Advertisement

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب 002

بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على محمد وعلى آله وسلم
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي رحمه الله: وهذا حين أبدأ بذكر مواضع من أدب الكتاب، يلزم التنبيه عليها، وإرشاد قارئه إليها، وليس جميعها غلطاً من ابن قتيبة، ولكنها تنقسم أربعة أقسام:
القسم الأول منها: مواضع غلط فيها، فأنبه على غلطه.

والقسم الثاني: أشياء اضطرب فيها كلامه، فأجاز في موضع من كتابه، ما منع فيه في آخر.
والقسم الثالث: أشياء جعلها من لحن العامة، وعول في ذلك على ما رواه أبو حاتم عن الصمعي، وأجازها غير الأصمعي من
(2/5)

اللغويين، كابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني، ويونس، وأبي زيد وغيرهم، وكان ينبغي له أن يقول: إن ما ذكره هو المختار، أو الأفصح، أو يقول: هذا قول فلان، وأما أن يجحد شيئاً وهو جائز، من أجل إنكار بعض اللغويين له، فرأى غير صحيح، ومذهب ليس بسديد.
والقسم الرابع: مواضع وقعت غلطاً في رواية أبي علي البغدادي
(2/6)

المنقولة إلينا، فلا أعلم أهي غلط من ابن قتيبة، أم من الناقلين عنه.
وأنا شارع في تبيين جميع ذلك، وترتيبه على أبواب الكتاب، بحسب ما أحاط به علمي، وانتهى إليه فهمي. وأضرب عن كر ما في الخطبة من الأغلاط، لأني قد ذكرت ذلك في الجزء الأول، وبالله أستعين، وعليه أتوكل.
(2/7)

باب
معرفة ما يضعه الناس في غير موضعه
([1] مسألة:
أنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
يقلن لقد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الطرب الجليد
[قال المفسر] هكذا نقل إلينا عن أبي نصر: هارون بن موسى، عن أبي علي البغدادي رحمة الله عليهما، والصواب فقلن (بالفاء)، لأن قبله.
كتمت عواذلي ما في فؤادي ... وقلت لهن ليتهم بعيد
فجالت عبرة أشفقت منها ... نسيل كأن وابلها فريد
وأنشد أبو علي البغدادي في النوادر "فقالوا" بتذكير الضمير، وهو غير صحيح أيضا، لأن الضمير عائد على العواذل، والمراد بهن النساء لأن فواعل إنما يستعمل في جمع فاعلة، لا في جمع فاعل.
فإن قلت: فلعله أراد بالعواذل: العذال، فجعل فواعل للمذكر ضرورة، كما قال الفرزدق:
(2/9)

وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم ... خضع الرقاب نواكس الأبصار
فالجواب: أن قوله: "وقلت لهن"، يمنع من ذلك، وليس يمتنع عندي أن يكون الشاعر انصرف عن الإخبار عن المؤنث إلى المذكر مجازاً، كما ينصرفون عن المخاطب إلى الغائب، وعن الغائب على المخاطب، وذلك كثير تغني شهرته عن ذكره؛ ويدل على ذلك أنه قال بعد هذا:
فقالوا ما لدمعهما سواء ... أكلتا مقلتيك أصاب عود
فهذا الضمير لا يصح فيه غلا التذكير على هذه الرواية ولو روى هذا البيت:
فقلن نرى دموعهما سواء
لكان أجود، وأبعد من المجاز، ولم أر فيه رواية ثانية غير رواية أبي علي، ولو أنشده منشد:
فقلن ما لدمعهما سواء
(2/10)

لكان جائزاً في العروض، ويكون الجزء الأول من البيت معقولاً، ومعنى العقل في الوافر سقوط الحرف الخامس من الجزء، فيرجع الجزء من (مفاعلتن) إلى (مفاعلن 9.
وقد جاء العقل في جميع أجزاء الوافر، حاشا العروض والضرب، فإذا كان جائزاً في جميع البيت، فهو في جزء أجوز، ولنه من قبيح الزحاف، أنشد العروضيون:
منازل لفرتني قفار ... كأنما رسومها سطور
[2] مسألة: قال ابن قتيبة في هذا الباب:
(ومن ذلك الحشمة، يضعها الناس موضع الاستحياء. قال الأصمعي: وليس كذلك وإنما هي بمعنى الغضب، وحكى عن بعض فصحاء العرب أنه قال: إن ذلك لمما يحشم بني فلان أي يغضبهم).
(قال المفسر): هذا قول الأصمعي، كما ذكر عنه، وهو المشهور، وقد ذكر غيره أن الحشمة تكون بمعنى الاستحياء.
وروى عن ابن عباس أنه قال: لكل داخل دهشة فابدءوه بالتحية،
(2/11)

ولكل طاعم حشمة فابدءوه باليمين. وقال المغيرة بن شعبة. العيش في إبقاء الحشمة.
وقال صاحب كتاب العين: الحشمة: الانقباض عن أخيك في المطعم، وطلب الحاجة، تقول: احتشمت عني. وما الذي حشمك وأحشمك وقد روى في شعر عنترة:
وأرى مطاعم لو أشاء حويتها ... فيصدني عنها كثير تحشمي
وقال كثير:
إني متى لم يسكن عطاؤهما ... عندي بما قد فعلت أحتشم
وقال الكميت:
ورأيت الشريف في أعين النا ... س وضيعاً وقل منه احتشامي
وقد يمكن أن تتأول هذه الأبيات كلها على ما قال الأصمعي. فلا تكون فيها حجة، فيكون معنى قول عنترة (فيصدني عنها كثير تحشمي):
أي إن أنفتي وحميتي من أن يتعلق بي عار وخُلُق أسب به، بمعنى من أخذ مالا يجب، لأن همتي ليست في السلب، إنما هي في المسلوب، فيكون نحو قول أبي تمام:
إن السود أسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب
(2/12)

وكذلك قول كثير، يكون معناه: إني أغضب وآنف أن يكون لهما فضل على ولا أجازيهما عليه. وكذلك قول الكميت: (وقل منه احتشامي) يكون معناه: قل معه غضبي وأنفتي، لأن الشريف يأنف من أن يكلم الخسيس، ويتكرم عن مراجعته، كما قال الآخر:
(وأعرض عن شتم اللئيم تكرما)
وكان الأصمعي لا يرى الكميت حجة، وقد استعمل أبو الطيب المتنبي الاحتشام بمعنى الاستحياء، وذلك أحد ما رود عليه من شعره فقال:
ضيف ألم برأسي غير محتشم ... السيف أحسن فعلاً منه باللمم
[3] مسألة:
قال ابن قتيبة حكاية عن الأصمعي: (ونحو هذا قول الناس: زكنت الأمر. يذهبون فيه إلى معنى ظننت وتوهمت، وليس ذلك. إنما هو بمعنى علمت [يقال: زكنت الأمر أزكنه، قال قعنب بن أم صاحب:
ولن يراجع قلبي ودهم أبدا ... زكنت منهم على مثل الذي زكنوا
أي علمت منهم مثل الذي علموا مني].
(2/13)

(قال المفسر): قد حكى أبو زيد الأنصاري: زكنت منك مثل الذي زكنت مني. قال: وهو الظن الذي يكون عندك كاليقين، وإن لم تخبر به، وحكى صاحب العين نحوا من ذلك.
وهذه الأقوال كلها متقاربة، ترجع عند النظر إلى أصل واحد. لأن الظن إذا قوى في النفس، وكثرت دلائله على الأمر المظنون، صار كالعلم، ولأجل هذا استعملت العرب الظن بمعنى العلم كقوله تعالى: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعها). وقال دريد بن الصمة
فقلت لهم ظني بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد
وقال السيرافي: لا يستعمل الظن بمعنى العلم إلا في الأشياء الغائبة عن مشاهدة الحواس لها. لا يقال: ظننت الحائط مبنياً وأنت تشاهده.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: (ومن ذلك المأتم. يذهب الناس إلى أنه المصيبة، ويقولون: كنا في مأتم، وليس كذلك. إنما المأتم النساء يجتمعن في الخير والشر).
(2/14)

(قال المفسر): قد حكى كراعو ابن الأنباري عن الطوسي: أن المأتم يكون من الرجال أيضاً، وأنشد:
حتى تراهن لديه قيما ... كما ترى حول الأمير المأتما
[5] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك قول العامة: فلان يتصدق: إذا أعطى وفلان يتصدق: إذا سأل. وهذا غلط، والصواب: فلان يسأل، وإنما المتصدق: المعطي. قال الله تعالى: (وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين).
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة هو المشهور عن الأصمعي وغيره من اللغويين. وقد حكى أبو زيد الأنصاري، وذكره قاسم بن أصبغ عنه، أنه يقال: تصدق: إذا سأل. وحكى نحو ذلك أبو الفتح ابن جنى، وأنشد:
ولو أنهم رزقوا على أقدارهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدق
وذكر ابن الأنباري أيضاً في كتاب "الأضداد"، أن المتصدق يكون
(2/15)

المعطي، ويكون السائل، وحكى نحو ذلك صاحب كتاب "العين". والاشتقاق أيضاً يوجب أن يكون جائزاً، لأن العرب تستعمل تفعلت في الشيء، للذي يؤخذ جزءاً بعد جزء. فيقولون: تحسيت المرق، وتجرعت الماء. فيكون معنى تصدقت: التمست الصدقة شيئاً بعد شيء.
[6] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك الحمام، يذهب الناس إلى أنها الدواجن تستفرخ في البيوت)، وذلك غلط، ثم ذكر أن التي في البيوت إنما يقال لها: اليمام).
(قال المفسر): هذا الذي قاله عن الأصمعي والكسائي، فيحتج عنهما. وقد يقال لليمام حمام أيضاً. حكى أبو عبيد في الغريب المصنف، عن الأصمعي أنه قال: اليمام ضرب من الحمام بري.
وحكى أبو حاتم عن الأصمعي في كتاب "الطير الكبير": اليمام الواحدة يمامة، وهو الحمام البري. وحمام مكة يمام أجمع.
قال أبو حاتم: والفرق بين الحمام الذي عندنا واليمام، أن أسفل
(2/16)

ذنب الحمامة مما يلي ظهرها، مائل إلى البياض، وكذلك حمام الأمصار، وأسفل اليمامة لا بياض فيه.
[7] مسألة:
قال ابن قتيبة: ومن ذلك الآل والسراب، لا يكاد الناس يفرقون بينهما، وإنما الآل: أول النهار، وآخره، الذي يرفع كل شيء، إلى آخر الكلام.
(قال المفسر): هذا الذي قاله، قد قاله غيره، وإنكار من أنكر أن يكون الآل السراب، من أعجب شيء سمع به، لأن ذلك مشهور معروف في كلام العرب الفصيح. فمن ذلك قول امريء القيس:
فشبهتهم في الآل لما تكمشوا ... حدائق دوم أو سفينا مقيرا
وقال العديل العجلي:
فكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فوق رابية جلد
وقال الأحوص لكثير:
فكنت كمهريق الذي في سقائه ... لضحضاح آل بالملا يترقرق
(2/17)

[8] مسألة:
وقد قال في هذا الباب: ومن ذلك (الربيع) يذهب الناس إلى أنه الفصل الذي يتبع الشتاء ... إلى آخر الفصل.
(قال المفسر): مذهب العامة في الربيع: هو مذهب المتقدمين، لأنهم كانوا يجعلون حلول الشمس برأس الحمل، أول الزمان وشبابه.
وأما العرب فإنهم جعلوا حلول الشمس برأس الميزان أول فصول السنة الأربعة، وسموه الربيع. وأما حلول الشمس برأس الحمل، فكان منهم من يجعله ربيعاً ثانياً، فيكون في السنة على مذهبهم ربيعان، وكان منهم من لا يجعله ربيعاً ثانياً، فيكون في السنة على مذهبهم ربيعان، وكان منهم من لا يجعله ربيعاً ثانياً، فيكون في السنة على مذهبهم ربيع واحد، وأما الربيعان من الشهور، فلا خلاف بينهم في أنهما اثنان: ربيع الأول، وربيع الآخر.
[9] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك العرض. يذهب الناس إلى أنه سلف الرجل، من آبائه وأمهاته .. إلى آخر الفصل).
(قال المفسر): قد اختلف الناس في حقيقة العرض. فقال قوم: عرض الرجل: آباؤه وأسلافه، وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام. وقال قوم: عرضه: ذاته ونفسه وهو الذي اختاره ابن قتيبة،
(2/18)

وكان ينبغي له إذا اختاره، ألا ينكر قول من قال: إنه آباؤه وأسلافه، لأن كل واحد من القولين صحيح له حجج وأدلة، كذلك قال أبو عمر المطرزي. ومن أبني ما يحتج به من قال: إن العرض ذات الرجل ونفسه، حديث أبي الدرداء، وحديث ابن عينيه، وحديث أبي ضمضم، وقد ذكرها ابن قتيبة. ويزيد ذلك أيضاً، ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه). فإنما أباح له أن يقول فيه، ولم يبح أن يقول في آبائه وأسلافه، واللي: مصدر لويته بدينه ليا وليانا: إذا مطلته به، وقد ذكر أبو عبيد هذا الحديث وفسره بنحو مما ذكرناه.
وقال أبو عمر الشيباني في كتاب "الحروف": العرض: الجسد. حكاه عن العذري.
وأما ما احتج به ابن قتيبة من قوله صلى الله عليه وسلم في صفة أهل الجنة، "لا يبولون ولا يتغوطون، إنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك"، فليست فيه حجة بينة لأن العرب تسمى المواضع التي تعرض من الجسد أعراضاً، والعرض الذي وقع فيه الخلاف ليس هذا، لأن العرض لفظة مشتركة تقع لمعان شتى، لا خلاف فيها بين اللغويين. وإنما وقع الخلاف في العرض الذي يمدح به الإنسان أو يذم. وهكذا بيت حسان بن ثابت:
فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
(2/19)

ليست فيه حجة ظاهرة، لأنه لا يجوز لقائل أن يقول: إنه أراد: فإن أبى ووالده وآبائي، فأتى بالعموم بعد الخصوص، كما قال تعالى: (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) فخصص المثاني بالذكر تشريفاً لها وإشارة بذكرها، ثم أتى بعد ذلك بالقرآن العام لها ولغيرها ونحو ذلك مما خصص فيه الشيء تنويهاً به وإن كان قد دخل مع غيره في عموم اللفظ قوله تعالى: (من كان عدواً لله وملائكته وكتبه ورسله وجبريل) وقوله تعالى: (فيها فاكهة ونخل ورمان). ونحوه من الشعر قول الشاعر:
أكر عليهم دعلجاً ولبانه ... إذا ما اشتكى وقع الرياح تحمحما
ودعلج: فرسه، ولبانه: موضع اللبب من صدره، وإذا كر الفرس فقد كر صدره معه. ولكنه لما كان اعتماد الفرس على مقادمه، خصص اللبان بالذكر تنويهاً به، ومن أبين ما يحتج به من قال إن عرض الرجل حسبه وشرفه: قول مسكين الدارمي:
رب مهزول سمين عرضه ... وسمين الجسم مهزول الحسب
(2/20)

فهذا البيت لا يصح أن يكون العرض فيه الذات، وكذلك قول طرفة، ويروى للحكم بن عبدل الأسدي:
وأعسر أحياناً فتشتد عسرتي ... فأدرك ميسور الغي ومعى عرضي
ومن ذلك قول القائل:
قد قال قوم: أعطه لقديمه ... جهلوا، ولكن أعطني لتقدمي
فأنا ابن نفسي لابن ابن عرضي احتذى ... بالسيف لا برفات تلك الأعظم
[10] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك: الخلف والكذب): لا يكاد الناس يفرقون بينهما، والكذب فيما مضى، وهذا أن تقول فعلت كذا وكذا لم تفعله، والخلف فيما يستقبل وهو أن تقول) سأفعل كذا وكذا ولا تفعله).
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو الأكثر والأشهر، وقد جاء الذب مستعملاً في المستقبل قال الله تعالى: (ذلك وعد غير مكذوب).
[11] مسألة:
وقال ابن قتيبة في هذا الباب: (وأما قول الهذلي في صفة الضبع:
عشنزرة جواعرها ثمان
(2/21)

فلا أعرف من أحد من علمائنا فيه قولاً أرتضيه).
(قال المفسر): قد فسر ابن قتيبة هذا البيت في كتابه الموضوع في معاني الشعر، وقال: أراد زيادة في خلقها. وحكى ذلك عن الرياشي: وهذا قول صحيح وإن كن غير بين وإنما أراد الرياشي أن الشاعر لم يرد أن لها ثماني جواعر على الحقيقة، وإنما أراد أن مؤخرها لسعته وعظمه، كان يحتمل أن تكون فيه ثماني جواعر، والعرب قد تخرج الأمر الممكن مخرج الحقيقة، فيقولون: جاء بجفنة يقعد فيها ثلاثة رجال. وليس المراد أنه جاء بها وفيها ثلاثة رجال على الحقيقة. وإنما المراد أنها لسعتها لو قعد فيها ثلاثة رجال وسعتهم، ونظير ذلك قول عطية بن عوف بن الخرع:
لها حافر مثل قعب الوليد تتخذ الفأر فيه مغارا
[12] مسألة:
قال ابن قتيبة: ومن ذلك (الفقير والمسكين) .. إلى آخر كلامه.
(قال المفسر): هذه المسالة قد تنازع فيها الناس، فقال قوم: الفقير، أحسن حالاً من المسكين، لأن الفقير الذي له بلغة من العيش، والمسكين هو الذي لا شيء له، واحتجوا بقول الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سيد
(2/22)

فجعل له حلوبة. واحتجوا بقوله تعالى (أو مسكيناً ذا متربة) أي قد لصق بالتراب من شدة حاله. واحتجوا أيضاً بأن المسكين مشتق من السكون وأنه بُني على وزن (مفعيل) مبالغة في وصفه بالسكون وعدم الحركة، أرادوا أنه قد حل محل الميت الذي لا حراك به، واحتج يونس بأن قال: قلت لأعرابي: أفقير أنت [أم مسكين] قال: لا والله، بل أنا مسكين، أراد أنه أسوأ حالاً من الفقير.
وأما الذين قالوا: إن المسكين هو الذي له السُلغة من العيش، وأن الفقير هو الذي لا شيء له، فاحتجوا بأشياء. منها قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) فجعل لهم سفينة. ومنها: أن الفقير في اللغة: هو المكسور الفقار، ومن كسر فقاره، فلا حياة له، والقول الأول هو الصحيح، وما احتج به هؤلاء لا حجة فيه.
أما قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين) فلا حجة فيه من وجهين:
أحدهما: أنه ليس في الكلام دليل بين على أنها كانت ملكاً لهم ومالاً، وممكن أن ينسبها إليهم لأنهم كانوا يخدمونها ويتولون أمرها، كما تقول: هذه الدابة لفلان السائس، فتنسبها إليه لأنه يخدمها، لا لأنها ملك له. والعرب تنسب الشيء إلى من ليس له على الحقيقة إذا كانت بينهما ملابسة ومجاورة قوله تعالى (ذلك لمن خاف مقامي) وليس
(2/23)

لله تعالى مقام، ولا هو من صفاته تعالى، وإنما أراد: مقامه عندي.
ومن ذلك قول الفرزدق:
وأنتم لهذا الناس كالقبلة التي ... بها أن يضل الناس يهدي ضلالها
في قول من جعل الضمير عائداً إلى القبلة، لا إلى الناس، ولا ضلال للقبلة، وإنما الضلال للمضلين إليها. فهذا وجه.
والوجه الثاني: أن يكون الله تعالى سماهم مساكين على جهة الترحم، الذي تستعمله العرب في قولهم: مررت بزيد المسكين، فيسمونه مسكيناً إشفاقاً وتحننا، وليس بمسكين في الحقيقة.
ويبين هذا ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: مسكين مسكين: رجل لا أهل له. قالوا: يا رسول الله، وإن كان ذا مال. قال وإن كان ذا مال.
ولم يقع الخلاف بيننا في المسكين الذي يستعمل مجازاً على وجه التمثيل، وإنما وقع الخلاف في المسكين على الحقيقة، وأما احتجاجهم بأن الفقير هو المكسور الفقار، فليس فيه أيضاً حجة؛ لأنه يجوز أن يكون مشتقاً من قوله: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم
(2/24)

وضعت على موضع الحز الجرير، وعليه وتر ملوي لتذله وتروضه.
فيكون الفقير إنما سمي فقيراً، لأن الدهر أذله، وفعل به ما يفعل بالبعير الصعب. احتجوا أيضاً بأبيات أنشدها ابن الأعرابي، وهي من أعظم حجاجهم وهي:
هل لك في أجر عظيم تؤجره ... نغيث مسكيناً كثيراً عسكره
عشر شياه سمعه وبصره ... قد حدث النفس بمصير يحضره
قالوا: فجعل له عشر شياه وهذا لا حجة فيه عندنا، لأنه لم يرد أن له عشر شياه، وإنما المعنى: عشر شياه سمعه وبصره لو وهبت له، فحذف ما لا يتم الكلام إلا به، لعلم السامع بما أراد، كما قالت ميسون بنت بحدل:
للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف
والمعنى: من لبس الشفوف دون قرة عين. ويجوز أن يريد ملك عشر شياه أو هبة عشر شياه، فحذف المضاف.
(2/25)

[13] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك الآري، يذهب الناس إلى أنه المعلف).
(قال المفسر): هكذا رواه أبو علي (بكسر الميم، وفتح اللام)، وجعله بمنزلة الآلات وقال: هو شيء منسوج من صوف يمدونه بين أيدي دوابهم، ووجدته مقيداً عن علي بن حمزة والسكري: معلف (بفتح الميم، وكسر اللام)، لأنه مكان للاعتلاف؛ وكل فعل على وزن فعل بفعل، بفتح العين من الماضي وكسرها من المستقبل، فإن اسم المكان والزمان منه (مفعل) بكسر العين، كالمضرب والمغرس.
[14] مسألة:
قال ابن قتيبة: ومن ذلك الملة. يذهب الناس إلى أنها الخبزة. فيقولون: أطعمنا ملة، وذلك غلط، إنما الملة موضع الخبزة. سمي بذلك لحرارته. إلى آخر الفصل.
(قال المفسر): كذا قال يعقوب بن السكيت ولم أر فيه خلافاً
(2/26)

لغيره، وليس يمتنع عندي أن تسمى الخبزة ملة، لأنها تطبخ في الملة، كما يسمى الشيء باسم الشيء، إذا كان منه بسبب، ويجوز أيضاً أن يُراد بقولهم: أطعمنا ملة. أطعمنا خبز ملة. ثم يحذف المضاف، ويقام المضاف إليه مقامه. فإذا كان هذا ممكنا - ووجدت له نظائر - لم يجب أن يجعل غلطاً.
[15] مسألة:
قال ابن قتيبة: (ومن ذلك الأعجمي والعجمي، والأعرابي والعربي): لا يكاد عوام الناس يفرقون بينهما، والأعجمي: الذي لا يفصح وإن كان نازلاً بالبادية. والعجمي: منسوب إلى العجم وإن كان فصيحاً؛ والأعرابي هوا لبدوي، والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن يدوياً).
(قال المفسر): هذا الذي قاله غير صحيح، لأن أبا زيد وغيره قد حكوا أن العجم لغة في العجم، وجاء ذلك في الأشعار الفصيحة، كقول الأخزر الحماني:
سلوم لو أصبحت وسط الأعجم ... في الروم أو فارس أو في الديلم
إذن لزرناك ولو لم نسلم
وهذا البيت يصحفه كثير من الناس فيروونه: "ولو بسلم"، ولا وجه لذلك؛ لأن السلم لا يستعمل في قطع المسافات، وإنما يستعمل في صعود العلالي المشرفات، والمواضع المرتفعات.
ولو قال قائل لصاحبه: لو كنت ببغداد لنهضت إليك ولو بسلم، لم يكن له معنى يعقل، وقد يستعمل السلم بمعنى السبب. وليس له
(2/27)

هاهنا أيضاً وجه. لأنه كان يجب أن يقول: ولو بغير سبب يوجب النهوض.
ومما استعمل فيه الأعجم بمعنى العجم قول الشاعر:
(مما تعتقه ملوك الأعجم)
[16] مسألة:
وأنشد ابن قتيبة عن أبي عبيدة لهند بنت النعمان بن بشير، في روح بن زنباع
وهل هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل
فإن نتجت مهرا كريماً فبالحري ... ون يك إقراف فما أنجب الفحل
(قال المفسر): رويناه عن أبي على البغدادي (فمن قبل الفحل) على الإقواء، وقد روى هذا الشعر لحميدة بنت النعمان بن بشير، وأنها قالته في الفيض بن أبي عقيل الشقفي. فمن رواه لحميدة بنت النعمان، روى (وما أنا إلا مهرة). وكانت حميدة هذه في أول أمرها أهلا للحارث
(2/28)

ابن خالد المخزومي، ففركته لشيخه، وقالت فيه:
فقدت الشيوخ وأشياعهم ... وذلك من بعض أقواليه
ترى زوجة الشيخ مغمومة ... وتمسي لصحبته قاليه
فطلقها الحارث وتزوجها روح بن زنباع ففركته، هجته أيضاً، وقالت:
بكى الخز من روح وانكسر جلده ... وعجت عجيجاً من جذام المطارف
وقال العباء نحن كنا ثيابه ... وأكسية مضروجة وقطائف
فطلقها روح وقال: ساق الله إليك فتى يسكر ويقيء في حجرك فتزوجها الفيض بن أبي عقيل، فكان يسكر ويقيء في حجرها. فكانت تقول: أجيبت في دعوة روح، وقالت تهجوه:
سميت فيضاً وما شيء تفيض به ... إلا بسلحك بين الباب والدار
فتلك دعوة روح الخير أعرفها ... سقي الآله صداه الأوطف الساري
وقالت فيه أيضاً: (وما أنا إلا مهرة عربية) البيتين.
وقد أنكر كثير من الناس رواية من روى (بغل) بالباء، لأن البغل لا ينسل،
قالوا: والصواب نغل بالنون وهو الخسيس من الناس والدواب
(2/29)

وأصله نغل بكسر الغين على مثال فخذ، فسكن تخفيفاً ما يقال في فخذ فخذ.

باب
ما يستعمل من الدعاء في الكلام
[1] قال في هذا الباب: (قولهم مرحباً: أي أتيت رحباً، أي سعة وأهلاً أي أتيت أهلاً لا غُرباء فانس ولا تستوحش. وسهلاً: أتيت سهلاً لا حزنا، وهو في مذهب الدعاء، كما تقول: لقيت خيراً).
(قال المفسر): هذا الكلام يوهم من يسمعه أن هذه الألفاظ إنما تستعمل في الدعاء خاصة، وذلك غير صحيح، لأنها تستعمل دعاء وخبراً.
فأما استعمالها بمعنى الدعاء فأن ترى رجلاً يريد سفراً فتقول له مرحباً، وأهلاً، وسهلاً، أي لقاك الله ذلك في وجهتك. وأما استعمالها بمعنى الخبر، فكأن يقدم عليك ضيف، فتقول له: مرحباً، وأهلاً، وسهلاً، أي إنك قد صادفت عندي ذلك.
ومن العرب من يرفع هذه الألفاظ، أنشد سيبويه:
وبالسهب ميمون النقيبة قوله ... لملتمس المعروف: أهل ومرحب
(2/30)

فهذا خبر محض، لا دعاء، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: هذا أهل ومرحب.
ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر مضمر، كأنه قال: لك أهل ومرحب. ومثله ما أنشده سيبويه أيضاً من قول الآخر:
إذا جئت بواباً له قال: مرحباً ... ألا مرحب واديك غير مضيق

باب
تأويل كلام من كلام الناس مستعمل
[1] أنشد في هذا الباب للأعشى:
فقلت له هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقتادها
ثم قال بأثر البيت: يعني هذه الخمر بناقة برمتها.
(قال المفسر): كذا رويناه من طريق أبي نصر، عن أبي علي البغدادي. ووقع في بعض النسخ أي يعني هذه الخمر بناقة برمتها، وهذا هو الوجه. وأظن الأول تصحيفاً، وإن كان غير ممتنع.
(2/31)

[2] مسألة:
وقال في قولهم: وضع على يدي عدل، قال ابن الكلبي: هو العدل بن فلان بن سعد العشيرة.
(قال المفسر): شك ابن قتيبة في اسم أ [ي العدل، فكنى عنه بفلان، وليس الشك لابن الكلبي، لأن غير ابن قتيبة حكى عن ابن الكلبي أنه العدل بن جزء بن سعد العشيرة، وكذلك قال يعقوب في إصلاح المنطق.
[3] مسألة:
قال ابن قتيبة: ويقولون (أريته لمحاً باصراً: أي نظراً بتحديق شديد، ويخرج (باصر) مخرج لابن وتامر ورامح، أي ذو لبن وتمر ورمح وبصر).
(قال المفسر): يريد أن هذه الصفات، جاءت على معنى النسب، لا على أفعال، وهذا موضع أشكل على قوم فيظنونه غلطاً، حين وجدوا أفعالاً مستعملة من الرمح والتمر واللبن، وليس الأمر على ما ظنوا، وما قاله ابن قتيبة صحيح لا مطعن فيه.
(2/32)

والوجه في هذا أن يقال: إذا أردت باللابن الذي يسقي اللبن، وبالتامر الذي يطعم التمر، وبالرامح الذي يطعن بالرمح، فهي صفات مشتقة من أفعال جارية عليها. وليست على معنى النسب؛ لأنه يقال لبنت الرجل. وتمرته ورمحته. وإذا أريد باللابن: صاحب اللبن، وبالتامر: صاحب التمر. وبالرامح: صاحب الرمح. فهي صفات على معنى النسب، لأنها لم تستعمل منها أفعال على هذا المعنى.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: ويقولون بكى الصبي حتى فحم بفتح الحاء، أي انقطع صوته من البكاء.
(قال المفسر): قد حكى أبو عبدي وغيره: فحم بكسر الحاء. وهما لغتان.
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: ويقولون: سكران ما يبت: أي لا يقطع أمراً. من مولك: بت الحبل، وطلقها ثلاثاً بتة.
(قال المفسر): عول ابن قتيبة في هذا الذي قال على قول الفراء، فلذلك قال: (بتة) بغير ألف ولام، وكان سيبويه يقول: لا يجوز
(2/33)

إلا البتة، بالألف واللام، وذكر الفراء أنهما لغتان، وقد جاء ذلك ي بعض ما أخرجه مسلم في الصحيح.
[6] مسألة:
وقال في هذا الباب وقولهم أسود مثل حلك الغراب. قال الأصمعي سواده، وقال غيره أسود مثل حنك الغراب يعني منقاره.
(قال المفسر): وقع في كتاب أبي علي البغدادي، أسود من حنك الغراب. وهو غلط، لأن هذا يجري مجرى التعجب، فكما لا يقال! ما أسوده، فكذلك لا يقال: هو أسود من كذا.
وقال أبو العباس ثعلب: هو أشد سواداً من حلك الغراب وحنك الغراب، وهذا صحيح على ما يوجبه القياس.
وقد اختلف في الحنك بالنون: فقيل: هو المنقار: ورد ذلك كثير من اللغويين وقالوا: إنما الحنك لغة في الحلك. أبدلت اللام نونا، لتقاربهما في المخرج، كما قيل رفل ورفن. وأنكر قوم من اللغويين حنكا بالنون. قال أبو بكر بن دريد: قال حاتم: قلت لأم الهيثم: كيف تقوين أشد سواداً فماذا؟ فقالت: من حلك الغراب، قلت: أفتقولينها من حنك الغراب فقالت: لا أقولها أبداً.
(2/34)

[7] مسألة:
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن بغضبوا
(قال المفسر): وقع هذا البيت في أكثر النسخ: طعنت بضم التاء، ولا أعلم: أهو غلط من واضع الكتاب. أم من الراوي عنه، والصواب فتح التاء لأن قبله:
يا كرز إنك قد فتكت بفارس ... بطل إذاهاب الكماة وجيبوا
والشعر لأبي أسماء بن الغسريبة. وقيل: هو لعطية بن عفيف يخاطب كرزاً العقيلي، كان قد قتل أبا عيينة وهو حصن بن حذيفة ابن بدر الفزاري يوم الحاجر.
[8] مسألة:
وذكر في هذا الباب: أن المسافة مشتقة من السوف، وهو الشم وانشد قول رؤبة:
"إذا الدليل استاف أخلاف الطرق". أي شمها.
(قال المفسر): كذا قال يعقوب، وأكثر اللغويين، وذكر بعضهم
(2/35)

أنها مشتقة من السواف بضم السين وفتحها، وهو موت الإبل، وهذا بمنزلة قولهم للفلاة، مهلكة، لهلاك الناس أو الإبل بها. ويشهد لهذا قول علقمة بن عبدة:
هداني إليك الفرقدان ولا حب ... له فوق أصواء المتان علوب
بها جيف الحسري فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب
ومن المنسوب
قال في هذا الباب: عنب ملاحي بتخفيف اللام (وهو مأخوذ من الملحة وهي البياض وهذا قال في باب ما جاء مخففاً، والعامة تشدده وأنشد:
ومن تعاجيب خلق الله غاطية ... يعصر منها ملاحي وغريبيب
(قال المفسر): هذا الذي ذكره ابن قتيبة هو المشهور، والذي حكاه اللغوييون.
وقد جاء في الشعر ملاحي بتشديد. فلا أعلم أهو لغة أم ضرورة من الشاعر قال:
وقد لاح في الصبح الثريا لمن رأى ... كعنقود ملاحية حين نورا
(2/36)

باب
أصول أسماء الناس المسمون بأسماء النبات
وقع في أكثر النسخ المسمين بالياءن ورأيت كثيراً ممن يقرأ هذا الكتاب، ويُقرأ عليه يبشرون الواو ويردونها ياء، كأنهم يرون المسمين صفة للناس وذلك غلط. والصواب المسمون بالواو؛ لأن قوله أصول الناس، ترجمة يدخل تحتها جميع الأبواب التي ذكر فيها أسماء الناس المنقولة عن الأجناس والأنواع والصفات إلى العلمية، إلى آخر باب المسمين بالصفات وغيرها. ثم نوع ما أجمله في الترجمة وقسمه فقال المسمون بأسماء النبات، المسمون بأسماء الطير، المسمون بأسماء السباع إلى آخر ما تقتضيه الترجمة. فقوله: المسمون بأسماء النبات مرتفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: هؤلاء المسمون، وكذلك سائرها.
[1] مسألة:
قال ابن قتيبة في هذا الباب: (حدثني زيد بن أخزم قال: حدثني أبو داود عن شعبة، عن جابر، عن أبي نضرة، عن أنس بن مالك قال: كناني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقلة كنت أجتنيها، وكان يكنى أبا حمزة).
(قال المفسر): وقع في بعض النسخ، عن أبي نضرة. في بعضها عن أبي نصر. وروى عن أبي علي البغدادي أنه قال: الصواب عن أبي نضرة (بضاد معجمة، وتاء التأنيث). قال: واسمه المنذر
(2/37)

ابن مالك بن قطعة. وهذا الذي قاله أبو علي غير صحيح، لأن أبا نضرة لم يرو عن أنس بن مالك شيئا، إنما روى عن أبي سعيد الخدري. والصواب: عن أبي نصر، واسمه حميد بن هلال العدوي البصري. وقد روى هذا الحديث أيضا ًعن أبي نصر: خيثمة البصري عن أنس، ولعلهما قد اشتركا في سماعه منه.
المسمون بأسماء الهوام
قال ابن قتيبة في هذا الباب: (العلس: القراد، ومنه المسيب بن علس الشاعر).
(قال المفسر) هكذا رويناهعن أبي نصر عن أبي علي (بن علس) مصروفاً وكذا قرأته في غير هذا الكتاب وذكر كراع أن (علس) اسم أمه. فيجب على هذا ألا يصرف.
المسمون بالصفات وغيرها
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: (سلم: الدلو لها عروة واحدة).
(قال المفسر) كذا قال يعقوب بن السكيت. ورده عليه على
(2/38)

ابن حمزة، وقال: الصواب عرقوة واحدة، وهي الخشبة التي يضع السقاء فيها يده إذا استقى بالدلو، والدلو الكبيرة لها عرقوتان. ولا يمكن أن يكون دلو بعرقوة واحدة.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الحوافزان: فوعلان، من حفزه بالرمح يقال: إنما سُمي بذلك لأن بسطام بن قيس حفزه بالرمح حين خاف أن يفوته فسمي بتلك الحفزة: الحوفزان، قال الشاعر:
ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة ... سقته نجيعاً من دم الجوف أشكلا
(قال المفسر): كذا وقع في النسخ. ولا مدخل لبسطام ابن قيس هنا. وإنما الحافز له قيس بن عاصم المنقري، طعنه في
(2/39)

خرابة وركه يوم جدود. والذي قاله من تسميته الحوفزان بحفز الطاعن له حين خاف أن يفوته صحيح. غير أنه سُمي بذلك لقول الشاعر فيه: (ونحن حفزنا الحوفزان ....
فالشاعر هو الذي لقبه بهذا اللقب، فجرى عليه. واسمه: الحارث ابن شريك، واسم الشاعر سوار بن حبان المنقري، بحاء مكسورة غير معجمة. وباء معجمة بواحدة.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: (عامر بن فهيرة تصغير فهر. والفهر مؤنثة، يقال هذا فهر).
(قال المفسر): قد ذكر بعد هذا في الكتاب، أن الفهر يذكر ويؤنث وهو خلاف قوله هاهنا.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: وقرأت بخط الأصمعي عن عيسى بن عمر أنه قال: شرحبيل: أعجمي، وكذلك شراحبيل، وأحسبهما منسوبين إلى (إيل). مثل جبرائيل وميكائيل.
(قال المفسر): هذا الذي حكاه ابن قتيبة عن الأصمعي عن
(2/40)

عيسى، هو قول ابن الكلبي: كل اسم في كلام العرب آخره (إل) أو (إيل) فهو مضاف على الله عز وجل، مثل شرحبيل وعبد يا ليل وشراحيل وشهميل. ويلزمه على هذا الرأي أن يقول: إن أصل هذه الأسماء كلها الهمزة، وأنه ترك همزها استخفافاً، حين ركبت وطالت، كما تحذف الهمزة في قولهم ويلمه وأيشٍ لك. ونحو ذلك.
وليس هذا رأي أكثر البصريين. وإنما شُرحبيل عندهم بمنزلة قُذعميل وخُزعبيل، ويا ليل بمنزلة هابيل، وشراحيل بمنزلة سراويل وقناديل، ونحو ذلك من الجموع التي سمي بها. والأسماء المعروفة التي جاءت على صورة الجموع، وشهميل: بمنزلة زحليل وبرطيل، وليست هذه الأسماء كجبرائيل وميكائيل في أنهما مضافان إلى (إيل)، لأنه قد ورد في التفسير عن علي وابن عباس رضي الله عنهما: أن جبرائيل وميكائيل ونحوهما كقولك: عبد الله وعبد الرحمن.
(2/41)

وقيل: إن جبراً بمعنى: عبد. وميكا: نحوه ولم يرد في شرحبيل وشراحيل ونحوهما شيء يجب التسليم له، ولا دليل قاطع يقطع بما قاله ابن الكلبي ومن رأى رأيه. فحمل هذه السماءعلى ما قاله البصريون أولى. وإن كان ما قاله ابن الكلبي ومن نحا نحوه غير ممتنع، لأن بعض اللغويين قد ذروا أن معنى شرحبيل وديعة الله بلغة حمير وهذا نحو مما قاله ابن الكلبي ومن رأى رأيه.
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الأخطل من الخطل، وهو استرخاء الأذنين، ومنه قيل لكلاب الصيد خطل).
(قال المفسر): لا أعلم أحداً ذكر أن الخطل كان طويل الأذنين مسترخيهما، فيقال أنه لُقب الأخطل لذلك. والمعروف أنه لُقب الأخطل لبذاءته وسلاطة لسانه، وذلك أن ابني جُعيل احتكما إليه مع أمهما فقال:
لعمرك انني وابني جُعيل ... وأمهما لإستسار لئيم
فقيل له: إنك لأخطل، فلزمه هذا اللقب، والإستار: أربعة من العدد. وقال بعض الرواةن وحكى نحو ذلك أبو الفرج الأصبهاني: أن السبب في تلقيبه بالأخطل أن كعب بن جُعيل كان
(2/42)

شاعر تغلب في وقته، وكان ايُلم برهط منهم إلا أكرموه وأعطوه: فنزل على رهط الأخطل فأكرموه، وجمعوا له غنما، وحظروا عيها حظيرة، فجاء الأخطل فأخرجها من الحظيرة وفرقها، فخرج كعب وشتمه، واستعان بقوم من تغلب، فجمعوها له وردوها إلى الحظيرة. فارتقب الأخطل غفلته، ففرقها ثانية. فغضب كعب، وقال كفوا عني هذا الغلام وألا هجوتكم. فقال له الأخطل: إن هجوتنا هوجناك. وكان الأخطل يومئذ يفرذم. والفرذمة: أن يقول الرجل الشعر في أول أمره، قبل أن يستحكم طبعه وتقوى قريحته، فقال كعب: ومن يهجوني فقال: أنا. فقال كعب: "ويل لهذا الوجه غب الجمه" فأجابه الأخطل .... فقال كعب: إن غلامكم هذا هذا لأخطل، ولج الهجاء بينهما فقال الأخطل:
وسميث كعبا بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل
وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل
ففزع كعب، وقال: والله لقد هجوت نفسي بهذين البيتين، وعلمت أني سأهجي بهما. وقيل بل قال: هجوت نفسي بهذين البيتين، وعلمت أني سأهجي بهما. وقيل بل قال: لقد هجوت نفسي بالبيت الأول من هذين البيتين.
(2/43)

واسم الأخطل فيما ذكر ابن قتيبة: غياث بن غوث، وذكر غيره أن اسمه: غويث بن غوثن ويكنى أبا مالك، ويلقب دوبلا. والدوبل: الحمار القصير لذنب.
ويقال: إن جريرا هو الذي لقبه بذلك. وذلك أن الجحاف بن حكيم لما أوقع ببني تغلب بالبشر، وهو موضع معروف من بلادهم، دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان، فقال:
لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكي والمعول
فإلا تغيرها قريش بملكها ... يكن عن قريش مستزاد ومزحل
فغضب عبد الملك، وقال: على أين يا ابن النصرانية؟ فرأى الخطل الغضب في وجهه، فقال: إلى النار، فقال: أولى لك لو قلت غير ذلك فقال جرير:
بكى دوبل لا يرقئ الله دمعه ... ألا إنما يبكي من الذل دوبل
[6] مسألة:
ذكر في هذا الباب، (الروبة وما فيها من اللغات، ثم قال: إنما سمي رؤبة بن العجاج بواحدة من هذ).
وهذا يوجب أن يجوز في (رؤبة) الهمز وترك الهمز. وذكر في باب ما يغير من أسماء الناس: أن رؤبة بن العجاج بالهمز لا غير، ولو كان مهموزاً لا غير. لم يمتنع من أن تخفف همزته، لأنه لا خلاف بين النحويين أن الهمزة في مثل هذا يجوز تخفيفها. وذكر أن أقسام
(2/44)

الرؤبة، أربع، ثلاث غير مهموزة، وواحدة مهموزة، وأغفل ثلاثاً غير مهموزة، وهي: الرؤبة: طرق الفرس في جمامه: وأرض رؤبة: أي كريمة. والروبة: شجر الزعرور. فهي على هذا سبع ست غير مهموزة، وواحدة مهموزة.
[7] مسألة:
وقال قتيبة في هذا الباب: وروي نقلة الأخبار أن (طيئاً) أول من طوى المناهل. فسمي بذلك، وأن مُراداً تمردت، فسميت بذلك، واسمها: يحابر. ولست أدري كيف هذان الحرفان، ولا أنا من هذا التأويل فيهما على يقين.
(قال المفسر): كذا رويناه عن أبي نصر: (مرادا) مصروفاً، والقياس ألا يُصرف، لأنه أراد القبيلة دون الحي، والدليل على أنه أراد القبيلة قوله، تمردت، وقوله: واسمها: يحابر، فأنث الضمائر.
وظاهر كلام ابن قتيبة أنه أنكر اشتقاق مُراد من التمرد، كما أنكر اشتقاق طيء من طي المناهل، واشتقاق (مُراد) من التمرد ممكن، غير ممتنع، فتكون الميم على هذا أصلاً، ويكون وزن (مراد) على هذا فعالاً. وممكن أن يكون (مُراد) اسم المفعول من أراد يريد، فتكون الميم زائدة، ويكون وزن مراد مفعلاً، بمنزلة مقام ومنار.
(2/45)

وقد جاء في خبر لا أقف الآن على نصه. ولا أعرف من حكاه، أن مراد اسم جدهم أو أبيهم. وأنه لُقب بذلك، لأن رجلاً قال له: أنت مرادي. وهذه دعاوٍ لا يعرف حقها من باطلها، ولا صحيحها من سقيمها وإنما تُحكى على ما نقلته الرواة.
وأما اشتقاق طيء من طي المناهل فغير صحيح في التصريف، لأن طيئاً مهموز اللام، (وطوى يطوي) لامه ياء، فلا يجوز أن يكون أحدهما مشتقاً من الآخر، إلا أن يزعم زاعم أنه مما همز على غير قياس، كقولهم: حلأت السويق، ولاينبغي أن يحمل الشيء على الشذوذ، إذا وُجد له وجه صحيح من القياس، وإنما اشتقاق طيء من (طاء يطوء): إذا ذهب وجاء ذكر ذلك ابن جني في اشتقاق أسماء شعراء الحماسة.
وقال السيرافي: ذكر بعض النحويين ان طيئاً مشتق من الطاءة، والطاءة: يُعد الذهاب في الأرض، وفي المرعى. قال: ويروى أن الحجاج قال لصاحب خيله: أبغني فرساً بعيد الطاءة، وفي بعض الأخبار، كيف بكم إذا تطاءت الأسعار، أي غلت وبعدت على المشترين.
(2/46)

ومن صفات الناس
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: (رجل معربد في سكره، مأخوذ من العربد والعربد حية تنفخ ولا تؤذي).
(قال المفسر): قد يكون العربد أيضاً الخبيثة، وهذه الكلمة من الأضداد، أنشد ابن الأعرابي في نوادره:
إذا ما الأمر كان جداً ... ولم أجد من اقتحام بداً
لاقى العدا في حية عربدا
وقال رؤبة:
وقد غضبا غضباً عربدا
[2] مسألة
وقال في هذا الباب: (رجل مأبون: أي مقروف بخلة من السوء، من قولك: أبنت الرجل آنبه وآبنه بشر).
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو المشهور من قول اللغويين، وحكى أبو الحسن اللحياني: أبنت الرجل بخير وشر. قال: فإذا حذفوا ذكر الخير والشر، لم يذكر إلا في الشر وحده.
(2/47)

باب
معرفة ما في السماء والنجوم والأزمان والرياح
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: (وثلاث درع، وكان القياس درعاً، سميت بذلك لاسوداد أوائلها، وابيضاض سائرها، ومنه قيل: شاة درعاء إذا اسود رأسها وعنقها وابيض سائرها).
(قال المفسر): قد ذكر في باب (معرفة في الشاة) أن الدرعاء من الشاء التي اسودت عنقها، ولم يذكر الرأس. وهو خلاف ما قاله هنا. وذكر يعقوب وغيره أن العرب تختلف في الدرعاء من الشاء، فمنهم من يجعلها التي اسود رأسها وعنقها، ويبيض سائرها، ومنهم من يجعلها التي يبيض رأسها وعنقها، ويسود سائرها. وكذلك الدرعاء من الليالي.
وقال صاحب كتاب العين شاة درعاء: سوداء الجسد، بيضاء الراس، وليلة درعاء: وهي التي يطلع فيها القمر عند وجه الصبح، وسائرها مظلم.
(2/48)

وقال أبو حنيفة: يقال في جمع الليلة الدرعاء: درع، على غير قياس، وقد يقال درع على القياس، وإنما كان درع جمعا على غير قياس، لأن القياس في جمع (أفعل، وفعلاء) من الصفات (فعل) بسكون العين، نحو أحمر وحمراء وحمر. فأما فعل المفتوحة العين فإنما بابها أن تكون جمعاً لما جاء من صفات المؤنث على (الفعلى) تأنيث (الأفعل)، كالأكبر والكبرى، والأصغر والصغرى. يقال: الكبر والصغر، وكأنهم إنما فعلوا ذلك لتساوي (الفعلى والفعلاء)، في أن ل واحدة منهما صفة، وأن مذكر كل واحدة منها (أفعل). والشيئان إذا تساويا في بعض معانيهما وأحوالهما، فقد يحمل بعضهما على بعض.

