Advertisement

البصائر والذخائر 002

بسم الله الرحمن الرحيم
رب أعن بمنك وكرمك

الجزء الثاني
اللهم إنك الحق المبين، والإله المعبود، والكريم المنان، والمحسن المتفضل، وناعش كل عاثر، ورائش كل عائل، بك أحيا، وبك أموت، وإليك أصير، وإياك أؤمل، أسألك أن تحبب إلي الخير وتستعملني به، وتكره إلي الشر وتصرفني عنه، بلطفك الخافي، وصنعك الكافي، إنك على ما تشاء قدير.
وبعد: هذا الجزء الثاني من بصائر القدماء، وسرائر الحكماء، ونوادر الملحاء، وخواطر البلغاء، وقد صار إليك الأول على اضطراب من تشتت أجناسه وفصوله، وليس يبعد منه الغرض المستفاد والأدب المقتبس، إذا صحت النية، وصدقت الشهوة، وتمت الإرادة، وساعدت القريحة، وأستجابت النفس، وكان تقدير الله من وراء اللطف بك، وتدبيره أمام الصنع لك، وتوفيقه مشتملاً عليك، وإحسانه متتابعاً إليك، فكد أيدك الله عز وجل
(2/5)

الذي بيده ينقاد الصعب، ويذل الشرس، وينجلي المظلم، وينفتح المبهم، ويؤاتي الممتنع، ويعود البعيد قريباً، والقريب سهلاً، والسهل حاضراً، والحاضر هنياً، والهني مستداماً، وأجتهد في طلب العلم، وأقتباس الأدب، وتحصيل الحكمة، اجتهاد من لا يرى لكونه فائدة إلا بها، ولا يعرف لحياته عائدة إلا منها، ولا لعقله مرجوعاً إلا معها، وصن نفسك بأمتهانها في مطانها، وأبل العذر منها غير تارك ممكناً، ولا مهمل مستطاعاً، وخذ بزمامها إلى البصرة، وأشعرها حلاوة الحكمة، وألبسها جلباب المعرفة، وزينها بأنوار العصمة، وبصرها مواقع اليقين، وروحها بمواد السكون، وشوقها إلى مقعد الصدق، وأطرابها بأغاني الملكوت، وأجلها في رياض القدس، وناغمها بأسرار الحق، فإنها إن أجابتك - أعني نفسك - أفقت من سكرة الدنيا. وربحت الآخرة والأولى، وشهدت غيباً لا عبارة عنه، وأصبت نعيماً لا متمنى فوقه، وأعلم أنك وعاء قد ملىء سراً، وظرف قد حشي نوراً، وجرم أسكن حكمة، وبحر أودع دراً، وإنما ينبغي لك أن تعرف منك ما هو فيك، بترتيب العقل الموهوب لك، وتنبىء عنه بتفصيل اللسان الخطيب عليك، فلا تأس بالعمل ما دمت مستوحشاً من العلم، ولا تثق بالعلم ما دمت مقصراً في العمل
(2/6)

ولكن أجمع بينهما، وإن قل نصيبك منهما، فإنك إن وهبت للعمل كلك أقعدك وأكلك، وإن منحت للعلم كلك حيرك وأضلك، وآفة العمل تعلقه بالرياء، وآفة العلم تعلقه بالكبرياء، والخير بين طرفيهما مرتفع.
قال واصل بن عطاء في هذا المعنى الذي قد طال القول فيه: ما آذى شيء كما آذى رجلان: عالم فاسق ترك الناس علمه لفسقه، وعابد جاهل أخذ الناس بجهله لعبادته، والقليل من هذا مع القليل من هذا أنجى في العاقبة، إذا تفضل الله تعالى بالرحمة، وتمم على عبده النعمة.
وإياك والمدافعة والوكال وحب الهوينا والأسترسال، وإيثار الخفض والدعة، والميل إلى الراحة والسعة، فإن خواتم هذه الخصال مذمومة، وعقباها كريهة وخيمة، وتجنب الهوى طاقتك، ولا تعره من طرفك لامحا، ولا من قلبك سامحاً، وأقبض عنه يدك، وأحبس دونه أذنك، فإنه سحار خدوع، وقرن جدوع، وقرين خلوب، وله تمويه وتشبيه، يستمدهما من حاشية العقل، وقد قال بعض الأولين: كيف يفلح الإنسان وعقله أسير الهوى في
(2/7)

الشهوة، ولهذا يعسر الحكم في كل مطلوب، ويشتبه القضاء على كل مراد، وكأنه - أعني الهوى - مركب من فرط الشهوة وفاضل العقل، يخدع بالشهوة ويعذر بالعقل، ويجر الدواعي كلها، ويستعبد الحواس بأسرها، ولا سلامة إلا بسابق توفيق، وحادث رأي وثيق.
ودع الضجر والكسل وحب العاجلة، فإنها من أخلاق البهائم، وهي داء دوي، واجنح نحو الأجتهاد، فإنه كاسب النجح وجالب الظفر، وتحرك فإن التحرك طريق إلى المنالة، مشرف على حميد العاقبة، ولذلك قيل: الحركة ولود والسكون عاقر؛ فإن قلت: وما أصنع بالحركة والأجتهاد، والسعي والأرتياد، في طلب العلم، وأنتجاع الرزق، والتماس المأمول، والأمر كله مرقوم بالقدر، ومردود إلى القضاء، فأعلم أن كلامك مشوب، ورأيك فائل، وحسبانك باطل، وظنك محلف؛ أما تعلم أن الأجتهاد والحركة مدمجان في أثناء القدر، والقصد والسعي مدرجان في طي القضاء، وأن الذي عليك بحكم عقلك، وصحيح نظرك، أن تعمل بظاهر ما ألقي إليك، لأنك جاهل بحقيقة ما غيب عنك، فكيف تجنح إلى خفي عنك، وتستوحش من جلي عندك، إنك إذن لمن الجاهلين.
(2/8)

قد خوفك العقل، وسنح لك الخاطر، ونبهك الداعي، وأبلغك الواعظ، وعرفت آثار الله عز وجل في الظالمين، وثوابه للمحسنين، وتوبيخه للعاصين، وتحذيره للغاوين؛ أفمن بعد هذا يغمض عينه بصير، ويسد أذنه سامع؟ إن ذلك لهو الضلال المبين.
سأل ابن الكواء علياً رضي الله عنه عن القدر فقال: بحر عميق فلا تلجه، فأمهل ثم سأل، فقال: ستر الله فلا تكشفه، نقول بظاهر ما نرى، ثم يقضي الله تعالى بغيب ما يعلم؛ هذا ما قاله.
وقد تردد الحديث في هذا المعنى، وذلك بسب ظاهر لا يحتاج الناظر إليه إلى تحديق، وإن كان الباطن يحتاج فيه إلى تحقيق: لما كان التفاوت واقعاً بين الخلق في السعادة والشقاء، والشدة والرخاء، والبلادة والذكاء، والعلم والجهل، والعي والإفصاح، والشجاعة والجبن، والصدق والكذب، والحسن والقبح، والكرم واللؤم، والحب والبغض، والكراهة والإيثار، والتوقي والأسترسال، والشراسة والأستخذاء، والأمن والخوف، والعدل والحيف، والغنى والحاجة، والعز والمذلة، والسلامة والعطب، والراحة والتعب،
(2/9)

والرجاء والقنوط، والأرتقاء والهبوط، والإجابة والإباء، والعافية والبلاء، والفسولة والغناء، والمنع والعطاء، أحب كل أحد أن يقف من ذلك على غيبه، وحقيقته المطلوبلة من عقله، فمن مضيف جميع ذلك إلى إله واحد، ومن مضيف إلى اثنين، ومن ظان أنه اتفق اتفاقاً، وانبجس جزافاً، ومن متوهم أنه على ذلك ممتد الماضي من الزمان، وممتد الباقي من البرهان، ومن راجع إلى الحيرة، ومتسكع في متشابه الأدلة، ومن مقرب بالجدل، ومبعد بالنظر، ومن ظان أنه جار على التناسخ مع إقامة الجزاء على قدر الخير السالف، والطاعة المتقدمة، ورأس هذا الأمر كله وأنفه في التسليم، فإنه الدين كله، والإسلام الذي شرفنا الله به وجعلنا من أهله، ومن القائلين بفضله، والناضحين عن حوزته، والذابين عن حريمه، هو معقود بالتسليم، لكن ينبغي أن يكون التسليم والتفويض سابقين للنظر والجدال، والمراء والضلال، والحيرة في تناقض الأقوال، لأن التلاعب بحجج الله عز وجل، والأجتراء على عقول عباد الله عز وجل، ليس من سنن أنبياء الله، ولا من
(2/10)

أدب أولياء الله تعالى، وقلما يظفر من المتكلمين بمتأله له حرقة من قد فاته مطلوب، أو توفي من قد حصل له يقين، هكذا شهدت من شهدت طوال هذا السنين بالعراقين والحجاز وفارس والجبال، ولولا الإطالة لسميت لك واحداً بعد واحد، وأنت بكل عارف، وعلى أحوالهم واقف.
وكان أبو حامد شديد الأزورار عن الخلاف، شديد القعة في أهله. وكان أدنى ما يقول فيهم: الفقهاء إذا قالوا: قال الإجماع، وأنعقد الإجماع، أنهم لا يرادون بهذا اللفظ، لأن الإجماع لا ينعقد بهم، والخلاف منهم لا يعتد به، وشريعة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي الحلال والحرام، والنظر في قواعد الأحكام، وتسليم ما غمض في هذه الفصول على الأفهام؛ وكان يقول أشياء غير هذا سأرويها لك.
وإنما أولع بذكر ما يقوله هذا الرجل لأنه أنبل من شاهدته في عمري، وكان بحراً يتدفق حفظاً للسير، وقياماً بالأخبار، وأستنباطاً للمعاني، وثباتاً على الجدل، وصبراً في الخصام.
(2/11)

ومن قبل ذلك أعود إلى العادة في نثر شيء من البصائر والنوادر، لئلا أكون خارجاً عما عقدت الكتاب عليه، وسقت ضماني إليه، ثم أذكر مسائل من فنون مختلفة، على قدر ما تم لي في الحفظ، وإذا وقع التمكن من جواباتها في الجزء الثالث ألممت بالبيان الشافي على وجه الأختصار، إن شاء الله تعالى.
(2/12)

قال بعض السلف: إذا صح العقل التحم بالأدب التحام الطعام بالجسد الصحيح، وإذا مرض العقل نبا عنه ما يسمع من الأدب، كما يقيء الممعود ما أكل من الطعام، وإن آثر الجاهل أن يتعلم شيئاً من الأدب تحول ذلك الأدب جهلاً، كما يتحول ما خالط جوف المريض من طيب الطعام داء.
وقال أيضاً: أحمد العقلاء من عقله عن صحة طبيعة، ورأيه عن سبب معرفة، وعلمه من قبل حجة، ومنطقه عن صدق مقال، وفعله عن حسن نية، وأدبه عن فضل رغبة، وعطاياه عن شجاعة غريزة، وأمانته عن عفاف، وأجتهاده في قصد سبيل.
وقال أيضاً: ثم وصل صحة الطبيعة بحسن العادة، وذكاء العقل بشدة الفحص، ونفاذ الرأي بدرك المنافع، وحسن المنطق بخير العرض، وحسن العمل بالفقه في الدين، وحسن الأدب بكثرة التعهد، وبث العطايا بصواب الموضع، وفضل الورع بفضل الحرية.
(2/13)

كتب بعض النساك إلى صديق له: أوصيك بتقوى الله العظيم، فإنها أكرم ما أسررت، وأزين ما أظهرت، وأفضل ما أدخرت، أعانني الله وإياك عليها، وأوجب لنا ولك ثوابها.
قال جعفر بن محمد: لأمير المؤمنين عليه السلام تسع كلمات أيمن جواهر الكلام، وأيتمن حقائق البلاغة، وقطعن أطماع المحاولين عن اللحاق بهن، ثلاث منها في المناجاة، وثلاث في الحكمة، وثلاث منها في الأدب؛ فأما اللواتي في المناجاة فقوله: إلهي، كفاني فخراً أن تكون لي رباً، وكفاني عزاً أن أكون لك عبداً، أنت لي كما أحب، فأجعلني لك كما تحب. وأما اللواتي في الحكمة فقوله: أمنن على من شئت فأنت أميره، وآحتج إلى من شئت فأنت أسيره، وأستغن عمن شئت تكن نظيره، وأما اللواتي في الأدب فقوله: قيمة كل امرىء ما يحسنه، والمرء مخبوء تحت لسانه، والناس أعداء ما جهلوا.
قال أعرابي: من طال رشاؤه، كثر متحه.
وقال أبو فرعون التميمي: قل من أجتلب حلف الزمان، إلا رمي بقدم الحدثان.
(2/14)

قال الرشيد: أربعة أشياء ممسوخة: أكل الأرز البارد، والقبلة على النقاب، والنيك في الماء، والغناء من وراء ستارة.
قال الماهاني: قيل لمجنون مرة: نكت أباك وأبوك وأبيك، فأطرق وقال: المسألة في هذا محال والصحيح نكت - بالنصب.
قال أبو زيد الحارثي لابنه: والله لا أفلحت أبداً، فقال له ابنه: لست أحنثك والله يابه.
حمل إلى معاوية مال فصب في صحن داره، وعلى رأسه خصي يذب عنه، فقال: يا سيدي، مر لي بكف مال، فقال: ويحك ما تصنع به؟ أن مت فتركته كويت يوم القيامة به؛ فقال: يا مولاي، إن كان هذا حقاً، ما يساوي جلدك يوم القيامة فلسين! فضحك معاوية وامر له بمال.
وقال صفعان: نحن معاشر الصفاعنة خلقنا حلماء، فإذا خرق علينا الجاهل لقيناه بالتغافل.
وسمعت ابن سيار القاضي يقول: الصفع على الريق أصلح من شربة سويق.
وسمعته يحكي قال، قال الجاحظ: دخلت الجامع ببغداد، فرأيت
(2/15)

شيخاً مهيباً فجلست إليه وقلت له: أفدني رحمك الله مما علمك الله، قال: أكتب، إذا جاءتك الفسو فلا تحبسها ولو كنت بين الركن والمقام، قلت: زدني، قال: أستعمل الدهن مع البزاق وأستعن بهما على هذه العفاج الضيقة، قلت: زدني، قال: إذا كانت لك جارية فنكها من خلف ومن قدام حتى تكون كأنها جارية وغلام، قلت: زدني، قال: تمسك بهذه الثلاث وأنت لقمان الحكيم.
شاعر: الكامل
إن كنت تنشط للصبوح فيومنا ... يوم أغر محجل الأطراف
وأرى الغمامة في السماء مخيلة ... مسودة الأوساط والأكناف
طوراً تبلل بالرذاذ وتارة ... تمري عليك بدلوها الغراف
وانعم صباحاً وأتنا متفضلاً ... ودع الخلاف ولات حين خلاف
رفع إلى محمد بن عبد الله بن طاهر في قصة أن غلاماً أخذ مع فتيان في صحراء، فوقع: ما السبيل على فتية خرجوا لمتنزههم، يقضون أوطارهم على قدر أخطارهم، ولعل الغلام ابن أحدهم أو قرابة بعضهم.
نظر أعرابي في سبع وعشرين من رمضان إلى الهلال فقال: الحمد لله الذي أنحل جسمك، كما أخمصت بطني.
قال الإسكندر: السعيد من لا نعرفه ولا يعرفنا، لأنا إذا عرفناه أطلنا يومه، وأطرنا نومه.
(2/16)

قرىء على قدح: البسيط
اشرب على طرب من كف ذي طرب ... قد قام في طرب يسقي على طرب
قال ابن أبي طاهر: خلا المنصور بأبي أيوب المورياني وسلمة بن مجاهد وعبد الملك بن حميد كاتبه فقال: بمن تشبهونني من الخلفاء؟ فقال ابن حميد: أما أنا فأشبهك بعبد الملك بن مروان، فقال: ذاك شنأة الخلفاء وما أشبهه، قال: بالوليد، قال: ذاك لاعب، قال: بعمر بن عبد العزيز، قال: ذاك شديد الأنقطاع، قالوا: فيزيد، قال: ذاك ماجن، قالوا: فهشام، قال: بخ بخ وما أشبهه، فقالوا: فلا ندري بمن تشبه، قال: أشبه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
سمع هذه الحكاية أبو الفضل ابن العميد فقال: ما كان أحوج أبا جعفر عند هذا القول إلى من يسلح بيد يديه من أن يشبه عمر بن الخطاب، ثم قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت.
وأبو جعفر أكبر من ذاك، ولعل الحكاية موضوعة عليه، فآفة الأخبار كثيرة، والظنة إلى أهلها سريعة، وتخليص السقيم من الصحيح صعب، وقد
(2/17)

دهي الناس في جميع وأتوا منها، كذاك الرافضي في رفضه، والحروري في تحكيمه، ومجال العقل فيها ضيق، وسلطانه عليها واه، ولسانه فيها كليل، وإنما الأمر في الأخبار موقوف على السابق في النفس، وعلى حسن الظن بالرواية، وعلى مخرج الكلام في التأويل، والكلام كله مصرف ومتعسف، ومتى تدبرت هذا الباب في صروف الدهر وحوادث الليالي، وجدته كما حكيته ورويته؛ نسأل الله عز وجل رب الأولين والأخرين ستر العورة، وإقامة العثرة، ومجانبة الهوى والمعصية، فإنه خير مسؤول، وأكرم مأمول.
قال الحكم بن هشام الثقفي: قيل لأبي حنيفة: أرأيت ما تقوله هو الحق بعينه؟ قال: والله ما أدري، لعله الباطل بعينه. هذا مما كنا فيه.
وقال أحمد بن أبي طاهر: رفع رجل رقعة إلى المنصور يسأله فيها بناء مسجد في محتله، فوقع على ظهر رقعته: من شرائط الساعة كثرة المساجد، فزد في خطاك تزدد في الثواب.
كيف ترى كلام هذا الإمام؟ تعجب ففيه متعجب، ومن أين له أن كثرة
(2/18)

المساجد من شرائط الساعة؟ أفقلة المسجد من شرائط بعد الساعة أم ماذا؟ اللهم غفراً. ولعل الخبر من الضرب المعمول، والقول المنحول؛ حرس الله تعالى سرائرنا عن مقت الأئمة، وعداوة الصالحين، والأعتراض على السلف الطيب.
شاعر: الكامل
عند الملوك مضرة ومنافع ... وأرى البرامك لا تضر وتنفع
إن العروق إذا استسر بها الثرى ... أندى النبات بها وطاب المزرع
وإذا جهلت من امرىء أعراقه ... وقديمه فأنظر إلى ما يصنع
أظن أني رويتها لبشار، ثم ذهبت عني، وقد رواها أبو عثمان الجاحظ في كتاب الإبل.
قال الربيع بن خثيم: إن الله علم علماً فعلمكم منه شيئاً وأصطفى
(2/19)

لنفسه ما لستم بنائليه ولا بمسؤولين عنه، وما علمكم من علمه فعنه تسألون، وبه تجزون.
هذا فصل نافع وكلام شريف، وفي تتبعه وتدبره إرشاد وهدى وسلوان.
أنشد أبو محلم: الوافر
غلام وغى تقحمها فأبلى ... فخان بلاءه الزمن الخؤون
فكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون
زعم بعض أصحابنا أن أبا تمام من ها هنا أخذ قوله: الطويل
لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه
ما أكثر أن يقال: أخذ فلان من فلان، وأغار فلان على فلان، والخواطر تتلاقى وتتواصل كثيراًن والعبارة تتشابه دائماً، ومن عرف خواص النفس وقوى الطبيعة وأسرار العقل لم يستنكر توارد لسانين عل لفظ، ولا تسانح خاطرين على معنى حاضر، وباطنه ظاهر.
(2/20)

قال أبو ذكوان: سمعت الثوري يقول: سأل أعرابي فقال: داووا سقمي بصحتكم، أي فقري بغناكم. الغنى مقصور، والغناء - ما يسمع - ممدود.
ونظر أعرابي إلى رجل جالس على ماء غدير يرمي فيه الدنانير، فقال: يا هذا، لقد أراحتك النعمة وأتعبتها.
قال المهلب: ما رأيت أحداً بين يدي قط إلا أحببت أن أرى ثيابي عليه، وأعلموا يا بني أن ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم.
قال العتبي: رأيت أعرابياً وقد دفن ابناً له، فلما حثا عليه التراب وقف على شفير قبره فقال: يا بني، كنت هبة ماجد، وعطية واجد، ووديعة مقتدر، وعارية متفضل، فأسترجعك واهبك، وقبضك مالك، وأخذك معطيك، فألحفني الله عليك الصبر، ولا حرمني بك الأجر. ثم قال: أنت في حل وبل من قبلي، والله أولى بالتفضل عليك مني، ثم أنشأ يقول: الكامل
نفسي ونفسك والنفوس معارة ... يدعو بها إما يشاء معيرها
فلئن ذهبت فقد ذهبت ومقلتي ... صبابة يجري عليك غزيرها
فعليك من منح الإله صلاته ... وسقى عظامك في الضريح عبورها
(2/21)

تقدم رجل وامرأته إلى أبي ديشة القاضي فقال الزوج: لي عليها - أيد الله القاضي - ألف درهم، فقال القاضي: ما تقولين رحمك الله؟ فقالت: يسخر بك أيها القاضي، فنظر إلى الرجل مغضباً، فقال الرجل: أصلح الله القاضي لا تصدقها، فإنك لو عرفتها حق معرفتها ابزقت في استها.
يقال في كلام العرب: ذهبت بلة الشباب.
ويقال: بينهم نوى أي مناوأة، وذربت معدته أي فسدت.
ويقال: لئن بللت منه لتبلن بما يسوؤك، أي إن صادقته.
ويقال: الخرص برد مع ندى، والخصر برد بلا ندى.
ويقال: لا أدخل قريعة بيت أي وسطه، وفلان قريع قومه أي رئيس، كأنه واسطة بينهم يفزعون إليه من كل جانب.
(2/22)

ويقال: مصر فلان خيره إذا قلله.
ويقال لقوائم الدابة الشوى، والشواة: جلدة الرأس، وشوى اللحم شياً وأنشوى هو، وهذا أمر شوى أي هين، ورماه فأشواه أي أصاب غير مقتله.
ذكرت في هذا المكان شيئاً حدثنا به ابن الجعاني، وكان حافظاً متقدماً، وشاهدته سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة قال: كان لنا جار يؤم بنا، فقرأ يوماً " نزاعة للشوى " المعارج: 16 بكسر الشين.
وروى أيضاً عن الباغندي أنه قرأ على أصحاب الحديث " وكل شيء فعلوه في الزبر " القمر: 52: في الدبر، فقالوا له: ما هذا؟ فقال: الباء منقوطة. وزادنا بعض أصحابنا فيه شيئاً قال: زعم الباغندي لما حاجهم أن الذي يدل على أنه بالباء أن السورة فيها مقعد.
(2/23)

وهذا من النوادر مضحك معجب من شيخ سرى ثوب شبابه ولبس خلع الإمام، فكان هذا فائدته. وأصحاب الحديث لا يبرؤون من مثل هذا، وقد شبهوا بحاطب ليل.
ويقال: فلان حسن سنة الوجه، والوجه المسنون: الذي فيه انصباب وأنخراط، وسن الماء على وجهه إذا صبه، وأستنت الإبل على وجه، وسن فاه: إذا استاك بالسنون - بفتح السين.
ويقال: ما تمالك عن كذا أن وقع فيه، أي ما تماسك. وفلان في سر قومه أي في خالصتهم، وهذا سرارة الوادي أي وسطه، وسري عن المريض أفاق، وكذلك الغضبان، وتسرى فلان: تزوج سرية، وسرى ثوبه: ألقاه، وفلان يقرد بعيره ويحمله أي ينزع قردانه وحلمه، ونضج الثمام إذا سال شيء منه كالعسل، وهذا من حديث الملاحم أي الفتن. والعقار: أصل الدار، والعقار: الخمر، والعقر: المهر، والعاقر: التي لا تلد. وحم الأمر أي قضي، وأحمني أي أقلفني. وما نحن إلا في رجيع من القول أي مردود، وألقى عصاه أي أقام، قال الشاعر: الطويل
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر
(2/24)

ومر فلان يعتصي على عصاً أي يتوكأ عليها، وعصاه أي ضربه بالعصا. والعصا من العصية أي بعض الأمر من بعض؛ هذا كله عن الأصمعي.
قال أرسطاطاليس: سوء العادة كمين لا يؤمن وثوبه.
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: خلتان ليس معهما غربة: حسن الأدب وتجنب الريب.
شاعر: الطويل
فتى لا تراه الدهر إلا مشمراً ... ليدرك مجداً أو ليرغم لوما
تبسمت الأموال عن طيب ذكره ... وإن كان يبكيها إذا ما تبسما
وقال علي رضي الله عنه لرجل حروري: نوم على يقين خير من صلاة على شك.
دخل ابن عباس على بعض الأنصار في وليمة لهم فقاموا له، فأستحيى من ذلك وقال: بالإيواء والنصر إلا جلستم.
(2/25)

حكى هذا ابن كعب الأنصاري، وكان أديباً متكلماً، جاحظياً حافظاً، وكان يذهب مذهب ابن الإخشيد.
نظرت امرأة إلى شعرة بيضاء في رأس زوجها فقالت له: ما هذا؟ قال: رغوة الشباب.
قال رجل لسفيان بن عيينة: ما بال قريش كانت يتعلم بعضها من بعض المثالب؟ قال: تعلموها لينتهوا عنها.
قال الغاضري: أعطانا الملوك الآخرة طائعين، وأعطيناهم الدنيا كارهين.
كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى الحسن البصري: أعني بأصحابك، فأجابه الحسن: من كان من أصحابي ييد الدنيا فلا حاجة لك فيه، ومن كان منهم يريد الآخرة فلا حاجة له قبلك، ولكن عليك بذوي الأحساب، فإنهم إن لم يتقوا استحيوا، وإن لم يستحيوا تكرموا.
صدق والله الحسن، وكان صدوقاً، وقد رأيت من توقى بحسبه ما لم يتوقه ذو الورع بورعه.
(2/26)

قال فيلسوف: إذا غلب الهوى العقل صرف محاسن خصاله إلى المساؤى، فجعل الحلم حقداً، والعلم رياء، والعقل مكراً، والأدب فخراً، والبيان هذراً، والجود سرفاً، والقصد بخلاً، والعفو جبناً. وإذا بلغ الهوى من صاحبه هذا المبلغ تركه لا يرى الصحة إلا صحة جسده، ولا العلم إلا ما استطال به، ولا الغنى إلا في كسب المال، ولا الذخر إلا في أتخاذ الكنوز، ولا الأمن إلا في قهر الناس، وكل ذلك مخلف في الظن، مباعد من البغية، مقرب من الهلكة. وإذا غلب العقل الهوى صرف المساوىء إلى المحاسن، فجعل البلادة حلماً، والحدة ذكاء، والمكر عقلاً، والهذر بلاغة، والعي صمتاً، والعقوق أدباً، والجرأة عزماً، والجبن حذراً، والإسراف جوداً.
شاعر: الكامل
قوم شراب سيوفهم ورماحهم ... فيكل معترك دم الأشراف
رجعت إليهم خيلهم بمعاشر ... كل لكل جسيم أمر كاف
يتحننون إلى لقاء عدوهم ... كتحنن الألاف للألاف
ويباشرون ظبى السيوف بأنفس ... أمضى وأقطع من ظبي الأسياف
ضريت على سفك الدماء نفوسهم ... وأكفهم ضريت على الإتلاف
وعروا من العار المدنس مثل ما ... عريت مواعدهم من الإخلاف
(2/27)

جعلوا الطعان محللاً لوجوههم ... ومحرماً منهم على الأكتاف
فإذا هم صدموا العدو بصارم ... خضبوا الأسنة من دم الأجواف
فسيوفهم تفني نفوس عداتهم ... وعطاؤهم يفني سؤال العافي
جاء الجماز إلى صديقة له فوجد بابها قد أغلق، فقال لها: افتحي، قالت: لا يمكنني، قال لها: فقبليني من خلف الباب، فأدارت استها إليه، فلما قبل فقحتها فست، فقال لها: سيدتي، تعشيت بكرش! كان لطاهر بن الحسين جارية اسمها السكون، فواعدها الزيارة ثم غفل عنها، وكانت حلقت ونتفت وتهيأت، فكتبت إليه رقعة عنوانها: الخفيف
للأمير المظفر الميمون ... ذي اليمينين طاهر من سكون
وفي الرقعة: الوافر
ألا يا أيها الملك الهمام ... لأمرك طاعة ولنا ذمام
حلقنا للزيارة وانتظرنا ... ولم يك غير ذلك والسلام
فأعجبه ذلك منها ودعا بها.
تزوج صدقة بن سليمان امرأة من كلب، فلما ضاجعها لمسها بيده
(2/28)

فقال: إنك لمهزولة، فقالت: الهزال أولجني بيتك.
وقالت ابنة الخس في النيك: الأول داء، والثاني دواء، والثالث شفاء، والرابع نفسي له الفداء.
قيل لرؤبة: ما عندك للنساء؟ قال: أطيل الظمء ثم أورد فأقصب، والقاصب: الذي لا يشرب إلا تمزازاً.
قيل للحطيئة: ما أنكرت من نفسك؟ قال: نومي في الملاء. ويقظتي في الخلاء.
قال أبو إسحاق السبيعي لقثم بن العباس بن عبد المطلب: كيف ورث علي بن أبي طالب عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم دونكم؟ قال: إنه كان أولنا به لحوقاً، وأشدنا به لزوقاً.
(2/29)

قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أخبرنا عن أيام جاهليتك، قال: ما داعبت أمة، ولا جالست إلا لمة، ولا دأبت إلا في حمل جريرة، أو خيل مغيرة، وأما أيام الاسلام فكفى برغائها منادياً.
قيل لابنة الخس: أي الهنين أحب إليك؟ قالت: الشديد عتره، والقليل قطره، البطيء قره، الصغير ضمره، العظيم نشره، في عيس جمل، في حر كبش، في رهز كلب، في حقو رجل.
أنشد لمضرس بن ربعي الأسدي: الطويل
وليس يزين الرحل قطع ونمرق ... ولكن يزين الرحل من هو راكبه
كأن الفتى لم يحي يوماً إذا جرى ... على قبره هابي التراب وحاصبه
(2/30)

قال السكري عن الرياشي عن العتبي عن أبيه قال، كان يقال: إذا كانت محاسن الرجل أكثر من مساويه فذلكم الكامل، وإذا كانتا متعادلتين فذلكم المتماسك، وإذا كانت المساوىء أكثر من المحاسن فذلكم المتهتك.
قال ابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه الأصمعي، قال: قال عبد الله بن جعفر: كمال المرء بخلال ثلاث: معاشرة أهل الرأي والفضيلة، ومداراة الناس بالمخالفة الجميلة، واقتصاد من غير بخل في القبيلة؛ فذو الثلاث سابق، وذو الأثنتين راهق، وذو الواحدة لاحق، فمن لم يكن فيه واحدة من الثلاث لم يسلم له صديق، ولم يتحنن عليه شفيق، ولم يتمتع به رفيق.
قال ابن دريد عن الرياشي عن العتبي، قال: من كلام البغاء: الإنصاف راحة، والإلحاح وقاحة، والشح مشنعة، والتواني مضيعة، والصحة بضاعة، والحرص مفقرة، والرياء محقرة، والبخل ذل، والسخاء قربة، واللؤم غربة، والذل استكانة، والعجز مهانة، والعجب هلاك،
(2/31)

والصبر ملاك، والقصد مثراة، والسرف مهواة، والعجلة زلل، والإبطاء ملل، والحقد سخيمة، والصفح غنيمة، والوفاء كيل، والهوى ميل، والحلم عز، والحكم كنز، والعلم حلة زين، والعقل قرة عين، والجهل حيرة حين.
أنشد ابن دريد عن الأشنانداني لأعرابي: الكامل
إن كنت تجعل من حباك بوده ... ظهر البعير فثق بأنك عاقره
من ذا حملت عليه كلك كله ... إلا اشمأز وظن أنك حاقره
كلف جوادك ما يطيق فبالحرى ... أن تستقل بما تطيق حوافره
السكري عن أبي حاتم عن أبي عبيدة، قال: رأيت صبية تقود أباً لها ضريراً وهو يقول: يا بنية شيمي السماء، فقال له: يا أبة كأن كسف السحاب فيها نوافر خيل تجر جلالها، ثم مشى قليلاً وقال لها: تأملي السماء كيف هي، فقالت: كأنها إبل شوارد همت بالانصرام، فمشى قليلاً ثم قال لها: أبصري السماء، فقالت: كأنها بطن عير أصحر، فمشى قليلاً ثم قال لها: توسمي السماء، فقالت: كأنها عين بعير تنطف، فقال لها: أوضعي قبل أن ترخي عزاليها.
(2/32)

وقال السكري عن الرياشي عن العتبي: رأيت أعرابياً يقول لأخيه: هل لك أن ننتجع أحساء رملات نجد علنا نجد بها رياً، فقال له الآخر: ذاك مطلب لا ينال إلا بشق وبعد، ولعل المحلىء عنه يذود الحوم منه.
السكري عن أبي حاتم عن الأصمعي، قال: وصف أعرابي ناقة فقال: تقطع الأرض عرضاً، وترض الحجارة رضا، وتنهض في الزمام نهضاً، سريعة الوثوب، بطيئة النكوب، مدلاج سروب.
السكري عن الأصمعي قال: قالت أعرابية لزوجها: أنحن أنعم عيشاً أم بنو مروان، فقال: هم أطيب طعاماً منا، ونحن أردأ كسوة منهم، وهم أنعم منا نهاراً، ونحن أظهر ليلاً.
وبإسناده أنشد أبو عمرو بن العلاء: الطويل
يطيل قصير الليل بالسوس عاذل ... وأنى يقص الجود قادمتي وفري
ومستنور والليل يطفىء ناره ... وماء كراه بين أعيننا يجري
(2/33)

قدحت له ناري فبات كأنه ... يساير قرن الشمس صبحاً وما يدري
ثنيت له مسك الجزور موسداً ... وما لي وساد غير أمسكة الجزر
وصارعت عنه الجوع بابنة ملة ... يشيعها أبناء طابخة القدر
وقمت بملء القعب من درة التي ... نحرت له حتى توسد بالسكر
فبات صريع الشبع والري نائماً ... وبت أرى في وجهه ناطق الشكر
قال ثعلب، قال ابن الأعرابي عن الفضل: تكلم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال معاوية: بهرك القول، فقال صعصعة: إن الجياد نضاحة للماء.
قال ثعلب، قال ابن الأعرابي عن المفضل الضبي، قال: قال الأحنف بن قيس: السخاء والبخل في الطعام لا في المال.
وبهذا الإسناد قيل لبعض البخلاء: ما أجل الطعام؟ قال: ما أمسك الرمق.
(2/34)

