Advertisement

الأوراق قسم أخبار الشعراء 003

[مقدمة الجزء الثالث]
تقديم
لم تكد المطبعة تفرغ من إصدار القسم الثانى المشتمل على أخبار الراضى بالله والمتقى لله، أو تاريخ الدولة العباسية فى حدود سنتى 322- 333 هجرية ولم تكد النسخ الأولى منه تصل إلى أيدى العلماء، حتى انثالت على الرسائل، بعضها فرح مستبشر بمضي فى إظهار ذلك القسم وسابقه، متفائل بالنجاح فى إخراج كتاب الاوراق، وبعضها يطرى عملى فيه وعنايتى به.
وآخر يتعقبنى، ويأخذ على بعض المآخذ ويشير على ببعض الملاحظات والآراء والجدير بالذكر من بين هذه الرسائل رسالة الاستاذ كراتشكرفسكى المستشرق الروسى تلك الرسالة أخذ على أننى لم أرجع الى النسخة الباريسية، ولكن فاته أن هذه النسخة إنما نسخت عن نسخة الاستانة مع أن الاصل الفتوغرافى الذى فى دار الكتب المصرية مصور من نسخة الاستانة، ومع ذلك فان النسخة الباريسية كتبت باليد. فأما النى بين أيدينا فقد صورت بالفتو غرافيا فهى تؤدى الاصل خير أداء، وتمثله أيما تمثيل.
وقد كنت خدعت كما خدع الاستاذ كراتشكوفسكى بهذه النسخة
(م 3/1)

فأردت أن أتخذها مرجعا، أعتمد عليه، لكننى عند ما اطلعت عليها أثناء زيارتى باريس وجدتها كما قدمت، ووجدت المنسوخ قسما منها، ووجدت الكاتب قد مسخها، وشوهها وأكثر من الاغلاط فيها- فلعل الاستاذ يستدرك على الاستاذ «ميتز» أنه اعتمد على نسخة باريس ولم يعتمد فى الاصل، ولعله بعد ذلك يعدل عن جعل النسخة الباريسية مرجعا موثوقا به.
وكان بين تلك الرسائل التى انثالت على رسالتان تحملان إلى مع الشكر والاعجاب حثا على الاسراع فى إنجاز الجزء الذى يليه، لانه هام ولأن موضوعه فى الأدب أكثر منه فى التاريخ وعلى أن هذه الرغبة لم تكن بدعا من تلك الرغبات الكثيرة فقد كانت شاذة، ولكن هذه الغرابة وهذا الشذوذ البادى فى هاتين الرسالتين دفعنى إلى تقديم الاصول إلى المطبعة فى أكتوبر من عام 1935 بعد أن اعتزمت ألا أقدمها إلا فى يناير من عام 1936 كان إذا شذوذهما مفيدا حقا كما كان اعتدال غير هما من الرسائل مفيدا كذلك. وإنى لعاجز عن تصوير ما أحدثته هذه الرسائل فى نفسى كما إنى عن شكرها أشد عجزا.
ولم يكن حظى من الذين قرءوا الكتاب، ولم يكتبوا إلى بأقل من حظى من أولئك الافاضل الذين فرءوا الكتاب وكتبوا الى، بل كان حظى من بعضهم أوفى وأجل
(م 3/2)

فهم لم يكتبوا إلى فحسب، انّما ملأوا الدنيا كتابة فى الصحف وإذاعة فى المذياع.
وهم لم يكتفوا بالاشادة بكتاب الاوراق، ومؤلف كتاب الاوراق أبى بكر محمد بن يحيى الصولى إنما أشادوا ونوهوا بناشر الكتاب أيضا، وهو فى نظرى يكاد لا يستحق قليلا من هذه الاشادة ولا حقيرا من هذا التنويه وليس له فى هذا الاطراء وهذا الثناء من حق، فالصولى أحق به منى وأولى، وما أنا إلا مظهر لآثاره، ولولا آثاره ما نالنى شىء من ثناء العلماء وإعجابهم.
وبعد، فلعلى وفقت فى قسم أشعار أولاد الخلفاء أكثر مما وفقت فى سابقيه فانى لم آل جهدا فى اخراجه، كما لم أقصر فى سابقيه.
وقد تناول الصولى فى هذا القسم تراجم الشعراء من أولاد الخلفاء وبخاصة علية بنت المهدى وأخيها ابراهيم ولعل أكثر التراجم حظا فى هذا القسم ابو عبد الله بن المعتز، فقد حظى بترجمة وافية، وإيراد لكثير من شعره الذى لم يرد فى ديوانه كما اورد له كثير من الرسائل النادرة ولقد يبدو من حديث الصولى فى أول هذا القسم أنه ترجم فيه لأولاد الخلفاء من بنى العباس، ثم أتبعهم أشعار سائر بنى العباس ثم أتبع ذلك أشعار ولد أبى طالب ثم أشعار من بقى من بنى هاشم.
(م 3/3)

ويظهر أن الصولى قد وفى بوعده هذا وبر، فكتب فى كل هذه التراجم غير أننا نذكر آسفين أن الذى عثر عليه منها إنما هو تراجم أولاد الخلفاء من بنى العباس، ويغلب على الظن أن ما بقى قد ضاع فان آخر النسخة التى بين أيدينا مفقود، والترجمة التى جاءت فى آخرها لم تكمل، وقد بدت عليها آثار القدم فمحيت مواضع منها، وستجدون أننا أثبتنا فى المواضع الممحوة أصفارا تدل على هذا المحو، ووجد فى آخر الصفحة ختم مكتبة شهيد على مما يدلنا على أنها احتازتها بهذا النقص وقد عثرنا فى الصفحة الأخيرة من هذا القسم على نقص حاولنا تلافيه قبل الطبع، فما واتتنا الظروف. وقد أشرنا إليه فى موضعه.
ولعل المطبعة كذلك وفقت فيما أدخلته على الطبع والتصحيح من تحسين، وإنى أشكر للاستاذ الصاوى مزيد عنايته بالكتاب وتفانيه، وحسن إخلاصه، وسيرى الذين يقارنون بين الصورة التى ألحقناها بهذا القسم كنموذج للاصل وبين المطبوع أننا بحق إنما نخرج للعربية طلاسم ومعميات ليس إلى كشفها من سبيل وسنبدأ بعد هذا فى طبع القسم الخاص بأخبار المكتفى بالله والمقتدر بالله، وربما ساعدنا الجد فشرعنا معه فى طبع أخبار أبى تمام للصولى فليهيىء الله لعملنا من لا يغمطه، ولينفع به حتى نصيب غايتنا، ونحقق أمنيتنا إنه السميع المجيب
(م 3/4)

كلمة شكر وثناء
هذا وإنى أقدم أجزل الشكر لأستاذى هـ. ا. ر. جب، وإلى حضرات أوصياء ذكرى جب الذين لو لاهم ما تهيأ لى نشر هذا القسم ولا سابقيه، وإلى الأديب الفاضل مصطفى بك رفعت.
لندن فى مارس ج. هيورث دن
(م 3/5)

الجزء الثالث
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قال أبوبكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولى: قد فرغنا من أشعار الخلفاء وأخبارهم.
وهذه أشعار أولاد الخلفاء وأخبارهم،
ثم نتبعهم بأشعار سائر بنى العباس، ثم نتبع ذلك بأشعار ولد أبى طالب، ثم أشعار من بقى من بنى هاشم إن شاء الله «1» .
أبو عبد الله محمّد بن أبى العبّاس السّفّاح
له شعر قليل، وكان المنصور ولاه إمارة البصرة فى أول خلافته وأمه أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومى حدّثنا الحسن بن عليل العنزى «2» قال حدثنى إسحاق بن عبد الله الحمرانى، قال ولى المنصور محمد بن أبى العباس البصرة فقدمها ومعه حماد بن عمر المعروف بعجرد مولى بنى عقيل.
وكان كثير الطيب يملأ لحيته بالغالية إذا ركب، فلقبوه بأبى الدّبس «3» وفيه يقول بعض أهل البصرة يهجوه:
صرنا من الرّبح إلى وكس ... إذ ولى المصر أبو الدّبس
ما شئت من لوم على نفسه ... وجنسه من أكرم الجنس
(3/3)

حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، قال حدثنا التوجى «1» قال:
مر أعرابى بحماد عجرد، وهو يلعب مع الصبيان فى يوم شديد البرد وهو عريان، فقال «تعجردت يا غلام» قسمى عجردا «2» قال أبو خليفة والمتعجرد المتعرى والعجرد أيضا الذهب حدّثنى يحيى بن على قال حدثنى أبى عن إسحاق الموصلى قال:
كان حماد عجرد فى ناحية محمد بن أبى العباس أمير المؤمنين وهو أدّبه وكان محمّد يهوى زينب بنت سليمان بن على لما قدم البصرة أميرا عليها من قبل عمه أبى جعفر المنصور، فخطبها فلم يزوجوه لشىء كان فى عقله، وكان حماد عجرد. وحكم الوادىّ «3» المغنى ينادمانه، فقال محمد لحماد قل فيها شعرا، فقال حماد على لسان محمد، وغنى فيه حكم الوادى فى طريقة خفيف الثقيل- ليس عن يحيى الطريقة-
زينب ما ذنبى وماذا الّذى ... غضبتم فيه ولم تغضبوا
والله ما أعرف لى عندكم ... ذنبا ففيم الهجر يا زينب
فجعل أهل البصرة يغنون فيه، فلما مات محمد بن أبى العباس طلب محمد بن سليمان أخو زينب بنت سليمان حمادا ليقتله، فهرب منه واستجار بقبر سليمان بن على، وكتب إلى محمد.
(3/4)

من مقرّ بالذّنب لم يوجب ... الله عليه بسىّء إقرارا
يا ابن بنت النّبىّ إنّى لا أج ... عل إلّا اليك منك الفرارا
وهى أبيات كثيرة، فلم يؤمنه فرجع إلى جعفر بن أبى جعفر المنصور فأجاره «1» وقال «لا أرضى أو تهجو محمد بن سليمان» فهجاه فقال:-
قل لوجه الخصىّ ذى العار إنّى ... سوف أهدى لزينب الأشعارا
وهى أبيات، وسنحكم هذا فى أخبار حماد عجرد إذا ذكرناه إن شاء الله.
حدّثنا الحسن بن يحيى الكاتب قال سمعت عمرو بن بانة يقول من شعر محمد بن أبى العباس فى زينب بنت سليمان:
قولا لزينب لو رأي ... ت تشوّقى لك واشترافى «2»
وتلفّتى خوف الوشا ... ة وكان حبّك غير خاف
قال وفيه لحكم الوادى لحن فيه فى طريقة الثقيل الاول، ومن اشعار محمد فيها:
أحببت من لا ينصف ... ورجوت من لا يسعف
نسب تليد بيننا ... وودادنا مستطرف «3»
(3/5)

بالله أحلف جاهدا ... ومصدّق من يحلف
إنّى لأكتم حبّها ... جهدى لما أتخوّف
والحبّ ينطق إن سكتّ ... بما أجنّ ويعرف
فأما قوله المشهور فيها- وقد روى لحماد عجرد مما يرويه اكثر الناس له- أنشدنيه أبو ذكوان وأبو خليفة والغلابى لمحمد بن أبى العباس
يا قمر المربد قد هجت لى ... شوقا فما أنفكّ بالمربد «1»
أراقب الفرقد من حبّكم ... كأنّنى وكّلت بالفرقد
أهيم ليلى ونهارى بكم ... كأنّنى منكم على موعد
علّقتها رىّ الشّوى طفلة ... قريبة المولد من مولدى «2»
جدّى إذا ما نسبت جدّها ... فى الحسب الثّاقب والمحتد
سوف أوافى حفرتى عاجلا ... يا منيتى إن أنت لم تسعدى
والله لا أنساك فى خلوة ... يا نور عينى ولا مشهد
حدّثنى أحمد بن على قال لما قال عمرو بن سندى مولى ثقيف فى حماد عجرد، ويعرض بمحمد بن أبى العباس
(3/6)

ما امرؤ يصطفيك يا عقدة ال ... كلب لا يداع سرّه ببصير «1»
لا ولا مجلس أجنّك للذّا ... ت يا عجرد الخنا بستير
قال المنصور لمحمد بن أبى العباس «مالى ولعجرد يدخل عليك» حدّثنا الحارث بن أبى أسامة قال حدثنا المدائنى قال كان محمد ابن أبى العباس نهاية فى الشدة، فعاتبه المهدى فغمز محمد بركابه حتى انضغطت رجل المهدى فى الركاب، فلم تخرج حتى رد محمد الركاب بيده فأخرجها، وولاه عمه المنصور إمارة البصرة سنة سبع وأربعين ومائة، فخطب زينب بنت سليمان فلم يزوجوه إياها ولم ترده، فكان يعمل فيها الاشعار فمن شعره فيها:
قولا لزينب لو رأي ... ت تشوّقى لك واشترافى
وتلذّذى كيما أراك ... وكان شخصك غير خاف
ووجدت ريحك ساطعا ... كالبيت جمّر للطّواف
وتركتنى وكأنّما ... قلبى يغرّز بالأشافى
حدّثنا الغلابى قال حدثنا عبد الله بن الضحاك عن هشام ابن محمد قال دخل دحمان المغنى مولى بنى مخزوم ويعرف بالاشقر على محمد بن أبى العباس وعنده حكم الوادى- ونسب إلى ذلك لانه من وادى القرى- فأحضر محمد عشرة آلاف درهم وقال: من سبق
(3/7)

منكما إلى صوت يطربنى فهذه له، فابتدأ دحمان فغنى شعر قيس بن الحطيم فى طريقة الثقيل الاول:
حوراء ممكورة منعّمة ... كالماء شفّ وجهها نزف «1»
فلم يهش له، فغنى حكم الوادى فى شعر لمحمد يقوله فى زينب فى لحن خفيف:
زينب مالى عنك من صبر ... وليس لى منك سوى الهجر
وجهك والله وإن شفّنى ... أحسن من شمس ومن بدر
لو أبصر العاذل منك الّذى ... أبصرته أسرع بالعذر
فطرب وضرب برجله وقال خذها، وأمر لدحمان بخمسة آلاف درهم، وفى غير هذا الخبر: أنه سمى حكم الوادى لكثرة غنائه.
حدّثنا أبو ذكوان قال حدثنا العتبى قال كان محمد بن أبى العباس جوادا قويا وكان يلوى العمود ويلقيه إلى أخته ريطة فترده، قال وكان ممدحا، وفيه يقول حماد عجرد:
أرجوك بعد أبى العبّاس إذ بانا ... يا أكرم النّاس أعراقا وعيدانا
فأنت أكرم من يمشى على قدم ... وأنضر النّاس عند المحل أغصانا
لو مجّ عود على قوم غضارته ... لمجّ عودك فينا المسك والبانا «2»
(3/8)

ومما يغنى فيه من شعر محمد وهو عندى من ملح كلامه أنشدنيه أبو موسى محمد بن موسى مولى بنى هاشم بالبصرة سنة أربع وسبعين ومائتين:
أسعد الصّبّ يا حكم ... وأعنه على الألم
وأدر «1» فى غنائه ... نغما تشبه النّعم
أجميل بأن ترى ... نائما وهو لم ينم
لائمى فى هوى زي ... نب أنصف ولا تلم
لبس الجسم حلّة ... فى هواها من السّقم
ومن شعره
بنفسى من منعت نفعها ال ... محبّ وما منعت ضيرها
لها صفو ودّى ولكنّنى ... حرمت على ودّها خيرها
سقتنى عن غيرها سلوة ... فلست أرى حسنا غيرها
حدّثنا الغلابى قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال لما أراد محمد ابن أبى العباس الخروج من البصرة قال:
أيا وقفبة البين ماذا شبب ... ت من النّار فى كبد المغرم
رميت جوانحه إذ رميت ... بقوس مشدّدة الأسهم
(3/9)

وقفنا لزينب يوم الوداع ... على مثل جمر الغضا المضرم
فمن صرف دمع جرى للفرا ... ق وممتزج بعده بالدّم
ومات محمد بن أبى العباس فى أول سنة خمسين ومائة، فقال حماد عجرد يرثيه:
صرت للدّهر خاشعا مستكينا ... بعد ما كنت قد قهرت الدّهورا
حين أودى الأمير ذاك الّذى ... كنت به حيث كنت أدعى أميرا
كنت فيما مضى أجير به الده ... ر فأصبحت بعده مستجيرا
يا سمىّ النّبىّ يا ابن أبى ال ... عبّاس حقّقت عندى المحذورا
سلبتنى المنون إذ سلبتني ... ك سرورى فلست أرجو سرورا
ليتنى متّ حين متّ لا بل ... ليتنى كنت قبلك المقبورا «1»
أنت ظلّلتنى الغمام بنعما ... ك ووطّأتنى وطاء وثيرا
لم تدع إذ مضيت فينا نظيرا ... مثل ما لم يدع أبوك نظيرا
أبو أيّوب سليمان بن المنصور
وأمه أم يعقوب وعيسى ابنى المنصور فاطمة بنت محمد بن محمد
(3/10)

ابن عيسى بن طلحة بن عبيد الله قليل الشعر فصيح خطيب حدّثنا محمد بن سعيد قال حدثنا محمد بن صالح قال: كتب سليمان ابن المنصور وهو بلى بعض الشام إلى محمد بن صالح بن بيهس الكلابى حين ظهر المسمى بالسفيانى كتابا طويلا يقول فى آخره:
أتاك قول مهيب غير مهتضم ... حامى الذّمار منيع الجار والدّمم
فلست لبّ بنى العبّاس إن سلمت ... كلاب لم أغشها بالصّيقل الرّقم «1»
فى عسكر قاده من هاشم ملك ... جارى الاضاءات ثبت القلب والقدم «2»
حتّى أغادرها صرعى ومن لمن ... بين المنازل والأموال والحرم «3»
ثواب ما فعلوا إنّى الزّعيم بما ... فيه بوارهم من عاجل النّقم
حدّثنا أبو الحسن الأسدى قال حدثنى أبو هفان قال حدثنى سعيد ابن هريم: قال اشترى سليمان بن المنصور جارية يقال لها ضعيفة بخمسة آلاف دينار، فبلغ المهدى خبرها فوجه اليه:
«يا أخى بحقى عليك إلا أخذت هذه العشرة الألف الدينار، وآثرتنى بضعيفة عزمة منى عليك» فأنفذها اليه، وقيل بل قسره على أخذها، ثم تتبعتها نفسه فسأل المهدى فيها، فلم يجبه فقال:
(3/11)

ربّى اليك المشتكى ... ماذا لقيت من الخليفه
يسع البريّة عدله ... ويضيق عنّى فى ضعيفه
علق الفؤاد بذكرها ... كالحبر يعلق فى الصّحيفه
لى قصّة فى أخذها ... وخديعتى عنها طريفه
وهو القائل فيها، أنشدنيه أبو العباس المرشدى عن العنزى:
ألله يعلم وجدى ... بمن هويت وجهدى
وأنّنى حائر العق ... ل لست أبصر قصدى
يا قوم هل من مناد ... على مضيّع رشدى
من باع قربا ببعد ... وباع وصلا بصدّ
هل من مجير على ذا الا ... ءمام فى الحبّ يعدى
يقاتل المنع منه ... بلا سلاح وجند
حتّى يقرّب منّى ال ... حياة من بعد بعد
يردّ دينى ودنيا ... ى عاجلا أو بوعد
ما كان طالع بيعى ... لها بطالع سعد
ومن مشهور شعره فيها يخاطب المهدى- قرأته بخط أبى المدور الوراق ورأيته فى غير كتاب-:
(3/12)

قل للامام مقالا غير مجحود ... يا أعرق النّاس فى مجد وفى جود
أنعم علىّ ولا تبخل بجارية ... أودى هواها ولم يظلم بمجهودى
ولا تسمنى ظلما فى النّعاج كما ... خبّرت عن قصّة الأوّاب داود
وتب كما تاب يا أرعى الورى نسبا ... واعمد لابراء صبّ القلب معمود
فقد ترى واجدا ما تشتهى أبدا ... وليس ما أشتهى عندى بموجود
ولا تلم قلقى فيها ولا جزعى ... ما الصّبر عن مثلها عندى بمحمود
ومن أشعاره فيها:
وشادن أذهلنى فقده ... عن لذّة العيش وعن طيبه
نافسنيه الدّهر حتّى لقد ... بعّده من بعد تقريبه
فقلت لمّا هدّنى فقده ... وأيقن القلب بتعذيبه
من ذا الّذى يوصل لى لحظه ... إلى حبيس القصر محجوبه
حدّثنا أبوبكر أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدثنى ابن أبى سعد قال حدثنى احمد بن عمران النسائى قال حدثنى محمد بن عيسى الاوانى قال دفع سليمان بن أبى جعفر رقعة منه إلى المهدى إلى ابنه موسى الهادى، وقال له: كلم أباك أن يرد على عمك جاريته ضعيفة، فكلمه فلم يفعل وقال: ولا كرامة، فبلغ سليمان قوله فقال:
أعقبت من فعلى النّدامه ... وحصلت فيه على العرامه
(3/13)

وفقدت [من] فقدى له ... فقد الكتابة والسّلامه
وأنا شكوت إلى الّذى ... ورث الخلافة والامامه
شوقى بما ألقاء من ... وجد يقول ولا كرامه
يا لائمى فى حبّها ... الحسن خصم ذوى الملامه
حدّثنا الحسن بن عليل العنزى قال حدثنى محمد بن معاوية الاسدى قال حدثنى محمد بن مسلمة بن ارتبيل اليشكرى قال بلغنى ان المهدى اخذ من بعض إخوته جارية فلم يصبر أخوه عنها، فسأله ردها فأبى فكان يعمل فيها الاشعار فقال:
أشكو إلى من يعلم الشّكوى ... ما فيك لاقيت من البلوى
يظلمنى من حكمه نافذ ... علىّ لا يسمع لى دعوى
من ذا الّذى يعدى على سيّد ... عليه منه يؤخذ العدوى
فاعطف إله النّاس لى قلبه ... بردّها يا سامع النّجوى
فلما سمع المهدى أبياته هذه رق له وردها عليه قال ابو على العنزى هو سليمان بن ابى جعفر وسليمان الذى يقول:
بقيت غداة النّوى حائرا ... وقد حان ممّن أحبّ الرّحيل
فلم تبق لى دمعة فى الشّؤو ... ن إلّا غدت فوق خدّى تجول
فقال نصيح من القوم لى ... وقد كاد يقضى علىّ الغليل
(3/14)

ترفّق بدمعك لا تفنه ... فبين يديك بكاء طويل
وقال:
يا باعثا للفؤاد وجدا ... أبدعه حسنه البديع
أصبح حربا لى الهجوع ... منك وسلما لى الدّموع
يكلّف العاذلون قلبى ... بالعذل ما ليس يستطيع
قلبى لمن لام فيه عاص ... وهو لمن لم يلم مطيع
ضعيفة تضعف اصطبارى ... قلبى من حبّها وجيع
بيع على رغم مالكيه ... معتبط ليس يستبيع
حدّثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب الزبيرى قال كان إسحاق بن سماعة المعيطى نزل الرقة وكان شاعرا محسنا، فولى سليمان بن المنصور الرقة من قبل الرشيد والمأمون بعد، فلم يعرف لابن سماعة موضعه ورده عن حاجته، وتصدق سليمان بمال كثير فقال إسحاق ابن سماعة:
وزلّة يكثر الشّيطان إن ذكرت ... منها التّعجّب جاءت من سليمانا
لا تعجبنّ لخير زال عن يده ... فالكوكب النّحس يسقى الأرض أحيانا
حدّثنا محمد بن الفضل بن الاسود قال حدثنا عمرو بن شبة قال غزا الرشيد وخلف المأمون بالرقة وعلى الرقة سليمان بن ابى جعفر فقال ابن سماعة:
(3/15)

يا طالبا أبى العبّاس قرصته ... فى الأمن دونكها إن كنت يقظانا
أما ترى الرّقّة البيضاء شاغرة ... إلّا شراذم شذّاذا وخصيانا
ما ترتجى بعد هذا اليوم لا ظفرت ... كفّاك إن لم تنلها من سليمانا
لا عيب بالمرء إلّا أنّه رجل ... يحكى الخرائد تأنيثا وتليانا
يعنى سليمان بن أبى جعفر حدّثنا عون بن محمد قال حدثنا سعيد بن هريم، قال كان اسحاق ابن وهب بن سماعة المعيطى يهجو سليمان بن ابى جعفر وهويلى الرقة، وكان لاسحاق ضياع بها، فطلبه فاستتر ثم ظفر به فحبسه إلى ان مات فى الحبس، فهجاه بأشعار قبيحة، فمن شعره فيه وهو محبوس:
قل لسليمان على ما أرى ... من طول حبسى واقتراب الأجل
حبستنى من غير جرم سوى ... حكايتى عنك مقال الخطل
قولك ما أعرف من لذّة ... لم أشف فيها النّفس إلّا الحبل
حدّثنا يحيى بن عبد الله، قال حدثنى احمد بن يحيى بن جابر قال: هجا ابن سماعة المعيطى سليمان بن ابى جعفر وهو يلى الرقة للمأمون فحبسه، فكلمه فيه سعيد الجوهرى فخلى سبيله، ثم عاد لهجائه فاستأذن المأمون فى حبسه فأذن له، فحبسه وجلده وضربه إلى أن مات فى الحبس، فمن هجائه له:
(3/16)

تعفو الكلوم وينبت الشّعر ... ولكلّ وارد منهل صدر
والعار فى أثواب منبطح ... لعبيده ما أورق الشّجر
حدّثنى يحيى بن على قال حدثنى ابى عن إسحاق قال شهدت سليمان بن ابى جعفر ذات ليلة عند محمد الامين- وأراد الانصراف- فقال له أتركب الماء أو الظهر؟ قال الماء ألين على، قال أوقروا له زورقه ذهبا، فأوقروه له.
أبو إسحاق ابراهيم بن المهدىّ
حدّثنا يحيى بن على عن احمد بن يحيى بن جابر قال حدثنى هبة الله بن ابراهيم بن المهدى أن محياة الطائفية ام ولد المنصور كانت بعثت بشكلة أم ابراهيم إلى الطائف فنشأت هناك ففصحت وقالت الشعر وأنشدنى لها شعرا فى أخ كان لها يقال له احمد وهو:
أحمد تفديه شباب فهر ... من كلّ ما ريب وأمر نكر
قد جاء مثل الشّمس غبّ قطر ... فى حسن بدر واعتدال صدر
بنىّ أحشائى وذخر ذخرى ... شدّ إلهى بأبيك ظهرى
وزاده ربّ العلى من عمرى ... وذبّ عنه خائفات الدّهر
وعنك ما أدرى وما لا أدرى
قال وابراهيم شاعر عالم بالغناء مقدم فى الحذق، بايعه اهل بغداد
(3/17)

بعد قتل محمد الامين، فلما ظهر قواد المأمون استخفى فلم يزل كذلك مدة طويلة إلى أن قدم المأمون بغداد، ثم ظهر عليه فعفا عنه فعمل فيه اشعارا وشكلة من سبى دنباوند قتل ابوها شاهمرد وسبيت هى وبخترية أم منصور بن المهدى، فوهبها المنصور لمحياة أم ولد له فوهبتها للمهدى وولد إبراهيم بن المهدى غرة ذى القعدة سنة اثنتين وستين ومائة وتوفى فى أول سنة أربع وعشرين ومائتين، وقيل فى آخر سنة ثلاث وعشرين بسر من رأى.
حدّثنا يموت بن المزرع قال حدثنى الجاحظ قال أرسل إلى ثمامة يوم جلس المأمون لابراهيم بن المهدى، وأمر باحضار الناس على مراتبهم فحضروا، فجىء بابراهيم فى قيد فسلم، فقال له المأمون:
«لا سلم الله عليك، ولا حفظك» فقال: «على رسلك يا أمير المؤمنين، فلقد اصبحت ولى ثأرى، والقدرة تذهب الحفيظة، ومن مد له فى الامل هجمت به الأناة على التلف، وقد أصبح ذنبى فوق كل ذنب، وعفوك فوق كل عفو، فان تعاقب فبحقك، وإن تغفر فبفضلك» فقال له المأمون إن هذين أشارا على بقتلك- وأومأ الى المعتصم وإلى ابنه العباس- فقال قد أشارا بما يشار بمثله فى مثلى، وما غشاك فى عظم الخلافة ولكن الله عودك من العفو عادة، فانت تجرى عليها دافعا ما تخاف بما ترجو، فقال: أطلقوا عمى، فقد عفوت عنه
(3/18)

فقال بعقب هذا:
وعفوت عمّن لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع اليك بشافع
إلّا العلوّ عن العقوبة بعد ما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع
فرحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وعويل عانسة كقوس النّازع
قسما وما أدلى اليك بحجّة ... إلّا التّضرّع من مقرّ خاشع
ما إن عصيتك والغواة تمدّنى ... أسبابها إلّا بنيّة طائع
وهذه قصيدة طويلة أولها:
يا خير من ذملت يمانية به ... بعد الرّسول لآيس أو طامع
وله فى عفوه أشعار كثيرة منها قصيدة أولها:
أعنيك يا خير من تعنى بمؤتلف ... من الثّناء ائتلاف الدّرّ فى النّظم
أثنى عليك بما جدّدت من نعم ... وما شكرتك إن لم أثن بالنّعم
وفيها
رددت مالى ولم تمنن علىّ به ... وقبل ردّك مالى ما حقنت دمى
فنؤت منه وما كافأنها بيد ... هى الحياتان من موت ومن عدم
البرّ لى منك وطء العذر عندك لى ... فيما أتيت فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بى فاحتجّ عندك لى ... مقام شاهد عدل غير متّهم
(3/19)

تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا فقدناك من عاف ومنتقم
حدّثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا عبد الوهاب بن محمد ابن عيسى قال استخفى ابراهيم عند بعض أهله من النساء، فوكلت بخدمته جارية جميلة، وقالت لها: أنت له، فان أرادك لشىء فطاوعيه وأعلميه ذلك حتى يتسع له. فكانت توفيه حقه فى الخدمة والاعظام، ولا تعلمه بما قالت لها، فجل مقدارها فى نفسه، إلى أن قبل يوما يدها فقبلت الارض بين يديه فقال:
يا غزالا لى اليه ... شافع من مقلتيه
والّذى أجللت خدّ ... يه فقبّلت يديه
بأبى وجهك ما ... أكثر حسّادى عليه
أنا ضيف وجزاء ال ... ضّيف إحسان اليه
وعمل بعد ذلك فيه لحنا من طريق الهزج حدّثنى عبد الله بن محمد بن على الكاتب قال حدثنا ابو العيناء قال سمعت إبراهيم بن الحسن بن سهل يقول: لم يكن ابراهيم بن المهدى يصدق أن عفو المأمون عنه يدوم، ويرى أنه سيلحق به جملة، فكان يتعهر ويتهتك ويغنى لكل أحد، ولا يخلى المأمون فى كل وقت من مدح حدّثنا أحمد بن يزيد المهلبى قال حدّثنا أبى قال كتب ابراهيم ابن المهدى الى عمرو بن بانة- حين ظهر ورضى عنه المأمون- يدعوه
(3/20)

فكتب اليه عمرو: أخاف سخط أمير المؤمنين. فكتب اليه ابراهيم:
ليس يخلو أمير المؤمنين من أن يكون راضيا عنى فما يكره أن تسرنى، أو ساخطا فما يكره أن تعرنى، وما تخرج عن هاتين.
حدّثنى الحسن بن يحيى الكاتب قال سمعت هبة الله بن ابراهيم ابن المهدى يقول حين أخذ أبى ابراهيم كتب إلى المأمون رقعة فقرأها قبل أن يراه وهو أول شعر قرأه له:
أيا منعما لم تزل مفضلا ... أدام الضّنى سخطك الدّائم
ظلمت فان قلت لا بل ظلم ... ت فانّى أنا الكاذب الآثم
وأستغفر الله من زلّتى ... فانّى من جرمها واجم
يفزّ الحليم ويكبو الجوا ... د وينبو لدى الضّربة الصّارم
فهأ انا ذا العائذ المستجي ... ر فاحكم بما شئت يا حاكم
عصيت وتبت كما قد عصى ... وتاب إلى ربّه آدم
فقل قول يوسف لا تثرب ... نّ فقد يغفر الغافر الرّاحم
فلست إلى زلّة عائدا ... يد الدّهر ما قعد القائم
قال فحل ذلك أكثر ما كان فى نفسه حدّثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن راشد قال دخلت يوما الى ابراهيم بن المهدى فتجارينا ذكر الدول فأنشدنى لنفسه:
فلله نفسى إنّ فىّ لعبرة ... وللدّهر نقض للقوى بعد إبرام
(3/21)

غدوت على الدّنيا مليكا مسلّطا ... ورحت وما أحوى بها قبس إبهام
حدّثنا عون قال أنشد ابراهيم بن المهدى المأمون شعرا يعتذر فيه فقال له حين فرغ منه: قد أفرط شكرك، كما أفرط جرمك، والاحسان محاء للاساءة.
وأنشدنى عون له بعقب هذا وكان يستجيده:
ونهيت نومى عن جفونى فانتهى ... وأمرت ليلى أن يطول فطالا
نظر العيون على العيون هو الّذى ... جعل العيون على العيون وبالا
حدّثنا محمد بن يحيى بن أبى عباد قال حدثنى أبى قال كان إبراهيم ابن المهدى قد ترك الغناء فى آخر أيامه، وذاك أنه غنى المعتصم صوتا بشعر له فى طريقة الثقيل الثانى فى الاصبع الوسطى نوحيا على عمد:
ذهبت من الدّنيا وقد ذهبت منّى ... هوى الشّيب بى عنها وولّى بها عنّى
فان أبك نفسى أبك نفسا نفيسة ... وإن أحتسبها أحتسبها على ضن
وجعل يغنى ويبكى، فقال له المعتصم: ما هذا يا عم؟
قال: حلفت بين يدى الرشيد أنى إذا بلغت الستين لم أشرب ولم أغن، قال ومن يشهد بهذا؟ قال جماعة قد بقى منهم مسرور الخادم، فسأله عن ذلك فشهد له، فأعفاه عن الغناء الشرب والغناء فما عاد لذلك إلى أن مات.
حدّثنى الحسين بن يحيى قال سمعت عبد الله بن العباس بن
(3/22)

الفضل بن الربيع يقول بلغ ابراهيم بن المهدى من حسن الغناء والعلم إلى نهاية ما بعدها، حتى انه كان يجاذب اسحاق الموصلى ... «1»
صنعة حسنة شبه بها صنعة الاوائل، منها أنه غنى فى شعر مروان ابى حفصة من طريقة الثقيل الاول:
طرقتك زائرة فحىّ خيالها ... حسناء تخلط بالجمال دلالها
حدّثنا يحيى بن على عن ابيه عن ابراهيم بن على بن هشام ان اسحاق كتب إلى ابراهيم بن المهدى بجنس صوت صنعه مجزأ واجزاء لحنه فغناه ابراهيم من غير أن يسمعه والصوت:
حيّيا أمّ يعمر ... قبل شحط من النّوى
فقلت لا تعجلوا ال ... رّواح فقالوا ألا بلى
وهذا مما لم يسمع بمثله من فعلهما، والذى فعله ابراهيم بن المهدى اشد واعجب، واللحن الذى عمله اسحاق فى هذا الشعر من الثقيل الثانى وللهذلى فيه لحن فى طريقة خفيف الثقيل الاول.
وكان ابراهيم بن المهدى ينسب الثقيل الاول الذى عليه الناس جميعا إلى الثقيل الثانى، وينسب الثقيل الثانى إلى الثقيل الاول، وتابعه على ذلك عمرو بن بانة، وكان احد غلمانه «ومن شعر ابراهيم»
الشّيب شين والخضاب عذاب ... ولكلّ حىّ مهجة ستصاب
(3/23)

قالت أمامة شبت يا ابن محمّد ... شيبا وشاب أمامة الأتراب
وهذا معنى مليح، يقول وقد شبت أنت أيضا، ومثله لكعب بن زهير وهو أوضح من هذا:
ألا بكرت عرسى تلوم وتعذل ... وغير الّذى قالت أعفّ وأجمل
أريت من الشّيب العجيب الّذى رأت ... فهل أنت منّى ويب عيرك أمثل
كلانا علته كبرة فكأنّما ... رمته سهام فى المفارق نصّل
يقول نحن وإن شبنا على أمرنا فى اللهو والبطالة، فكان سهام الشيب نصل لا زجاج عليها، حين اصابتنا فلم تغن شيئا. فأخذها ابو نواس فقال وخلط:
خلق الشّباب وشرّتى لم تخلق ... ورميت من عوض الشّباب بأفوق
وليس من ذاك لانه يقول رميت بسهم فى اللهو مكسور الفوق لأنى شيخ. يقال خلق [الثوب] يخلق وأخلق يخلق ومن مليح ما يشبه هذا ما حدثنى به الحسن البلعى عن أبى حاتم السجستانى قال قرأت على الاصمعى شعر حسان ومرت قصيدته:
منع النّوم بالعشاء الهموم
إلى ان بلغت:
لم تفقها شمس النّهار بشىء ... غير أنّ الشّباب ليس يدوم
فقال الاصمعى: آه، أخبر والله أنها كبيرة!
(3/24)

حدّثنا ميمون بن هارون قال سمعت الفضل بن مروان يقول كان ابراهيم بن المهدى أصح الناس رأيا لغيره وأفسدهم رأيا لنفسه.
فقيل له فى ذلك فقال أنا أنظر فى أمر غيرى برأى سليم من الهوى ويغلب على رأيى فى أمر نفسى ما أهواه حدّثنا يحيى بن على قال أخبرنى أبى عن يوسف بن ابراهيم وهو ابن خالة إبراهيم بن المهدى قال حضرت ابراهيم بن المهدى واسحاق بن ابراهيم الموصلى يتلاحيان فى التجزئة والقسمة فى الغناء، فقلت لهما أراكما توجبان لهما له معنيين ومعناهما واحد، فقال لى ابراهيم لا لوم عليك فيما أنكرت من باب التجزئة والقسمة، لأن المنطق يوجب ما قلت، ولكن أصحاب صناعة اللحون إذا أرادوا وضع صوت حزؤا شعره على اجزاء معلومة ثم قسموا اللحن على تلك الاجزاء فالتجزئة عندهم تجزئة الشعر، والقسمة قسمة اللحن على الاجزاء.
قال ولم يكن أحد بعد اسحق أعلم بالغناء من ابراهيم حدّثنى يحيى بن على قال حدثنى أبو العبيس بن حمدون عن عمرو بن بانة قال رأيت ابراهيم بن المهدى يناظر اسحق فى الغناء، فتكلما فيه بما فهماه ولم أفهم منه شيئا، فقلت لهما لئن كان ما أنتما فيه من الغناء فما نحن منه فى قليل ولا كثير.
حدّثنى محمد بن سعيد قال حدثنى أبو أمامة الباهلى عن الحسين ابن الضحاك وحدثناه المغيرة بن محمد المهلى أن الحسين بن الضحاك شرب عند ابراهيم بن المهدى يوما فجرت بينهما ملاحاة فى الدين
(3/25)

والمذهب، فدعا له ابراهيم بنطع وسيف وقد أخذ الشراب منه وانصرف الحسين غضبان فكتب ابراهيم يعتذر اليه ويسأله أن يحيبه «1» فقال الحسين:
نديمى غير منسوب ... إلى شىء من الحيف
سقانى مثل ما يشر ... ب فعل الضّيف بالضّيف
فلمّا دارت الكأس ... دعا بالنّطع والسّيف
كذا من يشرب الخمر ... مع التّنّين فى الصّيف «2»
فلم يعد لمنادمته مدة، ثم إن ابراهيم تحمل عليه ووصله، فعاد لمنادمته.
حدّثنا أحمد بن محمد أبو اسحاق الطالقانى قال حدثنى عبيد الله ابن محمد بن عبد الملك الزيات قال لما وثب ابراهيم بن المهدى على الخلافة اقترض من مياسير التجار مالا فأخذ من عبد الملك جدى عشرة آلاف دينار، وقال أرادها إذا جاءنى مال، ولم يتم أمره واستخفى.
ثم ظهر فطولب بالاموال، فقال انما أخذتها للمسلمين وأردت أن اقضيها من أموالهم، والامر إلى غيرى. فعمل أبى محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب بها المأمون ومضى بها الى ابراهيم بن المهدى فأقرأه اياها وقال: والله لئن لم تعطنى المال الذى اقترضته من أبى
(3/26)

لأوصلن هذه القصيدة الى المأمون، فهاب ابراهيم أن يقرأ المأمون مثلها، وقال خذمنى بعض المال ونجم بعضه ففعل أبى ذلك وأحلفه أنه لا يظهر القصيدة فى حياة المأمون ووفى له بباقى المال، والقصيدة
ألم تر أنّ الشّىء للشّىء علّة ... تكون له كالنّار تقدح بالزّند
كذلك جرّبنا الأمور وانّما ... يدلّك ما قد كان قبل على البعد
وظنّى بابراهيم أنّ مكانه ... سيبعث يوما مثل أيّامه النّكد
رأيت حسينا حين صار محمّد ... بغير أمان فى يديه ولا عقد
فلو كان أمضى السّيف فيه بضربة ... يصيّره بالقاع منعفر الخدّ
إذا لم يكن للجند فيه بقيّة ... فقد كان ما بلّغت من خبر الجند
هم قتلوه بعد أن قتلوا له ... ثلاثين ألفا من كهول ومن مرد
وما نصروه عن يد سلفت له ... ولا قتلوه يوم ذلك عن حقد
ولكنّه الغدر الصّراح وخفّة ال ... حلوم وبعد الرّأى عن سنن القصد
فذلك يوما كان للنّاس عبرة ... سيبقى بقاء الوحى فى الحجر الصّلد
يعنى بهذا الحسين بن على بن عيسى بن ماهان أخرج محمد الامين على رؤوس الناس حاسرا حتى حبسه فى مدينة ابى جعفر فى الخضراء فلما كان الغد قال له الجند: كن فى حيلة أرزاقنا. فدفعهم الحسين يومين ثم هرب فى اليوم الثالث فتبعه تميم مولى أبى جعفر وغالب فى جماعة
(3/27)

فقتلوا وجاؤا برأسه الى محمد وأخرجوا محمدا وهو عطشان قد كاد يتلف فردوه الى الخلافة
وما يوم إبراهيم إن طال عمره ... بأبعد فى المكروه من يومه عندى
تذكّر أمير المؤمنين قيامه ... وأيمانه فى الهزل منه وفى الجدّ
أما والّذى أمسيت عبدا خليفة ... له شرّ أيمان الخليفة والعبد
إذا هزّ أعواد المنابر باسته ... تغنّى بليلى أو بميّة أو هند
ووالله ما من توبة نزعت به ... لديك ولا ميل اليك ولا ودّ
ولكنّ إخلاص الضّمير مقرّب ... الى الله زلفى لا تخيب ولا تكدى
أتاك بها طوعا اليك بأنفه ... على رغمه واستأثر الله بالحمد
فلا تتركن للنّاس موضع شبهة ... فانّك مجزىّ بمثل الّذى تسدى
فقد غلطوا للنّاس فى نصب مثله ... ومن ليس للمنصور بابن ولا المهدى
فكيف بمن قد بايع النّاس والتقت ... ببيعته الرّكبان غورا إلى نجد
ومن صكّ تسليم الخلافة سمعه ... ينادى بها بين السّماطين من بعد
وأىّ امرىء يسمى بها قطّ نفسه ... ففارقها حتّى يغيّب فى اللّحد
وتزعم هذا النّابتيّة أنّه ... إمام لها فيما يجنّ وما يبدى
(3/28)

يقولون سنّىّ فأيّة سنّة ... تقوم بحون؟؟ اللّون ثغل القفا جعد
وقد جعلوا رخص الطّعام بعهده ... زعيما له باليمن والكوكب السّعد
إذا ما رأوا يوما غلاء رأيتهم ... يحنّون تحنانا إلى ذلك العهد
وأقبل يوم العيد يرجف حوله ... رجيف الجياد واصطكاك القنا الجرد
ورجّالة يمشون بالبيض قبله ... وقد تبعوه بالقضيب وباليرد
فان قلت قد زان الخلافة غيره ... فلم يؤت فيما كان حاول من جدّ
فلم أجزه إذ خيّب الله سعيه ... على خطإ إن كان منه ولا عمد
ولم أرض بعد العهد حتّى رفدته ... وللعمّ أولى بالتّغمّد والرّفد
فليس سواء خارجىّ رمى به ... اليك سفاه الرّأى والرّأى قد يردى
تعاوت له من كلّ أوب عصابة ... متى يوردوا لا يصدروه عن الورد
ومن هو فى بيت الخلافة يلتقى ... به وبك الآباء فى ذروة المجد
فمولاك مولاه وجندك جنده ... وهل يجمع القين الحسامين فى غمد
وقد رابنى من أهل بيتك أنّنى ... رأيت لهم وجدا به أيّما وجد
يقولون لا تبعد من ابن ملمّة ... صبور عليها النّفس ذى مرّة جلد
فدانا فهانت نفسه دون ملكنا ... عليه على الحال الّتى قلّ من يفدى
(3/29)

على حين أعطى النّاس صفق أكفّهم ... علىّ بن موسى بالولاية والعهد
فما كان فينا من أبى الضّيم غيره ... كريم كفى باقى القبول وفى الرّدّ
وجرّر إبراهيم للموت نفسه ... وأبدى سلاحا فوق ذى منعة نهد
فأبلى ومن يبلغ من الأمر جهده ... فليس بمذموم وإن كان لم يجدى
فهذى أمور قد يخاف ذوو النّهى ... مغبّتها والله يهديك للرّشد
حدّثنا يحيى بن على قال حدثنى أبو أيوب المدينى قال حدثنى ابراهيم بن على قال قال ابراهيم بن المهدى «ثلاثة أشياء من الغناء إن لم يكن لصاحبها طبع لم يمكنه معرفتها، منها. المعرفة بالغناء، فلو أدركها إنسان بفهم وعقل وادب لأدركها احمد بن يوسف، وهو اجهل الناس بالغناء. ودخول الحلق فى الوتر لو بلغه احد بغير طبع لبلغه اسحق مع تقدمه فى هذا الشأن وعلمه به، وما دخل حلقة فى وتر قط. وغناء الصوت على مثال واحد [لو بلغه أحد] بغير طبع لقدر عليه علّوية فى حذقه وإحسانه، ولكنه يحبس موضعا ويحث موضعا، ومثل من كان كذا مثل الصبى الذى يعوج سطوره. فلا ينفع فيه التعليم حدّثنا أحمد بن يزيد المهلى قال حدثنى أبى عن اسحق قال طهرت بعض ولدى فكتب الى ابراهيم بن المهدى لولا أن البضاعة قصرت عن الهوى لأتعبت السابقين إلى برك، وحسبك ان تطوى
(3/30)

صحيفة البر وليس لى فيها برة، وقد بعثت اليك ما المبتدأ به ليمنه والمختوم به لطيبه ورائحته، جراب ملح، وجراب أشنان.
حدّثنا عون بن محمد قال حدثنى هبة الله بن ابراهيم بن المهدى مرات وكان ابن خالته يوسف بن ابراهيم الخراسانى أصدق الناس، قال كان الرشيد يحب أن يسمع إلى ابراهيم فخلا به مرات الى ان سمعه ثم حضر معه سليمان بن ابى جعفر فقال لابراهيم: عمك سيد ولد المنصور بعد أبيك، وهو يحب أن يسمعك، فلم يتركه حتى غنى بين يديه شعر الاحوص
إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصيه ... وإذ أجرّ اليكم سادرا رسنى
قال فأمر له بألف درهم- ثم قال له ليلة، ولم يبق فى المجلس عنده غير جعفر بن يحيى: أنا أحب أن أشرف جعفرا بأن تغنيه صوتا فغناه فى صوت صنعه فى طريقة الرمل والشعر للدارمى:
كأنّ صورتها فى الوصف إذ وصفت ... دينار عين من المصريّة العتق
فأمر له الرشيد بمائة ألف دينار.
حدّثنى عون بن محمد قال كان ابراهيم بن المهدى يشنأ محمد بن عبد الملك الزيات فلما ولى وزارة المعتصم قال ابراهيم:
يا بؤس يوم كاسف ... إن لم يغيّر فى غده
لأمّة وزيرها ... عاصر زيت بيده
يظهر نصحا وجهه ... وغشّه فى كبده
(3/31)

حدّثنا محمد بن موسى بن حماد قال حدثنا محمد بن صالح قال كان ابراهيم بن المهدى مع احسان المأمون يشنؤه ويعيب افعاله، وله فى ذلك أشعار منها:
صدّ عن توبة وعن إخبات ... ولها بالمجون والقينات
ليس ينفكّ مازجا فى يديه ... خمر قطربّل بماء الفرات
ما يبالى إذا خلا بأبى عي ... سى وشرب من بدّن عطرات
أن يغصّ المظلوم فى حومة الجو ... ر بداء بين الحشا واللهاة
حدّثنى عون بن محمد الكندى كاتب حجر بن احمد الحويمى بفارس- وما رأيت قط شيخا أكمل منه من نظرائه، ولا أسند ولا أصدق، رأى الناس قديما فكان يروى الحرفين والثلاثة، ولوادعى كل شىء جازله، وكانت معه اصول ابيه بخط عون فلو انكر أنها أصوله لصدق- قال حدثنا اسحاق الموصلى قال كان إبراهيم بن المهدى لا يزال ينازعنى فى الغناء، فقلت له يوما يا سيدى انت ابن الخلفاء واخو الخلفاء وإذا بلغت ما تريد من الغناء فانت أنت فيه، واذا قصرت قلت كسلت ولم أنشط، وتفعل ما تريد. وأنا أغنى على كل حال وفى كل وقت فقال: صدقت فى هذا ونقصت من الاستحقاق. فقلت فى نفسى والله لأبغضنه ما قلت، فقلت يا سيدى قد غنيت لنفسك أصواتا كثيرة، فهل قمت على حق صوت منها حتى استوفيته كله؟ فقال أعطيتنى برك هاريق، وعقوقك جملة «1»
(3/32)

حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حدثنى الحسين بن الضحاك- سنة عشرين ومائتين- وابراهيم بن المهدى حى، قال دخل ابراهيم إلى المأمون فقال: يا امير المؤمنين ان الله فضلك فى نفسك على، وألهمك الرأفنو العفو عنى، والنسب واحد، وقد هجانى دعبل فانتقم لى منه، فقال وما قال لك، لعله قوله:
نفر ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهفا اليه كلّ أطيش مائق
إن كان إبراهيم مضطلعا بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل ... ولتصلحنّ وراثة للمارق
أنّى يكون وليس ذاك بكائن ... يرث الخلافة فاسق عن فاسق
فقال هذا من هجائه، وقد هجانى بأقبح منه، فقال لك فى أسوة لأنه هجانى فاحتملته فقال فى
إنّى من القوم الّذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرّفتك بمقعد
شادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد
فقال ابراهيم زادك الله يا أمير المؤمنين حلما وعلما، فما تنطق العلماء إلا عن فضل علمك، ولا يحلمون إلا اتباعا لحلمك.
وأنشدنى عبد الله بن المعتز لابراهيم بن المهدى
من قال فى النّاس قالوا فيه ما فيه ... وحسبه ذاك من خزى ويكفيه
(3/33)

من نمّ فى النّاس لم تؤمن عقاربه ... عن الصّديق ولم تؤمن أفاعيه
كالسّيل يجرى ولا يدرى به أحد ... من أين جاء ولا من أين يأتيه
لو فرّ من رزقه عبد إلى جبل ... دون السّماء لألفى رزقه فيه
حدّثنا عون بن محمد قال حدثنا محمد بن راشد قال رأيت احمد بن يوسف الكاتب يناظر إبراهيم بن المهدى فى دار المأمون فى أمر بنى هاشم وتقديم بعضهم على بعض، فعلاه إبراهيم فصاحة وحجة، فسر من ذلك، وقلت لابراهيم: قد رأيت هذا الذى لا يطاق منحطا فى يدك فقال إبراهيم: والله لو رأيتنى فى يد جعفر بن يحيى لرأيت دون هذا فى يدى، وما رأيت أكمل من جعفر قط.
حدّثنا عبد الله بن المعتز قال حدثنى إبراهيم بن إسحاق قال أنشدنى ابو يعقوب اسحاق بن سليمان بن المنصور لابراهيم بن المهدى
أنا أفدى على الهجران زينا ... وإن كنّا على عمد كنينا
وما زينا بتفدية أردنا ... ولكنّا عنينا من عنينا
أقول وقد رأيت لهاسماء ... من الهجران مقبلة الينا
وقد سحّت عزاليها بصدّ ... حوالينا الصّدود ولا علينا
قلت انا: واظنه كنى عن زينب ولعلية فى الكناية أخبار نحيىء بها بعد فراغنا من أخبار ابراهيم وابنه هبة الله إن شاء الله.
حدّثنى عبد الله بن المعتز قال كتب ابراهيم بن المهدى إلى بعض
(3/34)

اصحابه فى يوم غيم:
إن كنت تنشط للصّبوح فانّه ... يوم أغرّ محجّل الأطراف
وأرى الغمامة كالعقاب محلّقا ... مسودّة الأوساط والأكناف
طورا تبلّك بالرّذاذ وتارة ... تهمى عليك بدلوها الغرّاف
فانعم صباحا وائتنا متفضّلا ... ودع الخلاف فليس يوم خلاف
حدّثنا عبد الله قال كتب ابراهيم الى طاهر كتابا منه: زادك الله للحق قضاء، وللشكر أداء. أبلغنى رسولى عنك ما لم أزل أعرفه منك، والله يمتعنى بك، ويحسن فى ذلك عنى جزاءك، ومع ذلك فانى اظن أنى علمتك الشوق لأنى ذكرته لك، فهيجته منك والسلام.
«وفصل منه الى منصور بن المهدى» وما الحق إلا حق الله، فمن أداه فلنفسه، ومن قصر عنه فعليها، نسأل الله أن يعمرنا بالحق، ويصلحنا بالتوفيق ويحصننا بالتقوى.
«والى العباس بن موسى» عبد الرحمن بن عبد الله، من لا أحتاج إلى وصف حاله لك، ولعلى عرفتها بعدك، غير أنى أحب مسرته بقضاء حقه، وواجب حرمته فى مودته وموالاته. وقد جعلك ممن يحافظ على ذلك ومثله، أراك الله ما تحب أن تحفظنى ونفسك فيه، وتوليه ما جعلك الله أهله وجعله حقيقا به.
(3/35)

وفى كتاب له:
لو عرفت فضل الحسن لتجنبت القبيح، وأنا وإياك كما قال زهير
وذى خطل فى القول يحسب أنّه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلمى وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وإن من إحسان الله إلينا وإساءتك إلى نفسك، أنا صفحنا عما أمكننا، وتناولت ما أعجزك، فله الحمد كما هو أهله.
وفصل له:
لم يبق لنا بعد هذا الجنس شىء نمد أعيننا اليه إلا الله الذى هو الرجاء قبله ومعه وبعده.
فصل له:
أما الصبر فمصير كل ذى مصيبة، غير الحازم يقدم ذلك عند اللوعة طلبا للمثوبة، والعاجز يؤخر ذلك الى السلوة. فيكون مغبونا نصيب الصابرين. ولو أن الثواب الذى جعل الله لنا على الصبر كان على الجزع لكان ذلك اثقل علينا، لأن جزع الانسان قليل وصبره طويل، والصبر فى أوانه أيسر مؤونة من الجزع بعد السلوة. ومع هذا فان سبيلنا من أنفسنا على ما ملكنا الله منها ان لا نقول ولا نفعل ما كان لله مسخطا، فأما ما يملكه الله من حسن عزاء النفس، فلا نملكه من أنفسنا.
(3/36)

