Advertisement

البصائر والذخائر 005

//بسم الله الرحمن الرحيم

رب عونك بمنك
الجزء الخامس
اللهم اجعل عدونا إليك مقرونا بالتوكل عليك، ورواحنا عنك موصولاً بالنجاح منك. وإجابتنا لك راجعة إلى التهالك فيك، وذكرنا إياك منوطاً بالسكون معك، وثقتنا بك هادية إلى التفويض إليك، ولا تخلنا من يد تستوعب الشكر، ومن شكر يمترى خلف المزيد، ومن مزيد يسبق اقتراح المقترحين، وصنع هو من ذرع الطالبين، حتى نلقاك مبشرين بالرضا، محكمين في الحسنى، غير مناقشين ولا مطرودين.
اللهم أعذنا من جشع الفقير، وريبة المنافق، وتجليح المعاند، وطيشة العجول، وفترة الكسلان، وحيلة المستبد، وتهور الغافل، وحيرة المحرج، وحسرة المحوج، وفلتة الذهول، وحرقة النكول، ورقبة الخائف، وطمأنينة المغرور، وغفلة الغرور، واكفنا مؤونة أخ يرصد
(5/5)

مسكوناً إليه، ويمكر موثوقاً به، ويخيس معتمداً عليه، وصل الكفاية بالسلوة عن هذه الدنيا، واجعل التهافنا عليها حنيناً إلى دار السلام ومحل القرار، وغلب إماننا بالغيب على يقيننا بالعيان، أحرسنا من أنفسنا فإنها ينابيع الشهوة ومفاتيح البلوى، وأرنا من قدرتك ما يحفظ علينا هيبتك، وأوضح لنا من حكمتك ما يقلبنا في ملكوتك، وأسبغ علينا من نعمتك ما يكون لنا عوناً على طاعتك، وأشع في صدورنا من نورك ما تتجلى به حقائق توحيدك، واجعل ديدننا ذكرك، وعادتنا الشوق إليك، وعلمنا النصح لخلقك، واجعل غايتنا الاتصال بك، واحجبنا عن قول يبرأ من رضاك، وعمل يعمى صاحبه عن هداك، وألف بيننا وبين الحق، وقربنا من معادن الصدق، واعصمنا من بوائق الخلق، وانقلنا من مضايق الرزق، واهدنا إلى فوائد العتق.
اللهم إنك بدأت بالصنع، وأنت أهله، فأنعم بالتوفيق فإنك أهله. اللهم إنا نتضاءل عند مشاهدة عظمتك، وندل عليك عند تواتر برك، ونذل لك عند ظهور آياتك، نلح عليك عند علمنا بحودك، ونسألك من فضلك ما لا يرزأك ولا ينكأك، ونتوسل إليك بتوحيد لا ينتمي إليه خلق، ولا يفارقه حق.
(5/6)

هذا الجزء الخامس من البصائر، وهو صنو ما سلف منه، فاجعله درسك ليلك ونهارك، واجعله تلاوتك سرك وجهارك، واختلس حظك من المعارف فيه تتخلص من المناكر، وخض بحر المعارف تنج من المجاهل، واعلم أن عملك لا يزكو، وسرك لا يصفو، وعاقبتك لا تحلو، حتى تقف بين أمر الله ونهيه، غير محتج بإرادة الله تعالى وعمله، متوقفاً عما وقفك عنه، متخففاً إلى ما أنهضك إليه، عالماً بأن البدء منه، والحجة منه عليك، وان الذي عليك بنسبتك إليه أن تكون عبداً ذليلاً، والذي لك عنده أن يجعلك ملكاً عزيزاً، ولا تفوتن نفسك فإنك حظها، ولا تفوتنك نفسك فإنها حظك، واتق عذاباً يستغرقك، وخف حساباً يأتي عليك، وافتح ديوان نفسك، وكن رقيب أمرك، قبل أن يشركك من لا يوطئ عشوة، ولا يقبل رشوة، واعلم انك في هذه الدار بين طيب وخبيث وقديم وحديث وقول وعمل وعذر وعذل وإضرار واختيار، وشكر وصبر، ووفاء وغدر، وعزاء وجزع، وأمان وفزع، وظلمة ونور وترحة وسرور، وغمة وانجلاء، وهبطة واعتلاء، وعافية وابتلاء، وصحوة وسكر، ولذة وحسرة، ويقين وحيرة، واجتماع وفرقة، وإمتاع وحرقة، ووحشة وانس، وهم وعرس، وإطلاق وحبس، واستقلال ونكس، وسعادة ونحس، ونزاهة وحرص، وحفظ وإضاعة، وكتمان وإذاعة، ودرك وفوت، وحياة وموت، فخذ نفسك بالإعراض عن زهرة تحول، ونعم تيلى، ومدة تنصرم، وشهوة تنقضي، وتبعة تبقى، وندم يصير لزاماً، والزم الصمت إلى أن ترى هلكك فيه، والزم النطق إلى أن ترى ضياعه عنك
(5/7)

عند مستمعيه، وعاشر ما قبل نصحك في العشرة، وتفرد ما رأيت الخلل في الخلة، واعمل ما دام الإخلاص صاحبك، واعتقد ما صحب اليقين عقيدتك، واصرف غاية اجتهادك ونهاية سعيك وبليغ كدحك في اقتباس العلم فإنه نور وضياء، وبر وشفاء، وحلية وجمال، ومتعة وراحة، وهدي وبيان، وسعادة ونجاة، ودنيا وآخرة، وغنى ويسار، إن لم يغنك بالبضاعة أغناك بالقناعة، وإن لم يبلغك منزلة النيل به لم يخلك من الاستراحة إليه.
وقف متعلم بباب عالم فقال: واسونا مما رزقكم الله؛ فأخرجوا له طعاماً فقال: فاقتي إلى كلامكم أشد من حاجتي إلى طعامكم؛ اعلموا أن فلاناً طالب هدى لا سائل ندى. فأذن له وأوسعه فوائد، فخرج وهو يقول: علم أوضح لبساً، خير من مال أغنى نفساً.
نظر عالم إلى تلامذته فقال: ما كل ذي تحصيل يرجع إلى تفصيل، وما كل ذي سماع يأوي إلى قلب يراع، وما كل ذي اقتباس يستند إلى قياس، وأنشد: البسيط
لا تبخلن بفضل العلم تمنحه ... ما كل قابس علم حلف مقباس
إن النجوم يراها كل ذي بصر ... وليس يعرفها جيل من الناس
وكن من مصيرك إلى الله على فرق، فإن ذلك يسهل عليك الكد في طلب الراحة، ولا يغرنك ظاهر ما ترى من هذا العالم عن باطن ما تغفل عنه، فإن ناظم هذا الفلك، ومزين هذه السماء، وساطح هذه الأرض، وجاسي هذا الجو، وفالق هذا البحر، وبارئ هذه النسمة، لم يخلقها عبثاً، ولم يتركها سدى؛ فاعرفه معرفة تنسيك ما سواه، واعتصم بحبل من حسن الظن به فإنه يجزيك، وتحبب إليه بالتحبب إلى خلقه، وتطامن للحق، وأعز الحق،
(5/8)

فإن معاذ بن جبل قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معاذ، المؤمن لدى الحق أسير؛ يا معاذ، إن المؤمن من لا يسكن من روعته، ولا يأمن من اضطرابه، حتى يخلف جسر جهنم وراء ظهره؛ يا معاذ، إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته، فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته. والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه. والصدق أميره. والحياء وزيره؛ يا معاذ، إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأنهي لك ما أنهى إلي خليلي جبريل عليه السلام؛ يا معاذ، المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه، وفتات الطين بإصبعيه، فلا ألفين يوم القيامة واحداً أسعد بما آتاه الله منك؛ روي هذا الحديث أبو حاتم الرازي عن أحمد بن أبي الحواري.
وامقت الدنيا مقتا، ولا يقنطنك من الله تعالى بعض ما يضيق عليك من رزقك، ويخيب من آملك، ويفوت من مرادك، فإنك عند السعة مطالب بشكر أثقل من الضيق عند الضيق، ممتحن بصبر تحمله أيسر من اليسر، والقائل يقول: الوافر
فلا تجزع وإن أعسرت يوماً ... فقد أيسرت في الزمن الطويل
ولا تيأس فإن اليأس كفر ... لعل الله يغني عن قليل
(5/9)

ولا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل
ولعل صنع الله في طيها عنك أكثر من انتشارها عليك.
وما أحسن ما قال عبد الله بن طاهر بن صفة الدنيا حين كتب إلى المعتصم: أما بعد، فإن الدنيا قد عاينت نفسها بما أبدت من تصرفها، وأنبأت عن مساوئها بما أظهرت من مصارع أهلها، ودلت على عوراتها بعين حالاتها، وقطعت ألسنة العز فيها عين زوالها. وشهد إخلاق شؤونها على فنائها. فلم يبق لمرتاب في أمرها ريب، ولا لناظر في عواقبها شك، بل عرفها جل من عرفها معرفة يقين، وكشفوها أبرز تكشف، ثم أضلتهم الأهواء عن منافع العلم، ودلتهم الآمال بغرور، فلججوا في غمرات العجز، فسبحوا في بحورها موقنين بالهلكة، ورتعوا في عراضها عارفين بالخدعة، وكان يقينها شكاً، وعلمهم جهلاً، لا بالعلم انتفعوا، ولا بما عاينوا اعتبروا، قلوبهم عالمة جاهلة، وأبدانهم شاهدة غائبة، حتى طرقتهم المنية، فأعجلتهم عن الأمنية، فبعثتهم القيامة. وأقدمتهم الندامة، وكذلك الأمل: ينسئ طويلاً ويأخذ وشيكا، فانتفع امرؤ بعلمه وجاهد هواه أن يضله، وخاف أمله أن يغره، وقوي يقينه على العمل، ونفي عنه الشك بقطع الأمل، فإن الهوى والأمل إذا استضعفا اليقين صرعاه، وإذا تعاونا على ذي غفلة خدعاه، فصريعهما لا ينهض سالماً وخديعهما لا يزال نادماً، والقوي من قوي عليهما، والحارس من احترس منهما؛ ألبسنا الله وإياكم جنة الحذر، ووقانا وإياكم سوء القضاء والقدر.
(5/10)

ولو كان هذا الكلام لابن المبارك أو منصور بن عمار أو ابن السماك لكان كبيراً. فكيف وهو لعبد الله بن طاهر، ونصيبه من عشق العاجلة ومحبته للدنيا ما نعرفه؟ إلا أن يكون غيب حاله خلاف مشهده، والتفاوت في الكلام أمر راتب في الخلق، وكذلك في العمل، وكذلك في الإخلاص، وكذلك فيما ينتصب للإخلاص من الدرجات والمنازل، فسبحان من هذا خلقه في خلقه وهذا أمره في أمره.
(5/11)

1 - كتب طاووس إلى مكحول: أما بعد فإنك قد اصبت بما ظهر من علمك عند الناس منزلة وشرفاً، فالتمس بما بطن من عملك عند الله منزلة وزلفى، واعلم أن إحدى المنزلتين تقربك للأخرى والسلام.
2 - قال ابن السماك: من جرعته الدنيا حلاوتها بميله إليها، جرعته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها.
3 - قال بعض السلف: إنكم لا تنالوا ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، ولا تبلغون ما تهوون إلا بترك ما تشتهون.
4 - وقال بعض الزهاد: بمرارة دواء العبادة تنال حلاوة شفاء العاقبة.
5 - قال بزرجمهر: إياك وقرناء السوء، فإنك إن عملت قالوا: راءيت، وإن قصرت قالوا: أثمت، وإن بكيت قالوا: بهت، وإن ضحكت قالوا: جهلت، وإن نطقت قالوا: تكلفت، وإن سكت قالوا: عييت، وإن اقتصدت قالوا: بخلت.
6 - وقال بعض السلف: قارب إخوانك في خلائقهم تسلم من بوائقهم.
7 - وقال أعرابي: دع مصارمة أخيك، وإن حثا التراب في فيك.
8 - وقال بعض السلف: من أفحش الظلم أن يلزمك حقك في مال أخيك فيبذله لك، وتلزمه حقه في تعظيمك إياه، فإذا أنت قد جشمته إفضال المنعمين، وابتذلته ابتذال الأكفاء.
(5/12)

9 - كتب أحمد بن المعذل إلى أخيه عبد الصمد: أما بعد، فقد شمل عرك، وعم أذاك، وصرت فيك كأب الابن العاق، إن عاش نغصه، وإن مات نقصه؛ فأجابه عبد الصمد: المتقارب
أطاع الفريضة والسنة ... فتاه على الإنس والجنه
كأن لنا النار من دونه ... وأفرده الله بالجنه
وينظر نحوي إذا جئته ... بعيني حماة إلى كنه
10 - قال ابن الغريض الكاتب: عشق رجل غلاماً ظريفاً فكتب إليه يسأله زيارته، فأجابه الغلام: شدة شكواك تدعو إلى إسعافك. وصانتنا أنفسنا وإياك تدعو إلى منعك، ولمكروه المنع مع السلامة من شناعة القول خير من محبوب الإسعاف مع شماتة الحاسد. وإطلاق لسانه بما يشيننا ويشينك، وإن أجد فرصة أثق معها بالستر، وآمن من سوء الذكر، أصر إليك، فأديل الهوى من الرأي، وأملكه أزمتنا.
ثم إنهما اجتعما في مجلس فلم يمكنهما المفاوضة، فكتب الرجل في رقعة: انظر إلي، فوقع الغلام نظري إليك فتنة. وإعراضي عنك محنة، فارض باللحظة، واستمتع باللفظة بعد اللفظة، واحذر عادية الحفيظة.
11 - قال الحجاج على المنبر: أيها الناس، من أعيا داؤه فعندي دواؤه، ومن استطال ماضي عمره قصرت عليه باقية؛ إن للشيطان طيفاً،
(5/13)

وللسلطان سيفاً، فمن سقمت سريرته، صحت عقوبته، ومن وضعه ذنبه، رفعه صلبه، ومن لم تسعه العافية، لم تضق عنه الهلكة، ومن سبقت بادرته فقد سبق بدنه سفك دمه؛ وإني أنذركم ثم لا أنظركم، وأحذركم ثم لا أعذركم، وأتوعدكم ثم لا أغفر، إنما أفسدكم وهن ولاتكم، ومن استرخى لببه ساء أدبه؛ إن الحزن والعزم سلباني سوطي، وأبدلاني سيفي، فقائمه في يدي، ونجاده في عنقي، وذبابه قلادة من عصاني، والله لا آمر أحدكم أن يدخل من أحد أبواب المسجد فيدخل من الباب الآخر إلا ضربت عنقه.
12 - نظر مروان بن أبي حفصة إلى عنان جارية الناطفي تبكي من ضرب مولاها فقال: السريع
بكت عنان فجرى دمعها ... كالدر إذ يسبق من خيطه
فقالت:
فليت من يضربها ظالماً ... تجف يمناه على سوطه
واستجازها بيتاً آخر وهو: الطويل
وما زال يشكو الحب حتى رأيته ... تنفس من أحشائه وتكلما
فقالت:
(5/14)

ويبكي فأبكى رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما
13 - أهدى المعلى بن أيوب إلى المتوكل في يوم نيروز سكرة عليها خيارة صغيرة، فسئل عن ذلك فقال: الحلاوة للسكر، والخيارة فلأنه في إقبال أيامه وابتداء ظهوره، ولأن اسمه بالفارسية والعربية والنبطية خيار، وهم خيار وخيرة وأخيار وخير.
14 - لما ذهب بهدبة ليقتل انقطع قبال نعله فجلس يصلحه فقيل له: أتصلحه وأنت على ما أنت؟ فقال: الوافر
أشد قبال نعلي أن يراني ... عدوي للحوادث مستكينا
15 - اعتذر كاتب إلى صديق له من تأخر اللقاء فأجابه: أنت في أوسع عذر عند ثقتي، وفي أضيق العذر عند شوقي.
16 - وكتب حمد بن مهران إلى أبي دلف بن عبد العزيز في يوم نيروز: قدر الأمير أدام الله تمكينه يجل عما تحيط به المقدرة، وفي سؤدده ما يوجب التفضل ببسط المعذرة.
(5/15)

17 - وكتب رجل إلى ابن سيابة يسأله عن رجل فكتب في الجواب: هو والله غث في دينه، قذر في دنياه، رث في مروءته، منقطع إلى نفسه، راض عن عقله، بخيل بما وسع عليه من رزقه، كتوم لما آتاه الله من فضله، حلاف لجوج، لا ينصف إلا صاغراً، ولا يؤمر إلا كابراً، ولا يعدك إلا راغماً، يرفع نفسه عن منزلة الأذل بعد تعززه فيها.
18 - عتبت متيم على علي بن هشام فهجرته، وترضاها بكل شيء فلم ترض، فكتب إليها: الإدلال داعية الملال، والتغضب مقدمة التجنب، ورب هجر يدعو إلى صبر، وإنما سمي القلب قلباً لتقلبه، وما أحسن ما قال العباس: الخفيف
ما أراني إلا سأهجر من لي ... س يراني أقوى على الهجران
ملني واثقاً بحسن وفائي ... ما أضر الوفاء بالإنسان
19 - لسعيد بن حميد: الطويل
قربت فلم نرج اللقاء ولا نرى ... لنا حيلة يدنيك منا احتيالها
فأصبحت كالشمس المضيئة نورها ... قريب ولكن أين منا منالها
كظاعنة ضنت بها غربة النوى ... علينا ولكن قد يلم خيالها
(5/16)

تقربها الآمال ثم تعوقها ... مماطلة الدنيا بها واعتلالها
ولكنها أمنية فلعلها ... يجود بها صرف النوى وانفتالها
20 - قال علي بن الجهم: لحظت فضل الشاعرة لحظة استرابت بها فقالت: الرجز
يا رب رام حسن تعرضه ... يرمي ولا يشعر أني غرضه
فقلت:
أي فتى لحظك لا يمرضه ... وأي عقد محكم لا ينقضه
21 - وجد أبو العباس ابن ثوابة على سعيد بن حميد فكتب إليه سعيد: الكامل
أقلل عتابك فالزمان قليل ... والدهر يعدل مرة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه ... إلا بكيت عليه حين يزول
ولكل نائبة ألمت مدة ... ولكل حال أقبلت تحويل
والمنتمون إلى الإخاء جماعة ... إن حصلوا أفناهم التحصيل
(5/17)

ولعل أحداث الليالي أولعت ... بنوى تفرق بيننا وتحول
فلئن سبقت لتبكين بحسرة ... وليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق ... حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين ... من لا يشاكله لدي عديل
وليذهبن جمال كل مروءة ... وليقفرن فناؤها المأهول
وأراك تكلف بالعتاب وودنا ... باق عليه من الوفاء دليل
ود بدا لذوي الإخاء صفاؤه ... وبدت عليه بهجة وقبول
ولعل أيام الحياة قصيرة ... فعلام يكثر عتبنا ويطول
22 - جحد رجل مال رجل فاحتكما إلى إياس بن معاوية، فقال للطالب: أين دفعت إليه هذا المال؟ قال: عند شجرة في مكان كذا وكذا، قال: فانطلق إلى ذلك المكان فلعلك تتذكر كيف كان أمر هذا المال، ولعل الله يوضح لك سبباً. فمضى الرجل، وجلس خصمه، فقال إياس بعد ساعة: أترى خصمك بلغ موضع الشجرة؟ قال: لا، بعد، قال: يا عدو الله، أنت خائن، قال: أقلني أقالك الله، فاحتفظ به حتى أقر ورد المال.
(5/18)

23 - شهد سوار عند بلال بن أبي بردة وآخر معه، فقال بلال: يا سوار، ما تقول في هذا الرجل؟ قال: إنما جئت شاهداً ولم آت مزكياً، قال: أفحضر معك هذه الشهادة؟ قال: نعم.
24 - قال أعرابي: الكلام فنون، وخيره ما وفق به القائل، وانتفع به السائل والمستمع.
25 - قال بعض العلماء: أصح الأخبار ما نقله خيار الخلف عن أبرار السلف.
26 - قال أعرابي: دع النمائم فإن أولها سمائم، وآخرها مآثم.
27 - قال أعرابي: رب مخوف ينال، ومرجو لا ينال.
28 - قال بكر بن عبد الله المزني: إذا رأيت قبيحاً من ناسك فالفظه، وإذا رأيت حسناً من فاتك فاحفظه.
29 - قال أعرابي: أطيب الزمان ما قرت به العينان.
30 - من كلام الجاهلية الأولى: كل مقيم شاخص، وكل زائد ناقص.
31 - وقال آخر: أكثر الناس بالقول مدل، وبالفعل مقل.
(5/19)

32 - وقال آخر: أعد لصديقك بذلك، ولعدوك عذلك.
33 - وقال أعرابي: ليس العمل للوفاء، كالسعي للرجاء.
34 - وقال آخر: رب بعيد لا يفقد بره، وقريب لا يؤمن شره.
35 - وقال آخر: من أحم قرم، ومن تهور ندم 36 - وقال آخر: أبين العجز قلة الحيلة، وملازمة الحليلة.
37 - وقيل لصوفي: كيف أنت؟ قال: طلبت فلم أرزق، وحرمت فلم أصبر.
38 - وقال بعض الهند في كتابه: لا ظفر مع بغي، ولا صحة مع حرص، ولا ثناء مع كبر، ولا صداقة مع خب، ولا شرف مع سوء الأدب، ولا بر مع شح، ولا اجتناب محرم مع حرص، ولا ولاية حكم مع عدم فقه، ولا عذر مع إصرار، ولا سلامة مع غيبة، ولا راحة قلب مع حسد، ولا سؤدد مع انتقام، ولا رياسة مع عجب، ولا صواب مع استبداد، ولا ثبات مع جهل الوزراء.
39 - قال عبد الملك الكاتب: تزوج بعض أصحابنا سراً من أهله، فأولدها بنتاً ولم يكن هناك بينة، ثم عشق أخرى وفارقها وجحد ابنتها، وكان يأتي الجديد على السفاح، فاحتالت القديمة حتى علمت حضوره عند الزانية، ثم مضت إلى صاحب الرفع وسلمتها إليه، ثم وجهت إلى زوجها: إني إن
(5/20)

خلصتك أقررت بنكاحي وبنتي؟ قال: نعم، فجاءت فدخلت السجن كأنها تزور وقالت للزانية: أخرجي بلباسي كأنك أنا، ففعلت، وقالت: قولي للرجل إني امرأتك، وقوي قلبك ولسانك فإن الجيران يشهدون لي بذلك، ففعلت وتعرف الوالي من الجيران فاعترفوا فخلاهما.
40 - قال المدائني: تذاكر قوم من ظراف البصرة الحسد، فقال رجل: إن الناس ربما حسدوا على الصلب، فانكروا ذلك، ثم جاءهم بعد أيام فقال: إن الخليفة قد أمر أن يصلب الأحنف، ومالك بن مسمع، وقيس بن الهيثم، وحجام يعرف بحمدان، فقالوا: هذا الخبيث يصلب مع هؤلاء؟! فقال: ألم أقل إن الناس يحسدون على الصلب؟! 41 - خطب عتبة بن غزوان فقال: أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بتصرم. وولت حذاء، فلم يبق فيها إلا صبابة كصبابة الإناء، فتزودوا خير ما يحضركم. وهو تقوى الله جل جلاله وطاعته، والانتهاء عن معصيته، ولقد رأيتني في سبعة نفر مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، نأكل العضاة حتى قرحت أشداقنا. ثم أصبحنا وما منا أحد إلا على كورة من هذه الكور.
(5/21)

42 - وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول: لو حدرت صخرة على شفير النار لهوت قبل أن تقع في قعرها سبعين خريفاً، وإن بين مصراعي باب الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين يوم كظيظ الزحام، ألا وإنها لم تكن نبوة إلا كان بعدها ملك وجبرية، وأعوذ بالله أن أكون في عين الله صغيراً وفي عيني عظيماً، وستجربون الأمراء بعدي. وكان عمر عزله بالمغيرة عن البصرة.
43 - قال الأعرابي: السعيد من أغضى بصرة لهول المرجع، وأراق دمعه لخوف المصرع.
44 - لمكنف من ولد زهير بن أبي سلمى: الكامل
بكت العيون فأقرحت عبراتها ... أجفانها حزناً على إسحاق
ولئن بكت جزعاً عليه لقد بكت ... جزعاً مكارم الأخلاق
يا خير من بكت المكارم فقده ... لم يبق بعدك للمكارم باق
لو طاف في شرق البلاد وغربها ... لم يلق إلا حامداً لك لاق
ما بت من كرم الطبائع ليلة ... إلا لعرضك من نوالك واق
بخلت بما حوت الأكف وإنما ... خلق الإله يديك للإنفاق
45 - قال يونس: العرب تقول: وجدان الرقين يغطي أفن الأفين، يعني أن الذهب والفضة يغطيان حمق الأحمق.
(5/22)

46 - قال الزبير بن بكار: كان غلام يسوق بأصحابي ويرطن بالزنجية شيئاً، يوقع عليه شبه الشعر، فمر بنا رجل يعرف لسانه فاستمع له ثم قال: إنه يقول: الطويل
فقلت لها أني اهتديت لفتيه ... أناخوا بجعجاع قلائص سهما
فقالت كذاك العاشقون ومن يخف ... عيون الأعادي يجعل الليل سلما
47 - قال مسلم بن عبد الله بن مسلم الهذلي: خرجت أريد العقيق ومعي زبان، فلقينا نسوة فيهن جارية قد بهرتهن حسناً، فأنشد زبان بيتي أبي وهما: الطويل
ألا يا عباد الله هذا أخوكم ... قتيلاً فهل منكم به اليوم ثائر
خذوا بدمي إن مت كل خريدة ... مريضة جفن العين والطرف ساحر
ثم قال لي: شأنك بها يا ابن الكرام فوالله إن لم يكن دم أبيك في ثيابها، فأقبلت علي فقالت: أنت ابن أبي جندب؟ قلت: نعم، قالت: إن قتيلنا لا يودى، وأسيرنا لا يفدى، فاغتنم نفسك، واحتسب أباك.
48 - قال الأصمعي: تقول العرب في العدد: آخر حرف من الثالث إلى العاشر أحاد وثنا وثلاث ورباع وخماس وسداس وسباع وثمان وتساع وعشار؛ قال الأخفش: الأكثر أثنا، وأنشد: الرمل المجزوء
(5/23)

قل لعمرو يا ابن هند ... لو شهدت اليوم شنا
لرأت عيناك منهم ... كل ما كنت تمنى
إذا أتتنا فيلق شهيا ... ء من هنا وهنا
وأتت دوسر والملحا ... ء سيراً مطمئنا
ومشى القوم إلى القو ... م أحادا وأثنا
وثلاثاً ورباعاً ... وخماساً فطعنا
وسداساً وسباعاً ... وثماناً فاجتلدنا
لا ترى إلا كميا ... قاتلاً منهم ومنا
قال المبرد: لخلف الأحمر نحلة بعض الأعراب وأنشد: الرجز
يفديك يا ويح أبي وخالي ... قد مر شهران وهذا الثالي
وأنت بالهجران لا تبالي
آخر: الطويل
ثلاثة أملاك كرام ورابع ... وما الخام منهم باللئيم المذمم
آخر: الوافر
إذا ما عد أربعة لجود ... فزوجك خامس وأبوك سادي
(5/24)

آخر: الوافر
مررت بربعها فوقفت فيه ... على سفع جوائم فوق آس
وقد مرت به من بعد عهدي ... ثمانية وهذا العام تاس
آخر: المتقارب
تراهن في الجو تلو النسيم ... فطوراً أحاداً وطوراً ثنا
49 - قال عبد الكريم بن وهب، سمعنا الشافعي ينشد: الوافر
وأنطقت الدراهم بعد صمت ... أناساً طال ما كانوا سكوتا
فما عطفوا عل أحد بفضل ... ولا عرفوا لمكرمة بيوتا
50 - قال الهيثم بن عدي: خرج سوار بن عبيد وهو أحد الخوارج على عبد الملك بن مروان بعد أبي فديك باليمامة، وكان عامله عليها يزيد بن هبيرة، فقتل يزيد سواراً، ثم إنه تزوج ابنة امرأة من الطلبيات؛ من ولد طلبه بن قيس
(5/25)

ابن عاصم المنقري، فلما دخل عليها قالت: الوافر
للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف
وبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلي من قصر منيف
وخرق من بني عمي نحيف ... أحب إلي من علج عنيف
51 - قال محمد بن عمران التيمي قاضي المدينة: هذه الملح تعجب عقلاء الرجال.
52 - قال المبرد: الوجذ: جمعه وجاذ، وهي النقرة التي يستنقع فيها الماء، كالوهد والوهاد؛ قال أبو عمر الجرمي: الوجذ: كل مستنقع ماء.
53 - قيل لأعرابي: ما أحسن الثناء عليك؟ قال: بلاء الله عندي أحسن من وصف المادحين وإن أحسنوا، وذنوبي إلى الله أكثر من عيب الذامين وإن أكثروا، فواحسرتي على ما فرطت، وواسوأتي مما قدمت، بلى، ثلجت
(5/26)

القلوب لما ترجو من عفوه عن المذنب، وقبوله من المعتب.
54 - وصف أعرابي رجلاً فقال: لا تراه الدهر إلا كأنه لا غنى به عنك وإن كنت إليه أحوج، إن أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن احتجت إليه أحسن وكأنه المسيء.
55 - وقال أعرابي: ألم أكن نهيتك أن تريق ماء وجهك بمسألتك من لا ماء في وجهه؟! 56 - وقال: والله لو وقع فلان في ضحضاح معروفة لغرق.
57 - وقال أعرابي لأخيه ورآه حريصاً على الدنيا: يا أخي أنت طالب ومطلوب، ويطلبك من لا تفوته، وتطلب ما قد كفيته، وكأن ما غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه؛ يا أخي كأنك لم تر حريصاً محروماً. ولا زاهداً مرزوقاً.
58 - سئل أعرابي: من أبلغ الناس؟ قال: أحسنهم لفظاً، وأمثلهم بديهة، قيل: فمن أصبر الناس؟ قال: أردهم لجهله بحلمه، إن قاتل أبلى. وإن أعطى أغنى.
(5/27)

59 - قيل لأعرابي: كيف فلان؟ قال: يقطع نهاره بالمنى، ويتوسد ذراع الهم إذا أمسى.
60 - وقال أعرابي: أما فلان فلسانه أحلى من الشهد، وصدره سجن الحقد.
61 - وقال آخر في وصف آخر: إذا نزلت به النوائب قام إليها، ثم قام بها ولم تقعد به علات الأنفس.
62 - وقال أعرابي في وصف قوم: والله ما نالوا بأطراف أناملهم شيئاً إلا قد وطئنا بأقدامنا، وإن أقصى مداهم لأدنى فعالنا.
63 - ذم أعرابي آخر فقال: لا يخشى عاجل عار، ولا آجل نار، كالبهيمة تأكل ما وجدت، وتنكح ما لحقت.
64 - قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: ليس خياركم من ترك الآخرة للدنيا، ولا من ترك الدنيا للآخرة، ولكن من أخذ من هذه لهذه.
65 - وقال أعرابي: خطب رجل منا مغمور امرأة مغمورة، فقيل لولي المرأة: تعمم لكم فزوجتموه، فقال: إنا تبرقعنا له قبل أن يتعمم لنا.
66 - وقال غيره: لئن هملجت في الباطل إنك عن الحق لقطوف، ولئن أبطأت عن الحق ليسر عن إليك.
(5/28)

67 - وقال أعرابي: إن لم يعدلك الحق عدلك الباطل.
68 - وقال آخر لصاحب له: قد نهيتك عن مسألة أقوام أرزاقهم من ألسن الموازين، ورؤوس المكاييل.
69 - وذم أعرابي آخر فقال: لا يكون في موضع إلا حرمت الصلاة فيه، ولو أفلتت كلمة سوء لم تصر إلا إليه، ولو نزلت لعنة لم تقع إلا عليه.
70 - وذم آخر رجلاً فقال: سمين المال، مهزول المعروف، معدم مما يحب، مثر مما يكره، وهو أكثر ذنوباً من الدهر.
71 - وذم آخر رجلاً فقال: هو من قوم سلخت أقفاؤهم بالشؤم، ودبغت جلودهم باللؤم، لباسهم في الدنيا الملامة، وزادهم في الآخرة الندامة.
72 - قال أعرابي لرجل شريف: ما أحوج عرضك إلى أن يكون لمن يصونه، وتكون أنت فوق من أنت اليوم دونه.
73 - وقال آخر لصاحب له: إنما يستجاب لمؤمن أو مظلوم، ولست بواحد منهما.
74 - قال المسيح عليه السلام: لا تنظروا إلى ذنوب الناس كأنكم أرباب، ولكن انظروا إلى ذنوبكم كأنكم عبيد.
(5/29)

75 - قال المنصور لشريك: أني لك هذا العلم؟ قال: لم أرغب عن قليل أستفيده، ولم أبخل بكثير أفيده.
76 - وقال أعرابي: سيد القوم أشقاهم.
77 - وقال آخر: أعطاك الله ولا سلبك، وكلاك ولا وكلك، ومنحك ولا امتحنك.
78 - قال بعض الصالحين: من أذنب وهو يضحك دخل النار وهو يبكي، ومن أذنب وهو يبكي دخل الجنة وهو يضحك.
79 - نظر فيلسوف إلى امرأة قد خنقت على شجرة فقال: ليت كل شجرة تحمل مثل هذه الثمرة.
80 - وقال الثوري لما شاء الله المنجم: أنت تغدو بطالع، وأنا أغدو بالاستخارة، وأنت تخاف زحل، أنا أخاف ذنبي، وأنت ترجو المشتري، وأنا أرجو الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
81 - وقال أبو حازم وقد نظر إلى فواكه منضدة في السوق: يا مقطوعة ممنوعة.
(5/30)

82 - ذكر المزاح عند خالد بن صفوان: يصك أحدكم قفا أخيه بأصلب من الجندل، وينشقه أحر من الخردل، ويفرع عليه أحر من المرجل، ثم يقول: أنا أمازحك.
83 - قال محمد بن أحمد الكاتب: سمعت بشر بن الحارث ينشد لبعض المحدثين: السريع
أقسم بالله لمص النوى ... وشرب ماء القلب المالحه
أعز للإنسان من حرصه ... ومن سؤال الأوجه الكالحه
فاستغن بالله تكن ذا غنى ... مغتبطاً بالصفقة الرابحه
اليأس عز والتقى سؤدد ... ورغبة النفس لها فاضحه
من كانت الدنيا به برة ... فإنها يوماً له ذابحه
84 - قال أبو سعيد، واسمه عبد الوهاب بن الحريش: حضر علي بن حمزة الكسائي وأبو حنيفة عند هارون الرشيد، فقال أبو حنيفة للكسائي: ما
(5/31)

لك لا تنظر في الفقه؟ فقال له الكسائي: أنا أفقه منك، ثم قال له: ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق أن دخلت الدار؟ فقال أبو حنيفة: ما لم تدخل لم يحنث، فقال له الكسائي: أخطأت، أما سمعت قول الله تعالى " تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً أن دعوا للرحمن ولداً " مريم: 90 - 91: أن دعوا أو لم يدعوا فقد دخلت، وقد حنث يا أيا حنيفة، فقال هارون: أحسنت يا أبا الحسن.
85 - كتب إبراهيم بن العباس الصولي إلى صديق له: أنصف الله شوقي إليك من جفائك، وأخذ لبري من تقصيرك، لا سلط الدهر على حسن الظن بك، كما سلطه على لطيف محلي منك.
86 - لشاعر في تهنئة بمولود: الرجز
مد لك الله البقاء مداً ... حتى ترى نجلك هذا جداً
مؤزراً بمجده مردى ... ثم يفدى مثل ما تفدى
كأنه أنت إذا تبدى ... شمائلاً محمودة وقداً
87 - قال صاحب كليلة ودمنة: الدنيا كالماء الملح متى يزدد شار به منه رياً يزدد ظمأ وعطشاً.
(5/32)

88 - وقال أحمد بن المعذل لأخيه عبد الصمد: أنت كالإصبع الزائدة، إن تركت شانت، وإن قطعت آلمت.
89 - وقال صاحب كليلة ودمنة: الأدب يذهب عن العاقل السكر، ويزيد الأحمق سكراً، كالنهار يزيد البصير بصراً، ويزيد الخفاش سوء بصر.
90 - قيل لفيلسوف: لا تتكلم، فسكت، قيل له: لا تنظر، فغمض عينه، قيل له: لا تسمع، فسد أذنه، قيل له: لا تعلم، قال: لا أقدر على ذلك.
91 - قال الجماز: دخل مخنث الحمام فرأى رجلاً كبير الأير، كثير الشعر، فقال: انظروا إلى الخليفة في القطيفة! 92 - قيل لمخنث عليل، وكان يشرب لبن الأتان: كيف أصبحت؟ قال: لا تسل عمن أصبح أخا الحمار.
(5/33)

93 - وقال في كليلة ودمنة: صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الشر، كالريح إذا مرت على النتن حملت نتناً، وإذا مرت على الطيب حملت طيباً.
94 - قيل لأعرابي: صف الزلزلة، فقال: كأنها فرس انتفض ثم راجع.
95 - قيل لرجل: صف لنا وليمة فلان، قال: كأنها زمن البرامكة في حسنها.
96 - قال صاحب كليلة: من نصح لمن لا يشكر له كان كمن ينثر بذره في السباخ، أو كمن أشار على معجب، أو كمن سار الأصم.
97 - وقال أيضاً: لا يخفى فضل ذي فضل وإن أخفاه بجهده، كالمسك الذي يخبأ ويستر ثم لا يمنع ذلك ريحه من التذكي.
98 - وذكر الجماز رجلاً فقال: كأن قيامه من عندنا سقوط جمرة من الشتاء.
(5/34)

99 - وقال صاحب كليلة أيضاً: من لا يقبل من نصحائه ما يثقل عليه مما ينصحون له فيه، لم يحمد غب أمره، وكان كالمريض الذي يترك ما يصف له الطبيب ويعمد لما يشتهي.
100 - قالت عجوز وقد رأت طلحة يوم الجمل: من هذا الذي كأن وجهه الدينار الهرقلي؟ قالوا: طلحة، قالت: فمن ذا الذي يتلمظ كأنه أرقم؟ قالوا: الزبير، قالت: فمن ذا الذي كسر ثم جبر؟ قالوا: علي بن أبي طالب.
101 - وقال صاحب كليلة: المودة بين الصالحين سريع اتصالها بطيء انقطاعها، والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها بعيد اتصالها.
102 - تكلم وفد بين يدي سليمان بن عبد الملك فأخطأوا، وتكلم بعدهم رجل فأبلغ، فقال سليمان: كان كلامه بعد كلامهم سحابة لبدت عجاجة.
103 - وصف المعلى بن أيوب ابن الزيات فقال: كأنه لسان حية من ذكائه.
104 - وقال ابن الرومي الشاعر: شهر رمضان بين شعبان وشوال كمخشلبة بين درتين.
(5/35)