السكري عن الزيادي عن الأصمعي، قيل لأعرابي: إنك لكذوب خوار، فقال: والله لأنا أصدق من قطاة، وأصلب من صفاة.
قال الأصمعي: سئل عبيد الله بن عتبة عن الفصاحة فقال: دنو المأخذ، وقرع الحجة، وقدح المراد، وقليل من كثير.
قال السكري: حدثني صديق لي قال: اشتريت جارية فلما خلوت بها فترت، فجعلت تعضني وتعبث بي، فلما رأته لا يتحرك قالت: يا مولاي ليس هذا من عملي، هذا من عمل المسيح عليه السلام.
المبرد عن التوزي عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: قال أكثم بن صيفي لبعض ولده: يا بني، الغنى أنفع، والسلطان أرفع، والعدو أمنع، والعافية أوسع.
وجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً من الأنصار إلى بعض ملوك العجم يدعوه إلى الإسلام، فقدم عليه في وقت ثمار بلاده، فجعل يدور به
(2/35)

في بساتينه ويريه عجائب ثمارها ويقول: يا عمري، هل رأيت مثل هذا قط؟ ولم يبق له ثمرة إلا أراه إياها، فقال الأنصاري له: عندنا شجر ينبت على ساق، فمنها ما يناله القاعد، ومنها ما يبسق فيرتقى إليه، إذا كان إبان حملها خرج فيها مثل آذان الحمر، ثم لم ينشب أن ينشق عن مثل اللؤلؤة، ثم لا ينشب أن يصير مثل الزمرد الأخضر، ثم لم ينشب أن يصير مثل الياقوت الأحمر والأصفر، ثم لا ينشب أن ييبس فيصرم فيدخر، فمنه طعام المقيم، وزاد المسافر، وتحفة الصبي إذا بكى، فقال الأعجمي: إن كنت صادقاً فهذه الشجرة التي أهبط بها آدم من الجنة، وأهلها الذين يغلبون على شرق الأرض وغربها.
قال أبو العيناء: رأيت جارية في النخاسين وهي تحلف أن لا ترجع إلى مولاها، فقلت لها: ما له؟ قالت: يا سيدي، ينيكني من قيام
(2/36)

ويصلي من قعود، ويشتمني بإعراب ويلحن في القرآن، ويصوم الأثنين والخميس ويفطر شهر رمضان، ويصلي الضحى ويترك الفجر.
العرب تقول: قد أعور الثغر، إذا لم يكن فيه حافظ.
أنشد الأصمعي لحسان: الرمل
آذنت شعثاء صرماً فابتكر ... إنما يدهن ذو القلب الحصر
سألت حسان من أخواله ... إنما يسأل بالشيء الغمر
رب خال لي لو أبصرته ... سبط الكفين في اليوم الخصر
قال ابن المعتز: كان أحمد بن علي الإسكافي عنيناً، فراود امرأة عن نفسها فلما أمكنته عجز، فقام مشيطاً وأخذ السكين ليقطع ذكره، فقالت له الماجنة: لا تفعل يا سيدي، دعه تبول فيه.
طالب مزبد امرأته من خلف فأمكنته، ثم طالبها أيضاً فقالت له: أذكر أنك اليوم تنيك وحدك.
(2/37)

قال بعض الحكماء: إساءة المحسن أن يمنعك جداواه، وإحسان المسيء أن يكف عنك أذاه.
وقال فيلسوف: تأميل الناس خيرك، خير لك من خوفهم نكالك.
قال فيلسوف: كما يتوخى بالوديعة أهل الثقة والأمانة، فكذلك ينبغي أن يتوخى بالمعروف أهل الوفاء والشكر.
وقال أعرابي: الرزق الواسع لمن لا يستمتع به بمنزلة الطعام الموضوع على فبر.
كاتب: القلم صائغ الكلام، يسبك ما يفرغه القلب، ويصوغ ما يجمعه اللب.
قال سهل بن هارون: الدواة منهل، والقلم ماتح، والكتاب عطن.
كاتب: شددت بعنايتك ظهري، وسطوت بك على دهري، وحاربت بك الزمان بعد الأستسلام، وأرهبته بعد الرهبة منه، فلا زال معادياً، ولا زلت لي عليه معدياً.
(2/38)

قال أعرابي: أعيمتني والضرع حافل، وأقرمتني وأنت لاحم.
أنشد ثعلب: الطويل
رأيت اليراع ناطقاً عن فخاركم ... إذا هرمت أثباجه وتعبنا
ونحن أناس ينطق الصبح دوننا ... ولم تر كالصبح الجلي مبينا
أي فخركم كالريح في الزمر؛ كذا قال ثعلب.
شاعر: الكامل المجزوء
يا هذه الجبل الأش ... م وضيقة الباع الرحيب
كم أعين ذرفت علي ... ك وأوجعت بك من قلوب
ما أشرقت بك شمسنا ... حتى تدلت للغروب
إن المنون إذا انتضل ... ن رمين بالسهم المصيب
كان ابن الكعبي يعجب بهذه الأبيات، والبيت الأخير شقيق قول أبي يعقوب الخريمي: الطويل
(2/39)

وأعددته ذخراً لكل ملمة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع
والقصيدة غراء، وإن فسحت بالك وزدت في نشاطك رويتها لك، وإنما لقطت قصار الألفاظ من هذه البصائر والنوادر لتكون بالقلب أعلق، وإلى الحفظ أسبق.
قال فيلسوف: هيبة الزلل تورث حصراً، وهيبة العافية تورث جبناً.
قال أعرابي: لا ينبغي لأحد أن يدع الحزم لظفر ناله عاجز، ولا يرغب في التضييع لنكبة دخلت على حازم.
قد نطق بالصواب هذا الأعرابي، لأنك متى أضعت الحزم اتكالاً واسترسالاً، جانبت الرشد، وجريت في عنان الغي، وكنت أحد لوام نفسك، وعاذلي رأيك، ومتى أخذت بالحزم ظفرت، فإن لم تظفر لم تقطع نفسك باللوم. على أن ظفر العاجز لم يكن عن تكلف العجز، ولا نكبة الحازم عن اختيار الحزم، ولكن جرياً بالعجز والحزم على ما كانا واقعين عليه،
(2/40)

ومصروفين إليه، لأنهما متحركان بمحرك، ومتصرفان بمصرف: الحازم غير مدرك ما ليس له، والعاجز غير محروم مما له، وإنما سعى الساعي وأجتهد المجتهد وكدح الكادح لأنه معلل بالتأميل، ومؤمل بالتعليل، والغاية مقصودة ولكن بالجهد، وكذلك قعد القاعد واستسلم المستسلم وأمسك الممسك لأنه يعلل بالتأميل، ويؤمل بالتعليل، وهو شريك صاحبه في آخر الحساب، وإن باينه في أول العمل.
وكان أبو أحمد الجرجاني القاضي يقول: أهل الدنيا بين تأميل بتضليل، وبين تعليل بتسويل، وهذه أخلاق العالم وأعراقه، وعليه سوسه وطباعه، ولن يحول عن جوهره بكراهة كاره، وغضب غاضب.
الحديث يتدافع كما ترى، وقد أنشأت هذا الكتاب على رواية ما حصلت، لأنه ثمرة العمر، وزبدة الأيام، ووديعة التجارب، وفي حفظ مضمونه، واعتبار ما اجتمع فيه، تبصرة من العمى، وتذكرة من العي، والنجاة من الله عز وجل إنما تكون بالله، والأولى بالمرء اللبيب، والحازم المميز، الأنقطاع إليه، والإناحة بين يديه، فإنك متى دبرت نفسك، وأملت لها، وسقت الأماني إليها، لم تتجاوز حدك من العبودية، لأنك عبد، متى أسلمت وجهك،
(2/41)

وخنست من حولك إليه، برك بلطفه، وصرفك بإلهيته، لأنه إله، فهو خير لك منك لنفسك، لأنه أولك وآخرك، ولو كنت أولك، أو رجوت أن تكون آخرك، أو صرفت فيما بين طرفيك نفسك، كان لهربك منه وجه، ولإعراضك عنه تأويل، فأما وأنت محبوس في ملكه، مقيد بحكمه، مرتبط بعلمه، مراد بمشيئته، ملحوظ بعينه، محفوظ بعونه، فلا.
وأنشد لعقيل بن علفة: البسيط
تعجبت أن رأت رأسي تجلله ... من الروائع شيب ليس بالكبر
ومن أديم تولى بعد جدته ... والجفن يخلق فوق الصارم الذكر
يقال خلق الشيء وأخلق بمعنى، هكذا قال يونس في كتاب اللغات وقرأته على أبي سعيد السيرافي، وكأن خلق إذا لزمته الخلوقة ونبا عن الجدة، وهو يجري فيه كالصفة الحالة والنعت المصحوب، وكأن أخلق أخذ في الخلوقة وأمكنها من نفسه، كقوله أقطف العنب أي أخذ في إمكان قاطفه من نفسه، أي آن له أن يقطف، وكذلك أركب المهر.
(2/42)

أهدى جعفر بن سليمان إلى المهدي جارية فقال لها المهدي: أكان من جعفر إليك شيء؟ فكرهت أن تقول لا فتكذب، أو تقول نعم فتهجن، فقالت: كان شيء ينبغي أن يعاد عليه، فأستحسن كلامها ومال إليها.
مرت امرأة يقال لها قرة بماجن، فقال لأصحابه: بارك الله على من حشا هذه، لقد جود حشوها، فقالت المرأة: إن كان قد أعجبك هذا الحشو فابعث بامرأتك إلى من حشاني حتى يحشوها، فخجل الرجل وندم على مجونه.
وللنساء جواب مخوف، وإنما خيف المخنث لأنه يشبه بهن.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود: لا تسبوا قريشاً فإن عالمها يملأ؟ الأرض علماً، اللهم أذقت أولها نكالاً، فأذق آخرها نوالاً.
لا يعجبك رحب الذراعين بالذم، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت، ولا يعجبك امرؤ كسب مالاً من حرام، فإنه إن أنفق لم يتقبل منه،
(2/43)

وإن أمسك لم يبارك له فيه، وإن مات وتركه كان زاده إلى النار.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس بن مالك: أحسنوا جوار نعم الله ولا تنفروها، فقلما زالت عن قوم فعادت إليهم.
قرأت لكاتب: والنعم تألف أهلها ما أحسنوا جوارها، وشكروا معيرها، فالله عز وجل يحب الصابرين، ويزيد الشاكرين.
قيل لفيلسوف: ماذا غنمت من الحكمة؟ فقال: أن صرت كالقائم على الشط أنظر إلى آخرين يتكفأون بين أمواج البحر.
وأنا والله أجد بهذا الكلام وأرتاح إليه، وأراه من الحكم اليتيمة، والكلم المحتومة؛ نسأل الله تعالى ألا يجعل حظنا من الحكمة ونصيبنا من الموعظة الإعجاب بها دون المصير إلى حقها، والقيام بواجبها.
قال فيلسوف: الأعداء يعيرون المرء بمساويه فيرعوي عنها، والأصدقاء يستحيون أن يستقبلوه بها فيتمادى فيها.
(2/44)

قال أعرابي: الإفراط في النصيحة يهجم بك على كثرة الظنة.
قال رجل لابن ماسويه: إني أشكو إليك قصوري عن الباه، أي الجماع، فقال له: عليك بالشراب والكباب وشعر أبي الخطاب - يعني عمر بن أبي ربيعة، لغزله.
قال طبيب العرب الحارث بن كلدة: من أحب أن لا يولد له فليدهن حشفته عند الجماع بدهن.
أنشد جحظة: المتقارب
ولي صاحب زرته للسلام ... فقابلني بالحجاب الصراح
وقالوا تغيب عن داره ... لخوف غريم ملح وقاح
ولو كان عن داره غائباً ... لأدخلني أهله للنكاح
أستأذن جحظة على صديق له مبخل، فقال غلمانه: هو محموم، فقال: كلوا بين يديه حتى يعرق.
(2/45)

قال ثمامة: قال لي مجنون مرة: أنت تزعم أن الأستطاعة إليك؟ قلت: نعم، قال: فإن كنت صادقاً فاخرأ ولا تبل.
قال جحظة: سأل رجل رجلاً عن جارة له أراد أن يتزوجها، فقال: إن كنت تريدها خالصة لك من دون المسلمين فلا تطمع.
قيل للفرزدق: أي الشراب أحب إليك؟ قال: أقربه من الثمانين.
قال جحظة: أكلت مرة مع بخيل، فقال لي: يا هذا، ما رأيت أذل من الرغيف في يدك.
قال إسحاق الموصلي: ما جمشت الدنيا بأطيب من شرب النبيذ، ولا عوتبت بأظرف من الغناء.
قال السدي للجماز: ولد لي البارحة مولود كأنه دينار منقوش، فقال له الجماز: لا عن أمه ويحك! فبلغت النادرة أبا العيناء فقال: بودي أنها لي بجميع ما قلته.
(2/46)

وأنشدت لجحظة: الطويل
ولي كبد لا يصلح الطب سقمها ... من الوجد ما تنفك دامية حرى
فيا ليت شعري والظنون كثيرة ... أيشعر بي من بت أرعى له الشعرى
وقال الجماز: اجتزت في طريق فإذا قيان ملاح، فقلت وقد زحمتهن: الخفيف حمل الله بعضنا فوق بعض فقالت واحدة: عاجلاً في دوام عيش وخفض كان إبراهيم بن العباس الصولي بخيلاً على الطعام، فجلست معه جارية في بعض الأيام على المائدة والخبز مفرق، فقالت: يا سيدي، إبراهيم بن ميمون صديق لك؟ قال: نعم، وما سؤالك عنه؟ قالت: أستعير منه بغلاً من بغال البريد أدور عليه خلف هذا الخبز، فخجل وغير الرسم.
سمعت أبا حامد المروروذي يقول، كان المزني يقول، قال الشافعي رضي الله عنه: آفة المتعلم الملل في قلة صبره على الدرس؛ وقال: الملول لا يكون حافظاً.
(2/47)

وكان أبو حامد يقول: سبيل الحدث أن يدرس، وسبيل الشاب أن يتفهم، وسبيل الكهل أن يناظر، وسبيل الشيخ أن يعلم.
وسمعته يقول لأبي طاهر العباداني، وكان يتصوف ويتفقه: لا ينبغي أن تصحب ثلاثة: الجندي والعلوي والصوفي؛ أما الجندي فإنه يقول: لولا جاهي وعزي لطلبك السلطان؛ وأما العلوي فإنه يقول: متى شئت بعتك، أنت ومالك لي، والنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنا وارث النبي؛ وأما الصوفي فإنه يقول - وقد أنفقت عليه جهدك -: من أنت؟ بهذا كله أمرتم.
وسمعت أبا حامد يقول، سمعت يحيى بن حرملة يقول، قال الشافعي رحمه الله، قال لي بشر المريسي: لوددت أنا لم نرد عليك الشاهد واليمين، وأنك لم تخرج عيوبنا.
يقال: الباضع الريان، والشاهد عليه: الطويل
(2/48)

ألا ليت لي من وطب أمي شربة ... تشاب بماء من صبيح فأبضع
أي أروى. وبضع أي قطع، والبضعة: القطعة من اللحم، والباء مفتوحة، فأما بضع سنين فالباء مكسورة، وهي سنون دون العشرة وفوق الخمس؛ وملك فلان بضعها أي حل له نكاحها، ومنه سمي المبضع وجمعه المباضع، والبضاعة لأنها قطعة من المال؛ والبضاع: الجماع؛ قال أبو حنيفة صاحب النبات: وحب القلقل مهيج على البضاع، بكسر القافين.
سمعت ابن قريعة القاضي يقول: رفع إلى السلطان صبي قد افتض صبية، فقال الوالي: انظروا هل نبت قضيبه؟ فقالوا: لم ينبت بعد، وقضيبه صغير لا يفتض مثله جارية، فقالت الصبية: ما هكذا كان، قولوا له ينفحه كما كان، هكذا حكي، والنادرة في قلب الخاء إلى الحاء.
(2/49)

وسمعت ابن قريعة أيضاً يقول: خرجت جارية في جنازة مولاها فأرادت أن تقول: واحزناه، فلم يطاوعها لسانها، فقالت: واخراه، فأخذ الناس الضحك.
كان السلف يقولون: ذهب أهل الدثور بالأجور.
الدثور جمع الدثر وهو المال الكثير، كأنه من كثرته يغطي عورات الحال بعد أن يسد مفاقر النفس. والبثر: ما يخرج على جثمان الإنسان، والجثمان والجسمان هما بدن الإنسان. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى في جسمه بثرة عاذ بالله عز وجل واستكان له وجأر إليه، فيقال له: يا رسول الله، ما هو بأس، فيقول: إن الله عز وجل إذا أراد أن يعظم صغيراً عظم، وإذا أراد أن يصغر عظيماً صغر. هذا يدلك منه صلى الله عليه وسلم على خوفه، وخوفه على قدر معرفته، ومعرفته على قدر موهبته، وموهبته على قدر خصوصيته.
وسمعت ابن كعب الأنصاري يقول في مجلس الزهري سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة في مناظرته: من طال خطابه واشتد لغطه، قل صوابه وكثر غلطه.
قال فيلسوف: بإختلاف الحركة والسكون بادت الأمم والقرون.
(2/50)

قال الطوسي للحسن بن مخلد معزياً: جعل الله مصيبتك تأريخ ما تخشى، ومفتاح ما تحب.
قيل لابن المبارك: ما التواضع؟ قال: التكبر على المتكبرين.
وأنشد جحظة: المتقارب
لقد مات إخواني الصالحون ... فما لي صديق ولا لي عماد
إذا أقبل الصبح ولى السرور ... وإن أقبل الليل ولى الرقاد
قال أعرابي: السرف في القرى من الشرف.
وأنشد لبعض الشعراء: البسيط
خذها أبا جعفر والنجم في الأفق ... صفراء فاقعة في ناصع يقق
والشمس لم تطف أنفاس الظلام ولم ... ينشف صبيب الندى عن ناضر الورق
وقع سكران في الطريق على قفاه فبال، فرجع بوله على وجهه
(2/51)

وصدره، فأقبل يقول: يا أهل الدار، هذا الماء نظيف؟! قيل لمحمد بن هارون: أيما أطيب الخريف أم الربيع؟ فقال: الربيع للعين - يعني الزهر - والخريف للفم - يعني الثمر.
شيع الحسن بن سهل المأمون فقال له: حاجتك أبا محمد؟ - نصب، يريد هات حاجتك - أو اذكر حاجتك - قال: حاجتي أن تحفظ علي من قلبك ما لا أستطيع حفظه إلا بك.
قال الموبذ للأسوار، وكان قليل الإفصاح بالعربية: كانت الملوك تقول: حقيق لمن غرس وعداً أن يثمر نيلا.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن معدي كرب - تصرفه إذا نكرته، ولا تصرفه إذا جعلته اسم قبيلة أو اسم امرأة -: أخبرني عن قومك، قال: نعم القوم والله قومي عند الطعام المأكول، والسيف المسلول، والمال المسؤول.
نعم وبئس من باب أفعال لا تنصرف، وهما فعلان ماضيان يرتفع فاعلاهما بهما، والفاعلان على ضربين: مضمر ومظهر، والمضمر مفسر، ومثاله: نعم
(2/52)

رجلاً عبد الله، وبئس غلاماً زيد، أضمرت الرجل في نعم قبل أن تذكره فلزم تفسيره ليدل على الفاعل، وغلاماً انتصب بنعم، ولا يكون هذا التفسير إلا نكرة؛ فأما مثال الفاعل المظهر فضربان: أحدهما أن يدخل الفاعل الألف واللام فيكون الأسم دالاً على الجنس نحو: نعم الرجل، وبئست المرأة وبئس المرأة، والآخر أن يضاف إلى ما فيه الألف واللام نحو: نعم غلام الرجل وبئس صاحب القوم.
للخباز البلدي: السريع
حوشيت من صحبة خوان ... يأتي من الغدر بألوان
ولعنة الله على كل من ... له لسانان ووجهان
كاتب: إن عتبك لم يوعر علي مذهباً إلا كان الرجاء له مسهلاً، فرأيك في التعطف على من لا يرجع إلا إليك، ولا يعتمد إلا عليك.
نصب رأيك على تقدير: فر رأيك، هكذا قال الشيوخ.
يقال في اللغة: خلا العهد إذا انقضى، وخلا بعيره يخليه إذا
(2/53)

علفه الخلى وهو الرطب. ويقال: خلاه بالسيف يخليه إذا قطعه، وخلت المرأة إذا بانت من زوجها، وقد أخليته الأرض إذا أبحته خلاها، وأخليت فلاناً إذا بت له خالياً، وخليته: أرسلته، وفلان خال مال وخائل مال إذا كان حسن القيام عليه، والمال هو النعم والماشية، وكذلك في الفصيح حين تقول: نمى المال أي زاد، والمال يزيده التناسل والسمن عند الرعي. والرعي ما يرعى: الرعي مصدر رعى، وارتعى ورتع، ومضارع نمى ينمي، وينمو نمواً لغة من هذا، ونمياً من ذاك، والنماء الأسم، ونمى إلي حديثك، ونماه الله - في الدعاء - سليخ قولك: زرعه الله، وخيره الله، وزاده الله، وقد قيل: أنماه الله، وهو قليل، والعربية ما قلت لك، وهذا كله سماع بعد تحكيك ومدارسة، وتصحيح ومقايسة.
نعم: وفلان ذو خال ومخيلة إذا كان ذا خيلاء، ورأيت خال السحابة، وسحابة مخيلة - بضم الميم - وذات مخيلة - بفتح الميم - إذا كانت خليقة للمطر، ورجل مخيل كذلك، وفي الأمثال: رب مخيل مخلف، وخال فلان: ظن، وخيل بالأرض إذا نصب أخيلة أي أعلاماً، والخيال خشبة تركز ويلقى عليها كساء علامة للغنم، قال الشاعر: الوافر
وما شيء بأحمق من قشير ... ولا ضأن تريع إلى خيال
تريع أي ترجع، ويقال راع يريع منه، أما راع فمعناه أفزع يفزع،
(2/54)

والفرس الرائع لأنه يعجب ويأخذ من النفس بمنزلة الإفزاع، وفي الحديث: هل راع عليك القيء، أي رجع، ومنه هو مروع أي خائف؛ فأما مريع فغير هذا، الميم في مريع من سنخ الكلمة لأنك تقول مرع الوادي وأمرع الجناب وذلك إذا أردت الخصب - والخاء مكسورة والفتح مردود - والجدب ضده، والجيم مفتوحة.
نعم: وخول فلان فلاناً مالاً أي وهبه له، وفلان يتخول إذا دعاه خالاً، وأخذ ماله فتخوله أي جعله في ملكه، وألقى متاعه أخول أخول أي بعضه فوق بعض، والخلية: المطلقة، والخلية أيضاً: السفينة، ويقال: اترك صحبة الخالة أي ذوي الخيلاء، وكأن ذا الخيلاء - الذي هو الكبر - يظن في نفسه أنه أكثر مما فيه، فمعناه راجع إلى خال يخال أي حسب وظن؛ والخال: خال الرجل أخو أمه، وجمعه أخوال، والخال: نكتة بخد الإنسان وجمعه خيلان، ويقال منه مخيل ومخيول لصاحبه؛ هذا أكثره عن الأصمعي.
قال فيلسوف: السعيد من العقل أصح طبائعه، والعلم آنق حديثه، والحكمة أجزل حظوظه، والحسنات أفضل ذخائره، ولا يغنيه إلا القناعة، ولا يؤمنه إلا البراءة، ولا يوجب له الزيادة إلا الشكر، ولا يدفع عنه المكاره إلا الدعاء.
(2/55)

اطلع معاوية ليلاً على عسكر علي فأرتاع وقال: من طلب عظيماً خاطر بعظيم.
وقال معاوية: إني لأكره النكارة في الرجل، وأحب أن يكون عاقلاً.
والنكارة هي فضل عقل، لكنها لا توجد إلا فيمن استفرع عقله لإحراز منافعه ولو بمضارة غيره.
قال معاوية لعمرو بن عتبة: رحم الله أباك، وأحسن الخلافة عليك، لقد لصقت المصيبة بي، وإن كانت قد أخطأتني لقد أصابتني.
وقال معاوية للعرب: أنتم الشعار المستبطن، والدثار المستظهر.
وقال له عمرو بن العاص: لقد أعياني أن أعلم: أشجاع أنت أم جبان؟ فقال: الطويل
شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... فإن لم تكن لي فرصة فجبان
قال أعرابي: كفاك موبخاً على الكذب علمك بأنك كاذب.
(2/56)

قال جعفر بن يحيى: الخط سمط الحكمة يفصل شذورها، وينظم منثورها.
قالت بصرية لأخرى: تعالي حتى نعد من يمر بنا ممن ناكنا، قالت لها صاحبتها: هذا يطول، ولكن نعد من لم ينكنا.
قال الحسين بن فهم: قلت لجاريتي عند غيظي منها وغضبي عليها: اصبري حتى تجيء الغلة، والله لأشترين جارية مثل القمر وأستريح منك، قالت: يا مولاي، اشتر أولاً أيراً تنيك به.
قال الجماز: اشتريت جارية ظريفة، فأنشدت يوماً بيت أبي نواس: الرمل المجزوء
خل جنبيك لرام ... وآمض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
فقالت: ليست الرواية هكذا، قلت: كيف هي؟ قالت:
خل جنبيك لرام ... وآمض عنه بسلام
مت بداء النيك خير ... لك من داء الحمام
(2/57)

قال أحمد بن هشام الكوفي: تزوجت فاطمة بنت أبي زيد الحامض، فلما اجتمعنا ليلة العرس وجلس النساء على الرسم مع العروس قالت لهن: لا أعرف لقعودكن معنى، لا أنا مستوحشة فتؤنسنني، ولا محتشمة فتبسطنني، فأنصرفن في حفظ الله، فقمن، وأقبلت علي فقالت: احتشامك بغض، وأحتشامي أبغض منه، لأنك قد جربت وقد جربت، وكما أنه يكبر عليك أن تراني مع غيرك، كذلك يكبر علي أن أراك مع غيري، فخذ في أمرك، والزم الصحبة يلزمك العمل، وأنا أعطي الله عز وجل عهداً يسألني عنه، ويأخذني به، لئن خالفتني إلى امرأة لأخالفنك إلى ثلاثة رجال.
قيل لعبد الملك بن مروان: كم أتى عليك من السن؟ قال: أنا في معترك المنايا، أنا ابن ثلاث وستين.
قال فليح بن سليمان: لقيت المنصور في الطريق سنة توفي فيها فقال: يا فليح، كم سنوك؟ قلت: ثلاث وستون سنة، قال: هذه سنو أمير المؤمنين، أتدري ما كانت العرب تسميها؟ كانت تسميها دقاقة الرقاب.
(2/58)

قال الفراء: سبعة لا يكنون - يقال: كنيت الرجل وكنوته وكنيته، وكأن الكناية في الكلام إرادة معنى بغير الأسم الموضوع له واللفظ المقصور عليه، وكأنها أخت التعريض، وفي التعريض غرض عليها - ثم قال: وهم الحجام والبيطار والكناس والحارس والسماك والدباغ والغسال.
قال المأمون: خصلتان لا تصنعان على موائد الخلفاء: نكت المخ، وكثرة أكل البقل.
ليته أخبر عن العلة، ولعمري إنها لمن الخصال اللئيمة، ولكن ما أكثر ما يطلق العلماء والرؤساء هذه الأحكام ويوردون هذه الشرائط معراة من العلل، أغفالاً من الحجج، وهب أن هذا جائز لأفناء الناس ومن هو مغمور في العامة وغير ضارب مع الخاصة، كيف يجوز لمن يؤثر عنه اللفظ واللحظ، ويخلف عنه الطيب والخبيث، ويحفظ عليه الحي واللي؟ ولعلهم قد طبقوا المفصل في كل ما نطقوا، وذكروا أسباب ما رتقوا وفتقوا، ولكن الحملة ساء نقلها وقلت عنايتها، وما أخص بهذا هؤلاء، فإني أجد رواة الحديث عن الرسول صلى الله
(2/59)

عليه وسلم والناظرين في أصول الأحكام والمتصفحين لغريب القرآن على هذه العادة؛ إلى الله عز وجل الشكوى.
قال علي رضي الله عنه: لا تكونن ممن يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، وينهى ولا ينتهي، ويأمر الناس بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويبغض المسيئين وهو منهم، يأخذ من الدنيا ما يفنى، ويترك من الآخرة ما يبقى، يكره الموت لذنوبه، ولا يدع الذنوب في حياته.
قال ابن المبارك: قلت لرجل عاد من سفره: ما رأيت في وجهك؟ قال: رأيت رجلاً أخذ في خراج، فاعتوره رجلان يدفعه هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى خرجت نفسه، ثم قال: وهكذا أنت يدفعك الليل إلى النهار والنهار إلى الليل حتى تكون كذلك.
قيل لابن المدبر يوماً: ما تقول في الشعر؟ قال: يرفع الخسيس، ويضع الشريف.
(2/60)

قال زياد بن أبيه: الشعر أدنى مروءة السري، وأسرى مروءة الدني.
قال المعتمر بن سليمان: الشيب أول مراحل الموت.
قال قيس بن عاصم: الشيب خطام المنية.
وقال فيلسوف: الشيب توأم الموت.
وقال يحيى بن خاقان: الشيب موت الشعر، وموت الشعر علة موت الجسد.
وقال العتابي: الشيب تاريخ الكتاب.
وقال فيلسوف: الشيب نذير الفناء.
وقال أعرابي: الشيب بريد الهلاك.
(2/61)

كتب المتوكل على الله إلى عبد الرحمن بن خاقان لما توفي يحيى بن خاقان، وهو إذ ذاك بالبصرة: أما بعد، فقد جرى من قضاء الله عز وجل في وفاة يحيى بن خاقان على أحسن ما توفي عليه ذو طاعة ونصيحة وقيام بحق أمانة الله في سلطانه ورعيته ما جرى على الأولين، وهو جار على الآخرين، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون؛ وإن أمير المؤمنين يأمرك بالرجوع إلى الله عز وجل، والرضا بقضائه، وتلقي النعمة برضا أمير المؤمنين عن يحيى، وما أتبعه من الدعاء وخلفه في عقبه بما يستديمها من الصبر والشكر، والشخوص إلى باب أمير المؤمنين إذا ورد عليك كتابه هذا، بعد أن تخلف في عملك من يقوم فيه مقامك، منبسط الأمل، منفسح الرجاء، واثقاً بما يرعى أمير المؤمنين منك بنفسك في طاعتك، وموالاتك في أسبابك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ وكتب بإملاء أمير المؤمنين يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة أربعين ومائتين. ووقع المتوكل على الله بخطه بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: يا عبد الرحمن، ثق بالله العظيم، وبالذي لك عند أمير المؤمنين، وطب نفساً ولا تحمل على نفسك من الغم ما لا ينفعك، لا بل يضرك، ويغتم به أمير المؤمنين، وهذا خط أمير المؤمنين إليك، والسلام.
قال أعرابي: لا شيء أهرم للوليد، وأبلى للجديد، من ليل يسري، وقدر يجري.
(2/62)

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنبر: تجهزوا رحمكم الله فقد نودي بالرحيل، وأقلوا الفرحة على الدنيا، وانقلبوا بصالح ما يحضركم من الزاد، فإن قدامكم عقبة كؤوداً، ومنازل مخوفة مهولة، لا بد من الممر عليها، والوقوف عندها، فإما برحمة الله عز وجل فنجوتم من فظاعتها، وشدة مختبرها، وكراهة منظرها، وإما بهلكة ليس بعدها خيار.
قال فيلسوف: من عدم العقل لم يزده السلطان عزاً، ومن عدم القناعة لم يزده المال غنى.
سمع هذا الكلام أبو زيد المروزي فقال، قال الربيع بن خثيم: من عدم الإيمان لم تزده الرواية فقهاً.
قال صاحب المنطق: إنما الإنسان عقل في صورة، فمن أخطأه
(2/63)

العقل ولزمته الصورة لم يكن إنساناً كاملاً، ولم تكن صورته إلا كصورة تمثال لا روح فيه.
كتب أرسطاطاليس إلى الإسكندر رسالة في السياسة يقول في أولها: أما التعجب من مناقبك فقد نسخة تواترها، فصارت كالشيء القديم الذي قد بسىء به، لا كالحديث الذي يتعجب منه.
يقال بسأت بالشيء وبسئت إذا ألفته.
أصيب الإسكندر بمصيبة، فجاءه أرسطاطاليس فقال: أيها الملك، إني لم آتك معزياً لكن متعلماً للصبر منك، لعلمي بعلمك أن الصبر على الملمات فضيلة نافية لكل رذيلة، فكيف نحض على طاعتك أو تعلم سنتك.
نظر فيلسوف إلى ميت ينقل فقال: حبيب ينقله أحباؤه إلى حبس الأبد.
وعزى فيلسوف آخر فقال: إن كنت تبكي لنزول الموت بمن كنت له محباً، فطالما نزل بمن كنت له مبغضاً.
قال أرسطاطاليس: ليكن غايتك في طلب المال الإفضال به على
(2/64)

الإخوان، فإن الشريف الهمة لا يطلب المال ليكتنزه أو ليأكله، ولكن ليتحف الإخوان منه.
قال الهندي: أول البلاغة أن يكون الخطيب رابط الجأش، ساكن الجوارح، قليل الحركات، خفي اللحظ، متخير اللفظ، لا يكلم الملوك بكلام السوقة، ويكون في قوته التصرف في كل طبقة.
سئل ابن حرب عن البلاغة فقال: البلاغة أن تجعل بينك وبين الإكثار مشورة الأختصار؛ وهذا يحتاج إلى تفسير.
وقال الرومي: البلاغة هي الأقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة.
وقال الأعرابي: البلاغة وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة.
(2/65)

وقال الفارسي: البلاغة معرفة الفصل من الوصل.
وقال إبراهيم الإمام: يكفي من حظ البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع.
وهذا الحكم من إبراهيم مبتور، لأن الإفهام قد يقع من الناطق ولا يكون بما أفهم بليغاً، والفهم قد يقع للسامع ممن ليس ببليغ ولا يكون بليغاً، وليس اشتراكهما في التفاهم بلاغة.
البلاغة أن يصيب الناطق بالطبع الجيد، أو الصناعة المجتلبة، أو بهما، وإن ساء فهم السامع لقصور طباعه، أو بعده عن أسباب الفضيلة. ومن ذا الذي هجا البليغ لأن السامع لم يفهم، أو هجا السامع لأن الناطق لم يفهم؟ وإنما البليغ الذي يبلغ القصد بأقرب طرق الإفهام مع حسن الغرض، وليس أقرب طرق الإفهام تقليل الحروف وأختصار المراد؛ قد يكون هذا، ولكن أقرب الطرق في الإفهام أن تكون الغاية مثالاً للعقل، ثم يكون المعنى مسوقاً إليها، واللفظ منسوقاً عليها، فهم السامع أو قصر. ثم ليس هذا المعنى مقصوراً على العربية، بل هو شائع في النفوس، مستمد من العقول، معروف
(2/66)

