والخليفة المذكور هاهنا إنما هو المعتصم.
(1/68)

وقال أبو علي البغدادي: هذا الكتاب هو أحمد بن عمار. وكذا قال الصولي. وقد قيل: هو الفضل بن مروان. والمشهور أنه أحمد بن عمار، وكان وزير المعتصم. وكان الفضل بن مروان هو الذي عنى به، حتى استوزره المعتصم.
وكان الفضل بن مروان وأحمد بن عمار، لا يحسنان شيئاً من الأدب. وكان عمار طحاناً من أهل المذار، ولذلك قال فيه بعض الشعراء:
لا يعمر الرحمن ملك امرئ ... يقيمه رأي ابن عمار
ما يفرق الطحان من جهله ... ما بين إيراد وإصدار

وقال رجل من الشعراء يقال له أبو شبل عاصم بن وهب البرجمي يهجوه ويهجو الفضل بن مروان، لاصطناعه إياه، وسعايته له حتى صار وزيراً:
ماذا احتملناه للفضل بن مروان ... أباده الله من ظلم وعدوان
(1/69)

حتى مضت ظلماً أيام دولته ... لم يتضح بدجاها ضوء إنسان
أبقى دليلاً عليه في عماوته ... كما استدل على أصل بأغصان
مثلان في العي لم ينهضها أدب ... مستحوذان على جهل شبيهان
لولا الإمام أبو إسحاق إن له ... عناية بالقصي الدار والداني
لأصبح الناس فوضى لا نظام لهم ... ولم يدل على حق ببرهان

فيقال: إن المعتصم لما قرأ هذا الشعر ضحك، وعزل أحمد بن عمار.
ويروى أن المعتصم، وهو محمد بن هارون الرشيد، ويكنى أبا إسحاق كان قليل البضاعة من الأدب. ويزعمون أن أباه كان عنى بتأديبه في أول أمره، فمرت به جنازة لبعض الخدم فقال: ليتني كنت هذه الجنازة، لأتخلص من هم المكتب، فأخبر بذلك أبوه، فقال: والله لاعذبته بشيء يختار الموت من أجله، وأقسم ألا يقرأ طول حياته.
فلما صارت إليه الخلافة، واتخذ أحمد بن عمار وزيراً، ورد عليه كتاب عامل الجبل. يذكر فيه خصب السنة، وكثرة الغلات، وأنهم مطروا مطراً كثر عنه الكلأ. فقال لابن عمار: ما الكلأ؟ فتردد في الجواب، وتعثر لسانه، ثم قال: لا أدري. فقال المعتصم: (إن لله وإنا إليه راجعون)! أخليفة أمي، وكاتب أمي؟ ثم قال: أدخلوا على من يقرب منا من الكتاب
(1/70)

فعرف مكانة محمد بن عبد الملك الزيات، من الأدب، وكان يتولى قهرمة الدار، ويشرف على المطبخ، ويقف في الدار وعليه دراعة سوداء، فأمر بإدخاله عليه، وقال له: ما الكلأ؟ فقال: النبات كله رطبه ويابسة، والرطب منه خاصة، يقال له: خلا. واليابس منه: يقال له حشبش، ثم اندفع يصف له النبات من حين ابتدائه إلى حين اكتهاله إلى حين هيجه، فاستحسن المعتصم ما رأى منه، وقال: ليتقلد هذا الفتى العرض على، فكان ذلك سبب ترقيه إلى الوزارة.
وكان لمحمد بن عبد الملك حظ. وافر من الأدب والنظم والنثر، وكان أبوه إذا رأى جده في القراءة، لأمه على ذلك، وقال له: ما الذي يجدى عليك الأدب؟ ولو تحرفت في بعض الصناعات، لكان أجدى عليك، إلى أن امتدح الحسن بن سهل، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال له أبوه: والله لا ألومك أبداً. ولما وصله الحسن قال
لم أمتدحك رجاء المال أطلبه ... لكن لتلبسني التحجيل والغررا
ما كان ذلك إلا أنني رجل ... لا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا
(1/71)

وقوله: (ومن مقام آخر في مثل حاله): هذا الكاتب الثاني: هو شجاع بن القاسم، كاتب أوتامش التركي، وكان يتولى عرض الكتب على المستعين: أحمد بن محمد المعتصم، وكان جاهلاً لا يحسن القراءة، إلا أنه كان ذكياً، تقرأ عليه عشرة كتب، فيحفظ معانيها، ويدخل إلى المستعين يسامره فيها، ولا يغلط في شيء منها.
وكان يصور له الحرف فيكتب مثاله فقرأ على المستعين كتاباً كلفه قراءته، وكان فيه: (حاضر طي)، وطي قبيلة من قبائل اليمن، وحاضرهم من حضر منهم، فصحفه وقال: (جاء ضرطي) والضرط: لغة في الظرط فضحك المستعين.
ويروى أنه دخل على المستعين وذيل قبائه قد تخرق، فقال له المستعين: ما هذا يا شجاع!! وكان يستظرف ما يأبى به. فقال: يا أمير المؤمنين، داس الكلب ذنبي فخرقته قباءه. يريد دست ذنب الكلب فخرق قبائى. ومدحه بعض الشعراء، فقال: في مدحه:
أبو حسن يزيد الملك حسنا ... ويصدق في المواعد والفعال
جبان عن مذلة ملية ... شجاع في العطية والسؤال

فقال له: وما يدريك- ويلك- أني جبان. فقال: إنما قلت- أعزك الله- إنك جبان عن البخل، لا جبان عن الأعداء. وهذا من أحسن المدح، واستشهد
(1/72)

بملء حضر، فشهدوا له فقال، إنما تزينون ما أتى به، فأنا أعطيه لمكانكم ورعايتكم، لا لشعره، لأنه قد هجانى، وأمر له بصلة.
ومدحه بعض الشطار بشعر يقول فيه:
شجاع لجاع كاتب لاتب معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
خميص لميص مستمر مقدم ... كثير أثير ذو شمال مهذب
فطين لطين آمر لك زاجر ... حصيف لطيف حين يخبر يعلم
بليغ لبيغ كلما شئت قلته ... لديه وإن تسكت عن القول يسكت
أديب لبيب فيه عقل وحكمة ... عليم بشعري حين أنشد يشهد
كريم حليم قابض متباسط ... إذا جئته يوماً إلى البذل يسمح

وأعطي هذا الشعر لرجل طالبي، فلقي به شجاعاً وهو على قارعة الطريق، ووله الناس فاستوقفه وأنشده إياه، فضحك وشكره، ودخل إلى المستعين فرغب غليه في أمره، فأعطاه عشرة آلاف درهم صلة، وأجرى له ألف دينار راتباً في الشهر.
وقوله: (ومن قول آخر في وصف برذون أهداه، وقد بعثت إليك
(1/73)

أبيض الظهر والشفتين. فقيل له: لو قلت أرثم ألمظ). هذا الكاتب الثالث- لا أعلم من هو والأرثم من الخيل: الذي في شفته العليا بياض. والألمظ: الذي في شفته السفلى بياض. وإذا كان أبيض الظهر، قيل له: أرحل وأجلس. وقد ذكر ابن قتيبة في باب شيات الخيل الأرثم والألمظ. والأرحل، ولم يذكر الأحلس.
وقوله: (ولقد حضرت جماعة من وجوه الكتاب) ... إلى آخر الفصل:
الفئ: كل ما يعود إلى السلطان من جباية أو مغنم. والتحلب والحلب سواء، وهما ما ليس بوظيفة معلومة المقدار. ولكن إذا أراد السلطان شيئاً، كلف الرعية إحضاره. شبه بتحلب الناقة والشاة في كل وقت. والنخاس هاهنا: بائع الرقيق. وهو اسم يقع على بائع الحيوان خاصة. والشغا: تراكب الأسنان بعضها على بعض. يقال: امرأة شغواء، ورجل أشغى. وتسمى العقاب: شغواء، لزيادة منقارها الأعلى على منقارها الأسفل. والأسنان إذا كملت عدتها ولم ينقص منها شيء اثنتان وثلاثون سنا: أربع ثنايا، وأربع رباعيات وأربعة أنياب، وأربعة ضواحك، واثنتا عشرة رحى وأربعة نواجذ وهي أقصاها وآخرها نباتا. ومن الناس من لا يخرج له شيء من النواجذ فتكون
(1/74)

أسنانه ثمانياً وعشرين. ومنها من تخرج له اثنتان فتكون أسنانه ثلاثين فيزعمون أن من خرجت له النواجذ كلها، كان وافر اللحية عظيمها، ومن لم يخرج له شيء منها، كان كوسجا.
ومما ينجو نحو هذه القصة، ما روي من أن عتبة بن أبي سفيان، استعمل رجلاً من آله على الطائف، فظلم رجلاً من أزدشنوءة، فأبي الأزدي عتبة، فمثل بين يديه وقال:
أمرت من كان مظلوماً ليأتيكم ... فقد أتاكم غريب الدار مظلوم

ثم ذكر ظلامته بعنجهية وحفاء، فقال له عتبة: إني أراك أعرابياً جافياً، وما أحسبك تدري كم ركعة تصلي بين يوم وليلة، فقال: أرأيتك إن أنبأتك بذلك أتجعل لي عليك مسألة؟ فقال عتبة: نعم. فقال الأعرابي:
إن الصلاة أربعٌ وأربع،
ثم ثلاث بعدهن أربع ...
ثم صلاة الفجر لا تضيع
فقال عتبة: صدقت. فما مسألتك؟ قال: كم فقار ظهرك؟ فقال: لا أدري. قال: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟ فقال عتبة: أخرجوه عني وردوا عليه غنيمته.
(1/75)

قال ابن الأعرابي في نوادره: للإنسان سبع عشرة فقرة. وأقل فقر البعير ثماني عشرة فقرة، وأكثرها إحدى وعشرون.
وذكر جالينوس، أن جميع خرز الظهر من لدن منبت النخاع من الدماغ إلى عظم العجز أربع وعشرون خرزة، سبع منها في العنق، وسبع عشرة فيما عداها، منها اثنتا عشرة في الصلب وخمس في القطن، وهو القطن.
والأضلاع: أربع ((وعشرون، اثنتا عشرة في كل جانب، وأن جملة العظام التي في جسم الإنسان: مائتان وثمانية وأربعون عظماً، حاشا العظم الذي في القلب والعظام الصغار التي حشي بها خلل المفاصل، وتسمى السمسمية، شبهت بالسمسم، وهو الجلجلان، لصغرها.
وجميع الثقب التي في بدن الإنسان اثنتا عشرة، العينان، والأذنان، والمنخران، والفم، والثديان، والفرجان، والسرة، حاشا الثقب الصغار التي تسمى المسام، وهي التي يخرج منها العرق، وينبت منها الشعر. فإنها لا تكاد تنحصر.
وقوله: (فما رأيت أحداً منهم يعرف فرق ما بين الوكع والكوع) ...
(1/76)

إلى آخر الفصل. الوكع في الرجل: أن تميل إبهامها على الأصابع، حتى يرى أصلها خارجاً. والكوع في الكف: أن تعوج من قبل الكوع. والكوع: رأس الزند، الذي يلي الإبهام. والكرسوغ: رأس الزند الذي يلي الخنصر. والحنف: أن تقبل كل واحدة من إبهامي الرجل على الأخرى. وقيل الحنف: أن يمشي الرجل على ظهر قدمه، وهو قول ابن الأعرابي. والفدع في الكف زيغ بينها وبين عظم الساعد، وفي القدم: زيغ بينها وبين عظم الساق. واللمي مثلثة اللام: سمرة في الشفتين تخالطها حمرة، وذلك مما يمدح به. واللطع: بين الشفتين، وذلك مما يذم به.
وقوله: (وفي تقويم اللسان واليد): يريد بتقويم اللسان: استقامته في الكلام حتى لا تلحن، وبتقويم اليد: استقامتها في الكتابة، لأن فساد الهجاء لحن في الخط، كما أن فساد الإعراب لحن في القول.
وقوله: (إن فاءت به همته) كذلك الرواية: فاءت بالفاء. وكان أبو علي البغدادي يقول: الصواب (ناءت به همته) بالنون أي نهضت، من قولهم: ناء بالحمل ينوء: إذا نهض به متثاقلاً. قال الله عز وجل: (ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة).
والذي أنكره أبو علي على غير منكر. ومعناه، إن رجعت به همته إلى النظر الذي أغفله، والفئ: الرجوع. فالهاء في (به) فيمن قال: (ناءت) بالنون، تعود على الكتاب كما تقول: ناء بالحمل: إذا استقل به وأطاقه. ويجوز أن تعود على مغفل التأديب أي إن نهضت به همته إلى النظر. ومن روى: (فاءت
(1/77)

بالفاء، فالهاء في به تعود على مغفل التأديب. أي إن رجعت به همته إلى النظر بعد إعراضه عنه.
وقوله: (أو استظهر له بإعداد الآلة لزمان الإدالة أو لقضاء الوطر عند تبين فعل النظر): الوطر: الحاجة. والإدالة: مصدر أديل العامل من عمله إذا صرف عنه وعزل. يقول: يكون كتابي هذا معداً مذخوراً لمغفل التأدب الذي شغله جاهه، وما أدرك من المنزلة عند الملوك، عن القراءة والنظر، فإذا عزل عن عمله قرأه، واستدرك ما كان ضيعه. وإن ظهر إليه فضل النظر وهو في جاهه وحرمته، قضى منه وطرة.
وقوله: (وألحقه مع كلال الحد ويبس الطينة با لمرهفين، وأدخله وهو الكودن في مضمار العتاق): هذه أمثال ضربها لقارئ كتابه. والمرهف: السيف الحديد. والكلال والكليل: الذي لا يقطع، فضرب ذلك مثلاً للبلادة والذكاء. وكذلك يبس الطينة: مثل مضروب لنبو الذهن عن قبول التعلم وأصل ذلك أن الطين إذا كان رطبا ثم طبع فيه قبل نقش الطابع، وإذا كان يابساً لم يقبل النقش. والكودن: البغل. والمضمار: الموضع الذي تدرى فيه الخيل وذكر ابن قتيبة في باب المصادر من هذا، الكلال إنما يستعمل في الإعياء، وأن السيف إنا يقال فيه كل بكل يكل كلة. وخالف في كلامه هاهنا ما قاله هناك فاستعمل الكلال في السيف، وهو غير معروف.
وقوله: (فعرف الصدر والمصدر) ... إلى آخر الفصل الصدر: الفعل والمصدر: الحدث فكلاهما اسم الفعل. وسمى حدثا لأن الشخص
(1/78)

الفاعل يحدثه، وسمى مصدراً، لأن الفعل اشتق منه، فصدر عنه، كما يصدر الصادر عن المكان. وهذا أحد ما استدل به البصريون على أن المصدر أصل للفعل، ولو لم يكن أصلاً له، لم يسم مصدراً.
فأما الكوفيون فزعموا أن الفعل هو الأصل للمصدر، وأن المصدر مشتق منه. وبين الفريقين في هذه المسألة شغب يطول ليس هذا موضع ذكره.
وكان أبو علي البغدادي يقول: أرد ابن قتيبة بالصدر: الأفعال المشتقة من المصدر، الصادرة عنه. وكان يرى أن الصدر: جمع صادر كما يقال: راكب وركب، وصاحب وصحب.
وأما الحال فهي هيئة الفاعل في حين إيقاعه للفعل، وهيئة المفعول في حين وقوع الفعل به. أما هيئة الفاعل فكقولك: جاء زيد راكباً، فالركوب هيئته في وقت مجيئه. وأما هيئة المفعول، فكقولك: ضرب زيد جالساً. فالجلوس هيئة زيد في حين وقوع الضرب به. ولها سبعة شروط:
الأول منها: أن تكون مشتقة، أو في حكم المشتق.
والثاني: أن تكون منتقلة، أو في حكم المنتقل.
والثالث: أن تكون نكرة أو في حكم النكرة.
والرابع: أن تكون بعد كلام تام، أو في حكم التام.
والخامس: أن تكون بعد اسم معرفة، أوفي حكم المعرفة.
(1/79)

والسادس: أن تكون مقدرة بفي.
والسابع: أن تكون منصوبة.
ولها أقسام كثيرة. فمنها الحال المستصحبة كقولك هذا زيد قائماً. ومنها الحال المحكية كقولك: رأيت زيداً أمس ضاحكاً. ومنها الحال المقدرة، كقولك: سيخرج زيد مسافراً غداً. ومنها الحال السادة مسد الأخبار كقولك: ضربي زيداً قائماً. ومنها الحال المؤكدة كقوله تعالى: {وهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا} ومنها الحال الموطئة كقوله تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا}.
فمن النحويين من يرى أن (لساناً) هو الحال، وعربياً هو التوطئة. ومعنى التوطئة، أن الاسم الجامد لما وصف بما يجوز أن يكون حالاً، صلح أن يقع حالاً. ومن النحويين من يرى أن عربياً هو الحال، ولسانا هو التوطئة. ومعنى التوطئة عندهم، أن الحال لما كانت صفة معنوية، شبيهة بالصفة اللفظية، وكان حكم الصفة اللفظية، أن يكون لها موصوف تجرى عليه فعل، مثل ذلك بالصفة المعنوية في بعض المواضع، فقام لها موصوف أيضاً تجزى عليه. وقد يكون معنى التوطئة في الحال: أن يتأول في الاسم الجامد تأويل يخرجه إلى حكم الاسم المشتق، كقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل: كيف بأتيك الوحي فقال: أحياناً يتمثل لي الملك رجلاً. فالتوطئة هنا على وجهين:
أحدهما: أن تجعل رجلاً في تأويل قوله: قريباً أو محسوساً، وهما اسمان جاريان على الفعل.
والثاني: أن تريد مثل رجل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وهذا معنى قولنا: إن سبيلها أن تكون مشتقة، أو في حكم المشتق.
(1/80)

وأما الحال التي في حكم المنتقل، فنحو قوله تعالى {وهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا}، فالحق لا يفارقه التصديق. ولكن لما كان قد يذكر الحق ليصدق به حقاً آخر، وقد يذكره لنفسه، أشبهت الحال المنتقلة حين كان لها معنيان تنتقل من أحدهما إلى الآخر.
وأما الظروف فهي أسماء الأزمنة، وأسماء الأمكنة، إذا جعلت محلاً لأمور تقع فيها، كقولك: أعجبني الخروج اليوم. فاليوم محل للخروج الذي أسندت الحديث إليه. فإذا قلت: أعجبني اليوم. أو قلت: اليوم مبارك، لحق بالأسماء، ولم يسم ظرفاً، لأنك إنما تحدث عنه لا عن شيء وقع فيه. فمن خاصة الظرف ألا يكون محدثاً عنه، وأن يصلح فيه تقدير (في). فإذا فارقه هذا الشرط لم يكن ظرفاً. والكلام في هذه الأشياء يطول. وإنما نذكر من كل نوع منها نكتا ترغب القارئ في قراءة ذلك النوع، وطلبه في مواضعه من الكتب الموضوعة فيه.
وقوله: (وشيئاً من التصاريف والأبنية): هذا العلم من أجل علوم العربية لأنه [يهدى إلي] معرفة الأصلي من الزائد، والصحيح من المعتل، والتام من الناقص، والمظهر من المدغم. وأكثر المتعاطين العربية لا يحسنونه [وهو ينقسم ثلاثة أقسام: تصريف لفظ فقط، وتصريف معنى فقط، وتصريف لفظ ومعنى معاً. فأما تصريف اللفظ فنوعان:
أحدهما: تعاقب الحركات والحروف على اللفظ الواحد، كقولك، زيد وزيداً. وأخوك وأخاك وأخيك.
والثاني: تغيير الصور مع اتفاق المعاني، كقولهم: رجل ضروب،
(1/81)

وضراب، ومضراب، وضرب، وضريب. فالألفاظ مختلفة، والمعنى الواحد.
وأما تصريف المعنى وحده، فهو اختلاف المعاني مع اتفاق الألفاظ، كالهلال يتصرف في كلام العرب على عشرين معنى. والقمر يتصرف على ستة معان، والكوكب على خمسة، والنجم على ستة، ونحو ذلك.
وأما تصريف اللفظ والمعنى، فهو أن يختلف اللفظ، ويختلف المعنى باختلافه، كقولك: ضارب لفاعل الضرب، ومضروب للذي وقع عليه الضرب.
ومضرب بفتح الراء: للمصدر، ومضرب بكسر الراء: للمكان الذي وقع فيه الضرب، أو للزمان. ومضراب للعود الذي يضرب به.
وانقلاب الياء عن الواو يكون في كل موضع تسكن فيه الواو وقبلها كسرة نحو ميزان، أصله: موزان، لأنه من الوزن، وانقلاب الواو عن الياء يكون في كل موضع تسكن فيه الياء وقبلها ضمة، نحو أيقن فهو موقن. وانقلاب الألف عن الواو وعن الياء، يكون في كل موضع تتحرك فيه الواو والياء، وقبلها فتحة، نحو: قال، أصله قال، وباع أصله: بيع وانقلاب الياء عن الألف في نحو سربال وسرابيل. وانقلاب الياء عن الواو في نحو عنقود وعناقيد.
وقوله: (ولابد له مع كتبنا هذه من النظر في (الأشكال لمساحة الأرضين) إلى آخر الفصل. المساحة: مصدر مسحت الأرض: إذا ذرعتها. والمثلث على الإطلاق: هو أول السطوح التي تحيط بها خطوط مستقيمة، وهي كثيرة غير متناهية الكثرة، فمبدؤها من الثلاثة وتترقى صاعدة، فيكون
(1/82)

أولها: المثلث، وهو الذي تحيط به ثلاثة خطوط، ثم المربع: وهو الذي تحيط به أربعة خطوط، ثم المخمس ثم المسدس، ويتزايد هكذا أبداً.
وإنما صار المثلث أولها، لأن خطين مستقيمين لا يحيطان بسطح، وما كان من هذه السطوح يحيط به أكثر من أربعة خطوط، فإنما يسمى الكثير الزوايا، ومبدؤها: المخمس.
وأنواع المثلث الذي تحيط به خطوط مستقيمة ثلاثة: مثلث قائم الزاوية ومثلث حاد الزاوية، ومثلث منفرج الزاوية.
ذكر ابن قتيبة منها الاثنين، ولم يذكر الثالث.
والمثلث القائم الزاوية نوعان: متساوي الساقين، وهو الذي له ضلعان من أضلاعه متساويتان، ومختلف الأضلاع، وهو الذي أضلاعه كلها مختلفة
والمثلث الحاد الزوايا: ثلاثة أنواع: المتساوي الأضلاع، والمتساوي الساقين، والمختلف الأضلاع.
والمثلث المنفرج الزاوية نوعان: متساوي الساقين، ومختلف الأضلاع.
وأما قوله: ومساقط الأحجار، فإن مسقط الحجر: هو الخط الذي يخرج من زاوية المثلث إلى الضلع المقابلة لها، وتسمى العمود أيضاً. ويقال للضلع التي يقع عليها مسقطة الحجر: القاعدة. وهذا هو أحد العمودين اللذين ذكرهما. والعمود الآخر كل خط قام على خط آخر قياماً معتدلاً، فإن الخط الأسفل يقال له القاعدة، والقائم، يقال له: العمود. وتسمى الزاويتان اللتان في جنس العمود قائمتين، فإن مال العمود إلى إحدى الناحيتين، قبل للزاوية التي من ناحية الميل: حادة وللثانية: منفرجة.
وأما قوله: (والمربعات المختلفات) فإن أنواع المربعات على ما ذكره
(1/83)

