Advertisement

الاقتضاب في شرح أدب الكتاب 003

الكتاب الثالث
وهو شرح أبيات أدب الكتاب، التي ذكرها ابن قتيبة في كتابه لابن السيد البطليوسي
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
قال الفقيه الأستاذ النحوي، أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي رحمه الله. وهذا حين أبدأ بشرح مشكل إعراب أبيات هذا الكتاب ومعانيها، وذكر ما يحضرني من أسماء قائليها. وغرضي أن أقرن بكل بيت منها ما يتصل به من الشعر من قبله أو من بعده، إلا أبياتاً يسيره لم أعلم قائلها ولم أحفظ الأشعار التي وقعت فيها وفي معرفة ما يتصل بالشاهد ما يجلو معناه، ويعرب عن فحواه، فإنا رأينا كثيراً من المفسرين للأبيات المستشهد بها، قد غلطوا في معانيها، حين لم يعلموا الأشعار التي وقعت فيها، لأن البيت إذا انفرد احتمل تأويلات كثيرة كقول بعض من شرح أبيات كتاب سيبويه في قول العجاج:
كشحاً طوى من بلد مختارا من يأسة اليائس أو حذارا
أنه يصف ثورًا وحشياً:
(3/5)

وفي قول أبي النجم: (يأتي لها من أيمن وأشمل) أنه يصف ظليما ًونعامة.
وقال بعض من شرح إصلاح المنطق في قول مزرد.
قذيفة شيطان رجيم رمى بها فصارت ضواة في لهازم ضرزم
إنه وصف ناقة وأراد أنها حديدة شهمة، كأنما هي نار نفخها شيطان في جسم ناقة، فتخلقت نطفة ثم مضغة فصارت كالضواة.
وقال في قول جبيهاء الأشجعي:
(3/6)

فلو أنها طافت يطنب معجم نفى الرق عنه جدبه وهو صالح.
لجاءت كأن القسور الجون مجها عساليجه والثامر المتناوح
إنه يصف امرأة، وأراد أنها لو لمست عودا يابسا لأورق في يدها.
وقال بعض المفسرين في قول الفرزدق:
هما نفثا في في من فمويهما على النابح العاوي أشد رجام
ويروى: لجام، أنه عنى أبويه:
وقال في قوله:
(3/7)

على شكل إعرابها فأما "إذا" فظرف من ظروف الزمان يجري مجرى أدوات الشرط في أنه يدخل على جملتين، فيربط إحداهما بالأخرى، ويصير الثانية منها جواباً للأولى، ويخالفها في أنه لا يجزم كما تجزم أدوات الشرط، وأن العامل فيه جوابه. ولا يصح أن يعمل فيه الفعل الذي هو شرطه، وأما الأسماء التي يشرط بها فالعوامل فيها شروطها: ولا يصح أن تعم فيها أجوبتها. وإنما امتنع (إذا) من أن يعمل فيه الفعل الذي هو شرطه، لأنه في تقدير الإضافة إلى ما بعده، ولا يجوز أن يعمل المضاف إليه في المضاف، ولا يجوز أن يجازى به عند البصريين إلا في الشعر. وقد أجاز قوم المجازاة إذا زيدت عليه (ما). وإنما امتنعت المجازاة عند البصريين، لأن المجازاة سبيلها أن تكون بالممكن، الذي يجوز أن يقع ويجوز ألا يقع. والفعل المشروط به بعد إذا مضمون الوقوع ألا ترى أنك إذا قلت: إذا كان يوم الجمعة أتيتك، فيكون يوم الجمعة موجوداً لا محالة، وإذا قلت: إن جئتني أكرمتك، فممكن أن يكون ذلك، وممكن ألا يكون. فلما خالف حروف الشرط في المعنى، خالفها في العمل.
وأما العامل في قوله (إذا ما مات ميت من تميم) فمن كان من مذهبه المجازاة بإذا إذا زيدت عليها ما، فالعامل عنده فيها مات، لأنه إذا أجراها مجرى الأسماء التي يجازى بها، لم يجز أن تكون مضافة إلى الجملة التي بعدها كما لا تضاف الأسماء المجازى بها، فلم تمتنع حينئذ من أن يعمل فيها الفعل الذي هو شرطها. ومن كان من مذهبه ألا يجريها مجرى أدوات الشرط وأسمائه، فالعامل فيها فوله (فجيء بزاد) وأبو الحسن الأخفش يجعل الفاء في مثل هذا الموضع زائدة، لأن ما بعد الفاء عنده لا يجوز أن يعمل في ما قبلها. وقد أجاز سيبويه زيدًا فاضرب
(3/9)

وبزيد فامرر، على إعمال ما بعد الفاء في ما قبلها. قال السيرافي: تقدير الكلام تأهب فاضرب زيدا أو تعمد فاضرب زيدا، وما أشبه ذلك. فلما حذفت الفعل قدمت زيدا، ليكون عوضا من الفعل المحذوف، وأعملت فيه ما بعد الفاء، كما أعملت ما بعد الفاء في جواب أما فيما قبلها، وقدمت الاسم عوضاً من الفعل المحذوف، الذي قامت أماً مقامه، وهو قولك: مهما يكن من شيء فقد ضربت زيدا فإذا نقلته إلى إما، قلت: أما زيدا فقد ضربت. قال: والدليل على جواز ذلك، قولهم بزيد فامرر، فلولا أن ما بعد الفاء عمل فيما قبلها، ما دخلت الباء على زيد، لأن الباء من صلة المرور: ولا يصلح أن تضمر فعلاً آخر، لأن ما كان من الأفعال متعديا ًبحرف لا يضمر.
ومن النحو بين من يرى أن العامل في (إذا) في نحو هذه المواضع، فعل محذوف يدل عليه الجواب، وفي هذه المسائل نظر يطول، فلذلك نقتصر على بعضه.
وأما حروف الجر المذكورة في هذا الشعر، فمنها ما له موضع من الإعراب، ومنها ما لا موضع له، ومنها ما يتعلق بمضمر، والأصل في هذا. أن كل حرف جر وقع خبراً أو صفة أو صلة أو حالاً فإنه يتعلق أبداً بمحذوف" وما ناب منها مناب صفة أو خبر أو حال، قيل فيه: إن له موضعا من الإعراب. وما عدا هذه المواضع فإنه متعلق بظاهر، أو ما هو في حكم الظاهر، ولا يقال فيه إن له موضعا من الإعراب. فقوله (من تميم): من هاهنا لها موضع، لأنها وقعت
(3/10)

موقع الصفة، والتقدير: ميت كائن من تميم، فهي متعلقة بالصفة المحذوفة، التي قامت مقامها.
وسائر حروف الجر المذكورة في هذا الشعر لا موضع لها وكل واحد منها متعلق بالظاهر. فالباء في قوله (بزاد)، متعلقة بجيء، وفي متعلقة بالملفق، واللام في قوله ليأكل، متعلقة بقوله يطوف، وأما الباء التي في قوله (بخبز أو بتمر) ففيها خلاف، لأن مجروريها هاهنا بدل من (زاد) أعيد معه العامل، كإعادته في قوله (للذين استضعفوا لمن آمن منهم) وكإعادته في قول الشاعر:
ألا بكر الناعي بخيري بني أسد بعمر بن مسعود وبالسيد الصمد
فمن كان من مذهبه أن البدل من جملة ثانية، واستدل على ذلك بجواز إعادة العامل معه، وهو رأي أبي علي الفارسي، جاز على قياس قوله أن تكون الباء في قوله (بخبز)، متعلقة بفعل محذوف، وجاز أن تتعلق بالفعل الذي هو (جيء) ولا موضع لها.
ومن كان يرى أن البدل ليس من جملة أخرى، ولا يقدر معه إعادة العامل فالباء في قوله (بخبز) متعلقة بجيء.
ومعنى قوله إن الباء في قوله "فجيء بزاد" لا موضع لها، أنها لم تقع موقع صفة ولا حال ولا خبر. ولست أريد أن المجرور لا موضع له من الإعراب، لأن المجرور ههنا مفعول في المعنى، وأنما أكملت الكلام في إعراب هذه الأبيات، ليقاس عليها غيرها، مما يأتي بعد هذا إن شاء الله.
(3/11)

وقوله (يطوف) في موضع الحال من الضمير المفعول في تراه، و (حرصا) ينتصب على وجهين: أحدهما: أن يكون مفعولاً من أجله، والثاني أن يكون مصدراً وقع موقع الحال من الضمير في (يطوف)، كأنه قال: يطوف الآفاق حريصاً؛ فيكون بمنزلة قولهم جئت ركضا: أي راكضاً.
وأنشد ابن قتيبة:
"ولا عيب فينا غير عرق لمعشر كرام وأنا لا نخط على النمل"
هذا البيت لا أعلم قائله، وفيه روايتان (نخط) بالخاء معجمة، و (نحط) بالحاء غير معجمة. فمن رواه بالخاء معجمة: أراد بالنمل: القروح التي تخرج في الجنب، يعرض برجل كان أخواله مجوساً. كذا قال ابن قتيبة في كتاب المعاني، وأنشد:
(ولا عيب إلا نزع عرق لمعشر)
ومن روى (نحط) غير معجمة، فله معنيان: أحدهما: أن يكون الحط الدلك، من قولهم حططت الجلد: إذا دلكته، فيكون معناه كالمعنى في رواية من رواه بالخاء معجمة. والثاني: أن يريد بالنمل الحيوان المعروف، ولا يريد القروح، فيكون تأويله: إنا لا نحفر بيوت النمل نستخرج ما فيها، مهانة وخساسة فيكون على هذا قد عرض بقوم كانوا يفعلون ذلك، والتفسير الصحيح هو الأول. وهذا التفسير الثاني ليس بشيء، وقد أنكراه ابن قتيبة. والعرق: الأصل
(3/12)

شبه بعرق الشجرة. ومن نصب (غيرا) جعله مستثنى منقطعا، ليس من الأول لأن العرق الكريم، والامتناع من الخط على النمل ليس من العيوب، ومن رفع (غيرا) وجعله مردودا على موضع الاسم المنصوب بلا التبرئة، جعل ذلك من العيوب مجازا، كما تقول: ما في فلان عيب إلا السخاء. والمعنى أنه لا عيب فيه البتة، إلا أن يعتقد معتقد أن السخاء من العيوب، فيكون سخاؤه عيبا.
وأصحاب المعاني والنقد يجعلون هذا الاستثناء من محاسن الشعر وبديعه، كما يجعلون الطباق والتجنيس والتصدير والترصيع، ونحوها مما هو مشهور عند نقاد الكلام وجها بذته. والوجه في استعمال العرب هذا الاستثناء: أن اللثيم الطبع من الناس، لما كان مضادا للكريم الطبع، صار يعتقد في المحاسن أنها قبائح، وفي القبائح أنها محاسن، فيعتقد في السخاء أنه تبذير، وفي الشجاعة أنها هوج، وفي الحلم أنه ذل، ويرى أن الصواب والسداد في أضدادها.
ويروى أن رجلا قال للأحنف بن قيس ما أبالي: أمدحت أم هجيت فقال له الأحنف: استرحت يا أخي من حيث تعب الكرام.
وحرف الجر الذي في آخر البيت، متعلق بنخط، فلا موضع له، لتعلقه بالظاهر. وحرف الجر الذي في أول البيت متعلق بخبر لا التبرئة المقدر، فله موضع، لتعلقه بمحذوف. ومن رفع (غيرا) أجاز أن يكون مرتفعا على خبر لا التبرئة، ويكون (فينا) في موضع الصفة لعيب، وجاز أن يكون صفة لعيب
(3/13)

على الموضع، أو بدلا، ويكون خبر لا التبرئة في المجرور، وبعض هذه الوجوه متفق عليه، وبعضها مختلف فيه. وقوله (وأنا لا نخط على النمل) جملة في موضع خفض بالعطف على العرق، كأنه قال: غير عرق لمعشر كرام، وامتناع من الخط على النمل. ويجوز أن يكون في موضع نصب عطفا على المعنى، لأنه إذا قال (غير عرق) فمعناه إلا عرقا. ومن رفع (غيرا) أجاز أن تكون الجملة في موضع رفع، لأنه إذا قال غير عرق، فكأنه قال: إلا عرق:
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(3)
(وأران طربا في إثرهم طرب الواله أو كالمختبل)
هذا البيت للنابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله، وقال أبو عمرو الشيباني: اسمه حيان بن قيس بن عبد الله بن ربيعة بن جعدة، ويكنى أبا ليلى، قاله في شعر يذكر به مقتل عثمان رضي الله عنه، ويوم الجمل ويم صفين، وأنشده ابن قتيبة شاهدا على أن الطرب يكون في الجزع، كما يكون في السرور. ويدل على ذلك قوله (طرب الواله أو كالمختبل)؛ لأن الواله: هو الذي ذهب عقله، أو قارب الذهاب، لفقد حبيب ذهب عنه. والمختبل: الذي قطع عضو من أعضائه. قال يعقوب: يقال: بنو فلان يطالبون بني فلان بدماء وخبول أي بقطع أيد وأرجل، ويكون المختبل أيضاً: الفاسد العقل، وهو نحو
(3/14)

من الواله، والتفسير الأول أجود في هذا الموضع، ليختلف المعنيان، لأنه قال أو كالمختبل. ويدل أيضاً على أن الطرب: الجزع، قوله قبل هذا البيت:
سألتني جارتي عن أسرتي وإذا ما عى ذو اللب سأل
سألتني عن أناس هلكوا شرب الدهر عليهم وأكل
وقوله (وأراني طربا في إثرهم): يجوز أن تكون هذه الرؤية رؤية علم، وهو الوجه، فيكون طربا مفعولاً ثانياً، ويجوز أن يكون رؤية عين، فيكون طربا منصوباً على الحال، لأن هذا مما يرى العين، ويرى بالقلب.
وإنما قلنا إن الأول هو الوجه، لقوله (أراني)، فعدى فعل الضمير المتصل إلى الضمير، وهما جميعاً للمتكلم، ولا يجيز سيبويه وأصحابه تعدى فعل الضمير المتصل، إلى نفسه إلا في الأفعال المتعدية إلى مفعولين، مما يدخل على مبتد أو خبر، كقولك: ظننتني خارجا، وحسبتك منطلقا، ولا يجيز ذلك في الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد، فلا تقول ضربتني، إنما تقول ضربت نفسي، ولا تقول للمخاطب. ضربتك إنما تقول: ضربت نفسك. وقد جاء ذلك في الأفعال المتعدية إلى مفعول واحد، إلا أنه قليل، قالوا: فقدتني وعدمتني، قال قيس بن ذريح:
(3/15)

ندمت على ما كان مني فقدتني كما يندم المغبون حين يبيع
وقال عنترة:
فرأيتنا ما بيننا من حاجز إلا المجن ونصل أبيض مقصل
واستعمل ذلك أبو الطيب المتنبي، فقال:
يرى حده غامضات القلوب إذا كنت في هبوة لا أراني
وقوله (طرب الواله): مصدر مشبه به، أراد: طربا مثل طرب الوال فاجتمع فيه حذف الموصوف، وأقام صفته مقامه، وحذف المضاف، وإلى المضاف إليه منابه، على مثال قولهم: ضربته ضرب الأمير اللص، والو في موضع رفع بالطوب، كأنه قال: كما يطرب الواله.
(3/16)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(4)
(يقلن لقد بكيت فقلت كلاً وهل يبكى من الطرب الجليد)
هذا البيت يروى لبشار بن برد، ويروى لعروة بن أذينة الفقيه، ورويناه عن أبي نصر عن أبي علي البغدادي: يقلن بالياء، والصواب: فقلن، لأن قبله:
كتمت عواذلي ما في فؤادي وقلت لهن ليتهم بعيد
فجالت عبرة أشفقت منها تسيل كأن وابلها فريد
ورواه أبو علي في النوادر، فقالوا، وقد ذكرت فيما تقدم بما أغني عن إعادته هنا. وكلا: كلمة معناها الزجر والردع، وقيل: منعاها النفي، ولا موضع لمن من الإعراب، لتعلقها بالظاهر، وهو يبكى.
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(5)
(ولن يراجع قلبي ودهم أبداً زكنت منهم على مثل الذي زكنوا)
هذا البيت لقعنب بن أم صاحب، يقوله في أناس من قومه، كانوا يناصبونه العداوة، ويتتبعون عثراته، فيشهرونها في الناس. وبعد هذا البيت:
كل يداجى على البغضاء صاحبه ولن أعالنهم إلا كما علنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
(3/17)

ويجوز في ودهم النصب والرفع، لأن المراجعة فعل لا يصح وقوعه إلا من اثنين فما فوقهما ومن راجعك فقد راجعته.
وأنشد ابن قتيبة:
(6)
(عشية قام النائحات وشققث جيوب بأيدي مأتم وخدود)
هذا البيت لأبي عطاء السندي، فيما ذكر أبو جعفر بن حبيب، مرزوق، وقال ابن الأعرابي: اسمه أفلح، مولى عنبر بن سماك بن حصين، من شعر يرثى به عمر بن هبيرة الفزاري، وقبله:
ألا إن عينا لم تجد يوم واسط عليك بجاري دمعها لجمود
وعشية: ظرف أبدله من يوم واسط، ولا يصح أن يكون العامل فيه قام، لأنه بعض الجملة التي أضاف العشية إليها، ولا يجوز أن يعمل المضاف إليه في المضاف. وإنما العامل فيه لم تجد.
فإن قيل كيف جاز أن يعمل فيه (لم تجد) وقد حال الخبر الذي هو قوله (لجمود) بين العامل والمعمول فيه. ولو قلت: إن الضارب أخوك زيدا، وأن خارجا غير مصيب يوم الجمعة، لم يجز، وإنما تقول: إن الضارب زيدا أخوك، وإن خارجا يوم الجمعة غير مصيب.
فالجواب: أن العشية لما كانت بدلا من يوم واسط، والبدل يقدر من جملة أخرى، وتقدر معه إعادة العامل، بدليل ظهوره في نحو قوله (للذين
(3/18)

استضعفوا لمن آمن منهم) جاز ذلك. وقد أجاز النحويون تأخر الصفة بعد الخبر في نحو قولك إن زيدا خارج الكريم. والصفة أشد اتصالا بالموصوف من البدل، وأجازوا ذلك في المعطوف، كقولك إن زيدا خارج وعمراً، وعمرو على اللفظ وعلى الموضع، وإذا جاز في الصفة، كان في البدل أجوز.
وأنشد ابن قتيبة:
(7)
(رمته أناة من ربيعة عامر نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم)
هذا البيت لأبي حية النميري، واسمه الهيثم بن الربيع. وقوله (رمته أناة) أي فتنته بمحاسنها، وصادته بعينيها، فكأنها رمته من ألحاظها بسهم قتله. والشعراء يشبهون العيون بالسهام واليسوف والرماح. والأناة: المرأة التي فيها فتور عند القيام، وهي مشتقة من الونى، وهو الإعياء والفتور، والهمزة فيها منقلبة عن واو، ولم تبدل الهمزة من الواو المفتوحة إلا في ألفاظ يسيرة، هذا أحدها، وأكثر ما تبدل من الهمزة المضمومة، نحو وجوه وأجوه، ومن المكسورة في نحو وشاح وإشاح وهو أقل من إبدال المضمومة. وقوله من ربيعة عامر، في موضع رفع على الصفة لأناة، فمن متعلقة بمحذوف، وهو الصفة التي ناب المجرور عنابها كأنه قال: كائنة من ربيعة عامر ونحو ذلك. وقوله (مأتم): يجوز أن
(3/19)

تكون في موضع الصفة لأناة، أو في موضع الحال منها، لأن النكرة إذا وصفت قربت من المعرفة، فجازت الحال معها وحسنت. وقد تجيء الحال من النكرة دون صفة، إلا أن ذلك قليل، وفيه قبح، لأن النكرة أحوج إلى الصفة منها إلى الحال، فحرف الجر الذي هو (في) متعلق أيضاً بمحذوف في الموضعين: وبعد هذا البيت:
فجاء كخوط البان لا متتابع ولكن بسيمي ذي وقار وميسم
فقلن لها سرا فديناك لا يرح صحيحا وإن لم تقتليه فألممي
فالفت قناعادونه الشمس واتقت بأحسن موصولين كف ومعصم
وقالت فلما أفرغت في فؤاده وعينيه منها السحر قلن له: قم
فود بجدع الأنف لو أن صحبه تنادوا وقالوا في المناخ له: نم
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(8)
(وما هاج هذا الشوق إلا حمامة دعت ساق حر ترحة وترنما)
هذا البيت لحميد بن ثور الهلالي، وقد ذكر ذلك ابن قتيبة، وإنما قال: فالحمامة هنا قمرية، لأن (ساق حر): اسم لذكر القمارى، وسمى بذلك لحكاية
(3/20)

صوته؛ والترحة: الشوق. والترنم: الغناء، وهما مصدران واقعان موقع الحال من الضمير الفاعل في دعت. وقوله (دعت ساق حر) جملة في موضع الصفة لحمامة، وبعد هذا البيت:
إذا شئت غنتني بأجزاع بيشة أو النخل من تثليث أو من يبنبما
محلاة طوق لم يكن من تميمة ولا ضرب صواغ بكفيه درهما
وأنشد ابن قتيبة للنابغة الذبياني:
(9)
(أحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت إلى حمام سراع وارد الثمد)
اسم النابغة الذبياني: زياد بن معاويةن ويكنى أبا أسامة وأبا عقرب، بابنتين كانتا له، ولقب النابغة لأنه قال الشعر بعدما كبر.
وقيل سمى بقوله:
وحلت في بني القين بن جسر فقد نبغت لنا منهم شئون
وليس في بيت النابغة من الدليل على أنه أراد بالحمام القطا، مثل ما في بيت
(3/21)

حميد بن ثور، من الدليل على أنه أراد بالحمامة القمرية؛ وإنما علم ذلك بالخبر المروي عن زرقاء اليمامة، أنها نظرت إلى قطا فقالت:
يا ليت ذا القطا لنا ومثل نصفه ليه
إلى قطاة أهلنا إذا لنا قطاميه
وقد روى أنها قالت:
ليت الحمام ليه إلى حمامتيه
ونصفه قديه تم الحمام مية
وقوله: (أحكم كحكم فتاة الحي) أي أصب في أمرك كإصابة فتاة الحي، فهو من الحكم الذي يراد به الحكمة، لا من الحكم الذي يراد به القضاء، قال الله تعالى (ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما) أي حكمة، ويقال من ذلك: حكم الرجل يحكم: إذا صار حكيما، قال النمر بن تولب:
وأحبب حبيبك حبا رويدا فليس يعولك أن تصرما
وأبغض بغيضك بغضا رويدا إذا أنت حاولت أن تحكما
وكان الأصمعي يروى (شراع) بالشين معجمة، يريد الذي شرعت في الماء وروى غيره (سراع) بالسين غير معجمة: والثمد: الماء القليل.
وجاز أن يصف حماما، وهي نكرة بوارد، وقد أضافه إلى المعرفة؛ لأن إضافته غير محضة، لأن الثمد مفعول في المعنى، وإن كان مخفوضاً في اللفظ،
(3/22)

وأفرد (واردا) وإن كان صفة لحمام، حملا على معنى أجمع. كما قال تعالى (من الشجر الأخضر نارا) والكاف في قوله (كحكم): متعلقة بمحذوف، لأنها في موضع صفة لمصدر مقدر، كأنه قال: احكم حكما كحكم.
وأنشد ابن قتيبة:
(10)
(قد أعسف النازح المجهول مسعفه في ظل أخضر يدعو هامه البوم)
هذا البيت لذي الرمة، واسمه غيلان بن عقبة، من عدى الرباب، ويكنى أبا الحارث، ولقب ذا الرمة لقوله في صفة الوتد:
لم يبق منها أبد الأبيد غير ثلاث ما ثلاث سود
(3/23)

وغير مشجوع القفا موتود فيه بقايا رمة التقليد
والرمة: الحبل البالي وقيل: بل لقبته بذلك مية وذلك أنه مر بخبائها قبل أن ينسب بها، فرآها فأعجبته، فأحب الكلام معها فخرق دلوه، وأقبل إليها وقال: يا فتاة اخرزي لي هذه الدلو فقالت إني خرقاء: والخرقاء: التي لا تحسن العمل:
فخجل غيلان، ووضع دلوه على عنقه وهي مشدودة بحبل بال، وولى راجعا، فعلمت منه ما أراد، فقالت: يا ذا الرمة انعطف، فانعطف، فقالت: إن كنت أنا خرقاء، فإن أمتى صناع، فاجلس حتى تخرز دلوك. ثم دعت خادمتها، وقالت: أخرزي له هذه الدلو، فكان ذو الرمة يسمى مية خرقاء، لقولها إني خرقاء، وغلب عليه ذو الرمة. وقد قيل إن الخرقاء غير مية. وقوله (قد أعسف النازح) العسف والاعتساف: ركوب الفلاة بلا دليل، والنازح: القفر البعيد. وقوله (يدعو هامه البوم): يريد أنه قفر خال موحش، يمدح نفسه بأنه يقطع القفار الخالية الموحشة، البعيدة عن الناس، التي يجهل الناس المشي فيها بالليل المظلم، وذلك أشد وأصعب على الماشي فيها. وقوله (يدعو هامه اليوم): جملة في موضع جر على الصفة لأخضر. وفي الكلام ضمير مقدر، يعود على الموصوف من صفته، كأنه قال: داع هامه البوم فيه. ويجوز أن يكون في موضع الحال من النازح. وفي الكلام أيضاً ضمير مقدر، يرجع إلى النازح، ويكون في البيت تقديم وتأخير، ويروى (في ظل أغضف). وبعد هذا البيت:
بالصهب ناصية الأعناق قد خشعت من طول ما وجفت أشرافها الكوم
(3/24)

ومعنى خشعت: تطأطأت وانخفضت من الهزال. وأراد بأشرافها أسمنتها، والكوم: العظام المرتفعة. ومعنى وجفت: أي أسرعت، وأطالت السير.
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(11)
(تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عرمضها طامي)
هذا البيت لامرئ القيس بن حجر، واسمه فيما ذكر بعض النسابين حندج، وامرؤ القيس: لقب له، ومعناه: رجل الشدة. كذا قال علي بن حمزة. وأنشد:
وأنت على الأعداء قيس ونجدة وللطارق العافي هشام ونوفل
ويكنى أبا وهب، وأبا الحارث. وقال غير علي بن حمزة: قيس: اسم صنم نسب إليه، ولهذا كان يكره الأصمعي أن يقول: امرؤ القيس، وكان يروي (عقرت بعيري يا امرأ الله فانزل) وقبل هذا البيت:
ولما رأت أن الشريعة همها وأن البياض من فرائصها دامي
(3/25)

والشريعة: مورد الماء حيث تشرع الدواب، والهم ههنا: المراد والمطلب الذي تهم به، والفرائص: جميع فريصة، وهي مضغة بين الثدي ومرجع الكتف. ومعنى تيممت: قصدت. وضارج: موضع في بلاد بني عبس، فيه ماء، والعرمض والطحلب والغلفق: سواء، وهي الخضرة تكون على الماء. وطام: مرتفع. يصف أنه ماء لا يرده أحد، فقد علاه الطحلب، وفي معنى هذين البيتين قولان: قيل يصف حمرا وحشية عطشت، فاحتاجت إلى ورود الماء، وخشيت إن وردت شريعة الماء رماها القانص في فرائصها، فدميت، فنكبت عن ذلك، وأنت عين ضارج، كأنها أمنت أن يكون عليها قانص يرميها. وقيل إنما يصف ناقته، ونسب الهم إليها، والمراد نفسه. ومعنى قوله (وأن البياض من فرائصها دامي) أن الماء إن تعذر وجوده، نحرت فاستخرج ما في جوفها من الماء، فشرب. وكذلك كانوا يفعلون في الفلوات إذا لم يجدوا ماء، قال الشاعر:
وشربة لوح لم أجد لسائقها بدون ذباب السيف أو شفرة حلا
كلا المعنيين يحتمله الشعر، وإنما يعمل مراد الشاعر منها بالوقوف على بقية الشعر:
ولم أجد هذا الشعر فيما رواه الطوسي وغيره لامرئ القيس، وإنما وجدته في بعض الحديث المروى عن النبي صلى الله عليه وسلم. وعند، متعلقة بالاستقرار المقدر في صلة التي، كأنه قاله التي استقرت عند ضارج، ولا موضع لعند، وما تعلقت به من الإعراب، لأنها من تمام الاسم الموصول، كما لا موضع للدال من زيد.
(3/26)

وقوله (يفيء عليها الظل)، وقوله (عرمضها طامي): جملتان لهما موضع من الإعراب، وموضعهما النصب على الحال. أما الجملة الأولى ففي موضع نصب على الحال من العين، والعامل فيها تيممت، ولا يصح أن يعمل فيها الاستقرار، لأنه يصير المعنى: أنها مستقرة عنده في حال فيء الظل خاصة، دون سائر أحوالها. وأما الجملة الثانية فيجوز أن تكون حالاً من العين، والعامل فيها تيممت أيضاً. ويجوز أن تكون حالاً من الضمير في عليها، والعامل فيها يفيء، ولا موضع لعلى هذه، لتعلقها بالظاهر.
وأنشد ابن قتيبة:
(12)
(إذا الأرطي توسد أبرديه خدود جوازئ بالرمل عين)
البيت للشماخ، واسمه معقل بن ضرار. وذكر ابن دريد أنه كان يكنى أبا سعيد. وهذا البيت من قصيدة مدح بها عرابة بن أوس الأنصاري، وقبله:
(3/27)

إليك بعثت راحلتي تشكى هزالا بعد محفدها السمين
إذا بركت على شرف وألقت عسيب جرانها كعصا الهجين
يعنى بالمحفد: السنام. والعسيب ههنا: عظم العنق. وفي غير هذا الموضع: عظم الذنب. والجران باطن العنق، وشبهه بعصا الهجين لخفته وطوله. وخص الهجين، لأن العبيد كانوا يرعون الإبل، ويستجيدون العصى. والأرطي: شجر تدبغ به الجلود. ومعنى توسد أبرديه: اتخذتهما كالوسادة. والأبردان: الظل. والفيء، سميا بذلك لبردهما. والأبردان أيضاً: الغداة والعشي. والجوازئ: الظباء وبقر الوحش سميت جوازئ لأنها تجزأ بأكل النبت الأخضر عن الماء أي تكتفي به، ويغنيها عن شرب الماء، وعين: واسعات الأعين: والمعنى أن الوحش تتخذ كناسين عن جانبي الشجر، تستتر فيهما من حر الشمس، فترقد قبل زوال الشمس في الكناس الغربي، فإذا زالت الشمس عن كبد السماء إلى ناحية المغرب، وتحول الظل، فصار فيئاً، زالت عن الكناس الغربي، ورقدت في الكناس الشرقي. فوصف الشماخ أنه قطع الفلاة في الهاجرة، حين تفر الوحش من حر الشمس إلى الظل. يمدح نفسه بالجلادة، والصبر على مشقة السفر، ويوجب على الممدوح بذلك رعاية حقه، وأن يثيبه ولا يخيب عناءه وتعبه. وأما إعرابه فإن إذا ظرف من ظروف الزمان، فيه معنى الشرط، غير أنه لا يجزم عند البصريين، ولا جواب له في هذا البيت، ولا بعده، لأن المتصل به قوله:
كأن محاز لحييها حصاة جناباً جلد أجرب ذي غضون
(3/28)

وإنما الجواب محذوف، أغنى عنه ما تقدم من قوله: (إليك بعثت راحلتي) كما تقول: أنا أشكرك إن أحسنت إلي، فلا تأتي للشرط بجواب، لأن قولك (أنا أشكرك) قد أغنى عنه، ولأجل ما ذكرناه من معنى الشرط الموجود في إذا، لا يجوز عند البصريين أن يرتفع الاسم بعدها بالابتداء، لأن الشرط يطلب الفعل: ظاهراً أو مضمراً، فلا يصح على مذهبهم أن يكون الأرطي ههنا مرفوعاً بالابتداء، ولكن يقدر له فعل يفسره ما بعده، كأنه قال: إذا توسد الأرطي توسد أبرديه.
والكوفيون يجيزون فيه الابتداء. وقوله (بالرمل) في موضع جر على الصفة لجوازئ، كأنه قال: جوازئ كائنة بالرمل، أو مستقرة، فللباء موضع، لتعلقها بمحذوف، وصفر جوازئ، ضرورة.
وذكر أبو الفرج الأصبهاني في هذا البيت حكاية مستظرفة، رأيت ذكرها في هذا الموضع.
حكى عن المدائني أن عبد الملك بن مروان نصب الموائد يطعم الناس، فجلس رجل من أهل العراق على بعض الموائد، فنظر إليه خادم، لعبد الملك فأنكره، فقال أعراقي أنت؟
قال نعم، فقال: بل أنت جاسوس. قال لا، ويحك دعني أتهنا بطعام أمير المؤمنين، ولا تنغصه على. ثم إن عبد الملك أقبل بطوف على الموائد، فوقف على تلك المائدة، فقال من القائل:
إذا الأرطي توسد أبرديه خدود جوازى بالرمل عين
وما معناه؟ ومن أجاب فيه أجزناه. فقال العراقي للخادم: أتحب أن أشرح لك ذلك؟ قال: نعم فقال: هذا البيت بقوله عدي بن زيد في صفة البطيخ الرمسي،
(3/29)

فنهض الخادم مسروراً إلى عبد الملك، فأخبره، فضحك عبد الملك حتى سقط فقال له الخادم: أخطأت يا مولاي أم أصبت؟ فقال: بل أخطأت. فقال هذا العراقي لفنني إياه. فقال: أي الرجال هو؟ فأراه إياه، فقال: أنت لقنته هذا؟ فقال: نعم. فقال: أصوابا لقتنه أم خطأ؟ فقال: بل خطأ. فقال: ولم؟ قال: لأني كنت متخرما بمائدتك، فقال لي كيت وكيت، فأردت أن أكفه عني، وأضحك منه. فقال له عبد الملك: فكيف الصواب؟ فقال: هذا البيت بقوله الشماخ بن ضرار الغطفاني، في صفة البقر الوحشية التي قد جزأت بالرطب عن عن الماء، فقال: صدقت، وأمر له بجائزة ثم قال له: ألك حاجة؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال تنحى هذا عن بابك، فإنه يشينه.
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(13)
(حتى لحقنا بهم تعدى فوارسنا كأننا رعن قف يرفع الآلا)
(3/30)

البيت للنابغة الجعدي، من شعر يهجو به سوار بن أوفى القشيرئ والضمير في قوله (بهم): يعود إلى قوم ذكرهم قبل هذا البيت، فقال:
كفعلنا بابن حسان الرئيس وبا بن الجون إذ لا يريد الناس إقبالا
إذ أصعدت عامر لا شيء يحبسها حتى نرى دونهم هضبا وأغوالا
ومثلهم من بني عبس ندفهم دف الرحى الحب إدبارا وإقبالا
ثم استمرت شموس الريح ساكرة تزجى رباها ضعاف الوطء أطفالا
وقوله (تعدى فوارسنا) أراد تعدى فوارسنا الخيل، فحذف المفعول اختصارا لما فهم المعنى. (رعن القف): نادر يندر منه. والقف: ما ارتفع من الأرض، شبه أنفسهم في كثرة عددهم برعن قف رفعه الآل، فعظم ظله، وأراد: كأننا ظل رعن قف، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، لأنه إنما شبه أنفسهم بظل الرعن، لا بالرعن. وإنما أراد أن عددهم لكثرته قد ملأ الفضاء، كما يملأه ظل الرعن، إذا رفعه الآل.
وقد قيل إنما شبه حركتهم في عددهم بحركة القف في الآل، لأن الجبال في ذلك الوقت تخيل إلى الناظر أنها تضطرب، ولذلك قال العجاج.
كأن رعن الآل منه في الآل بين الضحا وبين قيل القيال
وإذا بدا دهانج ذو أعدال
فشبه الرعن لاضطرابه في الآل بجمل يسرع وعليه أعدال، فلا حذف في البيت
على هذا التأويل. وقال الأصمعي: إنما قال: يرفع الآل: لأنه ينزو في الآل،
(3/31)

فإذا نزا فكأنه قد رفع الآل. يريد أنه لا قلب في البيت، كما قال ابن قتيبة. وقوله (تعدى فوارسنا): جملة في موضع الحال من الضمير الفاعل في لحقنا. وقوله: (كاننا رعن قف) جملة في موضع الحال من الضمير الفاعل أيضاً. وقوله. (يرفع الآلا): جملة في موضع الصفة للقف، أو للرعن:
وأنشد ابن قتيبة:
(14)
(كأنها وقد براها الأخماس ودلج الليل وهاد قياس)
شرائج النبع براها القواس
الرجز للشماخ بن ضرار، قاله وهو يحدو بأصحابه في بعض أسفارهم. والضمير في قوله: كانها، يعود على الإبل ولم يتقدم لها ذكر في هذا الرجز، لأن هذا البيت أول الأرجوزة، وإنما أضمر لها من غير ذكر لها، استغناءً بالحال التي كان فيها، ولأن هذا الرجز إنما قاله بعد أراجيز قالها الحسن بن مزرد أخي الشماخ، وجليج ابن شريد، وجندب بن عمرو، وذلك أنهم كانوا في سفر، فتداولوا حداء الإبل، فكان كل واحد منهم ينزل عن بعيرة، ويحدو الإبل، ثم يركب وينزل الآخر.
والأخماس: جمع خمس، وهو أن ترد الإبل في كل خمسة أيام. ودلج الليل: سيره كله. والهادي: الدليل الذي يهديها. والشرائج. جمع شريجة، وهي القوس تصنع من عود يشق، فتعمل منه قوسان. والنبع: شجر صليب،
(3/32)

تتخذ منه القسي والسهام. والهادي القياس: الحاذق بالهداية والدلاية. ويروى: (وهاد قسقاس) وهو الشديد السوق، الذي لا يخلد إلى راحة. يقال قسقس ليلته: إذا سارها كلها حتى يصبح.
وقوله (وقد براها الأخماس): جملة في موضع نصب على الحال من الضمير المنصوب بكان. وقوله (براها القواس): جملة في موضع الحال من الشرائج، والعامل في الحالين ما في كان من معنى التشبيه، لأن كأن تعمل في الأحوال، بخلاف إن، لأن كأن تدخل على الجمل، فتغير ألفاظها ومعانيها، فيقوى فيها معنى الفعل، (وإن) ليست كذلك، لأنها إنما تغير لفظ الجملة فقط، فضعف فيها معنى الفعل، فلم تقو على العمل في الأحوال ونحوها من اللواحق والفضلات، ويدل على ذلك قول النابغة:
كأنه خارجا ًمن جنب صفحته سفود شرب نسوة عند مفتاد
وبعد هذه الأبيات:
يهوى بهن بختري لباس كان حر الوجه منه قرطاس
ليس بما ليس به بأس باس ولا يضر البر ما قال الناس
يهوى: يسرع. والبختري. المتبختر في مشيه كبرا وإعجابا، ولباس يلبس بعضها بعض.
(3/33)

وأنشد بن قتيبة في هذا الباب:
(15)
(فباتوا يدلجون وبات يسري بصير بالدجى هاد غموس)
هذا البيت لأبي زبيد الطائي واسمه حرملة بن المنذر وهو أحد من شهر بكنيته دون اسمه، يصف قوماً سروا والأسد يقفو آثارهم لكي ينتهز فيهم فرصة وبعد هذا البيت:
إلى أن عرسوا وأغب عنهم قريبا ما يحس له حسيس
خلا أن العتاق من المطايا حسين به فهن إليه شوس
وقوله بصير باتدجي يريد أنه بصير بالمشي في الظلم هاد فيه. والدجى: الظالم واحدتها دجية. وهذا مما خالف فيه التصريف القياس، لأن الفعل دجا يدجو. فكان القياس دجوة، ولهذا يجوز في الدجا أن يكتب بالياء حملا على واحدها، وبالألف حملا على فعلها، والغموس: الواسع الشدقين، من قولهم طعنة غموس: إذا كانت واسعة الشق عميقة. ويروى عموس بالعين غير معجمة، وهو الذي يتهافت في الأمور كالجاهل. يقال: فلان يتعامس، أي يتجاهل. ويروى هموس، وهو الخفيف الوطء الذي لا يحس بوطئه.
وأنشد ابن قتيبة:
(16)
(وتشكو بعين ما أكل ركابها وقيل المنادى أصبح القوم أدلجي)
(3/34)

البيت للشماخ بن ضرار، والركاب: الإبل. والقيل: القول والقال سواء. قال الله تعالى (ومن أصدق من الله قيلا) ويروى: وقال المنادي. يصف امرأة أتعبها طول السير ليلاً ونهاراص. فمعناه: وتشكو هذه المرأة السير الذي أكل ركابها، وتشكو قول المنادي عند الصباح: قد أصبح القوم فما تنتظرون بالسير. وقوله في أول الليل: (أدلجى) أي سيري بالليل، فلا راحة لها. ومعنى شكواها بعينها أن السفر لما طال عليها غارت عيناها، وانكسر طرفها، وصار النعاس يغالبها على ظهر المطية، فجعل ذلك كالشكوى، لأنه دليل على ما تكابده وتقاسيه ويروى (ما أكلت) فمن ذكر الضمير، أراد السير الذي أكل بها. ومن أنت أراد الحال التي أكلت ركابها، أو المشقة. وجاز ذلك، لأن (ما) تقع للمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وإنما يعلم مكانها من التذكير والتأنيث بضميرها العائد إليها، أو بغيره مما يدل عليه فحوى الكلام.
وقد قال بعض أصحاب المعاني إنه يصف ناقة، وذلك غلط، والدليل على أنه يصف امرأة قوله قبل هذا البيت:
ألا أدلجت ليلاك من غير مدلج هوى نفسها إذ إدلجت لم تعرج
وكيف أرجيها وقد حال دونها بنو الهون من جسر ورهط ابن حندج
تحل الشجا أو تجعل الرمل دونه وأهلي بأطراف اللوي فالموتج
(3/35)

وموضع (ما) نصب بتشكو. وقيل معطوف على (ما) وكذلك من روى (وقال). والمنادى مخفوض بإضافة القيل والقال إليه، وأصبح ههنا: لا خبر لها، لأن معناها دخلوا في الصباح، ولم تدخل على جملة فيلزم أن يكون لها خبر، إنما هي بمنزلة قولهم أظلم القوم: إذا دخلوا في الظلام، وأمسوا: إذا دخلوا في المساء، وما في هذا البيت هي الموصولة الجارية مجرى الذي، ولا يجوز أن تكون المصدرية، أعني التي تأتي بمعنى المصدر، كقولك أعجبني ما صنعت، أي أعجبني صنعك، كأنه قال: إكلال ركابها، وإنما لم يجز ذلك لأن في أكل ضميرا يرجع إليها، وما المصدرية حرف لا يعود إليها من صلتها ضمير، كما لا يعود إلى أن الموصولة إذا قلت: أعجبني أن تقوم.
وأنشد ابن قتيبة:
(17)
(هجوت محمداً وأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء)
(فإن أبى ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء)
وهذا الشعر لحسان بن ثابت يخاطب به أبا سفيان بن الحارث، وكان هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى محمد بن الحسن بن دريد قال: أخبرنا السكن بن سعيد، عن عباد بن عباد، عن أبيه قال: أنشد النبي صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت قصيدته التي أولها:
(3/36)

عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء
حتى انتهى إلى قوله:
هجوت محمداً وأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: جزاؤك على الله الجنة يا حسان، فلما انتهى إلى قوله:
فإن أبى ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وقاك الله يا حسان النار، فلما قال:
أتهجوه ولست له بند فشر كما لخير كما الفداء
قال من حضر: هذا أنصف بيت قالته العرب. وقوله: هجوت محمدا وأجبت عنه: كذا الرواية، وفيه شاهد على أن المعطوف بالواو قد يكون مرتباً يعد ما عطف عليه، لا ينوى به التقديم والتأخير إذا كان في الكلام دليل على الترتيب. فإن لم يكن في الكلام دليل على الترتيب، جاز أن يكون كل واحد من الاسمين هو المبدوء به، ومثل هذا قوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها) فإخراج الأرض أثقالها إنما هو بعد الزلزلة. والعامل في (عند) الاستقرار، فمن رفع الجزاء بالابتداء، وجعل (عند) متضمناً لخبره، فلعند موضع من الإعراب. ومن جعل الجزاء مرفوعاً بالاستقرار، وهو مذهب الأخفش، فلا موضع لعند. واللام في قوله لعرض محمد في موضع نصب على الحال، من الوقاء، وهي حال لنكرة تقدمت عليها، لأنه لو قال: وقاء لعرض محمد،
(3/37)

لكان المجرور في موضع الصفة لوقاء، فلما تقدم صار في موضع نصب على الحال. وأما قوله (منكم وقاء) فالمعنى: وقاء منكم، كما تقول: وقيته بنفسي من المكروه، فحكم من أن تكون متعلقة بوقاء، ولكن لا يجوز أن تجعلها متعلقة به وقد قدمتها عليه، لأنك تقدم صلة المصدر عليه، ولكن تعلقها بفعل دل عليه وقاء، كأنه قال: يقونه منكم، والتقدير: ذو وقاء. فحذف المضاف. ويجوز أن يكون الأب والوالد والعرض الوقاء بعينه، مبالغة في المعنى، كما تقول للرجل ما أنت إلا مخلوق من الكرم: إذا كثر ذلك منه، ومثله قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل) ويجوز أن تجعل المصدر نائباً مناب اسم الفاعل، كأنه قال: لعرض محمد منكم وأقون، كما نقول: رجل عدل، وأنت تريد عادل. وقوله (في ذاك الجزاء) معناه: على ذاك، لأنك إنما تقول جازيته على كذا، ولا تقول جازيته في كذا. فهذا مكان على، لا مكان في، وقياسه قياس ما تقدم.
وأنشد ابن قتيبة:
(18)
(إذا ما انتحاهن شؤوبوبه رأيت لجاعرتيه غضونا)
البيت: لكعب: بن زهير بن أبي سلمى. ومعنى انتحاهن: اعتمدهن. وشؤبوبه: شدة دفعه في السير. والجاعرتان: موضع الرقمتين من مؤخر الحمار.
(3/38)

والغضون: الكسر والتشنج في الجلد، يقال تغض جلده: إذا تشنج. وواحد الغضون: غضن قال الراجز.
أريت إن سقنا سياقا حسنا نمد من آباطهن الغضا
وإنما وصف كعب بن زهير حمارا وحشياً يسوق أتنا، ويعنف عليهن في السوق، فترى جواعره تنبسط تارة، وتنغضن تارة.
وأنشد يعقوب بن السكيت بعد هذا البتي:
وبصبصهن بين أداني الغضى وبين غدانة شأوا بطينا
فصادفن ذا حنق لاطئاً لصوق البرام يظن الظنونا
والبصبصة: سرعة السير، يقال قرب بصباص: شديد [لا اضطراب فيه] والشأو: الطلق، والشأو أيضاً: السبق. وقوله: فصادفن ذا حنق: يعني القانص. والحنق: الغضب. والبرام، القراد.
(3/39)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(19)
(عشنزوة جواعرها ثمان)
هذا صدر بيت لحبيب بن عبد الله الهذلي، وهو المعروف بحبيب الأعلم، يصف ضيعا وتمام البيت:
(فويق زماعها وشم حجول)
وبعده:
تراها الضبع أعظمهن رأساً جراهمة لها حرة وثيل
العشنزرة: الغليظة. ويقال: هي السريعة. يقال: سير عشنزو، قال الشاعر:
فهاتي لنا سيراً أحد عشنزرا
وذكر ابن قتيبة أنه لم يسمع من أحد علمائه في قوله (جواعرها ثمان) قولاً يرتضيه. وقال في كتابه الموضوع في المعان الشعر: سألت الرياشي عن قوله (جواعرها ثمان) فقال: الجواعر أربع، وهي في موضع الرقمتين من مؤخر الحمار. وأراد زيادة في تركيب خلقها.
وهذا الذي حكاه ابن قتيبة عن الرياشي قول حسن، إلا أنه يحتاج إلى تلخيص وزيادة بيان، ولذلك لم يرضه ابن قتيبة فيما أحسب.
(3/40)

وحقيقة ما ذهب إليه أن الشاعر لم يرد أن لها ثماني جواعر على الحقيقة، لأن الجواعر إنما هي أربع، وإنما أراد أن عجزها واسع عظيم، يحتمل لسعته أن يكون فيه ثمان جواعر. والعرب تخرج الشيء الممكن مخرج الشيء الذي قد وجب ووجد، فيقولون جاءنا بحفنة يقعد فيها ثلاثة رجال. وليس المراد أنه جاء بالجفنة وفيها ثلاثة رجال. وإنما المراد أنها تحتمل ذلك لعظمها، ومثله قول عوف ابن عطية:
لها حافر مثل قعب الوليد يتخذ الفأر فيه مغارا
أي: لو اتخذه فيه لأمكنه ذلك. وقوله (فويق زماعها) الزماع جمع زمعة، وهي شعرات مجتمعات خلف ظلف الشاة ونحوها شبيهة بالزيتونة، والوشم: خطوط تخالف معظم اللون والحجول: جمع حجل وهو البياض. ويجوز أن يكون جمع حجل، وأصله القيد، ثم يقال للخلخال حجل، تشبيهاً به، قال جرير في الحجل الذي يراد به القيد:
ولما اتقى القين العراقي باسته فزعت إلى العبد المقيد في الحجل
وقال النابغة الذبياني في الحجل، الذي هو الخلخال:
على أن حجليها وإن قلت أوسعا صموتان من ملء وقلة منطق
(3/41)

ويجوز أن تكون الحجول: جمع حجل، كقولك أسد وأسود، والحجل: التحجيل بعينه قال أبو النجم:
إغر في البرقع باد حجله نعلو به الحزن وما نسهله
والضبع جمع ضباع، وضباع: جمع ضبع. والجراهمة: العظيمة الرأس.
ويروى حراهمة، بالحاء غير معجمة، وهي الشديدة الغلمة وهي العراهمة أيضاً بعين غير معجمة ويروى زراهمة بزاء بعدها راء وهي العظيمة.
وأنشد ابن قتيبة:
(20)
(أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سبد)
هذا البيت للراعي، واسمه عبيد حصين بن معاوية بن نوح النميري، ويكنى أبا جندل. وقال محمد بن حبيب: يكنى أبا نوح، ولقب الراعي، لأنه وصف راعى الإبل، فأجاد وصفة، فقالت العرب: ما هذا إلا راع، فغلب ذلك عليه، وشهر به. والحلوبة: الناقة التي تحلب، وكذلك الشاة، وهي بمعنى محلوبة،
(3/42)

كما يقال: ناقة ركوبة، أي مركوبة. وقوله (وفق العيال) أي لها لبن قمر كفايتهم، لا فضل فيه عنهم. وقيل قدر ما يقوتهم، وكل شيء طابق شيئاً وافقة، فهو وفق. والسيد: الشعر. وقيل الوبر. فإذا قيل ما له سيد ولا لبد، فمعناه: ما له ذو وبر ولا صوف متلبد، يكنى بهما عن الإبل والغنم. وقيل: يكنى بهما عن المعز والضأن. وقيل: يكنى بهما عن الإبل والمعز. فالوبر: للإبل، والشعر: للمعز. ثم كثر ذلك حتى صار مثلاً مضروباً للفقر، فقيل لكل من لا مال له، أي شيء كان.
ففي هذا الكلام مجاز من وجهين: أحدهما إيقاعهم النفي على السبد واللبد، وهم يريدون نفي ما له السبد واللبد. والثاني: استعمالهم ذلك في كل من لا مال له، وأصله أن يكون في الإبل والمعز والغنم خاصة.
وهذا البيت من قصيدة قالها الراعي في عبد الملك بن مروان، يشتكى فيها إليه عماله، ويصف جورهم على الناس في أخذ الصدقة. وقبله:
أزرى بأموالنا قوم بعثتهم بالعدل ما عدلوا فينا ولا قصدوا
نعطى الزكاة فما يرضى خطيبهم حتى نضاعف أضعافاً لها عدد
وأنشد ابن قتيبة:
(21)
(وإن بني ربيعة بعد وهب كراعي البيت يحفظه فجانا)
(3/43)

البيت: للنمر بن تولب العكلى، وكان يلقب الكيس بصناعة الشعر. وكان أبو حاتم يقول النمر بسكون الميم، ويزعم أن العرب لا تقوله إلا هكذا. وهذا الذي ذكره غير معروف. وقوله (بعد وهب) يريد بعد خيانة وهب، وليس يريد: (بعد هلاك وهب)، ولو كان كذلك لكان قد مدح وهبا، وليس بمدحه، إنما يذمه. والمعنى: أن وهبا كان أوثقهم وأجدرهم بالأمانة، فإذ قد خان وهب، فهم أجدر بالخيانة، والدليل على أنه يذم وهبا قوله قبل هذا البيت:
يريد خيانتي وهب وأرجو من الله البراءة والأمانا
فإن الله يعلمني ووهبا ويعلم أن سنلقاه كلانا
ويروى: (يحفظه) بضم الياء: أي يؤتمن عليه، يقال حفظ الرجل الشيء وأحفظته إياه، وهذا بين لا إشكال فيه.
ويروى (يحفظ) بفتح الياء، وفيه إشكال، لأن الحافظ لا يخون، فكيف وصفه بالحفظ والخيانة.
والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما أن الفاء في كلام العرب إنما وضعت لتدل على أن ما بعدها يقع عقيب ما قبلها. فمعناه: يحفظه أولا ثم يعقب الحفظ بالخيانة. والثاني أن يكون معنى يحفظه: يدعى أنه يحفظه وهو يخون، لأن العرب تنسب الفعل إلى من يدعيه كما تنسبه إلى من هو له بالحقيقة، فإذا قلت: هذا ضارب زيدا، جاز أن يكون معناه هذا الذي أوقع بزيد الضرب على
(3/44)

الحقيقة. وجاز أن يكون معناه هذا الذي يزعم أنه ضرب زيداً. وقد يقال أيضاً هذا ضارب زيد، إذا كان عازماً على ضربه، معتقداً لذلك. ويقال أيضاً هذا ضارب زيد: إذا أ/ر بذلك أو رضيه.
وأنشد ابن قتيبة:
(22)
(لا يتأرى لما في القدر يرقبه ولا يعض على شر سوقه الصفر)
البيت لأعشى باهلة، واسمه عامر بن الحارث بن رياح، ويكنى أبا قحافة، من شعر يرثى به المنتشر بن وهب الباهلي. وهذا البيت الذي أنشده ابن قتيبة، مركب من بيتين، والذي رواه أبو العباس المبرد في الكامل:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ولا تراه أمام القوم يقتفر
لا يغمز الساق من أين ولا وصب ولا يعض على شرسوفه الصفر
وغير بعيد أن يكون ما ذكره ابن قتيبة رواه ثانية. ومعنى البيت: أنه يمدحه بأن همته في طلب المعالي، فليس يرقب
(3/45)

نضج ما في القدر، إذا هم بأمر له فيه شرف، بل يتركها ويمضي لما يريده. وقوله (ولا يعض على شرسوفه الصفر) الشرسوف: طرف الضلع، والصفر حية تتخلق في البطن، وتعض على شراسيف الأضلاع إذا جاع الإنسان، ولم يرد أن يثبت أن في جوفه صفرا لا يعض على شراسيفه، وإنما أراد أنه لا صفر في جوفه، فيعض على شراسيفه. يصفه بشدة الخلق وصحة البنية. وهذا كقوله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا) أي لا يكون منهم سؤال فيكون إلحاف، ولم يرد أن يثبت أن لهم سؤالا لا إلحاف فيه، ومثله قول امرئ القيس:
على لا حب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا
أي ليس فيه منار، فتكون فيه هداية. وحروف الجر المذكورة في هذا البيت: لا موضع لها لتعلق كل واحد منهما بالظاهر، أو ما هو في حكم الظاهر. فاللام متعلقة بيتأرى، وعلى متعلقة ببعض، وفي متعلقة بالاستقرار المضمن في الصلة، وهو في حكم الملفوظ به. وقوله: (يرقبه): جملة موضعها نصب على الحال من الضمير في يتأرى، وهي على هذا التقدير حال جارية على من هي له. ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال من (ما) وهي على هذا حال جارية على غير من هي له. وإنما جاز أن تكون حالاً منهما معاً، لأن فيها ضميراً عائداً على كل واحد منهما وجاز أن يستتر الضمير، وإن كانت قد جرت حالا على غير من هي
(3/46)

له، لأن الفعل يستتر فيه ضمير الأجنبي، كما يستتر ضمير ما ليس بأجنبي. ولو ظهرت الحال إلى اللفظ لقلت في أحد الوجهين (راقبه)، فلم تظهر الضمير، وقلت في الوجه الآخر (راقبه هو) فأظهرت الضمير.
وأنشد في هذا الباب:
(23)
(وتبرد برد رداء العرو س بالصيف رقرقت فيه العبيرا)
البيت لأعشى بكر، واسمه ميمون بن قيس بن جندل، ويكنى أبا بصير، ويسمى: قتيل الجوع، لأنه دخل غارا يستظل فيه من الحر، فوقعت صخرة على فم الغار فمات فيه جوعا. ففي ذلك يقول جهنام يهجوه:
أبوك قتيل الجوع قيس بن جندل وخالك عبد من خماعة راضع
وبعد قوله وتبرد برد رداء العروس:
وتسخن ليلة لا يستطيع نباحا بها الكلب إلا هريرا
يصف امرأة بصحة الجسم، واعتدال المزاج، فيقول إنك إذا ضاجعتها بالصيف وجدتها باردة الجسم كبرد رداء العروس إذا رقرق فيه العبير: أي جعل
(3/47)

رقيقاً وذلك حتى يصير أملس، وإذا ضاجعتها في البرد الشديد الذي لا يقدر فيه الكلب على النباح وجدت جسمها سخناً. والباء في قوله بالصيف: بمعنى في.
وفي البيت تقديم وتأخير، وتقديره: وتبرد بالصيف برد رداء العروس. فالباء متعلقة بتبرد، وبرد رداء العروس منصوب على المصدر المشبه به، والتقدير: وتبرد بردا مثل برد رداء العروس، فحذف الموصوف والمضاف، كما حذفا من قولك: ضربته ضرب الأمير اللص، وقوله. (رقرقرت فيه العبيرا): جملة في موضع نصب على الحال من الرداء، وهي حال جارية على غير من هي له. ولو جعلت مكان الفعل الحال المحضة لقلت: مرقرقاً فيه العبير أنت، فأبرزت الضمير. ولو قلت رقرق فيه العبير ثم أظهرت الحال لقلت: مرقرقاً فيه العبير، ولم تظهر الضمير، لجريان الحال على من هي له. وقوله فيه متعلق برقرقت، فلا موضع له لتعلقه بالظاهر.
وأنشد ابن قتيبة:
(24)
(أشليت عنزي ومسحت قعبي)
وزاد يعقوب:
ثم تهيأت لشرب قاب
(3/48)

يصف أنه دعا عنزة ليحلبها، ومسح قعبه وهو القدح، ليحلب فيه، ثم تهيأ ليشرب شرباً قأباً وهو الكثير. يقال قئب من الشراب قأبا على مثال سم سأما وقأب قأبا على مثال زأر زأرا: إذا أكثر منه، والمسح في هذا الشعر بمعنى الغسل.
وأنشد ابن قتيبة:
(25)
(وهل هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تجللها نغل)
(فإن نتجب مهراً كريماً فبالحرى وإن يك إقراف فقد أقرف الفحل)
رواه أبو علي (فمن قبل الفحل) ورواه غيره (فما أنجب الفحل) وروى أبو علي (تجللها بغل) بالباء، وأنكر كثير من أصحاب المعاني هذه الرواية، وقالوا: هي تصحيف، لأن البغل لا ينسل. والصواب: (نغل) بالنون، وهو الخيس من الناس والدواب، وأصله: (نغل)، بكسر الغين، ثم نخفف الكسرة فيقال: (نغل)، كما يقال فخذ وفخذ: وأنكر ابن قتيبة تسكين الغين من (نغل) في هذا الكتاب، وجعله من لحن العامة، وقد ذكرناه في موضعه.
وروى غير ابن قتيبة: (وهل أنا إلا مهرة) وذكر أن الشعر لحميدة بنت النعمان ابن بشير، وهي أخت هند، وكان تزوجها أولا الحارث بن خالد المخزومي، وكان شيخا ففركته وقالت فيه:
(3/49)

ففدت الشيوخ وأشياعهم وذلك من بعض أقواليه
ترى زوجة الشيخ مغمومة وتمسى بصحبته قاليه
في أبيات غير هذين، فطلقها الحارث، وتزوجها روح بن زنباع، فهجته بهذا الشعر الذي أنشده ابن قتيبة، وقالت فيه أيضاً:
بكى الخز من روح وأنكر جلده وعجت عجيجا من جذام المطارف
وقال العباء نحن كنا ثيابهم وأكسية مضروجة وقطائف
فطلقها روح وقال: ساق الله إليك شابا يسكر ويقي في حجرك. فتزوجها الفيض ابن أبي عقيل الثقفي، وكان فتى شابا مولعا بالشراب، فسكر وقاء في حجرها، فقالت: أجيبت في دعوة روح. ثم هجت الفيض فقالت:
سميت فيضا ولا شيء تفيض به إلا بسلحك بين الباب والدار
فتلك دعوة روح الخير أعرفها سقى الإله صداه الأوطف الساري
ثم نرجع إلى تفسير معنى البيتين الأولين. فقولها: (وهل هند إلا مهرة): مثل ضربته. وذلك أنها كانت أنصارية، وكان روح بن زنباع جذامياً، والأنصار أشرف من جذام، فقالت إنما مثلى ومثل روح: مهرة عربية عتيقة علاها بغل، فإن ولدت مهرا كريماً فما أحراها وأحقها بذلك، لكرمها وعتقها، وإن كان مهرها خسيساً، فإنما جاءت الخساسة من قبل الأب، لا من قبلها، وقولها (فبالحرى) يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أن يكون من قولهم هو حرى بكذا: أي حقيق به، أي فبالحقيقة أن يكون مهرها كريماً: والثاني:
(3/50)

أن يريد فبالجهد والمشقة، أي لا يتخلص لها ولد كريم إلا بعد جهد، لخساسة الأب الغالبة عليه، فيكون بمنزلة قول الأعشى:
إن من عضت الكلاب عصاه ثم أثرى فبالحرى أن يجودا
أي أنه لا يجود إلا بعد جهد، لأنه قد جرب الأيام، وقاسى الفقر، وعلم قدر المال. والباء في قولها (فبالحرى): متعلقة بمحذوف، لأنها نابت مناب خبر مبتدأ مقدر، كأنها قالت: فبالحرى أن يكون ذلك، فأن يكون مبتدأ، وبالحرى: في موضع الخبر وكذلك (من) في رواية من روى (فمن قبل الفحل) لأن التقدير فذلك من قبل الفحل. فمن متعلقه بالخبر المقدر، كأنها قالت: فذاك كائن من قبل الفحل، أو واقع، أو نحو ذلك.
وأنشد. عن أبي زيد:
(26)
(وكيف بأطرافي إذا ما شتمتني وما بعد شتم الوالدين صلوح)
يريد بأطرافه: أجداده من قبل أبيه وأمه. والصلوح والصلاح والصلح: سواء، والباء في قوله بأطرافي يحتمل تأويلين: أحدهما أن تكون زائدة كزيادتها في قوله (كفى بالله شهيدا) وقولهم: بحسبك قول السوء. فتكون الأطراف في
(3/51)

موضع رفع بالابتداء، وكيف: متضمنة للخبر معموله له على مذهب سيبويه، أو في موضع رفع بالاستقرار على مذهب الأخفش. فإذا جعلت الأطراف مرفوعة بالابتداء، فموضع كيف رفع، فإذا جعلتها مرفوعة بالاستقرار، فموضع (كيف) نصب، والعامل في (كيف) في الوجهين: الاستقرار والتأويل. الثاني: أن تكون الباء غير زائدة، ويكون التقدير: وكيف أصالحك بأطرافي، وحذف ذكر المصالحة لدلالة الصلوح المذكور في آخر البيت عليه، فالباء على هذا متعلقة بالفعل المقدر، وهو العامل في كيف، ويكون في الكلام على هذا مجازان. أحدهما: حذف الفعل. والثاني: حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، لأن التقدير: كيف أصالحك بشتم أطرافي: وكان الأخفش يقدر (كيف) تقدير الظروف، وكان سيبويه يقدرها تقدير الأسماء:
والدليل على صحة قول سيبويه: أنك تفسرها بالأسماء، كقولك كيف زيد أصحيح أم سقيم؟ وتجيب عنها بالأسماء. فإذا قال قائل كيف زيد؟ قلت: صالح. ولو كانت ظرفا لم يجز أن تفسر، ولا يجاب عنها إلا بالظروف.
وحجة الأخفش أنها تقدر تقدير الجار والمجرور، وذاك أنك إذا قلت: كيف زيد؟ فمعناه على أي حال هو؟ والحروف للظروف وما يجرى مجراها. وليس في هذا دليل قاطع، لأننا قد نقدر حرف الجر فيما لا خلاف فيه أنه اسم. ألا ترى أن كل مضاف إليه تقدر فيه اللام أو من، إلا أن تكون إضافته غير صحيحة
(3/52)

وكذلك قوله تعالى (أن تسترضعوا أولادكم) أي لأولادكم، ويقوى قول الأخفش أن كيف موضوعة للأحوال، والأحوال مضارعة للظروف، فلذلك صار القولان متقاربين.
وأنشد ابن قتيبة:
(27)
(وقولا لها ما تأمرين بوامق له بعد نومات العيون أليل)
هذا البيت لابن ميادة، واسمه الرماح بن أبرد، وميادة: أمه. ووقع في كتاب طبقات الشعراء لابن قتيبة: أنه الرماح بن يزيد، وهو غلط من ابن قتيبة، أو وهم وقع في النسخ. والدليل على أن اسم أبيه أبرد قول بعض الشعراء يهجوه:
أبوك أبوك أبرد غير شك أحلك في المخازى حيث حلا
ووقع في الحماسة (أبوك أبوك أربد غير شك) وهو غلط أيضاً. وروينا عن أبي نصر، عن أبي علي البغدادي: (وقولا لها ما تأمرين) على مخاطبة الاثنين. ووقع في غير أدب الكتاب: (وقولي لها) على مخاطبة المؤنث. وكذا في إصلاح المنطق، ولا أعلم كيف الصواب فيه؟ لأني لم أر شيئاً من الشعر أستدل به على ذلك، وقوله (ما تأمرين) ما: في موضع نصب: ويقدر الاسم
(3/53)

الذي وقعت (ما) في موضعه منتصباً انتصاب المصادر، وإن كان غير مصدر محض، لأن تقديره: أي أمر تأمرين بهذا الوامق، ومن شأن (أي) إذا أضيفت إلى مصدر أن تصير مصدرا، كقولك أي مرور تمر بزيد؟ وأي ضرب تضرب عمراً؟ والباء متعلقة بنفس الفعل الظاهر، فلا موضع لها لأنها من صلته.
وأما اللام من قولك (له) فيحتمل تأويلين إن شئت جعلت الأليل مرتفعا بالابتداء، وجعلت (له) في موضع خبر، فتكون اللام متعلقة بالخبر مقدرا ويكون موضع الجملة جراً على الصفة لوامق، وإن شئت رفعت الأليل بالاستقرار وجعلت (له) في موضع جر على الصفة لوامق، على حد ارتفاع الأسماء بالصفات التي تكون صفات لما قبلها: وأفعالاً لما بعدها، في نحو قولك (مررت برجل قائم أبوه)، فيكون التقدير بوامق كائن له بعد نومات العيون أليل.
والفرق بين هذا الوجه والوجه الأول: أن المحذوف الذي تتعلق به اللام في الوجه الأول: خبر، والمحذوف الذي تتعلق به في الوجه الثاني: صفة، وأن الجملة في القول الأول تقدر تقدير جملة مركبة من مبتدأ وخبر، نابت مناب صفة، وتقدر في القول الثاني تقدير جملة مركبة من فعل وفاعل، نابت مناب صفة.
ومن النحو بين من يرى أن الاسم في نحو هذه المسألة لا يرتفع بالابتداء، وإنما يرتفع بالاستقرار، لأن الاستقرار قد اعتمد على ما قبله، وإنما يقبح رفع الاسم بالاستقرار إذا لم يعتمد على شيء قبله، كقولك: في الدار زيد، فإذا كان
(3/54)

معتمداً على ما قبله جاز رفع الاسم به. ومعنى اعتماده على ما قبله أن يكون صفة لموصوف، أو حالا لذي حال، أو خبرا لذي خبر، أو صلة لموصول، أو معتمدا على أداة من أدوات الاستفهام، أو ما ولا النافيتين.
ومن النحو بين من يرى أنه يرتفع بالابتداء أبدا، وإن لم يعتمد على ما قبله ولم ينكر رفعه بالاستقرار، وهو رأي السيرافي.
ولسيبويه في هذا الموضع من كتابه عبارة مشكلة، تحتمل المذهبين جميعاً وهو قوله في بعض أبواب الصفات: واعلم أنك إذا نصبت في هذا الباب، فقلت: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً، فالنصب على حاله، لأن هذا ليس بابتداء، ولا يشبه (فيها عبد الله قائم) غداً، لأن الظروف تلغى حتى يكون المتكلم كأنه لم يذكرها في هذا الموضع، فإذا صار الاسم مجروراً، أو عاملاً فيه فعل، أو مبتدأ، لم تلغه، لأنه ليس يرفعه الابتداء. وفي الظروف إذا قلت: فيها أخواك قائمان، يرفعه الابتداء. والأظهر عندي من هذا الكلام الرفع بالاستقرار.
وأنشد ابن قتيبة:
(28)
(باتت تبيا حوضها عكوفاً)
(3/55)

هذا الرجز لأبي محمد الفقعسي أنشده أبو عمرو الشيباني وابن الأعرابي: وبعده:
مثل الصفوف لاقت الصفوفا وأنت لا تغنين عني فوقا
يصف إبلا اصطفت حول الحوض لتشرب الماء، بعضها من هذا الجانب، وبعضها من هذا الجانب، فشبهها بخيل اصطفت بحذاء خيل غيرها للقتال، وقوله: عكوفا، أي ملازمة للحوض لا تفارقة، لشدة عطشها، وهذا نحو قول الآخر:
حرقها حمض بلا دفل وغنم نجم غير مستقل
فما تكاد نيبها تولى
أي ما تكاد تولى عن الحوض، لشدة حاجتها إلى الماء. وقوله: (لا تغنين عني فوفا) الفوف: جمع فوفة، وهي القشرة التي تكون على النواة. والفوف، أيضاً: البياض التي يكون في الظفر. يخاطب زوجه، ويعنفها على امتناعها عن معونته على سقى إبله، يقول: نالني الجهد والنصب في سقيها، ولم تغن عني من التعب قدر فوف، وكانوا يستعينون بنسائهم على سقي الإبل، ولذلك قال الراجز:
قد علمت إن لم أجد معينا ... لأخلطن بالخلوق طينا
(3/56)

يقول: قد علمت أني إن لم أجد من يعينني على سقي إبلي، فإني أستعين بها، فيختلط الطين بخلوقها. وفي انتصاب (عكوف) ثلاثة أوجه من الإعراب: أحدها: أن يكون مصدرا محضاً، محمولاً على معنى الفعل الذي قبله، لأنه إذا قال: (تبياً حوضها) فقد ناب مناب قوله (تعكف)، عليه، فيكون نحواً من قولهم: قعد زيد جلوسا، وتبسمت وميض البرق. والثاني: أن يكون مصدراً وقع موقع الحال، كأنه قال: قد تبياً حوضها عاكفة، فيكون من باب جئته ركضاً، أي راكضاً. والثالث: أن تجعل عكوفا جمع عاكف، ولا تجعله مصدراً، فيكون حالاً محضة.
وأنشد ابن قتيبة:
(منا يزيد وأبو محيأة وعسعس نعم الفتى تبيأه)
وعسعس ههنا اسم رجل. يقول: هو نعم الفتى إذا قصدته. وقوله (نعم الفتى): جملة سدت مسد خبر المبتدأ، وهي عارية من ضمير يرجع إليه، وحكم كل جملة سدت مسد خبر المبتدأ أن يكون فيها ضمير يعود إليه، ففي هذا ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الغرض في ذكر الضمير: أن يربط الخبر بالمخبر عنه، فلما كان (الفتى) اسماً يراد به جميع النوع، وكان عسعس بعض الفتيان، ارتبط
(3/57)