باب النبات
[1] مسألة:
قال ابن قتيبة: (الحلى: هو الرطب، والحشيش: هو اليابس، ولا يقال له رطباً: حشيش).
(قال المفسر): هذا الذي ذكره قول الأصمعي. وكان يقول: من قال للرطب من النبات حشيش فقد أخطأ,
وحكى أبو حاتم قال: سألت أبا عبيدة معمرا عن الحشيش، فقال: يكون رطباً، ويابساً.
وقال أبو عبيد في الغريب المصنف في باب نعوت الأشجار في ورقها والتفافها: وأما الورق فخضرة الأرض من الحشيش.
(2/49)

وقال أيضاً في باب ضروب النبات المختلفة: (الخلي: الرطب من الحشيش، فإذا يبس فهو حشيش).
والقول فيه عندي قول الأصمعي، لأنه قال: حش الشيء يحش: إذا يبس ويقال للجنين: إذا يبس في بطن أمه: حشيش، ويقال حشت يده: إذا يبست، فالاشتقاق يجب أن يكون اليابس دون الرطب، لذلك اختاره ابن قتيبة على قول أبي عبيدة.
والرطب (بضم الراء، وسكون الطاء) من النبات خاصة، فإذا ضممت الراء، وفتحت الطاء، فهو من التمر خاصة. فإذا فتحت الراء وسكنت الطاء، فهو ضد اليابس من كل شيء.
[2] مسألة
وقال في هذا الباب: (النور من النبت: الأبيض، والزهر: الأصفر، يكون أبيض ثم يصفر).
(قال المفسر): حكى أبو حنيفة: أن النور والزهر سواء.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: الشجر: ما كان على ساق، والنجم: ما لم يكن على ساق، قال الله تعالى: (والنجم والشجر يسجدان).
(2/50)

(قال المفسر): قد يسمى مالا يقوم على ساق شجرا، قال الله تعالى: (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين).
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: والورس يقال له: الغمر. ومنه قيل: غمرت المرأة وجهها.
(قال المفسر): قال أبو علي البغدادي: تصويب الغمرة (بالتاء)، وكذلك قال ابن دريد: الغمرة: طلاء من زعفران تطلى به المرأة وجهها، ليصفو لونه، وكذا قال الخليل: الغمرة: طلاء تطلى به العروس.
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: الزرجون: الكرم، قال الأصمعي، هو الخمر، وهو بالفارسية زركون؛ أي لون الذهب.
(قال المفسر): كذا روى أبو على البغدادي: (زركون) بتشديد الراء. وقال: كذا أقرأنيه أبو جعفر بن قتيبة، لتصويب تسكينها. ومعنى (زر) ذهب، ومعنى (كون): لون، كأنه قال: لون الذهب.
(2/51)

[6] مسألة:
قال في هذا الباب:"البلس: التين، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يرق قلبه، فليدمن أكل البلس".
(قال المفسر 9: هذا الحديث يعتقد قوم فيه أنه تصحيف من بعض الرواة، وإنما هو: فليدم أكل البُلسن، وهو العدس وذكر ابن قتيبة هذا الحديث في كتابه في شرح غريب الحديث، على ما ذكره في أدب الكتاب. وذكر أن هذا الحديث رواه عمر بن قيسن عن عطاء، عن ابن عباس. قال: والبلس عند كثير من الناس العدس، وذلك غلط.
وسألت غير واحد لأتبين من أهل اليمن عن البلس ما هو؟ فأخبرت أنه التين. وقالوا: هو مبتذل في بلادنا.
قال ابن قتيبة: وإنما توهمه الناس العدس فيما أرى، لأن العدس يقال له باليمن: البلسن قال: فإن كان المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم البلس، فهو التين، وإن كان البلسن فهو العدس.
(2/52)

باب النخل
[1] مسألة:
قال في هذا الباب "والعفار والإبار: تلقيح النخل، والجباب والجداد والجداد والجرام والجرام، والقطاع والقطاع كله الصرام.
(قال المفسر): كذا رويناه من طريق أبي نصر عن أبي علي، وهكذا رأيته في جمهور النسخ من هذا الكتاب.
وحكى أبو عبيد في الغريب المصنف، أن الجباب تلقيح النخل، ذكره الأصمعي.
والصواب أن يقال: والعفار والإبار والجباب: تلقيح النخل، أو يقال وهو الجباب، ولعله قد كان هكذا فوقع فيه الوهم من قبل بعض الناقلين.
[2] مسألة:
وقال هذا في الباب (وهو فُحال النخل، ولا يقال فَحل).
(قال المفسر): هذا قول أكثر اللغويين، وقد جاء فحل في النخل، أنشد يعقوب:
(2/53)

تابري يا خيرة الفسيل ... تأبري من جند فشولي
إذ ضن أهل النخل بالفحول
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والشمراخ والعثكال: ما عليه البسر".
(قال المفسر): هذا الذي قاله، قول أبي عمرو الشيباني. فأما الأصمعي فإنه قال: العثكال: الكباسة بعينها، وليس الشمراخ، ويقال: عثكال وعثكول، وكلا القولين له شواهد من اللغة، فالشاهد لقول الأصمعي ما روى في الحديث من أن سعد بن عباده أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل مخدج سقيم في الحي، وجد على أمة من إمائهم يخبث بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذوا له عثكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه ضربة. ومن الشاهد لقول أبي عمرو، قول امريء القيس:
(2/54)

"أثيثٍ كقنو النخلة المتعثكل"
فإنما أراد هنا الكثير الشماريخ، والقنو: الكباسة.

باب
ذكور ما شهر منه الإناث
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "اليعسوب: ذكر النحل"
(قال المفسر): كذا حكى أبو عبيد في الغريب عن الأصمعي، وذكر في شرح الحديث؛ أن اليعسوب أمير النحل، وقال الخليل: اليعسوب: أمير النحل، وكذا قال أبو حنيفة.
وقال أبو حاتم: في كتاب الطير: اليعسوب: نحو من الجرادة، رقيق، له أربعة أجنحة، لا يقبض له جناحاً أبداً، ولا تراه أبداً يمشي، وإنما تراه طائراً أو واقعاً على رأس عود أو قصبة، وأنشد:
وما طائر في الطير ليس بقابض ... جناحا ولا يمشي إذا كان واقعاً
(2/55)

ويسمى الأمير من الناس يعسوبا، تشبيها له بيعسوب النحل. وبذلك فسر أصحاب المعاني قول سلامة بن جندل.
أطرافهن مقيل لليعاسيب
[2] مسألة:
وأنشد في هذا الباب:
أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب
(قال المفسر): كذا روى هذا البيت كل من رواه، ورواه أبو حاتم الراري: "الثعلبان" (بفتح الثاء واللام وكسر النون) تثنية ثعلب، وذكر أن بني سليم، كان لهم صنم يعبدونه، وكان لهم سادن يقال له: غاوي بن ظالم. فبينما هو ذات يوم جالس، إذ أقبل ثعلبان يشتدان، فشغر كل واحد منهما رجله وبال على الصنم. فقال يا بني سليم: والله ما يعطي ولا يمنع، ولا يضر ولا ينفع: أرب يبول الثعلبان برأسه .. (البيت) ثم كسر الصنم وفر، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ما اسمك؟ فقال: غاوى ابن ظالم، فقال: لا. أنت راشد بن عبد ربه.
فهذا الخبر يوجب أن يكون الثعلبان على التثنية.
(2/56)

باب
إناث ما شهر منه الذكور
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "والأنثى من الوعول: أروبةن وثلاث أراوى إلى العشر. فإذا كثرت فهي الأروى".
(قال المفسر): هذا الذي قاله، هو قول الأصمعي، وكان يزعم أن الوعل: هو الذكر، والأنثى هي الأروية، وكان لا يجيز أن يقال للأنثى: (وعلة)، وحكى نحو ذلك عن الأحمر.
وأما أبو زيد فأجاز أن يقال للأنثى وعلة، وذكر أن الأروية يقع للذكر والأنثى. وكذلك قال أبو عبيد: الأروى: الوعول. الواحدة منها أروية، وهذا هو الأشبه بالصواب؛ لأن العرب تقول في أمثالها: إنما أنت كبارح الأروى، قلما يرى، ولا يختصمون هنا أنثى من ذكر. وكذلك قول الشاعر:
فمالك من أروى تعاديت بالعمى ... ولاقيت كلابا مطلا وراميا
ومعنى هذا الشعر أن الأروى إذا بالت فشمت الضأن أبوالها، أو شربت ماء، قد اختلط فيه بولها، أصابها داء يقال له الأبى، فربما هلكت منه. وهذا أمر لا تختص الإناث منها به دون الذكور؛ فلذلك قال في هذا الشعر:
(2/57)

أقول لكناز تدكل فإنه ... أباً لا إخال الضأن منه نواجيا
وذكر أبو الحسن الطوسي أنه يقال: أروية وإروية (بضم الهمزة وكسرها). وحكى أنها تقال للذكر والأنثى، وأما قوله: إن الأراوى لما دون العشرة، والأروى لما فوقها، فنقول: ذكره الأصمعي أيضاً.
والذي حمله على أن قال ذلك؛ أنه رأى العرب يضيفون العشرة وما دونها إلى الأراوى ولا يضيفونها إلى الأروى، فيقولون: ثلاث أراوى وأربع أراوى، ونحو ذلك، ولا يقولون ثلاث أروى، إنما يقولون: ثلاث من الأروى، فاستدل بذلك على أن الأراوى للقليل، والأروى للكثير، وليس في هذا دليل قاطع على ما قاله؛ لأن العرب تضيف العشرة فما دونها إلى أكثر العدد، كما تضيفها إلى أقله. فيقولون: ثلاثة كلاب، ولأن أروى ليس من أبنية أقل العدد، فيختص بما دون العشرة. والأروى أيضاً اسم للجمع لا يختص بقليل دون كثير، ولا بكثير دون قليل: ويقال أراوى بكسر الواو وتشديد الياء كما يقال: صحارى ومهارى، وأراوى واراوى بفتح الواو وكسرها من غير تشديد كما يقال صحارى ومهارى.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والنثى من الأرانب عكرشة".
(قال المفسر): ذكره الأنثى من الأرانب، يوجب أن الذكر منها
(2/58)

مشهور، وقد قال في الباب الذي قبل هذا: والخزز: الذكر من الأرانب، وهذا يوجب أن تكون الأنثى منها مشهورة، وهذا تناقض.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والأنثى من العقبان: لقوة".
(قال المفسر): هذا الذي قاله، قول غير متفق عليه، وقد قال الخليل: اللقوة واللقوة؟ بالفتح والكسر: العقاب السريعة، وكذلك قال يعقوب وأبو حاتم. وقد قال ابن قتيبة في أبنية الأسماء من هذا الكتاب، العقاب. لقوة ولقوة، ولم يختص أنثى من الذكر.
وقال أبو عبيدة ويونس: يقال للذكر من العقبان: الغرن (بغين معجمةن وراء غير معجمة مفتوحتين). وقد زعم كثير من اللغويين، وممن تكلم في الحيوان، أن العقبان كلها إناث، وأن ذكورها من نوع آخر من الطير.
وقال أبو حاتم السجستاني في كتاب الطير الكبير: حدثني أبو زفافة منهالا لشامي، مولى بني أمية: أن ذكور العقبان من طير آخر لطاف الجروم، لا تساوي شيئاً، يلعب بها الصبيان بدمشق، ويقال لفرخ العقاب البلح (بحاء غير معجمة على وزن نفر) والهيثم. ويقال لأمه:
(2/59)

التلدة، على وزن ضربة، ويقال: إن الهيثم، العقاب بعينها، ذكر ذلك أبو حاتم.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والأنثى من الأسد: لبؤة بضم الباء والهمز"
(قال المفسر): قد ذكر يعقوب أن اللبؤة تهمز ولا تهمز، والقياس أيضاً يوجب ذلك، على لغة من يخفف الهمزات من العرب، ويقال لها أيضاً: لبأة، على وزن ثمرة، وتحذف همزتها، فيقال: لبة على وزن شفة، ومنهم من يقول: لباة، على وزن قطاة ونواة.

باب
ما يعرف جمعه ويشكل واحده
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "الغرانيق: طير الماء، واحدها غرنيق، وإذا وصف بها الرجال فواحدهم: غرنوق، وغرنوق، وهوا لرجل الشاب الناعم".
(قال المفسر): قد حكى الخليل: أنه يقال لواحد الغرانيق، التي هي طير الماء، غرنيق وغرنوق (بضم الغين والنون) وحكى مثل ذلك أبو حاتم في "كتاب الطير". ويقال في صفة الرجل: غرنوق على وزن
(2/60)

قرقور، وغرنيق على وزن قنديل، وغرانق على وزن غدافر وغرونق على وزن فدوكس، وغرناق على وزن سربال، قال الراجز:
يا للرجال للمشيب العاتق ... غير لون شعر الغرانق
وقال آخر:
لا ذنب لي كنت أمرأ مفنقا ... أغيد نوام الضحى غرونقاً
[2] مسألة
وقال في هذا الباب: "أفواه الزقة والأنهار، واحدها فوهة، وأفواه الطيب واحدها فوه".
(قال المفسر: يقال: فوهة الطريق (بتشديد الواو)، وفوهة (بسكون الواو): فم الطريق. حكى ذلك ابن الأعرابي، وجمع فوهة: فوائه، على القياس، وأفواه، على غير قياس. وأما فوهة الساكنة الواو، فقياس جمعها: فوه على مثال سورة وسور. وأما فم فقياس جمعه أفواه.
[3] مسألة:
وحكى في هذا الباب عن الكسائي أنه قال: "من قال أولاك فواحدهم ذاك. ومن قال: أولئك، فواحدهم ذلك".
(2/61)

(قال المفسر) أولاك وأولئك: إسمان للجمع، وليسا على حد الجموع الجارية على آحادها، وكل واحد منها يصلح أن يكون واحده: (ذاك). وأن يكون (ذلك) باللام، وإن كان لمؤنث فواحدها تلك، لأنهما يقعان للمذكر والمؤنث. والذي قاله الكسائي شيء لا يقتضيه قياس، ولا يقوم عليه دليل، فإنه تعلق بالسماع عن العرب، وقال: سمعت الذين يقولون للواحد، ذاك، يقولون إذا جمعوا لأولاك، فيقصرون، وسمعت الذين يقولون للواحد ذلك (باللام) يقولون إذا جمعوا: أولئك ويمدون. قلنا له: السماع أول دليل على بطلان هذه الدعوى، لأنا وجدنا من يقول: ذاك للواحد بغير لام، يقول للجميع: أولئك فيمد؛ ألا ترى أن الحطيئة قد قال:
تقول لي الصراء ست لواحد ... ولا اثنين فانظر كيف شرك أولائكا
وأنت امرؤ تبعي أباك صليبة ... هبلت ألما تشتقي من ضلالكا
وقال أيضاً:
أولئك قوم عن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
ومن العرب من إذا جمع قال: أولالك (باللام)، فقد كان يجب على
(2/62)

على الكسائي أن يعلمنا كيف الواحد على هذه اللغة، والأشبه عندي أن يكون هذا من لغة من يقول: ذلك (باللام).
وقد حكى اللغويون أنه يقال: ألاك على القصر والتشديد. وأنشدوا:
(من بين ألاك إلى ألاكا)
وهذا كله يدل على ضعف قول الكسائي واستحالته.
[4] مسألة:
وقال في آخر الباب: "الكمأة: واحدها كمء".
(قال المفسر): العرب تختلف في الكمء، والكمأة، أيهما هو الجمع، وأيهما هو الواحد. وهذا الذي ذكره ابن قتيبة، هو قول يونس.
قال أبو عمر الجرمي: سمعت يونس يقول: هذا كمء، كما ترى لواحدة الكمأة، فيذكرونه، فإذا أرادوا جمعه قالوا: هذه كمأة. قال أبو زيد: قال: منتجع كمء: للواحد، وكمأة: للجميع. وقال أبو خيرة وحده: كمأة للواحد، وكمء للجميع. فمر رؤبة بن العجاج فسألاه، فقال: كمء للواحد، وكمأة للجميع، كما قال منتجع. فمن قال: كمأة للواحد وكمء للجميع؛ جعله من الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا الهاء، وأكثر ما يجيء في الخلوقات دون المصنوعات، كثمرة وتمر، ونخلة ونخل، وقد جاء منه شيء في المصنوعات، إلا أنه
(2/63)

قليل. قالوا: ريطة وريطن وملاءة وملاء. وقالوا: قلنسوة وقلنس، وقلسوة وقلس، قال الراجز:
لا مهل حتى تلحقي بعنس ... أهل الرياط البيض والقلنس
وقال آخر:
"بيض بهاليل طوال القلس"
ومن قال: كم للواحد، وكمأة للجميع: جعله اسماً سمي به الجمع كفرهة ورجلة، وغمد وأدم ونحو ذلك.

باب
ما يعرف واحده ويشكل جمعه
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "الدخان: جمعه دواخن، وكذلك العثان جمعه عواثن ولا يعرف لهما نظير. والعُثان: الغبار".
(2/64)

(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة، قد قاله جماعة من اللغويين والنحويين. وكان القياس أن يقال: أدخنة وأعثنة. كما يقال في جمع غراب: أغربة. وقد جاء الدخان مجموعاً على القياس في قول الخطل:
صفر اللحى من وقود الأدخنات إذا ... قل الطعام على العافين أو قتروا
فجمع دخاناً على أدخنة، وأدخنة على أدخنات.
وقال أبو جعفر بن النحاس: الدواخن: جمع داخنة، والدخن جمع دخان. وهذا الذي قاله هو القياس، لأن فواعل، إنما هي جمع فاعلة، كضاربة وضوارب. وقد حكى في جمع دخان: دخان (بكسر الدال) وهو نادر ذكره ابن جني. وعلى هذا روى بيت الفرزدق:
(عقاب زهتها الريح يوم دخان)
ومجاز هذا عندي في العربية: أن يقال: لما كان فعال وفعيل يشتركان في المعنى، فيقال، طوال وطويل، وجسام وجسيم، حُمل بعضها على بعض في الجمع: فقالوا: دخان ودخان كما قالوا: ظريف وظراف. وكذلك قياس من قال: طوال وظراف وجسام، (إذا كسر للجمع) أن يقول طوال وظراف وجسام، كما يفعل من يقول: طويل وظريف وجسيم وهذا يسمى التداخل. ونظيره أن (فعلاً) المفتوح الأول الساكن العين، بابه أن يكسر في الجمع القليل على أفعل، كفلس وأفلس. (وفعل) المفتوح الفاء والعين بابه أن يكسر
(2/65)

على أفعال في العدد القليل، نحو جمل وأجمال. ثم إن فعلا وفعلا لما اشتركا في المعنى الواحد - وتداخلا، فقالوا: شعر وشعر وتهر ونهر، حمل بعضهما على بعض في الجمع، فقالوا: زمن وأزمن، كما قالوا: فلس وأفلس. وقالوا: فرخ وأفراخ، كما قالوا: جمل وأجمال. ولهذا نظائر كثيرة من التكسير.
وأما قوله: والعثان: الغبار. فصحيح. وقد يكون العثان أيضاً: الذخان. وانشد أبو رياش
(ليبلغ أنف العود ما عثن الجمر)
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "البلصوص: طائر وجمعه (البلنصي) على غير قياس".
(قال المفسر): قد اختلف اللغويون في هذين الاسمين، أيهما الواحد وأيهما الجمع؟ فقال قوم: البلصوص: هو الواحد، والبلنصي: الجمع. وقال آخرون: بل البلنصي: هو الواحد، والبلصوص: الجمع. وقال قوم: البلصوص: الذكر، والبلنصي: الأنثى. ذكر ذلك ابن ولاد في كتابه في الممدود والمقصور، وأنشد:
(2/66)

"والبلصوص يتبع البلنصي"
وقياس البلصوص أن يقال في جمعه: بلاصيص، كما يقولون في زرجرون: زراجين. وفي قربوس: قرابيس. وياس البلنصي إذا كان واحداً ثم كسر، أن يقال في جمعه: بلانص كما يقال في جمع قريني: قرانب. وفي جمع دلنظي: دلانظ في قول من حذف الألف. ومن حذف النون، فقياسه أن يقول بلاص، وقراب، ودلاظ.
[3] مسألة:
وقال ابن قتيبة في هذا الباب: "الحظ: جمعه حظوظ وأحظ، على القياس وأحظ، وأحاظ، على غير قياس .. ".
(قال المفسر): قال أبو علي البغدادي: لا أعرف ما حكاه ابن قتيبة من قولهم: أحظ وحفظي حظ. وأحظ، (فأحظ) بضم الحاء وتشديد الظاء، (وحظوظ) على القياس. وعلى غير القياس: حظاء ممدود.
وحكى ذلك في المقصور والممدود عن أبي زيد، عن بعض العرب، وقال: فألقى الظاء، وجعل مكانها ياء، ثم همزها حيث جاءت غاية بعد ألف، يريد أنهم جمعوا حظاً على حظاظ، ثم فعلوا ما زعم. فوجه القياس عندي في جمع حظ على أحظ، مثل أدل، وحظاء مثل
(2/67)

دلاء: أن يقال: إنه جاء على لغة من يبدل من أحد الحرفين المثلين ياء نحو قولهم: قصيت أظفاري، أي قصصتها. وقول العجاج:
إذا الكرام ابتدروا الباع بدر ... تقضي البازي إذا البازي سر
وقول أبي زبيد:
خلا إن العتاق من المطايا ... حسين به فهن إليه شوس
وقول كثير:
تزور امرأ أما الإله فيتسقى ... وأما بفعل الصالحين فيأتمى
فلما أراد جمع حظ، وقد توهم أن الظاء الثانية منه تبدل ياء، صار حظ عنده في الجمع مثل ظبي وجدي فقال: أحظ وحظاه، كما يقال: أظب وظباء، واجد وجداء.
وأقيس من هذا أن يكون حظاء: جمع حظوة، لأن معناها كمعنى الحظ. فيكون حظوة وحظاء، كبرمة وبرام، وجفرة وجفار. فإذا أمكن فيه مثل هذا، لم يحتج إلى تكلف الشذوذ.
(2/68)

وليس يمتنع أن يكون أحظ المنقوصة، وحظاء، جمع حظوة (المكسورة الحاء)، وهي لغة في حظوة (المضمومة الحاء)، لأنا وجدنا العرب، قد أجرت ما فيه هاء التأنيث في الجمع مجرى ما لا هاء فيه. فقالوا: كلبة وكلاب، كما قالوا: كلب وكلاب. وقالوا: أمة وآم كما قالوا: عصا وأعص. وقالوا رحبة ورحاب، كما قالوا: جمل وجمال. فعلى هذا يقال في جمع حظوة حظاء، كما قالوا في بئر: بئار. ويقال حظوة وأحظ، كما يقال: شدة وأشد، ونعمة وأنعم.

باب
معرفة ما في الخيل وما يستحب من خلقها
[1] مسألة:
قال ابن قتيبة في هذا الباب: "ويستحب في الناصية السبوغ، ويره فيها السفا، وهو خفة الناصية وقصرها. ثم قال بعد ذلك: "والسفا في البغال والحمير محمود وأنشد:
جاءت به معتجراً في برده ... سفواء تردى بنسيج وحده
(قال المفسر): هذا الذي قاله، قول أبي عبيدة معمر في كتاب الديباجة.
(2/69)

وأما الأصمعي فقال: الأسفي من الخيل: الخفيف الناصية، ولا يقال للأنثى سفواء. والسفواء من البغال: السريعة. ولا يقال للذكر أسفى. قال: وأما قوله:
(سفواء تردى بنسيج وحده)
فإنما أراد بغلة سريعة، لا خفيفة الناصية. وقد ذكر ابن قتيبة القولين جميعاً في كتابه هذا؛ فذكر قول أبي عبيدة في هذا الباب، ثم قال في آخر الكتاب، في باب (أبنية نعوت المؤنث): "وربما قالوا في المذكر (أفعل) ولم يقولوا في المؤنث (فعلاء). وقالوا للفرس الخفيف الناصية: أسفى، ولم يقولوا للأنثى: سفواء. وقالوا للبغلة: سفواء، ولم يقولوا للبغل أسفى.
وهذا نحو قول الأصمعي إلا أنه لم يبين على أي معنى يقال للبغلة سفواء وأبهم ذلك.
وحكى أبو عبيد القاسم عن الأصمعي، الأسفى من الخيل: الخفيف الناصية. ومن البغال: السريع، وتأنيثها: سفواء.
وقال صاحب كتاب العين: بغلة سفواء: وهي الدريرة في اقتدار خلقتها وتلزز مفاصلها.
والذكر: أسفى. توصف به البغال والحمير، ولا توصف الخيل بالسفا، لأن ذلك لا يكون مع الألواح وطول القوائم.
(2/70)

[2] مسألة:
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب للخنساء:
ولما أن رأيت الخيل قبلا ... تبارى بالخدود شاب العوالى
(قال المفسر): ذا رويناه من طريق أبي نصر، عن أبي علي، وفيه غلط من وجهين:
أحدهما: أن الشعر لليلى الأخيلية، وليس للخنساء، والثاني:
أنه أنشده (بضم التاء)، وإنما هو رأيت (بفتح التاء) على الخطاب وعلى لك يدل الشعر، وهو:
ولما أن رأيت الخيل قبلا ... تبارى بالخدود شبا العوالى
نسيت إخاءه وصددت عنه ... كما صد الأزب عن الظلال
فلا والله يا ابن أب عقيل ... تبلك بعدها عندي (بلال

عيوب في الخيل
وقال في هذا الباب: "والحافر والمصطر: هو الضيق، وذلك معيب. والأرح: الواسع، وهو محمود".
(قال المفسر): هذا الذي قاله: قول أبي عبيدة. وقد جاء في شعر حميد الأرقط ما يخالف هذا، وهو قوله:
لا رحح؛ فيها ولا اصطرار ... ولم يقلب أرضها البيطار
(2/71)

فنفى عن الفرس: الرحح، كما نفى عنها الاصطرار. فكأن الرحح نوعان: محمود ومذموم، فالمحمود منه: ما كان معه تقعب. والمذموم: ما لا تقعب فيه. لأنه إذا لم يكن مع سعته نقعب، صار فرشخة، وهي مذمومة، كما قال الآخر:
"ليس بمصطر ولا فرشاخ"
وقد حكى أبو عبد في الغريب المصنف عن أبي عمرو: الحافر المجمر: هو الوقاح. والمفج: المقبب، وهو محمود، والمصرور: المتقبض. والأرح: العريض. وكلاهما عيب وهو نحو ما ذكرناه.

خلق الخيل
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "والضرة: لحم الضرع، ولها أربعة أطباء.
(قال المفسر): هذا الذي قاله قول أبي عبيدة معمر في كتاب الديباجة. ومنه نقل هذه الأبواب، وأنشد أبو عبيدة:
"كأنما أطباؤها المكاحل"
(2/72)

وأما أبو حاتم، فرد ذلك على أبي عبيدة، وقال: وقال: ليس للفرس إلا طبيان. وكان يروى أن أبا عبيدة إنما غلط في ذلك لقول الراجز الذي أنشده. وليس في جمع الشاعر للطبي ما يدل على أنها أربعة. لأن العرب قد تخرج التثنية مخرج الجمع، كقولهم: رجل عظيم المناكب، وإنما له منكبان وكذلك يخرجون الجمع مخرج التثنية، كقولهم لبيك وسعديك، وحنانيك ودواليك. ولا يريدون بذلك اثنين فقط.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "يقولون للفرس عتيق وجواد وكريم. ويقال للبرذون والبغل والحمار فاره. قال الأصمعي: كان عدي بن زيد يخطيء في قوله في وصف الفرس: (فارها متتابعاً). قال ولم يكن له علم بالخيل.
(قال المفسر): ما أخطأ عدي بن زيد، بل الأصمعي هو المخطيء، لأن العرب تجعل كل شيء حسن فارها. وليس ذلك مخصوصاً بالبرذون والبغل والحمار، كما زعم. وعلى هذا قالوا: أفهرت الناقة: إذا نجيت، فهي مفرهة. قال أبو ذؤيب:
ومفرهة عنس قدرت لساقها ... فخرت كما تتابع الريح بالقفل
(2/73)

وقال النابغة:
أعطى لفارهة حلو توابعها ... من المواهب لا تعطى على حدس
ولو كان ما قاله الأصمعي صحيحاً، لما كان قول عدى خطأ. لأن العرب تقول: فره فرها فهو فاره وفره: إذا أشر وبطر. وكذلك إذا كان ماهراً حاذقاً. وعلى هذا قرأ القراء، "فارهين" وفرهين. فممكن أن يكون قول عدى من هذا وكان الأصمعي عفا الله عنه يتسرع إلى تخطئة الناس وينكر أشياء كلها صحيح.

ألوان الخيل
[1] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والبهيم: هو المصمت الذي لاشية به ولا وضح: أي لو كان. ومما لا يقال له بهيم ولا شية به: الأبرش المدنر، والنمر، والاشيم، والأبقع والأبلق".
(قال المفسر): كذا وقع في النسخ من هذا الكتاب، وقد طلبته في كل نسخة وقعت منه إلى، فوجدته هكذا، ووجدت في كتاب
(2/74)

الديباجة لأبي عبيدة، الذي نقل منه ابن قتيبة هذه الأبواب كلها مما يخالف هذا.
قال أبو عبيدة: ومما لا يقال له بهيم، وهو مما لا شية به الأشهب والصنابي وهو مستكره. ومما لا يقال له بهيم. وهو مما له شية: الأبرش والأنمر والأبلق والمدنر والأبقع. وهذا هو الصحيح وما نقله ابن قتيبة غلط.
والفرق بين الشية والوضح: أن الشية لمعة تخالف معظم الفرس، وهي بياض في سواد، أو سواد في بياض، ألا ترى أن ابن قتيبة ذكر شيات الخيل ها هنا، فجعلها بياضاً، وذكر شيات الضأن، فجعلها سوادا، وأما الوضح فإنه البياض خاصة.

الدوائر في الخيل
وما يكره من شياتها
قال ابن قتيبة: (والدوائر ثماني عشرة دائرة) ..
(قال المفسر): ذكر أبو عبيدة في كتاب الديباجة الثماني عشرة دائرة كلها. وذكرها كراع. فمنها دائرة المحيا، وهي اللاصقة بأسفل الناصية. ومنها دائرة اللطاة، وهي التي في وسط الجبهة،
(2/75)

فإن كانت هناك دائرتان، قالوا: فرس نطيح. ومنهن دائرة اللاهز وهي التي تكون في اللهزمة ومنهن دائرة المعوذ وهي التي تكون في موضع القلادة. كذا وقع في تاب أبي عبيدة، بالذال المعجمة، وواو مفتوحة مشددة، كأنه جعله مصدراً بمعنى التعويذ، من قولك عوذت الصبي تعويذا ومعوذا: إذا جعلت في عنقه عوذة، كما تقول: مزقت تمزيقا وممزقا.
وأما كراع فقال: دائرة العمود بدال غير معجمة، على وزن ضروب ورسول. ومنهن دائرة السمامة، وهي التي تكون في وسط العنق، في عرضها ومنها دائرة البنيقتين.
وقال كراع: البنيقتين، وهما الدائرتان اللتان في نحر الفرس. ومنهن دائرة الناحر: وهي التي تكون في الجران إلى أسفل من ذلك. ومنهن دائرة القالع: وهي التي تكون تحت اللبد. واسم ذلك المكان: ملبد الفرس. ومنهن دائرة الهقعة، وهي التي تكون في عرض زوره. وقال أبو عبيد: إنها تكون في الشقين جميعاً. ومنهن دائرة النافذة، وهي دائرة الحزام. ومنهن دائرتا الصقرين: وهما اللتان تحت الحجبتين والقصريين. ومنهن دائرة الخرب، وهي التي تون تحت الصقرين. ومنهن دائرة الناخس: وهي التي تكون تحت
(2/76)

الجاعرتين إلى الفائلين.
وزاد أبو القاسم الزجاجي دائرة الخطاف، هي دائرة في المركض.
وقال كراع: العرب تستحب دائرة العمود، ودائرة السمامة، ودائرة الهقعة وتكره اللاهز والنطيح والفالع والناخس.
وقال أبو عبيدة نحو قول كراع، إلا أنه قال: كانوا يستحبون الهقعة، لن أبقى الخيل المهقوع، حتى أراد رجل شراء فرس مهقوع، فامتنع صاحبه من بيعه منه، فقال:
إذا عرق المهقوع بالمرء انعظت ... حليلته وازداد حرا متاعها
فصار مكروهاً بعد أن كان مستحباً. قال غير أبي عبيدة: فكان الرجل إذا ركب الفرس المهقوع، نزل عنه عقبل أن يعرق تحته.
ويروى أن رجلاً اشترى فرسا ًفوجده مهقوعاً، فخاصم بائعه منه إلى شريح، فأوجب شريح على البائع أخذ فرسه، ورد الثمن. فقال له البائع أيمنع هذا العيب من مطعم أو مشرب، أو ينقص من قوة أو جرى قال: لا. فقال البائع أفمن أجل قول شاعر زعم ما زعم، ويقول ما شاءن ترده على فقال له شريح: قد صار عيباً عند الناس، فخذ فرسك ودعني من هذا.
(2/77)

باب
معرفة ما في خلق الإنسان من عيوب الخلق
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: (واللطع في الشفاه: بياض يصيبها، وأكثر ما يعتري ذلك السودان).
(قال المفسر): وقع في النسخ، السودان بالنصب. وكذا روى لنا عن أبي نصر. والوجه رفع السودان على خبر المبتدأ الذي هو أكثر ما يعتري. ويكون (ما) بمعنى الذي. ويعتري ذلك: صلة لها. ويقدر في الفعل ضمير محذوف، عائد (إلى ما). كأنه قال: وأكثر الذين يعتريهم ذلك السودان. وجعل (ما) لمن يعقل.
وكان ينبغي أن يقول: وأكثر من يعتري ذلك.
وقد استعملت (ما) للعاقل المميز، كقوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لم من النساء مثنى) وحكى عن العرب، سبحان ما سبح الرعد بحمده، وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: (والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها) أنه أراد: من بناها ومن طحاها. وهذا ليس بصحيح، إنما هي هاهنا مع الفعل بتأويل المصدر، كأنه قال: وبنائها وطحوها. والنصب في السودان بعيد.
لأنهم يصيرون مفعولين داخلين في صلة المصدر. فيصير التقدير:
(2/78)

وأكثر اعتراء ذلك السودان وهذا بعيد لأن (ما) تصير مع الفعل بتأويل المصدر فيبقى المبتدأ بلا خير. وليس يصح نصب السودان، إلا على أن يجعل ذلك مثل قولهم: أول ما أقول: إني أحمد الله، في قول من كسر الهمزة. فيكون مبتدأ محذوف الخبر. كأنه قال: وأكثر اعتراء ذلك السودان: معروف أو موجود. وقد أجاز الكوفيون نحو هذا في قولهم: ضربي زيداً قائماً. لأنهم جعلوا الضرب هو العامل في قائم والخبر مضمر، لأن قائماً على مذهبهم لا يصح أن يسد مسد الخبر، كما صح في قول سيبويه، لأنهم إذا أعملوا فيه الضرب صار من صلته. وقد قال ابن قتيبة في باب العلل: "وأكثر ما يعتري ذلك الصبيان، فيعلق عنهم. والقول فيه كالقول في هذا:
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: (وفي النساء الضهياء: التي لا تحيض، والمتكاء: التي لا تحبس بولها، وهي من الرجال الأمثن).
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة هو قول أبي عبيدة معمر، وهو مما غلط فيه، فأتبعه ابن قتيبة على غلطه. والصواب المثناء. والدليل على ذلك قولهم للرجل أمثن فهذان كأحمر وحمراء. وهذا قول الأصمعي. وكان ينكر قول أبي عبيدة ويرده. وهكذا حكى أبو عبيد القاسم عن أبي زيد. فأما المتكاء: فهي البظراء. ويقال للبظر: المتك، (بفتح الميم)، والمتُك (بضم الميم) والمتك أيضاً: الذباب.
(2/79)

ووقع في كتاب العين: المُتك من الإنسان: وترة الإحليل، ومن المرأة عرق البُظر (بضم الميم).
وقال أبو عمرو الشيباني في كتاب الحروف: المتكاء التي لا مناكب لها والرجل أمتك.

فروق في الأسنان
قال في هذا الباب: "قال أبو زيد: للإنسان أربع ثنايا وأربع رباعيات [الواحدة رباعية مخففة] وأربعه أنياب وأربعة ضواحك واثنتا عشرة رحى، ثلاث في كل شق. وأربعة نواجذ وهي أقصاها قال الأصمعي مثل ذلك كله، إلا أنه جعل الأرحاء ثمانيا: أربعاً من فوق وأربعاً من أسفل".
(قال المفسر): إذا جعل الأرحاء ثمانيا على ما قال الأصمعي، نقص من عدد الأسنان أربع. فان ينبغي أن يبين كيف يُقال لهذه الأربع، التي أسقطها الأصمعي من عدد الأرحاء، لان الأسنان على هذا القول تكون ثمانيا وعشرين مع النواجذ، واتماهى اثنتان وثلاثون على ما قال أبو زيد. وقد تأملت كلام الأصمعي في كتابه المؤلف في "خلق الإنسان" فوجدته على ما حكاه ابن قتيبة عنه. ورأيت ثابتاً قد حكى قول
(2/80)

الأصمعي في كتابه "المؤلف في خلق الإنسان" فذكر جملة الأسنان الأرحاء والطواحن. وخلط في لك تخليطاً كرهت ذكره. فأنا أحسب الأسنان الأربع التي أسقطها من عدد الأرحاء هي الطواحن عنده وبذلك يصير عددها على ما قال أبو زيد:
وقال يعقوب بن السكيت في كتاب (خلق الإنسان) الأسنان اثنتان وثلاثون. ثنيتان ورباعيتان، وناجذان، وهما النابان، وضاحكان، وثمانية أضراس، من كل جانب أربعة، هذا في الفك العلى، وفي الفك الأسفل مثل ذلك.
فجعل يعقوب النواجذ هي الأنياب على ما ترى، وضم التي سماها الأصمعي وأبو زيد نواجذ إلى عدد الأرحاء، فسمي الجميع منها أضراساً.
وقد قيل: إن النواجذ: هي الضواحك، كما قال ابن هشام.
وفي كتاب العين: الناجذ، السن التي بين الناب والأضراس. وحجة من جعل النواجذ الأنياب أو الضواحك. الحديث المروي أن
(2/81)

رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه. ولم يكن صلى الله عليه وسلم ممن يفرط في الضحك. إنما كان ضحكه تبسماً. ومن جعل النواجذ أقصى الأضراس قال: ليس المراد أن نواجذه ظهرت على الحقيقة، وإنما المراد أنه أكثر من الضحك على خلاف عادته، حتى كادت نواجذه تظهر وإن لم تظهر.
والعرب تستعمل مثل هذا في المبالغة، كقول القائل: ما في الدنيا من يقول هذا، وقد علم أن فيها من يقوله، ولكنه قصد المبالغة في الإنكار.
ووقع في بعض نسخ أدب الكتاب: "والنواجذ للإنسان والفرس وفي بعضها: والنواجذ للإنسان، والقوارح للفرس. وهو الصواب عندي.

فروق في الأفواه
قال في هذا الباب عن أبي زيد "منقار الطائر ومنسره: واحد، وهو الذي ينسر به اللحم نسرا".
(قال المفسر): كذا قال الأصمعي مثل قول أبي زيد في المنقار والمنسر. وفرق بعض اللغويين بينهما، فقال: المنقار لما لا يصيد، والمنسر لما يصيد.
(2/82)

وحكى يعقوب أنه يقال: منقار (بالراء)، ومنقاد (بالدال) وهو غريب.

فروق في الأطفال
[1] مسألة:
وقال في هذا الباب: (وولد الناقة في أول النتاج: ربع، والأنثى: ربعة. والجمع: رباع وفي آخر النتاج: هبع. والأنثى: هبعة. ولا يجمع هبع: هباعاً).
(قال المفسر): جمع هُبع: هبعان، كصرد وصردان، ونغر ونغران. وقد حكى أبو حاتم في كتاب الإبل هُبع وهباع مثل ربع ورباع، وهو الصحيح.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب:"والنهار: فرخ القطاة، قال أبو علي البغدادي: هكذا رأيت في هذا الكتاب. تصويب: النهار:
(2/83)

فرخ الحُباري."
(قال المفسر): قد اختلف اللغويون في النهار. فقال قوم: هو فرخ القطاة، كما قال ابن قتيبة، وهو قول الخليل. وقال قوم: النهار: ذكر البوم. وقيل النهار: ذكر الحُبارى. والأنثى: ليل. وقيل: النهار فرخ الحُباري. قال الشاعر:
ونهار رأيت منتصف الل ... يل رأيت نصف النهار
وحكى التوزي عن أبي عبيدة: أن جعفر بن سليمان قدم من عند المهدي، فبعث إلى يونس بن حبيب وقال: إني وأمير المؤمنين اختلفنا في هذا البيت، وهو للفرزدق:
والشيب ينهض في السواد كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نهار
فما الليل والنهار؟ فقال يونس: الليل: هو الليل المعروف وكذلك النهار. فقال جعفر زعم المهدي أن الليل فرخ الكروان، والنهار: فرخ الحبارى:
قال أبو عبيدة: والقول عندي في البيت ما قاله يونس
(2/84)

والذي قاله المهدي معروف في الغريب، ولكن ليس هذا موضعه.
(قال المفسر:) يذهب قوم إلى أن المراد: بالصياح في بيت الفرزدق الذي ذكرناه، انصداع الفجر، يجعلونه، من قولهم انصاح الثوب انصياحاً: إذا تشقق. قال أوس بن حجر، ويروي لعبيد بن الأبرص:
وأمست الأرض والقيعان مثرية ... ما بين مرتتق منها ومنصاح
وقوم يجعلونه الصياح بعينه الذي هو الدعاء. وهذا هو الصحيح، وإنما الصياح هاهنا: مجاز، أو استعارة، لأن النهار لما كان آخذ في الإقبال، وكان الليل آخذ في الإدبار، شبه النهار بالهازم، الذي من شأنه أن يصيح على المهزوم. ولذل شبهوا الليل بالقتيل، وقد صرح الشماخ بهذا المعنى في قوله:
ولاقت بأرجاء البسيطة ساطعاً ... من الصبح لما صاح بالليل بقرا
وقد أكثر المحدثون من الشعراء في هذا المعنى. ومن مليح ما في ذلك قول المتنبي:
(2/85)

لقيت بدرب القلة الفجر لقية ... شفت كبدي والليل فيه قتيل
وقال محمد بن هانيء:
خليلي هبا فانصراها على الدجى ... كتائب حتى يهزم الليل هازم
وحتى ترى الجوزاء تنشر عقدها ... وتسقط من كف الثريا الخواتم
وبيت ابن هانيء أوضح في المعنى الذي ذكرناه في بيت المتنبي.

فروق في السفاد
[1] مسألة:
وقال في هذا الباب: (المنى مشدد، والمذى والودى مخففان، وذكر أنه يقال: منى وأمنى، ومذى، وأمذى، وودى. ولا يقال أودى).
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو المشهور المعروف. وحكى أبو عبيد في الغريب المنصف عن الأموي. المذي والودى (بالتشديد)، مثل المنى. وقال: الصواب عندنا أن المنى وحده بالتشديد، والآخران -
(2/86)

مخففان. وحكى أبو عمر المطرز قال: أخبرنا ثعلب عن ابن الأعراببي قال: يقال: هو المذي مثال الرمي، والمذي مثال العمى. يقال منه: مذى الرجل، وأمذى، ومذى، والأولى أفصحهن، وهو الودى مثال الرمي والودى، مثال العمى. يقال منه: ودى وأودى وودى والأولى أفصحهن. والمنى مثال الشقي، والمنى مثال العمى. يقال منه: منى وأمنى ومنى. والأولى أفصحهن. وقد ذكر أبو العباس المبرد في الكامل أنه يقال: ودى وأودى. وحكى مثل ذلك أبو إسحاق الزجاج. فأما رواية من يروى من الفقهاء الوذى بالذال معجمة، ولا أدري من أين نقل ذلك، فني لا أعلم أحداً حكاه.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: ويقال للشاه إذا أرادت الفحل: حنت فهي حانية.
(قال المفسر): وقع في بعض النسخ من أدب الكتاب: حان بغير تاء، وكذلك في الغريب المصنف. ووقع ي بعضها حانية بالتاء وكذا في العين الكبير.
(2/87)

وحكى أبو حاتم أنه يقال حان وحانية. فمن قال: حان فعلى معنى النسب، كقولهم، امرأة عاشق وطالق. ومن قال: حانية. فعلى الفعل كضاربة وقائلة. فأما المرأة التي تقيم على ولدها بعد موت زوجها ولا تتزوج، فيقال فيها: حانية بالتاء. كذا حكى أبو عبيد في الغريب. ولا أحفظ في ذلك خلافاً لغيره.

معرفة في الطعام والشراب
[1] مسألة:
أنشد ابن قتيبة في هذا الباب لعبيد
هي الخمر تكنى الطلاء ... كما الذئب يكنى أبا جعده
(قال المفسر): هذا البيت غير صحيح الوزن، وذكر أن أبا عبيدة معمر بن المثنى هو الذي رواه هكذا. قالوا: وكان لا يقيم وزن كثير من الشعر. وقال قوم: إنما وقع الفساد فيه من قبل عبيد، لأن في شعره أشياء كثيرة خارجة عن العروض. مشهورة، تغني شهرتها عن إيرادها في هذا الموضع، وهذا هو الصحيح عندي. فأما ما ذكروا عن أبي عبيدة من أنه كنا لا يقيم وزن كثير من الشعر، فأما أظنه صحيحاً،
(2/88)

ولم يكن ليرويَ إلا ما سمع. وروى الخليل هذا البيت:
وقالوا: هي الخمر ينونها باطلا ... كما الذئب يكنى أبا جعده
وهذا صحيح على ما توجبه العروض. وذكر أن الخليل هو الذي أصلحه، وهذا يدل على أن الفساد إنما وقع في وزنه من قبل عبيد.
ولو كانت فيه رواية ثانية غير رواية أبي عبيدة لم يحتج الخليل إلى إصلاحه. وسنقول في هذا البيت عند انتهائنا إلى شرح الأبيات إن شاء الله.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والمقدى: شراب كانت الخلفاء من بني أمية تشربه بالشام. وقال أبو علي البغدادي: قال أبو بكر بن الأنباري: مقدى (بتشديد الدال والياء). وقال عن أبيه، عن أحمد بن عبيد مقد: قرية بالشام بدمشق، بالجبل المشرف على الغور. قال: وروى عن ابن قتيبة بتخفيف الدال.
(قال المفسر): مقدى بتشديد، ومقدى بتخفيفها جائزان جميعاً، فمن شدد الدال جعله منسوباً إلى مقد وهي قرية بالشام. ومن
(2/89)

خفف الدال نسبه إلى مقدية، مخففة الدال، وهو حصن بدمشق، قال عمرو بن معد يكرب في التشديد
وهم تركوا ابن كبشة مسلحبا ... وهم منعوه من شرب المقد
وقال آخر في التخفيف:
مقديا أحله الله للنا ... س شرابا وما تحل الشمول
[3] مسألة:
وقال في آخر الباب: (والنياطل: مكاييل الخمر، واحدها، ناطل.
(قال المفسر): هذا الذي قاله: قول أبي عمرو الشيباني، ولا يصح في مقاييس العربية أن يكون النياطل جمع ناطل، لأن فاعلا، إذا كان اسما، فإنما بابه أن يجمع على (فواعل)، كقولهم في قادم الرحل، وهو كالقربرس للسرج: قوادم؛ وفي حاجب العين، وحاجب الشمس: حواجب.
وقد حكى أبو عبيد في الغريب المصنف: أنه يقال: ناطل وناطل (بكسر الطاء وفتحها). وحكى ابن الأنباري عن أبية عن الطوسي
(2/90)

أنه يقال: نيطل، فيقال على هذا في جمع ناطل وناطل: نواطل. وفي جمع نيطل: نياطل ولا وجه لقول من قال: إن واحد النياطل: ناطل، إلا أن يزعم أنه من الجموع الخارجة عن القياس، وليس ينبغي أن يحمل الشيء على الشذوذ، إذا وُجد له وجه من القياس صحيح.

باب
معرفة الطعام
[1] مسألة:
قال ابن قتيبة في هذا الباب:"ومنه في المثل: لاتكن حلوا فتسترط، ولا مراً فتعقى. يقال: قد أعقى الشي: إذا اشتدت حرارته.
(قال المفسر): المعروف فتعقى (بفتح القاف) أي تمج وتطرح من الأفواه. وهو مشتق من العقوة وهي الفناء. ومعناه تطرح بالفناء لمرارتك. وتفسير ابن قتيبة يدل على سر القاف. وقد وقف عيه أبو علي فقال: هكذا قرأته، ولا معنى له عندي.
(قال المفسر): من رواه بكسر القاف، فله عندي تأويلان:
(2/91)

أحدهما: أن يكون معناه: لاتكن مراً فتصير بالعقوة لمرارتك، فيكون من باب أفعل الشيء إذا صار كذلك، أو أصابه ذلك. وقد ذكره ابن قتيبة.
والثاني: أن يكون من باب اجتزائهم يذكر السبب عن ذكر المسبب لأن المرارة هي سبب الطرح. فاكتفى بذكرها عن ذكر الطرح، فيكون كقول الشاعر، وهو جزء بن ضرار أخو الشماخ:
وأنبئت قومي أحدث الدهر فيهم ... وعهدهم بالحادثات قريب
فإن ي حقاً ما أتاني فإنهم ... كرام إذا ما النائبات تنوب
ولم يرد أنهم كرام في هذه الحال دون غيرها. وإنما المعنى، فسيصبرون لكرمهم فاكتفى بذكر الكرم الذي هو سبب الصبر، عن ذكر المسبب عنه، الذي هو الصبر.
وأنا أحسب قولهم: أعقى الشيء: إذا اشتدت مرارته راجعاً إلى هذا المعنى، لأن شدة مرارته سبب لأن يطرح بالعقوة. وكلام العرب أكثره مجاز وإشارة إلى المعاني. لذلك غمض كثير منه على من لم يتمهر فيه.
ويجوز أن يكون مشتقاً من العقى: وهو ما يخرج من بطن المولود. فيكون معنى تعقى على هذا تستقذر، فتصير كالعقى فافهم.
(2/92)

فروق في الأرواث
قال في هذا الباب "نحو السبع وجعره".
(قال المفسر): تخصيصه النجو هاهنا بأنه: للسبع غلط، وتناقض منه، لأنه قد قال في آخر باب تأويل كلام من كلام الناس. يستعمل، عند تكلمه في الاستنجاء إن النجو يكون من الإنسان.
وكذلك قال: إن حلقة الدبر تحتمل أن تسمى جاعرة لأنها تجعر أي تخرج الجعر ولم يخص سبعاً من غيره. وقد رُوى أن دغة التي يضرب بها المثل في الحمق، فيقال: أحمق من دغة، أصابها الطلق، وهو وجع الولادة، فظنته غائطاً، فنهضت لتحدث، فولدت فلما صاح المولود، فزعت، فأتت ضرتها، وقالت: يا هنتاه! هل يفتح الجعر فاه. قالت: نعم، ويدعو أباه. وعلمت أنها ولدت، فنهضت إلى المولود، فأخذته.
جحرة السباع ومواضع الطير
قال ابن قتيبة في هذا الباب: (يقال: لجحر الضبع: وجار،
(2/93)

ولجحر الثعلب والأرنب مكأ مقصور، ومكؤ".
(قال المفسر): قد يكون المكؤ والمكا، للحيات، أنشد أبو حاتم:
وكم دون بيتك من مهمه ... ومن حنش جاحر في مكا
وقال صاحب كتاب العين: المكو والمكا: مجثم الأرنب والثعلب ونحوهما.

