Advertisement

البصائر والذخائر 004

بسم الله الرحمن الرحيم
ربي أعن بمنك
الجزء الرابع
اللهم، عليك أتوكل وبك أستعين، وفيك أوالي، وإليك أنتسب، ومنك أفرق، ومعك أستأنس، ولك أمجد، وإياك أسأل لساناً سمحاً بالصدق، وصدراً قد ملئ بالحق، وأملاً منقطعاً عن الخلق، وحالاً مكنونها يبوئ الجنة، وظاهرها يحقق النعمة والمنة، وعاقبة تنسي ما سلف، وتتصل بما يتمنىن ويتوكف.
وأسألك اللهم كبداً رجوفاً خوفاً منك، ودمعاً نطوفاً شوقاً إليك، ونفساً عزوفاً إذعاناً لك، وسراً ناقعاً ببرد الإيمان بك، ونهاراً مشتملاً على ما كسب مرضاتك، وليلاً حاوياً لما أزلف لديك.
أشكو إليك اللهم تلهفي على ما يفوتني من الدنيا، وانقيادس في طاعة الهوى، جاهلاً بحقك، ساهياً عن واجبك، ناسياً لما تكرر من وعظك
(4/5)

وإرشادك، وبيانك وتنبيهك، حتى كأن حلاوة وعدك لم تلج أذني، ولم تباشر فؤادي، وحتى كأن مرارة عتابك ولائمتك لم تهتك حجابي، ولم تعرض كل أوصابي. إلهي، إليك المفر من دار منهومها لا يشبع، ومسهومها لا ينقع، وطالبها لا يرتع، وواجدها لا يقنع، فالعيش عندك رقيق، والأمل فيك تحقيق.
اللهم كما ابتليت بحكمتك الخفية التي أشكلت على العقول، وحارت معها البصائر، فعاف برحمتك اللطيفة التي تطاولت إليها الأعناق، وتشوفت نحوها السرائر. اللهم واجعل طريقنا إليك أمماً، ونجنا من الشيطان الرجيم، وخذ معنا بالفضل الذي هو إليك منسوب، وعنك مطلوب، وافطم نفوسنا من رضاع الدنيا، والطف بنا بما أنت له أهل، إنك على كل شيء قدير.
اللهم قدنا بأزمة التوحيد إلى محاضر طاعتك، واخلطنا بزمرة المخلصين لذكرك، واجعل إجابتك لنا من فضل ما تفضل بكرم عفوك، ولا تجعل خيبتنا عليك من قبل جهلنا بقدرك، وإضرابنا عن أمرك، فلا سائل أفقر منا، ولا مسؤول أجود منك. اللهم احجز بيننا وبين كل ما دل على غيرك بلسانك،
(4/6)

ودعا إلى سواك ببرهانك. اللهم انقلنا عن مواطن العجز مرقياً إلى شرفات العز، فقد استحوذ الشيطان، وخبثت النفس، وساءت العادة، وكثر الصادون عنك، وقل الداعون إليك، وذهب الراعون لأمرك، وفقد الواقفون عند حدودك، وخلت ديار الحق من سكانها، وبيع دينك بيع الخلق، واستخزئ بناصر مجدك، وأقصي المتوسل بك.
اللهم فأعد نضارة دينك، وأفض بين خلقك بركات إحسانك، وامدد عليهم ظل توفيقك، واقمع ذوي الاعتراض عليك، واخسف بالمقتحمين في دقائق غيبك، واهتك أستار الهاتكين لستر دينك، والقارعين أبواب سرك، والقائسين بينك وبين خلقك.
أسألك اللهم أن تخصني بإلهام أقتبس الحق منه، وتوفيق يصحبني وأصحبه، ولطف لا يغيب عني ولا اإيب عنه، حتى أقول إذا قلت لوجهك، وأسكت إذا سكت بإذنك، وأسأل إذا سألت بأمرك، وأبين إذا بينت بحجتك، وأقرب إذا قربت يتأنيسك، وأبعد إذا بعدت بإجلالك، وأعبد إذا عبدت مخلصاً لك، وأموت إذا مت منتقلاً غليك. اللهم فلا تكلني إلى غيرك، ولا تؤيسنس من خيرك.
هذا - أبقاك الله - الجزء الرابع، وبالله ألوذ من شيء آتيه مجتهداً في نيل مدحك، ثم أستحق به غاية خجرك. وإنما رققت هذه الرقة لأن هذا الجزء قد
(4/7)

استهدفت فيه لثلب الثالب، وعتب العاتب، لما فيه من النوادر الملهية، والألفاظ السخيفة، والمعاني المهجورة، وإن كان في أثناء ذلك وخلاله، من الحكم البالغة، والحجج الدامغة، والألفاظ الحرة، والمرامي البعيدة، ما يلزمك معه أن تهب إساءتي لإحساني، وتتغمد خطائي لصوابي؛ ولئن كانت السيئات يحبطن الحسنات، إن الحسنات يذهبن السيئات. فهذا عذري وهذاك عتبك، ومتى تجاذبنا أهدابهما، وتنازعنا أسبابهما، كان لنا مقال ومجال، لتصرف التأويل بين دعواي وبينتك، واعتراض الاحتمال عن شبهتي وحجتك. على أني لو رأيت للبيان سوقاً، وللعلم أهلاً، وللحكمة طلاباً، وللأدب محبين، وللعلم مقتبسين، أنفت من هذا الاعتذار، وانصرفت عن هذا التزوير، لأني ما جمعت لك في هذا الكتاب إلا ما اجتناه من عقله أكبر من عقلي، واختياره أبلغ من اختياري، ونقده أحسن من نقدي، وذيله في التجارب أطول من ذيلي، وإنما لي ما تلقطته من أقوالهم بعد التحرير والتقرير، وبين التكرير والتفسير، ولم أنفرد فيه إلا برسالة أشرت بها على تقصيري عند من إن كان أكثر أدباً مني فإنه يوفيني حقي، ثم يأخذ بيدي متفضلاً علي.
وإنما مددت جناح هذا الفصل لأنني سمعت بعض من ليس له من العلم إلا الدعوى يقول: وما في جمع ملح الناس ونوادرهم من علامة الفضل، ودلالة الأدب، وصواب الاختيار حتى يقال: ما قصر أبو حيان في كتاب البصائر:
(4/8)

نقد واختار، ونقل وامتار، واعترض وطالب، ودعا ورقق، واعتذر وقرب، واحتج وانتصر، ومن هذا الذي يعجز عن مثل هذا، بل من هذا الذي لا يزيد عليه ولا يأتي بخير منه؟
واعلم - فديتك - أن هذا الكلام لا يولده إلا حسد بعد معرفة بحسن العيب، أو جهل قبل استشفاف الغيب، وأي ذلك كان، فما لي في ورده أرب، ولا لي على فاعله سلطان. بلى، أسأل المنصفين من الأدباء، والمبقين على الإخوان، أن يذكروني بصواب ما أصبت فيه منه قبل أن يذكروني بخطأ ما أخطأت فيه. ولعلهم إذا افتحوا هذا الباب، وتتبعوا هذه المعاملة، أن يشغلهم الأول عن الثاني، ويحملهم على حسن الضمير، وجميل القول، ولسان الصدق، ومحمود الثناء؛ على أن الخصم متى كان الهوى مركبه، والعناد مطلبه، فلن تفلح معه، ولو خرجت اليد بيضاء وانقلبت العصا حية؛ وإذا كنت عندك أيها القارئ المنصف، والناظر المتعرف على ما يحسن بك، فما أبالي أن يفوتني ما أحبه لنفسي، لأن هواي يخدم هواك، وطاعتي تطلب رضاك، ومن واصل حبيبه أين يجد العاذل فيه موقعاً؟ وبعد، فاعلم - أي على رغم الحاسد - أن هذا الجزء قد اجتمع على
(4/9)

محاسن تهليك عن السماء إذا ازدانت بمصابيحها، وعن الأرض إذا اقتانت بقيصومها وشيحها، فإنها مواريث عقل ممدود الشعاع على الأولين والآخرين، والعقل به يصح الصحيح ويسقم السقيم، وبمفارقته يهلك الهالك ويجور السائر، فإن كان قد امتزج بهذه المحاسن ما خالف منوال العقل، ونسيج الحق، فذاك لتتبين به حسن الحسن، وقد قيل: والشيء يظهر حسنه الضد؛ وهذا كله، وإن كان منظوماً في سلك واحد، فإن العاقل يميز الطيب من الخبيث، والحق من الباطل، والهزيل من الجد، ويتحلى بالأحسن، ويتخلى من الأقبح، ولو لم يكن جمهوره معروضاً عليه، ولا جمعه مسوقاً إليه، لخيف أن يكل مع أحد الضربين، ويثقل مع أحد الحزبين، فقد لوطف هذا الإنسان وهو لا يدري، وقد يرضى المرء وهو كاره، ويصنع للإنسان وهو عائب، وهل لرضى أنشأه التجني مدى يبلغ، أو غاية تدرك، أو آخر يعلم؟ دع - أيدك الله - هذا كله، فلو هديت لرشدي ما أطعت الهوى وخضت في هذه الخطبة التي لا عائدة لها ولا فائدة فيها، وخذ فيما أخصك به مرشداً، وألقيه إليك ناصحاً، وأباثك به متعللاً: اعلم أنا في دهر الإحسان فيه من الإنسان زلة، والجميل غريب، والخير بدعة، والشفقة ملق، والدعاء حيلة، والثناء خداع، والأدب مسألة، والعلم شبكة، والدين تلبيس، والإخلاص رياء، والحكمة سفه، والقول هذر، والإطراق ترقب، والسكوت نفاق، والبذل مكافأة، والمنع حزم، والإنفاق
(4/10)

تبذير. فانج بنفسك إلى الله الذي يحرسك وأنت حالم، ويستأنيك وانت ظالم، ويدعوك إلى حظك وأنت شامس، ويعطفك على مصلحتك وأنت حائس، ويطلف بك وأنت عائف، ويؤمنك وأنت خائف، ويهديك وقد ضللت، وينعضك وقد زللت، ويقويك وقد كللت، وينشطك وقد مللت، أفيجحد من هذا إحسانه، أم يجفى من هذا نظره، أم يهرب عمن هذا عطاؤه، أم يستزاد من هذا ابتداؤه، أم تعشق الدنيا جهلاً بمن هذا معروفة؟ لا والله، ولكن لج بهذا الإنسان طغيانه، وأرخة في يده عنانه، فجرى طلق الجموح، ثم أن أنين المجروح، حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
فخذ أيها السامع حذرك، واعلم أن ربك بالمرصاد، وأنت منه على ميعاد، واعلم أن أخذه أليم شديد، وإنما يملي لك لتزداد إثماً، ويستدرجك من حيث لا تعلم. وإذا ولج هذا الكلام سمعك، ووقر في صدرك، وتغلغل في فؤادك، وبلغ حاشية روحك، فاندب نفسك، وابك أيامك، وتلهف على ماضي عمرك، وكفكف عبرات عينك، واخل بشجوك وأشجانك، وأبك على تفريطك، فإذا قضيت من ذلك كله وطرك، فعسى الله أن يراك فيعذرك.
ثم ابدأ قبل كل دقيقة وجليلة بطي الأمل وتقصيره، واقمع غربة بحلول الأجل وتكديره، واعلم أنك متى ظفرت من أملك بالقصور، انتظم أمرك، ورجي خيرك، وكان الله كافلك وناصرك؛ ثم ثن تقصير الأمل ببعض الدنيا، ومقت ما زينها في عينك، وحلاها في نفسك، وخبل عليها سلطان عقلك، وغض دونها طرف يقينك؛ ثم ثلث بهجران المتشاغلين عن مهلك، والمزينين لشهوتك، والمتناولين في مرادك، فإن الناس لم يؤتوا في دنياهم إلا من الناس، إن الناس شر من الأفاعي والجرارات والعقارب والسباع. ومتى أحببت أن تعرف
(4/11)

حقيقة ما أقول، عرفت عن كثب بلا تعب. ولقد ذكرت في هذا المكان مسألة جرت بحضرة فاضل حضرته فوعيتها، ولعلها تقتضي مكانها من هذا الموضع، فتعلم أن السلامة من السباع الضارية والأفاعي العادية أكثر:
رأيت رجلاً سأل أبا عبد الله الطبري عن الحكمة في خلق الله تعالى الحية والعقرب والأسد، مع ما فيها من الضرر الظاهر والأذى القاهر، فقال أبو عبد الله: حدثني أيها الرجل مذ كم لسعتك عقرب أو لدغتك حية أو افترسك أسد؟ قال: ما أذكر شيئاً من هذا مذ كنت، قال: فمتى عهدك بمن عابك واغتابك، وسبعك وكتم محسانك، ونشر إساءتك، وسعى في هلاكك، وعزم في تلفك، وبذل على فنائك، وسهر في عطبك؟ قال: أقرب عهد، قال: فإن كنت عرفت الحكمة هناك فسقها إلى مسألتك، وإن كنت جهلتها هناك وسلمتها لخالقك فاجهلها هنا وسلم لخالقك. ثم اقبل على السائل فقال له: الدين النصيحة؛ إياك أن تقول فيما بث الله في العالم، وخزنه في هذا الفلك، وطواه من هذا الخلق: لم وكيف؟ فإنك توكل فيه إلى نفسك، وتعجز عن حقيقة ما استأثر به العالم بك؛ فسكت الرجل.
أتيت بهذا الحديث توكيداً لما سلف في ضمن الكتاب، فانتبه لما أوعيتك وأوحيت إليك؛ نعم، واعلم أن الرابعة فيها تمام الوصية: الزم العلم على هدي الصالحين، فلن يخليك الله من يده، ولا أخلاك من رفده إن شاء الله.
(4/12)

قال سيبويه: زعم الخليل أن الذين قالوا: الحسن والحارث والعباس إنما أرادوا أن يجعلوا هو الشيء بعينه، ولم يجعلوه سمي به، ولكنهم جعلوه كأنه وصف له غلب عليه، ومن قال: حارث وعباس فهو يجريه مجرى زيد، وأما ما لزمته الألف واللام ولم يسقطا منه فإنما جعل الشيء الذي يلزمه ما يلزم كل واحد من أمته؛ فأما الدبران والسماك والعيوق وهذا النحو فإنما يلزم الألف واللام من قبل أنه عندهم هو الشيء بعينه. فإن قال قائل: أيقال لكل شيء صار خلف شيء دبران، ولكل شيء عاق عن شيء عيوق، ولكل شيء سمك وارتفع سماك؟ فإنك قائل له: لا، ولكن هذا بمزلة العدل والعديل، فالعديل ما عادلك من الناس، والعدل لا يكون إلا للمتاع وغيره، ولكنهم فرقوا بين البناءين ليفصلوا بين المتاع وغيره، ومثل ذلك: بناء حصين وامرأة حصان، فرقوا بينالبناء والمرأة، وإنما أرادوا أن يخبروا أن البناء محرز لم لجأ إليه، وأن المرأة محرزة لفرجها. ومثله الرزين من الحجارة والحديد، والمرأة رزان، فرقوا بين اما يحمل وبين ما ثقل في مجلسه فلم يخف، وهذا أكثر من أن أصفه لك في كلام العرب. وقد يكون الأسمان مشتقين من شيء والمعنى فيهما واحد، وبناؤهما مختلف، فيكون أحد البنائين مختصاً بشيء دون شيء ليفرق بينهما، فكذلك هذه النجوم اختصت
(4/13)

بهذه الأسماء وكل شيء جاء قد لزمه الألف واللام فهو بهذه المنزلة، وإن كان عربياً نعرفه ولا نعرف الذي اشتق منه؛ وإنما قلنا ذلك لأنا جهلنا ما علم غيرنا، أو يكون الآخر لم يصل إليه علم وصل إلى الأول المسمي؛ وبمنزلة هذه النجوم الأربعاء والثلاثاء، وإنما يريد الرابع والثالث، ولكها أخبارها كأخبار زيدوعمرو.
لما نزل بهشام بن عبد الملك الموت جعل ولده يبكون حوله فقال: جاد هشام عليكم بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما اكتسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له!! قال يحيى بن اليمان؟ رأيت رجلاً بات أسود الرأس واللحية شاباً ملء العين، فنام ليلة فرأى في منامه الناس قد حشروا، وإذا بنهر من لهب النار، وإذا بجسر يجوز الناس عليه يدعون بأسمائهم، فإذا نودي الرجل أجاب فنجا أو هلك؛ قال: فدعي باسمي فدخلت في الجسر، فإذا كحد السيف يمور بي يميناً وشمالاً، قالك فأصبحت أبيض الرأس واللحية.
(4/14)

قال بعض السلف: الحسن الخلق قريب عند البعيد، والسيء الخلق بعيد عند أهله.
قال بزرجمهر: في البطيخ عشر خصال: هو ريحان، وتحية، وفاكهة، وأدم مقنع، وخبيص مهيأ، ودواء للمثانة، وغسل للغمر والزهومة، ومذهب لرائحة النورة عند الاستحمام، وكوز لمن عسر عليه آله الشراب، وهاضوم للثقيل من الطعام.
قال عبد الرحمن بن سمرة: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت عليه السلام ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فمنعه منه؛ ورأيت رجلاً من أمتي قد سلط عليه
(4/15)

عذاب القبر فجاء ضوءه فمنعه منه؛ ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله تعالى فخلصه منهم؛ ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشاً، كلما ورد حوضاً منع منه، فجاءه صيام رمضان فأرواه منه؛ ورأيت رجلاً من أمتي، والنبيوت حلقة حلقة، كلما أتى حلقة طرد، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده وأجلسه إلى جنبي؛ ورأيت رجلاً من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة وهو يتسكع في الظلمة، فجاءه حجه وعمرته فأخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور؛ ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءت صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلموه، كان واصلاً لرحمه، فكلمه المؤمنون وصافحوه فكان معهم؛ ورأيترجلاً من أمتي يتقي النار وشررها بيده ووجهه، فجاءته صدقته فكانت ظللاً على رأسه، وستراً على وجهه؛ ورأيت رجلاً من أمتي قد أخذته الزبانية من مكان، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فخلصانه من بينهم، وجعلاه مع ملائكة الرحمن؛ ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه، بينه وبين الله تعالى حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده وأدخله على الله عز وجل؛ ورأيت رجلاً من أمتي قد هوت صحيفته قبل شماله، فجاءه خوفه من الله عز وجل فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه؛ ورأيت رجلاً من أمتي قد خفت مزازينه، فجاء القرآن فثقل موازيته؛ ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على شفير جهنم، فجاءه رجاء الله فاستنقذه؛ ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في
(4/16)

يوم ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله عز وجل فسكنت رعدته ومضى على الصراط؛ ورأيت رجلاً من أمتي يزحف أحياناً ويحبو أحياناً ويتعلق أحياناً، فجاءت صلاتهفأقامته على قدميه ومضى على الصراط؛ ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة، كلما انتهى إلى باب منها أغلق دونه، فجاءت الشهادة - شهادة أن لا إله إلا الله - صادقاً من نفسه ففتحت له الأبواب فدخل فيها.
هكذا أصبت هذا الحديث والثقة رواه لي، وما أحي لأحد أن يسرع لرد مثل هذا، فإن العقل لا يأباه والتأويل لا يعجز عنه، وهو محمول على المثل، وفي المثل إيضاح المعاني في النفس، وأفشارة إليها بقوة الحدس، ومتى أحب السامع أن ينتفع به لم يضره وهي الإسناد وتهمة الرواة، وإنما عليك قبول ما لا ينتفي من العقل، ويستمر على حكم العدل، ويلائم أساس الشريعة ومبنى الدين. ألهمنا الله تعالى الحق، واستعملنا بالصالح من العلم، إنه قدير منان.
شاعر هجا ابن الزيات فقال: المتقارب
ألم تر كيف استدار الفلك ... فبعض تعالى وبعض هلك
فأضحى نجاح به عالياً ... وأخزى الإله ابن عبد الملك
بكى الزيت والرطل حزناً له ... وكانا يتيهان لما ملك
يقال إن معلم أنو شروان ضربه يوماً بلا ذنب، وكان يأخذه بأن
(4/17)

يمسك الثلج في يده حتى تكاد كفه تسقط، فآلى أنو شروان إن ملك ليقتلنه، فلما ملك هرب مؤدبه، فجعل له الأمان، فأتاه فقال: لم ضربتين ظلماً؟ قالك لتعرف حقد المظلوم إذا ظلمته، قال: أحسنت، فالثلج الذي كنت تعذبني به؟ قال: ستعرف ذلك. فغزا أنوشروان بلنجر فأصبحوا في غداة باردة فلم يقدر أصحابه على توتير قسيهم، فوترها لهم وقاتل وظهر، فعرف ما أراد مؤدبه.
قال كشاجم في كتاب أدب النديم: كان ينادم إساحاق بن إبراهيم جوهري من جلة التجار ووجوههم، حتى خص به ولطفت منزلته عنده، ولم يكن احد يتجاوزه، وكانت فيه آلة ومعه أدب يستحق به الحظوة؛ قالك وإنه لمعه ذات يوم والكأس محثوثة والستارة منصوبة، إذ وصف للمتوكل فص كبير جليل القدر منقطع الشبيه كان قد وقع إلى هذا الجوهري، فورد توقيعه إل إسحاق بإحضار الرجل ومطالبته بالفص ومناظرته بالثمن. فلما نظر في التوقيع دعا بالجلادين والسياط، وأمر بتجريد الرجل فقال: أيها الأمير ما قصتي؟ فلم يذكر شيئاً حتى نصبه بين العقابين، فكاد السوط أن يأخذه، فلما علم انه قد رهب، ولحقه من الرعب والهيبة ما أنساه
(4/18)

الدالة والندام قال له: فص عندك من حاله وقصته كيت وكيت، قال: أحضره، فليأمر الأمير بإطلاقي حتى آتي به، قال: لا سبيل إلى ذلك، فدعا بداوة وقرطاس وكتب هو في احال إلى ثقته في منزله، وتقدم إليه بالتوجيه بالفص، فأحضره، وجعله إسحاق في منديل، وختم عليه وانفذهخ، ثم قام بنفسه إلى الرجل فتولى حل وثاقه بيده واعتنقه، وخلع عليه من فاخر كسوته وقالك لم يكن يجب في حق السلطان إلا ما رأيت، ولو لم أفعل ما فعلته لما أمنت دالتك، ولا كنت أراك تخرجمثل هذه العقدة النفسية، وكان يلحقني من إنكار أمير المؤمنين ما يفسد حالي وحالك، فسكن الرجل إلى عذره وقبله، وجرى معه على أجمل عادته.
قال العتبي عن ابنعيينة: كثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها.
قال عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده قال: كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما حلتي رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزين بهما في يوم عيد أو وفد إن قدم عليه: أبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، رضي الله عنهما.
(4/19)

قال أبو حازم، قيل لعلي بن الحسين رضي الله عنهما: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كمنزلتهما اليوم وهما ضجيعاه.
قال أبو العيناء: حدثني حجاج بن نصير قال: سمعت إبراهيم بن عبد الله بن حسن في يوم عيد يخطب فقال: اللهم إن هذا يوم أنت ذاكر فيه آباء بأبناء بآباء، فاذكرنا عندك بمحمد صلى الله عليه وسلم.
سمعت الناشئ سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وقد قيل له: ما تقول فيما ترويه الناصبة من قول علي رضي الله عنه أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، فقال: الخبر صحيح، فاشرأب الناس إليه، وتريثت أنا أيضاً متعجباً، فقال الناس: زد ي البيان، قال: نعم، إنما أشار إلى هذه الأمة الضالة الفاسقة المرتدة، وكان أبو بكر خير هؤلاء ولم يكن خير من
(4/20)

عرفتم، فاستحسن أصحابه هذا التأويل وهشوا له.
لعن الله من سب أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال عمرو بن مسعدة لابن سماعة التيمي: صف لي أصحابك، قال: ولا تغضب؟ قال: لا، قالك كانوا يغارون على أفخوان كما تغارون على القيان.
وقال أبو العيناء، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن سليم عن أبه عن جده قال: قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام ومعه عبد الرحمن ابنعوف أو عبيدة وهما على حمارتين قريبتين من الأرض، فتلقاهما معاوية في كبكبة حسناء، فثنى وركه فنزل وسلم بالخلافة، فلم يرد عليه، فقال عبد الرحمن أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أحضرت الفتى فلو كلمته، قالك إنك لصاحب الجيش الذي الذي يقدمك؟ قالك نعم، قالك مع شدة احتجابك ووقوف ذوي الحوائج ببابك؟ قال: أجل، قال: ولم ويلك؟ قال: لأنا
(4/21)

ببلاد يكثر فيها جواسيس العدو، فإن لم نتخذ العدو والعديد استخف بنا وهجم على عورتنا، وأنا بعد عاملك فإن وقفتني وقفت، وإن استزدتنس زدت، وإن استنقصتني نقصت، قال: والله لئن كنت كاذباً إنه لرأي أريب، ولئن كنت صادقاً إنه لتدبير مصيب؛ ما سألتك عن شيء قط إلا تركتني في أضيق من رواجب الفرس؛ لا آمرك ولاأنهاك. فلما انصرف قال أبو عبيدة أو عبد الرحمن: لقد أحسن الفتى في إصداره إصدار ما أوردت عليه، قال: لحسن إصداره وإيراده جشمناه.
قال العتبي: سمعت أبي يقول: سئل شريك عن النبيذ، فقال: اشرب منه ما وافقك، ودع ما جنى عليك، وذمه إذا ذم الناس، ولا تنصره فبئس المنصور والله.
قال ابو العيناء، حدثنا محمد بن عائشة عن أبيه عن ابن عباس أنه قال: كانت ضربات علي مبتكرات ليس فيهن عوان.
وقال العتيبي: تحدث شريك بن عبد الله يوماص في دار المهدي
(4/22)

بفضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأكثر، فلما قام قال له رجل من الكوفيين: يا أبا عبد الله، جئت اليوم بالدر بهذه الأحاديث، قال: وكيف لا أحدث عن رجل كان يشبه بعمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ فقال الكوفي: عجبت أن تأتي بخير.
قال كشاجم: كان عيسى بن جعفر الهاشمي يطيب نفسه بشيء قبل مواكلة الرشيد، فكان الرشيد يلسه عليه ويذمه منه ويبكته به، فمن ذلك أنه قال في بعض العشيات لجماعة من جلسائه: قد اشتهيت أن آكل في صبحة غد هريسة، وتقدمت باتخاذها وألا يختلط بها غيرها، فاعلموا على البكور، وأجمواشهواتكم ووفروها على الهريسة. وكان بعضهم ملازماً لعيسى خاصاً به، فغلس إلى منزله ليركب معه، ولم يكن يحجب، فتنكر له الحاجب ورام محاجزته عن الدخول، فدفع في صدره ودخل، فألفى عيسى جالساً بن يديه بقية من شمعة قد ملأ سيلانها الطست، وطبق كبير عليه طيفوريتان عظيمتان إحجاهما مملوءة من الهريسة وفي الأخرى ثلاث غضارات صينية فيها مري ودار صيني وفلفل ورقاق ملطف لا يفضل عن الكف، وهو يأخذ الرقاقة فيملؤها ثم يمرها على تلك الغضارات ويزدردها؛ قال، فقلت
(4/23)

له: أنسيت - أعزك الله - ما اتفقنا عليهعند أمير المؤمنين؟! قال: لا تعجب فهذه الطيفورية الثالثة؛ فأمسكت يده وجذبت الطبق فاخرته، وأجبرته على غسل يده، وركبنا فوافينا الرشيد على حصيرة الصلاة حين انثنى من صلاته وهو يستتم تسبيحه، وروائح الهريسة قد ملأت الدار، فقال: لقد أبطأتما، ودعا بالطعام فأحضر، فاندفع عيسى يأكل كأنه لم يأكل شيئاً منذ أيام، فلم أتمالكأن ضحكت، فقال أمير المؤمنين: مم ضحكت؟ فقلت: لخبر عيسى، فقال: هاته، فقلت: كان منأمره كيت وكيت، قال: أتراني أشك في أنه يفعل ذلك؟ لو لم يأكل قبلنا لأكلني وأكلك.
وقال كشاجم: وأخبرت عن قاضيين ظريفين من آل حماد، وكانا متجاورين، أن أحدهما وجه إلى الآخر في غداة باردة يدعوه إلى أكل الهريسة ويقول: إنها قد أحكمت ف التنور منالليل، فرد الرسول وقال: قل له قد عققتني ولم ترد بري لأن حكم الهريسة ان يدعى إليها من الليل، فرجع الرسول فقال: ارجع فقل له: قد ذهب عليك الصواب، ليس كل الهوايس يسلم ويجي طيباً فلم أدعك إلا بعد أن تبينت طيبها وصلاحها، فنهض إليه.
وقال كشاجم: وحدثني رجل م أقاربي أنه كان يقوم في مجلس
(4/24)

الواثق في رسم نديم، وكان صغير السن دوين المراهق، فلم يكن لذلك يلحق فيالجلوس بمراتب ذوي الأسنان، وكان ذكياً مأذوناً له في الإفاضة مع الجلساء في كل شأن يخوضون فيه، ويتكلم بك لما سنح ويعتلج في صدره من مثل سائر وجواب مسرع، فقال الواثق يوماً - وكان من شدة الشهوة للطعام والنهم على الحالة المشهورة المتعالمة -: ما يختار من النقل؟ فبعض قال: نبات السكر، وبعض قال: رمان، وبعض قال: تفاح، وبعض قال: قصب السكر ينضح بماء الورد ويمص، وقال آخر وقد أخرجته الفلسفة إلى البغض: ملح نفطي، وقال آخر: صبر، تحققاً بمذاهب النبيذيين وتجلداً على سورة الشراب ومرارة النقل، فقال: ما صنعتم شيئاً، فما تقول أنت يا غلام؟ فقال: خشكنانج مشبر، فوافق ذلك إرادته وقرع به ما كان في قلبه، فقال له الواثق: أصبت وأحسنت، بارك الله عليك، فكان ذلك أول جلوسه.
قال أعرابي: الحرب مأيمة، أي تؤيم النسا، أي تجعلن أيامي. والأيم من النساء امراة لا زوج لها، وكذلك من الرجال: من لا امرأة له؛ فأما الأيم: الحية؛ وأما الأيام - مخففة - فالدخان على بيت النحل. وفي الدعاء: ما له آم وعام أي جعله الله تعالى بلا امرأة وأحوجه إلى اللبن، ويقال: عمتإلى اللبن أي اشتهيته؛ فأما عمت فمعناه سبحت.
قال شيخ م أهل الأدب: الاسم ينقسم ثلاثين قسماً، وهذه الأقسام خمسة عشر جنساً، كل جنس له ضد، وتعدادها انه ينقسم إلى: معرب ومبني، وظاهر ومكني، ومعرفة ونكرة، وإنسي ومبهم، وعربي
(4/25)

وعجمي، وذكر وأنثى، وممدود ومقصور، وعامل وغير عامل، ومشتق وغير مشتق، ومضارع وغير مضارع، ومعتل وصحيح، وزائد وناقص، ومنصف وغير منصرف، ومفرد ومضاف، ومدعم ومظهر؛ فهذه أقسام الأسم.
أنشدنا أبو سعيد السيرافي قال: أنشدنا أبو علي ابن الأعرابي لنفسه: الوافر
إذا كان الززير أبا الجمال ... ومحتسب البلاد الدانيالي
عن الأيام عد فعن قليل ... ترى اليام في صور الليالي
وأنشدنا أبو سعيد، قال أنشدنا أبو حفص ابن حمدون لابن عمه أب محمد ابن حمدون النديم: الوفار
خذوا مال التجار وسوفوهم ... إلى وقت فإنهم لئام
وليس عليكم في ذاك إثم ... لأن جميع ما جمعوا حرام
وقال لنا أبو سعيد: كان ابن السراج يملي في مجلس كانت له في أيام الآحاد كتاباً أسماه المواصلات، فانتهى إلى ابب فيه ذم التجار، فأنشدته أنا بيتاص كنت سمعته من غيره وهو: الكامل
(4/26)

ما للتجار وللسخاء وإنما ... نبتت لحومهم على القيراط
فكتبه وجعله في الكتاب؛ هذا لفظ أبي سعيد.
قال محمد بن زكريا الطبيب في كتاب له: هل يكون حكيماً من وجد طريقين فسلك أبعدهما وأوعرهما؟ مع كلام طويل، وهذا إنما يشير به إلى ما فعل الله عز وجل بخلقه في هذه الدنيا بالتكليف والأخطار والتعريض، فأبجابه الحارث الوراق في كتاب أفرده لمناقضته بأن قال: نعم يجوز ذلك، ومثاله أنا قد نجد الحكيمما بيننا إذا كان ذا نعمة واسعة ومال كثير وقد يكون له الولد الذي لا يملك غيره والذي ليس له أحد أعز عليه من فيسلمه إلى التجار ليتعلم البيع والشراء، ويسلمه في الصرف ليتعلم النقد، في غير ذلك من الصناعات، فيلقحه في ذلك من النصب والتعب ما يجل عن الوصف، ويتجاوز حد المقدار، يريد بذلك ان يعلم ولده حفظ المال والقيام به لئلا يضيعه متى ملكه إياه فيفتقر، فإذا تعلم وتخرج فوض إليه أمره، ودفع إليهماله، وقد كان قادراً أن يدفع إليه المال من غير أ، يؤدبه ويخرجه ويتعهب ويؤدي، غير أنه يخاف أن دفعه إليه قبل التأديب ان يضيعه ويتلفه، ورجا أن يكون إذا دفعه إليه بعد التأديب ان يحفظه فيزول الفقر عنه، وتتسع عليه نعمته، فسلك به أوعر الطريقين وأطولهما وأشدهما شمقة، فكان بذلك حكيماً
(4/27)

غير سفيه، ومصيباً غير مخطئ، وهذا بين والحمد لله. هذا - أيدك الله - لفظ الحارث الوراق.
واعلم ان ابن زكريا والحارث الوراق جميعاً قد خبطا خبط عشواء، ودلاً على قلة المعرفة بأسرار افلهية وأحكام العبودية: أما ابن زكريا فمعترض، والعبد أحقر من أن يعترض على مولاه، وأما الحارث فمتكلف ما حط الله عنه؛ وبيان ما أقول أن الحارث أوضح المعنى الذي أدلى به خصمه بالمثال الذي نصبه، والمثال مردود الأوصل فاسد الأساس، لأن الوالد إنما سلك بودله أوعر الطريقين لعجزه عن سلوك الطريق السهل به، فكان الحزم عنده هذه يقتضيه عقله والنظر له بطباع رحمته أن يبلغ في اجتلاب مصلحته واكتساب منفعته غاية ما يقدر عليه، ويجد سبيلاً إليه، وليس هكذا الأمر في الله عز وجل وعبده، لأن الله عز وجل قادر على إيصال المنافع والمصالح إلى عبده من حيث لا ينصب عبده ولا يخاطر بنفسه، فإن توهم أنه لا يقدر فهذا هو الكفر الصريح، وإن قيل هذا مقدار ما يملكه وغاية ما أصلح العبد به صار العيان جاحداً لهذه الدعوى، والضرورة دافعة لهذه الحجة، فقد جاء م هذا التنقير ا، الوالد بحكم الشفقة بما تجد نفسه من الرقة في باب ولده لا يجد مزيداً على ما أقدم عليه، وما هكذا ربك، فإنه مالك كل شيء وقائم على كل شيء؛ فإذا كان اعتراض ابن زكرياتحكماً بمن استأثر بأحكامه واستبد بأسراره وأعمى عين القلب عن إدراك ما علا عليه وأحاط به، فقد باء بسخط من الله ومأواه جهنم، إلا أن ينزع عن هذه العقيدة، ويطمئن إلى الله عز وجل في صلاح ما جهله، وإتقان ما أشكل عليه؛ وهكذا يقال للحارث الوراق: أنت من أين لك أن أفعال الله الذي خلق الخلق مقيسة إلى أفعال الخلق؟ وأن الذي يستحيل ها هنا يستحيل هناك؟ ومتى أوحي إليك بأن تمثيلك وقيايك ونظرك ميزانت بين الله تعالى وبينك تزن به جميع
(4/28)

ما يبدو من إلهك وخالقك ومصورك ورزازقك؟ وإنما وهي ركن الدين وكثرت سنة المبتدعين بأمثالك الذين بسطوا ألسنتهم فيما طوى الله عز وجل عن ملائكته وأنبيائه وأوصياء أنبيائه وعن أحبابه وأصفيائ؛ إنك أيها الحارث لو ذقت حلاوة مناجاة إليهك، أو لو عرفت هول المطلع الغائب عنك، أو لو هبت سلطان ربك، لما فرغت نفسك للهذيان، ولا أعملت علمك بالظنون، ولا وقفت مع قال وقيل، إن لهذا لهو الإفك المبين والضلال القديم. خف الله عز وجل خوفاً يشغلك بتلافي ما سلف من سيئاتك، وإصلاح ما فسد من عمر، ودع عنك فإن كان كذا كان كذا، ولو جاز كذا جاز كذا؛ إن ابن زكريا لا ينهزم بتبكيتك، وإنك لا تصير إلى ما تهدى به في وجهك، فارجع عنه إذن إلى الله عز وجل الذي لو ناقشك الحساب، لا ستحققت العذاب، ودع محمد بن زكريا وضرباءه في غوايتهم فسيعلم الكفار لمن عقبى الدار.
قال أعرابي بفطرته وعنجهيته: لما كان الله تعالى عن حلى خلقه عاطلاً، كان القياس إليه باطلاً؛ صدق والله.
قال عبيد الله بن قيس الرقيات: الكامل المجزوء
شطت رقية عن بلا ... دك فالهوى متشاعب
وعدت نوى عنها شطو ... ن في البلاد وجانب
واستبدلت بي خلتي ... إن النساء خوالب
ولقد تبدلنا بها ... حيا فأنعم راغب
(4/29)

إن البلاد معارف ... ومصارف ومذاهب
دعها وقل في ما عنا ... ك وللخطوب نوائب
هل يبلغن بني ربي ... عة عن أخيهم راكب
ناج على قطرية ... هادي التعسف دائب
إني وفي الدهر الجدي ... د عجائب وتجارب
بدلت بعد بني ربي ... عة والزمان يعاقب
جيران سوء بينهم ... شطر الزمان عقارب
يستأسدون على الصدي ... ق وللعدو ثعالب
وكذلك الأبدان من ... ها نازح مقارب
والدهر فيه لمن تف ... كر عبرة وعجائب
إن يستطيوا يأكلو ... ك وهم لديك أقارب
حاشا رجال فيهم ... لأذى الصديق تحانب
إني امرؤ لايطبي ... ودي الخليل الكاذب
حسن الخليقة والسجي ... ة ما استقام الصاحب
وهنأته سلمي وأع ... لم بعد كيف أحارب
نحن الصريح إذا قري ... ش قام فيها الناسب
من سرها وأرومها ... إذ للأروم مراتب
(4/30)

عندي لجام للرجا ... ل وعدة وكلالب
من ألقه في رأسه ... يلحح عليه القاتب
ويلن له ويسق إلي ... هـ كما يساق الجالب
قال المبرد: كنت عند عيسى بن شيخ فاستأذنته فقال: حدثني بحديث حتى آذن لك فقلت: حدثنا شعيب بن صالح قالك تزوج رجل امرأة كسلانة، فكانت لا تنتف شعرتها ولا تحلقها كسلاً، وكانت تمسح يدها من كل شيء بشعرتها، فعجنت مرة عجيناً رقيقاً ومسحت يدها بشعرتها ونامت وشمت الفرأة رائحة العجين فجاءت فجعلت تأكل ما على شعرتها من العجين حتى شبعت ثم ذهبت، فلقيها الجرذ فقال لها: من أين جئت؟ قالت: يا أبا الأغر، من بيت الرخاء، قال: وما القصة؟ قالت: نام الطحان فأكلت من العجين حتى شبعت، قالك فدليني على الطريق، قالت: الزم هذه المحجة، فإلى أن بلغ الجرذ جف العجين على شعرتها، فجاء الجرذ ليأكل من الجعين فنتف منها شعرة، فضرطت، فولى الجرذ هارباً، فلقيته الفرأة فقالت: ما خبرك؟ قال: ويحك انتبه الطحان فرماني بالقفيز فكاد يدق ظهري، فضحك
(4/31)