إقليدس خمسة: مربع قائم الزوايا، متساوي الأضلاع، وسماه المربع الصحيح. ومربع قائم الزوايا متساوي كل ضلعين متقابلتين، وسماه مربعاً مستطيلاً. ومربع متساوي الأضلاع، غير قائم الزوايا متساوي كل زاويتين متقابلتين، وسماه المعين ومربع متساوي كل ضلعين متقابلتين فقط، وكل زاويتين متقابلتين فقط، وسماه الشبيه بالمعين وما خرج عن هذه الحدود، سماه منحرفاً.
وذكر غير إقليدس، المربعات سبعة، ولكنا تركنا ذكرها اقتصاراً على ما قال إقليدس، إذ كان المقدم في هذه الصناعة.
وقوله: (والقسي والمدورات) فالقسي: جمع قوس والقوس نوع من أنواع الخطوط وذلك أن الخطوط ثلاثة أنواع: مستقيم، ومقوس ومنحن.
والخطوط المستقيمة كثيرة، ولها أسماء مختلفة كقولنا: عمود، وقاعدة وساق، وضلع، ووتر، وسهم، وقطر، ومسقط الحجر، ومحور، وجيب مستو، وجيب منكوس، ونحو ذلك.
والخطوط المقوسة أربعة أنواع: دائرة، ونصف دائرة، وأكثر من نصف دائرة. وأقل من نصف دائرة. وأما الخط المنحني فقلما يستعمل في هذه الصناعة، فلذلك لم نذكره.
وأما الدائرة: فإنها أول أنواع السطوح، التي تحيط بها خطوط قوسية، وذلك أن دائرة أن أنواع السطوح بها خطوط قوسية ثلاثة، فمنها ما يحيط به خط واحد مقوس. ومنها ما يحيط به خطان مقوسان، ومنها ما يحيط به أكثر من خطين مقوسين. فالذي تحيط به قوس واحدة: يسمى
(1/84)

الدائرة. والذي يحيط به خطان مقوسان نوعان: أحدهما يسمى الشكل الهلالي، وهو أن تكون حدبة إحدى القوسين تلي أخمص القوس الأخرى. والآخر: يسمى الشكل البيضي، وهو أن يكون أخمصا القوسين متقابلين.
وأما السطوح التي بها أكثر من خطين مقوسين فإنها غير متناهية، وأولها المثلث.
وقوله: (وكانت العجم تقول: من لم يكن عالماً بإجراء المياه وحفر فرض المشارب) إلى آخر الفصل، من طريف أمر هذا الرجل رحمه الله تعالى أنه نهى قارئ كتابه أولاً عن النظر في شيء من العلوم القديمة، وسماها هذيانا ثم جعل بعد ذلك يرغبه فيها، وكأنه كره أن يكون هو الآمر بذلك، فيتناقض قوله، فنسب ذلك إلى العجم.
والمشارب: جمع مسرب، وهو شاطئ النهر الذي يشرب منه الدواب، ويستقي منه الناس. والفرضة: المدخل إلى النهر.
وقال الخليل: الفرضة: مشرب الماء من النهر. والفرضة: مرفأ السفينة. والمهاوي: جمع مهوى ومهواة، وهو ما بين أعلى الجبل وأسفله وكل مكان عميق يهوى فيه، فإنه مهوى ومهواة.
وقوله: (ومجارى الأيام في الزيادة والنقصان). معرفة هذا الذي قال: لا تكون إلا بعد معرفة هيئة الفلك ونصبة العوالم، والعلة في ذلك على ما يذكرون تردد الشمس ما بين رأس الجدي، ورأس السرطان، مدبرة عنا تارة، ومقبلة إلينا تارة، وبترددها ما بين هذين الحدين، تعظم قسي النهار مرة، وتصغر مرة، فيكون ذلك سبباً لطول النهار وقصره. وذلك أن الشمس إذا
(1/85)

صارت في رأس الجدي، كانت في أبعد بعدها عنا، وكانت حينئذ قوس النهار أصغر ما يكون، وقوس الليل أعظم ما يكون، فيكون ذلك اليوم أقصر الأيام عندنا. ثم تأخذ في الإقبال إلى الشق الشمالي فتدنو كل يوم منا، وتبدأ قوس النهار التي نمر عليها الشمس تعظم، وقوس الليل تصغر، فيزيد في طول النهار بقدر ما يزيد في قوسه، وينقص من الليل بقدر ما ينقص من قوسه.
فلا تزال كذلك إلى أن تنتهي إلى رأس الحمل، فتتوسط المسافة التي بين رأس الجدي ورأس السرطان، وتتساوى قوس النهار وقوس الليل في العظم، فيكون ذلك سبباً لتساوى الليل والنهار.
ثم تجوز رأس الحمل مقبلة نحونا، والنهار أخذ في الزيادة لزيادة عظم قوسه، والليل آخذ في النقصان، لزيادة صغر قوسه، إلى أن تنتهي إلى رأس السرطان، فتنتهي قوس النهار إلى غايتها في العظم، فيكون ذلك اليوم أطول يوم عندنا. وتتناهى قوس الليل في الصغر، فتكون تلك الليلة أقصر ليلة عندنا.
ثم تبدأ بالرجوع نحو الشق الجنوبي مدبرة، فتبدأ قوس النهار تصغر، وقوس الليل تعظم، فينقص من النهار بقدر ما ينقص من قوسه، ويزيد في الليل بقدر ما يزيد في قوسه.
فإذا انتهت إلى رأس الميزان، وصارت متوسطة من المسافة التي بين
(1/86)

رأس السرطان ورأس الجدي. استوي الليل والنهار مرة ثانية. كاستوائهما عند مرورها على رأس الحمل لتساوي القوسين. فإذا جازت رأس الميزان موغلة في الجنوب اشتد بعدها عنا واشتد صغر قوس النهار، فاشتد قصره. واشتد عظم قوس الليل، فاشتد طوله حتى ينتهي إلى رأس الجدي. وذلك دأبهما أبداً. {ذَلِكَ تَقْدِيُر العَزيز العَلِيْم}. ولها ما بين رأس الجدي ورأس السرطان مائة وثمانون مشرقاً. ومائة وثمانون مغرباً، تطلع من كل مشرق منها مرتين، مرة في إقبالها إلينا، ومرة في إدبارها عنا، وتغرب في كل مغرب منها مرتين على نحو ذلك.
وقوله: (والدوالي والنواعير). الدوالي: جمع دالية، وهي التي يقال لها الخطارة. سميت بذلك لأنها يدلى بها الماء. يقال: أدليت الدلو: إذا أدخلتها في البئر لتملأها، ودلوتها: إذا أخرجتها. قال مسكين الدرامي:
بأيديهم مغارف من حديد ... أشها مقيرة الدوالي

وقوله: (ولابد له من النظر في جمل الفقه) ... إلى آخر الفصل. فالخراج والخرج سواء، وقرئ بهما جميعاً. وهو قوله: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ}. وقرئ أم تسألهم خراجا فخراج ربك خير. ومعنى قوله: الخراج بالضمان: أن من اشترى شيئاً فاستغله مدة، ثم وجد به عيباً يجب
(1/87)

له به رده على صاحبه، فإنه يرده، ولا يرد ما استغله منه، لأنه كان ضامناً له لو تلف عنده، قبل ظهور العيب به.
وقوله: (وجرح العجماء جبار) العجماء: البهيمة، سميت عجماء لامتناعها من الكلام، والجبار: الهدر الذي لا دية فيه. ومعناه: أن كل حدث أحدثته الدابة، هدر، لا دية فيه، إذا لم يكن معها قائد ولا راكب، ولا سائق فإن كان معها واحد من هؤلاء، كان مأخوذاً بما أحدثته، إلا فيما لا يمكنه منعها منه، كالركض بالرجل. وقد جاء في الحديث: الرجل جبار.
وقوله: (ولا يغلق الرهن) يقال: غلق الرهن، وذلك على وجهين: أحدهما: أن يضيع عند المرتهن أو يمسكه عن صاحبه، ولا يصرفه عليه. وهذا المعنى هو المراد بالحديث. وذلك أن الرجل في الجاهلية، كان يبيع السلعة من الرجل فيرغب إليه المبتاع أن يؤخره بالثمن إلى أجل معلوم، فيأبى البائع من تأخيره إلا برهن يضعه عنده. فإذا رأي الرهن يساوي أكثر مما له عنده، أمسكه بما له قبله، ولم يصرفه عليه، فهذا أحد المعنيين. والآخر أن الرجل كان يرهن الرهن ثم لا يريد أن يفكه إذا رأى أن رهنه لا يساوي القيمة التي عليه. وهو عكس القول الأول. وكلاهما قد فسر به الحديث، وإن كان التفسير الأول أظهر
(1/88)

التفسيرين. ومن هذا المعنى الثاني ما روى في تفسير قولهم: أهون من قعيس على عمته. قالوا: أصله أن (قعيستا) رهنته عمته في جزرة بقل اشترتها، لم ثم لم تفكه وقال: غلق الرهن.
وقوله: (والمنحة مردودة) المنحة، والمنيحة: الشاة أو الناقة يعيرها الرجل صاحبه، لينتفع بلبنها مدة ثم يردها. فأراد أن إعطاءه إياها ليس يخرجها عن ملك صاحبها، إلا أن يعطيها إياه على وجه الهبة، فليس له أن يرجع فيما وهب، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((الراجع في هبته كالراجع في قيئه))
وقوله: (والعارية مؤداة): يريد أن إعارته إياها لا يخرجها عن ملكه، كما لم يخرج المنحة عن ملكه منحه إياها. والعارية أعم من المنحة، لأنها لا تقع على كل ما أعطاه الإنسان إعطاء ينوي استرجاعه، إذا قضي المستعير منه حاجته، فكل منحة عارية، وليست كل عارية منحة. واشتقاق العارية من التعاور وهو تداول الرجلين الشيء يفعله هذا حيناً، ويفعله هذا حيناً، ويقال: عاورته الشيء، معاورة وعواراً، كما تقول: داولته الشيء مداولة ودوالا، قال ذو الرمة:
وسقط كعين الديك عاورت صاحبي ... أباها وهيأنا لموقعها وكرا

ووزن عارية على هذا (فعليه)، وأصلها عورية، انقلبت واوها ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها.
(1/89)

وزعم بعض العلماء أنها منسوبة إلى العار، لأن استعارتها عار على مستعيرها وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد استعار أدراعا من صفوان بن أمية، ولو كان ذلك عاراً ما فعله. والثاني. أن العار عينه ياء، ويدل على ذلك قولهم عيرته، كذا قال النابغة:
وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل على بأن أخشاك من عار

وعين العارية واو. فلا يجوز أن يكون أحدهما مشتقاً من الآخر. والدليل على أن العين من عارية واو، قولهم: تعاورنا العواري بيننا. وما أنشدنا من بيت ذي الرمة المتقدم.
وقوله: (والزعيم غارم). الزعيم: الضامن. يقال: زعمت بالشيء أزعم زعامة. كقولك: كفلت به أكفل كفالة، قال أمية بن أبي الصلت:
وإني زعيم لكم أنه ... سينجز كم ربكم ما زعم

وقوله: (ولا وصية لوارث) معناه، أن الرجل إذا مات وأوصى بثلث ماله للمساكين، فليس لمن يرثه من مساكين أهله حظ في ذلك الثلث، وإنما هو لمن لاحظ له في ميراثه.
وقوله: (ولا قطع في ثمر ولا كثر)، الكثر: الجمار، واحده كثرة، ومعناه: أن السارق إذا سرق ثمراً من شجرة، أو كثراً من
(1/90)

نخلة، ولم يكن تحت ثقاف وحرز، لم يلزمه قطع يده. ولكن يؤدب بما يراه الإمام. فإذا كان ذلك تحت حرز وثقاف، وسرق منه قدر ربع دينار. لزمه قطع يده.
وقوله (ولا قود إلا بحديدة) القود: القصاص. ومعناه أن القاتل إذا قتل رجلاً بأي أنواع القتل كان، فإنما يقتص منه بالسيف. ومن الفقهاء من يرى أن يفعل به مثل ما فعل.
وقوله (والمرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية) أي تساويه في العقل. فإذا بلغ العقل ثلث الدية، أخذت نصف ما يأخذه الرجل. والدية مائة بعير، أو قيمتها من الذهب أو الدراهم. فإن قطع لها إصبع وللرجل إصبع، أخذ كل واحد منهما عشراً من الإبل، فإن قطع للمرأة إصبعان وللرجل إصبعان، أخذ كل منهما عشرين من الإبل، وكذلك يأخذ كل واحد منهما في ثلاث أصابع ثلاثين. فإن قطع كل واحد منهما أربع أصابع، أخذ الرجل أربعين من الإبل وأخذت المرأة عشرين، لأن الدية قد تجاوزت الثلث.
وقوله (ولا تعقل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً) العاقلة: أهل الزوجة وقرابته الذين يغرمون عنه الدية، أي إنما يعقلون عنه، إذا قتل خطأ، فأما إذا قتل عمداً، فإن الدية، عليه في صميم ماله، إن رضى بذلك ولي المقتول. ومعنى العبد: أن يقتل الرجل عبداً لغيره، فتلزمه قيمته في صميم ماله. والصلح: أن يصالح أولياء المقتول على شيء يعطيهم
(1/91)

إياه. والاعتراف: أن يقر على نفسه بأنه قتل بأنه قتل خطأ، فتلزمه الدية في ماله أيضاً.
وقوله: (ولا طلاق في إغلاق): الإغلاق: الإكراه. واشتقاقه من أغلقت الباب إغلاقاً، كأن المكره سدت عليه الأبواب والسبل، فلم يجد بداً من الطلاق.
وزعم بعض الناس أن الإغلاق الغضب. والإغلاق وإن كان يوجد في اللغة بمعنى الغضب، فليس المراد هنا بالحديث. ولو كان هذا صحيحاً لم يلزم أحداً طلاق، لأن كل مطلق لا يطلق إلا وهو غضبان على، عرسه غير راض.
وقوله: (والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا) يعني بالبيعين: البائع والمشتري، لأن البيع في كلام العرب من الأضداد. واختلف الفقهاء في صفة الافتراق، فمنهم من يرى أنه تباعد الأشخاص وتباينها. ومنهم من يرى أنه الافتراق بالعقد، وانقطاع الكلام، وإن لم يفترق الأشخاص.
وقوله: (والجار أحق بصقبه) يريد بذلك الشفعة. وبهذا الحديث أوجب العراقيون الشفعة للجار. وأما الحجازيون من الفقهاء، فإنهم لا يرون الشفعة إلا للشريك. والصقب على وجهين: يكون القرب، ويكون الشيء القريب بعينه.
وقوله: (والطلاق بالرجال، والعدة بالنساء). هذا مذهب عثمان بن عفان- رضي الله عنه- ومعناه: أن الحرة إذا كانت تحت مملوك بانت عنه
(1/92)

بطلقتين، واعتدت ثلاثة قروء، وهي الأطهار على مذهب الحجازيين، والحيض على مذهب العراقيين. وإذا كانت مملوكة تحت حر بانت عنه بثلاث طلقات، واعتدت قرءين، فينظر في الطلاق إلى الرجل، وفي العدة إلى المرأة.
وأما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: الطلاق بالنساء والعدة بالنساء، لا ينظر إلى الرجل في شيء من الطلاق. فإن كانت حرة تحت مملوك، بانت عنه بثلاث طلقات، واعتدت ثلاثة قروء. وإن كانت مملوكة تحت حر، بانت عنه بطلقتين، واعتدت قرءين.
فأما الفقهاء الحجازيون فأخذوا بمذهب عثمان، فجرت عليه أحكامهم. وأما الفقهاء العراقيون فأخذوا بمذهب علي، فجرت عليه أحكامهم.
وفي هذا قول ثالث، قاله عبد الله بن عمر رضي الله عنه، لم يجر به حكم، وهو أنه قال: يقع الطلاق بمن رق منهما.
وقوله: (وكنهيه في البيوع عن المخابرة) والمخابرة: المزارعة على جزء مما يخرج من الأرض، كالثلث والربع ونحوهما. وفي اشتقاقها قولان: أحدهما أنها مشتقة من الخبرة وهو النصيب، والخبرة أيضاً أن يشتري قوم شاة فيقتسموها .. قال عروة بن الورد:
إذا ما جعلت الشاة للقوم خبرة ... فشأنك أني ذاهب لشئوني

والثاني: قول ابن الأعرابي، كان يزعم أنها مشتقة من خيبر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، أقرها بأيدي أصحابها حين افتتحها، على أن يأخذ منهم
(1/93)

نصف غلاتها. ثم تنازعوا، فنهى عن ذلك. ويقال للأكار: خبير. ويقال للمخابرة: خبر أيضاً، بكسر الخاء.
(والمحاقلة): فيها ثلاثة أقوال: قال قوم: هي بيع الزرع في سنبله بالحنطة ونحوها. وقيل: هي كراء الأرض ببعض ما يخرج منها من الطعام. وقيل: هي مثل المخابرة. وهذا القول أشبه بها من طريق اللغة، لأنها مأخوذة من الحقل وهو القراح. ويقال له: المحقل أيضاً. وقال الراجز.
يخطر بالمنجل وسط الحقل ... يوم الحصاد خطران الفحل

(والمزابنة): بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر كيلاً، وبيع العنب بالزبيب كيلاً، واشتقاقها من الزبن، وهو الدفع: يقال: زبنت الناقة الحالب إذا ضربته برجلها عند الحلب. وتزابن الرجلان: إذا تخاصما. ومنه قيل: حرب زبون، لأن الناس يفرون عنها، فكأنها تزبنهم. ويجوز أن يكون قيل لها زبون، لأن كل واحد من الفريقين يزبن صاحبه، فنسب الزبن إليها. والمراد: أهلها الذين يتزابنون، كما قال تعالى: {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ}. وإنما الكذب والخطأ لصاحبها.
قال أبو الغول الطهوي:
فوارس لا يملون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الزبون
(1/94)

فسميت هذه المبايعة مزابنة، لأن المشتري إذا بان له أنه مغبون، أراد فسخ البيع، وأراد البائع إمضاءه، فتزابنا، أي تدافعاً وتخاصما.
وكان مالك رضي الله عنه يجعل المزاينة في كل شيء، من الجزاف الذي لا يعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده، بيع شيء [غير] مسمى الكيل والوزن والعدد.
(والمعاومة) فيها قولان: قال قوم: هي بيع عصير الكرم لعامين، وكذلك حمل النخل ونحوه من الشجر. وهذا دخل في بيع الغرر، لأنه لا يجوز بيع شيء منها حتى يبدو صلاحه. وقال قوم: هي مبايعة كانت في الجاهلية يبيع الرجل من صاحبه السلعة مؤجلاً عنه ثمنها إلى انقضاء عام، فإذا انقضى العام واقتضاه الثمن، قال: ليس عندي مال، ولكن أضعف على العدد، وأجلني به إلى انقضاء عام آخر.
(والثنيا): بيع الغرر المجهول الكيل والوزن. والاستثناء منه، وذلك غير جائز، لأن المستثنى منه ربما أتى على جميعه. فمن الفقهاء من لا يجيزه لا فيما قل، ولا فيما كثر. ومنهم من يجيزه إن كان المستثنى الثلث فما دونه، ولا يجيزه إن كان أكثر منه.
(1/95)

(وبيع ما لا يقبض): أن يبيع الرجل الشيء قبل أن يقبضه، وإن باعه بأكثر من الثمن الذي اشتراه، فهو ربح ما لم يضمن.
(والبيع والسلف): أن يقول الرجل لصاحبه: أبيعك هذه السلعة بكذا وكذا درهماً، على أن تسلفني كذا وكذا، لأنه لا يؤمن أن يكون باعه السلعة بأقل من ثمنها، من أجل القرض.
وقوله: (شرطان في بيع): أن يقول الرجل لصاحبه أبيعك هذه السلعة إلى شهر بدينار، وإلى شهرين بثلاثة دنانير وهو شبيه بيعتين في بيعة. وهذا غير جائز. فأما بيع وشرط.، ففيه خلاف. قال عبد الوارث بن سعيد: وردت مكة حاجاً فألفيت فيها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فقلت لأبي حنيفة: ما تقول في رجل باع بيعاً وشرط شرطاً، فقال: البيع باطل، والشرط باطل. فأتيت ابن أبي ليلى فسألته عن ذلك، فقال: البيع جائز، والشرط باطل. فأتيت ابن شبرمة،
(1/96)

فسألته عن ذلك، فقال: البيع جائز والشرط جائز. فقلت: يا سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق لا يتفقون على مسألة. قال: فأتيت أبا حنيفة، فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط، فالبيع باطل، والشرط باطل. قال: فأتيت ابن أبي ليلى، فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك، حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أشترى بريرة فأعتقها. البيع جائز، والشرط باطل. قال: فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بما قال صاحباه، فقال: ما أدري ما قالا لك. حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار، عن جابر قال: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعيرا، وشرط لي حملانه) إلى المدينة، فالبيع جائز، والشرط جائز ويروي ناقة.
(وبيع الغرر): يقع في أشياء كثيرة، كبيع الجنين في بطن أمه، وبيع العبد في حين إباقة، وبيع عصير الكرم قبل أن يبدو صلاحه. وكذلك كل شيء لا يكون المبتاع منه على ثقة.
(وبيع المواصفة): أن تبيع الشيء بالصفة من غير نظر إليه.
(وبيع الكالئ بالكالئ): بيع الدين بالدين، كالرجل يسلم إلى رجل في طعام. فإذا حان وقت تقاضي الطعام، قال له المسلم
(1/97)

إليه: ليس عندي طعام أعطيكه. ولكن بعه مني. فإذا باعه منه قال: ليس عندي مال، ولكن أجلني بالثمن شهراً. وكان الأصمعي لا يهمز الكالئ ويحتج بقول الشاعر:
وإذا تبا شرك الهمو ... م فإنها كال وناجز

وأما أبو عبيدة معمر بن المثني، فإنه كان يهمزه، ويحتج يقول الراجز:
وعينه كالكالئ المضمار
والذي قاله أبو عبيدة هو الصحيح. والدليل على ذلك قولهم: تكلأت كلأة: إذا أخذت نسيئة. وكلأ الشيء: إذا بلغ منتهاه وغايته. قال الشاعر:
تعففت عنها في العصور التي خلت ... فكيف التصابي بعدما كلأ العمر

وأما البيت الذي أنشده الأصمعي فلا حجة فيه، لأنه جاء على تخفيف الهمزة كما قال الآخر.
وكنت أذل من وتد بقاع ... يشجج رأسه بالقهر واج

أراد: واجئ.
وقوله: (وعن تلقى الركبان): كانوا يخرجون إلى الركبان قبل
(1/98)

قبل وصولها إلى المصر، فيبتاعون السلع بأقل من أثمانها، ويخدعون الأعراب. ثم يأتون بتلك السلع إلى المصر فيبيعونها ويلغون في أثمانها: ولو ورد الأعراب بها لاشتريت منهم بأقل من ذلك، فنهوا عن ذلك. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوا عباد الله يصيب بعضهم من بعض)).
وقوله: (ليدخلها في تضاعيف سطوره): يريد بين سطوره، وفي أثنائها. وعيون الحديث: خياره. وعين كل شيء: أفضله.
قال الشاعر:
قالوا خذ العين من كل فقلت لهم ... في العين فضل ولكن ناظر العين
حرفان في ألف طومار مسودة ... وربما لم تجد في الألف حرفين

وقوله: (ويصل بها كلامه إذا حاور) المحاورة: مراجعة الكلام. يقال: حاورته محاورة وحوار، قال عنترة:
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ... ولكان لو يدري الكلام مكلمي