فروق في أسماء الجماعات
[1] مسألة:
أنشد في هذا الباب لجرير:
أعطوا هنيدة يحدوه ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف
ثم قال بإثر البيت: السرف: الخطأ.
(قال المفسر): يريد أن السرف الذي يراد به الإكثار
(2/94)

والإفراط، لا يصلح هاهنا، لأن الممدوح لا يمدح بأنه لا يكثر العطاء، وإنما يمدح بأنه يكثر ويفرط. ولذلك يشبه الشعراء الممدوح بالبحر والمطر، ألا ترى إلى قول حبيب:
له خلق نهى القرآن عنه ... وذاك عطاؤه السرف البدار
فلما استحال أن يحمل البيت على هذا، حمل على أنه أراد السرف الذي معناه الخطأ، ومعناه على هذا أنهم لا يخطئون فيضعون النعمة في غير موضعها، وهذا نحو قول الآخر:
إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى تصيب بها طريق المصنع
وذهب يعقوب إلى أن السرف في هذا البيت بمعنى الإغفال. وحكى أن إعرابيا واعد قوما في موضع، ثم أخلفهم، فلاموه على ذلك، فقال: مررت بكم فسرفتكم. وهذا نحو مما قال ابن قتيبة فمعناه على قول يعقوب أنهم لا يغفلون أمر من قصدهم، وعول على جودهم.
وأما أبو حاتم فتأول بيت جرير على السرف الذي هو الإكثار، وقال: معناه أنهم لا يستكثرون ما يهبون، ولكنهم يرونه قليلاً. فتقديره
(2/95)

على قوله: ما في عطائهم منٌ ولا سرف عندهم، أو في اعتقادهم، ونحو ذلك، ثم حذف.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "الفئام: جماعة الناس"
(قال المفسر): كذا رويناه عن أبي علي بالهمز. وحكاه أبو بكر ابن دريد بغير همز، وذلك وقع في كتاب العين غير مهموز. وقد يقال فِيام وفَيام (بالكسر والفتح).
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والركب أصحاب الإبل، وهم العشرة ونحو ذلك".
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة، قد قاله غير واحد من اللغويين.
وحى يعقوب أن عمارة بن عقيل قال: لا أقول راكب إلا لراكب البعير خاصة. وأقول: فارس وبغال وحمار. ويقوى هذا الذي قاله، قول قريط العنبري.
ليت لي بهم قوماً إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانا ووحدانا
(2/96)

والقياس يوجب أن هذا غلط، والسماع يعضد ذلك. ولو قالوا؛ إن هذا هو الكثر في الاستعمال لكان لقولهم وجه. وأما القطع على أنه لا يقال راكب ولا ركب إلا لأصحاب الإبل خاصة، فغير صحيح، لأنه لا خلاف بين اللغويين في أنه يقال: ركبت الفرس وربت البغل وركبت الحمار. واسم الفاعل من ذلك راكب. وإذا كثرت الفعل قلت ركاب وركوب. وقد قال الله تعالى: "والخيل والبغال والحمير لتركبوها" فأوقع الركوب على الجميع، وقال امرؤ القيس:
إذا ركبوا الخيل واستلأمو ... تحرقت الأرض واليوم قر
وقال زيد الخيل لطائي:
وتركب يوم الروع فيها فوارس ... بصيرون في طعن الأباهر والكلى
وقال ربيعة بن مقروم الضبي:
فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
وهذا كثير في اشعر وغيره. وقد قال الله تعالى (فرجالاً أو ركباناً)
(2/97)

وهذا اللفظ لا يدل على تخصيص شيء من شيء، بل اقترانه بقوله: فرجالاً يدل على أنه يقع على لك ما يُقل على الأرض. ونحوه قول الراجز:
بنيتة بعصبة من ماليا ... أخشى ركيباً أو رجيلاً عادياً
فجعل الركب ضد الرجل. وضد الرجل يدخل فيه راكب الفرس وراكب الجمل وغيرهما. وقول ابن قتيبة أيضاً: إن الركب: العشرة ونحو ذلك غلط آخر، لأن الله تعالى قال: "والركب أسفل منكم" يعني مشركي قريش يوم بدر، وكانوا تسع مائة، وبضعة وخمسين، والي قاله يعقوب في الركب هوا لعشرة فما فوقها، وهذا صحيح، وأظن أن ابن قتيبة أراد ذلك فغلط في النقل.
معرفة في الآلات
[1] مسألة:
قال ابن قتيبة في هذا الباب: (الذواوع: زقاق الخمر ولم أسمع لها بواحد) ز
(قال المفسر): حكى أبو علي البغدادي عن أبي بكر بن الأنباري أن واحدها ذارع. وأنشد غيره لعبد بني الحسحاس:
(2/98)

سلافة دن لا سلافة ذارع ... إذا صب منه في الزجاجة أزبدا
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: (يقال نصاب السكين والمدية، وجزأة الإشفي والمخصف).
(قال المفسر): ذكر صاحب كتاب العين أن الجزأة تكون للسكين. وحكى جزأت السكين وأجزأتها. وذكر مثل ذلك أبو عمر المطرز وقال: يقال: للسين المجزأة. وقد ذكرناها في الكتاب الأول، والنصاب أيضاً يستعمل في أصل كل شيء.
وقد قال ابن قتيبة في باب السيف: (والسيلان من السكين والسيف جميعاً: الحديدة التي تدخل في النصاب). فجعل النصاب للسيف أيضاً. وأنشد أبو العباس المبرد.
أقول لثور وهو يحلق لمتى ... بعقفاء مردود عليها نصابها
يعني الموسى.
(2/99)

[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: (والكر: الحبل يصعد به على النخل، ولا يكون كرا إلا كذلك).
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة قد قال مثله أبو عبيد. وقال صاحب كتاب العين: الكر: الحبل الغليظ ولم يخص حبلاً من حبل. وقد قال العجاج يصف سفينة:
لأيا ينائيها عن الجئور ... جذب الصراريين بالكرور
وينائيها: يباعدها ويصرفها. والجئور: الجور عن طريقها.
معرفة في اللباس والثياب
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: (حسر عن رأسه، وسفر عن وجهه، وكشف عن رجليه).
(قال المفسر): كلامه هذا يوهم من يسمعه، أن الحسر لا يستعمل إلا في الرأس، وقد قال في باب المصادر المختلفة عن الصدر
(2/100)

الواحد: حسر عن ذراعيه. وقد قال في الباب الذي بعد هذا الباب (فإن لم يكن عليه درع فهو حاسر). وهذا كله تخليط وقلة تثقيف للكلام. وكذلك الكشف لا يخص الرجلين دون غيرهما من الأعضاء. وكل شيء نُزع عنه ما عليه فقد كشف. وهذا الذي قاله، قد قاله غيره، ولكن كان يجب له ألا يتشاغل به.
فأما السفر والسفور، فلا أعلمه مستعملاً في شيء من الأعضاء سوى الوجه: فأما من غير الأعضاء، فإنه مستعمل في كل شيء. قال العجاج
سفر الشمال الزبرج المزبرجا
والزبرج: السحاب الذي تحمله الريح. وقال ابن دريد لا يقال له زبرج حتى يكون فيه حمرة.
معرفة في السلاح
قال في هذا الباب: (ويقال عصيت بالسيف فأنا أعصى به:
(2/101)

إذا ضربت به، وعصوت بالعصا، فأنا أعصو: إذا ضربت بها. والأصل في السيف مأخوذ من العصا، ففرقوا بينهما).
(قال المفسر): هذا الذي ذكره، قد ذكره غيره، وهو المشهور. وحكى الخليل: عصى بسيفه: إذا ضرب به ضربه بالعصا. ولغة أخرى: عصا به يعصو. وحكى نحو ذلك الكساني ويقال أيضاً: اعتصى يعتصي، قال الشاعر:
ولكننا نأبى الظلام ونعتصي ... بكل رقيق الشفرتين مصمم
معرفة في الطير
قال في هذا الباب: (القارية والقواري: جمعها، وهي طير خضر تتيمن بها الأعراب).
(قال المفسر): العرب تتيمن بالقواري، وتتشاءم بها. أما تيمنهم بها، فلأنها تبشر بالمطر، إذا جاءت وفي السماء مخيلة غيث، ولذلك قال النابغة الجعدي:
فلا زال يسقيها ويسقى بلادها ... من المزن رجاف يسوق القواريا
(2/102)

وأما تشاؤمهم بها فإنه يكون إذا لقي أحدهم واحدة منها في سفره من غير غيم ولا مطر. قال الشاعر:
أمن ترجيع قارية تركتم ... سباياكم وأبتم بالعناق
يوبخ قوما غزوا فغنموا. فلما انصرفوا غانمين، سمعوا صوت قارية، فتركوا غنيمتهم وفروا.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الوطواط: الخطاف، وجمعه: وطاوط.
(قال المفسر): قد ذكر الخليل نحو ما ذكره ابن قتيبة. وأما أبو حاتم فقال في كتاب الطير: الواطواط: الخفاش. قال: وقال بعضهم: الخفاش الصغير. والوطواط: العيم.
معرفة
في الهوام والذباب وصغار الطير
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "الحرباء: أبكر من العظاءة شيئاً. يستقبل الشمس ويدور معها كيف دات، ويتلون ألوانا بحر الشمس".
(2/103)

(قال المفسر): هذا الذي ذكره هاهنا، هو المشهور من أمر الحرباء: وقد ذكر في باب ذكور ما شهر منه الإناث، أن "الحرباء ذكر أمحبين". وذكر في هذا الباب أن حبين: ضرب من العظاء، منتنة الريح. وذكر غيره - وأحسبه كراعا - أن أم حبين دويبة لها أجنحة مختلفة الألوان، تدخلها تحت قشرتين، فيجتمع إليها الصبيان إذا وجدوها، ويقولون:
أم حبين انشرى برديك ... إن الأمير ناظر إليك
وضارب بالسوط منكبيك
فإن ألحوا عليها نشرت أجنحتها.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والحلكاء (بفتح الحاء والمد): ذويبة تغوص في الرملن كما يغوص طائر الماء في الماء".
(قال المفسر): لم يعرف أبو علي البغدادي الحلكاء، بفتح الحاء والمد" وحكى في الممدود والمقصور: والحلكى بضم الحاء وتشديد
(2/104)

اللام وفتحها، والقصر، شحمة الأرض، نغوص في الرمل، كما يعوص طائر الماء في الماء، حكاها عن أبي الدقيش الأعرابي.
[3] مسألة:
قال في هذا الباب: (والدلدل: عظيم القنافذ، وهو الشيهم أيضاً).
(قال المفسر) قد ذكر في باب ما شهر منه افناث، أن الشيهم، ذكر القنافذ، وكذا في كتاب العين.
معرفة في الحية والعقرب
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: (رزباني العقرب: قرناها).
(قال المفسر): هذا الكلام يوهم من سمعه أن قرني العقرب جميعاً يقال لهما زباني. وإنما الزباني أحد قرني العقرب وهو اسم مفرد مبني على (فعالى) مقصورة، كقولهم: جمادى وحبارى. فإذا أردت قرنيها جميعاً قلت: زبانيان. وكذلك الزبانيان من النجوم. إنما هو كوكبان مفترقان، بينهما أكبر من قامة الرجل في رؤية العين ويسميهما أهل الشام: يدي العقرب واحدها زباني، ويقال زباني الصيف، لأن سقوطها في زمن تحرك الحر، قال ذو الرمة.
(2/105)

قد زفرت للزباني من بوارحها ... هيف أنشت بها الأصناع والخبار
وقال أيضاً يصف ريحاً:"
حدتها زباني الصيف حتى كأنما ... تمد بأعناق الجمال الهوازم
وكان الواجب أن يقول: زباني العقرب: قرنها. أو يقول: زبانيا العقرب: قرناها، فيوقع الإفراد مع الإفراد، والتثنية مع التثنية.
الأسماء المتقاربة في اللفظ والمعنى
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "النضخ أكثر من النضح. ولا يقال من النضخ فعلت".
(قال المفسر): هذا الذي قاله، قول كثير من اللغويين. وقد حكى صاحب كتاب العين، نضح ثوبه بالطيب. وقد حكى أبو عبيد
(2/106)

في الغريب عن أبي زيد: نضحت عليه الماء أنضح بالخاء غير معجمة. ونضخ عليه الماء ينضخ بالخاء المعجمة. واختار ما ذكر ابن قتيبة، وقد قال الله تعالى: (فيهما عينان نضاختان). فعال: من أبنية المبالغة، ولا يبنى إلا من فعل.
وقد اختلف في النضح والنضخ، فقيل: النضح بالحاء غير معجمة: ما كان رشا خفيفا، والنضخ بالخاء معجمة: ما كثر حتى يبل. وقيل النضح بالحاء غير معجمة في كل شيء رقيق كالماء ونحوه. والنضخ بالخاء معجمة: في كل شيء ثخين نحو العسل والرب.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "الخضم بالفم، والقضم بأطراف الأسنان".
(2/107)

المفسر): قد قيل إن الخضم: أكل الرطب، وأن أكل اليابس.
وذكر ابن جني - رحمه الله- أن العرب اختصت اليابس بالقاف. والرطب بالخاء، لأن في القاف شدة، وفي الخاء رخاوة، وذكر أشياء من هذا النحو مما حاكت فيه العرب المعاني بالألفاظ.
ولعمري إن العرب ربما حاكت المعنى باللفظ الذي هو عبارة عنه في بعض المواضع، ويوجد ذلك تارة في صفة الكلمة، وتارة في إعرابها. فأما في الصفة فقولهم للعظيم اللحية: لحياني. وكان القياس أن يقول: لحيي. وللعظيم الرقبة: رقباني. والقياس رقبي. وللعظيم الجمة: جماني. والقياس جمي. فزادوا في الألفاظ على ما كان ينبغي أن يكون عليه، كما زادت المعاني الواقعة على نظائرها. وكذلك يقولون: صر الجندب: إذا صوت صوتاً لا تكرير فيه. فإذا كرر الصوت قالوا: صرصر.
وأما محاكاتهم المعاني بإعراب الكلمة دون صيغها، فإنا وجدناهم يقولون: صعد زيد الجبل، وضرب زيد بكراً. فيرفعون اللف، كما ارتفع المعنى الواقع تحته، ولكن هذا قياس غير مطرد. ألا تراهم قالوا: أسد وعنكبوت، فجعلوا اللفظين مخالفين للمعنيين. وقالوا: زيد مضروب، فرفعوه لفظاً، وهو منصوب معنى.
وقالوا: مات زيد، وأمات الله زيداً، وأحدهما فاعل على الحقيقة،
(2/108)

والآخر فاعل على المجاز. فإذا كان الأمر على هذا السبيل، كان التشاغل بما تشاغل به ابن جني عناء لا فائدة فيه.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الرجز: العذاب. والرجس: الفتن).
(قال المفسر): هذا قول الكسائي: وكثير من اللغويين. وقال أبو الحسن الأخفش: الرجز: هو الرجس بعينه. والذي حكى ابن قتيبة هو الوجه.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: (الغلط في الكلام. فإن كان في الحساب فهو غلت).
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو الأشهر. وقد جاء الغلط في الحساب.
والوجه في هذا أن يقال: إن الغلط عام في كل شيء أخطأ افنسان وجهه، عن غير تعمد منه ولا قصد، والغلت في الحساب وحده.
ويروى أن أعرابياً دخل على المساور بن هند يسأله، فتشاغل عنه، ثم سعل وضرط، وكره أن يسمع الأعرابي ضرطته فجذب السفط، وقال لكاتبه: غلطنا في حساب الخراج، فأعده، ليوهم الأعرابي
(2/109)

أن الصوت الذي سمع إنما كان صوت السفط، فخرج الأعرابي وقال:
أتيت المساور في حاجة ... فما زال يسعل حتى ضرط
وحك قفاه بكرسوعه ... ومسح عثنونه وامتخط
وقال غلطا حساب الخراج ... فقلت من الضرط جاء الغلط
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: (رجل صنع: إذا كان بعمده حاذقاً. وامرأة صناع، ولا يقال للرجل صناع).
(قال المفسر): قد حكى أبو عبيد: رجل صناع، وامرأة صناع، مثل فرس جواد: للذكر والأنثى. ويقال: هو صنع اليدين، بكسر الصاد، وسكون النون، قال الشاعر:
ورجا موادعتي وأيقن أنني ... صنع اليدين بحيث يكوى الأصيد
(2/110)

باب
نوادر من الكلام المشتبه
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: (التقريظ: مدح الرجل حيا والتأبين: مدحه ميتاً).
(قال المفسر): قد جاء التأبين في مدح الرجل حيا، إلا أنه قليل لا يكاد يعرف، أنشد يعقوب للراعي:
فرفع أصحابي المطي وأبنوا ... هنيدة فاشتاق العيون اللوامح
[2] مسألة:
إن قال قائل: كيف سم ما ضمنه هذا الباب نوادر، والنوادر: هي الشواذ عن الاستعمال، وجمهور ما ضمنه هذا الباب ألفاظ معروفة مستعملة؟
فالجواب: أنه لم يذهب بتسميتها نوادر إلى ما ذهبت إليه، وإنما أراد أنها ألفاظ متفرقة من أبواب شتى، لم تنحصر كل لفظة منها مع ما يشاكلها تحت باب، كما انحصرت الألفاظ، التي ذكرها في سائر الأبواب. وكل شيء فارق نظيره وتحيز عنه بجهة ينفرد بها، فقد ندر عنه. ومنه قيل: ندرت النواة من تحت الحجر: إذا طارت، ففارقت أخواتها.
(2/111)

[2] مسألة.
وقال في هذا الباب: (دوم الطائر في الهواء: إذا حلق واستدار في طيرانه. ودرى السبع في الأرض: إذا ذهب).
(قال المفسر): هذا الذي ذكره قول الأصمعي، وأجاز غيره دوم في الأرض وهو صحيح، ومنه اشتقت الدوامة، وكل شيء استدار في هواء كان أو أرضن فهو دائم ومدوم. وفي الحديث: كره البول في الماء الدائم، وقال ذو الرمة:
حتى إذا دومت في الأرض أدركه ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب
وقال أيضاً:
يدوم رقراق السراب برأسه ... كما دومت في الخيط فلكة مغزل
وقال جريز:
عوى الشعراء بعضهم لبعض ... على فقد أصابهم انتقام
إذا أرسلت صاعقة عليهم ... رأوا أخرى تحرق فاستداموا
(2/112)

وكان الأصمعي يزعم أن ذا الرمة أخطأ في قوله: (مؤمت في الأرض" وأن الصواب إنما هو قول:
معروريا رمض الرضراض بركضه ... والشمس حيرى لها في الجو تدويم
وكان مولعا بالطعن على ذي الرمة
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب عن يونس: (إذا غلب الشاعر فهو: مغلب. وإذا غلب قيل: غلب).
(قال المفسر): القياس يوجب أنيقال: مغلب فيهما جميعاً غير أن السماع ورد مخالفاً للقياس، فاستعمل من احدهما الفعل، ولم يستعمل الاسم: كما لم يستعملوا اسم فاعل من عسى وليس ونحوهما واستعمل من الثاني الاسم ولم يستعمل الفعل.
كما قالوا رجل مدرهم: إذا كان كثير الدرهم، ولم يقولوا: درهم. وقالوا: رجل رامح ودارع وتامر، ولا فعل لشيء من ذلك. وهذا مما خرج مخرج النسب. ولم يجر على الفعل غير أن فيه شذوذا، عن المنسوب من هذا الباب. لأن قياس المنسوب أن يجيء المفعول منه على صيغة لفظ الفاعل، ألا تراهم قالوا: عيشة راضية ومعناها مرضية، وماء دافق، ومعناه مدفوق.
(2/113)

وإنما لزم أن يجيء المفعول من هذا الباب على صيغة لفظ الفاعل، لأن الفعل ينسب غليه، كنسبته إلى الفاعل. فيقال: رجل ذو رضا، وعيشة ذات رضا ورجل ذو دفق للماء، وماء ذو دفق. فلما تساويا في نسبة الفعل إلى كل واحد منهما على صورة واحدة، وجب أن تكون صيغة اسميهما واحدة.
ونظير تساوى الفاعل والمفعول في الاسم المصوغ لهما يساويهما في نسبة الفعل إليهما، تساويهما في الإعراب، حين تساويا في إسناد الحديث إليهما. فقالوا: ضُرب زيد، فرفعوه وهو مفعول، حين حدثوا عنه كما تحدث عن الفاعل. وكذلك مات زيد، وضرب الضرب، والضرب لا يُضرب، وعلى هذا المجرى كلام العرب. قال علقمة
فظل الأكف يختلفن بحانذ ... إلى جؤجؤ مثل المداك المخضب
يريد اللحم المحنوذ (وهو المشوى) وقال آخر:
لقد عيل الأيتام طعنة ناشره ... أناشر لا زالت يمينك آشره
أي مأشورة. وقد حكى الهروي في الغريبين أنه يقال: مغلب فيهما جميعاً، وهذا موافق للقياس، ومخالف لما زعمه يونس.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: (بات فلان يفعل كذا وكذا: إذا فعله
(2/114)

ليلا: وظل يفعل كذا وكذا: إذا فعله نهاراً).
(قال المفسر): قد قال هذا كثير من اللغويين، وليس بصحيح عند التأمل. وإنما ينبغي أن يُقال: إن ظل أكثر ما يستعمل بالنهار. وأما القطع على أنه لا يستعمل إلا بالنهار، فدعوى مفتقره إلى دليل، وقد وجدنا ظل مستعملاً في أمور لا تختص نهاراً دون ليل. فمنها قوله تعالى (فظلتم تفكهون). وقوله: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) فهذا لا يختص وقتاً دون وقت، وكذلك قول مسكين الدرامي.
وفتيان صدق لست مطلع بعضهم ... على سر بعض غير أني جماعها
يظلون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
وقال رؤبة:
ظل يقاسي أمره أمبرمه ... أعصمه أم السحيل أعصمه
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: (لا يقال راكب إلا لراكب البعير خاصة).
(قال المفسر؛ قد تقدم الكلام على هذا في باب أسماء الجماعات، فأغنى عن إعادته هاهنا.
(2/115)

[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: (برك البعير، وربضت الشاة، وجثم الطائر).
(قال المفسر): قد استعمل البروك في غير البعير، والربوض في غير الشاة، والجثوم في غير الطائر.
ويروى عن رجل من العرب كان يلقب البُرك: أنه قال: في بعض حروبهم: أبا البرك، أبرك حيث أدرك.
وقال أبو حاتم في كتاب الفرق: وقالوا في البعير والنعامة: برك بروكا. وفي الحافر وفي الظلف والسباع: ربض يربض ربوضاً.
وقال أبو عبيدة: جثم البعير. وقال أبو حاتم في كتاب الفرق: ويقال: جثم الإنسان وغيره، وجثا، وأنشد لرؤية يصف صقرا:
كرز يلقي ريشه حتى جثم
وأنشد غيره لتأبط شراً:
نهضت إليها من جثوم كأنها ... عجوز عليها هدبل ذات خيعل
وقال زهير:
بها العين والأرام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب: (يقال: حششت البعير وخزمته وأبريته. هذه وحدها بألف).
(2/116)

(قال المفسر: قد قيل: بروت الناقة وأبريتها، وهما لغتان.
[8] مسألة:
وقال في آخر هذا الباب (ولا يقال: عقور إلا للحيوان).
(قال المفسر): كذا قال يعقوب، وهو غير صحيح، لأنه قد جاء عقور في غير الحيوان، قال الأخطل:
ولا يبقى على الأيام إلا ... بنات الدهر والكلم العقور
يعني الهجاء. وقال بعض بني زبيد يصف ناقة
أحلنا بالعقور على مطاها ... ولم تحفل بتأثير العقور
قيل: أراد بالعقور: السوط، وقيل الرجل، وهو الصحيح.

باب
تسمية المتضادين باسم واحد
قال في هذا الباب (يبادر الجونة أن تغيبا)
يعني الشمس.
(قال المفسر): هذا غلط، وإنما الشعر:
يبادر الآثار أن تثوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
(2/117)

كالذئب يتلو طمعاً قريبا
وسنذكر هذا الرجز في شرح الأبيات إن شاء الله تعالى.
وقوم من النحويين ينكرون هذا الباب، ويقولون: لا يجوز أن يسمى المتضادان باسم واحد، لأن ذلك نقض للحكمة. ولهم في ذلك كلام طويل كرهت ذكره، لأنه لا فائدة في التشاغل به.

باب
ما تغير فيه ألف الوصل
وقع في النسخ (تغير) بفتح الياء، وهو غلط، والصواب كسر الياء، لأن ألف الوصل في هذا الباب هي المغيرة لما بعدها. ألا ترى أنها إذا وقعت بعدها همزة، قلبت ياء، استثقالاً لاجتماع همزتين، نحو إيت فلانا. وإذا وقعت بعدها واو، وقلبت ياء، لانكسار ما قبلها، نحو إيجل. فإن قيل فلعله إنما أراد بتغييرها سقوطها إذا وقعت قبلها الواو والفاء أوثم ونحو ذلك. قيل: هذا شيء لا يخص هذا الباب دون غيره، فلا معنى لتخصيص هذا الباب بذلك.
وذكر في هذا الباب (فأيسر وأيسر، من الميسر).
ولا وجه لذكر ذلك هنا لأن الياء فيه لا تغيرها ألف الوصل كما تغير الهمزة والواو، فذكرها فضل لا يحتاج إليه.
(2/118)

باب
(ما) إذا اتصلت
[1] مسألة:
قال في هذا الباب. (وقد كتبت في المصحف وهي اسم، مقطوعة وموصولة. كتبوا (إن ما توعدون لآت) مقطوعة. وكتبوا (إنما صنعوا كيد ساحر) موصولة وكلاهما بمعنى الاسم).
(قال المفسر): إنما تكون (ما) اسماً في قراءة من قرأ (كيد ساحر) بالرفع. وأما من نصب كيد ساحر. فما في قراءته صلة. فكأن الذي كتب المصحف إنما كتبه على قراءة من نصب، فلذلك وصلها.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: (وتكتب: أينما كنت فافعل كذا، وأينما تكونوا يدركم الموت). ونحن نأتيك أينما تكون: موصولة، لأنها في هذا الموضع صلة، وُصلت بها أين. ولأنه قد يحدث باتصالها معنى لم يكن في أين قبل، ألا ترى أنك تقول: أين تكون نكون، فترفع. فإذا أدخلت (ما) على أين قلت: أينما تكن. فتجزم).
(2/119)

(قال المفسر): هذا الكلام يُوهم من يسمعه أن (أين) لا تكون شرطاً حتى توصل بما، وذلك غير صحيح، لأنها تكون شرطاً وإن لم تصل بما. قال الشاعر:
أين نضرب بنا العداة تجدنا ... نصرف العيس نحوها للتلاقي
وليس في أدوات الشرط ما يلزمه (ما) إلا (إذ ما) و (حيثما) خاصة.

باب
(من) إذا اتصلت
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: (وتكتب فيمن رغبت فتصل للاستفهام. وتكتب: كن راغباً في من رغبت إليه، مقطوعة، لأنها اسم).
وقال أيضاً: فأما مع من، فإنها مفصولة إذا كانت استفهاماً أو اسما. تقول: مع من أنت؟ وكن مع من أحببت).
(قال المفسر): هذا عبارة فاسدة توهم من يسمعها أن (من) إنما تكون اسماً إذا كانت بمعنى الذي وأنها إذا كانت استفهاماً لم تكن اسماً، وهي اسم في كلا الموضعين. وإنما كان الصواب أن يقول مقطوعة لأنها خبر. أو يقول: إذا كانت خبراً أو استفهاماً، حتى يصح كلامه ويسلم من الخلل.
(2/120)

[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: (وكل من: مقطوعة في كل حال وأما 0 ممن ومما) فموصولتان أبدا).
(قال المفسر): هذا تناقض منه، لأنه قد قال في صدر الباب: تكتب فيمن ترغب؟ فتصل للاستفهام. وإنما أتى هذا من سوء العبارة.
وكان الصواب أن يقول: وكل (مَنْ) إذا كانت خبراً غير استفهام فهي مقطوعة أبداً، إلا ممن وعمن، فإنهما موصولتان، وإن كانتا لغير الاستفهام من أجل الادغام. وإن كان أراد أن هذه الكلمة التي هي (كل) إذا أضيفت إلى (مَنْ) فهي مقطوعة، فهو كلام صحيح، لا اعتراض فيه. وأظنه هذا أراد.

باب
(لا) إذا اتصلت
قال في هذا الباب: (تكتب أردت ألا تفعل ذاك، وأحببت ألا تقول ذاك. ولا تظهر (أن) ما كانت عاملة في الفعل. فإذا لم تكن عاملة في الفعل، أظهرت أن، نحو علمت ألا تقول ذاك وتيقنت ألا تذهب).
(قال المفسر): في هذا الفصل ثلاثة أقوال للنحويين. أحدها: الذي قاله ابن قتيبة. والثاني: أنها تظهر إذا أدغمت في اللام بغنة ولا تظهر إذا أدغمت بغير غنة. وهذا القول ينسب إلى الخليل.
(2/121)

والقول الثالث: أنها تكتب منفصلة على كل حال. والذي ذكره ابن قتيبة أحسن الأقوال. غير أنه يحتاج إلى زيادة في البيان، ليعلم الموضع الذي يلزم فيه نصب الفعل، والموضع الذي يرفع فيه، وحينئذ يبين الموضع الذي يظهر فيه (أن) والموضع الذي لا يظهر فيه.
* * *
أعلم أن (أن) المشددة وضعت للعمل في الأسماء، وأن المخففة وضعت للعمل في الأفعال المستقبلة. فما دامتا على أصل وضعهما، فلا لبس بينهما، لأن أحداهما مشددة - والثانية مخففة، وإحداهما تعمل في السماء، والثانية في الأفعال.
ثم إن المشددة يعرض لها في بعض المواضع التخفيف، وإضمار اسمها، فلا يظهر في اللفظ، ويعرض لها عند ذلك أن يليها الفعل، كما يلي المخففة في أصل وضعها، فيقع اللبس بينهما، فيحتاجان إلى ما يفصل بينهما، والفصل بينهما يكون من وجهين:
أحدهما: أن المخففة من الشديدة تقع قبلها الأفعال المحققة، نحو علمت، وأيقنت، وتحققت، والناصبة للفعل تقع قبلها الأفعال التي ليست محققة، نحو رجوت وأردت وطمعت.
والوجه الثاني: أن المخففة من المشددة يلزمها العوض من المحذوف منها، والعوض أربعة أشياء: السين، وسوف، وقد، ولا، التي للنفي، كقولك: حلمت أن سيقوم، وأيقنت أن سوف يخرج، وتحققت أن قد ذهب. وما يعترضني شك في أن لا يفعل. وإنما لزم وقوع الأفعال المحققة قبل المخففة من المشددة، والأفعال غير المحققة
(2/122)

قبل الناصبة للفعل، لأن (أن) المشددة إنما دخلت في الكلام لتحقيق الجمل وتأكيدها. فوجب أن يقع قبلها ل فعل محقق، لأنه مشاكل لها، ومطابق لمعناها.
ولما كانت (أن) الناصبة للفعل، إنما وضعت لنصب الأفعال المستقبلة، والفعل المستقبل ممكن أن يكون، وممكن أن لا يكون، وجب أن يقع قبلها كل فعل غير محقق، لأنه موافق لمعناها، فإذا وقع قبلها الظن والحسبان، جاز أن تكون المخففة من الشديدة، وجاز أن تكون الناصبة للفعل، لأن الظن خاطر يخطر بالنفس، فيقوى تارة، ويضعف تارة. فإذا قوى وكثرت شواهده ودلائله، صار كالعلم، ولذلك استعملت العرب الظن بمعنى العلم.
وإنما قلنا: إن إظهار (أن) في الخط إذا كانت مخففة من المشددة، وترك إظهار غير المخففة هو القياس، لأن سبيل ما يدغم في نظيره أو مقاربه ألا يكون بينه وبين ما يدغم فيه حاجز، من حركة ولا حرف، لأنه إذا كان بينه وبينه حاجز، بطل الإدغام. ولذلك لزم ألا يدغم شيء في مثله أو مقاربه، حتى تسلب عنه حركته، لأن الحركة تحول بينهما إذا كانت رتبة الحركة (أن) بعد الحرف.
فلما كان اسم (أن) المخففة من الشديدة مضمراً بعدها، مقدراً معها، صار حاجزاً بينها وبين (لا)، فبطل إدغام النون من (أن) في لام (لا) لأجل ذلك.
ولما كانت (أن) الناصبة للأفعال ليس بعدها شيء مضمر، باشرت النون لام (لا) مباشرة المثل للمثل، والمقارب للمقارب. فوجب إدغامها فيها، فانقلبت إلى لفظها، فلم يجز ذلك ظهورها في الخط.
(2/123)

باب
من الهجاء
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "تكتب "إذا" بالألف، ولا تكتب بالنون، لأن الوقوف عليها بالألف، وهي تشبه النون الخفيفة في مثل قول الله تعالى: (لنسفعاً بالناصية). و (ليكونا من الصاغرين). إذا أنت وقفت، وقفت على الألف، وإذا وصلت، وصلت بنون.
وقال الفراء: ينبغي لمن نصب بإذن الفعل المستقبل، أن يكتبها بالنون، فإذا توسطت الكلام فكانت لغواً كتبت بالألف.
قال ابن قتيبة: وأحب إليّ أن تكتبها بالألف في كل حال، لأن الوقوف عليها بالألف في كل حال".
(قال المفسر): قد اختلف الناس في (إذن) كيف ينبغي أن تكتب، فرأى بعضهم أن تكتب بالنون على كل حال، وهو رأي أبي العباس المبرد. ورأى قوم أن تكتب بالألف على كل حال، وهو رأي المازني. ورأى الفراء أن تكتب بالنون إذا كانت عاملة، وبالألف إذا كانت ملغاة.
وأحسن الأقوال فيها قول المبرد. لأن نون (إذن) ليست بمنزلة التنوين، ولا بمنزلة النون الخفيفة، فتُجرى مجراهما في قلبها ألفاً. إنما هي أصل
(2/124)

من نفس الكلمة، ولأنها إذا كتبت بالألف أشبهت (إذاً) التي هي ظرف، فوقع اللبس بينهما. ونحن نجد الكتاب قد زادوا في كلمات ما ليس فيها، وحذفوا من بعضها ما هوا لفرق بينها وبين ما يلتبس بها في الخط، فكيف يجوز أن تكتب (إذا) بالألف، وذلك مؤد إلى الالتباس بإذا.
وقد اضطربت آراء الكتاب والنحويين في الهجاء، ولم يلتزموا فيه القياس، فزادوا في مواضع حروفاً خشية اللبس، نحو واو عمرو، وياء أوخى وألف مائة وحذفوا في مواضع ما هو في نفس الكلمة، نحو خالد ومالك، فأوقعوا اللمس بما فعلوه، لأن الألف إذا حذفت من خالد صار (خلداً)، وإذا حذفت من مالك، صار (ملكاً)، وجعلوا كثيراً من الحروف على صورة واحدة، كالدال والذال، والجيم والحاء والخاء، وعولوا على النقط في الفرق بينها، فكان ذلك سبباً للتصحيف الواقع في الكلام. ولو جعلوا لكل حرف صورة لا تشبه صورة صاحبه، كما فعل سائر الأمم، لكان أوضح للمعاني وأقل للالتباس والتصحيف. لذلك صار التصحيف للسان العربي أكثر منه في سائر الألسنة.
[2] مسألة:
وقال في آخر هذا الباب: "وتكتب: فرأيكما وفرأيكم، فإن نصبت رأيك، فعلى مذهب الإغراء، أي: فرأيك، وإن رفعت، لم ترفع على مذهب الاستفهام، ولكن على الخبر، (وكبتت،
(2/125)

[موفقاً إن أردت الرأي وموفقين، إن أردت الرجلين] وإن كتبت إلى حاضر فنصبت (فرأيك) لم يجز أن تنصب رأي الأمير، لأنه بمنزلة الغائب، ولا يجوز أن تُغرى به".
(قال المفسر): كذا وقع في النسخ وهو خطأ لأن الغائب يغرى به الحاضر، وإنما الممتنع من الجواز أن يغري الغائب بغيره. ألا ترى أنك تقول: عليك زيداً. فيجوز أن يكون زيد حاضراً وغائباً والصواب أن يقول: ولا يجوز أن يغري. وأما زيادة قوله (به) فمفسر لما أراده، ومحيل له من الصواب إلى الخطأ.
باب
الحروف التي تأتي للمعاني

هذا باب ظريف، لأنه ترجمه بباب الحروف التي تأتي للمعاني، فذكر في الباب (عسى) وهو فعل، وذكر (كلا وكلتا) وهما اسمان، وذكر فيه متى وأنى، وهما ظرفان. والظروف نوع من الأسماء وإن كانت مشتملة على غيرها. وجه العذر له في ذلك أن يقال: إنما استجاز ذكر هذه الأشياء مع الحروف لمضارعتها لها بالبناء، وعدم التصرف لأن كلا وكلتا مشبهان في انقلاب ألفهما إلى الياء مع المضمر بإلى وعلى فلما ضارعت حروف المعاني ذكرها معها.
فإن قال قائل: قد وجدنا سيبويه سمى الأفعال المتصرفة
(2/126)

والأسماء المتمكنة حروفاً في كتابه، فقال حين تكلم على بناء الفعل الماضي: وإنما لم يسكنوا آخر هذه الحروف، لأن فيها بعض ما في المضارعة تقول: هذا رجل ضربنا فتصف به النكرة. وتقول: إن فعلت، فعلت، فتكون في موضع إن تفعل أفعل.
وقال في باب ما جرى مجرى الفاعل الذي يتعدى فعله إلى مفعولين في اللف لا في المعنى: وأما قوله تعالى جده (فبما نقضهم ميثاقهم) فإنما جاء لأنه ليس (لما) معنى سوى ما كان قبل أن تجيء به إلا التوكيد، فمن ثم جاز ذلك، إذ لم ترد به أكثر من هذا، وكانا حرفين، أحدهما في الآخر عامل. ولو كان اسما أو ظرفا أو فعلاً، لم يجز يريد بالحرفين: الباء والخفض.
فالجواب: أنه لا يمتنع أن تسمى الأقسام الثلاثة التي يدور عليها الكلام حروفاً. وإنما جاز ذلك لأنها لما كانت محيطة بالكلام، صارت كحدود الشيء الحاصرة له، المحيطة به. والشيء إنما يتحدد بأطرافه ونواحيه التي هي حروف له. فجاز أن تسمى الكلم الثلاث حروفاً لهذا المعنى. وكلام ابن قتيبة لا يسوغ فيه هذا التأويل، لأنه قال: باب الحروف التي تأتي للمعاني. والنحويون لا يسمون حرف معنى إلا الأدوات الداخلة على الأسماء والأفعال المبينة لأحوالها، المتعاقبة عليها. فلذلك تأولنا كلامه على الوجه الأول، ولم نتأوله على الوجه الثاني.
(2/127)

باب
الهمزة التي تكون آخر الكلمة وما قبلها ساكن
قال: وهي إذا كانت كذلك حذفت في الخفض والرفع نحو قول الله عز وجل (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه). (لكم فيها دفء) و (ملء الأرض ذهباً). وكذلك إن كنت في موضع نصب غير منون، نحو قوله عز وجل (يخرج الخبء) فإن كانت في موضع نصب منون، ألحقتها ألفاً، نحو قولك: أخجرت خبأ وأخذت دفأ.
(قال المفسر): تفريقه بين المنصوب المنون والمنصوب غير المنون، يوهم من يسمعه أن للهمزة صورة مع المنون، وذلك غير صحيح. لأن الألف في قولك: أخرجت خبأ، وأخذت دفئاً. ليست صورة الهمزة، إنما هي الألف المبدلة من التنوين، كالتي في قولنا: ضربت زيداً.
وقد تحرز ابن قتيبة من هذا الاعتراض بعض التحرز، بقوله: ألحقتها ألفاً. ولم يقل جعلتها ألفاً.
ومما يبين لك ذلك أن الهمزة إنما تصور في معظم أحوالها بصورة الحرف الذي تنقلب إليه عند التخفيف، أو تقرب منه: فتكتب
(2/128)

لؤم الرجل بالواو، لأنك لو خففتها لجعلتها بين الهمزة والواو. وتكتب (جؤنا) بالواو، لأنك لو خففتها لكانت واواً محضة.
فلما كانت الهمزة في الخبء والدفء إذا خففت ألقيت حركتها على ما قبلها وحذفت، وكان الوقف يزيل حركتها، وجب ألا تكون لها صورة في الخط. وهذه العلة بعينها موجودة فيها إذا كانت في موضع تنوين. ألا ترى أنك إذا خففت خبئاً ودفئاً، قلت: خبا ودفا، كما نقول: الخب والدف.
فإن قال قائل: فإن من النحويين من يرى أن العلة التي من أجلها حذفت ولم يكن لها صورة في الخبء والدفء، أن الهمزة. إنما تدبرها حركة ما قبلها إذا كانت ساكنة أو حركتها في نفسها إذا كانت متحركة، إلا أن تعرض علة تمنع من أن تدبر بحركتها في نفسها فتدبر، أي تكتب حينئذ بحركة ما قبلها، مثل العلة العارضة في جؤن ومئر، لأنها لو دبرت ها هنا بحركتها في نفسها، لكانت ألفاً. ولا تصح الألف، إلا إذا انضم ما قبلها أو انكسرن فأدى ذلك إلى أن تدبر بحركة ما قبلها، فجعلت واو محضة في جؤن، وياء محضة في مئر. فما ينكر أن تكون الهمزة في الخبء والدفء لما كانت لا تثبت حركتها في الوقف، لم يجز أن تُدبر بحركتها في نفسها،
(2/129)

ولم يكن قبلها حركة ندبرها، فسقطت صورتها. ولما كانت في أخذت خبأ، ورأيت دفئاً ثابتة الحركة، لا يزيلها الوقف، وجب أن تدبر بحركتها في نفسها، فتجعل ألفان ثم اجتمعت ألفان، الألف التي هي صورة الهمزة، والألف التي هي بدل من التنوين، فحذفت إحداهما. قيل له هذا الاعتلال ممكن أن يعلل به.
ولكن لا يخلو صاحب هذا الاعتلال من أن يكون حذف الألف التي هي صورة الهمزة، أو حذف التي هي بدل من التنوين. فلا يجوز أن تحذف التي هي بدل من التنوين عند أحد علمناه. فصح ن المحذوفة هي صورة الهمزة. فقد آل الأمر في التعليلين جميعاً أن الهمزة في خبء ودفء لا صورة لها في حال النصب والتنوين، كما لم يكن لها صورة في الرفع والخفض. ومع الألف واللام. وأن الألف المرئية في الخط إنما هي المبدلة من التنوين.

باب
ما يذكر ويؤنث
قال في هذا الباب: (الموسى، قال الكسائي: هي فُعلى. وقال غيره: هو مفعل من أوسيت رأسه: إذا حلقته، وهو مذكر إذا كان مفعلاً، ومؤنث إذا كان فعلى).
(قال المفسر): كون موسى على وزن مفعل، لا يمتنع من أن تكون مؤنثة، وتكون من الأسماء التي لا علم فيها للتأنيث، كالقوس،
(2/130)

والأرض، والشمس، ونحوها. وأحسب من أنكر كونها مؤنثة إذا كانت مفعلاً، توهم أنها لو كانت مؤنثة للزم أن يكون فيها علامة تأنيث، كما تقول: امرأة مكرمة، ولا يجوز امرأة مكرم. وهذا لا يجب، لأن موسى ليست بصفة جارية على فعل، فيلزم أن تلحقها الهاء. إنما هي اسم للدلالة التي يلحق بها، وهي مشتقة من أوسيت رأسه: إذا حلقته. وقيل: هي مشتقة من أسوت الشيء: إذا أصلحته.
فأما على قول الكسائي، فيلزم أن تكون مؤنثة لا غير، لأن (فُعلى) في كلام العرب لا تكون ألفها لغير التأنيث. وتنوين العرب لها دليل على أنها لغير التأنيث، وأن ما قاله الكسائي من أن وزنها فعلى غير صحيح. وكان الكسائي يرى أنها مشتقة من ماس يميس: إذا تبختر.

باب
أوصاف المؤنث بغير هاء
قال في هذا الباب: (وما كان على (مُفعل) فيما لا يوصف به مذكر، فهو بغير هاء، نحو امرأة مرضع، ومقرب، وملبن، ومشدن، ومطفل، لأنه لا يكون هذا في المذكر. فلما لم يخافوا لبسا، حذفوا الهاء فإذا أرادوا الفعل قالوا: مرضعة ...).
(قال المفسر): هذا الذي قاله مذهب كوفي. وأما البصريون فيرون أن هذه الصفات كلها جاءت على معنى النسب، لا على الفعل.
(2/131)

والمعنى عندهم: ذات إرضاع، وذات إقراب، وذات ألبان، ونحو ذلك. ويدل على صحة قولهم، واستحالة قول الكوفيين، أنا وجدنا صفات كثيرة يشترك فيها المذكر والمؤنث بغير هاء، كقولهم رجل عاشق، وامرأة عاشق، ورجل حاسر، وامرأة حاسر، وفرس ضامر، ومهرة ضامر. فلو كانت العلة ما قالوه، للزم هذه الصفات التأنيث، قال ذو الرمة:
ولو أن لقمان الحكيم تعرضت ... لعينيه مي سافرا كاد يبرق
وقال الأعشى:
عهدي بها في الحي قد سربلت ... هيفاء مثل المهرة الضامر
وقد خلط ابن قتيبة في كتابه المتقدم بين المذهبين جميعاً، لأن قوله في صدر الكلام: "وما كان على (مفعل) مما لايوصف به المذكر، فهو بغير هاء: مذهب كوفي. وقوله في آخر اللام: "فإذا أرادوا الفعل قالوا مرضعة، مذهب بصري، لأن إثباتهم الهاء إذا أرادوا الفعل، دليل على أن حذفهم إياها بناء للصفة على غير الفعل، وهذا رجوع إلى قول البصريين.
(2/132)

باب
المستعمل في الكتب والألفاظ
من الحروف المقصورة
ذكر في هذا الباب أسماء مقصورة، أولها: (الهوى هوى النفس). وآخرها "مكاناً سوى" ثم قال بإثر ذلك: (هذا كله يكتب بالياء).
(قال المفسر): وليس الأمر كما قال، لأنه ذكر في الجملة أسماء لا يجوز أن تكتب إلا بالألف، وأسماء يجوز فيها الأمران جميعاً.
فمما لا يكتب إلا بالألف، الشجا في الحلق، والشجا: الحزن. لأنه يقال: شجوته أشجوه. وإنما غلط في ذلك لقولهم: شجى يشجى، وهو لا يعتد به، لأن أصل الياء فيه واو انقلبت ياء، لانكسار ما قبلها.
ومنها: الخنا، لأنه يقال: خنا يخنو، وأخنى يخنى: إذا أفحش.
ومنها: الحفا، لأنهم قالوا: الحفوة بالواو، وقد حكى حفية بالياء، وأصلها الواو، فقلبت ياء لانكسار ما قبلها. ولم يحفل بالساكن، لأنه حاجز غير حصين.
ومنها: النسا؛ لأنه قد ذكر بعد هذا أنه يثني نسوان ونسيان. وهذا يوجب أن يكتب بالياء وبالألف.
(2/133)

ومنها: الحشا: يكتب بالياء وبالألف، لأنه يقال في تثنيته: حشوان وحشيان، ذكر ذلك يعقوب وغيره.
ثم قال ابن قتيبة ومما يكتب بالألف، وذكر فيما ذكر: خسا وزكا، فأما (زكا) فصحيح. وأما خسا، فذكره الخليل في باب الخاء والسين والياء. وهذا يوجب أن يكتب بالياء.
وزعم الفراء أنه يكتب بالألف، لأن أصله الهمز وأحسب ابن قتيبة عول على قول الفراء.
وذكر أيضاً: "الصغا: ميلك إلى الرجل". وهذا يجب أن يكتب بالياء وبالألف، لأنه قد ذكر بعد هذا في الكتاب أنه يقال: صفوت وصفيت.
وذكر "قطا ولها" وهما يكتبان بالألف والياء، لأن الكسائي حكى أن العرب تقول: قطوات وقطيات، ولهوات ولهيات. والواو في هذين الحرفين أشهر من الياء، وما حكاه الكسائي نادر لا يلتفت إلى مثله.
وذكر أيضاً: "شجر الغضا". وذكر الخليل الغضا في باب الغين والضاد والياء، وقال: يقال لمنبته: الغضياء، مثل الشجراء، وهذا يوجب أن يكتب بالياء، وكذا قال ابن جني.
(2/134)

باب
أسماء يتفق لفظها وتختلف معانيها
قال في هذا الباب: "الصبي من الصغر: مقصور بالياء. والصباء من الشوق: ممدود." وقال بعد هذا بألفاظ يسيرة: (والعدى: الأعداء: مقصور، بالياء."
(قال المفسر): لا فرق بين الصبا والعدا في القياس، لأنهما كليهما من بنات الواو. ويقال: صبا يصبو، وعدا يعدو. فقياسهما أن يكتبا بالألف.
وقد خلط ابن قتيبة في هذا الباب بين مذهب البصريين والكوفيين، ولم يلتزم قياس واحد منهم. فأخذ في الصبا بمذهب الكوفيين، وفي العدا بمذهب البصريين. ولا خلاف بين البصريين والكوفيين في أن الاسم الثلاثي المفتوح الأول، نحو الصفا والفتى، ينظر إلى أصله، فإن كان من ذوات الواو كتب بالألف، وإن كان من ذوات الياء كتب بالياء.
واختلفوا في الثلاثي المكسور الأول والمضموم. فالبصريون يجرون ذلك مجرى المفتوح الأول، والكوفيون يكتبون كل ثلاثي مكسور الأول أو مضمومه بالياء، ولا يراعون أصله، وليست بأيديهم حجة يتعلقون بها فيما أعلم، غير أن الكسائي قال: سمعت العرب تثنى كل اسم ثلاثي مضموم الأول أو مكسوره بالياء، إلا الحمى والرضا فإني سمعتهم يقولون فيهما: حموان وحميان، ورضوان ورضيان. واحتج قوم منهم
(2/135)

لذلك، بالكسر الذي في أولهما، ولو كان الكسر يوجب التثنية بالياء، لم يثن الهدى والضحى بالياء على أصولهم ولو جب أن يقال: هدوان وضحوان.
فالقياس الصحيح في هذا أن يجري مجرى المفتوح الأول في أن يُنظر إلى أصله. ولو كانت العرب تثنى كل مضموم ومكسور بالياء، لم يخف ذلك على البصريين، وإن كان الكسائي سمع ذلك من بعض العرب، فليس يجب أن يجعل ذلك حجة وقياساً على سائرهم.
ومن النحويين من يرى أن يكتب كل هذا بالألف، حملا للخط على اللفظ، وهو الذي اختاره أبو علي في مسائله الحلبية.