عيسى وخلع عليه وضحكن جواريه خلف الستارة وقلن: اكتب يا أبا العباس حديث الطحان.
قيل لسائل كان يقرأ القرآن: ألا تستحي تسأل بالقرآن؟ قال: اسكتوا فوالله لو جتم كما أجوع لبعتم جبرائيل وميكائيل فضلاً عن القرآن.
وقف سائل على باب فقال: يا أهل الدار، فبادر صاحب الدار قبل أن يتم السائل كلامه فقال: صنع اله لك، فقال السائل: يا ابن اللخماء، أكنت تسمع كلامي عسى جئت أدعوك إلى دعوة.
وقف سائل على باب دار فقال: يا أهل الدار الصالحين، فقال صاحب الدار: أولئك بطرسوس، فقال السائل: يا طالبي ما عند الله، فقال صاحب الدار: أولئك خرجوا إلى مكة، فقال السائل: فمن أنتم يا بني القحاب؟! وقف أعرابي على باب فسأله فأجابه رجل: ليس هناك أحد، فقال السائل: إنك لأحد لو جعل الله فيك بركة.
قال الجماز: سمعت سائلاً يقول: من يعطيني قطعة حباً لهند حماة النبي صلى الله عليه وسلم؟
(4/32)

قال، وكان آخر يقولك من يعطيني قطعة حباً للأمينين جبريل ومعاوية؟ قال ابن الروانيد: اختلف الناس في السماع، فأباحه قوم وحظره آخرون، وأنا أخالف الفريقين وأقول: هو واجب.
قال إسحاق الموصلي: مدار الدنيا على أربعة أشياء: على البناء والنساء والطلاء والغناء، وما سوى ذلك باطل.
سمع فيلسوف صوت مغن فاسد الضرب، خارج من الإيقاع، فقال لتلميذ له: يا بني، يزعم أهل الكهانة أن صوت البومة يدل على موت إنسان، فإن كان ما ذكروا حقاً فإن صوت هذا المغني يدل على موت البومة.
خرج بعض السكارى م مجلس ومشى في طريق فسقط وترع، فجاء كلب وجعل يلحس فمه وشفتيه والسكران يقول: خدمك بنوك ولا عدموك، ثم رفع الكلب رجله فبال على وجهه، فجعل يقول: وماء حار؟ بارك الله عليك.
(4/33)

روى أبو زيد في محالة لشاعر: الطويل
وإني لنار عند زينة أوقدت ... على ما بعيني من عشى لبصير
لقد زادني حباً لزينة أنها ... مقوت لأخلاق اللئام قذور
تقول بمعروف الحديث وإن ترد ... سوى ذاك تذعر منك وهي ذعور
وقال أبو زيد: شربت سويقاً عفيراً أي غير ملتوت.
وأنشد أبو زيد: البسيط
وما أراك على أرجاء مهلكه ... تسائل المعشرالأعداء ما صنعا
وما رميت على خصم بفارقة ... إلا رميت بخصم فر لي جذعا
ما سد من مطلع ضاقت ثنيته ... إلا وجدت سواء الصبر مطلعا
(4/34)

يقال: زبط أمر فلان إذا تضعضع ويقال: إني عنك لفي غفل وغفول عن هذا.
قال ابن عون: كنت إذا سمعت الحجاج يقرأ علمت أنه طالما درس كتاب الله تعالى.
وقال الشعبي: الذي يقرأ القرآن إنما يحدث عن ربه.
أنشد الأصمعي: البسيط
النصح أرخص ما باع الرجال فلا ... تردد على ناصح نصحاً ولا تلم
إن النصائح لا تفخى مناهجها ... على الرجال ذوي الألباب والفهم
أنشد الأصمعي ليهودي: الطويل
إذا لم أزر إلا لآكل أكله ... فلا رفعت كفي إلي طعامي
فما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام
(4/35)

قال الأصمعي: قال الحارث بن عوف بن أبي حارثة للنبي صلى الله عليه وسلم: أجرني م لسان حسان، فلو مزج البحر لامتزج فحدثت به ابن عائشة فقال: يا ابن أخي، أوجعه قوله: الكامل
وأمانة المري حيث لقيته ... مثل الزجاجة صدعها لا يجبر
قال المختار لرجل: ضع لي حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أني كائن بعده خليفة ولك عشرة آلاف درهم، فقال الرجل: أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا، ولكن عن بعض الصحابة وأحطك في السعر.
ولم يذكر الأصمعي من هذا الرجل؛ ومن الطريف أنه استجاز الكذب على بعض الصحابة، ولو كان امتناعه من الحذب على غيره. وما أدري ما أقول ف هذا الفن من الناس، فقد ولله شانوا وجه الدين لأنك لا ترى إلا من أغرق في طلب النيا إمال بسيف قد سله، أو بلسان قد أطاله، أو رياء قد احتجنه، أو خبيئة قد اشتمل عليها؛ نسأل الله العياذ فقد عم البلاء.
قال القحذمي، قال ابن العرق: رأيت المختار مشتور العين
(4/36)

فقلت: من فعل هذا بك قطع الله يده؟ قال: ابن الفاعلة عبيد الله بن زياد، والله لأقطعن أنامله وأباجله، ولأقتلن بالحسين بن علي رضي الله عنهما عدد من قتل بيحيى بن زكريا عليهما سلام الله؛ ثم قال: يا ابن العرق، إن الفتنة قد ألقت خطامها وخبطت وشمست، ثم قال: المتقارب
ورافعة ذيلها ... بدجلة أو حولها
قال الأصمعي: قيل لابن مضاء: فلان رأى في المنام كأنه يخطب على المنبر خصي، فقال: يقدم عليكم أميرعفيف الفرج.
وقال الأصمعي: كنت أسمع بهذا المثل: وعلى ألافها الطير تقع، فلم أفهمه حتى رأيت غرباناً تقع: البقع مع البقع، والسود معالسود، إلى ان رأيت أعرج قد سقط فجاءه آخر كسير الجناح فوقع إلى جنبه، فعلمت أن المثل ما ضاع.
(4/37)

قال الأصمعي: العرب تقول: الحسن أحمر.
وقالت أعرابية وهي تتحدث: والله لو رأيتني في شبيبتي لرأيتني أحسن من النار الموقدة.
وقال أبو العالية الشامي وذكر امرأة أخرجت إليه فقال: كا، ها والله نطفة عذبة في شن خلق ينظر غليها الظمآن فيالهاجرة.
قال فيلسوف: كما ا، البهيمة إنما تحسن من الذهب والفضة والجوهر بثقلها فقط ولا تحس بنفاستها، كذلك الكسلام إنما يحسن من أمر الحكمة بثقل التعب عليه ولا يحس بشرفها في نفسه.
قال الجماز: مررت بنجاد في قنطرة بردان، طويل اللحية وامرأة تطالبه بشيء لها عنده وهو يقولك يرحمك الله، متاعك جاف ويحتاج إلى حشو كثير، وأنت من العجلة تمشين على أربع.
(4/38)

قال جراب الدولة: كان بجوزجان إنسان طويل اللحية أصلع، فقال له ظريف من الظرفاء: ما أطول لحيتك!! قال: نعم إن ما ماءنا يكثر نبات الشعر ويقويه، قال: فلم لم يكن ذلك الماء مؤثراً في صلعتك؟ خذ يا هذا كفا واحداً واجعله على صلعتك.
ودخل حمصي على قحبة ومعه أرعبة دراهم، فسألها ان تترك عليه منها درهماً واحداً، فما فعلت فأعطاها وفجر بها، فلما خرج رأىمقلى في الدار فأخذها بيده وخرج، فصاحت المراة: ياأحمق، سخرتن بك ومل تضرني بشيء، فالتفت وقال لها: حين تقلين تدرين.
قال طفيل بن الأخرم: الطويل
فإن خف ما لي ازددت في خمتي غنى ... عن الناس والغاني بما نال قانع
وفي الصبر عما لم تنل لك راحة ... وفي اليأس مه للضراعة قاطع
ومن لا يزل يستتبع العين ما ترى ... لدى غيره يلق الردى وهو ضارع
وقال جراب الدولة: كان عندنا شيخ بسجستان معلم سخيف،
(4/39)

اجتزت به يوماً وهو يقول لصبي بين يده: اقرأ ياابن الزانية، فأخذت أوبخه فقالك اسكت قد نكت أمه مراراً.
قال: واجتزت به يوماً آخر وإذا هو يضرط للصبيان وهم يضحكون، قلت: ما هذا؟ قال: هؤلاء صبيان وقد ضاقت صدورهم من القراءة أضرط لهم قليلاً وأفرحهم ساعة.
قال الشاعر: الطويل
ألم تر سعد أننا فوق شاهد ... يظل لأعنان السماء مناغيا
هذا البيت رويته بسبب أعنان السماء كأنه جمع عنن، فأما العنان فسحيبة متدلية دون السماء، ويقال أيضاً أعناء السماء أي نواحيها، كانه جمع عنو، كما تقول أحناء وحنو، وما سمعت العنو، وأما العنن فالمعارضة، والاعتنان الاعتراض، والعنان - بكسر العين - معروف: عنان الدابة؛ يقال: تشاركا شركة عنان، أي فيما عن لهما أي عرض؛ وأما العنة فحظيرة الشاء، والفقهاء يقولون العنة إذا أرادوا مصدر العنين، ذاك يقال فيه التعنين، وما أعرف مضارعته للباب الأول؛ فأما قول العامة المتشبهين بالخاصة: عن دابته فمردود ليس من كلام العرب، بلى، الذي يقال: عننت الدابة وأعنتها إذا جعلت لها عناناً.
(4/40)

حضر بعض حكماء الهند وزيراً منوزراء ملكهم، وكان الوزير ركيكاً، وإنما ولي للأبوة، فقال للحكيم: ما العلم الأكبر؟ قال: علم الطب، قال: فإني أعرف من الطب أكثرة، قال للحكيم: فما دواء المبرسم؟ قال: دواؤه الموت حتى تقل حرارة صدره ثم يعالج بالأدوية الباردة، قال الحكيم: ومن يحييه بعد ذلك؟ قال: هذا علم ىخر يوجد في كتب النجوم ولم أنظر في شيء منه إلا في باب الحياة، فإني وجدت الحياة خيراً للإنسان من الموت، قال الحكيم: أيها الوزير، الموت على كل حال خير للجاهل من الحياة.
كان فزارة على مظالم البصرة، وكان ظريفاً، فسمع ذات يوم صياحاً فقال: ما هذا الصياح؟ قيل: قوم تكلموا في القرآن، قال: اللهم أرجنا من القرآن.
واجتاز به صاحب دراح فقال له فزارة: كيف تبيع هذا الدراج؟ قال: واحد بدرهم، قال: لا، أحسن إلينا، قال: كذا بعت، قال: نأخذ منك اثنين بثلاثة، قال: خذ، قال: يا غلام، أعطه ثمن اثنين فإنه سهل البيع.
انصرف صبي من المتكب باكياً، فقالت له أمه: لم تبكي؟ قال: الصبيان يدخلوننم أصابعهم في آستي. قالت: فلم لا تشكوهم إلى المعلم؟ قال: فأدخل أيره في آستي. فحبسته عن المعلم.
(4/41)

قال ظفيل بن الأخرم: الطويل
أعاذل إن الشح لا يخلد الفتى ... ولا يهلك النفس الكريمة جودها
تقول سليمى قد تغيرت بعدنا ... كذاك صروف الدهر يبلى جديدها
وشيب رأسي قبل شيب لداته ... هموم وروعات يشيب وليدها
ومضروبة الأمثال قومت درءها ... لذيذ بأفواه الرجال نشيدها
قال القحذمي: طلب أنو شروان كاتباً لمر أعجله، فلم يجد غير غلام يصحب الكتاب، فجيء به فقال له: ما اسمك؟ فقال: مهرماه، قال: اكتب ما أملي عليك، ولم يامره بالجلوس، فكتب قائماً أحسن من كتاب غيره جالساً، قالك اكتب في نحون هذا من تلقاء نفسك، ففعل وأحسن، وضم إلى الكتاب رقعة فيها: إن الحرمة التي أوصلتني إلى الملك لو وكلت فيها إلى نفسي لتقطعت قبل بلوغ ذلك، وإنما هو تفضل منه علي، فإن رأىن ألا يحطني بعد التشريف بخطابه إلى من هو دونه فعل. فقرأ كسرى ذلك ثم قال: لقد أحب مهرماه ألا يدع في نفسه لهفة يتلهف عليها بعد إمكان الفرصة، وقد أمرنا لك بالذي سألت، فاحمد الله الذي وهب لك ذلك على أيدينا، ثم نقله إلى أرفع مجالس الكتاب ووصله.
(4/42)

عاتبت أم جعفر الرشيد في تقريظه المأمون دون ابنها محمد، فدعان خادماً بحضرته وقال له: وجه إلى محمد وعبد الله خادمين حصيفين يقولان لكل واحد منهما على الخلوة ما يفعل به إذا أفضت الخلافة إليه؛ فأما محمد فإنه قال للخادم: أقطعك وآمر لك، وأقدمك وأبلغ بك؛ وأما المأمون فإنه رمى الخادم بدواة كانت بين يديه وقال: يا ابن اللخناء، تسألني عما أفعل بك يوم يموت أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين؟! إني لأرجو أن نكون جميعاً فداه. فرجعا بالخبر، فقال الرشيد لأم جعفر: كيف ترين؟ ما اقدم ابنك إلا متابعة لرأيك وتركاً للحزم.
قال الجماز: رأيت صاحب بطيخ يقول: هذا عسل، هذا سكر، هذا قند، فتقدمت إليه وقلت: عندي عليل يشتهي بطيخة حامضة. فقال: خل حاذق وحياتك، لا تلتفت إلى قولي فإنه خل.
قال بعض أصحابنا البغداديين: سمعت شيخاً بباب الطاق من سفلة الناس يقول لآخر أسفل منه: ويحك يا محة، ألا تتعجب من بني عفوية، أخوين، أحدهمامن مرعوشي والآخر فضلي، قال له: وأيش في هذا؟ هذا هو
(4/43)

القرآن فيد جيد وردي، قالك ويحك، في القرآن جيد ورديء؟! قال: نعم، قل هو الله أحد بألف درهم، وبجنبها تبت تسوى حبتين.
في هذا للعقول متنزه ومستطرف ومعرفة بفضل الموهبة واقتباس المواهب، فلا تعجل بالإنكار حتى تبلغ غاية ما قد استصلحتك به في هذا الباب.
قال الجماز: مات إنسان غماز فرآه جار له في المنام فقال له: ما فعل ربك بك؟ فقال له: أنا بخير ها هنا بين يدي ملك أتخفف له واسعى بين يديه في أموره، وأبرد أخبار الكفار إليه؛ قال الجماز: وإذا به العاض بظر أمه هناك أيضاً غماز.
وقال الجماز: مات مخنث يقال له قرنفل، فرآه إنسان في النوم وكأنه يقول: أيش خبرك يا قرنفل؟ قال: لا تسأل، فيقول: إلى أين صرت يا قرنفل؟ قال: إلى النار، قال: ويلك فمن ينيكك في النار؟ قال: ثم يزيد ابن معاوية ليس يقصر في أمري.
نظر مخنث إلى رجل دميم الوجه فقال: وجهك هذا أنموذج جهنم أخرج إلى الدنيا.
(4/44)

قيل لمجنون: اين المولد؟ قال: المولد بالبصرة، والمنشأة دير خزقل.
نظر عامر بن كزبر إلى ابنه عبد الله يخطب فأعجبه، فأشار إلى أيره وقال للناس: أميركم خرج من هذا.
شد مجنون على رجل بالبصرة فأخذ الرجل يضربه، فقال الناس: إنه مجنون، وجعل يقول من تحته: أفهموه.
قال أبو العنبس: رأيت رجلاً يعرج فقلت له: ما لك؟ فقال: غداً تريد ان تدخل في رجلي شوكة.
قال صبي لأبيه: يا أبت وجدت فأساً، قال: فأين هو؟ قال: يابه ليس له رأس حديد، فقال: مشؤوم، فقل: وجدت وتداً.
قال: نادى فقيرعلى جبة له فلم تطلب بشيء، فقال الفقير: ما علمت أني عريان إلا الساعة.
(4/45)

قال بعض الشيوخ: رأيت حية قد ابتلعت كبشاً عظيم القرنين فلم تقدر على ابتلاع القرنين، فجعلت تضرب به الحجارة يمنة ويسرة حتى كسرت القرنين وابتلعته.
قرأ رجل في مجلس سيفويه " وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً " يوسف: 30 فقال سيفويه: قد أخذنا في حديث القحاب.
قيل لمجنون: أيسرك أن تصلب في صلاح هذه الأمة؟ قال: لا ولكن يسرني أن تصلب الأمة في صلاحي.
أتي عبد الملك بن مروان برجل قد خرج معه خارجي فأمر بضرب عنقه فقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا جزائي منك، قال: وما جزاؤك؟ قال: والله ما خرجت معه إلا نظراً لك وتقرباً إليك، فإني رجل ما صحبت أحداً إلا هزم وقتل وصلب، وقد صح ذلك؛ كوني عليك مع عيرك هير لك من مائة ألف رجل معك، فضحك وأطلقه.
قال داود الماصب لصديق له: رأيت البارحة رؤيا نصفها حق
(4/46)

ونصفها باطل: رأيت كأني قد حملت بدرة على عاتقي فمن ثقلها خريت فانتبهت فرأيت الخرا ولم أر البدرة.
سمع مجنون رجلاً يقول: اللهم لا تأخذنا على غفلة، قال: إذا لا يأخذك أبداً.
كلم رجل غلاماً أمرد فقيل له: إن الناس يظنون بك الريبة، قال: ولم لا يظنون أني أعظه؟ وقف سائل بباب مديني فقال: أطعمونا من فضل عشائكم فقال المديني: ما لعشائنا أصل فيكف يكون له فضل؟! قال رجل لأبي عبيدة: أحب أن تخرج لي أيام عشيرتي، وكان دعياً، فقال أبو عبيدة: مثلك مثل رجل قال لآخر: اقرأ لي من " قل هو الله أحد " إحدى عشرة آية، قال: لا والله ولكنك تبغض العرب، قال: وما عليك من ذلك؟ قال أبو أسيد: كان ابن عمر رضي الله عنه يحف شاربه حتى يرى بياض إبطه.
(4/47)

أنشد رجل أبا الشمقمق شعراً بارداً طويلاً فضجر وقال له: أين قلت هذا الشعر؟ قال: في المخرج، قال: يا أخي صدقت، رائحة الخرا عليه ظاهرة.
سمع سيفويه رجلاً يقرأ " فبهت الذي كفر " البقرة: 258 قالك وتلومه؟! حج حائك، فلما وقف يدعو ورأى الجمع قال: يا رب، من أنا، وأيش أنا؟ التراب على رأسي، من أنا؟ كلب نباح وووو، وضرط م شفتيه على لحيته.
قال رقبة بن مصقلة: ما آذاني قط إلا غرم مصاب في الكوفة، فإنه لقيني فقال: رأيتهم قد شبهوك بي فسرني ذلك لك.
قال رجل لغصن المخنث: ما سامك؟ قال: ليت اسمي على رأسك والمعاول تأخذه.
قال أبو الربيع: إذا أقبل البخت باضت الدجاجة على الوتد،
(4/48)

وإذا أدبر البخت انشق الهاون في الشمس.
تقدم رجلان إلى قاض فتكلم أحدهما ولم يترك الآخر يتكلم فقال: أيها القاضي، يقضى على غائب، قال: وكيف؟ قال: لأني غائب إذا لم أترك أتكلم.
قال رجل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قالك لم تقل هذا إلا وفي قلبك خير.
خرج رجل قبيح الوجه من اليمن فأنشد: الرجز
لم أر وجها حسنا ... منذ دخلت اليمنا
وفي حر أم بلدة ... أحسن من فيها أنا
قرأ قارئ بين يدي سيفويه: " وحملناه على ذات أولاح ودسر " القمر: 13 فقال: عز علي حكلانهم بيوتهم، إنها جنازة.
وقرأ قارئ في حلقته: " كأنهن الياقوت والمرجان " الرحمن: 58 فقال سيفويه: هؤلاء بخلاف نسائكم القحاب.
(4/49)

وقيل له: إن اشتهى أهل الجنة العصيدة كيف يعملون؟ قال: يبعث لهم أنهار دبس ودقيق ويقال لهم: اعملوا فعسيس، وهو شيء يعمله أهل البصرة، وكلوا واعذروا فليس عندنا نار.
سمع العنبري القاضي صبياً يقول لصبي آخر: وإلا فأير القاضي في حر أم الكماذب، فقال العنبري: يا صبي لم قلت هذا؟ قال: لأن عليه أيراً مردوداً في حر أمه مثل منارة هذا المسجد، فانصرف العنبري وهو يقولك الاستقضاء شؤم.
قيل لماجن: جبة نقد أحب إليك أم قلنسوة نسيئة؟ فقال: ضرطة نقد أحب إلي من لحاف نسيئة.
قال الجماز، قال لي نصر مولى المأمون: كنت في دعوة بعض الظراف في يوم غيم، ومعنا شيخ متصدر لا ينطق، فتدارينا ذكر المطر وما جاء فيه من الأثر، فقال الشيخ: حدثوني عن سيدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يتحها حتى يضحها في موضحها ثم يصحد ويدحها.
وقف سائل بباب دار فقال صاحب الدار: أغناك الله فلي أم
(4/50)

الصبيان ها هنا، فقال السائل: لم أسألك المجامعة إنما سألت كسرة خبز.
وتقدم سائل إلى باب، وكانت صاحبة الدار قاعدة على البالوعة تبول، فحسب السائل أن بولها نشيش مقلى، فقال: أطعمونا من هذا الذي تقلونه، فضرطت المراة وقالت: حطبنا رطب وحياتك ليس يشتعل.
وقف سائل بباب المافروخي عامل الأهواز وسأل، فأعطوه لقمة خبز، فسكت ساعة ولم يبرح ثم قال: هذا الدواء الذي أعطيتموني كيف أتناوله، وبأي شيء أقدم عليه، وبأي شيء أتعقبه؟! قال الجماز: سمعت كناساً يقول لآخر: إن كنت كناس ابن كناس فقل لي كم رجل لبنت وردان.
قال ابن قريعة القاضي: وقف شاطر على قبر فقال: رحمك الله أبا لا شيء فقد والله كنت أحمر الإزار، حاد السكين، فاره الصديق، إن
(4/51)

نقبت فجرذ، وإن تسلقت فسنورة، وإن استلبت فحدأة، وإن ضربت فأرض، وغن شربت فحب، ولكنك اليوم قد وقعت في زاوية سوء.
قال بعض أصحابنا البغداديين: سمعتا شيخاً من العامة يقول لآخر: والك نهر جرى فيه الماء لا بد من أن يعود إليه، قال الآخر: والك حتى يعود الماء إليه ماتت ضفادعه. حكيت لفظهم فهو الطريف، فلا تعب اللحن فيه.
قال جحظة: سمعت يعقوب بن فلان يقول: كنت أتفاءل كثيراً ففتحت المصحف يوماً وقد وليت فخرج " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام " هود: 65 فعزلت بعد ثلاثة أيام.
كان عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي شيخ أصحاب الحديث وكان بهياً فاضلاً، وكان ذا سلامة، ذكر عنده بعض الأمراء الذين طرقوا الري فقيل: مات بها، فقال له: إلى الري دجلتان ففي أي دجلة مات؟ قال أبو حنيفة لرجلك انت مطوياً خير منك منشوراً.
أنشد جحظة لشاعر: الطويل
(4/52)

فتعساً لأيام إذا كان بومها ... شباعاً لها قوت وجاعت صقورها
وقد ينهض العصفور صحة ريشه ... وتقعد أن لا ريش فيها نسورها
وهبني رحى يهوي من النيل ماؤه ... وليس لها قطب فماذا يديرها
قال عبادة لرجل: ها هنا مكاري بكر، قال: بخت أي بخت، قال: وكيف ذلك؟ قال: يدخل ما يشاء، فإما أن يندق أيره أو تنشق أستي.
شاعر: الوافر
له بين المعالي والعوالي ... وبين ذرى المهندة الذكور
مقامات شرفن فما يبالي ... أمات على جواد أم سرير
البصري صاحب الزنج: الكامل
يلقى السيوف بوجهه وينحره ... ويقيم هامته مقام المغفر
(4/53)

ويقول للطرف اصطبر لشبا القنا ... فعقرت ركن المجد إن لم تعقر
وإذا تأمل شخص ضيف مقبل ... متسربل أثواب عيش أعبر
أومى إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتني الأعداء إن لم تنحري
استعرض ابن المدبر طباخة فقال لها: أتحسنين الحشو؟ فقالت: الحشو إليك.
قال المتوكل للجماز: ما عندك في النساء؟ قال: أقود عليهن.
صاح ابن الفرات بغلام له فقال: أي شيء تعمل؟ قالك لا شيء، قال: إذا فرغت من لا شيء فتعال.
شاعر: البسيط
يا يومنا عندها عد بالنعيم لنا ... منها ويا ليلتي في بيتها عودي
إذ بت أرشف فاها عند رقدتها ... بعد اعتناق وتقبيل وتجريد
وقد سقتني رضاباً غير ذي أسن ... كالمسك ذر على ماء العناقيد
قال جحظة: كنت جالساً عند صديق فدفعت إليه جارية وقعة فضرط، فقلت: ما هذا؟ قال: اقرأ، فإذا فيها: قد فني الدقيق.
كانت لمخنث جارية نفيسة فقالت: سبحانن الله، من أبلاني
(4/54)

بك؟ فقال: الذي أبلاك بحرك، سود وجهه، وشق وسطه، وقطع لسانه، وجعل إلى جنبه ضرته.
كان لأبي تمام الشاعر صديق يسكر من قدحين، فكتب إليه يدعوه: إن رأيت - أعزك الله - ان تنام عندنا فافعل.
شاعر: السريع
لم ندر ما ليلي وما طيبها ... وحسنها حتى رأيناها
إنك لو أبصرتها سافراً ... أجللتها أن تتمناها
قال ابن قريعة: كان لبعض المخنثين أير عظيم، فكان يقول: أشتهي م ينيكني بأيري.
قالت امرأة الجماز للجماز: أيش يطيب في هذا اليوم؟ قال: الطلاق.
يقال: إذا وجدت الشيء في السوق فلا تطلبه من صديق.
ادعى رجل النوبة فقيل له: ما علامة النبوة؟ قال: أنبئكم بما
(4/55)

في نفوسكم، قالوا: فما في نفوسنا؟ قال: أني لست بنبي.
كتب بعض الحمقى على خاتمه: أنا فلان بن فلان، رحم الله من قال آمين.
قيل لبعض المغفلين: حمارك قد سرق، فقال: الحمد لله إذ لم أكن فوقه.
نظر بعض الأغنياء إلى السماء فقال: يا رب، ماأحسن سماءك، زادك الله مزيد كل خير.
ونظر آخر إلى كنيف قد انبثق، فقال لابنه: ينبغي أن نتغدى به قبل أن يتعشى بنا، اطلب لنا كناسين.
وقال صفعان: من لم يعط على الصفع دراهم، فليتخذ لقفاه مراهم.
قدم إلىأعرابي كامخ فقالك مم يعمل هذا؟ قالوا: من اللبن والحنطة، قال: أصلان كريمان ولكن ما أنجبا.
قيل لمغن رديء الغناء: لم لا تغنيظ قال: كيف أغني والأقداح في أيديكم؟!
(4/56)

قيل لخمث: لم لا تتنور؟ قالك إذا كثر الدغل أخذ الناس في طريق الجادة، يعني استه.
ورث رجل مالاً، فكتب على خاتمه: الوحى، فملا أفلس كتب على خاتمه: استرحنا.
أدخل رجل إصبعه في حلقتي مقراض وقال لمنجم: أي شيء في يدي؟ فقال: خاتمان من حديد.
قيل لرجل: من أين؟ قال: من جنازة صديق كان لي، كان له ابنان فمات الأوسد.
قال: كان طاووس لا يحضر إملاك أسود ببيضاء، ويقولك تغيرون خلق الله.
كاتب: وصل كتابك بما أوجب المنة واليد، وأزلم الحمد والشكر.
قيل لجارية مليحة: ويلك تتعشقين أسود؟ فقالت: والله لو كان أيره لك لعملت منه عكازة.
(4/57)

قال أبو سعيد السيرافي: قد جاء في فعلين تعدي الفاعل إلى ضميره وهو: فقدتني وعدمتني، وإنما جاز ذلك لأنه محمول على غير ظاهر الكلام وحقيقته، لأن الاعل لا بد من أن يكون موجوداً، وإذا عدم نفسه صار عادماً معدوماً، وذلك محال، وإنما جاز لأن الفعل له في الظاهر والمعنى لغيره، لنه لا يدعو على نفسه بأن يعدم، فكأنه قالك عدمني غيري؛ قال: جران العود: الطويل
لقد كان لي عن ضرتين عدمتني ... وعما ألاقي منهما متزحزح
هما الغول والسعلاة رأسي منهما ... مخدش ما بين التراقي مكدح
قال أبو سعيد: ويجوز عند البصريين ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم في الضرورة؛ وأنشد لمهلهل: الكامل
وأنا الذي قتلت بكراً بالقنا ... وتركت مرة غير ذات سنام
والوجه: وأنا الذي قتل.
وقال حارثة بن بدر الغداني؟ البسيط
يا كعب ما طعلت شمس ولا غربت ... إلا تقرب آجالاً لميعاد
يا كعب صبراً على ما كان من حدث ... يا كعب لم يبق منا غير الاد
(4/58)

إلا بقيات أنفاس نحشرجها ... كراحل رائح أو باكر غاد
قال أبو سعيد: فإن غير ما هنا بمنزلة مثل، كأنك قلت: لم يبق منا أجساد إلا بقيات أنفاس، وعلى هذا أنشد الناس هذا البيت للفرزدق: البسيط
ما في المدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلا دار مروانا
جعلوا غير صفة بمنزلة مثل، ومن جعله بمنزلة الاستثناء لم يكن له بد من أن ينصل أحدهما، وهو قول ابن أبي إسحاق.
قال أبو بكر ابن العلاف الشيباني النحوي - شاهدته بشيراز -: اليغبوب يقال في النهر والجدول إذا كان كثيراً ماؤهما شديدة جريتهما، ويقال ذلك في الفرس إذا كان كثير العدو شديد الجري، وقد قال بعض أهل اللغة: اليعبوب الطويل، وإنما سمي النهر يعبوباً لطوله، والأول القول المختار، قال لبيد: الرمل
بأجش الصوت يعبوب إذا ... طرق الحي من الغزو صهل
قال: وأما الدعبوب فالطريق النهج الموطأ السهل.
(4/59)

قال ميمون بن مهران في قوله تعالى " ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون " إبراهيم: 42: تعزيه للمظلوم ووعيد للظالم.
قل النبي صلى الله عليه وسلم: لا تديموا النظر إلى أهل البلاء فتحزنوهم؛ يقال: حزنته وأحزنته بمعنى، ويقرأ: " ولا يحزنك قولهم " و " لا يحزنك " يونس: 65.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ثلاثة في ظل العرش: عائد المريض، ومشيع الموتى، ومعزي الثكلى.
وقال الثوري: إذا رأيت الرجل محموداً في جيرانه فاعلم أنه يداهنهم.
قال مديني: لو أن أبا الزناد عن يميني وابن هرمز عن يساري وربيعة الرأي يقودني لمنعتني نذالتي أن أنبل.
(4/60)

أتى رجل عمرو بن عبيد فقال: إن ألأوساري لم يزل أمس يذكرك ويقول: الضال، فقال عمرو: يا هذا، والله ما رعيت حق مجالسة هذا الرجل حين نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقي حين بلغتني عن أخي ما أكره، أعمله أن الموت يعمنا، والبعص يحشرنا، والقيامة تجمعنا، والله تعالى يحكم بيننا.
جرى ذكر رجل في مجلس ابن قتيبة فنال منه بعضهم، فأقبل عليه سلم فقال: يا هذا، أوحشتنا من نفسك، أيأستنا من مودتك، ودللتنا على عورتك.
ودخل عبد الوارث بن سعيد على رجل يعوده فقال: كيف أنت؟ فقال: ما نمت منذ أربعين ليلة، فقال: يا هذا أحصيت أيام البلاء فهلا أحصيت أيام الرخاء؟ مر ماجن بالمدينة برجل قد لسعته عقرب فقال: أتريد أن أصف
(4/61)

لك دواء هذا؟ قال: نعم، قالك عليك بالصباح إلى الصباح.
نظرت امرأة إلى رجل يبول كبير الفعل، فقالت: هذا معك ولا تجلس للصيارفة؟! فقال: ما أحمقك، هذا والله أقامني منهم.
لما نزل بعمر بن عبد العزيز رحمه الله الموت قال: يا رجاء، هذا والله السلطان لا ما كنا فيه.
قال علي بن الحسين عليهما السلام: ليس في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " إلا وهي في التوارة يا أيها المساكين.
قال إبراهيم بن إسماعيل: العجب لم يغتر، وإنما هي عقربة ذنب.
قال الحسن: الدنيا كلها غم، فما كان منهان من سرور فهو ربح.
قال فيلسوف: أصاب الدنيا من حذرها، وأصابت الدنيا من أمنها.
(4/62)

قال ابن السماك: خف الله كأنك لم تطعه، وارج الله حتى كأنك لم تعصه.
ترى كيف يجتمع الرجاء والخوف في صدر واحد؟ هذا بعيد، متى رجا فقد استرسل، ومتى خاف فقد استجمع، ولكل واحدة من هاتين الحالين أحكام تستغرقها وتأتي عليها وتباعدها من الحال الأخرى، فكيف السبيل إلىتحصيل ما دل عليه هذا الفاضل؟ اللهم إلا أن يقول: تردد من هذه إلى هذه، ولا تستقر مع غحداهما، وهذا إن صح لم يكن له من الخوف نصيب ولا من الرجاء نصيب إلا بمقدار إلمالمه بهما؛ فأين الحيلة التي بها يبين وعليهما يظهر؟ وللزهاد كلام كثير يروع ظاهره ويضمحل مفتشه؛ وسألت بعض العماء عن هذا فقال: كأنه إذا لحظ الكرم رجا، وإذا لحظ العدل خاف، وهو فيما بين هذين الملحوظين مختبر الثبات على الطاعة، والإقلاع عن المعصية، وليس يجيء من هذا أن يكون خائفاً راجياً في حال، لأنه بخواطره ووساوسه في أفعاله وحركاته متطلع نحو شيء يرجوه، ونحو شيء يحذره، فإذا ما غلب أحدهما على سره سلس معه، وهو على ذلك محمود، لأن الخائف مصيره إلى ما يصير إليه الراجي، لأن الراجي يعمل في طلب ما يتمناه، والخائف يقلع عن مواقعه ما يخشاه والغاية واحدة. إذا أنعم النظر؛ وهذا جواب قريب. والحاجة إلى تحقيق الخوف من الله عز وجل والرجاء في الله تعالى أشد من الحاجة إلى معرفة هذا المشكل.
دعا أعرابي فقال: آثر تقواك على هواك، وأخراك على دنياك.
(4/63)

قيل لمعبدة: ما يمنعك من دخول الكعبة؟ قالت: والله ما أرضة رجلي للطواف فكيف أدخل بهما الكعبة.
سأل أبو فرعون رجلاً فمنعه، فألح عليه فأعطاه، فقال: اللهم أخزنان وإياهم، نسألهم إلحافاً ويعطوننا كرهاً، فلا يبارك الله لنا ولا يأجرهم عليه.
ساوم مديني بدجاجة فقال صاحبها: لا أنقص من عشرة دراهم، فقال: والله لو كانت في الحسن كيوسف، وفي العظم ككبش إبراهيم الخليل، وكانت كل يوم تبيض ولي عهد للمسلمين ما ساوت أكثر من درهمين.
قال بعضهم: الاست مسن الأير، والقبلة بريد النيك.
كاتب: ودعت قلبي بتوديعك، فهو ينصرف كمنصرفك.
كاتب: ذكرك ينسينس كل شيء، وفراغي له يشغلني عما سواه.
(4/64)

كاتب: لو كان إفراط الحنين إليك، ولهب الحرص عليك، يقربان طرفي منك، لقد كنت فزت بك.
كاتب: إن - أعوذ بالله - تنفست بنا مدة هذا المقام دونك، وبرحت بنا الخطوب عما قبلك، لم املك عزاء عما أعد نفسي وأقرب لها من الوقت في لقائك، وأعتاد من الحوادث التي تترامى بنا من سفر إلى صفر، وتنقلنا من مثوى إلى مثوى، وكيف بالسلو عما جعل الله غيبته مادة للشوق وتأثيلاً للوجد، وملابسته ملابسة أنس ومروءة، وفراقه فراق كرم وفضيلة، لا كيف إلا بأوبة مرتقبة تجمع متفرق الشمل، وتلم متباين الشعب، ويعود بها عهد الأيام حميداً، وما أخلق ما دواعي الأمل جديداً.
كاتب: أوديتني بنأيك، فمتى تداوي بقربك؟ كاتب آخر: أنا من إذا ابتهج شكرك، وإذا نكب ذكرك.
آخر: لا سلبني الله سرور رجائي بلقائك، ولا خيب دعائي ببقائك، ولا أفقدني الأنس بك على قربك ونأيك، أعقبنا الله بمأتم الفرقة عرس الألفة، وبوحشة الغمة أنس الغبطة.
كاتب: أقر الله عيني بلقائك، كما أقذاها بنأيك.
قال أعرابي: لا تبال بالوطنإذا شطن، ولا بأحد إذا شط ولا تشخص إذا شخص.
(4/65)

كتب ناسك إلى أخ له: اجمع لي أمر الدنيا وصف لي حالها وحال الآخرة، فكتب إليه: الدنيا حلم والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث أحلام ننقل إلى أجداث.
النمري: الطويل
يقولون في بعض التذلل عزة ... وعادتنا أن ندرك العز بالعز
أبى الله لي والأكرمون عشيرتي ... مقامي على دحض ونومي على وخز
كاتب: أطال الله بقاءك في تمام من النعمة والسلامة، ودوام من الكرامة، وعلو من القدرة وبسط الد، ووفورة البغطة واتصال الرغبة، وعكوف من الآمال، ومن علينا بدوام ظلك، وامتداد أيام دولتك، وأعلى درجتك، ولا أراك مكروهاً في شيء مما خولك، ولا زلت من النعمة والإنعام بحيث يقصر أمل الآمل وشكر الشاكر عنه، ولا أخلاك من مزيده ونعمته، وتسديده وعصمته، وبلغ بك من الألفة أقصاها، ومن الأماني أسناها، وأعانك على ادخار المكارم واصطناع المحامد، وبسط بها لسانك ويدك، وأدام لك أجمل ما عودك وعود منك، وأعطاك فوق أملك وغاية رجائك ومنتهى أمنيتك، وحجب عنك سطوات الأحوال، وأجرى لك خالص كل نوال،
(4/66)

وتوحدك بالصنع والإقبال، ولا بدل لك ما أفادك من حسن حال، وتوجك بالسيكنة والوقار والنسك والهيبة والجمال، وختم لك بالسعادة في المآل.
قال بعض أهل الأدب: يقال: جارية غراء كالليلة القمراء، وكالشمس يكمها الحجاب؛ جارية كغزال مكسال، وكجؤذر صريمة، وكمهرة عربية، وكدمية محراب، وذات حشا قطيع، وكأن لونها محض شيب براح، وكأنها زهرة جلاها بدر، وكأن عينيها عينا مهاة، ولها حاجب كالنون خط بالقلم، وأنف كمتن السيف، وفم كالخاتم، وريق كلعاب النحل وجنى النخل، وكالرحيق الختوم، وكأن نشرها ريا فأرة، وكأن أصابعها قوادم حمامة، وكأن فاها أقحوان تحت غمامة، وكأن ثناياها زهر في دمث، وكأنما تفتر عن برد، وعن حب الغمام، وعن بارقة، وكأن عنقها إبريق اللجين، وكأن صدرها فاثور فضة، وكأن نحرها جمارة، وكأن لبتها سبيكة، وكأن وجهها مرآة مجلوة، وكأن جيدها جيد ريم، وكأن سالفتها السيف الصقيل، وكأن ثديها حق عاج، وكأن في صدرها رمانتين، وكأن في خدها تفاحتين، وكأنها غصن بان وقضيب عقيان، وكأن خيدها أترجتان بالعنبر مخضوبتان؛ لها شعر كقوادم النسر، لها فروع كقنوان النخل المنسدل أو عناقيد الكرم المتهدل، كأن جبينها مصباح دير، كأن عوارضها كوكب الصبح، كأن بنانها مداري فضة وقضيب اللجين، لها بطن
(4/67)