وفصل له:
وصل كتابك السار المؤنس، فكان سر طالع إلى وأحسنه موقعا منى، إذ كنت أستعلى بعلوك وأرى نعمتك تنحط الى، ويتصل بى ما يتصل بالادنين من لحمتك، وحملة شكرك، ومظان معروفك والمفيمين على تأميلك. فلا أعدمنى الله ما استجنى «1» ولا.
أزال عنى ظلك ولا أفقدنى شخصك.
وله:
كتبت اليك ونحن فى عافية مجددة، والحمد لله المتطول بالنعمة المرجو للمزيد، ولست وإن باعدتك الدار منى، ونأى بك الزمن عنا بمقصى القلب عن برك بالذكر، والعناية، ولا اللسان بالدعاء والمسئلة: ولا النية فى الاخلاص والمحبة لاحياء العهد بالمكاتبة، وتجديد الوصلة بالمراسلة فان النبى صلى الله عليه وسلم قال التواصل بين الناس فى الحضر التزاور وفى السفر التكاتب.
قلت أنا: وأنشدنى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر لنفسه فى معنى التزاور والتكاتب:
حقّ التّنائى بين أهل الهوى ... تكاتب يسخن عين النّوى
وفى التّدانى لا انقضى عمره ... تزاور يشفى غليل الجوى
(3/37)

وأنشدنى عبد الله بن المعتز لابراهيم بن المهدى:
قليت الصّبى وهجرت الغوانى ... وسلّمت معترفا للزّمان
وأعنقت منطلقا فى القيا ... د بعد الجماح وجذب العنان
كذاك الفتى وصروف الّزما ... ن يحدثن شأنا له بعد شان
رأيت الحياة ولذّاتها ... معلّقة بليال فوان
رأيت الحياة ولذّاتها ... معلّقة بليال فوان
وإنّى صبور لما نابنى ... سريع إلى كلّ حقّ عرانى
وليس يرى خائفا من أجر ... ت ولا خائبا سعيه من رجانى
نداى «1» يمدّحنى مادحى ... ويبكى علىّ به من رثانى
أحبّ الوفاء إذا ما وعد ... ت وألّا يعاب بمطل ضمانى
كذلك عوّدنى والداى ... فعوّدت نفسى الّذى عوّدانى
وقال:
وإنّى وواهى ملككم مثل سائق ... طليحا يزجّيها على الأين راكب
إذا صدقتنى النّفس عنكم تقول لى ... أتدرى هداك الله من ذا تعاتب
فوالله ما أدرى إذا ما ذكرتكم ... أأعفو لكم عن ذنبكم أم أعاقب
بلى ليس لى إلّا تغمّد ذنبكم ... وإن لم يكن فيكم من الذّنب تائب
(3/38)

وإنّى وأمّى أمّكم وأبى لكم ... أب عنكم لى لو أردت مذاهب
وقال:
وقد تلين ببعض القول تبذله ... والوصل فى جبل صعب مراقيه
كالخيزران منيعا منك مكسره ... وقد يرى ليّنا فى كفّ لاويه
فتلك همّ فؤاد أنت صاحبه ... لو أنّها مرّة كانت تجازيه
وإنّ فى طول ما ضنّت عليه لما ... يسليه لو أنّ شيئا كان يسليه
وقال:
أطعت الهوى وعصيت الرّشد ... ولم تملك الصّبر عمّن تودّ
وفيها يقول:
إذا اللّيل أسبل سرباله ... على الأرض واسوّد وجه البلد
رعيت الكواكب حتّى الصّبا ... ح ودمعى كاللؤّلؤ المنسرد
فمن ظالعات ومن غائرات ... وآخر فى حيرة قد رقد
ومن ضاجعات بأفق المغيب ... يراقبها كارتقاب الرّصد
وما النّاس إلّا عدوّ الشّقىّ ... وإلّا صديق أمرىء قد سعد
إذا ما الزّمان بأخلافه ... طواك كطىّ الثّياب الجدد
يفيض عليك قداح الرّدى ... لتأخذ منها بقدح نكد
(3/39)

فما أنت إلّا أسير له ... وإن أمكن الحيد عنه فحد
هب الدّهر لم يتحامل على ... سواك فهل لك منه القود
وإن يسقك اليوم من آجن ... صرى لا يذاق ولا يزدرد
فقد كان يسقيك من صفوه ... نطاف الغوادى بذوب الشّهد
كذاك تجىء صروف الزّما ... ن على ما أردت وما لم ترد
وقد يسبق الفوت وشك العجو ... ل ويدرك حاجته المتّئد
وإن خلّط الدّهر فاصبر على ... تلوّنه فمع اليوم غدّ
عذارى الغداة من الأطيبين ... أهل القباب الطّوال العمد
من آل أبى الفضل عمّ الّنبىّ ... وجدّى فأكرم بعمّ وجدّ
وقال:
إذا سال وادى الشّيب فى مفرق الفتى ... وقنّع منه عمّة المتلثّم
فيا قبح ما تحكى المراة لعينه ... ويا بعده من كلّ عيش ومنعم
وقال:
أبا قاسم إنّى أراك صبابة ... كأنّك من لحمى خلقت ومن دمى
وإنّى لأهوى أن أربّ صنيعة ... اليك بالاء كرام وأنعم
(3/40)

أيادى كريم طيّب النّفس بعدها ... إذا ما الأيادى أتبعت بالتّندّم
وقال أيضا وله لحن فيه
مضى اللّيل إلّا أنّ ليلى لا يمضى ... وأنّ جفونى لم تروّ من الغمض
إذا صدّ عنك الدّهر يوما بوجهه ... تقاضاك من إحسانه سالف القرض
وقال
تحامانى الصّديق وغاب عنّى ... ثقات صنائعى وهم حضور
وقلّوا فى البلاد وكان عهدى ... بهم زمن الرّخاء وهم كثير
فلم يك فى يدى منهم وممّا ... ذخرتهم له إلّا الغرور
أيا عجبا أما فى النّاس ممّن ... تقلّد نعمتى رجل شكور
وقال
ألم تعلمى يا آل فهر بن مالك ... رميت بنفسى دونكم فى المهالك
بلى فاعلمى يا آل فهر بأنّنى ... أخوك الّذى أعطاك حقّ إخائك
أخوك الّذى يقرى عدوّك صارما ... حساما ويقرى درّه فى شفائك
أجود بمالى دون مالك تارة ... وطورا أقيم الغرّ تحت لوائك
(3/41)

وقال:
وقد يصدق السّيف يوم الوغا ... أخاه وإن كان رثّ القراب
كأنّ سنا بارق مستطير ... بين ذؤابته والذّباب
كذاك الرّجال يكون الفتى ... صليبا وذو الشّيب صلب النّصاب
وقال من قصيدة:
بكلّ جلالة عيساء حرف ... علنداة وأعنس عجرفىّ
إذا شدّت بها الأنساع أصغت ... كما أصغى النّجىّ إلى النّجىّ
وراغية ثنتك عن التّصابى ... كما ثنت الضّعيف يد القوىّ
هناك شكوت ما تلقى إليها ... كما يشكو الفقير إلى الغنىّ
تساقط وهى فاترة المآقى ... تساقط مهجة الظّبى الرّمىّ
وتجرى الخمر بعد النّوم منها ... على سمطين من درّ نقىّ
شكت إشراف قيّمها عليها ... كما يشكو اليتيم من الوصىّ
أرتك محاسنا منها اختلاسا ... تضىء إضاءة البرق الخفىّ
كتخليل الألوّة ثمّ زالت ... زوال الفىء فى ظلّ العشىّ
ويلذع مهجتى ذو العذل فيها ... كلذع السّوط خاصرة البطىّ
(3/42)

كأنّ اللّيل زيد اليه ليل ... مقيم فاستمرّ على الشّجىّ
وقال من أبيات
فلا حيّى الوجه الّذى جئتنا به ... إذا حيّت الوجه الكريم المجالس
يشيم بنى كعب وما أنت منهم ... كما شامت الغبراء قيسا وداحس
وقال
هو الحرّ أخلاقا وبرّا وشيمة ... وعقلا وخير القوم من أوتى العقلا
تراه طليقا وجهه متهلّلا ... كأنّ صقيلا من عوارضه يجلى
وقال
يا أيّها المتشاوس المتغاضب ... المعرض الجانى العبوس القاطب
لا أنت لى سلم فتنصرنى ولا ... حرب إذا نصب العدوّ مناصب
قلب الزّمان هواك عن منهاجه ... إنّ الزّمان لكلّ حال قالب
وقال
يا عائبى عند أعدائى ليرضيهم ... وبائعى بيسير ماله خطر
أظهرت أنّك لا أنت العدوّ ولا ... أنت الولىّ الّذى يصفى ويدّخر
فما تحوّل من سلمى ولا أجإ ... ركن ولا خسفت شمس ولا قمر
(3/43)

وقال
أراه فى فعله عدوّا ... وكنت أعتدّه صديقا
صيّر عذب الشّراب مرّا ... وزاد ضيق الحياة ضيقا
وقال
هيف الخصور قواصد النّبل ... قتّلننا بنواظر نجل
كحل الجمال جفون أعينها ... فغنين عن كحل بلا كحل
وقال يرثى ابنه احمد وهو اكبر ولده
نأى آخر الأيّام عنك حبيب ... فللعين سحّ دائم وغروب
يؤوب إلى أوطانه كلّ غائب ... وأحمد فى الغيّاب ليس يؤوب
تبدّل دارا غير دارى وجيرة ... سواى وأحداث الزّمان تنوب
أقام بها مستوطنا غير أنّه ... على طول أيّام المقام غريب
وكان نصيب العين من كلّ لذّة ... فأمسى وما للعين فيه نصيب
كأن لم يكن كالغصن فى ميعة الضّحى ... زهاه النّدى فاهتزّ وهو رطيب
كأن لم يكن كالصّقر أوفى بشامخ ال ... ذّرى وهو يقظان الفؤاد طلوب
كأن لم يكن كالرّمح يعدل صدره ... غداة الطّعان لهذم وكعوب
(3/44)

يفضّ الحديد المحكم النّسج حدّه ... ويبدو وراء الفرن وهو خضيب
وريحان قلبى كان حين أشمّه ... ومؤنس قصرى كان حين أغيب
كأنّى منه كنت فى نوم حالم ... نفى لذّة الأحلام عنه هبوب
جمعت أطبّاء العراق فلم يصب ... دواءك منهم فى البلاد طبيب
ولم يملك الآسون نفعا لمهجة ... عليها لأشراك المنون رقيب
وإنّى وإن قدّمت قبلى لعالم ... بأنّى وإن أخّرت منك قريب
وإنّ صباحا نلتقى فى مسائه ... صباح إلى قلبى الغداة حبيب
حدّثنا يموت بن المزرع قال قال المأمون: ما هجى ابراهيم بن المهدى فيما ادعاه على كثرة هجائه بأشد من قول الجاحظ فيه «هو خليفة، إذا خطب رأى آخر عمله» «1» حدّثنى أحمد بن يزيد المهلبى قال حدثنا حماد بن اسحاق قال قال جعفر بن يحيى لابراهيم بن المهدى- وكان يسميه خليلى وكانا متصافيين جدا- يا خليلى ان هذا الرجل يعنى الرشيد قد تغير لنا، وبان ذلك لى، وأنا أحب أن أستظهر برأيك، فتفقد ذلك اليوم.
وكانا قد اجتمعا عند الرشيد للشرب.
قال وكان ابراهيم أجود الناس رأيا لغيره وأضعفهم رأيا
(3/45)

لنفسه، وستل عن ذلك فقال: أنظر لغيرى بجوارح سليمة من الهوى، وأميل فى رأى نفسى إلى ما أشتهى. قال فتفقد ابراهيم ذلك، فانصرف قبل جعفر، فوقف له خلف حائط فى طريق جعفر ومعه غلام واحد، وصرف سائر غلمانه وأمر باطفاء شموعه، فانصرف جعفر، فلما صار بذلك الموضع عدا وحده وصاح يا خليلى، فأجابه ابراهيم وقال: من أين علمت أنى هاهنا. وانّما قدرت أن أؤذنك بموقفى؟ فقال له جعفر علمت أنك لا تنصرف إلى منزل حتى تعرفنى ما أردت وليس فى طريقك مكان يخفى فيه أثرك غير هذا الموضع فعلمت أنك فيه، كيف رأيت الرجل؟ قال رأيته يجد إذا هزلت، ويهزل إذا جددت، وهذه نهاية التغيير فقال صدقت والله يا خليلى، ونحن نستكفى الله بوادره حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حضرت مع أبى وعمى دار بعض ولد العباس بن محمد لنعزيه على ميت لهم، فجاء ابراهيم بن المهدى فتشوفه الناس وقاموا له- وذلك قبل العشرين ومائتين- قال ولم أكن رأيته قط، فاذا أنا برجل سمين آدم غليظ الشفة، حسن العين، حسن الانف، فتكلم فى التعزية فأحسن وحفظ الناس كلامه ولم أسمع أنا ما قال جين جاء، ثم نهض فقال «تابع الله النعم لديكم، وأحسن العوض لكم، وأخلف عليكم، ولقى الله فلانا أزكى عمله، وقبل حسنته، وغفر قبيحه» حدّثنا الحسن بن اسحق قال سمعت حماد بن اسحاق يقول:
(3/46)

كانت يد ابراهيم بن المهدى فى يد أبى العتاهية بمكة وهو ينشد
عجبا عجبت لغفلة الانسان ... قطع الحياة بغرّة وتوانى
فكّرت فى الدّنيا فكانت منزلا ... عندى كبعض منازل الرّكبان
مجرى جميع الخلق فيها واحد ... وكثيرها وقليلها سيّان
أبغى الكثير إلى الكثير مضاعفا ... ولو اقتصرت على القليل كفانى
لله درّ الوارثين كأنّنى ... بأخصّهم متبرّما بمكانى
قلقا لتجهيزى إلى دار البلا ... متحرّيا لكرامتى بهوانى
متبرّما منّى، إذا نشر الثّرى ... فوقى طوى كشحا على هجرانى
فقال له قائل لو قرأتما كان أنفع لكما، فقال له ابراهيم هذه اخلاق حث على مثلها القرآن حدّثنا الحسين بن فهم قال حدثنى محمد بن أحمد بن هارون قال لما لبس ابو العتاهية الصوف كتب اليه ابراهيم بن المهدى:
إنّ المنيّة أمهلتك عتاهى ... والموت لا يسهو وقلبك ساهى
يا ويح ذا البشر الضّعيف أما له ... عن غيّه قبل الممات تناهى
وكّلت بالدّنيا تبكّيها وتن ... دبها وأنت عن القيامة لاهى
العيش حلو والمنون مريرة ... والدّار دار تفاخر وتباه
(3/47)

فاجعل لنفسك دونها شغلا ولا ... تتجاهلنّ لها فانّك داهى
لا يعجبنّك أن يقال مفوّه ... حسن البلاغة أو عريض الجاه
أصلح فسادا من سريرتك الّتى ... تلهو بها وارهب مقام الله
ما الزّهد من رجل ألدّ مكذّب ... بالبعث غير ضلالة وسفاه
وأرى المفالة غير صالحة وإن ... أظهرت غير مقالة الأوّاه
إنّى رأيتك مظهرا لزهادة ... نحتاج منك لها إلى أشباه
إن كان لبس الصّوف حجّتك الّتى ... تدعو النّجاة فانّنى لك ناهى
ما فى يديك من اللّباس إذا غوت ... منك السّريرة غير حبل واهى
لا شىء يقبل منك إلّا ما به ... حكمت عليك نواطق الأفواه
والأمر بعد عليك ويحك واسع ... ما لم تسوّ إلهنا باله
فقال أبو العتاهية: أنا عيى بجواب مثله، وماله عندى إلا ما يحب.
حدّثنا احمد بن محمد بن اسحق قال حدثنا على بن محمد النوفلى قال اعتل ابراهيم بن المهدى فى سنة اربع وعشرين ومائتين وأوصى وصية شهد بها لجماعة من بنى العباس رحمة الله عليه ثم أوصى لولد أبى بكر وعمر وعثمان وطلحة وسائر ولد العشيرة رحمة الله عليهم ولأولاد الأنصار ولم يوص لولد على عليه السلام
(3/48)

بشىء، فقال الواثق: قبح الله فعله، ترك أهله وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله «أدانيك أدانيك» والله لا أمضاها أمير المؤمنين على هذه الصفة، فلما توفى أمر المعتصم بالله أن يجعل لولد على عليه السلام من الوصية كما لولد العباس عليه السلام، وأمضاها على ذلك.
قال واشتدت علة إبراهيم بن المهدى فى شهر رمضان من سنة أربع وعشرين ومائتين، وجعل يشرب الماء فلا يروى، ووجه إلى المعتصم يطلب ثلجا، وكان قد عز وجوده فى ذلك الوقت، فأمر أن تصرف وظائف الثلج كلها اليه، فلما مات ركب المعتصم وصلى عليه، وكبر خمسا، وانصرف قبل أن يدلى فى قبره، وتقدم إلى هارون الواثق أن يتولى ذلك، ويقف إلى أن يجن، ففعل كارها وانصرف.
وكان الواثق ينعى عليه ما فعله فى أمر وصيته فى هذا الوقت وبعد ذلك لما أن ولى الخلافة، وهجاه قوم لسبب وصيته [بأهاج] ترك ذكرها لموضعه من النسب والخلافة.
«تمت أشعار ابراهيم بن المهدى- يتلوه ابنه هبة الله بن ابراهيم»
(3/49)

«بسم الله الرّحمن الرّحيم»
أبو القاسم هبة الله بن ابراهيم بن المهدىّ
وهذا وإن لم يكن ابن خليفة يعد فى الخلفاء، فانا جئنا به بعقب ذكر أبيه. كما شرطنا فى الرسالة التى فى صدر هذا الكتاب، أنا إذا ذكرنا شاعرا فكان فى أهله شعراء ذكرنا هم جميعا بعقب ذكره ليكون أمرهم أقرب على ملتمسه، فأجرينا هذا على ذلك.
حدّثنى أحمد بن يزيد بن محمد أبو جعفر المهلبى، قال كان لهبة الله بن ابراهيم غلام يقال له بدر، قد رمى بأمره كله عليه، فتركه ومضى إلى غلام ليؤنس بن بغا، فأقام عنده، فقال هبة الله فيه شعرا، وأنشدنيه لنفسه:
لا يفى دهرك هذا لأحد ... وجميع النّاس فيه قد فسد
كلّ من تبصر من جارية ... وغلام فهو مسترخى القود
ما من النّاس جميعا أحد ... مستحقّا فى الهوى أن يعتقد
فدع المرد ودع ذكرهم ... وارم بالعشق إلى أقصى بلد
وتغنّ اليوم إن باكرتها ... قهوة صفراء ترمى بالزّبد
استجر بالرّاح من حدّ الأحد ... لا تؤخّر لذّة اليوم لغد
(3/50)

«ومن شعره»
ألا يا طالبا يفدي ... هـ منّى الجسم والرّوح
فؤاد الهائم المسكي ... ن بالهجران مجروح
وقلب الصّبّ بالصّدّ ... الّذى أظهرت مقروح
فألا كان ذا الصّدّ ... وباب الصّبر مفتوح
وأنشدنى أحمد بن يزيد لهبة الله بن إبراهيم:
يا جليلا فى العيون ... ومليحا فى المجون
والّذى يمطلنى ال ... وعد ولا يقضى ديونى
أنت باعدت بهجر ... بين نومى وجفونى
سوف يدعونى إن لم ... ترث لى داعى المنون
وقال أيضا
إن كنت أذنبت بحبّى لكم ... فلست من ذا الذّنب التّائب
رضيت أقصى العيب فى حبّكم ... فما عسى يبلغ بى عائبى
غلبت فى فخر وفى سؤدد ... لكن هواكم أبدا غالبى
يعلم ربّى أنّنى مدنف ... وشاهدى فى النّاس كالغائب
(3/51)

حدّثنى الحسن بن يحيى قال كان هبة الله بن ابراهيم يجالس الخلفاء وآخر من جالس المعتمد على الله، وكان أحسن الناس علما بالغناء وكانت صنعته له ضعيفة، قال فوقعت لأبى شبل البرجمى الشاعر اليه حاجة فهجاه فقال:
صلف تندقّ منه الرّقبه ... ومخاز لم تطقها الكتبه
كلّما بادره بدر بما ... يشتهيه منه نادى يا أبه
ليته كان النّوى الفرح به ... لم يزد فى هاشم هذا الهبه
وقال هبة الله
عذّبنى الحبّ وأبلانى ... ما أعنف الحبّ بالانسان
ما أطيب الوصل على عاشق ... إن لم ينغّصه بهجران
من أول شعر عمله هبة الله، وشهر به قوله:
أصابك الظّبى إذ رماكا ... وعن ظباء النّقا حواكا
فلو تمنّيت لم تجزه ... ولو تمنّى لما عداكا
يا ظالما نفسه بظلمى ... لا تبك ممّا جنت يداكا
أنت الّذى إن كفرت ودّى ... صرفت قلبى إلى سواكا
فعمل أبوه ابراهيم بن المهدى فى هذا الشعر لحنا فى الثقيل الاول
(3/52)

عنده، وفى الثقيل الثانى عند اسحق وعند الناس، وعمل فيه علوية لحنا فى الرمل، حدثنى بذلك الحسين بن يحيى الكاتب، وقال هبة الله أيضا
أنكرت من هجرك ما أعرف ... وجرت فى الحبّ فما تنصف
لو كنت مثلى عارفا فى الهوى ... عاملتنى فيه بما تعرف
لكن تجاوزت طريق الهوى ... وضلّ فيه الهائم المدنف
وجدت بخط إبراهيم بن شاهين، أنشدنى العباس بن محمد لهبة الله ابن ابراهيم يرثى اباه:
الحمد لله على ما أرى ... أفقدنى الموت لذيذ الكرى
أصبح أعلى النّاس فى قدره ... منخفضا يعلو عليه الثّرى
قد وتر الموت الورى كلّهم ... بموت إبراهيم خير الورى
وقال وأحسبه فى غلامه
يا من أردت لنفسى ... فصار غدرا لغيرى
ومن ذخرت لنفسى ... فعاد ذخرا لضيرى
شقيت منك بشرّ ... وما سعدت بخير
(3/53)

جرى لى الفأل يوم ال ... نّوى بأشأم طير ومن شعره
ومهفهف فضحت رشا ... قة قدّه الغصن الرّطيبا
وإذا بدا إشراقه ... للشّمس أسرعت المغيبا
يا قاسيا أدعو بعط ... فه فيأبى أن يجيبا
لو كان فعلك مثل وج ... هك لم أكن صبّا كئيبا
ومات هبة الله بن ابراهيم بن المهدى فى شهر ربيع الاول من سنة خمس وسبعين ومائتين، عن توبة حسنة ووصية جميلة، بعد أن فرق فى حياته مالا عظيما.
وحدّثنى محمد بن يحيى بن ثابت قال: لما اشتدت علة هبة الله بن ابراهيم جعل يقول:
إلى المهيمن ربّى ... أتوب من كلّ ذنب
رجوته عند موتى ... لدفع همّى وكربى
يا ربّ فاغفر ذنوبى ... فأنت غوثى وحسبى
(3/54)

اشعار عليّة بنت المهدىّ وأخبارها
وإنما ذكرت علية هاهنا لأنى لا أعرف لخلفاء بنى العباس بنتا مثلها، فلما كانت منفردة ذكرت أمرها مع أولاد الخلفاء، على أن لها شعرا حسنا، وصنعة فى الغناء حسنة كثيرة.
وكانت علية من أكمل النساء عقلا، وأحسنهن دينا وصيانة ونزاهة، وكانت أكثر أيام طهرها مشغولة بالصلاة، ودرس القرآن، ولزوم المحراب، فاذا لم تصل اشتغلت بلهوها.
وكان الرشيد يعظمها، ويجلسها معه على سريره، وكانت تأبى ذلك وتوفيه حقه، وكان ابراهيم بن المهدى يأخذ الغناء عنها.
حدّثنى عون بن محمد الكندى قال سمعت عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع يقول: ما اجتمع فى الاسلام قط أخ وأخت أحسن غناء من ابراهيم بن المهدى وأخته علية، وكانت تقدم عليه.
حدّثنى احمد بن محمد بن اسحاق، قال حدثنى عبيد الله بن محمد بن عبد الملك قال حدثنى مسرور الخادم قال خرج الجلساء والمغنون من عند الرشيد، فقال لى قد تشوقت أختى علية فامض فجئنى بها، وقل لها بحياتى عليك إلا طيبت عيشى بحضورك، فجاءت فأومأ اليها أن تجلس على السرير معه، فأبت وحلفت ثم ثنت طرف نخّ «1» كان بين يديه، وجلست على ظهره، فقال لها لم فعلت هذا يا حياتى؟
(3/55)

وكان كثيرا ما يدعوها بذلك، فقالت يا أمير المؤمنين: إنها مجالس آنفا، فلم أحب أن أقعد مقعدهم.
حدّثنا الحسين بن فهم قال حدثنا حماد بن إسحاق قال سمعت إبراهيم بن اسماعيل الكاتب يقول قالت علية بنت المهدى «ما حرم الله شيئا إلا وقد جعل فيما حلل عوضا منه، فبأى شىء يحتج عاصيه، والمنتهك لحرماته» حدّثنا محمد بن موسى مولى بنى هاشم بالبصرة سنة ثمان وسبعين ومائتين، قال سمعت أبا أحمد بن الرشيد يقول كانت عمتى علية تقول «اللهم لا تغفر لى حراما أتيته، ولا عزما على حرام إن كنت عزمته، وما استغرقنى لهو قط إلا ذكرت سببى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصرت عنه، وإن الله ليعلم أنى ما كذبت قط، ولا وعدت وعدا فأخلفته»
أخبار عليّة بنت المهدىّ مع أخيها الرّشيد
حدّثنا عون بن محمد، قال حدثنا سعيد بن هريم، قال: كانت علية تحب أن تراسل بالأشعار من تختصه، فاختصت خادما يقال له طلّ من خدم الرشيد تراسله بالشعر، فلم تره أياما، فمشت على ميزاب حتى رأته وحدثته، فقالت فى ذلك:
قد كان ما كلّفته زمنا ... يا طلّ من وجد بهم يكفى
حتّى أتيتك زائرا عجلا ... أمشى على حتفى إلى حتفى
(3/56)

فحلف عليها الرشيد ألا تكلم طلا الخادم، ولا تسمى باسمه، فضمنت له ذلك، فاستمع عليها يوما وهى تدرس آخر سورة البقرة، حتى بلغت إلى قوله جل وعز (أَصابَها وابِلٌ، فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ)
وأرادت أن تقول فطلّ، فلم تلفظ بهذا فقالت فالذى نهانا عنه أمير المؤمنين (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)
فدخل فقبل رأسها وقال قد وهبت لك طلا، ولا منعتك بعد هذا من شىء تريدينه.
حدّثنا عون قال حدثنا سعيد بن هريم، قال قالت علية للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة: ما رأيت لك يوم سرور تاما منذ قتلت جعفرا فلأى شىء قتلته؟ فقال: يا حياتى لو علمت أن قميصى يعلم السبب الذى قتلت له جعفرا لأحرقته! حدّثنا أحمد بن يزيد المهلبى: قال حدثنا حماد بن إسحاق قال كانت علية ابنت المهدى أعف الناس، إذا طهرت لزمت المحراب، وإذا لم تصل غنت، وكانت قليلة الشغف بالشراب وكانت تكاتب بالاشعار خادمين يقال لأحدهما رشأ، وتكنى عنه بزينب. وطل، وتكنى عنه بظل. فمن شعرها فى طل، وكنايتها بطل على أنها جارية
يا ربّ إنّى قد حرضت بهجرها ... فاليك أشكو ذاك يا ربّاه
(3/57)

مولاة سوء تستهين بعبدها ... نعم الغلام وبئست المولاه
ظلّ ولكنّى حرمت نعيمه ... وهواه إن لم يغثنى الله
حدّثنا أحمد بن يزيد المهلبى، قال حدثنا حماد بن إسحاق قال زار الرشيد علية فقال لها: بالله يا أختى غننى، فقالت والله لأعملن فيك شعرا، وأعمل فيه لحنا، فقالت من وقتها:
تفديك أختك قد حييت بنعمة ... لسنا نعدّ لها الزّمان عديلا
إلّا الخلود وذاك قربك سيّدى ... لازال قربك والبقاء طويلا
وحمدت ربّى فى إجابة دعوتى ... ورأيت حمدى عند ذاك قليلا
وعملت فيه لحنا من وقتها، فى طريقة الثقيل الثانى
ومن شعرها فى الرشيد وقد جفاها
مالك رقّى أنت مسرور ... وبالّذى تهواه محبور
أو حشتنى يا نور عينى فمن ... يؤنسنى غيرك يا نور
أنت على الأعداء يا سيّدى ... مظفّر الآراء منصور
وقالت للرشيد وقد طلب اختيها ولم يطلبها
ما لى نسيت وقد نودى بأصحابى ... وكنت والذّكر عندى رائح غادى
(3/58)

أنا الّذى لا أطيق الدّهر فرقتكم ... فرقّ لى بأبى من طول إبعادى
وغنت لحنا فى طريقة الثقيل الثانى حدّثنى عون بن محمد، قال حدثنى زرزر الكبير غلام جعفر ابن موسى الهادى أن علية حجت فى أيام الرشيد، فلما انصرفت أقامت بطيزناباذ أياما فانتهى ذلك إلى الرشيد فغضب فقالت:
أىّ ذنب أذنبته أىّ ذنب ... أىّ ذنب لولا مخافة ربّى
بمقامى بطيزناباذ يوما ... بعده ليلة على غير شرب
ثمّ باكرتها عقارا شمولا ... تفتن النّاسك الحليم وتصبى
قهوة قرقفا تراها جهولا ... ذات حلم فرّاجة كلّ كرب
وعملت فى البيتين الاولين لحنا فى خفيف الثقيل الاول، وفى البيتين الآخرين لحن رمل، فلما جاءت وسمع الشعر واللحنين رضى عنها.
حدّثنى عبد الله بن المعتز، قال حدثنى هبة الله بن ابراهيم بن المهدى، قال اشتاق الرشيد إلى عمتى علية وهو بالرقة، فكتب الى خالها يزيد بن منصور فى إخراجها اليه، فأخرجها فقالت فى طريقها:
اشرب وغنّ على صوت النّواعير ... ما كنت أعرفها لولا ابن منصور
لولا الرّجاء لمن أمّلت رؤيته ... ما جزت بغداد فى خوف وتغرير
(3/59)

وعملت فيه لحنا أحسبه فى طريقة الثقيل الاول
ومن شعرها فى الرشيد
هارون يا سؤلى وقيت الرّدى ... قلبى بعتب منك مشغول
ما زلت مذ خلّفتنى فى عمى ... كأنّنى افى النّاس مخبول
حدّثنا احمد بن محمد بن اسحاق، قال حدثنى أبو عبد الله الحسين ابن احمد بن هشام قال لما خرج الرشيد إلى الرى أخذ أخته علية معه فلما صارت بالمرج عملت شعرا، وصاغت فيه فى طريقة الرمل، وغنته به. والشعر:
ومغترب بالمرج يبكى لشجوه ... وقد غاب عنه المسعدون على الحبّ
إذا ما أتاه الرّكب من نحو أرضه ... تنشّق يستشفى برائحة الرّكب
فلما سمع الصوت علم أنها قد اشتاقت إلى العراق وأهلها به، فأمر بردها.
حدّثنى أحمد بن يزيد بن محمد، قال أبى قال: كنا عند المنتصر فغناه بنان فى طريقة الرمل الثانى:
يا ربّة المنزل بالفرك ... وربّة السّلطان والملك
ترفّقى بالله فى قتلنا ... لسنا من الدّيلم والتّرك
فضحك فقال لى لم ضحكت؟ فقلت. من شرف قائل هذا الشعر،
(3/60)

وشرف من عمل اللحن فيه، وشرف مستمعه. قال وما ذاك؟ قلت الشعر للرشيد، والغناء لعلية بنت المهدى، وأمير المؤمنين مستمعه.
فأعجبه ذلك، وما زال يستعيده.
حدّثنا احمد بن محمد الأسدى، قال حدثنى أبو عبد الله موسى بن صالح بن شيخ عن أبيه، قال حجب طل عن علية فقالت:
أيا سروة البستان طال تشوّقى ... فهل لى إلى ظلّ لديك سبيل
متى يلتقى من ليس يقضى خروجه ... وليس لما يقضى اليه دخول
وإنما صحفت الاسم فى قولها ظل لديك فظل طل
أخبار عليّة مع رشأ الخادم
حدّثنا أحمد بن يزيد المهلبى قال حدثنى أبى، وحكاه ميمون بن هارون عن محمد بن على بن عثمان أن علية كانت تقول الشعر فى خادم كان لها يقال له رشأ، وتكنى عنه بزينب فمن شعرها فيه:
وجد الفؤاد بزينبا ... وجدا شديدا متعبا
أصبحت من وجد بها ... أدعى شقيّا منصبا
ولقد كنيت عن اسمها ... عمدا لكى لا تغضبا
وجعلت زينب سترة ... وأتيت أمرا معجبا
(3/61)

قالت وقد عزّ الوصا ... ل ولم أجدلى مذهبا
والله لا نلت المو ... دّة أو تنال الكوكبا
حدّثنى الحسين بن يحيى قال حدثنى عبد الله بن العباس بن الفضل، قال لما علم من علية أنها تكنى عن رشأ بزينب، قالت الآن أكنى كناية لا يعرفها الناس فقالت:
القلب مشتاق إلى ريب ... يا ربّ ما هذا من العيب
قد تيّمت قلبى فلم أستطع ... إلّا البكا يا عالم الغيب
خبأت فى شعرى ذكر الّذى ... أردته كالحبّ فى الجيب
وغنت فيه لحنا فى طريقة خفيف الثقيل الأول، وعمت الاسم فى قولها الى ريب، الراء والياء والباء من ريب «1» والياء والالف من يا رب رشأ.
وكانت لأم جعفر جارية يقال لها طغيان فوشت بعلية إلى رشأ وحكت عنها ما لم تقل، فقالت علية تهجوها:
لطغيان خفّ مذ ثلاثون حجّة ... جديد فما يبلى ولا يتخرّق
وكيف بلى خفّ هو الدّهر كلّه ... على قدميها فى السّماء معلّق
فما خرقت خفّا ولم تبل جوربا ... وأمّا سراويلاتها فتمزّق
(3/62)

ومن شعرها الذى كنت فيه عن اسم رشأ، وكان حلف ألا يذوق نبيذا سنة:
قد ثبت الخاتم فى بنصرى ... إذ جاءنى منك تجنّيك
حرّمت شرب الرّاح إذ عفتها ... فلست فى شىء أعاصيك
فلو تطوّعت لعوّضتنى ... منك رضاب الرّيق من فيك
فيالها ما عشت من نعمة ... لست لها ما عشت أجزيك
يا زينبا أرّقت من مقلتى ... أمتعنى الله بحبّيك
ومن أخبار لعلية متفرقة
وجدت فى كتاب أبى الفضل ميمون بن هارون حدّثنى احمد ابن سيف أبو الجهم، قال كان لعلية وكيل يقال له سباع، فوقفت على خيانته فصرفته وحبسته، فاجتمع جيرانه اليها، فعرفوها جميل مذهبه وكثرة صدقته، وكتبوا بذلك رقعة فوقعت فيها:
ألا أيّهذا الرّاكب العيس بلغا ... سباعا وقل إن ضمّ داركم السّفر
أتسلبنى مالى ولو جاء سائل ... رققت له إن حطّه نحوك الفقر
كشافية المرضى بفائدة الزّنا ... تؤمّل أجرا حيث ليس لها أجر
(3/63)

أشعار علية التى غنت فيها فى طريقة الثقيل الاول
أوقعت فى قلبى الهوى ... ونجوت منه سالمه
وبدأتنى بالوصل ثم ... مّ قطعت وصلى ظالمه
توبى فانّك عالمه ... أولا فانّى آثمه
وقالت
لا حزن إلّا دون حزن نالنى ... يوم الفراق وقد غدوت مودّعا
فاذا الأحبّة قد تولّت عيرهم ... وبقيت فردا والها متوجّعا
وقالت
كم تجنّى ذنبا علىّ بلا ذن ... ب وما إن أمرتنى فعصيت
إن تكن قد صددت عنّى لمّا ... أن تملّكتنى فصدّك موت
وقالت
أرى جسدى يبلى وسقمى باطن ... وفى كبدى داء وقلبى سالم
فما السّقم إلّا دون سقم أصابنى ... ولا الجهد الّا والّذى بى أعظم
لها فيه لحن ثقيل أول، ولغيرها لحن ثقيل ثانى وقالت
ما أقصر اسم الحبّ يا ويح ذا الحبّ ... وأطول بلواه على العاشق الصّبّ
(3/64)

يمرّ به لفظ اللّسان مسهّلا ... ويرمى بمن قاساه فى هائر صعب
وقالت
فرّجوا كربى قليلا ... فلقد صرت نحيلا
افعلوا فى أمر مش ... عوف بكم فعلا جميلا
وقالت
كتمت اسم الحبيب من العباد ... وردّدت الصّبابة فى فؤادى
فوا شوقى إلى بلد خلّى ... لعلىّ باسم من أهوى أنادى
وقالت
ما صنع الهجران لا كانا ... هاج علىّ الهجر أحزانا
وثمّ طرفى بدخيل الهوى ... فصار ما أسررت إعلانا
وقالت
ليس خطب الهوى بخطب يسير ... لا ينبّئك عنه مثل خبير
ليس خطب الهوى يدبّر بال ... رّأى ولا بالقياس والتّقدير
وقالت
باح بالوجد قلبك المستهام ... وجرت فى عظامك الأسقام
يوم لا يملك البكاء أخو ال ... شّوق فيشفى ولا يردّ السّلام
(3/65)

وقالت
تكاتبنا برمز فى الحضور ... وإيحاء يلوح بلا سطور
سوى مقل تخبّر ما عناها ... بكفّ الوهم فى ورق الصّدور
وممّا غنّت فيه من شعرها فى طريقة خفيف الثقيل الاول
إذا كنت لا يسليك عمّن تحبّه ... تناء ولا يشفيك طول تلاقى
فما أنت إلّا مستعير حشاشة ... لمهجة نفس آذنت بفراق
وقالت
أسعى فما أجزى وأظما فما ... أروى من البارد والعذب
يحملنى الحبّ على مركب ... من هجركم يا أملى صعب
وقالت
بنى الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمح
ليس يستحسن فى وصف الهوى ... عاشق يعرف تأليف الحجج
وقليل الحبّ صرف خالص ... لك خير من كثير قد مزج
وقالت
شريت نوما بسهر ... وغصت فى بحر الفكر
(3/66)

ما للتّصابى والغير ... من عرف الحبّ عذر
وقالت
أمسى فلا أرجو صباحا وإن ... أصبحت حيّا قلت لا أمسى
لا يستوى والله هذا كما ... لا يستوى فى قدّها خمسى
وقالت
أمسيت فى عنقى من حبّ جارية ... غلّ فلا فكّ عنّى آخر الأبد
قد ضيّع الحزم من يرمى بمهجته ... إلى الفراق بلا صبر ولا جلد
وقالت
وددت وبيت الله فى الحبّ أنّنى ... قدرت على ما تقدرين من الصّبر
فان تك أنفاسى عليك كثيرة ... فلم يك من عينى عليك دم يجرى
وقالت
يا موقد النّار بالصّحراء من عمق ... قم فاصطل النّار من قلب بكم قلق
النّار توقدها حينا وتطفئها ... ونار قلبى لا يطفى من الحرق
وقالت
من علّل الّليل بأقداحه ... قوى على اللّيل وتطويله
ما كاد يفنى الّليل من طوله ... لا يعرض الّليل لمشموله
(3/67)

وممّا غنّت فيه من شعرها فى طريقة الثقيل الثانى
طالت علىّ ليالى الصّوم واتّصلت ... حتّى لقد خلتها زادت على العدد
شوقا إلى مجلس يزهو بساكنه ... أعيذه بجلال الواحد الصّمد
وقالت- وزعم ميمون بن هارون أن كنيزة جارية عبد الله بن الهادى أنشدته الشعر لعلية، وأعلمته أن اللحن لها، وكذلك أخبرته بدعة:
ما زلت مذ دخلت القصر فى كرب ... أهذى بذكرك صبّا لست أنساك
لا تحسبينى وإن حجّاب قصركم ... سدّوا الحجاب وحالوا دون رؤياك
أنّى تغيّرت عمّا كنت ياسكنى ... أيّام كنت إذا ماشئت ألقاك
لكنّ حبّك أبلانى وعذّبنى ... وأنت فى راحة طوباك طوباك
وقالت
أيا ربّ حتّى متى أصرع ... وحتّام أبكى وأسترجع
لقد قطع اليأس حبل الرّجا ... ءفما فى وصالك لى مطمع
بليت بقلب ضعيف القوى ... وعين تضرّ ولا تنفع
إذا ما ذكرت الهوى والمنى ... تحدّر من جفنها أربع
(3/68)

وقالت
شغلت اشتغالى ونفسى بكم ... وأمسيت صبّا إلى قربكم
فان بالهوى مرّة عدتم ... فانّى إذن عدت عبدا لكم
وقالت
ألبس الماء المداما ... واسقنى حتّى أناما
وأفض جودك فى النّا ... س تكن فيهم إماما
لعن الله أخا ال ... بخل وان صلى وصاما
وقالت
الله يحفظه ويجمع بيننا ... ربّ قريب للدّعاء مجيب
يا طيب عيش كنت فيه وسيّدى ... نسقى بكأس والجناب خصيب
وقالت وحكى ميمون أن كنيزة الكبيرة جارية أم جعفر أعلمته أن هذا الشعر واللحن فيه لعلية:
أليست سليمى تحت سقف يكنّها ... وايّاى هذا فى الهوى لى نافع
ويلبسها الّليل البهيم إذا دجى ... وتبصر ضوء الفجر والفجر ساطع
تدوس بساطا قد أراه وأنثنى ... أطأه برجلى كلّ ذالى شافع «1»
(3/69)

وقالت
سلطان ماذا الغضب ... يعتب إن لم تعتبوا
ما لى ذنب فاذا ... شئت فانّى مذنب
وقالت
نفسى فدا ظالم يظلمنى ... فى كفّه مهجتى يقلّبها
ثمّ تولّى غضبان يحلف لى ... كفرت بالله إن ذهبت بها
وقالت
بأبى من هو دائى ... ومن السّقم شفائى
وهو همّى ومنى نف ... سى وسؤلى ورجائى
حدّثنى أحمد بن محمد بن اسحق الطالقانى قال حدثنى أبو عبد الله أحمد بن الحسين الهاشمى قال غنت علية فى شعر لها فى طريقة الثقيل الثانى:
قل لذى الطّرّة وال ... أصداغ والوجه المليح
ولمن أشعل نار ال ... حبّ فى قلب قريح
ما صحيح عملت ... عيناك فيه بصحيح
(3/70)

وممّا غنّت فيه من شعرها فى طريق الرمل
، وقالت وصحفت فى هذا الشعر طل
سلّم على ذكر الغزا ... ل الأغيد المسبى الدّلال
سلّم عليه وقل له ... يا غلّ ألباب الرّجال
خلّيت جسمى صاحيا ... وسكنت فى ظلّ الحجال
وبلغت منّى غاية ... لم أدر فيها، ما احتيالى
وقالت
يا ذا الّذى أكتم حبّيه ... ولست من خوف أسمّيه
لم يدر ما بى من هواه ولم ... يعلم بما قاسيته فيه
وقالت
شعف الفؤاد بجارة الجنب ... فظللت ذا حزن وذا كرب
يا جارتى أمسيت مالكة ... رقّى وغالبتى على لبّى
وأنا الذّليل لمن بليت به ... حسبى به عاذلتى حسبى
أمّا النّهار ففيه شغل نحمّل؟؟؟ ... واللّيل يجلب لى هوى الحبّ
وقالت
لقد كنت أنهى النّفس جهدى لعلّها ... إذا ما استطبت الهجر عنك تطيب
(3/71)

وغالبتها حتّى عصتنى إلى الّذى ... تريد ولى نفس بذاك غلوب
ولغيرى فيه لحن فى طريقة أخرى وقالت
أشكو انفرادى بالهموم ووحشتى ... لفراقكم وصبابتى وحنينى
وتلفّتى كيما أراك وما أرى ... الّا خيالا مذكرا يؤذينى
وقالت
خلوت بالرّاح أناجيها ... آخذ منها وأعاطيها
نادمتها إذ لم أجد صاحبا ... أخاف أن يشركنى فيها
وقالت
زوّدنى يوم سار أحزانا ... كان له الله حيثما كانا
إن لم يكن حبّه قد اقلقنى ... فلا صفا العيش لى ولا لانا
وقالت [وقد] أنشدته لها كنيزة فقالت لها فيه لحن رمل
كأنّى إذا ألزمتنى الذّنب ليس لى ... لسان بلى لو كان غيرك ألسن
تغيب فأخلو بالهموم ونلتقى ... خلاسا فترمينى لذلك أعين
وقالت للرشيد
قل للامام ابن الاما ... م مقال ذا النّصح المصيب
لولا قدومك ما انجلى ... عنّا الجليل من الخطوب
(3/72)

وممّا غنّت فيه من شعرها فى طريقة الرمل الثانى
وددت وبيت الله فى الحبّ أنّنى ... قدرت على ما تقدرين من الصّبر
فلم تك أنفاسى عليك كثيرة ... ولم يك من عينى عليك دم يجرى «1»
وقالت وقد حج رشأ، أنشدنيه الحسين بن يحيى لها، وقد رويت لأبى العتاهية.
بين الازارين من المحرم ... تدليه عقل الرّجل المسلم
فى قدّ غصن البان لكنّه ... من طيّبات الشّجر المطعم
مرّ إلى الرّكن فزاحمته ... فالتمس الرّكن ولم يلثم
وفات بالسّبق إلى زمزم ... وكانت الّلّذات فى زمزم
شربت فضل الماء من بعده ... فلست أنسى طعمه فى الفم
وقالت
ألا من لى بانسان ... كوى قلبى بهجران
وقاض حاكم فى ... بظلم وبعدوان
لقد سلّط ذا الحبّ ... علينا شرّ سلطان
(3/73)

فيا عوناه من يطل ... ب لى مرضاة غضبان
وقالت
حقّ الّذى يعشق نفسين ... أن يصلب أو ينشر بمنشار
وعاشق الواحد مثل الّذى ... أخلص دين الواحد البارى
صبرت حتّى ظفر السّقم بى ... كم تصبر الحلفاء للنّار
لولا رجائى العطف من سيّدى ... بقيت بين الباب والدّار
وقالت
لأشربنّ بكأس بعد ما كاس ... راحا تدور بأخماس وأسداس
وأرضع الدّرّ منها باكرا أبدا ... حتّى أعيّب فى لحد وأرماس
وقالت
صرمت أسماء حبلى فانصرم ... ظلمتنا كلّ من شاء ظلم
واستحلّت قتلنا عامدة ... وتجنّت عللا لم تجترم
وقالت
يا خلّتى وصفيّتى وعذابى ... مالى كتبت فلم تردّ جوابى
خنت المواثق أم لقيت حواسدا ... يهوين هجرى أم مللت عتابى
وقالت
أصابنى بعدك ضرّ الهوى ... واعتادنى للبعد إقلاق
(3/74)

قد يعلم المولى وحسبى به ... أنّى إلى وجهك مشتاق
وقالت
أذلّ لمن أهوى لأدرك عزّة ... وكم عزّة قد نالها المرء بالذّلّ
فلو كنت أسلوه لسوء فعاله ... لقد كان فى إقصائه لى ما يسلى
وقالت
بتّ قبل الصّباح إن بتّ إلّا ... فى ازار على فراش حرير
أو يحل دون ذاك غلق قصور ... كم قتيل من الهوى فى القصور
وقالت
الشّوق بين جوانحى يتردّد ... ودموع عينى تستهلّ وتفد
إنّى لأطمع ثمّ أنهض بالمنى ... واليأس يجذبنى إليه فأقعد
وقالت
طال تكذيبى وتصديقى ... لم أجد عهدا لمخلوق
إنّ ناسا فى الهوى حدّثوا ... أحدثوا نقض المواثيق
وقالت
ليت شعرى متى يكون التّلاقى ... قد برانى وسلّ جسمى اشتياقى
غاب عنّى من لا أسميّه خوفا ... ففؤادى معلّق بالتّراقى
(3/75)

وقالت
واكبدى من زفرات الضّنى ... حقّ لها ممّا تذوب الفنا
لم يضع اللّوم على عاشق ... شفرته إلّا انتحانى أنا
وقالت
تعالوا ثمّ نصطبح ... ونلهو ثمّ نقترح
ونجمح فى لذاذتنا ... فانّ القوم قد جمحوا
وقالت
جاءنى عاذلى بوجه [مشيح] ... لام فى حبّ ذات وجه مليح
قلت والله لا أطعتك فيها ... هى روحى فكيف أترك روحى
ظبية تسكن القباب وترعى ... مرتعا غير ذى أراك وشيح
وقالت
بليت منك بطول الهجر والغضب ... واليوم أوّل يوم كان فى رجب
هبى عقابى لهذا اليوم واحتسبى ... فيه الثّواب فهذا أفضل السّبب
مازرت أهلك أستشفى برؤيتهم ... إلّا انقلبت وقلبى غير منقلب
(3/76)

ما قالته عليّة من الشّعر ولا نعلم فيه غناء
وما غنت فيه ولم يجئنا طريقته قالت
وفى القلب من وجد بسلمى مع الّذى ... أرى من توانيها ومن ذاك أعجب
جروح دوام ما تداوى كلومها ... كما لا أرى كسر الزّجاجة يشعب
وقالت
كأنّها من طيبها فى يدى ... تشمّ فى المحضر أو فى المغيب
ريحانة طينتها عنبر ... تسقى مع الرّاح بماء مشوب
عروقها من ذا وتسقى بذا ... ممزوجة يا صاح طيبا بطيب
تلك الّتى هام فؤادى بها ... ما إنّ لدائى غيرها من طبيب
وقالت
قم يا نديمى إلى الشّمول ... قد نمت عن ليلك الطّويل
أما ترى النّجم قد تبدّى ... وهمّ بهرام بالأفول
قد كنت عضب اللّسان عهدى ... فزحت ذا منطق كليل
من عاقر الرّاح أخرسته ... ولم يجب منطق السّؤول
وقالت
ألا يا نفس ويحك لا تتوقى ... الى من ليس بالبرّ الشّفيق
(3/77)

ألا يا نفس أنت جنيت هذا ... فذوقى ثمّ ذوقى ثمّ ذوقى
وقالت
يا حبّ بالله لم هجرتينى ... صددت عنّى فما تبالينى
وآمل الوعد منك ذو غرر ... لا تخدعيه كما خدعتينى
أين اليمين الّتى حلفت بها ... والشّاهد الله ثمّ خنتينى
وزعم ميمون بن هارون أن كنيزة جارية ام جعفر عرفته أن هذا الشعر الذى ذكرناه لعلية، وأن لها لحنا فيه، وكذلك الشعر الذى نذكره:
أهلى سلوا ربّكم العافيه ... فقد دهتنى بعدكم داهيه
فارقنى بعدكم سيّدى ... فعبرتى منهلّة جاريه
مالى أرى الأنصار بى جافيه ... ما تنثنى منّى إلى ناحيه
ما ينظر النّاس إلى المبتلى ... وإنّما النّاس مع العافيه
وقالت
ألا يا أقبح الثّقلين فعلا ... وأحسن ما تأمّلت العيون
يرى حسنا فلا يجزى عليه ... وينزل بى عقوبته الظّنون
ولكنّى أكذّب فيه ظنّى ... وعندى من شواهده يقين
(3/78)

وقالت
ومدمن الخمر يصحو بعد سكرته ... وصاحب الحبّ يلقى الدّهر سكرانا
وقد سكرت بلا خمر يخامرنى ... لمّا ذكرت وما أنساه إنسانا
وحكى ميمون بن هارون أن أبا صالح بن عمار حدثه أن الشعر الذى نذكره بعد لها وغنت فيه:
غوثاه غوثى بربّى ... من طول جهدى وكربى
من حبّ من لا يجازى ال ... معشار من عشر حبّى
وقالت
أما والله لو جوزي ... ت بالاحسان إحسانا
لما صدّ الّذى أهوى ... ولا ملّ ولا خانا
رأيت النّاس من ألقى ... عليهم نفسه هانا
فزر غبّا تزد حبّا ... وإن جرّعت أحزانا
وقالت
أتانى عنك سعيك بى فسبى ... أليس جرى بفيك اسمى فحسبى
وقولى ما بدا لك أن تقولى ... فماذا كلّه إلّا لحبّى
فما زال المحبّ ينال سبّا ... وهجرا ناعما ومليح عتب
قصاراك الرّجوع إلى مرادى ... فما ترجين من تعذيب قلبى
(3/79)

تشاهدت الظّنون عليك عندى ... وعلم الغيب فيها عند ربّى
وقالت
ألفت الهوى حتّى تشبّث بى الهوى ... وأردفنى منه على مركب صعب
كتابى لا يقرى وما بى لا يرى ... ونار الهوى شوقا توقّد فى قلبى
وقالت
قد رابنى أن صددتم فى مجاملة ... وأنكر القلب أن جئنا بحجّتكم
فما الصّدود وقلبى عندكم علق ... وما الذّنوب الّتى هاجت بحربكم
وقالت
يا عاذلتى قد كنت قبلك عاذلا ... حتّى ابتليت فصرت صبّا جاهلا
الحبّ أوّل ما يكون جهالة ... فاذا تمكّن صار شغلا شاغلا
وقالت
لو كان يمنع حسن الوجه صاحبه ... من أن يكون له ذنب إلى أحد
كانت عليّة أبدى النّاس كلّهم ... من أن تكافا بسوء آخر الأبد
ومما أنشده لها محمد بن داود بن الجراح وذكر أن يوسف بن يعقوب أنشده لعلية:
هنيئا رضيت بما تصنعين ... وإن كان فى الحبّ غير استقامه
أموت بدائى وكرب الهوى ... وأنت مناى رزقت السّلامه
(3/80)

أهان بهجركم كلّما ... أريتكم بالوصال الكرامه
وقالت
الشّأن فى التّصابى ... واللهو والشّراب
من قهوة شمول ... فى الكأس كالشّهاب
وقالت
هل لكم أن نكرّ حلو التّصابى ... ونميت الجفاء بالألطاف
لم يكن حادث يشتّت شعبا ... لا ولا نبوة تجرّ التّجافى
ومما غنت من شعر غيرها
غنت فى شعر لأبى النجم:
تضحك عمّا لو سقت منه شفى ... عن برد قد طلّه برد النّدى
أغرّ يجلو عن عشا العين العمى
وغنت فى شعر للعباس بن الاحنف:
كان لى قلب أعيش به ... فاصطلى بالنّار فاحترقا
أنا لم أرزق محبّتكم ... إنّما للعبد ما رزقا
وغنت من شعر لأبى الشيص فى طريقة الثقيل الاول:
وقف الهوى بى حيث أنت ... فليس لى متأخّر عنه ولا متقدّم
(3/81)