باب
حروف المد المستعمل
قال في هذا الباب: "الإساء: الأطباء" ذكره في الممدود المكسور الأول. وأنكر ذلك أبو علي البغدادي وقال: إنما هو الأساء، بضم الهمزة. فأما الإساء بالكسر فإنه الدواء.
وقال أبو بكر بن القوطية: لا وجه لإنكار أبي علي لهذا، وآسٍ وإساء: بالكسر صحيح، كما قالوا: راع ورعاء.
ثم رجع أبو علي بعد ذلك عن قوله، فحكى في كتابه في المقصور والممدود: والإساء: جمع الآسي. ذكره عن ابن الأنباري عن الفراء.
(2/136)

باب
ما يُقصر فإذا غير بعض حركات بنائه مُد
قال في هذا الباب: "والبؤسي، والعليا، والرغبى، والضحى، والعلى: كل ذلك إذا ضم أوله قصر وكتب بالياء، إلا العليا".
(قال المفسر): كتابة الضحى والعُلى بالياء: مذهب كوفي. وقد ذكرنا مذهب البصريين والكوفيين. ومن كتب العلا بالياء، أقرب إلى القياس ممن كتب الضحى بالياء. لأن العُلا يمكن أن يكون جمع عليا، كما قالوا: الصغرى والصغر. وأصل الياء في العليا واو، فكأنهم بنوا الجمع على الواحد. وإذا كان العلى اسما مفرداً لا جمعا، فإن كتابته بالياء بعيدة في القياس. والدليل على أنه يكون اسماً مفرداً لا جمعاً، أنهم يفتحون أوله ويمدونه، فيقولون: العلاء، ولو كان جمعاً لم يجز فيه ذلك.

باب
الحرفين [اللذين] يتقاربان في اللفظ والمعنى
ويختلفان فربما وضع الناس أحدهما موضع الآخر
قال في هذا الباب: "الحمل: حمل كل أنثى، وكل شجرة. قال الله تعالى: (حملت حملاً خفيفاً). والحمل: ما كان على ظهر الإنسان".
(2/137)

(قال المفسر): هذا قول يعقوب ومن كتابه نقله. وقد رد على يعقوب، فكان ينبغي لابن قتيبة أن يجتنب ما رد عليه. ولا خلاف بين اللغويين في أن حمل البطن مفتوح، وأن الحمل الذي على الظهر مكسور. فأما حمل الشجرة ففيه الفتح والكسر. أما الفتح فلأنه شيء يخرج منها، فشبه بحمل البطن، وأما الكسر، فلأنه مرتفع عليها، فشبه بحمل الظهر والرأٍ.
واختلف الرواة فيه عن أبي عبيدة، فروى أبو عبيد: حمل النخلة والشجرة: ما لم يكثر ويعظم، فإذا كثر وعظم فهو حمل بالفتح. وكذلك روى عنه أبو حنيفة وقال: ما أنه (لم يكثر). وروى غيرهما عنه أنه قال: الحمل إذا كان في البطن فهو مفتوح، وإذا كان على العنق فهو مكسور، وكذلك اختلفوا في حمل الشجرة.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب، "وعدل الشيء بفتح العين، مثله. قال
(2/138)

الله عز وجل (أو عدل ذلك صياماً). وعدل الشيء بكسر العين زنته".
(قال المفسر): قد اختلف اللغويون في العَدل والعِدل. فقال الخليل: عدل الشيء (بالفتح): مثله وليس بالنظير. وعدله (بالكسر): نظيره.
وقال الفراء العدل بفتح العين ما عادل الشيء من غير جنسه. والعدل (بالكسر): المثل. وذلك أن تقول: عندي عدل عبدك وشاتك، إذا كان عبدك يعدل عبده وشاتك تعدل شاته. فإذا أردت قيمته من غير جنسه نصبت العين وربما قال بعض العرب عدله: فإنه منهم غلط لتقارب معنى العدل والعدل.
وقد أجمعوا على واحد الأعدال أنه عدل بالكسر. وقال ابن دريد: العدل بالتفح من قول عدلت الشيء بالشيء إذا جعلته بوزنه. والعدل بالكسر العِكم يعدل بمثله.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والسداد في المنطق والفعل بالفتح، وهو افصابة. والسداد بالكسر: كل شيء سددت به شيئاً، مثل سداد
(2/139)

القارورة، وسداد الثغر أيضاً. ويقال أصبت سداداً من عيش. أي ما تسد به الخلة، وهذا سداد من عوز".
(قال المفسر): قد قال في باب ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما: "ويقولون سداد، والأجود سداد. وقال في كتاب أبنية الأسماء: "سداد من عوز، وسداد"، فسوى بين اللغتين.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: "القوام بكسر القاف: ما أقامك من الرزق".
(قال المفسر) قد قال في باب ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما: ويقولون ما قوامي إلا بكذا (بالفتح) والأجود ما قوامي بالكسر. وقال في باب فَعالٍ وفعالٍ من كتاب الأبنية قوام وقوام، فأجاز اللغتين.
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وليل تمام بالكسر لا غير، وولد تمام بالنصب وقمر تمام بالفتح والكسر".
(2/140)

(قال المفسر): يجوز في الولادة: تمام، وتمام بالفتح والكسر. كما يجوز في القمر سواء. ولا أدري لم فرق بينهما. وقد ذكر ابن قتيبة في أبنية الأسماء من تكابه هذا: ولد تمام، وتمام. فأجاز الوجهين جميعاً، بخلاف ما قاله هنا. وكذلك يروى قول الشاعر:
تمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل حاملة تمام
بالفتح والكسر. وأنكر أبو علي البغدادي عليه في هذا الموضع شيئاً آخر غير ما أنكرناه نحن فقال الصحيح: ولد المولود لتمام وتمام. وأما ولد تمام، على الصفة، فلا أعرفه. وهذاالذي قاله أبو علي هو المعروف. والذي قاله ابن قتيبة غير مدفوع، لأن التمام مصدر، والمصادر لا ينكر أن يوصف بها، كما قيل رجل عدل ورضا ونحو ذلك. فالذي عارض به لا يلزم ابن قتيبة.
[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: "الولاية: ضد العداوة. قال الله تعالى (ما لكم من ولايتهم من شيء) والولاية من وليت الشيء".
(2/141)

(قال المفسر): قد ذكر في باب فَعالة وفِعالة من كتاب الأبنية أنه يقال: (الولاية والولاية، من الموالاة، فأجاز الفتح والكسر. وقد قرأت القراء: (ما لكم من ولايتهم من شيء)، وولايتهم.
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب: "واللحن، بفتح الحاء: الفطنة. يقال: رجل لحن، واللحن، بالسكون: الخطأ في القول والكلام.
(قال المفسر): الفتح والتسكين جائزان في كل واحد منهما، غير أن الفتح في الفطنة أشهر، وتسكين الحاء في الخطأ أشهر. وقد زعم الكوفيون أن كل اسم كان على مثال فعل وعين الفعل منه حرف من حروف الحلق، فالفتح فيه والسكون جائزان معاً، كالنهر والنهر والشعر الشعر. وأهل البصرة يجعلونه موقوفاً على السماع، وهو الصحيح.

باب
الحروف التي تتقارب ألفاظها وتختلف معانيها
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "المنسر: جماعة من الخيل بفتح الميم وكسر السين. والمنسر بكسر الميم وفتح السين: منقار الطائر."
(2/142)

(قال المفسر): هذا قول أكثر اللغويين. وأما الأصمعي فقال، منسر في الخيل. والمنقار بكسر الميم وفتح السين.
وقال ابن سيده: المنسر والمنسر من الخيل: ما بين الثلاثة إلى العشر.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "البوص: السبق والفوت. والبوص: اللون والبوص بالضم العجز".
(قال المفسر): قد حكى بعد هذا في كتاب الأبنية: أنه يقال للعجز بوص، وبوص، بالفتح والضم، فافهم.

باب
المصادر المختلفة عن الصدر الواحد
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "قالوا: وجدت في الغضب موجدة، ووجدت في الحزن وجدا، ووجدت الشيء وجداناً ووجوداً. وافتقر فلان بعد وُجد، بضم الواو".
(2/143)

(قال المفسر): قد قال بعد هذا في باب ما جاء فيه ثلاث لغات من [بنات الثلاثة]، الوجد والوُجد والوِجد: من المقدرة، فأجاز فيها الفتح، والضم، والكسر. وكذلك قال يعقوب، وباللغات الثلاث قرأ القراء: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وُجدكم).
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وجب القلب وجيبا ووجبت الشمس وجوباً، ووجب البيع جبة".
(قال المفسر): قد حكى ثلب في البيع وجوباً وجبة.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أويت له مأوية وأية: أي رحمته وأويت إلى بني فلان آوى أويا. وآويت فلاناً إيواء".
(2/144)

(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت باتفاق معنى: "أويته وآويته: بمعنى، وأويت إلى فلان: مقصور لا غير".
[4] مسألة:
قال في هذا الباب: "سكرت الريح تسكر سكوراً: أي سكنت بعد الهبوب، وسكرت البثق أسكره سكرا: إذا سددته، وسكر الرجل يسكر سكراً وسكراً".
(قال المفسر): هذا مخالف لترجمة الباب، لأنه ترجم الباب بالمصادر المختلفة عن الصدر الواحد، وهذان صدران مختلفان، أحدهما: فعل مفتوح العين، والثاني فعل مكسور العين. فإن احتج له محتج بأنه أراد أنهما فعلان متفقان في أنهما ثلاثيان وإن اختلفا في كسر العين وفتحها، انتقض عليه ذلك. فإنه قد ذكر في هذا الباب: بلى وأبلى، وحمى وأحمى، وسفر وأسفر، ونزع ونازع، وعجز وعجز. وهذه كلها صدور مختلفة، بعضها ثلاثي وبعضها رباعي وبعضها أكثر من ذلك.
(2/145)

وقد ذكر أيضاً في هذا الباب: "فرس" جواد: بين الجودة والجودة، وهذا مصدر لا صدر له. والذي ينبغي أن يعتذر له به، أن يقال: إنها وإن اختلفت أوزانها، فهي مشتقة من أصل واحد، وبعضها متشبث ببعض، فلم يمكن أن يُذكر واحد منها دون صاحبه.
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: "غار الماء يغور غوراً، وغارت عينه تغور غئوراً وغار على أهله يغار غيرة، وغار أهله: بمعنى مارهم يغيرهم غياراً. وغار الرجل: إذا أتى الغور وأنجد بالألف. وغارني الرجل يغيرني ويغورني: إذا أعطاك الدية، غيرة. وجمعها: غير".
(قال المفسر): قد قالوا: غارت الشمس غئوراً وغياراً. قال امرؤ القيس:
فلما أجن الشمس عني غيارها ... نزلت إليه قائماً بالحضيض
وقال أبو ذؤيب:
هل الدهر إلا ليلة ونهارها ... وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
وقد حكى ابن قتيبة في كتاب الأبنية: الغير، والغار في الغيرة.
وأنشد لأبي ذؤيب:
(2/146)

لهن نشيج بالنشيل أنها ... ضرائر حرمى تفاحش غارها
وقد قالوا: غرت في الغار والغور أغور غوراً وغئوراً. حكاه اللحياني، وحكى أيضاً: أغار بالألف: إذا أتى الغور، وكان يروى بيت الأعشى:
نبي يرى مالا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
وكان الأصمعي لا يجيز أغار، وكنا يروى بيت الأعشى:
لعمري غار في البلاد وأنجدا
وعلى قوله: عول ابن قتيبة:
وكان ينبغي لابن قتيبة أن يذكر أغار هاهنا مع غار، كام ذكر أحمي مع حمى، وأبلى مع بلى، فتركه ذلك إخلال برُتبه الكتاب.
(2/147)

[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وقبلت المرأة القابلة قِبالة".
(قال المفسر): وهذا غير معروف، إنما المعروف قبلت القابلة الولد قبالة: أخذته من الوالدة، كذا حكى اللغويون. وأغفل أيضاً، قبل الرجل الشيء، بفتح الباء، قبالة، بفتح القاف: إذ ضمنه، فهو قبيل.
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب: "خطبت المرأة خطبة حسنة، وخطبت على المنبر خطبة. الأولى بالكسر، والثانية بالضم، وجعلهما جميعاً مصدرين".
(قال المفسر): قال أبو العباس ثعلب: الخطبة بالكسر: المصدر، والخطبة بالضم: اسم ما يخطب به. وقال ابن درستويه: الخطبة والخطبة: اسمان، لا مصدران، ولكنهما وضعا موضع المصدر. ولو استعمل مصدراهما على القياس لخرج مصدر ما لا يتعدى فعله منهما على (فعول)، فقيل خطب خطوباً، ولكان مصدر المتعدى منهما على (فعل) كقولك: خطبت المرأة خطباً، ولكن ترك استعمال ذلك لئلا يلتبس بغيره، ووضع غيره في موضعه، مما يغني عنه، ولا يلتبس بشيء.
(2/148)

قال: والخطبة، بالكسر: اسم ما يخطب به في النكاح خاصة. والخطبة، بالضم: ما يخطب به في كل شيء. قال: ودليل ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا خطبة النكاح) كذا روى بضم الخاء.
[8] مسألة:
وقال في هذا الباب: رأيت في المنام (رؤيا) ورأيت في الفقه (رأيا)، ورأيت الرجل (رؤية).
(قال المفسر): هذا الذي ذكره هو المشهور. وقد قيل في رؤية العين، (رأى)، كما قيل في الفقه، و (رؤيا) كما قيل في النوم. قال الله تعالى: (يرونهم مثليهم رأي العين) وقال الراجز:
ورأى عيني الفتى أخاكا ... يعطي الجزيل فعليك ذاكا
وقال آخر، أحسبه الراعي:
ومستنبح تهوى مساقط رأسه ... على الرحل في طخياء طلس نجومها
رفعت له مشبوبة عصفت لها ... صباً تزدهيها تارة وتقيمها
فكبر للرؤيا وهش فؤاده ... وبشر نفساً كان قبل يلومها
واتبع أبو الطيب المتنبي الراعي فقال:
مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في العيون من الغمض
(2/149)

[9] مسألة:
وقال في هذا الباب: "فاح الطيب يفوح فوحاً، وفاحت الشجة تفيح فيحاً".
(قال المفسر): قد حكى في باب فعل يفعل. ويفعل: "فاحت الريح تفوح وتفيح". وهذا يوجب أن يجوز في الطيب فيحاً أيضاً، وقد حكاها ابن القوطية في كتاب الأفعال. وقال الخليل: فاح المسك يفوح فوحاً وفئوحاً: وهو وجدانك الريح الطيبة، وفوح جهنم مثل فيحها وهو سطوع حرها.
[10] مسألة:
وقال في هذا الباب: "قنع يقنع قناعة: إذا رضى، وقنع يقنع قنوعاً: إذا سأل.
(قال المفسر): قد حكى ابن الأعرابي: قنوعاً في الرضا، حكاها ابن جني، وأنشد:
أيذهب مال الله في غير حقه ... ونظمأ في أطلالكم ونجوع
(2/150)

أنرضى بهذا منكم ليس غيره ... ويقنعها ما ليس فيه قنوع
وأنشد أيضاً:
وقالوا: قد زهيت فقلت كلا ... ولكني أعزني القنوع
وذكر أن أبا الطيب المتنبي كان ينشد:
ليس التعلل بالآمال من أربى ... ولا القناعة بالإقلال من شيمي
قال: وكان مرة ينشد: (ولا القنوع بضنك العيش من شميي).
[11] مسألة
وقال في هذا الباب "عرضت له الغول تعرض عرضاً وغيرها عرض يعرض".
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة: قول كثير من اللويين. وقال يونس: أهل الحجاز يقولون: قد عرض لفلان شر، يعرض: تقديره: (علم يعلم)، وتميم تقول: عرض، تقديره: ضرب.
ولقائل أن يقول إن الذي ذكره يونس ليس بخلاف لما ذكره غيره، لأنه ذكر أن ذلك مستعمل في الشر. فيمكن أن يكون الأصل في الغول، ثم استعير في الشر كله، لأن الغول ضرب من الشر،
(2/151)

وحكى أبو عبيد في الغريب المصنف عن أبي زيد: عرضت له الغول وعرضت.
[12] مسألة:
وقال في هذا الباب: "جلوت السيف أجلوه جلاء، وجلوت العروس جلوة. وجلوت بصري بالكحل جلواً".
(قال المفسر): قد قال في باب الممدود المكسور الأول: "جلاء المرآة والسيف". وقال فيه أيضاً: "والجلاء: مصدر جلوت العروس".
وأسقط من هذا الموضع، جلا القوم عن منازلهم جلاء، وأجلوا إجلاء، وأجليتهم وجلوتهم، وأجلوا عن القتيل إجلاء. وكان حكم هذا كله أن يذكره هاهنا.
[13] مسألة:
وقال في هذا الباب: "طاف حول الشيء يطوف طوفاً، وطاف الخيال يطيف طيفاً، وأطاف يطاف أطيافاً: إذا قضى حاجته (من الحدث) وأطاف به يطيف إطافة: إذا ألم به".
(قال المفسر): في هذا الموضع إغفال من ثلاث جهات، إحداها أنه قد ذكر في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: أنه يقال طافوا به،
(2/152)

وأطافوا: لغتان، ولم يذكر هاهنا غير اللغة الواحدة. والثانية: أن طاف يقال في مصدره: طوف، وطواف، وطوفان. ويجوز فيه أيضاً: اطاف بالتشديد، يطاف أطيافاً.
وقد قرأ بعض القراء (فلا جناح عليه أن يطاف بهما)، ويقال أيضاً: تطوف تطوفاً. والثالثة: أن الخيال يقال فيه أيضاً مطاف، قال الشاعر:
أنى ألم بك الخيال يطيف ... ومطافه لك ذرة وشعوف
ويقال أيضاً: المطاف: بمعنى الطواف.
[14] مسألة:
وقال في هذا الباب: "حسر يحسر حسراً من الحسرة، وحسر عن ذراعيه يحسر حسراً".
(قال المفسر): قد قال في باب معرفة في الثياب واللباس: "حسر عن رأسه" فجعله في الرأس وحده، وجعله هاهنا في الذراعين خصوصاً.
وقال في باب معرفة في السلاح: "فإن لم تكن عليه درع فهو حاسر".
فجعله في الجسم كله، والصحيح أن الحسر مستعمل في كل شيء كشف عنه. فلذلك يقال: حُسر البحر عن الساحل وحكى الخليل:
(2/153)

حسر الدابة بكسر السين تحسر حسرا وحسورا، وحسرتها أنا، بفتح السين حسرا، ويقال مثله في العين.

ومن المصادر التي لا أفعال لها
ترجمة هذا الباب مخالفة للكثير مما تضمنه، لأنه ذكر فيه مصادر لها أفعال مستعملة، فمنها قوله:"رجل غمر أي غير مجرب للأمور، بين الغمارة، من قوم أغمار". وهذا له فعل مستعمل. يقال: غمر الرجل غمارة، على مثال قباحة.
ومنها قوله: "وكلبة صارف بينة الصروف، وناقة صروف بينة الصريف".
فهذا له فعل مستعمل أيضاً. يقال: صرفت الكلية، وقد حكى هو ذلك في باب السفاد من كتابة هذا.
وكذلك يقال: صرفت الناقة تصرف: إذا صوتت بأنيابها.
ومنه قوله: "امرأة حصان: بينة الحصانة. وهذا له فعل مستعمل. لأنه يقال: حصنت المرأة وأحصنت.
(2/154)

ومنها قوله: "حافر وقاح" يقال: "وقح الحافر وأوقح، وقد حكى ذلك بعد هذا في باب "فعلت وأفعلت باتفاق المعنى).
ومنها قوله: "رجل هجين"، مع أنه يقال: هجن الرجل هجانة، على وزن سمج سماجة.
ومنها قوله: "رجل سبط الشعر" وهذا له فعل مستعمل. يقال: سبط بضم الباء سبوطة، وسبوطا.
ومنها قوله: وأم بينة الأمومة، وأب بين الأبوة، وعم بين العمومة، وهذه قد حكى لها أفعال.
وقد حكى أبو عبيد في الغريب، عن اليزيدي: "ما كنت أُما، ولقد أممت أمومة، وما كنت أباً، ولقد أببت أبوة، وما كنت أخاً، ولقد تأخيت، وآخيت، مثال فاعلت. وما كنت أمة، ولقد أميت، وتأميت، أموة".
وروى مسلمة عن الفراء، أممت وأبوت بالفتح، في الأب والأم، وكذلك أموت في الأمة، وأخوت في الأخ وعممت في العم، كلها بالفتح.
(2/155)

باب الأفعال
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "قلوت اللحم والبسر، وقليت الرجل: أبغضته".
(قال المفسر): قد ذكر في باب فعلت في الياء والواو، بمعنى واحد: قلوت الحب، وقليته، وهو خلاف ما ذكره هاهنا.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "حنوت .. عليه: عطفت، وحنيت العود، وحنيت ظهري. وحنوت: لغة".
(قال المفسر): قد ذكر في باب فعلت في الواو والياء بمعنى واحد: "حنوت العود وحنيته".
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "قُتل الرجل بالسيف، فإن قتله عشق النساء أو الجن لم يقل فيه إلا اقتتل".
(2/156)

(قال المفسر): قتل يصلح في كل شيء. وكذلك قتل بالتشديد، فأما اقتتل فهو مختص بالعشق، قال جميل:
فقلت له قتلت بغير جرم ... وغب الظلم مرتعه وبيل
وقال امرؤ القيس:
أغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وقال جرير:
إن العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: "تهجدت: سهرت، وهجدت: نمت".
(قال المفسر): قد حكى في باب تسميته المتضادين باسم واحد: الهاجد المصلى بالليل، وهو النائم أيضاً.
وقال في باب فعلت وفعلت بمعنيين متضادين: "تهجدت: صليت بالليل، ونمت". قال: وقال بعضهم: تهجدت: سهرت، وهجدت: نمت، قال لبيد:
قال هجدنا فقد طال السرى ... وقدرنا إن خنا الدهر غفل
(2/157)

[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: "فرى الأديم: قطعه على جهة الإصلاح، وأفراه: قطعه على جهة الإفساد".
(قال المفسر): هذا قول جمهور اللغويين. وقد وجدنا فرى مستعملاً في القطع على جهة الإفساد.
قال الشاعر:
فرى نائبات الدهر بيني وبينها ... وصرف الليالي مثل ما فُرى البرد
وحكى أبو عبدي في الغريب المصنف عن الأصمعي: أفريت: شققت، وفريت: إذا كنت تقطع للإصلاح.
[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: "قسط في الجور، فهو قاسط، وأقسط في العدل، فهو مقسط".
(قال المفسر): هذا هو المشهور المستعمل الذي ورد به القرآن. قال الله تعالى: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا)، وقال (إن الله يحب المقسطين).
وحكى يعقوب بن السكيت في كتابه الأضداد عن أبي عبيدة: قسط:
(2/158)

جار. وقسط: عدل، وأقسط بالألف: عدل لا غير، وهذا نادر.
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب "خفق الطائر: إذا طار، وأخفق: إذا ضرب بجناحيه ليطير".
(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت بمعنى واحد: خفق الطائر بجناحيه، وأخفق: إذا طار، فجعلهما سواء.
[8] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أتبعت القوم: لحقتهم. وتبعتهم: سرت في إثرهم".
(قال المفسر): قد قيل تبع وأتبع: بمعنى واحد، حكى ذلك الخليل وغيره وقد يتكون بلحاق وبغير لحاق، وهو الصحيح. ويدل على أن تبع يكون بلحاق قول الشاعر، أنشده أبو العباس المبرد:
تبعنا الأعور الكذاب طوعا ... يزجى كل أربعة حمارا
فيا لهفي على تركي عطائي ... معاينة وأطلبه ضمارا
إذا الرحمن يسر لي قفولاً ... أحرق في قرى سولاف نارا
يعني بالأعور، المهلب بن أبي صفرة، وكان سار معه لحرب الخوارج:
(2/159)

[9] مسألة:
وقال في هذا الباب: "جُزت الموضع: صرت فيه، وأجزته: قطعته وخدفته".
قال امرؤ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل
(قال المفسر): يقال: جاز الموضع يجوزه، وأجازه يجيزه، وجاوزه يجاوزه، وتجاوزه يتجاوزه: كل ذلك بمعنى قطعه وخلفه، هذا هو المعروف وهذا الذي فعله غير صحيح، ويدل على ذلك قولهم: جاز الرجل حده، وجاز قدره، وقول طرفة:
جازت البيد إلى أرحلنا ... آخر الليل بيعفور خدر
وقال أبو إسحاق الزجاج "جاز الرجل الوادي وأجازه: إذا قطعه ونفذه". قال: وقال الأصمعي: جزته: نفذته، وأجزته: قطعته." وحكى ابن القوطية: جاز الوادي جوازاً، وأجازه: قطعه وخلفه، وحكى عن الأصمعي، جازه: مشى فيه، وأجازه: قطعه وخلفه. وأظن ابن قتيبة أراد هذا الذي ذكره ابن القوطية عن الأصمعي. وقد
(2/160)

بينا أنه غير صحيح، ويجب على هذا أن يكون جزت الموضع: سرت فيه (بالسين). وكذا في الغريب المصنف، ووقع في روايتنا في الأدب (بالصاد).
[10] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أرهقت فلاناً: أعجلته، ورهقته: غشيته".
(قال المفسر): قال أبو علي البغدادي: قد يقال: رهقته وأرهقته بمعنى لحقته، وحكى الخليل: أرهقنا: أي دنا منا.
[11] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أسجد الرجل: إذا طأطأ رأسه وانحنى. وسجد: إذا وضع جبهته بالأرض."
(قال المفسر): قد قيل سجد بمعنى انحنى، ويدل على ذلك قوله تعالى (وادخلوا الباب سجداً). ولم يؤمروا بالدخول على جباههم، وإنما أمروا بالانحناء. وقد يمكن من قال القول الذي حكاه ابن قتيبة،
(2/161)

أن يجعل سجداً حالاً مقدرة، كما حكى سيبويه من قولهم: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً، أي مقدراً للصيد عازماً عليه، ومثله قوله تعالى: (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة)، ولكن قد جاء في غير القرآن مايدل على صحة ما ذكرناه. قال أبو عمرو الشيباني الساجد في لغة طيء: المنتصب، وفي لغة سائر العرب: المنحنى، وأنشد:
لولا الزمام اقتحم الأجاردا ... بالغرب أو دق النعام الساجدا
ويدل على ذلك أيضاً قول ميد بن ثور الهلالي:
فلما لوين على معصم ... وكف خضيب وأسوارها
فضول أزمتها أسجدت ... سجود النصارى لأحبارها
ولا يكون السجود إلا من سجد، وسجود النصارى إنما هو إيماء وانحناء. وقد قيل في قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) إنه إنما كان إيماء على جهة التحية، لا سجوداً على الجباه.
(2/162)

[12] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أرهنت في المخاطرة، وأرهنت أيضاً: أسلفت، ورهنت في غير ذلك."
(قال المفسر): هذا قول الأصمعي، وأجاز غير الأصمعي رهنت وأرهنت في كل شيء، وأنشد لدكين بن رجاء الراجز:
لم أر بؤساً مثل هذا العام ... أرهنت فيه للشقا خيتامي
وأنشد:
فلما خشيت أظافيرهم ... نجوت وأرهنتهم مالكا
وكان الأصمعي يقول وإنما الرواية: وأرهنهم مالكاً، يذهب إلى أنه فعل مضارع مبني على مبتدأ محذوف كأنه قال: نجوت وأنا أرهنهم، والجملة في موضع نصب على الحال كأنه قال: نجوت وهذه حالي.
[13] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أوعيت المتاع: جعلته في الوعاء، ووعيت العلم: حفظته".
(2/163)

(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت باتفاق معنى: وعيت العلم وأوعيته وأوعيت المتاع. وهو خلاف ما قاله هنا.
[14] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أحصره المرض والعدو: إذا منعه من السفر. قال الله عز وجل (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي). وحصره العدو: إذا ضيق عليه."
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو المشهور. وحكى أبو إسحاق الزجاج: من حصرك هاهنا؟ ومن أحصرك: بمعنى واحد.
[15] مسألة:
وقال في هذا الباب: أخلد بالمكان: إذا أقام به، وخلد يخلد خلوداً: إذا بقى."
(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: خلد إلى الأرض وأخلد: إذا ركن.
[16] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أمددته بالمال والرجال، ومددت دواتي بالمداد. قال الله تعالى: (والبحر يمده من بعده سبعة أبحر)، هو من المداد
(2/164)

لا من الإمداد، ومد الفرات، وأمد الجرح: إذا صارت فيه مدة."
(قال المفسر): قدقال بعد هذا في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: مددت الدواة وأمددتها وهو خلاف ما قاله هاهنا.
وقال في تاب آلات الكتاب: مددت الدواة أمدها مداداً: إذا جعلت فيها مدادا. فإن كان فيها مداد، فزدت عليه قلت: أمددتها إمداداً.
[17] مسألة:
قال في هذا الباب: "أجمع فلان أمره، فهو مجمع: إذا عزم عليه. قال الشاعر:
(لها أمر حزم لا يفرق مجمع)
"وجمعت الشيء المتفرق جمعا".
(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: أجمع القوم رأيهم، وجمعوا رأيهم. فأجاز اللغتين جميعاً في العزيمة. وقد قالوا: نهب مجمع: أي مجموع. قال أبو ذؤيب:
وكأنها بالجزع بين ينابع ... وأولات ذي العرجاء نهب مجمع
(2/165)

فصح بهذا أن جمع وأجمع جائزن في كل شيء، إلا أن جمع في ضم المتفرق أشهر، وأجمع في العزيمة على الشيء أشهر.
[19] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أجبرت فلاناً على الأمر فهو مجبر، وجبرت العظم فهو مجبور".
(قال المفسر): قد حكى أبو إسحاق الزجاج وغيره: جبرت الرجل على الأمر، وأجبرته: إذا أكرهته عليه، ومنه قيل للفرقة التي تقول بالإجبار، جبرية، وجبرية لا تكون إلا من جبر.
[20] مسألة:
وقال في هذا الباب: "يقال لكل ما حبسته بيدك مثل الدابة وغيره: وقفته، بغير ألف، وما حبسته بغير يدك: أوقفته. يقال: أوقفته على الأمر. وبعضهم يقول: وقفته، بغير ألف، في كل شيء."
(قال المفسر): قد قال بعد هذا في باب ما لا يهمز والعوام تهمزه: وقفته على ذنبه. وأنكر قول العامة: أوقفته بالألف. فإذا كان صحيحاً جائزاً، فلم جعله هناك من لحن العامة؟ وإن كان اعتقد أن وقفته أفصح من أوقفته، فكان ينبغي أن يذكره في باب ما جاء فيه لغتان، استعمل الناس أضعفهما، ولا يشغل بال قاريء كتابه بأن يجيز له شيئاً في موضع من كتابه، ويمنعه منه في موضع آخر. وفي كتابه أشياء كثيرة من هذا النحو قد مر بعضها، وسترى بقيتها فيما نستأنفه إن شاء الله تعالى.
(2/166)

وقال أبو إسحاق الزجاج: وقفت الدابة، وأوقفته، بالألف، لغة ردية جداً، وقال الخليل وقفت بالموضع وقوفاً، ووقفت الأرض والدابة وقفاً: حبستهما، ووقفت الرجل على الأمر، ولا يقال: أوقفته، إلا في مثل قولك للرجل: ما أوقفك هاهنا، إذا رأيته واقفاً.
[21] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أصحت السماء، وأصحت العاذلة، وصحا من السكر."
(قال المفسر): أما السماء فلا يقال فيها إلا أصحت بالألف، وأما السكر فلا يقال فيه إلا صحا بغير ألف، وأما العاذلة فيقال فيها: صحت وأصحت، فيشبه ذهاب العذل عنها تارة، بذهاب الغيم عن السماء. وتارة بذهاب السكر عن السكران، وأما الإفاقة من الحب، فلم أسمع فيه إلا صحا، بغير ألف، كالسكر سواء، قال جرير:
أتصحوا أم فؤادك غير صاح ... عشية هم صحبك بالرواح
وقال كثير:
صحا قلبه يا عز أو كاد يذهل ... وأضحى يريد الصرم أو يتبدل
(2/167)

باب
ما يكون مهموزاً بمعنى، وغير مهموز بمعنى آخر
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "أخطأت في الأمر، وتخطأت له في المسألة، وتخطيت إليه بالمكروه، غير مهموز، لأنه من الخطوة".
(قال المفسر): قد أجاز في باب ما يهمز أوسطه من الأفعال ولا يهمز معنى واحد: أخطأت وأخطيت. بالهمز. وترك الهمز، وقد حكى أن من العرب من يفعل ذلك بالأفعال المهموزة.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ذرأت يا ربنا الخلق، وذروته في الريح" وذريته، وأذرته الدابة عن ظهرها: ألقته".
(قال المفسر) قد أجاز في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: ذروت الحب، وأذريته.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أدأت الشيء: إذا أصبته بداء، وأدويته: إذا أصبته بشيء في جوفه فهو ذو."
(2/168)

(قال المفسر): قد ذكر في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: داء الرجل يداء [مثل شاء ويشاء]، وأداء يديء: إذا صار في جوفه الداء. وعلى هذا الذي قال: يجوز أدأت الرجل: إذا أصبته بداء في جوفه، مثل أدويت، وقوله أيضاً في هذا الباب: فهو دو: عبارة غير صحيحة، لأن أدويت إنما يقال منه رجل مدو، والفاعل مدو، وأما دو فإنما هوا سم الفاعل من دوى يدوى.

باب
الأفعال التي تهمز والعوام تدع همزها
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "هنأني الطعام ومرأني، فإذا أفردوا قالوا: أمرأني."
(قال المفسر): قد حكى في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: مرأني الطعام وأمرأني. ولم يشترط هناك ما اشترطه هاهنا، وهكذا قال أبو إسحاق الزجاج في كتاب فعلت وأفعلت. فالحكم في هذا أن يقال إن هذا الفعل إذا انفرد جازت فيه اللغتان، وإذا ذكر مع (هنأ) قيل: مرأ بغير ألف لا غير على الإتباع.
(2/169)

[2] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "أطفأت السراج، وقد استخذأت له، وخذأت، وخذيت: لغة" وذكر فيه: "هذا موضع ترفأ فيه السفن.
(قال المفسر): فأنكر على العامة ترك الهمز في هذه الألفاظ ثم أجاز في باب ما يهمز أوسطه من الأفعال ولا يهمز بمعنى واحد: أرفأت السفينة وأرفيت وأطفأت النار وأطفيت.
وأما استخذأت، فقال الأصمعي: شكت في هذه اللفظة، أهي مهموزة أم غير مهموزة، فلقيت أعرابياً فقلت له: كيف تقول: استخذأت أم استخذيت؟ فقال: لا أقولهما، فقلت له لم ذلك؟ فقال: لأن العرب لا تستخذي لأحد، فلم يُهمز. وترك الهمز ي هذه اللفظة أقيس من الهمز، يجعلها مشتقة من الخذاء، وهو استرخاء أذنى الفرس لأن الذل يعدلينا وضعفا، كما أن العز يعد شدة وصلابة، وهو مشتق من قولهم: أرض عزاز: إذا كانت صليبة. وقد حكى أن من العرب من يترك الهمز في كل ما يهمز، إلا أن تكون الهمزة مبدوءاً بها حكى ذلك الأخفش.
(2/170)

باب
ما يهمز من الأسماء والأفعال والعوام تبدل الهمزة فيه أو تسقطها
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "آخذته بذنبه".
(قال المفسر): هذا الذي قاله: أفصح اللغات، وهو القياس، لأنه فاعل من أخذ يأخذ.
وحكى الأخفش، آخذته بذنبه وواخذته، وعلى هذا القياس يجري ما كان مثله، وهي لغة غير مختارة ولا فصيحة.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهي سحاءة القرطاس".
(قال المفسر): يقال: سحاءة وسحاية، لغتان مشهورتان حكاهما الخليل وغيره. ويقال: سحاة على وزن قطاة. وقد تقدم في آلة الكتاب.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهي الباءة للنكاح".
(قال المفسر): يقال للنكاح: الباء، والباءة، مهموزان، وجاء في الحديث عليكم بالباء. وأنشد يعقوب لعمر بن لجأ.
يعرس أبكاراً بها وعنسا ... أحسن عرس باءة إذ أعرسا
(2/171)

ويقال أيضاً: "باه"، بالهاء. حكاه صاحب العين، وذكره أبو تمام الطائي في شعره، فقال:
بيض يجول الحسن في وجناتها ... والملح بين نظائر أشباه
لم يجتمع أمثالها في موطن ... لولا صفات في كتاب الباه
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: نحن على أوفاز: جمع وفز، ولا يقال وفاز".
(قال المفسر): وفاز: صحيح، قد ذكره اللغويون، والقياس أيضاً يوجبه، لأن الواحد وفز، على وزن جمل. فيجب أن يقال: أوفاز ووفاز، كأجمال وجمال، وينبغي أن يقال: إفاز بالهمز أيضاً، كما يقال: وشاح وإشاح، وإن كانت العامة إنما قالت وفاز بفتح الواو، فهو خطأ، ولكن الرواية عن ابن قتيبة بكسر الواو.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: "طعام مئوف تقديره فعول، ولا يقال مأيوف ولا مأووف".
(قال المفسر): كذا وقع في كثير من النسخ، ومؤوف ليس وزنه فعولاً، لأن الميم في أوله زائدة والوجه في هذا أن يقال: إنه لم يرد حقيقة وزن الكلمة، وإنما أراد تمتيلها بما يشاكل لفظها. والنحويون يفعلون مثل هذا كثيراً. ألا ترى أن الخليل قد جعل أمثلة التصغير ثلاثة فعيل وفعيعل. وفعيعيل وقد يجيء من أمثلة التصغير ما ليس على هذا الوزن نحو ضويرب
(2/172)

في تصغير ضارب، وأحيمر في تصغير أحمر. فعلم بذلك أنه لم يرد حقيقة الوزن، إنما أراد المماثلة في الصورة وتعادل السواكن والمتحركات.
ووقع في بعض نسخ الأدب تقديره: مقول بالقاف والميم. وهذا تنظير صحيح لا اعتراض فيه. وأنا أحسب أنه مفول بالفاء، فلم يفهمه الراوي فجعله بالقاف، وهذا هو وزن الكلمة على حقيقتها عند الأخفش، لأن الساقط عنده لالتقاء الساكنين في هذا وما كان مثله عين الفعل، والواو الباقية عنده هي الزائدة لبناء مفعول.
وأما سيبويه فيرى أن المحذوفة لالتقاء الساكنين هي الزائدة والواو الباقية عنده هي عين الفعل. فوزن مئوف ومقول ومصوغ ونحوها عنده على ما استقرت عليه صيغتها بعد التعليل (مفعل)، وأما وزن هذه الكلمات على أصولها فمفعول بلا خلاف بينهما لأنها بمنزلة مضروب ومجروح.
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهي الكمأة بالهمز، والواحدة كمء".
(قال المفسر): لا أعلم خلافاً بين النحويين أن من العرب من يخفف الكمأة، فيلقى حركة الهمزة على الميم ويحذفها، فيقول كمه، ومن العرب من يلقى حركة الهمزة على الميم، ويبقى الهمزة ساكنة، ثم يقلبها لانفتاح ما قبلها فيقول: كماة، على وزن قطاة. وهذا على نحو قولهم في تخفيف رأس، رأس، وكذلك كل همزة سن ما قبلها إذا كان ما قبلها
(2/173)

حرفاً صحيحاً أو معتلاً أصلياً، فإلقاء حركتها على ما قبلها جائز، إذا لم يعرض عارض يمنع من ذلك.
[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أحفر المهر للإثناء والإرباع، [فهو محفر] ولا يقال حفر".
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو المشهور، وحكى أبو عبيدة معمر حفرت الثنية والرباعية، بكسر الفاء.
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أغامت السماء، وأغيمت، وتغيمت، وغيمت. ولم يجز غامت."
(قال المفسر): قد أجاز في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: غامت السماء وأغامت، ونسى هاهنا ما قاله هناك.
[8] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أجبرته على الأمر فهو مجبر، ولا يقال جبرت إلا في العظم، وجبرته من فقره".
(2/174)

(قال المفسر): قد ذكرنا فيما تقدم أن جبرته على الأمر: جائز، بما أغنى عن إعادته هاهنا.
[9] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أحبست الفرس في سبيل الله، ولا يقال حبسته".
(قال المفسر): قد حكى أبو إسحاق الزجاج: حبس الرجل فرسه في سبيل الله، وأحبسه.
[10] مسألة:
وقال في هذا الباب: "أحكمت الفرس، ولم يجز حكمته".
(قال المفسر): حكمت الفرس، وأحكمته، لغتان صحيحتان. وقد أجازهما في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى. ونسي هاهنا ما قاله هناك.
[11] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ضربته بالسيف فما أحاك فيه، وحاك: خطأ."
(2/175)

(قال المفسر): قد حاك فيه السيف: صحيح، حكاه ثعلب في الفصيح، وأبو إسحاق الزجاج في فعلت وأفعلت، وابن القوطية. وكان أبو القاسم على بن حمزة يرد على ثعلب إجازته (حاك) ويقول الصواب (أحاك) وعلى بن حمزة هو المخطيء لا ثعلب.
[12] مسألة:
وقال في آخر هذا الباب: هي الإوزة والإوز. والعامة تقول: وزة".
(قال المفسر): حكى يونس بن حبيب في نوادره أن الإوز لغة أهل الحجاز، وأن الوز لغة بني تميم.

باب ما لا يهمز والعوام تهمزه:
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "هي الكرة ولا يقال أكرة".
(قال المفسر): الكرة بتخفيف الراء: التي يلعب بها. والكرة بتشديد الراء: البعر والرماد، قال النابغة الذبياني يصف دروعاً:
علين بكديون وأبطن كرة ... فهن وطاء ضافيات الغلائل
(2/176)

والكورة بالواو: البلد العظيم. والأكرة بالهمز: الحفرة، ومن ذلك قيل للحفار: أكار هذا هو المشهور المعروف. ورأيت أبا حنيفة قد حكى في كتاب النبات؛ أنه يقال للكرة التي يلعب بها: أكرة بالهمزة، وأحسبه غلطاً منه.
وقد أولع المترجمون لكتب الفلاسفة بقولهم الكر والأكرة، وإنما الصواب: كراة وكرون في الرفع وكرين في النصب والخفض، وكرا مقصورة، ومن العرب من يقول: كرين فيعرب النون ويلزمها الياء على كل حال. وهذا لغة من يقول: سنين وعليه جاء قول الشاعر:
دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيباً وشيبننا مردا
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "علفت الدابة" ولم يجز أعلفتها"
(قال المفسر): قد حكى أبو إسحاق الزجاج علفت الدابة، وأعلفتها.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: زكنت الأمر أزكنه: أي علمته. وأزكنت فلاناً كذا: أي أعلمته. قال: وليس هو في معنى الظن".
(2/177)

(قال المفسر): قد أجاز في باب فعلت وأفعلت باتفاق معنى: زكنت الأمر وأزكنته، وأنكر أزكنته في هذا الباب، إلا أن يكون في معنى النقل، وهذا تخليط وقلة تثبت. فأما قوله: إنه بمعنى العلم لا بمعنى الظن، فهو قول الأصمعي. وحكى أبو زيد أنه يكون بمعنى الظن الصحيح، وقد ذكرناه في صدر الكتاب.
[4] مسألة:
قال في هذا الباب:"وتدت الوتد أتده وتداً". ولم يجز أوتدته.
(قال المفسر): قد أجاز ذلك أبو إسحاق الزجاج، وحكاه ابن القوطية، وهما لغتان.
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: "نعشه الله ينعشه"، ولم يجز أنعشه.
(قال المفسر): قد أجاز في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: "نعشه الله وأنعشه"، ونسي ما قاله هناك.
[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وقفته على ذنبه".
(قال المفسر): قد قال في باب الأفعال: "يقال لكل ما حبسته
(2/178)

بيدك مثل الدابة وغيرها: وقفته بغير ألف، وماحبسته بغير يدك أوقفته بالألف. وبعضهم يقول وقفت بغير ألف في كل شيء. فذكر في باب الأفعال أنهما قولان، وأنكر هاهنا قول العامة أوقفته، كما ترى.
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وقد سعرت القوم شرا، وقد رفدته"،
(قال المفسر): قد قال في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: "سعرت شراً وأسعرني" فأجاز اللغتين. وأما رفدت وأرفدت، فلغتان ذكرهما ابن القوطية، وقال: رفدت أعم من أرفدت.
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب: "قد حدرت السفينة في الماء".
(قال المفسر): حدرت السفينة، وأحدرتها: لغتان. إلا أن اللغة التي ذكر ابن قتيبة أشهر وأفصح. حكى ذلك أبو إسحاق الزجاج.
(2/179)

[8] مسألة:
وقال في هذا الباب: "مط عنا تنح:، وأمط غيرك".
(قال المفسر): قد حكى في باب فعلت وأفعلت باتفاق معنى، عن أبي زيد: "مطت عنه، وأمطت: تنحيت، وكذلك مطت غيري، وأمطته،" فأجاز اللغتين جميعاً. والذي ذكره هاهنا هو قول الأصمعي. فإذا كان جائزاً فلا وجه لإدخاله في لحن العامة، من أجل إنكار الأصمعي له، وإن كان قول الأصمعي عنده هو الصحيح، فقد كان يجب عليه أن يقول: إن قول أبي زيد خطأ.

باب
ما يشدد والعوام تخففه
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "هو الفلو مشدد الواو، مضموم اللام، قال دكين:
(كان لنا وهو فلو نرببه)
(قال المفسر): قد حكى أبو زيد أنه يقال: فلو، بكسر الفاء وتسكين اللام، وحكاه أبو عبيد في الغريب المصنف.
(2/180)

[2] مسألة:
قال في هذا الباب: "الإجاص، والإجانة، والقبرة".
(قال المفسر): قد حكى اللغويون أن قوماً من أهل اليمن يبدلون الحرف الأول من الحرف المشدد نوناً، فيقولون: حنظ، يريدون حظا وإنجاص. وإنجانة. فإذا جمعوا رجعوا إلى الأصل، وهذه لغة لا ينبغي أن يلتفت إليها، فإن اللغة اليمنية فيها أشياء منكرة، خارجة عن المقاييس. وإنما ذرنا هذا ليُعلم أن لقول العامة مخرجاً على هذه اللغة، فأما القنبرة بالنون، فلغة فصيحة.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "تعهدت فلاناً".
(قال المفسر): كذا قال ثعلب: فلان يتعهد ضيعته، وأنكر قول العامة يتعاهد. وقال ابن درستويه: إنما أنكرها ثعلب، لأنها على وزن يتفاعل، وهو عند أصحابه لا يكون إلا من اثنين، ولا يكون عندهم متعدياً إلى مفعول، مثل قولهم: تعاملا، وتقاتلا، وتغافلا.
(2/181)

قال ابن دستويه: وهذا غلط، لأنه قد يكون تفاعل من واحد، ويكون متعدياً، كقول امريء القيس:
تجاوزت أحراساً وأهوال معشر ... على حراص لو يسرون مقتلي
قال المفسر: وقد جاء تفاعل من اثنين، وهو متعد إلى مفعول، وهو قول امريء القيس
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال
وقالوا تداولنا الشيء، وتناوبنا الماء.
وقال الخليل التعاهد والتعهد: الاحتفاظ بالشيء وإحداث العهد.
ولسيبويه في تفاعل قول يسبه قول الكوفيين. وسنذكره في شرح أبيات الكتاب، عند وصولنا إلى باب زيادة الصفات إن شاء الله.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب:"كع فلان عن الأمر، ولا يقال كاع".
(قال المفسر): قد حكى الخليل كاع يكيع كيعا، إذا جبن؛ وقد أنشد يعقوب في القلب والإبدال:
حتى استفأنا نساء الحي ضاحية ... وأصبح المرء عمرو مثبتا كاعي
(2/182)

وقال: أراد كائعاً، فقلب. والذي قاله ابن قتيبة هو المشهور.
[5] مسألة:
وقال في آخر هذا الباب: "وعزت إليك في كذا، وأوعزت. ولم يعرف الأصمعي وعزت خفيفة .. ".
(قال المفسر): إن كان الأصمعي لم يعرف وعزت خفيفة، فقد عرفها غيره. فلا وجه لإدخالها في لحن العامة من أجل أن الأصمعي لم يعرفها. وقد أجاز ابن قتيبة في باب فعلت وأفعلت باتفاق المعنى: وعزت وأوعزت". فإن كان قول الأصمعي عنده هو الصحيح فلم أجاز قول غيره في هذا الموضع الآخر؟.