105 - قال أبو سلمان الطنبوري: شعبان درب لا ينفذ.
106 - وقال آخر: الصاحب كالرقعة في الثوب فالتمسه مشاكلاً.
107 - وقال صاحب كليلة: لا يرد بأس العدو القوي بمثل التذلل والخضوع، كما أن الحشيش يسلم من الريح العاصف بلينه لها وانثنائه معها.
108 - وقال أيضاً: ليس العدو بموثوق به وإن أظهر جميلاً، فإن الماء ولو أطيل إسخانه لم يمنعه ذلك من إطفاء النار إذا صب عليها.
109 - وصف ملاح لصاً دخل عليه فقال: كان طويلاً مثل الدقل، أسود مثل قير السفينة، فخذه مثل السكان.
110 - سمع المازني قرقرة في بطن رجل فقال: هذه ضرطة مضمرة.
111 - قال سعيد بن حميد: عمل السلطان كالحمام، من دخل فيه يريد الخروج، ومن هو خارج يريد الدخول.
(5/36)

112 - وقال صاحب كليلة: الدنيا كدودة القز التي لا يزداد الإبريسم عليها عقداً إلا ازدادت من الخروج بعداً.
113 - وصف رجل ابن حجية المغني فقال: كأنه خلق من كل قلب، فهو يغني كل إنسان ما يشتهي.
114 - وقال بعض الفلاسفة: العقل كالسيف والنظر كالمسن.
115 - وقال علي رضي الله عنه: الدنيا لين مسها، وفي حشاها السم الناقع.
116 - رأى من بدر رجلً كبير الأنف وفيه شعر كثير فقال: كأنما مليء أنفه شسوعاً.
117 - وقال: المرأة كالنعل يلبسها الرجل إذا شاء لا إذا شاءت.
(5/37)

118 - وقال ابن مسعود: ذاكر الله في الغافلين، كالمقاتل خلف الفارين.
119 - وقال ابن الرومي وقد نظر إلى غيم أبيض متقطع في السماء: كأنه قطن يندف على بطانة زرقاء.
120 - نظر مزبد إلى رجل مديني أسود ينيك غلاماً رومياً فقال: كأن أيره في أسته كراع عنز في صحفة أرز.
121 - وقال ابن الرومي في كلية الجدي: كأنها لوبياء.
122 - وقال أبو العيناء وكان عند رئيس يخفض كلامه: كأنك قد طفل بك في منزلك.
123 - قدم ابن مكرم إلى أبي علي البصير جنباً غير نضيج فقال أبو علي: هذه شريحة قصب لا جنب.
124 - نظر عبادة إلى جارية سوداء على رأسها وقاية حمراء فقال: كأنها فحمة في رأسها نار.
(5/38)

125 - ذكر أبو العيناء ولد موسى بن عيسى فقال: كأن أنوفهم قبور نصبت على غير القبلة.
126 - قال رجل لابن الزيات: إني أتوسل إليك بالجواز وأسألك العطف، فقال: أما الجواز فنسب بين الحيطان، وأما العطف والرقة فهما للنساء والصبيان.
127 - قيل لراهب: إن فلاناً رجع عن القراءة، فقال: دعوه فإنه لا يرجع إلى شيء أحلى من عبادة الله عز وجل.
128 - وقيل لراهب: أين الطريق؟ يسألونه الهداية، فأشار إلى السماء وقال: ها هنا.
129 - وقدم بعض الصوفية إلى المحراب ليصلي بالناس، فوقف ثم التفت يميناً وشمالاً وقال: استووا رحمكم الله، ثم خرج، فقيل له: ما هذا؟ فقال: إني استحييت من ربي أن آمركم بالاستواء، وأكون مقيماً على عوج.
130 - وقيل لأعرابية معها شاة تبيعها: بكم تبيعين هذه الشاة؟ قالت: بكذا، قيل لها: أحسني، فتركت الشاة؟ وانصرفت، فقيل لها: ما هذا؟ فقالت: لم تقولوا أنقصي وإنما قلتم أحسني، فالإحسان ترك الكل.
(5/39)

131 - قال الصادق جعفر بن محمد رضي الله عنهما: التقية ديني ودين آبائي.
132 - قال أعرابي: من الكلام ما هو كسلك النظام، ومنه ما هو كرجيع الطعام.
133 - قصد رجل من الشعراء باب زبيدة بنت جعفر بن المنصور ببيتين مدحها بهما وهما: الكامل المجزوء
أزبيدة ابنة جعفر ... طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما ... تعطي الأكف من الرغاب
فتبادر الشعراء والغلمان ليوقعوا به فقالت: كفوا عنه فإنه أراد خيراً فأخطأه، ومن أراد خيراً فأخطأه فهو خير ممن أراد شراً فأصاب.
143 - قال أبو عمرو بن العلاء: لا يزال الناس بخير ما اشتد ضرسهم وأيرهم.
135 - وقال حماد عجرد: إن كان الناس عصوا الله من حيث أراد فقد أطاعوه، وإن كانوا عصوه من حيث لم يرد فقد غلبوه.
(5/40)

136 - وأنشد حماد: البسيط
أرجوك بعد أبي العباس إذ بانا ... يا أكرم الناس أعراقاً وعيدانا
فأنت أكرم من يمشي على قدم ... وأنضر الناس عند المحل أغصانا
لو مج عود على قوم عصارته ... لمج عودك فينا المسك والبانا
137 - قال بعض الصوفية: إذا ألفت القلوب الإعراض عن الله جل اسمه عاقبها بالوقيعة في أولياء الله تعالى.
138 - قال منصور بن عمار: لا أبيع الحكمة إلا بحسن الاستماع، ولا آخذ عليها ثمناً إلا فهم القلوب.
139 - كاتب: قادهم الله بخزائم أنوفهم إلى مصارع حتوفهم.
140 - قال أبو العباس الصولي: ما تعملت لشيء من الكلام قط إلا في شيئين: فكان ما يحرزه يبرزه، وما يعقله يعتقله.
141 - قيل لابن سيابة: ما تقول في فلان؟ قال: فيه كياد مخنث، وحسد نائحة. وشره قوادة، وملق داية، وذل قابلة، وبخل كلب، وحرص نباش.
(5/41)

142 - نظر مديني إلى قوم يستسقون ومعهم صبيان فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: نرجو بهم الإجابة، فقال: لو كان دعاؤهم مجاباً لما بقي في الأرض معلم.
143 - تقاضى ثابت بن عبيد الله بن أبي بكرة غريماً له بأربعين ألف درهم، فقال له الغريم: أدخلني دارك حتى أتوضأ، فأذن له، فخرج أبوه فقال له: ما لك؟ قال: حبسني ابنك، فخرج إليه فقال: أما وجدت لغرمائك محبساً إلا داري؟ هي علي، خل عنه.
144 - كان بهرام بن بهرام بن بهرام من ملوك فارس، والحارث بن الحارث بن الحارث من ملوك غسان، وحسن بن حسن بن حسن من الطالبيين، وأبو البختري وهب بن وهب بن وهب. وثلاثة سادوا فس نسق: المهلب بن أبي صفرة، وابنه يزيد، وابن يزيد مخلد وهو صبي.
145 - ويقال: كان أبو طالب عطاراً، وكان أبو بكر بزازاً، وكان عمر
(5/42)

دلالاً يسعى بين البائع والمشتري، وكان عثمان بزازاً، وكذلك طلحة وعبد الرحمن بن عوف، وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل، وكان العوام أبو الزبير خياطاً، وكان عمرو بن العاص جزاراً، وكان الوليد بن المغيرة حداداً، وكذلك العاص بن هشام أخو أبي جهل وكان عقبة بن أبي معيط خماراً. وكان الخطاب بن نفيل مراقاً، وكان عثمان بن طلحة الذي دفع إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله مفتاح البيت خياطاً، وقيس بن مخرمة كذلك، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع الزيت؛ والأدم، وكان عتبة بن أبي وقاص أخو سعد نجاراً، وكان أمية بن خلف يبيع البرام، وكان عبد الله بن جدعان نحاساً يبيع الجواري، وكان العاص بن وائل أبو عمرو بن العاص بيطاراً يعلاج الخيل، وكان النضر بن الحارث بن كلدة يضرب العود، وكان الحكم بن العاص خصاء يخصي الغنم، وكذلك حريث بن عمرو بن حريث، وكذلك قيس الفهري أبو الضحاك بن قيس، وكذلك سيرين أبو محمد بن سيرين، وكان مالك بن دينار وراقاً، وكان أبو حنيفة صاحب الرأي والقياس خزازاً، وكان المهلب بن أبي
(5/43)

صفرة بستانياً، وكان مسلم أبو قتيبة جمالاً، وكان سفيان بن عيينة معلماً، وكذلك الضحاك بن مزاحم وعطاء بن أبي رباح، وكذلك الكميت بن زيد الشاعر، وكذلك عبد الحميد بن يحيى كاتب الرسائل، وكذلك الحجاج بن يوسف وأبوه وكذلك أبو عبيد الله كاتب الرسائل وأبو عبيد القاسم بن سلام والكسائي؛ هذه صناعات الأشراف سقتها على ما وجدتها.
146 - وأما أديان العرب فإن النصرانية كانت في ربيعة وغسان وبعض قضاعة؛ واليهودية كانت في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة؛ والمجوسية كانت في تميم، منهم زرارة ابن عدس وحاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس؛ وكانت الزندقة في قريش، وكانت بنو حنيفة اتخذوا إلهاً من حيس فعبدوه دهراً ثم أصابتهم مجاعة فأكلوه فقال رجل من بني تميم: الخفيف
أكلت ربها حنيفة من جو ... ع قديم بها ومن إعواز
147 - ويقال: سميت النصارى لقرية يقال لها ناصرة، ويقال على معنى قول الله تعالى: " من أنصاري إلى الله " آل عمران: 52.
(5/44)

148 - وقال بعض الصوفية: وجدت على خاتم: من ألف مسامرة الأماني، بقي في مدرجة التواني.
149 - قال الصولي: كاتبت أبا خليفة فأغفلت التاريخ فكتب إلي: وصل كتابك مبهم الأوان، مظلم البيان، فأدى خبراً ما القرب فيه بأولى من البعد، فإذا كتبت - أعزك الله - فلتكن كتبك موسومة بالتاريخ لأعرف به أدنى آثارك، وأقرب أخبارك.
150 - وقال محمد بن عبد الملك: بالقلم تزف بنات العقول إلى خدور الكتب.
151 - وأنشد: الكامل المجزوء
دعني وإيا خالد ... فلأقطعن عرى نياطه
رجلي يعد لك الوعي ... د إذا جلست على بساطه
فإن انتظرت غداءه ... خفت البوادر من سماطه
انظر إلى غلوائه ... في نطقه وإلى احتلاطه
سألت أعرابياً؛ عن الاحتلاط - بالحاء غير معجمة فقال: هو الغضب، وأنشد هذا الشعر، وليس هذا بحجة، ولكن أفادنا لأن الكلام أشهر من ذلك.
(5/45)

152 - أنشدنا أبو سعيد في القار للعماني: مجزوء الرجز
أما ترون الأوجه السباطا ... والقار والألسنة السلاطا
إن الندى حيث ترى الضغاطا ... وحيث وافى الموكب السخاطا
ينبذن لي أن أطأ البساطا
153 - خطب الحجاج فقال: أيها الناس إنكم أغراض حمام، وفرضة هلكة، قد أنذركم القرآن، وصفر برحيلكم الجديدان، وإن لكم أجلاً لا تؤخر ساعته، ولا تدفع مقدمته، وكأن قد دلفت إليكم نازلته فنعق بكم، وحثكم حث مستقصى، فماذا عبأتم للرحيل؟ وماذا أعددتم للنزول؟ ومن لم يأخذ أهبة الحذر، نزل به سوء القدر. هذا قد تقدم.
154 - خطب الزبير فقال: عباد الله، دعوة واعظ وهدية ناصح، إن السبيل إلى الفوز والطريق إلى الخلد قد أوضحت معالمها، ولاحت آثارها، فلا أنتم بصروفها تتعظون، ولا من سيء أعمالكم تتنصلون، انظروا إلى من كان قبلكم متعوا فما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون، انهمكوا فهلكوا، وشردوا فأخذوا، فالعقر خراب والعمار يباب، فإلا تسلكوا سبيل الحذر، تطلبكم
(5/46)

فجائع القدر، جعلنا الله وإياكم من الواعين لما يسمع، والمتعظين بما ينفع.
154ب - قال الجاحظ: فلو كان العمل شريك المقال، لكان القوم من الأبدال، ولكنهم بحلاوة ألفاظهم، وتنسيق كلامهم وحيلهم، وحسن تأتيهم في الأمور، ملكوا قلوب الرعية، هذا قاله في الملح.
155 - قال المغيرة بن شعبة: ما خدعني غير غلام من بني الحارث بن كعب، فإني ذكرت امراة منهم فقال: أيها الأمير، لا خير لك فيها، قلت: ولم؟ قال: رأيت رجلاً يقبلها.
156 - كان نصراني يختلف إلى الضحاك بن مزاحم فقال يوماً: ما زلت معجباً بالإسلام مذ عرفتك، قال: فما يمنعك منه. قال: حبي الخمر، قال: فأسلم واشربها، قال: فلما أسلم قال له الضحاك: إنك قد أسلمت، فإن شربت الخمر حددناك، وإن رجعت عن الإسلام قتلناك، فترك الخمر وحسن إسلامه.
157 - قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: ما ملك رفيقاً من لم يتجرع بغيظ ريقاً.
(5/47)

158 - كان لعبد الله بن مطيع غلام مولد، قد أدبه وخرجه وصيره قهرمانه، وكان قد أتاهم قوم من العدو في ناحية البحر. فرآه يوماً يبكي فقال: ما لك؟ قال: تمنيت أن أكون حراً فأخرج مع المسليمن، قال: أو تحب ذاك؟ قال: نعم، قال: فأنت حر لوجه الله فاخرج، قال: فإنه قد بدا لي أن لا أخرج، قال: خدعتني.
159 - اعتذر رجل إلى أعرابي فقال الأعرابي: سأتخطى ذنبك إلى عذرك، وإن كنت من أحدهما على يقين ومن الآخر على شك، ليتم المعروف مني إليك، وتقوم الحجة لي عليك.
160 - قالت الهند: السكران تعتريه أربعة أحوال: طاووسية، ثم سبعية، قردية، ثم خنزيرية.
161 - قال المفضل بن محمد الضبي: حضرت الرشيد يوماً، ومحمد عن يمينه والمأمون عن يساره والكسائي بين يديه وهو يطارحهما في معاني القرآن، فالتفت إلي الرشيد وقال: كم اسم في قوله " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " البقرة: 137 فقلت: ثلاثة أسماء يا أمير المؤمنين، أولها: اسم الله عز وجل، والثاني: اسم رسول صلى الله عليه وسلم، والكفار فالياء الأولى هي اسم الله تعالى، والكاف الثانية لرسول الله عليه السلام، والهاء والميم
(5/48)

للكفار، فقال الرشيد: هكذا أجاب هذا الرجل، وأومأ إلى الكسائي، ثم التفت إلى محمد فقال: أفهمت؟ قال: نعم.
162 - كتب إسحاق بن إبراهيم الموصلي إلى إبراهيم بن المهدي: من كان كله لك، وقع كله عليك.
163 - دخل الحارث بن كلدة على كسرى أنوشروان، وهو طبيب العرب، فقال له كسرى: ما أصل الطب؟ قال: ضبط الشفتين والرفق باليدين، قال: أصبت، فما الداء الدوي؟ قال: إدخال الطعام على الطعام هو الذي أفنى البرية، وقتل السباع في البرية، قال: أصبت، فما الجمرة التي تلتهب منها الأدواء؟ قال: التخمة التي إن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت، قال: فما تقول في الحجامة؟ قال: في نقصان الهلال في يوم صحو لا غيم فيه والنفس طيبة والسرور حاضر، قال: فما تقول في الحمام؟ قال: لا تدخل الحمام وأنت شبعان، ولا تغش أهلك وأنت سكران، ولا تقم بالليل وأنت عريان، وارتفق بيمينك يكن أرخى لمقيلك؛ قال: فما تقول في شرب الدواء؟ قال: اجتنب الدواء ما لزمتك الصحة، فإذا أحسست من الداء بحركة فاحسمه بما يردعه قبل استحكامه، فإن البدن بمنزلة الأرض إن أصلحتها عمرت، وإن أفسدتها خربت، قال: فما تقول في الشراب؟ قال: أطيبه
(5/49)

أهنوه، وأرقه أمرؤه، وأعذبه أشهاه، ولا تشربه صرفاً فيورثك صداعاً. ويثير عليك من الأدواء أنواعاً، قال: فأي اللحمان أحمد؟ قال: الضأن الفتي، واجتنبت أكل القديد والمالح والجزور والبقر، قال: فما تقول في الفاكهة؟ قال: كلها في إقبال دولتها، وخير أوانها، واتركها إذا أدبرت وانقضى زمانها، وأفضل الفاكهة الرمان والأترج، وأفضل البقول الهندبا والخس، قال: فما تقول في شرب الماء؟ قال: هو حياة البدن وبه قوامه، وشربه بعد النوم ضرر، وأقوى المياه مياه الأنهار، وأبرده أصفاه، قال: فما طعمه؟ قال: شيء لا يوصف، مشتق من الحياة، قال: فما لونه؟ قال: اشتبه على الأبصار لونه، لأنه على لون كل شيء، قال: فأخبرني عن اصل الإنسان، قال: أصله من حيث يشرب الماء، يعني رأسه، قال: فما هذا النور الذي تبصر به الأشياء؟ قال: العيون مركبة، فالبياض شحمه، والسواد ماؤه، والناظر ريح، قال: فعلى كم طبائع هذا البدن؟ قال: على أربع: على المرة السوداء وهي باردة شديدة يابسة، والمرة الصفراء وهي حارة يابسة، والدم وهو حار رطب، والبلغم وهو بارد رطب، قال: فلم لم يكن من طبيعة واحدة؟ قال: لو كان من طبيعة واحدة لم يأكل ولم يشرب ولم يمرض ولم يمت، قال: فمن طبيعتين؟ قال: كانتا تقتتلان، وكذلك لو كان من ثلاث، قال: فاذكر لي أفعال الطبائع في كلمة جامعة، قال: كل حلو حار، وكل حامض بارد، وكل حريف حار، وكل مر معتدل، وفي المر حار وبارد، قال: فما أفضل ما عولجت به المرة الصفراء؟ قال: البارد اللين، قال:
(5/50)

فالسوداء؟ قال: الحار اللين، قال: فالرياح؟ قال: الحقن اللينة والأدهان الحارة، قال: أتأمر بالحقنة؟ قال: نعم، قرأت في بعض كتب الحكماء أن الحقنة تنقي الجوف وتكسح الأدواء، وعجبت لمن احتقن كيف يهرم أو يعدم الولد، والجهل كل الجهل أكل ما عرفت مضرته، قال: فما الحمية؟ قال: الاقتصاد في كل شيء، فإن تجاوز المقدار يضيق على الروح ساحتها، قال: فما تقول في إتيان النساء؟ قال: الإكثار مضر، وإياك والمولية منهن فإنها كالشن البالي، تسقم بدنك وتجدب قواك، ريقها سم قاتل، ونفسها موت عاجل، تأخذ منك ولا تعطيك، عليك بالشابة، ريقها عذب زلال، وعناقها غنج ودلال، تزيدك قوة ونشاطاً، قال: فأي النساء القلب إليها أنشط، والنفس بمباشرتها أغبط؟ قال: إذا أصبتها فلتكن مديدة القامة، عظيمة الهامة، واسعة الجبين، قنواء العرنين، كحلاء برجاء، صافية الخدين، عريضة الصدر، مليحة النحر، ناهدة الثديين، لطيفة الخصر والقدمين، بيضاء فرعاء، جعدة غضة بضة، تخالها في الظلماء بدراً، قد جمعت لك طيباً وعطراً، تبسم عن أقحوان زاهر، وإن تكشف عنها تكشف عن بيضة مكنونة، وإن تعانق تعانق ألين من الزبد، وأحلى من الشهد، وأبرد من الفرودس والخلد، وأذكى من الياسمين والورد، قال: فأي الأوقات الجماع أفضل؟ قال: عند إدبار الليل وقد غور، وعند إقبال الصبح وقد نور، فالبطن أخلى، والمتن أقوى، والنفس أشهى، والرحم أحلى، قال كسرى: لله درك من أعرابي أعطيت علماً، ووصله وقام إلى نسائه.
(5/51)

164 - قال ابن الأعرابي: إذا أردت أن يخرج ولدك ذكياً فأغضب أمه ثم واقعها، وانشد: الطويل
يجامعها غضبى فجاء مسهداً ... وأنفع أولاد الرجال المسهد
165 - قال أبو المعتمر: الناس ثلاثة أصناف: أغنياء وفقراء وأوساط؛ فالفقراء موتى إلا من أغناه الله بعز القناعة، والأغنياء سكارى إلا من عصمه الله بتوقع الغير، وأكثر الخير مع الأوساط، وأكثر الشر مع الأغنياء، والفقر يسخف الفقير، والغنى يبطر الغني.
166 - كان يقال: من أراد العلم والسخاء والجمال فليأت دار العباس، كان عبد الله أعلم الناس، وعبيد الله أسخى الناس، والفضل أجمل الناس.
176 - ضرب شرطي رجلاً فصاح الرجل: واعمراه! فرفع إلى المأمون فدعا به فقال: من أين أنت؟ فقال: من مآب، قال: أما إن عمر بن الخطاب كان يقول: من كان له جار نبطي واحتاج إلى ثمنه فليبعه، فإن كنت تطلب سيرة عمر رحمه الله فهذا حكمه؛ وأمر له بألف درهم.
(5/52)

168 - قال فيلسوف: إفراط العقل مضر بالجسد، وأنشد: السريع
إن المقادير إذا ساعدت ... ألقحت العاجز بالحازم
169 - وقال عمر رضي الله عنه: أشيعوا الكنى فإنها منبهة.
170 - وقع علي بن عيسى إلى ابن مرانة العطار في قصة يسأله أن يكلم أمير المؤمنين المقتدر بالله حتى يصفح عنه: من تحقق بالوزراء، وجالس الأمراء، وداس بسط الخلفاء، وماثل الكبراء، وأمر ونهى في مجالس الرؤساء، بعقل يسير، وفهم قصير، ورأي حقير، وأدب صغير، كان خليقاً بالنكبة، وحرياً بالمصيبة، وجديراً بالمحنة، وأنا أتكلم إذا حضرني الكلام فيك بما يقربني إلى الله تعالى.
171 - ووقع أيضاً إلى عامل بالثغر: قد كثرت منك الشكية، وعظمت فيك البلية، بفساد طويتك، ورداءة نيتك، وليس مثلك من يرتب لمعالي الأمور، ولا من يعتمد في صلاح الثغور، وقد وقفت من خبرك على الجلي منه، وعرفت حقيقة ما تناهى إلي عنه، فانصرف خسيس القدر، بت الله منك العمر.
(5/53)

172 - ووقع أيضاً: مثلك من باع العلو بالانحطاط، وجليل المرتبة بالإسقاط، وساريك عند الاحتياط، أنك بالخمول ذو اغتباط.
173 - ووقع أيضاً: وليتك من عملي جليلاً، وكنت حقيراً قليلاً، مهنياً ذليلاً، حصراً كليلاً، فانصرف عليك اللعن طويلاً.
174 - كان لعمران بن حطان زوجة جليلة جميلة، حسنة الخلق والخلق، وكان هو قصيراً دميماً سي الخلق، فقالت له ذات يوم: اعلم أني وإياك في الجنة، قال: كيف ذاك؟ قالت: لأنك أعطيت مثلي فشكرت، وابتليت بمثلك فصبرت، والصابر والشاكر في الجنة.
175 - قال بعض الأطباء: إذا أخذ الترمس والحنظل فطبخا بماء ثم نضح ذلك الماء على زرع لم يقربه الجراد.
176 - وقيل: النمل يهرب من دخان أصول الحنظل.
177 - ويقال: إذا زرع الخردل في نواحي زرع لم يقربه الدبا.
178 - ويقال: إذا أخذ الأفيون والشونيز والباذروج وقرن الأيل وباذهنج وظلف المعز، وخلط ذلك ودق وعجن بخل حاذق ثم قطع قطعاً ودخن بقطعة خرب الهوام والحيات والعقارب والنمل.
(5/54)

179 - قال بعض الأطباء: الغلام ينهر لسبع، ويحتلم لأربع عشرة، ويتم طوله لإحدى وعشرين، ويكمل عقله لثمان وعشرين، وما بعد تجارب.
180 - قيل لبعض السلف: ما شيء أوسع من الأرض؟ قال: الحق، قيل: فما شيء أثقل من السماء؟ قال: الأمانة والبهتان على البريء، قيل: فما شيء أغنى من البحر؟ قال: القانع، قيل: فما شيء أقسى من الحجر؟ قال: قلب الكافر، قيل: فما شيء أحر من النار؟ قال: شره الحريص، قيل: فما أبرد من الزمهرير؟ قال: اليأس، قيل: فما أضعف من اليتيم؟ قال: النمام.
181 - لما اعتقت عائشة جاريتها بريرة، وكان زوجها حبشياً واسمه مغيث، مشى خلفها ودموعه تسيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه العباس: يا عم أما ترى حب مغيث بريرة فلو كلمناها أن تتزوجه؟ فدعاها فكلمها فقالت: يا رسول الله إن أمرتني فعلت، فقال: أما أمر فلا، ولكن أشفع، فأبت أن تتزوجه؛ حدثنا بهذا أبو حامد المروروذي.
182 - لدعبل الخزاعي: الكامل
أهلاً وسهلاً بالمشيب فإنه ... سمة العفيف وحلية المتحرج
ضيف أحل بك النهى فقريته ... رفض الغواية واقتصار المنهج
183 - قال أعرابي: الخير محضور الباب، والشر مهجور الجناب.
(5/55)

184 - وقال أبان بن تغلب: رأيت أعرابياً يعاتب ابناً له صغيراً ويذكره حقه عليه، فقال الصبي: يا أبة إن عظيم حقك علي لا يبطل صغير حقي عليك، والذي تمت به إلي أمت بمثله إليك، ولست أقول أنا سواء.
185 - دخل رجل فجاءة عل بعض الشاميين وبين يدي الشامي فراريج مشوية، فلما بصر بالداخل غطى الفراريج بذيله وأدخل رأسه في جربانه وقال للداخل: انتظرني على الباب حتى أفرغ من بخوري.
186 - قال بعض الأطباء: مما يذهب رائحة الشراب من الفم مضغ قرطاس، واستفاف دقيق الأرز، وأكل الجبن المشوي والكمون والقرنفل والدارصيني.
187 - قال بزرجمهر: أنعم تشكر، وأرهب تحذر، ولا تهزل فتحقر؛ فكتبها الملك على خاتمه.
188 - قال عيسى بن مريم عليه السلام لرجل: ما تصنع؟ قال: أتعبد، قال: فمن يعود عليك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك.
(5/56)

189 - مر عمر رضي الله عنه بعامل من عماله وهو يبني بالآجر والجص فقال: تأبى الدراهم إلى أن تخرج أعناقها، وشاطره ماله.
190 - وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حتى يبدو عقباك.
191 - ولما بنى عمر بن عبد العزيز بفاطمة بنت عبد الملك أسرج تلك الليلة في مسارجه الغالية.
192 - قال عمر بن عبد العزيز لولده: العبوا فإن المروءة لا تكون إلا بعد اللعب.
193 - وأنشد: الطويل
فسري كإعلاني وتلك خليقتي ... وظلمة ليلي مثل ضوء نهاري
194 - قال ابن عباس: غضب العربي في رأسه، فإذا غضب لم يهدأ حتى يجرح بلسان أو يد، وغضب النبطي في استه، فإذا خرئ ذهب غضبه.
(5/57)

195 - قال فيلسوف: لو صور العقل لأظلمت معه الشمس، ولو صور الحمق لأضاء معه الليل.
196 - قيل ليحيى بن خالد: إنك لا تؤدب غلمانك، فقال: هم أمناؤنا على أنفسنا، فإذا أخفناهم كيف نأمنهم؟ 197 - قال عمر رضي الله عنه لغلام له يبيع الحلل: إذا كان الثوب عاجزاً فانشره وأنت جالس، وإذا كان واسعاً فانشره وأنت قائم، فقال أبو موسى: الله يا عمر، فقال: إنما هو سوق.
198 - وكان عبد الله بن عمر يقول: إلى الله أشكو حمدي ما لا آتي، وذمي ما لا أترك.
199 - كان بعض السلف يقول: ذو المروءة يكرم وإن كان معدماً كالأسد يهاب إن كان رابضاً، والسخيف يهان وإن كان موسراً، كالكلب يخسأ وإن حلي طوقاً.
200 - وأنشد: الطويل
سأعمل نص العيس حتى يكفني ... غنى المال مني أو غنى الحدثان
(5/58)

فللموت خير من حياة يرى لها ... على الحر بالإقلال وسم هوان
متى يتكلم يلغ حسن كلامه ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان
كأن الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسان ناطق بلسان
201 - قال رجل لروح بن حاتم: لقد طال وقوفك في الشمس، فقال: نعم، ليطول مقامي في الظل.
202 - شاعر: الطويل
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أني للمقام أطوف
203 - قيل لمديني: ما عندك من آلة الحج؟ قال: التلبية.
204 - قيل لمديني: يمكنك أن تحج، قال: ليت أمكنني القيام أو المقام.
205 - وأنشد الوافر
أظن الدهر قد آلى فبرا ... بأن لا يكسب الأموال حراً
(5/59)

لقد قعد الزمان بكل حر ... ونقض من عراه المستمرا
ومن جعل الظلام له قعوداً ... أصاب به الدجى خيراً وشرا
206 - قيل لمديني: ما عندك من آلة العصيدة؟ قال: الماء.
207 - يقال: الفاضل يحب أن لا يرى إلا مع الملوك مكرماً، ومع النساك متبتلاً.
208 - يقال: ذو الهمة وإن حط نفسه تأبى إلا علواً كالشعلة تصان وهي تعلو.
209 - يقال: ما العز إلا ما تحت ثوب الكد، وأنشد الكامل
العز في دعة النفوس ولا أرى ... عز المعيشة دون أن تسعى لها
210 - قيل: من أراد الراحة فيلقنع، ومن أراد الذكر فليجهد.
211 - قال بعض السلف: الأيدي ثلاث، يد بيضاء وهي الابتداء بالمعروف، يد خضراء وهي المكافأة، ويد سوداء وهي المن.
212 - يقال: إن البكاء يحدث من الخوف، والحزن، والفرح والجزع، والفزع، والوجع، والعشق
(5/60)

123 - قال بعض السلف: ما طابت رائحة الإنسان إلا قل همه، ولا نقيت ثيابه إلا قل غمه.
214 - وقع علي بن عيسى إلى هشام العامل: قلتك في نفسك، وزري منظرك، ودقة حسبك، وخمول نسبك، وسقوط أدبك، وموهن قوتك، واختلال مروءتك، وضعف نيتك، يمنع من تقويمك والانتصاف منك ويحجب من تناولك بالعقوبة فقد نجاك لؤمك وأطلقتك. مقاذيرك، فأنت كما قال الشاعر: المتقارب
نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا
ولست أرضاك لي عبداً، ولو كنته لرايتك عتقك؛ احتقاراً لقدرتك، واستصغاراً لأمرك.
215 - وأنشد: الطويل
ظننت بكم ظنا فقصر دونه ... فيا رب مظنون به الخير يخلف
إذا المرء لم يحببك إلا تكرها ... فدعه ولا يكثر عليه التلهف
فما كل من تهوى يحبك قلبه ... ولا كل من عاشرته لك منصف
فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تألف
216 - قول الحنف: السؤدد مع السواد، يكون له وجهان: أحدهما
(5/61)

السؤدد يكون مع سواد الشعر والحداثة، والثاني يكون السؤدد مع العامة أي يقعدون ذلك الرجل.
217 - قال أبو اليقظان: ولى الحجاج القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي فارس، فقاتل الأكراد بها وهم يومئذ عدد كثير فأبادهم واستأصل شأفتهم، وولاه السند ففتحها، وقاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، وفيه يقول الشاعر: الكامل
إن السماحة والمروءة والحجى ... لمحمد بن القاسم بن محمد
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب سؤدد مشهد من مولد
وهو الذي جعل الشيراز معسكراً.
وولي معاذ اليمن وهو ابن نيف وعشرين سنة، وولى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله عتاب بن أسيد لثمان عشرة سنة، وحمل أبو مسلم أمر الدعوة هو ابن إحدى وعشرين سنة، وسودت قريش أبا جهل ولم يطر شاربه، وأدخلته مع الكهول دار الندوة.
218 - قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: من استغنى بالله أحوج الله الناس إليه.
219 - قال: وكان على فص ذي اليمينين: وضع الخد للحق عز؛ وكان على خاتم حاتم: جد تسد؛ وكان على خاتم سابور: الصبر درك.
(5/62)

220 - راودت أعرابية شيخاً عن نفسه، فلما دنا منها أبطأ فأعجلته، فقال: يا هذه، أنت تفتحين بيتاً وأنا أنشر ميتاً.
221 - قال أعرابي: أحسن الأحوال حال يغبطك بها من دونك، ولا يحقرك معها من فوقك.
222 - قال أبو بكر بن عياش: رأيت زيد بن علي رضي الله عنهما مصلوباً زمان هشام بن عبد الملك، وكان خميص البطن، وصلب عريان فنزلت سرته فغطت عورته.
223 - قال ثعلب كان العرب تسمي الأحد أول، والأثنين أهون، والثلاثاء جباراً والأربعاء دباراً، والخميس مؤنساً، الجمعة عروبة، والسبت شياراً، وأنشد: الوافر
أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبارا
أو التالي دبار فإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيارا
224 - قال ابن الأنباري: قال لي أبي، قال أحمد بن عبيد المدائني:
(5/63)

معنى قوله صلى الله عليه وسلم إن من الشعر لحكماً وإن من البيان لسحراً، وإن من القول لعياً، إن من العلم لجهلاً، قال: قوله إن من الشعر لحكماً يريد المواعظ، وإن من البيان لسحراً هو أن يكون ألحن بحجته من الآخر فيسحر من يسمعه حتى يرى أن الحق له، وإن من القول لعياً أن تعرض علمك على من لايريده، إن من العلم لجهلاً هو أن يضم العالم إلى علمه ما لا يعلمه فيجهله ذلك.
225 - قال منصور بن عمار لأهل مجلسه: ما أرى إساءة تكثر على عفو الله، فلا تيأس، وربما آخذ الله على الصغيرة فلا تأمن، وبعد فقد علمت أنك بطول عفو الله عنك عمرت مجالس الاغترار به، ورضيت لنفسك المقام على سخطه، ولو كنت تعاقب نفسك بقدر تجاوزه عن سيئاتك ما استمر بك لجاج فيما نهبت عنه، ولا قصرت دون المبالغة، ولكنك رهين غفلة، وأسير حيرة.
226 - وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله لرجل: بادر بخمس قبل خمس: شاببك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، غناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك.
227 - مر شيخ على غلام من الأعراب فقال: يا عماه، قد قصر قيدك، فقال: يا ابن أخي، أما إن الذي قصر قيدي تركته يفتل لك القيد.
(5/64)

228 - سمع سعيد بن المسيب رجلاً يقول: أين الراغبون في الآخرة؟ فقال له سعيد: اقلب مسألتك، وضع يدك حيث شئت.
229 - قال الزهري: كان يقال: بنو أمية دن خل أخرج الله منه زق عسل، يعني عمر بن عبد العزيز رحمه الله.
230 - استوصف كوفي بصرياً الحسن فقال: فيه بهاء الملوك، وخشوع العابدين.
231 - قال ابن سلام عندما توفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو مسجى: رحمك الله يا عمر إن كنت لعفيف الطرف، نقي الظرف، طيب العرف.
232 - قيل للشعبي: كيف بت البارحة؟ فطوى كساءة في الأرض ثم نام عليه وتوسد يده وقال: هكذا بت.
233 - جاء هانئ بن قبيصة بنت النعمان وهي تبكي فقال لها: مالك، لعل بعضنا آذاك؟ قالت: لا، ولكني رأيت دارك ملئت غضارة، وقل دار ملئت حبوراً إلا ملئت ثبوراً.
(5/65)

234 - قال عمر بن عبد العزيز: لو جاءت كل أمة بجناتها، وجئنا بالحجاج بن يوسف لغلبناها.
235 - قيل للشعبي: أكان الحجاج مؤمناً؟ قال: نعم بالطاغوت، كافراً بالله.
236 - وقيل للأحنف: إنك لتغشى سدد السلطان فتقعد ناحية، قال: أبعد فأقرب، أحب إلي من أن أقرب فأبعد.
237 - كان عمر بن عبد العزيز إذا جلس للقضاء قرأ " أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " الشعراء: 205 - 206، وينشد الطويل
يغر بما يبلى ويشغل بالمنى ... كما غر باللذات في النوم حالم
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
وسعيك فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
238 - قال الربيع بن خثيم: قولوا خيراً واعملوا خيراً.
(5/66)

239 - قال الأصمعي: حدثنا ابن عمير النمري قال: دخلت أعرابية على عبيد الله بن أبي بكرة بالبصرة فوقفت بين السماطين فقالت: أصلح الله الأمير وأمتع به، حدرتنا إليك سنة اشتد بلاؤها، وانكشف غطاؤها، فجئتك أقود صبية صغاراً وأخرى كباراً، تخفضنا خافضة وترفعنا رافعة، وغشيتني ملمات برين عظمي، وأذهبن لحمي، وتركنني بالحضيض، قد ضاق بي البلد العريض، وسألت في أحياء العرب، من المرتجى المعطي سائله؟ فدللت عليك أصلحك الله؛ وأنا امرأة من هوازن، قد مات الوالد، وغاب الرافد، وأنت بعد الله رجائي ومتهى أملي، افعل بي إحدى ثلاث: إما أن تردني إلى بلدي، أو تحسن صفدي، أو تقيم أودي، فقال: بل اجمعهن لك وحياً؛ فلم يزل يجزي عليها كما يجري على عياله حتى مات.
240 - قال الأصمعي: حدثني بعض العتابيين قال: كتب كلثوم بن
(5/67)