أجد الملامة فى هواك لذيذة ... حبّا لذكرك فليلمنى اللّوّم
وغنت فى شعر لوضاح اليمن:
حتّام نكتم حزننا وإلى ما ... وعلام نستبقى الدّموع على ما
قد أصبحت أمّ البنين مريضة ... أخشى علىّ بما شكته حماما
أخبار عليّة مع الأمين والمأمون وذكر وفاتها
حدّثنا أحمد بن يزيد قال حدثنا حماد بن اسحق قال لما مات الرشيد وجدت علية عليه وجدا شديدا، وذهب أكثر نشاطها وتركت الغناء فلم يدعها الامين، وبرها ولطف لها، حتى عادت فيه على غير نشاط ولا شهوة، وهى القائلة فى الامين:
يا بن الخلائف والجحاجحة العلى ... والأكرمين مناسبا وأصولا
والأعظمين إذا العظام تنافسوا ... بالمكرمات وحصّلوا تحصيلا
والقائدين، إلى العزيز بأرضه ... حتّى يذلّ، عسا كرا وخيولا
وحدّثنى ميمون قال حدثنى علم السمراء جارية عبد الله بن الهادى أنها شهدت علية غنت فى شعر لها وهو آخر ما قالت فى الامين، وطريقته فى الطريق الثانى:
أطلت عاذلتى لومى وتفنيدى ... وأنت جاهلة شوقى وتسهيدى
قام الأمين فأغنى النّاس كلّهم ... فما فقير على حال بموجود
(3/82)

لا تشرب الرّاح بين المسمعات وزر ... ظبيا غريرا نقىّ الخدّ والجيد
قد ر؟؟؟ نحته شمول فهو منجدل ... يحكى بوجنته ماء العناقيد
حدّثنا عون بن محمد قال حدثنى أبو احمد بن الرشيد قال دخل يوما اسماعيل بن الهادى الى المأمون فسمع غناء أذهله.
فقال له المأمون مالك؟ فقال قد سمعت ما أذهلنى، وكنت أكذب بأن أرغن الروم يقتل طربا، وقد صدقت الآن بذلك، فقال ألا تدرى ما هذا؟ قال لا والله، قال هذه عمتك علية، تلقى على عمك ابراهيم صوتا.
حدّثنا محمد بن عبد السميع قال سمعت هبة الله بن ابراهيم يقول ولدت علية سنة ستين ومائة وتوفيت سنة عشر ومائتين ولها خمسون سنة، وكانت عند موسى بن عيسى بن موسى.
حدّثنا عون بن محمد قال حدثنى محمد بن على بن عثمان قال ماتت علية سنة تسع ومائتين، وصلى عليها المأمون، وكان سبب موتها أن المأمون ضمها اليه، وجعل يقبل رأسها ووجهها مغطى، فشرقت من ذلك وسعلت، ثم حمت بعقب هذا من وقتها أياما يسيرة وماتت.
(3/83)

عبد الله بن موسى الهادى
ويكنى أبا القاسم، وكان عبد الله بن الهادى كريما جوادا ظريفا ممدحا، وفيه يقول الشاعر:
أعبد الله أنت لنا أمير ... وأنت من الزّمان لنا مجير
حكيت أباك موسى فى العطايا ... إمام الناس والملك الكبير
وعبد الله الذى يقول- أنشدنى هذا الشعر له عبد الله بن المعتز وقال: له فيه لحن فى طريقة الماخورى وشعره قليل جدا:
تقاضاك دهرك ما أسلفا ... وكدّر عيشك بعد الصّفا
فلا تنكرنّ فانّ الزّما ... ن رهين بتشتيت ما أخلفا
ولمّا رآك قليل الهموم ... كثير الهوى ناعما مترفا
ألحّ عليك بروعاته ... وأقبل يرميك مستهدفا
وغنى عبد الله بن الهادى فى هذا الشعر لحن رمل:
إنّ أسماء أرسلت ... وأخو الودّ مرسل
أرسلت تستزيدنى ... وتفدّى وتعذل
قال وفى هذا الشعر لحنان أحدهما لابن سريج، والآخر لمالك.
ومن شعره:
وابأبى من رمانى ... بأسهم اللّحظ والجفون
(3/84)

فانفردت بى شجون قلب ... أدنين عمرى من المنون
فصرت فوق الفراش شخصا ... مستترا غير مستبين
لم يترك السّقم لى لسانا ... ينطق عنّى سوى الأنين
ومن مليح شعره ما وجدته له فى كتاب بخط ابراهيم بن شاهين:
ما أولع الحبّ بالكرام وما ... أولع بالهجر كلّ محبوب
قد حجب الهجر من هويت فما ... يسعفنى وهو غير محجوب
قال وأحسبه فى هذا:
يا من يراه النّاس دونى ولا ... أراه، طوبى لعيون تراك
أنت الّذى إن غاب بدر الدّجى ... إن يكسف الظّلمة نور سواك»
وأنت من لو خيّر الحسن أن ... يملكه خلق إذا ما عداك
وما يشمّ النّاس من وردهم ... فانّما منشؤه وجنتاك
وقال
وابأبى ظبى رمى مهجتى ... سهم له لم يخطىء المقتلا
ونام عن ليله صبّ به ... قد كتب الحبّ عليه الجلا
يشكو فلا يرحمه إن شكا ... لأنّه سال وذا ما سلا
(3/85)

ومن يكن ذا صحّة سالما ... فقلّ ما يرحم أهل البلا
ومما يغنى من شعره:
هجرت مولاى يوما ... بعزمة لا تواتى
فصيّرت لى هموم ... تدنين منّى وفاتى
فقلت يا من بكفّ ... يه عيشتى ومماتى
جرّبت هجرك يوما ... قتلت منه حياتى
حدّثنا عون بن محمد قال حدثنى محمد بن سليمان بن داود عن أبيه سليمان- وكان يكتب لأم جعفر- قال كنت جالسا مع عبد الله بن الهادى فمر به خادم لصالح بن الرشيد، فقال له ما اسمك فقال اسمى «لاتسل» قال فأعجبه حسنه وحسن منطقه، فقال لى قم بنا حتى نسر اليوم بذكر هذا البدر فقمت معه، فأنشدنى فى ذلك اليوم:
وشادن مرّ بنا ... يجرح باللّحظ المقل
مظلوم خصر ظالم ... منه إذا يمشى الكفل
اعتدلت قامته ... والّلحظ منه ما عدل
بدر تراه أبدا ... طالع سعد ما أفل
سألته عن اسمه ... فقال إسمى «لاتسل»
وطلعت من وجنتي ... هـ وردتان من خجل
(3/86)

فقلت ما أخطا الّذى ... سمّاك بل نال المثل
لا تسألن عن شادن ... فاق جمالا وكمل
قال وكان يعمل فيه أشعارا فقال:
يا من غدا أقران شمس الضّحى ... يشهد بالفضل له والقمر
ومن به يظلم قلبى ولو ... تطيعه سلوته لا نتصر
تفهّمن قولى من نظرتى ... فانّما رسلى اليك النّظر
كم لى إلى وجهك من نظرة ... لو نطقت قامت مقام الخبر
وله فى وزن الشعر اللامى فى «لاتسل» وبعض الناس يجعله شعرا واحدا:
عزّ الّذى يهوى وذلّ ... صبّ الفؤاد مختبل
جدّ به الهجر وذا ال ... هجر إذا جدّ قتل
من شادن منتطق ... فاق جمالا وكمل
تناصف الحسن به ... فلا تسل عن لا تسل
(3/87)

أبو عيسى بن الرّشيد
«واسمه أحمد وقيل محمد وأمه بربرية» حدّثنا مشيح بن حاتم العكلى قال حدثنا ابراهيم بن محمد قال انتهى جمال ولد الخلافة إلى أولاد الرشيد، وكان فيهم الامين وأبو عيسى، لم ير الناس أجمل منهما قط. قال وكان أبو عيسى إذا عزم على الركوب جليس له الناس حتى يروه أكثر مما يجلسون للخلفاء حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حدثنا أبو غالب محمد بن سعيد الصغدى قال جلس أبو عيسى بن الرشيد وطاهر بن الحسين يتغذيان مع المأمون، فأخذ أبو عيسى خلا بأصبعه فأرسله إلى عين طاهر، فغضب طاهر وقال: ليس لى إلا عين واحدة يتولع بى فيها! فسكن المأمون منه، وقال إنه يمزح معك مزح الاخوة قال وهو القائل فى الامين لما قتل، وكان الامين يكنى بأبى موسى وبأبى عبد الله جميعا:
يا أبا موسى وعبد ... الله قد غالتك غول
لست أذرى كيف أر ... ثيك ولا كيف أقول
لم تطب نفسى أسمّي ... ك قتيلا يا قتيل
وهو القائل وأنشده الناس له:
أسهرنى ثمّ رقد ... ومارثى لى من كمد
(3/88)

ظبى إذا زدت هوى ... وذلّة تاه وصدّ
وا عطشى إلى فم ... يمجّ خمرا من برد
حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن المهدى قال سمعت هبة بن إبراهيم ابن المهدى يقول سمعت أبى يقول للمأمون: أحب المحاسن كلها لك، حتى لو أمكننى أن أجعل وجه أبى عيسى لك لفعلت.
حدّثنا الغلابى قال حدثنا إسحاق بن عيسى قال كان طاهر يعادى أبا عيسى بن الرشيد، ولم يكن له حيلة فيه، لمكانته من المأمون، وكان أبو عيسى يهجوه ويفخر عليه، فمن شعر أبى عيسى فيه:
إنّى امرؤ من بنى العبّاس قد علموا ... عمّ النّبىّ الّذى يسقى به المطر
منّا نبىّ الهدى والله فضّله ... ما فى الأنام له عدل ولا خطر
منّا الشّهيد ببطن الجسر قد علموا ... وجعفر وعلىّ الخير إن ذكروا
وما نسيت أبا العبّاس خيرهم ... خير البريّة قد خطّت به الزّبر
واذكر عليّا ولا تنس الشّبيه له ... محمّدا فيه قد شدّت له المرر
ودبّر الأمر ابراهيم متّسعا ... ومدّ فيه يدا ما شانها قصر
وسبعة خلفاء الله بعدهم ... أئمّة لم تشب صفوا لهم كدر
فكيف أجعل كلبا نابحا أثرى ... قد شانه عور الأفعال والعور
من طاهر وحسين جذّ أصلهما ... لولا الامام وأمر جرّه القدر
(3/89)

حدّثنا ابو أيوب سليمان بن داود المهلبى قال حدثنى القاسم بن محمد ابن عباد عن ابيه قال كان المأمون أشد الناس حبا لأخيه أبى عيسى وكان يعده للأمر بعده، ويذاكرنى ذلك كثيرا، وسمعته يوما يقول إنه ليسهّل على أمر الموت وفقد الملك، وما يسهل شىء منهما على أحد، أن يلى الأمر بعدى ابو عيسى لشدة محبتى لذلك.
حدّثنا ابو العيناء محمد بن القاسم قال حدثنا محمد بن عباد المهلبى قال لما مات أبو عيسى بن الرشيد دخلت الى المأمون وعلى عمامتى فخلعت عمامتى، ونبذتها ورائى، والخلفاء لا تعزى فى العمائم، ودنوت فقال لى «يا محمد حال القدر، دون الوطر» فقلت يا أمير المؤمنين كل مصيبة اخطأتك شوى، فجعل الله الحزن لك لا عليك.
حدّثنا عبد الله بن المعتز قال كان ابو عيسى بن الرشيد أدبيا ظريفا، وكان إذا عمل بيتين وثلاثة جودها وملحها، فمن شعره:
لسانى كتوم لأسرارهم ... ودمعى نموم بسرّى مذيع
فلولا دموعى كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لى دموع
حدّثنا ابن فهم قال حدثنا جعفر بن على بن الرشيد ان المأمون أفطر فى يوم شك، وأمر القواد بالافطار، فكتب ابراهيم بن المهدى إلى أبى عيسى وقد حصل له عنده خمسا من حذاق المغنيات:
قد تغدّى الملك ال ... مأمون من قبل الزّوال
ودعا بالرّاح إذ ... صحّ له فقد الهلال
(3/90)

وعلىّ لك خمس ... من مصابيح الضلال فاسع بالله إلى
عمّك من غير مطال
فكتب اليه أبو عيسى:
لست ممّن يمزج ال ... وعد بتكدير المقال
واحتباسى بعد ما ... عرّفتنى عين الضّلال
وخلافى لك يا ع ... مّ من الشّىء المحال
ولقد أقبلت وأغ ... ربت فنون الاعتلال
وعلىّ الله أن ... أتبع قولا بفعال
أنت يا عمّ هلال ... لى إلى وقت الهلال
حدّثنا يعقوب بن بيان قال حدثنا على بن الحسين الاسكافى، قال كنت عند ابى الصقر وعنده عريب، وكانت تجلس على كرسى كالسرير وما كانت تقوم لصلاة، فسألتها عن نفسها، فقالت أنا ابنت جعفر بن يحيى اشترى أمى فى آخر أيامه، فعتبت عليه أمه فى ذلك، فنقلها الى دار امرأة كالظئر للبرامكة، فولدتنى عندها، وماتت أمى وحدث بالبرامكة ما حدث، فباعتنى المرأة التى كنت عندها وأنا صغيرة، وسمعتها تقول «انتهى جمال أولاد الخلفاء من بنى العباس إلى ولد الرشيد: محمد الامين وأبى عيسى، ما رأى الناس مثلهما قط، وكان
(3/91)

المعتز فى طرزهما» .
حدّثنا يعقوب بن بيان الكاتب قال سمعت على بن الحسين يقول سمعت عريب تقول: وقد غنى أبو العبيس «فى غنائك شبابة من غناء أبى عيسى بن الرشيد، وما سمعت قط أحسن غناء منه، ولا رأيت أحسن وجها» .
حدّثنى احمد بن يزيد بن محمد قال حدثنى أبو عبد الله الهاشمى قال من غناء أبى عيسى بن الرشيد فى شعره:
رقدت عنك سلوتى ... والهوى ليس يرقد
وأطال السّهاد نو ... مى فنومى مشرّد
أنت بالحسن مفرد ... احسر الوجه نسعد
وفؤادى بحسن وج ... هك يشقى ويكمد
قال ومن غنائه فى شعر غيره فى طريقة الثقيل:
إذا سلكت عير ذى كندة ... مع الصّبح قصدا لها الفرقد «1»
هنالك إمّا تسلّى الهوى ... وإمّا على إثرهم تكمد
ومن غنائه فى شعر جرير فى طريقة الرمل الثانى:
حىّ الهدملة من ذات المواعيس ... فالحنو أصبح قفرا غير مأنوس
(3/92)

وغنى فى شعر الاخطل فى طريقة الثقيل الأول:
إذا ما نديمى علّنى ثمّ علّنى ... ثلاث زجاجات لهنّ هدير
خرجت أجرّ الذّيل منّى كأنّنى ... عليك أمير المؤمنين أمير
حدّثنا الغلابى قال حدثنا يعقوب بن جعفر قال قال الرشيد لأبى عيسى ابنه وهو صبى «ليت جمالك لعبد الله» يغنى المأمون، فقال له وهو صغير «على أن حظه منك لى» فعجب من جوابه على صباه وضمه اليه وقبله.
حدّثنا الحسين بن فهم، قال لما قال أبو عيسى بن الرشيد:
دهانى شهر الصّوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدّهر
ولو كان يعدينى الامام بقدره ... على الشّهر لاستعديت جهدى على الشّهر
فناله بعقب هذا صرع، فكان يصرع فى اليوم مرات إلى أن مات ولم يبلغ شهرا مثله.
حدّثنى عبد الله بن المعتز قال كان سبب موت أبى عيسى بن الرشيد أنه كان يحب صيد الخنازير، فوقع من دابته، فلم يسلم دماغه، فكان يختبط فى اليوم مرات إلى أن مات.
(3/93)

حدّثنا عون بن محمد قال سمعت هبة الله يقول مات أبو عيسى ابن الرشيد سنة تسع ومائتين، وصلى عليه المأمون، ونزل فى قبره وامتنع من الطعام أياما حتى خاف أن يضر ذلك به.
أبو أيوب محمّد بن الرّشيد
«وأمه أم ولد يقال لها خلوب من مولدات الكوفة «1» » حدّثنا عبد الله بن الحسين القطربلى قال حدثنا عمرو بن شبة قال وجد المأمون على أخيه أبى أيوب فجفاه، ثم كلم فيه فرضى عنه، ولم يدع به، فعمل شعرا وصاغ فيه لحنا فى طريقة خفيف ثقيل الأول، وطرحه على من غنى به المأمون:
لمّا غضبت حرمتنى وجفوتنى ... فقرعت سنّى عند ذاك ندامة
وزعمت أنّك قدر ضيت فسيّدى ... أرنى على الرّضوان منك علامة
فلما غنى به المأمون سأل عن الشعر فأخبر فأعجبه، وأحضر أبا أيوب ورضى عنه.
«ومن شعره فى المأمون»
يا إمام العدل طالت غيبتى ... عنك فالحاسد مبسوط اللّسان
عاقب المذنب إن شئت ولا ... تلقه بالهجر فى بحر هوان
(3/94)

ارنى وجه رضى جدت به ... أك من سوء ظنونى فى أمان
حدّثنا جبلة بن محمد الكوفى قال أقام ابو السرايا مقام ابن طباطبا العلوى محمد بن محمد بن زيد بن على وكان شجاعا فصيحا إلا أنه كان لين الكلام، فقال ابو أيوب بن الرشيد يهجوه:
أأنت يا نبت أبى طالب ... فى الفتنة الصّمّا ركضت
وقمت فى النّاس على منبر ... حضضت فى الحرب وحرّضت
قد قلت لمّا سست أجنادهم ... ضاعت أمور الجند إذ سست
صرت على ما بك من خنثة ... إبنا وما إن زلت كالبنت
وغنى فى هذا الشعر، والشعر لعيسى بن ربيب.
إن لم تكن لى سكنا ... فلا سعت بى قدمى
يا سقمى فى صحّتى ... وصحّتى فى سقمى
اسمع لشكوى عاشق ... مذ سنة لم ينم
فانّ حبّى لك قد ... مازج لحمى ودمى
وهو القائل:
وشادن حمّلنى حبّه ... من ثقل الصّبوة ما لا أطبق
لحاظ عينيه بأخذ الّذى ... يريده من كلّ قلب دفيق
(3/95)

إنّى عليه من ضنى جفنه ... ومرض اللّحظ لصبّ شفيق
يفيق أهل السّقم من سقمهم ... وعينيه من سقمها ما تفيق
وقال:
وساحر الألحاظ والطّرف ... صوّر من حسن ومن ظرف
يعطفنى الحسن عليه وما ... يعرف من برّ ولا عطف
بى وإله النّاس من حبّه ... ما جاز عن حدّ وعن وصف
هذا على أنّى خوف العدى ... أظهر منه دون ما أخفى
وجدت بخط الشاهينى أبى إسحاق أن أبا أيوب بن الرشيد كان يعمل الاشعار فى خادم لبعض إخوته، قال وفيه يقول:
مررت بزاه على بابه ... فسلّمت راجى إيجابه
فما دار من صلف طرفه ... إلىّ لكثرة إعجابه
فأورثنى لوعة أسلمت ... فؤادى إلى يد أوصابه
فقلت مقال امرىء خيّبت ... وسائله عند أحبابه
إذا ما تكدّر عيش الفتى ... فانّ المنيّة أولى به
وفيه يقول:
ضاق بى للصّدود واسع أرضى ... بين طول منها فسيح وعرض
(3/96)

ومشى السّقم بين أحشاى حتّى ... صار بعضى للسّقم يرحم بعضى
قلت والغمض قد تمنّع واللّي ... ل مقيم ما إن يهمّ بنهض
أىّ ذنب أذنبت يا ربّ حتّى ... حلّ غمض الورى وحرّم غمضى
وقال، وفيه لحن طريقته فى الهزج:
زهيت فى حسنك يا زاهى ... فحبل وصلى خلق واهى
أنت إذا أقبلت فى موكب ... شغل لأبصار وأفواه
سهوت عنّى حين أذكرتنى ... حبّك ما الذّاكر كالسّاهى
بليت من حينى بذى قسوة ... مستصعب الجانب تيّاه
والله ما أصغيت ضنّابه ... لآمر فيه ولا ناه
عبد الله بن محمّد الأمين
ظريف أديب، ويكنى أبا محمد، قليل الشعر جدا، لم يمر فيمن ذكرناه أقل شعرا منه، وكان ينادم الواثق، وكانت له ضيعة تعرف بالعمرية، فأقام بها أياما، فكتب اليه أبو نهشل بن حميد، وكان صديقه:
سقى الله بالعمريّة الغيث منزلا ... حللت به يا مؤنسى وأميرى
فأنت الّذى لا يخلق الدّهر ذكره ... وأنت أخى حقّا وأنت سرورى «1»
(3/97)

فكتب اليه عبد الله:
لئن كنت بالعمريّة اليوم لاهيا ... فانّ هواكم حيث كنت ضميرى
فلا تحسبنّى فى هواك مقصرا ... وكن شافعى من سخطكم ومجيرى
حدّثنا عبد الله بن المعتز قال من شعر عبد الله بن [محمد] الامين يقوله للمعتمد:
رأيت الهلال على وجهكا ... فما زلت أدعو إلهى لكا
فلا زلت تحيا وأحيا معا ... وآمننى الله من فقدكا
وأنشدنا له:
ألا يا دير حنظلة المفدّى ... لقد أورثتنى تعبا وكدّا «1»
أزفّ من الفرات اليك زقّا ... وأجعل فوقه الورد المندّا «2»
[وأبدأ بالصّبوح أمام صحبى ... ومن ينشط لها فهو المفدّى
ألا يا دير جادتك الغوادى ... سحابا حمّلت برقا ورعدا
يزيد بناءك النّامى نماء ... ويكسو الرّوض حسنا مستجدّا «3» ]
حدّثنا عبد الله بن المعتز، قال كانت كتلة «4» مولاة عبد الله بن [محمد] الامين أعطتى وأنا حدث أوراقا صالحة من شعر عبد الله، فضاعت
(3/98)

منى بالحداثة، ولم أحفظ منها إلا ما أنشدت ومن شعره:
تطاول اللّيل حتّى ... ما إن يهمّ بفجر
ومسعدى من دجاه ... دمع على الخدّ يجرى
من منصفى من ظلوم ... اليه منه مفرّى
وهو القائل:
يا من به كلّ خلق ... يراه صبّ متيّم
ومن يخالك حسنا ... فما تراه يكلّم
لا شىء أعجب عندى ... ممّن يراك فيسلم
وسمعت من يذكر أن فيه غناء فى طريقة الرمل الثانى وقال:
قد كوى القلب بنيران ... فصرت منها إلف أحزان
طرفى ما تنفكّ آماقه ... من مطر سحّ وتهتان
يسعد فى الدّمع فان سمته ... يوما بردّ النّفس عاصانى
وقال:
جار على وجنته مدمعه ... وزال عمّا قد رجا مطمعه
من حبّ ظبى لك فى وجهه ... إذا تجلّى قمرا يطلعه
(3/99)

أعطى رقّ الحسن ملكا فما ... أصبح عنه أحد يدفعه
فى خدّه من صدغه عقرب ... تلسع من شاء ولا تلسعه
حدّثنى عون بن محمد الكندى قال كانت بين عبد الله بن محمد الامين وبين أبى نهشل بن حميد مودة، فاعترض عبد الله جارية مغنية من بعض نساء بنى هاشم، وأعطى بها مالا عظيما، فعرفت منه رغبة فيها فزادوا عليه فى السوم، فتركها ليكسرهم.
فجاء أخ لابى نهشل فاشتراها وزاد، فتتبعتها نفس عبد الله فسأل أبا نهشل أن يسأل أخاه النزول عنها، فسأله ذلك فوعده ثم تأخر ذلك، فكتب عبد الله إلى أبى نهشل
يا ابن حميد يا أبا نهشل ... مفتاح باب الحدث المقفل
يا أكرم النّاس ودادا ويا ... أرعاهم لحقّ ضائع مهمل
أحسنت فى ذاك وأجملت بل ... جزت فعال المحسن المجمل
بيتك فى ذى يمن شامخ ... تقصر عنه قنّتا يذبل
خلّفت فينا حاتما ذا النّدى ... وجدت جود العارض المسبل
أى أخ أنت لدى وجده ... تركته بالعرّ فى جحفل
نجوم حظّى منك مسعودة ... فيما أرجّى ليس بالأفّل
فصدّق الظّنّ بما قلته ... وسهّل الأمر به يسهل
(3/100)

لا تحرّمنى، ولديك المنى ... ظبية صيد الرّشأ الأكحل
رميت منه بسهام الهوى ... وما درى بالرّمى فى مقتلى «1»
أدنيتنى بالوعد فى صيده ... إدناء عطشان من المنهل
ثمّ تناسيت وسلّمتنى ... إلى مطال موحش المنزل
تركتنى فى لجّة عائما ... لا أعرف المدبر من مقبل
صرّح بأمر واضح بيّن ... لا خير فى ذى لبس مشكل
وهو القائل
جارية قد شفّنى هواها ... ترسل سهم الحتف مقلتاها
سبحان من فى حسنها براها ... قد حجبت عنّى فما ألقاها
ولست إلّا نائما أراها ... أذكرها دهرى فلا أنساها
بغّضها الله إلى مولاها
هارون بن المعتصم
وقيل اسمه محمد باسم أبيه فغيره هو، وقال لا أتسمى باسم أبى أو أخى فحصل على هارون، أنشدنا عبد الله بن المعتز لهرون بن المعتصم وحدثنى بعض أصحابنا قال قالها بحضرتى:
حمدى لربّى وشكرى ... عاب الهدادىّ شعرى
(3/101)

وليس يدرى المسي ... كين أنّه ليس يدرى
وأنشدنا عبد الله بن المعتزله أيضا:
إذا ما خاننى يوما جوادى ... جعلت الأرض لى فرسا وثيقا
وجالت راحتى بالسّيف حتّى ... ترى فى الهام من ضربى طريقا
وأنشدنا عبد الله بن المعتز، قال أنشدنى بعض أصحابنا له:
فرد الملاحة ماله شبه ... فلكلّه من كلّه نزه
جعل الفتور للحظه كحلا ... فجفونه حسن بها المزه «1»
وأنشدنى له عبد الله بن عبد الملك أبو محمد الهدادى:
وشادن يفضح بدر الدّجى ... والبدر فى ليلته يزهر
يجحد أنّى مستهام به ... فهو لقولى أبدا منكر
وقد كسانى سقمى حلّة ... تظهر من وجدى الّذى أستر
يكفيك منّى شاهدا أنّنى ... إليك من بين الورى أنظر
حدّثنى الهدادى قال عبث هارون يوما بغلام لحمزة بن المعتز، فقال له دعنا فقال له:
أخرج السّحر من جفونك عنّا ... ثمّ إن لم ندعك نحن فدعنا
(3/102)

ثم قال لى أريد أن أزيد على هذا فقال:
وغزال إذا تمنّيت يوما ... فهو لا غيره الّذى أتمنىّ
يتجنّى فان نطقت بعذرى ... ردّه ظالما له وتظنّى
أيّها اللّائم العيون إذا ... أبصرت من وجهه جمالا وحسنا
أخرج السّحر من جفونك عنّا ... ثمّ ان لم ندعك نحن فدعنا
حدّثنا عبد الله بن المعتز قال حدثنى جيران هارون بن المعتصم أن الهدادى غلب على أشعار له وانتحلها، لأن شعره مما لم بدر بين الناس. وأنشدنى [عبد الله بن المعتز] بعقب هذا الحديث له:
زارنى طيفه هبوب المنادى ... فتناجى فؤاده وفؤادى
قال شخصى لشخصه سيّدى زر ... ت كأنّا كنّا على ميعاد
وقال:
وشادن ان قست بدر الدّجى ... بوجهه كنت مبين المحال
تحسده شمس الضّحى وجهه ... والغصن الغضّ على الاعتدال
وصاحب النّقصان من شأنه ... أن يحسد الكامل فضل الكمال
وقد سمعت بعض الطنبوريين يتغنى فى هذه الابيات
(3/103)

ومما أنشده له ابن المعتز بيت واحد؛ ولم أسمع له منه غيره:
سيّدى أنت أحسن البريّة وجها ... فلتكن أحسن العباد فعالا
وكان عبد الله بن المعتز يزعم أن شعر هذا كثير، ولكنه كان لا يظهره، ووجدت من شعره:
وغزال أعطاه مليك القلوب ... لحظ عين تحلّ كسب الذّنوب
أنا منه مروّع كلّ يوم ... بوعيد أو هجرة أو مغيب
يا دوائى إذا تطاول دائى ... وطبيبى إذا فقدت طبيبى
أنت أجريت دمع عينى بال ... هجر وعلّمتنى لحاظ المريب
أبو عيسى محمّد بن المتوكّل
كان أبو عيسى من أفضل أولاد المتوكل نفسا وعلما وعقلا وديانة، وكان له درس معروف من القرآن فى كل يوم وليلة، لا يخليه ولا يشتغل عنه، وكان يعنى بصلاة القيام، حتى يقال إنها ما فاتته قط.
حدّثنا ابراهيم بن عبيد الله قال لما أوقع بالمهتدى وجعل فى دار سمع ضجة الناس وتكاثرهم، فقال ما هذا؟ قالوا بايع الناس أحمد بن المتوكل، قال ابن فتيان؟ قالوا نعم، قال ويل لهم فهلا أبا عيسى، فانه كان أقوم بحق الله. وكان أبو عيسى قد سمع حديثا كثيرا، وعرف شيئا من الفقه، وكان يلزمه جماعة من العلماء لا يفارقونه، وله شعر قليل أكثره فى الزهد.
(3/104)

أنشدنى محمد بن يحيى لابى عيسى:
فارقت ألّا فى وخلّانى ... أبكاهم الدّهر وأبكانى
لم يضع الدّهر لهم واحدا ... إلّا ولى من ذاكم اثنان
حدّثنا أحمد بن يزيد قال لما عزم المعتمد على الخروج إلى الشام والموفق إذ ذاك يحارب الخائن بالبصرة، والدنيا مضطربة، أشار عليه أبو عيسى أخوه ألا يفعل، وحرص به، فأبى عليه، فقال أبو عيسى وعمل لحنا فيه:
أقول له عند توداعه ... وكلّ لعبرته مبلس
لئن قعدت عنك أجسادنا ... لقد رحلت معك الأنفس
ومن شعره:
إلى الله أشكو ما أرى من زماننا ... وكثرة ما فيه من الجور والظّلم
وأنّ الموالى قد علاهم عبيدهم ... كما قد تعالى الجهل فيهم على العلم
حدّثنى محمد بن يحيى بن أبى عباد قال كان أبو عيسى بن المتوكل يؤثرنى ويقدمنى، وكنت أحب الاتصال به لفضله ودينه. وكان ربما قال الشعر كالمتفرج لقوله وكان قد كتب الحديث وحفظ العلم، وكانت تأتيه من المعتضد بالله فرائض، فكتب إلى كتابا يقول فيه- وقد اتهم بعض جلساء المعتضد بالسعاية به، ممن كانت لأبى عيسى عنده أياد واصطناع- وأنا
(3/105)

وهو كما قال أبو قال أبو الذوائب مولى بنى قيس «1» .
إذا ما وضعت العرف فى غير أهله ... رزئت ولم تحمد ولم تتّخذ يدا
وأنشدنى محمد بن يحيى لابى عيسى بن المتوكل:
أنظر إلى الدّهر فى تصريف حالته ... فانّه ما وفى غدرا لانسان
فلا تمايله مغترّا بطاعته ... فسوف يعقبها منه بعصيان
ولا يغرّنك سلطان ظفرت به ... نسبت فيه إلى ظلم وعدوان
وجاز إحسان من أولاك عارفة ... بالشّكر عمّا أتى منه وإحسان
قال لى محمد بن يحيى: وأظنه كان يعرض بالموفق فى هذا القول وشبهه، ويحضه على ابن المعتمد وتوفيته حقه- ومن شعره
أذكر الله باللّسان وبالقل ... ب على شدّة وعند الرّخاء
واعتمد شكره على كلّ حال ... لا تكوننّ كافر النّعماء
حدّثنى أبو الحسن أحمد بن محمد الاسدى قال حدثنى من سمع أبا عيسى يقول وقد أمر بالركوب ليحدر من سر من رأى:
سيكون الّذى قضى ... سخط العبد أم رضى
ليس هذا بدائم ... كلّ هذا سينقضى
وهذان البيتان لابى العتاهية من أبيات
(3/106)

بسم الله الرّحمن الرّحيم
أبو العبّاس عبد الله بن المعتزّ بالله
شاعر مفلق محسن حسن الطبع، واسع الفكر كثيرا الحفظ والعلم يحسن فى النظم والنثر، من شعراء بنى هاشم المتقدمين وعلمائهم، ومن نشأ فى الرواية والسماعة، يكثر فى مجلسه من حدثنا وأخبرنا سمع من صعود صاحب الفراء، وأخذ عنه اللغة والغريب، وعن أعراب فصحاء كانوا يقدمون سر من رأى، وسمع عن أحمد بن أبى فنن، وعن الحسن بن عليل العنزى. وما رأيت عباسيا قط أجمع منه ولا أقرب لسانا كان من قلب، وكان يقدم أهل العلم ويؤثرهم وكان أبو العباس محمد بن يزيد المبرد يجيئه كثيرا ويقيم عنده، وكان ذلك سائغا لمحمد بن يزيد لكثرة مجيئه إلى إسماعيل بن إسحاق القاضى، وقرب القاضى من منزل ابن المعتز.
وكان قد لقى أبا العباس أحمد بن يحيى مرات، وكان يبعث اليه فيسأله عن الشىء بعد الشىء.
وكان أحمد بن سعيد الدمشقى مؤدبه لا يفارقه، وكانت داره مغاثا لاهل الادب، وكان يجالسه منهم جماعة وكان رأيه مخالفا لرأى العامة إلا أنه كان يسلم عليه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يذكر له أحد منهم إلا عدد فضائله وناضل عنه ونصره، إلا أنه كان
(3/107)

يقدم بنى هاشم ويفضلهم، وما سمعته فى حال من الاحوال ينقص أحدا ولا عرض بذلك ولا أومأ إليه. ثم حدث له فى آخر أيامه شعر فيه مفاخرة لأهله وبنى عمه الطالبيين، وكان يرى أنهم يناقضونه الشعر فكان قوله يمضى على ذلك، وتمر له أبيات يتأول فيها شيئا فيتأول أعداؤه غير ذلك، ويحتمل الشعر المعنيين. حتى اجتمع اليه جماعة من الطالبيين منهم أبو الحسين محمد بن الحسن المعروف بابن البصرى وكان يجالسه على قديم الايام. ومنهم القاسم بن إسماعيل فحلفوا له أنه ما يقول هذه الاشعار أحد منهم، فتندم على ما كان من قوله على أنى وجدت عنه أشعارا يتكذب فيها على العباس رضى الله عنه وعلى أفاضل ولده وعلى الخلفاء رحمة الله عليهم أكثرها لم يظهر.
وكان يقول من عذيرى من الناس تأتينى مثل هذه الاشعار فأجيب بتعريض عن مائة كلمة قد صرح بها كلمة، فأنسب إلى ما أنسب اليه. ثم عمل أشعارا يعتذر فيها ويمدح أمير المؤمنين عليا وولده عليهم السلام، وأعطى الله عهدا ليقولن باقى عمره فى هذا الفن.
ولو كان عندى ما يظنه قوم من أعدائه وينسبونه إلى أنه كان يعتقده ولم يظهر منه ندم منه وتوبة على ما كان يتأول عليه فيه، لما استجزت أن تجرى له ذكر فضيلة على لسانى أبدا وليس بمسلم عندى ولا عاقل ولا ذى مروءة من علم أن
(3/108)

رجلا فارق الدنيا وفيه ميل على أمير المؤمنين على بن ابى طالب عليه السلام أو أحد من ولده ثم أعتقد ودا له أو ميلا اليه أو ثناء عليه وليس بمسلم ولا عاقل عندى من علم هذا من أب فانتسب اليه أو من ابن فأقر به. وأنا مبتدىء بما هو أجدى على ابن المعتز من فضيلة الشعر بالشواهد على بطلان ما اعتقده قوم فيه أو أنه فارق الدنيا وهو عليه ان شاء الله.
حدّثنى أبو القاسم الحسن بن محمد بن على بن محمد بن يحيى بن الحسين ابن زيد بن بنت على بن محمد الحمانى قال حدثنى ابو الحسين محمد بن الحسن العلوى المعروف بابن البصرى قال كنت أجالس عبد الله ابن المعتز وكان يحلف لى بالله لئن ملك من هذا الامر شيئا ليجعلن البطنين بطنا واحدا، وليزوجن هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء، وقال لا أدع طالبيا يتزوج بغير عباسية، ولا عباسى بغير طالبية، حتى يصيروا شيئا واحدا، وأجرى على كل رجل منهم عشرة دنانير فى الشهر، وعلى كل امرأة خمسة دنانير، واجعل لهم من الدنيا ناحية تفى بذلك ومن أشعاره التى كانت من آخر قوله فى آخر أيامه ما أنشدنيه لنفسه:
رثيت الحجيج فقال العدا ... ة سبّ عليّا وبنت النّبى
أآكل لحمى وأحسو دمى ... فيا قوم للعجب الأعجب
(3/109)

علىّ يظنّون بى بغضه ... فهلّا سوى الكفر ظنّوه بى
إذا لا سقتنى غدا كفّه ... من الحوض والمشرب الأعذب
بلى قرمطيّين متّوا إلي ... هـ بالّنسب الأفجر الأكذب
سببت فمن لامنى فيهم ... فلست بموصى ولا معتب
مجلّى الكروب وليث الحرو ... ب فى الرّهج السّاطع الأصهب
وبحر العلوم وغيظ الخصوم ... متى يصطرع وهم يغلب
يقلّب فى فمه مقولا ... كشقشقة الجمل المصعب
وأوّل من ظلّ فى موقف ... يصلّى مع الطّاهر الأطيب
وكان أخا لنبىّ الهدى ... وخصّ بذاك فلا يكذب
وكفء لخير نساء العبا ... د ما بين شرق إلى مغرب
وأقضى القضاة بفصل الخطا ... ب والمنطق الأعدل الأصوب
وفى ليلة الغار وقّى النّبىّ ... عشاء الى الفلق الأشهب
وبات دريّته فى الفرا ... ش موطّن نفس على الأصعب
وعمرو بن عبد وأصحابه ... سقاهم حسا الموت فى يثرب
فسل عنه خيبر ذات الحصو ... ن تخبّرك عنه وعن مرحب
(3/110)

وسبطاه جدّهما أحمد ... فبخ بخ لجدّهما والأب
فيا أسدا ظلّ بين الكلا ... ب ينهشنه دامى المخلب
ولا عجب غير قتل الحسي ... ن ظمآن يقصى عن المشرب
لئن كان روّعنا فقده ... وفاجاه من حيث لم يحسب
فكم قد بكينا عليه دما ... بسمر مثقّفة الأكعب
وبيض صوارم مصقولة ... متى يمتحن وقعها يرسب
وكم من شعار لنا باسمه ... يجدّد غيظا على المذنب
وكم من سواد حددنا به ... وتطويل شعر على المنكب
ونوح عليه لنا بالصّهيل ... وصلصلة اللّجم فى مقنب
وذاك قليل له من بنى ... أبيه ومنصبه الأقرب
وأنشدنا عبد الله بن المعتز لنفسه:
قيل إنّى لعلىّ مبغض ... مصّ من يزعم هذا ودخل
لعنة الله على مبغضه ... كلّما صلّى مصلّ وابتهل
والّذى زوّر قولا كاذبا ... أثبت الله له قرن وعل
وهو عندى فرخ سوء حملت ... أمّه لا شكّ من ذاك العمل
(3/111)

وله بعد هذا اعتذار كثير فى قصائد الا أنه خلط الاعتذار ببعض الاحتجاج فلم أذكره، والذى ذكرته عنه هو آخر ما قاله وعليه فارق الدنيا.
وقال من أبيات:
زعمت بأنّى يا مبغّض مبغض ... عليّا فما فخرى إذا فى المحافل
أآكل من لحمى وأشرب من دمى ... كذبت لحاك الله يا شرّ واغل
علىّ وعبّاس يدان كلاهما ... يمين سواء فى العلى والفضائل
فهذا أبو هذا وهذا كم ابن ذا ... فهل بين هذين اتّساع لداخل
ستسمع ما يخزيك فى كلّ محفل ... وتمسح رأس العارف المتغافل
وقال فى قصيدة أولها:
أبعد البين صبر أم هجود ... أبى ذاك التّذكّر والسّهود
وفيها:
أليس محمّد منّا فحسبى ... به فخرا وما فيه مزيد
به طلعت نجوم الحقّ سعدا ... وبيّنت الشّرائع والحدود
وفارسنا علىّ ذو المعالى ... هناك الفضل والأمر الرّشيد
وأوّل مؤمن وأخو نبىّ ... وميمون نقيبته سعيد
(3/112)

وقال
قل لقريش دعى الاسراف واقتصدى ... إنّ عليّا وعبّاسا يدى ويدى
إن تسخطوهم تروا أسيافنا معهم ... إنّا وإيّاهم روحان فى جسد
وقال
بنى عمّنا عودوا نعد لمودّة ... فانّا إلى الحسنى سراع التّعطف
وإلّا فانّى لا أزال عليكم ... محالف أحزان كثير التلهّف
لقد بلغ الشّيطان من آل هاشم ... مبالغه من قبل فى آل يوسف
ومنزلة عبد الله فى الشعر منزلة شريفة، وقد وقع من قوم إفراط فى أمره وتقديمه وكان أبو العباس أحمد بن يحيى يقدمه، ويقول «هو أشعر أهل زمانه» وكان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يقول «هو أشعر قريش، لأنه ليس فيهم من له مثل فنونه «لأنه قال فى الخمر، والطرد، والغزل، والمديح، والهجاء، والمذكر، والمؤنث، والمعاتبات والزهد، والاوصاف، والمراثى.... فأحسن فى جميعها، وهو حسن التشبيه، مليح الألفاظ، واسع الفكر.
وكان أحمد بن اسماعيل الكاتب نطاحة يقول «هو أشعر بنى هاشم» وآل وهب كلهم يقدمونه، ويقولون فيه مثل هذا القول وهو يأخذ كثيرا من الناس، ويستعين فيحسن، وكثيرا ما يتكىء
(3/113)

على نفسه، وهو يفضل أشباهه بألفاظ له ملوكية.
وسمعت بعض العلماء بالشعر يقول «أول الشعراء المنقدمين فى صفة الخمر الأعشى ثم الأخطل ثم أبو نواس ثم الحسين بن الضحاك ثم عبد الله بن المعتز، فقلت أنا هو أيضا عندى متقدم فى الغزل لأن الشعراء الذين أحسنوا فى الغزل حتى تفردوا به وكان الغزل قطعة من شعرهم معروفة قليلون، وخاصة من عمل فى المذكر والمؤنث وهو «1» أول من حصل هذا، وجعله فنين وأضاف اليه فنا ثالثا سماه مجونا وكثره حتى تقدم فيه من سبقه وتبعه الناس.
أخبار لعبد الله بن المعتزّ
كان عبد الله بن المعتز يحب لقاء أبى العباس احمد بن يحيى
ويعلمه ذلك، وكان أبو العباس احمد بن يحيى يعتذر اليه فى تخلفه عنه بأنه ضعف عن أن يمضى إلى أحد.
فكتب اليه عبد الله يعرفه شوقه اليه، ويصف مقداره فى العلم. ويعتذر من ترك إتيانه، لأن الركوب ليس بسائغ له:
ما وجد صاد فى الحبال موثق ... بماء مزن بارد مصفق «2»
بالرّيح لم يطرق ولم يرنّق ... جادت به أخلاف دجن مطبق
(3/114)

بصخرة إن تر شمسا تبرق ... فهو عليها كالزّجاج الأزرق
صريح غيث خالص لم يمذق ... إلّا كوجدى بك لكن أتّقى «1»
يا فاتحا لكلّ علم مغلق ... وصيرفيّا ناقدا للمنطق
إن قال هذا بهرج لم ينفق ... إنّا على البعاد والتّفرّق
لنلتقى بالذّكر إن لم نلتق
فكتب اليه أبو العباس يشكره عن قوله، ويقول له أول أبياتك تشبه قول جميل:
فما صاديات حمن يوما وليلة ... على الماء يغشين العصىّ حوانى
لوائب لم يصدرن عنه لوجهة ... ولا هنّ من برد الحياض دوانى
يرين حباب الماء والموت دونه ... فهنّ لأصوات السّقاة روانى
بأوجد منّى عيل صبر ولوعة ... عليك ولكنّ العدوّ عدانى
وآخر الأبيات يشبه قول رؤبة:
إنّى وإن لم ترنى فانّنى ... أراك بالغيب وإن لم ترنى
أخوك والرّاعى لما استرعيتنى
وحدّثنى بعض أصحابنا قال كنت عند أبى العباس أحمد بن يحيى
(3/115)

وحوله جماعة فجاء ابن المعتز يسلم عليه، فقام اليه وأجلسه مكانه، فداس قلما فكسره، فقال على البديهة:
لكفىّ وتر عند رجلى لأنّها ... أبادت قتيلا ما لأعظمه جبر
وكنا يوما نتغدى مع عبد الله بن المعتز وغلام يذب عنا، فأصابت المذبة رأس رجل على المائدة بالسهو من الغلام، فقال عبد الله من وقته:
قل لمن ذبّ ذبّ نفسك عنّا ... حسبنا منك أو فحسبك منّا
ودخلت يوما على عبد الله بن المعتز وقد هدم أكثر داره وهو ينظر إلى الضناع وكيف يبنون قبة له، فكأنى أشفقت من الغرم مع قلة الدخل، فأومأت بالقول إلى ذلك، فأنشدنى مساعد الى:
ألا من لنفس وأشجانها ... ودار تداعت بحيطانها
أظلّ نهارى فى شمسها ... شقيّا لقيّا ببنيانها
تسوّد وجهى بتبييضها ... وتخرب مالى بعمرانها
وكنا يوما عنده فقرأ شعرا رديئا لمتوج بن محمود بن مروان الاصغر بن أبى الجنوب بن مروان الا كبر، وكان شعرا رديئا جدا. فقال أشبه لكم شعر آل أبى حفصة وتناقضه حالا بعد حال؟
فقلنا إن شاء الأمير.
فقال كأنه ماء سخن لقليل «1» فى قدح، ثم استغنى عنه فكان أيام
(3/116)

شعر مروان الأكبر على حرارته، ثم انتهى إلى عبد الله بن السبط وقد برد قليلا، ثم إلى ادريس بن ادريس وقد زاد برده، والى أبى الجنوب كذلك، الى مروان الأصغر وقد اشتد برده، والى ابى هذا متوج وقد ثخن لبرده، والى متوج هذا وقد جمد، فلم يبق بعد الجمود شىء.
ودخلنا اليه نهنئه ببرء من علته فأنشدنا لنفسه:
اتانى برء لم أكن فيه طامعا ... كحلّ أسير شدّ بعد وثاقه
فان كنت لم أجرع من الموت حسوة ... فانّى مججت الموت بعد مذاقه
وكنا نشرب بين يديه فتثاءب بعضنا فقال:
إذا فتح القوم أفواههم ... لغير كلام ولا مطعم
فلا خير فيهم لشرب النّبي ... ذ ودعهم يناموا مع النّوّم
ومن مختار شعر عبد الله فى المديح
، على أنه قد مر فى المعتمد والمعتضد والمكتفى أشعار جياد، لا حاجة بنا إلى إعادتها:
فكّ حرّ الوجد قيد البكاء ... فاعذرينى أو [لا] فموتى بدائى «1»
[لو أطعنا للصّبر عند الرّزايا ... ما عرفناه شدّة من رخاء
(3/117)

أسرع الشّيب مغريا لى بهمّ ... كان يدعوه من أحبّ الدّعاء
ما لهذا المساء لا يتجلّى ... حياء منه سراج السّماء] «1»
قرّبا منّى عقال المطايا ... واحللا عنها عقال الثّواء «2»
حرّة يسترعف المرء من ... ها منسما مشعلا بالنّجاء
طعنت بالسّير أحشاء خر ... ق لم تمتّع معه بالبقاء
[أنفذت فى ليل التّمام وحنّت ... كحنين للصّبّ يوم التّنائى
والدّجى قد ينهض الصّبح فيه ... قائما ينشرنّ ثوب الضّياء
من لهمّ قد بات يشجى فؤادى ... ما له حال دمعتى من خفاء
إخوة لى قد فرّقتهم خطوب ... علّمت مقلتى طويل البكاء
إن أهاجو بآل أحمد حربا ... ببنيكم لا تحلبوا فى إنائى
وتحلّوا عقد التّملّك منكم ... بأكفّ قد خضّبت بالدّماء]
وخليل قد كان مرعى الأمانى ... ورضى النّفس وحسب الاخاء
غير أنّا من النّوى «3» فى افتراق ... وبلقيا ذكرنا فى التقاء
يعرف المعروف طبعا ويثنى ... بيد الجود عنان الثّناء
(3/118)

ربّ يوم عامر الكأس ظلنا ... نقرع القهوة فيه بماء
ودجى ليل بطىء الحواشى ... مدنف الرّيح قصير البقاء
أسقط الأمطار حتّى تثنىّ ال ... نّور وابتلّ جناح الهواء
زمن مرّ بنا فى نعيم ... وصباح غافل ومساء
وقال فى المعتضد بالله «1» «2»
سقيا لمنزلة الحمى وكثيبها ... إذ لا أرى زمنا كأزمانى بها
إذ لمّتى ريّا السّواد أثيثة ... صرف ولم تمزج باون مشيبها
لمّا رأيت الملك شظّى عوده ... وهوت كواكب سعده لغروبها
حرّكت تدبيرا عليه سكينة ... وخلطت ضحكة حازم بقطوبها
كم فتنة بادرت منها فرصة ... فحسمتها ووثبت قبل وثوبها
راعيت جانبها بلحظة حازم ... فطن بعقرب غلّها ودبيبها
كم قائل والهام تنظم فى القنا ... لا يصلح الخرزات غير ثقوبها
لعزائم أغمدتها فى صمته ... لا تكشف الأوهام ستر غيوبها
(3/119)

ولربّ سمع قد قرعت بحجّة ... هذّبتها من شكّها وعيوبها
أثنى عليها بالسّداد حسودها ... وقضى عليها خصمها بوجوبها
وقال
يا ربّ إخوان صحبتهم ... لا يملكون لساوة قلبا
لو تستطيع نفوسهم فقدت ... أجسادهم وتعانقت حبّا
وقال
ربّ أستبقيك نفس ابن وهب ... وسميعا قد دعوت مجيبا
ربّ ليل نمته وابن وهب ... ساهر يطرد عنّى الخطوبا
وقال
وحلو الدّلال مليح الغضب ... يشوب مواعيده بالكذب
[قصير الوفاء لأصحابه ... فهم من تلوّنه فى تعب]
سقانى وقد سلّ سيف الصّبا ... ح واللّيل من خوفه قد ذهب
عقارا إذا ما جلتها السّقا ... ة ألبسها الماء تاج الحبب
وأصلح بينى وبين الزّما ... ن وأبدلنى بالهموم الطّرب
[وما العيش إلّا لمستهتر ... تظلّ عواذله فى شغب
(3/120)

يهيم إلى كلّ ما يشتهى ... وإن ردّه العذل لم ينجذب
ويسخو بما قد حوت كفّه ... ولا يتبع المنّ ما قد وهب
فكم فضّة فضّها فى سرو ... ر يوم وكم ذهب قد ذهب]
ولا صيد الّا بوثّابة ... تطير على أربع كالعذب «1»
[وإن أطلقت من قلاداتها ... وطار الغبار وجدّ الطّلب
فزوبعة من بنات الرّيا ... ح تريك على الأرض شدّا عجب]
تضمّ الطّريد إلى نحرها ... كضمّ المحبّة من لا يحبّ «2»
[ألا ربّ يوم لها لا يذ ... مّ أراقت دما وأغابت سغب]
إذا ما رأى عدوها خلفه ... تناجت ضمائره بالعطب
لها مجلس فى مكان الرّدي ... ف كتركيّة سبيها للعرب
ومقلتها سائل كحلها ... وقد جلّيت سبجا فى ذهب
وظلّت لحوم ظباء الفلا ... على الجمر معجلة تلتهب
وطافت سعاتهم يمزجو ... ن بماء الغدير بنات العنب
[وحثّوا النّدامى بمشمولة ... إذا شارب عبّ فيها قطب]
(3/121)

فراحوا نشاوى بأيدى المدا ... م وقد نشطوا من عقال التّعب
إلى مجلس أرضه نرجس ... وأزيار عيدانه تصطخب
وحيطانه خرط كافورة ... وأعلاه من ذهب يلتهب
فيا حسنه بامام الهدى ... وخير الخلائف نفسا وأبّ
له راحة مالها راحة ... ترى جدّ نائلها كاللّعب
وأهيب ما كان عند الرّضا ... وأرحم ما كان عند الغضب
[وكم قد عفا وأقرّ الحيا ... ة فى آيس قلبه يضطرب
على طرف العيس قد حدّقت ... اليه المنايا وكادت تثب
وما زال مذ كان فى مهده ... مليّا خليقا بأعلا الرّتب
كأنّا نرى الغيب فى أمره ... بأعين ظنّ لنا لم تخب
ونسترزق الله تمليكه ... ونستعجل الدّهر فيما نحبّ
ويبدو لنا فى المنام الخيا ... ل بما نشتهيه فتنفى الكرب
بشارة ربّ لنا بلّغت ... وكانت لتعجيل شكر سبب
إلى أن دعته إلى بيعة ... فكم عتق رقّ ونذر وجب
ورثت الخلافة عن والد ... فأحرزت ميراثه عن كثب
(3/122)

ولم تحوها دون مستوجب ... ولا صادها لك سهم غرب
فلا زلت تبقى وتوقى لنا ... خطوب الزّمان وصرف النّوب]
وقال فى المعتضد بالله
عرف الدّار فحيّا وناحا ... بعد ما كان صحا واستراحا
ظلّ يلحاه العذول ويابى ... فى عنان العذل إلّا جماحا
علّمونى كيف أسلو وإلّا ... فخذوا عن مقلتىّ الملاحا «1»
من رأى برقا يضىء التماحا ... ثقب اللّيل سناه فلاحا
وكأنّ البرق مصحف قارى ... فانطباقا مرّة وانفتاحا
[فى ركام ضاق بالماء ذرعا ... حيثما مالت به الرّيح ساحا]
لم يزل يلمع باللّيل حتّى ... خلته نبّه فيه صباحا
وكأنّ الرّعد فحل لقاح ... كلّما يعجبه البرق صاحا
[لم يدع أرضا من المحل إلّا ... جاد أو مدّ عليها جناحا
وسقى أطلال هند فأضحت ... يمرح القطر عليها مراحا
ديما فى كلّ يوم ووبلا ... واغتباقا للنّدى واصطباحا
(3/123)