بهم ارتباط الجزء بالكل، فأغنى ذلك عن ذكر الضمير. هذا قول الفارسي، وهو الذي أشار إليه سيبويه.
والقول الثاني: أن الفتى ههنا سد مسد الضمير، وهذا القول هو الذي أشار إليه أبو القاسم الزجاج، في قوله في باب (نعم وبئس) وهو في موضع المضمر العائد على زيد، إلا أنه جاء مظهرا.
وتلخيص معنى هذا القول: أن الاسم الفاعل إذا تقدم على فعله الرافع له، لزم إضماره فيه؛ ألا ترى أنك تقول: قام زيد، فإذا قدمت زيدا قلت: زيد قام، فأضمرت في قام ضميرا يعود على زيد، فكذلك كان القياس إذا قلت: زيد نعم الرجل، أن تضمر في نعم ضميرا يرجع على زيد، إلا أن الضمير لا يجوز ارتفاعه بنعم، لأنها لا ترفع إلا ما فيه الألف واللام، أو ما أضيف إلى ما فيه الألف واللام. فلما لم يجز ذلك، وضع الظاهر موضع المضمر، فقيل زيد نعم الرجل.
والقول الثالث: أن العائد مقدر في الجملة، وحذف اختصارا، والتقدير: زيد نعم الرجل هو، وعسعس نعم الفتى هو، فاستغنى عن ذكر هو، لأن الاسم الأول قد أغنى عن ذكره.
والدليل على صحة هذا القول: أن حكم (نعم) أن يظهر بعدها اسمان، أحدهما اسم النوع، والآخر: المقصود بالمدح، فإذا ترك ذكر أحدهما، علم أنه مراد، وقد جاء حذف المقصود بالمدح، في نحو قوله عز وجل (نعم العبد إنه أواب) وفي نحو قول الشاعر:
نعم الفتى فجعت به إخوانه يوم البقيع حوادث الأيام
(3/58)

فإن قيل: ما بالك لم تجعل الهاء في (تبباه) عائدة على عسعس؟ فالجواب: أن الهاء في (تبياه) إنما تعود على الفتى، لأن (تبياه) في موضع نصب على الحال منه، وحكم الحال أن يكون فيها ضمير يرجع إلى صاحبها، فلذلك احتيج إلى ضمير آخر، يرجع إلى عسعس بحكم الخبر. وقد يجوز أن يقال: لما كان (الفتى) هو عسعس، اكتفى بالضمير العائد عليه، من الضمير العائد على (عسعس). وهذه حال جرت على غير من هي له، لأن القاصد إنما هو المخاطب، واستتر الضمير الفاعل فيها، لأن الفعل من شأنه أن يتحمل ضمير الأجنبي، ولو صيرتها اسم فاعل لقلت متبيئاً له أنت، فظهر الضمير، ولو كانت حالاً محضة للفتى، لقلت: نعم الفتى متبيا على صفة اسم المفعول، ولم تحتج إلى أن يظهر الضمير فتقول: هو.
وأنشد ابن قتيبة:
(لعمر بني شهاب ما أقاموا صدور الخيل والأسل التياعا)
البيت: لدريد بن الصمة الجشمي، ويكنى أبا قرة، وأمه ريحانة أخت عمرو بن معدى كرب و (ما) في هذا البيت نفى، وليست مصدراً واقعاً موقع
(3/59)

الظرف، لأنه يذم بني شهاب، ويذكر أنهم فروا وولوا الدبر وإنما أقسم بأعمارهم على سبيل الهزء بهم، ويدل على ذلك قوله بعد هذا البيت:
ولكني كررت بفضل قومي فخرت مكارما وحويت باعا
وذلك فعلنا في كل حي وننتجع الأقاصي انتجاعا
ويروى: (فجدت بنعمة ومددت باعا) والباع ههنا الشرف. وقوله: (الأقاصي) قياسه: الأقاصي بتخفيف الياء، ولكنه أشبع كسرة الصاد، فنشأت بعدها ياء، وأدغمها في الياء الأصلية، على حد قول الفرزدق:
نفى الدراهم تنقاد الصياريف
وأنشد ابن قتيبة:
(31)
(فقلت له هذه هاتها بأدماء في حبل مقتادها)
البيت لأعشى بكر، وقد ذكرنا اسمه فيما تقدم، وإنما يضاف إلى بكر للبيان، لأن في الشعراء جماعة يسمى كل واحد منهم الأعشى، فيضاف كل واحد منهم إلى رهطه، ليعرف به، فيقال أعشى بكر، وأعشى باهلة، وأعشى همدان،
(3/60)

وأعشى طرود ونحو ذلك. والأدماء: الناقة البيضاء. والأدمة: على ثلاثة معان: إذا وصف بها الرجال، فالمراد بها السمرة، وإذا وصف بها الإبل، فالمراد بها البياض، وإذا وصف بها الظباء فالمراد بها سمرة في ظهورها، وبياض في بطونها. والمقتاد: القائد. والهاء في قوله (له) عائدة إلى خمار ذكره قيل هذا البيت، في قوله:
فقمنا ولما يصح ديكنا إلى جونة عند حدادها
يعني بالحداد: الخار، لأنه يمنع من الخمر ويحفظها، وكل من حفظ شيئاً ومنع، فهو حداد.
وذكر صاحب كتاب العين؛ أن الخمار يقال له جداد بالجيم. وهذه الكلمة من الأشياء التي نسب فيها إلى التصحيف. وهذه إشارة إلى الجونة المذكورة. وهي الخابئة، جعلها جونة لاسودادها من القار. والمعنى: هات هذه الجونة، وخذ هذه الناقة الأدماء بحبل قائدها. وذكر الأعشى بعد هذا البيت أن الخمار لم يقنع منه بالناقة الأدماء، حتى زاده تسعة دراهم، وذلك قوله:
فقال تزيدونني تسعة وليست بعدل لأندادها
فقلت لمنصفنا أعطه فلما رأى حضر إشهادها
أضاء مظلته بالسرا ج والليل غامر جدادها
دراهمنا كلها جيد فلا تحبسنا بتنقادها
وحرف الجر في قوله (فقلت له) متعلق بظاهر، وفي قوله (بأدماء) وفي (حبل): متعلق بمحذوف غير ظاهر. والباء في قوله (بأدماء) في موضع نصب
(3/61)

على الحال، كأنه قال (مشتراة بأدماء) و (في) من قوله (في جبل): في موضع خفض على الصفة لأدماء، كأنه قال: (بأدماء مشدودة في حبل مقتادها). ويجوز أن تكون مبنية على مبتدأ محذوف، كأنه قال: (بأدماء وهي في حبل مقتادها) وتكون الجملة في موضع الحال من (أدماء)، فتكون بمنزلة قولهم: جاء زيد بثيابة، أي وهو في ثيابة، وجازت الحال هنا من النكرة، لأنها صفة نابت مناب موصوف، لأن المعنى بناقة أدماء، فالناقة في حكم ما هو ملفوظ به، فقربت النكرة ههنا من المعرفة بالصفة. والوجه الأول أجود وإن كان هذا الثاني غير بعيد.
والظاهر من كلام ابن قتيبة أنه جعل (في) في هذا البيت، بمعنى الباء، لأنه ذكر قولهم ادفعوه إليه برمته، ثم قال: وهذا المعنى أراد الأعشى في قوله للخمار. ثم أنشد البيت، وقال في تفسيره: أي يعني هذه الخمر بناقة برمتها، وقد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا إنه إذا أمكن حمل الشيء على موضوعه، وظاهر لفظه، لم يجب أن يعدل عنه إلى غيره، و (في) يوجد فيها من معنى الصفة والحال، ما يوجد في الباء، ألا ترى أن قولك جاءني زيد بثيابه، وفي ثيابه، سواء وأن المجرور في كل واحد من المسألتين في موضع الحال، لأن المعنى جاءني زيد وثيابه عليه. وكذلك قولهم: ادفعوه إليه برمته، أي ورمته عليه، وكذلك قول أبي ذؤيب في صفة الحمير:
يعثرن في حد الظباة كأنما كسيت برود بني تزيد الأذرع
(3/62)

و (في) قد نابت فيه مناب الباء في قول الآخر:
ومستنة كاستنان الخرو ف قد قطع الحبل بالمرود
دفوع الأصابع ضرح الشمو س نجلاء مؤيسة العود
لأن المعنى بعثرن والظبات فيهن، وقد قطع الحبل والمرود فيه.
وأنشد ابن قتيبة:
(32)
(ولم يقلب أرضها البيطار ولا لحبليه بها حبار)
الرجز: لحميد الأرقط، وقبله:
لارحح فيها ولا اصطرار
يصف فرسا بالعتق. يقول لم تحتج إلى بيطار يقلب قوائمها، لينظر: هل بها علة؟
وذكر أبو العباس المبرد أنه يروى: (ولم يقلم) بالميم، وقال: معناه: أن حوافرها لا تتشعث فتحتاج إلى أن تقلم، كما قال علقمة:
ولا السنابك أفناهن تقليم
(3/63)

وهذا التأويل فيه بعد، لأن تقليم الحوافر ليس من عمل البيطار، ويمكن أن تكون الميم بدلاً من الباء، كما قالوا: ما هذا بضربة لازب، ولازم، وأرض الدابة قوائمها. وزعم بعض اللغويين أنها تكتب بالظاء، والصحيح أنها تكتب بالضاد، لأنها مشتبهة بالأرض التي توطأ، ويدل على ذلك قول الشاعر:
وأحمر كالديباج أما سماؤه فرياً وأما أرضه فمحول
فتسميته أعلاه سماء، ووصفه أرضه بالمحل، دليل على غلط من قال القول الأول. والعرب تجعل أعلى كل شيء سماء، وأسفله أرضاً، على التمثيل والاستعارة، والحبار والحبر: الأثر. والاصطرار: ضيق في الحافر. وقد ذكرنا فيما تقدم أن الرحح نوعان: محمود ومذموم، وأن المحمود منه ما كان سعة مع تقعب، والمذموم ما كان سعة ليس معها تقعب، وهذه هي الفرشخة التي نفاها الراجز عن الحافر بقوله- ليس بمصطر ولا فرشاخ.
وأنشد ابن قتيبة:
(33)
(قد أركب الالة بعد الآلة وأترك العاجز بالجدالة)
والآلة: الحالة. يمدح نفسه بالجلد في السفر، والدؤوب على السير، إذا عجز صاحبه عن المشي، وسقط إلى الجدالة من الإعياء. والجدالة: الأرض. وبعد هذين البيتين:
(3/64)

(مُنْعفرا ليست له محالة). والمنعفر: الذي قد لصق بالعفر، وهو التراب، والمحالة: الحيلة. ونظير هذا الرجز: ما أنشده يعقوب من قول الآخر:
إن دليما قد ألاح بعشى وقال أنزلني فلا إيضاع بي
والباء في قوله (بالجدالة) في موضع الحال، كانه قال: لاصقا بالجدالة، فهي متعلقة بمحذوف. ويجوز أن تكون بمعنى (في) كقولهم زيد بالكوفة يريدون الكوفة.
وأنشد ابن قتيبة:
(34)
(ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا)
البيت: لأبي أسماء بن الضريبة. وقيل: بل هو لعطية بن عفيف. ولم يقع شطر البيت الأول في كثير من النسخ، ووقع في بعضها: ولقد طعنت (بضم التاء) وهو غلط. والصواب: فتحها، لأن الشاعر خاطب بها كرزا العقيلي، وكان طعن أبا عيينة وهو حصن بن حذيفة بن بدر الفزارى يوم الحاجر. ويدل على ذلك قوله قبل هذا البيت:
يا كرز إنك قد فتكت بفارس بطل إذا هاب الكماة وجببوا
(3/65)

وقوله جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا، أي كسبت فزارة الغضب عليك. وقول الفراء: وليس قول من قال: (حق لفزارة الغضب) بشيء، رد منه على سيبويه والخليل، لأن معناه عندهما أحقت فزارة بالغضب، (فأن يغضبوا) على تأويلهما: مفعول سقط منه حرف الجر، وهو على قول الفراء مفعول، لا تقدير فيه لحرف جر، وكلا التأويلين صحيح. وقوله (جرمت فزارة): جملة لها موضع، لأنها في تأويل الصفة للطعنة، كأنه قال: طعنة حارمة.
وأنشد ابن قتيبة:
(35)
(إذا الدليل استاف أخلاق الطرق)
البيت: لرؤبة بن العجاج بن رؤبة، ويكنى أبا الحجاف، وقبل هذا البيت:
تنشطته كل مغلاة الوهق مضبورة قرواء هرجاب فنق
مسودة الأعطاف من وشم العرق مائرة العضدين مصلات العنق
قوله (تنشطته) قال أبو حاتم: هو أن تمد يدها وتسرع ردها، والمغلاة من النوق: التي تبعد الخطو وتغلو فيه، أي تفرط. والوهق: المباراة في السير. والمضبورة: المجموعة الخلق، المكتنزة. والقرواء: الطويلة القرا، وهو الظهر. والفنق: المنعمة في عيشها. وقال الأصمعي: هي الفتية الضخمة. ومائرة: يمور ضبعاها، أي يذهبان ويجيئان لسعة إبطيها. والعضدان: مثنى العضد، وهو غليظ الذراع، الذي بين المرفق والكتف. والمصلات: التي انحسر. الشعر عن عنقها.
(3/66)

هذا قول الزيادي. وقال غيره: هي التي تنصلت في السير: أي تتقدم. وأخلاق الطرق: أي القديمة، التي قد أخلقت. واحدها: خلق، شبهها بالثوب الخلق، وخص الأخلاق من الطرق، لأن الاستدلال بثم التراب إنما يكون في الطرق القديمة، التي كثر المشي فيها، فتوجد فيها رائحة الأرواث والأبوال.
وأنشد ابن قتيبة:
(36)
(عيوا بأمرهم كما عيت بيضتها الحمامة)
(جعلت لها عودين: من نشم، وآخر من ثمامه)
الشعر لعبيد بن الأبرص الأسدي، من كلمة له يخاطب بها حجرا أبا امرئ القيس، ويستعطفه لبني أسد، وذلك أن حجرا كان يأخذ منهم إتاوة، فمنعوه إياها، فأمر بقتلهم بالعصي، فلذلك سموا عبيد العصا، ونفى من نفى منهم إلى تهامة، وأمسك منهم عمرو بن مسعود وعبيد بن الأبرص، وكانا أسيرين عنده، فلذلك قال عبيد في هذه الكلمة:
ومنعتهم نجداً فقد حلوا على وجل تهامه
أنت المليك عليهم وهم العبيد إلى القيامة
فرق لهم حجر وأمر برجوعهم إلى ديارهم، فاضطغنوا عليه ما فعل بهم، فقتلوه. وأصحاب المعاني يقولون في قوله:
(3/67)

جعلت لها عودين: من نشم، وآخر من ثمامه
إنه أراد: جعلت لها عودين: عودا من نشم، وآخر من ثمامة، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه. فقوله (وآخر) على هذا التأويل ليس معطوفاً على عودين، لأنك إن عطعفته عليهما كانت ثلاثة، وإنما هو معطوف على الموصوف الذي حذف، وقامت صفته مقامه، فهو مردود على موضع المجرور. وهذا قبيح في العربية، لأن إقامة الصفة مقام الموصوف، إنما يحسن في الصفات المحضة، كقولك جاءني العاقل ومررت بالظريف، ولا يحسن أيضاً في الصفة المحضة حتى تكون صفة مختصة بالموصوف، دالة عليه، وكلما ازدادت الصفة عموماً ضعف إحلالها محل موصوفها، فقولك: جاءني العاقل، أحسن من قولك: جاءني الطويل لأن العاقل يختص بالإنسان، ولا يختص به الطويل. وإذا لم تكن الصفة محضة، وكانت شيئاً ينوب مناب الصفة، من مجرور، أو جملة، أو فعل، لم يجز إقامتها مقام الموصوف. فلا يحسن أن تقول جاءني من بني تميم، وأنت تريد رجلاً من بني تميم، ولا لقيت يركب، وأنت تريد رجلاً يركب، وقد جاء من ذلك شيء قليل، لا يقاس عليه، أنشد سيبويه:
لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم
(3/68)

وقال النابغة:
كأنك من جمال بني أقيش يقعقع خلف رجليه بشن
أراد الأول: أحد يفضلها. وأراد الثاني جمل من جمال بني أقيش:
وأما تشبيه عبيد أمر بني أسد بأمر الحمامة، فتلخيصه أنه ضرب النشم مثلاص لذوي الحزم وصحة التدبير، وضرب الثمام مثلاً لذوي العجز والتقصير، فأراد أن ذوي العجز منهم شاركوا ذوي الحزم في آرائهم، فأفسدوا عليهم تدبيرهم، فلم يقدر الحلماء، على إصلاح ما جناه السفهاء، كما أن الثمام لما خالط النشم في بنيان العش، فسد العش وسقط، لوهن الثمام وضعفه، ولم يقدر النشم على إمساكه بشدتد وقوته ونظير هذا قول الآخر:
ولكن قومي عزهم سفهاؤهم على الرأي حتى ليس للرأي حامل
تظوهر بالعدوان، واحتبل بالغني، وشورك في الرأي الرجال الأماثل
(3/69)

وأنشد ابن قتيبة:
(37)
(أنا الذي سمتني أمي حيدره)
الرجز: لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قاله يوم خيبر. وبعده:
أضرب بالسيف رقاب الكفرة كليث غابات غليظ القصره
أكليكم بالسيف كيل السندرة
أراد: (أنا الذي سمتني أمي أسداً) فلم يمكنه ذكر الأسد، من أجل القافية، فذكر حيدره، لأنه اسم من أسمائه. وإنما قلنا ذلك، لأن أمة لم تسمه حيدرة، وإنما سمته أسداً.
قال أبو محمد بن قتيبة في شرح غريب الحديث: سألت بعض آل أبي طالب عن قوله:
أنا الذي سمتني أمي حيدره
فذكر أن أم علي، وهي فاطمة بنت أسد، ولدت علياً وأبو طالب غائب، فسمته أسداً باسم أبيها، فلما قدم أبو طالب كره هذا، الذي سمته أمه به، وسماه علياً، فلما كان يوم خيبر، رجز علي، ذكر الاسم الذي سمته به أمه فكأنه قال: أنا الأسد. والغابات: جمع غابة، وهي أجمة الأسد. والقصرة: أصل العنق.
(3/70)

وأنشده ابن قتيبة في شرح الحديث: (كريه النظرة)، وروى أيضاً:
أوفيهم بالصاع كيل السندرة
وفسر السندرة فقال: هي شجرة يعمل القسى والنيل. فيحتمل أن يكون مكيالاً يتخذ من هذه الشجرة، سمى باسمها، كما تسمى نبعة باسم الشجرة التي أخذت منها، قال: ويحتمل أن تكون امرأة كانت تكيل كيلاص وافياً، أو رجلاً.
وذكر أبو عمر المطرز في كتاب الياقوت أن السندرة امرأة.
وأنشد في باب المسمين بأسماء الهوام:
(38)
(مدراج شيئان لهن هميم)
هذا البيت لساعدة بن جؤية الهذلي، وصدره: (ترى أثره في جانبيه كأنه) وقوله:
فورك ليناً لا يثمثم نصله إذا صاب أوساط العظام صميم
قوله (فورك لينا): أي حمل عليهم سيفاً ابن المهز ليس بكز، فذلك أقطع له، ومن روى (يثمثم) بفتح الثاء أراد: لا يرد ولا يمنع عما يقوم به، وهو نحو قولهم: (سبق السيف العدل)، ونحو قول طرفة:
(3/71)

أخي ثقة لا ينثنى عن ضريبة إذا قيل مهلاً قال حاجزه قدي
ومن روى (يثمثم) بكسر الثاء، جعل الفعل للسيف. ومعناه: لا يتعتع ولا يتوقف في الضريبة. وصاب وأصاب: بمعنى واحد، وصميم: مصمم. وأثره: فرنده. والمدارج: الطرق التي تدرج فيها، أي تدب: والهميم: الدبيب. شبه فرند السيف بطرق الشبئان إذا دبت، كما قال الآخر:
وصقيل كأنما درج النم ل على متنه لرأي العيون
والقول في قوله (لهن هميم) كالقول في قول ابن ميادة- (له بعد نومات العيون أليل) وقدم تقدم ذكره.
وأنشد في باب المسمين بالصفات وغيرها:
(39)
(ونحن حفزنا الحوفزان بطعنة سقنه نجيعا من دم الجوف أشكلا)
البيت: لسوار بن حبان المنقري، يفتخر بطعن الحوفزان، واسمه الحارث ابن شريك الشيباني، ولم يكن سوار الحافز له، وإنما الحافز له قيس بن عاصم المنقري
(3/72)

في يوم جدود وذلك أن الحارث كان رئيس بني شيبان في هذا اليوم، فلما انهزمت بنو شيبان، أدرك قيس بن عاصم المنقري الحارث، فقال: أستأسر يا حارث لخير آسر. فقال الحارث ما شاء الزند. والزند اسم فرسه، فلما رآه لا يستأمر وخشي أن يفوته ذرقه بالرمح ذرقة أصابت خُرابة وركه، وهجمت على جوفه وأفلت الحارث مطعوناً، ففخر بذلك سوار، فقال: (ونحن حفرنا الحوفزان)، وبعده:
وحُمران أدته إلينا رماحنا فعالج غلا في ذراعيه مقفلا
فمالك من أيام صدق تعدها كيوم جواثى والنباج وثيتلا
فلست بمسطيع السماء ولن ترى لعزٍّ بناه الله فوقك منقلا
والنجيع الدم: الطرى. فإذا يبس قيل له: جسد. وقيل النجيع دم الجوف خاصة، والأشكل الذي يخالطه بياض من الزبد.
...
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(40)
(فألفاهم القوم روبى نياما)
هذا البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي، وصدره:
فأما تميمٌ تميم بن مرٍّ
(3/73)

قال هذا الشعر في إيقاع بني أسد بني تميم بالجفار، وبني عامر يوم النسار، ولذلك قال في الشعر:
ويوم النسار ويوم الجفا ر كانوا عذابا وكانوا غراماً
فأما تميم تميم بن مر فألقاهم القوم روبى نياما
وأما بنو عامر بالنسار غداة لقونا فكانوا نعاما
واختلف في قوله روبى، فقال أبو عبيدة: معنى روبى: خثراء الأنفس مختلطون. والخثراء: الكسالى، وروى مثل ذلك عن أبي الحسن الأخفش. وقال ابن الأعرابي: مسنى روبى: لم يحكموا أمرهم. وهو نحو قول أبي عبيدة والأخفش. وقال أبو عمرو الشيباني في نوادره: روبت إبل بني فلان: أعيت، وروب القوم: أعيو، ورجل رائب: معي. وأنشد هذا البيت:
وقال أبو علي البغدادي يقال. رجل رائب: إذا سكر من النوم، وقد راب يروب روبا. وبعضهم يقول: أروب، وقوم روبى. وحكى ابن قتيبة عن بعض المفسرين أنه قال الروبي السكارى من اللبن الرائب. وأنكره في كتاب المعاني، وقال: ليس هذا القول بشيء.
(3/74)

وأنشد ابن قتيبة، في باب صفات الناس:
(41)
(وبات شيخ العيال يصطلب)
البيت: للكميت الأسدي، وهو الكميت بن زيد، ويكنى أبا المستهل، وصدر هذا البيت:
واحتل برك الشتاء منزله
والبرك: الصدر، وحقيقته: أنه الموضع الذي يبرك عليه البعير من صدره، ثم سمى الصدر بركاً، ولا برك للشتاء، وإنما هو مثل. أراد: أن الشتاء لزم منزله، كما يلزم البعير مبركه، وإذا ذكروا الشتاء في مثل هذا، فليسوا يريدون الشتاء بعينه، إنما يريدون ما فيه من الضيق وشظف العيش، وهذا المعنى أراد الخطيئة بقوله:
إذا نزل الشتاء بجار قوم تجنب جار بيتهم الشتاء
والشتاء نفسه لا يقدر أحد على الامتناع منه. وقوله (وبات شيخ العيال يصطلب) أي يجمع عظام الجزر التي ينحرها أهل الثروة والغناء، ويطبخها ليأتدم بما يخرج من ودكها، لشدة الزمان، وضيق المعيشة عليه.
وأنشد في هذا الباب:
(42)
(ترى لعظام ما جمعت صليبا)
(3/75)

البيت: لأبي خراش الهذلي، واسمه: خويلد بن مرة، وهو أحد من شهر بكنيته دون اسمه، يصف عقاباً. وصدر البيت:
(جريمة ناهض في رأس نيق)
وقبله:
كأني إذ عدوا ضمنت بزي من العقبان خائتة طلوبا
يقول: كأني لسرعتي في العدو، ألبست بزي عقابا خائتة، وهي المنقضة من الجو على الصيد لتأخذه. والطلوب: التي تطلب الصيد. والبزههنا: السلاح. والجريمة التي تكسب لفرخها القوت، وتجمعه له. والناهض: الذي قد قوى على النهوض واشتد. والنيق: الشمراخ من الجبل. والصليب: الودك. يريد: أنها تأتي بما تصطاد من الطير وغيرها إلى فرخها، فياكله، وتبقى عظامه يسيل منها الودك، لما يصيبها من حر الشمس.
وأنشد في باب معرفة في السماء والنجوم، لهند بنت عتبة:
(43)
(نحن بنات طارق نمشي على النمارق)
هذا الشعر لهند بنت عتبة، قالته يوم بدر تحرض المشركين على قتال النبي صلى الله عليه وسلم. وبعده:
(3/76)

المسك في المفارق والدر في المخانق
إن تقبلوا نعانق أو تدبروا نفارق
ونفرش النمارق فراق غير وامق
وهذا الشعر ليس لهند بنت عتبة، وإنما تمثلت به، وإنما الشعر لهند بنت بياضة بن رياح بن طارق الإيادي، قالته حين لقيت إياد جيش الفرس بالجزيرة، وكان رئيس إياد يومئذ بياضة بن رياح طارق الإيادي، وقع ذلك في شعر أبي داود الإيادي. وذكر أبو رياش وغيره أن بكر بن وائل لما لقيت تغلب يوم قضة، ويسمى يوم التحليق، ويوم التحاليق أقبل الفند الزمان وكان معه بنتان بذيتان جريئتان فتكشفت إحداهما تحرض الناس وتقول:
وعى وعى حر الجلاد والتظى وملئت منه الصحارى والربا
يا حبذا المحلقون بالضحا
وجعلت الأخرى تقول:
نحن بنات طارق نمشي على النمارق
(3/77)

الشعر. (فطارق) على رواية من روى هذا الشعر لهند بنت عتبة أو لبنت الفند الزماني: تمثيل واستعارة، لا حقيقة. إنما شبهت أباها بالنجم الطارق، في شرفه وعلوه. وعلى رواية من رواه لهند بنت بياضة بن رياح بن طارق: حقيقة، ليس باستعارة، لأن طارقا كان جدها، والأظهر من هذا أن الشعر لهند بنت بياضة، وإنما قاله غيرها متمثلاً. ويروى (بنات) بالرفع و (بنات) بالنصب. فمن رفعه فعلى خبر المبتدأ. ومن نصبه فعلى المدح والتخصيص، ويكون الخبر قولها (نمشي على النمارق) ومثله ما حكاه سيبويه من قولهم: نحن العرب أقوى الناس للضيف. ومثله قول نهشل بن حرى:
إنا بني نهشل لا ندعي لأب عنه، ولا هو بالأبناء يشرينا
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(44)
(أراقب لوحاً من سهيل كأنه إذا بدا من آخر الليل يطرف)
البيت لجران العود النميري، وجران العود: لقب غلب عليه، لقوله:
خذا حذرا يا خلتي فإنني رأيت جران العود قد كان يصلح
فشهر بذلك حتى صار اسمه مجهولاً، لا يكاد يعرف. والعود: الجمل المسن. وجرانه: باطن عنقه، وكان اتخذ منه سوطاً ليضرب به زوجتيه. ويروى: (يا حنتي) وحنة الرجل: زوجته سميت بذلك، لأنها تحن إليه ويحن إليها،
(3/78)

وأما الخلة فهي: الصديقة، وتسمى الزوجة خلة أيضاً. وبعد قوله (أراقب لوحاً):
يعاوض عن مجرى النجوم وينتحى كما عارض الشول البعير المؤنق
بدا لجران العود والبحر دونه وذو حدب من سر وحمير مشرف
اللوح: الظهور. يقال لاح النجم: إذا تلألأ. وشبه سهيلا لحركته واضطرابه، بعين تطرف: أي تحرك أجفانها. قال أبو حاتم: سهيل، كوكب يطلع في آخر الليل، فلا يمكث إلا قليلاً حتى يغيب، وهو يطرف كما تطرف العين، لقربه من الأفق. (وقوله يعارض عن مجرى النجوم): يريد أنه لا يقطع السماء، كما تقطعها النجوم، فيطلع عن يسار قبلة العراق، ويرتفع قليلاً، ثم ينحط راجعاً. والشول: الإبل التي جفت ألبانها، وجفت ضروعها. والبعير المؤنف الذي يضم إلى الإبل وليس منها، فهو يعتزلها ويرعى في ناحية عنها، ولا يختلط بها، فشبه سهيلا به لميله عن مجرى النجوم، ولذلك قال الراجز:
إذا سهيل لاح كالوقود فردا كشاة البقر المطرود
وقوله (وذو حدب) يعني البحر. والحدب: الموج، وسرو حمير: أعلى بلادها. كذا فسروا هذا البيت وهو عندي غير صحيح، لأنه قد ذكر البحر، فلا وجه لذكره مرة ثانية، وإنما أراد (بذي حدب) موضعاً مرتفعاً بين بلاد
(3/79)

حمير، والحدب ما أشرف من الأرض. قال الله تعالى: (وهم من كل حدب ينسلون):
وأنشد:
(45)
(كثور العداب الفرد يضربه الندى تعلى الندى في متنه وتحدرا)
البيت: لعمرو بن أحمر بن فراص الباهلي، وهو أحد العور الخمسة، من شعراء قيس، فيما ذكر ابن دريد. وقبل هذا البيت:
فلما غسا ليلى وأيقنت أنها هي الأربى جاءت بأم حبوكرا
فزعت إلى القصواء وهي معدة لأمثالها عندي إذا كنت أوجرا
قال هذا الشعر حين هرب من يزيد بن معاوية، وكان اتصل به عنه: أنه هجاه، فطلبه ففر. ومعنى (غسا) أظلم. والأربى، وأم حبوكر، وأم حبوكري:
(3/80)

من أسماء الدواهي. والقسواء: اسم ناقته. والقصواء من الإبل: المقطوعة طرف الأذن والأوجر والأوجل: الخائف. يقال: وجرت منه ووجلت: إذا خفت. وقوله (كثور العداب) شبه ناقته بثور وحشي، في نشاطها وقوتها وسرعتها. والعداب: منقطع الرمل، حيث يذهب معظمه، ويفضى إلى الجدد، وخصه لأن بقر الوحش تألفه لخصبه، وخوفاً من القانص، فإذا فاجأها القانص، اعتصمت بركوب الرمل، فلا تقدر الكلاب عليها ولذلك قال العجاج:
يركب كل ما قر جمهور مخافة وزعل المحبور
والهول من تهول الهبور حتى احتداه سنن الدبور
وقاله (يضربه الندى): يريد أنه في سلوة من العيش وخصب، فهو أقوى له. ويحتمل أن يريد أنه بات والمطر يضر به، كما قال النابغة:
أو ذو وسوم بحوضي بات منكرساً في ليلة من جمادى أخضات ديما
وقوله: (تعلى الندى في متنه وتحدرا): يقول: سمن أعلاه وأسفله. والندى، ههنا: الشحم، سمى ندى لأنه عن الندى يكون وهو النبات، وسمى النبات ندى: لأنه عن المطر يكون وهذا يسمى التدريج. ومعناه: أن يدرج
(3/81)

الشيء من حال إلى حال، فيسمى الشيء باسم ما هو سبب له، فمنه ما يسمى بالسبب الأقرب، ومنه ما يسمى بالسبب الأبعد. فما سمي بالسبب الأقرب قولهم للقوة طرق، لأنها تكون على الطرق، وهو الشحم، ومما سمي بالسبب الأبعد قوله تعالى {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ} ولم ينزل الله تعالى اللباس بعينه، وإنما أنزل المطر، فأنبت النبات، ثم رعته البهائم فصار صوفاً وشعراً عليها، ثم غزل الصوف، ونسج الشعر، فاتخذ منها اللباس. فالمطر: سبب للباس، ولكنه سبب بعيد منه، لأن بينه وبين اللباس مراتب كثيرة، ونحو قول الراجز:
الحمد لله العزيز المنان صار الثريد في رؤوس العيدان
يعني: السنبل، وبينه وبين الثريد مراتب كثيرة، والكاف في قوله (كثور العداب): يجوز أن يكون في موضع رفع على ضمير مبتدأ مضمر كأنه قال: هي كثور العداب. ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من القصواء، أو من ضميرها. وقوله (يضربه الندى) وقوله: (تعلى الندى): جملتان في موضع نصب على الحال من الثور، والعامل فيهما معنى التشبيه.
(3/82)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(46)
(إذا سقط السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا)
البيت: لمعاوية بن مالك بن جعفر بن كلاب، ويسمى معود الحكماء لقوله في هذه القصيدة:
سأعقلها وتحملها غني وأورث مجدها أبداً كلابا
أعود مثلها الحكماء بعدي إذا ما الحق في الحدثان نابا
وقوله (إذا سقط السماء بأرض قوم): يقول: إذا نزل المطر بأرض قوم، فأخصبت بلادهم، وأجدبت بلادنا، سرنا إليها، فرعينا نباتها، وإن غضب أهلها لم نبال بغضبهم، لعزنا ومنعتنا. ومثله قول أبي الغول:
ولا يرعون أكناف الهويني إذا حلوا ولا روض الهدون
(3/83)

وقوله (رعيناه): أراد: رعينا نباته، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وبعد هذا البيت:
بكل مقلص عبل شواه إذا وضعت أعنتهن ثابا
ودافعة الحزام بمرفقيها كشاة الربل آنست الكلابا
وأنشد في هذا الباب:
(47)
(إن ديموا جاد، وإن جادوا وبل)
وشرح ابن قتيبة هذا البيت في غريب الحديث، فذكر أنه يمدح رجلاً، ويفضله على غيره في الكرم. وقال غيره: هذا غلط. إنما يمدح فرساً والدليل على ذلك قوله قبل هذا البيت:
أنا الجواد ابن الجواد ابن سبل
(3/84)

وسبل: فرس عتيق، تنسب إليه الخيل العتاق، كما تنسب إلى الوجيه ولاحق. وكان سبل لغني، وقيل لبني جعدة، وقد ذكره النابغة الجعدي في قوله:
وعناجيج جياد نجب نجل فياض ومن آل سبل
والضمير في قوله: جادوا. يرجع إلى أرباب الخيل المتسابقين. أرد: إن جاء أصحاب الخيل يجري يشبه الديمة، جاء هذا الفرس يجري يشبه الجود، وإن جاءوا بجري يشبه الجود، جاء بجري يشبه الوابل. والديمة: مطر يدوم في سكون، فإذا زاد وقوي وقعه، قيل له جود، فإذا أفرط وعظم فطره، قيل له وابل. وفي قوله (ديموا) شذوذ وخروج عن النظائر، وذلك أن الديمة أصل
(3/85)

الياء فيها واو، لأنها مشتقة من الدوام، ولكن الواو لما سكنت وانكسر ما قبلها قلبت ياء، فكان ينبغي حين ذهبت الكسرة الموجبة لانقلاب الواو؛ أن ترجع إلى أصلها، فيقول: (دوموا) كما أن من قال: قيل إذا بنى منه فعل قال: قول ولكن هذا من البدل الذي يلتزمونه. مع ذهاب العلة الموجبة له، وقد جاءت من ذلك ألفاظ تحفظ ولا يقاس عليها، كقولهم: عيد وأعياد، وريح وأرياح في لغة بني أسد، وغيرهم يقول (أرواح) على القياس.
وأنشد في باب ذكور ما شهر منه الإناث:
(48)
(أرب يبول الثعلبان برأسه لقد هان ما بالت عليه الثعالب)
البيت: لغاوي بن ظالم السلمي. ويروى لأبي ذر الغفاري. ويروى للعباس ابن مرداس السلمي. ورواه جمهور اللغويين (الثعلبان) كما روى ابن قتيبة ورواه أبو حاتم الرازي في كتاب الزينة (الثعلبان) بفتح الثاء واللام وكسر النون، تثنية ثعلب. وذكر أن بني سليم كان لهم صنم يعبدونه، وكان له سادن يقال له غاو، والسادن: خادم الأصنام، فبيتا هو ذات يوم جلس أقبل ثعلبان يشتدان، نشغر كل واحد منهما رجله، وبال على الصنم، فقال: يا بني سليم، والله ما يضر ولا ينفع، ولا يعطى ولا يمنع. ثم قال البيت، وكسر الصنم: وأتى النبي
(3/86)

صلى الله عليه وسلم فأسلم. فقال: من أنت؟ فقال: غاوي بن ظالم، فقال له: لا. أنت راشد بن عبد ربه. فهذا الخبر يوجب أن يكون (ثعلبان) على التثنية.
وأنشد في هذا الباب:
(49)
(لترتحلن مني على ظهر شيهم)
البيت: لأعشى بكر: يخاطب به جهنام بن عبيد الله بن المنذر، وكانت بينهما مهاجاة، فجمع بينهما، واجتمع حولهما الناس لينظروا من الغالب منهما، فلذلك قال في هذا الشعر:
دعوت خليلي مسحلاً ودعوا له جهنام جذعا للهجين المذمم
فإني وثوبي راهب اللج والتي بناها قصي وحده وابن جرهم
لئن جد أسباب العداوة بيننا لترتحلن مني على ظهر شيهم
يقول: لئن تمادت العداوة بيننا واتصلت، لترتحلن مني وقد حملتك على أمر صعب، لا قرار لك عليه، كما لا قرار لمن ركب على ظهر القنفذ. وهذا قول نحو قول الأخطل:
لقد حملت قيس بن عيلان حربنا على يابس السيساء محدودب الظهر
(3/87)

ومسحل: اسم شيطان الأعشى. ويروى: (جهنام) بضم الجيم والهاء، و (جهنام) بكسرهما، ولا موضع لمن من قوله (مني) لتعلقها بالظاهر. وأما (على) فلها موضع، لتعلقها بمحذوف، وهي في موضع نصب على الحال من الضمير في (ترتحلن) كأنه قال: راكباً على ظهر، أو محمولاً، أو نحو ذلك.
وأنشد في باب ما يعرف جمعه ويشكل واحده:
(50)
(ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل وما لومى أخي من شماليا)
هذا البيت: لعبد يغوث بن وقاص الحارئي: وكان أسر يوم الكلاب، أسرته تيم الرباب، وكانوا يطلبونه بدم رجل منهم، يقال له النعمان بن جساس، فعلم أنه مقتول لا محالة، فقال هذا الشعر ينوح به على نفسه وأوله:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا فما لكما في اللوم خير ولا ليا
ألم تعلما أن الملامة نفعها قليل وما لومى أخى من شماليا
فيا راكبا إما عرضت فبلغن نداماي من نجران أن لا تلاقيا
وأنشد أبو علي الفارسي (وما لومى أخي من شماليا) في الإيضاح، وذكر أنه لجرير، وهو غلط.
وأنشد في باب معرفة في الخيل:
(51)
(ويخرجن من مستطير النقع دامية كأن آذانها أطراف أقلام)
(3/88)

البيت لعدي بن الرقاع العاملي، يصف خيلاً. والنقع: الغبار. ومستطيرة ما طار منه وارتفع. وقوله (كأن آذانها أطراف أقلام): جملة في موضع نصب على الحال، من الضمير في يخرجن، كأنه قال: مشبهة آذانها أطراف أقلام.
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(52)
(مضبر خلقها تضبيراً ينشق عن وجهها السبيب)
البيت لعبيد بن الأبرص الأسدي وقبله:
فذاك عصر وقد أراني تحملني فهدة سرحوب
والمضبر: المدمج الشديد. والسبيب: شعر الناصية يريد أن شعر ناصيتها كثير منتشر على وجهها كما قال امرؤ القيس.
وأركب في الروع خيفانة كما وجهها سعف منتشر
وخلقها يرتفع على وجهين أحدهما أن يكون مبتدأ، ومضبر خبره، والثاني أن يكون مضبر صفة لهذه وخلقها مفعول لم يسم فاعله.
وأنشد في هذا البيت:
(53)
(ليس بأسفى ولا أقنى ولا سغل)
(3/89)

البيت لسلامة بن جندل السعدي وتمامه:
يسقى دواء قفى السكن مربوب
الأسفى: الخفيف الناصية. وقال ابن الأعرابي هو الذي تعتليه شعرة من غير شيته الغالبة عليه. قال: وهذه هجة فيه إذا لم يخلص لونه بلون مصمت، فيكون أشهب مصمتاً، أو أدهم كذلك. قال: وإذا كان أقنى ضاق منخره عن نفسه، فلذلك كره القنا في الخيل، والقنا: أحد يداب الأنف. والسغل والصغل (بالسين، والصاد: السيء الغذاء. والسغل: المهزول أيضاً وقوله: يسقى دواء قفى السكن: الدواء: ما يداوي به الفرس ليضمر، قال متمم بن نويرة يصف فرساً:
داويته كل الدواء وذدته بذلاكما يعطى الحبيب الموسع
والذواء في هذا البيت: مكسور الدال، لأنه مصدر لقوله داويته ومعناه داويته كل المداواة. ومن فتح الدال فقد غلط. والدواء أيضاً: اللبن، وكانوا يسقون خيلهم الألبان، سمي دواء لأنه قوام الأبدان، وصلاح لها. هذا قول ابن الأعرابي والقفى، الطعام يؤثر به رب المنزل والضيف، وهو القفيه أيضاً والسكن: أهل المنزل، أي يؤثرونه بما عندهم من خيار الطعام، لنفاسته عندهم، كما قال شمعلة ابن الأخضر يصف الحيل:
نوليها الحليب إذا شتونا على علاتنا ونلي السمارا
(3/90)

يقول: نسقيها اللبن المحض، ونشرب نحن السمار، وهو اللبن الممذوق بالماء. والمربوب: الذي يربى في البيوت، ولا يترك أن يزول لكرامته على أهله.
وذهب أبو علي الفارسي في قوله (مربوب) إلى أنه مخفوض على الجوار. وغيره يقول إنه مخفوض على الصفة للفرس المذكور قبل هذا البيت لأنه قال قبله:
والعاديات أسابى الدماء بها كأن أعناقها أنصاب ترجيب
من كل حت إذا ما ابتل ملبده صافى الأديم أسيل الخد يعبوب
فمربوب صفة لحت والحت: السريع، وكذلك العيوب. والتقدير من كل حت يعبوب مربوب. والملبد: موضع اللبد من ظهره. والأنصاب حجارة كانوا يذبحون عليها ما يقربونه للأصنام. شبه أعناق الخيل بها لما عليها من الدم. والترجيب: التعظيم والأسابي: طرائق الدم.
وأنشد في هذا الباب:
(54)
(جاءت به معتجرا ببرده سفواء تردى بنسيج وحده)
الشعر لجرير، قاله في المهاجر بن عبد الله صاحب اليمامة. والمعتجر: الملنف والاعتجار: لف العمامة على الرأس دون تلج، والاعتجار: إدارة المرأة المعجر على رأسها ووجهها.
(3/91)

وقال أبو حاتم لا يقال للثوب برد حتى يكون فيه وشى. وقال الخليل: البرد: ثوب من ثياب العصب والوشى، وأما البردة بالهاء فكساء كانت العرب تلتحف به، ولذلك قال حبيب:
فهم يميسون البخترية في بروده والأنام في برده
يقول: هم يختالون في برود المديح أي في جدده، والناس في برده، جمع برد، أي في ثياب خلقه. وأراد بالسفواء بغلة خفيفة الناصية. كذا قال أبو عبيدة، وكان يقول: السفاء مكروه في الخيل، ومحمود في البغال والحمير، ويحتج بهذا البيت.
وكان الأصمعي يرد ذلك ويقول: إنما أراد بالسفواء بغله سريعة، لا خفيفة الناصية. وقد ذكرت هذا في الكتاب الثاني بأكثر من هذا التفسير والرديان: سير سريع.
وأنشد في هذا الباب:
(55)
(لها جبهة كسراة المجن)
(3/92)

وبقية البيت: (حذقه الصانع المقتدر)
هذا البيت يروى لامرئ القيس بن حجر، وكان الأصمعي يرويه عن أبي عمرو بن العلاء لرجل من النمر بن قاسط، يقال له ربيعة بن جشم، وهو الصحيح. والمجن: الترس، وسراته: ظهره. ومعنى (حذقه): سواه بحذق ومهارة، محكم الصنعة، والمقتدر: الحاذق بالعمل، القادر عليه، والكاف من قوله (كسراة): لها موضع من الإعراب لأنها في تقدير الصفة للجبهة، وحذقه الصانع: جملة في موضع الحال من المجن، والتقدير قد حذقه، وإنما احتيج إلى إضمار قد لأنها تقرب الماضي من الحال والعامل في هذه الحال معنى التشبيه، الذي دلت عليه الكاف، ولا موضع لهذه الجملة على قياس قول الكوفيين، لأنهم يجعلونها صلة للمجن، ويجيزون وصل الألف واللام مع غير الصفات، ولا يجيزه البصريون.
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(56)
(طويل طامح الطر ف إلى مفزعة الكلب)
(حديد الطرف والمنك ب والعرقوب والقلب)
(3/93)

هذا الشعر يروي لأبي داود الإيادي، واسمه: حنظلة بن الشرفي، فيما ذكر الأصمعي. وقال: غيره: اسمه جارية بن الحجاج. وزعم أبو عبيدة أن هذا الشعر لعقبة بن سابق الهزاني، ويروى برفع طويل وحديد وطويل وخفضهما، فمن خفضهما جعلهما صفتين للفرس المذكور قبلهما، لأن قبل هذين البيتين:
وقد أغدو بطرف هي كل ذي ميعة سكب
أشم سلجم المقب ل لا شخت ولا جأب
ومن رفع فعلى خبر مبتدأ مضمر. والطامح: المرتفع المشرف، يقال: طمح ببصره إلى الشيء، والمفزعة مكان الفزع. وقال الأصمعي: أراد: يطمح ببصره إلى حيث يفزع الكلب إلى الصيد، يصفه بالنشاط. وقال غير الأصمعي: إنما أراد أن الكلب إذا فزع من أمر ينكره نبح، وتشوف ونظر إلى مكانه، توقعا للركوب لحدة نفسه. والأشياء التي تستحب حدتها من الفرس ثلاثة عشر: الأذنان، والعينان، والقلب، والعرقو بأن، والمنجمان، وهما عظمان في الكعبين متقابلان، والكتفان، والمنكبان. ذكر أبو داود منها سبعة: العينين، والمنكبين، والعرقوبين، والقلب، ولم تمكنه التثنية فذكر أحد العضوين وهو يريدهما معاً، ونحو من هذا قول عبد الغفار الخزاعي يصف الفرس:
حدت له تسعة وقد عريت مسع ففيه لمن رأى منظر
(3/94)

فذكر تسعة، ولم يذكر سائر ما يستحب فيه الحدة. والطرف: الفرس الكريم الطرفين، والهيكل: الضخم. والميعة: النشاط، والسكب: الذي يسكب الجري كما يسكب المطر، والأشم: المرتفع، والسلجم: الطويل. ويعني بالمقبل: رأسه وعنقه، والشخث: الرقيق. والجاب: الغليظ الجافي الخلق.
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(57)
(ولما أن ارأيت الخيل فبلاً تبارى بالخدود شبا العوالي)
في هذا البيت غلط من وجهين: أحدهما أنه روى عنه رأيت بضم التاء، وإنما هو رأيت بفتحها، والثاني أنه نسبه إلى الخنساء وإنما هو لليلى الأخيلية قالته في قابض بن أبي عقيل وكان فرعن توبة يوم قتل، في شعر يقول فيه:
ولما أن رأيت الخيل قبلا تبارى بالخدود شبا العوالى
نسيت وصاله وصددت عنه كما صد الأثرب عن الظلال
ألم تعلم- جزاك الله شرا- بأن الموت منهاة الرجال
فلا والله يا ابن أبي عقيل تبلك بعدها عندي بلال
وقولها (تبارى بالخدود شبا العوالي) يريد أن أعناقها طوال، فخدودها تبارئ أطراف الرماح إذا مدها الفرسان، ومثله قول امرئ القيس:
يبارى شباة الرمح خد مذلف كصفح السنان الصلبي النحيض
(3/95)

والمباراة: المعارضة. والعوالي: صدور الرماح. واحدها: عالية. وشبا كل شيء: حده، وبلال اسم مبني على الكسر بمنزلة حذام وقطام، أرادت به صلة الرحم من قولهم: بل رحمه: إذا وصلها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (بلوا أرحامكم ولو بالسلام). ومعناه: لا تصلك بي رحم بعد خذلانك توبة، وإنما قالت له هذا لأنه كان ابن عمها.
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(58)
(لها منخر كوجار السباع فنمه تريح إذا تنبهر)
البيت لامرئ القيس بن حجر. وذكر أبو عمرو بن العلاء والأصمعي أنه لرجل من النمر بن قاسط، يقال له ربيعة بن جشم. والوجار والوجار (بفتح الواو وكسرها): حجر الضبع، شبه به منخرها لسعته. وفي المنخر لغات: يقال: منخر (بفتح الميم وكسر الخاء) ومنخر (بكسرهما) ومنخر (بكسر الميم وفتح الخاء) ومنخور بضم الميم على مثال مفقور ونخرة على وزن ظلمة، ونخرة على وزن رطبة وقال قوم: النخرة والنخرة: طرف الأنف. ومعنى تريح تستنشق الريح تارة، وترسلها تارة، والانبهار والبهر: ضيق النفس عند الجري والتعب.
(3/96)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(59)
(هريت قصير عذار اللجام أسيل طويل عذار الرسن)
هذا البيت وجدته منسوباً إلى تميم بن أبي بن مقبل، وقبله:
بنهد المراكل ذي ميعة إذا الماء من جانبيه سخن
ولم يقع هذا البيت في رواية أبي حاتم. فيجوز في هريت على هذا الخفض على الصفة، والرفع على القطع، وهو أمدح. والهريت: الواسع شق الفم، مأخوذ من هرت الثوب، وهردة: إذا خرقه. والأسيل الذي في خده طول وملاسة. والنهد: الغليظ. والمراكل: مواضع عقبى الفارس من جنبي الفرس، وإنما هما مركلان، فوضع الجمع موضع التثنية، كما يقال: رجل عظيم المناكب، وإنما له منكبان. والميعة: النشاط. وأراد بالماء: العرق. ويقال سخن الماء وسخن (بفتح الخاء وضمها).
وأنشد في هذا الباب:
(60)
(وهي شواء كالجوالق فوها مستجاف يضل فيه الشكيم)
(3/97)

الشعر لأبي دواد الإيادي، وفي الشوهاء ثلاثة أقوال: قال الخليل: هي الطويلة الرأس، الواسعة الفم والمنخرين، وقال أبو عبيدة: هي المفرطة رحب الشدقين والمنخرين، والجمع شوه ولا يقال للذكر أشوه، وقال المنتجع بن نبهان: هي الرائعة (في الحسن) ومنه قولهم: لا تشوه على: إذا قال ما أحسنك، أي لا تصبني بالعين.
ووجدت في شعر أبي داود: الشوهاء: الحديدة النفس. وإذا وصف بالشوهاء غير الفرس، فإنما يراد بها القبيحة. والجوالق: العدل. شبه به فاها في عظمه. والمستجاف: العظيم الجوف، وقوله: (يضل فيه الشكيم): أي يتلف، من قولهم ضل الشيء إذا تلف. وأما إعرابه فإن قوله (فوها): مرتفع بالابتداء، و (مستجاف): خبره. والكاف في قوله (كالجوالق): صفة لمصدر محذوف، كأنه قال: فوها مستجاف استجافة كاستجافة الجوالق، فحذف المصدر، وأقام صفته مقامه، وحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه أيضاً، ففيه على هذا نوعان من المجاز: حذف المضاف، وحذف الموصوف.
ونظيره من مسائل النحو زيد مضروب كعمرو، أي ضربا كضرب عمرو، ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يكون (مستجاف) خبرا، وكالجوالق خبر آخر، فيكون للمبتدأ خبران، أي قد جمع فوها أنه مستجاف، وأنه كالجوالق. وبعد هذا البيت:
(3/98)

رهل زورها كان قراها مسد شد متنه التبريم
فرشت كبدها على الكبد السف لى جميعا كأنها فرزوم
الزهل: المسترخى الجلد اللين. والقرا: الظهر. والمسد: الحبل. والتبريم: الإبرام والإحكام. والفرزوم: خشبة الحذاء التي يحذر عليها: وكان ابن دريد يقول: قرزوم، بالعاف.
وأنشد في هذا الباب:
(61)
(كأن على أعطافه ثوب مائح وإن يلق كلب بن لحييه يذهب)
البيت: لطفيل الغنوي. وهو طفيل بن عوف بن ضبيس، وقال ابن قتيبة: هو طفيل بن كعب، ويكنى أبا قران. وكان يسمى المحبر لحسن شعره.
وقوله (كأن على أعطافه ثوب مائح): يريد جوانبه. وإنما له عطفان، ولكنه أخرج التثنية مخرج الجمع: كما قالوا رجل عظيم المناكب، وإنما له منكبان. والمانح: الذي ينزل في البئر إذا قل ماؤها، فيملأ الدلو، وفعله: ماح يموح ميحا، ويقال للذي يقف في أعلى البئر فيجذبها، ماتح، وفعله: متح يمتح متحا. فإذا جذب الماتح الدلو ليخرجها، سقط ما يتطاير من مائها على الماتح فابتل ثوبه، فأراد طفيل أن الفرس عرق، فكأنه ليس ثوب ماتح. واللحيان: عظما
(3/99)

الشدقين. فيقول: لو ألقى فيه كلب لغاب، لسعته وعظمه "وخص بالكلب لملازمته لهم، وصحبته إياهم في الحضر والسفر. وقبل هذا البيت:
كان رعال الخيل لما تبادرت بوادي جراد الهبوة المنصوب
يبادرن بالفرسان كل ثنية جنوحا كفراط القطا المتسرب
وعارضتها رهواً على متتابع شديد القصيري خارجي محنب
الرعال: الجماعات. واحدتها: رعلة. وبوادي الجراد: أوائلها وسوابقها، وقيل: هي المجتمعة. والفراط: المتقدمة. والمتسرب: الذي يمضي سربة سربة، أي قطعة قطعة. والرهو: السير السهل. والمتتابع: الذي يتتابع خلقه في الجودة أي اتسق واطرد، فليس فيه عضو يستقبح ويخالف غيره. والقصيري: الضلع التي في آخر الأضلاع، وأراد هاهنا الخاصرة كلها، والخارجي: الذي خرج بنفسه، وشرف بها، وقد فسر ابن قتيبة المجنب والمحنب.
(3/100)

وأنشد في هذا الباب:
(62)
(ملاعبة العنان بغصن بان إلى كتفين كالقتب الشميم)
هذا البيت لخالد بن الصقعب النهدي ذكر ذلك المفضل، وبعده:
كأن قطاتها كردوس فحل مشمرة على ساقي ظليم
وتشبع مجلس اللحيين لحما وتبقى للإماء من الوزيم
قوله (ملاعبة العنان): يريد أن عنقها لينة غير كزة، كأنها غصن بان، فهي تلاعب عنانها، وتطوى عنقها كيف شاءت. وقد أفرط أبو الطيب المتنبي في هذا المعنى، فقال يصف مهره:
يحك أني شاء حك الباشق
وشبه كتفيها في ارتفاعهما بالقتب، وهو الإكاف. والشميم: المرتفع. وقياسه أن يكون فعيلاً بمعنى مفعل من قولهم أشم الرجل: إذا رفع رأسه متكبراً،
(3/101)

وأشم بأنفه، وأشم البعير؛ ولا يجوز أن يكون من الشمم، لأن فعله شم يشم كقولك عض يعض، ولا يستعمل منه فاعل ولا فعيل وإنما تأتي الصفة منه على (أفعل وفعلاء) فيقال: أشم وشماء. والقطاة: الكفل. وكل ملتقى عظمين فهو كردوس. والوزيم: اللحم المملوح، عن المفضل. وقوله (إلى كتفين): إلى متعلقة بمحذوف كأنه قال مفض إلى كتفين، فهي في موضع الصفة لغصن، ويجوز أن تكون بمعنى (مع) كأنه قال: مع كتفين.
وأنشد في هذا الباب:
(63)
(وكاهل أفرع فيه مع الإفراع إشراف وتقبيب)
ذكر ابن قتيبة أن هذا البيت للضبي، ولا أعلم من هو؟ ولا ما يتصل به من الشعر، وفيه روايتان: (تقتيب) وهو تفعيل من القبة، كأنه شبه إشرافه بإشراف القبة. و (تقتيب)، وهو تفعيل من القتب، وهو الإكاف. شبهه لأن فيه إشرافاً. والإفراع: الإشراف، والإفراع: الطول. وقد كان يغنيه
(3/102)

ذكر الإفراع عن ذكر الإشراف، فمن الناس من يرى أنه جاء على جهة التأكيد والمبالغة، كما قال امرؤ القيس: (أمق الطول لماع السراب).
فجعل طوله طويلاً مبالغة في وصفه بالطول. وهذا على قول من يرى أن الحارك والكاهل سواء. وأما من جعل الكاهل مقدم الظهر، وجعل الحارك أعلى الكاهل، فإن للإفراغ على قوله مذهباً غير مذهب الإشراف في هذا الموضع، وإن كان سواء في غيره، فكأنه أراد أن مكان كاهله من ظهره مشرف على عنقه، وذلك مما يمدح به، وإذا لم يكن كذلك سمي الد، وكان عيباً. وأراد أن فيه مع إشرافه على عنقه إشرافاً وتقتيباً في حاركه، فهو مشرف الكاهل، مشرف الحارك.
وقد اضطرب كلام ابن قتيبة في الكاهل والحارك، فقال في هذا الباب: ويستحب ارتفاع الكتفين والحارك والكاهل، فجعل الحارك غير الكاهل. ثم قال في باب خلق الخيل: والحارك: فروع الكتفين، وهو أيضاً الكاهل. والمنسج: أسفل من ذلك، فجعلهما هاهنا سواء، وإنما اضطرب كلامه فيه، لاختلاف اللغويين في ذلك. ذكر أبو عبيدة في كتاب الديباجة في صفة الفرس، ومنه نقل ابن قتيبة هذه الأبواب، وأن المنسج من أصل العنق إلى نصف
(3/103)

الحارك. قال: وقال آخرون: بل هو الحارك، وهو أيضاً الكاهل، وهو ما شخص من فروع الكتفين إلى أصل العنق، إلى مستوى الظهر، قال: وقال آخرون. بل المنسج: ما أسهل من الحارك، وقال آخرون: بل الحارك منبت أدنى العرف إلى الظهر، الذي يأخذ به الفارس إذا ركب. قاله أبو عبيدة. وقال آخرون: بل الحارك من جانبي الكاهل، وهو عظم مشرف، اكتنفه فرعاً الكتفين. فالحارك: هو فرع الكاهل.
وأنشد في هذا الباب:
(64)
(منتفج الجوف عريض كلكله)
هذا الرجز لأبي النجم العجلي. واسمه: الفضل بن قدامة. ويجوز رفع منتفخ وعريض وخفضهما، لأن قبله؛
بمفرع الكتفين حر عيطلة نفرعه فرعاً ولسنا نعتله
طار عن المهر نسيل ينسله صور في صلب أمين موصله
(3/104)

فمن خفضهما جعلهما صفتين للفرع أو للصلب، ومن رفعهما قطعهما مما قبلهما، وأضمر مبتدأ يحملهما عليه، والقطع في الصفات التي يراد بها المدح أو الذم أبلغ من إجرائها على موصوفها. والانتفاخ (بالجيم) نحو من الانتفاخ، إلا أن الانتفاخ (بالخاء) من علة رداء، والانتفاج (بالجيم) من غير علة، إنما يكون خلقة أو سمن.
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(65)
(متقارب الثفنات ضيق زوره رحب اللبان شديد طيي ضريس)
الشعر: لعبد الله بن سليمة بن الجارث، أنشده الأصمعي في اختياراته، وقبله:
ولقد غدوت على القنيص بشيغلم كالجذع وسط الجنة المغروس
القنيص: الصيد، بمعنى مقنوص. والشيظم: الفرس الطويل وشبهه هاهنا بجذع النخلة، في إشراف خلقه، وطول عنقه. والثفنات: ما يصيب الأرض من قوائم الدابة. قال الأصمعي: يريد أن زوره ضاق، فتقاربت ثفنات يديه. واللبان من الصدر: ما جرى عليه اللبب. وأما الزور ففيه قولان: قيل هو وسط الصدر، وهو قول الخليل. وقيل: الزور: أعلى الصدر وما يصعد منه
(3/105)

إلى الكتفين، وإنما استحب في أعلاه أن يكون ضيقاً، ليكون أوسع لمجال عضديه، وإذا اتسع أعلى الصدر ضاق مجال عضديه، وإذا اتسع أعلى الصدر ضاق مجال عضديه وانسجحا، لاصطكاكهما مع جنبيه. والضريس: البئر المطوية بالحجارة، شبه بها جوفه في عظمه. والمعنى: شديد طي الجوف المشبه للضريس. فسمى الجوف ضريساً مبالغة في التشبيه، والعرب تسمى المشبه باسم ما شبهت به، مبالغة في التشبيه. يريدون أنه لما أفرط في شبهه له، صار كأنه هو وهو كثير، فمنه قول الشاعر:
وعادية سوم الجراد وزعتها وقابلتها سيداً أزل مصدراً
والسيد: الذئب، ولم يقابلها بذئب، إنما قابلها بفرس يشبه الذئب. ونظير تشبيهه جوفه بالضرير، قول النابغة الجعدي:
ويصهل في مثل جوف الطو ي صهلاً يبين للمعرب
وقوله (شديد طي ضريس): تقديره: شديد طي ضريسه، كما تقول مررت برجل حسن لون خده، ولا بد من هذا التقدير، ليكون في الصفة ضمير يعود إلى الموصوف. ثم حذف الضمير، ونقل الصفة عن الطي إلى الموصوف قبلها، وخفض الطي بإضافة شديد إليه، ولم يعوض الألف واللام من الضمير،
(3/106)

ثقة بفهم السامع، وكان ينبغي أن يقول شديد طي الضريس، فصار كقولك مررت برجل حسن لون خد. والقياس: حسن لون الخد، ونحو منه قوله:
لا حق بطن بقراً سمين
وأنشد في هذا الباب:
(66)
(خيط على زفرة فتم ولم يرجع إلى دقة ولا هضم)
هذا البيت للنابغة الجعدي، وقد ذكرنا اسمه فيما نقدم، وقبله:
وغارة تسعر المقانب قد سارعت فيها بصلدم صمم
في مرفقيه تقارب وله بركة زور كجباة الخزم
وهو طويل الجران مد باجي يه فلم يأطما على كزم
(3/107)

المقانب: قطع الخيل تخرج للإغارة، واحدها، مقنب. وتسعر: توقد وتشعل. والصلدم: الفرس الشديد، وكذلك الصمم. ويروى صم (بالتاء) وهو نحو الصمم. والبركة من الصدر: الموضع الذي يبرك عليه، والجبأة: خشبة الحذاء التي يحذو عليها، شبه بها بركته في استدارتها. والخزم: شجر معروف. وقوله (خيط على زفرة): يريد أنه مجفر الجنبين، عظيم الجوف، فكأنه زفر، فخيط فمه، ولم يخرج النفس، كما يفعل بالزق إذا نفخ، ثم شد فمه لئلا يخرج الريح منه، ونحو منه قول سلمة بن يزيد الجعفي:
كأن مواضع الدأيات منه وجفرة جنبه حشيت ثماما
شبهه لعظم جنبيه بعدل قد خشي بالثمام.
وأنشد لامرئ القيس:
(67)
(كأن مكان الردف منه على ران)
(3/108)

هذا البيت مشهور، تغني شهرته عن القول فيه. والرال: فرخ النعامة وهو مشرف الكفل، فشبه كفل الفرس بكفله في إشرافه وهو مهموز في الأصل، فخففه تخفيفاً بدليا، لا قياسياً، فلذلك جعل الألف ردفاً، واجري الألف فيه مجراها في سائر القوافي. ولو خففه تخفيفاً قياسياً لم يجز أن يكون ردفاً. والفرق بين تخفيف الهمزة البدلي وتخفيفها القياسي أن التخفيف البدلي يصير الهمزة بمنزلة حروف اللين، التي لاحظ فيها للهمز، فتجري مجرى حروف اللين، في أن تكون ردفاً وتأسيساً ووصلاً، والتخفيف القياسي لا يخرج الهمزة عن حكمها، فتجري مجرى الحروف الصحاح. ولهذا كان أبو عمر الجرمي يجيز رأساً مع فلس وناس، وذكر أنه مذهب الخليل. قال فأما مجيئها مع فلس فعلى معاملة الأصل، واعتقاد التخفيف القياسي، وأما مجيئها مع ناس فمن جهة اللفظ. وكان أبو علي الفارسي لا يجيز ذلك إلا على جهة التخفيف البدلي (فمن التخفيف البدلي ما أنشد سيبويه من قول الراجز):
عجبت من ليلاك وانتيابها من حيث زارتني ولم أورابها
والأصل أدرأ بالهمز. ومن القياس قول الآخر:
يقول لي الحداد وهو يقودني إلى السجن لا تجزع فما بك من بأس
وما البأس إلا أن يسربى العدا ويترك عذرى وهو أضوا من الشمس
(3/109)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(68)
(جموم الشد شائلة الذنابي تخال بياض غرتها سراجا)
البيت للنمر بن تولب وكان أبو عمرو بن العلا يسميه الكيس استحانا لشعره: وقبل هذا البيت:
أأهلكها وقد لا قيت فيها مراس الطعن والضرب الشجاجا
وتذهب باطلا غدوات صهبى على الأعداء تختلج اختلاجا
قوله: أأهلكها: يعني إبله، وكان ابنه دخل الحضرة، فراى الدجاج فأعجبته، فأشار على أبيه بأن يبيع إبله، ويقتني مكانها دجاجا. فلذلك قال في أول الشعر:
اعذني رب من حصر وعي ومن نفس أعالجها علاجا
ومن حاجات نفس فاعصمني فإن لمضمرات النفس حاجا
فأنت وهبتها كوماً جلاداً أرجى النسل منها والنتاجا
وتأمرني ربيعة كل يوم لأشريها وأقتني الدجاجا
وما تغني الدجاح الضيف عني ولا ينفعنني إلا نضاجا
(3/110)

وصهبى: اسم فرسه. وتختلج: تمتد وتنجذب. والجموم من الآبار: التي لها مادة تجيئها من تحت الأرض، فكلما استقى منها شيء نبع آخر، فشبه بها الفرس، يريد أنها تجيء بجري بعد جرى، قال الراجز:
فصبحت قليذما هموما يزيدها مخج الدلا جموما
وأنشد في هذا الباب:
(69)
(لها ذنب مثل ذيل العروس تسد به فرجها من دبر)
هذا البيت يروي لامرئ القيس بن حجر، ويروى لرجل من النمر بن قاسط. وشبه ذنب الفرس في طوله بذيل العروس، والعروس: يقع على الرجل والمرأة.
قال داود بن جهوة.
كان الصبا والشيب يطمس نوره عروس أناس مات في ليلة العرس
وقال أبو الأسود الدؤلي:
جرت بها الريح أذيالاً مظاهرة كما تحد ثياب القوة العرس
(3/111)

وقوله (تسد به): في موضع الصفة للذنب، وهي صفة جرت على غير من هي له، واستتر فيها الضمير، لأن الفعل يتضمن ضمير الأجنبي وضمير غير الأجنبي، لقوته في الإضمار، ولأنه الأصل في الإضمار والعمل. والاسم مشبه به، والمشبه بالشيء لا يقوى قوته، فلذلك يظهر الضمير الأجنبي مع الاسم، فلو صير هذا الفعل اسم فاعل لبرز الضمير، وكان يقول سادة هي به فرجها وقوله (من دبر): أراد من دبرها، فترك ذكر الضمير، لأنه قد علم ما أراد. ودبر كل شيء: خلفه. وهذا يسميه أصحاب النقد الحشو والاستعانة، لأن قوله (سد به فرجها) قد أغنى عن ذكر الدبر، فصار ذكره فضلاً، لا يحتاج إليه، ومثله قول أبي العيال الهذلي:
ذكرت أخي فعاودني صداع الرأس والوصب
وقد علم أن الصداع لا يكون إلا في الرأس، فصار ذكر الرأس حشواً لا يحتاج إليه.
وأنشد في هذا الباب:
(70)
(بشنج موتر الأنساء)
(3/112)

وأنشد أبو عبيدة:
بأعوجي شنج الأنساء حابى الضلوع خفق الأحشاء
يعني بأعوجي: فرسا من نسل أعوج، وأعوج: فرس كان لبني هلال ابن عامر، وأبوه سبل، وأمه سوادة. وزعم ابن الكلبي أن أعوج كان لملك من ملوك كندة، فغزا بني سليم يوم علاف فهزموه، وأخذوا أعوج، ثم صار بعد ذلك إلى بني هلال بن عامر، فأنجب في نسله وأجاد، فمن الخيل المشهورة من نسله: الغراب، والوجيه، ولاحق، والمذهب، ومكتوم، وكن لغني بن أعصر وذو العقال، وجلوى، وكانا لبني يربوع، وداحس وأبوه ذو العقال، وكان لقيس ابن زهير العبسي، والحنفاء والغبراء، وكانتا لحذيفة بن بدر الفزاري. ومن نسله حلاب والنباك، وكانا لبني تغلب وفي حلاب يقول الأخطل.
تجول بنات حلاب علينا ونزجرهن بين هلا وهاب
وفي العقال يقول جرير:
إن الجياد يبتن حول قبابنا من آل أعوج أو لذي العقال
وقد ذكر أبو فراس الحمداني الحنفاء، فقال:
إذا كان غير الله للمرء عدة أتته الرؤايا من وجوه الفوائد
فقد جرت الحنفاء حتف حذيفة وكان يراها عدة للشدائد
(3/113)

وقوله (موتر الأنساء) إنما له نسيان، ولكنه أخرج التثنية مخرج الجمع، وقد تقدم ذكر ذلك. والحابي: الضلوع المشرفها، والخفق: الأحشاء الضامرها. كذا قال أبو عبيدة.
وأنشد في هذا الباب:
(71)
(وقصرى شنج الأنساء نباح من الشعب)
هذا الشعر لأبي داود الإيادي. وذكر أبو عبيدة أنه لعقبة بن سابق الهزاني. وبعده هذا البيت:
ومتان خظاتان كزحلوف من الهضب.
يهز العنق الأبرد في مستأمن الشعب
قال أبو عبيدة في كتاب الديباجة: ضلوغ الفرس ست: فأولهن مما يلي أصل العنق هي القصيري، وإن شئت القصر، وقال بعضهم هي الجانحة، وإنما القصيري آخر ضلع من جنبه، إلى الطفطفة، وهي الخلب. وهذا القول الثاني: هو الصحيح، والذي حكاه أولا غلط، لأن أشعار العرب إنما تدل على أن القصرى في موضع الخصر، ألا ترى إلى قول امرئ القيس:
له قصر يا عير وساقا نعامة كفحل الهجان ينتحى للعضيض
(3/114)