عمرو العتابي إلى رجل في حاجة: بسم الله الرحمن الرحيم، أطال الله بقاءك، وجعله يمتد بك إلى رضوانه والجنة، أما بعد فإنك كنا عندنا روضة من رياض الكرم، تبتهج النفوس بها، وتستريح القلوب إليها، وكنا نيعفها من النجعة إجلالاً لزهرتها، وشفقة على خضرتها، وادخاراً لثمرتها، حتى مرت بنا في سفرتنا هذه سنة كانت من سني يوسف، اشتد علينا كلبها، وأخلفت غيومها، وكذبتنا بروقها، وفقدنا صالح الإخوان فيها، وانتجعتك وأنا بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك، مع علمي بأنك نعم وضع الزاد، وأنك تغطي أعين الساد، والله يعلم أني لا أعتد بك إلا في حومة الأهل، واعلم أن الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل، ولم يحضره الكثير، لم يعرف جوده، ولم تعل همته، وأنا أقول في ذلك: البسيط
ظل اليسار على العباس ممدود ... وقلبه أبداً بالنيل معقود
إن الكريم يخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرمت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
بث النوال ولا تمنعك قلته ... فكل ما سد فقراً فهو محمود
فشاطره ماله حتى بعث إليه قيمة نصف خاتمه، وأعطاه فرد نعله.
240ب - قال أهل اللغة: معنى شاطره ناصفه، أي بعث إليه بشطر ماله، يقال: لك شطر هذا المال أي نصفه؛ فأما قول الله تالى " فول وجهك شطر المسجد الحرام البقرة 149 أي نحوه؛ يقال: الشاطر البعيد، فأما الشطارة في كلام العامة فمردودة عند العلماء، وقيل: إن ذلك إنما قيل لأن الشطارة كالبعيد مما عليه الجمهور؛ وأما قول العامة: شطور الثوب فغير مرضي.
(5/68)

241 - قال أبو عمرو: الزنيم: الدعي، والمقلات من النساء: التي لا يعيش لها ولد؛ ولا أعرف أبا عمرو هذا، ولله الشيباني صاحب كتاب الجيم.
242 - وانشد الشاعر: الخفيف
عذلوني على الحماقة جهلاً ... وهي من عقلهم ألذ وأحلى
لو رأوا ما لقيت من حرفة العق ... ل لطاروا إلى الحماقة رسلا
حمقي قائم بقوت عيالي ... ويموتون إن تعاقلت هزلا
243 - يقال ما النشر، وما الحشر، وما الجشر، وما العشر، وما القشر، وما الكشر، وما المشر، وما الوشر.
244 - ويقال في فن آخر: ما الأوب، وما الثوب، وما الجوب، وما الحوب، وما الذوب، وما الروب أيضاً، وما الشوب، وما الصوب، وما اللوب، وما النوب.
245 - ويقال في فن آخر: ما الدس، وما البس، وما الحس، وما الرس، وما العس، وما القس، وما اللس، وما النس.
246 - ويقال في فن آخر: ما الشائف، وما الخائف، وما الزائف، وما السائف، وما الصائف، وما الضائف، وما العائف، وما القائف، وما الرائف، وما النائف، وما الطائف، وما الآيف، وما الحائف.
وجواب كل واحد من هذه الكلمات يمر بك بعد أوراق على انتظام واتساق إن شاء الله.
(5/69)

247 - قال الأصمعي، قيل لأعرابي من بني كلاب: كيف تأكل الرأس؟ قال: أفك لحييه، وألخص عينيه - هذا قوله باللام وقال غيره بالباء، وله وجه - وأعرك أذنيه، وأسحي خديه، وأرمي بالدماغ إلى من هو أحوج مني إليه؛ فقيل له: إنك لأحمق من ربع، قال: وما حمق الربع؟ فوالله إنه ليجتنب العدوى، ويتبع المرعى، ويراوح بين الأطباء، فما حمق ربع يا هؤلاء؟ 247ب - وقد رأيت ابن هلال الخوزي يقرأ: ويرواج بين الأطباء، يريد جمع طبيب، فضحك به، وكان ضحكة، يقال: هو ضحكة إذا ضحك به، وضحكة إذا كان كثير الضحك، وبابه مطرد في نظائره.
247ج - وهذا الخوزي يدعي كل شيء وهو لا يقوم بشيء؛ وكان ابن هلال الخوزي وفد على قابوس صاحب جرجان، فقال في كلام دار بينهما: فهزم أعداء الله، وكسر، فزوى قابوس وجهه، وكان أمر له بأربعة آلاف درهم ولآخر بألفي درهم، فقال لحاجبه: اجعل ما لهذا لصاحب الألفين واجعل الألفين لهذا، ووالله ما يستحق هذا المقدار أيضاً، وأظن أن موفده أراد أمراً.
(5/70)

وهذا الانتباه ولمعرفة محمودان من كل رئيس جليل، وأمير خطير، وإنما استنكر ذلك في هذا الزمان لخلوه من أهل الأدب، وتنكره لمن تتبع الصواب وأنف من الخطأ.
248 - وأنشد: المتقارب
دع الدهر يجري بمقداره ... ويقضي عجائب أوطاره
ونم نومة عن ولاة الأمور ... وثق بالزمان وأدواره
لعلك ترحم من قد غبطت ... وتعجب من سوء آثاره
249 - اجتمع شريك بن عبد الله ويحيى بن عبد الله بن الحسن البصري في دار الرشيد فقال يحيى لشريك: ما تقول في النبيذ؟ قال: حلال، قال: شربه خير أم تركه؟ قال: بل شربه، قال: فقليله خير أم كثيره؟ قال: بل قليله، قال: ما رأيت خيراً قط إلا والازدياد منه خير إلا خيرك هذا، فإن قليله خير من كثيره. رواه لنا أبو حامد القاضي، وكان يقول: جمعت هذه الحكاية الملاحة والحجة.
250 - قال رجل لامرأة رآها على طريق: إلى أين الغزالة:؟ قالت: إلى مغزلها يا قليل المعرفة بأصحابك، فخجل الرجل.
(5/71)

251 - قال بنان الطفيلي: الجوذاب صاروج المعدة، اشرب عليه ما شئت.
252 - وقيل لطفيلي: لم أنت حائل اللون؟ قال: للفترة بين القصعتين، مخافة أن يكون قد فني الطعام.
253 - قال سحيم بن حفص: رأى إياس بن قتادة العبشمي شيبة في لحيته فقال: أرى الموت يطلبني، وأراني لا أفوته، أعوذ بك من فجاءة الأمور؛ يا بني سعد، قدو وهبت لكم شبابي فهبوا إلي شيبي، ولزم بيته، فقال له أهله: تموت هزلاً، قال: لأن أموت هزلاً مؤمناً أحب إلي من أن أموت فاسقاً سميناً. قال الحسن لما بلغه كلامه: علم والله أن القبر يأكل اللحم والشحم والجسم، ولا يأكل الإيمان.
254 - قال ابن أبي المدور، سمعت سعيد بن حميد يقول لما تشعث بينه وبين فضل: أصبحت والله من أمور فضل في غرور، أخادع نفسي
(5/72)

بتكذيب العيان، وأمنيها ما قد حيل دونها ودونه، والله إن استرسالي إليها بعد ما بان لي مها لذل، وإن عدو لي عنها وفي الأمر شبهة لعجز، وإن صبري عنها لمن دواعي التلف.
255 - لمتيم جارية ابن هشام: السريع
يا منزلاً لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى
والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لا بد للمحزون أن يسلى
256 - لمحمد بن عبد الملك بن صالح الهاشمي: الكامل
وكتيبة كالليل بل هي أظلم ... فيها شعار بني النزال تقدموا
تذر الإكام صفاصفاً مسلوكة ... والبحر رنقاً ماؤه يتقسم
ولها يمين لا تشل بنانها ... ولها شمال صوب درتها الدم
نهنهت أولاها بضرب صادق ... هبر كما عط الرداء المعلم
وعلي سابغة الذيول كأنها ... سلخ كسانيه الشجاع الأرقم
257 - سمعت القاضي أبا حامد يقول: اجتمعت الحرورية في مكان يقال له حروراء، وإليه نسبوا وبه سموا، وكانوا زهاء ستة آلاف، فوقف عليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: ما نقمتم علي؟ قالوا: نقمنا عليك
(5/73)

ثلاثاً، قال: ما هن؟ قالوا: أنك قاتلت ولم تغنم ولم تسب، فإن كانوا مسلمين فما حل قتالهم ولا سبيهم، وإن كانوا كفاراً فقد حل قتالهم وسبيهم، فقال: هذه واحدة، قالوا: وحكمت الرجال في دين الله، قال الله " إن الحكم إلا لله " الأنعام: 57، قال: ثنتان، قالوا: ومحوت نفسك من إمرة المؤمنين، فإن لم تكن أمير المؤمنين فأنت أمير الكافرين؛ قال: هذه ثلاث. فأقبل عليهم وقال: أرأيتم إن أتاكم من كتاب الله وسنة نبيه ما يرد قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم، قال: أترون أن تسبوا أمكم عائشة عليها السلام وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها؟ فإن قلتم: نعم، كفرتم، وإن قلتم: ليست أمنا، كفرتم، قال الله عز وجل " وأزواجه أمهاتهم " الأحزاب: 6. وأما قولكم حكمتم الرجال في دين الله فإن الله عز وجل حكم الرجال في أرنب يقتله محرم فقال " يحكم به ذوا عدل منكم " المائدة: 95، ولو شاء لحكم ولكن جعل حكمه إلى الرجال، وقال في بضع امرأة: " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثا حكماً من أهله وحكماً من أهلها " النساء: 35. وأما قولكم محوت نفسك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم صالح أهل الحديبية قال لي: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال له سهيل بن عمرو: لو علمنا أنك رسول الله فما قاتلناك، قال: فا تريدون؟ قال: اكتب اسمك واسم أبيك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، وامح رسول الله، ولم يكن محو رسول الله من الكتاب محواً لنبوة، وكذلك ليس اقتصاري على اسمي دون أمير المؤمنين مضيعاً حقاً ولا موجباً لي باطلاً. قال: فرجع ناس كثير منهم معه وعرفوا الحق وأذعنوا له.
وقال لنا غير أبي حامد: إن علياً لم يمح رسول الله صلى الله عليه وسلم
(5/74)

حين أمره، حمية للدين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرني موضعه في الكتاب، فأراه، فمحاه.
258 - قال ثعلب: أضاق أبو العالية الشامي فجعل بنو سعد بن مسلم مالاً بينهم ودفعوه إليه فقال: أنتم كما قيل في أهليكم: الطويل
وفي آل منظور بن زبان فتية ... يرون بناء المجد سهلاً صعابها
إذا ما ارتقوا في سلم المجد أصعدوا ... بأقدام عز لا تزل كعابها
259 - قال الأصمعي: لما ولي مروان بن محمد الخلافة أرسل إلى ابن رغبان الذي نسب إليه بعد ذلك مسجد ابن رغبان ليوليه القضاء، فرأى له سجادة مثل ركبة البعير فقال: يا هذا إن كان ما بك من عادة فما يحل لنا أن نشغلك، وإن كان رياء فما يحل لنا أن نوليك.
260 - وأنشد: الوافر
أرى الأيام في صور الأعادي ... تعاندني فتسرف في عنادي
كأن الدهر يطلبني بذحل ... وثأري عنده ثأر الأعادي
يرى هممي فيبعث لي شجوناً ... يفل بها يدي عن الأيادي
ولو عدل الزمان على كريم ... لما أدت يداي ولا زنادي
261 - أشرف قوم في سفينة في بحر على الهلاك فاخذوا يدعون الله
(5/75)

بالنجاة، فقالوا لرجل: لم لا تدعو أنت؟ فقال: هو مني إلى هنا هنا - وأشار بيده إلى أنفه - وإن تكلمت غرقتم.
262 - قيل لأبي الحارث جمين: ما تقول في الفلوذج؛ قال: لوددت أنه وملك الموت اعتلجا في صدري، والله لو أن موسى لقي فرعون بفالوذجة لآمن، ولكنه لقيه بالعصا.
263 - قال أبو نواس: لما أنشدت الفضل بن يحيى فصيدتي فبلغت قولي: الطويل
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعل الفضل يجمع بيننا
فقال: ما زدت على أن جعلتني قواداً، فقلت له: إنه جمع تفضل لا جمع توصل.
264 - تخطى فتى هاشمي رقاب الناس عند ابن أبي دواد فقال له: إن الأدب ميراث الأشراف، ولست أرى عندك لسلفك أثراً.
265 - حبس المأمون رجلاً ثم أطلقه، فتصدى له فقال له: من أنت؟ فقال: غذي نعمتك وحبيس نقمتك يا أمير المؤمنين، فقال: أحسنت.
266 - ودخل رجل على ابن طاهر فهذر، فقال له عبد الله: إما أقللت فضولك وإما أقللت دخولك.
(5/76)

267 - قالت ابنة عبد الله بن مطيع لزوجها طلحة: ما رأيت أحداً ألأم من أصحابك: إذا أيسرت أبرموك، وإذا أعسرت تركوك، فقال: يا هذه، هذا من كرمهم، يأتونا في حال القوة منا عليهم، ويفارقونا في حال الضعف منا عنهم.
268 - أهدى رجل إلى ملك هدية فأظهر الغم بها، فقال له له جلساؤه في ذلك فقال: وكيف لا أغتم وهي لا تخلو أن تكون من مبتدئ أتقلد له يداً، أو من رجل قلدته نعمة فأكون قد أخذت منه على نعمتي جزاء؟! 269 - وأنشد الخفيف
وبدا النجم في السماء سحيراً ... مستقلاً كأنه عنقود
وتدلت بنات نعش فعادت ... مثل نعش عليه ثوب جديد
وكأن الجوزاء لما استقلت ... وتولت سرادق ممدود
وكأن النجوم في فحمة اللي ... ل قناديل بينهن الوقود
270 - وقال الخليل: الدنيا أمد والآخرة أبد، فقال له رجل: زدني، فقال: والباطل عند والحق جدد، فقال: زدني، فقال: والعقل عدد والجهل بدد، فسكت الرجل، فقال الخليل: لو استزادني لزدته.
271 - قيل لرجل انصرف من عند أمير: ما ولاك؟ قال: ولاني سمعه، وأعطاني منعه، وحماني نفعه.
(5/77)

272 - قصد رجل طلحة الطلحات بسجستان واستأذن حاجبه عليه، فقال له: بم تمت؟ فقال: لي عند الأمير يد، فقال: خبرني أرفع إليه، فقال: لا أقول إلا له، فدخل وعرف مكانه فأذن له، فمثل بين يدي طلحة فقال: ما هذه اليد التي لك عندنا؟ قال: كنت مع الأمير يوماً جالساً فأماط عن لحيتي أذى، فقال: هذه يدي لا يدك، قال: صدقت أيها الأمير، ولكن جئت لتربها، قال: حباً وكرامة.
نعود إلى الكلام في تلك الألفاظ المتقدمة فقد تباعدنا عنها، وإن استننا على العادة نسينا الرجوع إليها: 273 - أما النشر فمصدر نشر الثوب ينشره نشراً، والنشر أيضاً من نشر الخشبة على من قال منشار، والنشر أيضاً ريح الرجل، وفم الجارية، يقال: هي طية النشر. والنشر علة تعتري الإبل من أكل الأعشاب التي لا تنجع فيها. الأعشاب - بفتح الهمزة - جمع عشب، فأما الإعشاب - بالكسر - فمصدر أعشب البلد، ويقال أيضاً: بل عاشب كما يقال معشب، واعشوشب الجبل. وأما النشر - بفتح الشين - فاسم جماعة منتشرة، ويقال: أنشر الله الموتى فنشروا - بفتح النون -؛ قال الله عز وجل " ثم إذا شاء أنشره " عبس: 22. ويقال انتشر الحبل، وكذلك الرأي، وكذلك الرجل إذا أمنى، ويقال أيضاً: منى، وقد قرئ " أفرأيتم ما تمنون " الواقعة: 58 بفتح التاء، هكذا قال يونس، وهو سيد العلماء ومقدم في الثقة. وأما النشارة فهي التي تتساقط من الشجرة إذا نشرت بالمنشار؛ والمنشور في كلام الكتاب استعارة، إذا كتبوا أمراً في كتاب وجعلوه حجة أو تذكرة أو طلاقاً.
وأما الحشر فمصدر حشرت القوم، وفي القرآن " والطير محشورة "
(5/78)

ص: 19، والحشر في القيامة اجتماع الخلائق في الصعيد للحساب والعرض، وقانا الله شر ذلك اليوم.
وأما الجشر، جشر الصبح إذا تبدت تباشيره، والجاشرية شرب السحر، وهو غير الصبوح والغبوق، يقال أنا صبحان وأنا غبقان، ولم يسمع من الحرف الأخير. والجشر أيضاً إرسال الدواب في المروج والثواء معها.
وأما العشر، إن شئت كان مصدر عشرت القوم إذا صرت عاشرهم، وإن شئت كان مصدر عشرت ماله إذا أخذت عشر ماله، وإن شئت كان عقداً في العدد المؤنث، ومنه قوله عز وجل " وأتممناها بعشر " الأعراف: 142.
وأما القشر فقشطك الشيء وهو أخذك عاليته وصفحته وجلدته، والقشار شيء تسجر به الحمامات، وهو مصدر قشرت العود والشجرة إذا لحوتها، وذاك إذا أخذت لحاءها، ونحتها قشرتها، وكأن النحيت هو المنحوت أي ما استخلص لبه وشد نجبه، وكذلك المنتجب، ويقال: هو نجيب العود، ولا تقس عليه إلا مسموعاً؛ ويقال: حنوت العود وحنيته، ويقال: فلان محني الضلوع على العصا، ولو قيل محنو كان كلاماً سمجاً، ولم يقولوا: دعيت الله وشكيت الرجل، وإنما هذا من لفف العامة، ولكنه كلام من لم يلبس لباس الأدب، ولم يذهب لسانه بالصواب ورضي أن يكون شريك غيره بالجسم وإن باينه في المعنى، وهذا من الإهمال والفسولة وضيق العطن وسوء العادة، نعوذ بالله من الحرمان.
وأما الكشر فهو من قولك: كشر فلان إذا أبدى أسنانه تريد أج يضحك، وفلان يكاشر فلاناً إذا دمجه أي داهنه، ومعنى المداهنة أن يداهن هذا بهذا وهذا هذا، وهو استعارة ولكنه داثر خلق؛ ويقال في مجاز كلام الكتاب وعن العرب: شمرت الحرب عن ساقها وكشرت عن نواجذها، وهي جمع ناجذ
(5/79)

وهو سن الحلم، والحلم ها هنا العقل كما في قوله عز وجل " أم تأمرهم أحلامهم بهذا " الطور: 32.
وأما المشر: يقال مشرت الشجرة. وأما الوشر فمصدر وشرت الخشبة، ويقال أيضاً: وشرت الجارية أسنانها إذا حددتها وبيضتها ونقت فروجها التي هي عمورها.
274 - وأما الأوب فمصدر آب يؤوب إذا رجع، أبني الهم إذا أتاني ليلاً، والأوب هو الإياب وهو الرجوع، ويقال جماعة أيب أيضاً؛ وأما الثوب فمعروف وهو من باب يثوب إذا رجع، ويقال في المفيق من غشية أو سكرة: قد ثابت نفسه إليه وقد ثاب عقله، قال كاتب: قد يذنب المرء ثم يتوب، ويعزب عقله ثم يثوب، ويثوب المؤذن أيضاً، وهو رجوعه إلى ما قاله، وذلك هو إعادته، الثواب ما يرجع على الإنسان من أجل عمله الصالح، وهو الجزاء على العمل، لكنه مخصوص الطائعين، فأما العصاة فلا ثواب لهم إنما لهم العقاب، وهو ما تعقب أعمالهم السيئة، جعلنا الله من أهل ثوابه بمنه ورحمته.
وأما الجوب فالترس، وهو أيضاً مصدر قولك جاب يجوب، ومنه قول الله عز وجل " وثمود الذين جابوا الصخر بالواد " الفجر: 9 وجبت القميص: قطعت موضع جيبه، وللجيب معنى غير الجوب ليقع الفرق بين المعنيين، ويقال الجواب إنما هو من ذلك لأنه قطع المسألة للسائل؛ وأما أجيبت القميص فمناه جعلت له جيباً، والجوبة أيضاً مكان مقطوع عن واجبه لا مراد له؛ وجب أيضاً قطع وكأنه منه بتصرف، وجب الرجل ذكره، وفلان
(5/80)

مجبوب، وقد قيل غارب أجب بمعنى مجبوب، والجبوب الأرض، هكذا قال الثقات، وإنما أعول على ما قال العلماء وأخلص نفسي من ألسنة العائبين.
وأما الحوب فهو الإثم، وقد سمعت فيه حاب الرجل إذا أثم، الحوب - بالضم - أشهر وينفرد الكتاب به؛ وحوب أيضاً زجر للإبل، فأما الحوبة فهي الأم كأنها تؤثم بعقوقها، والحيبة الحاجة، ويقال بات فلان بحيبة سوء؛ وأما الحوباء فهي النفس - ممدود -.
وأما الذوب فمصدر ذاب الشيء يذوب، معروف، والذوب: العسل، ولعله ما لا شمع فيه، وما أحق ذلك، يقال: حققت الشيء وأحققته أيضاً؛ ويقال: ذاب لي على فلان حق أي وجب، ولعله استعارة، فقد قيل أيضاً: برد على فلان حق بمعنى وجب. فحصل - أيدك الله - هذه النكت، ولا تجعل جزاءنا عليها العيب، فالكريم ستور للعيوب مغض على الإساءة.
وأما الروب فمصدر راب اللبن يروب، إذا خثر، ويقال خثر أيضاً، ومعنى خثر: غلظ وتجمع، ويقال: اصبح فلان خاثر النفس إذا فقد النشاط، والنشاط الهشاشة، والهشاشة الخفة والطلاقة، وفلان نشيط كأنه منشوط أي محلول الفؤاد من فكر السوء، يقال: نشطت بمعنى حللت، وأنشطت بمعنى عقدت، وود فلان بأنشوطة أي فيه استرخاء، أي لا ثبات له؛ والروبة أيضاً خميرة اللبن، وهي أيضاً قطعنة من الليل، وقوم روبى أي نيام، وأما رؤبة فاسم الراجز، وإنما قلت بلا ألف ولام لشهرته كأنه عروف غير منكر، وهو مأخوذ من قولهم: رأبت الشيء إذا شعبته وأصلحته، ويقال: أشعبته بمعنى فرقته، وشعوب اسم المنية، معروفة، ولا يصرف، هكذا قال الناس.
(5/81)

ولقد رأيت رئيساً قد كتب ربأت مكان رأبت فلما نبهته أنف من كلامي، وعدل إلى الحيلة فقال: يقال رابت كما قلت أنت، وربأت كما كتبت أنا، وهو مثل حديث جندب. فلما وقفت على سوء صحبته للأدب، وجنوحه إلى القحة، وظنه أن هذا يشككني في صوابي، ويدفع عنه ما لحقه من هجنة الرد، أمسكت إمساك متعجب ممن يتجاهل على علم ويتغاضى عن بصيرة، ويوطئ نفسه العشوة ويكذب عقله. وهذا داء فقد طبيبه، وعلة أعوص علاجها بالناس، ومن كان كذلك لم يؤمن على مال، ولم يوثق به في حال.
وأما الشوب فالخلط، ومنه شاب الرجل إذا ابيضت لحيته كأنه خلط سواداً ببياض، وكأنه الأشمط، هذا لازم؛ فأما إذا أردت شبت شيئاً بشيء فذاك على التعدي، والفرق بين وشبت - بضم الشين - وشبت بكسر الشين، فقد وضح فيما مضى؛ والشوائب جمع شائبة، وتقول: هذا صاف وهذا مشوب، وسمعت قوماً يقولون: العالم مشوب، فاستزدتهم فقالوا: نعم، بالخير والشر، والحق والباطل، والصلاح والفساد، والحسن والقبيح، والحجة والشهبة، والراحة والتعب، والنجوة والعطب، والسرور والحزن، والنجاح والخيبة؛ قالوا: وهذا على الترتيب يدل على أمر عجيب، وقال الله عز وجل " ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " الذاريات: 49.
وأما الصوب فهو صوب الغمام، وكنت أسمع البادية تقول لي إذا سألتها على الطريق والمسلك: خذ في ذلك الصوب، خذ في هذا الصوب، كأنهم يريدون الناحية؛ وقلت: سمعت البادية، هذا كثير من كلامهم وأنا جار على السماع. وأما السهم فيقال فيه صاب يصيب، ولعل المصدر صوب، وما أحقه أي ما
(5/82)

أتيقنه، ويقال أيضاً: أصاب السهم، هكذا قال يعقوب، وهو ضابط، في كتابه في: أفعل وفعل؛ ويقال: هذه سهام صياب، وسمع في الأمثال: مع الخواطئ سهم صائب، والخواطئ - مهموز - يكون من خطأ وأخطأ وكأنها جمع خاطئة، وأما الخواطي - بحذف الهمزة - فجمع الخاطية، وهي التي تخطو الخطوة، ويقال الخطوة بالفتح أيضاً، وقد يجوز أن تحذف الهمزة وأنت تريدها، ولكن الفرق ما سلف، فلا تعمل ما تحب لما يجوز، فإن الواجب لا يسد مسد الجائز، وإن كان بعض الجائز ينوب عن الواجب. وكأن الصواب من الكلام من الصوب، لأن الصوب من المكان ومن الغمام استبان فاستوى، كذا القطر وكذا المسافة؛ وأما الصواب - بالهمز - فجمعه صئبان، ويقال: صئب رأسه إذا وقعت فيه صغار القمل وآذته، وهذا باب ضيق ومركب صعب وأنا من شرحي له على خطر. وتعال في الفن الآخر: 275 - أما الدس فمصدر دس يدس دساً، قال الله عز وجل " أيمسكه على هون أم يدسه في التراب " النحل: 59، والدساس: دابة، كأن تدس نفسها؛ ويذكر في الكلام: اندس، وما عرفته ممن يستنام إليه ويعقد الخنصر عليه، ومعنى يستنام: يسكن، وهو من النوم لأن السكون يصحبه، ويقال: نامت حقيقة فلان إذا أخبروا من جبنه وتكذيبه وإحجامه ونكوله، يقال: كذب فلان إذا رجع عن قوله فكأنه كذب نفسه حين أقدم وتكلف،
(5/83)

وكذب ناصره حين زعم انه شجاع؛ ويقال أيضاً: خامت حقيقته، وخام فلان عن قرنه، والقرن - بكسر القاف - القرين، والقرن بفتح القاف، تقول: هو على قرني أي على سني، وهو قرني من غير على.
وأما البس فاللت، واللت هو البل، يقال: هذا سويق مبسوس أي مبلول، وكأنه لا بد في البس من المرس لأنه يقال دهن مبسوس على أنه مبلول، فأما قول العامة " بس " في معنى حسب فالبس كالفت، يقال بسست الخبزة إذا فتتها، وقال جل وعز " وبست الجبال بسا " الواقعة: 5 كأنه من فتتت تفتيتاً وفتت فتاً، الشيء مفتوت ومفتت وفتيت، ويقال: فتوت؛ والبسيسة: طعام العرب، والبسوس: اسم ناقة هاجت بسببها حرب.
وأما الحسى فمرة من حسَّ بمعنى قتل، من حسهم بالسيف ومنه قوله عز وجل " إذ تحسونهم بإذنه " آل عمران: 152 ومرة من حسست الدابة، وقد مرت هذه الكلمة شافية، ولهذا أقللت ها هنا.
وأما الرس فيقال إنه بئر، قال الله جل وعز " وأصحاب الرس " الفرقان: 38، وقيل في الرس مصدر رسست بين القوم إذا سفرت، ورسيس الهوى من هذا.
وأما العس فمصدر عس الرجل بالليل إذا نفضه، ومعنى نفضه طلب في الظلمة من يرتاب به، ومنه العسس، ويقال " والليل إذا عسعس " التكوير: 17 أي إذا أظلم.
(5/84)

وأما القس فواحد القسس وتقسسه تسمع صوته، وقسست أثر القوم، إذا تتبعته قساً.
فأما اللس فمصدر لست العير النبات إذا مكنت فاها منه وتناولته، ويقال في المثل: قلما تبقى على اللس.
وأما النس فالشوق، والمشوق منسوس، ويقال: كانت مكة ناسة لأنها كانت تخرج الجاني.
وقد بقيت ألفاظ يسيرة سنأتي عليها ها هنا مخافة أن أنساها، وقد وعدت في الكتاب أشياء كثيرة، قصرت في إنجاز كثير منها للطول وقلة المعين، وأظن أني قد قرنت الملل بفؤادك، وجلبت الثقل إلى نفسك بهذا الفن الذي أنا فيه، فما أصنع والكلام كله متدافع، وليس منه شيء إلا وفيه غرض وله معنى وعليه معول.
276 - نعم، فأما الشائف فهو الجالي، أعني الذي يجلو الشيء، وليس هذا الجالي من الجالي الذي ينصرف عن بلد بشيء في المعنى، وإنما يلتقيان في اللفظ، والشيء مجلو ولا يقال مجلي؛ وتقول شفت الشيء أشوفه شوفاً، وإذا قيل: ما الشوف فهذا هذا. وأما السوف فهو شم التراب والطريق وغيرها، ومنه المسافة، هكذا قال البصير بالاشتقاق، وأما " سوف " فحرف يدل على الأفعال فيقررها عما مضى وعما حضر إلى ما يكون بعد ويستقبل، تقول: سوف يقوم هذا، وهي شقيقة السين في قولك: سيقوم هذا، ليس بينهما فضل.
(5/85)

وأما الخائف فمشهور، والخوف بين القوم، قال يعقوب: تقول: أخفتك، ولا تقول: فزعتك، ولكن فزعت، وتقول: خفت منك، هذا قد جاء كذا؛ وفرس خيفاء: إذا كانت إحدى عينيه زرقاء والأخرى كحلاء، كأنها قد نقصت عن شبه الآخرين؛ والخيف ما انحدر من الجبل وتصعد عن المسير، هذا أيضا للنقص العارض في المكان؛ والناس أخياف: مختلفون من ذلك لأنهم يتفاوتون، أي هذا يفوت هذا وهذا يفوت هذا، فالنقص بينهم سجال؛ والخيف جمع خيفة، وتقول: هذا طريق مخوف إذا كان يخاف فيه ولا تقل: منه. ويقال: وجع مخيف إذا كان الناظر يخافه على صاحبه أو يخاف مه على نفسه، هكذا قال العلماء منهم يعقوب والفراء.
وأما الزائف فإنه يقال: درهم زائف إذا كان بهرجاً أي ستوقاً أي فاسد الضرب غير متعامل به، ويقال أيضاً: زيف، وصرف الفعل منه فيقال: زيفت الدرهم، والزائف أيضاً من قولك: زافت الحمامة والمرأة إذا تبخترت وتطاولت وأقبلت.
وأما السائف فصاحب السيف، وسفت الرجل إذا ضربته بالسيف، وسفت الشيء - بالضم - إذا أدنيته من أنفك للشم والإشمام والتشمم، كل ذلك واحد، وأما السواف - بالضم والخفة - فداء ينال الإبل.
وأما الصائف فالذي ينزل في الصيف مكاناً معروفاً، يقال: صاف فلان بكذا وكذا إذا كانت صيفيه هناك، والصائف أيضاً السهم الذي يحيد عن الهدف؛ وكبش صاف أي كثير الصوف، وشيء صاف لا كدر فيه، والمصيف كالمربع، والمشتى كالمخرف، وهي أماكن النازلين بها في هذه الفصول من الزمان المعروف.
وأما الضائف فهو من ضفت فلاناً إذا كنت ضيفه، وأضفت فلاناً إذا كان ضيفك، وكأن ضفته ملت إليه، وأضفته أملته، كما يقال: أضاف كذا إلى كذا إضافة، هذا ذاك بعينه، ولكن الضيافة تفردت بمعنى، والإضافة تميزت
(5/86)

بمعنى، وكلاهما معروفان في الأصل، وقول الكتّاب انضاف هذا إلى هذا، وسينضاف كلمة خطأ، كذا قال أبو سعيد السيرافي سمعت ذلك منه لفظاً، وتتبعت ذلك في كلام الأولين وهم الحجة فما عثرت عليه؛ يقال: ضيف وضيفان وأضياف وضيوف كل ذلك معروف، قال الله تعالى " إن هؤلاء ضيفي " الحجر: 68 وقال " فأبوا أن يضيفوهما " الكهف 77.
وأما العائف فيكون من وجهين، أحدهما من العيافة وهي الزجر، ويقال له العياف، وسمعت من يحكي فيه المعتاف، والوجه الثاني يكون من عفت الشيء إذا كرهته، وفي الأثر: ما عاف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله طعاماً قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه؛ وهذا يقال فيه العائف، والشيء معيف أي مكروه، ومضارع هذا أعاف، ومضارع ذلك أعيف، وليس المعوف من هذا، والعوف يقال هو المال، هكذا قال بعض الثقات، وقال أبو زيد الأنصاري: العوف الذكر، يقال لمن أصبح بانياً معرساً بأهله: نعم عوفك.
وأما القائف فهو م يقفو شيئاً أي يتبعه، كأنه أخذ من القفا، لأنك إذا اتبعت غيرك كنت خلفه ومقابلاً قفاه، وقال الله تعالى " ولا تقف ما ليس لك به علم " الإسراء 36 أي لا تتبع ولا تعمل. فأما القفية فطعام طيب يرفع لمن يكرم حتى إذا حضر قدم إليه، وقافية الشعر ما انساق الكلام الموزون إليه، وانقطع تمام البيت عليه، والتفقية صناعة الشاعر والساجع، كأنما يقفوان كلاماً على وزن واحد، قال الله تعالى " ثم قفينا على آثارهم " الحديد: 27 أي أرسلنا وراءهم. والقائف عند العرب الذي يقفو أقدام السالكين فيقول: هذه
(5/87)

قدم فلان، والشافعي رحمه الله يلحق الولد بحكم القائف إذا قال هذه القدم خلقت من هذه القدم، وكان المدلجي منهم في عهد الصحابة رضي الله عنهم، وشهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، ويقال لصناعة هذا القيافة، قال أبو حامد: وبنو مدلح مخصوصون بهذا الشان، ولهم إصابة ظاهرة وحذق معروف مشهور، والعرب تعترف لها بذلك وتسلم. قال أبو زيد: يقال: وأخذ فلان بقاف رقبته وقوف رقبته، يقال: قاف يقوف فهو قائف، مثل: طاف يطوف فهو طائف.
وأما الرائف فهو الموصوف بالرأفة وهو الرؤوف معوض، إلا أن الفعول أجمع للصفة، هكذا المعنى في بنية الكلام في الأفعال، كما أن مفعالاً أكثر من مفعول، وأما فعال فقال بعضهم: هو أعرف من فعلو، وقال آخر: بل فعال أعرف، وزعم أن قول الله تعالى " فعال لما يرد " هود 107 شاهد بذلك، وقال آخر: بل هما يتقاسمان المعنى سواء، وليس أحدهما كالآخر، هكذا قال. والرأفة رقة تعتري طبائع الصالحين، هذا حقيقتهما في الخلق، فأما الله تعالى فرائف ورؤوف، أي يجزي جزاء كأنه من الرقة وليس بها، والصفات الجائزة بين الخلق، الدائرة بين الناس على طرف الحقيقة هي منفية المعاني عن الله تعالى، مطلقة الأسماء على الله، فإذا رأيت الله تعالى يقول " قد سمع الله قول التي تجادلك " المجادلة: فلا تقس ذلك على قد " سمع زيد "، فإن السابق إلى النفس من معنى سمع زيد مفهوم، ومثل هذا ومعناه صحيح، وهذا
(5/88)

ليس بمطرج على خالق هذا السمع والسامع والمسموع، لأنه لا يتلبس بما خلق ولا يتم بما نقص، والكلام في هذا أعرف مما طال الخوض، وهذا التخريج والتعريف إنما هو كله ليقوي منتك، وتقف على عين العلم همتك، وتطلق من غل الجهل رقبتك، فانظر كيف تكون لنفسك، فإني قد أعذرت وانذرت، وقلت ونقلت، وقومت وعدلت، وبلغت غاية مثلي في الاجتهاد، فالحق نهاية مثلك في حسن الارتياد، ولا تشغل بالك ببعض ما قصرت ودللت على نقصي به، فإن ذلك يستردفك عن حظك، ويسوي بينك وبين من هو أنقص منك، ولكن خذ نفسك بحسن هذا الكتاب ودع قبيحه، ليس عليك تبعته، والسلام.
فأما النائف فهي في ناف على الشيء وأناف إذا أشرف عليه، ومنه مناف في بني عبد مناف.
وأما الطائف فهو الخيال، وهو الذي يطوف بالبيت، بيت الله الحرام، وطاف الخيال يطيف، هكذا السماع، وأطاف يطاف إذا برز للغائط، ويقال: قد يبس طوفه في جوفه، ويقال للطائف الذي هو الخيال الطيف أيضاً، والطيف مه دليل على يطيف. فأما أطاف فلان به فمعناه صار طائفاً به كأنه أطاف أمره، وطاف هو فاعل الأمر، بتعدية الألف؛ والطف مكان بالعراق معروف، والطائف بلد وراء مكة، وكان الحجاج منه.
وأما الآيف فكأنه من الآفة، يقال: إيفت الشجرة الأرض فهما مؤوفتان، وإياك أن تقول ما يقول المتكلمون مأووف فإنه مردود، وليس للمتكلمين حجة في اللسان فضلاً عن أن يكونوا حجة في المعاني، لأن حقيقة المعاني لا تثبت إلا بحقائق الألفاظ، وإذا تحرفت المعاني فذلك لتزيف الألفاظ فالألفاظ متلاحمة متواشجة متناسجة، فما ثلم هذه فقد أجحف بهذه، وما نقص من هذه فسد من هذه، وليس الشأن على أن يفهم من أعجمي طمطمته فإن ذلك المفهوم لم يكن عن تمام اللفظ وصحة التأليف، وإنما
(5/89)