مطوي كأنه قبطي وكأنه طومار مدمج، وكأنها بطن أيم ذي طرة؛ لها كشح مجدول، ولها سرة كمدهن عاج، وأفخاذ كأفخاذ البهاتي، وكفلكالكثيب، وخصر كالقضيب، وكأنها خوط بان على نقا، وغصن في دعص؛ لها ساق كبردية غذاها خليج، تمشي كالوحل، تمشي مشي المهاة إلى الرياض، وكأنها قطاة تخطو إلى الغدير، وكأن في أخمصها شوكاً، وكأنهاظبية تميس، وكأن الحلي في صدرها وميض برق ونار أنارت في الظلام، وكأنما خلخالها أنثاء حية مفتولة، وكأن معصمها نجم يلوح، وكأن شعرها أسود ملتفة، وحبال مضفورة، وكأن وجهها صفحة سيف، وفلقة قمر، وبدر تمام، مكأنها دينار مشوف، وكأن حليها زهر الربيع؛ لها كشح كالجديل، وقذال كقذال عاطية الأراك، لها مدامع كمدامع الغزال؛ كأن حمرة خدها أرجوان أو جلنار؛ لها شارب كمخضر الريحان، وكأنه نصف صاد، وكأن قدمها لسان حية، وكأنها ظبية مذعورة، وغزال خاذل، وكأنها كأس، وكأنه رشأ مرتاع، وكأن لحظاتها نبال، كأنها بيضة نعام، وكأنها بيضة أدحي، وكأنها بيضة مكنونة، وكأنها لؤلؤة الغواص، وكأنها درة الصدف، وحديثها ثمر الجنان، وصوب الغمام، ووقع الزلال؛ وكأن أصداغها عقارب، وكأن متنها متن حسام؛ فتور القيام، سريعة القعود، نصفها خفيف ونصفها كسل؛ كأن وجنتيها شقائق النعمان، كلامها يطفئ النار؛ كأن ريقها رضاب مسك، وجنى نحل، ومشور ضرب؛ كأن عنقها إريق فضة، وعينها ماوية، وبطنها قبطية، وساقها بردية، وجبينها اللآلئ، وعوارضها البرد؛ كأنها خوط بان، وجدل عنان، وقضيب ذهب، وكأنها فضة قد مسها ذهب، أطهر من الماء، وأرق من الهواء.
(4/68)

قال أبو هفان: رأيت شيخاً بالكوفة قاعداً على باب دار وله زي وهيئة، فوي الدار صراخ، فقلت: يا شيخ، ما هذا الصراخ؟ قالك هذا رجل افتصد أمس بلغ المبضع شاذروانه فمات؛ قال: وإنما أراد أن يقول بلغ المبضع شريانه.
سمعت العقدي الهمذاني يقول، قال رجل لابن خلف: سألت عنك يا أبا فلان، قال: سأل الله عنك ملائكته.
قال أبو نصر الأنماطي، قالابن خلف لصديق له: أريد أن أشرب على عورة وجهك عشرة أرطال نبيذاً مرنقاً؛ قال: أراد ان يقول على غرة وجهك نبيذاً مروقاً.
جاءت امرأة إلى معلم تشكو ابنها، وكانت حجميلة، فقال المعلم للصبي: مثل هذه الأم يوحشها إنسان فيؤذيها؟! كان يجب عليك لو كان لك عقل ان تلحس خراها كل يوم طلباً لرضاها.
قال بعض الأطباء: موضع العقل الدماغ، وطريق الروح الأنف. وموضع الرعونة طول اللحية.
قال اليزيدي: اللحية الطويلة عش البراغيث، ومأوى البق، وهي في الريح طرادة ومزبلة، ومعدن التراب والغبار.
(4/69)

وقال أيضاً، قال ابن خلف لمغنية كان يحبها، وأراد تجميشها: أنا والهل لك مائق - أراد أن يقول: وامق - فقالت: ليس لي وحدي أنت مائق، أنت والله مائق للخلق.
قال الجاحظ: قلت يوماً لعبدوس بن محمد، وقد سألته عن سنه لصغره: لقد عجل عليك الشيب، فقال: وكيف لا يعجل عل وأنا محتاج إلى من لو نفذ فيه حكمي لسرحته مع النعاج، أو لفظته مع الدجاج، وجعلته قيم السراج، ووقاية يد الحلاج، هذا أبو ساسان أحمد بن العباس العجلي له غلة ألف ألف درهم كل سنة، عطس يوماص فقلت له: يرحمك الله، فقال لي: يغرقكم الله.
جاء غلام ابن جرادة بفرخ إليهفقال له: انظر إلى هذا الفرخ ما أشبهه بأمه، قال: ذكر أم أنثى؟! قال ابن الحصاص يوماً وقد جربت يده، لو غسلتها ألف مرة لم تنتظف حتى أغسلها مرتين.
ونظر ابن الجصاص في المرآة ثم قال لإنسان عنده: ترى لحيتي قد طالت؟ فقال الحاضر: المرآة في يدك، فقال: صدقت ولكن يرى الشاهد ما لا يرى الغائب.
(4/70)

اشترى إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس غلاماً فصيحاً، فبلغ الرشيد فأرسل إليه يطلبه فقال: يا أمير المؤمنين، لم أشتره إلالك، فلما وقف الغلام بين يديه قال الرشيد: إن مولاك قد وهبك لي، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين ما زلت وما زلت، قال: فسر، قال: ما زلت لك وانا في ملكه، ولا زلت عن ملكه وانا لك، فأعجب الرشيد وقدمه.
وبمثل هذا البيتان والعقل يتقدم العبد على الحر، والوضيع على الشريف.
وكان الفتح بن خاقان، وهو صبي، قائماً بين يدي المعتصم، فقال المعتصم يوماً وفي يده فص: أرأيت يا فتح أحسن من هذا الفص شيئاً؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اليد التي هو فيها أحسن منه.
اجتاز عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير، فتهاربوا إلى عبد الله فإنه وقف، فقال له عرم: لم لا تفر مع أصحابك؟ قالك لم يكن لي جرم فأفر منك، ولا كان الطريق ضيقالً فأوسعه عليك.
قعد صبي مع قوم فقدم شيء حار فأخذ الصبي يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ قال: هو حار، قالوا: فاصبر حتى يبرد، قال: أنتم لا تصبرون.
(4/71)

وخرج صبي من بيت أمه في صحو وعاد في مطر شديد فقالت له أمه: فديتك ابني، هذا المطر كله على رأسه؟ قال: لا يا أمي، كان أكثره على الأرض، ولو كان كله على رأسي كنت قد غرقت.
وسمع غلام أمه تبكي في السحر فقال لها: لم تبكين؟ فقال: ذكرت أبوك فأقرح قلبي، قال: صدقت هذا وقته.
ولا تنكر قولها ذكرت أبوك فإن اللحنها هنا أصلح من الإعراب، وقد قيل: لكل مقام مقال.
سمع ابن الجصاص رجلاً ينشد شعراً في هند فقال: لا تذكروا حماة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بخير.
دخل رجل إلى حمزة ابن النصرانية فقال: إن أخي قد مات فمر لي بكفن، قال: والله ما عندي شيء ولكن تعهدنا إلى أيام لعله يقع، قال: أصلحك الله، فمر لي بدرهم ملح، قال: ما تصنع به؟ قال: أملحه حتى لا ينتن إلى أن يتيسر كفنه من عندك.
دخل حمزة هذا يوماً على امرأتهوعندها ثوب وشي فقال لها: بكم اشتريت؟ قالت: بألف درهم، قالك والله لقد وضعوا في استك شيئاً مثل هذا، وأشار إلى يده وذراعه، قالت: إني والله لم أوف بعد ولكن
(4/72)

أعطيت درهماً، قال: وأيش يسوى قولك وقد جعلت خصاهم في ديك؟ قالت: إن أختك قد اشترت شراً منه بمائة دينار، قال: أختي تضرط من آست واسعة.
قال الحاجظ: قلت لأبي الحشيم: إن رأيت أن ترضى عن فلان فافعل، قال: لا والله حتى يبلغني أنه قبل رجلي.
كان صاعد بن مخلد إذا قبض يده عن الطعام يقول: الحمد لله الذي لا يحلف بأعظم منه.
ومر بقوم يصطادون السمك فسلم عليهم وقال: يا فيتان هذا السمك الذي تصطادون طري أم مالح؟ وكان أزهر الخمار بين يدي عمرو بن الليث يأكل البطيخ، فقال له عمرو: كيف طعمه يا أزهر، هو حلو؟ قال أزهر: أيها الأمير، أكلت الخرا قط؟ فضحك عمرو وكل من حضر.
وقال عمرو للأزهر: إن ابنك يزعم انه ماك غلامك البارحة، قال: نكت أمه البارحة سبع مرات، فاجعل أربعة بحذاء ذاك والباقي فضل.
جاء أبو عوانة إلى قوم قد صلبوا فقال: هذا اوعدنا الله ورسله وصدق المرسلون؛ اللهم بارك لنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.
(4/73)

أصيب إنسان بوالدته، فجاء سيفويه القاص يعزيه، فلما قضى كلامه قال: هذه المراة خلفت ولداً؟ قال لرجل: تريد ولداً أكبر مني؟! قال أبو هفان: رأين بعض الحمقى يقول لآخر: قد تعلمت النحوك كله إلا ثلاث مسائل، قال: وما هي؟ قال: أبو فلان، وأبي فلان، وأبا فلان، قال: هذا سهل: أما أبو فلان فللملوك والأمراء والسلاطين والقضاة، وأما أبا فلان فللتناء والتجار والأوساط، وأما أبي فلان فللسفل والأوغاد.
وقال أبو هفان أيضاً: قال رجل لآخر: متى قدمت؟ قال: غداً، قال: إن كنت إن شاء الله سألتك عن صاحب لي فمتى تخرج؟ قال: أمس، قال: لو كنت أدركتك كتبت معك كتاباً إليه.
قال الحسن بن يسار، قلت لشاعر: فلان ليس يعدك بشيء، قال: والله لو كنت ليس أنا، وابن من أنا منه، لكنت أنا أنا، وأنا من ابن أنا منه، فكيف وأنا من أنا منه.
وقال أبو هفان: سمعت بعض الحمقى يخاصم امرأته وفي جيرانه أحمق، فاطلع عليهم وقال: يا هذا، اعمل مع هذه كما قال الله تعالى: إما إمساك بأيش اسمه أو تسريح بأيش اسمه؛ قال: فضحكت من بيانه.
وكتب بعض الحمقى إلى آخر يعزيه عن دابة: بسم الله، جعلني
(4/74)

الله فداك، بلغني منيتك بدابتك، ولولا علة نسيتها لسرت إليك حتى أعزيك في نفسي.
قال ابن حمدون النديم: جلس بعض الرؤساء مع بعض الوزراء في زبزب وفي يده تفاحة، فأراد أن يناولها الوزير، وأراد أن يحول وجهه إلى الماء ليبزق، فحول وجهه إلى الوزير فبزق عليه ورمى بالتفاحة إلى الماء.
وقال ابن قريعة: دخل بعض هؤلاء الخلاء وأراد أن يحل سروايله، فغلط وحل إزاره وخري في سراويله.
وتخاصم رجلان من أهل حمص في أمر نسائهما فقال كل واحد منهما: امرأتي أحسن، وارتفعا إلى قاضيهم، فقال القاضي: أنا عارف بهما، وقد نكتهما جميعاً قبل تقلد القضاء وقبل أن تتزوجاهما، فقال بعض العدول: قد عرفتهما فاقض بينهما، فقالك والله لأن أنيك امرأة هذا في أستها أحب إلي من أن أنيك امرأة هذا في حرها؛ ففرح الذي حكم له وقام مسروراً.
وتقدم إلى قاض حمصي بواسط زمن الحجاج رجل وامرأة فقال الرجلك أصلح الله القضاي إنها لا تطيعني، فقالت: أصلح الله القاضي إني لا أقوى بما معه، قال: يا هذا ليس تحملها ما لا تطيق، قال: أصلحك الله إنما كانت عند رجل قبلي فكانت تكرمه، فضرط القاضي من فمه ثم قال: يا جاهل، الأمور كلها تسوتي؟ هو ذا أنا معي أير مثل البغل، ومن البيت - أستودعهم الله - يستصغرونه.
(4/75)

وارتفعت امرأة مع رجل إلى قاضي حمص فقالت: أعز الله القاضي، هذا قبلني، قال القاضي: قومي فقبليه كما قبلك، قالت: قد عفوت عنه، قال القاضي: فأيش قعودي ها هنا حيث أردت أن تهبي جرمه لم جئت به إلى هذا المجلس للحكم؟ والله لا برحت حتى تقتصي منه حقك، وبعد هذا لو ناكك رجل بحذاي لم أتكلم.
ومات لأبي العطوف ابن، وكان يتفلسف، فلما دلوه القبر قال للحفار: أضجعه على شقه الأيسر فإنه أهضم للطعام.
كان لمحمد بن يسير الشاعر ابن جسيم وسيم، بعثه في حاجة فأبطأ وعاد ولم يقض وطر أبيه، فقال فيه: الخفيف المجزوء
عقله عقل طائر ... وهو في خلقة الجمل
فأجابه:
شبه منك نالني ... ليس لي عنه منتقل
ووجه آخر ابنه إلى السوق ليشتري حبلاً للبئر ويكون عشرين ذراعاً، فانصرف من نصف الطريق وقالك يا أبي في عرض كم؟ قال: في عرض مصيبتي فيك.
(4/76)

قال رجل لابنه وهو في المكتب: في أي سورة أنت؟ قال: في لا أقسم بهذا البلد ووالدي بلا ولد، فقال أبوه: لعمري من كنت ولده فهو بلا ولد.
وقال آخر لابنه: أين بلغت عند المعلم؟ قالك قد تعلمت والفرج، أراد والفجر، قال الأب: فأنت بعد في حر أمك.
قال صالح بن محمود لأبيه: زوجني بعض أمهات أولادك، قال أبوه: ويحك هن مثصل أمك، قال: إنما يكون للرجل أم واحدة، قد ماتت أمي.
قيل لعمرو الحويزي: إن ابنك يناك، فقال لابنه: ما هذا الذي يقال؟ قال: كذبوا وإنما أنيكهم؛ فلما كان بعد أيام رأى أبوه صبياناً ينيكونه قال له: هذا النيك ممن تعلمت؟ قال: من أمي.
عرض هشام بن عبد الملك الجند فأتاه رجل حمصي بفرس كلما قدمه نفر، فقال هشام: ما هذا، عليه لعنة الله؟ قال الحمصي: يا سيدي هو فاره ولكنه شبهك ببيطار كان يعالده فنفر.
قال الجاحظ: مررت بمعلم وهو يتأوه، فقلت: ما شأنك يا
(4/77)

شيخ؟ قال: ما نمت البارحة من ضربان عرق، فنظرت إليه فقلت: أنت والله صحيح سليم مثل الظليم، فغضب واستشاط ثم قال: أحدكم يضرب عليه عرق واحد فلا ينام الليلة إلى الصباح، وتضرب علي حزمة عروق فتريدون مني ألا أصيح!؟ قلت: وأي حزمة عروق هذه؟ فكشف عن أير مثل أير البغل وقال: هذا يا خرا.
قال أبو العيناء: قلت لمخنث: كيف جوفك؟ قالك أدخل لسانك وذقه.
طلب أبو نواس من صديق له غلاماً أمرد، وكان يشرب معه فجاء بغلام مليح إلا أنه أعرج، فلما رآه أبو نواس قال له: ويحك، هذا أعرج، فسمع الغلام فقال: تريد تضرب علي بالصوالجة يا خرا أو تنيكني؟!
قيل لمديني ظريف: كيف رأيت البصرة؟ قالك خير بلاد والله للجائع والمفلس والعزب. أما الجائع فيأكل من خبز الأرز والمالح حتى يشبع بفلس؛ وأما العزب فيتزوج بمن شاء بدانقين؛ وأما المحتاج فيخرا ويبيع؛ فهل رأيتم بلداً مثلها؟
(4/78)

كان عبد الأعلى السلمي قاصاً، فقال يوماص: يزعمون أني مراء، وكنت أمس والله صائماً، وقد صمت اليوم وما أخبرت بذلك أحداً.
ومر عبد الأعلى بقوم وهو يتمايل سكراً، فقال إنسان: هذا عبد الأعلى القاص سكران، فقال: ما أكثر من يشبهني بذلك الرجل الصالح.
شاعر: البسيط
إن الضرورة للإنسان حاملة ... على خلاف الذي يهوى ويختار
قال فيلسوف: العشق جهل عارض وافق قلباً فارغاً قال أبو العيناء: أضحكني بائع رمان بحنين يقول: السريع
وقعت من فوق جبال الهوى ... إلى بحار الحب طرطب
العجلاني: الطويل
ألا حبذا ظل ظليل ومشرب ... لذيذ ونخل بالقعاقع يانع
وروحة آصال العشي ومنظر ... أنيق وغزلان عليها البراقع
قال أرسطاطاليس بلإسكندر: احفظ عني ثلاث خلال، قال: وما هن؟ قال: صل عجلتك بتأنيك، وسطوتك بترفقك، وضرك بنفعك، قال: زدني، قال: انصر الحق على الهوى تملك الأرض ملك استعباد.
(4/79)

قال بزرجمهر: لا شرف إلا شرف العقل، ولا غنى إلا غنى النفس.
كانت الفرس إذا أبصرت إلى النار التي تشتعل في أسافل القدور قالت: سيكثر المطر، وإذا فشا الموت في البقر قالت: سيكثر الموت في البشر، وإذا فشا في الخنازير قالت: يسل الناس ويصحون.
قال الإسكافي لرجل: أليس لا يكون ما لا يعلم الله تعالى أنه لا يكون، ولا يكون جاهلاً ولا ناسياً، قال: بلى، قال: فلم ينكر أن لا يكون ما يريد الله عز وجل ولا يكون مكرهاً ولا مغلوباً؟ قال أحد هؤلاء المشغبين لآخر: أتقول إن الكافر فعل الكفر بأن كفر؟ قال: نعم، قال: فقل إنه أخرج الكفر من باب العدم إلى الوجود بأن كفر؛ قال: لا يخرج من العدم إلى الوجود إلا الله عز وجل، قال: ولا يحدث الكفر إلا الله جلت عظمته.
قال رجل: سألت أحمد بن علي الشطوي وقلت له: هل شاهدت من يفعل أو يتأتى له الفعل إلا جسماً، قال: لا، قال: والصانع يفعل وليس بجسم، قال: نعم، قلت: وهذا خلاف الشاهد، قال: نعم، إنك أيضاً لم تشاهد من يفعل الأشياء، والله يفعل وليس بشيء خلاف الشاهد.
(4/80)

أما ترى تماري هؤلاء في هذه القاويل، وجنوحهم فيها إلى الأباطيل، وإعراضهم عن طلب الآخرة بالعمل الصالح والخشوع والإخبات؟ أما يعلمون أن التماري من المرية، والمرية الشك، والشك والتشكك في الدين والعقد يؤديان إلى هلك، ويشقيان على حيرة، وأن الواجب غير ما رأوه واجباً؟ قيل لفيلسوف: كيف للإنسان بأن لا يغضب؟ قال: فليكن ذاكراً في كل وقت أنه ليس يجب ان يطاع فقط بل أن يطيع، وأنه ليس يجب أن يخدم فقط بل أن يخدم، وأنه ليس يجب أن يتحتمل خطأه فقط بل يجب أن يحتمل الخطأ عليه، وأنه ليس يجب أن يصبر عليه فقط بل أن يصبر هو أيضاً، وأنه بعين الله دائماً، فإنه إذا فعل ذلك لم يغضب، وإن غضب كان غضبه أقل.
قال فيلسوف: عوام الناس ظنون ان الله جل جلاله في الهياكل فقط، ويرون أنه يجب أن يتهيأ الإنسان ويحسن سيرته في الهياكل فقط، وأما أصحاب المعرفة فلعلمهم بأن الله تعالى في كل موضع ينبغي لهم أن تكون سيرتهم في كل موضع كسيرة عوام الناس في الهياكل.
قال بعض العلماء: سألت أعرابياً: ما الناقة المرواح؟ قال: التي كأنها تمشي على أرماح؛ قالك أراد طولها.
قال فيلسوف: كما أن الذين يستعملون حواس البدن فقط يمنعهم من الغضب الخوف من الملك المحسوس إذا وقفوا بين يده، كذلك يجب على من
(4/81)

يستعمل الحواس النفسانية أن يمنعه من الغضب الخوف من الملك المعقول الذي هو واقف بين يديه دائماً.
قال أفلاطون: نحن نعيش عيشاً طبيعاياً كي نعيش عيشاً عقلياً، فينبغي أن يكون قصدنا للعيش العقلي ولا نعطي القوة الطبيعية شيئاً أكثر مما تدعو إليه الضرورة.
قال الأموي: يقال: لأنت أضل من خروف القصاب، لأنه يلعب ولا يشعر؛ هكذا قال.
وقال الأموي: قول العرب من الأنس: أنس به يأنس، ولا يقولون أنس؛ هكذا قال.
وقال الأموي: يقال: ما كان ذلك إلا بعد الأين والصلعاء، وإلا بعد الهياط والمياط، أي لم يكن إلا بعد حين؛ هكذا قال الأموي.
قيل لابن لسان الحمرة: أي اللحم أطيب؟ قال: جنوب عرضان، قبض بعناقيد، حبس على دكاكين جزر، في دساكر جوف، لا تسمع الصوت إلا إرناناً.
القبض: المال المقبوض لأن السلطان يقبض أفضلها، حبس: مجتمعة،
(4/82)

دكاكين: جمع دكان، في دساكر جوف: واسعة، لا تسمع الصوت إلا أن ترفع صوتك لأنها كصيرة الأهل والطير؛ هذا لفظ الأموي في النوادر.
وأنشد الأموي لأيمن بن خريم: الطويل
وصهباء جرجانية لم يطف بها ... حنيف ولم تنغر بها ساعة قدر
أتاني بها يحيى وقدج نمت نومة ... وقد لاحت الشعرى وقد خفق النسر
فقلت اصطبحها أو لغيري أهدها ... فما أنا بعد الشيب ويبك والخمر
تعففت عنها فيالسنين التي خلت ... فكيف التصابي بعد ما كلأ العمر
إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يهوى حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي أتى ... وإن جر أرسان الحياة له الدهر
هكذا أنشد الأموي على ما حكى خط ابن الكوفي، وهو خط موثوق به، وكأن الغبن من تنغر مكسورة، وكسر فقال: ينغر: جاش غضبه.
وقال الأموي: عرية الرجل: متجرده.
وقال أيضاً: أسبط الله لوثه؛ أسبط مد رجليه، ولوثه اجتماعه.
(4/83)

وقال بعض النحويين في قوله " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير " البقرة: 61 إنما يريد الذي هو أدون ولا يريد الذي هو أقرب، والدليل على ذلك أن معه الخير وكذلك " أولى لك " القيامة: 34 و35 إنما هو مقلوب من الويل.
كاتب: دع رجلي ورجلك في نعال، وما وسعهما القبال.
قال أعرابي يصف رجلاً: له من الرأي رأي يهتك أغطية الستور، ويوضح عن مبهمات الأمور، ويضم من الخير أعطافه، وينظم من الذكر أطرافه، ويشرق بعزم لا يدجو معه خطب، ويومض بصواب لا يلتبس معه صعب، حتى يغدر المستعجم معجماً، والمشكل مشكولاً.
وقال أعرابي: فلان له رأي لا يفيل، وظن لا يستحيل. يقال: فال رأيه إذا فسد وأخطأ جهة الحق، وفيلت أنت رأيه، إذا نسبته منه إلى الفيالة، والفيالة: الركاكة، والركاكة: الضعف، ويقال: الضعف.
وقال أعرابي لرجل: كم كربة فادحة قد فككت أغلاقها، وحادثة مصمتة سنيت أقفالها.
كاتب: قد أورق المجلس فلا بد من تلاق يجتنى به ثمر المحادثة من الأنس.
كاتب: استدم جدة من تزوره بالتجافي عنه والقلة عنده، فإن حركة الراغب ظاهرة للعاقل، واستدعاء الملول مشوب بالفتور، وقد قيل:
(4/84)

مع التغاب الحاب، والإفراط في الزيارة مملول، كما أن التفريط فيها مخل.
هكذا ذكر هذا الكاتب، وكله كلامه.
قال أعرابي: صرف الله محله، وهدى رحله، وسر بأوبته أهله، ولا زال آمناً، مقيماً وظاعناً.
قال بعض لبلغاء: أجمل من رعاية الذمم، والمحافظة على الحرم، وأشهى من فكاك الأسير، وإرخاء المخنوق، والوجدان من الناشد، والماء من الغاص، والأمن من الوجل.
وقال: أحر من يوم الوداع؛ والوداع بفتح الواو، وأما الداع - بكسر الواو - فالموادعة، كأنك تدعن ويدع، ولا يقال من هذا ودعته، هكذا قال العلماء، وقد شذت قراءة بعضهم في قوله تعالى " ما ودعك ربك وما قلى " الضحى: 3 بالتخفيف وقال آخر: أروح من يوم التلاق، وألذ م ساعةن التواصل، وألطف م الروح، وأرق م النسيم وأنتن من ريح الفراق، وأضعف من كبد العشاق.
ومن رقيق ألفاظ الظرفاء في أيمانها: لا والذي يرعاك ويهب لي
(4/85)

رضاك؛ ولا وعز القناعة وروح اليأس؛ لا وبلوغ السؤل فيك؛ لا وحرمة يوم الوصال.
وقال أعرابي في ذم آخر: فاستحقب الوجل، واستعجل الأجل، لا سقاه الله غماماً، ولا ستر له أماماً.
دعا آخر على مسافر فقال: بالبارح الأشأم، والسنح الأعصم، وجد موعث، وكد ملهث، وهم مكرث - يقال كرثني الأمر وأكرثني - وطائر منحوس، وظهر مركوس، ورحل منكوس؛ ولا زالت داره قذفاً، وطلابه أسفاً، وعقباه تلفاً، فإن عاد فلا عاد إلا بكآبة المنقلب، وندامة المعتقب.
من أمثال العامة: من يطفر من وتد إلى وتد يدخل في آسته أحدهما. من أكل على مائدتين اختنق. واحد يعرف له وآخر يطوف له. الضرب في الحاج والسب في الرياح. والحر يعيط والعبد يأمل. المولى برضى والعبد يشق آسته.
وقال لنا علي بن عيسى النحوي مرة، قال ابن الأخشاد: أمثال
(4/86)

العامة تحكى؛ وما أظرف قولهم: شق أستك صيرفي؛ هكذا يقولون.
قال جراب الدولة: كان عندنا بسجستان منجم يعرف بأبي علقمة البستي فقال يوماً من الأيام: غداً يجيء المطر وإن لم يجئ المطر ماتت أمي، فلما كان الغد لم يجئ المطر فدخل فخنق أمه، فقيل له في ذلك فقال: قد أحببت ألا يخطئ حكمي، ولا أكون كاذباً.
هذا طريف جداً.
جاء رجل إلى عابر رؤيا هكذا يقال، والمعبر ضعيف، يقال: استعبرته فعبر، وفي القرآن " إن كنتم للرؤيا تعبرون " يوسف: 43 هذا من غير محققه، وعبر النهر، واستعبر الملاح، واستعبر إذا دمعت عيناه، والعبر - بالضم - سخنة العين، وكذلك العبر، والعبر جانب النهر، والشعري يقال لها العبور، فأما العابور فسحابة هاطلة قليلة اللبث مفرقة القطر كبا الحب، والعبارة اللفظ والمنطق، يقال: فلان حسن العبارة - بكسر العين - فلقد رأيت بعض الرؤساء من الكتاب يهلج بفتح العين، فكان أهل الأدب يعيبون عليه ذلك، فكن متجنباً لشنيع الخطأ وفاحش اللحن، واجتهد في الأخذ بالصواب، فإن تعذر ذلك فاتق ما اشتد فحشه؛ فأما العبير فطيب معروف، ويقال هو الزعفران، وأيضاً الجساد للصوقه بالجسد، ويقال أيضاً الملاب - بالتخفي؛ ويقالك جاء فلان معبراً، هذا من غريب ما حفظ عن أبي عمرو ابن العلاء؛ والعبرة كأنها الدمعة، والعبرة والاعتبار كأنها نظر في ما يتعجب منه ويبكى له - طال هذا الاعتراض، وما أحب أن يتخلج المعنى عليك، أو يقع في ما أرويه بعض ما يقبح في عينيك، ولكن الحديث شجون، والشجون: الرواضع التي تأخذ من النهر العظيم، وشجن الإنسان ما اهتم به وعقد طويته
(4/87)

عليه، ويقال: للناس أشجان ولي شجن - نعم، نعود إلى النادرة فقد سافرنا عنها.
فقال له - أعني للعابر -: رأيت في النوم كأني راكب دابة أشهب له ذنب أخضر، فقال: إن صدقت رؤياك استدخلت فجلة.
يقال: مر عامر بن بهدلة برجل قد صلبه الحجاج ظلماً فقال: يا رب، إن حلمك عن الظالمين قد أضر بالمظلومين، فرأى في منامه كأن القيامة قامت، وكأنه دخل الجنة فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين، وإذا مناد ينادي: حلمي عن الظالمين أحل المظلومين بأعلى عليين.
شاعر: الطويل
خليلي لو كان الزمان مساعدي ... وعاتبتماني لم يضق عنكما عذري
فأما إذا كان الزمان محاربي ... فلا تجمعا أن تؤذيان مع الدهر
كاتب: أعقبنا الله بهذه الفرقة ألفة وتلاقياً، وبهذا الشتات شملاً وتدانياً.
شاعر في بعض ولاة بني مروان: الطويل
إذا ما قطعتم ليلكم بمدامكم ... وألحقتم أيامكم بمدام
(4/88)

فمن ذا الذي يخشاكم لملة ... ومن ذا الذي يغشاكم بسلام
رضيتم من الدنيا بأيسر بلغة ... بشرب مدام أو بلثم غلام
ولم تعلموا أن اللسان موكل ... بمدح كرام أو بذم لئام
كاتب: أشد من كرب الشوق، وأفطع من حرق الفراق، ما تضمنه صدر من لا تساعده دموعه، ولايطاوعه لسانه، فترى الزفرات تتردد في أحشائه، والغموم تتلظى تحت جوانحه، ولو انطلقت عبرته وأسمح لسانه، لطفي بعض ما يعانيه، ولهذا نبذ ما يقاسيه، وإن كان قدر التبل بفراقك أعظم من أن يوازن بالبكاء، ومقدار الصبابة إليك أقوى من أنيستدرك بالاكتئاب.
قال الزيادي، قال السري: النبيذ صاوبن الغم.
شاعر: الخفيف
رب ليل وصلته بنهار ... ورضاب مزجته بعقار
ومدام أدرتها بيمين ... وصلاف أخذتها بيسار
وصغار شربتها بحبيب ... وحبيب صرعته بكبار
وظباء جمعت بين لذيذ ال ... عيش بيني وبينها في إزار
(4/89)

قال النخعي: لا يحرم النبيذ إلا صاحب بدعة وهوى. ليته ذكر العلة، فقد والله آلمني غير مكثرث، وما هذا من احتياط الفقهاء المتحرجين.
قال العتبي في جارية هويها فلامه أبوه وأخرجه من داره: الطويل
تبدلت من قلبي المودة بالبغض ... وصيرت بعد القرب منه إلى الرقص
وكان الهوى غضاً فلما ملكته ... تقصف غصناه وحال عن الغض
فإن أك قد أخرجت عن دار بغضة ... فليس بكفي مخرجي سعة الأرض
فقال أبوه: إن اقلعت عن هذاقبلتك، فقال لأبيه: الهزج
تراني تاركاً لل ... هـ ما أهوى لما تهوى
أنا أشهد ا، الح ... ب من قلبي إذاً دعوى
كاتب: سقياً لدهر لما خلام لنا خلا منا، ولما تصدى لنا تولى عنا.
وقال زهير بن جناب: الكامل المجزوء
(4/90)

أبني إن أهلك فقد ... أورثتكم مجداً بنيه
وتركتكم أبناء سا ... دات زنادكم وريه
من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية
ولقد شهدت النار للإن ... قاذ توقد في طميه
ولقد غدوت بناشر الط ... رفين لم يغمز شظيه
فأصبت من حمر القنا ... ن معاً ومن حمر القفيه
ولقد رحلت البازل ال ... وجناء ليس لها وليه
ونطقت خطبة ماجد ... غير الضعيفة والعييه
والموت خير للفتى ... فليهلكن وبه بقيه
من أن يرى تهديه ول ... دان المقامة بالعشية
(4/91)

قال فيلسوف: كما أن البدن الخالي من النفس تفوح منه رائحة النتن، كذلك النفس العديمة الأدب تحس نقصها بالكلام والأفعال، وكما أن نتن البدن الخالي من النفس ليس يحسه ذلك البدن بل الذي له حس، كذلك النفس العديمة الأدب لا تحس بل الأدباء.
قال فيلسوف: اليسار هو الباقي دائماً عند مالكه الذي لا يمكن له أن يؤخذ منه، ويبقى له عند موته، ليس الذي يبقى معه زماناً يسيراً ولا يكون بعد موته له، والذي يتحد بالصفة الأولى هي الحكمة.
قال فيلسوف: الفقر هو أصل حسن سياسة الناسن وذلك أنه إذا كان من حسن السياسة أن يكون بعض الناس يسوس وبعضهم يساس، وكان من ساس لا يستقيم أن يساس من غير ان يكون فقيراً محتاجاً، فقد تبين أن الفقر هو السبب الذي يقوم به حسن السياسة.
قيل لفيلسوف: لم صار الذين يفعلون الشر لا يعاقبون على فكرهم الردي وإنما يعاقبون على أفعالهم فقط؟ فقالك من قبل أنه قصد الإنسان لا لأن يتفكر لكن لأن لا يفعل الردي مما يتفكر فيه.
قل فيلسوف: إن لم يتهيأ لك البلوغ في العلم م تلقاء نفسك مبلغ القدماء فينبغي لك أن تستغني بعيانهم، وذاك أنهم قد خلفوا لك خزائن العلم في كتبهم، فافتحها وتدبرها وأعن نفسك بها، ولا تكونن كأعمى في يده جوهر ولا يعرف حسنه.
قال عبد الله بن طاهر: عجبني أمير المؤمنين من رؤيا رآها،
(4/92)

فسألته عنها فذكر أنه رأى في منامه كأن رجلاً جلس مجلس الحكماء فقلت له: من أنت؟ فقالك أنا أرسطاطاليس الحكيم، فقلت له: أيها الحكيم، ما أحسن الكلام؟ قالك ما يستقيم في الراي، فقلت: ثم ماذا؟ قال: ما استحسنه السامع، قلت: ثم ماذا؟ قالك ما لا تخشى عاقبته. ثم قال المأمون: لو كان حياً لما كان يتكلم بأحسن مما تكلم به فيما رأيته.
قال بعض المنجمين: الشمي إذا كانت في التاسع من الطالع دلت على العبادة والخوف من الله وذكر الملائكة.
وقال بعض أهل النجوم: إن الملة الإسرائيلية انعقدت في نوبة زحل، وزحل صاحب يوم السبت؛ وزعم أن زحل دليل العطلة والتغرب والتأله، وكذلك اليهود في الانقطاع عن الأعمال في يوم السبت؛ وزعم أن الأحد؛ وزعم أن الملة الإسلامية انعقدت في نوبة الزهرة، وللزهرة يوم الجمعة، ولها النظافة والزينة والتطيب والخصب، وفجدنا المسلمين محثوثين على إعظام يوم الجمعة بالإغتسال والطي وليس الجديد والتوسعة في النفقة.
قال أفلاطون لأرسطاطاليس: لا تقل ما لا ينبغي لك أن تفعله.
وقال له: إن الله عز ولج ليس ينتقم من العباد بالسخط بل
(4/93)

ليقومهم.
وقال له: لا ينبغي لك أن تهوى حياة صالحة فقد بل وموتاً صالحاً، ولا تعتد بالحياة والموت صالحين إلا بأن تكسب بهما البر.
وقال له: أدم التذكر فيم كنت وإلى أين تصير ولا تؤذ أحداً فإن الأشياء زائلة.
وقال له: لا تنتظر بفعل الخير أن تسأل إياه بل ابتدئه مع أهله.
وقال له: أدم ذكر الموت والاعتبار به.
وقال أفلاطون: تعرف خساسة المرء بكثرة كلامه فيما لا ينفعه، وإخباره بما لايسأل عنه ولا يراد منه.
وقال أفلاطون: من فكر في الشر لغيره فقد قبل الشر في نفسه.
وقال أفلاطون: لا تؤخر إنالة المحتاج إلى غد فإنك لا تدري ما يعرض في غد.
وقال: أعن المبتلى إذا لم يكن سوء العمل ابتلاه.
(4/94)

وقال أفلاطون: إن تبعت في البر فإن البر يبقى والتعب يزول وإن التذذت بالآثام فإن اللذة تزول والآثام تبقى.
وقال أفلاطون: أجهل الجهال من عثر بحجر مرتين.
وقال أيضاً: كفاك موبخاً على الكذب علمك بأنك كاذب، وكفاك ناهياً عنه خوفك إذا كذبت.
كاتب: أرعيت مخمصتنا في خصب جنابك، ورويت معطشنا من صوب سحابك، حتى تحافت البطون عن الظهور، وأقلعت العيون عن الجفون.
كاتب: كم نعمة جسيمة وفيتنيها، ونازلة عظيمة كفيتنيها؛ كم من يد لك عندي بيضاء، وصنيعة زهراء، وفائدة غراء، سودت وجوه أعدائي، وأظلمت عيون أكفائي.
قال ابن أبي ليلى: رأيت بالمدينة صبياً قد خرج من دار وبيده عود مكشوف، فقلت له: غطه لأنهعيب، قال: أو يغطى من الله شيء؟ لا بلغت!! قال الفرزدق لغلام أعجبه إنشاده: أيسرك أني أبوك؟ قالك لا ولكن أمي ليصيب أبي من أطابيك.
(4/95)

قال البلاذي: أدخل الركاض وهو ابن أربعسنين إلى الرشيد ليتعجب من فطنته فقال له: ما تحب أن أهل لك؟ قال: جميل رأيك فإني أفوز به في الدنيا والآخرة، فأمر بدنانير ودراهم فصبت بين يديه فقال له: اختر الأحب إليك، فقال: الأحب إلى أمير المؤمنين، وهذا من هذين، وضرب بيده إلى الدنانير، فضحك الرشيد وأمر أن يضم إلى ولده ويجرى عليه.
كان على خاتم أرسطاطاليس: المنكر لما لا يدري أعذر من المقر بما لا يعلم.
وكان على خاتم بقراط: المريض الذي يشتهي أرجى من الصحيح الذي لا يشتهي؛ ومر بي بخط محمد بن فرج في موضع كان محبوساً فيه: من سلب نعمة غيره سلب غيره نعمته.
وكان على خاتم فيثاغورس: شر لا يدوم خير من خير لا يدوم.
وكان خاتم كسرى: لا يكون عمران بحيث يجوز السلطان.
وكان على خاتم بزرجمهر: معالجة الموجود خير من انتظار المفقود.
وكان على خاتم ملك الديلم: الاحتمال حتى تمكن القدرة.
(4/96)

سئل أنوشروان: من أهنأ عيشاً؟ قال: من يتذكر التفريط في ما ينبغي له أن يتقدم فيه.
قال أنو شروان: العطلة تهيج الفكرة، والفكرة تهيج الفتنة.
قال العتبي: إذا تناهى العمر انقطع الدمع، ومن الدليل على ذلك أنك لا ترى مضروباً بالسياط ولا مقدماً لضرب العنق يبكي.
قال فيلسوف: من عاشر الإخوان بالمكر كافأوه بالغدر.
وقال فيلسوف: كل شيء يحتاج إلى العقل، والعقل يحتاج إلى التجارب.
قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: أنا منذ عشرين سنة في طلب أخ إذا غضب لم يقل إلا الحق فما أجده.
محمد بن حازم الباهلي: البسيط
ما الجود عن كثرة الأموال والنشب ... ولا البلاغة في الإكثار بالخطب
(4/97)