وقال النابغة:
بتكلم لو تستطيع حواره ... لدنت له أروى الهضاب الصخد
(1/99)

وقوله: (ومدار الأمر على القطب وهو العقل): أصل القطب ما تدور عليه الرحى، وما تدور عليه البكرة. وفيه أربع لغات: قطب على وزن خرج، وقطب على وزن فلس، وقطب على وزن عدل، وقطب على وزن عنق. وجعل عقل الإنسان قطبا له، لأن مدار أموره عليه، كما أن مدار الرحى على قطبها.
وقوله: (وجودة القريحة): أصل القريحة: أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها. وقريح السحابة: ماؤها حين ينزل. والاقتراح: ابتداع الشيء، فكأن معنى قريحة الإنسان ذهنه، وما يستخرجه به مع المعاني.
وقوله: (ونحن نستحب لمن قبل غنا وأتم بكتبنا): يريد: أن المتأدب أحوج إلى تأديب أخلاقه، منه إلى تأديب لسانه. وذلك أنك تجد من العامة الذين لم ينظروا في شيء من الأدب، من هو حسن اللقاء، جميل المعاملة، حلو الشمائل، مكرم لجليسه. وتجد في ذوي الأدب، من أفنى دهره في القراءة والنظر، وهو مع ذلك قبيح اللقاء، سيئ المعاملة، جافى الشمائل، غليظ الطبع. ولذلك قيل: الأدب نوعان: أدب خبرة، وأدب عشرة. وقال الشاعر:
يا سائلي عن أدب الخبرة ... أحسن منه أدب العشرة
كم من فتى تكثر آدابه ... أخلاقه من علمه صفره

والخطل من القول: الكثير في فساد. يقال: رجل أخطل: إذا كان بذئ اللسان. وبه سمى الأخطل في بعض الأقوال، وذلك أن كعب بن جعيل، كان شاعر تغلب في زمانه، وكان لا ينزل بقوم منهم إلا أكرموه، فنزل برهط الأخطل، فجمعوا له غنماً وحظروا عليها في حظيرة، فجاء
(1/100)

الأخطل- وإسمه: غويث بن غياث- وهو يومئذ صبي، فأخرج الغنم من الحظيرة، فخرج كعب إليه فشتمه، ودعا قوماً، فأعانوه على ردها إلى الحظيرة. فارتقب الأخطل غفلته، فأخرجها من الزريبة، فقال كعب: يا بني مالك، كفوا عني غلامكم. فقال الأخطل: إن هجوتنا هجوناك. فقال: ومن يهجوني؟ قال: أنا فقال كعب: ويل لذاك الوجه غب الحمة. أراد غبا الحمة فحذف التنوين لالتقاء الساكنين والحمة: السواد: فقال الأخطل ... ... فقال كعب بن جعيل،: إن غلامكم هذا لأخطل، ولج بينهما الهجاء، فقال الأخطل:
وسميت كعباً بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل
وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل

ففزع كعب وقال: والله لقد هجوت نفسي بالبيت الأول من هذين البيتين وعلمت أني سأهجى به.
وقد قيل: إنه سمى الأخطل، لأن ابني جعيل وأمهما تحاكموا إليه، فقال:
لعمرك إنني وابني جعيل ... وأمهما لإستار لئيم

فقالوا له: إنك الأخطل. والإستار: أربعة من العدد ورفث المزح ما كان فيه ذكر النكاح والإسوة والأسوة بكسر الهمزة وضمها: القدوة .. والدعابة: الفكاهة. والمزاح: [مصدر، مازح]، ويقال: مزح ومزاح، ومزاحة وممازحة، بمعنى واحد.
(1/101)

ويقال: توفى الرجل: إذا مات وتوفى: إذا نام. لأن حال النوم حال تضارع الموت، كما أن حال اليقظة، تضارع حال الحياة. ولذلك قال الشاعر:
نموت ونحيا كل يوم وليلة ... ولابد يوماً أن تموت ولا نحيا

وقال المعري:
وبين الردى والنوم قربى ونسبة ... وشتان برء للنفوس وإعلال

والرجل الذي سئل عنه ابن سيرين، اسمه هشام بن حسان، غاب عن مجلس ابن سيرين فقال له رجل:- أحسبه غالباً التمار-، فلماذا أرى هشاماً قد غاب اليوم عن مجلسنا؟ فقال ابن سيرين أما علمت أنه توفى البارحة؟
اقتضى ذكر الشيء الملفف في البجاد وذكر السخينة في هذه الممازحة، أن معاوية كان قرشياً، وكانت قريش تعير بأكل السخينة، وكان السبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما بعث فيهم، وكفروا به، دعا الله تعالى عليهم، وقال: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)) فأجدبوا سبع سنين، فكانوا يأكلون الوبر بالدم، ويسمونه العلهز. وكان أكثر قريش إذ ذاك يأكلون السخينة، فكانت قريش تلقب (سخينة). ولذلك يقول حسان بن ثابت:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب
(1/102)

وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى، أن قريشاً كانت تلقب سخينة، لأكلهم السخن، وأنه لقب لزمهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. ويدل على صحة ما ذكره قول خداش بن زهير، ولم يدرك الإسلام:
ياشدة ما شددنا يوم ذاك على ... ذوى سخينة لولا الليل والحرم

وأما الأحنف بن قيس فإنه كان تميماً. وكانت تميم تعير بحب الطعام وشدة الشرة إليه. وكان السبب الذي جر دلك، أن أسعد بن المنذر أخا عمرو ابن هند، كان مسترضعاً في بني دارم في حجر حاجب بن زرارة بن عدس. وقيل في حجر زرارة، فخرج يوماً يتصيد، فلم يصب شيئاً، فمر بإبل سويد بن ربيعة الدرامي، فنحر منها بكره فقتله سويد. فقال عمرو بن ملقط الطائي يحرض عمرو بن هند:
من مبلغ عمرا بأن ... المرء لم يخلق صباره
ونوائب الأيام لا ... تبقى عليهم الحجارة
ها إن عجزة أمه ... بالسفح أسفل من أواره
تسفى الرياح خلال كش ... حية وقد سلبوا إزاره
فاقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زراره
(1/103)

فغزاهم عمرو بن هند يوم القصيبة، ويوم أواراة ثم أقسم ليحرقن منهم مائة رجل، فبذلك سمى محرقاً. فأخذ لهم منه تسعة وتسعون رجلاً، فقذفهم في النار. وأراد أن يبر قسمه بعجوز منهم، ليكمل العدة التي أقسم عليها. فلما أمر بها قالت: ألا من فتى يفدى هذه العجوز بنفسه!! ثم قالت: (هيهات صارت الفتيان حمما)!، وأدركه النهم والشره، فأقبل حتى وقف على الملك فقال: من أنت؟ فقال: وافد البراجم. فقال عمرو:
إن الشقي وافد البراجم
فذهبت مثلاً، ثم أمر به فقذف في النار. ففي ذلك يقول جرير يعير الفرزدق:
أين الذين بنار عمرو حرقوا ... أم أين أسعد فيكم المسترضع

وقال أيضاً:
وأخزاكم عمرو كما قد خزيتم ... وأدرك عماراً شقي البراجم
(1/104)

وقال الطرماح
ودارم قد قذفنا منهم مائة ... في جاحم النار إذ ينزون بالجدد
ينزون بالمستوى منها ويوقدها ... عمرو ولولا شحوم القوم لم تقد

ولذلك عيرت بنو تميم بحب الطعام لطمع البرجمي في الأكل. فقال يزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي:
ألا أبلغ لديك بني تميم ... بآية ما يحبون الطعاما

وقال أبو المهوش الأسدي:
إذا ما مات ميت من تميم ... وسرك أن يعيش فجئ بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف الآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد

قوله: (إذا ما مات ميت من تميم): فيه رد علي أبي حاتم السجستاني ومن ذهب مذهبه، لأن أبا حاتم كان يقول: قول العامة مات الميت: خطأ والصواب: مات الحي.
وهذا الذي أنكره غير منكر، لأن الحي قد يجوز أن يسمى ميتاً، لأن أمره يئول إلى الميت. كما يقال للزرع قصيل، لأنه يقصل أي يقطع. وتقول العرب: بئس الرمية الأرنب، فيسمونها رمية، لأنها مما يرمي. ويقال للكبش الذي يراد ذبحه: ذبيحة، وهو لم يذبح،
(1/105)

وأضحية ولم يضح بها. وقال الله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} وقال {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} وإنما يعصر العنب وهذا النوع في كلام العرب كثير. والعجب من إنكار أبي حاتم إياه مع كثرته. وقد فرق قوم بين الميت بالتشديد، والميت بالتخفيف. فقالوا: الميت بالتشديد: ما سيموت، والميت بالتخفيف: ما قد مات. وهذا خطأ في القياس، ومخالف للسماع.
أما القياس، فإن ميت المخفف إنما أصله ميت فخفف. وتخفيفه لم يحدث فيه معنى مخالفاً لمعناه في حال التشديد، كما يقال: هين وهين، ولين ولين، فكما أن التخفيف في هين ولين لم يحل معناهما، فكذلك تخفيف ميت.
وأما السماع فإنا وجدنا العرب لم تجعل بينهما فرقاً في الاستعمال، ومن أبين ما جاء في ذلك قول الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء

وقال ابن قنعاس الأسدي:
ألا يا ليتني والمرء ميت ... وما يغني عن الحدثان ليت
(1/106)

ففي البيت الأول سوى بينهما. وفي البيت الثاني جعل الميت المخفف: الحي الذي لم يمت، ألا ترى أن معناه والمرء سيموت، فجرى مجرى قوله تعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}.
وقال آخر:
إذا شئت آذاني صروم مشيع ... معي وعقام تتقي الفحل مقلت
يطوف بها من جانبيها ويتقي ... بها الشمس حتى في الأكارع ميت

يريد الظل: فجعل الميت (بالتشديد): ما قد مات.
وقوله: (بخبز أو بتمر أو بسمن) بدل من قوله: بزاد. أعاد معه حرف الجر، كقوله تعالى: {لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ} والملفف في البجاد: وطب اللبن، يلف فيه، ويترك حتى يروب. والوطب: زق اللبن خاصة. والبجاد: الكساء فيه خطوط.
وقوله: (حرصا) ينتصب على وجهين: أحدهما: أن يكون مصدراً سد مسد الحال، كما يقال: جئته ركضا، وخرجت عدواً، يريد: راكضاً، وعادياً، وحريصاً. والوجه الثاني: أن يكون مفعولاً من أجله. وإنما ذكر لقمان بن عاد لجلالته وعظمته. يريد أنه لشدة نهمه وشرهه إذا ظفر بأكلة، فكأنه قد ظفر برأس لقمان، لسروره بما نال، وإعجابه بما وصل إليه. وهذا كما يقال لمن يزهي بما فعل، ويفخر بما أدركه، كأنه قد جاء برأس خاقان.
(1/107)

وهذا الكلام الذي درى بين معاوية والأحنف يسمى التعريض، لأن كل واحد منهما عرض لصاحبه بما تسب به قبيلته، من غير تصريح. ونظيره ما يحكى أن رجلاً من بني نمير زار رجلاً من بني فقعس، فقال له الفقعسي: مالك لا تزورنا؟ فقال له النميري: والله إني لآتيك زائراً مراراً كثيرة. ولكني أجد على بابك شيئاً قذرا، فأنصرف ولا أدخل. فقال له الفقعسي: اطرح عليه شيئاً من تراب وادخل. عرض له النميري بقول الشاعر:
ينام الفقعسي ولا يصلي ... ويحدث فوق قارعة الطريق

وعرض له الفقعسي بقول جرير في هجائه بني نمير:
ولو وطئت نساء بني نمير ... على التوراب أخبثن الترابا

ويشبه ذلك أيضاً ما يروي من أن شريك بن عبد الله النميري، ساير عمر بن هبيرة الفزاري يوماً فبدرت بغلة شريك، فقال له ابن هبيرة: غض من لجام بغلتك فقال شريك: إنها مكتوبة أصلح الله الأمير: فضحك ابن هبيرة وقال: لم أرد ما ذهبت إليه وتوهمته. عرض له ابن هبيرة بقول الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا

وعرض له شريك بن عبد الله بقول سالم بن دارة:
(1/108)

تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصيك واكتبها بأسيار

وكان بنو فزارة ينسبون إلى غشيان الإبل.
وقوله: (وأراد الأحنف أن قريشاً كانت تعير بأكل السخينة) هكذا رويناه عن أبي نصر، عن أبي علي البغدادي. وهذا يخالف ابن قتيبة في هذا الكتاب، لأنه قال: وتقول: عيرتني كذا، ولا تقول: عيرتني بكذا. وأنشد للنابغة.
وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل على بأن أخشاك من عار

وقد تأملته في عدة من النسخ المضبوطة الصحاح، فوجدته بالباء. والصحيح في هذا أنهما لغتان، وإسقاط الباء أفصح وأكثر والحساء والحسو: لغتان. والعجف: الضعف والهزال. وأراد بالمال هاهنا: الحيوان. وكذا تستعمله العرب في أكثر كلامها.
وقد يجعلون المال اسماً لكل ما يملكه الإنسان: من ناطق وصامت. قال الله تعالى: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ} وقال {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} فالمال في هاتين الآيتين عام لكل ما يملك، لا يخص به شيء دون شيء. وكلب الزمان! شدته. وأصل الكلب: سعار يصيب الكلاب، فضرب بذلك مثلاً للزمان الذي يذهب بالأموال، ويتعرق الأجسام، كما سموا السنة الشديدة ضبعاً، تشبيها له بالضبع.
(1/109)

وقالوا: أكله الدهر، وتعرقة الزمان. قال العباسي بن مرداس السلمي
أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع

وقوله: (ونستحب له أن يدع في كلامه التقعير والتعقيب) قال أبو علي: التقعير: أن يتكلم بأقصى قعر فمه. يقال: قعر في كلامه تقعيراً. وهو مأخوذ من قولهم: قعرت البئر وأقعرتها: إذا عظمت قعرها. وإناء قعران، إذا كان عظيم القعر، فكأن المقعر: الذي يتوسع في الكلام ويتشدق. ويجوز أن يكون من قولهم: قعرت النخلة فانقعرت: إذا قلعتها من أصلها، فلم تبق منها شيئاً. فيكون معنى المقعر من الرجال الذي لا يبقى من الفصاحة والتشدق إلا أتى عليها.
والتقعيب: أن يصير فمه عند التكلم كالقعب، وهو القدح الصغير وقد يكون الكبير.
وقوله: (أن سألتك ثمن شكرها وشبرك) أنشأت تطلها وتضهلها): الشكر: الفرج. والشبر: النكاح. يقال: شبر الفحل الناقة: إذا علاها. وفي الحديث أنه نهى عن شبر الفحل، والمعنى عن ثمن شبر الفحل، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وقوله: (أنشأت): أقبلت وابتدأت. ومنه يقال: أنشأ الشاعر يقول كذا. ومنه قول الراجز:
(1/110)

يا ليت أم الغمر كانت صاحبي ... مكان من أنشأ على الركائب

ومعنى تطلها: تسعى في بطلان حقها من قولهم: طل دمه وأطل: ذهب هدراً ويجوز أنه يريد يقلل لها العطاء، فيكون مأخوذاً من الطل، وهو أضعف المطر. يقال: طلت الروضة: إذا أصابها الطل فهي مطلولة. قال الشاعر:
لها مقلتا أدماء طل خميلة ... من الوحش ما تنفك ترعى عرارها

وهذا بيت مشكل الإعراب لأن فيه تقديماً وتأخيراً. وتقديره: لها مقلتا أدماء من الوحش، ما تنفك ترعى خميلة طل عرارها. فانتصب الخميلة بترعى وارتفع العرار بطل.
وقوله: (وتضهلها): أي تعطيها حقها شيئاً بعد شيء، من قولهم: بئر ضهول: إذا كان ماؤها يخرج من جرابها، وهو ناحيتها، وإنما يكثر ماؤها إذا خرج من قعرها.
وقوله: (وكقول عيسى بن عمر ويوسف بن هبيرة يضربه بالسياط) كذا رويناه من طريق أبي نصر، عن أبي علي البغدادي. ولم يكن ابن هبيرة
(1/111)

الضارب لعيسى ابن عمر، إنما الضارب له يوسف بن عمر الثقفي في ولايته العراق، بعد خالد بن عبد الله القسري.
ووجدت في بعض النسخ عن أبي علي البغدادي: (ويوسف بن عمر بن هبيرة بضربه بالسياط)، فإن كان هذا صحيحاً، فكلام ابن قتيبة لا اعتراض فيه.
ووقع في طبقات النحويين واللغويين للزبيدي على ما ذكره ابن قتيبة.
وكان عيسى ابن عمر هذا شديد التقعير في كلامه. ومما يحكى من تشدقه أنه قال: أتيت الحسن البصري مجرمزاً حتى اقعنبيت بين يديه، فقلت له: يا أبا سعيد: أرأيت قول الله تعالى {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} فقال: هو الطبيع في كفراه. ولعمري إن الآية لأبين من تفسيره. والطلع: أول ما يطلع في النخلة من حملها قبل أن ينشق عنه غشاؤه الذي يستره، فإذا انشق عنه غشاؤه، قيل له: الضحك، لأنه أبيض يشبه انشقاقه وبروزه بظهور الأسنان عند الضحك. والطبيع بكسر الطاء والباء وتشديدهما: الطلع بعينه. ويقال له: الطبيع أيضاً بفتح الطاء، وتخفيف الباء، والكفرى بضم الفاء وفتحها: الغشاء الذي يكون فيه الطلع. ويقال له أيضاً: الكمام والكم. قال الله تعالى {ومَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا} والمجرمز: المسرع. ومعنى اقعنبيت: جلست جلسة مستوفز.
(1/112)

ويروى أن رجلاً من المتقعرين مرضت أمه، فأمرته أن يصير إلى المسجد، ويسأل الناس الدعاء لها، فكتب في حيطان المسجد صين وأعين رجل دعا لامرأة مقسئنة عليلة، بليت بأكل هذا الطرموق الخبيث، أن يمن الله عليها بالاطرغشاش والابرغشاش. فما قرأ أحد الكتاب إلا لعنه وأمه. يريد بقوله: صين وأعين: صانه الله وأعانه، على معنى الدعاء. والمقسئنة: المتناهية في الهرم والشنج. يقال اقسأن العود إذا اشتد وصلب وذهبت عنه الرطوبة واللين والطرموق: الطفل فإذا قلت الطمروق، بتقديم الميم على الراء: هو الخفاش. ويقال: اطرغش الرجل من من مرضه وابرغش، وتقشقش: إذا أفاق وبرأ. وكان يقال {قُلْ هُو اللهُ أَحَد} و {قٌلْ يَا أَيُّها الكَافِرُون} المقشقشتان. يراد أنهما تبرئان حافظهما من النفاق والكفر، قال الشاعر:
أعيذك بالمقشقشتين مما ... أحاذره ومن شر العيون

وكان أبو علقمة النحوي ممن ينحو نحو عيسى بن عمر في التقعر. وكان يعتريه هيجان مراراً في بعض الأوقات. فهاج به في بعض الطريق فسقط إلى الأرض مغشياً عليه. فاجتمع الناس حوله، وظنوه مجنوناً. فجعلوا يقرءون في أذنه، ويعضون على إبهامه. فلما ذهب ما كان به، فتح عينيه، فنظر إلى
(1/113)

الناس يزدحمون عليه فقال: ما لكم تتكأكئون على كأنما تتكأكئون على ذي جنة. افرنقعوا عني. فقال رجل منهم: فإنه شيطانه يتكلم بالهندية. يقال: تكأكأ الرجل عن الشيء: إذا انحنى وتقاصر دونه. ومنه قيل للقصير: متكأكئ. وتكأكأ القوم: إذا تضايقوا وازدحموا. فإذا قيل: تكأكأ عن الشيء، فمعناه: ارتدع ونكص على عقبه. وإلا فرنقاع: الزوال عن الشيء.
ومن طريف أخبار المتقعرين ما روى من أن الجرجرائي كان له كاتب يتقعر في كلامه، فدخل الحمام في السحر، فوجده خالياً. فقال لبعض الخدم: ناولني الحديدة التي تمتلخ بها الطؤطؤة من الإخفيق. فلم يفهم قوله. وعلم بهيئة الحال أنه يطلب ما يزيل به الشعر عن عانته، فأخذ كستبان النورة، فصبه عليه. فخرج وشكا به إلى صاحب المدينة، فأمر بالخادم إلى السجن. فوصل الأمر بالجرجرائي فضحك، واستطرف ما جرى. وأمر بالخادم فأطلق، وألحقه بجملة أتباعه.
أراد بقوله: تمتلخ: تنزع وتزال، من قولهم: أمتلخت غصناً من من الشجر: إذا قطعته. وملخت اللجام عن رأس الفرس: إذا نزعته.
(1/114)

والطؤطؤة: شعر العانة. ويقال له: الشعرة أيضاً. والإخفيق: الشق يكون في الأرض. ويقال: استحد الرجل واستعان: إذا حلق عانته. حكاه أبو عمر المطرز.
ويقال من النورة: انتار الرجل انتياراً، وانتور انتوراً، وتنور تنوراً وكان أبو العباس أحمد بن يحيي ثعلب ينكر تنور، ويزعم أنه لا يقال: تنور إلا إذا نظر إلى النار، كما قال امرؤ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال

وقد أنشد أبو تمام في الحماسة ما يدل على خلاف ما قال ثعلب، وهو لعبيد بن قرط الأسدي، وكان دخل الحضرة مع صاحبين له، فأحب صاحباه دخول الحمام، فنهاهما عن ذلك، فأبيا إلا دخوله، ورأيا رجلاً يتنور فسألا عنه فأخبرا بخبر النورة، فأحبا استعمالها فلم يحسنا وأحرقتهما النورة وأضرت بهما فقال عبيد:
لعمري لقد حذرت قرطاً وجاره ... ولا ينفع التحذير من ليس يحذر
نهيتهما عن نورة أحرقتهما ... وحمام سوء ماءه يتسعر
فما منهما إلا أتاني موقعاً ... به أثر من مسها يتعشر
(1/115)

أجدكما لم تعلما أن جارنا ... أبا الحسل بالبيداء لا يتنور
ولم تعلما حمامنا في بلادنا ... إذا جعل الحرباء بالجذل يخطر

وقوله: (وينافسون في العلم) المنافسة: أن تشتد رغبة الرجل في الشيء، حتى يحسد غيره عليه أو يغبطه. وهي مشتقة من النفس، يراد ميل النفس إلى الأمر، وحرصها عليه. قوله: (ويرونه تلو المقدار) التلو: التابع. فإذا قلت: (تلو) بفتح التاء، فهو المصدر من تلوته أتلوه .. والمقدار هاهنا: بمعنى القدر الذي يراد به القضاء السابق.
ومعنى كون العلم تبعا للمقدار، أن الله تعالى قدر في سابق علمه، أن يكون العلم عزا لصاحبه وشرفا. والجهل ذلاً ومهانة، فيه النجاة، وبعدمه الهلاك. وإنما أخذ هذا من قوله صلى الله عليه وسلم: ((من استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب)).
وقد ألم أبو الطيب المتنبي بنحو هذا لمعنى في قوله:
كأن نوالك بعض القضاء ... فما تعط منه نجده جدوداً

