Advertisement

البصائر والذخائر 009

/الجزء التاسع
بسم الله الرحمن الرحيم

رب أعن
اللهم أسألك خفايا لُطفك وفواتح توفيقك، ومألوف برك، وعوائد إحسانك، وجاه المقدمين من ملائكتك، ومنزلة المصطفين من رُسلك، ومكانة الأولياء من خلقك، وعاقبة المتقين من عبادن؛ أسألك القناعة برزقك، والرضا بحكمك، والنزاهة عن محظورك، والورع في شبهاتك، والقيام بحججك، والاعتبار بما أبديت، والتسليم لما أخفيت، والإقبال على ما أمرت، والوقوف عما زجرت، حتى أتخذ الحق جنة عند ما خف وثقل، والصدق سنة فيما عسر وسهل، وحتى أرى أن شعار الزاهد أعز شعار، ومنظر الباطل أشره منظر، فأتبختر في ملكوتك بالدعاء إليك، وأبلغ الغاية القصوى بين خلقك بالثناء عليك، متيقناً أن الاقتصاد أوطأ سبيلاً وأعز حريماً.
(9/5)

هذا الجزء التاسع من البصائر، وكان عذري فيه - أعني الكتاب - أنه يتم بما يسر الناظر، وأرى العجز قد قهر، والاستعفاء قد حسن، والعذر قد وجب، لأن البقية من مذاكرة الأدب إذا اختصها هذا الجزء بقيت بقية في الصوفية، وقد كان الوعد سلف إفرادها عن سائر الفنون، وبقيت بقية أخرى من فلسفة الفلاسفة. وقال لي بعض إخواني: قدم من هذين الفنين ما إذا تخلص من الجملة كان لأثره وقع، فاقتصرت على ذلك، ولعمري إن الوصف على ما يأتي عليه، ولكن ليس الرأي على ما أرشد إليه، لأني فقير إلى ما يستغني هو ونظراؤه عنه، وضماني لا يزول برأي غيري، وحاجَتي لا تسقط بكفاية من سواي، وأنا جار على المصلحة المنوية في هذا الكتاب لنفسي ولمن يجري مجراي، ويعتذر إلى من خالفني في هذا الرأي. ولم يختر هذا التطويل، لأن الرغبة الصادقة في العلم تخفف علي كل (ثقيل) ، وتذلل كل صعب، وتزيل كل زهد، وترسل على الجساء ناعماً، و (تجعل) منظر الشوهاء رائعاً، وبعيد المطلوب دانياً، ووعر المحتاج إليه سهلاً، وأبي المتمني سمحاً، وعصي المراء طيعاً. واعلم أن المحظوظ من أنعم بالعلم عليه، ووفق للإخلاص فيه، وحشي سره طمأنينة، وبوشر قلبه بالسكون، ورفع همه عن الإشناق إلى ما لا يليق به واستشراف ما لا يصل إليه، ولن يحسن هذا المحظوظ عشرة هذه النعمة، ولا يستمتع بنضرتها، ولا يحمد غبها، دون أن يكون رائضاً للسانه على الشكر، وعامراً لصدره بالإخلاص، وهاجراً للهوينا في ما اجتلب الزيادة، مجانباً للتفريط في ما وكل به المقت والتصق به العار أو وصمته القالة؛ ولن ينتفع بهذه المقدمات كلها دون أن يعلم أن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، وأن من فاتته في العاجل صنع له، وأن ما نال منها وبال، وأن القرار في دار الآخرة التي من سلك سبيلها نجا، ومن راغ عن
(9/6)

سنتها ضل وغوى.
فاعرف - حفظك الله - هذه الوصايا، وأدب سرك بهذه المواعظ، واستيقن أن زائدها وإن اتصل ناقص، وظلها وإن امتد قالص، ومقيمها وإن تلوم شاخص، وكن مقبوض الكف، مغضوض الطرف، إلا عما أباح الله ورخص فيه وأذن لك أن تتناوله؛ واحذر الانهماك فإنه شوط عسير، وغاية ذات ندامة، وضرب (ليس) من حزب الفضلاء، واعمر عمرك بالصالح من العمل، والصادق من القول، والصحيح من الاعتقاد، ولا تبحث عما زوى الله سره عنك، ونزه حكمته عن تحصيلك، واستأثر بغيبه عن احتجاجك بقلبك، ولا تعترض على خالقك لالتباس يرد عليك، أو لشبهة تغالب فطنتك، فإن النظام جار على التمام، والخير واصل إلى الخاص والعام، فاحمد الله الذي أفردك بالصلاح في دهر الفساد، وزينك بالكرم في زمان اللؤم، وحبب إليك الإحسان بين أهل الإساءة.
وسل الله مزيداً لك، ورفقاً بك، وأخذاً بيدك، وعافية في جسمك، وحراسة للنعمة عندك، وصرفاً للصروف عن ساحتك، فإنه جواد واجد، ملك ماجد.
اللهم إني أشكو إليك سوانح نفسي، وفلتات ضجري، وقوارص لساني، وسيئات عملي، وخوادع أملي، فكن لي نصيراً وبي رحيماً، فلا قوة لي إلا بك، ولا توفيق إلا منك، ولا منال إلا على يدك، قلبني بين ما تحب وترضى، وقربني من حياضك الممدودة، ورياضك الممطورة، واسقني بكاس الرضا سلوة عن الدنيا، وامح أثرها من صدري، واجعل نازل قضاياك قريناً لصبري، وأحيني في طاعتك ناضر الوجه، صريح اللب، مرجواً مأمون الغوائل، ثم اقبضني إلى مقام الصادقين، واحشرني في
(9/7)

حزبك، ألا إن حزب الله هم الغالبون؛ وصل على أمين خلقك، وحامل وحيك، الواسطة بينك وبين عبادك، ما لمع بارق، وذر شارق، إنك على ذلك أقدر القادرين وأجود الجائدين.
(9/8)

قال النبي صلى الله عليه وسلم: خمس من أتى الله بهن أو بواحدة منهن أو جب له الجنة: من سقى هامة صاديةً، أو أطعم كبد هافية، أو كسا جلدة عارية، أو حمل قدماً حافية، أو أعتق رقبة عانية.
قوله سقى وأسقى، وقد فصل قوم بينهما، فقال: سقى أي جعل له ما يسقي به نفسه، وأسقى أي حصل له ماء سقيا، والسقي - بكسر السين - فنصيبه الباقي من المسقي، فأما السقي فمصدر على بابه المعتاد. والهامة الصادية: الإنسان العطشان، وفي سقي الماء آثار مأثورة: والصدى مقصور، يقال: صدي يصدى صدىً وهو صادٍ. والكتاب يقولون: أن صاد إلى لقاؤك، على الاستعارة، فهو كلام العرب، وأما الصدى فهو الذي يجيبك إذا ناديت بين جبلين، وذلك تراجع الصوت على الحقيقة ليس إن حيواناً يرد عليك وتقول في الأول أن صادٍ وصديان وهي صادية وصديا، ويقال: فلان صدى مالٍ إذا كان سائساً له لا هم له سواه. وقوله: " كبداً هافية " من الجوع فإن الكبد تهفو أي تخف، يقال: فلان قلبه هافٍ وأمره غافٍ وسره وافٍ، هكذا سمعت الحراني بمكة، وكان فصيحاً. وأما الرقبة العانية فهي المماليك، لأنهم أسرة قبضة. وإنما قلت هذا لأن بعض ما يضيق عطنه عن الاتساع في الاستعارة قال: فإن أعتق عانياً لا يجوز، وهذا يعوزه تمييز تصحيح الكلام من سقيمه.
(9/9)

خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم وعليه حلة، فنظر الناس إليه مستريبين، فلما رآهم كذلك أنشد:
لا شيء فيما ترى إلا بشاشته ... يبقى الإله ويفنى المال والولد
والله ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب. هكذا سمعت ابن الجعابي يروي، قال: وقال بعض جفاة النساك: ما لبس عمر حلة قط. وهذا أيضاً جهل آخر، قد لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلة، وركب الجواد، وشرب الحلو والبارد، وباشر النساء، ولم يله عن الله عز وجل في خلال ذلك، لقوة عزيمته في الإيمان، ولشدة منته في التقوى، وكذلك الصالحون من هذه الأمة على درجاتهم، لا يصغر شيء من هذا، ومتى كان التناول لله والترك لله لم يكن للباطل بين ما الله وما بالله موقع، ولا للحق فيه منزع.
قيل لحاتم الأصم: لو قرأت لنا شيئاً من القرآن فقال: نعم، فاندفع يقرأ: آلم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للشقيين الذين لا يؤمنون بالغيب ولا يقيمون الصلاة ومما رزقناهم يكنزون. قالوا: ليس هكذا قال: صدقتم. ولكن كذا أنتم قال يحيى بن وثاب في بغداد مدينة السلام وقبة الإسلام معدن الخلاف ومعقل الأناقة جعلها الله لخليفته مثوى ولشيعته مهوى.
قال ثعلب: يقال فلان كالبدر ليلة تمامه وكدرة شق عنها
(9/10)

الصدف، وفلان أمضى من السيف، وأدفأ من النار، ولسان فلان كالمبرد ووجه فلان كالمسن، وجبينه كاللجين قال الناشئ الكبير
العيش فانٍ فمن عد الغنى كدراً ... فعف ثم اكتفى بالعفو منه صفا
أشدد يديك بمن تهوى فما أحد ... يمضي فيدرك حقاً بعده خلفا
واستعتب الحر إن أنكرت شيمته ... والحر يستأنف العتبى إذا أنفا
ولم تجد من له في قصده سبق ... إلا وجدت له عن حظه جنفا
من ذا الذي نال حظاً دون صاحبه ... يوماً وأنصفه في الود أو نصفا
لا خير في رجل يعطيك مهجته ... حتى إذا أعجبته حاله انحرفا
وله:
فإن تكن الأيام خانت فربما ... أرتنا زمام الحر في قبضة العبد
وله:
ملكنا وكل المماليك ميسما ... ودنا وكنا للديانة موسما
قال جحا لأمه: اخبزي، قالت: ليس لنا دقيق، قال: فاخبزي فطير
(9/11)

لليثي في قتل محمد بن زيد وآله:
آل زيد رماكم الده ... ر واجتث أصلكم
بدد القتل بالصوا ... رم والسمر شملكم
لا أرى الذنب للذي ... أحدث الآن قتلكم
بل أراه لمعشر ... أسسوا ذاك قبلكم
لما صار امرؤ القيس بمدينة تدعى أنقرة مرض وأحس بالموت فقال:
رب خطبة مسحنفره ... وطعنة مثعنجره
وجفنة مدعثرة ... متروكة بأنقره
ورأى قبراً لمرأة من بعض بنات ملوك الروم فقال:
أجارتنا إلى الخطوب تنوب ... وأني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان هاهنا ... وكل غريب للغريب نسيب
وكان وسيماً جسيماً وكان مع ذلك مفركاً، قال لامرأة: ما تكره
(9/12)

النساء مني؟ قالت له: لأن ريحك إذا عرقت ريح كلب، قال: صدقت
قال ثعلب: الشبادع العقارب، وقال: الأزيب: الدعي، وهو في بيت الأعشى: الذكي، والأزيب من الرياح.
قال شبيب بن شيبة: اشتريت جارية فأصبت منها ما يصيب الشيخ من الشابة، ثم خرجت لحاجتي ورجعت وقد عصبت رأسها، فقلت: ما لك؟ قالت: لا جزاك الله خيراً، ما زدت على أن هيجته وتركته يتقطع في أوصالي قال الأصمعي، قال أبو عبيدة: رأيت بطريقي مكة أعرابية تبيع الخوص لم أر أجمل منها قط، فوقفت أنظر إليها متعجباً من جمالها، إذا أقبل شيخ فقير فأخذ بأذنها فسار بها، فقلت من هذا؟ قالت: زوجي، قلت: كيف يرضى مثلك بمثله؟ قالت: إن له قصة، ثم أنشدت:
أيا عجباً للخود يجري وشاحها ... تزف إلى شيخ من القوم تنبال
دعاني إليه أنه ذو قرابة ... فويل الغواني من بني العم والخال
(9/13)

قرأت في مجموع لابن المعتز من أخبار شارية المغنية:
جعلت طريقي على بابكم ... وما كان بابكم لي طريقا
صرمت الأقارب من أجلكم ... وصافيت من لم يكن لي صديقا
سمع عمر بن الخطاب راكباً بفلاة يتغنى فقال: إن الغناء زاد الراكب.
قال أبو العيناء لرجل: والله ما فيك من العقل شيء إلا بمقدار ما تجب به الحجة عليك، والنار لك.
كاتب: إن الشكر من الله بأحسن المواضع، فازدد منه تزدد به، وحافظ عليه تحفظ به.
قال الناشئ الكبير، قال الحكماء: متى كانت الهمة فوق النعمة كان الفقر أحسن من السؤال.
شاعر:
العبد عبدك فاحكم فيه واحتكم ... وأعدل وجر غير مأخوذ بلا ولم
لا رد عندي لما تأتي به أبداً ... ولو حكمت لأعدائي بسفك دمي
اصدد إذا شئت أن يعتادني سقم ... وصل إذا شئت أن أبرا من السقم
ونور وجهك لولا ما أؤمله ... من نور طيفك لي في النوم لم أنم
(9/14)

قال أحمد بن أبي طاهر، حدثني حبيب - يعني أبا تمام - قال، حدثني كرامة قال: قدم علينا رجل من ولد معدان بن عبيد المغني بغداد، وكان شاعراً قد ناله من البرامكة مال كثير، فقلت له: كيف تركت آل برمك؟ قال: تركتهم وقد أنست بهم النعمة حتى كأنها منهم أو بعضهم. قال كرامة: فحدثت بهذا الحديث ثعلبة بن الضحاك العامري فقال: قد سمعت من بعض أعرابكم نحواً من هذا، قلت: وما هو؟ قال: قدم علينا فلان في عنفوان خلافة هشام، فرأى آل خالد بن عبد الله القسري فقال: إني أرى النعمة قد لصقت بهؤلاء القوم حتى كأنها منهم، قلت: فإن صاحب هذا الكلام ابن عم صاحب ذلك الحديث في ما أرى.
قال أحمد، حدثني حبيب قال، حدثني أبو محسن الأزدي، قال، حدثني عمرو بن سراقة قال: قدم علينا شيخ من أزد البصرة وكان حدثاً قال: سأل رجل عبيد الله بن أبي بكرة فأغناه، فجاء الرجل بعشيرته شاكرين له، فالتفت عبيد الله إلى بعض ولده فقال: ما أخوفني أن يكون الحمد في
(9/15)

الرياء!! فقال له: قد أمنك الله من هذا أيها الشيخ، قال: صدقت ويلك، أما ترى قليل ما أعطيناه وكثير ما أخذناه؟ قال أذاراي: الدهر زمان ساكن، والزمان دهر يفسد ما يحركه.
قال أفلاطون: من زعم أن الحركة يلزمها الخفة والثقل من جهة الإبطاء والسرعة وهي متناهية ذات أشكال كثيرة، وليس متناه ذو أشكال كثيرة إلا وأشكاله منفصلة، لم تنفصل إلا عن شيء لزم بعضها دون بعض.
قال أفلاطون: الإيضاح على نحوين: أحدهما من تلقائنا والآخر من تلقاء الطبيعة، فالذي من تلقاء الطبيعة كلي، والذي من تلقائنا جزئي.
وقال: لولا أن العقل شكله شكل فلكي لكان منقطعاً، وهو مع أنه يوصف بالحركة على نحو ما ساكن.
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إلى كم أغضي الجفون على القذى، وأسحب ذيلي على الأذى، وأقول لعل وعسى.
سمعت بدوياً ببطن نخل يقول في كلام له: رب مطرق على شجىً، ومعنق على وجىً.
(9/16)

قال أعرابي في وصف سيده: هو نبعة أرومته، وأبلق كتيبته، ومدره عشيرته، ونابهم الذي عنه يفترون، وبابهم الذي إليه يضطرون.
قال أعرابي في وصف رجل: إذا ناضل كشف القناع، وإذا فاضل ترك الخداع، وإذا حارب حسر اللثام، وإذا سالم أصلح النظام.
سمعت بدوياً بفيدٍ يقول في وصف آخر: إن مد باعه إلى الكرم قصر، وإن أطلق لسانه في الجدل حصر.
وقال دريد بن الصمة لهوازن يوم حنين: أين أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: لا حزم ضرس، ولا سهل دهس.
قال أعرابي: لا يشق غباره، ولا ينال طواره ولا يرتق فتقه، ولا يبلغ عمقه.
قال بعض النساك: أمارة الاغترار بالله، الإصرار على سخط الله.
قال أعرابي: سخيف لا يرعى، حقه لا يرعى.
سمعت أبا فرعون التميمي يقول: ما أسهل السرب على الماتح، وأهون المصيبة على النائح.
(9/17)

أفلاطون: المتعلم يحتاج إلى لم، كما أن الفيلسوف يحتاج إلى ما.
وقال أيضاً: تبيان المسالة حسن الوضع.
وقال صاحب المنطق: الإيضاح لا يكون من الممكنات ولكن من المضطرات.
قال أرسطاطاليس في كتابه الذي بعد الطبيعة: فوق جوهر السماء جوهر لا عظم له ولا قدر من الأقدار، يستحيل بنوع من الاستحالات، لا نهاية لقوته، ومن أجل ذلك يفعل فعله بلا زمان، وهو فعال بذاته، فلذلك هو دائم الفعل، وليس فعله بحركة، ولا فيه شيء بالقوة، لكن الأشياء فيه بالفعل، وقوته منبعة في العالم دائماً.
كتب بعض الأدباء إلى ابن سعدان في وزارته رقعة دل بها على أنه كان. على الخير لا الشر، لكني وجدتها مليحة التلطف: عبد مولانا - أطال الله
(9/18)

بقاءه - وإن كان منبوذاً بالعراء، مقصوداً بالجبه، لا يلحظ بعناية. ولا يضاف إلى كفاية، فإنه لنصح جيبه، ونقاء ضميره، وتعصبه لهذه الدولة الميمونة، وعشقه لهذه الأيام المأمونة، يستقري الجلي متعرفاً ويستنبط الخفي مستشفاً، ثم ينهيهما على رسم الخدمة، ليكونا مادة لرفع ولي وتقديمه، وقمع عدو وتقويمه، وكان كذا وكذا، وأنهيت ذلك على مذهب الخدم ليكون رأيه من ورائه، فإن رأى - لازالت كف السعادة له مصافحة، ولسان الدولة ناصحة، ما تعاقب الجديدان وتصافح اللديدان - أن يعرف انتصابي للخدمة، ونفيي والقذى عن المملكة، فعل إن شاء الله.
فلما قرأ أبو عبد الله قال: ما أحسن ما احتال في شكوى حاله بين أضعاف مدحه، جئني برقاعه وحاجته، فقضى كل حاجة كانت له.
قال كاتب: القلم الدوائ كالولد العاق وقالوا القلم أحد اللسانين، والعم أحد الأبوين، والتثبت أحد العفوين، والمطل أحد المنعين، وقلة العيال أحد اليسارين، والقناعة أحد الرزقين، والوعد أحد الصرفين، والإصلاح أحد الكسبين، والراوية أحد
(9/19)

الهاجيين، والهجر أحد الفراقين، واليأس أحد النجحين، والمزاح أحد السبابين.
سألت السيرافي عن قول من قال: المزاح سمي مزاحاً لأنه أزيح عن الحق، فقال: هذا محكي عن ابن دريد، وهو باطل، الميم من سنخ الكلمة في (مزحت أمزح) ومن (أزيح) تكون زائدة.
وقال أبو سعيد: كان أبو بكر ضعيفاً في التصريف والنحو خاصة، وفي كتاب (الجمهرة) خلل كثير، قلنا له: فلو فصلت بالبيان عن هذا الخلل وفتحت لنا باباً من العلم فقال: نحن إلى ستر زلات العلماء أحوج منا إلى كشفها، وانتهى الكلام، فلما نهضنا من مجلسه قال بعض أصحابنا: قد كان ينبغي لنا أن نقول له: حراسة العلم أولى من حراسة العالم، وفي السكوت عن أبي بكر إجلال ولكن خيانة للعلم.
فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف إن بلغ مراده، وإلا فإلى السيف معاده.
شاعر:
(9/20)

تعس الزمان لقد أتى بعجاب ... ومحا سطور الفضل والآداب
واتى بكتاب لو انطلقت يدي ... فيهم رددتهم إلى الكتاب
نعم من الأنعام إلا أنهم ... من بينهم خلقوا بلا أذناب
قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أعظم النساء بركة أحسنهن وجهاً وأرخصهن مهراً ".
وقال عليه السلام: " أفضل ما أفاد المسلم بعد الإسلام امرأة مؤمنة، إذا رآها سرته، وإذا أقسم عليها برته ".
يقال: التزويل هو أن يمتد الأير ولا يشتد، والإكسال أن يجامع الرجل ولا ينزل.
قال الكسائي: أفدت المال أعطيته غيري، وأفدته استفدته، قال الناس: يقال: فاد المال نفسه لفلان يفيد إذا ثبت له مال، والاسم الفائدة، وفاد الرجل إذا مات.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما النساء لعب، فليستحسن الرجل لعبته ".
وقال عليه السلام: خير نساء ركبن الإبل هن صوالح قريش،
(9/21)

أحناهن على والد، وأرعاهن على زوج في ذات يدٍ.
مات أعرابي عن أعرابية يقال لها طيبة، وخلف عليها بنياً، وتزوجت المرأة سراً والغلام لا يعلم، وكانت تختضب وتكتحل ويرى الغلام ما لا يعجبه، وكان الرجل يأتيها ليلاً وينصرف مع الصبح، فقال الغلام:
ياطيب ما هذا بفعل حانيه
أكل يوم حلة مدانية
وكحل عينين وكف قانيه
إما على بعل وإما زانيه
والله ما أرضى بهذا ثانيه
الحانية: المتعطفة، والمصدر الحنو، فأما قولهم: حنت النعجة فيريدون اشتهت الذكر.
قال أعرابي: في وصف الجارية يقال: ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، ظريفة اللسان، واردة الشعر، يقال في اللغة: التليعة: الطويلة العنق، ويقال: فيها تلع.
قيل لأعرابي: أتحسن وصف النساء؟ فقال: إذا عذب طرفاها، وسهل خداها، ونهد ثدياها، ولطف كفاها، وبض ساعداها، وعرض وراكها، والتف فخذاها، واخدلج ساقاها، فهي هم النفس ومناها.
(9/22)

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: للمسلم على أخيه حقوق لا براء منها إلا بأداء أو عفو، ومنها: يغفر زلته ويرجم عبرته، ويقدم نصيحته، ويديم صلته، ويعود مرضته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافئ صلته ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويحفظ حليلته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويشمت عطسته، وينشد ضالته، ويرد سلامه، ويطيب كلامه، ويبر إنعامه، ويصدق أقسامه، ويواليه ولا يعاديه. وينصره ظالماً ومظلوماً، وأما نصرته له ظالماً فيرده عن ظلمه، وأما نصرته مظلوماً فمفهوم، ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه.
ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول: " إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئاً فيطالب به يوم القيامة فيقضى له عليه ".
وقال أيضاً: " إن أحدكم ليدع تشميت أخيه إن عطس فيطالب به يوم القيامة " قال الحكم الأعرابي. قال روح بن حاتم: بينا أنا واقف على بعض ولاة البصرة إذ أقبل خالد بن صفوان، فنظر إلي وقال: يا ابن أخي، والله ما بكرت ولا هجرت إلى باب أحد من الولاة إلا رأيتك واقفاً عليه، أكل هذا حب منك للدنيا وحرص عليها؟ قال: فأجللته عن الجواب وقلت إنما هو عم، ولعله أراد أن ينفرني ليعلم ما عندي في جوابه، فقلت: والله ياعم، حسبك برؤيتك إياي عليها طلباً منك للدنيا، فضحك وقال: يا ابن أخي، إن قلت ذاك لقد ذهب ماء الوجه وسناء البصر، واقترب العهد العلل، والله ما أتت
(9/23)

علينا ساعة من أعمارنا إلا ونحن نؤثر الدنيا على ما سواها، ثم ما نزداد لها إلا تحلياً، ولا تزداد عنا إلا تولياً.
قيل لأعرابي: ما خلفت لأهلك؟ قال: الحافظين، قيل: وما هما؟ قال: أعريهن فلا يبرحن، وأجيعهن فلا يمرحن.
وقال كعب بن جعيل:
مدحت قريشاً واصطفيت ابن خالدٍ ... وللخير آيات بها يتوسم
وكنت كمرتاد بمنقاره الثرى ... وصادف عين الماء إذا يترسم
غياث الجياع والمراضيع إ ن ... بمكة يوم ذو أهابي أيتم
فإن يسأل الله الشهور شهادةً ... ينبأ جمادى عنكم والمحرم
بأنكم من خير من وطئ بالحصى ... إذا طفق المعطي يضن ويسأم
قال ابن أبي بردة: غزا قوم الديلم فأسروا، وأسر الديلم شديد، قال: فاشتكى ابن ملك الديلم فقالت أمه: اذهبوا به إلى العرب لعل عندهم دواء، فجاءت به امرأة فقال لها رجل: هاتيه، فقال له رفيقه: أنشدك الله لا تعرضنا للهلكة، قال: هاتيه، فجعل يعوذه ويقول:
(9/24)

أيا أم ذا المولود لا شب قرنه ... ولا زال فيه سقمه يتردد
ويا أم ذا المولود جودي بكسرة ... لشيخين من همدان قيس ومرثد
قال: فما أتت له ثالثة حتى برأ، فخلي عنهم كلهم.
قال الناشئ في كتاب (نقد الشعر) : ومخاطبات النساء تحلو في الشعر وتعذب في القريض، لا سيما لغانية قد أطر الفتاء شاربها، وزوى الإباء حاجبها، وأشط الجمال قوامها، وأفرد الحسن تمامها، وأنجل الهوى عينيها، وأمرض الزهو جفنيها، وأرابت الصبابة ألفاظها، وفتر الرنو ألحاظها، وأرهف الظرف أعطافها، وألانت النعمة أطرافها، ولذ للراشف مبسمها، وأطرد ماء النعيم بين رياضها وجناتها، وترقرق جريال الشباب على سحناتها، وجدل للضم قدها، ومالت للجاذب جمائرها، ودالت للقاضب غدائرها، وشخصت للوفور مآكمها، وظمأت للذيول فضولها، وسهلت للعيون حجولها، وطابت للمتنسم ملاغمها، وأرجت للمتنعم فواغمها، فكيف إذا هي برزت من حجابها وسفرت عن نقابها، وتهادت بين أترابها، وقد هز الريح أردانها، استعز المراح أكنانها. بل كيف إذا هي أملها سائلها، وأكلها مقاولها، وأعرضت عنه صدوغاً، وتأوهت منه عزوفاً، وقد قطب التيه جبينها، واستغض الأنف عرنينها، واستخفها الطرب، واستهواها العجب، فافترت مبتسمة عن شتيت أنيابها، ومعسول رضابها، وكيف تقر نفس عاشقها إذا هي لسنته بعتابها، ولحنته بسبابها، وقد لاثت ذوابل أثوابها، وحسرت فواضل أسلابها، وطفقت تعد ذنوبه بحناجرها، وتأبى معاذره بمكاسرها، وهل تطوع لها أمنية إذ أعتبته من صدها، وبذلت له مصون ودها، ثم أسعفته بزورة وسنت لها عين راقبها، وغيلت بها نفس عاقبها، قد التفعت إليه ملاء ليل، أو وطئت إليه أعقاب قيل، قد خزل الأين أياطلها، وبل البهر غلائلها، وقصرت له أعاليها وأسافلها، وأوجل الوجل فرائصها، وأوجى العجل
(9/25)

أخامصها، ثم طفقت تستعتب نفسها وتستكفها، حتى إذا أسمحت بها قرونتها، وأسجحت له سجيتها، وسكن إلى الإيناس قلقها، وأسرع إلى الإبساس علقها، ناسمته من حديثها بما هو أقر لعينه، وأشهى إلى نفسه من طول بقائها، ودوام نعمائها. ولنا في هذا الباب ما لم يخرج عن مذهب القوم، منه:
فديتك لو أنهم يعقلون ... لردوا النواظر عن ناظريك
ألم يقرءوا ويحهم ما يرون ... من وحي قلبك في مقلتيك
وقد جعلوك رقيباً علينا ... فمن ذا يكون رقيباً عليك
سأل سعيد بن فلان عبيد الله بن زياد أن يتغدى عنده، فأجابه وأمر بحمل البسط والفرش، ووجه إليه الخبازين والطباخين، فلما دخل عبيد الله قال: هات ما عملت، وبعث إلى منزله فحمل وأكل، فلما فرغ قال له سعيد: أصلح الله الأمير، لا يخرج من منزلي شيء، قال: دعنا نخرج.
قال المدائني: قال سلم بن زياد لرجل يقال له طلحة الخزاعي: إني أريد أن أصل رجلاً له حق وصحبة بألف ألف، فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل هذه لعشرة. قال: فخمس مائة ألف، قال: كثير قال: رجل بمائة
(9/26)

ألف؟ قال: نعم، قال: وبها يقضى ذمام رجل له صحبة؟ قال: نعم. قال: هي لك فما أردت غيرك، قال: أقلني، قال: لا فعلت أبداً.
قال الأصمعي: دهاة العرب أربعة كلهم ولدوا بالطائف: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والسائب بن الأقرع.
قال: لما أتي سليمان بن عبد الملك برأس قتيبة كتب لوكيع بن أبي سود عهده على خراسان، فقال يزيد بن المهلب لابراهيم بن الأهتم: إن رددت أمير المؤمنين عن رأيه في وكيع فلك مائة ألف، فقام ابن الأهتم فتكلم بكلام تفرق الناس عن استحسانه فقال: يا أمير المؤمنين، إن وكيعاً أدرك في الثأر، وبالغ في الطاعة، فجزاه الله خيراً، غير أني لو خفت من إحدى يدي خلافاً على أمير المؤمنين لأحببت انبتاتها من صاحبتها، وإن وكيعاً لم يملك مائتي عناق قط فحدث نفسه بالطاعة، فلا تأخذنا بحديث إن كان منه، فقال سليمان: ويلك فمن لخرسان؟ قال: العبد في الطاعة، والأخ في النصيحة، يزيد، فولاه.
قال بعض جلساء الأمراء: والله لقولة (يا غلام، هات الطعام) أحب إلي من صوت ابن سريج.
قال: كان الحجاز يوضع له في كل يوم ألف خوان لأهل
(9/27)