حدث بدلالة ما سمع على ما كان قاراً في الصدر، ومنسوخاً عند العقل، فلا يغرنك ذلك فتظن أنك متى سمعت كلاماً آخر فقهته كذلك، أو قسته إلى هناك، وما أخص العربية بهذا بل كل لغة فقيرة إلى مقادير الخطاب ورسوم الصواب، فإن الأغراض إلى ذلك العلم تتوافى على تلك الطريقة، ومتى ظهر بها الزيغ مال بها إلى التناقص والفساد والمحال والخلل على قدر ذلك، وأظن العربية أحوج إلى ما خطبنا من كل لغة لاتساع طرقها، وتزاحم فرقها، وتنافر أوانسها، وتواصل وحشيها، واختلاف أسبابها استعارتها، وتباعد أقطار الصواب منها، يدلك على هذا القول وعلى ما يتلوه مما يطول به الكلام تصرف وجوه التأويل في حكم أنواع الاحتمال.
وأما الحائف فهو اسم لمن حاف أي ظلم، والحيف والإخفاء والحفاء والحف والتحيف والتحوف والحفوف متقاربة المعنى فافطن لذلك، فقد أبرمت هذا الفصل إبراماً، وأظن أني قد استوجبت من الناظر فيه ملاماً، وقد مر في عرض الكتاب ما هو مفصح عن هذه الخبايا، فاسمح لنفسك بالنظر فيه يسمح لك بالظفر به، جعل الله الخير إذاءك، والسلامة لباسك، والإحسان عادتك، بمنة ولطفه.
يجب أن تأخذ فيما سقنا كتابنا عليه من النتف والأخبار والنوادر والأسرار، والله أسال صدراً فسيحاً بالصبر، وإيماناً قوياً على الطاعة، ويقيناً مقوماً للدنيا، وعاقبة ميسرة بالنجاة، ومصيراً إلى الله تعالى بأداء ما وجب له، وحسن الظن به فيما خولف فيه، إنه أكرم مسؤول وأعظم مأمول.
277 - قيل لبعض المغفلين: ما تقول في معاوية؟ قال أقول: رحمه الله ورضي عنه، قيل: فما تقول في ابنه يزيد؟ قال: أقول: لعنه اله ولعن أبويه.
(5/90)

278 - مدح أعرابي رجلاً فقال: هو والله فصيح النسب فسيح الأدب، من أي أقطاره أتيته انثني إليك بكرم المقال وحسن الفعال.
فصيح النسب حلو جداً، وهو استعارة، إلا انه ها هنا لاصق بالمعنى وذلك أنه أشار إلى صحة النسب سلامة العرق وكرم المنبت؛ وأما قوله فسيح الأدب، فقد والله جمع بين غزارة الموصوف في أدب النفس والعلم، وهذا نمط لا يتسع الكلام فيه على جميع ما يمر في الكتاب، ولو أمكن ذلك لبلغ الكتاب عشرة آلاف ورقة أو أكثر.
279 - وصف أعرابي قوماً فقال: صدورهم قبور الأسرار، وسيوفهم آفات الأعمار.
280 - وصف ابن المقفع رجلاً فقال: رفعه التقتير عن التقدير، وحطه التبذير عن التدبير.
281 - وصف رجل آخر فقال: هو أحلى من رخص السعر، وأمن السبل، ودرك الماني، وبلوغ الآمال.
282 - ووصف أعرابي رجلاً فقال: نعم حشو الدرع، ومقبض السيق، وصدر الرمح؛ كان إذا لوين أحلى من العسل، وإذا خولف أمر من الحنظل.
(5/91)

283 - وذم أعرابي رجلاً فقال: عبد البدن، حر الثياب، عظيم الرواق، صغير الأخلاق، الدهر يرفعه، ونفسه تضعه.
284 - وصف أعرابي آخر فقال: إن أتيته احتجب، وإن غبت عنه عتب، وإن عاتبته غضب.
285 - وقال الرياشي: ذم أعرابي رجلاً فقال: ليس له أول يحمل عليه، ولا آخر يرجع إليه، ولا عقل يزكو به عاقل إليه.
286 - شاعر الكامل
ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمت ... إن الكلاب طويلة الأعمار
187 - أنشد ثعلب الطويل
حسبتك إنساناً على غير خبرة ... فكشفت عن كلب أكب على عظم
لحى الله رأياً قاد نحوك همتي ... فأعقبني طول المقام على الذم
288 - كاتب: قد عرضت لي قبلك حاجة فإن نجحت فالفاني منها حظي والباقي حظك، وإن تعذرت فالخير مظنون بك، والعذر ممهد لك.
(5/92)

289 - كاتب: من توسل إليك بغير فضلك كان خارجاً من حكم الأدب، داخلاً في حد النقص، إذ كان محالاً أن يستعان بالمفضول على الفاضل، وبالناقص على الكامل.
290 - كاتب: من كاتب الرغبة إليه غضاضة وذلاً، فقد جعل الله الرغبة إليك عزاً ونبلاً، وذلك لخلال فيك خار الله تعالى لك فضلها، منها أنك توطئ ذوي الأمل منك كنفاً سهلاً، فتسهل سبيل الرغبة، وتقدم متأخر الصلة، ومنها أنك ترى للآمل عليك حقوقاً تلزمك رعايتها، وحرمة توجب عليك القيام بواجبها، وهمتي أدام الله عزك، التي اعتمدت بها على فضلك، أن تجعلني في عداد من يرجو يومك وغدك، وأن تضمني في دهماء عبيد شكرك، خدم طاعتك.
291 - قال يزيد الراوية: كنت عند المهدي، فجاء رجل فسأله فأعطاه، وسأله آخر فأعطاه، وعلى هذا، فقلت: يا أمير المؤمنين قد أصاب فيك القائل حيث يقول: الخفيف
صم عن منطق الخنا وتراه ... حين يدعى للمكرمات سميعاً
قوله أعط ذا وذاك وهذا ... لم يقل لا مذ كان طفلاً رضيعاً. فأمر لي بألفي دينار.
292 - قدم بعض المغفلين للصلاة على جنازة امرأة فقال: رب، إنها كانت تسيء خلقها، وتعصي بعلها، وتبذل فرجها، وتخون جارها، فحاسبها حساباً أدق من شعر آستها.
(5/93)

293 - قال ابن عائشة: كان للحسن بن قيس بن حصن ابن أخي عيينة بن حصن ابن رافضي وابنة حرورية وامرأة معتزلة وأخت مرجئة، فقال: أراني وإياكم طرائق قدداً.
294 - وقف مديني على قاص وهو يذكر ضغطة القبر فقال: يا قوم كم في الصلب ن الفرج العظيم ونحن لا ندري، فقال صاحبه: إنا نستصلب إن شاء الله تعالى.
295 - أخذ الطائف شارعة وهو سكران فقال: احبسوا الخبيث، فقال: أصلحك الله علي يمين الطلاق أن لا أبيت بعيداً عن منزلي، فضحك وخلاه.
296 - سافر أبو الغريب إلى الجبل ثم عاد سريعاً، فقيل له: لم عدت؟ فقال: آخذ امرأتي فإني تركتها ببغداد، وكانت تزني، وكنت بالجبل أزني، فقلت: تزني جميعاً في مكان واحد أملح من أن نتفرق فتقل المؤونة.
297 - وكان الواجب أن نذكر شيئاً من تفسير ما تضمنت الأبيات التي رواها ابن الأعرابي، ولكن عرض الخلل على حسب ما قد عم الوقت، والفرج مأمول من الله سبحانه الذي بيده ملكوت كل شيء؛ والآن نقول في حروف منها ما يكون بياناً لها، وإنما أفعل ذلك بها خصوصية لشغفي برصفها، وصدق المرمى
(5/94)

بها، وجودة متنها، وكثرة مائها، وكل حسن مخدوم، وكل طيب شهي، وكل كريه مجتنب، وكل قبيح مقصي.
289 - أول الأبيات: الكامل المجزوء
المرء يكدح للحيا ... ة وحسبه خبلاً حياته
المرء هو الإنسان، وخلوه من أمارة التأنيث دليل على التذكير، والمرء مذكر على هذا الذكر، والمروءة هي الإنسانية، والإنسانية لم تسمع من العرب لكنها مقيسة بالتوليد على كلامهم؛ وأما قول أبي تمام: الكامل سميت إنساناً لأنك ناس خطأ، كذا قال أبو سعيد السيرافي. وفلان يتمرأ بنا أي يبدي مروءنه بسوء القول فينا، يقل امرأة وامرأتان ونساء ونسوة، والمراء والمماراة متقاربان عند القائل بالاشتقاق على تعسف في التأويل، وإنما أقول بالواجب ولا أتعدى الحد في ذلك.
والكدح: المشقة، وفي القرآن " إنك كادح " الإنشقاق: 6، والمكادح منه، والخبل: الفساد، والارفتات: التكسر. والماضغ يدير أضراسه.
ويهدا بعد ما انصاتت قناته يريد ينحني بعد الشطاط، وكلول البصر: سوء البصر، ويكمه سمعه أي تثقل أذنه، والكمة في العين معروف، ولكن هذا قيل هكذا، ونهي حصاته يعني يضعف عقله، يقال: وهي الشيء يهي وهيا، وأوهاه فلان يوهيه إيهاء، وفي الأمثال: الرجز
(5/95)

خل سبيل من وهي سقاؤه ... ومن هريق بالفلاة ماؤه
والحصاة: الفهم، وقيل العقل، ومنه قول طرفة: الطويل
وإن لسان المرء ما لم تكن له ... حصاة على عوراته لدليل
رأيت كتاباً للأزهري عند الهروي صاحب اللغة يقول فيه: حصيت مأخوذ من الحصى؛ وأنكر ذلك أصحابنا ببغداد.
وتقف جلدته: يريد تقحل وتجف، ويقال انقحل إذا كان شيخاً، قال الأصمعي: زعموا أنه من القحولة والنون زائدة، يقال: قحلت الأرض وأقحلت.
وتعرى من ملابسها شواته يعني فروة رأسه تصلع، والصلع الاسم، وقيل إن شواته أطرافه وأنها تعرى من البضاضة والحسن؛ ويغيب شاهده: أي يغيب شبابه.
ويشهد غيبه وتموت ذاته
أي تخمد شرته وتذهب ميعته، والميعة: الجري، وهو من ماع الشيء إذا سال، وماعه غيره وإنماع قليل مرذول، وهو في كلام الفقهاء كثير.
ويمل من برم: فالبرم ها هنا الضجر، وهو الإبرام، وكأنه التضايق،
(5/96)

من أبرم حبلاً إذا فتله، فقد منع القضاء من إثباته، ورجل برم: أي ضجر، والمبرم كالملح، والإبرام والنقض في الأمور مستعار من الحبل، وقال بعض وزراء خرسان: ريما قضينا حاج الناس برماً لا حرماً، أي من الضجر لا من طباع؛ وما كان أغناه عن إظهار هذه السوأة. والحاج جمع حاجة، وأبى المبرد أن الحوائج صحيحة في جمع حاجة.
وقوله: وقد فرطت لداته، أي تقدم أقرانه وأترابه، والترب في المؤنث أيضاً.
299 - سألني بعض الفقهاء فقال: أين مولودك؟ وهو يريد: أين ولدت، فقلت: ما لي مولود، فقال: سبحان الله، وزاد تعجبه، فقلت: لعلك تسألني عن مكاني الذي ولدت فيه؟ قال: نعم، قلت: فهلا قلت: أين مولدك؟! قال: فخجل هو من الحاضرين، وذاك أردت ليكون خجلة باعثاً له على الأدب، أو على إكرام الأديب، وهذا الفقيه هو الداركي، وكان ركيك اللسان، فدم الطباع، سيء الخلق، شهوداً بالزور، خبيث الدين، ومات ببغداد سنة خمس وسبعين وثلاثمائة في شوال، ومات الأبهري بعده بجمعة.
وقال لي رجل من العجم يدعي العلم ويزعم انه منطقي: اقعد حتى تتغدى بنا، قلت: لا أبلانا الله بذلك، قال: فلم قلت هذا؟ قلت: لأنك أتيت بكلام لو فقهته عن نفسك لما أنكرته على جليسك، قال: فما هو؟ فعرفته الفرق بين الخطأ الذي قد أتى به والصواب الذي لم يوفق له، فنبا طرفه
(5/97)

بعد ذلك عني، وثقل حجابه علي، فأف له ولأضرابه، فما شين الدنيا والدين إلا بقوم هذا منهم؛ رزقنا الله الأدب الذي به نعلم ما نقول، وإليه نفزع فيما نعمل، وكفانا شر كل ذي شر بمنه. فاعذر - أيدك الله - في هذا التصرف كله، وكن من إخوان الصدق يزدك الله به شرفاً إن شاء الله.
كان أبو داود السجستاني ثقة محدثاً راوية، زعموا أنه في أيام حداثته وزمان طلبته للحديث وكتابته، جلس في مجلس بعض الرواة يكتب، فدنا رجل إلى محبرته وقال له: أستمد من هذه المحبرة؟ فالتفت إليه أبو داود فقال: لا، فانخزل الرجل حياء، وأقبل عليه أبو داود وقال: أما علمت أن من شرع في مال أخيه بالاستئذان، فقد استوجب بالحشمة الحرمان، فسمي أبو داود منذ ذلك اليوم حكيماً.
وأنشد المنسرح
أختان إحداهما إذا انتحبت ... تبكي كباك بعبرة حرى
وما بها علة ولا سقم ... تضحك مها الأخية الأخرى
يقال إن الشاعر أراد بهما السماء والأرض، ويقال إن ثعلباً أنشدهما.
قال الحسن بن عثمان القنطري: دفنت كتبي وأقبلت على العبادة والتشمير والاجتهاد، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام كأنه صعد المنبر، وأشار بيده وفيها أقلام محشوة طيباً ومسكاً، فجعل يناول أقواماً قلماً قلماً، فلما تقدمت ووقفت بين يديه وقلت: يا رسول الله ناولني قلماً،
(5/98)

فقال: كيف أناولك وقد دفنت علمي؟ فأصبحت فحدثت بهذا الحديث؛ حدثني به أحمد بن منصور الحافظ.
قال بشر بن الحارث: قال الله تعالى في بعض كتبه: إن مما عاقبت عبادي به أني ابتليتهم بفراق الأحبة.
للراضي: المنسرح
يصفر وجهي إذا تأمله ... طرفي ويحمر وجهه خجلاً
حتى كأن الذي بوجنته ... من دم جسمي إليه قد نقلا
قال إياس بن معاوية: ما كلمت أحداً بعقلي إلا أصحاب القدر، فإني قلت لهم: ما الظلم في كلام العرب؟ قالوا: أن يأخذ الرجل ما ليس له، قلت: فإن الله تعالى له كل شيء.
قال عمرو بن العاص: إمام عادل خير من غيث وابل، وأسد حطوم من سلطان ظلوم، وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم، ولأن تمازح وأنت مجنون خير من أن يمازحك مجنون، وزلة الرجل عظم يجبر، وزلة اللسان لا تبقى ولا تذر.
(5/99)

وقال: يا بني استراح من لا عقل له.
وأنشد: الكامل
ما زلت منتظراً لوعدك مفرداً ... بالبيت مرتقباً لقرع الباب
حتى يئست فقلت قول مدله ... مزج الدماء بعبرة تسكاب
يا كاذباً في وعده بلسانه ... من لي بعض لسانك الكذاب
قيل ليوسف بن أسباط: ما لا زهد؟ قال: أن لا تفرح بما أقبل، ولا تأسف على ما أدبر.
وقف ابن عيينة على ابن معروف وهو على رمل بطحاء مكة واضعاً خده عليه، فقال له: يا أبا محمد إنه من ترك شيئاً من الدنيا عوضه الله تعالى، قال: بأي شيء عوضك الله مما تركت؟ قال: الرضا بما أنا فيه.
لما حضرت حذيفة بن اليمان رحمه الله الوفاة قيل له: ما تشتهي؟ قال: الجنة، قيل: فما تشتكي؟ قال: الذنوب، قيل: أفلا نداويك بدواء؟ قال: دواني رحمة ربي، ثم قال: انظروا هل أصبحنا؟ قالوا: نعم، قال: حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، ثم قال: اللهم
(5/100)

إني أعوذ بك من صباح إلى النار، اللهم إنك تعلم أني لم أعن غادراً على غدر، ولقد عشت على خلال ثلاث: الضعة أحب إلي من الرفعة، والفقر أحب إلي من الغنى، ومن حمدني أو لامني في الحق سيان.
وقال بعض الصالحين: مررت براهب في صومعته وهو يبكي ويقول: أمر قد عرفته فقصرت في طلبه، وحدت عن سبيله فأبكاني يوم مضى وبقيت حسرته، ونقص له أجلي، ولم ينته إليه أملي.
قال الأحنف: من حق الصديق أن يحتمل له ثلاث: ظلم الغضب، وظلم الدالة، وظلم الهفوة.
قال الأصمعي، سمعت أعرابياً يقول: العاقل حقيق أن يسخي نفسه عن الدنيا علمه بأنه لا ينال أحد مها شيئاً إلا قل انتفاعه به، وكثر عناؤه فيه، واشتدت ندبته عند فراقه، وعظمت تبعته بعد وفاته.
قال هرم بن حيان: صاحب الكلام إلى إحدى منزلتين، إن قصر فيه حصر، وإن أغرق فيه أثم.
(5/101)

وقال أيضاً: ما آثر الدنيا على الآخرة حكيم قط، ولا عصى الله كريم.
قال الأصمعي، قيل لأعرابية: ما أحسن عزاءك عن ابنك؟ فقالت: إن فقدي ابني أمنني من المصائب بعده.
قال ابن السماك يوماً: إن الله تعالى ملأ الدنيا لذات، وحشاها بالآفات، ومزح حلالها بالمؤونات، وحرامها بالتبعات.
قال ابن عائشة: قيل لبعض السلف: ما الكرم؟ قال: التأني للمعروف، قيل له: فما اللؤم؟ قال: التقصي على الملهوف.
قال الأصمعي، قال أعرابي: إن الآمال قطعت أعناق الرجال، كالسراب غر من رآه، وأخلف من رجاه، ومن كان الليل والنهار مطيتيه أسرعا به، ثم أنشد: البسيط
المرء يفرح بالأيام يقطعها ... وكل يوم مضى نقص من الأجل
قال الأصمعي، قال أعرابي: إن أعجز الناس من قصر في طلب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.
وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: إذا نبتت الأصول في القلوب، نطقت الألسن بالفروع، والله يعلم أن قلبي لك شاكر، ولساني ذاكر، هيهات لن يظهر الود المسقيم إلا من القلب السليم.
(5/102)

قال الأصمعي، قلت لأعرابي: ما أنحل جسمك؟ قال: سوء الإذاء، وجدوب المرعى، واعتلاج الهموم، ثم أنشأ يقول: الكامل
الهم ما لم تمضه لسبيله ... داء تضمنه الضلوع مقيم
ولربما استأيست ثم أقول لا ... إن الذي ضمن النجاح كريم
قال سعد مولى عتبة بن أبي سفيان: قال لي عتبة: يا سعد تعهد صغير ضيعتي يكبر، ولا تمهل كبيرها فيصغر، فإنه ليس يمنعني كثير من ما في يدي عن إصلاح قليل مالي.
قال الأصمعي: قيل لبعض حكماء فارس عند الموت: كيف حالك؟ فقال: كيف حال من يريد سفراً بعيداً من غير زاد، ويقدم على ملك عادل بغير حجة، ويسكن قبراً بغير أنيس؟ قال أعرابي: الشكوى على قدر البلوى طالت أم قصرت، إلا أن يكون بالشاكي انقباض، وبالمشكو إليه إعراض.
قال أعرابي لصاحبه: وما تولعك بقوم قد هدأت ريحهم عنك، وانحسمت مادتهم منك، حتى تستثير رابضهم، وتستقدح خامدهم؟
(5/103)

كاتب: لا أعدك فأطعمك، ولا أويسك فأقطعك، فإن أمكنتني فرصة فعلت.
قال أعرابي: لو عددتني أخاك ااستبطأتك إلا بالصبر، ولا استزدتك إلا بالشكر قال أعرابي: إن يسير ما أتاني عفواً لم أبذل فيه وجهاً، ولم أبسط له كفاً، ولم أعضض له طرفاً، أحب إلي من كثير ما أتاني بالكد، واستفراغ الجهد.
كاتب: أعليت من يد كانت مقبوضة، وأسميت من مقلة كانت مغضوضة.
كاتب: حل محل النور في نواظر الأولياء، والغصة في حلوق الأعداء.
قال أعرابي: لا أخلاك الله من بلاء جميل توليه، وجناب خصيب ترعيه، ومعروف عظيم تسديه.
كاتب: اعتدلت قناة الملك في يده، وسطح سراج الحق في دعوته، وأفل نجم الباطل في دولته.
كاتب: من انصرف من الاحتجاج إلى الاعتراف، فقد لطف للاستعطاف، واستوجب المسامحنة بعد الإنصاف.
(5/104)

قيل لمخنث: كيف ترى الدنيا؟ قال: مثلنا، يوماً عند الأسخياء، ويوماً عند البخلاء.
قيل لطفيلي قدم من مكة: كيف سعر النعال بمكة؟ قال: النعل بحمل وطبق فاكهة.
وقيل لطفيلي آخر مثل ذلك فقال: النعل بالحجاز بثمن جدي بالعراق.
نظر ملاح إلى رجل قد وثب على ظهر فرسه فقال: ما أحسن ما استوى على كوثله.
قال إبراهيم بن الفرات: سمعت صبياً وهو في جنب أبيه في يوم عيد وقد نظر إلى الناس فقال: يا أبه ما هذا؟ قال: هذا والي البصرة يريد المصلى، قال: وما يصنع يا أبه؟ قال: يصلي، قال: ولمن يصلي؟ قال: لربه تبارك وتعالى، قال: فقال: يا آبة ما هذا؟ قال: هذا والي البصرة يريد المصلى، قال: وما يصنع يا أبة؟ قال يصلي، قال: ولمن يصلي؟ قال: لربه تبارك وتعالى، قال يا آبة وهكذا يقصد الأرباب؟ قال أبو علي الرازي: مررت على صبية في طريق الشام وهم يلعبون بالتراب وقد ارتفع الغبار فقلت: مهلاً غبرتم، وبادرت لأجوزهم، فقال صبي منهم: يا شيخ إلى أين تفر إذا هيل عليك التراب في القبر، فغشي
(5/105)

علي فقلت: أعندك حيلة في الفرار من تراب القبر؟ قال: لا أعلم، ولكن سل غيري، قال: فقلت: من هو؟ قال: عقلك.
قال أعرابي: قد تعوق العوائق مما عليه النية، وتمنع المقادير مما عليه الطوية.
قيل لفيلسوف: لم صار الحمق أحظى من العقل؟ قال: لأن العقل تدخله الآفة، والحمق لا تدخله الآفة. وقد قال الحق، لأن الحمق آفة فليس تدخل عليه آفة.
حمل جحا جرة خضراء إلى السوق ليبيعها فقيل: هي مثقوبة، فقال: يكذبون، ليس يسيل منها شيء، فإن قطن أمي كان فيها فما سال منه شيء.
وذكروا عنده الضراط وقيل: هو شؤم فقال: وما شؤمه؟ قالوا: يبدد الجماعات، ويفرق الشمل، قال: فهذا باطل، أهل السجن يضرطون الليل والنهار ولا يفترقون.
يقال: ما الحفيف، وما الخفيف، ومال الجفيف، وما العفيف، وما الأنيف، وما الشنيف، وما الرفيف، وما الطريف، وما النظيف، وما العريف، وما الخريف، وما الشريف، وما السريف، ومال الغريف، وما القريف، وما الصريف، وما الظريف، وما النقيف، وما الطفيف، وما النتيف، وما الأسيف، وما العسيف، وما اللفيف، وما الضفيف، وما الصفيف، وما السفيف، وما السقيف، وما الذفيف، وما الزفيف، وما
(5/106)

الشفيف، وما الكنيف، وما اللطيف، وما الكثيف، وما القطيف، وما العنيف، وما العليف، وما السخيف، وما الكتيف.
ويقال في باب آخر: ما الحز، ما البز، وما الجز، ومال الخز أيضاً، وما الرز، وما الشز، وما العز، وما القز، وما القز، وما الكز، وما اللز، وما النز، وما الهز، والهز أيضاً، وما الأز، والوز.
ويقال في باب آخر: ما الجهر، وما البهر، وما الدهر، وما الزهر، وما الصهر، وما الطهر، وما الظهر، وما العهر، وما الفهر، وما الكهر، وما النهر، وما المهر، وما الشهر، وما القهر.
وسيمر في جواب هذه الحروف ما يشفى قرم المتأدب، وينفي عن الملول عادة السوء، ويكون سمراً لمن أحب السمر، وفائدة لمن رغب في الفائدة، وجمالاً لمن عشق الجمال، وحلية لمن هو عار، ووسيلة لمن هو منقبض، ومتعة لمن هو مهموم، إن شاء الله.
مات أبو جحا فلم يشيع جنازته، فقيل له: لم فعلت كذا؟ قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله: لا يتبع مول، قالوا: ويحك، ذاك في الحرب، قال: أنا آخذ بالثقة.
واجتاز بامرأة تندب على زوجها، فقال لها: ما كان صنعة زوجك؟ قالت: كان حفار القبور، قال: أفلم يعلم القواد أنه من حفر لأخيه حفرة فسوف يقع فيها.
(5/107)

ضرط أبوه يوماً في كنيف، فقال جحا: على أيري، فقال أبوه: إيش قلت ويلك؟ قال: حسبتك أمي.
وتبخر يوماً فاحترقت ثيابه فقال: والله لا أتبخرن بعدها إلا عرياناً.
قال ابن طباطبا في " عيار الشعر ": الشعر تدفع به العظائم، وتسل به السخائم، وتخلب به العقول، وتسحر به الألباب، لما يشتمل عليه من رقيق اللفظ، ولطيف المعنى، وإذ قالت الحكماء: إن للكلام جسداً وروحاً، فجسده النطق وروحه معناه، فواجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة متقنة لطيفة مقبولة مستحسنة، مجتلبة لمحبة السامع له، والناظر إليه بعقله، مستدعية لعشق المتأمل لمحاسنه، فيحسنه جسماً ويبدعه معنى، وجيتنب إخراجه على ضد هذه الصفة، فيكسوه قبحاً ويبرزه مسخاً، بل يسوي أعضاءه وزناً، ويعدل أجزاءه تأليفاً، ويحسن صورته إصابة، ويكثر رونقه رقة، ويحصنه جزالة، ويدنيه سلاسة، ويتأتى به إعجازاً، ويعلم أنه نتيجة عقله، وثمرة لبه، وصورة علمه، الحاكم له أو عليه.
هذا حكاية لفظه في كتابه.
(5/108)

وما أصبت أحداً تكلم في نقد الشعر وترصيفه أحسن مما آتى به الناشئ المتكلم، وإن كلامه ليزيد على كلام قدامة وغيره، وله مذهب حلو، وشعر بديع، واحتفال عجيب، فمن شعره إلى أبي الصقر الوزير: الطويل
تبلج بروح اليأس أو روحة الغنى ... أو الصدق لي في الوعد أو طلب العذر
فما لي ثقي يحيى ولا حلم يوسف ... ولا صبر أيوب ولا مدة الخضر
وله أيضاً: الطويل
لها جيد ظبي واهتزاز يراعة ... وعينا مهاة واعتدال قضيب
ولفظة مناع ولحظة باذل ... وعتب بريء واغتياب مريب
وإيماض ذي جد وإعراض هازل ... وسورة ذي طيش وعطف لبيب
وهذا فن لطيف المرام حلو جداً.
وله: الكامل المجزوء
كالبدر في إشراقه ... والبحر في إغداقه
والأثم في إطراقه ... والريم في إرهاقه
وله: الكامل
(5/109)

راح إذا علت الأكف كؤوسها ... فكأنها من دونها في الراح
وكأنما الكاسات مما حولها ... من نورها يسبحن في ضحضاح
لو بث في غسق الظلام شعاعها ... طلع المساء بغرة الإصباح
نفضت على الأجسام ناصع لونها ... وسرت بلذتها إلى الأرواح
وله أيضاً: الكامل
ومدامة لا يبتغي من ربه ... أحد حباه بها لديه مزيدا
في كأسها صور تظن لحسنها ... عرباً برزن من الجنان وغيدا
وإذا المزاج أثارها فتقسمت ... ذهباً ودراً توأماً وفريدا
وكأنهن لبسن ذاك مجاسداً ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا
هذه الأبيات رواها صاحب " عيار الشعر " لفلان الهمذاني، والصحيح ما تقدم ذكره؛ وإذا رأيت تلك الرواية محرفة، والعبارة فاسدة، علمت بأن سارقاً سرق، ومنتحلاً انتحل، والغارة من الكتاب والمصنفين سديدة على ما سلف للمقدمين.
انتهى طفيلي إلى عرس، ورام الدخول فمنع، فأخذ قرطاساً
(5/110)

وطواه ثم ختمه، ولم يكتب فيه شيئاً وعنون: من أخي العروس إليها، ثم جاء به كالمدل فقيل له: كأنه كتب الساعة، قال: نعم ومن العجب للعجلة أنه لم يكتب فيه شيء، فاستملحوه وأخذوه فأدخلوه.
لما غلب يزيد بن المهلب على البصرة حلف محمد بن المغيرة ألا يخرج من البصرة إلا بإذنه، فأتى البواب فقال: أتأذن لي أن أخرج؟ قال: لا، فأتى يزيد بن المهلب فقال: إن البواب قد منعني فأذن لي أيها الأمير، فأذن له، وأرسل معه رجلاً إلى البواب، فخرح وجعل ذلك إذناً وخرج من البصرة؛ وكانت بأهلة تقول: محمد أجهل الناس غلب عاقل الأزد.
لما أراد عمر بن الخطاب قتل الهرمزان استسقى ماء، فأتي به، فأمسك القدح في يده اضطرب، فقال له عمر: لا بأس عليك، إني غير قاتلك حتى تشربه، فألقى القدح من يده؛ وأمر عمر بقتله، قال: أو لم تؤمني؟ قال: كيف أمنتك؟ قال: قلت: لا بأس عليك حتى تشربه، فقولك: لا بأس أمان، ولم أشربه، فقال الزبير وأنس وأبو سعيد الخدري: صدق يا أمير المؤمنين، فقال عمر: قاتلك الله أخذت أماناً ولم أشعر.
ماتت أم جحا، فقعد يبكي عند رأسها ويقول: رحمك الله، فلقد كان بابك مفتوحاً ومتاعك مبذولاً.
قال ابن كناسة: كان جحا كوفياً، وكان مولى لبني أسد، وقد روى الحديث وحمل عنه؛ ومات صديق له، فظل يبكي خلف جنازته
(5/111)

ويقول: من لي يحلف إذا كذبت، ومن لي يحثني على شرب الخمر إذا تبت، ومن لي يعطي عني في الفسوق إذا أفلست، لا ضيعني الله بعدك، ولا حرمني أجرك.
وماتت امرأة حجا، فقعد عند رجليها يبكي، فقيل له: لو قعدت عند رأسها، فقال: إنما قعدت مكاناً ينفعني.
نظر إنسان إلى جحا في المقابر فقال: يا أبا الغصن ما تصنع ها هنا؟ فقال: اطرح لقبر أمي قبا فقد تمزق قبه.
كاتب: وصل الله سرور يومك بسرور شهرك، وسرور شهرك بعلو قدرك، وعلو قدرك بنفاذ أمرك ونهيك؛ النفس أعزك الله لا حظ فيها، والمال لم يكن إلا منك، فإن أهديت وجدته خالصاً لك، وإن أهديت الميسور من الوجد كنت المهدي إليك مالك، وإن كان ذلك كذلك لم يبق إلا النشر والثناء والحمد، والاعتراف بالتقصير ولعجز، ولقد أحسن سعيد بن حميد حيث يقول: الكامل
إن أهد نفسي فهو مالكها ... ولها أصون كرائم الذخر
أو أهد مالي فهو واهبه ... وأنا الحقيق عليه بالشكر
أو أهد حمدي فهو مرتهن ... بجميل فعلك آخر الدهر
والشمس تستغني إذا طلعت ... أن تستضيء بسنة البدر
اختصم رجلان إلى إياس بن معاوية في مطرف خز، وادعى كل
(5/112)

واحد منهما المطرف، فدعا إياس بمشط وماء فبل رأس كل واحد منهما وسرح شعره، فخرج المشط وعليه غفر المطرف، فدفع المطرف إلى صاحبه.
كان عمر بن هبيرة أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وكان إذا أتاه كتاب فتحه ونظر فيه كأنه يقرأه، فإذا نهض من مجلسه حملت الكتب معه، فيدعو جارية كاتبة ويدفع إليها الكتب فتقرأها عليه، فيأمرها فتوقع بما يريد ويخرج الكتاب، فاستراب به بعض أصحابه، فكتب كتاباً على لسان بعض العمال وطواه منكساً. فلما أخذه قرأه ولم ينكر تنكيسه، فعلم أنه أمي.
قال صالح المري: التهنئة على آجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة.
قال الأصمعي: سألت امرأة من الأعراب عن حال لحقتهم فقالت: سنة جردت، ونار خمدت، وحال جهدت، فهل فاعل للخير، أو دال عليه، أو لا، فمن يجير، رحم الله من رحم، وأقرض من لا يظلم.
قال الأصمعي، قيل لأعرابي: صلب الخليفة زنديقاً فقال: من طلق الدنيا فالآخرة صاحبته، ومن فارق الحق فالجذع راحلته.
قال الأصمعي، قيل لأعرابي: أتؤمن بالموت؟ قال: إي
(5/113)

والله، قيل: كيف تؤمن به؟ قال: إني رايت آبائي وإخواني وأهلي وأكثر عشيرتي قد ماتوا، فعلمت أني لاحق بهم، قيل: أفتؤمن بالبعث؟ قال: هيهات إنها لحفيرة سوء ما دخلها أحد فخرج.
قال الأصمعي، سمعت أشياخنا يقولون: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين: عامر بن عبد قيس، وهرم بن حيان، والحسن، وأبي مسلم الخولاني، وأويس القرني، والربيع بن خثيم، ومسروق، والأسود بن يزيد.
قال حماد بن زيد، سمعت يونس يقول: توشك عينك أن ترى ما لم تر، وتوشك أذنك أن تسمع ما لم تسمع، ولا تخرج من طبقة إلا دخلت فما هو أشد منها، حتى يكون آخر ذلك الجواز على الصراط.
قال حماد بن زيد: شكا رجل إلى يونس وجعاً يجده فقال يونس: يا عبد الله، هذه دار لا توافقك، فاطلب داراً توافقك.
قال الأصمعي، تقول العرب: بينهم ملحمة أي مقتلة.
(5/114)

قال أبو عمرو بن العلاء في قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله في الجنين غرة، عبد أو أمة: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله أراد بالغرة معنى لقال: في الجنين عبد أو أمة، ولكنه عنى البياض لأنه لا يقبل في الدية إلا غلام أبيض أو جارية بيضاء، لا يقبل فيها أسود ولا سوداء.
خطب عبد الله بن الحسن بالبصرة على منبرها فأنشد في خطبته بيتاً: البسيط
أين الملوك التي عن حظها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
تزوج عثمان رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سنة اثنتين من الهجرة ودخل بها، وماتت يوم جاء البشير بفتح بدر؛ ثم تزوج عثمان بأم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ودخل بها في شهر ربيع الأول سنة ثلاث؛ ومات عبد الله بن عثمان من رقية سنة أربع.
قال الأصمعي، حدثنا حزم القطعي قال: سمعت الحسن يقول: حقيق على من كان الموت موعده، والقبر مورده، والوقوف عند الله مشهده، أن يطول بكاؤه وحزنه.
(5/115)

يقال إن أول من ارتشى من القضاة بالبصرة الحجاج بن أرطاة.
غنت جارية بدف: الطويل
لئن فتنتني فهي بالأمس أفتنت ... سعيداً فأمسى قد قلى كل مسلم
وألقى مفاتيح القراءة واشترى ... وصال الغواني بالكتاب المنمنم
قال ثمامة: قلت لجعفر البرمكي: ما البيان؟ فقال: أن يكون الاسم محيطاً بالمعنى، ويجلى عن المغزى، ويخرج من الشركة، ولا يستعان عليه بالفكرة، والذي لا بد له منه أن يكون سليماً من التكلف، بعيداً من التعسف، بريئاً من التعقد، غنياً عن التأويل.
عاد رجل من الأعراب إلى حيه بعد غيبة طويلة، فلم ير فيهم خياراً، فأنشأ يقول: الرجز
ومجلس ليس بشاف للقرم ... ولا بمنسوب إلى الفرع الأشم
نزلته من عوز ومن عدم ... رجاء أن ينفع من سقم ألم
فازددت منه سقماً إلى سقم
نمر بأطراف تلك الحروف التي في شرحها فائدة، فقد أضربنا عنها بما اعترض من رواية الملح ومكنة ملل الناظر بذلك.
(5/116)

أما الحفيف نحفيف الناب، وحفيف الطير، وهو صوت أجنحتها؛ وحفاف الشيء طرفه، و " حافين من حول العرش " الزمر: 75 كأنهم محيطون بحواشيه، وحف الشعر إذا استأصله أي أخذ أصوله، كأنه بلغ أطرافه في مغارزه ومقاصه، " وحففناهما بنخل " الكهف: 32 منه، والحفيف المحفوف، فإن الفعيل شقيق المفعول في مواضع كثيرة، والحفف: اليبس، والحفوف: الفقر، والمحفة معروفة، والحفان: طائر.
وأما الخفيف فضد الثقيل، نقول منه: خف الرجل إذا عجل، وخف القطين إذا رحل، القطين والقطان والقاطنون واحد، ويقال للرجل: من أين خفوفك؟ وقد أزف خفوفه أي رحيله، وزعم بعض المولعين بالاشتقاق أن الخف سمي خفاً لأن صاحبه خف به للحركة، لأنه لا يلبس للقعود والرفاهية والتثاقل؛ ويقال في الكلام المتابع: هو خفيف دفيف، وجمع الخف خفاف، وزعم القائل بالاشتقاق أن قولك: خف وخاف يتعاقبان معنى واحداً، وإنما اختلف الوزن لأن من خاف خف واضطراب، كما أن من أمن ركن واستقر؛ وتقول هو خفيف وهما خفيفان وهم خفيفون، وفي التأنيث: هن خفائف لأنه جمع خفيفة، كما تقول في جمع فتيلة فتائل.
وأما الجفيف فالشي اليابس، تقول: جف يجف، الجيم مفتوحة، وقد جاء يجف، والأول اختيار أبي حاتم، ومصدره الجفوف، وجفت يده أي يبست، وحشت يده أي جفت كأنها صارت في يبس الحشيش، لأن الحشيش هو اليابس الذي يحش أي يقطع.
فأما العفيف فالممسك نفسه عن القاذورات، يقال منه: عف فلان يعف عفة وعفافة، وكل هذا مسموع، واستعفف أيضاً، قال الله تعالى " ومن كان غنياً فليستعفف " النساء: 6 وعفافة اللبن - بضم العين - كالبقية، والعفيف فعيل ينقسم بين فاعل ومفعول، وإذا تماسك وتوقى وأخذ نفسه مأخذ الواجب فهو في طريق الفاعل، ثم قد يكون في معنى المفعول به لأن
(5/117)