ولا الشجاعة عن حسم ولا جلد ... ولا الأمانة إرث عن أب فأب
لكنها همم أدت إلى نجح ... في كل ذاك بطبع غير مكتسب
والرزق عن قدر يجري إلى أجل ... بالعجز والكيس والتضييع والطلب
والناس فيما أرى عندي بأنفسهم ... لا بالقبور ولا الأسلاف والنسب
إني وإن قل مالي لم تقف هممي ... دون الجميل من الأخلاق والأدب
صبراً على الحق في مال سمحت به ... وللزمان على اللأواء والكذب
يا صاحباً لم يدع لي فقده جلداً ... ظلمت بعدك إن الدهر ذو عقب
أبكي الشباب لجيران وعاذلة ... وللمغاني وللأطلال والكثب
ولللصريخ وللإلجام في غلس ... وللقنا السمر والهندية القضب
وللخيال الذي قد كان يطرقني ... وللندامى وللذات والطرب
قال لقمان الحكيم: ضرب الوالد للولد كالسماد للزرع.
قال بعض السلف: إذا ولي صديق لك ولاية فأصبته على العشر من صداقته فليس بأخ سوء.
وقال لقمان أيضاً: نقلت الصخر وحملت الحديد فلم أر شيئاً أثقل من الدين، وأكلت الطيبات وعانقت الحسان فلم أر ألذ من العافية؛ وأنا
(4/98)

أقول: لومسح القفار، ونزح البحار، وأحصى القطار، لوجدها أهون من شماتة الأعداء، خاصة إذا كانوا مساهمين في النسب، أو مجاورين في بلد.
لابن أبي فنن: الرمل المجزوء
عيرتني الشيب أمسا ... ء وقد شار العذار
ولها إن بقيت من ... هـ قناع وخمار
إنما الدنيا وما في ... ها متاع مستعار
ليس ينجي حذراً مم ... اقضى اله الحذار
لا ولا للحر إن ضي ... م على الضيم قرار
إنما الفتح لنا غي ... ث إذا ضن القطار
وإلى الفتح إذا ما ... ذكر الجود يشار
قيل لفيلسوف: الحزن أشد ام الخوف؟ فقال: بل الحزن، وإنما صار الخوف مكروهاً لما فيه من الحزن، وكما أن السرور غاية كل محبوب فكذلك الحزن غاية كل مكروه.
وقال الحجاج لجلسائه: ما يذهب بالإعياء؟ فقال بعضهم: التمريخ، وقال آخر: النوم، قال: لا، ولكن قضاء الحاجة التي أعيا بسببها.
(4/99)

جاز جحا بقومه وفي كمه خوخ فقال لهم: من أخبرني بما في كمي فله أكبر خوهة فيه، فقالوا: خوخ، فقال: ما قال لكم إلا من أمه زانية.
وقال له أبوه يوماً: احمل ها الحب فقيره، فذهب به فقيره من خارج، فقال له أبوه: أسخن الله عينيك، رأيت من قير الحب من خارج؟ فقال جحا: إن لم ترض عافاك الله فاقبله مثل الخف حتىن يصير القير من داخل.
بات جحا ليلة مع صبيان فجعلوا يفسون فقال لامراته: هذا والله بلية، قالت: دعهم يفسون فإنه أدفأ لهم، فقام وخري وسط البيت ثم قال: أنبهي الآن الصبيان حتى يصطلوا بهذه النار.
وشتم جحا يوماً أمه فقال له أبوه: يا ملعون، هذا جزاؤها منك؟ قال: وأيش عملت لي؟ قال: حملتك في بطنها تسعة أشهر، وأرضعتك وربتك، قال: قل لها تدخل في أستي حتى أخبأها تسعة عشر شهراً.
هذه النوادر رواها لنا ابن قريعة، وكان كثير النوادر، غزير الحفظ، فصيح اللسان على تكلف مع ذلك.
(4/100)

وسمعت القاضي أبا حامد يقول: ببغداد ثلاثة قضاة، أحدهم جدي الظاهر هزلي الباطن، والآخر هزلي الظاهر جدي الباطن، والثالث جدي الباطن والظاخر. فسئل عن هؤلاء الثلاثة فقال: أما ابن معروف فظاهره جد وباطنه هزل، وأما ابن قريعة فظاهره هزل وباطنه جد، وأما ابن أم شيبان فظاهره جد وباطنه جد.
وأنا أقول في هذا شيئاً وإن كان مسعفاً لبعض ما قاله هذا الرئيس، وتعقب كلام الرؤساء صعب، ولكن أين جسارة مثلي وإقدامه، وتحككه واعتزامه؟ اعلم أن هزل ابن معروف كان مغموراً بعلمه وادبه، وكان محتملاً لشكله وظرفه، وقد خلص فضله وخفي نقصه، فإذا لم يكن بد من النقص فلأن يكون مستوراً خير من أن يكون بارزاً لكل عين؛ وأما جد ابن قريعة في باطنه فما أغناه عن هزله في ظاهره لأنه وقف الممتعض منه المتباعد عنه، وصار ناصره وعاذره لا يجدان في تهوين شأنه إلا تمليحه واستظرافه؛ وأما ابن صالح على شرفه وبيته، وماله وجاهه، فما كان جده رافعاً له، ولا هزله واضعاً منه، وكان لا حلواً ولا مراً، ولا خلاً ولا خمراً، وكان مفضوحاً في ولايته، مرحوماً في عزله، وذلك أ، هـ كان لا يقارب العامة ولا يداري الخاصة، ومقاربه العامة إنما هي بلين اللفظ وخفض الجناح وسكون الطائر، وكان أخف من خشاشة، وأطيش من فراشة؛ ومداراة الخاصة إنما تكون ببسط اليد ورفع الحجاب وبذل العطاء ونصرة الائذ ومسالمة المداهن، وكان والله جعد الكف كز الطباع سيء اللفظ، قد أفسده شرفه، وأطغاه يساره، فهو لا يعقل إلا الجمع، ولا يعرف
(4/101)

إلا المنع، قد نسي عواقب الأمور وحوادث الدهور، ينكر الإحسان لأنه لايلتذ بالشكر ولا يطرب على المدح، خبزه مختوم ورغيفه محلى، ودرهمه في الدرك الأسفل من النار، فمن ذا يهوي إليه أو ينقض عليه؟! ولقد قدم ابن المعتصم عليه، وهو شيخ الرملة، والمشار إليه بفلسطين، فقدم على ما ساءه وناءه، حتى قال يوماً غير مكترث: لقد اقشعررت بتلك الديار من ضيم لعله ما كان ينالني، ولو نالني لما كان يغيظني، وأسندت نفسي إلى ابن عم بالعراق، ولو سلخني، ونفخوا في جلدي نفخاً، لكان أهون علي مما قد عاملني به.
طال هذا الفصل وما أدرت ذلك كله، ولكن لتمزيق عرض اللئام حلاوة لا توجد في مدح الكرام، وكان بعض المشايخ يقول: إن مادح الكريم طالب مزيد بعد استقلاله بنفسه، وهاجي اللئيم منتصف من الظالم، وفي الانتصاف نوع من الظفر، والظفر مطلوب كل نفس، ومنية كل ذي حس، وأنا أعوذ بالله من مدح يصحبه تكلف، وهجو يطور به تكذب، وأسأله أن يكفيني حصائد هذا اللسان، وعرامة هذا الطبع، وطغيان هذه النفس، فهو خير معوذ به وأكرم مسؤول ما عنده.
كان عند بعض الملوك ثلاث نسوة: فارسية وعربية ونبطية، فقال للفارسية ذات ليلة: أي وقت هذا؟ قالت: سحر، قال: وما يدريك؟ قالت: وجدت رائحة الرياحين، وقال للعربية أخرى: أي وقت هذا؟ قالت: سحر، قال: ومن أين عملت؟ قالت: وجدت برد خلخالي، ثم قال للنبطية ليلة أخرى: أي وقت هذا؟ قالت: سحرن قال: وما يدريك؟ قالت: أريد أخرى.
(4/102)

دخل رجل حماماً فسرقت ثيابه فخرج وهو عريان، وعلى باب الحمام طبيب فقال له: ما قصتك؟ قال: سرقت ثيابي، قال: بادر ونفس الدم، حتى يخف عنك الغم.
يقال: إن كان إنسان نقع مداواته لما يصيبه من جنس ما يكون منه، فالملاح إذا لسعه زنبور طلى مكانه بقبر، والحجام يشرطه بسكين، والحائط يشده بقطعة خيط فيسكن عنه، والعجان يضع عليه شيئاً من العجين، وأنا رأيت بعض الوارقين كان يطلي مثل هذا بالحبر.
قال الحجاج يوماً لجلسائه: أي صوت سمعه أحدكم أرق فأعجب إليه، فقال بعضهم: ما سمعت صوتاً أرق في سمعي من صوت قارئ حسن القراءة لكتاب الله تعالى في جوف الليل، قال: إن ذلك لحسن؛ وقال آخر: ما سمعت أعجب من ثوت حاد في مسير، قال: إن ذلك لحسن؛ قال آخر: ما سمعت أعجب من أن أترك امرأتي ما خضاً وأخرج إلى المسجد مبكراً فيأتي آت ويبشرني بغلام، فقال الحجاج: واحسناه؛ فقال آخر: ما سمعت صوتاً أعجب من أن أكون قائد جيش فأسرج نحو العدو، فبينا أنا كذلك إذ جاءني البشير بالفتح، فقال الحجاج: واحسناه؛ وقال شعبة بن علقمة التيمي: لا والله ما سمعت صوتاً قط أعجب إلي من أن أكون جائعاً فأسمع قعقعة الخوان، فقال الحجاج: أبيتم يا بني تميم إلا حب الزاد.
دخل أحمد بن أبي العلاء على يحيى بن ماسويه يوماً ووجهه
(4/103)

مهيج، فقال له: ويحك يا أحمد، ما هذا الوجه؟ أيش أكلت البارحة؟ قال: لوزينج، قال: وأيش شربت؟ قال: نبيذ دوشاب، قال: كان ينبغي أن تتنقل عليه بخرا.
اعتل بعض النوكى، وكان من الرؤساء المجدودين، فجيء بطبيب، فقال الطبيب: إذا كان غداً فاحتفظ بالبول حتى أجيء وأنظر إليه فأحكم عليه؛ فلما عاد الطبيب قال المريض: يا عبد الله، كادت مثانتي والله تنشق مما حسبت فما تأخرت بلت الساعة، قال الطبيب: ما هذا؟ إنما أمرتك أن نحبسه في إناء؛ فلما كان من الغد جاء الطبيب فإذا هو قد أخذ بوله في آنية خضراء، فقال له: يا هذا أخطأت، لم يكن في الدنيا قارورة زجاج؟ كنت تأخذه في قدح، ومضى؛ فلما عاد الطبيب وإذا العليل قد أخذ البول في قدح من خشب وجاء به إليه قول: أنت في حرج الله إلا نظرت في هذا الماء واصدقني عن أمري هل يخاف علي من هذه العلة؟ قال الطبيب: أما إذا حلفتني فلا بد من أن أقول لك: أنا خائف من أن تموت من هذا العقل لا من هذه العلة.
صارت عجوز إلى قوم تعزيهم عن ميت، فأت عندهم عليلاً، فلما أرادت أن تقوم قالت: الحركة تغلظ علي في كل وقت، فأعظم الله اجركم في هذا العليل فلعله يموت.
وأخذ الطلق امرأة ابن خلف الهمذاني، فدخل ابن خلف فقال
(4/104)

للقابلة: أخرجيه ذكر ولك دينار ولك ما شئت، بالله لا أحتاج أن أوصيك.
وقدم إلى بنت الصلت جام فالوذج، فلما ذاقته قالت: المساكين أرادوا أن يسووا عصيدة فأفسدوها.
قرأ ابن الجصاص: ولا ينبئك مثل حنين؛ ويقال: إنه قرأ: ذرهم يأكلون ويتمتعون فقال: هذا والله رخيص.
وسمعت مشايخ كثيرين يقولون: كان ابن الجصاص أعقل الناس وأحزم الناس، وأنه هو الذي ألحم الحال بني المعتضد وبين بنت خمارويه، وسفر بينهما سفارة عجيبة وبلغ من الجنبتين أحسن مبلغ، وخطب بنت خمارويه بن ا؛ مد للمعتصد، وجهزها من مصر على أجمل وجه، وأعلى
(4/105)

ترتيب، ولكن اطردت عليه العامة وأشباه العامة من الخاصة هذه النوادر وهذه الشبه، فإن المعتضد ما اختاره للسفارة والصلح والكلام في حال قد تشعثت، وركن قد وهن، وقصة قد استبهمت، إلا والمرجو منه والمأمون في والمظنون به فيما يأتيه ويستبقله من أمر نظير ما قد شاهده في ماضي أيامه. وقد رأة الناس آثار المعتضد وعزائمه وبأسه وإقدامه حتى قيل هو المنصور الثاني، ويقال هو الذي أعاد بهجة دولة بني العباس ومارس فيها أحسن مراس، فرجل حزمه معروف وثباته موصوف، كيف يستبطن ابن الجصاص ويختصخ إلا وهناك عقل كامل، وثبات وفضل غامر، وعزيمة وصبر وتأب واقتدار، وتلطف وتجربة؛ فهل كان يجوز أن ينعقد أمر قد تفاقم، واشتد وتعاظم، برسالة أحمق وسفارة أخرق، أو من إن سكت احتقر، وإن تكلم استخف به؟ هذا ما يكون ولا يتعلق به الظنون.
قلت هذا كله لابن غسان البصري فقال: إن الجد ينسخ حال الأخرق،
(4/106)

ويستر عيب الناقص، ويذب عن عرض المتلطخ، ويقرن الصواب بمنطقه، والصحة برأيه، والنجاح بسعيه، والجد يستخدمه العقلاء لصاحبه، وينزع محاسنهم في مطالبه.
ولقد كان ابن الجصاص على ما فيل وروي، وحدث وحكي، ولكن جده كفاه غائلة الحمق، وحماه عواقب الخرق، ولو عرفت خبط العاقل وتعسفه وسوء تأتيه وانقطاعه إذا فارقه الجد، لعلمت أن الجاهل قد يصيب بجده مع جهله ما لا يصيب العاقل العالم بعلمه مع حرمانه. قلت: فما الجد؟ وما هذا المعنى الذي علقت عليه هذه الأحكام كلها؟ فقالك ليس لي عند عبارة مغنية، ولكن لي به علم شاف استفدته بالاعتبار والتجربة والسماع العريض من الصغير والكبير، ولهذا سمع من امرأة بدوية ترقص ابناً لها فتقول له: رزقك الله جداً يخدمك عليه ذوو العقول، ولا رزقك عقلاً تخدم به ذوي الجدود.
وكان يقول في هذا كلاماً كثيراً، ولعلي أتلافى ما تركت ها هنا فيما أستقبل من الكتاب إن شاء الله.
قال ماجن لطبيب: يا سيدي، إن أمي تجد في حلقها ضيقاً ويبساً وحرارة، فقال الطبيب ليت الذي في حلق أمك في حر أمرأتي، وأن على حلق السكين.
(4/107)

وجاء ماجن آخر إلى الطبيب فقال: أجد في أطرف شعري شبه المغص وفي بطني ظلمة، وإذا أكلت الطعام تغير في جوفي، قال الطبيب: أنا ما تجده من المغص في أطراف شعرك فاحلق رأسك ولحيتك فإنك لا يجد منه شيئاً؛ وأما الظلمة التي في بطنك فعلق على باب آستك قنديلاً حتى لا تجد هذه الظلمة؛ وأما تغير الطعام في جوفك فك لخرا واربح النفقة.
وقال أبو العنبس: سمعت حمدة بن الخراساني في ليلة كسوف وهي تبكي وتتضرع وتقول: يا رب، عذبني بك لشيء ولا تعذبني بالنار، اضربني بالفالح، ارمني بقاصمة الظهر، كل شيء ولا النار. أصرخ واللخ وأصيح، إن أحرقت ثيابي أبقى مجردة. قال: وكانت مثل ياسمينة نقية أو فضة مصفاة، إلا أنها كانت بلهاء.
قال أبو العنبس: سمعت رجلاً يقرأ " يا حسرة على العباد " الآية يس: 30 وهو يبكي ويقول: يا سيدي، ما أشفقك علينا، بأبي انت وأمي كم تتحير علينا؛ قال: وسمعته بعد ذلك يقرأ " أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله " الزمر: 56 ويقول: فديت جنبك يا سيدي، أيش أصاب جنبك يا مولاي، عز علي جنبك، ليت ما بك بي يا سيدي.
(4/108)

قال ابن قريعة القاضي: سمع أعرابي قارئاً يقرأ " الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " الأنفال: 2 فقال الأعرابي: اللهم لا تجعلني منهم، فقيل له: ويحك لم قلت هذا؟ فقال: لولا انهم قوم سوء لم توجل قلوبهم.
حكيت هذا لبعض مشايخنا الصوفية فقال: لقد أخطأ الأعرابي وأصاب، فاما وجه خطائه فمكشوف، وأما تأويل صوابه فمليح، فقلت: زدني فهماً: يا هذا " إلا من آمن " سبأ: 37. هذا ما قال لي، والمفهوم فيه مقسوم بيني وبينك، فغن وقع لك كما وقع لي فخذ الفائدة، منه وإن تكن الأخرى فلا ترحمنا حسن الظن منك فهو أدنى ما نستحق على مثلك، مع فضلك وطيب عنصرك ولاتساعك لمعاذير إخوانك.
وإنما أعرض في هذه المواضع مسترسلاً بقلمي، مع نفسي أو من يجري مني مجرى نفسي، فلا أحتشك، لأن غرضي في جميع ما خلدته في هذا الكتاب غرض سليم، ونيتي فيه حسن وغايتي محمودة، وما أبور فيه إلا على حاسد لا يشفيه مني إلا ان يعيني الله من نعمته، ويخليني من صنعه، والله تعالى لا يبلغه أمانيه، ولاينجح له مساعيه؛ أو جاهل بمواقع ما قد نكت
(4/109)

فيه ومررت به على مقدار ما فاض به العقل، وجرى إليه العلم، وأسمحت عليه النفس، وساعدت فيه القوة. وهذا الكلام وإن أشار إلى بعض الاقتدار، فقد اشتمل على نوع من الاعتذار.
كان إبراهيم بن الخصيب المديني أحمق الناس، وكان له حمار أعجف، وكان إذا علق الناس الخالي بالعشي أخذ مخلاة حماره وقرأ عليها " قل هو الله أحد " الإخلاص: 1وعلقها عليه فارغة وقال: لعن الله من يرى أن كيلجة شعير أنفع من " قل هو الله أحد "؛ فما زال هكذا حتى نفق الحمار فقال: إن " قل هو الله أحد " تقتل الحمير، وهي والله للناس أقتل، لا أقرأها ما عشت.
يقال: اعتلت امرأة ابن مضاء الرازي فجعلت تقول: ويلي، كيف تعمل إن مت؟ فقال ابن مضاء: ويلي أنا كيف أعمل إن لم تموتي؟! وتزوج ابن مضاء امرأة بمهر أربعة آلاف درهم فقيل: ما حملت على نفسك؟ فقال: أنا أفدي غريماً كلما وجدته نكته في آسته.
قيل لبعض القراء: قد ولي أخوك ولاية فلم تأته، فقال: ما سرتني له فأهنته، ولا ساءته في نفسه فأعزيه، فلماذا آتيه؟
(4/110)

قيل لابن شبرمة، وكان من أهل الكوفة: أنتم أروى للحديث ام أهل البصرة؟ فقالك نحن أروى لأحاديث القضاء، وهم أروى لأحاديث البكاء.
أقام رجل بباب بلال بن أبي بردة شهراً لا يصل إليه، فكتب إليه رقعة وتلطف حتى ولصلت، فقرأها بلال وتبسم، فقيل له في ذلك فقال: ما أرفق كاتبها، قيل: ما كتب؟ قال: كتب: حسن الآمال وثناء الرجال وقفاني عليك، والصبر مع العدم لون من ألوان الخرق والحرمان، ومنتجع الكرام مراح الأحرار، فإما عطاء جزيل، أو رد جميل؛ فوجه إليه بعشرة آلاف درهم.
قد سمعت هذه الحكاية على غير هذا الوجه تحكى لبعض من اجتدى، وطرق الرواية مختلفة، والكذب كثير، والتزيد واسع، فكان أبو مخلد يقول: لا تصدق بقول المحدثين: فلان أعطى فلاناً عشرين ألف درهم، وفلان وصل ندمانه في ليلة بمائة ألف درهم، وفلان فعل، وفلان صنع، ويقول: هذه من أكاذيب الوراقين، وليس لما يحكى عن البرامكة حقيقة، وإنما يختلق هذه الألفاظ والمعاني ناس ختلوا قوماص عن دينارهم ودرهمهم، وإلا فلم لا نرى في عصرنا مثل هذا؟ أترى الناس مسخوا؟ فقيل له: لولا أن في عصرنا من يعطي أكثر من هذا ما كنت أنت في هذه النعمة الضخمة، والحال الفخمة، والبال الرخي، والعيش الهني، من غير كتابة بارعة، ولا أدب بارز، ولا نسب شريف، ولا شجاعة ظاهرة، ولا رأي
(4/111)

مصيب، ولا بيت مروف، ولا سبب نادر، ولا أمر بديع؛ وذاك أن أحمد ابن بويه معز الدولة كان يختصه ويقدمه يوعطيه ويغنيه، وهو خال من جميع أنواع الفضل، فما سمع ذلك أمسك وعبس، وسكت فما نبس؛ هكذا حكى أبو الجيش الطبري وكان متبسطاً معه جريئاً عليه، وقمع بهذا غربه وبتر حبله، فقيل لأبي الجيش: ما بعثك على هذا، مع مكانك منه ومنزلتك عنده؟ قال: الغيرة على الأدب والنصرة لأهله، ولو قنع بملابستنا له على مسايرتنا إياه بتغافله أسكتنا، ولكنه قال واشتفى، وسمع فاشتكى، والبادي أظلم.
سئل إسحاق الموصلي عن الندماء فقال: واحد غم، واثنان هم، وثلاثة قوام، وأربعة تمام، وخمسة مجلس، وستة زحام، وسبعة جيش، وثمانية عشكر، وتسعة اضرب طبلك، وعشرة الق بهم من شئت.
قال بشار في مجلس أنس: لا تجعلوا يومنا حديثاً كله، ولا غناء كله، ولا شرباً كله، تناهبوا العيش تناهباً، وإنما الدنيا فرص.
كان المأمون يقول في المجلس: اطرحوا حديث أمس مع ذهابه، فهو أدوم للسرور وأشرح للصدور.
(4/112)

قال المأمون: أنفع طعام صاحب النبيذ سكباجة تفيق شهوته، وقلية تمسك النبيذ بدسمها.
قال بزردمهر: أخيب الناس سعياً من أقام في دنياه على غير سداد، ورحل إلى آخرته بغير زاد.
ورأى فقيراً جاهلاً فقال: بئس ما اجتمع على هذا: فقر ينغض دنياه، وجهل يفسد آخرته.
وقال يوماً لثمامة: ارتفع، قال: يا أمير المؤمنين، لم يف شكري بموضعي هذا، وأنا أبعد عنك بالإعظام لك، وأقرب منك شحاً عليك.
قال أعرابي: رب موثق موبق.
وقال المأمون: الطعام لون واحد فإذا استطبته فاشبع منه،
(4/113)

والندمان واحد فإذا رضيته فلا تفارقه ما لم يفارقك الرضا به، والغناء صوت واحد فإذا استطبته فاستزده حتى تقضي وطرك منه.
قال أعرابي: اللهم إنا نبات نعمتك فلا تجعلنا حصاد نقمتك.
كان ابن يسار يقول: اللههم يسر لنا ما نخاف عسره، وسهل لنا ما نخاف حزونته، ونفس عنا ما نخاف غمه، واكشف عنا ما نخاف كربه.
اختصم اثنان من الشطار إلى قاض لهم، يقول كل واحد: أنا أفتى منك، فقال القاضي لأحدهما: الخبيص أحب إليك أم الفلوذج؟ فقال: الخبيص، فقال الآخر: الفالوذج، فحكم للذي فضل الفالوذج، فسئل عن الحجة فقال: لأن الخبيص يعمل من السكر، والسكر من القند، والقند من القصب، والقصب يمصه الصبيان في الكتاتيب، وليس فيهم فتوة؛ والفالوذج من العسل، والعسل من الشهد، والشهد من النحل، والنحل أيوي الجبل، والجبل يكون فيه الصعاليك، والصعاليك فتيان.
قيل لأعرابي: لم لا تشرب؟ فقال: والله ما أرضى عقلي مجمعاً فكيف أفرقه؟!
(4/114)

وقيل لأعرابي: أما تشرب؟ فقالك لا أشرب ما يشرب عقلي.
خرج سكران من داره فاستقبله الطائف فقال: أنت سكران، قال: لا، قال: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم، قال: فاقرأ آية فيها أربع صادات، فقال السكران: وما قص صالح صاحب المصلى، فضحك الطائف، وإنما أراد " فاقصص القصص " الأعراف: 176.
قال حماد: قلت لمغن: غن، قال: هذا أمر، قلت: فأحب أن تفعل، قال: هذا حاجة، قلت: فلا تفعل، قال: هذا عربدة.
قال أحمد بن أبي العلاء: قلت لمغن في محجلس: غن لي صوت كذا، وبعده كذا، وبعده كذا، قال: يا ابن الزانية، ولا تقترح صوتاً إلا بولي عهد؟؟! خرج سكران من موضع ليلاً فتلقاه الطائف، فلف السكران رأسه ووجهه برداء كان معه، فقال الطائف: وما هذا؟ قال: هذا شيء مغطى وقد نادى الأمير ألا يكشف مغطى، فمن خالف الأمير جلده، قال الطائف: فاكشف لي عن رأسك لي عليك بأس، قال: ليس لي رأس، ومن أين لك أني برأس؟ قال الطائف: ويلك فمن أين تكلمني؟ قال: ليس هذا
(4/115)

عليك، تسمع وتطيع نداء الأمير وإلا فاكشف إن جسرت، فضحك الطائف وتركه.
قال أبو فروة: مر طارق وكان على شرط خالد القسري بابن شبرمة في موكبه، فقال ابن شبرمة: الطويل
أراها وإن كانت تحب كأنها ... سحابة صيف عن قليل تقشع
اللهم لي ديني ولهم دنياهم؛ فاستعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء، فقال له ابنه: أتذكر قولك يوم مر طارق في موكبه؟ فقال: يا بني إنهم يجدون مثل أبيك ولا يجد مثلهم أبوك، إن أباك أكل من حلوائهم فحط في أهوائهم.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ابن آدم، لا يهلك الناس عن نفسك فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولاتقطع النهار سادراً فإنه محفوظ عليك ما علمت، وإذا أسأت فأحسن، فإني لم أر شيئاً أسد طلباً ولا أسرع دركاً من حسنة حديثة لذنب قديم.
قال أحمد بن الطيب، قال لي رجل مرة: لم لا ترحل إلى فلان وتتصل بفلان؟ قلت: لأني لا أشكلهما، أنا أريد أديباً وهما عطل، وهما يريدان مقاتلاً وأنا من القعدة.
(4/116)

قال أحمد بن الطيب، قال لي أحمد بن محمد بن لي بن الرشيد: لو لم يكن من عيب السودان إلا أنه لا يرى أحدهم أثر الضرب في بدنه وإن أوجعه كما يراه الأبيض إذا احمر أو اخضر فيروعه ذلك فلا يعاود الذنب، وأنك لا ترى في وجهه ولونه أثر العتاب والتبكيت قد أخجلاه بحمرة تظهر وأ، الفزع قد حل بصفرة تبدو فتعفو عنه رجاء صلاحه، كما تتبين حمرة الخجل وصفرة الوجل في وجه الأبيضص؛ هذا قاله في كتابه في آيين خدمة الملوك.
قال الحكماء: لا ينزلن مسافر عن دابته بليل حافياً، ولا يأكلن بقلاً عفلاً، ولا يبولن في نفق لا يرى قعره.
قال فيلسوف: العبيد ثلاثة: عبد رق، وعبد شهوة، وعبد طمع.
قالت الفلاسفة: كن لأسرار الملوك أستر من قبيح الداء في جسمك، فإن إذاعة الداء عيب في البدن، وإذاعة السر من الملوك متلفة للنفوس.
قال رجل لابنه: ابتد بتقوى الله جل جلاله وطاعته، وقدمهما مؤثراً فضلهما متحلياً جمالهما، فإن التردي بهما أجمل لباس، والتحصن بهما أمنع حرز، والتشفع بهما أكرم وسيلة.
(4/117)

قال أحمد بن الطيب: يكفينا من الرحمة ألا نظلم، ومن السخاء أن نواسي، ومن الحياء أن نحلم.
قال أحمد بن الطيب، قال رجل من وجوه مدبري الفرس لرجل قد رآه فرغ من عمله فتكلف عملاً آخر: أنت أعلم بما يصلحك ويصلح لنا بك منا ونحن بسيايتك والقوام عليك، وإنما تركنا هذا الفضل فيك وبقينا هذا الزمان عليك لنا لا لك، ليكون لك فرجة بين العملين وراحة تبعثنا لنشاط منك في وقت حاجتنا غلى عملك، فلا تستفرغ وسعك في ما لم تكلفه فيخل بنا فيما كلفناك إذ توليته نضواً طالعاً، وما زدت على أن عرفتنا مقدار جهلك بقدر النعمة منا عليك، فالزم ما كلفت ودع نوافل الفضول.
قال أعرابي لرجل: نزلت مذ نزلت بواد غير ممطور، ورحل غير مسرور، فأقم بعدم أو ارحل بندم.
قال فيلسوف: كلما كنت بالكلام أحذق، كنت بالإنسانية أحق.
قيل لأبي علي الأموي: ادعبل أشعر أم الطائي؟ فقال: أما إني خائف والله أن أصفع دعبلاً بنعل الطائي فأضع من قدر صاحبها.
(4/118)

تقول العرب: أعدم فأعجم، وأترب فأعرب.
شاعر: الطويل
لسان الغنى لدن المهزة صارم ... وللفقر حلق في الندي كليل
ألم تعلمي أن الثراء محبة ... وأن ليس يوماً للخليل خليل
الخليل ها هنا هو المختل الفقير، وقيل في إبراهيم الخليل صلوات الله عليه إنه أريد به هذا المعنى، كأنه عليه السلام كان فقيراً إلى الله تعالى وأخلصهم فقراً إلى الله العلي، وفيه كلام غير هذا يمر في الجزء أفرده لأصحاب الضمائر والوساوس الذين يصيرون إلى مذاهب النسك والتصوف، وأنشر هناك من مطوي أمرهم ومكنون حديثهم ما يفيدك علماً، ويزيدك بصيرة، ويريك الحق حقاً، والباطل باطلاً، إن شاء الله.
لبعض إياد: الطويل
وأي فتى صبر الأين والظما ... إذا اعتصروا للوح ماء فظاظلها
إذا ضرجوها ساعة بدمائها ... وحل عن الكوماء عق شظاظها
(4/119)

فإنك ضحاك غلى كل صاحب ... وأنطق من قس غداة عكاظها
إذا استغب المولى مساغب معشر ... فعذره فيها آخذ بكظاظها
قال بزرجمهر: مثل العقل بلا أدب مثل الأرض الطيبة الخراب.
قال أبرويز لابنه شيرويه: لا توسعن على جندك فيستغنوا عنك، لا تضيق عليهم في العطاء فيضجوا منك، أعطهم عطاء قصداً، وامنعهم منعاً جميلاً، ووسع عليهم في الرخاء، ولا توسع عليهم في العطاء.
قال فيلسوف: الدنيا دار فجائع، من عجل فيها فجع بنفسه، ومن أجل فيها فجع بأحبته.
كان من دعاء يونس عليه السلامك فيالظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وأنت أرحم الراحمين، إلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين، مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.
عرضت جارية على فتى للبيع، فكشفت الجارية عن حرها وقالت: انظر كم مساحة هذا؟ فخجل الفتى، فقالت: لو كنت ظريفاً لقلت: حتى أخرج قصب المساحة.
(4/120)

شاعر: المنسرح
ما أنزل الموت حق منزله ... من عد يوماً لم يأت من أجله
عليك حفظ اللسان مجتهداً ... فإن بعض الهلاك في زلله
والصبر والصدق يبلغان بمن ... كانا قرينيه منتهى أمله
وقال آخر: المتقارب
إذا ما بدأت امرءاً جاهلاً ... ببر فقصر عن حمله
وم تره مائلاً للجميل ... ولا عرف الفضل من أهله
فسمه الهوان فإن الهوان ... دواء لذي الجهل من جهله
كتب ابن الزيات إلى إبراهيم بن العباس الصولي: قد فهمت كتابك، وإغراقك وإطنابك، وإضافة ما أضفت بتزوير الكتب بالأقلام، وفي كفاية الله غنى عنك يا إبراهيم وعوض، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكتب إبراهيم بن العباس الصولي إلى محمد بن عبد الملك الزيات يستطفه: الطويل
أخ كنت آوي منه عند ادكاره ... إلى ظل فينان من العز باذخ
سعت نوب الأيام بيني وبينه ... فأقلعن منا عن ظلوم وصارخ
(4/121)

وإني وإعدادي لدهري محمداً ... كملتمس إطفاء نار بنافخ
وله إليه أيضاً: المتقارب
وكنت أخي بإخار الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عوانا
وكنت إليك أذم الزمان ... فأصبحت فيك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
فلم يثن ذلك محمداً، فكتب إليه إبراهيم:
أبا جعفر خف نبوة بعد دولة ... وعرج قليلاً عن مدى غلوائكا
فإن يك هذا الدهر يوماً حويته ... فإن رجائي في غد كرجائكا
فما مرت الأيام حتى كان من أمر محمد ما كان. وولي إبراهيم ديوان الرسائل، فأمر أن ينشيء فيه رسالة بقلة طاعته ففعل.
قال فيلسوف: مهما عري الإنسان منه فإنه لا يعرىن من ثلاث: من الحسد والطيرة والظن؛ فمخلصه من الحسد ما لم يسبع باللسان ويبطش باليد، ومخلصه من الطيرة ما لم يرجع، ومخلصه من الظن ما لم يحقق.
(4/122)

قال بعض السلف: دعوتان أرجو إحداهما كما أخشى الأخرى: دعوة مظلوم أعنته، ودعوة ضعيف ظلمته.
دخل أبو العميثل على عبد الله بن طاهر مهنئاً بقدوم قدمه من سفر، فصافحه عبد الله فقبل يده، فقال له عبد الله: خدش شاربك كفي، فقال أبو العميثل: شوك القنفذ لا يضر بجلد الأسد، فتبسم عبد الله وقال: كيف كنت بعدي؟ قال: إليك مشتاقاً، وعلى الزمان عاتباً، ومن الناس مستوحشاً؛ فأما الشوق إليك فلفضلك، وأما العتب على الزمان فلمنعه منك، وأما الاستحياش من الناس فإني لم أرهم بعد، فاحتبسه، فأحضر الشراب فسقاه بيده فقال: البسيط
نادمت حراً كأ، البدر عرته ... معظماً سيداً قد أحرز المهلا
فعلني برحيق الراح راحته ... فملت سكراً وشكراً للذي فعلا
الإيغار في اللغة: أن النصارى تغلي الماء وتلقي الخنازير فيه لتنضج.
(4/123)

قال المثل: أحناؤها أبناؤها، جمع حان وبان.
سبقت درته غراره، قلة اللبن.
يقال: لا يجمع سيران في خرزة، كما يقال: لا يجمع سيفان في غمد.
ضغث على إبالة؛ إبالة حزمة الحطب، والضغث جرزة فوقها.
ويقال في المثل إذا أريد القصد: بين الممحة والعجفاء يقال: عند النطاح يغلب الكبش الأجم.
(4/124)

ويقال: دمث لجنبك قبل النوم مضطجعاً ويقال: عاط بغير نواط، أي متناول بغير شيء يتناول.
إنباض بغير توتير، يقال: ينبض القوس من غير أن يوتر.
يقال: كل ذات ذبل تحتال.
شاعر: الرمل المجزوء
أعن الشمس عشاء ... رفعت تلك السجوف
أم عن البدر تسرى ... موهناً ذاك النصيف
(4/125)

أم على ليتي غزال ... علقت تلك الشنوف
أم أراك الحين ما لم ... يره القوم الوقوف
إن حكم الأعين النج ... ل على الخلق يحيف
يا ابنة القيل اليمان ... ي وللدهر صروف
ربما أردى الجليد الس ... هم والرامي ضعيف
قال أعرابي في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من حاجة إلا إليك، ومن خوف إلا منك، ومن طمع إلا فيما عندك.
التقى أخوان في الله فقال أحدهما لصاحبه: والله يا أخي إني لأحبك في الله تعالى، فقال: لو علمت مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله، فقال: والله يا أخي لو علمت منك ما تعلمه من نفسك لمنعني من بغضك ما أعلم من نفسي.
كتب ابن دريد إلى علي بن عيسى: الطويل
أبا حسن والمرء يخلق صورة ... تخبر عما ضمنته الغرائز
إذا كنت لا ترجى لنفع معجل ... وأمرك بين الشرق والغرب جائز
ولم تك يوم الحشر فيناً مشفعاً ... قرأي الذي يرجوك للنفع عاجز
(4/126)

علي بن عيسى خير يوميك أن ترى ... وفضلك مأمول ووعدك ناجز
وإني لأخشى بعد هذا بأن ترى ... وبين الذي تهوى وبينك حاجز
كان علي بن عيسى بخيلاً جعد البنان، هكذا قال لنا أبو القاسم الواسطي الكاتب، وكان شيخ أصحاب الخراج، وزعم أن علي بن عيسى كان شديد النفاق كثير الحيل، وليت زماننا يسمح بمثله.
قال ابن أبي طاهر، حدثني حبيب - يعني أبا تمام الشاعر - قال: حدثني بعض المفسرين قال: كان خالد بن عبد الله يكثر الجلوس ثم يدعو بالبدر ويقول: هذه الأموال ودائع لا بد من تفريقها، فقال ذلك مرة وقد وفد عليه أسد بن عبد الله من خراسان، فقال: مهلاً أيها الأمير إن الودائع إنما تجمع لا تفرق، قال: ويحك، إنها ودائع للمكارم، وأيدينا وكلاؤها، فإذا أتانا المملق وأغنيناه والظمآن فأرويناه فقد أدينا فيها الأمانة.
قال ابن أبي طاهر: وحدثني حبيب قال: أخبرني شيخ من أصحابنا قال: كان طلحة الطلحات يقول: من كان جواداً فلعط ما له أخول أخول؛ إن المال إذا كثر زين وأحب صاحبه صحبته.
(4/127)

وقال ابن أبي طاهر، حدثني حبيب قال، حدثني كرامة عن الهيثم ابن صالح عن رجل عن حكم بن سعد قال: رأيت الجراح بن عبد الله وقد لبس درعين في بعض حروبه، فأكثرت إليه النظر فقال: يا هذا، ما أقي والله بدني وإنما أقي صبري، فأخبرت بذلك سعيد بن عمرو الحرشي، وكان من فرسان أهل الشام فقال: صدق الجراح، لأن لأمة الفارس حظيرة نفسه.
نظر رجل إلى جارية واقفة في دهليز فأعجبته، فوقف ينظر إليها، فقالت: يا سيدي أتشتهي النيك؟ قال: أي والله، قالت: فاقعد حتى يجيء مولاي الساعة فينيكك كما ناكني، فخجل الرجل وذهب خزيان لا يعقل.
قال الجماز: قلت لظريفة من الظرائف: أرى شفتيك متشققة، فقالت: التين إذا حلا تشقق.
العرب تقول: انظروا أنساءكم، يعني الشيء اليسير مثل العصا والقدح والشظاظ، ومنه قولع تعالى " نسياً منسياً " مريم: 23؛ هكذا قال ثقات العلماء.
(4/128)

العرب تقول: التقى الثريان، يعني ندى السماء وندى الأرض.
يقال: رجل ألوك إذا كان يلوك الكلام ولا يقتصه لسانه؛ هكذا السماع بالصاد غير معجمة.
قال ابن الأعرابي: أبعلني الأمر وأزغلني وأوهلني وأمضني وجهدني وهادني بمعنى واحد.
وقال: واحد أفناء الناس فنا مثل قفا، وواحد آناء الليل: إني وأنى والأنى - الرفق - والأناة واحد؛ ويقال امرأة أناة، وواحد الآلاء من النعم إلي وألى، وواحد الأمعاء: معى ومعى، وواحد الأحشاء: حشا وحشى.
سمعت الثقة يقول: الثم الإصلاح، يقال ثممته وأصلحته، وثمامة: نبت معروف، وإذا سميت به رجلاً لم ينصرف، أي لم ينون.
العرب تقول: فلانة رطبة المغابن، وهي الأرفاغ، وهي المرافق، وهي ما انثنى من الخلق.
(4/129)