باب
ما جاء خفيفاً والعامة تشدده
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "رجل يمان وامرأة يمانية".
(قال المفسر): قد حكى أبو العباس المبرد وغيره، أن التشديد لغة، وأنشد:
ضربناهم ضرب الأحامس غدوة ... بكل يماني إذا هز صمما
(2/183)

وأنشد أيضاً:
فأرعد من قبل اللقاء ابن معمر ... وأبرق والبرق اليماني خوان
فمن قال في النسب إلى اليمن: يمنى، جاء به على القياس. ومن قال: يمان منقوض، جعل الألف بدلاً من إحدى ياءي النسب، وحذف الثانية، لسكونها وسكون التنوين، كما حذفت الياء من قاض ورام. ومن قال: يماني بالتشديد، جعل الألف زائدة. كزيادتها في حيلاوي، ونحوه مما جاء على غير قياس.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "غلفت لحيته بالطيب. ولا يقال: غلفت".
(قال المفسر): إدخال مثل هذا في لجن العامة تعسف، لأن غلف جائز، على معنى التكثير، كما يقال: ضرب وضرب، وقتل وقتل.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "رجل شج، وامرأة شجية، وويل
(2/184)

للشجي من الخلي، ياء الشجي مخففة، وياء الخلي مشددة".
(قال المفسر): قد أكثر اللغويون من إنكار التشديد في هذه اللفظة، وذلك عجب منهم، لأنه لا خلاف بينهم أنه يقال شجوت الرجل أشجوه: إذا حزنته، وشجي يشجى شجاً: إذا حزن. فإذا قيل: شج بالتخفيف كان اسم فاعل من شجي يشجي، فهو شج، كقولك عمى يعمى فهو عم. وإذا قيل شجى بالتشديد، كان اسم المفعول من شجوته أشجوه. فهو مشجو، وشجى، كقولك: مقتول، وقتيل، ومجروح، وجريح. وقد روى أن ابن قتيبة قال لأبي تمام الطائي: يا أبا تمام، أخطأت في قولك:
ألا ويل الشجى من الحي ... ويل الربع من إحدى بلى
فقال له أبو تمام: ولم قلت ذلك؟. قال: لأن يعقوب قال: شج بالتخفيف ولا يشدد. فقال له أبو تمام: من أفصح عندك؟ ابن الجرمقانية يعقوب، أم أبو الأسود الدؤلي حيث يقول:
ويل الشجي من الخلي فإنه ... نصب الفؤاد لشجوه مغموم
والذي قاله أبو تمام صحيح. وقد طابق فيه السماع القياس، وقد قال أبو داود الإيادي: وناهيك به حجة.
(2/185)

من لعين بدمعها موليه ... ولنفس فما عناها شجيه
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: "هذا موضع دفيء، مهموز مقصور، ولا يقال: دفي (مشدد ولا مهموز) ".
(قال المفسر): يقال: (دفيء) بالهمز، على وزن خطيء و (دفؤ) بالضم على وزن وضوء. فمن قال (دفيء) بالكسر، قال: (دفيء)، مقصور، ملي مثال حذر وبطر. ومن قل: (دفؤ) بالضم قال: (دفيء) مهموز ممدود، على وزن وضيء. ويجوز له تخفيف الهمزة. فإذا خففها، فالوجه أن يقلبها ياء، ويدغمها في ياء فعيل التي قبلها، فيقول دفي مشدد، كما يقال في وضيء: وضي. وفي النسيء، النسي، ويجوز أيضاً في قول من همز ومد، أن يكون فعيلاً بمعنى مفعل من أدفأته إدفاء، فأنا مدفيء، فيكون بمنزلة قولهم: عذاب أليم: بمعنى مؤلم، وداء وجيع: بمعنى موجع. ولو لم يسمع من العرب دفؤ بضم الفاء، ولا أدفأته، لما امتنع أن يقال: (دفيء) بالمد والهمز. وإن كان من (دفيء) المكسور العين، كما قالوا: عليم، وهو من علم، وسعيد وهو من سعد، وسقيم وهو من سقم. على أنهم قد قالوا: سقم بالضم. ولكن لم يسمع منهم في اسم الفاعل سقم بغير ياء. فثبت بهذا أن سقيماً اسم الفاعل فهما معاً صحيحان.
(2/186)

[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: "لطخني يلطخني، مخففة، وقصر الصلاة يقصرها، مخففة. وقشرت العود أقشره مخففة".
(قال المفسر): هذا الألفاظ كلها غير ممتنعة من التشديد، إذا قصد بها المبالغة، فادخالها في لحن العامة لا وجه له.
[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وتقول: أراد فلان الكلام فأرتج عليه. ولا يقال: أرتج. وأرتج من الرتاج، وهو الباب، كأنه أغلق عليه".
(قال المفسر): هذا الذي قاله: قول جمهور اللغويين، وهو المشهور وحكى التوزي عن أبي عبيدة أنه يقال: (ارتج) موصول الألف، مضموم التاء، مشدد الجيم. ومعناه وقع ي رجة، أي اختلاط. قال أبو العباس المبرد. وهذا معنى بعيد جداً.

باب
ما جاء مسكناً والعامة تحركه
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "يقال في أسنانه حفر. وهو فساد في أصول الأسنان، وحفر: رديئة.".
(2/187)

(قال المفسر): لا مدخل لحفر في هذا الباب، لأنه إنما ترجمه بما جاء مسكناً والعامة تحركه، وحفر: قد جاءت فيه عن العرب اللغتان جميعاً فإنما كان ينبغي أن يكون في باب ما جاء فيه لغتان، استعمل الناس أضعفهما.
وذلك ما حكاه في هذا الباب من قولهم: وغر. ووغر). لا مدخل له في هذا الموضع.
[2] مسألة:
وكذلك قوله في آخر هذا الباب: "وهو الجبن بضم الباء، ولا تشدد النون [إنما شددها بعض الرجاز ضرورة].".
(قال المفسر): لا مدخل له في هذا الباب. إنما كان ينبغي أن يذكره في باب ما جاء مخففاً والعامة تشدده. وقد حكى يونس في نوادره: أن الجبن الذي يؤكل، يثقل ويخفف، ويسنك ثانية. وأحسب الراجز الذي عناه ابن قتيبة هو القائل:
أقمر مأموم عظيم الفك ... كأنه في العين دون شك
جبنة من جبن بعلمك
(2/188)

باب
ما جاء محركا والعامة تسكنه
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "وهي اللقطة لما يلتقط".
(قال المفسر): كذا حكى غير ابن قتيبة. ووقع في كتاب العين: اللقطة بسكون القاف اسم ما يلتقط. واللقط بفتح القاف: الملتقط. وهذا هو الصحيح، وإن صح الأول فهو نادر، لأن فعلة بسكون العين من صفات المفعول، وبتحريك العين من صفات الفاعل.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "تجشأت جشأة".
(قال المفسر): قد حكى يعقوب: (جشأة) بسكون الشين.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهم نخبة القوم، أي خيارهم".
(قال المفسر): المعروف (نخبة) بإسكان الخاء. وأما
(2/189)

النخبة بفتح الخاء فهي نادرة، لأن فعلة بتحريك العين من صفات الفاعل.
[4] مسألة:
وأنشد في هذا الباب:
قد وكلتني طلتي بالسمسرة ... وأيقتني لطلوع الزهرة
(قال المفسر): قد حكى أبو حاتم أن رجلاً من العرب، قالت له امرأته، هلا غدوت إلى السوق فتجرت وجئتنا بالفوائد، كما يصنع فلان؟ فقال: إن زوج فلان خير له منك، تصنع له النبيذ فيشربه، ويغدو إلى السوق. فصنعت له نبيذاً وأيقظته في السحر وسقته إياه، فغدا إلى السوق فخسر عشرة دراهم، فقال:
قد أمرتني طلتي بالسمسرة ... وصبحتني لطلوع الزهره
عسين من جرتها المخمرة ... فكان ما ربحت وسط العيثره
وفي الزحام إن وضعت عشرة
فهذا الخبر يقتضي أن يكون ما رواه ابن قتيبة غلطا، وأن الصواب؛ وصبحتني. وسنفسر هذا الزجر في شرح الأبيات إن شاء الله تعالى.
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو أحر من القرع، وهو بئر يخرج بالفصلان تحت أوبارها".
(2/190)

(قال المفسر:) هذا هو المشهور، وحكى حمزة بن الحسن الأصبهاني في كتاب (أفعل من كذا) أنه يقال: أحر من القرع بفتح الراء وتسكينها. وفسر القرع المتحرك الراء، بنحو من تفسير ابن قتيبة. وأما القرع بسكون الراء، فإنهم يعنون قرع الميسم، وأنشد:
كان على كبدي قرعة حذاراً من البين ما تبرد
وقال: "والقرع أيضاً الضراب".
قال المفسر: يريد قرع الفحل الناقة.
والذي تذهب إليه العامة بقولهم: (أحر من القرع) ساكن الراء، إنما هو القرع المأكول وإنما يضربون به المثل في الحر، وإن كان بارداً في طبعه، لأنه يمسك حر النار إذا طبخ إمساكاً شديداً، فلا يزول عنه إلا بعد مدة.
[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو المر والصبر، فأما ضد الجزع، فهو الصبر، ساكن".
(2/191)

(قال المفسر): إنكاره على العامة تسكين الباء من الصبر: طريف، لأن كل ما كان على فعل مكسور العين أو مضمومها، فإن التخفيف فيه جائز. وقد ذكر ابن قتيبة ذلك في أبنية الأسماء. وإذا خففوا مثلهذا فربما ألقوا حركة الحرف المخفف على ما قبله، وربما تركوه على حالته، فيقولون في فَخِذ فخْذ وفخِذ، وفي عضد عضد وعضد. وعلى هذا قول الشاعر
تعزيت عنها كارهاً فتركتها ... واكن فراقيها أمر من الصبر
يروى بفتح الصاد وكسرها.
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب: "والرسمة التي يختضب بها: بكسر السين".
(قال المفسر): قد ذكرنا آنفاً أن تخفيف مثل هذا جائز. وقد أجار في أبنية الأسماء وسمة ووسمة. ونسمي ما قاله هاهنا.
[8] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو الأقط والنبق والنور والكذب والحلف".
(قال المفسر): هذه الألفاظ لها لا تمنع من أن تسكن أوساطها تخفيفاً. فأما نقل الحركة عن العين سها إلى الفاء، فغير مسموح إلا في الحليف والكذب خاصة.
(2/192)

وقال بعض الأعراب يهجو المساور بن هند وقال: (غلطنا حساب الخراج) وقد ذكرنا هذا الشعر فيما تقدم].
[9] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وفلان خيرني من الناس، وقد تملأت من الشبع".
(قال المفسر): وقع في تاب العين: الخيرة، سان الياء، مصدر اخترت، والخيرة بفتح الياء: المختار. وإذا كانت الخيرة مصدراًن فغير منكر أن يقال للشيء المختار خيرة أيضاً، فيوصف به كما يوصف بالمصدر في قولهم: درهم ضرب الأمير.
فأما الشبع، بفتح الباء: فهو مصدر شبعتن والشبع، بسكون الباء: المقدار الذي يشبع الإنسان، وقد نشد أبوتمام في الحساسة:
وكلهم قد نال شبعاً لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
فالظاهر من الشبع هاهنا أنه مصدر، لأن اللؤم إنما توصف به الأفعال، لا الذوات.
والأجود أن يحمل على حذف مضاف، كأنه قال: ونيل شبع الفتى أو إيثار الشبع، ونحو ذلك، فيكون الشبع على هذا الشيء المشبع.
(2/193)

[10] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وفلان نغل: أي فاسد النسب. والعامة تقول: نغل".
(قال المفسر): مثل هذا لا يجعل لحناً، على ما قدمنا ذكره، لأن التخفيف في مثله جائز، وقد قيل: في رواية من روى:
(سليلة أفراس تجللها بغل)
أنه تصحيف، لأن البغل لا ينسل شيئاً، وأن الصواب: نغل، بالنون، يريد فرسا ًهجيناً.

باب
ما تصحف فيه العامة
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "ويقولون: شن عليه درعه، وإنما هو سن عليه درعه: أي صبها. وسن الماء على وجهه: أي صبه صبا، فأما الغارة فإنه يقال فيها: شن عليهم الغارة، بالشين معجمة: أي فرقها",
(قال المفسر): يقال: شن عليه الماء، بالشين والسين. وقال بعضهم: سن الماء بالسين غير معجمة: إذا صبه صبا سهلاً، وشنه
(2/194)

بالشين معجمة: إذا صبه صبا متفرقاً كالرش، وسن عليه الدرع، بالسين غير معجمة لا غير. وشن الغارة، بالشين معجمة لا غير. وقال أبو رياش: كل لين يسن بالسين غير معجمة، وكل خشن يشن بالشين معجمة.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ويقولون: نعق الغراب، وذلك خطأ، إنما يقال: (نغق) بالغين معجمة، فأما نعق فهو زجر الراعي الغنم.
(قال المفسر): هذا الذي قاله، قول جمهور اللغويين، وقد حكى صاحب كتاب العين أنه يقال: نعق ونغق. قال: وهو بالغين معجمة أحسن، ورأيت ابن جني قد حكى مثل ذلك، ولا أدري من أين نقله.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب عن الأصمعي: "العرب تقول توت والفرس تقول توث".
(قال المفسر): قد حكى أبو حنيفة في كتاب النبات أنهما لغتان، وأنشد لمحبوب بن أبي العشنط النهشلي:
(2/195)

لروضة من رياض الحزن أو طرف ... من القرية جرد غير محروث
للنور فيه إذا مج الندى أرج ... يشفي الصداع وينقي كل ممغوث
أشهى وأحلى بعيني إن مررت به ... من كرخ بغداد ذي الرمان والتوث

باب
ما جاء بالسين وهم يقولونه بالصاد
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "أخذته قسراً، ولا يقال قصراً، وقد قصره: إذا حبسه. ومنه (حور مقصورات في الخيام)، فأما القسر بالسين فهو القهر.".
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو المشهور، وقد حكى يعقوب: أخذته قسراً وقصراً، بالسين والصاد: بمعنى القهر.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو الرسغ، بالسين، ولا يقال بالصاد"
(قال المفسر): قد حكى ابن دريد أنه يقال: رسغ ورصغ. وقد أجاز
(2/196)

النحويون في كل سين وقعت بعدها غين أو خاء معجمتان، أو قاف أوطاء أن تبدل صاداً. فإن كان صاداً في الأصل لم يجز أن تقلب سيناً، نحو سخرت منه وصخرت، (وأسبغ عليكم نعمه) وأصبغ (وزادكم في الخلق بسطة) وبصطة فمتى رأيت من هذا النوع ما يقال بالصاد والسين، فاعلم أن السين هي الأصل، لأن الأضعف يُرد إلى الأقوى، ولا يرد الأقوى إلى الأضعف.

باب
ما جاء بالصاد، وهو يقولون بالسين
[1] مسألة:
وقال في هذا الباب: "يقال: بخصت عينه بالصاد ولا يقال بخستها، إنما البخس النقصان.
وذكر: "هي صنجة الميزان، ولا يقال سنجة، وهي أعجمية معربة، وهو الصماخ، ولا يقال: السماخ، وهو الصندوق بالصاد، وقد بصق الرجل وبزق، وهو البصاق والبزاق".
(قال المفسر): هذه الأشياء كلها تقال بالصاد والسين، حكى ذلك الخليل وغيره.
(2/197)

فأما البخس الذي يراد به النقصان، والسنجة التي يراد بها مشاقة الكتان: فبالسين لا غير.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب:"والقرس: البرد".
(قال المفسر) قد قال في باب (فعل وفعل من كتاب الأبنية) أنه يقال للبرد: قرس وقرس، بفتح الراء وتسكينها.

باب
ما جاء مفتوحاً والعامة تكسره
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "الطيلسان: بفتح اللام".
(قال المفسر): قد حكى أبو العباس المبرد عن الأخفش، طيلسان وطيلسان، بفتح اللام، وكسرها. وزاد ابن الأعرابي طالسان بالألف.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "هو الدرهم".
(قال المفسر) هذه أفصح اللغات، وقد حكى اللحياني وغيره أنه يقال: درهم، بكسر الهاء، ودرهام أيضاً، وأنشد:
(2/198)

لو أن عندي مائتي درهام ... لجاز في آفاقها خاتامي
[3] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "جنبتيه بفتح النون".
(قال المفسر): وكذا روى أبو عبيد حديث النبي صلى الله عليه وسلم "ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتي الصراط أبواب مفتحة"، والسكون في هذا أقيس من الفتح، وقد جاء ذلك في الشعر الفصيح، قال الراعي:
أخليد إن أباك ضاف وساده ... همان باتا جنبة ودخيلا
وأنشد أبو تمام في الحماسة:
فما نطفة من حب مزن تقاذفت ... به جنبتا الجودي والليل دامس
بأطيب من فيها وما ذقت طعمها ... ولكنني في ماترى العين فارس
وأنشد أهل اللغة:
أم حبين انشرى برديك ... إن الأمير ناظر إليك
وضارب بالسوط جنبتيك
(2/199)

[4] مسألة:
وقال في هذا الباب:"فلان يملك رجعة المرأة بالفتح وفلان لغير رشده ولزنية ... وهي فلكة المغزل".
(قال المفسر): الفتح والكسر جائزان في هذه الألفاظ كلها، وحكى يونس في نوادره أن الفلكة بالكسر لغة أهل الحجاز.
[5] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "اليسار، والرصاص، والوداع، والدجاج، وفص الخاتم".
(قال المفسر): وهذه كلها قد حكى فيها الفتح والكسر.
وقد قال في باب ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما: أن الفص: بالكسر، والدجاج: لغة ضعيفة.
وذكر في أبنية الأسماء: أن الدجاج والدجاج لغتان، ولم يجعل لأحدهما مزية على الأخرى.
وحكى في باب ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما: أن الرصاص، بالكسر لغة ضعيفة.
ومثل هذا الاضطراب والتخليط يحير بال القاريء لكتابه. وكان
(2/200)

ينبغي أن يجعل ذلك في باب واحد، ولا ينكر الشيء تارة، ثم يجيزه تارة أخرى.
[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو بثق السيل ... وهو ملك يمني".
(قال المفسر): قد ذكر في باب أبنية الأسماء من كتابه هذا: أنه يقال بثق وبثق، وملك وملك. ونسي ما قاله هاهنا، وقد قرأ القراء (ما لكم من إله غيره) و (ما أخلفنا موعدك بملكنا) وملكنا، وملكنا، بالضم، والفتح، والكسر.
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو الشقراق للطائر بفتح الشين".
(قال المفسر): الكسر في شين الشقراق أقيس، لأن فعالاً بكسر الفاء موجود في أبنية الأسماء نحو طرماح وسنمار، وفعلال (بفتح الفاء) معدوم يها، وبكسر الشين قرأناه في الغريب المصنف، وهكذا حكاه الخليل، وذكر أن فيه ثلاث لغات: شقراق (بكسر القاف، وتشديد الراء)، وشقراق (بتسكين القاف)، وشرقراق. وهو طائر مفوف بحمرة وخضرة.
وقد قال ابن قتيبة في باب معرفة في الطير: والأخيل: هو الشقراق (بكسر الشين)، كذا يوجد في جمهور النسخ.
(2/201)

[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: "مرقاة ومسقاة، وذكر الأبريسم (بفتح الألف والراء). ثم ذكر أن الكسر لغة، فإذا كان الكسر لغة، فأي معنى لإدخال هذا في لحن العامة. وقد يمكن أن تكون العامة قالت: أبريسم (بكسر الراء) فذكره من أجل ذلك. وأما المرقاة والمسقاة: فلا وجه لذكرهما في هذا الباب.
[6] مسألة:
وقال في آخر هذا الباب: "نزلنا على ضفة الشهر وضفتيه (بفتح الضاد).
(قال المفسر): كذا وقع في روايتنا. ووقع في بعض النسخ في باب ما جاء مكسوراً والعامة تفتحه، والفتح والكسر: لغتان، حكاهما الخليل وغيره، والفتح فيهما أشهر من الكسر.
(2/202)

باب
ما جاء مكسوراً والعامة تفتحه
قال في هذا الباب: "الإنفحة، وهو الضفدع".
(قال المفسر) قد ذكر صاحب كتاب العين: أن الأنفحة (بفتح الهمزة): لغة وحكى أبو حاتم في ضفدع: أن فتح الدال. لغة. وقد حكى ضفدع، (بضم الضاد، وفتح الدال)، وهو نادر، ذكره المطرز.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو الديوان، والديباج: (بكسر الدال فيهما) ".
(قال المفسر): هذا الذي ذكر هو الأفصح. وقد ذكر ابن دريد: أن الفتح فيهما لغة.
[3] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "المظلة: (بكسر الميم) ".
(قال المفسر): كان ابن الأعرابي يقول: المظلة، بالفتح لا غير.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ليس على فلان محمل، وقعدت له في
(2/203)

مفرق الطريق ويقال مفرق. ومرفق اليد، ولى في هذا الأمر مرفق (بكسر الميم فيهن) ".
(قال المفسر): لا وجه لإدخال هذه الألفاظ في لحن العامة، لأن الفتح والكسر جائزان في جميعها، وقد قال هو في هذا الباب بعينه: أنه يقال: مفرق (بالفتح). وحكى الخليل في محمل الفتح، والقياس يوجب فيه ذلك، لأن فعله حمل يحمل (بفتح العين) من الماضي، وكسرها من المستقبل.
والمفعل من هذا الباب إذا كان مصدراً: فحكمه الفتح، إلا ما شذ عن الباب، وأجاز أبو علي البغدادي في مرفق اليد، فتح الميم مع كسر الفاء، وكر الميم مع فتح الفاء، ولم يجز ذلك في المرفق من الأمر، حكى ذلك عنه في بعض تعاليق هذا الكتاب، فإن كان هذا صحيحاً عنه، فهو غلط، لأن المرفق من الأمر يجوز فيه ما جاز في المرفق من اليد، وقد قرأت القراء: (ويهيئ لكم من أمركم مرفقا) و (مرفقا) بالوجهين.
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب:"السرع: السرعة".
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو المشهور. وذكر صاحب كتاب
(2/204)

العين، أن السرع (بكسر العين): مصدر سرع، وسرعت يده. قال: وأما السرع (بفتح العين): فهو السرعة في جري الماء وأنهار المطر ونحوه.
[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهي الجنازة (بكسر الجيم) ".
(قال المفسر): قد اضطرب قول ابن قتيبة في الجنازة، فذكر في هذا الباب: أنها بالكسر، وأنكر فتح الجيم، وجعله من لحن العامة، ثم قال في (باب جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما) إن الجنازة (بالكسر): أفصح من الجنازة.
ثم ذكر في كتاب الأبنية من كتابه هذا، أنهما لغتان.
وقال في كتابه في المسائل: الجنازة (بكسر الجيم): الميت، وإنما سمي النعش جنازة باسم الميت، وإنما سمي النعش جنازة باسم الميت، ولم يذكر الفتح.
وقال أبو علي الدينوري في كتاب لحن العامة: الجنازة بكسر الجيم: السرير الذي يحمل عليه الميت، ولا يقال للميت جنازة. وروى السكري عن محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابي: أنه قال: الجنازة: النعش إذا كان عليه الميت، ولا يقال له دون ميت جنازة. كذا رواه بكسر الجيم، قوال صاحب كتاب العين: الجنازة (بفتح الجيم):
(2/205)

الإنسان الميت، والشيء الذي ثقل على القوم، واغتموا به هو أيضاً جنازة، وأنشد قول صخر:
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغتر بالحدثان
قال: وأما الجنازة (مكسورة الصدر) فهي خشب الشرجع. قال: وينكرون قول من يقول الجنازة: الميت. وإذا مات الإنسان فإن العرب تقول: رمى في جنازته فمات، وقد جرى في أفواه الناس: الجنازة ببفتح الجيم، والنحارير ينكرونه.
وقال ابن دريد: جنزت الشيء سترته، ومنه سمي الميت جنازة، لأنه يستر، وفي الخبر أنه أنذر الحسن لصلاة على ميت، فقال: إذا جنزتموها فآذنوني أي كفنتموها.
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب: مقدمة العسكر.".
(قال المفسر): يقال: قدم الرجل بمعنى تقدم، قال الله تعالى: (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)، فلذلك قيل: مقدمة الجيش، لأنها تقدمته، فهي اسم فاعل من قدم بمعنى تقدم، ولو قيل مقدمة (بفتح الدال)، لكان ذلك صحيحاً، لأن غيرها يقدمها، فتتقدم، فتكون مفعوله على هذا المعنى.
(2/206)

[8] مسألة:
وقال في هذا الباب: متاع مقارب، ولا يقال: مقارب.
وقال قاسم بن ثابت لك الناس حكوا: عمل مقارب" (بالكسر) إلا ابن الأعرابي، فإنه حكى: عمل مقارب (بالفتح) لا غير."
(قال المفسر): القياس يوجب أن الكسر والفتح جائزان. فمن كسر الراء جعله اسم فاعل من قارب. ومن فتح الراء؛ جعله اسم مفعول من قورب.
[9] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهي الزنفليجة (بكسر الزاي) ولا تفتح".
(قال المفسر): قد حكى أبو علي البغدادي في البارع عن الأصمعي: أن العرب تقول: الزنفليجة، بفتح الزاي والفاء. ووقع في بعض نسخ أدب الكتاب: الزنفيلجة (بتقديم الياء على اللام).
وأظنه غلطاً من الناقل، لأن الذي رويناه في الأدب عن أبي علي: بتقديم اللام على الياء.
[10] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وتقول في الدعاء": "إن عذابك الحد بالكافرين ملحق" بكسر الحاء، بمعنى لاحق."
(قال المفسر): هذا الذي قاله قد قاله غير واحد من اللغويين،
(2/207)

وإنكارهم فتح الحاء شيء ظريف، لأن الفتح جائز في القياس.
لأن الله تعالى ألحقه بهم، فالله تعالى ملحق والعذاب ملحق، ولا أعلم لإنكار الفتح وجهاً إلا أن تكون الرواية وردت بالكسر، فلزم اتباعها.

باب
ما جاء مفتوحاً والعامة تضمه
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "وهو درهم ستوق، بفتح السين".
(قال المفسر): قد حكى يعقوب أنه يقال: ستوق بالضمن وزاد اللحياني فقال: يقال: تستوق أيضاً.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "فعلت ذلك به خصوصية، ولص بين اللصوصية".
(قال المفسر): الفتح والضم فيهما جائزان، إلا أن الفتح أفصح، حكى ذلك ثعلب وغيره، وكذلك حر بين الحرورية.
(2/208)

[3] مسألة:
قال في هذا الباب: "وهي الأنملة بفتح الميم: واحدة الأنامل".
(قال المفسر): إدخاله الأنملة في لحن العامة ظريف جداً، ولو قال: إن هذه اللغة أفصح اللغات، لكان ما قاله صحيحاً. وقد كثرت اللغات في الأنملة والإصبع حتى صار الناطق بهما كيف شاء لا يكاد يخطيء وفي كل واحدة منهما تسع لغات: أنملة وأصبع، بفتح الأول والثالث، وأنملة وأصبع، بضم الأول والثالث؛ وإنملة وإصبع، بكسر الأول والثالث، وأنملة وأصبع، بفتح الأول وضم الثالث؛ وأنملة وأصبع، بضم الأول وفتح الثالث؛ وأنملة وأصبع، بضم الأول وكسر الثالث؛ وإنملة وإصبع، بكسر الأول وفتح الثالث؛ وإنملة وإصبع، بكسر الأول وضم الثالث، وأنملة وأصبع، بفتح الأول وكسر الثالث، وفي الإصبع لغة عاشرة، ليست في الأنملة، وهي، وهي أصبوع، بالواو وضم الهمزة، على وزن أشلوب، وأفصح اللغات: أنملة، بفتح الهمزة والميم، وإصبع، بكسر الهمزة وفتح الباء.
وذكر ابن قتيبة في باب ما جاء فيه أربع لغات من حروف مختلفة الأبنية، أن في الإصبع أربع لغات، ونسي هاهنا ما قاله هناك.
(2/209)

باب
ما جاء مضموماً والعامة تفتحه
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "على وجهه طلاوة، بضم أولها".
(قال المفسر): قد قال في باب ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما: ويقولون عليه طلاوة، والأجود: طلاوة، فذكر أن الضم أفصح من الفتح، ثم قال في أبنية الأسماء: على وجهه طلاوة وطلاوة، فأجاز الفتح والضم وسوى بينهما.
وكان ابن الأعرابي يقول: ما على كلامه طلاوة ولا حلاوة بالفتح، ولا أقول طلاوة بالضم، إلا للشيء يطلى به. وقال أبو عمرو الشيباني: يقال: طلاوة وطلاوة وطلاوة بالضم والفتح والكسر.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "جدد ولا يقال جدد بفتحها، إنما الجدد: الطرائق، قال الله تعالى: (ومن الجبال جدد بيض).
(قال المفسر): قد أجاز أبو العباس المبرد وغيره في كل ما جمع من المضاعف على فُعل الضم والفتح، لثقل التضعيف. فأجاز أن يقال: جدد وجدد وسرر وسرر. وقد قرأ بعض القراء، (على سرر موضونة)
(2/210)

[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو النكس في العلة."
(قال المفسر): النكس بالفتح المصدر. والنكس بالضم. الاسم ذكر ذلك ابن جني.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وجلته نصب عيني".
(قال المفسر): قد قال في باب الحرفين يتقاربان في اللفظ والمعنى، فربما وضع الناس أحدها موضع الآخر: النصب بالضم: الشر. قال تعالى: (بنصب وعذاب). والنصب بفتح النون: ما نصب. قال الله تعالى: (كأنهم على نصب يوفضون) وهو النصب أيضاً بفتح الصاد والنون فلامه هذا يوجب أن يجوز (جعلته نصب عيني)، بفتح النون.
[5] مسألة:
وقال هذا الباب، حكاية عن أبي زيد "رفق الله بك ورفق عليك".
(قال المفسر): قد حكى الخليل وغيره رفقت بالأمر، بفتح الفاء: إذا لطفت به ورفقت بضم الفاء: إذا صرت رفيقاً. فيجوز على هذا: رفق الله بك، بفتح الفاء أي لطف بك، ورفق، بضم الفاء، أي صار رفيقاً. والفتح في هذا أقيس من الضم.
(2/211)

باب
ما جاء مضموماً والعامة تكسره
[1] مسألة:
وقال في هذا الباب: "هي الخصية والخصيتان".
(قال المفسر): قد حكى في باب فعلة وفعلة من أبنية الأسماء أنه يقال: خصية وخصية ونسي ما قاله ههنا. فأما الخصي بغير هاء، فلا أعرف فيه غير الضم. وأما الخصي فجمع خصية بالكسر لا غير.
قال [خفاف بن قيس من البراجم]:
وخناذيذ خصية وفحولا
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو الفسطاط بالضم".
(قال المفسر): قد قال بعد هذا في باب ما جاء فيه ست لغات أنه يقال: فسطاط، وفسطاط، وفستاط، وفستاط، وفساط، وفساط، وهذا تخليط.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو جربان القميص، بضم الجيم والراء".
(2/212)

(قال المفسر): قد أنشد أبو علي البغدادي في النوادر:
له خفقان يرفع الجيب كالشجا ... يقطع أزرار الجربان ثائره
وذكر أنه وجده هكذا بخط إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأنه قرأه على أبي بكر بن دريد، فلم ينكره، وهكذا حكاه الخليل.
وقال أبو علي البغدادي في البارع: قال أبو حاتم: سألت الأصمعي عن جربان القميص بكسر الجيم والراء وتشديد لباء فقال: هو فارس معرب، إنما هو كربان، فرأيت مذهبه أنه جربان، بكسر الجيم والراء.

باب
ما جاء مكسوراً والعامة تضمه
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "هو الخوان، بكسر الخاء".
(قال المفسر): قد قال في باب ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما:
ويقولون: خوان. والأجود خوان. فذكر أن الكسر أفصح من الضم، وأنهما لغتان، ونسي ما قاله هاهنا.
ثم قال في (باب فِعال وفُعال من أبنية الأسماء) أنه يقال: خوان وخوان [للذي يؤكل عليه].
(2/213)

[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: ودابة فيها قماص، ولا يقال قماص".
(قال المفسر): الضم والكسر جائزان، ذكر ذلك غير واحد.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "تمر شهريز وسهريز، بالكسر ولا يضم أولهما".
(قال المفسر) أما الذي بالشين معجمة فلا أحفظ فيه غير الكسر. وأما الذي بالسين غير معجمة، فإن أبا حنيفة حكى فيه الكسر والضم، وحكى نحو ذلك اللحياني وذكر أنه يقال: تمر سهريز على الصفة وتمر سهريز على الإضافة، وكذلك بالشين معجمة.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: "نحن في العلو وهم في السفل".
(قال المفسر) الضم والكسر فيهما جائزان والضم فيهما أشهر من الكسر.

باب
ما جاء على فعلت (بكسر العين) والعامة تقوله على فعلت (بفتحها)
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "صدقت في يمينك وبررت بها".
(2/214)

(قال المفسر): حكى ابن الأعرابي: صدقت وبررت، فوردا بالفتح والكسر. فأما بررت والدي فلا أعرف فهي لغة غير الكسر.

باب
ما جاء على فعلت (بفتح العين) والعامة تقوله على فعلت (بكسرها)
قال في هذا الباب: "نكلت عن الشيء أنكل نكولاً، وحرصت على الأمر أحرص حرصاً".
(قال المفسر): حكى ابن درستويه في شرح الفصيح: أنه يقال نكلت وحرصت، بالكسر.
وحى ابن القوطية في حرصت الفتح والكسر، في كتاب الأفعال، ولم يذكر نكلت.

باب
ما جاء على فعلت (بفتح العين) والعامة تقوله على فعلت (بضمها)
قال في هذا الباب: "البصريون يقولون: حمض الخل وطلقت المرأة لا غير".
(قال المفسر): هذا يدل على أن الكوفيين يجيزون الفتح والضم. وإذا كان كذلك، فلا وجه لإدخال ذلك في حلن العامة، ومع ذلك فقد حكاه يونس، وهو من جملة البصريين.
وكذلك ذكر: خثر اللبن يخثر، وشحب لونه يشحب في هذا الباب، ولا وجه لذلك، لأن الضم والفتح جائزان فيهما، وقد حكى ذلك
(2/215)

في موضع آخر من كتابه هذا، وذكر يعقوب أن خثر، بكسر الثاء: لغة ثالثة.

باب
ما جاء على يفعل (بضم العين) مما يغير
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "همعت عينه تهمع وكهن الرجل يهن".
(قال المفسر): الفتح جائز فيهما جميعاً.
[2] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "نكل عن الأمر ينكل".
(قال المفسر): قد ذكرنا أن نكلت، بكسر الكاف: لغة ذرها ابن درستويه، فينبغي أن يقال في المستقبل من هذه اللغة: أنكل، بالفتح.
[3] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "در له الحلب يدر".
(قال المفسر): الكسر فيه جائز، وهو أقيس من الضم، لأنه قد قال بعد هذا في الكتاب: أنكل ما كان على فعلت، بفتح العين، من ذوات التضعيف، غير متعد، فالعين من فعله المستقبل مكسورة، إلا ألفاظاً شذت، فجاءت بالضم.
(2/216)

باب
ما جاء على يفعل بكسر العين مما يُغير
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "نعر ينعر، من الصوت. وزحر يزحر، ونحت ينحت، وبغمت الظبية تبغم".
(قال المفسر): الفتح جائز في هذه الأفعال كلها، وقد حكى في بغمت الظبية ضم الغين في المستقبل وكذا قرأناه في الغريب المصنف.
[2] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "نشرت الثوب أنشره".
(قال المفسر): الضم فيه أشهر من الكسر.
[3] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "أبق يابق".
(قال المفسر): قد حكى بعد هذا في باب فعل يفعل ويفعل أنه يقال: أبق يأبق ويأبق، ونسى ما قاله هاهنا.
[4] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "نعق بالشاء ينعق".
(قال المفسر): الفتح فيه أيضاً جائز.
(2/217)

[5] مسألة:
وذكر: "هررت الحرب أهرها".
(قال المفسر): الضم فيه أقيس من الكسر. وقد قال بعد هذا أن ما انك على فعل مفتوح العين من المضاعف متعدياً، فقياس مستقبله أن يكون مضموم العين، إلا ألفاظاً شذت عما عليه الأكثر.

باب
ما جاء على يفعل (بفتح العين) مما يغير
قد ذكر في هذا الباب: "شم يشم، وعسر على الأمر يعسر".
(قال المفسر): أما شم يشم فقد ذكر بعد هذا في باب فعل يفعل ويفعل: شم يشم ويشم، ونسي ذلك في هذا الموضع.
وله في هذه اللفظة غلط آخر، نذكره إذا انتهينا إلى بابه إن شاء الله تعالى.
وأما عسر يعسر ففيه لغتان: عسر يعسر فهو عسر، مثل حذر يحذر فهو حذر، وعسر يعسر فهو عسير، على وزن ظرف يظرف فهو ظريف.
(2/218)

باب
ما جاء على لفظ ما لم يسم فاعله
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "عنيت بالشيء، فأنا أعنى به، ولا يقال: عنيت".
(قال المفسر) قد حكى ابن الأعرابي: عنيت بأمره أعنى، وأنابه عان، على مثال: خشيت أخشى، وأنا خاش، والذي قاله ابن قتيبة هو المعروف وهذا نادر، وأنشد ابن الأعرابي
عان بآخرها طويل الشغل ... له حفيران وأي نبل
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "بُهت الرجل. وحكى عن الكسائي: بهت بكسر الهاء وبهت، على صيغة ما لم يسم فاعله.
(قال المفسر): يقال: بهت على صيغة ما لم يسم فاعله، وبهت بكسر الهاء وفتح الباء على مثال علمت. وبهت بضم الهاء على مال ظرف، وبهت بفتح الهاء على مثال رددت، حكى ذلك ابن جني.
(2/219)

باب
ما ينقص منه ويزاد فيه، ويبدل بعض حروفه بغيره
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "هو السرجين، بكسر السين والجيم. قال الأصمعي: هو فارسي، ولا أدري كيف أقوله، فأقول: الروث".
(قال المفسر): قد حكى أبو حنيفة في كتاب النبات: انه يقال سرجين وسرقين بالجيم والقاف، وفتح السين وكسرها، وسرجنت الأرض وسرقنتها، وهي لفظة فارسية. ولذلك جاءت مخالفة كلام العرب؛ لأنه ليس في كلام العرب فعليل ولا فعلين، بفتح الفاء، وهذا كقولهم: آجر وسيسنبر وشاهسفرم ومرزجوش ومرزنجوش، ونحو ذلك من الألفاظ المعربة، المخالفة لأمثلة الكلام العربي، وهي كثيرة.
ورأيت ابن جني قد قال في بعض كلامه: الوجه عندي أن تكسر الشين من شطرنج، ليكون على مثال جردحل، وهذا لا وجه له. وإنما كان يجب ما قاله هنا، لو كانت العرب تصرف لك ما تعربه من الألفاظ العجمية إلى أمثلة كلامها. وإذا وجدنا فيما عربوه أشياء كثيرة مخالفة لأوزان كلامهم، فلا وجه لهذا الذي ذكره، وقد ورد من ذلك ما لا أحصيه كثرة، ومنه قول الأعشى.
(2/220)

لنا جلسان عندهم وبنفسج ... وسيسنبر والمززجوش منمنما
وآس وخيرى ومرو وسوسن ... إذا كان هنزمن ورحت مخشما
وشاهسفرم والياسمين ونرجس ... يصبحنا في كل دجن تغيما
ومستق بينين وعود وبربط ... يجاوبه صنج إذا ما ترنما
وقال لبيد:
فخمة ذفراء ترقى بالعرا ... قردمانيا وتركا كالبصل
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب:"وهي القاقوزة، والقازوزة، ولا يقال: قاقزة".
(قال المفسر): الذي أنكره ابن قتيبة ولم يجزه هو قول الأصمعي.
قال الأصمعي: هي القاقوزة، ولا أعرف قاقزة. وهي لفظة فارسية عربت، فلذلك كثر الاختلاف في حقيقة اللفظ بها.
(2/221)

[3] مسألة
وقال في هذا الباب:"هي البالوعة".
(قال المفسر): قد حكى ابن درستويه: بالوعة وبواليع، وبولعة وبلاليع. وهو الذي أنكره ابن قتيبة.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ويقال: شتان ما هما بنصب النون، ولا يقال ما بينهما، وأنشد للأعشى:
شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخي جابر
قال: وليس قول الآخر:
(لشتان ما بين اليزيدين في الندى) بحجة.
(قال المفسر): هذا قول الأصمعي، وإنما لم ير البيت الثاني حجة، لأنه لربيعة الرقى، وهو من المحدثين. ولا وجه لإنكاره إياه، لأنه صحيح في معناه، وهو في مبنى لفظه، تكون (ما) فاعلة بشتان، كأنه قال بعد الذي بينهما، وهي في بيت الأعشى زائدة، وقد أنكر الأصمعي أشياء كثيرة، كلها صحيح، فلا وجه لإدخالها في لحن العامة من أجل إنكار الأصمعي لها.
(2/222)

[5] مسألة:
وقال في هذا الباب:"ويقال: هذا ماء ملح، ولا يقال: مالح. قال الله تعالى: (هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج). ويقال: سمك مليح، ومملوح، ولا يقال: مالح. وقد قال عذافر، وليس بحجة
بصرية تزوجت بصريا ... يطعمها المالح والطريا
(قال المفسر): هذا الذي قاله ابن قتيبة قد قال مثله يعقوب وأبو بكر بن دريد وغيرهما ورواه الرواة عن الصمعي وهو المشهور من كلام العرب. ولكن قول العامة لا يعد خطأ. وإنما يجب أن يقال: إنها لغة قليلة، وقد قال ابن الأعرابي: يقال: شيء مالح، كما قالوا: شيء حامض، وقال أيضاً: الحمض كل شيء مالح له أصل، وليس على ساق، وروى الأثرم عن أبي الجراح الأعرابي: الحمض: المالح من الشجر والنبت. وقد قال جرير يهجو آل المهلب:
آل المهلب جذ الله دابرهم ... أمسوا رماداً فلا أصل ولا طرف
كانوا إذا جعلوا في صيرهم بصلا ... ثم اشتروا كنعدا من مالح جدفوا
وقال غسان السليطي:
وبيض غذاهن الحليب ولم يكن ... غذاهن نينان من البحر مالح
أحب إلينا من أناس بقرية ... يموجون موج البحر والبجر جامح
(2/223)

وأنشد أبو زياد الكلابي، قال: أنشدني أعرابي فصيح:
صبحن قوا والحمام واقع ... وماء قو مالح ونابع
وإنما لم ير الأصمعي عذافر حجة، لأنه كان حضرياً غير فصيح، وعذافر وإن كان غير فصيح كما قال، فقد جاء مالح فيما قدمنا ذكره، وقد جاء في خبر عذافر الذي من أجله قال هذا الرجز ما فيه حجة.
حكى أبو زياد الكلابي قال: أكرى رجل من بني فقيم رجلاً من أهل البصرة وامرأة له يقال لها: شعفر [والبصري رجل من بني حنيفةن وامرأته من بني حنيفة، عربيان، وذكر خبراً طويلا] ثم قال:
فقال الفقيمي:
لو شاء ربي لم أكن كريا ... ولم أسق لشعفر المطيا
بصرية تزوجت بصريا ... يطعمها المالح والطريا
قال: فاندفع الحنفي يقول:
قد جعل الله لنا كريا ... مقبحاً ملعنا شقيا
أكريت خرقا ماجدا سريا ... ذا زوجة كان بها حفيا
يطعمها المالح والطريا ... وجيد البر لها مقليا
فقد قال الحنفي مالحاً، كما قال عذافر، وهو الفقيمي، واتفقا على ذلك.
(2/224)

وقد حكى ابن قتيبة في باب فعل وأفعل باتفاق المعنى: ملح الماء وأملح، بضم اللام منملح، فينبغي على هذا أن يقال: ماء مليح ومملح، ولا يستنكر أن يقال من هذا ماء مالح، على معنى النسب، كما قالوا: أدرس الشجر فهو دارس، وأبقل المكان فهو باقل.
وأما قولهم: سمك مالح، فلولا الرواية وما أنشدناه من الأشعار المتقدمة، لكان قياسه ألا يجوز، لأنه يقال: ملحت الشيء: إذا جعلت فيه الملح بقدر، فإن أكثرت فيه من الملح قلت: أملحت. فالقياس أن يقال: سمك مالح ومملوح، فإن أكثر فيه من الملح قيل سمك مملح. فأما ما حكوه من قولهم سمك مالح فينبغي أن يكون من المنسوب الذي يأتي فيه المفعول على لفظ فاعل، كقولهم: ماء دافق، وعيشة راضية، ونحو ذلك.
وحكى على بن حمزة عن بعض اللغويين: أنه يقال: ماء ملح. فإذا وصف الشيء بما فيه من الملوحة قلت: سمك مالح، وبقلة مالحة، قال: ولا يقال ماء مالح، لأن الماء هو الملح بعينه، وهذا قول غير معروف، وهو مع ذلك مخالف للقياس، لأن صفة الماء بأنه مالح، أقرب إلى القياس من وصف السمك، لأنهم قالوا: ملح الماء وأملح، فأسندوا إليه الفعل، كما يسند إلى الفاعل. ولم يقل ملح السم. إنما قالوا: ملحت السمك: إذا جعلت فيه الملح.
[6] مسألة:
قال في هذا الباب: "ويقال قد فاظ الميت يفيظ فيظا ويفوظ فوظا هذا رواه الأصمعي، وأنشد لرؤبة - لا يدفنون فيهم من فاظا.
(2/225)

قال: ولا يقال: فاظت نفسه، وحكاها غيره. قال: ولا يقال: فاضت إنما يفيض الماء والدمع، وأنشد الأصمعي:
كادت النفس أن تفيظ عليه ... إذا ثوى حشو ريطة ويرود
فذكر النفس وجاء بأن مع كاد".
(قال المفسر): كان الأصمعي لا يجيز فاظت نفسه لا بالظاء ولا بالضاد، وكان يعتقد في قول الشاعر (كادت النفس أن تفيظ عليه أنه شاذ أو ضرورة اضطر إليها الشاعر.
فقيل للأصمعي، قد قال الراجز:
اجتمع الناس وقالوا عرس ... ففقئت عين وفاضت نفس
فقال الأصمعي: ليست الرواية هكذا، وإنما الرواية: وطن الضرس.
وقال بعض اللغويين: يقال: فاظ الميت (بالظاء). فإذا ذكرت النفس قيل فاضت نفسه (بالضاد)، يشبه خروجها بفيض الإناء، وحكى مثل ذلك أبو العباس المبرد في الكامل.
قال أبو العباس: وحدثني أبو عثمان المازني، أحسبه عن أبي زيد قال كل العرب يقولون: فاضت نفسه بالضاد. إلا بني ضبة،
(2/226)

فإنهم يقولون: فاظت نفسه بالظاء، وإنما الكلام الفصيح فاظ بالظاء: إذا مات.
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب: "يقال: هو أخوه بليان أمه، ولا يقال بلبن أمه، إنما اللبن الذي يُشرب من ناقة أو شاة أو غيرهما من البهائم".
(قال المفسر): قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لبن الفحل أنه يحرم. كذا رواه الفقهاء، وتفسيره: الرجل تكون له المرأة وهي مرضع بلبنه، فكل من أرضعته بذلك اللبن فهو ابن زوجها، محرمون عليه، وعلى ولده من تلك المرأة وغيرها، لأنه أبوهم جميعاً، والصحيح في هذا أن يقال: إن اللبان للمرأة خاصة، واللبن عام في كل شيء.
[8] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو الرزداق، ولا يقال: الرستاق".
(قال المفسر): كذا قال يعقوب. والرستاق صحيح، حكاه غير واحد، وكذا روى بيت ذي الرمة.
فهذا الحديث يامرأ القيس فاتركي ... بلا دتميم والحقي بالرساتق
(2/227)

[9] مسألة:
وقال في هذا الباب: "جاء فلان بالضح والريح، أي بما طلعت عليه الشمس، وجرت عليه الريح، ولا يقال: الضيح".
(قال المفسر): قد حكى بعض اللغويين أنه يقال: الريح والضيح إتباعاً للريح. والضح والرح بغير ياء: إتباعاً للضح. ذكر ذلك أبو حنيفة. وقال الخليل: الضيح إتباعاً للريح. فإذا أفرد لم يكن له معنى.
[10] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وقد عار الظليم يعار عرارا، ولا يقال: عر".
(قال المفسر): قد حكى أبو عبيد في الغريب المصنف عن أبي عمرو: عر الظليم بغير ألف.
[11] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ويقال: نثل درعه، ولا يقال: نثرها".
(قال المفسر): نثل ونثر لغتان صحيحتان، ويقال للدرع: نثلة ونثرة. قد حكى ذلك غير واحد من اللغويين.
(2/228)

[12] مسألة:
وقال في هذا الباب: "هو مضطلع بجمله: أي قوى عليه، وهو مفتعل من الضلاعة، ولا يقال مطلع".
(قال المفسر): يجوز على مقاييس النحويين، مضطلع ومطلع (بالطاء والضاد). وعلى هذا أنشدوا بيت زهير:
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفواً ويظلم أحياناً فيظطلم
ويطلم (بالطاء غير معجمة، ويظلم بالظاء معجمة، ولذلك أنشدوا قول الآخر:
لما رأى أن لا دعه ولا شبع ... مال إلى أرطاة حقف فاضطجع
ويروى فاضجع وفاطجع (بالطاء غير معجمة)، والكلام في هذا ليس هذا موضعه، فلذلك ندعه.
[13] مسألة:
وقال في هذا الباب عن أبي عبيدة: "رجل مشناء: يبغضه الناس، على تقدير مفعال. وكذلك فرس مثناء. والعامة تقول مشنأ".
(قال المفسر): مشنأ بفتح الميم مهموز مقصور: جائز وهو
(2/229)

مصدر جاء على وزن مفعل، كالمعلم والمجهل، فالملك لا يثنى ولا يجمع، فيقال: رجل مشنأ، ورجلان مشنأ، ورجال مشنأ، وكذلك المؤنث. وهو أقيس من مشناء، لأن مفعالاً إنما بابه أن يكون من صفات الفاعل، لا من صفات المفعول، نحو رجل مضحاك: للكثير الضحك، ومضارب للكثير الضرب، فكذلك مشناء: حكه أن يكون للذي يبغض الناس كثيراً. وأما المفعول فحمكه أن يقال فيه مشنوء على مثال مضروب ومقتول، فقولهم: مشناء للمفعول: نادر، خارج عن القياس.
وأما المصدر فقد كثر وصف الفاعل والمفعول به، وأنا أحسب الذي وقع في الدبن والعامة تقول مشناء، مفتوح الميم ممدود. فإذا كان هكذا فهو لحن، لأنه ليس في الكلام مفعال، بفتح الميم.
[14] مسألة:
وقال في هذا الباب: سكران ملطخ: خطأ. إنما هو ملتخ: أي مختلط، لا يفهم شيئاً، لاختلاط عقله".
(قال المفسر): حكى يعقوب في إصلاح المنطق: ملتخ وملطخ: [أي مختلط] ويقال أيضاً: ملتبك، حكاه اللحياني.
(2/230)

[15] مسألة:
وقال في هذا الباب. ويقولون: تؤثر وتحمد، والمسموع: توفر وتحمد، من قول: قد وفرته عرضه أفره وفرا".
(قال المفسر): تؤثر وتحمد: صحيح، حكاه يعقوب في القلب والابدال، وذهب إلى أن الثاء بدل من الفاء، وقد يجوز أن يكون ل واحد من الحرفين أصلاً، غير مبدل من الآخر، فيكون توفر من قولك: وفرته ماله ووفرته عرضه، ويكون تؤثر من قولك: آثرته أوثره إيثاراً: إذا فضلته.
[16] مسألة:
وقد قال في هذا الباب: "تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها، يذهبون إلى أنها لا تأكل لحم الثدي، وهو خطأ. والصواب ولا تأكل بثدييها أي لا تسترضع، فتأخذ على ذلك الأجرة".
(قال المفسر) أما ما يذهب إليه العامة من أن المعنى لا تأكل لحم الثدي، فهو خطأ، لا وجه له. ولكن يجوز لا تأكل ثدييها على تأويلين: أحدهما: أن يراد أجر ثدييها، أو ثمن ثدييها ويحذف المضاف ويقام المضاعف إلي مقامه. وهذا كثير في الكلام، تغني كثرته عن ذكر أمثلته.
والتأويل الثاني على غير حذف، ويكون المعنى أنها إذا أكلت أجر ثدييها، فكأنها قد أكلت الثديين أنفسهما. ونحو من هذا قول الشاعر:
إذا صب ما في القعب فاعلم بأنه ... دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أودعه
يعني رجلاً قُتل أبوه، فأخذ ديته إبلاً، يقول: إذا شربت لبن الإبل التي أخذتها في دية أبيك، فكأنك إنما شربت دمه.
[17] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ويقولون: النقد عند الحافر، يذهبون إلى
(2/231)

أن النقد عند مقام الإنسان، ويجعلون القدم هاهنا الحافر. وإنما هو النقد عند الحافرة: أي عند أول كلمة".
(قال المفسر): قد ذكر بعض اللغويين أن قول العامة: النقد عند الحافر: صحيح، وقال: أصله أن الخيل كانت أفضل ما يباع، فكان الرجل إذا اشترى فرساً قال له صاحبه: النقد عند الحافر، أي عند حافر الفرس في موضعه قبل أن يزول، ثم صار مثلاً في كل شيء لا نظرة فيه، كما قالوا: دفعوه إليه برمته، وأصله في الإبل، ثم صار مثلاً في مالا رمة له، ومثل هذا كثير.
[18] مسألة:
وحكى في هذا الباب عن الأصمعي:"رجل دائن: إذا كثر ما عليه من الدين، ولا يقال من الدين دين فهو مدين ولا مديون: إذا كثر عليه الدين، ولكن يقال: دين الملك فهو مدين: إذا دان له الناس."
(قال المفسر): قد حكى الخليل: رجل مدين، ومديون، ومُدان، ودائن، وادان، واستدان، ودان: إذا أخذ بالدين، وأنشد:
إن المدين غمسه طري ... والدين داء كاسمه دوى
[19] مسألة:
وقال في هذا الباب: "كساء منبجاني، ولا يقال: أنبجاني. لأنه منسوب إلى منبج، وفتحت باؤه في النسب، لأنه خرج مخرج منظراني، ومخبراني".
(2/232)

(قال المفسر): قد قيل: أنبجاني، وجاء ذلك في بعض الحديث. وقد أنشد أبو العباس المبرد في الكامل في وصف لحية:
كالأنبجاني مصقولاً عوارضها ... سوداء في لين خد الغادة الرود
ولم ينكر ذلك، وليس في مجيئه مخالفاً للفظ منبج، ما يبطل أن يكون منسوباً إليها، لأن المنسوب يرد خارجاً عن القياس كثيراً، كمروزي ورازي، ونحو ذلك.
[20] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو الدرياق، وأنشد:"
سقتني بصهباء درياقة ... متى ما تلين عظامي تلن
(قال المفسر): قد حكى أبو حنيفة أنه يقال: ترياق، ودرياق، وطرياق، ودراق، بمعنى واحد، ويقال له أيضاً مسوس. يريدون أنه يمس الداء فيبرأ. ولهذا قالوا: ماء مسوس: يريدون أنه يمس الغلة فتذهب. قال الشاعر:
(2/233)

لو كنت ماء كنت لا ... عذب المذاق ولا مسوسا
ملحا بعيد القعر قد ... فلت حجارته الفؤوسا
[21] مسألة:
وقال في آخر هذا الباب "وهو الحندقوق، نبطي معرب، ولا يقال حندقوقي".
(قال المفسر): حندقوقي: لغة صحيحة حكاها أبو عبيد في الغريب، وحكاها أبو حنيفة وغيرهما

باب
ما يُتكلم به مثنى
قال في هذا الباب: "تقول: اشتريت مقراضين وجلمين. ولا يقال: مقراض ولا مقص، ولا جلم".
(قال المفسر): قد حكى يعقوب: أنه يقال: جلم، وحكى الحليل: أنه يقال مقراض وأنشد أبو تمام في الحماسة لسالم بن وابصة:
داويت صدراً طويلاً غمره حقداً ... منه وقلمت أظفاراً بلا جلم
(2/234)

وقال أعرابي:
فعليك ما اسطعت الظهور بلمتي ... وعلى أن ألقاك بالمقراض

باب
ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "ويقولون: أصابه سهم غرب، والأجود عرب".
(قال المفسر) لم يختلف اللغويون في أنهما لغتان، وإنما اختلفوا في أفصح اللغتين؛ فكان الأصمعي والكسائي يختاران فتح الراء، وهو الذي اختاره ابن قتيبة، وكان أبو حاتم يختار تسكين الراء.
[2] مسألة:
وقد قال في هذا الباب: "ويقولون للعالم: حبر والأجود حبر".
(قال المفسر): اختار ابن قتيبة كسر الحاء. وكان أبو العباس ثعلب يختار فتح الحاء.
وقد أجاز ابن قتيبة في هذا الباب أشياء كثيرة أنكرها فيما تقدم من الكتاب.
(2/235)

[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ويقولون: بححت والأجود: بححت".
(قال المفسر): كذا وقع في روايتنا عن أبي نصر عن أبي علي: بححت، بحاءين غير معجمتين، من البحح في الحلق، واختار كسر الحاء على فتحها. ووقع في بعض النسخ: ويقولون بجحت بالأمر، والأجود: بجحت (بجيم بعدها حاء غير معجمة). والجيم في اللغة الأولى مضمومة، وفي الثانية مكسورة. وهذا أيضاً صحيح، وقد حكى أبوبكر بن دُريد اللغتين جميعا، ومعناهما: فرحت وسررت.