كلّ من ينأى من النّاس عنها ... فهو يرتاح إليها ارتياحا
لا أرى مثلك ما عشت دارا ... ربوة مخضرّة أو بطاحا
لو حللنا وسط جنّة عدن ... لاقترحناك عليها اقتراحا
وإذا ما ذرّت الشمس فيها ... فتّحت أعين روض ملاحا
فى ثرى كالمسك شيب براح ... كلّما أنبته القطر لاحا]
جمّع الحقّ لنا فى إمام ... قتل البخل وأحيا السماحا
إن عفا لم يلغ لله حقّا ... أوسطا لم نخش منه جناحا
ألف الهيجاء طفلا وكهلا ... نحسب السيف عليه وشاحا
[وله من رأيه عزمات ... وصل الله ضمنهنّ نجاحا
يجعل الجيش إدا صار ذيلا ... جرأة فيه وبأسا صراحا
فرح الأعداء بالسّلم منه ... وهو فى السّلم يعدّ السّلاحا
فرّقت أيديهم المال كرها ... ولقد كانوا عليها شحاحا
خاط أفواههم وقديما ... مزّقوها ضحكا ومزاحا
ووعوا شكوى اليه وكانوا ... ملأوا دور الملوك نباحا
أيقنوا منه بحرب عوان ... ورجال يخضّبون الرّماحا
(3/124)

وبخيل تأكل الأرض شدّا ... ملجمات يبتدرن الصّياحا
قاصدات كلّ شرق وغرب ... ناطقات بالصّهيل فصاحا
حملت أسدا من النّاس غلبا ... وكباشا لا تملّ النّطاحا
إن أغب عنك فما غاب شكر ... دعوة جاهدة وامتداحا
يا أمين الله أيّدت ملكا ... كان من قبلك نهبا مباحا]
وقال فى الموفق بالله
وفارس أغمد فى جنّة ... يقطّع السّيف إذا ما ورد
كأنّما ماء عليها جرى ... حتّى إذا ما غاب فيه جمد «1»
فى كفّه عضب اذا ما هزّه ... حسبته من خوفه يرتعد
وقال لعبد الله بن سليمان
عليم بأعقاب الأمور كأنّه ... بمختلسات الظّنّ يسمع أو يرى
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه ... تفتّح نورا أو تنظّم جوهرا
وقال
أيا موصل النّعمى على كلّ حالة ... إلىّ قريبا كنت أو نازح الدّار
كما يلحق الغيث البلاد بسيله ... وإن جاد فى أرض سواها بأمطار
(3/125)

ويا مقبلا والدّهر عنّى معرض ... يقسّم لحمى بين ناب وأظمار
ويا من يرانى حيث كنت بذكره ... وكم من أناس لا يرونى بأبصار
لقد رمت بى أمال نفسى كلّها ... فيا لهف نفسى لو أعنت بمقدار
وكم نعمة لله فى صرف نعمة ... ترجّى ومكروه حلا بعد إمرار
وما كلّ ما يهوى النّفوس بنافع ... ولا كلّ ما يخشى النّفوس بضرّار
لقد عمر الله الوزارة باسمه ... وردّ اليها أهلها بعد إقفار
وكانت زمانا لا يقرّ قرارها ... فلاقت نصابا ثابتا غير خوّار
وقال من قصيدة
اسلم أمير المؤمنين ودم ... فى غبطة وليهنك النّصر
فلربّ حادثة نهضت لها ... متقدّما فتأخّر الدّهر
ليث فرائسه اللّيوث فما ... يبيضّ من دمها له ظفر
سحب الجيوش فكم بها فتحت ... بعد التّمنّع بلدة نكر
ما ردّ عن متحصّن يده ... إلّا وقلعته له قبر
وقال فى القاسم بن عبيد الله من أبيات ... ألا سقّنيها أمّ دهر تقادمت
فلم يبق منها غير ريح ومنظر
(3/126)

على دنّها وشم لعاد وتبّع ... وفيه علامات لكسرى وقيصر
وهاجرة مهجورة قد صليتها ... على شدقمىّ كالظّليم المنفّر
وليل موشّى بالنّجوم صدعته ... إلى صبحه صدع الرّداء المحبّر
أبى لى أن أخشى الحوادث قاسم ... فجهدك فىّ استقدمى أو تأخّرى
وقال فى الموفق
عذر الهوى عند العذول رشا ... ما ليم حبّى فيه حين فشا
شقّ الظّلام البدر حين بدا ... واهتزّ غصن البان حين مشى
يسقيك من خمر بوجنته ... كأسا يزيدك شربها عطشا
[عجل الرّقيب بلحظ عاشقه ... لو دام فى وجناته خدشا
أدرجت فى الأحشاء فتنته ... فسعى البكاء بسرّها ورشا]
يا ناصر الاسلام إذ خذلت ... دعواته فأبلّ وانتعشا
لمّا استغاث وقلّ ناصره ... لبّيته وسعيت منكمشا
كاللّيث لا تبقى مخالبه ... برءا لجارحه إذا بطشا
وسط الخميس بكفّه ذكر ... عضب كأنّ بمتنه نمشا
صافى الأديم كأنّ صيقله ... كتب الفرند عليه أو نقشا
(3/127)

وقال فى المعتضد بالله
أتسمع ما قال الحمام السّواجع ... وصائح بين فى ذرى الأيك واقع
[منعنا سلام القول وهو محلّل ... سوى لمحات أو تشير الأصابع
تأبّى العيون النجل إلّا نميمة ... بما كتمت من خدّ هنّ البراقع
وإنّى لمغلوب على الصّبر إنّه ... كذلك جهل المرء للحبّ صارع]
كأنّ الصّبا هبّت بأنفاس روضة ... لها كوكب فى ذروة اللّيل لامع
توقّد فيها النّور من كلّ جانب ... وبلّلها طلّ مع اللّيل لامع «1»
[وشقّ ثراها عن أقاح كأنّها ... تهادت بمسك بطحها والأجارع «2»
الا أيّها القلب الّذى هام هيمة ... بشرّة حتّى الآن هل أنت راجع «3»
إذ النّاس عن أخبارنا تحت غفلة ... وفى الحبّ إسعاف وللشّمل جامع
وإذ هى مثل البدر يفضح ليله ... وإذ أنا مسودّ المفارق يافع]
كأن لم يحلّ الدّار سرّ وأهلها ... بلى ثمّ بانوا فهى منهم بلاقع
فقد بليت حتّى أوان وملعب ... وأشعث مغبرّ الغدائر خاشع
وإلّا أثاف كالحمائم ركّد ... كأنّ الرّماد بينهنّ ودائع
(3/128)

عجبت باعناق المطىّ كأنّها ... هياكل رهبان عليها الصّوامع
وراحت من الدّيرين تستعجل الخطا ... كأنّ ذفاريها بقار نوابع
وظلّت على ماء الدّجيل كأنّها ... وقد غرّد الحادى قطا متتابع
عرفن رسوم الأرض فانحطّ سربها ... كلؤلؤ سلك أسلمتها القواطع
سقطن إلى الغدران يشربن ماءها ... أوامن قد طابت لهنّ المشارع
إذا وطئت ميثاء أرض تركنها ... كما اعتورت طين الكتاب الطّوابع
وأبن الى زغب الرّؤوس كأنّها ... عوانى أسارى أثقلتها الجوامع
وقفن فسدّدن الأفا حيص بالفلا ... كما سدّ أفواه الخروق الرّواقع
وما أنا فى الدّنيا بشىء أناله سوى ... أن أرى وجه الخليفة قانع
وهبنى أريت الحاسدين تجلّدا ... فكيف بهمّ ضمّنته الأضالع «1»
وما أنا من ذكراه أمرى آيسا ... ومن دام حيّا علّلته المطامع
وقال
يا قاتلا ما يبالى بالّذى صنعا ... رميت قلبى بسهم الحبّ فانصدعا
لولا القضيب الّذى يهتزّ فوق نقا ... شككت فيك وفى البدر الّذى طلعا
قد تبت من توبتى بعد الصّلاح وكم ... مسافر فى التّقى والنّسك قد رجعا
(3/129)

يا خاضب السّيف قد شدّت مآزره ... وابن الحروب الّتى من ثديها رضعا
كم من عدوّ أبحت السّيف مهجته ... والسّيف أحسم للدّاء الّذى امتنعا
حملته فوق طرف لا يسير به ... كأنّه فارس فى قوسه نزعا
دسست كيدا له تخفى مسالكه ... يقظان يسرى إذا كيد العدا هجعا
وقال فى الموفق من قصيدة
اليك امتطينا العيس تنفخ فى البرا ... وللّيل طرف بالصّباح قتيل
فبتنا ضيوفا فى الفلاة قراهم ... عتيق ونصّ دائم وذميل
يحرّك برد العصب فوق متونها ... نسيم كنفث النّافثات عليل
ولمّا طغى فعل الدّعىّ رميته ... بجيش يفلّ الخطب وهو جليل
وجرّدت من أعماده كلّ مرهف ... إذا ما انتضته الكفّ كاد يسيل
ترى فوق متنيه الفرند كأنّما ... تنفّس فيه القين وهو صقيل
وقال فى المعتضد
يا راميا لم يخط لى مقتلا ... خذ من فؤادى سهمك الأوّلا
أنت مشاع القلب بين الورى ... فيا رخيص الوصل ماذا الغلا
ألا ترى ملك بنى هاشم ... عاد عزيزا بعد ما ذلّلا
(3/130)

يا طالبا للملك كن مثله ... تستوجب الملك وإلّا فلا
وقال فيه
يا صاح ودّعت الغوانى والصّبا ... وسلكت غير سبيلهنّ سبيلا
وثنيت أعناق الهوى نحو القلا ... ورأيت شأو العاشقين طويلا
وربطت جأشا كان قبل منفّرا ... وقتلت حبّا كنت منه قتيلا
ولربّ ليل لا تجفّ جفونه ... من دمعه ملق علىّ سدولا
ماتت كواكبه وأمسى بدره ... فى الأفق متّهم الحياة عليلا
دبّت بنا فى غمرة مشمولة ... حتّى توهّمنا الصّباح أصيلا
أهلا وسهلا بالامام ومرحبا ... لو أستطيع إلى اللقاء سبيلا
لا يمتطى خفضا ولا يمسى له ... طرف بمرود رقدة مكحولا
وقال
ألا حىّ ربعا بالمطيرة أعجما ... فلو كلّمت أرض إذا لتكلّما
ويوم ذعرت الوحش فيه بسانح ... إذا مادنت خيل الطّراد تقدّما
وإن شئت غادتنى السّقاة بكأسها ... وقد فتح الاصباح فى ليله فما
فخلف الدّجى والفجر قد مدّ خيطه ... رداءا موشّى بالكواكب معلما
(3/131)

وغزلان ناس لم يرين سوانحا ... يسارقن لحظا أو سلاما مكتّما
تغنّى عليهنّ المناطق كلّما ... مشين فما يتركن قلبا مسلّما
مزجن زمانا بالعيون عيوننا ... كما شعشع السّاقى الرّحيق المختمّا
ورحن إلينا بالعشىّ كأنّما ... ثنا مشيهنّ الخيزران المقوّما
وقال فى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر
يا جوهر الاخوان ... وحلية الزّمان
وذولة المعالى ... وروضة الأمانى
عش لى كعمر شكرى ... فيك فقد كفانى
أريت عين ودّى ... معايب الاخوان
ومن مختار شعره فى الهجاء
قال للنميرى وقد جاءته مغنية قصيرة كان يهواها على بغل قصير.
قد أتتنا عنك اخبا ... رك فى اليوم العجيب
ورأينا نصف بغل ... فوقه نصف حبيب
أترى إبليس يرضى ... ببنيّات الذّنوب
(3/132)

وله من أبيات
صاحبت من بعدهم معشرا ... ولم أكن فى ذاك بالرّاغب
غناؤهم شتم لجلّاسهم ... ورقصهم فى كبد الصّاحب
وقال لآل طولون
نوائح شيب فى جدار شباب ... يبكّين نفسا آذنت بذهاب
وليل كما شاء الغوىّ ادّرعته ... إلى قمر فى كلّة وحجاب
أتيناكم يا آل طولون بالقنا ... وبالبيض لا يسألن غير ضراب
عبأنا لكم جيشا بجيش جموعه ... اليكم بآساد وأشبل غاب
فهل لكم فى أنفس قبل قتلها ... وفى العفو منّا قبل سوط عذاب
وقال يهجو مغنية
غناؤها يصلح للتّوبه ... وريقها من ربد الجوبه
فبادروا بالشّرب قد أمسكت ... من قبل أن تلحقها النّوبه
وقال
وصاحب سوء وجهه لى أوجه ... وفى فمه طبل بسرّى يضرب
إذا ما حلا الاخوان كان مرارة ... تعرّض فى حلقى مرارا وتنشب
(3/133)

ولا بدّلى منه فطورا يغصّنى ... ويسطاع لى حينا ووجهى مقطّب
كماء طريق الحجّ فى كلّ منهل ... يذمّ على ما كان منه ويشرب
وقال فى خادم لعبيد الله بن مسرور
عند ابن موسى خادم رأسه ... لكلّ درّ ويد له ينطح
شيخ على جبهته طرّة ... خضابها من شيبها أقبح
كأنّه والكأس فى كفّه ... إذا تمشّى جمل يسبح
وقال لبنى طولون
يا بنى طولون ما في ... كم لشرّ من مزيد
أنتم أسد الثّريد ... ودكا كين العبيد
وقال
كم تائه بولاية ... وبعزله يعدو البريد
سكر الولاية طيّب ... وخماره صفع شديد
وله
وصاحب يسخر بى موعده ... احمد ذا العرش ولا أحمده
قول ند ينبت روض المنى ... ثم مطال بعده يحصده
(3/134)

وقال
اقطع وصالى فلست منّى ... ودم على جفوتى وهجرى
لا اشتهى الخلّ عند عيبى ... صديق قربى عدوّ وفرى
وقال
وزائر زارنى ثقيل ... ينصر همّى على سرورى
أوجع للقلب من غريم ... ظلّ ملحّا على فقير
ومن جراح بجسم ملقى ... يمخض مخضا على بعير
بلا طعام ولا شراب ... ولا حميم ولا عشير
وقال
دبسيّة الاسم لكن ... صوتها صوت عير
قبّاضة كلّ أير ... كقبض باز لطير
قالت لنا كيف أنتم؟ ... غيبى ونحن بخير
[أمرضت قلبى فما إن ... يطيق خدمة دير]
وقال
أبا طيّب من للمجالس والخمر ... وشرب غبوق أو صبوح مع الفجر
وشخب زقاق شائلات بأرجل ... كصرعى من السّودان غير ذوى أزر
(3/135)

وكم سحرا أذّنت فيه بنعرة ... تطير الكرى من آمن غير ذى ذعر
وتصفيقة فى إثر صوت سمعته ... كتصفيق مشتاق يدفّع عن وكر
وكم قربة قد بتّ تسبح فوقها ... كأنّك منها راكب لجّة البحر
وساق مليح مكره قد بطحته ... ليدخل لام البطن فى ميمة الظّهر
وتأخذ أموال الرّوافض زاعما ... بأنّك باب نافذ التّهى والأمر
وتومى إلى علم خفىّ تسرّه ... من النّاس مكتوم يصان عن الجهر
وتسخر ممّن قال إنّى عالم ... لمنتحل الأخبار والنّحو والشّعر
وتضحك منه هازئا متعجّبا ... كأنّك لا تدرى بأنّك لا تدرى
وإن طار خفّاش أشدت بذكره ... وحدّثتنا عمّا يكون من الدّهر
وقال
بليت بعد طائع ... بمانع عزيز
وخدّه من درّ ... مزوّد التّلويز
كأنّه فرنيّة ... كثيرة الشّونيز
للّنتف فيه أثر ... مخالف التّحزيز
وأنفه كسترة ... مشرفة الافريز
(3/136)

تحسبه إذا بدا ... سماجة النّيروز
وقال يهجو الخارجى بالرقة أخا صاحب الخال
يا دار أين ظباؤك اللّعس ... قد كان لى فى أنسها أنس
أين البدور على غصون نقا ... من تحتهنّ خلاخل خرس
ومراسل بنعم فجئت وقد ... شرهت إلى ميعاده النّفس
فكأنّما يسخو بضمّته ... غصن توقّد فوقه شمس
قد سرّنى بالغوطتين دم ... بالله أحلف أنّه رجس
يا عامر الخلوات كيف ترى ... لو يستطيع لمحّك؟؟؟ الرّمس
وقال لاحمد بن موسى بن بغا
يا ذا الّذى تخبر ألحاظه ... عنه بتخليط وتشويش
أنت أمير تملّه جنده ... وأنت خركوش بلا كوش
وقال يذم بغداد، ويمدح سر من رأى
هاتيك دار الملك مقفرة ... ما إن بها من أهلها شخص
عهدى بها والخيل جائلة ... لا يستبين لشمسها قرص
إذا علت صخرا حوافرها ... غادرنه وكأنّه دعص
(3/137)

والملك منشور الجناح ولم ... يهتك قوادم ريشه القصّ «1»
فمضى بذاك العيش آخره ... والهمّ ممّا سرّ يقتصّ
والدّهر يخبط أهله بيد ... فى كلّ جارحة لها قرص
أو ما ترى بلدا أقمت به ... أعلى مساكن أهله خصّ
وله مسالح يسلحون له ... لا يتّقى سطواتها اللّصّ
اسيافها خشب معلّقه ... مصبوغة وقرابها جصّ
عمّاله نبط زنادقة ... ميل البطون وأهله خمص
غلبت خيانتهم أمانتهم ... وطغى على تفواهم الحرص
فشباكهم فى كلّ رابية ... ولهم بكلّ قرارة شصّ
وأميرهم متقدّم بهم ... نحو الحرام وسيره نصّ
وكأنّ خلّ الخمر يعصر من ... وجناته أو يجتنى العفص
وقال
إنّى غريب بدار لاكرام بها ... كغربة الشّعرة السّوداء فى الشّمط
ما أطلق العين فى شىء أسرّ به ... ولست أبدى الرّضى إلّا على سخط
(3/138)

وقال
قل للقرامط أبشروا ... بمخنّث رخو رباطه
قالوا الأمير؟ نعم أمي ... ر طبل عسكره ضراطه
وقال يهجو الكتاب
وأجوف مشقوق كأنّ سنانه ... إذا استعجلته الكفّ منقار لاقط
يتيه به قوم فقلت رويدكم ... فما كاتب بالكفّ إلّا كشارط
وقال
بلينا وقد طاب الشّراب وأشعلت ... حميّاه فى الفتيان نار نشاط
بأبرد من كانون فى يوم شمأل ... وأكثر فسوا من رياح شباط
وقال
كيف لى بالسّلوّ يا شرّ كيفا ... كيف للعين أن ترى منك طيفا
وابن بشر يلومنى فى شرير ... يابن بشر جزيت بالقرض سيفا «1»
وقال
أيا من مات من شوق ... إلى لحيته الحلق
[فأمّا القصّ والنّتف ... فقد أضناهما العشق]
(3/139)

وما شابت ولكن سا ... ل من عارضها زرق
ومن يصلح للصّفع ... برأس كله فرق
وقرطاس قفا يصل ... ح فى طوماره المشق
ولو صيّر برجاسا ... لما أخطأه رشق
ويا من مدحه كذب ... ويا من ذمّه صدق
طبيب الكفّ لا يذ ... بل فى قبضته عرق
وقال فى بدعة [جارية] ابن حمدون
حدّثونا عن بدعة فأتينا ... فتغنّت فظنّ فى البيت بوق
وإذا بشوكة تقصّف يبسا ... فوقها وجه فأرة مخلوق
وقال
كم حاسد حنق علىّ بلا ... جرم فلم يضررنى الحنق
متضاحك نحوى كما ضحكت ... نار الذّبالة وهى تحترق
وقال
قد نتن المجلس من بيننا ... فكلّ من مرّ به يصعق
وكلّ من مرّ به عائذ ... بالله منه كالح يبصق
(3/140)

فقدّ إبطيك وانتفهما ... فى الصّيف بالمرتق يا أحمق
ولا تقل ما فيهما حيلة ... فالخشّ
قد يكنس أو يطبق
وله يذم قوما فى قصيدة
قوم هم كدر الحياة وسقمها ... عرض البلاء بهم علىّ وطالا
يتآكلون ضغينة وخيانة ... ويرون لحم الغافلين حلالا
وهم غرابيل الحديث إذا ... وعوا سرّا تقطّر منهم أوسالا
فرددت راحلة العتاب كليلة ... ووضعت عن أفتابها الأثقالا
ورقدت ملء العين فى فرش القلا ... وشربت من ماء الفرات زلالا
وقال
قبّح عمران وبطن حمله ... وابن له وابن ابنه ما أسفله
يحسب ظلمى ويحه سكّره ... وليس يدرى أنّ ظلمى حنظله
إيّاك منّى واجتنبنى بعدها ... فليس لحمى سائغا للأكله
وفى رضى نفسى بعد سخطها ... تأخّر وفى حسامى عجله
قد وليت ديواننا جارية ... تدخل ميلين معا فى مكحله
عفيفة الكفّ ولكن دبرها ... يسرق منّا كلّ يوم فيشله
(3/141)

دامت على ظلمى فما تنصفنى ... واستفحلت بنتى وصارت رجله
وقال وقد خرج صديق له واليا ولم يودعه
شخوص ولاية كشخوص عزل ... على دهش وعزّ مثل ذلّ
ومجنون تخلّص بعد حبس ... وأقياد وسلسلة وغلّ
ولم يقض الحقوق ولا اقتضاها ... بتسليم وتوديع لخلّ
ولم أر قبله ريحا عصوفا ... مجسّمة وطيّارا بجلّ
ووجه العزل يضحك كلّ يوم ... فيطنز فى معى الوالى المدلّ
وقال
يا بخيلا ليس يدرى ما الكرم ... حرّم اللّؤم على فيه نعم
حدّثونى عنه فى العيد بما ... سرّنى من لفظه فيما حكم
قال لا قرّبت إلّا بدمى ... ذاك خير من أضاحىّ الغنم
فاستخار الله فى عزمته ... ثمّ ضحى بقفاه واحتجم
وقال
ودبسيّة فى اللّفظ لكنّ حلقها ... كحلق حمار قطّع النّهق ملجما
يلامس منها الكفّ عيدان مشجب ... كنبّاش ناووس يقلّب أعظما
(3/142)

وعابدة لكن تصلّى على القفا ... وتدعو برجليها إذا اللّيل أظلما
وقال
لى صاحب مختلف الألوان ... متّهم الغيب على الاخوان
منقلب الودّ مع الزّمان ... يسرق عرضى حيث لا يلقانى
حتّى إذا لقيته أرضانى ... فليته دام على الهجران
وقال
كان لنا صاحب زمانا ... فحال عن عهده وخانا
تاه علينا فتاه منا ... فما نراه ولا يرانا
وقال
إنّ ابن عبدان فتى مبتلى ... غلامه ينبذ فى دنّه
قد صلع المسكين من شعره ... فليته يصلع من قرنه
وقال فى دكان كان يجلس عليه أحمد بن أبى العلا بسر من رأى لما خرج إلى بغداد وتركه،
ويهجو ابن أبى العلاء
: لقد أقفر الدّكّان من كلّ لذّة ... وعطّل من رجل وقوف وركبان
وسؤّال فسق لا يهتدون وسر ... ب ظباء من جوار وغلمان
(3/143)

ومن سعلة ترمى بأنتن بصقة ... كضفدعة ما بين أرض وحيطان
وردّة داع لم يقدّم هديّة ... بتقطيب مغتاظ وزجرة غضبان
وآخر جاءت بالهديّة رسله ... فيضحك إذ جاءت بأقذر أسنان
ومن وثبة خلف الغلام خبيثة ... ليفرسه ما بين باب ودكّان
وزائرة بعد الهدوّ كأنّها ... سنا قمر فى لجّة اللّيل عريان
إلى جيفة يستقذر الكلب لحمها ... ولكنّ مصّالجّ فى رفع إنسان
ومن خلعة قد صفّر الجذب لونها ... إذا نشّرت لا تستعين بأركان
يراها عيون السّوس فى التّخت حسرة ... ومن دونها أثناء ثوب وخيلان
لها نسب فى الأقدمين وقصّة ... لواهبها قد بيّنت أىّ تبيان
فكم صفعة إن شرّدت ثمّ زجرة ... لناشرها خرّقت يا ولد الزّانى
وكم لعبت أيدى البلا بسلوكها ... فلم يبق منها غير وهم وأركان
وتنخر من مسّ النّسيم إذا جرى ... كنخرة عيّار من الخمر نشوان
تحدّثنا عن أردشير ومزدك ... وعن آل ساسان وعن آل مروان
وكم فرس بذّ الجياد كأنّما ... تعاهده بالمسح راحة دهّان
على معلف ما فيه غير عجاجة ... ورأس عتيق مقفل الفم عطشان
(3/144)

مقيم بذلّ الجوع يأكل نفسه ... وقد كان ذا عيش خصيب وذاشان
وكم حشوة كذّابة أعلنت بها ... روائح جوف فارغ غير ملآن
يقول أكلنا لحم جدى وبطّة ... وعشر دجاجات شواء بألوان
وقد كذب الملعون ما كان زاده ... سوى زاد ضبّ يبلع الرّيح ظمآن
وكم شجّة فؤاده بائد بها ... بموجبة لم يبن مهدومها بانى
ولطمة وجه تجعل الخدّ خرّما ... وتنثر درّا لا يباع بأثمان
ومهمهة محذورة والتفاتة ... بألحاظ مجنون رأى وجه شيطان
وكم جولة لا يحسن البغل مثلها ... أتت عجلا منه وما جرّها جانى
وزكّ إذا غنّى ترجّح تحته ... كمثل ذنابى صعوة ليس بالوانى
وله
يا راكبا فوق بغل ... للأرض منها دوىّ
جرداء تذكر نوحا ... فى المهد وهو صبىّ
له إذا ما مشى لح ... ظ اليها شهىّ
لم يبق للرّحل منها ... إلّا خيال خفىّ
يعرف الرّسم منها ... شسع عليها حفىّ
(3/145)

ومن مختار شعر عبد الله فى الفخر
وسارية لا تملّ البكا ... جرى دمعها فى خدود الثّرى
سرت تقدح الصّبح فى ليلها ... ببرق كهنديّة تنتضى
ضمان عليها ارتداء اليفاع ... بأنوارها واعتجار الرّبى
وكأس سبقت إلى شربها ... عذولى كذوب عقيق جرى
يسير بها غصن ناعم ... من البان مغرسه فى نقا
ومصباخنا قمر مشرق ... كترس لجين يشقّ الدّجا
ومهلكة لامع آلها ... قطعت بحرف أمون الخطا
وذى كرب إذ دعانى أجب ... ت ولبّيته مسرعا إذ دعا
بطرف أقبّ سفيه العنان ... صافى السّبيب سليم الشّظا
وفتيان حرب يخشّونها ... بزرق الأسنّة فوق القنا
كغاب تسلّم أطرافه ... إلى لجّة من حديد جرى
وكنت له دون ما يتّقى ... مجنّا ومزّقت عنه العدا
أنا ابن الّذى سادهم فى الحيا ... ة وسادهم بى تحث الثّرى
وأسهر للمجد والمكرمات ... إذا اكتحلت أعين بالكرى
(3/146)

وقال فى قصيدة أولها: [ألا من لعين وتسكابها]
ألا من لعين وتسكابها ... تشكّى الفذى وهواها بها
ترامت بنا حادثات الفرا ... ق ترامى القسىّ بنشّابها
ايا ربّ ألسنة كالّسيو ... ف تقطّع أعناق أصحابها
وكم دهى المرء من نفسه ... فلا يؤكلنّ بأنيابها
وإن فرصة أمكنت فى العد ... وّ فلا تبد فعلك إلّا بها
وإن لم تلج [بابها] مسرعا ... أتاك عدوّك من بابها
وإيّاك من ندم بعدها ... وتأميل أخرى وأنّى بها
وما ينتقص من شباب الرّجا ... ل يزد فى نهاها وألبابها
نصحت بنى رحمى كلّهم ... نصيحة برّ بأنسابها
دعوا الأسد تفرس ثمّ اشبعوا ... بما ترك الأسد فى غابها
وقال
عتبت عليك مليحة العتب ... غضبى مهاجرة بلا ذنب
قالت أما تنفكّ ذا ملل ... متنقّلا شرها على الحبّ
إنّ الزّمان رمت حوادثه ... هدف الشّباب بأسهم شهب
فاذا رأتنى عين غانية ... قالت لرائد لحظها حسبى
(3/147)

إنّى من القوم الّذين بهم ... فخرت قريش على بنى كعب
لهم وراثة كلّ مكرمة ... وبهم تغلّق دعوة الكرب
وقال
جار هذا اللّيل وآبا ... وقراك الهمّ أوصابا
ووفود النّجم واقفة ... لا ترى فى الغرب أبوابا
ومليح الدّلّ ذى غنج ... لابس للحسن جلبابا
أثمرت أغصان داجنه ... لجناة الحسن عنّابا
وحديث قد جعلت له ... دون علم النّاس حجّابا
لا يملّ الشّىء لاقطه ... مفتن يعجب إعجابا
ثمّ أهديت إلى شمط ... مسبل فى الرّأس هدّابا
خضّبت رأسى فقلت لها ... فاخضبى قلبى فقد شابا
وخميس ربى بسالكه ... أملأ الأرض به غابا «1»
مثل لجّ البحر كوكبه ... يزجر الدّهر إذا رابا
حامد لى حين أحبسه ... وإذا سرت به ذابا
(3/148)

وقال
طوتكم يا بنى الدّنيا ركابى ... وجازكم رجائى وارتقابى
حجبث بهمّتى من أن ترونى ... أراقب منكم رفع الحجاب
لئن عرّيت من دول أراها ... تجدّد كلّ يوم للكلاب
لقد أخلقتها بعد ابتذال لها ... ومللتها قبل الذّهاب
وقال
لمّا رأونا فى خميس يلتهب ... وشارق يضحك من غير عجب
كأنّه صبّ على الأرض ذهب ... وبعدت أسيافنا عن القرب
حتّى نكون لمناياها سبب ... [نرفل فى الحرير والأرض تجب
وحنّ شريان ونبع وصخب] ... تترّسوا من القتال بالهرب
وقال
باكية يضحك فيها برقها ... موصولة بالأرض مرساة الطّنب
جاءت بجفن أكحل وانصرفت ... مرهاء من إسبال دمع ينسكب
إذا تعرّى البرق فيها خلته ... بطن شجاع فى كثيب يضطرب
وتارة تبصره كأنّه ... سلاسل مصقولة من الذّهب
(3/149)

واللّيل قد رقّ وأصغى نجمه ... واستوقن الصّبح ولمّا ينتصب
متعرّضا بفجره فى ليله ... كفرس دهماء بيضاء اللّبب
حتّى إذا غصّ الثّرى بمائها ... وبلّها صدّت صدود من غضب
كم غمرة للموت يخشى خوضها ... جريت فيها جرى سلك فى ثقب
حتّى إذا قالوا خضيب بدم ... نجمت فيها بحسام مختضب
كأنّها جمع خميس حكمت ... عليه أرماحى وسيفى بالهرب
لأىّ غاياتى أجرى بعد ما ... رأيت أترابى قد صاروا ترب
وسائح مسامح ذى ميعة ... كأنّه حريق نار تلتهب
تراه إن أبصرته مستقبلا ... كأنّه يعلو من الأرض حدب
وإن رآه ناظر مستدبرا ... توهّمته العين يجرى فى صبب
عارى النّسا ينتهب الثّرى له ... حوافر باذلة ما تنتهب
تسالم التّرب وريّان الثّرى ... لكنّها مع الصّخور تصطخب
تحسبه يزهى على فارسه ... وإنّما يزهى به إذا ركب
أسرع من لحظته إذا عدا ... أطوع من عنانه إذا جذب
يبلغ ما تبلغه الرّيح ولا ... تبلغ ما يبلغه إذا طلب
(3/150)

ذو غرّة قد بلغت جبهته ... وأذن مثل السّنان المنتصب
وناظر كأنّه ذو روعة ... وكفل ململم صافى الذّنب
ومنخر كالكير لم تشق به ... أنفاسه ولم يخنها فى تعب
يبعثها جنائبا وتنثنى ... شمائلا إلى فؤاد يضطرب
قد خاض فى يوم الوغا فى حلّة ... حمراء من نسج العوالى والقضب
فى غمرة كانت رحا الموت بها ... تدور والطير لها منّى قطب
ولى فؤاد فى الوغا حيث الرّضا ... وحيث لا وتر له ميت الغضب
أنا ابن خير النّاس بعد خيرهم ... محمّد أكرم بهذا من نسب
من شرّف الله به دولتكم ... ومن لخير النّاس جمعا كان أب
أنا ابن عبّاس إليه أنتمى ... به لعمرى حزت أخطار القصب
عجبت من رميى عن قومى وهم ... يرموننى بسهم قوسى عن كثب
وقال من قصيدة أولها [قرى الذّكر منّى زفرة ونحيب]
قرى الذّكر منّى زفرة ونحيب ... وقلب شج إن لم يمت فكثيب
ويوم تظلّ الشّمس توقد ناره ... يكاد حصى المعزاء منه يذوب
وصلت إلى آصاله بشملّة ... تعرّفها بعد السّهوب سهوب
(3/151)

ترافت فروع المجد فوق مطلّها ... ومغرسها حتّى العروق خصيب
وقامت ورائى هاشم حذر العدا ... وذادت بى الأحداث حين تنوب
وأصمت عنّى حاسدى بخلائق ... مهذّبة ليست لهنّ عيوب
فمن قال خيرا قيل إنّك صادق ... ومن قال شرّا قيل أنت كذوب
وقال
ألا علّلانى قبل أن يأتى الموت ... ويبنى لجثمانى بدار البلاء بيت
لأهلكنى ما أهلك النّاس كلّهم ... صروف المنى الحرص واللهو والّليت
ومن عجب الأيّام نعى معاشر ... غضاب على سيفى إذا أنا جاريت
لهم رحم دنيا وهم يبعدونها ... إذا اصطلموها بالقطيعة أبقيت
فذلك دأب البرّ منّى ودأبهم ... إذا قتلوا نعماى بالكفر أحييت
يغيظهم فضلى بملك عليهم ... كأنّى قسّمت الحظوظ فحابيت
ويهماء ديموم قفار كسوتها ... مناسم حرجوج ويهماء عرّيت
وماء خلاء قد طرقت بسحرة ... عليه القطا كأنّ آجنه الزّيت
ومرقبة مثل السّنان علوتها ... كأنّى لأرداف الكواكب ناحيت
وأمنيّة لم أمنع النّفس رومها ... بلغت وأخرى بعدها قد تمنّيت
(3/152)

وضيف رمانى ليلة بسواده ... فحيّاه بشرى قبل دارى وحيّيت
وقال
ألا من لقلب لا تقضّى حوائجه ... ووجد أطار النّوم باللّيل لاعجه
ومنتصر فى الحسن بالغصن والنّقا ... وصدغ أديرت حول ورد صوالجه
وآخر خظّى منه توديع ساعة ... وقد مزج الاصباح باللّيل مازجه
وغرّد حادى البين وانشقّت العصا ... وصاحت بأجناد العراق شواحجه
فكم دمعة تقضى الدّموع غزيرة ... وكم نفس بالجمر تدمى مخارجه
ويوم هجير لا يجير كناسه ... من الحرّ وحشىّ المها وهو والجه
يظلّ سراب البيد فيه كأنّه ... حواشى رداء نقّضته نواسجه
لبست رداء الآل منه بكوكب ... تسيل بفتيان الهياج همالجه
ويوم قبضنا فيه روح مدامة ... تكون بأفواه النّدامى معارجه
وقد عشت حتّى ما أرى وجه منية ... يعوج اليها من فؤادى عايجه
وقال
لمن دار وربع قد تعفّى ... بنهر الكرخ مهجور النّواحى
محاه كلّ هطّال ملحّ ... بوبل مثل أفواه الجراح
(3/153)

فبات بليل باكية ثكول ... ضرير النّجم مفتقد الصّباح
وأسفر بعد ذلك عن سماء ... كأنّ نجومها حدق الملاح
وفتيان كهمّك من أناس ... خفاف فى الغدوّ وفى الرّواح
بعثتهم على سفر مهيب ... فما ضربوا عليه بالقداح
فكابدنا السّرى حتّى رأينا ... غراب اللّيل مقصوص الجناح
وإخوان هجونى عند عسرى ... وعند اليسر غالوا بامتداحى
وكم ذمّ لهم فى جنب مدح ... وجدّ بين أثناء المزاح
وقال من قصيدة أولها
لقد صاح بالبين الحمام الصّوادح ... وهاجت له الشّوق الحمول الرّوايح
لنا إبل ما وفّرتها دماؤنا ... ولا ذعرتها فى الصّباح الصّوائح
إذا غدرت ألبانها بضيوفنا ... وفت بالقرى لبّاتها والصّفائح
وقيّدها بالنّصل حتّى كأنّه ... اذا جدّ لولا ما جنى السّيف مازح
وكم حضر الهيجاء بى سالك المدى ... تكامل فى أسنانه فهو قارح
له عنق تغتال طول عنانه ... وصدر إذا أعطيته الجرى سابح
أبالموت خشّتنى شريرة ويحها ... لعلّ الّذى تخشى شريرة صالح
(3/154)

فان متّ فانعبنى إلى المجد والتّقى ... ولا تخزنى دمعا إذا نام نائح
وقولى هوى عرش المكارم والعلى ... وعطّل ميزان من الحلم راجح
وقال من قصيدة أولها [طار نومى وعاود القلب عيد]
طار نومى وعاود القلب عيد ... وأبى لى الرّقاد حزن جديد
سهر يفتق الجفون ونار ... تتلظّى منها بقلبى وقود
نحن آل الرّسول والعترة الح ... قّ وأهل القرى فماذا تريد
ولنا ما أضاء صبح عليه ... وأتته رايات ليل سود
وملكنا رقّ الخلافة ميرا ... ثا فمن ذا عنّا بفخر يحيد
وقال فى قصيدة أولها [سرى ليلة حتّى أضاء عمودها]
سرى ليلة حتّى أضاء عمودها ... وأيّة نفس شوقها لا يقودها
وشيّعه قلب جرىء جنانه ... ونفس كأنّ الحادثات عبيدها
خليلىّ عودا دار شرّة فاسألا ... مغانيها لو كان ذاك يفيدها
خلت وعفت إلّا أثافى كأنّها ... عوائد ذى سقم طويل قعودها
وليل يودّ المصطلون بناره ... لو انّهم حتى الصباح وقودها
رفعت بها نارى لمن يبتغى القرى ... على شرف حتّى انتهى لى وقودها
(3/155)

وقال
راح فراق أو غدا ... ليس بباق أبدا
من سار كلّ ساعة ... نحو المنايا وردا
يا باغى الحقّ لنا ... أردد عن الظّلم يدا
لئن غلبنا عددا ... لقد غلبنا جلدا
وقال
ملّ سقامى عوّده ... وخان دمعى مسعده
وضاع من ليلى غده ... طوبى لعين تجده
[غلّت من الدّهر يده ... قتّالة من تلده
يفنى فيبقى أمده ... والموت ضار أسده]
يا من عنانى حسده ... إنّى بعيد أمده
شجى ولا تزدرده ... سهرت ليلا أرقده
حظّ الحسود كمده
وقال
لمّا ظننت فراقهم لم أرقد ... وهلكت إن صحّ التظّنّن أوقد
(3/156)

مازلت أرعى كلّ نجم غابر؟؟؟ ... وكأنّ جنبى فوق جمر موقد
ودنا إلىّ الفرقدان كما دنت ... زرقاء تنظر فى نقاب أسود
وترى الثّريّا فى السّماء كأنّها ... بيضات أدحىّ يلحن لفرقد
لمّا تحدّث بالرّحيل نجيّهم ... لغد وليس غد بعيد الموعد
سلّفتهم زفرات قلب محرق ... وسجال دمع بالدّماء مورّد
وحرت له سنحا جآذر رملة ... تتلو المها كاللّؤلؤ المتبدّد»
قد أطلعت إثر القرون كأنّها ... أخذ المراود من سحيق الأثمد
أشباه آنسة الحديث خريدة ... كالشّمس لاقتها نجوم الأسعد
كم قد خلوت بها وثالثنا التّقى ... يحمى على الظّمآن برد المورد
يا آل عبّاس لعا من عثرة ... لا تركننّ إلى البغاة الحسّد
شدّوا أكفّكم على ميراثكم ... فالله أعطاكم خلافة أحمد «2»
وقال
مرّ عيش علىّ قد كان لذّا ... ودهتنى الأيّام قربا وحذّا
والتوى عنّى الشّباب وغودر ... ت فريدا من الأحبّة فذّا
(3/157)

وخليل صاف هنىء مرىء ... جبذته الأيّام منّى جبذا
ليت شعرى احاله مثل حالى ... أم صفا عيشه له وألذّا
سيف حكم فى مفصل الحقّ راس ... شحذته تجارب الدّهر شحذا
ولقد أهتدى على طرف الصّب ... ح بطرف إذّا ونى الجرى بذّا
وإذا ما غدا قتال أذاعت ... بدخان يهذّه الرّيح هذّا
إن ترينى يا شرّ فارقت أيا ... م صبى كان ناعم البال لذّا
ومشى الشّيب قبل عقد الثّلاثي ... ن فلمّا انتهى اليها أغذّا
فأنا الواضح الّذى عرفوه ... باضطرار فما يقولون من ذا
وقال
سأثنى على عهد المطيرة والقصر ... وأدعو لها بعد التّخاذل بالنّصر
خليلىّ إنّ الدّهر ما تريانه ... قصيرا وإلّا أىّ شىء سوى الصّبر
عسى الله أن ييتاح لى منه فرجة ... يجىء بها المقدار من حيث لا أدرى
سألتكما بالله ما تعلماننى ... ولا تكتما شيئا فعندكما خبرى
أأرفع نيران القرى لعفاتها ... وأصبر يوم الرّوع فى ثغرة النّفر
وأسلم نيلا لا يجاد بمثله ... فيفتحه بشرى ويختمه عذرى
(3/158)

ويا ربّ يوم لا توارى نجومه ... مددت إلى المظلوم فيه يد النّصر
فسبحان ربّى مالقوم أرى لهم ... كوامن أضغان عقاربها تسرى
إذا ما اجتمعنا فى النّدىّ تضاءلوا ... كما خفيت مرضى الكواكب فى الفجر
نمتنى إلى عمّ النّبىّ خلائف ... علوا فوق أفلاك الكواكب والبدر
بنو الحبر والسّجّاد والكامل الّذى ... مرى الملك حتّى درّ عند ذوى الأمر
ونحن رفعنا سيف مروان عنكم ... فهل لكم يا آل أحمد من شكر
وقال فى قصيدة أولها [شجتك لهند دمنة وديار]
شجتك لهند دمنة وديار ... خلاء كما شاء الفراق قفار
إذا شئت وقّرت البلاد حوافرا ... وسالت ورائى هاشم ونزار
وعمّ السّماء النّقع حتّى كأنّه ... دخان وأطراف الرّماح شرار
ولى كلّ خوّار العنان مجرّب ... كميت عناه الجرى فهو مطار
وعضب حسام الحدّ ماض كأنّه ... إذا لاح فى نقع الكتيبة نار
وقمص حديد ضافيات ذيولها ... لها حدق خزر العيون صغار
وكم عاجم عودى تكسّر نابه ... إذا لان عيدان اللّئام وخاروا
(3/159)

وقال
أىّ ربع لآل هند ودار ... دارسا غير ملعب وأوارى
وثلاث دنون لا لاشتياق ... جالسات على فريسة نار
لا تشيم البروق عينى ولا أب ... ذل إلّا فى مفخر أشعارى
لاولا أرتجى نوالا وهل يس ... تمرئ النّاس ديمة الأمطار
أخزن الغيظ فى قلوب الأعادى ... وأحلّ الجبّار دار الصّغار
ولى الصّافنات تردى الى المو ... ت ولا تهتدى سبيل الفرار
وسهام تهدى الرّدى من بعيد ... بالغات مواقع الأبصار
وقدور كأنّهنّ قروم ... هدرت بين جلّة وبكار
فوق نار شبعى من الحطب الجز ... ل إذا ما التظت رمت بالشّرار
فهى تعلو اليفاع كالرّاية الحم ... راء تنعى الدّجى إلى كلّ سار
قد تدرّيت؟؟ بالمكارم حولى ... وكفتنى نفسى من الافتخار
أنا جيش إذا غدوت وحيدا ... ووحيد فى الجحفل الجرّار
وقال
أيا ويحه ما ذنبه أن تذكّرا ... سوالف أيّام سبقن وأخّرا
(3/160)

وسكرة عيش فارغ من همومه ... ومعروف حال لم نخف أن تنكّرا
أذاكير لا يرددن مافات من هوى ... ولا تدع المحزون أن يتصبّرا
وقالوا كبرت وانتضيت من الصّبا ... فقلت لهم ما عشت إلّا لأكبرا
لبست أخلّاء الهوى فزعتهم ... وما كنت أرجو بعدهم أن أعمّرا
فأخلوا همومى من سواهم وأطبقوا ... جفونى فما أهوى من العيش منظرا
وأصبحت معتلّ الحياة كأنّنى ... حسير وراء السّابقات تعثّرا
فامّا ترينى ذا نسيب نكرته ... فيا ربّ يوم لم أكن فيه منكرا
أروح كغصن البان ثبّته النّدى ... وقوىّ بأنفاس ضعاف وأمطرا
فمال على ميثاء لاقحة الثّرى ... تغلغل فيها ماؤها وتحيّرا
كأنّ الصّبا تهدى اليها إذا جرت ... على تربها مسكا فتيقا وعنبرا
سقته الغوادى والسّوارى قطارها ... فجاء كما شاء القطار ونوّرا
أناخت عليه ليلة أرحبيّة ... إذا ما صفا فيها الغدير تكدّرا
طويلة ما بين البياضين لم يكد ... يصدّق فيها فجرها حين بشّرا
فباتت إذا ما البرق أوقد وسطها ... حريقا أهل الرّعد فيه وكبّرا
كأنّ الرّباب الجون دون سحابه ... خليع من الفتيان يسحب مئزرا
(3/161)

إذا لا حفته روعة من رعوده ... فمن برقه يستلّ عضبا مذكّرا
فأصبح عريان التّراب كأنّما ... نشرت عليه وشى برد محبرّا
وهمّ أتتتى طارقات ضيوفه ... فما كان إلّا اليعملات له قرى
بوحشيّة قفر تخال سرابها ... مها تتعادى أو ملاء منشّرا
ومن كلّ هذا قد قضيت لبانتى ... وولّى فلم أهلك أسى وتذكّرا
وكم من عدوّ رام قصف قناتنا ... فلاقى بنا يوما من الشّرّ أغبرا
إذا أنت لم ترفع أدانى حادث ... من الخطب لاقيت الأفاضل أو عرا
وقال
هى الدّار إلّا أنّها منهم قفر ... وأنّى بها ثاو وأنّهم سفر
حبست بها لحظى وأطلقت عبرتى ... وما كان لى فى الصّبر لو كان لى عذر
توهّمت فيها ملعبا وأواريا ... ونؤيا كدور الطّوق يلثمه القطر
وغيث خصيب التّرب زاك بقاعه ... بهيم الرّبى أثواب قيعانه خضر
الحت عليه كلّ طخياء ديمة ... إذا ما بكت أجفانها ضحك الزّهر
فما برزت شمس النّهار ضحيّة ... ولا أصلا إلّا ومن دونها خدر
كأنّ عيون العشقين منوطة ... بأرجائها فما يجفّ لها شفر
(3/162)

كأنّ الرّباب الجون والفجر ساطع ... دخان حريق لا يضىء له جمر
أمنك سرى يا شرّ برق كأنّه ... جناح فؤاد خافق ضمّه صدر
أرقت لهم والرّكب ميل رؤوسهم ... يخوضون ضحضاح الكرى وبهم فتر
إلى أن يغور النّجم فى حلّة الدّجى ... وقال دليل القوم قد نقّب الفجر
إذا ما ركبت الأمر والسّيف منتضى ... فقل لبنى حوّاء يجمعهم أمر
فكم من خليل لم أمتّع بعهده ... وفيت له بالودّ فاجتاحه الغدر
فقدّمت صفحا عنه يوجب شكره ... فما كان لى منه جزاء ولا شكر
وذلك حظّى من رجال أعزّة ... علىّ فان أهجرهم يكثر الهجر
لهم خير مالى حين يعتلّ مالهم ... وسرعة نصرى حين يعتذر النّصر
إذا جاءنا العافى رأى فى وجوهنا ... طلاقة أيدينا وبشّره البشر
وقال
للأمانى حديث يغرّ ... ويسوء الدّهر من قد يسرّ
كلّ حىّ فالى الموت يسعى ... وخطاه نفس ما يقرّ
إن أكن خلّفت بعد أناس ... كان فيهم للمروءة ذخر
ميّت أو نازح مثل ميت ... حظّ ودّى منه شوق وذكر
(3/163)

فعلى منهاجهم أنا ساع ... وورائى سائق مستمرّ
هل ترى برقا عنانى سناه ... خاض نحوى اللّيل واللّيل غمر
ذاك يسقى أرض هند فدعها ... إنّما هند فراق وهجر
ربّما أغدو وتحتى طرف ... حالك ما قد تراه طمرّ
فهو نار والتّراب دخان ... مستطير وحصى الأرض جمر
ولقد يعتدى على همّ نفسى ... [بهواها] من بنات الكرم بكر
ومغنّ ملحّن كلّ نفس ... بالّذى تهواه للسّكر عذر
لا يمدّ الصّوت منه نفور ... لا ولا يقطعه منه بهر
فبهذا قد أسغت حياة ... طعمها [لولا] المعلّل مرّ
تلمع الأسياف من دور هند ... وخيالى معها [هوى] مستمرّ
أيّها السّائلىّ دع سرّ نفسى ... إنّما نفسى لسرّى قبر
ولقد أخضب رمحى ونصلى ... ووجوه الموت سود وحمر
وقال
وقفت إلى الشّام رجراجة ... تسلّ على من عصا سيف باس
رحلت صواهلنا المقربا ... ت بأفعال جنّ وأشباح ناس
(3/164)

وظلّت صوارم أيماننا ... تحسّيهم الموت فى غير كاس
يصلن النّفوس بآجالها ... ويقطعن ما بين جسم وراس
وقال
الدّار أعرفها ربّى وربوعا ... لكن أساء بها الزّمان صنيعا
فبكيت من طرب الحمائم غدوة ... يدعو الهديل وما وجدن سميعا
ساويتهنّ بنوحة وتوجّع ... وفضلتهنّ تنفّسا ودموعا
يا قلب ليس إلى الصّبا من مرجع ... فاحزن فلست بمثله مفجوعا
صرمتك أيّام الصّريم وقطّعت ... حبل الهوى ونزعن عنك نزوعا
إنّا لننتاب العداة وإن نأوا ... ونهزّ أحشاء البلاد جموعا
ونقول فوق أسرّة ومنابر ... عجبا من القول المصيب بديعا
قوم إذا غضبوا على أعدائهم ... جرّوا الحديد أزجّة ودروعا
وكأنّ أيدينا. تنفّر عنهم ... طيرا على الأبدان كنّ وقوعا
وإذا الخطوب رأين منّا مطرقا ... نكصت على أعقابهنّ رجوعا
وقال فى قصيدة أولها [نهى الجهل شيب الرّأس بعد نزاع]
نهى الجهل شيب الرّأس بعد نزاع ... وما كلّ ناه ناصح بمطاع
(3/165)

وإخوان سوء قد حرثت إخاءهم ... فكانوا لغرس الودّ شرّ بقاع
ولمّا نأوا عنّى نأوا بتأسّفى ... وقلّ حنينى نحوهم ونزاعى
ومكرمة عند السّماء منيفة ... تناولتها منّى بأطول باع
وكم ملك قاسى العقاب ممنّع ... قدير على قبض النّفوس مطاع
أراه فيعدينى من الكبر ما به ... فأكرم عنه شيمتى وطباعى
وإنّى لأستوفى المحامد كلّها ... وقد بقيت لى بعدهنّ مساع
ويصدقك الأنباء إن كنت سائلا ... وحسبك ممّا لا ترى بسماع
وقال
يا قلب قد جدّ بين الحىّ فانطلقوا ... علّقتهم هكذا حينا وما علقوا
فتلك دار لهم أمست مجدّدة ... وبالأبارق منهم منزل خلق
كأنّ آثار وحشىّ الظّباء به ... ودع تخلّفه أظلافها نسق
نادوا بليل فزمّوا كلّ يعملة ... ويعمل عملت فى أنفه حلق
تلقى الفلاة بخفّ لا يقرّبها ... كأنّ مسقطه فى تربها طبق
كأنّى شاورتنى يوم بينهم ... رقشاء مجدولة فى لونها برق
كأنّها حين تبدو من مكامنها ... غصن تفتّح فيه النّور والورق
(3/166)

يسلّ فوها لسانا تستعيذ به ... كما تعوّذ بالسبابة الفرق
ما أنس لا أنس إذ قامت تودّعنا ... بمقلة جفنها فى بطنها غرق
تسفر عن وجنة حمراء موقدة ... تكاد لولا دموع العين تحترق
وفتية كسيوف الهند قلت لهم ... سيروا فما نقموا رأيى ولا خرقوا
ساروا وقد خضعت شمس الأصيل لهم ... حتّى توقّد فى ثوب الدّجى الشّفق
لجاجة لم أضاجع دونها وسنا ... وربّما جرّ أسباب الكرى الأرق
وقال فى قصيدة أولها [ضمان على عينىّ سقى ديارك]
ضمان على عينىّ سقى ديارك ... وإن لم تكونى تعلمين بذلك
لنا إبل ملء الفضاء كأنّما ... حملن التّلاع الحوّ فوق الحوارك
ولكن إذا أغبرّ الزّمان تزوّجت ... فجادت عليه بالعروق السّوافك
وما العيش إلّا مدّة سوف تنقضى ... وما المال إلّا هالك عند هالك «1»
وقال
تعاهدتك العهاد يا طلل ... خبّر عن الظّاعنين ما فعلوا
فقال لم أدر غير أنّهم ... صاح غراب بالبين فاحتملوا
(3/167)

[لا طال ليلى ولا نهارى من ... يسكننى أو يردّهم قفل] «1»
ولا تحلّيت بالرّياض وبال ... نّور ومغناى منهم عطل «2»
علىّ هذا فما عليك لهم ... قلت زفير ودمعة همل
[وأنّنى مقفل الضّمائر من ... حبّ سواهم ما حنّت الابل
فقال هلّا تبعتهم أبدا ... إن نزلوا منزلا وإن رحلوا «3»
هيهات إنّ المحبّ ليس له ... همّ بغير الهوى ولا شغل
تركت أيدى النّوى تعودهم ... وجئتنى عن حديثهم تسل؟
فقلت للرّكب لا قرار لنا ... من دون سلمى وإن أبى العذل]
ولم يزل يخبط الفلاة بأخفا ... ف المطايا والظّلّ معتدل
[كأنّما طار تحتنا قزع ... على أكفّ الرّياح ينتقل
يغرى بطون النّقا النّقىّ كما ... يطعن بين الجوانح الأسل]
حتّى تبدّت فى الفجر ظعنهم ... وسائق الصّبح بالدّجى عجل
وفوقهنّ البدور تحجبها ... هوادج تحتّ رقمها الكلل
[فلم يكن بيننا سوى الّلحظ وال ... دمع كلام لنا ولا رسل]
(3/168)