ويجوز أن يريد بالمقدار، قيمة الإنسان. كما يقال: ما لفلان عندي قدر ولا قدر، ولا مقدار، أي قيمة. فيكون مثل قول علي رضي الله عنه: قيمة كل امرئ ما يحسن. فإن قال قائل: كان ينبغي على هذا التأويل الثاني أن يقول: ويرون المقدار تلو العلم لأن قيمة الرجل هي التابعة لعلمه. فالجواب أن هذا التأويل يصح على وجهين: أحدهما: أن يزيد مقدار الإنسان
(1/116)

عند الله تعالى أي أن الله تعالى يهب له من العلم بحسب مكانته عنده. وهذا نحو مما ذكرناه من قوله صلى الله عليه وسلم: ما استرذل الله عبداً! إلا حظر عليه العلم والأدب. فيكون راجعاً إلى المعنى الأول.
والوجه الثاني: أن يريد مقداره عند الناس، فيكون على هذا الوجه قد أجرى الاسم الذي هو (التلو) مجرى المصدر، الذي هو التلو. كما أجرى القطامي العطاء مجرى الإعطاء في قوله:
وبعد عطائك المائة الرتاعا
ويكون قد جعل المصدر: بمعنى المفعول، كما قالوا: درهم ضرب الأمير. أي مضروبه. فكأنه قال: ويرونه متلو المقدار، أي يرونه الشيء الذي يتلوه المقدار.
ولقائل أن يقول: إن قيمة الإنسان لما كانت مرتبطة بعلمه، صار علمه أيضاً مرتبطاً بقيمته، كالشيئين المتلازمين، اللذين يوجد كل واحد منهما بوجود الآخر، فصار كل واحد منهما تبعاً للآخر من هذه الجهة، وإن لم يكونا كذلك من جهة أخرى.
وقوله: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبغضكم إلى الثرثارون المتفيهقون المتشدقون).
(1/117)

هذه الألفاظ كلها: يراد بها المتنطعون في الكلام، المكثرون.
فاشتقاق الثرثارين من قولهم: عين ثرثارة: إذا كانت كثيرة الماء، وضرع ثرثار: إذا كان غزير اللبن. قال الراجز يصف ناقة:
لشخبها في الصحن للاعشار ... بريزة كصخب الممارى

واشتقاق المتفيهقين من قولهم: فهق الغدير يفهق: إذا امتلأ ماء، فلم يكن فيه موضع مزيد. قال الأعشي:
نفى الذم عن رهط المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق

واشتقاق المتشدقين، من الشدقين، يراد به الذين يفحتون أشداقهم بالقول. يقال: رجل أشدق: إذا كان واسع الشدقين، جهير المنطق، متنطعاً في الكلام. وبه سمى عمرو بن سعيد، الأشدق. وفيه يقول القائل:
تشادق حتى مال بالقول شدقه ... وكل خطيب لا أبالك أشدق

وقد جاء في بعض الحديث، قيل يا رسول الله، وما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون. هذا غير خارج عما قاله أهل اللغة، لأن المتكبر المعجب بنفسه، يدعوه إعجابه بنفسه وتكبره، إلى التنطع في كلامه.
وقوله: (ونستحب له إن استطاع أن يعدل بكلامه عن الجهة التي تلزمه مستثقل الإعراب): يقول: لا ينبغي للمتأدب أن يستعمل في كلامه مع عوام
(1/118)

الناس الإعراب، على حسب ما تستحقه الألفاظ في صناعة النحو. فإنه إن فعل ذلك، استخف به، وصار هزأة لمن يسمعه. وخرج إلى التقعر الذي تقدم ذكره. وإنما ينبغي للمتأدب أن يقصد الألفاظ. السهلة، والإعراب السهل، ويكون على كلامه ديباجة وطلاوة، تدل على أنه متأدب ويجعل لكلامه مرتبة بين الألفاظ السوقية، والألفاظ الوحشية فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((خير الأمور أوساطها.)) ومن هذه الجهة أتى المتقعرون. فإنهم حسبوا أن مكانتهم من الأدب لا تعرف حتى يستعملوا الألفاظ الحوشية، فصاروا ضحكة للناس. كما يحكى من أن رجلاً من المتأدبين، أراد شراء أضحية، فقال لبعض البائعين للأضاحي: بكم هذا الكبش (بكسر الكاف)، فضحك كل من سمعه. فلامه بعض أصحابه، وقال له: لم لم تقل كبش (بفتح الكاف) كما يقول الناس؟ فقال: كذا كنت أقول قبل أن أقرأ الأدب. فما الذي أفادتني القراءة إذن.
وقوله: (فقد كان واصل بن عطاء سام نفسه للشغة.) ... إلى آخر الفصل. معنى سام نفسه للثغة: كلفها ذلك. واللثغ في اللسان: أن يتعذر عليه النطق بالحرف على وجهه، حتى يقلبه حرفاً آخر. وليس يكون ذلك في كل حرف. إنما يكون في القاف، والكاف، والسين، واللام، والراء، وقد يوجد في الشين المعجمة.
فاللثغة في السين، تكون بأن تبدل ثاء، فيقال في ((بسم الله)): بثم الله. واللثغة في القاف تكون بأن تبدل طاء. فيقال في قال لي:
(1/119)

طال لي. وتكون أيضاً بأن تبذل كافاً. فيقال في قال لي: كال لي. واللثغة في الكاف تكون بأن تبدل همزة فيقال في كان كذا: آن إذا. واللثغة في اللام بأن تبدل ياء فيقال في جمل: جمى. وقد تكون بأن تبدل كافاً، فيقال في جمل: جمك كما حكى الجاحظ عن عمر أخي هلال: أنه كان إذا أراد أن يقول: ما العلة في هذا قال، ما اكعكة في هذا. وأما اللثغة التي تعرض في الراء، فذكر الجاحظ أنها تكون في ستة أحرف: العين، والغين، والدال، والياء، واللام، والظاء المعجمة.
وذكر أبو حاتم السجستاني أنها تكون أيضاً في الهمزة.
وكان واصل بن عطاء فصيح اللسان، حسن المنطق بالحروف كلها إلا الراء، فإنه كان يتعذر عليه إخراجها من مخرجها، فأسقطها من كلامه. فكان يناظر الخصوم ويجادلهم، ويخطب على المنبر، فلا يسمع في منطقة راء. فكان أمره إحدى الأعاجيب.
ومما يحكى عنه من تجنبه الراء، قوله وقد ذكر بشاراً بن برد: أما لهذا الأعمى المشنف المكني يأبى معاذ، إنسان يقتله. أما والله لولا أن الغيلة خلق في أخلاق الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجه. ثم لا يكون إلا عقيلياً أو سدوسياً. فقال الأعمى، ولم يقل الضرير، ولا بشار بن برد. وقال: المشنف، ولم يقل المرعث،
(1/120)

وبذلك كان يلقب. وقال: إنسان ولم يقل رجل. وقال: الغيلة، ولم يقل الغدر، وهم سواء. وقال: الغالية، ولم يقل المنصورية، ولا المغيرية، وقال: لبعثت، ولم يقل لأرسلت. وقال من يبهج بطنه ولم يقل يبقر. وقال على مضجعه، ولم يقل على فراشه.
وقال الجاحظ عن قطرب: أنشدني ضرار بن عمرو قول الشاعر في واصل بن عطاء.
ويجعل البر قمحاً في تصرفه ... وخالف الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فعاذ بالغيث إشفاقاً من المطر

وقال: سألت عثمان البري: فكيف كان واصل يصنع في العدد في عشرة، وعشرين، وأربعين؟ وكيف كان يصنع بالقمر، ويوم الأربعاء، وشهر رمضان؟ وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر، وربيع الأول، وربيع الآخر، ورجب، فقال: مالي فيه قول إلا ما قال صفوان:
ملقن ملهم فيما يجادله ... جم خواطره جواب آفاق
(1/121)

وهذه الألفاظ كلها يمكن أن تبدل بألفاظ آخر، لا راء فيها. ولا يتعذر على من كان له بصر باللغة فإنك لا تكاد تجد لفظة فيها راء، إلا وتجد لفظة أخرى في معناها لا راء فيها، لأن العرب توسعت في لغتها، ما لم تتوسع أمة من الأمم، حتى إنك تجدهم قد جعلوا للشيء الواحد عشرة أسماء، وعشرين، وأكثر من ذلك. فقد قيل: إن الأسدله مائة اسم، وكذلك الحمار. وأن للداهية أربعمائة اسم. ولذلك قال علي بن حمزة: من الدواهي كثرة أسماء الدواهي. فكما قالوا الشعر والفرع، فكذلك قالوا: الهلب. وقالوا لما كثر منه: الدبب، ولما صغر: الزغب. والدبب: بالدال غير معجمة. قال الراجز:
قشر النساء دبب العروس
وكما قالوا: الشعرة والوفرة، فكذلك قالوا: اللمة والجمة. وكما قالوا: الغدائر والضفائر، فكذلك قالوا: النواصي والذوائب، والعقاص والعقائص، والقصائب، والمسائح، والغسن والخصل.
وللقمر عشرة أسماء منها ما فيه راء، ومنها ما لا راء فيه. فمن أسمائه التي فيها راء القمر، والباهر، والبدر، والزبرقان والسنمار. ومن أسمائه التي لا راء فيها الطوس، والجلم والغاسق والمتسق، والوباص.
(1/122)

وفي حديث عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، وأشار إلى القمر، وقال: استعيذي بالله، من هذا، فإنه الغاسق إذا وقب.
وأما ما ذكره من أسماء العدد والشهور، فقد كان يمكنه أن يقول مكان عشرة (نواتان)، لأن النواة خمسة دراهم. ويقال لعشرين نش، ولأربعين: أوقية. ويمكنه أن يقول لعشرة: نصف نش، ولأربعين: نشان، قال الراجز:
إن التي زوجها المخش ... من نسوة مهورهن النش

ويقال لأربعة من العدد: وخزة. ويقال لربيع الأول: خوان. ولربيع الآخر: وبصان، وبصان. ولرجب: منصل الأسنة، ومنصل الأل. قال الأعشي:
تداركه في منصل الأل بعدما ... مضى غير دأ داء وقد كاد يعطب

وقد كان يمكنه إذا أراد أن يقول المحرم وصفر، أن يقول: مفتتح عامكم والتالي له،. أو أول سنتكم، ونحو ذلك. ويقول مكان جمادي
(1/123)

الأخرى جمادي الثانية ويقول مكان شهر رمضان: أوان صيامكم وإذا أراد أن يقول يوم الأربعاء، قال: اليوم الذي أهلكت فيه عاد، أو يقول: يوم النحس، لأن المفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ} إنه كان يوم الأربعاء.
وقوله: (حتى انقاد له طباعه): قال أبو حاتم: الطباع: واحد مذكر، بمعنى الطبع ومن أنثه ذهب إلى معنى الطبيعة. وقد يجوز أن يكون الطباع جمع طبع بمنزلة كلب وكلاب.
وقوله: (وحشي الغريب): يريد ما لم تجر العادة باستعماله، أو كان قليل الاستعمال، شبه بالوحش من الحيوان وهو ما يفر من الإنسان ولا يأنس به.
وقوله: (وأنا محتاج إلى أن تنفذ إلى جيشاً لجباً عرمرما): لا أعلم من الكاتب القائل لهذا الكلام. والجيش: العسكر، سمى بذلك، لما فيه من الحركة والاضطراب. واشتق من قولهم: جاشت القدر تجيش: إذا همت بالخروج، قال ابن الإطنابة:
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكنك تحمدي أو تستريحي

واللجب: الكثير الأصوات والجلبة، والعرمرم في قول الأصمعي: الكثير الأصوات والجلبة، والعرمرم: الكثير العدد. وفي قول أبي عبيدة: الشديد البأس، مأخوذ من العرامة. وقول أبي عبيدة أشبه بالاشتقاق. وإن كان قول الأصمعي راجعاً إلى نحو ذلك المعنى.
(1/124)

وقوله: (وكقول آخر في كتابه: عضب عارض ألم ألم، فأنهيته عذراً): لا أعلم هذا الكتاب لمن هو. ورأيت في بعض الحواشي المعلقة، أنه أحمد بن شريح الكاتب، ولا أعلم من أحمد بن شريح هذا. ومعنى عضب: قطع. والألم: المرض. وعارضه: ما يعرض للمريض منه. وألم: نزل.
وقوله: (فأنهيته عذرا): أي جعلته النهاية في العذر.
والمخاطب بهذا رجل كان كلفه أمراً فضمن له السعي فيه، فقطع به عن ذلك مرض أصابه، فكتب إليه يعتذر من تأخر سعيه بالمرض الذي عاقه عنه. وقد ذكر ابن قتيبة هذا الكلام في آلة الكتاب، وغير ذلك من كتبه، فلم يسم قائله من هو. والبسطة: السعة والانبساط في العلم وغيره.
وقوله: (طغيان في القلم) كذا وقع في النسخ. وكان أبو علي البغدادي يقول: حفظني طغيان القلم. والعرب تختلف في تصريف الفعل من الطغيان. فمنهم من يقول: طغيت يا رجل. ومنهم من يقول طغوت بالواو. ولم يختلفوا في الطغيان أنه بالياء. ومنهم من يكسر الطاء فيقول: الطغيان حكى ذلك الفراء.
وقوله: (ونستحب له أن ينزل ألفاظه في كتبه): تنزيل الكلام. ترتيبه، ووضع كل شيء منه في مرتبته اللائقة به. وذكره في الوقت الذي ينبغي أن يذكر فيه. قال الله تعالى {وَنَزَلْناهُ تَنْزِيلا}.
(1/125)

وقوله (إلى الأكفاء والأستاذين): الأكفاء: النظراء، واحدهم: كفء، بضم الكاف وتسكين الفاء، وكفء وكفء بفتح الكاف وكسرها مع سكون الفاء. وكنمو بضم الكاف، وكفى على مثال نبئ وكفاء، على مثال رواء. والأستاذ: لفظة فارسية عربتها العرب. والفرس يرفعونها على العالم بالشيء، الماهر فيه، الذي يبصر غيره ويسدده. ومثلها من كلام العرب الرباني: وهو العالم المعلم. قال الله تعالى {ولَكِنْ كونُوا رَبَّانِيِّينَ}.
وقوله (وليس يفرقون بين ما يكتب إليه: أنا فعلت وبين من يكتب إليه: ونحن فعلنا ذلك) كذا الرواية عن ابن قتيبة.
وقال أبو علي البغدادي: والصواب بين من يكتب عن نفسه: (أنا فعلت)، وبين من يكتب عن نفسه: (ونحن فعلنا) لأن هذا أمر يخص الكاتب دون المكتوب إليه. والذي قاله أبو علي: هو الصحيح الذي لا مدفع فيه، وإن كان قول ابن قتيبة قد يمكن أن يوجه له وجه يصح به، إذا حمل عليه. وذلك أن الكاتب لا ينبغي له أن يكتب عن نفسه، نحن فعلنا ذلك، إلا إلى من هو كفء له في المنزلة، أو من هو دونه في المرتبة، ولا يجوز أن يكتب بذلك إلى من يعظمه ويوقره، إنما ينبغي له أن يصعر نفسه، ويضع منها. فإذا حمل التأويل على هذا، صح قول ابن قتيبة.
وإنما جاز للرئيس وللعالم أن يقولا عن أنفسهما: نحن نقول كذا، ونحن نفعل كذا، لأن الرئيس يطاع أمره، وله أتباع على مذهبه ورأيه.
(1/126)

فكأنه يخبر عن نفسه، وعن كل من يتبعه ويرى رأيه، وكذلك العالم. وفيه وجه آخر، وذلك أن الرجل الجليل القدر، النبيه الذكر، ينوب وحده مناب جماعة، وينزل منزلة عدد كثير، في علمه أو في فضله ورأيه.
ونحو من هذا ما يروى من أن أبا سفيان بن حرب، استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحجبه، ولم يأذن له. فلما خرج الناس من عنده أذن له، فدخل وهو غضبان. فقال: يا رسول الله، ما كدت تأذن لي حتى تأذن لحجارة الجلهمتين. فقال: يا أبا سفيان. أنت كما قيل: (كل الصيد في جوف الفرا)، أي أنك وحدك تنوب مناب جماعة. والفرا: الحمار الوحشي يمد ويقصر، والأشهر فيه القصر. ومعنى قولهم: (كل الصيد في جوف الفرا): أن الحمار الوحشي أجل ما يصيده الصائد. فإذا صاده، فكأنه قد صاد جميع الصيد.
وقوله: حتى تأذن لحجارة الجلهمتين: أي ما كدت أدخل إليك حتى تدخل الحجارة. وأهل الحديث يروون الجلهمتين، بالميم وضم الهاء والجيم، وذلك غير معروف، وإنما المعروف عند أهل اللغة الجلهتان، بفتح الجيم والهاء دون ميم، وهما ناحيتا الوادي. قال لبيد.
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجلهتين ظباؤها ونعامها

ولا يستنكر أن يكونوا زادوا الميم، كما قالوا للجذع: جذعم
(1/127)

وللناقة الدرداء: دردم، وللأستة من الرجال: ستهم: ويروي أن بكر بن وائل بعثوا إلى بني حنيفة في حرب البسوس يستمدونهم على تغلب. فبعثوا إليهم الفند الزماني، وحده، وكتبوا إليهم، قد بعثنا إليكم بثلاثمائة فارس. فلما ورد عليهم، نظروا إليه وكان شيخنا مسناً، وقالوا: وما يغني هذه العشبة عنا. فقال: أما ترضون أن أكون لكم فندا. فلذلك لقب الفند. والفند: القطعة العظيمة من الجبل. والعشبة والعشمة (بالباء، والميم): الشيخ المسن. وقد أكثرت الشعراء في هذا المعنى. قال أبو نواس:
وليس على الله بمتنكر ... أن يجمع العالم في واحد

وقال البحتري:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتوا ... إلى المجد حتى عد ألف بواحد

فأخذه أبو الطيب المتنبي فقال:
مضى وبنوه وانفردت بفضلهم ... وألف إذا ما جمعت واحد فرد

وقوله (وعلى هذا الابتداء خوطبوا في الجواب): يريد أن الرجل يخاطب على حسب ما يخبر به عن نفسه، فإذا كان يقول: أنا فعلت. قيل له في المخاطبة: أنت فعلت. وإذا كان يخبر عن نفسه بأن يقول: نحن فعلنا. قيل له في المخاطبة: أنتم فعلتم.
(1/128)

ولما كان الله يخبر عن نفسه بإخبار الجماعة فيقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ} و {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ} خاطبه الكافر مخاطبة الجماعة فقال: {رَبِّ ارْجِعُون}، ولم يقل رب ارجعن.
وقوله (وقال أبرواز لكاتبه في تنزيل الكلام): أي في ترتيبه، ووضع كل شيء منه في منزلته التي تليق به. ويقال: أبرواز وأبرويز بفتح الواو، وأبرويز بكسرها. ويقال: إن إبرويز هذا، هو كسرى الأخير. وهو الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده. وهو الذي كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام. فلما ورد ليه كتابة غضب ومزق الكتاب، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم مزق ملكه كل ممزق.
ثم كتب كسرى إلى فيروز، اذهب إلى (مكة) فجئني بهذا العبد الذي دعاني إلى غير ديني، وقدم اسمه في الخطاب على اسمي. فجاء فيروز إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن ربي أمرني أن أحملك إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ربي قد أخبرني أنه قتل ربك البارحة. فأقم حتى تعلم. فإن كان ما قلت حقاً، وإلا كنت من وراء أمرك. ففزع فيروز، وهاب أن يقدم عليه. ثم وردت الأخبار من كل ناحية بأن كسرى قد ثار عليه ابنه شيرويه، فقتله تلك الليلة بعينها، فأسلم فيروز، وحسن إسلامه.
وقوله (فهذه دعائم المقالات): أي أصولها التي تعتمد عليها.
(1/129)

وقد قدمنا في صدر كتابنا هذا اختلاف المتقدمين من العلماء والمتأخرين في أقسام المعاني كم هي؟.
وقوله (فأسجح): أي أرفق وسهل. ومنه قول عقيبة الأسدي:
معاوى إننا بشر فأسجح ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا

وقوله (وإذا سألت فأوضح) أي بين سؤالك. وقوله (وإذا أمرت فأحكم): كذا رويناه (مقطوع الهمزة، مكسورة الكاف)، وفي بعض النسخ فاحكم (موصول الألف، مضموم الكاف)، وكلاهما صحيح، لأنه يقال: حكمت الرجل وأحكمته: إذا أدبته وعلمته الحكمة. واشتقاق ذلك من قولهم: حكمت الدابة وأحكمتها: إذا جعلت لها حكمة، لأن الحكمة تمنع متعلمها من القبيح، كما تمنع الحكمة الدابة من الاضطراب والنزق، ومنه قيل: أحكمت الشيء: إذا أتقنته. وحكم الرجل يحكم: إذا صار حكيماً.
قال النمر بن تولب:
وأحبب حبيبك حباً رويداً ... فليس يعولك أن تضرما
وأبغض بغيضك بغضاً رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما

وعلى هذا تأويل قول النابغة:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد
(1/130)

وقوله (وليس يجوز لمن قام مقاما في تحضيض على حرب، أو حمالة بدم): التحضيض والحض: الإغراء بالشيء، والترغيب فيه. والحمالة: الكفالة. ويقال: تحملت بالشيء كقولك: تكفلت به. وفلان حميل به: كقولك: كفيل به.
ووقع في بعض النسخ: أو حمالة لدم باللام، ولا أعرف ذلك مروياً عن أبي علي، وليس بممتنع، تجعله من قولك: حملت الشيء عن الرجل، وهو راجع إلى المعنى الأول. وينبغي أن تكون هذه اللام، هي التي تزاد في المفعول تأكيداً للعامل، وأكثر ما تدخل على المفعول إذا تقدم على الفعل، كقوله تعالى: {إنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} وقد تدخل عليه وهو متأخر كقوله تعالى: {قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم}. وعلى هذا: أعجبني الضرب لزيد ومنه قول كثير:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل

والعشائر: القبائل. واحدها عشيرة. واشتقاقها من المعاشرة، وهي المصاحبة. يقال: فلان عشيري وشعيري: أي مصاحبي. وعشيرة المرأة: زوجها.
وقوله: (ولو كتب كاتب إلى أهل بلد في الدعاء إلى الطاعة والتحذير من المعصية، كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان) يزيد هذا هو يزيد بن الوليد ابن عبد الملك، ويكني أبا خالد، وكانت أمه أعجمية وهي شاهفريد بنت فيروز بن يزدجرد، وهي أول سرية ولدت ملكاً في الإسلام، وهو القائل:
(1/131)

أنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدى وجدى خاقان

ومعنى شاهفريد بالفارسية: سيدة البنات. وكان يزيد هذا يدعى (الناقص). واختلف في المعنى الذي من أجله لقب بذلك. فقال قوم: لقب الناقص لأنه نقص الجند أعطياتهم عند ولايته. وقيل: لقبه بذلك مروان بن محمد بن مروان، وهو الذي كتب إليه يزيد بما حكاه ابن قتيبة. وقال قوم: لقب الناقص لفرط. كما له، كما يقال للحبشي: أبو البيضاء، وللأعمى: بصير وكذا قال خليفة بن خياط. وكانت خلافته خمسة أشهر وليلتين. ومروان هو آخر خلفاء بني أمي بالمشرق، وكان يكني أبا عبد الله وأمه: (لوعة)، سرية من الكرد،. وقيل: بل أمه ريا: جارية كانت لإبراهيم بن الأشقر النخعي. فصارت إلى محمد بن مروان يوم قتل إبراهيم، وكانت حاملاً من إبراهيم فولدت على فراش محمد بن مروان. وقتل مروان ببوصير من صعيد مصر، بعد ظهور الدولة العباسية. فكانت خلافته نحواً من ست سنين. والتلكوء: الإبطاء والتأخر.
وقوله (وسكون الطائر): يستعمل في الكلام على وجهين: أحدهما: أن يكون مثلاً للوقار والرزانة، يريد أنه لشدة وقاره، لو نزل على رأسه طائر لم يطر. وهو الذي أراده ابن قتيبة هاهنا.
والثاني: أن يكون مثلاً مضروباً للمذلة والخضوع. يراد أنه لذله لا يتحرك، وهذا المعنى الذي أراد الشاعر بقوله:
إذا نزلت بنو تيم عكاظا ... رأيت على رؤوسهم الغرابا
(1/132)