باللغات، لكن العربية عندنا أحسن الألفاظ مخارج، وأوسعها مناهج، وأعلقها بالقلب، وأخفها على اللسان وأوصلها إلى الآذان، وكل هذه المحاسن تابعة للشريعة التي جعلها الله تعالى تمام الشرائع، ومضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ختم الله عز وجل به الأنبياء والرسل؛ جعلنا الله عز وجل يوم الفزع الأكبر في زمرته، كما أخرجنا في زمرة أمته، ورزقنا شفاعته، كما ألهمنا طاعته، بمنه وجوده.
أرى - أيدك الله - أن أطيل الكلام في هذا المعنى، لعلمي بأن هذا المقدار يهيجك ولا يشفيك، ويغريك بمعرفة تمامه ولا يسليك: نظام البلاغة وعقدتها والذي عليه المدار والمحار أن يكون طالبها مطبوعاً بها مفطوراً عليها، قد أعين بشهوة في النفس، وأدب من الدرس، فإنه متى اختل في أحد الطرفين بدا عواره، ولصق به عاره، والآفة فيها من الدخلاء إليها الذين يستعملون الألفاظ ولا يعرفون موقعها، أو يعجبهم الأتساع ويجهلون مقداره، أو يروقهم المجاز ويتعدون حدوده، أو يحسن في حكمهم التصريح ولعل الكناية هناك أتم، والإشارة فيه أعم. وهذه الخلال تجدها في قوم عدموا الطبع المنقاد في الأول، وفقدوا المذهب المعتاد في الثاني، والسر كله أن تكون ملاطفاً لطبعك الجيد، ومسترسلاً في يد العقل البارع، ومعتداً على رقيق الألفاظ وشريف الأعراض، مع جزولة في معرض سهولة، ورقة في حلاوة بيان، مع مجانبة المجتلب، وكراهة المستكره. وركنه الذي يعول عليه، وكنفه الذي يأوي
(2/67)

إليه، أن يكون السجع في الكلام كالملح في الطعام، فإنه متى ظفر منه بمقدار الرتبة، وحسب الكفاية، حلا منظره، وبهر بهاؤه، وسطع نوره، وانتشر ضياؤه، ومتى زاد على المقدار ضارع كلام النسأة والكهنة من العرب، أو كلام المستعربين من العجم.
وسأقتص لك فنون البلاغة اقتصاصاً مجملاً تقف به على تفصيلها: أعلم أن الفن الأول منه هو الكلام الذي يسمح به الطبع، وليس يخلو هذا المطبوع من صناعة، والفن الثاني هو الكلام الذي يطلب بالصناعة، ليس يخلو هذا المصنوع أيضاً من طبع؛ والفن الثالث هو المسلسل الذي يبتدر في أثناء المذهبين، وأمثلة هذه الفنون ثابتة في هذه النوادر والبصائر، ومتى أنعمت النظر عرفت الخبر. ومهما أتيت في هذا الشأن فلا تلهجن بالسجع، فإنه بعيد المرام إذا طلب الواقع موقعه والنازل مكانه، ولا تهجرنه أيضاً كله فإنك تعدم شطر الحسن؛ والذي يجب أن يعتمد من ذلك هو مقدار يجري مجرى الطراز من الثوب، والعلم من المطرف، والخال من الوجه، والعين من الإنسان، والسواد من الحدقة، والإشارة من الحركة، وقد علمت أنه متى كثرت الخيلان في الوجه وغمرته كان ترادف أجزاء السواد ذاهباً ببهجة تمام الحسن؛ وقد يسلس السجع في مكان دون مكان، والاسترسال أدل على الطبع، والطبع أعفا، والتكلف مكروه، والمتكلف معنى، والناس بين عاشق للمعاني وتابع لها فالألفاظ تواتيه عفواً، وكلف بالألفاظ والمعاني تعصيه أبداً؛ فأما من جمع بين هذه
(2/68)

وهذه، وكان قيماً بمنثورها ومنظومها، عارفاً بأختلاف مواقع تأليفها، فإنه الحاوي قصب الرهان، والمعدود في أفاضل الزمان. فاقصد - أيدك الله تعالى - أن تكون كالصائغ الذي يصيب الشذر فيسكبه ثم يصوغه ثم ينقشه ثم يسوقه ثم يزينه ثم يعرضه. والأدب كثير، والكلام جم، والمحفوظ من ذلك أقل من الضائع، والمكتوم أكثر من الشائع، وإذا صدقت نيتك في طلب مختار العلم، ومذخور الحكمة، أصبت من ذلك ما لا يفرغك لطلب ما نأى عنك. أغناك الله عز وجل عن كل ما سواه، وعرفك ما في الغنى به حين تفتقر إليه، وتقتصر عليه، فما خسر من أناخ بفنائه، ولاذ ببابه، وسعى في ابتغاء مرضاته، ولا اعتاض منه من استجاب للدنيا وانغمس في الهوى.
احلولج الأمر أي التوى.
قال زهير: الطويل
فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله
(2/69)

عراة: مؤتزرون؛ يزاولنا: يعالجنا؛ قال أبو عبيدة: عراة، تعرونا عرواء من الزمع، لأنه إذا أراد أن يصيد أرعد، ويقال عراة بالعراء، ليس يحجبنا شيء.
العرب تقول: بقي من ماله عراض أي شيء يسير، والعرض: المال، والعارض: السحاب، والعرض أيضاً: الجنون، والعرض: النفس، وفلان شديد العارضة إذا كان شديد المتن. وفعل ذلك سهواً رهواً أي ساكناً وادعاً، وأفعل ذلك في سراح ورواح أي في يسر، ومكان مروحة أي مهب للريح، والمروحة: هذه المسفوفة المعروفة، والمراح - بضم الميم - مأوى الأبل، والمراح - بفتح الميم - مصدر راح مراحاً ورواحاً، وأراح الطعام: تغيرت رائحته، وأروح أيضاَ. فلان يراح للمعروف ويرتاح له، وهو أريحي: كل هذا كرم وكريم، وكأنه إشارة إلى طيب ريحه أو إلى اهتزازه أو إلى جوده، يقال: فلان كالريح جوداً، وفلان يباري الريح جوداً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم كالريح المرسلة في رمضان، ويقال: شهر رمضان، وذلك أنه قيل: رمضان من أسماء الله عز وجل، والشهر منسوب إليه، ولأن القرآن نطق بذلك، وكل جائز.
(2/70)

وفلان يعاني أموراً أي يعالج، وزارنا على شحط بعيد أي على بعد. وأهجر أي هذى. والمأبوض: المشدود الرسغ بالإباض، وهو الحبل. وأجره الله يأجره أي أثابه، وأجار فلان فلاناً أي جعله في جواره، والجوار - بالضم - الأسم، والجوار مصدر جاوره مجاورة وجواراً، كقولك مخاصمة وخصاماً وقتالاً ومقاتلة وخطاباً ومخاطبة، وباب هذا القياس متلثث أي مطرد أي متتابع، ويقال لمن ينزل بحضرته: هو ملاث وهم ملاوث. وأمحلت الأرض إذا قل مطرها، والمحل: الوشاية لأنه ينفي الخير، والخير ها هنا كالمطر ثم، والمحال: المحاولة أي الطلب، والمحالة: الحيلة، والمثل: المرء يعجز - بكسر الجيم - لا محالة، أي الحيل كثيرة ولكن الإنسان عاجز؛ وفي الدعاء: اللهم لا تجعل القرآن بنا ماحلاً أي مزلاً لأقدامنا. وسمي المحل وشاية لأن الواشي يشي، أي يحسن باطله، كما يشي الواشي الثوب، أي ينسجه رائقاً في العين، وتقول في الأمر منه: شه، كما تقول: قه من الوقاية، وفه من الوفاء، والأصل حرف ولكن ضمت الهاء أخرى للسكت، ولأن الكلام بناء، والبناء لا يكون بحرف واحد، إنما يخرج من أحكام الحروف بارتدافه حرفاً آخر؛ والحرف يذكر ويؤنث. وقول الله عز وجل " ومن الناس من يعبد الله على حرف " الحج: 11 أي على جانب، وتحريف المعنى: عدلك إياه عن وجهه، فهو شبيه بتصحيف اللفظ، والمحارف كأنه مصروف عن سعة الرزق، والحريف: فعيل
(2/71)

من الحرافة وهو ما فيه حرافة ولذع، وكأنه معدول عن الحلاوة أو عن المرارة. ويقال: عذلته فأعتذل، أي قبل العذل، أس سمعه وأقلع عنه، ويقال أيضاً العذل، وهو قليل ومع قلته شائع - ولا يقال منشاع - ومع ذلك لا يقال في عذلته - بالذال منقوطة - انعذل، هذا ما لم يسمع، والقياس فيه مرذول. تقول: رذلت الشيء فهو مرذول، واسترذلته وقوم رذال حقيقة أي أنذال وتباع كذلك. ولاث عمامته يلوثها إذا كارها على رأسه أي أدارها، ولوث ثيابه إذا مرغها في الطين، والتاثت الدابة أي كلت، والدابة تذكر وتؤنث، والتذكير غريب.
هذا كله عن سماع وحفظ، ولم آت فيه من عندي بشيء إلا ما جرى مجرى بيان وشرح وتشبيه، وأرجو السلامة فيه من خطإ شائن، وصواب بائن، وعلى الله التوكل في كل نائبة، فهو ملجأ القانط، وكهف الآوي، وملاذ الراجي، ومعاذ الخائف.
كاتب: أنت ثمال الآمل، ومنار الواثق، وتحفة الراجي، ومعاذ الخائف، ومناخ الرغبة، ومشوع الهمم، ومعطف الوسائل، ومعرج الأماني، ومجنب الوصلات.
(2/72)

قال ابن الأعرابي: يقال ما يجنب إلى لقائك، ولا تزف نعام القلوب إلى طلعتك، ولا تثنى خناصر الشمال بك.
وقال: قوله لا يجنب إلى لقائك أي لا يصيب من عرفك من الشوق إلى لقائك والمحبة لرؤيتك ما يدخل عليه من المشقة كما يدخل على هذا الجنب الذي قد عطش حتى لصقت رئته عطشاً؛ تقول قد جنب جنباً إذا صار إلى ذلك، ومنه قول ذي الرمة: البسيط كأنه مستبان الشك أو جنب وقوله: لا تزف نعام القلوب إليك، فهذا مثل، يقول: لا يشتاق إليك، ولا يتفكر في ذلك. وقوله: لا تثنى خناصر الشمال بك، يقول: إذا عد الأشراف لم تذكر أولاً ولا ثانياً، ولا بعدما ينقضي عدد أصحاب اليمين، ولا تثنى أيضاً خناصر الشمال بك، وعادة الأعراب أن يثنوا الخمس من اليمين ثم يصيروا إلى اليسار؛ هكذا قال ابن الأعرابي.
قال إبراهيم ابن المهدي لأحمد بن يوسف: لعن الله زماناً أخرك عمن لا يساوي كله بعضك.
(2/73)

سمعت ابن كعب الأنصاري يقول: صار الفضل بن الربيع إلى أبي عباد في مكتبه يسأله حاجة، فأرتج عليه في الكلام، فقال له أبو عباد: بهذا اللسان دبرت خليفتين؟! فقال: يا أبا عباد، إنا اعتدنا أن نسأل ولم نعتد أن نسأل.
قيل لأبي العيناء: هل بقي في دهرنا من يلقى؟ قال: نعم، في البئر.
قال المأمون لقارىء: اقرأ، فقرأ " فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله " المائدة: 29، فحصبه.
صعد عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن منبر المدينة، وكان قد هم بالخروج، فبلغه أن بعض أصحابه تفوه بكلام فقال:
(2/74)

إنه لا يزال يبلغني أن القائل يقول: إن بن العباس فيء لنا، نرتع في أموالهم، ونخوض في دمائهم، عزم بلا علم، وفكر بلا روية، وخطة يركبها الغاوون. عجباً لمن أطلق بذلك لسانه، وبسط به يده، أطمع في ميلي معه، وبسطي يدي بالجور له؟ هيهات، فاز ذو الحق بما يهوى، وأخطأ الظالم ما تمنى، حق كل ذي حق في يده، وكل ذي دعوى على حجته؛ لم يخطىء المنصف حظه، ولم يبق الظالم على نفسه؛ حق لمن أمر بالمعروف أن ينهى عن المنكر، ولمن سلك سبيل الحق أن يصبر على مرارة العذل؛ كل نفس تسمو إلى هتمها، ونعم الصاحب القناعة، ثم توارى عن الناس وأضرب عن الرأي والخروج.
هكذا يكون الشريف في دينه ونسبه وعفته وأدبه، لا كقوم نسأل الله عز وجل العياذ من شرهم، والصلاح لهم في أنفسهم، فإن الإسلام لم يخلولق رسمه، ولا عفى أثره، ولا تخلخل ركنه، إلا بما ظهر من الفساد في معدن النبوة وأرض الرسالة، ولله عز وجل أمر هو بالغه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قال عبد الله بن عباس بن الحسن لأحمد بن أبي خالد الأحول: إن من العجب ضيق الملك بأموره، واختلاطه في تدبيره، وليس فوق يده يد لأحد من رعيته يدفعها، ولا دون سطوته جنة يجتنها إذا ضاق في ما لا ينازع
(2/75)

فيه، واختلط في ما لا يغالب عليه، فكيف لو لقي بمثل عزه، وغولب بمثل سلطانه، وأحترس منه بمثل مواتاة زمانه، هناك يفدحه الضيق، ويغلب عليه الأختلاط، ويؤيس له من راحة الوقار، فما اختلاطك فيما لا تدفع عنه، وما ضيقك بأمر لا تغالب دونه؟! قال فيلسوف: أصدق الناس لك في وده، من بذل لك ملك يده.
قال عطاء بن أبي رباح: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: يا أيها الناس اتقوا الله عز وجل، ولا يحملكم العسر أن تطلبوا الرزق من غير حله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم احشرني في زمرة المساكين ولا تحشرني في زمرة الأغنياء، فإن الأشقياء من جمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة.
هذا الحديث رواه لنا أبو بكر الشافعي ببغداد سنة أربع وخمسين وثلاثمائة،
(2/76)

وإنما أحذف الإسناد لأن الغرض يقرب والمراد يسهل، والإسناد يطيل ويمل المستفيد، على أن الإسناد زين الحديث وعلامة السنة وسبب الرواية.
وقال أبو بكر الواسطي: العارفون وحش الله في أرضه، لا يستأنسون بغيره.
قال ابن عباس: سمعت علياً رضي الله عنه يحض الناس بصفين فيقول: معاشر المسلمين، استشعروا الجرأة، وغضوا الأصوات، وتجلببوا بالسكينة، وأكملوا اللأمة، وأقلقوا السيوف في الأغماد قبل السلة، وآلحظوا الخزر، وآطعنوا الشزر، وكافحوا بالظبى، وصلوا السيوف بالخطى، والبنان بالرماح. فإنكم بعين الله ومع ابن عم نبيه.
يقال: علم الزمان لا يحتاج إلى ترجمان.
شاعر: الطويل
(2/77)

ظللنا بيوم عند أم محمد ... نشاوى ولم نشرب طلاء ولا خمرا
إذا صمتت عنا صحونا لصمتها ... وإن نطقت هاجت لألبابنا سكرا
قال فيلسوف: لا ينتفع بالعقل إلا مع العلم، ولا ينتفع بالعلم إلا مع العقل، ولا ينتفع بالعلم والعقل إلا مع الأدب، ولا ينتفع بالأدب إلا مع الأجتهاد، ولا ينتفع بالأجتهاد إلا مع التوفيق.
قال يونس لا يقبل منه صرف ولا عدل هو الحيلة والفداء؛ وقال الحسن، وكان خيراً منه: هو الفريضة والنافلة.
أتى وائل بن حجر النبي صلى الله عليه وسلم فأقطعه أرضاً وقال لمعاوية: أعرض عليه هذه الأرض وأكتبها له؛ وكان معاوية كاتب النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج مع وائل في هاجرة شاوية، ومشى في ظل ناقة وائل، فقال له: أردفني على عجز راحلتك، فقال له: لست من أرداف الملوك، قال: فأعطني نعليك، فقال: ما بخل يمنعني يا ابن أبي سفيان، ولكن أكره أن يبلغ أقيال اليمن أنك لبست نعلي، ولكن أمش في ظل الراحلة فحسبك بها شرفاً. ثم إنه لحق زمان معاوية ودخل عليه، فأجلسه معه على سريره وتحدث
(2/78)

بهذا الحديث.
قال عكرمة الأعرابي: بنى أعرابي على أهله ولم يولم، فأجتمع الحي بفنائه وصاحوا: الرجز
أولم ولو بيربوع
أو بقراد مجدوع
قتلتنا من الجوع
فاحتال لهم وأطعمهم.
رأى بعض الصالحين ابناً له قد أطال السجود فقال: يا بني أرفع رأسك فإنك صبي، فقال: يا أبت كم من زرع أصابته الآفة من قبل أن يدرك؛ كان يونس يعجب من هذا الكلام.
قيل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة حين صفح: فعلوا بك وفعلوا، فقال: إني سميت محمداً لأحمد.
استعرض الحسن بن وهب غلاماً فقال له: اكشف عن ساقيك وذراعيك وكذا وكذا، والغلام يخجل من ذلك، فقال نجاح الكاتب للغلام: لا تخف، إنك أنت الأعلى.
(2/79)

وجهت سحاقة إلى حبيبتها: ابعثي لي بكندرك الذي تمضغين بين دينارين، فبعثت به إليها وقالت للرسول: قولي لمولاتك ردي الطبق والمكبة.
قيل لبهلول المجنون: أتشتم فاطمة وتأخذ درهماً؟ قال: لا، ولكني أشتم عائشة وآخذ نصف درهم.
العرب تقول: إن أعطيت فأجزل، وإن منعت فأجمل.
يقال إن مما فضل به كسرى أن منطقته كانت ستة عشر شبراً، وجيبه كان سبعة أشبار، وكان يأكل كل يوم مهراً مشوياً من الخيل، وعناقاً زرقاء حمراء مغذاة بألبان النعاج، يذبحان بسكين من ذهب، ويسجر له التنور بالعود حتى ينتهي منتهاه، ويسمط ما يسمط بالخمر المغلي بالمسك، ويطلى بالعنبر والمسك والملح، ويعلق في سفود من ذهب، ويارجين من ذهب، وسكين من ذهب، فإذا برد حمل ووضع على خوان من ذهب، فيه أربعة آلاف دينار، ويقدم إليه فيتناول منه ما أحب، ثم يتحف به من أحب من ندمائه، ويكسر
(2/80)

التنور، ويجدد كل يوم مثله. وكان له في كل يوم لون ينفق عليه اثني عشر ألف درهم يخرج لؤلؤة صفراء قد شريت باثني عشر ألف درهم وتسحق في ذلك اللون، يتداوى به للجماع، فكان يجامع كل يوم وليلة ستين مرة.
نزل أبو دلامة بدهقان يكنى أبا بشر، فسقاه شراباً أعجبه فقال: الطويل
سقاني أبو بشر من الراح شربة ... لها لذة ما مثلها لشراب
وما طبخوها غير أن غلامهم ... سعى في نواحي كرمها بشهاب
قال عبيد الله بن محمد بن عبد الملك الزيات: بنو هاشم ملح الأرض، وزينة الدنيا، وحلي العالم، والسنام الأعظم، والكاهل الأضخم، ولباب كل جوهر كريم، وسر كل عنصر شريف، والطينة البيضاء، والمغرس المبارك، وهم النصاب الوثيق، ومعدن الفهم، وينبوع العلم، وثهلان ذو الهضبات في الحلم، والسيف الحسام في العزم، مع الأناة والحزم، والصفح
(2/81)

عن الجرم، والقضية بعد المعرفة، والصفح بعد المقدرة، وهم الأنف المقدم، والسنام الأكوم، والعز المشمخر، والصيابة والسر، وكالماء لا ينجسه شيء، وكالشمس لا تخفى بكل مكان، وكالذهب لا يعرف بالنقصان، وكالنجم للحيران، والبارد للظمآن، ومنهم الثقلان، والأطيبان، والسبطان، والشهيدان، وأسد الله، وذو الجناحين، وذو قرنيها، وسيد الوادي، وساقي الحجيج، وحليم البطحاء، والبحر والحبر، والأنصار أنصارهم، والمهاجرون من هاجر إليهم ومعهم، والصديق صديقهم، والفاروق من فرق بين الحق والباطل منهم، والحواري حواريهم، وذو الشهادتين لأنه شهد لهم. وكيف لا تكون العرب على ما ذكرنا، وقريش على ما بينا، وبنو هاشم على ما وصفنا، ومنهم رسول رب العالمين سيد المرسلين، وإمام المتقين، وهادي المؤمنين، والداعي إلى صراط مستقيم، نبي الرحمة والمنقذ من الهلكة، والمبشر بالجنة،
(2/82)

صلى الله عليه وسلم وأعلى ذكره، وجعل أمته خير أمة، وجعل رهطه يؤتون من كل فج عميق، وأوب سحيق، إليهم ترد الأخلاق الجميلة، والعقول الكاملة، وكل خلق وكل عقل من كل صنف من أصناف الناس، ومن الآداب واللغات والعادات والصور والشمائل، عفواً بلا كلفة ولا مؤونة، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، ولم يخصص بذلك أحد من الأنبياء غيره، وختم الله عز وجل به النبوة والرسالة، ليستكمل كل فضيلة، والرجل من أهله يوزن بأمة من الأمم، وهو عليه الصلاة والسلام يوزن بجميع الأمم، وصير أمته خير الأمم ليكونوا أعلم الأمم، بما عرفوا من شؤون الأمم الخالية، والقرون الماضية، فلا شبيه له ولا نظير، وهو خير البرية، وأكرمهم على الله عز وجل، فصلوات الله عليه وسلامه وبركاته ورحمته.
قد تضمن - أيدك الله - هذا الكلام كتاب النحل لأبي عثمان، إلا أني نقلت من كتاب الرتب هذا الفصل والفصل المتقدم في الجزء الأول، وعليه سمة كلام أبي عثمان ونوره، ثم لا أدري كيف الحال فيما عدا هذا الظاهر من الباطن، لأن الباطن لا يستقر معه اليقين، ولا تثبت عليه الشهادة، وإنما ينقسم فيه الظن والتوهم والحقيقة من ذلك على بعد. نسأل الله عز وجل
(2/83)

أن يصل رأينا بالإصابة، وعلمنا باليقين، وعملنا بالإخلاص، وأعتقادنا بالحق، ولساننا بالصدق، وطويتنا بالخير، وعاقبتنا بالسعادة، فلا مأمول غيره، ولا مرجو سواه.
قال العباس بن محمد: قلت لرقاق: كم تروجين؟ قالت: أنفقه ما نفق، فإذا كسد أطعمته ما كسب.
تزوجت امرأة زباء رجلاً أصلع، فرآها تنظر إليه وتفكر، فقال لها: ما لك؟ قالت: كنت أشتهي أن تكون صلعتك على حري ويكون شعر حري على صلعتك حتى أستريح من النتف ويكون لك جبهة.
سأبت بنت زيات بنت سمان، فقالت لهما أخرى: لا تكثرا، فما الزيات والسمان إلا سلح قطع بنصفين.
العرب تقول: لا تيأس أرض من عمران، وإن عفاها الزمان.
قالت جارية قاسم التمار: لا تفلح امرأة خشنة الشفرين، ولا رابية المنكبين.
(2/84)

قالت امرأة لبشار الأعمى: يا أبا معاذ، هل رأيت وجهك قط؟ قال: لا، قالت: لو رأيت وجهك لا تزرت عليه كما تأتزر على آستك من قبحه، فقال لها بشار: اغربي قبحك الله.
قال أبو عبيدة: أوصى علي بن عبد الله بن عباس إلى سليمان بن علي وترك محمداً، وكان أسن ولده، وقال له: يا بني إني أنفس بك أن أدنسك بالوصية.
وضرط ابن سيابة في جماعة ولم يتشور، وقال غير مكترث: ذلك تقدير العزيز العليم.
وقال أبو بكر الواسطي: العارف ينظر إلى الخلق فيرى فيه ربوبيته، وينظر إلى الدنيا فيرى فيها خيال آخرته.
وقال أبو بكر أيضاً: هيبة العارف بالله تعالى ممزوجة بسروره، وخوف مفارقته ممزوج برجاء اتصاله، وشوقه إلى لقائه ممزوج بالحياء منه، فلا
(2/85)

هيبته تذهب بسروره، ولا خوف مفارقته يغلب رجاء اتصاله، ولا الحياء منه ينفره عن الشوق إلى لقائه.
العرب تقول: فلان شمري أحوذي، ويقال سمري أيضاً؛ هكذا وجدت بخط منسوب.
سمعت أبا بكر ابن الأمام المقرىء البغدادي يقول: كان عندنا ببغداد رجل يهوى امرأة جار له، فقال لها ليلة وقد علاها يحشوها: علمت يا فلانة أن الناس يتهمونني بك، قالت: وما عليك أن يأثموا وتؤجر، فقال لها وهو يغوص فيها: الله عز وجل حسيب الظالم.
نزل ابن أبي فنن الشاعر في جوار زريات المغنية، فكايدته جارية من جواريها، فقالت له: يا شيخ، تحول من جوارنا لا يقول الناس إن هذا الهجاء أبو هذه المغنية، فقال لها: الذي يلزمني من العار أكبر، لأن الناس يقولون: هذا الشاعر أبو هذه القحبة.
(2/86)

أنشدنا أبو سعيد السيرافي لأبي هفان يخاطب إبراهيم بن المدبر وقد خرج مصعداً إلى بغداد من البصرة: الرمل
يا أبا إسحاق سر في دعة ... وامض مصحوباً فما منك خلف
إنما أنت ربيع باكر ... حيث ما صرفه الله انصرف
ليت شعري أي قوم أجدبوا ... فأغيثوا بك من بعد العجف
ساقك الله إليهم رحمة ... وحرمناك لذنب قد سلف
وأنشدنا هذه الأبيات المرزباني لأبي شراعة.
قال ذو النون المصري رحمه الله: سألت حكيماً عن العقل فقال: العقل شجرة أصلها العلم، وفرعها العمل، وثمرتها السنة.
وحدث الحسن البصري بحديث، فقال له رجل: عمن
(2/87)

أصلحك الله؟ فقال: وما تصنع بعمن؟ أما أنت فقد نالتك موعظته، وقامت عليك حجته.
قال السري السقطي: كل معصية في شهوة يؤمل غفرانها، وكل معصية في كبر لا يؤمل غفرانها، لأن معصية إبليس كانت من كبر، ومعصية آدم كانت من شهوة.
قال الزجاج: إنما سمي الخل خلاً لأنه اختل بالحموضة، قيل له: فإن العسل أيضاً خل لأنه أخل بالحلاوة عن الحموضة، فقال: هذا لا يلزم، لأن الأصطلاح سبق بالمعنى الذي دل على الاشتقاق، ولم يسبق المعنى فيقع عليه قياس.
شاعر: الكامل
ذهب الزمان برهط حسان الألى ... أضحت منازلهم كأمس الدابر
وبقيت في خلف تحل ضيوفهم ... منهم بمنزلة اللئيم الغادر
(2/88)

سود الوجوه لئيمة أحسابهم ... فطس الأنوف من الطراز الآخر
يقال: من أخذ نملة حمراء من المقابر وجعلها في داره خرج النمل منها.
اجتمع الرضا والمأمون والفضل بن سهل على مائدة، فقال الرضا مبتدئاً: إن رجلاً من بني إسرائيل سألني: النهار خلق قبل الليل، أم الليل خلق قبل النهار، فما عندكما؟ فقال الفضل للرضا: قل أنت، فقال الرضا: من القرآن أو من الحساب؟ فقال الفضل: من الحساب، فقال: قد علمت أن طالع الدنيا السرطان، والكواكب في مواضع شرفها، وزحل في الميزان، والمشتري في السرطان، والشمس في الحمل، والقمر في الثور، وذلك يدل على أن كينونة الشمس في الحمل في العاشر من الطالع في وسط السماء؛ يوجب ذلك أن النهار خلق قبل الليل. وأما دليل ذلك من القرآن فقوله تعالى " لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار " يس: 40.
أنشد: الطويل
غنيت زماناً بالشباب ولم أزل ... بودي أبقى بالشباب ممتعا
فلما تفرقنا كأن الذي مضى ... من العيش لم ننعم به ساعة معا
(2/89)

دعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من الفاجر وجدواه، والغريم وعدواه، والعمل الذي لا ترضاه؛ اللهم إني أعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك.
قال يحيى بن كامل: متى دفع رجل إلى صاحبه دراهم ليقضي بها عن نفسه دينه، ويشتري ببعضها خمراً، إن تلك الحركة واحدة وهما فعلان: طاعة ومعصية كانتا لخذلان وعصمة. وقال سعيد المقرىء: بل هي فعل واحد، طاعة من جهة ومعصية من جهة.
وقال يحيى: قد كان يجوز أن يجعل الله الصغائر كبائر والكبائر صغائر.
وقال برغوث: لا يجوز أن يخلق الله عز وجل إلا جزءين ليكون أحدهما مكان الآخر. وقال يحيى: يجوز أن يخلق جزءاً لا في مكان، كما خلق العالم لا في مكان.
وقال برغوث: ليس يجوز أن يعلم الإنسان كل ما يجهله. وقال يحيى: يجوز أن يكون ذلك.
وقال يحيى: الطول مقدار الجزء وليس هو عين الطويل. فقال برغوث: يجوز أن يبقى بعض الخلق ولا يفنى البتة. وقال آخر: الأشياء تفنى على معنى
(2/90)

تفرق الأجزاء. وقال آخر: بل على التلاشي.
وقال آخر، قال برغوث: يجوز أن يخلق الله عز وجل صحيحاً بالغاً ولا يخطر بباله شيئاً.
وقال يحيى: ثواب الله عز وجل أكثر من تفضله، وعقابه أشد من بلائه.
وأنشد: البسيط
يا أكرم الناس في ضيق وفي سعة ... وأنطق الناس في نظم وفي خطب
إنا وإن لم يكن ما بيننا نسب ... فرتبة الود تعلو رتبة النسب
كم من صديق يراك الشهد عن بعد ... ومن عدو يراك السم عن قرب
دخل محمد بن كعب القرظي على سليمان بن عبد الملك في ثياب رئة، فقال له سليمان: ما يحملك على لبس هذا؟ قال: أكره أن أقول الزهد فأطري نفسي، أو أقول الفقر فأشكو ربي.
(2/91)

نظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنة فقال له: يا هذا إني لأرى عليك قطيفة من نسج أضراسك محكمة.
يقال: حصب في الأرض إذا ذهب.
العرب تقول: شر النساء الحميراء المحياض، والسويداء الممراض.
يقال: ليس على مختف قطع، أي ليس على النباش قطع، يقال خفاه واختفاه إذا أظهره، فكأنه يظهر الكفن، كذا قيل. السمهري: الرمح الشديد، يقال اسمهر الأمر إذا اشتد، وكذلك ازمهر، ويقال ازمهر الحر أيضاً. المذلق: المحدد، وفلان ذليق اللسان وذلق كما قالوا: رهيف اللسان، ويشار بذلاقة اللسان إلى استمرار اللفظ، ويشار بها أيضاً إلى شدة الجواب وإصابته. والربل: نبت، ويقال ربل القوم إذا كثر مالهم وهي الربالة. إناء روي: إذا كان يروي من يشربه، وماء روي ورواء إذا كان لا ينزح؛ جفالة الضائنة: صوفها، وجفالة الناقة: وبرها.
قيل لأعرابي: أي الناس أشد؟ قال: الأعجف الضخم،
(2/92)

يعني الذي فيه عبالة، خفيف. هذا كله من كلام ابن السكيت في كتب مختلفة.
قيل لفيلسوف: أي الأشياء ينبغي أن تعلم الصبيان؟ فقال: الأشياء التي إذا صاروا رجالاً استعملوها.
قيل للإسكندر إن داراً قد عبأ جيشاً فيه ثلاثون ألف مقاتل وهو على أن يستقبلك به، قال: إن القصاب لا تهوله الغنم وإن كثرت.
قال فيلسوف: الحساد منهم مناشير لأنفسهم.
قال أرسطاطاليس: محبة المال وتد الشر كله، لأن الشر كله متعلق به.
قال فيلسوف: من القبيح أن يتولى امتحان الصناع من ليس بصانع.
رأى ديوجانس - وكان محمقاً في اليونانيين - زنجياً يأكل خبزاً أبيض محوراً، فقال: يا قوم انظروا إلى الليل كيف يأكل النهار.
(2/93)

رأى ديوجانس رجلاً في الحمام حوله جماعة يخدمونه ويدلكونه ويصبون عليه الماء وهو لا يتحرك، فقال: إني لأعجب كيف لم تعد من يدخل الأبزن مكانك.
ورأى رجلاً حسن الوجه كثير الشر، فقال: أما البيت فحسن، وأما الساكن فيه فخبيث.
ورأى امرأة قد حملها الماء فقال: على هذا جرى المثل: دع الشر يغسله الشر.
ورأى ديوجانس قملة تدب على رأس أصلع فقال: انظروا إلى اللص كيف يروم القطع في قفر.
وقيل له: ما المرأة؟ قال: مسح وخسران.
قال ديوجانس: من أراد أن يكون مذهبه جيداً فلتكن طريقته على ضد طريقة أكثر الناس.
(2/94)

وقال جالينوس: من أصابه قولنج فليأت كلباً نائماً، وليثره عن موضعه وليبل فيه.
قال جعفر بن محمد: من أنصف من نفسه، رضي به حكماً لغيره.
العرب تقول: شر الجيران من عينه تراك، وقلبه يرعاك، إن رأى حسنة سترها، وإن سمع سيئة نشرها.
لأعرابية في زوجها: المتقارب
يحب النكاح أبو مسهر ... وليس يطاوعه أيره
وقد أمسك البخل من كفه ... فأصبح لا يرتجى خيره
فيا ليت ما بحري في آسته ... ويملكني رجل غيره
قيل لأعرابية: ما للبرق البعيد أشوق من القريب؟ قالت: لأن القريب أرجى، والبعيد أيأس.
قال ابن الكلبي: الأقوال والأقيال من العرب: الملوك، والقمامسة: الأشراف، الواحد قمس، والبطارقة من الروم، الواحد بطريق، والمرازبة من الفرس، والطراخنة من الترك، والتكاكرة من السند والهند، الواحد تكرك، والأقاصرة - كذا قال، والسماع القياصرة - ملوك الروم،
(2/95)