الشام، على كل خوان قفيز من دقيق وسبعة أرطال قديد وجنب شواء وسمكة وجرة لبن وجرة ماء وعسل، فشكوا يوماً قلة المرق، فدعا صاحب الطعام وضربه مائتي صوت وقال: يشكون قلة المرق وأنت على دجلة؟ قال الأصمعي: قلت لأعرابي: هل لك في ثريدة؟ قال:
ثريدة محمومه ... في صحفة مكمومه
قد ألحفت رقاقا ... وجللت عراقا
أتى أبو دلامة ابا جعفر المنصور وهو سكران، فأمر بحبسه في السجن، فلما أصبح وصح كتب إليه:
أمير المؤمنين فدتك نفسي ... علام حبستني وخرقت ساجي
أمن صهباء صافية المزاج ... كأن شعاعها لهب السراج
تسر به القلوب وتشتهيها ... إذا برزت تقرقر في الزجاج
وقد طبخت بنار الله حتى ... لقد صارت على النطف النضاج
أقاد إلى السجون بغير جرم ... كأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست لطاب عيشي ... ولكني حبست مع الدجاج
وقد كانت تخبرني ذنوبي ... بأني من عذابك غير ناج
(9/28)

على أني وإن لاقيت شراً ... لخيرك بعد ذاك الشر راج
قال ابن المعتز: قلت لبعض أصحابنا: كم تكون تاركاً للتوبة مماطلاً به؟! فقال: قد قال الله تعالى: " خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا " ً عسى الله أن يتوب عليهم " التوبة:102، وعسى إطماع، والكريم إذا أطمع فعل، قلت: فأين قول الله تعالى: " ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره " الزلزلة:8، فقال: يراه فيغفر له.
قال ابن المعتز: قال بعض أصحابنا: لا تنزل الهم إلى قلبك إلا على أشخاص، فإن الهم يتعلق بعضه ببعض.
قال الصوفي: لا تباغض نفسك فلا بد من أن تغتر قليلاً وإلا فسدت دنياك وأسأت معاشرة نفسك.
قال ابن المعتز: لما جاء جعفر بن يحيى من الرقة شيعه عبد الملك بن صالح، فلما أراد الانصراف قال: حاجة، قال: وما هي؟ قال: أن تكون كما قال الشاعر:
وكوني على الواشين لداء شغبة ... كما أنا للواشي ألد شغوب
فقال جعفر: بل نكون كما قال الشاعر:
وإذا الواشي أتى يسعى بها ... نفع الواشي بما جاء يضر
(9/29)

قال ابن المعتز: وإنما أراد أن يؤنب جعفراً فأنبه جعفر.
لأبي نواس:
مقرطقة لم يشقها سحب ذيلها ... ولا نازعتها الريح فضل البنائق
كأن مخط الصدغ في صحن وجهها ... بقية أنقاس بإصبع لائق
وقال ابن المعتز: قرأت بخط أبي المعسكر المسمعي، حدثني أبو عبيد قال، حدثنا أبو سعيد البصري قال، حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثني عيسى بن يونس عن الأوازي قال: وثب خالد بن عبد الله القسري على امرأة فقبلها، فشكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه فاعترف وقال: إن شاءت فلتقتص مني، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أو لا تعود، قال: لا أعود يا رسول الله.
ولا أدري من هذا القسري وكيف هذه الرواية.
بشر بن يزيد الكاتب:
أيا دمن الدار لولا الخدود ... ولولا الجفون ولولا المقل
ولولا الأقاحي ولولا النحور ... ولولا السوالف من ذات دل
(9/30)

ولولا القدود ولولا الخصور ... ولولا ضفائر وحف رجل
ولولا التعانق عند اللقاء ... بعد الفراق ولولا القبل
لهانت على العاشقين الديار ... ورسم الربوع ومحو الطلل
آخر:
يا رب كأس قد سبقت بها ... عذل العذول وغرة الشمس
وكأنما اليوم الطويل بها ... قصراً وطيباً قبلة الخلس
آخر:
صبحتهم والصبح ينفض رأسه ... قد هم بالإسفار أو لم يسفر
والليل منهزم الظلام يشله ... صبح كناصية الحصان الأشقر
لعمارة بن طارق:
فصبحت قبل الصباح الفائق ... وقبل عصفور الأذان الناطق
والصبح كالسربال ذي البنائق ... والنجم كالزند أمام السائق
وقيل لجمعة الإيادية: أي الغيث أحب إليك؟ قالت: ذو الهيدب المنبعق، الأضخم المؤتلق، والصخب المنبثق.
شاعر:
(9/31)

جادك يا بغداد من بلاد ... صيب كل رائح وغاد
يا ليت شعري والحنين زادي ... هل لي إلى ظلك من معاد
لله ما هجت على البعاد ... لقلب حران إليك صاد
بدل من ربعك بالبوادي ... وقفرة موحشة الأطواد
مجهولة مجدبة حماد ... ورملة متعبة الإصعاد
تخال في كثبانها الجعاد ... خطوط أقلام بلا مداد
قال أرسطاطاليس في كتاب (الحيوان) : إذا جاع الثعلب ولم يقدر على صيد يأكله استلقى على ظهره ونفخ في بطنه، فتحسبته الطير قد مات فيقعن عليه، فيثب ويأخذ بعضها.
وقال في الضبع أيضاً: تصير مرةً أنثى وتصير مرة ذكراً، وتبدل في كل سنة، تلقح أحياناً كالذكر، وتقبل اللقاح كالأنثى، لاختلاط جوهرها وتلونه، وزعم أنها إذا رأت الكلب في ليلة مقمرة يمشي على الإجار وطئت ظله فوقع، وأن من كان معه لسان ضبعة فمر بين الكلاب لم تكلب عليه، وأن من مر في مكان كثير الضباع وأخذ بيده أصلاً من أصول الحنظل هربت من بين يديه.
قال، وقال في الذئب: إن يرى إنساناً قد خافه اجترأ عليه،
(9/32)

وإن حمل عليه تأخر عنه، وذكر أنه خفي عليه مكان الغنم عوى حتى تسمع الكلاب صوته وتنبح فيقصدها للغنم التي معها فإذا اقرب من الغنم عوى فتقصد الكلاب صوته وتجتمع إلى ناحيته، ثم يخالفها فيقصد ناحية خالية منها فيختطف من الغنم، وزعم أن الذئب إن وطئ على العنصل مات من ساعته، والثعلب يأتي بهذه البقلة فيضعها في جحره لئلا يأتيه الذئب فيأكل جراءه.
وقال في الجراد: أنه إن ظعن ظعن كله مثل العسكر العظيم، وإن حل حل جميعه، وإن وقع في المزارع لا يتحرك ساعة وقوعه حتى يأتيه وحي من السماء، وليس من طبيعته، وقال لابن المعتز: فهذا يكذب بالوحي إلى الآدميين، ويصدق به إلى الجراد.
وأنشد للراعي:
فبت وبات الحاطبان وراءها ... بجرداء محل يألسان الأفاعي
فما برحا حتى أجنا فروخها ... وضما من العيدان رطباً وذاويا
إذا حمشاها بالوقود تغيظت ... على اللحم حتى تترك العظم باديا
وله:
(9/33)

من الأثل أما ظلها فهو بارز ... أثيث وأما نبتها فأنيق
لها هدبات فوق ميثاء سهلة ... نواعم ما في ظلهن فتوق
جمع هدبة، وهي أغصان الأثل والأرض.
شاعر:
لعمرك إنني لأحب نجداً ... ولست أرى إلى نجد سبيلا
خليلي اقعدا لي عللاني ... وضما من وسادي أن تميلا
ألم تريا جنوحي واعتمادي ... على الأحشاء والصبر الجميلا
خرج المهدي يتصيد، فعاربه فرسه حتى دفع إلى خباء أعرابي، فقال: يا أعرابي، هل من قرىً؟ قال: نعم، فأخرج له فضلة من ملة فأكلها، وفضلة من كرش فيه لبن فسقاه، ثم أتاه بنبيذ في زكرة فسقاه قعباً، فلما شرب المهدي قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: لا، قال: أنا من خدم الخاصة، فقال: بارك الله لك في موضعك، ثم سقاه آخر فلما شربه قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: نعم، زعمت أنك من خدم الخاصة: قال: لا بل أنا من قواد أمير المؤمنين، فقال: رحبت دارك، وطاب مزارك، ثم سقاه قدحاً ثالثاً، فلما فرغ منه قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: زعمت أنك من القواد، قال: لا ولكني أمير المؤمنين، فاخذ الأعرابي الزكرة فأوكاها وقال: والله لئن شربت الرابع لتقولن إنك رسول الله، فضحك المهدي، وأحاطت به الخيل وأبناء الملوك والأشراف، فطار لب
(9/34)

الأعرابي، فقال له المهدي: لا بأس عليك، وأمر له بصلة.
لعوف بن محلم:
أفي كل عام غربة ونزوح ... أما للنوى من ونية فتريح
لقد طلح البين المشت ركائبي ... فهل أرين البين وهو طليح
وأرقني بالري نوح حمامة ... فنحت وذو الشجو الحزين ينوح
على أنها ناحت ولم تذر عبرة ... ونحت وأسراب الدموع سفوح
وناحت وفراخاها بحيث تراهما ... ومن دون أفراخي مهامه فيح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوى ... فتلقى عصا التطواف وهي طريح
فإن الغنى يدني الفتى من صديقه ... وعدم الفتى للمقترين طروح
قال أنس بن مالك لمصعب بن الزبير في رجل من الأنصار: احفظ فينا وصية النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فنزل مصعب عن سريره وتمرغ في التراب ووضع خده على الأرض وقضى حاجته.
مرداس السلمي:
وغيث خصيب ماؤه تحت بقله ... يروعني منه غراب وناهق
(9/35)

تبطنته والطير في وكناتها ... يدافع ركني سائم الطرف ناتق
قويرح أعوام كأن سراته ... سراة طراف مددته الجوالق
قال محمد بن يزيد الأموي البشري - من ولد بشر بن مروان يصف حماراً اصطاده:
يظل مفارقاً للعين يكبو ... ومن دفع الدماء له إزار
كأن النقع ممتداً عليه ... رواق في حواشيه احمرار
قال الحجاج: أيها الناس، اتقوا الغبار فإنه سريع الدخول بطيء الخروج.
شاعر:
لا أستلذ حديث غانية ... وأرى حديثك كله حسناً
ووعدتني وعداً فخست به ... ومطلتني فكفى بذا حزنا
آخر:
بكيت الجياد وفرسانها ... فلم أبك كالفرس الأبلق
رمته المنايا فماذا رمت ... من الجري والحسب المعرق
طويل الذراع قصير الكراع ... إذا شاهد الجري لم يسبق
كميت تجول على متنه ... أساريع من لونه المشرق
(9/36)

وكانت به الريح مغلولة ... متى ما تخص بحره تغرق
وأدنى الشآبيب من جريه ... إذا انهل كالعارض المطلق
قال ابن المعتز: أخبرني اسماعيل بن يحيى قال، حدثنا مؤرج قال: كان زكريا بن حسان من بني ربيعة بن مالك غرس فسائل له حتى إذا حسنت رمى عنهن يعني سافر عنهن - فمكث زماناً طويلاً فظن أنهن قد هلكن، فأتاهن فرآهن يتسامين فقال:
كأنها وهي تناهى بالعبل ... غيد العذارى برزت من الحجل
يرسلن للورد إذا الساقي غفل ... أرشية لم يثنها متن الحيل
تنفي حصى البيداء عن نجل غلل ... معتلج لا ثمد ولا وشل
فهي ترامى ثقلاً بعد ثقل ... فمرتقيها خائف على وجل
من يهو منها يهومن مهوى زلل ... ناء من الأرض بعيد المنتقل
قال ابن المعتز: من فضائل الليل التهجد الذي مدح الله أنبيائه به فقال: " كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون " الذاريات:17، وفي الليل تنقطع الأشغال، وتجم الأذهان، وتدر الخواطر، ويتسع مجال القلب، والليل أضوأ في مذاهب الفكر، وأخفى لعمل البر، وأعون على السر، وأصح لتلاوة
(9/37)

الذكر، قال الله تعالى: " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً " المزمل:6، وقال الشاعر:
ولم أر مثل الليل جنة فاتك ... إذا هم أمضى، أو غنيمة ناسك
وفيه ينجو الهارب، ويدرك الطالب، ويفرق بين الشجاع والجبان.
قال أبو دلف:
أنا ابن الليل والخيل ... فنزال ورحال
وللأبطال قتال ... وللأثقال حمال
بشار:
قد نام واش وغاب ذو حسد ... فاشرب هنيئاً خلا لك العطن
آخر:
ومنادم نبهته ... والليل ملتف الستور
فكأنه متعلق ... طرباً بأجنحة النسور
قال أبو هفان: رأى أبو نواس في سوق الكرخ غلماناً فقال: أما ننظر إلى الظباء، طوبى لمن كان جليس هؤلاء، واحسرتي عليهم إذ لا سبيل إليهم.
(9/38)

قيل لعبد العزيز بن عمر: إن بنيك يشربون، فقال: صفوهم، فقالوا: أما فلان فإن يتقيأ في ثيابه فقال وهذا يدعو النبيذ قالوا وأما فلان فإذا شرب خرق ثيابه وثياب من معه وعربد، قال: هذا النبيذ، قالوا: وأما فلان فأسكن ما يكون وأحلمه، ولا ينال أحداً بسوء، قال: هذا لا يدع النبيذ.
سلم رجل على إبراهيم القارئ فقال: كم تسلم علي؟! سلفني سلام شهر وأرحني.
قال رجل للشعبي: ما زلت أطلبك، فقال: وما زلت فأراً منك.
قال آخر: الإخوان بمنزلة النار، قليلها متاع، وكثيرها صداع.
قال الأحنف: كانت المودة قبل اليوم محضاً، فليتها اليوم كانت مذقاً.
لابن همام السلولي:
(9/39)

حصر إن يسيل خيراً لم يجد ... وإذا ما سال الناس ألح
كحمار السوء إن أشبعته ... عض من نال وإن جاع رمح
أقرب الأشياء من أخلاقه ... كل لون لونت قوس قزح
وقال آخر: ما احتنك قط رجل إلا أحب الخلوة.
قال ابن المعتز: سمع الصوفي قول إبراهيم بن العباس الصولي:
أبا جعفر خف نبوة بعد دولة ... وخفض قليلا من مدى غلوائكا
فإن يك هذا اليوم يوماً حويته ... فإن رجائي في غد كرجائكا
فقال: هذا رجل موسر من الفطنة.
وسألت الصوفي عن ابن منارة فقال: ذاك في عقله خمسون كلباً سوى السنانير، كذا قال ابن المعتز.
وقالوا: لا تجالس عدوك فإنه يحفظ عيوبك، ويماريك في صوابك.
وقالوا: من استضاف بخيلاً استغنى عن الكنيف.
(9/40)

وقال آخر: البغيض إذا بغض نفسه فإن أعوانه على ذلك كثير.
قال عبد الله بن أحمد بن يوسف: دخلت على ابن منارة وبين يديه كتاب فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا كتاب عملته مدخلاً إلى التوراة، فناظرته فيه وقلت: الناس ينكرون هذا، فقال: الناس كلهم جهال، قلت: فأنت إذن ضدهم؟ قال: نعم، قلت: فينبغي أن يكون ضدهم جاهلاً عندهم؟ قال: صدقت، قلت: قد ثبت أنك جاهل بإجماع الناس والناس جهال بقولك.
عثر بعض أصحابنا في مجلس ثم عثر بعده آخر، فقال الصوفي: أرانا نعاشر قوماً تطرح قوائم.
منصور بن باذان:
وليس يخفى عليكم ... من المنازل طينه
ولو رأيتم دخاناً ... في البحر صرتم سفينه
قال الأصمعي: عوتب أعرابي على التطفيل فقال: إنما بنيت
(9/41)

المنازل لتدخل، ووضعت الموائد لتؤكل، وما لي لا أدخل وأقعد مستأنساً، وأبسط وجهي إذا كان رب البيت عابساً.
تطفل قوم على مزبد وهو يطبخ قدراً له، فنشل أحدهم قطعة لحم فأكلها وقال: تحتاج إلى خل، ونشل الآخر أخرى فأكلها وقال: تحتاج إلى أبزار، وفعل آخر مثل ذلك وقال: تحتاج إلى ملح، فأخذ مزبد قطعة فأكلها وقال: تحتاج إلى لحم، فضحكوا وقاموا عنه.
رأى رجل مزبداً بالرها وعليه جبة خز، وكان قد خرج إلى الرها فحسنت حاله فقال له: يا مزبد تهب لي هذه الجبة؟ فقال: ما أملك غيرها، قال الرجل: إن الله تعالى يقول: " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " الحشر:9 فقال مزبد: إن الله تعالى أرحم بعباده من أن ينزل هذا بالرها في كانون وكانون، وإنما نزلت بالحجاز في حزيران وتموز.
قال المدائني: مات رجل بالحيرة في بيت خمار، فأخذه أهله وقالوا: أنت قتلته، فقال الخمار: والله ما قتلته إلا كلمة كان يرددها، قالوا: وما هي؟ قال:
(9/42)

وأخرى تداويت منها بها قيل لبعض أصحاب النبيذ: أي صلاة تصلي؟ قال: الغداة والظهر والعصر، قالوا: فالمغرب؟ قالوا فالمغرب؟ قال: تعرف وتنكر، فالعتمة؟ قال: ما كانت لنا في حساب قط.
وقيل: لم يداو السكر بشيء أفضل من نومة يطفأ بها ما التهب من شر طبيعته.
قال ابن المعتز: حدثني بعض أصحابنا قال قلت لطباخ مرة: ما أطيب طبيخك لولا أنك تصغر البرمة، فقال: إنما يكمل طيب البرمة بأن يأكل منها القوم لقمة لقمة فيستطيبونها، وهؤلاء إذا طلبوا أخرى لم يجدوها.
قدم إلى بعضهم لوزينج غليظ القشور فقال: ما عمل هذا إلا من عقب. العقب: العصب.
قال ابن أبي برذعة:
إذا عد عيش ناعم وتذوكرت ... غرائب أيام السرور الطرائف
(9/43)

فمن خير أيام الحياة التي خلت ... وأطيبها يوم من العيش سالف
أصبنا به من غرة الدهر خلسة ... كما نال ورد الماء هيمان خائف
خرجنا وستر الله يجمع شملنا ... وكل لكل مسعد ومساعف
وقد اخذت زهر الرياض حليها ... وألبست الأرض الفضاء الزخارف
لجين وعقيان ودر وجوهر ... تؤلفه أيدي الربيع اللطائف
وأهدت إلينا الأرض عذراء لم يطف ... بها من سوانا قبل ذلك طائف
يباكرها وجه من الشمس طالع ... ويعقبها دمع من المزن واكف
فتمت جمالاً واعتدالاً ونضرة ... وداف لنا الكافور والمسك دائف
ومالت بنا منها غصون نواعم ... كما هز قضبان المتون الروادف
يدير علينا الكأس رطب بنانه ... وصيف جفت في الشكل عنه الوصائف
تسير إلينا من يديه وطرفه ... كؤوس لأسرار القلوب كواشف
فرحنا وما فعل الزمان مذمم ... لدينا ولا وجه من العيش كاسف
ومالت غصون البان بين رحالنا ... وجرت على وشي الرياض المطارف
ولا مثل ذاك اليوم لولا انقضاؤه ... ولا مثلنا لو أخطأتنا المتالف
وقال: سمعت مدينية تقول: ما في بيتي طحين ولا خبيز.
شاعر:
إلى الروض الذي قد أضحكته ... شآبيب السحائب بالبكاء
قال ابن الأعرابي عن المفضل: تقول العرب: يدك من اللحم
(9/44)

غمرة، ومن الشحم زهمة، ومن الزيت قنمة، ومن الدهن نمسة، ومن الخلوق ردعة، ومن الحناء عصمة، ومن اللبن ضرة، ومن السمك صمرة، ومن الحديد سهكة.
أنشد التوزي:
يا إبلي روحي إلى الأضياف ... إن لم يكن فيك صبوح كاف
فأبشري بالقدر والأثافي ... وقادح ومغرف غراف
قال أرسطاطاليس في كتاب الحيوان: ليس للسمك نوم ولا صوت، ومنه ما يعظم حتى يصير كالجزائر والجبال. وذكر أن من أجناس السمك وما لا قشور له ولا أجنحة، لا زمة قعر الماء الدهر كله.
وزعم أن دابة بحرية تزمر أصواتاً طيبة تكاد بحلاوتها ولذتها تسلب أفهام السامعين، من سرتها إلى فوق تشبه الإنسان، ومن السرة إلى أسفل تشبه الفرس.
وزعم أن السرطان يلتذ أكل لحم الصدف الذي فيه اللؤلؤ، وأنه لا يقدر عليه حتى يفتح صدفته، فإذا فعل جعل بينهما حجراً، وزعم أن السرطان يسلخ جلده في السنة سبع مرات، ومن قبل ذلك يعمل لحجره بابين:
(9/45)

أحدهما شارع إلى الماء، والآخر إلى الشمس، فإذا سلخ جلده سد الشارع الذي إلى الماء لئلا يدخل السمك إليه فيأكله.
قال ابن المعتز: سألت الصوفي عن بلدان طوف فيها فقلت: كم رأيت من البلاد؟ لا تسأل فإني شيطاني كان من الفيوج.
وقال مرة عندي ونحن بسر من رأى: هذا النسيم يجندر الروح.
قال التمار يصف نصيبين في قصيدة:
أرض كأن رياضها ... أبداً بماء المسك تسقى
وكأن تربة أرضها اج ... تذبت من الكافور عرقا
يعقوب بن الربيع:
لما وردت الثعلب ... ية عند مجتمع الرفاق
وشممت من أرض الحجا ... ز نسيم أرواح العراق
أيقنت لي ولمن أح ... ب بجمع شمل واتفاق
وضحكت من فرح اللقا ... ء كما بكيت من الفراق
(9/46)

قال: وقال الجاحظ في بعض كتبه وذكر العراق فقال: هي موضع التميمة، وواسطة القلادة، بها تلاحقت الطبائع، وصرحت عن اللب الأصيل والخلق الجميل.
وصف أعرابي بلداً فقال: ارتحلت عنه ربات الخدور، وأقامت به رواحل القدور.
قال الحجاج: الكوفة امرأة حسناء عاطل، والبصرة عجوز قد أوتيت من كل شيء.
قال عبد الملك للحارث بن خالد بن العاص: أي البلاد أحب إليك؟ قال: ما حسنت فيه حالي، وعرض فيه جاهي.
قال بعض الظرفاء: الكمأة بيض الأرض.
وصف أعرابي غيثاً فقال: بكرنا وسمي خلفه ولي، فالأرض بساط أحكم نسجه وأبدع وشيه.
قال بعض من تعصب للنرجس على الورد: النرجس أشبه بالعيون من الورد، فقال المتعصب عليه: يشبه عيون المرضى وأصحاب اليرقان ومن قد غلبت عليه المرة.
(9/47)

وكان المأمون يشبه الأترج بالمقفع الزمن.
قال بعضهم: لعن الله المرزنجوش والزادرخت، كأن هذا آذان الفار، وكأن هذا كف بق.
وكان بعضهم يبغض السرو ويقول: كأنه نساء عليهن حداد. ومرة كان يقول: السرو ذنب ابن عرس.
وقال: قلت للصوفي يوماً: لم تؤثر النرجس على غيره ولا تنتفع به في حال سوى شمه طرياً؟ فقال: النرجس روح كله، فإذا مات لم يخلف عندنا جسماً.
قال أبو الحارث جمين، ورأى سرواً: كأنه دخان يخرج من كوة.
وصف أعرابي الماء فقال: إن قلت هو متصل فبذاك يشهد انتظامه، وإن قلت متبايناً فعلى ذاك يدل انقسامه، أوائله جاذبة لأواخره، وأعجازه طوع صدره، هو طبيب الأرض من سقامها، تقذف بما تضمنت بطونها على ظهورها.
وصف بعض الظرفاء الماء فقال: ما ظنكم بشيء إذا أجن وصار ملحاً أخرج العنبر وأثمر الجوهر.
(9/48)

قال ابن الأعرابي في نوادره عن أعرابي: فأرسل الله سبحانه سبحاناً مستكفاً نشره، ضخاماً قطره، جواداً صوبه.
شاعر:
جاءت تهادى في محل نائي ... يضحك فيها البرق بالضياء
وتارة تلمح باستحياء ... كلمحة من ذي هوىً مرائي
تلوح منها الأرض في قباء ... وأصبحت في حلة خضراء
يا حبرة في الصيف والشتاء العتابي:
قلت للفرقدين والليل ملق ... سود أكنافه على الآفاق
أبقيا ما استطعتما فسيرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق
غر من ظن أن يفوت المنايا ... وعراها قلائد الأعناق
قال: وقلت لبعض أصحابنا، وقد خرج القمر من الكسوف: شبهه لي، فقال: درهم ندر عن سكة.
العرب تقول: قد هراق الليل أوله، إذا مضت منه ساعة.
قال ابن المعتز: أخبرني الأسدي عن الرياشي عن محمد بن سلام
(9/49)

عن يونس بن حبيب عن أبي عمرو بن العلاء قال: دفعت إلى ناحية فيها نفر من الأعراب، فرأيتها مجدبة فقلت لبعضهم: ليس لكم زرع ولا ضرع فكيف تعيشون؟ فقال: نحرش الضباب ونصيد الدواب فنأكلها، قلت: فكيف صبركم عليه؟ فقال: يا هناه! نسأل الله خالق الأرض هل سويت، فيقول: بل رضيت، هكذا بخط ابن المعتز.
وقال بلال ابن أبي بردة لابن السماك: أي الطعام أحب إليك؟ فقال: إذا اشتد ضرس الجوع فليس شيء بأجود من ثريدة قد أكثر بلها وسطع ريحها، ثم أطرق قليلاً وقال: فإن جاءت صغار القصاع بعد الكبرى زاد ذلك فيما نهوى. قال: فما تقول في لوزينجة لان قشرها، وغرقت في سكرها ووهن لوزها فقلت ما أشد الوصف إذا عدم الموصوف إلى ها هنا من كتاب ابن المعتز.
وهذه نتف ألفتها ها هنا، فبعضها مسموع من العامة، وبعضها مروي عن الخاصة التي تروي عن العامة، وهي تجري مجرى الأمثال المبتذلة، فيها طيب ومع الطيب عبرة، ومع العبرة فائدة، وقد خلت من الأصول الدالة على الفروع، ومن العلل المقتضية للأحكام، وقد عرضتها على علية الناس أسأل عن أسرارها ومدارها، وكيف كان قديمها وفاتحتها، وكيف
(9/50)

انتشرت الآن بين العامة، وكيف أشكل على الجميع معانيها، فلم ألحق الناس إلا رجلاً واحداً في الجهل بها وبأسبابها، وقد سردتها لتشركنا في التعجب والطيب إن شاء الله: 1 - يقولون: إذا دخل الذباب في ثياب أحدهم مرض.
2 - وإذا حكته يده قال: آخذ دراهم.
3 - وإذا حكته رجله قال: أمشي إلى مكان بعيد.
4 - وإن حكه أنفه قال: آكل لحم، هكذا يقولون، فلا تؤاخذ العامة باللحن، فإن الصواب في المعنى والإعراب في اللفظ عريان من قضاتك وعدولك وشيوخك.
5 - وإن حكه وسطه قال: آكل السمك.
6 - وإن اختلجت عينه من فوق قال: أرى إنساناً لم أره منذ حين، وإذا اختلجت من أسفل قال: سوف أبكي، أسأل الله السلامة.
7 - وإذا وجد ثقلاً في المنام من المرة السوداء قال: وقع على بختي، وعض ابهام نفسه وقال: دلني على كنز.
8 - ولا يقول بالليل: حية ويقولون: طويلة وإذا غلط أحدهم فقال: حية. قالها ثلاث مرات.
9 - وإذا أشار إلى صاحبه بالسكين غرزها في الأرض وقال: الشيطان يعمل عمله.
(9/51)

10 - وإذا كسف القمر ضربوا بالطست وقالوا: يا رب خلصه.
11 - وإذا طنت أذن أحدهم قال: ترى من ذكرني؟ 12 - وإذا أراد أحدهم أن يبول بالليل بصق أولاً ثم بال.
13 - وإذا صاح الغراب قالوا: خير خير، وأنت شر طير.
14 - وإذا أراد أحدهم أن يشد زره إذا انقطع أخذ في فيه تبنة وقال: حتى لا يكذب علي أحد.
15 - ولا يقولون: عقرب، ويزعمون أنها تعرف اسمها فتهرب، ويقولون: تمرة.
16 - وإذا ذكروا الجن بالليل أخذوا بأطراف آذانهم.
17 - ويكرهون البول في الميزاب ويقولون: هي منازل القمر.
18 - ويقولون: دية نملة تمرة.
19 - ويقولون: في كل رمانة حبتين من الجنة.
20 - وإذا مسح أحدهم يده بثوب صاحبه بصق وقال: حتى لا أبغضه.
21 - وإذا رش أحدهم على وجه إنسان ماءً قبّل يده وقال: حتى لا يصير نمش.
22 - وإذا صاحت البومة قالوا: منا السكين ومنك اللحم.
(9/52)

23 - وإذا رأوا الخنفساء في ليالي الشتاء قالوا: مباركة ميمونة وإذا رأوها في ليالي الصيف قالوا: رسول العقرب.
24 - وإذا طار الخفاش بالليل فسمعوا صوته قالوا: هذه الساحرة تطير، لا إله إلا الله، كأنما طيرانها ثوب يشق، ويكبون الطست ويقولون: باطل " وبطل ما كانوا يعملون " الأعراف:117.
25 - وإذا غاب لأحدهم غائب صوتوا في البئر ونخلوا الرماد بالليل، وزعموا أن الجن يثبتون حاله في الرماد.
26 - وإذا صدع أحدهم قالوا: انشرخ رأسه، وربطوه بتكة.
27 - ويطرحون في حب الدقيق جوزة لها ثلاثة خطوط يزعمون فيها بركة.
28 - وإذا رأوا الشمس حارة قالوا: يجيء غداً مطر.
29 - وإذا طارت من السراج شرارة إلى فوق قالوا: ينقص من أهل البيت واحد، وإذا وقعت إلى أسفل قالوا: يجيء غداً زائر.
30 - وإذا غسلت السنورة وجهها قالوا: هدية.
31 - ويزعمون أن عوج بن عنق كان يصيد السمك م قرار البحر بيده ويشويه في عين الشمس.
32 - ويزعمون أنه لا يرتفع إلى السماء من الدخان إلا قتار الكندر.
33 - ويقولون: إن للزنادقة كبش تنتثر الدراهم من صوفه، فإذا اشتروا بها تحولت عند البائع ورق آس.
(9/53)