هذا لهذا فما لذى إحن ... يدسّ لى كيده ويختتل
وإن حضرت النّدىّ وكّل بى ... لحظا بنبل الشّحناء ينتضل
يا ويله من وثوب [مفترس] ... ربّ فراغ من تحته عمل
استبق حلمى لا تفنه سرفا ... فبعد حلمى لأمّك الهبل
ليتك قربى إذا تلاحق نفعا ... ن وأبدى أنيابه الأجل
وقد تردّيت بابن صاعقة ... أخضر ما فى غرابه فلل
كم من عداة أبارهم غضبى ... فلم أقل أين هم وما فعلوا
وقال
إذا أنا لم أجز الزّمان بمثله ... تقلّب منّى الدّهر فى جانب سهل
عرمت فما أعطى الحوادث طاعة ... وليس يطيع الحادثات فتى مثلى
وقال
سقيا لأيّام مضت قلائل ... إذا أنافى عذر الشّباب الجاهل
ولمّتى مصقولة السّلاسل ... أحكم فى غرّات دهر غافل
يقصر بالحقّ عنان الباطل ... ووعظ الدّهر بشيب شامل
وشكّنى بأسهم قواتل ... صوائب تهتزّ فى المقاتل
(3/169)

أفلست من ذاك الزّمان الزّائل ... إلّا بطول الذّكر والبلابل
لست أرى فريسة لآكل ... بل سيّدا من سادة القبائل
منفردا بحسب ونائل ... وعالما يكثر غيظ الجاهل
وقال
فى اليأس لى عزّ كفانى ذلّى ... يشركنى فى القوت كلّ خلّ
والسّيف راعى إبلى فى المحل ... يسلمها إلى قدور تغلى
ترقل فيها بالوقود الجزل ... إرقالها فى السّير تحت الرّحل
رأبت بالجود عيون البخل
وقال
أهاجك أم لا بالدّويرة منزل ... تجدّ هبوب الرّيح منه وتهزل
قضيت زمام الشّوق فى عرصاته ... بدمع مخلّى فوق وجدى يهطل
وبالقصر إذ خاط الخلىّ جفونه ... عنانى برق بالرّحيل مسلسل
فلله أسباب الهوى كيف تنقضى ... ولله رجعات الهوى كيف تقبل
وقد أشهد الغارات والموت حاكم ... يجور بأطراف الرّماح ويعدل «1»
وخيل طواها القود حتّى كأنّها ... أنابيب شمس من قنا الخطّ ذبّل
(3/170)

صببنا عليها ظالمين سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
وكلّ الّذى سرّ الفتى قد أصبته ... وساعدنى فيه أخير وأوّل
فمن أىّ شىء جازك اللّوم أتّقى ... على مهجتى أو أىّ شىء أؤمّل
وقال
ألم تحزن على الرّبع المحيل ... وآثار وأطلال نحول
عفته الرّيح بعدك كلّ يوم ... وجالت فيه أفراس السّيول
وماء دارس الآثار خال ... كدمع حار فى جفن كحيل
طرقت بيعملات ناجيات ... وأفق الصّبح أدهم ذو حجول
أبيت فلم أنم ثأرا لعجز ... ولم أغلب على العفو الجميل
ومال قد حللت العقد عنه ... إذا انعقدت به نفس البخيل
وقال
لنا عزمة صمّاء لا تسمع الرّقى ... تبيت أنوف العاذلين على رغم
وإنّا لنعطى الحقّ من غير حاكم ... علينا ولو شئنا لنمنا على الظّلم
وقال
طال ليلى وساورتنى الهموم ... وكأنّى لكلّ نجم غريم
(3/171)

ساهرا هاجرا لنومى حتّى ... لاح تحت الظّلام فجر سقيم
دام كرّ النّهار واللّيل محثو ... ثين ذا منبه وهذا منيم
وبخيل وذو سخاء ولولا ... لؤم هذا ماقيل هذا كريم
ورحى تحتنا وأخرى علينا ... كلّ من فيها طحين هشيم
فترى صنعة تخبّر عن خا ... لقنا أنّه لطيف حكيم
كيف نومى وقد حللت ببغدا ... د مقيما بأرضها لا أريم
ببلاد فيها الرّكايا عليه ... نّ أكاليل من بعوض تحوم
جوفها فى الشّتاء والصّيف والفض ... ل دخان وماؤها مخموم
ليس دار الملك الّتى تنفح المس ... ك إذا ما جرى عليه النّسيم
وكأنّ الرّبيع فيها إذا نوّ ... ر وشى أو جوهر منظوم
طرفاها برّ وبحر ويجنى ال ... ورد فيها وللشّيح والقيصوم
نحن كنّا سكّانها فانقضى ذا ... ك وبنّا وأىّ شىء يدوم
أنا من تعلمون أسهر لل ... مجد إذا غطّ فى الفراش اللّئيم
يا بنى عمّنا إلى كم وحتّى ... ليس ما تفعلونه يستقيم
وعزيز علىّ أن يصبغ الأر ... ض دم منكم علىّ كريم
(3/172)

وقال عبد الله بن المعتز [ «يا دار يا دار إطرابى وأشجانى» ]
يا دار يا دار إطرابى وأشجانى ... أبلى جديد مغانيك الجديدان
لئن تخلّيت من لهوى ومن سكنى ... لقد تأهّلت من همّى وأحزانى
جاءتك رائحة فى إثر غادية ... تروى ثرى منك أمسى غير ريّان
حتّى أرى النّور فى مغناك مبتسما ... كأنّه حدق فى غير أجفان
ماذا أقول لدهر شتّتت يده ... شملى وأخلى من الأحباب أوطانى
كم نعمة عرف الاخوان صاحبها ... لمّا مضت أنكروه بعد عرفان
ومهمه كرداء الوشى مشتبه ... نفذته والدّجى والصّبح خيطان
والرّيح يجذب أطراف الرّداء كما ... أفضى الشّقيق إلى تنبيه وسنان
وربّ سرّ كنار الصّخر كامنة ... أمتّ إظهاره منّى فأحيانى
لم يتّسع منطقى عنه ببائحة ... حزما ولا ضاق عن مثواه كتمانى
وربّ نار أقمت الجود يوقدها ... فى ليلة من جمادى ذات تهتان
تقيّد اللّحظ فيها عن مسالكه ... كأنّما لبست أثواب رهبان
وقد تشقّ غبار الحرب بى فرس ... مستقدم غير هيّاب ولا وانى
وكلّ قائمة منه مركّبة ... فى مفصل ضامر الأعصاب ظمآن
(3/173)

بحيث لا غوث إلّا صارم ذكر ... وحيّة كحباب الماء تغشانى
وصعدة كرشاء البئر ناهضة ... بأزرق كاتّقاد النّجم يقظان
وقد أرقت لبرق طار طائره ... والنّور قد خاط أجفانا بأجفان
سلى بذينك هل عرّيت من مننى ... خلقا وهل رحت فى أثواب منّان
وقال [ «شجاك الحىّ إذ بانوا» ]
شجاك الحىّ إذ بانوا ... فدمع العين تهتان
وفيهم رشا أغي ... د ساجى الطّرف وسنان
ولم أنس وقد زمّت ... لوشك البين أظعان
وقد أنهلنى فاه ... وولّى وهو عجلان
فقل فى مكرع عذب ... وقد وافاه عطشان
وضمّ لم يكن تحس ... به فى الرّيح أغصان
كما ضمّ غريق سا ... بحا والماء طوفان
وما خفنا من النّاس ... وهل فى الناس إنسان
جزينا الأمويّينا ... ودنّاهم كما دانوا
وللخير وللشّرّ ... بكفّ الدّهر ميزان
(3/174)

ولولا نحن قد ضاع ... دم بالطّفّ صديان به حلّت عرى الدّين
وهدّت منه أركان ... فيا من عنده القبر
وطين القبر قربان ... بأسيافكم أودى
حسين وهو ظمآن ... فهلّا كان ذا الحبّ
وداعى النّصر لهفان ... وهلّا كان إمساك
إذا لم يك إحسان
وقال [ «ضمن اللّقاء رواح ناجية» ]
ضمن اللّقاء رواح ناجية ... مقذوفة بالنّحض كالرّعن
تصغى إلى أمر الزّمام كما ... عطفت يد الجانى ذرى الغصن «1»
وكأنّ ظعن الحىّ غادية ... نخل سقيت الغيث من ظعن
أو أيكة ناحت حمائمها ... فى فرع أخضر ناعم لدن
يصفقن أجنحة إذا انتقلت ... منشورة كطيالس دكن
وجد المتيّم وهى هاتفة ... ما شئت من طرب ومن حزن
يا هند حسبك من مصارمتى ... لا تحفلى فى الحبّ بالظّنّ
حتّام تلمع لى سيوفكم ... حاشاى من جزع ومن جبن
(3/175)

كم طابخ قدرا ليأكلها ... فاضت عليه بفائر سخن
لا منصلى هجر الضّراب ولا ... صدئت مضاربه من الحزن
ومما قال فى الخمر
تعالوا فسقّوا أنفسا قبل موتها ... ليأتى ما يأتى وهنّ رواء
نبادر أيّام السّرور فانّها ... سراع وأيّام الهموم بطاء
وخلّ عتاب الحادثات لوجهها ... فانّ عتاب الحادثات عناء
وقال
عذرته السّلافة العذراء ... فلها ودّ نفسه والصّفاء
روح دنّ لها من الكأس جسم ... فهى فيه كالنّار وهو هواء
وكأنّ النّديم يلثم فاه ... كوكب كفّه عليه سماء
وقال
سعى إلى الدّنّ بالميزار ينقره ... ساق توشّح بالمنديل حين وثب
لمّا وجاها بدت صفراء صافية ... كأنّه قدّ سيرا من أديم ذهب
وقال
أما ترى يومنا قد جاء بالعجب ... فلا تعطّله من شرب ومن طرب
(3/176)

أستغفر الله مر لحظ أردّده ... مفزّع من دواعى الظّنّ والرّيب
كما تحكّم فى العنوان قارئه ... ولم يفضّ خواتيما على الكتب
وقال
لا تسقها الماء واتركها كما نزلت ... فحسبها منه ما قد أسقيت عنبا
وكيف كان إذا ما طاف يحملها ... ظبى يسقّيك فضل الكأس إن شربا
وقد تردّت بمنديل عواتقه ... وقطّب الوجه من تيه وما غضبا
وناولت كفّه النّدمان صافية ... كأنّه إذ حساها نافخ لهبا
وقال
سقيا لأرض القيصوم والغرب ... وسرّ من رّا والجوسق الخرب
وفيها
فسقّنى قهوة عروس دساكي ... ر عليها طوق من الحبب
فصار فى الكأس من أبارقه ... ماءين من فضّة ومن ذهب
فى مجلس غاب عنه عاذله ... تطرد فيه الهموم بالطّرب
وكم عناق لنا وكم قبل ... مختلسات حذار مرتقب
نقر العصافير وهى خائفة ... من النّواطير يانع الرّطب
(3/177)

وقال
نبّهت ندمانى فهبّا ... طربا إلى كأسى ولبّى
نشوان يحكى مثله ... غصنا بأيدى الرّيح رطبا
مازال يصرعه الكرى ... وأذبّ عنه النّوم ذبّا
وسقيته كأسا على ... ألم الخمار فما تأبّى
والّليل مشمطّ الذّرى؟؟ ... والصّبح حين حبا وشبّا
وقال
يا من يفنّدنى فى اللهو والطّرب ... دع ما تراه وخذ رأيى فحسبك بى
وقد يباكرنى السّاقى فأشربها ... راحا تريح من الأحزان والكرب
فسبّح القوم لمّا أن رأوا عجبا ... نورا من الماء فى نار من العنب
لم يبق منها البلى شيئا سوى شبح ... يجيله الوهم بين الصّدق والكذب
وقال
وساق إذا ما الخوف أطلق لحظه ... فلا بدّ أن يلقى بتسليمه صبّا
يطوف بابريق علينا مقدّم ... فيسكب فى كاساتنا ذهبا رطبا
(3/178)

وقال
سقتنى فى ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خدّيها بغير رقيب
فبتّ لذا الّليلين بالشّعر والدّجى ... وفجرين من راح ووجه حبيب
وقال
ألا فاسقنيها قد نعى الّليل ديكه ... وعرّى أفق الصّبح فهو سليب
وقد لاح للسّارى سهيل كأنّه ... على كلّ نجم فى السّماء رقيب
وقال
بحياتى يا حياتى ... اشرب الكأس وهات
قبل أن يفجعنا ال ... دّهر ببين وشتات
لا تخونينى إذا م ... تّ وقامت بى نعاتى
إنّما الوافى بعهدى ... من وفى بعد مماتى
وقال
لو شئت زرنا عروس حانوت ... بطيزناباذ أو قرى هيت
وشادن أقطع الملاحة فى ... وجه من العاشقين منحوت
يمجّ إبريقه المدام كما ان ... قضّ شهاب فى إثر عفريت
للماء فيها كتابة عجب ... كمثل نقش فى فصّ ياقوت
(3/179)

وقال
إن أذكر الكرخ لا أنسى المديرات ... وبالمطيرة أيّامى وليلاتى
منازل لم يضر عنقود كرمتها ... أن لم يكن بقرى هيت وعانات
حتّى إذا تمّ أهدته معاصره ... للشّمس بين دساكير وحانات
وظلّ خمّاره يكسوه طينته ... قلانسا ركّبت فى غير هامات
يا مستطيلا على ذلّى بعزّته ... وفارغ القلب من فعل الصّبابات
ماذا ترى فى جريح لابس دمه ... مقسّم بين أفواه المنيّات
ويح المحبّين ما أشقى جدودهم ... إنّ المحبّين أحياء كأموات
وقال
ومدامة يكسو الزّجاج شعاعها ... حللا مذهّبة إذا ما سلّت
حبست ولم تر غيرها فى دنّها ... فتعطّرت من نفسها وتحلّت
قد جاءنى بكؤرسها ذو غنّة ... صامت له صور الملاح وصلّت
وقال
يا ليلة الميلاد هل عرفت ... أسهر منّى قطّ مذ خلقت
ألم أصابرك كما صبرت ... وآخذ الكأس وما أخذت
(3/180)

وقال
اشرب على موق الزّمان ولا تمت ... أسفا عليه دائم الحسرات
وانظر إلى دنيا ربيع أقبلت ... مثل البغىّ تبرّجت لزناة
ماذا أثار الفجر فى أنواره ... نطقت صنوف طيوره بلغات
والورد يضحك من نواظر نرجس ... فدنت وآذن حبّها بممات
وتنوّح الزّرع الفتىّ بسنبل ... غضّ المكاسر أخضر الجنبات
والكمأة السّمراء باد حجمها ... قد حان منها موسم لجناة
فكأنّ أيديهم وقد بلغ الضّحى ... يفصحن فى القيعان عن هامات
والغيث يهدى الطّلّ كلّ عشيّة ... بعيون نور لم تخط لسنات
وترى الرّياح إذا مسحن غديره ... صفّينه ونفين كلّ قذاة
ما إن يزال عليه طير كارع ... كتطلّع الحسناء فى المرآة
وسوائر يخذفن فيه بأرجل ... سكنت عليه بكثرة الحركات
فتخالهنّ كروضة فى لجّة ... وكأنّما يصفرن من قصبات
وتغرّد المكّاء فى صحرائه ... تغريد مرتاح من النّشوات
يا صاح غاد الخندريس فقد بدا ... شمراخ صبح من ذرى الظّلمات
(3/181)

والرّيح قد باحت بأسرار النّدى ... وتنفّس الرّيحان فى الجنّات
شفّع به السّاقى وطيب زمانه ... فى السّكر كلّ عشيّة وغداة
ومعشّق الحركات يحلو كلّه ... عذب إذا ما ذيق فى الخلوات
ما إن يراك إذا مشى مستنطقا ... لمغالق من فضّة قلقات
فكأنّه مستصحب ديباجة ... فى خضرة من كثرة الجلبات
طالبته بمواعد فوفى بها ... فى رقدة كانت من الفلتات
وقال
يا عين نوحى بأسرار الهوى نوحى ... قد برّح الكتم بى كلّ التّباريح
كم ليلة قد عدونا تحت كوكبها ... والفجر يومىء للسّارى بتلويح
تجرى بنا من بنات الرّيح ملجمة ... طارت بكلّ خفيف الجسم والرّوح
ينهبن أنفاسنا المسك العتيق إذا ... وطئن من لمم القيصوم والشّيح
ومغرمين بشرب الرّاح قد هتكوا ... أستارهم ولقوا عدلا بتصريح
خاضوا الظّلام إلى خمّار دسكرة ... منعّم النّوم يقظان المصابيح
يبيت يشخب زقّا أو يفرّغه ... بأنطع من رخال الذّيخ مذبوح
قلنا له هاتها واحكم على كرم ... فقد ظفرت بفتيان مساميح
(3/182)

وقد أتوك إلى غمّى لتعديهم ... على الهموم بتفريج وتفريح
فصبّ فى كأسه راحا معتّقة ... ظلّت تحدّث عن عاد وعن نوح
وقال
لبسنا إلى الخمّار والنّجم غائر ... غلالة ليل طرّزت بصباح
وظلّت تدير الكأس أيدى جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح
وقال
خلّ الزّمان إذا تقاعس أو جمح ... واشك الهموم إلى المدامة والقدح
واضمم فؤادك إن شربت ثلاثة ... واحذر عليه أن يطير من الفرح
هذا دواء للهموم مجرّب ... فاقبل مشورة ناصح لك إن نصح
ودع الزّمان فكم رفيق حازم ... قد رام إصلاح الزّمان فما صلح
ومكلّل بالآس بعد وطيّة ... نظمت مخانقه الخواصر من بلح
قد بات ينطق عوده فى كفّه ... غردا كقمرىّ الحمام إذا صدح
وإذا أبى إلّا اقتراح غنائه ... جاوزته وطلبت ما لم أقترح
وإذا تمادى فى السّرور قطعتها ... بالضّمّ والتّقبيل حتّى يصطلح
وقال
خليلىّ اتركا قول النّصيح ... وقوما فامزجا راحا بروحى
(3/183)

فقد نشر الصّباح رداء نور ... وهبّت للنّدى أنفاس ريح
وحان ركوع إبريق لطاس ... ونادى الدّيك حىّ على الصّبوح
هل الدّنيا سوى هذا وهذا ... وساق لا يخالفنا مليح
وقال
وليلة أحييتها بالرّاح ... محسنة مسيئة الاصباح
أهنت فيها سخط اللّواحى ... أكاثر الأصوات بالأقداح
وقال
عنانى صوت مسمعة وراح ... تباكرنى إذا برق الصّباح
ومعشوق الشّمائل كسكرىّ ... له من لحظ عينيه سلاح
كأنّ الكأس فى يده عروس ... لها من لؤلؤ رطب وشاح
وقائلة متى يفنى هواه ... فقلت لها إذا فنى الملاح
وقال
قم يا نديمى نصطبح بسواد ... قد كاد يبدو الفجر أو هو باد
وأرى الثّريّا فى السّماء كأنّها ... قدم تبدّت فى ثياب حداد
فاشرب على طيب الزّمان فقد حدا ... بالصّيف من أيلول أسرع حاد
(3/184)

وأشمّنا باللّيل برد نسيمه ... فارتاحت الأرواح فى الأجساد
وافاك بالأنداء قدّام الحيا ... فالأرض للأمطار فى استعداد «1»
كم فى ضمائر طهرها من روضة ... بمسيل ماء أو قرارة واد
تبدو إذا جاء السّحاب بقطره ... فكأنّما كانا على ميعاد
وقال
يا ليلة وفّيت ميعادها ... وقد أراد الصّبح إفسادها
جاءت ولم يظفر بها عائق ... وفاتت الغدر وقد كادها
فبتّ أسقى من يدى بدرها ... شمسا كساها الماء إزبادها
لها عنا كيب الفرى حاكة ... دائبة تنسج أبرادها
بالله يا أحمد لا تنسنى ... إذا دهانى الدّهر فيمن دها
أجفان عينيك مراض فلم ... تطرد يا مولاى عوّادها
وقال
ما زال يسقينى على وجهه ... بدر منير طالع بالسّعود
حتّى توفّى السّكر عقلى وأل ... قانى صريعا بين ناى وعود
أحمد أنسانى هوى أحمد ... يا قلب فابشر بشقاء جديد
(3/185)

عجّل بوصل منك يا سيّدى ... لافضل فى عمرى لطول الصّدود
وقال
يا ربّ صاحب حانة نبّهته ... واللّيل قد كحل الورى برقاد
فى ساعة فيها الغصون سواكن ... قد شمن أعينهنّ فى الأغماد
لا تسقنى حبشيّة رازيّة ... صبغت بياض وجوهنا بسواد
لكنّ مزعفرة القميص سلافة ... وشمت كشوح دنانها بمداد
فأتى بها كالبذر تأكل كفّه ... بشعاعها من شدّة الايقاد
وقال
غدا بها صفراء كرخيّة ... كأنّها فى كأسها تتّقد
وتحسب الماء زجاجا جرى ... وتحسب الأقداح ماء جمد
وقال
قم يا نديمى من منامك واقعد ... حان الصّبوح ومقلتى لم ترقد
أما الظّلام فحين رقّ قميصه ... وأرى بياض الفجر كالسّيف الصّدى
وقال
خليلى قد طاب الشّراب المبرّد ... وقد عدت بعد النّسك والعود أحمد
(3/186)

فهات عقارا فى قميص زجاجة ... كياقوتة فى درّة تتوقّد
يصوغ عليها الماء شبّاك فضّة ... له حلق بيض تحلّ وتعقد
فظاهرها حلم وقور على الأذى ... وباطنها جهل يقوم ويقعد
سقاها بعانات خليج كأنّه ... إذا صافحته راحة الرّيح مبرد
وقال
أهلا وسهلا بالنّاى والعود ... وكأس ساق كالغصن مقدود
قد انقضت دولة الصّيام وقد ... بشّر سقم الهلال بالعيد
يتلو الثّريّا كفاغر شبره ... يفتح فاه لأكل عنقود
وقال
علّلانى بصوت ناى وعود ... واسقيانى دم ابنة العنقود
يا ليالىّ بالمطيرة والكر ... خ ودير السّوسىّ بالله عودى
كنت عندى أنموذجات من ال ... جنّة لكنّها بغير خلود
وقال من قصيدة
لا حظته بالهوى حتّى استقاد له ... طوعا وأسلفنى الميعاد بالنّظر
وجاءنى فى قميص الّليل مستترا ... يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
(3/187)

ولاح ضوء هلال كاد يفضحه ... مثل القلامة قد قصّت من الظّفر
فكان ما كان ممّا لست أذكره ... فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر
ما زلت أسقيه من حمراء صافية ... عجوز دسكرة شابت من الكبر
راح الفرات على أغصان كرمتها ... بجدول من زلال الماء منفجر
حتّى إذا حرّ آب جاش مرجله ... بفاتر من هجير الشّمس مستعر
ظلّت عناقيدها يخرجن فى ورق ... كما احتبى الرّيح فى خضر من الأزر
وقال
من معينى على السّهر ... وعلى الهمّ والذّكر
وابلائى من شادن ... كبر الحبّ إذ كبر
قام كالغصن فى النّقا ... يمزج الشّمس بالقمر
شاطرنى مقطّب ... فاسق الفعل والنّظر
قد سقانى المدام واللّ ... يل بالصّبح مؤتزر
والثّريّا كنور غصن ... على الغرب قد نثر
وقال
قد حثّنى بالكأس أوّل فجره ... ساق علامة دينه فى خصره
(3/188)

فكأنّ حمرة لونها من خده ... وكأنّ طيب رياحها من نشره
حتّى إذا صبّ المزاج تبسّمت ... عن ثغرها فحسبته من ثغره
يا ليلة شغل الرّقاد عذولها ... عن عاشق فى الحبّ هاتك ستره
إن لم تعودى للمتيّم مرّة ... أخرى فانّك غلطة من دهره
ما زال ينجزنى مواعد عينه ... فمه وأحسب ريقه من خمره
وقال
طربت إلى القفص والدّسكره ... وشربى بالكأس والكبّره
وغمّيّة مثل ذوب العقي ... ق لم تشق بالنّار والمعصره
وساق مطيع لأحبابه ... على الرّقباء شديد الجره
وفى عطفة الصّدغ خال له ... كما أخذ الصّولجان الكره
وقال
يا أرض غمّى سقتك أمطار ... فيك لقلبى ما عشت أوطار
يا طيب ريّاك حين يبتسم ال ... فجر ويبدو للّروض أحبار
كأنّما شابها القرنفل أو ... ذرّ عليها الكافور عطّار
تودع بيض الزّجاج حمرتها ... فهى كنور ضميره نار
(3/189)

أحداقها فضّة مجوّفة ... نواظر ما لهنّ أشفار
وصاح فوق الجدار مشترف ... كمثل طرف علاه أسوار
ثمّ عدا يستلّ النّراب عن الأ ... وراق منه رجل ومنقار
رافع رأس طورا وخافضه ... كأنّما العرف منه منشار
فظلت فى يوم لدّة عجب ... وافى به للسّعود مقدار
وقابل الشّمس فيه بدر د؟؟ جى ... يأخذ من نورها ويمتار
وقال
حننت إلى النّدامى والعقار ... وشرب بالصّغار وبالكبار
أما وفتور مقلة بابلىّ ... بديع القدّ ذى صدغ مدار
لقد فضحت دموعى فيه سرّى ... وأحرقنى هواه بغير نار
وعجّل حين يلقانى كأنّى ... أنقّط خدّه بالجلّنار
وبيضاء الخمار إذا أجتلتها ... عيون الشّرب صفراء الازار
فضضت ختامها عن روح راح ... لها جسدان من خزف وقار
وقال
اسقنى الرّاح فى شباب النّهار ... وانف همّى بالخندريس العقار
(3/190)

قد تولّت زهر النّجوم وقد ... بشّر بالصّبح طائر الأسحار
ما ترى نعمة السّماء على الأ ... رض وشكر الرّياض للأمطار
وغناء الطّيور كلّ صباح ... وانفتاق الأشجار بالأنوار
فكأنّ الرّبيع يجلو عروسا ... وكأنّا من قطره فى نثار
وقال
ومستبصر فى العذر مستعجل القلى ... بعيد من العتبى قريب من الهجر
يناجبنى الاخلاف من تحت مطله ... فتختصم الآمال واليأس فى صدرى
قدير على ماساءنى متسلّط ... جرىء على ظلمى أمير على أمرى
بنفسى سقام ما يداوى مريضه ... خفىّ على العوّاد باق على الدّهر
ألفت الهوى حتّى قلت نفسى القلا ... وطال الضّنى حتّى صبرت على الصّبر
وكرخيّة الأنساب أو بابليّة ... ثوت حقبا فى ظلمة الفار لا تسرى
أرقت صفاء الماء فوق صفائها ... فخلتهما سلّا من الشّمس والبدر
وقال
وليلة من حسنات الدّهر ... [ما ينمحى موضعها من ذكرى]
سريت فيها بخيول شقر ... [وليس تسلوها بنات صدرى]
(3/191)

سياطها ماء السّحاب الغرّ ... [كأنّه ذوب لجين يجرى]
فلم تزل تحت الظّلام تسرى ... محثوثة حتّى بلغت سكرى «1»
فى روضة مقمرة بالزّهر ... وشادن ضعيف عقد الخصر
يمضى بموج ويجى ببدر ... يفعل باللّيل فعال بالفجر «2»
[مكحولة ألحاظه بسحر] ... فى خدّه عقارب لا تسرى
[فى سبح قد قيّدت بالقطر] ... تلسع أحشائى وليس تدرى
يا ليلة سرقتها من دهرى ... ما كنت إلّا غرّة فى عمرى
أمّا وريق بارد فى ثغر ... شيبا بطعم عسل وخمر
ما الموت إلّا الهجر أو كالهجر
وقال
ظلّت بملهى خير يوم وليلة ... تدور علينا الكأس فى فتية زهر
بكفّ غزال ذى عذار وطرّة ... وصدغين كالقافين فى طرفى سطر
لدى نرجس غضّ وسرو كأنّه ... قدود جوار قمن فى أزر خضر
وقال
أتاك الرّبيع بطيب البكر ... ورفّ على الجسم برد السّحر
(3/192)

وقد عدل الدّهر ميزانه ... فما فيه قرّ وما فيه حرّ
وشرب سقيتهم والصّبا ... ح فى وكره واقع لم يطر
كأنّهم انتهبوا بينهم ... حريقا بأيديهم تستعر
وقال
ونديم قمرته ... عقله الكأس العقار
لم يزل ليلته ... فى فلك السّكر يدار
قهوة سرّ القذى ... فيها لعينيك جبار «1»
[فترى كاساتها ... يقدح فيهنّ الشّرار]
قد كساها الماء شيبا ... لم يكن فيه وقار
وقال
شربنا بالكبير وبالصّغير ... ولم نحفل بأحداث الدّهور
فقد ركضت بنا خيل الملاهى ... وقد طرنا بأجنحة السّرور
وقال
قد صفّر المكّاء والقنبر ... وفرش الأحمر والأصفر
نادى منادى كلّ ما حولها ... والهمّ فى قبر وينا يقبر «2»
(3/193)

وقال
يا حسن أحمد غاديا أمس ... بمدامة صفراء كالورس
والصّبح حىّ فى مشارقه ... واللّيل يلفظ آخر النّفس «1»
وكأنّ كفّيه تقسّم فى ... أقداحنا قطعا من الشّمس
وقال
وعاقد زنّار على غصن الآس ... مليح دلال مخطف الكشح ميّاس
سقانى عقارا صبّ فيها مزاجها ... فأضحك عن ثغر الحباب فم الكاس
وقال
راض نفسى حتّى صبت إبليس ... وقديما قد طاوعته النّفوس
كم أردت التّقى فما تركتنى ... خندريس يديرها طاووس
أسكنوها فى القار مذ عهد نوح ... كظلام فيه نهار حبيس
أىّ حسن تخفى الدّنان من الرّا ... ح وحسن تبديه منها الكؤوس
يا نديمىّ سقّيانى فقد لا ... ح صباح وأذّن النّاقوس
من كميت كأنّها أرض تبر ... فى نواحيه لؤلؤ مغروس
(3/194)

وقال
اشرب فقد دارت الكؤوس ... وفارقت يومك النّحوس
فى كلّ يوم جديد روض ... عليه دمع النّدى حبيس
ومأتم فى السّماء يبكى ... والأرض من تحته عروس
وقال
سقانى الكأس من يده سحيرا ... وفى أجفانه مرض النّعاس
ويسراه مقرّطة بكوز ... ويمناه متوّجة بكاس
وقال
سقانى [خليلى] والظّلام مقوّض ... ونجم الدّجى فى حلّة اللّيل يركض
كأنّ الثّريّا فى أواخر ليلها ... تفتّح نورا أو لجام مفضّض
وقال
بشّر بالصّبح طائر هتفا ... معتليا للجدار مشترفا
مذكر بالصّبوح صاح لنا ... كخاطب فوق منبر وقفا
صفّق إمّا ارتياحة لسن ... فجر وإمّا على الدّجى أسفا
فاشرب عقارا كأنّها قبس ... قد سبك الدّهر تبرها فصفا
(3/195)

يندى لثام الابريق من دمها ... كأنّه راعف وما رعفا
[بكفّ ساق حلو شمائله ... يسكر [نى] لحظ عينه صلفا
يقطر مسكا على غلائله ... شعر نقا بالعبير قد وكفا
أفرغ من درّة وعنبرة ... حسنا وطيبا فى خلقه ائتلفا
يطيّب الرّيح حين يمسحه ... فما بريح هبّت عليه خفا
أراق فيها المزاج فاشتعلت ... كمثل نار أطعمتها سعفا]
وقال فى صفة سكران يريد النوم
بنفسى مستسلم للرّقا ... د يكلّمنى السّكر من طرفه
سريع إلى الأرض من جنبه ... بطىء الى الكأس من كفّه
وقال
أديرا علىّ الكأس ليس لها التّرك ... ويا لائمى لى فتنتى ولك النّسك
وخلّوا فتى أعطيتموه ملاحة ... فما عنده أخذ فهل عندكم ترك
ومشمولة صاغ المزاج لرأسها ... أكاليل درّ ما لمنظومها سلك
جرت حركات الدّهر بين سكونها ... فذابت كذوب التّبر أخلصه السّبك
وقد خفيت فى دنّها وكأنّها ... بقايا يقين كاد يذهبه الشّك
(3/196)

يطيف بها ساق أديب بمنزل ... كخنجر عيّار صناعته الفتك
وحمّل آذريونه فوق أذنه ... كطاس عقيق فى قرارتها مسك
وقال
سقى الله من غمّى قرارة منزل ... ترامت به أيدى جنوب وشمأل
ألا ربّ يوم فيه قصّر طوله ... دم الزّقّ منزوفا فهات وعجّل
إذا شئت غنّانى غزال دساكر ... يبقّر أحشاء الدّنان بمبزل
معى كلّ مجرور الرّداء سميدع ... جواد بما يحويه غير مبخّل
فان تطّلبه تفتقده بحانة ... وإلّا ببستان وكرم مظلّل
ولست تراه سائلا عن خليفة ... ولا قائلا من يعزلون ومن يلى
ولا صائحا كالعير فى يوم لذّة ... يناظر فى تفضيل عثمان أو على
ولا حاسبا تقويم شمس وكوكب ... ليأخذ أسباب العلوم من اسفل
يقوم كحرباء الظّهيرة مائلا ... يقلّب فى اصطرلابه عين أحول
ولكنّه فيما عناه وسرّه ... وعن غير ما يعنيه ناء بمعزل
خليلىّ بالله اقعدا نصطبح بلا ... قفانبك من ذكرى خليل ومنزل
ويا ربّ لا تنبت ولا تسقط الحيا ... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
(3/197)

ولا تقر مقراة امرىء القيس قطرة ... من الغيث وارجم ساكنيها بجندل
نصيبى منها للنّعام وللمها ... وللذّئب يعوى كالخليع المعيّل
ولكن ديار اللهو يا ربّ فاسقها ... ودلّ على خضرانها كلّ جدول
وقال
بالكرخ والميدان لى منزل ... ولذّتى القفص وقطربّل
وخير مال لى طيّارة ... تدبر بى فى السّير أو تقبل
يلاطم الماء مجاديفها ... حاملة لكنّها تحمل
غايتها قصر حميد وفى ... بستان بشر دهرها الأطول
وإن تجد من ماصر غفلة ... تطر إلى كركين لا تعدل
وقال
أعاذلتىّ اليوم لا تكثرا العذلا ... ومهلا دعانى من ملامكما مهلا
ولوما مشيبى إن كبرت فانّ لى ... شبابا أصمّ الأذن لا يسمع العذلا
وفتيان صدق قد بعثت بسحرة ... إلى بيت خمّار فحطّوا به رحلا
وقمنا إلى مخزونة بابليّة ... كست دنّها أيدى عناكبها غزلا
مسنّدة قامت ثمانين حجّة ... كواضعة رجلا وقد رفعت رجلا
(3/198)

فدرّت بمنوال علينا سبيكة ... كما فتل الصّواغ خلخاله فتلا
وقال
ويوم فاختىّ الدّجن مرخ ... عزاليه بطلّ وانهمال
ربحت سروره وظللت فيه ... برغم العاذلات رخىّ بال
وساق يجعل المنديل منه ... مكان حمائل السّيف الطّوال
غدا والصّبح تحت اللّيل باد ... كطرف أشهب قانى الجلال
بعاد من زجاج فيه أسد ... فرائسهنّ ألباب الرّجال
غلالة خدّه ورد جنىّ ... ونون الصّدغ معجمة بخال
وقال
لا تقف بى فى دارس الأطلال ... شغل فعلى عنها وشغل مقالى
إنّ دمعى لضائع فى رسوم ... وسؤالى محيلة من محال
فاسقنى القهوة الّتى تصف العت ... ق بلون صاف وطعم زلال
طعنت نحرها الأكفّ ولكن ... تأخذ الثّأر من عقول الرّجال
حلف العلج أنّهم طبخوها ... فرضينا ولو بعود خلال
فأدرنا رحى السّرور فدارت ... بحرام مشبّه بالحلال
(3/199)

وقال
هات كأس الصّبوح فى أيلول ... برد الظّلّ فى الضّحى والمقيل
وخبت جمرة الهواجر عنّا ... واسترحنا من النّهار الطّويل
وخرجنا من السّموم إلى بر ... د شمال وطيب ظلّ ظليل
ونسيم يبشّر الأرض بالقط ... ر كذيل الغلالة المبلول
ووجوه البلاد تنتظر ال ... غيث انتظار المحبّ ردّ الرّسول
وقال
أحسن من وقفة على طلل ... ومن بكاء فى إثر محتمل
كأس صبوح أعطتك فضلتها ... كفّ حبيب والنّقل من قبل
فى مجلس جالت الكؤوس به ... فالقوم من مائل ومنجدل
يطوف بالرّاح بينهم رشأ ... محكّم فى القلوب والمقل
أفرغ نورا فى قشر لؤلؤة ... تجلّ عن قيمة وعن مثل
يكاد لحظ العيون حين بدا ... يسقيك من خدّه دم الخجل
وقال
قم فاسقنى يا خليلى ... من العقار الشّمول
(3/200)

أولى الشّهور بشرب ... شعبان فى أيلول
قد زاد فى اللّيل ليل ... وطاب ظلّ المقيل
وقال
مولاى أجور من حكم ... صبرا عليه وإن ظلم
لعب القلى بعهوده ... فكأنّما كانت حلم
ومصرّعين من العقا ... ر على السّواعد والّلمم
قتلتهم خمّارة ... عمدا ولم تؤخذ بدمّ
وسقتهم مشمولة ... ظلّت تحدّث عن إرم
لمّا أرتهم كأسها ... شربوا وما قالوا بكم
وقال
الآن تمّ فأهدى مقلة الرّيم ... واهتزّ كالغصن فى ميل وتقويم
الآن ناجى بوحى الحبّ عاشقه ... واستعجل اللّحظ فى ردّ وتسليم
قد بتّ ألثمه واللّيل حارسنا ... حتّى بدا الصّبح مبيضّ المقاديم
وقام ناعى الدّجى فوق الجداركما ... نادى على مرقب شاد بتحكيم
باتت أباريقنا حمرا عصائبها ... بيضا ذوائبها غصّ الحلاقيم
(3/201)

[والبدر يأخذه غيم ويتركه ... كأنّه سافر عن وجه ملطوم]
رواكعا كلّما حثّ السّقاة بها ... تلقى الكؤوس بتكفير وتعظيم
لا صاحبتنى يد لم تغن ألف يد ... ولم تردّ القنا حمر الخياشيم
وقال
قد نعى الذّيك الظّلاما ... فاسقنى الرّاح المداما
قهوة بنت دنان ... صفّيت خمسين عاما
جعل العلج لها ... من مدار الطّين هاما
خلتها فى البيت جندا ... صفّفوا حولى قياما
وتراها وهى صرعى ... فرعا بين النّدامى
مثل أبطال حروب ... قتّلوا فيها كراما
وقال
لم ينم ليلى ولم أثم؟؟ ... مفردا بالوجد والسّقم
فى سبيل العاشقين هوى ... لم أنل منه سوى التّهم
واسقنى الرّاح صافية ... تنشر الاصباح فى الظّلم
ولقد أعدو على أثر ال ... حيا راض على الدّيم
(3/202)

لا تلم عقلى ولم طربى ... إنّ عقلى غير متّهم
وقال
أخذت من شبابى الأيّام ... وتولّى الصّبا عليه السّلام
ولقد حثّ بالمدامة كفّى ... غصن بان عليه بدر نمام
ونداماى كل خرق كريم ... أتلفث وفره أياد كرام
بين أقذاحهم حديث قصير ... هو سحر وما سواه كلام
غناء يستعجل الرّاح بالرّا ... ح كما ناح فى الغصون الحمام
وكأنّ السّقاة بين النّدامى ... ألفات على سطور فيام
وقال
يا ربّ ليل سحر كلّه ... مفتضح البدر عليل النّسيم
يلتقط الأنفاس برد النّدى ... فيه فيهديه لحرّ الهموم
لم أعرف الاصباح من ضوئه ... بالبدر إلّا بانحطاط النّجوم
لبست فيه بالتذاذ الهوى ... ولذّة الرّاح ثياب النّعيم
وقال
أيا ساقى القوم لا تنسنا ... ويا جارة العود غنّى لنا
(3/203)

فقد نشر الدّجن بين السّما ... ء والأرض مطرفه الأدكنا
وقال
[من] عائدى للهموم والحزن ... وذكر ما قد مضى من الزّمن
وشرب كأس فى مجلس بهج ... لم أر همّا به ولم يرنى
من كفّ ظبى مقرطق غنج ... يعشقه من عليه يعذلنى
جاء بها كالسّراج صافية ... كريمة لم تدنّس ولم تهن
من ماء كرم قد عتقت حقبا ... فى بطن أحوى الضّمير مختزن
كأنّه منذ قام معتمد ... بعظم ساق شلّاء فى بدن
ميت وفيه الحياة كامنة ... تدرجه العنكبوت فى كفن
وقال
دعنى فما طاعة العذّال من دينى ... ما سالم القلب فى الدّنيا كمفتون
أقررت أنّى مجنون بحبّكم ... وليس لى عندكم عذر المجانين
وصاحب بعد مسّ النّوم مقلته ... دعوته ولسان الصّبح يدعونى
نبّهته ونجوم اللّيل راكعة ... فى حلل من بقايا لونها جون
فقام يمسح عينيه وسبّته ... لعقدة النّوم من فيه يلبّينى
(3/204)

وطاف بالدّنّ ساق وجهه قمر ... فشكّه بسريع الحدّ مسنون
ذو طرّة نظّمت فى عاج جبهته ... من شعره حلقا سود الزّرافين
كأنّ شقّ عذار شقّ عارضه ... عيدان آس على ورد ونسرين
وقال
صحوت ولكن بعد أىّ فتون ... فلا تسألونى توبتى ودعونى
ودبّ مشيبى بعضه نحو بعضه ... فأخرجنى من أنفس وعيون
وأفردت إلّا من تصنّع خائن ... سريع شرار الشّرّ غير أمين
وخمّارة يعنى المسيح؟؟ بدينها ... طرقت وضوء الصّبح غير أمين
وقامت وفى أجفانها سقم الكرى ... تفضّ بكفّيها خواتم طين
فلمّا رآها اللّيل حثّ جناحه ... مخافة صبح فى الدّنان كمين
كأنّا وضوء الصّبح يستعجل الدّجى ... نطير غرابا ذا قوادم جون
فما زلت أسقاها بكفّ مقرطق ... كغصن ثنته الرّيح بين غصون
لوى صدغه كالنّون من تحت طرّة ... ممسّكة تزهى بعاج جبين
وقال
لا تملّا حثّنا واسقيانا ... قد بدا الصّبح لنا واستبانا
(3/205)

إنّ للمكروه لذعة همّ ... فاذا دام على المرء هانا
وامزجا كأسى بريقة شرّ ... طاب للعطشان ورد وحانا
ونديم أمرض السّكر منه ... مقلة فاترة ولسانا
ساورته بسورة الرّاح حتّى ... صرّف الكأس وردّ البنانا
لم يزل يركض وهو مخلّى ... ثمّ علّقنا عليه العنانا
وقال
قد مضى آب صاغرا لعنة اللّ ... هـ عليه ولعنة اللّاعنينا
وأتانا أيلول وهو ينادى ... الصّبوح الصّبوح يا غافلينا
وقال
ألا من لقلب فى الهوى غير منته ... وفى الغىّ مطواع وفى الرّشد مكره
أشاوره فى توبة فيقول لا ... فان قلت تأنى غبة قال اين هى؟
فيا ساقيىّ اليوم عودا كأمسنا ... بابريق خمر فى الكؤوس مقهقه
أورّث نفسى ما لها قبل وارثى ... وأنفقه فيما أحبّ وأشتهى
وقال
قل لمن حيّا فأحيا ... ميّتا يحسب حيّا
(3/206)

ما الّذى ضرّك لو أب ... قيت لى فى الكأس شيّا
أترانى كنت إلّا ... مثل من قبّل فيّا
يا خليلىّ اسقيانى ... قهوة ذات حميّا
إن يكن رشدا فرشدا ... أو يكن غيّا فغيّا
قد تولّى اللّيل عنّا ... وطواه الغرب طيّا
وكأنّ الصّبح لمّا ... لاح من تحت الثّريّا
ملك أقبل فى التّا ... ج يفدّى ويحيّا
ومن مختار شعره فى الطرد
قال يصف الكلب
لمّا تفرّى أفق الضّياء ... مثل ابتسام الشّفة اللمياء
وشمطت ذوائب الظّلماء ... قدنا لعين الوحش والظّباء
داهية محذورة اللّقاء ... تحملها أجنحة الهواء
تستلب الخطو بلا إبطاء ... أسرع من جفن إلى إغضاء
ومخطف موثّق الأعضاء ... خالفها بجلدة بيضاء
وإثره فى أرضه الأدماء ... كأثر الشّهاب فى السّماء
(3/207)

ذى مقلة قليلة الأقذاء ... صافية كقطرة من ماء
آنس بين السّفح والفضاء ... سرب ظباء رتّع الأطلاء
فى غارب منوّر خلاء ... أحوى كظهر الرّيطة الخضراء
فيه مسوك الحيّة الرّقطاء ... كأنّها ضفائر الشّمطاء
فصاد قبل الأين والأعياء ... خمسين لا تنقص فى الاحصاء «1»
وباعنا اللّحوم بالدّماء
وقال فى رام بالبندق ولم يصب شيئا
يا ناصر اليأس على الرّجاء ... رميت بالأرض إلى السّماء
ولم تصب شيئا سوى الهواء ... هانك هذا الرّمى يا ابن الماء
وقال فى الزّرّق
قد أغتدى واللّيل فى إهابه ... كالحبشىّ مال عن أصحابه
والصّبح قد كشّف عن أنيابه ... كأنّه يضحك من ذهابه
بزرّق ريّان من شبابه ... ذى مخلب مكّن فى نصابه
كأنّ سلخ الايم من أثوابه ... ما زادنا البازى على حسابه
(3/208)

وقال فى الصقر والفرس
قد أغتدى والصّبح ذى مشيب ... بقارح مسوّم يعبوب
ذى أذن كخوصة العسيب ... أو آسة أوفت على قضيب
يسبق شأو النّظر الرّحيب ... أسرع من ماء إلى تصويب
ومن نفوذ الفكر فى القلوب ... وأجدل حكّم بالتّأديب
صبّ بكفّ كلّ مستجيب ... أسرع من لحظة مستريب
وقال فى البازى
غدوت للصّيد بفتيان نجب ... وسبب للرّزق من خير سبب
ذى مقلة تهتك أستار الحجب ... كأنّها فى الرّأس مسمار ذهب
بأنسر مثل السّنان المختضب ... قد وثق القوم له بما طلب
فهو إذا عرّى لصيد فاضطرب ... عرّوا سكاكينهم من القرب
وقال فى الكلاب
قد أغتدى واللّيل كالغراب ... ملقى السّدول مغلق الأبواب
حتّى بدا الصّبح من الحجاب ... كشيبة حلّت على شباب
بكلبة سريعة الوثاب ... تفوق سبقا لحظة المرتاب
(3/209)

لم يدم صيدا فمها بناب
حفظا وإبقاء على الأصحاب
وقال فى الشّكّ وقصب الدّبق
ما صائدات لسن بارحات ... وراكبات غير سائرات
وقد علون غير مكرمات ... منابرا ولسن خاطبات
وما طعام ظلّ بالفلاة ... يقرّب الموت من الحياة
وما رماح غير جارحات ... ولسن للطّراد والغارات
يخضبن لامن علق الكماة ... برفق حرب منجز العدات
مستمكن ليس بذى إفلات ... ينشب فى الصّدور واللّبّات
أسنّة غير موقّعات ... على عواليها مركّبات
من قصب الرّيش مجرّدات ... يحسبن فى الفنىّ شائلات
أذناب جرذان منكّسات
وقال فى البازى والفرس
لمّا حدا الصّبح بليل أدعج ... مثل القباء الأسود المفرّج
والنّجم فى غرّة نجم سسرج ... كالمصطلى باللهب المؤجّج
وأفق الجوزاء بالصّبح شج ... خافقه مثل اللّواء المزعج
(3/210)

رعنا الوحوش بابن شدّ مدمج ... أشقر ملزوز العرى والمنسج
قد خاض تحجيلا ولم يلجّج ... كالخود فى جلبابها المضرّج
رمت إلى معصمها بالدّملج ... ذى غرّه مثل الصّباح الأبلج
وأضلع مثل شجار الهودج ... كيف بطلب ذى فقار مرتج
كعقد الخطّى لم يعوّج ... وحافر أزرق كالفيروزج
منثلم؟؟ يقشر جلد المنهج ... ومكمل شكّته مدجّج
أقمر مثل الملك المتوّج ... ذى مقلة نقيّة المحجّج
ومخلب كالحاحب المزجّج ... أبرش بطنان الجناح الدّيزج
كطيلسان الملك المدبّج ... لم يخل من يوم سرور مرهج
ورائح وقادح مؤجّج
وقال فى الكلاب
غدوت للصّيد بقضف كالقدد ... واللّيل قد رقّ على وجه البلد
وابتلّ سربال النّسيم وبرد ... والفجر فى ثوب الظّلام يتّقد
عواصف مشابهات للأمد ... ما يستزدها الشّوط من عدو تزد
وتقتضى الأرجل والأيدى تعد ... لمّا عدون وعدت خيل الطّرد
(3/211)

أبرق بالرّمض الفضاء ووعد ... وقام شيطان الجريض وقعد
وطار فى السّماء نقع وركد ... كأنّه ملاء غسّال جدد
ينشرها السّهل ويطويها الجدد ... مثل القريب عندها ما قد بعد
وقال فى البازى
قد أغتدى على الجياد الضّمّر ... والنّجم فى طرّة صبح مسفر
كأنّه غرّة مهر أشقر ... والوحش فى أوطانها لم تذعر
والرّوض مغسول بليل ممطر ... جلالنا وجه الثّرى عن منظر
كالعصب أو كالوشى او كالجوهر ... من أبيض وأحمر وأصفر
وطارف أجفانه لم ينظر ... تخاله العين فما لم يفغر
وفاتق كاد ولم ينوّر ... كأنّه مبتسم لم يكشر
وأدمع الغدران لم تكدّر ... كأنّها دراهم فى منثر
أو كعشور المصحف المنشّر ... والشّمس فى إضحا جوّ أخضر
كدمعة حائرة فى محجر ... تسقى عقارا كالسّراج الأزهر
مدامة تعقر إن لم تعقر ... يديرها كفّ غزال أحور
فى طرّة قاطرة بالعنبر ... وملثم يكشفه عن جوهر
(3/212)

وكفل يشغل فضل المئزر ... ويذعر الصّيد بباز أقمر
كأنّه فى جوشن مزرّر ... ذى مقلة تسرح فوق المحجر
ومنسر عضب الشّبا كالخنجر ... تخاله مضمّخا بالعصفر
وهامة كالحجر المدوّر ... وجوجؤ منمنم محبّر
كأنّه رقّ خفىّ الأسطر ... وذنب كالمنصل المذكّر
أو كنجىّ الطّلعة المقشّر ... وقبضة تقصل إن لم تكسر
قلّص فوق الدّستبان الأحمر ... جناحه كردية المشمّر
وقال فى الكلاب
لهفى على دهر الصّبا القصير ... وغصنه ذى الورق النّضير
وسكره وذنبه المغفور ... ومرح القلوب فى الصّدور
وطول حبل الأمل المجرور ... فى ظلّ عيش ناعم غرير
فالآن قد صرت إلى مصير ... واشتعل المفرق بالقتير
وتركتنى ظنن العبور ... قد أعتدى بين الدّجى والنّور
يضمّنى لطائف الحضور ... نمرح فى الأطواق والسّيور «1»
(3/213)

ندنى وراء القنص المذعور ... تسمية الله من التّكبير «1»
وقال فى القوس والبندق
لا صيد إلّا بوتر ... أضفر مجدول ممرّ
إن مسّه الرّامى نخر ... ذى مقلة تقذى مدر
بطرن منها كالشّرر ... إلى القلوب والثّغر
لما غدونا بسحر ... واللّيل مسودّ الطّرر
نأخذ أرضا ونذر ... جاءت صفوفا وزمر
يطلن ما شاء القدر ... عند رياض وزهر
وهنّ يسألن النّظر ... ما عنده من الخبر «2»
فقام رام فابتدر ... أوتر قوسا وحسر
إذا رمى الصّفّ انتثر ... فبين هاو منحدر
وذى جناح منكسر ... فارتاح من حسن الظّفر
ومسّه حزّ الأشر ... وقلن إذ حقّ الحذر
وجدّ رمى واستمرّ ... ما هكذا يرمى البشر
صار حصى الأرض مدر
(3/214)

وقال فى الفهد
قد أغتدى قبل الغدوّ بغلس ... وللرّياض فى دجى اللّيل نفس
حتّى إذا اللّيل تدلّى كالقبس ... قام النّهار فى ظلام وجلس
يلاحق الوثبة ممتدّ النّفس ... نعم الرّديف زاننا فوق الفرس
ينفى القذى عن مقلة فيها شوس ... كالزّلم الأصفر صكّ فانملس
لما خرطناه تدانى فانغمس ... إذا عدا لم ير حتّى يفترس
وقال فى البزاة والكلب واليوزج
قم صاحبى نعدو لصيد الوحش ... بصائدات من بزاة برش
كأنّما نقّطها موشّى ... ويوزجات ضمّر تستنشى
ذوات شمّ وذوات نبش ... ووابل فى العدو غير طشّ
فقام بسّاما عبوس البطش ... كمثل دينار جديد النّقش
واستبدل السّرج بلين الفرش ... لمّا رأى فى اللّيل فجرا يمشى
فكم كناس قد خلا وعشّ ... وقهوة صرف بغير غشّ
شربتها تحت ندى ورشّ ... فى ليلة ذات نجوم عمش
(3/215)

وقال فى الكلاب
لمّا تدلّى النّجم لانحطاط ... وهمّ رأس اللّيل بانشماط
قدنا لغزلان النّقا العواطى ... داهية تجول فى الرّياط
كأنّها والنّفط كالنّياط ... تعجل درّا خرّ بالتقاط
تردّه فى حلق الأفراط ... سوائل الأذناب كالسّياط
وقال فى الشاهين والغراب
أقبل يفرى ويدع ... ممتلىء اللّحظ جزع
مستروعا ولم يرع ... تبصره إذا وقع
كفرد خفّ منتزع ... إذا رأى الرّوض ربع
لمّا رآى وجه الفزع ... طار قريبا وانقمع
وصكّه نيق جذع ... ففرّق الرّعب قطع
وليس فى العيش طمع
وقال فى البازى
قد أغتدى وفى الدّجى مبالغ ... والفجر للسّاقة مها صابغ
وفيه للصّبح خطيب نابغ ... واللّيل فى المغرب عنه زائغ
(3/216)

بمستمرّ فى الدّماء والغ ... قدّ له قميص وشى سابغ
ومنسر ماضى الشّباة دامغ ... يملأ كفّيه جناح فارغ
وقال فى الصقر والكلاب من أبيات
ومن عجب اللّذات يوم سرقته ... من الدّهر لم يعلم به الدّهر سالف
غدونا ولمّا ترتقى الشّمس أفقها ... تسيل بنا قود الجياد الجوائف «1»
تشقّ رياضا قد تنفّط نورها ... وبلّلها دمع من المزن ذارف
كأنّ عباب المسك بين بقاعها ... تفتّحها أيدى الرّياح اللّطائف
وقيدت لحتف الصّيد غضف كواسب ... كمثل قداح الباريات نحائف
إذا انخرطت من القلائد خلتها ... ترامى بها هوج الرّياح العواصف
تقاسمها قبض النّفوس أجادل ... ففى الأرض نهّاش وفى الجوّ خاطف
كأنّ دلاء فى السّماء تخطّها ... وترقى بها أيد سراع غوارف
يشقّق آذان الأرانب صكّها ... كما شقّ أنصاف الكوافير خارف «2»
تصبّح حزّان القريّة غدوة ... شياطين فى أفواههنّ المتالف
(3/217)