وأراد بقوله شنج الأنساء: الظبي، وجعله نباحاً لأنهم يذكرون أن الظبي إذا أسن أشبه صوته نباح الكلب. حكى ذلك ابن القزاز في معاني الشعر، وأنشد في صفة ظبي:
وينبح بين الشعب نبحاً تخاله نباح سلوق أبصرت ما يريبها.
وروى بعضهم (نباج) بالجيم، وهو الشديد الصوت، ويروى (الشعب) بضم الشين، وكذا أنشده ابن قتيبة في معاني الشعر، ويروى (الشعب) بكسر الشين، فمن ضم الشين ففيه وجهان: أحدهما أن يكون جمع أشعب، وهو المفترق القرنين، فيكون في البيت تقديم وتأخير، كأنه قال: وقصرى شنج الأنساء من الشعب، أي الظباء الشعب. والوجه الثاني أن يكون الشعب: جمع شعبة، وهي رأس الجبل، فيكون معناه: ينبح من رأس الجبل.
والشعب، بكسر الشين: الطريق في الجبل، والروايتان سواء في أن ذكر الشعب والشعب من الحشو الذي لا يحتاج إليه، وأكثر ألفاظ هذا البيت حشو، وموضوعة على غير الوجه المختار، ألا ترى أن هذا البيت بكماله يساوي قول امرئ القيس (له أيطلا ظبي) فصدر بيت امرئ القيس قد أفادما أفاده بيت أبي داود كله، ثم تمم بيته بمعان آخر، وسلم بيته من الحشو. وكذلك (شنج الأنساء): كلام موضوع على غير الوجه المختار، لأنه أراد: وقصرى ظبي شنج الأنساء، فحذف الموصوف، وأقام صفته مقامه. وشنج الأنساء: صفة لا تخص الظبي دون غيره، وإنما تحسن إقامة الصفة مقام موصوفها إذا كانت مختصة به،
(3/115)

أو بنوعه، فقولك جاءني العاقل أقرب إلى الجواز من قولك جاءني الطويل، ومع ذلك فإنما أراد تشبيه خصري الفرس بخصري الظبي، فذكره شنج أنسائه لا يؤكد المعنى الذي قصده، كما لا يخل به تركه، وكذلك نبحه من الجبل. وقوله (في مستأمن الشعب): قال الأصمعي: يريد أنه أمين لا يخاف ضعفه. (والسعب) بالسين غير معجمة: اتصال العدو، ويقال (سعم) بالميم.
وأنشد في هذا الباب:
(72)
(شنج النسا خرق الجناح كأنه في الدار أثر الظاعتين مقيد)
البيت للطرماح بن حكيم. ويكنى أبا نفر، يصف غراباً. وقبله:
وجرى بينهم غداة تحملوا من ذي الأباطح شاحج يتفيد
يعني بالشاحج غراباً. يقال شحج الغراب يشحج: إذا صاح. والأبارق جمع أبرق؛ وهو موضع فيه رمل وحصى. ويتقيد: يتبختر في مشيه، وقيل التفيد أن يصيح ويحرك رأسه، كأنه يريد أن يتقيأ.
ووقع في شعر الطرماح (شنج النسا أدفى الجناح)، وهو الذي في جناحه ميل. ويروى حرق وخرق بالحاء، معجمة فيه قولان. قيل: هو اللين الجناح مثل الأدفى، وقيل هو الشديد الضرب بجناحه. والظاعنون: الراحلون. يريد أنه يألف الديار إذا رحل عنها أهلها، فكأنه مقيد فيها.
(3/116)

وأنشد في هذا الباب:
(73)
(لها كفل كصفاة المسيل)
البيت لامرئ القيس بن حجر. ويروى لرجل من النمر بن قاسط، وتمامه:
أبرز عنها حجاف مضر
والصفاة: الصخرة الملساء. وهي الصفواء أيضاً. والمسيل: مجرى السيل. شبه كفلها في ملاسته بصفاة في مسيل أبرزها السيل، وكشف ما كان عليها من التراب. والحجاف والقحاف (بالجيم والقاف): السيل الشديد. والمضر: فيه قولان: قيل هو الذي يضر بكل شيء يمر به، أي يقلعه ويهدمه، ويقال: هو الداني المتقارب، يقال أضر بالشيء إضرارا: إذا دنا منه، قال الأخطل:
ظلت ظباء بني البكاء راتعة حتى اقتنصن على بعد وإضرار
وأنشد في هذا الباب:
(74)
(لها كفل مثل متن الطراف)
هذا البيت: لعوف بن عطية بن الخرع. وتمامه:
مدد فيه البناة الحتارا
(3/117)

وقبله:
لها رسغ مكرب أيد فلا العظم واه ولا العرق فارا
لها حافر مثل قعب الولي د يتخذ الفأر فيه مغارا
المكرب: الشديد، وكذلك الأيد. والواهي: الضعيف. وقوله (ولا العرق فارا): يقول: هي ممحصة القوائم لم تمتلئ عروقها وتنتفخ، وإذا انتفخت العروق كان ذلك ضعفاً في قوائمها، يقال: فار العرق ونفر: إذا انتفخ. والقعب: القدح الصغير، شبه به حافر الفرس. والمغار: الحجر الذي يغور فيه، أي يدخل. وهذا من الممكن الذي يخرجه العرب مخرج الواجب، فظاهر الكلام: أن الفأر يتخذ فيه مغارا على الحقيقة والوجوب، والمراد أن الفأر لو فعل ذلك لأمكنه، ومثله قولهم جاء بجفنة يعقد فيها ثلاثة أنفس. وكذلك قوله:
عشنزرة جواعرها ثمان
وقد تقدم ذكره. والطراف: قبة تتخذ من أدم. والبناة: الذين يقيمون الخباء على عمده، واحدهم بان. والحتار: الطرة التي في أسفل البيت، ويسمى الكفاف أيضاً، وهو الذي تشد به الأطناب، وحرف كل شيء: حتاره
(3/118)

وكفافه. قال الأصمعي: فأراد أن كفلها ليس بمضطرب ولكنه كالبيت الممدود والموثق بالأطناب.
وأنشد في هذا البيت:
(75)
(وأحمر كالديباج أما سماؤه فرياً، وما أرضه فمحول)
هذا البيت ينسب إلى طفيل الغنوي ولم أجده في ديوان شعره يصف فرساً أشقر أو ورداً؛ وشبه بالديباج في حسن لونه، وملاسة جلده، وأراد بسمائه: أعاليه وبأرضه: قوائمه. وشبه قوائمه لقلة لحمها بالأرض المحل التي لا نبات فيها، ويروى بفتح الميم، من محول وضمها، فمن فتح الميم جعله اسماً مفرداً، بناه على فعول للمبالغة، والفعل منه أمحل، وقياس فعول أن لا يكون إلا من الأفعال الثلاثية، ولكنه جاء على حذف الزيادة، كما قالوا: بلد ما حل، والقياس ممجل ومن رواه بضم الميم، جعله جمع محل، وتقديره: ذات محول، فحذف المضاف. وزعم بعض اللغويين أن أرض الدابة بالظاء. والأرض التي هي ضد السماء بالضاد، وذلك غير صحيح. والصحيح أنها بالضاد، لأنها إنما سميت: أرضاً لأنها تلى الأرض، والعرب تسمى أعلى كل شيء سماء، وأسفله أرضاً، على
(3/119)

التمثيل والاستعارة، وفي هذا البيت أدل دليل على بطلان ما قالوه، لأنه سمي أعلى الفرس يماه لعلوه، فكذلك سمي قوائمه أرضاً لسفولها:
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(76)
(لها ساقا ظليم خا ... ضب فوجيء بالرعب)
قد تقدمت أبيات من هذا الشعر في هذا الباب، وذكرنا أنها تروى لأبي دواد الإيادي، وتروى لعقبة بن سابق الهزاني، ويتلو هذا البيت البيت الذي تقدم آنفاً، وهو قوله:
وقصرى شنج الأنسا ... ء نباح من الشعب
وروينا هذا البيت عن أبي نصر، عن أبي علي البغدادي (لها) بتأنيث الضمير، وهو غلط من ابن قتيبة، أو من الراوي عنه، والصواب (له)، لأن قبله:
وقد أغدو بطرف هي ... كل ذي ميعة سكب
مسح لا يواري الصي ... د منه عصر اللهب
قوله (ساقا ظليم): شبه ساقيه في قصرهما بساقي الظليم، وهو ذكر النعام، وفي الخاضب ثلاثة أقوال: قال قوم هو الذي أكل الربيع فاحمر ظنبو باه وأطراف ريشه؛ وقال آخرون: هو الذي اخضرت له الأرض بالنبات. وقال آخرون:
(3/120)

هو الذي اغتلم فاحمرت ساقاه، وخص الخاضب، لأنه حينئذ أسرع ما يكون. قال الكلابي: لا تطلب الخيل الظليم إذا خضب في الشتاء؛ فإذا قاظ استرخى وضعف، وانتشر ريشه وسمن، فتطلبه الخيل فتدركه، وأكد المعنى بقوله: (فوجيء بالرعب) لأن الظليم أشد الحيوان فزعا، ولذلك يضرب به المثل، فيقال: أشرد من ظليم، وأشرد من نعام.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(77)
(له متن عير وساقا ظليم)
هذا البيت للحطيئة، واسمه جرول بن أوس العبسي، ويكنى أبا مليكة. قال أبو الفرج الأصبهاني: ولقب الحطيئة لقصره وقربه من الأرض. وقال حماد الرواية عن أبي نصر الأعرابي: لقب الحطيئة، لأنه حبق بين قوم، فقيل له: ما هذا فقال حطيئة. وقال الرواسي: لقب الحطيئة، لأنه كان محطوء الرجل. قال والرجل المحطؤة: التي لا أخمص لها. وتمام هذا البيت:
ونهدُ المعدين ينبي الحزاما
ووقع في النسخ (لها) بتأنيث الضمير، والصواب: (له) لأن قبله:
وسرب ذعرت بذي معية ... ترى في البديهة منه اعتزاما
(3/121)

السرب: القطيع من الظباء والبقر. والميعة: النشاط. والبديهة والبداهة: أول الجزي. والاعتزام: المضي والتصميم: والعير: الحمار. ومتنه: ظهره. وقوله نهد المعدين: أراد: وجوف نهد المعدين. والنهد: العظيم، والمعدان: موقع دفتي السرج من جنبي الفرس. ومعنى ينبي الحزاما: يدفعه عن نفسه لعمته، وشدة نفسه.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(78)
(شرحب سلهب كأن رماحا ... حملته وفي السراة دموج)
هذا البيت لا أعلم قائله، والشرحب والسلهب سواء. وكلاهما: الطويل. وقوله: كأن رماحاً حملته، يقول: كأنما يمشي على رماح، لطول قوائمه. والسراة: أعلى الظهر، والدموج: دخول بعض الشيء في بعض، من شدته واكتنازه.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(79)
(وفي اليدين إذا ما الماء أسهله ... ثنى قليل وفي الرجلين تجنيب)
(3/122)

هذا البيت لأبي دواد الإيادي، وبعده:
وكل قائمة تهوى لوجهتها ... لها أنى كفرغ الدلو أثعوب
لا في شظاه ولا أرساغه عنت ... ولا مشك صفاق البطن منقوب
قوله: ('إذا ما الماء أسهله) الماء هنا: العرق. وفي قوله سهله تأويلان: أحدهما أن يكون من قولك: سهل الشيء وأسهلته وسهلته: إذا جعلته سهلا، لا صعوبة فيه. والثاني أن يكون من قولهم أسهل: إذا انحدر من الجبل إلى الأرض السهلة. يريد انحدار العرق من أعلاه إلى أسفله، فيكون ف هذا الوجه الثاني قد حذف حرف الجر، وأراد أصهل نمه. ونظيره قول خفاف بن ندبة:
إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... جرى وهو مودوع وواعد مصدق
والثنى: الانعطاف والتثني. وجعله قليلاً لأنه إذا أفرط كان عيباً، وسمى روحاً. وقوله: (كل قائمة تهوى لوجهتها): يريد أن قوائمه متساوية في الجرى، لا يخذل بعضهاب عضا. والآتي: السيل يأتي من بلد قد مطر، إلى بلد لم يمطر، شبه به تدفقه في الجري. وفرغ الدلو مخرج الماء من بين العراقي، والأثعوب: المندفع والعنت الضرر والداء. يقال: أعنته يعته: إذا أضر به، وفعل به فعلا
(3/123)

يشق عليه، قال الله تعالى: (ولو شاء الله لأعنتكم) و (مشك صفاق البطن) مدخله ومفرزه. يريد أنه لم يحتج إلى بيطار فينقب بطنه، كما قال زهير:
أمين شظاه لم يخرق صفاقه ... بمنقبة أو لم تقطع أباجله
وقوله (في اليدين): تقديره على مذهب البصريين: وفي اليدين منه، فحذف الضمير، وكذلك (وفي الرجلين منه)، وتقديره على مذهب الكوفيين: وفي رجليه فنابت الألف واللام منه، مناب الضمير، ويرتفع الماء في مذهب البصريين بفعل مضمر؛ يفسره الفعل الظاهر، كأنه قال: إذا ما أسهله الماء أسهله، لأن (إذا) هذه لا تبتدأ بعدها الأسماء، والكوفيون يجيزون فيه الابتداء. وجواب إذا قوله (وفي اليدين)، وهذا بمنزلة قولك أنا أشكرك إن أحسنت إلي، فلا تأتي للشرط بجواب، لأن ما تقدم قبله من ذكر الشكر قد سد مسده، وأغنى عنه.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(80)
(ترى له عظم وظيف أحدبا)
وبعده:
(مسقفا عبلاً ورسغاً مكربا)
الرجز للعثماني؛ واسمه محمد بن ذؤيب الفقيمي. قال ابن قتيبة: ولم يكن من أهل (عمان)، وإنما قيل له عماني، لأن دكينا الراجز نظر إليه يسقى الإبل
(3/124)

ويرتجز فرآه غُليما مصفر اللون، ضريراً مطحولاً، فقال من هذا العماني، فلزمه الاسم، وإنما نسبه إلى عمان، لأنها وبيئة، وأهلها مصفرة وجوههم مطحولون وكذلك البحران، قال الشاعر:
من يسن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع
وجعل عظم وظيفه أحدب، لما فيه من الانحناءن فشبهه بالأحدب. والمسقف: المنحني أيضاً. والعبل: الغليظ. والرسغ: موضع القيد من الدابة والمكرب: الموثق الشديد.
وقد اختلف كلام ابن قتيبة في حقيقة الوظيف، فقال في باب (شيات الخيل): والتحجيل: بياض يبلغ نصف الوظيف، والمحجل: أن تكون قوائمه الأربع بيضا يبلغ البياض منها ثلث الوظيف أو نصفه أو ثلثيه، بعد أن يتجاوز الأرساغ، ولا يبلغ الركبتين والعرقوبين، فجعل الوظيف هنا واقعاً على الذراع والساق، ثم قال بعد ذلك: والجبة: موصل الوظيف في الذراع.
وقال في باب (فروق في قوائم الحيوان): قال أبو زيد: في فرسن البعير السلامي، وهي عظام الفرس، وقصبها، ثم الرسغ، ثم الوظيف ثم فوق الوظيف من يد البعير الذراع. وقال مثل ذلك في الفرس والبغل والحمار، وكذلك اختلف فيه قول أبي عبيدة في كتاب الديباجة، فكان الوظيف يكون تارة واقعاً على الذراع كلها، وكذلك الساق، ويكون تارة واقعاً على ما يلي الرسغ ويتصل به.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(81)
(كأن تماثيل أرساغه ... رقاب وعول على مشرب)
(3/125)

البيت للنابغة الجعدي. وهذا من التشبيه البديع الذي لم يسبق إليه، شبه أرساغه في غلظها وانحنائها وعدم الانتصاب، فيها برقاب وعول قد مدتها لتشرب الماء، وقيل هذا البيت:
وأوظفة أيد جدلها ... كأوظفة الفالج المصعب
ظماء الفصوص لطاف الشظا ... نيام الأباجل لم تضرب
الفالج: الجمل الذي له سنامان. والمصعب: الذي لم يرض ولم يحمل عليه وترك للفحلة. والفصوص جمع فص، وهو ملتقى كل عظمين. والأباجل: جم الأبجل، وهو من الفرس: بمنزلة الأكحل من الإنسان. وأراد بقوله نيام الأباجل: سونها، لأن شدة نبض العروق نما يكون عن خروج المزاج عن الاعتدال.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(82)
(لها ثنن كخوافي العقا ... ب سود يفين إذا تزبئر)
قد قدمنا قبل هذا أن هذه القصيدة تروى لامريء القيس بن حجر، وتروى لرجل من النمر بن قاسط، وقد فسره ابن قتيبة بما أغنى عن ذكره، وروى بعضهم (يفئن) بالهمز، أي يرجعن إلى مواضعهن، لأنها تزبئر، فنتفش شعرات ثننها، فإذا سكن ازبئرارها عادت الشعرات إلى مواضعها، والرواية الأولى هي الوجه.
* * *
(3/126)

وأنشد لعوف بن عطية:
(83)
(لها حافر مثل قعب الوليد ... يتخذ الفأر فيه مغارا)
قد تقدم من كلامنا في هذا البيت، ما أغنى عن إعادته، والهاء في قوله (فيه) تعود على الحافر. وزعم بعض اللغويين أنها تعود على القعب، لأن قعب الوليد لا يخلو من طعام يعلل به، فالفأر يعتاده، وليس هذا التفسير مماي لتفت إليه وإنما الوجه فيه ما قد ذكرناه.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(84)
(بكل وأب للحصى رضاح ... ليس بمصطر ولا فرشاح)
هذا الرجز لأبي النجم، فيما ذكر أبو عبيدة، وبعده:
صافي الحوامي مكرب وقاح ... ينفض طش الماء كالمياح
الرضاح: الذي يكسر الحجارة. والحوامي: نواحي الحوافر. والمكرب: الموثق الشديد. والوقاح: الصليب. ويعني بالماء: العرق. والطش: أصغر الرشاش وألطفه. يصف أنه عرق، فهو ينفض العرق عن نفسه، كما قال امرؤ القيس:
وظل كتيس الرمل ينفض متنه ... أذاة به من صائك متحلب
(3/127)

شبه الفرس بالتيس الذي تحلب عليه صائك المطر من الشجر، والصائك: الذي تغير لونه وريحه وشبهه في امتلائه له من العرق بالمياح وهو نحو قول طفيل:
كأن على أعطافه ثوب مائح ... وإن يلق كلب بين لحييه يذهب
والباء في قوله (بكل وأب) تتعلق بقوله قبله - (يُذري صلاب المرو والصفاح).
وأما الباء في قوله (ليس بمصطر) فليست متعلقة بشيء، لأنها زائدة للتأكيد.
* * *
وأنشد في باب خلق الخيل:
(85)
(بكل مدجج كالليث يسمو ... إلى: أوصال ذيال رقن)
هذا البيت للنابغة الذبياني، وهو من الشعر المنحول إليه، والمدحج والمدحج، بفتح الجيم وكسرها: الفارس الكامل السلاح، فمن كسر الجيم نسب الفعل إليه،
(3/128)

أراد أنه دجج نفسه، ومن فتح الجيم نسب الفعل إلى غيره، أراد أن غيره دججه. واشتقاقه من شيئين أحدهما أن يكون مشتقاً من الدجة، وهي الظلمة ومن قولهم: ليل دجوج وديجوج ويقال: تدجج الليلن وتدجدج: إذا أظلم، قال العجاج:
إذا رداء ليلة تدجدجا
شبه بالليل، لتكفره بالحديد. والثاني: أن القنفذ يسمى مدججاً، فكأنه شبه بالقنفذ، لما عليه من السلاح ويدل على هذا تشبيههم الرجالة إذا اجتمعوا، ورفعوا رماحهم بالحرشف، قال امرؤ القيس:
كأنهم حرشف مبثوث ... بالجو غذ تبرق النعال
ومن بديع ما جاء في هذا، قول محمد بن هانيء يصف جيش المعز:
وأرعن يحموم كان أديمه ... إذا أشرعت أرماحه ظهر شيهم
وقد فرق بعض اللغويين بين المدجج والمدجج فقال: المدجج (بالكسر): الفارس. والمدجج (بالفتح) الفرس، لأنهم كانوا يدرعون الخيل، وقاية لها، والقول الأول هو المشهور. والليث: الأسد، سمي بذلك لشدته. ويسمو: يصعد عند الركوب. والأوصال؛ الأعضاء. والباء في قوله بكل مدجج متصلة بقوله قبل هذا البيت.
(3/129)

وهم زحفوا لغسان بزحف ... رحيب السرب أرعن مرثعن
وهي الباء التي تنوب مناب واو الحال في قوله: جاء زيد بثيابه؛ أي وثيابه عليه: ومثله قول الآخر:
قد قطع الحبل بالمرود
وقد تقدم من القول في هذا الباب ما أغنانا عن إعادته، وحرف الجر من قوله إلى أوصال، لا موضع له لتعلقه بالظاهر، وأما لكاف من قوله كالليث، فلها موضع لتعلقها بمحذوف، لأنها في موضع الصفة لمدجج، كأنه قال بكل مدجج كأن كالليث، والنحويون يقولون إن الكاف بمعنى مثل، كأنه قال مثل الليث، وحقيقته ما ذكرته لك لأن كونها بمعنى مثل لا يخرجها عن أن تكون حرفاً، وإنما هو تقدير المعنى لا حقيقة اللفظ.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(86)
(يبذ الجياد فارها متتايعا)
البيت لعدي بن زيد العبادي وصدره:
فصاف يفرى جله عن سراته
وقبله:
تأيبيت منهن المصير فلم أزل ... أسير طرفا ساهم الوجه فارعا
(3/130)

تزبيته لم أله عن ثغباته ... فتبصره عين إذا شير ضائعا
قوله (تأييت منهن المصير) الضمير يرجع إلى حمير وحش ذكرها قبل ذلك، أي تعمدت مصير الحُمر أين يصرن. والطرف: الفرس الكريم الطرفين. والساهم: القليل لحم الوجه، والفارع: المشرف العالي الخلق. وقوله (لم أله) أي لم اغفل، يقال: لهيث عن الشيء: إذا تركته وغفلت عنه. ولهوت ألهو، من اللهو: وثغباته: سقيه اللبن شيئاً بعد شيء وأصل الثغب: الماء العذب يغادره السيل وقيل: هو الماء ينبع بين الحصى، ويقال: شرت الفرس أشوره، وشورته: إذا امتحنته ورضته. وقوله (صاف) أي أقام زمن الصيف، وقوله (يفرى جله) أي يمزقه ويلقيه عن سراته وهي ظهر، نشاطاً ومرحاً، ويبذ الجياد: يسبقها. ويروى يبذ القياد، كذا وجدته في ديوان شعره، وقال: معناه يسبق قائده لنشاطه. والفاره: الحسن الخلق. وقيل: هو الناعم العيش، الكثير الأشر. وفي المتتابع قولان: قيل هو الذي إذا مشى اضطرب في مشيه. وقيل: هو الشديد اللجاجة المتهافت، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (ما يحملكم على أن تتابعوا في الكذب، كما يتتايع الفراش في النار). والتتايع (بياء معجمة باثنتين) نحو من التتايع المعجم بواحدة، إلا أن في التتايع بالياء المعجمة باثنين لجاجة وتهافتاً.
* * *
(3/131)

وأنشد في باب الدوائر من الخيل:
(87)
(أسيل نبيل ليس فيه معابة ... كميت كلون الصرف أرجل أقرح)
هذا البيت لمرقش الأصغر، واسمه عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة. وقال ابو العباس ثعلب: اسمه عمرو بن حرملة. قال ابن قتيبة: ويقال اسمه عمرو بان سفيان بن سعد. والأسيل: الذي في خده طول وملاسه. والنبيل: العظيم الخلق. والمعابة العيب. والصرف: صبغ أحمر تصبغ به الجلود، شبه به لونه، لخلوصه ونصاعته، كما قال الآخر:
كميت غير محلفة ولكن ... كلون الصرف على به الاديم
والمحلفه: التي لونها غير خالص، وسميت بذلك لأن الناظرين إليها يختلفون في لونها، فيحلف بعضهم أنها كميت، ويحلف بعضهم أنها شقراء، ويحلف بعضهم أنها وردة، وبعد بيت المرقش.
على مثله تأتى الندى مخائلا ... وينظر سرا أي أمريك أربح
ويسبق مطروداً ويلحق طاردا ... ويخرج من غمى المضيق ويجرح
الندى: المجلس. والمخايل: ذو الخيلاء. وقوله (وتنظر سرا أي أمريك اربح) يريد بالأمرين الطلب والفرار. يقول: على مثله تفر إن أردت الفرار، وتطلب العدو إن أردت الطلب.
(3/132)

ومثله قول امريء القيس:
مكر مفر مقبل مدبر معا ً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
والغمى: الشدة إذا ضممت أولها قصرتها، وإذا فتحت أولها مددتها، ومنهم من يفتح أولها ويقصر آخرها، ومعنى يجرح: يكسب ويصير، ومنه قيل للطير الذي يصاد بها: جوارح.
* * *
وأنشد في باب العلل:
(89)
(غمز الطبيب نغانغ المعذور)
البيت لجرير بن عطية الخطفي، وصدره:
(غمز ابن مرة يا فرزدق كينها)
وقبله:
خزى الفرزدق بعد وفعة سبعة ... كالحصن من ولد الأشد ذكور
الغمز: شبه الطعن والدفع. ويعني: ابن مرة عمران بن مرة المنقري، وكان أسر جعثن أخت الفرزدق يوم السيدان، وفي ذلك يقول جرير يخاطب الفرزدق:
(3/133)

على حفر السيدان لاقيت خزية ... ويوم الرحى لم ينق ثوبك غاسله
وقد نوختها منقر قد علمتم ... لمعتلج الدايات شعر كلاكله
يفرج عمران بن مرة كينها ... وينزو نزاء العير أعلق حائله
وفي ذلك يقول أيضاً يخاطب جعثن:
أجعثن قد لاقيت عمران شاربا ... عن الحبة الخضراء ألبان إيل
والكمين: لحمالفرج. والنغانغ: أورام تحدث في الحلق. جمع نغنغ، وهو اللحمة في الحلق عند اللهازم. والمعذور: الذي أصابته العذرة وهي وجع الحلق. وقوله (بعد وقعة سبعة) أرد أن أخته نكحها حين أسرت، سبعة من ولد الأشد المنقري. ويقال علقت الأنثى من الذكر. وأعلقت: إذا حملت. والحائل: التي يضربها الفحل فلا تحمل. والحبسة الخضراء: حب البطم، ويقال: هي الشغاين. وإنما ذكرها لأنها تهيج الغلمة إذا شربت، وكذلك لبن الإيل، قال النابغة الجعدي في هجائه ليل الأخيلية:
بريذينة حك البراذين ثفرها ... وقد شربت من آخر الصيف أيلا
(3/134)

أراد: لبن إيل، فحذف المضاف. وحكى كراع أن الأيل: اللبن الخاثر. وروى بعضهم (أُيلا) بضم الهمزة، وقال: جمع إبل، وهو اللبن الخاثر.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(90)
(وقد حال هم دون ذلك شاغل ... ولوج الشغاف تبتغيه الأصابع)
هذا البيت مشهور للنابغة الذبياني، يقوله في موجدة النعمان بن المنذر اللخمي عليه، وقوله (ذلك): إشارة إلى الصبا الذي ذكره قبل هذا البيت في قوله:
(على حين عاتبت المشيب على الصبا)
يقول: كيف أصبو وقد حال بيني وبين الصبا الشيب، الذي يزعني عن الجهل، والهم الذي شغل بالي، وحل منى محل الشغاف، لغضب النعمان على. ويروي (والج ولوج الشغاف) أي داخل دخوله. ويروى مكان الشغاف. واختلف في الشفاف؛ فقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: هو غلاف القلب. وقال الأصمعي: هو داء تحت الشراسيف، في الشق الأيمن، فيقال: إذا التقى هو والطحال، مات صاحبه، وأنشد أبو عبيدة:
يعلم الله أن حبك منى ... في سواد الفؤاد تحت الشغاف
(3/135)

وقوله: (تبتغيه الأصابع) يعني أصابع الأطباء تلمسه، لتنظر هل ينزل أم لم ينزل، وإنما ينزل عند البرء. هذا قول الأصمعي وأبي عبيدة. وقيلي: معناه تلمسه، هل انحدر نحو الطحال، فيتوقع على صاحبه الموت، أم لم ينحدر فترجى له السلامة.
وقال أبو علي البغدادي: يعني أصابع الأطباء يلمسنه: هل وصل إلى القلب أم لا؟ لأنه إذا اتصل بالقلب تلف صاحبه، وإنما أراد النابغة: أن موجدة النعمان عليه بين رجاء ويأس، كهذا العليل الذي يخشي عليه الهلاك، ولا يأس من ذلك من برئه. وهذان التأويلان أشبه بغرض النابغة من التأويل الأول.
وأما إعرابه: فمن روى (والج لوج الشغاف) جعله مثل قولهم: ضربته ضرب الأمير اللص. وتقديره: (والج ولوجاً مثل ولوج الشغاف)، فحذف الموصوف، وأقام صفته مقامه، وحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. ومن روى (شاغل ولوج الشغاف) جعله من المصادر المحمولة على معاني الأفعال، دون ألفاظها، لأنه إذا شغل فقد ولج، فصارت الفائدة من قوله (شاغل) كالفائدة من قوله (والج ولوج) فصار مثل قولهم تبسمت وميض البرق، وجلس زيد قعود عمرو، ومن روى (شاغل) مكان الشغاف، جاز أن يكون المكان ظرفاً وجاز أن يكون مفعولاً به.
* * *
وأنشد في هذا الباب:

(91)
(قضيبا لطبيب نائط المصفور)
(3/136)

البيت للعجاج، واسمه عبد الله بن رؤبة، وقبله:
وبج كل عانه نعور ... أجوف ذي ثوارة ثؤور
يصف ثورا وحشياً وكلاباً، ومعنى بج: شق والعاند: العرق الذي يخرج منه الدم (معترضاً غير مستقيم. والنعور: المصوت، يقال نعر الدم) ينعر: إذا خرج وله صوت. والثؤور: الذي يثور بالدم. والثوارة: ما يثور منه. والقضب: القطع، شبه الثور حين طعن الكلاب بقرنه، فثار الدم، بطبيب قضب نائط رجل مصفور، فثار منه الماء الأصفر. فقضب: مصدر مشبه به البج، محمول على معنى الفعل، لا على لفظه، وتقديره: وبج بجاً مثل قضب الطبيب وذا بج فقد قضب، فصار كقوله قضب قضب الطبيب، ومثله ما ذكرناه من قولهم: تبسمت وميض البرق.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(92)
(شربت الشكاعى والتددت ألدة ... وأقبلت أفواه العروق المكاويا)
(3/137)

البيت لعمرو بن أحمر الباهلي، وكان أصابه الماء الأصفر، فعالجه بأنواع العلاج، فلم يبرأ. والشكاعي: ثبت يعاني به الماء الأصفر. والألدة: جمع لدود، وهو دواء يدخل في الفم بالإصبع. يقول: شربت الشكاعي واستعملت الألدة النافعة، وكويت أفواه العروق التي تنبعث منها المواد، فلم يغن عني جميع ذلك شيئاً. وبعد هذا البيت:
لانسا في عمرى قليلاً وما أرى ... لداني إن لم يشفه الله شافيا
فيا صاحبي رحلي سواء عليكما ... أدوايتما العصرين أم لم تداويا
وي كل عام تدعوان أطبة ... إلى وما يجدون إلا هواهيا
فإن تحسما عرقا من الداء تتركا ... إلى جنبه عرقا من الداء ساقيا
* * *
وأنشد في باب: فروق في خلق الإنسان:
(93)
(فجال على وحشيه)
وأكثر من يقرأ هذا الكتاب، يزعم أنه ليس بشعر، لأنه أخرجه مخرج الكلام المنثور، وهو صدر بيت لضابيء بن الحارث البرجمي. والبيت بكماله:
فجال على وحشيه وكأنها ... يعاسيب صيف إثره إذ تمهلا
يصف ثوراً وحشياً وكلاباً. ومعنى جال: أسرع ذاهباً في شقه الوحشي، وشبه الكلاب باليعاصيب، وهي فحول النحل وقيل رؤساؤها. ومعنى تمهل: تقدم، وقال عبدُ بني الحسحاس في مثله
(3/138)

فجال على وحشيه وكأنما ... ترى فوقه سبا جديداً يمانيا
والسب: ثوب رقيق أبيض كالعمامة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(94)
(فانصاع جانبه الوحشي)
وهذا صدر بيت لذي الرمة. ويتوهم كثير ممن يراه، أنه ليس بشعر، وتمامه:
فانصاع جانبه الوحشي وانكدرت ... يلحبن لا يأتلي المطلوب والطلب
يصف ثوراً وكلاباً. ومعنى انصاع: مال. وجانبه منصوب نصب الظروف، أي مال في جانبه الوحش ذاهبا، وانكدرت الكلاب في غثره. وشبه اندفاعها في العدو بانكدار النجوم. ويلحبن: يسعدن والمطلوب: الثور. ويأتلي: يقصر. يقول لا يقصر الثور المطلوب في هربه، ولا تقصر الكلاب الطالبة في طلبه.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(95)
(ولا تنكحي أن فرق الدهر بيننا ... أغم القفا والوجه ليس بأنزعا)
(3/139)

البيت لهدبة بن خشرم العذري يخاطب به زوجه حين أريد أن يقتل، وقبله:
أقلى على اللوم يا أم بوزعا ... ولا تجزعي مما أصاب فأوجعا
ويجوز خفض الوجه ونصبه ورفعه. وأقوى الوجوه فيه الخفض، وأضعفهما الرفع، فمن خفض الوجه، جعل القفا في موضع خفض، على حد قولهم: زيد حسن الوجه، ومن نصبه، جعل القفا في موضع نصب، على التشبيه بالمفعول، على حد قولهم زيد حسن الوجه. والكوفيون يجيزون نصبه على التمييز، ولا يجيزه البصريون لأن التمييز عندهم لا يكون إلا نكرة. ومن رفع الوجه، ففيه وجهان: أحدهما أن يكون القفا في موضع رفع، والوجه عطف عليه. وهذا الذي ذكرنا أنه أضعف الوجوه، يكون على حد قولهم: مررت برجل حسن الوجه. وأكثر البصريين يقولون تقديره: حسن الوجه منه، فحذف الضمير لما فهم المعنى. والكوفيون يقولون إن الألف واللام عاقبتا الضمير، وسدتا مسده، وكان الفارسي يأبى هذين التأويلين جميعاً، ويضمر فيحسن ضميراً يرجع إلى الرجل، ويجعل الوجه بدلاً منه.
والقول الثاني في البيت: أن يكون الوجه مرفوعاً بالابتداء، وليس بأنزعا في موضع خبره، فيكون موضع الجملة على هذا التأويل رفعا، وفي الوجوه المتقدمة يكون موضعها نصباً على الصفة لأغم. ونظير هذا البيت قول النابغة:
ونمسك بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام
يروى برفع الظهر ونصبه وخفضه. وقوله (إن فرق الدهر بيننا) شرط لا جواب له، لأن ما قبله أغنى عنه، وسد مسده، لأن معناه عن فرق الدهر بيننا فلا تنحي، فصار بمنزلة أنا أشكرك إن أحسنت إلى.
* * *
(3/140)

وأنشد في باب فروق في الإنسان:
(96)
(فجاءت كسن الظبي لم أر مثلها ... سناء قتيل أو حلوبة جائع)
هذا الشعر لأبي جرول الجشمي، واسمه هند، يقوله في رجل من أهل العالية قتل، فحكم أولياؤه في ديته، فاشترطوا أن يعطوا الدية كلها إبلاً ثنيانا، فدفعت إليهم على اقتراحهم، فقال أبو جرول هذا الشعر. وبعد هذا البيت:
تقطع أعناق التنوط بالضحا ... وتفرس في الظلماء أفعى الأجارع
مضاعفة شنم الوارك والذرا ... عظام مقيل الهام جرد المذارع
قوله (جاءت كسن الظبي) أي ثنيانا، وقد فسره ابن قتيبة، والسناء: الشرف. والحلوبة الناقة التي تحلب، وكذلك الشاة. يقول: لم أر مثلها شرفاً لقتيلن لأن اقتراح الأولياء أن يأخذوها كلها ثنيانا، إنما كان لجلالة المقتول، وعظم قدره. والتنوط: طائر يعلق عشه من الشجر في أرفع موضع منها، وفيه لغتان: تنوط بضم التاء وفتح النون وكسر الواو وتنوط بفتح التاء والنون وضم الواو فأراد أنها طوال الأعناق تصل رؤوسها لطول أعناقها وأشرف خلقها إلى الموضع الذي يعشش فيه التنوط، فتفسد عشه الذي علقه. وقوله: (وتفرس في الظلماء أفعى الأجارع) الأجارع: رمال سهلة، واحدها أجرع. وتفرس: تدق. يريد أن أخفافها مجمدة صليبة، تطأبها الأفاعي فتقلبها، ولا تبالي بلسعها. وقوله (مضاعفة) يريد أن عليها طاقات من الشحم مركبة، بعضها فوق بعض كما قال امرؤ القيس:
(3/141)

تظاهر فيها النيء، لا هي بكرة ... ولا ذات صفن في الذمام غموض
والذرا: الأسنمة، واحدها ذروة. وقوله عظام مقيل الهام: يريد أنها عظام الرؤس. وأصل المقيل الموضع الذي ينام فيه الإنسان في القائلة، فاستعاره للرؤوس. وقوله (جرد المذارع): يريد أن قوائمها جرد من الشعر. وقوله لم أر مثلها سناء: قيل في إعرابه وجهان: أحدهما: أن تجعل (مثلها) مفعولاً لأرى، وسناء منصوباً على التمييز، فيكون بمنزلة قولك ما رأيت مثله رجلاً. والآخر: أن يكون سناء هو المفعول لأرى، ومثلها منصوباً على الحال، كأنه أراد لم أر سناء قتيل مثلها، فكان مثلها صفة لسناء، فلما قدم صفة النكرة عليها صارت حالا، فصار بمنزلة قولك: فيها قائماً رجل. ويلزم في هذا الوجه أن يقدر مضاف محذوف، أراد سناء قتيل مثل سنائها، فحذف المضاف، وهذا الوجه فيه بُعد، والأول هو الصحيح.
* * *
وأنشد في باب فروق في الأصوات:
(97)
(فنفسي فداؤك يوم النزال ... إذا كان دعوى الرجال الكريرا)
البيت لأعشى بكر، ووقع في بعض النسخ (نفسي فداؤك) بغير فاء، ووقع في بعضها: (فنفسي فداؤك) بالفاء، والوجه أن يكون بالواو، لأن قبله:
فأهلي فداؤك يوم الجفار ... إذا ترك القيد خطوى قصيراً
كذا روى أبو علي البغدادي، عن ابن دريد، وقد يمكن أن يكون (فنفسي فداؤك) فيما رواه ابن قتيبة مقدماً قبل قوله: (وأهلي فداؤك) فيكون بالفاء،
(3/142)

ويكون الآخر بالواو. والنزال في الحرب على ضربين: أحدهما في أول الحرب، والثاني في آخرها. فالذي في أولها أن ينزلوا عن إبلهم التي يمتطونها، ويركبوا خيلهم، لأنهم يركبون الإبل، ويقودون الخيل. والذي في آخرها: أن ينزلوا عن خيلهم، ويقاتلوا على أقدامهم. وهذا النزال الثاني: هو الذي يمتدح به الكماة، وهو الذي أراده مهلهل بقوله:
لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا، ... وأخو الحرب من أطاق النزولا
وإياه عني ربيعة بن مقروم الضبي بقوله:
فدعوا نزل، فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(98)
(كشيش أفعى أجمعت لعض ... فهي تحك بعضها ببعض)
هذا الرجز لا أعلم قائله، وقبله:
كان صوت شخبها المرفض
(3/143)

يصف ناقة تحلب أو شاة، فشبه صوت شخبها يكشيش الأفعلى إذا هممت بأن تثبت للعض. والشخب: ما يندفع من اللبن من الضرع عند الحلب. والمرفض: المتفرق لكثرته. وأجمعت: عزمت على ذلك وتهيأت له، ومثله قول الآخر، أنشده ابن الأعرابي:
كأن صوت شخبها إذا همى ... صوت الأفاعي في خشي أخشما
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخاً على كرسيه معمماً
لو أنه أبان أو تكلما ... لكان إياه ولكن أعجما
همي: سال. ويروي خمى: أي صوت. والخشي: النبت اليابس، يقال بالخاء والحاء، وشبه اللبن في القعب لما عليه من الرغوة حين امتلأ الإناء، بشيخ معمم فوق كرسي. والأخشم: والأشخم: الذي ابيض بعد خضرته.
* * *
وأنشد في باب معرفة في الطعام والشراب:
(99)
(نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الادب فينا ينتقر)
هذا البيت مشهور لطرفة بن العبد. والمشتاة: زمن الشتاء. يقول: دواتنا في زمن الشتاء دعوات عموم، لا دعوات خصوص. وخص زمان الشتاء لأنه وقت الضيق والشدة. والآدب: صاحب المأدبة، يقال: أدب يأدب
(3/144)

أدباً، فهو آدب. وينتقر: يخص بدعوته، يقال: انتقر انتقارا، وهو من الأفعال التي لم تستعمل إلا بالزيادة. والجفلى: مصدر من المصادر الدالة على الكيفية، وحقيقته أنه صفة لمصدر محذوف، تقديره ندعو الدعوة الجفلى، فحذف المصدر، وقامت صفته مقامه. والمصادر أربعة أنواع:
أحدها المصدر الدال على نوع الفعل مجردا من الكمية والكيفية، كقولك: ضربته ضرباً، وقتلته قتلاً.
والثاني: المصدر الدال على المقدار والكمية كقول: ضربته ضربة، وضربته ضربتين.
والثالث: المصدر الدال على الكيفية والهيئة كقولك: قعد قعدة حسنة، وقعد القرفصاء، ودعاهم الجفلى.
والرابع: المصدر الذي يراد به التمثيل والتشبيه، كقولك: ضربته ضرب الأمير اللص.
ويروى الحفلى (بالحاء غير معجمة) كأنه من الاحتفال، ذكر ذلك كراع. وقوله: (نحن في المشتاة تدعو الجفلى) تقديم وتأخير، تقديره: نحن ندعو الجفلى في المشتاة، فندعو خبر المبتدأ وفي المشتاة من صلته ومتمم له.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(100)
(فجاءت بيتن للضيافة أرشما)
البيت للبعيث، واسمه خراش بن بشير المجاشعي، وسمى البعيث لقوله:
تبعث منى ما تبعث بعدما ... أمرت حبالى كل مرتها شزرا
(3/145)

وصدره: (لقي حملته أمه وهي ضيفة) يهجو بهذا الشعر جرير بن عطية الخطفي. واللقى: كل شيء يطرح ولا يلتفت إليه. واليتن الذي يخرج رجلاه عند الولادة قبل رأسه، وكانوا يتشاءمون به، لخروجه مقلوباً، لأن الولادة المستقيمة أن يخرج رأس المولود أولاً، وإذا خرج كذلك سهلت ولادته على أمه، لأن ذراعيه تنضمان إلى جنبه، فينخرط من الرحم في سرعة، وإذا خرجت رجلاه أولا، تجافت ذراعاه عن جنبيه، فاعترض في رحم أمه، فربما كان سبب هلاكها. وقوله: (حملته أمه وهي ضيفة) يريد أن أمه حملت به وقد دعيت إلى ضيافة فجاء حريصاً على الضيافات، محباً في الدعوات. وأشار بذلك على زنى أمه، وكونه لغير رشدة. ويروى (فجاءت بنز من نزالة أرشما) والنز: الخفيف. والنزالة: ما ينزل من المنى في الرحم. وهذه الرواية أبلغ في الهجو، لأنه أراد أن يكون من منى رجل أرشم، فغلب عليه شبه أبيه، فجاء أرشم مثله. وفي معنى هذا البيت وإعرابه إشكال شديد، لأنه قال قبل هذا البيت يخاطب جريراً:
فإنك قد جاريت سابق حلبة ... نجيب جياد بين فرعين معلما
لزاز حضار يسبق الخيل عفوه ... على الدفعة الأولى وفي القعب مرجما
ثم قال (لقي حملته أمه) البيت. وقال بعده:
مدا من جوعات كأن عروقه ... مسارب حيات تسربن سمسما
فألقى عصا طلح ونعلا كأنها ... جناح سماني صدرها قد تجذما
(3/146)

فمن روى (فجاءت بيتين) جعله هجوا، وجعل قوله لقي منادي، أراد يالقي، وكان حكمه أن يكون مرفوع الموضع، لأنه قصد به جريراً، ولكن لما كان ما بعده من صفته، أشبه المضاف إليه لطوله، فنصبه وصار بمنزلة قولك (يا خيراً من زيد) ويدل على أنه في موضع نصب، تنوينه إياه، ومن روى (بنز من نزالة أرشما) ففيه إشكال: قال قوم: هو هجو، وهو الظاهر من أمره. وقال قوم: هو مدح، وهو من صفة نفسه، لا من صفة جرير، واحتجوا بالبيتين اللذين قبله، وجعلوا (لقى) صفة لقوله لزاز حضار، وقالوا معنى قوله في صفة نفسه (لقى) أنه لم ينعم عيشة، ولا كان ممن يميل إلى الرفاهية والدعة. قالوا: وأراد بقوله (وهي ضيفة) أنها كانت ضيفة، فامتنعت عليه، فنكحها كرها، فغلبها على شبه الولد، فجاء مذكرا. قال أبو كبير الهذلي:
حملت به في ليلة مزءودة ... كرهاً وعقد نطاقها لم يحلل
والأرشم هنا: الذي قد تغير وجهه واسود، لكثرة أسفاره. وقوله (مُدا من جوعات) يريد أن همه ليس في المآكل والمشارب، غنما هو في طلب المعالي، وهذا نحو قوله:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ... ولا يعض على شرسوفه الصفر
ويجوز أن يريد. أنه يؤثر الضيف على نفسه، فيكون كقول حاتم:
لقد كنت أختار القرى طاوي الحشا ... محافظة من أن يقال لئيم
(3/147)

وشبه عروقه لدقتها وظهورها، بمسارب الحيات، وهي طرفها. وسمسم: موضع. ومعنى تسربن: سلكن. وذكر ابن قتيبة أنه يروى: (تشربن) بالشين معجمة، والسمسم: هاهنا السم. ومعنى (تشربن سمسما) على هذه الرواية: كثر فيهن السم فدقت أجسامهن، لأن الحية إذا كثر سمها، دق خلقها، ولذلك قالوا: رماه الله بأفعى حارية. وقوله (فألقى عصا طلح ونعلا) يريد أنه خفيف المتاع، لا مال له، لأنه لا يتعرض للمكاسب، أو لأنه يجود بما له، ويبذره. ونحوه قول حاتم الطائي.
متى ما يجيء يوماً على المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر
يجد فرسا مثل العنان وصارما ... حساما إذا ما هز لم ير بالهبر
واسمر خطيا كان كعوبه ... نوى القسب قد أرمى ذراعاً على العشر
وشبه النعل بجناح سماني، لأنها تؤكل فيبقى جناحاها: وتجذم: تقطع. وهذا كله مدح. يريد قلة مؤونته.
* * *
(3/148)

وأنشد في هذا الباب:
(101)
(أباريق لم يعلق بها وضر الزبد)
هذا البيت لأبي الهندي الرياحي، واسمه عبد المؤمن بن عبد القدوس. وصدره:
سيغني أبا الهندي عن وطب سالم
وبعده - وهو من بديع التشبيه
مفدمة قزا كأن رقابها ... رقاب بنات الماء تفزع للرعد
وبنات الماء: الغرانيق. شبه أعناق الأباريق بأعناقها وقد فزعت من الرعد، وقوله (لم يعلق بها وضر الزبد): يريد أنها أباريق خمر، لا أباريق لبن. وسالم الذي ذكره: هو مولى قديد بن منيع المنقري.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(102)
(هي الخمر تكنى الطلا ... كما الذئب يكنى أبا جعده)
هذا البيت لعبيد بن الأبرص، وهو بيت مفرد وليس من قصيدة، قاله للمنذر ابن ماء السماء، وكان له يوم بؤس يركب فيه، فيقتل أول رجل يلقاه، ويوم نعيم
(3/149)

يركب فيه، فيغني أول رجل يلقاه، فلقي عبيداً يوم بؤسه، فترك قتله، ليستمع بإنشاده وحديثه بقية يومه، ثم ينفذ فيه سنته في غيره. فقال له: أنشدني. فقال: (حال الجريض دون القريض). ثم قال له: أنشدني. فقال: 0 هي الخمر تكنى الطلا) البيت. يريد أن اعتاده فيه ضد ما يظهره من التحفي به، والتأنيس له، كما يكنى الذئب أبا جعدة، وجعدة: الشاة، وليس أباً لها، غنما هو عدو لها وكذلك الخمر، يكنى عنها بالطلا وليست طلاء، فصار مثلاً لمن يظهر له البر والإكرام. والمراد به ضد ذلك. وقد قيل: معنى قوله (كما الذئب يكنى أبا جعده) أن الذئب يكنى، وليس ذلك لكرامته، وهو نحو قول العامة ليس من كرامة الديك تغسل رجلاه.
وهذا البيت رواه أبو عبيدة هكذا، وهو فاسد الوزن ينقص من شطره الأول جزء، وذكروا أن الخليل بن أحمد أصلحه، فقال:
هي الخمر يكنونها بالطلاء ... كما الذئب يكنى أبا جعده
وهو بيت من المتقارب، عروضه محذوفة. ومن أطلق ضربه كان محذوفاً مثل عروضه، ومن رواه (مقيداً) كان ضربه أبتر. ويروى برفع الذئب وخفضه، فمن رفعه فعلى الابتدا، وتكون (ما) هاهنا هي التي تدخل على العامل فتكفه عن عمله، كالتي في قولك إنما زيد قائم. ومن خفضه جعل ما زائدة مؤكدة، كالتي في قوله تعالى (فبما نقضهم)، وعلى هذين الوجهين أنشد الأخفش:
وجدنا الحمر من شر المطايا ... كما الحبطات شربني تميم
* * *
(3/150)

وأنشد في هذا الباب:
(103)
(عقار كماء النيء ليست بخمطة ... ولا خلة يكوى الشروب شهابها)
البيت لأبي ذؤيب الهذلي. واسمه خويلد بن خالد بن محرث. وفي العقار ثلاثة أقوال: قيل سميت عقاراً لمعاقرتها الدن، أي ملازمتها إياه، وهو قول الأصمعي. وقيل بل أخذت من عقر العوض وهو مقام الإبل الشاربة، أرادوا أن الشاربين يجتمعون حولها كاجتماع الإبل حول عقر الحوض. وقيل: سميت عقاراً لأنها تعقر شاربها من قولهم كلأ عقار إذا كان يعقر الماشية. وهو قول أبي عبيدة. والنيء، بكسر النون والهمز: الذي لم يطبخ، شبه الخمر بمائه في حمرتها. فإذا فتحت النون، وشددت الياء، ولم تهمز، فهو الشحم، وليس هذا موضعه، والخمطه: قد فسرها ابن قتيبة، والخلة التي طعمها كطعم الخل. ويروى الشروب (بفتح الشين) وهو الكثير الشراب، ورواه ابن دريد (بضم الشين) وهو جمع شارب. وأراد بشهابها: حدتها وحرها. وأصل الشهاب: النار، فشبه به نارية الخمر والتهابها في جوف شاربها. ويروى يشوى الوجوه، وقبل هذا البيت:
ولا الراح راح الشام جاءت سبية ... لها غاية تهدى الكرام عقابها
(3/151)

والغاية: علم كان ينصبه الخمار عند بيته، ليعلم أن عنده خمرا، وشبهها بالعقاب، لخفقانها واضطرابها، وتسمى الراية نفسها عقاباً. وأصل ذلك ما ذكرته.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(104)
(فإن تسق من أعتاب وج فإننا ... لنا العين تجرى من كسيس ومن خمر)
هذا البيت لا أعلم قائله. ووج: اسم الطائف، فمن صرفه أراد الموضع أو البلد، ومن لم يصرفه ذهب إلى البقعة أو الأرض. ويجوز أن يصرف وإن كان مؤنثاً لسكون وسطه وخفته، كما تصرف هند. والكسيس والسكر: شراب يتخذ من التمر. وفي هذا البيت حجة لمن قال: لا يقال إلا لما كان من العنب، والصحيح أن الخمر واقع على كل ما خامر العقل من الأشربة.
* * *
وأنشد في باب فروق في الأرواث:
(105)
(لقد ونم الذباب عليه حتى ... كأن ونيمه نقط المداد)
(3/152)

البيت للفرزدق فيما ذكر أبو العباس المبرد. ورواه أبو العباس بالواو، (وقد) أنشده قبله:
تجمشني عيونكم بظفر ... ويغريني بأنياب حداد
والتجميش: المغازلة والمداعبة. وأراد بالظفر هنا: الظفرة، وهي جلدة تغشى العين، يقال فرت عينه تظفر ظفراً. ولم أسمع بالظفر إلا في هذا البيت، فيجوز أن تكون لغة في الظفرة، ويجوز أن تكون جمع ظفرة، كما قالوا أكمة وأكم وبدنة وبدن. ويجوز أن تكون هذه الأسماء كلها جمع الجمع، كأنهم جمعوها أولاً على أكم وبدن وظفرن ثم جمعوا الجمع، فقالوا: ظفر وبدن وأكم، كما قالوا أسد وأسد. وذكر بعض العلماء أن المبرد صحف هذا البيت، وأن صوابه:
يخمشني عميرتكم بظفر ... ويفريني بأنياب حداد
ومعنى يخمشني: يخدشني. وعميرة: اسم رجل. ويفريني: يقطعني. ووقع في كتاب الفرق لأبي عبيدة على ما رواه أبو العباس المبرد، ورواه أبو إسحاق الزجاج عن المبرد (تخمشني عشيرتكم بظفر) بالخاء معجمة. وروى في آخر البيت: (وثغر بين أنياب حداد) ولم أجده في شعر الفرزدق، فأقف منه على حقيقة.
* * *
وأنشد في باب معرفة الوحش:
(106)
(وكان انطلاق الشاة من حيث خيما)
(3/153)

البيت لأعشى بكره وصدره:
فلما أضاء الصبح قام مبادراً
ورواه أبوعلي عن ابن دريد في شعر الأعشى: (وحان انطلاق) وهو أجود يصف ثوراً وحشياً. وبعده:
فصبحه عند الشروق غدية ... لاب الفتى البكري عوف بن أرقما
* * *
وأنشد في باب فروق في أسماء الجماعات:
(107)
(أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف)
هذا البيت لجرير، في شعر يمدح به عبد الملك بن مروان. وقيل بل الممدوح به يزيد بن عبد الملك بن مروانن وهو الصحيح، لقوله في هذا الشعر:
يا ابن العواتك خير العالمين أبا ... قد كان يدفئني من ريشكم كنف
ويدل على ذلك أيضاً قوله في هذا الشعر:
الجود والحزم والإيمان قد نزلوا ... على يزيد أمين الله فاختلفوا
وعاتكة هي أم يزيد بن عبد الملك.
وإنما قال جرير هذا، لأنه قد كان قدم على عبد الملك بن مروان مع محمد ابن يوسف أخي الحجاج، في خبر فيه طول، فأنشده شعراً قال فيه:
(3/154)

تشكت أم حزرة ثم قالت ... رايت الموردين ذوى لقاح
تعلل وهي ساغبة بنيها ... بأنفاس من الشيم القراح
فقال عبد الملك: أترى أم حزره ترويها مئة من الإبل؟ فقال جرير: إن كانت من نعم كلب ولم تروها، فلا أرواها الله. وكان جرير رأى عند دخوله عليه صدقه كلب قد وردت، فلذلك ذكرها، فأمر له بمئة منها، فقال جرير: يا أمير المؤمنين أنا شيخ، وليس في فضل عن راحلتي. فقال عبد الملك أتحب أن نأمر لك بثمنها، قال: فقلت: لا، ولكن الرعاء. فقال عبد الملك لجلسائه: كم يكفي مائة ناقة من الرعاء؟ فقالوا: ثمانية. فأمر له بثمانية عبيد: أربعة من النوبة، وأربعة من الصقالبة، فلذلك قال جرير: (أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية) ويقال لمئة من الإبل هنيدة ولمئتين: هند. ولثلثمائة: أمامة، كذلكقال صاعد اللغوي، وأنشد لعارق الطائي:
أيوعدني والرمل بيني وبينه ... تأمل رويداً ما أمامة من هند
(3/155)

ولم أر هذا الذي قاله لأحد من اللغويين. وذكر أبو عمر المطرز أن أمامة وهنداً في البيت جبلان. وقوله (ما في عطائهم من ولا سرف) فيه ثلاثة أقوال: قال قوم: السرف ههنا: الخطأ. ومعناه: أنهم لا يخطئون فيضعون النعمة في غير موضعها، كقول الآخر:
إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى تصيب بها طريق المصنع
وهذا هو الذي حكاه ابن قتيبة. وقال قوم: السرف ههنا الإغفال. ومعناه: لا يغفلون أمر من قصدهم وعول عليهم، وهو قول يعقوب. وحكى أن أعرابياً قال: مررت بكم فسرفتكم: أي أغفلتكم. وأنشد لطرفة:
إن امرأ سرف الفؤاد يرى ... عسلاً بماء سحابة شتمي
وقال أبو حاتم: السرف: الإكثار. ومعناه أنهم لا يستكثرون ما يهبون، وإن كان كثيراًن لجلالة أقدارهم.
* * *
وأنشد في باب معرفة في الآلات:
(108)
(قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا)
هذا البيت للحطيئة، يمدح به بني قريع بن عوف بن كعب، رهط بغيض بن عامر بن شماس بن لؤي بن جعفر، وكان جعفر يقال له أنف الناقة، وكانرهطه يغضبون من ذلك، حتى قال الحطيئة في هذا الشعر:
(3/156)

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بانف الناقة الذنبا
فصاروا يفخرون بذلك. وقد فسر ابن قتيبة العناح والكرب. وأراد الحطيئة أنهم إذا عقدوا عقداً أحكموه وأوثقوه، كإحكام عقد الدلو إذا شُد عليها العناج والكرب، وليس هناك عناج ولا كرب في الحقيقة، وإنما هو مثل.
* * *
وأنشد في باب أسماء الصناع.
(109)
(وشعبتا ميس براها إسكاف)
هذا الرجز للشماخ بن ضرار، قاله في بعض أسفاره وقد نزل يجدو بأصحابه في حكاية فيها طول، وقبله:
لم يتق إلا منطق وأطراف ... وريطتان وقميص هفهاف
يريد أن طول السفر أنحل أجسامهم، وأبلى ثيابهم وأمتعتهم" فلم يبق منها إلا هذا الذي وصفه. والمنطق والنطاق سواء ويعني بالطراف: ما بقي من الأمتعة والآلات التي ذهب معظمها بمكابدة السفر. ورواه بعضهم (منطق) بفتح الميم، وكسر الطاء وقال: يريد بالمنطق كلامه أو لسانه، وبالأطراف أصابعه. والريطة كل ملاءة لم تكن لفقين. والهفهاف: الخلق الرقيق والميس: شجر تتخذ منه الرحال، ثم يسمى الرحل نفسه ميساً ويريد بالشبعتين آخرة الرحل وقادمته.
* * *
(3/157)

وأنشد في هذا الباب:
(110)
(طي القسامي برود العصاب)
هذا الرجز لرؤبة بن العجاج، وقبله:
طاوين مجهول الخروق الأجداب
شبه طيهم للفلوات بالمشي فيها، بطي القسامي للبرود. والخروق: جمع خرق، وهو القفر الذي ينخرق، وقيل هو الذي تنخرق فيه الرياح. والأجداب: المجدبة، جمع جدب والتقدير: طيا مثل طي القسامي، فحذف الموصوف، وأقام صفته مقامهن وحذف المضاف، وأناب المضاف إليه منابه. وقد تقدم قولنا فيه:
* * *
وأنشد في باب معرفة في الطير:
(111)
(وما من تهتفين به لنصر ... بأقرب جابة لك من هديل)
البيت للكميت الأسدي" يخاطب به قضاعة ويؤيسها من نصرة من يطمع في نصره، ويعلمها أن الذين يهتفون بهم لينصروهم، ولا يجيبونهم حتى يجيب الهديل الحمام. وإنما قال هذا، لأن قضاعة تركت نسبها في معد بن عدنان، وتيمنت، فادعت أنها من ولد مالك بن حمير، حتى قال في ذلك بعض شعرائهم:
قضاعة بن مالك بن حمير ... النسب المعروف غير المنكر
(3/158)

قال أبو رياش: فأنشد بعض العلماء بالنسب هذا الشعر، فقال بل والله النسب المنكر غير المعروف فوبخهم الكميت بتركهم أصلهم، واعتزائهم على غير أبيهم. وقيل هذا البيت:
فإنك والتحول عن معد ... كحالية تزين بالعطول
تغايظ بالتعطل جارتيها ... وبالأحماء تبدأ والحليل
فمهلا يا قضاعة لا تكوني ... كقدح خربين يدي محيل
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(112)
(كأن الهديل الظالع الرجل وسطها ... من البغي شريب بغزة منزف)
هذا البيت لجران العود، وقد ذكرنا لم سمي بذلك فيما مضى، وقبله:
شبه الهديل في تغنيه وتمايله من المرح بشريب قد سكر فهو يتغنى. والمنزف: السكران. يروى بفتح الزاي وكسرها، لأنه قال: أنزف الرجل إذا سكر، ونزفه السكر وأنزفه قال الشاعر:
(3/159)

لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى أنتم آل أبجرا
وقال العجاج:
وصرح ابن معمر لمن ذمر ... وأنزف العبرة من لاقى العبر
وغزة: بلدة بالشام. وروى أبو حاتم في كتاب الطير: (يغرد) من التغريد، فظننت أن أحد اللفظين مصحف من الآخر، حتى وجدت في شعر جران العود الروايتين جميعاً.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(113)
(أرى ناقتي عند المحصب شاقها ... رواح اليماني والهديل المرجع)
البيت: لذي الرمة. والمحصب: موضع رمي الجمار بمكة. يقول: لما رأت ناقتي أهل اليمن يروحون على بلادهم عند انقضاء الحج، والإبل ترجع هديلها، حنت إلى وطنها، وذكر ناقته وإنما يريد نفسه، ولم يرد باليماني رجلاً واحداً من أهل اليمن، إنما أراد جميع من كان بمكة من أهل اليمن. والهديل يكون للإبل، ويكون للحمام أيضاً، وبعد هذا البيت:
فقلت لها قرى فإن ركابنا ... وركبانها من حيث تهوين نزع
وهن لدى الأكوار يكسعن بالبرى ... على عجل منها ومنهن يكسع
* * *
(3/160)

وأنشد في هذا الباب:
(114)
(كأبي براقش كل لو ... ن لونه يتخيل)
هذا الشعر ذكره الأصمعي عن أبي عمرو بن العلا أنه لبعض بني أسد، وقبله:
إن ينجلوا أو يجبنوا ... أو يغدروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجلي ... ن كأنهم لم يفعلوا
هجا قوماً، فوصفهم بأنهم لا يلبثون على حال واحدة، فشبههم بهذا الطائر الذي يتلون بألوان شتى، ولذلك كنى بأبي براقش، لأنه يقال: تبرقش الروض: إذا ظهرت فيه أنواع الأزهار وتبرقش الرجل إذا تزين. وقال ابن الأعرابي، البرقشة: التفرق، وتركت البلاد براقش: أي ممتلئة زهراً مختلفاً من كل لون. وفي هذا الشعر من مشكل الإعراب، أن قوله (يغدوا عليك) بدل من قوله لا يحفلوا، لأن غدوهم مرجلين يدل على أنهم لم يحفلوا بما صنعوا ولا حجلوا منه، وليس ببدل من الفعل وحده، ولو كان كذلك لكان قد نفى عنهم الغدو مرجلين، كما نفى عنهم الحفل، ولكنه بدل من مجموع الفعل، ولا محمول على المعنى، لأنه إذا قال (يحفلوا) فقد ناب مناب قوله (تهاونوا بذلك) وقوله (كأنهم لم يفعلوا) في موضع نصب على الصفة لمرجلين، أو على الحال، كأنه قال مشبهين من لم يفعل. والكاف في (كأن) كاف التشبيه الجارة، دخلت على أن، وكان حكمها
(3/161)

أن تكون داخلة على الخبر، فإذا قلت كأن زيداً عمرو، فأصله إن زيداً كعمرو، فأرادوا العناية بحرف التشبيه، فقدموه إلى صدر الجملة، فانفتحت همزة أن لدخول الكاف عليها، كما تنفتح مع سائر العوامل الداخلة عليها، ولا موضع للكاف من الإعراب، ولا تعلق بظاهر ولا مضمر، لمفاقرتها موضعها الذي كان أخص بها، ولأنها قد ركبت مع أن وصارت كالجزء منها. والكاف من قوله (كأبي براقش) يجوز أن تكون في موضع رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: هم كأبي براقش: ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال، كأنه قال مشبهين أبا براقش. وقوله (كل لون): منصوب على المصدر، وفيه مجاز من ثلاثة أوجه: أحدها: أن (كل) ليس من المصادر على الحقيقة، وإنما يصير مصدراً إذا أضيف إلى مصدر، كقولك: ضربته كل ضرب. والثاني: أنه وضع اللون وهو اسم، موضع التلون، الذي هو مصدر، والثالث: أنه أجرى (يتخيل) مجرى يتلون، لأنه إذا تخيل فقد تلون، فأنه يتلون لونه كل تلون. ويجوز أيضاً أن يكون وضع اللون موضع التلون، والتلون موضع التخيل، فكأنه قال: لونه يتخيل كل تخيل. ونظير هذا في حملك المصدر على الفعل مرة، وحملك الفعل على المصدر مرة، قولهم تبسمت وميض البرق، فلك أن تقدره ومضيت وميض البرق، ولك أن تقدره تبسمت تبسم البرق. ومثله: قعد زيد جلوساً، فلك أن تجعل (قعد) في تأويل (جلس)، ولك أن تجعل الجلوس في تأويل القعود. ويروى: (كل لون لونه يتحول) وفيه من الصنعة مثل ماء في يتخيل.
* * *
(3/162)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(115)
(وليس بهياب إذا شد رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم)
هذا البيت لخيثم بن عدي ورواه أبو عبيد: (وليس بهياب) وزاد بعده:
ولكنه يمضي على ذاك مقدماً ... إذا صد عن تلك الهنات الخثارم
والخثارم: الذي يتطير. ويروى الخثارم بفتح الخاء، وهو جمع خثارم، وهذا من الجمع الذي ليس بينه وبين واحده إلا ضم أوله وفتحه، كقولك جوالق وجوالق وقراقر وقراقر وعُذافر وعَذافر. وأراد بواق: الصرد، وبحاتم: الغراب. وقد فسر ذلك ابن قتيبة. والهياب: الكثير الهيب والخوف. والرحل للناقة السرج للفرس. ومعنى عداني: صرفني. مدح نفسه بأنه لا يرجع عن سفره خوفاً من طائر يتطير به. ونحوه قول الآخر:
ولقد غدوت وكيف لا ... أغد على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(116)
(وردت اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمة الراس ابن ماء محلق)
(3/163)

البيت لذي الرمة، ووقع في نسخ أدب الكتاب (قطعت) وفي شعر ذي الرمة (وردت) وهو الصواب، لأن قبله:
وماء قديم العهد بالناس آجن ... كأن الدبا ماء الغضى فيه يبصق
وصف ماء قد علاه الطحلب، لعدم الاستسقاء منه، فاخضر، فكأن الدبا وهي الجراد بصقت فيه ماء الغضى. قال الأصمعي: وماء الغضى أخضر إلى السواد. والاعتساف: ركوب الفلاة بلا دليل، وقمة الراس أعلاه ومحلق: مستدير وإنما غلط ابن قتيبة في هذا البيت (فوضع قطعت موضع وردت) لأن قبله بأبيات في صفة الناقة:
قطعت عليها غول كل تنوفة ... وقضيت حاجاتي تخب وتعنق
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(117)
(إذا غرد المكاء في غير روضة ... فويل لأهل الشاء والحمرات)
لا أعلم قائل هذا البيت. ومعناه: أن المكاء إنما يألف الرياض، فإذا غرد في غير روضة، فإنما يكون ذلك لإفراط الجدب وعدم النبات، وتلك حالة تهلك الشاء والحمير، فالويل لمن لم يكن له مال غيرها. وحمرات: جمع حمر، وحمر، جمع حمار، بمنزلة كتاب وكتب، ويجوز أن يكون جمع الحمير على حمر
(3/164)

فيكون بمنزلة قضيب وقضب. وقولهم: حمير ليس بجمع، ولكنه اسم للجمع، بمنزلة العبيد والكليب.
* * *
وأنشد في باب معرفة في الهوام والذباب وصغار الطير.
(118)
(والله لو كنت لهذا خالصا ... لكنت عبداً آكل الأبارصا)
هذا البيت لا أعلم قائله، ولا ما يتصل به. والظاهر من معناه: أن قائله سيم خطة لم يرضها ورأى قدره يجل عنها، فقال لو كنت ممن يرضى بما سمتموني إياه، وأهلتموني له، لكنت كالعبد الذي يأكل الوزغ. ويروى آكل الأبارصا، أراد أكلاً الأبارص، فحذف التنوين لالتقاء السانين، ومثله ما أنشده سيبويه لأبي الأسود الدؤلي:
فألفيته غير مستعتب ... ولا ذاكر الله إلا قليلا
وقال أبو العباس المبرد سمعت عمارة بن عقيل يقرأ ولا الليل سابق النهار بالنصب، فقلت ما تريد فقال أريد؟ سابق النهار. فقلت له: فهلا قلته فقال؟ لو قلته لكان أوزن.
* * *
(3/165)

وأنشد في هذا الباب:
(119)
(كأنها من سمن واستيقار ... دبث عليها عارمات الأنبار)
الرجز لشبيب بن البرصاء - فيما ذكر أبو حاتم السجستاني. ويروى استيفار بالفاء" وهو استفعال من الشيء الوافر. ويروى استيقار بالقاف، يريد أنها أوقرت بالشحوم. والرواية هي الأولى.
يقول: كأن هذه الإبل من سمنها ووفورها دبت عليها الأنبار العارمة فلسعتها فانتفخت. ويروى ذربات الأنبار، وفيه قولان: أحدهما أنها الحديدة اللسع من قولهم سكين ذرب ومذرب أي حاد. والثاني: أنها المسمومة. يقال: ذربت السهم إذا سقيته السم. ويقال للسم الذواب. وبعد هذين البيتين:
يتبعها أسود جسم العوار ... حمش الشوى ليس من أهل الأمصار
ذو زندة في قلعة وزمار
يعني بالأسود: الراعي، والجم: الكثير، والعوار: القذى يكون في العين ويكون أيضاً الوجع الذي يكاد يعور العين. والحمش: الدقيق، والشوى: القوائم وقوله: ليس من أهل الأمصار: يريد أنه ستغرب في الغلوات وراء الإبل لا يألف المحاضر. والزندة: ما يقدح به النار. والقلع: الكنف الذي يحبس فيه الراعي ما يحتاج إليه ويعلقه من وسطه. وأراد بالزمار اليراع الذي يزمر فيه الرعاء.
* * *
(3/166)

وأنشد في هذا الباب:
(120)
(وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعداً)
والبيت: للحارث بن حلزة اليشكري، وقبله:
(ولقد رأيت معاشراً ... قد جمعوا مالاً وولدا)
يقول: رأيت معاشر من الناس قد رزقهم الله المال والأولاد، وهم مثل الزباب الحائر الذي لا يسمع الرعد لصممه. يريد أن الأرزاق لم تقسم على قدر العقول. والولد يكون واحداً وجمعاً. وقوله (لا تسمع الآذان رعداً) يجوز أن يكون من صفة الزباب، ويجوز أن يكون من صفة المعاشر، وتقديره، على مذهب البصريين: لا تسمع الآذان منها أو منهم، فحذف الضمير اختصاراً لما فهم المعنى. وتقديره على مذهب الكوفيين: لا تسمع آذانها او آذانهم، فنابته الألف واللام مناب الضمير.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(121)
(سبحل له نزكان كانا فضيلة ... على كل حاف في البلاد وناعل)
(3/167)