34 - وإن الشيطان يحسد على الزكام والدمل.
35 - وإن الأسد محموم بالنهار فإذا كان الليل أفاق.
36 - وإن الحمار لا يدفأ إلا يوماً من أيام تموز، وهو في سائر أيام السنة مقرور.
37 - وإذا نكس أحدهم في مرضه أخذوا له دهناً من سبع دور ودهنوا به رأسه.
38 - وإذا خرج بأحدهم دمل شد على تكته عفصة غير مثقوبة.
39 - وإذا بكى الصبي لطخوا أسفل رجليه بنيلج.
40 - وإذا أصابته العين أخذوا له من بول سبعة أنفس أحدهم حبشي ماء وصبوه عليه.
41 - وإذا حم أحدهم الربع بخروه بقرن كبش، وإذا أخذه الفواق عقد بيديه أربعاً وثلاثين وزعم أنه يسكن.
42 - وإذا خرج به قوباء خط حولها خاتم سليمان ومسحه بالتراب وقال بالغداة: كيف أمسيت لا أصبحت، وبالعشي: كيف أصبحت لا أمسيت؟ 43 - وإذا لسعته عقرب غسلوا الحصى وسقوه ماءه.
44 - وإذا خرج على لسانه بثرة قال: خبأ لي إنسان شيئاً طيباً وأكله.
45 - وإذا اشتكى فم معدته ذهبوا به إلى اللواية.
(9/54)

46 - وإذا رأوا في الدار حية بخروها بقرن أيل وقشور البيض.
47 - وزعموا أن من أكل لحم سنور أسود لم يعمل فيه السحر.
48 - وإذا رأوا في الأفق حمرة قالوا: في السماء نار وصاحوا: الصلاة الصلاة.
49 - ويضربون بالشعير وينظرون في البخت، وأنت ترى أحدهم إذا عثر بصاحبه أخذ يده وصافحه، وربما قالوا: لئلا نتخاصم.
50 - وزعموا أن عبد الله بن هلال صديق إبليس كان يغوص بالكوفة في الطست ويخرج من ساعته بتاهرت.
وهذه أبواب خفية ليس يثبت معها روية، ولا يصح لمن اعتقدها عزم، وربما غلط فيها من هو فوق الناقص الغبي، ودون النحرير الذكي فيحسبها حقاً.
ومن أمثال العامة: 1. لا تري الصبي بياض أسنانك فيريك سواد آسته.
2. - ليس من قال: النار، احترق فمه.
3. - الخنفساء في عين أمها مليحة.
4. - من يشتهي الداح لا يقول أواح.
5. - تمره وزنبوره كلما يكبر يدبر.
6. - أنا أجرّه إلى المحراب وهو يخرا في الجراب.
7. - نفس العجز في القبة.
(9/55)

8. - من يأكل ولا يحسب، يخرب بيته ولا يعلم.
9. - إن كان معلم وإلا فدحرج.
10. - من صير نفسه نخالة بحثتها الدجاج.
11. - أنذل من فار الحبس.
12. - أعتق من الحنطة.
13. - أحمق من الجمل.
14. - يضربون أسته ويصيح راسه.
15. - من لم ير اللحم أعجبته الرية.
16. - من يقفز على وتدين يدخل في أسته واحد.
17. - من يأكل بيدين يختنق.
18. - ما أطيب العرس لولا النفقة.
19. - من كان له دهن كثير يطلي أسته.
20. - من كان دليله البوم كان مأواه الخراب.
21. - كل التمر على أنه كان مرة رطب.
22. - إيش الذبابة وإيش مرقها.
23. - ليت كل أرملة مثل بنت الملك.
24. - إذا كان بولك صافي فاضرب به وجه الطبيب.
(9/56)

25. - البحر ملان ماء والكلب يلحس بلسانه.
26. - من شاء سلح على أصحابه وقال في بطنه وجع.
27. - خبز لم تخبزه أمك كله بأضراسك كلها.
28. - لو كان في البومة خير ما تركها الصايد.
29. - إن كان ذا وجه فليس في الدنيا است.
30. - أهلك الله بدنك، ولا يسر كفنك، ولا آجر من دفنك.
31. - كف إنما وجهك خف.
32. - راسك في است القس كلما عرق اندس.
33. - ليت اليسار استقبلني من باب الدار.
34. - سد البالوعة واسقني بالبير.
51 - وإذا كانت يد أحدهم غمرة قال: من يغسل يده من الخير.
52 - وإن عطس قالوا: تعست، وإن تجشأ قالوا: خرا، وإن سعل قالوا: شوك، وإن ضحك قالوا: ضحك الأفعى في جراب النورة، وإن قرقر البطن قالوا: إن صدق الوعد مطرنا خرا.
كان لرجل جاريتان فأرادت إحداهما أن تكيد الأخرى، وكان قد واقعها مولاها، فصاحت: يا مولاي ليس لنا دقيق وقد فني الخبز، فنام أيره ونهض عن الجارية.
(9/57)

قد ضربت من أمثال العامة أشياء تتصل بأغراض صحيحة على سوء التأليف، وخبث اللفظ، وفيها فوائد عجيبة، فاعرف الخبيث والطيب، واختر أنفعهما لك في موضعه وأجدهما عليك عند استعماله، فلم ينبث هذا كله هذا في العالم إلا ليعرف ويميز، وليكون بعضه باعثاً على بعض وناهياً عن بعض، وباختلاف الأشياء تختلف الظنون وتنقسم الآفكار في طلب الحق وترخي الصواب وليس الحق شخصاً في محل يطوي إليه. فلا تصرف وجهك عن اللفظة السخيفة والكلمة الضعيفة، فإن المعنى الذي فيهما فوق كراهتك، وليس العالم تابعاً رايك ومحمولاً على استحسانك واستقباحك، بل يجل عن مقاحم فكرك، ويعلو على غايات فهمك، فإنك ترى لنفسك محلاً ليست به فتقول هذا حسن وهذا قبيح، دون أن تقف على حقائق ذلك الحسن والقبح بعقل ما شانه الهوى، ولا تحيفه الإلف ولا ضيعته العادة، ولا أفسده أقران السوء، ولا مني بالتخليط الرديء والمرة المسرفة، ومن لك بالكمال؟ بل من لك ببعض هذه الأحوال؟ هيهات! وأنت متردد بين غالب عليك، وقادح فيك، وآخذ منك، وهابط بك، إلا أن يأخذ الله بيدك، ويصرف كيد السوء عنك، ويحبس فعال الشيطان دونك، ويكون لك قائماً بالصنع، هادياً إلى النجاة.
(9/58)

لأبي النجم الفضل بن قدامة في باز:
أزرق يغذى بطري اللحم ... قد جاء منقضاً كمثل النجم
بأحجن الكلوب أقنى الخطم ... به تضاح من دم المستدمي
ينتزع الأرواح قبل النظم وله في المنجنيق:
كأنها حين ثناها الناس ... جنية في رأسها أمراس
بها سكون وبها شماس ... يخرج منها الحجر الكباس
تمر لا يحبسها الحباس ... لا واضع الترس ولا تراس
ضخم الجبين مهزم مرداس ... يأخذ من وقعتها الوسواس
قال بعض العلماء: الإتاوة للملك، والخراج للسلطان، والفيء للمسلمين، والجزية من أهل الذمة، والصدقة للنعم، والزكاة للمال، والفطرة للصوم، والكفارة للإيمان، وجزاء الصيد للمحرم، والبر لبني القربى، والرزق لمن تمون، والفقة لمن يعنيك، والصداق والصدقة للنساء، والمتاع والتحميم للمطلقة، والعدة نفقة الإعتداد، والربح للتاجر، والمرباع للسيد وهو ربع الغنيمة.
قال أعرابي: قد كشرت الفتنة أضراسها، وحسرت راسها، وشمرت أردانها، وهيجت فتيانها، وذمرت فرسانها، ونازلت أقرانها.
(9/59)

يقال: ما الجرب، والجراب، والجريب، والحرب، والخرب، والذرب، والسرب، والشرب، والصرب، والطرب، والضرب، والعرب، والعرب أيضاً، والغرب، والقرب، والهرب، والكرب، والكرب أيضاً، والأرب، والدرب.
وسيأتي جواب كل حرف على حدة، وإن أملك بعض الإملال أفادك كل الإفادة، ولا تبد هذا العجز الذي يدل على خور طباعك وسوء سليقتك، وانتهز فرصة العلم فربما تحمد عاقبة العمل به.
قال بعض السلف: أنت في طلب الدنيا مع الحاجة معذور، وأنت في طلبها مع الإستغناء عنها مغرور.
قال الحسن: أحسن الدنيا أقبحها عن مبصرها، وذلك أنها تشغل عما هو أحسن منها.
سمع أعرابي رجلاً يقرأ: " فإن زللتم من بعدما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله غفور رحيم " البقرة: 209، فقال: لا يكون هكذا، هكذا يهدد، فقيل: إنما هو " عزيز حكيم " قال: هذا نعم، هذا يكون مع التهدد.
أما الجرب فالداء المعروف، يقال: رجل جرب وامرأة جربة وجربى، وأجرب الرجل: إذا جربت أبله، والجراب: المزود - بكسر الجيم، وأبو حاتم يقول: الفتح من لحن العامة، وجمعه جرب، والجريب: قطعة من الأرض وجمعه جربان. وقلت لبعض العلماء: هل يقول فيمن يتحذ الجرب (جراب) ؟ قال: ما سمع.
(9/60)

وأما الخرب فمن قولك: حرب فلان ماله فهو حريب ومحروب، والفاعل حارب، وقال بعض النساك: سمي المحراب محراباً لان الشيطان يحارب فيه بالطاعة لله تعالى، ويقال أن هذا التأويل مهزول، وإنما المحراب أشرف مكان في البيت، ومحاريب اليمن هي أمكنة شريفة في القصور، وكأن المحراب في المسجد من ذلك لموقف الإمام. وقال أبو حامد: المحراب عند بعض الفقهاء ليس من المسجد، ولهذا قيل: من بات في المسجد وحفزته بطنه ولم يمكنه الخروج فأولى به أن تقع ذات بطنه في المحراب. قال أبو حامد: ولم يقل ذلك لهذه العلة، إنما قيل ذلك لأنه مكان الإمام وحده، فإذا أصابه ذلك أصاب واحداً وهو ينتبه عليه، ويستدرك الحال هكذا، ولو وضع في ناحية أخرى فإنه يصير سبيلاً إلى نجاسة أكثر من واحد من حاضري الصلاة.
وأما الحرب فذكر الحبارى، وقد سمعت جمعه على خربان، والخراب ضد العامر، والخرابات كلام مهزول، كذا قال الثقة. وقال بعض الجوالين: الخرابات ببخارى كالمواخير بالعراق. والخارب: اللص وجمعه خراب، وكأنه استحق ذلك الفساد حاله. يقال: فلان ما عرفت له خربة - بالباء -، وخرمة منكر، هكذا قيل في هذا المعنى، وإنما الخرمة من خرم إذا ثقب، والمخارم في الطرق، وهي المهاوي والمقاطع، والأخرم: الذي إن خرم أنفه، والمسور بن مخرمة، وكأن هذين الاسمين أخذا من سار يسور إذا علا، ومن خرم إذا أثر، والكتاب يقولون: فلان من خراب البلاد، وشذاذ المدن، وأخابث الناس.
(9/61)

وأما الذرب ففساد في المدة، وقيل: وهو حدور الماء، ولذلك يقال: لسانه ذرب إذا كان حديداً، والسنان المذرب: أي المحدد، والأسنة المذربة.
وأما السرب فالنفق، وهو كالسرداب - بكسر السين - هكذا يختار العلماء وكذلك السرقين والدهليز، وكل ذلك خارج عن العربية في الأصل ومجرى فيها بالاستعمال. والسرب: الماء المنصب، وكأن النفق لما كان شقاً أسرب في الأرض كالماء، والسارب: الجاري، كذا قيل في قوله تعالى: " ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار " الرعد:10، كأنه لابس الخفاء، هو الكساء، وجمعه أخفية، وقيل له خفاء لما يخفى فيه، وسارب بالنهار: أي ظاهر وقال بعض القرامطة حين دخلوا الكوفة سنة خمس وتسعين ومائتين: نحن جباة المال، وحماة السروب، واحدها سرب، والسرب: القطيع من الغنم والظباء وغير ذلك.
أما الشرب فجمع شربة، والشرب: جرعك الماء، وأنت شارب والماء مشروب، والمشرب: ما يشرب به، والماء الشريب والمشروب: ما أمكن شربه على كراهية، والشرب: الندماء كالصحب. وقد تعجب بعض العلماء من قول الناس ببغداد للذي يريد أن يسقي الناس ويحمل الماء: شارب، وقالوا: هو ساقٍ، فلما قيل: شارب؟ ولم يظهر خفي هذا إلى الساعة، ورجل شريب إذا كان كثير الشرب كسكير وخمير وفسيق، وباب هذا موقوف على السماع ولا يقال بالقياس كقولك: هو إكيل من الأكل، ولا عليم من العلم، فاحفظ
(9/62)

السماع وافرد القياس، ولا تحمل أحدهما على الآخر.
واعلم أن القياس في اللغة من نحوين: نحو أيده السماع ودل عليه الطباع، فالقول حسن والمصير إليه جائز. سمعت هذا من أبي سعيد السيرافي. وكان أبو حامد المروروذي يقول: القياس باطل في اللغة، لأن اللغة في الأصل اصطلاح، وفي الفرع اتباع، والقياس استحسان وانتزاع، ولو وضعت اللغة بالقياس لصرفت بالقياس، فلما وضعت بالاصطلاح أخذت بالسماح، والكلام في اللغة طويل، لأن العلم بأحوالها واعتياد أهلها وأخذ بعضها عن بعضها في أصل الخلق وأول النطق وحين فتح الفاتح فاه، وعزا بعقله معنى وتوخاه، ثم صاغ له لفظاً وسماه، وأفرده بنفسه عما عداه، وقطع الصوت وأفرده من غيره بالإشارة إليه، وكيف فهم عنه السامع وكيف قرع أذنه، وكيف وصل إلى صميم عقله، وكيف عرف به مراد قلبه، وكيف وقع التمازج به والاتفاق عليه؟ علم إلهي، وسر خفي، وأمر غيبي، لا يقف عليه ولا يحيط بكنهه إلا خالق الخلق، ومبدئ العالم، ومنشئ الكون، ومالك الجملة.
وأما الصرب فالصمغ.
وأما الطرب فالخفة في الفرح، قال معاوية: الكريم طروب، أي الماجد مرتاح إلى الخير هشاش، والأطراب جمع طرب، وتطرب الرجل إذا تكلف ذلك
(9/63)

وأما الضرب فالعسل، ويقال: هو الأبيض المحبب الذي كأن فيه حبوباً، ولا أحفظ فيه أكثر من هذا.
وأما العرب فهذا الجيل في هذه الجزيرة، وهي ألف فرسخ، والعرب أيضاً جمع عربة، وهي ناعورة، وسميت بذلك لأنها تنعر أي تصوت، ويقال: نعر فلان، وفلان تعار في الفتن، ونعر العرق: إذا فار الدم منه.
والعرب أيضاً، يقال: هي النفس، واحدتها عربة، والخيل العراب معروف. وفلان أعرابي إذا كان بدوياً، وهو عربي أيضاً. والنقطة: الإفصاح، وهذا لم يفصح الكلام، ثم بحركاته وسكناته يقع البيان، ويقال: أعرب الفرس إذا صهل فعرف بصهيله أنه من الخيل العراب. والعرب جمع عروب، وهي المحبة لبعلها، هكذا فسر في التنزيل والحكمة والبيان القويم.
وأما الغرب فشجر معروف.
وأما القرب فليلة ورود الماء من صبيحتها.
وأما الهرب فمعروف.
وأما الكرب فأصول السعف، والكرب أيضاً: حبل يشد بحبل الدلو.
وأما الأرب فالحاجة.
وأما الدرب فالمهارة، يقال: درب يدرب درباً.
كتبت من حظ ابن المعتز: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لعاصم بن زياد الحارثي، وكان عاصم قد لبس الخشن وترك الملاء: يا عاصم. أترى أن الله تعالى أحل لك الطيبات وهو يكره أخذك منها؟ أنت والله أهون
(9/64)

عليه، قال: يا أمير المؤمنين، فأنت آثرت لبس الخشن، قال: ويحك يا عاصم، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوام لئلا يتبيغ بالفقير فقره، قال: فألقى عاصم العباء ولبس الملاء.
وقالوا: العفو زكاة العقل. ولو قيل: زكاة القدرة كان أنبل، هذا عندي، ولا أثق بجل ما عندي وقال علي رضي الله عنه: الجزع والشره والبخل والحسد فروع أصلها كلها واحد قيل لابن صوحان، وذكر يوماً من أيام علي: أين كنت؟ قال: كنت مع الخواص أضرب خيشوم الباطل.
قال عبد الله بن الزبير بن العوام لعمرو بن العاص: إنك لكالعشواء تخبط في جلبوب ليل خداري، هكذا كان بخطه، ولعله جلباب.
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لكل نعمة عاهة، وعاهة هذه النعمة عيابون طعانون، طغام مثل النعام، أتباع كل ناعق، يعني بالنعمة الخلافة فيما أظن.
(9/65)

قال أبو حمزة الشاري، وذكر بني أمية: ذبان طمع وفراش نار.
للناشئ الكبير:
لم تبن في الدنيا سماء مكارم ... إلا ونحن بدورها ونجومها.
وإذا سمت يوماً للمس أديمها ... يوماً أبالسها فنحن رجومها
وإذا سمعت بنعمة محروسة ... من كل حادثة فنحن حريمها
وإذا أليحت للأنام بوارق ... تندى فمنا تستهل غيومها
قال ابن المعتز: فيما تزندق فيه أبو العتاهية قوله:
إذا ما استجزت الشك في بعض ما ترى ... فما لا تراه العين أمضى وأجوز
قال ابن المعتز: لما قال:
(9/66)

فاضرب بطرفك حيث شئ ... ت فلن ترى إلا بخيلا
قيل له: بخلت الناس، قال: فاكذبوني بواحد.
قال ابن المعتز: وحدثني أبو سعيد عن الأثرم قال: كانت أم جعد، وهي امرأة من غدانة بن يربوع واقعت أوس بن حجر في الجاهلية فقالت:
أنعت عيراً هو أير كله ... حافره ورأسه وظله
كأن حمى خيبر تمله ... أنعظ حتى طار عنه جله
يدخل في فقحة أوس كله.
فهرب أوس منها فاتبعته وهي تقول:
أطلب أوساً لا أريد غيره ... نايكته فشق بظري أيره
شاعر:
مررت بأير بغل مسبطر ... فويق الأرض كالعنق المطوق
فما إن زلت أمرسه بكفي ... إلى أن صار كالسهم المفوق
(9/67)

فلما أن ربا ومذى وأمذى ... ضربت به حر أم أبي الشمقمق
قال ابن أذينة لعبد العزيز بن مروان في كلام جرى: لا، ولكنك ملول، قال: لو كنت ملولاً ما صبرت على مواكلتك سنة وأنت أبرص.
لعبادة بن البر الجعدي:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... جميع الهوى قد راجع النفس طيبها
قال بعض النحويين: بين قولك: ما زيد كعمرو ولا شبيهاً به، وبين قولك: ما زيد كعمرو ولا شبيه به فرق، أن القول الأول في النصب نفي لزيد عن مشابهته، وفي الجر نفي عن كونه شبيهاً به. وهذا فيه تحكم، وكثير من أصحابنا لا يطمئنون إلى هذا الفرق.
قال بعض النحويين: معنى قولك: أنت لولا أن أباك أبوك هو: أنت الكامل لولا أبوك، كأنه إشارة إلى فضله التام إلا من جهة الوضع من أبيه.
شاعر:
(9/68)

ما ذاق طعم النوم أو ما غمضا ... إذا الكرى في عينه تمضمضا
لأبي نخيلة:
ها أنا سيف من سيوف الهند ... ما شمت إلا نظرة في غمد
فإن تقلدني فعد لي حدي ... وكل ما سرك عندي عندي
دخل عبد الرحمن بن قديد العذري على معاوية يستعدي على هدبة بن الخشرم فقال: يا أمير المؤمنين، هؤلاء وطئوا حريمي، وروعوا حرمي، وقتلوا أخي.
ذم أعرابي قوماً فقال: ما زلت فيهم خميرة سوء يبقيها الماضي للباقي حتى أورثوها فلاناً فعجنها بيده وأكلها بفيه.
انظر إلى استعارة العرب وإلى اقتدارها في الكلام وركوبها كل متن ووجيفها في كل واد.
قال الحسن: اللهم اجعل أهل العراق صخرة تجري عليها دماؤنا، فما ينال بهم حق، ولا يرتق بهم فتق، وذلك لما تفرق عنه أصحابه.
(9/69)

وقف أعرابي بباب بعض الملوك فقال: أعينوا الجائع الضعيف، فقال البواب، وكان سميناً: لعنكم الله فما اكثر جائعكم، فقال: والله لو فرق قوت جسمك في أبدان عشرة منا لكفانا شهراً، وإنك لعظيم السرطة، جسيم الضرطة، ولو ذري بجيفتك بيدر لكفته.
وروي عن عمر أنه قال: إذا تناجى القوم في دينهم دون العامة فهم على تأسيس ضلالة.
طلق أعرابي امرأته فقالت: ولم تطلقني؟ قال: لقبح منظرك، وسوء مخبرك، والله إنك ما علمت لدائمة الذرب، كثيرة الصخب، مبغضة في الأهل، مشنوءة عند البعل، قصيرة الأنامل، متقاربة القصب، جبهتك نابية، وعورتك بادية، أكرم الناس عليك من أهانك، وأهون الناس عليك من أكرمك، قالت: وأنت والله إن نطق القوم أفحمت، وإن ذكر الجود انقمعت، ضيفك جائع، وجارك ضائع، القليل منك إلى غيرك كثير، والكثير من غيرك إليك قليل.
قال أنس: قيل: يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني اسرائيل، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: إذا ظهر الإدهان في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الملك إلى صغاركم، والفقه في رذالكم.
(9/70)

قال الحسن البصري: لا يرد جوائز الأمراء إلا مراء أو أحمق.
قال الأصمعي: لما قتل المختار أخذ رأسه وحمل بدنه على بغل، فكان كلما مال مسك بأيره، فكان أيره سكانه. هذا لفظ الأصمعي.
لأبي الخطاب النحوي:
أما والله لولا خوف هجر ... يكون من التنازع والعتاب
وأمر لست أدري كيف آتي ... إذا فكرت فيه بالجواب
لقلت مقالة فيها شفاء ... لنفسي من هموم واكتئاب
ولكن سوف أصبر فاصطباري ... على المكروه أولى بالصواب
قال ابن السماك: عجباً للفتى المترف الذي تعود النعيم في الدنيا، والطعام الطيب، والمركب الوطيء، والمنزل الواسع، كيف لا يعمل ها هنا مخافة أن يفوته ذاك في الآخرة، وعجباً للفقير المجهود الذي لا يقدر من الدنيا على حاجته كيف لا يعمل رجاء أن يذهب إلى نعيم وروح ويستريح مما هو فيه.
قال عبيد الله بن زياد: إياكم والطمع فإنه دناءة، والله لقد
(9/71)

رأيتني على باب الحجاج، وخرج الحجاج فأردت أن أعلوه بالسيف فقال: يا ابن ظبيان، هل لقيت يزيد بن أبي مسلم؟ قلت: لا، قال: فألقه فإنا قد أمرناه أن يعطيك عهدك على الري، قال فطمعت فكففت، وإنه عاد إلى يزيد بن أبي مسلم فلم يكن معه عهد ولا شيء، وإنما قال الحجاج ما قال حذراً منه.
شعر:
ما يألف الدرهم المنقوش خرقتنا ... إلا لماماً قليلاً ثم ينطلق
إنا إذا كثرت يوماً دراهمنا ... ظلت إلى سبل الخيرات تستبق
وجد عمرو بن العاص في الوهط - ضيعته - رجلاً يقطف عنباً فقال: ويلك ما علمت ما أنزل الله على موسى؟ قال: ما هو؟ قال: من تسور وهطين وأخذ قطفين فإنه يدخل نارين فقال لا والله على عيسى قال من سرق مصرين، وأنفق وهطين، فإنه يدخل نارين، فقال عمرو: والله أنزل الله تعالى هذا ولا ذاك.
لما ولي سوار القضاء كتب إلى أخ له يسكن الثغور: إنه إنما حملني على الدخول في القضاء مخافة أن أدخل فيما هو أعظم منه - وذكر كثرة
(9/72)

العيال، وشدة الزمان، وجفوة السلطان، وقلة المواساة، فرق له وكتب إليه: فإني أوصيك بتقوى الله تعالى يا سوار، الذي جعل التقوى عوضاً من كل فائدة من الدنيا، ولم يجعل شيئاً من الدنيا عوضاً من التقوى، فإن الدنيا عقدة كل عاقل، بها يستنير وإليها يستروح، ولم يظفر أحد في عاجل الدنيا وآجل الآخرة بمثل ما ظفر به أولياء الله الذين شربوا بكأس حبه، وكانت قرة أعينهم في ذلك، لأنهم أعملوا أنفسهم في حريم الأدب، وراضوها رياضة الأصحاء الصادقين، وظلفوها عن الشهوات، وألزموها القوت المعلق، وجعلوا الجوع والعطش شعاراً لها، حتى انقادت وأذعنت لهم عن فضول الشهوات، فلما ظعن حب فضول الدنيا عن قلوبهم، وزايلته أهواؤهم، وكانت الآخرة نصب أعينهم، ومنتهى أملهم، ورث الله تعالى قلوبهم الحكمة، وقلدت قلائد العصمة، وجعلت نوراً للعالم الذي يلمون منه الشعث ويشبعون الصدع، فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاءهم من الله موعود صادق اختص العالمين به والعاملين له، فإذا سرك أن تسمع صفة الأبرار الأتقياء فصفة هؤلاء فاستمع، وشمائلهم فاتبع، وإياك يا سوار وبنيات الطريق.
قال الأصمعي: لزياد الأعجم في قتيبة بن مسلم:
(9/73)

فما سبقت يمينك من يمين ... ولا سبقت شمالك من شمال
قال عبد الملك بن عمير: المرأة السوداء بنت السيد أحب إلي من المرأة الحسناء بنت الرجل الدنيء.
قال عبد الملك بن صالح: قال رجل لابن السماك: أما بلغك أن القصص بدعة، وكان عريفاً، قال: فبلغك أن العرافة سنة؟!.
كان لقيط راوية أهل الكوفة، قال: تقدم رجل من التجار إلى العريان بن الهيثم، كان التاجر فصيحاً صاحب غريب، ومعه خصم، فقال التاجر: أصلحك الله، إني ابتعت من هذا عنجداً واستنسأته شهراً أؤديه مياومة، ولم ينقض الأجل، ولقد أديت بعض حقه فليس يلقاني في لقم إلا فثأني عن وجهي، وأنا مهيء ماله إلى انقضاء الأجل، فقال له العريان: من أنت؟ قال: رجل من التجار، قال: أي عاض بظر أمه، تتكلم بهذا الكلام؟ ضعوا ثيابه، فأهوت الشرط إلى ثيابه فقال: أصلحك الله إن إزاري
(9/74)

مرعبل، فضحك العريان وقال: لو ترك الغريب في موضع لتركه ها هنا، خلوا عنه.
أصابت أبا علقمة الحمى فأرسل إلى الطبيب فقال: أنظر إلي، فأخذ بيده وحبس عروقه فقال: أصلحك الله، أي شيء يوجد لك؟ فقال: أجد رسيساً في أسناخي، وأزاً فيما بين الوابلة إلى الأطرة من دأيات العنق قال: أصلحك الله هذا وجع القريس، قال: أبو علقمة: وأين سعد من قريش؟! والناس بنو آدم، قال: إن شئت ولد آدم وإن شئت ولد عيسى، ليس عندنا لهذا الكلام دواء.
دعا أبو علقمة حجاماً فقال له: أخرج منك دماً قليلاً أو دماً كثيراً؟ فقال: اشدد قصب الملازم، وأرهف ظبى المبازع، وخفف الوقع،
(9/75)

وعجل القطع، ولا تستكرهن أبياً، ولا تدون ايتا واسفف ولا تسفف، فقام الحجام وقال: جعلني الله فداك، ليس لي علم بالحرب. يقال: أسفف أي قارب بين الشرط، ولا تسفف، يقول: لا تفرق بين الشرط.
قال الزبير بن بكار: لأمية أبيات نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إنشادها وهي:
ماذا ببدر فالعقن ... قل من مرازبة جحاجح
شيب وشبان بها ... ليل مخاريق دحادح
فمدافع البرقين فال ... حنان من طرف الأواشح
هلا بكيت على الكرا ... م بني الكرام أولي المنادح
كبكا الحمام على فرو ... ع الأيك في الطير الجوانح
(9/76)

يبكين حرى مستكي ... نات يرحن مع الروائح
من يبكهم يعول على ... حذر ويصرف كل مادح
أو لا يرون كما ارى ... ولقد يبين لكل لائح
أن قد تغير بطن مك ... كة فهي موحشة الأباطح
من كل بطريق لبط ... ريق نقي اللون واضح
القائلين الفاعلي ... ن الآمرين بكل صالح
المطعمين الشحم فو ... ق اللحم شحماً كالأنافح
خف الخميس إلى الخمي ... س إلى جفان كالمناضح
ليست بأصدار لمن ... يعفو ولا رح رحارح
قال أحمد بن أبي طاهر: حدثني حبيب قال، حدثني بعض المشايخ قال: سمعت رجلاً يقول: لو صور الصدق لكان أسداً، ولو صور الكذب لكان ثعلباً، وما صاحبهما منهما ببعيد.
قال أحمد: وحدثني حبيب قال، حدثني رجل من الحي قال: كان فينا شيخ شريف، فأتلف ماله في الجود، فصار يعد ولا يفي، فقيل له:
(9/77)

أصرت كذاباً؟ قال: نصرة الحق أفضت بي إلى الكذب.
قال: وعد رجل رجلاً فلم يقدر على إنجاز ما وعد، فقال: كذبتني، فقال: لا ولكن مالي كذبك.
قال أكثم بن صيفي: دعامة العقل الحلم، والمسألة مفتاح التوثق، وفي المشورة مادة الرأي.
كتب معاوية إلى زياد: اعزل حريث بن جابر، فإني ما أذكر فتنة صفين إلا كانت حزازة في قلبي، فكتب إليه زياد: خفض عليك يا أمير المؤمنين، فقد بسق حريث بسوقاً لا يرفعه عمل، ولا يضعه عزل.
وذكر أعرابي قوماً فقال: كلام الناس أشجار وكلامهم ثمار.
وقيل لصعصعة بن صوحان: كيف كان طلحة - وسئل عن جماعة من الصحابة - فقال: كان حلو الصداقة، مر المذاقة، ذا أبهة شاحطة.
قال عمرو بن عتبة: تألفوا النعمة بحسن مجاورتها، والتمسوا
(9/78)

