Advertisement

البصائر والذخائر 003

//بسم الله الرحمن الرحيم

رب أعني بمنك
الجزء الثالث
اللهم أنت الحي القيوم، والأول الدائم، والإله القديم، والبارئ المصور، والخالق المقدس، والجبار الرفيع، والقهار المنيع، والملك الصفوح، والوهاب المنوح، والرحمن الرؤوف، والحنان العطوف، والمنان اللطيف، مالك الذوائب والنواصي، وحافظ الدواني والقواصي، ومصرف الطوائع والعواصي. إلهي، وأنت الظاهر الذي لا يجحدك جاحد إلا زايلته الطمأنينة، وأسلمه اليأس، وأوحشه القنوط، ورحلت عنه العصمة، فتردد بين رجاء قد نأى عنه التوفيق، وبين أمل قد حفت به الخيبة، وطمع يحوم على أرجاء التكذيب، وسر قد أطاف به الشقاء، وعلانية أناف عليها البلاء، لا يرى إلا موهون المنة،
(3/5)

مفسوخ القوة، مسلوب العدة، تشنؤه العين، وتقلاه النفس، عقله عقل طائر، ولبه لب حائر، وحكمه حكم جائر، لا يروم قراراً إلا أزعج عنه، ولا يستفتح باباً إلا أرتج دونه، ولا يقبس ضرماً إلا أجج عليه، عبرته موصولة العبرة، وحسرته موقوفة على الحسرة، إن سمع زيف، وإن قال حرف، وإن قضى خرف، وإن آحتج زخرف، ولو فاء إلى الحق لوجد ظله ظليلاً، وأصاب تحته مثوى ومقيلا. إلهي، وأنت الباطن الذي لا يرومك رائم، ولا يحوم على حقيقتك حائم، إلا غشيه من نور إلهيتك، وعز سلطانك، وعجيب قدرتك، وباهر برهانك، وغرائب غيوبك، وخفي شانك، ومخوف سطوتك، ومرجو إحسانك، ما يرده خاسئاً حسيراً، ويزحزحه عن الغاية خجلاً مبهوراً، فيرده إلى عجزه ملتحفاً بالندم، مرتدياً بالأستكانة، راجعاً إلى الصغار، موقوفاً مع الذلالة؛ فظاهرك - إلهي - يدعو إليك بلسان الأضطرار، وباطنك يخبر عنك بسعة فضاء الأعتبار، وفعلك يدل عليك الأسماع والأبصار، وحكمتك تعجب منك الألباب والأفكار، لك السلطان والمملكة، وبيدك النجاة والهلكة، وإليك إلهي المفر، ومعك المقر، ومنك صوب الإحسان والبر، أسألك بأصح سر، وأكرم لفظ، وأفصح لغة، وأتم إخلاص، وأشرف نية، وأفضل طوية، وأظهر عقيدة، وأثبت يقين، أن تصد عني كل ما يصد عنك، وتصلني بكل ما يصل بك، وتحبب إلي ما حبب إليك، فإنك الأول والثاني، والمشار إليه في جميع المعاني، لا إله إلا أنت.
(3/6)

هذا - حرسك الله - الجزء الثالث، وقد سار إلى جزانتك الجزءان قبله، ولولا حسن موقعهما منك، وبهاؤهما في عينك، وتقريظك لهما بلسانك، وإعجابك بهما باستحسانك، لكان نشاطي يقل، وحدي يكل، ويدي ترفض ارفضاضاً، ويميني تنفض انفضاضاً، ولكني أحمد الله الذي زيتك بتعرف المعارف، وجعل ظلك فيها الظل الوارف، حتى خف عليك الغرم الثقيل، وبذل المالا الجزيل، وإكرام العلم وأهله، وتعظيم الفضل وأربابه، فلا زال نصيبك من محبة العلم فوق نصيبك من محبة المال، وقسطك من التعلم فوق قسطك من الدعوى، وقد جبلك الله على خلق لو باهيت به قرناءك، وساجلت عليه عشراءك، كان لك السبق المبر، والخالصة والسر؛ نسأل الله بمجموع همتك، وخلي ذرعك، وفارغ بالك، أن يجبر كسرنا، ويفك أسرنا، ويصرف حسن الدنيا عن قلوبنا، ويوصل حلاوة الآخرة إلى صدورنا، ويهدينا إلى الصراط وأوضح السبل، ولا يكلنا إلى اللهو واللعب فنعطب، ولا يوكل بنا التشمير والجد فتتعب، ولكن قواماً بين ذلك، فخير الخير ما أخذ الواسطة واستقر في المنصف.
وآعلم - لقيت المنى، وجنبت الردى - أنا قد أصبحنا في دار رابحها خاسر، ونائلها قاصر، وعزيزها ذليل، وصحيحها عليل، والداخل إليها مخرج، والمطمئن فيها مزعج، والذائق من شرابها سكران، والواثق بسرابها ظمآن، ظاهرها غرور، وباطنها شرور، وطالبها مكدود، وعاشقها مجهود، وتاركها محمود، والعاقل من قلاها وسلا عنها، والظريف من عابها وأنف منها، والسعيد من غض بصره عن زهرتها، وصرف نفسه عن نضرتها، وليس لها فضيلة إلا دلالتها على نفسها، وإشارتها إلى نقصها، ولعمري إنها لفضيلة لو صادفت قلباً عقولاً، ولساناً قؤولاً، وعملاً مقبولاً، لا لفظاً مقولاً؛ إلى الله
(3/7)

الشكوى من هوى مطاع، وعمر مضاع، فبيده الداء والدواء، والمرض والشفاء، وهو بكل شيء خبير.
فكن - حرسك الله - لنفسك نصيحاً، واستقبل توبة نصوحاً، وآزهد في دار سمها ناقع، وطائرها واقع، وآرغب في دار طالبها منجح، وصاحبها مفلح؛ ومتى حققت الحق، وأمرت بالصدق، بان لك أنهما لا يجتمعان، وأنهما كالضرتين لا تصطلحان، فجرد همك في تحصيل الباقية، فإن الأخرى أنت فان عنها، وهي فانية عنك، وقد عرفت آثارها في أصحابها ورفقائها، وصنيعها بطلابها وعشاقها، معرفة عيان، فأي حجة تبقى لك، وأي حجة لا تثبت عليك؟ أما أنا فقد أيقنت أن بساط عمري مطوي، وأني بعين الله مرعي، وعن صغيري وكبيري مجزي، فإن " من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره " الزلزلة: 7 - 8. جعل الله انتباهنا للوعظ طريقاً إلى نيل المراد والحظ، فالمغبون من صدق لسانه وكذب فعله، وآمن ظاهره ونافق باطنه؛ نفعنا الله بمقول القلب ومسموعه، واستعملنا بصالح العمل ومرفوعه، إنه جواد ماجد.
هذا كله شفقة مني عليك، واهتمام بمصلحتك، فإن أعجبك وراقك، وسرك وآنقك، وسفر نقاب الشبه عنك، ورفع حجاب الهم دونك، وأراك الحق في منظره البهي وحليته المعشوقة، والباطل في سمله الزري ولبسته المشنوءة، فالزم هدي كل هاد، وتقبل مذهب كل ناصح، غير معرج على الدنيا، ولا متتبع لفانيها، ولا متوقع لآتيها، ولا متمتع بحاضرها، فليس من شأنها أن تولي إن آتت، وإن آتت فليس من أخلاقها أن تصفو، وإن
(3/8)

صفت فليس من طبعها أن تدوم. وقد رأيت مصارع المغترين بها، وعواقب الخافضين فيها، كيف ملأت القلوب عبرة، والعيون عبرة.
وليكن همك مطوياً على العلم والعمل والإخلاص والشكر والعفة والطهارة والصدق، فإن هذه صفات ملائكة الله المقربين، وحلي أنبيائه المرسلين. واطلب الكمال جهدك في كل ما خفف الخير عليك، ونظم شمل الإحسان بين يديك، واتق النقص عائفاً له، متبرئاً منه، هاجراً للناقص، إنه كالعليل الذي لا بد له من التذلل للطبيب، يصبر على من يخرجه من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ومن لغب العمى إلى روح البصيرة، ومن خناق العي إلى اتساع البيان، ومن أسر العدو إلى فكاك الولي، ومن شماتة الحاسد إلى مسرة الصديق، ومن حبس العجز إلى ساحة الدرك.
هيهات! أين هذا المعنى بنفسه الذي يرى حياته من مواهب الله النفيسة، وزمانه من نعمه الكريمة، فيدأب في كسب الكمال واستمداد الفضل وطلب العلم، مرة بدرس كتاب، ومرة بمذاكرة نظير، ومرة بخدمة عالم، مستعيناً بالله في تصرفه ومستقره، عالماً أنه لا مانع لما أعطى، ولا معط لما منع. نعم، ولن يتم له ذلك أيضاً حتى يغار على الحكمة غيرته على الحرمة، ويصونها كما يصون العشيقة، وينفر مما قدح فيها أو تحيف منها، كما ينفر من القاذورة الشنعاء والداهية الشعواء، وحتى يخدمه بالتنقيح ساهراً، ويقيه لاحق العيب باطناً وظاهراً، ويبعده من الطعن غائباً وحاضراً، فعند ذلك يشرفه ويفضله، ويزكيه ويعدله، ويقوم في النوادي الحافلة خطيباً بمحاسنه، ويدخله مضمار السابقين، وينزله لسان صدق في الآخرين.
وينبغي أن تعلم أن من أراد خطابة البلغاء على طريقة الأدباء، ومجاراة
(3/9)

الحكماء على عادة الفضلاء، احتاج ضرورة إلى تقديم العناية بأصول هي الأساس، وحفظ فصول هي الأركان، ولن ينفعه تقديمها دون إحكامها، كما لا يجدي عليه حفظها دون عرفانها. فمن أوائل تلك العناية جمع بدد الكلام، ثم الصبر على دراسة محاسنه، ثم الرياضة بتأليف ما شاكل كثيراً منه، أو وقع قريباً إليه، وتنزيل ذلك على شرح الحال ألا يقتصر على معرفة التأليف دون معرفة حسن التأليف، ثم لا يقف مع اللفظ وإن كان بارعاً رشيقاً حتى يفلي المعنى فلياً ويتصفح المغزى تصفحاً، ويقضي من حقه ما يلزم في حكم العقل ليبرأ من عارض سقم، ويسلم من ظاهر استحالة، ويتعمد حقيقته أولاً ثم يؤسسه ثانياً ليترقرق عليه ماء الصدق، ويبدو منه لألاء الحقيقة؛ ولن يتم ذلك حتى يجنبه غريب اللفظ ووحشيه، ومستكرهه وبدويه، ويزل عن ربوة ذي العنجهية وأصحاب اللوثة وأرباب الجعظرة، بعد أن يرتقي عن مساقط العامة في هجر كلامها ومرذول تأليفها؛ وبعض بني أسد يقول: الطويل
وإني على ما كان من عجرفيتي ... ولوثة أعرابيتي لأديب
أما ترى هذا الأعرابي كيف يميز بين المطبوع والمتكلف باعترافه أن فيه عجرفية ولوثة، هذا وهو معذور في ذلك لأنه يجري منه على عرق سليم من الأبن، ولسان مفتوق على اللسن، وسليقة مصحوبة بالفطن. فما ظنك بعد هذا بغيره ممن لا يقيم حرفاً إلا على تحريف، ولا يروي كلمة إلا على تصحيف، ويأنف من مسألة من شفاؤه عنده، وكماله بيده، وبرؤه بطبه؟
(3/10)

وهذه لغة قد فشت في زماننا حتى كأنهم فيها أعراب عامر. لقد جرى بعض هذا الفن عند رجل رئيس فقال: الأمر في هذا الشأن أسهل من ذلك وأهون، لأن الأحتفال والتيقظ لا يلزمان إلا في فرائض الدين وآداب الشريعة، والأستظهار والحفظ لا يستعملان إلا في تخليص النفس وحراسة الطبيعة، فأما البلاغة في الكتابة والتوقي فيها من الزلة، وأخذ الأهبة في الإفهام والأستفهام، فمن الكلف الموضوعة والأثقال المحطوطة، واللائمة تلصق بطريقها أكثر، والعيب يلزم من يغلو فيها أشد، وإغفال هذا الباب أشبه بمذاهب أهل الصلاح والنسك من نصحه خوفاً من مكابرته، ودافعاً للدواء مع تمكنه من دائه وتسهيله لشفائه، جاهلاً بثناء الله عز وجل على العلم والعالم في مواضع من كتابه؛ قال الله عز وجل: " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم " آل عمران: 18.
ومن عرف المتبوع من التابع، حط التابع عن درجة المتبوع، والعلم هو المتبوع، والعمل هو التابع، وبالعلم يصح العمل، ولا يصلح العلم إلا بالعمل، وقليل العمل مع كثير العلم يسد خللاً ظاهراً، ويرقع فتقاً منكراً، والثواب في الصبر على دفع الشبه إذا حلت، وصرفها بالحجج إذا أطلت، أضعاف الثواب على العمل؛ والعمل أيضاً لا يبرأ من رياء يحبطه، وكبر يفسده، وأكثره لا يخلص، وأقل العلم فيه تنبيه وإفاقة وخبرة بأسرار الله تعالى في خلقه، وإشراف على صنع الله لعبيده، وتشبث بأذيال عزه، واقتباس من نور وجهه، وشوق إلى طلب الزلفى من عنده.
ولعمري فالعلم بالعمل أحسن، كما أن العمل بالإخلاص أزين، ولكن
(3/11)

ذاك قليل لعزة الكمال في كل شيء، فإنك لا ترمي بلحظك إلى شيء، ولا ترسل وهمك على شيء، إلا وجدته مبثوثاً ممزوجاً إلا ما برأه الله من ذلك؛ فهل عدا هذا القائل اختيار الحاسدين الذين أصبحوا من النادمين؟ ولقلما يعتري هذا الفساد أحداً إلا من ثقته بنفسه، وجنوحه إليها بحسن ظنه، ولو فطن لجنايتها عليه، عرف إساءاتها إليه، وقد نقصت العلماء نقصاً فلم أجد أثقل عليهم من التعرف والتوقف.
والعلم نور البارىء، وحلية الملائكة، وفطرة الأنبياء، وجوهر الإنسان، ولب الكون، العقل مادته، والتجارب شهادته، والبيان تبعه، واللغة توشيحه، والأمر والنهي عيناه، والإقرار والأفكار جناحاه، والدنيا والآخرة طريقاه؛ وهب الله لك منه الحظ الأجزل، وسلك بك في العمل به الطريق الأسهل، ولا زهدك في العلم فساد العلماء، ولا أقعدك عن العمل مراءاة العاملين.
(3/12)

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استعينوا بقيلولة النهار على قيام الليل، وطعام السحر على صيام النهار.
كان عروة بن أدية إذا قام الناس بالبصرة خرج في سككهها ونادى: يا أهل البصرة، الصلاة الصلاة " أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون " الأعراف: 97.
قال أنس: كان بعضنا يدعو لبعض بهذا الدعاء: سهل الله عليكم صلاة قوم أبرار، يقومون الليل ويصومون النهار، ليسوا بأثمة ولا فجار.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أطعمني جبريل هريسة أشد بها ظهري لقيام الليل.
قال أبو حرة: أتينا بكر بن عبد الله المزني نعوده، فدخلنا عليه وقد قام لحاجته فجلسنا ننتظره، فأقبل إلينا يتهادى بين رجلين، فلما نظر إلينا سلم علينا ثم قال: رحم الله عبداً أعطي قوة فعمل بها في طاعة الله، أو قصر به ضعف فكف عن محارم الله.
(3/13)

وقال بكر بن عبد الله: كانت امرأة من أهل اليمن عابدة، وكانت إذا أصبحت قالت: يا نفس، اليوم يومك ليس لك يوم غيره، فتعمل في ذلك اليوم ما شاء الله حتى تمسي، فإذا أمست قالت: يا نفس، الليلة ليلتك، ليس لك ليلة غيرها؛ فتعمل في تلك الليلة ما شاء الله حتى تصبح؛ فكان ذلك دأبها حتى ماتت رحمها الله.
قال النعمان بن بشير: مثل الإنسان والموت مثل رجل له ثلاثة خلان، قال أحدهم: أنا مالك خذ مني ما شئت وأعط ما شئت، وقال الآخر: أنا معك أحملك وأضعك فإذا مت تركتك، وقال الآخر: أنا معك أدخل وأخرج معك حييت أو مت؛ أما الأول فماله، وأما الثاني فعشيرته، وأما الثالث فعمله يدخل معه ويخرج معه.
(3/14)

قيل للزهري: من الزاهد في الدنيا؟ فقال: من لم يمنع الحلال شكره، ولم يمنع الحرام صبره.
وقال غيلان بن جرير: عقول الناس على قدر زمانهم.
قال سفيان الثوري، قال وهب: ما عبد الله بمثل العقل، ولا يكون الرجل عاقلاً حتى يكون فيه عشر خصال: يكون الكبر منه مأموناً، والخير منه مأمولاً، يقتدي بمن قبله، وهو إمام لمن بعده، وحتى يكون الذل في طاعة الله أحب إليه من العز في معصية الله، وحتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام، وحتى يكون عيشه القوت، وحتى يستقل الكثير من عمله ويستكثره من غيره، وحتى لا يتبرم بطلب الحوائج قبله، والعاشرة، وما العاشرة، بها شاد مجده، وعلا ذكره: يخرج من بيته فلا يستقبله أحد من الناس إلا رأى أنه دونه.
(3/15)

قال مالك بن دينار: رحم الله عبداً قال لنفسه: يا نفس، ألست صاحبة كذا؟ ثلاث مرات، ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائداً.
وقال مالك أيضاً: سمعت الحجاج على المنبر يخطب ويقول: آمرءاً أتهم نفسه على نفسه، آمرءاً اتخذ نفسه عدوه، آمرءاً أخذ بعنان عقله فنظر إلى ما يراد به، آمرءاً زود نفسه، آمرءاً حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب، آمرءاً نظر إلى ميزانه. فجعل يقول امرءاً حتى أبكاني.
يبكي مالك من كلام الحجاج، ولا يبكي الحجاج من كلام مالك، ولا قتل سعيد.
قال مسمع، قلت لجعفر الصادق عليه السلام: لم خلد أهل الجنة فيها، وإنما كانت أعمارهم قصيرة وأعمالهم يسيرة، ولم خلد أهل النار وهم كذلك؟ فقال: إن أهل الجنة نووا أن يطيعوه أبداً، وإن أهل النار نووا أن
(3/16)

يعصوه أبداً، فلذلك صاروا مخلدين.
المتكلمون لا يرضون بهذا الجواب، ولا يعجبون به، ولا يميلون إليه، وما أكثر ما يزيفون الرواية، ويقدحون في الأثر، ويستبدون بالرأي، ويفزعون إلى القياس، وليتهم مع هذه الجرأة على الرد، والإقدام على الحكمة، كانوا يجانبون الهوة، ويعافون الأختلاف، ويعلمون أن الله نهى عن التفرق في الدين، ومنع من إيثار الشك على اليقين، ودين الله محمي الحريم، عزيز الجانب، لا يتلقى بالتعسف والتكلف، ولا يتناول بالتقعر والتنطع، وما شمت الحاسد المرصد، والطاعن الملحد، حتى رأى علماء الدين وأنصار الشريعة يموجون في نحلهم، ويكفرون أهل القبلة على اعتقادهم، ويحيرون المسترشد، ويغوون الرشيد، ويصدون بالأختلاف عن الأئتلاف، ويسرعون إلى الإنكار قبل الأعتراف، ويظنون أن عقولهم كافية، وألفاظهم شافية، وأن الله راض عنهم لصنيعهم، غير مؤاخذ لهم على تضييعهم، فلا جرم والله ذهب بهيبتهم، ونزع البهاء عن وجوههم، ووكلهم إلى أنفسهم حتى خبطوا كما تخبط العشواء، وضلوا كما تضل العمياء، وجعل مصيرهم إلى دار البذاءة، وألجأهم إلى الحسرة والندامة، ولو سكتوا عما سكت عنه، وقالوا بما أمروا به، وضرعوا إلى الله سبحانه فيما أشكل عليهم منه، أراح الله قلوبهم من كد الفكرة، وأزاح عللهم بالأنباء والعبرة، وعذرهم فيما عجزوا عنه، وقبلهم على ما تقدم إليهم به؛ ولكنهم أعجبوا ببعض الإصابة فتهوروا مع كثير الخطأ، وكذلك يفعل الله بمن لا يحفظ شرائط العبودية، ولا يقف عند حدود البشرية، ولا ينصاع لأمر الألوهية، ولا يسلم لله أحكام الربوبية، ولكن يطلب العلة الخافية عليه وما طولب بها، ويبحث عن الحكمة المطوية عنه وما سئل عنها، ويفرض الله كأنه شريكه في الملك، ويقول لم وكيف وهو جاهل بما هو فيه، وبما كوشف به،
(3/17)

وبما أطلع عليه، لو سألته عن نفسه ومعناه وعينه، وعن نطقه وصمته، وعرفاته وحديثه، وظنه ويقينه، وشكه وتوثقه، وغضبه ومرضاته، وعما يتعاوره ويتعاقبه، ويتجدد إليه ويتحدد عليه، ويبدو منه ويغور فيه، على دائم الزمان، في كل الزمان، لوجدته بادي العجز، ظاهر الجهل، قريب العر، مستحقاً للرحمة، وأنه مع ذلك يدعي لاوياً شدقه، فاتلاً إصبعه، مدراً وريده، كأنه رب ليس بمربوب، أو مالك ليس بمملوك.
قال قتادة، قال يونس بن حيوة: شيعنا جنيداً فلما انتهينا إلى حصن المكاتب قلنا: أوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالقرآن فإنه نور الليل المظلم، وهدى النهار، فاعلموا به على ما كان من جهد وفاقة، فإن عرض بلاء فقدم مالك دون نفسك، وأعلم أن المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب نفسه، إنه لا غنى بعد النار، ولا فقر بعد الجنة، وإن النار لا يفك أسيرها، ولا يستغني فقيرها.
هذا والله الحد وما سواه تعليل، وبالله المعونة على كل حال.
(3/18)

ذكر أبو حازم عند الزهري فقال: أما والله إنه لجاري، وما جالسته قط، قال أبو حازم: ذاك لأني مسكين، أما والله لو كنت غنياً لجالسني، قال الزهري: قد سببتني، قال: أجل.
قال ابن المبارك: كان في بني إسرائيل جبار يقتل الناس على أكل لحم الخنزير، فلم يزل الأمر يترقى حتى بلغ إلى عابد من عبادهم، فشق ذلك على الناس، فقال له صاحب الشرطة: إني ذابح لك جدياً، فإذا دعاك الجبار لتأكل فكل، فلما دعاه ليأكل أبى أن يأكل فقال: أخرجوه وآضربوا عنقه، فقال الشرطي: ما منعك أن تأكل جدياً مشوياً؟ فقال: إني رجل منظور إليه، وإني كرهت أن يتأسى بي في معاصي الله، ثم قتله.
قال ميمون بن مهران: لو أن أقصركم علماً عمل بما يعلم لدخل الجنة؛ ما منكم إلا من يعلم أن الصلاة خير من تركها، والأمانة خير من الخيانة، والصدق خير من الكذب، والوفاء بالعهد خير من نقضه، والصلة خير من القطيعة.
(3/19)

قال عبد الله بن مسعود: تعودوا الخير فإنما الخير عادة.
قال مطرف: لو أتاني آت من ربي فخيرني بين الجنة والنار وبين أن أصير تراباً، لأخترت أن أصير تراباً.
قال أبو هريرة: تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فأبكى من في البيت، فكان رجل في زاوية البيت تسيل دموعه على خديه لا يسمع له صوت، ولا ترى له عبرة، فجاء جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، أما إن هذا الباكي قد أطفأ بدموعه بحوراً من جهنم.
قال مالك بن مغول: كان رجل يبكي فيقول له أهله: لو قتلت قتيلاً ثم أتيت أهله فرأوك تبكي هذا البكاء لعفوا عنك، فقال: إني قتلت نفسي.
قال حماد بن زيد: بكى أيوب مرة فأخذ بأنفه ثم قال: هذه الزكمة ربما عرضت؛ قال: وبكى مرة فاستبين بكاؤه، ثم قال: إن الشيخ إذا كبر قبح.
(3/20)

قال عبد الله بن مسعود: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبحزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وبصمته إذ الناس يخوضون.
قيل لرابعة وقد انصرفت من الجبانة في يوم فطر: كيف رأيت الناس في هذا اليوم؟ قالت: رأيتكم خرجتم إحياء سنة وإماتة بدعة، غير أنكم أظهرتم نعمة أدخلتم بها على الفقراء مذلة.
قال ابن مسعود: وقف رجل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فارتعد، فقال: لا تخف فإني ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد.
قال أبو وائل، قال عبد الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم كحل عين علي بن أبي طالب بريقه من وجع أصابه.
قال ابن عباس في قوله عز وجل " ونجني من فرعون وعمله " التحريم: 11: أي جماعه.
(3/21)

وقال ابن عباس في قوله " عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة " الممتحنة: 7 قال: فكانت المودة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة أخت معاوية بن أبي سفيان.
قيل لعمر بن ذر: أيهما أصلح، طول الكمد أو حدور الدمعة؟ قال: حدور الدمعة إذا رق فقد شفى غليلاً، وإذا كتم أغص بالشجا، فطول الكمد أحب إلي.
قال زياد لأبي الأسود الدولي: لولا ضعفك لاستعملتك على بعض أعمالنا، فقال: للصراع تريدني؟ قال زياد: إن للعمل مؤونة ولا أراك إلا تضعف عنه، فأنشأ أبو الأسود يقول: الكامل
زعم الأمير أبو المغيرة أنني ... شيخ كبير قد دنوت من البلى
صدق الأمير لقد كبرت وربما ... نال المكارم من يدب على العصا
يابا المغيرة رب مبهم كربة ... فرجته بالحزم مني والذكا
نظر أبو الدرداء إلى منزل رجل قد بناه وشاده فقال: ما أحكم ما تبنون، وأطول ما تأملون، وأقرب ما تنتقلون.
(3/22)

قال أبو الحسن المدائني: كان يقال: الشرب في آنية الرصاص أمان من القولنج. الرصاص بفتح الراء؛ قال أبو حاتم: الكسر لا يجوز.
قال المدائني، قال الحجاج: المتقارب
أعائش لا تعجلي بالخلاف ... فمنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام ... وقلت لنا إنه قد كفر
ونحن أطعناك في قتله ... وقاتله عندنا من أمر
قال ابن عباس " وقد بلغت من الكبر عتياً " مريم: 8، قال: خمس وتسعون.
ليت ابن عباس عرفنا وجه هذا القول، فإنه فتيا مجردة، واللفظ لا يدل عليه، والعرف لا يشهد له.
قال عيسى بن مريم عليه السلام: كن في الدنيا ضيفاً، واتخذ المسجد بيتاً.
قيل لصوفي: كيف ترى الدنيا؟ قال: أرى نعمتها وسنى، ونقمتها يقظى، والناس بينهما روبى، أي نيام.
(3/23)

قال الحسن البصري رضي الله عنه: آنظر إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق، لا نظر الراغب الوامق، وأحذر سرورها وغرورها، واعتصم بربك من فتنتها، فإن أقواماً اتخذوا ربهم حرزاً، واتخذوا دينه عزاً.
ودخل النعمان بن بشير على علي بن أبي طالب بعد أن قتل عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، لو نصر عثمان كل من أحبه لما طمعت فيه أوباش مصر ولا أوشاب أهل العراق، ولو بسط عليه كل من أبغضه لما سلم أحد من أهل الدار؛ ولكن المحب هاب الخاذل، والخاذل تركه للقاتل، فتوهم الخاذل أن المحب بإمساكه عن النصرة موافق له في الخذل، وتوهم القاتل أن الخاذل بإظهاره الخذل له مقارب له في القتل، فعضد بعض الأمور بعضاً، وكان الخذل لتعاضدها أصلاً، وأشد ما يقوله اليوم من قبض يده عن نصره: ليتني كنت بسطتها، وأقصى ما يقوله من بسط يده إلى قتله: ليتني كنت قبضتها، ورويداً يعلون الجدد، فقال له علي عليه السلام: اكفني نفسك يا نعمان، وآلحق بأي البلاد شئت؛ فلحق بالشام.
هذا من نوادر الحديث، والكلام كما ترى مرهف الحد، مسنون الشبا، وإلى الله المفر، وعليه التوكل.
وأنشد لخارجي: الوافر
(3/24)

إلى كم يا دعاة الحق فيما ... ندين به نقول ولا نصول
لسان في تناجينا طويل ... وعزم في تناخينا كليل
وأنشد لآخر من الخوارج: البسيط
إني أدين بما دان الشراة به ... يوم النخيلة عند الجوسق الخرب
قوم إذا ذكروا بالله أو ذكروا ... خروا من الخوف للأذقان والركب
أنشد الزبير بن بكار: الوافر
أرى إبلي وكانت ذات زهو ... إذا وردت يقال لها نصيع
تكنفها الأرامل واليتامى ... فصاعوها ومثلهم يصوع
وساقوها وساقهم إليها ... بأكناف اللوى حتف وجوع
وطيب عن كرائمهن نفسي ... مخافة أن أرى حسباً يضيع
عن معنى من: لغة في هذيل، هكذا أظن، وأما قوله: فصاعوها فمعناه فرقوها؛ كذا السماع.
قال ثعلب: فلان نقي الجيب، لأنه أول ما يدنس من الثوب، فإذا نقي نفي سائره.
يقال: هذا على طرف العصا، وهذا على طرف الثمام، وهو لك
(3/25)