باب
ما يُغير من أسماء
[1] مسألة:
قال في هذا الباب: "هو وهب مسكن الهاء ولا يفتح".
(قال المفسر): قد قال زهير:
ولا شاركت في الموت في دم نوفل ... ولا وهب منهم ولا ابن المخزم
(2/236)

فيجوز أن يكون حرك الهاء ضرورة. ويجوز أن تكون لغة. وقد قال الكوفيون: كل ما كان وزن فعل وعين الفعل منه حرف من حروف الحلق، فإن الفتح والإسكان جائزان فيه، كالبعر والبعر، والنهر والنهر، والبصريون يجعلونه موقوفاً على السماع، وهو الصحيح.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وهو كسرى بكسر الكاف، ولا تفتح".
(قال المفسر): الفتح والكسر فيه جائزان واختلفوا في المختار منهما فكان أبو حاتم يختار الكسر، وكان المبرد يختار الفتح.
[3] مسألة:
وقال: "وهو دحية الكلبي، بفتح الدال".
(قال المفسر): هذا الذي قاله الأصمعي، وحكى يعقوب. دحية بكسر الدال، فهما لغتان.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: "قال الأصمعي: وعند جفينة الخبر اليقين، ولم يعرف جهينة ولا حقينة".
(قال المفسر): قد اختلف العلماء في هذا المثل، فكان الأصمعي
(2/237)

يقول: جفينة بالجيم والفاء، وقال: وهو خمار. وكذلك قال ابن الأعرابي.
وكان أبو عبيدة يقول: حفينة، بحاء غير معجمة، وكان ابن الكلبي يقول: جهينة بالجيم والهاء وهو الصحيح، وذلك أن أصل هذا المثل: أن حصين بن عمر بن معاوية بن كلاب خرج في سفر ومعه رجل من جهينة، يقال له الأخنس بن شريق، فنزلا في بعض منازلهما، فقتل الجهني الكلابي، وأخذ ماله، وكانت لحصين أخت تسمى ضُمرة، فكانت تبكيه في المواسم، وتسأل الناس عنه، فلا تجد من يخبرها بخبره، فقال الأخنس:
وكم من فارس لا تزدريه ... إذا شخصت لمونقه العيون
أذل له العزيز وكل ليث ... حديد الناب مسكنه العرني
علوت بياض مفرقه بعضب ... يطير لوقعه الهام السون
فأضحت عرسه ولها عليه ... هدوا بعد زفرتها أنين
ضمرة إذ تسائل في مراح ... وفي جرم وعلمهما ظنون
تسائل عن حضين كل ركب ... وعند جهية الخبر اليقين
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: وهو الجلودي (بفتح الجيم) منسوب إلى جلود، وأحسبها قرية بإفريقية".
(2/238)

(قال المفسر): كذا قال يعقوب، وقال على بن حمزة البصري: سألت أهل إفريقية عن جلود هذه التي ذكرها يعقوب، فلم يعرفها أحد من شيوخهم، وقالوا: إنما نعرف كدية الجلود، وهي كدية من كدي القيروان. قال: (والصحيح): أن جلود: قرية بالشام معروفة.
[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وفرافصة: بضم الفاء ولا تفتح".
(قال المفسر): حكى أبو حاتم: الفرافصة (بفتح الفاء): اسم رجل، وبضمها: الأسد.
وحكى أبو علي البغدادي في الأمالي، عن أبي بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن أشياخه، قال: كل ما في العرب فرافصة (بضم الفاء)، إلا فرافصة أبا نائلة امرأة عثمان بن عفان، فأته بفتح الفاء لا غير.
[7] مسألة:
وقال في هذا الباب: "رؤبة بن العجاج بالهمز".
(قال المفسر): قد ذكر في باب المسمين بالصفات، ما في الرؤبة من المعاني وإن كان قد أغفل بعضها، ثم قال بإثر كلامه:
وإنما سمي رؤبة بواحدة من هذه، وهذا يوجب أن (رؤبة) يهمز
(2/239)

ولا يهمز، ومنع هنا من ترك همزه كما ترى، ولا خلاف بين النحويين أن تخفيف الهمزة جائز، وأنه لغة.
[8] مسألة:
وقال في هذا الباب: "الدول (في حنيفة) بالضم، والدئل في (عبد القيس): بالسر. والدئل في كنانة (بضم الدال وكسر الهمزة)، وإليهم نسب أبو الأسود الدؤلي".
(قال المفسر): هذا الذي ذكره ابن قتيبة هو قول يونس، وأما أبو جعفر بن حبيب فيذكر في كتابه في المؤتلف والمختلف: أن الذي في كنانة: (الدئل) بن بكر بن عبد مناة بن نانة، رهط أبي السود بكسر الدال، كالذي في عبد القيس، وحكى عن محمد بن سلام مثل قول يونس. وذكر السيرافي أن أهل البصرة يقولون: أبو الأسود الدؤلي، (بضم الدال وفتح الهمزة)، وأن أهل الكوفة يقولون: أبو الأسود الديلي (بكسر الدال وياء ساكنة).
[9] مسألة:
وقال في هذا الباب: "ويقولون: بستان ابن عامر، وإنما هو بستان ابن معمر".
(قال المفسر): بستان ابن معمر غير بستان ابن عامر، وليس
(2/240)

أحدهما الآخر. فأما بستان ابن معمر، فهو الذي يعرف ببطن نخلةن وابن معمر هذا هو عامر بن عبيد الله بن معمر التميمي. وأما بستان ابن عامر، فهو موضع آخر قريب من الجحفة. وابن عامر هذا: هو عبد الله بن عامر بن كرز، استعمله عثمان رضي الله عنه على أهل البصرة، وكان لا يعالج أرضاً إلا أنبط فيها الماء. ويقال: إن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير فعوذه وتفل في فيه، فجعل يمتص ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نه لمسقي، فكان لا يعالج أرضاً إلا أنيط فيها الماء.

باب
ما يغير من أسماء البلاد
قال في هذا الباب: "أسمنة: جبل بقرب طِحفة بضم الألف".
(قال المفسر): قد حكى أسنمة بفتح الألف، وهو من غريب الأبنية، لأن سيبويه قال: ليس في السماء والصفات أفعل (بفتح الهمزة)، إلا أن يكسر عليه الواحد للجمع، نحو أكلب وأعبد. وذكر ابن قتيبة أنه جبل، وذكر صاحب كتاب العين أن أسنمة رملة معروفة.
(2/241)

باب
فعلت وأفعلت باتفاق معنى
هذا الباب أجاز فيه ابن قتيبة أشياء كثيرة، منع منها فيما تقدم من كتابه، قد ذكرناها في مواضعها.
وذكر في هذا الباب: "هرقت الماء وأهرقته". وهذا الذي قاله قد قاله بعض اللغويين ممن لا يحسن التصريف، وتوهم أن هذه الهاء في هذه الكلمة أصل، وهو غلط، والصحيح أن هرقت وأهرقت فعلان رباعيان معتلان، أصلهما: أرقت، فمن قال هرقت، فالهاء عنده بدل من همزة أفعلت، كما قالوا: أرحت الماشية وهرحتها، وأنرت الثوب وهترته، ومن قال أهرقت، فالهاء عنده عوض من ذهاب حركة عين الفعل عنها، ونقلها إلى الفاء، لأن الأصل أريقت، أو أروقت، بالياء أو بالواو، على الاختلاف في ذلك، ثم نقلت حركة الواو أو الياء إلى الراء، فانقلبت حركة العلة ألفاً، لانفتاح ما قبله، ثم حذف لسكونه وسون القاف. والساقط من أرقت يحتمل أن يكون واواً، فيكون مشتقاً من راق الشيء يروق، ويحتمل أن يكون ياء، لأن الكسائي حكى راق الماء يريق: إذا انصب، والدليل على أن الهاء في هرقت وأهرقت ليست فاء الفعل، على ما توهم من ظنها كذلك، أنها لو كانت كذلك للزم أن يجري هرقت في تصريفه مجرى ضربت. فيقال: هرقت أهرق، كما تقول: ضربت أضرب ضرباً، أو مجرى غيره من الأفعال الثلاثية
(2/242)

التي يجيء مضارعها بضم العين، وتجيء مصادرها مختلفة، وكان يلزم أن يجري أهرقت في تصريفه مجرى أرمت ونحوه من الأفعال الرباعية، الصحيحة، فيقال: أهرقت أهرق إهراقاً، كما تقول: أكرمت أكرم كراما، ولم تقل العرب شيئاً من ذلك، وإنما يقولون في تصريف هرقت أهريق فيفتحون الهاء، وكذلك يفتحونها في اسم الفاعل، فيقولون مهريق، وفي اسم المفعول: مهراق، لأنها بدل من همزة لو ثبتت في تصريف الفعل لكانت مفتوحة، ألا ترى أن لو صرفت أرقت على ما ينبغي من التصريفن ولم تحذف الهمزة منه، لقلت في مضارعه يؤريق، وفي اسم فاعله: مؤريق، وفي اسم مفعوله مؤراق. وقالوا في المصدر: هراقة، كما قالوا إراقة. وذا صرفوا أهرقت قالوا في المضارع: أهريق، وفي المصدر إهراقة، وفي اسم الفاعل مهريق، وفي اسم المفعول مهراق، فأسكنوا الهاء في جميع تصريفا لكلمة، فهذا يدل على أنه فعل رباعي معتل وليس بفعل صحيح، وأن الهاء فيه بدل من همزة أرقت، أو عوض كما قلنا. قال العديل بن الفرخ:
فكنت مهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فوق رابية صلد
وقال ذو الرمة:
فلما دنت إهراقة الماء أنصتت ... لأعزلة عنها وفي النفس أن أثنى
وقال الأعشى في أراك:
في أراك مرد تكاد إذا ما ... ذرت الشمس ساعة تهراق
(2/243)

[10] مسألة:
ذكر ابن قتيبة في هذا الباب أفعالاً على زنة فعل مضمومة العين، وهي: وقح الحافر وخلق الثوب، وملح الماء، ونتن الشيء، ومرع الوادي، ورحبت الدار، وأفعالا مكسورة العين وهي: ألفت المكان، ونكرت القوم، ونعم الله بك عينا، وجدب الوادي، وخصب، ووبئت الأرض، وحطبت، وعشبت، وضبعت الناقة، ولحقته، وقويت الدار، وزكنت الأمر، وخطئت، وردفته. وفي بعض هذه الأفعال لغتان: الضم والفتح، وهو مرع الوادي ومرع، ومنها ما فيه الضم والكسر، وهو رحبت الدار ورحبت ولم يكن غرضي في ذكر هذه الأفعال الرد على ابن قتيبة، لإدخاله إياها في باب (فعل) المفتوح العين، وإنما ذكرتها لأني رأيت كثيراً من المستورين في هذه الصناعة، المنتحلين لها، يصرفونها كلها إلى الفتح. وقد وقعت إلى نسخ كثيرة من هذا الكتاب، مقروءة على قوم مشهورين، ووجدت أكثر هذه الألفاظ فيها مبشورة مصلحة، ورأيت قوماً يعتقدون أن ابن قتيبة غلط في إدخالها في باب (فعل) المفتوح العين. وهذا الذي اعترضوا به غير صحيح، لأن الأفعال الماضية كلها كيفما تصرفت صيغها، يجوز أن يعبر عنها بفعل، وإنما تراعى مقابلة الحركات بالحركات والسواكن بالسواكن في موضع آخر غير هذا، وشهرة هذا عند العارفين بصناعة التصريف تغنينا عن إطالة القول فيه.
(2/244)

باب
فعلت وأفعلت باتفاق المعنى واختلافها في التعدي
ذكر في هذا الباب: "رفقت به وأرفقته".
(قال المفسر): قد قال في باب ما جاء مضموماً والعامة تفتحه: رفق الله بك، ورفق عليك، وأرفقك إرفاقاً، فأنكر الفتح، وروى عنه هاهنا بالفتح.

باب
فعل الشيء، وفعل الشيء غيره
قال في هذا الباب "سرحت الماشية وسرحتها، ورعت ورعيتها.
(قال المفسر): أنكر أبو علي البغدادي رعيتها، وقال: ليس معنى رعيتها جعلتها ترعى، إنما معنى رعيتها: حفظتها. وإنما يقال من الرعي للنبات: رعيت الماشية وأرعيتها، بالألف.
(قال المفسر): حكى صاحب العين: الترعية (بتشديد الياء):
(2/245)

الرجل الحسن الالتماس وارتياد الكلأ للماشية، ورعيت رعية يومي، والرعية: فعلك بها. وهذا نحو مما قاله ابن قتيبة. يدل على ذلك قول الفرزدق:
راحت بمسلمة البغال عشية ... فارعى فزارة لا هناك المرتع!
وقال الراجز:
أرعيتها أكرم عود عودا ... الصل والصفصل واليعضيدا
والخاز باز السنم المجودا ... بحيث يدعو عامر مسعودا
أراد أن الراعي يضل في النبات لكثرته وطوله، فيحتاج صاحبه أن يطلبه.
(2/246)

باب
فعلت وأفعلت بمعنيين متضادين
قال في هذا الباب:"خفيت الشيء: أظهرته وكتمته".
(قال المفسر): هذا غلط، إنما اللغتان في (أخفيت) الذي هو فعل رباعي، وقد ذكره في باب تسمية المتضادين باسم واحد. فأما خفيت الثلاثي، فإنما هو بمعنى أظهرت لا غير.
وقد ذكر أبو علي البغدادي هذا في جملة ما رده على ابن قتيبة، وقد غلط أبا عبيد القاسم بن سلام في هذه اللفظة كما غلط ابن قتيبة.

باب
تفعلت ومواضعها
ذكر في هذا الباب: "تدهقنت: أي تشبهت بالدهاقين".
(قال المفسر): ليس تدهقنت من هذا الباب، لأن وزنه في قول من جعل نونه أصلية تفعللت، وفي قول من جعلها زائدة تفعلنت. والقياس أن تكون أصلية لا زائدة.
(2/247)

باب
ما يهمز أوسطه من الأفعال ولا يهمز، بمعنى واحد
كذا وقعت هذه الترجمة في روايتنا عن أبي نصر عن أبي علي البغداي. وتأملتها في عدة نسخ فوجدتها كذلك، ولا وجه لذكر الأوسط في هذه الترجمة، لأن جميع ما أورده في هذا الباب ليس فيه شيء مهموز الأوسط، إلا ذأى العود يذأى. وسائر ما ذكره إما مهموز اللام، نحو رقأت في الدرجة، ورقأ الدم، وناوأت الرجل، ودارأته، ونحو ذلك، وإما مهموز الفاء، نحو تأممتك، والواجب إسقاط الأوسط من الترجمة ليصح الكلام.

باب
فعل (بفتح العين) يفعُل ويفعِل (بضمها وبكسرها)
قال في هذا الباب:"أبق الغلام يأبق ويأبق".
(قال المفسر): قد أنكر يأبق بالضم في باب ما جاء على يفعل مما يغير، ثم ثنى هنا ما قاله هناك، وأجازه كما ترى. وما قاله في هذا الباب هو الصحيح، وما تقدم غلط.
(2/248)

باب
فعل (بفتح العين) يفعل ويفعل (بفتحها وضمها)
ذكر في هذا الباب: "شم يشم ويشم".
(قال المفسر): شم الذي يفتح شينه في مضارعه ليس ماضيه على فعل مفتوح العين كما توهم. ولو كان ذلك لكان شاذاّ ولزمه أن يذكره مع أبي يأبى، وركن يركن وإنما ماضيه فعل بكسر العين.
وأما شم الذي يضم شينه في مضارعه، فهو فعل مفتوح العين بمنزلة رد وشد، ولا يجوز في هذه اللغة أن يكون ماضيه مكسور العين، ولو كان كذلك لكان شاذاّ، ولزم أن يذكره مع مت تموت ونعم ينعم مما قد ذكره بعد هذا.

باب
فعل (بفتح العين) يفعُل ويفعِل (بفتحها وكسرها)
ذكر في هذا الباب:"عام إلى اللبن يعام ويعيم".
(قال المفسر): هذا غلط، ولو كان يعام على ما توهم لكان شاذاً، ولزمه أن يذكره مع أبي يأبى، وركن يركن، لأن مستقبل فعل المفتوح العين، لا يأتي بالفتح إلا إذا كانت عين الفعل منه، أو لامه أحد حروف الحلق، وأما الفاء فإنها لا تراعى، وإذا كان كذلك، وجب أن يعتقد
(2/249)

أن عام يعام كخاف يخاف، وهاب يهاب، ويعتقد أن عام يعيم كباع يبيع، والعين من عام ياء، لقولهم في مصدره العيمة.
وذكر في هذا الباب من الأفعال الشاذة عن الجمهور، أبى يأبى، وركن يركن. وزاد الكوفيون غشا الليل يغشى، وقلى يقلى، وشجى يشجى، وحى يحيا. وحكى كراع عثا يعثى، مقلوب من عاث يعيث: إذا فسد.

باب
فعل (بكسر العين) يفعل ويفعل (بفتحها وكسرها)
وقع في روايتنا عن أبي نصر عن أبي علي البغدادي، في هذا الباب، بئس يبأس ويبئس من لفظ البؤس، ضد نعم ينعم وينعم، ويئس ييأس وييئس، من اليأس ضد الرجاء. ووقع ي بعض النسخ يبس ييبس وييبس من اليبس ضد الرطوبة. وكلاهما صحيح، حكاه أبو إسحاق الزجاج وابن كيسان. فتكون الأفعال الشاذة من الصحيح على هذا خمسة.
قال ابن قتيبة: وأما المعتل: فمنه ما جاء ماضيه ومستقبله بالكسر وذكر ثمانية أفعال وهي: ورم يرم وولى يلي، ووثق يثق، وومق يمق،
(2/250)

وورع يرع، وورث يرث، وورى الزند يرى، ووفق أمره يفق، وأغفل وطيء يطأ ووسع يسع، لأن أصل هذين الفعل ينكسر العين، وإنما انفتحا من أجل حروف الحلق، والدليل على أن الأصل في عينيهما الكسر، سقوط الواو منهما، ولو كانا مفتوحين في أصل وضعهما، لصحت الواو، لصحتها في وجل يوجل.
وهذه الأفعال النادرة كلها، فاء الفعل منها واو. ولم يسمع فعل يفعل في شيء مما الواو فيه عين أو لام، إلا في فعل واحد من المعتل العين. قالوا: آن الشيء يئين. وإنما حكمنا عليه بأنه فعل يفعل مكسور العين، لأن معناه حان يحين، فهو من معنى الأوان. فلو كان ماضيه مفتوح العين، لكان مضارعه يؤون كقال يقول، لأن ذوات الواو من هذا الباب لا يجيء مضارعها على يفعل مكسور العين.
وقد حكى أبو زيد أنه يقال: آن الشيء يئين أيناً. فظاهر هذا أن من ذوات الياء كباع يبيع بيعاً، ويقوى هذا أنهم قلبوه، فقالوا: أنى يأنى، على مثال رمى يرمي. وهذا كله تقوية لقول من يجعل (آن) من ذوات الياء، وهذه نقطة من ألفاظ التصريف المشكلة.
فأما طاح الشيء يطيح، فمعناه: أن نجعله كآن يئين، وإن كانوا قد قالوا: تطوح يتطوح، لأنا وجدناهم قد قالوا: طوحته وطيحته. فكان حمله على ما يقتضيه الباب، أولى من حمله على الشذوذ.
فإن قال قائل: فلعل طيحت إنما وزنه يعلت بمنزلة بيطرت، وأصله طيوحت، فقلبت واوه ياء، لوقوع ياء فيعلت الساكنة قبلها، كما قالوا: سيد وميت.
(2/251)

فالجواب: أن مجيء مصدره على التطيح دليل على أن وزنه فعلت لا فيعلت، لأن مصدر فيعل إنما يجيء على فيعلة، كبيطر بيطرة، وأما التفعيل فإنه خاص بمصدر فعل المشدد العين.
وقد يجوز لقائل أن يقول: إذا كان قولهم: طيح يوجب عندك أن يكون طاح يطيح، كباع يبيع، فيجب أن يكون قولهم طوح يقتضي أن يكون طاح يطيح، كآن يئين، لأنه وجدنا من قال: طوح، ومن قال طيح، قد اتفقوا على أن قالوا طاح يطيح، ولم يحك أحد عنهم طاح يطوح، وهذا اعتراض صحيح، يوجب النظر في هذه الكلمة، والقول فيه يخرجنا عما نحن عليه، فلذلك نترك القول فيه.

باب
فعل (بكسر العين) يفعل ويفعل (بضمها وفتحها)
ذكر ابن قتيبة من شواذ هذا الباب حرفين من الصحيح وهما: فضل يفضل ونعم ينعم. وحرفين من المعتل وهما: مت تموت، ودمت تدوم، وقد جاء من الصحيح ثلاثة أفعال نوادر غير ما ذكره. وحكى يعقوب حضر بحضر، وحكى ابن درستويه: نكل عن الشيء ينكل، وشمل يشمل.
(2/252)

باب
المُبدل
ذهب ابن قتيبة في هذا الباب مذهب أهل اللغة، فجميع ما ذكره فيه من المبدل. وذلك غير صحيح على مقاييس النحويين، لأن البدل عندهم لايصح إلا في الحروف التي بينها تجاور في المخارج، أو تناسب في بعض الأحوال، وما مثل أشرت العودونشرته ووشرته، وجاحفت عنه وجاحشت، ولبج به، ولبط به، فلا يرونه بدلا، وإنما هي ألفاظ تتقارب صيغها ومبانيها، وتتدانى أغراضها ومعانيها، فيتوهم المتوهم أن أحدهما بدل من الآخر، ولو كان هذا التوهم صحيحا، لجاز لقائل أن يقول: إن الراء في سبطر ودمثر زائدة، لأنهم قد قالوا: سبط ودمرث، وهما مساويان لهما في المعنى ومقاربان في الصيغة والمبنى. وكذا كان ينبغي أن يقال: إن اللام في ازلغب الفرخ زائدة لقولهم في معناه زغب، وهذا يوجب أن يكون وزن سبطر ودمثر (فعلوا) ووزن ازلغب افلعل، وهذه أمثلة مرفوضة غير متناسبة.
وقد جمع النحويون حروف البدل، وحصروها، وعددها عندهم اثنا عشر حرفاً يجمعها قولنا: إن طال وجدى همت، وجمعها أبو علي البغدادي في قول: طال يوم أنجدته، كما جمعوا الحروف التي يحكم عليها بالزيادة، فجعلوها عشرة، يجمعها قولنا: هويت السمان، وقوله: (أسلمني وتاه). وجعلوا للزيادة والإبدال مواضع مخصوصة لا تعدوها، ولا يحكمون على حرف أنه بدل من غيره، ولا زائد إلا بدليل وقياس، يعرف ذلك من أحكم صناعة التصريف.
(2/253)

باب
الإبدال من المشدد
هذا الذي ذكره ابن قتيبة في هذا الباب، مذهب الكوفيين، لأنهم يرون أنه إذا اجتمعت ثلاثة أحرف من جنس واحد، جاز أن يبدل من الأوسط حرف مماثل لفاء الفعل، نحو صرصر وقلقل وكمكم ونحو ذلك، إلا أنهم لا يجعلونه قياساً يقاس عليه، وإنما هو موقوف على السماع.
وأما البصريون فلا يرون ذلك، ويجعلون صر وقل وكم ونحوها أصولاً ثلاثية، وصرصر وقلقل وكمكم ونحوها أصولاً رباعية. ولذلك قال أبو العباس المبرد في الكامل: وليست الثرة عند النحويين البصريين من لفظ الثرثارة، ولكنها في معناها. وفي القولين جميعاً نظر، ليس هذا موضعه.

باب
ما أُبدل من القوافي
[1] مسألة:
أنشد في هذا الباب:
أن أصوات القطا المنغص ... بالليل أصوات الحصى المنقز
(قال المفسر): قال أبو علي البغدادي: هكذا رويناه عن ابن قتيبة:
(2/254)

(المنغص) بالغين المعجمة، والصاد غير المعجمة، وأصله من الغصص وهو الاختناق. يقال غصصت أغص، ورويته عن غيره: (المتقض) بالقاف، والضاد المعجمة، من الانقضاض، وهو الصحيح.
[2] مسألة:
أنشد في هذا الباب عن الفراء:
كأن تحت درعها المنقد ... شطا رميت فوقه بشط
(قال المفسر): أنشد أبو حاتم هذا الرجز لأبي النجم، ورواه: المنعط (بالطاء وعين غير معجمة 9، وهذا صحيح لا ضرورة فيه، وسنذكر الرجز بكماله، إذا انتهينا إلى شرح الأبيات إن شاء الله.
[3] مسألة:
وأنشد في هذا الباب:
كأنها والعهد منذ أقياظ ... أس جراميز على وجاذ
(قال المفسر): كذا رويناه عن أبي نصر، عن أبي علي، (منذ) بالنون، وحرف الروى مقيد، ووزنه غير صحيح، والصواب إسقاط النون من منذ، وإطلاق حرف الروى. كذا أنشده الشيباني في أرجوزة دالية أولها:
(2/255)

هل تعرف الدار بذي أجراذ ... دارا لسلمى وابنتي معاذ
وسنذرها عند وصولنا إلى شرح الأبيات إن شاء الله تعالى.
[4] مسألة:
وأنشد في هذا الباب:
حشورة الجنبين معطاء القفا ... لا تدع الدمن إذا الدمن طفا
إلا بجزع مثل أثباج القطا
(قال المفسر): هذا الرجز، بين فيه ابن قتيبة على أن الفاء حرف الروى، فلذلك جعله من هذا الباب، وقد يجوز أن تكون الألف هي حرف الروى، فلا يكون في الرجز عيب، ويكون خارجاً من باب الإجازة، إلا أن تكون هذه الأبيات من قصيدة التزم الراجز في جميعها الفاء، حاشا البيت الذي ذكر فيه القطا، فيكون حينئذ من هذا الباب.
[5] مسألة:
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
قبحت من سالفة ومن صدغ ... كأنها كشية ضب في صقع
(قال المفسر): قد روى صقغ بالغين معجمة، فهو خارج عن هذا الباب.
(2/256)

(ومن المقلوب)
(قال المفسر) عول ابن قتيبة في القلب على مذهب أهل اللغة فسمى جميع ما ضمنه هذا الباب مقلوباً كما فعل في باب المبدل، وليس جميع ما ذكره مقلوباً عند أهل التصريف من النحويين، وإنما يسمى مقلوباً عندهم ما انقلب تفعيله بانقلاب نظم صيغته، كقولهم في (أشياء) إنها لفعاء، مقلوبة من شيئاء، وفي (سأى) إنه مقلوب من (ساء). أما مالا ينقلب تفعيله بانقلاب نظم صيغته، فإنهم لا يسمونه مقلوباً، وإن كانت حروفه قد تغير نظمها، كتغيير نظم المقلوب. كقولنا رقب وربق وقرب وقبر وبقر بورقن ونحو هذا مما سماه أبو بكر الزبيدي مقلوباً في كتاب العين.
فكل واحد من هذه الألفاظ يقال إن وزنه فعل، وليس بعضها أولى بأن يكون أصلاً في بابه من بعض. وكما أن المبدل والمزيد لهما مقاييس يعرفان بها، ومواضع يستعملان فيها، لا يتعديانها إلى غيرها، فكذلك المقلوب.
ولولا أن التشاغل بهذا الشأن يخرج كتابنا عن أن يكون كتاب لغة على أن يكون كتاب تصريف، لتكلمنا على كل كلمة تضمنها هذا الباب، وذرنا وجه القياس فيها، ولنا نذكر جملة من ذلك تنبه قارئها على بقية هذا الباب إن شاء الله.
فمن مقاييس هذا الباب، أن يوجد لأحد اللفظين مادة مستعملة ولا توجد للآخر، فتحكم للذي له المادة المستعملة بأنه الأصل، كقولهم: ما أطيبه، وما أيطبه، لأنا نجد لأطيب مادة مستعملة مصرفة، وهي طاب
(2/257)

يطيب طيبا فهو طيب ولا نجد لأيطب مادة مصرفة، فنقضي على أطيب أنه الأصل، وأيطب مقلوب فيه، وكذلك قول الشاعر:
حتى استفأنا نساء الحي ضاحية ... وأصبح المرء عمرو مثبتاً كاعي
فإنا نزعم أن كاعياً مقلوب من كائع، لأنا وجدنا لكائع مادة مستعملة ولم نجد كعا مستعملاً إلا في هذا البيت، وهذا على مذهب يعقوب لأنه جعل هذا من المقلوب، وقد يجوز أن يكون من قولهم: كع يكع ويكون أصله كاعا بالتشديد، فأبدل من أحد المثلين ياء كما قال الآخر:
نزور امرءاً أما الإله فيتقى ... وأما بفعل الصالحين فيأتمي
أراد يأتمن وكذلك قولهم رأى وراء، وجدناهم يقولون: رأى يرى رؤية، ولم نجد لراء تصرفا في مستقبل ولا في مصدر، ولا غير ذلك مما يتصرف فيها في رأي، من أمر نهي واسم فاعل واسم مفعول.
وبهذا الدليل قضينا على (أيس) بأنه مقلوب من (يئس).
ومن ذلك قولهم: أنى الشيء يأنى، وآن يئين. زعم الأصمعي أن أنى له مصدر وهو إني على وزن رضا، ولا مصدر لآن، فينبغي على قوله أن يكون آن هو المقلوب عن أنى.
وحكى أبو زيد (آن) يئين أيناً. فعلى قول أبي زيد لا يجب أن يكون واحد منهما مقلوباً عن الآخر، ويجب على قوله أن يكون (آن) من ذوات الياء.
ومنها أن يوجد صيغة الجمع مخالفة لصيغة واحده، أعني أن يكون نظم حروفه الأصلية مختلفاً في الموضعين بالتقديم والتأخير نحو شيء وأشياء، لأنك تجد الهمزة في شيء آخراً: وتجدها في أشياء أولاً.
(2/258)

وكذلك قولهم: ناقة وأينق، وقوس وقسى. وكذلك قول الشاعر:
هم أوردوك الموت حين لقيتهم ... وجاشت إليك النفس عند الترانق
يريد (التراقي)، لأنها جمع ترقوة، وقياس ترقوه، أن تجمع تراقي لا ترتق، لأن ترانق إنما ينبغي أن يكون جميع تريقه كسفينه وسفائن وتريقة غير مستعملة. وكذلك لم تستعمل منها تروقة ونحوها، مما يمكن أن يجمع هذا الجمع، وكذلك قول ذي الرمة:
تكاد أواليها تفرى جلودها ... ويكتحل التالي بعود وحاصب
الأوالى فيه: مقلوبة عن الأوائل، لأن لها واحداً مستعملاً على نظم حروفها، ولا واحد لأوالى.
ومما يعلم به أيضاً القلب، أن يرد لفظان لم يستعمل أحدهما إلا في الشعر، والآخر في الكلام كقول العجاج:
ولا يلوح نبته الشتى ... لاث به الاشاء والعبري
فإن لاثيا مستعمل في الكلام، وله فعل مصرف، يقال: لاث يلوث. و (لثا) غير مستعمل، ولا له فعل مصرف في معنى لاث يلوث. وقد
(2/259)

يُستدل أيضاً على أن (الأوالى) مقلوبة عن الأوائل بنحو من هذا الدليل، لأنها غير مستعملة في الكلام استعمال الأوائل.
[1] مسألة:
ذكر في باب المقلوب: "أجحمت عن الأمر، وأحجمت".
(قال المفسر): زعم بعض اللغويين أن أجحمت بتقديم الجيم بمعنى تقدمت، وأحجمت بتأخير الجيم بمعنى تأخرت، والمشهور ما قاله ابن قتيبة.
[2] مسألة:
وذكر في هذا الباب: "ثنت اللحم ونثت".
(قال المفسر): أنكره أبو علي البغدادي، وقال: الذي أحفظه نثت اللحم، وثنت، بالثاء المثلثة مقدمة فيهما جميعاً.
[3] مسألة:
وذكر فيه أيضاً: "عقاب عقبناة وعبنقاة".
(قال المفسر): حكى ابن الأعرابي بعنقاة وحكاها أبو عبيد أيضاً.
[4] مسألة:
وذكر فيه أيضاً، شآني الأمر وشاءني بالشين معجمة: إذا حزنك".
(2/260)

(قال المفسر): في كتاب سيبويه: سآني الأمر، وساءني، بالسين غير معجمة، وأنشد:
لقد لقيت قريظة ما سآها ... وحل بدارهم ذل ذليل
وذكرهما يعقوب بن السكيت جميعاً في كتاب القلب والإبدال، وأنشد:
مر الحمول فما شأونك نقرة ... ولقد أراك تشاء بالأظعان

باب
ما تتكلم به العرب من الكلام الأعجمي
[1] مسألة:
حكى في هذا الباب عن أبي عبيدة: "عزل شخت: أي صلب، بالشين معجمة".
(قال المفسر): أنكر ذلك أبو علي البغدادي وقال: الرواية عن أبي عبيدة: سخت بالسين غير معجمة. وكذلك حكى في البارع عن أبي عمرو: السخيت: الشديد، وهو عجمي معرب، بالسين غير معجمة، على وزن ظريف. وحكى عن يعقوب، كذب سخت، على وزن فلس،
(2/261)

وسخيت على وزن ظريف: أي خالص، وأما الشخت (بالشين معجمة)، فهو الرقيق من كل شيء، وليس الصلب، وهو أيضاً أعجمي معرب، قال رؤبة: (في جسم شخت المنكبين قوش).
[2] مسألة:
وأنشد للأعشى: بساباط حتى مات وهو محرزق".
وقال: هو بالنبطية هزروق: أي محبوس، أو نحو ذلك".
(قال المفسر): كان الأصمعي يرويه محرزق بتقديم الراء على الزاي، وكذلك رواه أبو زيد، وكان أبو عمرو الشيباني يرويه، بتقديم الزاي على الراء، فذكر ذلك لأبي زيد، فقال: أبو عمرو أعلم بهذا منا، يريد أن أبا عمرو أعلم باللغة النبطية، لأن أمه كانت نبطية.

باب
دخول بعض الصفات مكان بعض
هذا الباب أجازه قوم من النحويين، أكثرهم الكوفيون، ومنع منه قوم، أكثرهم البصريون وفي القولين جميعاً نظر، لأن من أجازه دون
(2/262)

شرط وتقييد، لزمه أن يجيز سرت إلى زيد، وهو يريد مع زيد، قياساً على قولهم: إن فلاناً لظريف عاقل، إلى حسب ثاقب، أي مع حسب، ولزمه أن يجيز زيد في عمرو، أي مع عمرو، قياساً على قول النابغة الجعدي: (ولوح ذراعين في بركة)
أي مع بركة، ويلزمه أن يجيز مررت في زيد، أي بزيد، قياساً على قوله:
وخضخضن فينا البحر حتى قطعته ... على كل حال من غمار ومن وحل
ويلزمه أن يجيز في زيد ثوب، أي عليه، قياساً على قول عنترة:
بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس يتوأم
وهذه المسائل لا يجيزها من يجيز إبدال الحروف، ومن منع ذلك على الإطلاق، ولزمه أن يتعسف في التأويل لكثير مما ورد في هذا الباب،
(2/263)

لأن في هذا الباب أشياء كثيرة، يبعد تأويلها على غير وجه البدل، كقوله:
إذا ما امرؤ ولي على بوده ... وأدبر لم يصدر بإدباره ودى
وقوله:
إذا رضيت على بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
ولا يمكن المنكرين لهذا أن يقولوا: إن هذا من ضرورة الشعر، لأن هذا النوع قد كثر وشاع، ولم يخص الشعر دون الكلام. فإذا لم يصح إنكار المنكرين له، وكان المجيزون له لا يجيزون في كل موضع، ثبت بهذا أنه موقوف على السماع، غير جائز القياس عليه، ووجب أن يطلب له وجه من التويل، يزيل الشناعة عنه، ويعرف كيف المأخذ فيما يرد منه، ولم أر فيه للبصريين تأويلا أحسن من قول ذكره ابن جني في كتاب الخصائص. وأنا أورده في هذا الموضع، وأعضد بما يشاكله من الاحتجاج المقنع، إن شاء الله تعالى.
(2/264)

(اعلم)، أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدى بحرف جر، والثاني بحرف جر آخر، فإن العرب قد تتسع، فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه مجازا، وإيذاناً بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر. كما صححوا عور وحول، إيذاناً بأنهما لما كانا في معنى أعور واحول واجتوروا بمعنى تجاوروا. وكما جاءوا بمصادر بعض الأفعال، على غير ما يقتضيه القياس، حملاً لذلك الفعل على فعل هو في معناه كقوله:
وإن شئتم تعاوذنا عاوذا
وكان القياس تعاوذا، فجاء به على عاوذ، إذ كان تعاوذ راجعاً إلى معنى عاوذ؛ وكذلك قول القطامي:
(وليس بأن تتبعه اتباعاً)
والقياس تتبعاً، ولكن لما كان تتبع يؤول إلى معنى اتبع، حمل عليه وكذلك وجدنهم يحملون الشيء على الشيء إذا كانت بينهما علاقة لفظية، أو معنوية فاللفظية كحملهم (تعد، وتعد، وأعد) على (يعد) في حذف الواو، ونكرم، وتكرم ويكرم، على (أكرم) في حذف الهمزة، وأما المعنوية فكقول أبي كبير الهذلي:
ما إن يمس الأرض إلا منكب ... منه وحرف الساق طي المحمل
لأن قوله: ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق، يفيد أنه طاوٍ، فأنابه لذلك مناب الفعل، لو ذكره، فصار كقوله: طوى طي
(2/265)

المحمل، ولهذا نظائر كثيرة في كلامهم، فكذلك حملوا بعض هذه الحروف على بعض، لتساوي المعاني وتداخلها. فمن ذلك قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)، وأنت لا تقول رفث إلى المرأة، إنما تقول: رفث بها، أو رفث معها، ولكن لما كان الرفث بمعنى الإفضاء، وكان الإفضاء يتعدى بإلى، كقولك: أفضى إلى الشيء، أجرى الرفث مجراها لفظا، لموافقته له معنى، وكذلك قول القحيف العقيلي.
إذا رضيت على بنو قشير ... لعمرو الله أعجبني رضاها
إنما عدى فيه رضي بعلى، لأنا الرضا بمعنى الإقبال. وقولك أقبلت عليه بودي، بمعنى رضيت عنه. وكان الكسائي يقول: حمله على ضده، وهو سخطت، لأن العرب قد تحمل الشيء على ضده، كما تجعله على نظيره، وكذلك قول الآخر:
إذا ما امرؤ ولى على بوده ... وأدبر لم يصدر بإدباره ودى
إنما عدى فيه (ولى) بعلى، وكان القياس أن يعديها بعن، لأنه إذا ولى عنه بوده، فقد ضن عليه وبخل، فأجرى التولي بالود، مجرى الضنانة والبخل، أو مجرى السخط، لأن توليه عنه بوده، لا يكون إلا عن سخط عليه، وكذلك قول عنترة:
بطل كأن ثيابه في سرحة
(2/266)

إنما استعمل (في) مكان (علي)، لأن ثيابه، إذا كانت عليها، فقد صارت السرحة موضعاً لها، كما أن من ركب دابة واستوى عليها، فقد صار هرها موضعاً له، فتأويله تأويل الظرف، وكذلك قول الآخر:
وخضخضن فينا البجر حتى قطعته ... على كل حال من غمار ومن وحل
إنما كان ينبغي أن يقول: خضخضن بنا، ولن خضخضتهن البحر بهم: إنما هو سعي فيما يرضيهم، وتصرف في مرادهم. كما أنك إذا قلت: نهضت بزيد إلى السوق، أفاد قولك: نهضت به إلى ما يفيده، وقولك: سعيت في مراده، وتصرفت في أمره. وكذلك قول زيد الخيل:
ويركب يوم الروع فيها فوارس ... يصيرون في طعن الأباهر والكلى
إنما كان الوجه أن يقول: يصيرون بطعن، ولكن قولك: هو بصير بكذا، يرجع إلى معنى هو حكيم فيه، متصرف في وجوهه، وكذلك قول النابغة:
فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلى به القار أجرب
إنما كان وجهه أن يقول: عند الناس أو في الناس، ولكنه إذا كان عندهم وفيهم بهذه المنزلة، فهو مبغض إليهم، وكذلك قول الراعي:
(2/267)

رعته أشهراً وخلا عليها ... فطار التي فيها واستغارا
كان الوجه أن يقول: وخلالها، كما قال الآخر:
دار لقابلة الغرانق ما بها ... إلا الوحوش خلت له وخلا لها
ولكن قوله: وخلالها، يفيد ما يفيده قوله: إنه وقف عليها وكذلك قوله تعالى (من أنصارى إلى الله): إنما صلح ذكر (إلى) هاهنا لتضمن أنصارى معنى الإضافة لأن من نصره، فقد أضاف نصرته إلى نصرة الله تعالى.
وكذلك قول الشاعر:
شدخت غرة السوابق فيهم ... في وجوه إلى اللمام الجعاد
إنما صلح ذكر (إلى) هاهنا، لأن الغرة إذا شدخت ملأت الجبهة: فوصلت إلى اللمة.
وقد يعدون الفعل بحرف الجر وهو غنى عنه، إذا كان في معنى ما لا يتعدى إلا به، كقول الفرزدق:
كيف تراني قالباً مجنى ... أقلب أمرى ظهره للبطن
قد قتل الله زياداً عني
(2/268)

وقتل لا يحتاج في تعديه إلى (عن) ولا غيرها. ولكن لما كان الله تعالى قد صرفه عنه حين قتله، أجرى قتل مجرى صرف، هذا قول ابن جني. وقد يجوز أن يكون بمنزلة قولهم ججبت البيت عن زيد أي نبت في ذلك منابه، وفعلت في ذلك مراده، فيكون معنى (قد قتل الله زياداً عني) أي فعل به ما كنت أنا أفعله لو قدرت عليه ولا يكون على ما قاله ابن جني.
فعلى نحو هذه التأويلات، ينبغي أن يحمل ما ورد من هذا الباب، وهو مقصور على السماع، لا يجوز القياس عليه، ولكن ما سُمع منه فهذا مجازه.
وجميع ما أورده ابن قتيبة في هذا الباب، إنما نقله من تاب يعقوب ابن السكيت في المعاني، وفيه أشياء غلط فيها يعقوب، واتبعه ابن قتيبة على غلطه، وأشياء يصح أن تتأول على غير ما قاله، ونحن نبين ذلك ن شاء الله تعالى.
[1] مسألة:
أنشد في هذا الباب لطرفة:
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الرفيع المصمد
وقال: معناه: في ذروة [البيت]، وهذا لا يلزم، لأنه يمكن
(2/269)

أن يريد آويا إلى ذروة، كما قال تعالى: (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) فليس فيه على هذا حجة.
وكذلك ما ذكره من قولهم: جلست إلى القوم [أي فيهم]، إنما تأويله: جلست منضماً إلى القوم، أو آويا إليهم:
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: "رميت على القوس: أي عنها وأنشد:
(أرمي عليها وهي فرع أجمع)
(قال المفسر): إنما جاز استعمال (على) هاهنا، لأنه إذا رمى عنها، فقد وضع السهم عليها للرمي، وكذلك ما أنشده من قول ذي الإصبع العدواني:
لم تعقلا جفرة على ولم ... أود صديق ولم أنل طمعسا
إنما جاز استعمال (على) هاهنا، لأنها إذا عقلاها عنه، اعتدا بها عليه، فكأنه قال لم تعقلا جفرة تستدان بها على، وقد يقال: ضربت على يديك، أي بسبك من أجلك.
[3] مسألة:
وقال في هذا الباب: "حدثني فلان من فلان: أي عنه، ولهيت من فلان: أي عنه".
(2/270)