ونبّه وسنان التّراب ضحيّة ... إلى العصر شدّ يأكل الأرض عاصف
ودرّت علينا قرقف بابليّة ... يطوف بها ريم من الانس آلف
يصرّف لحظا لا يعاد مريضه ... ويمشى بخصر أتعبته الرّوادف
ويرجم غفلات أفتّت بنظرة ... إلىّ كمسّ الخمر والقلب خائف
وقال فى البازى
لمّا انجلى ضوء الصّباح وفتق ... تجلّى الصّفوة من تحت الرّنق
وأنجم اللّيل مريضات الحدق ... والفجر قد ألقى على الأرض طبق
غدوت فى ثوب من اللّيل خلق ... يطارح النّظرة فى كلّ أفق
ذى منسر أقنى إذا شكّ خرق ... مختضب فى كلّ يوم بعلق
ومقلة تصدقه إذا رمق ... كأنّها نرجسة بلا ورق
تنشب فى الأنيار حتّى تنفتق ... مخالبا كمثل أنصاف الحلق
مبارك إذا رأى فقد لحق ... يسبق ذعر الطّير من حيث انبرق
حتّى يرين الموت من قبل الفرق
وقال فى الصقر
يا ربّ ليل كجناح النّاعق ... سريته بفتية بطارق
(3/218)

تنتاب صيدا لم يرع بطارق ... بأجدل يلقن نطق النّاطق
ململم الهامة فخم العاتق ... ذى مخلب أقنى كنون المنشق
وجؤجؤ لابس وشى رائق ... كأثر الأقلام فى المهارق
أو كبقايا الكحل فى الحمالق ... حتّى بدا ضوء صباح فاتق
وقال
وكلبة غدا بها فتيان ... أطلقهم من يده الزّمان
كأنّها إذا تمطّت جان ... أو صعدة وعظمها السّنان
والنّجم فى مغربه وسنان ... والصّبح فى مشرقه حيران
كأنّه مصبّح عريان ... ونحبت لحينها غزلان
فأحذت ما أخذ العنان
وقال فى الفهود
انعتها تفرى الفضاء عدوا ... نوازيا خلف الطّريد نزوا
لا تحسن القدرة منها عفوا ... قد وجدت طعم الدّماء حلوا
وقال فى الكلاب
لمّا غدونا والظّلام قد وهى ... قدنا لغزلان الدّجيل والمها
(3/219)

ضوامرا تحسبهنّ نقّها ... يصدن للعادى بهنّ ما اشتهى
وما انتهت قطّ به حتّى انتهى ... فكلّ ما شاءت من الصّيد لها
ومن مختار شعره فى الغزل
قال
قل لغصن البان الّذى يتثنّى ... تحت بدر الدّجى وفوق النّقا
ليت ليلا على الصّراة طويلا ... لليالىّ فى سرّ من رأى الفدا
أين مسك من حمأة، وبحور ... من بحار، وصفوة من قذا
وقال
لاح له بارق فأرّقه ... فبات يرعى النّجوم مكتئبا
يطيعه الطّرف عند دمعته ... حتّى إذا حاول الرّقاد أبى
وقال
قد وجدنا غفلة من رقيب ... فسرقنا لحظة من حبيب
ورأينا ثمّ وجها مليحا ... فوجدنا حجّة للذّنوب
وقال
وصل الخيال وصدّ صاحبه ... والحبّ لا تفنى عجائبه
(3/220)

يا شرّ إن أنكرتنى فلكم ... ليل رأتك معى كواكبه
شابت نواصيه وعذّبنى ... بقمير خامسة أراقبه
بأبى حبيب كنت أعهده ... لى واصلا فازورّ جانبه
عبق الكلام بمسكة نفحت ... من فيه ترضى من يعاتبه
نبّهته والحىّ قد رقدوا ... مستبطنا غضبا مضاربه
فكأنّنى روّعت ظبى نقا ... فى عينه سنة تجاذبه
وقال
وا بلائى من محضرى ومغيبى ... من حبيب منّى بعيد قريب
لم ترد ماء وجهه العين إلّا ... شرقت قبل ريّها برقيب
وقال
لقد بليت نفسى بمن لا يحبّنى ... وذاك عذاب فوق كلّ عذاب
وقلت له ردّ الجواب فقال لى ... جوابك لا واترك جواب جوابى
وقال
يا أيّها المتتايه المتغاضب ... مات الرّضى عنّى فانّى تائب
وغضبت لمّا قلت هجرك قاتلى ... إن عاد وصلك لى فانّى كاذب
(3/221)

وقال
لا وخدّ من خضرة الشّعر جدب ... لامع نوره كصفحة عضب
وابتسام من بعد تقطيب سخط ... ورضى لحظ مقلة بعد عتب
لا تبدّلت ما حييت ولا حدّ ... ثت نفسى من بعد حبّى بحبّ
وقال
ريم يتيه بحسن صورته ... عبث الفتور بلحظ مقلته
وكأنّ عقرب صدغه وقفت ... لمّا دنت من نار وجنته
وقال
نطقت مناطق خصره بصفاته ... واهتزّ غصن البان فى حركاته
وعذرت من خطّ العذار بخدّه ... ولحاظه والموت من لحظاته
وكأنّ وجنته تفتّح وردة ... خجلا إذا طالبته بعداته
وحياة عاذلنى لقد صارمته ... وكذاك بل واصلته وحياته
وقال
ومحذّف طاقين من سبج ... فى وجه عاج لاح كالسّرج
أجسامنا بالسّقم قد بليت ... فسلوا محاسنه عن المهج
(3/222)

وقال
مازلت [أطمع] حتّى قد تبيّن لى ... جدّ من الخلف فى ميعاد مزّاح
ليلى كما شئت ليل لا انقضاء له ... بخلت حتّى على ليلى باصباح
وقال
مات وصال وعاش صدّ ... وعزّ مولى وذلّ عبد
يا أحسن العالمين وجها ... مالك من أن تحبّ بدّ
وقال
أغلّق سمعى بالأحاديث بعدكم ... وأصرف لحظى عن محدّثها عمدا «1»
وأسأله ردّ الحديث لعلّة ... سواك ودمعى دائب يفضح الوجدا
وقال
يا نسيم الرّيح من بلد ... إن لم تفرّج همّى فلا ترد
أبيت والشّوق فى الفراش معى ... يكحل عينى بمرود السّهد
أخطأت يا دهر فى تعرّقنا ... ويحك تب بعدها ولا تعد
مالى أرى اللّيل لا صباح له ... ما الهجر إلّا ليل بغير غد
وقال
ماذا يضرّك لو رثيت لعاشق ... قلق يقوم به هواك ويقعد
(3/223)

تجد العيون رقادها، ورقاده ... حتّى الصّباح مضيّع ما يوجد
وله إذا ما قصّر اللّيل الكرى ... ليل طويل العمر ليس له غد
وقال
ومن حسرة الدّنيا هواك لباخل ... بعيد من العتبى ضنين بموعد
يجىء مجىء الفىء كلّ عشيّة ... ويرجع لم يسعف بلفظ ولا يد
وقال
ما أقصر اللّيل على الرّاقد ... وأهون السّقم على العائد
يفديك ما أبقيت من مهجتى ... لست لما أوليت بالجاحد
كأنّنى عانقت ريحانة ... تنفّست فى ليلها البارد
فلو ترانا فى قميص الدّجى ... حسبتنا فى جسد واحد
وقال
أما ترى يا صاح ما حلّ بى ... من ظالم فى حكمه معتدى
[يقول للقلب إذا ما خلا ... يا قلب قم واطلب ولا تقعد]
كم من فسوق فى كلام له ... وغمزة مكتومة باليد
ولحظة أسرع من تهمة ... تجيب من يسأل أو يبتدى
(3/224)

يا موسم العشّاق قل لى متى ... تخلو من الغائر والمنجد
[يا مقمرا فى الشّعر الأسود ... وضاحكا فى أقحوان ندى
ليتك قد أحسنت بى مرّة ... واحدة أو حلت عن موعدى]
وقال
لا تلق إلّا بليل من تواصله ... فالشّمس نمّامة واللّيل قوّاد
كم عاشق وظلام اللّيل يستره ... لاقى الأحبّة والواشون رقّاد
وقال
ومستكس يزهى بخضرة شارب ... وفترة أجفان وخدّ مورّد
تبسّم إذ مازخته فكأنّما ... تكشّف عن درّ حجاب زبر جد
وقال
قد حمى ظبى النّقا أسده ... ريقه عذب ومن يرده
مشرب طابت مشارعه ... جامد فى خمرة برده «1»
هو سقم حين أفقده ... وشفاء السّقم لو أجده
وقال
شفانى الخيال بلا حمده ... وأبدلنى الوصل من صدّه
(3/225)

وكم نومة لى قوّادة ... تقرّب حبّى على بعده
وقال
مضيت فكم دمعة لى علي ... ك تهوى وكم نفس يصعد
[وجئت فحبّى ذاك الّذى ... عهدت كما هو لا ينفد]
فهل لك فى أن تعيد الوصا ... ل فالعود أحمد يا أحمد
وقال
سقيا لظلّ زمانى ... ودهرى المحمود
ولّى كليلة وصل ... قدّام يوم صدود
وقال
[يا أيّها الرّاكب المستعجل الغادى ... أقر السّلام على يعقوب بالوادى
وقل له الحقه قد خلفّته دنفا ... يمجّ آخر عهد بين عوّاد]
يا حبّذا الدّهر إذ نسقى مسرّته ... صرفا ونمزج إنجازا بميعاد
وإذ نبيت وقلبانا قد انتصفا ... حادى عناق وإسعاف وإسعاد
[بسرّ من راسقاها [الغيث] ما شربت ... من رائح ضاحك بالمزن أو غاد
وقال
ألا حلّلوا عنّى عرى الهمّ بالمنى ... وأخبار شرّ قد رضيت بأخبار
(3/226)

وإلّا فزيدوا زفرتى أو فأمسكوا ... جناح فؤاد بين جنبى طيّار «1»
وقال:
بان الخليط ولم يطق صبرا ... ووجدت طعم فراقهم مرّا
وكأنّما الأمطار بعدهم ... كست الطّلول غلائلا خضرا
هل تذكرين وأنت ذاكرة ... مشى الرّسول اليكم سرّا
إن تغفلوا يسرع لحاجته ... وإذا راوه حسّن العذرا
فطن يورّى ما تقول له ... ويزيد بعض حديثنا سحرا
وقال
ما الذّنب لى بل أذنب السّكر ... على لسانى وبقولى عذر
فيا بديع الحسن يا سيّدى ... حتّى متى لا يهجر الهجر «2»
الحق دموعى وهى فى جفنها ... موقوفة لم يجرها قطر
وغصّة لى لم تصر زفرة ... من قبل أن ينهتك السّتر
وقال
قف خليلى نسأل لشرّة دارا ... ومحلّا منها خلاء قفارا
(3/227)

ضاع شوق اليك لم تعلميه ... بات بين الأحشاء يوقذ نارا
ربّ صاد إلى حديثك خلّا ... ب وقد طاف حول سرّى ودارا «1»
لو رأى مطلعا من الأمر سهلا ... دبّ فى النّاس ينقب الأسرارا
عزلتنى عنها المخافة إلّا ... من خيال إذا دجى اللّيل زارا
لم يزل فى الرّقاد يلثم فاها ... ويقضّى من شرّة الأوطارا
خاليا لا يخاف أذنا وعينا ... بات دون الفراش والبعل جارا
مزجته بنفسها مثل ما يم ... زج ساق بماء مزن عقارا
وقال
فكيف بها لا الدّار منها قريبة ... ولا أنت عنها آخر الدّهر صابر
أبن لى فقد بانت لها غربة النّوى ... أأنت على شىء سوى الهمّ قادر «2»
نعم أن يزول القلب عن مستقرّه ... خفوقا وتنهلّ الدّموع البوادر
وأحيا حياة بعد شرّ مريضة ... لها عاذل فى حبّ شرّ وعاذر
الا يا بنى العبّاس هذا أخوكم ... قتيل فهل منكم له اليوم ثائر
(3/228)

وقال
أقول وقد نادوا ببين وقوّضوا ... خيامهم من منجدين وغائر
رويدك يا حبّ المليحة ساعة ... ولا تقتلنّى قبل زمّ الأباعر
وباتوا كأنّ الدّهر لم ينخدع لها ... بطول وصال منهم وتزاور
وقال
يا ليلة بتّ فيها دائم السّهر ... أرعى النّجوم حليف الهمّ والفكر
كأنّها حين ذرّ اللّيل ظلمته ... جمر جلته الصّبا فى مصطلى خضر
يا ويح قلبى من ريم بليت به ... بالصّبح منتقب بالّليل معتجر
وقال
أشكو إلى الله هوى شادن ... أصبح فى هجرى معذورا
إن جاء فى اللّيل تجلّى وإن ... جاء صباحا زاده نورا
فكيف أحتال إذا زارنى ... حتّى يكون الأمر مستورا
وقال
يا هلالا يدور فى فلك النّا ... ورد رفقا بأعين النّظّاره «1»
(3/229)

قف لنا فى الطّريق إن لم تزرنا ... وقفة فى الطّريق نصف الزّياره
وقال:
يا عاذلى فى ليله ونهاره ... خلّ الهوى يكوى المحبّ بناره
ويح المتيّم ويحه ماذا على ... عذّاله من ذنبه أو عاره
يا حسن أحمد إذ غدا متشمّرا ... فى قرطق يسعى بكأس عقاره
والغصن فى أثوابه والدّرّ فى ... فمه وجيد الظّبى فى أزراره
لكنّه قاس كذوب وعده ... نائى المزار على دنوّ جواره
قد كنت معذورا لهجرة مثله ... لولا ملاحة خدّه وعذاره
وقال «1»
إنّ الخليط بكر ... زمرا تخبّ زمر
ما زلت أتبعهم دم ... عا بكيد نظر
ولقد طرقت على ... صدّ وحسن حذر
رشأ لمحبّته ... شرب الكرى فسكر
شغلته أقرطه ... دمالج وطرر
(3/230)

وغدت تبشّره ... مرآته بقمر
يفترّ عن برد ... لولا الجمود قطر
وقال
يا ظالم الفعل ومظلوم النظّر ... ويا قضيبا وكثيبا وقمر
قدرت لى فحبّذا هذا القدر ... وإن ملأت العين دمعا وسهر
وقال
قد صاد قلبى قمر ... يسحر منه النّظر
بوجنة كأنّما ... يطير منها الشّرر
وشارب قد همّ أو ... نمّ عليه الشّعر
ضعيفة أجفانه ... والقلب منه حجر
كأنّما ألحاظه ... من فعله تعتذر «1»
ألحسن فيه كامل ... وفى الورى مختصر
وقال
قد سقتنى ريقا وريقا كخمر ... بنت عشر فى كفّها بنت عشر
كمّل الحسن والملاحة فيها ... خالق هزّ غصنها تحت بدر
(3/231)

مرحبا باختلاج أجفان عين ... بشّرت نفسها برؤية شرّ
لك منّى عتق من الدّمع إن ص ... حّ الّذى قلته ولو بعد دهر
وقال
بالله يا ذا المقلة السّاهره ... اغفر ذنوب الدّمعة القاهره
ته كيف ما شئت علينا فقد ... تاهت بك الدّنيا على الآخره
وقال:
أصابت عينه عين فزيدت ... فتورا فى الملاحة وانكسارا
فصار لغمزها عذر إذا ما ... أشار إليه لحظى أو أشارا «1»
وزاد سقامها سقما فأذكت ... على قلب المتيّم منه نارا
وقال
أرى أعين الأعداء قد فطنت بنا ... وأوجس سوء الظّنّ من كان ذا أنس
فان منعوا من صورة الجسم صورة ... ففى النّوم تلقى صورة النّفس للنّفس
(3/232)

وقال
أيا طرّة عبّاس ... لقد أكثرت وسواسى
أرى ليلا من الشّعر ... على شمس من النّاس
ألا قولوا لمن يغدو ... إلى ميدان أشناس
أنا أحسن من يرمى ... بسهم وجه برجاس
أترضى لرجائى من ... ك أن يختم بالياس
وقال
بكاء يستجيب ولا يحتبس ... ونفس شكت بلسان النّفس
ومولى يجور على عبده ... يقول إذا ذكروه تعس
حرصت على حبّ من لا يحبّ ... فلا ربّ مستعجل قد جلس
وقال
[دع نديما قد تناءى وحبس ... واسقنى واشرب عقارا كالقبس]
هام قلبى بفتاة غادة ... حولها الأسياف فى أيدى الحرس
[لا تنام اللّيل من حبّى وإن ... غرّد القمرىّ زارت فى الغلس]
وتسمّينى إذا ما عثرت ... فاذا ما فطنوا قالت تعس
(3/233)

وقال
يتيه عبدى وأنا أخضع ... إن كان ذا دأبى فماذا أصنع
يا عاذلى عذلك لى ضائع ... أسمعتنى والحبّ لا يسمع
وقال
عليم بما تحت الصّدور من الهوى ... سريع بكرّ اللّحظ والقلب جازع
ويجرح أحشائى بعين مريضة ... كمالان متن السّيف والحدّ قاطع
وقال
ألآن زاد على عشر بواحدة ... من بعد أخرى وشاب الحبّ بالخدع
وجاوب اللّحظ منه لحظ عاشقه ... وجرّر الوعد بين اليأس والطّمع
قد كان غرّا بقتلى ليس يحسنه ... واليوم يبدع فى قتلى على البدع
وقال
أيا من فؤادى به مدنف ... حجبت فلى دمعة تذرف
إذا منعوا مقلتى أن ترا ... ك فقلبى يراك ولا يطرف
وقال
بليت يا قوم بمستبصر ... فى الظّلم لا أنطق من خوفه
محرّك اليمنى إذا ما مشى ... وواضع اليسرى على سيفه
(3/234)

كلامه أخدع من لحظه ... ووعده أكذب من طيفه
وقال
ومن دون ما أظهرت لى تضرب المنى ... ويمسى جليد القوم وهو ضعيف «1»
ولم أدر أنّ البان يغرس بالنّقا ... ولا أن شمسا فى الظّلام تطوف
وقال
وغزال مقرطق ... ذى وشاح ممنطق
زيّن الله خدّه ... بعذار معلّق
لم أكن فيه بدعة ... كنت ممّن به شقى
يا محلّ السّقام بى ... خذ من الجسم ما بقى
وقال
وزائرة تستعجل المشى طارقه ... أتتنا من الفردوس لا شكّ آبقه
إذا ما تثنّت قال للرّيح قدّها ... كذا حرّكى الأغصان إن كنت صادقه
وقال
إذا ما جحدت الحبّ قالت عواذلى ... فما لك تبكى دمع عينيك أصدق
(3/235)

شقيت كمن يشقى بريم أحبّه ... على وجهه نور من الحسن يشرق
ولم تتمكّن لحية من عذاره ... بلى مسحته مسحة وهى تفرق
وقال
لا ويوم الرّقيب وقت التّلاقى ... وارتداء الاثنين بالاعتناق
وارتضاع الفمّين من برد زيق ... طيّب طعمه لذيذ المذاق
وعتاب خلاله ضحكات ... لا عتاب القطوب والاطراق
وحبيب أتى على غير وعد ... نقر الباب بعد طول فراق
لا أطعت العذول فى لذّة الكأ ... س ولا لمت عاشقا فى اشتياق
أنا من ماء دمعتى فى ابتلال ... ولا يقاد لوعتى فى احتراق
وقال
يجادلنى أيّنا أعشق ... ودمعى لأدمعه المطلق
فمن قد بكى شجوه الأصدق ... ومن زار صاحبه الأشوق
وقال
لا أرق الله من أهدى لى الأرقا ... وأودع القلب نار الحبّ فاحترقا
تناصفت فيه من فرق إلى قدم ... محاسن كلّها تستوقف الحرقا «1»
(3/236)

فكم تحيّر؟؟ من عقل ومن نظر ... فيه وكم طار من قلب وكم خفقا
يا ملبس السّقم جسمى بعد صحّته ... عجّل وفاتى وإلّا فالحق الرّمقا
لم يترك الشّوق [منّى] مذ عييت به ... عن نصرى تخلّقا فى صبرى ولا خلقا»
وقال
أيا ويلى وعولى من مكاسك ... ويا همّى وكربى لاحتباسك
فكم ذا التّيه قد أسرفت فيه ... أرانى الله خدّك مثل راسك
وقال
بمنّى ومكّة للحجيج مواسم ... والياسريّة موسم العشّاق
مازلت أنتقد الوجوه بحوّها ... نقد الصّيارف جيّد الأوراق
وقال
صددت وإن صددت برغم أنفى ... فكم فى الصّدّ من نظر إليكا
أراك بعين قلب لا تراها ... عيون النّاس من حذر عليكا
فأنت الحسن لا صفة بحسن ... وأنت الخمر لا ما فى يديكا
وقال
باح هجران من أحبّ بتركى ... فدعونى أبكى عليه وأبكى
(3/237)

قلت للكأس وهو يكرع فيها ... ذقت والله منه أطيب منك
وقال
ما حان لى أن أراكا ... وأن أقبّل فاكا
قلبى بكفّيك فانظر ... هل فيه خلق سواكا
وقال
شفّعينى يا شرّ فى ردّ قلبى ... فلقد طال حبس قلبى اليك
وائذنى فى الرّقاد لى إنّ عينى ... تستزير الرّقاد من عينيك
وقال
أغار عليك من قلبى إذا ما ... رآك وقد نأيت وما أراك
وطرفى حين نمت فبات ليلا ... يسير ولم أسر حتّى أتاك
وغيثا جاد ربعا منك قفرا ... أليس كما بكيتك قد بكاك
ومن طرف القضيب من الأراك ... إذا أعطيته يا شرّ فاك
وقال
بدر يبين اللّيل أنواره ... من تحته غصن نقا مائل
لا يكفل المئزر أكفاله ... وخصره مختصر ناحل
(3/238)

وقال
ومنعم كالغصن ذى الميل ... مازحته فاحمرّ من خجل
لمّا شممت الخمر من فمه ... وفّيته حدّا من القبل
وقال
لا تعاتب إذا هوي ... ت ولا تكثّر العلل
لا تذكّر بوصلك ال ... هجر ما دام قد غفل «1»
وقال
جسم المحبّ بثوب السّقم مشتمل ... وجفنه بدموع الشّوق مكتحل «2»
وكيف يبقى على ذا جازع كمد ... لم يبق من صبره رسم ولا طلل
وظلّ عذّاله يلحون صبوته ... لو يعلمون الّذى يلفى لما عذلوا
وقال
أطلت وعذّبتنى يا عذول ... بليت فدعنى حديثى يطول
هواى هوى باطن ظاهر ... قديم حديث لطيف جليل
ألا ما لذا اللّيل لا ينقضى ... كذا ليل كلّ محبّ طويل
(3/239)

وقال
وزائر زارنى على وجل ... متنقّب الوجنتين بالخجل
قد كان يستكثر الكلام لنا ... فجاد بالاعتناق والقبل
قبّلت منه الّذى أؤمّله ... بل الّذى كان دونه أملى
وقال
لى حبيب يكدّنى بمطاله ... غشّ دينى بحسنه وجماله
قمر يلبس الظّلام ضياء ... عجب النّقص فى الورى من كماله
نازح الوصل ليس يرحم آما ... لى من طول خلفه واعتلاله
وجّهت نفسى الرّجاء إليه ... وأقامت على انتظار نواله
وقال
قم ففرّج من كربتى يا رسول ... إنّ عبد الهوى لعبد ذليل
ما رددت الجواب منه فأحيا ... ليت شعرى متى لقول يقول
وقال
لبست صفرة فكم فتنت ... من أعين إذ رأينها وعقول
مثل شمس فى الغرب تسحب ثوبا ... صبغته بزعفران الأصيل
(3/240)

وقال
أقول وقد طال ليل الهموم ... وقاسيت حزن فؤاد سقيم
عسى شمسه مسخت كوكبا ... فقد طلعت فى عداد النّجوم
وقال
صدّت شرير فلم تكلّمنى ... كم ذا التّجنّى على المحبّ كم
تعاونت فى دمى محاسنها ... لكن خذوا سحر عينها بدمى
دعت خلاخيلها ذوائبها ... فجئن من رأسها الى القدم
وقال
هاتيك دار شرير لا يغيّرها ... كرّ الخطوب وطول العهد والقدم
تحرّج الدّهر لا يمحو معالمها ... وإن تغنّى بها الارواح والدّيم
وقال
لحظ المحبّ على الأسرار متّهم ... إذا استشفّوا الهوى من تحته علموا
من كان يكتم ما فى القلب من حرق ... ففى الدّموع حديث ليس ينكتم
وقال
البرق فى مبتسمه ... والخمر فى ملتثمّه
(3/241)

ووجهه فى شعره ... كقمر فى ظلمه نام رقيبى سكرا
يحرسنى فى حلمه ... وبات من أهوى معى
يزقّنى ريق فمه
وقال
يا خفىّ الرّقى لحيّات سخطى ... وجريئا على الذّنوب العظام
وله شافع من الشّكل والحس ... ن وجيه يفلّ سيف انتقامى
ربّ ذنب له بديع عجيب ... جامع بين عبرتى وابتسامى
وقال
هجرتك عانية بلا جرم ... ظلمتك قد مرنت على الظّلم
قالت بليت بحقّ جسمى أن ... تبلى وهل أبقيت من جسمى
إنّ الرّسول أشاع قولك لى ... إيّاك أن تزداد من علم
أوشى بسرّ هواى من سقمى ... وأنمّ من سمعى إلى فهمى
وقال
تعال قد أمكن المكان ... واجسر على الوصل يا جبان
بادر فانّ الزّمان غرّ ... من قبل أن يفطن الزّمان
(3/242)

وقال
قد جاءنا العيد يا معذّبتى ... لا تجعليه همّا وأحزانا
قومى فضّحى بالهجر فيه لنا ... وصيّريه يا شرّ قربانا
وقال
كم ليلة عانقت فيها بدرها ... تحت الظّلام موسّدا كفّيه
مازلت أشرب خمرة من ريقه ... وتحيّتى تفّاحتا خدّيه
وسكرت لا أدرى أمن خمر الهوى ... أم كأسه أم فيه أم عينيه
وقال
أيا بديعا بلا شبيه ... ويا حقيقا بكلّ تيه
ومن جفانى فما أراه ... هب لى رقادا أراك فيه
وقال
يا من به صمم عن الشّكوى ... وتغافل عن صاحب البلوى
سافرت بالآمال فيك فلم ... تبلغ وصالك وانثنت حسرى
(3/243)

ومن مختار شعره فى الصّفات
قال يصف سيفا
لنا صارم فيه المنايا كوامن ... فما ينتضى إلّا لسفك دماء
ترى فوق متنيه المنايا كأنّه ... بقيّة غيم رقّ دون سماء
وقال يذم بستانه
إذا ما سقى الله البساتين كلّها ... سجال سحاب دائم الودق منسكب
فأعطش بستانى الإله ولا سقى ... له طاقة ما لاح نجم ولا غرب
كتوم لحبّ البذر ليس بناتج ... وأشرب من رملات يبرين لا شرب
ومرسى لغرس الآس والنّقل حالق ... بتربته الجرباء من أخبث التّرب
أصفّق فيه حسرة وتلهّفا ... وقد كنت أرجو أن أصفّق من طرب
وقال
أحرقنا أيلول فى ناره ... فرحمة الله على آب
ما قرّ لى جنب على مضجعى ... كأنّنى فى كفّ طبطاب
وقال يذم الشرب فى يوم الغيم والمطر
أنا لا أشتهى سماء كبطن ال ... عير والشّرب تحتها فى خراب
(3/244)

وبيوت يوقّع الوكف فيه ... نّ وإيقاع الوكف غير صواب
إنّما أشتهى الصّبوح على وج ... هـ سماء مصقولة الجلباب
حين تبدو الشّمس المنيرة كا ... لدّينار تجلوه سكّة الضّرّاب
فى غداة قد ساعدتك ببرد ال ... ماء فى يومها وصفو الشّراب
من عقار فى الكأس تشبه شمسا ... طلعت فى غلالة من سراب
أو عروس قد ضمّخت بخلوق ... فهى صفراء فى نقاب حباب
وغناء لا عذر للعود فيه ... بتبدّى الأوتار والمضراب
ونقاء البساط من أثر ال ... طّين ومسح الأقدام فى كلّ باب
ونشاط الغلمان إن عرضت حا ... جاتهم فى المجىء أو فى الذّهاب
وحقاق الرّيحان والنّرجس الغ ... ضّ بأيدى الخلّان والأصحاب
لا تندّى الأنوف منه إذا ش ... مّ لشرب ندى أنوف الكلاب
وقال يصف نارا
وموقدات بين نضر من اللهب ... يشبعنه من فحم ومن حطب
رفعن نيرانا كأشجار [الرّ ... ] «1»
(3/245)

وقال يصف بئرا ودلويها
حفرتها جوفاء منقورة ... فى دمث سهل وطىء التّراب
تضمن رىّ الجيش للمستقى ... كأنّ دلويها جناحا غراب
وقال يصف فرسا
يا ربّ ليل ضاع منّى كوكبه ... مشتبه مشرقه ومغربه
قد اكتسى برد الشّباب غيهبه ... وقبض اللّحظ فما يسيّبه
والبرق فى حافاته يشيّبه ... لا يعرف الصّبح ولكن يحسبه
كأنّه والمزن صاف هيدبه ... لابسة ثوب حداد تسحبه
حتّى إذا مدّ علينا طنبه ... تقطّعت سموطه وسخبه
وقام فيه رعده يؤنّبه ... وقارح تركبه أو تجنبه
يكاد لولا اسم إله يصحبه ... تأكله عيونهم وتشربه
أضيع شىء سوطه إذ يركبه ... والجرى يرمى ماءه ويحلبه
كقدح الصّريح نصّت شعبه ... كأنّ جنّان الفلاة تضربه
يكاد أن يطير لولا لبنه ... يعزف جهد الغانيات جنبه
كأنّ ما يفرّ منه يطلبه ... ذو مقلة قلّت لديها رتبه
(3/246)

يصقلها جفن رقاق حجبه ... وعنق كالجذع خطّ شذبه
وأذن أمينة لا تكذبه ... كآسة فى غصن تقلّبه
يعطيك من ورائه ما يكسبه ... وهو إذا استقبلته ينتهبه
وأربع كأنّها تستلبه ... تخالها تعجل شيئا تحسبه
كأنّما عشاوة تسلّبه ... ثوب من الدّيباج عال مشجبه «1»
وقال يصف الناقة
تربّعت حتّى إذا العود ذوى ... ورمّح الجندب رضراض الحصا
وأشعلت جمرتها شمس الضّحا ... وسلخت عن الثّرى جلد النّدى
ورقصت هوج الرّياح بالسّفا ... سمت إلى ما سحبت أيدى السّما
بمقلة تطحن عوّار القذا ... كما صفا الماء على متن صفا
رحلتها والفىء ظعنا ما نشا ... حتّى إذا ما النّجم فى اللّيل طفا
واشتدّ بالرّكب النّجاء والسّرى ... وخيّطت جفونهم على الكرى
وثقلت رؤوسهم على الطّلا ... ابتدأت سيرا كتحريق الغضا
حتّى محا الاصباح عنوان الدّجا
(3/247)

وقال يصف الحمام
أعددت للغاية سابقات ... معلّمات ومحزّمات
ربّين أفراخا مزغّبات ... حتّى إذا رحن مشوّكات
بأبر الرّيش مغرّزات ... سحبن فى الوكور دائرات
حواصلا أودعن قرطمات ... كأنّها صرار لؤلؤات
حتّى إذا نقّرن لاقطات ... لاقين بالعشىّ والغداة
صدا من الآبا والامّهات ... ثمّ بعثن غير مبعدات
من بعد ميقات إلى ميقات ... حتّى إذا خرجن عاريات
من حلل الرّيش مجرّدات ... ثمّ تبذّلن بأخريات
كخلع الوشى المنشّرات ... أرسلن من بحر ومن فلاة
مقصّصات ومرجّلات ... فكم رقدن غير آمنات
فى قلّة الطّود وفى الموماة ... يحملن بالأزواج والزّوجات
وتارة يطرقن بالرّوعات ... من ابن عرس عجل الوثبات
وربّ يوم ظلن خائفات ... من الصّقور ومن البزاة
والقوس والبندق والرّماة ... وإن سقطن متزوّدات
(3/248)

فمسرعات غير لابثات ... لبلغة ممسكة الحياة
خوف حبالات ومنهزات ... فلم تزل كذاك دائبات
طائرة القلوب طائرات ... تلوح مثل النّجم للهداة
حتّى تحدّرن إلى الأبيات ... وهنّ فى البروج ساكنات
وقال فى سماجة النيروز
اشرب غداة النّيروز صافية ... أيامها فى السّرور ساعات
قد ظهر الجنّ فى النّهار لنا ... منهم صفوف ودستبندات
تميل فى رقصهم قدودهم ... كما تثنّت فى الرّيح سروات
وركّب القبح فوق حسّهم ... وفى سماجاتهم ملاحات
وقال فى صفة بازى
وذات نأى مشرق وجهها ... معشوقة الألحاظ والغنج
كأنّما تلثم طفلا لها ... زنت به من ولد الزّنج
وقال وقد أحرق زنابير
وجنود أبرتهم بحريق ... يتلظّى إذا أحسّ بريح «1»
(3/249)

قرّت العين إذ رأتهم سقوطا ... كنثار من الصّبيح المليح
طالما قد جمعوا أعالى دارى ... ونفونى عن طيب روح السّطوح
كم صريع منّا لهم مستغيث ... مثل زقّ بين النّدامى طريح
وقال
كأنّى حين تعتذر المطايا ... على فتخاء ناشرة جناحا
بخرق تقصر الألحاظ عنه ... بعيد الماء يبتلع الرّياحا
وقال
مآخير للخيرىّ فى الورد ... صار من القرب إلى البعد
فى آخر المجلس هذا يرى ... وذا على العينين والخدّ
وقال فى نبيذ الدوشاب
لا تخلطوا الدّوشاب فى قدح ... بصفاء ماء طيّب البرد
لا تجمعوا بالله ويحكم ... غيظ الوعيد ورقّة الوعد
(3/250)

وقال فى ذم الصبوح
وهى قصيدة مزدوجة وجئنا بها على الوجه [الأكمل لأن طالب] جيدها لابد له من ذكر ما فيها.
لى صاحب قد ملنّى وزاذا؟؟ ... فى تركى الصّبوح ثمّ زادا «1»
قال ألا تشرب بالنّهار ... وفى ضياء الفجر والأسحار «2»
إذا وشى باللّيل صبح فافتضح ... وذكر الطّائر شجوا فصدح
والنّجم فى حوض الغروب وارد ... والفجر فى إثر الظّلام طارد
ونفض الّليل على الرّوض النّدا ... وحرّكت أغصانه ريح الصّبا
وقد بدت فوق الهلال غرّته ... كهامة الأسود شابت لحيته
فخمّش النّار ببعض نوره ... واللّيل قد رفّع من ستوره
وقال شرب اللّيل قد آذانا ... وطمس العقول والأذهانا
ألا ترى البستان كيف نوّرا ... ونشر المنثور زهرا أصفرا
وضحك الورد إلى الشّقائق ... واعتنق القطر اعتناق وامق
فى روضة كحلل العروس ... وحزم كهامة الطّاووس «3»
(3/251)

وياسمين فى ذرى الأغصان ... منتظم كقطع العقيان
والسّرو مثل قصب الزّبرجد ... قد استمدّ العيش من ترب ندى
على رياض وثرى ثرىّ ... وجدول كالمبرد المجلّى
وأفرج الخشخاش جيبا وفتق ... كأنّه مصاحف بيض الورق
أو مثل أقداح من البلّور ... تخالها تجسّمت من نور
وبعضها عريان من أثوابه ... قد خجل البائس من أصحابه
تبصره مثل انثناء الورد ... مثل الدّبابيس بأيدى الجند «1»
والسّوسن الأبيض منشور الحلل ... كقطن قد مسّه بعض البلل
وقد بدت منه ثمار الكنكر ... كأنّها جماجم من عنبر
وحلق البهار بين الآس ... جمجمة كهامة الشّمّاس
حيال شيح مثل شيب النّصف ... وجوهر من زهر مختلف
وجلّنار كاحمرار الخدّ ... أو مثل أعراف ديوك الهند
والأقحوان كالثّنايا الغرّ ... قد صقلت أنواره بالقطر
قل لى فهذا حسن باللّيل ... ويلى ممّا يشتهى وعولى
(3/252)

وأكثر الاصناف والأوصافا ... فقلت قد جنّبتك الخلافا
بت عندنا حتّى إذا الصّبح سفر ... كأنّه جدول ماء منفجر
قمنا إلى زاد لنا معدّ ... وقهوة صرّاعة للجلد
كأنّما حبابها المنثور ... كواكب فى فلك تدور
ومسمع يلعب بالأوتار ... أرقّ من ناجية القمارى
ولا تقل لى قد ألفت منزلى ... فتفسد الوعد بعذر مشكل
فقال هذا أوّل الجنون ... متى ثوى الضّبّ بوادى النّون
دعوتكم إلى الصّبوح ثمّ لا ... أكون فيه إذ أجبتم أوّلا
لى حاجة لابدّ من قضائها ... لتستريح النّفس من عنائها
ثمّ أجى والصّبح فى عنان ... إليك قبل نقرة الأذان
ثمّ مضى يوعد بالبكور ... وهزّ رأس فرح مسرور
فقمت منه خائفا مرتاعا ... وقلت ناموا ويحكم سراعا
لتأخذ العين من الرّقاد ... حظّا إلى تغليسة المنادى
(3/253)

فمسحت جنوبنا المضاجعا ... ولم أكن للنّوم قبل طائعا
ثمّت قمنا والظّلام مطرق ... والطّير فى وكورها لا تنطق
[وقد تبدّى النّجم فى سواده ... كحلّة الرّاهب فى حداده]
ونجن نصغى السّمع نحو الباب ... فلم نجد حسّا من الكذّاب
[حتّى تبدّت حمرة الصّباح ... وأوجع النّدمان صوت الرّاح] «1»
ومالت الشّمس على الرّؤوس ... وملك السّكر على النّفوس «2»
جاء بوجه بارد التّبسّم ... مفتضح بما جنى مذمّم
يعثر وسط الدّار من حيائه ... وينتف الأهداب من ردائه
يعطعط القوم به حتّى سدر ... وافتتح القول بعىّ وحصر
وجاءنا بقصّة كذّابه ... لم يفتح القلب لها أبوابه
كعذر العنّين بعد السّابع ... إلى عروس ذات هنّ ضائع
فلم يزل بشأنه منفردا ... يرفع بالكأس إلى فيه يدا
والقوم من معذّل نشوان ... وغرق فى نومه وسنان
كأنّه آخر خيل الحلبه ... له من المجهز ألف ضربه
(3/254)

فاسمع فانّى للصّبوح عائب ... عندى من أخباره عجائب
إذا أردت الشّرب عند الفجر ... والنّجم فى لجّة ليل يسرى «1»
وكان برد والنّديم يرتعد ... وريقه على الثّنايا قد جمد
وللغلام ضجرة وهمهمه ... وشتمة فى صدره مجمجمه
يمشى بلا رجل من النّعاس ... ويدفق الكأس على الجلّاس
ويلعن المولى إذا دعاه ... ووجهه إن جاء فى قفاه
وإن أحسّ من نديم صوتا ... قال مجيبا طعنة وموتا
وإن يكن للقوم ساق يعشق ... فجفنه بجفنه مدبّق
ورأسه كمثل فرو قد مطر ... وصدغه كالصّولجان المنكسر
أعجل عن مسواكه وزينته ... وهيئة تبصر حسن صورته
كأنّه عضّ على دماغ ... متّهم الأنفاس والأرفاغ
يخدمهم بشفشج محلول ... ويجعل الكأس بلا منديل
فان طردت البرد بالسّتور ... وجئت بالكافور والسّمور
فأىّ فضل للصّبوح يعرف ... على الغبوق والظّلام مسدف
(3/255)

وقد نسيت شرر الكانون ... كأنّه نثار ياسمين
ترمى به الجمر إلى الأحداق ... فان ونى قرطس فى الآماق
وترك البساط بعد الجدّه ... ذا نقط سود كجلد الفهده
فقطع المجلس باكتئاب ... وذكر حرق النّار للثّياب
ولم يزل للقوم شغلا شاعلا ... وأصبحت جبابهم مناخلا
حتّى إذا ما ارتفعث شمس الضّحى ... قيل فلان بن فلان قد أتى
وربّما كان ثقيلا يحتشم ... فطوّل الكلام حينا وختم
ورفع الرّيحان والنّبيذ ... وزال عنك عبثك اللّذيذ
ولست فى طول النّهار آمنا ... من حادث لم يك قبل كائنا
أو خبر يكره أو كتاب ... يقطع طول اللهو والشّراب
واسمع إلى مثالب الصّبوح ... فى الصّيف قبل الطّائر الصّدوح
جين حلا النّوم وطاب المضجع ... وانكسر الحرّ ولذّ المهجع
وانهزم البقّ وكنّ وقّعا ... على الدّماء كيف شئن شرّعا
من بعد ما قد أكلوا الأجسادا ... وطيّروا عن الورى الرّقادا
فقرّب الزّاد إلى نيام ... ألسنهم ثقيلة الكلام
(3/256)

من بعد أن دبّ عليه النّمل ... وحيّة تقذف سمّا صلّ
وعقرب مخدورة قتّاله ... وجعل وفأرة بوّاله
وللمغنىّ عارض فى حلقه ... ونعسة قد قدحت فى حذقه
وإن أردت الشّرب بعد الفجر ... والصّبح قد سلّ سيوف الحرّ
فساعة ثمّ تجىء الدّامغه ... بنارها فلا تسوغ سائغه
ويسخن الشّراب والمزاج ... ويكثر الخلاف والضّجاج
من معشر قد جرّعوا الحميما ... وأطعموا من زادهم سموما
وأولعوا بالحكّ والتّفرّك ... وعصت الآباط أمر المرتك
وصار ريحانهم كالقتّ ... وكلّهم لكلّهم ذو مقت
وبعضهم عند ارتفاع الشّمس ... يحسّ جوعا مؤلما للنّفس
فان أسرّ ما به تهوّسا ... ولم يطق من ضعفه تنفّسا
وطاف فى أصداغه الصّداع ... ولم يكن بمثله انتفاع
وكثرت حدّته وضجره ... وصار كالجمر يطير شرره
[وهمّ بالعربدة الوحشيّه ... وصرف الكاسات والتّحيّه
وظهرت مشقّة فى حلقه ... ومات كلّ صاحب من فرقه]
(3/257)

وإن دعا الشّقىّ بالطّعام ... خيّط جفنيه على المنام
[وكلّما جاءت صلاة واجبه ... فسا عليها فتولّت هاربه
فكدّر العيش بيوم أبلق ... أقطاره بلهوه لم تلتق
ومن أدام للشّقاء هذا ... من فعله والتذّه التذاذا
لم يلف إلّا دنس الأثواب ... مهوّسا مهوّس الأصحاب
يزداد سهرا وضنّى وسقما ... ولا تراه الدّهر إلّا فدما
ذا شارب وظفر طويل ... ينغّص الزّاد على الأكيل
ومقلة مبيضّة المآقى ... وأذن كحقّه الدّباق
وجسد عليه جلد من وسخ ... كأنّه أشرب نفطا أو لطخ
تخال تحت إبطه إذا عرق ... لحية قاض قد نجا من الغرق
[وريقه كمثل طوق من أدم ... وليس من ترك السّؤال يحتشم]
فى صدره من واكف وقاطر ... كأثر الذّرق على الكنادر
هذا كذا وما تركت أكثر ... فجرّبوا ما قلته وفكّروا
وقال يشكو كثرة المطر
روينا فما نزداد يا ربّ من حيا ... وأنت على ما فى النّفوس شهيد
(3/258)

سقوف بيوتى صرن أرضا أدوسها ... وحيطان دارى ركّع وسجود
وقال
غلبت على الأنس المغتدى ... فان تحى بعدهم تكمد
وطارت بهم كلّ زيّافة ... عصوف براكبها جلعد
سبوح إذا اعتذرت بالوجا ... كلال المطايا إلى الفرقد
على لاحب غادرته الرّكا ... ب وقرع الحوافر كالمبرد
أرقت وأخلبنى العاذلا ... ت ببرق عنانى فلم أرقد
يطير ويزبد مثل انتها ... ض باز تضرّب فوق اليد
بوبل يرقّص شؤبوبه ... ثقال حصى الصّفصف الأجرد
فلما طغى ماؤه فى البلا ... د تروّى به كلّ واد صدى
وقد أشعل النّور ذبّاله ... كجمر تبدّد فى موقد
وظلّت هداهده كالمجو ... س متى تر نيرانه تسجد
وقال
فرسان قطر على خيل من الدّهر ... تحثهنّ سياط الرّيح فى الشّجر
ما شئت من حركات وهى واقفة ... تخالها سائرات وهى لم تسر
(3/259)

وقال
غدت مبكّرة للمزن فاحتجبت ... شمس النّهار ولم نعرف لها خبرا
واغرورقت لانسكاب المزن دمعتها ... فجاء ثلج كورد أبيض نثرا
وقال يصف سوداء
وظاهرة فى نصف شهر لم ترى ... ولكنّها مكتومة آخر الشّهر
تداخل فى ليل المحاق بمثله ... وتضحك عن درّ وتسقيك من خمر
وقال فى القلم يمدح القاسم
قلم ما أراه أو قدر يج ... رى بماشاء قاسم ويشير «1»
ساجد خاشع ويلثم طوما ... را كما قبّل البساط شكور
مرسل لا تراه يحبسه الشّ ... كّ إذا ما جرى ولا التّفكير
وجليل المعنى لطيف نحيف ... وكبير الأفعال وهو صغير
كم منايا وكم عطايا وكم ... حتف وعيش تضمّ تلك السّطور
نقشت بالدّجى نهارا فما أد ... رى أخطّ فيهنّ أم تصوير
(3/260)

هكذا من أبوه مثل عبي ... د الله ينمى إلى العلى ويصير
عظمت منّة الآله عليه ... فرآك الوزير وهو وزير
وقال
مطرنا بل غرقنا وسط بجر ... فغيرى من دعا بنزول قطر
تظلّ الشّمس ترمقنا بلحظ ... مريض مدنف من خلف ستر
تحاول فتق غيم وهو يأتى ... كعنّين يريد نكاح بكر
وقال فى الهلال
أهلا بفطر قد أنار هلاله ... ألآن فاغد على المدام وبكّر
وانظر اليه كزورق من فضّة ... قد أثقلته حمولة من عنبر
وقال فى بستانه
لله ما ضيّعته من الشّجر ... أطفال غرس ترتجى وتنتظر
ومعجبات من بقول وزهر ... مصفرّة قد هرمت على صغر
فى بقعة لا سقيت صوب المطر ... حالقة لنبتها حلق الشّعر
ضميرها نار وإن لم تستعر ... كم أكلت غبراؤها من الخضر
كلّ امرىء علمته من البشر ... بستانه أنثى وبستانى ذكر
(3/261)

وقال فى القمر
ما ذقت طعم النّوم لو تدرى ... كأنّ أحشائى على الجمر
فى قمر مسترق نصفه ... كأنّه مجرفة العطر
وقال يذم الحمار
هذا الحمار من الحمير حمار ... ناحت عليه حلية وعذار
فكأنّما الحركات فيه سواكن ... وكأنّما إقباله إدبار
وقال فى الحمار والاتن
رعى شهرين بالدّيري ... ن قبّا كالطّوامير
يقلّبن الى الذّعر ... عيونا كالقوارير
وآذانا سميعات ... كأنصاف الكوافير
تقدّ الأرض منها أس ... وق صمّ الحوافير
كأنّ الأرض تلقاها ... بأذناب الزّنابير «1»
وقال فى المطر
ومزنة جاد من أجفانها المطر ... والرّوض منتظم والقطر منتشر
(3/262)

ترى مواقعه فى الأرض لائحة ... مثل الدّنانير تبدو ثمّ تستتر
مازال يلطم خدّ الأرض وابلها ... حتّى وقت خدّها الغدران والخضر
وقال فى صفة بئر
وبئر هديت لها عذبة ... فطفل النّبات بها منتعش
فتقت بها جيب كافورة ... من الأرض جدولها منكمش
تمزّق ريّا جلود الثّما ... ر إذا امتصّ ماء الثّمار العطش
كفيل لأشجارها بالحيا ... ة إذا ما جرى خلته يرتعش
ودبّت سواقيه فى روضة ... حماحمها كرؤوس الحبش
وقال يهجو القمر
يا سارق الأنوار من شمس الضّحى ... يا مثكلى طيب الكرى ومنغّصى
أمّا ضياء الشّمس فيك فناقص ... وأرى حرارة نارها لم تنقص
لم يظفر التّشبيه منك بطائل ... متسلّح بهقا كلون الأبرص
وقال فى الجرجس «1»
بتّ بجهد لا أذوق غمضا ... مسهّدا يضرب بعضى بعضا
(3/263)

قد قطع الجرجس جلدى عضّا ... مصاعدا يلدغ أو منقضّا
كشرر القدح إذا ما رضّا ... يدمن إسخاطك حتّى ترضى
وقال
أتتنى دجلة لم أدعها ... فما يصنع البحر ما تصنع
طفليّة لم تكن فى الحسا ... ب تأكل دارى ولا تشبع
فكم من جدار لنا مائل ... وآخر يسجد أو يركع
ويمطرنا السّقف من فوقنا ... ومن تحتنا أعين تنبع
وأصبح بستاننا جوبة ... يسبّح فى مائه الضّفدع
وقال يصف الجرجس
بتّ بليل كلّه لم أطرف ... جرجسه كالزّئبر المنتفّ
فمن ملاء علّق أو نصّف ... يرحن بالعريان والملفّف
يعذّب المهجة إن لم يتلف ... ويثقب الجلد وراء المطرف
حتّى ترى فيه كشكل المصحف ... أو مثل رشّ العصفر المدوّف
وقال فى السفينة
وزنجيّة كرديّة الحلى فوقها ... جناح لها فرد على الماء تخفق
(3/264)

يؤدّبها أولادها بعصيّهم ... فتحبس قسرا كيف ساروا وتطلق
وقال
ومزنة مشعلة البارق ... تبكى على التّرب بكاء العاشق
تلقح بالقطر بطون الثّرى ... والقطر بعل التّربة العاتق
أحيت هشيم «1» النّبت بعد البلى ... حتّى بدا فى منظر آنق
وقال فى بئر
ولقد غدوت على طمّر قارح ... رفعت حوافره غمامة قسطل
متلهّم لجم الحديد يلوكها ... لوك الفتاة مساوكا من إسحل
ومحجّل غرّ اليمين كأنّه ... متبختر يمشى بكمّ مسبل
وقال فى النخل
ولقائح فى الطّين باركة ... لا تشتكى حلّا ولا رحلا
يغدو سهيل فى الصّباح لها ... سلما إذا ما حارب الابلا
وقال فى الحية
أنعت رقشاء لا تحيا لديغتها ... لو قدّها السّيف لم تعلق بها بلل
(3/265)

تلفى إذا انسلخت فى الأرض جلدتها ... كأنّها كمّ درع قدّه بطل
وقال يصف أكل الارضة لدفاتره
لم أبك ربعا مقفرا ولا طلل ... ولا شبابا حان منه مرتحل
ولا حبيبا قطع الوصل وملّ ... لكن لعظم حادث بى قد نزل
كنت امرءا من الأنام معتزل ... علىّ ستر دون دمّى منسدل
على الّذى يملك رزقى متّكل ... لا راجيا لعطفة من الدّول
ولا أخاف آجلا على أمل ... شغلى إذا ما كان للنّاس شغل
دفتر فقه أو حديث أو غزل ... لا عابنى ولا رأى منّى زلل
وإن مللت قربه منّى اعتزل ... أرقط ذو لون كشيب المكتهل
راكب كفّ أين ماشاءت رحل ... ولا يحلّ موضعا حتّى يحلّ
وهو دليل لمقال وعمل ... يقيم دون العقل حتّى يعتدل
ويذكر النّاسى ما كان أضلّ ... كأنّه ينشر عن رقم الحلل
يخاطب الّلحظ بنطق لا يكلّ ... ولا يملّ صاحبا حتّى يمل
فدبّ فيهنّ دبيبا قد أكل ... عصا سليمان فظلّ منجدل
يبنى أنابيب له فيها سبل ... بالماء والطين وما فيها بلل
(3/266)

مثل العروق لا يرى فيها خلل ... يأكل أثمار العقول لا أكل
حتّى يرى العالم مهجور المحلّ ... يعود وقّافا وقد كان بطل
فأودع القلب هموما تشتعل ... وصيّر الكتب سحيقا منسحل
وقال فى دفتر أهداه
دونكه موشّى نمنمته ... وحاكته الأنامل أىّ حوك
بشكل يأخذ الحرف المجلّى ... كأنّ سطوره أغصان شوك
وقال فى بيت ضيق كان فيه هو وجماعة
يا ربّ بيت زرته وكأنّما ... قد ضمّنى فى ضيقه سجن
ما يحسن الرّمّان يجمع نفسه ... فى قشره إلّا كما نحن
وقال فى النحل
أعددت للجار وللعفاة ... كوم الأعالى متساميات
روازقا فى المحل مطعمات ... لسن على الأعطان بارحات
تسقى بأنهار مفجّرات ... على حصى الكافور فائضات
تظلّ فيها الطّير ناعمات ... على الغصون متجاوبات
بألسن كثيرة اللّغات ... كواذب القول وصادقات
(3/267)

ذوات أطواق مرصّعات ... وأخنك سود مقوّسات
كأنّها نونات ماشقات ... وأرجل حمر مضرّجات
يصفقن فيها متنقّلات ... بأجنحات متساويات
يصفقن نشوان على الأصوات ... بين حمام متهدّلات
كحمم العيد المجعّدات ... أبدت من الكافور صاحيات
بيضا على الأغماد فاصلات ... حتّى إذا صرن إلى ميقات
رحن من الجوهر موقرات ... بالذّهب الرّطب مكلّلات
وباليواقيت متوّجات ... تبارك العرائس الضّرّات
ثمّت بدّلن بأوعيات ... للعسل الماذىّ ضاهيات
كقطع العقيق نائعات ... بخالص التّبر مقوّمات
فضمّنت خوفا بقبّرات ... تضرب بالعصىّ واقفات
مجثوثة وليس بارحات ... مثل النّساء المتجرّدات
يرمين بالأزباد قاذفات ... قذف صفايا الكوم بالجرّات
حتى إذا زحن معمّمات ... وأفردت بالغيط خاليات
ثمّ سكنّ غير راضيات ... فضّت ففاحت متنفّسات
(3/268)

تنفّس الرّياض فى الحبّات ... حتّى إذا مادرن فى الهامات
ذهبن بالعقول سارقات ... فى مجلس مجتمع اللّذّات
يصيح بالعيدان والنايات ... كأنّ فى الكاسات والرّاحات
دماء غزلان مذبّحات ... بين رياض متناهبات
بأعين الأنوار ناظرات ... وبدموع القطر باكيات
يملن أغصانا معطّفات ... ملاقيات ومفارقات
بالرّيح نعصى وبها نواتى
ومن مختار شعره فى المعاتبات
قال
ألا حبّذا الوجه الّذى صدّ صاحبه ... وإن كثرت ظلما علىّ معاتبه
وما أمّ منقوض الظّلوف مروّع ... تمدّ إليه جيدها أو تراقبه
وتلقم فاه كلّما تاق حافلا ... كعروة زرّ فى قميص تجاذبه
بأحسن منها نظرة مستريبة ... يغالبها كيد البكا وتغالبه
وما راعنى بالبين إلّا ظعائن ... دعون بكائى فاستجاب سواكبه
(3/269)