قال الثقة: يقال للإنسان إذا حك رأسه فالتذه، أو غمز جسده فالتذه هو يتسار إلى ذلك، وإني لأتسار إلى ما تكره؛ هكذا قال حمزة المصنف، وكان شيخ أصفهان، وشاهدته سنة خمس وخمسين وثلاثمائة أبلغ الملازمين لباب الطبراني مع الرحالة من الآفاق.
قال بعض العلماء: العنجهية الكبر، ويقال: هي الفجاجة والجفاء والغلظ، ويقال: الفطرة.
شاعر: الكامل
الله يعلم أنني ما سرني ... شيء كطارقة الضيوف النزل
ما زلت بالترحيب حتى خلتني ... ضيفاً له والضيف رب المنزل
قصد ابن السماك الواعظ رجلاً في حاجة لرجل فتعبس، فقال ابن السماك: اعلم أني أتيتك في حاجة، وأن الطالب والمطلوب إليه عزيزان إن قضيت وذليلان إن لم تقض، فاختر لنفسك عو البذل على ذل المنع، واختر لي عز النجح على ذل الرد، فقضاها له.
قصد ابن السماك الواعظ رجلاً في حاجة لرجل فتعبس، فقال ابن السماك: اعلم أني أتيتك في حاجة، وأن الطالب والمطلوب إليه عزيزان إن قضيت وذليلان إن لم تقض، فاختر لنفسك عز البذل على ذل المنع، واختر لي عز النجح على ذل الرد، فقضاها له.
وقصد آخر مرة أخرى في حاجة فتلوى وكاد ينكل عن الكلام، ثم سبق إلى معنى تخيره فقال للمسؤول: أخبرني حين غدوت إليك في حاجتي أحسن بك الظن، وأصوغ فيك الثناء، وأحبر لك الشكر، وأمشي إليك بقدم
(4/130)

الإجلال، فأكلمك بلسان التواضع، أصبت أم أخطأت؟ قال: فأفحم الرجل، فقال: بل أصبت، وقضى له حاجته، وسأله المعاودة.
لما أقطع المعتصم ضياع الحسن بن سهل أشناس وجه الحسن بقبالاته إلى أشناس، وكتب معها إليه: قد عرفت رأي أمير المؤمنين في إقطاعك الضياع، فرأيت أن لا يعترض على عقبك عقبي وأنفذت إليك بقبالاتها، معتمداً على قبولها بإسباغ النعمة علي، وادخار الشكر لدي، فرأيك - أيدك الله - في الأمتنان بقبولها مسؤولاً إن شاء الله. فلما قرأ أشناس ذلك أنفذه إلى المعتصم، فوقع فيه: ضيم فصبر، وسلب فعذر، فليقابل بالشكر على صبره، وبالإحسان لعذره، ولترد عليه ضياعه، وليرفع عنها خراجه، ولا أؤامر في ذلك.
شاعر: البسيط
إني لأكني عن أجبال بأجبلها ... وباسم أودية عن إسم واديها
عمداً ليحسبها الواشون غانية ... أخرى وتحسب أني لست أعنيها
كاتب: والله تعالى مسؤول بفضله من فضله، وبما هو أهله مما هو أهله.
(4/131)

كاتب: الشعب ملؤوم، والشعث مرموم، والصدع مشعوب، والثأى مرؤوب.
آخر: ومثلك رعى الحقوق، وصدق الظنون، وشفع الوسيلة، وعاذ بالفضيلة، وصان النعمة، وحفظ الحرمة.
قال أعرابي: بالساعد يبطش الكف.
كتب الحسن بن سهل: فأعطاك الله من الخير أغنى ما يفي بأنعمك علي، وبلغني في كل صغير وكبير رضاك، وأعانني على بادية حقك، حتى ينقلني من الدنيا على طاعتك.
كتب المهلب: أما بعد، فإنه لا يوهن الإسلام خروج من خرج منه، ولا يعيبه إلحاد من الحد فيه، ومدعوه كثير ومصيبوه قليل، وليس كل من يقاتل عنه من أهله، ولا هو لكل من يقاتل به. وقد كان هذا العدو أصاب في إخوانكم مصائب أطمعتم فيكم، فلما استوقد الحرب بنا وبهم، جاءنا القضاء بأمر جاوزت النعمة فيه الأمل، فأصبح ذلك العدو بعد ذلك دريئة رماحنا، وضرائب سيوفنا، ونحن نرجو أن يكون أجر هذه النعمة كافلها، فاحمدوا الله فإن حمده يتم النعم، وأشكروه فإن شكره يوجب المزيد.
(4/132)

وكتب يزيد بن المهلب: الحمد لله الذي كفى بالإسلام فقد ما سواه، وجعل الحمد متصلاً بنعمه، وقضى ألا ينقطع المزيد من فضله حتى ينقطع الشكر؛ ثم إنا وعدونا كنا على حالين مختلفين، نرى فيهم ما يسرنا أكثر مما يسوؤنا، ويرون فينا ما يسوءهم أكثر مما يسرهم، فلم يزل الله سبحانه يكثرنا ويمحقهم، وينصرنا ويخذلهم، حتى بلغ بنا وبهم الكتاب أجله، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد الله رب العالمين.
قال الباقر لابنه جعفر عليهما السلام: يا بني إن الله عز وجل خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة أشياء: خبأ رضاه في طاعته، فلا تحقرن من الطاعة شيئاً فلعل رضاه فيه؛ وخبأ سخطه في معصيته، فلا تحقرن من المعصية شيئاً فلعل سخطه فيه؛ وخبأ أولياءه في خلقه، فلا تحقرن أحداً فلعله ذاك الولي.
كاتب: إن كان غمر معروفك نابياً عني فإني راض من وابل نائلك بطله، ومن غمر إحسانك بأقله.
قال أعرابي لآخر: حاجتي إليك حاجة الضال إلى المرشد، والمضل إلى المنشد.
قال خطيب: الناس رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، أو ابتاعها فأعتقها.
(4/133)

قال بعض النحويين: الألف واللام يدخلان في الكلام على خمسة أوجه: لتعريف الجنس، نحو قولك: أهلك الناس الدرهم والدينار، ولم ترد درهماً بعينه ولا ديناراً وإنما أردت الجنس، ومنه قوله " إن الإنسان لفي خسر " العصر: 2 يعني الجنس، والدليل عليه قوله عز وجل " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " العصر: 3 لأن الأستثناء وقع في الجميع؛ ويدخلان للعهد نحو قولك: مررت بالرجل، وأخذت الكتاب، فتريد بهما ما سلف العهد به؛ ويدخلان للخصوص نحو قولك: وجدت الشمس طالعة والقمر قد غاب، والنجم قد ارتفع - بالألف واللام - قد دخلتا للخصوص لأنك تعرف واحداً من أمة، لأنك إذا قلت: قد طلع النجم علم أنه الثريا وألزم الألف واللام للتخصيص؛ ويدخلان للإشاعة والإفهام كقولك: الذي في الدار زيد، والتي قامت هند، ألا ترى أن هذا الاسم شائع في بابه غير مخصوص يدخل تحته كل ذكر وأنثى من الآدميين وغيرهم، وإنما يتبين معناه للأسم الذي يجيء بعده فيكون خبراً له وهو قولك: الذي في الدار زيد، لو قلت: الذي في الدار، لم يكن كلاماً، ولا دل هذا على شخص بعينه، فحين قلت زيد وقعت الفائدة في الجملة؛ ويدخلان في الأسماء المنقولة من باب الأوصاف إلى باب الأسماء الأعلام، وهو قولك: العباس والحكم والحارث والفضل، فالألف واللام في هذه الأسماء لم يدخلا لتعريفها وإنما دخلتا عليها حين كانت أوصافاً كقولك: مررت بالرجل الحكم، وبالرجل العباس، فلما قصدوا أن يسموا بها نقلوها مع الألف واللام إلى باب: زيد وعمرو، ومن العرب من يقول: حارث وعباس وحكم، فكأنه نقلها إلى باب الأعلام على تنكيرها حين قيل: مررت برجل حكم؛ فأما الأسماء التي لزمت حذف الألف واللام فإنها
(4/134)

كانت في الأصل مصادر وأجريت مجرى المصادر، فلما نقلوها إلى باب الأعلام لزموا فيها طريقة واحدة، كما لزموا في زيد وعمرو.
نظروا إلى مزبد المديني وبين يديه نبيذ أسود، فقالوا له: ما لون نبيذك هذا؟ قال: أو ما ترون ظلمة الحلال فيه؟ كاتب: ولما أسلمتني إلى انتصارك، وسطت علي عتابك، التجأت إلى نعمتك السالفة عندي لتهب جرمي لحرمتي بها، وإساءتي لحسن شكري عنها، فإنها معقلي الذي يمنعك من الإخلال بي بعد الإفصال علي.
قال أعرابي لرجل: اعدل لمعضلة تلم ولمضلعة تهم.
يقال: الدالاة الرفق واللين، ويقال: هذا الأمر لا يلتاط بصفري، أي لا يلصق بفؤادي.
قال أعرابي: العاقل متصفح والجاهل متسمح.
سئل أعرابي عن أخ له فقال: اعتورته الهموم، وأستلحمته الفكر، وتضيفته الأحزان، وتخللته البلابل.
قال أعرابي: حسن النزاهة مؤد إلى الرفاهة.
قال أعرابي: بالفحول تدرك الذحول.
(4/135)

قال عبد الصمد بن المعذل في نخل باعه: الخفيف
فارقتني ذخيرة من عقار ... ذكرتني تفرق الأحباب
وسواء بيع الرقاب من الما ... ل إذا بعتها وضرب الرقاب
كاتب: حق هذا اليوم فوق أن يلتقى بالتعذير، ويوكل إلى التقصير، وحظك من الواجب فيه حظ الفائت غاية، وسبق الفائز قرعة وقدحاً، فأفضل ما يهديه إليك المتقرب إليك فيه ما يشبه موقعك من شرف الحسب ونباهة النسب، وهو محمود من الثناء ومسموع من الدعاء، ويحتمل التقصير في هديته على صدق نيته، فلا أخلاك الله من ثناء صادق، ومن دعاء صالح واق.
كاتب: عناية تفوق الوصف وإن تراخى، وتفوت النعت وإن تناهى. عند مد الغاية، ومدى النهاية، ونصب الراية، يحمد السابق، ويذم الساقط، ويتبين فضل المبر النامي على المقصر الواني، وشأو الفائت الفائز على المتخلف المبهور.
قال أعرابي: من كان ابن بلدك فهو كولدك.
ويقال: الصدق ينبي عنك لا الوعيد؛ من نبا ينبو نبواً؛ هكذا سمعت الموثوق به.
(4/136)

أعرابي: الرجز
لقد حسوت الموت قبل ذوقه ... إن الجبان حتفه من فوقه
آخر: الرجز
تخبط أحياناً وحيناً تزحل ... والقصد في سير المطي أمثل
لا يبلغ المنزل من لا ينزل العرب تقول: ينبغي للمشتري أن يستري، أي يطلب السراء.
قال أعرابي: أنا أستنجدك إذا كنت مضافاً، وأسترفدك إذا كنت مضيفاً.
ونظروا إلى فيلسوف في الحرب، وكان أعرج، فضحكوا به فقال: إنما يحتاج في الحرب إلى الشجاعة وآلة الحرب، والذي فقدته فهو آلة الهرب. يقال إن هذا الحكيم قد قصر في هذا الجواب، لأن الكر والفر من
(4/137)

خلائق الشجعان، وإنما دل بكلامه على الثبات، وإلا فالمجاولة غير ذلك.
قال أعرابي وقد كان الحران تمادى به: الوافر فآل به الحران إلى المران قال أعرابي: كثرة العتاب إلحاف، وتركه استخفاف.
قال أبو حامد: من أحوجك إلى العتب فقد وطن نفسه على العجز.
قال سيبويه: كل اثنين من اثنين فجمعهما أجود تقول: ضربت رءوسهما، لأن رأس كل واحد منه، وتقول: أخذت ثوبيهما لأنهما ليسا منهما؛ قال الله تعالى " فقد صغت قلوبكما " التحريم: 4 " فاقطعوا أيديهما " المائدة: 38.
وقال العتابي: أقارب بالكتاب ثمناً للمودة، وأبين بالأستراحة دليلاً على المساحة؛ وقد استقدمنا عهد كتبك، واستبطأنا وصول خبرك، ونحن نستبدلك من الإغفال تعهداً، ومن تقادم العهد إحداثاً.
عبد الحميد الكاتب: نظرت في الأمر الذي أعاتبك عليه، وألتمسه عندك، إذا هو خفيف المحمل، يسير المؤونة، سواد أنفاس في بيا قرطاس، تحية تهديها، وسلامة تخبر عنها، فما أولاك بالتعهد لمؤونة خفيفة تؤدي بها حقاً، وتصل بها وداً.
قال داود بن عمر الحائك للأعمش: ما تقول في الصلاة خلف
(4/138)

الحائك؟ قال: لا بأس بها على غير وضوء، قال: فما تقول في شهادة الحائك؟ قال: تقبل شهادته مع شاهدين عدلين، فالتفت الحائك وقال: هذا ولا شيء واحد.
وتنبأ حائك بالكوفة، فقيل له: ما رأينا نبياً حائكاً، فقال: وهل رأيتم نبياً صيرفياً؟! قيل لحائك: لو كنت خليفة أي شيء كنت تشتهي؟ قال: تمر وكسب، ثم التفت إلى ابنه وقال: لو كنت ابن خليفة أي شيء كنت تشتهي؟ قال: يا أبة، وتركت لي من اللذات شيئاً؟! قال عثمان الصيدلاني: شهدت إبراهيم الحربي وقد أتاه حائك في يوم عيد فقال: يا إبراهيم، ما تقول في رجل صلى صلاة العيد ولم يشتر ناطفاً، ما الذي يجب عليه؟ فتبسم إبراهيم ثم قال: يتصدق بدرحمين خبزاً، فلما مضى قال: ما علينا أن نفرح المساكين من مال هذا الأحمق.
دخل ابن المعتز يوماً حمام داره، فسمع حركة فوق باب الحمام، فقال لغلامه: ما هذا؟ قال: الحمامي ورفقاؤه، قال: تلطف حتى أراهم من غير أن يروني، ففعل، فرآهم عراة وبينهم غلام أمرد في حجره طنبور
(4/139)

وهو يغني: الرمل المجزوء
أنا أهواك بنور ال ... له فافعل ما بدا لك
إن تكن تمنعني شخ ... صك فابذل لي خيالك
قد أخذت الدف والطن ... بور والكت فما لك
قل لمن جنبك القم ... عوث من دسك والك
فضحك ابن المعتز وانصرف.
جلس رجل بين يدي حجام، فلما وضع المحاجم فسا الرجل فسوة منكرة صبر لها الحجام، فلما مصها فسا أخرى أنكر منها، فلما أراد أن يشرط قال للرجل: يا حبيبي، أريد أن أشرط، فإن كان بك حاجة إلى دخول الخلاء فقم قبل أن تخرى.
خرج سوار القاضي يوماً من داره يريد المسجد حافياً، فلقيه سكران فعرفه، فقال: القاضي - أعزه الله - يمشي؟! امرأتي طالق إن حملتك إلا على عاتقي، فكره سوار ذلك فقال: ادن يا خبيث، فدنا، فحمله على عاتقه ثم رفع رأسه فقال: أهملج أو أعنق؟ فقال يا خبيث، مشياً بين مشيين وآحذر العثار والزلق، والصق بأصول الحيطان، فقال السكران: كأنك أردت المران في الفروسية يا أبا عبد الله؛ فلما أوصله إلى المسجد أمر سوار بحبسه فقال: أيها القاضي هذا جزائي منك؟ فتبسم وتركه.
(4/140)

رأوا أبا نواس بقطربل وفي يده شراب وعن يمينه عنقود وعن يساره زبيب، فقيل له: ما هذا؟ قال: ابن وأب وروح القدس.
قال أبو العيناء: تذاكرنا النبيذ فقال الجماز: نبيذ الزبيب نمكسود الخمر.
قال بعض الأدباء: إنما اشتق لها من الروح - يعني الراح - هذا الاسم لأنها تزيد في الحياة؛ وقال أيضاً: دما لأنها تزيد في الدم؛ وقال صريع الغواني: الطويل
خلطنا دماً من كومة بدمائنا ... فأظهر في الألوان منا الدم الدم
قيل لأعرابي: كم تشرب من النبيذ؟ قال: على قدر النبيذ.
قال فيلسوف: بنيت الدنيا على أربعة أركان تستصلح بأمور أربعة: بنيت على الرغبة والشهوة والعداء ومنع البيضة؛ فتستصلح الرغبة بالقصد، والشهوة بالعفة، والعداء بالمسالمة، ومنع البيضة بالنجدة.
(4/141)

أنشد لسلم الخاسر: السريع
هاديه مثل الشطر من خلقه ... إذا بدا والبطن مقبوب
تخاله مستقبلاً مقعياً ... وهو إذا استدبرت مكبوب
يشرف أو ينحط كلا معاً ... فالخلق تصعيد وتصويب
كالريح إلا أنه صورة ... يسمو بها شد وتقريب
قال سهل بن هارون: ينبغي للنديم أن يكون كأنما خلق من قلب الملك: يتصرف بشهواته، ويتقلب بإرادته، إذا جد جد وإذا انطلق تطلق، لا يمل المعاشرة ولا يسأم المسامرة، إذا انتشى تحفظ وإذا صحا تيقظ، ويكون كاتماً لسره، ناشراً لبره، ويكون للملك دون العبد، لأن العبد يخدم نوائب، والنديم يحضر دائباً.
أنشد لابن المبارك: البسيط
إني امرؤ ليس في ديني لغامزه ... لين ولست على الأسلاف طعانا
وفي ذنوبي إذا فكرت مشتغل ... وفي معادي لئن لم ألق غفرانا
عن ذكر قوم مضوا كانوا لنا سلفاً ... وللنبي على الإسلام أعوانا
ولا أزال لهم مستغفراً أبداً ... كما أمرت به سراً وإعلانا
(4/142)

ولا أسب أبا بكر ولا عمراًولا أسب معاذ الله عثمانا
ولا أقول لأم المؤمنين كما ... قال الغواة لها زوراً وبهتانا
ولا أقول علي في السحاب لقد ... والله قلت إذن جوراً وعدوانا
لو كان في المزن ألقته وما حملت ... مزن السحاب من الأحياء إنسانا
إني أحب علياً حب مقتصد ... ولا أرى دونه في الفضل عثمانا
سمعت أبا تميم الكاتب الجرجاني يقول: كلف المأمون يحيى بن أكثم أن يخطب في بعض أيام العيد، فأسرع إلى طاعته وغدا إلى المصلى، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه واندفع يقول؛ فبينا هو كذلك إذ اعتراه ضحك واشتد به وغلب عليه، فستر وجهه وجلس هنيهة، ثم نهض وعاد إلى قوله. فرفع ذلك إلى المأمون فاستفظع ذلك ودعا به وسأله عن السبب فقال: يا أمير المؤمنين، كنت واقفاً على المنبر، وعمود المنبر بيدي فذكرت قول الخبيث جحشويه: الرجز
أنعظت أيراً كعمود المنبر ... موتراً، كمثل طعم السكر
لو مسه القاضي بكفيه خري وأنشد: الكامل
وزعمت أنك لا تلوط فقل لنا ... هذا المقرطق قائماً ما يصنع
شهدت ملاحته عليك بريبة ... وعلى المريب شواهد لا تدفع
(4/143)

كتب الحجاج بن يوسف إلى عبد الملك بن مروان كتاباً يقول فيه: أما بعد فإنه ينزغ بي شيطان في المنام يقول لي: أضعت دينك ودنياك بإصلاح دنيا عبد الملك، قتلت له الرجال، وأخذت له الأموال، وفعلت وفعلت؛ وأعلمته أنه من نزغه في على باطل، وأني من ديني على يقين، وأحببت أن لا يخفى على أمير المؤمنين شيء من سري، كما لا يخفى عليه شيء من علانيتي.
فلما ورد كتابه على عبد الملك كتب جوابه بيده: أما بعد فإن الله عز وجل وله الحمد قد وكل بي ملكاً يقول لي في النوم واليقظة: أضعت دينك ودنياك بإصلاح دنيا الحجاج فسلطته بسلطان الله عز وجل لك على الأموال فأخذها من غير حلها، وعلى النفوس فقتلها بغير حقها، فإذا قرأت هذه الأحرف فصر إلي والسلام.
فلما ورد كتاب عبد الملك على الحجاج قال لمحمد بن يونس كاتبه: إن عاقبة التكلف مذمومة، أبر لي قلمين لم يكتب بأغلظ من أحدهما ولا بأدق من الآخر، ففعل محمد، فأخذ ذلك القلم الغليظ وكتب به: بسم الله الرحمن الرحيم، لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وكتب بالدقيق: من الحجاج بن يوسف، أما بعد فإن كان قتلي الرجال طاعة لله تعالى ولك سرفاً، وأخذي الأموال طاعة لله ولك تبذيراً، فمرني بأمر آتيه إليه إن شاء الله تعالى.
فلما ورد الكتاب على عبد الملك قال: من يلومني على الحجاج؟ اكتبوا إليه وأقروه على عمله.
قال المدائني: أتي علي بن أبي طالب رضوان الله عليه برجل ذي
(4/144)

مروءة قد وجب عليه الحد، فقال لخصمائه: ألكم شهود؟ قالوا نعم، قال: فأتوني بهم إذا أمسيتم ولا تأتوني بهم إلا معتمين، فلما أمسوا اجتمعوا فأتوه، فقال لهم علي رضي الله عنه: نشدت الله تعالى رجلاً لله تعالى عنده مثل هذا الحد إلا انصرف، فما بقي أحد، فدرأ الحد.
قيل لأعرابي: ما الذي يعجبك من الدنيا؟ قال: سيف كبرق ثاقب، ولسان كمخراق لاعب.
قال الزهري: سمعت رجلاً يقول لهشام بن عبد الملك: لا تعدن يا أمير المؤمنين عدة لا تثق من نفسك بإنجازها، ولا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعراً، وأعلم أن للأعمال جزاء فاتق العواقب، وأن للأمور تعاقباً فكن على حذر.
قال ابن دأب: فحدثت بهذا الحديث الهادي وفي يده لقمة قد رفعها إلى فيه، فأمسك يده ولم يولجها فاه حتى سمع الحديث مرات.
قال سلام بن أبي مطيع: اللهم ارزقني رزقاً لا أشخص له، وإن حضرته لم أتعب فيه، وإن أتاني عن غير مسألة لم أرغب عنه؛ اللهم إن كنت بلغت أحداً من عبادك الصالحين درجة ببلاء فبلغنيها بالعافية.
(4/145)

أنشد لمحمد بن إبراهيم: الطويل
وأنت جناحي إن أطر أستعن به ... وسهمي الذي أرمي به من يناضل
فليت المنايا إذ أتتك لقيتها ... فعاجلني يومي ويومك آجل
وقال آخر: الرجز
إن بني حجية بن كابيه ... خير معد حاضراً وباديه
رب غلام فيهم ذي فاشيه ... محتضر القدر كثير الغاشية
يقدح في المجد بزند واريه ... محله من مازن في الناصيه
في ذروة المجد الثبيت الآخيه ضرب حارس أمه فعوتب فقال: قد قلت لها عشرين مرة وهذه الثالثة إذا كنت سكران فلا تكلميني فإن السلطان نار ترتعد.
آخر: المتقارب
سألبس للصبر ثوباً جميلا ... وأفتل للهجر حبلاً طويلا
لعلي بالرغم لا بالرضا ... أخلص نفسي قليلاً قليلا
قال الجماز: رأيت شاطراً وقف على جماعة وقال: من يكلم منكم حمدان الغلام؟ فقال أحدهم: أنا، قال: فلا حسن ولا جميل، قال: فاجهد جهدك، قال: خذلني الله لو كان غيرك، قال: أنا غيري، قال: والله لو كان غير هذا الموضع، قال: فنحن بفرغانة، فرد صاحبه السكين في قرابه وقال: ويحك أنت طالب سحر، فتهاب ألباب الشام كلهم سعائر مالك كداروش أي حديد؟.
(4/146)

وقع بين مزبد ورجل كلام فقال الرجل: تكلمني وأنا قد نكت أمك؟ فرجع إلى أمه فقال لها: أتعرفين نائكاً؟ قالت: أبو علية؟ قال: ناكك والله! أنا أسألك عن اسمه وتجيبيني بكنيته؟! قال أبو هفان: سمعت امرأة تقول لرجل: قد والله استحيت من الله تعالى مما أساحقك.
قالت امرأة لشيخ قد عهدته شاباً: أين شبابك؟ قال: من طال أمده، وكبر ولده، ورق أوده، ذهب جلده.
قال ابن المعتز: الخضاب من شهود الزور.
قال أعرابي لأخر: خضاب الله أبطأ نصولاً من خضابك، وأعلم أنك إن سترته عن العيون فلن تستره عن المنون.
قال ابن محفض المازني: الوافر
إما تسألي عني فإني ... خزاعي أبي منهم وخالي
فما لك يا يزيد كأن شخصي ... طلاه إليك بالقطران طالي
أأن كنا لكم لجأ وكهفاً ... إذا خرجت مخبأة الحجال
وكنا المدركين بكل وتر ... شآكم في دهوركم الخوالي
(4/147)

وكنا فخر فاخرهم إذا ما ... نبا بالفخر طلاب المعالي
أبحتم حرمة الأعراض منا ... وأظهرتم لنا خنع المقال
وأضمرتم لنا الشنآن لما ... فرعناكم إلى السور العوالي
فأعفونا من الأموال فينا ... وسامونا إلى شرف الفعال
فما ذنب الجواد إلى أخيه ... إذا جريا وكل غير آل
فبرز سبقه، إلا كذنب ال ... يمين من اليدين إلى الشمال
نقلت هذه الأبيات من ديوان بني مازن.
قال ابن أبي طاهر: كتب عمرو بن مسعدة إلى حمزة الشاري كتاباً فقلله، فوقع جعفر على ظهر الكتاب: إذا كان الإكثار أبلغ كان الإيجاز تقصيراً، وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار عياً.
قال أحمد بن أبي طاهر، قال نافع بن جبير لأبي الحارث بن عبد الله بن السائب: ألا تخرج بنا إلى الحرة حتى نتمخر الريح؟ قال: إنما تتمخر الحمير، قال: فنستنشىء، قال: إنما تستنشىء الكلاب، قال: فأي شيء أقول؟ قال: نتنسم، فقال له نافع: صه، أنا ابن عبد مناف، قال أبو
(4/148)

الحارث: ألصقتك والله عبد مناف بالدكادك، وذهبت عليك هاشم بالنبوة، وأمية بالخلافة، وبقيت بين فرقها والحنة، وأنت في السماء وشرفك في الماء. فقال ابن أبي عتيق: يا نافع، قد كنت فينا مرجوا قبل هذا، قال نافع: وما أصنع بمن صح نسبه وبذؤ لسانه؟ قال أبو عمرو بن العلاء: رأيت أعرابية فلم أر أمجن منها، ورأيتها تبول شيخاً، فلما رأتني قالت: ما تصنع نساؤكم بأحدكم إذا بلغ غاية هذا الشيخ؟ قلت: ترفقته وتلطفته، فقالت: وإن ضعفت قواه وكف بصره؟ قلت: وإن كان ذلك، فضربت بيدها إلى ذكره فقالت: وإن استرخى ذكره وخسفت أنثياه وقل فعله؟ قلت: ما لك ويحك ولهذا الشيخ؟ فقالت: الرجز
لا خير في الشيخ إذا ما أجلخا ... واطلخ ماء عينه ولخا
وأحدودب الظهر فكان فخا ... ونام منه أيره وأسترخى
قال ابن الأعرابي: نظر أعرابي إلى امرأة فأعجبته فقال: وددت
(4/149)

أنك محل مقيلي، فقالت: وأن زوجتك محل مقيل زوجي، إذن والله تجده شديد الوتر، قليل الفقر، بعيد الفطر؛ فأفحمته.
قال أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب بغداد وكتاب المنظوم والمنثور، حدثني علي بن عبيدة الريحاني قال: التقى أخوان يتوادان فقال أحدهما: كيف ودك لي؟ قال: حبك توشج بفؤادي، وفكرك سمير سهادي، فقال الآخر: أما أنا فأوجز في وصفي: ما أحب أن يقع على سواك طرفي.
قال ابن أبي طاهر، وحدثني علي بن عبيدة قال: تزاورت أختان من أهل القصر فأرهقهما الظهر، فبادرت إحداهما هكذا، قال: فصلت صلاة خفيفة، فقال لها بعض النساء: كنت حرية أن تطولي الصلاة في هذا اليوم شكراً لله تعالى حين التقيتما، قالت: لا، ولكن أخفف صلاتي اليوم فأتمتع بها وأشكر لله تعالى في صلاتي غداً.
قال ابن أبي طاهر: سمعت علي بن عبيدة يقول لامرأة من أهل القصر: إن قلبي قد فرغ من الهوى وخلا، حتى كاد يخرب من الخوى، وأنا ألتمس له ساكناً فهل لك أن تكوني من سكانه؟ وقال ابن أبي طاهر أيضاً: كنت مع علي بن عبيدة يوماً ونحن عند قيان، وحان وقت الظهر فبادر الناس الصلاة، والجارية قاعدة، وهما في حديث فأطالا حتى كادت الصلاة أن تفوت، هكذا قال، قال فقلت: يا أبا الحسن، الصلاة، ونصبت على الإغراء، فقال علي: حتى تزول الشمس، أي حتى تقوم الجارية.
(4/150)

وقال ابن أبي طاهر: وكنت عند علي بن عبيدة يوماً، فورد عليه كتاب أم محمد ابنة المأمون، وكتب جواب الكتابثم أعطاني القرطاس فقال: اقطعه، فقلت: وما لك لا تقطعه أنت؟ قال: ما قطعت شيئاً قط.
علي بن عبيدة هذا هو صاحب كتاب المصون ويقال: كان بصرياً ويعرف باللطفي، ولست أعرف كنه مذهبه وحقيقة شأنه لكنه يقال: إنه أقلع في شيخوخته عن عادته في شبيبته، وسلك طريق الزهاد، وكلامه في المصون كلام يدل على عقل رزين وأدب ظاهر، وليس فيه من العلم إلا قليل، وأهل خراسان يعجبون بهذا الكتاب جداً، حتى بلغني أن بعض الدهرية من الرؤساء وأصحاب السيف قال مرة لقوم: مصونكم خير من قرآنكم. وهذا جهل بالله العظيم، وجرأة على حلمه الكريم " ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة " فاطر: 45.
وقال لي بعض مشايخ خراسان: إن هذا القول إنما قاله بعض الأعراب بباديتنا فشاع على وجه الأستبشاع، وزعم أن بخراسان بادية كبيرة وأعراباً مجتمعة، فسألته عن اللغة والهيئة فقال: قد دخلهم النقص من كل شيء ووجهه فصاروا بيضاً وشقراً بعد أن كانوا سوداً وسمراً، وصاروا ضخاماً عظاماً بعد أن كانوا نحافاً شختاً، فأما اللغة فباقية عليهم لم ينتقلوا عنها إلى الفارسية، لكنها فاسدة بينهم زائدة الفساد على لغة البادية، بادية طريق مكة؛ فهذا مما حدثني هذا الشيخ، وكان شديد التحصيل، من أولئك الناس بذلك الماء والشق.
(4/151)

لما هجا محمد بن حازم الباهلي محمد بن حميد الطاهري فأفرط، اتفقت على ابن حازم محنة انتقل بسببها إلى غير محلته مخفياً شخصه، فوجه إليه المهجو بعشرين ألف درهم ومنديل فيه عشرة أثواب وبرذون بسرجه ولجامه وغلام رومي، وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. أكرمك الله وأبقاك، ذو الأدب تبعثه قدرته على نعت الشيء بخلاف هيئته، ويحمله الظرف على هجاء إخوانه في حال دعابته، وليس ما شاع من هجائك لنا يجري سوى هذا المجرى؛ وقد بلغني من خبرك ما لا غضاضة عليك فيه، مع كبر سنك وأدبك، إلا عند العامة من الجهال الذين لا يكرمون ذوي الأخطار إلا على الأموال دون الآداب، ونحن شركاء فيما ملكنا، وقد وجهت إليك ما استفتحت به انبساطك، وإن قل، ليكون سبباً إلى غيره وإن جل.
فرد ابن حازم ما وجه به إليه وكتب الجواب: الكامل
وفعلت فعل ابن المهلب إذ ... فعمم الفرزدق بالندى الغمر
فبعثت بالأموال ترغبني ... كلا ورب الشفع والوتر
(4/152)

لا ألبس النعماء من رجل ... ألبسته عاراً على الدهر
هذا والله خبر طريف، وما أدري ممن أعجب، من ابن حميد في كرمه، أم من ابن حازم في بأوائه، ولله عز وجل في هذا الخلق ألوان لا يحصيها إلا هو، فسبحان من جمعهم على ما فرق فيهم، وسبحان من فرقهم على ما جمع فيهم، جل الإله وعز.
قال بزرجمهر: الإخوان كالسلاح: فمنهم من تحب أن يكون كالرمح تطعن به من بعيد، ومنهم كالسهم الذي ترمي به ولا يعود إليك، ومنهم كالسيف الذي لا يفارقك.
قالت الفرس: وجدنا في مهارقنا القديمة: إذا لم يساعد الجد فالحركة خذلان.
أيضاً: رب لازم لعرصته قد فاز ببغيته.
وأيضاً: من استعان بالنظر راح بالحيرة.
أيضاً: بمفتاح عزيمة الصبر تعالج مغاليق الأمور.
وقالوا أيضاً: من امتطى العز أربع بمحل الظفر.
أيضاً: رب صفو في إناء مشوب بكدر البلاء.
أيضاً: لا يغرنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعراً.
أيضاً: تأمل مواقع قدمك تقلل فواحش زللك.
(4/153)

تواثب اثنان من المعربدين في مجلس وتواجأا بالسكين، فأصاب السكين طرف أنف أحدهما وكمرة أير الآخر، فسقط من أنف هذا ما أشرف، وكذلك من كمرة هذا، فطلب كل واحد منهما في الظلمة ما انقطع منه، فوقعت كمرة هذا في يد هذا فألزقه على أنفه بحرارة وشده، ووقع طرف أنف هذا في يد صاحبه فألزقه على أيره بحرارة وشده فالتحم الجرحان وبرأا، فصار هذا يتنفس من كمرة صاحبه، وصار هذا يبول وينيك بأنفه ما عاشا.
قال أحمد بن الطيب: كان جالينوس يقدم في الأخلاق ثلاث قوى: الرحمة والحياء والسخاء.
يقال في النوادر: إذا رأيت الرجل يخرج من صلاة الغداة وهو يقول " وما عند الله خير وأبقى " القصص: 60 فأعلم أن في جواره وليمة لم يدع إليها.
وإذا رأيت قوماً يخرجون من عند قاض وهم يقولون: " وما شهدنا إلا بما علمنا " يوسف: 81 فأعلم أن شهادتهم لم تقبل.
وإذا قيل للزوج صبيحة البناء على أهله: كيف ما قدمت عليه؟ فقال: الصلاح خير من كل شيء، فاعلم أن امرأته قبيحة.
وإذا رأيت إنساناً يمشي ويلتفت فاعلم أنه يريد أن يضرط.
وإذا رأيت الغلام في إصبعه خاتم فأعلم أن مولاه ينيكه.
وإذا رأيت فقيراً يعدو فأعلم أنه في حاجة غني.
وإذا رأيت رجلاً خرج من عند الوالي وهو يقول: " يد الله فوق أيديهم " الفتح: 10 فأعلم أنه قد صفع.
(4/154)

وقفت ماجنة على ابن مضاء الرازي فقال له: أنت ابن مضاء؟ قال: نعم، قالت: لي مسألة، قال: وما هي؟ قالت: ما بال الشعرة لا تبيض، واللحية تبيض؟ قال: لأنها بقرب الفقحة، فرائحة السماد تمنعها من أن تبيض، قالت: فلم لا تأخذ منه كفاً في يدك فتجعله على عنفقتك حتى لا تحتاج إلى الخضاب؟ فانقطع ابن مضاء وخجل.
وجازت ماجنة بابن مضاء وهو يأكل فقالت له: في بطنك عرس حتى ترقص لحيتك؟ فقال لها: ففي بطنك مأتم حتى علقت على باب حرك مسحاً أسود، فخجلت.
أحضرت ماجنة حجاماً وتجردت له وأقعدته قدامها وبالت على يدها فبلت به كسها، وقالت للحجام: خذ منه شوابير، فقال لها: كرائي، قالت: خذ منه، فلما فرغ قالت: بارك الله في هذا المتاع الذي حوائجه كلها منه.
اصطحب اثنان من الحمقى في طريق فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نتمنى فإن الطريق يقطع بالحديث والتمني، قال: نعم، أنا أتمنى قطائع غنم حتى أنتفع برسلها ولحمها وصوفها، ويخصب معها رحلي، ويستغني بها أهلي. قال الآخر: أما أنا فأتمنى قطاع ذئاب أرسلها على غنمك حتى تأتي عليها، قال: ويحك، هل هذا من حق الصحبة وحرمة العشيرة؟ وتلاحيا
(4/155)

واشتدت الملاحاة بينهما، ثم قالا: نرضى بأول من يطلع علينا ونعرض عليه أمرنا؛ قال: فبينما هما كذلك إذ طلع شيخ على حمار عليه زقان من عسل، فاستوقفاه وحدثاه فقال لهما: قد عرفت وفهمت ما قلتما، ثم نزل عن الحمار وفتح الزقين حتى سال العسل في التراب وقال: صب الله دمي مثل هذا العسل إن كنتما إلا أحمقين.
حضر بعض المجان مجلساً فيه شراب فلم يسقوه، فصبر ساعة يكيد بنفسه والقوم يستقون منه، ثم قال: يا سادة، هبوني طستاً أو مغسلاً وصبوا في قليل نبيذ! فضحكوا منه وسقوه.
مر مزبد بقبر عليه أثواب فاخرة فقال: موتاهم - يشهد الله - أحسن حالاً من أحيائنا.
قيل لمديني: أيسرك أن يكون أيرك كبيراً؟ قال: لا، قيل: ولم؟ قال: يثقلني ويلتذ غيري به.
اشترى مزبد جارية فسئل عنها فقال: فيها خلتان من خلال الجنة: برد وسعة.
(4/156)

قالت ماجنة لرجل: وجهك خلق، قال: يا ستي، ولكن أيري علق، فخجلت.
وقال ماجن لآخر: خبزك شعير وضراطك حوارى.
قال أحمد بن الطيب: الإسراف في الرحمة يميت النفس، ويضيع الحدود، ويهدم السنن، قال الله تعالى: " ولا تأخذكم بهما رأفة " النور: 2؛ وإسراف السخاء يورث الفقر، والغنى من العافية، والفقر ذل، والرحمة تلحق غني قوم افتقر، والمرحوم شقي، والإسراف في الحياء يورث الفتور والونى.
اجتمع أربعة من الشطار يقال لأحدهم صحناة وللآخر حرملة وللثالث غزوان وللرابع طفشة، ومعهم غلام أمرد يريد أن ينقطع إلى واحد منهم، وكل واحد يطلبه لنفسه، فتحاكموا إلى شيخ منهم فقال الشيخ: ليذكر كل واحد منكم ما فعله وما يقدر عليه حتى أخبر هذا الغلام فيصير إلى من أحب. فقام صحناة فقال: وال أمك، لو تراني ضيعوني في عينك يا ابن الغلابة، أنا هامان، أنا فرعون، أنا عاد، أنا الشيطان الأقلف، أنا الدب الأكلف، أنا البغل الحرون، أنا الحرب الزبون، أنا الجمل الهائج، أنا الكركدن المعالج، أنا الفيل المغتلم، أنا الدهر المصطلم، أنا البعير الشارد، أنا السبع الوارد، أنا سرادق التضريب، أنا بوق الحروب، أنا طبل الشعب،
(4/157)