وقال آخر في الهيبة والخضوع:
كأنما الطير منهم فوق أرؤسهم ... لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال

وقال ذو الرمة:
من آل أبي موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازيا
مرمين من ليث عليه مهابة ... تفادى أسود الغاب منه تفاديا
وما الخرق منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ماهيا

وأما قول الضبي:
كأن خروء الطير فوق رءوسهم ... إذا اجتمعت قيس معاً وتميم

ففيه قولان: وقال النميري يصف قوماً قرعاً:
فإن بياض قرعهم ... كخرء الطير وهو أبيض

قال غيره: يريد الذل والخضوع، كما قال الشاعر:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
(1/133)

وقوله: (وخفض الجناح) هذا مثل مضروب للين الجانب، وتعطف الإنسان على من أوى إليه، وإشفاقه على من رآه بحال شدة وبؤس. وأصل ذلك أن الطائر يضع جناحيه على فراخه، ويلحفها إياهما، فضرب مثلاً التعطف، قال الله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} ولهذا قالوا: فلان موطأ الأكناف. وقد يضرب الجناح أيضاً مثلاً في العون على الأمور. كما قال مسكين الدرامي:
أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح
وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح

وقوله (العالي في ذروة المجد) المجد: الشرف. وذروته: أعلاه. وكذلك ذروة كل شيء وذروته، بالكسر والضم، والجمع ذرا، بضم الذال في اللغتين جميعاً.
وقوله (الحاوي قصب السبق): هذا مثل مضروب للتقدم والتبريز على الأكفاء في كل شيء. وأصله أنهم كانوا إذا تسابقوا إلى غاية من الغايات، وخاطروا على ذلك، وضعوا الخطر على رأس قصبة وركزوها في الغاية التي يتحارون إليها، فمن سبق إليها أخذها، فصار ذلك مثلاً لكل من غولب فغلب. والسبق بسكون الباء: المصدر. والسبق بفتح الباء: الخطر بعينه. قال رؤبة:
لوحها من بعد بدن وسنق ... تضميرك السابق يطوى للسبق
(1/134)

ويريد بالدارين: الدنيا والآخرة.
هذا آخر ما حضرنا من القول في هذه الخطبة.
ولما كان أبو محمد بن قتيبة- رحمه الله تعالى- قد شرط على الكاتب شروطاً في هذه الخطبة، ألزمه معرفتها وكان الكتاب مختلفي الطبقات، منهم من تلزمه معرفة تلك الأشياء، ومنهم من يختص ببعضها دون بعض. فإن علم غير ما هو مضطر إلى معرفته في صناعته، كان زائداً في نبله، وإن جهله، لم يكن معنفاً على جهله، رأينا أن نذكر أصناف الكتاب، وما يحتاج إليه كل صنف منهم، مما يخص مرتبته، ما لا يسع واحداً منهم أن يحتمله. ثم نذكر بعد ذلك آلة الكتاب التي يحتاجون إلى معرفتها، كالدواة والقلم ونحوهما. ونجري في ذلك كله إلى الاختصار، ليكون متمماً لفائد هذه الخطبة وبالله التوفيق.
(1/135)

=====
(1/136)

ذكر أصناف الكتاب
أصناف الكتاب على ما ذكره ابن مقلة خمسة: كاتب خط، وكاتب لفظ، وكاتب عقد، وكاتب حكم، وكاتب تدبير.
فكاتب الخط: هو الوراق والمحرر. وكاتب اللفظ: هو المترسل. وكاتب العقد: هو كاتب الحساب الذي يكتب للعامل. وكاتب الحكم: هو الذي يكتب للقاضي ونحوه، ممن يتولى النظر في الأحكام. وكاتب التدبير: هو كاتب السلطان، أو كاتب وزير دولته.
وهؤلاء الكتاب الخمسة يحتاج كل واحد منهم إلى أن يتمهر في علم اللسان، حتى يعلم الإعراب، ويسلم من اللحن، ويعرف المقصور والممدود، والمقطوع والموصول، والمذكر والمؤنث. ويكون له بصر بالهجاء. فإن الخطأ في الهجاء، كالخطأ في الكلام. وليس على واحد منهم أن يمعن في معرفته النحو واللغة إمعان المعلمين، الذين اتخذوا هذا الشأن صناعة، وصيروه بضاعة. ولا إمعان الفقهاء الذين أرادوا بالإغراق فيه فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله، وكيف تستنبط الأحكام والحدود والعقائد بمقاييس كلام العرب ومجازاتها. إنما عليه أن يعلم من ذلك ما لا يسع جهله. ثم يكثر بعد ذلك من معرفة ما يخص صناعته.
(1/137)

ويحتاج كل واحد منهم أيضاً إلى العفة، ونزاهة النفس، وحسن المعاملة للناس، ولين الجانب، وسماحة الأخلاق، والنصيحة لمخدومه فيما يقلده إياه، ويعصبه به. ثم يحتاج كل واحد منهم بعد ما ذكرناه إلى أمور تخصه، لا يحتاج إليها غيره.
ونحن نذكر ذلك بأوجز قول، وأقرب بيان إن شاء الله تعالى. وإنما نذكر مراتب الكتاب على ما كانت عليه في القديم. وأما اليوم فقد تغيرت عن رسمها المعلوم. ولكل دهر دولة ورجال، ولكل حال إدبار وإقبال.

كاتب الخط
لا يخلو كاتب الخط. أن يكون وراقاً ومحرراً. وهما موضوعان لنقل الألفاظ وتصويرها، ويحتاجان إلى أن يجمعا مع حلاوة الخط وقوته، وسواد المداد وجودته، تفقد القلم، وإصلاح قطته، وجودة التقدير. والعلم بمواقع الفصول.
ويحتاج المحرر، إلى إطالة سن القلم، وألا يلح عليه بالنحت، ولا على شحمته، لأن ذلك أقوى لخطه، وكذلك حكم سائر ما يكتب بالمداد غير الحبر. فأما ما يكتب بالحبر، فيخاف على الشحم فيه أن يقل ما يحمل من الحبر.
ويحتاج الوراق إلى تحريف قطة قلمه ويجعلها المحرر بين التحريف والاستواء فإن ذلك أحسن لحظة.
وكلما كان اعتماد الكاتب وراقاً كان أو محرراً على سن قلمه الأيمن، كان أقوى لخطه، وأبهى له.
(1/138)

ويختار للوراق ألا يكتب في الجلود والرق بالحبر المثلث، فإنه قليل الليث فيها، سريع الزوال عنها. وأن يكتب فيها بالحبر المبطوخ، وفي الرق بما أحب. ويختار للمحرر، أن يكتب عن السلطان في أنصاف الطوابير. وفي الأدراج العريضة، وعن نفسه وسائر الناس فيما أحب، بعد أن يكون ذلك ألطف مقداراً من مقادير كتب السلطان ووزارته.
ومعنى قولنا جودة التقدير، أن يكون ما يفضله من البياض في القرطاس أو الكاغد عن يمين الكتاب وشماله، وأعلاه وأسفله، على نسب معتدلة. وأن تكون رؤوس السطور وأواخرها متساوية. فإنه متى خرج عن بعض قبحت وفسدت. وأن يكون تباعد ما بين السطور على نسبة واحدة، إلى أن يأتي فصل، فيزاد في ذلك.
والفصل إنما يكون بين تمام الكلام الذي يبدأ به، واستئناف كلام غيره، وسعة الفصول وضيقها على مقدار تناسب الكلام. فإن كان القول المستأنف مشاكلاً للقول الأول، أو متعلقاً بمعنى منه، جعل الفصل صغيراً. وإن كان مبايناً له بالكلية، جعل الفصل أكبر من ذلك. فأما الفصل قبل تمام القول، فهو من أعيب العيوب على الكاتب والوراق جميعاً. وترك الفصول عند تمام الكلام عيب أيضاً، إلا أنه دون الأول.

المترسل كاتب اللفظ
وأما كاتب اللفظ، وهو المترسل، فيتحاج إلى الاستكثار من حفظ الرسائل والخطب، والأمثال والأخبار والأشعار، ومن حفظ عيون الحديث يدخلها في تضاعيف سطوره متمثلاً إذا كتب. ويصل بها كلامه إذا حاور.
(1/139)

ولا بأس باستعمال الشعر في الرسائل اقتضابا وتمثلاً. وإنما يحسن ذلك في مكاتبة الأكفاء، ومن دونهم، ويكره ذلك في مخاطبة الرؤساء، والجلة من الوزراء، لأن محلهم يكبر عن ذلك، إلا أن يكون الشعر من قرض الكاتب. فإن ذلك جائز له. وقد تسامح الناس في تلك، وخالفوا الرتبة القديمة.
ويحتاج الكاتب إلى معرفة مراتب المكاتبين عند من يكتب عنه، وما يليق بهم من الأوعية والعنوانات، على حسب ما تقتضيه مرتبة مخدومة بين مراتبهم، فينزل كل واحد منهم مرتبته اللائقة به.
ومراتب المكاتبين ثلاث: مرتبة من فوقك. ومرتبة من هو مثلك، ومرتبة من هو دونك. والمرتبة العليا تنقسم ثلاثة أقسام: فأعلاها مرتبة الخليفة ووزيره، ومن كان نظير الوزير عنده. ثم مرتبة الأمراء ومن جرى مجراهم، ممن هو دون الوزراء. ثم مرتبة العمال وأصحاب الدواوين. كذا قال ابن مقلة.
والواجب أن تجعل للخليفة مرتبة أرفع من كل مرتبة، وألا يشاركه فيها وزير ولا غيره.
والمرتبة الوسطى تنقسم ثلاثة أقسام أيضاً: فأعلاها: مرتبة الشريف من الأصدقاء، والعالم. والثانية: مرتبة الشيخ من الإخوان، الذي يجب توقيره، وإن لم يكن شريف ولا عالماً. والثالثة: مرتبة الصديق إذا خلا من هذه الأحوال.
والمرتبة السفلى تنقسم ثلاثة أقسام أيضاً: فأعلاها مرتبة من قرب محله
(1/140)

من محلك. والثانية: مرتبة من لك رياسة عليه، ووليت عملاً هو من XXX فيه. والثالثة: مرتبة الحاشية، ومن جرى مجراهم من الأولياء والخدم.
ولكل طبقة من هذه الطبقات، مرتبة في المخاطبة، ومنزلة متى زيد عليها، أو قصر به عنها، ووقع في الأمور الخلل، وعاد ذلك بالضرر. وذلك أن الرئيس إذا قصر به عما يستحقه، أغضبه ذلك وأحنقه. والتابع متى زيد على استحقاقه أطغاه ذلك وأكفره. إلا أن يكون قد فعل في الخدمة ما يقتضي التنويه به ورفعه عن تلك المنزلة إلا منزلة أعلى منها.
وليس في هذه الطبقات من لا تعاب الزيادة في مخاطبته إلا الصديق وا لحبيب، فكل ما تخاطب به مما يمكن المودة، ويوطد الألفة، فإنه حسن وصواب.
فينبغي للكاتب أن ينزل كل واحد من هذه الطبقات في مرتبة تليق به، على قدر منزلته منه، وعلى ما جرت به عادة الكتاب في زمانه. فإن العادات تختلف اختلاف الأزمنة، فيستحسن أهل كل زمان لا يستحسنه غيرهم.
وللنساء مراتب في مخاطبتهن، ينبغي للكاتب أن يعرفها، فمن ذلك أنه لا ينبغي للكابت أن يدعو لهن بالكرامة، ولا بالسعادة، لأن كرامة المرأة وسعادتها موتها عندهن. ولا يقال لواحدة منهن: أتم الله نعمه عليك، لأنهن ينكرن أن يكون شيء عليهن. ولا يقال: جعلني الله فداءك، ولا قدمني إلى الموت قبلك، لأن هذا يجري مجرى المغازلة. ولا يقال لوا حدة منهن: بلغني الله أملي فيك لاستقباحهن أن يكون شيء فيهن.
(1/141)

وبالجملة فينبغي للكاتب إليهن، أن يتجنب كل لفظة يقع فيها اشتراك ويمكن أن تتأول على ما يقبح. فإن ذلك يعد من حذقه ونبله.

كاتب العقد
وهو كتاب الحساب. وكتاب الحساب ثلاثة: كاتب مجلس، وكاتب عامل، وكاتب جيش، فيعم هؤلاء الثلاثة أنهم محتاجون إلى أن يكونوا عارفين بالتقدير، حتى يعلموا التجميل والتفصيل. وما ينبغي أن يخرجوه من الرؤوس في الأعمال، وما ينبغي أن يكون في حشو الكلام. وأن يكونوا محتاطين في ألفاظهم، حتى تصح معانيها، ولا يقع اشتراك فيها. وأن يكونوا ضابطين لما يشرعون فيه من فنون الحساب، حتى لا يقع الخطأ فيه. وإن خفت أيديهم في العقد والحساب وأسرعت، كان ذلك أنبل لهم، وأزيد في كلامهم. ويحتاجون من الحساب إلى معرفة الجمع والتفريق والتضعيف والتصريف والنسبة.
ومعنى التضعيف: الحذق بضرب الأعداد بعضها في بعض.
ومعنى التصريف: تثمين الأشياء، كتثمين الورق بالعين، والعين بالورق، وتصريف الغلات بعضها ببعض.
فهذه جملة ما يحتاج إليه كتاب الحساب الثلاثة. ثم يختص بعد ذلك كل واحد منهم بمعرفة أشياء يحتاج إلى معرفتها دون غيرها.
(1/142)

كاتب المجلس
يحتاج كاتب المجلس أن يكون حاذقاً باقتصاص الكتب. وترتيب أبوابها على ما يقتضيه ترتيب وقوع الجماعات والموافقات، ليقابل بذلك ما يرد عليه من العمل عند وروده. ويخرج ما فيه من خلف في المؤامرة التي يعلمها العامل. ويحكم في ذلك بما يوجبه حكم الكتابة. وأن يكون أيضاً عالماً برسم العين المخرجة والتجميلات، وما يجوز أن يستظهر به في ذلك، مما يلزم العمل به. وأن يعرف أحكام الخراج، وما يجب رده على العمال من النفقات، ومردود الجاري. وما ينبغي أن يحتسب لهم به. وأن يعلم ما تحمد فيه آثار العمال، وما تذم فيه آثارهم، وأن يكون في ذلك عدلاً، لا يميل به الهوى. فقد كان أبو الحسن علي بن محمد بن فرات يقول: الكاتب فوق الشاهد. فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: لأنه يحكم بقوله وحده، وبما يخرجه من ديوانه.
والقاضي لا يحكم بقول شاهد حتى ينضاف إليه غيره، وهذا الكاتب هو الذي يتولى محاسبة العمال، ويعرض الأعمال على كاتب الديوان، ويؤامره فيما يجب أن يفعل.
وكاتب الديوان: هو المشرف على جميع أعمال السلطان المؤتمن على
(1/143)

أمواله، وهو يؤامر كاتب التدبير. وكاتب التدبير يؤامر الملك. وهو أعلى الكتاب مرتبة. ولا واسطة بينه وبين السلطان، وهو وزيره ومدبر دولته.

كاتب العامل
وأما كاتب العامل، فيحتاج مع ما قدمنا ذكره، إلى أن يكون عالماً بالزرع والمساحة، لكثرة ما يجرى ذلك في عمله. وأصل ما تمسح به الأرضون: أشل، وشاقول وباب. وذراع.
فالأشل: حبل طوله ستون ذراعاً. والشاقول: خشبة قدر ذراعين في طرفها زج، تركز في الأرض، ويشد فيها طرف الأشل. والباب: قصبة طولها ست أذرع. والذراع التي يسمح بها السلطان مسائحه: اثنتان وثلاثون إصبعاً. وتسمى الذراع الهاشمية. والذارع السوداء أيضاً، وهي التي تمنح بها الدور وغيرها. وقيل: بل التي تمسح بها الدور. وغيرها أربع وعشرون إصبعاً، وتسمى الذراع الجديدة. والتي تمسح بها الرياض والأنهار ستون إصبعاً، وتسمى ذراع الميزان.
والأشل: عشرة أبواب. والباب ست أذرع. وأشل في أشل: جريب. وأشل في باب: قفيز. لأنه أشل في عشر أشل فيكون عشرا. والجريب: عشرة أقفزة. واشل في ذراع: عشر وثلثا عشر، لأن واحداً في ستين ستون، والعشر: ست وثلاثون ذراعاً لأنه من ضرب باب في باب فيكون ذلك عشر كما قلنا. وباب في ذراع: سدس عشر. وذراع في ذراع: ربع تسع
(1/144)

عشر. والقبضة عندهم: سدس الذراع. والذراع: سدس الباب. والإصبع: ربع القبضة.
والأشكال التي تقع عليها المساحة في الأصل كثيرة. وأشهرها عند المساح ثلاثة: وهي المربع والمثلث والمدور.
فالمربع: خمسة أصناف: مربع متساوي الأضلاع. ومربع مستطيل. ومربع مختلف الأضلاع. ومربع معين. ومربع شبيه بالمعين.
فأما المربع المتساوي الأضلاع، فإذا ضربت إحدى أضلاعه في نفسها، كان ما يجتمع تكسيره. وذلك كمربع متساوي الأضلاع. كل ضلع منه عشرة أذرع. فإن تكسيره: مائة ذراع.
وأما المربع المستطيل فإن تكسيره بضرب طوله في عرضه. وأما المربع المختلف الأضلاع. فإن المساح يجمعون طولية وعرضية ويضربون نصف الطولين في نصف العرضين. فما اجتمع فهو تكسيره عندهم.
وفي هذا العمل عند المهندسين غلط. إلا أنا لما كنا نصف ما يستعمله الحساب والمساح والعمال، ولم يكن كتابنا هذا موضوعاً لتحرير هذه الأشياء، لم تكن بنا حاجة إلى ذكر دقيق الحساب في هذا ولا غيره.
وكذلك يفعلون بالمربع الشبيه بالمعين، فإنهم يجمعون الضلعين المتقابلتين، ويأخذون شطر ما يجتمع، ويجمعون أيضاً الضلعين الآخرين. ويأخذون شطر ما يجتمع. ويضربون الشطر في الشطر. فما اجتمع، فهو التكسير عندهم وهذا أيضاً خطأ عند المهندسين. وغير هذا الموضع أولى بتحقيق ذلك.
(1/145)

وأما المربع المعين، فإن استخراج تكسيره بضرب أحد شطريه في الآخر.
وأما المثلث: فهو ثلاثة أصناف: مثلث متساوي الأضلاع، ومثلث متساوي الضلعين، وهذا صنفان: أحدهما: قائم الساقين والآخر منفرج الزاوية ومثلث مختلف الأضلاع. فإذا استوت أضلاع المثلث كلها أو استوت اثنتان منها، فإن عموده مضروباً في نصف قاعدته هو تكسيره. وذلك مثل مثلث عموده عشر أذرع، ونصف قاعدته خمس أذرع، فإن تكسيره خمسون ذراعاً.
وأما استخراج ذرع العمود من قبل الضلع، فإن باب العمل فيه أن تضرب الضلع في نفسها وتنقص من العدد نصف القاعدة مضروباً في نفسه، وتأخذ جذر ما بقى فهو العمود.
وإن أردت استخراج الضلع، ضربت العمود في نفسه ونصف القاعدة في نفسها، وجمعت العددين، وأخذت جذرهما، فهو الضلع. وإن أردت استخراج نصف القاعدة، ضربت الضلع في نفسها، ونقصت من ذلك العمود مضروباً في نفسه. وأخذت جذر ما بقى، فهو نصف القاعدة.
وإذا اختلفت أضلاع المثلث، فإن العمل في مساحته، أن تجمع الأضلاع الثلاث وتأخذ نصف ما يجتمع معك من ذلك فتحفظه، ثم تنظر ما بين كل واحدة من الأضلاع، وبين هذا النصف، فتضرب بعضه في بعض، ثم في هذا النصف. وتجمع جذر جميع ذلك، فهو تكسيره.
ومثال ذلك مثلث إحدى أضلاعه خمس عشرة ذراعاً، والأخرى أربع عشرة ذراعاً، والأخرى ثلاث عشرة ذراعاً. والعمل فيه أن تجمع هذه
(1/146)

الأضلاع، فيكون المجتمع اثنتين وأربعين. وتأخذ نصف ذلك فيكون إحدى وعشرين ثم تنظر: كم بين الخمس عشرة والإحدى والعشرين، فتجده ستاً. وما بين الأربع عشرة وبينها، فتجده سبعاً، وكم بينها وين الثلاث عشرة، فتجده ثمانياً. فتضرب ستاً في سبع. فتكون اثنين وأربعين، ثم في ثمان، فتكون ثلثمائة وستاً وثلاثين. ثم تضرب ذلك في إحدى وعشرين، فيكون سبعة آلاف وستاً وخمسين. فتأخذ جذر ذلك، وهو أربع وثمانون. فيكون تكسير الثلث.
وأما المدور: فإن استخراج تكسيره: يكون بضرب قطره في مثله. وإسقاط سبع ما يجتمع معك ونصف سبعه. وذلك مثل مدور قطره أربع عشرة ذراعا. فإنك تضرب الأربع عشرة في مثلها فيكون مائة وستاً وتسعين. فتلقى من ذلك سبعه ونصف سبعه. ومبلغه: اثنان وأربعون. فتبقى مائة وأربع وخمسون، فهو تكسيره.
وإن عرفت تكسيره، ولم تعرف قطره، وأردت معرفته من التكسير، فاضرب التكسير في أربعة عشر، وأقسمه على أحد فما خرج فخذ جذره فهو القطر.
وإن أردت معرفة المدور، فاضرب القطر في ثلاثة وسبع، فما اجتمع فهو المدور.
(1/147)

كاتب الجيش
وأما كاتب الجيش فيحتاج إلى المعرفة بالحساب، إلى أن يعرف الأطماع وأوقاتها، وحلى الناس وكيف تؤخذ. ومن يحلى ممن لا يحلى ويعرف الأرزاق وما يتوفر منها، والأطماع: هي الرواتب الجارية على الجند، في الأوقات التي يستحقونها فيها، على ما يقتضيه كل زمان.
وأما الحلي: فأن يصف كل واحد بحليته، التي بها ينفصل عن غيره، وكانت الرتبة القديمة في ذلك عند الكتاب، أن يذكر الرجل في يمنة الورقة وينسب إلى بلده أو ولايته، فيقال: فلان الرومي أو العربي أو نحو ذلك. ثم يذكر جاريه المرتب له تحت اسمه ويفصل فصل يسير، ثم يكتب يسرة الورقة بعد ذلك الفصل، سنه. فيقال: شاب، أو كهل، أو مراهق. ولا يقال: شيخ ولا صبي. ثم يذكر قده، فيقال: ربعة إلى الطول وربعة إلى القصر، فإن كان غير طويل ولا قصير، قيل: مربوع. وكانوا لا يقولون: طويل ولا قصير على الإطلاق، لأن الطول والقصر من باب الضاف. فالطويل: إنما يكون طويلاً بالإضافة إلى من هو أقصر منه. والقصير: وإنما يكون قصيراً بالإضافة إلى من هو أطول منه، فكان قولهم: ربعة إلى الطول، وربعة إلى القصر، أحوط في تصحيح المعاني. ثم يذكر لونه فيقال: أسود، أو دم، أو أسمر، تعلوه حمرة إذا كان أشقر أو أبيض.
(1/148)

وكانوا لا يقولون: أبيض ولا أشقر لأن البياض والشقرة، مما كانت العرب يعير بهما بعضهم بعضا. وكانوا يسمون البيض والشقر: العبيد والحمران وبنى حمراء العجان وصهب السبال، ويهجنون من كان منهم، إذا عرف فيه عرق منهم.
ويروى أن إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة القرشي، خطب إلى عقيل ابن علقة بنته، لبعض بنيه- وكان أحمر أبيض اللون فردده وقال:
رددت صحيفة القرشي لما ... أبت أعراقه إلا احمراراً

ثم يذكر الجبهة وأوصافها من ضيق، أو رحب، أو جلح، أو صلع أو غضون، ويذكر الحاجبين بما فيهما من قرن أو بلج أو زجج، ثم العينين بما فيهما من كحل، أو زرقة، أو سهل، أو خوض، أو جحوظ، أو غئور، أو حور، أو حول، أو عور، ونحو ذلك.
(1/149)

ثم يذكر الأنف بما فيه من قنا، أو فطس، أو خنس، أو ورود أرنبة، أو انتشاء.
ثم يذكر الأسنان بما فيها من درد أو شغاً، أو فلج، أو سواد، ونحو ذلك.
ويذكر الشفة وما فيها من علم أو فلج أو تقلص. ويذكر الشامات والخيلان، وآثار الضرب والطعن.
وكان الاعتماد عندهم من هذه الحلي على ما لا يتغير، ولا ينتقل، مثل الفطس والزرقة والطول والقصر. فإن ذكر غير ذلك كان حسنا وزيادة في الإيضاح. وإن اقتصرت على بعض ذلك أجزأ وكفى.
ويحتاج أيضاً كاتب الجيش إلى أن يعرف شيات الخيل وصفاتها. وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك ما فيه الكفاية.
ولا يجوز للكاتب أن يذكر حلية قائد ولا أمير ولا نحوهما من المشهورين، لأن شهرتهم تغني عن حليتهم. ثم يذكر عددهم، ومبلغ جاريهم في آخر الصحيفة، ويكتب إلى الخازن بجملة واجبهم إلى مجلس العطاء، وتخرج الصحف بالأسماء والحلي ومبلغ الجاري إلى المنفقين مع المال، فيتولون عرضهم،
(1/150)

ويعطي من صحب حليته منهم، ويرفع الحساب بما يعطونه، أو ما يتوفر من واجب من لم تصح حليته منهم.
فعلى هذه الرتبة كان العمل قديماً. ولكل زمان ودولة أحكام، ورتب ليست في غير ذلك الزمان وغير تلك الدولة.
فينبغي لكاتب أن يكون عمله بحسب ما قد استحسنه أهل زمانه، واستقر عليه العمل وقته وأوانه.