والأكاسرة مملوك الفرس، والتبايعة ملوك اليمن.
قال الحارث بن كلدة: إذا أردت أن تحبل منك المرأة فمشها في عرصة الدار عشرة أشواط، فإن رحمها ينزل ولا تكاد تخلف.
سمعت أشياخاً يقولون: من أمثال الفرس: ما دخل مع اللبن لا يخرج إلا مع الروح، والعرب تقول: آطبع الطين ما دام رطباً، واغرس العود ما كان لدناً قيل لأعرابي: ما اللذة؟ قال: قبلة على غفلة.
قيل لملك: فيم لذتك؟ قال: في ظفر، بعد دور، وليالي سمر.
وقيل لطفيلي: فيم لذتك؟ قال: في مائدة منصوبة، ونفقة غير محسوبة، عند رجل لا يضيق صدره من البلع، ولا تجيش نفسه من الجرع.
وقيل لتاجر: فيم لذتك؟ قال: في ربح على السوم، ونقد في اليوم.
وقيل لعالم: فيم لذتك؟ قال: في حجة تنبختر اتضاحاً، وشبهة تتضاءل افتضاحاً.
(2/96)

وقيل لراع: فيم لذتك؟ قال: في واد عشيب، ولبن حليب.
وقيل لأبي مزاحم الصوفي: فيم لذتك؟ قال: في سياحة البلاد، وطي البواد، وحضور النواد، ومفاكهة الأنداد، ومنافرة الأضداد.
وقيل لعابد: فيم لذتك؟ قال: في عمل يخلص، ورياء ينقص، وقلب عن الدنيا يسلو، وهمة إلى الله عز وجل تعلو.
وقيل لكاتب: فيم لذتك؟ قال: في معنى أنهيته، وكلام أنشيته.
وقيل لغاز: فيم سرورك؟ قال: في سرية مقبلة، وغنيمة مستقبلة.
وقيل لفقير: فيم لذتك؟ قال: في إزاحة العلل، وقضاء الوطر عللاً بعد نهل.
ساوم أشعب بقوس بندق، فقيل له: هي بدينار، فقال: والله لو كنت إذا رميت عنها الطائر سقط مشوياً بين رغيفين ما اشتريتها بدينار.
قال رجل لصاحب منزله: أصلح خشب هذا السقف فإنه
(2/97)

يقرقع، قال: لا تخف إنما هو يسبح، فقال: أخاف أن تدركه رقة فيسجد.
صعد مخنث جبل لكام ليتعبد، فلما صعد فيه أعيا فقال: واشماتتي بك يوم أراك كالعهن المنفوش.
العرب تقول: كان كراعاً فصار ذراعاً، إذا ارتفع.
قال الأصمعي: رؤي أعرابي في حزيران على شاطىء نهر يغوص غوصة ثم يخرج فيعقد عقدة في حبل، فقيل له: ما هذا؟ قال: جنابات الشتاء أقضيها في الصيف.
قال صعصعة: أكلت عند معاوية لقمة فقام بها خطيباً، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت آكل معه فهيأ لقمة ليأكلها وأغفلها، فأخذتها، فسمعته بعد ذلك يقول في خطبته: أيها الناس أجملوا في الطلب، فرب رافع لقمة إلى فيه تناولها غيره.
(2/98)

العرب تقول: زج نضوك يبلغ بك.
دخلت جارية على راشد لتسأله عن مولاتها، فرأت حماراً أدلى، فشغلت بالنظر إليه فقالت: تقول لكم مولاني: كيف أير حماركم؟ فقال لها راشد: قائم والحمد لله.
قال طفيلي لرجل على المائدة: ما ألأمك! فقال الرجل - وكان صاحب المائدة -: سب النفس أهون من وقع الضرس.
قالت جارية عمرو بن العاص للأحنف: ما بال أستاه الرجال ينبت عليها الشعر وأستاه النساء لا ينبت عليها؟ فقال: أستاه ارجال حمى، وأستاه النساء مرعى.
العرب تقول في أمثالها: ويله كيلاً بلا ثمن لو أن له وعاء.
قال الجماز: أردت أن أتزوج جارية بصرية فقالت لرسولي: أريد أن أسمع كلامه، فقعدت قريباً منها فقالت لي: اذكر ما عندك، قلت: عندي دنانير ودراهم وثياب، قالت: ما سألتك عن هذا، إنما سألتك عن
(2/99)

الفراش، قلت: واحدة في أول الليل، وأخرى في السحر، قالت: قم رحمك الله، فإنك إلى قبر أحوج منك إلى امرأة.
جازت امرأة بشيخ مؤذن وهو يمرس أيره بيده، فقال له: يا شيخ خله من يدك وعلي ضمانه.
العرب تقول: من احمر قرقر.
قال أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل: كانت لنا جارية مغنية فاحتضرت فقلت لها: قولي لا إله إلا الله، فقالت: الكامل
حضر الرحيل وشدت الأحداج ... وحدا بهن مشمر مزعاج
يقال: الأيكة من الأراك، والعيص من السدر، والغيطلة
(2/100)

من الشجر، والعضهة من الطرفاء، والأجمة من القصب، والوشيجة من القنا، والغيصة من العشب، والوهط من العوسج.
يقال: فلان شديد العارضة وفلان شديد الأبهر إذا كان شديد الظهر، وشديد الأخدع إذا كان شديد العنق، وشديد النسا إذا كان شديد الساق.
لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتفعت الواعية بمكة، فقال أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: خطب جلل، فمن الخليفة بعده؟ قالوا: ابنك، قال: أرضيت بذلك بنو أمية وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم، قال: سبحان الله! يعارضون النبوة ويسلمون الخلافة، إن هذا لأمر يراد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والزكاة والحج والعمرة، وما يجزى يوم القيامة إلا بمقدار عقله، وفي رواية الطبراني لنا: إلا بمقدار عقله.
(2/101)

وقال أبو الدرداء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: إني والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري.
قال الشعبي: الكبائر: الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتل النفيس.
قال أحمد بن حابط: ابتدأ الله عز وجل الخلق جملة في دار غير هذه الدار، وأسبغ عليهم نعمه، ولم يكلفهم فيها شكره، ثم نقلهم إلى دار أخرى فوجاً بعد فوج، يأمرهم فيها ويختبرهم، فمن أطاعه فيها ولم يعصه رده إلى تلك الدار، ومن عصاه ولم يطعه رده إلى دار العقاب وهي جهنم، ومن عصاه في بعض وأطاعه في بعض أخرجه إلى هذه الدار.
(2/102)

قال الإسكافي وأبو عيسى الوراق: يجوز أن يكون الإنسان قاعدا قائماً، ومتحركاً ساكناً؛ هكذا حكى الكعبي وهو ثقة، وهذا من شنيع القول وفاحش الأعتقاد.
وما أدري ما أقول في هذه الطائفة التي تبعت آراء مشوبة، وأهواء فاسدة، وخواطر لم تختمر، وفروعاً لم يؤسس لها أصول، وأصولاً لم تشرع على محصول، لا جرم اتسع الخرق على الراقع، واشتبه الأمر على المستبصر، وخاست بضائع العلماء، وعاد الأمر إلى الهزل المقوى بجد، والباطل المزين بحق، وذهب التقى، وسقط الورع، وهجر التورع والتخرج، وصار الجواب في كل مسألة دقت أو جلت، أو اتضحت أو أشكلت، لا أو نعم، كأنهم لا يعلمون أنهم لا يعلمون كل شيء، ولا يحيطون بكل شيء، وأن الدين مشروع
(2/103)

على التسليم والتعظيم والعمل الصالح، واعتقاد ما عري من الرأي المنقوص والعقل المنقوص، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجب في كل شيء، ولا أثار ما لم يكن مأموراً بإثارته، وأنه أمر بالكف والسكوت إلا فيما عم نفعه، وشملت عائدته، وأمنت عاقبته، بذلك بعث، وعليه حث وحث. إلى الله عز وجل أشكو عصرنا وعلماءنا، وطالبي العلم منا، فإنه قد دب فيهم داء الحمية، واستولى عليهم فساد العصبية، حتى صار الغي متبوعاً، والرشد مقموعاً، والهوى معبوداً، والحق منبوذاً، كل يزخرف بالحيلة ولا ينصف، ويموه عليه بالخداع ولا يعرف.
ولقد رأيت شيخاً من أبناء ستين سنة وهو يقول: ما ناظرت قط في إثبات الرؤية من ينفيها إلا انقطعت، ولا أتيت بحجة إلا زوحمت، ولا عولت على أصل إلا نوزعت، وما أمدي في ذلك إلا هواي في أني أحب إثبات الرؤية، وأستوحش من نفيها، فأنا أتبع ما يقوى في نفسي، لأن الله عز وجل قاذف تلك المحبة في نفسي، ومتوليها دوني، ولو كان العمل على بيان الخصم واحتجاج النظير وشواهد المناظر، لقد كنت تحولت في ألف مقالة، فإني لا أسمع خطبة مقالة، ولا ألحظ ظاهر نحلة، إلا وأرى له من البهاء والحلاوة والحسن والشارة ما لا أجد لغيره، فإن ذهبت إلى تكافؤ الأدلة قهرت العقل، وفارقت
(2/104)

المحجة، وإن ملت إلى تخليص الحجة من عوارض الشبهة رمت كؤوداً، ورهقت صعوداً، لكني مع ما ألقي في روعي لأني واثق به، وذلك أني لم أجلبه ولم أكسبه، وإنما هو شيء سبق إلي سوقاً، وشوقت إليه شوقاً، ولأن أكون مع هذه الدواعي أحب إلي من أن أطيل المنازعة وأكثر البحث، فإن آفة المنازعة ثوران الطباع وهيج النفس وعصبية الهوى، وآفة البحث التردد بين الاستيحاش والتحير على غير يقين يمسك الفؤاد، ولا عمل يزود إلى المعاد.
هذا كلام هذا الرجل، ولعل فتنته فيما ذهب إليه، وعقد إصبعه عليه، أخف من فتنة غيره، وإذا كان بعض ما يعتري خائض هذا العمر، وراكب هذا البر، فما نقول بأمور أدق من هذا وأخفى؟! ولهذا قال بندار بن الحسين، وكان شيخ فارس علماً وفضلاً ونبلاً: ما نظرت في الكلام قط إلا رأيت في قلبي منه قسوة، وعلى لساني منه سطوة، وفي أخلاقي مع خصومي جفوة.
وكان أبو زيد المروزي يقول - وشاهدته بمكة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة -: كنت أقرأ علم الكلام على الأشعري أيام حداثتي بالبصرة،
(2/105)

فرأيت في المنام كأني قد فقدت عيني جميعاً، فأستعبرت حاذقاً بعلم الرؤيا فقال لي: لعل هذا الرائي قد سلخ دينه، وفارق حقاً كان عليه، فإن أوضح دلائل البصر على الدين والعقيدة. قال: فأستوحشت من هذه العبارة، وأنقبضت عن المجلس، فسأل عني وجد في تعرف خبري وألح على نظرائي، فلم أرتح ولم أهتز، فبينا أنا على انقباضي إذ جمعني وإياه طريق، فبدأني بالسلام، وأطال طرف الحديث، وشهد تعسري في الإجابة، وأستيحاشي من الطريقة، فقال لي عند آخر كلامه: إن كنت تنفر من مقالتنا التي شاهدناها ونصرناها، فاحضر واقرأ أي مقالة أحببت فإني أدرسها لك. قال أبو زيد: فأزددت في نفسي نفوراً، وكان سبب إلحافه وتشدده أني كنت حديث السن، وكان للعين في مجال، ثم ثبتني الله تعالى على هجران هذا الفن، وأقبل بي على الحق والفقه، وبلغني هذه الحال التي أسأل الله عز وجل تمامها وخير عاقبتها.
هذا نص ما حفظته عنه، وإن كنت قدمت بعض اللفظ وأخرت، فإني لم أحرف المعنى، ولم أزد فيه من عندي شيئاً، ولقد سمع هذا ابن المرزبان الشافعي سنة تسع وخمسين مع أصحابه بعد أن عاد أبو زيد من الحجاز والشام إلى مدينة السلام قاصداً إلى خراسان.
قامت امرأة تصلي بلا سراويل، فرآها ماجن، فانتظر بها حتى
(2/106)

سجدت ثم وثب عليها وألقى ذيلها وحشا يطنها وهي لا تتحرك، فلما صب وقام أقبلت عليه وقالت: يا جاهل، قدرت أني أقطع صلاتي بسببك؟! قال رجل لجارية أراد أن يشتريها: لا يريبنك هذا الشيب فإني قوي على النيك، فقالت: يا هذا، حدثني: أيسرك أن تبتلى بعجوز مغتلمة؟! قال المقتدر لجارية عرضت عليه: أتشتهين أن أشتريك؟ قالت: إن اشتهيت أن تنيك! فاستظرفها واشتراها.
قال فيلسوف: لا تغتر بحسن الكلام إذا كان الغرض الذي يقصد به ضاراً، فإن الذين يسمون الناس إنما يقدمونه في ألذ طعام، ولا تستجفين الكلام الغليظ إذا كان الغرض سليماً نافعاً، فإن أكثر الأدوية الجالبة للصحة يشعة.
قال فيلسوف في رجل: عنف الناصح به أرضى عنده من ملق الكاشح.
وأنشد لمنصور التميمي المصري: الرمل المجزوء
(2/107)

ليس إلا مستنيل ... أو منيل مستطيل
أو مباه لمباه ... أو مجاز أو بخيل
قال أعرابي: أحسن الغناء ما أفهم السامع وأطرب الخاشع.
وقال أعرابي: إياك أن تكون صاحي اللسان سكران العقل.
لمنصور الفقيه: الرجز
ومغفل ذكر الأجل ... سما به طول الأمل
فما ارتقى حتى نزل ... مستكرهاً؛ ولم يقل
قط لشيء قد كمل ... وقد تناهى واعتدل
إلا تبينت الميل ... والنقص فيه والخلل
بعقب ما قيل؛ وهل ... ينجي من الله الحيل
والله ما شاء فعل ... سبحانه عز وجل
أصبح للناس مثل ... وعبرة لمن عقل
من نال من عز الدول ... ما لم ينل قط رجل
كان إذا قيل رحل ... نحو بلاد وفصل
تطأطأت كل الملل ... ولم تزل على وجل
حتى يقال قد قفل ... أمسى منيفاً كالجبل
ثم تلاشى واضمحل ... كأنه نجم أفل
(2/108)

قال فيلسوف - وهو زينون - لفتى رآه يتلهف على الدنيا: أحسب أنها بأسرها لك وأنت في لجة البحر قد أشرفت على الغرق، أكانت غايتك إلا النجاة بنفسك؟ قال: نعم، قال: فكذلك لو كنت ملكاً فنازعك في ملكك من يريد قتلك هل كنت تريد غير النجاة شيئاً؟ قال: نعم، قال له: فأنت الملك وأنت الغني، إلا أنك قد نجوت بنفسك وربحت لذة ما فاتك، ويبقى طلب ما إذا نلته كان سبيله هذا السبيل.
وقال زيتون: لا تخف موت البدن، ولكن خف موت النفس، فقيل له: لم قلت: خافوا موت النفس والنفس الناطقة عندك لا تموت؟ فقال: إذا انتقلت النفس الناطقة من حد النطق إلى الحد البهيمي، وإن كان جوهرها لا يبطل فإنها قد ماتت من العيش العقلي.
قال فيلسوف آخر: يا هذا لا بقليل تقنع، ولا بكثير تشبع.
قال كشاجم في كتاب النديم: واللحن عندهم يتخون
(2/109)

الجمال، كما أن الفصاحة تعفي على القبح؛ وقال، قال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس عمه وسمع منه كلاماً فصيحاً: بارك الله عز وجل لك يا عم في جمالك، أي في فصاحتك. قال: وكذلك الحديث الحسن تقبله النفس أولاً وتكرهه معادا؛ قال: وأقول أيضاً: كما أن الألحان أشرف المنطق كذلك نفس الطروب والمستخف لها أشرف النفوس.
وقال أيضاً: كتبت إلى صديق لي: الكامل المجزوء
إن كنت تنكر أن في ال ... ألحان فائدة ونفعا
فأنظر إلى الإبل التي ... هي ويك أغلظ منك طبعا
تصغي لأصوات الحدا ... ة فتقطع الفلوات قطعا
ومن العجائب أنهم ... يظمونها خمساً وربعا
فإذا توردت الحيا ... ض وحاولت في الماء كرعا
وتشوفت للصوت من ... حاد تصيخ إليه سمعا
ذهلت عن الماء الذي ... تلتذه برداً ونقعا
(2/110)

شوقاً إلى النغم التي ... أطربنها لحناً وسمعا
قال فيلسوف: إذا لم تكن كما تريد فلا تبال كيف كنت.
وقال أعرابي: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.
يقال في العربية: أرادني بكل ريدة: والفرق بين المريد والرائد أن المريد قد تتوجه إرادته نحو ما لا يصح له ولا يدنو منه، والرائد هو الذي قد نال مراده وتمكن، ومنه راد الفرس، ومرود الفرس، وهذا مراد المال لأنه يريده أي سرح فيه؛ يقال: سرحته وسرح هو فأنسرح، وهو المنسرح في العروض، وفي قول الله عز وجل " وحين تسرحون " النحل: 6 أي ترعون ما لكم؛ قيل لمملوك في العرب يرعى إبلاً: أنت راعيها، قال: الله راعيها وأنا مرعيها؛ هكذا حكاه الأصمعي.
والإرادة في الإنسان مركبة من شهوة وحاجة وأمل، والإنسان وعاء القوى، وظرف المعاني، وطينة الصور، ومعدن الآثار، وهدف
(2/111)

الأغراض، وكل شيء له فيه نصيب، ومن كل شيء عنده حيلة، وله إلى كل شيء مسلك، وبينه وبين كل شيء نسبة ومشاكلة، وهو جملة أشياء لا تنفصل، وتفصيل حقائق لا تتصل، وهو أب العالم المتوسط بين العالمين، وله نزاع إلى الطرفين: إلى ما ينحط عنه بالشوق إلى الكمال، وإلى ما يعلو عليه بالتنزه عن النقصان؛ وهو مرتهن بالأسباب العالية والدانية، وتابع للغالب، ومنجذب مع الجاذب، وفاعل فيما علا عليه وقبل أثره، وقابل مما أنحط عنه وسرى إليه أثره.
وهذا فن لا يتسع القول فيه لضيق حدوده وإشكال حقائقه، وإنما نثرت ها هنا ما علق بقلبي من خلصان هذا العلم، وأفاضل هذا الشأن، وما نصيبي منه إلا كنصيب من حكى لغة لا دربة له بها، ولا عادة له في استعمالها، ولا أنس له بفهم اصطلاح أهلها، ولولا أني قد شرطت أن أصرف القول تصريفاً، حاكياً وقائلاً، لما أعرت هذا النمط من نفسي فراغاً، ولا قصدت فيه بلاغاً، فإن فيما جل عن هذا غنى عما دق من هذا.
هذا كتاب الله عز وجل، وهو المقنع والمفزع، وفيه الشفاء والبيان، والهدى والنور، وإليه مرد كل مشكل، وعليه معرج كل حيران: مجمله كاف للقلوب السليمة، ومفصله شاف للصدور السقيمة، وظاهره داعيك بما أوضح لك إلى تسليم ما بطن عنك، وباطنه مناجيك بما أشار إليه لتقف مع ما ظهر
(2/112)

لك؛ هذا إن عرفت فرق ما بين الإلهية والعبودية، فأما وأنت مترجح بين الشبهة والبهتان، وبين الحجة والرهان، لا تميز جدب هذا من خصب هذا، ولا تفرق بين حقيقة هذا من تمويه هذا، فما أخوفني على ركنك أن ينثلم، وعلى وجهك أن يتوقح، وعلى نفسك أن تمرض، وعلى عاقبتك أن تكون خسراً.
اللهم فلا تكلنا إلى عجز يقطعنا عنك، ولا تقطعنا عن قوة تصلنا بك، ولا تحجبنا بإملائك لنا عن عادة إحسانك إلينا، فإن الطريق إليك وعر إلا إذا نهجته، والقلب عنك ساه إلا إذا هيجته، والتوكل عليك صعب إلا إذا سهلته، والقول فيك مشوب إلا إذا خلصته، فبك قوام كل شيء ونظامه، وإليك مصيره وانسياقه، ومنك فزعه وفرقه، ولك ذله وخشوعه، وعلى قدرتك دلالته، وإلى وحدانيتك إشارته، وعن إلهيتك نطقه وعبارته، وفي غيب ملكوتك تيهه وحيرته، ولبعده عنك غرارته وخسارته، ولقربه منك علامته وأمارته، ذلك لأنك أول كل شيء وآخره، وباطنه وظاهره، ومالكه وقاهره، فلك الحمد يا مظهر الكون، ويا قديم العين، ويا علياً عنا بلا كيف وأين.
(2/113)

العرب تقول: اعتلج الرجلان، إذا اصطرعا، ومن كلامهم: سوء الأستمساك خير من حسن الصرعة، والصراع: المصارعة، مثل الدفاع المدافعة والخصام المخاصمة، فأما الصراع - بضم الصاد - فداء من خاه ثائر يهيج بالإنسان فيصرعه. والمماغثة: الممارسة.
والشفا: حرف، مقصور، والحرف: جانب وطرف، ويقال: المريض على شفا أي قريب من الهلك والهلاك، والأشفية: الأدوية، وأشفى فلان أي قرب من المحذور، وبعض القبائل يقول: أشاف، فأما شاف فمعناه جلا أي نقى.
وفلان ذو أسرة كريمة أي أهل بيت، كأن أسرة الرجل ما هو مأسور به، أي مشدود به، لأن الرحم والقرابة يضمان على الإنسان ويشدانه، والأسر: الشد، ومن أجله قيل للأسير أسير لأنه مأسور، أي مشدود بالإسار، أي بالقد، واستأسر فلان: أي انقاد حتى شد، واستأسر فلان فلاناً أي أخذه أسيراً، وقول الله عز وجل " وشددنا أسرهم " الدهر: 28 أي أحكمنا خلقهم؛ هذا كله محفوظ.
(2/114)

والطعنة النجلاء هي الواسعة.
ومرد فلان الغصن إذا خرطه ورمى بما عليه من الورق، وكأن الأمرد من ذلك إذ الشعر في عارضيه نظير الورق على الغصن.
ورجل هاع لاع: أي جبان خوار.
ويقال: وقع في أسنانه القادح، أي الفساد.
والمتمطر: السريع، وهو أيضاً المتعرض للمطر أي الطالب له حتى يصيبه.
ويقال: صدر فلان أي اشتكى صدره، ولا يرفع صدره لأن الرجل اشتكاه، فأما الصدر فما اشتكي؛ هكذا قال الناشىء؛ والمصدور: الذي قد أصيب صدره، لأنك تقول بطنته فهو مبطون أي ضربت بطنه، كذلك تقول: صدرته فهو مصدور، والمصدور أيضاً الذي بصدره علة، وفي المثل: لا بد للمصدور أن ينفث، شبه المهموم الذي قد حرج بما كتمه وضاق ذرعاً بما طواه بمن أصاب صدره ما أنفثه، يقال: نفث ينفث إذا ألقى ما أجتمع في صدره، فكأن المهموم يطلب الراحة بإذاعة ما تجنه أضالعه، كما يجد المصدور الراحة بإلقاء ما قد اكتن في صدره.
(2/115)

ويقال: في صدره همهمة أي حشرجة، وهي النخس العارض، ومنه البيت لحاتم وتمثلت به عائشة رضي الله عنها حين احتضر أبوها وشاهدت العلز وأيقنت بالفراق: الطويل
أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
فقال أبو بكر: لا تقولي هذا، ولكن قولي " وجاءت سكرة الموت بالحق " ق: 19 ويقال: سكرة الحق بالموت، هكذا قرأته، والصوفية تزعم أن هذه القراءة فيها إشارة لطيفة بتقديم الحق على الموت، وكان أبو حامد المروروذي يقول: لعله قرأه هكذا لما غمره من معالجة الموت، فإن اللسان قد يذهب في مثل تلك الحالة عن مذهب الصواب، وكيف يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ بخلاف ذلك ولقنته الصحابة عنه، وسيرته في جزيرة العرب، وقد سمعه أبو بكر أيضاً في جملة الناس، ثم ينفرد عنهم بقراءة تخالف قراءة من نزل القرآن عليه، وأرسل جبريل إليه، إن هذا لعجيب! قال: وما أقول هذا كله بسبب هذا الحرف، ولكن يذكرني هذا أيضاً ما أنفرد به ابن مسعود وغيره، وإن كان بعض هذا ليوحش النفس ويوغر الصدر ويثير سوء الظن. وكنا إذا طال
(2/116)

سماعنا منه هذا وأشباهه نقول: أيها القاضي، فكيف الوجه؟ فيقول: لعل الرواية في هذا الباب فاسدة، والإسناد إلى هؤلاء الفاضلين ضعيف، والأمر منظوم الأول والآخر، صحيح الباطن والظاهر، ولولا تكلف من تكلف، واعتراض من اعترض، لكان الأختلاف ساقطاً بواحدة، والوحشة منتفية دفعة، ولكن كثر الدخلاء في الدين، فاضطرب بهم حبل اليقين، وحجب الناس عن الصواب بالخطإ، واشتد المراء بين الجهال.
قال بختيشوع: الصفراء كالصبي، ترضيه التمرة، وتسخطه اللطمة، والسوداء كالحية في الجحر إذا هاجت نكت، والبلغم كالأسد لا ينشب مخالبه في شيء إلا هتك، والدم كالشرطي يغدو مع كل أحد من أسباب السلطان، وكذلك هو في ميله مع كل مائل.
وحدث أبو هفان وابن ماسويه حاضر أن جعفر بن محمد قال:
(2/117)

الطبائع أربع: الدم وهو عبد، وربما قتل العبد سيده، والبلغم وهو عدو، إن سددت له باباً أتاك من آخر، والريح وهو ملك يدارى، والمرة وهي الأرض، إذا رجفت ترجف بمن عليها، فقال: أعد علي هذا، فو الله ما يحسن جالينوس أن يرصف هذا الترصيف.
قال أعرابي: كا امرىء يعمل في حظه.
ويقال في المثل: كل امرىء في شأنه ساع.
ويقال: أعشبت فأنزل وأوسعت فآبن: وجدت عشباً وسعة.
قال علي رضوان الله عليه: الصوت للحلق، والحروف للسان، والقلب للعقل، والكبد للحزن، والرأي للكليتين.
قال أعرابي لرجل أطعمه: أطعمك الله عز وجل الذي أطعمتني له، فقد أحييتني بقتل جوعي، ورفعت عني سوء الظن بيومي، فحفظك الله على كل جنب، وفرج عنك كل كرب، وغفر لك كل ذنب.
شاعر: البسيط
(2/118)

ما بات مذ عقدت كفاه مئزره ... قبيصة بن هلال وهو موتور
لا تقرب اللفظة العوراء مجلسه ... ولا يذوق طعاماً وهو مستور
قال ثعلب، قال أبو عمرو الشيباني: يقال للعين العذبة عيلم، وللعين المالحة يقال كذلك.
قال يونس: الجنة واحدها جني وجمع الجمع جن.
قال الزيادي، سمعت الأصمعي يقول: بيض الدجاج وبيظ النمل.
العرب تقول: المرء بكده، والفرس بشده، والسيف بحده؛ لو فطن لقيل في كل هذه بجده.
(2/119)

أنشد الناجم الشاعر: الرجز
رب نديم كلذيذ الغمض ... أعذب من ماء الحياة المحض
عاطيته ما بين نور غض ... صافية كالكوكب المنقض
قال ثعلب، قال ابن الأعرابي: العرب تقول: ساعات آخر النهار في الصيف أطول من ساعات غدواتها، وساعات غدوات الشتاء أطول من ساعات عشياتها، فلذلك قال الشاعر: الطويل
ألا ليت حظي من زيارة مية ... عشيات قيظ لا عشيات أشتيه
هكذا قال ثعلب، وأشتية في جمع الشتاء غريب، وإن كان كثير النظير، وباب الجمع لا أساس له ولا قياس عليه.
أنشد الناجم لأعرابي: الطويل
سقاك وإن سقيتني جرع الأسى ... من الغيث أنفاس غيوث هواطل
سحائب في جو السماء إذا انتحت ... فهن لبطن الأرض منها مناهل
بكين فأضحكن الثرى عن زخارف ... من الروض عنهن الثرى متخايل
كأن عيوناً وكلت ببروقها ... إذا ابتسمت تنهل منها هوامل
(2/120)

تلقحها الأنواء ليلاً بريقها ... فتصبح أبكاراً وهن حوامل
قال أبو عثمان النهدي: أتت علي مائة وثلاثون سنة وما شيء أنكرته إلا أملي، فإنه يزيد.
قال السكري عن الزيادي والتوزي قالا: أخبرنا الأصمعي قال، قال أبو عمرو: تقول العرب: المبلسم، ولا تقول المبرسم إلا لما يلف عليه الإبريسم.
وقال السكري عن الرياشي عن الأصمعي قال: قال أبو عمرو: إذا غطي الشيء ليدرك نحو البسر والبطيخ والموز قيل: مغمول، ولا يقال: مغموم.
وقال أبو عمرو: إذا ضرب البعير الناقة قيل: قاع، فإذا قرع قيل: قعا.
قال أبو عمرو أيضاً: تقول العرب: امرأة مهيرة أي حرة.
(2/121)

والعرب تقول: الاتفاق بعد الأختيار، والفراق بعد الأختيار.
أنشد لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر: الطويل
سقتني في ليل سبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب
فأمسيت في ليلين بالشعر والدجى ... وصبحين من كأس ووجه حبيب
ليم أعرابي على لؤم المكتسب فقال: الأدب ما لم يكن له حلب بمنزلة الحارد من النوق التي لا ينتفع منها بمخض حقين، ولا قارص دفين.
وقال أعرابي: الأدب ما لم يجتلب قوتاً كالأرض الجدبة التي لا يمته عطشاها، ولا يخصب غرثاها.
لما مات مسلمة بن عبد الملك أوصى بثلث ماله إلى أهل الأدب
(2/122)

وقال: هي صناعة مجفو أهلها.
قال المنصور لرجل: ما مالك؟ قال: ما يكف وجهي، ويعجز عن بر الصديق، قال: لقد لطفت في المسألة.
قالت عزة: كنت أحسن من الصلاء في الشتاء.
كان عمارة بن حمزة يمضي على خطئه أنفاً من الرجوع ويقول: نقض وإبرام في ساعة واحدة؟ الخطأ أهون من هذا.
هذا والله الكبر الصادر عن الجهل، كأنه ما سمع قول عمر رضي الله عنه وهو غرة الحكماء: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل؛ وما في نقض وإبرام في ساعة واحدة لمن لا يعلم الغيب، ولا يعدم العيب، والخطأ منه عادة، والصواب منه هفوة؟ إنه لو عرف نفسه لعلم نقصه.
أنشد داود بن علي في خطبته بعد أن قال: نفعل ونصنع ثم أنشد: الكامل
(2/123)

حتى تبيد قبيلة وقبيلة ... ويعض كل مهند بالهام
ويقمن ربات الخدور حواسراً ... يمسحن عرض ذوائب الأيتام
قال الربيع بن زياد: من أراد النجابة فعليه بالمق الطوال، ومن أراد التلذذ فعليه بالقصار، فإنهن كنائن الجماع.
يقال: إذا طال ساعد المرأة وساقها وعنقها أنجبت.
يقال: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم، ومن عفو إلى ظلم.
العرب تقول: من مل اعتل، ومن جنى تجنى.
شاعر: البسيط
أما ترى الأرض قد أعطتك عذرتها ... مخضرة واكتسى بالنور عاريها
فللسماء بكاء في حدائقها ... وللربيع ابتسام في حواشيها
يقال: من فضل الناطق على الصامت أن الناطق يهدي ضالاً ويرشد غاوياً ويعلم جاهلاً.
(2/124)

قال هشام بن الحكم: ما شهد النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا أقربه من الوجه الذي جحده به، وذلك بقولهم: شاعر، فعلمنا أنه قال ما لم يعرفوه، وقال قوم: إنه ساحر، فعلمنا أنه قد أراهم الأعاجيب، وقالوا: كاهن، فعلمنا أنه قد ساحر، فعلمنا أنه قد أراهم الأعاجيب، وقالوا: كاهن، فعلمنا أنه قد أخبرهم بما يكون في غد.
قال بعض السلف: كلوا اللحم فإنه يزيد السمع والبصر، وما تركه امرؤ أربعين صباحاً إلا ساء خلقه.
قال عمر رضي الله عنه لابنه: كل يوماً لحماً، ويوماً سمناً، ويوماً لبناً، ويوماً زيتاً، ويوماً قفاراً.
القفار: هو البحت كأنه أخذ من القفر، وهو المكان العاري من النبات.
قال معاوية: إلصاق كلمة إلى كلمة أشد من وقع عصا على عصا؛ عصا: مقصورة، وإياك أن تقول عصاة.
قال الحارث: رأيت علياً يخطب قاعداً كقائم، ومحارباً كمسالم؛
(2/125)

يريد بهذا تمكنه ومضيه، وأنه لا احتفال عنده ولا تصنع، وأنه بخلاف المتصنع. ولعمري إن التصنع لبئس الخلق، والمفتضح به أكثر من المفتضح بالأسترسال لأن الله تعالى يقي المسترسل على قدر ما يكل المحتفل.
مضغت أعرابية علكاً، فقيل لها: كيف ترينه؟ قالت: فيه تعب الأضراس وخيبة الحنجرة.
منصور الفيه: المجتث
الموت أسهل عندي ... بين القنا والأسنه
والخيل تجري سراعاً ... مقطعات الأعنه
من أن يكون لنذل ... علي فضل ومنه
كاتب: وكان مثلي مع هذا الطبل المخرق، والدف الممزق، وصاحب الأكمام الفيوجية، والشوابر المجونية، والطاق والرواق، المتحلي بحلية أهل الغش والعيارة، التي تلحقه بأهل الخسارة، ما قال القائل: الرجز
والحزم إن ضيعته ... فآبشر بطول التعب
ذم أعرابي آخر فقال: إن الناس يأكلون أماناتهم لقماً، وإن
(2/126)

فلانا يحسوها حسواً، وما ميراثه من آدم إلا أنه يسمى آدمياً، ولو نازعته الخنازير لشبهه بها لقضي به لها.
قال سهل بن هارون: تزيوا بزي الكتاب، فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السوقة.
وقع ذو الرياستين: إني آئتمنتك على ديني، وأشركتك في أمانتي، ووضعتك موضع الثقة، فقولك مقبول، وكتابك المعتمد عليه فيه تدبير أمور ناحيتك، فأعرف عظيم الخطر الذي أصبحت فيه، وأد أمانة الله عز وجل فيما أنت بسبيله، تسعد في العاجل والآجل إن شاء الله تعالى.
ووقع ذو الرياستين أيضاً: نعم الشفيع في بقاء النعمة عليك حسن سيرتك، واعتماد الصيانة والعفاف، فدم على هذه الطريقة تبق لك النعمة إن شاء الله تعالى.
ووقع أيضاً: إن أسرع النيران التهاباً أسرعها خموداً، فتأن في أمرك إن شاء الله تعالى.
ووقع ذو الرياستين أيضاً: لا تجعلن توليتي إياك نظراً مني لك دون رجائي فيك للكفاية والغناء والنصيحة، فتنزل بك قدم تورثك الندم.
(2/127)