محبوس شرقي غربي مضرب، قايم نايم، مبطوط الأليتين، معطل الدفتين، أبلع أسنة، أخرا جواشن، لو ضرب ربكم عنقي ما مت بعد سنة، وهذا حمدان فروخ في حجري بالأمس حتى جنى جناية رزق الصلب وحملان ديتيه صرف ألف، فما غلس حتى ينطق أحد.
وقام حرملة فقال: يا ابن الصفعانة، أنا حبست في أجمة أكلت ما فيها من السباع، وجعلت الحشيش نقلي، أنا طوق الله الهائج في بحر قلزم، لو كلمني رجل بغير مسألة لعقدت شعر أنفه إلى شعر أستهوأديره حتى يشم فساياته القنفذ، لو كلمني رجل لكمته لكمة فأبدد عظامه فلا تجمع في شهر، أو كلمني رجل لم أخزم أنفه وأخرزه في قرنه وأصفعه فأقلع رأسه مع رطلين من خراه؛ يا أبا الجرادة املأ عينك مني والله وأنت زريق الخف، طعامي الصبر، ريحاني الدم، نقلي أدمغة الأفاعي، أنا أسست الشطارة، أنا بوبت العبارة؛ يا ابن الزراعة الهراشة الفراشة، الفلاشة النعاشة، من يتكلم قولوا.
فقال غزوان: أيش تقول لي يا ابن الطبردانة، أنا القدر والحدر الممزوج بالصخر، أنا أبو إيوان كسرى، حولت المجالس والمطابق، وقطعت أكباد الخلائق، أنا أخرق الصفين، وأضرب العسكرين، رفيقي صياح اللكم، وجعفر ابن الكلب، وموسى سلحة، وعيسى زكرة، وكردويه الباقلاني، وفروخ الشماط، ونفطويه المكاري، انقلوني ونور الله إلى الشاش وفرغانة، ردوني إلى طنجة وافرنجة وأندلس وأفريقية، ابعثوا بي إلى قاف، وخلف الروم، إلى السد وإلى يأجوج ومأجوج، إلى إلىموضع لم يبلغه ذو القرنين، ولم يعرفه الخضر؛ أنا شهدت الغول عند نفاسها، وحملت جنازة الشيطان غير جبان، أنا فرعون ذو الأوتاد إن لم أقبض روحك مشيت سبعة بلا راس، قطعت عروقي بكل خنجر، رضت عظامي بكل منجل، لو نخرت نخرة لخرت صوامع النصارى، وتحطمت قصور بني إسرائيل، لو عضني ونور الله الأسد
(4/158)

لفرس، ولو كلمني إبليس لخرس، ولو رآني العفريت لخنس، من ينطق بعد هذا؟ فقال طفشة: أنا قتلت ألفاً وأنا في طلب ألف، يا ابن الخادمة تهيأ لفرعون يا أخا القحبة، تقطب في وجهي، أو تقوم بقربي، أو تناظرني كلمة وكلمة، أما تعلم أن راسي مدور، ولحيتي خنجرية، وسبالي مفضلي، وآستي خرسا، وأنا مشهور في الآفاق بضرب الأعناق، لا يجوز علي المخراق، وأنا الربيع إذا قحط الناس، أنا الغني إذا كثر الأفلاس، أنا أشهر من العيد، سل عني الحديد، في المنطق الجديد، البيضة مني ونور الله، تسوى ألفاً، ولو حضنت خرج منها ألف شيطان؛ أنا شققت شدق النمر، وصيرت على الأسد الإكاف، أنا كلب أنبح، أنا السحر أنا الأمحران، أنا تنور يسجر، لصديق صديقي ورور من عنبر بن الجلندى، أنا ابن الجلندى كنكر بن الأشتر بن طاهر الأعور، إبليس إذا رآني مطى، لو كلمني رجل رأسه من نحاس، ورجليه من رصاص، أصفعه صفعة فأصبر أنفه قفاه، أنا السيل الهاطل، أنا المغيث الشاطر، أنا قلاع القناطر، أنا لم ألعب بك في الطبطاب، وأقسك قسو الصعو في الرطاب، اسم شيطاني سقلاب؛ أنا أقسى من الحجر، وأهدى من القطا، وأزهى من الغراب، وأحذر من العقعق، وأوله من الذباب، وألج من الخنفساء، وأحد من النورة، وأغلا من الدرياق، وأعز من السم، وأمر من العلقم، وأشهر من الزراقة؛ أنا الموج الكدر، أنا القفل العسر، راسي سندان، نابي سكين، يدي مطرقة حداد، أيش تقول؟ صادقني وسل عني، أنا صعصعة
(4/159)

الحي، أنا خير لك من غيري هو ذا وجهي إلى الآخر، لك حاجة إلى ربك؛ هوذا أجد ريح الدم، أيش ترون من ينطق؟ فسكت القوم وبادر الغلام وأخذ بيده وصادقه.
روينا - أيدك الله - هذا الكلام على ما به ليكون للنفس فيه استراحة، وللإنسان منه عبرة، فلا تعب علينا ذلك، فلو قد وفيتني حقي في محاسن ما دونت في هذا الكتاب لما ضرني مقدار ما خالف إرادتك وباين اختيارك، وقصر عن مدى مرادك. جعل الله هذا الكتاب لك طريقاً إلى الأستمتاع بهزله، والأنتفاع بجده، وختم عاقبتك بما يبلغك دار رضوانه، مستوجباً كريم غفرانه.
قال كسرى: اجتماع المال عند الأسخياء أحد الخصبين، واجتماعه عند البخلاء أحد الجدبين.
قال أبو العتاهية، قلت لعلي بن الهيثم: ما يجب على الصديق؟ قال: ثلاث خلال: كتمان حديث الخلوة، والمواساة عند الشدة، وإقالة العثرة.
قال عبد الملك بن صالح: مشاهدة الإخوان أحسن من إقبال الزمان.
قال أبو تمام: قلت لرجل من أهل الكوفة: أيسرك أنك جاهل ولك مائة ألف درهم؟ قال: لا، قلت: ولم؟ قال: لأن يسر الجاهل
(4/160)

شين، وعسر العاقل زين، وما افتقر رجل صح عقله.
أنشد للرقاشي: الوافر
إذا كان النديم له حفاظ ... فأهلاً بالمدام وبالنديم
وحسبك بالنديم إذا تخطا ... إلى الكتمان بالخلق الكريم
وقال الخريمي: البسيط
لما وجدت نديماً لا يخالفني ... صيرت نفسي له عبداً بلا ثمن
وصار لي سكناً أحيا برؤيته ... وصاحب الراح لا يحيا بلا سكن
لعلي بن الجهم: البسيط
ما زلت أطلب ندماناً أحادثه ... وأضرب الناس في بغداد بالناس
حتى وجدت نديماً لا يخالفني ... سمح الخلائق يطوي الدهر بالكاس
لابن الحكم: الرمل المجزوء
أنا مستغن عن النا ... س بندمان كريم
يقطع الدهر كلانا ... بسرور ونعيم
إنما نستعذب الرا ... ح بأخلاق النديم
الخارجي: الطويل
تلطفت الأيام حتى تفضلت ... علي بندمان كريم الخلائق
(4/161)

له سمت عدل واستكانة عاشق ... وهمة جبار وظرف الزنادق
مزجي به كأسي فصادف طعمه ... ألذ وأشهى من ثمار الحدائق
خطب خالد بن عبد الله يوماً فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس، تنافسوا في المكارم، وسارعوا إلى المغانم، وأشتروا الحمد بالجود، ولا تكسبوا بالمطل ذماً، ولا تعتدوا بمعروف لم تعجلوه، ومهما يكن لأحد منكم عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها فالله أحسن لها جزاء، وأجزل لها عطاء؛ وأعلموا أن حوائج الناس إليكم نعمة من الله عليكم، فلا تملوا النعم فتحور نقما، وأعلموا أن أفضل المال ما أكسب ذكراً، وأورث شكراً، ولو رأيتم المعروف رجلاً لرأيتموه حسناً جميلاً يسر الناظرين ويفوق العالمين، ولو رأيتم البخل رجلاً لرأيتموه مشوهاً قبيحاً تنفر عنه القلوب، وتغض دونه الأبصار؛ أيها الناس، من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإن أكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، ومن لم يطب حرثه لم يزك زرعه، والفروع من مغارسها تنمو ومن أصولها تزكو.
(4/162)

أثنى رئيس وفد على ملك إذ انفلتت منه ضرطة، فالتفت إلى أسته فقال يخاطبها: مثل هذا الملك يصلح أن يثنى عليه بجميع الجوارح، ولكن إذا رأيت اللسان يتكلم فاسكتي؛ فضحك الملك وقضى حاجته.
تخاصم رجلان فأربى أحدهما على الآخر، فبينا هو كذلك إذ ضرط من شدة غضبه وهيجانه فقال: وهذا أيضاً في لحيتك يا فاعل، يا صانع.
قيل لرجل: ما فائدة الصفع؟ قال: هو أول منزلة من التواضع، وهو يحسن الخلق، ويحلي المرار، ويذهب بالصفار، ويحلل الخمار، ويؤمن البدن من الأقشعرار.
وقال آخر: الصفع تعلة ولكنه مذلة.
ويقال: الصفعان محبوب، والقواد مسبوب.
ويقال: الصفعان آمن نوائب الزمان.
وصف ابن القرية يوماً للحجاج فرساً فقال: أصلح الله الأمير، طويل الثلاث، قصير الثلاث، صليب الثلاث، حديد الثلاث، رحيب
(4/163)

الثلاث، عريض الثلاث، منيف الثلاث، أسود الثلاث، قال: فاستوى وكان متكئاً وقال: فسر أثلاثك أو لأضربن عنقك، قال: نعم أصلح الله الأمير، طويل العنق والسبيب والساق، قصير الظهر والعسيب والشعر، صليب الكاهل والدخيس والعجب، حديد السمع والقلب والمنكب، رحيب المنخرين والشدق والجوف، عريض اللبة والجبهة والخد، منيف القوائم والجوانح والقذال، أسود العين والحافر والذكر، قال: فعجب الحجاج منه، ووهب له ألف دينار.
لأبي مسلم الرستمي: الرمل
وبنفسي من إذا جمشته ... نثر الورد عليه ورقا
وإذا مدت يدي طرته ... أفلتت مني ودارت حلقا
وأنشد: الطويل
وسارية لم تسر في الليل تبتغي ... مناخاً ولم يقصر لها القيد مانع
تسير وراء الليل والليل ضارب ... بأكنافه فيه سمير وهاجع
إذا وردت لم يردد الله وفدها ... على أهلها والله راء وسامع
سرت حيث لا تجري الرياح ولم تنخ ... لورد ولم يقطع بها البيد قاطع
(4/164)

تفتح أبواب السموات دونها ... إذا قرع الأبواب منهن قارع
وإني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميل الظن ما الله صانع
كان بعض أصحابنا يطيل التعجب من هذا الشعر ويحكم بإحسان قائله، يريد الدعاء لله تعالى وقيل يصف دعوة مظلوم.
سئل دغفل عن بعض العرب فقال: أحداث قادة، وشباب سادة، وكهول ذادة، لهم الشرف الشامخ، والعز الباذخ، والكرم الصريح، والعنصر الفسيح، بهاليل أسخياء، غطارفة أغنياء، كرام أعفاء، لهم الأخلاق الطاهرة، والألباب الحاضرة، والوجوه الناضرة، بحار النيل، وأحلاس الخيل، يحملون المغارم والأثقال، ويجدلون الكماة والأبطال، لهم العز والجلد، والسياسة والعدد، شموس البلاد، وأقمار العباد، ونجوم في الناد، لهم في القلوب حلاوة، وعلى الوجوه طلاوة، أسد العرب إذا جثوا على الركب، وأكرمهم في الرضا والغضب، وأضربهم بالسيف المشطب، وأطعنهم بالرمح المكعب، عزمهم غير مخلخل، وشرفهم غير مزلزل؛ آفة البلاد إذا ركبوا، وغيث البلاد إذا أجدبوا، كهولهم غيوث، وشبابهم ليوث، ووقائعهم مشهورة، وأيامهم مذكورة، علا شرفهم فرجح، وطال عزهم فطمح، لهم السيوف البواتر، والرماح الخواطر، والأيد والعدة، والثراء والنجدة، أنجم الأندية، وأفاعي الأودية، هم الليوث الهواصر، والغيوث البواكر.
(4/165)

أنشد لسعيد بن حميد: الطويل
لقد ساءني أن ليس لي عنك مذهب ... ولا لك في حسن الصنيعة مرغب
أفكر في ود تقادم بيننا ... وفي دونه قربى لمن يتقرب
وأنت سقيم الود رث حباله ... وخير من الود السقيم التجنب
تسيء وتأبى أن تعقب بعده ... بحسنى وتلقاني كأني مذنب
وأحذر إن جازيت بالسوء والقلى ... مقالة قوم ودهم منك أجنب
أمل اختياراً أو عرته ملالة ... فعاد يسيء الظن أو يتعتب
فخبت من الود الذي كنت أرتجي ... كما خاب راجي البرق والبرق خلب
قال أعرابي: نحن بأرض لا نريد بها بدلاً، ولا نبتغي عنها حولاً، لا يملولح ماؤها، ولا يتمعر جنابها، ليس فيها أذى ولا قذى، ولا وعك ولا حمى، فنحن بأرفه عيشة، وأخصب معيشة.
كاتب: نحن نستعطفك باعتزالك، ونستديم صلتك بجفائك، ونستكثر مناسمتك باجتنابك، ونرى الزيادة في العتب أدوم لجميل رائك.
كاتب: مثل لا ينبله من غفلة، ولا يوقظ من سنة، ولا يعرف من جهلة.
لما ظهر موسى عليه السلام بمصر قال سقراط: نحن معاشر اليونانيين أقوام مهذبون لا حاجة بنا إلى تهذيب غيرنا.
(4/166)

أنشد: الكامل
ما كان أنضر عيشه وأغضه ... أيام فضل ردائه مسحوب
عبد الحميد الكاتب: أحب أن يعهد إليك في لطائف أمورك، وعوام شؤونك، ودخائل أحوالك، ومستطرف أشغالك.
كاتب: الحمد لله الذي لم يوحش منك ربعك، ولم يخل مجلسك في قومك، فلا أدبر عنك من الصحة ما أقبل إليك، ولا أقبل إليك من السقم ما أدبر عنك، وثبت لك العافية ومد فيها غضارة عيشك، حتى يقبضك على خير عمرك، وأحسن عملك.
قال أعرابي: كان فلان قوالاً بالحق، قواماً بالقسط.
كاتب: صحت قلوبكم من أمراض الخطايا، وبرأت أنفسكم من أسقام الذنوب، وطهرت ثيابكم من دنس الآثام.
كتب يحيى بن خالد إلى الرشيد من الحبس: يا أمير المؤمنين، إن كان الذنب خاصاً فلا تعم بالعقوبة، فإن الله تعالى يقول " ولا تزر وازرة وزر أخرى " الأنعام: 164.
كاتب: أما بعد فإنه ربما ضاق العذر على اتساعه، واتسع على ضيقه، وقوي على ضعفه، وضعف على قوته، وذلك بقدر ما يوافق من رأي
(4/167)

من يرد عليه، فمن مستقص محتج ومن مسامح موسع، يكون هذا المحتمل لصاحبه العذر والمحتج له من حيث لا يحتج لنفسه.
قال الشاعر: الطويل
إذا ما أتت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالاً لزلته عذرا
قال أعرابي: اللهم لك الحمد على طول النية، وحسن النظرة.
وقال: الحمد لله الذي أباتنا نائمين وأنبهنا سالمين.
وقال آخر: الحمد لله فالق الإصباح، وباعث الأرواح.
قال هداف التميمي: الحمد لله على نوم الليل وهدوء العروق وسكون الجوارح وكف الأذى والغنى عن الناس.
قيل لأعرابي: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحتسب على الله الحسنة، ولا أحتسب على نفسي السيئة.
قيل لأبي مسمع الوتري: أخبرنا عن قولهم: عطشان نطشان وجائع نائع، قال: كلمة يشد بها الرجل كلامه.
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغارفة، أي جز الشعر؛ يقال منه: غرف شعره.
(4/168)

كاتب: المصايب هدايا لقوم وبلايا على آخرين، فجعلك الله ممن غفل عنه فاستعمل الشكر عند الأتساع، والصبر عند الأرتجاع.
ابن المقفع: إن كان ما فجعت به اليوم من فقد ولدك أحزنك، ليسرنك أحوج ما كنت إلى السرور به، وأفرح ما تكون بمكانه، فأعظم الله أجرك، وأحسن صبرك.
قال كسرى لبزرجمهر: ما بال معاداة الصديق أقرب مأخذاً من مصادقة العدو؟ قال: لأن إنفاق المال أهون من كسبه، وهدم البناء أهون من رفعه، وكسر الإناء أهون من إصلاحه.
قال فيلسوف: العالم يعرف الجاهل لأنه كان جاهلاً، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن عالماً.
كاتب: إن الله عز وجل جعل الدنيا دار بلوى والأخرى دار عقبي، فجعل بلوى الدنيا عوضاً فيأخذ ما يأخذ مما يعطي، ويبتلي إذا ابتلى ليجزي.
قال أعرابي: المودة من السلف ميراث بين الخلف.
قال آخر: لولا ظلمة الخطأ ما أشرق نور الصواب في القلوب.
قال فيلسوف: القلوب أوعية، والعقول معادن، فما كان في الوعاء ينفد إن لم يمده المعدن.
(4/169)

قال بزرجمهر: لا بد من العيب، ومن لا عيب فيه لا يموت.
قيل لأفلاطون: لم لا تجتمع الحكمة والمال؟ قال: لعزة الكمال.
قال فيلسوف: الدنيا فرس جموح فأطلقوا رسنها، وضعوا أرجلكم منها بحيث أمكن.
كاتب: قد كنت لنكبات الدهر مستعداً ولعداوته متخوفاً، فهل زاد على صدقك عن نفسك وآتاك ما كنت عالماً أنه يأتيك منه؟ فكيف تجزع وأنت تعلم أنه ليس لما وقع مرد، ولا لما ذهب مرتجع؟ قال فيلسوف: الكرام أصبر نفوساً، واللئام أصبر أبداناً.
قال رجل لفيلسوف: ما أبخر فاك!! قال: لا تعجب من هذا، فقد عفنت مساويك في صدري أفلا أخرجها ثم أعطيك شيئاً؟! كاتب: أما بعد، فالحمد لله الذي نجاه مما هنا من الكدر، وخلصه قبل الكبر، مما كان بين يديه من الخطر.
(4/170)

كتب غيلان إلى مروان: أعلم أن كل مصيبة لم يذهب فرح ثوابها حزنها فإن ذلك هو الحزن والمصيبة العظمى.
قال بزرجمهر: يستحب من الخريف الخصب، ومن الربيع الزهر، ومن الجارية الملاحة، ومن الغلام الكيس، ومن الغريب الأنقباض.
يقال: الهوى شريك العمى.
قال فيلسوف: الهالك على الدنيا رجلان: رجل نافس في عزها، ورجل أنف من ذلها.
قال أعرابي: الحسود لا يسود.
وجد في كتاب لجعفر بن يحيى أربعة أسطر بالذهب: الرزق مقسوم، والحريص محروم، والبخيل مذموم، والحسود مغموم.
قال فيلسوف: من زاد أدبه على عقله كان كالراعي الضعيف مع غنم كثيرة.
لمنصور النمري إلى هارون: والله يا أمير المؤمنين ما وخزتنا
(4/171)

شوكتهم ولا أمضتنا قرحتهم، وإنما نحن حرمة من حرمك، وطرف من أطرافك، ننشدك الله أن لا تغضب لنا بأن لا تغضب علينا، وأن لا تنتقم فينا بأن لا تنتقم منا.
دخل سالم السندي على عمر بن عبد العزيز رحمه الله فقال له: يا سالم، أسرك ما وليت أم ساءك؟ فقال: سرني للناس وساءني لك، قال: فإني أتخوف أن أكون أوبقت نفسي، فقال: ما أحسن حالك إن كنت تخاف، وإنما أخاف أنك لا تخاف، قال: عظني، قال: إن أبانا أخرج من الجنة بخطيئة واحدة.
كاتب: أتيتك وافداً بذنوبي على عفوك، واثقاً لعقوقي ببرك، لا مستظهراً عليك بشفيع قدمته، خلا تطولك بالعفو على الإخوان، وتفضلك عليهم بالإحسان.
قال هارون للفضيل بن عياض: ما أزهدك!! قال: أنت أزهد مني يا أمير المؤمنين، قال: كيف؟ قال: لأني أزهد في الدنيا وهي فانية، وأنت تزهد في الآخرة وهي باقية.
كاتب، يقال هو إسحاق بن يحيى، كتب إلى آخر يهنيه ببنت:
(4/172)

رب مكروه أعقب منفعة، ورب محبوب أعقب مضرة، وخالق المنفعة والمضرة أعلم بمواضع الخيرة.
قال فيلسوف: أعجب ما في الإنسان أن ينقص ماله فيقلق، وينقص عمره فلا يقلق.
كاتب، هذا يوم قد سبقت فيه العادة بإلطاف الأتباع للسادة، وكانت البضاعة تقصر عما تبلغه الهمة، فكرهت أن أمسك عن الهدية فأخرج عن حكم السنة، وكرهت أن أهدي فلا أبلغ مقدار الواجب، فجعلت هديتي أبياتاً وهي: الوافر
ولما أن رأيت ذوي التصافي ... تباروا في هدايا المهرجان
جعلت هديتي وداً مقيماً ... على صرف الحوادث والزمان
وعبداً حين تكرمه ذليلاً ... ولكن لا يقيم على الهوان
يزيدك حين تكرمه خضوعاً ... ويرضى من نوالك بالأماني
قال بعض الزهاد: العالم طبيب هذه الأمة، والدنيا داؤها، فإذا كان الطبيب يطلب الداء فمتى يبرأ غيره؟ قال آخر: لا يزال العبد بخير ما قال لله وعملا لله.
قال الأحنف: ثلاثة لا ينتصفون من ثلاثة: حليم من جاهل،
(4/173)

وبر من فاجر، وشريف من دنيء.
قال كسرى لبزرجمهر: أي الناس أحب إليك أن يكون عاقلاً؟ قال: عدوي، قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنه إذا كان عاقلاً فإنك منه في عافية.
قيل لفيلسوف: ما العقل؟ قال: اعتدال الطبائع.
وقال فيلسوف: إذا فقد الإنسان العقل والتوفيق لم يصلح له شيء من أموره.
قيل لبزرجمهر: تعال حتى نتناظر في القدر، قال: وما أصنع بالمناظرة؟ رأيت ظاهراً دل على باطن: رأيت أحمق مرزوقاً، وعالماً محروماً، فعلمت أن التدبير ليس إلى العباد.
قال ابن أبي طاهر، حدثني أبو تمام قال: حدثني شيخ من كلب عن شيخ منهم قال: كنت مع يزيد بن حاتم بأفريقية، وكنت به خاصاً، فعرض عليه تاجر درعاً فأكثر تقليبها ومداولة صاحبها، فقلت له: أصلح الله الأمير، فعلام تلوم السوقة؟ فقال: ويحك، إني لست أشتري أدراعاً، إنما أشتري أعماراً.
(4/174)

قال أحمد بن يزيد حدثني أب عن عمه حبيب بن المهلب قال: ما رأيت رجلاً قط مستلئماً في حرب إلا كان عندي رجلين، وما رأيت رجلين حاسرين في حرب قط إلا كانا عندي بمنزلة رجل واحد.
قال علي عليه السلام: الحرص مقدمة الكون.
قيل لصوفي: لم لا تعمل عملاً؟ قال: إذا كان مستعملي قد أراحني فما وجه فضولي وتكلفي؟ شاعر: الطويل
إذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا
وصار على الأدنين كلاً وأوشكت ... صلات ذوي القربى له أن تنكرا
فسر في بلاد الله وألتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
قيل لأعرابي: أيسرك أن تكون أحمق وأن لك مائة ألف درهم؟ قال: لا، قيل: ولم؟ قال: لأن حمقة واحدة تأتي على مائة ألف درهم وأبقى بعدها أحمق.
قيل لصوفي: على من تعول في معاشك؟ قال: على لطف من
(4/175)

نقلني إلى الوجود من العدم، وتولاني في اليقظة والحلم.
كان أيمن بن خريم الأسدي مكيناً عند معاوية، وكان يكثر ذكر الجماع، وكان معاوية قد ضعف، فقال له يوماً: ما بقي من طعامك وشرابك وقوتك يا أيمن؟ فقال: آكل الجفنة الكثيرة الودك والعراق، وأشرب الزكرة العظيمة ولا أنقع، وأركض المهر الأرن فأحضر، وأجامع من أول الليل إل السحر. قال: فساءه ذلك وقدح في نفسه، وذلك أن فاختة كانت تسمع من وراء حجاب، فجفاه معاوية، فشكا أيمن ذلك إلى امرأته فقال له: لعلك أذنبت ذنباً أو أشعث سراً، قال: لا بالله ما لي ذنب، قالت: صف ما أنت أحدث عهداً به معه، فأخبرها الخبر، فقالت: هذا الذي أغضبه عليك، قال: فأصلحي ما أفسدت، قالت: كفيتك؛ فأتت معاوية فوجدته جالساً للناس، فدخلت إلى فاختة فقالت: ما لك؟ قالت: جئت أستعدي على أيمن إلىمعاوية، قالت: وما ذاك؟ قالت: ما أدري رجل هو أو امرأة، وما كشف لي ثوباً منذ تزوجني، قالت: فأين قوله لمعاوية كذا وكذا؟ قالت: ذاك الباطل، فأقبل معاوية فقال: من هذه؟ قالت: هذه امرأة أيمن جاءت تشكوه، قال: وما لها؟ قالت: زعمت أنها لا تدري أرجل هو أو امرأة، وأنه ما كشف لها ثوباً منذ تزوجها، قال: أكذلك؟ قالت: نعم، فرق بيني وبينه، فرق الله بينه وبين روحه، قال: أو خير من ذلك ابن عمك وقد صبرت عليه دهراً، فأبت، فلم يزل معاوية يطلب إليها حتى أسمحت،
(4/176)

فأعطاها وأحسن إليها؛ ثم إن أيمن دخل على معاوية فأنشده: المتقارب
لقيت من الغانيات العجابا ... لو أدرك مني العذارى الشبابا
يرضن بكل عصا رائض ... ويصبحن كل غداة صعابا
إذا لم تنلهن من ذاك ذاك ... بغينك عند الأمير الكذابا
إذا لم يخالطن كل الخلاط ... أصبحن مخرنطمات غضابا
يميت العتاب خلاط النساء ... ويحيي اجتناب الخلاط العتابا
قال خالد لبلال بن أبي بردة في كلام جرى: إن من سبقته فقد فته، وإن من سبقك فقد فاتك، فقال له بلال: فإنك قد سبقك أجلك أفتفوته؟ وقد سبقك رزقك أفيفوتك؟ فأفحم خالد.
قال المدائني: كان الحجاج حسوداً لا ينسى صنيعة إلا أفسدها، فلما وجه عمارة بن تميم اللخمي إلى ابن الأشعث وعاد بالفتح حسده، فعرف ذلك عمارة وكره منافرته، وكان عاقلاً رفيقاً، فظل يقول: أصل الله الأمير، أنت أشرف العرب، من شرفته شرف، ومن صغرته صغر، وبابن الأشعث وخلعه؛ حتى استوفد عبد الملك الحجاج وسار عمارة معه يلاطفه ولا يكاشفه، وقدموا على عبد الملك، وقامت الخطباء بين يدي عبد الملك في أمر الفتح، فقام
(4/177)

عمارة فقال: يا أمير المؤمنين، لقد أظهر الطاعة وأبلى الجميل وأظهر البأس من أيمن الناس نقيبة، وأعفهم سريرة؛ فلما بلغ آخر التقريظ قال عمارة: فلا رضي الله على الحجاج يا أمير المؤمنين ولا حفظه ولا عافاه، فهو الأخرق السيء التدبير الذي قد أفسد عليك العراق، وألب الناس عليك، وما أتيت إلا من خرقه وقلة عقله وفيالة رأيه وجهله بالسياسة، ولك يا أمير المؤمنين منه أمثالها إن لم تعزله، فقال الحجاج: مه يا عمارة، فقال: لامه ولا كرامة، يا أمير المؤمنين، كل امرأة لي طالق وكل مملوك لي حر إن سرت تحت راية الحجاج أبداً، فقال عبد الملك: ما عندنا شيء أوسع لك؛ فلما انصرف عمارة إلى منزله أرسل إليه الحجاج: إني لأظن شيئاً أخرجك إلى هذه المعتبة، فانصرف فلك عندي العتبى، فأجاب عمارة: إني ما كنت أظن عقلك بلغ بك كل ما أرى، أأرجع إليك بعد أن قلت لك عند أمير المؤمنين ما قلت؟ لا ولا كرامة.
قال ثعلب في المجالسات: إذا قلت: هذا الجيش مقبلاً أردت الشخص.
قال ثعلب، قال النضر بن شميل: سمعت أعرابياً حجازياً باع بعيره يقول: أبيعكه يشبع عرضاً وشعباً؛ والشاعب: البعير يهتضم الشجر من أعلاه، والعارض: الذي بيأكل من أعراضه.
قال ثعلب: المؤوب مثل المعوب هو المقور المأخوذ من حافاته؛ أوب الأديم وقوره واحد.
(4/178)

وقال ثعلب، قال إسحاق الموصلي: حدثني شيخ من بني أمية قال، قال سعيد بن العاص: ما وصلت من ألجأته إلى أن ينتح كما ينتح الحميت، يعني يرشح، والحميت: النحي المربوب.
قال، وذكر عن أبي صالح الفزاري أنه قال في وصف ناقة: إذا اكحالت عينها، وأللت أذنها وسجح خدها وهدل مشفرها وأستدارت جمجمتها فهي كريمة.
قال ثعلب: مات أبو طالب وخديجة عليهما السلام في عام واحد وهو عام الهجرة، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحزن.
وأنشد ثعلب: البسيط
لا تسأل الناس عن مالي وكثرته ... قد يفقر المرء يوماً وهو محمود
أمضي على سنة من والد سلفت ... وفي أرومته ما ينبت العود
مطالب بتراث غير مدركه ... محسد والفتى ذو الفضل محسود
قال ثعلب: الأقتماع: إدخال الرجل رأسه إلى داخل، والأختناث إخراج رأسه إلى خارج، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن اختناث الأسقية.
(4/179)

قال ثعلب: وحدثني المأمون عن الزبير بن بكار قال: لما مات حرب بن أمية بالمدينة قالوا: واحرباه، ثم نقلوا فقالوا: واحرباه.
أصحابنا لا يرون هذا حقاً لكني رويت كما وجدت.
كتب الحسن بن وهب إلى الطائي الشاعر: أمتعني الله بما وفد علي من موافقتك، وبلوغ الوطر كل الوطر من انضمام إليك واجتماع بعينك زادك الله في النعمة بطول حياتك، وتراخي أيامك، وغفلة الدهر عنك، وعن حظي منك. كتابي بأبي أنت وأمي وطار في وتالدي، وكتابك في يدي، وفلان عندي، ونحن نصعد ونصوب في الشعر العجيب الذي أنفذته في درجه، وبيننا من ذكرك أطيب من روائح الرياض غب القطار، والحال سارة، والعافية شاملة، نحمد الله على النعمة، ونسأله حسن النماء والزيادة؛ وذكرت مشاركتك إياي في المصيبة، وما كان أحوجني حين طرقت الأيام بها أن تكون حاضراً فتربط قلباً، وتمسك صلباً، فإنها كانت حالاً وافت غريراً بها، شديد الغفلة عنها، حتى يكون كأنني لا أحسب الأيام على هذه الخليقة ولا الدهر على هذا العادة. فسبحان الله لهذا السهو الطويل، والتفريط الذي لا يشبه السفيه فضلاً عمن يجب أن يقال له عاقل حكيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون؛ لا زالت أقدار السوء تسقط دونك، والردى يخطئك، وكلاءة الله تحضرك.
قال أبو حازم الأعرج: والله ما أنت بسابق أجلك، ولا بالغ أملك، ولا مرزوق ما ليس لك.
اشتكى عبد الرحمن بن زياد، فكتب إلى بكر بن عبد الله المزني يسأله أن يدعو له، فكتب إليه: حق لمن عمل ذنباً لا عذر له فيه، وخاف موتاً
(4/180)

لا بد له منه، أن يكون مشفقاً، وسأدعو لك، ولست أرجو أن يستجاب لي بقوة في عمل ولا براءة من ذنب، والسلام.
قال ابن أبلي طاهر، حدثني حبيب، يعني أبا تمام قال، قال أعرابي: من جاد بماله فقد جاد بنفسه، إلا يكن جاد بها فقد جاد بقوامها.
قال ابن أبي طاهر، وحدثني حبيب قال: حدثني شيخ من بني عدي بن عمرو قال: نزلت عندنا أحوية من طيء، فكنت أتحدث إلى فتى يتحدث إلى ابنة عم له وهو من أقرح الناس كبداً؛ قال: فسار فريقها الأدنى إلى الغور، وغبر في أهل بيته، فاشتد جزعه فقال: يا ابن عم، إن الصبر على المحبوب أشد من الصبر على المكروه.
وقال آخر: كنا مع أبي علي وأبي هفان، فجعل أبو هفان يتنادر بشيء من ذكر الخرا، فقال أبو علي لسعيد بن حميد: يا أبا عثمان لا تلمه، فإن ذبابته لا تطن إلا عليه.
وقال ابن أبي طاهر: رأيت أبا علي البصير وقد قام لعبيد الله بن يحيى فقال: يا أبا الحسن أراك الله في عدوك ما يعطفك عليه.
قال إنسان لأبي علي، حسني: أنت منحرف عن أهل البيت،
(4/181)

وأنت ترى أنك ترفض، فقال أبو علي: والله ما أعيا عن جوابك، ولا أعمى عن مسابك، ولكني أكون لنسبك خيراً منك له.
أنشد العتبي للنجاشي: الطويل
وأحلف ما شتمي لكم إن شتمتكم ... بسر ولا مشيي لكم بدبيب
ولا ودكم عندي بعلق مضنة ... ولا سخطكم عندي بجد مهيب
كاتب: أما بعد، فإنه لا شيء أدل على مضمر جفاء، وقلة وفاء، من ترك الزيارة في المحضر، والمكاتبة في المغيب، وكل ذلك قد بدا لنا منك، فإن حملنا أمرك على سبيل الرأي، وسلكنا بك نهج الحزم، فقد صفرت أيدينا منك، وفقدناك من عدد إخوانك، وإن سامحنا فيك الهوى واتبعناه، وجرينا في عنانه وأطعناه، فعن قليل يصيرؤ الظن إيقاناً، والشك عرفاناً.
قال أعرابي: من هزل جواده في الرخاء قام به في الشدة؛ يقال: هزل غيره وهزل هو، وأهزل إذا هزلت ماشيته، والهزل منه، كأنه كلام غث ليس بسمين.
وأنشد: الوافر
لعمرك لم أبح لهم بسر ... جعلت بحفظه صدري ضنينا
ولكن رجموا ظنا فلما ... ذعرت لظنهم علموا يقينا
ومن يرني نحيف الجسم أبكي ... بلا شك يظن بي الظنونا
(4/182)

قال ميمون بن مهران: الطالب في حيلة والمطلوب في غفلة، والناس منهما في شغل.
قال بعض البلغاء: إذا كنت ذا لسان قوي وقلب ذكي تحسن بهما تفصيل ما يكره أن يفصل، وتبلغ بهما توصيل ما يجب أن يوصل، فاذكر الزلل، وما نسب إليه المتكلم من الخطأ والخطل، وكن حذراً كأنك غر، وفطناً كأنك غافل، وذاكراً كأنك ناس، والزم الصمت إلى أن يلزمك التكلم، فما أكثر من يندم إذا نطق، وأقل من يندم إذا سكت.
شاعر: الكامل المجزوء
روح فؤادك بالرضا ... ترجع إلى روح وطيب
لا تيأسن وإن أل ... ح الدهر من فرج قريب
كان محمد بن المنكدر يقول: اللهم قو فرجي لأهلي فإنه لا قوام لهم إلا به.
أهدى فلان إلى إسماعيل الأعراج فالوذجة زنخة وكتب: إني اخترت لعملها جيد السكر السوسي، والعسل الماذي، والزعفران الأصفهاني.
(4/183)

فأجابه: برئت من الله إن لم تكن قد عملت هذه الفالوذجة قبل أن تمصر أصفهان، وقبل أن تفتح السوس، وقبل أن يوحي ربك إلى النحل.
سئل الشعبي عن مسألة فقال: لا علم لي بها، فقالوا: ألا تستحي؟ فقال: ولم أستحي مما لم يستحي منه الملائكة حين قالت " لا علم لنا " البقرة: 32؟ قال ابن الأعرابي: ما لهذا الغناء يخرج من جلجلان القلب إلى قمع الأذن؟ ويقال: ضربت لهذا الأمر حيزومي، أي عرفته وصبرت نفسي عليه.
يقال: فسكلت في كلامك إذا لحنت.
ويقال: فلان معصور منصور إذا كان للنعمة عليه آية وأثر.
ويقال: جمعت هذا المال من عسي وبسي؛ العس: الاحتيال، والبس: بلوغ الجهد.
(4/184)

ويقال: سمعت بذلك ولا أناث الآن مغيبه ومغتابه؛ وكان فلان ثمالاً أي مغتاباً.
قال إبراهيم بن شكلة: أفضل المغنين من رق صوته، وأطرب سماعه، ودام صوابه، وحسنت أداته. وأفضل الغناء ما كان في وصف شجى، أو تذكر سكن، أو نعت شوق، أو شكوى فراق، وأفضل النزهة وجه سماء، وصفوة هواء، وغدير ماء، وخضرة كلاء، وسعة فضاء.
قال فيلسوف: العاقل لا يتفل في بئر يشرب منها، والبار لا يلعن الصلب الذي خرج من متنه، والشاكر من لا يشتم الرحم التي اشتملت عليه.
قيل للحسين بن علي رضي الله عنهما: ما الكرم؟ قال: التبرع بالمعروف، والإعطاء قبل السؤال، والإطعام في المحل.
قال المغيرة بن شعبة: الرجال أربعة، والنساء أربع: فإذا كان الرجل مذكراً والمرأة مذكرة كابدا العيش؛ وإذا كان الرجل مؤنثاً والمرأة مذكرة كان الرجل هو المرأة والمرأة هي الرجل؛ وإذا كان الرجل مؤنثاً والمرأة مؤنثة ماتا هزلاً؛ وإذا كان الرجل مذكراً والمرأة مؤنثة طاب العيش.
(4/185)

شاعر: البسيط
اليأس أبقى لماء الوجه من طمع ... والصبر أفضل في المكروه من جزع
ولست مدرك شيء أنت طالبه ... إن كان شيئاً به الأقدار لم تقع
قال الأحنف: لم تزل العرب تستخف بأبناء الإماء حتى لحق هؤلاء الثلاثة: علي بن الحسين، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، فاستقل بنو الإماء ولحقوا بهم.
قيل لصوفي: ما صناعتك؟ قال: حسن الظن بالله وسوء الظن بالناس.
قال دغفل البكري: حمى النعمان ظهر الكوفة، قال: ومن ثم قيل: شقائق النعمان، فخرج النعمان يسير في ذلك الظهر فإذا هو بشيخ يخصف نعلاً فقال: ما أولجك ها هنا؟ قال: طرد النعمان الرعاء فأخذوا يميناً وشمالاً، فانتهيت إلى هذه الوهدة في خلاء من الأرض، فنتجت الإبل وولدت الغنم
(4/186)

وامتلأت بالسمن، والنعمان ممعتم لا يعرفه الرجل، قال: أو ما تخاف النعمان؟ قال: وما أخاف منه؟ لربما لمست بيدي هذه عانة أمه وسرتها فأجد كأنه أرنب جاثم، فهاج غضباً وسفر عن وجهه فإذا خرزات الملك، فلما رآه الشيخ قال: أبيت اللعن، لا تر أنك ظفرت بشيء، قد علمت العرب أنه ليس بين لابتيها أكذب مني، فضحك النعمان ومضى.
أتي زياد بن عبيد الله الحارثي وهو أمير المدينة بسلال خبيص هدية، فظن أنها فاكهة رطبة فقال: ضعوها وآدعوا مساكين المسجد، فلما جيء بهم وفتحت السلال إذا فيها الخبيص اليابس مما يبقى، فلم تسمح به نفسه فقال: اذهبوا بهؤلاء إلى السجن، قالوا: ولم أصلح الله الأمير؟ قال: لأنكم تقيلون في المسجد وتصلون بغير وضوء، قالوا: فإنا نحلف ألا ندخل المسجد أبداً.
قال صبي لمعلم يستفتحه: " إن أبي يدعوك " القصص: 25، فقال المعلم: هاتوا نعلي، قال الغلام: إنما أستفتحك، قال المعلم: أنكرت أن يفلح أبوك الكشخان.
(4/187)