على حبل الذراع، كل هذا يعنى به التقريب.
قال أبو العباس: قال بعض العرب: نحن إذا عقدنا وفينا، وإذا سئلنا أعطينا، وإذا قدرنا مننا، وإذا نكبنا صبرنا.
امرأة مجعة أي حمقاء، ونساء مجع، ورجال أمجاع.
يقال في الأمثال: الإيناس قبل الإبساس، أي الرفق قبل الطلب.
ويقال: أطيب ما في الجدي شاكلته، وأطيب ما في السمكة راسها، أي خاصرة الجدي وسره السمكة.
وصياح نباح، بربار مزبار، نجناج لحاج، عجاج وطواط، كل هذا متقارب في المعنى؛ هكذا وجدت فرويت.
(3/26)

العرب تقول: إذا كان الليل فأخفض، وإذا كان النهار فانفض، لأن الصوت بالليل يسري، وأما بالنهار فتبعد الجهات منه.
وفي أمثالهم: لا تخلج الفصيل عن أمه.
القعنب: التيس الهرم.
قال أعرابي في كلامه: لو كان رأسه في الجرباء لأخذت حقي منه.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لله امرؤ راقب ربه، وخاف ذنبه، وعمل صالحاً، وقدم خالصاً، واحتسب مذخوراً، واجتنب محذوراً، ورمى عرضاً، وأحرز عوضاً، كابر هواه، وكذب مناه.
يقال: ما الفرق بين الفذ والقذ؛ الفذ: الفرد، والقذ البرغوث؛ هكذا وجدت فرويت.
يقال: الحفا قبل الوجا.
شاعر، وأنشده الأصمعي أيضاً: البسيط
(3/27)

لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لشؤون ليس يدركها ... والنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش مبسوط له أمل ... لا تنتهي العين ما لا ينتهي الأثر
لوم الفتى نفسه من دون عاذله ... يثني عليه ولوم النفس يغتفر
جميل بن عبد الله: الطويل
عضضن البنان الفتخ لما عرفنني ... وقلن: أمعلوم مسيرك أم خافي
وضعن الجلابيب التي كن جنة ... وخفضن طرفاً غير كز ولا جافي
أفضن عليها الماء حتى إذا جرى ... بوادر مظلوم من الماء حفحاف
كما جال مبيض الندى فوق بيضة ... جلا الطل والأنداء عن لونها الصافي
حفحاف: له صوت أي إذا قطر؛ يقال: لهذا الثوب حفحفة أي إذا كان جديداً.
قال شيخ من المنجمين: الشمس أجل ما تكون قدراً في ثلاث مواضع: أولها الحمل وهو شرفها، والثاني الأسد وهو بيتها، ولا سيما إذا كانت في قلب الأسد، والثالث إذا كانت في ثماني عشرة درجة من الجوزاء أوجها، وعند ارتفاعها في القوس يجري الماء في العود ويظهر العشب وتزيد المياه وتبتدىء الثمار والبسر، وذلك أنها تأخذ في الأرتفاع من القوس، لأن القوس آخر انحطاطها في ثماني عشرة درجة منه؛ ويقال للجوزاء المنطقة العليا، وللقوس المنطقة السفلى، ويقال للحوت والسنبلة المنطقة الوسطى.
(3/28)

يقال: لط بها عليه، ولا يقال: ألط، ويقال: ألظ - بالظاء - إذا لزم؛ ولط: ستر. قال أبو العباس: وكان في القياس أن يقال: لاط، فجاء على غير القياس.
قال الأموي: لطويل
ومن يلحم الأعداء أعراض قومه ... تنله مرامي معلن أو مكاتم
وقد يخضع الرأس العلي مكانه ... إذا نقبت أدنى بطون المناسم
وريش الخوافي إن تأملت عاضل ... على كل ما حال بريش القوادم
قال بعض المنجمين: إن مواليد الأنبياء بالسنبلة والميزان. وكان طالع النبي صلى الله عليه وسلم الميزان؛ وقال صلى الله عليه وسلم: ولدت بالسماك، وفي حساب المنجمين أنه السماك الرامح، وكان في ثاني طالعه زحل، فلم يكن له مال ولا عقار.
وقف ابن السماك على قبر داود الطائي، وكان من كبار الزهاد، ومن أصحاب أبي حنيفة، فتكلم على قبره بكلام هذا منه: إن داود الطائي نظر بقلبه إلى ما بين يديه، فأعشى بصر القلب بصر العين، فكان لا يبصر ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تبصرون إلى ما إليه ينظر، فلما رآكم مغرورين، قد دلهت
(3/29)

الدنيا عقولكم، وعشقتها أنفسكم، وامتدت إليها أبصاركم، أوحش الزاهد منكم، فكنت إذا رأيته علمت أنه حي بين موتى. يا داود، ما كان أعجب شانك، وقد يزيد في عجبك أنك ألزمت نفسك الصبر، وقومتها بالزهد؛ أذللتها وإنما تريد عزها، وأجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريها، وعزلت نفسك عن الدنيا فلم ترها لك قدراً ولا خطراً، تفقهت في دينك وتركت الناس يفتنون، وسمعت الحديث وتركتهم يتحدقون، وخرست عن القول وتركتهم ينطقون، لا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية، ولا من الإخوان هدية، آنس ما تكون إذا كنت خالياً، وأوحش ما تكون إذا كنت مع الناس مجالساً، عزلت نفسك في بيتك فلا محدث لك ولا جليس، ولا ستر على بابك، ولا فراش تحتك، ولا قلة يبرد فيها ماؤك، ولا قصعة يكون فيها غداؤك وعشاؤك، فمن صبر صبرك وعزم عزمك؟! لقد أتعبت العابدين بعدك.
قال الرشيد لسفيان بن عيينة: إني عزمت أن أرى الفضيل بن عياض، فقال له سفيان: يا أمير المؤمنين، إنه رجل قد زهد في الناس والدنيا جميعاً، وأخاف أن تأتيه فتستجفيه، فقال له: كلا ما عزمت على إتيانه حتى وطنت نفسي على احتمال ما يكون منه؛ يا سفيان، إن عز القوي عز لا يزحمه منكباً إمرة ولا خلافة. قال: فأتيت فضيلاً بما قال: فقال: ما أعقله لولا أنه يحب العاجل، ثم قال: إني لأحب أن يأتيني وأكره أن يأتيني، فأما محبتي لمجيئه فلعلي أعظه بموعظة ينتفع بها هؤلاء الناس، وأما كراهيتي لمجيئه فلأني أراه يرفل في النعم عارياً من الشكر. قال: ثم أذن، فمضيت مع الرشيد إليه، وقد اختلط الظلام، وعلى الرشيد طيلسان غسيل قد غطى به رأسه، فلما هجمنا عليه في بيته وشم الرائحة سمعته يقول: اللهم إني أسألك رائحة الخلد التي أعددتها لأوليائك
(3/30)

المتقين، فرفع طرفه إليه وعينه تقطر فقال: أنت هو يا حسن الوجه؟ ثم وعظه فجعل يبكي حتى اشتد نشيجه، ثم قال له: ازدد من هذا، فما أعرف في هذه الليلة أحداً أحوج إليه منك، ثم وثب إلى صلاته، وما كان ذاك إلا كخطفة الطير. فلما صرنا إلى صحن الدار قال لي الرشيد: يا سفيان، ما رأيت التقوى في وجه أحد قط أبين منها في وجه هذا الشيخ، ولولا التحشم منك لقبلت ما بين عينيه، فقلت له: والله لعلى ودي أن تكون فعلت ذلك، فكتب الله لك ثوابه وأجره، فقال: إني أرجو أن يكون قد كتب لي ثوابه بالنية ولو لم أفعل.
انظر - فديتك - إلى هذا الحديث، وانظر إلى زمانك وإمامك وسلطانك، فإنك ترى فرقاً يوحش القلب، ويورث الأسف، ولله أمر هو بالغه لا نعترض عليه، ولا ننازع فيه، ولكن ناجأ إلى كنفه، ونسأله زيادة من عطفه، فإنه رحيم بعباده ودود.
قال أصحاب النجوم: إنما جعل أول بيت الطالع، لأنه خروج من ظلمة إلى ضياء، وجعل الطالع للحياة لأن المولود لما خرج بين حالتين - بين الموت والحياة - فإن أوجب الطالع الحياة فذاك، وإن أوجب الموت فذاك؛ والثاني للمواد، فإن الحياة إنما تكون بالمواد، فجعل المال؛ والثالث للإخوة، لأنه أول شكل برج يشاكل بالطالع، إن كان الطالع ذكراً فهو ذكر، وإن كان أنثى فهو أنثى، أو نهارياً أو ليلياً فهو مثله، وأول خط خرج من الطالع إليه ما لاح أقرب الأشياء إليه؛ والرابع الآباء، لأنه ابتداء الدور، منه يبتدىء وإليه يرجع، فالمولود الآباء أوله، والخامس الولد، لأنه مالىء بيت الآباء، والولد خلف الأب؛ والسادس بيت العبيد والمرضى والسقاط، لسقوطه عن الطالع ولأنه لا تمازج بين الطالع وبينه؛ والسابع الأضداد والنساء، لأنه بإزاء الطالع، إذا ظهر هذا غاب هذا، وإذا غاب هذا ظهر هذا؛ والثامن ينظر الثاني، فحالته بالضد، فلما كان الثاني سبب المواد، والمواد سبب الحياة، كان الثامن انقطاع المواد، وبانقطاع المواد يقع الموت؛ والتاسع السفر والدأب
(3/31)

والحركة والعلم، لأنه برج الشمس وأول الرائد من وتد العاشر؛ والعاشر السلطان والذكر والكرامة والصناعة، لأن العاشر أرفع نقطة في الفلك؛ والحادي عشر بيت الرخاء والإخوان والأصدقاء، لأنه نظير بيت الإخوة وثاني وسط السماء، لأن أول خط في الدائرة من تسديس، فالخط الأول يخرج إلى الثالث، والخط الثاني يخرج من الجانب الآخر إلى الحادي عشر، فيصير نظير بيت الإخوة لهذه العلة، فلذلك صار بيت الإخوان والأصدقاء، ولأنه يأتي العاشر صار موضع الرخاء والسعادة لأن الذي يتلوه السلطان للسعادة؛ والثاني عشر موضع برج زحل؛ والسادس موضع برج المريخ. قال هرمس: إذا كان زحل في حادي عشر والطالع القمر، خيف على قائم الزمان. نقلت هذا من خط القومسي.
العرب تقول: أعل على الوسادة أي ارتفع عليها، وأعل عنها أي انزل عنها.
دعبل الخزاعي: الوافر
ذممتك أولاً حتى إذا ما ... بلوت سواك عاد الذم حمدا
فلم أحمدك من خير ولكن ... رأيت سواك شراً منك حدا
فعدت إليك مجتدياً ذليلاً ... لأني لم أجد من ذاك بدا
كمجهود تحامى لحم ميت ... فلما اضطر عاد إليه شدا
قال عتبة بن أبي سفيان لمعاوية وعنده عمرو ووردان: يا أمير المؤمنين، ما ألذ الأشياء؟ قال: صحة استولت على بدن، وقدرة اشتملت على
(3/32)

أمل، وسلطان مكله حزم، قال عمرو: ألذ الأشياء انجلاء الغمرات، وقد بلغت النفس اللهوات. قال معاوية وعمرو لوردان: ما تقول يا وردان؟ قال: قد قلتما، قالا: على حال، قال: ألذ الأشياء من بيع بغير تمنن، ويشتري منناً بعدها تجل عن الإحصاء، وترتفع عن الجزاء، تسود من أسداها، وتشرف من أسديت إليه، فقالا: وما أنت وهذه لا أم لك؟! مواليك أحق بها، قال: قد والله تركتها لكما فلم تأخذاها، ثم ذكرتها فلم تنكراها، فإن شئتما أن تنتحلاها رديفين فشأنكما، قالا له: إن لك في نفسك شأناً، قال: إن رأياً ضمني إليكما وآنسكما بي لخليق أن يكون ذا شأن.
قال ابن السماك: الكمال في خمس: ألا يعيب الرجل أحداً بعيب فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنه لا يفرغ من إصلاح عيب واحد حتى يهجم عليه آخر، فتشغله عيوبه عن عيوب الناس؛ والثانية: ألا يطلق لسانه ويده حتى يعلم أفي طاعة أو معصية؛ والثالثة: ألا يلتمس من الناس إلا مثلما يعطيهم من نفسه؛ والرابعة: أن يسلم من الناس باستشعار مداراتهم وتوفيتهم حقوقهم؛ والخامسة: أن ينفق الفضل من ماله ويمسك الفضل من حاله.
لبعض الخوارج: البسيط
كم من فتى نجدة لا اللهو همته ... ومن خطيب لدين الله وصاف
ليث النهار وقس الليل في ثقة ... للوهن في دينه والضيم عياف
(3/33)

ماض إذا أحجم الأبطال أو نكلوا ... عند النزول إلى الأقران دلاف
لا هائب يوم هيجا من منازلة ... لنفسه في لهيب الحرب قذاف
في الروع ليس بطياش ولا وكل ... نكس وعن شبهات اللبس وقاف
لم ألق مثلهم في الناس أهل هدى ... في طول حل وترحال وتطواف
قوم شروا كدر الدنيا وباطلها ... بمنزل من جنان شربه صاف
ما راقهم زخرف الدنيا وبهجتها ... ولا الترفل في خز وأفواف
ما تركوا من تراث يوم معركة ... لسالب غير أدراع وأسياف
وكل عبل الشوى نهد مراكله ... كالسيد أدهم محبوك القرا صاف
وقدموا فضل دنياهم لآخرة ... ثواب مفروضه أضعاف أضعاف
قال النبي صلى الله عليه وسلم: آستوكف، أي أسبغ الوضوء.
سمع جعفر بن يحيى قبل أن يقبض عليه بساعة ينشد: الوافر
مقيم بالمجازة من شروري ... وأهلك بالأجيفر والثماد
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي
وكل ذخيرة لا بد يوماً ... وإن عظمت تصير إلى نفاد
فلو نفديك من حدث الليالي ... فديتك بالطريف وبالتلاد
(3/34)

قال أبو العباس، قال الحسن بن سهل: كل شيء تلبسه يستدفىء بك ثم يدفئك إلا السمور، فإنه يدفئك قبل أن يستدفىء بك.
من الأمثال المنقولة من الفارسية: الرجز
إن الذي تطلبه يدفيكا ... تأكله بشر شيء فيكا
إذا تمنى مائق أمنيه ... يحسبها كائنة مقضيه
يقال: إذا غدوت فبكر، وإذا رحت فهجر، وإذا أكلت فأوتر، أي كل بثلاث أصابع، وإذا شربت فأسئر، أي أبق بقية.
ويقال: أصول الطيب خمسة: المسك والعنبر والعود والكافور والزعفران.
قال فيلسوف: عجباً لمن عومل فأنصف كيف يظلم، وأعجب منه من عومل فظلم إذا عامل كيف يظلم.
شاعر: المتقارب
أعاذلتي أقصري ... أبع جدتي بالمنن
ذريني أفد بالثرا ... ء حمداً فنعم الثمن
فما منك شيء حلا ... ولا لك أنسى الزمن
(3/35)

إذا عز يوماً أخو ... ك في بعض أمر فهن
بلوت صروف الزما ... ن في فرح أو حزن
فسر فلم أبتهج ... وساء فلم أستكن
إذا ما نبا منزل ... فكل بلاد وطن
فليس حياة الفتى ... سوى ساعة لم تئن
يعيش الفتى حاسراً ... ويهلك تحت الجنن
ويخطئه خوفه ... ويصرعه ما أمن
قال معاوية: معاشر قريش، ما بال الناس لأم وأنتم لعلات؟! تقطعون ما أمر الله أن يوصل منكم، وتباعدون ما قرب الله؛ كيف ترجون لغيركم وقد عجزتم عن أنفسكم؟ تقولون كفانا من الشرف من قبلنا، فعندها ترميكم الحجة فاكفوه من بعدكم! إنكم كنتم رقاعاً في جيوب العرب، قد أخرجتم من حرم ربكم، ومنعتم تراث نبيكم حتى جمعكم الله برجل منكم، فردكم إلى بلادكم، وأخذ لكم ما أخذ منكم، فجمعت لكم مكارم العرب، ودفعت عنكم مكايد العجم، فأرغبوا في الألفة التي أكرمتكم بها، وإياكم والفرقة فقد حذرتكم نفسها.
قال أرسطاطاليس: من أخذ ميثاق الصبر، في ألوان الدهر، حسن ثناؤه في كل أمر.
(3/36)

وقال أيضاً: من قارب الناس في عقولهم ولم يستكرههم في تصريف الأمور بما يخرجهم من متعارف نظرهم سلم من غوائلهم.
قال خالد بن صفوان في وصف النخل: هن الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، تخرج أسفاطاً عظاماً وأوساطاً، كما ملئت رياطاً، ثم تتفرى عن قضبان اللجين منظومة باللؤلؤ الأبيض، وتصير ذهباً أحمر منظوماً بالزبرجد الأخضر، ثم تصير عسلاً في نحاء، معلقاً بالهواء، ليس في مسك ولا سقاء، بعيداً من التراب، لا يقربه الذباب، دونه الحراب، ثم يصير ورقاً في كيس الرجال، يستعان به على العيال.
قال أعرابي وقد نظر إلى دينار: قاتلك الله ما أصغر قمتك وأعظم قيمتك.
مر بي في كتاب الرتب، قال أبو ذر: أيها الناس، إن آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الأسرة من نوح، والآل من إبراهيم، والصفوة والكلالة من إسماعيل، والعترة الطيبة الهادية من محمد، فأنزلوا آل محمد بمنزلة الرأس من الجسد، بل العينين من الرأس، فإنهم فيكم كالسماء المرفوعة، وكالجبال المنصوبة، وكالشمس الضاحية، وكالشجرة الزيتونة، أضاء زيتها، وبورك وقدها.
(3/37)

قال الزياتون: من مناقب الزيت أنه يعصر أول عصرة فيكون منه زيت للأكل، ثم يعصر ثانية فيكون منه زيت السراج، ثم يعصر ثالثة فتطيب به زقاق الزيت، ثم يباع ثجيره فيجفف وتسجر به النار فتكون ناره أحر نار، ثم يعزل رماد ذلك الوقود فيباع لأصحاب الصابون فيدخلونه في عمله فيجود، فلا يسقط منه شيء.
وصف بعض العلماء الذهب فقال: هو أبقى الجواهر على الدفن، وأصبرها على الماء، وأقلها نقصاناً على النار، وهو أوزن من كل ذي وزن إذا كان في مقدار شخصه، وجميع جواهر الأرض إذا وضع على ظهر الزئبق في إنائه طفاً، ولو كان وزناً عظيماً، وحجماً ثقيلاً، وإن وضع قيراط من ذهب رسب حتى يبلغ قعر الإناء، وميله أجود الأميال، والهند تمره في العين بغير كحل، ولا يسود لصلاح طبعه وموافقة جوهره لجوهر الناظر، ومنه الزرياب والصفائح التي تتخذ لسقوف الخلفاء والملوك، وعليه مدار تبايع الخلق، وهو ثمن لكل شيء، والأرض التي تنبته تحيل الفضة إلى جوهرها في السنين الكثيرة، وتقلب الحديد إلى طبعها في الأيام اليسيرة، والطبيخ الذي يكون في قدوره أغذى وأمرأ وأصح في الجوف.
قيل لأعرابي: كيف أنت مع صديقك؟ قال: نتعايش بالنفاق، ونتجاوز بهجر وفراق.
قال خالد الكاتب في أبي المثنى الطفيلي: السريع
(3/38)

أبو المثنى أبداً في غرام ... قد بات من حب طعام الكرام
يعجبه من غيره دعوة ... حتى يراها أبداً في المنام
قد رسم التطفيل في وجهه ... هذا حبيس في سبيل الطعام
ليس بقواد ولكنه ... يعجبه المشي أمام الغلام
قال أعرابي: ليس الرديف في العشيرة كالصليبة، ولا الهجين كالصريح، ولا التابع كالمتبوع. كل هذا من كتاب الرتب.
قال يزيد بن ضبة الثقفي: الطويل
تواعد للبين الخليط لينبتوا ... وقالوا لراعي الذود موعدك السبت
وفي النفس حاجات إليهم كثيرة ... لإبانها في الحي لو أخر الوقت
ولم أك فيما كان قبل احتمالهم ... على بينهم بالأمس نفسي وطنت
ولكنهم بانوا ولم أدر بغتة ... وأفظع شيء حين يفجؤك البغت
وقال أبو دهبل: الطويل
تبيت النشاوى من أمية نوماً ... وبالطف قتلى ما ينام حميمها
(3/39)

وما أهلك الإسلام إلا قبيلة ... تأمر نوكاها فدام نعيمها
وصارت قناة الدين في يد ظالم ... إذا مال منها جانب لا يقيمها
وقال تميم بن مقبل: الطويل
فأتلف وأخلف إنما المال عارة ... وكله مع الدهر الذي هو آكله
فأيسر مفقود وأهون هالك ... على الحي من لا يبلغ الحي نائله
وقال حميد بن ثور يصف الذئب: الطويل
ترى طرفيه يعسلان كلاهما ... كما اهتز عود الساسم المتتايع
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع
قال المبرد، قال محمد بن حرب الهلالي: حاجب الرجل نصفه،
(3/40)

وكاتبه كله. وينبغي لصاحب الشرطة أن يطيل الجلوس، ويديم العبوس، ويستخف بالشفاعات.
قال العتبي: سمعت أعرابياً يقول: الحمد لله حمداً لا يبلى جديده، ولا يحصى عديده، ولا تبلغ حدوده.
قال أعرابي: اللهم إني أسألك الغفيرة، يوم كل نفس إليك فقيرة، فإن النعمة فيه كثيرة.
قال صوفي، وذكر الدنيا: ما أدري كيف أعجب منها، أمن قبح منظرها، أم من سوء مخبرها، أم من عشق الناس لها، وتناحرهم عليها؟! وأنشد: الطويل
تهاع وتستعدي إذا الضر مسها ... وتقسو قسواً حين ينعم بالها
كان حماد عجرد ينادم أبا حنيفة، فلما تنسك أبو حنيفة وطلب الرأي قطعه وكان يعيبه، فكتب حماد: الكامل المجزوء
إن كان نسكك لا يت ... م بغير سبي وآنتقاصي
فاقعد وقم بي كيف شئ ... ت مع الأداني والأقاصي
(3/41)

فلطالما زكيتني ... وأنا المقيم على المعاصي
أيام نأخذها ونع ... طي في أباريق الرصاص
يقال: جاءنا بأفكوهة، وأعجوبة، وأملوحة، وأضحوكة، وأحدوثة، وألعوبة؛ كذا كلام العرب إذا جاء بما يضحك منه ويستملح ويتعجب منه ويتحدث به.
قال العتبي: سمعت أعرابياً يقول: ما طلع على الإنسان طالع أبغض إليه من الشيب.
قال أبو حاتم: سأل رجل أبا عبيدة عن اسم رجل فقال: ما أعرف أسمه، فقال كيسان: أنا أعرف الناس به، هو خراش أو خداش أو رياش أو شيء آخر، فقال أبو عبيدة: ما أحسن ما عرفته، فقال: إي والله وهو قرشي أيضاً، قال: وما يدريك؟ قال: أو ما ترى احتواءه على الشين من كل جانب؟! قال الأصمعي: كان عثمان البتي يتمثل دائماً: الوافر
وفي الممشى إليك علي عار ... ولكن الهوى منع الفرارا
(3/42)

قيل لصوفي: كيف أصبحت؟ قال: آسفاً على أمسي، كارهاً ليومي، متهماً لغدي.
قال ابن الكلبي: رأيت قاتل الحسين بن علي عليهما السلام قد أدخل على الحجاج وعنده عنبسة بن سعيد فقال: أأنت قتلت حسيناً؟ قال: نعم، قال: كيف؟ قال: دسرته بالرمح دسراً، وهبرته بالسيف هبراً، ووكلت رأسه إلى امرىء غير وكل، فقال الحجاج: والله لا تجتمعان في الجنة أبداً، فخرج أهل العراق يقولون: والله لا يجتمع ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتله في الجنة أبداً، وخرج أهل الشام يقولون: صدق الأمير لا يجتمع من شق عصا المسلمين وخالف أمير المؤمنين وقاتله في طاعة الله في الجنة أبداً.
أنشد ابن الأعرابي: الرجز
ما سبعة كلهم إخوان ... ليس يموتون وهم شبان
لم يرهم في موضع إنسان
وأنشد: الوافر
(3/43)

فما خضراء في ورق وظل ... وأفنان تدب لها عروق
مضت في ذاك حيناً ثم صارت ... لها لحم يرى ودم وريق
وأنشد ثعلب: البسيط
عينان عينان ما فاضت دموعهما ... في كل عين من العينين نونان
نونان نونان لم يخططهما قلم ... في كل نون من النونين عينان
قال أبو محلم: كان أعرابي باليمامة والياً على الماء، فإذا اختصم إليه اثنان وأشكل عليه القضاء حبسهما حتى يصطلحا ويقول: دواء اللبس الحبس.
وأنشد أبو محلم: الطويل
لعمري لقد قاسيت نفساً ضعيفة ... قليلاً لأيام الممات احتمالها
قال أبو العيناء: كتب رجل إلى صديق له: عافانا الله وإياك من الشر كله، فقرأه من الشوكلة ثم كتب إليه: ما أعرف الشوكلة في العلل فعرفني.
قال المبرد: شكا الفضل بن إسحاق جاريته إلى إبراهيم بن عبد الله الحراني فقال إبراهيم: أرأيت وجهك في المرآة؟ قال: نعم، قال: أفرضيته لنفسك؟ قال: لا، قال: يا عاض بظر أمه، فكيف سمتها أن تحب ما لم تحبه لنفسك؟!
(3/44)

قال المبرد: حدثني الجاحظ أن جعفر بن سليمان لما اشترى الزرقاء جارية ابن رامين قال لها: هل قبلك أحد قط؟ قالت: نعم، يزيد بن عون قبلني ومج في فمي درة بعتها بثلاثين ألف درهم، فطلبه حتى ظفر به فضربه بالسياط حتى قتله.
هذا من جعفر لؤم، ومن الجارية رعونة، ومن يزيد بن عون عشق، وما استحق القتل، ولكن الجهل يعمل أكثر من هذا.
قال أبو صالح المصيصي: سمعت الأصمعي يقول: قدم أعرابي البصرة ومعه متاع فسرق، فدخل الجامع فنظر إلى حلقة فيها شيخ يحدث، فوقف وقال: يا هؤلاء، إني قد توسمت فيكم الخير، ورجوت بركة دعائكم، وإنه كان معي متاع فسرق، فاسألوا الله أن يرده علي، فقال الشيخ: يا هؤلاء، سلوا الذي لم يرد أن يسرق متاع الأعرابي أن يرد متاعه عليه، فقال الأعرابي: كما لم يرد أن يسرق متاعي فسرق، يريد أن يرد فلا يرد.
قال إسحاق الموصلي: جاريت أبا الضحاك الربيع بن عبد الله الشيباني فقال في كلامه: هذا الأمر لا يحصى ولا يقصى، أي لا يبلغ أقصاه.
كان الرشيد يلعب بالصوالج فقال ليزيد بن مزيد الشيباني: كن
(3/45)

مع عيسى، فأبى فقال: أتأنف ويحك أن تكون معه؟ قال: يا أمير المؤمنين، إني حلفت يميناً لا أكون على أمير المؤمنين في جد ولا هزل.
قيل لأعرابي: كيف ترى الدهر؟ قال: خدوعاً خلوباً، وثوباً غلوباً.
قال رجل لمتكلم: ما الدليل على صانع العالم؟ قال: شعرة أمك، فإنها تحلقها فتنبت وتعلم أن لها منبتاً، فقال الرجل: إن كان هذا دليلاً على إثبات الصانع فإن بظر أمك يدل على نفي الصانع، لأنها إذا قطعته لم ينبت؛ فانقطع المتكلم.
والسفه في المتكلمين فاش، وسوء الأدب عندهم من أجود سلاح، والمكابرة من أكبر عدة، ولهذا يجتمعون فلا ينفع الله باجتماعهم وبتعاطيهم وبأهوائهم. وما زال هذا الدين بهي المنظر مهيب المخبر، عذب المورد محمود المصدر، حتى تكلم هؤلاء القوم فأثاروا الشبه، وأقاموا الحجج، وطرحوا في القلوب العار، وحملوا الألسنة على الإنكار؛ كفى الله المسلمين شرهم، إنه نعم الكافي والمعين.
قال أبو عبيدة: السحاب فحل الأرض.
قال المدائني: كان فروخ العلج موسراً، فزوج إلى بعض أشراف
(3/46)