بدت فى بياض الال والبعد دونها ... كأسطر رقّ أبهم الخطّ كاتبه
وقولة أقوام عدى قد سمعتها ... فما هبتها وأين ما أنا هائبه
لحومهم لحمى وهم يأكلونه ... وما داهيات المرء إلّا أقاربه
وما نسب الأقوام إلّا عداوة ... وأكثر ما يسعى به من يناسبه
مسلّلة فى كلّ يوم سيوفه ... ومشبوبة حيّاته وعقاربه
وما ذاك همّى بل أرقت لبارق ... توقّد فى ثوب الدّجنّة ثاقبه
بخلت به عن كلّ أرض وأهلها ... سوى أنّنى للأحمديّة واهبه
قرى للزّمان الصّعب ويحك واصبرى ... فما ناصحات المرء إلّا تجاربه
ولا تحزنى إن أغلق الوفر بابه ... فبعد انغلاق الباب يأذن حاجبه
وقال
قد عضّنى صرف النّوائب ... ورأيت آمالى كواذب
والمرء يعشق لذّة ال ... دّنيا فتعقره المصائب
ما عابنى إلّا الحسو ... د وتلك من خير المناقب
وإذا ملكت المجد لم ... تملك مودّات الأقارب
وإذا أطاعك ظاهر ... فاصبر على عبث المعايب
(3/270)

ولربّ هاجرة أكو ... ل حرّها صبر الرّكايب
كلّفتها وجناء يذ ... رع خطوها عرض السّباسب
والشّمس تأكل ظلّها ... أكل اللّظى عيدان حاطب
كاد النّجاء يطيرها ... لولا الأزمّة والحقايب
وكأنّما تبدى ذفا ... ريها بأرباق الجنايب
حتّى رأيت اللّيل فى ال ... آفاق مسودّ الذّوائب
وقال
من يذود الهموم عن مكروب ... مستكين لحادثات الخطوب
هو فى جفوة المفادير لايأ ... خذ يوما من دولة بنصيب
خادم للمنى قد استعبدته ... بمطال وخلف وعد كذوب
آه من ذكر أصدقاء رماهم ... قدر الموت من كهول وشيب
فسقاهم كجودهم أو كدمعى ... صوب مزن ذى هيدب مسكوب
ربّ أعجوبة من الدّهر بكر ... وعوان قد راضها تجريبى
فبدت شيبتى وولّى شبابى ... وانتهى عاذلى ونام رقيبى
أنا ريحانة المجالس فى السّل ... م وحتف الأبطال يوم الحروب
(3/271)

وقال
حثّ الفراق بواكر الأحداج ... [وشجاك] يوم نأوا بكتم شاجى «1»
فى ليلة أكل المحاق هلالها ... حتّى تبدّى مثل وقف العاج
والصّبح يتلو المشترى فكأنّه ... عريان يمشى فى الدّجى بسراج
يا من يدسّ لى العداوة ضغنه ... أسريت بى فاصبر على الادلاج
أنا كالمنيّة سقمها قدّامها ... طورا وطورا يبتدى فيفاجى
وقال
طمس المشيب خطوط ميعته ... ورمى قناة قوامه بأود
قال العواذل حين شبت ألا ... ينهاك شيب الرّأس قلت فقد
ونهار شيب الرّأس يوقظ من ... قد كان فى ليل الشّباب رقد
يا من لسارية سهرت لها ... برق السّحاب بجودها ورعد
مكظوظة بالماء واطئة ... آثار رجل المحل حيث قصد
والأرض إن قتل الهجير لها ... ولدا أعاش لها الرّبيع ولد
ولقد وطئت الغيث تحملنى ... طرف كلون الصّبح حين وفد
(3/272)

يمشى فيصدف فى العنان كما ... صدف المعشّق ذو الدّلال وصدّ
بلّ المها بدمائهنّ ولم ... يبتلّ منه بالحميم جسد
ولربّ خصم جاش مرجله ... أطفأت حرّ جحيمه فبرد
وسفرت عن وجه اليقين له ... وهدمت باطله وكان ألد
لى صاحب إن غبت يأكلنى ... وإذا رآنى فى النّدىّ سجد
كم قد هممت بأن أعاقبه ... يوما فما وجد العقاب أحد
والدّهر يهدم ما بنى بيد ... منه وإن زرع السّرور حصد
وقال
هاجت بكاءك بعد الطّير منزلة ... عفّت معالمها الأمطار والمور
تضاحك الشّمس أنوار الرّياض بها ... كأنّما نثرت فيها الدّنانير
ويكسب الرّيح من أرجائها عبقا ... كأنّ نفحته مسك وكافور
أأوّل اللّيل منظوم بآخره ... أم الصّباح بنحر اللّيل مغمور
قل للمطالب قد أنضى ركائبه ... لا تعجلنّ فانّ الرّزق مقدور
ومهمه فيه بيضات القطا كسرا ... كأنّها فى الأفاحيص القوارير
كأنّ حرباءه والشّمس تصهره ... صال دنا من لهيب النّار مقرور
(3/273)

وعازب بلّه تحت الثّرى سحرا ... طلّ تلقّى نسيما فهو محسور
تكلّم اللّيل فى غدرانه لغط ... يحكى المناقيش فيهنّ المناقير
خال يغرّد ذبّان الرّياض به ... كما تحنّ لدى الشّرب المزامير
يكسو البلاد قميصا من زخارفه ... كأنّه فوق جسم الأرض مزرور
وقد يباكرنى السّاقى بصافية ... كأنّها قبس بالكفّ مشهور
يريق فى كأسها من صوب عادية ... فالخمر ياقوتة والماء بلّور
وقال
تنكّرت الدّنيا وغيّرت النّاسا ... وما كنت أخشى أن تغيّر عبّاسا
فها هو ذا عن حاجتى متثاقل ... يروح ويغدو ليس يرفع لى راسا
إذا نفرت من صدّه النّفس نفرة ... يقول لها إحسانى الظّنّ لا باسا
عسى يرعوى عن ذا، دعيه لعلّه ... يعود إلى الحسنى فلا تسرعى الياسا
وقال
وممّا شجانى بارق لاح موهنا ... فصبّ إناء الدّمع واستلب الغمضا
فبتّ ولى خصم من الشّوق غالب ... إذا ما دعى دمعى تحدّر وارفضّا
وأهدته دعواتى لنجد وأهلها ... فيا أهل نجد هل تجاوزننى قرضا
(3/274)

أرى كلّ يوم فى ظلام مفارقى ... شهاب مشيب باقى الأثر منقضّا
وكانت يد الأيّام تفتل مرّتى ... فصارت يد الأيّام تنقضنى نقضا
وكيف ثوائى بين قوم كأنّما ... ترضّ تحيّاتى وجوههم رضّا
سرت عقرب الشّحناء والبغض بيننا ... ولا يملك اليأس المحبّة والبغضا
وقال
أغرى الخيال بنومى نازع شحط ... وكنت فيه بقرب الدّار مغتبطا
لمّا تربّع فى أحشاء هودجه ... وهى من العين سلك الدّمع فانخرطا
إذا دجاليله فاحت مضاجعه ... مسكا كما فتحت عطّارة سفطا
وقد هوى النّجم والجوزاء تتبعه ... كذات قرط أدارته وقد سقطا
أروح للشّعرة البيضاء ملتقطا ... فيصبح الشّيب للسّوداء ملتقطا
وسوف لا شكّ يعيينى فأتركه ... فطالما أستخدم المقراض والمشطا
وقال
وسابح هيكل نهد مراكبه ... يبوع بالخطو يوما وهو مشترف
تمّت له غرّة كالصّبح مشرقة ... يكاد سابلها عن وجهه يكف
إذا تقرّط يوما بالعنان غدا ... كأنّه غادة فى أذنها شنف
(3/275)

قل لقريش ألم نستحى حلمكم ... من حلمنا فاتّقونا إنّنا أنف
نحن الفروع وأصل الفرع أنت لنا ... لا يعرف الأصل ما لم يؤثق الطّرف
لك الثّرى فاسكنى إصعاده ولنا ... طيب الثّمار وفرع المجد والشّرف
لا تطلبوا غاية مدّت لغيركم ... دعوا جيادكم تجرى ولا تقف
وقال
يا بارحا أحرجت من ذكره ... قد ذاق قلبى منك ما خافا
فابخل باخوانك واستبقهم ... لا تنفق الاخوان إسرافا
وقال
ولمّا لحقنا الظّاعنين وأرقلت ... جمال بنا تشكو الكلال ونوق
أشرن على خوف بأغصان فضّة ... مقوّمة أطرافهنّ عقيق
سلاما كاسراء النّدى تحت ليله ... أتى حيث لم يرصد عليه طريق
وشكوى لو أنّ الدّمع لم يطف حرّها ... تولّد منها بينهنّ حريق
خليلىّ مدّا اللّحظ هل تبصرانها ... فهل بلغت بالأبرقين بروق
سقى دار شرّ حيث قرّت بها النّوى ... من الأرض هطّال الغمام فتوق
إذا لاح ضوء الصّبح خلّل روضه ... نسيم ضعيف الجانبين دقيق
(3/276)

ترى هاجع الأنوار يرفع رأسه ... كذى العشى يلقى راحة فيفيق
بنى عمّنا إنّا فريق على العدا ... نفلّ شباهم والأنام فريق
فلا تلهبوا نار العداوة بيننا ... فليس سواكم فى قريش صديق
وقال
لا لوم إن بكّى الدّويرة باك ... يا دار جازك وابل وسقاك
أىّ المعاهد فيك أندب طيبه ... ممساك ذى الآصال أم مغداك
أم برد ظلّك ذى الغصون وذى الجنا ... أم أرضك الميثاء أم ريّاك
وكأنّما سطعت مجامر عنبر ... أوفتّ فار المسك فوق ثراك
وكأنّما حصباء أرضك جوهر ... وكانّ ماء الورد دمع نداك
وكأنّما أيدى الرّبيع ضحيّة ... نشرت ثياب الوشى فوق رباك
وكأنّ درعا مفرغا من فضّة ... ماء الغدير جرت عليه صباك
يا ربّ خرق قد قطعت نياطه ... بنجاء خاذلة لديه يراك
والآل تنزو بينه أمواجه ... نزو القطا الكدرىّ فى الأشراك
عبّاس لا تستعجلى لمنيّتى ... واستيقنى لمعمّر هتّاك
فوزى بمثلى أو فنوحى واندبى ... لا تبخلى عن ماجد ببكاكى
(3/277)

لا تخبرينى واسألينى إنّنى ... عاركت هذا الدّهر أىّ عراك
ولقد أصابنى الزّمان ببؤسه ... ونعيمه فغفرت ذاك لذاك
أسللت سيفى تسفكين به دمى ... ولقد سفكت به دماء عداك
إن كنت لانعمى شكرت ولا بها ... جازيتنى فاليك بعض أذاك
إيّاك من بطر على رحم دنت ... لا تنقضى بيد العقوق قواك
وقال
ألا حىّ من أجل الأحبّة منزلا ... تبدّل من آياته ما تبدّلا
أبن لى سقاك الغيث حتّى تملّه ... على الأنس المفقود أين تحمّلا
كأنّ التّصابى كان تعريس نازل ... ثوى ساعة من ليله وترحّلا
وماء كأفق الصّبح صاف جمامه ... رفعت القطا عنه وألقيت كلكلا
إذا استجفلته الرّيح جالت قذاته ... وجرّد من أغماده فتسلّلا
وبيداء ممحال أطرت بها القطا ... كما قذفت أيدى الموامىّ جندلا
جريت به سبّاح قفر كأنّه ... يخاف لقاحا أو يبادر موئلا
كأنّى على حفياء يتلو لواقحا ... عدون بامساء يؤمّمن منهلا
فلمّا وردن الماء أغمد صفوه ... كما أغمدت أيدى الصّياقل منصلا
(3/278)

أتيح لها لهفان يحطم قوسه ... باصفر حنّان القرى غرّا عزلا
وأودعها سهما كمدرى مواشط ... بعثن به فى مفرق فتغلغلا
بطيئا إذا أعجلت إطلاق فوقه ... ولكن إذا أبطأت فى النّزع عجّلا
بنى عمّنا أيقظتم الشّرّ بيننا ... فكانت اليكم عدوة الشّرّ أعجلا
فصبرا على ما قد جررتم فانّكم ... فتحتم لنا بابا من الغيب مقفلا
ولمّا أشبّ الضّغن تحت صدورهم ... حسمناه عنّا قبل أن يتكمّلا
وقال لابن الفرات
يا دهر غيّر كلّ شىء سوى ... ودّ أبى العبّاس واتركه لى
قد كان لى ذا مشرع طيّب ... حينا فشيب الآن بالحنظل
عين أصابت ودّه لا رأت ... وجه حبيب أبدا مقبل
وقال
يا لهفة منّى على معشر ... إن لم يقى الله فما يتّقون
كاساتهم تعلس من ريّها ... وبيضهم قد عطست فى الجفون
وقال
أيا وادى الأحباب حيّيت واديا ... ولا زلت مسقيّا وإن كنت خاليا
(3/279)

ونظرة خلس قد نظرت فليتها ... من الفارغات لا علىّ ولاليا
ألم تعلما يا عاذلىّ بأنّما ... يمينى سواقىّ العلى وشماليا
وقد قلّدت فهر يدىّ زمامها ... وقامت أمامى هاشم وورائيا
هم بعثوا فى ثنى فصل خطابهم ... وسنّوا الكفىء أن يجود بماليا
رأيت اشتراف المشرفيّات [للعلى] ... وبذل النّدى للمكرمات موافيا
ومن مختار شعره فى الشيب والزهد
قال
عزفت عن المدامة والتّصابى ... وعزّانى المشيب عن الشّباب
وقد كان الشّباب سطور حسنى ... فمحّيت السّطور من الكتاب
وقال
أفق عنك حانت كبرة ومشيب ... أما للتّقى والحقّ فيك نصيب
أيا من له فى باطن الأرض منزل ... أتأنس فى الدّنيا وأنت غريب
وقال
مات الهوى منّى وضاع شبابى ... وقضيت من لذّاته أطرابى
(3/280)

وإذا أردت تصابيا فى مجلس ... فالشّيب يضحك بى مع الأحباب
وقال
يا ربّ ليل أسود الذّوائب ... سريته بقلص نجائب
حتّى نهاه زهرة الكواكب ... وأصغت العقرب للرّغائب
بذنب كصولجان الّلاعب ... قد ملىء الزّمان بالعجائب
وارتفع المنسم فوق الغارب ... عد بالكفاف من رجاء كاذب
واقعد فقد أعذرت فى المطالب
وقال
تولّى الجهل وانقطع العتاب ... ولاح الشّيب وافتضح الخضاب
لقد أبغضت نفسى فى مشيبى ... فكيف تحبّنى الخود الكعاب
وقال
آه من حسرتى على الأحباب ... آه من سفرة بغير إياب
آه من مضجعى فريدا وحيدا ... فوق فرش من الحصى والتّراب
وقال
رأت طالعا فى الرّأس أغفلت أمره ... ولم تتعهّده أكفّ الخواضب
(3/281)

فقالت أشيب ما أرى قلت شامة ... فقالت لقد شامتك عند الحبايب
وقال
قل لذات الّلحظة المتخنّثه ... ولمن أمست بلومى عبثه
إنمّا مالى ما أنفقه ... والّذى أتركه للورثه
وقال
هلّا كليلاته فى ليلة الأحد ... لقد تملأت من همّ ومن سهد
كم راسب فى عماد الملك تحسبه ... فى لذّة وهو فى غمّ وفى كمد
وعاقد فوق أموال يجمّعها ... قد أصبحت بعده محلولة العقد
ومبرم أمره والدّهر ينقضه ... هل غالب الدّهر يا للنّاس من أحد
يا هند رابنى الاخوان وامتلأت ... عينى قذى وخلت من معشرى عضدى
والشّيب فضّاح وعظ لست أحمده ... أسرى به فى طريق الحقّ والرّشد
وقال
يا صاحبى قد كفاك الدّهر تفنيدى ... خرجت من لحظات الكاعب الرود
وأرسل الشّيب لا يبغى به قنصا ... بزاته البيض فى غربانى السّود
(3/282)

وقال
وقالوا النّصول مشيب جديد ... فقلت الخضاب شباب جديد
إساءة هذا باحسان ذا ... فان عاد هذا فهذا يعود
وقال
قالت أرى عجبا أن نوّر الشّعر ... مهلا سليمى فهذا الشّيب والكبر
يا هذه أنا دين للفناء على ال ... دّنيا تنجّزه الآصال والبكر
وقد بدا لى فيما قد هديت له ... إلى الحياة إلى دار البلا سفر
كم من أخ لى قد سوّيت مضجعه ... كأنّما غاب فى أكفانه قمر
فمسّ نفسى يومى منه ما كرهت ... ولا أشربت به الأوهام والذّكر «1»
غنيت حينا ويومى كلّه معه ... غداة سعد وليلى كلّه سحر
وقال فى المشاورة
تجاوز عن جناية كلّ دهر ... وصاحب يوم حادثة بصبر
وإن تأتيك نائبة فشاور ... فكم حمد المشاور غبّ أمر
وقسّم همّ نفسك فى نفوس ... ولا تتفرّدنّ بطول فكر
(3/283)

إذا كظّ الفرات بماء مدّ ... أغصّ به حلاقم كلّ نهر
وقال
تخفى حاجاتى من النّاس كلّهم ... ولكنّها لله تبدو وتظهر
لمن لا يردّ السّائلين بخيبة ... ويدنو من الدّاعى ويعطى فيكثر
وقال
يا ذا الغنى والسّطوة القادره ... والدولة النّاهية الآمره
انتظر الدّنيا فقد أقربت ... وعن قليل تلد الآخره
وقال
إن حارب الهمّ قلبى ... فقد أعين بصبر «1»
يا دهر إن كنت حرّا ... لما أسأت بحرّ
وقال
وسكّان دهر لا تواصل بينهم ... على قرب بعض فى التّجاور من بعض
كأنّ خواتيما من الطّين فوقهم ... وليس لها حتّى القيامة من فضّ «2»
(3/284)

وقال
يا خاضبا للحية سوف ترفض ... بعد قليل ويصبغ المعرض «1»
مسودّة بها ضمير أبيض ... قام الخضاب والمشيب يركض
وقال
كن جاهلا أو فتجاهل تفز ... للجهل فى ذا الدّهر جاه عريض
والدّهر محروم يرى ما يرى ... كما يرى الوارث عين المريض
وقال
ألست أرى شيبا برأسى طالعا ... ونت حيلى عنه وضاق به ذرعى
كأنّ المناقيش الّتى تعتورنه ... مناقير طير تلتقى سنبل الزّرع
وقال
لا تكذبنّ فخير القول أصدقه ... المال يفرق من كفّ نفرّقه
فما يطول بها إلّا على وجل ... حتّى يطير إلى من ليس ينفقه
فيستريح إذا لاقاه من هبة ... ومن شراء وبيع كان يقلقه
وقال
قل لمشيبى إذ يدا ... وابيضّ منّى المفرق
(3/285)

يا فضّة حلّيتها ... لكنّها لا تنفق
ويا نهارا لاير ... جّى صبحه من يعشق
لا مرحبا لا مرحبا ... أنت العدوّ الأزرق
وقال
يا نفس صبرا لعلّ الخير عقباك ... خانتك بعد لذيذ العيش دنياك
مرّت بنا بكرا طير فقلت لها ... طوباك يا ليتنا إيّاك طوباك
لكن هو الدّهر فالقيه على حذر ... فربّ مثلك ينزو تحت أشراك «1»
[............... ........... ... ............... ........]
فرضيه أبو العباس وكتب اليه
لحقت الرّضا من بعد طول تغضّب ... بأبلق كالجذع الّذى لم يثقّب
له هامة مسودّة الّلون عينها ... تبارى سنا نار على رأس مرقب
كمدرى فتاة فى خمار حدادها ... موكّلة منها برأس معصّب
(3/286)

من الذّهب الأبريز يلمع لونه ... كما لاح فى جنح الدّجى ضوء كوكب
ولعبد الله بن المعتز بعد هذه أشعار حسان فى مكاتباته لاخوانه تركنا ذكرها لنذكرها مع أشعار إخوانه إذا انتهينا اليهم، إذ كانوا مقلين، لتحسن أشعارهم بجواباته لهم إن شاء الله.
ومن مكاتباته
كلام له فى ذم صحبة السلطان
ربما أورد الطمع ولم يصدر، ووعد ولم يوف. ومن تجاوز الكفاف لم يغنه اكثاره، ومن ارتحله الحرص أنضاه الطلب والأمانى تعمى الابصار والبصائر، والحظ يأتى من لا يأتيه، وربما طاب وعاء حشوه المتالف، وأشقى الناس «1» جسم تعب، ونفس خائفة، ودين يتثلم، ولئن كان البحر كثير الماء إنه لبعيد المهوى، ومن شارك السلطان فى عز الدنيا قاربه فى ذل الاخرة، كما أن أقرب الاشياء إلى النار أسرعها احتراقا. وما احلى تلقى النعمة وأمر عاقبة الفراق، ولا يدرك الغنى بالسلطان لا سيما فى
(3/287)

هذا الزمان، المتلون الاخلاق المتداعى البنيان، الموقظ للشر، المنيم للخير، المطلق أعنة الظلم، والحابس لروح العدل، القريب. الأخذ من الاعطاء، والكآبة من البهجة، والقطوب من البشر، والذل من العز، والفقر من الوجود. المر الثمرة، البعيد المجتنى، القابض على النفوس بكربه، المنحى على الاجسام بغربه. لا ينطق الا بالشكوى ولا يسكت إلا على بلوى، ومن لم يتأمل الأمر بعين عقله، لم يقع سيف حينه إلا على مقاتله، والتثبت طريق الرأى إلى الاصابة، والاعتذار طريق المذنب إلى الانابة، والعجلة تضمن العبرة وتجلب الحسرة، وما أحب أن أصرف عنك خطأ توثره، ولكنى قدمت ما لا أستجيز تأخيره من النصيحة لك والمشورة عليك.
والى الوزير عبد الله بن سليمان يهنئه بقدومه
الحمد لله على ما امتن به فى الوزير أعزه الله، من جميل السلامة وحسن الايابة. حمدا يستمد أمر مزيده، وإخلاصا مستدعيا لقبوله، وبارك الله له فى قدومه ومسيره، فى جميع أموره وجعل له منة وافية على نعمه، وأبقاه لملك يحرسه، ومؤمل ينعشه، وعاثر يرفعه، وحفظ له ما خوله كما حفظ له ما استرعاه، ووفقه فيما طوقه، وزاده كما زاد منه.
تعزية للوزير عبيد الله بن سليمان عن ابنه أبى محمد
علم الوزير أيده الله بذخائر الأجر يغنى عن نزعته فيه، وسبقه
(3/288)

إلى الصبر يكفينى تذكرة به، لكن لولى الوزير أيده الله موضع إن أخلاه دخل فى جملة المضيعين لحقه، اللاهين عما عناه وقد كان من قضاء الله فى أبى محمد رضى الله عنه ما خصت به المصيبة مواقع نعم الوزير، وآثار إحسانه حاش لله إقرارا بالحق، وتنجيزا للوعد منه. وعظم الله أيها الوزير أجرك ووفر ذخرك وعمر بقيتك، وكثر عددك، وسرك ولا ساءك، وزادك ولا نقصك. ووصل بسلام الزمان نعمتك، ووليك بما تحب فيما خولك. وكل مصيبة وإن عظمت صغيرة فى ثواب الله عليها، ضئيلة بين نعم الله قبلها وبعدها، وما زال أولياء الله يعرضون على المحن فيستقبلونها بالصبر؛ ويتبعونها بالشكر، وتنفذ بصائرهم مذموم أوائلها إلى محمود عواقبها، ويعدونها مراقى الى شرف الآخرة، ومراتب لاهل السعادة فى دار لا تلجها الهموم، ولا يزول فيها النعيم. واذا تأمل الوزير ما تجاوزت هذه الحادثة عنده من النعم فى ولده أبى الحسين، الذى قد نهض بما حمله، ووفى آماله، وأقر عينه، وغاظ حاسده، واكتسى لباس كرامته، وقام للخلافة بخلافته، علم أنه راع على الدهر، حقيق بتجاوز الصبر إلى الشكر، فجعل الله الخلف للوزير من الماضى طول عمر الباقى، وحرسه من المكاره كلها، وكفاه وكفانا فيه.
فصل
إنما قلمى نجى ذكرك، ولسانى خادم شكرك.
(3/289)

وإلى عليل
أذن الله فى شفائك، وتلقى داءك ببقائك، ومسحك بيد العافية ووجه اليك وافد السلامة، وجعل علتك ماحية لذنوبك، ومضاعفة لثوابك.
فصل من تعزية بولد
لئن حرم الأجر ببرك، لقد كفى الاثم بعقوقك، ولئن فجعت بفقده لقد أمنت الفتنة به.
فصل فى قبول عذر
كيف أرد عذر من لا تهتدى اليه الموجدة، ولا تتسلط عليه التهمة. وو الله ما عرضت لك وحركت منك إلا بخلا بما ذخرته من مودتك، واعتمدت عليه من اخلاصك لخوفى مع ذلك أن تصير غفلتك تغافلا. وذلتك تعمدا، وهذا ما لا أحبه لك وإن كنت أحتمله منك، وما أعتذر من مطالبتك بما جعلك أهلا للمعرفة به وجعلنى بودك مستحقا له.
فصل فى حاجة
موصل كتابى فلان، وقد جعلت الثقة بك مطيته اليك، فلا تنضها بمطلك، وأسرع ردها بسابق انجازك، وتصديق الامل فيك والظن بك.
(3/290)

فصل
قد ملت اليك فما أعتدل، ونزلت بك فما ارتحل، ووقفت عليك فما أنتقل.
فصل
لولا أن الاطناب فى وصف مطية؟؟ للمتخرص، وتهمة للمتخلص، لأطلت به كتابى، وكفى بمقاساة ذى النقص مذكرا بأهل التمام، وقد لبثت بعدك بقلب يود لو كان عينا ليراك، وعين تود لو كانت «1» قلبا، فلا تخلو من ذكراك
وفى نحوه
كيف ينقطع ذكرى لك بغير خلف منك، وينصرف قلبى عنك والتجارب تزوى اليك، والله يعلم أن خيالك شمس نفسى إذا نمت، وذكرك سراجها إذا انتبهت. وإن ذلك لأقل حقوقك، ولا ظلمت غيرك بك، ولا ملت عليه لك.
فصل فى ذم
ذكرت حاجة فلان لا فصلها الله بالنجاح، ولا يسر بابها لانفتاح. ووصفت عذرا له نصح به غير نفسه، وما نصح عنها، ولكنه نصح عليها، وأنا والله أصوبك عنه، وأنصح لك فيه، فانه
(3/291)

خبيث النية، فاسد الطوية، جائر المعاتب، طالب للمعائب، يقلب لسانه بالملق، ساتر بالتخلق وجه الخلق، موجود عند الرجاء، مفقود مع البلاء. فأتعب عقلك باختياره، ولا توحش نعمتك باصطناعه.
فصل فى صفة كتاب
الكتاب والج للابواب، جرىء على الحجاب. مفهم لا يقيم، وناطق لا يتكلم، به يشخص المشتاق، ومنه يداوى الفراق.
فصل اعتذار
ترفع أعزك الله عن ظلمى إن كنت بريئا، وتفضل بالعفو عنى وإن كنت مسيئا، فوالله إنى لا طلب غفر ذنب لم أجنه، وألتمس الاقالة مما لا أعرفه، لتزداد تطولا، وأزداد تذللا. وأنا أعيذ حالى عند تكرمك من «1» جاسد يكيدها، ولحرسها بوفائك من باغ يحاول إفسادها، وأسأل الله أن يجعل حظى منك بقدر ودى لك، ومحلى من رأيك بحيث أستحق منك.
فصل فى الشوق
إنى لآسف على كل يوم فارغ منك، وكل لحظة لا تؤنسها رؤيتك. وسقيا لدهر كان موسوما بالاجتماع معك، معمورا بلقائك، جمع الله شمل سرورى بك، وعمر بقائى بالنظر اليك.
(3/292)

شفاعة فى شغل
من عظمت النعمة عليه كثرت الرغبة اليه؛ فاستجلب بالانعام منك إنعام الله عليك، واسترد ما نهب منك ما يهب لك، واجعل حظى من ولايتك قبول اختيارى لك، هذا الرجل، واخلطه بأوليائك القايلين فى ظلك، فقد أفردك رغبته، وصرف اليك وجه رجائه، وليس فيه فضل للانتظار، ولا بقية للاذكار، فعجل إن نويت جودا، وبادر إن نويت صنعا، ولا تكن ممن ولايته وعد، وصرفه اعتذار «1» .
فصل فى فراق
كأن الدهر أبخل من أن يملينى بك، وأنكد من أن يسوغنى قربك، وإنى له لصابر إلا على فقدك، وراض إلا ببعدك.
فصل فى العفو
لا تشن حسن الظفر بقبح الانتقام، وتجاوز عن مذنب لم يسلك باقرار طريقا؛ حتى اتخذ من رجاء عفوك رفيقا.
تهنئة بمولود
اتصل بى خبر مولودك، فسرنى لك ما سرك، وأنا أسأل الله أن يتبع النعمة به عليك ببقائه لك، وأن يعمرك حتى ترى زيادة اليه منه كما رأيتها به.
(3/293)

فصل دعاء
تولى الله عنى مكافأتك، وأعان على فعل الخير نيتك، وأصحب بقاءك عزا يبسط يدك لوليك، وعلى أعدائك، وكلاءة تذب عن ودائع مننه عندك، وزاد فى نعمك وإن عظمت، وبلغك آمالك وإن انفسحت.
مثله
لا أزال الله عنا ظلك، وأعلى فى شرف المنازل مرتقاك، ولا أعدمنا فيك إحسانا باقيا، ومزيدا متصلا، ويوما محمودا، وغدا مأمولا، وعزا يمكن قبضتك، ويمد بسطتك.
تعزية
عارية سرك الله بمدتها، وآثرك بثوابها، وأثابك عند ارتجاعها، فأبشر بعاجل من صنعه، وآجل من جزائه [و] مثوبته.
عظم الله أجرك، وجعل الثواب عوضك، ووفقك لنيل مرضاته عنك، وإنا لله قولا بما علم نتنجز به ما وعد.
تعزية
الخلود فى الدنيا لا يؤمل، والفناء لا يؤمن، ولا سخط على حكم الله ولا وحشة مع خلافته، والانس بطاعته، فأد ما استرد صابرا،
(3/294)

وأصبح لما استرجع مسلما؛ فان من علم أن النعمة تفضل من واهبها شكرها مقبلة، وصبر عنها مولية، جعلك الله محتملا للنعمة مؤديا للشكر، صابرا عند المحنة، محفوظا موفور أجرها، والفوز بالصبر عليها.
ومن فصول لعبد الله قصار
الحكمة شجرة تنبت فى القلب، وتثمر من اللسان. لا يقوم عز الغضب بذل الاعتذار. الشفيع جناح الطالب، والبشر رائد الراغب، المرض حبس البدن، والهم حبس الروح. الغضب يبدأ بالعصيان؛ يعظم ذنبه ويقبح صورته، ويعمل بذمه. أول الدنيا إلى انقضائها كصور فى صحيفة كلها نشر بعضها [و] طوى بعضها. اصبر على مصاحبة الكريم وإن اختلت حاله، فليس ينتفع بالجوهرة من لم ينتظر بقاءها.
الشرير لا يظن بالناس خيرا لانه يراهم بعين طبعه. لئن استبطأنا إجابة دعائنا، لقد سددنا طرقه بذنوبنا. كلما كثر حفاظ الاسرار ازدادت ضياعا. أعدل الناس من أنصف عقله من هواه، ومن لم يملك ذلك فليس لعقله سلطان. بئبس مال البخيل لحادث أو وارث. الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له؛ يخفل بما لا يملكه، طالب لما لا يجده.
شكرك نعمة سالفة، يقتضى لك نعمة مستأنفة. كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد قبحا فيها. الوعد راحة الجود، والمطل مرضه، والأنجاز بره. الساعى كاذب لمن سعى اليه، أو خائن لمن يسعى به.
(3/295)

كفى بالظلم داعيا لنقمه، وطاردا لنعمه. البلاغة أن تقرب ما تريد، ولم تطل سفن الكلام. خير المعروف ما لم يتقدمه مطل، ولم يتبعه من. إذا حضرت الآجال افتضحت الآمال. الصبر على المصيبة يفل حد الشامت بها، ويطيل عبوس المتضاحك لها. المعروف رق، والمكافأة عتق. انتظر عند الظلم عدل الله فيك، وعند المقدرة قدرة الله عليك، ولا يحملك اللجاج على اقتراف إثم، فتشفى غيظك، ويسقم دينك. أعرف الناس بالله أرضاهم بأقداره. الدنيا تهين من أكرمت، والارض تأكل من أطعمت. من كان فى يدك فهو بك أملك منك بنفسك. غضب الجاهل فى قوله، وغضب العاقل فى فعله، لاتعينن من وليته على جبايته بقلة جرايته، فليس يكفيك من لم يكفه. بعض التقدير للقدر دفع، كل علو خطر، وربما أدى إلى الهلاك الحذر «1»
(3/296)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أمر من بقى من بنى العباس ممن ليس بخليفة ولا ابن خليفة للعباسية
شعر عبد الله بن علّى بن عبد الله بن العبّاس وطرف من أخباره والسّبب الّذى ادّعى له الخلافة
حدّثنا محمد بن موسى البربرى، قال حدثنا محمد بن صالح النطاح قال حدثنى أبو مسعود الكوفى؛ قال قال أبو العباس السفاح لعبد الله ابن على عمه إن قتلت مروان فلك الخلافة بعدى، فقتل مروان لأن صالح بن على كان من تحت يده.
حدّثنا محمد بن موسى قال حدثنا محمد بن صالح قال حدثنى أبو قريش ريحان خادم أبى مسلم، وكان قد جاز المائة، قال قال أبو العباس. من يسير إلى مروان فهو ولى عهدى، فقال عبد الله بن على أنا.
وقد ذكرنا خبر خروجه وأمانه وموته فى أخبار المنصور حدّثنا محمد بن زكريا اللؤلؤى قال حدثنا عبد الله بن الضحاك
(3/297)

عن الهيثم بن عدى، قال لما قتل عبد الله بن على بنى أمية قال:
الظّلم يصرع أهله ... والبغى مرتعه وخيم
ولقد يكون لك البعي ... د أخا ويقطعك الحميم
حدّثنا مشيح بن حاتم العكلى؛ قال أنشدنا يعقوب بن جعفر ابن عبد الله بن على لما قتل بنى أمية بنهر أبى فطرس
بنى أميّة قد أفنيت آخركم ... فكيف لى منكم بالأوّل الماضى
يطيّب النّفس أنّ النّار تجمعكم ... عوّضتم من لظاها شرّ معتاض
فنيتم لا أقال الله عثرتكم ... بليث غاب إلى الأعداء نهّاض
إن كان غيظى بفوت منكم فلقد ... رضيت فيكم بما ربّى به راضى
حدّثنا الغلابى قال حدثنا عبد الله بن الضحاك: قال حدثنا الهيثم ابن عدى قال: أشرف عبد الله وهو مستخف بالبصرة عند أخيه سليمان بن على؛ فرأى رجلا له جمال يجر أثوابه ويتبختر؛ فقيل من هذا؟ فقيل فلان الأموى، فقال يا أسفى، وإن فى طريقنا بعد منهم لوعثا، وقال لمولى له بحقى عليك إلا جئتنى برأسه؛ ثم أنشد قول سديف:
علام وفيم تترك عبد شمس ... لها فى كلّ راعية ثغاء
(3/298)

فما فى القبر فى حرّان منها ... ولو قتلت بأجمعها فداء
يعنى قبر ابراهيم بن محمد الامام، فمضى مولاه فأخبر سليمان بما قاله، فنهاه أن يقبل منه، فاعتل عليه بأنه فاته.
حدّثنا عون بن محمد الكندى، قال حدثنا إسحق الموصلى، قال حدثنا الحارث بن الليث مولى عبد الله بن على عن أبيه قال جعل عبد الله بن على ينظر إلى القتلى يوم الزاب، والتفت إلى أبى عون بن محمد بن صول وهما إلى جانبه فقال:
ولقد شفى نفسى وأذهب حزنها ... أخذى بثأرى من بنى مروان
ومن آل حرب ليت شيخى شاهد ... سفكى دماء بنى [أبى] سفيان «1»
حدّثنى أبو العيناء قال حدثنا الاصمعى؛ قال سمعت جعفر بن سليمان يقول لما قتل عبد الله بن على من قتل من بنى أمية بلغ ذلك إلى سليمان بن على؛ فقال ما كنت أحب لأخى أن يحتقب هذا الأمر ولقد وفى بما قال صغيرا، بقوله كان أبونا على بن عبد الله يقول له يا بنى إن تمكنت من بنى أمية ما تصنع بهم؟ فيقول أذبحهم، قال وقال عبد الله بن على لأبيه، يا أبت كل ولدك اثنان من أم وثلاثة غيرى؛ فانه لا أخ لى من أمى فأوص بى، قال فأوصى إلى سليمان ابن على به، وكان سليمان وصى على بن عبد الله، قال جعفر فكان
(3/299)

عبد الله لوصية على به أحب الى سليمان أبى من أخيه، صالح بن على وهو لأمه وأبيه.
حدّثنى عمرو بن تركى القاضى قال حدثنا القحذمى عن أبيه قال وفد على على بن عبد الله رجل من ولد الخطاب بن عبد مناف، فقال له إن الوليد بن عبد الملك شديد العلة، فتمثل على بن عبد الله بقول يزيد بن الصعق الكلابى:
أواردة عليا عكاظ تصلّها ... فراس ولمّا فوقها الصّاع مهوعا
فقال له الرجل لئن مضى للجبلين أهله دما، قال فلما قتل عبد الله ابن على من قتل روى له هذا الخبر، فأنشد البيت الذى تمثل به أبوه فقال عبد الله بنحو ذلك:
وردنا دماء من أميّة عذبة ... وكلنا لها فى القتل بالصّاع أصوعا
وما فى كثير منهم لقتيلنا ... وفاء ولكن كيف بالثّأر أجمعا
إذا أنت لم تقدر على الشّرّ كلّه ... وأعطيت بعضا فليكن لك مقنعا
رعينا نفوسا منهم بسيوفنا ... وصاح بهم داعى الفناء فأسمعا
قضينا بهم دينا وزدنا عليهم ... كما زاد بعد القرض من قد تطوّعا
وكان لهم من باطل الملك عارض ... فلمّا علته الشّمس حقّا تقشّعا
فليت علىّ الخير شاهد أسهم ... أصابتهم لم يبق فى القوس منزعا
(3/300)

حدّثنا جبلة بن محمد بن جبلة، قال حدثنى أبى قال لما دخل أبو مسلم الكوفة أمر أن يكون إلى جانبه رجل تعرفه الناس، فجاءوه برجل فلفيه عبد الله بن شبرمة الضبى. فسلم عليه ودعا له فأقبل عليه لجلالته وفصاحته، فقال له الرجل هذا ابن شبرمة الضبى، قال فزوى وجهه عنه ففطن ابن شبرمة لذلك، وقال قلت فى نفسى ذكر والله يوم الجمل، فقلت أيها الأمير إنى من ضبة الكوفة ولست من ضبة البصرة، وقد كانت مع أمير المؤمنين على عليه السلام يوم الجمل تفاتل ضبة البصرة، قال فأقبل علىّ وقال كن معنا فسايرته الى أن نزل وأمرنى فنزلت، فدخلت معه بيتا فيه سيف ومصحف، فقال يا ابن شبرمة إن هذا «يريد المصحف» يأمرنى بهذا «يريد السيف» فقلت قد علم الأمير أن هذا ينهاه عن هذا إلا فى حقه، قال صدقت، ثم كتب كتابا الى عبد الله بن على يحضه فيه على صلة الرحم وجمع الألفة والبيعة لابن أخيه المنصور، ويرغبه ويرهبه، فلما فرغ منه قال لى انظر فيه فنظرت فاذا هو لم يبق غاية، فقال زد فيه شيئا يا ابن شبرمة، قال فلم أر للزيادة وجها الا أن يكون شعرا فقلت:
قل لأخى مكاشرة وضغن ... سعرت الحرب بين بنى أبيكا
فأورثت الضّغائن من بنيهم ... بنى أبنائهم وبنى بنيكا
(3/301)

ولو طاوعتنى وقبلت رأيى ... لسرت لهم بسيرة أوّليكا
وأقررت الخلافة حيث حلّت ... ولم تعرض لملك بنى أخيكا
كأنّك قد أصابك سهم غرب ... وغادرك العداة وأسلموكا
فقرأه فاستحسنه، وأنفذ الكتاب، فعاد الجواب من عبد الله ابن على:
ذرينى وما جرّت علىّ يد الدّهر ... فما يصعب الأمر المهول على جرّ
يرى الموت لا ينحاش عنه تكرّما ... وصبرا وان كان القيام على الجمر
حفاظا لما قد ورّثتنا جدودنا ... وصبرا وما للمرء خير من الصّبر
بذلك أوصانا الكرام ولم نزل ... على تلك نمضى لا نضجّ من الدّهر
قال أبو بكر والابيات للحصين بن الحمام المزنى «1» حدّثنا الحسين ابن اسماعيل قال حدثنا على بن عبد الله السلمى، قال حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الحميد بن فضالة بدمشق قال أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن، قال حدثنا عتبة بن حماد الحكمى أبو خليد القارى، قال حدثنا عبد الرحمن الاوزاعى، قال بعث الى عبد الله بن على وأعظمنى ذلك واشتد على فأقدمت وأدخلت عليه والناس قيام سماطين بين يديه فى أيديهم المكافر كوبات. فأدنانى ثم قال لى يا عبد الرحمن ما تقول فى
(3/302)

مخرجنا هذا؟ فقلت أصلح الله الامير قد كانت بينى وبين أخيك داود مودة فأعفنى، قال لتخبرنى، فقلت لأصدقنه واستبسلت للموت، فقلت حدّثنى يحيى بن سعيد الانصارى عن محمد بن ابراهيم عن علقمة بن وقاص سمع عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول «إنّما الأعمال بالنّيّات ولكلّ امرىء مانوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر اليه» قال وفى يده قضيب ينكث به الارض، فقال يا عبد الرحمن ما تقول فى قتلنا أهل هذا البيت من بنى أمية؟ فقلت كما قلت قال لتخبرنى فقلت حدّثنى محمد بن مروان عن مطرف بن الشّخّير عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه لا يحلّ قتل المسلم إلّا باحدى ثلاث البارىء لدينه أو رجل قتل نفسا فيقتل بها أو رجل زنى بعد إحصان» قال ثم أطرق هويا، ثم قال أخبرنى عن الخلافة أهى وصيه من رسول الله صلى الله عليه؟ فورد على مثل ما ورد ثم قلت لأصدقنه. فقلت لو كانت وصية من النبى صلى الله عليه لكم ما ترك على عليه السلام أحدا يتقدمه، ثم سكت سكتة وقال ما تقول فى أموال بنى أمية؟
فاستعفيت فقال لتخبرنى فقلت إن كانت لهم حلالا فهى عليكم حرام، وإن كانت لهم حراما فهى عليكم حرام، قال ثم أمرنى فأخرجت.
(3/303)

حدّثنا أبو ذكوان قال حدثنا ابن؟؟ عائشة قال قالت امرأة من نساء بنى أمية لعبد الله بن على قتلت من أهلى وذويهم اثنى عشر ألفا فيهم ألفا لحية خضيبة، فقال عبد الله
تكبّر عندى القتل وهو صغير ... على مأرب والدّائرات تدور
وقالت قتلت الأهل فى كلّ بلدة ... وأنت بعفو لو تشاء جدير
فقلت وهل فيكم لعفوى موضع ... ولى منكم بعد القناة ثؤور
لئن دنت الأنساب منّا ومنكم ... لقد باعدتها بالعراق قبور
فلا تنكروا أن يؤخذ الحقّ منكم ... فما فى قصاص المسلمين نكير
وإن تك يمنانا أصابت يسارنا ... بجرح فما جرح اليمين يضير
وقد كنتم فى الشّرك تحذون حذونا ... وكلّ إلى أقصى المساء يسير
فلمّا أتى الاسلام أظلم فخركم ... ولاح لنا بدر الفخار ينير
ولو شئتم ما غاب عنكم ضياؤه ... ولكن أباه غادر وكفور
حدّثنا عون بن محمد الكندى قال حدثنى عبد الله بن أبى الخطاب عن أبيه قال لما دخلت ابنة مروان بن محمد على عبد الله بن على حين قتل مروان فقالت السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، فقال لست به، فقالت السلام عليك أيها الامير، قال وعليك السلام
(3/304)

قالت ليسعنا عدلكم، قال إذن لا يبقى على الارض منكم أحد لأنكم حاربتم عليا عليه السلام ودفعتم حقه ونقضتم شرطه، وقتلتم الحسين بن على عليه السلام، و [قطعتم] رأسه، وقتلتم زيد بن على وصلبتم جسده، وقتلتم يحيى بن زيد ومثلتم به، و [لعنتم] على ابن أبى طالب عليه السلام على منابركم، وضربتم على بن عبد الله ظلما بسياطكم، وحبستم الامام ابراهيم فى حبسكم، فعدلنا ألا نبقى منكم أحدا، فقالت فليسعنا عفوكم قال أما هذا بنعم، ثم أمر برد أموالها عليها ثم قال عبد الله بن على:
سننتم علينا القتل لا تنكرونه ... فذوقوا كما ذقنا على سالف الدّهر
حدّثنا الحسين بن فهم ومحمد بن موسى ومحمد بن سعيد قالوا حدثنا محمد بن صالح النطاح أبو عبد الله قال وجه عامر بن إسماعيل برأس مروان إلى صالح بن على، فنظر اليه وتحول، فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضغه، فقال صالح بن على «لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان فى فى هر لكفانا ذلك!» حدّثنا الغلابى قال حدثنا العتبى قال لما أتى عبد الله بن على موت السفاح ادعى الخلافة، وجعل يقول ذاك ولا يخطب به ولا يشهره حتى دخل البعلبكى المؤذن، فاستأذن وسلم بالخلافة عليه، فخطب الناس ولم يجد بدا من أن يشهر أمره، وكان البعلبكى معه قبل أن يصير مع المنصور، ومدحته الشعراء بالخلافة فقال رؤبة:
(3/305)

يا أيّها القائل قولا أجنفا ... سفاهة من قوله وسرفا
ما قام عبد الله إلّا آنفا ... خوفا على الاسلام أن يستضعفا
وأن يرام نقضه فيتلفا ... ومن صلاح النّاس أن يستخلفا
عمّ بعهد ابن أخ تلحّفا ... أشجع من ليث عرين أغضفا
وقال رؤبة أيضا
إنّ لعبد الله عندى أثرا ... ونعما جزاؤها أن تشكرا
أبهى الرّجال منظرا ومخبرا ... قدّمه الله فما تأخّرا
حدّثنى الحارث بن أبى أسامة قال حدثنا يحيى بن زكريا مولى على بن عبد الله قال لما قتل عبد الله بن على من بنى أمية قال عبد الله ابن عمر بن عبد الله بن على العبلى والعبلات من بنى عبد شمس «1»
تقول أمامة لمّا رأت ... شخوصى عن المنزل المنفس
وقلّة نومى على مضجعى ... لدى هجعة الأعين النّعّس
فقال فيها
أفاض المدامع قتلى كدا ... وقتلى بكثوة لم ترمس «2»
(3/306)

وقتلى بوج وباللّابتي ... ن من يثرب خير ما أنفس»
وبالزّابيين نفوس ثوت ... وقتلى بنهر أبى فطرس
أولئك قوم أناخت بهم ... نوائب من زمن متعس «2»
فزلّت حياتى لمن رامها ... وأنزلت الرّغم بالمعطس
فبلغ قوله هذا عبد الله بن على، فقال عبد الله بن على:
شفى النّفس لو أنّها تشتفى ... دماء بنهر أبى فطرس
وقتلى كدى حين أرديتهم ... بكثوة والواضح الأملس
وقتلى بوجّ من الظّالمين ... إلى النّار مارت ولم ترمس
فمن كان قتلهم ساخطا ... يعضّ من الرّغم بالمعطس
حدّثنا أبو الحسن مشيح بن حاتم العكلى، قال حدثنا يعقوب ابن جعفر بن سليمان الهاشمى، قال لما كتب جدى سليمان بن على وسائر إخوته الامان لأخيهم عبد الله بن على على المنصور، قال لهم هذا الأمان لازم إذا وقعت عينى عليه، فلما أدخل داره عدل به ولم يره المنصور، فحبس فكتب من الحبس إلى إخوته: هذه حيلة
(3/307)

جرت على بكم ومنكم فاحتالوا لى فيها، قال وأنشدنى من شعره فى حبسه ذلك:
نقض العهد خائس بالامان ... مستحلّ محارم الرّحمن
سلبتنا الوفاء والحلم طوعا ... فاعتلينا به بنو مروان
ليتنى كنت فيهم حسب العي ... ش طليقا أجرّ حبل الأمانى
كلّ عتب تعيرنيه اللّيالى ... فبسيفى جنيته ولسانى
حدّثنا محمد بن الفضل قال حدثنا عمرو بن شبة قال حدثنى محمد ابن يحيى قال حدثنى عبد الله بن يحيى بن على عن عبد الله بن الحسين ابن الفرات قال رحت عشية من قرية بطريق مكة مع عبد الله وحسن ابنى حسن بن حسن فضمنا المسير وداود وعيسى وعبد الله ابن على بن عباس قال فسار عبد الله وعيسى ابنا على أمام القوم فقال داود لعبد الله بن حسن لم لا يظهر محمد أبو ذاك قبل ملك بنى العباس؟ فقال عبد الله لم يأت الوقت الذى يظهر فيه محمد بعد، ولسنا بالذين نظهر عليهم، وليقتلنهم الذين يظهر عليهم «1» قتلا ذريعا، قال فسمع عبد الله بن على الحديث، فالتفت إلى عبد الله بن حسن، فقال [يا] أبا محمد:
سيكفيك الجعالة مستميت ... خفيف الحاذ من فتيان جرم
(3/308)

أنا والله الذى أظهر عليهم وأقتلهم وأنتزع ملكهم، وولد عبد الله بن على فى آخر ذى الحجة سنة اثنتين ومائة، وتوفى سنة تسع وأربعين ومائة.
شعر أبى موسى عيسى بن موسى بن محمّد بن علىّ بن عبد الله وطرف أخباره
حدّثنى مشيح بن حاتم العكلى قال حدثنا يعقوب بن جعفر بن سليمان قال ذكر عيسى بن موسى بين يدى أبى جعفر بن سليمان فقال ذاك شيخ الدولة وسيد الاهل، وكان أبوه موسى بن محمد غزا مع أبيه محمد فى غزاة ذى الشامة المعيطى، فتوفى فقدم محمد ذا الشامة ليصلى عليه فأبى وقال أنت أحق بذلك، فقدمه فصلى عليه [وبقى] ذو الشامة على قبره حتى دفن، وكان يجىء إلى أبيه، وهو مريض فيسأله عنه، فشكر ذلك السفاح وسائر ولد أبيه، فلم ينالوا لما جاءت دولتهم معيطيا بمكروه.
ويروى أنه دست إلى عيسى بن موسى شربة لما امتنع من البيعة للمهدى فأفلت منها بعد أن تناثر شعره، فقال فى ذلك يحيى بن زياد ابن أبى جراية البرجمى:
أفلت من شربة الطّبيب كما ... أفلت ظبى الصّريم من قتره
(3/309)

من قابض يقبض العريض إذا ... ركّب سهم الحتوف فى وتره
دافع عنه العظيم قدرته ... صولة ليث يزيد فى خمره
حتّى أتانا ونار شربته ... تعرف فى سمعه وفى بصره
أزعر قد طار عن مفارقه ... وحف أثيت النّبات من شعره
حدّثنى الغلابى قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال دخل أبو نخيلة على المنصور فأنشده أرجوزة منها:
قل للأمير الواحد الموحّد ... إنّ الّذى ولّاك ربّ المسجد
خلافة تبلغ أقصى المسند ... فيكم على رغم أنوف الحسّد
ليس ولىّ عهدها بالأرشد ... وهى على جوز وبعد مقصد
مهّد لها قصد السّبيل تهتدى ... عيسى فرحّلها إلى محمّد
حتّى تكون من يد إلى يد ... فقد رضينا بالهمام الأمرد
وقد عقدنا غير أن لم نشهد ... وغير أنّ العقد لم يؤكّد
فوصله المنصور وكتب له بمال إلى الرى فخرج وأخذه حدّثنا جبلة بن محمد بن جبلة الكوفى قال حدثنى أبى عن محمد ابن قيس الاشعثى، قال لما قال أبو نخيلة ما قال: ليس ولى عهدها بالأرشد؛
(3/310)

قال عيسى بن موسى وما يدرى العبد، فوالله ما أتيت غياقط! ثم قال يعرض بالمنصور:
وما آمر بالسّوء إلّا كفاعل ... وما سامع الّا كآخر قائل
ثم أمر بأبى نخيلة من رمى به فى بئر، فتظلم أهله إلى المنصور فقال ما أعرف حقيقة دعواكم، ولو عرفتها ما كنت مقيدا شيخ بنى هاشم بعبد بنى حيان، فيئسوا وانصرفوا، وكان عيسى بن موسى إذا حج حج معه قوم يتعرضون لمعروفه وصدقاته وصلاته، وكان جوادا تقيا، فقال أبو الشدائد الفزارى:
عصابة إن حجّ عيسى حجّوا ... وإن أقام بالعراق دجّوا
قد نالهم نائله فلجّوا «1» ... والقوم عندى حجّهم معوّج
ما هكذا كان يكون الحجّ
فقيل له يا أبا الشدائد أتهجو الحاج؟ فقال:
إنّى وربّ الكعبة المبنيّه ... والله ما هجوت من ذى نيّه
ولا امرء ذا رعة تقيّه ... لكنّنى أبقى على البقيّه «2»
من عصبة أغلوا على الرّعيّه ... أسعار ذى مشرى وذى عطيّه
(3/311)

حدّثنا المغيرة بن محمد المهلبى قال حدثنا محمد بن عبد الله العتبى قال حدثنا أبى قال سمعت محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن يخطب الناس بالمدينة، فقرأ فى خطبته طسم تلك آيات الكتاب المبين إلى قوله ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم مّا كانوا يحذرون ويومىء إلى ناحية المنصور، قال وإذا صوت من ناحية يسمع ولا يرى قائله:
أتتك الرّواحل والملجما ... ت بعيسى بن موسى فلا تعجل
قلت أنا وهذا الشعر لابن هرمة ومنه:
وقال لى النّاس إنّ الحياء ... أتاك مع الملك المقبل
فدونكها يا ابن ساقى الحجيج ... فانّى بها عنك لم أبخل
لقول الوصىّ وأنت ابنه ... وصىّ نبىّ الهدى المرسل
وولى داود بن عيسى المدينة ومكة، فأقام بمكة فكتب اليه يحيى بن مسكين:
ألا قل لداود ذى المكرما ... ت والعدل فى بلد المصطفى
أقمت بمكّة مستوطنا ... فهاجر كهجرة من قد مضى
وأما موسى بن عيسى فيكنى أبا عيسى فأخذ ولد أبيه وأمه ابراهيم ابن محمد الامام وولى المدينة الرشيد والكوفة وسوادها للمهدى
(3/312)