يقال: من حكمة لقمان أنه كان مع مولاه حتى دخل الخلاء فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان: إن طول الجلوس على الحاجة تتوجع منه الكبد، ويكون منه الداء، ويصعد منه الحر إلى الرأس، فأجلس هوينا وأخرج هوينا، قال: فخرج مولاه وكتب كلماته على باب المخرج.
وأنشد: البسيط
يزين الشعر أفواهاً إذا نطقت ... بالشعر يوماً وقد يزري بأفواه
والمرء يرزق لا من حسن حيلته ... ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي
لا شيمتي تجتوى يوماً ولا خلقي ... وليس حبلي لمن صافيت بالواهي
ما مسني من غنى يوماً ولا عدم ... إلا وقولي عليه: الحمد لله
فصل للجاحظ: وقد صرت أهابك لفضل هيبتي له، واجترىء عليك بفرط بسطك، فمعي في ذلك حرص الممنوع، وخوف المشفق، وأمن الواثق، وقناعة الراضي، وبعد فما طلب ما لا يجاد به، وسأل ما لا يوهب مثله، ممن يجود بكل ثمين، ويهب كل خطير، فواجب أن تكون من الرد مشفقاً، وبالنجح موقناً.
نظر مخنث إلى مسجد لطيف نظيف فقال لآخر: أما ترى هذا المسجد ما أملحه، ولا يصلح والله إلا أن يحمل في السفر.
(4/188)

قال ثعلب، حدثنا أبو العالية قال: مر قوم من بني سليم برجل من مزينة يقال له نضلة، في إبل له، فاستسقوه لبناً فسقاهم، فلما رأوا أنه ليس في الإبل غيره ازدروه فأرادوا أن يستاقوها، فجالدهم حتى قتل منهم رجلاً وأجلى الباقين عن الإبل، فقال في ذلك رجل من بني سليم: الوافر
ألم تسأل فوارس من سليم ... بنضلة وهو موتور مشيح
رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح
فشد عليهم بالسيف صلتاً ... كما عض الشبا الفرس الجموح
وأطلق غل صاحبه وأردى ... قتيلاً منهم ونجا جريح
ولم يخشوا مصالته عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريح
نظر مخنث إلى رجل يتبختر من ولد أبي موسى فقال: انظروا إلى من خدع أباه عمرو بن العاص.
قال أبو هفان، حدثني محمد بن حرب قال: دخلت على العتابي في منزله فإذا هو قاعد على مصلاه بلا تكأة وبين يديه شراب في إناء، وكلب
(4/189)

رابض في الفناء، وإذا هو يشرب كأساً ويولغه أخرى، فقلت له: سبحان الله، أنت في نبلك وهذا فعلك؟! قال: إنه يكف عني أذاه، ويمنعني أذى سواه، ويشكر قليلي، ويحفظ مبيتي ومقيلي، قال: فوصفه على البديهة بصفة لو كان غيري لتمنى أن يكون كلباً ليدخل في حسن جملة تلك الصفة.
قالت امرأة لحمصي كان تزوجها: يا أفطس يا كشخان؛ فسجد لله تعالى وقال: إن كنت صادقة فواحدة من الله تعالى والأخرى منك.
رأى أبو القمقام الهلال على وجه بصرية فقال لها: أضحكي في وجهي وخذي هذا الدينار مني، فاستظرفته وأخذت الدينار عبثاً، فقال: قد تفاءلت بوجهك فما لي عندك؟ قالت: أرد دينارك، قال: هذا كما كنا، فأين حلاوة الفأل وصدقه، فأعطته ديناراً، فقال: التجارة بركة والخديعة غنى.
لبعض المازنيين: الكامل
ختم الإله على لسان عذافر ... ختماً فليس على الكلام بقادر
وإذا أراد النطق خلت لسانه ... لحماً يحركه لصقر نافر
رأى يحيى بن أكثم غلاماً أمرد حسن الوجه في دار المأمون
(4/190)

فقال: " لولا أنتم لكنا مؤمنين " سبأ: 31، فرفع إلى المأمون فعاتبه فقال: يا أمير المؤمنين، كان انتهى درسي إلى ذلك الموضع؛ فضحك منه.
قال أحمد بن أبي خالد: دخلت على المأمون وهو قاعد يصفي نبيذاً، فبادرت لأتولى ذلك فقال: مه! أنا أجد من يكفيني هذا، ولكن مجراه على كبدي فأحببت أن أتولاه بيدي.
قال عبيد الله بن زياد: نعم الشيء الإمارة لولا قعقعة البريد وتشزن المنبر.
قال الحسن رحمه الله: نعم الله أكثر من أن تشكر إلا ما أعان الله عليه، وذنوب بني آدم أكثر من أن تسلم إلا ما عفا عنه.
شاعر: الكامل
نشرت غدائر شعرها لتظاني ... حذر العداة من العيون الرمق
فكأنها وكأنني وكأنه ... قمران باتا تحت ليل مطبق
كاتب: أفضل القول ما كان سداداً، وأفضل العقل ما كان رشاداً.
(4/191)

قال فيلسوف: الكلام فيما يعنيك خير من السكوت عما يضرك، والسكوت عما يضرك خير من الكلام فيما لا يعنيك.
دخل قوم منزل عابد فلم يجدوا شيئاً يقعدون عليه، فلما تولوا قال لهم: لو كانت دار مقام لاتخذنا لها أثاثاً.
قال كليلة: قد تصل النصال إل الجوف فتستخرج وتندمل جراحها، والقول إذا وصل إلى القلب لم يستخرج.
قال شبيب الخارجي: الليل يكفل الجبان ويصف الشجاع.
قال المأمون لطاهر بن الحسين: يا أبا الطيب، صف لي أخلاق أخي محمد، قال: كان واسع الطرب، ضيق الأدب، فقال: كيف كانت حروبه؟ قال: كان يجمع الكتائب بالتبذير، ويفضها بسوء التدبير، قال: كيف كنتم له؟ قال: كنا أسداً تبيت وفي أشداقها علق الناكثين، وتصبح وفي صدورها قلوب المارقين.
(4/192)

شاعر: الطويل
فكم من أخي عقل ولب ومحتد ... تراه أخا جهد وبؤس يكالبه
وآخر لا يدري من العي والعمى ... من أين تهب الريح تصفو مشاربه
قال بعض السلف: لا يجاهد الطالب جهاد المغالب، ولا يتكل على القدر اتكال المستسلم، فإن ابتغاء الفضل من السنة، والإجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً.
سئل ابن الأعرابي عن قولهم: فلان شديد العارضة، قال: منيع الجانب لا مطمع فيه.
قال ابن هبيرة لخالد القسري: فررت فرار العبد يا أبا المثنى، قال: نعم، حيث نمت نومة الأمة عن عجينها يا أبا الهيثم.
شاعر: الطويل
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... ونال سواكم أجرها وأصطناعها
أبى لك فعل الخير رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بسوء أطاعها
(4/193)

قال بعض الفرس: الناس أربعة: أسد وذئب وثعلب وضأن. فأما الأسد فالملوك يفرسون ويأكلون، وأما الذئب فالتجار، وأما الثعلب فالقوم المخادعون، وأما الضأن فالمؤمن ينهشه من رآه.
مدح أعرابي رجلاً فقال: هو أصح بصراً من العقاب، وأيقظ عيناً من الغراب، وأصدق حساً من الأعراب.
يقال: ثلاثة لم يمن بها أحد فسلم: صحبة السلطان، وإفشاء السر إلى النساء، وشرب السم في التجربة.
قال أعرابي لامرأته: أقام الله ناعيك، وأشمت بك أعاديك.
ذكر رجل عند أعرابي بشدة العبادة فقال: هذا والله رجل سوء، يظن أن الله عز وجل لا يرحمه حتى يعذ نفسه هذا التعذيب؟! قال أعرابي: من خولك نفسه، وملكك خدمته، وتخيرك لزمانه، وجب حقه وذمامه.
كان يقال: إنما يعد البخيل من يقرض إلى ميسرة.
يقال: الغالب بالشر مغلوب، وما ظفر من ظفر به الأثم.
ويقال: لكل شيء فحل، وفحل العقل مجالسة الناس.
(4/194)

قال مكحول في مرضه الذي قضى فيه: اللحاق بمن يرجى عفوه، خير من البقاء مع من لا يؤمن شره.
قال فيلسوف: الشكر محتاج إلى القبول، والحسب محتاج إلى الأدب، والسرور محتاج إلى الأمن، والقرابة محتاجة إلى المودة، والمعرفة محتاجة إلى التجارب، والشرف محتاج إلى التواضع، والنجدة محتاجة إلى الجد.
دعبل: الكامل
تمت مقابح وجهه فكأنه ... طلل تحمل ساكنوه فأوحشا
لو كان بأستك ضيق كفك أو لكف ... ك رحب دبرك كنت أكرم من مشى
كان معلم يقعد أبناء المياسير في الظل، وأبناء الفقراء في الشمس، ويقول: يا أهل الجنة، أبزقوا على أهل النار.
خاصم رجل امرأته إلى زياد، فشدد على الرجل، فقال: أصلح الله الأمير، إن خير نصفي الرجل آخرهما، يذهب جهله ويثوب حلمه
(4/195)

ويجتمع رأيه، وشر نصفي المرأة آخرهما، لسوء خلقها وحدة لسانها ولعقم رحمها، فقال: أسفع بيدها.
أنشد: الرمل
رب قوم غبروا من عيشهم ... في نعيم وسرور وغدق
سكت الدهر زماناً عنهم ... ثم أبكاهم دماً حين نطق
قال العباس بن الحسن العلوي: أعلم أن رأيك لا يسع كل شيء ففرغه للمهم من أمورك، وأن مالك لا يغني الناس كلهم فاخصص به أهل الحق، وأن أكرامتك لا تطيق العامة فتوخ بها أهل الفضل، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حوائجك فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك.
قالت الخنساء: النساء يحببن من الرجال المنظراني الغليظ القصرة، العظيم الكمرة، الذي إذا طعن حفر، وإذا أخطأ قشر، وإذا أخرج عقر.
(4/196)

لابن المكاري في ابن طاهر: الكامل
يا أيها الملك الذي في كفه ... صرف الزمان وصولة الحدثان
هل كنت إلا البحر صادف لجة ... فجرى بطوفان على طوفان
ولأنت أثقل إن وزنت من الورى ... من أن يقوم بعدلك الثقلان
أنشد: الطويل
وكأس سبتها التجر من أرض بابل ... كرقة ماء الدمع في الأعين النجل
إذا شجها الساقي حسبت حبابها ... عيون الدبا من تحت أجنحة النحل
نظر بعض الأعاجم إلى شيبة في عارضه فقال لنسائه: أندبنني إذ مات بعضي لأعرف كيف تندبنني إذا مات كلي.
قال فيلسوف: أربع خصال يهدمن البدن: دخول الحمام على البطنة، والجماع على الشبع، وأكل القديد الجاف، وشرب الماء البارد على الريق.
قال أعرابي في امرأة: خلوت بها والقمر يرينيها فلما غاب أرتنيه.
(4/197)

قال بعض الرافضة، قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: يوم السبت يوم مكر وخداع، ويوم الأحد يوم عرس وبناء، ويوم الأثنين يوم سفر وابتغاء رزق، ويوم الثلاثاء يوم حرب ودم، ويوم الأربعاء يوم أخذ وإعطاء، ويوم الخميس يوم دخول على الأمراء وطلب الحوائج، ويوم الجمعة يوم خلوة ونكاح.
قيل لرجل كانت امرأته تشاره: أما أحد يصلح بينكما؟ فقال: لا، قد مات الذي كان يصلح بيننا، يعني أيره.
أنشد: البسيط
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تمنعهم القلل
وأستنزلوا بعد عز من معاقلهم ... وأنزلوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهم صائح من بعد دفنهم ... أين الأسرة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت محجبة ... من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم ... تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طال ما أكلوا فيها وما نعموا ... فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
يقال: أعجب الأشياء بديهة أمن وردت في مقام خوف.
قال إسحاق: وجد علي الفضل بن الربيع في غيبة غبتها عنه
(4/198)

فهجرني أياماً فكتبت إليه: إن لكل ذنب عفواً أو عقوبة، فذنوب الخاصة عندك مستورة مغفورة، فأما مثلي من العامة فذنبه لا يغفر، وكسره لا يجبر، فإن كان لا بد من عقوبة فعاقبني بإعراض لا يؤدي إلى مقت.
كاتب: أما بعد فإن جميل الأخلاق وإن كان لا مرجوع له أفضل من ذميم الأخلاق وإن تعجل الأستمتاع به، فلا يمنعنك من فعال العرف تخوف من كفره، ولا من النصح جهل من نصحت له، فإن أقل ما في ذلك اللحاق بأهل الفضل وإحراز العرض من الذم، ولعلهما يجمعان لك.
قالت الحكماء: من أكثر من وعي الحكمة أوشك أن ينطق بها.
قال معاوية: معروف زماننا هذا منكر زمان قد مضى، ومنكر زماننا هذا معروف زمان يأتي.
وكتب الأحنف إلى آخر: أما بعد فافرغ من جهادك، وزم زادك، وكن وصي نفسك، ولا تجعل الرجال أوصياءك.
قال أعرابي: الصمت أجلب للمودة، وأعمل فيالمهابة، وأزيد في الصيانة، وأبقى للجسد.
بصق عبد الملكبن مروان فقصر فوقع بصاقه فوق البساط،
(4/199)

فقام رجل يمسحه بثوبه، فقال عبد الملك: أربعة لا يستحيى من خدمتهم: السلطان والوالد والضيف والدابة، وأمر للرجل بصلة.
قال العتابي: إذا نزلت من الوالي بمنزلة الثقة فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثر له من الدعاء في كل كلمة، فإن ذلك يشبه الوحشة، وعظمه ووقره عند الناس.
سمع أعرابي رجلاً يقع في السلطان فقال: ويحك، إنك غفل لم تسمك التجارب، وفي النصح لدغ العقارب، وكأنني بالضاحك إليك باك عليك.
عزى عطاء بن أبي صيفي يزيد: رزئت خليفة الله وأعطيت خلافة الله؛ قضى معاوية نحبه، فغفر الله عز وجل له ذنبه، وأعطيت بعده الرياسة ومنحت السياسة، فاحتسب عظيم الرزية، واشكر على حسن العطية.
عزى محمد بن الوليد بن عتبة عمر بن عبد العزيز رحمه الله على ابنه عبد الملك فقال عمر: هل رأيت حزناً وغفلة؟ قال: يا أمير المؤمنين، لو أن رجلاً ترك تعزية رجل لعلمه وتيقظه لكنت ذاك، ولكن الله عز وجل قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين.
(4/200)

قال شعيب بن الحبحاب: الحزن ينضو كما ينضو الخضاب، ولو بقي الحزن على أحد لقتله.
وعزى رجل سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تجعل أول أمرك كآخره فافعل؛ فكان ذلك مما سكن منه.
هرب الربيع بن العلاء التيمي من الطاعون وهو أبو اثني عشر ولداً، فماتوا جميعاً فقال يرثيهم: الوافر
دفنت الدافعين الضيم عني ... برابية مجاورة سناما
أقول إذا ذكرتهم جميعاً ... بنفسي تلك أصداء وهاما
فلم أر مثلهم هلكوا جميعاً ... ولم أر مثل هذا العام عاما
قيل لمديني: ما عندك من آلة الصيدة؟ قال: الماء.
ضجر أعرابي من كثرة العيال، وبلغه أن الوباء بخيبر شديد، فخرج إليها بعياله يعرضهم للموت وقال: الرجز
قلت لحمى خيبر: استعدي ... هاك عيالي فاجهدي وجدي
وباكري بصالب وورد ... أعانك الله على ذا الجند
(4/201)

فأخذته الحمى فمات وبقي عياله.
نزل النعمان برابية فقال له رجل: أبيت اللعن، لو ذبح رجل، أي موضع كان يبلغ دمه من هذه الرابية؟ قال: المذبوح والله أنت، ولأنظرن إلى أين يبلغ دمك، فقال رجل ممن حضر: رب كلمة تقول لقائلها: دعني.
لابن الجهم: الكامل
فارقتكم وحييت بعدكم ... ما هكذا كان الذي يجب
إني لألقى الناس معتذراً ... من أن أعيش وأنتم غيب
أو لم طفيلي على ابنته فأتاه كل طفيلي، فلما رآهم عرفهم ورحب بهم، ثم أدخلهم فرقاهم إلى غرفة بسلم ثم أخذ السلم حتى فرغ من إطعام الناس، فلما لم يبق أحد أنزلهم وأخرجهم.
قال غسان قاضي الكوفة: قرأت على باب نوبهار ببلخ مكتوباً: قال بيوراسف: أبواب الملوك تحتاج إلى ثلاث: إلى عقل وصبر ومال. وأسفل منه: كذب بيوراسف العاض بظر أمه، فإن الواجب على الحر إذا كان معه واحد منها ألا يلزم السلطان.
قال بعض النساك: لا تصافين من لا شعر في عارضيه ولو كانت الدنيا خراباً إلا منه.
(4/202)

أنشد: الكامل
إن الرجال إذا اختبرت طباعهم ... ألفيتهم شتى على الأخبار
لا تعجلن إلى شريعة مورد ... حتى تبين خطة الإصدار
قال بعض الزهاد: قد أعياني أن أنزل على رجل يعلم أني لست آكل من رزقه شيئاً.
كان الحكم بن المطلب من أبر الناس بأبيه، وكان أبوه يحب ابنه حارثاً حباً مفرطاً، وكان بالمدينة جارية مشهورة بالجمال، فاشتراها الحكم بمال جليل، فقال له أهلها: دعها عندنا حتى نصلح من أمرنا ونزفها إليك، فتركها حتى يجهزوها ويزفوها، وتهيأ الحكم بأجمل ثيابه وتطيب وأنطلق إلى أبيه ليراه، فدخل عليه وعنده ابنه الحارث، فلما رآه أبوه أقبل عليه فقال: إن لي إليك حاجة، قال: يا أبة، إنما أنا عبدك فمرني بما أحببت، قال: هب لي هذه الجارية للحارث أخيك، وأعطه ثيابك هذه التي عليك، ودعه يدخل عليها فإني لا أشك أن نفسه تاقت إليها، فقال الحارث: لم تكدر على أخي لذته، وتفسد علي قلبه؟ وذهب ليحلف، فبدر الحكم فقال: هي حرة لوجه الله تعالى إن لم تفعل ما أمرك أبي، فإن طاعتي له أسر إلي من الجارية، وخلع ثيابه وألبسه إياها وأنفذها إليه، ثم إن الحكم تخلى من الدنيا ولزم الثغور حتى مات بمنبج.
(4/203)

مزرد: الطويل
ولما غدت أمي تزور بناتها ... أغرت على العكم الذي كنت أمنع
لبكت بصاعي حنطة صاع عجوة ... إلى صاع سمن فوقه يتريع
ودبلت أمثال الأثافي كأنها ... رؤوس نقاد قطعت يوم تجمع
وقلت لبطني أبشري اليوم إنه ... حمى أمنا مما تحوز وتجمع
فإن كنت مصفوراً فهذا دواؤه ... وإن كنت غرثاناً فذا يوم تشبع
يقال: قعرت البحر: بلغت قعره، وقعرت الإناء: شربت ما فيه، وأقعرته: جعلت له قعراً.
ويقال: خرج به خراج ولا يقال: عليه.
يقال: استعرض من شيت فسله.
(4/204)

يقال: النقب في خفي البعير، والحفا في رجليه.
قال أبو عمرو بن العلاء: خرجنا حجاجاً، واكترينا من رجل، فجعل يرتجز في طريقه إذ حدا بنا ولا يزيد على قوله: الرجز يا ليت شعري هل بغت عليه فلما انصرفنا من مكة قالها في بعض الطريق، فأجابه صوت في الظلمة: الرجز
نعم نعم وناكها حجيه ... أحمر ضخم في قفاه كيه
فأسكت الرجل، فلما صرنا إلى البصرة أخبرنا قال: دخل علي جيراني يسلمون، وإذا فيهم رجل ضخم أحمر، قلت لأهلي: من هذا؟ قالوا: رجل كان ألطف جيراننا بنا وأحسنهم تعهداً بنا فجزاه الله خيراً؛ فلما ولى إذا أثر كي في قفاه، فقلت للمرأة: ما أسمه؟ قالت: حجية، قلت: الحقي بأهلك فقد أتاني خبر حجية.
اشتهت امرأة مزبد عليه الجراد فسأل عن سعره فقيل: المد بدرهم، فقال: والله لو كان الدجال ينزل المدينة وأنت ماخض بالمسيح ما اشتريته لك بهذا السعر.
جاءت امرأة أبا اعطوف القاضي برجل فقالت: إن هذا افتض ابنتي، فقال للرجل: أفعلت؟ قال: نعم، قال: ولم؟ قال: لاعبتني آمرة مطاعة فقمرتني، فأدخلت في أستي دستة الهاون، ولاعبتها فقمرتها ونكتها،
(4/205)

فقال أبو العطوف: يا هذه، إن الذي أدخلت ابنتك في است هذا أشد مما أدخل هذا في أست ابنتك.
قال الأصمعي: قلت لأعرابي كنت أعرفه بالكذب: أصدقت قط؟ قال: لولا أني أصدق في هذا لقلت: لا.
كان أبو حازم يمر في المقابر ويقول: يا أهل المقابر، أصبحتم نادمين على ما خلفتم، وأصبحنا نقتتل على ما أصبحتم عليه نادمين، فما أعجبنا وإياكم.
أنشد أحمد بن الطيب في رسالته التي يسميها مراح الروح: الطويل
لعمرك إن العز للمرء جده ... وأغنى لمستغن عن الناس كده
وقل الذي يرعاك إلا لنفسه ... وللنفع من بعد الصديق يعده
وليس الفقير للغني بصاحب ... وهيهات لا يستصحب الشيء ضده
فلا تتصل إلا بمن أنت شكله ... فحسبك من سي يداه وحده
إذا شرهت نفسي إلى ذل مطمع ... شفاها من اليأس المصرح رده
ولكنما الدنيا إذا جد صاحب ... تصعد لم يحفل بمن حط جده
لعمرك إن العبد للقرع بالعصا ... وللحر تغليظ الحجاب ورده
قال أحمد بن الطيب: العصبية كما قال رجل من الأفاضل هي أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين.
(4/206)

وأنشد أحمد أيضاً لصالح بن عبد القدوس: الطويل
لئن كنت محتاجاً إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج
وما كنت أرضى الشر خدناً وصاحباً ... ولكنني أرضى به حين أحرج
فإن قال بعض الناس فيه سماجة ... فقد صدقوا والذل بالحر أسمج
قال السيرافي: فإني مقوم، فإني معوج: بالكسر، واستدرك عليه.
قال بعض أصحابنا: بت ليلة بالبصرة مع جماعة من المسجديين، فلما حان وقت السحر حركهم واحد فقال: كم هذا النوم عن أعراض الناس؟ وأنشد أحمد: الكامل
وضغائن داويتها بضغائن ... حتى يمتن وبالحقود حقودا
وعلى ذكر الحقد فممن اعترف بالحقد حتى صيره من أخلاق
(4/207)

الأشراف: عبد الملك بن صالح؛ فإن يحيى بن خالد أو أحد ابنيه الفضل أو جعفر، قال له: أظنك حقوداً، فقال: إن كنت تريد بقولك حقوداً إن للخير من نفسي مكاناً يقتضي الشكر والجزاء، وللشر مكاناً يقتضي الأمتعاض والإباء، فإن ذلك لدي وعندي؛ وإن كنت أردت اللقاء.
قال: ومن الناس من يألف التمرغ في أعراض الناس؛ قيل لرجل من هذا الضرب: كنت دخلت إلى فلان زائراً ومستمنخاً، فما صنع؟ قال: منعني لذة الذم إذ برني ووصلني.
قيل لمحمد بن واسع: ألا تتكىء؟ قال: تلك جلسة الآمنين.
قال أبو عوانة: سأل رقبة بن مصقلة الأعمش عن حديث فلم يجبه، فقال له رقبة: يا أعمش، إنك ما علمت لسريع الملال، دائم القطوب، مستخف بحق الزوار، كأنما تسعط الخردل إذا سئلت الحكمة؛ ولكني أنزلك بمنزلة دواء السقيم، أتصبر عليه لما أرجو من منفعته، فإن إتيانك ذل، وتركك غبن.
قال جراب الريح: جامع عمرو الخوزي امرأته يوماً بسجستان فقالت: إن القصار لا يقصر الثوب مرة ولكن مراراً، تستزيد النيك بهذا المثل، فقال لها: لو كنت تحتاجين إلى أن ينفخ حرك كما أحتاج إلى أن أنفخ أيري لعلمت
(4/208)

أن القصار لا يقصر أبداً.
قيل لأعرابي: أتحب الريف؟ قال: لا، قيل: ولم؟ قال: الريف مبطنة.
أنشد ثعلب في المجالسات لخارجة: البسيط
ما تدلك الشمس إلا حذو منكبه ... في حومة حولها الهامات تبتدر
آل الزبير بحور سيب أنملهم ... إذا دجا الليل في ظلمائه زهروا
قال ثعلب: العرب تسمي السل داء إلياس، وهو إلياس بن مضر، كان أصابه السل.
وقال ثعلب: الخزرج ريح الجنوب.
وأنشد: البسيط
تأتي أمور فلا تدري أعاجلها ... خير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيراً وأرضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير
(4/209)

وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
يبكي عليه غريب ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور
حتى كأن لم يكن إلا تذكره ... والدهر أيتما حال دهارير
قال جراب الريح: مازح رجل عندنا بسجستان عمراً الخوزي فقال له: متى نكت يا عمرو؟ قال: سل امرأتك، فإني قد نسيت وهي أذكر له، فخجل.
وسئل عن امرأته كيف هي وعن حسنها، قال: هي كباقة نرجس، رأسها أبيض، ووجهها أصفر، ورجلها خضراء؛ هكذا قال.
وباع عمرو حماراً فرد عليه وقالوا: إنه أعشى لا يبصر بالليل، فقال: لم أعلم أنكم تريدونه للطلائع والسرايا بالليل، وإذا سافرت فحيث أدركك الليل فانزل وبت.
قال المدائني: دخل أعرابي إلى معاوية ومعه ابنه، فدعاهما إلى الغداء، فكان ابن الأعرابي لا يمر بشيء إلا حطمه، فأمر معاوية أن يحجب الأأعرابي وابنه، فلم يزل الأعرابي يحتال حتى دخل فقال له معاوية: ما فعل التلقامة؟ قال: كظ به يا أمير المؤمنين ساعة خروجه من عندك، قال: قد رأيت ذاك مما يصنع، وعلمت أنه لا ينجو؛ وسهل إذن الأعرابي.
(4/210)

أنشد: الطويل
أرى بصري في كل يوم وليلة ... يكل وخطوي عن مداهن يقصر
ومن يصحب الأيام تسعين حجة ... يغيرنه والدهر لا يتغير
لعمري لئن أمسيت أمشي مقيداً ... لما كنت أمشي مطلق القيد أكثر
قال ثعلب: درع كأن قتيرها حدق الأفاعي، وحدق الجراد وحدق الأساود؛ ورأيت جمعاً مثل الحرجة، وهي جماعة من العضاه تجمع.
قال، ويقال: تكلم بكلام كأنه القطر، لاستوائه، ونطق منطقاً مثل فوائق النبل.
قال: شبوا ناراً مثل الفجر، يعني إيقادها ولهبها؛ ورأيت له معزى كأنها الحرة، ووجدت بالأرض عشباً كأنه الخروع، وأمترنا عجوة كأنها أنوف الزنج، أي هي فطس.
قال ابن أبي طاهر، حدثني حبيب قال: حدثني بعض أصحابنا قال: مات ابن لأرطاة بن سهية فجزع عليه جزعاً شديداً كاد يذهب عقله، وكان مات فجأة، فلما كان الحول أتى قبره فبكى وأطال ثم قال: اغد يا ابن سلمى معنا، ثم أنشأ يقول: الطويل
وقفت على قبر ابن سلمى فلم يكن ... وقوفي عليه غير مبكى ومجزع
سوى الدهر فاعتب إنه غير معتب ... وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع
(4/211)

هل أنت ابن سلمى إن نظرتك رائح ... مع الركب أو غاد غداة غد معي
قال ثعلب، يقال: طعام شديد العلقمة إذا كان مراً.
قيل لابنة الخس: ما أحسن شيء؟ قالت: ديمة على أثر ديمة، على عهاد غيرقديمة، قيل: فما أحد شيء؟ قالت: ضرس جائع، ألقى في معاء ضائع. قيل: فما أشفى شيء؟ قالت: قليل مني، من ابن عم حفي، على فراش وطي.
عزى رجل الرشيد فقال: آجرك الله بالباقي، وأمتعك بالفاني، قال: ويحك ما تقول؟ وظن أنه غلط فقال: ألم تسمع ما يقول الله عز وجل " ما عندكم ينفذ وما عند الله باق " النحل: 96 فسري عنه.
بعث الجنيد بن عبد الرحمن المري إلى خالد بن عبد الله
(4/212)

القسري بسبي من الهند، فجعل خالد يهب أهل البيت كما هو للرجل من قريش ومن وجوه الناس، حتى بقيت جارية منهن جميلة أراد أن يدخرها وعليها ثياب أرضها، فقال لأبي النجم: هل عندك فيها شيء حاضر وتأخذها الساعة، قال: نعم أصلحك الله، فقال العريان بن الهيثم النخعي: كذب والله ما يقدر على ذلك - وكان على شرطة خالد - حتى يروي فيه؛ فأنشأ أبو النجم يقول: الرجز
علقت خوداً من بنات الزط ... ذات جهاز مضغط ملط
رابي المجس جيد المحط ... كأنما قط على مقط
إذا بدا منها الذي تغطي ... كأن تحت ثوبها المنعط
شطاً رميت فوقه بشط ... لم ينز في البطن ولم ينحط
فيه شفائي من أذى التمطي ... كهامة الشيخ اليماني الثط
ثم أوما بيده إلى رأس العريان، فضحك خالد وقال للعريان: هل تراه يحتاج إلى أن يروي؟ فقال: لا والله، ولكنه ملعون ابن ملعون.
لابن أبيض العلوي الأفطسي: الكامل
وأنا ابن معتلج البطاح يضمني ... كالدر في أصداف بحر زاخر
(4/213)

ينشق عني ركنها ومقامها ... كالجفن يفتح عن سواد الناظر
كجبالها شرفي ومثل سهولها ... خلقي ومثل ظبائهن مجاوري
هذا والله كلام فاخر ومعنى عجيب وسلاسة حلوة.
أنشد: الوافر
لهم همم يجاورن الثريا ... وحال قد تعرقها الصروف
جواد في مكارمه شجاع ... ولكن الثراء به قطوف
وأنشد: السريع
وحية في رأسها درة ... تسبح في بحر قصير المدى
إذا تناءت فالعمى حاضر ... وإن بدت بان طريق الهدى
يعني الفتيلة في المصباح؛ وأصحابنا يرون هذين البيتين غاية في الإصابة.
خطب رجل امرأة فقالت: إن في تقززاً، وإني أخاف أن أرى منك بعض ما أتقزز منه فتنصرف نفسي عنك، فقال الرجل: أرجو أن لا تري ذلك، فتزوجها؛ فمكث أياماً ثم قعد معها يتغدى، فلما رفع الخوان تناول ما سقط من الطعام تحت الخوان فأكله، فنظرت إليه وقالت: أما كان يقنعك ما على ظهر الخوان حتى تلتقط ما تحته؟ قال: إنه بلغني أنه يزيد في القوة على النيك، فكانت بعد ذلك تغافله وتفتت له الخبز كما تفتت للفروج.
يقال: ما البر وما البر أيضاً، وما التر وما الثر، وما الجر والحر والخر، وما الدر وما الذر وما الزر وما السر والشر، وما الصر والضر، وما الطر وما الغر، وما القر والكر، والمر والهر والأر، والعر؟
(4/214)

جواب هذه الكلمات يأتي من بعد، وإنما أتباعد قليلاً، وأتقارب قليلاً، وأذكر فصلاً نحوياً، وفصلاً كتابياً، وفصلاً كلامياً، وفصلاً فقهياً، وفصلاً فلسفياً، وفصلاً لغوياً، وفصلاً شعرياً، وأوشح ذلك كله بما احتمل من الأعتراض والبحث والتفسير لشيئين: أحدهما - وهو أكبرهما - أنك أيها القارىء إن تثبت على الكتاب، وتبرأ من الملالة، فستجد حرصاً على الأستكثار من العلم، وتنخدع للحكمة، وتصل إلى حظك بخفة المؤونة؛ والآخر: أني عرفت زماناً وحالاً لا يعينان على تقريب الباب في فن من الباب في فن آخر، وهذا عجز إلى الله أرفعه، وعليك أعرضه.
قال ابن دريد عن أبي عثمان الأشنانداني عن التوزي عن أبي عبيدة، قال: ولم يقل رؤبة شعراً غير هذين البيتين: الوافر
إذا ما الموت أقبل قبل قوم ... أكب الحظ وانتقص العديد
أرانا لا يفيق الموت عنا ... كأن الموت إياناً يكيد
آخر: الخفيف
أيها الشامت المعير بالشي ... ب أقلن بالشباب افتخارا
قد لبست الشباب غضاً جديداً ... فوجدت الشباب ثوباً معارا
قال الكعبي: قال جعفر بن محمد بن حرب، سألت أبا الهذيل
(4/215)

عمن لم يقل من العامة: القرآن مخلوق، أيكفر؟ قال: لا، قلت: فإن قال: السماء ليست مخلوقة، أيكفر؟ قال: نعم، قلت: وما الفرق؟ قال: لأن الأول مختلف فيه والثاني مجمع عليه.
هذا قول أبي الهذيل، وأرى المعتزلة في دهرنا يتسارعون إلى التكفير كتسارع الورد إلى المنهل، وما أدري ما يبعثهم على ذلك إلا سوء الرعة، وقلة المراقبة، وأكثرهم قذفاً لخصمه بالتكفير أعلقهم بأسباب الفسق والهتك، والله تعالى لهم، ولكل من سلك سبيلهم.
قال الكعبي، قال محمد بن شبيب: المشبه كافر والمجبر ليس بكافر، لأن التشبيه غلط في صفات الله وفي نفسه، والجبر غلط في فعله.
لو حرر الكلام على ابن شبيب لما انفك في التشبيه من مثل ما أحاله على الخصم، ولكن من ينظر في مذهبه بنفس عاشقة فيتخطى مساوية إما جهلاً بها أو متسمحاً فيها فينظر في مقالة خصمه بنفس قامعة مزيفة لقوله واختياره فيستخرج الدر.
قال الكعبي، قال بعض الإباضية: ليس المنافق بريئاً من الشرك، وأحتج بقوله تعالى " لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " النساء: 143.
سئل بزرجمهر في نكبته عن حاله فقال: إني لما دفعت إلى
(4/216)

المحنة بالأقدار السالفة، والخفيات السماوية، إلى العقل الذي به يعتدل كل مزاج، وإليه يرجع كل علاج، فركب لي شربة أنا أتحساها وأتمزز بها؛ قيل له: عرفناها، قال: هي مركبة من أشياء: أولها أني قلت: القضاء والقدر لا بد من جريانه؛ والثاني أني قلت: إن لم أصبر فما أصنع؟ والثالث أني قلت: يجوز أن يكون أشد من هذا؛ والرابع أني قلت: لعل الفرج قريب وأنت لا تدري؛ قال، فقلت: أورثني هذا سكوناً، ووكل بي راحة، وعلى الله أعتمد في تمام المأمول.
سمعت الشيخ المجتبى يقول: كان عندنا بالشام مجنون يستظرف حديثه، قال: رأيته يوماً وقد رفع رأسه إلى السماء وهو يقول: الناس كذا يعلمون، وهذياناً كثيراً، فقيل له: ما تقول ويحك؟ قال: أعاتب ربي، قيل له: فكذا تخاطب الله؟ قال: وما علمكم بمخاطبة الملوك؟ قيل له: فما قلت؟ قال، قلت: بدل ما خلقت مائة وجوعتهم كنت تخلق عشرة وتشبعهم.
وهذا كلام مجنون لا يحاج فيما يقول، ولا يرد عليه ما يأتي به، وإنما يستطرف فقط لأنه يخرج منه ما لا يتوقع من مثله. وعلى هذا يتعجب من الصبي إذا أجاب وفطن وأهتدى وتكايس، ومن وهب الله له عقلاً، وكلفه الإقرار، وألزمه الأمر والنهي، فهو صحيح العقيدة، ثابت الأساس، وإنما يخرج بطبعه الذي بني على العجز، وعجن من الخور، وأسس للفناء، وعلى أن الله تعالى لا يخليه في هذه الصفات من ثواب كريم، ونعيم مقيم، في دار الرضوان؛ كفانا الله تعالى وساوس الصدور، وغمر أسرارنا بالمعرفة والخوف، إنه جواد كريم واحد أحد.
قيل لراهب: ما لك إذا تكلمت بكينا، وإذا تكلم غيرك لم
(4/217)

نبك؟ فقال: ليس النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.
قال قاص بالمدينة في قصصه: ود إبليس أن لكل رجل منكم خمسين ألف درهم يطغى بها، فقال رجل من القوم: اللهم أعط إبليس سؤله فينا.
قيل لجمين: ما فعلت مولاتكم فلانة؟ قال: ماتت، قال: فما ورثتموها؟ قال: العار، كفنها غيرنا.
أنشد لمنصور بن باذان في عقبة: الكامل المجزوء
قالوا يسود فقلت لا ... هم الفتى جمع الدراهم
إن كنت تطمع أن تسو ... د ولا تنيل فأنت ظالم
يبغي العلاء وماله ... أبداً من الآفات سالم
وقصاعه مجلوة ... قد علقت منها التمائم
قال رجل لشيخ بدوي: تمرنا أجود من تمركم، قال: تمرنا جرد فطس عراض كأنها ألسن الطير، تضع التمرة في شدقك فتجد حلاوتها في عنقك.
وسمع قاص يقول: المؤمن قوته علقة، ومرقته سلفة،
(4/218)

وحذاؤه فلقة، ورداؤه خرقة.
وأنشد: الطويل
لكل كريم من ألائم قومه ... على كل حال حاسدون وكشح
وأنشد في تشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء: الخفيف
شبه الغيث فيه والليث والبد ... ر بسمح ومحرب وجميل
وأنشد لأعرابية: الرجز
إن حريحي حسن مشقه
يغلظه الصك فلا يرقه
كأن من يصكه يزقه
سئل بعض الأدباء عن قول الشاعر: الخفيف
مرحباً بالذي إذا جاء جاء ال ... خير أو غاب غاب عن كل خير
أهو مدح أم هجو؟ فأطرق ثم قال: هو مدح، فخطىء، وبيانه أنه هجو في بسط نظمه؛ قال: وذلك أن القائل عنى أنه يغيبه عن كل خير، جاء الخير أو غاب.
وأنشد لأبي يعلى العلوي القزويني، وكان داهية، يقول في أخيه، وكان جلفاً: الوافر
أبوك أبي وأنت أخي ولكن ... أبي قد كان يزرع في السباخ
تجاريني فلا تجري كجريي ... وهل تجري البياذق كالرخاخ
(4/219)

وأنشد علي بن الحسين العلوي في أخيه: السريع
مثلك لا يطعن في مثلي ... لأنني فوقك في الفضل
لي فضل سني وغنائي الذي ... تعرفه في الجد والهزل
حكى أبو سعيد السيرافي أنه دخل إلى مسجد ابن دريد ورجل ينشد: الوافر
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح
فقال أبو بكر: هذا والله عجب، أول من قال الشعر أقوى؛ قال، قلت: له مخرج في النحو إذا ترك الإقواء، قال: ما هو؟ قلت: وقل بشاشة الوجه الصبيح، بحذف التنوين وبنصب، والتنوين يراد، ويكون نصبه على مذهب التمييز؛ قال: فجمع أبو بكر نفسه مني وزاد في تكرمتي.
حدثني بهذا الحديث بعض أصحابنا ولم أسمعه منه.
أنشد لشاعر في البخر: الرمل المجزوء
أنت لو جزت ببيت ... رض فيه المسك رضا
وتنفست لقال الن ... اس فيه متوضا
(4/220)