البصرة، فكان إذا سمع الأقيشر الأسدي ينشد يقول: ما أجوده، وكان لا يعرف شيئاً؛ فأنشده الأقيشر يوماً شعراً يصف فيه نفسه فقال: الكامل
ولقد أروح بمشرف يافوخه ... عتر المهزة ماؤه يتفصد
مرح يطير من المراح لعابه ... ويكاد جلد إهابه يتقدد
يتنزع الشيطان في إعراضه ... ويصيح
حتى علوت به مشق ثنية ... طوراً أغور به وطوراً أنجد
فقال له: كيف ترى هذا الفرس؟ قال، بخ! قال: أكنت تركبه؟ قال: نعم، وألين عريكته، فضحك به، وبلغ ذلك الشريف الذي كان زوجه، فأخرج الأقيشر عن البصرة.
وقال خلف بن خليفة: السريع
قد أصبحت سعدة مزورة ... لما رأت شدة إملاقي
وزادها وجداً على وجدها ... ما أبصرت من لين مخراقي
أنشد الرياشي: البسيط
تقنعت برداء الحسن وآشتملت ... على لطائف من ظرف وتقويم
(3/47)

أهدت لنا الشمس شطراً من محاسنها ... فالوجه للشمس والعينان للريم
قيل لصوفي: لم تعتزل الدنيا؟ قال: لأني أمنع من صافيها، وأمتنع من كدرها.
قيل لعبد الملك بن صالح الهاشمي: إن أخاك عبد الله بن صالح ذكر أنك حقود، فقال متمثلاً: الطويل
إذا ما امرؤ لم يحقد الحقد لم يكن ... لديه لذي النعمى جزاء ولا شكر
وهذا كقول الآخر:
إذا أنا بالمعروف لم أثن دائباً ... ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما
ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما
مر خالد بن صفوان على سليمان بن علي وهو منظرة له بالمربد وخالد على حمار، فقال له سليمان: فأين الخيل والنجائب؟ قال: أصلح الله الأمير، الخيل للقتال، والإبل للأحمال، والركائب للجمال، والبغال للأثقال، والحمير للإمهال.
قال الغلابي: سئل عبيد الله بن محمد التيمي عن قول عمر بن
(3/48)

الخطاب رضي الله عنه يوم السقيفة كنت زورت في نفسي كلاماً، فقال: معناه كنت أصلحت زوره حتى استقام؛ قال: ومنه قول أبي وجزة: البسيط
يزور الأمر حتى يستقيم له ... فما ترى أبداً في أمره زورا
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: أعوذ بالله من الأسد الأسود، والذنب الأعقد، ومن الشيطان والسلطان، ومن عمل ينكس برأس المسلم، ويغري به لئام الناس.
أنشد عمر بن شبة قال، أنشدنا السهمي: الكامل
خالل خليل أخيك وأحو إخاءه ... وأعلم بأن أخا أخيك أخوكا
وبنيك ثم بني بنيك فكن بهم ... براً فإن بني بنيك بنوكا
وارفق بجدك رحمة وتعطفاً ... ترحم فإن أبا أبيك أبوكا
(3/49)

وأنشد ابن الأعرابي: الطويل
فتى لا يراعي جاره هفواته ... ولا حمله في النائبات غريب
فتى يملأ الشيزى ويهتز للندى ... كما اهتز عضب باليمين قضيب
فتى لا يبالي أن يكون بجسمه ... إذا سد خلات الكرام شحوب
قال العتبي: دخل الوليد بن يزيد على هشام، وعلى الوليد عمامة وشي، فقال هشام: بكم أخذت عمامتك؟ قال: بألف درهم، فقال هشام: بألف؟! - يستكثرها - فقال الوليد: يا أمير المؤمنين، إنها لأكرم أطرافي، وقد اشتريت أنت جارية بعشرين ألفاً لأخس أطرافك.
قال المأمون لإبراهيم بن المهدي بعد اعتذاره: قد مات حقدي بحياة عذرك، وقد عفوت عنك، وأعظم من عفوي ويدي عندك أني لم أجرعك مرارة امتنان الشافعين.
قال المبرد: رجع بعض القرشيين إلى امرأة قرشية وقد حلقت شعرها، وكانت أحسن الناس شعراً، فقال لها: ما خطبك؟ قالت: أردت أن أغلق الباب فلمحني رجل ورأسي مكشوف، وما كنت لأدع علي شعراً رآه من ليس لي بمحرم.
(3/50)

قيل لأعرابي: ما أطيب الروائح؟ قال: بدن تحبه، وولد تربه.
أبو العمثيل: الطويل
وبيضاء مكسال لعوب خريدة ... لذيذ لدى ليل التمام شمامها
كأن وميض البرق بيني وبينها ... إذ حان من بعض البيوت أبتسامها
قال مروان بن أبي حفصة لبشار: أنت باز والشعراء غرانيق.
قال ابن سلام: ذكر عند الأحنف الحضين بن المنذر بن الحارث فقالوا: ساد وهو حدث لم تتصل لحيته، فقال الأحنف: السؤدد مع السواد.
قال المبرد: كان سلم بن نوفل الدئلي سيد بني كنانة، فوثب رجل من أهله على ابنه فجرحه، فجيء به فقال له: ما أمنك مني وجرأك علي، أما خشيت عقابي؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: لأنا سودناك لتكظم الغيظ
(3/51)

وتحلم عن الجاهل، فخلى سبيله، وفيه يقول الشاعر: الطويل
يسود أقوام وليسوا بسادة ... بل السيد المعروف سلم بن نوفل
قيل لصوفي: لم تركت الدنيا؟ قال: لأنها بخلت علي بكثيرها، وظلفت نفسي عن قليلها، ورأتني أمقتها فهجرتني.
أنشد بشر الحافي: الوافر
قرير العين لا ولد يموت ... ولا حذر يبادر ما يفوت
رخي البال ليس له عيال ... خلي من حربت ومن دهيت
قضى وطر الصبا وأفاد علماًفغايتهالتفرد والسكوت
وصف للإسكندر حسن بنات دارا وجمالهن فقال: من القبيح أن نكون قد غلبنا رجال قوم وتغلبنا نساؤهم.
شاعر: الطويل
فما أشرف الأعلام إلا صبابة ... ولا أضرب الأمثال إلا تداويا
(3/52)

سمعت ابن القصاب الصوفي يقول: اسمع وأسكت، وانظر وأعجب ابن المعتز: الرجز
مل سقامي عوده ... وخان دمعي مسعده
وضاع من ليلي غده ... طوبى لعين تجده
غلت من الدهر يده ... قتالة من تلده
يفنى فيبقى أبده ... والموت ضار أسده
يا من عناني حسده ... يقيمه ويقعده
فإنه في حلقه ... شجاً ولا يزدرده
سهرت ليلاً يرقده ... حظ الحسود كمده
قالوا قليل عدده ... من عار قل ولده
نقلت هذا من خط ابن المعتز.
(3/53)

قال ابن عائشة، قال عمرو بن العاص لمسلمة: إني أعلم أنك تعلم أنك كاذب.
أنشد ليزيد بن معاوية: الكامل المجزوء
قصر الجديد إلى بلى ... والوصل في الدنيا انقطاعه
أي اجتماع لم يصل ... بتفرق منه أجتماعه
أم أي شعب ذي التئا ... م لم يبدده انصداعه
أم أي منتفع بشي ... ىء ثم تم له انتفاعه
يا بؤس للدهر الذي ... ما زال مختلفاً طباعه
قد قيل في مثل خلا ... يكفيك من شر سماعه
قال ابن عائشة: كان يقال: مجالسة أهل الديانة تجلو عن القلوب صدأها، ومجالسة ذوي المروءات تدل على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تزكي النفوس.
(3/54)

قال النبي صلى الله عليه وسلم: أخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء، قالوا: وكيف يا رسول الله؟ قال: إذا لبسن ريط الشام، وحلل العراق، وعصب اليمن، وملن كما تميل أسنمة النجب، فإذا فعلن ذاك كلفن المعسر ما ليس عنده.
هكذا نقلت من خط ابن المعتز وكأنه كان مسودته، وكان زعم أنه يريد أن يكتب كتاباً في حديث النساء وآفاتهن.
عرض على بلال بن أبي بردة الجند، فمر به رجل من بني نمير ومعه رمح قصير، فقال له: يا أخا بني نمير، ما أنت كما قال الشاعر: الوافر
لعمرك ما رماح بني نمير ... بطائشة الصدور ولا قصار
فقال: أصلح الله الأمير، ما هو لي إنما استعرته من رجل من الأشعريين.
قال يعقوب بن إسحاق الكندي: الغناء شيء يخص النفس دون الجسم فيشغلها عن مصالح الجسم، كما أن لذة المأكول والمشروب تشغل الجسم دون النفس.
قال، وأنشدني إسماعيل بن الغمر لنفسه: المتقارب
(3/55)

رأيتك عند حضور الخوان ... قليل النشاط كثير الصياح
تلاحظ عينك كف النديم ... فترمقه من جميع النواحي
وتشغله باستماع الحديث ... طوراً وطوراً بعظم المزاح
فعال امرىء بخلت نفسهبشيء يؤول إلى المستراح
وذم رجل آخر فقال: دعواته ولائم، وأقداحه محاجم، وكؤؤوسه محابر، وبوارده نوادر.
وأنشد لإبراهيم بن العباس: المتقارب
فأنت منى النفس من بينهم ... وأنت الحبيب وأنت المطاع
ولا منك إن بعدوا وحدة ... ولا منهم إن بعدت اجتماع
وأنشد لكاتب من أرجوزة: الرجز
ثلاثة أصفيتهم إخائي ... كأنهم كواكب الجوزاء
عطارديون يرون رائي ... كأنما أهواؤهم أهوائي
وأنشد كشاجم لأخر: الرجز
خلان لي أمرهما عجيب ... كل لكل منهما حبيب
ما لي في دعواهما نصيب ... كأنني بينهما رقيب
قال: ومر بعض الندماء بجدي سمين فقال: ليت شعري لغلمان
(3/56)

من أنت؟ فسئل عن معنى ذلك فقال: يؤخر أصحابنا الجدي فلا يصل إلينا وفينا فضل، ويفوز به الغلمان.
وقال أديب: المودة روح والزيارة شخصها.
ويقال: ثلاثة تضني: سراج لا يضيء، ورسول بطيء، ومائدة ينتظر عليها من يجيء.
قال: وسمعت بعض الأغنياء يعتذر من ترك الاحتفال بعذر ما أحسن الأعتذار قط إلا من مثله، قال: ما يمنعني من الأحتفال إلا الأستظهار، قلت: وكيف ذاك؟ قال: أكره أن أحتفل فيتأخر عني من أدعوه، إما من عمد وإما عن عائق، فتكون قد تكلفت ما لا تنتفع به.
وحكي عن بعض السفلة أنه قال لصديق له: اعمل أنك تصطبح غداً عندي على ماء خصر.
قال كشاجم: بلغ عبد الله بن طاهر أن بعض ندمائه خانه في بعض غلمانه، فتجافى عن ذلك ولم يظهر في إنكاره، ثم أخبر أن بعض الغلمان وجد على بعض الرؤساء، فقام من ذلك وقعد وقال: نحتمل إخواننا في فضيحة غلماننا، ولا نحتمل غلماننا في فضيحة إخواننا.
قال يعقوب الكندي: الجواهر خاصة للجوهر اللازمة له دون المعولات الذي قوامه بذاته، أعني أنه الذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره وهو وحده
(3/57)

حامل بعينه للأختلاف، غير متبدل في عينه في قبوله للأختلاف.
قال كشاجم، قيل للعتابي: ما المروءة؟ قال: ترك اللذة، قيل: فما اللذة؟ قال: ترك المروءة.
وأنشد: الخفيف
رب حسناء كالمهاة تهادى ... قد دعتني لنفسها فأبيت
لم يكن لي تحرج غير أني ... كنت ندمان زوجها فاستحيت
وأنشد لكاتب: الطويل
تعالوا إلى الخل الذي لم يزل بكم ... يصول على ريب الزمان ويشمخ
فقد حصلت عندي لكم فتعجلوا ... ثلاث دجاجات سمان وأفرخ
وراح وريحان ومسك وعنبر ... نبحر أحياناً به ونضمخ
ومسمعة كالبدر تشدو بصارخ ... تهاوى القلوب نحوه حين يصرخ
وها أنا ذا طباخكم ولربما ... رأيت ظريف القوم يشدو ويطبخ
سوى أنه لا يقطع اللحم كفه ... ولا هو إن لم تشعل النار ينفخ
وإني لأستخذي لأهل مودتي ... وأزهو على أهل المعالي وأبذخ
وأنشد أيضاً: الطويل
وبيض نضيرات الوجوه كأنما ... تأزرن دون الريط من رمل عالج
(3/58)

خدال الشوى لا تحتشي غير خلقها ... إذا الرسح لم يصبرن دون المنافج
يذرن مروط الخز ميلاً كأنها ... قصار وإن طالت بأيدي النواسج
وقال آخر: الكامل
يمشين مشي قطا البطاح تأوداً ... خمص البطون رواجح الأكفال
يمشين بين حجالهنكما مشت ... بزل الجمال دلجن بالأثقال
وقال آخر: الكامل
أبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورا
وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا
قيل لمخنث: ألا تستحي تناك في آستك؟ فقال: ذوقوا ولوموا.
ونظر مخنث في حمام إلى رجل قصير الأير طويل الخصيتين فقال: سخنت عينك، الغلالة أطول من القميص؟! تزوجت أم مخنث بالمدينة، فلما كان ليلة دخول زوجها إليها جاء
(3/59)

ابنها فاطلع من شق الباب وقال لها: يا أمي، تأكلين وحدك؟ لا هناك الله.
خاصم شاعر مخنثاً فقال: والله لأهجونك، فقال المخنث: والله لئن هجوتني لأخرجن حر أمك في الحكاية.
قال الشاعر فيما نقله كشاجم في كتاب النديم، ونقلت محاسنه: الكامل
أشرعت في تفصيل شلو شوائه ... فكأنني أشرعت في أعضائه
أحلى الرجال فكاهة وأبشهم ... بالزور إلا عند وقت غدائه
وقال آخر: الكامل
تأبى خلائق خالد وفعاله ... إلا تجنب كل أمر عائب
وإذا حضرنا الباب عند غدائه ... أذن الغداء لنا برغم الحاجب
وقال آخر: الرجز
أبلج بين حاجبيه نوره ... إذا تغدى رفعت ستوره
وقال آخر في كريم: الكامل المجزوء
إن كنت تأمل حظوة ... ومكانة عند الأمير
فإذا دعا لغدائه ... بخوانه الرحب الكبير
(3/60)

فاسبق إليه مسارعاً ... لا بالتهور ولا الحصور
وآبدأ بأفخاذ الدجا ... ج وثن منها بالصدور
وآقصد لإلحاق الصحي ... ح من الجراذق بالكسير
وآستنطف الحلواء وآس ... تأثر بأصناف التمور
وأجل يديك كما يجو ... ل الطرف بالبطل المغير
إن الأمير يحب ذا ... ك من المواكل والعشير
وقال: حكي عن زياد بن أبيه أنه قال لحاجبه: لا تحضروا طعامنا إلا جائعاً. وآستسقى أعرابي على مائدته، وكان بحيث يراه، ومقبل مولاه على رأسه، فقال زياد: اسقه ما أحب من الشراب، وكان يسقيهم على طعامه اللبن وسلاف الزبيب والعسل، فقال الأعرابي: اسقني لبناً، فناوله عساً ضخماً، فلم يقو على حمله، فأرعدت يده فأراقه على صدره، فقال له مقبل: آرفق، كالمتجهم، فقال زياد: مهلاً، كل ذا عليك، لأنك ناولته إياه وما يستطيع حمله، ولا أنت أمسكت عن تخجيله.
وقال الأخفش: استهدى إبراهيم بن المدبر المبرد جليساً، فندبني
(3/61)

لذلك، وكتب معي إليه: قد أنفذت إليك - أيدك الله - فلاناً، وجملة أمره أنه كما قال الشاعر: الوافر
إذا زرت الملوك فإن حسبي ... شفيعاً عندهم أن يعرفوني
غنى مخنث عند أمير، فلما أراد الأنصراف قال: يا سيدي، أنصرف بلا شيء؟ قال: يا غلام، أعطه مائة درهم يدخلها في حر أمه، قال: يا سيدي، مائة أخرى أدخلها في أستها، فضحك وأمر له بمائة أخرى.
نظر مخنث إلى امرأة من منظرة تتحرك فتعجب، وتأمل فإذا فوقها رجل يدفع فيها، فقال: لا عجب من أمر الله، أنا لما رأيت الهرة تتحرك علمت أن التبرم في أصلها.
عبث رجل بمخنث، فقال له المخنث: بالله من أين أنت؟ فقال: من بغداد، قال: عز ربي وجل، عهدي بالقردة تجلب من اليمن، صارت تجلب من بغداد؟! فخجل الرجل.
قال مخنث لرجل طويل اللحية كبير السبال: لا تكلمني من وراء حجاب فإني لا أفهم ما تقول، نح المخلاة من وجهك حتى أفهم.
قيل لمخنث: ما أقبح آستك، قال: يا ابن البغيضة، تراها لا تصلح للخرا؟!
قال أبو حامد المروروذي: كان بالشام قاص يقص ويقول:
(3/62)

اللهم أهلك أبا حسان الدقاق فإنه تربص بالمسلمين وفعل السوءى بهم، ومنزله أول باب في الدرب على يسارك.
قال الهيثم بن عدي: كان يقال: لا يوجد العجول محموداً، ولا الغضوب مسروراً، ولا الكريم حسوداً ولا الشره غنياً، ولا الملول ذا إخوان.
أنشد لعمران بن حطان: الكامل
حتى متى تسقى النفوس بكأسها ... ريب المنون وأنت لاه ترتع
أفقد رضيت بأن تعلل بالمنى ... وإلى المنية كل يوم تدفع
أحلام نوم أو كظل زائل ... إن اللبيب بمثله لا يخدع
قيل لأعرابي: أين الجد من الأدب؟ قال: هذا مشرق وهذا مغرب.
قال عبد الله بن قيس في بني عمارة بن عقبة بن أبي معيط، وكانوا أكرموه: الكامل المجزوء
ما إن رأيت بني أب ... في الناس مثل بني عماره
(3/63)

أوفى بموعود وأك ... رم في العطية والنذاره
الجود منهم شيمة ... في العسر يعرف واليساره
لا الفحش في ناديهم ... يخشى الجليس ولا الشراره
وإذا لجأت إليهم ... فلك المناعة والخفاره
من نسل قرم ماجد ... جمع الحلاوة والمراره
يعطي ليحمد ماله ... ويراه من خير التجاره
فأفخر بقوم سادة ... أهل الجمارة والصباره
النذارة: النذير، والصبارة: الكفالة، والصبير والكفيل واحد.
قال الرشيد في جعفر بن يحيى وهو يصفه: جعفر بحر لا ينزح، وجبل لا يزحزح.
شاعر: البسيط
حلو الشمائل مأمون الغوائل مأ ... مول النوافل محض زنده وار
الله ألبسه في عود مغرسه ... ثياب حمد نقيات من العار
دفاع معضلة حمال مثقلة ... دراك وتر ودفاع لأوتار
كاتب: ولئن أوحشني المصاب به، لقد آنسني الثواب عليه، فصار صبري على حادث الرزية به شكراً لله على متقدم العطية فيه.
مر في مذكرات أبي معشر، وكانت بخط القومسي قال، قال
(3/64)

أبو معشر، أخبرني محمد بن موسى الجليس - وليس بالخوارزمي - قال، حدثني يحيى بن أبي منصور قال: دخلت وجماعة من المنجمين إلى المأمون وعنده إنسان قد تنبأ ونحن لا نعلم، وقد دعا بالقضاة ولم يحضروا بعد، فقال لي ولمن حضر من المنجمين: اذهبوا فخذوا لي طالعاً لدعوى هذا الرجل في الذي يدعيه، وعرفوني ما يدل عليه الفلك من صدقه وكذبه، ولم يعلمنا المأمون أنه متنبىء؛ فجئنا إلى بعض تلك الحصون، فأحكمنا الطالع وصورناه، فوقع الشمس والقمر في دقيقة واحدة، وسهم السعادة وسهم الغيب في دقيقة الطالع، والطالع الجدي، والمشتري في السنبلة ينظر إليه، والزهرة وعطارد في في العقرب ينظران إليه، فقال كل من حضر غيري: كل ما يدعيه صحيح، وقلت: أنا في طلب تصحيحه، وله حجة عطاردية زهرية، وتصحيح الذي تطلبه لا يتم ولا ينتظم، إنما هو ضرب من التحسين والرونق يتعجب منه، فقال لي: أحسنت لله درك، ثم قال: أتدرون من الرجل؟ قلت: لا، قال: إنه يزعم أنه نبي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أفمعه شيء يحتج به؟ فلنسأله، فقال: نعم، معي خاتم ذو فصين، ألبسه فلا يتغير مني شيء، ويلبسه غيري فيضحك ولا يتمالك من الضحك حتى يدعه؛ ومعي قلم شامي آخذه فأكتب به، ويأخذه غيري فلا
(3/65)

تنطلق به إصبعه، فقلت: أيا سيدي، هذه للزهرة وعطارد، قد عملا عملهما، فأمره المأمون أن يفعل ما قاله، ففعل، وعلم أنه من علاج الطلسمات. فما زال المأمون به أياماً كثيرة حتى تبرأ من دعوى النبوة، ووصف الحيل التي احتالها في الخاتم والقلم، فوهب له ألف درهم، ثم لقيناه بعد ذلك فإذا أعلم الناس بالنجوم؛ قال أبو معشر: هو الذي عمل طلسم الخنافس في دور كثيرة من دور بغداد.
قال شاذان: كان أبو معشر على علمه وفهمه وتقديمه في الصناعة يصيبه الصرع عند امتلاء القمر في كل شهر مرة، وكان لا يعرف لنفسه مولداً، ولكنه كان قد عمل مسألة عن عمره وأحواله وسأل عنها الزيادي المنجم لتكون أصح دلالة إذا اجتمع عليها طبيعتان: طبيعة السائل وطبيعة المسؤول، فخرج طالع تلك المسألة السنبلة، والقمر في العقرب في مقابلة الشمس، والمريخ ناظر إلى القمر من الدلو، وهذه الصورة توجب الصرع.
قال فيلسوف: نصحك من أسخطك بالحق، وغشك من أرضاك بالباطل.
قال المدائني: رأيت رجلاً من باهلة يطوف بين الصفا والمروة على بغلة، ثم رأيته بعد ذلك راجلاً في سفرة، فقلت: أراجل في هذا الموضع؟ قال: نعم، إني ركبت حيث يمشي الناس، فكان حقاً على الله أن يرجلني حيث يركب الناس.
(3/66)

قال العباس بن الأحنف: المديد
أنا لم أرزق مودتهم ... إنما للعبد ما رزقا
كان لي قلب أعيش ... به فأصطلى بالحب فاحترقا
قال أبو الغريب: قد علمت كل شيء حتى علمت أن القرطم من الطلع، والخردل من التين، والبلوط من الحطب، خلا القطائف، لا أدري من أين هو.
وقرىء في مذاكرات أبي معشر قال: حضرت وشيلمة والزيادي والهاشمي والشابشتي عند الموفق، وكان الزيادي أستاذ زمانه في النجوم، فأضمر الموفق ضميراً، فقال الزيادي: أضمر الأمير رئاسة وسلطاناً، فقال: كذبت، وقال شيلمة: أضمر الأمير عقد أمر جليل رفيع، فقال: كذبت، فقال الهاشمي: لست أعرف غير ما قالا، الرأس في وسط السماء، وصاحب الطالع ناظر إليه، والكواكب ساقطة، فقال له: وأنت أيضاً كذبت، ثم قال لي: هات ما عندك يا شابشتي، فقلت: أضمر الأمير الله عز وجل، فقال: أحسنت والله، ويلك، أنى لك هذا؟ قلت: الرأس يرى فعله ولا يرى نفسه، وكان في أرفع درجة في الفلك في الضمير، ولم أعرف له مثلاً إلا الله عز وجل، لأن الله تعالى يرى فعله ولا يرى هو، وهو فوق كل رفعة سلطان ليس فوقه - جل ربنا وعز.
(3/67)

وضاح اليمن: السريع
قالت ألا لا تلجن دارنا ... إن أبانا رجل غائر
نعم وإن القصر من دوننا ... قلت فإني فوقه طائر
قالت فإن البحر من دوننا ... قلت فإني سابح ماهر
قالت فإن الليث من دوننا ... قلت فسيفي مرهف باتر
قالت أليس الله من فوقنا ... قلت فربي قادر غافر
قالت فإما كنت أعييتنا ... فأت إذا ما هجع السامر
وأسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا واش ولا زاجر
قال أبو علقمة لخياط: يا خياط، أقطع لي هذه السراويل، وارتق فتقها وافتق رتقها، فقال الخياط: يأخذك والله القولنج قبل أن تفسو في هذه السراويل.
وقع بين أبي علقمة وبين سالم بن أحوز كلام، وكان لسالم مولى نداف يعزى إليه، فقال له: لو وضعت يمين رجليك على حراء ويسراها على بئر
(3/68)

زمزم ثم تناولت قوس قزح فندفت ما كنت إلا كلباً.
أصاب أعرابي درهماً في كناسة الكوفة فقال: أبشر أيها الدرهم وقر قرارك، فطالما خضت فيك الغمار، وقطعت فيك الأسفار، وتعرضت فيك للنار.
شاعر: الكامل المجزوء
كل امرىء يعطيك من ... أخلاقه ما كان عنده
ولقد يكون الشيء شك ... ل الشيء ثم يصير ضده
والعلم ليس يحده ... من كان يبغي أن يحده
ولقد جعلت اليأس بي ... ن جوانحي فوجدت برده
وإذا جرى قدر بما ... يقضي فما تسطيع رده
والمرء يولد وحده ... فيعيش ثم يموت وحده
قال ابن الأعرابي: كان عمر بن الخطاب يطوف بالبيت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، إن علياً لطمني، فوقف عمر إلى أن وافى علي فقال له عمر: يا أبا الحسن، ألطمت هذا؟ قال: نعم، قال: ولم؟ قال: لأنني رأيته نظر إلى حرم المسلمين في الطواف، فقال: أحسنت، ثم أقبل على الملطوم فقال: وقعت عليك عين من عيون الله.
قال ثعلب: سألت ابن الأعرابي عن هذا فقال: خاصة من خواص الله.
سأل أبو عروة الزبيري مصعباً الزبيري حاجة فلم يقضها له،
(3/69)

فقال: علم الله تعالى أن لكل قوم شيخاً يفزعون إليه، وإنا نفزع منك.
قيل لأبي عروة هذا: أيسرك أنك قائد؟ فقال: أي والله، ولو قائد عميان.
يقال: أول من اتخذ المنابر في المساجد عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وأول من دعي له على المنابر عبد الملك بن مروان.
ابن السماك: اللهم إنا نحب طاعتك وإن قصرنا عنها، ونكره معصيتك وإن ركبناها، اللهم فتفضل علينا بالجنة وإن لم نكن لها أهلاً، وخلصنا من النار وإن كنا استوجبناها، اللهم إنا نخاف أن يضطرنا المعاش إلى ما نكره من الأعمال فسلمنا من فتنته وعوارض بلائه.
قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس في شيء ما فالأمر ما عليه أهل الثغور، لأن الله تعالى يقول: " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا " العنكبوب: 69.
من أمثال العرب: إذا كان لك أكثري فتجاف عن أقلي.
كاتب: أنت أجل قدراً، وأعلى محلاً، وأفسح تفضلاً، من أن يترك عندك مع بلوغ الأمنية، ودرك البغية، ووجوب الأمل، غرضاً لريب الزمان، تصميه أسهمه، وتطوحه صروفه، وتعصف به رياحه، بانقباض يده، وقصور رزقه عن كفايته، وعجزه عن الوفاء بمؤونته
(3/70)

كاتب: إن رأيت أن يدعى عندك يانع إحسانك، وجنية من ثمار عيدانك، فتورده شريعة آمتنانك، فقد أنحت عليه الخلة، واستمرت الإضاقة، وبلغت المدية محزها منه، فعلت إن شاء الله.
سمعت أبا سليمان يقول: كنا نحفظ ونحن صغار: احذروا حقد أهل سجستان، وحسد أهل هراة، وبخل أهل مرو، وشعث أهل نيسابور، ورعونة أهل بلخ، وحماقة أهل بخارى.
كان البادي الشاعر وقع إل أذربيجان في نقلته، وكان قبيح الزي، فأتى باب النيرماني الكاتب وآستأذن، فازدراه الحاجب وأهانه وهزل به وقال: لا آذن لك حتى أزبطرك، فصبر له، ثم لم يف الحاجب، وإنما كان نوى به اللهو، فتوصل إلى أن أسمع النيرماني هذه الأبيات، وهي: المتقارب
مدحت الأمير أبا قاسم ... ونفسي لجدواه مستمطره
بشعر كوجه نسيم الرياض ... غلسه الطل أو بكره
وقالوا أمير جزيل العطاء ... كريم الأيادي والمأثره
فلما وصلت إلى بابه ... جزيت على مدحه زبطره
ومكنت من وجهي الحادثات ... وأيقنت أني قتيل الشره
(3/71)