ووقع أيضاً: استدم بالشكر بقاء النعمة، وبالطاعة علو المنزلة، وإياك أن يورطك هواك فيما لا بقيا معه عليك، إن شاء الله تعالى.
لمنصور الفقيه: الخفيف المجزوء
قل لمصر إذا ترحل ... ت عنها مودعا
يا حمى ما خطا به اللي ... ث إلا مروعا
قل لنا ما الذي أعا ... دك للذئب مرتعا
أهلاك الحماة أم ... عجزهم أم هما معا
قال حكيم: من أمسك عن الفضول، عدلت رأيه أهل العقول.
وقع ذو الرياستين: أجمل في الطلب تكف كالمقادير ما هو كائن، فما كان لك أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بقولك.
الحرص - أيدك الله - طباع الخلق، للعجز العارض في أصل البنية، ومما ينبهك على ذلك أنك لو فاتحت الأمة البلهاء، والمرأة الوراء، والشيخ المنجذ، والشاب الغرير، والبدوي القح، الفارسي الأعجم، والهندي الأبكم، والرومي المستغلق، والكيس الذكي، والفطن والغبي، لوجدت في أثناء حديثهم، وأعراض كلمهم، تسليماً إلى غيرهم، وتفويضاً إلى سواهم، وانقطاعاً عن إصابتهم باستطاعتهم، ول ذاناً بمن يجدون المراد بتسهيله عليهم،
(2/128)

وهذا الذي هو أصل في الجوهر، وأول في الكون. فأما ادعاء القوة، وضمان الدرك، والأستبداد بالقدرة، والأستغناء عن تقلب القلب، وتصرف النفس، فما لا يقدم عليه إلا من ساء نظره لنفسه، وقل اعتباره في غيره، وحسن ظنه بما أعير من طاقته وتصرفه، ولو أنعم النظر، أو لو أعين بالتوفيق، لعلم أنه ملك أمراً ثم ملك عليه، وولي شأناً ثم استولي عليه، وأن الذي عرض له، وسيق حوه، لا يخلص بعلمه المحتاج إلى تأييده، ونظره الفقير إلى توفيقه.
سئل سقراط: ما الفرق بين من له أدب وبين من لا أدب له؟ قال: كالفرق بين الحيوان الناطق، وبين الحيوان الذي هو غير ناطق.
قال أرمانوس الملك - وكان من اليونانيين - إخوانه: إن عاملتموني كما يعامل الملك، عاملتكم كما تعامل الإخوة، وإن عاملتموني كما يعامل الأخ، عاملتكم كما يعامل الملك.
رأى فيلسوف رجلاً يعظ سكران ويقول له: أما تستحي أن تكون سكران؟ فقال له الفيلسوف: وأنت فلا تستحي أن تعظ سكران؟ قال موزون السوفسطائي: شيخوخة البدن هي منتهى النفس.
(2/129)

فيلسوف ظلمه إنسان فشد عليه فعضه، فقيل له: فعلت ما تفعله النساء، فقال: لا، بل ما يفعله الأسد.
قال رجل لفيلسوف: إنه لعظيم أن ينال الإنسان ما يشتهيه، فقال: أعظم من ذلك أن يشتهي ما لا ينبغي.
دعا بطلميوس، وكان ملكاً، حكيماً إلى المصير إليه، فأستعفى الحكيم من المصير إليه وقال: إن الملوك يعرض لهم كما يعرض لمن بصر بصورة، فإنه ما دام يراها من بعد فهو يتعجب، فإذا دنا منها لم ير موضع تعجب.
سئل مولون - وكان طباخاً من سقلية وقد فرغ من الألوان: إلى ماذا تحتاج؟ قال: إلى قوم جياع.
(2/130)

فيلسوف أتاه إنسان فقال له: إن ابنك قد قتل في حرب، فقال: ذاك لنسبته مني، وأتاه آخر فقال: إنه لم يقتل ولكن سبي، قال: ذاك لنسبته إلى أمه.
قال أفلاطون: ينبغي إذا عوتب الحدث أن يترك له موضع الجحود لئلا يحمله المراء على المكابرة.
وقع ذو الرياستين إلى طاهر بن الحسين في أمر أنكره عليه: يا نصف إنسان، والله لئن أمرت لأنفذن، ولئن أنفذت لأبرمن، ولئن أبرمت لأبالغن. فأجابه طاهر: أنا أعزك الله كالأمة السوداء، إن حمل عليها دمدمت، وإن رفه عنها أشرت، فإن عوقبت فباستحقاق، وإن غفر لها فبإحسان.
شاعر: مخلع البسيط
غصن من البان في وشاح ... ركب في مغرس رداح
تهتز ليناً بغير ريح ... والغصن يهتز بالرياح
غصن ولكنه فتاة ... بديعة الملح في الملاح
(2/131)

كأنما فرعها عليها ... قناع ليل على صباح
ترنو بطرف لها مريض ... بين جفون لها صحاح
تزهو بخد لها رقيق ... يكاد يدمى بلا جراح
قال شيخ من المشرق في عصر ذي الرياستين لأحداث كانوا يقتبسون الأدب من مجلسه: اعشقوا وإياكم والحرام، فإن العشق يطلق لسان العبي، ويفتح جبلة البليد، ويسخي قلب البخيل، ويبعث على التنظف وتحسين الملبوس وتطييب المطعم، ويدعو إلى الحركة والذكاء وشرف الهمة.
شاعر: الكامل
مزجت بخمرة ريقها أكواسها ... فسقتك من يدها حياة الأنفس
فكأنما قمر سقاك بكفه ... شمساً تحساها النديم المحتسي
كتبت جارية للمتوكل على جبهتها: هذا ما عمل في طراز الله فتنة لعباد الله.
وكتبت ماجن - وهي جارية -: افتضحنا فأسترحنا.
وكتبت جارية البرمكي: لذتي في حل تكتي.
وكتبت غنج جارية الخزاعي: لا كنت إن خنت.
(2/132)

قيل لابنة الخس: كيف زنيت وأنت عاقلة لبيبة؟ فقالت: طول السواد، وقرب الوساد؛ قال ابن محارب القمي، وكان فيلسوفا: لو زادت: وحب السفاد لكانت قد تممت عذرها.
وقفت أعرابية على قوم فقالت: تيسروا للقاء الله تعالى فإن هذه الأيام تدرجنا إدراجا.
خرج أبو عمرو الأعرج مع نوفل بن عمارة المخزومي أخي الأسود بن عمارة إلى مكة، وكان بخيلاً، فقيل لأبي عمرو: كيف وجدت صحبته؟ فقال: امرأتي طالق إن لم يكن ظن بظني أنه ضربت عنقي، وذلك أنه كان يمكث ثلاثا لا يدخل في فيه شيء.
كانت أم زنين دلالة بالمدينة، وكانت عندها جارية مولدة فارهة تصنعها ترجو بها الرغائب، فلم تعلم إلا وقد أحبلها زنين ابنها، فشقت ثوبها ونتفت شعرها وصاحت، فقال لها زنين: ويلك! الذي حل بها أعظم من الذي حل بك، لأنها كانت ترجو أن تحبل من خليفة أو ابن خليفة فحبلت من ابن أم زنين القوادة.
(2/133)

سأل أعرابي قوماً، فقال رجل منهم: اللهم إن هذا سائلنا ونحن سؤالك، وأنت بالمغفرة أجود منا بالعطية، ثم أعطاه.
وقع بين رجل وامرأته كلام فتهاجرا أياماً، ثم إنه وثب عليها فأخذ برجليها، فلما فرغ قالت له: أخزاك الله، كلما وقع بيني وبينك شيء جئتني بشفيع لا أقدر على رده! قالت عجوز لزوجها: أما تستحيي أن تزني ولك حلال طيب؟! فقال: أما حلال فنعم، وأما طيب فلا.
قال أعرابي: من لم يكن له عند السوء صبر، لم يكن له عند الحسنى شكر.
قيل لحنيف الحناتم من بني الحارث بن تيم اللات بن ثعلبة: ما
(2/134)

النشر؟ فقال: ندى الشمال في قصب الوسمي، يستأخر المطر بعد الوسمي فييبس البقل حتى تتحسحس جوانبه وتلتوي عروقه ويمصح ماء البقل وتذوي نورته، ثم إن الله عز وجل يرتاح له بمطر السماك فيصبح وقد أعد وتزهو نوره زرقاً، سوى النورة الأولة، فيزراق وتنتفخ عروقه، ويعرف النشر منه، بل يرى أخضر في عرض يابس، فيكون الأخضر فوق الأبيض، فيطرد الناس عنه أموالهم مخافة السهام.
قيل لابنة الخس: ما آية البرد؟ قالت: الريح تحت الغفار.
الآية: العلامة، والغفار: السحاب؛ هكذا قيل، وكأن الغفار من الغفر، والغفر: الإلباس والتغطية، ومنه غفر الله له، كأن الذنب يستر، ويقال: اصبغ الثوب فإنه أغفر للوسخ.
شاعر: الطويل
وريان من ماء الشباب يعيره ... مراح الصبا نفي الحيا المتلبد
تزودت منه نظرة فكأنها ... إذا خطرت بالقلب وقع مهند
(2/135)

عوتب الكسائي في ترك التزويج فقال: مكابدة العفة عنهن أيسر من الأحتيال لمصلحتهن؛ وقد سمعت هذا الجواب للعتابي، وهو به أليق.
قال الأحنف: نزلت هذه الآية في الثقلاء " فإذا طعمتم فانتشروا " الأحزاب: 53.
وكان علي يقول: أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل.
يقال إن أفلاطون مات مبرسماً، وأرسطاطاليس مات مجدوراً - ويقال أيضاً مات بالسل - وأبقراط مات مفلوجاً، وجالينوس مات مبطوناً.
يقال إن أول من عمل الصابون سليمان بن داود، وأول من عمل القراطيس يوسف، وأول من كتب في القراطيس الحجاج بن يوسف،
(2/136)

وأول من عمل السويق ذو القرنين، وأول من خبز له الرقاق نمرود بن كنعان، وأول من لبس الخفاف الساذجة والكتان زياد.
قال أبو عبيدة: قال لي أبو مهدية: أتشرب هذا النبيذ؟ قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: إنه يذهب بعقلي، قال: ويحك! إن ذهب اليوم عاد غداً.
قيل لأعرابي: ألا تمزجها؟ قال: حسبها ما شربت في كرمها.
كتب طاهر إلى أبيه رقعة يستزيده فيها ويلومه في تقديم أخيه عليه - وكان أسن منه - فوقع أبوه في ظهر رقعته: أكلت خراك بعود أراك، ليت أباك أشبه أخاك.
لمنصور التميمي الفقيه: الخفيف المجزوء
ربما نال وادع ... حظوة الطالب الملط
وله أيضاً: البسيط
لا والذي جعل الدنيا مغيرة ... الشر مجتنباً والخير متبعا
ما ساءني هجر من لم يرع سالفة ... ولم أكن بدنوي منه منتفعا
(2/137)

العرب تقول: وازنتني بفلان فرجحت عليه. وضع فلان على فلان أي مال. وتباين الأمر أي تباعد، وكذلك تشاخس. ومشى فلان إذا لان بطنه. والأصمعان: القلب الذكي والرأي العازم، أي المعزوم به، أو المعزوم عليه، كذا سمع. والأسودان: التمر والماء، والأيهمان: السيل والجمل الهائج، وهما الأعميان أيضاً.
ويقال: خرج السهم متصمعاً إذا خرج وقد ابتلت قذذه من الدم. وقذذه: ريشه. المدان: الذي قد باع آخر شيئاً بنسيئة، والمدين: المنسىء، والدائن: صاحب الدين، وقعد منتسئاً أي متباعداً.
ويقال: تعارض القوم بئرهم إذا جعل هذا يستقي نوبة وهذا نوبة.
ويقال: قابل نعلك أي اجعل لها قبالاً، أي زماماً، وقبائل الرأس: قطعه المشعوب بعضها إلى بعض، وكذلك قبائل كل شيء. ويقال: مقتبل الشباب: إذا كان في أنف شبابه.
(2/138)

ويقال: قاومني فما أنصفني أي ما بلغ نصفي، وناصفني أي قاسمني، وأنصف النهار ونصف أي بلغ نصفه، والمنصف والناصف: الخادم، والنواصف: مواضع غليظة. ورجل مضبر الخلق أي ملزز الخلق.
ويقال: جبيت الخراج - وجبوت أيضاً - أجبي، وجبا جباوة وجباية، والأجباء: حروف الآبار، والجابية: الحوض.
ويقال: انهلت السماء واستهلت إذا سالت بالمطر، ويقال: أهللنا الهلال أي رأيناه، قال الشاعر: الطويل
إذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلاً سلخي الشهور وإهلالي
وأهل الرجل إذا صاح، واستهل الصبي إذا صرخ عند الولادة، وأهل الهلال واستهل، ونحن في مستهل صفر، هذا هو العربية؛ ويقال: وهل فلان إلى ذلك الأمر يهل وهولاً أي ذهب إليه وهمه إليه، ووهل يوهل وهلاً واستوهل إذا فزع. واشرأب الرجل إذا تطاول لينظر إلى الشيء، واسمأل أي ضمر، وارفأن أي سكن وارفأن أي فزع، والوقر: الحمل الثقيل، والوقر: الصمم، والوقار: السكون.
(2/139)

شاعر: الكامل المجزوء
ذهب التواصل والتعاطف ... فالناس كلهم معارف
لم يبق منهم بينهم ... إلا التملق والتواصف
وعناق بعضهم لبع ... ض في التساير والتواقف
لا تعقدن على المود ... دة للجميع ولا تكاشف
وابسط لهم وجه الموا ... فق واطو كشح فتى مخالف
صارفهم عند المو ... دة إنهم قوم صيارف
إني انتقدت خيارهم ... فالقوم ستوق وزائف
الستوق: ضرب من الزيف.
قال أعرابي يصف رجلاً: هو سكيت في بطش عفريت.
قيل لرجل: ما الكرم؟ قال: الاحتيال للمعروف، وقيل له: ما اللؤم؟ قال: الاستقصاء على الملهوف.
قيل لمزيد: في بيتك دقيق؟ قال: لا، ولا جليل.
(2/140)

حصر خطيب عند قوله: الحمد لله، فكررها، فقال مخنث كان بجنبه: الذي ابتلانا بك.
قيل لجحا: سل ربك النجاة من هول يوم القيامة. قال: ومن يبقة في هذه الدنيا إلى يوم القيامة؟! يقال: إذا أردت أن تمتحن دهن البلسان فخذ طاقة كراث واغمرها فيه وقربها من النار، فإن اشتعلت فهو غير مغشوش.
سمعت ابن عبدان الأهوازي يقول: استقبال الكلب إياك عند قصدك حاجة دليل على نجاحك فيها وقضائها.
وكتب آخر: لا عذر في غدر.
وكتب مفلس: اصبر فالدهر دول.
وقيل: كان على خاتم بزرجمهر: من لم يدار عيشه ضنك.
(2/141)

وقال قتيبة: إن الحريص ليتعجل الذلة قبل إدراك البغية.
وقال عون بن عبد الله: لا تكن كمن تغلبه نفسه على ما يظن، ولا يغلبها على ما يستيقن.
شاعر: الوافر المجزوء
ومطوي على حرق ... يكابد لوعة الأرق
كأن فؤاده قلقاً ... لسان الحية الفرق
تكاد غروب عبرته ... تعم الأرض بالغرق
قال فيلسوف: كيف يرجو العقل النجاة، والهوى والشهوة قد اكتنفاه؟ وأنشد لابن المبارك: البسيط
حتى متى لا نرى عدلاً نسر به ... ولا نرى لدعاة الحق اعوانا
(2/142)

مستمسكين بحق قائلين به ... إذا تلون أهل الجوز ألوانا
يا للرجال لداء لا دواء له ... وقائد القوم أعمى قاد عميانا
قال فيلسوف: قهر البطن أعظم الحلم، فكن له ربا مالكاً، وإلا صار عليك والياً قاسطاً.
القاسط: الجائر، والمقسط: العادل؛ هكذا في القرآن الحكيم.
كتب كشاجم إلى بعض إخوانه يصف طباخاً جمع أشياء من آداب الطبيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، كتبت - أعزك الله - من المحل الجديب، والبلد القفر الذي أنا به غريب، عن سلامة الجوارح والحواس، إلا حاسة التمييز، فإنها لو صحت لما اخترت المقام بهذه المفازة، وأحمد الله عز وجل كثياً على كل نعمة ومحنة، ومن مصائبي - أعاذك الله عز وجل من كل مصيبة، وجنبك كل ملمة - أن نوحاً طباخنا توفي، فأرمضتني مصيبة، والمتنى فجيعته، وكان عنوان النعمة، وترجمان المروءة، وواسطة القلادة، فلهفي عليه، فلقد كان قوام جسمي، وزيادة شهوتي، وممتع زواري وأضيافي، أحذق أهل صناعته، وأبيتهم فضلاً، وأرهفهم سكيناً وأعدلهم
(2/143)

تقطيعاً، وأذكرهاهم ناراً، وأطيبهم يداً، ما أكاد أقترح عليه شيئاً إلا وجدته قد سبقني إليه، معب للموائد، ملبك للثرائد، مع كل حار وبارد، كأن مائدته رياض مزخرفة، أو برود مفوفة، مرتب للألوان، منظف للخوان، لا يجمع بين شكلين، ولا يوالي بين طعامين، ولا يغرف اللون إلا وضده، ينضج الشواء، ويحكم الحلواء، ويخالف بين طعام الغداء والعشاء، يكتفي باللحظة، ويفهم بالإشارة، ويسبق إلى الإرادة، كأنه مطلع على الضمير من الزائر والمزور، فأودى فقيداً حميداً، ليس مثله موجوداً طريفاً ولا تلبيداً؛ فما ظنك - أعزك الله - بمبتلى تجمع عليه فقد مثل هذه العقدة النفيسة، وتطاول الأيام بهذه الناحية الممحلة الموحشة، والله - عز وجل - لا أتقي إلا الشماتة، ولست في ثغر فأحتمل عاجل الضنك، ولا بإزاء عدو فيشغلني مقارعته وحلاوة الظفر به والنكاية فيه عن ملاذ الطعام، وأسأل الله عز وجل الكريم المنان أن يختار لي ويعجل مما أنا فيه راحتي، ويبدلني خيراً منه زكاة وأقرب رحماً، بجوده ومنه. وكتابك - أعزك الله - إذا ورد علي نفى عني هذه الوحشة، وأمن غب هذه الهفوة، فإن رأيت - جعلني الله فداك - أن تهدي لي براً وصلة، ووصلة وأنسة فعلت، إن شاء الله تعالى.
(2/144)

إبراهيم بن العباس: الكامل
إن الزمان وما ترين بمفرقي ... صرفاً الغواية فانصرفت كريما
وصحوت إلا من لقاء محدث ... حسن الحديث يزيدني تعليما
سألت فنن، وهي جارية أديبة، كانت من آدب الجواري في زمانها، سالماً المعروف باليتيم في مذاكرة جرت بينهما طويلة، فقالت: أي الأمور ألذ عندك؟ محادثة الرجال، أم استماع الغناء، ام الخلوة بالنساء؟ فقالت: سألت عن أمور لا تصلح إلا بثلاثة أشياء، فقالت: وما هي؟ قال: لا تحسن محادث الرجال إلا بحسن التفهم، ولا الغناء إلا بشرب النبيذ، ولا الخلوة مع النساء إلا بالموافقة وسعة القدرة، قالت: فما الذي تختار منهن؟ قال: محادثة الرجال.
شار: السريع
وصاحب أصبح من برده ... كالماء في كانون أو في شباط
(2/145)

ندمانه من ضيق أخلاقه ... كأنه في مثل سم الخياط
نادمته يوماً فألقيته ... متصل الصمت قليل النشاط
حتى لقد أوهمني أنه ... بعض التماثيل التي في البساط
وقال كشاجم: وليجتنب النديم الحديث الطويل الذي تتعلق به النفوس، ويحبس على آخره الكؤوس، فإن ذلك بمجالس القصاص أشبه منه بمجالس الخواس.
شاعر: الرجز
ما حثت الكؤوس بالأوتار
كحثها بالملح القصار
إن الأحاديث من السمار
أجلب للهو من العقار
وقال علي بن الجهم: الرجز
وليلة كأنها نهار
سهرتها وفتية أخيار
لا جاهل فيهم ولا ختار
ولا على جليسه هرار
(2/146)

لهوهم الأسمار والأشعار
وملح تقدح منها النار
بمثلهم تعاقر العقار
وتمتع الأسماع والأبصار
وتدرك الآمال والأوطار
قال نجاح للمتوكل لما دعاه إلى منادمته: في خصال لا تصلح معها منادمة الخلفاء، قال: ما هي؟ قال: سلس في البول، وتنحنح إذا حدثت، ولا أقدر من الشراب على أكثر من رطلين، فقال المتوكل: من حق صدقك عنها أن تسامح فيها.
قال آخر: أمتع الجلساء الذي إذا أجبته عجب، وإذا فكهته طرب، وإذا أمسكت تحدث، وإذا فكرت لم يلمك.
قال أبقراط: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع.
وقال آخر: خير الغداء بواكره، وخير العشاء بواصره، أي
(2/147)

المبادرة به في بقايا النهار وضوئه بحيث يتمكن مه البصر قبل الإمساء والدخول في حد الليل والدنو من النوم والسكون؛ هكذا قال كشاجم.
وقالك سأل المأمون اليزيدي عن أخلاق العباس ابنه، وكان قد أمره بتأديبه وعشرته فأخبره أنه لا يفلح وأنه لا همة له، فقال له: وكيف علمت ذلك؟ قال: رأيته وقد ناوله الغلام أشناناً ليغسل يده، فاستكثر ما وقع في يده منه، فرده في الأشناندانة ولم يلقه في الطست، فعلمت أنه بخيل لا يصلح للملك.
يقال: رئيس سنن العرب المضمضة والسواك والاستنجاء، ورئيس سنن العجم الخلال وغسل اليد قبل الطعام وبعده.
قال أعرابي: هو أملح من المداري في شعور العذارى.
ابن مطير: الوافر
أحب معالي الآخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا
ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا
(2/148)

ويروى للقدسي الكوفي يمدح الكتاب: الكامل
إن كنت تقصدني بظلمك عامداً فحرمت نفع صداقة الكتاب
السائقين إلى الصديق ثرى الغنى ... والناعشين لعثرة الأصحاب
والناهضين بكل عبء مثقل ... والناطقين بفصل كل خطاب
والعاطفين على الصديق بفضلهم ... والطيبين روائح الأثواب
ولئن جحدتهم الثناء فطالما ... جحد العبيد تفضل الأرباب
قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: القناعة سيف لا ينبو، والصبر مطية لا تكبو، وأفضل عدة صبر على شدة.
أهدى أبو موسى الأشعري لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ألوانا من الخبيص، فقال له: ما هذا؟ قال: الخير عندنا كثير والمؤونة عندنا تخف. قال: هل أطرفت أحداً م أهل المدينة بشيء من هذا؟ قالك لا، قال: إياك أن يراه أغيلمة قريش فيضيقوا عليكم بلاداً كثيرة.
قيل لأعرابي أسرع في مسيرة: كيف كان مسيرك؟ قال: كنت
(2/149)

آكل الوجبة، وأعرس إذا أسحرت، وأرتحل إذا أسفرت، وأسير الوضع، وأجتنب الملع، فجئتكم لمسي سبع.
أنشد الحجاج تميم بن الحارث شعره في أخيه: المنسرح
وسائل عن أخي فقلت له ... مات حميداً وغير مشترك
أليس بالسيف لا ينهنهه ... عن حومة الموت ضنك معترك
يمسي ويضحي عدوه وجلاً ... من خوفه موفزاً على شرك
فقال له الحجاج: أنت والله أشعر من أعشى باهلة حيث يقول: البسيط
لا يأمن الناس ممساه ومصبحه ... من كل اوب وإن لم يغز ينتظر
فصير صديقه وعدوه يخشاه، وخصصت أنت عدو أخيك دون صديقه. وهذا مما ينشد في نقد الشعر.
(2/150)

وفي كتب الهند: لا ظفر مع بغي، ولا صحة مع نهم، ولا ثناء مع كبر، ولا صداقة مع غضب، ولا شرف مع سوء أدب، ولا برمع شح، ولا اجتناب محرم مع غرض، ولا محبة مع هزؤ، ولا عذر مع إصرار، ولا راحة مع حسد، ولا سؤدد مع انتقام، ولا رئاسة مع غيرة وعجب، ولا صواب مع ترك المشاورة، ولا ثبات ملك مع تهاون وجهالة.
سئل ملك: أي مكايد الحروب أعظم؟ قال: إذكاء العيون، واستطلاع الأخبار، وإظهار الغلبة، وإفشاء السرور، وإماتة الفرق، والاحتراس من البطانة من غير استقصاء لمن يستنصح، ولا استنصاح لمن يستغش، ولا تحويل شيء عن شيء.
قيل لأعرابية: كيف حزنك على ولدك؟ قال: ما ترك لنا حب الغداء والعشاء حزناً.
شاعرك: الطويل
لعمرك ما النائي البعيد بنازح ... إذا قربت ألطاقه ونوافله
ولكنهما النائي البعيد محجب ... قريب ولا تهدى إلينا رسائله
وما ضرنا أن السماك محلق ... بعيد إذا جادت علينا هواطله
(2/151)

قيل لرجل من العرب كان يجمع بين ضرائر: كيف تقدر على جمعهن؟ قال: كان لنا شباب يظاهرهن علينا، ومال يصورهن لنا، ثم قد بقي لنا خلق حسن فنحن نتعايش به.
شاعر: الخفيف
من ندى عاصم جرى الماء في العو ... د ومن سيفه دماء الجراح
يتلقى الندى بوجه حيي ... وصدور القنا بوجه وقاح
قائم السيف أخضر من نداه ... وعلى مضربيه سم الذباح
يقال: أعصرت المراة فهي معصر، مثل راهق الغلام.
يقال: الغسل: الخطمي، وقد تفتح الخاء أيضاً، والغسل: الماء به الميت، والغسل: الحنظل يدق فيسقاه الأسير فيسهله حتى يقتله.
يقال: ما الأل، وما البل، وما التل، وما الثل، وما الجل، وما الحل، وما الخل، وما الدل، وما الذل، وما الرل، وما الزل، وما السل، وما الشل، وما الصل وما الضل، وما الطل، وما الظل، وما العل، وما الغل، وما الفل، وما القل، وما الكل، وما المل.
أما الأل فمصدر أله يوله إذا أصابه بالحربة، وهو جمع ألة أيضاً وجمعه أيضاً إلال، ورجب منصل الأل: كانوا ينزعون فيه زجاج الرماح تعظيماً له.
(2/152)

وأما البل فمصدر بله يبله بلا، والرحم تبل، وهو استعارة، كأنها إذا وصلت بالإحسان والزيارة والتفقد فقد نديت وابتلت لأن الجفاف مذموم كريه؛ وقولهم بللت به أي ظفرت به منه، والمعنى ينظم هذا الفن ولكن بسبب لطيف.
وأما التل فمصدر تله يتله إذا صرعه، وفي الكتاب المعجز " وتله للجبين " الصافات: 103؛ والتل أيضاً ديون الجبل، وجمعه تلال.
وأما الثل فمصدره ثل الله عرشهم إذا قوضه، وثل هو إذا تقوض وتهدم.
وأما الجل فاللقط، ومنه الجالة والجلالة.
وأما الحل فالشيرج، هذا مسموع، وهو مصدر حله يحله إذا فرق أجزاءه.
وأما الخل فما يصطبغ به، والخل أيضاً الطريق في الرمل، والخل أيضاً مصدر خللت الكساء إذا ضممت بين طرفيه بعود حديد الطرفين؛ والخل أيضاً الشحت من الرجال، أي الخفيف اللحم، والخل أيضاً المحتل.
وأما الدل فهو الشكل - بكسر الشين - أي الملح والتغزل.
وأما الذل فكأنه مصدر ذل، والمسوع هو الذل.
وأما الزل فمصدر زل يزل.
وأما السل فمصدر سله يسله سلا، وهو السرقة، وسل السيف إذا شامه أي جرده، ويقال شامه إذا أغمده، وأغمده إذا أدخله في غمده أي جفنه، ومنه
(2/153)

استتلت سخيمة فلان أي استخرجت كامن حقده.
وأما الشل فالطرد، شل النعم والناس إذا ساقهم، والشلل آفة في اليد الشلاء تعطلها من التصرف، وهو استرخاء العصب وخدور الدم.
وأما الصل فمصدر صل اللحم وأصل إذا أروح وأراح، أي فسدت رائحته أي أنتن ونتن.
ومصدر أضل إضلال.
وأما الطل فاضعف المطر، وهو الندى الغامر من غير وقع المطر، ويقال طلت الأرض - بفتح الطاء - أي نديت، هذا الأعرب، وطل دمه أي بطل، ولا أدري كيف ينتظم اللفظان على معنى واحد إلا ان يتوهم الضعف في أخذ الثأر والقصاص كما توهم الضعف في الطل. وأما الطلل فما شخص من آثار الديار، والرسم مثله، وإلا أن الطلل أبين؛ وفلان ذو طلل إذا كان ذا منظر، ورأيت بدوياً بأثال سنة إحدى وستين، وكان يقال له مطلال، فقلت له: مم أخذ اسمك؟ قال: من إطلالي على العدو أي إشرافي عليهم، فقال له أميرك بن ميكال النيسابوري، وكان في الصحبة: ولم لا يؤخذ من الندى الذي هو الطل، كأنك تتندى من الطل على صحبك؟ فقال البدوي: إن الإطلال على
(2/154)

العدو أحب إلي منه أي من الطل على صحبي.
وأما العل فالقراد، وهو أيضاً مصدر علة وعلا وعللا، والعلل الاسم، وهو الشرب الثاني، ومنه قيل: علل بعد نهل.
وأما الغل فيقال غل فؤاده غلا إذا صار ذا غل، وهو أيضاً مصدر غل من الغنيمة غلا، والغلول الاسم، وهو الفوز ببعض الغنيمة على وجه الخيانة، وأما الغلل فالماء الجاري على ضاحي الأرض.
وأما الفل فالقوم المنهزمون، وهو أيضاً فلهم أي كسر حدهم فانفلوا أي ذهبوا، وقد قيل سيف أفل كأنه معود الضرب، وبه فلول من قراع الكتائب ومصاع المقانب.
وأما الكل فالثقل، وكذا قيل في الكتاب العزيز " وهو كل على مولاه " النحل: 76 وكأن الحلال الذي هو الإعياء من المشي ثقل الأعضاء، والكلمة لأنها تثقل بما يشد عليها، والكليل كالكل، يقال: فلان كليل اللسان، وكل بصره كلولاً إذات فترت أجفانه واسترخت أهدابه، وقيل في قولهم ك لغنه مأخوذ من الجمع الذي هو الثقل لأنه كثير، وقيل: أهذ من الاشتمال والإحاطة، وهو ما قيل في الكلالة، كأنه تكلل النسب لأن الكلالة ما عدا الوالدين.
وأما المل فمصدر مله إذا أحماه، والملة الرماد الحار، وتسمى به الخبزة
(2/155)

المعرفة للبادية؛ ويقال: بفلان مليلة، أي ما يقلقه، والحرارة هي المقلقة وأما السكون فمبرد، وتململ من ذلك، والحمى يقال لها مليلة أيضاً، والملة من ذلك ولكن ضمها إلى الباب لطيف كأنها قوة حامية شملت القائلين بها والصائرين إليها والصابرين عليها.
هذا كله عن سماع ومناقشة وسؤال واستنباط معروض على أهل العلم، وما أبرئ نفسي مع ذلك من النقص والتقصير، وكيف أدعي غير هذا ووطني العجز، ومأواي الذل، وصفتي النقصان؟ هكذا جبلني الجابل، وعليه أخبرني المخبر، وإنما أنسب إلى الكمال لأنه وارد علي، وينسب إلي النقص لأنه صادر عني، فإضافة الكمال إلي استعارة، وإضاقتي إلى النقص حقيقة، وهكذا معيري والشامت بي والضاحك م خطأي، إلا من عصمه الله تعالى فأيده، ورحمه فسدده، فكن - أيدك الله - شاكراً لصواب ما يمر بك في هذا الكتاب، عاذراً في خطا ما يلوح لك، واعمل بحكم الحرية، وعصبية الإنسانية، في نش جميل أنت أولى بنشره، وستر قبيح انت أحق بستره، والسلام.
قال الخراباتي الصوفي: إلهي، لو قلت لي عبدي، كنت أرى ذلي، ولو كنت ذليلاً قطعت من همتي سرور إضافتي إليك، لأنك أجل من أن
(2/156)

يكون لك شيء ذليل؛ يا من إذا ذكرتني بأني عبدك أشهدتني مواضع ذلي، وإذا ذكرتني بأني أخبك أشهدتني مواضع عزي، وإذا وصفت نفسك بأنك قاضي الحاجات ذكرتني فقري، فمتى لا أرى نفسي في صفاتك، ومتى أكون لك بلا رؤية شاهدي؛ يا من بان أثري ثبت بالمحبة خبري، كيف لا أكون بلا انا مندرجاً في طي غيري؟ هذا كلام عويص، وإشارة دقيقة، وما أقدم على شرحه، ولو كان حقاً ظاهره مرفوعاً عند لطف باطنه، لتم الأنس به، وحلت الإشارة فيه، ولكن الصفو في هذا وفي غيره عزيز، وستصير من كلام هذه الطائفة المتصوفة إلى ما يجل عن الفهم، ولا يدق على المتفهم.
قال السري السقطي: صدق الانقطاع ألا يكون لك إلى غير الله عز وجل حاجة.
وقال صوفي: حقيقة الحياء من الله عز وجل حسن المراقبة له في السر والعلانية.
وقال الجنيد: معنى الحياء من الله حصر القلب عن الانبساط،
(2/157)