وموسى والرشيد وولى المدينة للرشيد وأرمينية ومصر. وكان ابنه احمد بن موسى بن عيسى بن موسى سيدا وولى اليمامة للرشيد «1» .
حدّثنا محمد بن زكريا قال حدثنا عبد الله بن الضحاك قال حدثنا الهيثم، قال لما ألح المنصور على عيسى بن موسى بن محمد أن يخلع نفسه من الخلافة، ويقدم المهدى عليه ويكون بعده قال عيسى بن موسى:
خيّرت أمرين ضاع الحزم بينهما ... إمّا صغار وإمّا فتنة عمم
وقد هممت مرارا أن أساقبهم ... كأس المنيّة لولا الله والرّحم
ولو فعلت لزالت عنهم نعم ... بكفر أمثالها تستنزل النّقم
حدّثنا عمرو بن تركى قال حدثنا القحذمى قال أنشد أبو نخيلة المنصور:
دونك عبد الله أهل ذاكا ... خلافة الله الّتى أعطاكا
بها حباك وبها أصطفاكا ... فقد تنظّرنا لها أباكا
ثمّ انتظرناك لها إيّاكا ... فنحن نستذرى إلى ذراكا
ارم إلى محمّد عصاكا ... واضرب بمن والاك من عاداكا
فابنك مااسترعيته كفاكا ... أيشبه الأبعد من داناكا
(3/313)

ما تستوى فى فضلها يداكا ... وإنّما تخطّ فى هواكا
فجرّد الرّأى لمن عراكا ... ثمّ اعصب الأقرب من رضاكا
فما يريد النّاس غير ذاكا «1»
وجعل المنصور يضحك وأبو نخيلة ينشده، فأمر له بمائة ألف درهم كتب له بها إلى الرى، فقال له عقال بن شبة: أما أنت فقد سررت أمير المؤمنين، فان تم ما أردت لتغتبطن، وإلا فاطلب فى الارض، فقال له أبو نخيلة.
كيف التّخلّص من شبا أنيابها ... علقت معالقها وصرّ الجندب
فلما أقبل من الرى وجه إليه عيسى بن موسى ببعض مواليه فقتلوه وسلخوا وجهه حتى لا يعرف، وقالوا له هذا أوان صر الجندب، فقال لقد كان جندبا على مشئوما، وهرب غلمان أبى نخيلة بالمال.
ومن شعر عيسى بن موسى
وحدباء لو أطلقتها من عقالها ... تضايق عنها الأفق والأفق واسع
ولكنّنى يعتادنى من حميّتى ... حذار شباب تمنطيه الوقائع
وخوفى أحداثا متى ما أنل بها ... أقف موقف الحيران والنّقع ساطع
(3/314)

فأبق على ما بيننا من قرابة ... وراجع فخير المذنبين المراجع
فانّك إن ولّيت ذمّة بيننا ... خلافا تولّتك السّيوف القواطع
حدّثنا القاضى عمرو بن تركى قال حدثنا القحذمى قال كتب عيسى بن موسى إلى المنصور حين ألح عليه فى البيعة للمهدى كتابا غليظا جوابا لكتاب المنصور اليه:
«فهمت كتاب أمير المؤمنين، المزيل عنه نعم الله، والمعرضه لسخطه بما قرب فيه من القطيعة ونقض الميثاق، أوجب ما كان الشكر لله عليه، وألزم ما كان الوفاء له، فأعقب سبوغ النعم كفرا وأتبع الوفاء بالحق غدرا، وأمن الله أن يجعل ما مذمن بسطته إحسانا، وتمكينه إياه استدراجا، وكفى الله من الظالم منتصرا، والمظلوم ناصرا، ولا قوة إلا بالله، وهو حسبى وإليه المصير.
ولقد انتهت أمور يا أمير المؤمنين لو قعدت عنك فيها فضلا عن ترك معونتك عليها لقام بك القاعد، ولطال عليك القصير، ولقد كنت واجدا فيها بغيتى، وآمنا معها نكث بيعتى، فلزمت لك طريقة الوفاء إلى أن أوردتك شريعة الرخاء، وما أنا بآيس من انتقام الله ورفع حلمه وكتب بعد ذلك:
بدت لى أمارات من الغدر سمتها ... أظنّ وإيّاها ستمطركم دما
وما يعلم العالى متى هبطاته ... وإن سار فى ريح الغرور مسلّما
(3/315)

أتهضمنى حقّا تراه مؤخّرا ... لحكم إلهى حين صرت مقدّما
سننت انتقاض العهد فاصبر لمثله ... بنقضك من عهدى الّذى كان أبرما»
حدّثنا عمرو بن تركى القاضى قال حدثنا القحذمى، قال كتب عيسى بن موسى إلى المنصور حين ألح عليه فى الخلع، وطرح عليه من أهل خراسان من هدده بالقتل:
«لو سامنى غيرك ما سمتنى، لا ستنصرتك عليه، ولا ستشفعت بك اليه، حتى تقر الحرم مقره، وتنزل الوفاء منزلته، ونحن أول دولة يستن بعملنا فيها، وينظر إلى ما اخترناه منها، وقد استعنت بك على قوم لا يعرفون الحق معرفتك ولا يلحظون العواقب لحظك، فكن لى عليهم نصيرا، ومنهم مجيرا، يجزك الله خير جزائك عن صلة الرحم، وقطع الظلم إن شاء الله» «فأجابه المنصور» لولا أنك تسام النزول عن حق لك، وواجب فى يديك لزال الضرع اليك، والتحمل عليك. ولولا أنى أخاف أن تسبق أيدى هذه العصبة من أهل الدولة اليك، لما كلفتك شاقا ولا حملتك مكروها، ولكنى عندك بالنصح لك والاشفاق عليك فى جنبة من لا يرضى منك إلا بارادته، ولا يستمهل أيامك لسرعته، وما الذى أسمو بك اليه بدون الذى يستنزلونك عنه، والله يوفقك ويحسن الاختيار لك»
(3/316)

فلما قرأ عيسى كتابه قال:
فررت اليك من محن اللّيالى ... فسلّطت الخطوب بما شجانى
فكنت كمن شكا رمضاء حرّ ... تلذّع بالّتى تحت الدّخان
تعجّل نصرتى وتحرّ حقّى ... ومن يرضى المغيّب بالعيان
ولم ير مثلك الرّامون طرفا ... يكلّف ظالعا سبق الرّهان
إذا ما كنت للغاوين كهفا ... تعينهم فللت شبا لسانى
ولو أنّى تطاوعنى أناتى ... وتسعدنى على رفض الهوان
لما عطف الزّمان عليك ودّى ... ولم ألجأ اليك من الزّمان
محوت بما أتيت تبوت حقّى ... وما تمحو سوى آى القران
ولو طاوعت فيك مقال غاو ... لنلت مطالع النّجم اليمانى
وأسلمت الخطاب إلى بليد ... يجادل عنك منقطع البيان
ولكنّي صبرت النّفس أرجو ... دنّوا من بعيد غير دان
يكون من استجارك من ملّم ... كمحول على طرف اللّسان «1»
يبيت مقلقلا يطوى حشاه ... على همم بعدن من الأمانى «2»
(3/317)

ستبعد بين أهلك غير شكّ ... كما بعد الوهاد من الرّعان «1»
حدّثنا جبلة بن محمد بن جبلة الكوفى قال حدثنا أبى، قال كان عيسى بن موسى أصدق الناس لأبى مسلم على المنصور قال عيسى بن موسى:
أبا مسلم إن كنت عاصى أمرنا ... وباغينا سوء فلست بمسلم
سيفنيك ما أفنى القرون الّتى خلت ... وما حلّ فى أكناف عاد وجرهم
وما كان أنأى منك عزّا ومفخرا ... وأنهض بالجيش الهمام العرمرم
فبلغ الشعر أبا مسلم فلما قدم عاتب عليه عيسى بن موسى فجحده وقال لقد نسبه قائله إلى.
حدّثنا الحسين بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن الحارث قال لما استوت الخلافة للمهدى قال لعيسى بن موسى قبل أن يتم له سنة إنك أجبت عمك على تقديمى، وأنا أحب أن أخرجك عن هذا الامر وأجعله لابنى، فان عصيتنى استحققت ما يستحقه العاصى القاطع وإن أطعتنى فما تبلغ منيتك ما أنويه لك، قال افعل ما تحب، وخلع نفسه فأمر له المهدى بعشرين الف الف درهم وأقطعه قطائع كثيرة، وأقطع ولده.
(3/318)

حدّثنا الحسين بن فهم قال حدثنا محمد بن اسحق النفرى قال حدثنا صالح بن اسحق [قال كان] عيسى بن موسى من أجل بنى هاشم عقلا، امتنع من أن يخلع نفسه جهده ثم لما رأى الخلع حزما بادر اليه، وله فى ذلك كلام مأثور وأشعار حسان وأنشد له:
أشكو إلى من يعلم الشّكوى ... ويسمع الأسرار والنّجوى
ومن به آمل دفع الّذى ... كنت له من قبل أن أهوى
صار إلى [ما] كنت أرثى له ... وأرتجيه أعظم البلوى
يضربنى سيفى ويرمى العدى ... نحرى بسهم لى ما أشوى
قد نقض العهد امرؤ ما له ... ميل إلى الحقّ ولا دعوى
يولى يمينا أنّه ناصح ... والنّصح منه أبدا دعوى
حدّثنا أحمد بن محمد بن اسحق قال حدثنى هارون بن محمد بن اسحق بن عيسى بن موسى قال حدثنى ابى على «1» عن ابراهيم بن موسى قال كتب أبو جعفر المنصور إلى عيسى بن موسى كتابا يحثه فيه على خلع نفسه وتقديم المهدى عليه، فكتب اليه عيسى:
بسم الله الرّحمن الرّحيم (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ)
وقال عز وجل
(3/319)

(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا)
قرأت كتاب أمير المؤمنين وتفهمته وأنعمت بالنظر اليه كما أمر وتنحرته، فوجدت أمير المؤمنين إنما يزيدنى لينقصنى، ويقربنى ليبعدنى، وما أجهل ما لى فى رضاه من الحظ الجزيل، والاثر الخطير، ولكنه سامنى ما تشح به الانفس وتبذل دونه، وما لا يسمح به والد لولده ما دام له حظ فيه.
وقد علم أمير المؤمنين انه يريد هذا الامر لابنه لا له، وهو صائر [إلى ما سيصير] اليه اشغل ما يكون، وأحوج الى حسنة قدمها، وسيئة اجتنبها ولا صلة فى معصية الله، ولا قطيعة ما كانت فى ذات الله «1»
(3/320)

[بقية أخبار عيسى بن موسى
قال صاحب الاغانى: وعيسى ممن ولد ونشأ بالحميمة من أرض الشام، وكان من فحول أهله. وشجعانهم وذوى النجدة والرأى والبأس والسؤدد منهم، وقبل أن أذكر أخباره فانى أبدأ بالرواية فى أن الشعر له «2» إذ كان الشعر ليس من شأنه، ولعل منكرا أن ينكر ذلك إذا قرأه.
أخبرنى حبيب بن نصر المهلبى وعمى قالا حدثنا عبد الله بن أبى سعد، ورأيت هذا الخبر بعد ذلك فى بعض كتب ابن أبى سعد فقابلت به ما روياه فوجدته موافقا.
قال ابن أبى سعد حدّثنى على بن الصباح، قال حدثنى أبو عبد الله محمد بن اسحاق بن عيسى بن موسى، قال لما خلع أبو جعفر عيسى ابن موسى وبويع للمهدى قال عيسى بن موسى:
خيّرت أمرين ضاع الحزم بينهما ... إمّا صغار وإمّا فتنة عمم
وقد هممت مرارا أن أساقيهم ... كأس المنيّة لولا الله والرّحم
(3/321)

ولو فعلت لزالت عنهم نعم ... بكفر أمثالها تستنزل النّقم
على هذه الرواية فى الشعر روى من ذكرت؛ وعلى ما صدر من الخلاف فى الالفاظ يغنّى أنشدنى طاهر بن عبد الله الهاشمى، قال أنشدنى بريهة المنصورى هذه الابيات، وحكى ان ناقدا خادم عيسى كان واقفا بين يديه ليلة أتاه خبر المنصور، ومادره عليه من الخلع، قال فجعل يتململ على فراشه ويهمهم ثم جلس فأنشد هذه الابيات؛ فعلمت أنه كان يهمهم بها وسألت الله ان يلهمه المزاء والصبر على ما جرى شفقة عليه.
قال ابن ابى سعد فى الخبر الذى قدمت ذكره عنهم وحدّثنى محمد بن يوسف الهاشمى، قال حدثنى عبد الله بن عبد الرحيم قال حدثتنى كلثم بنت عيسى قالت قال موسى بن محمد ابن على بن عبد الله بن العباس رأيت كانى دخلت بستانا، فلم آخذ منه إلا عنقودا واحدا عليه من الحب المتراصف ما الله به عليم، فولد لى عيسى بن موسى ثم ولد لعيسى من قد رأيت.
قال ابن ابى سعد فى خبره هذا:
وحدّثنى على بن سليمان الهاشمى قال حدثنى عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن مالك مولى عيسى قال حدثنى أبى قال كنا مع عيسى لما سكن الحيرة وأرسل إلى ليلة من الليالى فأخرجنى من
(3/322)

منزلى، فجئت اليه فاذا هو جالس على كرسى، فقال لى يا عبد الرحمن لقد سمعت الليلة فى دارى شيئا ما دخل سمعى قط إلا ليلة بالحميمة والليلة، فانظر ما هو، فدخلت استقرى الصوت فوجدته فى المطبخ، فاذا الطباخون قد اجتمعوا وعندهم رجل من الحيرة يغنيهم بالعود، فكسرت العود وأخرجت الرجل وعدت اليه فأخبرته فحلف لى أنه ما سمعه قط إلا تلك الليلة بالحميمة وليلته هذه.
أخبار أبى العبر ونسبه
هو ابو العباس بن محمد بن أحمد ويلقب حمدونا الحامض بن عبد الله بن عبد الصمد بن على بن عبد الله بن العباس المستوى «1» فى أول عمره منذ أيام الامين، وهو غلام إلى أن ولى المتوكل الخلافة، فترك الجد وعدل الى الحمق والشهرة به، وقد نيف على الخمسين، ورأى أن شعره مع توسطه لا ينفق مع مشاهدته أبا تمام والبحترى وأبا السمط بن أبى حفصة، ونظراءهم.
حدّثنى عمى عبد العزيز بن حمدون قال سمعت الحامض يذكر أن أبنه أبا العبر ولد بعد خمس سنين خلت من خلافة الرشيد، قال وعمر إلى خلافة المتوكل، وكسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر كان فى عصره بالجد ونفق نفاقا عظيما، وكسب فى أيام المتوكل مالا جليلا،
(3/323)

وله فيه أشعار حميدة يمدحه بها، ويصف قصره وبرج الحمام والبركة، كثيرة المحال، مفرطة السقوط، لا معنى لذكرها، سيما وقد شهرت فى الناس «1» وحدّثنى محمد بن الازهر، قال حدثنى الزبير بن بكار، قال قال عمى ألا يأنف الخليفة لابن عمه هذا الجاهل مما قد شهر به، وفضح عشيرته، والله إنه لعر بنى آدم جميعا، فضلا عن أهله والادنين «2» أفلا يردعه ويمنعه من سوء اختياره؟ فقلت إنه ليس بجاهل كما تعتقد، وإنما يتجاهل، وإن له لأدبا صالحا، وشعرا طيبا، ثم أنشدته [له] :
لا أقول الله يظلمنى ... كيف أشكو غير متّهم
وإذا مالدّهر ضعضعنى ... لم تجدنى كافر النّعم
قنعت نفسى بما رزقت ... وتناهت فى العلا هممى
ليس لى مال سوى كرمى ... وبه أمنى من العدم
فقال لى ويحك، فلم لا يلزم هذا وشبهه؟ فقلت له والله يا عم لو رأيت ما يصل اليه بهذه الحماقات لعذرته، فان ما استملحت «3» له
(3/324)

لم ينفق، فقال عمى وقد غضب أنا لا أعذره فى هذا ولو حاز به الدنيا بأسرها، لا عذرنى الله إن عذرته إذن.
وحدّثنى مدرك بن محمد الشيبانى قال حدثنى ابو العميس الصيمرى قال قلت لأبى العبر ونحن فى دار المتوكل، ويحك إيش يحملك على هذا السخف الذى قد ملأت به الارض خطبا وشعرا وأنت أديب ظريف مليح الشعر؟
فقال يا كشخان أتريد أن أكسد أنا وتنفق أنت؟ وأيضا أتتكلم؟
تركت العلم وصنعت فى الرقاعة نيفا وثلاثين كتابا؟
أحب أن تخبرنى لو نفق العقل أكنت تقدم على البحترى، وقد قال فى الخليفة بالامس:
عن أىّ ثغر تبتسم ... وبأىّ طرف تحتكم
فلما خرجت أنت عليه وقلت:
فى أىّ سلح ترتطم ... وبأىّ كفّ تلتطم
أدخلت رأسك فى الرّحم ... وعلمت أنّك تنهزم
فأعطيت الجائزة وحرم، وقربت وأبعد. فى حر أمك وحر أم كل عاقل معك. فتركته وانصرفت.
قال مدرك: ثم قال لى أبو الغبر قد بلغنى أنك تقول الشعر فان قدرت أن تقوله جيدا جيدا، وإلا فليكن باردا باردا مثل شعر
(3/325)

ابى العبر، وإياك والفاتر فانه صفع كله.
حدّثنى جعفر بن محمد بن قدامة، قال حدثنى ابو العيناء قال انشدت ابا العبر
ما الحبّ إلّا قبلة ... وغمز كفّ وعضد
أو كتب فيها رقى ... أنفذ من نفث العقد
من لم يكن ذا حبّه ... فانّما يبغى الولد
ما الحبّ إلّا هكذا ... إن نكح الحبّ فسد
فقال لى كذب المأبون وأكل من خراى رطلين وربعا بالميزان فقد أخطأ واساء ألا قال كما قلت
باض الحبّ فى قلبى ... فواويلى إذا فرّخ
وما ينفعنى حبّى ... إذا لم أكنس البربخ
وإن لم يطرح الأص ... لع خرجيه على المطبخ
ثم قال كيف ترى؟ قلت عجبا من العجب قال ظننت أنك تقول لا فأبل يدى وأرفعها «1» ثم سكت فبادرت وانصرفت خوفا من شره حدّثنى عبد العزيز بن احمد عم أبى قال كان ابو العبر يجلس بسر من رأى فى مجلس يجتمع عليه فيه المجان يكتبون عنه، فكان
(3/326)

يجلس على سلم وبين يديه بلاعة فيها ماء وحمأة وقد سد مجراها وبين يديه قصبة طويلة وعلى رأسه خف وفى رجليه قلنسيتان ومستمليه فى جوف بئر وحوله ثلاثة نفر يدقون بالهواوين، حتى تكثر الجلبة ويقل السماع ويصيح مستمليه من جوف البئر من يكتب عذبك الله، ثم يملى عليهم، فأن ضحك أحد ممن حضر قاموا فصبوا على رأسه من ماء البلاعة إن كان وضيعا، وإن كان ذا مروة رشش عليه بالقصبة من مائها، ثم يحبس فى الكنيف إلى أن ينفض المجلس ولا يخرج منه حتى يغرم درهمين قال وكانت كنيته أبا العباس فصيرها أبا العبر ثم كان يزيد فيها فى كل سنة حرفا حتى مات، وهى أبو العبر طرد طيل طليرى بك بك بك «1» حدّثنى جحظة قال رأيت أبا العبر بسر من رأى وكان أبوه شيخا صالحا، وكان لا يكلمه، فقال له بعض إخوانه لم هجرت ابنك؟ قال فضحنى كما تعلمون بما يفعله بنفسه، ثم لا يرضى بذلك حتى يهجننى ويؤذينى ويضحك الناس منى، فقالوا له أى شىء من ذاك وبماذا هجنك؟ قال اجتاز على منذ أيام ومعه سلم فقلت له ولاى شىء هذا معك؟ فقال لا أقول لك فأخجلنى وأضحك بى كل من كان عندى،
(3/327)

فلما أن كان بعد ايام اجتاز بى ومعه سمكة، فقلت له إيش تعمل بهذه؟ فقال انيكها فحلفت لا أكلمه أبدا أخبرنى عمى عبد الله قال سمعت رجلا سأل ابا العبر عن هذه المحالات التى يتكلم «1» بها أى شىء أصلها قال أبكر فأجلس على الجسر ومعى دواة ودرج فأكتب كل شىء أسمعه من كلام الذاهب والجائى والملاحين والمكارين حتى أملأ الدرج من الوجهين، ثم أقطعه عرضا وألصقه مخالفا فيجىء منه كلام ليس فى الدنيا احمق منه اخبرنى عمى قال رايت ابا العبر واقفا على بعض آجام سر من رأى وبيده اليسرى قوس جلاهق، وعلى يديه اليمنى باشق، وعلى رأسه قطعة رئة فى حبل مشدود بأنشوطة وهو عريان فى ايره شعر مفتول مشدود فيه شص؟؟ قد القاه فى الماء للسمك، وعلى شفته دوشاب ملطخ، فقلت له خرب بيتك إيش هذا العمل؟ فقال اصطاد يا كشخان يا أحمق بجميع جوارحى؛ إذ امر بى طائر رميته عن القوس، وإن سقط قريبا منى أرسلت اليه الباشق، والرئة التى على رأسى يجىء الحدأ ليأخذها فيقع فى الوهق، والدوشاب أصطاد به الذباب، وأجعله فى الشص فيطلبه السمك ويقع فيه. والشص فى ايرى فاذا مرت به السمكة أحسست بها فأخرجتها قال وكان المتوكل يرمى به فى المنجنيق الى الماء وعليه قميص
(3/328)

حرير فأذا علا فى الهواء صاح الطريق الطريق، ثم يقع فى الماء فتخرجه السباح قال وكان المتوكل يجلسه على الزلاقة فينحدر فيها حتى يقع فى البركة ثم يطرح الشبكة فيخرجه كما يخرج السمك، ففى ذلك يقول فى بعض حمقاته
ويأمر بى الملك ... فيطرحنى فى البرك
ويصطادنى بالشّبك ... كأنّى من السّمك
وحدّثنى جعفر بن قدامة قال قدم ابو العبر بغداد فى أيام المستعين وجلس للناس فبعث إسحق بن ابراهيم فأخذه وحبسه فصاح فى الحبس «لى نصيحة» فاخرج ودعا به اسحق فقال هات نصيحتك قال على ان تؤمننى قال نعم، فقال الكشكية لا تطيب إلا بالكشك. فضحك اسحق وقال هو فيما أرى مجنون فقال لا «هو امتخط حوت» قال ايش هو امتخط حوت؟ ففهم ما قاله «1» وتبسم ثم قال اظن انى فيك مأثوم، قال لا ولكنك فى ماء بصل فقال اخرجوه عنى إلى لعنة الله ولا يقيم ببغداد فأرده إلى الحبس، فعاد الى سرمن رأى، وله اشعار ملاح فى الجد منها ما أنشدنيه الاخفش له
(3/329)

يخاطب غلاما أمرد
ايها الأمرد المولع بالهج ... ر أفق ما كذا سبيل الرّشاد
فكأنّى بحسن وجهك قد ألب ... س فى عارضيك ثوب حداد
وكأنّى بعاشقيك وقد بدّ ... لت فيهم من خلطة ببعاد
حين تنبو العيون عنك كما ين ... قبض السّمع عن حديث معاد
فاغتنم قبل أن تصير إلى كا ... ن وتضحى فى جملة الأضداد
أخبرنى الحسن بن على قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدثنى أحمد بن على الانبارى قال كنا فى مجلس يزيد بن محمد المهلبى بسر من رأى فجرى ذكر ابى العبر فجعلوا يذكرون حماقاته وسقوطه فقلت ليزيد كيف كان عندك. فقد رأيته؟ فقال ما كان الا أديبا فاضلا ولكنه رأى الحماقة أنفق وانفع له فتحامق، فقلت له انشدك أبياتا له أنشدنيها فانظر لو أراد دعبل فأنه أهجى أهل زماننا أن يقول فى معناها ما قدر على أن يزيد على ما قال، قال أنشدنيها فأنشدته قوله
رأيت من العجائب قاضيين ... هما أحدوثة فى الخافقين
هما اقتسما العمى نصفين فذّا ... كما اقتسما قضاء الجانبين
هما فأل الزّمان بهلك يحيى ... إذا افتتح القضاء بأعورين
وتحسب منهما من هزّ رأسا ... لينظر فى مواريث ودين
(3/330)

كأنّك قد جعلت عليه دنا ... فتحت بزاله من فرد عين
فجعل يضحك من قوله ويعجب منه ثم كتب الابيات اخبرنى الحسن قال حدّثنا محمد بن مهرويه قال حدثنى ابن أبى أحمد قال قال لى أبو العبر إذا حدثك إنسان بحديث لا تشتهى أن تسمعه فاشتغل عنه بنتف ابطك، حتى يكون هو فى عمل وانت فى عمل وقال محمد بن داود حدّثنى أبو عبد الله الداودى قال كان أبو العبر شديد البغض لعلى بن أبى طالب صلوات الله عليه وله فى العلويين هجاء قبيح.
وكان سبب ميتته أنه خرج الى الكوفة ليرمى بالبندق مع الرماة من أهلها فى آجامهم، فسمعه بعض الكوفيين يقول فى على صلوات الله عليه قولا قبيحا استحل به دمه فقتله فى بعض الآجام وغرقه فيها.
ومن شعره]
إن يكن للعيون فى وجهك العي ... ش فانّ القلوب تكوى بجمر
يا قليل النّظير مستطرف الشّ ... كل بديع الجمال مغرى بهجرى
كفّ عنّى الصّدود يا واحد الحس ... ن فقد عيل من صدودك صبرى
وهو القائل
إلهى إنّ بى فقرا اليه ... وأنت ولىّ إشفاقى عليه
(3/331)

فان لم تقض لى فيه بصبر ... يسلّينى فدعنى فى يديه
وحدّثنى أخوه و] «1» يعرف بسعوط وكان جارنا فى شارع عبد الصمد لأخيه:
هوى [دفين] وهوى بادى ... اظلم فجازيك بمرصاد «2»
يا واحد [الأمّة فى] حسنه ... أسرفث فى هجرى وإبعادى «3»
قد كدت [ممّا نال] منّى الهوى ... أخفى على أعين عوّادى
عبدك يحيى بأخذه قبلة ... يجعلها خاتمة الزّاد «4»
حدّثنا أحمد بن محمد الاسدى قال حدثنى أبو العبر أنه كان يهوى غلاما فكان يتيه عليه فى محبته فقال له:
أفبى تتيه وقد علا ... ك الشّعر فى خدّ فحل
وخرجت من حدّ الظّبا ... ء وصرت فى حدّ الابل
(3/332)

أصبحت تطلب وصلنا ... عد للعداوة بالخجل
حدّثنا أحمد بن محمد قال قدم علينا ابو العبر من سر من رأى فسألته عن اخباره فقال إن محمد بن عبد الملك قد قصدنى وحبس كتبا بأرزاقى فدخلت عليه فأنشدته:
قم فاسقنى يا محمّد ... من سكيرىّ مبرّد
ولا تفنّد عليها ... فليس مثلى يفنّد
وهذا آخر ما وجد بالأصل الشمسى المنقول عن نسخة مكتبة شهيد على بالأستانة
(3/333)

فهارس الكتاب
1- فهرس الأعلام
2- فهرس الأماكن والبقاع
3- فهرس التّراجم
(3/335)

فهرس الأعلام
آدم (عليه السلام) 21 و 324
ابراهيم بن اسحاق 34
ابراهيم بن اسماعيل الكاتب (نطاحة) 56
ابراهيم الامام- ابراهيم بن محمد ابراهيم بن الحسن بن سهل 20
ابراهيم بن شاهين 53، 85
ابراهيم بن عبيد الله 104
ابراهيم بن على بن هشام 23 و 30
ابراهيم بن محمد الامام 88 و 289 و 299 و 305 و 312
ابراهيم بن عبد الله بن المهدى- أبو اسحاق: 17 و 18 و 20- 28 و 30- 35 و 38 و 45- 47 و 49 و 52 و 53 و 55، 83 و 89 و 90
ابراهيم بن موسى 319
ابليس 132 و 194
أحمد (رسول الله) 111 و 157 و 159 و 185
آل أحمد (رسول الله) 118
أحمد (خال ابراهيم بن المهدى) 17
أحمد (معشوق ابن المعتز) 185 و 194 و 230
أحمد بن ابراهيم بن المهدى 44
أحمد بن الحارث 318
أحمد بن الحسين الهاشمى- أبو عبد الله 70
أحمد بن الرشيد- ابو عيسى بن الرشيد 56 و 83 و 88 و 94
احمد بن زهير 15
(3/337)

أحمد بن سعيد الدمشقى 107
أحمد بن سيف- أبو الجهم 63
أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن على- حمدونا، الحامض 323
احمد بن أبى العلاء 143
احمد بن على 6
احمد بن على الانبارى 330
احمد بن عمران النسائى 13
احمد بن أبى فنن 107
أحمد بن المتوكل- ابن فتيان 104
احمد بن محمد بن اسحاق الطالقانى- أبوبكر 13 و 16 و 55 و 60 و 70 و 319
احمد بن محمد الاسدى- ابو الحسن 11 و 61 و 106 و 331 و 332
احمد بن موسى بن بغا 137
احمد بن موسى بن عيسى بن موسى 313
احمد بن يحيى- ابو العباس (ثعلب) 107 و 113 و 114
أحمد بن يحيى بن جابر: 16 و 17
أحمد بن يزيد بن محمد- ابو جعفر المهلبى 20 و 30 و 45 و 50 و 51 و 57 و 58 و 60 و 61 و 82 و 92 و 105
احمد بن يوسف الكاتب 30 و 34
الاحوص 31
الاخطل 93 و 114
ادريس بن ادريس 117
اردشير 144
اسحق؟ 17 و 53
اسحاق بن ابراهيم الموصلى 4 و 23 و 25 و 30 و 32 و 329
اسحاق بن سليمان بن المنصور- أبو يعقوب 34
اسحق بن عبد الله الحمرانى 3
(3/338)

اسحاق بن عيسى 89
اسحاق بن وهب بن سماعة المعيطى 15 و 16
ابو اسحق- الشاهينى 96
ابو اسحاق- ابراهيم بن المهدى
أسماء 74
اسماعيل بن اسحق القاضى 107
اسماعيل بن الهادى 83
الاصمعى 24 و 299
الاعشى 114
أمامة 24 و 306
أبو أمامة الباهلى 25
امرؤ القيس 198
الامويون 174
بنو أمية 298- 300 و 303 و 304 و 306
الامين بن الرشيد- أبو موسى- وأبو عبد الله 82 و 88 و 323
أبو أيوب المدينى 30
أبو أيوب بن الرشيد 95 و 96
أبو أيوب- سليمان بن المنصور
أبو أيوب- سليمان بن داود المهلبى
«ب»
البحترى 323 و 325
بخترية (أم منصور بن المهدى) 18
بدر (غلام هبة الله بن ابراهيم بن المهدى) 50 و 52
البرامكة: 57 و 91
(3/339)

ابن بشر 139
بريهة المنصورى 322
ابن البصرى- محمد بن الحسن العلوى- أبو الحسين
البعلبكى المؤذن 305
أبو بكر- أحمد بن محمد بن اسحق أبو بكر- محمد بن يحيى الصولى بنان المغنى 60
أم البنين 82
«ت»
تبع 127
الترك 60
أبو تمام 323
تميم (مولى أبى جعفر) 27
التوجى 4
«ث»
ثمامة بن أشرس 18
«ج»
الجاحظ 18 و 45
جبلة بن محمد بن جبلة الكوفى 95 و 301 و 310 و 318
جحدر 69
جحظة البرمكى 327
جرم 308
جرير بن عطية بن الخطفى الشاعر 92
(3/340)

جرهم 218
جعفر بن أبى جعفر بن المنصور 5
جعفر بن سليمان بن على 299 و 309
جعفر بن عبد الله 89
جعفر بن على بن الرشيد 90
جعفر بن محمد بن قدامة 326 و 329
جعفر بن موسى الهادى 59
جعفر بن يحيى البرمكى 31 و 34 و 45 و 46 و 57 و 91
أبو جعفر المهلبى- أحمد بن يزيد المهلبى
أبو جعفر- المنصور
ام جعفر 62 و 86
جميل 115
أبو الجهم- أحمد بن سيف
«ح»
أبو حاتم السجستانى 24
الحارث بن أبى أسامة 7 و 306
الحارث بن الليث 299
الحامض- حمدونا 323
بنو الحبر 159
حبيب بن نصر المهلبى 321
ال حرب 299
حسان بن ثابت 24
الحسن بن اسحق 46
أبو الحسن الاسدى- أحمد بن محمد الاسدى
(3/341)

حسين (والد طاهر) 89
الحسن بن يحيى الكاتب 5 و 21 و 22 و 52 و 53 و 62 و 73
الحسن بن محمد بن على الحمانى- أبو القاسم 109
الحسن بن عليل العنزى 3، 14، 107
الحسن بن على 330
حسن بن حسن بن حسن 308
الحسن البلعى 24
الحسين بن أحمد بن هشام- أبو عباد 60
الحسين بن اسحق 318
الحسين بن اسماعيل 302
الحسين بن الضحاك 25، 26، 33، 114
الحسين بن على (عليه السلام) 111 و 175 و 305
الحسين بن على بن عيسى بن ماهان 27
الحسين بن فهم 47 و 56 و 90 و 93 و 305 و 319
أبو الحسين بن عبيد الله بن سليمان 389
أبو الحسين- محمد بن الحسن العلوى
الحصين بن الحمام المزنى 302
آل أبى حفصة (مروان) 116
حكم الوادى المغنى 4 و 5 و 7
حماد بن اسحق 45 و 46 و 56- 58 و 72
حماد عجرد- أبو الدبس 3- 8 و 10
ابن حمدون 140
حمدونا الحامض- احمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن على
حمزة بن المعتز 102
(3/342)

«خ»
صاحب الخارجى 137
الخطاب بن عبد مناف 300
خلوب (أم محمد بن الرشيد) 94
أبو خليفة 6
«د»
داحس: 43
الدارمى: 31
داود (عليه السلام) 13
داود بن على 303 و 308
داود بن عيسى 312
أبو الدبس- حماد عجرد
دحمان الاشقر المغنى مولى بنى مخزوم 7 و 18 و 82
دعبل 33، 330
الديلم 60
«ذ»
أبو ذكوان 6 و 8 و 304
أبو الذوائب (مولى بنى قيس) 106
«ر»
رؤبة الشاعر (الرجاز) 115 و 305 و 306
الرسول (عليه الصلاة والسلام) 49 و 56 و 107 و 155 و 303
رشأ (غلام علية) زينب- ريب 57 و 61- 63 و 73
الرشيد- هارون 15 و 22 و 31 و 35 و 55 و 61 و 82 91 و 93 و 312 و 313 و 323
(3/343)

الروم 83
ريب- رشأ (غلام علية)
ريحان- أبو قريش (خادم ابى مسلم) 297
ريطة (أخت محمد بن أبى العباس)
«ز»
الزبير بن بكار 324
زرزور الكبير (غلام جعفر بن موسى الهادى) 59
زلزل (المغنى) 33
زهير (بن ابى سلمى) 36
زيد بن على 305
زينب- رشا (غلام علية) زينب بنت سليمان بن على 4 و 5 و 7- 10 و 34
«س»
آل ساسان 144
سباع (وكيل علية بنت المهدى) 63
السجاد 159
سديف 298
أبو السرايا 95
ابن سريج 84
بن أبى سعد- عبد الله بن أبى سعد 322
سعوط (أخو عيسى بن موسى) 320
سعيد الجوهرى 16
سعيد بن هريم 11 و 16 و 56 و 57
السفاح 305 و 309
(3/344)

سفيان 299
السفيانى 11
ام سلمه بنت يعقوب بن سلمة 3
سلمى 77
سليمان بن ابى جعفر المنصور 10 و 11 و 13- 15
سليمان بن داود المهلبى 86 و 90
سليمان بن عبد الرحمن 302
سليمان بن على 40 و 298- 300 و 307
سليمان بن المنصور- سليمان بن أبى جعفر
أبو السمط بن أبى حفصة 323
«ش»
ذو الشامة المعيطى 309
شاهمرد 18
الشاهينى- أبو اسحاق 96
أبو شبل البرجمى 52
أبو الشدائد الفزارى 311
شرة (معشوقة ابن المعتز) شر- شريرة 155 و 158، 226- 228 و 232 و 238 و 241 و 243 و 276
شكلة (أم ابراهيم بن المهدى) 17 و 18
ابن شكلة- ابراهيم بن المهدى
أبو الشيص 81
«ص»
صاحب الاغانى 321
صالح بن اسحاق 319
صالح بن الرشيد 86
(3/345)

صالح بن على 297، 300، 305
أبو صالح بن عمار 79
صعود (صاحب الفراء) 107
أبو الصقر 91
الصولى- محمد بن يحيى الصولى (أبو بكر)
«ض»
ضبة البصرة 301
ضبة الكوفة 301
ضعيفة (جارية سليمان بن المنصور) 11- 13، 15
«ط»
أبو طالب 95
ولد أبى طالب 3
الطالبيين 108
الطالقانى- أحمد بن محمد طاهر بن الحسين 35 و 88 و 89
طاهر بن عبد الله الهاشمى 322
ابن طباطبا العلوى 95
طغيان (جارية أم جعفر 62
طل (خادم الرشيد، ومعشوق علية بنت المهدى) - ظل 56- 58، 61
آل طولون 133
بنوط لون 134
«ع»
عائشة 303
(3/346)

ابن عائشة 304
عاد 127 و 318
عامر بن اسماعيل 305
عباس؟ 277
عباس (معشوق ابن المعتز) 233 و 274
العباس (عم الرسول) 49 و 89، 108 و 112 و 113، 151 و 159
بنو العباس بن عبد المطلب 3 و 11 55 و 157 و 228
و297 و 308
العباس بن الاحنف 81
العباس بن المأمون 18
العباس بن محمد 46 و 53
العباس بن موسى: 35
أبو العباس- عبد الله بن المعتز
أبو العباس المرشدى 12
بنو العباس ثعلب- أحمد بن يحيى
أبو العباس السفاح 10 و 16، 89، 97
أبو العباس بن محمد بن أحمد بن عبد الله- أبو العبر
ابن عبدان 143
عبد الرحمن الاوزاعى 302
عبد الرحمن بن عبد الله 35
عبد الرحمن بن مالك 323
عبد شمس 298
عبد العزيز بن أحمد 326
عبد العزيز بن حمدون 323
عبد الملك الهدادى 103
(3/347)

عبد الملك الزيات 26
عبد الله (عم أبى الفرج) 328
عبد الله بن أبى الخطاب 304
عبد الله بن ابى سعد 321
عبد الله بن حسن بن حسن 308
عبد الله بن الحسين بن الفرات 308
عبد الله بن الحسين القطربلى 94
عبد الله بن السمط بن مروان 117
عبد الله بن سليمان (الوزير) 125 و 288
عبد الله بن سبرمة الضبى 301
عبد الله بن الضحاك 7 و 297 و 298 و 313
عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع 22 و 55
عبد الله بن عبد الحميد بن فضالة (أبو محمد) 302
عبد الله بن عبد الرحيم 322
عبد الله بن عبد الملك الهدادى 101 و 102
عبد الله بن على بن عبد الله بن العباس 297- 302 و 304- 307 و 309
عبد الله بن عمر بن عبد الله بن على العبلى 306
عبد الله بن محمد الامين 92 و 97 و 98 و 100
عبد الله بن محمد بن على الكاتب 20
عبد الله بن المعتز (أبو العباس) 33- 35 و 59 و 84، 90 و 93 و 98 و 101 و 103 و 107 و 111 و 113، 114 و 117
عبد الله بن موسى الهادى (أبو القاسم) 68 و 82 و 84
عبد الله بن يحيى بن على 308
أبو عبد الله- أحمد بن الحسين الهاشمى
أبو عبد الله- الامين بن الرشيد
(3/348)

أبو عبد الله- الحسين بن احمد بن هشام
أبو عبد الله- موسى بن صالح بن شيخ
أبو عبد الله الداودى 330، 331
عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن مالك 333
عبد الوهاب بن محمد بن عيسى 20
عبيد الله (أبو القاسم) 261
عبيد الله بن عبد لله بن طاهر 37 و 113 و 132
عبيد الله بن محمد بن عبد الملك الزيات 26 و 55
عبيد الله بن مسرور 134
العبيس بن جمدون 25 و 92
أبو العبر 323، 325- 332
أبو العتاهية 47 و 48 و 73 و 106
العتبى 8 و 305
عتبة بن حماد الحكمى- أبو خليد القارى 302
عثمان بن عفان 197
عريب المغنية 91 و 92
عقال بن شبة 314
علقمة بن وقاص 303
علم السمراء (جارية عبد الله بن الهادى) 82
علوية المغنى 30، 53
العلويون 330
على بن ابى طالب 49 و 89 و 108- 113 و 197 و 300 303 و 305 و 319، 330
على بن الحسين الاسكافى 91 و 92
على بن سليمان الهاشمى 322
على بن الصباح 321
على بن عبد الله السلمى 302
(3/349)

على بن عبد الله 299
على بن موسى 30 و 300 و 305
علية بنت المهدى 54 و 55 و 57 و 59 و 61- 64 و 68 و 69، 77 و 80 و 82 و 83
عمران 141
عمر بن الخطاب 303
عمرو بن بانة 5 و 20 و 21 و 23 و 25
عمرو بن تركى القاضى 300 و 313 و 315 و 316
عمرو بن سندى (مولى ثقيف)
عمرو بن شبة 15، 94 و 338
عمرو بن عبد 110
أبو العميس الصيمرى 325
العنزى 12
عون بن محمد الكندى (كاتب حجر بن أحمد الحويمى بنارس) 16، 21، 22، 31- 34، 46، 55- 57، 59، 83، 86، 88، 94، 100، 299، 304
عيسى بن ربيب 95
عيسى بن على بن محمد 308- 315، 317، 319، 321
و322
أبو عيسى 32
أبو عيسى بن الرشيد- احمد بن الرشيد
أبو عيسى- محمد بن المتوكل 104- 106
أبو عيسى- موسى بن عيسى
أبو العيناء- محمد بن القاسم 20 و 90 و 299، 326
«غ»
أبو غالب- محمد بن سعيد الصغدى
الغبراء 43
(3/350)

الغلابى 6 و 7 و 9 و 89 و 93 و 205 و 298 و 310
«ف»
فاطمة بنت محمد بن محمد بن عيسى بن طلحة (أم يعقوب بن المنصور) 10
ابن فتيان- أحمد بن المتوكل
الفرا. 107
فرعون 132
الفضل بن الحباب- أبو خليفة 4
الفضل بن مروان 25
فهر بن مالك 41 و 280
ابن فهم- الحسين بن فهم
«ق»
القاسم بن اسماعيل 108
القاسم بن عبيد الله 126 و 260
القاسم بن محمد بن عباد المهلبى 90
أبو قاسم؟ 40
أبو القاسم- الحسن بن محمد بن على بن محمد الحمانى 109
القحذمى 300 و 313 و 315 و 316
القرامطة 110 و 139
قريش 113 و 276 و 277
قيس 43
قيس بن الحطيم 8
بنو قيس 106
قيصر 127
«ك»
كتلة (مولاة عبد الله بن محمد الامين) 98
(3/351)

كعب بن زهير 24
بنو كعب 43
كسرى 127
كلثم بنت عيسى 322
كنيزة (جارية عبد الله بن الهادى) 68 و 72
كنيزة (جارية أم جعفر) 69 و 78
«م»
المأمون (أبو عبد الله) الخليفة العباس 15 و 16 و 18 و 20- 22 و 33 و 82 و 83 و 88 و 90 و 94
الماخورى 84
المارق (أحد المغنين) 33
مالك (أحد المغنين) 84
متوج بن محمود بن مروان بن أبى حفصة 116 و 117
المتوكل على الله 104 و 323 و 328 و 329
محمد (رسول الله عليه الصلاة والسلام) 112 و 151
محمد؟ 89 و 310 و 320
محمد بن ابراهيم 303
محمد بن الازهر 324
محمد بن أحمد بن هارون 47
محمد بن اسحق البصرى 319 و 321
محمد الامين- الامين 17 و 18 و 27 و 28 و 91
محمد بن الحسن العلوى 108 و 109
محمد بن داود بن الجراح 80 و 330
محمد بن راشد 21 و 34
محمد بن الرشيد- أبو ايوب 94
محمد بن زكريا اللؤلؤى 297 و 313
محمد بن سعيد 11 و 25 و 305
(3/352)

محمد بن سعيد الصغدى- أبو غالب 88
محمد بن سليمان بن داود 86
محمد بن سليمان بن على 4، 5
محمد بن صالح بن بيهس الكلابى 11 و 32
محمد بن صالح النطاح- أبو عبد الله 927 و 305
محمد بن عباد المهلبى 90
محمد بن أبى العباس 3 و 6
محمد بن عبد الرحمن 9 و 310
محمد بن عبد السميع 83
محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن 312
محمد بن عبد الله العتبى 312
محمد بن عبد الملك الزيات 26 و 31 و 333
محمد بن على بن عبد الله 308 و 309
محمد بن على بن عثمان 61 و 83
محمد بن عيسى الاوانى 13
محمد بن الفضل بن الاسود 15 و 308
محمد بن القاسم- أبو العيناء
محمد بن القاسم بن مهروية 330
محمد بن قيس الاشعثى 310
محمد بن المتوكل- أبو عيسى 104 و 106
محمد بن محمد بن زيد بن على 95
محمد بن مروان 303
محمد بن مسلمة بن ارتبيل اليشكرى 14
محمد بن معاوية الاسدى 14
محمد بن المنصور 313
محمد بن موسى بن حماد البربرى (مولى بنى هاشم) 9 و 20 و 32،
(3/353)

56 و 297 و 305
محمد بن يحيى بن أبى عباد 22 و 105 و 106
محمد بن يحيى بن ثابت 54
محمد بن يحيى بن عبد الله الصولى- أبو بكر 3 و 302 و 308
محمد بن يزيد المبرد- أبو العباس 107
محمد بن يوسف الهاشمى 322
أبو محمد بن عبيد الله بن سليمان 288 و 289
أبو محمد- عبد الله بن عبد الحميد بن فضاله 302
أبو محمد الهدادى- عبد الله بن عبد الملك 101 و 102
محياة الطائفية (أم ولد المنصور) 17 و 18
مخارق المغنى 33
المدائنى 7
مدرك بن محمد الشيبانى 325
أبو المدور الوراق 12
مرحب 110
مروان بن أبى حفصة 23 و 117
مروان بن عبد الملك 159
مروان بن محمد 297 و 304 و 305
آل مروان، بنو مروان 144 و 299 و 308
ابن مروان بن أبي حفصة 304
مزدك 144
المستعين بالله 329
مسرور الخادم 22 و 55
أبو مسعود الكوفى 297
أبو مسلم الخراسانى 297 و 301 و 318
المسيح (عليه السلام) 205
(3/354)

مشيح بن حاتم العكلى- أبو الحسن 88 و 298 و 307 و 309
مصعب الزبيرى 15
مطرب بن الشخير 303
المعتز بالله (والد عبد الله بن المعتز) 92
ابن المعتز (عبد الله) 104 و 109 و 116
المعتصم بالله 18 و 22 و 31 و 49
المعتضد بالله 105 و 117 و 119 و 123 و 128 و 130
المعتمد على الله 52 و 98 و 105 و 117
ابن المعتمد 106
المغيرة بن محمد المهلبى 25 و 312
المكتفى بالله 117
المنتصر 60
المنصور أبو جعفر 3، 4، 7، 17، 18 و 28 و 31 و 35 و 297 و 301 و 305 و 307 و 310 و 316 و 318 و 319، 312
المهدى العباسى 7 و 11 و 14 و 28 و 104 و 309 و 313 و 315، 318 و 319 و 321
موسى بن صالح بن شيخ- أبو عبد الله 61
موسى بن عيسى بن موسى 83 و 312 و 313
موسى بن محمد بن على بن عبد الله 309 و 322
موسى الهادى 13 و 84
الموفق بالله 105 و 106 و 125 و 127 و 130
أبو موسى- الامين بن الرشيد
ميمون بن هارون- أبو الفضل 25 و 61 و 63 و 63 و 69 و 79 و 82
(3/355)

«ن»
نافد (خادم عيسى بن موسى) 322
أبو النجم الراجز 81
أبو نخيلة 310 و 311 و 313 و 314
النبى (صلى الله عليه وسلم) 5 و 34 و 40 و 89 و 109 و 110
نطاحة- أحمد بن اسماعيل الكاتب 113
النميرى 132
أبو نهشل بن حميد 97 و 100
أبو نواس 24 و 114 و 194
«هـ»
هارون- الرشيد
هارون بن محمد بن اسحق بن عيسى بن موسى 319
هارون بن المعتصم بالله 101- 103
هارون بن الواثق بالله 49
هاشم (بن عبد مناف) 11 و 52 و 56 و 280
هاشم (قبيلة) 152
بنو هاشم 3 و 34 و 107 و 108 و 113 و 130 و 311 و 319
هامان 312
هبة الله بن ابراهيم بن المهدى 17 و 2 و 31 و 34 و 50 و 52،- 54 و 59 و 3 و 89
الهدادى- عبد الملك الهدادى
ابن هرمة 312
هشام بن محمد 7
بو هفان 11
هند 153 و 159 و 160 و 175
(3/356)

الهيثم بن عدى 298
«و»
الواثق بالله 49 و 97
وضاح اليمن 82
الوليد بن عبد الملك 300
وهب 120
آل وهب 113
«لا»
لاتسل (خادم صالح بن الرشيد) 86- 87
«ى»
يحيى بن زكريا (مولى عبد الله بن على) 306
يحيى بن زياد بن أبى جراية البرجمى 309
يحيى بن زيد 300
يحيى بن سعيد الانصارى 303
يحيى بن عبد الله 16
يحيى بن على 4 و 17 و 13 و 25 و 30
يحيى بن مسكين 116
يزيد بن الصعق الكلابى 300
يزيد بن محمد المهلبى 330
يزيد بن منصور 59
يعقوب (معشوق ابن المعتز) 226
يعقوب بن بيان الكاتب 91 و 92
يعقوب بن جعفر 73
يعقوب بن جعفر بن سليمان الهاشمى 307 و 309
(3/357)

يعقوب بن جعفر بن عبد الله بن على 298
أبو يعقوب- اسحاق بن سليمان أم يعمر 23
يوسف بن ابراهيم (ابن خالة ابراهيم بن المهدى) 35
يوسف بن ابراهيم الخراسانى 31
يموت بن المزرع 18 و 45
يوسف بن يعقوب (عليه السلام) 21 و 80 و 113
يؤنس بن بغا 50
(3/358)

فهرس الأماكن والبقاع
«ا»
أجا (جبل) 42
إرم (ذات العماد) 201
أرمينية 313
«ب»
بستان بشر 198
البصرة 3، 4، 105، 298
بطن الجسر 89
بغداد مدينة أبى جعفر- 17، 18، 27، 59، 137 172، 143، 329
«ح»
حران 299
الحميمة 321، 323
الحنو 92
الحيرة 322، 323
«خ»
خراسان 316
الخضراء (فى مدينة المنصور) 27
خيبر 110
(3/359)

«د»
دار المأمون 34
دار المتوكل 325
دجلة 264
الدجيل 129
الدسكرة 189
دمشق 302
دنباوند 18
الدويرة 170، 277
دير حنظلة 98
دير السوسى 187
الديرين 262
«ر»
الرقة 15، 16، 59
الرى 60، 310، 314
«ز»
الزاب 299
الزابيان 307
زمزم 73
«س»
سرمن رأى 18، 106، 107، 137، 143، 226 312، 320، 326- 331
(3/360)

سلمى (جبل) 43
«ش»
شارع عبد الصمد 320
الشام 11، 105، 164، 321
«ط»
الصف 175
طيزناباذ 459
«ع»
عدن 124
العراق 33، 45، 60، 304، 311
عكاظ 300
العمرية 97
«غ»
الغار 110
غمى 197، 197
الغوطتين 137
«ف»
الفرات 32، 98، 188، 284
الفرك 60
«ق»
قصر حميد 198
(26- أوراق)
القصر (موضع) 158، 170
قطربل 32
القفص 189
«ك»
كثوة 306
كدا 306، 307
الكرخ 180، 187، 189
كركين 198
الكعبة 311
الكوفة 94، 301، 312، 330
«م»
الماصر 198
المدينة 312
مدينة أبى جعفر- بغداد المربد 6
المرج 60
مصر 313
المطيرة 158 و 180 و 187
مكة 47 و 237 و 308
منى 237
الميدان 198
(3/361)

ميدان اشناس 233
«ن»
نجد 274
النقا 52
نهر أبى فطرس 298 و 307
«هـ»
الهدملة 92
الهند 197
«و»
الوادى 226
وادى القرى 7
وج 307
وينا 193
«لا»
اللابتين 307
«ى»
الياسرية 327
يثرب 110 و 307
اليمامة 313
نهاية الفهارس والحمد لله رب العالمين
(3/362)

فهرس التراجم
3 أبو عبد الله محمد بن أبى العباس السفاح
10 أبو أيوب سليمان بن المنصور
17 أبو اسحاق ابراهيم بن المهدى
50 أبو القاسم هبة الله بن ابراهيم بن المهدى
55 أشعار علية بنت المهدى وأخبارها
56 أخبار علية بنت المهدى مع أخيها الرشيد
61 أخبار علية مع رشأ الخادم
63 أخبار لعلية متفرقة
66 ومما غنت فيه من شعرها في الثقيل الاول
68 ومما غنت فيه من شعرها في الثقيل الثانى
71 ومما غنت فيه من شعرها فى طريق الرمل
73 ومما غنت فيه من شعرها فى طريق الرمل الثانى
77 ومما قالته علية من الشعر ولا نعلم فيه غناء
81 ومما غنت من شعر غيرها
82 أخبار علية مع الامين والمأمون وذكر وفاتها
84 عبد الله بن موسى الهادى
88 أبو عيسى بن الرشيد
94 أبو أيوب محمد بن الرشيد
97 عبد الله بن محمد الامين
(3/363)

101 هارون بن المعتصم
104 أبو عيسى محمد بن المتوكل
107 أبو العباس عبد الله بن المعتز بالله
114 أخبار لعبد الله بن المعتز
132 ومن مختار شعره فى الهجاء
146 ومن مختار شعر عبد الله فى الفخر
176 ومما قاله في الخمر
207 ومن مختار شعره فى الطرد
220 ومن مختار شعره في الغزل
244 ومن مختار شعره فى الصفات
151 وقال فى ذم الصبوح
269 ومن مختار شعره في المعاتبات
280 ومن مختار شعره فى الشيب والزهد
287 ومن مكاتباته
297 شعر عبد الله بن على بن عبد الله بن العباس
309 شعر أبى موسى عيسى بن موسى بن محمد بن على
330 بقية أخبار أبى موسى عيسى بن موسى
325 أبو العبر ونسبه
343 فهرس الاعلام
(3/364)