وأنشد العلوي لنفسه في مثله: الرمل المجزوء
أنا في موت صراح ... من فم كالمستراح
طال نتني منه حتى ... خلت أني من سلاح
لما خرج محمد بن عبد الله بن الحسن رضي الله عنهم على المنصور، رأى المنصور فيما يرى النائم كأنه قد صارع محمداً وأن محمداً قد صرعه وقعد على صدره، فأهمه ذلك وبقي واجماً، وجمع العابرين، فكل وقف، فسأل جد أبي العيناء فقال: إنك تغلبه وتظهر عليه، قال: وكيف؟ قال: لأنك كنت تحته والأرض لك، وكان من فوقك والسماء له، فسري عنه.
قال بعض المجان: وقف مخنث في بعض العشيات يطلب من يشفيه مما به، فاجتاز به تركي وهو سكران ملتخ، فتعرض المخنث وهو في هيئة امرأة، فظنه التركي امرأة قد هويته، فاستجره، فلما حصلا في المنزل قال التركي بسكره: نامي يا بظراء، فنام المخنث على وجهه، فقال التركي: أيش هذا؟ قال: الله الله إن زوجي قد حلف ألا أنام إلا كذا، ومتى خالفته فأنا طالق، وليس في طلاقي فائدة، خذ شهوتك من ها هنا ودعني في حبال الرجل؛ قال: فأقحم عليه التركي ودفع بقوته، وبقي يتلمس بيده ما تحته، فوقعت كفه على أير المخنث فقال: هذا أيش؟ قال: هذا أيرك قد نفذ، فقال التركي: هذا وأبيك الشجاعة، أدخلت من ها هنا وأنفذت إلى ثم! فطار من الفرح وهو يظن أن أيره نفذ في جسمها.
(4/221)

قال أبو الهندي: تحرشت بشجاع فخرج يطردني كأنه سهم زالج، ثم سكت كأنه كفة، فرميته فانتظمت أنثاويه أخذاً ورأسه.
قيل لبني الحارث: كيف تعملون؟ قالوا: كنا لا نبدأ أحداً بظلم، ولم نك بالكثير فتتخاذل، ولا بالقليل فنتواكل، وكنا نصبر بعد الناس بساعة.
قال أبو عمرو بن العلاء، سمعت أعرابياً يقول: مكثت ثلاثاً لا أذوق فيهن شيئاً، فقلت: انعت لي، فقال: أما أول يوم فكان شهوة، وكان الثاني جوعاً، والثالث مرضاً.
قال الأصمعي: حدثني شيخ عن رجل من الأعراب قال: مكثت ثلاثاً لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى خوى رأسي فسمعت له دوياً، فلما أصابني الجهد دعوت الله تعالى، وإذا دعا الله العبد بقلب صادق كانت معه من الله عين بصيرة، فأتيت جفراً فيه ذئبان فرميتهما فأصبتهما، ثم أتيت جفراً آخر فيه ماء فاستقيت، ثم رجعت وهما على مهيديتيهما وإذا لهما نخفة يعني شبه الزفير، فأكلت وادهنت.
(4/222)

للبرقعي: الوافر
ألا لله ما صنعت برأسي ... صروف الدهر والحقب الخوالي
تركن مفارقي سطراً بياضاً ... وسطراً للسواد من النزال
فما جاشت لطول الأنس نفسي ... علي ولا بكت لذهاب مالي
ولم أخضع لريب الدهر يوماً ... ولم أستخذ للأمر العضال
ولكني لدى اللزبات آوي ... إلى قلب أشد من الجبال
وأصبر للشدائد والرزايا ... وأعلم أنها محن الرجال
وأن وراءها خفضاً وعيشاً ... وعطفاً للمديل من المدال
فيوماً في السجون مع ابن أبزى ... ويوماً في القصور رخي بال
ويوماً للسيوف تعاورتني ... ويوماً للتعانق والدلال
كذا عيش الفتى ما دام حياً ... دوار لا يدوم على مثال
وأنشد: الرمل المجزوء
عش نقي العرض ما عش ... ت وإن كنت مقلا
وأرض بالقوت ولا تح ... مل على الإخوان كلا
إن فيهم من إذا حم ... لته كلك ملا
وأخو الإقلال إن كا ... ن له عقل تسلى
مر مزبد بقوم وهو على حماره فقالوا: انزل إلينا يا أبا إسحاق، فقال: هذا عرض سابري، قالوا: فانزل يا ابن الزانية.
(4/223)

كاتب: وإنه ليتربص بك الدوائر، ويتمنى لك الغوائل، ولا يؤمل صلاحاً إلا بفساد حالك، ولا رفعة إلا بسقوط قدرك.
تمثل يزيد عند غشية معاوية عند موته: المنسرح
لو فات شيء يرى لفات أبو ... حيان لا عاجز ولا وكل
الحول القلب اللبيب وهل ... تدفع ريب المنية الحيل
كاتب: ورأيته لا ينفك في جاه يبذله، وفضل يفعله، فهو الدهر إما شاكر لمن شفعه، أو مشكور بما اصطنعه، كما قال الشاعر: السريع
أفدي أبا اسحاق من شافع ... ومنعم إحسانه ينشر
يعطيك أو يهديك نحو امرىء ... فؤاده بالجود مستهتر
فهو طوال الدهر لا يأتلي ... يشكر في العالم أو يشكر
قال أعرابي: سألت فلاناً حاجة أقل من قيمته فردني رداً أقبح من خلقته.
(4/224)

للحارث المخزومي: الطويل
تبعتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما أنجلت قطعت نفسي ألومها
فما بي إذا أقصيتني من ضراعة ... ولا أفتقرت نفسي إلى من يسومها
عطفت عليك النفس حتى كأنما ... بكفيك بؤسي أو لديك نعيمها
قال فيلسوف: أشد الناس مصيبة مغلوب لا يعذر، ومبتلى لا يرحم.
الجواب عن حروف اللغة التي تقدمت، فاسمع وأحفظ فإنها قد تلقفت من أفواه العلماء بعد الخدمة والصبر.
أما البر فخلاف البحر، وهي بلاد لا حيطان فيها، ولا نعتقد أن البلد لا تكون إلا ما فيها حيطان، ولم أقل لا أبنية فيها لأن جزيرة العرب بر وفيها أبنية وهي أخبيتهم، والبلد يقال له الملزم، ومنه تبلد في أمره أي تلازم في نفسه أي تجمع؛ ويقال البلد الأبر. والبحر معروف، وكأنه من السعة، ومن أجله قيل: فلان بحر، إذا وصف بغزارة الندى أو العلم، وأجرى النبي صلى الله عليه وسلم فرساً وقال: إنا وجدناه بحراً، أي واسع الجري جواداً، ومنه تبحر
(4/225)

الإنسان في العلم، والبحيرة: المشقوقة الأذن من الشاء؛ وأما قول الناس: البحران، فليس من كلام العرب.
والبر أيضاً هو البار فاعل البر، وفي صفات الله عز وجل أنه البر الرحيم، فكأن معنى الأشتقاق يجمع اللفظين إذا اعتبرت السعة؛ والحج المبرور الذي قبل على وجه البر، كأنه قبل كما يقبل البر. والأمر من البر: بريا هذا، بفتح الباء على مذهب الجمع، والمضارع منه يبر، وبررت بكسر الراء، والفتح مردود؛ قال أبو حاتم، يعني صاحب الأصمعي: فأما أبر فلان على فلان، فكأنه قريب من هذا ومعناه زاد عليه، والمصدر منه الإبرار - بالكسر؛ فأما الأبرار - بالفتح - فجمع بر؛ فأما البر نفسه فما سمع له جمع، وهم يتبارون - بشدة الراء - يبر بعضهم بعضاً، فأما يتبارون - بخفة الراء - فليس من قبيل هذا، إنما هو على معنى المباهاة، كأن هذا بذاه وذاك بذاه أي يحثه، أي جريه في المحاكاة؛ والمبار جمع مبرة. وأما بريت القلم فلا يهمز، وأما برئت إليك من كذا فصحيح الهمز، ويقال برأت من المرض وبرئت جميعاً، هكذا قال أبو زيد، وثعلب يختار برأت، ويزعم أنه أفصح، وإذا كان اللفظان من كلام العرب ولم يكن للمعنى فيه شاهد على مزية أحدهما فكلاهما صحيح، يقال: فصيح، وفصيحان، مرة يرد على اللفظ ومرة على المعنى، هكذا المحفوظ عن العلماء.
وأما البارىء فيكون من المرض، الناجي منه؛ وأما البارىء في أسماء الله الكريم هو الخالق؛ ويقال: ليس بيننا براء ولا مبارأة، ولا يبرأ أحدنا من الآخر ولا ينافسه، وقول الله عز وجل " من قبل أن نبرأها " الحديد: 22 معناه نخلقها، كذا قال اليزيدي وهو معنى قول البارىء؛ وفلان برور وصدوق، وصدقت وبررت.
وقد طمعت فيك السآمة فأصرفها بما يعرض في جملة هذه النوادر.
(4/226)

جرى بين عمرو الجوهري وبين أمه كلام فقالت: قد والله شيبتني وبيضت رأسي، قال عمرو: إن كنت أنا بيضت رأسك فمن قلع أضراسك؟ وجاء بعض الخلعاء إلى باب الجوهري هذا فدق فقالت امرأته: من هذا؟ قال: أنا فلان، قالت: ما تريد؟ قال: افتحي حتى أدخل وأنظر أنت أطيب في النيك أم امرأتي؟ قالت: وما أحوجك إلى ذلك؟ سل عمراً عن ذلك فإنه قد ناكني وناكها، فخجل الرجل وانصرف.
وجاء جراب الريح راكباً حماراً فقال له رجل: هذا الحمار كله لك؟ فقال: كله لي إلا أيره فإنه لك، فخجل الرجل.
وأما التر - بالتاء - فهو كثرة اللحم في جسم الإنسان، يقال: أما ترى ترارته أي امتلاءه؛ ويجيء: ما تر شيء على هذا.
وأما الثر - بالثاء - فالماء الغزيز.
وأما الجر فمصدر جر، وبئر جرور إذا كانت طويلة الرشاء كأنها تجر الماتح - بالتاء - لأن المائح يكون في البئر والماتح فوقها، متح أي أي نزع، هذا مثل: أعلم به من المائح بأست الماتح إذا كان المستقي يعالج به، فإذا استقى بالبكرة فليس بمائح، هكذا قال الثقة.
قال أصحاب الأشتقاق: الجرجير في البقل أخذ من الجر، أخذ فيه بالتضعيف، قال: وسمي به لأنه يجرجر من الأرض، فقيل لأبي بكر
(4/227)

المروزي الفقيه هذا فقال: ينبغي أن تكون لحيته جرجرى لأنها تتجرجر من ذقنه، فضحك من نادرته. وكان قليل الهزل كثير الصمت على ناموس المشايخ؛ وسمعت ابن المرزبان يقول: لم أر أشد نفاقاً منه، فرغب في مال حصل عندي في سبيل من السبل، فانتقض معنى الوصية بعد وفاة الموصي، ولم يكن إنفاذ ذلك المنصوص على الوجه المخصوص إليه، فقال لي بعد كلام كثير: إن ضقت به ذرعاً فسق المال إلي حتى أتولاه عنك، وخلاك إثم من الله، فراعني ذلك وخرجت من عنده ولم أعد إليه؛ هكذا قال المرزباني، وكان عالماً ثقة، عاشرته وأطلعت على سره فما أنكرت شيئاً، وما أدري ما أقول بعد.
وأما ابن سيار فإنه حدثنا أنه ورد الأهواز على القاضي التنوخي بمرقعة، وأنه أنزله وبره، وكان أبو بكر لا يظهر عليه من إحسان التنوخي شيء، ويشكو مع ذلك ويستزيد؛ قال: فلما كثر ذلك قال له التنوخي: ما قصة هذا المروزي، أما يكفيه ما يصير إليه من جهتنا؟ قال بعض حاضري المجلس: أيها القاضي، إن الرجل يتبع الصبيان، وشغفه فهو يحمله على تبذير ما ينال من جهة القاضي؛ قال: فكره ذلك وأقبل علي في الخلوة فقال: أتعرف هذا الغلام بشيء مما قرنه به فلان؟ قلت: أكره أن أهتك ستره، وأكره أن أكذبك، فقال: حسبك؛ وطرده من المجلس.
هذا قول ابن سيار، وقد قضى ببغداد، وكان نبيلاً جليلاً أديباً مفوهاً؛ وهذا أيضاً عجيب، وأصحابنا يقولون إنه بلغ من زهده في الدنيا أنه عرض عليه
(4/228)

القضاء بمدينة السلام فتنزه عنه.
أما أبو حامد فإنه أربى على أصحاب هذه الحكايات، زعم أنه ثنوي، وأنه يعتقد ذلك، وبسببه طرده الكرخي من مجلسه، وذلك أنه كان صحب رجلاً مشهوراً بهذا المذهب، فلما وقف الكرخي على ملازمته ذلك الرجل نهاه عنه وقال له: لعلك أحسنت به الظن، وأنت بجهلك بحاله مغرور، فأما الآن وقد عرفناك ما تتابع إلينا فلا خير لك في خلطته، قال: فضمن للكرخي أن لا يلقاه ولا يغشاه وحلف على ذلك، ثم إن الكرخي أذكى عليه عيناً فبلغه أنه يخالطه في السر وأنه لقن عنه مذهب الثنوية فطرده.
هذا أيضاً غريب، ولو كان ما قلته مسموعاً من أنذال الناس لم أعج به ولم أعرج عليه، ولكن هؤلاء هم كالشمس إذا أشرقت، والسماء إذا زهرت، والأودية إذا زخرت بهاء وعلواً وغزارة وفضلاً ونبلاً، وأصحابنا بالري يزيدون على جميع ما حكيته، ونعوذ بالله من قالة الناس، وفتنة الناس بالناس، فهو خالق الخلق ومالك الأزمة.
انظر إلى هذا الحديث كيف يلتبس بعضه ببعض، ويتراكم بعضه على بعض.
ويقال: الحر أيضاً أسفل الجبل، وضد البرد، يقال: حر يومنا، وحر الغلام؛ والحرة: عطش الكبد؛ والحرارة في الجوف وفي الهواجر؛ والحرور: الريح الحارة بالليل كهبة السموم بالنهار، ويقال: السموم قد تمون بالليل أيضاً؛ قال بعض أصحاب الأشتقاق: السموم سمي به لدخولها في مسام البدن، هكذا رأيته في كتاب عتيق فيه أراجيز رؤبة بتفسير أبي عمرو، ولا أدري من أبو عمرو ولعله المازني أو الشيباني.
(4/229)

وأما الخر فمصدر خر عليه السقف، وقد سأل سائل عن هذه الآية " فخر عليهم السقف " النحل: 26 وقال: قد علم من خر هذا المعنى ثم صح ذلك بقوله: عليهم، ثم معلوم أن السقف هو ما علا رأس الإنسان، فما معنى بعد هذا المعلوم " من فوقهم "؟ والجواب عن هذا يمر مع نظائره في موضعه إن شاء الله، فقد أجاب عنه ابن مهدي الطبري، وشاهدته، ولعلي أحكيه على وجهه، فإضافة الصواب إلى العلماء أحمد من التفرد بالأدعاء.
وقال بعض العاشقين للكلام في الأشتقاق: إن خرير الماء مأخوذ منه.
وأما الدر فاللبن، وقولهم: لله دره يقال معناه: لله خيره وفضله، مثل قولهم: لله أبوه، إذا وقع ترجيح وأستحسان، ولما يكون من المثنى عليه بهذا اللفظ.
وأما الذر فصغار النمل، والذرة واحدة لقول الله تعالى: " فمن يعمل مثقال ذرة " الزلزلة: 7 الآية، من ذلك يقال إنه لا وزن للذر وإنما يضرب به المثل، يقال: سميت الذرة بذلك لصغر أجزائها ومعنى قولهم: ذر عليه في الشيء يعرف بالتبر، إنما أراه أريد الشبيه بالذر؛ قال بعض العلماء: إنما قدم الخير في ذلك لأنه في الأول مبشر وفي الآخر منذر، ومتى وقعت الإجابة في الأول ثبت السوق إلى الجزاء ووقع النهي عن مواقعة المنهي عنه، فإن عرض قام سلطان الوعيد بالسطوة، فمنع من إيثار الشر بعد ترك الخير.
هذه لطائف قوم لهم بكلام الله تعالى عناية دينية، وليس من نمط الغريب المفسر، والنحو المقدم، ولعل ترك هذا الفن أعم، والعاقبة فيه أسلم، والله أسأل نفعاً بالقرآن العظيم وإجابة إلى دار السلام.
وأما الزر فهو نهيق الحمار.
(4/230)

وأما السر فهو من سررت الصبي إذا قطعت سرره، والسرة وهي الباقية؛ وأما السر فهو إصلاح الزند الإجوف، وكأن السرور من سررته أي فرجت عن قلبه فأزال منه الضيق، والسرور فرج من الكرب، والكرب ثقل، والسرور خفة وأنها ترقص، ولهذا ترى الفرحان يرقص ويخف، وصاحب الغم يثقل ويذبل، ويقال: رجل فرحان غير مصروف، وامرأة فرحى.
وأما الشر فضد الخير، والشر أيضاً مصدر شررت الشيء أي بسطته، وتشرير النبات منها، كأنها من شررت بتشديد الراء؛ وأما أشررت فقيل: لغة في شررت، ويقال: هو أظهرت، ومنه قول الشاعر في صفين: الطويل وحتى أشرت بالأكف المصاحف ويقال: كلما كبرت شررت، ولا يقال: كلما تكبر، كذا قال بعض العلماء: والمشهور قلته. وكأن الشرارة من النار منه، وهذا مأخوذ منها، والشرار جمع واحدته شرارة، وأما الشرة فحال الشرير، والشرير صاحب الشر المعتاد له، وجمع الشر شرور، وحكى أبو زيد في الخير: خيور، وهو شر من فلان، لا ألف في اللفظ على قياس الباب، وهو خير منه، وروي: ما أشره - في التعجب - وما أخيره، والدائر: ما خيره وما شره.
وأما الصر فجمع الدراهم في صرة، والصرة ما صررت فيه، والصر: البرد، وقال: قيل في قوله تعالى " فأقبلت امرأته في صرة " الذاريات: 29.
والضر ضد النفع، والضر بالضم: الهزال وسوء الحال، وفلان ضرير أي
(4/231)

مضرور، ولا يختص بالأعمى بل لمن عرته هذه الحال، يقال: ضررتني وأضررت بي، ولا يقال: ضررت بي ولا أضررتني.
أحكم أيها السامع هذه الأبنية والأصول، وفيها تكون إنساناً على الحقيقة، وأريد بقولي على الحقيقة لأن عادم الفضائل إنسان أيضاً ولكن على التوسع، كأنه إنسان بالخلقة والتخطيط، أي كأنه من هذه الأمة وهذا الجمهور بالنسبة؛ فأما تمييز الأمر من الأمر، وتخليص الشيء من الشيء، وإضافة الشيء إلى الشيء، فلا.
حدثنا السيرافي أن رجلاً من المتكلمين الكلابية ببغداد بلغ من نقصه في معرفة العربية أنه قال في مجلس مشهور بين جماعة حضور: إن العبد مضطر بفتح الطاء، والله مضطر بكسر الطاء، وزعم أن القائل: الله مضطر كافر. فانظر أين يذهب به جهله، وعلى أي رذيلة دله نقصه، ونعوذ بالله من فضيحة الجهل فإنها بعد ادعاء العلم مشمتة، وفضيحة الحال مع التجمل مستعطفة، فكم بين العدمين، هذا يعان عليه ويواسى فيه وهذا يرفض به ويهان معه.
والضرة: لحمة تحت الإبهام، والضرة امرأة يتزوجها الرجل على امرأة، فإحداهما ضرة للأخرى، كأنها مضارة، ويقال: الضرة: الثدي، وما أدري ما يقول صاحب الأشتقاق.
وأما الغر فمصدر فغررته، ويقال: تغررت الرجل أي أتيته على غرة، والغر أيضاً تكسر الثوب في غره، والغر: الحد. وقد مر هذا في موضع على إشباع، وأكره التكرار لسوء ظني بالسامع، وإلا فلا مصنف إلا وهو يلهج بالتكرير والإعادة: هذا يعقوب ابن السكيت في كتبه وأبو عثمان عمرو الجاحظ وأبو زيد وغيرهم.
(4/232)

وسمعت بعض الرافضة يحكي عن علي بن يقطين أنه قال يوماً: قد والله حرجت من سبي لأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - ولمزي بفي لأعراضهما، وبرمت، فقال له من حضره: بين يديك مصحف، افتح على هذا الخاطر، فإن خرج ما دل على تمسكك به أعرضت عن تحرجك، وإن خرج ما دل على ما خطر لك استمررت عليه، قال: ففتح المصحف فخرج " ربنا أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس " فصلت: 29 فقال: اللهم إني أستغفرك من ندمي على شتمهما. وهذا والله طريف، ولا شك أنه مفتعل لا حقيقة له.
وقد ابتليت برجلين: رجل يقول: ما سمعنا حقاً ولا باطلاً، ورجل شيخ يعرف بيحيى له مع أهل الكرخ مواقف، وكثيراً ما يقول: خلفاء الله في الأرض ثلاثة: آدم عليه السلام لقول الله تعالى " إني جاعل في الأرض خليفة " البقرة: 30 وداود لقوله تعالى: " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض " ص: 26، وأبو بكر لقول جميع الأمة: يا خليفة رسول الله؛ ويقول: الأمناء ثلاثة: جبريل عليه السلام لأنه يحمل عن الله تعالى، ومحمد صلى الله عليه وسلم لأنه بلغ الأمة، ومعاوية لأنه كتب الوحي. وإذا سئل عمن خرج على أبي بكر وعمر رحمهما الله قال: حلال الدم، وإذا سئل عمن يخرج على علي رضي الله عنه قال: الله أولى به وأعلم؛ ومن غفلته أنه رأى عقرباً في داره فقال لها: يا مشؤومة أخرجي لا تقتلي أمي؛ وهو مولع بإطعام الكلاب ويقول: إنما أطعمها لأنها أذل من الرافضة؛ وبين هذين الرجلين رمي الرامي.
(4/233)

وكان أبو حامد يقول: لولا أن الخوارج قالت: علي كافر، لما قالت الغالية: علي إله، عز الله وجل وتعالى، ولولا أن المعتزلة قالت: الأمر كله إلينا، لما قالت الجهمية: نحن كالشجر إن هبت الريح تحركت، وإن ركدت سكنت، وكان يعد من هذه الأمثال شيئاً كثيراً.
وأما الطر فالقطع، وقد مر هذا الحرف.
وأما القر فصب الكلام في الأذن، وصب الماء أيضاً، والقر أيضاً الهودج، والقرار: السكون، والقارورة لسكون الماء فيها.
وأرى هذا يطول، وعلى قدر طوله يمل.
والكر: الرجوع، والكر: حبل يصعد الرجل إلى النخل عليه، والكر أيضاً قطعة من خيش.
والمر: جميع مرة، والمر كالنبل.
والهر: الكراهة، ولا يقال الكراهية، ولا بد من التخفيف، والهر مصدر هر الكلب، كأنه كرهك فنبحك، ولا يقال: نبح عليك؛ وهرت الهرة وهرهرت إذا بغمت مستعطفة.
والأر: النكاح.
وأما العر فاللطخ، والعر الجرب.
وقد مر جواب كل حرف على ما اقتضاه، والزيادة على هذا إبرام وخروج عن الحد المحتمل والأدب المرضي، على أنني وصلت كل ذلك بما يفتق شهوتك، ويبعث راحتك، ويقوي عزمك، فهذا عادة الرفيق من الأطباء بالعليل المضرور بالأدواء، نفعك الله بالخير.
قال وهب بن منبه: من لم يسخط نفسه في شهوته لم يرض ربه في طاعته.
(4/234)

وقال: مكتوب في التوراة: المال يفنى، والبدن يبلى، والعمل يحصى، والذنب لا ينسى.
وقال بعض النساك: ابن آدم، ما لك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت، وتفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت؟ يقال: الإناث من الإبل والخيل تحمل بمآخرها، والذكور تحمل بصدورها؛ وعلامة الفرس الجواد أن تراه رقيق الشعر لين الجلد طيب الريح.
شاعر: الرمل المجزوء
أنا في كل سحير ... في مداراة لأيري
أبداً يطلب مني ... قمراً في بيت غيري
قلت: نك ويلك من ير ... تع في خيري وميري
قال: من يقوى على ني ... ك كسير وعوير
للطرمي: البسيط
للخبز أحسن شيء في الزنابيل ... والزيت أجمل شيء في القناديل
والنيك خذ لا تسل يغشى علي لذا ... من شدة الشهو أخرى في السراويل
للطرمي ديوان كبير، كان في أيام المعتمد، وله ترخيم طريف، وسمع المعتمد شعره فنال به هباته، وأمر فكتب ديوانه بالذهب، وديوانه مشهور، وإنما دللت في هذا المكان عليه تعجباً منه.
قرىء من حجر: ابن آدم، لو عاينت يسير ما بقي من أجلك
(4/235)

لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولقل حرصك وختلك، ولرغبت في الزيادة من عملك، فأعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة.
وكان الحسن يقول: فضح الموت الدنيا، ولم يترك لذي لب فيها فرحاً.
قال أعرابي: إن في السكوت ما هو أبلغ من الكلام، فإن السفيه إذا أعرضت عنه تركته في أغتمام.
قال أعرابي: مواقعة الرجل أهله من غير عبث من الجفاء.
قال بعض السلف: قد أسمعك الداعي، وأعذر فيك الطالب، وانتهت الأمور فيك إلى الرجاء، ولا أحد أعظم رزية ممن ضيع اليقين، وأخطأ الأمل.
قال الكندي: كان فيما مضى رجل زاهد وقع عليه من السلطان طلب، بقي مدلهاً لا يدري ما يصنع، وذلك أنه أذكيت عليه العيون، وأخذت المراصد، فجاء إلى طنبور فأخذه ولبس ثياب البطالين وتعرض للخروج من باب البلد، فجاء إلى الباب وهو يتهادى في مشيته كالسكران، فقالت العيون له عند الباب: من أنت؟ فقال: من أنا، ومن ترى أكون؟ أنا فلان الزاهد، ومال منهزماً، فقال القوم متضاحكين: ما أحمقه!! وخلوا سبيله، فخرج ونجا، وإنما فعل ذلك لئلا يكذب.
وقال سهل بن هارون: اللسان الجيد والشعر لا يكادان يجتمعان
(4/236)

في أحد، قال: وأعسر من ذلك أن تجتمع بلاغة القلم وبلاغة الشعر.
قال حذيفة بن اليمان: الحسد أهلك الجسد.
قال بشر بن المعتمر: إذا كان العقل تسعة أجزاء احتاج إلى جزء من الجهل ليقدم على الأمور، فإن العاقل أبداً متوان متوقف، مترقب متخوف.
قيل لأعرابية في البادية: من أين معاشكم؟ فقالت: لو لم نعش إلا من حيث يعلم لم نعش.
قال بعض الشجعان لرفيق له، وقد أقبل العدو: أشدد قلبك، قال: أنا أشده وهو يسترخي.
قال أعرابي: الصبر قطب الأمر الذي عليه تدور الأمور، وليس علم من أعلام الفضل إلا والصبر سببه ومسببه.
سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول لمسافر: وجهك الله في الخير، وزودك التقى، وجعلك مباركاً أينما كنت.
شاعر: المتقارب
(4/237)

وكم من نؤوم على غبطة ... أتته المنية في نومته
وكم من مقيم على لذة ... أتته الحوادث في لذته
وكل جديد على ظهرها ... سيأتي الزمان على جدته
وأنشد: السريع
أصبحت الدنيا لنا غرة ... والحمد لله على ذلكا
وأجمع الناس على ذمها ... وما نرى فيهم لها تاركا
قال النبي صلى الله عليه وسلم: مثل الفقير المؤمن كمثل فرس مربوط بحكمته إلى أخيه، كلما رأى شيئاً مما يهوى ردته حكمته.
وقال ابن بكار، سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: نحن نسل من نسل الجنة سبانا منها إبليس بالمعصية، وحقيق على ابن آدم ألا يهنأ بعيشه حتى يرجع إلى وطنه.
قال محمد بن وهب عن عمه: رأيت ميلاً في بلاد الروم عليه كتاب فقرأته فإذا هو شعر: الطويل
صريع رماح تحجل الطير حوله ... شهيد أصابت نفسه ما تمنت
وقيل لمحمد بن واسع: هؤلاء زهاد، فقال: وما قدر الدنيا حتى يحمد من يزهد فيها؟
(4/238)

قال أحمد بن حنبل رحمه الله: هب المسيء قد عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين؟! قال ابن عباس: إن صغار هذه الأمة تعلموا من كبارها في صدر الإسلام، وسيجيء زمان يتعلم كبارها من صغارها.
وقال معاوية يوماً على المنبر: يا أهل الشام، ما أنتم بخير من أهل العراق، ثم ندم فتداركها فقال: إلا أنكم أعطيتم بالطاعة وحرموا بالمعصية.
قال المدائني: كان ملك له وزير صالح في قديم الزمان لا يأمر إلا بالخير ولا يحض إلا على الجميل، وكان الملك عاتياً جباراً يمقت النسك ويقلي النساك، وكان الوزير بخلاف ذلك يقربهم ويصلهم ويتلبس بهم، فحسده قرابة الملك، فأتوا الملك وقالوا: إن هوى وزيرك في إخراجك من ملكك، فقال الملك: وما آية ذلك؟ قالوا: شاوره وقل: إني عزمت على أن أخلع ملكي وألحق بالعزاز والشعاب، وأصحب النساك وأعبد الله رب الخلق، فإنك ستجد عنده قبولاً لهذا الرأي وتحسيناً له ورضى به، وإنما ينتهز لذلك الفرصة التي هو راقبها، وحينئذ تقف على صدق مقالنا؛ ففعل الملك ذلك فرأى غير ما كانوا قالوا، وبان للوزير في وجه الملك، وعلم أنه دهي من حيث لا يعلم، فانصرف على حزن قد خامره، وكآبة قد أخذت بكظمه. وقد كان مر في بعض مسيره برجل ظاهر الزمانة فقال: أيها الوزير ضمني إليك فإن لك عندي ما تحب، قال: وما ذاك؟ قال: أنا رجل أرتق الكلام، قال: وما رتق الكلام؟ قال: إذا وجدت فتقاً رتقته، قال: أنا أفعل ذلك، وإن لم يكن عندك نفع،
(4/239)

فذكر الوزير قوله فدعا به فقال: فافعل الذي وعدت، قال: قص علي قصتك وما دهاك، ففعل، فقال: أيها الوزير، قد حسدك عنده بعض أقاربه، وسبعك بحضرته، قال: فما الطريق إلى تحقق هذا من نفس الملك وصرفه على أحسن وجه؟ قال: الوجه في ذلك أن تلبس مسحاً وتأتي باب الملك في غلس، فإذا علم بمكانك وسأل عن قصتك فقل: إن الملك دعاني إلى أمر الموت أهون علي منه، ولكن كرهت خلافه، ففعل الوزير ذلك فتحلل ما كان عرض في نفس الملك.
استأذن رجل على عبد الملك بن مروان فأذن له فوقف بين يديه ووعظه، فقال عبد الملك بن مروان لرجل: قل للحاجب: إذا جاء هذا لا تمنعه، قال: وإنما أراد أن يعرفه الحاجب فلا يأذن له.
قال الأصمعي: كان رجل من ألأم الناس على اللبن، وكان كثير الرسل، فقال بعض الظرفاء: الموت أو أشرب من لبنه؛ وكان معه صاحب له فجاء وتغاشى على باب صاحب اللبن فخرج فقال: ما باله؟ فقال صاحبه: أتاه أمر الله تعالى، وهو أشرف بني تميم، أما إن آخر كلامه: أسقني اللبن، فقال اللئيم: يا غلام جىء بعلبة من لبن، فأتاه بها وأسنده إلى ظهره فسقاه فأتى عليها ثم تجشأ، فقال الظريف صاحب اللئيم: أرى هذه الجشأة راحة الموت، فقال اللئيم: أماتك الله وإياه.
أتي الحجاج بدواب لابن الأشعث فإذا سماتها عدة فوسم تحت ذلك للفرار.
(4/240)

أنشد: الكامل
نجل العيون سواحر اللحظات ... هيجن منك سواكن الحركات
أقبلن يرمين الجمار تنسكاً ... فجعلن قلبك موضع الجمرات
فكأنهن غصون بان ناعم ... يحملن تفاحاً على الوجنات
كاتب: إن لم يكن في اعتذار زماننا ما يفي بإساءتنا، ففي جنب فضلك ما يجوز حظنا منك ومن يحاذرك، والسلام.
قال فيلسوف: العقل أمور بالمعروف، نهو عن المنكر، فمن لم ينهه عقله نهاه أدبه، ومن لم ينهه أدبه نهته التجارب.
قال فيلسوف: من عرف من نفسه الكذب لم يصدق الصادق.
قيل لأبي غانم التنوخي: كيف تجدك؟ قال: أجد ما علي من البلاء أقل مما قضيت من لذة الهوى، ولو أصابني من البلاء بقدر ما قضيت من لذة الهوى لتجمع البلاء.
مرض قيس بن سعد بن عبادة فأبطأ إخوانه عنه، فسأل عنهم فقيل له: إنهم يستحيون مما لك عليهم من الدين، فقال: أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر منادياً ينادي: ألا من كان لقيس عليه حق فهو منه في حل وسعة، فكسرت درجته بالعشي لكثرة من عاده.
(4/241)

قال الأصمعي، قيل لأعرابي: إنك تموت، قال: فإلى أين يذهب بي؟ قالوا: إلى الله تعالى، قال: فما أكره أن أذهب إلى من لم أر الخير قط إلا منه.
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً وهو متعلق بأستار الكعبة يقول: إلهي، من أولى بالزلل والتقصير مني، وقد خلقتني ضعيفاً؛ إلهي، من أولى بالعفو منك، وقضاؤك علي نافذ، وعلمك بي محيط؛ أطعتك بإذنك والمنة لك علي، وعصيتك بعلمك، فالحجة لك علي، فبثبات حجتك وانقطاع حجتي، وبفقري إليك وغناك عني، إلا غفرت لي ذنوبي.
قال منذر الثوري: مررت بعلي بن الحسين رضي الله عنه فرأيته في حائط له يتفكر فقلت: ما وقوفك ها هنا؟ قال: وقفت أفكر، فهتف بي هاتف فقال: يا ابن الحسين! ما هذا الفكر، أفي الدنيا والرزق حاضر للبر والفاجر؟ أم في الآخرة والوعد صادق من ملك قادر؟ قلت: لا في هذا ولا في هذا، قال: ففيم؟ قلت: فيما يخوفنا الناس من فتنة ابن الزبير؛ قال: فأعاد الصوت فقال له: أرأيت رجلاً خاف الله فلم يكفه؟ أو توكل عليه فوكله إلى غيره؟ قال: ثم قال: أنا الخضر يا ابن الحسين.
قيل لأعرابي: ما أشد البرد؟ قال: إذا دمعت العينان، وقطر المنخران، ولجلج اللسان.
(4/242)

قيل لأعرابي: ما تصنع بالبادية إذا اشتد القيظ وحمي ومتع الحر؟ قال: يمشي أحدنا ميلاً حتى يرفض عرقاً ثم ينصب عصاه، ويلقي عليها كساءه ويجلس في قبة يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى.
قال عتبة بن أبي سفيان لابن عباس: ما منع علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - أن يبعثك مكان أبي موسى؟ فقال عبد الله: منعه من ذلك حاجز القدر، وقصر المدة، ومحنة الابتلاء، أما والله لو بعثني مكانه لاعترضت في مدارج نفس عمرو، ناقضاً لما أبرم، ومبرماً لما نقض، أسف إذا طار، وأطير إذا أسف، ولكن مضى قدر وبقي أسف، ومع يومنا غد، وللآخرة خير لأميرالمؤمنين رضي الله عنه.
أنشد: المتقارب
أبى الناس أن يدعوا موسراً ... سليم الأديم سليم النشب
فقد خيروك فإن لم تطب ... بعرضك نفساً فطب بالذهب
ويقال: من تمنى طول العمر فليوطن نفسه على المصائب.
(4/243)

وأنشد: الطويل
فما سرت من ميل ولا بت ليلة ... من الدهر إلا أعتادني لك طائف
ولا مر يوم مذ تراخت بي النوى ... ولا ليلة إلا هوى منك رادف
أهم سلوا عنك ثم يردني ... إليك وتثنيني عليك العواطف
فلا تحسبن النأي أبلى مودتي ... ولا أن عيني ردها عنك طارف
وكم من نريل قد وجدناه طرفة ... فتأبى عن التعبير تلك الطرائف
كان مسروق بن الأجدع ينهى عن السلطان، فدعاه زياد فولاه السلسلة، فقيل له في ذلك فقال: اجتمع علي زياد وشريح والسلطان، فكانوا ثلاثة وكنت وحدي فغلبوني.
قال هشام الكلبي: قدمت ليلى الأخيلية على الحجاج فامتدحته فقال: قد أمرت لك بمائة، فقالت: زدني، حتى بلغت ثلاثمائة، فقال بعض جلسائه: إنما أمر لك بغنم، قالت: الأمير أكرم من ذلك، فجعلها إبلاً؛ قال هشام: وإنما كان أمر لها بغنم، فلما سمع ما قالت استحيا فجعلها إبلاً.
وقدم يزيد بن قيس الأرحبي، وكان والياً لعلي بن أبي طالب
(4/244)

رضي الله عنه، فبعث إلى الحسن والحسين رضي الله عنهما بهدايا، وترك ابن الحنفية، ودخل يزيد على علي رضي الله عنه وعنده محمد بن الحنفية فضرب علي على جنب ابن الحنفية وأنشده: الوافر
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
ثم رجع يزيد إلى منزله فبعث بهدية إلى ابن الحنفية.
هذا رواية المدائني، وما أدري ما أقول فيه.
وأنشد للعليمي: الطويل
ولست بهياب الأمور ولا الذي ... إذا مكنته جاء للصلح خاضعا
وقد يصبر الحر الكريم على الأذى ... ولا يظهر الشكوى وإن كان موجعا
وقد يأنف المرء الكريم ويستحي ... وإن ذاق طعم الموت أن يتوجعا
قال عبد الملك: من كل شيء قضيت وطراً إلا محادثة الإخوان في الليالي الزهر، على التلال العفر.
أنشد: الوافر
إذا لم تحظ في أرض فدعها ... وحث اليعملات على سواها
ولا يغررك حظ أخيك منها ... إذا صفرت يمينك من جداها
قال الحسن: من أحسن في نهاره كوفىء في ليلته، ومن أحسن في ليلته كوفىء في نهاره، ومن صدق في ترك شهوته كفي مؤونتها، إن الله تعالى أكرم من أن يعذب قلباً ترك له شهوة.
(4/245)

قيل لأعرابي: إنكم لتكثرون الرحل والتحول وتهجرون الأوطان، فقال: إن الوطن ليس بأب والد ولا أم مرضع، فأي بلد طاب فيه عيشك، وحسنت فيه حالك، وكثر فيه دينارك ودرهمك، فاحطط به رحلك، فهو وطنك وأبوك وأمك ورحلك.
قال الأحنف: ما عرضت الإنصاف على أحد فقبله إلا هبته، ولا أباه إلا طمعت فيه.
قال ابن المقفع: العقول رسل الله تعالى إلى أهلها، والألسنة ترجمانها، والأقلام بردها.
هذا تمام الجزء الرابع، والخامس يقفوه على أثره، على المذهب المألوف في تحبير الكلام على فنونه، ورواية ما متح السماع به، وذكر ما تمت الشهادة عليه، فقدم مراقبة ربك على جميع أربك، وأعلم أنك بمرأى منه ومسمع، يعلم خائنة طرفك، وخافية صدرك، ولاحظ نعمة التي قد أكتنفتك، من شباب وجدة، وكفاية وراحة، وأرتبطها بالشكر، وأستدمها بالمواساة، وودعها بالحمد، وشرف نفسك بالعلم، وزينها بالحلم، تنل خير الدارين، وشرف المنزلتين.
(4/246)

والحمد الله وحده وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً.
أكمل في ثاني شهر ذي حجة سنة ثمان وعشرين وستمائة، أحسن الله مبتدأه وخاتمته وحسبي الله ونعم الوكيل.
(4/247)