العفة طباع، فكأنها توجد في فطرته.
وأما الأنيف فالذي أصيب أنفه، كأنه مأنوف، والكلام في الأنوف قد مر في الجزء الخامس وإعادته تشق.
وأما الشنيف فالمبغض، ولا تقل المبغوض، لأنه لا يقال بغضه، هذا لفظ العامة وهو مرود عند البصراء بالأصول، ولكنه يقال: بغض الشيء في نفسه فهو بغيض، فكأنه أخذ من شنفته إذا أبغضته، وكذلك: شنفت له. وقال بعض الأدباء: وهو أيضاً الذي علق في أذنه الشنف - بفتح الشين وسكون النون - وهو أيضاً بمعنى مفعول؛ وأما فلان شنف أنف صلف فهو الشنف - بحركة النون - وهو البغض والأنفة والصلف؛ ويقال: شانفني مشانفة أي عاداني معاداة، وهذا كله محصل عن السماع والكتب والصحاح وأهل الأدب الموثوق بهم بالعراق.
وأما الرفيف فهو بريق الشيء وبصيصه ونوره وبهاؤه وماؤه، ويقال منه: رف الشيء إذا أنار ونار واستنار، كل ذلك بمعنى واحد، ومضارع هذا يرف بكسر الراء، فأما رف يرف بالضم فمعناه أكل، وأما رف خفيفه يرف فمعناه كثر، والرف سألت عنه السيرافي فقال: هو من كلام العرب، وهو الذي يضاف إلى الحائط ليوضع عليه شيء.
وأما الطريف - بالطاء غير معجمة - فهو ضد التالد، وفي الكلام يقال: بذلت له طريفي وتالدي، والتالد: الموروث، والطريف: المكتسب، وأما الطرف فهو الفرس الكريم، وأما الطراف فالخباء من الأدم وجمعه الطرف، والطرف: العين نفسها، بل قيل: هو جفنها، وقال بعض الكتاب: كبدي بيد العراق مخطوفة، وعيني بقذى الفراق مطروفة؛ وهذا أمر طريف أي لم يعتد؛ ورجل طريف أي معجب؛ وقال صاحب الاشتقاق: الطرف دائر في هذه الأبنية، لأن الطارف في طرف من التالد، لن هذا ولد عندك، وذاك كسبت، فهما طرفان، والطرف الذي هو الفرس الكريم في
(5/118)

طرف من الدواب على ذلك. والطرائف جمع طريفة، والطرفة من جملة الكلام، وفلان طريف بين الطرافة، وقد سمع، وهو نظير قولهم: غريب بين الغرابة، وقد رأيت من يأبى الغرابة والطرافة.
وأما النظيف فاسم الشيء الذي لا تنبو عنه العين، ولا تكف عنه اليد، تقول: هذا إناء نظيف فاشرب فيه، تقول منه: نظف نظافة وهو نظيف، ونظفة تنظيفاً فهو منظف، وقول الكتاب: فلان العامل قد استنظف المال في ناحية، فذا مردود قال الثقة.
فأما العريف فهو مأخوذ من المعرفة، والميم في المعرفة زائدة لأنه يقال: عرفته؛ والعرافة للعريف كالنقابة للنقيب، وكأنه ينقسم بين أن يكون عارفاً من أن يكون عريفاً عليهم، وبين أن يكون معروفاً فيمن هو عريف لهم، تقول: عرف الرجل أي صار عريفاً، كما يقول: أمر بالفتح، والقياس أمر وعرف كما تقول: فقه وظرف، تقول منه: عرفه يعرفه معرفة، والعارف الصبور، كذا قال أبو عبيد في " الغريب "، كأن الصبر من المعرفة، كما أن الجزع من الجهل؛ والعوارف: الصلات والجوائز والخيرات، كأنها معروفة أو عارفة، لأنها جمع عارفة وهي بمعنى معرفة، لأن المعروف هو الجزء الذي تعرفه النفس، وتطرب له الروح، وأما خرجت في يده عرفة: فقرحة، وعرفات مكة، قالوا: سميت بذلك لأن آدم بها عرف حواء، وتصرف فنقول: عرفته كذا فعرف، واعترف بما عرف، والنفس عروف، والمعارف: أماكن تعرف، وأشياء تعرف، وقول الفقهاء في العرف والعادة، وهذا مقبول، فأما المعرفة وما حدها وحقيقتها وكيف طريقها ففن طويل الذيل، تكلم الكعبي فيه في " كتاب المقالات " مالئاً لأوراق يقل محصولها عند التناقد والتناصف، وقد مر في آخر الجزء الثاني فصل في هذا الباب، وسيمر أيضاً نوع من الكلام فيه، إذا صرنا إلى الجزء الذي نفرده
(5/119)

للعارفين وأصحاب الصوف إن شاء الله.
وأما الخريف ففصل من الزمان معروف، وإنما سمي خريفاً لاختراف الثمار، والعرب تقول: فلان يخترف الكلام إذا اقتضبه على حسن، ويقال إن قولهم: فلان خرف على التفاؤل، والمخرفة: ما يخترف بها الثمر، والخروف: ولد الضائنة إذا بلغ أربعة أشهر وفصل عن أمه، والأنثى خروفة، والخرافة: الحديث الحسن يكاد يتهم محدثه.
وأما الشريف فمعروف، وهو مشتق من الشرف وهو العلو، ويقال: شرف لحكمك إذا كثر، والشارف: الناقة المسنة، كأنها العالية في السن، ومشارف الشام: أعاليها، يقال: شارفته فشرفته، كما تقول: فاضلته ففضلته، وناضلته فنضلته، وهم أشراف في الجمع، وسألت العالم عن شراف فوقف، فقلت له: ألم تقل هم شرار في أشرار، فلم لا تقول شراف في أشراف، قال: القياس يتضاءل مع السماع.
وأما السريف فما سرفته أي أغفلته وغفلت عنه كأنه مفعول، يقال: مررت بكم فسرقتكم أي سهوت عنكم؛ والسرفة: دابة صناع، يقال: أصنع من سرفة؛ والسرف في مقابلة التبذير وهو الإسراف، واستسرفت من فلان كذا، إذا نسبته فيه إلى السرف.
وأما الغريف فالمغروف، وهو الذي تغرفه وتغترفه من ماء أو مرقة، والمغرفة: الآلة، بكسر الميم، ويقال لها أيضاً: المقدحة، لأنه يقال: قدحت بمعنى غرفت ويقال أيضاً: عرفت ناصية الفرس، وعرفت الشعر: إذا أخذته.
فأما القريف فالمقروف، وهو العود تأخذ ما عليه من قشرة، وتقول: لا تقرف جرحك حتى يندمل ويبرأ.
وأما الصريف فصريف الناب، وقد يسمع من النائم ذلك، فإذا غرق في النوم كأنه يحك أسنانه العليا بأسنانه السفلى؛ وصرفت الكلبة إذا أرادت
(5/120)

الذكر، كأنها خاجت، والصرف من الشراب ما لا يمزج، يقال منه: أصرفت الخمر إذا تركتها صرفاً، كذا قال الثقة.
وأما الظريف فروى لنا شيخ عن الأصمعي وابن الأعرابي انهما قالا: الظرف ما يكون في اللسان، يقال: فلان ظريف أي بليغ جيد المنطق، ومنه: إذا كان اللص ظريفاً لم يقطع، وهذا قول عمر رضي الله عنه، يعني إذا كان حسن التخلص إلى الحجة بالشبهة درأ بها حدة وقرب أمل فرجه برأيه؛ قال بعض السلف: الظريف من فيه أربع خصال وهي: الفصاحة والبلاغة والعفة والنزاهة.
قلت لبعض العلماء: ذكر اربعاً وهي اثنتان: لأن البلاغة والفصاحة خصلة واحدة، والعفة والنزاهة خصلة واحدة، فقال لي: ظلمت، الفصاحة خلوص اللسان من التعقيد والنغنغة، والبلاغة تناهي المتكلم إلى الإرادة، فقد يخلص ولا ينتهي، وقد ينتهي ولا يخلص، فإذا جمع بينهما كان فصيحاً بليغا. والعفة الإمساك عن المحظور، والنزاهة الوقوف عن المباح، وفي العفة ذب عن الدين، وفي النزاهة حفظ للمروءة.
وقال بعض الأدباء: الظريف المتمرس بكل أمر، المتخلص من كل ذم.
سمعت أبا النفيس الرياضي يقول: الظريف من صار ظرفاً للمناقب، وحسن المناقب. والكلام يفتن إلى هذا الفن، وأنا إلى اختصار ينفي سآمة القارئ أحوج مني إلى تطويل يسد باب النشاط؛ وللصوفية ألفاظ مهذبة في جواب نظائر هذه المسألة كقولهم: من الظريف، ومن الفاضل، ومن العارف، ومن العاشق، فإذا دخلنا في ميدانهم أتينا على بيانهم إن شاء الله.
وأما النقيف فالمنقوف من الحنظل، كأنك نقفته إذا أخذته بأطراف يدك.
وأما الطفيف فالشيء القليل القليل التافه، قال الله تعالى: " ويل للمطففين " المطففين: 1 يعني المقللين، وطفاف المكوك: جوانبه، كأن المطفف في
(5/121)

الكيل يحب أن ينقص المشتري، وقد بين الله ذلك.
وأما النتيف فالمنتوف، يقال: هذا طائر نتيف، والنتف: جمع نتفة، كالطرف جمع طرفة، والغرف جمع غرفة، ويقال: تناتف الديكان عند القتال، والنتيف لقب كثير من الناس الذين ينتفون شعور وجوههم، وهي علة من احتراق المرة السوداء.
وأما الأسيف فالتابع.
وأما العسيف فالعبد، هكذا حفظت عن الثقة.
وأما اللفيف فجماعة لا تعرف، واللفيف أيضاً الملفوف، واللف: التواء في اللسان كالردة. وسمعت بدوياً يصف قوماً لقوا قوماً في الحرب، قال: ما تصافوا حتى تلافوا، واللفافة: ما يلف فيها الشيء، وجمعها لفائف كأنه جمع لفيفة، ورجل ألف إذا كان عيياً، وامرأة لفاء، وكذلك إذا كانا ضاويين، وإذا كانا نحيلين، وكل هذا من خفة اللحم والشحم والجسم.
وأما الضفيف فهو من المضفوف، ويقال: هذا ماء مضفوف إذا تزاحمت عليه وأردته، فكأنه مأخوذ من ضفة النهر أي طرفه، لأنهم يتزاحمون على جوانبه، وقولهم: هذا مضفوف كقولهم: هذا ماء مشفوف إذا شفوه أي نزفوه؛ فأما قولهم: ماء مشفوه - بالهاء - فأخذ من الشفة كأنه كثرت عليه الاربة حتى وضعوا على جوانبه شفاههم، وعلى هذا تكون جوانب الحوض وأطراف الموارد شفاهاً فأصابوها بالشرب، لأنه يقال: شفهته: إذا ضربت شفته، وقولهم: كلمته مشافهة أي شفتي مقابلة لشفته، لأن الكلام يسمع من الإنسان بآلات كثيرة كاللسان والأسنان والشفة، ومتى نقص شيء من ذلك نقص الكلام على مقداره.
وأما الصفيف فاللحم المصفوف، يقال: صففته أصفه صفاً فأنت صاف وهو مصفوف، وقول الله تعالى: " صواف فإذا وجبت جنوبها " الحج: 36 إذا شددت الفاء كان من هذا، كأن الهدي يصف، وقد قرئ صوافي
(5/122)

أي قائمة، وقيل أيضاً: صوافي جمع صافية كأنها صفت لله تعالى لأنه متقرب بها إليه.
وأما السفيف فهو ما تسفه أي تتناوله، ويقال لأدوية معروفة: فهو يسف - بضم السين فهو الخوض لأن الخواص يعمل من الخوص قفة وسفوف كذا وسفوف كذا، والسين مفتوحة، والعامة تقول لبائع هذه الأدوية: سفوفي - بضم السين - وإنما هو سفوفي - بالفتح -؛ وأما سف فهو وزنبيلاً وغير ذلك، فعمله السف وهو ساف وسفاف. وإذا قلت: أسف انقلب المعنى، أسف الطائر إذا دنا من الأرض، وأسف الرجل للأمر إذا قاربه، والإسفاف إلى القبيح كالدنو منه والتلطخ به.
وأما السقيف فكأنه قد سقف إذا كان سقفاً، وسقيفة بني ساعدة منه.
وأما الذفيف فالسريع.
وأما الزفيف فزفيف الناقة، وهو ضرب من ضروب سيرها.
وأما الشفيف فالبرد.
وأما الكنيف فالحظيرة.
وأما اللطيف فمعروف.
وأما الكثيف فخلافة لأن اللطافة في اللطيف ضد الكثافة في الكثيف.
وأما القطيف فما قمطف.
وأما العنيف فالخشين المس فيما يباشر، ومنه العنف وهو التشديد.
وأما العليف فما علف عن العلف، تقول: علفته، والشاعر يقول: الطويل
إذا كنت في قوم عدى لست منهم ... فكل ما غلفت من خبيث وطيب
العلف يستعمل في البهائم، ولكنه استعارة.
وأما السخيف فالخفيف.
(5/123)

وأما الكتيف فمن كتف أي ضرب كتفه.
طال هذا فأرجو أن لا يثقل إن شاء الله؛ وقد بقيت حروف أجمك عنها ببعض النوادر والأخبار لتعود إليها وأنت شهوان، وهذه مداراة مني لنفسي أولاً، ثم لك أيها الناظر، فقد علمت أنك من طينتي، وجارياً على خليقتي، تمل كما أمل، وتكل كما أكل، وتعرض لك الحال التي تدل على عجزك عن حظك، ولولا أني وإياك على هذا النعت لما احتجنا إلى ما يتأدب به، لأن التمام كان لنا بالجوهر، والكمال فينا بالعنصر، ولكنا بنينا من الضعف والقوة، والعجز والقدرة، والنقصان والزيادة، فنحن على ذلك نتماثل إلى أن يأخذ الله بأيدينا من أيدينا فنخلص من دار، الغني بها مفلس، والطاهر بها نجس.
سأل المهدي رجلاً عن طائر جرى من الغاية فقال: يا أمير المؤمنين لو لم يبن بفضيلة السبق لبان بحسن الصورة، فقال: صفه لي، فقال: قد قد الجلم، وقوم تقويم القلم، لو كان في ثوب خرقه، أو صندوق فلقه، يمشي على عنمتين، ويلقط بدرتين، وينظر بجمرتين، إذا أقبل فديناه، وإذا أدبر حميناه.
قال رجل لإبراهيم النخعي: كيف أصبحت؟ فقال: إن كان من رأيك أن تسد خلتي، وتقضي ديني، وتكسو عورتي أخبرتك، وإلا ليس المسؤول بأعجب من السائل.
شاعر: الطويل
فآه من الأحزان قد أسفر الضحى ... وفي كبدي من حرهن حريق
مزجنا دماً بالدمع حتى كأنما ... يذاب بعيني لؤلؤ وعقيق
(5/124)

قال العتابي: وجد علي الرشيد: فدخلت عليه في المتكلمين فقلت: يا أمير المؤمنين قد أدبني الزمان لك، وأرشدني إلى الهداية تقويمك، وردني ابتلاء الناس إليك، وما مع تذكرك قناعة، ولا في سؤالك عار، وقد قلت: الطويل
أخضني المقام الغمر إن كان غرني ... سنا خلب أو زلت القدمان
أتتركني جدب المعيشة صنكها ... وكفاك من ماء الندى تكفان
وتجعلني سهم المطامع بعدما ... ملكت يميني بالندى ولساني
بلغ يحيى بن خالد أن إبراهيم بن سيابة هجاه فحجبه ومنعه رزقاً له، فكتب إليه ابن سيابة: للسيد الجواد، الواري الزناد، الماجد الأجداد، والمنجب الأولاد، من الخاضع المسكين، والخائف المستكين. أما بعد، فإنك تعلم أن من يرحم، ومن يحسن يغنم، ومن يعف لا يندم، وقد منيت من غضبك علي، واطراحك لي، وإعراضك عني، بغير لفظ تحقق، ولا قول يصدق، بما لا أقوم له ولا أقعد، ولا أستيقظ منه ولا أرقد، فلست بحي صحيح، ولا ميت مستريح، وقد فرزت منك إليك، فاستعنت بك عليك. وقلت: الخفيف
راغب راهب أتاك يرجي ... ك وما زلت موضعاً للرجاء
ومقر بما جناه ولم يج ... ن لترضى وحامل للثناء
فلعمري ما من أضر ومن ظ ... ل مقرا بذنبه بسواء
فوقع يحيى بن خالد: قد عفونا عن الخائف والحاكم لنفسه ببراءته، وأمرنا
(5/125)

له بصلة تنير ظلمته، وتؤنس وحشته، ووهبنا ماضيه لمستقبله، وسالفه لمستأنفه.
قال جعفر بن يحيى لبعض الندماء: إنا نستبين ما في باطن القلوب بظواهرها، ونعرف فحوى العيون بلواحظها.
قال عبد الصمد بن المعذل لأبي تمام: الخفيف
أنت بين اثنتين تبرز للنا ... س وكلتاهما بوجه مذال
لست تنفك طالباً لوصال ... من حبيب أو طالباً لنوال
أي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل الهوى وذل السؤال
قال الحارث الأعور: ما رأيت رجلاً قط أحسب من علي بن أبي طالب عليه السلام، أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، رجل مات وخلف ابنتين وأبوين وزوجة، فقال: قد صار ثمنها تسعاً.
قال أبو حامد: هذه الفريضة من أربعة وعشرين، للبنتين الثلثان، وللأبوين السدسان، وكمل المال، وعالت الفريضة، واحتيج للمرأة إلى ثمن الأربعة والعشرين ثلاثة أسهم، فزيد على الأربعة والعشرين، فصارت السهام سبعة وعشرين، وصار الثمن من أربعة وعشرين تسعاً من سبعة وعشرين، فتقسم الفريضة على ذلك.
لفضل الشاعرة: الكامل المجزوء
(5/126)

علم الجمال تركتني ... في الحب أشهر من علم
ونصبتني يا منيتي ... غرض المنية والتهم
فارقتني بعد الدن ... وفصرت عندي كالحلم
فلو أن نفسي فارقت ... جسمي لفقدك لم تلم
ما كان ضرك لو وصل ... ت فخف عن قلبي الألم
برسالة أهديتها ... أو زورة تحت الظلم
أو لا بطيف في المنا ... م فلا أقل من اللمم
صلة الحبيب محبة ... الله يعلمه كرم
استجاز علي بن الجهم فضل الشاعرة بين يدي المتوكل بيتاً وقال: البسيط
لاذ بها يشتكي إليها ... فلم يجد عندها ملاذا
فأطرقت هنيهة قم قالت:
ولم يزل ضارعاً إليها ... تهطل أجفانه رذاذا
فعاتبوه فزاد عشقاً ... فمات عشقاً فكان ماذا
فطرب المتوكل ووصلهما.
ولعريب المأمونية: الوافر المجزوء
(5/127)

وذي كلف بكى جزعاً ... وسفر القوم منطلق
به قلق يململه ... وكان وما به قلق
جوارحه على خطر ... بنار الشوق تحترق
جفون حشوها الأرق ... تجافي ثم تنطبق
أجاب الوابل الغدق ... ونادى النرجس الغرق
فهات الكأس مترعة ... كأن حبابها الحدق
قال بعض الأوائل: ثلاثة أشياء تورث الهزال: شرب الماء البارد على الريق، والنوم على غير وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت.
وقال آخر: أربعة أشياء تفسد العقل: الإكثار من البصل، والباقلي، والجماع، والخمار.
شاعر: البسيط
عشرون ألف فتى ما منهم أحد ... إلا كألف فتى مقدامة بطل
راحت ماودهم مملوءة أملاً ... ففرغوها وأوكوها من الأجل
شاعر: البسيط
غصن من البان مثل البدر يحمله ... مثل الكثيب تعالى الله باريه
الشمس تحسده والبدر يعشقه ... والدر يشبهه والظبي يحكيه
(5/128)

قال المأمون لذي اليمينين وقد سايره: ما أقدم برذونك هذا، قال: من بركة الدابة صحبته، وقلة علته، قال: وكيف حمدك له؟ قال: همه أمامه، وسوطه لجامه، ما ضرب قط إلا ظلماً لسيره، ولا استحث إلا للعادة في غيره، فقال: مثلك يا أبا الطيب فليصف الشيء.
شاعر: الطويل
فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن ... وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأم
فأنت طلاق والطلاق عزيمة ... ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
فبيني بها إن كنت غير رفيقة ... فما لامرئ بعد الثلاث مقدم
آخر: الخفيف
لو قضي الله للمنون بحتف ... صير البين للمنون منونا
أخر: البسيط
الجود والغول والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء لم تخلق ولم تكن
آخر: الكامل
كتب الفرزدق في السجل بأيره ... ثم استمد به من آست جرير
فسلوا جريراً ما مداد دواته ... أمداد بر أم مداد شعير
وقال الحسن البصري: لم يبق من العيش إلا ثلاثة: أخ تصيب من عشرته خيراً وإن زعت قومك، وكفاف من المعاش ليس لأحد عليك فيه تبعة وصلاة تكفى سهوها وتستوجب أجرها.
(5/129)

قال ابن عباس: الشيب في مقدمة الرأس كرم، وفي الشارب سفه، وفي العارض روع، وفي القفا لؤم.
لو ذكر عللها لكان العلم أبين، والظن عندها أبعد، ولكنه أرسله إرسالاً، والله المستعان على ما يصفون.
قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استراث خبراً تمثل بقول طرفة: الطويل
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
قال، فكان يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار.
قال أبو العباس ابن سريج: من أنكر الحس أنكر نفسه، ومن أنكر العقل أنكر صانعه، ومن أنكر الغيرة أنكر أباه وأمه، ومن أنكر الإجماع أنكر نبيه، ومن أنكر عموم القرآن أنكر حكمته، ومن أنكر خبر الواحد أنكر الشريعة، ومن أنكر اللغة أنكر المحاورة.
العرب تقول: إنه لمنحار بوائكها، أي كثير النحر لسمانها التي لا علة بها.
شاعر: الكامل المجزوء
(5/130)

إن يغدروا أو يجنبوا ... أو يجهلوا لا يحفلوا
وغدوا عليك مرجلي ... ن كأنهم لم يفعلوا
قال وكيع، قال لي أبو حنيفة النعمان بن ثابت: أخطأت في خمسة أبواب من المناسك بمكة فعلمنيها حجام، وذاك أني جئت أريد أن أحلق رأسي فقال لي: أعراقي أنت؟ قلت: نعم، وقد كنت قلت له: بكم تحلق رأسي؟ فقال: النسك لا يشارط فيه، اجلس، فجلست منحرفاً عن القبلة، فأومأ إلي باستقبال القبلة، وأدرت رأسي من الجانب الأيسر فقال: أدر شقك الأمين من رأسك فأدرته، فجعل يحلق رأسي وأنا ساكت، فقال لي: كبر، فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب فقال: أين تريد؟ قلت: رحلي، فقال: صل ركعتين ثم امض، فقلت: ما ينبغي أن يكون ما رأيت من عقل هذا الحجام إلا ومعه علم؛ فقلت له: من أين لك ما رأيتك أمرتني به؟ فقال: رأيت عطاء بن أبي رباح بفعل هذا.
أنشد ابن السماك: الكامل
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء من السقام لذي الضنى ... ومن الضنى ما زلت أنت سقيم
قال بعض النحويين لرجل من الرافضة كان يتعلم النحو: ما علامة النصب في عمر؟ قال: بغض علي بن أبي طالب، عليه السلام.
زعم بعض أصحابنا أن السيرافي قال: هذا الإنسان من باب الطاق، وما سمعته منه.
(5/131)

قال بعض البلغاء: السيف أكرم مواهب الله لخلقه، لأنه آلة النجدة، وأداة المعرفة والمنعة، وعدة العزة، وعتاد الرفعة، وسلاح القوة، وظهير الحزم، وعقدة التكرم، وعضد الوحيد، وأنس الفريد، وحلية الأنس، وزينة الفارس، وسند الرجل، وشفاء الموتور، ودرك الواتر، وجمال الأسير، وقوام المأمور، وحامي الذمار، وحارس الحريم، ومانع الجار، وجليس مأمون، وأنيس ميمون، ورسول إلى المطالب ناهض، وخادم في المآرب نافذ، وعون على الملم بليغ، وظهير على العدو قدير، وشهاب للعتاة مبير.
قال نديم لكسرى: إن المستأنس بسخونة الشمس في الشتاء يتقي أذى حرها في القيظ؛ معناه: إني وإن كنت ساكناً إليك في حال الرضا فذلك لا يؤمنني من الوجل منك في حال الغضب.
قيل لأبي مسلم: ما كان سبب خروج الدولة عن بني أمية؟ قال: لأنهم أبعدوا أولياءهم ثقة بهم، وأدنوا أعداءهم تألفاً لهم، فلم يصر العدو صديقاً بالدنو، وصار الصديق بالإبعاد عدوا.
قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الضبع كبشاً، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب جفرة، يعني في المحرم.
للسعدي لما صدر عن الحج: الرجز
(5/132)

ما لك بالحرة من صديق ... ولا بمران ولا العقيق
غيري وغير وضح الطريق ... ناشطة من الجبال الروق
عامدة لمطلع العيوق
قال ابن ثوابة لأبي العيناء: كنت أكتب انفاس الرجال، قال: صدقت، حين كانوا وراء ظهرك.
شكا المأمون إلى طبيبه علة، فقال: اجتنب اثنين: الرطب الماء البارد، فقال: لولاهما لما احتجنا إليك.
قال بعض السلف: إذا أرسلت لتأتي ببعر فلا تأت بتمر، فيؤكل تمرك وتذم على الخلاف.
قال عبيد الله بن سليمان لأبي العيناء: اعذرني فإني مشغول، قال: إذا فرغت لم أحتج إليك، وما اصنع بك فارغاً، وأنشد: الطويل
ولا تعتذر بالشغل عنا فإنما ... تناط بك الآمال ما اتصل الشغل
قيل لجعفر بن محمد رضي الله عنهما: ما بال الناس يكلبون أيام
(5/133)

الغلاء ويزيد جوعهم على العادة في الرخص؟ قال: لأنهم بنو الأرض، فإذا قحطت أقحطوا، وإذا أخصبت أخصبوا.
قال مجاهد: حججت في بعض السنين فصاحبت رجلاً من قريش فقلت له: هلم نتناتج الرأي، فقال: دع الود بيننا كما هو، فعلمت أنه خصمني.
قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: أربعة أشياء القليل منها كثير: النار، والعداوة، والفقر، والمرض.
دخل أبو العيناء على إسماعيل القاضي، وأخذ يرد عليه إذا غلط في أسم رجل وكنية آخر، فقال له بعض من حضر: أترد على القاضي أعزه الله؟ قال: نعم لم لا أرد على القاضي وقد رد الهدهد على سليمان، وقال: أحطت بما لم تحط به؟ وأنا أعلم من الهدهد، وسليمان أعلم من القاضي.
قال عبيد الله بن يحيى لأبي العيناء: كيف كنت بعدي؟ قال: في أحوال مختلفة، شرها غيبتك، وخيرها أوبتك.
قال أبو العيناء لمحمد بن خالد: لئن كان آدم أساء إلى نفسه في إخراجها من الجنة، لقد أحسن إلينا انه ولد مثلك.
(5/134)

سأل أبو العيناء أحمد بن صالح حاجة فوعده، ثم اقتضاه فقال: دونها المطر والطين، فقال أبو العيناء: فحاجتي إذاً صيفية.
قال رجل لأبي العيناء: ما أنتن إبطك! قال: نلقاك - أعزك الله - بما يشبهك.
قال ابن الزيات للوليد بن يحيى: من أنت ومن أبوك؟ قال: أبي الذي تعرفه، ومات وهو لا يعرفك.
قال فيلسوف: لا تصغر أمر من حاربت أو عاديت، فإنك إذا ظفرت لم تحمد، وإذا عجزت لم تعذر.
عاد رجل مزبداً وقال له: احتم، فقال: يا هذا ما اقدر على شيء إلا على الأماني فأحتمي عنها؟! قال رجل من آل سعيد بن سلم لأبي العيناء: إن أبي يبغضك، قال: يا بني إن لي أسوة بآل رسول الله صلى الله عليه.
(5/135)

قال المنصور لإسحاق بن مسلم: أفرطت في وفائك لبني أمية، قال له: أتسمع جوابي؟ قال: قل، قال: من وفى لمن لا يرجى كان لمن يرجى أوفى، قال: صدقت.
حبس محمد بن سليمان رجلاً من المرجفين ثم أخرجه وأمر بضربه فضحك الجلاد فقال له محمد: ما يضحكك؟ قال: أصلح الله الأمير، زعم أنك لم تأمر بضربه حتى أتاك كتاب العزل، فقال: خل عنه فلو ترك الإرجاف يوماً لتركه اليوم.
أحضر زياد رجلاً فأمر بضرب عنقه فقال: أيها الأمير إن لي بك حرمة، قال: وما هي؟ قال: كان أبي جارك بالبصرة، قال: ومن أبوك؟ قال: نسيت والله نفسي فكيف أذكر اسم أبي؟ قال: فرد زياد كمه إلى فيه وخلى سبيله.
قال الأصمعي: ضرب أبو الجحش الأعرابي غلماناً للمهدي فاستعدوا عليه إليه فقال: اجترأت على غلماني قضربتهم، قال: كلنا يا أمير المؤمنين غلمانك ضرب بعضنا بعضاً، فخلى سبيله.
(5/136)

قال المأمون: لأن أخطئ باذلاً أحب إلي من أن أصيب باخلاً.
قال ابن سيابة: نيك البغاء الفقير زكاة الأير.
قيل لمسور بن مخرمة الزهري: أي الندماء أحب إليك؟ قال: لم أجد نديما كالحائط، إن بصقت في وجهه لم يغضب، وإن أسررت إليه شيئاً لم يفشه عني.
قال ابن مناذر - هكذا قال الثقة -: كنت أمشي مع الخليل بن أحمد فانقطع شسع نعلي، فخلع نعله فقلت: ما تصنع؟ فقال: أواسيك في الحفاء.
قال بعض السلف: إياك وكثرة الإخوان فإنه لا يؤذيك إلا من تعرف، وأنشد: الطويل
جزى الله عنا الخير من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا نتعارف
فما سامنا ضيماً ولا شفنا أذى ... من الناس إلا من نود ونألف
(5/137)

قال بعض الظرفاء: غضب العاشق مثل مطر الربيع.
أضاف مزبد رجلاً فأطال المكث، فقال ليلة لامرأته: كيف نعمل برحيل هذا عنا؟ قالت: أخاصمك ونحتكم إليه، ففعلا، فقالت المرأة: بالذي يبارك لك في ركوبك غداً لما حكمت بيننا بالحق، قال: والذي يبارك لي مقامي عندكم هذه السنة ما أعرف من الحكم شيئاً.
لقي عبد الله بن بكار سعيد بن العاص فقال له: البشرى، قال: وما ذاك؟ قال: قدم أبي، قال: فخذ البشرى من حر أمك.
دخل أبو العيناء على أحمد بن علي وقد صرف عن ولايته فقال: إن صرفت عن عملك لم تصرف عن كرمك، فأمر له بمال.
دعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضل في هداك، أو أذل في عزك، أو أضام في سلطانك، أو أضطهد والأمر لك.
تركنا تصريف حروف مرت مجاورة لأخواتها عن غير قصد، ولكن لسوء التأتي في نظم الباب إلى الباب، ورد الشبيه إلى الشبيه، وهذا كله من جناية الدهر في فقد حبيب تقر العين به، وصلاح حال تسكن النفس إليه، ولله أمر هو بالغه، ونهاية هو أعلم بها، وليس للعبد إلا ما لاق بعبوديته، وجبل على فطرته؛ فابسط أيها القارئ العذر، إما على قدر مروءتك الغافرة
(5/138)

للذنب، وإما على قدر الضراعة من المصنف، ولا تكن خزياً له، فإنه أتم لثناء الناس عليك، وأقطع للسان المكروه عنك، واعلم أن العلل لو أزاحت، والأحوال لو ساعدت، لكنت لا أحوج إلى هذا الاعتذار، ولا يفلت مني تشوف إلى الاغتفار: أما الحز فهو القطع، يقال: حز يحز حزاً، وليس في فلان محز، على الاستعارة، والحزيز: المحزوز، وفلان يحز المفصل: إذا أجاد فيما مدح به، وحزاز النفس كأنها تقطع الكبد بالحسرة، والشاعر يقول: الطويل
وتبقى حزازات النفوس كما هيا
وأما البز فمصدر بززته أي سلبته، ابتززته أيضاً، والشيء مبزوز ومبتز، والبزاز والمبازة كالنهاب والمناهبة والسلاب والمسالبة، والبز: السلاح أيضاً، وكأنه يبز أي يؤخذ، والبز: الثياب، ومنه قولك: البزاز.
وأما الجز فاخذ الصوف من الشاة.
وأما الحر فمعروف، ويقال: الخز أيضاً وضع الشوك على رأس الحائط لئلا يتسلق عليه.
وأما الرز فمصدر رزت الجرادة وغرزت وهو الولادة، هكذا قال أبو حنيفة صاحب النبات.
(5/139)

وأما الشز فالتقبض، وما أعرف منه أكثر مما قلته.
وأما العز فالغلب - محركة اللام -، ومنه قوله تعالى " وعزني في الخطاب " ص: 23 أي غلبني.
وأما الفز فولد البقرة.
وأما القز فضرب من الإبريسم، وأما الفز أيضاً بالفاء: القعود على غير طمأنينة.
وأما الكز فالقليل الخير، يقال: هو كز بين الكزازة أي ضيق العطن.
وأما اللز فلزوم الشيء، وكذلك الإلزاز، وقال الشاعر: البسيط
وابن اللبون إذا ما لز في قرن
وأما النز فرشح الماء من الأرض، والنز أيضاً السخي من الرجال، ويقال: ظليم نز لا يكاد يستقر.
وأما الهز فمصدر هز الدابة وغيرها والسيف وغيره هزاً، واهتز هو في نفسه، والهز أيضاً هو النكاح كأنه كناية.
وأما الوز فطائر.
وأما الأز فمن قوله تعالى " تؤزهم أزاً " مريم: 83.
وأما الجهر فهو خلاف السر، قال الله تعالى " ولا تجهر بصلاتك " الإسراء: 110، وفعل كذا مجاهرة أي مكاشفة، ويقال إن الأجهر والجهراء هما اللذان لا يبصران بالنهار إبصاراً محموداً، ويقال: فلان جهير الصوت، ويقال: جهوري الصوت.
(5/140)

وأما البهر يقال: بهرته إذا غلبته، وهو أيضاً ربو الرئة عند العدو والإعياء، ويقال له: بهراً أي عجباً وانبهر هو، كلام صحيح، فأما أبهرته فمردود ولم يجوزه العلماء.
وأما الدهر فمعروف، وفيه جواب ليس من قبيل حديث اللغة، وإنما هو شيء يمر في كلام الفلاسفة، وسيمر فيما تتصفحه في جملة نظائره في حدود الأسماء والمعاني كلها إن شاء الله.
يقال: دهره إذا غلبه، ويقال: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا الدهر فإنه الله جل جلاله، وجوابه مضموم إلى ما يكون وفقاً له مما يليق بالحكاية معه من كلام العلماء، والله المعين.
وأما الصهر فالإذابة، يقال: صهرته الشمس، في القرآن " يصهر به ما في بطونهم " الحج: 20.
وأما الطهر - بالطاء - فإنه جانب الوادي، وما أنا على حقيقة.
وأما الظهر فمعروف من الإنسان، وفلان ظهر فلان إذا استظهر به أو تظاهر به، والظهارة من الظهور والظاهر، والبطانة من البطون والباطن، ورجل مظهر إذا كان قوي الظهر، وظهر إذا كان ظهره يوجعه، ومظهور إذا أصيب ظهره، ومبطون إذا أصيب بطنه، ويقال إن الله تعالى ظاهر بالقدرة وباطن بالحكمة، أي يظهر قدرته ويبطن حكمته، والظهر أيضاً: ما غلظ من الأرض.
والعهر الفجور، يعني به الزنا.
وأما الفهر فيقال إنه مجامعة الرجل امرأته على عرك.
وأما الكهر فالانتهار.
وأما النهر فمعروف، ويقال أيضا: النهر، والسكون والحركة يتعاقبان
(5/141)

الهاء، وليس أحدهما أولى من الآخر، لا في المعنى ولا في السماع، وكذلك البعر والشمع والزهر.
وأما المهر: فهو للمرأة إذا تزوجت، وهو الصداق، وهو ما يستحل به بضعها، وهو مصدر مهرتها مهرا، وقد يقال: أمهرتها، كذا روى أبو يعقوب في " فعلت وأفعلت " والمثل يدل على أن الكلمة من " خدمت " وهو قولهم كالممهورة إحدى خدمتيها، والخدمة: الخلخال. قال خالد بن الوليد: الحمد لله الذي فض خدمتكم، وفرق كلمتكم.
وأما الشهر: فمعروف، وجمعه شهور، وقولهم: فلان يعمل مشاهرة كلام صحيح، كما يقولون: معاومة من العام، ومياومة من اليوم، وملايلة من الليل، ومساوعة من الساعة، ولا تقل مساعاً فإن المعنى ينقلب، وقد رأيت من قالها فسخر منه؛ والشهر أيضاً مصدر شهرت الأمر شهراً، والشهير: المشهور، وأشهرت خطأ، إنما يقال: أشهرنا أي دخلنا في الشهر، كما قالوا: أحرمنا أي دخلنا في الحرم، وكأن الشهر سمي به لشهرته.
وأما القهر فمصدر قهرته قهراً، والمقهور: الخلوف، وفي أسماء الله تعالى: القهار، وهو الغلاب.
فهذا آخر الحروف التي تقدم الوعد بذكرها، ولعل الجزء الثامن يتضمن نظائرها مع أشياء غيرها، إن شاء الله.
قال أبو سعيد السيرافي " هو " عبارة عن كل اسم منكور كما أن قولنا " فلان " عبارة عن كل اسم علم ما يعقل.
وأنشد: الطويل
وكم موطن لولاي كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي
(5/142)