هذا البيت لحمران ذي الغصة، وكان خالد بن عبد الله القسرى ولاه بعض البوادي، فلما جاء المهرجان أهدى كل عامل إليه ما جرت عادة العمال بإهدائه؛ وأهدى إليه حُمران قفصاً مملوءاً ضباباً، وكتب إليه:
جبى المال عمال الخراج وجبوتي ... محذفة الأذناب صفر الشواكل
رعين الدبا والنقد حتى كأنما ... كساهن سلطان ثياب المراجل
ترى كل ذيال إذا اشمس عارضت ... سما بين عرسيه سمو المخايل
سيحل له نزكان كانا فضيلة ... على كل حاف في البلاد وناعل
وذكر أبو عمر والشيباني في تاب الحروف أن ابن هبيرة استعمل رجلاً من أهله على ناحية البادية فأهدى إليه في المهرجان ضببن، وكتب إليه بهذا الشعر. والجبوة ما يجيبه العامل يقال جبوت الخراج وجيته. والشواكل: الخواصر، والدبا: الجراد. والنقد: ضرب من النبت، والمراجل: ثياب موشاة ويقال ثوب ممرجل، قال العجاج:
وكل براق الشوى مسرول ... بشية كشية الممرجل
(3/168)

وقال وضاح اليمن:
وأبصرت سعدي بين ثوبي مراجل ... وأثواب عصب من مهلهلة اليمن
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(122)
(وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضب يعدو بالواد)
هذا الرجز لا أعلم لمن هو وقائله أعرابي أكل الضباب، وعيب بذلك، فقال للذي عابه وعيره: إنما تنكر أكلها وتعيبها، لأنك لم تذق كشاها وأكبادها لو ذقتها لم تترك منها واحداً إلا وصدته. وهذا الرجز يدل على أن جميع العرب لم يكونوا يأكلون الضب كما زعمت الشعوبية ومثله قول الآخر:
فلو كان سيفي باليمين تباشرت ... ضباب الفلا من جمعهم بقتيل
يقول ذل في قوم كانوا يأكلون الضباب فقال: لو كان سيفي بيميني لقتلت منهم قتيلا فاستبشرت الضباب بقتله، لاستزاحتها من صيده إياها.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(123)
(ومكن الضباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم)
(3/169)

هذا البيت لأبي الهندي وقد أنشد ابن قتيبة هذا الشعر بكماله في عيون الأخبار وهو:
ألكت الضباب فما عفتها ... وإني لشهى قديد الغنم
ولحم الخروف حنيذاً وقد ... أتيت به فائزاً في الشيم
فأما البهط وحيتانكم ... فما زلت منها كثير السقم
وكم نلت منها كما نلتم ... فلم أر فيها كضب هرم
وما في البيوض كبيض الدجا ... ج وبيض الجراد شفاء القرم
ومكن الضباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم
الحنيذ: اللحم المشوي. والشبم، بكسر الباء: البارد. والبهط: الرز باللبن والقرم: الشهوة إلى اللحم فإذا كسرت الراء، فهو المشتهي للحم.
* * *
وأنشد في هذا الباب باب الحية والعقرب.
(124)
(أيغايشون وقد رأوا حفائهم ... قد عضه فقضى عليه الأشجع)
(3/170)

البيت: لجرير يهجو به الفرزدق. والمغايشة: المغالبة والمفاخرة. وقد شبه الفرزدق بالحفاث، وهي الحية التي تنفخ ولا تؤذى، وشبه نفسه بالأشجع وهو الذكر من الحيات. والألف في قوله (أيغايشون) ألف التوبيخ والإنكار. والأشجع: يرتفع على مذهب البصريين بكل واحد من الفعلين اللين قبله، ولا يجوز ارتفاعه في قول الفراء إلا بالأول، لأنه لا يجيز إضمار الفاعل قبل الذكر، كما لا يجيز إضمار المفعول. والبصريون يجيزون إضمار الفاعل قبل الذكر ولا يجيزون إضمار المفعول، وحجتهم أن الفاعل لا يستغني عنه فيضمر في هذا الباب قبل الذكر على شرط التفسير والمفعول يستغني عنه، فلذلك لم يضمر قبل الذكر، والكساء، يجيز ذلك ولا يضمر شيئاً.
وقد حكى السيرافي أن الفراء يجيز في قام وقعد زيد أن يرفع زيد بالفعلين معاً. وهذا غلط، لأنه لا يعمل عاملان في اسم واحد، في حال واحدة، فيلزم بحسب هذا الرأي الفاسد أن يرتفع الأشجع بعضه وقضى جميعاً. والضمير في يغايشون: يعود إلى مجاشع، لأنه قال قبل هذا البيت:
لا يعجبنك أن ترى لمجاشع ... جلد الرجال ففي القلوب الخولع
ويريب في رجع الفراسة فيهم ... وهل الطفاطف والعظام تخرع
إنا لنعرق من رجال مجاشع ... هذا الحفيف كما يحف الخروع
والخولع: الجبن الشديد الذي يخلع القلب والخروع: نبت لين. والنجار: الأصل.
* * *
(3/171)

وأنشد في باب معرفة في جواهر الأرض:
(125)
(ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلاً يحملن أم حديدا)
(أم صرفانا بارداً شديدا)
هذا الرجز للزباء، قالته حين جاءها قصير اللخمي بالجمال، وعليها صناديق فيها رجال عمرو بن عدي، وتقدم إليها وقال: قد جئتك بما صأى وصمت، فأشرفت فنظرت إلى الجمال تمشي مشياً ضعيفاً، لثقل ما على ظهورها، فقالت هذا الرجز، وبعده - (أم الرجال جثماً قعودا) وخبرها مشهور. وكان أبو حاتم يقول: هي الزبى مقصورة، ويجعلها تأنيث زبان، مثل سكران وسكرى. وقال غيره: إنما هي الزباء بالمد تأنيث الأزب: والصرفان فيه ثلاثة أقوال: قيل: هو الرصاص. وقيل: هو الموت. لأنه انصراف عن الحياة. وقيل: هو نوع من النمر رزين. ذكر ذلك أبو حنيفة. وروى الكوفيون مشيها بالرفع والنصب والخفض، قالوا: فمن رفع أراد ما للجمال وئيدا مشيها، فقدم الفاعل ضرورة. ومن نصب فعلى المصدر لفعل مضمر، أراد تمشي مشيها، ومن خفض فعلى البدل، من الجمال. والبصريون لا يجيزون تقدم الفاعل قبل الفعل في اضطرار ولا غيره غيره. قال أبو علي الفارسي: من روى مشيها بالرفع، أبدله من الضمير في قوله (للجمال) المرفوع قال: وإن شئت جعته مبتدأ، ووئيدا: منتصب به وفي صلته. والخبر مضمر، والجملة في موضع نصب. قال: ويجوز أن يكون (وئيدا) حالا تسد مسد الخبر،
(3/172)

وهذه حال غريبة في الأحوال السادة مسد الأخبار، لأن النحويين يقدرون الحال السادة مسد الخبر بإذ وإذا، ويضمرون معهما كان التامةن لتكون عاملة في الحال، فإذا قلت: ضربى زيداً قائماً، فتقديره عندهم: إذا كان قائماً، وإذ كان قائماً، لأن الحال إنما جاز أن تسد في هذا الموضع مسد الخبر، لأنها نابت مناب ظرف الزمان المحذوف، ولذلك لم يجز أن تسد مسد خبر المبتدأ إلا إذا كان المبتدأ مصدراً، أو في تأويل المصدر، كما أن الزمان لا يكون خبراً إلا عن المصدر، وما سد مسده، ولا يجوز تقدير ذلك في بيت الزباء، ألا ترى أنك إن قلت: ما للجمال مشيها إذ كانت وئيدا وإذا كانت وئيدا، كان ذلك خطأ، لأن الزباء غنما قالت هذا القول في حال تشاهدها، ولم تقل ذلك في شيء ماض ولا مستقبل، فلا يصح دخول كان هاهنا ولا (إذ وإذا)، ومع ذلك فإن (وئيدا) على هذا التقدير لا يجوز أن يكون حالا إذ على بُعد من التأويل، فلأجل هذا الذي قلناه، صار كثير من النحويين ينكر قول أبي على هذا ويرده، لمخالفته المعهود من أمر الأحوال السادة مسد الأخبار. وتلخيص قول أبي علي رحمه الله: أن يكون التقدير: مشيها حين أراها ذات وئيد، يضمر الخبر، لأنه يقع على كل وقت ماض وحاضر ومستقبل، ويجعل (أراها) المضمر فعل حال، ويحذف (ذات) ويقيم (الوئيد) مقامها.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب نوادر:
(126)
(من بين جمع غير جماع)
(3/173)

البيت: لأبي قيس بن الأسلت الأنصاري، وصدره:
حتى تجلت ولنا غاية
وقبله:
نذودهم عنا بمستنة ... ذات عرانين ودفاع
كأنهم أسد لدى أشبل ... ينهتن في غيل وأجراع
فنذودهم: ندفعهم. ويعني بالمستنة: كتيبة لها استنان إلى القتال، وهو المدح والنشاط والتسرع. ويعني بالعرانين الرؤساء المتقدمين في الفضل والشجاعة. وأصل العرانين: الأنوف. والعرب تشبه السادة والأشراف بالرءوس والأنوف والأعناق، ونحوها من مقاديم الحيوان، وتشبه السقاط والسفلة بالأقدام والحوافر والزمعات، ونحوها من أسافل الحيوان. وأصل الدفاع: السيل الذي يندفع فلا يقدر على رده، فضربه مثلاً للتقدم إلى الحرب. والأشبل أولاد الأسد، واحدها: شبل. وإذا كانت السد عند أغيالها وأولادها كانت أشد بأساً وأحمى أنوفاً والغيل: الأجمة. والأجراع: معاطف الأودية. وينهتن: يصوتن، يقال نهت الأسد وزأر. وتجلت: تكشفت. والغاية: الراية: والجمع: المجتمعون. والجماع: المتفرقون. يقول: انجلت الحرب وجمعنا لم يفترق، فيعود جُماعاً.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(127)
(أماتهن وطرقهن فحيلا)
(3/174)

البيت: للراعي. وصدره:
كانت نجائب منذر ومحرق
النجائب: الإبل العتيقة المنجبة: وأراد بمنذر: المنذر ابن ماء السماء، ومحرق: عمرو بن هند، وكان يسمى محرقاً لأنه حرق مائة رجل من تميم. وقيل سمى محرقاً لأنه حرق نخل ملهم. وقيل سمى محرقاً لشدة ملكه وعتوه، كما سمي مضرم الحجارة، يقال للذي يكثر الشر والفساد: أضرم فلان الأرض ناراً. وهذا المعنى أراد الربيع ابن زيادة في قوله:
وحرق قيس على البلا ... د حتى إذا اضطرمت أجذما
وقد ألم أبو الطيب المتنبي بهذا المعنى في قوله:
وما كان إلا النار في كل موضع ... يثير غبارا في مكان دخان
وأمات: جمع أم، وكذلك أمهات. والمشهور في الاستعمال وقوع أمهات لمن يعقل، وأمات لما لا يعقل، وقد استعمل كل واحد منهما مكان الآخر، قال ذو الرمة يصف ماء:
سوى ما أصاب الذئب منه وسربة ... أطافت به من أمهات الجوازل
وقال جرير:
لقد ولد الأخيطل أم سوء ... مقلدة من الأمات عارا
(3/175)

والطرق: الضراب. يقال: طرق الفحل الناقة يطرقها طرقا: إذا علاها. وقال أبو عمرو الشيباني: الطرق: الفحل بعينه، كأنه سمى بالمصدر، لكثرته منه، كما يقال للرجل إذا كان يكثر الأكل والشرب ما أنت إلا أكل وشرب وأما إعرابه فأماتهن: اسم كان، ونجائب: خبرها. وطرقهن معطوف على أماتهن. وفحيلا: معطوف على نجائب، كأنه قال: كانت أماتهن نجائب منذر ومحرق، وكان طرقهن فحيلا: كما تقول كان زيد قائماً، وعمرو قاعداًن فترد الاسم على الاسم، والخبر على الخبر، ومن جعل الطرق في هذا البيت الضراب، فالتقدير: وذو طرقهن. ثم حذف المضاف. ومن جعله الفحل بعينه، فلا حذف فيه، وبعد هذا البيت:
قودا تذارع غول كل تنوفة ... ذرع النواشج مبرما وسحيلا
* * *
وانشد في هذا الباب:
(128)
(ألح على أكتابهم قتب عقر)
هذا البيت للبعيث المجاشعي. وصدره:
(ألد إذا لقيت قوماً بخطة)
الألد: الشديد الخصومة. والقتب العقر الذي يعقر ظهر الدابة، أي يجرحه. مدح نفسه بأنه حاذق بالخصام، عارف بوجوه الحجاج والكلام، فإذا علق بخصم لم ينفصل عنه حتى يؤثر فيه ما يؤثر القتب العقر في ظهر الدابة.
(3/176)

وأنشد في باب تسمية المتضادين باسم واحد.
(129)
(يبادر الجونة أن تغيبا)
هذا الشعر للخطيم الضبابي، وليس على ما أنشده ابن قتيبة. وصوابه:
يبادر الآثار أن تئوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
الجونة: الشمس وتئوب ترجع. وكان أبو العباس ثعلب يروى (الآثار) جمع آثر، وكان الغالبي يروى (الأثآر) في وزن الأشعار، يجعلها جمع ثار، وكان أبو العباس ثعلب يروى الآثار جمع أثر. فأما رواية الغالبي فيجوز فيها وجهان أحدهما أن تكون (الآثار) جمع الثأر، الذي هو مصدر ثأرت به أثأر: إذا أدركت ثأره، فيكون على هذا قد نسب الإياب إلى الآثار. والمراد أصحابهما، كما قال تعالى: (ناصية كاذبة خاطئة)، وغنما الخطأ والكذب لصاحب الناصبة. والوجه الثاني: أن يكون الآثار جمع الثأر الذي يراد به المثئور منهن يقال: فلان ثأرى كما قال الفرزدق:
وقفت بها أذرى الدموع كأنني ... بها سلم في كف صاحبه ثأر
يريد رجلاً أسلم إلى طالبه بالقصاص ليقتله. ومعنى البيت في كلا الوجهين: أن هذا الفرس لسرعته يبادر المغيرين على الحي، فيدرك ثأره منهم قبل أن يثوبوا إلى أوطانهم.
(3/177)

وأما رواية أبي العباس ثعلب، ففيها أيضاً وجهان: أحدهما: أنه يريد أن يقتفي آثار المغيرين، فيدركهم قبل أن يثوبوا إلى بلادهم. والثاني: أنه يريد بالآثار الفنكات والوقعات، من قولهم: أثر فلان في القوم: إذا أوقع بهم، فيكون نحو الآثار في رواية الغالبي، وذكر الآثار في هذين الوجهين، وهو يريد أصحابهما، كما قلنا في رواية الغالبي.
وقال بعض أصحاب المعاني: يريد أنه إذا اتبع أثر طريدة بادرها ومنعها من أن تؤوب إلى ملجئها الذي خرجت منه فيكون مثل قول ابن مقبل يصف الفرس:
وصاحبي وهوه مستوهل وهل ... يحول بين حمار الوحش والعصر
وقوله: (وصاحب الجونة أن يغيبا) يريد أنه لو سابق الشمس إلى المغرب لسبقها إليه.
وقد أخذ أبو الطيب المتنبي هذا المعنى، وأوضحه بقوله:
ولو سابق الشمس من المشارق ... جاء إلى الغرب مجيء السابق
وأول من نبه على هذا المعنى النابغة الذبياني بقوله:
سماماً تبارى الشمس خوصاً عيونها ... لهن رذايا بالطريق ودائع
وأنشد أبو عبيدة من هذا الرجز، في كتاب الديباجة، ما أنا منشده في هذا الموضع، وهو:
(3/178)

لا تسقه حزراً ولا حليبا ... إن لم تجده سابحاً يعبوبا
ذاميعة يلتهم الجبوبا ... يترك صوان الصورى ركوبا
بزلقات قعبت تقعيباً ... يبرك في آثارها لهوبا
يبادر الآثار أن تثوبا ... وحاجب الجونة أن يغيبا
كالذئب يتلو طمعاً قريباً
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(130)
(أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذوداً شصائصا نبلا)
البيت: لحضرمي بن عامر، وكان له تسعة إخوة، فماتوا فورثهم، وكان له ابن عم ينافسه، يقال له جزء، فزعم أن حضرمياً سر بموت إخوته، وما صار إليه من ميراثهم، فقال حضرمي هذا الشعر. وقبل هذا البيت:
(3/179)

يزعم جزء ولم يقل جللا ... أنى تروحت ناعماً جذلا
إن كنت أزننتني بها كذبا ... جزء فلاقيت مثلها عجلا
فجلس جزء على شفير بئر مع إخوته، وكانوا تسعة، فانخسفت البئر بهم، فهلك إخوته، ونجا هو. فقيل ذل لحضرمي فقال: إن لله كلمة وافقت قدراً وأبقت حقداً. وقوله (أفرح) أراد: أأفرح؟ على معنى التقرير والانكار، فترك ذكر الهمزة وهو يريدها حين فهم ما أراد. وهذا قبيح، وإنما يحسن حذفها مع (أم) كقولك:
بسبع رمين الجمر أم بثمان
ويروى: أغبط. والذود من الإبل: ما دون العشرة، وأكثر ما يستعمل في الإناث والشصائص: التي لا ألبان لها، واحدتها شصوص. يقال شصت الناقة وأشصت. والنبل: الصغار ههنا، والجلل: يكون العظيم، ويكون الحقير، هو من الأضداد، وهو ههنا الحقير. والجذل: الفرح المسرور. ويقال زننته بكذا وأزننته: إذا اتهمته به، ونسبته إليه.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(131)
(ينهل منها الأسل الناهل)
(3/180)

هذا البيت يروى لعبيد بن الأبرص، وصدره:
والطاعن الطعنة يوم الوغى
وقبله:
قومي بنو دودان أهل الندى ... يوماً إذا ألقحت الحائل
كم فيه من سيد أيد ... ذي نفحات قائل فاعل
من قوله قول ومن فعله ... فعل ومن نائله نائل
ويروى أيضاً للنابغة الذبياني في شعر يمدح به الحارث الأعرج الغساني وقبله:
والله والله لنعم الفتى ال ... أعرج لا النكس ولا الخاذل
الحارب الحافز والجابر ال ... محروب والمرجل والحامل
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(132)
(فمنها مستبين ومائل)
وجدت هذا البيت في شعر زهير بن أبي سلمى من رواية السكرى، في قصيدة أولها:
لسلمى بشرقي القنان منازل ... ورسم بصحراء اللبيين حائل
تحمل منها أهلها وخلت لها ... سنون فمنها مستبين ومائل
* * *
(3/181)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(133)
(وخنذيذ ترى الغرمول منه ... كطي الزق علقه التجار)
هذا البيت لبشر بن أبي خازم الأسدي، قال أبو جعفر بن النحاس: قال ابن الأعرابي، الخنذيذ من الخيل: الضخم الشديد، وشبه غرمولة بزق خلا مما فيه فعُلق. وقال أبو علي الفارسي: أراد تضامه وانثناءه كطي الزق، لأن الطي انثناء وتضام، فيشبه المعنى بالمعنى، ولا يشبه العين بالمعنى. قال أبو علي: ويجوز أن يكون أراد بالطي المطوي، مثل نسج اليمن وضرب الأمير، فيكون المعنى كمطوى الزق، فيشبه العين بالعين على هذا الوجه الثاني.
وبعد هذا البيت:
كأن حفيف منخره إذا ما ... كتمن الربو كير مستعار
يضمر بالإصائل فهو نهد ... أقب مقلص فيه اقورار
وقوله (وخنذيذ) بالخفض، لأنه معطوف على قوله قبله:
بكل قياد مسنفة عنود ... أضربها المسالح والفوار
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب إقامة الهجاء:
(134)
(فلما لبسن الليل أو حين نصبت ... له من خذا آذانها وهو جانح)
(3/182)

البيت: لذي الرمة. وقال ابن قتيبة في تفسيره: خبرت عن الأصمعي أنه قال: أراد أو حين أقبل الليل نصبت آذانها، وكانت مسترخية، والليل مائل عن النهار، فحذف. وهذا التفسير يحتاج إلى تلخيص وإيضاح. وحقيقته أنه حذف الجملة التي أضاف إليها حين أراد أو حين أقبل الليل، ولا يجوز أن يكون حين مضافاً على قول الأصمعي إلى نصبت، لأن (نصبت) عنده جواب لما، وإذا كان جواباً لم تجز إضافة حين إليه ومعنى لباسها الليل. دخولها فيه، والتقدير: فلما لبست الحمير الليل، أو حين أقبل الليل قبل أن تلبسه، نصبت آذانها، وتشوفت للنهوض إلى الماء، لأنها لا تنهض لورد الماء إلا ليلا، والخذا: استرخاء الأذنين، يريد أن آذانها كانت مسترخية من الحر، فلما أقبل الليل وضعف الحر، نصبت آذانها" وهذا كله على مذهب الأصمعي. وذهب غير الأصمعي على أن حين مضاف إلى (نصبت)، وأن جواب لما في البيت الذي بعد هذا، وهو قوله:
حداهن شحاج كأن سحيله ... على حافتيهن ارتجاز مفاضح
فتقديره على هذا: فلما دخلت الحمير في الليل، أو في الحين الذي تنصب فيه آذانه" وهو حين إقبال الليل، حداها الحمار نحو الماء. والهاء في قوله (له) عائدة على الليل، ولا يجوز أن تكون للتبعيض يريد أن مجيء الليل أذهب بعض حذا آذانها ولم يذهب جملته، وإنما تذهب جملته إذا تمكن الليل وقوى برد الهواءن وزال مابها من العطش بورود الماء. وقبل هذا البيت:
(3/183)

دعاهن من ثاج فأزمعن رده ... أو الأصهبيات العيون السوائح
فظلت بأجماد الزجاج سواخطا ... صياما تغنى تحتهن الصفائح
قال الأصمعي (ثاج): عين هي من البحرين على ليال. وأراد بالأصهبيات: عين أصهب، وهي وراء كاظمة، والسوائح: الجواري. وأجماد الزجاج: موضع. وصياما: واقفة. والصفائح: حجارة عريضة، وأراد بغنائها: بين أصواتها. أرجلها إذا وطئتها.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(135)
(فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما)
البيت للنمر بن تولب. وقبله:
وإن أنت لاقيت في نجدة ... فلا تتهيبك أن تقدما
قال أصحاب المعاني: أراد فلا تتهيبها أن تقدم عليها، فقلب كما قال ابن مقبل:
ولا تهيبني الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسحر
أراد: لا أتهيب الموماة. ويجوز عندي أن تكون الكاف في تهيبك حرف خطاب، لا موضع لها من الإعراب كالكاف التي في قولك في (أرأيتك زيداً ما صنع)؟ والنجاءك، فلا يكون مقلوبا، وكأنه قال: ولا تتهيب أن تقدم:
(3/184)

وأنشد في باب دخول ألف الاستفهام على ألف القطع:
(136)
(أيا ظبية الوعساء بين حلاحل ... وبين النقا آأنت أم أم سالم)
هذا البيت لذي الرمة. والوعساء: رملة لينة، وحلاحل: موضع. بالجيم والحاء. وقوله: (آأنت أم أم سالم): أراد: أنت ظبية أم أم سالم؟ فقوله: أم أم سالم معطوفة على خبر المبتدأ المحذوف. وقبل هذا البيت:
أقول لدهناوية عوهج جرت ... لنا بين أعلى عرفة فالصرائم
أراد بدهناوية ظبية نسبها إلى الدهناء، وهي فلا معروفه من تميم. والعوهج: الطويلة العنق. وعرفة: اسم موضع. والصرائم: رمال تنقطع من غيرها، واحدتها: صريمة. ويروى أن أخاه مسعوداً اعترضه في هذا البيت فقال:
فلو تحسن التشبيه والوصف لم تقل ... لشاة النقا: آأنت أم أم سالم
جعلت لها قرنين فوق جبينها ... وظلفين مشقوقين تحت القوائم
فقال ذو الرمة:
هي الشبه إلا مدربيها وأذنها ... سواء، وإلا مشقة في القوائم
وهذه حاكية طريفة، لأن المشبه بالشيء إنما يشبه به في بعض معانيه. فليس يلزم هذا الاعتراض، ولا هذا الجواب. وهبه استثنى ما ذكر، فما الذي يصنع بسائر خلقها. أه.
(3/185)

وأنشد في باب حروف توصل بما وبإذ وغير ذلك.
(137)
(ويلمه رجلاً تابى به غبناً ... إذا تجرد لا خال ولا بخل)
البيت للمتنخل الهذلي. واسمه مالك بن عمرو، ويكنى أبا أثيلة. ويقال (المتنخل) بكسر الخاء وفتها، فمن كسرها أراد أنه يتنخل الشعر ويستجيده، ومن فتحها أراد أنه مقدم على الشعراء متخير منهم، وهذا البيت من شعر رثى به ابنته أثيلة، وهي التي يكنى بها، وقبله:
تبكي على رجل لم تبل جدته ... خلى عليك فجاجاً بينها سبل
والغبن، بفتح الباء، الخديعة في الرأي. والغبن بسكون الباء: الخديعة في الشراء والبيع. وفعل الأول: غبن يغبن، على مثال حذر يحذر، وفعل الثاني غبن يغبن، على مثال: ضرب يضرب. ومعنى التجرد هاهنا التشمير للأمر، والتأهب له. وأصل ذلك: إن الإنسان يتجرد من ثيابه إذا حاول فعل أمر أو الدخول في حرب، فصار مثلاً لكل من جد في الشيء وإن لم يتجرد من ثيابه. ويجوز أن يراد بالتجرد للأمر: الانسلاخ من جميع الأمور سواه. وقوله (لا خال) (ولا بخل) فيه وجهان: أحدهما أن يريد بالخال الاختيال والتكبر، من قولهم رجل فيه خال: إذا كانت فيه خيلاء، قال الشاعر:
فإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل
(3/186)

فيكون تأويله على هذا لا فيه خال ولا بخل، فيكون مبتدأ محذوف الخبر، ويجوز أن يكون التأويل: لا ذو خال ولا ذو بخل. فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. و (خال) في هذا الوجه: خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: لا هو ذو خال.
والوجه الثاني: أن يكون من قولهم: رجل خال: إذا كان متكبراً، كأنهم سموه بالخال الذي هو التكبر، لكثرته منه، كما يقال: ثوب نسج اليمن، أي منسوج، وكما يقال للرجل إذا كثر أكله وشربه ما أنت إلا أكل وشرب. ويجوز أن يكون صفة بنيت على مثال بطر وأشر، ويكون أصله خول، فانقلبت الواو ألفاً، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فيكون بمنزلة قولهم: (رجل مال، ويوم راح وكبش صاف)، فيرتفع (خال) في البيت على أنه خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: لا هو خال، ولا ذو بخل فيقدر في (بخل) حذف مضاف، لأنه مصدر، ولا تقدره مع خال، لأنه اسم وإن أجريت المصدر مجرى الاسم مبالغة في المعنى، كما ذكرنا، لم تقدر مضافاً محذوفاً في الثاني، كما لم تقدره في الأول. وقد روى: ولا بخل، بكسر الخاء، فهذا اسم فاعل لا مصدر. وأما من أجاز في (خال) الذي يراد به الرجل المتكبر، أن يكون مقلوباً من خايل، فلا يصلح في هذا الموضع، لأنه كان يجب أن يروى: لاخال، يكسر اللام، ولا نعلم أحداً رواه هكذا، وإن كان قد روى فهذا مجازه. وعلى هذا تأول بعضهم بيت امريء القيس:
وامنع عرسي أن يزن بها الخالي
(3/187)

ومن ذهب هذا المذهب في بيت امريء القيس، جاز أن يكون (الخالي) مفعولاً لم يسم فاعله، وجاز أن يكون صفة للمرء، كأنه قال: على المرء الخالي عرسه.
وأما من أعرب (خالاً) وأجراه مجرى مال ودار، وتأول عليه بيت امريء القيس، فإنه على هذا الاعتقاد صفة للمرء لا غير، وأما قوله (ويلمه): فمدح خرج بلفظ الذم. والعرب تستعمل لفظ الذم في المدح، فتقول أخزاه الله ما أشعره، ولعنه الله ما أجراه، وكذلك يستعملون لفظ المدح في الذم، فيقولون للأحمق: يا عاقل، وللجاهل، يا عالم. ومعنى هذا يا أيها العاقل عند نفسه، أو عند من يظنه عاقلاً، فسموه عاقلاً على ما يعتقده في نفسه.
وأما قولهم: أخزاه الله ما أشعره، ونحو ذلك من المدح الذي يخرجونه بلفظ الذم، فلهم في ذلك غرضان: أحدهما أن الإنسان إذا رأى الشيء فأثنى عليه، ونطق باستحسانه فربما أصابه بعين، وأضرّ به، فيعدلون عن مدحه إلى ذمه، لئلا يؤذوه. والثاني: أنهم يريدون أنه قد بلغ غاية الفضل، وحصل في حد من يذم ويسب، لأن الفاضل يكثر حساده والمعادون له، والناقص لا يلتفت إليه، ولذلك كانوا يرفعون أنفسهم عن مهاجاة الخسيس، ومجاوبة السفيه، ولذلك قال الفرزدق:
وإن حراما أن أسب مقاعسا ... بآبائك الشم الكرام الخضارم
ولكن نصفا لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم
(3/188)

وقال أبو الطيب:
صغرت عن المديح فقلت أهجى ... كأنك ما صغرت عن الهجاء
ويروى: ويلمه، بكسر اللام، وويلمه بضمها، فمن كسر اللام ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون أراد: ويل أمهن بنصب (ويل) وإضافته إلى الأم، ثم حذف الهمزة، لكثرة الاستعمال، وكسر لام (ويل)، إتباعاً لكسرة الميم، كما قالوا: مررت بامريء القيس، فكسروا الراء، لكسرة الهمزة. والثاني: أن يكون أراد (ويل) لأمه، برفع ويل على الابتدا، ولامه خبره، وحذف لام (ويل) وهمزة (أم) كما قالوا: أيش لك، يريدون أي شيء؟ فاللام المسموعة في (ويلمه) على هذا، هي لام الجر. والثالث: ألا يريد الويل، ولكنه أراد (وي) التي ذكرها عنترة في قوله:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
فيكون على هذا قد حذف همزة (أم) لا غير، وهذا عندي أحسن هذه الأوجه، لأنه أقل للحذف والتقدير. واللام المسموعة في (ويلمه) أيضاً هي لام الجر. وأجاز ابن جني أن تكون اللام المسموعة هي لام (ويل)، على أن يكون حذف همزة (أم) ولام الجر، وكسر لام (ويل) إتباعاً لكسرة الميم. وهذا بعيد جداً. وأما من روى (ويلمه) بضم الميم، فإن ابن جني أجاز فيه وجهين أحدهما: أنه حذف الهمزة واللام، وألقى ضمة الهمزة على لام الجر، كما حكى عنهم: (الحمد لله) بضم لام الجر، وهي قراء إبراهيم بن أبي عبلة: والوجه الثاني: أن
(3/189)

يكون حذف الهمزة ولام الجر، وتكون اللام المسموعة هي لام (ويل) لا لام الجر.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب ما نقص منه الياء لاجتماع الساكنين:
(138)
(ولقد شربت ثمانيا وثمانيا ... وثمان عشرة واثنتين وأربعاً)
هذا البيت لأعشى بكر، ولم تقع هذه القصيدة فيما رويناه عن أبي علي البغدادي من شعره وأنشد أبو عمرو الشيباني قبل هذا البيت:
إن الأحامرة الثلاثة أهلكت ... مالي وكنت بهن قدماً مولعاً
الخمر واللحم السمين وأطلى ... بالزعفران فلن أزال مروعاً
قال أبو عمرو: إذا قالوا: الأحمران، أرادوا اللحم والخمر. وإذا قالوا الأحامرة زادوا فيها الزعفران.
* * *
(3/190)

وأنشد في هذا الباب:
(139)
(رباعياً مرتبعاً أو شوقياً)
هذا البيت للعجاج. والمرتبع الذي ليس بطويل ولا قصير. والشوقب: الطويل. وأحسبه يصف حماراً وحشياً.
* * *
وأنشد في باب ما يكتب بالألف والياء من الأسماء:
(140)
(فلا يرمي بي الرجوان إني ... أقل القوم من يغني مكاني)
هذا البيت لعبد الرحمن بن الحكم، من شعر يقوله في أخيه مروان، وقد عتب عليه. وقبله:
ألا من مبغل مروان عني ... رسولاً والرسول من البيان
فلولا أن أمك مثل أمي ... وأنك من هجاك فقد هجاني
وأعلم أن ذاك هوى رجال ... هم أهل العداوة والشتان
لقد جاهرت بالبغضاء إني ... إلى أمر الجهارة ذو علان
(3/191)

قوله: (فلا يرمي بي الرجوان): مثل يضرب لمن يتهاون به، ولمن يعرض للمهالك، والرجوان: ناحيتا البئر. وأصل هذا: أن البئر إذا كانت مطوية بالحجارة، احتاج المستقى منها إلى أن يتحفظ بالدلو، لئلا يصيب أحد جانبي البئر فيتخرق أو ينقطع فيقال له عند ذلك: (أبن أبن) أي أبعد دلوك عن جانبي البئر. وإذا كان المستقي ممن يتهاون بالدلو، ويريد الإضرار بصاحبها، صدم له بها أحد جانبي البئر فانخزقت وانقطعت، فضرب ذلك مثلاً لمن يخاطر به، ويعرض للهلاك، ولهذا الذي وصفناه، قال بعض السقاة:
أما يزال قائل: ابن أبن ... دلوك عن حد الضروس واللبن
وقوله: (فلا يرمي) يجوز أن يكون (لا) بمعنى ليس. ويجوز أن تكون نهياً، وأثبت الألف ضرورة، وكان ينبغي أن يحذفها للجزم. وقد روى: (فلا يقذف) وهذا لا ضرورة فيه. (وأقل): مرفوع بالابتداء، ومن خبره. والجملة في موضوع خبر إن. ومعناه: قليل من القوم من يغني مكاني، وينوب منابي، فيكون على هذا التأويل قد أثبت أن في الناس من يقوم مقامه، إلا أنه قليل. والأجود أن تكون القلة ههنا بمعنى النفي، فيكون قد نفى أن يقوم أحد مقامه، لأنه يعم نفسه، والعرب تستعمل القلة بمعنى النفي، فيقولون: أقل رجل يقول ذاك إلا زيد، وإنما جاز ذلك لأن الشيء إذا قل انتفى أكثره.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(141)
(كأنا غدوة وبني أبينا ... بجنب عنيزة رحيا مدير)
(3/192)

البيت لمهلهل بن ربيعة التغلبي. ويريد بقوله وبنى أبينا: بكر بن وائل. وعنيزة: موضع، كانت فيه وقعة بين تغلب وبكر ابني وائل، وشبه الجيش برحيين يديرهما مدير للطحن، ورحى الحرب: وسطها ومعظمها لأنهم يستديرون فيها عند القتال، أو لأنها تهلك من حصل فيها كما تطحن الرحى الحب، ألا ترى إلى قول ربيعة بن مقروم:
فدارت رحانا بفرسانهم ... فعادوا كأن لم يكونوا رمما
وبعد بيت مهلهل:
فلولا اريح أسمع من بحجرٍ ... صليل البيض تقرع بالذكور
قال أبو جعفر ابن النحاس: يقال: إن هذا أول كذب سمع بالشعر، وإن قوله (كأنا غدوة) أول تناصف سمع في الشعر. وهذا الذي حكاه غير صحيح، لأن الشعر موضوع على الكذب والتخييل، إلا القليل منه، وإنما أراد قائل هذا أن يقول: إن هذا أول غلو سمع في الشعر، لأن قتالهم كان بالجزيرة، وحجر: قصبة اليمامة، وبين الموضعين مسافة عظيمة، فعبر عن الغلو بالكذب.
* * *
وأنشد في باب ما يجري عليه العدد في تذكيره وتأنيثه:
(142)
(فطافت ثلاثاً بين يوم وليلة ... وكان النكير أن تضيف وتجأرا)
(3/193)

البيت للنابغة الجعدي، يصف بقرة وحشية أكل السبع ولدها، فطافت ثلاثة أيام وثلاث ليال تطلبه، ولا إنكار عندها ولا غناء إلا الإضافة، وهي الجزع والإشفاق. والجؤار: هوا لصياح، والنكير: الإنكار، وهو من المصادر التي أتت على (فعيل) كالنذير والعذير، وأكثر ما يأتي هذا النوع من المصادر في الأصوات التي على (فعيل) كالهدير والهديل: قال الله تعالى (ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير) وبعد هذا البيت:
فألفت بياناً عند آخر معهد ... إهابا ومعبوطا من الجوف أحمرا
وخدا كبرقوع الفتاة ملمعاً ... وروقين لما يعدوا أن تقشرا
أراد: أنها وجدت عند آخر معهد عهدته فيه، ما بين لها وحقق عندها، أن السبع أكله، ثم فسر ذلك البيان بما ذكره بعد ذلك. والإهاب: الجلد. والمعبوط: الدم الطرين والروقان: القرنان. وشبه خده لما فيه من السواد والبياض، ببرقوع الفتاة، لأن الفتيات يزين براقعهن، وبقر الوحش بيض الألوان، لا سواد فيها إلا في قوائمها، وفي خدودها، وفي أكفالها ويقال: برقع بضم القاف، ويرقع بفتحها، وبرقوع بالواو.
* * *
(3/194)

وأنشد في باب ما لا ينصرف:
(143)
(لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعد ولم تسق دعد في العلب)
هذا البيت يروى لجرير، ويروى لعبد الله بن قيس الرقيات. والتلفع: الاشتمال بالثوب، والالتحاف فيه. والعلب: جمع علبة، وهو إناء يصنع من جلود الإبل. وصف أن دعداً نشأت في الرفاهية والنعمة، ولم تكن من البدويات اللواتي يتلفعن بالمآزر، وتشربن الألبان في العُلب. وهذا ضد قول بعض الأعراب:
لعمري لأعرابية في عباءة ... تحل دماثاً من سويقة أو فندا
أحب إلى القلب الذي لج في الهوى ... من اللابسات الخز يظهرن لي كندا
ويجوز في (دعد) الأولى الصرف وترك الصرف، ولا يجوز في الثانية الصرف، لفساد وزن الشعر. وكرر ذكر دعد ولم يضمرها تنويهاً بذكرها، وإشارة أو تلذذاً لاسمها واستطابة كما قال الآخر:
عذاب على الأفواه ما لم يذقهم ... عدو وبالأفواه أسماؤهم تحلو
وقد تكرر العرب ذكر الاسم، على غير وجه الإشارة والاستطابة، ولكن لضرب من المبالغة، أو على وجه الضرورة، فإذا كان ذلك في جملتين حسن الإظهار والإضمار، لأن كل جملة تقوم بنفعها، كقولك جاءني زيد، وزيد رجل فاضل. وإن شئت قلت: وهو رجل فاضل. وإذا كان في جملة واحدة
(3/195)

قبح الإظهار، ولم يكد يوجد إلا في الشعر، كقولك زيد جاء زيد، فمن الأول قوله تعالى: (لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله، الله أعلم حيث يجعل رسالته). ومنه قول الفرزدق:
لعمرك ما معن تبارك حقه ... ولا منسيء معن ولا متيسر
ومن الثاني قول سوادة بن عدي:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
فإذا اقترن بالثاني حرف الاستفهام لمعنى التعظيم والتعجب، كان الباب الإظهار، كقوله تعالى: (الحاقة ما الحاقة) و (القارعة ما القارعة)؟ والإضمار جائز كما قال (فأمه هاوية، وما أدراك ما هية): ويروى بالعُلب، وفي العلب، وإنما حسن دخول (في) هاهنا لن تأويله لم تسق اللبن في العلب: ويروى ولم تغذ. وقد تقدم في كلامنا في حروف الجر التي يقع بعضها موضع بعض ما فيه كفاية.
* * *
وأنشد في باب أوصاف المؤنث بغير هاء:
(144)
(أبي حبي سليمي أن يبيدا ... وأمسى حبلها خلقا جديدا)
هذا البيت لا أعلم قائله. وقد فسر ابن قتيبة الجديد ههنا بأنه المقطوع. وانتصابه على وجهين: أحدهما: على الصفة لخلق. والثاني: أن يكون خبراً بعد خبر. ومعنى يبيد: يهلك. يقول محبتي لها لم تذهب، وإن كان وصلها قد ذهب.
(3/196)

وأنشد في هذا الباب:
(145)
(أيا جارتا بيني فإنك طالقه ... كذاك أمور الناس غاد وطارقة)
البيت: لأعشى بكر. والجارة، هاهنا الزوجة. وكان تزوج امرأة من هزان، فوجد عندها فتى شابا، فقال لها من هذا؟ فقالت: ابن عمي فنهاها عنه، فلما رآها لا تنتهي طلقها، وقال هذا البيت، وبعده:
وبيني فإن البين خير من العصا ... وألا تزال فوق راسك بارقه
وما ذاك من جرم عظيم جنيته ... ولا أن تكوني جئت فينا ببائقه
وذوقي فتى قوم فني ذائق ... فتاة أناس مثل ما أنت ذائقه
فقد كان في فتيان قومك منكح ... وفتيان هزان الطوال الغرانقه
وقوله: (كذاك أمور الناس): مبتدأ، وخبره في المجرور، وقوله (غاد وطارقه): يرتفعان على وجهين أحدهما أن تجعل كل واحد منهما خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: بعضها غاد، وبعضها طارقه. والثاني: أن تجعل كل واحد منهما مبتدأ وتضمر له خبراً، كأنه قال: منها غادٍ، ومنها طارقه، فطارقة معطوفة على غاد على حد عطف الجمل على الجمل، لا على حد عطف المفرد على المفرد، وإنما كان كذلك، لأنه تقسيم وتبعيض، فلزم ذكر حرف التبعيض مع كل واحد من القسمين، ولو عطفت الثاني على الأول، كعطف المفرد على المفرد، ولم تقدر للثاني من الإضمار مثل ما قدرته للأول، لصار القسمان قسماً واحداً، واحتجت إلى قسم آخر يستوفي ما تضمنه المجمل الذي أردت تقسيمه،
(3/197)

ومثله قوله عز وجل: (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك، منها قائم وحصيد) أراد: ومنها حصيد، ومثله قول الكميت:
لنا راعياً سوء مضيعان منهما ... أبو جعدة العادي وعرفاء جيأل
وأنشد في باب أسما يتفق لفظها ويختلف معانيها:
(146)
(إذا عاش الفتى مائتين عاماً ... فقد ذهب التخيل والفتاء)
هذا البيت للربيع بن الفزاري، وقبله:
إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهرمه الشتاء
وأما حين يذهب كل قر ... فسربال رقيق أو رداء
والتخيل: الخيلاء ويروى: اللذاذة، ويروى المسرة، ويروى المروءة.
* * *
وأنشد في باب ما يمد ويقصر:
(147)
(بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل)
البيت: لحسان بن ثابت بن المنذر الأنصاري، ويكنى أبا الوليد، ويقال له ابن الفريعة، وهي أمه، وهو من شعر رثى به حمزة بن عبد المطلب، وبعده:
(3/198)

على أسد الإله غداة قالوا: ... أحمزة ذاكم الرجل الفتيل
أصيب المسلمون به جميعاً ... هناك وقد أصيب به الرسول
وأراد: وما يغني البكاء ولا العويل شيئاًن فحذف المفعول، (وما): نفى، ويبعد أن يكون استفهاماً في موضع نصب بيغني، لظهور حرف النفي بعده، إلا أن تجعل (لا) زائدة كزيادتها في قوله تعالى (ما منعك ألا تسجد) وذلك تكلف.
* * *
وأنشد في باب الحرفين يتقاربان في اللفظ والمعنى:
(148)
(تنام عن كبر شأنها فإذا ... قامت رويداً تكاد تنغرف)
البيت: لقيس بن الخطيم بن عدي الأنصاري، وصف امرأة نشأت في رفاهية ونعمة، فهي تنام لجلالة شأنها وأن لها من يكفيها المؤنة. فإذا قامت قامت في سكون وضعف، وكادت تنغرف، لرقة خصرها، وثقل ردفها، ويقال انغرف الغصن من الشجرة: إذا انقطع ونحو منه قول امريء القيس:
نؤم الضحا لم تنطق عن تفضل
(3/199)

وقوله (قامت رويداً) أراد قياماً رويداً، فحذف المصدر وأقام صفته مقامه. ويجوز أن يكون منصوباً على الحال، وبعد هذا البيت:
حوراء جيداء يستضاء بها ... كأنها خوط بانة قصف
تغترق الطرف وهي لاهية ... كأنما شف وجهها نزف
والحوراء: التي في عينها حور، وهو صفاء سواد العين وصفاء بياضها، وقال الأصمعي: الحور: أن ترى العين سوداء كلها، تشبيهاً لها بالظبية والبقرة، والجيداء: الطويلة العنق والخوط: الغصن والقصف: المنكسر للينه، وقوله تغترق الطرف: أي تشغل نظر الناظر، فلا ينظر إلى غيرها، لكمال حسنها، وهي غير مستعدة ولا متزينة.
وقوله: كأنما شف وجهها نزف، يريد أنها قليلة لحم الوجه غير جهمة فكأن دمها نزف.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(149)
(شدا سريعاً مثل إضرام الحرق)
(3/200)

البيت: لرؤبة بن العجاج، ويكنى أبا الجحاف؛ ووجدت هذا البيت في شعر رؤبة رواية أبي بكر بن دريد، على خلاف ما أنشده ابن قتيبة، وهو:
تكاد أيديها تهاوى في الزهق ... من كفتها شدا كإضرام الحرق
قال ابن دريد: يقال فرس رهق: إذا تقدم الخيل، فيقول تكاد أيدي الحمر تهوى فتزلج وتذهب من شدة ما يقدمها الحمار والكفت: شدة القبض، والشد: الجرى الشديد، وشبهه باضطرام النار، لما فيه من الخفيف والصوت، كما قال العجاج:
كأنما يستضرمان العرفجا
والحرق النار بعينها، والحرق: الاحتراق، وبعده:
سوى مساحيهن تقطيط الحقق ... تقليل ما قارعن من سمر الطرق
والمساحي: ههنا: الحوافرن سماها مساحي لأنها تسحو الأرض أي تقشرها يقول سوت الطرق حوافر هذه الحمير كما تسوى الحقق؛ والحقق جمع حقة وهي وعاء من عود يتخذ للطيب وغيره. والتقليل هو الفاعل الذي سواها، ونصب تقطيط الحقق على المصدر المشبه به والتقدير تسوية مثل تقطيط الحقق فحذف المصدر، وأقام صفته مقامه، وحذف المضاف، وأناب المضاف إليه مقامه وهذا من المصادر المحمولة على معنى الفعل، لا على لفظه لأن التسوية هي التقطيط في المعنى، فصار كقولك قعد زيد جلوس عمرو، وتبسمت وميض البرق.
* * *
(3/201)

وأنشد في هذا الباب للنابغة:
(150)
(كذي العر يكوى غيره وهو راتع)
وصدر هذا البيت مختلف فيه، فكان الأصمعي يروى:
لكلفتني ذنب امريء وتركته
وروى ابن الأعرابي وأبو عبيدة:
حملت على ذنبه وتركته
والعربضم العين: قروح تخرج في مشافر الإبل وقوائمها، والراتع المقيم في المرعى. وفي معنى هذا البيت أربعة أقوال: أحدها أن هذا أمر كان يفعله جهال الأعراب، كانوا إذا وقع العُر في إبلهم اعترضوا بعيراً صحيحاً من تلك الإبل فكووا مشفره وعضده وفخذه، يرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهب العُر من إبلهم كما كانوا يعلقون على أنفسهم كعوب الأرانب خشية العطب، ويفقؤون عين فحل الإبل، لئلا تصيبها العين. وهذا قول الأصمعي وأبي عمرو وأكثر اللغويين. وقول آخر "كالثور يضرب لما عافت البقر. قال يونس: سألت رؤبة بن العجاج عن هذا فقال: هذا شيء كان قديماً ثم تركه الناس.
(3/202)

ويدل عليه هذا الرجز.
فكان شكر القوم عند المتن ... كي الصحيحات وفقأ الأعين
وقيل إنما كانوا يكوون الصحيح، لئلا يعلق به الداء، لا ليبرأ السقيم. حكى ذلك ابن دريد، وأما أبو عبيدة فقال: هذا أمر لم يكن وإنما هذا مثل لا حقيقة. أي أخذت البريء وتركت المذنب، فكنت كمن كوى البعير الصحيح وترك السقيم لو كان هذا مما يكون. قال ونحو من هذا قولهم: يشرب عجلان ويسكر ميسرة. ولم يكونا شخصين موجودين وقيل أصل هذا أن الفصيل إذا أصابه العُر لفساد في لبن أمه عمدا إلى أمه فكووها فتبرأ ويبرأ فصيلها، لأن ذلك الداء إنما كان ليسرى إليه في لبنها، وهذا أغرب الأقوال وأقربها إلى الحقيقة.
والكاف في قوله كذى العر تحتمل وجهين: أحدهما أن تكون في موضع الحال من الهاء في تركته، كأنه قال وتركته مشبهاً ذا العر.
والثاني أن تكون صفة لمصدر محذوف كأنه قال تركته تركاً مثل ترك ذي العر، ففي هذا الوجه حذف مضافاً وأقام ما أضيف إليه مقامه، وحذف موصوفاً وأحل صفته محله، وفي الوجه الأول لم يحذف شيئاً. وقوله: وهو راتع جملة في موضع الحال، أي يكوى غيره في حال رتوعه. وأما قوله: (يكوى غيره وهو راتع) فجملة لا موضع لها من الإعراب لأنها مفسرة لما قبلها، كأنه لما قال وتركته كذى العر. قيل: وما شأن ذي العر، فقال يكوى غيره وهو راتع، ونظير هذا لم أر أعجب من أمر زيد يضرب أخوه وهو يضحك، فقولك وهو يضحك جملة لها موضع، وقولك أخوه يضرب وهو يضحك جملة مفسرة لا موضع لها.
(3/203)

ومن روى كذي العر بفتح العين فقد غلط لأن العر الجرب، ولم يكونوا يكوون من الجرب إنما كانوا يكوون من القُروح التي تخرج في مشافر الإبل وقوائمها خاصة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(151)
(وأوثر غيري من عيالك بالطعم)
هذا البيت لأبي خراش الهذلي واسمه خويلد بن مرة وصدره:
(أرد شجاع البطن قد تعلمينه)
وبعده:
مخافة أن أحيا برغم وذلة ... وللموت خير من حياة على رغم
قال الأصمعي قوله شجاع البطن مثل أن يقول الجوع يتلظى في جوفي كما يتلظى الشجاع، والشجاع الحية، وقيل، يريد بالشجاع الصفر وهي حية تتخلق في البطن تعض على شراسيف الجائع وهي التي ذكرها أعشى باهلة في قوله:
(ولا يعض على شر سوفه الصفر)
* * *
(3/204)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(152)
(واغتبق الماء القراح فأنتهى ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم)
وهذا البيت لأبي خراش يتصل بقوله- (أرد شجاع البطن) - يقول أغتبق الماء القراح فاكتفي به تكرما وأوثر غيري بقوتي إذا كان المزلج يحب الطعام ولا يؤثر به. والاغتباق: افتعال من الغبوق وهو ما يشرب بالعشى، والمزلج: الضعيف من الرجال. وعيش مزلج إذا كان فيه نقص عن التمام. والقراح من الماء: الخالص الذي لا يشوبه شيء. وهذا مثل قول عروة ابن الورد:
أقسم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد
* * *
وانشد في هذا الباب:
(153)
(الذم يبقى وزاد القوم في حور)
(3/205)

كذا الرواية والصواب والذم لأن صدره:
(واستعجلوا عن ضعيف المضع فازدردوا)
وأنشد ابن الأعرابي قبل هذا الشعر في نوادره ولم يسم قائله وهو:
نبهت زيداً فلم أفزع إلى وكل ... رث السلاح ولا في الحي مكثور
سالت عليه شعاب المجد حين دعا ... أنصاره ووجوه كالدنانير
إن ابن آل ضرار حين أدركها ... زيداً معى لي سعياً غير مكفور
لولا الإله ولولا سعي صاحبها ... تلهو جوها كما نالوا من العير
واستعجلوا من ضعيف المضغ فازدردوا ... والذم يبقى وزاد القوم في حور
* * *
وانشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(154)
(كأن راكبها غصن بمروحة ... إذا تدلت به أو شارب ثمل)
قال أبو علي البغدادي: هذا البيت أنشده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد ركب ناقة مهرية فسارت به سيراً حسناً، فلا يدري أتمثل به أم قاله. والمروحة:
(3/206)

الفلاة التي تخرقها الرياح، فالغصن يكثر فيا التثني والاضطراب، فشبه به راكب الناقة لتبخترها به في مشيها، والتدلي سير في رفق وسكون، يقال: دلوت الناقة أدلوها دلواً. قال الراجز:
لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا
والقلو: سير سريع.
* * *
وأنشد في باب الحروف التي تتقارب ألفاظها وتختلف معانيها:
(155)
(الحافظو عورة الشعيرة لا ... يأتيهم من ورائنا وكف)
البيت لقيس بن الخطيم الأنصاري في بعض الروايات وقبله:
أبلغ بني حججبي وقومهم ... خطمة أنا وراهم أنف
وأننا دون ما يسومهم ... الأعداء من ضيم خطة نكف
العورة: المكان الذي تخاف منه العدو، والوكف ههنا: العيبن ويروى نطف وهو نحو الوكف. يقول نحن نحفظ عورة عشيرتنا فلا يتيهم من ورائنا شيء يعابون به من يبيع ثغرهم وقلة رعايته. هذا على رواية من روى من ورائنا
(3/207)

ومن روى من ورائهم أخرج الضمير مخرج الغيبة على لفظ الألف واللام، لأن معنى (الحافظ وعورة) نحن الذين يحفظون عورة. كما تقول أنا الذي قام، فيخرج الضمير مخرج الغيبة وإن كانت تعني نفسك، لأن معناه أنا الرجل الذي قام، وقد يقولون أنا الذي قمت. فعلى هذا رواية من روى من ورائنا.
* * *
وأنشد لطرفة:
(156)
(وإذا تلسنني ألسنها ... إنني لست بموهون فقر)
الملاسنة: المفاخرة، وتكون الملاسنة أيضاً أن تعاتب الرجل وتعاتبك. والموهون: الضعيف، يقال: وهنه وأوهنه. والفقر في قول الأصمعي: المكسور الفقار، والذي يشتكي فقاره ويقال فقير بالياء وهو بمعنى مفقور كما يقال قتيل بمعنى مقتول قال لبيد:
لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل
وقال أبو عبيدة: الفقر: البادي العورة الممكن لمن أراده من قولهم قد أفقرك الصيد فارمه أي أمكنك. يقول أبين عن نفسي كما تبين عن نفسها وأعاتبها كما تعاتبني ولست كالضعيف الذي لا يستطيع أن يقيم حجته، ويعرب عن نفسه وينقاد لخصمه، وإنما يمدح نفسه بعلو الهمة وانه ليس من يغلب عليه الهوى.
* * *
(3/208)

وأنشد للحطيئة:
(157)
(اررغتني وزعمت أن ... ك لابن بالضيف تامر)
هذا الشعر هجا به الحطيئة الزبرقان بن بدر، وزعموا أن الأصمعي كان يصحفه ويرويه (لاتني بالصيف تامر) أي تأمر بإكرامه وإنزاله. ومعنى تنى: تفتقر، من قولك ونى في الأمر يني ونيا وونيا. إذا فتر وتكاسل عنه. ويقال ونى بكسر النون وبعده:
فلقد كذبت وما خشيت ... بأن تدور بك الدوائر
ولحيتني في معشر ... هم ألحقوك بمن تفاخر
يعني بالمعشر بنى قريع بن عوف بن كعب من آل الزبرقان بن بدر، وكان الحطيئة نزل على الزبرقان فلم يحمده واستدعاه القريعيون إلى أنفسهم وتوسعوا له في البر والإكرام فانتقل إليهم وهجا الزبرقان.
* * *
وأنشده ابن قتيبة في باب الأفعال:
(158)
(هل لشباب فات من مطلب ... أم ما بكاء البدن الأشيب)
هذا البيت للأسود بن يعفر أحد بني حارثة بن سلمى بن جندل ويكنى أبا الجراح، وهو أحد الشعراء العمى، ولذلك قال:
(3/209)

ومن النوائب لا أبالك أنني ... ضربت على أرض بالأسداد
لا أهندى فيها لموضع تلعة ... بين العذيب وبين أرض مراد
يقول: هل يمكن طلب الشباب الغائب واسترجاعه، بل كيف يبكي الرجل شيب شوقاً إلى أحبته وذلك لا يليق به، وهذا قول العجاج.
بكيت والمحتزن البكى ... وإنما يأتي الصبا الصبي
أطربا وأنت قنسري
والقنسري: الشيخ المسن.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(159)
(وكنت خلت الشيب والتبدينا ... والهم مما يذهل القرينا)
البيت لحميد بن الأرقط، والتبدين: الكبر، ويذهل، ينسى، والقرين: صاحب. يقول كنت حسبت أن كبر السن وتواتر الهم والحزن مما يذهل عن قرين ويسلى عن الحبيب والحزين، فوجدت حنيني إلى أحبتي في حال الكبر، ثنيني إليهم في حال الصغر.
* * *
(3/210)

أنشد في هذا الباب:
(160)
(وخافق الراس فوق الرحل قلت له ... زع بالزمام وجوز الليل مركوم)
البيت لذي الرمة، وأراد بقوله وخافق الرأس رجلاً يضطرب رأسه فوق رحله من شدة النعاس؛ وصف نفسه بالجلد في السفر والصبر على مقاسات السهر وأن صاحبه ينام على الرحل ويخرج عن الطريق فيوقظه، ويقول: زع ناقتك بالزمام فقد جارت عن القصد. وجوز الليل: وسطه، ومركوم متراكب الظلام. وبعد هذا البيت:
كأنه بين شرخي رحل ساهمة ... حرف إذا ما استرق الليل مأموم
وشرخا الرحل: قادمته وآخرته، والساهمة: الناقة التي أضعفها السفر، والحرف: الهزيل، والمأموم: الذي شج شجة وصلت إلى أم دماغه.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(161)
إذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه ... بلا إحنة بين النفوس ولا ذحل)
هذا البيت لذي الرمة أيضاً، وجواب إذا في بيت آخر متصل بهذا، وبه كمال المعنى وهو:
(3/211)

تبسمن عن نور الأقاحي في الثرى ... وفترن من أبصار مضروجة نجل
الأحنة: الحقد، والذحل: طلب الثأر، ويعني بالمضروجة: عيوناً واسعة الشق. يقال ضرجت الثوب: إذا شققته، والنجل: العظام الحدق.
* * *
أنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(162)
(ايشهد مثغور على وقد رأى ... سميرة منا في ثناياه مشهدا)
البيت: لجرير بن الخطفي، ويروى سميرة على لفظ التكبير وسميرة على لفظ التصغير. ووقع في كتاب النقائض لأبي عبيدة معمر بن المثنى:
أيشهد مثغور علينا وقد رأى ... نميلة منا في ثناياه شهدا
ومثغور هذا هو عبيد بن غاضرة السلمى، وسمى مثغوراً لأن ثنيتيه انتزعتا في قود كان عليه، وكان المثولي لذلك من بني رياح، ولذلك قال جرير بعد هذا البيت:
متى ألق مثغوراً على سوء ثغره ... أضع فوق ما أبقى الرياحي مبردا
(3/212)

وإنما قال جرير هذا لأن عبيد بن عاضرة كان قد سئل عن الفرزدق وجريراً أيهما أشعر فقضى للفرزدق بالتقدم، فقال: كيف تقبل شهادته علينا وقد وترناه بنزع ثنيتيه وليس من العدل أن تقبل شهادة الموتور على من وتره. ومن روى مشهداً جعله مصدراً بمعنى الشهادة، لحقت الميم أوله كما تلحق المصادر دلالة على أنها مفعولات. ومن روى شهدا، أراد أفعالاً شهدا وأموراً شهدا ونحو ذلك من التقدير.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(163)
(أدين وما ديني عليكم بمغرم ... ولكن على الشم الجلاد القراوح)
هذا البيت لسويد بن الصامت الأنصاري، وزاد أبو حنيفة بعد هذا البيت:
على كل خوار كأن جذوعها ... طلين بقار أو بحمأة ماتح
وصف أن قومه لاموه على التعين والأخذ بالدين من الناس، فقال: لست أعول في قضاء ديني على أن تؤدوه عني من أموالكم فيشق عليكم ذلك، وإنما أعول في قضائه على غلة نخلي، والشم من النخل: الطوال، والجلاد: القوية الصابرة على الجدب، والقراوح: القليلة السعف. وقد توهم قوم أنه يصف إبلاً، وذلك غلط، والبيت الذي أنشدناه بعده، يدل على أنه يصف نخلاً ووصف
(3/213)

جذوعها بالسواد لأن ذلك إنما يكون عن عتقها وكثرة دبسها، وعلى الأولى في موضع نصب على الحال من المغرم، وهي صفة نكرة تقدمت عليها، لأن التقدير بمغرم عليكم. فكان الجار والمجرور في موضع خفض على الصفة لمغرم، فلما قدمه صار في موضع نصب على الحال. وعلى الثانية في موضع رفع على خبر مبتدأ مضمر كأنه قال: ولكن ديني على الشم. وقد ذكرنا فيما تقدم أن كل حرف وقع موقع صفة أو حال أو خبر فإنه يتعلق بالمحذوف الذي ناب منابه. والباء في قوله بمغرم لا تتعلق بشيء لأنها زائدة مؤكدة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(164)
(أدان وأنبأه الأولو ... ن بأن المدان مليء وفي)
هذا البيت لأبي ذؤيب الهذلي، والضمير في قوله أدان يعود على كاتب ذكره قبل هذا البيت في قوله:
عرفت الديار كرقم الدوا ... ة يزيره الكاتب الحميري
ومعنى أدان: باع بدين. ويعني بالأولين: من سبقه إلى معاملة الذي داينه. شبه رسوم الدار بكتاب كتبه كاتب حميري عامل رجلا وأخبره من سبق
(3/214)

إلى معاملته بأنه مليء الذمة، وفي بما عليه، فعقد عليه عقداً، وتغافل عن طلبه بما فيه حتى درس كتابه. وخص الكاتب الحميري لأن أصل الخط العربي لحمير، ومن عندهم انتشر في سائر العرب، وكانلهم خط يسمى المسند فولد منه خط آخر سمي الجزم، لأنه جزم منه: أي قطع، وهو الخط الذي بأيدي الناس اليوم.
وبعد هذا البيت:
فنمنم في صحف كالريا ... ط فيهن إرث كتاب محي
وهذا عند أصحاب المعاني من أحسن التشبيه وأبلغه، لأنه شبه رسوم الدار بكتاب كتب في صحف كان فيها كتاب قديم فبشر وبقيت منه آثار. وإنما قال ذلك لأنه أراد أن رسوم الديار منها ما تقادم عهده، ومنها ما هو حديث العهد، فشبه الرسوم القديمة بما بقي من الخط القديم، وشبه الرسوم الحديثة بالخط الحديث.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(165)
(وأعدني بالسجن والأداهم)
هذا الرجز لا أعلم لمن هو وبعده:
(رجلي، ورجلي شئنة المناسم)
(3/215)

يقول هددني بالسجن والأداهم وهي الكبول، ولم يعلم بأن رجلي شئنة، تبالي بذلك ولا تكثرت له، وهو نحو من قول جعفر بن علبة الحارثي:
ولا أن نفسي يزدهيها وعيدهم ... ولا أنني بالمشي في القيد أخرق
والشئنة: الغليظة الخشنة، والمناسم: جمع منسم وهو طرف خف البعير استعاره للإنسان. وحسن ذلك ههنا لما ذكره من جلده وقوته، وبذلك يصفون أنفسهم، ألا ترى إلى القول الآخر:
أصبر من ذي ضاغط عركرك ... ألقى بواني زوره للمبرك
وقوله رجل بدل من الضمير في قوله أوعدني، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً حذف منه حرف الجر اختصاراً كأنه أراد لرجل، وأتى بالرجل الثانية مظهرة غير مضمرة تعظيماً لأمرها وإشادة بذكرها، ولأنها وقعت في جملة ثانية، وقد قدم من قولنا إنه إنما يقبح إظهار المضمر إذا كان في جملة واحدة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(166)
(وقد ألاح سهيل بعدما هجعوا ... كأنه ضرم بالكف مقبوس)
(3/216)

هذا البيت للمتلمس واسمه جرير بن عبد المسيح الضبعي، قال ابن قتيبة: ويقال إنه جرير بن عبد العزى وسمى المتلمس بقوله:
فهذا أوان العرض جن ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
والضرم: الشعلة من النار، ويقال قيست النار إذا أخذتها، وأقبستها: إذا أعطيتها، وقبل هذا البيت:
حنت قلوصي بها والليل معتكر ... بعد الهدوء وشاقتها النواقيس
معقولة ينظر الإشراق راكبها ... كأنه طرب للرمل مسلوس
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(167)
(فلما اجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنابطن حقف ذي ركام عقنقل)
هذا البيت مشهور لامرئ القيس بن حجر ومعنى أجزنا: قطعنا وخلفنا، وساحة الحي: فناؤه، وانتحى: اعترض. والحقف: الكثيب من الرمل يعوج وينثنين وبطنه: ما انخفض وغمض، وركامه: ما تراكم منه بعضه فوق بعض، والعقنقل: ما تعقد ودخل بعضه في بعض. وفي جواب لما أربعة أقوال؛ فمذهب الكوفيين أن انتحى هو جوابها، وأن الواو زائدة، وكذلك قالوا في قوله تعالى: (إذا جاءوها وفتحت أبوابها) ومذهب أكثر البصريين أن الجواب
(3/217)

محذوف تقديره عندهم فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن الحقف نلت أملي منها ونحو ذلك، وكذلك الآية تقديرها عندهم حتى إذا جآوها وفتحت أبوابها صادفوا ما وعدوا به. واحتجوا بأن الجواب قد جاء محذوفاً في مواضع لا يمكن المخالف إنكارها ولا أن يتأول فيها وجهاً غير الحذف كقوله تعالى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) ولم يقل لكان هذا القرآن وكذلك قول الراجز:
لو قد حداهن أبو الجودي ... برجز مسحنفر الروى
مستويات كنوى البرني
أراد لأسرعن مستويات.
والواو في قوله وانتحى على قول الكوفيين زائدة، وعلى قول البصريين واو العطف، ولا موضع لقوله: وانتحى بحسب الرأيين جميعاً.
وكان بعض النحويين فيما حكى أبو إسحاق الزجاج يذهب في ما كان من هذا النوع مذهباً يخالف فيه البصريين والكوفيين، فكان يقول تقدير الآية (حتى إذا جاؤوها جاؤوها وفتحت أبوها. وكذلك بيت امريء القيس على رأيه، تقديره فلما أجزنا ساحة الحي أجزناها وانتحى، فالجواب على رأيه محذوف، والواو واو الحال، وفي الكلام (قد) مضمرة لتقرب الماضي من الحال كالتي في قوله (أو جاؤوكم حصرت صدورهم) فالمعنى على قوله جاؤوها وقد فتحت أبوابها وأحزناها قد
(3/218)

انتحى، وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى فإنه روى بعد هذا البيت
هصرت بفودي رأسها فتمايلت ... على هضيم الكشج ريا المخلخل
فالجواب هصرت على روايته، والعامل في (لما) فيه ثلاثة أقوال؛ أما على قول الكوفيين فالعامل فيها انتحى، وأما على رأي البصريين فالعامل فيها الجواب المحذوف، وأما على رأي أبي عبيدة فالعامل فيها هصرت. ولا يجوز أن يكون العامل فيها أجزنا لأن لما مضافة إليه، ولا يعمل المضاف إليه في المضاف، وكذلك لا يصح أن يعمل فيها انتحى على مذهب البصريين لأن انتحى عندهم معطوف على أجزنا، وداخل فيما أضيفت إليه لما، وكذلك على رأي من حكى عنه أبو إسحاق، لأن الجواب المقدر عنده هو العامل.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(168)
(فما برحوا حتى رأى الله صبرهم ... وحتى أشرت بالأكف المصاحف)
هذا البيت للحصين بن الحمام المزي قاله في حرب صفين، وذلك أن معاوية لما رأى أمر علي رضي الله عنه يقوى وأمره يضعفن شاور عمرو بن العاص وقال له: ما ترى؟ فقال له مر الناس برفع المصاحف، فأمر بخمسمائة مصحف فرفعت، فلما رأى أصحاب عليّ ذلك كفوا عن القتال، فقال لهم علي: إن هذه خديعة. فسألوهم ما شأن هذه المصاحف، فقال معاوية: نجعل القرآن حكماً
(3/219)

بيننا ونثوب إلى السلم، فكان ذلك سبب تحكيم الحكمين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وخروج الخوارج على علي رضي الله عنه وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
وأيام صفين لو جئتنا ... رأيت المنية جونا شميطا
فعاذ الجزوع برفع الكتاب ... ونادى إلى السلم حكما وسيطا
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(169)
(نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري)
البيت للمسيب بن علس الخُماعي فيما ذكر الأصمعي، وكان أبو عبيدة يروى هذا الشعر لأعشى بكر؛ وكذلك قال ابن دري وصف غائصاً غاض على درة فانتصف النهار وهو في الماء لم يخرج ورفيقه لا يدري أهو حي أم ميت؟ وقوله: الماء غامره جملة في موضع نصب على الحال، وكذلك الجملة التي بعدها، وكان ينبغي أن يقول والماء غامره، فيأتي بواو الحال، ولكنه اكتفى بالضمير منها، ولو لم يكن في الجملتين ضمير عائد إلى صاحب الحال، لم يجز حذف الواو، فأما صاحب هاتين الحالين فليس بمذكور في البيت ولكنه مذكور في البيت الذي قبله:
كجمانة البحري جاء بها ... غواصها من لجة البحر
* * *
(3/220)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(170)
(لها أمر حزم لا يفرق مجمع)
هذا البيت لأبي الحسحاس الأسدي وصدره:
(يُهل ويسعى بالمصابيح وسطها)
وبعده:
نمدهم:
نمدهم بالماء لا من هوانهم ... ولكن إذا ما ضاق أمر يوسع
يصف إبلاً، والإهلال: رفع الصوت. يقول يدعو بعضنا بعضاً: هاتوا ما عندكم من القِرى وعجلوا به، والمصابيح ههنا: الآنية التي يصبح بها، أي يسقى بها الصبوح. وقوله (لها أمر حزم لا يفرق مجمع) يقول أصحاب هذه الإبل آخذون في أمرها بالحزم لا تختلف كلمتهم ولا يخذل بعضهم بعضاً، وقوله: نمدهم بالماء: يقول: إذا أكثر علينا الأضياف وقل اللبن شبناه بالماء، وليس ذلك من هوان الضيفان علينا. ولكن لقلة اللبن عندنا، وكذلك يفعلون بالمرق، ولذلك قال الشاعر:
وسع بمدك ماء اللحم تقسمه ... وأكثر الشرب إن لم يكثر اللبن
(3/221)

وأنشد في باب ما لا يهمز والعوام تهمزه:
(171)
(إذا كنت في قوم عدى لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب)
هذا البيت لزرارة بن سبيع الأسدي فيما ذكر يعقوب، وذكر الجاحظ أنه لخالد بن فضلة الجحواني من بني أسد، والعدى: الغرباء، والعدى أيضاً الأعداء، والأكل والعلف ههنا مثلان مضروبان للموافقة وترك المخالفة. وكان هذا الشاعر قد راغم قومه وعتب عليهم ثم جاور غيرهم فلم يحمد جوارهم، وندم على مفارقة قومه ولذلك قال قبل هذا البيت:
لعمري لقوم المرء خير بقية ... عليه وإن عالوا به كل مركب
من الجانب الأقصى، وإن كان ذاغني ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب
تبدلت من دودان نصرا وأرضها ... فما ظفرت كفى ولا طاب مشربي
(3/222)