والامتناع من ظنون لا يرضاها الله، وعلامة المستحيي ألا يرى في مكان يستحي من مثله.
وقال يوسف بن الحسين: حقيقة الشكر لله أن يتولى الله شكره لنفسه عنك.
وقال آخر: من وفق للشكر فقد ظفر بموهبة هي أجل من النعمة.
وقال صوفي: الحزن يهد البدن، والشوق يهد القلب.
وقال ذو النون: حقيقة الأنس بالله الاستيحاش من القواطع عن الله.
وقال صوفي: من التوكل ألا تطلب لنفسك ناصراً غير الله تعالى، ولا لرزقك قاسماً غير الله، ولا لعملك شاهداً غير الله.
وقال يحيى بن معاذ: عجبت من ثلاثة: من رجل يريد تناول رزقه بتدبيره وهو يرى تناقض تدبيره، ورجل شغله هم غده عن غنيمة يومه وهو محتاج إلى يومه لأنه شاك في غده، ومن عالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط.
(2/158)

قال الجنيد: الحكمة تنهى عن كل ما يحتاج أن يعتذر عنه، وعن كل ما إذا عاب عمله من غيرك أحشمك ذكره في نفسك، قيل له: فبماذا تأمر الحكمة؟ قال: تأمر الحكمة بكل ما يحمد في البدء أثره، ويطيب عند الكشف خبره، ويؤمن في العواقب ضرره.
أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: معاشر المتوجهين إلي لمحبتي، ما ضركم من عاداكم إذا كنت لكم سلماً، وما ضركم ما فاتكم من الدنيا إذا كنت لكم حظاً؛ كيف يفقتر من أكون حظه، وكيف يشتوحش من أكون أنيسه، وكيف يذل من أكون عزه؟ وقيل لناسك: هل من شيء أفضل من البكاء؟ قال: نعم البكاء على البكاء.
قال الجريري: الجلوس للمناظرة سد باب الفائدة، والجلوس للمناصحة فتح باب الفائدة.
(2/159)

قال يحيى بن معاذ: العالم رأى الذنب في الخطيئة فنظر بالغلظة إليه، والعارف عرف موقعه منه فنظر بالشفقة عليه.
قال الجنيد: دخلت على السري وعنده رجل قد غشي عليه، قلت: ما له؟ قال: سمع آية من كتاب الله تعالى، قلت: فتعاد عليه، قال: فأعيدت فأفاق، فقال السري: من أين لك هذا؟ قلت: إن يعقوب ذهب بصره من جهة يوسف، فلما ألقي القميص عليه أبصر، فأخذت هذا من ذاك.
قال الجنيد: إذا أراد الله عز وجل أن يتخذ عبداً ولياً سلط عليه من يظلمه.
قال يوسف بن الحسين: الصدق في البكاء ترك ما منه يبكى.
وقال يوسف أيضاً: المراد من ثلاثة أشياء ثلاثة أشياء: من العلم استعماله، ومن المال إنفاقه، ومن الشرف التقوى.
قال صوفي: الحمد لله الذي قطع العلائق عن المنقطعين إليه، ووهب الحقائق للمتصلين به والمعتمدين عليه.
وقال رجل لناسك: ادع الله لي، فقال: نعم، ثم سأله الرجل: هل دعوت؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: نظرت إلى ما أولاك الله من غير سؤال فانقطعت عن الدعاء.
(2/160)

قال يوسف بن الحسين: علامة المطرود قيامه بالبيان والبرهان، وامتناعه من استعمال ما يصلح اللسان، فيكون الحق منه موجوداً، ويكون هو في الحق مفقوداً.
وقال الخواص: الناس في التوبة على خمسة أوجه: رجل مسوف بالتوبة مدافع عنها، قد اغتر بطول الأمل، ونسي هجوم الأجل، فهذا إن أدركه الموت أدركه على إصرار؛ وآخر تائب ما لم يجد شهوة، فإذا وجد ركب هواه، وأضاع المحاسبة لنفسه، فهذا مستوجب للعقوبة من الله عز وجل؛ ورجل تائب بقلبه إلا أن نفسه تدعوه إلى شيء مما يكره، فهذا يحتاج إلى الأدب لنفسه، وفائدته على قدر مجاهدته؛ ورجل مدقق للحساب، قد قام على ساق مقام الخدم، فهذا مستوجب للعصمة من الله عز وجل؛ ورجل قد هام به خوفه من ذنوبه فلم يبق فيه باقية، فهذا المتوحد بولاية الله عز وجل.
وقال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي، حجتي عندك علمي بأن الحجة لك.
(2/161)

وقال يحيى: لحظ القلوب أسرع خطى من لحظ العيون.
وقال يحيى بن معاذ: على قدر الخروج من الذنوب تكون إفاقة القلوب.
وقال يحيى: وجود الشيء في فقده.
وقال يحيى أيضاً: خوفك من خلقه يوحش، وخوفك من الله يؤنس.
وقال يحيى أيضاً: رجوعك عن ذنب قد عملته إلى الله عز وجل خير لك من رجوعك إليه مع الصلف من بر قد أتيته.
قال ذو النون: عقوبة المربد احتجابه بالأحوال.
وقال الجنيد: العلم علمان: علم البسط، وهو من وحدة الواحد إلى غاية الكثرة، وعلم القبض، وهو من الكثرة إلى الوحدة.
وقال أبو سعيد الخراز: العلم ثلاثة: علم الصناعات في أنواع
(2/162)

المركبات، وعلم اللفظ في تأليف العبارات، وعلم التدبير في ضروب السياسات.
وقال رويم: العلم علمان: معقول ومنقول، فالمعقول أبدي والمنقول زماني، والمعقول أصل والمنقول فرع.
وقال ابن عطاء: العلم علمان: إيضاح وتلبيس، فالإيضاح من القلوب، والتلبيس من الألسنة.
هذه الطريقة - أيدك الله - شقيقة طريقة الفلاسفة الكبار، وهذه كتبهم في الإلهيات مملوءة بأخوات هذه الإشارات، ولولا أني رويت ما وجدت لشككت فيه، وفي الجملة الحكمة مشاعة بين الخلق، لا تنسب إلى جيل، ولا تقف على قبيل، وإنما حظوظ الخلق فيها على قدر مشاربهم منها.
وقال رجل من آل الحارث بن ظالم: والله لقد بلغني أن الحارث غضب يوماً وانتفخ في ثوبه، فندر من عنقه أربعة أزرار ففقأت أربع أعين من أعين جلسائه. وكان هذا الرجل مشهوراً بالكذب.
(2/163)

والكذب شعار خلق، ومورد رنق، وأدب سيء، وعادة فاحشة، وقل من استرسل فيه إلا ألفه، وقل من ألفه إلا أتلفه؛ والصدق ملبس بهي، ومنهل عذب، وشعاع منبث، وقل من اعتاده ومزن عليه إلا صحبته السكينة، وأيده التوفيق، وخدمته القلوب بالمحبة، ولحظته العيون بالمهابة.
وصف أعرابي رجلاً فقال: أخذ بزمام الكلام فقاده أسهل مقاد، وساقه أحسن مساق، حتى استرجع به القلوب النافرة، واستوقف به الأبصار الطامحة.
قال إسحاق الموصلي: قالت لي ديباجة الأعرابية: أنت بنغم ألفاظك - دون نغم ألجانك - تطرب إذا تكلمت، فكيف تراك تصنع إذا ترنمت؟! العرب تقول: نومة الضحى في الصيف مبردة، وفي الشتاء مسخنة.
وكان بعض أغبياء النساك آدر، فكان يكشف أنثييه للأنام ليضحكوا منه ويقول: اللهم ليس عندي ما أفرحهم به، فلا تنس لي هذا.
قال ابن المدبر، أنشدني ابن السكيت: البسيط
(2/164)

أقر الهموم إذا ضافت معتقة ... صهباء يحدث فيها الماء تفويفا
تكسو أصابع ساقيها إذا مزجت ... من الشعاع الذي فيها تطاريفا
قال خالد بن صفوان: لسان الرجل أوجه شفعائه، وأنفذ سلاحه بين أعدائه، به يتصل الود، وينحسم الحقد.
أنشد أبو عبد الله النخعي الوراق: المتقارب
وما زلت أقطع عرض البلاد ... من المشرقين إلى المغربين
وأدرع الخوف تحت الدجى ... وأستصحب الجدي والفرقدين
وأطوي وأنشر ثوب الهموم ... إلى أن رجعت بخفي حنين
فقير الصديق غني العدو ... قليل الجدا زاني الوالدين
إلى كم أعيش أخا غربة ... مقلاً من المال صفر اليدين
قال الخليل: الأسم لا يكون أقل من ثلاثة أحرف: حرف يبدأ
(2/165)

به، وحرف تحشى به الكلمة، وحرف يوقف عليه، نحو نصر وزيد؛ فإن صيرت البناء مثل: هل وبل وقد ولو اسماً، أدخلت عليه التشديد فقلت: هذه لو حسنة الكتبة، كقول أبي زبيد: الخفيف
ليت شعري وأين مني ليت ... إن ليتاً وإن لوا عناء
وقيل لأبي الدقيش: هل لك في زبد وتمر؟ فقال: أشد الهل وأوحاه، فشدد الهل حتى جعله اسماً.
الرقاشي: البسيط
ماذا انتظارك باللذات والطرب ... قل للسقاة صلوا الأقداح بالنخب
وأفرغوا الماء في راح معتقة ... ما أحسن الفضة البيضاء في الذهب
وله أيضاً: الكامل
وأخ بعثت له السرور بقهوة ... سكنت سورتها بماء سماء
إن صفقت فعقيقة رومية ... والصرف كاليافوتة الحمراء
وحبابها در أطاف بكأسها ... والكأس من كافورة بيضاء
قال جعفر بن محمد في دعائه: اللهم أنت بالذي أنت له أهل
(2/166)

من عفوك، أحق مني بالذي أنا أهل له من عقوبتك.
قال عمر: البكر كالبرة، تطحنها وتعجنها وتخبزها، والثيب عجالة الراكب، تمر وأقط.
قال فيلسوف: النظر محتاج إلى القبول، والحسب محتاج إلى الأدب، والسرور محتاج إلى الأمن، والقربى محتاجة إلى المودة، والمعرفة محتاجة إلى التجارب، والشرف محتاج إلى التواضع، والنجدة محتاجة إلى الحد.
بعث النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة لتنظر إلى امرأة فقال لها: شمي عوارضها وانظري إلى عقبيها. قال الأصمعي: إذا اسود عقب المرأة اسود سائرها.
الرقاشي: مجزوء الوافر
ألا لا تعذلاني قد ... وهبت للذتي نشبي
إذا ما الماء أمكنني ... وصفو سلافة العنب
صببت الفضة البيضا ... ء فوق قراضة الذهب
(2/167)

قال فيلسوف: العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان، إن تركته ضرك، وإن أكثرت منه قتلك؛ وأنشد: البسيط
بالملح يدرك ما يخشى تغيره ... فما دوا الملح إن حلت به الغير
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يهلك العرب إذا انقطع عنها تقوى الإسلام وحمية الجاهلية.
قال بعض الأدباء: زعم المنجمون أن الهلال نجم نحس، وأجمع أهل العلم أن عامة حاجات الناس إنما تجري مع الأهلة: منها التاريخات كلها، ومحل الديون، وفراغ الصناع والتجار، ويوم الفطر، وآجال المستغلات، وقدوم الولاة، وزيادة المد ونقصان الجزر ما بين الصين إلى المذار.
أكل الخريمي عند رئيس وكسر له رغيفاً، فلما قعدوا يشربون رمى الرئيس عين الخريمي بتفاحة، فوضع يده على عينه وقال: جعلت فداك. دية رغيف عين؟! وأنشد بعض الشعراء: المنسرح
سل جزعي مذ نأيت عن حالي ... هل خطر الصبر لي على بال
لا غير الله سوء فعلك بي ... إن كنت أرضيت فيك عذالي
(2/168)

رحمة بن نجاح: البسيط
يا من رضيت من الخلق الكثير به ... أنت القريب على بعد من الدار
أعملت فيك المنى حلا ومرتحلا ... حتى رجعن المنى أنضاء أسفار
قال مزبد لسقاية مدنية كان يألفها وهو في جماعة: ادخلي صبي لنا ماء، قالت: وحياتك لا أصلي.
قال أبو العيناء: رأيت جارينتين قد طلع عليهما فتى حسن الوجه، فقالت الواحدة لصاحبتها: أرأيت أملح من هذا الفتى؟ قالت: هو مليح ولكنه زرنوق. فتقدمت وقلت: قد سمعت ما كنتما فيه، فما معنى زرنوق؟ قالت: نعم، الكبير البطن، الذي إذا قبل لا يدخل، وإذا أدخل لا يقبل. فبقيت مبهوتاً من قولها ومجونها.
قيل لجارية: أنت بكر؟ قالت: قد كنت، فعافاني الله.
قالت مجرية: لو أن حية افتض امرأة لنزعت نفسها إليه.
هجم رجل على امرأة وهي نائمة ودفع فيها فانتبهت مذعورة،
(2/169)

فقال لها: أيش تأمرين؟ أخرجه؟ قالت: دعه يذهب حتى أفكر في شيء.
قال الجماز: أقبلت أنيك جارية، فقالت: الكلوة، الخاصرة، الطحال، فقلت لها: إن كنت تريدين النيك فهذا هو، وإن كنت تريدين التعشير فعليك بالقصاب.
وقع ذو الرئاستين: كل مصيبة عند سخطك جلل، وكل نعمة عند رضاك محتقرة.
ووقع إلى قائد جيش: ما رأينا صنعاً أحسن، ولا نصراً أعز، ولا فتحاً أفضل، من نصثر الله إياك، وصنعه لك، وفتحه عليك، فتولى الله أمرك بأحسن مما ابتدأك به.
ووقع أيضاً: قد استدللت بتضجعك على مداهنتك، وبتقصيرك على ممالأتك، وفي أقل مما أقرعك به ما يردع هواك عما أنت عليه.
ووقع أيضاً: قد أعذرت إليك في التقدمة، فالزم المحجة، وتوق لزوم الحجة، وتوقع حلول المجازاة، إن شاء الله تعالى.
ووقع أيضاً: واتر كتبك، وأبرم الأخبار، واستعن بالله على تزيين نفسك، واحملها على الصيانة تسلم من قول العائب.
(2/170)

جحظة: مجزوء الخفيف
بأبي الزائر الذي ... زار بعد انقطاعه
كشف البدر للورى ... كشفه عن قناعه
لم أزل طول ليلتي ... ساهراً في انخداعه
كلما رمت وصله ... زادني في امتناعه
ثم ولى مودعاً ... حزني من وداعه
قيل لفيثاغورس الفيلسوفك بماذا يمكن الإنسان أن يقتدي بربه؟ قال: بأن يصطنع المعروف.
لفيثاغورس: شتمته امرأته وظلت تسمع به وتؤذيه وهو ساكت، فلما اشتد غيظها من سكوته أخذت غسالة ثياب كانت تغسلها فصبتها على رأسه، وعلى كتاب كان في يده، فرفع راسه وقال: اما إلى هذه الغاية فكنت تبرقين وترعدين، وأما الآن فقد أمطرت.
سموانيدرس رأى رجلاً يمدح نفسه على غلبته في الصراع، فقال
(2/171)

له: هل غلبت من هو أضعف منك أو من هو أقوى من؟ فقال: بل غلبت من هو أضعف مني، قال: فما هذا موضع مدح، وذلك أن كل واحد من الناس يغلب من هو أضعف منه، فقال له الرجل: بل غلبت من هو أقوى مني، فقال: هذا محال وباطل، فقال: بل غلبت من هو مساو لي، فقال: من غلبته لا يكون مساوياً لك.
آتى رجل إلى سقراطيس الفيلسوف فقال له: أنا في قلق دائم إن جلست او مشيت أو قمت أو استلقيت، فقال له: ما بقي لك إلا أن تصلب! قال رجل لسقراط: لم صار ماء البحر ملحاً؟ فقال للسائل: إن أعلمتني المنفعة التيب تنالك من علم ذلك أعلمتك السبب فيه.
قيل لسقراط: أي بهيمة أجمل؟ فقال: المرأة.
قال سقراط: إن الملك ألأعظم أن يملك الإنسان شهوته.
(2/172)

وقيل لسقراط: أي الأشياء ألذ؟ قال: الأدب والتعلم وسماع الأخبار.
قال سقراط: كما أن الأطباء بهم يكون صلاح المرضى وتخلصهم، كذلك بالشرائع يكون صلاح الجائرين.
قال سقراط: ينبغي أن يكون الإنسان في حداثته فاضلاً، فإن لم يكن ذلك ففي عنفوان شبابه، فإن لم يكن ذلك ففي شيخوخته.
لكلام هؤلاء القوم موقع عجيب وتأديب محمود، فلا تستوحش منهم فإنهم جنس من الفضلاء؛ نفعنا الله عز وجل بحكمهم، ووقانا شر ما يقال فيهم.
قال أعرابي: توبة المذنب اعتذاره.
وقال لقمان: معم الأدم الجوع.
(2/173)

قال حكيم الهند: الكريم يصول إذا جاع، واللئيم يصول إذا شبع.
قال أعرابيك ليس شيء أقعد برجل عن مكرمة من صغر همة.
شاعر: الكامل
وإذا مضى للمرء من أعوانه ... خمسون وهو إلى النهى لم يجنح
ركدت عليه المخزيات وقلن قد ... ساعدتنا فأقم كذا لا تبرح
وإذا رأى الشيطان غرة وجهه ... حياً وقال: فديت من لم يفلح
قال المدائني: وقع الطاعون بالكوفة، فخرج الناس وتفرقوا في النجف، وكان لشريح القاضي صديق خرج فيمن خرج، فكتب إليه شريح: أما بعد، فإنك بالمكان الذي أنت في بعين من لا يعجزه هرب، ولا يفوته طلب. وإن المكان الذي خلفته لا يعجل أحداً إلى حمامه، ولا يظلمه شيئاً من أيامه، وإنا وإياك لعلى بساط واحد، وإن النجف من ذي قدرة لقريب.
(2/174)

جلس سليمان بن عبد الملك للمظالم يوماً، فقام إليه رجل فقام: ألم تسمع قول الله عز وجل " فأذن مؤذن بينهم ا، لعنة الله على الظالمين " الأعراف: 43 قال: فما خطبك أيها الرجل؟ قال: وكيلك اغتصب ضيعتي وضمها إلى ضيعتك الفلانية، قال: فضيعتي لك، وضيعتك مردودة إليك؛ وكتب إلى الوكيل برد ضيعته عليه وتسليم ضيعة سليمان إليه والأنصراف عن عمله.
وقال أعرابي: حاجب الرجل عامله على عرضه.
قيل لأعرابية: ما لك لا تحبين زوجك؟ قالت: لخصال كن فيه: خبيث العرق، قليل المرق، ضجعته انجعاف، وشملته التفاف، يشبع ليلة يضاف، وينام ليلة يخاف، ولا يقضيني أمري - أي الجماع.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: إذا كان المال عند من لا ينفقه، والسلاح عند من لا يستعمله، والرأي عند من لا يقبل منه، ضاعت الأمور.
قيل لشبيب بن شيبة المنفري وقد اشتد عليه حجاب المهدي:
(2/175)

يا أبا معمر، أنت مع شرفك وقدرك وجاهك وسعة ذات يدك، تذل نفسك هذا الذل؟ فقال: نذل لهم لنعز عند غيرهم، فإن من رفعوه ارتفع، ومن وضعوه اتضع.
قالت عائشة رضي الله عنها: في السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، مفرحة للملائكة، وهو من السنة، تضاعف به الحسنات، ويعين على الحفظ، وينزع البلغم، ويجلو البصر، ويذهب بالحفر، ويشد اللثة، ويفصح اللسان.
قال ابن السماك: تبارك من خلق الإنسان فجعله يبصر بشحم، ويسمع بعظم، ويتكلم بلحم.
أنشد بشر بن موسى: الرمل المجزوء
قد أرحنا واسترحنا ... من غدو ورواح
واتصال بلئيم ... أو كريم ذي سماح
وجعلنا الصبر مفتا ... حاً لأبواب النجاح
شاعر: البسيط
من كان للدهر خدناً في تصرفه ... أبدت له صحبة الدهر الأعاجيبا
(2/176)

من كان خلواً من التأديب سربله ... كر الليالي على الأيام تأديبا
قال النبي صلوات الله عليه: ظهر المؤمن مشجبته، وبطنه جرايته، ورجله مطيته، وذخيرته ربه.
شاعر: الكامل المجزوء
قوم إذا حالفتهم ... لم تخش نائبة الصروف
وإذا وصلت بحبلهم ... حبلاً أمنت من المخوف
قوم تسيل دماؤهم ... بين الأسنة والسيوف
وقال ابن السماك في وصف الدنيا: طاعمها لا يشبع، وشاربها لا يروى، والناظر إليها لا يمل، ولم نر شيئاً أعجب منها ومن أهلها: يطلبها من هو على يقين من فراقها، ويركن إليها من لا يشك أنه راحل عنها، ويعتصم بحبلها من هو على أوفاز.
دخل الشعبي على الحجاج فقال له الحجاج: يا عامر، أدب وافر وعقل نافر، فقال: صدقت أيها الأمير، العقل سنخ والأدب تكلف،
(2/177)

ولولا أنتم معشر الملوك ما تأدبنا، قال: فالمنة لنا في ذلك دونكم، قال: صدقت أيها الأمير.
قال عطاء بن أبي رباح ليزيد بن معاوية: أغنني عن غيرك، قال: حسبك ما أغناك به معاوية، قال عطاء: فهو والله الحي وأنت الميت؛ فاهتز يزيد لكلمته وأمر له بجائزة.
قال بعض البخلاء: والله لا أكلت إلا نصف الليل، قيل: ولم اخترت ذلك؟ قال: يبرد الماء، وينقمع الذباب، وينام الصبيان، وتؤمن فجاءة الداخل، وصرخة السائل.
قال بعض الأدباء في رسالة له إلى أخ له: إنك من جوارحي يميني، ومن سوانحي يقيني.
ذكر أعرابي قوماً فسد ما بينهم بعد صلاح ومودة فقال: والله ما زالت عيون العداوة تنجم من صدورهم فتمجها أفواههم، وأسباب المودة تخلق في قلوبهم فتخرس عنها ألسنتهم حتى ما تجد للشر مزيداً، ولا للخير مريدا.
(2/178)

كتب أبو داود الوراق إلى أخ له، وأهدى إليه مقلمة: إذا كان اللطف دليل محبة، وميسم قربة، كفى قليله عن كثيره، وناب يسيره عن خطيره، ولا سيما إذا كان المقصود به ذا همة لم يستعظم نفيساً، ولم يستصغر خسيساً، وقد جعلك الله من هذه الصفة بأجل فضائلها، وأرفع منازلها.
وقال أبو بشر البرجمي: أنشد مسلم بن قتيبة قول الشاعر: الطويل
ذريني فما أعيا بما حل ساحتي ... أسود فأكفي أو أطيع المسودا
فقال: لله دره فما أدري في أي حالتيه هو أكرم، أحين يسود فيكفي، أو حين يطيع المسود.
قال يونس النحوي: لا تعادين أحداً وإن ظننت أنه لا يضرك، ولا تزهدن في صداقة أحد وإن ظننت أنه لا ينفعك، فإنك لا تدري متى تخاف عدوك وترجو صديقك، ولا يعتذر إليك أحد إلا قبلت عذره وإن علمت أنه كاذب، وليقل عيب الناس على لسانك.
للصولي: الخفيف
(2/179)

إن يكن سار عائداً لدمشق ... وطواه كما طوى الشمس غرب
فهو للقلب حيثما كان ذكر ... وهو للطرف حيثما دار نصب
كتب الحسن بن وهب إلى صديق له يعلمه صبابته إليه ووحشته لفراقه فقال: وقد قسمك الله بين طرفي وقلبي، ففي مشهدك أنس قلبي، وفي غيبتك لهو طرفي بذكر قلبي.
فكتب إليه: وقفت على الفصل الذي أخبرت فيه، فسيان عليك رأيتني أو لم ترني إذ كان بعضك يؤنس بعضاً فينوبوا عني، ولكني أراك فيخشع قلبي، وأغيب عنك فتدمع عيني، فشتان بين ما ساء أبده، ومن حزن أمده.
فكتب إليه الحسن: يا حانقاً على الجرة ثم تمثل يقول: الوافر
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
كان بعض أصحابنا ينشد: فلما استد، وهو قريب من الصواب، وقد رأيت من لا يختار غيره، وكلا المعنيين قريب.
(2/180)

قال المازني: سمعت أبا زبد الأنصاري يقول: لقيت أبا حنيفة فحدثني بحديث فيه: يدخل الجنة قوم حفاة عراة منتنين قد أمحشتهم النار، فقلت: قوم منتنون قد محشتهم النار، فقال: من أين أنت؟ فقلت: من البصرة، قال: أكل أصحابك مثلك؟ قلت بل أنا أبخسهم حظاً في العلم، فقال: طوبى لقوم أنت أبخسهم.
قال أبو محلم، قيل لجرير: إن الطرماح قد هجا الفرزدق وقد كبر وضعف، فلو أجبت عنه، فقال: صدى الفرزدق يفي بطيء كلها، وقد أردت ذلك فخفت أن يقال: قد اجتمع فحلاً مضر على مخنث طيء.
أنشد أبو ذكوان: الطويل
سقى دار ليلى حيث حلت وشققت ... عليهن من غر السحاب جيوب
فما يقشعر القلب عند حديثها ... ولكنه يحلو له ويطيب
(2/181)

قال ابن سلام، قلت ليونس: كيف ينشد: الرجز
ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي قال: على الثلاثة أوجه، بالرفع على الأستئناف، وبالجر على من، وبالنصب على الحال.
الرياشي قال: دخل أعرابي البصرة فاشترى خبزاً فأكله الفار فقال: الرجز
عجل رب الناس بالعقاب
لعامرات البيت بالخراب
كحل العيون وقص الرقاب
مخززات أحبل الأذناب
مثل مدارى الطفلة الكعاب
كيف لنا بأنمر الإهاب
(2/182)

منهرت الشدق حديد الناب
كأنما برثن بالحراب
يفرسها كالأسد الوثاب
عزى أعرابي رجلاً عن أبيه فقال: والله ما مات من خلفك، ولا خاب من أملك، ولا توحد من أهلك، إن من كنت بغيته لموفور، ومن كنت ثماله لمحبور، ومن كنت وليه لمنصور.
قال أبو هفان: قال المأمون لرجل رآه استضعفه: أبو من؟ قال: أبو القمرين، قال: الكاسفين، لو كان لك عقل كفاك أحدهما.
قال أبو حاتم السجستاني: كان رجل يحب الكلام ويختلف إلى حسين النجار، وكان ثقيلاً متشادقاً ما يدري ما يقول حيناً، ثم فطن له مكان يعد له الجواب من جنس السؤال، فينقطع ويسكت، فقال له يوماً: ما تقول - أسعدك الله - في حد تلاشي التوهمات في عنفوان القرب من درك المطال؟ فقال له حسين: هذا من وجود قرب الكيفوفية على طريق الحيثوثية،
(2/183)

وبمثله يقع التنافي والمجانسة على غير تلاق ولا افتراق، فقال الرجل: هذا يحتاج إلى فكر واستخراج، فقال له: أفكر فإنا قد استرحنا.
قال سعيد بن خالد اليماني: كان عندنا قاص يكنى بأبي خالد قال في دعائه: يا ساتر عورة الكبش لما علم من فضله وصلاحه، وهاتك عورة التيس لما علم من قذره وفجوره، استر علينا وارحمنا واهتك ستر أعدائنا. فقيل له: وما فضيلة الكبش؟ قال: لأنه يقال: كبش إبراهيم الذي فدى به ابنه، ولأنه يذبح في العقيقة، قيل: فما ذنب التيس؟ قال: يشرب بوله، وينزو على الشاة التي لم تستحق النزو، ويؤذي المسلمين بنتن ريحه، ويعلم الناس الزنا، وهو عيب على أصحاب اللحى الكبار؛ يقال: جاءني بلحية التيس.
رفع رجل من العامة إلى كسرى بن قباذ: إن في بطانة الملك جماعة قد فسدت نياتهم وخبثت ضمائرهم بقتله بزرجمهر، وقد هموا بما لم يفعلوا، وهم غير مأمونين على المملكة، منهم فلان وفلان، فإن رأى الملك أن يعاجلهم فعل؛ فوقع: إني إنما أملك الأجساد لا النيات، وأحكم بالعدل لا
(2/184)

بالرضى، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر.
ووقع في رقعة وكيل يستحثه على بناء قصر: أنت ماش والأوقات راكضة، والعمل باع والعناية فتر.
أنشد لأعرابية: البسيط
من آل فارس أخوالي أساورة ... هم الملوك وقومي سادة العرب
وجدتي تلبس الديباج ملحفة ... غزل الفريد ولم تركب على قتب
ولم تكب على البردات تنسجها ... معاذ ربي ولم تشرب من العلب
قال سليمان بن عبد الملك: العجب منا ومن هؤلاء القوم، كانوا فيما كانوا فيه من الملك فلم يحتاجوا إلينا، فلما صار الملك إلينا لم نستعن عنهم.
قال بعضهم: من المروءة اجتنابك ما يشينك، واجتباؤك ما يزينك.
وقال آخر: لا تجب من لا يسألك، ولا تسأل من لا يجيبك.
وقال فيلسوف: كن حذراً كأنك غر، وفطناً كأنك غافل، وذاكراً كأنك ناس.
وقال فيلسوف: حسن التدبير مع المال القليل، خير من سوء
(2/185)

التدبير مع المال الكثير، لأن حسن التدبير قد يكثر القليل، وسوء التدبير يمحق الكثير.
وقال آخر: المنفقون ثلاثة: كريم مقتدر، ومسرف مبذر، ولئيم مقتر.
وقال آخر: العقل أمير والأدب وزير، فإذا لم يكن وزير ضعف الأمير، وإذا لم يكن أمير بطل الوزير.
وقال فيلسوف: الناس كالسيوف والشحذ والجلاء كالأدب.
قال بعضهم: الدين يعصم والدنيا تسلم.
قال علي رضي الله عنه: بقية السيف أنمى عدداً.
ليته أخبر عن السبب فإنه أعجب من الخبر، لأن السبب سر وهذا علانية، والناس شركاء في العيان ومتباينون في الباطن، وما أكثر ما يطلق اللفظ فيه ولا يحقق شيء منه.
للزيات في الفضل بن سهل: البسيط
(2/186)

لم أمتدحك رجاء المال أطلبه ... لكن لتلبسني التحجيل والغررا
ما كان ذلك إلا أنني رجل ... لا أقرب الورد حتى أعرف الصدرا
قيل لرجل شامي: أي الطعام أطيب؟ قال: ثريدة موسعة زيتاً، تأخذ بأدناها فيضرط أقصاها، تسمع لها وجيباً في الحنجرة كتقحم بنات المخاض في الجرف.
شاعر: الطويل
تكاشرني كرهاً كأنك ناصح ... وعينك تبدي أن صدرك لي دوي
قال الحسن: من ازداد علماً فلم يزدد زهداً لم يزدد من الله إلا بعداً.
استعمل علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس على البصرة،
(2/187)

فأخذ من بيت المال ما كان فيه وخرج إلى مكة، فكتب إليه علي: أما بعد فقد علمت ما قال الله عز وجل في الخائنين، فلا ابن عمك آسيت، ولا الأمانة أديت، كأنك لم تكن تريد الله عز وجل بجهادك، وكأنك لم تكن على ثقة فيه من ربك، وكأنك إنما كنت تكيد هذه الأمة عن دنياهم، وتنوي غرتهم عن فيئهم، فلما أمكنتك الشدة في خيانة هذه الأمة، أسرعت العدوة، وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم، اختطاف الذئب الأزل دامية المعز الكسير، فحملته إلى الحجاز رحب الصدر غير متأثم من أخذ، كأنك - لا أبا لك - إنما حزت لأهلك تراثك من أبيك وأمك؛ فسبحان الله العظيم! أما تؤمن بالمعاد؟ أما تخاف سوء الحساب؟ أما تعلم أنك تأكل
(2/188)

حراماً وتشرب حراماً؟ أما يكبر عليك أن تنكح النساء وتشتري الإماء بأموال الأيتام والأرامل والمهاجرين، الذين أفاء الله عز وجل عليهم هذه البلاد؟ آردد إلى القوم أموالهم فإنك والله - عز وجل - إلا تفعل، ثم أمكنني الله عز وجل منك، لأعذرن إلى الله عز وجل فيك، فو الله لو أن حسناً وحسيناً فعلا مثل الذي فعلت، لما كانت لهما عندي هوادة، ولا ظفرا مني برخصة، حتى آخذ الحق لمظلومهما، إن شاء الله.
فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فقد أتاني بأنك تعظم علي ما أصبت من بيت مال البصرة، ولعمري إن حقي في بيت مال الله لأكثر مما أخذت، والسلام.
فكتب إليه علي: أما بعد، فإن العجب أن تزين لك نفسك أن لك في بيت مال الله عز وجل من الحق أكثر مما لرجل من المسلمين، فقد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من المأثم، أو يحل لك ما حرم الله عليك، فلعمري إنك لأنت المهتدي السعيد إذن. قد بلغني أنك اتخذت
(2/189)

مكة وطناً، وضربت بها عطناً، تشتري بها مولدات مكة والمدينة والطائف، تختارهن على عينك، وتعطي فيهن مال غيرك؛ وإني أقسم بالله ربي وربك ورب العزة رب العالمين، ما أحب أن لي ما أخذت من أموالهم حلالاً أدعه لعقبي ميراثاً، فالعجب لاغتباطك به تأكله حراماً؛ فضح رويداً، فكأن قد بلغت المدى، وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي فيه المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة، والظالم الرجعة، فذلك وما ذلك، ولات حين مناص، والسلام.
فكتب إليه ابن عباس: أما بعد، فإنك أكثرت علي وإني والله - عز وجل - لأن ألقى الله بجميع ما في الأرض من ذهبها وفضتها وكل ما فيها أحب إلي من أن ألقاه بدم امرىء مسلم، والسلام.
وأنشد لمضرس بن دومي النهدي: الطويل
إذا الحرب شالت لاقحاً وتحدمت ... رأيت وجوه الأزد فيها تهلل
حياء وحفظاً واصطباراً وإنهم ... لها خلقوا والصبر للموت أجمل
(2/190)

وهم يضمنون الجار من كل حادث ... ويمشون مشي الأسد حين تبسل
يرى جارهم فيهم منيعاً مكرماً ... على كل ما حال يحب ويوصل
إذا سيم جار القوم خسفاً فجارهم ... عزيز حماه في عماية يعقل
في عماية يعقل: يعتصم، هكذا سمعت المتقن الضابط يقول ويوضح، فحدثنا كما أخذنا من غيرنا؛ نفعك الله بالأدب، وخفف عنك فيه التعب، ووقاك عثرة الجاهل، وحيرة العالم، وحسرة المحروم، وذلة المظلوم، وكفاك جميع ما يقطعك عن الحق، ويزين لك الباطل، ولا أخلاك من نصره العزيز، وفتحه المبين.
أنشد لمغلس بن لقيط السعدي: الطويل
أبقت لي الأيام بعدك مدركاً ... ومرة والدنيا كريه عتابها
قرينين كالذئبين يبتدرانني ... وشر صحابات الرجال ذئابها
إذا رأيا لي غرة أغريا بها ... أعادي والأعداء تعوي كلابها
(2/191)