فبك على الفضل والمكرمات ... وناد بهن من المقبره
فقد أسخن الله عين امرىء ... يقال له اليوم ما أشعره
فهل يا محمد من نائل ... يبل اللهاة أو الحنجره
فمن يفعل الخير خيراً يره ... ومن يفعل الشر شراً يره
فأمر من أخذ جميع مال الحاجب ودفعه إلى الشاعر ووصله من عنده.
وقفت أعرابية على قبر أخيها فقالت: نعم السيد كنت لعشيرتك، كنت والله مناخ الضيفان، وحوض الظمآن، وسم الفرسان، لقد كنت عند الغضب حليماً، وعند الله كريماً.
قال الفضيل بن عياض: من أكثر من قول الحمد لله كثر الداعي له، قيل: ومن أين قلت هذا؟ قال: لأن كل من يصلي يقول: سمع الله لمن حمده.
قال البقطري: ما في الأرض مطلوب إليه ألأم من أير، دنا الأصمعي من جارية وقد كبر فلم يتحرك ما عنده فقال: سبحان الذي خلق خلقاً فأماته في حياته.
قال الزيدي: العرب تقول: هو أنكح من ابن ألغز وهو عروة بن أشيم الضبي، وهو القائل: الطويل
(3/72)

ألا ربما أنعظت حتى إخاله ... سينقد للإنعاظ أو يتمزق
فأعلمه حتى إذا قلت قد ونى ... أبى وتمطى جامحاً يتمطق
قال الأصمعي: لما أخذ أبو بيهس الخارجي، قطعت يداه ورجلاه ثم ترك يتمرغ في التراب، فلما أصبح قال: هل أحد يفرغ علي دلوين فإني أحتلمت في هذه الليلة. كتبنا هذا للعجب.
وصف معبد امرأة فقال: كأن ركبها دارة القمر، وكأن شفرها أير حمار مثني.
وقال آخر: الرجز
أنعت نعتاً من حر لم أخبره ... رأيته وليس شيء يستره
مثل سنام طارعنه وبره
وقال عقبة الأسدي لما تزوج عبيد الله بن زياد بنت أسماء بن خارجة: الوافر
(3/73)

جزاك الله يا أسماء خيراً ... لقد أرضيت فيشلة الأمير
بذي صدع يفوح المسك منه ... عظيم مثل كركرة البعير
لقد أهديتها بيضاء روداً ... شديداً رهزها فوق السرير
إذا أخذ الأمير بمنكبيها ... سمعت لها أنيناً كالصرير
تساب صبيتان من الأعراب، أم إحداهما رسحاء وأم الأخرى عجزاء ليست بذاك، فقالت ابنة العجزاء لصاحبتها: يا ابنة الرسحاء، فقالت الأخرى: ويحك، إن أمي تأخذ الجلوة بوجهها قبل أن تحظى أمك بعجزها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: أستعيذوا بالله من شرارهن، وكونوا من خيارهن على حذر.
قال الأصمعي: أفرغ من حجام ساباط، لأنه كان يمر بالجيوش فيحجم - من الكساد - نسيئة إلى أن يرجعوا.
قال ابن الأعرابي: كان حجام مطله من حجمه، فكتب إليه: الوافر
(3/74)

حجمتك مرة وجززت شعراً ... فلم تبعث بحق أبي زياد
وإن حديدنا يحتاج صقلاً ... وصقل القين بالورق الجياد
وقال آخر: الوافر
ألم ترني وعمراً حين نغدو ... إلى الحاجات ليس لنا نظير
أسايره على يمنى يديه ... وفيما بيننا رجل ضرير
قال علي بن صالح: خرجنا مع المأمون إلى الشام فقال: ابغني مسامراً، فاخترت رجلاً من أهل سلمية فأوصلته إليه فقال: حاجةيا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قال: إنه إذا أهمني من ورائي لم تصف منادمتي، فقال: صدق، يا غلام أعطه بدرة، ثم قال: حاجة يا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قال: ليس من النصفة للنديم أن يكون عليه خلعة دون خلعة صاحبه، فإن ذاك مما يكسر قلبه، قال: صدقت، يا غلام أعطه خلعة، ثم قام فقال: ثالثة يا أمير المؤمنين، قال: وما هي؟ قال: إنك ستسقيني ما يحول بيني وبين عقلي، فإن كانت مني هنة أو زلة أحتملها وإلا فأعفني من الشرب، قال: نحتمل ذلك، واستحسن شرائطه.
وكان قاص بالكوفة يقول: اللهم ارزق خضراً النبي وليداً يجعله
(3/75)

منه خلفاً صالحاً، فإني أخاف أن ينقطع نسله.
خاصم رجل امرأته فشتمته، وكانت خلف الباب، فقال لها: مري فو الله لئن دخلت إليك لأشققن حرك، فقالت: لا والله، ولا كل أيرفي بغداد.
كانت عنان جارية الناطفي عندها جماعة من الشعراء وجمين معهم، وحضرت المائدة فأرادوا أن يوسعوا لعنان فقالت: مكانكم! فلو مددت يدي إلى البصرة لنلتها، ومدت يدها فضرطت، فقال جمين: حطي شراعك حتى نتعشى بواسط.
خطبة كتاب الرتب: الحمد لله داحي المدحوات وباري المسموكات، الذي بنعمه تتم الصالحات، وتزكو الحسنات، وتنال الخيرات، وتنشأ الأمم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وجبل النفوس على فطرها، شقيها وسعيدها، وصلى الله على نبي الرحمة، وخير البرية، والهادي إلى الحق، الخاتم لما سبق، والفاتح لما أغلق، والمعلن الحق بالحق، وسلم تسليماً.
(3/76)

شرب أعرابي شربة من لبن فقال: من رزقه الله الشكر من النعمة باللبن فقد ألهمه الشكر على جميع النعم لأنه يجمعها.
قيل لأحيحة بن الجلاح: أي المال أحب إليك؟ قال: ودية ملمة، أونعجة مرمة.
أنشد أبو نصر غلام الأصمعي: الطويل
لنا صرم ينحرن في كل شتوة ... إذا ما سماء الناس قل قطارها
ونحمي بها العرض الكريم ونتقي ... ويروي ظماء المعتفين شعارها
قال أعرابي من أهل اليمامة: عندنا ثمرة تسمى البردي لهي أحسن من العقيان في صدور الفتيان، فإن جعلتها نبيذاً فهي سم الأساود، والقائم فيها ساجد.
وصف أعرابي رجلاً فقال: كان الفهم منه ذا أذنين، والجواب ذا لسانين، لم أر أحداً أرتق لخلل ثأى منه؛ كان بعيد مسافة الرأي ومراد الطرف، إنما يرمي بهمه حيث أشار له الكرم، يتحسى مرار الإخوان ويسقيهم العذب.
أعرابية ترثي: المتقارب
ألا هلك الجود والنائل ... ومن كان يعتمد السائل
(3/77)

ومن كان يطمع في سيبه ... غني العشيرة والعائل
فمن قال خيراً وأثنى به ... عليه لقد صدق القائل
أعرابي: الكامل
لا تنكري أني عريت فربما ... يعرى لجودة جنسه العضب
إني وإن ضاقت علي معيشتي ... وعدا علي زماني الصعب
لأصون نفسي أن يدنسها ... عيب إذا ما آستدنس الوغب
لبعض بني سليم: الوافر
أليلتنا بنيسابور ردي ... علي الصبح ويحك أو أنيري
كواكبها زواحف لاغبات ... كأن سماءها بيدي مدير
تلوم علىالحوادث أم زيد ... وهل لك في الحوادث من مجير
حملت كرامتي وصددت عني ... إلى أجل من الدنيا قصير
فلو شهد الفوارس من سليم ... غداة يطاف بالأسد العقير
لنازل حوله قوم كرام ... فعز الوتر وانقضت الوتور
فقد بقيت كلاب نابحات ... وما في الأرض بعدك من زئير
ومن كتاب الرتب: الطويل
إني لشداد على الخمص مئزري ... وإني لأستحيي وأنت تراني
وإني على القرن الكمي مشيع ... وإني على المولى الضعيف لواني
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: المتقارب
فتى عرضه عند أعدائه ... مصون وأمواله تبتذل
(3/78)

وأيامه دول للصديق ... وأفعاله في الأعادي مثل
فلو كان غيثاً لعم البلاد ... ولو كان سيفاً لكان الأجل
ولو كان معطى على قدره ... لأغنى النفوس وأفنى الأمل
يقال في الأثر: إن الإبل لحومها وألبانها شفاء.
قال الأصمعي: سمعت أبا عرارة يقول: من أكل سبع موزات وشرب من لبن الأوارك تجشأ بخور الكعبة.
قيل لإبراهيم بن سيار: هل رأيت شيئاً واحداً يشتمل على عامة الطيبات؟ قال: النحلة، والشاة: منها اللبن، والجذا، واللبأ، والزبد، والسلاء، ثم الجبن والمصل والرخفة واللوقة، والأقط والشيراز والكوامخ والمضيرة، والمصلية والكشكية والغربية وغير ذلك، كذا قال الجاحظ عن إبراهيم.
قال ابن الجهم: في محمد بن عبد الملك الزيات: السريع
ما أحوج الناس إلى مطرة ... تذهب عنهم وضر الزيت
(3/79)

فأجابه محمد:
قيرتم الملك فلم ينقه ... سواده شيء سوى الزيت
أنشد لأبي دلف: السريع
لست لريحان ولا راح ... ولا على الهجران نواح
بلى إذا أبصرتني قائماً ... فبين أسياف وأرماح
ترى فتى تحت ظلال القنا ... يقبض أرواحاً بأرواح
كان أشعب عند الحسن بن الحسن عليهما السلام، فدخل عليهما أعرابي أحمر العينين، مختلف الخلقة، متنكب قوسه وكنانته، فازدراه أشعب لسوء منظره، فقال للحسن: بأبي أنت، أتأذن لي أن أسلح عليه، فأخذ الأعرابي سهماً فوضعه في كبد قوسه ثم فوقه نحو أشعب وقال: والله لئن سلحت لتكون آخر سلحة سلحتها، فقال أشعب للحسن: أخذني يا ابن رسول الله القولنج.
شاعر: الوافر
وما قارورة ملئت عبيراً ... وكان المسك بعد لها ختاما
بأطيب من ثنايا أم عمرو ... إذا الأحلام أيقظت النياما
قيل لصوفي: كيف ترى ربك؟ قال: مستوراً عني بعلمه في، ومستصلحاً لي بتفضله علي.
قالت أعرابي: والله ما غمامة بكر، تدلت عليها الرياح في قفر، بأنقع للظمآن من ريق صخر.
(3/80)

قال الأصمعي: سمعت جعفر بن سليمان يسأل أعرابياً: ما بال الأرنب أحب إلى الصقر من الحبارى؟ قال: لأن الحبارى تكلح في وجهه، وتسلح على سبلته.
قيل لأعرابي: فلان يعيبك، قال: ذاك المائل عن المجد رجلاً، المطلي باللؤم وجهاً، ولكن قد ينبح القمر الكلب.
قال أعرابي وذكر شبابه قيل له: ثم مه، قال: ثم مللت راحة الصبا، وسقيت سلوة عن الهوى، وأعلم أن أغنى الناس من كثرت حسناته، وأفقرهم من قل نصيبه منها.
شاعر: الكامل
هذا الربيع كأنما أغصانه ... أبناء فارس في بنات الروم
بسط البسيطة سندساً وتبرقعت ... قلل المياه بلؤلؤ منظوم
والورد يحكي في ذرى أغصانه ... قضب الزبرجد نظمت بنجوم
في الأمثال: أنا الغريق فما خوفي من البلل ومنها: إن الدلاء ملاكها الوذم
(3/81)

قال بعض الحكماء: لكل شيء آفة، وآفة العلم النسيان، وآفة الظرف الصلف، وآفة العبادة الفترة، وآفة الحديث الكذب، وآفة الشجاعة البغي، وآفة الحاجة الكبر، وآفة الحسب البطر، وآفة الحلم الذل، وآفة الجود السرف، وآفة القصد البخل، وآفة الحذق العجب، وآفة الجلد الفحش، وآفة المودة إخوان السوء، وآفة العقل الهوى، وآفة العفاف الضيق، وآفة الرأفة الجزع، وآفة الحياء البلادة، وآفة التواضع التصنع، وآفة اللطف الملق، وآفة الأنبساط عادة السوء، وآفة المداراة المداهنة، وآفة السرور البطر، وآفة الحزن التهالك، وآفة الغضب الغيظ، وآفة الإحسان التزكية، وآفة الأنتباه القنوط، وآفة الكسب الكد، وآفة الواعظ العنف، وآفة الموعوظ الملل، وآفة السائل الإلحاف، وآفة المسؤول الشح، وآفة الفقر الضراعة، وآفة الغنى الطغيان، وآفة الرأي الأستبداد، وآفة الأناة التفريط، وآفة السرعة العثرة، وآفة المشورة غش المستشار، وآفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ترك العمل بهما.
قال أعرابي: العاجز هو الشاب القليل الحيلة، الملازم للحليلة.
قال المأمون لعبد العزيز المكي: أليس قال الله تعالى " ما فرطنا في
(3/82)

الكتاب من شيء " الأنعام: 38 قال: بلى، قال: فلقد قرأت القرآن فلم أجد فيه ذكر الجواسيس، فقال عبد العزيز: ألم تسمع قوله تعالى: " يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم " التوبة: 47، وهؤلاء ينقلون الأحاديث ويرفعون الأخبار.
شاعر: الطويل
ألا فأسقني والفجر يلمع في الدجى ... شراباً له في الدن عهد ثمود
كأن الثريا والصباح يكدها ... قناديل رهبان دنت لخمود
كأن حباب الماء في جنباتها ... وجوه عذارى في ملاحف سود
وللصبح سلطان على الليل قاهر ... يرحله عنا بغير جنود
من الأمثال:
أبشري أم خالد ... رب ساع لقاعد
قال عبادة المخنث لرجل كبير الأنف رآه عند المتوكل: يا أمير المؤمنين، لو كان له ملء أنفه دقيقاً لكان يكفيه وعياله سنة.
سمع مخنث رجلاً يقول: دعا أبي أربعة أنفس أنفق عليهم أربعمائة
(3/83)

درهم، فقال: يا ابن البغيضة، ولعله ذبح لهم مغنيتين وزامر، وإلا فأيش أنفق أربعمائة درهم؟! شاعر: الخفيف المجزوء
هب لعيني رقادها ... وآنف عنها سهادها
كن صلاحاً لها كما ... كنت دهراً فسادها
وأرحم المقلة التي ... صرت فيها سوادها
سمع مخنث رجلاً يؤذن بأعلى صوته في مسجد صغير فقال له: يا هذا أذن على قدر مسجدك، ولا تعد طورك.
قال شيخ لفرفر المخنث: أبو من؟ قال: أم أحمد فديتك نظرت امرأة إلى مخنث في قطيفة فقالت: ويلي، مخنث في قطيفة؟! فقال: يا بظراء، لو كان لي مثل الكانون الذي بين فخذيك جلست في غلالة.
لما أفلت عمر بن هبيرة من سجن خالد مر بالرقة السوداء، فإذا امرأة من بني سليم على سطح لها تحدث جاراتها ليلاً وهي تقول: لا والذي
(3/84)

أسأله أن يخلص عمر بن هبيرة مما هو فيه، فوقف عمر وقال لأصحابه: هل معكم شيء؟ فأتوه بمائة درهم، فصيرها في صرة فرمى بها كلها وقال لها: قد خلص الله ابن هبيرة مما كان فيه، فطيبي نفساً.
قيل لدغفل: من أشعر الناس؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب، وزهير إذا رغب.
من أمثال العرب: وليس القدر إلا بالأثافي.
شاعر: الكامل
خافت سلوي وآنقطاع وسائلي ... فغدت بدمع سائل ومسائل
ورأت فتى كالسيف إلا أنه ... شخت الضلوع قليل لحم الكاهل
مثل الذبالة ضوءها لك معجب ... والنار تأكل جسمها من داخل
فضحكت مما قد بكاني حاسدي ... وبكيت مما قد رثى لي عاذلي
هبت ريح شديدة فقال الناس: قد قامت القيامة، فقال زبدة المخنث: هذه قيامة على الريق بلا خروج دجال ولا دابة الأرض ولا المهدي، نسأل الله بركة قدومه.
قيل لمخنث: ويلك، تناك في أستك؟! فقال: يا قوم فلي موضع غيرها؟!
(3/85)

كان العباس يقول: الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع للشمس، ومن الذنب للمصر، ومن الحكم للمقر، وهو عندهم أرفع من السماء، وأعذب من الماء، وأحلى من الشهد، وأذكى من الورد، خطأه صواب، وسيئته حسنة، وقوله مقبول، يغشى مجلسه، ولا يمل حديثه؛ والمفلس عند الناس أكذب من لمعان السراب، ومن رؤيا الكظة، ومن مرآة اللقوة، ومن سحاب تموز، لا يسأل عنه إن غاب، ولا يسلم عليه إن قدم، إن غاب شتموه، وإن حضر حقروه، وإن غضب صفعوه، مصافحته تنقض الوضوء، وقرانه يقطع الصلاة، أثقل من الأمانة، وأبغض من الملحف الملزم.
قال أعرابي: أجمعوا الدراهم فإنها تلبس اليلمق، وتطعم الجردق.
قيل لأعرابي: ما السرور؟ قال: كثرة المال، وقلة العيال.
قيل لفيلسوف: فيم السرور؟ قال: في إيضاح حق قد ألتبس بباطل، وإزالة باطل قد جار على الحق.
قيل لصوفي: فيم السرور؟ قال في توحيد يقام شاهده، ومقام يصدق وارده.
أنشد ابن الأعرابي: الكامل
إني لألبسكم على علاتكم ... لبس الشفيق على العتيق المخلق
ولقد أرى ما لو أشاء عتبته ... فأصد عنه ببقيتي وترفقي
ليرى العدو قناتنا لم تنصدع ... ويكون ذاك كأنه لم يخلق
(3/86)

وإذا تتبعت الذنوب فلم تدع ... ذنباً قطعت قوى القرين المشفق
وسمعت أو نقلت إليك مقالة ... عوراء يطلقها صموت المنطق
نظر رجل إلى مخنث وهو ينتف لحيته فقال له: لم تنتف لحيتك وهي جمال وجهك؟ قال: يسرك أن يكون لأستك مثلها؟ قال: لا، قال: فشيء لا تحب أن يكون في أستك مثله أتركه أنا على وجهي؟! أدخل رجل علوي بيته قحبة، فلما أرادها قالت: الدراهم، قال: دعي عنك هذا ويحك مع قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: دع هذا، عليك بقحاب قم، هذا لا ينفق على قحاب بغداد.
ما أقبح النقص بالشريف!! كان جحا نائماً إلى جنب أمه، فضرطت فتشورت فقالت: يا بني رأيت رؤيا فيها رعد وبرق ودوي، فقال: يا أمي، إن صدقت الرؤيا مطرنا خرا.
شاعرة من العرب: المتقارب
ألم ترنا عزنا ماؤنا ... سنين فظلنا نكد البئارا
فلما عدا الماء أطواره ... وجف الثماد فصارت حرارا
(3/87)

وعجب عجيجاً إلى ربها ... رؤوس العضاه تنادي السرارا
وفتحت الأرض أفواهها ... عجيج الجمال وردن الجفارا
لبسنا لدى عطن ليلة ... على اليأس أثوابنا والخمارا
وقلنا: أعيروا الندى حقه ... وصبر الحفاظ وموتوا حرارا
فإن الندى لعسى مرة ... يرد إلى أهله ما أستعارا
فبينا نؤثل أحسابنا ... أضاء لنا عارض فاستطارا
وأقبل يزحف زحف الكسير ... سياق الرعاء البطاء العشارا
تغني وتضحك حافاته ... خلال الغمام وتبكي مرار
كأنا تضيء لنا حرة ... تشد إزاراً وترخي إزارا
فلما رأينا بأن لا نجاء ... وألا يكون قرا قرارا
أشار له آمر فوقه ... هلم فصار إلى ما أشارا
رئي جحا في جنازة أبي العباس النحوي وهو يقول: يا أبا العباس رحمك الله، في حر أمنا بعدك يا أبا العباس.
(3/88)

سرق رجل جملاً بالليل، فرفع إلى السلطان فقال له: لم سرقت؟ قال: كنت سكران، قال: فلم لم تأخذ كلباً؟ فقال: ما ميزت بين الجمل والكلب.
عطش جحا يوماً فقال لأمه: أسقيني ماء، فقالت: من أين أسقيك؟ اشرب من حافرك؛ وعطشت هي أيضاً يوماً فقالت: يا بني اسقني، فأراد أن يقول لها كما قالت له فقال: اشربي من حرك، يريد: من حافرك.
كان للشاعر المعروف بالدقيش أنف طويل وأسنان كبار، فقالت امرأته، أي شيء تشبه؟ قال: لا أدري والله، قالت: يشبه أنفك هذا الطويل وفمك وأسنانك كأنك والله ديك يطله في كوز في فمه قرطم، فقال لها: لعنك الله، أنا شاعر ولا أحسن هذا التشبيه.
دعا أبو سالم القاص يوماً على المنبر بنصيبين فقال: اللهم أمسخهم كلاباً، وأمسخنا ذئاباً حتى نقرض جلودهم.
زار رجل رئيسا، فقال الرئيس: يا جارية، هاتي لضيفنا المسكين السكر والشيرج وأصلحي الفالوذج، قالت: يا مولاي ليس عندنا سكر ولا عسل، قال لها: ويلك هاتي قطيفة إبريسم حتى ينام فيها، قالت: يا مولاي استعاروها، فقال الضيف: جعلت فداك، ما بين هذين رغيف وقطعة جبن.
نظر الفرزدق إلى جارية مليحة بالمدينة فقال لها: أيري في أستك، فقالت له: يا بغيض، ما يضرك أن تضعه في يدي فأضعه حيث
(3/89)

أشتهي، فقال: قد وضعته في يدك، قالت: فإني قد وضعته في حر أمك.
قيل لطفيلي: كل من قدامك، قال: يا قوم، ترى هو ذا آكل من خلفي؟! وقع نحوي مرة في كنيف، فجاؤوه بكناسين، فكلمه أحدهما لينظر أهو في الحياة، فقال له النحوي: أطلبا لي حبلاً دقيقاً، وشدا شداً وثيقاً، وأجذباني جذباً رفيقاً؛ فقال أحدهما لصلحبه: أما أنا والله لا أخرجته، هذا في الخرا إلى الحلق وليس يدع الفضول.
أخذ الحكم بن أيوب الثقفي عامل الحجاج إياس بن معاوية في ظنة الخوارج، فقال له الحكم بن أيوب: إنك لخارجي منافق، ائتني بكفيل، فقال: ما أجد أعرف بي منك، فقال: وما علمي بك وأنا رجل من الشام وأنت من أهل العراق؟ قال إياس: ففيم هذا الثناء منذ اليوم؟! فضحك وخلى سبيله.
قال سديف في خطبته: قد صار فيئنا دولة بعد القسمة، وإمامتنا غلبة بعد المشورة، وعهدنا ميراثاً بعد الأختيار للأمة، واشتريت
(3/90)

المعارف والملاهي بسهم اليتيم والأرملة، وحكم في أبشا المؤمنين أهل الذمة، وتولى القيام بأمورهم فاسق كل محلة؛ اللهم قد استجيد الباطل، وبلغ نهيته، وزخرف وليده، واستجمع طريده، وضرب بجرانه؛ اللهم فأتح له من الحق يداً حاصدة تبدد شمله، وتفرق أمره، ليظهر الحق في أحسن صورة، وأتم نورة.
قال إبراهيم بن أدهم: نظرت فلم أجد الخلق أتوا في أفعالهم إلا من ثلاثة أشياء: من الفرج بالموجود، والحزن على المفقود، والسرور بالمدح، لأن من فرج بالموجود حرص، والحريص محروم، ومن حزن على المفقود سخط، والساخط معذب، ومن سر بالمدح أعجب، والمعجب ممقوت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس: لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك، قالوا: يا رسول الله، وأي شيء أكبر من ذلك؟ قال العجب.
مدح أبو مقاتل الضرير الحسن بن زيد بقصيدة أولها: الرمل
(3/91)

لا تقل بشرى ولكن بشريان ... غرة الداعي ويوم المهرجان
فكره الحسن ابتداءه ب لا تقل بشرى فقال: لو قلت:
غرة الداعي ويوم المهرجان ... لا تقل بشرى ولكن بشريان
لكان أحسن، لأن الأبتداء ب لا قبيح، فقال له أبو مقاتل: لا كلمة أشرف من التوحيد، وابتداؤه ب لا.
قيل لسقراط: متى أثرت فيك الحكمة؟ قال: مذ بدأت أحقر نفسي.
قال أبو بكر الدلال: رئي غزوان الضرير في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: الخفيف المجزوء
حاسبونا فدققوا ... ثم منوا فأعتقوا
قيل لزيد بن علي: يا ابن رسول الله، أما ترى فقيراً يستغني، وغنياً يفتقر، وشيخاً يبقى، وطفلاً يخترم، وأحوالاً هذه سبيلها خارجة عن العادة، فكيف ذلك؟ قال: نؤخذ في كل حال حتى لا نأمن في حال.
سمعت علي بن الحسين العلوي يقول: الموت طريق تستوي فيه الأقدام، ويسلكه المقصر والمقدام.
قيل لأعرابي: ما يغنيك؟ قال: السلامة في الدنيا، والكرامة في الآخرة.
(3/92)

نظر رجل إلى سقراط في ثياب لا تواريه فقال: أهذا سقراط واضع النواميس؟ وأكثر التعجب منه، فقال له سقراط: ليس علة نواميس الحق الكساء الجديد، ولا علة ناموس الباطل الكساء الخلق.
قيل لصوفي: خذ حظك من الدنيا فإنك فان عنها، قال: الآن آخذ حظي منها.
شاعر: البسيط
تباً لذي أدب يرضى بمعجزة ... لم لا يكون كباز فوق قفاز
يطوي الدكادك والعقبان معترضاً ... حتى يموت عزيزاً فوق معجاز
أو يستريح من الدنيا وساكنها ... فقد بلينا بدهر خائن خاز
ما للأديب به حظ ولا خطر ... والحظ فيه لصفعان وطناز
وقال أبو الحسن العامري الفيلسوف، وشاهدته ببغداد سنة ستين، وقد حضر مجلس أبي حامد المروروذي وتكلم في مسألة فقهية وهي تحليل الخمر، فاستطرفت كلامه في الفقه بألفاظ الفلاسفة، ثم شاهدته بعد ذلك سنة أربع وستين وقد صحب ركاب ذي الكفايتين، وله حديث مع الفلاسفة
(3/93)

البغداديين، قال: القوة الشهوانية إذا أفرطت كانت شرهاً، وإذا نقصت كانت جموداً، وإذا توسطت كانت عفة؛ والقوة الغضبية إذا أفرطت كانت تهوراً، وإذا أستخذت كانت جبناً، وإذا اعتدلت كانت شجاعة؛ والقوة النطقية إذا أفرطت كانت جهرة، وإذا ضعفت كانت غباوة، وإذا توسطت كانت فطنة.
وسمعته يقول: الأسم والحد متطابقان أبداً، غير أن الأسم يدل دلالة مجملة، والحد يدل دلالة مفصلة.
وقال أيضاً: من عرف إنيته سلم من التعطيل، ومن عرف وحدانيته سلم من الشرك، ومن عرف نعوته سلم من التشبيه.
وسمعت صوفياً يقول: سيدي، علائقي منك تشوقي إليك، وعوائقي عنك تلهفي عليك.
وقال أعرابي لرجل: قربني إليك قطع مفازة وركوب أخرى، وملاطمة هواجر النهار ومراعاة نجوم الليل، ورميي بالنجب المناجي أثباج الليل الداجي.
الأثباج: جمع ثبج، والثبج وسط الشيء، والداجي: الساتر، ومنه دجا نور الإسلام أي حين سبغ وكثف، وكأنه عنى كثافة النظام.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما أدري كيف أعامل أهل الكوفة، إن أرسلت إليهم مؤمناً ضعفوه، وإن أرسلت إليهم قوياً فجروه، قال
(3/94)

المغيرة: يا أمير المؤمنين الضعيف إيمانه له وعليك ضعفه، والفاجر قوته لك وعليه فجوره، فولاه الكوفة.
أنشد لموسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وكان شاعراً: الطويل
إذا أنا لم أقبل من الدهر كل ما ... تكرهت منه طال عتبي على الدهر
وأنشد لمسلم بن حذافة: البسيط
من ذا يندد بين الناس معذرتي ... إن رد جار أبي وهو مقتول
ينازع الطير في البطحاء حسوته ... فقال من جاز هذا غاله غول
فلست أسلم أوساً لامرىء أبداً ... حتى أرد وثغر النحر مبلول
أو أبلغ في أوس فيعذرني ... فيه الرجال إذا ما ينشر القيل
لمسلمة بن عبد الملك بن مروان: البسيط
لا شيء أحسن في الدنيا وساكنها ... من وامق قد خلا فرداً بموموق
(3/95)