وقوله لست منهم جملة في موضع خفض على الصفة، ولو صيرتها صفة لفظية غير معنوية لزمك أن تقول: غير كائن منهم، أنت، لأن ليس فعل غير منصرف فلم يمكنك اشتقاق صفة منه، فأتيت بشيء هو في معناه، ولزمك أن تظهر الضمير لجريان الصفة على غير من هي له، و (في) متعلقة بمحذوف لوقوعها موقع خبر كان، والوجه في (ما) أن تكون بمعنى الذي، وقد يمكن أن تكون التي توصل بالفعل فتنوب مناب المصدر في نحو قولك أعجبني ما فعلت، أي فعلك، فكأنه قال: فكل علفك. ويجب على هذا أن يكون العلف بمعنى المعلوف؛ لأن نفس المصدر لا يعلف، فيكون كقولهم درهم ضرب الأمير؛ أي مضروب. والفرق بين ما المصدرية وما التي بمعنى الذي وإن كانت كل واحدة منهما موصولة أن التي بمعنى الذي يعود عليها من صلتها عائد، والمصدرية لا يعود عليها من صلتها. عائد؛ لأنها حرف بمنزلة أن الموصولة. والوجه أن تكون ههنا بمعنى الذي. وأما (من) فإنها التي تأتي للتنويع والتفصيل في نحو قولهم جاءني القوم من فارس وراجل و (من) هذه و (بين) يتعاقبان على المعنى الواحد، ألا ترى أنهم يقولون جاءني القوم بين فارس راجل فتؤدي ذلك المعنى بعينه. وكذلك لو قال فكل ما علفت بين خبيث وطيب لأدى ذلك المعنى بعينه. و (من) هذه تتعلق بمحذوف، ويدلك على ذلك أنك تجدها تنوب مناب الأخبار في نحو قولهم: القوم من ضاحك وباك وقول ذي الرمة:
والعيس من واسج أو عاسج خببا ... ينحزن من جانبيها وهي تنسلب
(3/223)

وقوله: فكل ما عُلفت كان القياس أن يقول فكل ما تعلف لأن الأمر إنما يكون بالمستقبل، غير أن العرب تستعمل ههنا الماضي فيقولون: خذ ما أعطيت، واشكر الله على ما وهب لك، ومنه قول الراجز:
وإنما نأخذ ما أعطينا
فيجوز أنا يكون هذا مما وضع فيه الماضي موضع المستقبل حين فهم المعنى كقول الحطيئة:
شهد الحطيئة حين يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر
وقول آخر:
فإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من المس واستيجاب ما كان في الغد
ويجوز أن يكون معناه خذ ما قُدر لك أن تعطاه، وكل ما قدر لك أن تعلفه؛ فالعلف والإعطاء وإن كانا مستقبلين فالقدر قد سبق بوقوعهما في الوقت الذي يقعان فيه، ويدلك على صحة اعتقادهم لهذا المعنى، أنهم قد صرحوا به فقالوا خذ ما قسم الله لك. وقال الشاعر:
وإن جاء ما لا تستطيعان دفعه ... فلا تجزعا مما قضى الله واصبرا
* * *
(3/224)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(173)
(لو أطعموا المن والسلوى مكانهم ... ما أبصر الناس طعماً فيهم نجعا)
هذا البيت لأعشى بكر قاله في بني تميم، وكانوا أخذوا لطيمة كسرى بنطاع، وهو واد باليمامة، فأغزاهم كسرى جيوشه فقتلت وسبت، فرغب هوذة بن علي الحنفي إلى المكعبر عامل كسرى في مائة منهم فوهبهم له، وكان ذلك في وقت صوم النصارى فحبسهم عنده يطعمهم الجذائذ في الجفان والتمر، فلما جاء الفصح كسا كل رجل منهم ثوبين وخلى سبيله، فلذل قال الأعشى قبل هذا البيت:
سائل تميماً به أيام صفقتهم ... لما أتوه أسارى كلهم ضرعا
وسط المشقر في عيطاء مظلمة ... لا يستطيعون فيها ثم ممتنعاً
وقوله لو أطعموا المن والسلوى، يقول لو أطعموا المن والسلوى اللذين هما اجل من الجذائذ والتمر لم ينجع فيهم لما كانوا فيه من الأسر وخوف القتل:
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(174)
(يا جل ما بعدت عليك بلادنا ... وطلابنا فابرق بأرضك وارعد)
(3/225)

هذا البيت يروى لابن أحمر، ويروى للمتلمس، ومعناه في أحد الشعرين مخالف لمعناه في الشعر الآخر، وقبله في شعر ابن أحمر:
أزرى بوصل الحارثية أنها ... تنأى ويحدث بعض ما لم نعهد
قالت لنا يوماً ببطن سيوحه ... في موكب زجل الهواجر مبرد
قال الأصمعي: يقول إذا أبيت أن تأتينا في بلادنا فاذهب إلى أرضك وافعل بها ما بدالك أن تفعل. وسيوحة: واد بناحية اليمن، والزجل المختلط الأصوات.
وأما الذي في شعر المتلمس فنه يخاطب به عمرو بن هند حين فر منه. ووقع في بعض ألفاظه خلاف ما وقع في شعر بن أحمر، ولفظه على ما رواه الأصمعي:
فإذا حللت ودون بيتي غاوة ... فابرق بأرضك ما بدالك وارعد
وغاوة: قرية في أوائل بلاد الشام، وقوله يا جل ما بعدت: أراد يا هذا جل ما بعدت، كحذف المنادى، ويجوز أن يكون "يا" استفتاح كلام، فلا يكون في البيت حذف. وعلى هذا أنشد الأصمعي قول الراجز:
يا لعنة الله على أهل الرقم ... أهل الوقير والحمير والحزم
برفع اللعنة، أراد يا هؤلاء لعنة الله. وما مع الفعل بتأويل المصدر، كأنه قال: جل بعد بلادنا. والأشبه بهذا البيت أن يكون للمتلمس لأنه يليق بما قبله وما بعده من الشعر.
وأما شعر بن أحمر فلا مدخل له فيه، ولكن الرواة يفسدون الأشعار ويروون كثيراً من الأبيات في غير مواضعها، وسنذكر شيئاً من ذلك.
* * *
(3/226)

وأنشد في باب ما يشدد والعوام تخففه:
(175)
(كأن لنا وهو فلو نرببه)
هذا البيت لدكين بن رجاء الفقيمي، بوعده:
مجعثن الخلق يطير زغبه ... كان غرمتنه إذ نجنبه
من بعد يوم كامل نؤوبه ... سير صناع في خريز تكلبه
قال أبو علي البغدادي: وكان ابن دريد ينشد نرببه فيجمع لغة من يقول رببته أربه فيكسر الباء، ولغة من يكسر زوائد الفعل المستقبل. والمجعثن: المجتمع الشديد. والمتن الظهر وغره: طريقته، ونجنبه: نقوده، والصناع: المرأة الحاذقة بالعمل، والخريز المخروز: قال يعقوب: يقول طريقة متنه تبرق كأنها سير في خرزن وقال غيره: الغر: تكسر الجلد وتثنيه، والكلب أن يبقى السير في القرية وهي تخرز فتدخل الخارزة يدها وتجعل عقبة أو شعرة مثنية فتدخل السير في ذلك الشراك المثني ثم تخرق خرقاً بالأشفى وتخرج رأس الشعرة منه وتجذبه فيخرج السير.
* * *
وأنشد في هذا الباب لعلقمة:
(176)
(يحملن أترجة نضخ العبير بها)
(3/227)

وتمامه:
(كأن تطيابها في الأنف مشموم)
الأترجة هنا: كناية عن امرأة شبهها في طيب رائحتها وما في لونها من الصفرةن وكانت العرب تكره بياض اللون المفرط، ولذلك كانوا يعيبون قول الأعشى:
ومن كل بيضاء رعبوبة ... لها بشر ناصع كاللبن
وكانوا يستحسنون قول ذي الرمة:
صفراء في نعج، بيضاء في دعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب
وكان النساء يضمخن أجسامهن بالطيب، ولذلك قال الشاعر:
وألين من مس الرخامات يلتقي ... بمارنه الجازي والعنبر الورد
واختلف في قول الأعشى:
بيضاء غدوتها وصف ... راء العشية كالعرارة
فقال قوم: أراد أنها تتردع بالطيب، وقال آخرون: كانت العرب تقول إن المرأة إذا رقت بشرتها وصفت ابيضت، بابيضاض الشمس واصفرارها.
(3/228)

وهذا القول أشبه بالبيت. ولو أراد الطيب لم يكن لتخصيصه العشية معنى وقوله: (كأن تطيابها في الأنف مشموم) فيه قولان: أحدهما أن المشموم ههنا المسك، والآخر أنه وصف شدة تخيله لها وتذكره حتى كأن طيبها في أنفه وإن كانت قد فارقته، وهذا نحو قول الآخر:
فما مس جنبي الأرض إلا ذكرتها ... وإلا وجدت ريحها من ثيابيا
وهذا المعنى أراد أبو الطيب المتنبي بقوله:
ممثلة حتى كأن لم تفارقي ... وحتى كان اليأس من وصلك الوعد
وحتى تكادي تمسحين مدامعي ... ويعبق في ثوبي من ريحك الند
وقال عبد بني الحسحاس:
فما زال ثوبي طيباً من نسيمها ... إلى الحول حتى أصبح البرد باليا
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(177)
(يا لك من قبرة بمعمر ... خلالك الجو فبيضي واصفري)
وبعده:
(ونقري ما شئت أن تنقري)
(3/229)

معمر: موضع بعينه، وقيل: هو الموضع العامر المخصب، والتنقير: البحث والطلب. وقيل التنقير: تسوية الطائر لعشه. وهذا الرجز يروى لطرفة بن العبد وكان سافر مع عمه وهو صغير فنزل عمه في بعض مناقله فتصب طرفة فخا كان عندهن فجاءت قبرة لتلتقط ما فيه فجعلت تستدير حول الفخ ولا تقرب منه، فلما حان رحيل عمه تزغ فخه وركب، ثم التفت فرأى القبرة تلتقط الحب الذي كان وضعه في الفخ فقال هذا الرجز. وقد روى أن هذا الرجز لكليب وائل وذلك أن كليباً كان قد حمى مرعى لا ترعى فيه إلا إبله وإبل جساس بن مرة فخرج يطوف في حماه يوماً فإذا هو بحمرة على بيض لها فلما نظرت إليه صرصرت وخففت بجناحها فقال كليب آمن روعك أنت وبيضك في ذمتي. وقال: - (يا لك من حمرة بمعمر) الرجز. ثم خرج بعد ذلك يطوف في الحمى فإذا هو بأثر بعير لا يعرفه قد وطيء البيض فشدخها فاشتد ذلك عليه، وقال: وأنصاب وائل ما اجترأ على ذمتي جمل من إبل وائل. وانصرف والغضب قد عرف في وجهه، وكان رجل من جرم يقال له سعد قد نزل على البسوس جارة خاله جساس وكانت له ناقة يقال لها سراب فكانت ترعى في الحمى مع إبل جساس، فخرج كليب مع جساس يطوفان في الحمى، فنظر كليب على الناقة فن أنها كسرت البيض، فقال: لا تعد هذه الناقة إلى الحمى بعد يومها هذا. فقال جساس: والله لتعودن ولا وضعت إبل رؤوسها في موضع إلا وضعت هذه الناقة رأسها فيه. فقال: كليب: لقد تقدمت رجلك على سيسائك يا جساس، وأنصاب وائل، لئن عادت لأضعن سهمي في ضرعها. فقال جساس: وأنصاب وائل لئن وضعت
(3/230)

سهمك في ضرعها لأضعن سناني في صلبك. فلما كان بعد ذلك وجدها كليب في الحمى فرماها بسهم في ضرعها فكان ذلك سبباً لقتل جساس إياء، والخبر طويل، وفي ذلك يقول كليب:
سيعلم آل مرة حيث كانوا ... بأن حماى ليس بمستباح
وان لقوح جدارهم ستغدو ... على الأبيات غدوة لا رواح
إذا عطيت سراب بفرسنيها ... تبينت المراض من الصحاح
* * *
وانشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(178)
(أفلح من كانت له قوصره ... يأكل منها كل يوم مره)
يروى هذا الرجز لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، والقوصرة: جلة يجعل فيها التمر وهي هاهنا كناية عن المرأة، ومثله:
أفلح من كانت له ترغامه ... ورسة يدخل فيها هامه
والرسة القلنسوة عن المطرز ومثله
أفلح من كانت له كرد يده ... يأكل منها ثم يثني جيده
ومثله:
أفلح من كانت له مزخه ... يزخها ثم ينام الفخه
(3/231)

والزخ: النكاح، يقال: زخ المرأة يزخها زخا، والفخة: نوم يسع فيه للنائم فخيخ أي صوت.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(179)
(كالخص إذ جلله الباري)
البيت للعجاج، يصف ناس ثور وحشي، فشبهه بخص قد جلل بباري، والخص: بيت من خشب كالسقيفة والباري: الحصير وقبله:
ومكنس ينتابه قيظي ... فهو إذا ما اجتافه جوفي
اجتافه: دخل في جوفه، وجوفي: عظيم الجوف.
* * *
وأنشد في باب ما جاء مخففاً والعامة تشدده:
(180)
(ومن تعاجيب خلق الله غاطية ... يعصر منها ملاحي وغربيب)
(3/232)

التعاجيب: الأعاجيب، غير أن الأعاجيب جمع أعجوبة، والتعاجيب لا واحد لها، وغاطية: كرمة تغطي الأرض، كذا قال أبو حنيفة. وقيل هي: الدالية، وروى المفضل عاطية بالعين غير معجمة وقال: هي بمعنى معطية كأنها تعطي العنب فجاء على حذف الزيادة كما قالوا: أبقل المكان فهو باقل وهذا أحد ما نسب فيه إلى التصحيف. والملاحي: العنب الأبيض، والغربيب: الأسود.
* * *
وأنشد في باب ما جاء محركاً والعامة تسكنه:
(181)
(قد وكلتني طلتي بالسمسرة ... وأيقظتني لطلوع الزهره)
قد ذكرنا هذا الرجز فيما تكلمنا عليه من أغلاط هذا الكتاب، وذكرنا ما حكاه أبو حاتم من السبب الذي قيل فيه هذا الرجز والصواب (صبحتني).
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(182)
(والفارسية فيهم غير منكرة ... فكلهم لابيه ضيزن سلف)
ذكر ابن قتيبة أن هذا البيت لأوس ولم أجده في شعر أوس بن حجر، ولعله لأوس بن غلفاء التميمي، وفي رواية أخرى غير رواية أبي حاتم والضيزن الشريك في المرأة، وقال ابن الأعرابي: ليس في النساء سلفة إنما اسلفان الرجلان. وأجاز الخليل أن يقال للمرأة سلفة. والفرس ينكحون أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم، فأراد أوس
(3/233)

أن هؤلاء المهجوين يدينون بدينهم ويقتدون بأفعالهم فيشاركون آباءهم في أزواجهم.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(183)
(كروايا الطبع همت بالوحل)
البيت للبيد بن ربيعة العامري وصدره:
فتولوا فاتراً مشيهم
يصف قوماً خاصمهم بين يدي النعمان بن المنذر فغلبهم فانصرفوا مغلوبين يقاربون الخطو لما أصابهم من اللة فشبههم لذل بالروايا التي همت بالوحل والروايا: الإبل التي يحمل عليها الماء والطبع ههنا النهر كذا قال يعقوب وقال ابن قتيبة: الطبع التي قد ملئت وطبعت وكان يجب على تفسيره أن يقول كالروايا الطبع لأن الظاهر من قوله أنه جعل الروايا ههنا المزاد التي يحمل فهيا الماء، فهو على هذا من باب قولهم صلاة الأولى، ومسجد الجامع. وحب الحصيد. ولا وجه لهذا لأن التشبيه إنما هو بالإبل لا بالمزاد. والوجه فيه أن يكون أراد بالروايا الإبل، وبالطبع المزاد المطبوعة، التي قد ملئت، فيكون الطبع صفة لموصوف محذوف، كأنه قال: كراويا المزاد الطبع. والكوفيون يجيزون في مثل هذا إضافة الموصوف إلى صفته، وذلك عندنا خطأ.
(3/234)

وقيل هذا البيت:
ولدى النعمان منى مشهد ... بين فاثور أفاق فالدحل
إذ دعتني عامر أنصرها ... والتقى الألسن كالنبل الدول
فرميت القوم رشقاً صائباً ... ليس بالعصل ولا بالمفتعل
فاثور أفاق والدحل: موضعان. والرشق (بكسر الراء) أن ترمي سهام كثيرة دفعة. والرشق (بفتح الراء): المصدر. والعصل: المعوجة. والمفتعل: الكذب، ويروى: المقتعل بالقاف، وهو السهم الذي لم يبر بريا جيداً. وقوله همت بالوحل جملة في موضع الحال عند البصريين، والعامل في هذه الحال ما في الكاف من معنى التشبيه، وهي صلة للطبع على مذهب الكوفيين كما قالوا في بيت الهذلي:
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل
وقد ذكرناه في موضع آخر. وأما الكاف فتحتمل أمرين أحدهما: أن تكون في موضع الحال أيضاً من الضمير في تولوا، كأنه قال: مشبهين روايا الطبع. والثاني: أن تكون صفة لمصدر محذوف. كأنه قال فاترا مشيهم فتورا كفتور مشي روايا الطبع، والوجه الأول أجود لأن في هذا الوجه الثاني حذفاً كثيراً فكان بعيداً لذلك.
* * *
وأنشد في باب ما جاء بالصاد، صدر بيت الأعشى بكر، والبيت بكماله:
(184)
(ترتعي اسفح فالكثيب فذاقا ... ر فروض القطا فذات الرئال)
(3/235)

وقبله:
لات هنا ذكرى جبيرة أو من ... جاء منها بطائف الأهوال
حل أهلي بطن الغميس فبادوا ... لي وحلت علوية بالسخال
قوله (لات هنا ذكرى جبيرة) يقول: ليس حين ذكرها فأيش منها. هذا قول الأصمعي. وقال أبو عبيدة: معناه اتنس ذكرها. والغميس، وبادولي، والسخال: مواضع وكذلك ذو قار. وروض القطا: روض تألفه القطا، وذات الرئال: أرض تألفها النعام، والرئال: فراخها. وقوله ترتعي السفح: أراد ترتعي إبلها السفح فنسب الرعي إليها مجازاً. ويجوز أن يريد ترتعي إبلها السفح، فيكون من قولهم ارتعي: بمعنى رعى كما تقول: كسب واكتسب.
* * *
وأنشد في باب ما جاء مكسوراً والعامة تفتحه:
(185)
(قد أطعمتني دقلا حوليا ... مدوداً مسوساً حجرياً)
وبعده:
(قد كنت تفرين به الفريا)
(3/236)

هذا الرجز لا أعلم قائله. والدقل: نوع من التمر رديء. وحجري: منسوب إلى حجر، وهي قصبة اليمامة. وقوله (قد كنت تفرين به الفريا) أي قد كنت تكثرين فيه القول، وتعظمين أمره، يقال: جاء فلان يفري الفرى: إذا جاء بالعجب فيما يفعله. وأصله في الخرز، يقال. فرى دلوه يفريها: إذا خرزها، فهي مفرية وفرى، قال امرؤ القيس: (فريان لما تسلقا بدهان) فمعنى قولهم يفرى الفرى يخرز المخروز، كأنه يريد على الخرز خرزاً آخر، ليكون أقوى له وأحكم فضرب مثلاً لمن يحكم الأمر، ويبلغ غاية الجد فيه، وقد يمكن أن يكون الفرى هنا مصدراً، فيكون كقولك: هو يضرب ضرباً. وإلى نحو هذا ذهب أبو عبيد في تفسير قوله، صلى الله عليه وسلم، في عمر: (فلم أر عبقرياً يفري فريه)، لأنه قال في تفسير قوله (يفري فريه) كقولك يعمل عمله، ويقول قوله: والذي قدمته أجود. وإنما أراد يعمل معموله، ويصنع مصنوعه، لأن مجيء المصدر على (فعيل) في غير الأصوات قليل، قالوا: النذير: بمعنى الإنذار، والنكير: بمعنى الإنكار، والعذير بمعنى العذر، قال ذو الإصبع العدواني:
عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض
(3/237)

وقد روى في هذا الحديث (يفرى فريه): واستعمله محمد بن هانئ على هذا الرواية فقال:
فلا عبقري كان أو هو كائن ... فرى فريه في المعضلات العظائم
قال الفراء: معنى "قد كنت تفرين به الفريا": قد كنت تأكلينه أكلاً كثيراً. وهذا ليس بشيء، يلتفت إليه.
* * *
وأنشد في باب ما جاء مفتوحاً والعامة تضمه:
(186)
(يا بني التخوم لا تظلموها ... إن ظلم التخوم ذو عقال)
هذا البيت لأحيحة بن الجلاح. قاله لبنية، يأمرهم بألا يغصبوا الأرضين ولا يغيروا حدودها. وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والعقال: ظلع يعتري الدابة، يمنعها المشي. يقول: ظلم التخوم يصيب منه الظالم مثل ما يصيب الدابة من العقال. يريد أنه يثبطه عن الاستقلال والخلاص، كما يثبت العقال الدابة عن المشي. وفي الحديث: من غصب (جاره) شبراً من أرض، طوقه من سبع أرضين. وبعد هذا البيت:
ثم مال اليتيم لا تأكلوه ... عن مال اليتيم يرعاه والي
* * *
(3/238)

وأنشد في باب ما جاء على يفعل مما يغير عجز بيت لعنترة، والبيت بكماله:
(187)
0 حلفنا لهم والخيل تردى بنا معاً ... نزايلكم حتى تهروا العواليا)
يقول لبني سعد بن زيد مناة بن تميم: إن كنتم جئتمونا حراصاً على الحرب محبين في الطعن والضرب، فلسنا نزايلكم حتى تبغضوا من ذلك ما أحببتم، وتندموا على ما فعلتم"وخص العوالي بالذكر، لأن الاعتماد عليها في المطاعنة. وقد يجوز أن تسمى الرماح عوالى. وإن كانت العوالى إنما هي صدورها، كما تسمى الجملة ببعضها إذا كان الإعتماد على ذلك البعض، كقولهم للربيئة (عين)، لأن اعتماده على عينه. وللذي يتسمع الأخبار (أذن) لأن اعتماده على أذنه. ويروى (نزايلهم) بالهاء، لأنه مخبر عنهم. ومن روى (نزايلكم) بالكاف: حكى ما خاطبهم به عند الحلف، وهذا كما تقول: حلفت لزيد: لأضربنه وإن شئت قلت: لأضربنك: أي قلت له: لأضربنك. و (معاً) ينتصب على الحال، كأنه قال: تردى بنا مجتمعين، وإن شئت كان ظرفاً، كأنه قال في وقت واحد، وقد ذهب قوم إلى ان الضمير في (نزايلهم) يرجع إلى النساء، في قوله قبل هذا البيت:
ونحن منعنا بالفروق نساءنا ... نطرف عنها مشعلات غواشيا
(3/239)

وكان يجب على هذا أن يقول (نزايلهن)، ولنه ذكر الضمير، لاختلاط النساء بالأطفال، فغلب المذكر على المؤنث:
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(188)
(فقد هر بعض القوم سقى زياد)
البيت: لإسحاق بن إبراهيم الموصلي. ومثله لا يحتج به في اللغة: وصدره:
(وقلنا لساينا زياد يرقها)
وزياد هذا: غلام كان له، وقوله (يرقها) أي يمزجها بالماء، لترق وتزول بشاعتها. وقبله:
خليل هبا نصطبح بسواد ... ونروى قلوباً هامهن صوادى
فلما مات رثاه، فقال:
فقدنا زياداً بعد طول صحابة ... فلا زال يسقى الغيث قبر زياد
ستيكيك كأس لم تجد من يديرها ... وظمآن يستسقي الزجاجة صادي
* * *
وأنشد في باب ما جاء على ما لم يسم فاعله:
(189)
(وأتانا عن الأراقم أنبا ... ء وخطب نعني به ونساء)
(3/240)

البيت: للحارث بن حلزة اليشكري، من قصيدته التي ارتجلها بين يدي عمرو بن هند، في أمر كنا قد شجر بني بكر وتغلب ابني وائل، وكان ينشده من وراء سجف، لبرص كان به، فأمر برفع السجف، استحساناً لها. ويقال إن الحارث قام ينشدها متوكئاً على عنزة، فارتزت في جسده وهو لا يشعر. وهذا البيت أنشده ابن قتيبة شاهداً على انه يقال عنيت بالأمر على صيغة ما لم يسم فاعله، وإنما يكون شاهداً إذا جعلته من العناية بالأمر، والاهتبال به، لأن هذا الفعل لم يأت مسنداً إلى الفاعل في قول أكثر اللغويين وحكى ابن الأعرابي عنيت بالأمر (بفتح العين وكسر النون). وأنشد:
عان بأخراها طويل الشغل ... له جفيران وأي نبل
وقد يجوز أن يكون (نعني به) بمعنى: نقصد به، فلا يكون فيه حجة، لأن الذي يراد به القصد: يسند إلى الفاعل، وإلى المفعول، يقال عناني الأمر يعنيني، قال الشاعر:
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
(3/241)

وأجاز أبو جعفر بن النحاس في قوله (نُساء) وجهين: أحدهما أن يكون من قولك (سؤته بالأمر). والآخر أن يريد: يساء بنا الظن فيه. وهذا الوجه الثاني لا يصح إلا على أن يكون من المقلوب. وبعد هذا البيت:
إن إخواننا الأراقم يغلون ... علينا في قيلهم إحفاء
والإحفاء: الإصرار.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(190)
(وقال المذمر للناتجين ... متى ذمرت قبلي الأرجل)
هذا البيت للكميت. والمذمر: الذي يدخل يده في رحم الناقة، فيلمس مذمر الفصيل، وهو موضع الذفري، ليعلم: أذكر هو أم أنثى؟ والناتج: الذي يتولى أمر نتاج الناقة، يصف أموراً أنتجت دواهي وأحوالاً مقلوبة عن وجوهها، فضرب لها المثل بالأجنة التي تنقلب في بطون أمهاتها، فتخرج أرجلها قبل رءوسها، لأن المذمر لا يلمس رجل الفصيل إلا إذا انقلب في الرحم، وهذا هو الذي يسمى اليتن، والعرب تشبه تولد الأمور بخروج الأجنة من الأرحام، ولذلك قالوا في المثل: "الدهر حبلى ليس يدري ما تلد". ومنه قول خلف الأحمر:
(3/242)

قد طرفت ببكرها بنت طبق ... فذمروه خبراً ضخم العنق
موت الإمام فلقة من الفلق
وقد قيل في بيت الكميت: إنه أراد أن الجنة انقلبت في بطون أمهاتها، لطول الغزو، وكثرة السفر والحركة. وقيل هو مثل لارتفاع الأرذال، وانحطاط الأشراف، كما قال الأفوه:
أمارة الغي أن يلقى الجميع لدى ال ... إبرام للأمر والأذناب أكثار
والقول الأول هو الوجه، ويدل عليه قوله قبل هذا البيت:
إذا طرق الأمر بالمعضلات ... بتنا وضاق بها المهبل
والتطريق: أن يخرج بعض الجنين من الرحم ويبقى بعض والمعضلات: الأمور الشداد، والمهبل موضع الولد من الرحم.
* * *
وأنشد في باب ما ينقص منه ويزاد:
(191)
(شتان ما يومي على كورها ... ويوم حيان أخى جابر)
البيت: لأعشى بكر. وحيان وجابر رجلان من بني حنيفة، وكان حيان نديماً للأعشى. يقول: يومي على رحل هذه الناقة، ويومي مع حيان أخي جابر
(3/243)

مختلفان، لا يستويان، لأن أحدهما يوم سفر وتعب، والثاني يوم لهو وطرب. ويروى أن حيان وجابرا كانا أخوين، وكان حيان سيداً أفضل من جابر، فلما أضافه (أي الأعشى) جابر إلى غضب وقال: عرفتني بأخي، وجعلته أشهر مني، والله لا نادمتك أبداً فقال له الأعشى: اضطرتني القافية، فلم يعذره. وبعده:
أرمي بها البيد إذ هجرت ... وأنت بين القرو والعاصر
والقرو: المعصرة. وشتان: اسم للفعل، مبني على الفتح، لوقوعه موقع الفعل الماضين وكان الفراء يجيز فيه الكسرن ويومي: مرتفع به، وما زائدة والكور رحل الناقة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(192)
(لشتان ما بين اليزيدين في الندى)
هذا البيت لربيعة الرقى يمدح يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلبن ويذم يزيد بن أسيد السلمي، وتمامه - يزيد سليم والأعز بن حاتم.
وبعده:
فهم الفتى الزدي اتلاف ماله ... وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أنى هجوته ... ولكنني فضلك أهل المكارم
(3/244)

وهذا أقذع ما يكون من الهجاء، وإنما لم ير الأصمعي هذا البيت حجة، لأن ربيعة هذا محدث، وكان عنده ممن لا يحتج بشعره. وهذا غلط لأن شتان اسم للفعل، يجري مجراه في العمل، فلا فرق بين ارتفاع (ما) به في بيت ربيعة، وارتفاع (اليوم) من شعر الأعشى، كما أنك لو قلت: بعدما بين زيد وعمرو لجاز باتفاق.
* * *
وأنشد في هذا الباب لغدافر:
(193)
(بصرية تزوجت بصرياً ... يطعمها المالح والطريا)
قد ذكرنا هذا الرجز فيما تقدم بما أغنى عن إعادته.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(194)
(لا يدفنون فيهم من فاظا)
البيت لرؤبة بن العجاج، وقبله:
إنا أناس نلزم الحفاظا ... إذ سئمت ربيعة الكظاظا
لأراءها والأزل والمظاظا ... والأزد أمسى شلوهم لفاظا
(3/245)

يريد أن القتلى كثرت حتى لا يستطيع على دفنها. والحفاظ والمحافظة: الملازمة للشيء، والحفاظ: الغضب، وتسمى الحرب حفاظاً، لأن الغضب سببها. والكظاظ: المضايقة والملازمة. واللاواء والأزل: الشدة. والمظاظ: المشاتمة والمشارة. والشلو: العضو. وجمعه أشلاء. واللفاظ: الملفوظ المطروح.
* * *
أنشد في هذا الباب:
(195)
(كادت النفس أن تفيظ عليه ... إذ ثوى حشو ريطة وبرود)
هذا البيت يروى لأبي زيد الطائي في شعر يرثى به اللجلاج الحارثي وقبله:
غير أن اللجلاج هاض جناحي ... يوم فارقته بأعلى الصعيد
صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود
وثوى، معناه: أقام. والريطة كل ملاءة لم تكن لفقين. والبرود: ثياب تصبغ باليمن. وقال أبو حاتم: لا يقال له برد حتى يكون فيه وشيء.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(196)
(فإن تكن الموسى جرت فوق بظرها ... فما ختنت إلا ومصان قاعد)
(3/246)

هذا البيت يروى لأعشى همدان، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله، ويكنى "أبا المصبع" قاله في خالد بن عبد الله القسرين ذكر ذلك الأصبهاني. وذكر أبو عمرو الشيباني: أنه لزياد الأعجم في خالد بن عتاب بن ورقاء، وقبله:
لعمرك ما أدري وأني لسائل ... أبظراء أم مختونة أم خالد؟
قال الأصبهاني: كان خالد بن عبد الله القسري يسمى بالكوفة "ابن البظراء" فأنف من ذلك، فيقال أنه اكره أمه على الختان. وفي معنى هذا البيت قولان: قيل أنه أراد بالمصان: الحجام، لأنه يمص المحاجم. يقول: إن كانت قد ختنت فإنما ختنها الحجام، لتبذلها وقلة حيائها، لان العادة جرت أن يختن النساء النساء. وقيل: إنما أراد بالمصان ابنها خالداً، لأن العرب تقول لمن تسبه: يا مصان، أي من مص بظر أمه. يقول: إن كنت قد ختنت فإنما ختنت بعد أن بلغ أبيها المصان العقود، فقد مص بظرها على كل حال أو أجرى مصان مجرى اسماه الأعلام، فلذلك لم يصرفه.
* * *
وأنشد بن قتيبة في هذا الباب:
(197)
(رضعي لبان ثدي أم تحالفا ... باسحم داج عوض لا نتفرق)
هذا البيت لأعشى بكر يمدح به المحلق بن جشم الكلابين وكان خامل الذكر، لا صيت له، وكان له بنات لا يخطبهن أحد، رغبة عنهن: فمر به الأعشى،
(3/247)

فنحر له ناقة لم يكن عنده غيرها، وأطعمه وسقاه، فلما أصبح الأعشى قال: ألك حاجة؟ قال: نعم، بذكرى، فلعلى أشتهر ويرغب في بناتي، فنهض الأعشى على (عكاظ) وانشد هذه القصيدة، فلم يمس حتى خطب إليه جميع بناته. وقيل هذا البيت:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق
تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق
وإنما ذكر النار والمحالفة، لأنهم كانوا يتحالفون على النار، وجعل الندى والمحلق كالأخوين اللذين رضعا لباناً واحداً من ثدى أم واحدة، مبالغة في وصفه بالكرم، وذكر أنهما تحالفا وتعاقدا أن لا يفترقا أبدا. وعوض: صنم كان لبكر بن وائل. وقيل: هو اسم من أسماء الدهر. وزعم المازني: أنه يضم ويفتح ويكسر، ولا أعلم أحداً حكى فيه الكسر غير المازني. وأصله أن يكون ظرفاً، كقولهم: (لا أفعله عوض العائضين) كما تقول (دهر الداهرين) ثم كثر، حتى أجروه مجرى ما يقسم به وأحلوه محله. وفي قوله: (بأسحم داج) سبعة أقوال: قيل: هو الرماد، وكانوا يحلفون به، قال الشاعر:
حلفت بالملح والمراد وبالن ... ار وبالله نسلم الحلقه
حتى يظل الجواد منعفراً ... وتخضب النيل غرة الدرقه
(3/248)

وقيل: أراد الليل. وقيل: أراد الرحم، وقيل: أراد الدم، لأنهم كانوا يغمسون أيديهم فيه إذا تحالفوا. حكى هذه الأقوال الأربعة (يعقوب) وقال غيره: (يعني حلمة الثدي)، وقيل: يعني زق الخمر. وقيل: يعني دماء الذبائح التي كانت تذبح للأصنام، وجعله أسحم، لأن الدم إذا يبس اسود. وهذا نحو قول النابغة.
وما هريق على الأنصاب من جسد
وأبعد هذه الأقوال قول من قال إنه أراد الرماد، لأن الرماد لا يوصف بأنه أسحم، ولا داج، وإنما يوصف بأنه أورق، والورقة: شبه الغبرة. وأما الدم فلا ينكر وصفه بالسواد، لأنه يسود إذا يبس. وقد صرح الطرماح بذلك في قوله يصف ثوراً:
فبات يقاسي ليل أنقد دائباً ... ويحدر بالقف اختلاف العجاهن
كطوف متلى حجة بين غبغب ... وقرت مسود من النسك فاتن
وقد وصف المتنبي الدم بالسواد، على هذا المعنى، فقال:
وربتما حملة في الوغى ... رددت بها الذبل السمر سودا
(3/249)

وقوله (تشب): أي توقد. والمقرور: الذي أصابه القر، وهو البرد. ومعنى (لاحت): نظرت وتشوفت إلى هذه النار. حكى الفراء لحت الشيء إذا أبصرته. وجعلها في (يفاع) لأنه أشهر لها، ولأنها إذا كانت في يفاع، وهو الموضع العالي، أصابتها الرياح فاشتعلت. وقوله وبات على النار: لما كان من شأن المتحالفين أن يتحالفوا على النار، جعل الندى والمحلق، كمتحالفين اجتمعا على نار، وذكر المقرورين، لأن المقرور يعظم النار ويشعلها، لشدة حاجته إليها.
وقد أخذ أبو تمام الطائي هذا المعنى وأوضحه وإن كان ليس مثله من جميع الوجوه فقال في مدحه الحسن بن وهب:
قد أثقب الحسن بن وهب في الندى ... ناراً جلت إنسان عين المجتلي
موسومة للمهتدي مأدومة ... للمجتدي مظلومة للمصطلي
ما أنت حين تعد ناراً مثلها ... إلا كتالى سورة لم تنزل
وأما إعرابه فإن قوله (رضيعي) ينصب على أربعة أوجه: إن شئت كان حالاً. وقوله (على النار) هو خبر بات، وإن شئت جعلت رضيعي خبر بات، وعلى النار في موضع الحال، وغن شئت كانا خبرين، وإن شئت نصبت
(3/250)

(رضيعي) على المدح، ولك أن تجعل الرضيع بمعنى الراضع كقولهم قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم، متعدياً إلى مفعول واحد، وإن شئت جعلته بمعنى مرضع، كقولهم رب قعيد بمعنى مقعد، فيتعدى إلى مفعولين. ومن خفض (ثدي أم) جعله بدلاً من لفظ اللبان، ومن نصبه أبدله من موضعهن لأنه في موضع نصب، ولابد من تقدير مضاف محذوف في كلا الوجهين، كأنه قال: لبان ثدى أم. وإنما لزم تقدير حذف مضاف، لأنه لا يخلو من أن يكون بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، أو بدل بعض من كل، أو بدل اشتمال، فلا يجوز أن يكون من بدل البعض، لأن الثدي ليس بعض اللبان، ولا يجوز أن يكون بدل اشتمال، لأن معنى قولنا بدل اشتمال، أن يكون الأول يشتمل على الثاني، وذلك لا يصبح ههنا، وقد ذهب قوم إلى أن الثاني هو المشتمل على الأول وذلك غلط، فلم يبق إلا أن يكون بدل الشيء من الشيء، وهما لعين واحدة، والثدي ليس اللبان، فوجب أن يقدر لبان ثدي ويجوز أن يكون ثدي أم مفعولاً سقط منه حرف الجر، كقولك اخترت زيداً الرجال وقوله (عوض لا نتفرق): من جعل (عوض) اسم صنم، جاز في إعرابه ثلاثة أوجه:
أحدها أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، كأنه قال عوض قسمنا الذي نقسم به. ويجوز أن يكون في موضع نصب، على أن تقدر فيه حرف الجر، وتحذفه، كقولك يمين الله لأفعلن: ويجوز أن يكون في موضع خفض على إضمار حرف القسم، وهو أضعف الوجوه ومن اعتقد هذا لزمه أن يجعل الباء في قوله بأسحم بمعنى (في) ويعني بالأسحم: الليل، أو الرحم، ولا يجوز أن تكون الباء في هذا الوجه للقسم، لأن القسم لم يقع بالأسحم، وإنما وقع بعوض، الذي هو الصنم.
(3/251)

ومن جعل (عوض) من أسماء الدهر، ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون القسم به لا بالأسحم، فيكون القول فيه كالقول في الوجه الأول.
والوجه الثاني: أن يكون القسم بالأسحم، فتكون الباء فيه باء القسم، ويكون (عوض) ظرفاً، كأنه قال: لا نتفرق عوض، أي لا نتفرق عوض دهرنا.
وقوله (لا نتفرق) جاء بجواب القسم على حكاية لفظ المتحالفين، الذي نطقا به عند التحالف، ولو جاء به على لفظ الإخبار عنهما لقال لا يفترقان، كما تقول: حلف الزيدان لا يخرجان، إذا أخبرت عنهما، ولم تحك لفظهما فإن حكيت لفهما قلت: حلف الزيدان لا نخرج.
* * *
وأنشد في هذا البيت:
(198)
(فإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها)
البيت لأبي الأسود الدؤلي واسمه ظالم بن سراق، وقبله:
دع الخمر يشربها الغواة فنني ... رأيت أخاها مغنيا لمكانها
يعني بأخيها نبيذ الزبيب. يقول: إن لم يكن الزبيب الخمر أو يكن الزبيبي فإنهما أخوان، غذاي بلبن واحد، ينوب أحدهما مناب الآخر.
* * *
(3/252)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(199)
(غدا أكهب الأعلى وراح كأنه ... من الضح واستقباله الشمس أخضر)
البيت لذي الرمة. وصف به الحرباء، وهي دويبة تستقبل الشمس، وتدور معها كيف دارت، وتتلون ألواناً بحر الشمس. وقبله:
يظل بها الحرباء للشمس ماثلاً ... على الجذل إلا أنه لا يكبر
إذا حول الظل العشى رأيته ... حنيفاً وفي قرن الضحى يتنصر
يريد أنه يستقبل في أول النهار المشرق، فإذا زالت الشمس عن كبد السماء استقبل القبلة. وقوله (غدا أكهب الأعلى) يجوز أن يكون موضع الأعلى خفضاً، بإضافة أكهب إليه، ويجوز أن يكون في موضع نصب، على التشبيه بالمفعول به في قول البصريين، وعلى التمييز في قول الكوفيين.
ويجوز أن يكون في موضع رفع بأكهب، وتقديره، على رأي البصريين: الأعلى منه، وعلى مذهب الكوفيين: أعلاه، فنابت الألف واللام مناب الضمير.
وكان الفارسي يأبى قول الفريقين جميعاً، ويضمر في أكهب ضميراً فاعلاً، ويجعل الأعلى بدلاً منه. ونظير هذا البيت قول النابغة:
أجب الظهر ليس له سنام
(3/253)

وقوله: (كأنه من الضح): جملة لها موضع من الإعراب، فإن اعتقدت أن راح ههنا هي الناقصة، جعلت كأن وما عملت فيه في موضع خبرها، وإن اعتقدت أنها التامة، التي لا خبر لها، جعلت الجملة في موضع الحال.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(200)
(ترتج الياء ارتجاج الوطب)
وقبله:
كأنما عطية بن كعب ... ظعينة واقفة في ركب
وصفه بأن كفله عظيم رخو، فهو يربح لعظمه ورخاوته ارتجاج الوطب، وهو زق اللبن، وارجاجه اضطرابه وهذا كقول الآخر:
فأما الصدور لا صدور لجعفر ... ولكن أعجازاً شديداً ضريرها
يقول: قوتهم ليست في صدورهم، إنما هي في أكفالهم، فهم يلقون منهم ضريراً، أي ضرراً ومشقة. والظعينة: المرأة سميت بذل لأنها يظعن بها، وكان يجب أن يقال: ظعين، بغير هاء، لأنها في تأويل: مظعون بها، وفعيل إذا كان صفة لمؤنث، في تأويل مفعول، كان بغير هاء، نحو امرأة قتيل وجريح، لكنها جرت مجرى الأسماء. حتى صارت غير جارية على موصوف،
(3/254)

كالذبيحة والنطيحة. ووصفها بأنها واقعة في ركب لأنها تتبختر إذا كانت كذلك، وتعظم عجيزتها لترى حسنها، ألا ترى إلى قول الآخر:
تخطط حاجبها بالمداد ... وتربط في عجزها مرفقه
وقال طرفة:
فذالت كما ذالت وليدة مجلس ... ترى ربها اذيال سحل ممدد
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(201)
(بنات بنات أعوج ملجمات ... مدى الأبصار عليتها الفحال)
البيت للقحيف بن خمير العقيل. وصف أن هذه الخيل من نسل أعوج، وهو فحل مشهور بالنجابة والعتق، وأنها ملحمة للحرب، بحيث تراها أبصارهم، كما قال امرؤ القيس:
وبات بعيني قائماً غير مرسل
وقوله (عليتها الفحال): يقول: لا يعلوها إلا الفحول. وقبل هذا البيت:
وحالفنا السيوف وصافنات ... سواء هن فينا والعيال
نقود الخيل كل أشق نهد ... وكل طمرة فيها اعتدال
(3/255)

(الصافنات): الخيل التي تقوم على ثلاث، وتثني سنابك أيديها. يقال: صفن الفرس، فهو صافن والصافن أيضاً: الصاف قدميه. والأشق: الطويل، والنهد: الغليظ. والطمرة: الطويلة القوائم الوثابة.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(202)
(لأبل كلى يامي واستأهلي ... إن الذي أنفقت من ماليه)
هذا البيت لا أعلم قائله. ويروى: (يا أم) بكسر الميم، أراد يا أمي، فحذف الياء، واكتفى بالكسرة منها. كقوله (يا عباد فاتقون). ويروى يا أم بفتح الميم، وفيه ثلاثة أقوال: قيل أراد يا أما على لغة من يقول ياغلاما، فحذف الألف، واكتفى بالفتحة. وقيل: أريد يا أمة، فرخم وحذف التاء، وأمة: لغة في أم إلا أنها لا تستعمل في الغالب المشهورن إلا في النداء، وقد استعملت في غيره، قال الشاعر:
نقيلتها من أمة لك طال ما ... تنوزع في الأسواق عنها خمارها
وقيل: أراد يا أمتاه. وهذا خطأن لكثرة الحذف، ولأن هذا ليس بموضع ندبه. وهذه الزيادة أكثر ما تلحق في الندية وقد استعملت في غير الندية. أنشد
يا مرحباه بحمار عفرا
* * *
(3/256)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(203)
(أحافرة على صلع وشبب ... معاذ الله من سفه وعار)
هذا البيت لا أعلم قائله وأظنه لعمران بن حطان ومعناه: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا؟ معاذ الله من أن آتي بمثل هذا السفه، ويتحدث به عني. والألف في قوله (أحافرة): للإنكار والتوبيخ. وحافرة اسم وقع موقع المصدر، وليس بمصدر، كأنه قال: أرجوعاً، فأجراه، وإن كان اسماًن مجرى المصدر المحض في قول العجاج:
أطرباً وأنت قنسري
وقوله (على صلع وشيب): في موضع نصب على الحال و (على) هاهنا: هي التي تنوب مناب واو الحال في قولهم (جاء زيد على ضعفه) كأنه قال: وهو ضعيف و (أحافرة وأنا أصلع أشيب).
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(204)
(إذا عملت بزتي على عدس ... على التي بين الحمار والفرس)
(فما أبالي من غزا ومن جلس)
(3/257)

هذا الرجز لا أعلم قائله. والبزة: السلاح، وكذلك البز. (وعدس وحدس بالعين والحاء غير معجمتين): زجر تزجر به البغال. وزعم بعض اللغويين أن عدساً وحدساً رجلان كانا يبيعان البغال، ويعنفان عليها في زمن سليمان صلى الله عليه وسلم، فكان البغل إذا رآهما أو سمع باسم واحد منهما، طار فرقاً فاستعمل اسماهما في الزجر، فصارا صوتين مبنيين على السكون، يزجر بهما. وقوله 0 على عدس) كلام فيه مجاز، لأن البزة لا تحمل على الزجر، وإنما أراد بغلة، فسماها يزجرها، كما قال الآخر:
ولو ترى إذ جبتي من طاق ... ولمتي مثل جناح غاق
يريد الغراب، وإنما (غاق): حكاية صوته. وقوله (على التي بين الحمار والفرس). الفرس: يقع على الذكر والأنثى، من الخيل، أراد أنها تناسلت بينهما، وإبدال التي من عدس بإعادة الجر كقوله (للذين استضعفوا لمن آمن منهم).
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(205)
(عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق)
(3/258)

هذا البيت ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري. ولقب جده مفرغاً، لأنه راهن على أن يشرب سقاء لبن، فشربه كله حتى فرغه. وكان يزيد هذا قد صحب عباد بن أبي سفيان، أخا معاويةن فركب معه يوماً، فهبت ريح، فانتشرت لحية عباد، وكان عظيم اللحية، فقال ابن مفرغ:
ألا ليت اللحى كانت حشيشاً ... فيعلفها خيول المسلمينا
فاتصل ذلك بعباد، فسجنه، ودس إليه غرماءه، يطلبونه بما لهم عليه من الديون، فاضطره إلى بيع جارية له كان يقال لها (الأراكة)، وغلام له كان يسمى (بردا)، وكان شديد الكلف به، وقال في بيعه:
شريت بردا ولولا ما تكنفني ... من الحوادث ما فارقته أبدا
فلما أفرط عباد في تعذيبه، والعبث به، اجتمعت اليمنية، فدخلوا على معاوية، فكلموه في أمره، فلم يشفعهم، فقاموا غضاباً، وعرف الشر في وجوههم، فردهم واسترضاهم، وكتب عهداً بإطلاقه مع رجل من بني راسب، كان يسمى خمخاما، فأخرج ابن مفرغ من السجن، وقربت له بغلة من بغال البريد، فلما استوى على ظهرها قال: (عدس ما لعباد ... البيت). وبعده:
طليق الذي نجى من الكرب بعدما ... تلاحم من كرب عليك مضيق
قضى لك خمخام قضاك فألحقى ... بأهلك لا سدت عليك طريق
لعمري لقد أنجا من هوة الردى ... إمام وحيل للإمام وثيق
وقوله (وهذا تحملين طليق): الكوفيون يرون أن (هذا) في هذا البيت موصولة، بمنزلة (الذي)، و (تحملين): صلةلها، كأنه قال: والذي تحملين
(3/259)

طليق. وكذلك قالوا في قوله تعالى (وما تلك بيمينك يا موسى): تقديره عندهم: وما (الذي) بيمينك والبصريون يجعلون تحملين في موضع نصب على الحال، وكذلك قولك بيمينك. وبين الفريقين في ذلك تنازع، ليس هذا موضع ذكره.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(206)
(سقتني بصهباء درياقة ... متى ما تلين عامي تلن)
هذا البيت لابن مقبل، وبعده:
صهابية منزع دنها ... ترجع في عود وعس مرن
الصهباء: الخمر التي يضرب لونها إلى الحمرة، وكذلك الصهابية. وقيل: هي التي تعصر من العنب الأبيض. وقوله (درياقة): أراد أنها تشفى من العلل، كما يشفى الدرياق، ويروى: (تصفق)، ومعناه كمعنى ترجع، أي تحول من إناء إلى إناء عند المزج. ويروى الأصمعي: (عن عس عود)، قال الأصمعي: كأنه كان يشرب في قارورة، فصيرها كأنها عود، فقال: في عس عود أي في عس خشب، قال: وسمعت رجلاً يقول: اسقني في قدح عيدان. وروى غيره في عود وعس، وقال: أراد قدح زجاج، والزجاجي عمل من الرمل، والوعس الرمل اللين الموطي. والمرن الذي يصوت إذا فرغ.
* * *
(3/260)

وأنشد في باب ما يتعدى والعامة لا تعديه:
(207)
(قد كاد من طول البلى أن يمصحا)
هذا البيت يروى لرؤبة بن العجاج، ولم أجده في ديوان شعره، يصف منزلاً بلى حتى كاد لا يتبين له أثر، ويقال: (مصبح الشيء يمصح): إذا ذهب:
* * *
وأنشد ابن قتيبة للنابغة:
(208)
(وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل على بأن أخشاك من عار؟)
هذا البيت خاطب به النابغة النعمان بن الحارث الغساني، وكان حمى موضعاً يقال له (ذو أقر) أي جعله حمى من الناس، لا يرعى به أحد، فتربعته بنو ذبيان، فنهاهم النابغة عن ذلك، وخوفهم من غارة النعمان وعقابه، فلم يلتفتوا إلى قوله، وعيروه خوفه منه، فبعث إليهم النعمان جيشاً مع النعمان بن الجلاج الكلبي، فأوقع بهم. والباء في قوله بأن أخشاك: بمعنى (في) و (من): زائدة مؤكدة، وتقديره: وهل على عار "في أن أخشاك"، فكأن المجرور في موضع الصفة للعار، فلما قدمه صار في موضع الحال، فالباء لها موضع، وأما (من) فلا موضع لها، لأنها زائدة، وفي تقديم الحال في مثل هذا الموضع خلاف بين النحويين، ليس هنا موضع ذكره.
* * *
(3/261)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(209)
(تعيرني أمي رجال ولن ترى ... أخا كرم إلا بأن يتكرما)
البيت للمتلمس، واسمه جرير بن عبد المسيح. وقيل: هو جرير بن عبد العزى، وكان نشأ في أخواله بني يشكر، ويقال: إنه ولد فيهم وصحبهم، حتى كادوا يغلبون على نسبه، ويظن منهم، وإنما هو أحد بنى بهثة بن جلى بن أخمس ابن ضبيعة، فسأل عمرو بن هند الحارث اليشكري عن المتلمس، وعن نسبة، فادعاه، فغضب المتلمس، ولذلك قال في هذا الشعر:
أحارث إنا لو تساط دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمس دم دما
وأصبحت ترجو أن أكون لعقبكم ... زعيماً فما أحرزت أن أتكلما
أمنتفيا من نصر بهئة خلتني ... ألا إنني منهم وإن كنت أينما
وقوله (ولن ترى أخا كرم إلا بأن يتكرما) يقول: غنما شرف الإنسان بنفسه، لا بآبائه، فإذا كان خسيس النفس، لم ينتفع بشرف قديمه. ومن أحسن ما قيل في هذا قول القائل:
قد قال قوم أعطه لقديمه ... جهلوا ولن أعطني لتقدمي
فأنا ابن نفسي لا ابن عرضي أحتذى ... بالسيف لا برفات تلك الأعظم
وقال آخر:
تلقى السرى من الرجال بنفسه ... وابن السرى إذا سرا أمراهما
* * *
(3/262)

وأنشد في هذا الباب:
(210)
(أعيرتني داء بأمك مثله ... وأي جواد لا يقال له هلا)
هذا البيت لليلى الأخيلية، قالته للنابغة الجعدي لما هجا سوار بن الحيا بشعره الذي يقول فيه:
جهلت على ابن الحيا وظلمتني ... وجمعت قولا جاء يتنا مضللا
فاعترضت ليلى الأخيلية بينهما، فقالت:
تسلور سوارا إلى المجد والعلا ... وفي ذمتي لئن فعلت ليفعلا
فقال النابغة:
ألا حسيا ليلى وقولا لها هلا ... فقد ركبت أمرا أغر محجلا
بريذينة حك البراذين ثفرها ... وقد شربت من آخر الصيف أيلا
فقالت ليلى:
أنابغ لم تنبغ ولم تك أولا ... وكنت صنيا بين صدين مجهلا
أعيرتني داء بأمك مثله ... وأي جواد لا يقال له هلا
فغلبت عليه: (وهلا) زجر يحمل به الذكر على الأنثى، والصنى: شعب ضيق بين الجبال. وقيل: هو تحقير الصنا، وهو الرماد. وقيل هو الشيء الحقير الذي لا يلتفت إليه. وقوله وقد شربت من آخر الصيف أيلا: أراد لبن إيل،
(3/263)

فحذف، وخصه دون غيره، لأنه يهيج الغلمة ويروى: أيلا، بضم الهمزة، وفيه ثلاثة أقوال: قيل: هو لغة في إبل. وقيل: هو اسم للجمع. وقيل: هو اللبن لخاثر، يقال آل اللبن يثول أولاً: إذا خثر. أراد: ألباناً أيلا، فحذف الموصوف.
* * *
وأنشد في باب ما جاء فيه لغتان استعمل الناس أضعفهما:
(211)
(نهيت بني عوف فلم يتقبلوا ... رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي)
هذا البيت للنابغة الذبياني، قاله في وقعة عمرو بن الحارث الأصغر الغساني ببني مرة بن عمرو بن سعد بن ذبيان، وكان حذرهم إغارته عليهم، فلم يقبلوا منه، وبعد هذا البيت:
فقلت لهم لا أعرفن عقائلا ... رعابيب من جنسي أريك وعاقل
ضوارب بالأيدي وراء براغز ... حسان كآرام الصريم الخواذل
الوسائل: الأسباب التي يتقرب بها، واحدتها وسيلة. يقول: توسلت إليهم بالنصيحة لهمن فلم ينجح ذلك عندهم، وقلت لهم: لا تتعرضوا لأن تسبي عقائلكم وحرمكم فأعرفهن مسبيات. وعقائل النساء كرائمهن، واحدتهن: عقيلة، وهي مشتقة من قولهم: 0 عقلالظبي والوعل عقولا: إذا صعداً في الجبل، فامتنعا فيه ممن يريدهما، يراد أنها ممتنع عزيزة، ويجوز أن تكون مشتقة من قولهم:
(3/264)

(عقلت البعير): إذا شددته بالعقال، لئلا يبرح. يراد أنها ترتبط ويحرص على إمساكها لنفاستها، فتكون في الوجه الأول فاعلة، وفي هذا الوجه فعيلة بمعنى مفعولة، وأثبتوا فيها الهاء، لأنهم أجروها مجرى النطيحة والذبيحة. والرعابيب: البيض النواعم الجسام، واحدتهن: رعبوبة. وأريك: واد. وعاقل: جبل. والبراغز: أولاد البقر، شبه بهن أولادهن. والآرام: الظباء البيض. والصريم الرمل المنقطع. وخصه لأن الظباء تألفه. والخواذل: التي تختلف عن أصحابها، وخصها لأنها فزعة متشوفة، فهو أحسن لها.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(212)
(وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها)
هذا البيت للفرزدق، واسمه همام بن غالب، ويقال: هميم، كذا قال ابن قتيبة، ويكنى أبا فراس. واختلف قول ابن قتيبة في تلقيبه بالفرزدق، فقال في هذا الكتاب: الفرزدق: قطع العجين، واحدتها: فرزدقة، وهو لقب له، لأنه كان جهم الوجه. وقال في (طبقات الشعراء): إنما لقب الفرزدق لغلظه وقصره، شبه بالفتيتة التي يشربها النساء، وهي الفرزدقة. والقول الأول هو الوجه، لأنه كان أصابه جدرى في وجهه، ثم برأ منه، فبقى وجهه جهما. والشرى: موضع تألفه الأسد. وفي قوله (يستبيلها) ثلاثة أقوال: قيل معناه: يقول لها: ما بالك؟ وقيل: معنى (يستبيهلها) يسعى في الإضرار بها والفساد،
(3/265)

لأن العرب تضرب المثل في الفساد بالبول، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ذاك رجل بال الشيطان في أذنه، أي أفسد عليه أمره ومنه قول الراجز.
إذا رأيت أنجما من السد ... جبهته أو الحزاة والكتد
بال سهيل في الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللقاح وبرد
والفضيخ: شراب يصنع من التمر، وهو يفسد عند طلوع سهيل، فلما كان طلوعه سبباً لفساده، جعل سهيلاً كأنه بال فيه. والقول الثالث: أن معنى (يستبيلها): يطلب بولها. وهذا القول أصح الأقوال، ويدل على صحته قوله قبل هذا البيت:
ومن دون أبوال الأسود بسالة ... وبسطة أيد يمنع الضيم طولها
وهذا الشعر قاله الفرزدق في النوار، وكانت نشزت عليه، وشكت به إلى عبد الله بن الزبير، وله في ذلك حديث مشهور، ولذلك قال في هذا الشعر:
لعمري لقد أردى النوار وساقها ... إلى الشأم أقوام قليل عقولها
أطاعت بني أم النسير فأصبحت ... على قتب يعلو الفلاة دليلها
وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاً ... ولو رغبت في وصله لاستقرت
* * *
(3/266)

وأنشد في هذا الباب:
(213)
(بنو عمه دنيا وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب)
هذا البيت من شعر النابغة الذبياني المشهور بأيدي الناس، مدح به عمرو ابن الحارث الأعرج الغساني حين هرب إلى غسان لموجدة النعمان بن المنذر عليه. وعمرو بن عامر: من الأزد. وأراد بقوله 0 دنيا): الأدنين من القرابة ويروى (دنيا) بكسر الدال، و (دنيا) بضمها فمن كسر جاز أن ينؤن وألا ينؤن، ومن ضم لم ينون، لأن الفظ فُعل المضمومة لا تكون أبدا إلا للتأنيث. وقوله (بأسهم غير كاذب) أي أنهم لا ينكصون عند الحرب. والعرب تستعمل الصدق والكذب في الأفعال، كما يستعملونها في الأقوال، فيستعملون الصدق بمعنى: التحقيق والإحكام للشيء، والكذب فيما لا يحقق ولا يحكم، ويقولون: حمل عليه فصدق، أي حقق الحملة ولم يرجع، وحمل عليه فكذب: إذا رجع ولم يحقق، ولذلك قالوا: صدقوهم القتال، ونظر صادق، أي محقق. قال خفاف بن ندبة يصف فرساً:
إذا ما استحمت أرضه من سمائه ... جرى وهو مودوع وواعد مصدق
(3/267)

وقال الأعشى:
جمالية تغثلى بالرداف ... إذا كذب الآثمات الهجيرا
وأما إعراب بيت النابغة، فإنه يروى (بنو، وبنى) فمن روى (بنى) جعله صفة لغسان، من قوله:
كتائب من غسان غير أشايب
أو بدلاً منهم. ومن رفع فعلى وجهين: أحدهما أن يكون خبر مبتدأ مضمر. والثاني: على البدل من تائب.
فإن قيل: كيف يصح إبداله من كتائب، وأنت إذا أبدلته منها، صرت كأنك قلت: غزت بنو عمه، وهذا غير جائز، لأن الجمع السالم المذكر لا يؤنث، إنما يؤنث المكسر، ألا ترى أنك لا تقول: قامت الزيدون، إنما تقول: قامت الرجال، فعن هذا جوابان: أحدهما: أن الجمع المذكر السالم قد جاء فيه التأنيث وإن كان قليلاً كنحو قول النابغة:
قالت بنو عامر خالوا بني أسد
وقوله أيضاً:
ولا تلاقي كما لاقت بنو أسد
وقوله أيضاً:
وقد عسرت من دونهم بأكفهم ... بنو عامر عسر المخاض الموانع
(3/268)

والثاني: أن البدل وإن كان يحل محل المبدل منه، ويوافقه من وجوه، فإنه مخالف له في كثير من أحكامه:
فمن ذلك إجازتهم أعجبتني الجارية حسنها، فيؤنثون الفعل وإن كان التقدير أعجبني حسن الجارية، وعلى هذا قراءة من قرأ (تخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) على التأنيث.
ومن ذلك أن البدل والمبدل منه وإن كان يقدر أحدهما حالاً محل الآخر، فإن ذلك لا يبطل حكم الأول، ولا يرفعه، ويدل على ذلك جواز إعادة العامل مع البدل، في نحو قوله (للذين استضعفوا لمن آمن منهم) ولذلك قال الفارسي إن البدل يقدر من جملة أخرى.
ويدل على ذلك إجازتهم زيد ضربت أباه عمرا. فلو كان المبدل منه ملغي لفظاً ومعنى، لم تجز هذه المسئلة، لأنك لو قلت زيد ضربت عمراً لم يجز.
ويدل على جواز ذلك أيضاً ما أنشده سيبويه من قوله:
فكأنه لهق السراة كأنه ... ما حاجبيه معين بسواد
فأفرد خبر كان، ولم يقل: معينان.
ومن كسر دال (دنيا) ونونه، جعله مصدرا، ومن لم ينونه جعل ألفه للتأنيث، وجعله حالاً.
* * *
وأنشد في باب ما يغير من أسماء الناس:
(214)
(وداويتها حتى شتت حبشية ... كأن عليها سندساً وسدوساً)
(3/269)

هذا البيت ليزيد بن خذاق العبدي وقبله:
ألا هل أتاها أن شكة حازم ... لدى وأنى قد صنعت الشموسا
الشكة: السلاح. والشموس: اسم فرسه، ومعنى صنعته إياها: تضميره لها، وحسن قيامه عليها، كما قال طرفة:
أدت الصنعة في أمتنها ... فهي من تحت، مشيحات الحزم
ومعنى (داويتها): سقيتها الدواء، وهوا للبن وما يداوي به الفرس ليضمر والحبشية السوداء، وإنما يريد ههنا الدهماء، لأن العرب تجعل الخضرة سواداً.
وفي البيت الأول من هذين البيتين عيب يسميه العروضيون ترك الاعتماد في الطويل، وهو لزوم القبض لجزئه السابع إذا أدرك ضربه الحذف، ومعنى القبض: ذهاب خامس الجزء فيرجع (فعولن) إلى (فعول) و (مفاعيلن) إلى (مفاعلن). ومعنى الحذف في ضرب الطويل: أن يحذف السبب الأخير من 0 مفاعيلن) فيبقى (مفاعي)، فينقل إلى (فعولن) ن وبيته المعتمد الذي مثل به الخليل:
وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب
فقوله (حهوب) فعول (لبيبي) فعولن، فإذا جاء الجزء الذي قبل هذا الضرب (فعولن) سالماً غير منقوص، كان عيباً، كقول امرئ القيس:
أصاب قطاتين فسال لواهما ... فؤادي البدى فانتحى للأريض
(3/270)

وفي هذه القصيدة أبيات كثيرة من هذا النوع. وقوله: كأن عليها سندساً وسدوساً: جملة في موضع الحال، وفي هذه الحال وجهان: إن شئت كان التقدير مشبهة السندس والسدوس، وإن شئت كان التقدير مظنوناً عليها سندس وسدوس، لأن كان إذا أخبر عنها بالظروف والأفعال والأسماء المشتقة من الأفعال داخلها معنى الظن والحسبان.
* * *
وأنشد في هذا الباب: (باب فعلت وأفعلت):
(215)
(ألفيت أغلب من أسد المسد حدي ... د الناب إخذته عقر فتطريخ)
هذا البيت لأبي ذؤيب الهذلي، ووقع في بعض النسخ ألفيت بضم التاء، وفي بعضها ألفيت بفتحها وكلاهما على صيغة فعل ما لم يسم فاعله، والصواب ألفيت بفتح الهمزة والتاء، لأن قبله.
ثم إذا فارق الأغماد حشوتها ... وصرح الموت إن الموت تصريح
وصرح الموت عن غلب كأنهم ... جرب يدافعها الساقي منازيح
ألفيته لا يفل القرن شوكته ... ولا يخالطه في البأس تسميح
رثى بهذا الشعر حبيباً الهذلي، وهو جد عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأغلب: الغلي العنق. وفي المسد قولان. قال الأصمعي هو موضع، وقال غيره المسد: ههنا مصدر من سددت الشيء أسده، وإنما أراد
(3/271)

الأسد الذين تسد بهم الثغور، والعقر: القتل، ويروي عفر (بالفاء) وهو أن يعفر الفريسة في التراب. والتطريح: الطرح على الأرض ويروى تطويح وهو الأهلاك. والرواية في الأدب بالراء ويروى جبذته، والجبذة والجذبة: سواء.
* * *
وأنشد في باب ما يغير من أسماء الناس:
(216)
(لولا ابن عتبة عمرو والرجاء له ... ما كانت البصرة الحمقاء لي وطناً
البيت للفرزدق، من شعر يمدح به عمرو بن عتبة ويذم البصرة، ونسب الحمق إلى البصرة وهو يريد أهلها كما قال تعالى: (ناصية كاذبة خاطئة) والمراد صاحب الناصية، ومثله قول أبي كبير الهذلي:
حملت به في ليلة مزؤودة ... كرها وعقد نطاقها لم يحلل
* * *
(217)
(جزى الله قومي بالأبلة نصرة ... وبدوا لهم حول الفراض وحضرا)
(3/272)

البيت لعمرو بن أحمر وبعده:
هم خلطوني بالنفوس وأشفقوا ... على وردوا البختري المؤمرا
الأبلة: موضع بجهة البصرة والفراض: جمع فرضة وهي مشرعة النهر، وأراد بالبختري المتبختر المتكبر، وعني به يزيد بن معاوية وكان قد رفع إليه أنه جاه فهرب.
* * *
وأنشد في باب فعلت وأفعلت باتفاق معنى:
(218)
(وأنت لما ظهرت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق)
البيت للعباس بن عبد المطلب من شعر يمدح به النبي صلى الله عليه وسلم وبعده:
فنحن في ذلك الضياء وفي النو ... ر وسبل الرشاد نخترق
وأنشده ابن قتيبة في أدب الكتاب (لما ظهرت)، وانشده في غريب الحديث (لما ولدت) والأفق يذكر ويؤنث. وهذا البيت شاهد على تأنيثه. وقال أبو وجرة في التذكير:
تستبرق الأفق الأعلى إذا ابتسمت ... لمع السيوف سوى أجفانها القضب
* * *
(3/273)

وأنشد في هذا الباب:
(219)
(حتى إذا أسلكوهم في قتائدة ... شلا كما تطرح الجمالة الشردا)
هذا البتي لعبد مناف بن ربع الهذلي وصف قوما هزموا حتى ألزموا الدخول في قتائده، وهي ثنية ضيقة. وقال الأصمعي: كل ثنية قتائدة. والإسلاك: الإدخال. والشل: الطرد. والجمالة: أصحاب الجمال، كما يقال الحمارة لأصحاب الحمير، والبغالة لأصحاب البغال. ولم يقولوا فراسة ولا خيالة. والشرد من الإبل: التي تفر من الشيء إذا رأته، فإذا طردته كان اشد لفراردها، فلذلك خصصها بالذكر ولم يأت لإذا في هذا البيت بجواب على ظاهره، ولا بعده بيت آخر يكون فيه الجواب، لأنه آخر الشعر، وفي ذلك ثلاثة أقوال، قال أبو عبيدة: إذا زائدة فلذلك لم يأت لها بجواب. وذهب الأصمعي إلى أن الجواب محذوف كأنه قال: بلغوا أملهم وأدركوا ما أحبوا ونحو ذلك، ومثله قول الراجز:
لوقد حداهن أبو الجودى ... برجز مستحنفر الروى
مستويات كنوى البرني
أراد لأسرعن. وقال قوم: الجواب قوله شلا، أراد شلوهم شلا فاستغنى بذكر المصدر عن ذكر الفعل لدلالته عليه. وهذا أضعف الأقوال، لأن الشل إنما كان قبل إدخالهم في قتائدة. وهذا الرأي يوجب أن يكون بعد ذلك. وقول
(3/274)

أبي عبيدة بعيد لأن "إذا" اسم، والأسماء تبعد زيادتها. وأحسن الأقوال فيه أن يكون الجواب محذوفاً؛ لأن له نظائر كثيرة في القرآن والشعر، ولأن في حذف الأجوبة من هذه المواضع ضرباً من المبالغة كما ذرنا فيما تقدم. فشلا على القول الثالث لا موضع له من الإعراب، غنما هو مصدر محض أكد فعله المضمر الذي هو الجواب. وعلى القولين الأولين هو مصدر له موضع؛ لأنه في تقدير الحال ولك في هذه الحال وجهان: عن شئت جعلتها من الضمير الفاعل كأنه قال: شالين وغن شئت جعلتها من الضمير المفعول كأنه قال: مشلولين. والأقيس أن يكون حالاً من الضمير الفاعل لقوله ما تطرد الجمالة الشردا، فشبه الشل بشل الجمالة وهم الطاردون. وإذا كان حالاً من الضمير المفعول، وجب أن يقال كما تطرد الجمال الشرد، وهو مع ذلك جائز؛ لأن العرب قد توقع التشبيه على شيء والمراد غيره، والكاف في قوله كما في موضع الصفة للشل. كأنه قال: شلا كطرد. وقبل هذا البيت:
فالطعن شغشغة، والضرب هيقعة، ... ضرب المعول تحت الديمة العضدا
وللقسى أزاميل وغمغمة ... حس الجنوب تسوق الماء والبردا
الشغشغة: حكاية صوت الطعن في الأجواف والأكفال، والهيقعة: حكاية أصوات السيوف والمعول الذي يبنى من الشجر عالة تظله من المطر، فهو يقطع الشجر ويجد في قطعها ويسرع لما غشيه من المطر، والعضد ما قطع من الشجر، فإذا أردت المصدر قلت عضد بسكون الضاد والأزاميل والغماغم أصوات مختلطة لا تفهم.
* * *
(3/275)

وأنشد في هذا الباب:
(220)
(وهمه هالك من تعرجا)
البيت للعجاج وفيه قولان؛ قال أبو عبيدة: هالك بمعنى مُهلك، وكذلك حكى يونس. وقال: كانت لغة رؤبة بن العجاج هلكني وهلكه الله، فمن على قولهما في موضع نصب. ومن قال لا يجوز هلكته إنما يقال: هلك ... ؟ وأهلكه الله، فمن على رأيه في موضع رفع كأنه قال هالك المتعرج فيه، كما تقول مررت برجل فاره العبد أي فاره عبده وبعد هذا البيت:
هائلة أهواله من أدلجا ... إذا رداء ليلة تدجدجا
علوت أخشاه إذا ما أحبجا
ومعنى تدجدج: اسود واليس كل شيء، وأخشاه: أخوفه، ومعنى أحبجا: تكاثف وعظم.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(221)
(فلما جلاها بالإيام تحيزت ... ثياب عليها ذلها واكتئابها)
(3/276)