وأنشد الخليل ويونس وقالا: هو لعمران بن خطان: الوافر
ولي نفس أقول لها إذا ما ... تنازعني لعلي أو عساني
قال أبو سعيد: في عساك وعساني ثلاثة أقوال:
أحدها قول سيبويه، وهو أن عسى حرف بمنزلة لعل ينصب ما بعدها وهو الاسم، والخبر مرفوع، والكاف اسمها وهي منصوبة، واستدل على النصب في عساك بقول: عساني، والنون والياء فيما آخره الألف لا تكون إلا للنصب.
والقول الثاني قول الأخفش: إن الكاف والياء والنون في موضع رفع، وحجته أن لفظ النصب استعير للرفع في هذا الموضع كما استعير له لفظ الجر في لولاي ولولاك.
والقول الثالث قول المبرد: إن الكاف والياء والنون في عساك وعساني في موضع نصب بعسى، فإن اسمها فيها مرفوع، وجعله كقولهم: عسى الغوير أبؤساً، وحكي انه قدم فيها الخبر لأنها فعل، وحذف الفاعل لعلم المخاطب به فعل صحيح لا يدخله الاختلاف فيه.
طلب عبيد الله بن زياد غلاماً عاقلاً، فقال سعيد بن فلان: عندي ذاك أيها الأمير، قال: هاته، فوجه إليه ابنه وباعه بعشرة آلاف رهم، وحصل المال، فلما خرج سعيد بكى الغلام فقال عبيد الله: ما شأنك؟ قال: أنا ابنه، قال: انطلق لعنة الله عليه؛ رواه المدائني.
(5/143)

يقال: لم يوجد ثلاثة مكافيف على نسق غير عبد الله بن العباس، فإنه كف، والعباس بن عبد المطلب، وعبد المطلب بن هاشم. قال: ومن ها هنا قال معاوية لابن عباس: يا بني هاشم، ما لكم تصابون بأبصاركم؟ قال ابن عباس: بدلاً مما تصابون في بصائركم.
قال الواثق لابن أبي دواد: والله إني حنثت في يمين سبقت مني فما كفارتها؟ قال: مائة ألف درهم، فقال الزيات: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، فقال أحمد: يا أمير المؤمنين، ما هذه الكفارة له ولا لآبائه، إن الكفارة على قدر المعرفة بالله تعالى، ولا نعلم أحداً أعلم بالله من أمير المؤمنين، فضحك الواثق وأخرج مائة ألف درهم.
أخبرنا أبو سعيد السيرافي قال: أنا ابن مجاهد قال، ثنا ثعلب قال، حدثني محمد بن سلام قال، ثنا زائدة بن أبي الرقاد عن ثابت البناني عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأم عطية: إذا خفضت فلا تنهكي فإنه أضوأ للوجه، وأحظى عند الزوج. هكذا قرأت عليه تنهكي - بفتح التاء والهاء -، وقال: هو من نهكه ينهكه وأنهك من هذا الطعام أي أكل منه على المبالغة.
قال الجاحظ في كتاب الحيوان في الجزء الأول: الكتب
(5/144)

توجد في كل أوان، وتقرأ بكل مكان، على تفاوت ما بين الأعصار، وتباعد ما بين الأمصار.
قال رجل لمحمد بن واسع: الحمد لله على إحسانه، خرجت أبغي جليساً صالحاً، فقال محمد: إن كان أجابك فإني بدعائك أسعد منك.
قال الأصمعي: من ملح أحاديث الأعراب أنهم قالوا: كانت امرأة تحاجي الرجال، فلا يكاد أحد يغلبها، فأتاها جني في صورة إنسان فقال لها: حاجيتك، فقالت له: قل، فقال: كاد، فقالت: كاد العروس أن يكون ملكاً، فقال: كاد، فقالت: كاد البيان أن يكون سحراً، فقال: كاد، فقالت: كاد المنتعل أن يكون راكباً، فقال: كاد، فقالت: كاد المسافر أن يكون أسيراً، ثم ولى ليذهب فقالت: حاجيتك، فرجع فقالت: عجبت، فقال: عجبت من الحجارة لا يعظم صغيرها، ولا يصغر كبيرها، فقالت: عجبت، فقال: عجبت من السبخة لا يجف ثراها، ولا ينبت مرعاها، فقالت: عجبت، فقال: عجبت من حفيرة بين رجليك لا يدرك قعرها، ولا يمل حفرها، فاستحيت وتركت المحاجاة.
يقال: كانت ملوك الروم لا ترسم أحداً للطب حتى تلسعه حية وتقول له: آشف نفسك فإن نجوت عرفنا حذقك وإلا كانت التجربة واقعة بك.
(5/145)

ويقال إن الحيات إذا عشيت أبصارهن صرن إلى أصول الرازيانج فحككن بها أعينهن فأبصرن من ساعتهن.
قال بعض الأوائل: لكل شيء علاج ولكن ربما جهل، كالحقنة، زعموا انه لم يكن لها أصل حتى رأوا طائراً يحقن نفسه من ماء البحر، ويقال إن هذا حكاه أفلاطون. وزعم الأطباء أن القدح في العين لم يعرف حتى رأوا كبشاً أعمى، وكان يرعى، فقدحت عينه شوكة فأبصر.
وكان بعض الملوك إذا أتاه طبيب يقدم إليه مائدة ويقول: ركب من هذه الأطعمة ما يكون تقوية للمجاهدين، وإذاء للمترفين، وتدبيراً للناقهين، ودواء للمرضى، وسما للعدى، فإذا فعل ذلك حباه وأعطاه، وإذا عجز أقصاه ونحاه.
قال العتبي: كتب معاوية إلى عاملة بالكوفة، وهو النعمان بن بشير الأنصاري، بزيادة عشرات في أرزاق أهل الكوفة، فلم ينفذها لهم، وكان النعمان إذا صعد المنبر بكى فقال: لا أحسبكم ترون بعدي على هذا المبنر من يحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، وكان يكثر تلاوة القرآن، فقال ابن همام السلولي: الطويل
(5/146)

زيادتنا نعمان لا تحبسنها ... تق الله فينا والكتاب الذي تتلو
فإنك قد حملت فينا أمانة ... بما عجزت عنها الصلادمة البزل
فلا تك باب الشر تحسن فتحه ... علينا وباب الخير أنت له قفل
وقد نلت سلطاناً عظيما فلا يكن ... نداك لقوم غيرنا ولنا البخل
وأنت امرؤ حلو اللسان بليغه ... فما باله عند الزيادة لا يحلو
وقبلك ما قد كان فينا أئمة ... يهمهم تقويمنا وهم عصل
إذا انتصبوا للقول قالوا فأحسنوا ... ولكن حسن القول خالفه الفعل
يذمون دنيانا وهم يرضعونها ... أفاويق حتى ما يدر لها ثعل
فيا معشر الأنصار إني أخوكم ... وإني لمعروف أتى منكم أهل
ومن أجل إيواء النبي ونصره ... يحبكم قلبي وعندكم الأصل
يقال: كان من دعاء مكحول: يا رازق النعاب في عشه. وذلك أن الغراب إذا فقص عن فراخه فقص عنها بيضاً، فإذا رآها كذلك نفر عنها، فتفتح أفواهها فيرسل الله عليها ذباباً فيدخل أفواهها فيكون إذاءها حتى تسود، ثم ينقطع الذباب ويعود الغراب.
قال الأصمعي: كتب المنصور إلى سوار القاضي في شيء كان عنده بخلاف الحق، فلم ينفذ سوار كتابه وأمضى الحكم عليه، فاغتاظ أبو جعفر عليه وتوعده، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنما عدل سوار مضاف إليك وزين لخلافتك، فأمسك عنه.
(5/147)

تمنى قوم عند يزيد الرقاشي أماني، فقال يزيد: أتمنى كما تمنيتم؟: قالوا: تمن قال: ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نمت، وليتنا إذا متنا لم نحاسب، وليتنا إن حوسبنا لا نعذب، وليتنا إن عذبنا لم نخلد.
قال الأصمعي، قال الخليل، قال طلحة الطلحات: ما بات لي رجل على موعد مذ عقلت إلا القليل، وذلك أنه يتململ على فراشه ليغدو فيظفر بحاجته، فلأنا أشد تململاً من الخروج إليه من وعدي خوفاً لعارض من خلف، إن الخلف ليس من أخلاق الكرام.
وقال أعرابي في دعائه: يا معدن الوائد والنعم، ويا محل المحامد والكرم، أملي متعلق بفضلك، ولساني طلق بشكرك، فلا على رجائي أخاف التخييب، ولا على أملي أخشى التكذيب، صنتني عن المطالب بجودك، وألبستني الكفاية برفدك.
كاتب في رأيك عوض من كل حظ، ودرك لكل أمل.
كاتب جعل الله يدك بالخيرات مبسوطة، كما جعل الرغبات بك منوطة.
كاتب إن الآمال في غيرك خواطئ وظنون، وهي فيك حقائق ويقين، لأن سؤددك مضمون بشرف درجتك، ومكارمك مر تهنة بعلو رتبتك، ومن لم يرق به العز طأطأ به التواضعن ومن طالت به النعمة خفض به الشكر، فليس كتف تحمل أعباء غير كتفك، ولا ظل يستر مؤملاً غير ظلك.
(5/148)

كاتب آخر: مؤملك يعتمدك واثقاً، وينقلب عنك إن عضدته إليك، فإن انفرد برجائك اكتفى بك، وكانت شفاعته فيك أقوى من شفاعة مستعطفك عليك.
قال أعرابي في رجل: هو أحفظ الورى للذمم، وأعرفهم بالجود والكرم، وأجمعهم لحميد السجايا والشيم.
اعتراض رجل المأمون فقال: يا أمير المؤمنين، أنا رجل من العرب، قال: ما ذاك بعجب، قال: وإني أريد الحج، قال: الطريق أمامك نهج، قال: ليست لي نفقة، قال: قد سقط عنك الفرض، قال: إني جئتك مستجدياً لا مستفتياً، فضحك وأمر له بصلة.
كان بالبصرة رجل يلقب بقبة الإسلام من موالي سليمان بن علي، وكان له ابن خليع، وكان أبوه ينهاه عن المجون فلا ينتهي، فجاءه يوما وقال له: يا أبه، إني أريد الحج، فسر بذلك أبوه، قال: ولا أحج إلا مع خواص إخواني، قال: سمهم لن قال: منهم أبو سرقينة، وعثمان خراها، أبو السلاح، وعمر خرية، فقال له وأبوه: ويلك تريد أن تسمد الكعبة بهؤلاء؟! والله لا أذنت لك بالخروج إلى مكة صحبة هؤلاء، ولكن إن شئت أن تخرجهم إلى ضيعتي فإنها أحوج إلى السماد، فافعل.
كاتب: أما بعد، فإني استجبت لإخائك ثقة مني بكرمك ووفائك. فلما أن عرفت فضلك، وسرت مسيرك، واستفرعتني بمودتك،
(5/149)

واستغرقتني مقتك، فاجأتني بتغيير لونك، وانزواء ركنك، وفاحش لفظك، وشانئ لحظك.
شاعر: الوافر
ستنكت نادماً في الأرض مني ... وتعلم أن رأيك كان عجزا
كاتب: عقدوا ألوية الفتنة، وأطلقوا أعنة البدعة.
قال بعض السلف: الحمد لله الذي جعل الدنيا دار قلعة ومجاز، ومحل شتات وأوفاز، ومضمار أهبة وجهاز، والآخرة دار القرار، وقرة عين الأبرار.
وصف أعرابي رجلاً فقال: فيه جور مع الأكفاء، وعجز عن الأعداء، وإسراع إلى الضعفاء، وكلب على الفقراء، وإقدام على البرية، واهتضام للرعية.
قال أعرابي لقومه: كسروا أجنحة الضغائن في قلوبكم، واغرسوا أشجار الإحن في صدوركم، وأوقدوا نيران الأحقاد بينكم.
قال أعرابي: أنت تنظر بعين قد منعها الهوى من العدل، وتقول بلسان قد حالت المحاباة بينه وبين تحري الحق.
مدح رجل رجلا عند الفضل بن الربيع، فقال له الفضل: يا عدو الله، ألم تذكره عندي بكل قبيح؟ فقال: ذاك في السر، جعلت فداك.
وقع في بعض الثغور نفير، فخرج رجل من أهلها ومعه قوس بلا
(5/150)

نشاب، فقيل له: أين النشاب؟ فقال: يجيء إلينا الساعة من عند العدو، قالوا: فإن لم يجئ، قال: فلا يكون بيننا وبينهم حرب.
نظر الجماز الشاعر إلى رجل يخفف الصلاة فقال: لو رآك العجاج لهزج بك، قال: كيف؟ قال: لأن صلاتك أرجوزة.
قال أعرابي لرجل أناله خيراً أبقاك الله للجميل حتى تعمر طريقه، وللفضل حتى يغمر به صديقه.
قال بعض السلف: في القلم حكمتان: بلاغة المنطق وجلالة الصمت، وفي دمغة الأقلام امتحان عقول الأنام والفرق بين النقض والإبرام، وسمة أسنان الأقلام في صحون المكاتب أحسن من حمرة الخجل في خدود الكواعب، وفي مشق القلم مجة الأفعى وبلوغ غاية المنى، وسن القلم عند الغضب نار وعند الرضا جار، والخط نتاج اليد وسراج الذكر والبيان، واللسان شافع ووجيه وافد نبيه، ورب إشارة أبلغ من عبارة، ونعم المرتبتان: الرواء الأنيق واللسان الذليق، وطعن اللسان انكى من طعن السنان، وللخط وسيلة هي أهدى من الحيلة.
كاتب: ولئن كان الشكر مني غير بادي الشخص لضؤولته في جنب أياديك وعوارفك، إنه لحقيق بخلوصه وترقيه درجة الوفاء، واستيفاء حكم الأداء.
قيل لملاح: كم بيننا وبين العصر؟ قال: مقدار مردي السفية.
(5/151)

قيل لبنان: كم كان عدد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر رغيفاً.
قال أعرابي في دعائه: اللهم إني أدعوك دعاء ملح لا يمل دعاء مولاه، وأتضرع إليك تضرع من قد أقر بالحجة على نفسه لمولاه في دعواه؛ إليه، لو عرفت اعتذاراً من الذنب أبلغ من الاعتراف لأتيته، فهب لي ذنبي بالاعتراف، ولا تردني عن طلبتي عند الانصراف.
قال عبد الصمد بن أبي شبيب عن أبيه: الأديب العاقل هو الفطن المتغافل.
قال الأحنف: رأس مال الأدب المنطق وفصاحته، ولا خير في قول إلا بفعل، ولا في مال إلا بجود، ولا في صديق إلا بوفاء، ولا في ثقة، ولا في ثقة إلا بورع، ولا في صدقة إلا بنية، ولا في حياة إلى بصحة وأمن.
قال الأصمعي: قال أعرابي: استطرد لعدوك، وبلج له بحسن المداراة وإعلان الرضا عنه، حتى تبصر فرصتك، ثم واثبه وهو على حال غرة، غير معتد لك.
قال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: الصبر المحمود أن تكون
(5/152)

للنفس اللجوج غلوباً وللأمور المعضلة متحملاً، وللهوى عند الرأي رافضاً، وللحزم عند الهوى مؤثراً، وللهوى عند نازلة الأمور مبارحاً.
قال شبيب بن شيبة: إخوان الصدق خير مكاسب الدنيا، هم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء.
قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة.
وقال أيضا: سمعت يحيى بن خالد البرمكي يقول: الدنيا دول، والدار عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، ولمن بعدنا فينا عبرة.
قال: وسمعت أعرابيا يقول: الشر مخوف من كل وجه، والنفع مرجو من كل ناحية، وما أكثر ما يأتي الخير من وجه الخوف، ويأتي الشر من ناحية الرجاء.
قال: وسمعت أعرابيا يقول: المعتذر من غير ذنب يوجب الذنب على نفسه.
وقال آخر: إرشاد المستشير قضاء بحق النعمة في الرأي.
قال الشعبي: الكلام مصائد العقول.
(5/153)

قال أعرابي لرجل: لا تكن مضحاكاً من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب، وأعلم انه من نأى عن الحق ضاق مذهبه.
قال الأصمعي، قال أعرابي: إذا كنت فطناً فعد نفسك زمناً.
قال الأحنف: لا ينبغي للوالي أن يدع تفقد لطيف أمور الرعية اتكالاً على نظره في جسيمها، لأن للّطيف موضعاً ينتفع به، وللجسيم مكاناً لا يستغنى عنه.
قال خالد بن صفوان: إن جعلك الوالي أخاً فاجعله سيداً، ولا يحدثن لك الاستئناس به غفلة وتهاوناً.
وقال أيضاً: من صحب السلطان بالصحة والنصيحة كان أكثر عدواً ممن صحبه بالغش والخيانة، لأنه يجتمع على الناصح عدو الوالي وصديقه بالعداوة والحسد، فصديق الوالي ينافسه في منزلته، وعدوه يعاديه لنصحيته.
قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: البلاغة لهجة صوالة، وهي سرعة الحز وإصابة المفصل.
قال رجل لأبي جعفر لما عفا عن أهل الشام: يا أمير المؤمنين، الانتقام عدل، والتجاوز فضل، والمتفضل قد جاوز حد المنصف، فنحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه باوكس النصيبين، وأن لا يرتفع إلى أعلى الدرجتين.
(5/154)

قال الأصمعي: جمع الرشيد أربعة من الأطباء: عراقياً ورومياً وهندياً وسوادياً، فقال: ليصف كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه، فقال العراقي: الدواء الذي لا داء فيه حب الرشاد الأبيض، وقال الرومي: الدواء الذي لا داء فيه الهليج الأسود، وقال الهندي: الدواء الذي لا داء فيه الماء الحار، فقال السوادي: حب الرشاد يولد الرطوبة، والماء الحار يرخي المعدة، والهليلج الأسود يرقق المعدة، قالوا: فأنت فما تقول؟ قال: الدواء الذي لا داء معه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه، وتتركه وأنت تشتهيه.
قال شبيب بن شيبة: تكلم رجل من الحكماء عند عبد الملك بن مروان في معنى رجل فقال: ذاك رجل آثر الله على خلقه، وآثر الآخرة على الدنيا، فلم تكترثه المطالب، ولم تعنه المطامع، نظر قلبه إلى إرادته فسما نحوها ملتمساً لها، فهو دهره محزون، ببيت إذا نام الناس ذا شجون، ويصبح مغموماً كالمسجون، انقطعت من همته الراحة دون منيته، فشفاؤه القرآن، ودواؤه الكلمة من الحكمة، والموعظة الحسنة، لا يرى الدنيا منها عوضاً، ولا يستريح إلى ما لديه شوقاً. فقال عبد الملك: أشهد أن هذا أرخى بالاً مني وأنعم عيشاً.
قال الأصمعي: الطلحات المعروفون بالكرم: طلحة بن
(5/155)

عبيد الله بن عثمان التيمي، وهو الفياض، وطلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وهو طلحة الجواد، وطلحة بن عبد الله بن عوف ابن أخي عبد الرحمن بن عوف الزهري، وهو طلحة الندي، وطلحة بن الحسن بن علي، وهو طلحة الخير، وطلحة بن عبد الله بن خلف الخزاعي، وهو طلحة الطلحات، وسمي بذلك لأنه كان أجودهم.
قال بعض السلف: فضل نساء السند على سائر النساء طول الشعور، ورخص المهور، ودقة الخصور، واستواء النهود، وعظم الأكفال، والصبر عند الجماع، وحرارة الأرحام.
أنشد لابن أبي خسثمة: البسيط
بيضاء لو برزت من خدر قيمها ... ما ضل من حسنها في ظلمة سار
لو أن وجدي بها والنار في قرن ... لكان وجدي بها أذكى من النار
وأنشد للهجيمي: الرجز
إذا رأيت بازلاً صار جذع ... فاحذر إذا لم تر سوءاً أن تقع
لا تأمن الأيام فالدهر خدع ... خذ من صفاء العيش من قبل الجزع
أنشد ابن الأعرابي وقد مر من قبل تفسير هذه الأبيات،
(5/156)

ولا أعلم كيف موقع الغلط فيها: الكامل المجزوء
المرء يكدح للحياة وحسبه خبلاً حياته
يرفت ماضغه ويهدا بعدما انصاتت قناته
وبكل ناظره ويكمه سمعه وتهي حصاته
وتقف جلدته وتعرى من ملابسها شواته
ويغيب شاهده ويشهد غيبه وتموت ذاته
ويمل من برم بنوه به وتسأمه بناته
وهب الحياة له تدوم وليس يتبعها وفاته
لا شمل إلا سوف يعقب بعد ألفته شتاته
ما خير عيش المرء منفرداً وقد فرطت لداته
كالفحل عيب شوله عنه وأسلمه رعاته
استشار عمر ابن عباس رضي الله عنهما في تولية حمص رجلا فقال: لا يصلح إلا أن يكون رجلا منك، قال: فكنه، قال: لا تنتفع بي لسوء ظنك بي.
قال محمد بن أبي قتيبة: كتبت إلى ابن عمر أسأله عن العلم فقال: إنك كتبت إلي تسألني عن العلم، والعلم أكثر من أن أكتب به إليك، ولكن إن استطعت أن تلقي الله كاف اللسان عن أعراض المسلمين، خفيف الظهر من دمائهم، فافعل.
(5/157)

لبعض أهل المشرق: المنسرح
يا راكبي البحر آملين غنى ... أما تخافون ويحكم خطره
عدوا عن البحر واقصدوا ملكا ... سؤاله عنده ذوو الأثره
فأبحر الأرض سبعة ولنا ... أنامل الفضل أبحر عشره
أنا الذي مذ لبست نائله ... لبست للفقر جلدة النمره
قدم هرم بن حيان من الشام فقالوا له: كيف تركت المعيشة بها؟ فقال: أف لهذا الكلام، ما ظننت أن أحداً يتهم الله جل جلاله في رزقه، أدلكم على طريق الجنة وتسألونني عن طريق النار؟! قال أبو الدرداء: إياك ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام.
وقال ابن عباس رحمه الله: كل ما شئت والبس ما شئت، وما أخطأك اثنان: سرف ومخيلة.
قال ابن عيينة: ليس من حبابك الدنيا طلبك ما لا بد منه.
وقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه على قبر مرثد بن حوشب فقال: يرحمك الله يا مرثد، لقد شيعت عمرك بالتوحيد، وعفرت وجهك بالسجود، وإن قال الناس مذنب فمه، فأينا لم يذنب؟!
(5/158)

قال الربيع بن خثيم: لو كانت الذنوب تفوح لما جلس أحد إلى أحد.
قال بعض النحويين: الكلام يدور على ثمانية عشر بناء سمي فاعله، ثلاثة منها ثلاثية، وأربعة رباعية، وستة خماسية، وخمسة سداسية.
فأما الثلاثي ففعل نحو: جلس، وضرب، وحدث؛ وفعل نحو: عمل؛ وفعل نحو: ظرف وكرم.
وأما الرباعي فأن يكون على فعلل نحو: دحرج، ويلحق به حوقل، وجلب؛ وفاعل نحو: قاتل وعالج؛ وفعل نحو: كرّم ويسّر؛ وأفعل نحو: أكرم وأقفل.
والخماسي نحو: انفعل كقولك: انطلق واندفع؛ وافتعل كقولك: استمع وارتبط؛ وافعل نحو: احمّر واشهّب؛ وتفعلل كقولك: تدحرج وتجلبب؛ وتفاعل كقولك: تعالج؛ وتفعل كقول: تحرك وتكسر.
والسداسي نحو: استفعل كقولك: استغفر واستخرج؛ وافعال نحو: احمارّ وابياضّ؛ وافعّول نحو: اعلّوط، واجلوط؛ وافعوعل نحو: اخلولق واغدودق؛ وافعنلل نحو: احرنجم واخرنطم.
كتب بشر بن عياث إلى رجاء بن أبي الضحاك كتاباً: أما بعد، فإني قد وجهت إليك بفلان أنا، وأنا أنت، فكن أنا أنت لفلان والسلام.
(5/159)

قال أحمد بن يزيد: سمعت المنتصر يقول - وأنا صبي - في مناظرة مع قوم: لا عز ذو باطل ولو طلع من جبينه القمر، ولا ذل ذو حق ولو أصفق العالم عليه.
شاعر: الطويل
شكوت وما الشكوى لمثلي عادة ... ولكن تفيض النفس عند امتلائها
وقال الراجز: الرجز
إن الرفيق لاصق بقلبي ... إذا أضاف جنبه لجنبي
أبذل نصحي وأكف شعبي ... ليس كمن يفحش أو يحظنبي
الحظنباء: الغضب؛ هكذا سمعت الثقة.
قال الخياط المتكلم شيخ أبي القاسم الكعبي: ما قطعني إلا غلام قال لي: ما تقول في معاوية؟ قلت: إني أقف فيه، قال: فما تقول في ابنه يزيد؟ فقلت: ألعنه، قال: فما تقول فيمن يحبه؟ قلت: ألعنه، قال: أفترى معاوية كان لا يحب ابنه يزيد؟ فقطعني.
(5/160)

شاعر: البسيط
الله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى جيراننا صور
وأنني حيث ما يثني الهوى بصري ... من حيث ما سلكوا أدنوا فأنظور
أعرابي: الكامل
إن الكريم أخو الكريم وإنما ... يصل اللئيم حباله بلئام
هشام بن أبيض أحد بني عبد شمس: الرجز
إني وإن أفنى الزمان نحضي ... وأسرعت أيامه في نقضي
وابتزني بعضي وأبقى بعضي ... موف لمن قارضني بالقرض
ينفع حبي ويضر بغضي
آخر: الرجز
أصبحت لا يحمل بعضي بعضي ... منقها أروح مثل النقض
إن الليالي أسرعت في نقضي ... طوين طولي وطوين عرضي
ثم انتحين عن عظامي نحضي
(5/161)

قيل للمفضل: لم لا تقول الشعر وأنت من العلماء به؟ قال: علمي به يمنعني منه.
لأبي الأسد: الطويل
وإني على عدمي لصاحب خمة ... لها مذهب بين المجرة والنسر
قال العتابي: من أعظم مكايد الشيطان ازدراؤك من علماء دهرك من عنده المخرج مما أشكل عليك، وتهمتك من يلزمك الاقتباس منه.
وصف أعرابي خيلا فقال: سامية العيون، لاحقة البطون، مصغية الآذان، أفتاء الأسنان، ضخام الركبات، مشرفات الحجبات، رحاب المناخر، صلاب الحوافر، وقعها تحليل، ورفعها تعليل، إن طلبت نالت، وإن طلبت فاتت.
شاعر: الطويل
كأنك لم تشهد إذا كنت غائباً ... ولم تك يوما غائباً حين تشهد
وصف أعرابي قوما فقال: كأن خدودهم ورق المصاحف، وكأن أعناقهم أباريق الفضة، وكأن حواجبهم الأهلة.
(5/162)

يقال: أطراف الحديد خياره، مثل الطرف من الرجال، ومن الخيل الطروف.
قال أبو الدرداء: كان الناس ورقاً لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه.
قال ابن الأعرابي: مر عقال الناسك بمرداس بن حذالم الكندي فاستسقاه لبناً فصب له خمراً وعلاه باللبن، فشربه وسكر فلم يتحرك ثلاثة أيام، فأنشأ مرداس يقول: الطويل
سقينا عقالاً بالثوية شربة ... فمالت بلب الكاهلي عقال
فقلت تجرعها عقال فإنما ... هي الخمر خيلنا لها بخيال
قرعت بأم الخل حبة قلبه ... فلم يستفق منها ثلاث ليال
آخر: الهزج
(5/163)

أما تنظر في عين ... ي عنوان الذي أبدي
أما تفهم ما أضم ... ر في إسعاف ما أبدي
وفي دون الذي أظه ... ر ما دل على وجدي
عيوناً تسرق اللحظ ... من المولى إلى العبد
قيل لجمين: ما تشتهي؟ قال: نشيش مقلى، بين غليان قدر، على رائحة شواء.
قال أبو مسحل: خرج قيس بن زهير العبسي - وكانوا قد أجدبوا - ممتاراً، فبصر بنار فأمها، ثم أبت نفسه السؤال فصار إلى شجر ذات ورق لها سم فأكل منها ثم مال إلى الوادي فنام في الشمس فمات، فقال الربيع بن زياد العبسي يرثيه: المديد
إن قيساً كان ميتته ... أنفاً والمرء منطلق
راء ناراً بالعراء بدت ... وشجاع البطن يحتفق
جاء حتى كاد ثمأبى ... ولدت الوادي له ورق
فحشاه جوف جفرته ... ثم أغفى وهو مطرق
في دريس لا يغيبه ... رب حر ثوبه خلق
(5/164)

اختصم إلى أسد بن عبد الله اثنان في كبة غزل، فقال أحدهما: هذه كبتي وجاء ببينة، وقال الآخر: هذه كبتي وجاء ببينة، فقال لأحدهما: على ماذا كببت؟ قال: على لوزة، وقال للآخر: على ماذا كببت؟ فقال شيئاً آخر، فنقضت الكبة فوجدت على لوزة، فأعطاها صاحب اللوزة.
جاء طفيلي إلى باب عرس فمنع من الدخول، فأخذ إحدى نعله في كمه وعلق الآخر في يده وأخذ خلالاً وجعل يتخلل، ودنا من الباب فمنع من الدخول، فقال للبواب: يا هذا قد أكلت، فقال البواب: إنما منعتك من الغداء فإذا تغذيت فادخل، فدخل وأكل.
وجاء طفيلي آخر إلى باب عرس فمنع من الدخول، فرهن نعليه على سكرجات عند البقال وعاد إلى الباب فدخل، وجعل السكرجات في كمه، ثم قعد وأكل، فلما فرغ ردها على البقال وقال: ليس يرضونها، يريدون شامية جيدة.
أهدى ملك الروم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شعيراً من ذهب، فأرسل به إلى المشركين يكف به أذى رؤسائهم، وأبى كل رئيس أن يقبله، وكان نصيب بني عبد مناف إلى أبي سفيان فقبله، وخرج إلى البطحاء،
(5/165)

واجتمعت قريش وغيرها فأقبل يدعوهم، فإذا جاء الرجل قال له أبو سفيان: خذ ما بدا لك وانظر إلى ما خلفك، واعلم انهم كثير، فانصرفوا حامدين له.
مر زياد بأبي العريان وهو مكفوف، فقال: من هذا؟ قالوا: الأمير زياد، فقال: رب أمر قد نقضه الله، وعبد قد رفعه الله، فسمعها زياد فكره الإقدام عليه، وكتب بها إلى معاوية، فأمره معاوية أن يبعث إليه بألف دينار ويمر به فيسمع ما يقول، ففعل، ثم مر به، فقال: من هذا؟ فقالوا: زياد، فقال: رحم الله أبا سفيان فكأنها تسليمته ونعمته، فكتب بها زياد إلى معاوية، فكتب معاوية إلى أبي العريان: البسيط
ما ألبثتك الدنانير التي حملت ... ان غيرتك أبا العريان ألوانا
فدعا أبو العريان ابنه فأملى عليه إلى معاوية:
من يسد خيراً يجده حيث يطلبه ... ويسد شرا يجده حيث ما كانا
نام جحا مع أمه فضرطت، فأحبت أن تعلم ما عنده فقالت: يا أبا الغصن هل صاح الديك؟ فقال: أما ديكك فقد صاح، وأما ديوك الناس لا.
دخل جحا البيت فإذا جارية أبيه نائمة، فاتكأ عليها فانتبهت وقالت: من ذا؟ قال: اسكتي أنا أبي.
(5/166)

خطب عبد الملك بن مروان فقال: أيها الناس اعملوا لله تعالى رهبة أو رغبة، فإنكم نبات نعمته وحصيد نقمته، ولا تغرس لكم الآمال إلا ما تجنيه الآجال، أقلوا الرغبة فيما يورث العطب، فكل ما تزرعه لكم العاجلة تجنيه دونكم الآجلة، واحذروا الجديدين فهما يكران عليكم باقتسام النفوس، وهدم المأسوس، كفانا الله وإياكم سطوة القدر، وأعاننا على الحذر، من شر الزمن، ومضلات الفتن.
قال أحمد بن عبد الله بن العباس الصولي: القرطاس أمره ما لم تكحله ميل الدواة.
ورأى جرير رجلا أسود وعليه ثياب جدد فقال: الرجز
كأنه لما بدا للناس ... أير حمار لف في قرطاس
قدم أشعب بغداد أيام المهدي فقال: سمعت ظلمة القوادة تقول: إذا أنا مت فاحرقوني واجعلوا رمادي في صرة وتربوا به الكتب بين المتحابين فإنهم يجتمعون، أعطوا منه الختانات ليذروا به على الصبيات المطهرات، فإنهن يلهجن بالزب ولا يفارقنه.
(5/167)

قالت علية بنت المهدي: الوافر
تكاتبنا برمز في الحضور ... وإيحاء يلوح على سطور
سوى مقل تخبر ما عناها ... بكف الوهم في ورق الصدور
قال روح بن عبادة القيسي: كنا عند شعبة، فذكر حديثاً فسمع صرير الميل في الألواح فغضب وقال: أما تحفظون حديثاً واحداً؟! والله لا حدثت اليوم إلا ضريراً، فقام رجل فقال: يا أبا بسطام، قد سمعنا اليمين فهل يجوز بأعور؟ فضحك وحدث وكفر عن يمينه.
خطب سليمان بن عبد الملك بالجابية وقال: أيها الناس، عظوا أنفسكم، ولا تستسلموا إلى الغفلة فتؤديكم إلى الحسرة، ولا تركنوا إلى الآمال في استسعاف التفريط فتبيدكم الآجال بسيف المنون، أصارنا الله وإياكم ممن حسن في الخير أثره، دعاء مسموعاً، وعملاً مرفوعاً.
قال الشعبي لأصحابه: لا تقدموا على أمر تخافون أن تقصروا دونه، فإن العاقل يحجزه عن مراتب المتقدمين ما يرى من فضائح الأولين المقصرين، ولا تعدوا أحداً عدة لا تستطيعون، إنجازها، فإن العاقل يحجزه عن الكذب ما يرى من المذمة في الحلف، ولا تحدثوا بين الناس من تخافون تكذيبه،
(5/168)

فإن العاقل يلزمه الصمت ما يرى من مذمة التكذيب، ولا تسألوا أحداً من الناس تخافون منعه، فإن العاقل يحجزه عما ناله السائلون ما يرى من الدناءة في الطمع.
خطب يوسف بن عمر فقال: اتقوا الله عباد الله، فكم من مؤمل أملاً لا يبلغه، وجامع مالاً لا يأكله، ومانع ما سوف يتركه، ولعله من باطل جمعه، ومن حق منعه، ولعدو خلفه، قد احتمل إصره، وباء بوزره، وورد على ربه أسفاً لاهفاً، خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.
قال داود بن علي في خطبة له: لا تنطق بطرا، ولا تسكت حصراً.
قال أعرابي لصاحبه: أما إنك لست صدوق اللهجة، ولا صحيح الحجة.
قال بعض السلف: إذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمناً، وأساء به الظن من كان ظنه به حسناً، وإن أذنب غيره سبقت الظنة إليه، وليست كلمة هي للغني مديح إلا وهي للفقير ذم، إن كان حليما سمي ضعيفا، وإن كان وقوراً سمي بليداً، إن كان صموتاً سمي عيياً، وإن كان لسناً سمي مهذاراً، وإن كان شجاعاً سمي أهوج.
(5/169)

قال بعض الأدباء: الفقر سالب للعقل والمروءة، مذهبة للعلم والأدب، معدن للتهم، جامع للمكاره، لأن صاحبه لا يجد بداً من اطراح الحياء، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره مقت، ومن مقت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن ذهب عقله، واستنكر حفظه وفهمه، وكان الأمر عليه لا له.
قال عتبة لأهل مصر: قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح، وظبات السيوف، حتى صرنا شجىً في لهاتكم ما تسيغه حلوقكم، وقذى في عيونكم ما تطرف عليه جفونكم، فحين اشتدت عرى الحق عليكم عقدا، وانحلت عرى الباطل حلاً، أرجفتم بموت الخليفة، وأردتم توهين الخلافة، وخضتم الحق إلى الباطل، وأبعد عهدكم حديث به، فأريحوا أنفسكم إذ خبرتم دنياكم وآخرتكم، واعلموا أن لنا سلطاناً على أبدانكم دون قلوبكم، فأصلحوا لنا ما ظهر نكفكم ما بطن، وأبدوا خيراً وإن أسررتم شراً، وبالله نستعين.
وقال أيضاً عتبة: يا أهل مصر، لا مبرأ من الذنب، ولا عتق من الرب، وقد تقدمت مني إليكم عقوبات قد كنت أرجو الأجر يومئذ فيها، وأنا أخاف اليوم الوزر علي منها، فليتني لا أكون أصلحت دنياي بفساد
(5/170)

معادي، وأنا أستغفر الله منكم، وأتوب إليه فيكم، وقد أصبحت أخاف ما كنت أرجو ندماً عليه، وأرجو ما كنت أخاف اعتباطاً به، وقد شقي من هلك بين عفو الله ورحمته، والسلام عليكم سلام من لا أراه عائداً إليكم.
وقال ابن الأعرابي: جاء خالد بن صفوان إلى باب بعض ولاة البصرة فإذا هو بروح بن حاتم فقال: يا ابن أخي، والله ما غدوت قط ولا رحت على أبواب هؤلاء إلا وأنت هناك، أكل هذا طلباً للدنيا وحرصاً عليها؟ قال: فأجللته عن الجواب، ثم قلت: كفى بك حرصاً أن تراني في هذه الأوقات، قال: إن قلت ذاك يا ابن أخي، لقد ذهب ذمار القلب، وحسام الصلب، ورونق الوجه، وماء الشباب، وقربت عهاد العلل، ووالله ما مرت بنا ساعة من أعمارنا إلا ونحن نؤثر الدنيا على ما سواها، فما تزداد عندنا إلا تحلياً، ولا عنا إلا تولياً.
قال بعض السلف: الأسرار ثلاثة: سر لا طريق إلى إعلانه لأن فيه اجتياح النفس، وسر تفشيه إلى وكيلك لسقوط الحشمة ليفرح به، وسر عند العدو ليتغيظ منه.
قال عبد الرحمن بن عوف، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لقد لنت للناس حتى خشيت الله في اللين، ثم شددت عليهم حتى خشيت الله في الشدة، فأين المخرج؟ فقام عبد الرحمن يجر رداءه ويقول: أف لهم بعدك، وقال عمر: اللهم تعلم أني منك فيهم أشد فرقاً منهم مني.
(5/171)