وإن رأياني قد نجوت تلمسا ... لرجلي مغواة هياماً ترابها
وأعرضت أستبقيهما ثم لا أرى ... حلومهما إلا وشيكاً ذهابها
فقد جعلت نفسي تطيب لضغمة ... أعضهماها يقرع العظم نابها
وقال موسى بن جابر بن أرقم، وهو حنيفي نصراني يمامي جاهلي، ويعرف بابن ليلى، ويلقب بأزيرق اليمامة، وبه يعرف: الوافر
لبست شبيبتي ما رم خلقي ... ولا سمت العدو ولا هفوت
وما أدع السفارة بين قومي ... ولا أمشي بغش إن مشيت
وما للملك في الدنيا بقاء ... وكيف بقاء ملك فيه موت
السفارة: المشي في الصلح، وكأنها كشف ما غمر الحال بين المتنابذين
(2/192)

المتباينين، ويقال للسفرة سفرة لأنها تبسط وتكشف، وكأن السفر أيضاً يكشف عن الأخلاق، والإسفار: ضياء الشمس في ظلام الغلس، والسفر والأسفار: كتب لأنها ضمنت البيان عما يخفى والكشف عما استتر، والمسفرة: المكنسة، كأنها تكشف عن وجه الأرض أي ترفع ما اجتمع عليه. وكما يقال: سفرت بينهم وأنا سفير، يقال: سملت بينهم وأنا سامل، وكأن السامل في الأصل من لاط الحوض، وأصلح المورد، وسهل مكان الشارعة، والكلام كله متداخل، والأشتقاق فيه دائر، ومنه ما يصح ومنه ما يجفى.
قال موسى بن عبد الله بن خازم لما قتل أخوه بخراسان وبلغه نعيه - سمعت أبا سعيد السيرافي يقول: النعي مصدر نعى ينعى، والنعي - بالتشديد - الناعي، والناعي هو المخبر بالموت -: الطويل:
(2/193)

ذكرت أخي والخلو مما أصابني ... يغط ولا يدري بما في الجوانح
دعته المنايا فاستجاب دعاءها ... وأرغم أنفي للعدو المكاشح
فلو ناله المقدار في يوم غارة ... صبرت ولم أجزع لنوح النوائح
ولكن أسباب المنايا صرعنه ... كريماً محياه عريض المنادح
بكف امرىء كز فصير نجاده ... خبيث نثاه عرضة للفضائح
نظر محمد بن المنكدر رجلاً يتبع امرأة في خراب ويناغيها فقال: إن الله عز وجل يراكما، سترنا الله وإياكما.
قال المدائني: شاور معاوية الناس في قتل الحارث بن قيس، فقال له يزيد بن قيس: إن قتلت أصبت، وإن عفوت قلنا أحسنت، فقال: الإصابة أحب إلي من الإحسان لشوقي إلى الإصابة؛ قال بعض المشايخ: أخطأ، لأن الإحسان يستوفي معنى الإصابة ثم يوفي عليها.
وقال المدائني: أخذ رجل من المنصورية فقيل له: ما تقول في
(2/194)

أبي بكر؟ قال: أتولاه، فخلي عنه، فرجع وقال: إني ذكرت تزويجه أخته الأشعث فأنا أتبرأ منه، فقتل.
قال نوح بن جرير بن الخطفى لأخيه بلال: أنا أشرف منك، فقال بلال: أمنا واحدة، فقال: ولدتك وهي أمة وولدتني وهي حرة؛ وكانت ديلمية.
قال المدائني، قال ابن عباس في صفين: ليغلبن معاوية، لأن الله تعالى قال وهو أصدق القائلين " ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً " الأحزاب: 33. وما أدري كيف صحت هذه الرواية؛ إن ابن عباس لو كان معه هذا البرهان لكان مع من جعل الله له سلطاناً، وفارق من جعل الله عليه سلطاناً، ولكن الرواية خبر، والخبر ينقسم بين التصديق والتكذيب، وبالتوقف عنه وسوء الظن به، ولقد عمت آفته الخلق، وإلى الله عز وجل الشكوى.
أنشد ابن المنزل: المنسرح
عيني لحيني تدير مقلتها ... تطلب ما ساءها لترضيني
أف لدنيا أبت تواتيني ... إلا بنقضي لها عرى ديني
شاعر: الوافر
(2/195)

إذا كثر التجني من خليل ... بلا ذنب فقد مل الخليل
كتبت من خط أبي إسحاق: الطويل
وكنا إذا نحن التقينا تخالساً ... وسامحت العينين منا شؤونها
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وأوساطها حتى ترق فنونها
حديثاً كماء المزن وافقه الصدى ... وأشبهه طيب الحياة ولينها
قالت أعرابية: هي أحسن من العقيان، على صدور القيان.
قالت أم هشام السلولية في الإبل: إذا حملت أثقلت، وإذا حلبت أروت، وإن سارت أبعدت، وإن نحرت أشبعت.
خطب أعرابي إلى قوم فقال: الحمد لله الذي يولي الإنعام، والصلاة على محمد والسلام، أما بعد: فإني إليكم خاطب، وفي الألفة بيننا راغب، ولكم علي في من خطبت أحسن ما يجب لصاحب على صاحب، فأجيبوني جواب من يرى نفسه لرغبتي محلاً، ولما دعتني إليه الطلبة أهلاً.
قال أبو عبيدة: أخبرني الزبير بن بكار عن أبيه قال: أهديت
(2/196)

إلى هشام بن عبد الملك حين قدم الحيرة يريد الحج ناقة، فلم يقبلها، فلما قوضت سرادقاته وحجره قلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، لم رددت ناقتي، وهي هلواع مرياع مرباع مقراع مسياع مسناع، حلبانة ركبانة؟ فضحك وقال: خذوها منه، وأمر لي بألف درهم.
الهلواع: ناقة فيها نزق وخفة؛ والمرياع: التي تقدم الإبل ثم تعود، والمرباع: التي تعجل باللقاح، من قولك: لك المرباع منها والصفايا، والمقراع: التي تعجل باللقاح أول ما يقرعها الفحل، والمسياع: السمينة، والسياع: الطين، والملواح: الخفيفة، والمسناع: الواسعة الخطو.
قيل لصوفي: ما مراد الحق منك؟ فقال: مراده في هو مراده مني، قيل له: فمن أين حققت هذا الحكم؟ قال: لأن قولي مني وفي إضافة، ومراد الحق واحد، قيل له: إن المراد منك قيامك بالأمر، والمراد فيك وقوفك مع النهي، قال: صدقتم، ولكن ما هو مني به يتم، وما هو في له يتم، والحظ فيما هو مني لي، والحكم فيما في له، وما هو له مقدم على ما هو مني، ما أشير بهذا إلى رد أمره، ولكنني أضيف إليه خفية سره، على أن واضح عذري
(2/197)

مردود عند مشكل حجته، لأن حجته تنتهي إليه فتقوى بالألهية، وعذري ينسب إلي فيضعف بالعبودية، قيل له: فهذا خلاف العقل، قال: إن فعله بالخلق يسبق إدراكهم بالعقل، لأن العقل أيضاً خلق.
وأنشد: الكامل
تأسو وتجرح في الحديث جليسها ... بكلام لا هذر ولا إطناب
إلا مساقطة تلبس بالحشا ... كتعلق الأحباب بالأحباب
قال الجاحظ: قال رجل مبخل لغلامه: هات الطعام وأغلق الباب، فقال: هذا خطأ، بل أقول: أغلق الباب وأت بالطعام، فقال له الرجل: أنت حر لعلمك بالحزم.
قال شبيب بن شيبة: لما خلع عبد الله بن عبد الرحمن - وقتل بخراسان - قام خطيب المنصور السكوني فقال: والله يا أمير المؤمنين، لقد كان حسن المكان عظيم السلطان، كثير الأعوان، وكان مع ذلك فيه آية من كتاب الله عز وجل، كأنها عليه قصرت وفيه نزلت، وهي: " وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم " المنافقون: 4؛ فالحمد لله الذي أخمد جمرته، وأذل عزته، ولم يقله عثرته.
(2/198)

قال أبو عثمان المازني، عن الأصمعي، عن عيسى بن جعفر، قال: قلت لأعرابي: كم في المسجد من سارية؟ قال: خمسون وخمسمائة بعد الألف؛ قال: وهكذا تقول العرب إذا اجتمع الكثير من العدد والقليل، بدأت بأقل العددين.
قال أنس بن أبي شيخ: اجتماع الضعيفين قوة تدفع عنهما، وافتراق القويين مهانة تمكن منهما، وكان أنس هذا معروفاً بالزندقة، والله أعلم.
قال أبو العيناء: أحضر لإسحاق بن إبراهيم جارية سكرانة أخذت في العسس، فقال لها: ما خطبك يا جارية؟ فقالت على البديهة: الرجز
جارية باكرت المروقا ... تشرب صرفاً وترد رنقا
حتى إذا مرت تمشى العنقا ... علقها الشرطي فيمن علقا
فقال إسحاق لصاحب الشرطة: أمثل هذه تؤخذ لا بارك الله فيك؟ خل عنها ولا تعرض لها.
(2/199)

قال الأصمعي: ولى جعفر بن سليمان رجلاً بعض البدو، ثم وجه من يسأل عنه، فلقي شيخاً من الأعراب، فقال: كيف واليكم؟ فقال: ما يطبق جفناً، ولا يعرف أفنا، وكل يوم يزداد فعله حسناً، يبرىء بدوائه، ولا يستبد برائه، قد أذكى العيون على عيونه، وتيقظ في جميع فنونه، فهو غائب كشاهد، ومانع كمعط، والمحسن آمن، والمسيء خائف.
قال إسحاق: أتي عبد الملك بعود، فقال للوليد بن مسعدة الفزاري: ما هذا يا وليد؟ فقال: خشب يشقق ثم يرقق، ثم يلصق، ثم تمد عليه أوتار، وتضرب به القيان، فتطرب له الفتيان، وتضرب برؤوسها الحيطان. امرأتي طالق إن كان في المجلس أحد إلا وهو يعلم منه مثل ما أعلم، أولهم أنت يا أمير المؤمنين! فضحك، وقال: مهلاً يا وليد.
قال قتيبة لنهار بن توسعة: لست تقول فينا كما تقول في آل المهلب؟ قال: إنهم والله كانوا أهدافاً للشعر، قال: هذا والله أشعر مما قلت فيهم.
(2/200)

قال الأصمعي: ذكر أعرابي رجلاً زالت نعمته: والله لقد كان في ظل عيش مثمر فقدحت عليه من الدهر يد غير كابية الزند.
أنشد لصقلاب: السريع
مل فما تعطفه حرمة ... واتخذ العلات أعوانا
إن ساءك الدهر بهجرانه ... فربما سرك أحيانا
لا تيأسن من وصل ذي ملة ... أطرف بعد الوصل هجرانا
يمل هذا مثل ما مل ذا ... فيرجع الوصل كما كانا
وأنشد لشداد بن عقبة الجهني في محمد بن عبد الله بن الحسن: البسيط
إني مررت على دار فأحزنني ... لما مررت عليها منظر الدار
وحش خلاء كأن لم يغن ساكنها ... بمعتفين وقطان وزوار
من للأرامل والأيتام يجمعهم ... شتى الموارد من حلس وأكوار
مأوى الغريب وساري الليل معتسفاً ... وعصمة الضيف والمسكين والجار
(2/201)

بها مساكن كان الضيف يألفها ... عند التنسم من نكباء مهمار
فيها مرابط أفراس ومعتلج ... وجامل أخريات الليل قرقار
فيها معالم إلا أنها درست ... من واردين ونزال وصدار
فيها مغان وآيات ومختلف ... في سالف الدهر من باد وحضار
ثم آنجلت وهي قد بادت معالمها ... ألقى المراسي فيها وابل سار
وخاويات كساها الدهر أغشية ... من البلى بعد سكان وعمار
جار الزمان عليها فهي خاشعة ... طورين من رائح يسري وأمطار
ففاضت العين لما عيل مجرعها ... فيض القري جفت عنه يد القاري
ودارت الأرض بي حتى اعتصمت بها ... واستك سمعي بعرفان وإنكار
حتى إذا طار نومي ما يفارقني ... ما أوجع القلب من حزن وتذكار
وحان مني أنصراف القلب وانكشفت ... عمياء قلب سراه النوم مهجار
لا يبعد الله حياً كان يجمعهم ... مبدى سويقة أخياراً لأخيار
الباذلين إذا ما الثقل أعدمهم ... جادت أكفهم بالجود مدرار
(2/202)

والرافعين لساري الليل نارهم ... حتى يجيء على شدو من النار
والدافعين عن المحتاج خلته ... حتى يحوز الغنى من بعد إقتار
والقائلين له أهلاً بمرحبة ... لج في انفساح ورحب أيها الساري
والضامنين القرى في كل راكدة ... فيها سديف شظايا تامك وار
والمدركين حلوماً غير عازبة ... والناهضين بجد غير معثار
والعاطفين على المولى حلومهم ... حتى يفيء بحلم بعد إدبار
والعائدين إذا ضنت بدرتها ... أم الفصيل فلم تعطف بإدرار
والياسرين إذا ما شتوة جمدت ... فلم يحس بنار قدر أيسار
والمانعين غداة الروع جارهم ... بكل أجرد أو جرداء مخطار
والرافعين صدور العيس لاغبة ... تبغي الإله بحجاج وعمار
على حراجيج أطلاح معودة ... ترمي الفجاج بركبان وأكوار
فليتني قبل ما أمسي لحزنكم ... وكل شيء بميقات ومقدار
لفت علي شفاه القبر في جدث ... عرى المنون فرادى تحت أحجار
(2/203)

ولم أر العيش في الدنيا ولم يرني ... ولم يجئني بأنياب وأظفار
ولم أفض عبرات من مواكلة ... على كريم بسفح الواكف الجاري
سمع ابن مسعود وهو يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من غنى يطغيني، ومن فقر ينسيني، ومن هوى يرديني، ومن عمل يخزيني.
ومن كلام العرب، تقول: أعرى من مغزل، وأكسى من بصلة.
يقال: معنى قولهم: حين تقلين تدرين، أي غثه من سمينه.
العرب تقول: أطعت الوشاة والمشاة.
لما اشتدت علة عبيد الله بن سليمان أخذ مغرد غلامه المصحف وفتحه، فخرج " حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً " يونس: 24 فمات.
يقال: من لم يكن فيه خمس خصال لم يصلح لشيء من أمر
(2/204)

الدنيا والآخرة: من لم تعرف الوثاقة في أرومته، والدماثة في خلقه، والنبل في نفسه، والمخافة من ربه، والأتعاظ بغيره.
يقال: التبازي: إخراج الصدور، والتبازخ: إخراج الألية.
يقال: رجل به سلال، ولا يقال سل.
يقال: احتمل ممن أدل عليك، وأقبل ممن اعتذر إليك.
يقال: قد قرعت له العصا، أي نبهته من الغفلة.
كان عمرو بن عبيد يوصي الناس بحفظ وصية زياد، وكان أولها: إن الله عز وجل جعل لعباده عقولاً عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته، والناس بين محسن بنعمة الله عز وجل عليه، ومسيء بخلاف الله
(2/205)

إياه، ولله النعمة على المحسن والحجة على المسيء، فما أولى من تمت عليه النعمة في نفسه، ورأى العبرة في غيره، أن يضع الدنيا بحيث وضعها، فيعطي ما عليه منها، ولا يتكثر مما ليس له فيها، فإن الدنيا دار فناء لا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله عز وجل، وأحذركم الله عز وجل الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرته العجزة حتى صاروا إلى دار ليس لهم منها أوبة، ولا يقدرون فيها على توبة، وأنا أستخلف الله عز وجل عليكم، وأستخلفه منكم.
العرب تقول: البريء جريء والخائن خائف، ومن أساء استوحش.
ويقال: الجراءة من البذاءة.
قامت أم سلمة امرأة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن إلى المنصور وهو راكب ومعها ابناها فقال: من تكونين؟ فقالت: أنا أم ولد محمد ابن عبد الله بن الحسن بن الحسن، وهذان ابناي منه، أيتمهما سيفك، وأضرعهما خوفك، فإن رأيت أن تعطف عليهما لشوابك القرابة، وأواصر الرحم، ولا تصعر خدك لهما، فتتبع الأولى الأخرى، فافعل، فقال المنصور:
(2/206)

هكذا والله أشتهي أن يكون كلام نساء قريش، يا غلام اردد على ولد محمد ضياع أبيهما، فردت وأحسن إليهما.
أنشد لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر: الكامل المجزوء
إن ابن عمك وابن أم ... ك معلم شاكي السلاح
يقص العدو وليس ير ... ضى حين يبطش بالجراح
لا تحسبن أذى ابن عم ... ك شرب ألبان اللقاح
بل كالشجا تحت اللها ... ة إذا تسوغ بالقراح
وانظر لنفسك من يجي ... بك تحت أطراف الرماح
من لا يزال يسوؤه ... بالغيب أن يلحاك لاح
(2/207)

قال أبو بكر الواسطي: العارف يعرف عن الله بالله عز وجل، والعامل يفهم عن الله عز وجل بغير الله، والأشياء كلها دالة على وحدانيته، فإذا وجد الواجد استغنى عن الدليل.
وقال الواسطي في هذا المعنى: ألا ترى إلى قوله تعالى للعاملين " وأعتصموا بحبل الله " آل عمران: 13، وقال للعارفين: " واعتصموا بالله " الحج: 78.
كاتب كتب إلى أخ له: ما اتفككت عن ودك، ولا انفركت عن عهدك.
قال عبد الملك بن مروان: لأن أخطىء وقد استشرت، أحب إلي من أن أصيب وقد استبددت.
قال أحمد بن مهران في كتاب: لا أجمع إلى العجز عن شكر ما أمكن، التسرع إلى الأستبطاء فيما تعذر.
(2/208)

وقال العامري: قاطيغورياس في لغة يونان هو التخاصم والتناصف.
سمعت أبا عبد الله الطبري، غلام أبي إسحاق المروزي يقول: القرآن أصل علم الشريعة ونصه ودليله، والحكمة بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، والأمة المجتمعة حجة على من شذ عنها.
والأصل كل ما تمكن بنفسه وتفرع عنه غيره، والفرع ما لم يعلم بنفسه.
والعلم معرفة الشيء على ما هو به، والكلام على ظاهره وعمومه حتى يقوم دليل الخصوم.
والأسماء المفردة ثلاثة: عام لا خاص فيه، كقولك: شيء، قال الله تعالى " والله بكل شيء عليم " النساء: 175؛ والثاني: عام من وجه خاص من
(2/209)

وجه، كقوله " اقتلوا المشركين " التوبة: 6 و " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله " التوبة: 30 فهذا عام في جميع المشركين إلا أهل الكتاب، وقال " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله " المائدة: 41 فهذا عام في من سرق ربع دينار فصاعداً خاص فيما دونه، والعموم لا يقع إلا في هذين؛ والثالث: خاص لا عام فيه كقولك: زيد وعمرو، قال الله تعالى " محمد رسول الله " الفتح: 29 فهذا خاص. وأقل العموم شيئان، وأقل الخصوص شيء واحد.
والمطلق ما لم يقيد، والمقيد ما ضمن وصفاً، قال الله تعالى " حرمت عليكم أمهاتكم " إلى قوله " وأمهات نسائكم " النساء: 22 فأطلق، وقال تعالى في الربائب " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " النساء: 23 فقيد؛ والعموم ما لو كلف إمضاؤه لصح، والجملة ما لو كلف إمضاؤها لم تعلم حتى تفسر.
وأمر الله على الوجوب إلا ما أفرده الدليل، وكذلك أم النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعال الرسول عليه الصلاة والسلام عند طائفة على الندب إلاما قام دليل على وجوبه. والأمر على ضروب: أمر حتم كقوله تعالى " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله والرسول واتقوا الله " النور: 56 وما أشبه هذا؛ وأمر وعيد، كقوله عز وجل " واعملوا ما شئتم " السجدة: 40 " ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " الكهف: 29 وإذا لم تستح فاصنع ما شئت؛ وأمر تعجيز كقوله تعالى " كونوا حجارة أو حديدا " الإسراء: 50؛ وأمر جزاء كقوله " أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " المؤمن: 46 أي هذا عقابكم و " ادخلوا الجنة " الأعراف: 48، أي هذا ثوابكم؛ وأمر
(2/210)

إباحة كقوله عز وجل " وإذا حللتم فاصطادوا " المائدة: 31 " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض " الجمعة: 10، وقال عز وجل " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " البقرة: 194 أي إن شئتم؛ وأمر إرشاد كقوله عز وجل " وأشهدوا إذا تبايعتم وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة " البقرة: 282.
وفي القرآن والسنة آيات أولها ندب وآخرها حتم، كقوله عز وجل " كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده " الأنعام: 141، " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً " النور: 33 " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " النور: 33، وقوله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن " البقرة: 235، فهذه كلها أولها ندب وآخرها حتم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا، وانتبذوا في الظروف واجتنبوا كل مسكر.
والقياس قياسان: قياس جلي وقياس خفي: فالجلي ما لا تجاذب فيه، قال الله تعالى " ولا تقل لهما أف " الإسراء: 23 " وذروا البيع " الجمعة: 9 " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره " الزلزلة: 7 " ولا تلهكم أموالكم " المنافقون: 9 " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً " النساء: 9 والذي يشرب في آنية الذهب والفضة، وإذا ولغ الكلب في الإناء، أو لحم خنزير، ولا تضحوا بالعوراء، ونهى عن الثوب المصبوغ بالورس للمحرم، فكان المسك أشد نهياً.
والقياس الخفي ما تتجاذبه الأصول، كالجناية على العبد، فالعبد فيه شبه من الأحرار وشبه من الحيوان، فألحق بالأحرار لغلبة الاشتباه لأنه أشبه الحر في
(2/211)

أنه آدمي وأنه مخاطب بالعبادة وأنه يجري القصاص فيما بينهم وأنه في قتله الكفارة، ويشبه الحيوان من جهة أنه مال.
قال العتبي: لما اشتدت شوكة أهل العراق على عبد الملك بن مروان خطب الناس فقال: إن نيران العراق قد علا لهبها، وكثر حطبها، فجمرها ذاك وشهابها وار، فهل من رجل ذي سلاح عتيد، وقلب شديد، ينتدب لها؟ فقال الحجاج: أنا يا أمير المؤمنين، قال: ومن أنت؟ قال: الحجاج بن يوسف بن الحكم بن عامر، قال: اجلس، ثم أعاد الكلام فلم يقم أحد غير الحجاج فقال: كيف تصنع إن وليتك؟ قال: أخوض الغمرات، وأقتحم الهلكات، فمن نازعني حاربته، ومن هرب طلبته، ومن لحقت قتلته، أخلط عجلة بتأن، وصفوة بكدر، وشدة بلين، وتنبيهاً بازورار، وعطاء بحرمان، وما على أمير المؤمنين أن يجربني، فإن كنت للطلى قطاعاً، وللأرواح نزاعاً، وللأموال جماعاً، وإلا آستبدل؛ فقال عبد الملك: من تأدب وجد بغيته، اكتبوا كتابه.
عوتب أعرابي على الكذب فقال: لو غرغرت لهواتك به ما صبرت عنه.
(2/212)

قال يونس: لا تعادوا القضاة فيختاروا عليكم المذاهب، ولا العلماء فيصنفوا عليكم المثالب، ولا المياسير فيبذلوا في تلفكم الأموال.
قال عمرو بن مسعدة: الأقلام مطايا الفطن.
قال أبو سمير: إن الناس ليختصمون في الأمر وفيه وجوه من الحق تغمض عليهم، فيموجون حتى يرجعوا إليها، فتصح سبل حجتهم، وتوري زناد صدقهم، وتقوم بينة طلبتهم، وتعرب الألسنة بما في نيتهم.
قال بشر المريسي وقد سئل عن رجل كيف هو، فقال: هو على أحس حال وأهنؤها، فضحك الناس من لحنه، فقال قاسم التمار: ما هذا إلا صواب، هو مثل ابن هرمة: المنسرح
إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها
(2/213)

فشغل الناس بتفسير التمار عن لحن بشر.
قال أبو عبيدة: أوصت نوار أن يصلي عليها الحسن البصري، فقيل له ذلك فقال: إذا أجنزتموها فأعلموني، فعجب الناس من قوله إذا اجنزتموها.
قال يموت بن المزرع: قال لي ابن صدقة المزني: ضربك الله باسمك، فقلت له: أحوجك الله إلى اسم أبيك.
صلى الشعبي في مسجد باهلة، فقام أعرابي فسأل، فأمر له إنسان من باهلة برغيفين صغيرين رقيقين فلم يأخذهما، ومضى فجاء برغيف كبير حسن وقال: يا باهلة، استفحلوا هذا الرغيف لخبزكم فلعلكم أن تنجبوا.
قال أبو العيناء: ولى المأمون أصرم بن حميد عملاً، فهجاه بعض أهل الأدب فقال: الطويل
(2/214)

فما منبر نجسته باسم أصرم ... بطهر ولو طهرته بابن طاهر
فبلغ ذلك عبد الله بن طاهر، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم وقال له: لم نصلك لهجائك لابن أصرم، فلا تعد لمثلها.
قال أعرابي عند ضجره في طلب رزقه: والله لقد تقلبت بي الأسباب، وقرعت جميع الأبواب، واضطربت غاية الاضطراب، وسافرت حتى بلغت منقطع التراب، وحتى رضيت من الغنيمة بالإياب، فما رأيت الحرمان إلا رابضاً، ولا النجح إلا عارضاً.
كتب علي بن الهيثم الثعلبي إلى عباد الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، أكرمك الله عز وجل، فإن الخميس أخو الجمعة، ولا سيما في آخره، فإن كنت غير مختضب ولا محتحب، أتيتك في حاجة هي لي دون صاحبها، وسروري بقضائها فوق سرور المتوسل بي فيها، وإن كنت مشغولاً بما لا بد للعباد من الشغل به، أوحيت بقعودي عنك، إذ كان العذر واقعاً حقاً
(2/215)

مجدداً، وألزمت نفسك قضاء الحاجة مؤكداً.
قال الحسن بن وهب: قال المأمون - وكان بليغاً - وقد ذكر التفاح بحضرته: اجتمع في التفاح الصفرة الدرية، والحمرة الذهبية، والبياض الفضي، والنور القمري، يلذها من الحواس ثلاث: العين لحسنها، والأنف لعرفها، والفم لطعمها.
شاعر، وهو ابن المعتز: السريع
ما بال صبحي لا يرى فجره ... وما لدمعي دائم قطره
أستودع الله حبيباً نأى ... ميعاد دمعي أبداً ذكره
وقال إبراهيم ابن هرمة: أصحاب السلطان في المثل كقوم رقوا جبلاً ثم وقعوا منه، فأقربهم إلى التلف أبعدهم في المرقى.
كان في الخريمي إبرام، فقال له الجماز، وقد أبرمه في مسألة: قد أنفدت الشكر، وأفنيت البر، وجزت التودد، والله لو لقيت مصلوباً
(2/216)

لعانقته، ولو عانيت أبخر لقبلته، ولو رأيت قاتل أبيك لشكرته.
أنشد للمؤمل بن طالوت مولى سكينة بنت الحسين: الرجز
بدر قريش والذي ... برز في المحافل
ذو تدرإ ومدره ... في كل أمر نازل
وذو لقاء صادق ... وذو قضاء عادل
والناس في ادرائه ... محتلطوا القبائل
من راغب وراهب ... ونازل وراحل
ومنصف لا يتقي ... في الله عذل عاذل
وراجح لا يمتري ... درته بالباطل
ليس بخب خادع ... ولا بغر غافل
نعم الفتى لخائف ... ونعمة لآمل
ونعم مسعار الوغى ... في اليوم ذي البلابل
وقد لحن في قوله ونعمه.
قال العتبي: من شريف كلام بعض السلف: لا تذكرن لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم زلة، فإنه إن لم يكن في حسناتهم ما يعفى على سيئاتهم، ففي عظيم عفو الله ما يسع سيئاتهم، واعلم أن الله تعالى لم يأمرك باتباعهم وهو يرضى منك بعيبهم، ولا تيأس لمؤمن - مع ما وصف الله
(2/217)

من سعة فضله ورحمته - من عظيم عفوه وتطوله، ولا تثقن لعاص - مع تحذير الله من شدة محاله وأليم عقابه - من نقمته وعذابه، فكم شكر الله اليسير من الخير بكرمه فرحم به، وكم من مستخف باليسير من العصيان قد أوبق به.
قال أبو حاتم: قال أبو عبيدة: إن الجواد عينه فراره، قال: يكفيك من رؤيته أن تفره.
قال شبيب بن شيبة: حضرت يحيى بن خالد وقد قال له رجل: والله لأنت أحلم من الأحنف بن قيس، وأحكم من معاوية، وأحزم من عبد الملك بن مروان، واعدل من عمر بن عبد العزيز، فقال له يحيى: والله لعمير غلام الأحنف أحلم مني، ولسرجون غلام معاوية أحكم مني، ولأبو الزعيزعة صاحب شرطة عبد الملك أحزم مني، ولمزاحم قهرمان عمر أعدل مني، وما تقرب إلي من أعطاني فوق حقي.
قال شبيب: فعجبت من سرعة جوابه، وتعديده هؤلاء حتى كأنه عاصرهم.
(2/218)

قيل لأعرابي: كيف ترى الدنيا؟ قال: وهل فرغني شغلي بها أن أراها؟ قال محمد بن إبراهيم كاتب سيما الدمشقي: سألني علي بن الهيثم حاجة ثم تواني عنها، فقلت له: أنمت عن حاجتك؟ فقال: ما ناء عن حاجته من أسهرك لها، ولا عدل بها عن محجة النجح من قصدك بها.
قال الأصمعي: الشرائع جمع شريعة، وهي حيث يشرع في الماء، وكأن الشريعة في الدين من هذا لن صاحبها يشرب منها فيروى، ويكرع فيها فيسلى، ويغسل نفسه بها فيطهر. ويسقى منها بالبادية سفره فيقطع، فكأنه كمن قدم من الشريعة طاعة الله عز وجل بما تضمنه من الأمر والنهى، والتحليل والتحريم، والحظر والإباجة، والرغبة والرهبة، والخوف والرجاء، والسلامة واليقين.
والحميل: الكفيل، والحمولة - بالفتح - البعران، - والضم - الأحمال. وبار المتاع: كسد - بفتح السين -، والحمالة - بالكسر - علاقة السيف، والحمالة - بالفتح - الغرم والدية. وأبشمني الطعام فبشمت؛ ويقال: كسدت يا فلان علي بيعي وأكسدت.
(2/219)

وفرت انا وأفارني فلان، وصاح فلان وأصاحه غيره. وعجفت الدابة أي هزلت.
وفلان ما رأى مني ما يقذي عينه.
والمنبذة: الوسادة، والبذاذة من الإيمان أي التقشف وسوء الحال، وبذ فلان فلاناً أي علاه وسبقه.
ويقال: ناولني شعيلة أي فتيلة فيها نار.
وفلان بضفة الوادي إذا كان على شطه وشاطئه، أي حرفه.
ويقال: ماء مضفوف أي مشغول من كثرة الغاشية والماشية، وكذلك: رجل مضفوف أي كثير العيال، وما رؤي علينا حفف ولا ضفف أي بؤس وفاقه.
وفلان حسن الشطاط أي القامة، وشطت الدار بفلان أي بعدت، واشتط فلان أي جار.
وفرى الأديم يفريه فرياً إذا قطع، والفرى العجب، والفرأ - بهمز، ويقصر - حمار الوحش، وجمعه فراء.
والرقوء: دواء الجرح، ويقال ارقأ على ظلعك، اللام ساكنة، وقد
(2/220)

رأيت من فتح اللام في مجلس السيرافي فضحك منه ورده عليه، ومعناه لا تكلف ما لا تطيق.
سمعت شيخاً من النحويين يقول: البدل أن تقدر الاسم الأول تقدير الطرح، وتعدي العامل إلى الثاني، وهو على سبعة أنحاء، منها: بدل المعرفة من المعرفة، مثل مررت بأخيك عبد الله، قال الله تعالى " اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين " الفاتحة: 6و7؛ وبدل المعرفة من النكرة كقولك: مررت برجل أخيك، قال الله تعالى " وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم، صراط الله الذي " الشورى: 52 و 53؛ ومنها بدل النكرة من المعرفة مثل: مررت بالرجل رجل صالح، قال الله تعالى " لنسفعن بالناصية ناصية " العلق: 15 و 16؛ ومنها بدل النكرة من النكرة كقولك: مررت برجل غلام ظريف، قال الشاعر: الطويل
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
الشين مفتوحة، ولقد غلط فيها مرة مسكويه وكابر إلى أن فضحته المحنة، وسورته المواقعة والإعجاب مصرعه؛ وقل من تكبر على الناس وحقر أهل الفضل إلا عاجلته العقوبة، ونهكته اللائمة، وأمكن منه الدهر.
(2/221)

نعم، ومنها بدل البيان مثل: ضربت زبداً رأسه، وجاءني قومك بعضهم، قال الله تعالى " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً " آل عمران: 97، لأن فرض الحج يوجه إلى المستطيع؛ وبدل الأشتمال كقولك: سلب زيد ثوبه، لأن السلب اشتمل على الثوب فأبدل منه لدخوله في المعنى، قال الأعشى: الطويل
لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم
ومنها بدل الغلط، ولا يجوز ذلك في كلام الله تعالى ولا فصيح الشعر، وذلك مثل قولك: مررت برجل حمار، كأنك أردت الحمار فسبق لسانك إلى الرجل ثم استدركت فقلت الحمار.
لشاعر في الفضل بن مروان: البسيط
لا تغبطن أخا الدنيا بمقدرة ... فيها وإن كان ذا عز وسلطان
يكفيك من عبر الأيام ما صنعت ... حوادث الدهر بالفضل بن مروان
إن الليالي لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان
والعيش حلو ومر لا بقاء له ... جميع ما الناس فيه زائل فان
قال رجل لأعرابي: كيف أنت؟ قال: كما يسرك إن كنت صديقاً، ويسوءك إن كنت عدوا.
(2/222)