هذا البيت لأبي ذؤيب الهذلي وصف مشتاراً اشتار عسلاً فطرد النحل عنه بالإيام؛ وهو الدخان، ومعنى جلاها، طردها وكشفها ليأخذ العسل وتحيزت: انحازت إلى جهة فراراً عن الدخان وثبات: جماعات متقطعة، واحدتها ثُبة. يقال: خرج القوم ثبات إذا خرجوا قطعاً قطعاً. ومن روى ثبات بكسر التاء وهو الوجه فلا نظر في روايته. وأما من روى تباة ففتح التاء ففيه قولان: أحدهما أن يكون على لغة من يقول في جمع المذكر السالم هذه سنين فيعرب النون ويجعلها كأنها بدل من لام الفعل، وعلى هذا أثبتوها في الإضافة في قول الشاعر:
دعاني من نجد فإن سنينه ... لعبن بنا شيباً وشيبننا مردا
والقول الثاني أن يكون رد لام الفعل في الجمع كما يردها في قولك ثبة وثنى، ولغة ولغى، فتكون الألف الآن، ليست الألف المزيدة للجميع ولكنها بدل من لام الفعل كالتي في قضاة ورماة، وهذا يوجب أن تكتب بالهاء لا بالتاء، وهو رأي الفارسي وشبهه بقول الآخر:
تقول ابنتي لما رأت وشك رحلتي ... كأنك فينا يا أبات غريب
قال أبو علي: راد يا أبة ثم رد لام الفعل.
وأما يعقوب فقال في كتاب القلب والابدال: أراد يا أبتاه ثم قلب، وقوله (عليها ذلها واكتئابها) لك في رفعه وجهان: إن شئت جعلته مرفوعاً بالابتداء
(3/277)

وعليها متضمن للخبر والجملة في موضع الحال، وإن شئت رفعت ذلها واكتئابها بمعنى الاستقرار والجملة أيضاً في موضع الحال.
والفرق بين القول الأول والقول الثاني أن "على" في القول الأول موضعها رفع وهي متعلقة بخبر المبتدأ الذي سدت مسده. وهي على القول الثاني في موضع نصب وهي متعلقة بالحال التي سدت مسدها. فتقدير الكلام على القول الأول تحيزت ثبات ذلها واكتئابها عليها، وعلى القول الثاني تحيزت ثبات مستقرا عليها ذلها واكتئابها. ومن النحويين من لا يجيز الابتداء في مثل هذا الموضع. وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
وأنشد لطرفة:
أنني لست بموهون فقر
وهذا البيت قد تقدم كلامنا فيه.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(222)
(أقتلت سادتنا بغير دم ... إلا لتوهن آمن العظم)
هذا البيت لا أعلم قائله، والهمزة في قوله: أقتلت يراد بها التقرير والإثبات وإن كان لفظها لفظ الاستفهام، وجاز دخول إلا التي للإيجاب ههنا ولم يتقدم نفي لأن قوته قوة النفي، ألا ترى أنه يؤول إلى معنى ما قتلت سادتنا إلا لما حاولته من
(3/278)

إيهان عظمنا، ولأجل هذا جاز دخول الباء التي يؤكد بها النفي بعد هل في قوله:
تقول إذا اقلولي عليها وأقردت ... ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
والباء في قوله بغير دم هي التي تنوب مناب واو الحال في قولهم جاء زيد بثيابه. ألا ترى أن معناه أقتلت "سادتنا" وهم غير ملتبسين بدم. وقوله "آمن العظم" تقديره على مذهب البصريين آمن العظم منا، فحذف. وعلى مذهب الكوفيين آمن عظمنا، فأقام لام المعرفة مقام الضمير.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(223)
(عبادك يخطئون وأنت رب ... بكفيك المنايا لا تموت)
هذا البيت لأمية بن أبي الصلت ووجدته في بعض ما قرأته من الكتب غير هذا الكتاب. المنايا والحتوف.
وكلتا الروايتين خطأ. والصواب: المنايا والحتوم؛ لأن هذا البيت من قصيدة ميمية القوافي، يقول فيها:
سلامك ربنا في كل فجر ... برئيا ما تعننك الذموم
من الآفات ست لها بأهل ... ولكن المسيء هو اللئيم
عبادك يخطئون وأنت رب ... بكفيك المنايا والحتوم
(3/279)

وأنشد في باب أفعلت الشيء عرضته للفعل:
(224)
(فرضيت آلاء الكميت فمن يبع ... فرساً فليس جوادنا بمباع)
هذا البيت للأجدع بن مالك الهمداني أنشده الأصمعي والمفضل في اختياراتهما، وآلاؤه: خصاله. وقيل آلاؤه: نعمه وأياديه، جعل تخليصه إياه من المهالك نعما أولاه إياها، وقبله
والخيل تعلم أنني جاريتها ... بأجش لا ثلب ولا مظلاع
يهدي الجياد وقد تزايل لحمه ... بيدي فتى سمج اليدين شجاع
* * *
وأنشد في باب أفعلت الشيء وجدته كذلك:
(225)
(تمنى حصين أن يسود جذاعه ... فأمسى حصين قد أذل وأقهرا)
هذا البيت للمخبل السعدي من شعر يهجو به الزبرقان بن بدر واسمه حصين، وكان رهط حصين يلقبون الجذاع، ومعنى أذل وأقهرا: وجد ذليلاً مقهوراً حين لم يكن له ناصر إلا جذاعه. وكان الأصمعي يروى أذل وأقهرا بفتح الهمزة والذال والهاء وقال معناه: جاء بذل وبما يقهر فيه، كما تقول أخس الرجل: إذا أتى بخسيس من الفعل. وألام: إذا أتى بما يلام فيه. وحكى أبو عبيد عن
(3/280)

الأصمعي في تفسير قوله أذل وأقهرا، أي صار أصحابه أذلاء مقهورين، وبعد هذا البيت:
وعضى بنى عوف فأما عدوهم ... فأرضى، وأما العز منهم فغيرا
ومعنى عض: فرق وبدد.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(226)
(قمضى وأخلف من قتيلة موعدا)
البيت لأعشى بكر وصدره:
أثوى وقصر ليله ليزودا
ووقع في بعض النسخ (فمضت) وهو غلط لأن المعنى أن هذا العاشق أقام وهو قد عزم على السفر منتظرا لما وعدته به محبوبته من التزويد، وقصر عنه الليل الطويل لشدة حرصه ثم مضى ولم تف له بما وعدته به، وأراد بالتزويد: الوداع والسلام، ويدل على أنه الماضي لا هي قوله بعد هذا البيت:
ومضى لحاجته وأصبح حبلها ... خلقا وكان يظن أن لن ينكدا
(3/281)

ويقال ثوى الرجل وأثوى: إذا أقام، ويروى (ليله) مضافاً إلى الضمير (وليلة) على التأنيث والتنكير، ومعنى أخلف: وجده خلفاً، وإنما يصح فمضت بالتأنيث في رواية من روى ليلة بالتنكير، يريد فمضت الليلة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(227)
(وأهيج الخلصاء من ذات البرق)
هذا البيت لرؤبة بن العجاج، وصف حماراً وحشيا وبعده:
وشفها اللوح بمأزول ضيق ... وحل هيف الصيف أقران الربق
قوله (وأهيج الخلصاء) أي: وجدها هائجة النبات، وحينئذ يحتاج إلى شرب الماء ووروده؛ لأن النبت إذا كان أخضر استغنى به عن الماء، فإذا جف: عطش. والهائج من النبات الذي يصفر ويأخذ في الجفوف. والحلصاء: فلاة والبرق: جمع برقة وهي أرض فيها طين مختلط برمل وحجارة، وشفها: جهدها وشق عليها. واللوح العطش. وقوله بمأزؤل ضيق: أي بأمر شديد مضيق عليها فيه. والأزل: الشدة، وأراد أن يقول: ضيق بسكون الياء فحركه للضرورة كما قال زهير:
(فلم ينظر به الحشك)
(3/282)

وقوله: (وأهيج) كان القياس أن يقول (أهاج) فجاء به على أصله ضرورة كما قال الآخر:
صددت فأطولت الصدود، وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
والهيف: ريح حارة تأتي من قبل اليمن، فإذا هبت جففت النبات ونشفت المياه. والأقران: الحبال. والربق حبال تشد بها صغار الغنم واحدتها ربقة. وهذا مثل يقول: كانوا في ربيع مجتمعين، فلما جاء الصيف، وهبت الهيف، افترقوا يطلبون النجعة والمواضع المخصية كما تفترق البُهم إذا حلت أرباقها.
* * *
وأنشد في باب أفعل الشيء أتى بذلك:
(228)
(ومن يخذل أخاه فقد ألاما)
هذا البيت لامرأة من بني حنيفة وصدره:
(تعد معاذرا لا عذر فيها)
وكان سبب قولها الشعر: أن رجلاً من بني أبي بكر بن كلاب، قدم اليمامة ومعه أخ له، فكتب له عمير بن سلمى الحنفي: أنه له جار؛ فقتل أخاه (قرين) أخو عمير في أمر اختلف في حقيقته، فأتى الكلابي قبر سُلمى أبي عمير، فاستجار به وقال:
وإذا استجرت من اليمامة فاستجر ... زيد بن يربوع وآل مجمع
وأتيت سلميا فعذت بقبره ... وآخو الزمانة عائذ بالأمنع
(3/283)

أقرين إنك لو رأيت فوارسي ... بعمايتين إلى جوانب ضلفع
حدثت نفسك بالوفاء، ولم تكن ... للغدر خائنة مغل الأصبع
فلجأ قُرين على قتادة بن مسلمة الحنفي معتصما به فعرض قتادة على الكلابي قبول الدية، وضاعفها، فأبى من قبولها. وكان عمير غائباً فلما قدم أعلم بما حدث، وإن الكلابي قد أبى من أخذ الدية فشد أخاه وثاقاً ومضى به حتى قطع الوادي فربطه إلى نخلة وقال للكلابي: أما إذ أبيت قبول الدية فأمهل حتى أقطع الوادي وأغيب عنك. ثم أقتل صاحبك وأرتحل عن جواري فلا خير لك فيه. فقتله الكلابي ورحل هارباً، فقال عمير:
قتلنا أخانا للوفاء بجارنا ... وكان أبونا قد تجير مقابره
فقالت أم عمير:
تعد معاذرا لا عذر فيها ... ومن يخذل أخاه فقد ألاما
* * *
وأنشد في باب أفعلت الشيء جعلت له ذلك:
(229)
(كأنها ظبية تعطو إلى فنن ... تأكل من طيب والله يرعيها)
هذا البيت لا أعلم قائله. شبه محبوبته بظبية تمد عنقها إلى أفنان الشجر فترعاها. ووصف الظبية بهذه الصفة لأنها حينئذ تمد عنقها وتقف على رجليها فيبين
(3/284)

حسنها وطول عنقها، وأراد أنها في خصب ونعمة، وذلك من كمال حسنها ومعنى تعطو: تتناول، والفنن: الغصن، وبعد هذا البيت:
إنى لأكنى بأجبال أجبلها ... وذكر أودية عن ذكر واديها
عمداً ليحسبها الواشون غانية ... أخرى، وتحسب أنى لا أباليها
* * *
وأنشد في باب أفعل الشيء [في نفسه] وأفعل الشيء غيره:
(330)
(أضاءت لنا النار وجهاً أغ ... ر ملتبساً بالقلوب التباسا)
البيت للنابغة الجعدي، وبعده:
يضيء كضوء سراج السلي ... ط لم يجعل الله فيه نحاسا
ومعنى أضاءت لنا النار وجهاً: بينته لنا بضوئها، حتى رأيناه، لأنه وصف أنه أقبل إليها في الليل البهيم، فقال قبل هذا البيت:
فلما دونونا لجرس النبوح ... ولا نلمس الحي إلا التماسا
ومعنى التباسه بالقلوب: امتزاجه بها لمحبتها فيه، والسليط: الزيت، وقيل: هو دهن الشيرج، ويقال صليت بالتاء، والنحاس: الدخان.
(3/285)

وأنشد في باب فعل الشيء وفعل الشيء غيره:
(231)
(قد جبر الدين الإله فجبر)
البيت للعجاج، من شطر يمدح به عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان عبد الملك بن مروان قد وجهه لقتال أبي فديك الحروري، فأوقع به وبأصحابه، فلذلك ذكر انجبار الدين، وبعده:
وعور الرحمن من ولى العور ... فالحمد لله الذي أعطى الشبر
موالى الخير إن المولى شكر
والشبر: الخير، ويروى الحبر: وهو السرور، ويروى موالي الخير بفتح الميم يريد العبيد، فمن رواه هكذا جعله مفعولاً ثانياً لأعطى. وروى إن المولى (بفتح الميم) ويروى موالي بضم الميم، فمن رواه هكذا جعله من صفة الله تعالى ونصبه بفعل مضمر على معنى المدح والثناء، وروى عن المولى بضم الميم.
* * *
وأنشد في باب فعلت [وفعلت] بمعنيين متضادين:
(232)
(قال هجدنا فقد طال السرى)
(3/286)

البيت للبيد بن ربيعة العامري وتمامه:
وقدرنا إن خنا الدهر غفل
ومجود من صبابات الكرى ... عاطف النمرق صدق المبتذل
وصف نفسه بالجلد في السفر وكثر السهر حتى يتأذى رفيقه بذلك ويعرض عليه النزول والتعريس فيأبى ذلك. وأصل المجود: الذي أصابه جود من المطر، فشبه به الذي غلبه النوم. وصبابات: جمع صبابة وهي بقية الماء، فضربها مثلاً لبقية النوم. وقوله عاطف النمرق: يريد أنه ثنى نمرقته تحت رأسه ونام. والمبتذل ههنا مصدر بمعنى الابتذال، ومعنى هجدنا: خلن ننام ونستريح. وقوله: وقدرنا.
يقول: قد قدرنا على ما نريد، ووصلنا إلى ما نحب إن غفل عنا الدهر ولم يفسد علينا أمرنا، فلم نجهد أنفسنا بطول السرى ونمنع أعيننا لذيذ الكرى.
* * *
وأنشد في باب أفعلته ففعل:
(233)
(ولا يدى في حميت السكن تندخل)
هذا البيت للكميت بن زيد الأسدي وصدره.
لا خطوتي تتعاطى غير موضعها
والحميت: زق السمن، والسكن: أهل الدار، وأراد ههنا الحي. يقول لا أخطو إلى ريبة ولا أخرق جلود الحي بالشتم. كذا فسره بن قتيبة في المعاني والخطوة بفتح الخاء المصدر والخطوة: بضم الخاء ما بين القدمين، وقيل هما بمعنى واحد.
* * *
(3/287)

وأنشد في هذا الباب:
(234)
(وأبى الذي ورد الكلاب مسوماً ... بالخيل تحت عجاجها المنجال)
البيت للفرزدق، والمسوم: الذي يعلم نفسه بعلامة يعرف بها، والعجاج الغبار، والمنجال: الحابل المضطرب، وأراد بقوله ورد الكلاب الكلاب الأول وهو واد كانت فيه وقعة بين سُلمى بن الحارث وشرحبيل بن الحارث الملكمين عمي امريء القيس بن حجر. وكانت تميم مع شرحبيل، وكانت تغلب مع سلمى فقتل في ذل اليوم شرحبيل وذلك قال امرؤ القس:
(ولا أنسى قتيلاً بالكلاب)
وأما الكلاب الثاني فلم يشهده أبوه، وكان بين عبد يغوث بن وقاص الحارثي وقيس بن عاصم المنقري وبعد بيت الفرزق:
تمشى كواتفها إذا ما أقبلت ... بالدارعين تكدس الأوعال
والكواتف: التي تحرك أكتافها إذا مشت، وتكدس الأوعال: مزاحمة بعضها بعضا.
* * *
وأنشد في باب معاني أبنية الأفعال:
(235)
(ما زلت أفتح أبواباً وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمار)
(3/288)

البيت للفرزدق، والفتح والإغلاق هنا مثلان لما استغلق عليه من الأمور وما انفتح ويعني بأبي عمرو هذا أبا عمرو بن العلاء:
* * *
وأنشد في باب أفعلت ومواضعها:
(235)
(وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه)
(وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه)
البيتان لذي الرمة، والربع: الدار حيث كانت وأما المربع فالمنزل في الربيع خاصة. وقوله وأسقيه، أي أدعو له بالسقيا. ويقال: بثثته ما في نفسي وأبثثته: ذا اخبرته بما تنطوي عليه وتسره. والملاعب: المواضع التي يلعب فيها الولدان. وبعدهما
بأجرع مقفار بعيد من القرى ... فلاة وحفت بالفلاة جوانبه
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب تفاعلت ومواضعها:
(236)
(إذا تخازرت وما بي من خزر)
هذا الرجز يروى لعمرو بن العاص، ويروى لأرطاة بان سهية المري وبعده:
(3/289)

ثم كسرت العين من غير عور ... ألفيتني ألوى بعيد المستمر
أحمل ما حملت من خير وشر ... كالحية النضناض في أصل الحجر
التخارز: النظر بمؤخر عينه تداهيا ومكرا، فإن كان خلقة فهو خزر. وقوله ثم كسرت العين يحتمل تأويلين، أحدهما أن يفعل ذلك تداهيا، والآخر انه يريد أن يتغامى عن بعض الأمور كأنه لا يراه. ويشبه المعنى الأول قول الشاعر:
إن جئت أرضا أهلها كلهم ... عور فغمض عينك الواحده
والألوى: الشديد الخصومة، والمستمر المذهب، وهو مصدر جاء على صيغة المفعول من استمر يستمر إذا ذهب. ويجوز أن يريد بالمستمر العزيمة والرأي، وقوله (أحمل ما حملت من خير وشر) يريد أنه قدير على فعل كل واحد منهما إذا شاء. والنضناض من الحيات: الذي يخرج لسانه ويحركه. وجعله في أصل الحجر لأنه أشد لتحريكه لسانه وتقليبه عينيه وتشوفه من كل من يمر به وهو نحو قول كثير:
يقلب عيني حية بمجازة ... إذا أمكنته شده لا يقبلها
والمجازة الموضع الذي يجوز عليه الناس.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(237)
(وقيس عيلان ومن تقيسا)
(3/290)

هذا البيت للعجاج وقبله:
وإن دعونا من تميم أرؤسا ... والرأس من خزيمة العرندسا
الرأس: الرئيس، يقال فلان رأس قومه. والرأس أيضاً: القوم إذا عزوا وكثروا. قال ذو الرمة:
تبرك بالسهل الفضاء وتتقي ... عداها برأس من تميم عرمرم
والعرندس: الشديد: وتقيس: انتمى إلى قيس.
* * *
وأنشد في باب استفعلت ومواضعها:
(238)
(ومستخلفات من بلاد تنوفة ... لمصفرة الأشداق حمر الحواصل)
البيت لذي الرمة، ويعني بالمستخلفات قطا تستقي الماءفي حواصلها لفراخها وتأتيها به فتزفها. ويعني بالمصفرة الأشداق: فراخها والتنوفة: القفر. وبعد هذا البيت:
صدرن بما أسارت من ماء آجن ... صرى ليس من أعطانه غير حائل
سوى ما أصاب الذئب منه وربة ... أطافت به من أمهات الجوازل
(3/291)

وأنشد في [باب افعوعلت وأشباهها]:
(239)
(فلما أتى عامان بعد فصاله ... عن الضرع واحلولي دماثا يرودها)
البيت لحميد بن ثور الهلالي يصف حوار ناقة وقبله:
وصهباء منها كالسفينة نضجت ... به الحول حتى زاد شهراً عديدها
طوت دون مثل القلب منها ألفة ... كأردية من بركة تستجيدها
الصهباء: الناقة التي فيها حمرة وبياض، وشبهها بالسفينة في عظم خلقها. والتنضيح: أن تزيد أياماً على مدة حملها المعهودة، فيجيء الولد قوى الخلقة محكم البنية: والقلب السوار من الفضة، شبهه به في بياض لونه وتثنيه في بطن أمه. والألفة ما يلتف فيه الولد في الرحم. وبركة: موضع. والدماث: جمع دمث وهو: المكان اللين التربة الكثير النبات. ومعنى يرودها: يأتيها للرعي وجواب لما هو في بيت بعد هذا وهو قوله:
رماه المماري بالتي فوق سنه ... بسن إلى عليا ثلاث يزيدها
أراد أنه لعظم خلقه يتمارى فيه من رآه فيقول بعضهم له من السن كذا، ويقول آخر بل له من السن كذا ثلاثة أعوام على حقيقة سنة.
(3/292)

وأنشد في هذا الباب:
(240)
(سود كحب الفلفل المصعرر)
هذا البيت لا أعلم من قائله وأنه يصف بعراً فشبهها في اسودادها واستدارتها وامحاقها لطول اعهد بحب الفلفل، كما قال امرؤ القيس:
ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل
والمصعرر: المستدير.
* * *
وأنشد في باب المبدل:
(241)
(نصي الليل بالأيام)
وهذا صدر بيت لذي الرمة والبيت بكماله:
نصى الليل بالأيام حتى صلاتنا ... مقاسمة يشتق انصافها السفر
وبعده:
نبادر إدبار الشعاع بأربع ... من اثنين عند اثنين مماسهما قفر
(3/293)

يصف أنهم يصلون الليل بالنهار في مداومة السفر فيقصرون الصلاة. وقوله (نبادر إدبار الشعاع)، يقول: نبادر بصلاة العصر قبل ميل الشمس للغروب فأصلى أنا ركعتين ورفيقي ركعتين، فتلك أربع ركعات بيننا. وقوله من اثنين يعني من رجلين هو ورفيقه. وقوله: عند اثنين أي عند جملين وممساهما: مكانهما الذي أمسيا فيه.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(242)
(وإن ريع منها أسلمته النوافز)
البيت للشماخ بن ضرار وصدره:
هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها
وصف قوساً وقوله هتوف أراد أنها مصوتة عند الرمي. وريع: أفزع وأسلمته: خذلته والنوافز والنواقز بالفاء والقاف: القوائم لأنها تنفز وتنقز أي تثبت يقول: إذا فزع الظبي من صوت القوس أسلمته قوائمه فسقط، ويروى قذوف، وهي الشديدة القذف بالسهم، وهو أحسن من الرواية الأولى لأنه قال قبل هذا البيت:
إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز
فقوله ترنمت يغنيه عن قوله هتوف.
(3/294)

وفي البيت المتقدم شيآن يحتاجان إلى جواب وهما: إذا وغن. فإن شئت جعلت قوله أسلمته النوافز جواباً لإن وحذفت جواب إذا، فيكون التقدير: إذا ما خالط الظبي سهمها أسلمته النوافز. يريد أنه يسقط إلى الأرض من الفزع وإن لم يخالطه سهمها، كما سقط إذا خالطه. وإن شئت جعلت قوله (أسلمته النوافز) جواباً فإذا وحذفت جواب إن، والأول على مذهب سيبويه لأنه يختار حمل الشيء على ما قرب منه، والثاني على مذهب القراء وأصحابه: لأنهم كانوا يختارون الحمل على الأسبق. ويجوز في رواية من روى (هتوف) أن يكون التقدير إذا ما خالط الظبي سهمها هتف فاستغنى عن ذكر هتفت لما تقدم من قوله هتوف، كما تقول أنا شاكر لك عن أحسنت إليّ، فلا تأتي للشرط بجواب استغناء بما تقدم من الكلام، فغن قيل إن حمله على هذا التأويل يضعف المعنى، لأنه يصير المعنى أنها لا تهتف إلا عند مخاطلة سهمهتا للظبي، والقوس يهتف على كل حال خالطه سهمها أو لم يخالطهن فالجواب أن من ذهب هذا المذهب فالمعنى عنده أن الظبي لا يسمع صوتها غلا بعد مخالطة سهمها إياه، لأن سهمها يسبق إليه قبل وصول صوتها إلى أذنيه.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(243)
(فليست بطلق ولا ساكره)
هذا البيت لأوس بن حجر الأسدي، وكانت ناقته جالت به بني مكانين يقال لأحدهما شرج وللآخر ناظره، فسقط فانكسرت فخذه، فقال في ذلك:
(3/295)

خذلت على ليلة ساهرة ... بصحراء شرج إلى ناظره
تزاد ليالي في طولها ... فليست بطلق ولا ساكره
أنوء برجل بها ذهنها ... وأعيث بها أختها العاشرة
كأنى أطاول شوك السيال ... تشك به مضجعي شاجره
يقال ليلة طلق وطلقة إذا اكنت حسنة لا حر فيها ولا قر ولا شيء يؤذي ويكره، والساكرة: الساكنة الريح. وقوله: أنوء: أي أنهض من تثاقل لانكسار رجلي، والذهن ههنا القوة. والإعنات: الإضرار والمشقة، والسيال: شجر له شوك، يقول، كأن على مضجعي شوك السيال فلا أقدر على النوم ويقال شجر الشيء شجرا إذا دخل بعضه ببعض.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(244)
(فهي تئوخ فيها الإصبع)
هذا بعض عجز بيت لأبي ذؤيب الهذلي والبيت بكماله:
قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالنيء فهي تئوخ فيها الإصبع
وصف فرساً سقاها صاحبها اللبن وقصر عليها الصبوح منه، أي حبسها عليها، واختصها به، حتى قويت وكثر لحمها وسمنت. وكان الصمعي يعيب هذا البيت ويقول أحسبه كان سمنها للذبح. إنما توصف الفرس بشدة اللحم ويبسه لا بأن الإصبع تئوخ فيه. قال: والجيد قول امريء القيس:
(3/296)

بعجلزة قد أترز الجرى لحمها ... كميت كانها هراوة منوال
وقال غير الأصمعي: لم يرد أن لحمه رخو تثوخ فيه الإصبع وإنما أراد أن أعلاها ريان من اللحم، فلو كانت الإصبع مما يمكن أن تثوخ فيها لثاخت. وسماوة الفرس توصف بالامتلاء من اللحم وإنما يستحب قلة اللحم في قوائمه كما قال الآخر:
وأحمر كالديباج أما سماؤه ... فرياً، وأما أرضه فمحول
ويروى فشرج لحمها بالرفع، أي صار شريحين أي خليطين من لحم وشحم. ويروى لحمها بالنصب ومعناه أن الصبوح هو الذي فعل بها ذلك. والضمير في قوله قصر يرجع إلى شجاع ذره قبل هذا البيت في قوله:
والدهر لا يبقى على حدثانه ... مستشعر حلق الحديد مقنع
تعدو به خوصاء يفصم جريها ... حلق الرحالة فهي رخو تمزع
* * *
وأنشد في [باب إبدال الياء من أحد الحرفين المثلين إذا اجتمعا]:
(245)
(تقضي البازي إذا البازي كسر)
هذا البيت للعجاج من شعر يمدح به عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان عبد الملك بن مروان وجهه إلى أبي فديك الحروري حين خرج عليه فأوقع به، وقبله:
(3/297)

حول ابن غراء حصان إن وتر ... فات وإن طالب بالوغم اقتدر
إذا الكرام ابتدروا الباع أبتدر ... داني جناحيه من الطور فمر
الوغم: الحقد، والباع: اشرف، وسمى باعاً لأن الطالبين للشرف لا يصلون إليه إلا بالسير الحثيث الذي يحتاج فيه إلى امتداد الباع وسعة الخطو، وقوله (دانى جناحيه من الطور): شبهه بطائر ضم جناحيه إلى نفسه وانقض على الصيد، ويحتمل أن يكون شبهه بالعقاب وشبه الجيش حوله بالجناحين لأن جيشه أنهضه إلى ما أراد، كما تنهض العقاب جناحاها. وقد سرق أبو الطيب هذا المعنى فأبدع فيه وذلك قوله
يهز الجيش حولك جانبيه ... كما نفضت جناحيها العقاب
ومعنى كسر: ضم جناحيه وانقض وقوله تقضي: أراد تقضض فأبدل الضاد التي هي لام الفعل ياء استثقالاً لاجتماع المثال وكسر ما قبلها لتصح، وانتصابه على المصدر المشبه به، والتقدير دانى مداناة مثل تقضي البازي، والأجود حمله على المرور لقربه منه. وفيه نوع آخر من المجاز، وذلك أن مروره ومداناته جناحيه يفيد معنى الانقضاض، فكأنه قال: تقضي تقضي الباز فهو من المصادر المحمولة على المعاني.
(3/298)

وأنشد في هذا الباب:
(246)
(باتت تكره كره الجنوب)
لا أعلم قائل هذا البيت ولا أحفه على هذه الصفة والذي أحفظه في شعر عبيد بن الأبرص:
باتت تكركره الصبا ... وهنا وتمريه خريقه
وأحفظ في شعر أبي داود:
إذا كركرته رياح الجنو ... ب ألقحن منه عجافاً حيالا
يصفان سحاباً تحمله الريح، والصبا الريح الشريقة، والجنوب الريح القبلية والوهن مقدار ثلث الليل وتمريه: تستخرج ماءه يقال مريت ضرع الشاة وخلف الناقة: إذا حلبتها، والخريق: الريح الشديدة. والعجاف من الإبل وغيرها: الهزيلة، والحيال: التي لا تحمل، وأراد بالعجاف الحيال ههنا: الأرضين المجدبة التي لا نبات فيها لما أصابها هذا المطر أنبتت، فكانت كإبل حائلة ضربها الفحل فألقحها.
* * *
(3/299)

وأنشد في هذا الباب:
(247)
(ويخلفن ما ظن الغيور المشفشف)
البيت للفرزدق، وصدره:
موانع للأسرار إلا لأهلها
وبعده
يحدثن بعد اليأس من غير ريبة ... أحاديث تشفى المدنفين وتشغف
وصف نساء عفائف عن الفواحش يظن بهن الغيور من أهلهن الظنون السيئة، وهن بريئات من ذلك. والمشفشف: الذي شفته الغيرة عليهن، أي جهدته وأتعبته وأراد المشفف فأبدل إحدى الفاءات شينا.
* * *
وأنشد في باب ما أبدل من القوافي:
(248)
(والله ما فضلى على الجيران ... إلا على الأخوال والأعمام)
هذا الرجز لأبي الجراح العقيلي، والمراد بالفضل ههنا: الإنعام والإفضال، ولم يرد الفضل الذي هو الشرف، وفي الكلام حذف تقديره والله ما فضلي على
(3/300)

الجيران إلا فضلي على الأخوال والأعمام، ويعني بالجيران من استجار به. يقول: ما أوليته جيراني من الفضل فإنما أوليه أخوالي وأعمامي، لأني أشيد بذلك شرفهم وأبر عشيرتي وسلفي ببرهم. فسبيلي أن التزم الوفاء لمن استجا بي ولا أغدر بمن تعلق بحبلى، فحذف الفضل الثاني الذي تتعلق به على اختصاراً.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(249)
(يا رب جعد فيهم لو تدرين ... يضرب ضرب السبط المقاديم)
هذا الرجز لا أعلم قائله وزاد كراع قبله:
قالت سليمي لا أحب الجعدين ... ولا القصار إنهم مناتين
وأراد بالمقاديم ههنا الرؤوس لأنها مقاديم الحيوان، وهي في موضع نصب بيضرب لا بالضرب كأنه قال: يضرب المقاديم ضرب السبط فقدم وأخر. ولك في المقاديم وجهان: إن شئت جعلتها جمع المقدم الخفيف الدال الساكن القاف، فتكون الياء زائدة لإشباع الكسرة كالتي في قوله:
نفي الدراهم تنقاد الصياريف
(3/301)

وإن شئت جعلتها جمع المقدم المشدد الدال، فتكون الياء عوضاً عن إحدى الدالين الساقطة في التكسير. ومن روى ولا السباط فقد غلط لأنها كانت تحب السباط وتريدهم، والشعر يدل عل ذلك.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(250)
(كأن أصوات القطا المنقض ... بالليل أصوات الحصى المنقز)
قال أبو علي هكذا رويته عن ابن قتيبة المنغص بالغين المعجمة والصاد غير المعجمة وهو من الغصص ومعناه المختنق، ورويته عن غير ابن قتيبة المنقض بالضاد المعجمة والقاف وهو الصواب، شبه صوت انقضاض القطا إذا انقضت بأصوات الحصى إذا قرع بعضها ببعض والمتنقز: المتوثب. يقال: قز وانقز إذا وثب.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(251)
(والله لولا شيخنا عباد ... لكمرونا عندها أو كادوا)
(فرشط لما كره الفرشاط ... بفيشة كأنها ملطاط)
(3/302)

معنى كمرونا: غلبونا بعم كمرهم، والكمر: جمع كمرة وهي رأس الذكر. والفرشطة والفرشاط. فتح الفخذين. والملطاط: شفير الوادي والنهر وقال أبو بكر بن دريد: الملطاط أشد انخفاضاً من الفائط وأوسع منه قال غيره الملطاط عظم ناتيء في رأس البعير. وصف قوماً تفاخروا بعظم كمرهم فكان المفاخرون لهم يغلبونهم حتى أخرج شيخهم عباد كمرته فغلبهم.
وهذا الرجز يمكن أن يكون من الشعر الذي يسمى المختص وهو نوع من الرجز لكل بيتين قافية تخالف قافية بيتين آخرين فلا يكون من هذا الباب.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(252)
(كأن تحت درعها المنقد ... شطا رميت فوقه بشط)
هذا الرجز لأبي النجم، والمعروف (كأن تحت درعها المنعط) وهذا لا ضرورة فيه، وكذلك أنشده الحاتمي وذكر الأصبهاني أن الجنيد بن عبد الرحمن المرى بعث إلى خالد بن عبد الله القسري بسبي من الزط بيض، فجعل خالد يهب أهلي البيت كما هو للرجل من رجال قريش، حتى بقيت جارية منهن جميلة وعليها فوطتان فقال لأبي النجم: هل يحضرك فيها شيء وتأخذها الساعة؟ فقال العريان بن الهيثم النخعي - وكان على شرطته-: والله ما يقدر على ذلك. فقال أبو النجم:
علقت خودا من بنات الزط ... ذات جهاز مضغط ملط
ربي المجس حسن المخط ... كأنما قط على مقط
(3/303)

كان تحت ثوبها المنعط ... إذا بدا منها الذي تغطى
شطا رميت فوقه بشط ... لم ينز في البطن ولم ينحط
فيه شفاء من أذى التمطي ... كهامة الشيخ اليماني الثط
وأوما بيده إلى العريان وكان العريان ثطا وهو القليل شعر اللحية. فضحك خالد وقال له: خذها ثم قال: يا عريان: هل تراه احتاج إلى أن يروى فيها؟ قال: لا والله ولكنه ملعون ابن ملعون. والمنقد والمنعط سواء وهو المنشق المنخرق. وقال ابن قتيبة الثط: السنام. وقال الخليل الشط شق السنام وهو أحسن في التشبيه، والجهاز: الفرج.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(253)
(إذا نزلت فاجعلوني وسطا ... إني كبير لا أطيق العندا)
وفسره فقال العند: الجانب، ورواه أبو بكر بن دريد العندا بضم العين وتشديد النون جعله جمع عائد وهو المائل المنحرف، وزاد بعده:
ولا أطيق البكرات الشردا
(3/304)

وقد يجوز لقائل أن يقول ما الذي يمنعكم أن جعلوا الألف حرف الروى فيهذين البيتين فلا يكونان من هذا الباب، وقد وجدناهم استعملوا الألف رويا في نحو قوله:
نأت دار ليلى وشط المزار ... فعيناك ما تطعمان الكرا
ومر بفرقتها بارح ... فصدق ذاك غراب النوى
فالجواب: أن الذي يمنع من ذلك أن الألف التي في قوله وسطا هي التي تبدل من التنوين في الوقف في نحو قولك رأيت زيدا، والألف التي في قوله العندا هي التي تزاد لإطلاق القوافي المنصوبة في نحو قوله:
أقلى اللوم عاذل والعتابا ... وقولي عن أصبت لقد أصابا
وهاتان الألفان لا يجوز أن تكونا رويا، فلذلك عدلنا عنه.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(254)
(أبلج لم يولدبنجم الشح ... مميم البيت كريم السنح)
(3/305)

هذا الرجز يروى لرؤبة بن العجاج ولم أجده في ديوان شعره، والميمم: المقصود لكرمه، والسنخ والسنج بالخاء والجيم: الأصل، وقد روى السنح بالحاء غير معجمة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(255)
(كأنها والعهد منذ أقياظ ... أس جراميز على وجاذ)
قد ذكرنا في الكتاب الثاني أن الصواب (مذ أقياظ) بحذف نون منذ وإطلاق القافية لأن الرجز كله كذلك.
وأنشد أبو عمرو الشيباني في نوادره:
أتعرف الدار بذي أجراذ ... دار لسعدي وأبنني معاذ
إذ النوى تدنو عن الخواذ ... لم يبق منها رهم الرذاذ
ومر ريح سيهك هذاذ ... غير أثافى مرجل جواذى
كأنها والعهد مذ أقياظ ... أس جراميز على وجاذ
وفسره فقال الجواد: التفرقن والأس: الأصل، والجراميز: الحياض الواحد جرمز، والوجاذ: الصفا ولم نسمع له بواحد، كذا قال الشيباني. وقال غيره واحدها وجذ، وكذا قال سيبويه. والهذاذ: السريعة والسيهك والسيهج التي نسهك الأرض وتسجها أي تسحقها وتذرى ترابها. والرهم:
(3/306)

الأمطار الضعيفة والجواذي: المنتصبات، يقال جذا يجذوا إذا قام على أطراف أصابعه.
وانشد الأصمعي بعد هذا الرجز وذكر أنه لعمرو بن جميل ولم يذكر فيه البيتين اللذين أنشدهما ابن قتيبة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(255)
(حشورة الجنبين معطاء القفا ... لا تدع الدمن إذا الدمن طفا)
ألا بجزع مثل أثباج القطا
الحشورة: العظيمة، والمعطاء: التي تساقط شعرها. والدمن: الزبل، والأثباج: الأوساط. يصف ناقة قد اشتد عطشها فهي تشرب الماء بما يطفو عليه من الزبل ولا تعافه، ونظيره قول عوف بن عطية بن الخرع:
وتشرب أسار الحياض تسوفها ... ولو وردت ماء المريرة آجما
أراد آجنا، وهو المتغير، فأبدل النون ميماً. وشبه جرعاتها في عمها بأثباج القطا.
وأنشد ابن قتيبة ومن رأى رأيه هذا الرجز على أن الفاء هي حرف الروى، فلذلك جعله من هذا الباب. وقد يمكن أن تكون الألف هي حرف فلا يكون الروى في الرجز عيب وقد ذكرنا ذلك.
* * *
(3/307)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(256)
(قبحت من سالفة ومن صدع ... كأنها كشية ضب في صقع)
هذا الرجز لجواس بن هريم. والسالفة: صفحة العنق: والكشية: شحمة بطن الضب. والصقع: الناحية من الأرض، ويروى صقغ بالغين معجمة. هجا امرأة وشبه سالفتها وصدغها في اصفرارهما بكشية ضب في صقع من الأرض، وأراد أن يقول من سالفتين ومن صدغين فلم تمكنه التثنية، فوضع الواحد موضع الاثنين اكتفاء بفهم السامع كما قال الآخر:
كأنه وجه تركيين قد غضبا ... مستهدف لطعان عند تذنيب
وقوله كأنها كشية ضب إنما أفرد الضمير ولم يقل كأنهما لأنه أراد سالفتيها وصدغيها وهي أربع فحمله على المعنى.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب المقلوب:
(257)
(كأن لها في الأرض نسيا تقصة ... على أمها وإن تحدثك تبلت)
هذا البيت للشنفري الأزدي واسمه عمرو بن عامر. والنسى الشيء المنسي الذي ضل عن صاحبه ويكون النسي أيضاً الشيء الذي تقادم عهده حتى نسى.
(3/308)

وصف امرأة بالعفة والخفر يقول: إذا مشت نظرت إلى الأرض لشدة حيائها كأنها تطلب شيئاً تلف لها. والأم: القصد الذي تريده لا تعرج عنه إلى غيره ومعنى تبلت: تقطع كلامها ولا تطيله. وبعده:
أميمه لا يخزى نثاها حليلها ... إذا ذكر النسوان عفت وجلت
إذا هو أمسى آب قرة عينها ... مآب السعيد لم يقل أين ظلت
فدقت وجلت، واسبكرت وأكملت، ... فلوجن إنسان من الحسن جنت
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(258)
(مثل القسي انتقاها المنقي)
هذا الرجز لا أعلم قائله، وأحسيه يصف إبلا لأن تشبه بالقسي: وقد يمكن أن يكون شبه أضلاعها بالقسي كما قال الشماخ:
فقربت مبراة تخال ضلوعها ... من الماسخيات القسي الموترا
* * *
(3/309)

وأنشد في باب ما تتكلم به العرب من الكلام الأعجمي:
(259)
(وكنا إذا القيسي نب عتوده ... ضربناه دون الأنثيين على الكرد)
هذا البيت للفرزدق يهجو به جندل بن الراعي وبعده:
وأورثك الراعي عبيد هراوة ... وما طورة تحت السوية من جلد
والعتود: من أولاد المعز الذي قد رعى النبات قوى. ونب: هاج وطلب السفاد. والأنثيان: الأذنان، جعلها أنثيين لأن اسمهما مؤنث. وهذا مما يوهمون فيه أن المعاني مطابقة للأسماء وإن كانت مخالفة لها لغرض من الأغراض يقصدونه، كما قال الآخر:
وما ذكر فإن يكبر فأنثى ... شديد الأزم ليس بذي ضروس
يريد القراد لأنه يقال له ما دام صغيراً قراد، وهو اسم مذكر اللفظ، فإذا كبر سمي حلمة وهو اسم مؤنث اللفظ. ومثله قول الأخطل ليربوع بن حنظلة:
تسد القاصعاء عليه حتى ... تنفق أو تموت به هزالا
جعله كاليربوع حقيقة إذا كان يسمى باسمه. والكرد: العنق. يقول إذا كثرت معز القسى وضأنه وتوالدت فأدركه الأشر وحركه إلى الحرب البطر، ضربنا عنقه، ونحوه قول الشماخ:
(3/310)

نبئت أن ربيعاً أن رعى إبلا ... يهدي إلى خناه ثاني الجيد
يقول لما كثرت إبله وحسنت حاله أبطرته النعمة. وقيل معناه أنا نغزوه في أيام الربيحين يهيج الحيوان ويطلب السفاد. وفي ذلك الوقت يغزو بعضهم بعضاً ونحوه قول الآخر:
قوم إذا نبت الربيع لهم ... نبتت عداوتهم مع البقل
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(260)
0 قد علمت فارس وحمير وال ... أعراب بالدست أيكم نزلا)
هذا الشعر لأعشى بكر في شعر يمدح به سلامة ذا فايش الحمير. يقول: قد علمت الفرس وحمير والأعراب أيكم غلب على الصحراء ونزل بها. ويروى أيهم والدست: الصحراء، وإنما أشار بهذا على الحرب التي كانت بين حمير والحبشة، وكان سيف بن ذي يزن الحميري قدم على كسرى فاستمده على الحبشة، فبعث معه وهزر الفارسي، وفي ذلك يقول الأعشى:
قتلنا القيل مسروقاً ... وروينا الكثيب دما
(3/311)

وبعد البيت المتقدم:
ليث لدى الحرب أو تدوخ له ... قسراً وبذ الملوك ما فعلا
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(261)
(قردمانيا وتركا كالبصل)
هذا البيت للبيد بن ربيعة وصدره:
فخمة ذفراء ترتى بالعرا
وقبله:
فمتى ينقع صراخ صادق ... يحلبوه ذات جرس وزجل
النقع: ارتفاع الأصوات، ويحلبوه: يمدوه ويعينوه بحلائب الخيل، الجرس والجرس بالفتح والكسر: الصوت، والزجل كذلك إلا أن فيه تطريباً. أراد كتيبة ذات جرس وزجل، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه. وقوله فخمة ذفراء فيه قولان: قال يعقوب: أراد بالفخمة الكتيبة وجعلها ذفراء لسهكها وتغير رائحتها من الحديد. وقال ابن القزاز في المعاني: أراد درعاً وجعلها ذفراء لرائحة الحديد. وتُرتى: تشد يقال: رتوت الشيء إذا شددته، ورتوته: إذا أرخيته، وهو من الأضداد. ومعنى ترتى بالعرا أنهم كانوا يتخذون عرا في أوساط الدروع تشد ذيوله إليه لتشمر عن لابسها إذا أراد أن يمشي. وكانوا أيضاً يشدون البيض في الدروع لئلا تسقط البيضة عن رأس الفارس إذا ضرب على
(3/312)

رأسه، وكان الفارس ربما رفع ذيل درعه وشده في رئاس سيفه إذا أراد المشي ولذلك قال أبو قيس بن الأسلت:
أعددت للأعداء فضفاضة ... بيضاء مثل النهي بالقاع
أحفزها عني بذي رونق ... أبيض مثل الملح قطاع
واختلف في القردماني فقيل: هي دروع، وقال أبو عبيدة: قباء محشو، وقيل: هي قسى كانت تعمل وترفع في خزائن الملوك. وشعر لبيد هذا يشهد بأنها الدروع؛ لأنه قال بعد هذا البيت:
أحكم الجنثى من عورتها ... كل حرباء إذا أكره صل
والحرباء: مسمار تسمر به حلق الدرع، ومن رفع الجنثى ونصب كلا أراد بالجنثى الزراد، ومن نصب الجنثى ورفع كلا أراد بالجنثى السيف وجعل أحكم بمعنى منع ورد. وروى عن عورتها أي رد اسيف عن عوارتها. والترك البيض وشبهها بالبصل البرى في استدرائها وبياضها. وأحسن من هذا قول سلامة ابن جندبل:
كأن النعام باض فوق رؤوسهم ... بنهى القذاف، او بنهي مخفق
(3/313)

وفي إعراب بيت لبيد إشكال، فمن ذهب إلى أن الفخمة الدرع نصبها على البدل من ذات جرس، وهو بدل اشتمال لأن في قوله يحلبون ذات جرس وزجل معنى يشتمل على أنهم يحلبونه بالدروع وغيرها، والعائد من البدل إلى المبدل منه محذوف، كأنه قال بالعرا منها. هذا على قياس مذهب البصريين، وأما على قياس مذهب الكوفيين فإن الألف واللام في العرا سدتا مسد الضمير ونابتاً منابه وقردمانيا بدل من فخمة ولم نحتج في إبدال القردماني من الفخمة إلى ضمير كما احتجنا إليه في إبدال فخمة من ذات جرس؛ لأن القردماني هو الفخمة بعينها، لأنه لم يرد بالفحمة ههنا درعاً واحده وإنما هو لفظ خرج مخرج الخصوص والمراد به العموم، ومن ذهب إلى أن الفخمة ههنا الكتيبة وهو قول يعقوب، نصبها على الصفة لذات جرس ونصب قردمانيا بفعل مضمر دل عليه قوله ترتى بالعرا لأنه لما قال: ترتى بالعرا على صيغة ما لم يسم فاعله احتمل أن يريد أنها ترتو دروعها لتشمرها، أو ترتو بيضها على دروعها خوف السقوط.
فبين الرتو الذي أراد فكأنه قال ترتو قردمانيا، وتركا: أي تشد بيضاتها إلى دروعها خوف السقوط. ونظيره قول الآخر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوايح
لأنه لما قال ليبك يزيد على صيغة ما لم يسم فاعله احتمل أن يبكي لمعان شتى، فبين المعنى الذي أراد. وذهب بعض النحويين إلى أن قردمانيا مفعول ثان لترتي؛ لأنه إذا قال ترتي بالعرا فكأنه قال تكسى، يريد أنه أجراه مجرى الأفعال التي تحمل على غيرها لتداخل معانيها.
(3/314)

وقد ذكرنا في الكتاب الثاني طرفا من هذا المعنى. وهذا عندي بعيد ههنا لأنه إنما يصح له هذا التأويل في قول من قال أنه أراد بالفخمة الكتيبسة والكتيبة لا توصف بأنها ترتى بالعرا، إنما ترتى دروعها. فلابد من تقدير مضاف محذوف حتى يصح الكلام، كأنه قال: ترتى دروعها ثم حذف الدروع وأقام الضمير مقامها، فاستتر في الفعل، فلا يستقيم على هذا أن تجعل ترتى بمعنى تكسى، لأن الدروع لا توصف بأنها تكسى قردمانيا.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(262)
(كالخص إذ جلله الباري)
وقد تقدم هذا البيت في باب ما يشدد والعوام تخففه، وقلنا فيه هناك ما أغنى عن إعادته.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(263)
(كالحبشي التف أو تسبجا)
هذا البيت للعجاج وقبله:
واستبدلت رسومه سفنجا ... أصك نغضا لا يني مستهدجا
(3/315)

يعني بالسفنج ظليماً؛ وهو ذكر النعام. والأصك: الذي يصطك عرقوباه، وكل ظليم أصك لأنه ينشر جناحيه إذا أسرع ولا يستقل عن الأرض استقلال الطائر فيتقارب عرقوباه. والنغض: الذي يرفع رأسه ويحركه. وقوله: لايني مستهدجاً: أي لا يزال منفرا فزعاً لأنه شديد الشرود والخوف من كل شيء يراه، ولذلك قيل في المثل "أشرد من نعام" وأشرد من ظلم". ومعنى يني: يفتر. يقال وني في أمره يني. والمستهدج: الذي يحمل على أن يهدج ويضطر إلى ذلك، والهدج والهدجان: سرعة مع مقاربة خطو. وشبه الظليم لسواد لونه وما عليه من الريش بحبشي التف في كساء أو لبس سبيجا، وهو ثوب من صوف ليس له كمان مثل البقيرة يلبسه الجواري. ونحوه قول عنترة:
(كالعبد ذي الفرو الطويل الأصلم)
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(264)
(كما رأيت في الملاء البردجا)
وأنشد معه بيتين آخرين للعجاج، وهذه الأبيات الثلاثة متقاربة في شعره فرأيت أن أذكرها مع ما يتصل بها وهي:
(3/316)

وكل عيناء تزجى بخرجا ... كأنه مسرول أرنذجا
في نعجات من بياض نعجا ... كما رأيت في الملاء البردجا
يتبعن ذيالا موشى هبرجا ... فهن يعكفن به إذا حجا
بربض الأرطى وحقف أعوجا ... عكف النبيط يلعبون الفنزجا
يوم خراج يخرج السمرجا
العيناء: البقرة الوحشية، سميت بذلك لعظم عينها وتزجى بخرجا: تسوقه برفق لتعلمه المشي، والبخرج: ولد البقرة، والمسرول: الذي البس سراويل، والأرندج: جلد أسود يعمل منه أخفاف يلبسها النصارى كما قال الشماخ:
كمشى النصارى في خفاف اليرندج
وإنما قال ذلك لأن بقر الوحش في قوائمها سواد ونعجات بقر شديدات البياض. والنعج بفتح العين: البياض. كأنه قال في بقر مبيضات. والملاء: الملاحف. والبردج: ما سبى من ذراري الروم وغيرهم، وذيال: ثور طويل الذنب، والهبرج: المتبختر في مشيه. وحجا: أقام ووقف. والنبيط: جنس من العجمسموا بذلك لإنباطهم المياه، والفتزج: لعبة للنبط يجتمعون حولها. شبه اجتماع البقر حول الثور باجتماع النبط للفنزج. والسمرج الخراج يؤدي إلى العامل في ثلاث مرات هذا أصله عند الفرس واستعملته العرب في كل خراج.
(3/317)

وأنشد للعجاج أيضاً:
(265)
(مياحة تميح مشياً رهوجاً)
يصف امرأة، والمياحة: التي تتبختر في مشيها، والمشي الرهوج: السهل، ومشي مصدر محمول على معنى الفعل لأنها إذا ماحت فقد مشت مشياً رهوجاً وبعده:
تدافع السيل ذا تعمجا
وتعمج السيل تثنيه.
* * *
وأنشد للعجاج أيضاً:
(266)
(وكان ما اهتض الجحاف بهرحا)
اهتض: كسر وأهلك. والجحاف والجحاش: المدافعة في الحرب، وبهرج: باطل لا دية فيه. وإنما وصف حرباً ذكرها قبل هذا البيت بأبيات في قوله:
(3/318)

إنا إذا مُذكى الحروب أرجا ... منها سعاراً واستشاطت وهجا
ولبست للموت جلا اخرجا ... نرد عنا رأسها مشججا
ومعنى أرج: أوقد والسعار والوهج: حر النار، واستشاطت: التهبت.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(267)
(وقارفت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنمى سفسير)
هذا البيت يروى للنابغة الذبياني، ويروى لأوس بن حجر. والضمير في قوله: وفارقت يعود إلى ناقة ذكرها قبل هذا البيت في قوله.
هل تبلغنيهم حرف مصرمة ... أجد القفار وإدلاج وتهجير
قد عريت نصف حول أشهراً جدداً ... يسقى على رحلها بالحيرة المور
الحرف: الناقة التي انحرفت عن السمن إلى الضمر. وقيل: هي العظيمة الخلق. شبهت بحرف الجبل، وقيل: هي الماضية التي لا يردها شيء. شبهت
(3/319)

بحرف السيف، وقيل: هي التي تقوست من الهزال شبهت بحرف من حروف المعجم. قالوا وذلك الحرف هو النون لتقوسها، والمصرمة القليلة اللبن، وذلك محمود في الإبل التي تتخذ للركوب والسفر، ومذموم في الإبل التي يتخذ للنسل والأجد: القوية من قولهم بناء مؤجد، ويروى جرداً بالراء وجدداً بالدال. والمور: دقاق التراب الذي تحمله الريح ويسمى أيضاً السافي والسافياء وقارفت أي أكدت تجرب ولم تفعل. وباع ههنا بمعنى اشترى: والفصافص: جمع فصفصة وهي القضب، وأصلها بالفارسية (اسفست)، ويقال اسبست بالباء والفصافص من علف أهل الأمصار وليس من علف أهل البوادي، والنمى: فلوس من رصاص كانوا يتبايعون بها. وقيل: هو الدرهم الرديء يقال للدرهم الرديء قد ظهرت نُميته أي رداءته. والسفسير: خادم القوم وتابعهم، وهو أيضاً: الرسول، وهو أيضاً الفيج، والسفسير أيضاً الواسطة بين البائع والمشترى. وإنما أراد النابغة أنه أقام بالحيرة ستة أشهر ينتظر صلة النعمان حتى همت ناقته بأن تجرب لمقامها بالحاضرة واعتلافها علف أهل الأمصار، واختلاف الغذاء عليها، ولولا انتظار جبا الملك لم تقم فيها هذه المدة، وقد بين ذلك بقوله:
لولا الهمام الذي ترجى نوافله ... لقال راكبها في عصبة سيروا
وأنشد في هذا الباب:
(268)
(وبيداء تحسب ارآمها ... رجال أياد بأجيادها)
(3/320)

البيت لأعشى بكر، والبيداء: الفلاة التي تبيد من سكها أي تهلكه، والآرام: أعلام تنصب في الفلوات ليهتدي، بها فشبهه برجال إياد لأنهم كانوا يوصفون بالطول وعظم الأجسام، ولذلك رواه الأصمعي بأجلادها: أي بشخوصها وخلقها.
وأما أبو عبيدة فقال: أراد الجودياء وهو الكساء بالنبطية أو بالفارسية يريد أنه شبه الأعلام برجال إياد وقد احتبت بأكسيتها، وقوله تحسب آرامها جملة في موضع الصفة للبيداء وهي صفة جرت على غير من هي له، واستتر فيها الضمير الفاعل لأن الفعل يتضمن ضمير الأجنبي كما يتضمن ضمير غير الأجنبي. ولو صيرت الجملة صفة محضة لبرز الضمير ولم تتضمنه الصفة، وكنت تقول: وبيداء حاسب آرامها أنت. والباء في قوله بأجيادها هي التي تنوب مناب واو الحال كأنه قال رجال إباد وهي بأجيادها. وبعد هذا البيت:
يقول الدليل بها للصحا ... ب لا تخطئوا بعض أرصادها
قطعت إذا خب ريعانها ... بعرفاء تنهض في آدها
* * *
وأنشد في هذا الباب
(269)
(وغارة ذات قيروان ... كأن أسرابها الرعال)
(3/321)

هذا البيت لامريء القيس بن حجر، والقيروان: معظم الشيء وهو مفتوح الراء، وحكى صاعد بن الحسن الريعي، قال: حدثني على بن مهدي الفارسي، قال: سمعت ابن دريد يقول: القيروان بفتح الراء: الجيش، والقيروان بضم الراء القافلة، والأسراب الجماعات. والرعال. جمع رعلة: وهي القطعة من القطا، شبههم بها في السرعة. وبعده:
كأنهم حرشف مبثوث ... بالجو إذ تبرق النعال
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(270)
(أضاء مظلته بالسرا ... ج والليل غامر جدادها)
البيت لأعشى بكر يصف خماراً طرقه لابتياع خمر منه فأوقد سراجه والليل قد غمر جُداد المظلة. والمظلة: الخباء" والجُداد: الخيوط المعقدة. وقيل: هي هُدب الثوب. وقال أبو عبيدة هي خصاص ما بين شفتي الملة قال الأصمعي أراد أن الليل لازق بمؤخر البيت. وبعده:
دراهمنا كلها جيد ... فلا تحبسنا بتنقادها
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(271)
(تضمنها وهم ركوب كأنه ... إذا ضم جنبيه المخارم رزدق)
(3/322)

هذا البيت لأوس بن حجر، ويقال أنه لشريح ابنه، وصف نعامة تساير ظليماً، وقبل هذا البيت:
كأن ولاياها إذا هي هيجت ... تضمنها وحف الجناحين نقنق
أرته حياض الموت صكاء صعلة ... فلا هي تشآه ولا هو يلحق
يقول كأن ولايا الناقة التي وصف على ظهر ظليم، وحف الجناحين، أي كثير الريش، والنقنق: الذي يردد صوته. والولايا: جمع ولية وهي شبه البرذعة، وقوله: أرته حياض الموت صكاء، يريد أنها أتعبته وجهدته بفرارها منه واتباعه إياها. والصكاء: النعامة المصطكة العرقوبين، والصعلة: الصغيرة الرأس. ومعنى تشآه: تسبقه. ومعنى تضمنها وهم: أي صارت فيه فاشتمل عليها، وكان ينبغي أن يقول تضمنها لأنه وصف ظليماً ونعامة فلم يمكنه، فأخبر عنها وترك الإخبار عن الظليم لعلم السامع أنه إذا تبعها فهو معها في طريق واحد. والوهم ههنا: الطريق العظيم، والركوب: الذي يركب ويوطأ. وشبهه بالرزدق وهو: السطر الممدود والصف، والمخارم: أنوف الجبال. ويجوز أن يكون الضمير في قوله تضمنها عائداً على الناقة المذكورة قبل هذه الأبيات في قوله
وإني لتعديني على الهم جسرة ... تخب بوصال صدوم وتعنق
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(272)
(ضوابعا ترمي بهن الرزدقا)
(3/323)

هذا البيت لرؤبة بن العجاج والضمير في قوله بهن يعود على إبل ذكرها في قوله:
والعيس يحذرن السياط المشقا ... كأن بالأقتاد ساجاً عوهقا
في الماء يفرقن العباب الغلفقا
العيس، الإبل البيض التي تخالط ألوانها حمرة، وهي أكرم الإبل. والمشق التي تؤثر بالضرب يقال مشقه بالصوط، والأقتاد: أعواد الرحل، والساج: خشب أسود تعمل منه السفن وغيرها. شبه الإبل وهي تسير في السراب بالسفن التي تسير في الماء. والعوهق: الطويل، والعباب: الموج، والغلفق. الطحلب وأراد العباب ذا الغلفق فحذف المضاف. والضوابع: التي تمد أضباعها في السير وهي أعضادها. وقيل: هي التي يسمع لصدورها صوت عند السير، وأراد بالزردق الطريق ههنا.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(273)
(كأنها وابن أيام ترببه ... من قرة العين مجتابا ديابود)
البيت للشماخ بن ضرار يصف، وقبله:
دار الفتاة التي كنا نقول لها ... يا ظبية عطلا حسانه الجيد
قوله كأنها يريد كأن الظبية ويعني بابن أيام ولدها الذي تربيه وجعله ابن أيام لصغره ويروى تُتضرتره أي تحركه ليمشي معها، ومعنى مجتابا: لابساً والديابود:
(3/324)

ثوب ينسج على نيرين. وفي معنى هذا البيت قولان: قيل أراد أنهما سمنا لما هما فيه من الخصب فكأنهما لمسنهما وحسن خلقهما قد لبسا ديابودا. وقيل: بل أراد أنهما في خصب يمشيان بين الأنوار والأزهار فكان عليهما من النبات ثوباً يلبسانه، وإلى هذا القول الثاني أشار يعقوب.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(274)
(حتى مات وهو محزرق)
هذا بعض عجز بيت لأعشى بكر والبيت بكماله:
فذاك وما نجى من الموت ربه ... بساباط حتى مات وهو محرزق
أراد النعمان بن المنذر حين سخط عليه كسرى فرمى به إلى الفيلة فقتلته، وساباط: موضع، ومحرزق: محبوس، وأصله بالنبطيطة هرزوقاء، ورواه الأصمعي وأبو زيد محرزق بتقديم الراء على الزاي، وكان أبو عمرو الشيباني يرويه بتقديم الزاي على الراء فقيل ذلك لأبي زيد فقال: أبو عمرو أعلم بهذا منا، يريد أن أمه نبطية فهو عالم بلغة النبط. وقوله فذاك إشارة إلى ما ذكره قبل هذا البيت من ملك النعمان بن المنذر وقدرته، وذلك قوله:
ولا الملك النعمان يوم لقيته ... بأمته يعطي القطوط ويأفق
وتجبي غليه السيلحون ودونه ... صريفون في أنهارها والخورنق
(3/325)

ثم قال بعد أبيات فذاك، ومعناه فذاك ملكه أو فملكه ذاك فارتفع ذاك على خبر مبتدأ مضمر أو على الابتداء وإضمار الخبر والضمير في أنجى يعود على الملك، أي وما أنجى الملك من الموت ربه، ويروى: هنالك ما اجنته عزة ربه. وروى أبو عبيد: هنالك لم ينفعه كيد وحيلة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(275)
(في جسم شخت المنكبين قوش)
هذا البيت لرؤبة بن العجاج، وقبله يخاطب الحارث بن سليم الهجيمي:
إليك أشكو شدة المعيش ... ومر أعوام نتفن ريشي
نتف الحبارى عن قرارهيش ... حتى تركن أعظم الجؤشوش
حدباً على أحدب كالعريش ... غث ضعيف جبلة النطيش
القرا: الظهر، والهريش، لذي ترتهش من الهزال، والجؤشوش: الصدر، والغث: الهزيل، والنطيش، القوة والتصرف، والشخت: الرقيق، والقوش: الصغير.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(276)
(كدكان الدرابنة المطين)
(3/326)

البيت للمثقب العبدي واسمه عائذ بن محصن. وقال ابن قتيبة: اسمه محصن ابن ثعلبة، وسمى المثقب لقوله في هذه القصيدة:
رددن تحية وكتمن أخرى ... وثقبن الوصاوس للعيون
وهذا قول من قال المثقب بفتح القاف ومن قال المثقب بالكسر سماه بقوله:
فلا يدعني قومي لنصر عشيرتي ... لئن أنا لم أجلب عليهم وأثقب
وصدر البيت الذي أنشد ابن قتيبة بعضه:
(فأبقى باطلي والجد منها)
يعني ناقته يقول ركبتها في الباطل وجدت هي في السير فهزلت بين الباطل والجد. وبقى منها بعد الهزال كالدكان المطين الذي تجلس عليه الدرابنة، وهم: البوابون، واحدهم دربان. فإذا كانت خلفتها بعد أن هزلت على هذه الحال، فما ظنك بها قبل الضعف والهزال. وقبل هذا البيت:
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني
أكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقى على وما يقيني
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(277)
(فسرونا عنه الجلال كما ... سل لبيع اللطيمة الدخدار)
(3/327)

البيت لأبي دؤاد الإيادي، وصف فرساً أضمره وسقاه اللبن. ومعنى سرونا: نزعنا. يقال سروت عنه الثوب أسروه سروا: إذا أزلته. والجلال: جمع جل وهو الكساء الذي يجلل به الفرس واللطيمة: إبل تحمل البز والطيب. يقول لما أكمل تضميره والقيام عليه، كشفنا عنه جله فبرز كأنه ثوب ينشره تاجر ليبيع به بقية ثيابه التي يتضمنها دخداره وهو تحت الثياب. وإنما يخرج التاجر أنفس ما في تحته. وهذا نحو من قول علقمة:
كميت كلون الأرجوان نشرته ... لبيع الرداء في الصوان المكعب
والصوان التخت، وقيل بيت أبي دؤاد:
دافع المحل والشتاء ويبس ال ... عود عنه قناعس أظآر
رهلات ضراتهن مهاريس ... جلاد إذا شتون غزار
فقصرن الشتاء بعد عليه ... وهو للذود إذ يقسمن جار
القناعس: الإبل العظام، والأصل قناعيس بالياء، لأن الواحد منها قنعاس، فحذف الياء ضرورة. والاظآر: التي تعطف على أولاد غيرها، والرهلات: المسترخيات والضرات جمع ضرة وهي: لحم الضرع. والمهاريس: الشديدات الأكل. والغزار: الشديدة اللبن.
يقول: هذه الإبل وقف عليه تغذوه بألبانها عند عدم المرعى وهو يمنعها من أنيغار عليها فتقتسم. ومعنى قصرن: حبسن.
* * *
(3/328)

وأنشد في هذا الباب:
(278)
(تجلو البوادق عنه صفح دخدار)
البيت للكميت الأسدي يصف بقرة وحشية ولا أحفظ صدره. ومعنى تجلو: تكشف. والصفح: الجانب.
يقول: إذا لمعت البروق في الظلام ظهر منها مثل صفح الدخدار.
* * *
وأنشد في باب دخول بعض الصفات على بعض:
(279)
(باتت تنوش الحوض نوشاً من علا ... نوشاً به تقطع أجواز الفلا)
لا أعلم لمن هذا الرجز. والنوش: التنول، ويقال جئته من علو ومن علو ومن عل مخفوض غير منون، ومن عل مضموم غير منون، ومن عل مفتوح غير منون، ومن عال ومن معال مخفوضان منونان، ومعناها كلها: أنه جاء من فوقه مستعلياً عيه. والفلا: جمع فلاة، وأجوازها: أوساطها. يصف ناقة شربت الماء من الحوض. وقد يمكن أن يصف إبلاً، ويريد بقوله (به تقطع أجواز الفلا) أنهم كانوا إذا حاولوا سفراً سقوا إبلهم الماء على نحو ما يقدرونه من بعد المسافة وقربها، وكانوا يجعلون أظماء الإبل ثلثا وربعاً وخمساً على العشر، والعشر
(3/329)

نهاية الأظماء. وكانوا ربما احتاجوا في الفلاة إلى الماء ولا ماء عندهم فينحرون الإبل ويستخرجون ما في أجوافها من الماء ويشربونه، وهو معنى قوله زيد الخيل الطائي:
نصول بكل أبيض مشرفي ... على اللائي بقى فيهن ماء
عشية نؤثر الغرباء فينا ... فلاهم هالكون ولا رواء
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(280)
(إذا نفحت من عين يمين المشارق)
البيت لذي الرمة وصدره
وهيف تهيج البين بعد تجاورٍ
والهيف: ريح حارة ذات سموم إذا هبت أعطشت الناس الإبل وغيرها، وجففت النبات وأيبست المياه، فكان ذلك سبباً لرحيلهم وطلبهم النجعة. ولذلك قال: تهيج البين بعد تجاور. ومعنى نفحت: هبت. وقبل هذا البيت
الما يئن للقلب إلا تشوقه ... رسوم المغاني وابتكار الحزائق
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(281)
(من عن يمين الحبيا نظرة قبل)
(3/330)

البيت للقطامي، واسمه عمير بن أشيم تصغير اشيم؛ وهو الذي به شامة. ويقال شييم بكسر الشين.
وصدره:
فقت للركب لما أن علا بهم
والركب جمع راكب، والحبيا: موضع بالشام، والنظرة القبل: المستأنفة التي لم تتقدمها نظرة، والباء في قوله: علا بهم هي باء النقل التي تعاقب الهمزة في قولك دخلت به وأدخلته. ومعنى علا بهم، جعلهم يعلون وينظرون، ويروى علت بهم بغير تاء، والقول الثاني قاله في بيت آخر وهو:
ألمحة من سنا برق رأى بصري ... أم وجه عالية اختالت بها الكلل
واللمحة: اللمعة، وسنا البرق: ضوءه، واختالت: تبخترت. والكلل: الستور. يريد أن وجه عالية ظهر غليهم من الستر فأشرفوا ينظرون إليه إعجاباً به.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(282)
(غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها ... تصل وعن قبض ببيداء مجهل)
البيت لمزاحم بن الحارث العقيلي وصف قطاة وقبل هذا البيت:
أذلك أم كدرية ظل فرخها ... لقي بشرورى كاليتيم المعيل
(3/331)

يعني بالكدرية قطاة في لونها كدرة، واللقى: المطروح الذي لا يلتفت إليه. وشرورى: موضع، وشبهه في انفراده وسوء حاله باليتيم. والمعيل: الفقير. قال الأصمعي: وإنما قال لقى بشروري لأن القطاة لا تبيض إلا في الأرض في مفاحص ونقر ولا تعشش في الشجر. وقوله (غدت من عليه) يريد أن أقامت مع فرخها حتى احتاجت إلى ورود الماء وعطشت فطارت تطلب الماء عند تمام ظمئها والظمء: مدة صبرها عن الماء وهو ما بين الشرب إلى الشرب ويروى تم خمسها وهو ورود الماء في كل خمسة أيام. ولم يرد أنها تصبر عن الماء خمسة أيام إنما هذا للإبل لا للطير، ولكنه ضربه مثلاً. هذا قول أبي حاتم، ولأجل ذلك كانت رواية من روى ظمؤها، أحسن وأصح معنى.
وقال الأصمعي: قوله (من عليه) يريد من فوق الفرخ. وقال أبو عبيدة: معناه غدت من عند فرخها، وقال يعقوب في المعاني: قوله: بعد ما تم ظمؤها، أي إنها كانت تشرب في كل ثلاثة أيام أو أربعة مرة. فلما جاء ذلك الوقت طارت. قال أبو حاتم: قلت للأصمعي: كيف قال غدت من عليه، والقطاة غنما تذهب إلى الماء ليلاً لا غدوة؟ فقال: لم يرد الغدوة وغنما هذا مثل للتعجيل، والعرب تقول بكر إلى العشية ولا بكور هناك.
* * *
وأنشد أبو زيد:
(283)
(بكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي)
(3/332)

وعلى هذا يتأول بيت النابغة:
مشى الإماء الغوادي تحمل الحزُما
وقال أبو حاتم: معنى تصل: تضرب أحشاءها من اليبس والعطش، والصليل: صوت الشيء اليابس، يقال: جاءت الإبل تصل عطشا. وقال غيره: أراد أنها تصوت في طيرانها، والقيض: قشر البيضة الأعلى، وإنما أراد قشر البيضة التي خرج منها فرخها. والبيداء: القفر الذي يبيد من سلكه أي يهلكه، والمجهل: الذي ليس فيه أعلام يهتدي بها، ويروى بزيزاء مجهل والزيزاء: ما ارتفع من الأرض وغلظ فمن روى بيداء جعل المجهل صفة لها، من روى بزيزاء أضافها إلى مجهل، وهذه رواية البصريين، وأجاز الكوفيون ترك صرف زيزاء على أن يكون ألفها للتأنيث، واحتجوا بقوله تعالى (تخرج من طور سيناء) في قراءة من قرأ بكسر السين. فمجهل على هذا الرأي صفة لزيزاء. ولم يجز البصريون ذلك، وألف فعلاء المكسورة الفاء لا تكون عندهم إلا للإلحاق وكذلك فعلاء المضمومة الفاء دائماً تكون الهمزة للتأنيث عندهم في فعلاء المفتوحة الفاء خاصة، ويقولون في قوله تعالى (من طور سيناء) ليس امتناعه من الصرف من أجل أن الهمزة للتأنيث، وإنما امتناعه لأنه ذهب بها إلى البقعة أو الأرض فاجتمع فيها التأنيث والتعريف وفي القولين جميعاً نظر.
* * *
(3/333)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(284)
(وزعت بكالهراوة أعوجى ... إذا ونت الركاب جرى وثابا)
هذا البيت لابن عادية السلمى فيما ذكر أبو عبيدة، وبعده:
كمريخ يدافع جانبيه ... كأن يدف فارسه عقاباً
فنجاني من الغمرات يردى ... ونار الحرب تلتهب التهابا
قوله وزعت يقول: ففت الخيل عن انتشارها في الغارة بفرس مثل الهراوة في الشدة والصلابة إذا ونت الإبل التي تتمطى وتحمل مجنوباً معها لم يعى هو وجرى حينئذ إن احتيج إلى جريه، وثاب له جرى. ومعنى ونت: فترت وأعيت. والركاب: الإبل، ولو قال إذا ونت الجياد لكان أجود، ولكن كذا الرواية. ومعنى ثاب: جاء يجرى بعد جرى، وأعوجي: منسوب إلى أعوج وهو فرس قديم تنسب إليه عتاق الخيل، والمريخ: السهم الذي يغالي به. وقوله يدافع جانبيه: أي ينثني في عطفيه، والدف: الجنب. يقول إذا قاده فارسه إلى جنبه فكأنه يقود عقاباً من سرعته.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(285)
(ورحنا بكابن الماء يجنب وسطنا ... تصوب فهي العين طوراً وترتقي)
(3/334)