سمعت القاضي أبا حامد يقول: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا كثر عليه الخصوم صرفهم إلى زيد، فلقي رجلاً ممن صرفهم إلى زيد فقال له: ما صنعت؟ قال: قضى عليّ يا أمير المؤمنين، قال: لو كنت أنا لقضيت لك، قال: فما يمنعك وأنت ولي الأمر؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله وسنة نبيه فعلت، ولكني أردك إلى الرأي، والرأي مشترك.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: اجتمع رأيي ورأي عمر رضي الله عنه في أمهات الأولاد أن لا يبعن، ثم رأيت بعد أن يبعن.
قال أبو عبيدة: رأي رجلين في الجماعة أحب إلي من رأي رجل واحد في الفتنة، هكذا حدثنا به أبو حامد، وقد جفا أبو عبيدة في قوله، والله يرحمه.
قيل للحسن: ما لتوكل؟ قال: أن لا يكون شيء في قلب العبد أوثق من ربه.
قال رجل للوليد بن عبد الملك: إن فلاناً نال منك، قال: أتريد أن تقتص أوتارك من الناس بي قال المدلئني: تزوج الوليد بن عبد الملك بن مروان امرأة من العرب، فلما صار إليها قالت: رفغ رفغ، قبح الله أما عودتك ما أرى.
نام جحا مع أمه فضرطت، وأحبت أن تعلم ما عنده فقالت له: بكم اشترى أبوك هذه القطيفة؟ قال: بأربعين درهم، وإن بقي ضراطك فيها أصبحت لا تساوي أربعة دراهم.
(5/172)

نظر بهارة المخنث إلى جارية سوداء في رجلها خلخال من الفضة فقال: انظر بالله إلى ساقها كأنه أير مضبب.
قيل لرجل من دارم، وكانت به قرحة: إنك لعلى خير، قال لهم: وما ذاك؟ قالوا: قد نرى نفثك أخضر، قال: والله لو نفثت كل زمردة في الأرض لمت.
قال الأصمعي: قدم رسول على الحجاج، فلما قرأ كتابه قال: ما بطأ بك؟ قال: البرد، قال: ما بلغ من شدته؟ قال: صحو الليل، وغيم النهار، وقطر مطر تتبعه شمال؛ قال الحجاج: هذا وأبيك البرد حقاً.
قال الصمعي: أتى رجل جبلة بن عبد الرحمن فقال: كلم الحجاج في كذا وكذا، فقال: ليست من الحوائج التي يقضيها، قال: كلمه فربما يوافق قدرٌ فيقضيها وهو كاره، فدخل فكلمه فقال: أعلمه أنا قضيناها ونحن كارهون.
قال المفجع، حدثنا بعض أصحابنا قال: مر بي رجل من بني تميم، قال: وكنت أشد على رجل بحضرتي، فسألته الصراع فقال: أنت تصارعني؟ فخذ بحلقي واجهد جهدك، فأخذت بحلقه، فجعل يأكل وكأن حلقه ليست تطبق يدي فيه.
(5/173)

قال ابن الأعرابي، قالت قريبة الأعرابية: إذا كنت في غير قومك فلا تنس نصيبك من الذل.
وقال ابن الأعرابي أيضاً: حدثني رجل من عبد القيس عن عبد الصمد بن المفضل الراقشي انه هنا فتى أراد البناء على أهله فقال: بالبركة وشدة الحركة، والظفر عند المعركة.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الحاجة مسألة، والدعاء زيادة، والحمد شكر، والندم توبة.
قال عطاء الخراساني: الحوائج عند الشبان أسهل منها عند الشيوخ، ألم تسمع قول الله تعالى عن يوسف في إخوته " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم " يوسف: 92، وقال يعقوب " سوف أسغفر لكم ريي " يوسف: 98.
قال مصعب بن الزبير: يقال: لا يصدق القتال إلا ثلاثة: مستبصر في دينه، أو غيران على النساء، أو ممتعض من ذل.
قال إبراهيم بن العباس: الناس ثلاثة: رجل فوقك، ورجل
(5/174)

دونك، ورجل مثلك، فتكبرك على من هو فوقك جنون، وعلى من هو دونك لؤم، وعلى من هو مثلك ظلم.
قال ابن عائشة، حدثني أبي قال: كنت يوما جالساً في المسجد الجامع بالبصرة فإذا أنا بخالد بن صفوان الأهتمي قد أقبل إلينا، فلما رأيته زحفت عن صدر المجلس ووسعت له، فجاء وجلس ثم أقبل إلي وقال لي: ابن من أنت؟ فقلت: أنا محمد بن حفص، قال: ابن عم موسى؟ قلت: نعم، قال: والله إن كان أبوك لمثابة، قال: فأخبرني عدة من شيوخ المسجد انهم لم يسمعوا مدحاً يحرف واحد أحسن من هذا.
قال جعفر بن محمد رضي الله عنهما: اللهم إنك للذي أنت أهل من عفوك أحق مني بالذي أنا له أهل من عقوبتك.
قال بعض السلف: نعمة لا تشكر، كسيئة لا تغفر.
قال عروة بن الزبير: كان الرجل فيما مضى إذا أراد أن يشين جاره أو صاحبه طلب حاجة إلى غيره.
قال بعض السلف: ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، ولعدوك عدلك وإنصافك.
(5/175)

قال يزيد بن كثير العنبري: طرحنا الحشمة فيما بيننا وبين حفظتنا طرح من لا يؤمن أنهم معه يعلمون ما يقول ويفعل.
وصف أعرابي رجلاً فقال: كان قصير الشبر، صغير القدر، ضيق النفس والصدر، لئيم النجر، عظيم الكبر، كثير الفخر.
قال ابن عباس: ما رأيت رجلاً أوليته خيراً إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلا فرط مني إليه سوء إلا أظلم ما بيني وبينه.
قال المدائني: أتي الوليد بن عبد الملك برجل من عبس، فسأل عن حاله وذهاب عينه فقال: ما كان في الأرض يا أمير المؤمنين عبسي أكثر مالاً مني وولداً، فأتى السيل ليلاً فلم يبق لي مالاً ولا أهلاً ولا ولدا إلا بنيا صغيراً وبعيراً، فحملت الصبي، وند البعير فوضعت الصبي وتبعته فنفحني برجله ففقأ عيني، فجرعت إلى ابني فإذا الذئب يلغ في دمه، فقال الوليد: اذهبوا به إلى عروة بن الزبير ليعلم أن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه.
قيل لأبي ذر: تحب أن تحشر في مسلاخ أبي بكر؟ قال: لا، قيل: ولم؟ قال: لأني من أمري على ثقة، ومن أمري غيري على شك. هذا جواب مستجفى.
(5/176)

قال سفيان بن عيينة، قيل لبعض السلف: أترجو الأجر فيما أحل الله لك؟ قال: نعم، قيل: أرأيت لو فعلت شيئاً هو حرام أكنت تخاف الإثم فيما حرم الله عليك؟ قال: نعم، قال: فارج الأجر فيما أحل الله، كما تخاف الإثم فيما حرم الله عليك.
قال عبد الرحمن: سمعت شيخاً يعظ ويقول: يا ابن آدم، كم من مدخل لو دخلت فيه افتضحت، صرفه عنك ربك.
وكان زيد بن أسلم يقو: لا تدعوا العلم رغبة عنه، ولا رضى بالجهل منه، ولا استحياء من التعلم له.
وقال بعض السلف إنما يحمل العبد على الزهد في العلم قلة انتفاعه بما علم.
نظر سالم بن عبد الله إلى رجل فقال: من أنت؟ قال: رجل مظلوم بطال، فقال سالم: ويل لك من يوم يخسر فيه المبطلون.
حج سليمان بن عبد الملك فدخل البيت فرأى سالم بن عبد الله فقال: ارفع حوائجك، فقال: والله لا أسأل في بيت الله غير الله.
قال وهب كونوا في الدنيا كقوم أيسوا منها رغبة عنها، وإيثاراً لغيرها، علموا فيها بما يبصرون، وبادروا فيها بما يحذرون، تتقلب أبدانهم بين ظهراني أهل الآخرة.
(5/177)

قال سعيد بن جبير: حضر بشر بن المنصور الموت، فرأيناه يسر بالموت، فقيل له: إنا نراك تسر بالموت، فقال: أتجلعون قدومي على خالق مرجو كمقامي مع مخلوق مخوف؟!
قال عتاب بن أسيد: أراد أهل البصرة أبا قلابة على القضاء فأبى وهرب إلى اليمامة، فأراده أهلها على القضاء فهرب إلى الشام، فقال والي الشام: لعلك تراني مثل والي البصرة ووالي اليمانة، فبكى الشيخ وقال: إن للقضاء مثلاً فاسمعه مني ثم اعمل ابدا لك، قال: وما مثله؟ قال: مثل قوم ألقوا في بحر، فمنهم السابح الماهر، ومنهم من لا يحسن السباحة، فأما من لا يحسن السباحة فهلك في أول وهلة، وأما السابح الماهر فيسبح يوماً أو يومين في البحر ولم يصب مخلصاً فغرق في الثالث؛ فرحمه الوالي وخلى سبيله.
سمع القاسم بن محمد رجلا يقول: ما أجرأ فلاناً على الله، فقال: ابن آدم أذل وأحقر من أن يكون جريئاً على الله، ولكن قل: ما أغر فلاناً بالله تعالى.
سمع ابن عباس رحمه الله أعرابياً يقرأ " وكنت على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها " آل عمران: 103 فقال الأعرابي: والله ما أنقذهم منها وهو يعيدهم فيها، قال ابن عباس: خذوها من غير فقيه.
(5/178)

قال الشعث بن قيس لقومه: إنما أنا رجل منكم، ليس لي فضل عليكم، ولكني أبسط لكم وجهي، وأبذل لكم مالي، وأحفظ حريمكم، وأعود مريضكم، فمن فعل مثل هذا فهو مثلي، ومن زاد عليه فهو خير مني، ومن قصر عنه فأنا خير منه، فقيل له: ما يدعوك إلى هذا؟ قال: أحضهم على السؤدد ومكارم الأخلاق.
قال الهيثم، قال أسد بن عبد الله لرجل من بني شيبان: بلغني أن السؤدد فيكم رخيص، فقال: أما نحن أيها الأمير فلا نسود إلا من يوطئنا رحله، ويفرشنا عرضه، ويعطينا ماله، فقال: والله إن السؤدد فيكم لغال.
قال ابن عمر: إنا معاشر قريش نعد الحلم والجود سؤدداً، ونعد العفاف وإصلاح المال مروءة.
قال عوانة: كانت العرب تسود على أشياء مختلفة، فأما مضر فتسود أسنها، وأما ربيعة فتسود من أطعم منها، وأما اليمن فتسود على النسب.
قال المأمون لمحمد بن عباد المهلبي: بلغني انك تسرف في إنفاقك، فقال: يا أمير المؤمنين حبس الموجود سوء ظن بالمعبود.
(5/179)

قال العتبي: دخل دعفل بن حنظلة النسابة على معاوية، فقال معاوية: حدثني ببعض أحاديثك، فقال: سمعت زياد بن عبيد القيسي يحدث قال: كنت عشيقاً لعقيلة من عقائل الحي، أركب لها الصعب والذلول، لا أليق مطرحاً فيه متجر وربح إلا أتيته، يلفظني السهل إلى الجبل والجبل إلى السهل، فانحدرت مرة إلى الشام بخرثي وأثاث كثير أريد لبة العرب ودهماء الموسم، وإذا بقباب شامية مع شعف الجبل، مجللة بالأنطاع، وإذا جزر تنحر وأخرى تساق، وإذا وكلة وحثثة على الطهاة يقولون: العجل العجل، وإذا برجل جهوري الصوت على نشز من الأرض ينادي: يا وافد الله الغداء، وإذا يآخر على مدرجة ينادي: ألا من طعم فليخرج للعشاء، فأعجبني ما رأيت، فمضيت أريد عميد الحي، فوجدته جالساً على عرش ساج، قد ائتزر بيمنة وتردى بحبرة، وعلى رأسه عمامة سوداء تظهر من تحتها جمة فينانة، وكأن الشعرى تطلع من جبينه، وإذا بمشيخة جلة خفوق ماسكي الذقان ما يفيض أحدهم بكلمة، وإذا خوادم حواسر عن أنصاف سوقهن، فأكبرت ما رأيت، وقد كان نمي إلى حبر من أحبار اليهود أن النبي التهامي هذا أوان مبعثه ووقت توكفه فخلته إياه، وقلت: عله أو عساه، ودنوت مه فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال: لست به وليتني به، فسألت رجلاً: من هذا؟ فقال: هذا هاشم بن عبد المناف، فقلت: هذا والله السناء والمجد؛ فقال معاوية: لاها الله! ما رأيت كلاماً أفصح من هذا، وأشهد أن قيساً قد أخذت لباب الفصاحة.
(5/180)

قال الأصمعي، أنشد أعرابي خالد بن عبد الله: " الطويل "
تبرعت لي بالجود حتى نعشتني ... وأعطيتني حتى حسبتك تلعب
فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى ... حليف الندى ما للندى عنك مذهب
فأجزل جائزته.
العرب تقول: العصا من العصية، هل تلد الحية إلا حية.
يقال: طارت عصا فلان شققاً.
ةينشد في العصا: البسيط
ومن يدب على المنساة من دبر ... فقد تقادم منه اللهو والغزل
وأنشد: الكامل المجزوء
طبع الكريم على وفائه ... وعلى التفضل في إخائه
تغني عنايته الصدي ... ق عن التعرض لاقتضائه
وفتى كماء المزن أو ... ل ما تهلل من سمائه
لم يقذ في صوب الغما ... م ولا تغير في إنائه
(5/181)

قابلته بوسائل ال ... حرم البعيدة من فنائه
فأجابني بوداده ... وبحفظه وبحسن رائه
كثرت محاسنه فن ... بهت الكرام على رجائه
حسب الكريم حياؤه ... فكل الكريم إلى حيائه
قال الحسن البصري: كان يقال: من رمى أخاه بذنب قد تاب منه ابتلاه الله عز وجل به.
لما مات ذر بن أبي ذر الهمذاني، وكان موته فجاءة، جاءه أبوه فدخل منزله وهو مسجى فقال: اكشفوا الثوب عن وجهه، فكشفوه، فلما نظر إليه قال: رحمك الله يا بني فلقد سررتني مولوداً وناشئاً، وما رأيتك قط في منظر أحب إلي من ساعتك هذه.
ونظر إلى أهله يبكون فقال: مه، إنا والله ما ظلمنا ولا قهرنا، ولا ذهب بحق لنا، ولا أخطئ بنا، ولا أريد غيرنا، ولا لنا معول إلا على الله تعالى.
فلما وضعه في قبره قام عليه فقام: اللهم هذا ابني وفيته رزقه، وأكملت له أجله، اللهم مهما آتيتني له على مصيبتي من أجر وثواب فهو له صلة مني، فلا تعذبه، ولا تعرفه قبيحاً إنك غفور رحيم.
فلما دفن قال: يا ذر ما بنا إليك فاقة، ولا لنا إلى أحد سوى الله من حاجة، يا ذر والله ما ذهبت لنا برزق، ولا أورثتنا كلا، شغلنا الحزن لك عن
(5/182)

الحزن عليك، يا ذر لولا هول المطلع ومختبره لتمنيت ما صرت إليه، يا ذر ليت شعري ما فعلت وما فعل بك؟ وما قلت وما قيل لك؟ ثم قال: اللهم إنك وعدتني بالصبر على ذر صلواتك ورحمتك، اللهم فقد وهبت ما جعلته لي من أجري على ذر لذر فتجاوز عنه، فإنك أرحم بي وبه؛ اللهم هب لذر إساءته إلى نفسه وذنوبه إليك، فإنك أكرم مني وأجود.
فلما هم أن ينصرف قال: يا ذر انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك؛ إنما حسبك مولاك.
قيل لزهراء الأعرابية: أين منزلك؟ قالت: ما لي منزل، إنما أشتمل الليل إذا عسعس، وأظهر في الصبح إذا تنفس، ثم اتخذت منزلاً فقيل لها: كم بيننا وبين منزلك؟ فقالت: الطويل
فأما على كسلان وان فساعة ... وأما على ذي حاجة فقريب
قال السعيدي، قلت لأبي أويس: هل تروي على وزن هذا البيت شيئاً وهو: المقتضب
أعرضت فلاح لنا ... عارضان كالبرد
(5/183)

فقال: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله على سيرين أخت مارية وهي تصفق وتقول: المقتضب
هل علي ويحكما ... إن لهوت من حرج
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، قال سعيد: فصار سرورنا بالحديث أكثر من سرورنا بالبيت.
قال ابن الأعرابي: تزوج رجل فقيل له: كيف وجدتها؟ قال: رصوفاً أنوفاً رشوفاً؛ الرصوف: التي في فرحها ضيق، والأنوف: التي تأنف مما لا خير فيه، والرشوف: الطيبة المقبل.
قيل لعبد اله بن جعفر عليهما السلام: قد غلب عليك الغناء، قال: تعتريني عنده أريحية إن لقيت عندها أبليت، وإن سئلت أعطيت.
قال المدائني: يقال: العلم يرشدك، وترك ادعائه ينفي الحسد عنك، والمنطق يبلغك الحاجة، والصمت يلبسك المحبة.
قال إسحاق، قال جالينوس: الولع بالجماع مقتبس من نور الحياة، فليكثر منه أو فليقل.
قال إسحاق: لا تصادق مخنثاً فإنه يعد من الجفاء مؤانسة بلا نيك.
(5/184)

وكتب ابن السماك إلى عمرو بن بانة: إن الدهر قد كلح فجرح، وطمح فطفح، فأفسد ما أصلح، فإن لم تعن عليه فضح.
قال محمد بن القاسم: كان يحيى بن سعيد خفيف الحال، فاستقضاه أبو جعفر المنصور وارتفع شأنه فلم يغير من حاله، فقيل له في ذلك فقال: من كانت نفسه واحدة لم يغيره المال والإكثار.
قال يزيد بن المهلب: ما رأيت عاقلاً ينوء به أمر إلا كان معوله على لحيته.
ويقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا اهتم أكثر من مس لحيته.
قال يونس: اليمن تقولك منا الملوك في الجاهلية، والأنصار في الإسلام، ومضر تقول منا النبي والخلفاء، فما تقول ربيعة؟ قال رجل لعمرو بن عبيد إني أصبت مالاً من غير وجهه فاستملكته، فانا نادم تائب إلى الله تعالى، ولست أقدر على رده، قال: إنه علم الله عز وجل منك أنك لو قدرت على رده ما رددته، قال: نعم، قال: فإن خفت أن يسألك الله عنه فخوفك أشد من أخذك المال.
(5/185)

قال بعض السلف: الغرة بالله أن يصر العبد على المعصية، ويتمنى على الله المغفرة.
قال زيد لرجل من الخوارج: زعموا أنك تقول: عثمان أشجع من علي، قال: صدقوا، كأنك لا تعلم ذلك، إنما كانت شجاعة علي حين كان صحيح البصيرة، فلما ذهبت بصيرته وركن إلى الدنيا ذهب ذلك؛ وقيل لعثمان: اخلعها واذهب حيث شئت، فأبى وقال: لا أخلع قميصاً قمصنيه الله، حتى قتل؛ وقيل لعلي: حكم أبا موسى وعمرو بن العاص وإلا قتلناك، ففعل.
قال ابن سلام: سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول: قد خيرت فلا تأخذن خديعة وتدع شريعة، ولا تأخذن ما يرديك وتدع ما ينجيك، ولا تأخذن الأرذل وتدع الأفضل.
وقال ابن سلام: سمعت أبان بن عثمان يقول، قال الحجاج: والله لطاعتي أوجب عليكم من طاعة الله تعالى، إن الله تعالى يقول " فاتقوا الله ما استطعتم " التغابن: 16 فجعل فيها مثنوية، وقال: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " النساء: 59 فلم يجعل فيها مثنوية، ولو قلت لرجل منكم: ادخل من هذا الباب فلم يدخل لحل لي دمه وقتله.
العرب تقول: الغنى كالمنعة، أي من كان له مال فهو كمن له
(5/186)

قوم ينصرونه؛ المنعة جمع مانع كقولهم لطلاب العلم طلبة والواحد طالب، وجهلة جمع جاهل، والمنعة - بالسكون - جائزة وهي فعلة من المنع، فأما المنعة - بكسر الميم - فمردود، هكذا قال أبو حاتم.
قال بهز بن حكيم: صلى بنا زرارة بن أوفى الصبح فقرأ المدثر فلما بلغ " فذلك يومئذ يوم عسير " المدثر: 9 خر ميتاً فواريناه.
مات لبعض السلف ابن فعزاه رجل فقال: ما ترك لي حزني يوم القيامة أسى على فائت، ولا فرحا بآت.
قال بعض السلف: العز والغنى يجولان، فإذا لقيا القناعة استقراً.
قال سعيد بن حجر: كان يقال: إذا كنت من قيس ففاخر بغطفان وحارب بسليم وكاثر بهوازن، وإذا كنت من تميم ففاخر بدارم وحارب بيربوع وكاثر بسعد، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان وكاثر بشيبان وحارب بشيبان.
قال عوانة: باع عبد الله بن عتبة بن مسعود أرضاً بثمانين ألفاً،
(5/187)

فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذهراً، فقال: بل أجعل هذا المال ذخراً لي عند الله وأجعل الله ذخراً لولدي، وقسم ذلك المال.
قال محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم: إن الله عز وجل رضي الآباء للأبناء فحذروهم فتنتهم، ولم يرض الأبناء للآباء فأوصهم بهم وإن شر الأبماء من دعاه التقصير إلى العقوق وشر الأباء من دعاه البر إلى الإفراط.
قال العتبي: أذن معاوية للأحنف، وجرير بن عبد الله بالباب، ثم أذن لجرير فدخل فقال: يا أمير المؤمنين إنك أذنت للأحنف قبلي ووالله إنه لوافر النصيب من عداوتك، عظيم الشعلة في حربك، فقال معاوية: أحبكم غلينا أشدكم علينا إذا هو صار معنا بعد عداوته لنا وعرف لنا حقنا وفضلنا بعد جهل مه به، فأما من تربص بنا الأمور فلا حاجة لنا فيه، كما لم يكن له حاجة فينا ولا رأي لنا فيه كما لم يكن له رأي فينا، فسكت جرير.
(5/188)

قال ابن عباس رحمه الله وقد سمع قوماً يتكلمون في القدر فقال: إن الله عباداً خشيتهم من غير خرس، وإنهم الألباء البلغاء العلماء ولكنهم إذا نظروا في عظمة الله طاشت عقولهم فرقاً، فإذا سري عنهم سارعوا إلى الله تعالى بالأعمال الزكية، فأين أنتم عنهم؟ فتفرقوا.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: القدر سر من سر الله تعالى، وحرز من حرز الله، مكنون في حجاب الله، مطوي عن خلق الله، سابق في علم الله، قد وضع الله عن عباده علمه، ورفعه فوق منتهى رأيهم، ومبلع عقولهم، فلم ينالوه بحقيقة الربانية، ولا عظمة الوحدانية وعزة الفردانية، فهو بحر زاخر غامض، عمقه ما بين الأرض والسماء، عرضه ما بين المشرق والمغرب، أسود كالليل الدامس، يعلو أوله ويسفل آخره، قعره شمس تضيء، ولا ينبغي أن يراها إلا الفرد القديم، فمن طالعها فقد حاد الله في ملكه، ونازعه في سلطانه، وكشف عن سر ستره، وباء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير.
وقف رجل على قبر معاوية فقال: يا أبا عبد الرحمن، لو لفظتك الأرض إلينا لرايت ما يصنع بنا يزيد، ورأينا ما صنع الله بك.
قال معاذ: مثل الشيطان كمثل الذئب يأخذ الشاة الشاذة القاصية، فعليكم بالجماعة.
(5/189)

وقال قطري بن الفجاءة لرجل من الخوارج أسره الحجاج ثم من عليه: راجع قتلا عدو الله، قال: هيهات غل يداً مطلقها، واسترق رقبة معتقها، وأنشد الكامل
أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته
إني إذاً لأخو الدناءة والذي ... عفت على حسناته جهلاته
هذا وما ظني بجبن إنني ... فيكم لمطرق مشهد وعلاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف واحتجت له فعلاته
أأقول جار علي لا، إني إذاً ... لأحق من جارت عليه ولاته
وتحدث الأقوام أن صنائعاً ... غرست لدي فحنظلت نخلاته
قال يوسف بن أسباط: رد أبو حنيفة على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعمائة حديث أو أكثر، قيل له: مثل ماذا؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه: للفارس سهمان وللراجل سهم، فقال أبو حنيفة: لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن؛ وأشعر رسول الله صلى الله عليه البدن،
(5/190)

وقال أبو حنيفة: الإشعار مثلة؛ وقال رسول الله صلى الله عليه: البائعان بالخيار ما لم يتفقا، وقال أبو حنيفة: إذا وجب البيع فلا خيار؛ وكان رسول الله صلى الله عليه يقرع بين نسائه إذا أراد سفراً، وأقرع أصحابه، قال أبو حنيفة: القرعة قمار.
وقال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله لأخذ كثيراً من قولي، وهل الدين إلا الرأي الحسن؟ قال أبو عقيل العمي: إن الأمور لا تدرك بالرأي المفرد، فليستعن مكدود بوادع، ومشغول بفارغ.
خطب الحجاج فقال: أيها الناس، إنكم أغراض حمام، وفرضة هلكة، وقد أنذركم القرآن وصفر برحيلكم الجديدان، وإن لكم موعداً لا تؤخر ساعته، ولا تدفع هجمته، وكأن قد دلفت إليكم نازلته، فنعق بكم، وحثكم حث مستقص، فماذا هيأتم للرحيل، وما أعددتم للتحويل؟ ومن لم يأخذ أهبة الحذر، نزل به مرهوب القدر.
أنشد الصولي للعلوي في تشبيه ثلاثة بثلاثة: الخفيف
خطرت خطرة فهاجت مراحي ... وأراحت إلى التصابي رياحي
لا، ووجه ومقلتين وثغر ... مثل ورد ونرجس وأقاح
لا تسليت عن هواها ولا أص ... غيت فيها إلى مقالة لاح
قال علي بن عبيدة: ما رأيت بيتاً يجمع الشراب والشرب والساقي إلا قول الشاعر: الكامل
فكأنها وكأنهم وكأنه ... قمر يدور على النجوم بشمس
(5/191)

لابن دريد: الخفيف
كل يوم يروعني بالتجني ... من أراه مكان روحي مني
مشبه للهلال والظبي والغص ... ن بوجه ومقلة وتثني
جمع الله شهوة الناس فيه ... فهو في الحسن غاية المتمني
أمن العدل أن أرق ويجفو ... ني وأشتاقه ويصبر عني
قال المدائني: أتي وال برجل قد جنى فأمر بضربه فمد، فلما أخذه الضرب قال للوالي: بحق رأس أمك عليك لما عفوت عني، قال: اضرب، قال: بحق عينيها، قال: اضرب، قال: بحق خديها، قال: اضرب، قال: بحق نحرها، كل ذلك يقول اضرب، فقال الوالي: ويحكم خلوه لئلا ينحدر.
قال أبو بكر الصيرفي لبعض الفضلاء من الحشوية بلغني أنك لا تحضر الجمعة، قال، فقال: ما فاتني ولا شهدتها؛ قال: يعني أنه لا يراها فيقول لم تفتني، وما شهدتها للقائي الأئمة.
وقال بعض السلف لرجل: كيف أقبل شهادتك وقد سمعتك تقول لمغينة: أحسنت؟ قال: أليس لم أقل ذلك إلا بعد سكوتها؟ فأجاز شهادته.
خرج شريح من عند زياد في علته فسئل عنه فقال: تركته يأمر
(5/192)

وينهى، فقام الواعية فقيل له: ألم تقل كذا وكذا؟ قال: تركته يأمر بالوصية وينهى عن النوح.
ولي أعرابي البحرين، فجمع اليهود فقال لهم: ما تقولون في عيسى؟ قالوا: قتلناه وصلبناه، قال: لا تخرجوا من السجن حتى تؤدوا ديته.
دخلت أم أفعى العبدية على عائشة رضي الله عنها فقالت: يا أم المؤمنين ما تقولين في امراة قتلت ابناً لها صغيراً؟ قالت: وجبت عليها النار، قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفاً؟ قالت: خذوا بيد عدوة الله.
شاعر: الكامل المجزوء
الصبر من كرم الطبيعة ... والمن مفسدة الصنيعه
والخير أمنع انباً ... من قلة الجبل المنيعه
والشر أسرع جرية ... من جرية الماء السريعه
ترك لتعهد للصدي ... ق يكون داعية القطيعه
قال إسحاق: أخذ مزبد المديني وهو سكران، فقال الوالي: استنكهوا الخبيث، ففعلوا، فلم يجدوا له رائحة، قال: قيئوه، قال مزبد: فمن يضمن لي عشاي؟
ذكر الله عز وجل المثرين في كتابه فقال: " في أموالهم حق
(5/193)

معلوم للسائل والمحروم " المعارج: 24 - 25، وجعلتم انتم في أموالكم حقاً للقيان - كذا كان يقول الحسن.
قال المدائني: كان عندنا بالمدائن دهقان يقال له دينارويه، وكان خبيثاً، فقال له والي المدائن: إن كذبت كذبة لم أعرافها فلك عندي زق شراب ومسلوخ ودراهم، فقال دينارويه: هرب لي غلام فغاب عني دهراً لا أعرف له خبراً، فاشتريت يوماً بطيخاً فشققت واحدة فإذا الغلام فيها يعمل قفافاً فإذا هو إسكاف، قال العامل: قد سمعت بهذا. قال: كان عندي برذون فدبر، فوصف لي قشور الرمان فألقيته على دبره فخرجت على ظهره شجرة رمان عظيمة، قال العامل: وقد سمعت بهذا. قال: كان لي غلام وله فروة فوقع فيها القمل فطرحها فحملها القمل ميلين، قال: سمعت بهذا. فلما رأى أنه يبطل عليه كل ما جاء به قال: إني وجدت في كتب أبي صكاً فه أربعة آلاف درهم والصك عليك، قال: ما سمعت بهذا، قال: فهات الزق والمسلوخ والدراهم.
استعمل معاوية أبا الأعور السلمي على مصر بدل عمرو بن العاص، وكتب إليه كتاباً بالعزل، فلما قدم على عمرو احتال عمرو حتى وضع الكتاب من يده وشغله بالأكل ودس من سرق كتابه، فلما فرغ ادعى العمل فقال له عمرو: إنما جئت زائراً ونحن نصلك، فبلغ ذلك معاوية، فضحك من دهاء عمرو.
(5/194)

كاتب: وصل كتابك فرأيتك قد حليته زخارف أوصافك، وأخليته من حقائق إنصافك.
قال أعرابي: هذه نعم تفني الأحقاب، وتسم الأعقاب.
كتب معاوية إلى زياد لما ولاه العراق: ليكن حبك وبغضك قصداً، فإن الغرة كامنة، واجعل للرجوع والنزوع بقية في قلبك، واحذر صولة الانهماك فإنها تؤدي إلى الهلاك.
قال أشعب: جاءتني جارية بدينار وقالت: هذه وديعة، فجعلته بين ثني الفراش، فجاءت بعد أيام وقالت: ناولني الدينار، فقلت: ارفعي الفراش وخذي ولده، وتركت إلى جنبه درهماً، فتركت الدينار وأخذت الدرهم، وعادت بعد أيام فوجدت معه درهماً آخر فأخذته وعادت الثالثة كذلك، فلما رأيتها في الرابعة بكيت فقالت: ما يبكيك؟ فقلت: مات دينارك في نفاسه، قالت: سبحان الله، أيموت الدينار في النفاس؟ قلت: يا فاسقة، تصدقين بالولادة ولا تصدقين بالنفاس؟ قال المدائني: سمع أعرابي قوماً يقولون: النساء لا يقمن مع الرجال على غير نكاح، فأحب تجربته فقال لامرأته: إن أيري قد اصطلم، فسكتت، واعتزل فراشها فقالت له: يا هذا خل سبيلي فليس لي فيك حاجة،
(5/195)

فداراها فأبت إلا الفراق وطالبته بثمن خاتم كان لها عليه، فوثب عليها وأخذ برجلها ودفع فيها وهو يرتجز: الرجز
فلست بالجلد ولا بالحازم ... إن لم أجأ هناك بالعجارم
وجأ ينسيك طلاب الخاتم
فلما فرغ قال لها: ما رأيك؟ قالت: ما أقبح بمثلي التردد إلى البعول، قال: فما قولك في ثمن الخاتم؟ قالت: كيف تقضيني وأنت مضيق، ولكن إذا اتسعت، وأقول واحدة: قد وهبت لك ثمن الخاتم.
قال النضر بن شميل: كان يمرو قاض فأتاه رجل من وجوه أهلها يدعي على رجل مالاً، وأتاه بشاهد واحد وحلف له فأبى أن يقبل منه، فقال: أيها القاضي، أترى مثلي في قدري وحالي في العامة أدعي على هذا الرجل هذا القدر اليسير باطلاً؟ فزاده إباء فقال: الحمد لله الذي ولى أحكامنا مثلك، فوالله ما لي على هذا شيء، ولكنني أحببت أن أمتحنك وأعرف صلابتك في الحق، وكذلك شاهدي هذا.
قيل للمنصور: إن سواراً يحابي في الحكم، فتكلف عطسة وحمد الله تعالى في نفسه، ثم عطس أخرى فحمد الله وأسمع، فشمته سوار في الثانية، فقال المنصور: يزعمون أنك تحابي وما تحابيني في عطسة.
ما أعجب أحاديثنا إذا أضفتها إلى هؤلاء.
كان أبو الأدباء الكوفي إذا أتى شرباً تسمع فإن سمع أحدهم
(5/196)

يقول: هذا قدحي، علم أن نبيذهم قليل، وإن سمع: ما هذا قدحي، علم أن نبيذهم كثير، فدخل.
لوالبة بن الحباب: السريع
ثالبني عمرو وثالبته ... قد أثم المثلوب والثالب
قلت له خيراً وقال الخنى ... كل على صاحبه كاذب
كان على خاتم الحسن بن الحسين بن زيد: توليت الله وحذه، ومحمداً عبده، وعلياً بعده وقال: أخذتها من قول الله عز وجل " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون " المائدة: 56.
سمع جعفر بن سليمان امرأة تتكلم بالرفث فقال: إنكن صويحبات يوسف، فقالت: واعجبا، نحن دعوناه إلى اللذة، وأنتم أردتم قتله، فكم بيننا؟! قال ابن القاص: نيك الخادم أوله بكاء وآخره ضحك، قيل: وكيف ذاك؟ قال: إذا ناك المرأة عضها فتبكي، وإذا صب ضرط فتضحك.
تزوج أعمى امرأة قبيحة فقالت له: رزقت أحس الناس وأنت لا تدري، فقال لها: يا نظراء وأين كان عنك البصراء؟
(5/197)

قيل للجماز: ما بقي من شهوتك للنساء؟ قال: القيادة عليهن.
لأبي عثمان الناجم: المتقارب
وكم فيشة ما لها حقة ... وكم من حر مال له من طبق
يعلل هذا يسحاقة ... وذا بعميرة عند الشبق
قال عبد الله بن جعفر، وكان نبيلاً: الجود حارس الأعراض.
قال أبو العيناء لبعض الولاة: إذا سألنا الولاة كف الأذى سألناك بث الندى، وإذا سألناهم الإنصاف سألناك التفضل.
قال فيلسوف: كم من مهروب منه أصلح من مستغاث به.
كان أهل الجاهلية إذا رأوا الهلال قالوا: مرحباً بمن يحل ديناً. ويقرب حيناً.
شكا رجل امرأته إلى أبي العيناء، فقال له أبو العيناء: أتحب أن تموت هي؟ قال: لا والله الذي لا غله إلا هو، قال: لم ويحك وأنت معذب بها؟ قال: أخشى والله أن أموت من الفرح.
(5/198)

قيل لغلام: أتحب أن يموت أبوك؟ قال: لا، ولكني أحب أن يقتل، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأرث ديته فإنه فقير.
قال فتى من العرب لشيخ منهم: قد آن لك أن تجزز، أي تموت، قال الشيخ: وتحتضرون، أي تموتون على خضرة الشباب.
قيل: لما فرغ علي بن أبي طالب رضي الله عنه من دفن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأل عن أمر السقيفة فقيل له: إن الأنصار قالت: منا أمير ومنكم أمير، قال: ضل القوم والله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، فكيف تقع الوصاة بهم والأمر فيهم؟ قيل لبلال: من سبق؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالوا: سألناك عن الخيل، قال: وأنا أجبتكم عن الخير.
قال رجل لهشام بن الحكم: أليس احتكم العباس وعلي إلى عمر؟ قال: بلى، قال: فأيهما الظالم؟ قال: ما فيهما ظالم، فقال: سبحان الله، كيف يتخاصم اثنان وليس فيهما ظالم؟ قال: كما تخاصم الملكان وليس فيها ظالم.
قال الأصمعي: العرب تسمي السنة شهرين شهرين، فتشربين
(5/199)

وتشرين: الوسمي، وكانون وكانون: الشتاء، وشباط وآذار: الربيع، ونيسان وأيار: الصيف، وحزيران وتموز: الحميم، وآب وأيلول: الخريف.
لعبد الصمد بن المعذل: المتقارب
ترجي قفولي لها بالغنى ... لعل المنية دون القفول
رأت عدمي فاستراثت رحيلي ... سبيلك إن سواها سبيلي
لعمر التي وعدتك الثراء ... بجدوى النسيب ورفد الخليل
لقد قذفت بك صعب المرام ... واستجملت لك غير الجميل
سأقني الكفاف وأرضى العفاف ... فليس غنى المرء حوز الخيول
ولا أتصدى لمدح الجواد ... ولا أستعد لذم البخيل
وأعلم أن بنات الرجاء ... تحل العزيز محل الذليل
وأن ليس مستغنياً بالكثير ... من ليس مستغنياً بالقليل
قال أبو سعيد السيراقي: " حاشا " عند سيبويه حرف جر ولي باسم ولا فعل، وأما الجر بها فلا خلاف فيه بين النحويين؛ قال الشاعر: الكامل
(5/200)