كاتب الحكم
أمور الأحكام جارية في شريعة الإسلام على أربعة أوجه: حكم القضاء، وهو أجلها وأعلاها. ثم حكم المظالم ثم حكم الديوان: وهو حكم الخراج ثم حكم الشرطة.
فينبغي لكاتب القاضي أن يكون عارفاً بالحلال والحرام، وبصيراً بالسنن والأحكام. وما توجبه الألفاظ، وأقسام الكلام، ويكون له حذق ومهارة بكتب الشروط والإقرارات، والمحاضر والسجلات.
وقد ذكر الناس في أوضاعهم من هذه المعاني ما فيه كفاية. غير أنا نذكر من ذلك نكتاً يسيرة:
(1/151)

فجملة الشروط: أن يذكر المشترط عليه بأسمائهما وأنسابهما، وتجارتهما إن كان تاجرين، وصناعتهما إن كانا صانعين، وأجناسهما وأسماء بلدانهما. ثم يذكر الشيء الي وقع فيه الشرط. فإن كان بيعاً، ذكر البيع ووصفه، وحدد المبيع إن كان فيما يحدد. ثم ذكر الثمن ومبلغه ونقده ووزنه، والقابض منهما والمقبوض منه. وتفرقهما بعد الرضا على رأي من يرى ذلك من الفقهاء. ثم ضمن- البائع الدرك للمشتري.
وإن كان إجارة، ذكر الإجارة، ومدتها، والشيء المستأجر. وحدد ما يجب أن يحدد منه، ووصف ما لا يحدد، وذكر مدة الإجارة، وجعلها على شهور العرب دون غيرها. وذكر مال الإجارة، ووقت وجوبه وقبض المستأجر ما استؤجر عليه، ورضاه بذلك، وتفرقهما بعد الرضا، على رأي من يرى ذلك.
وإن كان فيما استؤجر نخل أو شجر، أتى بذلك وذكر مواضعه من الأرض، وجعله في آخر الكتاب معاملة ومساقاة بجزء من الثمر، إذ لا يجوز غير ذلك في الأحكام، وضمن المؤاجر الدرك للمستأجر، على رأي من يرى التضمين في ذلك.
وإن كان صلحاً، ذكر ما وقع فيه الصلح. وإن كان براءة وصفها، وذكر ما تبرأ منه. وإن كانت البراءة بعوض، ذكر العوض. وإن كان إقراراً بدين، ذكر مبلغه، وهل هو حال أو مؤجل. وإن كان مؤجلاً، ذكر أجله ووقت حلوله، وحدد ذلك بالشهور العربية.
وإن كان وكالة، سمي الوكيل ونسبه، وذكر ما وكل فيه من خصومه،
(1/152)

أو منازعة، أو قبض، أو صلح، أو بيع، أو شراء، أو غير ذلك، مما تقع الوكالة فيه. وقرر الوكيل بالقبول.
وإن كان رهناً، ذكر أولاً الدين في صدر الكتاب ووقت محله ثم ذكر الرهن، وسماه، ووصفه، وحدد ما يجب تحديده منه. ثم قرر المرتهن على قبض ذلك. وإن وكله على بيعه عند حلول أجله، وذكر ذلك بعد الفراغ من ذكر الدين والرهن.
وإن كان وصية، قرر الموصي بعد تسميته إياه في صدر الوصية، ثم ذكر أنه أوصى بكذا وكذا، وبدأ بالدين، وقرره على مبلغه. ثم ذكر الوصية بعد الدين. ثم ذكر تسبيل ذلك في الوجه الذي سبل فيه. وذكر الموصى إليه وسماه، وقرره على القبول إن كان حاضراً. ثم يؤرخ ذلك بالشهور العربية. ثم يوقع الشهادة على المشترطين والمشترط. عليهم، وأن ما عقدوه على أنفسهم كان في صحة منهم، وجواز من أمرهم. وأنهم أقروا بذلك طوعاً بعد فهمه، ومعرفة ما فيه.
وأما المحاضر، فإن الكاتب يكتب: حضر القاضي رجلان، فادعى أحدهما على صاحبه بكذا، فأقر له. ويكتب الأسماء والأنساب والتاريخ وإن لم يكن القاضي يعرفهما بأسمائهما ونسبهما قال: ذكر رجل أنه فلان ابن فلان، ويصفه ويحليه. وذكر رجل أنه فلان بن فلان، ويصفه
(1/153)

ويحليه أيضاً. فادعى فلان، أو الذي ذكر أنه فلان، أو على الذي ذكر أنه فلان: كذا وكذا، فأقر له بذلك.
وإن كانت وكالة قال: فذكر أنه وكل فلان بن فلان، ويذكر ما وكله فيه، ويقول: وحضر فلان بن فلان، فذكر أنه وكل فلان بن فلان، ويذكر ما وكله [فيه]، فقبل ذلك منه، وتولاه له.
وإن أحضر المدعى كتاباً يريد أن يثبته بحق أو بيع أو غير ذلك، قال: وأحضر معه كتاباً ادعى على فلان بن فلان، أو الذي ذكر أنه فلان بن فلان، ما فيه نسخته كذا. ويقول وأحضر من الشهود فلا بن فلان، وفلان بن فلان، وادعى شهادتهما له بما تضمنه الكتاب الذي أحضره، فسألهما القاضي عما عندهما في ذلك، فشهدا أن فلان بن فلان أشهدهما على نفسه في صحة منه، وجواز من أمره، بما سمى فيه ووصف عنه، فقبل القاضي شهادتهما بذلك وأمضاها. وإن أراد القاضي أن يسجل بذلك، وليس يجوز أن يسجل إلا على من قد عرف، فليذكر في صدر الكتاب تسجيل القاضي، ويسميه وينسبه في مجلس قضائه، ويقول: وهو يلي القضاء، لفلان بن فلان على فلان، كذا، ويذكر لقبه، والناحية التي استقضاه عليها، وحضور من حضره، ونسخة الكتاب الذي ادعى عنده ما فيه، ويذكر شهادة الشاهدين فيه. ثم يقول: فأنفذ القاضي الحكم، مما ثبت عنده من إقرار فلان بجميع ما سمى، وصف في الكتاب المنسوخ في صدر هذا التسجيل بشهادة الشاهدين المذكورين فيه، وحكم بذلك وأمضاه: بعد أن سأله فلان
(1/154)

ابن فلان ذلك. ثم يشهد عليه بإنفاذ جميع ذلك، ويؤرخ الكتاب بالوقت الذي يقع التسجيل فيه.
فهذه جملة من هذا الشأن مقنعة.
وينبغي للكاتب أن يحتاط على الألفاظ، فلا يذكر لفظاً فيه اشتراك، مثل استعمال كثير من أصحاب الشروط، في موضع ذكر التسليم، أن يقولوا بغير دافع ولا مانع، فيوقعونه مكان قولهم: بلا دافع ولا مانع، ويظنون أن غيراً ها هنا تنوب مناب (لا)، إذا كانت جحداً، وليس الأمر كذلك، لأن ((لا)) حرف جحد، لا يحتمل في هذا الموضع إلا معنى واحد، و ((غير)) قد يكون بمعنى الكثرة، كقولك: لقيت فلاناً غير مرة، وجاءني غير واحد من الرجال، بمعنى لقيته أكثر من مرة واحدة، وجاءني أكثر من واحد من الرجال. فإذا قال الكاتب بغير دافع جاز أن يتأول متأول أنه أراد أكثر من دافع واحد. فإذا قال: بلا دافع، كان أسلم من التأويل، وأصح بمعنى الكلام.

كاتب المظالم
فأما كاتب صاحب المظالم، فإنه مثل كاتب القاضي، في عمله وجميع أوصافه، ومعرفته الشروط، وما يوجبه الحكم فيها. غير أنه لا يحتاج إلى كتب المحاضر والسجلات، لأن صاحبه لا يحكم بشيء يسجل به، وإنما عليه أن يخرج الأيدي الغاصبة ويثبت الأيدي المالكة ويأخذ بالخبر الشائع، والتابع، والاستفاضة، وبشهادة صلحاء المجاورين، وأهل الخبرة من المشهورين. وليس إليه تعديل شاهد.
(1/155)

ومتى تكافأت الشهادات عنده، ممن هذه سبيله في الشهرة والخبرة، وتواترت الاستفاضة والشهرة حتى لا يجد في أحدهما من القوة ما تغلبه على صاحبه، وتعذر عليه الإصلاح بين الخصوم، رد أمرهم إلى القاضي، ليقطع بينهم المجادلة، باليمين التي جعلت عوضاً من البينة. فليس بين كاتب المظالم وكاتب القاضي إلا فرق يسير.

كاتب الديوان
وأما كابت صاحب الديوان، فيحتاج مع ما قدمناه من الأوصاف، أن يكون عارفا ًبأصول الأموال، التي تجلب إلى بيت المال، وأقسام وجوهها، وأحكام الأرضين ووظائفها وأملاك أهليها، وما يجوز للإمام أن يقطعه منها، ووجوه تفرقة الأموال وسبلها. وما يجوز في ذلك مما لا يجوز، وما جرت به العادة، مما هو خارج عن أحكام الشريعة، مبتدع في حكم الرياسة.
ووجوه الأموال ثلاثة: فئ، وصدقة، وغنيمة.
والفئ ينقسم خمسة أقسام: أحدها: ما أفاد الله على رسوله وعلى المسلمين، مما يوجد في بلاد المشركين بعد فتحها، مثل كنز النخيرجان الذي وجد بعد فتح الأهواز وما جرى مجراه.
والثاني: ما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين من أموال أهل البلاد الذين أجلاهم الرعب ولم يقاتلوا، فلم يوجف عليه بخيل ولا ركاب.
(1/156)

والثالث: الأرضون التي صالح عليها أهلها بشيء يؤدون في كل عام.
والرابع: الأرضون التي فتحت عنوة، وأقرت بأيدي أهلها، وجعلوا عمالاً للمسلمين فيها، وضرب عليهم فيها الخراج، كما فعل عمر رضي الله عنه بالسواد.
والخامس: جزية أهل الذمة.
وأما الصدقة فهي الزكاة الواجبة على المسلمين. وقد اختلف الفقهاء في الأصناف التي تجب فيها الزكاة اختلافاً يطول ذكره، وعلى من تجب الزكاة، وعلى من لا تجب. فينبغي لكاتب الديوان أن يعلم ذلك، ويتفقه فيه.
وأما الغنيمة: فهو ما غنمه المسلمون من بلاد المشركين أو عساكرهم.
وفي أحكام الديوان أمور كثيرة، تخالف أحكام القضاء، ولهذا فصل حكم الديوان من سائر الأحكام. وذلك أن صاحب الديوان يحكم بالخطوط التي يجدها في ديوانه، ويلزم من تنسب إليه بها الأموال إذا عرفت، والحكام لا يفعلون ذلك، ويمضي ضمان الثمار والعلات وأبواب المال وسائر وجوه الجبايات، ولا يمضي ذلك الفقهاء، لأن تضمن الغلة قبل الحصاد، ضرب من المخابرة التي نهى عنها، وبيع الثمار قبل ظهور صلاحها من بيع الغرر وبيع ما لا يملك، وقد نهى عن ذلك.
(1/157)

وأبواب الأموال من الجوالي وغيرها، فيها خلاف أيضاً لما توجبه الأحكام، لأن (الجوالي) مال على رقاب بأعيانها. ومتى مات واحد منهم قبل محل ما عليه أو أسلم بطل كان ما يلزمه، ووجوه الجبايات: من الأسواق، والعراض والطواحين على الأنهار، التي لا ينفرد بمكلها إنسان من المسلمين دون سائرهم، مخالفة أيضاً لما توجبه أحكام الشريعة. وجميع ذلك جائز عند الكتاب على مذاهب أحكام الخراج.
ولأجل هذا رأى قوم من الكتاب أن يجعلوا مكان تضمين الغلات، تضمين الأرض. وكانوا يتأولون في ضمان الأرحاء، أن ماءها ماء الخراج، فيجعلون الجباية منها، لما كانت مشتركة بين المسلمين. وأصحاب الدواوين كانوا يجعلون تاريخ الخراج بحساب الشمس، لا بحساب القمر، لأن الشهور القمرية تنتقل. والشمسية لا تنتقل.
وكان كثير من الكتاب إذا ذكروا الحساب الشمسي، يزيدون في ذلك أن يقولوا: ويوافق ذلك من شهور العرب شهر كذا، من سنة كذا، من سنى الهجرة، إذ كان التاريخ عند الحكام بالسنين العربية دون الأعجمية.
(1/158)

كاتب الشرطة
وأما كاتب الشرطة فينبغي له أن يعلم أن صاحبه إنما وضع لشيئين: أحدهما معونة الحكام وأصحاب المظالم والدواوين، في حبس من أمروه بحبسه، وإطلاق من أمروه بإطلاقه. وإشخاص من كاتبوه بإشخاصه. وإخراج الأيدي مما خلت فيه وإقرارها، ولذلك جعل له اسم المعونة.
والثاني: النظر في أمور الجنايات، وإقامة الحدود على من وجبت والعقوبات، والفحص عن أهل الريب والمنكرات، وتعزير من وجب تعزيره، وإقامة الحدود على من وجبت إقامتها عليه، من اللصوص ونحوهم. وإنما اشتق له اسم الشرطة، من زيه. وكان من زي أصحاب الشرطة، نصب الأعلام على مجالس الشرطة، والأشراط هي الأعلام. ومنه قيل أشراط الساعة: أي علاماتها ودلائلها. ومنه سمى الشرط شرطاً، لأن لهم زياً يعرفون به. فينبغي لكاتب الشرطة أن يكون له علم بالحدود والواجبات، والجروح والديات، وحكم العمد، وحكم الخطأ، وسائر أصناف الحكومات، ومن ينبغي أن يعاقب في الزلات، ومن تدرأ عنه الحدود بالشبهات وتقال عثرته من ذوي المناصب والهيئات، ونحو ذلك.
(1/159)

كاتب التدبير
وأما كاتب التدبير فهو أعظم الكتاب مرتبة، وأرفعهم منزلة، لأنه كاتب السلطان، الذي يكتب أسراره، ويحضر مجالسه، وهو الذي يدعى وزير الدولة المرجوع إليه في جميع أنواع الخدمة. وهذا الكاتب أحوج الكتاب المذكورين، إلى أن تكون له مشاركة في جميع العلوم بعد إحكامه لما يحتاج إليه في صناعته. وينبغي أن يكون أكثر عمله التواريخ، وأخبار الملوك، والسير والدول، والأمثال، والأشعار، فإن الملوك إلى هذه الأنواع من العمل أميل، وهم بها ألهج. وقلما يميلون على إلى غير ذلك من العلوم.
وبالجملة: ينبغي لهذا الكاتب أن يجرى إلى تعلم الأشياء التي يعلم أن رئيسه يميل إليها، ويحرص عليها، وأن يتجنب كل ما ينكره الملك وينافره، فإن ذلك يحببه إليه، ويحظى بمنزلته لديه. ويدعو الملك إلى الإيثار له والتقريب، والإغضاء على ما فيه من العيوب، فقد روى أن زياداً أخا معاوية، عوتب في تقريبه لحارثة بن بدر الغدافي، وكان قد غلب على أمره، حتى كان لا يجب عنه شيئاً من سره. فقيل له: كيف تقربه وأنت تعلم اشتهاره بشرب الخمر؟ فقال: كيف لي باطراح رجل كان يسايرني حين دخلت العراق، ولم يصلك ركابي ركاباه، ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي إليه، ولا أخذ على الشمس في شتاء قط، ولا الروح، في صيف قط. ولا سألته عن علم إلا ظننت أنه لا يحسن غيره.
وإذا اجتمع للكاتب مع التفنن في المعارف، والعلوم، والعفاف، ونزاهة النفس عن القبائح، فقد تنهي في الفضل، وجاز غاية النبل، إن شاء الله
(1/160)

باب ذكر جملة من آلات الكتاب
لا غنى لهم عن معرفتها
من ذلك: الدواة:
يقال: هي الدواة، والرقيم، والنون. وقال بعض المفسرين في قوله عز وجل: {ن والقَلَم} إنها الدواة. وكذلك روى عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحاب الكَهف والرَّقِيم}. وجمع دواة دويات، كما يقال قناة وقنوات، ويقال: دواة ودوى، كما يقال. قناة وقنا. قال الشاعر:
لمن الدار كخط بالدوى ... أنكر المعروف منه وامحى

ويقال: دواة ودوى، كما يقال: قناة وقنى: قال الشاعر
وكم تركت ديار الشرك تحسبها ... تلقى الدوى على أطلالها لبقا

وجمع النون في العدد القليل، أنوان، وفي العدد الكثير نينان. كما يقال في جمع حوت أحوات وحيتان.
واشتقاق الدواة من الدواء، لأن بها صلاح أمر الكاتب، كما أن الدواء به صلاح أمر الجسد. وجعلها بعض الشعراء المحدثين مشتقة من دوى الرجل يدوى دوى: إذا صار في جوفه الدواء، فقال:
أما الدواة فأدوى حملها جسدي ... وحرف الخط. تحريف من القلم
(1/161)

وليس للنون فعل مصرف منها، ولا للرقيم. وأما الدواة فقد صرف منها أفعال واشتقت منها أسماء، فقالوا: أدويت دواة: إذا اتخدتها فأنا مدو. فإذا أمرت غيرك أن يتخذها قلت: أدو دواة. ويقال للذي يبيع الدوى دواء، كما يقال لبائع الحنطة: حناط، ولبائع التمر: تمار. فإذا كان يعملها قيل مدو، كما يقال للذي يعمل القنوات مقن. قال الراجز:
((عض الثقاف خرص المقنى))
ويقال للذي يحمل الدواة ويمسكها: داو، كما يقال لصاحب السيف: سائف، ولصاحب الترس: تارس.
ويقال لما تدخل فيه الدواة ليكون وقاية لها صوان وغلاف وغشاء. فإن كان شيئاً يدخل في فمها لئلا يسيل منها شيء، فهو سداد وعفاص. وكذلك القارورة ونحوها.
ومن اللغويين من يجعل العفاص ما يدخل فيه رأس القارورة ونحوها، ويجعل السداد والصمام، ما يدخل فيها.
ووزن دواة من الفعل فعلة، وأصلها: دوية، تحركت الياء وقبلها فتحة، فانقلبت ألفاً، ويدل على أن لامها ياء، قولهم في جمعها: دويات. فإن قال قائل: إن الواو من دواة، قد تحركت أيضاً، وانفتح ما قبلها، فهلا قلبتموها ألفاً، ثم حذفتم إحدى الألفين، لالتقاء الساكنين؟ فالجواب عن ذلك، من وجهين:
أحدهما: أن حكم التصريف يوجب أنه إذا اجتمع في موضعي العين واللام حرفان يجب إعلالهما، أعلت اللام وتركت العين، لأن اللام أضعف من
(1/162)

العين، وأحق XXX إذا كانت طرفاً. وفي موضع تتعاقب عليه حركات الإعراب. وهو محل للتغيير.
والثاني: أنهم لو فعلوا ما سألنا هذا السائل، لأجحفوا بالكلمة. وذب معناها. ويقوى هذا الجواب ويدل على صحته. أنك تجد الواو التي يلزم إلمامها إذا وقعت بعدها ألف. لم بعلوها في نحو النزوان والكروان. لئلا يلزم حذف أحد الألفين، فيلتبس فعلان بفعال. ولم يأت في الكلام إعلال العين وتصحيح اللاء. إذا كانا جميعاً حر في علة. إلا في مواضع يسيرة، شذت هما عليه الجمهور نحو آية. وصاية. وطاية. وتاية. وراية.
إصلاح الدواة بالمداد
يقال لصوفة الدواة قبل أن تبل بالمداد: البوهة والموارة فإذا XXX بالمداد فهي الليقة وجمعها: ليق. ويقال: لقت الدواة فهي ملبقة وألقتها. فهي ملاقة وقد يقال لها ليقة قبل أن تبل بالمداد. فتسمى مما تثول إليه. كما يقال للكبش: ذبح وذبيحة قبل أن تذبح. وللصيد رمية قبل أن ترمى. والعرب تقول: بئس الرمية الأرنب وقال الله تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} فإذا عظمت الصوفة فهي الهرشفة، فإن كانت
(1/163)