كذاك ليس بها أشجى لذي نظر ... من عاشق هاضع قدام معشوق
نفسي الفداء لظبي بات يسعدني ... ليلاً على قبض أرواح الأباريق
قال بعض السلف: ضربة الناصح خير من تحية الشانئ، ولا فضل للمرائي بالود على مظهر الشنآن، والتواضع زيادة في الشرف، والعجز مرده إلى الخمول. إن عجز مالك عن المشتكي، أو دواؤك عن المريض، فلا تعجزن عنه برحمتك وعيادتك، فإن أدنى منازل الخيرات نصائح القلوب. قرب الهرم من الموت كقرب الثمرة اليانعة من السقوط عند هبوب الريح.
قال سقراط: الحسن الحق هوالعدل لأنه على كل حسن، والحسن كل معتدل، وكذلك الجور هو القبح أنه علة كل قبيح كذلك، والقبيح خارج عن الاعتدال.
قال ابن الأعرابي، قال وهب: في الجاردة سبع خلق جبارة: رأسها راس فرس، وعنقها عنق ثور، وجناحها جناح نسر، ورجلاهان رجلا حمار، وذنبها ذنب حيةن وبطنهان بطن عقرب، وصدرها صدر سبع.
قيل للجرذ القراد: كيف أصبحت؟ قال: كيف يصبح من يرجو آخر هذا؟ وأشار إلى القرد.
كتب سهل بن هارون إلى ذي الرياستين: إن للأمنية فرحاً
(3/96)

يرجو من ولاة فرحها، ولأيامها دولاً فخذ حظك من دولتك فيها، ولدولها تصرفاً فتزود قبل أوان تسرفها، فإن تعاظمك ما أنبأتك عنه فانظر في جوانبها بأخذك الوعظة من جميع نواحيها، واعتبر بذلك الاعتبار على أنك مسلم مما سلم لك منها.
قال موسى بن قيس المازني، قلت لأبي فراس المجنون: أنت النهار كله ماش، أفنشكتي بدنك بالليل؟ فقال: المتقارب
إذا الليل ألبسني ثوبه ... تقلب فيه فتى موجع
فقلت: يا أحمق، أسألك عن حالك فتنشدني الشعر، قال: قد أجبتك يا ابن الزطية، فقلت: ألي تقول هذا وأنا سيد من صادات الأنصار؟! فقال: الطويل
وإن بقوم سودوك لفاقة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد
ثم ضرط في ديه ولطم عينيه وقالك هكذا يكون الجواب المقشر.
قال بعض الأوائل: اعتد الزهد واقتنه فإن فيه راحة للبدن من النصب، وإعتاق للنفس من العبودية، وقطعاً للحسرة، وإذهاباً للندامة، وتخفيفاً للسأم؛ أما التواضع فليكن من الشيم المحبوبة عندك، فإنه يقربك إلى ربك، ويذهب عنح حسد الناس، ويوجب محبتهم وعطفهم. ولتكن سيرتك فيمن دونك من الناس الرأفة بهم، والرحمة لهم، والسد لما قويت عليه من فائتهم، وحب السعة في معايشهم، والسلامة لهم في أبدانهم، فإنك إذا فعلت ذلك عمهم جودك وخيرك.
(3/97)

قال أبو هفان: فلان أثقل م الموت على المعصية.
قيل لابن سوار الكاتب: إن غلامك قد امتهنك هذا الأسود، قال: بلى أنا قد امتهنته، عمدت إلى أكرم علق فيه فاستعملته في أقذر مدخل في.
دخل زهر المخنث حماماً فرأى شيخاً قد أنعظ، قال: فديتك ما لهذا قائماً؟ قال: ذكر صديقاً له بالعراق، قالك أفتأذن في تقبيله فقد انقطع الوفاء إلا منه.
كتب الرشيد إلى الفضل بن يحيى: أطال الله يا أخي مدتك، وأدام نعمتك، والله ما منعني من إتيانك إلا التطير من عيادتك، فاعذر أخاك، فو الله ما قلاك ولا سلاك، ولا استبدل بك سواك.
وكتب أيوب بن غسان: الخير مرغوب فيه، والكريم مكثور عليه، ومن عود شيئاً طلبه، ومن فتح عليه باب قرعه، والأوائل بالأواخر، وكما قيل: الفواتح بالخواتم، والتعرض للمعروف أوجب من البر فيه، لأ، الحظ فيه أوفر، والنعمة أعظم، فاخترنا لك أعلى الدرجتين، وأحظى الحظين، ودعوناك إلى رب صنيعك، وتثمير نعمتك.
(3/98)

احفظ فصول الكتاب فإنها نافعة في الفهم مرة والبلاغة مرة.
لمنظور بن فروة: الطويل
إذا أنت أكثرت المجاهل كدرت ... عليك من الأخلاق ما كان صافيا
فلا تك حفاراً بظلفك إنما ... تصيب سهام الغي من كان راميا
كان سقراط يتشرق في الشمس على ظهر الحب الذي يأوي فيه، فوقف عليه الملك فقالك يا سقراط، ما الذي منعك من إتياننا؟ فقال له: الشغل أيها الملك بما يقيم الحياة، فقال الملك: لو أتيتنا كفيناك، فقال له سقراط: لو علمت أني أجد ذلك لزمتك ما لزمتني الحاجة إلى ذلك، فقال له الملك: فسل حاجتك، قال: حاجتي أن تزيل عني ظلك فقد منعتني المرفق بالشمس؛ فدعا له بكسى فاخرة من الديباج وغيره ويذهب، فقال له سقراط: وعدت بما يقيم الحياة، وبذلت نعيم الأموان، ليس لسقراط حاجة إلى حجارة الأرض وهشيم النبت ولعاب الدود؛ الذي يحتاج إليه سقراط معه حيث يتوجه. فقال مزاح كان مع الملك: لقد حرمت نفسك نعيم الدنيا أيها الرجل، قال سقراط: وما نعيم الدنيا يا هذا؟ قال المزاح: أكل اللحمان، وشرب الخمر، والمناكح والملابس، فقال سقراط: ليس بمستنكر أن يكون نعيم الدنيا هذا عند من رضي بمشابهة الدود من نفسه، وأن سجعل بظنه مقبرة للحيوان، ويؤثر عمارة الفانية على الباقية.
(3/99)

كاتب: أما بعد فإن خير الناس الواصل لمن قطعه، وشرهم القاطع لمنوصله، وقد وصلناك فقطعتنا، وقطعناك فلم تصلنا.
وقال الشاعر: الطويل
إذا ا، ت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه
قيل لرجل كان يسرف في الجماع: إنا نخاف عليك العمى، فقال: قد وهبت بصري لذكري.
شاعر: الطويل
وقد يقرض الشعر البكيء لسانه ... وتعيي القوافي المرء وهو خطيب
مطرود بن عرفطة، جاهلي: البسيط
إن سلولاً عراك الموت عادتها ... لولا سلول لمستنا أبابيلا
الضاربون إذا خفت نعامتنا ... والقائلون إذا لم نحسن القيلا
والضامنون لمولاهم غرامته ... لا زال واديهم بالغيث مطلولا
سمع شاهك المهنث رجلاً يصف الكرفس فقال: لأيش يصلح؟
(3/100)

قال: لفتح لاسد، فقال: لا كان الله لك، أنا إلى سد الفتح أحوج.
أنشد ليحيى بن عروة بن الزبير: الطويل
أشرتم بلبس الخز لما لبستم ... ومن قبل ما تدرون من فتح القرى
قعوداً بأبواب الفجاج وخيلنا ... تسامي سمام الموت تكدس بالقنا
فلما أتاكم فيئنا برماحنا ... تكلم مكفي لمن كانقد كفى
قيل لعبد الله بن يعقوب: ما تشتهي أ، تكون؟ قال: أشتهي أن أكون دابة تأكل الليل والنهار.
دعبل: الكامل
أما الهجاء فدق عرضك دونهوالمدح فيك كما علمت جليل
فاهذب فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل
(3/101)

كتب ابن المعتز إلى عبيد الله بن سليان: علم الوزير - أعزه الله - بذهائر الأجر يغنيني عن ترغيبه فيه، وسبقه إلى الصبر يكفيني تذكيره به، لكن لولي الوزير - أيده الله - مواضع إن أخلاها دخل في جملة المضيعين لحقه، اللاهين عما عناه.
أنشد: الهزج
وقلبي بك مسغول ... وعقلي بك قد زالا
لقد ألسني الدهر من الأحزان سروالا
ومذ فارقت من أهوى ... لقد لاقيت أهوالا
أرى ليلي قد طال ... ويومي فيك قد حالا
قال عبد الله بن الزبير في وصف الدنيا: إن تقبل لا آخذها أهذ الأشر البطر، وإن تدبر لا أبك عليها بكاء الخرف المهتر.
قال رجللأحول: بلغني أنكم ترون الشيء شيئين، وكان بين يديه ديك، فقال: كيف لا أرى هذين الديكين أربعة؟! قال بعض السلف: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متكئاً.
أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: لا تقتل السامري فإنه جواد.
(3/102)

قال الزيدي: النثيثة: ذكر الرجل بعد موته بما أتى من قبيح وحسن، وأنشد: الطويل
وما كنت مبتاع الحياة بسبة ... ينثي بها عاراً علي بنو سعد
أنشد ثعلب: الطويل
وما وجد مغلول بصنعاء موثق ... بساقيه من ماء الحديد كبول
قليل الموالي مسلم بجريرة ... له بعد نوبات العشاء أليل
يقول له الحداد أنت معذب ... غداة غد أو مسلم فقتيل
بأكثر مني لوعة يوم راعني ... فراق حبيب ما إليه سبيل
وأنشد أيضاً: الطويل
حفرنا على أضغان بكر بن وائل ... ببطن فليج والأسنة متح
وقد غضبوا حتى إذا ملأوا الثرى ... رأوا أن إقراراً على الضيم أروح
أنشد اليزيدي: الرجز
إن كنت تدري ما المخبآت ... فما لطاف الطي مدرجات
لهن منهن قلنسيات ... وهن للأثقال حاملات
يعني الأصابع.
(3/103)

يقالك إذا ألقي الزيتون أو خشب التين على النار وفي البيت آدر اشتدت القرقرة في خصيتيه.
قال أبو القاسم علي بن عيسى الوزير: حدثني أبو الفرج قدامة بن جعفر قال: كنت مروياً في أمر آيته أو أذره، فأنشدت في المنام إنشاداً: الطويل
فلا تكن النفس التي نيط أمرها ... بنفسين نفسي تائق وعزوف
كتب المختار بن أبي عبيد إلى الأحنف بن قيس ومن قبله: أما بعد، فإن الأحنف مورد قومه سقر، حيث لا يستطيع لهم الصدر، وإني لا أملك ما خط القدر؛ وقد بلغني أنكم تكذبونني، وقد كذبت الأنبياء من قبلي، ولست بخير من كثير.
الجوع والجود والنسناس والقسقاس والغرث والسغب واحد.
العرب تقول: نعوذ بالله من طئة الذليل.
وقال: يقولون بيني وبينهم شجنة، أي وصلة ورحم.
(3/104)

ابن الأعاربي: أتى النخط - هو بالخاء المعجمة - أي الناس؛ وزرم: إذا انقطع؛ ورزم: لم يبرح.
أنشد الشعبي: الطويل
وما زلت في ليلى لدن طر شاربي ... إل اليوم أبدي إحنة وأداجن
وأضمر في ليلى لقوم ضغينة ... وتضمر في ليلى علي الضغائن
سمعت السيرافي يقول: إياك أن تنشد: طر شاربي، لإن طر قطع، ومنه الطار والطرار، ومنه طرة الغلام وطرة الثوب، فأما طر - بالفتح - فمعناه نبت، يقال: طر وبر الناقة إذا بدا صغاره وناعمه.
وقال الشعبي: لا يكون الرجل سيداص حتى يستعمل بيتي الهذلي، قيل: وما هما؟ قالك قوله: الطويل
وإني للباس على المقت والقلى ... بني العم منها كاشح وحسود
أذب وأرمي بالحصى من ورائهم ... وأبدأ بالحسنى لهم وأعود
قال ابن الأعرابي: يقال فلان قموص الحنجرة، أي كذوب.
وقال أبو عبيد في غريب الحديث: أول خلفك، أي آسكت.
(3/105)

سمعت نحوياً يقولك " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً " طه 132 لا يحوز جزم نسألك، وكذلك قوله تعالى " فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك " النساء: 84، فلو جزم بطل المعنى، وذلك أن الجزم يدل على أن من أمر اله بالصلاة لا يسأله رزقاً، والله تعالى يسأله رزقاً قبل ذلك وبعده، وكذلك في القتال.
قال خلف الأحمر: قلت لابن كبشة بنت القبثري: ما الهلباجة؟ قال: فتردد في نفسه من خبث الهلباجة ما لم يستطع أن يخرجه بحرف، فقال: الهلباجة الأحمق المائق القليل العقل الخبيث الذي لا خير فيه ولا عمل عنده، وبلى: يستعمل وعمله ضعيف، وضرره أشد من عمله، ولا يحاضرن القوم، وبلى: يحضر ولا يتلكم.
قال يعقوب: سمعت رجلاص من قيس وآخر من تميم يقولان: قعدت في الظل ألتمس الرائحة، يريد بها الراحة.
حط السعر وانحط إذا فترن ونزا إذا غلا.
قال ابن الأعرابي في النوادر: قال قوم من أهل الشام لعلي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - يثورون ما عنده في عثمان: إن عثمان نافق، قال: لا، ولكنه ولي فاستأثر، وجزعنا فأسأنا الجزع، وكل سيرجع إلى حكم عدل.
(3/106)

العرب تقولك أغضى فلان على أثارة غضب، أي بقية. يمتي يمدد، وكأن متى منه.
العرب تقول: هذا قرة لعي أي ثقيل، أهذ م الوقر، والوقر: الحمل، والوقر - بالفتح: ثقل في الأذن، والوقار: رزانة الجسم وسكون الأطراف ووقع الطائر.
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الجياف؛ كأنه يطلب الجيفة وهي الميت.
فرانق: هو البريد؛ رجل فرانس: يفرس كل شيء، النون زائدة.
شاعر: الطويل
ولست بقوال لمولاي إن حبا ... هلكت ولا إن ضافك القوم أفرد
لست بقوال لذي الزاد أبقه ... فإنك إلا تبق زادك بنفد
لعبد الرحمن بن الحكم في أخيه مروان: الوافر
ألا من مبلغ مروان عني ... رسولاً والرسول من البيان
فلو كنا على مهل سواء ... جريت وأنت مضطرب العنان
(3/107)

ولست بواجد طرداً لحر ... كإلصاق به طرق الهوان
في الحديث أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: أيضر الغبط؟ قال: نعم، كضر الشجر الخبط. الغبط شقيق الحسد، وقد فصل بينهما ما لا بيان من ظاهر اللفظ عليه، وذلك أنه قيل: الحسد هو أن تتمنى زوال نعمة صاحبك حسب، والغبط أن تحب مثل نعمته لنفسك من غير زوال مالصاحبك.
يقال: ما البغط، وما الخبط، وما العبط، وما الربط، وما السبط، وما اللبط، وما الزنط، وما الهبط.
أما الغبط فكأنه من غبط يغبط إذا فرح، ومنه الغبطة وهو مهاية الفرح، وفي الألفاظ المحفوظة أن السرور والحبور والغبطة والبجة الجذل والفرح والارتياح على معنى واحد.
وأما خبط الشجر فضربك إياه بالعصا لينتثر الورق، والخبط: المنتثر منه.
وأما العبط فأخذك الشيء طرياً، ومنه: اعتبط فلاهن إذا مانت على شبابه. والعبيط الدم اطري، ومنه الخبر: لو كانت الدنيا دماً عبيطاً لكان قوت المؤمن فيها حلالاً. ومنه اعتبط الناقة إذا نحرها من غير علة بها.
وأما الربط فالشد، والرباط مثله، والرباط: المكان الذي تربط فيه الخيل للغزو والسفر.
وأما السبط فيقال: شعر سبط إذا كان غير مفلفل، والكلام السبط:
(3/108)

المتلاحم الأجزاء، المتفق التأليف، الذي لا تنبو طباعك عنه، ولا تقشعر أذنك منه.
فأما اللبط فمن قولك: لبط به، إذا خبل به، كأنه صرع من الشيطان أو ضرب من الجنون.
وأما الزنط فتضعضع الحال، يقال: زنط أمر بني فلان.
وأما الهبط فالهبوط، وهو النزول، وهبط عليه الملك أي نزل.
شاعر: الطويل
والله لو أني اخاصم حية ... إلى فقعس ما أنصفتني فقعس
إذا قلت مات الداء بيني وبينها ... أتى حاطب منهم لآخر يقبس
فما لكم طلساً إلي كأنكم ... دئاب الغضا والذئب بالليل أطلس
وقد جعلت بعد التمرس قامتي ... وحسن القري مما تقولون تمرس
القامة: البكرة، والقري: جمع الماء في الحوض؛ تمرس: ينشب الحبل بين الخطاف والبكرة؛ يقول: فسد ما كان بيني وبينكم.
(3/109)

شاعر: الطويل
ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري
أعود على ذي الذنب والجهل منهم ... بحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري
أناة وحلماً وانتظاراً بهم غداً ... فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر
أظن صروف الدهر والجهل منهم ... ستحميلهم مني على مركب وعر
الم تعلموا أني تخاف عرامتي ... وأن قناتي لا تلين على الكسر
وإني وإياكم كمن نبه القطا ... ولو لم تنبه باتت الطير لا تسري
سمعت السيرافي يقول: وتر قوس النداف هو الكسل، والقوس منفحة؛ وقال غيره: القوس مجراف والوتر مصب.
شاعر: الوافر
لعمر أبيك ماخلقي بوعر ... وما أنا بالدني ولا المدني
قال زياد بن أبيه: إن تأخير جزاء المحسنين لؤم، وتعجيل
(3/110)

عقوبة المسيء دناءة، والتثبت في العقوبة ربما أدى إلى سلامة منها، وتأخير الإحسان ربما أدى إلى ندم لا يمكن صاحبه أن يتلافاه لما فرط منه.
قال عبيد الله بن زياد لحارثة بن بدر الغداني: مابك؟ قال: ركبت الأشقر فلجلج بي في مضيق، قال: لو ركب الأشهب لم يصبك هذا عنى حارثة شرب الخمر، وعنى عبيد الله اللبن.
يقال: الفيج: السذاب، والفيجن أيضاً.
رجل نومة: كثير النوم، فأما النومة فالخامل؛ في الخبر: خير الناس يومئذ النومة.
سمع ابن السكيت عند المتوكل جارية تغني: الكامل
أسليم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحية ظلم
فلتحققه بالإعراب شغل عن تأمل عجز البيت وحكم على صدره، فقال: هذا خطأ، والصواب أن تقولي: رجل، وزعم أن خبر إن، فلم تلتفت الجارية
(3/111)

إليه وأقامت على قولها وما علمها أستاذها، ونصرها غيره من الندماء وحاكموها إلى أبي عثمان المازني، فأمر المتوكل بإشخاصه من البصرة على البريد، فأحضر وذكر له البيت، فأعلمهم أن الوصاب مع الجارية، وأن خبر إن في ظلم والتقدير: إن إصابتكم رجلاً أهدى السلام ظلم، والرجل منصوب بالمصدر وهو من صلته؛ فأجيز على ذلك ألفين، ووهبت له الجارية جملة اخرى. وبسبب هذا الخبر قال الكرماني في شخوص أبي عثمان المازني: السريع
أقول لما جاءني حمله النح ... ووالنحوي قد أشخصا
ألجأنا الدهر إلى جاهل ... بحذفنا من جهله بالحصى
العود يوناني، صنعه أصحاب الهندسة على هيئة طبائع الإنسان، فإن اعتدلت أو تاره على الأقدار الشريفة جانس الطباع فأطرب، والطرب رد النفس إلى الحال الطبيعية دفعة؛ هذا كله من كتاب أدب النديم لكشاجم.
وصف رجل رجلاً عند رئيس فقال: والله لقد نهض فما انفتل ولا انخزل، ولقد خطا فما ارمد ولا اعطوط، ولقد سلم فما جأر ولا نأم، ولقد جلس فما دنا ولا نأى.
قوله: ارمد: استع في الخطو، والجأر: الصوت في تضرع واستكانة، والنئيم: دون الرنين.
ودخل رجل على بعض العلماء، فأومأ إلى موضع يجلس فيه، فعدل عنه إلى جهة اخرى، وكانت العين تقع هناك على ما يجب ستره، فقال له: اجلس بحيث أجلستك فإني أعلم بعوار منزلي.
(3/112)

جميل: الطويل
لعمر ابنة الضمري بثنة إنني ... إذا الشيء ولى مدبراً لصبور
وإني عن الماء الذي يجمع القذى ... إذا كان طرقاً آجناً لصدور
وقال كشاجم، قال رجل من الأدباء: إذا رافق السماع من الشارب ما ذكا عرفه، وعذب على اللهوات طعمه، وأخلص من شوائب العكر جرمه، وناب عن مرقص الآل شعاعه، وتحلى بزي العقبان لونه، وكان المنادمون عليه إخواناً ألباء، وخلاناً أدباء، مساميح الأخلاق، كرام الأعراق، قد أذكتهم المعرفة، وأدبتهم الحكمة وكان الغرض في الشرب غير الإفراط المؤدي بإكثاره إلى النوازل، لتعديل الطبائع، وإياثر المنافع، ونفي الخلاف، وغيجاب الائتلاف، وحسم السخائم، ونبذ النمائم، على وجه سماء، وصبو هواء، وصفو ماء، وخضرة كلأ، من كف بارع الظرف، ساحر الطرف، فائق الوصف، مصيب الخدمة، ذكي الفطنة، صادق الكمال، واصل الحبال، كأنه خوط بان، أو جدل عنان، كان نهاية الحبور، وغاية السرور.
وصف آخر السماع فقال: من فضيلته انه يبعث مع التنائي على الأشجان، ويحدو على التلهي في موضع الأحزان، ويؤنس الخلو الوحيد،
(3/113)

يسر العاشق الفريد، ويبرد غليل القلوب، ويثير من خواطر الفتيان خطرة ليست من الملاهي لغيره، يسري رقها في أجزاء الجسد فيهيج النفس، ويقوي الحس. وحق من أمتعك بسماعه، وأشركك في أخص لذاته، وسوى بينك وبينه في استماع نغمة من لعله يغار عليه من ظله، ويحسد قميصه على مماسة جلده، أن تجعل ثوابه على هذه التكرمة، وجزاءه على هذه المقة، والاتنامة غض طرفك عن الجهة التي تلي الستارة، والناحية التي تأتي منها النغمة، حتى لا يكون باطن الستارة بأخفى عنك من ظاهرها، وأن تعظم من حرمتها ما صغره غيرك.
هذا كلام كشاجم.
جميل: الكامل
وذكرت بثنة أن عرفت ديارها ... إني لبثية واصل ذكار
زعمت بثينة أن حبي كاذب ... جهلاً وأني مازح غدار
لو تعلمين وقبل ما جربتني ... فالعلم ينفع والعمى ضرار
لعلمت أني للمغيبة حافظ ... للسر منك وأنني بصار
إلا أنلك فسوف يعذر طالب ... يا بثن فيك وقصره الإعذار
ولقد عملت على التكاليف التي ... تشقي القلوب ويغلب المقدار
كان البوشنجي في دعوة بخراسان مع أصحابه، فمد صوفي
(3/114)

من أصحابه يده إلى جام فيه الخبيص وهور الصومعة من السكر، فقال له البوشنجي: ارفق قليلاً حتى تبلغ من ناحيتك إليها، فقال الصوفي: أيها الشيخ، أملي أقصر من أن أحدث نفسي ببلوغ ذلك المكان، فبكى قوم من لفظه، وضحك قوم من ملحته.
تقول الفرس: مطرة في نيسان خير من ألف شان.
يقال: جزاك الله والرحمة خيراً، والرحم أيضاً؛ وغذا قلت: جزيت الرحم - بالنصب لا غير.
يقال: أقرد الرجل إذا سكت ذلاً، وأخرد إذا سكت حياء.
قال إسحاق بن حنين، قال سقراط: الجهل بالفضائل عدل الموت.
قيل لسقراط: إن الكلام الذي قلته لأهل مدينة كذا لم يقبل، فقال: ليس يكربني ألا يقبل، وإنما يكربني ألا يكون صواباً.
وقيل له: من الفاضل؟ قال: الفاضل في الطبقة العليا الذي يبتغي الفضائل من تلقاء نفسه، والفاضل في الطبقة الدنيا هو الذي يتحرك لها إذا
(3/115)

سمعها من غيره، ومن أخطأه الأمران فهو الساقط الدنيء.
قال فيلسوف لابنه: دع المزاح فإنه لقاح الضغائن.
ثيل لفيلسوف: لم كان الحياء في الصبي أحمد من الخوف؟ قال: لأن الحياء يدل على خوف، والخوف على جبن.
قال سيبويه: زعم الخليل أن الذين قالوا: الحسن والحارث والعباس إنما أرادوا أن يجعلوا هو الشيء بعينه، ولم سجعلوه مسمى، ولكنهم جعلوه كأنه وصف له غلب عليه، ومن قال: حارث وعباس فهو يجريه مجرى زيد.
قال أعرابي لابنه: اسكت يا ابن الأمة، فقال: والله إنها لأعذر منك لأنها لم ترض إلا حراً.
قال كشاجم: أما الرئيس ذو الملك والأمر النافذ فلو كان السكر أو ما قاربه حلالاً لا اختلاف فيه لكان عليه خاصاً حراماً، لأن البادرة منه إلى نفسه، وعثرته لا تستقال، وأمره لا يراجع، وأنه يقهر ولا يقهر ويحجر ولا يحجر عليه، وقلماسمعنا بحادثة فظيعة، وغدرة قبيحة، وسطوة عظيمة، استجازها ملك، وجناها على نفسه، أو على نديمة وحميمه وسائر من يخصه من لحمته وبطانته إلى على سكر، ثم يقع عليه بعد ذلك الندم والسدم، ويلحقه ما لا يتلافاه من العار والشنار.
(3/116)

وممن تهيأ ذلك عليه من ملوك الجاهلية جذيمة بن مالك الدوسي صاحب الحيرة الذي ذكره وندمانيه متمم بن نويرة في مرثيته أخاه، وذلك بقوله: الطويل
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن سيتصدعا
فلما تفرقنا كأنس ومالكاً ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وكان من خبره في السكر أنه كان ملكاً شديد الحمية، عظيم الأفنة والغيرة، فرغب عن النساء لهذه العلة، فلم يكن له زوجة يسكن إليها، ولا ولد تقر به عينه، فاتخذ جذيمة النديمين المضروب بهما المثل واصطفاهما وعاقرهما دهراً طويلاً، ولم يمللهما ولا آثر عليهما سواهما، حتى طرأ عليه رجل من لخم يقال له عدي، جميل الوجه، ظريف اللسان، حسن العبارة، كثير الما، فلما رأى هيئته وسمع منطقه أحب منادمته، فنادمه، وأشرف جذيمة على الشراب سروراً باللخمي، فلما تبين له ذلك خطب إليه أخته، وذكر أنه لم يقصده إلا لذلك، فزوجه إياها، وساق اللخمي المهر من وقته واستشهد ذينك النديمين على الترويج، ودخل عليهل فواقعها فعلقت منه عمراً الذي قيل له: شب عمرو على الطوق؛ وأصبح فخرج إلى شوارع الحيرة فلم تمر به ناقة ولا جمل إلا نحره، ودفع إلى أربابها أثمانها، وفرق على الصدار والوارد لحومها. وركب جذيمة يعقب ذلك، فلما رأى اللحام مقسمة والدماء مهراقة سأل عن السبب، فأخبربه، فصار إلى
(3/117)

أخته فوقف بالباب آخذاً بعضادتيه ثم قال: الخفيف
حدثيني وأنت لا تكذبيني ... أبحر زنيت ام بهجين
أم بعيد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون
فقالت: بل زوجتني ونديماك شاهدان على ذلك، فسألهما فشهدا، فاضطغن ذلك عليهما. وتخوف عدي ان يحتال عليه فنجا ولحق بأهله. ثم أن جذيمة سكر أيضاً كسكرة ليلة التزويج فتل ندمانيه ودفنها بباب الكوفة، وبنى عليهما قبرين وسماهما الغربين؛ وكان له يوما بؤس ونعيم، فإذا خرج يوم البؤس فلقي بباب الكوفة غريباً قتله، وغرى قبريهما بدمه، فلذلك سميا الغريين، وما زالا على حالهما إلى ظهور الإسلام.
ومن ملوك بني أمية الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فإنه لم يزل يهمل الأمر ويصبح سكران حتى انتشر أمره، واضطرب حبله، فقتل. وقد أجمعوا أن الرشيد لم يأمر في جعفر بن يحيى بما أمر إلا بعد أن أثمله الشراب.
قيل لفيلسوف: ما أسرع ما أجاب الناس إلى طاعة الإسكندر، قال: ذاك لما ظهر لهم بسرعة من حسن سيرته.
بايت المفضل الضبي المهدي، فلم يزل يحدثه وينشده حتى جرى
(3/118)

ذكر حماد الراوية، فقال المهدي: ما فعل عياله ومن أين يعيشون؟ قال: من ليلة مثل هذه كانت مع الوليد بن يزيد.
قيل لفيلسوف: أين مسكن الخير ولاجود؟ قالك أنفس الحكماء.
قال إسحاق بن حنين، قال سقراط: ما أصعب في الشهراني أن يكون فاضلاً.
وكان سقراط يقول: ما اخترت أن تحيا به فمت دونه.
دخل خالد بن صفوان على هشام بن عبد الملك في يوم شديد الحر وهو في بركة فيها مجالس من السرو كالكراسي، فجلس على بعضها مؤتزرا بمنديل ناوله إياه الغلام، فقال له هشام: يا خالد، رب خالد قد قعد مقعدك هذا، حديثه أحلى من جنى الشهد - قال خالد: يريد خالد بن عبد الله القسري - قلت: ما يمنع من إعادته إلى ما كان عليه؟ قال: هيهات، أدل فأمل، وأوجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعاً، ولا لعودة موضعاً، ألا أخبرك يا ابن صفوان؟ قلت: إن شاء أمير المؤمنين، قال: ما بدأني بسؤال حاجة قط حتى أكون المبتدئ بها، قلت: فذاك أحرى أن تعيده إلى منزلته، فقال: الطويل
(3/119)

إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... غليه بوجه آخر الدهر تقبل
ثم قال: حاجتك؟ قلت: أزاد في عطائي عشرة دنانير، فأطرق ثم قال: فيم؟ وعلام؟ وبم؟ ألعبادة أحدثتها؟ أم لبلاء أبليته أمير المؤمنين حسن، أم لأي شيء يا ابن صفوان؟ إذن يكثر السؤال ولا يحتمل بيت المال، فقلت: وفقك الله يا أمير المؤمنين وسددك، فأنت كما قال أخو خزاعة: الطويل
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة قربى أو صديق توامقه
منعت وبعض المنع حزم وقوة ... فلم يفتلتك المال إلا حقائقه
قال خالد: فلما صرت إلى البصرة قيل لي: ما حملك على تزيينك الإمساك لأمير المؤمنين؟ قلت: أحببت أن يمنع غيري فيكثر من يلومه.
لأبي دهبل: الطويل
سللن سيوفاً من عيون قواتل ... ولم أر سيفاً تنتضيه المحاجر
وقفنا لتجديد العهود وبيننا ... دموع وأنفاس وداء مخامر
أبت زفرات البين أن نكتم الهوى ... فتظهر ما تطوى عليه الضمائر
وما بحت لولا الدمع بالوجد كله ... ولكن يوم البين تبلى السرائر
وقال فيلسوف: العفو أصل حسن السياسة.
دخل ابن المعذل على عيسى بن جعفر بن المنصور وقد بنى قصره
(3/120)

على نهر ابن عمر بالبصرة على النيل، فاراد منه أن يصف بناءه فقال: أعز الله الأمير، بنيت أحسن بناء، بأوسع فضاء، وأخصب فناء، على أصفى ماء، وأغذى هواء، وبين صراري ورعاء، وحيتان وظباء؛ فقال: والله لكلامك أحسن من بنائي، ووصله وخلع عليه.
قال رجل لأعرابي بحضرة قوم يتخاصمون: أما ترى أجيج اليوم؟ قال: إن ضجيج القوم أشد من أجيج اليوم.
قيل لأعرابي: ما أعددت لحالي فقرك والغنى؟ قال: الذي أعددته لحفظ الغنى هو الذي أعددته لصرف الفقر.
كتب عبد الله بن عباس إلى عبد الملك بن مروان لما خرج محمد ابن الحنفية إلى الشام: إنه خرج إليك رجل منا، لا يبدأك بالشر ولا يمالئ على الظلم، يتحرى الحق ولا ينوي الباطل، فاحفظنا فيه. فأجابه عبد الملك: ما أسرني لصلة رحمك وحفظ توصيك، وكل ما سألت مفعول، وكل ما هويت متبع.
معنى قوله: يتحرى الشيء أي يطلب حراه أي مكانه وفناءه، يقال: نزلت بحراه وذراه وكنفه وعقوته؛ وأما ما مالأت فلاناً فإن السيرافي سأل أهل
(3/121)

المجلس يوماً عنه فقال بعضهم: ما ملأتهم نفسي ولاملأوني، فكأنه مفاعلة من المء، فقال: قاربت، ولكن معناه الصحيح: ما دخلت في ملإهم، وإنما قيل للمإ الملأ لأنهم يملأون العين جهارة والنفس جلالة.
لما مات قرد زبيدة ساءها ذلك، فكتب إليها ابو هارون المعلم: أيتها السيدة، إن موقع الخطب بذهاب الصغير المعجب كموقع السرور من نيل الكبير المفرح، ومن جهل قدر التعزية عن التافه الخفي عمي عن حال التهنئة بالجليل السني، فلا نقصك الله الزائد في سرورك، ولا حرمك قدر هذا الذاهب من صغيرك وكبيرك؛ قال: فأمرت له بمال؛ قال: فكان أبو هارون يقول: رحم الله كل قرد.
سمعت لغوياً يقول: الغضار: خشب مشهور، والنضار جمع نضر، وهو الذهب.
سمعت شيخاً من النحويين يقول: ليس في كلام العرب فعل يفعل من المضعف إلا في شده يشده، وعله يعله، وهره يهره، ونم الحديث ينمه.
يقال: حرى يحري أي نقص، وأحراه الله: نقصه.
شاعر: الطويل
فما ضاعني تعريضه واندراؤه ... علي وإني بالعلا لجدير
(3/122)

ألم تر للنشوان يشتم أسرتي ... وإني به من واحد لخبير
أي ما حركني، والنشوان: الخفيف الجسم.
والنيطل: الداهية، والنيطل: الدلو، والناطل: مكيال الخمر، والضغيل: صوت مص الحجام؛ التياز: القصير العريض؛ والزردق: صف؛ ومعنى قول العرب: رابت الفرس أس سقيته اللبن، وفي الأمثال: إن من القرف التلف، أي في بعض ما تقارف يكون الحذر؛ الطاهي: الطابخ، يقال: طها يطهو طهوت وطهيت.
قال أحمد بن أبي خيثمة: أول من سمي في الإسلام أحمد، أبو الخليل، والخليل فرهودي، والفراهيد: صغار الغنم، وكان الخليل يحج سنة ويغزو سنة حتى جاءه الموت.
قال إراهيم بن سيار: ما أحسنن ما قال الخليل: بحسب امرئ من الشر أن يرى من نفسه فساداً لا يصلحه، ومن علم بفساد نفسه علم
(3/123)

بصلاحها، وأقبح التحول أن يتحول المرء من ذنب إلى ذنب من غير توبة منه وإقلاع عنه.
قال الخليل: كان يقال: من أساء فاحسن جعل له من نفسه حاجزاً يردعه عن مثل إساءته.
قال إبراهيم الحراني: كان البصرة أربعة من النحويين أصحاب سنة، وسائرهم قدرية: الخليل وأبو عمرو بن العلاء ويونس والأصمعي.
قال محمد بن سلام: حدثنا يونس النحوي قال، قلت للخليل: ما بال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنهم تؤام واحدة وعلي كأنه ابن علة؟ فقال: من أين لك هذا السؤال؟ فقلت: أريد أن تخبرني، قال: على أن تكتم عني ما دمت حياً؟ قلت: أجل، قال لي: تقدمهم إسلاماً، وبذهم شرفاً، وفاقهم علماً، ورجحهم حلماً، وكثرهم زهداً، فحسدوه، والناس إلى أمثالهم وأشكالهم أميل.
وقال الخليل: من الأبواب ما لو نشاء أن نشرحه حتى يستوي في عمله القوي والضعيف لفعلنا، ولكنا نحب أن يكون للعالم مزية.
قال النضر: حدثني الخليل قال: أتينا أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا عليه فقال لنا: استووا،
(3/124)

فبقينا متحيرين، فقال لنا أعرابي بجبنه: إنه يقول: ارتفعوا، فاستخرجها الخليل من قول الله تعالى: " ثم استوى إلى السماء " البقرة: 29 أي ارتفع، فصعدنا، فقال: هل لكن في خبز فطير، ولبن نجير، وماء نمير؟ فقلنا: لا، قال: سلاماً، فبقينا حائرين، فقال الأعرابي: إنه سألهم متاركة، لا خير ولا شر، فاستخرجها الخليل من قول الله سبحانه " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً " الفرقان: 63.
قال الخليل: النحو للسان بمنزلة الطعام للأبدان.
وقال أيضاً: إن لم تعلم الناس ثواباً فعلمهم لتدرس بتعليمهم علمك، ولا تجزع من تفرع السؤال فإنه ينبهك على علم ما لم تعلم.
لصخر بن الجعد الخضري: الوافر
ولست بنائم إلا نزوراً ... ولا مستيقظاً إلا مروعا
وإنك لو نظرت فدتك نفسي ... إلى كبدي وجدت بها صدوعا
أرجي أن ألاقي آل كأس ... كما يرجو ذوو السنة الربيعا
(3/125)

لعبد الحميد بن سعيد المساحقي: البسيط
إني وإن قيل لا يحمى له غضب ... إذا غضبت كأني الحية الذكر
يذكي القراع إذا قورعت من غضبي ... ناراً تأجج ما يطفى لها شرر
ألوى المريرة صرام لخلته ... رحب الذراع بما يأتي وما يذر
لا يستكين لما يأتي به حدث ... كأنه عند ما يرمى به حجر
قال بعض السلف: لا تغتر بطول السلامة مع تضييع الشكر، ولا تعمل بنعمة الله في معصيته، فإن أول ما يجب لمهيديها ألا تجعلها ذريعة إلى مخالفته، واعلم أن كفران النعمة بوار، وقلما اقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاسترجع شاردها بالتوبة، واستدم راهنها بكرم الجوار، واستفتح باب المزيد بحسن التوكل، ولا تحسبن أن سبوغ ستر الله غير مقلص عما قليل إذا أنت لم ترج لله وقاراً.
قيل لابن عون الزاهد، وقد جرى ذكر الأرزاق: يا أبا عون، ما تتمنى منها؟ قال: إني لأستحيي أن أتمنى عليه ما قد ضمنه.
دخل الأوزاعي على المهدي فقال له: إن الله قد آتاك فضيلة الدنيا
(3/126)

وكفاك طلبها، فاطلب فضيلة الآخرة فقد فرغك لها.
قال الأصمعي: دخلت على الخليل وهو جالس على صحير صغير، فقال لي: تعال اجلس، فقلت: أضيق عليك، فقال: مه! الدنيا بأسرها ما تسع متباغضين، وإن شبراً في شبر ليسع متحابين.
قال النضر، قال الخليل: الأيام ثلاثة، معهود ومشهود وموعود؛ فالمعهود أمس، والمشهود اليوم، والموعود غد.
قال نصر بن علي، قال الخليل: الرجل بلا صديق كاليمين بلا شمال.
وقال الخليل، وقد قيل له: إن استفساد الصديق أهون من استصلاح العدو، قال: نعم كما أن تحريق الثوب أهون من نسجه.
قال الرياشي، قال الخليل: ما غلب جدل إلا جاء جدل آهر فغلبه، وما شيء أضر على الأديان ولا أفسد بين الإخوان من الجدل.
قال بعض السلف: الغناء نوح إبليس حين خرج منها.
وقال بعض السلف: لسان الإنسان مثقاله الذي يوزن به.
قال أعرابي: رجز
ما أقرب الخير من السلامة
ما أقرب الشر من الندامة
(3/127)

ما أولع الحاسد بالملامة
كاتب: ما أحوجك إلى أخ كريم الأخوة، كامل المروة، إذا غبت خلفك، وإذا حضرت كنفك، وإن لقي صديقك استزاده لك، وإن لقي عدوك كفه عنك، وإذا دانيته ابتهجت، وإذا اباثثته استرحت.
لأبي دلف الخزرجي في ابن عباد: الرمل المجزوء
يا ابن عباد بن عبا ... س بن عبد الله حرها
تنكر الجبر وقد أد ... خلت في العالم كرها
قيل لجعفر بن محمد إن هشام بن الحكم يقول إن البارئ جسم، فقال: أخطأ، اما علم أن الجسم والجسم يتفقان، والشيء والشيء يفترقان، لأن الجسم اسم لكل محدود، والشيء اسم لك لموجود.
شاعر: الوافر
أراك فلا أغض الطرف كي لا ... يكون حجاب رؤيتك الجفون
ولو أني نظرت بكل عين ... لما استوفت محاسنك العيون
(3/128)

قال بعض الزهاد: من أطعمه التراب أكله التراب.
كاتب: عرفني وقتاً أوافيك فيه جالساً، لا تزاحمني الألسن فيه على محادثتك، ولا الأعين على النظر إليك، لأقضي وطر الود، وآخذ بثأر الشوق.
وصف الخليل بن أحمد أرضاً حمد مشتريها رأيه: البسيط
ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضت ... عن المعاطش فاستعنت بسقياها
فاعتم بالطلح والزيتون أسفلها ... ومال بالنخل والرمان أعلاها
وصار يحسده من كان يعذله ... ولائم لامفيها قد تمناها
أبا معاوية اشكر فضل واهبها ... وكلما جئتها فاعمر مصلاها
قال المبرد، قال المازني، قال الأصمعي: رأيت الخليل يأخذ كتب أبي حنيفة فينظر فيها، فقلت له: كيف تراه؟ فقال: أراه يأخذ الحق فيمسخه.
قد دل الخليل بهذا على اختلاله، لأن الفقه ليس من شأنه، وأبو حنيفة يجل عن مثل هذه الحال.
(3/129)

قيل للكرخي: لم لا تضع لنا كلاماً في الأصول على مذاهب المتكلمين؟ قال: أخاف التقصير وأكره النقص، فإني رأيت الجبائي وقد ألم في كتبه بشيء من الفقه فبدت سوءته، وأمل الحاسد الوقيعة فيه.
قيل لفيلسوف: كيف الله؟ قال: باطن لكنه لا يخفي، وظاهر لكنه لا يرى.
شاعر: البسيط
تقول لي وكلانا يوم فرقتنا ... نوعان أدمعنا در وياقوت
أقم بأرضك هذا العام قلت لها ... كيف الثواء وما في منزلي قوت
وما بأرضك قوم أستعين بهم ... إلا بخيل فمملول وممقوت
فايتعبرت ثم قالت فالإياب متى ... فقلت إن ربيع العام موقوت
قال بعض المتقدمين: الكتاب إذا كثر جده ثقل، كما انه إذا كثر هزله استخف.
من كتاب أدب النديم لكشاجم: كان عبد الملك بن مروان
(3/130)

ولى بشراً الكوفة ووجه معه روح بن زبناع الجذامي وقال: يا بني، روح عمك والذي لا ينبغي أن تقطع أمراً دونه لصدقه وعفافه ومحبته لنا أهل هذا البيت، وقال لروح: اخرج مع ابن أخيك، فخرج معه حتى قدما الكوفة. وكان بشر ظريفاً أديباً، يحب الشعر ولاسمر والسماع والندام، فراقب روحاص واحتشمه وقال: أخاف أن يكتب روح إلى أمير المؤمنين بأخبارنا فتقبل منه، وإني لأحب من الأنس والاجتماع ما يحبه الشباب، ولكنني أتجنب ذلك لمكانه، فضمن له النديم كفاية أمره ورده إلى عبد الملك من غير سخط ولا لائمة، فسر بذلك بشر ووعده مكافأته عليه بأعظم الحباء.
وكان روح غيرواً، إذا خرج عن منزله أقفله وختمه بخاتمه حتى يعود فيفضهم بيده، فأخذ الفتى دواة ثم أتى منزل روح ممسياً، فوقف بالقرب منه مستخفياً، فخرج روح إلى الصلاة، فتوصل الفتى إلى أن دخل الدهليز فكمن تحت درجة فيه، وعاد روح ففتح الباب وأغلقه من داخله، فلم يزل الفتى يحتال ويتلطف به حتى وصل، فكتب على حائط في أقرب المواضع من مرقد ورح: البسيط
يا روح م لبنيات وأرملة ... إذا نعالك لأهل المغرب الناعي
إن ابن مروان قد حانت منيته ... فاحتل لنفسك يا روح بن زنباع
ولا يغرنك أبكار منعمةفاسمع هديت مقال الناصح الداعي
ثم رجع إلى مكانه من الدهليز فبات به، فلما أصبح روح خرج إلى الصلاة، فتبعه الفتى متنكراً وخرج. وكان روح قبل خروجه أقفل على الموضع الذي كتب فيه الفتى، فلما عاد إلى الموضع وأسفر الصبح تبين الكتاب، فراعه وأنكره وقال: ما هذا، فوالله ما دخل حجرتي إنسي سواي، ولا حظ لي في المقام بالعراق، ثم نهض إلى بشر فقال: أوصني يما أحببت من حاجة أو سبب عند أمير المؤمنين، قال: أو تريد الشخوص يا عم؟ قال: نعم، قال: ولم ذاك؟
(3/131)

هل أنكرت شيئاً أو رأيت قبيحاً لم يسعك المقام عليه؟ فقال: لا والله، بل جواك الله عن نفسك وعن سلطانك خيراًن ولكن أمر حدث ولا بد لي من الانصراف، فأقسم عليه أن يخبره فقال: إن أمير المؤمنين ميت إلى أيام، قال: ومن أين علمت ذلك؟ فأخبره بخبر الكتبا، فقال بشر: أقم فإني أرجو ألا يكون لهذا حقيقة، فلم يثنه شيء، وصار إلى الشام، وأقبل بشر على الشراب والطرب. فلما لقي روح عبد الملك أنكر امره وقال له: ماأقدمك؟ ألحادثة حدثت على بشر أم لأمر كرهته؟ فأثنى على بشر وقال: بل حدث أمر لا يمكنني ذكره حتى نخلو، فقال عبد الملك: إذا شئتم. وخلا بروح فأخبره بقصته وأنشد الأبيات، فضحك عبد الملك حتى استغرب وقال: ثقل مكانك على بشر وأصحابه حتى احتالوا لك بما رأيت، فلا ترع.
ووفي بشر لنديمه بما وعده، وزاد ما كان منه في أمر روح في حاله عنده ومكانته منه.
قال الجاحظ في فصل من رسالة إلى محمد بن عبد الملك الزيات: حاجتي والله أن أخف على قلبك، وأن أحلو في صدرك، ولربما ميلت بين ألا تكون على قلبك مني مؤونة، وبين أن أكون عندك من الأوفياء الساترين، فأجدني إلى تلك أميل مني إلى هذه.
فصل لأبي عثمان أيضاً: والكتاب يحتاج مع صحة أديمه، وكرم
(3/132)

جوهره، وبراءة ساحته، وسلامة ناحيته، إلى شفيع في قلب المكتوب إليه وإن لم يكن هناك شفيع ولا دليل، فالكلام كله يحتمل التوجيه والتصريف، والتوهم والظنون.
وقال في فصل آخر: سألت - أبقاك الله - أن أصف لك فلاناً: اعلم أني دخلت على رجل ضخم فدم، غليظ اللسان غليظ المعاني، عليه من الكلام أشد المؤونة، وفي معانيه اختلاف ليس شيء منه يؤاتي صاحبه ولا يعاونه، بل لا يتاركه ويسالمه حتى يرى إرادته في شق ولسانه في شق، وحتى يظن ان كلامه كلام محموم أو مخمور، وأن كل واحد من هذا يقطع نظام المعالي، ويخلط بين الأسافل والأعالي؛ وكنت كأني رجل من النظارة، وكان يظن الظن ثم يقيس عليه، وينسى أن بدأه كان ظناً، فإذا اطرج ذلك لهواتسق جزم عليه، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحة معناه، ولكنه كان لا يقول: سمعت، ولا رأيت، فكان كلامه إذا خرج مخرج الشهادة القاطعة لم يشك السامع أنه إنما تجلى ذلك عن سماع قد امتحنه، ومعانية قد قهرته. ورأيته يزعم أن منكراً أفضل من نكير، وأن يأجوج أفضل من مأجوج، وأن هاروت خير من ماروت، حتى زعم أن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر، واعتل ان الكبد للشق الأيمن؛ فقلت له: فإن الطحال للشق الأيسر، فقال: الكبد أرفع منزلة من الطحال، فقلت: فإن الفؤاد الذي هو سيد الأعضاء مركب في الجوف مما يلي اليسار دون اليمين، فهذه فضيلة لليسار على اليمين، فانقطع. ورخجت عنه، فلما رجعت إلى منزلي وردت علي رقعة مكتوب على عنوانها: هذه مسائل من فقر الحكمة ومكنون علم الفلسفة، وفككتها فإذا فيها: خبرنا عن تعادي الأضداد، وحركات الكون والفساد، إذا استحوذت على الأجرام الجسمية، فتلاشت قوى الطبيعة، هل يكون للحركات العنصرية أعراض بدنية أم جواهر وهمية وأعيان عقلية؟ وخبرنا عن النواميس الخفية والشرائع الإلهية: هل لهما أسرار طبيعية أو رسوم عقلية؟ فلما
(3/133)

وردت علي ونظرت فيها، علمت أنه لم يتأت له هذا الكلام إلا بخذلان الله تعالى، وأن ا؛ داً من أهل إقليم بابل لا يطرد له حبة من الكلام المحال ما يطرد له، وأيقنت انه قد نسي أنه أنفذ الرقعة إلي، وأنه لا يذكر شيئاً مما كتب، فرجعت عليه سائلاً، والتمست الإجابة منه، فوقع تحت كل مسألة مما قد كتبت إليك منه: مسألتك هذه لها وجهان، فإن أردت باب اليقين فلا، وإن أردت من باب التصور فنعم.
قال الأصمعي، قال أبو هلال الراسبي، قال أبو الصهباء - يعني صلة بن أشيم: طلبت الرزق في مظانة فأعياني، إلا رزقي يوماً بيوم، وغن امرءاً يرى هذا ولايعلم أنه قد خير له لعاجز.
قال ابن عباس: قلت لهند بن أبي هالة، وكان ربيباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم: صف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلعل أن
(3/134)

تكون أثبتنا به معرفة، قال: كان بأبي وأمي طويل الصمت، دائم الفكر، متواتر الأحزان، إذا تكلم تكلم بجوامع الكلم، لا فضل ولا تقصير، إذا حدث أعاد، وإذا خولف أعرض وأشاح، يتروح إلى حديث أصحابه، يعظم النعمة وإن دقت، ولا يذم ذواقاً، ويبتسم عن مثل حب الغمام.
جاء سلمان يخطب امرأة من قريش ومعه أبو الدرداء، فذكر سلمان وسابقته في الإسلام وفضله، فقالوا: أما سلمان فما نزوجه ولكن إن أردت أنت زوجناك، فتزوجها أبو الدرداء، فلما خرج قال: يا أخي قد صنعت شيئاً، وأنا أستحي منك، وأخبره، فقال له سلمان: أنا أحق أن أستحي منك، أخطب امرأة كتبها الله لك.
قال عبد الله بن عمر: المؤمن أكرم على الله من الكعبة الحرام.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، ما رددت في شيء أنا فاعله ما ردتت في قبض نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولايزال عبدي يتنفل حتى أحبه، فإذا
(3/135)

أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً، إذا دعاني أجبته، وغذا سألني أعطيته، نصح إلي فنصحت له، وإن من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده ذلك، ن وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إمانه إلا السقم، ولو أصححته أفسده، ذلك أني أدبر عبادي بعلمي، إني عليم خبير.
هذا الحديث كما ترى، وله نظائر، ومتى حملته على صرف المتكلمين ونقد الناقدين تعذر متنه، وتحللت عراه، وانفتق رتيقه، وإن توسعت قليلاً في مجازه وقاربت في تأويله، وعاد عليك نافعه وسقط عنك ضاره.
قال سهل بن زيد، قلت لموسى بن عمران الخلقاني، وكان امرأ صدق زاهداً: أبشر يا أبا عمران، إن هذا الضيق الذي أنت فيه يأتيك من الله بسعة رزق، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتروني أخاف ان يحبس الله عني الرزق؟ والله لأنا بالدفقة تدفق في صدري من الدنيا يكون فيها فساد ديني وقلبي أخوف من أن يحبس الله عني الرزق.
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع، ومن العلماء من يخزن علمه ولا يحب أن يوجد عند غيره، فذلك في الدرك الأول من النار؛ ومن العلماء من يكون في عمله بمنزلة السلطان، فإن رد عليه شيء من قوله أو
(3/136)

تهوون بشيء من حقه غضب، فذلك في الدرك الثاني من النار؛ ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل الحاجة له أهلاً، فذلك في الدرك الثالث من النار؛ ومن العماء من استفزه الزهو والعجب فإن وعظ عنف، وإن وعظ أنف، فذلك في الدرك الرابع من النار؛ ومن العلماء من ينصب للفتيا فيفتي بالخطأ، والله يبغض المتكلفين، فذاك في الدرك الخامس من النار؛ ومن العلماء من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليتعزز علمه، فذلك في الدرك السادس من النار؛ ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة ونبلاً وذكراً في الناس، فذلك في الدرك السابع من النار.
عليك بالصمت فبه تغلب السلطان.
إياك أن تضحك من غير عجب، أو تمشي في غير أرب. هذا بكلام الحسن البصري اشبه.
قال أنس: إن عمر رضي الله عنه قرأ: " وفاكهة وأباً " عبس: 31 فقال: هذه الفاكهة قد علمنا، فما الأب؟ ثم وضع يديه على رأسه وقال: إن هو لهو التكليف، وما عليك يا ابن أم عمر ألا تعرف ما الأب؟! هذا طريف، إن عمر فوق ما ظن به الراوي؛ عمر رضي الله عنه يوزن به بشر كثير لسعة علمه وحلمه وفضله، واللغة لسانه وليس عليه نصب في معرفتها ولا مشقة. والأب: يقال للبهائم بمنزلة الفاكهة للناس، ويقال: هو المرعى.
قال عبد الله بن مسعود: إن في طلب الرجل الحاجة إلى أخيه فتنة، إن أعطاه حمد غير الله، وإن منعه ذم غير الذي منعه.
(3/137)

قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد تزودت زاداً، وابتعت راحلة، وقضيت لبانتي - أي حاجتي - أفأرتحل إلى البيت المقدس؟ فقال له علي: كل زادك، وبع راحلتك، وعليك بهذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - فإنه أحد المساجد الربعة، ركعتان فيه تعدلان عشراً فيما سواه من المساجد، والبركة منه إلى اثني عشر ميلاً من حيثما أتيته، وقد نزل فيه من أسه ألف ذراع، وفي زاويته فار التنور، وعند الأسطوانة الخامسة صلى إبراهيم عليه السلام، وقد صلى فيه ألف نبي وألف وصي، وفيه عصا موسى نوح، وفيه مسير جبل الأهواز، ويحشر فيه يوم القيامة سبعون ألفاً ليس عليهم حساب ولا عذاب، ووسطه عرى روضة من رياض الجنة وفيه ثلاث أعين: عين من لبن وعين من دهن وعين من ماء جانبه الأيمن ذكر، وجانبه الأيسر فكر، ولو يعلم الناس ما فيه من الفضل لأتوه حبواً.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الكوفة كنو الإيمان، وجمجمة العرب، وهم رمح الله الأطول.
قال مطرف: وجدت ابن آدم بين ربه وبين الشيطان، فإن اختاره الله نجا، وإن خلى بينه وبين الشيطان غلب عليه.
وشتم ديوجانس رجل فسكت عنه، فقيل له: لم لم تغضب حين شتمك؟ فقال: كفاه مسبه له أنه يشتم ولا يشتم.
(3/138)

وكان يقول لتلامذته: محصوا خطاياكم بالصدقة، وأيامكم بالرحمة.
وقال سقراط: ينبغي أن يكون كلامك بالليالي حيث لا يتكون أعشاش الخفافيش؛ قال: أراد الخلوة وأن لا ينظر في أمر الهيولانيات.
قال الجاحط: وإنما يستريح البدن من كد تعب الروية إلى برد اليقين، ولولا تأميل الراحة لتضاعف ثقله، ولقطع الجهد سبب صابحه من معاودته، ولو كان ذلك تدبيراً لما جعل الله تعالى الليل سكناً والنهار مسرجاً، بل إن الأغلب على طبائع البشر حب الكفاية واستثقال الرواية وسرعة السآمة.
وقال: الأرض وإن كانت حرة، والفرس وإن كان كريماً، والزمان وإن كان معتدلاً، فلا بد له من تعهد، ولاينتفع بالماء الساكن في الأرض، ولا بالذهب ما لم يستخرج، ولا بالعلم ما دام مكنوناً.
وقال أبو عثمان أيضاً: وكيف أنساك وأنا إن رأيت حسناً ذكرتك مشبهاً، أو قبيحاً ذكرتك به مبايناً.
وقال: السيد من أورى ناره، وحمى ذماره، ومنع جاره.
وقال: الحمار إن أطلقته ولى، وغن أوقفته دلى، كثير الروث، قليل الغوث، سريع إلى العرارة، بطيء في الغارة، لايحلب في إناء، ولا ترفأ
(3/139)

به الدماء، ولا تمهر به النساء.
وقال أبو عثمان: بقتك فيل وحصانك جبل.
وقال أيضاً: جماع الخير يجول بين الثناء والدعاء، فالثناء للدنيا والدعاء للآخرة.
قال واعظ: إني لأخشى أن ياتيك أمر الله بغتة، واحذ الإملاء فهو أوقى مغبة، وأثبت في الحجة، لأن تعمل ولا تعلم خير من أن تعلم ولا تعمل، لأن الجاهل العامل لم يؤت من سوء نية، ولا استحفاف بربوبية، ولا هو كمن قهرته الحجة، وأعرب له الحق مفصحاً عن نفسه فآثر الغفلة به والخسيس من الشهوة على الله، فأسحمحت فنسه عن الجنة، أسلمها بالأيدي لعقوبة. فاستشر عقلك، وراجع نفسك، وادرس نعم الله عليك، وتذكر إحسانه إليك، فإنه مغلبة للحياء، ومردعة للشهوة، ومشحذة على الطاعة، وقد أظل البلاء، وكأن قد كفكف عليك غرب شؤبوبه، وجوائح سطوته إن لم تستكف ذلك بسرعة النزوع، وطول التضرع، ودوام البكاء، والندم في أعقاب الزلات، واعتقاد الترك لها، والمعاودة في شيء منها.
تحاكم إلى الإسكندرية رجلان من أصحابه فقال لهما: إنما الحكم يرضي أحدكما ويغضب الآخر، فاستعملا الحق يرضيكما جميعاً.
أحضر بين يدي الإسكندر لص فأمر بصلبه فقال: أيها الملك،
(3/140)