حاشا أبي ثوبان إن به ... ضنا عن الملحاة الشتم
قال: وأكثر الناس يخالف سيبويه فيها، وهم مع خلافهم سيبويه مختلفون فيها؛ فأما الفراء فزعم أن حاشا فعل، وزعم انه لا فاعل له، وهذا طريف وهو كالمحال، لأن الفعل لا يكون بغير فاعل، وزعم أن الأصل: حاشا لزيد، فكثروا الكلام بها حتى أسقطوا اللام وخفضوا بها؛ وقال المبرد: هي حرف جر كما قال سيبويه وتكون فعلاً ينصب مثل خلا وعدا، واستدل على ذلك بتصرف الفعل، وقولهم: حاشيت زيداً أحاشيه كقول النابغة: البسيط
ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من القوام من أحد
ومما احتج به في قوله: حاشا لزيد، لو كان حاشا حرف جر لم يجز دخولها على اللام. قال أبو سعيد: أما احتجاجه بحاشيت فلقائل أن يقول: حاشيت إنما هو تصريف فعل من لفظ حاشا الذي هو حرف يستثنى به، وليس بحاشيت يقع الاستثناء ولا بحاشا، ومنزلة حاشيت من حاشا كمنزلة هلل، وحوقل، وبسمل، وقد صرق الفعل بما ليس بفعل، قال: ومما يقوي قول أبي العباس أن أبا عمرو الشيباني وغيره حكى أن العرب تخفض بها وتنصب. وقال الزجاج: حاشا لله في معنى برأه الله، وهي مشتقة من قولك: كنت في حشا فلان أي في ناحيته، كما قال الشاعر: الطويل
بأي الحشا أمسى الخليط المباين
وإذا قال: حاشا لزيد فمعناه تنحى زيد من هذا وتباعد عنه، وكما أنك
(5/201)

إذا قلت: قد تنحى من هذا صار في ناحية منه، فكذلك تحاشا من هذا، أي قد صار في حشا منه، أي في ناحية، وعلى طريقة. الزجاج: قال بعض أصحابنا: حاشا في معنى المصدر؛ قال: ويقال: حاشا الله، وحاشا لله، كما يقال: لاه الله، ولاه لله، ويدخله النقص فيقال: حشا الله وحشا لله، كما يقال في النقص في غدو: غد، وفي مهلاً: مه، ولا يقال ذلك في الحروف. وتستعمل حاشا لتبرئة الاسم الذي بعدها عند ذكر سوء في غير أو فيه، وربما تبرئة الإنسان من سوء، ثم يبرئون من أرادوا تبرئته، وتكون تبرئتهم لله تعالى على جهة التعجب والإنكار على من ذكر السوء فيمن برأوه، قال الله تعالى " قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء " يوسف 51، ومذهب حاشا لله كمذهب معاذ الله وسبحان الله في الإنكار والتعجب، وإذا استثنوا بحاشا فاستثناؤهم أيضاً بها على طريق التبرئة للأسم السمتثنى بها من سوء أدخلوا فيه غيره.
هذا آخر كلام أبي سعيد، سقته لأنه تمام المعنى في لفظ مختلف فيه.
قال الشعبي: سمعت النعمان بن بشير يقول على المنبر: أيها الناس خذوا على أيدي سفهائكم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: إن قوماً ركبوا البحر في سفينة فاقتسموها وأخذ كل رجل مكاناً، فأخذ بعضهم الفأس فنقر مكانه، فقالوا له: ما تصنع؟ قال: مكاني أصنع به ما شئت، فإن أخذوا على يده نجوا، وإن تركوه هلكوا.
قال رجل من أهل الشام لابن سيرين: بلغني أنك نلت مني، فقال: نفسي أعز علي من ذلك.
(5/202)

عاب رجل رجلاً عند بعض الأشراف فقال: استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيوب الناس، لأن طالب العيوب يطلبها بقدر ما فيه منها.
كان الرشيد يجمع العلماء ويسمع كلامهم، فحضروا ذات يوم وفيهم أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، والكسائي يذكر النحو، فقال له: أحذق الناس به يكون معلماً، فقال له الكسائي: أسالك عن مسألة في الفقه، قال: سل، قال: ما تقول في غلام لك قتل فاتهمت به رجلين فسألتهما عن أمره فقال أحدهما: أنا قاتل غلامك، وقال الآخر: أنا قاتل غلامك، أيهما القاتل عندك؟ قال أبو يوسف: جميعاً، قال الكسائي: أخطأت، قال: فأيهما القاتل عندك؟ قال: والذي قال: أنا قاتلٌ غلامك، لأن قوله: أنا قاتل غلامك يريد أنا قتلته، والذي قال: أنا قاتل - بالتنوين - غير قاتل، أراد: سأقتل غلامك، فهو تهدد، قال الله تعالى " فالق الإصباح وجعل الليل سكناً " الأنعام: 96 المعنى فلق الإصباح، فندم أبو يوسف على كلامه.
قال عبد الملك بن مروان: القلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة.
وأنشد: الطويل
(5/203)

لعمرك ما الدنيا بدار لأهلها ... ولو عقلوا كانوا جميعاً على رحل
فما تبحث الساعات إلا عن البلى ... ولا تنطوي الأيام إلا على ثكل
دعا أعرابي فقال: اللهم ذلل صعوبة هذا الأمر، وسهل لي حزونته، وارزقني من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف.
كاتب: ومن حدود فضائل الرؤساء مقابلة سوء من أساء بالإحسان، ولا نعمة أجزل من الظفر بالمجرم، ولا عقوبة لمجرم أبلغ من الندم، وقد ظفرت وندمت، والسلام.
قيل لعلي بن الحسين رضي الله عنهما: أنت أبر الناس ولا نراك تواكل أمك، قال: أخاف أن أمد يدي إلى ما سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها.
قيل لأعرابي: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت وأرى غروب الشمس وطلوعها يأخذان مني كل يوم جزءاً، وكم عسى أن يدوم عدد ليس له مدد حتى يبيد وينفد.
قال يحيى بن معاذ الرازي: أشهد أن السماوات آيات بينات، وشواهد قائمات، كل يؤدي عنك بالحجة، ويقر لك بالربوبية، وهي موسومة بآثار قدرتك، ومعالم تدبيرك التي تجليت بها لخلقك، وأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما آنسها من وحشة الفكر، ورجم الظنون، فهي على اعترافها
(5/204)

بك، وولهها إليك شاهدة بأنك لا تحيط بك الصفات، ولا تحدك الأوهام.
قال أبو عبيد الله الكاتب: ما رأيت مثل خالد بن برمك: بلاغته أعرابية، وطاعته أعجمية، وآدابه عراقية، وفصالحته شامية، وكتابته سوادية.
كان يزيد الرقاشي يقول: إنه ليخيل لي أن كلامي لو أنجح في قلب قائله أنجح في قلوبكم، خذوا الذهب من الحجر، خذوا اللؤلؤ من البحر، خذوا الكلمة الطيبة ممن قالها فإن الله تعالى يقول " الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه " الزمر: 18. أراك رفيقاً للمنعمين عليك، أفما لله عندك مكافأة مطعمك ومشربك في ليلك ونهارك، إن سرك أن تنظر إلى الدنيا بما فيها من ذهبها وفضتها وزخرفها، فاذهب إلى القبر فاحتمل ما فيه، لست آمرك أن تحمل تربته، ولكن تحمل فكرته، وأنشد: الطويل
فإن لم تكن أنت المسيء بعينه ... فإنك ندمان المسيء وصاحبه
آخر: السريع
يا معمل الوجناء بالفجر ... وقاطعاً للسبسب القفر
وهارباً من زمن جائر ... يجني الملمات على الحر
يأوي به الليل إلى منزل ... ممتنع أو جبل وعر
أبشر فإن اليسر يأتي الفتى ... أحوج ما كان إلى اليسر
(5/205)

واصبر فما استشفعت في مطلب ... بشافع خير من الصبر
قال منصور بن عمار: أتيت الليث بن سعد فأعطاني أربعة آلاف دينار وقال: صن بها الحكمة التي آتاك الله تعالى؛ وكان دخل الليث بن سعد في كل شهر خمسة آلاف دينار، وكان يفرقها في الصدقة وصلة الأرحام.
قال أبو حامد: خلف عبد الله بن مسعود تسعين ألف درهم.
وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: ما دون أربعة آلاف درهم نفقة، وما فوقها كنز.
قال معاوية: ما رأيت سرفاً إلا وإلى جانبه حق مضاع.
يقال: الحلال يقطر، والحرام يسيل.
قيل للزبير: كيف نلت هذا البسار؟ قال: لم أرد ربحاً، ولم أستر عيباً.
كان سعيد بن العاص إذا سأله رجل حاجة من ماله ولم يجد قال له: اكتب علي بحاجتك سجلاً إلى أن أجد فأعطيك.
(5/206)

اشترى عبيد الله بن أبي بكرة جارية بستين ألف درهم فطلبت دأبة تحمل عليها فلم توجد في الوقت، فجاء رجل بدابته فحملت عليها، فقال عبيد الله: قد وجب حقك علي اذهب إلى منزلك.
قال فيلسوف: الندامة على الفائت تضيع وقت ثان.
استحمل رجل معن بن زائدة فأمر له بفرس عتيق وجمل وبغل وحمار وجارية وقال: لو وجدنا مركوباً غير هذه لأعطيناكه.
كان تميم الداري يشتري مصلى بألف درهم، وكان ابن عباس يرتدي برداً قيمته ألف درهم.
وقال يحيى بن خالد: ما رأيت رجلاً قط إلا هبته حتى يتكلم، فإن كان فصيحاً عظم في صدري، وإن كان مقصراً سقط من عيني.
قال الزبير بن بكار: بدت لي إلى المتوكل على الله حاجة، فلذت بالفتح بن خاقان وكلفته إياها وأنشدته: الكامل
ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... يرجى النجاح بقوة الأسباب
إني دعوتك للخطوب وإنما ... يدعى الطبيب لشدة الأوصاب
(5/207)

لمحمد بن عبد العزيز بن سهل - من أمراء الجبل من آل دلف -: الكامل
وظللت من ماء الكروم كأنني ... غصن أمالته الصبا فتأودا
أرمي بعيني الرياض فأجتني ... من حليهن لآلئا وزبرجدا
حمراء ناصعة وأصفر فاقعاً ... ومزعفراً في لونه وموردا
يفتر مبتسماً كأن ومبضه ... شرر أصابته الصبا فتوقدا
وهو الذي يقول: البسيط
ما لي وللنأي يرميني بأسهمه ... وما له ترة عندي ولا ثار
إذا اصطفيت خليلاً أو أخا ثقة ... لا ينثني عنه أو تنأى به الدار
ويقال في مسائل اللغة: ما الحرد، وما البرد، وما السرد، وما السرد أيضاً، وما الصرد، والصرد أيضاً، وما العرد، وما الغرد، وما الفرد، وما القرد، وما الكرد، وما الرد، وما النرد، وما الشرد، وما الجرد، وما الهرد، وما الطرد، وتفسيرها يتبعها بعد أوراق على العادة في ذلك إن شاء الله، وإنما باعدنا بين الفصول لتنفى السآمة ويثبت النشاط.
قال السيرافي: لو قلت: زيد أفضل إخوته لم يجز، فإذا قلت: زيد أفضل الإخوة جاز، والفصل بينهما أن إخوة زيد هم غير زيد، وزيد خارج عن جملتهم، والدليل على ذلك أنه لو سأل سائل وقال: من إخوة زيد؟ لم يجز أن تقول: زيد وبكر وعمرو وخالد، وإنما تقول: عمرو وبكر وخالد، ولا يدخل زيد في جملتهم، فإذا كان خارجاً عن إخوته كان غيرهم فلم يجز أن تقول: أفضل إخوته، كما لم يجز أن يقال: حمارك أفره البغال لأن
(5/208)

الحمار غير البغال، كما أن زيداً غير إخوته، وإذا قلت: زيد خير الإخوة جاز لأنه أحد الإخوة والاسم يقع عليه وعلى غيره، فهو بعض الإخوة، ألا ترى لو أنه قيل لك: من الإخوة؟ عددته فيهم فقلت: زيد وعمرو وبكر وخالد، فيكون بمنزلة قولك: حمارك أفره الحمير لأنه داخل تحت الاسم الواقع على الحمير، فلما كان على ما وصفنا جاز أن يضاف إلى واحد منكور يدل على الجنس فتقول: زيد أفضل رجل، وحمارك أفره حمار، فيدل رجل على الجنس، كما دل حمار على الجنس.
وأنشد: الطويل
فيا رب حي الزائري كليهما ... وحي دليلاً بالفلاة هداهما
فليتهما ضيفان لي كل ليلة ... مدى الدهر محتوم علي قراهما
وليتهما لا ينزلان ببلدة ... ولا منزل إلا وعيني تراهما
قال الناشئ أبو العباس الكبير: أول الشعر إنما يكون بكاء على دمن، أو تأسفاً على زمن، أو نزوعاً لفراق، أو تلوعاً لاشتياق، آو تطلعاً لتلاق، آو إعذاراً إلى سفيه، أو تغمداً لهفوة، أو تنصلاً من زلة، أو تحضيضاً على أخذ بثأر، أو تحريضاً على طلب أوتار، أو تعديداً للمكارم، أو تعظيماً لشريف مقاوم، أو عتاباً على طوية قلب، أو إعتاباً من مقارفة ذنب،
(5/209)

أو تعهدا لمعاهد أحباب، أو تحسراً على مشاهدة أطراب، أو ضرباً لأمثال سائرة، أو قرعا لقوارع غائرة، أو نظماً لحكم بالغة، أو تزهيداً في حقير عاجل، أو ترغيباً في جليل آجل، أو حفظاً لقديم نسب، أو تدويناً لبارع أدب.
للناشئ: الطويل
لأقتحمن الدهر مني بعزمة ... تخوف أعدائي وتمنع جاري
وأفضي إلى هذا الكريم بنائلي ... وآخذ من هذا اللئيم بثاري
وإلا فلا أهوت أنامل خلتي ... للوث خمار أو لوضع إزار
وحاشيت أبصار العداة ترقباً ... لشرب عقار أو لخلع عذار
ألية بر إن عشت عين باخل ... إلى ضوء ناري فاستضاء بناري
وإني لأوصي الأهل إن رام زورتي ... وإن ضافني ألا يحل بداري
وكيف يزور القوم أو يستضيفهم ... فتى لا يرى للزور حق مزار
قيل لصوفي: ما غاية المراد في الطلب؟ قال: نيل ما يعرض من أجله العطب.
وقيل لآخر: هل سبيل إلى سكون النفس؟ قال: لا، ما دامت في سلطان الحس.
وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: إن الله جل جلاله أمر بما لم يرد، ونهى عما أراد، أمر إبليس بالسجود ولم يرد أن يسجد، ولو أراد أن يسجد، ولو أراد أن
(5/210)

يسجد لما غلبت إرادة إبليس إرادة الله جل سلطانه، ونهى آدم عن أكل الشجرة وأحب أن يأكل منها، ولو لم يحب أن يأكل منها لما غلبت محبة آدم محبة الله تعالى.
هكذا أصبت هذا الجزء وهو حق، فإذا سرك الاتساع فيه فتصفح الكتاب حتى ترى شواهده وتجد دلائله، وتعلم أن الله سبحانه أنشأ العبد ثم تولاه ولم يخله من يده، وأن العبد يتصرف بين علمه وإرادته وأمره ونهيه في ظاهر تكليفه، وطرفاهما بين الحالتين يلتقيان، وكلتاهما مستويتان، واعلم أن الخلق ظهر منه وثبت به، وانقلب إليه، أعني أنه أبدأه وأنشأه في الأول، وهو إذاه وأنماه في الثاني، وهو قبضة ورقاه في الثالث باستطاعته، واستبد بقدرته، وانفرد بحوله وقوته، واستغنى عن موجده وحاظفه، وإنما ركدت الشبهة على قوم من جهة أنهم تخطوا الأمر والنهي وهما أس التكليف، وأوجبوا التمكين والتخيير، وظنوا أن هذا القدر يفصل الحال بيننا وبين الله عز وجل فلا نؤتى إلا من قبلنا، ولا نلام إلا على فعلنا. واعلم أن الإنسان مطلق في صورة مقيد، ومختار في هيئة مضطر، ومرسل في حلية ممنوع، يبين لك ذلك أنه ينقض حاله نقضاً، ويقيس متوسطة على طرفيه، فإنه يدلك بالعبرة الواضحة والعبارة المفصحة، انه ما فعل فعلاً باختيار حمداً أو ذماً الإوقع إليه ما سبق اختيارة من خزاطره ودواعيه ما استحق به استحق به عذراً وتسليماً، لكنه عن طرق العلم والإرادة محجوب، وبلسان الأمر والنهي محجوج، ومتى حاول ذلك الخروج عما أريد به حاول عسيراً، ومتى احتج عن نفسه بما علم منه احتج جاهلاً، فليس
(5/211)

له إلا أن يقف حيث وقف، ويعترف بما عرف، ويسكت عما خفي ولا يستكشف.
الناشئ: الوافر
عدمت من الحبيبة رجع كف ... إلى حل المؤزر والنطاق
وهنت فلم أصل وقت اصطباح ... لندماني بأوقات اغتباقي
لئن آخيت في الدنيا بخيلاً ... ولو بلغ النهاية في وفاقي
أصافي المرء يألفني فنجري ... جميعاً باختلاف واتفاق
وعهد الود محفوظ إذا ما ... أمنا في الوداد من النفاق
وأقطع كل ذي بر وصول ... إذا مزج الخليفة باختلاق
وكم من معقب حسن اجتماع ... يسر به بسوء الافتراق
قال رجل لشريك: أخبرني عن قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه للحسن: ليت أباك كان مات قبل هذا اليوم بعشرين سنة، أقاله إلا وهو شاك في أمره؟ فقال له شريك: أخبرني عن قول مريم " ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً " " مريم: 23 أقالته شاكة في عفتها؟ فسكت الرجل.
وأنشد: الخفيف المجزوء
قل لماش على العصا ... كيف أمسى وأصبحا
ما حوتها يد امرئ ... بعد موسى فأفلحا
عرضت جارية على المتوكل فقال لأبي العيناء: هذه عرضت على أنها شاعرة، فقل شيئاً لتجيز، فقال أبو العيناء: الرمل المجزوء
(5/212)

أحمد الله كثيراً
فقالت:
حين أنشاك ضريرا
قال: يا أمير المؤمنين قد أحسنت في إساءتها.
لدعبل: الكامل
قالت وقد ذكرتها عهد الصبا ... باليأس تقطع عادة المعتاد
إلا الإمام فإن عادة جوده ... موصولة بزياة المزداد
لأبي الغمر الرازي: الخفيف
مكفهر ترتج أعطافه رجا ... كما جاوب المطي المطي
وتولى كأنما في حشاه ... جبل حان وضعه حولي
ظل يحكي بجوده جود كفي ... ملك سيبه هني مري
قال جعفر بن محمد الأنماطي: رأيت رواشن الأشنان والمحلب في دار المأمون مقدمة بقطن، وسمعت المأمون يقول لصاحب الشراب: أحسنت يا بني، إنما يباهي بالذهب والفضة من قلا عنده، فأما نحن فإنما ينبغي أن نباهي بالأفعال الجميلة، والأخلاق المرضية، والشيم الكريمة، فذلك بالملوك أبهى أجمل.
(5/213)

قال بعض السلف: لا تسبوا الغوغاء فإنهم يطفئون الحريق، ويخرجون الغريق، ويسدون البثوق.
قالت أخت عمرو ذي الكلب: المتقارب
وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء خرق تشكى الكلالا
فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل منه الهلالا
فأقسمت يا عمرو لو نبهاك ... إذاً نبها منك داء عضالا
إذاً نبها ليث عريسة ... مفيداً مفيتاً نفوساً ومالا
استأذن أبو سفيان على عثمان فحجبه فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني.
وأنشد: الخفيف
قد أطلنا بالباب امس القعودا ... وجفينا به جفاء شديدا
وذممنا العبيد حتى إذا نح ... ن بلونا المولى عذرنا العبيدا
كتب عبد الملك إلى الحجاج: جنبني دماء آل أبي طالب فإني رأيت آل حرب لما قتلوا حسيناً نزع الله منهم الملك.
(5/214)

شاعر: الخفيف
عش بجد ولا يضرك نوك ... إنما عيش من ترى بالجدود
رب ذي إربة مقل من الما ... ل وذي عنجهية مجدود
شاعر: البسيط
الحذر ينفع ما لم ينزل القدر ... فإن أتى قدر لم ينفع الحذر
وليس من قدر إلا له سبب ... وليس من سبب إلا له قدر
ليس الكريم الذي يؤذي مجاوره ... بل الكريم الذي يؤذي فيصطبر
إن الشباب لهم عذر وإن جهلوا ... وليس يقبل من ذي شيبة عذر
قال ابن عباس رحمه الله: أتيتم بأبي موسى مبرنساً فقلتم: لا نرضى إلا بهذا، وأيم الله ما استفدنا منه علما ولا انتظرنا منه غائباً، ولا أمنا ضعفه ولا رجونا توبة صاحبه، وما أفسد بما صنعا العراق ولا أصحا الشام، ولا أماتا حق علي ولا أحييا باطل معاوية، ولا يذهب الحق فلتة رأي ولا نغمة شيطان.
الناشئ الكبير: السريع
القصد شيء كل ما دونه ... نقص وما جاوزه فضل
وكل هذين رأيناهما ... جوراً وما بينهما عدل
(5/215)

كتب الوليد إلى الحجاج: اكتب إلي سيرتك، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، وأدنيت السيد المطاع في قومه، ووليت الجلد الحازم في أمره، وقلدت الخراج المؤثر لأمانته، وجعلت لكل خصم من نفسي خصماً يعطيه حظاً من نظري ولطف عنايتي، وصرفت السيف إلى المسيء، فخاف المريب صولة العقاب، وتمسك المحسن بحظه من الثواب.
شاعر: الرجز
ما قد مضى قد انقضى ... وما بقي كما مضى
وإنما أعمارنا ... مثل ديون تقتضي
جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت زياد بن علاقة راكباً فيلاً يهوي به في البحر، فقال: الفيل شيطان والبحر جهنم.
قال بشر الحافي: لو كنت لا أعلم لكان أروح لقلبي؛ وأنشد: الكامل
الصعود يرتع في الرياض وإنما ... حبس الهزار لأنه يترنم
لو كنت أجهل ما علمت لسرني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم
روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إذا سأل العبد
(5/216)

الله الشهادة وعلم أنه من خلوص نيته كتبها له وإن توفاه على فراشه.
قيل لابن عباس: لم لا تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة نزلت بالسيف ولا أمان فيها.
من دعاء بعض السلف: اللهم إنك أنت أنت، انقطع الرجاء إلا منك.
وقال بعض السلف في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من نظرة غيظ نفذت من عين حاسد، غائبها الحرب، وشاهدها سلم.
وأنشد: الوافر
إذا امتنع المقال عليك فامدح ... أمير المؤمنين تجد مقالاً
فتى ما إن تزال له ركاب ... وضعن مدائحاً وحملن مالا
لدعبل: المتقارب
وميثاء خضراء زريبة ... بها النور يزهر من كل فن
ضحوكاً إذا لاعبته الرياح ... تأود كالشارب المرجحن
فشبه صحبي نواره ... بديباج كسرى وعصب اليمن
فقلت بعدتم ولكنني ... أشبه بجناب الحسن
(5/217)

أنشد بعض من وفد على عثمان في خلافته وقد سأله عن حصن بناحية هراة: الطويل
محلقة دون السماء كأنها ... غمامة صيف زل عنها سحابها
ولا يبلغ الأروى شماريخها العلى ... ولا الطير إلا نسرها وعقابها
وما خوفت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلا النجوم كلابها
شاعر: الخفيف المجزوء
ريما خير الفتى ... وهو للأمر كاره
وأتاه السرور من ... حيث تأتي المكاره
آخر: الكامل المجزوء
يا صاح قلبي غير صاح ... لج الهوى بي في جماح
جسد كسي ثوب الضنى ... فالروح منه على رواح
قالت مزحت بهجره ... والقتل ليس من المزاح
قال أبو سعيد: " زيتون " يجوز أن يكون فيعولاً وفعلوتاً وهو أولي لأنه من الزيت وقد لزم الواو.
وقال الناشئ أبو العباس في نقد الشعر: الشعر قيد الكلام، وعقال الأدب، وسور البلاغة، ومحل البراعة، ومجال الجنان، ومسرح البيان، وذريعة المتوسل، ووسيلة المتوصل، وذمام الغريب، وحرمة
(5/218)

الأديب، وعصمة الهارب، وعذر الراهب، وفرحة المتمثل، وحاكم الإعراب، وشاهد الصواب.
شاعر: الوافر
أما والراقصات بذات عرق ... ومن قد طاف بالبيت العتيق
لقد دب الهوى لك في فؤادي ... دبيب دم الحياة إلى العروق
قال أعرابي لآخر في حديث له: والله لو نظرت إلى أجفانه وقد تجافت عن سحابة عينه تهطل رذاذاً كأنها تغازل معشوقاً، تعاتب تارة وتصالح أخرى، وكأن إنسان مقلته ناثر دراً على عروس وجنتيه لأهميت حسرة على حسرة، وأطلقت زفرة على زفرة، ولشققت مرارة على مرارة، وبكيت أهل العشق رحمة.
لما ماتت أخت بشر بن الحارث الحافي حزن بشر، فقيل له في ذلك فقال: والله ما حزني عليها ولكن يقال: إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله ما كان يأنس به في دار الدنيا.
قيل لبشار: أي شيء تتمنى له البصر؟ قال: السماء، لقول الله تعالى " وزينا السماء الدنيا بمصابيح " فصلت: 12 وما زينة الله ووصفه يجب أن يكون حسناً.
لأحد بني طاهر بن الحسين: السريع
(5/219)

يا سائلي عن موقع الحظ وال ... عقل انصرف بالحجج القاهره
الحظ للدنيا التي تنقضي ... والعقل للدنيا وللآخرة
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإذا لم يستقيموا لكم فضعوا السيوف على عواتقكم ثم أبيدوا خضراءهم.
وروي عنه صلى الله عليه: لا تهزمن قريش ما استرحموا فرحموا، وقسموا فعدلوا، فإن لم يفعلوا فعليهم لعنة الله.
شاعر: الطويل
ولما علاها الماء قنع رأسها ... بدرع حباب صيغ من لؤلؤ رطب
أرق من الشكوى وأحلى من المنى ... وأعذب من حب يزيد هوى حب
يقال هما للراضي.
لإبراهيم بن سيار النظام المتكلم: المتقارب
ذكرتك والراح في راحتي ... وشبت المدام بدمع غزير
فإذا ينفد الدمع فرط الأسى ... بكاك الفؤاد بدمع الضمير
لابن طباطبا العلوي: الكامل
لم يكف ما قد سامني بغيابه ... حتى تلقاني بسيف عتابه
نفسي الفداء لغائب عن ناظري ... ومحله في القلب دون حجابه
لولا تمتع مقلتي بجماله ... لوهبتها لمبشري بإيابه
(5/220)

قال أبو عثمان: إن الله تعالى قد قسم الصنع بين جميع أفعاله: محبوبها ومكروهها، فأضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وعافى وابتلى، وعاقب وعفا، ولم يعطل البلاء من تكليف الصبر، كما لم يعطل النعمة من تكليف الشكر، وجعل الشكر لا ينال إلا بالصبر، كما جعل الصبر لا ينال إلا بالعزم وجعل العزم لا ينال إلا بالعلم، كما جعل العلم لا ينال إلا بالعقل، وجعل الخيرة مقرونة بالمكروه، كما جعل الشكر موصولاً بالمزيد، وجعل طول النصب استنفاداً للقوة، فجعلنا نعالج الجمام بالكد، كما نعالج بالجمام، وكل ذلك ليردنا إلى الاقتصاد، ويعرفنا أن الفضيلة في تعديل الأمور، وجعل النسيان حظاً من الخيرة، ولذلك قال الحسن: إن الله تعالى "......... " ولولا ذلك لما انتفع النبيون والصديقون بالعيش وهو الأمل والأجل والنسيان، فجعل النسيان ركناً من أركان المصالح، ولو اجتمع في حفظ الإنسان وذكره توقع مكروه يجوز وقوعه، وفوت كل مرجو يجوز فوته، وذكر كل جناية جناها على من لا تؤمن مكافأته، وجناها جان ثم عجز عن مجازاته، ثم ذكر ذلة المعجزة وخمول ذي القلة، وذكر مع ذلك كل قاذورة كانت منه في شبيبته، وكل فسولة كانت منه في كهولته، لشغلة ذلك عن كسب ما لا بد منه من مرمة دنياه، وإصلاح أمر آخرته، وكذلك صنيع الله في الجد والمزاح في إمتاعه بالمنى والضحك وهما وإن كانا في ظاهر الأمر لا يعجلان عليك نفعاً معروف المكان، فإنهما يحدثان خيراً في باطن النفس، ويثمران نفعاً عند تعقب الأمور، لأن المنى استراحة وتفرغ، والضحك سرور وتنشيط، وفرق بين الأماني والآمال أن الآمال مقيدة بالأسباب، والأماني منطلقة لا يجوزها حد، ولا يحلبها سبب، وإصلاح موقع
(5/221)

الأماني بتوقع الأماني من النفوس صارت النفوس كلها لا تمنع منها، ولا تخلو من الذهاب معها.
والنفس الحية الحاسة لا يجوز أن تبقى فارغة ممسكة عن جميع الأفعال، فتكون هي والموتى سواء، ومتى لم يحضر للقلب عزم على أمر معروف أو منكر في حاجة قائمة، عاجلة وآجلة، فلا بد للقلب من أن ينصرف إلى عمل من الأعمال، وليس بعد الاعتزال إلا المنى، فقد صارت الأمنية من أكبر الآفات، وأثبت الأركان، وليس في طاقة القلب أن يكون أبداً محتملاً لوحشة الفكر وثقل الاعتبار، وللنظر في ملكوت السموات والأرض، ولكل يوم أجل، ولكل استطاعة غاية فأطلق المباح، وألزم الفرض، وخير في النفل وأرغب فيه ولم يفرضه، وأعطى عليه الثواب ولم يوجبه، وركب الدنيا على الصميمين والفصلين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أمزح ولا أقول إلا الحق، وقال: قد جئتكم بالحنيفية السمحة غير القاسية ولا الغالية، وأمرت بالإفطار والصوم والصلاة والنوم، ولو حمل الناس أنفسهم على حد الجد في كل حال ومر الحق في كل مذهب، لا نحلت القوى، وانتقضت المنن، ولذلك قالوا: دين الله بين الغالي والمقصر، وقالوا: خير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة، وقالوا: بينهما يرمي الرامي، وقالوا في المثل: لا تكن حلوا فتبلع، ولا مراً فتلفظ، ولولا أن النفس مكدودة متعبة ومعناة نصبة من حين لا يعرف، ومن ضربان عرق لا يفتر، واختلاج عصب لا يسكن، ومعالجة القلب الهموم، ومدافعة الطباع الأغذية، وطلب الاستمرار من تنفس الرئة
(5/222)

واسترواح النفس من حد المنخرين، واستراحتها إلى التثاؤب والتمطي، ومضادة الطبائع للنفس، ومنازعة الشهوات إلى ما تدعو إليه، ومعالجة الأمراض وألم الجسد.
وقال: المؤمن بين أربع: بين كافر يجاهره، ومنافق يبغضه، وشيطان يفتنه، ومؤمن يحسده، مع غير هؤلاء من الأمور التي تساره تارة، وتعالنه أخرى.
أنا ألهج - أيدك الله - بكلام أي عثمان ولي فيه شركاء من أفاضل الناس، فلا تنكر روايتي لكلامه فإن لي فيه شفاء، وبه تأدباً ومعرفة، قد يسلم على أكثر الناس، ولم يبر إلا على متخلف ساقط دونه.
قال أبو بكر بن دريد: أوضح الدلالة على ضعف الرجل في صناعته أن يكون محظوظاً منها، لأنه لا تكاد تجد متناهياً في حذاقته إلا وجدته متناهياً في حرفته.
قال أعرابي: إياك والعجلة فإن العرب كانت تكنيها أم الندامات لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، ويقطع قبل أن يقدر، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعد الحمد، ومن كان كذلك صحب الندامة، واعتزل السلامة.
شاعر: الوافر
خلا من دهره خمسون عاماً ... وأدبه التجارب والزمان
فلا أحد يدوم على وفاء ... ولا للدهر من حدث أمان
(5/223)

إذا ما كان عندي قوت يوم ... ألا فعلي بالدنيا هوان
كأن القوم قد مسخوا كلاباً ... لهم عن كل مكرمة حران
فدعني لا تعرضني لقوم ... فقد بينت لو نفع البيان
ولي شأن طويت عليه همي ... وكل فتى له هم وشان
قال الجاحظ: قلت مرة للحرامي: قد رضيت بقول الناس إنك بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم، قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأنه لا يقال فلان بخيل إلا وهو ذو مال، فإذا سلم لي مالي فادعني بأي اسم شئت، قلت: ولا يقال سخي إلا وهو ذو مال، فقد جمع هذا الاسم المال والحمد، وجمع ذلك الاسم المال والذم، قال: بينهما فرق، قلت: هاته، قال: في قولهم بخيل تثبيت لإقامة المال في ملكه، واسم البخيل اسم فيه حزم وذم، واسم الصخاء فيه تضييع وحمد، والمال نافع ومكرم لأهله معز، والحمد ريح وسخرية، واستماعه ضعف وفسولة، وما أقل والله غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه وعري جلده، وضاع عياله وشمت عدوه.
قيل لجعفر بن يحيى: ما البلاغة؟ قال: أن يكون للكلام حد لا يدخل فيه غيره، قيل: مثل ماذا؟ قال: مثل قول علي رضي الله عنه: أين من سعى واجتهد، وجمع عدد، وزخرف ونجد، وبنى وشيد؛ فأتبع كل حرف من جنسه، ولم يقل سعى ونجد، وزخرف وعدد، وول قال زخرف وعدد لكان كلاماً، ولكن بينهما ما بين السماء والأرض.
(5/224)

قيل لعلي رضي الله عنه: كم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة، قيل: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس، قيل: فكيف يحاسب الله يوم القيامة الخلق على كثرة عددهم؟ قال: كما يرزقهم في الدنيا على كثرة عددهم.
قيل لأفلاطون: أي الأمور أعجب؟ قال: أن يكون العمل على خلاف العلم.
قيل لأعرابي: أما تتأذى برائحة الودك؟ قال: فقدي له أشد أذى.
قيل لفيلسوف: لم لا يشتد فرحك بأخيك في حياته كشدة حزنك عليه بعد وفاته؟ قال: لأني كنت أعلم في حياته أنه يموت، والآن أعلم بعد وفاته أنه لا يعيش.
قال أعرابي: أتيت فلاناً قبل أن ينطق الديك فخرس عن جوابي، ورجعت إلى أهلي خفيف الظهر وافر العرض.
قال ابن السماك في دعائه: اللهم أصلحني قبل الموت، وارحمني عند الموت، واغفر لي بعد الموت.
قيل لمحمد بن واسع: كسف أصبحت؟ قال: أصبحت والله طويلاً أملي، قصيراً أجلي، سيئاً عملي.
(5/225)

كتب عمر بن عبد العزيز إلى عون بن عبد الله يعزيه بابنه: أما بعد، فإنا ناس من أهل الآخرة أسكنا الدنيا أموات أبناء أموات، فالعجب لميت يكتب إلى ميت يعزيه عن ميت والسلام.
قيل لفيلسوف: من الحكيم؟ قال: م تظهر أفعاله وأقواله متساوية متشابهة.
كتب إبراهيم بن يحيى إلى بعض الخلفاء: أما بعد، فإن من عرف حق الله فيما أخذ منه عظم حق الله تعالى عليه فيما أبقى له؛ واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي بعدك، والباقي بعدك هو الماضي قبلك، وأن أجر الصابرين فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعاقبون عليه.
قال أبو تميم الهجيمي: إن أقواماً غرهم ستر الله تعالى، وفتنهم ثناء الناس، فلا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك، أعاذنا الله تعالى وإياك أن نكون مغرورين بالستر، مفتونين بالثناء.
وقال فيلسوف: ينبغي للعاقل أن يفعل الواجب من غير أن يجب عليه، ويمتنع مما لا يجب من غير أن يمنع منه.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الدنيا دار صدق لمن
(5/226)

صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودارغنى لمن تزود منها، مهبط وحي الله تعالى، ومصلى أنبيائه، ومسجد أوليائه، واكتسبوا فيها الحسنة، ونالوا الرحمة، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ودعت إلى خرابها، ترغيباً وتخويفاً، فيا أيها الذام للدنيا متى استذمت إليك؟ متى غرتك؟ أبمنازل آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك في الثرى؟ ثم أشرف على أهل المقابر فقال: يا أهل الغربة، ويا أهل التربة، أما المنازل فقد سكنت، وأما الأزواج فقد هديت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا، فليت شعري ما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه وقال: والذي نفسي بيده لو أذن لهم في الكلام لأجابوا: ألا إن خبر الزاد التقوى.
قال الحسن البصري: لا تجاهد في الطلب جهاد المغلب، ولا تتكل على القدر اتكال المستسلم، فإن ابتغاء الفضل من السنة، والإجمال في الطلب من العفة، وليست العفة بدافعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً؛ الرزق مقسوم، والأجل محتوم، وفي الحرص اكتساب المآتم.
قال جابر بن عبد الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتم بعد حلم، ولا رضاع بعد فطام، ولا صمت يوما إلى الليل، ولا وصال في الصيام، ولا نذر في معصية، ولا تعرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح،
(5/227)

ولا طلاق قبل النكاح، ولا عتق قبل ملك، ولا يمين لزوجة مع زوح، ولا يمين لولد مع والد، ولا يمين لمملوك مع سيده والسلام.
هذا آخر الجزء الخامس من كتاب البصائر، والله أسأل الانتفاع به والعمل ببعض ما فيه فإنه قد تحمل أدباً جماً، وعلما غزيراً وفضلاً بارعاً، وأساله عز وجل أن ينفعك به ويتم نعمه عليك إن شاء الله تعالى، والله الموفق.
(5/228)