(قال المفسر): إنما جاز استعمال (من) هاهنا مكان (عن) لأنه إذا حدثه عنه، فقد أتاه بالحديث من قبله. وكذلك إذا لهى عنه، فقد لهى من أجله وبسببه، فتكون (من) الأولى هي التي يراد بها ابتداء الغاية، (ومن) الثانية، إن شئت جعلتها التي يراد بها الغاية وإن شئت جعلتها التي بمعنى من أجل كقوله تعالى: (الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف).
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: "إنما تأتي الباء بمعنى عن بعد السؤال" قال الله جل ذكره (فاسأل به خبيرا) [أي عنه] ويقال: أتينا فلاناً نسأل به: أي عنه.
وأنشد لعلقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
(قال المفسر): إنما جاز استعمال الباء مكان (عن) بعد السؤال، لأن السؤال عن الشيء إنما يكون عن عناية به، واهتبال بأمره فلما كان السؤال بمعنى العناية والاعتبال، عدى مما يعديان به. وأما قوله تعالى: (فاسأل به خبيرا) فإنه يحتمل تأويلين:
أحدهما: أن يكون فاسأل عنه العلماء ذوى الخبر من خلقه، فيكون من هذا الباب.
(2/271)

والثاني: أن يريد فاسأل بسؤالك إياه خبيراً. أي إذا سألته فقد سألت خبيراً عالماً، كما تقول: لقيت بزيد الأسد، أي لقيت الأسد بلقائي إياه. فالمسئول في هذا الوجه: هو الله عز وجل، والباء على وجهها والمسئول في الوجه الأول غير الله تعالى، والباء بمعنى عن والقول الثاني عندي أجود، وإن كان الأول غير بعيد.
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب: "رميت عن القوس، بمعنى: بالقوس، وأنشد لامريء القيس:
(تصد وتبدى عن أسيل وتتقى)
وقال: يريد باسيل، وحكى عن أبي عبيدة في قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى) أي بالهوى".
(قال المفسر): قد قال قبل هذا، إن قولهم: رميت على القوس، معناه: عن القوس، وأن (على) بمعنى (عن)، ثم ذكر هاهنا أن (عن) بمعنى الباء، فحصل من كلامه أن (على) بدل من (عن)، و (عن) بدل من الباء. فهي إذن بدل من بدل، وهذا غير صحيح، لأن (عن) في قولهم: رميت عن القوس، ليست ببدل من شيء، لأن معنى عن التجاوز، كقولك خرجت عن البلد. وهذا المعنى موجود في الرمي، لأن السهم يتجاوز القوس، ويسير عنها.
(2/272)

فهي على بابها، وكذلك قولهم: رميت بالقوس، ليست الباء فيه بدلا من حرف آخر، لأنه بمنزلة قول رميت بالحجر زيداً. والمعنى رميت السهم بالقوس، كما تقول: دفعته عن نفسي بالسيف.
وقد أنكر بعض اللغويين استعمال الباء هاهنا، وقال: لا يجوز رميت بالقوس إلا أن تلقيها عن يدك، وإنما الصواب: رميت عن القوس، كما قال طفيل:
رمت عن قسي الماسخي رجالنا ... بأجود ما يبتاع من نبل يثرب
وإنما أنكر هذا المنكر ذلك، لأنه توهم قولهم: رميت بالقوس، بمنزلة قولك: رميت بالشيء: إذا ألقيته عن يدك، وليس المعنى على ما ظن، إنما المعنى رميت السهم بالقوس، على ما ذكرناه.
وأما قوله في بيت امرئ القيس: إنه أراد بأسيل، فإنما يلزم ما قال، إذا جعل (عن) متعلقة بتصد، على إعمال الفعل الأول. فكان يجب على هذا أن يقول تعد بأسيل، كما تقول: صد بوجهه. وإذا جعلت (عن) متعلقة بتبدى، لم يلزم ما قال: لأنه يقول: أبديت عن الشيء: إذا أهرته، قال عبد بني الحسحاس - يصف ثوراً يحضر في أصل شجرة كناساً له:
(2/273)

يهيل ويبدى عن عروق أنها ... أعنة خراز جديداً وباليا
والوجه في هذا البيت أن يعمل الفعل الثاني، ويجعل (عن) متعلقة به، لأنه لو أعمل الأول، للزمه أن يقول: تصد وتبدى عنه بأسيل، لأن الفعل الأول إذا أعمل، فحكم الفعل الثاني: أن يضمر فيه.
وأما ما حكاه عن أبي عبيدة: أن معنى قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى) أي: ما ينطق بالهوى، فإنه لا يلزم. و (عن) في الآية على بابها، غير بدل من شيء آخر، والمراد: أن نطقه لا يصدر عن هوى منه، إنما يصد رعن وحي.
[6] مسألة:
وقال في قوله تعالى: (فردوا أيديهم في أفواههم) معناه: إلى أفواههم.
(قال المفسر): هذا التأويل لا يلزم، و (في) هاهنا: على بابها المتعارف في اللغة، لأن الأيدي هاهنا لا يخلو أن يراد بها الأيدي التي هي الجوارح، والأيدي التي هي النعم؛ فإن كان المراد بها الجوارح، فالمعنى أنهم عضوا أيديهم من الغيظ على الرسل، فيكون قوله تعالى: (عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) ولا يعضون على
(2/274)

أيديهم إلا بأن يدخلوها في أفواههم. ويدل على هذا قول الشاعر:
يردون في فيه عشر الحسود
وإن كان المراد بالأيدي النعم، فالمعنى أنهم ردوا كلام الرسل وإنذارهم عليهم، فلم يقبلوه، وسمى ما جاءت به الرسل من إنذارهم نعما، لأن من خوفك من عاقبة ما تصير إليه، وأمرك بما فيه نجاتك، فقد أنعم عليك. فصار هذا بمنزلة قول القائل: رددت كلامه في فيه، إذا لم تقبله منه، فالأيدي والأفواه على هذا التأويل للرسل، وهي في القول الأول للكفار.
[7] مسألة:
وأنشد: (نلوذ في أم لنا ما تعتصب). وقال: المعنى بأم.
وأنشد للأعشى: (وإذا تنوشد في المهارق أنشدا).
(قال المفسر): إنما يقال: لذت بالشيء: إذا لجأت إليه، وإنما جاز استعمال (في) هاهنا، لأن المراد بالأم سلمى، وهي أحد جبل طيء، وجعله أما لهم: إذ كان يحفظهم ممن يروقهم، كما تفعل الأم. وإذا لاذوا بالجبل، فقد صاروا فيه. وأما قول الأعشى:
ربى كريم لايكدر نعمة ... فإذا تنوشد في المهارق أنشدا
(2/275)

فإن المعروف أن يقال: نشدتك بالله. وإنما صلح ذكر (في) هاهنا لأنه إذا حلف بالمهارق، فإنما يحلف بما فيها من كلام الله تعالى:
[8] مسألة:
قال: ويقال: سقط لفيه: أي على فيه، وأنشد:
(فخر صريعاً لليدين وللفم)
وأنشد:
كأن مخواها على ثفناتها ... معرس خمس وقعت للجناجن
(قال المفسر): إنما جرت العادة بأن يقال: سقط على رأسه، أو على صلاه، أو قفاه، وإنما جاز استعمال اللام هاهنا، لأنه إذا سقط على عضو من أعضائه، فقد حصل التقدم لذلك العضو، على كل ما تبعه من بقية الأعضاء، فإذا قال: سقط لفيه، فكأنه قال:
سقط مقدما لفيه ... وكذلك بقية هذا الباب
(2/276)

[9] مسألة:
وأنشد لابن أحمر:
(يسقى فلا يروى إلى ابن أحمرا)
وقال: معناه منى".
(قال المفسر): هذا من مواضع (مِنْ) وجاز استعمال (إلى) هاهنا، لأن الري من الماء ونحوه لا يكون إلا عن ظمإ إليه. فلما كان الظمأ هو السبب الداعي إلى الرين استعمل الحرف الذي يتعدى به الظمأ، مكان الحرف الذي يتعدى به الري، فصار استعمالهم الحرف الذي يتعدى به أحد الضدين، مكان الحرف الذي يتعدى به ضده، كاستعمالهم (على) التي يتعدى بها السخط، مكان التي يتعدى بها الرضا في قوله:
(إذا رضيت على بنو قشير)
ويجوز أن يكون أراد يسقى ابن أحمر، فلا يروى ظمؤه إلىَّ، فترك ذكر الظمأ لما كان المعنى مفهوما، وليس ينبغي لك أن تستوحش من تركه ذكر الفاعل، لأنه قد أقام الضمير الذي كان مضافاً إليه مقامه، فصار مستتراً في الفعل. ألا ترى أن التقدير: فلا يروى هو، ويشبه هذا قولهم: (هذا جحر ضب خرب) في أحد القولين. ألا ترى
(2/277)

أن تقديره خرب جحره، فحذف الجحر، الذي كان فاعلا، وأقام الضمير الذي كان الجحر مضافاً إليه مقامه، فصار مستتراً في خرب.
وقد وجدناهم يحذفون الفاعل دون أن يقيموا أشياء مقامه، اتكالاً على ما فهم السامع، كقوله تعالى: (حتى توارث بالحجاب) وقول عنترة:
وأدفئه إذا هبت شمالاً ... بليلاً حرجفا بعد الجنوب
وأنشد أبو علي البعدادي في نوادره:
سقى دمنتين ليس لي بهما عهد ... بحيث التقى الدارات والجرع الكبد
وقال أبو الحسن الأخفش: إذا قلت: عجبت من ضرب زيد، فالفاعل محذوف، لعلم السامع، وليس بمضمر في الضرب، لأن المصادر أجناس، والأجناس، لا يضمر فيها.
[10] مسألة:
وقال في هذا الباب: "يقال: هو أشهى إلى من كذا، أي عندي إلى آخر الفصل".
(2/278)

(قال المفسر): (إلىَّ) و (عند) في هذا الموضع تتقارب معانيهما فلذلك تسد كل واحدة منهما مسد الأخرى. ألا ترى أنه إذا قال: هو أشهى عندي من العسل، فمعناه أنه أحب إليه منه، (وإلى) في هذا الموضع أشد تمكناً من (عند).
وكذلك قوله:
"تقال إذا راد النساء حزيدة ... صناع فقد سادت إلى الغوانيا
[أي عندي]
لأنها إذا سادت عنده العواني، فقد صارت أحبهن إليه.
وقوله:
وكان إليها كالذي اصطاد بكرها ... شقاقاً وبغضاً أو أطم وأهجرا
فإنما جاز استعمال (إلى) هاهنا، لأنه إذا كان عندها كالذي اصطاد بكرها في البغض، كان بغيضاً إليها مثله.
وأما قوله:
(وذكرك سبات إلى عجيب)
(2/279)

فيجوز أن يكون على ما تأولناه في الأول، لأنه إذا كان عجيباً عنده، كان حبيباً إليه. ويجوز أن يكون (عجيب) بمعنى معجب، فيكون التقدير: وذكرك معجب لي، فتكون (إلى) في هذا الوجه بمنزلة اللام.
وأما قوله:
لعمرك إن المس من أم جابر ... إلى ونلم آته لبغيض
فليس من هذا الباب، لأن معناه: لبغيض إلى. فإلى فيه على بابها.
[11] مسألة:
وأنشد في هذا الباب لذي الإصبع العدواني:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتحزوني
وقال معناه: لم تفضل في الحسب علي."
(قال المفسر): من ذهب هذا المذهب الذي ذكره ابن قتيبة، وهو الذي حكاه يعقوب، فإنما جعل أفضلت من قولهم: أفضلت على الرجل، إذا أوليته فضلاً. فلذلك جعل (عن) بمعنى (علي). وجاز استعمال عن هاهنا - وإن كان الموضع لعلى - لأنه إذا أفضل عليه، فقد جاز الإفضال عنه، واستبد به دونه. وقد يجوز أن يكون أفضلت، بمعنى صرت ذا فضل، فتكون (عن) على بابها غير واقعة
(2/280)

موقع (على). كأنه قال: لم تنفرد بفضل عني. وأما قول قيس ابن الخطيم:
لو أنك تلقى حنظلاً فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي سامه المتقارب
فإنه يصف شدة انضمام بعضهم إلى بعض وتدانيهم، فيقول: أو القيت حنظلاً فوق بيضنا، لتدحرج عليها، ولم يسقط إلى الأرض. وجاز ذكر (عن) هاهنا لأنه إذا تدحرج عليها، انتقل عن بعضها إلى بعض.
[12] مسألة:
وأنشد:
(لقحت حرب وائل عن حيال
وقال معناه: بعد حيال.
(قال المفسر): (عن) و (بعد) يتقارب معناهما ويتداخلان، فلذلك يقع كل واحد منهما موقع الآخر، لأن (عن) تكون لما عدا الشيء وتجاوزه، و (بعد) لما تبعه وعاقبه، فقولك: أطعمه عن جوع، وكساه عن عُرى، يفيد أنه فعل الإطعام بعد الجوع، والكسوة بعد العرى. وكذلك إذا قال: لقحت الناقة بعد حيال، أفاد ذلك أن اللقاح عدا وقت الحيال وتجاوزه. وعلى نحو هذا يتأول جميع ما ذكره في هذا الباب.
(2/281)

[13] مسألة:
وقال في هذا الباب في قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) أي في مُلكه. وكان ذلك على عهد فلان أي في عهده".
(قال المفسر): (في) و (على) يتداخل معنياهما في بعض المواضع، فلذلك يقع بعضهما موقع بعض، لأن معنى على: الإشراف والارتفاع، ومعنى في: الوعاء والاشتمال وهي خاصة بالأمكنة، ومكان الشيء قد يكون عالياً مرتفعاً، وقد يكون متسفلاً منخفضاً. ويدل على ذلك استعمالهم فوق وتحت في الظروف، وأحدهما يدل على العلو، والآخر على السفل، ومما يبين ذلك قول عنترة:
(بطل كأن ثيابه في سرحة
وهو يريد: على سرحة، لأنها إذا كانت عليها، فقد صارت ظرفاً لها. وأما قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان) فقد يجور أن يكون من هذا الباب، وقد يمكن أن تكون (على) إنما استعملت هاهنا، لأن معناه: أنهم تقولوا على ملك سليمان ما لم يكن فيه، كما يقال: تقولت عليه ما لم يقل.
* * *
ونحن نشرح أمر (على) هذه شرحا يدفع الإشكال عنها، ويُجعل مثالاً يقاس عليه ما ورد في الكلام منها، إن شاء الله:
(اعلم) أن أصل (على): العلو على الشيء وإتيانه من فوقه كقولك:
(2/282)

أشرفت على الجبل، ثم يعرض فيها إشكال في بعض مواضعها التي تتصرف فيها، فيظن الضعيف في هذه الصناعة أنها قد فارقت معناها.
فمن ذلك قول القائل: زرته على مرضى، وأعطيته على أن شتمني، وإنما جاز استعمال (على) هاهنا، لأن المرض من شأنه أن يمنع من الزيارة. وكذلك الشتم بمنع المشتوم من أن يعطى شاتمه شيئاً. والمنع قهر للممنوع، واستيلاء عليه، فهي إذن لم تخرج عن أصلها بأكثر من أن الشيء المعقول، شبه بالشيء المحسوس، فخفي ذلك على من لا دربة له في المجازات والاستعارات.
ويدل على دخول معنى الاستعلاء في هذا قولهم اجعل هذا الأمر تحت قدمك، فيستعملون فيه لفظة التحت. ومثل هذا قولهم: فلان أمير على البصرة. إنما المراد أنه قد ملكها، وصارت تحت حكمه ونظره. واستعمالهم لفظتي التحت والفوق هاهنا، يوضح ما قلناه. ألا تراهم يقولون: فلان تحت يد فلان، وتحت نظره وإشرافه، وهو فوقه في المنزلة والمكانة، وإن كان دونه في ما يحسس ويرى. وكذلك قولهم: تقولت عليه في ما لم يقل، إنما جازا استعمال (على) فيه، لأنه إذا نسب إليه القول، فقد حمله إياه، وعصبه به. والتحميل: راجع إلى معنى العلو، يدل على ذلك قولهم: هذا الأمر معصوب برأسه، ومقلد من عنقه. ويوضح ذلك قول الشاعر:
وما زلت محمولاً على ضغينة ... ومضطلع الأضغان مذ أنا يافع
ألا تراه قد جعل الضغينة محمولة عليه، كما يحمل الشيء على
(2/283)

الظهر. وجعل نفسه مضطلعة بذلك، كاضطلاع الحامل بحمله. وكذلك قولهم: كان ذلك على عهد كسرى: إنما استعملت فيه (على)، لأنه إذا كان في عهده، فقد صار العهد متحملاً له، والشيء المتحمل في الأمور المحسوسة، من شأنه أن يكون عالياً على حامله.
ونبين ذلك - وإن كان ما قدمناه يغني عنه نحو قولهم اتصل بي هذا الأمر على لسان فلان. وقوله تعالى: (أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم) أي على لسانه. وقولهم: تقلدت الأمر. ويقول المتضمن للشيء المتكفل به. هذا الأمر في عنقي وعلى أن أقوم به وهذا المعنى أراد الشاعر بقوله:
إن لي حاجة إليك فقالت ... بين أذني وعاتقي ما تريد
ومن ظريف هذا الباب قول ابن الرقيات.
ألا طرقت من آل بثنة طارقه ... على انها معشوقة الدل عاشقه
وأبين ما فيه: أن تكون (عاشقة) صفة لطارقة، على معنى التقديم والتأخير، كأنه قال: طارقة عاشقة، على أنها معشوقة. وذلك أن من شأن المعشوق أن يُعرض عن عاشقه ويهجره، فيريد أن هذه الطارقة لا يمنعها معرفتها بعشق محبها لها أن تعشقه، فهو من باب قولهم: زرته على مرضي، وأكرمته على أنه أهانني.
فقس ما يرد عليك من هذا الباب على هذه الأمثلة، فإنك تجده غير خارج عما وضعت عليه هذه اللفظة من معنى الإشراف: حقيقة ومجازاً، إن شاء الله تعالى.
(2/284)

[14] مسألة:
وأنشد في هذا الباب لأبي ذؤيب:
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نثيج
وقال: معناه شربن من ماء البحر.
ثم قال بعد هذا في باب زيادة الصفات في قوله تعالى: (عينا يشرب بها عباد الله): إن معناه يشربها. ولا أعلم من جعل الباء في الآية زائدة. وفي بيت أبي ذؤيب: بمعنى (من). ولا فرق بين الموضعين، فإذا احتج له محتج بأنه لا يجوز تقدير زيادة الباء في البيت، لأنه يصير التقدير: شربن ماء البحر، وماء البحر لا يشرب كله، إنما يشرب بعضه، لزمه مثل ذلك في العين.
وأيضاً، فإن العرب تقول: أكلت الخبز، وشربت الماء، ومعلوم أنه لم يأكل جميع نوع الخبز، ولم يشرب جميع نوع الماء، وإنما مجاز ذلك على وجهين:
أحدهما: أن العموم قد يوضع موضع الخصوص، كما يوضع الخصوص موضع العموم.
(2/285)

والآخر: أن الأنواع والأجناس، ليس لأجزائها أسماء تخصها من حيث هي أجزاء، إنما يسمى كل جزء منها باسم جنسه أو نوعه، فيقال لكل جزء من الماء ماء، ولكل جزء من العسل عسل، ونحو ذلك، ولا يحكم على الباء بالزيادة، لأنها بدل في كل موضع، ولكن لها مواضع مخصوصة، سنذكرها إذا انتهينا إلى باب الصفات، إن شاء الله تعالى.
[15] مسألة:
وقال في هذا الباب:"يقال: إن فلاناً لظريف عاقل، إلى حسب ثاقب: أي مع حسب".
(قال المفسر): (إلى) و (مع): تتداخلان في معنييهما، فيوجد في كل واحدة منهما معنى صاحبتها، لأن الشيء إذا كان مع الشيء، فهو مضاف إليه وإذا كان مضافاً إليه فهو معه. ألا ترى أنه إذا قال: فلان ظريف عاقل إلى حسب، فمعناه أن له ظرفاً وعقلاً مضافين إلى حسب ثاقب، وكذلك جميع ما ذكره في هذا الباب.
وأما قول ابن مفرغ:
شدخت غرة السوابق فيهم ... في وجوه إلى اللمام الجعاد
فيجوز أن يكون من هذا الباب، ويجوز أن يريد أن غررهم شدخت في وجوههم، حتى انتهت إلى اللمام، فلا يكون من هذا الباب.
[16] مسألة:
وقال في هذا الباب:"يقال: هديته له وإليه".
(2/286)

(قال المفسر): جاز وقوع اللام موقع (إلى)، ووقوع (إلى) موقع اللام، لما بين معنييهما من التداخل والتضارع. ألا ترى أن اللام لا يخلو من أن تكون بمعنى الملك، أو الاستحقاق، أو التخصيص، أو العلة والسبب. وإلى للانتهاء والغاية. وكل مملوك فغايته أن يلحق بمالكه، وكل مستحق فغايته أن يلحق بمستحقه، وكل مختص فغايته أن يلحق بمختصه، وكل معلول فغايته أن يلحق بعلته، فكلها، يوجد فيها معنى (إلى)، وموضوعها الذي وضعت له.
[17] مسألة:
وقال في هذا الباب: "يقال اركب على اسم الله: أي باسم الله. ويقال: عنف عليه، وبه، وخرق عليه، وبه" إلى آخر الفصل.
(قال المفسر) قد ذكرنا (على) فيما تقدم، وقلنا إنها موضوعة لمعنى العلو: حقيقة أو مجازاً، حسا أو عقلاً، وإنما جاز استعمالها ههنا بمعنى الباء، لأن (الباء) و (على)، تقعان جميعاً موقع الحال ويشتركان في ذلك، فيقال: جاء زيد بثيابه، وجاءني زيد وعليه ثيابه، فيكون المعنى واحداً، وقد يكون لقوله: جاء زيد بثيابه، معنى آخر وهو أن يراد أن جاء بها، غير لا بس لها. فهذا غير ما نحن بسبيله.
والفرق بين المسألتين أن الباء تتعلق في هذا الوجه الآخر بالفعل الظاهر، وفي الوجه الأول، تتعلق بمحذوف، لأن كل حرف جر، وقع موقع حال أو صفة أو خبر، فإنه يتعلق أبداً بمحذوف، وذلك المحذوف هو ما ناب الحرف منابه، ووقع موقعه، ولأجل هذا لم يجب أن يكون
(2/287)

قولنا: اركب على اسم الله: بمنزلة قولنا: اركب على الفرس، لأن (على) هاهنا متعلقه بنفس الفعل الظاهر، ولا موضع لها من الإعراب. وهي في قولنا: اركب على اسم الله متعلقة بمحذوف، ولها موضع من الإعراب، وهي متعلقة بالحال التي نابت منابها، والتقدير: اركب معتمداً على سام الله، وكذلك قوله:
شدوا المطي على دليل دائب
أي معتمدين على دليل دائب.
وأما ما حكاه من قولهم: عنف به، وعنف عليه، فليسا من هذا الباب، إنما عنف به: كقولك: ألصق به العنف وعنف عليه، كقولك: أوقع عليه العنف، فكل واحد من الحرفين، يمكن فيه أن يكون أصلاً على موضعه الذي وضع له.
وكذلك خرق به، وخرق عليه.
وأما قول أبي ذؤيب:
وكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع
فليس كقولهم: اركب على اسم الله، ولا كقول الآخر:
شدوا المطى على دليل دائب
(2/288)

لأن (على) في بيت أبي ذؤيب، متعلقة بنفس يفيض، لأنه يقال: أفاض بالقداح إذا دفع بها. فالظاهر من أمر (على) هذه، أن تكون بدلاً من الباء، وإنما جاز لعلى أن تقع موقع هذه الباء، لأنه إذا قال: دفعت به، فمعناه كمعنى أوقعت عليه الدفع.
وهذا التفسير، على قول من جعل يصدع في هذا البيت بمعنى يفصل الحكم ويبينه، من قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر)، ومن قال: إن (يصدع) هاهنا: بمعنى يصبح، فيجوز على قوله، أن تكون (على) متعلقة بيصدع، كأنه قال: ويصدع على القداح، كقولك يصيح عليها، فتقدم الجار هاهنا على ما يتعلق به، كتقدم الظرف في قول طرفة
تلاقي وأحياناً تبين كأنها ... بنانق غر في قميص مقدد
أراد، وتبين أحياناً، والقول الأول: هو الوجه.
[17] مسألة:
وأنشد في هذا الباب للبيد
أن مصفحات في ذراه ... وأنواحاً عليهن المآلي
وقال: على بمعنى مع".
(2/289)

(قال المفسر): لا وجه لهذا الذي قاله، و (على) هنا غير موضوعة موضع غيرها. وأحسب الذين زعموا أن (على) هاهنا بمعنى (مع)، إنما قالوا ذلك، لأن (على) يراد بها الإشراف على الشيء. والمآلي: ليست مشرفة على الأنواح، إنما هي خرق يمسكنها في أيديهن، وهذا غلط وسهو، لأن العرب تجعل ما أشرف على جزء من الجسم بمنزلة ما أشرف عليه كله، فيقولون: جاء وعليه خف جديد، ورأيته وعليه خاتم فضة، ويجوز أن يريد: على أيديهن المآلي، فيحذف المضاف، ويقيم المضاف إليه مقامة، ويدل على ما ذكرناه من توسعهم في هذه المعاني، قول الهذلي:
فرميت فوق ملاءة محبوكة ... وأبيت للإشهاد حزة ادعى
وإنما أراد أنه رمى بالسهام وعليه ملاءة.
[19] مسألة:
وأنشد في هذا الفصل أيضا للشماخ
وبردان من خال وسبعون درهماً ... على ذاك مقروظ من القد ماعز
(قال المفسر): قوله: على ذاك يريد مع ذاك. يصف قواساً ساوم بقوس، فطلب من مشتريها هذه الأشياء، وطلب منه مع ذلك جلداً مقروظاً أي مدبوغاً بالقرظ ماعزاً، وهو الشديد المحكم وسنذكر هذا في شرح الأبيات بأبلغ من هذا إن شاء الله تعالى.
والقول عندي في هذا البيت أن (على) فيه على وجهها، وإنما
(2/290)

أراد من المبتاع أن يزيده على ما اشترط من الثمن جلدا مقروظاً، كما تقول: أبيعك هذه السلعة بكذا وكذا درهما، وتزيدني على ذلك ثوباً.
وقال بعض أصحاب المعاني: غنما أراد منه أن يعطيه ما ذكر من الثمن مجموعاً في عيبة مقروظة. وهذا التأويل أيضاً يوجب أن تكون (على) غير مبدلة من شيء، لأن الشيء إذا جُعل في وعاء، صار الوعاء عليه، لأنه يحيط به من جهاته.
[20] مسألة:
وحكى عن أبي عبيده أنه قال في قوله تعالى: (إذا اكتالوا على الناس يستوفون) أن معناه من الناس، وأنشد لصخر الغي:
متى ما تنكروها تعرفوها ... على أقطارها علق نفيث
(قال المفسر): إنما قال أبو عبيدة هذا، لأنه يقال: اكتلت من زيد الطعام، أي سألته أن يكيله على، واكتال منى طعاما، أي سألتني أن اكتاله عليه، فيستعملون (من) في البائع و (على) في المبيع منه، وجاز استعمال (على) هاهنا، لأن معنى كال عليه، عرض عليه كيله. فكان يجب أن يقال في الآية: إذا اكتالوا من الناس، لأن المراد، استدعوا منهم أن يكيلوا عليهم.
(2/291)

وأما هذا البيت، فليس لصخر الغي، إنما هو لأبي المثلم الهذلي في شعر، يخاطب صخراً الغي. وهذا مما غلط فيه يعقوب فنقل ابن قتيبة كلامه، ورواه يعقوب في كتاب المعاني: (متى أقطارها) وقال: أراد من أقطارها. وحكى أن هذيلاً تستعمل (متى) بمعنى (من)، وفسره فقال: يريد كتيبة. أي متى (ما تقولوا ما هذه، فتشكوا فيها، ترد عليكم فيها الدماء تنفثها نفثاً. وكذلك قال السكري في أشعار الهذليين: إنه يعني كتيبة.
وهذا التفسير ظريف، لأن الشعر كله لا ذكر فيه المكتيبة. وسنتكلم في حقيقة معناه، ونقول فيه ما يجب، عند انتهائنا إلى الكلام في معاني الأبيات، إن شاء الله تعالى.
[21] مسألة:
وأنشد لامرئ القيس:
وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال
وقال: معناه من ثلاثة أحوال.
(قال المفسر): كذا حكي يعقوب عن الأصمعي أن (في) هاهنا بمعنى من، وأجاز أيضاً أن تكون بمعنى (مع) كما قال:
(ولوح ذراعين في بركة)
وكونها بمعنى (مع)، أشبه من كونها بمعنى (من)، رواه الطوسي:
(2/292)

أو ثلاثة أحوال" وكل هؤلاء ذهبوا إلى أن الأحوال هاهنا الستون، جمع حول.
والوجه فيه عندي أن الأحوال هاهنا جمع حال، لا جمع حول. وإنما يريد، كيف ينعم من كان أقرب عهده بالنعيم ثلاثين شهراً وقد تعاقبت عليه ثلاثة أحوال، وهي اختلاف الرياح عليه، وملازمة الأمطار له، والقدم المغير لرسومه. فتكون (في) هاهنا هي التي تقع بمعنى واو الحال في نحو قولك: مرت عليه ثلاثة أشهر في نعيم، أي وهذه حاله.
[22] مسألة:
وقال في هذا الباب: يقال: فلان عاقل في حلم، أي مع حلم، وأنشد: قول الجعدي:
(ولوح ذراعين في بركة
وقال معناه مع بركة.
(قال المفسر): إنما جاز استعمال (في) بمعنى (مع)، لتقاربهما في معنييهما، لأن الشيء، إذا كان في الشيء، فهو معه.
[23] مسألة:
وأنشد لعمرو بن قميئة.
بودك ما قومي على أن تركتهم ... سليمي إذا هبت شمال وريحها
وقال: معناه: على ودك.
(قال المفسر): كذا قال يعقوب في كتاب المعاني، ومنه نقل
(2/293)

أكثر هذه الأبواب. وقد غلط يعقوب في معنى البيت، واتهمه ابن قتيبة على غلطه.
وليس في هذا البيت حرف أبدل من حرف، ولا (ما) فيه زائدة، على ما قال. إنما الباء هاهنا بمعنى القسم، و (ما) استفهام في موضع رفع على الابتداء، وقومي: خبره. والمعنى: بحق المودة التي بيني وبينك: أي شيء [قومي] في الكرم والجود عند هبوب الشمال. يريد زمان الشتاء، لأنهم كانوا يتحدثون بإطعام الطعام فيه، كما قال طرفة:
نحن في المشتاة ندعوا الحفلى ... لاترى الآدب فينا ينتقر
ويعني بريحها، النكباء، التي تناوحها، كما قال ذو الرمة.
(إذا النكباء ناوحت الشمالا)
ويروى: بودك، بفتح الواو، فمن رواه هكذا، فمعناه بحق صنمك الذي تعبدين. ومن رواه بضم الواو، جاز أن يريد المودة، وجاز أن يريد الصنم، لأن الصنم يقال له: ود وود، قريء بهما جميعاً. ويقال في المودة أيضاً: ود، وود (بالفتح، والكسر). ولو أراد على مودتك قومي على ما توهم يعقوب وابن قتيبة، لم
(2/294)

يقل: إذا هبت شمال وريحها. إنما كان يجب أن يقول: ما هبت شمال وريحها، كما تقول: لا أكلمك ما هبت الريح، وما طار طائر، ونحو ذلك.

باب
زيادة الصفات
سمي ابن قتيبة في هذه الأبواب حروف الجر صفات، وهي عبارة كوفية لا بصرية. وإنما سموها صفات، لأنها تنوب مناب الصفات، وتحل محلها. فإذا قلت: مررت برجل من أهل الكوفة، أو رأيت رجلاً في الدار، فالمعنى: مررت برجل كائن من أهل الكوفة، ورأيت رجلاً مستقراً في الدار.
وحروف الجر تنقسم من طريق الزيادة وغير الزيادة ثلاثة أقسام: قسم لا خلاف بين النحويين في أنه غير زائد. وقسم لا خلاف بينهم في أنه زائد، وإن كان في ذلك خلاف لم يلتفت إليه، لشذوذ قائله عما عليه الجمهور. وقسم ثالث فيه خلاف، وإنما خصصنا الباء بالذكر دون غيرها نم حروف الجر، لأن ابن قتيبة، لم يذكر في هذا الباب حرفاً غير الباء، إلا ما ذكره من بيت حميد في آخر الباب.
فالباءات التي لا يجوز أن يقال فيها إنها زائدة: تسعة أنواع، منها الباء التي لا يصل الفعل إلى معموله إلا بها، كقولك: مررت بزيد. وهذه هي التي تسمى باء الإلصاق، وباء التعدية.
ومنها الباء التي تدخل على الاسم المتوسط بين العامل ومعموله،
(2/295)

كقولك ضربت بالسوط زيداً، وكتبت بالقلم الكتاب، وشربت بالماء الدواء. وهذه الباء تسمى باء الاستعانة. والفرق بينها وبين الأولى: أن الفعل في النوع الأول متعد إلى الاسم الذي باشرته الباء، من غير توسط شيء بينهما. وفي النوع الثاني تتعدى إلى شيء بتوسط شيء آخر. وقد يقتصرون على أحد الاسمين، فيقولون: ضربت بالسوط، وكتبت بالقلم، ولا يذكرون المضروب ولا المكتوب، وقد يقولون ضربت زيداً وتبت الكتاب، ولا يذكر الاسم المتوسط، الذي بوساطته باشر العامل معموله.
ومنها الباء التي ننوب مناب واو الحال كقولهم: جاء زيد بثيابه: أي وثيابه عليه، وقوله:
ومستنة كاستنان الخروف ... قد قطع الحبل بالمرود
أي والمرود فيه:
دفوع الأصابع ضرح الشم ... وس نجلاء مؤنسة العود
ومنها الباء التي تأتي بمعنى البدل والعوض كقولهم: هذا بذاك ومنها الباء التي تأتي بمعنى (عن) بعد السؤال، كقوله:
فإن تسأوني بالنساء فإنني ... بصير بادواء النساء طبيب
(2/296)

ومنها الباء التي تأتي بمعنى القسم. ومنها الباء التي تقع في التشبيه، كقولهم: لقيت به الأسد، ورأيت به القمر، أي لقيت بلقائي إياه الأسد، ورأيت برؤيتي إياه القمر.
ومنها الباء التي تقع بعد ما ظاهره غير الذات، وإنما المراد الذات بعينها، كقوله:
إذا ما غزا لم يسقط الخوف رمحه ... ولم يشهد الهيجا بألوث معصم
أي لم يشهد الهيجاء من نفسه برجل ألوث.
وكذلك قوله:
يا خير من يركب المطى ولا ... يشرب كأساً بكف من بخلا
ومنها ياء السبب كقوله
غلت تشذر بالذحول كأنها ... جن البدى رواسيا أقدامها
أي بسبب الذحول، ومن أجلها.
فجميع هذه الباءات لاتجوز زيادتها، لا أعرف في ذلك خلافاً لأحد.
وأما الزائدة التي لا خلاف في زيادتها إلا ما لا يعتد به، فكل باء
(2/297)

دخلت على الفاعل في نحو قوله تعالى: (وكفى بالله شهيداً) وقول الشاعر:
ألم يأتيك والانباء فنمى ... مما لافت لبون بنى زياد
وهذا البيت أول القصيدة.
وكذلك ما دخل منها على المبتدء في نحو قوله:
بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غنى مضر
وإنما لزم أن تكون هنا زائدة، لأن الفاعل لا يحتاج إلى واسطة بينه وبني فعله لشدة اتصاله. والمبتدأ سبيله أن يكون معرى من العوامل اللفظية.
* * *
وأما الباء التي فيها خلاف، فكل باء دخلت على معمول وعامله، يمكن أن يتعدى إليه نفسه، من غير وساطه حرف بينهما، كقوله تعالى (عيناً يشرب بها عباد الله).
(2/298)

وقول أبي ذؤيب:
(شربن بماء البحر ...)
فللنحويين في هذا النوع من الباءات أقوال مختلفة، وهي كثيرة ولنا نذكر ما تضمنه هذا الباب عنها إن شاء الله تعالى.
[1] مسألة:
أما قوله تعالى (تنبت بالدهن) فإنه يقرأ بفتح التاء وضمها. فمن قرأ بالفتح - وعليه أكثر القراء - فالباء غير زائدة. ومن قرأ بضم التاء - وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير - ففي هذه القراءة ثلاثة أقوال: أحدها: ما ذكره ابن قتيبة: من زيادة الباء، وأحسبه قول أبي عبيدة. ويقوى هذا القول ما روى عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ: (يخرج الدهن). والقول الثاني: أن تكون هاهنا هي الباء التي تعاقب واو الحال في نحو ما حكيناه من قول الشاعر:
(قد قطع الحبل بالمرود
أي والمرود فيه. فيكون المعنى: تنبت نباتها والدهن فيه
والقول الثالث: أن تكون على حدها في قراءة من فتح التاء، لأنه قد حكى نبت البقل وأنبت بمعنى واحد.
[2] مسألة:
وأما قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) وتأوياه إياه على زيادة
(2/299)

الباء، فقول غير مختار، وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما ذكره، والثاني: أن تكون الباء غير زائدة، ولكنها على بابها في الإلصاق، كأنه قيل: ألصق قراءتك باسم ربك. فالمقروء في هذين القولين هو الاسم والقول الثالث: أن تكون الباء بمعنى الاستعانة، والمقروء غير الاسم، كأنه قال: اقرأ كل ما تقرأ باسم ربك. أي قدم التسمية قبل قراءتك. وهذا خير الأقوال، لأن السنة غنما وردت بتقديم التسمية قبل كل ما يقرأ من القرآن، فهو إذن من باب بريت بالسكين القلم: في أن الفعل يصل إلى أحد المفعولين بتوسط الاسم الآخر.
[3] مسألة:
أما قوله تعالى (عينا يشرب بها عباد الله) ففيه أيضاً ثلاثة أوجه أحدها زيادة الباء، والثاني: أن يكون بمعنى (من) كالتي في قول أبي ذؤيب: (شربن بماء البحر ...) والثالث: أن يكون المعنى أنهم يلصقون بها شربهم. وهذا على رأي من لا يرى زيادة شيء من القرآن.
[4] مسألة:
وأما قول أمية: "إذ يسقون بالدقيق" وقول الراعي، "لا يقرأن بالسور"، ففيهما أيضاً قولان: الزيادة، والإلصاق على ما قدمناه.
(2/300)

وأما قوله:
بواد يمان ينبت الشت صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان
فيحتمل وجهين: أحدهما زيادة الباء، فيكون موضع المجرور بها نصباً عطفاً على الشت كما نقول: ضرب زيد عمراً وبكر خالداً. فتعطف الفاعل على الفاعل والمفعول على المفعول. والثاني: أن تكون غير زائدة، فيكون قوله: وأسفله، مرفوعاً بالابتداء. وقوله بالمرخ: في موضع رفع على خبره، كأنه قال: وأسفله مثمر بالمرخ، ونحو ذلك من التقدير.
[5] مسألة:
وأما قول الأعشى: (ضمنت برزق عيالنا أرماحنا).
فإنما جاز دخول الباء فيه على الرزق، لأن ضمنت بمعنى تكفلت، والتكفل يتعدى بالباء. تقول: تكلفت بكذا، فصار نحو ما قدمناه من حملهم الفعل على نظيره.
وكذلك قول الراجز: (نضرب بالسيف ونرجو بالفرج)
(2/301)

إنما عدي الرجاء بالباء، لأنه بمعنى الطمع، والطمع يتعدى بالباء، كقولك: طمعت بكذا قال الشاعر:
طمعت بليلى أن تريع وإنما ... تقطع أعناق الرجال المطامع
[6] مسألة:
وأما قوله تعالى: (وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً)، فإن في هذه الآية وجوهاً من القراءات والإعراب: فمن قرأ يساقط بباء مضمومة أو بتاء مضمومة وخفف السين، وكسر القاف، فالباء على قراءته زائدة، أو للإلصاق، على ما قدمناه من رأى من يرى أن القرآن ليس فيه شيء زائد. والهز بحسب هاتين القراءتين والرأيين ليس فيه شيء زائد، وهو واقع على الجذع. وقوله (رطباً): مفعول تساقط، وفي تساقط ضمير فاعل، فمن قرأ يساقط، فذكر، كان الضمير عائداً إلى الجذع. ومن قرأ تساقط فأنث، كان الضمير عائداً إلى النخلة. وقد قيل: إنه عائد على الجذع، وأنث الجذع إذ كان مضافاً على مؤنث هو بعضه. كما قالوا ذهبت بعض أصابعه. ومن قرأ يساقط عليك، ففتح الياء، وشدد السين، وفتح القاف، وذكر الضمير. فلا يكون الضمير على قراءته إلا عائداً على الجذع. ومن فتح وشدد وأنث الضمير، كانالضمير الفاعل عائداً على النخلة، أو على الجذع، ويكون الهز في هاتين القراتين، واقعاً أيضاً على الجذع، والباء زائدة، أو للإلصاق، كما كان في القراءتين
(2/302)

المتقدمتين غير أن الرطب في هاتين القراءتين الأخريين، ينصب على التمييز والتفسير، لأن التساقط لا يتعدى إلى مفعولين، كما تتعدى المساقطة.
ويجوز في هاتين القراءتين الثانيتين، أن يكون الرطب منتصباً بهزي، أي هزي رطباً جنياً بهزك جذع النخلة. فيكون كقولهم: لقيت بزيد كرماً وبراً. أي لقيت الكرم والبر بلقائي إياه، فتكون الباء على هذا غير زائدة. ويكون الضمير الفاعل في تساقط، عائداً على الرطب، لا على الجذع. وكذلك في قراءة من أنث، يكون عائداً على الرطب، لا على النخلة، لأن الرطب يذكر ويؤنث. وفي تأنيث الضمير، وهو عائد على الرطب نظر، لأنه قد قال تبارك وتعالى: (جنيا) فذكر صفته، وكان يجب على هذا أن تكون جنية، غير أنه أخرج بعض الكلام على التذكير، وبعضه على التأنيث، كما قال الأعشى:
قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا ... وأرى ثيابك بايات همدا
فقال: باليات على تأنيث الجمع، وهمدا على تذكيره، وقد جاء في القرآن ما هو أظرف من هذا وأغرب وهو قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) فأفرد اسم كان، على
(2/303)

لفظ (من)، وجمع خبرها على معناها، فصار بمنزلة قول القائل لا يدخل الدار إلا من كان عقلاء. وهذه مسألة قد أنكرها كثير من النحويين، وقد جاء نظيرها في كتاب الله تعالى كما ترى.
[7] مسألة:
وأما قوله تعالى (فستبصر ويبصرون، بأيكم المفتون). فإنما ذهب من ذهب إلى زيادة الباء هنا، لأنه اعتقد أن المفتون اسم المفعول من فتنته، فوجب على هذا الاعتقاد أن يقال: أيكم المفتون على الابتداء والخبر. وصارت الباء هاهنا زائدة، كزيادتها في قولهم: بحسبك قول السوء، وقول الشاعر:
بحسبك في القوم أن يسلموا ... بأنك فيهم غنى مضر
والأجود في هذه الآية، أن يكون المفتون مصدراً جاء على زنة المفعول، كقولهم: خذ ميسوره، ودع معسوره، فيرتفع بالابتداء، يكون قوله: بأيكم، في موضع رفع على أنه خبره كأنه قال: بأيكم الفتون، كما تقول: بأيكم المرض .. وقد قيل إن الباء هاهنا فمعنى في، كما تقول زيد بالبصرة وفي البصرة. والمفتون: اسم مفعول لا مصدر، ومرفوع بالابتداء، والمجرور: متضمن لخبره، كأنه قال: في أيكم المفتون؟ كما تقول: في أيكم الضال؟ وفي أي الطافتين الكافر؟
(2/304)

[8] مسألة
وأما قول امريء القيس: (هصرت بغصن ذي شماريخ ميال. فنه محمول على الوجهين المتقدمين من زيادة الباء، أو من معنى الإلصاق.
ويقوى قول من قاله بالإلصاق في هذه الأشياء، أنه لو قال: أوقعت الهصر بالغصن، لأفاد ما يفيده قوله هصرت غصناً. وكذلك لو قال: أوقع الهز بالجذع، والشرب بالماء، لأفاد ما يفيده قوله: هز الجذع، واشرب الماء، فكأنه كلام حمل على ما هو مثاله في المعنى، على ما تقدم من حملهم بعض الأشياء على بعض.
[9] مسألة:
وأما قول حميد بن ثور:
أبى الله إلا أن سرحة مالك ... على كل أفنان العضاه تروق
فإنما جعل (على) فيه زائدة، لأن راق يروق، لا يحتاج في تعديه إلى حرف جر إنما يقال الشيء يروقني. والمعنى: تروق كل أفنان. وإنما استعمل (على) هاهنا، لأنها إذا راقتها، كان لها فضل وشرف عليها. وقد يمكن في هذا البيت، على رأى من ينكر الزيادة، أن بقدر في الكلام محذوف، كأنه قال: أبى الله لا أن أفنان سرحة مالك.
(2/305)

فيكون قوله: على كل أفنان في موضع خبر (أن)، كما يقال: أبى الله إلا أن فضل ربى على كل فضل، أي فوق كل فضل فالأفنان على هذا القول: جمع فنن، وهو الغصن. وعلى هذا القول حكاه ابن قتيبة، وهو قول يعقوب: ينبغي أن يكون جمع فن وهو النوع، كأنه قال: تروق كل أنواع العضاه. وقد يجوز أن يقدر في صدر البيت من الحذف مثل ما قدرناه، فتكون الأفنان: الأغصان. كما أنه يمكن في القول الثاني، أن تكون الأفنان: الأنواع، ولا يحتاج إلى تقدير محذوف.

باب
إدخال الصفات وإخراجها
هذا الباب موقوف على السماع، ولا يجوز القياس عليه، وإنما لم يجز أن يجل مقياساً كسائر المقاييس، لأن الفعل نما يحتاج في تعديه إلى وساطة الحرف، إذا ضعف عن التعدي إلى معموله بنفسه، فتعديه بلا واسطة، دليل على قوته، وتعديه بواسطة، دليل على ضعفه، فمن أجاز تعديه بنفسه تارة، وتعديه بواسطة تارة، من غير أن يكون بين الحالتين اختلاف، كان كمن أجاز اجتماع الضدين. ولهذا والذي ذكرناه، أنكر هذا الباب قوم من النحويين واللغويين ودفعوه، وتكلفوا أن يجعلوا لكل واحد من اللفين معنى غير معنى الآخر، فأفضى بهم الأمر إلى تعسف شديد.
وإن ذهبنا إلى الكلام على كل لفظة من الألفاظ التي تضمنها هذا
(2/306)

الباب، على الرأيين جميعاً، طال ذلك جداً، واحتجنا إلى أن نتكلف ما تلكفه المنكرون له. ولكنا نقول في ذلك قولاً متوسطاً بين القولين أخذاً بطرف من كلا المذهبين، ينتفع به من يقف على معناه، ويستدل به على سواه، إن شاء الله تعالى.
* * *
(اعلم) أن العرب قد تحذف حروف الجر من أشياء هي محتاجة إليها، وتزيدها في أشياء هي غنية عنها. فإذا حذفوا حرف الجر مما هو محتاج إليه، فذلك لأسباب ثلاثة:
أحدها: أن يكثر استعمال الشيء، ويفهم الغرض منه والمراد فيحذف الحرف تخفيفاً، كما يحذفون غير ذلك من كلامهم، مما لا يقدر المنكرون على أن يدفعوه، كقولهم: (أيش لك)، يريدون: أي شيء. و (يلمه)، وهم يريدون: ويل أمه، وويل لامه. وذلك كثير جداً، كحذفهم المبتدأ تارة، الخبر تارة، وغير ذلك مما يعلمه أهل هذه الصناعة.
والثاني: أن يحمل الشيء على شيء آخر وهو في معناه، ليتداخل اللفظان، كما تداخل المعنيان، كقولهم: استغفر الله ذنبي، حين كان بمعنى استوهبه إياه:
والثالث: أن يضطر إلى ذلك شاعر، كنحو ما أنشده الكوفيون من قول جرير:
تمرون الديار ولم تعوجوا ... كلامكم على إذن حرام
(2/307)

وإنما زاد حرف الجر فيما هو غنى عنه، فذلك لأسباب أربعة: أحدها: تأيد المعنى وتقوية عمل العامل، وذلك بمنزلة من كان معه سيف صقيل، فزاده صقلاً، وهو غني عنه، أو بمنزلة من أعطى آلة يفعل بها، وهو غير محتاج إليها، مئونة له على فعله. والثاني: الحمل على المعاني، ليتداخل اللفظان، كتداخل المعنيين، كقول الراجز:
(نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
فعدى الرجاء بالباء حين كان بمعنى الطمع، وكقول الآخر:
أردت لكيلا يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود
حين كان بمعنى إرادتي واقعة لهذا الأمر. والثالث: أن يضطر شاعر.
والرابع: أن يحدث بزيادة الحرف معنى لم يكن في الكلام. وهذا النوع أظرف الأنواع الأربعة، وألطفها، مأخذاً، وأخفاها صنعة. ومن أجل هذا النوع، أراد الذين أنكروا هذا الباب أن يجعلوا لكل معنى غير معنى الآخر، ضاق عليهم المسلك، وصاروا إلى التعسف.
وهذا النوع كثير في الكلام، يراه من منحه الله طرفا ًمن النظر، ولم يمر عليه معرضاً عنه. فمن لك قولهم: شكرت زيداً، وشكرت لزيد، يتوهم كثير من أهل هذه الصناعة: أن دخول اللام هاهنا كخروجها، كما توهم ابن قتيبة ويعقوب، ومن كتبه نقل ابن قتيبة ما ضمنه هذا الباب، وليس كذلك، لأنك إذا قلت: شكرت زيداً، فالفعل متعد إلى مفعول واحد. وإذا قلت: شكرت لزيد، صار
(2/308)

بدخول اللام متعدياً إلى مفعولين، لأن المعنى، شكرت لزيد فعله. وإنما يترك ذلك الفعل اختصاراً. ويدلك على ظهور المفعول في قول الشاعر:
شكرت لكم آلاءكم وبلاءكم ... وما ضاعمعروف يكافئه شكر
ومن هذا النوع قولهم: كلت الطعام، ووزنت الدراهم، فيعدونهما إلى مفعول واحد، ثم يدخلون اللام فيعدونهما إلى مفعولين، فيقولون: كلت الطعام لزيد، ووزنت الدراهم لعمرو. وإذا قالوا: كلت لزيد، ووزنت لعمرو، فإنما يتركون ذكر المكيل والموزون اختصاراً. وكذلك إذا قالوا: كلت زيداً ووزنت عمراً، حذفوا حرف الجر والمفعول الثاني اختصاراً، وثقة بفهم السامع.
وذكر ابن درستويه، أن نصحت زيداً، ونصحت لزيد من هذا الباب، وأن اللام إنما تدخله لتعديه إلى مفعول آخر، وأنهم إذا قالوا: نصحت لزيد، فإنما يريدون نصحت لزيد رأيي، أو مشورتي، فيترك ذكر المفعول اختصاراً، كما يتركون ذكره في قولهم: سكرت لزيد. وذكر أنه من قولهم نصحت الثوب: إذا خطته فان معنى نصحت لزيد رأيي: أحكمته، أي كما يحكم الثوب إذا خيط.
فعلى تلك الأوجه التي ذكرتها ينصرف هذا الباب.
[1] مسألة:
وذكر في هذا الباب قول الله تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه) وقال معناه يخوفكم بأوليائه.
(2/309)

(قال المفسر): يريد أنه مثل قولهم: خوفت زيداً الأمر، وخوفته بالأمر. فالمخوفون على ما قاله: هم المؤمنون، والأولياء، وهم الكفار، هم المخوف منهم. وقد يجوز أن يكون الأولياء هم المخوفين، دون المؤمنين، ويكون المعنى أن الشيطان إنما يخوف الكفار لأنهم يطيعونه. وأما المؤمنون، فلا سلطان له عليهم. كقوله تعالى موضع آخر: (إنما سلطانه على الذين يتولونه) فليس في هذا تقدير حرف محذوف.