قطنة فهي العطبة، والكرسفة. والقطن كله يقال له: العطب والكرسف، ويقال من الكرسفة: كرسفت الدواة كرسفة وكرسافا. والمداد يذكر ويؤنث فيقال: هو المداد وهي المداد. ويقال له: نقس، بكسر النون. فأما النقس بفتح النون فمصدر نقست الدواة: إذا جعلت فيها نقساً.
وقد حكى ابن قتيبة في كتاب آلات الكتاب: أنه يقال للمداد: نقس ونقس، بالكسر والفتح. قال: والكسر أفصح وأعرب. ويقال: مددت الدواة أمدها مداً: إذا جعلت فيها مدداً. فإذا كان مداداً فزدت عليه، قلت: أمددتها إمداداً. إذا أمرته أن يأخذ بالقلم من المداد، قلت: استمدد. وإذا سألته أن يعطيك على القلم مداداً، قلت: أمددني من داواتك. وقد استمددته: إذا سألته أن يمدك. وحكى الخليل، مدني وأمدني: أي أعطني من مداد دواتك، وكل شيء زاد فهو مداد. قال الأخطل:
رأوا بارقات بالأكف كأنها ... مصابيح سرج أوقدت بمداد

يعني بالزيت:
والحبر من المداد مكسور لا غير. فأما العالم فيقال له: حبر، وحبر، وقال بعض النحويين: سمى المداد حبراً باسم العالم، كأنهم أرادوا مداد حبر، فحذفوا المضاف. ولو كان ما قاله صحيحاً، لقالوا للمداد حبر بالفتح أيضاً.
(1/164)

والأشبه أن يكون سمى بذلك لأنه يحسن الكتاب، من قولهم حبرت الشيء: إذا أحسنته. ويقال للجمال: حبر وسبر.
وفي الحديث: يخرج من النار رجل قد ذهب حبره وسبره. فإذا قيل مداد حبر، فكأنه قيل: مداد زينة وجمال. ويجوز أن يكون مشتقاً من الحبر والحبار، وهو الأثر، سمى بذلك لتأثيره في الكتاب، قال الشاعر:
لقد أشمتت بي أهل فيد وغادرت ... بجسمي حبراً بنت مصان باديها

ويقال: أمهت الدواة وموهتها: إذا جعلت فيها ماء. فإذا أمرت من ذلك قلت: أمه ذواتك، وموه.
القلم
يقال: هو القلم والمزبر بالزاي والمذبر بالذال معجمة، سمى بذلك لأنه يزبر به ويذبر: أي يكتب وقد فرق بعض اللغويين بين زبرت وذبرت، فقال: زبرت بالزاي: أي كتبت، وذبرت بالذال: أي قرأت. وسموه قلماً، لأنه قلم أي قطع وسوى كما يقلم الظفر. وكل عود يقطع ويحز رأسه ويقلم بعلامة فهو قلم. ولذلك قيل للسهام أقلام قال الله تعالى {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}. وكانت سهاماً مكتوبة عليها أسماؤهم. ويقال للذي يقلم به مقلم، ولما يبرى به مبرى ومبراة. وقد بريته أبريه برياً،
(1/165)

وحصرمته حصرمة عن ابن الإعرابي. ويقال لما يسقط. من التقليم: القلامة، ولما يسقط. من البري: البراية. وجمع القلم: أقلام وقلام، كقولك في جمع جمل: أجمال وجمال.
وقيل لأعرابي: ما القلم؟ ففكر ساعة، وجعل يقلب يديه، وينظر إلى أصابعه، ثم قال: لا أدري. فقيل له: توهمه في نفسك، فقال: هو عود قلم من جوانبه كتقليم الأظافر.
ويقال: لعقده: الكعوب. فإن كانت فيه عقدة تشينه وتفسده، فهي الأبنة. ويقال لما بين عقده: الأنابيب، واحدها: أنبوب ولأوعية الأقلام: المقاليم. واحدها: مقلم. والأنابيب والكعوب: تستعمل أيضاً في الرماح وفي كل عود فيه عقد. وكذلك الابن، فإن كان في القصبة أو العود تأكل، قيل فيه قادح، وفيه نقد وكذلك في السن والقرن. قال جميل:
رمى الله في عيني بثنية بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح

وقال الهذلي:
تيس تيوس إذا يناطحها ... يألم قرناً أرومه نقد
(1/166)

ويقال لباطنة: الشحمة، ولظاهره: الليط، فإن قشرت منه قشرة قلت: ليطت من القلم ليطة: أي قشرتها. والليط أيضاً: اللون قال أبو ذويب الهذلي.
بأروى التي تأرى إلى كل مغرب ... إذا اصفر ليط الشمس حان انقلابها

ويقال للقصب: اليراع والأباء. وقال قوم: الأباء: أطراف القصب، الواحدة يراعة وأباءة. قال متمم بن نويرة يذكر فرساً:
ضافي السبيب كأن غض أباءة ... ريان ينفضه إذا ما يقدع

ويقال للقطن الذي يوجد في جوف القصبة: البيلم، والقصف والقيسع، واحدته: بيلمه، وقيصفة وقيسعة. فإن كان فيه عوج فذلك الدرء، وكذلك في العود.
قال الشماخ:
أقام الثقاف والطريدة درءها ... كما قومت ضفن الشموس المهامز

والطريدة: خشيبة صغيرة فيها حديدة تسوى بها الرماح ونحوها. ويقال لغشائه الذي عليه: الغلاف واللحاء والقشر. فإذا نزعته عنه قلت: قشرته وقشوته، وقشيته (مشدد)، ولحفته، ولفأته، وكشأته، ولحوته،
(1/167)

ولحيته، وسحيته، وسحوته، وجلفته، وجلهته ووسفته، ونقحته. هذان مشددان.
ويقال لطرفيه اللذين يكتب بهما: السنان. إحدهما: سن. والشعيرتان: واحدتهما: شعيرة.
فإذا قطع طرفه بعد البرى وهيئ للكتابة، قيل: قططته أقطه قطا وقضمته أقضمه قضما. والمقط: ما يقط عليه. والمقط بفتح الميم: الوضع الذي يقط من رأسه. قال أبو النجم: ((كأنما قط على مقط)).
وقال المقنع الكندي يصف القلم:
يحفى فيقضم من شعيرة رأسه ... كقلامة الأظفور في تقلامه

فإذا انكسرت سنه قيل: قضم يقضم قضماً، على وزن حذر يحذر وكذلك كل تكسر في سن أو سيف أو رمح أو سكين. فإن أخذت من شحمته بالسكين، قلت: شحمته أشحمه. فإذا أفرطت الأخذ منها، قلت: بطنت القلم تبطيناً، وحفرته حفراً. وقلم مبطن محفور. واسم موضع الشحمة المنتزعة: الحفرة.
فإذا تركت شحمته ولم تأخذ منها شيئاً، قلت: أشحمته إشحاما
(1/168)

ويقال للشحمة التي تحت برية القلم: الضرة. شبهت بضرة الإبهام، وهي اللحمة في أصلها. كذا قال ابن قتيبة في آلة الكتاب، وهو المعروف. وخالف ذلك في أدب الكتاب، فقال: الألية: اللحمة التي في أصلها الإبهام، والضرة: اللحمة التي تقابلها. فإن جعلت سن القلم الواحدة أطول من الأخرى قلت: قلم محرف. وقد حرفته تحريفاً. فإن جعلت سنيه مستويتين، قلت: قلم مبسوط، وقلم جزم، فإن سمع له صوت عند الكتابة، فذلك الصريف، والصرير، والرشق. ويقال: قلم مذنب بفتح النون: أي طويل الذنب. فإذا كثر المداد في رأس القلم حتى يقطر، قيل: رعف القلم يرعف رعافا، شبه برعاف الأنف. ومج يمج مجا. وأرعفه الكاتب إرعافاً، وأمجه إمجاحاً ويقال للكاتب: استمدد ولا تعرف ولا تمج، أي لا تكثر من المدد حتى يقطر. ويقال للخرقة التي يمسح فيها الكاتب قلمه: وقيعة بالقاف. كذا حكاها الثعالي في فقه اللغة. وقال أبو عمر الشيباني: وفيعة (بالفاء)، وكذا وجدتها مقيدة بخط علي بن حمزة.
ويقال لما يدخل فيه القلم: غمد وغلاف وقمجار، وكذلك السكين.
أصناف الأقلام
قال ابن مقلة: للخط أجناس، فقد كان الناس يعرفونها، ويعلمونها أولادهم على ترتيب ثم تركوا ذلك، وزهدوا فيه، كزهدهم في سائر
(1/169)

العلوم والصناعات، وكان أكبرها وأجلها قلم الثلثين، وهو الذي كان كاتب السجلات يكتب فيما تقطعه الأئمة. وكان يسمى قلم السجلات. ثم ثقيل الطومار والشامي، وكان يكتب بهما في القديم عن ملوك بني أمية، ويكتب إليهم في المؤامرات بمفتح الشامي، ثم استخلص ولد العباس قلم النصف، فكتب به عنهم، وترك ثقيل: الطومار والشامي.
ثم إن المأمون تقدم إلى ذي الرياستين، بأن يجمع حروف قلم النصف ويباعد ما بين سطوره، ففعل ذلك، ويسمى القلم الرئاسي، فصارت المكاتبة عن السلطان بقلم النصف، والقلم الرئاسي، والمكاتبة إليهم بحرفيهما. والمكاتبة من الوزارات إلى العمال بقلم الثلث، ومن العمال إليهم من الوزراء إلى السلطان بقلم المنشور، عوضاً من مفتح الشامي وتصغير المنشور، وسيما قلم المؤامرات، وقلم الرقاع، وهو صغير الثلث، للحوائج والظلامات. وقلم الحلية وغبار الحلية، وصغيرهما للأسرار، والكتب التي تنفذ على أجنحة الأطيار.
قال ابن مقلة: وأكثر أهل هذا الزمان لا يعرفون هذه الأقلام، ولا يدرون ترتيبها، وليس بأيديهم منها إلا قلم المؤامرات، وصغير الثلث، وقلم الرقاع. وقد اقتصر كل كاتب على ما وقف عليه خطه، من صغر أو كبر، أو ضعف أو قوة، أو رخامة أو حلاوة، كاقتصارهم في سائر الأمور على البخوت والحظوظ.
(1/170)

وقال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: في كتاب آلة الكتاب: ذكر أبو المنذر هشام بن محمد السائب الكلبي، عن أبية، قال: أول من وضع الخط. نفر من طيئ بن بلان. وهم مرامر ابن مرة. وأسلم بن بن سدرة وعامر بن جدرة. فساروا إلى مكة، فتعلمه منهم شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. وهشام بن المغيرة الخزومي. ثم أتوا XXX، فتعمله نفر منهم ثم أتوا الحيرة، وعلموه جم اعة، منهم. سفيان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم. وولده يسمون بالكوفة بني الكاتب. ثم أتوا الشام فعلموه جماعة. فانتهت الكتابة إلى رجلين من أهل الشام. يقال لهما الضحاك. وإسحاق بن حماد. وكانا يخطان الجليل. فأخذ إبراهم بن السحزي الخط الجليل عن إسحاق بن حماد، واخترع منه خطأ أخف منه. فسماه الثلثين. كان أخط أهل دهره بقلم الثلثين. ثم اخترع قلماً أخف من الثلثين. وسماه الثلث. وأقام ابن المخيس وصالح السجزي على الخط الجليل. الذي أخذاه عن إسحاق بن حماد. وكان
(1/171)

يوسف بن المخيس إذا أخذ عن إسحاق الحظ الجليل، اخترع منه قلماً آخر، أهون من الجليل، تاماً مفرط التمام مفتحاً، فأعجب ذا الرئاستين الفضل بن سهل، وأمر الكتاب ألا يحرروا الكتب إلا به. وسماه: الرياسي. ثم أخذ ابن الأحول عن ابن السجزى الثلثين والثلث، واخترع منهما قلما سماه النصف، وقلما آخر سماه: خفيف النصف، وقلما أخف من الثلث وسماه خفيف الثلث، وقلما سماه المسلسل، متصل الحروف، لا ينفصل بعضها من بعض، وقلما سماه غبار الحلية، وقلما سماه خط المؤامرات، وقلما سماه خط القصص، وقلما خفيفاً سماه الحوائجي، وقلما سماه المحدث، وقلما سماه المدمج، وقلما سماه الطوماري.
وكان محمد بن معدان [المعروف بأبي ذرجان،] مقدماً في كتابة السجلات، وكان أبو ذرجان مقدماً في خط. النصف. وكان يعتمد قلماً مستوى السنين، وكان يشق الصاد والضاد والطاء والظاء بعرض النصف. وكان يعطف ياء على، وكل ياء من يساره إل يمينه، بعرض النصف، لا يرى فيها اضطراب ولا عوج.
(1/172)

وكان أحمد بن محمد [بن حفص] المعروف بزاقف، أحلى الكتاب خطاً في الثلث. وكان محمد بن عبد الملك الزيات يعجب بخطه، ولا يكتب بين يديه غيره. وكان حيون أخو الأحول، أخط من الأحول فأمر ابن الزيات ألا تحرر الكتب إلا بخطه، فاحتضره الموت حدثاً.
وكان أهل الأنبار يكتبون المشق، وهو خط في خفه. والعرب تقول: مشقة بالرمح: إذا طعنه طعناً خفيفاً متابعاً. قال ذو الرمة يصف ثوراً وكلاباً.
فكر يمشق طعناً في جواشنها ... كأنه الأجر في الإقتال يحتسب

ويروى (في الأقتال)، وهم الأعداء، واحدهم قتل.
ولأهل الحيرة خط الجزم، وهو خط المصاحف، فتعلمه منهم أهل [الكوفة. وخط أهل الشام، الجليل، يكتبون به المصاحف والسجلات.
فعدد أصناف الأقلام حسب ما تقدم ذكره واحد وعشرون: الجليل. وقلم الثلثين، ويسمى قلم السجل. والقلم الرياسي، والنصف، وخفيف النصف، والثلث، وخفيف الثلث، ويسمى قلم الرقاع، والمسلسل، وغبار الحلية، وصغير الغبار، وهو قلم المؤامرات، وقلم القصص، والحوائجي، والمحدث، والمدمج، وثقيل الطومار، والشامي، ومفتح الشامي، والمنشور، وخفيف المنشور. وقلم الجزم.
(1/173)

السكين
يقال: هو السكين، وهي المدية، والصلت، والمجزأة، والرميض، والمذبح، والمبراة، والشلظ، والشلطاء والمفراص، وآكلة اللحم، والسخين والشلقاء (ممدود على وزن الحرباء). وقال الفراء: السكين تذكر وتؤنث، وأنشد:
فعيث في السنام غداة قر ... بسكين موثقة النصاب

وقال ابن الأعرابي: في المدية ثلاث لغات: الضم، والفتح، والكسر. ويقال: إن الصلت هي الكبيرة منها. ويقال لجانب السكين الذي يقطع به: الحد والغرب والغر والغرار، والذلق. ولجنبها الذي لا يقطع: الكل، ولطرفها: الذباب، والظبة، والقرنة، وللذي يمسكه الكف منها: المقبض والمقبض (بفتح الباء وكسرها) والنصاب، والعتر والجزأة: يقال: جزأت السكين وأجزأتها: إذا جعلت لها جزأة، وأنصبتها: إذا جعلت لها نصاباً. وأقبضتها: إذا جعلت لها مقبضاً.
وذكر ابن قتيبة في هذا الكتاب أن النصاب للسكين والمدية، والجزأة
(1/174)

للإشفى والمخصف وهو قول كثير من اللغويين. ويقال للمسمار الذي تشد به الحديدة في النصاب الشعيرة، وكذلك السيف، قال الراجز:
كأب وقب عينه الضريرة ... شعيرة في قائم مسموره

ويقال لما يشد به النصاب: اللك، ويقال للحديدة التي تدخل في النصاب من السكين: السيلان، وكذلك من السيف. ويقال لوجهي السكين: الأللان. واحدهما: ألل.
فإذا كانت حادة: فيل سكين حديد، وحداد، وحداد، ومرهف، وذليق، ومذلق، وهذام وهذ، وصف با لمصدر من هذذت أهد: إذا أسرعت القطع. قال الشمردل بن شريك.
كأن جزاراً هدم السكين ... جر له لمسير أفانين

ويقال: وقعتها ورمضتها وذربتها (بالتخفيف)، وذربتها (بالتشديد) وأنفتها وألللتها وذلقتها وسننتها، هذه بالتخفيف، والثلاث
(1/175)

التي قبلها بالتشديد، وأرهفتها، كل هذا إذا أحددتها. والرمض: أن تجعل الحديدة بين حجرين، فتدق بهما لترق، فإذا انكسر طرفها قيل: انفلت انفلالا، وتفللت تفللاً، وقضمت قضما، وكذلك يقال في السيف. قال الشاعر:
فلا توعدني إنني إن تلاقني ... معي مشرفي في مضاربه قضم

ويقال لمدها: القجمار والغلاف والقراف. أنشد المطرز:
وأخرج السكين من قجمارها
فإن أدخلتها في غمدها قلت: غلفتها، وأغلفتها، وقربتها وأقربتها. الثلاثي منها مشدد العين. وقيل: أقربتها جعلت لها قراباً، وقربتها: أدخلتها في قرابها وغمدتها بالتخفيف، وأغمدتها.
المقص
يقال: هو المقص، والمقطع، والمقراض والجلم. فإذا أردت الموضع الذي يقص فيه ويقطع، قلت: مقص ومقطع، ففتحت الميم. وكذلك مقرض ومجلم، وأكثر ما يقال: اشتريت مقراضين ومقصين وجلمبن بالتثنية، فيجعلون كل واحدة من الحديدتين مقراضاً ومقصاً وجلما، قال الشاعر:
ولولا نوال من يزيد بن مزيد ... لصبح في حافاتها الجلمان
(1/176)

وقد جاء فيها الإفراد. قال سالم بن وابصة:
داويت صدراً طويلاً غمره حقداً ... منه وقلمت أظفاراً بلا جلم

وقال بعض الأعراب:
فعليك ما اسطعت الظهور بلمتي ... وعلى أن ألقاك بالمقراض

ويقال في تصريف الفعل منها: قصصت، وقطعت، وقرضت، وجلمت وقد قالوا: جرمت بالراء. ويقال لطرفيها: ذبابان، وظبتان، ولحديها: الغراران. ولجانبيها اللذين لا يقطعان شيئاً: الكلان ولحلقتيها: السمان وكذلك يقال لثقبى الأنف. أنشد أبو حاتم:
ونفست عن سمية حتى تنفسا ... وقلت له: لا تخش شيئاً ورائياً

ويقال للحديدة التي تسمر بها: الشعيرة، ولصوتها: الصليل، والصرير. وللثقب بطرفها: الزخر. وكل طعن وخز. قالت الخنساء:
بيض الصفاح وسمر الرماح ... بالبيض ضرباً وبالسمر وخزا

ويقال: خسقت، وخزقت، وخرقت، (بالزاي والراء): إذا ثقبت بسهم أو إبرة أو نحو ذلك.
(1/177)

الكتاب
يقال: هو الكتاب والزبور والزبير والذبور (بالذال معجمة)، والمزبور. يقال: زبرت الكتاب (بالزاي) وذبرته (بالذال معجمة): بمعنى كتبته. وقد قال بعض اللغويين: زبرته (بالزاي): كتبته، وذبرته (بالذال): قرأته. والزبارة والتزبرة: الكتابة. قال رجل من أهل اليمن: أنا أعرف تزبرتي أي كتابتي. وقال أبو ذويب:
عرفت الديار كرقم الداوا ... ة يذبره الكاتب الحميري

وقال امرؤ القيس:
كخط زبور في مصاحف رهبان
وقال ابن قتيبة: الزبور في هذا البيت: الكاتب. يقال للكاتب. زابر وزبور وذابر وذبور.
فإن كان الذي يكتب فيه من جلود فهو رق وقرطاس بكسر القاف، وقرطاس بضمها، وقرطس، وقد تقرطست قرطاساً: إذا اتخذته. وقد قرطست: إذا كتبت في قرطاس. ويقال: قرطسنا يا فلان، أي جئنا
(1/178)

بقرطاس. فإن كان من رق فهون كاغد (بالدال غير معجمة). وقد حكى بالذات معجمة. وقد يستعمل القرطاس لكل بطاقة يكتب فيها. ويقال لما يكتب فيه: الصحيفة، والمهرق وأصله بالفارسية (مهره)، والقضيم، والقضيمة. قال الأعشي:
ربي كريم لا يكدر نعمة ... وإذا تنوشد في المهارق أنشدا

وقال امرؤ القيس:
وبين شبوب كالقضيمة قرهب
ويقال: السجل والوصر بمعنى واحد. ويقال: سجل له القاضي وأسجل بمعنى واحد.
ويقال للصك: قط وجمعه قطاط وقطوط. وكذلك كتب الجوائز والصلات.
قال الأعشي:
ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطى القطوط ويأفق

وقال المتلمس:
وألقيتها بالثني من جنب كافر ... كذلك أقنو كل قط مضلل

وقال الله تعالى {وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} فإن كان
(1/179)

كتاباً كتب فيه بعد محو فهو طرس. ويقال: رقمت الكتاب رقماً، ولمقته لمقاً، ونمقته نمقاً ونمقته تنميقاً وحبرته تحبيراً، ونبقته تنبيقاً، (النون قبل الياء)، وبنقته تبنيقاً (الباء قبل النون)، ورقشته ترقيشا، وزبرجته زبرجة وزبراجا. وزورته تزويراً وتزورة، وزخرفته زخرفة كل ذلك إذا كتبته كتابة حسنة. فإذا نقطته قلت: وشمته وشماً، ونقطته نقطاً، وأعجمته إعجاماً، ورقمته ترقيماً. قال طرفة:
كسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشمه

وقال المرقش، وبهذا البيت سمى مرقشاً:
الدار قفر والرسوم كما ... رقش في ظهر الأديم قلم

وقال أبو ذويب:
برقم ووشم كما نمنمت ... بميشمها المزدهاة الهدى

وقال رؤية:
دار كرقم الكاتب المرقش
(1/180)

فإذا أفسد الخط قيل: مجمجمه مجمجمة، وتبجه ثثبيجا، ورمجه ترميجاً، وهلهله هلهلة، ولهلهه لهلهلة.
فإذا لم يبين خطه قيل: دخمسه دخمسة، ومجمجه مجمجة، وجمجمة جمجمة وعقمه عقماً، وعقله عقلاً.
فإذا أدق الحروف وقارب بعضها من بعض قيل: قرمط قرمطة، وقرصع قرصعة.
فإذا أمد الحروف، قيل: مشق مشقاً. ويقال: المشق: سرعة الكتابة، وسرعة الطعن، وقد تقدم ذلك.
فإذا أعظم الحروف وطولها، قيل: مدها مداً، ومطها مطاً، ومططها تمطيطاً:
فإذا نقص من الكتابة شيء فألحقه بين الأسطر، أو في عرض الكتاب، فهو اللحق، وجمعه ألحاق.
قال الشاعر:
عور وحور وثالث لهم ... كأنه بين أسطر لحق
(1/181)