هذا البيت يروى لامرئ القيس بن حجر النكدي، ويروى لعمرو بن عمار الطائي، وصف فرساً فقال: رحنا من الصيد بفرس مثل ابن الماء في سرعته وسهولة مشيه، وابن الماء: طائر يقال إنه الغرنيق، ويجنب: يقاد، ويرى يختب وهو يفتعل من الخبب وهو جرى، ليس بالشديد، وتصوب: تنحدر، وترتقي: ترتفع .. يريد أن يعن النظر إليه تصعد فيه النظر وتصوبه إعجاباً به.
وبعده:
وأصحب زهلولاً يزل غلامنا ... كقدح النضى باليدين المفوق
والزهلول: الخفيف. يقول أصبح خفيفاً بعد أن جهدناه في طلب الصيد لم يكسر ذلك من حدته ولا نقص من سرعته، والقدح، السهم، والنضى: الذي لا نصل فيه. قال ثعلب: ولا يقال له سهم حتى يكون فيه نصل، وإن لم يكن في نصل فهو قدح. والمفوق: الذي عمل فيه فوق وهو موضع الوتر من السهم.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(286)
(وصاليات ككما يؤثفين)
البيت لخطام المجاشعي وصف منزلاً قد خلا من أهله وبقيت فيه آثارهم، ومن تلك الآثار صاليات يعني الأثافي، لأنها صليت بالنار حتى اسودت، وأجرى الكاف الجارة مجرى مثل، فأدخل عليها كافا ثانية، فكأنه قال كمثل ما يوثفين،
(3/335)

(وما) مع الفعل تقدر بتقدير المصدر كأنه قال كمثل إثفائها؛ أي إنها على حالها حين أثفيت، والكافان في قوله (ككما) لا تتعلقان بشيء، أما الأولى منهما فإنها زائدة كزيادتها في قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) وقد ذكرنا فيما مضى أن حرف الجر إذا كان زائداً لم يتعلق بشيء. وأما الثانية فقد جرت مجرى الأسماء لدخول حرف الجر عليها فحكمها كحكم الأسماء، ولو سقطت الكاف الأولى لقال كما يؤثفين، وكان يجب حينئذ أن تكون الكاف متعلقة بمحذوف صفة لمصدر مقدر محمول على معنى الصاليات لا على لفهظا، لأنه قوله وصاليات قد ناب مناب قوله ومثفيات فكأنه قال ومثفيات إثفاء مثل إثفائها حين نصبت للقدر، ولابد لك من هذا التقدير ليصح اللفظ والمعنى، وأما قوله يوثفين فاختلف النحويون في وزنه من الفعل، فقال قوم: وزنه يؤفعلن والهمزة زائدة والثاء فيه فاء الفعل وكان يجب أن يقول يثفين ليكون كيرضين ويعلين غير أنه جاء به على الأصل للضرورة كما قال الآخر-: (فإنه أهل لأن يؤكرما-) وكان قياسه يكرما. ومن ذهب هذا المذهب جعل وزن أثفية أفعولة، وأصلها أثفوية اجتمعت فيها ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسر ما قبل الياء لتصح. واستدلوا على زيادة الهمزة بقول العرب ثفيت القدر: إذا جعلتها على الأثافي. وبقول الكميت:
وما استنزلت في غيرنا قدر جارنا ... ولا ثفيت إلا بنا حين تنصب
وتقول العرب: امرأة مثفاة، إذا كان لها ثلاثة أزواج. وقال قوم: وزن يؤثقين على مثال يسلقين ويجعبين، وجعلوا الهمزة أصلاً والياء هي الزائدة بعكس
(3/336)

القول الأول؛ ووزن أثفية عنهم فعلية على مثال بختية، واستدلوا على لك بقول النابغة:
- وإن تأثفك الأعداء بالرفد -
فوزن تأثف تفعلك لا يصح فيه غير ذلك، والهمزة أصل ولو كان من قولهم ثفيت القدر لقال تثفاك. وفي هذه المسألة نظر أوسع من هذا ولنا ندعه لموضع هو أخص به من هذا الموضع.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(287)
(على كالحنيف السحق يدعو به الصدي ... له قلب عفى الحياض اجون)
هذا البيت يروى لامرئ القيس بن حجر ويروى لسلامة العجل، وقبله:
سأبعثها يدمى من الجهد خفها ... وأنت بأكناف الشطيط بطين
قوله سأبعثها يعني ناقته، وأرد أنه يسير بها وإن كان خفها قد دمى من الجهد والتعب على طريق مثل الخنيف، والخنيف: ثوب يتخذ من الكتان: والسحق البالي. يريد أنه طريق قديم قد سلكه الناس وأثروا فيه بالأقدام والحوافر، فلذلك
(3/337)

شبهه بالثوب البالين والصدى: ذكر البوم، يريد أنه موحش خال، فالبوم يصيح فيه، والقلب: الآبار واحدها قليب، وعفى: جمع عاف وهو الدارس، وأجون قد أجن ماؤها أي تغير لطول عهده بالاستقاء منه، وأجون جمع آجن، كما يقال قاعد وقعود، ويجوز أن يكون أجون مصدراً وصف به، فيكون تقديره ذات أجون فحف المضاف، يقال أجن الماء وأجن بفتح الجيم وكسرها: إذا تغير، فمن كسر الجيم قال في تصريفه يا جن أجنا فهو أجن، كقولك حذر يحذر حذرا فهو حذرن ومن فتح الجيم من الماضي قال في تصريه يا جن وياجن بكسر الجيم وضمها وفي المصدر أجن (بسكون الجيم) وأجون، وفي اسم الفاعل آجن، وهذه رواية يعقوب، وأما الطوسي فروى: له (صدد ورد التراب دفين) والصدد القصد والورد الأحمر.
* * *
وأنشد في باب دخول بعض الصفات على بعض:
(288)
(وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا)
هذا البيت لا أعلم قائله، والأجدع: المقطوع الأنف، والتقدير فلا عطست شيبان إلا بأنف أجدع، فحذف الموصوف. وفيه مجاز آخر، وهو أنه بأنوف الواحد موضع الجمع كما قال عز وجل: (ثم يخرجكم طفلاً) كأنه قال: وضع جدع ودعا عليهم بجدع الأنوف لصلبهم العبدي.
* * *
(3/338)

وأنشد في هذا الباب:
(289)
(بطل كان ثيابه في سرحة)
هذا البيت من مشهور شعر عنترة بن شداد وتمامه:
يحذى نعال السبت ليس بتوأم
السرحة: شجو فيه طول وإشراف، أراد أنه طويل الجسم فكأن ثيابه على سرحة من طوله. وقوله (يحذى نعال السبت)، يريد أنه من الملوك فهو يلبس النعال السبتية وهي المدبوغة بالقرظ وهم يتمدحون بجودة النعلا كما يتمدحون بجودة الملابس، ولذلك قال النابغة:
رقاق النعال طيب حجزاتهم
وقال كثير:
إذا جردت لم تطب الكلب ريحها ... وإن خليت في مجلس القوم شمت
يريد بقوله لم تطب الكلب ريحها أنها ليست من جلد غير مدبوغ لأن النعال إذا كانت كذلك وفر بها الكلب أكلها كما قال النجاشي:
ولا يأكل الكلب السروق نعالنا ... ولا ينتقي المخ الذي في الجماجم
(3/339)

وقوله ليس بتوأم يريد أنه لم يزاحمه أخ في بطن أمه فيكون ضاوي الخلق ضعيفاً.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(290)
(فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب)
هذا البيت من مشهور شعر النابغة الذبياني الذي يقوله للنعمان بن المنذر اللخمي عند موجدته عليه. والوعيد: التهديد، والقار ههنا: القطران، وإنما شبه نفسه بالبعير الجرب المطلي بالقطران، لأن الناس يطردونه إذا أراد الدخول بين إبلهم لئلا يعرها بالقطران ويعديها بدائه، فقال للنعمان إن لم تعف عني كنت كهذا البعير يتحاما في الناس ما يتحامونه خوفاً منك.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(291)
(وأن يلتقي الحي الجميع تلاقني ... على ذرة البيت الرفيع المصمد)
هذا البيت من مشهور شعر طرفة بن العبد، وذروة كل شيء: أعلاه، والمصمد: الذي يقصده الناس، يصف أنه مشهور المكان في الشرف كما قال الأحوص:
إني إذا خفى الرجال وجدتني ... كالشمس لا تخفى بكل مكان
(3/340)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(292)
(إذا رضيت على بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها)
البيت للقحيف العقيلي، وزاد أبو زيد الأنصاري بعده:
ولا تنيو سيوف بني قشير ... ولا تمضي الأسنة في صفاها
وقد تقدم من قولنا في وقوع (على) ههنا موقع (عن) ما أغنانا عن إعادته ههنا.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(293)
(أرمي عليها وهي فرع أجمع)
وزاد يعقوب في كتاب القلب والإبدال:
وهي ثلاث أذرع والإصبع ... وهي إذا انبضت فيها تسجع
ترنم النحل أبى لا يهجع
الفرع: القوس تتخذ من عود كامل، وقيل: هي التي تتخذ من طرف القضيب، وقوله: والإصبع كان الذي يقطع العود لتتخذ منه القوس يزيد على الثلاث الأذرع المتعارفة إصبعاً احتياطاً لاختلاف أذرع الناس في الطول والقصر.
(3/341)

فصارت الإصبع معهودة عندهم متعارفة لديهم، كتعارف الأذرع الثلاث، فلذلك أدخل عليها الألف واللام اللتين للعهد، وكانوا ربما زادوا شبراً قال الراجز:
ما علتي وأنا شيء يجر ... والقوس فيها وتر حبجر
وهي ثلاث أذرع والشبر
والإنباض: جذب الوتر عند الرمي. وشبه رنينها عند إنباضها بترنم النحل، وذل لكرم عودها وعتقه. وأما قوله (وهي فرع أجمع) فإن اجمع يرتفع على وجهين: أحدهما التأكيد للضمير المتوهم في فرع، لأن فرعاً وإن لم يكن جارياً على فعل، فإنه بمعنى الجاري، كما قالوا؛ مررت بقاع عرفج له، والثاني أن يكون تأكيداً لهي كأنه قال: وهي أجمع فرع. وكان ينبغي أن يقول: جميعاً ولكنه حمله على معنى العود. وإنما احتيج إلى هذا التأويل لأن فرعا نكرة، والنكرة لا تؤكد، وقد حكى الكوفيون تأكيد النكرة في الشعر وأنشدوا:
يا ليتني كنت صبياً مرضعاً ... تحملني الذلفاء حولا أكتعا
إذا بكيت قبلتني أربعاً ... إذن ظللت الدهر أبكي أجمعا
ففي هذا شيئان من الشذوذ: أحدهما تأكيد النكرة، والثاني استعمال (أكتع) غير تابع لأجمع.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(294)
(لم تعقلا جفرة على ولم ... أوذِ صديقاً ولم أبل طبعاً)
(3/342)

هذا البيت الذي الإصبع العدواني واسمه حرثان بن عمرو، ويقال حرثان ابن الحارث بن محرث، ولقب ذا الإصبع لأن أفعى عضت إصبعه فقطعها، وقبل هذا البيت:
إنكما صاحبي لن تدعا ... لومي ومهما أضع فلن تسعا
إنكما من سفاه رأيكما ... لن تجنباني الشكاة والقذعا
يعنف صاحبيه على لومهما إياه فيقول لهما: لم أجن جناية تعقلان فيها عنى جفرة، وهي الصغيرة من أولاد الضان والمعز، ولم أوذ صديقاً من أصدقائي ولم أتدنس بدنس فأستحق اللوم على ذلك، قال الأصمعي: والجفرة لا تعقل وإنما ضرب مثلاً أي لم تعقلا عني قدر جفرة، والقذع: الكلام القبيح. والطبع: الدنس. وأصل الطبع في السيف، ثم استعير في غيره.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(295)
(إذا ما امرؤ ولى على بوده ... وأدبر لم يصدر بادباره ودي)
(3/343)

البيت لدوسر بن عسان اليربوعي، وبعده:
ولم أتعذر من خلال تسوؤه ... كما كان يأتي مثلهن على عمد
فإن تك أثوابي تمزقن للبلى ... فإني كنصل السيف في خلق الغمد
ويروى لم يدبر بإدباره.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(296)
(فان تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب)
هذا البيت من مشهور شعر علقمة بن عبدة، وعبدة مفتوح الباء ومن سكنها فقد أخطأ، فأما عبدة بن الطيب فساكن الباء، وقد قيد ابن الرومي هذا بقوله:
أعتقت عبدي في القريض معا ... عبدة والفحل من بني عبده
وقد قيد عبدة بن الطيب هذا أيضاً بقوله
يتباشرون بأن عبدة مقبل ... كلاً وما جمع الحجيج إلى منى
والبصير: العالم. والطبيب: الحاذق وأدواء: جمع داء.
(3/344)

وأنشد في هذا الباب:
(297)
(تسائل بابن أحمر من رآه ... أعارت عينه أم لم تعارا)
البيت لعمرو بن أحمر وهذا من الشعر الذي يدل على قائله ويغني عن ذره ووقع في شعر ابن أحمر: (وربت سائل عني حفي) وهو الصحيح، لأنه ليس قبل هذا البيت مذكور يعود إليه الضمير من قوله (تسائل)، ولعل الذي ذكر ابن قتيبة رواية ثانية مخالفة للرواية التي وقعت إلينا من هذا الشعر. وبعد هذا البيت:
فإن يفرح بما لاقيت قومي ... لئامهم فلم أكثر حواراً
والحوار: مصدر حاورته في الأمر إذا راجعته فيه. يقول: لم أكثر مراجعة من سر بذلك من قومي ولا عنفته في سروره بما أصابني، وكان رماه رجل يقال له مخشي بسهم ففقأ عينه وفي ذلك يقول:
شلت أنامل مخشي فلا جبرت ... ولا استعان بضاحي كفه أبدا
أهوى لها مشقصاً حشراً فشبرقها ... وكنت أدعوها قذاها الإثمد الفردا
أعشو بعين وأخرى قد أضربها ... ريب الزمان فأمسى ضوءها خمدا
وقوله: أم لم تعارا، كان قياسه أن يقول أم لم تعر، ولكنه أراد النون الخفيفة كما قال الآخر:
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخنا على كرسيه معمما
* * *
(3/345)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(298)
(دع المغمر لا تسأل بمصرعه ... واسأل بمصقلة البكرى ما فعلا)
البيت للأخطل من شعر يمدح به مصقلة بن هبيرة أحد بني ثعلبةبن شيبان والمغمر ههنا: الرجل الذي تغمره الرجال أي تفضله وتعلو عليه وهو من قولهم: غمره الماء إذا علاه فلم يظهر، فشبه الرجل الذي لا صيت له في الناس بالشيء المتوارى تحت الماء. ويقال في هذا المعنى: رجل مغمور، وهو الذي أراد ابن قتيبة بقوله (فالعلماء مغمورون).
يقول لا تسأل عن مصرع من هو بهذه الصفة، فإن فقده لا يهم، والرزء به لا يغم، وإنما ينبغي لك أن تسأل عن مصقلة البكرى الذي يوجع مصابه ويستمطر إيابه وبعد هذا البيت:
جزل العطاء، وأقوام إذا سئلوا ... يعطون نزرا ًما تستوكف الوشلا
وفارس غير وقاف برايته ... يوم الكريهة حتى يخضب الأسلا
والنزر: القليل من كل شيء، والوشل: القليل من الماء خاصة، وتستوكف تستقطر قطرة بعد قطرة.
وقوله: ما فعلا فيه ثلاثة أوجه: يجوز أن تكون (ما) بمعنى الذي، ويجوز أن تكون مع الفعل بتأويل المصدر، وهي في كلا هذين الوجهين يدل من مصقلة، والعامل فيها الباء العاملة في مصقلة، ويجوز أن يجعلها استفهاماً فتكون
(3/346)

في موضع نصب بالفعل الذي بعدها ويكون في هذا الوجه قد علق الباء عن العمل في (ما)، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وأجرى السؤال مجرى القول لأنهما يرجعان إلى معنى واحد؛ فإن قال قائل: قد وجدنا أسماء الاستفهام يعمل فيها ما قبلها إذا كان العامل من عوامل الجر، وما ينوب منابها كقولك: بمن تمر؟ ولم جئت. وإنما يمتنع ذلك في الناصب والرافع، فلم امتنعت من أعمال الباء في قوله ما فعلا؟ فالجواب: أن ذلك إنما يجوز في الجار إذا كان متعلقاً بما بعده، وهذه الباء ههنا متعلقة بما قبلها فلذلك لم يجز ذلك.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(299)
(ولا يسأل الضيف الغريب إذا شتا ... بما زخرت قدرى له حين ودعا)
هذا البيت لمالك بن حريم الهمذاني، وكان أبو العباس المبرد يقول: خريم بخاء معجمة وراء مفتوحة على لفظ التصغير، وكان ينسب في ذلك إلى التصحيف، قال السيرافي: وأخبرني أبو بكر بن السراج أنه وجد بخط اليزيدي الروايتين جميعاً.
وحكى أبو جعفر بن النحاس قيل: قال أبو عبد الله نفطويه: هو مالك بن خزيم بالزاي وخاء معجمة على لفظ التصغير. كذلك وجدته مضبوطاً عنه، ووقع
(3/347)

في بعض نسخ أدب الكتاب: ولا تسأل الضيف بنصب الضيف وتاء الخطاب على لفظ النهي، والصحيح ولا يسأل الضيف بالرفع، والياء على وجه الإخبار، وعليه يصح المعنى لأن بعده:
(فإن يك غثاً أو سميناً فإنني ... سأجعل عينيه لنفسه مقنعاً)
يقول: ليس يحتاج ضيفي إذا ودعني وفارقني أن يسأل عما كنت أطبخه في قدري، لأن ما فيها من غث أو سمين لايغيب عنه، لأني أقدمه بين يديه وأجعل عينيه مقنعاً لنفسه، أي أقول له تحير: ما تحب. ومعنى زخرت: غلت، وذكر الشتوة لأنها وقت الضيق والجهد، ويروى (له) و (به)، والعامل في إذا جوابها الذي دل عليه، وأغنى عنه قوله: ولا سئل الضيف والعامل في حين، يجوز أن يكون زخرت، ويجوز أن يكون يسأل وهو أجود.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(300)
(تصد وتبدى عن أسيل وتتقي)
هذا البيت مشهور لامرئ القيس بن حجر وتمامة.
بناظرة من وحش وجرة مطفل
ومعنى تصد: تعرض. وتبدى: تظهر. والناظرة فيها قولان؛ قيل: أراد العين، وقيل أراد بقره ناظرة، ووجرة: فلاة تألفها الوحش، وخصها بالذكر
(3/348)

لأنها قليلة الماء، فوحشها تجنزي بالنبات الأخر عن شرب الماءن فتضمر بطونها ويشتد عدوها. ومطفل: ذات طفل. وخص المطفل لأنها تحنو على ولدها وتخشى عليه القناص، والسباع، فتكثر التلفت والتشوق، فذلك أحسن في المنظر، لها وأصح في تنبيه المرأة بها لأنه أراد أنها حذرة من الرقباء. فهي متشوفة كتشوف هذه البقرة.
وفي إعراب هذا البيت إشكال، فأما قوله "تصد وتبدى" فلك أن تعمل أي الفعلين شئت. فإن أعملت (تصد) وهو اختيار الكوفيين وعليه بني ابن قتيبة، كانت (عن) بدلاً من باء الجر، لأن صد إنما يتعدى بالياء لا بعن، ألا ترى أنك تقول صددت بوجهي عنه. وإن أعملت تبدى - وهو اختيار البصريين - كانت (عن) غير مبدلة من حرف آخر، لأنك تقول أبديت عن الشيء، كما قال سحيم يصف ثوراً يحفر في أصل شجرة كناساً له:
يثير ويبدي عن عروق كأنها ... أعنة خراز جديداً وباليا
والوجه ههنا أن يعمل تبدى، لأنه إذا أعمل (تصد) لزم أن يقول: تصد وتبدى عنه عن أسيل، لأن الفعل الأول في هذا الباب إذا أعمل أضمر في الثاني، وإذا أعمل الثاني لم يضمر في الأول، إلا أن يكون فاعلاً فإنه يضمر في قول أكثر النحويين، إذ لابد من فاعل ظاهر أو مضمر.
فإن قلت: كيف زعم ابن قتيبة وزعمت أنت أن حكم (صد) أن يتعدى بالباء حتى احتيج إلى أن يجعل (عن) بدلاً من (الباء) ونحن نجد صد يتعدى (بعن) في نحو قوله:
صددت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
(3/349)

فالجواب: أن صد إنما يحتاج في تعديه إلى (عن) في غير الشيء المصدود به، كقولك صد زيد عن عمرو، فإذا ذكرت الشيء الذي يقع به الصد احتجت إلى الباء كقولك: صد زيد بوجهه عن عمرو. فلما كان الخد الأسيل هو الذي به يقع الصد لا عنه، كان مكان الباء، ولم تجز فيه (عن) فالصد إذن نوعان من التعدي: تعد على جهة النقل، وتعد على غير جهة النقل؛ فتعديه على جهة النقل هو الذي يحتاج فيه إلى الباء المعاقبة للهمزة، وتعديه على غير جهة النقل هو الذي يحتاج فيه إلى (عن). تقول: صد زيد بوجهه عن عمر، وأصد زيد وجهه عن عمرو، فتكون الباء معاقبة للهمزة، كما قال امرؤ القيس:
أصد نشاص ذي القونين حتى ... تولى عارض الملك الهمام
ونظير هذه المسألة قولك: نزل زيد بجملته على عمرو، فتعدى نزل بالباء، و (على) على معنيين مختلفين، وقد يستغنى صددت عن الباء في تعديه فيقال صددت الشيء وأصددته كما قال (صددت الكاس عنا أم عمرو) - ولا يستغني عن التعدي (بعن) إذا أردت ذكر الشيء الذي وقع الإعراض عنه. وأما قوله (مطفل) فمن جعل الناظرة البقرة، كان (مطفل) صفة لها. وكان التقدير: ونتقى بعين بقرة ناظرة، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وحذف الموصوف أيضاً وأناب الصفة منابه، ويجوز أن يريد وتتقي من نفسها ببقرة ناظرة، فيكون كقولك لقيت بزيد الأسد أي لقيته فكأني لقيت الأسد، ففي هذا الوجه حذف موصوف لا غير، وفي الأول حذف موصوف ومضاف.
(3/350)

ومن جعل الناظرة العين، جعل مطفلاً بدلا ًمن ناظرة ولابد من تقدير محذوف أيضاً حتى يصح الكلام، وتقديره: وتتقي بناظرة ناظرة مطفل، ثم حذف المضاف. فهو إذن من إبدال الشيء وهما لعين واحدة. وذهب بعض النحويين - وأحسبه قول ابن كيسان- إلى أنه أراد وتتقي بناظرة مطفل، فلما فرق بين المضاف والمضاف إليه رد التنوين الذي كان سقط للإضافة. وعلى هذا كان يتأول قول الآخر:
رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلعه الطلحات
وهذا القول خطأ لا يلتفت إلى مثله، لأن العرب إذا حالت بين المضاف والمضاف إليه لم تنونه، وذلك أكثر في الشعر من أن يحصى كقوله:
كأن أصوات من إيفالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج
وليس ينبغي أن يحمل الشيء على الشذوذ إذا وجد له وجه صحيح يحمل عليه. وقوله من وحش وجرة (من) فيه متعلقة بمحذوف لأنها في موضع خفض على الصفة لناظرة، فمن اعتقد أن الناظرة البقرة، فتقدير الكلام: بناظرة بقرة كائنة من وحش وجرة، فحذف الموصوف. ومن اعتقد أن الناظرة العين فتقدير الكلام بناظرة بقرة كائنة من نواظر وحش وجرة، ففيه مجازان: حذف موصوف، وحذف مضاف.
* * *
(3/351)

وأنشد في هذا الباب:
(301)
(وتركب يوم الروع فيها فوارس ... بصيرون في طعن الأباهر والكلى)
البيت لزيد الخيل بن مهلهل الطائي، وسمى زيد الخيل لخيل كثيرة انت له، منها: الهطال، والكميت، والورد، والكامل ودؤول، ولاحق، وهذا البيت من شعر خاطب به كعب بن زهير، وقبله:
تحضض جبارا على ورهطه ... وما صرمتي منهم لأول من سعى
فترعى بأذناب الشعاب ودونها ... رجال يصدون الظلوم عن الهوى
والهاء في قوله "وتركب فيها" تعود على الصرمة، وقوله "بصيرون في طعن الأباهر والكليء) وصفهم بالحذق في الطعن، فهم يتعمدون المقاتل. والأباهر: جمع أبهر وهو عرق مستبطن المتن متصل بالقلب.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(302)
(وخضخضن فينا البحر حتى قطعنه ... على كل حال من غمار ومن وحل)
هذا البيت لا أعلم قائلة واحسبه يصف سفنا، والخضخضة: التحريك، والغمار: جمع غمرة وهي معظم الماء.
* * *
(3/352)

وأنشد في هذا الباب:
(303)
(نلود في أم لنا ما تغتضب)
هذا البيت لبعض شعراء طيء، وبعده:
سما لها أنف عزيز وذنب ... وحاجب ما عن يواريه العطب
من السحاب ترتدي وتنتقب
يعني بالأم سلمى أحد جبلى طيء وجعله أما لهم لأنه كان يضمهم ويؤويهم كما تضم المرأة ولدها وتؤويه، كما قال تعالى: (فأمه هاوية). ويواريه: يستره، والعطب: القطن.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(304)
(وإذا تنوشد في المهارق أنشدا)
البيت لأعشى بكر وصدره:
(ربي كريم لايكدر نعمة)
عني بربه سرى، وكنا الحارص بن وعلة أغار على بعض سواد كسرى فأخذ كسرى قيس ابن مسعود ومن وجد من بني بكر فحبسهم، فلذلك قال
(3/353)

الأعشى هذا يستعطفه به ويسأله نعمته عليهم وأن يكدرها بإساءة من أساء منهم. وقوله: (وإذا تنوشد بالمهارق)، يذكره بمعاهدته التي كان عاهدهم، وذمته التي كان أعطاهم، فوصفه بأنه إذا حلف بما في كتب الأنبياء، التزم ما حلف عليه لصحة دينه واستحكام بصيرته ويقينه، وقبله:
قالت قتيلة: ما لجسمك شاحباً ... وأرى ثيابك باليات همدا
أذللت نفسك بعد تكرمة لها ... أم كنت ذاعوز ومنتظرا غدا
أم غاب ربك فاعترتك خصاصة ... فلعل ربك أن يعود مؤيدا
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(305)
(رعته أشهراً وخلا عليها ... فطار التي فيها واستغارا)
البيت للراعي وصف ناقة فقال: رعت هذا الموضع أشهر الربيع وخلالهان فلم ين لها فيه منازع، فسمنت. الني: الشحم، ومعنى طار: أسرع ظهوره.
وقال ابن قتيبة في المعاني: استغار وغار واحد كأنه قال ظهر الني فيها واستتر. ورواه الباهلي فسار بالسين، وقال: معنى سار: ارتفع، واستغار: انهبط من قولك غار يغور، ومثله قول ابن أحمر:
تعلى الندى في متنه وتحدرا
وقال الحربي: يقال استغار الجرح إذا تورم. وأنشد:
(فطار الني فيها واستغارا)
(3/354)

وذكر أنه يروى استعار بالعين غير معجمة، أي ذهب يميناً وشمالاً من قولهم عار الفرس إذا أفلت.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(306)
(فخر صريعاً لليدين وللفم)
هذا البيت يروى للمكعبر الأسدي وقيل إنه للمكعبر الضبين ويقال إنه لشريح ابن أوفى العبسي، وقيل نه لعصام بن المقشعر العبسي، وذكر ابن شبة أنه للأشعث بن قيس الندي، وصدره.
تناولت بالرمح الطويل ثيابه
وهذا الشعر قيل في محمد بن طلحة، وقتل يوم صفين، وكان على رضي الله عنه قال لأصحابه: اجعلوا شعاركم حاميم، لا يبصرون. وكان محمد بن طلحة من أصحاب معاوية، فكان إذا حمل عليه رجل من أصحاب على يقول له محمد: أسألك بحاميم فيكف عنه، إلى أن حمل عليه الأشعث بن قيس فقال له محمد أسألك بحاميم فلم يلتفت إلى قوله فقتله وقال:
وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
تناولت بالرمح الطويل ثيابه ... فخر صريعاً لليدين وللفم
يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
على غير شيء غير أن ليس تابعاً ... عليا ومن لا يتبع الحق يندم
* * *
(3/355)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(307)
(كأن محواها على ثفناتها ... معرس خمس وقعت للجناجن)
هذا البيت للطرماح بن حكيم، وبعده:
وقعن اثنتين واثنتين وفردة ... يبادرن تغليساً سمال المداهن
المخوى: مصدر خوى البعير تخويه، ومخوى: إذا تجافى للبروك. ويقال للموضع الذي يبرك فيه محوى أيضاً. والثفنات: ما أصاب الأرض من البعير إذا برك، والمعرس: موضع التعريس وهو النزول في السحر. ويكون مصدراً أيضاً بمعنى التعريس، والجناجن: جمع جنجن وجنجن وهي عظام الصدر، وصف نافة بركت فشبه آثار ثفناتها في الأرض، وهي قوائمها الأربع وصدرها بآثار خمس من القطا وقعت على جناجها فأثرت في الأرض، وأراد بالاثنتين والاثنتين: مواقع يديها ورجليها، وبالفردة: موقع صدرها، وأراد أن يقول: معرس خمس من القطا فلم يمكنه ذلك، وقد أوضح ذلك ذو الرمة بقوله:
مناخ قرون الركبتين كأنه ... معرس خمس من قطا متجاور
وقعن اثنتين واثنتين وفردة ... حريدا هي الوسطى بصحراء حائر
قال الأصمعي: قوله قرون الركبتين يقول: إذا بركت قرنت بين ركبيها فكأن معرسها معرس خمس من قطا. أراد الركبتين والثفنتين والكركرة وهي ما أصاب
(3/356)

الأرض من صدرها. وقوله: (وفردة حريدا) يعني الكركرة وهي الوسطى. وحائر: موضع. والتغليس: البكور، والسمال: بقايا الماء. والمداهن: نقر في الصخر يجمع فيها الماء واحدها مدهن.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(308)
(يسقى فلا يروى إلى ابن أحمرا)
البيت لعمرو بن أحمد الباهلي، وصدره:
تقول وقد عاليت بالكور فوقها
وصف أنه يتعب ناقته بطول السفر حتى إنها لو انكت ممكن يتكلم لقالت هذه المقالةن والتقدير يسقى ابن احمر فلا يروى مني، فقدم وأخر. واستعمل (إلى) موضع (من) وضرب السقى والري مثلين لما يناله بها من المآرب، ويدرك بالسفر عليها من المطالب، وقبله:
فزعت إلى القصواء وهي معدة ... لا مثالها عندي إذا كنت أوجرا
كثور العداب الفرد يضربه الندى ... تعلى الندى في متنه وتحدرا
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(309)
(أم لا سبيل إلى الشباب، وذكره ... أشهى إلى من الرحيق السلسل)
(3/357)

البيت لأبي كبير الهذلي وهو أحد من شهر بكنيته دون اسمه، واسمه عامر بن الحليسن أحد بني سعد بن هذيل، وقال أبو عمرو الشيباني: هو عامر بن جمرة بجيم وراء غير معجمة وقبل هذا البيت:
أزهير هل عن شيبة من معدل ... أم لا سبيل على الشباب الأول
زهير ترخيم زهيرة وهي ابنة، والرحيق: الخمر، والسلسل: السهل في الحلق السلس. يقال ماء سلس وسلسال وسلاسل وسلسبيل: إذا كان عذابا.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(310)
(ثقال إذا راد النساء خريدة ... صناع فقد سادت إلى الغوانيا)
البيت للراعي وقد تقدم ذكر اسمه. والثقال: المرأة الثقيلة عن الحركة والتصرف الملازمة لمكانها. ومعنى راد النساء: أكثرن من الذهاب والمجيء والتصرف. يقول: إذا أكثر النساء الجولان والطواف لزمت بيتها ولم تخرج لخفرها وحيائها، أو لأن لها من يكفيها الأمور ويغنيها عن التصرف. والصناع: الصانعة الحاذقة بالأعمال. والغواني: النساء اللواتي غنين بجمالهن عن الزينة، وقيل هن اللواتي غنين بأزواجهن عن غيرهم: وقيل: هن اللواتي لم يقع عليهم سياء. ومعنى (إلى) عندي، وقبل هذا البيت:
رأيت نساء الناس لما رميتني ... أصبن الشوى مني واصمت فؤاديا
(3/358)

يقال: رماه فأشواه، ورماه فأصاب شواه إذا أخطأ مقتله. وأصل ذلك أن يرمي الوحشي فيصيب شواه وهي قوائمه وليست بمقتل فضرب ذلك مثلاً. ويقال: رماه فأصماه: إذا أصاب مقتله.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(311)
(وكان إليها كالذي اصطاد بكرها ... شقاقاً وبغضاً أو أطم وأهجرا)
هذا البيت للنابغة الجعدي، وقد ذكرنا اسمه فيما مضى، وقبله:
فلما شفاها اليأس وارتد همها ... إليها ولم يترك لها متذكرا
أشب لها فرد خلا بين عاذب ... وبين جماد الحي بالصيف أشهرا
فلما رآها كانت الهم والمنى ... ولم ير فيما دونها متغيرا
وصف بقرة أكل السبع ولدها فلما يئست منه عرض لا ثور فرد ليس معه أزواج فأرادها ففرت عنه، لما كانت فيه من الحزن على ولدها، وكان عندها في كراهتها إياه كالذي اصطاد ولدها، أو كانت له أشد بغضاً وأهجر، ومعنى أشب لها: عرض لها، يقال أشب لي فلان إذا عرض لك بحيث تراه من بعد، ومتغير بقاء، أي حرص عليها ولم يرد بقاء دونها، والبكر: الولد الأول.
* * *
(3/359)

وأنشد في هذا الباب:
(312)
(وذكرك سبات إلى عجيب)
البيت لحميد بن ثور الهلالي، وصدره:
ذكرتك لما أتلعت من كناسها
يقول لمحبوبته: لما رأيت الظبية قد مدت عنقها من كناسها ونصبته ذكرتك لشبهها بك، والتلع: إشراف العنق وانتصابه: والسبات: الأوقات واحدتها سبة، وعجيب: معجب لذيذ، يقول ذكرك في جميع الأوقات يعجبني ويلذ لي، وبعده:
فقلت على الله لا تذعرانها ... وقد بشرت إن اللقاء قريب
يريد أنها سحنت له فتفاءل بذلك. وكانت العرب تتيمن بالسانح وتتشاءم بالبارح، وكان منهم من يعكس الأمر. والعلة الموجبة لاختلافهم في ذلك أن بعضهم كان يراعي ميامن ما يمر به من الوحش والطير ومياسره، وكان بعضه يراعى ميامن نفسه ومياسرها.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(313)
(لعمرك إن المس من أم جابر ... إلى، وإن لم آته، لبغيض)
(3/360)

وهذا البيت لا أعلم قائله وزاد ابن الأعرابي بعده:
إذا فرشتنا ثوبها فكأنما ... يفرق نمل بيننا وبعوض
ويروى: وإن باشرتها. والمراد بالمباشرة ههنا. النكاح، وصف امرأة يكره مضاجعتها وملامسة جسمه لجسمها، ويقلقه ذلك حتى كان بينه وبينها البعوض والنمل.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(314)
(لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني)
البيت لذي الإصبع العدواني خاطب به ابن عمل له كان ينافسه ويعاديه. وقوله (لاه): أراد (الله) فحذف لام الجر واللام الأولى من الله. وكان أبو العباس المبرد يروى أنه حذف اللامين من الله تعالى وأبقى لام الجر وفتحها من أجل الألف، وحجته أن حرف الجر لا يجوز أن يحذف، والأول قول سيبويه، والديان: القيم بالأمر المجازي به. ومعنى تخزوني: تسوسني. يقول لله ابن عمك الذي ساواك في الحسب وماثلك في الشرف، فليس لك فضل عليه في الأبوة فتفخر به ولا أنت مالك أمره فتسوسه وتصرفه على حكمك. ويعني بابن العم المذكور نفسه فلذلك رد الإخبار بلفظ المتكلم ولم يخرجه بلفظ الغيبة لئلا يتوهم أنه يعني غير
(3/361)

نفسه، ولو جاء بالكلام على لفظ الغيبة لكان أحسن، ولكنه أراد تأكيد البيان ورفع الإشكال.
وذهب يعقوب - ومن كتابه نقل ابن قتيبة هذه الأبواب - إلى أن (عن) ههنا بمعنى (على)، وإنما قال ذل لأنه جعل قوله أفضلت من قوله: أفضلت على الرجل: إذا أوليته فضلاً، وأفضلت هذه تتعدى بعلى لأنها بمعنى الإنعام، ومعناه أنك لم تنعم علي بأن شرفتني فتعتد بذلك على. وقد يجوز أن يكون من قولهم أعطى وأفضل: إذا زاد على الواجب. وأفضل هذه أيضاً تتعدى بعلى؛ يقال أفضل على كذا: أي زاد عليه فضله. وقد يجوز أن يكون من قولهم أفضل الرجل: إذا صار ذا فضل في نفسه، فيكون معناه ليس لك فضل تنفرد به عني وتحوزه دوني، فتكون (عن) ههنا واقعة موقعها غير مبدلة من (على). وقوله: لا أفضلت معناه: لم تفضل، والعرب تقرن (لا) بالفعل الماضي فينوب ذلك مناب (لم) إذا قرنت بالفعل المستقبل؛ فمن ذلك قوله تعالى (فلا صدق ولا صلى) معناه: لم يصدق ولم يصل. ومنه قول أبي خراش:
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما
أي لم يلم بذنب. وبعد بيت ذي الإصبع:
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة ... ولا بنفسك في العزاء تكفيني
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(315)
(تدحرج عن ذي سامه المتقارب)
(3/362)

البيت لقيس بن الخطيم، وصدره:
لو أنك تلقى حنظلاً فوق بيضنا
وصف تضايقهم في الحرب وشدة تلاصقهم لكثرة عددهم حتى لو ألقى الحنظل على بيضاتهم لمشى عليها ولم يسقط إلى الأرض، وكان الناس يعدون هذا من الإغراق والمحال الذي لا يمكن، حتى قال ابن الرومي:
فلو حصبتهم بالنضاء سحابة ... لظل على هاماتهم يتدحرج
يقول: لو نزل على رؤوسهم برد لم يسقط إلى الأرض فكان ذلك أشنع في الحال من قول قيس. ثم قال أبو الطيب المتنبي فزاد في الإغراق والمحال.
يمنعها أن يصيبها مطر ... شدة ما قد تضايق الأسل
ومعنى تدحرج: استدار، والسام: عروق الذهب، ويعني بذي سامه: البيض المذهبة، ويروى عن دلاصه وهو البراق الأملس. وفي قوله عن ذي سامه شذوذ واستكراه لأن الهاء التي في سامه ترجع إلى البيض، وذو السام هو البيض بعينه، وهذا يقتضي إضافة الشيء إلى نفسه. وفيه شذوذ آخر. وذلك أن الشيء إذا ذكر ثم احتيج إلى إعادة ذكره في جملة واحدة وجب أن يضمر ولا يظهر كقولك زيد قام، ويقبح أن تقول زيد قام زيد. فكان ينبغي أن يضمر البيض لأن ذكرها قد جرى فيقول: تدحرج عنه، فأتى به مظهراً بغير لفظ الأول
(3/363)

فصار كقولك: لقيت زيداً فضربت ذا الفرس، وأنت تريد فضربته ثم أضافه إلى الهاء فصار كقولك لقيت زيداً فضربت ذا فرسه. وهذا شذوذ لا نظير له في كلامهم فيما علمناه، وهو أقبح من قولهم مررت برجل حسن وجهه على ما فيه من القبح. والوجه لمن روى هذه الرواية أن يجعل الهاء عائدة على الرجال من قوله قبل هذا البيت:
رجال متى يدعوا إلى الموت أرفلوا ... إليه كإرقال الجمال المصاعب
فكأنه قال تدحرج عن ذي سام الرجال، وذكر الضمير وأفرده على معنى الجميع. وذو سام الرجال، هو البيض. فأدى ذلك ما يؤديه قوله عن بيض الرجال، ولو روى عن ذي سامتا، أي عن بيضنا، لكان أجود وإن كان مستكرهاً، وإنما أضاف السام إلى الرجال، أو إلى ضميرهم وإن كان السام إنما هو للبيض، لأنهم الذين أذهبوه به وزينوه فكأنه قال: عن البيض الذي أذهبه الرجال أو أذهبناه وقد يضاف الشيء على الشيء وإن لم يكن له لما بينهما من الملابسة والاتصال كقوله تعالى: (ذلك لمن خاف مقامي) ولا مقام لله تعالى ولا هو من صفاته وإنما المعنى مقامه عندي. وقد روى بيت زهير:
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا
والرهن ليس لها وإنما المعنى رهن عندها.
* * *
(3/364)

وأنشد في هذا الباب:
(316)
(لقحت حرب وائل عن حيال)
البيت للحارث بن عباد، وصدره:
قربا مربط النعامة منى
قاله في حرب بكر وتغلب حين قتل جساس كليبا، فاعتزل الحارث حربهم، وقال هذا أمر لا ناقة لي فيه ولا جمل، فذهبت مثلاً. فلم يزل كذلك إلى أن لقي مهلهل بجيراً ابن أخيه وزعم أبو العباس المبرد أنه ابنه فقتله وقال: بؤ بشسع نعل كليب، فأخبر بذلك الحارث فقال: نعم القتيل قتيل أصلح بين ابني وائل فكف سفهاءهما وحقن دماءهما. والسفاء ممدود: الطيش فقيل له إنما قتله مهلهل بشسع نعله، فلم يصدق ذلك وبعث إلى مهلهل: إن كنت قتلت بجيراً بأخيك ورضيت به كفأ فقد رضيت ذلك لنزول هذه النائرة: فقال مهلهل: إنما قتلته بشسع نعله، فعندها قال الحارث هذا الشعر وبعد هذا البيت:
لا يجير أغنى قتيلا ولا ره ... ط كليب تزاجروا عن ضلال
لم أكن من جناتها علم الل ... ه وإني بحرها اليوم صالي
قربا مربط النعامة منى ... إن قتل الغلام بالشسع غالي
(3/365)

والنعامة اسم فرسه، ومعنى لقحت: حملت، والحيال أن تضرب الناقة فلا تحمل، وإنما ضرب ذل مثلاً لما تولد عن الحرب وانتهج منها من الأمور التي لم تكن تحتسب قبل ذلك.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(317)
(تؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل)
هذا البيت من مشهور شعر امريء القيس وصدره:
ويضجي فتيت المسك فوق فراشها
ويجوز في تؤوم الرفع على إضمار مبتدأ والنصب على إضمار فعل، كأنه قال أعنى، والخفض على البدل من الضمير، ومعنى لم تنتطق: لم تحتزم بنطاق للخدمة، والتصرف والتفضل: التجرد في ثوب واحد للابتذال، وإنما أراد أنها مكفية المؤونة وأن لها من يخدمها، فهي تنام إلى وقت الضحى، ويتناثر المسك من شعرها على فراشها لكثرته.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(318)
(ومنهل وردته عن منهل)
(3/366)

هذا البيت للعجاج، وبعده:
قفرين هذا، ثم ذا، لم يؤهل ... كأن أرياش الحمام النسل
عليه ورقان القران النصل ... كأن نسج العنكبوت المرمل
على ذرى قلامه المهدل ... سبوب كتان بأيدي الغزل
وأنشده ابن الأعرابي في نوادره في رجز ذكر أنه لعبد الله بن رواحة الأنصاري، وأنشد بعده:
قفر به الأعطان لم تسهل ... عليه نسج العنكبوت المرمل
طال فلم يقطع ولم يوصل
المنهل: مورد الماء، ويوهل: يعمر ويكون به أهل، والمرمل: المنسوج يقال: رملت الحصير وأرملته، وهو مخفوض على الجوار، ويجوز أن يكون صفة للعنكبوت على أن يريد المرمل نسجه ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه النسج مقامه فاستتر في الرمل؛ لأن الضمير المرفوع إذا كان مفردا استتر في الفعل وما ينوب مناب الفعل، وإنما يظهر في التثنية والجمع. وعلى هذا الوجه يحمل قول العرب (هذا جحر ضب خرب) فيكون خرب صفة لا مخفوضاً على الجوار. فإن قيل: فما الذي يمنعكم من كسر الميم من المرمل فتكون صفة للعنكبوت على ما ينبغي ولا يحتاج إلى هذا التكلف، فالجواب أنه سمع من العرب مفتوح الميم فلذلك احتيج إلى هذا التأويل. والذري: الأعالي واحدها ذروة وذروة بضم الذال
(3/367)

وكسرها، والقلام: نبت، والمهدل: المتدلي الأغصان والسبوب: الثياب الرقاق واحدها سب.
* * *
وأنشد في هذا البيت:
(319)
(واسأل بهم أسداً إذا جعلت ... حرب العدو تشول عن عقم)
البيت للنابغة الجعدي، وقوله تشول عن عقم يقال: شالت الناقة إذا رفعت ذنبها لترى أنها لاقح، والعقم: مصدر العقيم وهي التي لا تلد، يقول: اسأل عنهم أسداً كيف صبرهم وشجاعتهم إذا صارت الحرب الحائل لاقحا وهو مثل قوله - لقحت حرب وائل عن حيال. وبعده:
شم الأنوف طوال أنضية ال ... أعناق غير تنابل كزم
والتنابل: القصار واحدهم تنبال، والكزم: القصار الأنوف، وقيل هم القصار الأصابع واحدهم أكزم، والأنضية: جمع نضى وهو القدح بلا نصل فشبه به العنق.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(320)
(لوردٍ تقلص الغيطان عنه)
هذا البيت للبيد بن ربيعة العامري، وتمامه:
(يبذ مفازة الخمس الكمال)
(3/368)

يصف حمير وحش تسير لورود الماء وهي شديدة العطش، فهي تسرع فكأن الغيطان تقصر من سرعتها. والغيطان: المواضع المنخفضة من الأرض، واحدها غائط، وقوله: عنه، أي من أجله. ويبذ هنا بمعنى يقطع، والمفازة: الفلاة سميت بذلك تفاؤلاً لسالكها بالفوز والنجاة، وكان ينبغي أني قال لها: مهلكة كما قالوا للذيع سليم، تفاؤلاً له بالسلامة. هذا قول الأصمعي، وحكى أبو العباس ثعلب قال: ذكرت لابن الأعرابي قول الأصمعي في المفازة فقال أخطأ، لأن المكارم أخبرنا أنها إنما قيل لها مفازة، لأن من قطعها فاز. وحكى أبو العباس المبرد: فاز الرجل وفوز إذا هلك، فالمفازة على هذا بمنزلة المهلكة بخلاف ما قالا، وأراد بالخمس الكمال: مسيرها إلى الماء خمس ليال كاملة، يريد أنها تقطع المسافة التي لا تقطع إلا في هذا المقدار فيما دون ذلك لسرعة السير، وكمال جمع كامل كقولك قائم وقيام، ويجوز أن يكون جمع كميل كقولك ظريف وظراف، ويروى الخمس بكسر الخاء، والكمال بفتح الكاف، وتقديره على هذا ذي الكمال فحذف المضاف، ويجوز أن يصف بالمصدر فيجعله بمعنى اسم الفاعل كما قالوا: رجل عدل: أي عادل، ونوم: أي نائم، وقبل هذا البيت:
فذكرها مناهل طاميات ... بصارة لا تنزح بالدوالي
فاقبلها النجاد وشايعته ... هواديها كأنضية المغالي
قوله ذكرها: يعني الحمار، والمناهل: موارد الماء، والطاميات: اللواتي طمى ماؤها أي ارتفع لكثرته. وقوله لا تنزح أي لا يسقى ما فيها حتى ينقذ لكثرته، وأنه في فلاة لا يرده وارد فيستقيه، والدوالي: ما يدلي به الماء، أي يستقي. والنجاد: المواضع المرتفعة، وشايعته: تابعته على ما أراد، والهوادي:
(3/369)

المتقدمة، والأنضية: سهام لا نصال لها واحدها نضى، شبهها بها لسرعتها، والمغالى: الذي يرامى صاحبه لينظر أيهما أبعد غلوة سهم وأقصر على الغرض.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(321)
(ولقد شهدت إذا القداح توحدت ... وشهدت عند الليل موقد نارها)
(عن ذات أولية أوساد ربها ... وكأن لون الملح فوق شفارها)
البيتان للنمر بن تولب، مدح نفسه بحضور الميسر والمقامرة، وكانوا يعدون ذلك من الكرم ويسمون اللاعب له: يسرا، وكانوا يعدون الامتناع من لعبه من اللؤم ويسمونه الممتنع منه برما، ولذلك قال العرندس الكلابي:
هينون لينون أيسار ذو وكرم ... سواس مكرمة أبناء أيسار
ويروى: إذا اللقاح توحدت، فمن روى القداح فمعناه: أخذ كل رجل قدحاً واحداً لغلاء اللحم، وإذا كان اللحم رخيصاً فربما أخذ الرجل قدحين فكان له غنمهما وعليه غرمهما، وربما اخذ أكثر من ذلك. ومن روى: إذا اللقاح فمعناه: تفرد كل إنسان بلقحة للجهد ليقوم عليها ولا يشركه فيها أحد. واللقحة: الناقة ذات اللبن. قال يعقوب: أراد أنه شهدها حيث توحدت ليشرب لبنها وشهدها حيث أوقدت النار ليضرب عليها بالقداح. وذكر إيقاد النار إعلاماً بأن
(3/370)

ذلك كان في أيام البرد وضيق الأحوال. وفي ذلك الوقت يتمدحون باللعب. والموقد بفتح القاف: المكان الذي توقد فيه النار، ويكون أيضاً مصدراً بمعنى الإيقاد، والموقد بكسر القاف: اسم الفاعل والرواية بفتح القاف. وقوله: (عن ذات أولية) فيه قولان، قال قوم: أراد سنامها، شبهه لتكاثف الشحم عليه بالأولية وهي البراذع واحدتها ولية. وقال بعضهم: أراد أنها أكلت وليا بعد ولي. والولي أصله المطر الذي يلي الوسمى. وأراد هاهنا النبت الذي أنبته الولي، سماه باسمه إذ كان نباته عنه كما قالوا للنبت ندى لتكونه عن الندى والمساودة والسواد: المسارة يقال: ساودت الرجل يريد أنه يسار صاحب الناقة ليخدعه. وفي الحديث السواد ضرب من السحر. وقيل لابنة الحنس: كيف زنيت وأنت سيدة قومك عقلاً ورأياً؟ فقالت: قرب الوساد، وطول السواد. وقوله عن ذات أولية: أي من أجلها، وكان لون الملح فوق شفارها فيه قولان: قيل أراد الشفار شحذت لها حتى ترت تلألأ وتطرد مثل لون الملح، ومثله قول عنترة:
ضرتب عمراً على الخيشوم مقتدرا ... بصارم مثل لون الملح بثار
وقيل: أراد على شفارها التي جزرت بها من شحمها شبه الملح، وغنما قال عند الليل، ولم يقل عند الصبح لأن لعبهم إنما كان بالعشايا وبالليل، ولذلك قال دريد بن الصمة القشيري:
دفعت إلى المفيض وقد تجانوا ... على الركبات مغرب كل شمس
* * *
(3/371)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(322)
(شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج)
البيت لأبي ذؤيب الهذلي وصف سحابا ارتفعت من البحر. وهذيل كلها تصف أن السحاب تستقيم، البحر ثم تصعد في الجو. وقبل هذا البيت:
سقى أم عمرو كل آخر ليلة ... حناتم سود ماؤهن ثجيج
والحناتم: سحاب سود واحدها حنتم، وأصل الحناتم: جراد خضر، ولكن العرب تجعل كل أخضر أسود. وإنما يفعلون ذلك لأن الخضرة إذا اشتدت صارت سواداً، ولذلك قالوا: الليل أخضر. قال ذو الرمة:
في ظل أخضر يدعو هامه اليوم
وقوله:
كل آخر ليلة، قال الأصمعي: يريد أبدا، ومثله: لا أكلم آخر الليالين أي لا أكلمك ما بقى علي من الزمن ليلة، والثج والثجيج: السيل الشديد، فيجوز أن يكون ثجبج بمعنى ثاج، ويجوز أن يكون أراد ذو ثجيج فحذف المضاف، ويجوز أن يكون أوقع المصدر موقع اسم الفاعل مبالغة في المعنى، وفي قوله متى لُجج قولان؛ قيل: أراد من لجج كما قال أبو المثلم الهذلي:
متى أقطارها علق نفيث
(3/372)

أراد من أقطارها، وقيل: متى بمعنى وسط وحكى أبو معاذ الهراء - وهو من شيوخ الكوفيين: جعلته في متى كمي والنشيج: المر السريع معه صوت.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(323)
(شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم)
هذا البيت من مشهور شعر عنترة، والدحرضان: ماء آن يقال لأحدهما وسيع، وللآخر الدحرض، فلما جمعهما غلب أحدهما على الآخر. وإنما يغلبون في مثل هذه الأشهر أو الخف لفظاً. هذا قول الأصمعي، ويقال وسيع ووشيع بالسين والشين. وقال أبو عمرو الدحرضان بلد. وقال غيرهما: هو ماء لبني سعد. وزراء: مائلة منحرفة. وأراد بالديلم: الأعداء، وأصل الديلم: جيل من العجم، فشبه بهم أعداءه، هذا قول الأصمعي وابن الأعرابي. وقال أبو عمرو: الديلم: الجماعة، ويقال الظلمة، ويقال أرض، ويقال هو ماء في أقاصي البدو. وحكى يعقوب في المعاني عن الأصمعي قال: الديلم ضبة، وذلك أنهم دلمان في ألوانهم. وذكر النفار عن حياضهم، لأن بني عبس لما راغموا قومهم مروا بضبة فأرادت ضبة اخذ أموالهم فنجوا، ومالوا إلى بني عامر مستجيرين. ثم ساروا
(3/373)

على الدحرض ووسيع ورداعة حتى عاذوا بمالك ذي الرقيبة القشيري فحكى عنترة ما كان. قال: وهذه مياه بني أنف الناقة من بني بهدلة، وحكى أبو على البغدادي قال: حدثني ابن الأنباري عن أبي العباس ثعلب عن ابن الأعرابي قال: قال لي أبو زياد الكلابي في قوله عنترة: 0 تنفو عن حياض الديلم)
الديلم: آبار وقد أوردتها إبلي.
وأنشد في هذا الباب:
(324)
(ما بكاء الكبير بالأطلال)
هذا البيت لأعشى بكر وتمامه:
وسؤالي فهل يرد سؤالي
ويروى فما ترد ولا ترد، ويروى بالتاء والياء، وبعده:
دمنة قفرة تعاورها الصي ... ف بريحين من صبا وشمال
فمن روى ترد على لفظ التأنيث، رفع الدمنة وجعلها الفاعلة وجعل (سؤالي) في موضع نصب، وقدر مضافاً محذوفاً كأنه قال: فهل ترد جواب سؤالي دمنة؟. في ومن روى فهل يرد بلفظ التذكير نصب دمنة وجعلها مفعوله وجعل (سؤالي) في موضع رفع، ومعناه أن سؤالي لا يرد الدمنة إلى ما كانت عليه، ومن روى "ما" واعتقد أنها نفى جاز أن يقول ترد، بلف التأنيث، ويرفع الدمنة لا غير،
(3/374)

وجاز أن يقول: يرد بلفظ التذكير وينصب الدمنة إن شاء ويرفعها إن شاء، وإن اعتقد أن "ما" ههنا استفهام، قال: يرد على لفظ التذكير، وجعل "ما" في موضع نصب بيرد، وسؤالي في موضع رفع، ونصب دمنة بالسؤال لا غير. ومن روى "فلا يرد سؤالي" على لفظ التذكير، نصب الدمنة، وإن شاء رفعها. ومن روى "فلا ترد على لفظ التأنيث رفع الدمنة لا غير".
ورويت في هذا البيت حكاية مستظرفة، رأيت إثباتها في هذا الموضع:
روى نقلة الأخبار أن طليحة الأسدي كان شريفاً، وكان يفد على كسرى فيكرمه ويدني مجلسه، قال طليحة: فوفدت عليه مرة فوافقت عيداً من أعياد الفرس، فحضرت عند سرى في جملة من حر من أصحابه، فلما طعمنا وضع الشراب فطفقنا نشرب فغنى المغني:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه ... ولا يعض على شر سوفه الصفر
فقال كسرى لترجمانه: ما يقول؟ ففسره له، فقال كسرى: هذا قبيح، ثم غناه المغني:
أتتك العيس تنفخ في براها ... تكشف عن مناكبها القطوع
فقال كسرى لترجمانه: ما يقول؟ فقال لا أدري. فقال بعض جلسائه شاه شاه اشتر أف أف، معناه يا ملك الملوك هذا جمل ينفخ وأشتر بلغتهم الجمل وشاه: الملك، وأف، حكاية النفخ. قال طليحة: فأضحكني تفسيره العربية بالفارسية. ثم غناه المغني بشعر فارسي لم أفهمه، فطرب كسرى وملئت له كأس وقام فشربها قائماً، ودارت الكأس على جميع الجلساء. قال طليحة: وكان الترجمان إلى جانبي فقلت له: ما هذا الشعر الذي أطرب الملك هذا الطرب؟ فقال: خرج يوماً
(3/375)

متنزها فلقي غلاماً حسن الصورة وفي يمينه ورد فاستحسنه وأمر أن يصنع له فيه شعراً فإذا غني المغني ذلك الشعر، طرب وفعل ما رأيت، فقلت: وما في هذا مما يطرب حتى يبلغ فيه هذا المبلغ؟ فسأل كسرى الترجمان عما حاورني فيه؟ فأخبره، فقال: قل له إذا كان هذا لا يطرب فما الذي يطربك أنت؟ فأدى على الترجمان قوله فقلت قول الأعشى:
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالي فما يرد سؤالي
فأخبره الترجمان بذلك فقال كسرى: وما معنى هذا؟ فقلت: هذا شيخ مر بمنزل محبوبته فوجده خالياً قد عفا وتغير، فوقف فيه وجعل يبكي. فضحك كسرى وقال: وما الذي يطربك من شيخ واقف في خربة وهو يبكي؟ أو ليس الذي أطربنا نحن أولى بأن يطرب له؟ قال طليحة: فثقل عليه حالي بعد ذلك.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(325)
(شدخت غرة السوابق فيهم ... في وجوه إلى اللمام الجعاد)
هذا البيت لابن مفرغ الحميري مدح به قوماً وأراد أنهم مشهورون بالسبق إلى الفضل كشهرة الفرس الذي شدخت غرته حتى ملأت جبهته، وأن لهم لمما جعادا - وهي الشعور التي تلم بالمناكب واحدتها لمة- فإذا لم تجاوز شحمة الأذن فهي وفرة، وأراد بالجعودة هاهنا: غير المفرطة وأما الجعودة المفرطة فليست مما يستحب.
* * *
(3/376)

وأنشد في هذا الباب:
(326)
(بها كل خوار إلى كل صعلة)
البيت لذي الرمة وتمامه:
ضهول ورفض المذرعات القراهب
وصف داراً خلت من أهلها وصارت مألفا للوحوش بعدهم. والخوار: الثور، وقيل هو الظبي: والصعلة: النعامة، سميت بذلك لصغر رأسها وكل نعامة كذلك. والضهول: التي تذهب وتعود. والرفض: القطع المتفرقة، والمذرعات: البقر التي لها ذرعان وهي أولاد البقر واحدها ذرع. والقراهب: المسنة واحدها قرهب. وقبله:
خليلي عوجا بار الله فيكما ... على دارمي من صدور الركائب
بصلب المعى أو برقة الثور لم يدع ... لها جدة مر الصبا والجنائب
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(327)
(شدوا المطى على دليل دائب)
هذا البيت لعوف بن عطية بن الخرع فيما ذكر يعقوب، وتمامه:
من أهل كاظمة بسيف الأبحر
(3/377)

وصف قوماً رحلوا فشدوا مطيهم للرحيل ومعهم دليل دائب. أي يواصل السير ويديمه. يريد أنهم لا ينفكون من السفر. و (على) ههنا هي التي تعاقب واو الحال في قولهم: جاءني على مرضه، أي جاءني وهو مريض، وكذلك تقدير البيت شدوا المطى ومعهم دليل دائب. وكاظمة اسم بئر، والسيف: ساحل البحر.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(328)
(وكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع)
البيت لأبي ذؤيب الهذلي وصف أتنا وحماران والربابة: الخرقة التي تجمع فيها قداح الميسر وأراد ههنا: القداح بأعيانها على مذهبهم في تسمية الشيء باسم ما جاوره أو كان منه بسبب. واليسر: المقامر صاحب الميسر. شبه الأتن في اجتماعها وتصريف الحمار لها على حكمه بقداح يلعب بها يسر ويصرفها كيف شاء. ومعنى يفيض: يدفع، ومنه الإفاضة من عرفات. ومعنى على القداح: بالقداح، ويصدع: يفرق ويفصل الحكم من قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر)؛ أي افصل الحكم. وقال الخليل: معنى يصدع: يصيح بأعلى صوته: هذا قداح فلان. ويجب على هذا أن تكون العين بدلاً من جاء لأن المعروف أن يقال صدح يصدح. وقال ابن الأعرابي: معنى يصدع: يخرج القداح. وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض. وقال الأصمعي: قوله وكأنه يسر يفيض
(3/378)

على القداح أي يكب عليها وهو يفيض، كما يقال سكر على الخمر؛ أي سكر وهو يشربا لخمر. يقول الحمار يصكها كما يصك اليسر القداح:
وأنشد:
كما يصك اليسر القدوحا ... صك معلاهن والمنيحا
وبعد بيت أبي ذؤيب:
وكأنما هو مدوس متقلب ... بالكف إلا أنه هو أضلع
وفوردن والعيوق مقعد رابيء ال ... ضرباء فوق النجم لا يثتلع
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(329)
(كان مصفحات في ذراه ... وأنواحاً عليهن المآلي)
هذا البيت للبيد بن ربيعة القامري. وصف سحاباً فيه برق ورعد. ويروى: مصفحات بكسر الفاء وهي الرواية التي ذكر ابن قتيبة. ويروى مصفحات بفتح الفاء، فمن كسر الفاء، أراد النساء اللواتي يصفحن أي يصفقن، والتصفيح والتصفيق سواء، شبه صوت الرعد بالتصفيق. ومن فتح الفاء شبه لمع البرق بالسيوف المصفحات وهي العريضة، وذراه: أعالية، وأنواح: نساء ينحن. والمآلي: جمع مئلاة وهي خرق يمسكهن النوائح بأيديهن ويلطمن بهن خدودهن، شبه بها حركة البرق. وروى أبو حاتم بأيديها المآلي. وقبله:
(3/379)

أصاح ترى بريقاً هب وهناً ... كمصباح الشعيلة في الذبال
كان ربابه في الأفق حبس ... قيام بالحراب وبالآل
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(330)
(وبردان من خال وسبعون درهماً ... على ذاك مقرو من القد ماعز)
هذا البيت للشماخ بن ضرار، وصف قواساً أراد بيع قوس. وقبله:
فوافي بها أهل المواسم وانبرى ... له بائع يغلي له السوم رائز
فقال إزار شرعبي وأربع ... من السيراء أو أواق نواجز
ثمان من الكورى حمر أنها ... من الجمر ما يذكى من النار خابز
أراد أن هذه الأشياء كلها ثمن هذه القوس لنفاستها والمواسم: الأسواق والمواضع المشهورة التي يجتمع إليها الناس وانبرى: اعترض، والبائع ههنا: المشترى. والرائز، المختبر هل يبيعها أم لا، والشرعبي: البرد المصنف. والسيراء: ثياب حرير. والنواجز: الحاضرة التي لا مطل فيها، ويعني بالأواقي: أواقي من ذهب، والأوقية: أربعون درهماً. والكورى: الذهب الذي خلص في كور الحداد بعدما خلص من تراب المعدن. والخال: ثياب تصنع باليمن وقيل: هو
(3/380)

موضع باليمن تصنع به الثياب. والمقروظ: الجلد المدبوغ بالقرظ. والماعز: الشديد المحكم أي وتعطيني مع هذه الأشياء جلداً مقروظاً. فعلى بمعنى (مع).
وقال في تفسير شعر الشماخ: قوله على ذلك مقروظ: أراد عيبة من أدم فيها هذه الثياب، "فعلى" في هذا التفسير واقعة موقعها، وليست ببدل من (مع) لأن هذه الأشياء إذا كانت في المقروظ فالمقرو عليها مشتمل. ويجوز عندي أيضاً أن يريد وزائد على ذلك مقروظ من القد، فإذا حمل البيت على هذين التأويلين لم يكن فيه شاهد.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(331)
(متى ما تنكرها تعرفوها ... على أقطارها علق نفيث)
هذا البيت فيه غلط من وجهين: أحدهما يختص يعقوب، والآخر يختص الأصمعي. أما الغلط الذي يختص يعقوب، فإنه نسب هذا البيت إلى صخر الغي فاتبعه ابن قتيبة على غلطه، وإنما البيت لأبي المثلم الهذلي من شعر رد به على صخر الغي، ويدل على ذلك قوله بعد هذا البيت:
ومن يك عقله ما قال صخر ... يصبه من عشيرته خبيت
وإنما قال هذا لأن صخر الغي قال في شعره:
وليت مبلغاً يأتي بقول ... لقاء أبي المثلم لا يريث
فيخبره بأن العقل عندي ... جراز لا افل ولا أنيث
(3/381)

والعقل: الدية؛ أي لا دية عندي إلا السيف الجُرازي. وأما الغلط الذي يختص الأصمعي فنه زعم أن الهاء في قوله (متى ما تنكروها) ضمير الكتيبة أي متى ما أنكرتم هذه الكتيبة عرفتموها بهذه العلامة يسيل من أقطارها الدم. وهذا تفسير طريف، لأن الشاعر لم يذكر في هذا الشعر كتيبة لا قبل هذا البيت ولا بعده. وإنما قبله وهو أول القصيدة:
أنسل بني شعارة من لصخر ... فإني عن تفقركم مكيث
لحق بني شعارة أن يقولوا ... لصخر الغي ماذا تستبيث
وبنو شعارة: رهط صخر، وشعارة لقب لصخر، ويروى بالعين والغين. وتستبيث: تستخرج، أي ماذا تستخرج وتثير من الشر بما قلته. فيجب - على ما قال الأصمعي - أن يكون هذا من الإضمار الذي يستعملونه ون لم يجر له، ذكر، لما في الكلام عليه من الدليل، وهو كثير في الكلام والشعر. ولكن ليس تحتاج في هذا الشعر إلى تكلف هذا؛ لأن الأصمعي روى في آخر هذا الشعر بيتاً وقع في غير موضعه، وهو:
فلا وأبيك لن تنفك مني ... إليك مقالة فيها وعوث
فهذا البيت إذا قدم قبل (قوله متى ما تنكروها)، استقام الشعر ولم يحتج إلى إضمار شيء لم يذكر، لأن الهاء في قوله تنكروها تعود على المقالة. والمعنى إني أقول فيكم مقالة لا تقدرون على إنكارها ورفعها عن أنفسكم لأني أسمها بأسمائكم وأشهرها بذكركم وتأتيكم وعلى أقطارها الدم المنفوث. أي إنها مقالة تثير الحرب
(3/382)

وسفك الدماء، كما يقال: هذا كلام يقطر منه الدم، فإذا حمل الشعر على هذا كانت (على) قد وقعت موقعها، والضمير قد عاد إلى مذكور، وفي الأشعار الجاهلية والإسلامية القديمة كثير من هذا النوع قد أفسدته الرواة، فقدموا وأخروا، يرى ذلك من تأمل الأشعار وعني بها كقول طرفة:
للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدى ساقة قدمه
عند أنصاب لها زفر ... في صعيد جمة أدمه
ولا مدخول لقوله "عند أنصاب" في هذا الموضع ولا يتعلق به إلا على استكراه وتأويل بعيد، وإنما موضعه اللائق به بعد قوله
أخذ الأزلام مقتسما ... فأتى أغواهما زلمه
لأنهم كانوا يستقسمون بالأزلام عند الأصنام. وكذلك ما أنشده يعقوب من قول الراجز:
إن زل فوه عن اتان مئشير ... اصلق ناباه صياح العصفور
يتبعن جابا كمدق المعطير
وإنما ينبغي أن يكون قوله (يتبعن جأبا) قبل قوله (إن زل فوه)، لأن الضمير إليه يرجع.
وأنشد أبو علي البغدادي في نوادره (حمراء من معرضات الغربان) يقدمها كل علاه عليان.
وإنما ينبغي أن يكون قوله: يقدمها قبل قوله حمراء وحمراء صفة لعلاه. ويجوز رفعها على أن تكون صفة لكل. والعلة في اضطراب هذه الروايات أن
(3/383)

الشاعر كان يقول الشعر وينشده بعكاظ أو في غيرها من المواسم فيحفظه عنه من يسمعه من الأعراب ويذهبون به إلى الأقطار فيقدمون ويؤخرون ويبدلون الألفاظ، وربما حفظ السامع منهم بعض الشعر ولم يحفظ بعضه ولم ين القوم أصحاب خط وتاب، إنما كانوا يعولون على القوم الحفظ، والحف يخون صاحبه ما لم يقيده بكتاب فكان الرواة يسمعون ذلك وينقلونه عنهم حسب ما يسمعون.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(332)
(وهل يعمن من كان أحدث عهده ... ثلاثين شهراً في ثلاثة أحوال)
هذا البيت من مشهور شعر امرئ القيس. يقال: وعم يعم على مثال وعد يعد، ووعم يعم بكسر العين على مثال ومق يمق: وذهب قوم إلى أن يعم محذوف من ينعمن وأجازوا عم صباحاً بفتح العين وكسرها، كما يقال أنعم صباحاً وأنعم. وزعموا أن بعض العرب أنشد:
ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي ... بفتح العين
وحكى يونس أن أبا عمرو بن العلاء سئل عن قول عنترة:
وعمى صباحاً دار عبلة واسلمي
فقال: هو من نعم المطر إذا كثر، ونعم البحر إذا كثر زبده، كأنه يدعو لها بالسقيا وكثرة الخير.
(3/384)