أبنية الأسماء
(فَعلة وفِعلة):
قال في هذا الباب: "العُقاب: لقوة، ولقوة، فأما التي تسرع اللقح فهي لقوة بالفتح".
(قال المفسر): هذا الذي قاله، قول أبي عمرو الشيباني، وحكى الخليل غيره: (لقوة) بكسر اللام، للتي تسرع اللقح. وكذا حكى أبو عبيد في الأمثال: "كانت لقوة صادفت قبيساً". والقبيس الفحل السريع اللقاح. يضرب مثلاً للرجلين يلتقيان وهما على مذهب واحد، وخلق واحد، فيتفقان في سرعة.
(2/310)

(فُعلة وفِعلة):
قال في هذا الباب "خُصية وخِصية".
(قال المفسر): قد أنكر خصية بكسر الخاء في باب ما جاء مضموماً والعامة تكسره، ثم أجازها في هذا الموضع كما ترى.
(فَعلة وفَعلة)
قال في هذا الباب: "الوسمة والوسمة التي يختضب بها".
(قال المفسر): قد أنكر تسكين السين في باب ما جاء محركاً والعامة تسكنه، ثم أجازه هاهنا.
* * *
(فَعال وفِعال):
قال في هذا الباب: "سداد من عوز، وسداد. وهذا قوامهم وقوامهم، وحكى فيه: ولد تمام وتمام".
(قال المفسر): لم يجز في باب الحرفين يتقاربان في اللفظ والمعنى، في السداد من العوز والقوام من الرزق، غير الكسر. وأجاز فيهما هاهنا: الفتح. وكذلك لم يجز في الباب المذكور غير ولد تمام، بالفتح، وأجاز فيه هاهنا الكسر.
* * *
فعَال وفُعال:
قال في هذا الباب: "خوان وخوان".
(2/311)

(قال المفسر): قد أنكر ضم الخاء من خوان في باب ما جاء مكسوراً والعامة تضمه، ثم أجازه هاهنا.
(فُعال وفَعيل):
قال في هذا الباب: "وحكى الفراء صغار وصغير".
(قال المفسر): كذا وقع في بعض النسخ بالغين معجمة، ووقع في بعضها صفار وصفير بالفاء. وكلاهما جائز. وهكذا اختلفت نسخ إصلاح المنطق في هذه اللفظة، في رواية أبي علي البغدادي، وحكى الفراء عن بعضهم، قال: قال في كلامه: رجل صغار يريد صغيراً. وذكر أن أحمد بن عبيد رواه صغار بالتشديد.
وفي رواية ثعلب التي رويناها عن عبد الدايم بن مرزوق القيرواني: وحكى الفراء عن بعضهم قال: في كلامه صفار يريد صفيراً. كذا وقع بالفاء، جعله مصدر صفر بضمه.
* * *
(فعَالة وفِعالة):
ذكر في هذا الباب: "الجنازة والجنازة".
(قال المفسر): قد أنكر فتح الجيم في باب ما جاء مكسوراً والعامة تفتحه، وقد تكلمنا في هذا هناك، وإنما أذكر هذا ونحوه لأنبه على المواضع التي اختلف فيها قوله.
* * *
(2/312)

(فْعَالة وفُعالة)
قال في هذا الباب:"عليه طلاوة من الحسن وطلاوة"
(قال المفسر): قد أنكر فتح الطاء في باب ما جاء مضموماً والعامة تفتحه، ثم أجازه هاهنا.
(مَفعل ومَفْعِل):
قال في هذا الباب: "وما كان من ذوات الياء والواو مثل مغزى من غزوت، ومرمى من رميت، فمفعل منه مفتوح: اسماً كان أو مصدراً، إلا مأقي العين، ومأوى الإبل، فإن العرب تكسر هذين الحرفين، وهما نادران".
(قال المفسر): هذا قول الفراء، وقد حكاه عنه في شواذ الأبنية، وأكثر ما يجيء هذا المثال بالهاء كالمعصية والمأييه: مصدر أبيت، ومحنية الوادي. وقالوا حميت من الأنفة حمية ومحمية، وقليت الرجل مقلية: إذا أبضغته، فأما مأقى العين، فذهب غير الفراء إلى أن الميم فيه أصل غير زائدة، واستدل على ذلك بقولهم في معناه: (ماق) على وزن فلس، وجعل وزنه (فاعلاً) منقوصاً، كقاضٍ وغازٍ.
وحكى أيضاً (مؤق) منقوص على وزن معط، وإن كان يخالفه في زيادة الميم، ووزنه فُعل. وذكر ابن جني هذين الاسمين في الأبنية المستدركة على سيبويه، وأجاز فيهما أن يكونا مخففين من موقى على مثال كرسين ومأقى على مثال دهري، وجعلهما مما جاء على صورة المنسوب، ويقوى
(2/313)

هذا القول: أن مأق العين قد جاءت فيه لغات كثيرة، الميم في جميعها أصل. فسبيل الميم في المأقى والموقى المنقوصين ألا يكون كذلك. وليس يبعد على قول الفراء، أن تكون الميم في هذين الحرفين زائدة، وإن كانت في سائر الكلمة أصلاً، ويكون هذا من الألفاظ التي تتقارب صيغها مع اختلاف أصولها، كقولهم: عين ثرة وثرثارة في قول البصريين، وكذلك قولهم: سبط وسبطر. ومن المعتل: شاة وشياه وشوى. وقالوا في جمع مسيل الماء: مسل ومسلان، فجعلوا الميم أصلا، وهم يقولون مع ذلك سال الماء يسيل، ومثل هذا كثير.
* * *
(مُفعل ومِفعل):
ذكر في هذا الباب أنه يقال: منتن ومنتن [بكسر الميم لا يعرف غيره] ثم قال: فمن أخذه من أنتن، قال: منتن ومن أخذه من (نتن) قال: منتن".
(قال المفسر): يمكن أن يكون منتن المكسور الميم والتاء، من أنتن أيضاً، غير أنهم كسروا الميم اتباعاً لكسرة التاء، كما قالوا: المغيرة، وهي من أغار، وقد قالوا أيضاً منتن بضم الميم والتاء، جعلوا التاء تابعة لضمة الميم، وقد ذكر ابن قتيبة نحواً من هذا في باب شواذ الأبنية.
(2/314)

(مِفعل وفعِال):
قال في هذا الباب: "مقرم وقرام".
(قال المفسر): المعروف مقرمة (بالهاء)، وكذا حكى أبو عبيد والخليل، وقد رواه عنه أبو علي البغدادي.
* * *
(مِفعل ومِفعال):
قال في هذا الباب: "مقول ومقوال".
(قال المفسر): كذا وقع في النسخ بالقاف، وأنكره أبو علي البغدادي وقال: "الذي أحفظ منول ومنوال بالنون".
والمنول بالنون: الخشبة التي يلف عليها الحائك الثوب. والأشهر فيه (منوال) بالألف، كما قال امرؤ القيس:
بعجلزة قد أترز الجرى لحمها ... كميت أنها هراوة منوال
وأما المقول والمقوال بالقاف، فالخطيب الكثير القول، وأما المقول الذي يراد به اللسان، والمقول الذي يراد به (القيل) فلا أحف فيها غير هذه اللغة.
(2/315)

(مَفعلة ومَفْعِلة):
قال في هذا الباب: "مضربة السيف ومضربته".
(قال المفسر): وقع في تعاليق الكتاب عن أبي علي البغدادي: أنه قال: لا يقال مضربة، ومضربة، إنما هو مضرب ومضرب.
(قال المفسر): مضربة ومضربة: صحيحتان، حكاهما يعقوب وغيره.
* * *
(فُعْلُل وفُعْلَل)
قال في هذا الباب: "قنفذ وقنفذ، وعنصل وعنصل (للبصل البري 9 وعنصر وعنصر".
(قال المفسر): قياس النون في هذه الأمثلة أن تكون زائدة، ووزنها فنعل، لا فعلل. ويدل على ذلك جواز الفتح والضم فيها، وليس في الكلام (فعلل) بفتح اللام، إلا ما حكاه الكوفيون من طحلب وجؤذر وقعدد وذحلل، على أنهم قد قالوا: تقنفذ القنفذ: إذا اجتمع، وليس في هذا دليل قاطع بكون النون أصلاً، لأنهم قد قالوا: تقلنس الرجل: إذا لبس القلنوسه، وقلنسته، وقالوا: تمسكن، وشمدرع، فأثبتوا الميم والنون في تصريفا لفعل من هذه الألفاظ، وهما زائدتان.
(2/316)

(فَعلل وفِعلل):
ذكر في هذا الباب: "الأثلب والإثلب، والأبلمة والإبلمة".
(قال المفسر): قياس الهمزة في هذه الأمثلة أن تكون زائدة لا أصلية، فوزن أثلب أفعل لا فعلل، وذلك إبلمة، إفعلة، لا فعللة.

باب
ما يُضم ويكسر
ذكر في هذا الباب أنه يقال: "جُندب وجندب".
(قال المفسر): رد ذلك أبو علي البغدادي، وقال: إنما هو جندب، بضم الدال، وجندب بفتحها، والجيم مضمومة في اللغتين، وأما كسر الجيم مع فتح الدال فلا أعرفه. أه.
(قال المفسر): جندب بكسر الجيم: صحيح، حكاه سيبويه في الأمثلة، والذي قاله أبو علي: غلط.

باب
ما يكسر ويفتح
ترجم ابن قتيبة هذا الباب مما يكسر ويفتح، وأدخل أشياء مخالفة للترجمة، لأنه ذكر فيه ما يخفف فيمد، فإذا شُدد قصر.
(2/317)

ومن ذلك: (القبيطي، والقبيطاء) و (الباقلي، والباقلاء)، ونحو ذلك فيما لا يليق بالترجمة. والقول في ذلك عندي، أن ذلك مردود على ألو الباب، لأه قال: ما جاء فيه لغتان من حروف مختلفة الأبنية، ثم نوع ما تضمنته هذه الترجمة، فقال: ما يضم ويكسر، ثم قال: ما يضم ويفتح، ثم قال: ما يسر ويفتح، ثم جعل هذه الأشياء المختلفة نوعاً رابعاً، وإن كان لم يترجمه، لأن ترجمته أول الباب قد ضمنت ذلك وحصرته.
[1] مسألة:
وأنشد في هذا الباب لصخر السلمي:
ولقد قتلتكم ثناء وموحداً ... وتركت مرة مثل أمس الدابر
(قال المفسر): كذا وقع في النسخ والصواب: المدبر، لأن بعده:
ولقد دفعت إلى دريد طعنة ... نجلاء تزغل مثل غط المنخر
(2/318)

باب
ما جاء فيه ثلاث لغات من حروف مختلفة الأبنية
ذكر في هذا الباب: " (الأبلمة) بضم الهمزة واللام، و (الأبلمة) بفتحهما، (والإبلمة) بكسرهما".
(قال المفسر): حكى قاسم بن ثابت: (إبلمة) بكسر الهمزة، وفتح اللام، ففيها على هذا أربع لغات.

باب
ما جاء فيه أربع لغات من بنات الثلاثة
[1] مسألة:
ذكر في هذا الباب: "العفو، والعفو، والعفو، والعفا: ولد الحمار. قال: وأنشد المفضل.
وطعن كتشهاق العفا هم بالنهق
(قال المفسر): قد حكى يعقوب ن ابن الأعرابي أنشده عن المفضل: (كتشهاق العفا) بكسر العين، فينبغي أن تكون هذه لغة خامسة.
[2] مسألة:
وذكر في هذا الباب؛ أن في العضد والعجر أربع لغات: عضد وعجز،
(2/319)

بفتح الأول، وضم الثاني، وعضد وعجز، بتخفيف الضمة، وإقرار أولهما على الفتح، وعضد وعجز، بتخفيف الضمة، ونقلها إلى الأول، وعضد وعجز، بضم الأول والثاني".
(قال المفسر) حكى يعقوب: عضد وعجز، بفتح الأول، وكسر الثاني، فهذه لغة خامسة. ويجوز التخفيف أيضاً في هذه اللغة، ونقل الكسرة إلى الأول، فتكون لغة سادسة.
[3] مسألة:
وذكر في هذا الباب أيضاً: اسم، بكسر الهمزة، واسم، بضمها، وسم، بسين مكسورة، وسم، بسين مضمومة.
(قال المفسر): وزاد النحويون سما على وزن هدى وهي أغربها.

باب
ما جاء فيه أربع لغات من حروف مختلفة الأبنية
حكى في هذا الباب: أن في صداق المرأة أربع لغات: صداق، بالفتح، وصداق بالكسر، وصدقة، بضم الصاد، وضم الدال، وصدقة، بضم الصاد، وسكون الدال".
(2/320)

(قال المفسر): هذا على تخفيف الضمة، ونقلها إلى ما قبلها، وقد حكى أبو إسحاق: أن منهم من يخفف ولا ينقل الضمة إلى الصاد، فهذه لغة خامسة.
وذكر في هذا الباب: أن في الإصبع أربع لغات، وقد ذكرنا فيما سلف: أن فيها عشر لغات.

باب
ما جاء فيه خمس لغات
قال في هذا الباب: ريح الشمال، على وزن فذال، والشمأل، الهمزة بعد الميم، والشأمل، الهمزة بعد الميم، والشأمل، الهمزة قبل الميم، والشمل، والشمل بفتح الميم وتسكينها من غير همز".
(قال المفسر) قد قيل: شمول، على وزن رسول، وروى في بيت الأخطل:
فإن تبخل سدوس بدرهميها ... فإن الريح طيبة شمول
حكى ذلك أبو علي البغدادي.
(2/321)

باب
معاني أبنية الأسماء
قال في هذا الباب: وقالوا: سهك ولخن ولكد ولكن وحسك وقتم، كل هذا للشيء يتغير من الوسخ ويسود".
(قال المفسر): وقع في النسخ قتم، بالتاء، كأنه من القتام، وهو الغبار، وأنكره أبو علي البغدادي، وقال: "لست أذكر (قتم) في هذا المعنى، إنما أذكر (قنم) بالنون. يقال: يدى من كذا وكذا قنمة". أه.
(قال المفسر): فتم بالتاء والنون جائزان، وهما متقاربان في المعنى، لأن القنمة بالنون: خبث الريح، فيما حكى يعقوب.
وقال أبو زيد قنم الطعام والثريد قنما: إذا فسد وعفن. والقنم: مثل النمس، وهو في الطعام: مثل العفن، وفي الدهن: فساد ريحه، والقنم بالتاء: السواد غير الشديد. يقال: قتم قتماً وقتمة، والقتم: ريح ذات غبار، قال الشاعر:
كأنما الأسد في عرينهم ... ونحن الليل جاش في قتمه
(2/322)

باب
شواد الأبنية
[1] مسألة:
قال في هذا الباب، حكاية عن سيبويه: ليس في الأسماء ولا في الصفات (فُعِل)، ولا تكون هذه البنية إلا للفعل. قال: وقال لي أبو حاتم [السجستاني]: سمعت الأخفش يقول: قد جاء على فعل حرف واحد وهو الدئل، لدويبة صغيرهن تشبه ابن عرس".
(قال المفسر): قد جاء حرف آخر، وهو: رئم، اسم من أسماء الإست، والوجه في هذين الاسمين: أن يجعلا فعلين في أصل وضعهما، نقلا إلى تسمية الأنواع، كما ينقل الفعل إلى العلمية، فيسمى الرجل ضرب، فإذا اعتقد فيهما هذا، لم يكونا زيادة على ما حكاه سيبويه.
وقد جاء نقل الفعل إلى تسمية النواع، كما نقل إلى تسمية الأعلام، قالوا: تنوط وتبشر، وهما طائران سميا بالفعل.
[2] مسألة:
وذكر في هذا الباب: أن سيبويه قال: "ليس في الكلام (فعل)
(2/323)

إلا حرفان في الأسماء: إبل، والحبرة، وهي القلح في الأسنان. وحرف في الصفة، قالوا: امرأة بلز، وهي الضخمة. قال ابن قتيبة وقد جاء حرفآخر وهو إطل [وهو الخاصرة].
(قال المفسر): هذا غلط، لم يحك سيبويه غير إبل وحده، وقال: لا نعلم في السماء والصفات غيره، وأما الحيرة والبلز فإنهما من زيادة أبي الحسن الأخفش، وليسا من كلام سيبويه وهذا الذي حكاه الأخفش من قولهم: الحبرة غير معروف، إنما المعروف: (حبرة) بفتح الحاء وسون الباء، ويدل على ذلك قول الشاعر:
ولست بسعدي بما فيه حبرة ... ولست بعبدي حقيبته التمر
وأما إطل فزيادة غير مرضية، لأن المعروف (إطل) بالسكون، ولم يسمع محركا إلا في الشعر، كقول امريء القيس:
له إطلا ضبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل
فيمكن أن يكون الشاعر حركه بالكسر للضرورة، كما حرك الهذلي لام الجلد ضرورة، في قوله:
إذا تجاوب نوح قامتا معه ... ضرباً أليماً بسبت يلعج الجلدا
وقد حكى: أتان إبد، وهي المتوحشة، وحكى عن العرب أنهم
(2/324)

قالوا: لا أحسن اللعب، إلا جلخ جلب، وهي لعبة لهم يلعبونها.
[3] مسألة:
وحكى في هذا الباب عن سيبويه قال: ليس في اللام (فعل) وصف إلا حرف واحد من المعتل، يوصف به الجميع، وذلك قولهم (عدي)، وهو مما جاء على غير واحده. وحكى عن سيبويه أنه زاد مكاناً سوى".,
(قال المفسر): هذه الزيادة صحيحة، وقد جاء حرفان آخران، قالوا: ماء صرى: للمجتمع المستنقع، وماء روى: للكثير المروى، قال الراجز:
تبشرى بالرفه والماء الروى ... وفرج منك قريب قد أتى
وقال ذو الرمة:
سرى آجن يزوي له المرء وجهه ... ولو ذاقه ظمآن في شهر ناجر
(2/325)

يروى بفتح الصاد وكسرها. وقد جاء منه شيء بالهاء، قالوا: سبى طيبه للحلال، وخيرة: للشيء المحتار.
[4] مسألة:
وحكى عن سيبويه قوله: لا نعلم في الكلام أفعلاء، إلا الأربعاء وحكى عن أبي حاتم عن أبي زيد: أنه قدجاء الأرمداء، وهو الرماد العظيم، وأنشد:
لم يبق هذا الدهر من آبائه ... غير أثافيه وأرمدائه
(قال المفسر): هذه الزيادة غير صحيحة، لأن أبا علي البغدادي حكى أنه يُقال: رماد، ويجمع على أرمدة. وتجمع أرمدة على أرمداء. فإذا كان جمعاً لم يعند زياده، لأن سيبويه إنما ذكر أنه لا يكون في الآحاد لا في الجمع، وذكر أبو علي أن ابن دريد كان يروى (غير أثافيه وإرمدائه) بكسر الهمزة فيلزم على هذه الرواية أن يكون اسماً مفرداً، وهو زيادة على ما حكاه سيبويه لنه قال وتكون على إفعلاء بكسر الهمزة، ثم قال: ولا نعلمه جاء إلا في الأربعاء.
ففي الأربعاء، على هذا ثلاث لغات (أربعاء) بفتح الهمزة والباء و (إربعاء) بكسرهما، وأربعاء بفتح الهمزة وكسر الباء.
(2/326)

[5] مسألة:
وحكى عن سيبويه أنه قال: ليس في الكلام مفعل إلا منخر، فأما منتن ومغيرة، فإنهما من أغار وأنتن، ولكنهم كسروا كما قالوا: أجوءك ولإمك".
(قال المفسر): كذا وقع في روايتنا عن أبي نصر، عن أبي علي، وكذا وجدته في جمهور النسخ، ولا أدري أهو غلط وتصحيف من ابن قتيبة، أم من بعض الراوين عنه، وإنما قال سيبويه أجوءك ولإمك، وأجوءك: لغة في أجيئك. يقال: جاء يجيء ويجوء، حكاهما أهل اللغة، وأنشدوا:
أبو مالك يقتادنا في الظهائر ... يجوء فيلقى رحله عند جابر
يعني بأبي مالك: الجوع، وبجابر: الخبز، والعرب تسمى الخبز جابر بن حبة، لأنه يجبر الجائع، وحكى يعقوب لغة ثالثة، وهي وزن رمى، وأنشد:
أصبن فغني قد رأيت جرادة ... جأت في كبيدات السماء تطير
[6] مسألة:
وقال في هذا الباب: ليس يأتي مفعول من ذوات الواو بالتمام، وإنما
(2/327)

يأتي بالنقص مثل مقول ومخوف، إلا حرفين قالوا: مسك مدووف، وثوب مصوون، وأما ذوات الياء فتأتي بالنقص والتمام".
(قال المفسر): حكى الفراء عن الكسائي أن بني يربوع وبني عقيل يقولون: حلى مصووع، بواوين، ودواء مدووف، وثوب مصوون، وفرس مقوود، وقول مقوول.
وأما البصريون فلم يعرفوا شيئاً من هذا.
[7] مسألة:
وحكى عن سيبويه أنه قال: ليس في الكلام فعلول بفتح الفاء وتسكين العين. قال: وقال غيره: قد جاء فعلول في حرف واحد، قالوا: بنو صعفوق لخول باليمامة".
(قال المفسر): قد جاء على وزن فعلول ثلاثة أحرف سوى ما ذكره، حكى اللحياني: زرنوق، وزرنوق: للذي يبني على البئر. وحكى أبو حنيفة في النبات: برسوم وبرسوم، وهي أبكر نخلة بالبصرة. وقال أبو عمرو الشيباني في نوادره: زرنوق بالفتح، ولا يقال زرنوق، ومثله بنو صعفوق قوم باليمامة، وصندوق، ولا يضم أوله.
[8] مسألة:
وقال عن سيبويه: لم يأت فعيل في الكلام إلا قليلاً، قالوا: المريق، وكوكب دري، وأما الفاء فزعم أن الدري منسوب إلى الدر، ولم يجعله على فعيل.
(2/328)

(قال المفسر): الذي ذكره سيبويه أنه فعيل: دريء، بالهمز، كذا قرأناه في الكتاب وهذا لا يمكن الفراء أن يخالف فيه. والهمزة أصل، لأنه مشتق من (درأ): إذا دفع. وكذلك من قرأ دريء، بكسر الدال، ودريء، بفتحها، وهي قراءة تنسب إلى أبي جعفر المدني، وهي نادرة، لأنه ليس في الكلام فعيل بفتح الفاء.
وإنما الخلاف في قراءة من قرأ (دري) مشددة. ففي هذه القراءة يحتمل أن يكون منسوباً إلى الدر كما قال الفراء، ويحتمل أن يكون أصله الهمزة، ثم خففت الهمزة فانقلبت ياء، وأدغمت في ياء فعيل، كما يقال في النسيء، النسي، وفي خطيئة: خطية.
[9] مسألة:
وقال في هذا الباب: قال سيبويه: لا نعلم في الكلام فعلالا إلا المضاعف نحو الجرجار والدهداه، والصلصال والحقماق، وذكر أن الفراء قال: قد جاء على ذلك حرف واحد، وهو الخزعال، يقال: ناقة خزعال، وهو اللع.
(قال المفسر): قد جاء في الشعر حرف آخر، وهو قول الشاعر:
ولنعم رفد القوم ينتظرونه ... ولنعم حشو الدرع والسربال
(2/329)

ولنعم مأوى المستضيف إذا دعا ... والخيل خارجة من القسطال
يريد القسطل، وهو الغبار، والوجه في هذا عندي ألا يجعل زيادة على سيبويه، ويقال: إن الشاعر أراد القسطل، فأشبع فتحة الطاء اضطراراً، فنشأت بعدها ألف، كما قال الراجز:
أقول إذا خرت على الكلكال ... يا ناقتي ما جلت من مجال
[10] مسألة:
وقال في هذا الباب: كل حرف جاء على (فُعلاء) فهو ممدود، إلا أحرفا جاءت نوادر، وهي الأربي، وهي الداهية، وشعبي: اسم موضع، وأدمي: اسم موضع أيضاً".
(قال المفسر): لم يقل سيبويه في كتابه إنه ليس في الكلام إلا هذه الألفاظ الثلاثة، وإنما قال: ويكون على فعلى، وهو قليل في الكلام نحو شعبي والأربى والأدمي: أسماء.
وقد وجدنا في الكلام ثلاثة ألفاظ أخر غير ما ذكره، وهي الأرنى بالنون: حب يطرح في اللبن فيجبنه. ويقال له أيضاً: (أرنة) على مثال لمة، وأراني على مثال حبارى. حكى ذلك ابن الأعرابي، وأنشد:
(هدان كشحم الأرنة المترجرج
وحكى يعقوب جنفى: اسم موضع. وحكى المطرزي: الجعبي، عظام
(2/330)

النمل، وحكى هذه الألفاظ الثلاثة أبو علي البغدادي في كتابه المقصور والممدود.
[11] مسألة:
وحكى في هذا الباب عن الأصمعي أنه قال: ليس في الكلام فعلل بكسر الفاء، وفتح اللام، إلا حرفان، وهما درهم وهجرع: للطويل المفرط الطول، ثم قال بإثر ذلك وقال سيبويه: وقلعم، وهو اسم، وهبلع، وهو صفة".
(قال المفسر) هذا الكلام يوهم أنه ليس في اللام اسم على (فعلل) إلا هذه الأربعة؛ ولم يقطع سيبويه في كتابه أنه ليس في الكلام غير هذه الألفاظ إنما قال: ويكون على فعلل (بمعنى الاسم والصفة). فالأسماء نحو قلعم ودرهم، والصفة هجرع وهبلع. وقد حكى ابن الأعرابي أنه يقال: سرجع (بمعنى) هجرع، وقد حكى ضفدع وصندد: اسم موضع والمشهور صندد، بكسر الدال.
[12] مسألة:
وحكى في هذا الباب عن أبي عبيدة أنه قال لم يأت مفيعل في غير التصغير إلا في حرفين مسيطر ومبيطر، وزاد غيره ومهيمن".
(قال المفسر): قد جاءت ألفاظ أخر غير هذه، قالوا: هيلل الرجل فهو مهيلل، إذا قال: لا آله إلا الله، وقالوا: المجيمر: في اسم أرض. قال امرؤ القيس:
(2/331)

كأن ذرا رأس المجيمر غدوة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل
وقالوا: بيقر الرجل، فهو مبيقر: إذا لعب البقيري، وهو لعبة للصبيان: يجمعون تراباً ويلعبون به، وبيقر أيضاً: إذا هاجر من أرض إلى أرض، وبيقر: إذا أعيا. وبيقر الدار: إذا أقام بها. وبيقر: إذا خرج من العراق إلى والشام، وبيقر: إذا رأى البقر فتحير، كما يقال: غزل: إذا رأى الغزال فلهى. واسم الفاعل من جميعها مبيقر قال امرؤ القيس:
ألا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا
وقالوا: هينم فهو مهينم، وهو شبه قراءة غير بينةن وقال أوس ابن حجر:
هجاؤك إلا أن من كان قد مضى ... على كأثواب الحرام المهينم
[13] مسألة:
وقال عن سيبويه: لم يأت على أفعل إلا قليل في الأسماء، قالوا: ابلم وأًبع ولم يأت وصفا".
(2/332)

(قال المفسر): كذا قال سيبويه، وقد وجدناهم قالوا: لبن أمهج، وأمهجان، وأمهوج. وهو من المحض الرقيق قبل أن يحمض، ولم يخثر، ويكون الشحم، قال الراجز:
جارية شمت شباباً علجا ... في حجر من لم يك عنها ملفجا
يطعمهما اللحم وشحما أمهجا
قال ابن جني: قلت لأبي على الفارسي وقت قراءتي عليه: يكون أمهج محذوفاً من أمهوج، مقصوراً منه، فقيل ذل، ولم يأبه.
قال ابن جني: وقد يجوز أن يكون أمهج في الأصل اسما غير صفة، إلا أنه وصف به، لما فيه من معنى الصفاء، والرقة، كما يوصف بالأسماء الضامنة لمعنى الأوصاف، كما أنشد أبو عثمان من قول الراجز:
(مئبرة العرقوب إشفي المرفق)
فوصف بإشفي، وهو اسم، لما فيه من معنى الحدة.
[14] مسألة:
وقال عن سيبويه: لم يأت على أفعلى، إلا حرف واحد، لا نعرف غيره، قالوا: هو يدعو الأجفلى، وهو أيضاً الجفلى".
(قال المفسر): قد قالوا: الأوتكى: وهو ضرب من التمر، وقياس الهمزة فيه أن تكون زائدة، أنشد أبو علي البغدادي:
(2/333)

وباتوا يعشون القطيعاء جارهم ... وعندهم البرني في جلل وسم
وما أطعمونا الأوتكى من سماحة ... ولا منعوا البرنى إلا من اللؤم
[15] مسألة:
وقال عنه: لم يأت على أفنعل غلا حرفان: ألنجج وألندد من الألد".
(قال المفسر): قد جاء أبنبم: اسم موضع حكاه غير سيبويه، ويقال: (ويبنبم) بالياء، قال طفيل الغنوي:
أشاقت أظعان بجفر أبنبم ... نعم بكرا مثل الفسيل المكمم

شواذ التصريف
قال ابن قتيبة: "قال الفراء: العرب إذا ضمت حرفاً إلى حرف، فربما اجروهعلى بنيته، ولو أفرد، لتركوه على جهته الأولى.
من ذلك قولهم: إني لآتيه بالغدايا والعشايا، فجمعوا الغداة على غدايا، لما ضمت إلى العشايا، وأنشد:
هتاك أخبية ولاج أبوية ... يخلط بالجد منه البر واللينا"
(قال المفسر): قد حكى ابن الأعرابي أنه يقال: غدية على وزن عشية، وأنشد:
ألا ليت حي من زيارة أميه ... غديات قيظ أو عشيات أشتيه
(2/334)

فعلى هذه اللغة يقال في الجمع غدايا على غير وجه الازدواج، ويجوز لقائل أن يقول: هذا أيضاً جاء على وجه الازدواج، فقال: غديات لقوله: عشيات. فيكون بمنزلة قولهم: الغدايا والعشايا، وحكى ابن الأعرابي أيضاً عن المفضل أنه قال: يقال ندى وأندية، وباب وأبوبة، وقفا وأقفية، وحكى أبو حاتم عن الأصمعي في المقصور والممدود، قال: يقال: قفا وأقفية، ورحى وأرحية، وندى وأندية.
[1] مسألة:
وقال في هذا الباب: قالوا مذروان، والأصل: مذريان، وهما فرعا كل شيء. وإنما جاز بالواو، لأنه بني مثنى، لم يأت له واحد فيبنى عليه".
(قال المفسر): هذا الذي قاله هو المعروف، وحكى أبو عبيد القاسم، عن أبي عمرو: أنه يقال لواحدها: مذرى، وأحسب أن أبا عمرو قاس ذلك عن غير سماع، وأن أبا عبيد، وهم فيما حكاه عن أبي عمرو، كما وهم في أشياء كثيرة من كتابه.
[2] مسألة:
وقال في هذا الباب: وقال الفراء: إنما قالوا: (هو أليط بقلبي منك) بالياء، وأصله الواو، ليفرقوا بينه وبين المعنى الآخر".
(قال المفسر): قد حكى فيما تقدم من الكتاب أنه قال: لاط حبه بقلبي يليط ويلوط، فيجب على هذا أن يقال: هو أليط بقلبين وألوط.
[3] مسألة:
وأنشد في هذا الباب عن الكسائي:
(2/335)

وتأوى إلى زغب مساكين دونهم ... فلأ لا تخطاه الرماح مهوب
(قال المفسر): هذا غلط، والصواب: (وتأوى إلى زغب مساكين دونها)، لأنه يصف قطاة، وسنذكر هذا الشعر إذا وصلنا إلى شرح الأبيات، عن شاء الله تعالى.
[4] مسألة:
وقال في هذا الباب: لم نجد ياء بعدها واو غير مهموزة في الأسماء إلا في يوم".
(قال المفسر): قد قال أبو علي الفارسي في مسائلة الحلبية: لم تجيء العين ياء، واللام واواً، في اسم ولا فعل، فأما حيوة للاسم العلم والحيوان، فالواو فيهما بدل من ياء، وقد جاء عكس هذا كثير، نحو طويت ولويت ورويت. وجاءت الواو فاء والياء عينا، في ويل وويح وويسن وعكس هذا قولهم يوم. قال: وقرأت بخط محمد بن يزيد، يوح في اسم الشمس". أه.
(قال المفسر): المشهور في اسم الشمس بوح بالباء المعجمة بواحدة، وكذلك حكى أبو علي البغدادي في البارع، وحكى أبو عمر المطرز:
(2/336)

يوح، كالذي حكاه الفارسي عن محمد بن يزيد، ويروى أن أبا العلاء المعرى لما قال
ويوشع رد يوحاً بعض يوم ... وأنت متى سفرت رددت يوحا
اعترض في ذلك ببغداد، ونسب إلى التصحيف، واحتج عليه بكتاب الألفاظ ليعقوب فقال لهم: هذه النسخ التي تقرءونها مغيرة، غيرها شيوخكم، ولكن أخرجوا ما في الخزانة من النسخ العتيقة، فأخرجوا النسخ القديمة، فوجدوها مقيدة كما قال.
[5] مسألة:
وقال في هذا الباب عن سيبويه: وكل همزة جاءت أولا فهي مزيدة في نحو أحمر وأفكل وأشباه ذلك، إلا أولقا، فإن الهمزة من نفس الحرف، ألا ترى أنك تقول: ألق الرجل، فهو مألوق، وهو (فوعل)، أرطى، لأنك تقول: أديم مأروط. ولو كانت الهمزة زائدة لقلت: مرطى".
(قال المفسر): لم يقل سيبويه هكذا، إنما قال: "فالهمزة إذا لحقت أول حرف، رابعة فصاعداً، فهي زائدة أبداً عندهم، ألا ترى انك لو سميت بأفكل أو أيدع، لم تصرفه، وأنت لا تشتق منهما ما تذهب فيه الألف.
(2/337)

ثم قال بعد سطور كثيرة: وأما أولق فالألف من نفس الحرف" أه.
وكلام ابن قتيبة يوهم أن كل همزة وقعت أولا، حكم عليها بالزيادة، ونما يحكم عليها بالزيادة إذا وقعت بعدها ثلاثة أحرف أصول، وإذا كانت بعدها أربعة أحرف أصول أو خمسة، حكم عليها بأنها أصل، نحو إصطبل.
وكلام سيبويه أيضاً يوهم نحو ما يوهمه كلام ابن قتيبة، لأنه قال: إذا لحقت أول حرف رابعة فصاعداً. وقد فسر ذلك أبو علي الفارسي فقال: يريد بقوله فصاعداً مع الزواد مثل إصليت وما أشبهها، ومحال أن يلحق رباعياً أو خماسياً، لأن الزوائد لا تلحق ذوات الأربعة والخمسة في أوائلها.
وقول سيبويه أيضاً: أول حرف رابعة، ظريف، لأنه يريد أنها أربعة في عدد الحروف إذا عدت من آخرها إلى أولها.
وأما (أولق)، فأجاز الفارسي في الإيضاح: أن تكون الهمزة فيه زائدة، حملاً على الأكثر، ويكون مشتقاً من قولهم: ولق يلق: إذا أسرع، قال الراجز:
(جاءت به عنس من الشام تلق)
ويكون قولهم: ألق الرجل على هذا، أصله ولق، فأبدلت الواو همزة لانضمامها، كما أبدلت في أعد وأجوه، وهذا الذي ذهب الفارسي إليه قول غير مختار، لأنه كنا يلزم على هذا أن يقال: رجل مولوق،
(2/338)

فترجع الواو إلى أصلها، لذهاب العلة التي أوجبت همزها، ألا ترى أن من يقول: أعد الرجل بالهمز، إذ صار إلى المفعول به قال: موعود، ولم يقل مأعود، والمسموع من العرب مألوق بالهمز.
وقد أنكر أبو علي قول من زعم: إن الهمزة في (أله) بدل من واو قال: كان يلزم على قول من قال هذا، أن يقال في الجمع أولهة كما قال: ن من يقول في وشاح إشاح، إذا جمع قال: أوشحة.
ولا يصح قول أبي علي إلا على أن يجعل من البدل اللازم الذي يلتزمونه، مع ذهاب العلة الموجبة له، كقولهم في عيد أعياد، وفي ريح أرياح.
وقد حكى أبو عمر الجرمي أنه يقال: أديم مرطي ومرطو، وحكى أبو حنيفة: أديم مأروط، ومرطى، ومؤرطي، وحكى الأخفش أيضاً أديم مرطى، وهذا يوجب أن تكون الهمزة في أرطى زائدة.
[6] مسألة:
وحكى عن الفراء في هذا الباب: أنه أنكر على البصريين قولهم في كينونة وأخواتها: أنها فيعولة، مخففة من كينونة، وقال: لو كانت كذلك لوجدتها تامة في شعر أو سجع، كما وجدت الميت والميت على وجهين: على الأصل، وعلى التخفيف".
(قال المفسر): هذا الذي قاله قد خالف به الفراء البصريين، وهو لا يلزم من وجهين: أحدهما: أن الأصول قد ترفض، حتى تصير غير مستعملة، وتستعمل الفروع، كرفضهم استعمال أينق، وقسى، وأشياء، وأعياد، على الأصل. وكذلك قولهم: أقام إقامة، وأثار إثارة،
(2/339)

ووعد يعد، ووزن يزن، ولم يستعمل شيء من ذلك على أصله، وقد قال الفراء في سيد وميت ونحوهما: أن الأصل فيهما فعيل كسويد ومويت.
وقال في قولهم (اللهم): إن أصله: يا ألله أمنا بخير، ولم يستعمل شيء من ذلك، وهذا النوع كثير في مذاهب البصريين والكوفيين.
ومن طريف قوله: أنه زعم أن كينونة وأخواتها، أريد بهن فعلولة، ففتحوا أولها، راهية أن تصير الياء واوا، هذا يلزمه فيه مثل ما ألزمه البصريون.
والوجه الآخر أن البصريين قد أنشدوا:
قد فارقت قرينها القرينه ... وشحطت عن دارها الظعينه
يا ليت أنا ضمنا سفينه ... حتى يعود الوصل كينونه
[7] مسألة:
قال ابن قتيبة: قال غير واحد: كل (أفعل) فالاسم منه مفعل بكسر العين، نحو أقبلفهو مقبل، وأدبر فهو مدبر، وجاء حرف واحد لا يعرف غيره. قالوا: أسهب الرجل فهو مسهب (بفتح الهاء) ولا يقال: مسهب بكسرها".
(قال المفسر): قال أبو علي البغدادي: أسهب الرجل فهو مسهب (بفتح الهاء): إذا خرف وذهب عقله، وتكلم بما لا يعقل، فإذا تكلم بالصواب فأكثر، قيل: أسهب فهو مسهب، (بكسر الهاء)، وحكى
(2/340)

أبو عمر المطرز: ألفج فهو ملفج: إذا افتقر، وأحصن فهو محصن: إذا نكح.
[8] مسألة:
قال في هذا الباب: وأما قولهم: أحببته، فهو محبوب، وأجنه الله، فهو مجنون، أحمه الله فهو محموم، وأزكمه الله فهو مزكوم، ومثله مكزوز ومقرور، فإنه بُني على (فعل)، لأنهم يقولون في جميع هذا فعل بغير ألف. يقولون: حب، وجن، وزكم، وحم، وكز، وقر.
قال: ولا يقال: قد حزنه المر، ولكن يقال: أحزنه، ويقولون: يحزنه. فإذا قالوا: أفعله الله، فكله بالألف، ولا يقال مفعل في شيء من هذا إلا في حرف. قال عنترة:
ولقد نزلت فلا تني غيره ... منى بمنزلة المحب المكرم
(قال المفسر): هذا له نادر، خارج عن القياس، لأن فعل إذا رد إلى صيغة ما لم يسم فاعله، لم يجب فيه أكثر من تغيير الحركات، وأما أن يكون مع المفعول الذي لم يسم فاعله ثلاثياً ومع الفاعل رباعيا، فغير معروف، إلا ما شذ من هذه الألفاظ. وقد جاء بعضها على القياس، فقد حكى، حزنه الأمر وأحزنه، وقد قرأت القراء بهما جميعاً: (إني ليحزنني)، ويحزنني، وقد حكى حببت الرجل وأحببته. وقرأ
(2/341)

أبو رجاء العطاردي (فاتبعوني يحبكم الله) بفتح الياء. وأنشد أبو العباس المبرد:
لعمرك إنني وطلاب مصر ... لكالمزداد مما حب بعدا
وقال آخر:
وأقسم لولا تمره ما حببته ... وكان عياض منه أدنى ومشرق
[9] مسألة:
وقال في هذا الباب: قال الفراء: ماء معين، مفعول، من العيون، فنقض كما قال: مخيط ومكيل".
(قال المفسر): لا وجه لإدخال هذا ي شواذ التصريف، لأنه على ما ينبغي أن لا يكون عليه على ما قاله الفراء. ويجوز أن يكون (معين) فعيلا، فتكون الميم أصلاً، لأن الخليل قال: المعين: الماء الكثير، وقال أبو علي البغدادي: المعين: الماء الجاري على وجه الأرض، ومعن الوادي: إذا كثر الماء فيه.
وحُكى عن ابن دريد: ماء معن ومعين، وقد معن على مثال ظرف، وحكى الخليل في باب الثلاثي الصحيح: المعين الماء الكثير، ثم قال في باب المعتل: الماء المعين: الظاهر الذي تراه الأعين، وهذا يوجب أن تكون الميم زائدة. كما قال الفراء، وقوله الأول يوجب أن تكون أصلية.
(2/342)

أبنية نعوت المؤنث
قال في آخر هذا الباب: وعلامات المؤنث تكون آخرا، بعد كمال الاسم، إلا كلتا: فإن التاء وهي علامة التأنيث، جُعلت قبل آخر الحرف".
(قال المفسر): هذا الذي حكاه هو قول أبي عمر الجرمي، أو شبيه قوله، لأن أبا عمر زعم أن وزن كلتا من الفعل فعتل، وأن التاء للتأنيث، وهذا القول خطأ عند البصريين والكوفيين، لأن فيه شذوذاً من ثلاث جهات:
إحداها: أنه لا يعرف في الكلام فعتل، ومنها، أن علامة التأنيث لا تكون حشواً في الكلمة، إنما شأنها أن تكون آخراً، كقائمة وقاعدة، ومنها: أن ما قبل تاء التأنيث لا يكون إلا مفتوحاً، ولا يجوز أن يكون ما قبلها ساكناً، إلا أن تكون ألفا في نحو أرطاة وسفلاة.
وقد اختلف النحويون في تاء (كلتا) وألفها، فأما الكوفيون فقد ذهبوا إلى أن التاء للتأنيث، والألف للتثنيةن كالتي في بنتان وأختان، وزعموا أن واحدها كلت وأنشدوا:
في لت رجليها سلامي واحدة ... كلتاهما مقرونة بزائده
واحتجوا بانقلابها مع المضمر ياء في قولهم: جاءتني المرأتان كلتاهما، ورأيت المرأتين كلتيهما.
وأما البصريون فيرونها كلمة مفردة تدل على التثنية، كما أن (كلا)
(2/343)

لفظ مفرد يدل على الجمع في قولك: كل القوم جاءني، واحتجوا بمجيء الخبر عنها مفرداً في نحو قوله تعالى: (كلتا الجنتين آتت أكلها) وكذلك أخبروا عن (كلا) المذكر بالمفرد في نحو قول جرير.
كلا يومي أمامة يوم صد ... وإن لم نأتها إلا لماما
واختلف البصريون فيها، فذهب بعضهم إلى أن التاء فيها عوض من لام الفعل المحذوفة، على معنى المعاقبة، لا على معنى البدل، يريدون أنها عاقبت لام الفعل المحذوفة، كما عاقبت ألف الوصل في ابن واسم، اللام الساقطة، وكما صارت التاء في زنادقة، معاقبة للياء في زناديق، وذهب بعضهم إلى أنها بدل من الواو التي هي لام الفعل، كإبدالها في تراث وتجاه. واصلها كلوى، ومن رأي هذا الرأي، فحكمه أن يقول في النسب إليها كلتوى، في لغة من يقول: حبلوى، وكلتى، في لغة من يقول: حبلى.
وأما من جعلها عوضاً على معنى المعاقبة، فقياس قوله أن يقول في النسب إليها كلوى، كما يقال في اسم، سموى، ومن قال: اسمى، لزمه أن يقول: كلتوى أو كلتى.
ولسيبويه فيها كلام مشكل، يحتمل التأويلين جميعا، لأنه قال في باب الإضافة على ما فيه الزوائد، من بنات الحرفين، بإثر كلامه في بنت: "وكذلك كلتا وثنتان، تقول: كلوى وثنوى، وبنتان: بنوى، وأما يونس فيقول: بنتى. وينبغي له أن يقول: هنتي في هنة. وهذا لا يقوله أحد.
(2/344)

ولسيبويه في بنت كلام مضطرب، وكذلك في أخت، يقتضي بعضه أن التاء فيهما للتأنيث، ويقتضي بعضه أنها للإلحاق، وقد شبه (كلتا) ببنت، فينبغي أن ينظر ما وجه هذا التشبيه، واستيفاء القول في هذا الباب لا يليق بهذا الموضع.
[1] مسألة:
وقال في هذا الباب: "وقالوا: بهماة، فأدخلوا التاء التي هي علامة التأنيث، وفعلى لا تكون إلا للمؤنث".
(قال المفسر) بهماة: شاذة على مذهب البصريين، لأن ألف فعلى عندهم لا تكون أبداً إلا للتأنيث، ولا يجوز أن تكون للإلحاق، لعلتين: أحداهما: أن فعلى لم يسمع فيها التنوين، كما سمع في فعلى المفتوحة، وفعلى المكسورة. والثانية أنه ليس في الكلام اسم على وزن (فعلل) مفتوح اللام مضموم الفاء، فيكون فعلى ملحقاً به، وينبغي أن تكون 0 بهماة) غير شاذة على مذهب الكوفيين، لأنهم قد حكوا ألفاظاً على فعلل مفتوحة اللام، وهي برقع، وطحلب، وجؤذر، وقعدد، وجندب، فيلزم على هذا أن تكون ألف (بهماة) للإلحاق، في لغة من أثبت الهاء فيها، وتكون للتأنيث في لغة من لم يدخل عليها التاء، لأن التنوين لم يلحقها. وقد جاء حرفان آخران نادران، حكى أبو حنيفة عن الفراء نهم يقولون لواحد الخزامى: خزاماة.
وحكى صاحب العين في واحدة السماني: سماناة، وألف فعالى لا تكون لغير التأنيث في مذهب الفريقين جميعاً.
(2/345)

[2] مسألة:
وأنشد في آخر الكتاب: (وإن شئتم تعاوذنا عواذا).
(قال المفسر) هذا رويناه من طريق أبي نصر، عن أبي علي البغدادي، بالذال معجمة، وأنشده ابن جني بالدال، غير معجمة في تفسير قول أبي الطيب:
هيهات عاق عن العواد قواضب ... كثر القتيل بها وقل العساني
ولا أعلم قائل الشعر، ولا وجدت من الشعر شيئاً أستدل به على الصواب فيه والأشبه عندي: أن يكون على ما قاله ابن جني، لأنه قد قيده بما رفع الأشكال عنه. ويكون هذا الذي وقع في الأدب، غلط من ابن قتيبة، أو من بعض الناقلين عنه.
ولله الحمد على ما من به وأنعم وصلى الله على محمد وآله وسلم
(2/346)