المزيد فيها بالشكر عليها، واحملوا أنفسكم على مطية لا تبطئ إذا ركبت، ولا تسبق وإن تقدمت، قالوا: ما هذه المطية؟ قال: التوبة.
قال الأحنف في صفين: أما إذا حكمتم أبا موسى فأدفئوا ظهره بالرجال.
يقال: المواعيد رؤوس الحوائج والإنجاز أبدانها.
سمع أعرابي شعراً جيداً فقال: هذا رخيص المسمع، غالي المطلب.
قال أبو العيناء: غنانا علويه في منزل إسحاق، وكان اليزيدي معنا، فقال له اليزيدي، وكان علويه يضرب باليسار: أسأل الله الذي جعل سرورنا بيسارك أن يعطيك كتابك بيمينك.
قيل لرجل: لم فضلت الغلام على الجارية؟ فقال: لأنه الطريق صاحب، وع الإخوان نديم، وفي الخلوة أهل.
قال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز وهو صبي: كيف نفقتك علة عيالك؟ فقال: حسنة بين سيئتين، فقال لمن حوله: أخذه من قول الله تعالى " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً " الفرقان: 67.
(9/79)

قال أبو الدرداء: التمسوا الخير دهركم، وتوسموا له ما استطعتم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن الله تعالى نفحات يصيب بها من يشاء من عباده، وأسأل الله تعالى أن يستر العورة، ويؤمن الروعة.
قيل لفيلسوف: ما أعم الأشياء نفعاً؟ فقد الأشرار.
قدم بعضهم عجوزاً دلالة إلى قاض فقال: أصلح الله القاضي، زوجتني هذه امرأة عرجاء، فقالت: أعزك الله، زوجته امرأة يجامعها لم أزوجه حمارة يحج عليها.
يقال: إذا كان لك فكرة، ففي كل شيء لك عبرة.
شاعر:
بان الأحبة والأرواح تتبعهم ... فالدمع ما بين موقوف ومسفوح
قالوا نخاف عليك السقم قلت لهم ... ما يصنع السقم في جسم بلا روح
قال العباس بن الحسن في كاتب: ما رأيت أوقر من علمه، ولا أطيش من قلمه.
(9/80)

قال فيلسوف: الإنسان مستور ما أتبع قبيحه حسناً.
قال أعرابي: رب جواد عثر في استنانه، وكبا في عنانه، وقصر في ميدانه.
قال رجل لأبي سعيد الحداد: أخطأت، قال: أخطأت أنت حين تظن أني لا أخطئ.
قال رجل لرجل: غلامك ساحر، قال: قل له يسحر لنفسه قباءً وسراويل.
قال رجل: أريد أن أعتقد لولدي ما يعيشون به بعدي، فقال له زاهد: أنت ممن لا يعبد الله إلا بكفيل.
كان عامر بن عبد الله يقول: أربع آيات في كتاب الله إذا قرأتهن ما أبالي على ما أصبح وأمسي: قوله: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده " فاطر:2، وقوله عز وجل: " وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو " يونس:107، وقوله: " سيجعل الله بعد عسر يسراً " الطلاق:7، وقوله: " وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها " هود:6.
(9/81)

كتب بعض الكتاب إلى صديق له وقد تأخر عنه كتابه: إن كنت لا تحسن أن تكتب فهذه زمانة، وإن كنت تكتب ولا تكاتب إخوانك فهذا كسل، وإن كان ليس لك قرطاس ودواة فهذا سوء تدبير، وإن اعتذرت بعد ما كتبت إليك فهذه وقاحة.
شاعر:
وإذا تبسم سيفه ... بكت النساء من القبائل
وإذا تخضب بالدما ... ء نهضن في سود الغلائل
لا شيء أحسن عنده ... من نائل في كف سائل
نظر ابن سيابة إلى مبارك التركي وتحته دابة، فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا رب، هذا حمار وله دابة، وأنا إنسان وليس لي حمار!!.
تاب مخنث فلقيه مخنث آخر فقال: يا فلان أيش حالك؟ قال: قد تبت، قال: فمن أين معاشك؟ قال: بقيت له فضلة من الكسب القديم، قال: إذا كانت نفقتك من ذلك الكسب فلحم الخنزير طري خير منه قديد.
قال ابن أبي فنن: دخلت يوماً إلى الفتح بن خاقان أسأله إيصالي إلى المتوكل لأنشد شعراً، وأنشدته:
(9/82)

إذا كنت أرجو نوال الإمام ... وفتح بن خاقان لي شافع
فقل للغريم أتاك الغياث ... وللضيف منزلنا واسع
قال: وكان الفتح يشرب، فأمرني بالجلوس وقدم إلي النبيذ وأمرني بالشرب، فقلت: ما أكلت شيئاً أيها الأمير، فجاءني بعض الخدم فأخذ بيدي إلى خزانة وقدم لي طعاماً، فأكلت وعدت إلى مكاني فجلست، فقال لي الفتح: خذ ما تحت مصلاك، فنظرت فإذا بصرتين، فقال: أما إحداهما ففيها مائة دينار وهي لجائزتك، وأما الأخرى ففيها مائة دينار لحسن أدبك وقولك: إني ما أكلت شيئاً.
جحظة:
غنت فهاجت حربي ... وضاع فيها طربي
فشعرها من فضة ... وثغرها من ذهب
قيل لمزيد وقد اشترى حماراً: ما في حمارك عيب إلا أنه ناقص الجسم يحتاج إلى عصا، قال: إنما كنت أغتم لو كان يحتاج إلى بزماورد، فأما العصا فأمرها هين.
خطب معاوية الناس فقال: إن الله تعالى يقول في كتابه: " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما تنزله إلا بقدر معلوم " الحجر:21، فعلام
(9/83)

تلومونني إذا قصرت في اعتياتكم؟ فقام إليه الأحنف فقال: إنا والله ما نلومك يا معاوية على ما في خزائن الله ولكن على مانزله ألينا من خزائنه فجعلته في خزائنك وحلت بيننا وبينه، قال: فكأنما ألقمه حجراً.
قال بزر جمهر: من عيب الدنيا أنها لا تعطي أحداً استحقاقه، إما أن تزيده وإما أن تنقصه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: جعل عزي في ظل سيفي وفي رأس رمحي.
قال مسلمة لنصيب: أمدحت فلاناً؟ قال: نعم، قال: فما فعل معك؟ قال: حرمني، قال: فهلا هجوته؟ قال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال: لأني أحق بالهجو منه إذ رأيته أهلاً لمدحي، فأعجب به وقال له: سلني، قال: كفك بالعطية أبسط من لساني بالمسألة، فأمر له بألف دينار.
صاح رجل براهب في صومعته فقال له: ما الذي علقك في هذه الصومعة؟ قال: من مشى على الأرض عثر.
(9/84)

قيل لرجل: مات عدوك، قال: وددت لو أنكم قلتم: تزوج.
قال الحجاج يوماً لرجل: أنا أطول أم أنت؟ قال: الأمير أطول عقلاً وأنا أبسط قامة.
وصف النظام الكواكب وحسنها، وكان الخاركي حاضراً، وكان يتهم بالزندقة، فقال: وأي شيء حسنها؟ ما أشبهها إلا بجوز كان في كم صبي فتناثر فوقع متفرقاً: ها هنا ثلاثة، وها هنا أربعة، وها هنا اثنتان.
أنا والله أرحم هذا القائل، وهو بالغيظ عليه أولى، بل تنفيذ حكم الله فيه أحق، فقد الحد في الدين وأرصد للمؤمنين، وشبه على الضعفاء المبتدئين، أما يعلم أن هذا الظاهر المنتشر موشح بالباطن المنتظم، وأن هذا البادي المتباين مربوط بذلك الخافي المتصل، وأنه لو جرى الأمر على وصف هذا المقترح، وترصيع هذا المعترض، لكان النقص يعتوره، والخلل يدخله، وحق لعقل قصير، واعتبار ممزوج، وفكر مضطرب، أن يؤدي صاحبه إلى هذا الاختلاط.
هيهات جل خلقه عن إدراك خلقه، وعلا عن إحاطة شيء بكنهه، فليس لعقل مجال في سره، ولا لوهم منال من غيبه، ولا لمعترض ثبات عند اختلاف
(9/85)

أفانين قدرته، وإنما عليك أن تعرف نقصك في كمالك، وعجزك في قدرتك، وسفهك في حكمتك، ونسيانك في حفظك، وخبطك في توفيقك، وجهلك في علمك، ونيلك عند بأسك، وتهتكك في احتراسك، وإخفاقك مع تحققك، ونكولك في تصميمك، فإذا عرفت هذه المعاني، وسكنت هذه المغاني، وضح لك خفي الغيب ببادي الشهادة، وتداركت الأدلة بشفاء اليقين، ورحلت عن صدرك غلبات الهم، وتشاهدت السواء في كثرتها بتوحيد الواحد، وأشارت إلى الفيض الغامر، وأوصلتك إلى حقائق ما تراءى لعينك، وتخيل لوهمك، وهجس ببالك، وخنس عن عقلك، ونفى عن طرفك فيما لحقك الشك، وتميز من وهمك ما استحال بتحصيلك، وطرد عن قلبك ما طرقك بالشبه، هنالك تعلم أن العالم في إحدى جهتيه يشكل على العاقل الفحص عنه، وفي الجهة الثانية يحرم على المنصف التشكك فيه، لأنه إن كان فيما يوجد من انتثاره ما يفدح في حقائق التوحيد، ففيما يوجد من انتظامه ما يفتح أبواب التحقيق، وإن كان فيما ترى من اختلافه ما يبعث الحيرة، ففيما يعقل من اتساقه ما يفضي إلى التمييز، وإن كان فيما يجهل سره ما يتصل بالراحة، وإن كان بعض الحرمان غيظاً فإن بعض
(9/86)

النبل غبطة، وإن كان طرف العجز جاذباً إلى اليأس إن في طرف القوة ما يستحصف به أسباب الأمل، فلا ترع، فليس ما جل عنك وجب أن يبطل عليك، ولا ما دق عن فهمك وجب أن يبهرجه نقدك، حاكم نفسك إلى نفسك، وعقلك إلى عقلك، فإنهما إن نكلا عن الشهادة في موضع استقصاء العلانية فإنهما يمران الشهادة في موضع ثقة بالحقيقة، ولا تكن إلباً عليهما فتخسر وأنت حاكم، وتحشر وأنت واهم.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما تكلم أحد بالفارسية إلا خب، ولا خب إلا ذهبت مروءته.
شاعر:
أما ترى الورد في أكفهم ... يجتث للقاطفين من ورقه.
كالقلب نار الهوى تلذعه ... والقلب يهوى الهوى على حرقه
قال أفلاطون: لولا قولي إني لا أعلم شيئاً إني أعلم لقلت: إني لا أعلم.
قال فيلسوف: ما كسبت فضيلة من العلم إلا علمي بأني لا أعلم.
(9/87)

قال بعض أصحابنا: العالم قد يكون معانداً من حيث يخالف ما يعلمه، فأما الجاهل فلا يكون منصفاً لجهله بالإنصاف وفقد علمه بشرفه.
قيل لعالم: ما السرور؟ قال: معنى صح بالقياس، ولفظ وضح بعد التباس.
قيل لشجاع: ما السرور؟ قال: ضرب سريع، وقرن صريع.
قيل لملك: ما السرور؟ قال: إكرام ودود، وإرغام حسود.
قيل لعاقل: ما السرور؟ قال: عدو تداجيه، وصديق تناجيه.
قيل لأكار: ما السرور؟ قال: رفع غلة، وسد خلة.
قيل لمغن: ما السرور؟ قال: مجلس يقل هذره، وعود ينطق وتره.
(9/88)

قيل لناسك: ما السرور؟ قال: عبادة خالصة من الرياء ورضى النفس بالقضاء.
للعطوي:
يا نفس دومي على العبادة والص ... صبر فخير العلقين في يدك
إني وإن كنت لابساً سملا ... فهمتي فوق كاهل الفلك
قال بعض الأدباء: الجالي عن مسقط رأسه ومحل رضاعته كالعير الناشط عن بلده الذي هو لكل عير فريسة، ولكل رام دريئة.
قالت الفرس: تربة الصبا تغرس في القلب حرمة وحلاوة، وكما تغرس الولادة رقة وجفاوة.
قال فيلسوف: فطرة الرجل معجونة بحب الوطن.
وكان بقراط يقول: يجب أن يداوى كل عليل بعقاقير أرضه، فإن الطبيعة تتطلع إلى هوائها، وتنزعو إلى غذائها.
(9/89)

قال ابن عباس: لو قنع الناس بأرزاقهم كقناعتهم بأوطانهم ما اشتكى عبد الرزق.
شاعر:
سكر الولاية طيب ... وخمارها صعب شديد
لازلت في درك الشقا ... حتى تعاين ما تريد
قال ابن جريج: قرأت في موضع:
عش موسراً إن شئت أو معسراً ... لا بد في الدنيا من الغم
فكلما زادك في نعمة ... زاد الذي زادك في الهم
إني رأيت الناس في عصرنا ... لايطلبون العمل للعلم
إلا مباهاة لأصحابه ... وعدة للغشم والظلم
قال أعرابي: ما السيف عن الظالم بصائم، ولا الليل عن النهار بنائم.
قال فيلسوف: إنك لن تجد الناس إلا أحد رجلين: إما مؤخراً في نفسه قدمه حظه، أو مقدماً في نفسه أخره دهره، فأرض بما أنت فيه اختياراً، وإلا رضيت اضطراراً.
(9/90)

قال رجل لسقراط: ما أقبح وجهك، قال: ما تقبيح صورتي إلى فأذم، ولا تحسين صورتك إليك فتحمد، قال: قد علمت، قال: فإذا عبت الصنعة مع علمك فقد عبت الصانع.
قيل لفيلسوف: ألا تحدثنا؟ قال: لا، قيل: لم؟ قال: لأنكم تجلون عن دقيقي وأدق عن جليلكم.
قيل لسقراط: ما تأمرنا أن نصنع بك إذا مت؟ قال: ليعن بذلك من يحتاج إلى المكان.
قال أعرابي: من لم يؤدب في صغره لم يفلح في كبره.
قال بعض الرؤساء: دع الوعد يتربص ثلاثاً، فإن كثير العطاء قبل الوعد صغير، وجليله حقير.
قال أعرابي: ما زلت أقوت عيني النوم حتى وقعت في لجته وعرقت في بحره.
(9/91)

قال يحيى بن خالد: الوعد شبكة من شباك الكرام، يصطادون بها محامد الإخوان.
قال الموبذ بمرو: الوعد سحابة والإنجاز مطرة.
وقال آخر: لقح المعروف بالموعد، وأنتجه بالفعال، وأرضعه بالزيادة.
سئل ابن مسعود عن الوسوسة يجدها الرجل فقال: ذاك برازخ الإيمان.
يقال: عين العقل أبصر من عين الجسد.
نظر أعرابي إلى بعض أولاد الملوك فرآه سميناً فقال: لحاك الله ما ثناك الخبز.
قال قسطا بن لوقا: الخط هو مقدار ذو نعت واحد، وهو الطول
(9/92)

بلا عرض ولا عمق، وهو لا يدرك على الانفراد بالعقل والوهم لا بالحس، وأما وجوده بالحس فإنه في البسيط إذ هو نهايته، فإن البسيط إذا ألقي منه عرضه بقي طوله فقط، وذلك هو الخط؛ ونهاية الخط نقطتان: فالنقطة هي شيء لا بعد له، أعني لا طول ولا عرض ولا عمق، وهي موجودة على الانفراد بالعقل والوهم لا بالحس، وأما وجودها بالحس فهو في الخط.
قال ابن المعتز في رسالة يذكر فيها محاسن أبي تمام ومساوئه: سهل الله لكم سبل الطلب، ووقاكم مكاره الزلل؛ ربما رأيت من تقديم بعضكم الطائي على غيره من الشعراء إفراطاً ظاهراً، وهو أوكد أسباب تأخير بعضكم إياه عن منزلته في الشعر لما يدعو إليه اللجاج، فأما قولي فيه فإنه بلغ غايات الإساءة والإحسان، فكأن شعره قوله:
إن كان وجهك لي تترى محاسنه ... فإن فعلك بي تترى مساويه
وقد جمعنا محاسن شعره ومساوئه في رسالتنا هذه، ورجونا بذلك ارتداع المسهب في امتداحه، ورد الراغب عنه إلى إنصافه، واختصرنا الكلام إشارة لقصد ما نزعنا إليه، وتوقياً لإطالة ما يكتفى بالإيجاز فيه، ولئن
(9/93)

قدمنا مساوئه على محاسنة ففي ذلك الجور عليه، وإن قرب العهد بمحاسنه لأدعى للقلوب إليه.
قال أعرابي: إذا استشرت الشر شري.
كتب عبد الملك إلى الحجاج: أرهب أهل الخيانة وأرغب أهل الأمانة، فإن البريء، إذا لم يأمن العقوبة وخاف مثل ما يؤتى إلى أهل الخيانة، طأطأ ركضاً في السرقة.
قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: كلام ألحمه التقوى ونسجه الإخلاص.
قال عامر بن عبد القيس: الدنيا والده الموت.
قال عياض بن عبد الله: الحب أعمى.
وقال بعض الزهاد: المساجد سوق الآخرة.
قال العتبي: سئل أعرابي عن أخوين له فقيل له: أخبرنا عن
(9/94)

زيد، فقال: أسكن الناس فوراً، وأبعدهم غوراً، وأثبتهم عند الحجة، قالوا: فأخبرنا عن الآخر، قال: كان والله شديد العقدة، لين العطفة، يرضيه أقل ما يسخطه، قالوا: فأخبرنا عن نفسك، قال: والله إن أفضل ما في معرفتي بهما.
قال رجل لعتبة بن أبي سفيان: قدمت إليك أخوض المتالف، وأقطع لجج السراب مرة، وألتحف بالليل أخرى، مضمراً حسن الظن بك، هارباً من اليأس إلى رجائك.
وصف قطري الدنيا فقال: ما نال أحد منها حبرة إلا أعقبته عبرة، ولم يملأ من سرائها بطناً إلا منحته من ضرائها ظهراً، ولم يجد منها غنيمة رخاء إلا هطلت عليه مزنة بلاء، ولم يمس منها أمرؤ في جناح أمن إلا أصبح على قوادم خوف.
ذكر المدائني في كتاب نوادر القضاة أنه حضر وليمة على مائدة
(9/95)

وأعرابي يحاذيه على مائدة أخرى فقال: أتحول إليك يا أبا العباس؟ قال: ما بنا إليك من وحشة فلا تجعلنا سلماً للشهوة.
تقدم رجل إلى شريح ليشهد فقال: إنك لتنشط للشهادة، قال: إنها لم تحقد علي، قال: لله درك، وقبل شهادته.
سئل رجل عن اليمن فقال: سيف اليمن قضاعة، وهامتها همدان، وسنامها مذحج، وريحانتها كندة، ولكل قوم قريش، وقريش اليمن الأنصار.
كتب بعض الحكماء إلى أخ له: إنك قد أوتيت علماً فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بنورهم.
قال النضر بن معبد: لا يتكلم أحد بكلمة حتى يزمها ويخطمها، فعسى أن يكون في القوم من هو أعلم منه، فإن سكت سكت وهو قادر عليه، وإن بكته وجد للتبكيت موضعاً.
قال داود بن علي: احمدوا الله تعالى على النعمة التي أصبحتم ترتضعون درتها، وتتفيئون ظلها، وتفترشون وسادها ومهادها.
وقال آخر: الدنيا سوق الشر.
وقال آخر: الدنيا عين تبصر بها الآخرة.
(9/96)

ويقال: الصدق يدل على اعتدال وزن العقل.
وقال آخر: الإسناد كسوة الحديث.
وقال ابن مسعود: كونوا جدو القلوب خلقان الثياب، تجفون في الأرض وتعرفون في السماء.
قال شداد بن أوس: إني أخاف عليكم شهوة خفية ونعمة ملهية، وذاك حين تشبعون من الطعام وتجوعون من العلم.
لما ماج أهل مكة لوفاة النبي صلى الله عليه وسلم استبشر أبو سفيان بن حرب، فقام سهيل بن عمرو فقال: والله إني لأعلم أن هذا الدين سيمتد امتداداً كالشمس في طلوعها إلى غروبها، فلا يغرنكم هذا من أنفسكم، وأشار إلى أبي سفيان، فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم، ولكن حسد بني هاشم جاثم على صدره.
لما دنا خالد من أصحاب مسيلمة انتضوا سيوفهم قبل أن
(9/97)

يلتقوا، فقال خالد، فشل قومك يا مجاعة، قال: كلا ولكنها اليمانية لا تلين حتى تشرق متونها، قال: ما أشد ما تحب قومك، قال: لأنهم حظي من ولد آدم، فقال خالد يوم ذلك:
إن السهام بالردى مفوقه ... والحرب ورهاء العقال مطلقه
وخالد من دينه على ثقه قال أبو قلابة: لا تجالسوا أصاب الأهواء فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.
وقال: إن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما صفا ورق وصلب، فأما صفاؤها فلله، وأما رقتها فللإخوان، وأما صلابتها فعلى الكفار.
من خط ابن المعتز:
إذا رأين علماً ممتداً ... معمماً بالآل أو مردى
يحسبه الرائي حصاناً وردا ... مجللاً كتابة أو بردا
صددن عن عرنينه أو صدا آخر:
قلق لأفنان الرما ... ح للاقح منها وحائل
حتى إذا صغت المط ... ي بعيد هرولة العساقل
(9/98)

ومعطل أشب يخر ... ق ذي الأعالي والأسافل
قد بت أدأبه إلي ... ك بغيهب هدب العياطل
آخر:
تم لوعة للندى وكم قلق ... للجود والمكرمات في قلقك
ألبسك الله منه عافية ... في نومك المعتري وفي أرقك
ينزع من جسمك السقام كما ... نزعت حبل اللئام من عنقك
ابتلع ثعلب عظماً فبقي في حلقه، فطلب من يعالجه ويخرجه، فجاء إلى كركي فجعل له أجراً على أن يخرج العظم من حلقه، فأدخل رأسه في فم الثعلب وأخرج العظم بمنقاره ثم قال للثعلب: هات الأجرة، فقال الثعلب: أنت أدخلت رأسك في فمي وأخرجته صحيحاً، لا ترضى حتى تطلب أجراً زيادة؟! قيل لثعلب: أتحمل كتاباً إلى الكلب وتأخذ مائة؟ قال: أما الكراء فواف تام، ولكن الخطر عظيم.
(9/99)

ووقع في شرك صياد ثعلبان فقال أحدهما: يا أخي، أين نلتقي؟ فقال: في دكان الفراء بعد ثلاث.
قالت قحبة لصاحبتها: متى يكون الرجل أطيب للمرأة؟ قالت: إذا حلق هو مثل أمس، وانتفت هي مثل اليوم، فدخلت أصول شعرته في أصول شعرتها، فقالت لها الأخرى: قتلتيني، الساعة أصب!! وكانتا في غرفة تحتها خياط وقد سمع ما قالتا فصاح: يا قحاب، ثياب الناس في الدكان، لا يكف علينا!! قال الجماز: رأيت عجوزاً تسأل وتقول: من تصدق علي أطعمه الله من طيبات باب الطاق.
شاعر:
أقاموا الديدبان على يفاع ... وقالوا لا تنم للديدبان
إذا أبصرت شخصاً من بعيد ... فصفق بالبنان على البنان
تراهم خشية الأضياف عجلى ... يقيمون الصلاة بلا أذان
(9/100)

قيل للحسن بن شهريار، وكان كاتباً لوصيف: لا تنصرف إلى منزلك إلى نصف النهار، فقال: ما أعجب هذا!! فإن لم يجيء نصف النهار إلى بعد العصر أقعد؟! رفع وكيل لبعض بني هاشم في حساب ثلاثمائة درهم في جلاء مرآة، فقال جمين: والله لو صدئ القمر لجلي بأقل من هذا.
قال بعضهم: قلت لمديني وهو محرم يتغنى على حماره: أما تتقي الله تتغنى وأنت محرم؟ فقال: إني أخاف النعاس وأن أقع عن حماري، قلت: فأين أنت عن القرآن؟ قال: جربناه فوجدناه يزيد في النوم.
قال عبد الله بن دينار: خرجت مع ابن عمر إلى السوق فرأى جارية صغيرة تغني فقال: لو ترك الشيطان شيئاً لترك هذه.
قال أعرابي لخمار: أعندك شيء يشبه قول الأعشى:
تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقا يتمطق
قال: نعم، وناوله قدحاً، فشرب وقال: ليس هذا أريد، أعندك ما قال الأخطل:
(9/101)

صهباء قد عنست من طول ما حبست ... في مخدع بين جنات وأنهار
قال: نعم.
قال عبد الله بن المعتز، قال عبد العزيز بن مسلم: رأيت قبر أبي محجن بأرمينية عليه شجرات كرم.
قال الجماز: كنت في منظره وإذا على غلوى شيخ معه صبي في يوم بارد، فكنت أسمع الشيخ يقول للصبي: أعطني فروتي، فيناوله شيئاً لا أثبته، فنظرت عند الشيخ قنينة كلما طلب من الصبي فروته سقاه قدحاً منها، قال الشاعر:
إذا شربنا خمسة خمسة ... فقد لبسنا الفرو من داخل
قال أعرابي: من كلام العرب: نعم لباس المرء التقوى، ونعم حشو الدرع السخاء، وأنبل بالحياء خلقاً، وبالوقار مهابة، وبالبيان ارتفاعاً، وبالتواضع عزاً، وبالوفاء جمالاً، وبصدق الحديث مروءة.
قال بعض السلف: العجب ممن يشتري المماليك بالدراهم كيف
(9/102)

لا يشتري الأحرار بالمكارم.
سرق رجل من مجلس أنوشروان جام ذهب، وأنوشروان يراه، فتفقده صاحب الشراب فقال: لا يخرجن أحد حتى يفتش، فقال أنوشروان: لا تعرضوا لأحد فقد أخذه من لا يرده، ورآه من لا ينم عليه.
زور رجل كتاباً عن المأمون إلى محمد بن الجهم في دفع مال إليه، فارتاب به محمد فأدخله على المأمون، فقال المأمون: لم أذكر هذا، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أكل معروفك تذكر؟ قال: لا، قال: فلعل هذا مما نسيت، قال: لعله، ادفع إليه يا محمد ما في الكتاب.
مر عبد العزيز بن مروان بمصر فسمع امرأة تصيح بابنها: يا عبد العزيز، فوقف وقال: من المسمى باسمنا؟ ادفعوا إليه خمسمائة دينار؛ فما ولد في تلك الأيام ولد بمصر إلا سمي به.
مدح رجل رجلاً عند خالد بن عبد الله فقال: والله لقد دخلت
(9/103)

إليه فرأيته أسرى الناس داراً وفرشاً وآلة وخدماً، فقال خالد: لقد ذممته، هذه حال من لم تدع فيه شهوته للمعروف فضلاً، ولا للكرم موضعاً.
قال أبو العيناء: قيل للحسن بن سهل: بالباب رجل راغب فقال: سلوه ما وسيلته؟ قال: وسيلتي أني أتيتك عام أول فبررتني، فقال: مرحباً بمن توسل إلينا بنا، ووصله.
صار عطاء بن أبي رباح إلى رجل من أشرف قريش فقال إني أتيتك بهدية فتفضل بقبولها، فقال: هاتها، قال: فلان كانت عليه نعمة فزالت فلو نظرت له، فقال: جزاك الله على هديتك خيراً، فما أحسبنا ننهض بمجازاتها، فقال عطاء: بل جزاك الله على قبولك إياها أفضل الجزاء.
وقل ما ترى في عصرنا من يقبل هدية مثل هذه، والله إني لأستحيي من رواية هذه المكارم في عصر يتباهى فيه باللؤم، ويتبجح بالسخف، ويحتج بالحزم في البخل، وقد تواصي الناس بكلام الكندي لعنة الله - حيث يوصي ابنه: يا بني، أما بعد فكن مع الناس كلاعب الشطرنج، تحفظ شاهك وتأخذ شاههم، فإن مالك إذا خرج عن يدك لم يعد
(9/104)

إليك، وأعلم أن الدينار محموم فإذا صرفته مات، وأعلم أنه ليس شيء أسرع فناء من الدينار إذا كسر، والقرطاس إذا نشر، والجلد إذا قشر، والثوب إذا قصر. ومثل الدرهم مثل الطير الذي هو لك ما دام في يدك، فإذا طار صار لغيرك قال المتلمس:
قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد
لحفظ المال أيسر من بغاة ... وسير في البلاد بغير زاد
وأعرف بيتاً قد بيت أكثر من مائة ألف في المساجد، وهو قول القائل:
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
فاحذر يا بني أن تلحق بهم فتكون منهم.
لحا الله هذا الموصي وقبح هذه الوصية وأبعد قائلها والعامل بها.
قال علي كرم الله وجهه: إنما أمهل فرعون مع دعواه لسهولة إذنه وبذل طعامه.
قال بعض السلف: إذا استشرت فانصح، وإذا قدرت فاصفح
(9/105)

قال ماجن لآخر: كم صمت من هذا الشهر؟ قال: وتدعني امرأتك أصوم منه شيئاً؟!
لعبد الصمد بن المعذل:
صرفت الود فانصرفا ... ولم ترع الذي سلفا
وبنت فلم أمت أسفا ... عليك ولم تمت أسفا
لابن أبي فنن:
وعرصة مجد يكسب الحمد ربها ... ممهدة للمجتدين قبابها
إذا صدرت عنها وفود تتابعت ... وفود تلاها بالنجاح إيابها
أرتها وجوه الصادرين بشارة ... وتصدقها أفراسها وعيابها
جعلتك حصناً دون كل ملمة ... تخاوص عيناها ويصرف نابها
ولبيت لما أن دعوت مشمراً ... ولا خير في ذي دعوة لا يجابها
وله:
أقصرت شرتي وولى العرام ... وارتجاع الشباب ما لا يرام
أخلقت مرة الليالي جديداً ... والليالي يخلقن والأيام
فعلى ما عهدته من شبابي ... وعلى الغانيات مني السلام
(9/106)

يحرم الماجد المجد وقد ير ... زق قوم وإنهم لنيام
فدع الحرص والحريص ولا تم ... تهن النفس إنها أقسام
سر من عاش ماله فإذا حا ... سبة الله سره الإعدام
أرق المأمون ذات ليلة فوجه إلى محمد بن حازم الباهلي، فلما دخل عليه قال: قل بيتين الساعة، فقال:
أنت سماء ويدي أرضها ... والأرض قد تأمل غيث السما
فازرع يداً عندي محمودة ... تحصد بها عندي حسن الثنا
فقال المأمون: عشرة آلاف درهم، فقد أبى إلا أخذ مالنا وخديعتنا، فقال محمد:
وإذا الكريم أتيته بخديعة ... فرأيته فيما تحب يسارع
فاعلم بأنك لم تخادع جاهلاً ... إن الكريم بفضله يتخادع
فأمر له بعشرة آلاف درهم أخرى وقال: أخرجوه لا يفني بيت المال.
قال المبرد: أنشد أبو العالية الشام لنفسه:
ترحل فما بغداد دار إقامة ... ولا عند من يرجى ببغداد طائل
بلاد ملوك سمنهم في أديمهم ... وكلهم من حلية المجد عاطل
ولا غرو أن شلت يد الجود والندى ... وقل سماح من أناس ونائل
(9/107)