فعلت ما فعلت وأنا كاره، قال: وتصلب أيضاً وأنت للصلب كاره.
قيل لصوفي: ما الذي تطلب؟ قال: أطلب الراحة في الدنيا، قيل: فهل وجدتها؟ قال: قد وجدت أني لا أجدها.
وتكلم رجل رث الهيئة بين يدي الإسكندر بكلام حسن، فقال: الإسكندر: ليكن حسن ثوبك موافقاً لحسن منطقك، فقال: أيها الملك، أما الكلام فأقدر عليه، وأما الكسوة فلا أقدر عليها؛ فخلع عليه.
وقام بين يدي الإسكندر خطيب فخطب وأطال، فزبره وقال: ليس حسن الخطبة بحسب طاقة الخاطب ولكن على طاقة السامعز خطب رجلان إلى دميانوس بنته، وكان أحدهما فقيراً والآخر غنياً، فاختار الفقير، فسأله الإسكندر عن ذلك فقال: لأن الغني كان جاهلاً فكان يخاف عليه الفقر، والفقير كان عاقلاً فكان يرتجى له الغنى.
قال الأصمعي: وصفت أعرابية قومها فقالت: كانوا والله لرحى الحرب ثفالاً، ولقدرها جفالاً، وللأعداء نكالاً، وفي الندى أزوالاً، وعلى الخصوم ثقالاً، أنحى عليهم الدهر بشفرتيه فأطفأ جاحمهم، واقتص ناجمهم، وطمس آثارهم، وأباد غضراءهم، فأصبحت المنازل دراسة، والأعلام طامسة، وبذلك جرت عادة الدهر.
(3/141)

قيل لرجل: إن أباك كان فقيراً فأثرى، فكيف كان سيرته؟ فقال: كان في مسكنته تقياً نقياً، وفي غناه رضياً سرياً.
وأخبر ابن الأعرابي أن لصين من الأعراب تصدياً لجارية ترعى غنماً، فقال أحدهما لصاحبه: اشغلها عني، فحفر حفرة ودخلها وتغطى بالثمام وأخرج متاعه قائماً، فنظرت إليه فقالت: أطرثوث ولا رملة، أذؤنون ولا عضاه له؟! ثم بركت عليه لتقضي حاجتها، فاطرد الآخر الغنم، فلما فرغت من أمرها التمست الغنم فإذا هي قد بعدت، فتبعتها، وخرج الآخر من الحفرة فعارض صاحبه فاطرد الغنم فذهبا بها.
وقال ابن الأعرابي، قال أبو صخر الكناني: وقف أعرابي على قوم من الحاج فقال: بدء شأني، والذي ألجأني إلى مسألتكم، أن الغيث كان قد قوي عنا، ثم تكرفأ السحاب، وشصا الرباب، وادلهم سيقه، وارتجس ريقه، وقلنا: هذا عام باكر الوسمي، محمود السمي، ثم هبت له
(3/142)

الشمال، فاحزالت طخاريره، وتقزع كرفئة متياسراً، ثم تتابع لمعان البرق، حيث تشيمه الأبصار، وتحده النظار، ومرت يد الجنوب ماءه، فقوض الحي مزلئمين نحوه، فسرحنا فيه المال فكان وخماً وخيماً، فأساف المال، وأضف الحال، فبقينا لا تيسر لنا حلوبة، ولا تنسل لنا قتوبه، وفي ذلك يقول شاعرنا: الطويل
ومن يرع بقلا من سويقة يغتبق ... قراحاً ويسمع قول كل صليق
أي يسمع العذل يقولون قد نهيناك. أما قوله: قوي: أي احتبس، يقال: الثمام شر ما احتبس تكرفأ: ذهب، وشصا: ذخب، الرباب: المطر، والوسمي: أول مطر يسم الرض، والسمي: جمع سماء، واحزألت: تفرقت، تشيمه البصار: تدركه، ومرت - خفيفة - استخرجت، فقوض الحي أي تفرقوا، ومنه تقوض الحي، ومنه تقوض الخباء إذا حط.
قال ابو نوفل: قتل الحجاج ابن الزبير وصلبه على عقبة،
(3/143)
فجعلت قريش تمر به والناس، حتى مر به عبد الله بن عمر فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد نهيتك عن هذا وكنت عنه غنياً، أما والله لقد كنت ما علمتك صواماً قواماص، وصولاً لرحم، والله إن أمة أنت شرها لأمة صدق؛ قال: ثم نفذ، فبلغ الحجاج موقفع فبعث إليه ثم استنزله ثم أمر به فألقي في قبور اليهود، ثم بعث غلى اسماء بنت أبي بكر بعد ما عميت أن تأتيه فأبت، فقال: لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، فقال: والله لا ىتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، قال: أروني سبتي، فأخذ نعليه وجعل يتوذف حتى دخل عليها فقال: كيف رأيتني فعلت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليكآخرتك، وقد بلغني أنك كنت تعيره وتقول: يا ابن ذات النطاقين، فقد ولاله كنت ذات نطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر رضي الله عنه طعامهما من الذباب، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا يستغني عنه، فبأي ذلك ويلمك تعيره، وقد سمعت رسول الله حروف يقول: في ثقيف كذاب ومبير؟ أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه.
قال الحسن: أوحى الله إلى آدم: أربع هن جماع لك ولولدك، واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الناس؛ أما التي فتعبدني ولا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فعملك آجرك به أفقر ما تكون إليه، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين
(3/144)

الناس فاصحبهم بالذي تحب أن يصحبوك به.
قال مجاهد: لما أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج قال: يا رب كيف أقول؟ قال: قل يا أيها الناس أجيبوا ربكم، قال: فوقرت في قلب كل مسلم مؤمن. ولو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم، ولكنه قال: أفئدة من الناس.
قال أبو هريرة: مثلت الدنيا على طائر، فالبصرة ومصر الجناحان، والشام والجزيرة الجؤجؤ، واليمن الذنب.
قال القاسم بن محمد: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاماً لهن إبل ولي إبل، فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبتغي ضالها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسقي عللها، فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في حلب.
قال أبو صالح، قال أبو هريرة: اللسان ترجمان، والعينان
(3/145)

مسلحة، والأذن قمع، واليدان الجناحان، والرجلان بريد، والطحال ضحك، والكبد برد، والكلية مكر، والرئة نفس، والقلب الملك، فإذا صلح القلب صلحت الجوارح، وإذا فسد فسدت.
قال سفيان بن عيينة، قال أبو حازم: اشتدت مؤونة الدنيا، فما تمد يدك منها إلى شيء تطلبه إلا وجدت عليه فاجراً قد سبقك، وأما مؤونة الدين فما تجد أحداً يعينك عليه.
وقال ابن أبي زياد: جاء ثعبان فحال بين الناس وبين الطواف، فدعا أهل مكة فجاء طائر أظل نصف مكة حتى اختطف الثعبان فرمى به في البحر.
قال الحسن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الناسلم يؤتوا في الدنيا شيئاً هو خير لهم من اليقين والمعافاة، فسلوهما الله عز وجل.
قال الحسن: صدق والله نبي الله؛ باليقين طلبت الجنة، وباليقين هرب من النار، وباليقين أديت الفرائض، وباليقين صبر على الحق، وفي معافاة الله خير كثير، قد والله رأيناهم يتقاربون في العافية فإذا نزل البلاء تباين القوم.
قال الحسن، قال غزوان بن زيد الرقاشي: لله علي ألا يراني
(3/146)

ضاحكاً، حتى ألحق بالله عز وجل.
قال مغيرة: كنت كثير الضحك فلم يقطعه عني إلا قتل زيد بن علي.
لما احتضر معاذ قال: قد كنت أخشاك وأنا اليوم أرجوك.
قال عبد الله بن أبي الهذيل: إن كان أحدهما ليبول فيتسمح بالتراب مخافة أن تقوم الساعة.
قيل لأعرابي: ما أضنك بالخمر؟ قال: سبحان الله، كيف لا أضن بها وهي تسرج في عيني نورها، وفي سرورها.
قال العتبي: كان معاوية يقوم لرجل من أهل الشام، وكان شيخاً مسناً قد بلغ التسعين، فقيل له: أتقوم لهذا؟ فقال: إن فيه شبهاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أقوم للنبي صلى الله عليه وسلم.
ذكر أعرابي شيبه فقالك كنت أنكر البيضاء فصرت أنكر السوداء.
(3/147)

قال ابن الأعرابي: أنشدني عبد الله بن شبيب: الكامل
من يأمر القوام بعد قبيلة ... درجوا وتوبع بينهم من واقف
كانوا دعائهم قومهم وعمادهم ... وملاذ غارمهم مأوى الخائف
أخذوا بغرة طائر غروا بها ... سبب جرى لهم بحتف حاتف
لم يبق من آثارهم وعيونهم ... عين تؤمل ذات شفر طارف
لم يبق من آثارهم وعيونهم ... عين تؤمل ذات شفر طارف
والدهر ذو صرف يشب فأهله ... وصحابه موصولة بمتالف
لا تجزعن من الزمان وريبه ... واصبر لذلك صبر حر عارف
قال الأصمعي: دخل مالك بن هبيرة السكوني على معاوي فأدناه وقربه، وكان شيخاً فانياً حسن الجسم، فخدرت رجله فبسطها، فقال له معاوية: ليت لنا يا ابا سعيد جارية لها مثل ساقك، فقال: يا أمير المؤمنين، ولاساق متصل بمثل عجيزتك، فقال معاوية: البادئ أظلم.
قال الأعمش: دخل رجل داراً فسرق طستاً، فلما خرج رأى عل باب الدرا نفراً، فالتفت إلى الدار فقال: إن لم يشتر بسبعة أبيعة بستة؟ يوهمهم أنه دفع إليه ليبيعه.
قال أسقف فارس: لو أنشر من مات لأخبر أكثرهم أنه مات بشماً.
(3/148)

شاعر: الكامل
الحرص عون للزمان على الفتى ... والصبر نعم العون للأزمان
لا تجزعن فإن دهرك إن رأى ... منك الخنوع أمده بهوان
وغذا رآك وقد نصرت لصرفه ... بالصبر لاقى الصبر بالإذعان
سمعت السيرافي يقول: شواية كل شيء ضعفه، وأشويته: أطعمته الشواء، والشوي: الشاء.
وسألت السيرافي عن قوله " قائماً بالقسط " آل عمران: 18 بم انتصبت قائماً؟ قال: بالحجال، قلت: أين الحال؟ قال: لله تعالى، قلت: أيقال لهل حال؟ قال: غن الحال هي للفظ لا لمن يلفظ بالحال عنه. ولكن الرحمة لا تستوفي حقيقة المعنى في النفس إلا بعد تضوع الوهم. هذه الأشياء صناعة تسكن إليها النفس ويقنع بها القلب.
قال رجل لابن المقفع: أنا بالصديق آنس مني بالأخ، فقال: صدقت، الصديق نسيب الروح والأخ نسيب الجسم.
سألت السيرافي عن قولهم وبررت إذا قالوا: صدقت وبررت، فقالك صدقت صدقاً نافعاً كأنك لم تصدق صدقاً بحتاص، ولكنك وصلته بالبر، والراء مكسورة في بررت.
سمعت ابن خضر الكاتب البغدادي يقول: قال أبو عبد الله
(3/149)

الواساني الرئيس في مجلسه: إنا - ذرية محمد حروف من بطن فاطمة عليها السلام - سعدنا بشفاعتها لأن الله حفظ فرجها، فقال ابن رزام المتكلم: أعز الله الشريف، فمن ذا الذي يقول: إن حواء زنت؟! شاعر: الوافر
غدا ناعيك حين غدا بخطب ... يبث الشيب في رأس الوليد
ويقعد قائماً يخشى حماه ... ويبعث للقيام حبى القعود
وأضحت خشعاً منه نزار ... مركبة الرواجب في الخدود
قال أعرابي: ما رأيت عيناً أخرق لظلمة ليل من عينه، ولا لحظاً أشبه بحريق النار من لحظه، له طرة كطرة السيف إذا غضب، وجرأة كجرأة الليث إذا حرب.
وصفت الخنساء أخاها فقالت: لقد كان كريم الحدب، واضح الجدب، يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد.
كاتب: إن للظلم دائرة بكل ذي حذر على غرر، وتمنع كل وارد عن الصدر، وتقحم كل آمل على أجل، وتقضي لكل آمل على وجل.
(3/150)

هذا والله الكلام العزيز الجانب، المصون العرض، الجليل القدر، يعمل والله في القلب عمل الغيث في الجدب، وليس في كل قلب، ولكن في القلب الذي قد فطر على الخير، وحبب إليه الأدب، وظهر من أدناس الجهل، وكل محلاً للتوفيق، وأهلاً للملاطفة.
خطب أعرابي فقال: الحمد لله رب العالمين، ولا إله إلا الله خلافاً على الجاحدين، وصلى على محمد خاتم النبيين، وإن أحق ما استمع له كلام رب العالمين، قال الله تعالى " وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين م عباطم " النور: 32.
شاعر: الوافر
تبدل بالمطامع منه يأساً ... وبالضرع القناعة فاستراحا
فلا طمع ينازعه بكوراً ... ولا أمل ينازعه رواحا
سمعت أعرابياً بفيد يقول: ستساق إلى ما أنت لاق.
وقال أعرابي: من أفاده الدهر أفاد منه.
شاعر: السريع
يا أيها السائل عن حال من ... أصبح في عسر وإفلاس
لا تسأل المعسر عن حاله ... واسأل لمن ألجا إلى الناس
قال ثابت البناني للحسن: إنك تريد الحج وأنا أريد،
(3/151)

أفأصحبك؟ فقال الحسن: دعنا نتعايش الله، إني أكره أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه.
قال أبو مجلز: قلت لرجل مديني: كيف صار الثقيل اثقل من الحمل الثقيل؟ قال: لأن الحمل الثقيل يشارك الجسد في حمله، والرجل الثقيل تنرد الروح بحمله.
ركب يزيد نهشل بعيراً له: فلما استوى في غرزة قال: اللهم إنك قلت " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين " الزخرف: 13، اللهم إني أشهدك أني له مقرن، فنفر البعير وتعلقت رجله في الغرز، والبعير يجمز به، حتى مات.
حدثت بهذا الحديث أبا حامد المروروذي فقال: إن بعض خلعاء أصحاب الحديث قال يوماً وهو فيجماعة من طلاب الحديث يمشون إلى شيخ للرواية عنه: امشوا قليلاً قليلاً، فإن طالب العلم يمشي على أجنحة الملائكة ما دام في طلب العلم حتى لا يتكسر الجناح، متهزئاً بهذا الحديث، فعثر عثرة عرج منها عند هذا الكلام.
فحدثت بهذا الحديث ملأ من الصوفية والغرباء والجوالين في
(3/152)

الآفاق، السائحين في الدنيا، الحافظين للعبر، المقتبسين للأدب، فقال شيخ منهم - وكان من مصر: لهذين الحديثين عندي ثالث: كان بالمغرب ورواق، وكان معروفاً بالإلحاد لظاهر مجونه، وإفراطه في جنونه، فكتب مضحفاً في ستة أيام، فتعجب الناس منه، فقال له رجل: في كم كتبت هذا؟ قال: " في ستة أيام وما مسنا من لغوب " ق: 38، فحشت يده. هذا لفظ الشيخ، ومعناه يبست، والحشيش منه ليبسه، فأما ما رطب فهو كلأ.
والبحث عن هذا الفن صعب لأن بعضه يقع اتفاقاً، وبعضه يقع استحقاقاً، والاعتبار يجمعهما، وإن كانت الحقيقة لا تميزهما، والأولى بالمرء المتحرج أن يهجر اللعب بالله جل وعلا، وبالإهيته وبكلامه وأفعاله، فإن الله عز وجل لا يغفل عما يقال، ولا يحفى عليه ما يفعل، ومن علم أنه بعينه طال صمته، واشتد فرقه، وقل إعراضه، واتسعت عبره، وكان من وراء الزاد للمعاد، وغذا كان جميع ما تتقلب فيه كظل المتفيء وحلم الراقد إلا ما جعله الله سلماً غليه، ورفداً في نيل ما لديه؛ ما أحوجنا إلى محاسبة أنفسنا، والأخذ لها منها قبل عطبها وبوارها.
قيل لبعض الأغنيا: ما أحسن القمر!! قال: إي والله، خاصة بالليل.
قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك؟ قال: على أربع
(3/153)

خصال: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فلم أهتم به، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعملت أن الموت يأتيني بغتة فأنا مبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال فاستحييت منه.
حدثنا بعض أصحابنا قال: رأيت بدوياً يخاصم رجلاً من الحاج بالكوفة عند منصرف الناس، فقيل له: أتخاصم رجلاً قد حج؟ فقال على البديهة: الطويل
يحج ليكما يغفر الله ذنبه ... ويرجع قد حطت عليه ذنوب
والتقى ناسكان بالموقف فقال أحدهما لصاحبه: ما تبغي ها هنا؟ قال: الزيادة، قال: يا هذا، ما كان لك في رؤية هذا المكان من الفوائد، ما أغناك عن طلب الزوائد؟! قال القناد وقد نظر غلى بعض أصحابه: يا هذا ليس كل من ينفذ نفذ، ولا كل من حصل وصل، ولا كل من وقف بالباب صار من الأحباب.
قال بعض الواعظين: ثلاث هن أسرع فيالعقل من النار في يبيس العرفج: إهمال الفكرة، وطول التمني، والاستشراء في الضحك. إن الله لم يخلق النار عبثاً، ولا الجنة هملاً، ولا الإنسان سدى، فاعرف نزق العبودية، وعجز البشرية، فكل زائد ناقص، وكل مقيم شاخص، وكل قرين مفارق، وكل غني محتاج، وإن عصفت به ريح الخيلاء، وأبطره العجب،
(3/154)

وصال على الأقران، لأنه مدبر مقهور ومبتئس، إن جاع سخط المحبة، وإن شبع بطر النعمة، ترضيه اللمحمة فيستشري مرحاً، وتغضبه الكلمة فيستطير شفقاً حتى تتفسخ منته، وتنتقض مريرته، وتضطرب فريصته، وتنسد عليه حجته.
كاتب: كتابي - جعلت فداك - من غربة في غير صحبة، وعن خيبة في طول غيبة.
كتب هاشمي إلى يحيى بن خالد: علمي بمودتك يمنعني من استحثاثك، ورضى إخائي بك يشكو إليك تقصيرك، وأملي فيه يصبرني على تأبيك.
وقال ملك لصاحب ملك آخر: أطلعني على سر صاحبك وانج بنفسك، فقال: إلي تقول هذا، وما ذاق أحد كأساً لا مذاق لها أمر من الغدر؟ والله لو حول ثواب الوفاء إليه لما كان فيه عوض منه، ولكن سماجة اسمه وبشاعة ذكره ناهيان عنه.
قال كشاجم في كتاب النديم: ندام النظراء أنعم وأرق، وندام العظماء أجل وأشرف.
يقال: خمس يورثن الفقر: الأكل على الجنابة، والادلاك بالنخالة، وتقليم الأظافر بالأسنان، ونتف الشيب، ونومة الضحى.
لو وصل هذا الأدب بعلله وأسبابه لكانت النفس إليه أسكن، والعمل به أكثر، والمصير إليه أسرع، وما أكثر ما يرسلون هذه الأمور إرسال الجاهل بما يقول!!
(3/155)

شاعر: الوافر
فإن يك صدر هذا اليوم ولى ... فإن غداً لناظره قريب
قال فيلسوف: المقادير لا تدفع بالمغالبة، والأرزاق المكتوبة لا يزيد فيها الشرة والمكالبة.
دخل أبو العباس العطافي إلى بعض القصاص وقد أخذ القاص في غزاة خيبر فقال: بارك الله عليك، ما أحسن ما تؤدي كلام منصور بن عمار! وحضر القطيعي مع قوم جنازة، فنظر إلى أخي الميت فقال: أهذا الميت أم أخوه؟ فانقلب المأتم ضحكاً.
خرج إسحاق بن مسلم العقيلي مع المنصور إلى مكة فأمعن في السير وطوى المراحل، فقال إسحاق: إنا ق هلكنا يا أمير لمؤمنين، فما هذهالعجلة؟ قال: نخاف أن يفوتنا الحج، قال: فاكتب إليهم ليؤخروه عدة أيام.
قال أبو العيناء: كنت بحمص فمات لجار لي بنت، فقيل له:
(3/156)

كم كان عمرها؟ قال: لا والله لا ادري، ولكنها ولدت أيام البراغيث.
قال أبو سالم القاص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كانت هند بنت عتبة حين لاكت كبد حمزة أحارتها إلى جوفها ما مستها النار؛ فقال المبردي: اللهم أطعمنا من كبد حمزة.
قال بزرجمهر: الركون غلى الدنيا مع ما نعاين من الموت جهل، والتقصير في احسن الأعمال إذ عرفنا فضيلة الثواب عجز، والطمأنيية إلى أحد قبل الاختبار حمق.
خرج رجل في ابتغاء الرزق فأعيا في طلبه، فجلس مستريحاً مقابله حائط، فقرأ فيه: الكامل
لما رأيتك قاعداً مسقبلي ... أيقنت أنك للهموم قرين
هون عليك وكن بربك واثقاً ... فأخو التوكل شأنه التهوين
طرح الذى عن نفسه في رزقه ... لما تيقن أنه مضمون
فرجع إلى بلده.
سمعت شيخاً من أهل الكوفة يقول: الزعزعة: شرب الريق من الفم، والصعصعة: التفريق.
كاتب: الحمد لله الذي حقق أملي فيك، وصدق ظني بك،
(3/157)

وذكر المنة لك علي، وجعلك مولى الصنيعة وسبب المكرمة في، فلم يسبقك احد إلى الإحسان إلي، ولم يحاصك في الإنعام علي، ولم تتقسم الأيادي شكري فهو لك موفر عليك، ولم يخلق وجهي فهو بك مصون جديد، ولم يزل ذمامي مضاعاً حتى رعيته، وحقي مبخوساً حتى قضيته، فأنصفتني من دهر طالما ظلمني، وأخذت بيدي من العثرة، وأبعدتني من الصرعة، وسررت الولي الودود، وأرغمت بي العدو الحسود، ورفعت أملي بعد انخفاضه، وبسطت رجائي بعد انقباضه، وأمطت خمي وقويت منتي، فلست أعتد يداً إلا منك، ولا أعرف معروفاً إلا لك، ولا أوجه رغبة إلا إليك.
أعرابي: البسيط
إن كنت جاهلة فاستخبري خبري ... هل أصدر الأمر لا يسطاع بالحيل
وهل أرد شبا خصمي محاسمة ... يلقى الألد حجاج الخصم بالجدل
شبا كل شيء: حده، والحاسمة: القاطعة، والألد: الشديد الخصومة، يقال: فيه لدد وله مدد.
سعيد بن حميد: الكامل المجزوء
لا تعتبن على النوائب فالدهر يرغم كل عاتب
واصبر على حدثانه ... إن الأمور لها عواقب
(3/158)

والدهر أولى ما صبر ... ت له على كدر المشارب
فلكل خالصة قذى ... ولكل صافية شوائب
كم فرحة مطوية ... لك بين اثناء النوائب
ومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب
قال المفضل: كانت العرب تقول: لا تشتر خمسة من خمسة: فرساً من أسدي، ولا جملاً من نهدي، ولا عنزاً من فهري، ولا عبداً من بجلي، ولا حماراً من إيادي.
لما قتل العباس بن الحسن الوزير ببغداد، دفع ابنه محمد أبو جعفر، وكان أديباً، إلى خراسان، فقال: الهزج
لئن أصحبت منبوذاً ... بأقطار خراسان
وموقوذاً نبت عن لذ ... ذة التغميض أجفاني
ومحمولاً على الأصع ... ب من إعراض سلطاني
ومحصوصاً بحرمان ... من الأعيان أعياني
وصرف عند شكواي ... من الآذان آذاني
ملقى بين أظلاف ... وأخفاف توطاني
ومكلوماً بأظفار ... ومدوماً بأسنان
(3/159)

كأن القصد من أحدا ... ث ازماني إزماني
فكم مارست في إصلا ... ح شاني ما فرى شاني
وعاينت خطوباً جر ... رعتني ماء خطبان
أفاد الشيب فودي ... وأفناني وأفناني
أغصتني بأرياقي ... لدن إيراق أغصاني
ونادتني إلى من هـ ... وعني عطفه ثاني
سوىأني أرى في الفض ... ل فرداً ما له ثاني
ولو أنصفت ما أبع ... دني فضلي بل ادناني
كأن البخت إذ كش ... ف عني كان عطاني
وهل ينفعني جدي ... وتشميري وإدماني
إذا الجد تحدان ... ي والحد تعداني
وكل بالذي في شم ... ن أرداني أرداني
سأستنجد صبري إن ... هـ من خير أعواني
واسترفد عزمي إن ... هـ والحزم سيان
وانضو الهم عن قلبي ... وإن أنصب جثماني
وأقضي بنجاء إن قضاء الله نجاني
إلى أرض جناها من ... جنى جنة رضوان
غلى أرضي التي أرضى ... وترضيني وترضاني
هواء كهوى النفس ... تصافاه صفيان
رقيق الآل كالآل ... وفيه أمن إيمان
(3/160)

رخاء كرخاء فر ... ج الكربة عن عان
وماء مثل قلب الصب ... ب مرتاعا بهجران
فإن سلمني الله ... وبالصنع تولاني
وأخلى ذرعي الدهر ... وخلاني وخلاني
فإني لا أعود الده ... ر ما عاد الجديدان
إلى الغربة حتى تغ ... رب الشمس بشروان
فإن عدت لها يوماص ... فسجاني سجاني
وله من أبيات يهجو رجلاً أبخر: الهزج
سفت نتنا سوافيك ... إذا سيقت سوافيكا
وأطراف المساويك ... تجلت عن مساويكا
فما جارحة فيك ... لنا أجرح من فيكا
قيل لمدينية: أيهما أحب غليك النيك أم التمر؟ قالت: التمر ما أحببته قط.
جامع رجل قصير امرأة طويلة، فلما قبلها خرج متاعه من بطنها، فقالت له: نحن والله في طرائف، كل ما ربحناه من فوق خسرناه من أسفل.
رأى مزبد خاتماً من ذهب في يد جارية فقال لها: ناوليني خاتمك أذكرك به، قالت: هذا ذهب وأخشى أن تذهب، ولكن خذ هذا العود فعسى أن تعود.
(3/161)

شيع أبو العلاء المنقري جنازة أحمد بن يوسف الكاتب فظل يبكي، وكان مكتحلاً فسال كحله على وجهه، فنظرت إليه امرأة فقالت: سخنت عينك، كأنك والله مطبخ يكف، أيش هذه السماجة؟! فأضحك أهل الجنازة.
أدخل الجماز قحبة، فلما ركبها لم ينتشر عليه، ففي حركته ضرط فخجل، فقال لها: بالله لك زوج؟ فقالت له: لو كان لي زوج لم أدعك تخرا علي.
وقالت أخرى لآخر لم ينتشر عليه: لو كان لي زوج لم أدعك تجعل حري طنبوراً تضرب عليه، لأنه كان يدلك أيره على شفريها.
سمعت امرأة بغدادية تقول لجارتها وهي تصف رجلاً: لعنه الله، إذا أطبقفمه كأنه جحر مشنج، وغذا فتحه كأنه كس مفحج.
أنشد أبو دلف مسعر بن مهلهل الخزرجي: الهزج
تركت اللحم للإفلا ... س والدشة والضيق
فقالوا بل تثوبون ... بظن غير تحقيق
ولو مر بنا ماني ... أكلنا على الريق
قال ابن عبدوس في كتاب الوزراء كان عمرو بن ميمون بن
(3/162)

حاتم يتقلد ديوان الخاتم للمهدي، فخرج يوماً متوكئاً على عصا، فلقيه محمد بن سالم اليماني، وسالم كاتب هشام بن عبد الملك، وكان محمد في كتاب المهدي، فقال لعمرو: ما عصام هذه بعضا موسى، فقال عمرو: ولا الوادس الذي اغتصبه أبوك بالأردن أيام هشام بالوادي المقدس.
الجواب يجب أن يتقى، ففيه ما يعمل عمل السم.
رأيت رجلاً من العلماء قال لأبي حامد المروروذي: هل شاهدت عبد ال بن زياد النيسابوري صاحب المزني في بغداد؟ قال: نعم، قال: فإني ما رأيتك عنده، يغض منه، فقال أبو حامد: إنك لو رأيتني لكان خيراً لك.
قال العتيبي: قال عبد الملك بن مروان لزفر بن الحارث: ما بقي من حبك للضحاك بن قيس؟ قال: ما لا ينفعه ولا يضرك، قال: لشد ما أحببتموه يا معاشر قيس: قال: أحببناه ولم نواسه، ولو كنا فعلنا أدركنا ما فاتنا منه، قال: فما منعك من مواساته يوم المرج؟ قال: الذي منع أباك مواساة عثمان يوم الدار.
وهذا أيضاً جواب مر.
(3/163)

قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول لرجل: جنبك الله الأمرين، وكفاك شر الأجوفين، وأذاقك البردين الأمرين: الفقر والعري، والأجوفان: البطن والفرج، والبردان: برد الغنى وبرد العافية.
شاعر: الطويل
لنا جلساء ما نمل حديثهم ... ألباء مأمون غيباً ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم من مضى ... وحكماً وتأديباً ورأياً مسددا
بلا كلف يخشى ولا سء عشرة ... ولا نتقي منهم لساناً ولا يدا
فإن قلت أحياء فلست بكاذب ... وإن قلت هم موتى فلست مفندا
قال بعض النساك: عجبت ممن لا يملك أجله كيف يملك أمله، ومن يعجز عن دفع ما عراه كيف له الأمان مما يخشاه.
شاعر: الطويل
وإن امرءاً دنياه أكثر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور
مر تميم الداري يوماً بأصحابه فقال: كيف أصبحتم؟ فقالوا: أصبحنا نرجو ونخاف، فقال: والله ما أدري ما رجاء قوم لا يتحملون ما يكرهون لما يرجون، وما أدري ما خوف قوم لا يدعون ما يشتهون لما يخافون.
شاعر: الوافر
(3/164)

سكون النفس يعقبه راء ... وحرص النفس يدني للهوان
وليس بزائد في الرزق حرص ... وليس بناقص منه التواني
إذا ما الله سبب رزق عبد ... أتاه في التنائي والتداني
قيل لصوفي: أين حط العارفون رحالهم؟ قال: حيث ناجاهم الحق وبدا لهم.
سأل أعرابي قوماً فحرموه فقال: اللهم اشغلنا بذكرك، وأعذنا من سخطك، فقد ضن خلقك على خلقك بروقك، ولا تشغلنا بما عندهم عن طلب ما عندك.
العرب تقول: فلان نقي الجيب، عفيف الإزار، طيب الحجزة.
كان أبو ذر يقول: يا أيها الناس، إني لكم ناصح، وعليكم شفيق، صلوا في الليل لوحشة القبور، وصوموا في الهاجرة لحر يوم النشور، وتصدقوا مخافة يوم عسير، وحجوا لعظيم الأمور.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إياكم واتباع الهوى، وطول الأمل، فإن اتباع الهوى يبعد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة.
(3/165)

قال عطاء السلمي: اللهم ارحم غربتي في الدنيا، ومصرعي عند الموت، ووحشتيفي القبر.
يقال: ما رؤي فاطمي أنصح لعباد الله من زيد.
كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: إن قوماً لزموا سلطانهم لغرماء بحق الله عليهم، فأكلوا بخلافهم، وعاشوا بأليسنتهم، وخلفوا الأمة بالمكر والخديعة والخيانة، وكل ذلك في النار، ألا فلا يصحبنا من أولئك أحد ولا سيما خالد بن عبد الله وعبد الله بن الأهتم، فإنهما رجلا بيان، وإن بعض البيان يشبه بالسحر، فمن صحبنا فلخمس خصال: فأبلغنا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ودلنا على ما لا نهتدي إليه من العدل، وأعاننا على الخير، وسكت عما لا يعنيه، وأدى الأمانة التي حملها منا من عامة المسلمين فحيلا به، ومن كل على غير ذلك ففي حل من صحبتنا والدخول علينا.
قال سفيان بن عيينة: قال أمير المؤمنين لأبي حازم: أوصني، قال: هين يسير، لا تأهذن شيئاً إلا بحقه، ولا تمنعن شيئاً من حقه، قال: يا أبا حازم، من يطيق هذا؟ قال: من طلب الجنة وهرب من النار.
(3/166)

أنشد اليزيدي: الخفيف
ويصاد القطا فينجو سليماً ... بعد يأس ويهلك الصياد
ومثله لابن الجهم: الكامل
كم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعود
قال الأصمعي: ما تطلي به المأة عينها من الزعفران عند الولادة يقال له الدمام، ويقال للذي تصلح به القدر وتطلى: الدمام، ويقال للناقة: قد دمها الني دماً إذا ملأها الشحم.
قال: والنغض إشارتك برأسك إلى فوق، وإذا عوجت فمك من احد شقيه وأخرجت له صوتاً فهو مض، وأنشد: الرجز
سألتها الوصل فقالت مض ... وحركت لي رأسها بالنغص
قال ثعلب: الطل: إبطال الحق، والضهل: تصغيره، والطفشل من الرجال: لضعيف الأحمق.
وأنشد أبو خليفة الجمحي قال، أنشد التوزي: الطويل
(3/167)

بنفسي من لا أستطيع لقاءه ... على حالة إلا قلبي خائف
ومن حبه داء ومبذول نفعه ... شفاء ومن دون الشفاء متال
وأنشدني: الطويل
لا تعذلينا في الزيارة إننا ... وإياك كالظمآن والماء بارد
يراه قريباً صافياً غير أنه ... تحول المناي دونه والراصد
قال ابن الأعرابي: الهسر يكون في الخير والشر، والأرق لا يكون إلا في المكروه.
قال أبو محلم، حدثني رجل من قريش قال: مررت بحي من العرب وأنا حاج، فرأيت فيهم جارية كأنها مهاة، قد برعت جواري الحي، فسألت عن أبيها فدللت عليه، فأتيته فانتسبت إليه فأكرمني ورفعني، ثم خطبتها إليه وبذلت له مهراص سنياً يرغب في مثله، فقال: يا ابن أخي، لقد ذكرت شرفاً شامخاً، وبذلت بذلاً سنياً، ولكن الغريبة عن قومخا أمة لمن انتقلت إليه، ومستذلة فيمن حلت فناءه، لبعد ناصرها، وغيبة حماتها، وما اغتربت منا امرأة قط، ولو أمكن ذلك لكنت أول راغب؛ فقمت من عنده، فأقبل علي رجل في إثر رده إياي فقال: يا ابن أخي، لست أول من رد عن هذه الجارية، أما سمعت قول الشاعر فيها: البسيط
يظل خطابها ميلاً عمائمهم ... كأن أنضاءهم أنضاء حجاج
لها أب سيد ضخم وإخوتها ... مثل الأهلة لا يستبهم هاجي
قال أبو محلم في قول الراجز: الرجز
(3/168)

أما تاره وإلى آستوائها ... وحسنها في العين وامتلائها
لا ترهب الذئب على أطلائها ... وإن أحاط الليل من ورائها
يعني نخلة.
قال عمر بن شبة: أنشدني العريان: الطويل
فإنك لا تدري، فلا تعر جانباً ... من المبتغى: أي الأمور المساعف
فيا ري كره جاء من حيث لم تخف ... وميسور أمر في الذي انت خائف
وما الناس إلا كالسيوف خاتلافهم ... فكل محلى الجفن والبعض قاطف
قال عمر بن شبة: أنشدني عبد الملك بن الوليد من ولد الحجاج ابن يوسف، وكان طفيلياً في البصرة، وكان أدياً شاعراً: الكامل المجوء
لا تحتشم دا القري ... ب ومنزل الفظ مريد
واهجم على هذا وذا ... ك هجوم شيطان مريد
وادخل كأنك خابز ... بيديك جردقة الثريد
وإذا دخلت مخففاً ... فاحمل كحملات الأسود
واختك ثرائدهم ولا ... تكفف عن اللحم النضيد
(3/169)

ودع الحياء فإنما ... وجه المطفل من حديد
كان الباقر عليه السلام يقول: سلاح اللئام قبح الكلام.
قال المبرد: أنشدنا دعبل في أبي سعد المخزومي: الرمل المجزوء
أنا بشرت أبا سع ... د فأعطاني بشاره
بأب صيد له بالأم ... س من دار الإماره
كل يوم لأبي سع ... دعلى الأنساب غاره
فهو يوماً من تميم ... وهو يوماً من فزاره
خزمت مخزوم فاه ... فادعاها بالإشارة
قال المبرد: أنشدت لأبي العتاهية: الوافر
لقد نهج الطريق إليك قصداً ... فما أحد بريدك يستدل
إذا ورد الشتاء فأنت شمس ... وإن ورد المصيف فأنت ظل
قال محمد بن علي الباقر رضي الله عنه لأصحابه: أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ حاجته من الدراهم والدنانير؟ قالوا: لا، قال: لستم بغخوان إذن.
(3/170)

أنشد الأخفش لحداد بسر من رأى: البسيط
مطارق الشوق في قلبي لها أثر ... يطرقن سندان قلب حشوه الفكر
ونار كير الهوى في الجسم موقدة ... ومبرد الشوق ما يبقي ولا يذر
كيف اصطبار امرئ لاقى على مضض ... من زبرة الهجر ما لم يلقه بشر
قد أنحلت كلبات الشوق مهجته ... إذ قفل باب الرضا عن خرمه عسر
قال أبو الفرج الصفهاني في بيت الأعشى: البسيط
نازعتهم قضب الريحان متكئاً ... وقهوة مزة راووقها خضل
أنه عنى الحديث.
قال زيد بن علي: الداعي إلى الله بغير عمل كالرامي بغير وتر.
قال ابن الأعرابي: سأل ابن ميادة أيوب بن سلمة المخزومي حاجة فلم يحمده فقال: الطويل
ظللنا وقوفاً عند باب ابن أختنا ... وظل عن المعروف والجود في شغل
(3/171)

للشام الطاعة والطاعون، وللعراق النعمة والشقاق، وللبادية الصحة والشقوة.
قال مسلمة بن عبد الملك: ما ركب الناس مثل بغلة قصيرة العذار طويلة العنان.
يقال: لم يمت قوم في سفر عطشاً إلا وهم على ماء.
يقال: إذا كان فقه الرجل حجازياً، وسخاؤه عراقياً، وطاعته شامية، فقد كمل.
قال: حمى خيبر، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وطواعين الشام.
قال ابن عباس: الكوفة مثلها مثل اللهاة في البدن، يأتيها الماء ببرده وعذوبته، ومثل البصرة مثل المثانة، يأتها الماء بعد تغيره وفساده.
شاعر: الكامل
تحت المحاجر أعين دعج ... من فوقهن حواجب زج
وافين مكة للحجيجفلم ... يسلم بهن لمسلم حج
قال بعض أهل الهند لبعض ولاة الحرب: احذر عدوك على كل حال: احذر مواثبته إن قرب، وغارته إن بعد، وكمينه إن انكشف، واستطراده إن ولى، ومكره إن انفرد.
قال الحسن: جربنا وجرب لنا المجربون، فلم نر شيئاً أنفع وجداناً
(3/172)

ولا أضر فقداناً من الصبر: به تداوى الأمور ولا يداوى هو بغيره.
سألرجل علياً عن عثمان رضي الله عنهما فقال: خذله أهل بدر، وقتله أهل مصر، غير أن من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله من أنا خير منه، ومن خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هو خير مني؛ والله ما أمرت به، ولا نهيت عنه، ولو أمرت لكنت قائلاً، ولو نهيت لكنت نصراً، واستأثر عثمان فأساء الأثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع.
قال أبو حامد عند هذه الحكاية: إن أمر عثمان ليس بمشكل، ولئن أشكل لقد جل خطبنا، فما خفي أشد من خفائه، قيل له: كيف لك؟ قال: لأنه لا يخلو من أن يكون فارق الدين فلا مرية في خروجه من الإمامة لو أتى بما فيه تأويل، فلا يستحق به القيل من القائل، ولا الخذل من الخاذل. قيل له: إن الصحابة لم تقث عنه إلا لإعضال القضية وخبث الحال، قال: إن الصحابة لا ينبغي أن تعقد عن موعظة الإمام وتنبيهه وإعانته وتقويمهورده إلى الرشد، وإعادته إلى القصد، فإن جمح به المنكر وصد عن سواء السبيل فعليها خلعه والاستبدال به، والمصيبة فيها إن قعدت عن نصرته إن كان مظلوماً، أو حين لم تعظه ولم تخلعه حين كان مظنوناً، أعطم من المصيبة فيه، وإن كان لا تأويل فيما أتى ولا وجه لما ارتكب، فكيف ولا شيء مما قنم عليه إلا وفيه باب واسع فيه التأويل، وفقه صحيح المخرج بالاعتبار؟ وكان يقول في هذا المعنى كلاماً كثيراً يتصل بأصول السياسة وآدابها، وأحكام الشريعة وتأويلاتها، وعلى قدر ما تعين في ذلك أرويه وأكتبه إليك، على أن معرفة الحقائق في سيرة قديمة ذات أحوال مشتبهة من الصعب العسير.
(3/173)

ذكر أعرابي قوماً فقال: لا يؤمنون بغيب، ولا يعفون عن عيب.
قال ابن أم كلاب: الطويل
صفاً صلدة عند الندى ونعامة ... إذا الحرب أبدت عن نواجذها الثعل
قال ابن الأعرابي: كان أعرابي إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم إني أكفر بك لما كفر به محمد، وأومن بكل ما آمن به محمد، ثم يضع رأسه.
يقال في أمثال العرب: نعم كلب في بؤس أهله.
قال ثعلب عن ابن الأعرابي، قال أبو البيداء: ما طلعت الجوزاء إلا جدت علينا السباع، قال: وقبل طلوعها هي ساكنة هادئة.
أنشد اليزيدي: الطويل
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بأسفل واد ليس فيه أراني
(3/174)

وهل آكلن ضباً بأسفل تلعة ... وعرفج أكماع المديد حواني
أقوم إلى وقت الصلاة وريحه ... بكفي لم أغسلها بشنان
وهل أشربن ماء الحفيرة شربة ... على عطش من سور أم أبان
وأنشد اليزيدي: الكامل
يوكون ذنباً للسلوب سنامها ... حتى يعض بساقها المأثور
يقول: سمنها دعا إلى نحرها فهو ذنبها.
وأنشد اليزيدي أيضاً: الطويل
وقومي وإن شارعتهم حومة الردى ... أمر جناباً من جناب القبائل
قيا ابن أبي لا تغترب إن غربتي ... سقتني بكأس الضيم ماء الحناظل
وما يرأب الصداع المهم لقومه ... من الناس إلا كامل وابن كامل
سمعت أبا النفيس الرياضي يقول: واشوقاه إلى قوم عقدوا قلوبهم بالله، وتابوا من ذنوبهم لوجه الله، وأحبوا إخوانهم في ذات الله، واعتمدوا في مصارفهم على الله، وطلبوا منازلهم عند الله، وتابوا قارئين لكتاب الله، وظلوا عاملين بأمر الله، ورضوا في السراء والضراء عن الله، فنالوا الراحة والمنى. أيها السامع، الدنيا قنطرة والجواز عليها سلامة، والآخرة دار القرار والوصول إليها
(3/175)

كرامة، المفتون من اغتر بدنياه، والمغبون من فاته مولاه، متى تعون وأنتم لا تسمعون، ومتى تسمعون لا تحضرون، ومتى تحضرون وأنتم لا تزهدون، ومتى تزهدون وأنتم لا ترغبون، ومتى ترغبون وأنتم لا تعرفون، ومتى تعروفن وأنتم لا تؤمنون، ومتى تؤمنون وأنتم لا توقنون؟ مالي لا أرى شمائلكم تنثني شوقاً وارتياحاً، ما لي لا أرى عيونكم تدمع مساء وصباحاً، ما لي لا أرى ألوانكم مصفرة من البعادة، ما لي لا أرى قلوبكم تحن إلى الزهادة، ما لي لا أرى أعمالكم تخلص، ما لي لا أرى قلوبكم تحن إلى الزهادة، ما لي لا أرى أعمالكم تخلص، ما لي لا أرى آمالكم تنقص؟ أظنكم مطرودين من باب الله، أجدكم مخيبيب مما عند الله، لقد خاب من ليس له عند الله نصيب.
جحظة: الكامل المجزوء
لما حجبت بباب دا ... رك والدهور لها تشاكل
أشرعت سير حميرتي ... وعلمت أنك كنت تاكل
قال بنان الطفيلي: عصعص عنز خير من قدرباقلي.
لبعض الكلبيين: الطويل
فقالت بحق الله إلا أتيتنا ... إذا كان لون الليل شبه الطيالس
فجئت وما في النوم نقصان قدرها ... وقد نام عنها كل وال وحارس
فبتنا بليل طيب نستلذه ... جميعاً ولم أقلب بها كف لامس
قيل لأشعب: كيف ترى أهل دهرك؟ قال: يسألوننا عن أحاديث الملوك ويعطون عطاه العبيد.
(3/176)

قال بنان: صلاح الأمر في خصلة: الطعام لايؤكل إلا على شهوة.
وقيل له: أي الطعام أطيب؟ قال: ما اتسع صدر صاحبه.
قال بعض الأغبياء لصاحب رمان مقد: رمانة مبرسمة لرجل حامض.
قالبنان: كان ابن عمر إذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله الذي رزقنا وجلعنا نشتهيه، فرب من يقدر عليه لا يشتهيه.
أنشد ثعلب: البسيط
راحوا ورحنا على آثارهم أصلاً ... محملين من الأحزان أوقارا
كأن أنفسنا لم ترتحل معنا ... أو سرن في أول الحي الذي سارا
قال زيد بن علي لرجل: إنما نفسك واحدة فإذا خسرتها فبم تعتاض عنها؟ قالت الفرس: أفعال الناس وأحوالهم تنقسم خمسة وعشرين قسماً: خمسة بالجد، وخمسة بالختيار، وخمسة بالعادة، وخمسة بالجوهر، وخمسة بالنسب؛ فاما التي بالجد فالحياة والأهل والولد والمال والمملكة؛ وأما التي بالاختيار فالطب والنجوم والفلسفة وافثم والأجر؛ وأما التي بالعادة فالأكل والنوم ولاجماع والمشي والأعمال الصعبة؛ وأما التي بالجوهر فالمحبة
(3/177)

والعداوة والخلق والشقاء والاستقامة؛ وأما التي بالنسب فالعقل والدهر والمنطق والحسد والجمال.
أنشد: الكامل
وجزعت يوم فراقكم يا سادتي ... من ذا ليوم فراقكم لا يجزع
سمع الوشاة ببيننا فتغامزوا ... ليت الوشاة ببيننا لم يسمعوا
واهاً لقلبك والهوادح ترفع ... والعيس تحدى والمآقي تدمع
فتوقدت أنفاسنا وقلوبنا ... كل إلى كل يحن ويرجع
قال إسحاق الموصلي: أوصى بعض العرب ابنه فقال: يا نبي، كن كالضب ولا تكن كالجراد، فإن الضب يلتزم جحرة فلا يفارقه، وإن الجارد يسرح فيأكله كل شيء.
قال واعظ: احذر إلف قرين السوء، واذكر الموت، وأدم فيه الفكرة، فإن من لم يعتبر بما رأى لم يعتبر لما لم ير.
أنشد ابن الأعرابي: البسيط
كم لمت نفسي إذ أنفقت في سرف ... وكم أخذت فما اسطيع اقتصد
وأنشد: المنسرح
أصبح وجه الزمان قد قلبا ... وبان معروفه فقد ذهبا
ونكس الدهر فرق لمته ... فأصبح الدهر رأسه ذنبا
وأنشد: البسيط
خلائق المرء في الدنيا تزينه ... وما يزينه طول ولا عظم
قد يخلق المرء والمرآة معجبة ... وقد يسود الفتى في كشحه هضم
(3/178)

كاتب: يحتاج الكاتب البليغ إلى تجنب العويص، والطرق المستوعرة، والألفاظ المستكرهة، وتلزيق المتكلفين، وتغليق أصحاب الأهواء والمتكلمين.
قال أعرابي: أين أعز الظفر عند المنافسة من المنع عند غضب الدالة.
قال ابن السماك: الغرباء في الدنيا الذين يصلحون إذا افسد الناس، كأننا عما يراد بنا نيام.
العيش حلو الدر مر الفطام.
يغيب المرء في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، وقد فارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، غني عنا خلف، وفقير إلى ما قدم.
قال بعض الخطباء: نحن أمراء الكلام، فينا وشجب أعراقه، ولنا تعطفت أعصانه، وعلينا تهدلت ثماره، فنجني منه ما احلولى وعذب، ونترك منه ما املولح وخبث.
قال خطيب آخر: لا مرحباً بقلوب متغاوية وآذن غير واعية، يحفزها الطمع التافه عن موعظة الواعظ، كالنعام المجفل يراع لأول ناعق، ولا يرتد لأول رادع.
قال أعرابي: الدنيا إعلان وإسرار، وإقبال وإدبار، وإحلاء وإمرار.
قال اليونانيون: إفراط الأنس مقدمة الجرأة.
قوة العزم بنيل البغية.
(3/179)

جهل اعلل يوث الحصر، أي الجهل بمعرفة المعاد يؤدي إلى الانقطاع.
تمكن الذعر يدبر الخير جهل القدر يعقب بطراً وخوراً.
أمنك عدوك بغيته.
عادة الصمت تورث عياً.
اللجاجة تسلب الرأي.
الخفة تسلب البهاء.
الحدة تورث الندم.
صديق عدوك حربك.
الضمير على الصمير شاهد عدل.
من ظفر بالجد التذ ومن ظفر به الجد تعب.
رب فوت درك.
من أبطره الغنى أذله الفقر.
من لان إذا خاف وعتا إذا أمر فلا ناصر له.
الحزم آلة الظفر.
ثمرة الأمن التفريط.
آلة الرئاسة سعة الصدر.
الإسراف في النفقة مقدمة ذل الفقر.
من اتسولى عليه الضجر رحلت عنه الراحة.
ضوع اللفظ يحلل الحقد.
ليس بحي من لم يوثق بعهده.
قال سقراط: إذا أرادت العامة منازل الخاصة حسدتها عليها وتمنت أمثالها.
(3/180)

هذه نوادر كلام اليونانيين، وقد رم في هذا الكتاب ويمر ما إذا جمعته وأفردته، زادك حسنه، وانثالت عليك فائدته؛ فخذ منها ومن غيرها كل حسن بهيج، نفعلك الله بالعلم، وبصرك بالهدى.
قال محمد بن سلام: مدح عبيد الله بن قيس الرقيات عبد الله بن جعفر فأسنى له العطية وأجرى عليه وعلى بغلة له، فقال لوكيل عبد الله: قد نفد علف البغلة، فعرف عبد الله ذلك فدعا بكيس فيه دنانير فجعل يعدها، فطرب ابن قيس على صوتها، فأعطاه ألف دينار وقال: أتراها تكفي لعلف بغلتك؟ قال الجماز: سندية دب إليها مولاها بالليل سراً من امرأته، فلما أصبحت كنست البيت وقالتك يا مولاي، أين أضع هذا التراب؟ فكشف الرجل عن أيره وقال: على هذا يا ستي.
أدخل رجل قحبة في شهر رمضان، فلما دفع فيها وأراد ان يقبلها حولت وجهها، فقال لها: لم لا تقبليني؟ فقالت: بلغني أن القبلة تفطر الصائم.
نظرت امرأة إلى رجل قد بال وهو يدلك أيره في الحائط فقالت: يا عمي ارفق بسلعة عزيزي.
(3/181)

سمعت امرأة مؤذناً يؤذن قبل طلوع الشمس ويقول: الصلاة خير من النوم، فقالت: النوم خير من هذه الصلاة.
أدخل رجل قصير أيره على امرأة طويلة، فكان إذا قبلها خرج أيره من بطنها، وإذا أدخل عليها قصر عن تقبيلها، فقالت له: حبيبي، لا يستوي لك عملين في عمل، إذا ذهبت تسوي دروند الباب خرج المفتاح من الغلق.
قال مزبد لامرأته: ماالذي يعجب النساء من الرجال؟ قالت: شدة الرهز وقلة العجز.
من المروءة مجانية النساء لقلة وفائهن، وضعف عقولهن، وتلون أخلاقهن، وقذر أحوالهن.
أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرذفاً أبا بكر، فكان الرجل يلقى أبا بكر فيقول: من هذا بين يديك؟ فيقول: يهديني السبيل، يعني الحق.
أطال قوم العيادة عند بكر بن عبد الله فقال: المريض يعاد، والصحيح يزار.
قدم معاذ بن جبل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو بكر: ارفع حسابك، فقال: أحسابان: حساب من الله وحساب منكم؟ والله لا علمت لكم عملاً أبداً.
(3/182)

شهد رجل عند سوار فقال له: ما صناعتك؟ قال: مؤدب قال: فإنا لا نجيز شهادتك، قال: ولم؟ قال: لأنك تأخذ على تعليم القرآن أجرة، قال: وأنت تأخذ على القضاء بين المسلمين أجرة، قال: إني أكرهت على القضاء، قال: أفأكرهت على أخذ الرزق؟ قال: هلم شهادتك، وأجازها.
شهد قوم عند ابن شبرمة على قراح فيه نخل فسألهم: كم في القراح من نخل؟ قالوا: لا نعلم، فرد شهادتهم، فقال له رجل منهم: أنت تقضي في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة فكم فيه من أسطوانة؟ فأجازهم.
دق رجل على عمرو بن عبيد الباب فقال: من هذا؟ قال: أنا، قال: لست أعرف في إخواننا أحداً اسمه أنا.
عمل سهل بن هارون كتاباً يمدح فيه البخل وأهداه إلى الحسن بن سهل، فوقع على ظهره: قد جعلنا ثوابك عليه ما أمرت به فيه.
قيل لعبد الله بن جعفر وهو يماكس في درهم: تجود بما تجود
(3/183)

وتماكس في هذا؟ فقال: ذاك ما لي أجود به، وهذا عقلي بخلت به.
قيل لخالد بن صفوان: لم لا تنفق مالك فإنه عريض؟ قال: الدهر أعرض منه.
لبس ابن أبي دواد طيلساناً جديداً، فزال عن منكبه فقال: ما أحسن أن ألبس الجديد، فقال له أبو العلاء: إن كنت لا تحسن أن تلبسه فإنك تحسن أن تلبسه؛ فوهبه له.
قال معاوية لابن عباس: لم لا تشير على ابن عمك - يعغني علياً عليه السلام - بكذا وكذا؟ قال ابن عباس: إن ابن عمي يرى ما يرى، وليس هو ممن يرى له، فيرى ما يرى.
نظر إلى كثير راكباً ومحمد بن علي يمشي، فقيل له: أتركب وأبو جعفر يمشي؟ فقال: هو أمرني بالركوب، فأنا بطاعته في الركوب أفضل مني في عصيانه بالمشي.
دخل الشعبي الحمام وفيه رجل حاسر، فغمض عينيه، فقال له الرجل: يا شيخ، متى ذهبت عينك؟ فقال: مذ أبدى الله عورتك.
ركب كسرى والموبذ يسامره، فراثت بغلته فعلم أن الملك قد علم
(3/184)

فقال كسرى: يا موبذ، ما الذي يستدل به على حمق الرجل؟ قالك أن يعلف دابته في الليلة التي يركب في صبيحتها مع الملك وهو يريد أن يسايره، قال: لهذه الفطنة قدمك آبائي.
ساح أعرابي لعبد الله بن جعفر: يا أبا الفضل، فقيل له: ليست بكنيته، قال: إن لم تكن فإنها صفته.
نشاب وحمد قالا، قال عبد الله بن عمر، إن إبليس قال: أي رب، إنك كنت أخرجتني من الجنة من أجل آدم، وإني لا أسطيعه إلا بتسليطك، قال: فا، ت مسلط، قال: أي رب زدني، قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله، قال: أي رب زدني، قال: صدورهم مساكن لكن وتجرون منهم مجرى الدم، قال: أي رب زدني، قال: " وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما بعدهم الشيطان إلا عروراً " الإسراء:64.
قال آدم: أي رب، إنك قد سلطت علي إبليس، وإني لا أمتنع عليه إلا بك، قال: لا يولد لك ولداص إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء، قال: أي رب زدني، قال: الحسنة عشر أمثالها وأزيد والسيئة واحدة قال. أي رب زدني، قال باب التوبة مفتوح ما دام الروح في الجسد، قال: أي رب زدني، قال: " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لاتقطنوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً " الزمر: 35.
قال مطرف بن عبد الله: لو كانت الدنيا لي فأخذها الله مني بشربة ماء يسقيني يوم القيامة كان قد أعطاني بها ثمناً.
قال ابن شهاب، قال أبو حازم الأعرج: إن العلماء كانوا فيما
(3/185)

مضى من الزمان يبلغون بعلمهم ما لا يبلغ أهل الدنيا بدنياهم، وأهل الدنيا تبع لأهل العلم على علمهم، حتى جاء هذا الزمان فصار أهل العلم اليوم تبعاً لأهل الدنياعلى دنايهم، لاتباع أهل العلم غياهم، وزهدوا في العلم لإضاعته عندهم.
هذا - أيدك الله - آخر الجزء الثالث، وقد حوى من فقر البلغاء، ونوادر الأدباء، ومحاسن النساك والحكماء، ما أسال الله أن ينفعك به، والرابع يتلوه على رسمه؛ فوسع بالك للفهم والتفهم، والبيان والتبين، فإن مزيتك على جميع ما عداك إنما هي بهذه الموهبة الشريفة، والنعم السابغة، ومتى قضيت حق الشكر عليها، امتريت الزيادة إليها، وكنت محفوظاً برعاية القلب، مستوجباً لحميد العقبى، مرقى إلى الدرجة العليا، إن شاء الله تعالى.
(3/186)