قيل لإبراهيم بن شكلة: من المغني؟ قال: الذي تفرع في أجناسه، ولطف في اختلاسه، وتمكن من أنفاسه، وقرع بالمعنى سمعك، وصدع به قلبك.
أنشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: الكامل
إني لأمنح من يواصلني ... مني صفاء ليس بالرنق
وإذا أخ لي حال عن خلق ... داويت منه ذاك بالرفق
والمرء يصنع نفسه ومتى ... ما تبله ينزع إلى العرق
كتب غيلان الشامي إلى عمر بن عبد العزيز وهو خليفة: أما بعد يا أمير المؤمنين، فهل رأيت حكيماً أمر قوماً بأمر ثم حال بينهم وبينه، ثم عذبهم عليه؟ فتعجب القوم من قوله وعنده رجل فقال: الرسالة ناقصة، لو زدنا فيها
(2/223)

شيئاً تمت، قيل: ما هو؟ قال: لو قال: هل رأيت قادراً قاهراً يعلم ما يكون، اتخذ عدواً لنفسه، وهو يقدر على خلاف ذلك؟ فأهدر دم غيلان.
انظر - أرشدك الله - تعالى كيف ماج بالناس هذا الرأي، وغمرهم فيه الهوى، وملكتهم الفتنة، ونأوا عن الحق، وخالفوا إلى الباطل، مع علمنا أن الحق أبلج، والباطل لجلج، وأن الأمر بين، والصواب ضاح؛ لقد جهل الله من استخرج أسرار فعله بعقله، وما قدره حق قدره من وزن إلهيته برأيه ألا ترى أن قدرته وراء عقلك، وحكمته فوق إدراكك، وتدبيره في خفاء من معرفتك، وإنما بين ما بين تشويقاً، وأغمض ما أغمض تحقيقاً، ليبقى بينك وبينه ما تكون به عبداً ويكون لك إلهاً.
اللهم إن خلقك رجموا دونك الظنون، وجانبوا في معرفتك اليقين، بعدما أزحت العلل، وأوضحت السبل، وحققت الحق، وأبطلت الباطل، وزينت المحلى، وحليت العاطل، فراموا الإحاطة بك، والوقوف على سرائرك، والمشاركة في إلهيتك، هذا وقد أعجزتهم عن الإحاطة بأنفسهم، والوقوف على سرائرهم.، ومشاركة بني جنسهم، وعرفتهم تناقض تدبيرهم في خلال أمورهم، ورميتهم بالذل في قعر عزهم، وضربتهم بالحاجة في نفس غناهم؛ اللهم فكن لنا لطيفاً، وبنا رؤوفاً، فإنك إن تركتنا في أوطان عجزنا، ومساكن ضعفنا، تمكن الهوى منا، ولعب الشيطان بنا، واستولى البلاء علينا. اللهم رحمتك
(2/224)

نرجو، وعذابك نخاف، ووصالك نبغي، وهجرك نعاف، وإلى رضاك نميل، ومن سخطك نهرب، وإياك نطلب، وفيك نتهالك، فأجعل جزعنا من أحكامك صبراً، واقلب معارضتنا لك تسليماً، وانتصر لفاقتنا إليك بغنانا على يديك، حتى لا يرد علينا من قضائك إلا ما يقرن بالرضى، ولا يصعد إليك من شكرنا إلا ما يمتري المزيد، ولا يهجس في نفوسنا مما فيه هلاكنا إلا محقته من قدرتك بما يكون فيه ملاذنا، إنك أهل لما لاق بإلهيتك، وحكى آثار تفضلك. إلهي لو ظهر سرك كظهور قدرتك، لباد خلقك، ولو خفيت نعمتك كخفاء سرك لجهل حقك، لا إله إلا أنت حقاً، ولا زال خلقك لك خلقاً.
بعث الحجاج أدهم بن محرز الباهلي إلى أهل سجستان وكتب إليهم: أما بعد، فإني قد بعثت إليكم أدهم بن محرز، ومو ما علمته طويل الجلوس، دائم العبوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة، فاسمعوا له وأطيعوا.
قيل لأعرابي مات أخوه: صف لنا أخاك، فقال: كان شديد العقدة، لين العطفة، يرضيه أقل مما يسخطه.
(2/225)

وقال معاوية على المنبر: يا أهل الشام، إنكم والله ما أنتم بخير من أهل العراق، ثم تداركها فقال: إلا أنكم أعطيتم بالطاعة، وحرموا بالمعصية.
لله أبوه من منذر ثم مبشر في ضروب الخير والشر.
دخل نساء من أهل الكوفة إلى سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام يعزينها في زوجها مصعب، فقالت: لا جزاكم الله خيراً يا أهل الكوفة: أيتمتموني صغيرة وأرملتموني كبيرة.
أتي محرق غسان بنسوة من تميم، فأراد قتلهن لنذر، فطلبن إليه العفو فأبى، فقالت له امرأة منهن: ما لك أطال الله سهادك، وأطفأ رمادك، والله إن تقتل إلا نساء أعلاهن ثدي، وأسفلهن دمي، والله ما أدركت ثاراً، ولا محوت عاراً. فأمر بتخلية النساء غيرها وقال: ما أقتلك إلا مخافة أن تلدي مثلك.
وقيل لأعرابي: كيف ترى شيخوختك من شبابك؟ قال: كما ترى عمارتك من خرابك.
(2/226)

لعلك - أيدك الله - قد مللت ما سلف من البصائر والنوادر مما هو جد يوهي قواك، أو هزل يلهي قلبك، ولعمري في الهزل دواء النفس، وطرد لجاثم الكرب، وراكد الفكر، ولكني كما أرى لك أن تتداوى به، فإني أنهاك أيضاً عن الأستمرار فيه، لأن مأتاه سهل، ومأخذه شديد، وقل من ألف مواطن العبث، وألفاظ الخبث، إلا استماله الهوى، ولصقت به الغرة، وخيف عليه الهلاك، وإن الذي يتولد من الجد مع كزازة النفس، وسوء التأني، وبعد السهولة، وبغض التشدد، وثقل الروح، أرجح عند الله وأقرب إلى الطهارة وأدخل في باب الورع. جرس الله النعمة عليك، ولا شغلك التمتع بها عن الشكر لواهبها - فإن الشكر مربوط بالمزيد، وحق على واهب النعمة إذا رأى الإخلاص في الشكر أن يصلها، ويتابع المدد منها - وقربك إلى الخير، وصرفك به، وقصر همتك عليه، وجعل لك فيه تمام الرغبة، وغاية الطلبة، وأمنك عند تضاعف النعم من استدراجه، وثبتك عند ترادف المحن على منهاجه، ولا أخلاك من مواد توفيقه، وثمرات تحقيقه، بمنه وجوده، آمين.
(2/227)

فاسمع الآن فنوناً من المسائل قد كان الوعد تقدم بها، والقول سلف فيها، وتأملها تأملاً شافياً، واقتبس فوائدها، واختلس منافعها، واجعل نظرك في الجملة والتفصيل، للتحقيق والتحصيل، ولا ترض لنفسك بالخسيس، فقد أريد بك الشرف، إذ وهب لك العقل الذي به تستجلي خزائن الملك، وإليه تفزع فيما حزبك من أسباب الهلك، وإياه تستشير عند اختلاف اليقين والشك، وعليه يتم كل شيء تعلق بالفتك والنسك، وقد رفدتك الطبيعة، وصحت فيك الغريزة، فما بقي لك إلا المسارعة في طلبه، وصحة الرغبة في التحلي بين أهله، حتى تكون كامل الموهبة في الأصل، محمود التجربة في الفرع، آخذاً بأدب الله عز وجل، جارياً على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ناصراً لحق الله، هادياً إلى دين الله، مستحقاً لثناء عباد الله، مذخوراً له ثواب الله، فهناك الراحة والعز، والغبطة والفوز.
ما معنى قول الله عز وجل " وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون " الأنبياء: 31، فلقد رأيت من سأل أبا الحسن الأنصاري وقال: إنما يصح هذا المعنى لو كان الإنسان يحيا بالماء، والحي يموت به إذا شرق، ويموت فيه إذا غرق، وإن كان المعنى أن الحياة مستمدة منه فكذلك جميع ما غذاه مما أمسك الرمق، فما وجه الأختصاص على طريق لا يقع فيه التباس؟ ولم يحصل من الأنصاري لفظ يعتاد، ولا تأويل يستفاد، راغ هكذا وهكذا، وترك السائل على عطنه، يفري ويذر، والجواب سهل قريب، وسيمر بك في عرض غيره إذا وصلت إليه وأشرفت عليه.
وما معنى قوله تعالى " إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم " الزخرف: 88 والصفح: العفو، وكيف يعفو عن قوم لا يؤمنون؟ وإن
(2/228)

كان مأموراً بالعفو عنهم وهو المبعوث إنه لأولى بالعفو وهو الباعث، والباعث إله معبود، والمبعوث عبد عابد، فانتظر جواب هذه أيضاً، فما خلص من هذا النمط إلا بهجر الرقاد، ومسح البلاد، ولقاء الجهابذة النقاد.
وما معنى قوله عز وجل " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " الأنفال: 17 فقد رأيت ناساً عرض لهم من ظاهر هذا الكلام ما ينافي المعنى، ولم يصح لهم التأويل الصحيح، وكانوا طوال الأيدي في العلم، حذاق الخواطر في الجدل، فصحاء الألسنة لدى الحجاج وتحكم التشكيك، وانتهوا إلى الترادع والتلاوم، ولو لم يعجبوا بما عرفوا لوضعوا الحد في تعرف ما لم يعرفوا، وفوق كل ذي علم عليم.
وما وجه قوله عز وجل " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " الأنعام: 103 وإذا ضممته إلى قوله " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " القيامة: 22 فإنك إن حملت أحد القولين على الآخر لم تبرأ من تعسف أو تكلف، فقفنا على المعنى الموقوف به فيهما، وعرفنا مراد الله عز وجل منا بهما، فالخطب قد أعضل من أجل هاتين الآيتين حتى صار الباحثون عن الحق فيهما إلى الاختلاف الشديد، والشتات العتيد، واستحل فيه الدم، وعق بسببه الوالد، وهجر الوطن، وأطلق التكفير، وهذه مصائب الدين الذي ندين به، ونعتصم بحبله، وندعو إلى الإذعان له، والإقرار به، وقد عاد غريباً كما بدأ غريباً، وحق قول الرسول الحق حين قال: إن الأسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء.
(2/229)

ولن تجد في القرآن معنى قول علي بن أبي طالب عليه السلام: المرء مخبوء تحت لسانه، ولن تجد معنى قول الناس: لكل مقام مقال، وأين ترى فيه الفرق بين الضياء والنور، وما يدل على شرف أحدهما عند الآخر؟ ولن تجد فيه معنى الجواسيس؛ فقد قيل لسفيان بن عيينة، وكان عجيب الانتزاع عن إلهام: أين الجواسيس في القرآن؟ فأجاب وأصاب. وأين معنى قوله عليه السلام: من آذى جاره أورثه الله داره، فقد أصاب أيضاً سفيان بن عيينة، وقد مر في الجزء الأول إن كنت قد حفظته.
وعرفني موضع الدلالة من قول معتزلي لمجبر: أليس الباطل بين السماء والأرض؟ قال: بلى، قال: فأعلم أن الله ما خلقه لأنه قال: " وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً " ص: 27 فانقطع الخصم، فأين وجه التأويل على حقيقته؟ وهل ما عرض لهذا المعتزلي حق؟ وبين أيضاً صحة قول من تأول قول الله عز وجل " وجعلنا لهم لسان صدق عليا " مريم: 50 أن المراد به علي بن أبي طالب عليه السلام؛ والقائل بهذا مقدم في النحو على طبقته في العلم، وهو ابن المراغي.
وحدثني عن قول آخر، لا يجوز أن تقرأ " ووجدك ضالاً فهدى " الضحى: 7 وإنما هو ضال، والوجدان لا يتم في الضمير؛ وهذا
(2/230)

الرجل من النظارين وأهل الجدل على طريق الإمامية.
هذا طرف مما تصرف فيه المحصلون الذين قالوا على بصيرة في المذهب، وبيان من المقالة، وتعقب لما اختاروه ودانوا به، وأما هواجس الجهال، وتسرع الناقصين فمما لا اعتداد به، ولا اعتماد عليه. أنا سمعت أبا الفرج البغدادي الصوفي، وكان ذا لسان ومنظر وهيبة، وقد سئل عن قوله تعالى " ولا تنيا في ذكرى " طه: 42 فقال: هذا سهل، هذا أريد به النأي، هكذا قال، فصار خطاؤه موشحاً، لأن النأي ليس بشيء، إنما يقال نأى إذا وقع الخبر عن التنائي الذي هو البعد، فاما تنيا فليس من النأي، ولا من نأى، لا من الاسم ولا من الفعل، إنما هو ونى يني، ونى وونياً، ومنه التواني والتقصير، والأمر منه: نه.
وأبو الفرج هذا أشرف على قوم وهم يتازعون بينهم: هل يقال فلان لغوي أو لغوي، وقد انتهب الكلام انتهاباً، وذهب بالصواب عنهم ذهاباً، فقال أحدهم: هذا أبو الفرج سلوه، فأقبلوا عليه وسألوا فقال: ما أبين الجواب وأظهر الحق!! أما سمعتم قول الله عز وجل لموسى " إنك لغوي مبين " القصص: 18، فتحول المجلس ضحكاً ولعباً.
وسمعت رجلاً يذهب مذهباً في الباطن يقول: والله ما أعجب إلا من قوم يعتقدون أن الجنة واحدة، والله عز وجل يقول " وجنات ألفافا
(2/231)

ً " النبأ، قلت: فكم هي عندك؟ قالك كما قال الله تعالى: ألف ألف، لعلك، من العامة أو أشباه العامة؟! قلت: لا والله أنا بريء منهم.
وكان المقراضي الصوفي يقول: أنا دهقان، والله تعالى وكلني، ومن شك في قولي تلوت عليه من محكم الكتاب ما يسقط بغيه وينفي وهمه.
وقال لي مرة: لم يذكر الله تعالى أبا بكر الصديق في ظاهر الكتاب، وأبو بكر أبو بكر، لا يساجل فضلاً، ولا يباري سبقاً، وذكر المغيرة وهو لا يدخل في زمرته ولا يوجد قريباً من كعبه، قلت: ما أدري وما اعرف للمغيرة ذكراً في الكتاب، قال: بلى ولكنك قليل العناية بالتلاوة، ثم قرأ " فالمغيرات صبحاً " العاديات: 3، وأنشأ يقص، فذهب عقلي تعجباً.
هذا - أيدك الله - ونظراؤه أزاغوا أصل العلم، ونقضوا عرى الحق، ومحوا محاسن الدين.
وما محصول قول سهل بن عبد الله، وهو عند أصحابه العالم الرباني والعالم الإلهي، حين قال: لقد وجدت إبليس أذأمهم، وذاك أنه تراءى لي فعذلته على إبائه السجود لآدم عليه السلام وتركه ما أمر الله عز وجل به، فقال لي: أمثلك يقول هذا؟ أما تعلم أنه أرادني بعلمه ولم يردني بأمره، لأن علمه حتم، وليس أمره حتم، في حكاية طويلة لا طائل في ذكرها، وإنما سقت منها عين الحجاج، وعين المراد.
وما الفرق بين قوله عز وجل " إنما أنت منذر من يخشاها " النازعات: 45 وبين قوله " إنما تنذر من اتبع الذكر " يس: 11؟ وهل قول الزجاج: إنما يقول الله تعالى للشيء كن فيكون، وليس
(2/232)

الشيء بحاضر، لأن ما هو معلوم عنده بمنزلة الحاضر، صحيح من المعارضة. سليم عن المناقضة؟! وما معنى قول من قال: قال الله عز وجل " والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء " يونس 25 هو عموم في باب الدعاء، وخصوص في باب الهداية؟ وهل يصح هذا الإطلاق؟ فإن العموم والخصوص معنيان يتبعان جوهر الكلام وعين الخطاب.
وكيف ترى اعتراض آخر حين قال وقد أقبل على جماعة يتناظرون في القرآن: أبطله رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: المراء في القرآن كفر؟ فكيف الانفصال من هذا الظاهر، وكيف المخلص؟ فإن خذا متى استمر لزم الإمساك عن البحث، والتفرد للنظر، والإيجاب للسؤال والتكلف، وغير القرآن محمول على القرآن، وهو مخصوص بتعظيم الشان والأمر له والإذعان.
وافسح بالك للسماع والتحصيل والفهم والإدراك حتى أسألك عن مسائل لطيفة: عرفني ما السبب في إطباق الناس على أن التكلف مكروه، وعلى ان المتكلف معنوت عليه، ممقوت فيما اختاره، ومردود إليه ما أتاه وإن كان حسناً وبالغاً، وما عري من التكلف وخلا منه محبوب ملتذ مقبول، وإن كان دون التكلف؟ وقد قال الله عز وجل " وما انا من المتكلفين " ص: 86 في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا ومن اتبعني براء من التكلف.
وعرفني معنى الاستطاعة، وما سرها؟ وهل هي على حد ما ذهبت إليه المعتزلة، او على سبيل ما قالته المجبرة، وما حيثيتها وما مثالها؟ وعرفني أيضاً معنى التوفيق فإنه لطيف، ولا أحد إلا وهو يسأل الله وبه التوفيق. الناس - أيدك الله - يلتقون في هذا المعنى على خيط الوفاق،
(2/233)

من زعم انه مزاح العلة، ومن زعم أنه محتاج إلى المادة. وهل التوفيق لطيفة من الله عز وجل، متى جاد بها وساق عبده إليها تم الصلاح، وعم النجاح، ونيل المراد، وسقط التمني؟ وإن كان لطيفة فكيف منعها عبده والعبد محتاج بإحواجه، وهو غني بنفسه، وليس هناك بخل، ولا بينه وبين عباده دخل - هذا وانت لا بد من أن تقول: قد فعل فعل الصلاح او الأصلح، ولا تجنح في الجواب إلى انه علم من عبده أنه متى جاد عليه بتلك اللطيفة فسد، ومتى أسبغ عليه النعمة جحد، فقد جحده الجاحد، وكفر به الكافر، ولم يهلك على الله إلا هالك. على أن علمه وبما يكون وبما لا يكون، لو كان كذا وكذا، علم لا يوجب عليه فعلاً دون فعل، ولا أمراً دون أمر. وقد رأيت من يجعل علمه علة لكل شيء، وسبباً في كل شيء، وهذا هو العجز والجهل والتمويه والاحتيال. الحق أنور من ذلك.
وعرفني ما معنى قول أبي يزيد البسطامي: ليس إلا الأنس بالجهل، والتعلل بالتعلم، والرضى بالتافه، والمصير إلى حد مجهول؟ وأبو يزيد هذا من نوادر الرجال، وهو معدود في طبقة الأفاضل، ومضاف إلى ذوي الإشارة.
وعرفني معنى الاتحاد، والمواصلة في حقيقة الانفراد، فقد كبر الخطب في هذا الباب من أرباب هذه العبارات حتى لم يخلص ما ذهبت إليه، ورهنت نفوسها عليه. وكان بعض الناس لا يفرق بين ما يقوله النصاري في الاتحاد وبين ما يقوله هؤلاء في حقيقة الانفراد، والفصل بينهما مبين، والقول فيهما قوي متين.
وعرفني ما به نتشابك ونتشارك، وأين ذلك مما يختلف ويتباين،
(2/234)

ويتعادى ويتواصل، وإن كان ذلك محصوراً بعدد فاذكره إلى آخره حتى ننظر إلى كثرة ما به نختلف، وقلة ما به نأتلف، فإن صح هذا بيننا عرفنا ما بيننا وبين الحق لنا.
وعرفني ما الحاجة إليه أشد، والعائد معه أمد، والقول فيه أسد، والنفع منه أرد: ما تأثير العقل، وما حكمه، وما غاية ما يناله، وما هو أولاً، وما حده وحقيقته من المحجوج به، وهل يستقل بنفسه، وما حكم من عدمه، وما مزية من منحه وأنعم عليه به، وما عوض من حرمه واقتطع عنه، وإلى أين يبلغ في البحث والعرفان، وهل له في الأزل استقلال، وهل له في الآخر استقرار، وما سبب تموجه واضطرابه، وشبهه وانقلابه، ومن أين مادته، وبأي شيء زيادته، وأين أفقه، وما غائلته، ومن أين فساده وما يمر به وعاقبته، وما نسبته إلى العدد، وما تعلقه بالحقن وأين يصيب التكليف به، وكيف اطرد الثواب والعقاب على صاحبه، والمدح والذم على الموسوم به؟ فإن الكلام في هذا الباب عظيم الجدوى، غزير النفع، جم الفوائد، حلو الثمرة، محمود العاقبة. ولو لم يكن في استنباط هذا المعنى، واستخرج هذا المغزى، إلا فساد التقليد، ومفارقة الجهل، ومواصلة الطلب، لكان فيه ما يجعل التعب فيه راحة، والمشقة فيه تنعماً، فكيف وقد قيل عن الله عز وجل إنه لما خلقه قال: بك آخذ وبك أعطي؟ وحدثني بعد هذا عن المحبة، وهل تتصف، وهل يكون الله تعالى محباً للعبد، وإن كان فعلى أي وجه، وأين مكان محبته للعبد من محبة العبد له، ومتى كان للمحبة حقيقة بطل فيها الفصل واستحال عليها التباين.
وأخبرني عن المعرفة - معرفة الله تعالى - وما هي أولاً حقيقتها؟
(2/235)

فقد قال شيخ من شيوخ المتكلمين في صدر كتابه، اعلم أن أول ما يجب على المكلف النظر المؤدي إلى معرفة الله. وكان القاضي أبو حامد المروروذي يقول: قد اعترض على هذا الكلام ناس، وذلك ان هذا الرجل ذكر الوجوب والأول وهذا لا يعرفان إلا بدلائل أخر، وإن من لم يعرف هذه المعرفة لم يعرف الوجوب ولا الأول، ولا الوجوب بأنه مفرد، والعاري من المعارف لا سبيل له إلا التسليم. ثم قال المكلف، والتكليف أيضاً متعلق بمكلف، فمن هذا المكلف؟ أعقله الذي هو حامد شاكر لم يلطخ بالشبه ولا بالمعارض الفاسدة، ولا بالأقوال المتناقضة، ولا بالعادة الرديئة، ولا بالمنشأ المكروه، ولا بدواعي السوء، إنما هو على نور من واهبه، وفطره من فاطره، أو لبه الذي هو في طريق عرفانه؟ ثم قال: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى فخص هذا النوع من النظر دون سائر أنواع النظر، وأني لهذا المبتدئ هذا النظر وهذه القوة وهذا البيان؟ وهل تصفح فنون النظر، ووقف على أصناف المعارف حتى يستخلص النظر المؤدي من سائر النظر الذي لا يؤدي؟! وقال أيضاً أبو حامد المروروذي اعتراضاً على صاحب الكتاب: لولا تجوز أرباب هذا الشأن لما أقدموا هذا الإقدام، لأن معرفة الله تعالى ليست من جنس المعارف؛ ألا ترى أنك تقصد في نفي الإثبات نفس جمع الصفات - أعني الصفات التي تجد عليها جميع الموجودات - فتقول: ليس هو جسماً ولا عرضاً، ولا حالاً في شيء، ولا قائماً على شيء، ولا متصلاً بشيء، فحكم ليس هو حرف نفي على موجود، وهو أول كل شيء ثابت.
وكان إذا امتد نفسه في هذا الباب وما أشبهه، قيل له: كيف الوصول إلى المحصول؟ فيقول: ليس إلا الاستعانة بالله والإقبال عليه، واقتباس النور من لدنه، فما رام العبد قط مراماً فتم إلا به، ولا توجه إلا إليه؛ وكان يشير إلى
(2/236)

الله، أن الله يلهم المحتصين، ويمد قلوبهم بدواعي الخير وخواطر الحق، وكان لا يسيغ هذا النمط، وإنما خرج إلي بذات صدره للأنس الذي كنت معه عليه. وكان أصحابنا المتكلمين لا يرون له وزناً في الكلام، ولا يعدونه في طبقة أهل التمام، ويقولون: الفقه مسلم إليه، والسير موقوفة عليه، فأما ما عداهما فهو ظالم فيه إن تكلم، ومقصر إن توهم.
وقال صاحب الكتاب: فأما من استدل على وجوب المعرفة بأن الله تعالى لو لم يوجبها لكان قد أباح الجهل به، فليس يتم، لأن الجهل قبيح، وكون الشيء مباحاً يفيد حسنه. وزعم أن بعض الناس قال: الدلالة على أنها - يعني المعرفة - من أول الفرائض يعني أن الطاعة لا تصح لمن لا يعرف.
قال - وهذا تقريب -: ألا يرى أن، الطاعة إنما كانت طاعة لموافقتها الإرادة، وقد يصح أن يوافق الفعل إرادة الله وإن كان الفاعل لا يعرفه، بأن ينصر مظلوماً أو يغيث ملهوفاً، وإن ذلك يقع حسناً طاعة لله عز وجل مع الجهل به. فقد بان لك أن ما قاله تقريب.
وهذا أيضاً - أيدك الله - كلام طريف، لأن إغاثته الملهوف، ونصرته المظلوم، متى وقعتا موافقتين لإرادة الله، والله إنما أراد وقوعهما منه على صفة معروفة، وهو أن يكون عارفاً بالله غير جاهل به، ومتى لم يوجد على هذه الصفة، كان فعله حسناً وطاعة إذا أضيف إليه لا إلى الله عز وجل، ووقعت عليه لا على الله عز وجل، لأن الفعل لا يصح ان يكون طاعة إلا والفاعل مطيع، والفاعل لا يكون مطيعاً إلا وهناك مطاع، ومتى أجيز لنا المطاع عن معرفة لم نعتد بطاعته، ولم نطمئن إلى حسنه، لأن، ذلك حسن ما دام ظاهره مشاركاً لظاهر العارفين، فأما وباطنه مناف لباطن العارفين فليس فعله بحسن ولا طاعة.
(2/237)

وقال صاحب الكتاب: ليس يجوز أن يكون العلم الواقع عقيب النظر من فعل الله، لأن ذلك كان يقتضي أن لا يعترضه الشك، وأن يجري مجرى سائر العلوم الضرورية التي يفعلها الله عز وجل. قال: وإذا لم يكن فعلاً لله عز وجل فيجب أن يكون فعلاً للإنسان، ويجب أن يكون متولداً عن النظر، لا تقع عين المنظور فيه دون غيره من سائر الوجوه التي يجوز للناظر دون المنظور فيه علمها؛ وهذا أيضاً فيه هضم شديد، وظلم بين؛ متى كان هذا الإنسان فاعلاً هذا العالم مع جهله بموضعه ومقداره ومكانه ومخرجه ومورده؟ وإنما هو كالهدف للخواطر، والمقنص للأفكار، فما لاءم طباعه وشاكه مزاجه ثبت، وما نافر نفسه ونافى جنسه ذهب، فكيف يكون فاعلاً لهذا النظر الذي لو وقع غيره موقعه لما فصل بينه وبينه؟ هيهات! البينة في معرفة الله تعالى عادلة، والشهادة قاطعة، والريبة زائلة، والهمة ساقطه، والمعارضة مرتفعة، والحق فيها ممدود، والسرادق مضروب الأطناب، مغشي المحل، والفطرة بها ناطقة، وإليها داعية، وإنما سنح ما سنح على وجه التطهير، وعلى سبيل التمحيص للنفس، وإلا فمن ذا الذي عبد غير الله فاطمأن مع معبوده؟ ومن هذا الذي نفاه فلم يستوحش؟ أم من هذا الذي اعترض عليه فلم يستوهل؟ أم من هذا الذي ميل فلم يمل إلى إثباته أكثر مما يميل إلى نفيه.
إن معرفتك بالله تابعة لمعرفته بك، وقد عرفك وعرفته، وإنما بقي عليك منك ما حجبك عنه بك، ومتى نقيت من أدرانك ومدانسك بمفارقة شهواتك، ومزابلة شبهاتك، وصفوت من كدرك بطهارة أسرارك، ومخالفة إرادتك، لاح لك المكون مجرياً للكون، وبدا لك الحق جارياً في كل عين، وغنيت في فقرك، واطمأننت في اضطرابك، وعززت في ذلك، وحرست في
(2/238)

نفسك، فإنها أسرع أعدائك إليك، وأغمضهم مدرجاً عليك. ولا تعرين هذا الفن من الألفاظ، فقد نقحت تنقيحاً يهدي إليك الإشارة وإن لم تصقل العبارة.
ما أخوفني - أيدك الله - أنك قد مللت هذا الفن وعفته، وأصبته كريهاً في نفسك، وبعيد الملحظ بعينك.
واعلم أن العلم لا يبدو إليك، والفضل لا ينجلي لك، والمجد لا يكلف بك، والصيت لا يعظم عليك، نعم والعمل لا ينقاد لك، والفاقة لا تنفى عنك، ورضا الله لا يجاد به لك، وناره لا ترد برداً عليك، وجنته لا تزدلف إليك، حتى تقف همتك على العلم، وتصرف نهمتك إليه، وتجعله ملهاة لطربك، ومسلاة لحربك، ومنتجعاً لعقلك، ومستمداً لفضلك، وحتى ترى أن ختامك في الموت عليه، واستراحتك في التعب به، حتى تؤثره على ثوبك الناعم، وبدنك الممتع، ومشربك الروي، ومطعمك الشهي، وجاريتك الحسناء، ودارك القوراء، وابنة عمك الموافقة، وعقارك المغل، وصنيعتك الرائعة، وفرسك الجواد، ودرتك اليتيمة، وحديقتك المنورة.
فاستعن الله في خافي أمرك وباديه، وفي فروعه وأواخيه، فإنه مالك الأمور، ومقلب القلوب، والجالب لكل خير، والصارف لكل شر، بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون.
وقد بقيت طائفة كبيرة من المسائل، وكان تقديري أنها تتم في هذا الجزء، لكنها شرست علي والتبست، وبان عجزي بها، واختلط تدبري فيها، والمعذرة إليك إن تفضلت بالقبول، وأحسنت التأويل، أو قاربت في التقريع والتأنيب، فعرضي عرضك، وما أطرد على اطرد عليك، ولو انفردت بالإساءة
(2/239)

صبرت على التعيير، ولكني أتصل بك، وأنتسب إليك، وشديد علي أن تؤتى من جهتي، كما أنه عزيز علي أن أوتى من جهتك، ومتى سقط التنافس وقع التوانس، وزال العتب، وذهب القبيح، وثبت الحسن، وقد قيل: الطويل وعين الرضا عن كل عيب كليلة حبب الله إليك الطاعة، ورزقك منها الإخلاص، ووهب لك النجاة، إنه عزيز حكيم.
قال زياد على المنبر: أما بعد، فإنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي ملكنا، ونذب عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم حق الطاعة فيما أمرنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا بطاعتكم، وصفو مودتنا بمناصحتكم، مع أني مهما قصرت في شيء فلست مقصراً في ثلاث: لست محتجباً عن طالب حاجة منكم، ولو أتاني طارقاً بليل ولا مجمراً لكم بعثاً ولا حابساً عنكم عطاء، فادعوا الله لأئمتكم بالصلاح، فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهافكم التي إليها تأوون، ومتى يهلكوا تهلكوا، ولا تشعروا قلوبكم بغضاءهم فيطول غيظكم ثم لا تظفروا بحاجتكم؛ نسأل الله أن يعين كلا على كل.
تعجب - حرسك الله - من هذا الكلام، فإنه أسلس من العذب الزلال، وألين من الهواء المنبسط، وأحلى من الشهد المشتار. ولئن كان القوم مع هذا الكلام الدال على ما وراءه من الفعل الرصين آثروا الدنيا على الآخرة، إن العجب
(2/240)

ليشتد منهم، والغيظ يكبر عليهم، وإن كانوا نالوا الآخرة مع ما نالوا من الدنيا، إن القوم لصفوة الله وأبرار عباده: نسأل الله أن يجعل حظنا من الآخرة فوق حظنا من الدنيا، فالخاسر من أراد حرث العاجلة دون حرث الآجلة.
قيل لأعرابي: صف لنا أفضل الخيل فقال: المقبلات كالقنا، المعرضات كالدبا، المترصات كالنوى، المدبرات كالفرا.
شاعر: الطويل
وما هي إلا ليلة بعد ليلة ... وحول إلى حول وشهر إلى شهر
مطايا يقربن البعيد من الردى ... ويذهبن أشلاء الأنام إلى القبر
ويتركن أزواج الغيور لغيره ... ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوافر
قال المدائني: قدم أعرابي من بني هلال يكنى أبا الرغيف من أخوال عبد الله بن عباس البصرة، وعبد الله بها وال، فكان يكرمه ويدنيه فقال له يوماً: هل تتخمون في بلادكم؟ قال: وما التخم أصلح الله الأمير؟ قال: الطسأ، قال: لاها الله إذن ما نطسأ، قال عبد الله: مم ذاك؟ قال: من أنا لا نخلي المعدة فترق، ولا نكظها فتحق، وأنا نأدم الأكل بشيء من الذوب ولا نستكمل التكاة. قال: فهل تلوون؟ قال: وما اللوي؟ قال: المدخر قال: لا، قال: ولم ذاك؟ قال: لأنا إذا طبخنا اللحم هرتناه، وإذا شويناه أنضجناه، وإذا مضغناه فتتناه، قال: هذا إذن من هذا. قال: فهل تتعرون؟
(2/241)

فتضاحك ثم قال: وأنى لنا بالتعري أصلح الله الأمير، في أجسادنا ربل.
قال ثعلب، قيل لأعرابي: ما تطعم الخرء؟ قال: أذقته؟! كتب بشار بن برد المرعث يعزي أخاً له: أما بعد، فإن أحق ما اغتنمنا حلوه، وصبرنا على مره، واستدمنا مكروهه، ونافسنا فيه أهله، وأحق ما أغلقنا أبوابه، وصرمنا أسبابه، وزهدنا في وده، ومللنا فجائعه، الدنيا التي لا يدوم نعيمها، ولا تؤمن فجائعها. وقد خبر الله تعالى عنها وكفى به خبيراً فقال " إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح " الكهف: 46 فكتاب الله موعظتنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أسوتنا، فأي موعظة بعد كتاب الله، وأي أسوة بعد رسول الله، وقد قال الله تعالى " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " الأحزاب: 21 ثم دعا للميت بالثواب والمغفرة، وللمعزى بإلهام الصبر، وتعويض الأجر.
هذا آخر الثاني، والثالث على أثره إن صرفت عني عتبك في جميع ما غرض من النفس، ودل على العجز، وأغلق باب العذر، والله أسأل معونة تكفي مؤونة، وهداية تنفي ضلالة، وإزاحة تكسب راحة، وحالاً تحمد عاقبة، إنه ولي الخير، ومالك الأمر، لا إله إلا هو سبحانه عما يصفه الظالمون.
(2/242)

انتهى الجزء الثاني من كتاب البصائر والذخائر فرغت من تعليقه يوم الخميس سادس وعشرين جمادى الآخرة من سنة ثمان وعشرين وستمائة والحمد لله كثيراً وصلى الله على سيد المرسلين محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وعترته المكرمين أجمعين حسبي الله ونعم الوكيل.
(2/243)