إذا غضغض البحر الغطامط ماءه ... فليس عجيباً أن تغيض الجداول
أهدى عبيد الله بن السري إلى عبد الله بن ظاهر لما دخل مصر مائة مملوك، مع كل مملوك ألف دينار، وأرسلها ليلاً، فردها عبد الله وقال: لو كنت أقبل هديتك ليلاً قبلتها نهاراً، " بل أنتم بهديتكم تفرحون " النمل 36.
لما خطب للمأمون على منابر خراسان، كتب إليه الحارث بن سبيع السمرقندي: قد أظلنا الله بخلافة أمير أمير المؤمنين تحت جناح الطمأنينة، وبلغنا بها مدى الأمنية، فأدام الله من كرامته ما يتظلل به أقاصي وأداني رعيته، وجعله أعز خليفة، وجعلنا أسمع وأطوع رعية، فقال المأمون للفضل بن سهل: أتعرف قيمة هذا الكلام؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، يلقيك إياه بالسرور، فأعجبه قوله واستحسنه.
لأبي العالية الشامي:
من ذا الذي رد هتم الموت إذا وقعا ... أو استطاع من الأقدار ممتنعا
هيهات ما دون ورد الموت من عصر ... كل سيشرب من أنفاسه جرعا
يا عظم رزء يزيد إذ فجعت به ... لا در در الردى ماذا به فجعا
لله در أخ من زائر جدثا ... ماذا نعى منه ناعيه غداة نعى
(9/108)

قد كنت أمنح لومي قبل مهلكه ... من استكان لريب الدهر أو خشعا
حتى رمتني المنايا من مصيبته ... بنكبة رمت فيها الصبر فامتنعا
أخي ظعنت وخلفت المقيم على ... كر الليالي لما لاقيته تبعا
ماذا أضفت إلى الإحشاء من حرق ... لما استجبت لداعي الموت حين دعا
وما منحت قلوباً فيك موجعة ... كادت تقطع من غمر الأسى قطعا
أغريت بالعين إذ هيجت عبرتها ... دمعاً إذا هيجته حرقة دفعا
يا غيبة منه ما أرجو الإياب لها ... قرعت قلبي بها إذ بنت فانصدعا
كادت توافق بي حتفاً بلا أجل ... لما طوى يأسها من أوبك الطمعا
يا حبل عز أذود الحادثات به ... دبت عليه صروف الدهر فانقطعا
أصحى صدى الترب في لحد ثويت به ... من ماء وجهك بعد الصوب قد نقعا
آليت بعدك لا أبكي على بشر ... ولا أقول له عند العثار لعا
كتب صاحب أرمينية إلى المنصور: إن الجند قد شغبوا علي، وطلبوه أرزاقهم وكسروا أقفال بيت المال وانتبهوه، فعزله ووقع في جوابه: لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم يتوثبوا.
ووقع المنصور في رقعة رجل سأله شيئاً: آتاك الله سعة تصون عرضك وتقي دينك.
(9/109)

كتب صاحب جيش عبد الملك بن مروان يخبره بكثرة من لقي من جيش الروم، فوقع إليه: " إن ينصركم الله فلا غالب لكم " آل عمران.
ووقع المنصور في قصة رجل ذكر أن أمير المؤمنين أمر بأرزاق وأن الفضل أبطأ بها: " ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها " فاطر:2 أهدى رجل إلى عمرو بن سعيد في يوم نيروز وهو والي كسكر وكور دجلة عصافير على طبق تحت مكبة ورقعة فيها:
عصافير بعثت بها ملاحاً ... ليضحك لا ليأكلها الأمير
وما أهدى سواي إلى أمير ... عصافيراً على طبق تطير
فلما وضع بين يديه ورفع المكبة طارت العصافير، فأخذ الرقعة فقرأ الشعر وضحك وأمر له بجائزة.
نظر ثعلب إلى جمل يعدو فقال: ما وراءك؟ قال: جعلت فداك، سخرت الحمير والبغال، فقال: وما أنت والحمير والبغال؟ فقال: أخاف جور السلطان.
دخل كلب مسجداً خراباً فبال في محرابه، وفي المسجد قرد
(9/110)

نائم، فقال للكلب: أما تستحي أن تبول في المحراب؟ فقال الكلب: ما أحسن ما صورك حتى تتعصب له! رأى كلب رغيفاً يتدحرج فتبعه فقال له: إلى أين؟ قال: إلى النهروان، قال الكلب: قل إلى عمان إن تركتك.
قيل للكلب: لماذا رأيت السبع تنبح؟ قال: أفزعه، قيل: فلم تضرط؟ قال: من فزعه.
قيل لرجل: ما بال الكلب إذا بال رفع رجله؟ قال: يخاف أن تتلوث دراعته، فهو يتوهم أنه بدراعه.
أنشد عبد الصمد:
يا غزالا لحظ عيني ... هـ لنا سم ذباح
ما ترد الطرف إلا ... وبنا منك جراح
أنت للحسن مصون ... ولك الحسن مباح
أنشد ثعلب:
(9/111)

كيف السلو ولا أزال أرى لها ... رسما كحاشية اليماني المخلق
ربعا لواضحة الجبين غريرة ... كالشمس طالعة رخيم المنطق
قد كنت أعهدها به في غرة ... والعيش صاف العدى لم تنطق
حتى إذا نطقوا وأذن فيهم ... داعي الشتات برحلة وتفرق
خلت الديار فزرتها وكأنني ... ذو حية من سمها لم يفرق
قال ثعلب: العرب تقول: خذ على رسلك، أي على هينتك.
قال ابن أبي الرعد: لقي أبو علي البصير علي بن الجهم، فتجهمه علي في بعض ما جرى بينهما، فقال له أبو علي: لا تزد يا أبا الحسن في أعدائك فلعله أن يقع عليك مطبوع من الشعراء يسهل عليه من حوك القريض ما يعسر على غيره، واعلم أن مع الملوك ملالة فلا تأتهم من حيث لا يحبون فينبو بك منهم المطمئن، فقال ابن الجهم: نصيحة، وإن كان مخرج الكلام مخرج تهدد.
قال ابن المعتز: قال لي ابن أبي فنن: لما قال علي بن الجهم وهو محبوس في تشبيه نفسه بالسيف:
قالت حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد
أذعن له شعراء زمانه.
(9/112)

قال محمد بن موسى البربري: سمعت علي بن الجهم يصف أبا تمام ويمدحه، فقال له رجل: لو كان أخاك ما زاد على هذا، فقال علي: إلا يكن أخا بالنسب فإنه أخ بالأدب، أما سمعت ما خاطبني به:
إن يكد مطرف الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد
أو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذب تحدر من غمام واحد
أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد
قيل للأعمش أيام زيد بن علي: ألا تخرج؟ فقال: أما والله ما أعرف أحداً أجعل عرضي دونه، فكيف دمي؟! أهدى ملك هدية إلى فيلسوف فردها إليه فقال: لم رددت هديتي؟ قال: لأن بذل الموجود وترك طلب المفقود يكونان عن غنى النفس وعزها، وأخذ الموجود وطلب المفقود يكونان عن فقر النفس وشحها، فما أحب أن تسخو وأشح، وتغنى وأفتقر.
أهدى ملك آخر إلى فيلسوف هدية فردها ولم يقبلها، فتنكد
(9/113)

الملك من ذك وقال: لم فعلت هذا؟ قال: لم أفعله لحال رفعت نفسي عن الملك، ولا لجهل عرض بمعرفة الحظ وحسن موضعه، ولكنني قفوت في الفضل فضلك، وحثني على المكارم كرمك، فآثرتك بما آثرتني به، وسخت نفسي لك بما سخت نفسك به، ولم أحب أن أكون مظنة فضل، ورهين إحسان.
أنشد المأمون:
والله لا تختلف النجوم ... وتغرب الشمس فلا تقوم
وقمر في فلك يعوم ... إلا لأمر شأنه عظيم
تقصر دون علمه العلوم طرد أعرابي الطير عن زرعه في جدب وقال:
عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطير عن أرزاقها
في سنة قد كشفت عن ساقها ... حمراء تبري اللحم عن عرقاها
والموت في عنقي وفي أعناقها قال ابن درستويه، قيل للمبرد: أكنت أنت وأحمد بن يحيى جميعاً مع محمد بن عبد الله بن طاهر؟ قال: نعم، كنت معه جليساً ونديماً، وكان معه معلماً ومؤدباً.
(9/114)

قال رجل للمبرد: أسمعني فلان في نفسي مكروهاً فاحتملته ثم أسمعني فيك فجعلتك أسوتي فاحتملته، فقال له: لسنا بسواء، احتمالك في نفسك حلم وفي صديقك غدر.
كتب المبرد إلى بشر بن سعد المرثدي: اقتضائي إياك - جعلني الله فداك - اقتضاء من تجب مطالبته لضروب: أحدها لاعتمادي عليك في الحاجة، وقصدي إياك بها مع كثرة الصديق وإمكان الشفيع، وقد قلت:
وقاك الله من إخلاف وعد ... وهضم أخوة أو نقض عهد
فأنت المرتضى أدباً وعلماً ... وبيتك في الذؤابة من معد
وتجمعنا أواصر لازمات ... شداد الأسر من سبب وود
إذا لم تأت حاجاتي سراعاً ... وقد ضمنتها بشر بن سعد
فأي الناس آمله لنفع ... وأرجوه لحل أو لعقد
وما كنت أخاف خلفاً ممن كرم أدبه، وشرف مركبه، وطاب حسبه، وإن كان قد أحوج إلى أن يعاتب بقول الشاعر:
أتناسيت أم نسيت إخائي ... والتناسي شر من النسيان
(9/115)

ولقد كان ظني فيك علمي بك أنه لو توسل بي إليك لأضعاف ما سألتك لما احتيج فيه إلا إلى الخطاب اليسير، فلا تنكر هذا الإطناب في العتاب، فإنما يهز الصارم ويذكر المؤمن، وقد قال الشاعر:
أعاتب ليلى إنما الهجر أن ترى ... صديقك يأتي ما أتى لا تعاتبه
وأعاذني الله فيك أن تعتقد في قول الشاعر:
إذا مطلت امرءاً لحاجته ... فامض على مطله ولا تجد
قد أكثرت هازلاً في التوبيخ، واستحييت عائباً من التأنيب، والذي عندي في الحقيقة قول أبي العتاهية:
لا تكربنك حاجاتي أبا عمر ... فأنت منهن بين النجح والعذر
ما يقض منها فإن الله يسره ... وما تعذر فاحمله على القدر
احتيج أن يكتب على المعتضد كتاب ويشهد فيه عليه العدول، فكتب ابن ثوابة: في صحة من عقله، وجواز أم له وعليه؛ فلما عرضت النسخة على عبيد الله بن سليمان قال: هذا لا يجب أن يقال للخليفة، فضرب عليه وكتب: في سلامة من جسمه وأصالة من رأيه.
وقع علي بن أبي طالب إلى الحسن ابنه: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام.
كتب عمرو بن العاصي إلى معاوية يسأله أن يعطي عبد الله بن
(9/116)

كريب نهر معقل فإنه قد سأله، فوقع: " قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين " المائدة:102 قرئ للمأمون توقيع بنقطة، وذلك أن رجلاً كان سابق الحاج فورد مرة بعدما ورد غيره وكتب قصة يطلب رزقه، فلما قرأ المأمون وقع بنقطة ثانية تحت الباء فصار: سايق الحاج.
اشتكى الأسد علة شديدة، فعاده جميع السباع إلا الثعلب، فدخل عليه الذئب فقال: أصلح الله الملك، إن السباع قد زارتك وعادتك ما خلا الثعلب فإنه مستخف بك، فبلغ ذلك الثعلب فاغتم به، فلما جاءه قال له الأسد: ما لي لم أرك يا أبا الحصين؟ فقال: أصلح الله الأمير، بلغني وجعك فلم أزل أطوف في البلدان أطلب دواء لك حتى وجدته، فقال له: وأي شيء هو؟ قال: مرارة الذئب، قال الأسد: وكيف لي بذاك؟ قال: أرسل الساعة إليه والثعلب عنده، فأتى الذئب فوثب الأسد عليه، وكان ضعيفاً من وجعه فلم يتمكن منه وسلخ جلد إسته وأفلت الذئب، وخرج الثعلب يصيح به: يا صاحب السراويل الأحمر، إذا جلست عند الملوك فاعقل كيف تتكلم؛ فعلم الذئب الثعلب دل عليه.
لقي ثعلب عراقي ثعلباً شامياً فقال: عرفني ما عندك من حيل ثعالب الشام، فقال: عندي مائة حيلة ودستان، فقال العراقي: والله لأصحبنه حتى أستفيد منه، فلزمه؛ فبينما هما كذلك وقد اصطحبا في سفر حتى قال له العراقي: يا أخي، إن لقينا الأسد كيف الحيلة في التخلص منه؟ قال: لا يهمنك
(9/117)

أمره فإن عندي حيلاً، فما انقضى كلامه حتى طلع الأسد، فقال العراقي للشامي: خذ في الحيلة، قال: والله ما عندي حيلة في هذا الوقت، قال إنا لله، ولم أخطرت نفسك وغررت أخاك؟ الآن لا تنطق بحرف، فلما دن الأسد قال لهما: من أين أقبلتما؟ قال العراقي: إياك أردنا وإليك قصدنا، قال: في ماذا؟ قال: إن أخي هذا يكون بالشام وأنا بالعراق في مالي، وإن أبانا مات وورثنا شويهات، فجاء أخي هذا يريد أن يذهب بها فقلت له: هلم إلى سيد السباع ليحكم بيننا، فمهما قال التزمناه، وكان الأسد جائعاً فقال في نفسه: لا أعجل في أكل هذين لكن أصبر عليهما ساعة حتى أقف على أمر الغنم وهما في قبضتي، قال: أين الشاء؟ قالا: في هذا البستان، وأشارا إلى بستان حصين له مجرى ماء ضيق، وقال أحدهما: أرسل أخي حتى يخرج الغنم فيقسمها الملك، قال: نعم، فقال للشامي: ادخل وأخرج الغنم وعجل، فدخل الشامي واقبل يأكل من الثمار، فلما أبطأ قال العراقي: قد قلت للملك إنه ظالم، فتأذن لي حتى أدخل خلفه وأخرجه إليك مع الشاء قميئاً ذليلاً؟ قال: ادخل وعجل، فدخل الثعلب البستان وأقبل يأكل من الثمار حتى شبع، ثم أشرف من الحائط على الأسد فقال له: يا أبا الحارث، اعلم أنا قد اصطلحنا فامض في دعة الله، فجعل الأسد يضرب بذنبه الأرض ويستشيط، فقال له الثعلب: إنما أنت قاض وما رأيت قاضياً يغضب من الصلح غيرك.
قالت ماجنة لجارة لها: اعلمي أن صديقي يوافي غداً، قالت: ومن أين علمت؟ قالت: حري يختلج، قالت: ومتى صار حرك يعبر الرؤيا؟
(9/118)

قال رجل لامرأة: غطي صدرك، قالت: سبحان الله، تجمش بالتقوى؟! قال الجماز: سمعت ماجنة تقول: إذا دخلت جهنم فقال لي مالك: كلي من هذا الزقوم واشربي من هذا المهل، قلت: لا وحياتك يا أبا نصر ما أشتهيه وأخاف يغثي نفسي، فيقول: الشأن في معرفتها بكنيتي.
دخل عمارة بن حمزة على المنصور فجلس مجلسه، فقام رجل فصاح فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: ومن ظلمك؟ قال: عمارة بن حمزة ظلمني وغصب ضيعتي، فقال المنصور: قم يا عمارة فاقعد مع خصمك، فقال عمارة: ما هو لي بخصم، قال: وكيف؟ قال: إن كانت الضيعة له فلست أنازعه، وإن كانت لي فقد جعلتها له، ولا أقوم من مكان شرفني به أمير المؤمنين لأجل ضيعة.
هجم قوم على زنجي ينيك شيخاً، فهرب الزنجي وعلقوا الشيخ، فقال: ما لكم؟ قالوا يا عدو الله، تتكلم؟! قال: ما لي لا أتكلم؟ ما لنا لا نناك؟ من أجل أنّا فقراء؟ احتسبوا على الفضل بن الربيع وعلى الحارث
(9/119)

ابن زيادة وعلى غطريف بن أحمد - وعد قوماً من العسكر - إنما يحتسبون علينا لأنّا فقراء.
دخل رجل على محمد بن سليمان فقال له محمد: أين كنت فإني لم أرك منذ أيام، فأراد أن يقول التواني فقال: التهاون، فقال محمد: أنت علينا أهون.
قيل لأعرابي: صف نفسك، قال: إن كان أكل فقرب، وإن كان نبيذ فجرب، وإن كان قتال فغرب.
قال المبرد: كنت أغشى مجلس جعفر بن القاسم، وكان يتقلد إمارة البصرة للواثق، وأنا حدث السن، ليس في المجلس أصغر مني سناً، وكان يخلطني بحداثتي ويخاطبني، ثم تأخرت عنه لأسباب، فلما عدت قال لي: ما أخرك عنا؟ قلت: عله مرة وغيبة مرة، قال: وتوان مرة وتقصير مرة، فقلت: والله ما أغيب عن الأمير إلا بود حاضر، ولا أعصيه إلا بنية طائع فضحك ثم أنشد بيتين لإبراهيم بن المهدي، أحدهما:
ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع
فقلت: أعز الله الأمير، إذا كان سارق لفظ لا يفوتك فكيف يفوتك سارق مال؟ فضحك وقال أنا احب حضورك.
(9/120)

قال المبرد: وقال لي يوماً وقد استحسن كلامي: أنت اليوم عالم، ثم قال: لا تظن أن قولي لك: أنت اليوم عالم أنك لم تكن عندي قبل كذلك، إن الله تعالى يقول: " والأمر يومئذ لله " الانفطار:19، وقد كان له الأمر قبل ذلك.
دخل رجل على عبد الملك بن مروان فقال: إني قد تزوجت امرأة وزوجت ابني أمها، ولا غنى لي عن رفد أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: إن أخبرتني ما قرابة ما بين أولادكما إذا ولدتا فعلت ذلك، فغلب ذلك الرجل فقال: يا أمير المؤمنين، هذا حميد قد قلدته سيفك، ووليته ما وراء بابك، فسله عنها فإن أجاب لزمني الحرمان، فسأل حميداً فقال حميد: يا أمير المؤمنين، إنك ما قدمتني على العلم ولا نصبتني له، بل قدمتني على العمل بالسيف والطعن بالرمح، إلا أني أجيبه، ثم أقبل على الرجل وقال له: يا ابن المعروكة، يكون أحدهما عما للآخر والآخر خالاً له، فانخزل الرجل، فقال عبد الملك: أجاب وأصاب، وسكت وجهلت، ولكنك تستحق ما طلبت منا بامتحاننا إياك وصبرك علينا.
جاء رجل إلى سيفويه القاص فقال: إني أريد أن أتوب فأيش
(9/121)

تشير علي؟ أحلق رأسي ولحيتي أو أشتري سلماً أو أنحدر إلى واسط؟! فر مزبد من والي المدينة وتوارى، وطلبه الوالي، فبينما هو في الطلب إذ سمع من المقابر صوت طنبور، فأقبل حتى وقف على قبر محفور وفيه سراج، وفوق القبر بواري، فكشف فإذا مزبد قائم وبيده طنبور في جوف القبر وعنده نبيذ، فقال له: اخرج يا عدو الله، قال مزبد: لا والله لا أخرج إليك ولا هذا من عملك، إنما عملك في العمارة، وليس لك علي سلطان.
كتب يزيد بن معاوية إلى أهل المدينة: أما بعد يا أهل المدينة، فوالله لقد رفقت بكم حتى أخرقتكم، ولبستكم حتى أخلقتكم، والله لأبو سفيان أحلم من حرب، ولمعاوية أحلم من أبي سفيان، وليزيد أحلم من معاوية، ثم أنشد:
إذا ما حلمنا كان آخر حلمنا ... زيادة باع عن يد المتطاول
وقد كتب إليكم أمير المؤمنين كتاباً فاسمعوه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله يزيد أمير المؤمنين: سلام عليكم، أما بعد يا أهل المدينة، فوالله لقد حملتكم على رأسي ثم على عيني ثم على أنفي ثم على نحري، ووالله لئن جعلتكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة
(9/122)

المتثاقل، ولأشردنكم عن أوطانكم، ولأتركنكم أحاديث وأيادي سبا، تنسخ فيها كتبكم ككتب عاد وثمود، ثم أنشد:
أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
ومارست الرجال ومارسوني ... فمعوج علي ومستقيم
كتب مويس بن عمران إلى الجاحظ يدعوه: عندي قدران طبختهما بيدي يحكيان المسك الأذفر، فإن رأيت أن تصير إلي متفضلاً فعلت. فكتب إليه الجاحظ: مجلسك المجلس الذي يمنع المصر من التوبة، وينقض عزمه الأواه الحليم، وأنا علة من قرني إلى قدمي من حملي على نفسي ما ليس من عادتها، فهب لي نفسي هذا الأسبوع ثم أنا بين يديك تقتادني حيث شئت، فعلت إن شاء الله.
قام رجل إلى عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين، أنا فلان بن فلان، شهد أبي بدراً وأحداً والخندق وحنيناً - وجعل يعدد المشاهد - ولم ألبس الخز ولم أركب ولم أتزوج، فقال عمر: مشاهد والله ما تشبه مرج راهط ولا دير الجماجم، والله لأكسونك ولأزوجنك ولأحملنك، فكساه وزوجه وحمله وأثبت اسمه في شرف العطاء، وقال: بمثل هذا فليمت إلينا المتوسلون.
(9/123)

قال مالك بن عمارة: كنت ربما جالست عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب وعروة بن الزبير في ظل الكعبة أيام الموسم، فنخوض مرة في الفقه ومرة في المذاكرة ومرة في أخبار الناس وأشعار العرب، فكنت لا أجد عند أحد ما أجد عند عبد الملك، من اتساعه في المعرفة، وتصرفه في فنون العلم، وحسن استماعه إذا حدث، وحلاوته إذا حدث؛ قال: فتفرق أصحابنا ذات ليلة وبقيت أنا وهو، فقلت: والله إني بك لمسرور لما أرى من كثرة تصرفك، وحسن حديثك، وإقبالك على جليسك، فقال لي: إنك إن تعش قليلاً فسوف ترى العيون إلي طامحة، والأعناق إلي قاصره، فإذا كان ذلك فلا عليك أن تعمل إلى فلا ملآن يديك فلما أفضت الخلافة إليه اتيته فكان أول ما وقعت عينه علي وهو على المنبر، كشر في وجهي وبسر، فقلت: لم يثبتني معرفة، أو عرفني فأظهر لي نكره، لكني لم أبرح من مكاني حتى قضى الصلاة ودخل المقصورة، فلم يلبث إلا ريثما دخل إذ خرج آذانه فقال: أين مالك بن عمارة قلت ها أنا ذا فأخذا بيدي فادخلني إليه فلما رأني مد يده إلي ثم قال: تراءيت في موضع لم يجز فيه إلا ما رأيت من الإعراض والانقباض، فأما الآن فحي هلا بك، كيف كنت بعدي وكيف كان مسيرك؟ قلت: خير، وعلى ما يحب أمير المؤمنين، فقال: أتذكر ما كنت قلت لك؟
(9/124)

قلت: أجل، هو أعملني إليك يا أمير المؤمنين، قال: والله ما هو ميراث ادعيناه، ولكني أخبرك عن نفسي بشيء سميت بي إلى موضعي هذا: ما داهنت ذا ود ولا قرابة قط، ولا شمت بمصيبة عدو، ولا أعرضت عن محدث حتى ينتهي، ولا قصدت لكبيرة من محارم الله تلذذاً بها ولا واثباً عليها، وكنت من عبد مناف في بيتها، ومن بيتها في واسطة قلادتها، وكنت أرجو بهذه أن يرفع الله تعالى مني وقد فعل، ثم قال: يا غلام بوئه منزلاً في منزلي، فأخذ الغلام بيدي وقال: انطلق، فكنت في أخفض حال وألين بال، حيث يسمع كلامي وأسمع كلامه، فإذا حضر طعامه أو قعد لأصحابه أتاني الغلام فقال: إن شئت صرت إلى أمير المؤمنين فإنه قاعد لبطانته، فأمشي بلا حذاء ولا رداء، فيرفع من مجلسي، ويقبل علي ويحادثني ويسألني عن الحجاز مرة وعن العراق مرة، حتى إذا مضت عشرون ليلة، تعشيت في آخرها معه وقام من حضر، ونهضت لأقوم فقال: على رسلك أيها الرجل، فقعدت، فقال: أي الأمرين أحب إليك؟ المقام قبلنا، فلك النصفة في المحافظة والمخالطةت والمعشرة، أم الشخوص فلك الحباء والكرامة؟ فقلت: خرجت من أهلي على أني زائر لأمير المؤمنين - أكرمه الله - وعائد إليهم، فإن أمرني بالمقام اخترت فناءه على المال والأهل والولد، قال: بل أرى لك الرجوع إلى أهلك فإنهم متطلعون إلى قدومك، فتحدث بهم عهداً ويحدثون بك مثله، والخيار في زيارتنا والمقام فيهم إليك، وقد أمرت لك بعشرين ألف دينار وحملتك وكسوتك، أتراني ملأت يديك؟ فقلت: أراك يا أمير المؤمنين ذاكراً ما قلت؟ قال: أجل، ولا خير فيمن لا يذكر إذاً وعد، ولا ينسى إذا أوعد، ودع إذا شئت صحبتك السلامة؛ قال: فودعته وقبضت المال وانصرفت، فكان آخر العهد به.
(9/125)

خرج إسماعيل بن إبراهيم إلى أخيه إسحاق بن إبراهيم، عليهم السلام، يطالبه بميراثه عن أبيه إبراهيم عليه السلام فقال: أما ترضى وأنت ابن أمتنا أن لا نستعبدك حتى تأتي وتطلب ميراثاً؟! فأوحى الله إلى إسماعيل: وعزتي وجلالي لأخرجن من صلبك من يستعبد أولاد إسحاق إلى يوم القيامة.
قيل لجمعة الإيادية: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: أحب الحر النجيب، السهل القريب، السخي الأريب، المصقع الخطيب، الشجاع المهيب.
شاعر:
أريب يغض الطرف لا من غضاضة ... ولكن كبرا أن يقال به كبر
قيل للكلب: أنت تأكل عظاماً وتخرا عظاما، فأيش ربحك؟ قال: أدولب! قال فضيل بن عياض: من لم يصلح على تدبير الله لم يصلح على تدبير نفسه.
قبل لمالك بن دينار. لو تزوجت، قال: لو استطعت لطلقت نفسي.
(9/126)

قال عبد الملك بن مروان: الهدية السحر الحلال.
دعا أعرابي على آخر فقال: صرد الله عليك المشرب، وأفقدك الأقرب.
ودعا أعرابي فقال: إن كنت كاذباً فلا سقيت هاطل الدر، ولا وقيت حادثة الدهر.
قال أعرابي لآخر: لا جادتك السماء بقطرة، ولا باتت بفنائك ذات بعرة، ولا حلبت ذات خف درة، فأماتك الله بهم وحسرة، باذلاً خيار الأسرة، ولا دراً عنك من ذي شر شره: إن كنت ظلمتني مد شعير أو صاع بر.
قيل في قوله تعالى: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " النمل: 30، أي أنه من تعلمون؛ وقيل في قوله تعالى: " وترى الناس سكارى وما هم بسكارى " الحج:2، فلما عرف المعنى حمل على أن قوله: " تراهم سكارى " من الهول وليسوا بسكارى من الشرب؛ وقوله: " لا يموت فيها ولا يحيا " طه:74، لا يموت موت الراحة، ولا يحيا حياة المنفعة.
وقال بعض العلماء: يقوم الشيء مقام الشيء، منه قولهم: إسحاق ذبيح الله ولم يذبح قال: " والله ورسوله أحق أن يرضوه " التوبة:62، ولم يقل يرضوهما إذ كان رضاه رضى رسوله.
(9/127)

سئل عمرو بن عبيد عن النبيذ فقال: إن الأشياء المألوفة والمعروفة والمأكولة والمشروبة وجميع الأغذية حلال حتى يجيء ما يحرمها، وليست بحرام حتى يجيء ما يحللها، وكانت الخمر حلالاً حتى جاء ما حرمها، فإن وجدنا في غيرها مثل ما وجدنا فيها فسبيله سبيلها، وإلا فالحرام حرام والحلال حلال؛ إن الله تعالى حرم الخمر لعلل معروفة وعللك مجهولة، فلذلك صار تحريمها تعبداً، وقد جدنا مسكرة في وقت هي فيه حلال ومسكرة في الوقت الذي يليه وهي فيه حرام، ولم يحسوا من طبائعهم تغيراً، ولو كانت العلة الإسكار وما يصنع السكر في الأموال وما يحدث من الشغل عن الصلاة والذكر لكان هذا موجوداً في طبعها وطبائع شاربيها قبل تجريمها، فدل ذلك على أنها حرمت لعلل مجهولة كما حرمت لعلل معلومة، ولا يقيس على المجهول إلا جاهل.
وقال: الحرام حرامان: حرام في حجة العقل وحرام في حجة السمع، فالذي في حجة العقل على ضربين: أحدهما حرام بعينه وفي عينه فقط، والآخر حرام لعلة مركبة فيه؛ فالحرام في عينه كالكذب والظلم وما لا يجوز أن ننتقل عنه أبداً، والحرام الآخر كذبح البهائم وذبح إبراهيم لإسحاق، لأن الذي حرمه على الإنسان عجزه عن تعويض المذبوح وأنه ليس له امتحان غيره بشيء يحدثه، ولا نعرف مقادير الامتحان ومصالحه، فلما أمر به مالك التعويض والذي له أن يمتحن ويعرف ظاهر المصلحة وباطنها حسن ذلك وجاز.
(9/128)