وقال الأصمعي والفراء في قولهم (عم صباحاً) إنما هو دعاء بالنعيم والأهل وهو المعروف، وما حكاه يونس نادر غريب. وأما قوله في ثلاثة أحوال، فحكى يعقوب عن الأصمعي أن "في" ههنا بمعنى (من)، وأجاز أن يكون بمعنى "مع" كما قال النابغة الجعدي:
ولوح ذراعين في بركة
وكونها بمعنى (من) ورواه الطوسي أو ثلاثة أحوال، وكل من فسره ذهب إلى أن الأحوال ههنا: السنون جمع حول والقول فيه عندي أن الأحوال هاهنا جمع حال لا جمع حول ونما أراد كلف ينعم من كان أقرب عهده بالنعيم ثلاثين شهراً وقد تعاقبت عليه ثلاثة أحوال، وهي اختلاف الرياح عليه، وملازمة الأمطار له، والقدم: المغير لرسومه، فتكون (في) هنا هي التي تقع بمعنى واو الحال في نحو قولك: مرت عليه ثلاثة أشهر في نعيم أي وهذه حاله.
* * *
وأنشد للنابغة الجعدي:
(333)
(ولوح ذراعين في بركة)
وتمام البيت:
(إلى جؤجؤ رهل المنكب)
(3/385)

وصف فرساً وكل عظم عريض فهو لوح. والبركة: الصدر إذا أدخلت فيها هاء التأنيث كسرت الباء، وإذا حذفت الهاء فتحت الباء: وأصل البرك والبركة للبعير لأن يبرك عليه، فاستعير في غيره. والجؤجؤ: الصدر والرهل المسترخي. ونما أراد أن جلد صدره واسع غير ضيق فمنكبه يموج ويتقلب، وذلك مستحب في الفرس. وكذلك قال أبو الطيب:
له فضلة عن جسمه في إهابه ... تجيء على صدر رحيب وتذهب
وقوله "ولوح" معطوف على قوله قبل هذا البيت بأبيات:
وأوظفة أيد جدلها ... كأوظفة العالج المصعب
والعالج: البعير الذي له سنامان والمصعب الذي لم يرض.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(334)
(أو طعم غادية في جوف ذي حدب ... من ساكن المزن يجري في الغرانيق)
هذا البيت لخراشة بن عمرو العبسي، ورواه بعض الرواة لعنترة بن شداد، وقبله:
كان ريقتها بعد الكرى اغتبقت ... من مستكن نماه النحل في النبق
(3/386)

وصف امرأة بعذوبة الريق وطيبه. والكرى: النوم، لأن الأفواه تتغير بعد النوم. واغتبقت: من الغبوق، وهو ما يشرب بالعشى أو بالليل. ويعني بالمستكن: عسلاً نمته النحل أي رفعته في نيق وهو أعلى الجبل. والطعم: المذق، وللغادية: السحابة المبكرة، والحدب: الموضع المشرف.
وقال يعقوب: ذو حدب: سيل له عرف، وهذا غلط لا وجه ههنا لذكر السيل وإنما شبه ريقها في عذوبته وبرده بماء استنقع في موضع منخفض تحت جبل فبرد وصفاً كما قال امرؤ القيس:
بماء سحاب زل عن متن صخرة ... إلى بطن أخرى طيب ماؤها خمر
وكما قال طرفة:
صادفته حرجف في تلعة ... فسجا وسط بلاط مسبطر
وذكر الغرانيق لأنها تفرح بالمطر فتجيء معه. وقوله: من ساكن المزن: يريد من الماء الساكن في المزن وهي السحاب. ووقع في شعر عنترة من ساكن المزن وهو المنسكب السائل.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(335)
(فلما تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً)
(3/387)

هذا البيت لمتمم بن نويرة من شعر رثى به أخاه مالكاً، وكان خالد بن الوليد قتله في الردة. وقبل هذا البيت:
وكفا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وندمانا جذيمة هما: مالك وعقيل، ويقال: إنهما نادماه أربعين سنة، ولهما حديث مشهور وفيهما يقول أبو خراش:
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... خليلاً صفاء مالك وعقيل
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(336)
(حتى وردن لم خمس بائص ... جدا تعاوره الرياح وبيلا) د
هذا البيت للراعي وصف إبلاً وردت ماء بعد أن سارت إليه خمسة أيام، وهو الظماء الذي يسمى الخمس بكسر الخاء. والبائص: المتقدم السابق. والجد بضم الجيم: البئر يكون بين العشب والكلأ. ومعنى تعاوره: تداوله تهب عليه هذه الريح مرة وهذه الريح مرة، وأراد تتعاوره، فحف إحدى التائين استثقالاً لاجتماعهما فمن النحويين من يرى أن الأولى هي المحذوفة، ومنهم من يرى أن الثانية هي المحذوفة. والوبيل الثقيل على شاربه الذي لا يستمرئه إذا شربه. والتم: التمام وفيه ثلاث لغات تم وتم وتُم، وبعد هذا البيت
سدما إذا التمس الدلاء نطافه ... صادفن مشربة المثاب دحولا
(3/388)

والسدم: الماء المندفن. والنطاف: جمع نطفة وهي الماء القليل، وقد يكون الكثير، قال الهذلي:
وإنهما لجواباً خروق ... وشرابان بالنطف الطوامي
والمثاب: الموضع الذي يثوب منه الماء يقال هذه بئر لها ثائب إذا كانت لها مادة من تحت الأرض. ولم يرد المثابة التي هي مقام الساقي. كذا قال ابن قتيبة في المعاني. والدخول: البئر تحفر فيوجد ماؤه تحت أجوالها فتحفر حتى يستنبط ماؤها تحت جالها.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(337)
(تسمع للجرع إذا استحيرا ... للماء في أجوافها خريرا)
الشعر للعجاج في وصفه إبل وردت ماء، والاستحارة: الشرب وترديد الجرع، والحرير: صوت الماء، أراد أنها وردته وهي عطاش فإذا شربت سمع للماء صوت في أجوافها، كما قال الراعي:
فسقوا سوادى يسمعون عثية ... للماء في أجوافهن صليلا
(3/389)

والضمير من قوله في أجوافها يعود على هجمة ذكرها في أول هذا الشعر، فقال:
أتت وهبت هجمة جرجورا ... أدما وعيسا معصا خبورا
والهجمة من الإبل: ما زاد على الأربعين والجرجور: العظام الخلق والأدم ههنا السمر. والمعروف في الأدب إذا وصف بها الإبل أن يراد بها البيض. وفي بني آدم السمره وإنما قلنا إنه أراد السمر، لأنه ذكر بعد ذلك العيس وهي البيض التي تعلوها حمرة. والمعص: البيض. وقيل: هي الخيار الكريمة. والحبور الغزار الكثيرة اللبن، وأصل الخبور: المزادة المملوءة بالماء شبه بها الإبل لكثرة لبنها.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(338)
(بودك ما قومي على أن تركتهم ... سليمي إذا هبت شمال وريحها)
هذا البيت لعمرو بن قميئة اليشكري، وهو مما غلط فيه يعقوب في كتاب المعاني، فاتبعه ابن قتيبة على غلطه. وليس في هذا البيت حرف. وليست الباء فيه زائدة على ما قال، وإنما الباء ههنا بمعنى القسم. وما استفهام في موضع رفع بالابتداء وقومي خبره. والمعنى بحق المودة التي بيني وبينك، أي شيء قومي
(3/390)

في الكرم والجود عند هبوب الشمال؟ يريد في زمن الشتاء؛ لأنهم كانوا يتمدحون ويمدحون غيرهم بإطعام الطعام فيه، وأراد بريحها النكباء التي تقابلها كما قال ذو الرمة:
تناخي عند خير فتى يمان ... إذا النكباء ناوحت الشمالا
ويروى بودك بفتح الواو، فمن رواه هكذا احتمل أن يريد بحق صنمك الذي تعبدين. ومن رواه بضم الواو، جاز أن يريد المودة، وجاز أن يريد الصنم، لأن الصنم يقال له ود، وود وقد قريء بهما جميعاً.
وقد حكى أيضاً في المودة الفتح والضم والكسر، ولو أراد على مودتك قومي على ما توهم يعقوب، ومن قال بقوله، لم يقل إذا هبت شمال وريحها، وإنما كان يجب أن يقول ما هبت شمال وريحها، كما تقول لا أكلمك ما هبت الريح ولا زال حبك ما طار طائر، وهكذا جميع هذا الباب الذي يراد به الدوام، إنما يستعمل (بما) لا (بإذا). والوجه عندي أنه يريد بالود الصنم لا المودة؛ لأن سليمي هذه المذكورة كانت عرسه، وكانت نشزت عليه فطلقها، ولذلك قال (على أن تركتهم)، ولذلك قال في أول هذا الشعر:
أرى جارتي خفت وخف نصيحها ... وحب بها لولا النوى وطموحها
فيبنى على طير سينيح نحوسه ... وأشأم طير الزاجرين سنيحها
ومن جعل الود المودة فمعناه: بحق المودة التي كانت بينا قبل الطموح ووقوع الطلاق.
* * *
(3/391)

وأنشد في هذا الباب:
(339)
(غلب تشذر بالذحول كأنها ... جن البدى رواسيا أقدامها)
هذا الباب للبيد بن ربيعة وقبله:
وكثبرة غرباؤها مجهولة ... ترجى نوافلها ويرهب ذامها
يريد قبة ملك فيها قوم غرباء نزاع من كل قبيلة، فاخروه بين يدي الملك فغلبهم، وظهر عليهم. وقوله مجهولة: أراد مجهول من فيها، ولم يرد أن القبة نفسها مجهولة. والنوافل: الفضل والذام: العيب والعار، يريد أن من حضرها يرجو أن يكون له الظهور. والشرف ويرهب أن يغلب ويظهر عليه، فيكون ذلك عاراً يبقى في عقبه، فهو لذلك يُذب عن نفسه ولا يدع غاية من المفاخرة إلا قصدها. وشبههم بجمال غلب تشذر بأذنابها إذا تصاولت وهاجت. يقال تشذر البعير يذنبه إذا استثفر به وتشذر الرجل بثوبه عند القتال إذا تحزم وتهيأ للحرب. والغلب: الغلاظ الأعناق الواحد أغلب. والبديّ. واد تسكنه الجن فيما يزعمون، والرواسي، الثابتة التي لا تبرح. وتمام معنى الشعر في قوله بعد هذا:
أنكرت باطلها وبؤت جقها ... عندي ولم يفخر على كرامها
وتقدير البيت الأول وكثيرة غرباؤها مجهولة غرباؤها، فحذف المضاف وأقام الضمير المضاف إليه مقامه فاستتر في الصفة.
* * *
(3/392)

وأنشد في باب زيادة الصفات:
(340)
(إذا يسفون بالدقيق)
وهذا صدر بيب لأمية بن أبي الصلت، والبيت بكماله:
إذ يسفون بالدقيق وكانوا ... قبل لا يأكلون شيئاً فطيراً
أراد إذ يسفون الدقيق فزاد الباء. وهذا الشعر قال في صفة بني إسرائيل وقبله.
سنته أزمة تخيل بالناس ... ترى للعضاة منها صريراً
لا على كوكب ينوء ولا ري ... ح جنوب ولا ترى صحرورا
ومعنى تخيل: يتلون. والعضاة: كل شجر له شوك. والصرير: الصوت وينوء: يأنى بمطر. والصرور: الذي يلقح النخل.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(341)
(بواديمان ينبت الشث صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان)
هذا البيت ليعلي الأحول فيما ذكر الأصبهاني، والشث: شجر طيب الريح مر الطعم فيما ذكر الخليل. وقال أبو حنيفة، أخبرني بعض الأعراب قال: الشث
(3/393)

مثل شجر التفاح الصغار وورقة شبيه بورق الخلاف ولا شوك فيه، وله برمة موردة وسنفة مدورة صغيرة فيها ثلاث حبات أو أربع سود مثل الشيئنيز ترعاه الحمام إذا انتثر.
والمرخ: شجر خوار خفيف العيدان ليس له ورق ولا شوك تصنع منه الزناد، وهو من أكثر الشجر ناراً، ولذلك قالت العرب في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار. ويقال إن المرخ هو الذي يقال له الكلخ، والعفار: الدفلى - وروى أبو حنيفة وأسفله بالورخ، وقال اورخ شجر يشبه المرخ والشبهان شجر يشبه السمر كثير الشوك وهو من العصاة. وقال الخليل: الشبهان: الثمام.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(342)
(ضمنت برزق عيالنا أرماحنا)
هذا البيت لأعشى بكر ولم يقع في شعر الأعشى رواية أبي على البغدادي هكذا إنما وقع في روايته:
ضمنت لنا أعجازهن قدورنا ... وضروعهن لنا الصريح الأجردا
(3/394)

وقبله في صفة إبل:
مثل الهضاب جزارة لسيوفنا ... فإذا تُراع فإنها لن تطردا
قال أبو علي: ويروى ضمنت لنا أعجازها أرماحنا؛ أي ضمنت أرماحنا أعجاز إبلنا أن يغار عليها فنحن نتحرها ونشرب ألبانها. والصريح من اللبن: ما ذهبت رغوته، والأجرد: الذي لا رغوة له، ولعل الذي ذكر ابن قتيبة رواية ثانية، أو من قصيدة أخرى وقعت في غير روايتنا.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(343)
(هصرت بغصن ذي شماريخ ميال)
هذا البيت من مشهور شعر امرئ القيس، وصدره:
(فلما تنازعنا الحديث واسمحت)
قوله تنازعنا الحديث أي: تداولناه فحدثتني مرة وحدثنها أخرى، وأسمحت: لانت بعد صعوبتها وانقادت بعد إيابها، والهصر: الجذب، يقال هصرت الغصن فانهصر: أي جذبته إليّ فانجذب، والشماريخ: العراجين، شبه قدها بالغصن وشعرها بالشماريخ. وفي هذا البيت شيء يظنه قوم مخالفاً لما قاله سيبويه، وذلك أن سيبويه قال في كتابة: وأما تفاعلت فلا يكون إلا وأنت تريد فعل اثنين فصاعداً، ولا يجوز أن يكون معملاً في مفعول ولا يتعدى الفاعل إلى منصوب،
(3/395)

ففي تفاعلنا تلفظ بالمعنى الذي في فاعلته، وذلك قولك تضاربنا وترامينا وتقاتلنا. وقال بعد ذلك: وقد تجيء تفاعلت على غير هذا ما تقول عاقبت ونحوها لا تريد بها الفعل من اثنين، وذلك قولك تماريت في هذا، وتراءيت له، وتقاضيته، وتعاطيت منه أمراً قبيحاً، فلم يجز سيبويه تعدى تفاعل إلى مفعول إلا إذا كان من واحد، ولم يجزه إذا كان من اثنين لكل واحد منهما حظ في العمل، والعلة في ذلك أن قولك: تفاعلنا قد تضمن الفاعل والمفعول الذي في قولك فاعل، ألا ترى أنك تقول ضاربت زيداً وضار بني زيد، فتجعل أحد كما الفاعل والآخر المفعول، فإذا قلت تضاربنا لم يجز أن يتعدى لأنك قد أسندت الفعل إلى كل واحد منكما وجعلته فاعلاً، وتضمن الكلام أن كل واحد منكما صارب صاحبه، فلذلك امتنع من التعدي؛ إذ لم ين هناك مفعول خارج عنكما، وليس كذلك تنازعنا الحديث، لأن في هذا مفعولاً آخر خارجاً عنكما لاحظ في إسناد الفعل إليه، ألا ترى أنك تقول نازعت زيداً الحديث فتعديه إلى مفعولين، فإذا قلت: تنازعنا الحديث لم يكن بد من ذلك المفعول الثاني، لأن قولك تنازعنا إنما تضمن أحد المفعولين ولم يتضمن الآخر، فإذا كان الأمر على ما قلناه فليس فيه نقض لما قاله سيبويه، لأنا قد أخبرنا أن العلة المانعة من تعديه تضمنه المعنى الذي في فاعلته، وتنازعنا الحديث لم يتضمن المعنى في نازعته الحديث كله فلذلك تعدى. على أن سيبويه كان يلزمه أن يذكر أن هذا إنما يكون في فاعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد دون فاعل المتعدى إلى اثنين، ففي كلامه من هذا الوجه نقص عن توفية الغرض الذي أراده.
* * *
(3/396)

وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(344)
(نضرب بالسيف ونرجو بالفرج)
وزاد يعقوب قبله:
نحن بنو جعدة أصحاب الفلج
ولم يسم قائله، وقد ذكرنا في الكتاب الثاني أن الباء إنما دخلت في قوله بالفرج لأن معنى نرجو كمعنى نطمع، وقلنا هناك في هذه الحروف ما أغنى عن إعادته ههنا. والفلج: الماء الجاري من العين، والفلج: البئر الكبيرة عن ابن كناسه، وماء فلج: جار. قال عبيد:
أو فلج ببطن واد ... للماء من تحته قسيب
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(345)
(أبي الله إلا أن سرحة مالك ... على كل أفنان العضاه تروق)
البيت لحميد بن ثور الهلالي، والسرحة: شجرة من العضاه تطول في السماء، وجمعها سرح، وظلها بارد في الحر يستظل بها من الحر، ولذلك قال الشاعر:
فيا سرحة الركبان ظلك بارك ... وماؤك عذب لم يحل لوارد
(3/397)

والسرحة في هذا البيت وبيت حميد بن ثور كناية عن امرأة، وكان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عهد إلى الشعراء أن لا يشبب رجل منهم بامرأة وتوعدهم على ذلك، فكان الشعراء يكنون عن النساء بالشجر وغيرها، ولذلك قال حميد قبل هذا البيت:
سقى السرحة المحلال والأبرق الذي ... به الشرى غيث دائم وبروق
وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة ... من السرح موجود على طريق
ويروى إلى. والأفنان: الأغصان، واحدها فنن. والأفنان أيضاً: الأنواع واحدها فن، تروق: تعجب. وإنما جعل (على) في هذا البيت زائدة لأن راق يروق لا يحتاج في تعديه إلى حرف جر إنما يقال: راقني الشيء يروقني، فالمعنى يروق كل أفنان، وقد يجوز أن يقدر في البيت محذوف كأنه قال أبي الله إلا أن أفنان سرحة مالك. وقد يكون قوله (على كل أفنان العضاه) في موضع خبر أن كما تقول أبى الله إلا أن فضل زيد على كل فضل، أي ظاهر على كل فضل، ويكون تروق خبراً ثانياً لأن أن في موضع نصب على الحال، فالأفنان على هذا القول جمع فنن وهو الغصن، وعلى القول الذي حكاه ابن قتيبة وهو قول يعقوب ينبغي أن يكون جمع فن وهو النوع، كأنه قال: تروق كل أنواع العضاه، وقد يمكن أن يقدر في صدر البيت من الحذف ما ذكرناه، فتكون الأفنان الأغصان، كما أنه يجوز في القول الثاني أن تكون الأفنان الأنواع ولا تقدر محذوفاً.
* * *
(3/398)

وأنشد في باب إدخال الصفات وإخراجها:
(346)
(فلم يستجبه عند ذاك مجيب)
هذا البيت لكعب بن سعد الغنوي وقيل لسهم الغنوي، وصدره:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى
وبعده:
فقلت ادع أخرى وارفع الصوت رفعة ... لعل أبا المغوار منك قريب
واحتج به ابن قتيبة على أنه يقال استجبتك بمعنى استجبت لك، وكذا قال يعقوب ومن كتابه نقل ابن قتيبة أكثر ما أورده ههنا. وقد يمكن أن يريد فلم يجبه. ويدل على ذلك أنه قال مجيب ولم يقل مستجيب. فيكون الشاعر قد أجرى أفعل كما قالوا استخلف لأهله بمعنى أخلف، واستوقد بمعنى أوقد، قال الله تعالى: (كمثل الذي استوقد نارا)، وقد ذكر ابن قتيبة ذلك فيما تقدم وأنشد لذي الرمة:
ومستخلفات من بلاد تنوفة ... لمصفرة الأشداق حمرا الحواصل
وروى بعضهم لعل أبي المغوار بالخفض وزعموا أن من العرب من يخفض بلعل فيقول: لعل زيد خارج، وأن منهم من يكسر لام لعل مع الخفض بها، وأنشد يعقوب:
لعل الله فضلكم علينا ... بشيء أن أمكم شريم
(3/399)

وقال قوم إنما هو لعا لأبي المغوار، وأما كلمة تقال للعاثر يراد بها الانجبار والارتفاع، قال الأعشى:
بذات لوث عفرناة إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعاً
فيكون لعاً في موضع رفع بالابتدا. وقوله: لأبي المغوار مجرور في موضع الصفة له، وقريب خبر المبتدأ، ولعا اسم من أسماء الفعل مبني على السكون والتنوين فيه علامة التنكير كالتنوين في صه ومه.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(347)
(أستغفر الله ذنباً لست محصية ... رب العباد إليه الوجه والعمل)
هذا البيت لا أعلم قائله، والوجه: القصد الذي يقصده الإنسان ويتوجه نحوه. ويحتمل أن يريد بالوجه: التوجه فيكون من الأسماء التي وضعت موضع المصادر.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(348)
(ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل)
(3/400)

هذا البيت من مشهور شعر عنترة بن شداد، والطوى: انطواء البطن وضموره، ويكون خلفة ويكون من قلة الأكل. وكريم المأكل ما لا عيب فيه على أكله، يقول أصبر على الجوع ولا آكل مأكلا أعاب به، والعرب تستعمل الكرم بمعنى الشرف والفضل، وإن لم يكن هناك جود ولا عطاء، قال الله تعالى: (إني ألقى إلى كتاب كريم) وقال الشاعر:
فرب ثوب كريم كنت آخذه ... من القطار بلا نقد ولا ثمن
وجاء في الحديث أن رسولا لله صلى الله عليه وسلم أنشد هذا البيت فقال: م وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا سمع هذا البيت يقول ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في باب أبنية الأسماء:
(349)
(كما خشخشت يبس الحصاد جنوب)
هذا البيت من مشهور شعر علقمة بن عبدة، وصدره:
تخشخش أبدان الحديد عليهم
والخشخشة: الحركة والصوت الخفي، والأبدان: الدروع واحدها بدن. شبه أصوات الدروع على الفرسان بصوت الحصاد اليابس إذا هبت عليه الجنوب؛
(3/401)

وهي الريح القبليةن وليس لتخصيصه الجنوب بالذكر معنى أكثر من طلب القافية، ألا ترى أن الأعشى قد ذكر الدبور مكان الجنوب فقال:
لها جرس كحفيف الحص ... اد صادف بالليل ريحاً دبوراً
ويجوز أن يريد باليبيس اليابس من النبات، وهو لغة في يبس، وعلى هذا أنشده ابن قتيبة. ويجوز أن يكون جمع يابس كما قالوا راكب وركب ويقوى ذلك قول العجاج:
تسمع للحلي إذا ما وسوسا ... زفرفة الريح الحصاد اليها
فهذا جمع يبس كقولك شاهد وشهد، وكثر ممن يفسر هذا الشعر يقول: الحصاد: ما يبس من الزرع وحان أن يحصد. وحكى أبو حنيفة عن أبي نصر قال: الحصاد: نبات يشبه السبط وله إذ جف وهبت عليه الريح جرس وزفازف. قال: ولذلك قال علقمة (تخشخش أبدال الحديد عليهم) البيت.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(350)
(وما صب رجلي في حديد مجاشع ... مع القدر إلا حاجة لي أريدها)
(3/402)

هذا البيت للفرزدق وأظنه يريد تقييده لنفسه، وكان عاهد الله تعالى بمكة أن لا يشتم مسلماً، وقيد نفسه وحلف أن لا يفك قيده حتى يحفظ القرآن، فلما ألح جرير على بني تميم بالهجاء وسمع الفرزدق قوله:
لعمري لقد ألهى الفرزدق قيده ... ودرجاً نوار ذو الدهان وذو الغسل
أنف من ذلك وعنفه قومه وقالوا قد مزق جريراً أعراض قومك وعجز البعيث عن مقاومته، فكسر قيده وجعل يهاجي حريراً وقال:
فإن يك قيدي كان ندراً نذرنه ... فمالي عن أحساب قومي من شغل
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(351)
(عن اللغا ورفث التكلم)
البيت للعجاج وقبله:
ورب أسراب حجيج كظم
والأسراب: الجماعات واحدها سربن والحجيج: جماعة الحجاج وهو اسم للجميع كالعبيد والكليب، والكظيم: الساكتون قد منعوا ألسنتهم من التكلم باللغو والرفث، لأنهم حجاج يتجنبون ما يفسد حجهم.
* * *
وأنشد ابن قتيبة:
(352)
(ضرائر حرمي تفاحش غارها)
(3/403)

هذا البيت لأبي ذؤيب الهذلي، وصدره:
لهن نشيج بالنشيل كأنها
وصف قدوراً تغلي فشبه نشيجها وهو صوت غليانها بأصوات نساء ضرائر لرجل حرمي؛ أي من أهل الحرم، وقد وقع بينهن شر من أجل غيرة بعضهن من بعض، فكثر لغطهن وصخهن. والعار: الغيرة، والنشيل: لحم يطبخ ثم ينشل بحديدة معقفة تسمى المنشال، أي تجذب وتخرج من القدر ما فيها.
وقال الجيرمي: إنما وصف نساء أهل الحرم لأن في أصواتهم غلظاً ونساؤهم أرخم أصواتاً وألين من نساء غيرهم، والعرب تنسب إلى الحرم فتقول حرمي بفتح الحاء والراء، ومن قال حرمى وحرمي فضم الحاء وكسرها وسن الراء ففيه قولان: أحدهما أنه من المنسوب المغبر عن وجهه الذي يحفظ ولا يقاس عليه، والثاني أنه منسوب إلى حرمة البيت وفيه لغتان حرمة كظلمة وحرمة كفرية. وقيل هذا البيت:
وسود من الصيدان فيها مذانب ... نضار إذا لم نستفدها نعارها
يعني بالسود قدوراً قد اسودت من الطبخ، والصيدان بفتح الصاد وكسرها: حجارة تصنع منها القدور، وتسمى القدور أيضاً صيداناً، والمذانب: المغارف، ونضار: مصنوعة من الأثل، والنضار خبرا تحشب وأفضله للآية، وقوله نعارها، قال النجيرمي: يقول: إذا كثر الأضياف ولم يكن عندنا قدور تسعهم، استعرنا قدوراً من غيرنا لا يطبخ لشدة الزمان.
* * *
(3/404)

وأنشد في هذا الباب:
(353)
(لو عصر منه البان والمسك انعصر)
البيت لأبي النجم العجلي وقد ذكرنا اسمه فيما تقدم، وقبله:
كأنما في نشرها إذا نشر ... فغمة روضات تردين الزهر
هيجها نفح من الطل سحر ... وهزت الريح الندى حتى قطر
ويروى لو عصر منها، فمن أنت الضمير أعاده إلى المرأة التي تغزل بها، ومن ذكر الضمير أعاده على الفرع المذكور قبل هذا البيت في قوله:
بيضاء لا يتسع منها من نظر ... خود يغطي الفرع منها المؤتزر
والفرع: الشعر، والمؤتزر: الكفل حيث يقع الإزار، والنشر: الرائحة الطيبة، والفغمة: الرائحة التي تملأ الأنوف ولا تكون إلا من الطيب.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(354)
(وما كل مغبون ولا سلف صفقه ... براجع ما قد فاته برداد)
(3/405)

ذكر ابن قتيبة أن هذا البيت للأخطل، ولم أجده في ديوان شعره الذي رواه أبو علي البغدادي ولعله قد وقع في رواية أخرى. والصفق: مصدر صفق البائع صفقا إذا ضرب بيده على يد صاحبه عند كمال المبايعة بينهما، والرداد مصدر راد للبائع صاحبه مرادة وردادا إذا فاسخه البيع.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(355)
(فأصبح العين ركوداً على ال ... أو شاز أن يرسخن في الموحل)
هذا البيت للمتنخل الهذلي، والعين: بقر الوحش واحدتها عياء، والركود: القيام التي لا نبرح.
والأوشاز: المواضع المرتفعة واحداً وشز، ويرسخن: يغرقن، والموحل والموحل بفتح الحاء وكسرها: الوحل، وصف مطراً أحدث سيلاً عظيماً فرت منه الوحش إلى الجبال، وقبله:
ظاهر نجداً فترامى به ... منه توالى ليلة مطفل
للقمر من كل فلا نله ... غمغمة يقزعن الحنظل
وقوله ظاهر نجداً، أي علا ظهرها، وتوالى الليلة: مآخيرها، وأراد بقوله ليلة مطفل: ليلة جاءت بالمطر والسيل، فشبهها بالناقة التي تنتج طفلاً. والقمر: الحمير التي في بطونها بياض، والغمغمة: أصوات لا تفهم، ويفزعن
(3/406)

يمرون مراً سريعاً فوق الماء قد حملها السيل، فهي تطفو على الماء كما يطفر الحنظل.
* * *
وأنشد ابن قتيبة:
(356)
(لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول)
البيت لمعن بن زائدة المزني، وبعده:
وإني أخوك الدائم العهد لم أحل ... إن أنزاك خصم أو نبابك منزل
قال هذا الشعر في رجل من قرابته كان يحسده مكانته، ويسمى معاشرته فيصفح عنه ويعرض عما يرى منه، لعله سينزع عن قبيح ما يأنيه ويرى سوء العاقبة فيه. والأوجل: الخائف. ويروى تغدو وتعدو بالغين والعين، ومعنى ايزاك: قهرك وغلبك، قال أبو طالب:
كذبتم وحق الله يبزى محمد ... ولما نطاعن دونه ونناضل
ويقال: نبا به المنزل: إذا لم يحمله ودفعه عن نفسه، يقول إن قهرك خصم أعنتك، وإن نبا بك منزل أو بيتك، فلم تعاملني معاملة العداء وأنا أعاملك معاملة الأحباء، ولعل أيام عمرنا قصيرة، فيفرق بيننا الممات، فلم نستعجل الفراق في الحياة، وهذا نحو قول الآخر:
أفلل عتابك فالبقاء قليل ... والدهر يعدل مرة ويميل
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عنها ويطول
* * *
(3/407)

وأنشد ابن قتيبة:
(357)
(بعثوا إلى عريفهم يتوسم)
هذا الشعر لطريق بن عمرو العنبرين قال أبو عبيدة معمر بن المشى: كانت الفرسان إذا وردت عكاظ في الأشهر الحرم تلثمت، لئلا تعرف فيقصد إليها في الحرب، وكان طريف بن عمرو بن تميم العنبري لا يتقنع كما يتقنعون، فوافى عكاظ سنة وقد حشدت بكر بن وائل وكان طريف قد قتل قيل ذلك شراحيل الشيباني، فقال حمصيصة بن شراحيل: أروني طريفا، فأروه إياه فجعل كلما مر طريف تأمله ونظر إليه حتى فطن له طريف: فقالن مالك تنظر إلى وتديم النظر مرة بعد أخرى؟! فقال: أتوسمك لأعرفك، فإن لقينك في حرب، فلله على أن أقتلك أو تقتلني، فقال طريف في ذلك:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم
فتوسموني إنني أنا ذاكم ... شاك سلاحي في الحوادث معلم
تحى الأغر وفوق جلدي نثرة ... زغف ترد السيف وهو مثلم
ولل بكرى لدى عداوة ... وأبو ربيعة شانيء وحلم
حولى أسيد والهجيم ومازن ... وإذا حللت فحول بيتي خصم
(3/408)

فلما كان يوم مبايض لقيه حمصيصة فقتله. التوسم: التثبت في النظر، والشاكي: التام السلاح، وقيل هو الحاد السلاح شبه بالشوك، ويقال شاك بكسر الكاف وشاك بضمها، فمن كسر الكاف جعله منقوصاً مثل قاض، وفيه قولان: قيل: أصله شائك فقلب، كما قالوا جرف هار، واشتقاقه على هذا من الشوكة، وقيل: أصله شاك من الشكة وهي السلاح فكرهوا اجتماع المثلين فأبدلوا الأخير منهما ياء وأعلوه إعلال قاض، ومن ضم الكاف ففيه قولان أيضاً: أحداهما أن أصله شرك على مثال فعل انقلبت واوه ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقيل هو محذوف من شائك كما قالوا (جرف هار) فضموا الراء. وفيه لغة ثالثة لا تجوز في هذا البيت وهي شاك بتشديد الكاف، وهذا مشتق من الشكة لا غير. والمعلم الذي يشهر نفسه بعلامة يعرف بها والأغر: فرسه، والنثرة: الدرع السابغة، وكذلك الزغف، ومنه يقال: زغف في الحديث إذا زاد فيه، وقيل: هي اللينة المجسة، وخضم: لقب لبني العنبر بن تميم.
* * *
وأنشد ابن قتيبة:
(358)
(من بين مقتول وطاف غارق)
البيت لأبي النجم من شعر يمدح به الحجاج بن يوسف، وقبله:
هو الذي أوقع بالصعافق ... وبالشبيبين وبالأزارق
وكل من يدعو لكلب مارقٍ ... فأصبحوا في الماء والخنادق
* * *
(3/409)

وأنشد ابن قتيبة:
(359)
(فان تصرمي حبلى وإن تتبدلي ... خليلاً فمنهم صالح وسميج)
البيت لأبي ذؤيب الهذلي، ووقع في النسخ فمنهم بالفاء، والصواب بالواو؛ لأنه ليس جواباً للشرط، وإنما هو اعتراض بين الشرط "وجوابه"، والجواب قوله بعد:
فني صبرت النفس بعد ابن عنبس ... وقد لج من ماء الشؤون لجوج
لأحسب جلدا أو لينبأ شامت ... وللشر بعد القارعات فروج
ولابد في هذا الكلام من تقدير محذوف وألا لم يصح أن يكون جواباً، والمعنى: فإن تصرمي حبلى وإن تتبدلي خليلاً فلا تحسي أنني أجزع لذلك، فني قد صبرت بعد فقدي لابن عنبس الذي كان أعز فقداً علىّ منك، فكيف لا أصبر عنك، فاقتصر على بعض الكلام اختصاراً لما فهم مراده، ولأن قد دل على ذلك بقوله بعد هذا:
وذلك أعلى منك فقداً لأنني ... كريم، وبطني بالكرام يعبج
* * *
وأنشد ابن قتيبة:
(360)
(ضربك بالمرزبة العود النخر)
(3/410)

هذا البيت لا أعلم قائله يصف شيئاً ضرب فانكسر كانكسار العود النخر إذا ضرب بالمرزبة. والنخر: البالي العفن، فهو أسرع لانكساره.
* * *
وأنشد ابن قتيبة:
(361)
(فما صار لي في القسم إلا ثمينها)
هذا الشعر ليزيد بن الطثرية، والطثرية أنه نسبت إلى طثرة؛ وهو حي من اليمن عدادهم في جرم، وقيل طثر من بني غر بن وائل أخوه بكر بن وائل، وقيل إنها كانت مولعة بإحراج زبد اللبن فسميت الطثريةن وطثرة اللبن: زبده، وهو أحد الشعراء الذين شهروا بأمهاتهم، واسم أبيه الصمة، ويكنى يزيد أبا المكشوح، ويلقب مودقا لحسن وجهه وشعره وحديثه، فكانوا يقولون إنه إذا جلس بين النساء ودقهن؛ أي هيج عليهن شهوة النكاح. وكان يزور امرأة ويكلف بها ويكن أنها لا تخاذن سواه، فجاءها يوماً فجلس معها يحادثها، فإذا فتى شاب قد أقبل وجلس، ثم جاء آخر حتى صاروا سبعة وهو ثامنهم فهجرها وقال:
أرى سبعة يسعون للوصل كلهم ... له عند ليلى دينة يستدينها
فألقيت سهمي وسطهم حين أوخشوا ... فما صار لي في القسم إلا ثمينها
وكنت عزوف النفس أكره أن أرى ... على الشرك في ورهاء طوع قرينها
(3/411)

فيوماً تراها بالعهود وفية ... ويوماً على دين ابن خاقان دينها
يداً بيد من جاء بالعين منهم ... ومن لم يجيء بالعين حيزت رهونها
الدينة: العادة ويستدينها: يستعديها. ومعنى أوخشوا: خلطوا، ويقال أوخش الرجل: إذا كسب وخشاً أو غنمه، والوخش من كل شيء: الرذل. والعزوف: الذي يتنزه عن الشيء وينصرف عنه. والورهاء: الحمقاء والقرين والقرون: النفس، يريد أن نفسها تطاوعها على مواصلة كل من تعرض لها ولا تعاف أحداً، ومعنى حيزت رهونها: حيزت الرهون لها.
* * *
وأنشد ابن قتيبة:
(362)
(لم يغذها مد ولا نصيف)
هذا البيت يروي لسلمة بن الأكوع، وكعب بن مالك الأنصاري، وروى أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مسير له فقال لابن الأكوع: ألا تنزل فتأخذ لنا من هنالك فنزل سلمة يرتجز ويقول:
لم يغذها مد ولا نصيف ... ولا نميرات ولا رغيف
لكن غذاها اللبن الخريف ... المحض والقارص والصريف
(3/412)

فلما سمعته الأنصار يذكر التمرات والرغيف علموا أنه يعرض بهم فاستنزلوا كعب بن مالك فقالوا: يا كعب أنزل فأحبه، فنزل كعب يرتجز ويقول
لم يغذها مد ولا نصيف ... ولا تميرات ولا تعجيف
لكن غذاها حنظل نقيف ... ومذقه كطرة الخنيف
تنهت بين الزرب والكنيف
فكأن النبي صلى الله عليه وسلم خاف أن يجري بينهما شيء فقال اركبا. ويروى لبن الخريف على الإفراء، وخاصة بالذكر دون غيره لأنه أدسم من لبن سائر الفصول، والمحض من اللبن: ما لم يخالطه الماء حلواً كان أو حامضاً، والصريف: اللبن حين ينصرف به عن الضرع حاراً. والتعجيف: أن تطعم العجاف، وهو نوع من التمر، والحنظل: شجر، والنصيف: المكسور. وقال ابن قتيبة جاءني الحنظل ينقف الحنظلة بظفره، فإن صمتت علم أنها بالغة فاجتاها، وإن لم تصوت علم أنها لم تدرك بعد فتركها. والمذقة: قطعة من اللبن تمزج بالماء، والحنيف: ثوب يصنع من الكتان الرديء، وطرته: حاشيته التي لا هدب فيها. شبه بها اللبن لنه إذا مزج بالماء تغير لونه وصار أغبر، وطرة الحيف ليست بناصعة البياض، والكنيف: حظرة تعمل للإبل من خشب، والزرب: حظيرة الغنم. وقوله (تنهت بين الزرب والكنيف)
(3/413)

يريد أن درور تلك المذقة وتولدها مما تعلفه الشاء والإبل في الزروب والكنف لا بالكلأ والرعي، وذلك لأن مكة ليس فيها رعي تسام فيه إبلهم ومواشيهم لأنه بلد غير ذي زرع.
* * *
وأنشد ابن قتيبة:
(363)
(ولقد قتلتكم ثناء وموحداً ... وتركت مرة مثل أمس الدابر)
كذا وقع في النسخ، وكذا رويناه عن أبي نصر عن أبي علي، والصواب المدبر كذا أنشده أبو عبيدة في كتاب مقاتل الفرسان وأنشد بعده:
ولقد دفعت إلى دريد طعنة ... نجلاء تزغل مثل عط المنخر
والشعر لصخر بن عمرو السلمي بقوله لبني مرة بن سعد بن ذبيان، ويعني بدريد دريد بن حرملة المري، وكان دريد وهاشم ابنا حرملة فلا معاوية بن عمرو وأخا صخر ثم غزا دردي بعد ذلك ببني مرة فقتله صخر - وقال هذا الشعر، وأما هاشم فقتله رجل من بني جشم، رماه بسهم وهو يغوط ففلق عجبه، فقالت في ذلك الخنساء:
فدى للفارس الجشمي نفسي ... وأفديه بمن لي من حميم
أفسديه بحل بني سليم ... بظاعنهم وبالأنس المقيم
كما من هاشم أقررت عيني ... وكانت لا تنام ولا تنيم
(3/414)

وأنشد أبو قتيبة:
(364)
(ولكنما أهلي بواد أنيسه ... سباع تبغى الناس مثنى وموحد)
هذا البيت لساعدة بن جؤية الهذلي، وقبله:
وعاودني ديني فبت كأنما ... خلال ضلوع الصدر شرع ممدد
بأوب يدي صناجة عند مدمن ... غوى إذا ما ينتشي يتعرد
ولو أنه إذ حم ما كان واقعاً ... بجانب من يحفى ومن يتودد
رثى بهذا الشعر ابن عم له قتلته قسر. وقوله وعاودني ديني: أراد حاله التي كانت تعتاده. يقال: ما زال ذلك ديني ودأبي وديداني وديدوني: أي عادتي وحالي. والشرع: الوتر. يقول كأن بين أضلاعي غناء عود لكثرة حنيني وبكائي، والمدمن الذي يدمن شرب الخمر والغناء. ومعنى حُم: قُدر. ويحفى: يلطف. يقال: فلان يحفى بفلان ويتخفى به إذا رفق به ولطف. يقول لو أصابني هذا الرزء بجانب من يتحفى بي، ويهم بحالي، لهان على موقعه. فحذف جواب (لو) لما فهم المعنى ما قال تعالى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) ولم يقل لكان هذا القرآن. وقوله (ولكنما أهلي بواد) يقول: ولكن الذي يعظم مصابي، أن أهلي بواد لا أنيس به إلا السباع التي تطلب الناس لتأكلهم اثنين اثنين وواحداً واحداً. ويمكن أن يريد السباع بأعيانها، ويحتمل أن يريد قوماً بمنزلة السباع.
(3/415)

وأنشد بعض بيت للكميت والبيت بكماله:
(365)
(فلم يستر يثوك حتى رمي ... ت فوق الرجال خصالاً عشاراً)
ومعنى يستر يثوك يجدونك رائثاً بطيئاً. ورميت: زدت. يقال رمى على الخمسين وأرمى أي زاد. يقول: لما نشأت نشأ الرجال: أسرعت في بلوغ الغاية التي يبلغها طلاب المعالي ولم يقنعك ذلك حتى زدت عليهم بعشر خصال فقت بها السابقين وأيأست الذين راسوا أن يكونوا لك لاحقين.
* * *
وأنشد ابن قتيبة:
(366)
(ما أنا بالجافي ولا المجفى)
هذا البيت لا أعلم قائله. مدح نفسه بأنه لا يجفو أحداً، ولا يجفى لكرم خلقه وحسن معاشرته.
* * *
وأنشد ابن قتيبة:
(367)
(أنا الليث معدياً عليه وعادياً)
(3/416)

هذا البيت لعيد يغوث بن وقاصي الحارثي، وصدره:
وقد علمت عرسي مليكة أنني
وقد كنت بحار الجزور ومعمل ال ... مطى وأمضى حيث لاحى ماضيا
الليث: الأسد وكان ينبغي أن يقول معدواً عليه، لأنه من العدوان، ولكنه بناه على عدي عليه، والجزور: الناقة التي تنحر وجمعها جزر. فإذا كانت من الغنم فهي جزرة، ولم يرد جزوراً واحدة، لأنه لا يقال نحارا إلا لمن يكثر النحر، ولا يفتخر أحد بأنه ينحر جزوراً واحدة ولكنه خصوص وقع موقع العموم، كما قال تعالى (إن الإنسان لفي خسر) ولم يردا إنساناً واحداً، والدليل على ذلك قوله (إلا الذين آمنوا) فاستثنى منه ولا يستثني جمع من واحد.
* * *
وأنشد ابن قتيبة:
(370)
(وطعن كتشهاق العفاهم بالنهق)
هذا البيت لحنظلة بن شرقي، ويكنى أبا الطمحان، وكان من مردة العرب وفتاكهم. وقيل له مرة يا أبا الطمحان ما أدنى ذنوبك؟ فقال: ليلة الدير.
(3/417)

فقال نزلت بديرانية فأكلت عندها طغشيلا لحم خنزير، وشربت من خمرها، مزنت بها، وسرقت كساءها: وصدر البيت:
بضرب يزيل الهام عن سكناته
الهام: الرؤوس، جمع هامة. وأراد بالسكنات الأعنان وأصل السكنة: عش الطائر، فاستعاره للعنق من حيث كانوا يسمون الرأس هامة. والهامة: طائر، ونحو هذا من الاستعارة قول الأخطل في يربوع بن حنظلة:
تسد القاصعاء عليه حتى ... ينفق أو يموت بها هزالا
لما كان يسمى بها يربوعاً استعار له قاصعاء، وتنفيقاً: تتميماً للمعنى. ويقال نفق اليربوع إذا حرج من نافقائه. والتشهاق والشهق: ترديد النفس، والعفا: ولد الحمار، شبه صوت الطعن بشهيقه إذا أراد أن ينعق.
* * *
وأنشد في باب شواذ الأبنية:
(371)
(جاءوا بجيش لو قيس معرسه ... ما كان إلا كمعرس الدائل)
هذا البيت لكعب بن مالك الأنصاري، قال في أبي سفيان بن حرب، وكان غزا المدينة في مائتي راكب بعد وقعة بدر، فحرق بعض نخل المدينة وقتل قوماً من الأنصار، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه، حتى بلغ موضعاً
(3/418)

يقال له قرقرة الكدر، ففر أبو سفيان وجعل أصحابه يلقون مزاود السويق يتحففون للفرار، فسميت غزوة السويق. وبعد هذا البيت
عار من البصر والثراء ومن ... أبطال أهل البكاء والأسل
والمعرس والمعرس: مكان النزول من آخر الليل، والأشهر فيه معرس بتشديد الراء. والدئل: دريبة صغيرة تشبه ابن عرس. والثراء: المال والسعة. والنكاء والنكاية سواء، والأسل: الرماح.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(372)
(لم يبق هذا الدهر من آيائه ... غير أثافيه وأرمدائه)
لا أعلم قائل هذا الرجز، وآياء جمع آي؛ وأي: جمع آية، وهي العلامة والأثر، وصف منزلاً درس، فلم يبق منه إلا الأثافي والرماد، والأرمداء: لغة في الرماد. وحكى أب علي البغدادي جمع رماد أرمدة، وجمع أرمدة أرمداء، فعلى هذا لا يكون زيادة على ما جاء به سيبويه، لأن أفعلاء في الجموع كثيرة. وكان ابن دريد يروى وإرمدئه بكسر الهمزة.
* * *
وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب:
(373)
(ليوم روع أو فعال مكرم)
(3/419)

البيت لأبي الأخرز الحماني، وقبله:
مروان مروان أخو اليوم اليمي
كذا رواه سيبويه، روى غيره مروان يا مروان لليوم اليمي. قوله اليمي صفة لليوم من لفظه كما قالوا: يوم أيوم، وليل أليل، ووزنه فعل على مثال حذر وأصله اليوم فقلب اللام إلى موضع العين والعين إلى موضع اللام فصار اليمو، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. وقال السيرافي: أصله.
أخو اليوم اليوم - كما قال الآخر: (إن مع اليوم أخاه غدوا)
فقدم الميم بضمتها إلى موضع الواو فصار اليمو فوقعت الواو طرفاً وقبلها ضمة فقلبت ياء وكسر ما قبلها، كما قالوا في جمع دلو أدل، فموضع اليمى على قول السيرافي رفع، موضعه على القول الأول خفض. وهذا التأويل الذي تأوله السيرافي هو الظاهر من مذهب سيبويه، وهو تأويل لا يصح إلا على روية من روى أخو اليوم اليمي، وأما من رواه مروان يا مروان لليوم اليمي فلا يكون موضع اليمي إلا خفضاً على الصفة، وكذلك لا يمتنع أن يكون موضعه خفضاً على رواية من روى أخو اليوم اليمي، فيكون معناه أن مروان أخو اليوم الشديد الذي يفرج غمه ويجلى همه، وهو أشبه بمعنى الشعر، لأن البيتين لا يلتثمان على تفسير السيرافي ومذهب سيبويه، وأنشد أبو العباس المبرد في كتاب الأرمنة:
(نعم أخو الهيجاء في اليوم اليمي)
وهذا يدل أيضاً على أن اليمي في موضع خفض. وكذلك قال المبرد، وإليه ذهب يعقوب ابن السكيت.
* * *
(3/420)

وأنشد في هذا الباب:
(374)
(بثين الزمى لا ن لا إن لرمته ... على كثرة الواشين أي معون)
هذا البيت لجميل بن عبد الله بن معمر العري، يقول: إن سألك سائل: هل بين وبين جميل صلة؟ فقولي: (لا) فإن فيها عوناً على الواشين ودفعاً لشرهم، بعده:
ونبئت قوماً فيك قد نذروا دمي ... فليت الرجال الموعدي لقوني
إذا ما رأوني طالعاً من ثنية ... يقولون من هذا وقد عرفوني
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(375)
(من آل صعفوق وأتباع أخر)
البيت للعجاج من شعر يمدح به عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان عبد الملك ابن مروان ولاه حرب أبي فديك الحروري فأوقع به، وقبله:
ها فهو ذا فقد رجا الناس الغير ... من أمرهم على يديك والثؤر
قوله ها معناه: خذ أبا فدي فهو هذا قد أمكنك والناس قد رجوا أن يغير الله هذه الحال على يديك، ويثأر لهم من أعدائهم بك، والثؤرة: الثأر وجمعها ثور. قال الشاعر:
طلبت بها ثأري فأدوكت ثؤرتي ... بني عامر هل كنت في ثؤرتي نكسا
(3/421)

فيجب على هذا أن لم يكن ما أنشده ابن قتيبة من شعر آخر أن يكون (وتأوى إلى زغب مساكين دونها) بتأنيث الضميرين، ويعني بمسقاها: حوصلتها. وكثيب موثق، يقال كثبت القربة: إذا خرزتها، والعصام: الخيط الذي تشد به القربة إذا ملئت.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(387)
(كرات غلام من كساء مؤرنب)
هذا البيت لليلى الأخيلية، وصدره:
(تدلت إلى حص الرؤوس كأنها)
وصفت قطاة انحطت إلى فراخها، ومعنى حص الرؤوس: لا ريش عليها لصغرها. وشبهت الفراخ في صغرها وانضمامها في العش وما عليها من الزغب بكرات صنعها غلام من كساء مؤرنب؛ وهو الذي خلط فيه وبر الأرانب، وهذا من بديع التشبيه وقولها إلى حص الرؤوس إنما كان يجب أن تقول إلى أحص الرؤوس، أو أحص الرأسين؛ لأنها إنما وصفت فرخين. ولكنها لما جمعت الرأس على مذهبهم في إجراء كل اثنين من اثنين مجرى الجمع، جمعت الصفة أيضاً إيثاراً لمطابقة بعض الألفاظ ببعض. ويدل على أنها وصفت فرخين قولها قبل هذا البيت:
فلما أحسا رزها وتضورا ... وانتهما من ذلك المتأوب
* * *
(3/422)

وبنو صعفوق: قوم كانوا يخدمون السلطان باليمامة، كان معاوية بن أبي سفيان قد صيرهم بها. وقال الأصمعي: صعفوفة قرية باليمامة كان ينزلها خول السلطان. وقال ابن الأعرابي: يقال هو صعفقي فيهم، والصعافقة: قوم من بقايا الأمم الخالية باليمامة ضلت أنسابهم. وقيل هم الذين يشهدون الأسواق ولا بضائع لهم فيشترون السلع ويسعون على وجوههم ويأخذون الأرباح، وإنما أراد العجاج أن يصغر أمر الخوارج، ويصف أنهم سوفة وعبيد أتباع تألبوا واجتمعوا إلى أبي فديك، وليسوا ممن يقاتل على حسب، ويرجع إلى دين صحيح ومنصب.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(376)
(على قرماء عالية شواه ... كأن بياض غرته خمار)
هذا البيت لسلبك بن السلكة السعدي يرثى به فرسه وكان نحره لأصحابه في بعض أسفاره وقد نفد زادهم، وقبله:
كأن قوائم النحام لما ... تحمل صحبتي أصلاً محار
النحام: اسم فرسه، وشبه قوائمه بالمحار وهو الصدف حين عربت من اللحم وظهر بيض عظامها. والأصل: العشى هنا، وقد يكون الأصل جمع أصيل وهو العشى. والشوى: القوائم، وأراد كأن بياض غرته بياض خمار فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وفرماء: موضع. ويجوز في قوله عالية شواه
(3/423)

إلى جنب الساج وواحدها، فيما زعموا، مطلاء بالمد. وقالوا مطلى بالمصر، وهذا مثل مفتح ومفتاح، والباء ههنا بمعنى "في" كما تقول زيد بالكوفة تريد في الكوفة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(378)
(وما كنا بني ثأداء لما ... شفينا بالأسنة كل وتر)
هذا البيت للميت، ويقال للأمة ثأداء وتأداء بتسكين الهمزة وفتحها. وقال أبو زيد: يقال ما كنت في ذلك ثأداء أي عاجزاً بسكون الهمزة. وحى أبو علي البغدادي عن غيره ثأدا والدأتاء والثأطاء: الحمقاء، ونما خاطب الكميت بهذا قوماً عيروهم أنهم أولاد أمة، لأن مضر من ولد هاجر، فقال: لم نكن أولاد أمة حين أدركنا أوتارنا منكم، بل كنا أولاد حرة. ويروى (حتى قضينا)، فمن رواه هكذا فمعناه لم تنسبونا إلى أننا أولاد أمة إلا بعد أن أغضبناكم بإدراكنا أوتارنا عندكم فنسبتمونا إلى ذلك غيظاً علينا وحسداً لنا.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(379)
(فشحا جحافله جراف هيلع)
هذا البيت لجرير الخطفي قاله في مهاجاته الفرزدق، وصدره:
(وضع الخزير وقيل أين مجاشع)
(3/424)

قال الخليل: الخزير: مرقة تصفى من بلالة النخالة ثم تطبخ.
وقال يعقوب: الخزيرة: أن تنصب القدر بلحم يقطع صفاراً على ماء كثير. فإذا نضج ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة. ومعنى شحا فتح. يقال: شحا فاه وشحا فوه، فيجعل الفعل تارة للفم وتارة لصاحبه. والجحافل من الخيل كالشفاه من الناس فاستعار له جحافل لعظم شفته. والجراف: الذي لا يترك شيئاً إلا أكله، به بالسيل الجراف وهو الذي يحمل كل شيء يمر به، والهبلع: الواسع الجوف الكثير الأكل. وذهب بعض النحويين إلى أن الهاء فيه زائدة وأنه مشتق من البلع. وقبل هذا البيت:
أكثرتم جحف الخزير فنمتم ... وبنو صفية ليلهم لا يهجع
يعيرهم قتل الزبير بن العوام، وأمه صفية، وكان قتله عمرو بن جرموز المجاشعي عند انصرافه من يوم الجمل.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(380)
(ألا يا ديار الحي بالسبعان)
هذا البيت لابن مقبل، وهو تميم بن أبي بن مقبل، وتمامه:
(أمل عايها بالبلى الملوان)
(3/425)

والملوان: الليل والنهار، وجعلهما لين مقبل الغداة والعشى، ويدل على ذلك قوله بعد هذا:
نهار وليل دائب ملواهما ... على كل حال الناس يختلفان
ألا يا ديار الحي لاهجر بيننا ... ولكن روعات من الحدثان
* * *
وأنشد في هذا:
(381)
(ما بالعيني كالشعيب العين)
البيت لرؤبة بن العجاج، وبعده:
وبعض أعراض الشجون الشجن ... دار كرقم الكاتب المرقن
بين في الملقى وبين الأجؤن
ووجدته في نسخة من شعر رؤبة بخط أبي يعقوب إسحاب بن إبراهيم بن الجنيد، قرأها على أبي بكر بن دريد وعليها خط ابن دريد وأجازته، العين بكسر الياء، وقال العين: الذي قد رق وتهيأ للحرق، والشعيب: المزادة، ودار خبر بعض. والمرقن: الذي ينقط الكتاب. والملقى والأجؤن: مكانان. كذا وجدته الملقى مضموم الميم مفتوح القاف. والأجؤن مضموم الواو مهموزاً كأنه قال. جمع جون، ووجدته في غيره الأجون مفتوح الواو غير مهموز.
* * *
(3/426)

وأنشد في باب شواذ التصريف:
(382)
(هتاك أخبية ولاج أبوبة ... يخلط بالبر منه الجد واللينا)
هذا البيت للفلاح بن حباب أحد بني حزن بن منقر، قال ابن قتيبة وهو القائل:
أنا الفلاح بن حباب بن جلا ... أبو حنائير أقود الجملا
مدح رجلاً ووصفه بأنه يهتك الأحبية عند الإغارة على الأحياء، ويلج أبواب الملوك والرؤساء، إما فاهراً لهم وإما وافداً عليهم، فهو لجلالته إذا وقف على أبواب الملوك لم يحجب عنهم. وهو ضد ما قاله جرير للتيم:
قوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نئفت شواربهم على الأبواب
وأنشده ابن قتيبة عن الفراء شاهداً على أنه يجمع الأبواب على أبوبة، إذا كان متبعاً للأخبية. قال: ولو افرد لم يجز، لأن بابا حكم أن يجمع على أبواب. وحكى عن ابن الأعرابي عن الخليل أنه قال: يقال: ندى واندية، وباب وأبوبة، وقفا وأقفية.
وحكى أبو حاتم عن الأصمعي في المقصور والممدود: قفا وأقفية، ورحى وأرحية، وندى واندية، ولم يذكر باب وأبوبة. لم يذكر واحد من هؤلاء إتباعاً، وكأنهم جعلوا ذلك لعة.
(3/427)

وأنشد في هذا الباب:
(383)
(أزمان عيناء سرور المسرور ... عيناء حوراء من العين الحير)
هذا الرجز أنشده الأصمعي عن أبي مهدي. وأنشد قبله
هل تعرف الدار بأعلى ذي القور ... قد درست غير رماد مكفور
مكتئب اللون مروح ممطور
والقور: جمع قارة؛ وهي جبيل صغير أسود اللون. والرماد المكفور: الذي عطاه التراب بهبوب الرياح عليه. والمروح: الذي أصابته الرياح، ويروى مريح وهو مما جاء نادراً على غير قياس، كأنه بنى على فعل ما لم يسم فاعله، وجعله مكتئب اللون لتغيره بالقدم. وكذلك الكآبة، إنما هي تغير الوجه من الحزن. ويجوز أن يجعله كالحزين لذهاب أهل الدار. وعيناء الأولى: اسم امرأة علم لها، وعيناء الثانية "صنعة لها بعم العينين. وقال الحير إتباعاً للعين وليس بلغة في الحور، وكأنه كره الخروج من كسره اللون من العين إلى ضمة الحاء ثم الانحدار إلى كسره الراء. ولم يعتد بالسواكن الفاصلة بينهما كما قلبوا السين صاداً في بسطة، كراهية للخروج من تسفل السين إلى استعلاء الطاء، ونصب أزمان بفعل مضمر كأنه قال: أذكر أزمان ونحوه من التقدير. ولا يجوز أن يعمل فيه (تعرف) لأنه لم يستفهمه هل يعرفها حين كان بها عيناء، إنما استفهمه هل يعرفه حين عفت وتغيرت. ولا يجوز أن تعمل فيه درست، لأن الدروس لم يكن في الوقت لذي كانت فيه عيناء سروراً للمسرور بها.
* * *
(3/428)

وأنشد:
(383)
(ما أنا بالجافي ولا المجفي)
وأنشد أيضاً:
(أملت خيرك هل تأتي مواعده ... فاليوم قصر عن تلقائك الأمل)
هذا البيت لا أعلم قائله. والتلقاء هنا بمعنى اللقاء. يقول: كنت وعدتني بمواعد أرتقبها منك، وآمل أن ألقاك فأنالها، فاليوم لا أمل لي في لقائك حين يئست من خبرك، وتحقق عندي إخلافك لوعدي.
* * *
وأنشد:
(384)
(مكتئب اللون مريح ممطور)
وقد تقدم كلامنا فيه.
* * *
وأنشد أيضاً:
(385)
(وماء قدور في القصاع مشيب)
هذا البيت للسليك بن السلكة السعدي فله لرجل من بني حرام يقال له صرد، وكان سافر معه للغارة على أرض مراد، فقل عليهم الماء حتى خافوا العطب.
(3/429)

وانصرف جملة من أصحابه إلى بلادهم. وأراد صرد الانصراف فشجعه السليك وأعلمه أن الماء قريب، فبقى معه ثم ندم على تخلفه عن أصحابه فبكى، فقال السليك:
بكى صرد لما رأى الحي أعرضت ... مهامه رمل دونهم وسهوب
فقلت له: لاتبك عينك. أنها ... قضية ما يقضي لنا فنؤوب
سيكفيك صرب القوم لحم معرض ... وماء قدور في القصاع مشيب
المهامه: القفار الملس التي لا نبات فيها واحدها مهمه، واشتقاقه من قولهم مهمهت بالرجل: إذا زجرته فقلت له مه مه، كأنهم أرادوا أنه قفر يخاف فيه الهلاك، فإذا تكلم فيه الرجل زجره أصحابه عن الكلام، وهذا نحو مماقاله أهل اللغة في قول الهذلي:
على أطرقا باليات الحيا ... م إلا الثمام وألا العصى
فإنهم ذكروا أن أطرقا موضع، وأنه سمي بذلك لأن ثلاثة نفر مروا به خائفين فتكلم أحدهم مع صاحبه فقال الثالث أطرقا، فغلب عليه ذلك. والسهوب: المواضع السهلةن ونؤوب: نرجع، والصرب: اللبن الحامض، واللحم المعرص بالعين والصاد غير معجمتين: المرمذ الذي لم يبالغ في إنضاجه، وكانوا يستحسنون ذلك في السفر. قال امرؤ القيس:
(إذا نحن قمنا عن شواء مضهب)
(3/430)

ورواه بعضهم مغرض بالغين والضاد معجمتين؛ أي طريء. وروى أيضاً معرض بالعين غير معجمة وضاد معجمة، ومعناه: ممكن لا يمنع منه. وإنما أراد السليك بهذا تسليته عما كان به من الحزن والخوف فقال له: سنغير على مراد ونغنم، فنأل اللحم مكان شربك اللبن الحامض في حيك لو صحبتهم وفارقتني فلا نأسف لفراقهم، وأراد بماء القدر المرق، ومشيب مخلوط بما يصلحه من تابل غيره. يقول ستأكل اللحم مشوياً تارة ومطبوخاً تارة.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(386)
(ويأوي إلى زغب مساكين دونهم ... فلا لا تخطاه الرفاق مهوب)
كذا روى عن ابن قتيبة بتذكير الضميرين.
ووجدت في شعر حميد بن ثور الهلالي في وصف قطاة:
فجاءت وما جاء القطا، ثم شمرت ... لمسكنها والواردات تتوب
وجاءت ومسقاها الذي وردت به ... إلى النحر مشدود العصام كتيب
تثيث به زغباً مساكين دونها ... فلا لا تخطاه العيون رغيب
(3/431)

أربعة أوجه من الإعراب: احدها الرفع والتنوين على معنى شواه عالية فيكون شواه مبتدأ وعالية خبر مقدم، أو على أن يجعل عالية مبتدأ وشواه فاعله تسد مسد خبر المبتدأ.
والوجه الثاني أن تنصب عالية وتنون فيكون انتصابها على الحال ويرتفع الشوى فاعله.
والوجه الثالث أن يقول عالية ويجعل اسم فاعل مضافاً إلى الضمير ويجعله مرفوعاً بالابتدا وشواه خبره وتجعله مبتدا وشواه فاعلاً به يسد مسد خبره.
والوجه الرابع أن يجعل عالية اسم فاعل مضافاً إلى الضمير أيضاً منصوباً ويكون انتصابه على وجهين: أحدهما على الحال لأن إضافته إلى المضير غير صحيحة والتقدير فيها الانفصال، والثاني أن تنصبه نصب الظروف وترفع شواه بالابتدا. وتجعل عالية متضمناً للخبر لأن معناه فوقه شواه، فيكون كقوله عز وجل (عاليهم ثياب سندس) في مذهب من جعله ظرفاً.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(387)
(رحلت إليك من جنفاء حتى ... أنخت فناء بيتك بالمطال)
لا أعلم قائل هذا البيت وجنفاء: موضع. وقال أبو عبيد المطالي: واحدها مطلاء على زنة مفعال وهي أرض سهلة لينة تنبت الغضا. وقال أبو علي الفارسي
(3/432)

وأنشد في هذا الباب:
(388)
(يخرجن من أجواز ليل غاض)
البيت لرؤبة بن العجاج من شعر يمدح به بلال بن أبي بردة، وقبله:
يقطع أجواز الفلا انقضاضي ... بالعيس فوق الشرك الرقاض
كأنما يضخغن بالخضخاض
الأجواز: الأوساط، والإنقضاض، الانكماش في السير والعجلة. والعيس: الإبل البيض يخلط بياضها حمرة. والشرك: أخاديد الطريق. والرفاض: المتفرقة، الخضخاض: القطران يريد أنها إذا عرقت من شدة السير فاسودت من العرق فكأنها طليت بالقطران وعرف الإبل أسود. ولذلك قال عنترة:
وكأن ربا أو حيلا معقدا ... حش الوقود به جوانب قمقم
ينباع من ذفرى غضوب جسرة ... زيافة مثل الغنيق المكدم
وأنشده ابن قتيبة على أن غاضبا من أغضى جاء على حذف الزيادة من الفعل، وهذا لا يلزم، لأن الأصمعي وغيره حكوا غضا الليل وأغضى. فغاض من غضى لا من أغضى. ولعل رؤبة كان من لغته أغضى فلذلك قال: إنه أراد مغض.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(389)
(فقلت لها فييء إليك فإنني ... حرام وأني بعد ذاك لبيب)
(3/433)

هذا البيت للمضرب بن كعب وسمى المضرب، لأنه شبب بامرأة قفار أخوها لذلك فضربه بالسيف ضربات عديدة، ويروى لشبل بن الصامت المري، وبعده:
فصدت بعيني شادن وتبسمت ... بعجفاء عن غر لهن غروب
أراد بالعجفاء: لثاتها؛ لأن اللثات يستحب أن يكون قليلة اللحم ويكره انتفاخها. ويحتمل أن يريد شفتها لأن الشفة يستحب فيها الرقة، فتكون بمنزلة قول النابغلة:
تجلو بقادمتي حمامة أيكة ... برداً أسف لثاته بالأثمد
وأراد بالغر: أسنانها، والغروب: جمع غرب وهو حد الأسنان. وصف أن محبوبته لفيها وهو محرم ملب فتورع عن الكلام معها. ومعنى فيئي: ارجعي والحرام: المحرم، ولبيب ههنا: بمعنى ملب وهو نادر؛ لأن فعيلاً لا يستعمل بمعنى مفعل. وإنما يجيء أصلاً من فعل المضموم العين كظريف من ظرف؛ وهذا بابه المطرد.
ويأتي بمعنى فاعل كقولهم عليم بمعنى عالم، وقدير بمعنى قادر، إذا أرادوا المبالغة. ويأتي بمعنى مفعل المكسور العين كقولهم عذاب أليم بمعنى مؤلم، ويأتي بمعنى مُفعل كقولهم العين المفتوح أكيل وجليس وشريب، قال الراجز:
رب شريب لك ذو حساس
(3/434)

وقال الله تعالى: (الله كان على كل شيء حسيبا) أي محاسبا، ولا أعلم فعيلا بمعنى مفعل إلا في هذا البيت في قول الهذلي:
فورك لينا لا يثمثم نصله ... إذا صاب أوساط العظام صميم
ترى إثره في جانبية كأنه ... مدارج شبثان لهن هميم
فصميم ههنا بمعنى مصمم، "وبعد" في هذا البيت بمعنى (مع)؛ لأن التلبية ليست بعد الإحرام بالحج، إنما هي معه. وقوله فبثي إليك: أمر على معنى التأكيد في أبعادها عن نفسه.
* * *
وأنشد في باب ما جمعه وواحده سواء:
(390)
(أولاد قوم خلقوا أقنه)
هذا البيت لجرير بن الخطفي من شعر هجا به سليطاً، وهو:
إن سليطاً في الخسار إن ه ... أولاد قوم خلقوا أقنه
لا توعدوني يا بني المصنه
قوله (إنه) يحتمل أن يريد للتأكيد كأنه قال: إن سليطاً في الخسار إن سليطاً في الخسار، فحذف الجملة الثانية لدلالة الأولى عليها واقتصر على (إن) وزاد عليها هاء السكت.
(3/435)

ويحتمل أن تكون التي بمعنى نعم والهاء للسكت أيضاً كأنه قال: نعم أنهم في انحسار. وجمع (قنا) على (أقنة) وفعل لا يجمع على أفعلة، والوجه فيه أن فعلاً لما كان يشارك فعالاً المكسور الفاء فيتعافان على المعنى الواحد كقولهم دبغ ودباغ، وصبغ وصباغ، وكان يشارك أيضاً فعالاً المفتوح الفاء في نحو قولهم حل وحلال، وحرم وحرام، وكان فعال وفعال بجمعان على أفعلة حمل فعلاً محلها كما أدخلوا فعلى الساكن العين على فعل المفتوح العين في الجمع حين تعاقبا على المعنى الواحد في قولهم شعر يشعر بنحوه، فقالوا فرخ وأفراخ، والقياس أفرخ. وقالوا جبل وأجبل والقياس أجبال.
وهذا باب واسع، والمصة ههنا: المنصة، والمصنة أيضاً: شامخة بأنفها كبراً. قال الراجز:
أإبلي تأكلها مُصناً
* * *
وأنشد في باب نعوت المؤنث:
(391)
(حدواء جاءت من جبال الطور)
البيت للعجاج وصف سفينة، وقبله:
لأيا ينائيها عن البؤور ... جدب الصرارين بالكرور
إذ نفحت في جله المثجور
(3/436)

اللأي: البطيء، والجهد، وينائيها: يباعدها، والجؤر: العدول عن القصد، والصراريون: الملاحون، والكرور: الحبال واحدها كر. يقول إذا عدلت وجارت عن القصد لم يصرفها الملاحون عن ذلك إلا بعد جهدهم. وتفحت: هبت، والجل: الشراع، والمشجور: الذي شد بالحبال، والحدواء: الريح التي تحدو السحاب أي تسوقها. والطور: جبل، والريح التي تجيء من قبله هي الشمال، وجبال الطور: ناحيته وشقه. ويروى من بلاد الطور ومن جبال الطور.
* * *
وأنشد في هذا الباب:
(392)
(ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرس تحرى وتدر)
هذا البيت من مشهور شعر امريء القيس، والديمة: المطرة الدائمة في سكون. والهطلاء: المتتابعة الغزيرة، والوطف: الدنو من الأرض، وأصل الوطف: طول هدب العينين، فضربه مثلاً لما يتدلى من السحاب من حيث كان السحاب يسمى غينا، ومعنى طبق الأرض أنها قد طبقتها وعمتها، فلم تختص موضعاً دون آخر، وتحرى: تقصد المواضع بالمطر، وتدر: تصب الماء كما يصب الضرع اللبن إذا حُلب، ويروى طبق بالرفع على الصفة لديمة، ويروى بالنصب على المدح، وقيل هو مفعول مقدم لتحرى، أراد تحرى طبق الأرض أي وجهها.
* * *
(3/437)

وأنشد في آخر الكتاب:
(393)
(وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعاً)
هذا البيت للقطامي، وقبله:
أمور لو تدبرها حكيم ... إذن لنهى وهيب ما استطاعا
ولكن الأديم إذا تفرى ... بلى وتعينا غلب الصناعا
ومعصية الشفيق عليك مما ... يزيدك مرة منه استماعا
والأديم: الجلد. وتفرى: تشقق، والتعين: أن ترق منه مواضع وتتهيأ للانخراق. والصناع: المرأة الصانعة. يريد أن الأمور إذا صارت إلى حد الفساد لم يقدر الحليم على إصلاحها، كما أن الجلد إذا انقطع وبلى لم تقدر الصانعة على تدارك ما وهي منه، ونحو منه قول الآخر:
وهل يصلح العطار ما أسد الدهر
* * *
وأنشد أيضاً:
(394)
(وإن شئتم تعاوذنا عواذا)
هذا البيت لا أعلم قائله ووجدت في بعض التعاليق أن صدره
فإما تشكروا المعروف منا
(3/438)

ولا أعلم صحة ذلك من سقمه لأن الشطرين لا يلتئمان التئاماً صحيحاً. وقد ذكرت فيما تقدم أن الرواية عن أبي نصر عن أبي علي نقلت إلينا (تعاوذنا عواذاً بالذال معجمة. وأنشده ابن جني بالدال غير معجمة وهو الصواب عن شاء الله عز وجل.
* * *
تم جمع الكتاب بحمد الله وحسن عونه
وصلى الله على سيدنا محمد وآله
في عقب ربيع الأول سنة خمس عشرة وخمسمائة
(3/439)