فإذا سوى حروف كتابته، ولم يخالف بعضها بعضاً، قيل: جزم يجزم جزماً، وخط مجزوم ويقال من السطر: سطر (بالتخفيف)، وسطر (بالتشديد). ويقال: سطر وسطر (بتسكين الطاء وفتحها)، وجمع سطر، الساكن: أسطر، وسطور، وجمع سطر، المحرك: أسطار، وسطار. ويجوز سطور، كما قالوا: أسد وأسود، وجمع الجمع: أساطير.
فإذا وضع على الكتاب تراباً بعد الفراغ من كتابته: أتربته إتراباً، وتربته تتريباً.
ومن اللغويين من يقول أتربت ولا يجيز تربت. وكذلك قال ابن قتيبة في الأدب. فإن جعل عليه من براية العيدان التي تسقط منها عند نشرها قال: أشره تأشيراً، ووشره توشيراً، ونشره تنشيراً، لأنه يقال: أشرت الخشبة ووشرتها ونشرتها، وهو المئشار (بالهمز) والميشار (بغير همز) والمنشار (بالنون).
ويقال لما يسقط منها الإشارة، والوشارة، والنشارة. والذي يصنع ذلك الآشر والواشر. وعود مأشور، وموشور، ومنشور.
ويقال: سحوت الكتاب سحواً، وسحيته سحياً: إذا قشرت منه قشرة، واسم تلك القشرة: سحاءه، وسحاية، وسحاة، والجمع سحاءات وسحايات، وسحاء (مكسور ممدود) وسحاً (مفتوح ومقصور)، وسحايا. وكذلك
(1/182)

القطعة الصغيرة منه. فإذا شددته بسحاءة قيل: سحيته (بالتشديد) تسحية. ويقال للسحاءة التي يشد بها: خزامة أيضاً.
وقد خزمه فهو مخزوم. ويقال لها أيضاً: إضباره وضبارة (بكسر الضاد). وقد ضبرته (بالتخفيف)، وضبرته (بالتشديد). والإضبارة أيضاً: صحف تجمع وتشد. ويقال للكتاب أيضاً مودة ومجلة ووحي. وكان ابن الأعرابي يروي بيت النابغة.
مجلتهم ذات الإله
(بالجيم). وجمع وحي وحي، على مثال عصى.
قال لبيد:
فمدافع الريان عرى رسمها ... خللقا كما ضمن الوحي سلامها

ويقال: وحيت أحي وحيا: إذا كتبت، فأنا واح. وأوحيت فأنا موح.
(1/183)

وقد قيل في تفسير قوله عز وجل: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}.
وقال الشاعر:
ماهيج الشوق من أطلال ... أضحت قفاراً كوحي الواحي

ويقال للخطوط التي يكتبها الكتاب والصبيان، ويعرضونها ليرى أبهم أحسن: خط التناشير والتحاسين، لا واحد لها.
ويقال للكاتب إذا سقط شيئاً من كتابته: قد أوهمت إيهاماً. فإذا غلط قيل: قد وهمت توهم وهماً (محركة الهاء) على مثال وجلت توجل وجلا. فإذا أراد شيئاً وذهب وهمه إلى غيره، قيل: وهمت تهم وهماً، ساكنة الهاء، على مثال وزنت تزن وزنا.
وللكتب أسماء وقع الاصطلاح عليها بين اللغويين، فمنها ما يعم جميعها، ومنها ما يخص بعضها دون بعض. فمن الأسماء العامة: الكتاب، والصحيفة، فإنهما يقعان على جميع أنواعها، وليس كذلك المصحف، لأن هذا الاسم لا يوقعونه في المشهور المتعارف إلا على كتب الأنبياء المنزلة عليهم، وقد تستعمل في غير ذلك، وهو قليل.
وأما الفنداق، والزمام، والأدواج، والأنجيذج والعمال، فلا تستعمل إلا في الكتب المتصرفة في الخدمة وحساب الخراج والعمال. ويقال من الأوارج: أرجت تأريجا وورجت توريجاً.
(1/184)

والرسائل لا تستعمل إلا في المخاطبات والمكاتبات. والسجلات لا تستعمل إلا في الكتب المتصرفة في مجالس القضاء والحكام. وقد تستعمل السجلات في كتب السلاطين. والعهدة لا تستعمل في كتب الشراء. والصكوك والقطوط الغالب عليها أن تستعمل في كتب الولايات والإقطاعات، والإنزالات، والمحاشاة من الوظائف والكلف. وربما استعملت في غير ذلك من الكتب. والأشهر استعمالها فيما ذكرناه. قال ابن الرومي:
لك وجه كآخر الصك فيه ... لمحات كثيرة من رجال
كخطوط الشهود مختلفات ... شاهدات أن ليس بابن حلال

وقد جرت العادة في الأكثر، ألا يقال سفر إلا ما كان عليه جلد. وأما الدفتر فيوقعونه على ما جلد وما لم يجلد. واشتقاق السفر من قولهم: سفر الصبح: إذا أنار، كأنه يبين الأشياء كما يبينها الصبح، وهذا الاشتقاق يوجب أن يكون واقعاً على كل ما كتب، ولكن العادة إنما جرت على ما ذكرت لك.
طبع الكتاب وختمه
يقال: طبعت الكتاب أطبعه طبعاً، وختمته أختمه ختماً، وأنقته أنقه أنقا. ويقال للذي يطبع: طابع وطابع، وخاتم بالفتح والكسر
(1/185)

فأما الرجل الذي يطبع ويختم فطابع وخاتم (بالكسر لا غير). ويقال للطابع أيضاً: مطبع وميفق. قال الأعشي:
يعطي القطوط ويأفق
وفي الخاتم الذي يختم به لغات. يقال: خاتم، وخاتم، وخيتام، وخاتام، وختام، وختم، واختلف في قوله الأعشي:
وصهباء طاف يهوديها ... وأبرزها وعليها ختم

فقال قوم: أراد الخاتم. وقال قوم. إنما ختم: فعل ماض. أراد وختم عليها.
ويقال للطين الذي يطبع به: ختام وجرجس وجولان وجعو. قال الله تعالى (ختامه مسك). وقال امرؤ القيس.
ترى أثر القرح في جلدتي ... كما أثر الختم في الجرجس
(1/186)

وقال الجرمي:
كأن قرادى صدره طبعتهما ... بطين من الجولان كتاب أعجم

وذكر أبو رياش أن الجولان في هذا البيت: موضع بالشام، بينه وبين دمشق ليلة. وذكر أبو عمر المطرزي: أن الجعو: طين خاتم القاضي.
ويقال: أكرست الكتاب: إذا ختمته.
وقال المفسرون في تفسير قوله تعالى {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ}:أي مختوم.
ويقال لخاتم الملك: الحلق والهجار. قال المخبل السعدي يذكر رجلاً أعطاه النعمان بن المنذر خاتمه:
وأعطى منا الحلق أبيض ماجد ... رديف ملوك ما تغب نوافله

وقال الأغلب العجلي:
ما إن رأينا أغارا ... أكثر منه قرة وقارا
وفارساً يستلب الهجارا
(1/187)

وذكر المطرزي، أن الهجار خاتم القاضي. وذكر أشياء جعلها كأنها مختصة بالقاضي، وهي جائزة في غيره. فقال: يقال للقاضي: الفتاح، والفتاحة: الحكومة. والقواري عدو له، والخول: أمناؤه، واحدهم: منافذ. قال: وأنشدنا المفضل.
وهو إذا ما قيل هل من رافد؟ ... أو رجل عن حقكم منافد
يكون للغائب مثل الشاهد

قال: والذرابنة: حجابه. والمثالي: كاتبة، والنون: دواته. والمزابر: أقلامها. والمجزأة: سكينة. والبوهة: صوفة مدادها. والربيدة: قمطر المحاضر. والأواصر: السحلات، واحدها وصر. يقال: هات وصري، وخذ وصرك. والسلاب: سواد القاضي. والساج: طيلسانه، والدنية: قلنسوته، والمقطرة: مجمرته. والليلة: بخوره، أنشدنا ثعلب عن ابن الأعرابي.
لا تصطلي ليلة ريح صرصر ... إلا بعود لية ومجمر

والسندل: جوربه إذا كان من خرق. فإن كان من صوف فهو المسماة
(1/188)

وإذا كان من كتان فهو الغلالة، والمبذل: خفه. والتلوة: بغلته، والمشطب: حصيره. والحشية: وسادته والهجار: خاتمة. والجعو: طين خاتمه.
ويقال: طنت الكتاب: إذا جعلت عليه طيناً وتأمر من ذلك، فتقول: طن كتابك فإن أكثرت من ذلك قلت طينته، وطينه. ويقال لما يجعل فيه الطين: مطينة بكسر الميم. وكذا للطابع الذي يطبع به الدنانير والدراهم: روسم. قال كثير:
من النفر البيض الذين وجوههم ... دنانير شيفت من هرقل بروسم

العنوان
يقال: علوان الكتاب، وعنوانه، وعنيانه. وقد عنونته أعنونه عنونة وعنواناً فهو معنون، وعلونته علونة وعلواناً، فهو معلون. وعنته أعونه عوناً، فهو معون، وعننته أعننه تعنيناً فهو معنن، وعننته أعنه عناً فهو معنون، وعنيته أعنيه تعنية فهو معنى، وعنوته أعنوه عنواً فهو معنو. وأفصحهن عنونته فهو معنون، قال الشاعر:
(1/189)

ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا

وقال آخر:
رأيت لسان المرء عنوان قلبه ... ورائده فانظر بماذا تعنون

والعلوان (باللام): مشتق من العلانية. والعنوان (بالنون): مشتق من عن الشيء يعن: إذا عرض. فالواو على هذا زائدة، ووزنه فعوال. وقد قيل: إنه مشتق من قولهم: عنت الأرض تعدو: إذا ظهر فيها النبات. ويقوى هذا القول ما ذكرناه من قولهم: عنوت الكتاب وعنيته فيلزم على هذا أن يكون عنواناً (فعلاناً)، وتكون الواو أصلاً، والنون زائدة، وهو عكس القول الأول. ويلزم على هذا أن يكون اللام في علوان بدلاً من النون، كما قالوا جبريل، وجبرين. وأما من قال: عننته، وعننته بالنون، فلا يكون في هذه اللغة إلا من عن يعن: إذا عرض، وتكون الواو في عنوان زائدة، واللام في علوان بدلاً من النون، ولا يصح غير ذلك.
ومن قال: عنته أعونه، على مثال صغته أصوغه، فإنه مقلوب من عنوته.
وقال قوم: إن العنوان مشتق من العناية بالأمر، لأن الكتب في القديم كانت لا تطبع، فلما طبعت وعنونت، جعل القائل يقول من عنى بهذا الكتاب؟ ولقد عنى كابته به. وهذا الاشتقاق لا يصح إلا على لغة من يقول: عنيان (بالياء) ولا يليق بسائر اللغات.
(1/190)

وقد قال قوم: العنوان: الأثر، وبه سمى عنوان الكتاب. واحتجوا بقول الشاعر: (ضحوا بأشمط عنوان السجود به).
وهذا القول فيه نظر، لأنه يلزم في العنوان الذي هو الأثر من الاشتقاق، ما يلزم في عنوان الكتاب. ولقائل أن يقول إن الأثر شبه بعنوان الكتاب.
(1/191)

الديوان
الديوان: اسم أعجمي عربته العرب، وأصله دوان، بواو ومشددة، فقلبت الواو الأولى ياء، لانكسار ما قبلها. ودل على ذلك قولهم في جمعه: دواوين، وفي تصغيره دويوين، فرجعت الواو حين ذهبت الكسرة. ومن العرب من يقول في جمعه: دياوين (بالياء) قال الشاعر:
عداني أن أزورك أم عمرو ... دياوين تنفق بالمداد

كذا رويناه بالياء. وفي (ديوان) شذوذ عما عليه جمهور الأسماء في الاعتلال من وجهين: أحدهما: أن الواو الساكنة، إنما تقلب ياء للكسرة الواقعة قبلها، إذا كانت غير مدغمة في مثلها، نحو ميزان وميعاد. فإذا كانت مدغمة في مثلها صحت، نحو اجلواذ واعليواط.
والوجه الآخر: أن الواو والياء من شأنهما في المشهور المستعمل من صناعة التصريف، أنهما إذا اجتمعتا وسبقت إحداهما بالسكون، قلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء، نحو لويته لياً، وطويته طياً، ونحو سيد وميت.
والأصل في تسميتهم الديوان ديواناً: أن كسرى أمر الكتاب أن يجتمعوا
(1/192)

في دار ويعملوا له حساب بالسواد في ثلاثة أيام، وأعجلهم فيه، فأخذوا في ذلك. واطلع عليهم لينظر ما يصنعون. فنظر إليهم يحسبون بأسرع ما يمكن وينسخون كذلك. فعجب من كثرة حركتهم، وقال: أي (ديوانه). ومعناه هؤلاء مجانين. وقيل معناه شياطين، فسمى موضعهم ديواناً. واستعملته العرب، وجعلوا كل محصل من كلام أو شعر ديواناً.
وروى عن ابن عباس رضي الله عنه: أنه قال: إذا قرأتم شيئاً من القرآن ولم تعرفوا عربيته فاطلبوه في شعر العرب، فإنه ديوانهم. ويقال لخادم الديوان: الفيج، وقد فيجت فلاناً: أي جعلته فيجاً. والفيج أيضاً: الذي يحمل الكتب من بلد إلى بلد، فأما فوجت بالواو: فمعناه: جمعت فوجاً من الناس.
البراءة
البراءة في الأصل: مصدر من قولك: برئت من الأمر براءة وبراء، بمعنى تبرأت منه تبرؤا. ويقال: هو برئ من ذلك، وهما بريئان، وهم براء على وزن ظرفاء. فإذا قلت: هو براء من ذلك (بفتح الباء) لم يثن ولم يجمع، لأنه مصدر وصف به.
ويقال: قوم براء (بكسر الباء) على وزن ظراف، وبراء (بفتح الباء) وبراء (بضمها)، وهو اسم للجميع بمنزلة تؤام جمع تؤأم، وعراق جمع عرق وهو العظم بما عليه من اللحم، ونوق بساط. جمع بسط، وهي الناقة مع
(1/193)

ولدها، ولم يأت من الجمع شيء على فعال إلا ثمانية ألفاظ هذه بعضها. ويروي بيت زهير:
إليكم إننا قوم براء

بالفتح والكسر.
فأما البراءة المستعملة في صناعة الكتابة، فسميت بذلك لمعينين: أحدهما: أن يكون من قولهم: برئت إليه من الدين براءة: إذا أعطيته ما كان له عندك. وبرئت إليه من الأمر براءة: إذا تخليت له عنه، فكان المرغوب إليه يتبرأ إلى الراغب مما أمله لديه، ويتخلى له عما رغب فيه إليه. وقيل: إنما كان الأصل في ذلك أن الجاني، كان إذا جنى جناية يستحق عليها العقاب، ثم عفا عنه الملك، كتب له أماناً مما كان يتوقعه ويخافه فكان يقال: كتبت لفلان براءة، أي أمان، ثم صار مثلاً. واستعير في غير ذلك.
وقد جرت عادة الكتاب ألا يكتبوا في صدر البراءة {بِسْم الله الرَّحْمن الرَّحِيِم} اقتداء بسورة (براءة) التي كتبت في المصحف من غير بسملة، (واختلف في العلة التي من أجلها كتبت (براءة) في المصحف من غير بسملة) فقال قوم من النحويين، وهو رأي محمد بن يزيد: لم تفتتح ب (بسم الله)، لأن (بسم الله) افتتاح الخير، وأول براءة وعيد، ونقض عهود.
(1/194)

وسئل أبي بن كعب، ما بال براءة لم تفتتح ببسم الله؟ فقال: فقال: لأنها نزلت في آخر ما نزل من القرآن. وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر في كل سورة ببسم الله، ولم يأمر في سورة براءة بذلك، فضمت إلى سورة الأنفال. لشبهها بها. يعني أن أمر العهود مذكور في الأنفال، وهذه نزلت بنقض العهود فكانت ملتبسة بها.
التوقيع
وأما التوقيع، فإن العادة جرت أن يستعمل في كل كتاب يكتبه الملك، أو من له أمر ونهى، في أسفل الكتاب المرفوع إليه، أو على ظهره، أو في عرضه، بإيجاب ما يسأل أو منعه، كقول الملك: ينفذ هذا إن شاء الله، أو هذا صحيح. وكما يكتب الملك على ظهر الكتاب: لترد على هذا ظلامته. أو لينظر في خبر هذا، أو نحو ذلك.
وكما يروي عن جعفر بن يحيي: أنه رفع إليه كتاب يشتكي فيه عامل. فوقع على ظهره يا هذا قد قل شاكروك، وكثر شاكوك، فإما ما عدلت وإما اعتزلت.
(1/195)

وقال الخليل: التوقيع في الكتاب إلحاق فيه بعد الفراغ منه. واشتقاقه من قولهم من قولهم: وقعت الحديدة بالويقعة وهي المطرقة: إذا ضربتها وحمار موقع الظهر: إذا أصابته في ظهره دبرة. والوقيعة: نقرة في صخرة، يجتمع فيها الماء، وجمعها: وقائع،
قال ذو الرمة:
ولنا سقاطاً من حديث كأنه ... جنى النخل ممزوجاً بماء الوقائع

فكأنه سمى توقيعاً، لأنه تأثير في الكتاب، أو لأنه سبب وقوع الأمر وإنفاذه من قولهم: أوقعت الأمر فوقع.
التاريخ
يقال: أرخت الكتاب تأريخاً، وهي أفصح اللغات، وورخته توريخاً، فهو مؤرخ ومورخ. وأرخته (خفيفة الراء) أرخاً، فهو مأروخ، وهي أقل اللغات.
والتاريخ نوعان: شمسي، وهو المبني على دوران الشمس، وقمري: وهو المبنى على دوران على دوران القمر. وكان المتقدمون يسمون الحساب القمري خسوفاً.
وتاريخ العرب مبني على دوران القمر، وهو الذي يجرى به العمل عند
(1/196)

الفقهاء. وكانت العرب تؤرخ بالكوائن والحوادث المشهورة، من قحط، أو خصب، أو قتل رجل عظيم، أو موته، أو وقعة مشهورة عند الناس، كما قال الربيع بن ضبع الفزاري:
هأنذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلي ومولدي حجرا
أبا امرى القيس، قد سمعت به ... هيهات هيهات طال ذا عمرا

وقال آخر:
زمان تناعي الناس موت هشام

يعني هشام بن الوليد المخزومي.
وقال النابغة الجعدي:
فمن يك سائلاً غنى فإني ... من الشبان أيام الختان

وقال حميد بن ثور الهلالي:
وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار بن همام على حي خثعما
(1/197)

وكانوا يؤرخون بعام الفيل والفجار، وبناء الكعبة. وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل. وبين عام الفيل والفجار عشرون سنة. وسمى الفجار لأنهم فجروا فيه، وأحلوا أشياء كانوا يحرمونها. وبين الفجار وبناء الكعبة خمس عشرة سنة. وبين بناء الكعبة ومبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، خمس سنين.
وكانت الفرس تؤرخ بالوقت الذي جمعهم فيه أردشير ملك فارس، بعد أن كانوا طوائف.
ولم يكن في صدر الإسلام تاريخ إلى أن ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فافتح بلاد العجم، ودون الدواوين، وجنى الخراج، وأعطى الأعطية: فقيل له: ألا تؤرخ؟ فقال: وما التاريخ؟ فقيل له: شيء كانت تعمله الأعاجم، يكتبوب في شهر كذا من سنة كذا. فقال عمر: هذا حسن، فأرخوا. فقال قوم: نبدأ بالتاريخ من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قوم: بل من وفاته. وقال قوم: بل من الهجرة. ثم أجمعوا على الابتداء بالتاريخ من الهجرة. ثم قالوا: بأي الشهور نبدأ؟ فقال بعضهم: نبدأ من رمضان. وقال بعضهم من المحرم، لأنه وقت منصرف الناس من حجهم. وكانت الهجرة في شهر ربيع الأول. وكان مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. فقدم التاريخ على الهجرة بشهرين واثنتي عشرة ليلة، وجعل من المحرم.
(1/198)

وكانوا يكتبون: شهر رمضان، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر فيذكرون الشهر مع هذه الثلاثة الأشهر، ولا يذكرونه مع غيرها من شهور السنة.
والشهور كلها مذكرة الأسماء، إلا جمادي الأولى وجمادي الآخرة، وهي كلها معارف، جارية مجرى الأسماء الأعلام.

ذكر

[أول من افتتح كتابه بالبسملة، وأول من قال: أما بعد، وأول من طبع الكتب. وأول من كتب: من فلان بن فلان، إلى فلان بن فلان:
* * *
أول من افتتح كتابه بالبسملة، سليمان بن داود صلى الله عليهما.
وأول من قال (أما بعد): داود عليه السلام. وأول من كتبها من العرب. قس بن ساعدة الإيادي.
وكانت العرب تقول في افتتاحات كتبها وكلامها: (باسمك اللهم)، فجرى الأمر على ذلك في صدر الإسلام، حتى نزلت {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم، (بسم الله). حتى نزلت {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَانَ} فكتب (باسم الله الرحمن).
(1/199)

ثم نزلت: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ}، فصارت سنة إلى يومنا هذا.
وأما أول من طبع الكتب، فعمرو بن هند.
وكان سبب ذلك: أنه كتب كتاباً للمتلمس الشاعر، إلى عامله بالبحرين، يوهمه أنه أمر له فيه بجائزة، وأمره فيه بضرب عنقه. فاستراب به المتلمس، فدفعه إلى من قرأه عليه، فلما قرئ عليه، رمى بالكتاب في النهر وفر. وفي ذلك يقول:
وألقيتها بالثني من جنب كافر ... كذلك أقنو كل قط مضلل
رضيت لها بالماء لما رأيتها ... يجول بها التيار في كل محفل

فأمر عمرو بن هند بالكتب فختمت. فكان يؤتى بالكتاب مطبوعاً، فيقال: من عنى به؟ فلذلك قيل: عنوان. والعنوان: الأثر، قال الشاعر:
وأشعث عنوان السجود بوجهه ... كركبة عنز من عنوز أبي نصر

وقد ذكرنا اشتقاق العنوان فيما تقدم، وبينا أن هذا القول لا يصح إلا في لغة من قال: عنيان (بالياء).
(1/200)

ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كتب إلى ملك الروم كتاباً فلم يختمه، فقيل له: إنه لا يقرأ إن لم يكن مختوماً. فأمر أن يعمل له خاتم، وينقش على فصه: محمد رسول الله. فصار الخاتم سنة في الإسلام.
وقد قيل: إن أول من ختم الكتب سليمان بن داود عليهما السلام. وقالوا في تأويل قوله عز وجل: {إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} أي مختوم.
وأول من كتب من فلان إلى فلان، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار ذلك سنة.
يكتب الكتاب ويبدأ باسمه قبل اسم من يخاطبه. ولا يكتب لقباً ولا كنية، حتى ولى عمر بن الخطاب، وتسمى بأمير المؤمنين، فكتب من أمير المؤمنين عمر. فجرت السنة بذلك إلى أيام الوليد بن عبد الملك، فكان الوليد أول من اكتنى في كتبه، وأول من عظم الخط، والكتب، وجود القراطيس، ولذلك قال أبو نواس.
سبط مشافرها دقيق خطمها ... وكأن سائر خلقها بنيان
واحتازها لون جرى في جلدها ... يقق كقرطاس الوليد هجان

وأمر ألا يتكلم بحضرته، وألا يتكلم عنده إلا بما يحب. وقال: لا أكاتب الناس بمثل ما يكاتب به بعضهم بعضاً. فجرت سنة الوليد بذلك، إلا في
(1/201)

أيام عمر بن عبد العزيز، ويزيد الكامل. فإنهما لما وليا، ردا الأمر إلى ما كان عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وزمن صحابته رضي الله عنهم. فلما ولي مروان بن محمد رجع إلى أمر الوليد، فجرى العمل بذلك إلى اليوم.
كمل شرح الخطبة وما تعلق بها من الزوائد. بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على محمد وآله وسلم.
(1/202)