قال: والحرام في السمع على ضربين: منصوص ومستخرج، فالمنصوص على ضربين: منه حرام لغير علة ومنه حرام لعلة، فما كان منهما لغير علة لم يكن لأحد أن يقيس عليه، وليس فيه متعلق، وما كان ذا علة فالقياس أن كل شيء فيه تلك العلة أنه حرام مثله.
قيل لهند: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: أحب الرحب الذراع، الطويل الباع، السخي النفاع، الممتنع الدفاع، الدهثم المطاع، البطل الشجاع.
قال الهيثم بن عدي: زار رجل عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي وهو على فارس فلم يحل منه بطائل، فأنشد يقول:
رأيت أبا حفص تجهم مقدمي ... ولط بقولي عذرة أو مواربا
فلا تحسبني إن تجهم مقدمي ... أرى ذاك عاراً أو أرى الخير ذاهبا
ومثلي إذا ما بلدة لم تواته ... ترحل عنها واستدام المعاتبا
ثم مضى، فبلغت الأبيات ابن معمر، فرده، وقال له: ما حملك على هذه الأبيات؟ أبيني وبينك قرابة؟ قال: لا، قال: فصهر؟ قال: لا، قال:
(9/129)

فجوار؟ قال: لا، قال: فذمام؟ قال: نعم، قال، قال: ما هو؟ قال: كنت أدخل المسجد كل جمعة فأتخلل الصفوف حتى آتي صفك فأجلس إلى جانبك، قال: لقد متت بما يحفظ، كم أقمت ببابي؟ قال: أربعين ليلة، فأمر له بأربعين ألف درهم وكساه وحمله، فقال:
جزى الله خيراً والجزاء يكفه ... عن الزور يأتيه الجواد ابن معمر
تذمم إذ عاتبته ثم نالني ... بما شئت من مال وبرد محبر
قيل لجمعة: أي السحاب أحسن؟ قالت: زجل ركام ملتف، أسحم وحاف مسف، يكاد يمسه من قام بالكف.
شاعر:
أما ترى الأرض قد أعطتك عذرتها ... مخضرة واكتسى بالنور عاريها
فللسماء بكاء في جوانبها ... وللربيع ابتسام في نواحيها
مضرس بن ربعي:
وفتيان بنيت لهم خباء ... على قوسين طماحاً نزوحا
كأنا رابطون به فلو ... شديد النزو قماصاً رموحا
تبوئه وتهتكه علينا ... سموم تسفع الوجه الوضوحا
فلما أن تمشى النوم فيهم ... وكان النوم عندهم ربيحا
(9/130)

هتكت سماءه والظل آز ... وما أنظرته حتى يسيحا
آز: أي مرتفع
قال ابن المعتز في مخاطبه بعض أصحابه: لو كنت أعلم أنك تحب معرفة خبري لم أبخل به عليك، ولو طمعت في جوابك لسألت عن خبرك، ولو رجوت العتبى منك لأكثرت عتابك، ولو ملكت الخواطر لم آذن لنفسي في ذكرك، ولولا أن يضيع وصف الشوق لأطلت به كتابي، ولولا أن عز السلطان يشغلك عني لشغلك سروري به، والسلام.
أنشد المرزباني:
فلو أني أستزدتك فوق ما بي ... من البلوى لأعوزك المزيد
ولو عرضت على الموتى حياتي ... بعيش مثل عيشي لم يريدوا
قيل لهند: أي السحاب أحب إليك؟ قالت: أحب كل صبيب دلاح، مثعنجر نضاج، متجاوب نواح، كأن برقه مصباح.
قال المفجع: تفاخر رجلان من بني هلال فقال أحدهما: والله الذي لا إله إلا هو ما اتخذت في إبلي قط عصا غير هذه مذ كنت فيها، فقال الآخر: تعست، والذي لا إله إلا هو ما اتخذت في إبلي عصا قط. وإما قول
(9/131)

الشاعر:
صلب العصا بالنخس قد دماها ... إذا أرادت رشداً أغواها
تحسبه من إلفه أخاها
فإنه يعني بالعصا ها هنا نفسه، يقال: فلان صلب العصا إذا كانت فيه بقية من قوة، وقال: الرشيد والغوي ضربان من النبت، فيقول: إذا رعت هذا عطفها إلى هذا مخافة أن تبشم.
قال المفجع: يقال: بعير جذع - بالجيم والذال - الذي ركب صغيراً فقطعه ذلك عن النماء وأوهنه، ولا يكاد جسمه ينمي.
ويقال: محوى وحواء، مثل حوى وأحويه للموضع الذي يجتمعون فيه.
وكان يقال: اثنان لا يجتمعان: القنوع والحسد، واثنان لا يفترقان أبداً: الحرص والفجور.
قيل لجمعة: أي الخيل أحب إليك؟ قالت: أبغض كل بليد، وارم الوريد، لا ينجيك هارباً، ولا يظفرك طالباً، ولا يسرك شاهداً ولا غائباً.
وقيل لها: أي النوق أحب إليك؟ وقالت: كل ناقة علكوم،
(9/132)

علنداة كتوم، مثل البازل المحجوم، القطم العيهوم.
كاتب: الوعد نافلة والإنجاز فريضة، فلا تفرضن على نفسك وعداً لا تنوي إنجازه، فيعود ما طلبت من المحمدة ذماً، ومن المصافاة معاداة، فإن الأول يقول: وفور العرض خلف من اكتساب المال والذم، وقد تعرض للذم من تبرع بالمواعيد.
قال رجل لأعرابي من بني عذرة: ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير تنماث في الهوى كما يذوب الملح في الماء؟ قال: لأنا والله نرى محاجر أعين لا ترونها.
وقيل لبخيل: من أشجع الناس؟ قال: من يسمع وقع أضراس الناس على طعامه ولا تنشق مرارته.
كاتب: عز نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من مثلك، وتناول حظك إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد نأى عنك، واعلم أن أمض المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟
(9/133)

كاتب: الصبر ينجز لك الموعود، والجزع لا يرد عليك المفقود، فليسبق صبرك جزعك، تسلم من المصيبة بالأجر، وإلا رجعت إليه بعد الفوت حسيراً.
قال بعض الحكماء: العلوم ثلاثة: علم يرفع، وعلم ينفع، وعلم يزين، الرافع الفقه، والنافع الطب، والمزين الأدب.
كان بمرو قاص جيد الكلام، فكان إذا طال مجلسه بالبكاء يخرج من كمه طنبوراً صغيراً وينقره ويقول: مع هذا الغم الطويل يحتاج إلى فرح ساعة.
سمعت بعض المشايخ يقول: فعيل يكون بمعنى فاعل، وربما اشتركا فيه وربما غلب فعيل؛ فمما يشتركان فيه: ضمن فهو ضامن وضمين، ورشد فهو راشد ورشيد، وعلم فهو عالم وعليم؛ وربما غلب عليه فقيل: كثر فهو كثير، وقل فهو قليل، وصح فهو صحيح، ومرض فهو مريض، وعتق فهو عتيق.
ويكون فعيل بمعنى مفعول: فهو خضيب ودهين وكحيل وقتيل ولديغ، فأما السليم فليس من هذا. وهذا الجنس إذا كان فيه نعت المؤنث لم تلحقه الهاء، وإنما لم يلحقوها به لأنهم عدلوه عن مكحولة ومدهونة. وقد كانت الهاء سبقت إلى فعيل الذي يشارك فاعلا، في مثل مريضة وضمنية، فحذفوها،
(9/134)

وهذا ليفرقوا بينهما، فإن لم يذكر المؤنث قيل: هذه قبيلة بني فلان، فلحقتها الهاء وقد جاء بغير هاء. ويكون اسماً غير مشتق مثل: شعير وقفير وبعير وجريب ونصيب، ويقع فيه ما أصله مشتق فيجري مجرى الاسم المحض مثل: قليب، كأنها سميت لأنه قلب ما أخرج منها، ثم صار اسماً لازماً. ويكون مصدراً في الأصوات وغيرها مثل: نهيق وشحيج وصهيل وصريف وخبير ورجيب. ويكون بمعنى الجمع وهو قليل مثل: حمير ونفير ومعير. ويكون بمعنى مفاعل، وهو من المعارضة في مثل: شبيه ونظير وعديل وقرين، ومنه: شريك وأكيل وشريب وقسيم.
ويكون بمعنى مفعل نحو قوله: " بديع السماوات " البقرة:117 يعني: مبدع، وكقوله عمرو بن معدي كرب: أمن ريحانة الداعي السميع قال أهل اللغة: أراد المسمع، وقال أبو عبيدة في " عذاب أليم " البقرة: 104: أي مؤلم.
ويكون بمعنى مفعل مثل: عقيد، فإنهم يقولون: أعقدت العسل فهو معقد، وحبل بريم أي مبرم، وعتيد أي معتد.
ويكون بمعنى مفعل مثل: وكلته فهو وكيل وموكل، ومن هذا قيل: موسى كليم الله، وكذلك جريء في معنى وكيل، لأنك جرأته على خصمه.
ويكون بمعنى مستفعل، مثل: استوزر فهو وزير، واستشهد فهو شهيد، واستأجرت أجيراً فهو أجير.
ويكون بمعنى مفتعل مثل: صفي من مصطفى، وعميد من معتمد.
(9/135)

ويكون بمعنى مفعول اسما لازماً مثل: فريسة السبع، وأكيلة الذئب، والذبيحة: الشاة تعد للذبح، والبكلية: تمر يخلط بلبن، والربيكة، دقيق يخلط مع لبن وتمر، والسبيخة: القطعة الملفوفة من القطن المندوفة، ومثلها من الشعر القليلة. ويجوز أن تكون فريسة بمعنى مفترس ومفترسة كالذخيرة بمعنى مدخرة.
ويكون بمعنى فعال مثل: عقيم وعقام، وبخيل وبخال، وكهيم وكهام.
ويكون مشاركاً لفعل مثل: لسان ذلق وذليق، وبهج وبهيج، ولبق ولبيق، وشنع وشنيع.
ويقع موقع المصدر: كالحريق والوعيد.
ويكون واحداً وجمعاً في الصفات مثل: صديق ورفيق، وقد يجمع، قال الله تعالى: " وحسن أولئك رفيقاً " النساء:68.
ويكون نعتاً، فإذا أخبرت أنك قد دخلت تحته ولحقت بأهله ضممت عين الفعل، تقول: فقهت وعلمت، وإذا أخبرت أنك علمت شيئاً بعينه أو أشياء قلت: قد علمت ذلك.
ويكون بمعنى جمع مشتق من اسمه مثل: عدي وذكي وعري ونجي قال الله تعالى: " خلصوا نجيا " يوسف:80.
مر الفرزدق بخالد بن صفوان فقال: يا خالد، لو رأتك بنت شعيب ما قالت: " يا أبة استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين " القصص:26، قال: وأنت يا أبا فراس، لو رأينك صويحبات يوسف
(9/136)

لما أكبرنك ولا قطعن أيديهن.
لجميل بن معمر:
هواك بقلبي يا بثينة كالذي ... أناخ فأحيا العرق وهو دفين
الذي أناخ المطر، والعرق: عرق النخلة والشجر والزرع وغير ذلك.
قيل لحماد الراوية: أما تشبع من هذه العلوم؟ فقال: استفرغنا المجهود، فلما بلغنا المحدود، كنا كما قال الشاعر: إذا قطعنا علما بدا علم ابن الأعرابي قال: قيل لبعض أعراب بلحارث بن كعب: ما البلاغة؟ قال: السلاطة والإصابة والجزالة؛ أراد بالسلاطة: الجرأة على الكلام.
وأنشد:
ولما عصيت العاذلين ولم أبل ... مقالتهم ألقوا على غاربي حبلي
وهازئة مني تود لو ابنها ... على شيمتي أو أن قيمها مثلي
ويقال: شيئان لا يتفقان أبداً: الحرص والقحة. ولست أعرف معنى هذا الكلام لأني لا أرى حريصاً إلا وقحاً.
ويقال: المقدم في الحذق متأخر في الرزق.
(9/137)

قيل لحكيم: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام.
كان أبو حية النميري كذاباً، قال مرة: رميت ظبية فلما نفذ السهم ذكرت حبيبة لي شبهتها بها فتبعت السهم فأخذته.
وقال مرة أخرى: عن لي ظبي فرميته فراغ عن سهمي فعارضه، فراغ ثانية فلم يزل السهم يراوغه حتى صرعه ببعض الخبارات.
شاعر:
بان الشباب وكل شيء بائن ... والمرء مرتهن بما هو كائن
ظعنت به أيامه وشهوره ... إن المقيم على الحوادث ظاعن
ذهب الشباب وغاض ماء فرنده ... فاليوم منه كل صاف آجن
درست محاسنه وطار عرابه ... ولقد تكون له عليك محاسن
خان الزمان أخاك في لذاته ... إن الزمان لكل حر خائن
قال يونس: لو أمرنا بالجزع لصبرنا، واعلم أن هذه الأمور لا
(9/138)

تملك ولا تدرك إلا برحب الذراع.
ويقال: لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا.
يقال: إن مع الثروة التحاسد والتخاذل، ومع القلة التحاشد والتناصر.
قال طريح:
إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا ... شرا أذيع وإن لم يعلموا كذبوا
قال أعرابي: من عاب سفله فقد رفعه، ومن عاب شريفاً فقد وضع من نفسه.
شاعر:
يؤمل حسن الثناء البخيل ... ولم يرزق الله ذاك البخيلا
وكيف يسود أخو بطنه ... يمن كثيراً ويعطي قليلا
شاعر:
نعماك في عنق الزمان قلادة ... وعلى يمين الجود منك سوار
رسخ امتداحك في ثرى أكبادنا ... وكأن مدحك بيننا استغفار
(9/139)

أصاب رجل رغيفين وعراقين فأكل رغيفاً وعراقاً، وأدركه بنوه وكانوا ثلاثة، وكلهم طلب ما بقي وذكر حاجته، فقال: ليصف كل واحد منكم كيف يأكله، فأيكم كان أعرف بأكله فهو أحق به، فقال الأول: أنا آكله حتى لا أدع فيه للذرة مقيلا، وقال الثاني: أنا آكله حتى يمر به المار فلا يدري أعظم العام هو أم عظم العام الأول، وقال الثالث، أما أنا فأجعل عظمه إداماً للحمه، فقال له: أنت صاحبه.
قال أعرابي: الجلل الذاهب عن المقدار صغراً أو كبرا.
شاعر يمدح الفضل بن يحيى:
مضى الفضل والإسلام واليأس والندى ... غداة غدا الفضل بن يحيى إلى الحفره
فصرن له في قبره مؤنساته ... كما كن أيام الحياة له حبره
وألبست الدنيا قتاماً لفقده ... وكانت بوجه الفضل ظاهرة النضره
فقل للذي يسعى ليدرك شأوه ... لقد رمت أمراً دونه تحسر القدره
يقال: خوت النجوم تخوية إذا انصبت لتغور.
لعتبة بن أبي لهب:
إنا أناس من سجيتنا ... صدق الكلام ورأينا حتم
(9/140)

شاعر:
حسب الكذوب من البلي ... ة بعض ما يحكى عليه
فمتى سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه
وقال الرشيد للفضل بن الربيع في بعض ما كلمه به: كذبت، فقال: يا أمير المؤمنين، وجه الكذاب لا يقابلك، ولسانه لا يقاولك.
قال ابن الأعرابي: يقال: قد سوم فلان غلامه تسويماً، إذا تركه يصنع ما يشاء، وسوم نفسه، وأسام الرجل ماشيته، وفلان يأبى أن يسام خطة الضيم.
ويقال: آرتثا على الرجل رأيه إذا اختلط، أصله من رثيئة اللبن؛ وفي المثل: إن الرثيئة مما يفثأ الغضب.
قال كسرى: الرأي الحزم، فإذا وضح الحزم فاعزم.
قيل للشام شام لأنه شام الكعبة، وبكة، قيل إن الأصل هو الباء لأن الناس يبك بعضهم بعضاً، يقال: ابتك القوم: إذا ازدحموا، ومنى
(9/141)

لما يمنى فيه من الدم، والجمرات: لما يجمع فيها من الحصى، والتجمير: الاجتماع، ومنه: لا تجمروا المسلمين فتفتنوهم وتفتنوا نساءهم، أي لا تجمعوهم في المغازي، ولكن ليخلف قوم قوماً.
قال أبو عبيدة في قوله: " إنك لن تخرق الارض " الإسراء: 37: أي لن تقطع الأرض، والخرق: القطع.
وأنشد:
لله قومي معشراً ... أفنوا عدوهم اصطلاما
لا يتركون لوارث ... إلا سناناً أو حساما
أو مقربات بالقنا ... تمريهم عاماً فعاما
ما ذاك من عدم بهم ... لكنهم خلقوا كراما
ولى الحجاج بن يوسف وهرام بن يزداد أصفهان، وكان ابن عم كاتبه زاذان فروخ المجوسي، فكتب من أصفهان إلى الحجاج كتاباً وصف له فيه اختلال حال أصفهان، وسأله النظر إليهم بنقص خراجهم، فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فإني استعملتك يا وهرام على أصفهان، أوسع المملكة
(9/142)

رقعة وعملا، وأكثرها خراجاً بعد فارس والأهواز، وأزكاها أرضاً، حشيشها الزعفران والورد، وجبلها الفضة والإثمد، وأشجارها الجوز واللوز والكروم الكريمة والفواكه العذبة، ذبابها عوامل العسل، وماؤها فرات، وخيلها الماذيات الجياد، أنظف بلاد الله طعاماً، وألطفها شراباً، وأصحها تراباً، وأوفقها هواء، وأرخصها لحماً، وأطوعها أهلاً، وأكثرها صيداً، فأنخت يا وهرام عليها بكلكلك حتى اضطر أهلها إلى مسألتك ما سألت لهم، لتفوز بما يوضع عنهم، فإن كان ذلك باطلاً - ولا أبعدك عن ظن السوء - فزد وتعلم، وإن صدقت في بعضه فقد أخرجت البلاد؛ أتظن يا وهرام أنا ننفذ لك ما موهت وسخرت من القول وقعدت تشير علنا به؟ فعض يا وهرام على هن أبيك وحرامك، وايم الله لتبعثن إلي خراج أصفهان كله وإلا جعلتك طوابيق على أبواب مدينتها، فاختر لنفسك أوفق الأمرين أو رد، والسلام.
قال بن أبي فنن، قال لي المتوكل: ثيابك يا أحمد في رزمة أو تخت؟ قلت: في رزمة، قال: لا تفعل فهي في التخت أبقى وأنقى.
وقال المتوكل: ابن أبي فنن فأرة مسك.
(9/143)

قال الحسين بن الضحاك: عتب علي المعتصم فقال: والله لأؤدبنه، فحجبني، فكتبت إليه:
غضب الإمام أشد من أدبه ... وبه استعذت وعذت من غضبه
أصبحت معتصماً بمعتصم ... أثنى الإله عليه في كتبه
لا والذي لم يبق لي سبباً ... أرجو النجاة به سوى سببه
ما لي شفيع غير رحمته ... ولكل من أشفى على عطبه
فالتفت إلى هارون الواثق فقال: بمثل هذا الكلام يستعطف الكرام.
قال محمد بن محمد بن عباد البصري، قال لي المأمون: بلغني أن فيك سرفاً، فقلت: منع الموجود سوء ظن بالمعبود.
لأشجع:
تريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفة أوسع
وكيف ينالون غاياته ... وهم يجمعون ولا يجمع
(9/144)

آخر:
وقائلة لم عرتك الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم
فقلت دعيني على غصتي ... فإن الهموم بقدر الهمم
رأيت هذين البيتين في دفتر في جلود كتب أيام بني مروان، ورأيت بعض الرؤساء يدعيهما ويعجب بهما ويعجب له من ذلك، فقلت لبعض الشيوخ من ندمائه: إن الحال فيما أنشد كيت وكيت، فقال لي: لا تتكلم، فإن ما وقفنا موقفنا هذا قط إلا أسعطنا المكروه، وحملنا على الكذب، وكلفنا تحسين القبيح وتحقيق الباطل، وما عيب الرئاسة إلا ما يشوبها من هذه الخلال الحائفة عليها الناقصة منها، ولو عرفت يا بني ما نعرف لما خففت إلى ما نخف إليه؛ احمد الله على ما انطوى عنك، وسله السلامة فيما بدا لك، واعلم أن من أراد فناء الرؤساء صبر على الخشناء والعوصاء.
كاتب: أظلني من مولاي عارض غيث أخلف ودقه، وشاقني لائح غوث كذب برقه، فقل في حران ممحل أخطأه النوء، وحيران مظلم خذله الضوء.
هذا نمط متكلف.
قال أعرابي للحسن بن سهل: لا تدع إحسانك عندي خداجاً،
(9/145)

ولا تخلج معروفك إلي خلاجاً، ولا تسمني أن التمس ما قبلك علاجاً.
قال بعض السلف: أربعة أشياء من الدناءة: إقبالك على السفلة من أجل غناه، وإعراضك عن الشريف من أجل فقره.
قال بعض العلماء: الدلالة على أن الله تعالى أمر إبراهيم بما لا يريده أنه فداه بذبح عظيم.
قال أبو زيد البلخي في كتاب السياسة: إن السياسة صناعة، ثم هي من أجل الصناعات قدراً وأعلاها خطراً، إذ كانت صناعة بها تتهيأ عمارة البلاد، وحماية من فيها من العباد، وكل صانع من الناس فليس يستغني في إظهار مصنوعه عن خمسة أشياء تكون عللا لها: أحدها مادة له آلة ومادة يعمل بها؛ والثاني صورة ينحو بفعله نحوها؛ والثالث حركة يستعين بها في توحيد تلك الصورة بالمادة؛ والرابع غرض ينصبه في وهمه من أجله يفعل ما يفعل؛ والخامس آلة يستعملها في تحريك المادة. ومثال ذلك من صناعة البناء أن المادة التي يعمل منها البناء هي التراب والطين والحجارة والخشب، والصورة التي ينحوها بوهمه صورة البيت، والفاعل هو البناء، والغرض الذي من أجله يفعل سكنى البيت وإحراز ما يحرز فيه، والآلة التي بها يعمل هي آلات البناء. ومثال ذلك من صناعة الطب أن المادة التي يفعل به الطبيب إنما هي أجساد الناس المحتملة الصحة والسقم، والصورة التي ينحوها الطبيب بوهمه إنما هي
(9/146)

الصحة، والفاعل هو الطبيب المعالج، والغرض الذي بسببه يفعل الطبيب إنما هو بقاء جسم المعالج المدة التي تتهيأ له أن يبقاها، والشيء الذي يتخذه الطبيب آلة في المعالجة وإفادة الصحة هو كالفصد وسقي الأدوية. فإذا نقل هذا المثال إلى صناعة السياسة قلنا: إن المادة فيها أمور الرعية التي يتولى الملك القيام بها، والصورة فيها إنما هي المصلحة التي ينجو نحوها وهي نظير الصحة، لأن المصلحة هي صحة ما، والصحة مصلحة ما، وكذلك المفسدة سقم ما، والسقم مفسدة، والفاعل هو عناية الملك بما يباشره من أمور الرعية، وغرضه فيما يفعله هو بقاء المصلحة ودوامها، والشيء الذي يقوم له مقام الآلة في صناعته إنما هو الترغيب والترهيب: وفعل السائس الذي نظير المعالجة من الطبيب ينقسم بكليته إلى قسمين: أحدهما التعهد والآخر والاستصلاح؛ أما التعهد فحفظ المستقيم وأمور الرعية على استقامة وانتظام من الهدوء والسكون حتى لا يزول عن الصورة الفاضلة؛ وأما الاستصلاح فرد ما عارضه منها الفساد والاختلال إلى الصلاح والالتئام. ونظير هذا التعهد والاستصلاح في صناعة السياسة من صناعة الطب - التي هي سياسة الأجساد - حفظ الصحة وإعادة الصحة، وكما أن الطب كله مدرج في هذين البابين، كذلك السياسة كلها مدرجة في نظيريهما، يعني التعهد والاستصلاح.
وصف أعرابي نفسه بالحفظ فقال: كنت كالرملة لا يقطر عليها شيء إلا شربته.
(9/147)

قال بعض العلماء: المجادل يعرف بأحد الوجوه السبعة: بأن لا يذكر العلة، ومنها أن ينقض العلة، ومنها أن ينهي الكلام إلى محال، ومنها أن ينتقل في الكلام، ومنها أن يقول شيئاً يلزمه القول بمثله فيمتنع، وأن يجيب عن غير ما يسأل عنه، وأن يسكت للعجز.
العتابي: أما بعد، فقد دلف إليك أملي مستجيراً بك من الإعدام، على راحلة من الرجاء، يحدى بيمن الطائر، حتى أناخ بفناء جودك، فتعجل شكر ما أملته منك، تجن حلو ما استغرست لك.
قال الفرزدق لزياد الأعجم: يا أقلف، فقال زياد: يا ابن النمامة، أمك أخبرتك بهذا!! قال رجل للفرزدق: متى عهدك بالزنا؟ قال: مذ ماتت عجوزك، لا رضي الله عنها.
يقال: غشم الليل وأغشم، وعتم وأعتم، ودجا وأجى، وغسق وأغسق، وجنح وأجنح، وغطش وأغطش، وغبش وأغبش، كل هذا إذا أظلم.
قال أبو الحسن العامري: التعاون على البر داعية لاتفاق الآراء، واتفاق الآراء لإيجاد مجلبة المراد، مكسبة للوداد، وكما أن شر الناس
(9/148)

من من أبغض الناس، كذلك خير الناس من نفع الناس، ولا نفع مع السباب والتباغي، وأرفع الناس نية أقدرهم على استصلاح البرية، ومن عجز عن تقويم نفسه الخاصة فهو عن تقويم غيره أعجز، والتسرع إلى تكذيب الأقول آفة من آفات النفس، والطمأنينة بها قبل الاختبار مضادة لطريق الحزم، والإصرار على التوقف مذلة لسلطان العقل، ومن لم يخلص لسانه لضميره لم يخلص ضمير غيره له، ومن صبر على استبراء حقائق الأحوال فقد أيد نفسه بالسلامة من الضلال، ومن خفي موقع الطلبة قبله لم ينفعه قرب المطلوب منه، ومن اهتم لغير ما خلق له فقد بدل جوهره بجوهر سواه، وكما أن نور الحق أشرق وأجلى، فهو للعقول الرمدة أضر وأعشى، والمفلوج شخصه لا تستقيم حركاته، وهيهات من نيل السعادة مع الهوينا والبطالة.
يقال: ثلاثة أشياء تستجيب من الصغير وتكره من الكبير: البخل والجبن والحسد، يدل الحسد من الصغير على همة وهو قبيح من الكبير، والبخل يدل منه على حزم لأنه فيه حفظ وهو عيب من فوقه والجبن يدل على عقل لأن فيه حراسة نفسه.
قيل لبزر جمهر: ما بال تعظيمك لمؤدبك أشد من تعظيمك لأبيك؟ قال: لأن أبي كان سبب حياتي الفانية، ومؤبي سبب حياتي الباقية.
(9/149)

شاعر:
وما المرء إلا اثنان عقل ومنطق ... فمن فاته هذا وذاك فقد كفر
ولا سيما إن كان ممن نصيبه ... من الدين والدنيا قليلا إذا حضر
كتب علي بن عيسى الوزير في توقيع له: قد بلغت لك أقصى مرادك، وأنلتك غاية بغتك، وسامحتك مسامحة محاب لك معني بك، وأنت مع ذلك تستقل كثيري لك، وتستقبح حسني فيك، فكيف وأنت كما قال رؤية:
كالحوث لا يكفيه شيء يلهمه ... يصبح ظمآن وفي البحر فمه
وإذا تأملت حقيقة أمرك علمت أني ... عاملتك بما لا أجيب إليه غيرك
ولا أعامل بمثله سواك.
شاعر:
العالم العاقل إبن نفسه ... أغناه جنس علمه عن جنسه
من إنما حياته لنفسه ... فيومه أولى به من أمسه
كم بين من تكرمه لغيره ... وبين من تكرمه لنفسه
هذه الأبيات يرويها أصحابنا لابن معروف القاضي، وما سمعناها منه.
قال الزبير بن بكار، حدثنا العتبي قال، حدثني الحسن بن
(9/150)

وصيف قال: أصابتنا ريح ببغداد جاءت بما لم تأت به ريح قط حتى ظننا أنها تؤدي بنا إلى القيامة؛ قال: فجعلت أطلب المهدي خوفاً من أن يسقط عليه شيء، فألفيته ساجداً وهو يقول: اللهم احفظ فينا نبيك عليه السلام، ولا تشمت بنا أعداءنا من الأمم، وإن كنت يا رب أخذت العوام بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك يا ارحم الراحمين مع الدعاء كثير حفظت هذا منه فلما أصبح تصدق بألف ألف درهم وأعتق مائة رقبة وأحج مائة رجل؛ قال: ففعل جلة قواده وبطانته والخيزران ومن أشبه هؤلاء في خاص مالهم كنحو ما فعل، فكان الناس بعد ذلك إذا ذكروا الخصب قالوا في أمثالهم: لأخصب من صبيحة ليلة الظلمة.
شاعر:
وما شيء أردت به اكتسابا ... بأجمع للمعيشة من بيان
ما خمسة في سبعة ... مع سبع ذلك في مايه
وكمثل ذلك إذا أضف ... ت إليه جزء ثمانيه
ما نصف ألف في القيا ... س وربع ألف لا ميه
ألقيت ربع ثلاثة ... منه فصح حسابيه
وضربت ما حصلته ... في نصف ثلث ثمانيه
فاتته صورة طبعه ... بكماله متواليه
(9/151)

إن غير الذي سواك كريم ... وسوى من سوى سواك لئيم
يقال: برك الجمل، وربضت الشاة، وجثمت الأرنب، وجثمتها أنا إذا صبرتها. أي حبستها على الموت.
قال الزهري: يحكى أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من روق فأنتن، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب؛ قال الأصمعي: اتخذ أنفاً من الورق أي ورق الشجر، فأما الورق فإنه لا ينتن؛ قيل: إن الأصمعي عني بالورق الرق الذي يكتب عليه، قال ابن قتيبة: كنت أحسب قول الأصمعي صحيحاً أنه لا ينتن حتى خبرني خبير أن الذهب لا يبليه الثرى ولا يصدئه الندى ولا تغلبه الأرض ولا يأكله التراب ولا يتغير ريحه علىالدول، وأنه ألطف شيء شخصاً وأثقل شيء وزنا، وقليلة يلقى في الزنبق فيرسب، وكثير غيره يلقى فيه فيطفو؛ وقال: الفضة تصدأ وتنتن وتبلى في الحرارة؛ وكتب عمر بن عبد العزيز في اليد إذا قطعت أن تختم بالذهب فإنه لا يقيح.
(9/152)

سئل الحسن البصري عن السلف في الزعفران فقال: إذا نقي.
قال دغفل: يفضل العرب على العجم بثلاث: بحفظ الأنساب وضياع أنسابهم، وعفتنا عن حرمنا إذا نكحوا حرمهم من الأمهات والأخوات، والفصاحة طبيعتنا والبيان سجيتنا.
شاعر:
لعل له عذراً وأنت تلوم ... وكم لائم قد لام وهو مليم
قال ابن الأعرابي: النغف: دود يكون في أنوف الإبل والغنم، ولا يكون في البقر، الواحد منها نغفة.
قال: والعرب تقول للشيء المختلف فيه: محلف ومحنث.
شاعر:
أراني سأبدي عند أول سكره ... هواي لهند في خفاء وفي ستر
فإن رضيت كان الرضا سبب الهوى ... وإن غضبت حلمت أمري على السكر
نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كسب المومسة والحجام. المومسة: الزانية.
(9/153)

يقال: النضنضة بطرف اللسان والشفتين، والمضمضة بالفم كله، والنضح كالرش، والنضخ كالتبليل، والقضم بالأسنان، والخضم بالفم كله.
قيل لأعرابي: لم تسمى الغراب غراباً؟ قال: لأنه نأى واغترب.
قال الأصمعي، قلت لأبي عمرو: الذفرى من الذفر؟ قال: نعم، والمعزي من المعز؛ والذفر: الرائحة الطيبة، فأما الذفر - بتسكين الفاء - فإنه النتن خاصة.
سأل المنصورعمرو بن عبيد عن قوله عليه السلام فيمن اقتنى كلباً لغير زرع ولا حراسة أنه ينقص كل يوم من أجره قيراط؛ قال: كذا جاء، ولا أدري لم قال ذلك.
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله: لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولاتبتل ولا سياحة في الإسلام، وهو معنى قوله عز وجل ما جعل عليكم في الدين من حرج.
قال عبد الله بن عمر: دخل يحيى بن زكريا بيت المقدس وهو ابن ثماني حجج فنظر إلى عبادها وقد لبسوا مدراع الشعر وبرانس الصوف، وقد
(9/154)

ثقبوا وسلكوا فيها السلاسل وشدوها إلى سواري المسجد، فهاله ذلك ورجع إلى أبويه، فمر بصبيان يلعبون فقالوا: يا يحيى، هلم فلنلعب، فقال: ما خلقنا للعب، فأتى أبويه فقال لهما: درعاني الشعر، ففعلا، ثم رجع إلى البيت المقدس فكان يخدمه نهاراً وليلاً حتى أتت له خمس وعشرون حجة، وأتاه الخوف فساح ولزم أطراف الأرض، في حديث طويل.
كان من حديث يسار الكواعب أنه كان عبداً لبعض العرب، وكان لمولاه بنات، فجعل يتعرض لهن ويريدهن على أنفسهن، فقلن: يا يسار، اشرب ألبان هذا اللقاح، ونم في ظلال هذه الخيام، وإياك والتعرض لبنات الأحرار، فأبى، فلما أكثر واعدنه ليلاً فأتاهن وقد أعددن له موسى، فلما خلا بهن قبض عليه فجببن مذاكيره.
شاعر:
شاتمني عبد بني مسمع ... فصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري به ... من ذا يعض الكلب إن عضا
سمع مطرف بن عبد الله ضجيج الناس بالدعاء فقال: لقد
(9/155)

ظننت أن الله قد غفر لهم، ذكرت أني فيهم فكففت.
قال بعض السلف: إن الدنيا قد استودقت، وإن الناس قد انغطوا، فما ظنك بعد هذين؟ كان للحكم ابن يتعاطى الشراب فقال: يا بني دع الشراب، فإنما هو قيء في شدقك، أو سلح في عقبك، أو حد في ظهرك.
قال ابن عباس: ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله كانتفاعي بكلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ كتب إلي: أما بعد، فإن المرء يسره درك ما يفوته، ويسوؤه فوت ما لم يدركه، فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما أتاك من الدنيا فلا تكن به فرحاً، وما فاتك منها فلا تكن عليه جزعاً، وليكن همك لما بعد الموت.
لما استقضي يحيى بن أكثم جاءه رجل فقال: إني نذرت أن أتصدق بجزء مالي، قال: تصدق بربع مالك بقول الله تعالى: " فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً " البقرة:260.
نذر المتوكل في علة إن وهب الله تعالى له العافية أن يتصدق بمال
(9/156)

كثير، فعوفي، فأحضر الفقهاء فاستفتاهم فقال قائل: تصدق بمائتي درهم لأن الزكاة فيها تجب، وقال آخر شيءاً آخر، فقال رجل من آل الرسول صلى الله عليه وعلى آله: إن كنت نويت الدنانير فتصدق بثمانين ديناراً، فقال الفقهاء: ما نعرف هذا في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: بلى، قال الله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين " التوبة:25، فعدوا وقائع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله فإذا هي ثمانون.
شاعر:
يلج بي الهوى وتلج نفسي ... وفيما بيننا كبد تذوب
استقرض كوفي من جار له شيئاً فطلب رهناً، فكتب إليه: لو كان الرهن حاضراً لكان بيعه أهون علينا من استيجاب حمدك.
قال الأول: فقر يوجعك خير من غنى يطغيك، وغنى يحجزك عن الإثم خير من فقر يحملك على الإثم.
قال ابن السماك: من لم يتحرز من عقله بعقله، هلك من قبل عقله.
أطعم الناس أبو سفيان في حجة الوداع فقصر طعامه فاستعان برسول الله صلى الله عليه وعلى آله فأعانه بألف شاة، فقال أبو سفيان: بأبي
(9/157)

أنت وأمي، حاربناك فما أحببناك، وسألناك فما أبخلناك.
قال لقمان لابنه: يا بني، ارحم الفقراء لقلة صبرهم، وارحم الأغنياء لقلة شكرهم، وارحم الجميع لطول غفلتهم.
مر بخالد بن صفوان صديقان، فعرج أحدهما عليه وطواه الآخر، فقيل له في ذلك، فقال: عرج علينا هذا لفضله، وطوانا ذاك لثقته بالمودة.
قال ابن شهاب: من قدم أرضاً فأخذ من ترابها فجعله في مائها ثم شربه عوفي من وبائها.
قيل لزاهد: ما جزاء من إذا سئل أعطى؟ قال: أن يطاع فلا يعصى.
قال ابن عباس: أبهمت البهائم إلا عن أربع: عن معرفة الرب، وابتغاء النسل، وطلب المعاش، وحذر الموت.
قال القاضي أبو حامد: الرب ها هنا سائسها ومالكها، فأما معرفة الله تعالى فإن الكبار من العقلاء يموجون فيها ويضجون بسببها، فإن أصل المعرفة هو العقل، والبهائم لا عقول لها، وإنما هي ذوات حواس تصادف بحواسها ما
(9/158)

لاءمها، فإذا توالت المصادفة الألفة بينها وبين الأشياء، وأما ما ارتفع عن الحس فإنها منه في جانب بعيد، ومكان سحيق.
مر أنو شروان بشيخ يغرس شجرة جوز، فوقف عليه وقال: يا شيخ، أتطمع أن تأكل من هذه الشجرة التي قد توليت غرسها وسقيها وتعهدها؟ قال: لا أيها الملك، ولكن الدنيا دفعت إلينا عامرة فإني أحب أن أردها وهي عامرة، فأعجب المك بكلامه وقال: زه! وأعطاه أربعة آلاف درهم، فقال: أيها الملك، ما أسرع ما أثمرت هذه الشجرة، فقال كسرى: زه! وأعطاه أربعة آلاف درهم أخرى، فقال: أيها الملك، لكل شجرة في كل سنة حمل واحد وهذه حملت مرتين، فقال: زه! وأعطاه أربعة آلاف درهم، وسدوا فمه، وانصرف.
قيل لفتح الموصلي: ادع الله لنا، فقال: اللهم هنئنا عطاءك، ولا تكشف عنا غطاءك.
مدح بعض الشعراء الجنيد، وكان من كبار العمال، فأجازه، فقال الشاعر: ما أكرمك لولا ثلاث خصال، قال: ويلك وما هي؟ وهل بعد ثلاث من خير؟ قال: تأمر للرجل بالجائزة السنية ثم تشتمه فتكدر ذلك عليه، قال: ثم ماذا؟ قال: وتضع الطعام فيدخل الناس فلا تنزلهم منازلهم، ولو أنزلت كان أشرف لك، قال: ثم ماذا؟ قال: جواريك يخترقن الصفوف فلا تأخذك لذلك غيرة، قال: فبكم أمرنا لك؟ قال: بعشرة آلاف درهم، قال: يا
(9/159)

غلام ادفع إلى هذا الماص بظر أمه عشرة آلاف أخرى، ثم أعادها حتى بلغت تسعين ألفا أخرى، فوضعت بين يديه؛ ثم أقبل عليه فقال: أما قولك إني أضع الطعام ولا أنزل الناس منازلهم فلقد فكرت فرأيت في الناس من له همة وفيهم غير ذلك، فوكلتهم إلى أنفسهم، لأن من انحط عن أعلى غاية كان النقص أولى به، فهم بأنفسهم أخبر مني بهم؛ وأما قولك إن جواري يخترقن الصفوف فلا تأخذني لذلك غيرة، فلو أن واحدة رأت في عينها من هو أحسن مني فاختارته وهبتها له؛ وأم العطية مع الشتم فكيف رأيتها؟ فأنشأ الشاعر يقول:
إن الجنيد الكريم أوله ... يزين منه قديمه كرمه
يعطي على شتمة وإن صغرت ... تسعين ألفا طوبى لمن شتمه
وحسن وجه الجنيد قد عرفوا ... يمنع من كل ريبة خدمه
وما يبالي إذا بلا هممه ... طباخه بالطعام من طعمه
كان سليمان بن عبد الملك إذا حضر طعامه فتحت الأبواب
(9/160)

ورفعت الستور ودخل الناس، فإذا انقضى ذلك نادى مناديه: إن أمير المؤمنين مرتفع من مجلسه، فهل لأحد منكم حاجة؟ فقام رجل ذات يوم فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي في بيت مالك مائتي دينار، وأنا الآن مملك بابنة عم لي، وقد ضرب علي أجل إن جزته فرق بيني وبينها، فإن رأى أمير المؤمنين أسلفني هذه المائتين فأقضي عني، فقال: يا ابن اللخناء، أقسطار أنا حتى أسلفك؟ بل أهب لك مائتي دينار ومائتي دينار، وجعل يكررها حتى انقطع نفسه على ثلاثة آلاف دينار، فقبضها الرجل، فأتاه الناس يهنئونه قال: فأين قوله يا ابن اللخناء؟ فبلغ ذلك سليمان فقال: صدق، وددت أني افتديتها بأضعاف ذلك ولم أقلها.
قال ابن عباس: لعن الله القدرية، وما قالوا كما قال الله، ولا كما قالت الملائكة ولا كما قالت الأنبياء، ولا كما قال لوط، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " الإنسان: 30، وقالت الملائكة: " علم لنا إلا ما علمتنا " البقرة: 32، وقال الأنبياء: " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم " هود ":34، وقال: لوط: " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " هود:80، وقال أهل الجنة: " وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله " الأعراف: 43، وقال أهل النار: " غلبت علينا شقوتنا " المؤمنون:106، وقال الشيطان: " رب بما أغويتني " الحجر:39.
شاعر:
(9/161)

لعمري لئن بيعت في أرض غربة ... ثيابي إذ ضاقت علي المآكل
فما أنا إلا السيف يأكل جفنه ... له حلية من نفسه وهو عاطل
كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله إذا دعا لمتزوج قال: على اليمن والسعادة والطير الصالح، والرزق الواسع، والمودة عند الرحم.
وكان صلى الله عليه وسلم ينهى أن يقال بالرفاه والبنين ويقول بأوفى التحيات وأعذب الكلام.
كتب رجل إلى صديق له: بلغني ما يسر الله لك من اجتماع الشمل، وضم الأهل والإلف، فشركتك في النعمة، وساهمتك في السرور، وشاهدتك بقلبي، وتمثلت ما أنت فيه بعيني، فهنالك الله تعالى ما أنت فيه بما قسم لك بالسرور والحبور، ودفع المحذور، على مر الأزمنة والدهور.
قال الحجاج لابن القرية: اخطب علي هنداً بنت أسماء ولا تزد على ثلاث كلمات، فأتاهم فقال: أتيتكم من عند من تعلمون، والأمير يعطيكم ما تسألون، أفتجيبون أم تردون؟ فقالوا: بل نجيب، فرجع إلى الحجاج فقال: أقر الله عينك، وجمع شملك بالسرور والغنى على أسعد السعود، وإيمن الجدود، وأبرك العقود، وجعلها الله تعالى ولوداً ودوداً، وجمع بينكما على البركة والخير.
قال جعفر بن محمد الفاطمي عن أبيه عن جده قال حججت
(9/162)

ومعي جماعة من أصحابنا، فأتينا المدينة، فأفردوا لنا مكاناً ننزله، فاستقبلنا علام لأبي الحسن موسى بن جعفر على حمار له حضر يتبعه الطعام، فنزلنا بين النخل، وجاء هو فنزل، وأتي بالطست والماء، وفبدأ فغسل يديه، وأدير الطست عن يمينه حتى بلغ آخرنا، ثم أعيد إلى من عن يساره حتى أتى على آخرنا، ثم قدم الطعام فبدأ بالملح وقال: كلوا باسم الله، ثم ثنى بالخل، ثم أتي بكتف مشوية فقال: كلوا باسم الله فإن هذا الطعام كان يعجب رسول الله صلى عليه وعلى آله، ثم أتي بسكباج فقال: كلوا باسم الله فهذا طعام كان يعجب أمير المؤمنين رضي الله عنه، ثم أتي بلحم مقلي فيه باذنجان فقال: كلوا بسم الله فهذا طعام كان يعجب الحسن بن علي رضي الله عنهما، ثم أتي بلبن حامض قد ثرد فيه فقال: كلوا بسم الله فإن هذا الطعام كان يعجب الحسن بن علي رضي الله عنهما، ثم أتي بأضلاع باردة فقال: كلوا بسم الله فإن هذا طعام كان يعجب علي بن الحسين رضي الله عنهما، ثم أتي بجنب مبرد فقال: كلوا بسم الله فإن هذا طعام كان يعجب محمد بن علي، ثم أتي بلون فيه بيض كالعجة فقال: كلوا بسم الله فإن هذا طعام كان يعجب جعفراً، ثم أتي بحلواء فقال: كلوا بسم الله فإن هذا طعام كان يعجبني. ورفعت المائدة
(9/163)

فذهب أحدنا ليلتقط ما كان تحتها فقال: مه، إن ذلك يكون في المنازل تحت السقوف، فأما في مثل هذا المكان فهو لعافية الطير والبهائم. ثم أتي بالخلال فقال: إن من حق الخلال أن تدير لسانك في فمك، فما أجابك ابتلعته، وما امتنع فالخلال. وأتي بالطست والماء، فابتدأ بأول من على يساره حتى انتهى إليه فغسل، ثم غسل من عن يمينه إلى آخرهم، ثم قال: يا عاصم، كيف أنتم في التواصل والتيار؟ قال: على أفضل ما كان عليه أحد، قال: أيأتي أحدكم إلى كم أخيه أو منزله عند الضيقة فيستخرج كيسه ويأخذ ما يحتاج إليه فلا ينكر عليه؟ قال: لا، قال: فلستم على ما أحب من التواصل.
قال بعض السلف: لصانع المعروف إجلال القلوب، وثناء الألسن، وحسن الأحدوثة، وذخر العاقبة، وفخر الأعقاب.
شاعر:
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
آخر:؟ سقاني من كميت اللو - ن صرفاً غير ممزوج
فلما دارت الكاس ... على ناي وتصنيج
جعلنا القمص في اللبا ... ت أمثال الدواويج
كاتب: الحمد لله على عامر مهاجرتك، وسلامة بدأتك
(9/164)

ورجعتك، وعظم المنة بأوبتك، فشكر الله سعيك، وتقبل نسكك، وجعلك ممن انقلب مفلحاً منجحاً، قد ربحت صفقته، ولم تبر تجارته، ولا أعدمك تقبل عملك، وتوفيقاً يحوك دينك، وشكراً يرتبط نعمتك، وهناك الله تعالى ذلك، وطيبه لك في الدنيا مع الأهل وجمع الشمل، ولا أعدمك مزيداً منه.
قال أعرابي في ذم الدنيا: جمة المصائب، كدرة المشارب لا تمتعك بصاحب.
قال أعرابي: من علم أن رزقه طالبه أراح بدنه من الدؤوب ونفسه من الذنوب.
نظرت أعرابية إلى قوم يدفنون ميتاً فقالت: جافى الله عن ميتكم ثقل الثرى، وأعانه على طول البلى.
ومدح أعرابي رجلاً فقال: ذاك والله مضغة من ذاق لفظها، وإنه مع ذلك عذب في أفواه الأصدقاء.
وقال أعرابي في آخر: لم يزل ينهب الدهر ما له حتى مال له الدهر، فبخل الدهر عليه ولم يبخل على الدهر.
(9/165)

نظر أعرابي إلى فارس فقال: كأنه والله باز على مرقب، بيده رمح طويل يقصر به الآجال.
وقال أعرابي: هو والله إذا لوين أحلى من الجنى، وإذا خوشن أمر من الألاء.
وذكر أعرابي مودة رجل فقال: مودته مشوبة الفعال، وسماؤه قليلة البلال، وأرضه دائمة الإمحال، هو اليد الجذاء، والأزمة الحصداء، أبعد مقاله قريب، وأقرب فعاله بعيد، يقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول.
كاتب: من اتسع في الإفضال اتسعت فيه الأقوال، من شاكر مثن، ومادح مطر، ولسنا نصفك بما يعن لنا ويبدو على ألسنتنا، مما يتقرب به ذو الرغبة، ويفزع إليه ذو الرهبة، لاشتراك مرغوب، واستجلاب مطلوب، ولكنا ننطق عن سيرتك بإفصاح، ونبين عنها بإيضاح، يكف شغب الكائد، ويطيل غم الحاسد.
قال أعرابي: طالب الفلاح كالضارب بالقداح، سهم له وسهم عليه.
شاعر:
(9/166)

وعصبة لما توسطتهم ... ضاقت علي الأرض كالخاتم
كأنهم من بعد أفهامهم ... لم يخرجوا بعد إلى العالم
يضحك إبليس سروراً بهم ... لأنهم عار على آدم
قيل لأعرابي: أتعرف ربك؟ قال: إن عرفناه أبلانا، وإن أنكرناه أصلانا.
قال مسلم: مازلت أستجفي عائشة في قولها: بمن الله لا بمنك، حتى سألت أبا زرعة الرازي فقال: ولت الحمد أهله.
حمل إلى حماد القرشي دنانير فردها فقال له أصحابه، وكانوا أضيافه على كسر قد بدع بها كبة غزل: ما وجب أن ترد، فقال: إني لم أختر الفقر للغنى، إنما اخترت الفقر للفقر.
كان العتابي واقفاً بباب المأمون، فوافى يحيى بن أكثم، فقال له العتابي: إن رأيت أن تعلم أمير المؤمنين مكاني فافعل، فقال: لست بحاجب، فقال: قد علمت، ولكنك ذو فضل، وذو الفضل معوان، قال: سلكت بي غير طريقي، قال: إن الله أتحفك منه بجاه ونعمة، وهو مقبل عليك بالزيادة
(9/167)

إن شكرت، وبالتغيير إن كفرت، وأنا لك اليوم خير منك لنفسك، لأني أدعوك إلى ما فيه ازدياد نعمتك وأنت تأبى علي، ولكل شيء زيادة وزكاة، وزكاة الجاه رفد المستعين؛ فدخل على المأمون فأخبره الخبر، فأمر للعتابي بثلاثين ألف درهم.
بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنه بالمدينة اشترى خاتماً قيمة فصه ألف درهم، فكتب عمر رضي الله عنه: عزمت عليك لما بعت خاتمك بألف درهم، وجعلتها في ألف بطن جائع فقير، واستعملت خاتماً من ورق وجعلت فصه منه ونقشت عليه: رحم الله امرءاً عرف قدره.
شاعر:
شعرات في الرأس بيض ودعج ... حل رأسي خيلان: روم وزنج
طار عن لمتي غراب شبابي ... وعلاني من بعده شاه مرج
أيها الشيب لم والعت برأسي ... إنما لي عشر وعشر وبنج
قال أعرابي في رجل: ذاك والله رضيع الجود والمفطوم به، عقيم من الخنا، معتصم بالتقوى، إذا خرست الألسن عن
(9/168)

الرأس حذف بالصواب كما تحذف الأرنب، فإن طالت الغاية، ولم يكن دونها نهاية تمهل أمام القوم سابقاً.
قال بعض الأطباء: إذا أخذ زبل العصافير وديف بلعاب الإنسان وطلي على الثؤلول قلعه.
قال الحجاج لعنبسة بن سعيد: يا عنبسة، بلغني أنك تشبه إبليس في قبح وجهك، قال: وما ينكر الأمير أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجن؟!
لما نزل قوله تعالى: " وأنذر عشيرتك الأقربين " الشعراء: 214، أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله قمة جبل فعلا أعلاها ونادى: يا آل عبد مناف، إني نذير، وإنما مثلي ومثلكم كمثل رجل يربأ أهله، فرأى العدو فخشي أن يسبقوه فجعل يهتف وينادي: يا صباحاه! الدبول: الجداول، سميت بذلك لأنها تدبل أي تصلح، قال
(9/169)

الكسائي: أرض مدبولة: إذا أصلحت بالسرجين، وكل شيء دبلته ودملته فقد أصلحته، ومنه يقال: داملت الصديق إذا استصلحته. ومدفن المدينة يسمى بقيع الغرقد، والغرقد: شجر الغضا وكل شجر له شوك، مثل الطالح والسلم والسدر والسمر.
قال أعرابي: إن الله تعالى أفرح بتوبة العبد من المضل الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد.
قال أعرابي: رب حرب أنفع من سلم، وجهل خير من علم.
كاتب: قد سرني ردك لي عما التمسته منك ليكون ذلك عقوبة لي على سوء اختياري لك، وتأديباً على قصدي بأملي إياك.
قال أعرابي: رب صبابة غرست من لحظة، ورب حرب جنيت من لفظة.
قال أعرابي: رب وحدة خير من جليس، ووحشة أحسن من أنيس.
(9/170)

قال أعرابي: ربما أخطأ البصير قصده، وأصاب الغوي رشده، وشد الأشل زنده.
قيل لكثير: كيف تصنع إذا عز عليك قول الشعر؟ قال: أطوف في الرباع المحيلة، والرياض المعشبة، فيسهل علي أرصنه، ويسرع إلي أحسنه.
قال بعض السلف: ما استدعي شارد الشعر بمثل المكان الخالي، والمستشرف العالي، والماء الجاري، وله أوقات يسرع فيها أتيه، ويسمح فيها أبيه.
كاتب: كتبت عن عافية في البدن، وسقم في الحال، فأنا بين شكر وشكوى، وبلاء جميل وبلوى، أستحق بالشكر الزيادة، وبالسقم العيادة، أما استخبارك عن أمري فظاهر أمري بالسلامة يسرك، وأما باطن حالي فبالاختلال يسوءك.
كاتب: كتبت وأنا سالم في نفسي، فأما ما تتم به السلامة فقد أخطأني موقعه، لأني ببلد ليس فيه عمل يجدي، ولا حر يسدي، وأنا أحمد
(9/171)

الله حمداً يصونني عن العمل إلا لطاعته، ويغنيني عما سواه بكرمه وكفايته.
قال أعرابي: من تنعم بك بدنه، تعبد لك قلبه، ومن جهد ظاهره فيك، ثقل باطنه عليك.
قال أعرابي لآخر: اجعل لي وكيلاً من نفسك يقوم عندك بعذري، ويخاصمك إلى كرمك في أمري.
كاتب: أصبحوا في زهرة رياضك راتعين، وفي غمرة حياضك شارعين.
قال أعرابي: هذا مقام من لا يتكل عندك على المعذرة، بل يعتمد منك على المغفرة.
قال ابن الكلبي: لما أتي الحجاج بالأسرى من أصحاب ابن الأشعث، جعل يعرضهم على السيف حتى انتهى إلى شاب فيهم فقال: أصلح الله الأمير، إن لي حرمة، قال: وما هي؟ قال: ذكرت في عسكر ابن الأشعث بسوء فرددت عنك الشتائم وقلت للشاتم: والله لقد كذبت في مقالتك، وأفكت في نطقك، والله ما في الحجاج مغمز ولا مطعن في حسب ولا
(9/172)

نسب، ولا مفسد في بطن ولا ظهر، فإن شئت في غير ذلك فقل، فقال الحجاج: ومن يعلم ما تقول؟ فرمى الرجل بطرفة إلى رجل بالقرب منه فقال: هذا يعلم ما أقول، فقال الحجاج: ما تقول فيما قال؟ قال: صدق أيها الأمير، فقال: يخلى عن هذا لذبه عنا، ولهذا حرمه حفظ شهادته؛ فخلوا عنهما.
قال المدائني: قدم على أسد بن عبد الله بخراسان رجل، فانتظر قعوده للناس فكان يحجب عنه، فلما دخل إليه قال: أصلح الله الأمير، إن لي عندك يداً، قال: وما يدك؟ قال: أخذت بركابك يوم كذا، قال صدقت، قل حاجتك، قال: توليني أبيورد، قال: ولم؟ قال: لأكسب مائة ألف درهم، قال: فإنا قد أمرنا لك بها وأقررنا صاحبنا على عمله، قال: أصلح الله الأمير، لم تقض ذمامي، قال: ولم وقد أعطيتك ما أملت، وسرغتك ما أمرت لك به، وأعفيتك من المحاسبة أن صرفناك عنها، قال ولم تصرفني ولا يحب الصرف إلا لأمرين: إما لعجز أو لخيانة، فإن سلمت منهما لم أصرف، قال: فأنت أميرها ما دامت خراسان لنا، فلم يزل عليها حتى عزل أسد.
قال المدائني: جاء رجل إلى نصر بن سيار فذكر قرابة، قال: وما قرابتك؟ قال: ولدتني وإياك فلانة، قال: قرابة عورة، قال: إن القرابة
(9/173)

مثل الشن البالي يرقعه أهله فينتفعون به، قال: حاجتك؟ قال: مائة ناقة ومائة نعجة ربى - إي معها أولادها - قال: أما النعاج فخذها، وأما النوق فنأمر لك بأثمانها.
قال الشعبي: حضرت مجلس زياد وحضره رجل فقال: أصلح الله الأمير، إن لي حرمة أفاذكرها؟ قال: هاتها، قال: رأيتك بالطائف وأنت غليم ذو ذؤابة وقد أحاط بك جماعة من الغلمان وأنت تركض هذا مرة برجلك وتنطح هذا مرة برأسك وتكدم هذا مرة بأسنانك، وكانوا مرة ينثالو عليك وهذه حالتك وحالهم، ومرة يندون عنك وأنت تتبعهم حتى كاثروك واستقووا عليك، فجئت حتى أخرجتك من بينهم وأنت سليم وكلهم جريح، قال: صدقت أنت أنت ذاك الرجل؟ قال: أنا ذاك، قال: حاجتك؟ قال: حاجة مثلي الغنى عن الطلب، قال: يا غلام أعطه كل سفراء وبيضاء عندك، ونظر فإذا قيمه ما يملك في ذلك اليوم أربعة وخمسون ألف درهم، فأخذها وانصرف، فقيل له بعد ذلك: أنت رأيت زياداً وهو غلام بهذه الحال؟ قال: إي والله لقد رأيته وقد اكتنفه صبيان صغيران كأنهما من سخال المعز، فلولا أدركته لظننت أنهما يأتيان على نفسه.
وقف رجل على معاوية وهو في مجلس العامة فقال: يا أمير
(9/174)

المؤمنين، إن لي حرمة، قال: وما هي؟ قال: دنوت من ركابك يوم صفين وقد قربت ذابتك لتنهزم، ورأى أهل العراق الفتح والظفر، فقلت لك: والله لو كانت هند بنت عتبة مكانك ما هربت، واختارت أن تموت كريمة أو تعيش حميدة؛ أين تهرب وقد قلدتك العرب أزمة أمورها، وأعطوك قياد الأعنة؟ فقلت لي: اخفض صوتك لا أم لك، ثم ثبت وثابت حماتك إليك وتمثلت بقول عمرو بن الإطنابة:
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
قال: صدقت، ولوددت أنك خفضت من صوتك، يا غلام أعطه خمسين ألف درهم، ولو أحسنت الأدب لأحسنا لك الزيادة.
رفع إلى أنو شروان أن العامة تؤنب الملك في تقديمه فلانا وليس له شرف أصيل ولا نسب، فوقع: اصطناعنا له نسب.
هذا الذي قاله لطيف حلو، له وجه عريض في التأويل، وعليه حجة قوية في الجدال، وقد كان بعض أصحابنا يقول: الاصطناع لا يشرف الجوهر الخسيس، والاطراح لا يضع الجوهر النفيس، وسبيل الملك أن يكون كالناقد
(9/175)

الذي ينفي الزائف ويقتني الجيد، فما انتكثت الدول وانتقضت الملل إلا بهذا التأويل الذي ينشئه هوى الملك في واحد بعد واحد، على أنا لا نجحد أن تكون النجابة في بعض الخاملين، والفسالة في بعض المشرفين، لأن الغرائز والنحائر مختلفات، وكل من شوطه على حد إن زاد مكرها في وقت نقص مختاراً في وقت، وأصل كل معروف نكرة، وآخر كل معروف نكرة، ولكن الأولى بالقياس على عادة الناس تقديم من له قديم، فليس طلاب الذهب من معدنه كطلب المعدن في الأرض، على أن هه القضية في زماننا مطوية، وهذا الشأن متروك.
رفع إلى كسرى أن النصارى الذين بحضرة باب الملك يقرفون بالتجسس، فوقع: من لم يظهر ذنبه لم تظهر من عقوبة له.
ورفع إليه أن بعض الناس ينكر إصغاء الملك إلى أصحاب الأخبار، فوقع: هؤلاء بمنزلة مداخل الضياء إلى البيت المظلم، وليس بقطع مواد النور مع الحاجة إليه وجه عند العقلاء.
قال بعض أصحابنا: أما الأصل في هذا التدبير فصحيح، لأن الملك محتاج إلى الأخبار، ولكن الأخبار تنقسم إلى ثلاثة أوجه: خبر يتصل بالدين، والواجب عليه أن يبالغ ويحتاط في حفظه وحراسته ونفي القذى عن طريقه
(9/176)

وساحته، وخبر يتصل بالدولة ورسومها، فينبغي أن يتقظ في ذلك خوفاً من كيد ينفذ وحيلة تتم؛ وخبر يدور بين الناس في متصرفهم وشأنهم وحالهم، حتى إذا زاحمتهم فيه اظطغنوا عليك وتمنوا زوال ملكك، وأرصدوا العداوة لك، وكانوا عليك مع عدوك. وإنما لحق الناس من هذا الخبر هذا العارض لأن في منع الملك إياحم عنه وتتبعه لهم كرباً على قلوبهم، ولهيباً في صدورهم، فلا بد لهم في الدهر الصالح، والزمان المعتدل، والخصب المتتابع، والسبيل الآمن، والخير المتصل، من فكاهة وطيب واسترسال وأشر وبطر، وكل ذلك من آثار النعمة الدارة، والقلوب القارة، فإن أغضى الملك بصره عل ىهذا القسم عاش محبوباً، وإن تنكر لهم فقد جعلهم أعداء، والسلام.
ورفع إلى أنوشروان أن عامل الأهواز قد جنى من المال ما يزيد على الواجب، وأن ذلك يجحف بالرعايا، فوقع: يرد هذا المال على هؤلاء الضعفاء، فإن تكثير الملك بظلم رعيته بمنزلة من يحصن سطوحه بما اقتلعه من قواعد بنيانه.
ورفع إليه أن الأمر كان خرج باختيار رجل للشرطة، وقد سمي لذلك فلان، فوقع: يحتاج لهذا العمل إلى رجل في طباعه البغضة للأشرار،
(9/177)

واستقصاء أصول الأموال، والغلظة على الظلمة، والرقة على الضعفاء، وهذا رجل يختار لغير هذا العمل.
قال أبو سعيد السيرافي: إن هذا لزيد، إذا كان المشار إليه هو زيد، وكسروا اللام ليزول اللبس، وأصلها الفتح، لأن الباب في الحروف المفردة أن تبنى على الفتح، فإذا وصلتها بالمكني عادت إلى أصلها من الفتح، وذلك قوله: إن هذا له، وإن هؤلاء لنا، لأنك تقول في مكني المرفوع: إن هذا لأنا، وإن هؤلاء لنحن، وإن هذا لهو، وأنشد:
وإني امرؤ من عصبة خندقية ... أبت للأعادي أن تنيخ رقابها
قال يحيى بن غسان: عاتبت غسان بن عباد في اقتصاده في ملبسه فقال: من عظمت مؤونته على نفسه قل نفعه على غيره.
أنشد السيرافي:
فصددت عن أطلالهن بجسرة ... عيرانة كالقصر ذي البنيان
كسفينة الهندي طابق ظهرها ... بسقائف مكسوحة ودهان
فكأنما هي بعد غب كلالها ... أو أسفع الخدين شاة إران
(9/178)

يعني ثوراًوحشياً، ويسمى الثور الوحشي شاة، والبقرة الوحشية شاةٍ، وإران: نشاط، إرن يأرن أرنا والاسم الإران، يقال: الإران: كناس الوحش، يقال: الإران: سرير الميت، ومنه قول طرفة: أمون كألواح الإران نسأتها فأما قوله: ها أناذا وها نحن أولاء، وها هو ذاك، وها أنت ذا، وها أنتم أولاء، وها أنتن أولاء، فها للتنبيه، والأسماء بعدها مبتدآت، والخبر أسماء الإشارة ذا وذلك، وإن شئت جعلت الضمير المقدم هو الخبر، والإشارة هي الاسم.
وأما ها فيجوز أن يكون مع ذا وفصل بينهما أنت، والمراد بها أن يكون ذا، والتقدير: أنا هذا، ويجوز أن يكون التنبيه للضمير أنهما يشتركان في الإبهام، فأما من قدر ها مع ذا وفصل بينهما فإنه يحتج بقول زهير:
تعلما ها لعمر الله ذا قسماً ... فاقصد بذرعك واننظر كيف تنسلك
وإنما هو: تعلما هذا لعمر الله قسماً، ويحتج أيضاً بقوله: فقلت لهم هذا لها وها وذا ليا
(9/179)

والتقدير: هذا لها وهذا لي، وإنما يقول القائل: هاأناذا، إذا طلب رجل لم يدر أحاضر أم غائب، يقال: هاأناذا، أي الحاضر أنا، وإنما يقع جواباً؛ تم كلام السيرافي.
قال أبو العيناء: لما عزل إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة شيعوه فقالوا: عففت عن أموالنا وعن دمائنا، فقال: وعن أبنائكم، يعرض بيحيى ابن أكثر في اللواط.
قال أبو السائب المخزومي: كان جدي في الجاهلية يكتني بأبي السائب وبه اكتنبت، وكان خليطاً لرسول الله صلى الله عليه في الجاهلية، فكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله إذا ذكره في الإسلام قال: نعم الخليط كان أبو السائب، لا يشاري ولا يماري.
قال الزبير بن بكار: أدخل ابن جندب على المهدي في القراء، وفي القصاص، وفي الشعراء وفي الرماة، وفي المغنين، فأجازه فيهم كلهم.
لما حضرت الوليد بن عقبة الوفاة أتاه أهل الكوفة يدعون له ويثنون عليه فقال: يا أهل الكوفة، حبكم والله صلف، وبغضكم تلف؛ وإني لفي آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، اللهم إن كان أهل
(9/180)

الكوفة صدقوا في شهادتهم فأصلني نار جهنم، وإن كانوا كذبوا علي فاجعل ذلك كفارة لما تعلم من ذنوبي.
سمعت القاضي أبا حامد يقول: دخل بلال بن أبي بردة مسجد دمشق ولزم سارية، وكان يحسن صلاته وتسبيحه حتى عرف بهديه، فرآه عمر ابن عبد العزيز فهم بأن يجعل إليه من أمور المسلمين شيئاً فقال له خادم: يا أمير المؤمنين، في الأناة خير كثير، وفي العجلة ندم، فأرسلني إليه واسألني عنه أعرض عليك ضميره، فإن كان على ما تحلى به في ظاهره كنت من تقديمه وتوليته على يقين، وإن كان بخلاف ذلك كفيت نفسك الاهتمام به، والمسلمين الفتنة، فقال له عمر: خذ فيما ألهمك الله، فجاء الخادم إلى بلال بن أبي بردة وصلى بجنبه، وسلم عليه وأنسه، وأخذ في شجون الحديث يستنزله، وألقى إليه في عرض الحديث ذكر الولاية، وعرفه ما فيها من العز في الدنيا وعرض الجاه ومعونة المسلمين، فقبل ذلك بلال وهش له، فقال الخادم: فما لي إن شرعت في ذلك؟ قال بلال: عشرة آلاف درهم، فوافقه وانصرف إلى عمر وعرفه الحال وحكى الصورة، فقال عمر: لحاه الله، أتانا بدينه يطلب دنيا لا تبقى له.
قرأت بخط ابن المعتز، قال التوزي: خرجت مع أبي عبيدة من المسجد فتوكأ علي ثم قال: أنت أولى من ألقينا عبالتنا عليه.
(9/181)

وقال أعرابي: اللهم إني أعوذ بك من خطرات الإثم ونظرات السوء.
قال إبراهيم النخعي: إن بني أمية أدمجوا بالحلم إدماجاً.
قال علي كرم الله وجهه في خطبته بصفين: قدموا الدارع، وأخروا الحاسر، وأميتوا الأصوات، والتووا في أطراف الأسنة، وادرعوا العجاج.
كان ابن سيرين إذا دعي إلى وليمة قال: يا جارية، هاتي قدحاً من سويق، قال: ألست قد دعيت؟ قال: أكره أن أجعل حدة جوعي على طعام النماس.
قال الحسن: الإنسان يهدم عمره مذ سقط من بطن أمه.
رئي بعض العلماء وهو يكتب من فتى حديثاً فقيل له: ما مثلك يكتب من هذا، فقال: أما إني أحفظ منه، لكني أردت أن أذيقه كأس الرياضة ليدعوه ذلك إلى الازدياد من العلم.
كتب أنو شروان إلى أصبهبذ خراسان: اعلم أن عدوك الأقرب الخرق، وجندك الأعظم الرفق.
(9/182)

قال ابن عباس: لم يمل إلى المغالبة إلا من أعياه سلطان الحجة.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول للرجل إذا استعمله: إن العمل كير، فانظر كيف تخرج منه.
أركان النعيم: الصحة والأمن والغنى والشباب.
لرجل من بني أسد:
فإن تغمضوا فالحرب كأس مريرة ... إذا صدرت عنها الأسنة ترعف
إذا ركبوا لم يركبوها وطية ... هي الغول للأقوان حين تشوف
إذا التقت الأبطال كان سجالها ... صفائح بصرى والقنا المتقصف
ويوردها الأقوام ممن يعلها ... رواء وقرح القوم لا يتقرف
تفرق ألافا وتعتام سادة ... وتعدي الصحيح فهو أجرب أكلف.
قال ثعلب: يقال: ما له عبر وسهر، وما له بئي بطنه، مثل
(9/183)

بعي، أي شق بطنه، وما له عرن في أنفه أي طعن. ويقال: ما له مسحه الله برصاً واستخفه رقصاً.
قال: ويقال: أخافه الله وأهانه؛ ويقال: أرانيه الله أغر محجلاً، أي مقتول محلوق الرأس مقيداً؛ ويقال: أطفأ الله ناره، أي أعمى عينيه؛ ويقال: خلع الله نعليه، أي جعله مقعداً؛ ويقال: جذه الله جذ الصليان؛ قال، ويقال: وصف الله في حاجتك، أي لطف لك فيها؛ ويقال: سقاك الله دم جوفك؛ قال ابن صاعد: إذا هريق دم الإنسان هلك؛ وقال غيره: معناه دعا عليه بأن يقتل ابنه فيضطر إلى أخذ ديته فيشرب من ألبان الإبل.
وقال ابن مهدي: تأوبك الله بالعافية وقرة العين؛ نعوذ بالله من السيل الجارف والجيش الجائح؛ يقال: نعوذ بالله من أمواج البلاء وبرائق الفتن وخيبة الرجاء.
قال المبرد: قلت لمجنون يوماً: أجز لي هذا البيت:
أرى اليوم يوماً قد تكاثف غيمه ... وإبراقه فاليوم لاشك ماطر
فقال:
وقد حجبت فيه السحائب شمسه ... كما حجبت ورد الخدود المعاجر
(9/184)

لابن أبي فنن:
ألا رب مكروب أجيب دعاؤه ... وذي أود قومته فتقوما
ومستسلم للحادثات منعته ... بحزمك أن يغتال أو يتهضما
أبي لك حزم الرأي إلا صرامة ... وبذلك للمعروف إلا تكرما
خلائق غر قد بسطت ببذلها ... لسان الذي يثني وإن كان أعجما
جمعت بها شمل المعالي فأصبحت ... لديك صفايا ما يحاذرن مقسما
مددنا بأيدينا إليك فراغب ... وذو همة يمسي له النجم توأما
وذو أدب لولا رجاؤك أصبحت ... بضاعته مردودة حيث يمما
قال المفجع: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: سمعت أبا عثمان المازني يقول: تزوج رجل من بكر بن وائل امرأة من بني دارم، فأراد نقلها إلى أهله، وكان معها بكر فجعل البكر يحن، فقالت:
ألا أيها البكر اليماني إنني ... وإياك في بكر لمغتربان
نحن وأبكي إن ذا لبلية ... وإنا على البلوى لمصطحبان
وقال: " إلا أن تغمضوا فيه " البقرة:267 "؛ الإغماض: الاقتصار على ما دون الحق.
قال أبو حنيفة: حدثنا الرياشي عن محمد بن سلام قال: يقال: الخاطب أحلى شيء لساناً، وعلى لسان كل خاطب تمرة، وهو من الحلاوة.
قال أبو عثمان: سمعت أبا زيد يقول، الكلابيون يقولون: " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " الأنفال:61. وسمعت أبا السمال
(9/185)

يقرأ: " وحبط ما صنعوا فيها " هود:16، قال: وسمعته يقرأ: " فسوف يكون لزاماً " الفرقان " 77؛ وسمعته يقرأ: " إنكم لذائقوا العذاب الأليم " الصافات: 38؛ قال: وسمعته يقرأ: " قل الحق " الكهف: 29 - بفتح اللام -، ويقرأ: " فحاسوا خلال الديار " الإسراء:5 قال الرياشي: ما جاء من الجمع على فعيل: كلب وكليب، وعبد وعبيد، وطس وطسيس، ويد ويدي، وأنشد:
فلن أذكر النعمان إلا بصالح ... فإن له عندي يديا وأنعما
قال: والحرمد والثأط والحمأة والخلب: الطبن؛ ويقال بيت مخلوب أي مطين.
قال التوزي: البلذم: ما تدلى من الصدر؛ قال الأصمعي: وقيل بلدامة، وهو المضطرب.
يقال: قدر لزبة أي عظيمة، وغنم خليطة إذا كانت عظاماً.
(9/186)

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لسان المرء سيف يخطر في جوانحه.
قال وهب: الدناير والدراهم خواتيم الله في أرضه، فمن ذهب بخاتم الله قضيت حاجته.
قال معاوية: كان أبو سفيان طويل الأناة بعيد القعر، نائم الهوى يقظان الرأي.
قال عمر: أدروا للمسلمين لقحتهم، أي العطاء.
قال ابن عباس: المطر بعل الأرض.
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله: كل صلاة ليس فيها قراءة فهي خداج.
وقال عليه السلام: خير الناس رجل ممسك بعنان طرفه، كلما سمع هيعة طار إليها.
يقال: كرش الرجل: جماعته، وعيبته: موضع سره؛ قال
(9/187)

النبي صلى الله عليه وعلى آله: الأنصار كرشي وعيبتي.
وكان جرير بن حازم يتنقص صالح بن عبد القدوس، فقال صالح:
قل للذي لست أدري من تلونه ... أناصح أم على غش يداجيني
إني لأكثر مما سمتني عجباً ... يد تشج وأخرى منك تأسوني
تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكل عنك يأتيني
هذان شيئان شتى بون بينهما ... فاكفف لسانك عن شتمي وتزييني
أرضى عن المرء ما أصفى خليقته ... وليس شيء مع البغضاء يرضيني
قال: ثعلب: العرب تقول: أنا لومة وأخي عذلة، أي أنا اعذله وهو يلومني.
قال أبو العتاهية لابنه يوماً: يا بني، إنك لا تصلح لمشاهدة الملوك، قال: لم يا أبة؟ قال: لأنك بارد المشاهدة، حار النسيم، ثقيل الظل.
من أمثال العرب: رب كلمة تقول لصاحبها دعني.
(9/188)

قال أحمد بن حنبل: ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كمي فسقط.
قال ابن شوذب: قدم أبو مسلم فتلقاه ابن أبي ليلى فقبل يد أبي مسلم، فقيل له: تقبل يد أبي مسلم؟ فقال: قد تلقى أبو عبيدة بن الجراح عمر ابن الخطاب فقبل يده، فقيل له: أتشبه أبا مسلم بعمر بن الخطاب؟ فقال: أفتشبهونني بأبي عبيدة؟ قال ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بمنىً، فقال للأنصار: ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله تعالى بي؟ ألم تكونوا خائفين فأمنكم الله تعالى بي؟ ألم تكونوا أذلاء فأعزكم الله تعالى بي؟ ثم قال: ما لي أراكم لا تجيبون؟ قالوا: ما نقول؟ قال: تقولون: ألم يطردك قومك فآويناك، وكذبوك فصدقناك؟ قال: فجثوا على الركب، قالوا: أنفسنا وأموالنا لك يا رسول الله، فأنزل الله تعالى: " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى " الشورى:23.
قال الضحاك: قال ابن عباس في قوله: " قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى " نسخت بقوله تعال: " ما سألتكم من أجر فهو لكم " سبأ: 47.
(9/189)

ذكر السعادة في مجلس بعض الأشراف فقال أحد القوم: كفاكم أن الصدق محمود إلا منهم، وأن أصدقهم أخبثهم.
لعيسى بن أرطأة في المهدي:
الآن قر الملك في مقره ... وابتسم العباس عن مفتره
وسكنت هامة مقشعرة ... إلى بني العباس أهل سره
ومنهل طعنت في مغبره ... وقد دجا الليل بمكفهره
بناعج ينفح ثني دره ... كأنه في فره وكره
قدح أدرته يدا مدره ... إلى إمام عمنا ببره
للعقيلي أستاذ علي بن الجهم:
أرى ألفات قد كتبن على راسي ... بأقلام شيب في صحائف أنقاس
فإن تسأليني من يمل حروفها ... فكف الليالي تستمد بأنفاسي
جرى في جلود الغانيات لشيبتي ... قشعريرة من بعد لين وإيناس
وقد كنت أجري من هواهن مرة ... مجاري نعيم الماء من قضب الآس
دخل سفيان الثوري على المهدي وهو بمكة فقال له: حدثنا أبو
(9/190)

عمران أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة يوم النحر لا ضرب ولا طرد، ولا إليك إليك؛ وقد رأيت الناس يضربون بين يديك؛ وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أنفق في حجة حجها ثماني عشر ديناراً وقال: ما أحسب هذا إلا سرفاً في أموال المسلمين، وما أراك تدري كم أنفقت؛ فقال المهدي: لو كان المنصور حياً ما احتمل هذا الكلام منك، فقال سفيان: لو كان المنصور حياً ثم أخبرك لما لقي ما ستقر بك مجلسك.
قال الفضل بن سهل: الناس بين نعمة ومصيبة، وفيهما الابتلاء والمحنة، ثم لا تلبث المصيبة إذا أخذ فيها بأدب الله تعالى أن تعود نعمة قد تصرمت أيام كرهها وبقي مأمول أجرها، ولن تلبث النعمة إذا ضيع ما يجب فيهما من الحق أن تعود مصيبة تنصرم أيام بشاشتها وتطول في العاقبة حيرة أهلها.
شاعر:
فلا تنكري فيض الدموع فإنها ... معاذير عين فاتها ما تؤمل
قال الحسن: عربي مقتصد أحب إلي من مولى مجتهد.
حبوكرى وأم حبوكرى: داهية؛ قال: والحبوكرى: رملة يضل فيها سالكها ثم صارت داهية، هكذا قال ثعلب في أسماء الدواهي.
قال ثعلب: إنه لضب تلعة، ما يؤخذ مذنباً ولا يدرك حفيراً، أي لا يؤخذ بذنبه ولا يلحق لبعد خفرته.
(9/191)

قال ثعلب: يقال: كذب واختلق، وإنه لزلوق أي كذوب، ويقال: كذوب ممزج أي يمزج حقاً بباطل، وأنشد:
لاتقبلن قول عذوب ممزج ... أطلس وغد في دريسي منهج
قال ثعلب: يقال: لا أبقى الله لك سارحاً ولا جارحاً، أي لا أبقى الله له مالاً، والجارح: الحمار والفرس والشاء، وليست الإبل والرقيق من الجوارح، وإنما سميت الجوارح لجروح آثارها في الأرض، وليس للآخر جروح.
قال ابن عباس: لما بلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله هجاء الأعشى علقمة بن علاثه نهى أحداً من أصحابه أن يروي هجاءه أو يهجوه أحد منهم، قالوا: يا رسول الله، ما السبب؟ قال: إن أبا سفيان شعث مني عند قيصر فرد عليه علقمة وكذب أبا سفيان.
قال ابن عباس: قام شاب من الأنصار إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:
اذكر بلائي إذ فاجاك ذو سفه ... يوم السقيفة والصديق مشغول
(9/192)

قال: وكان الفتى قد رد عن عمر قول سيفه من موالي الأنصار كلاماً أغلظ فيه لعمر فقال عمر رضي الله عنه: أنا ذاكر لبلائك، ثم قال بأعلى صوته: أدن مني، فدنا منه الشاب فأخذ بيده حتى استشرف الناس وقال: ألا إن هذا رد عني سفيها من قومه يوم السقيفة، ثم حمله على نجيب وزاد في عطائه وولاه صدقة قومه، وقرأ عمر: " هل جزاء الإحسان إلا الإحسان " الرحمن: 60.
عرض رجل لسعيد بن العاص وهو أمير الكوفة فقال: أيد الله الأمير، يدي عندك بيضاء، قال: وما هي؟ قال كبت بك دابتك فيما بين الحيرة والكوفة، وقد تقدمت غلمانك، فهويت إليك فجذبت بضبعك، وهززتك مراراً، ثم سقيتك ماء، ثم دنوت من ركابك فأخذته حتى ركبت، قال: فأين كنت عني من ذاك؟ قال: حجبت عنك، قال: قد أمرنا لك بمائتي ألف درهم وما يملكه الحاجب تأديباً له إذ حجب مثلك وهذه وسيلتك؛ فإذا ما يملك الحاجب أضعاف ما أعطاه.
كاتب: عرضت عليك مودتي فأعرضت عني، وأعرض غيري عنك فتعرضت له، فالله المستعان على فوت ما أملته لديك، وبه التعزي عما أصبته منك.
قال الكسائي: سمعت أعرابية من بني أسد، وقد كانت عمرت، ونظرت إلى نساء في هوادج، ورجالهن يطردون بهن، وقد تركت
(9/193)

العجوز وهم يريدون نجعة، فقالت: من أمسى والله في مثل حالي فقد هلك، ومن كان مثل هؤلاء فقد ملك، فقال لها رجال الحي: ما ملكن؟ قالت: ملكن والله عرانين كريمة، من قبائل شريفة، تعني أزواجهن.
قال الأصمعي، قال عيسى بن عمر: كنت بالبادية فتضيفت امرأة فدخلت الخباء فجعلت ترقق زوجها عن قرى ويريغها، فسمعتها تقول: أنا ابنة الأقيل، المعم المخول، فإن كنت تجهلني فسل؛ وسمعت الزوج يقول: أنا ابن بلال، الكريم العم والخال. ثم أتتني بقرص مثل فرسن البكر البكر فأكلته.
كاتب: قد رأيتك لحقي غامطاً، وللسانك علي باسطاً وأنشد:
إذا أنكرت أحوال الصديق ... فلست من التحير في مضيق
طريقاً كنت تسلكه زماناً ... فأسبغ فاجتنبه إلى طريق
آخر:
من يحمد الصبر وأسبابه ... فلست بالحامد للصبر
فكم ساقني الصبر من جرعة ... أمر في الطعم من الصبر
(9/194)

أنشد أحمد بن الطيب لأبي الخطاب الطائي:
قالوا تعشقتها سمراء قلت لهم ... لون الغوالي ولن المسك والعود
إني امرؤ ليس شأن البيض مرتفعاً ... عندي ولو خلت الدنيا من السود
آخر:
ألم تر أن المسك قدر حفينة ... بمال وأن الملح حمل بدرهم
قال أبو يوسف القاضي لابن نهيك: ما تقول في السواد؟ قال: النور في السواد، يعني: نور العين في سوادها.
نظر ابن أبي عتيق إلى جارية سوداء حالكة فقال: لو اقتسمتها الغواني خيلاناً لحظين بها.
شاعر يهجو فتى من بني هاشم:
أما أبو فهو من هاشم ... وأمه ذات حر عبل
مقرفة حصنها منجب ... فضاع فيها كرم الفحل
أنشد أحمد بن الطيب:
وما الناس إلا خادع ومخدع ... وصاحب إسهاب وآخر كاذب
كان أبو بكر الأصم وهشام بن الحكم صاحب الإمامية والتشبيه
(9/195)

يقولان في المسخ بالقلب ويقولان: جائز أن يقلب الله خردلة في عظم جبل من غير أن يزيد فيها جسماً أو عرضاً، أو ينقص منها جسماً أو عرضاً، والأجسام هي الأشياء ذات الطول والعرض والعمق، والأعراض صفاتها التي لا توجد إلا فيها ولو فارقتها لم تقم بأنفسها.
قال أحمد بن الطيب: وأما أنا فأقول: إن الله يمتحن بما شاء من شاء، كيف شاء، ومتى شاء، أين شاء، وليس لنا أن نقترح في شيء من محنة الزمان ولا المكان، ولا الممتحن، ولا صورة الممتحن، لأنه العالم بمصالحنا، القادر على تصريف أحوالنا، الذي يرفع بعضنا فوق بعض ليتخذ بعضنا بعضاً سخرياً، فالممتحن بالعلم والتمكن غير الممتحن بالنقص والتوهين، وليس لأحد على الله حجة، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وقال أبو العيناء، قال الأصمعي: دخل ابن سعية اليهودي على معاوية فأنشده:
ولكنما دهري رواق تحفه ... ثمانون ألفا من كمي ومعلم
يقودون قود الخيل أوتارها القنا ... إذا استمطروا جادت سماؤك بالدم
سأطلب مجداً ما حييت وسؤدداً ... بماء شبابي أو يولون مأتمي
(9/196)

فقال معاوية: لمن هذا؟ قال لأبي، فقال: نحن أحق بهذا من أبيك.
قال أحمد بن الطيب: قال صاحب كتاب الأخلاق في الحيلة لتقبيح الغضب عند سريع الغضب: إن الغضبان خارج الصورة عن الاعتدال أما تراه جاحظ العينين، بادي العروق، دار الأوداج، مضطرب الأوصال، مشوه البنية، مختلف الحركة، مكدود النفس، حار المزاج، مضطرم الحرارة، مدخول الروية، عامر الفكرة، ظاهر العجز، جاهلاً بقدر الحق.
قال أحمد: وإن قال آخر في مقابلة القول في وصف المغضب وتحسين الغضب عنده: أما ترى هذه الحمية، أم ترى حسن الوفاء، أما ترى الليث العادي، كذا والله يحمي الذمار، ويأنف الأحرار، ولهذا قيل، النار ولا العار، هذه والله عين النائم إذا استيقظت الغطارفة الذادة، عين الساكن إذا تحركت القادة، هذا والله كما قال جرير: لا أبتدي ولكن أعتدي وكما قال ابن أم كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وكما قال الجعدي:
ولا خير في حلم إذا مل تكن له ... بوادر تحمي صفوة أن يكدرا
قال عبد الله بن صفوان: ما يسرني بملابسة الأمور حمر النعم، قيل له: ولم ذاك؟ قال: لأن الأمر إذا غشيك فشخصت له تركك، وإذا تطأطأت له تخطاك.
(9/197)

وقال قيصر لقس: ما أفضل الحكمة؟ قال: معرفة الإنسان بقدره، قال: فما أكمل العقل؟ قال: وقوف الإنسان عند حلمه، قال: فما أوفر الحلم؟ قال: حلم الإنسان عند استماع شتمه، قال: فما أصوت المروءة. قال: استبقاء الإنسان ماء وجهه، قال: فما أكل المال؟ قال: ما أعطي الحق منه، قال: فما أحسن السخاء؟ قال: البذل قبل المسألة، قال: فما أنفع الأشياء؟ قال: تقوى الله وإخلاص العمل له، قال: فأي الملوك خيراً؟ قال: أقربهم من الحلم عند المقدرة، وأبعدهم من الجهل عند الغضب، ومن يرى أنه لايضبط ملكه إلا بالعدل بين رعيته.
قال بعض الحكماء: أفضل الحكماء من وهب له علم بلا وعي فاختار الصمت على الكلام إلا في موضعه.
وروى أن قساً دخل على هرقل ملك الروم أيضاً فقال: له أخبرني عما بلوت من الزمان وتصرفه، واختبرت من أخلاق أهله؟ قال: قد صحبنا الزمان فوجدناه صاحباً خواناً، ووجدنا الأنساب ليس بالآباء والأمهات ولكنها الأخلاق المحمودة، وفي ذلك أقول:
لقد حلبت الزمان أشطره ... ثم شربت الصريح من حلبي
(9/198)

فلم أر الفضل والتشرف في ... قول الفتى إنني من العرب
حتى ترى سامياً إلى خلق ... يزيد محموده على الحسب
ما ينفع المرء في فهاهته ... من عقل جد مضى وعقل أب
ما المرء إلا ابن نفسه فبها ... يعرف عند التحصيل في النسب
حتى إذا الدهر غال مهجته ... الفيته تربة من الترب
قال أحمد: وقد قال قس هذا، وأنا لا أقول كما قال، بل أقول إذا كان الفتى في بيت شرف ولم يكن له في نفسه فضيلة، كان شرفه زائداً في نقصه، وإذا كان الفتى في بيت نقص وكانت له فضيلة في نفسه، كان نقص أبيه زائداً في شرفه، ولكن التام الكامل، والشريف الراجح، والأديب الشريف، كما قال الأول: وابن السري إذا سرى أسراهما ومذهب قس العامري الذي يقول:
(9/199)

إني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المتلاف في كل موكب
فما سودتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسموا بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمقنب
وقال آخر:
وما الحسب الموروث لا در دره ... بمرتفع إلا بآخر مكتسب
إذا العود لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتده الناس في الحطب
وللمجد قوم ساوروه بأنفس ... كرام ولم يعلوا بأم ولا بأب
دعا أعرابي على آهر فقال: لا رشد قائده، ولا سعد رائده، ولا أورى قادحه، ولا أذكى رائحة، ولا أصاب غيثاً، ولا وافق إلا ليثاً.
بعض الكلام ينسب إلى علي رضي الله عنه، وهو بالمنسوب إليه أشبه.
قال أعرابي: جهل يكفي خير من أدب يحوج، ونقص يمثر خير من علم يخدع.
قال أعرابي: من غره السراب، تقطعت به الأسباب.
وقال أعرابي: لكل قضاء جالب، ولكل در حالب.
(9/200)

وقال أعرابي: عداوة ذي القرابة، كالنار في الغابة.
وقال أعرابي: لكل كلام وعاء، ولكل بذر مزرع.
وقال أعرابي: أي امرىء باشرته فلم ينتصح، وغلق سنيته فلم ينفتح.
وقال أعرابي: رب منع أكرم من عطاء، وشوك أمهد من وطاء.
وقال أعرابي: ليس كل طالب يصيب، ولا كل غائب يؤوب.
وقال أعرابي: إذا أوقدوا أشبوا، وإذا اصطنعوا أربوا.
وقال أعرابي: رحم الله فلاناً، كان يهتدي برأيه الصحب، ويستدل بناره الركب.
قال أحمد بن الطيب: وأنا أستحسن قول القائل: إن العزيز يزداد بالعفو عزاً، والذليل يزداد بالعفو ذلاً؛ وهذا شبيه بما يقوله جالينوس في طلاب الأدب وهو قوله: إن ابن الوضيع إذا كان أديباً كان نقص أبيه زائداً في فضله، وابن الشريف إذا كان غير أديب فشرف أبيه زائد في نقصه. والعلة في صحة هذا القول واضحة بينة، وذلك أن الشرف في الآباء دال على مكان
(9/201)

الأبناء، فإذا دل الشرف على ناقص في نفسه كان الشرف سبباً لوقوف الناس على عيوبه.
وفي الباب الآخر أن الناس فيما أتى من غير معدنه في غير منبته أشد كلفاً، ومنه أشد تعجباً، إذ كانت الأسباب دونه منقطعة، وحباله من الفضل منفصمة، فليس يخلص ابن الناقص إلى الزيادة والتقديم بنفسه إلا بنفس قوية، وهمه بعيدة، وعناية شريفة، فلذلك شهد الناس بالتقديم لشريف لو كان أديباً، لأن الممكن أهون مطلباً من المتعذر، والسهل أسهل مراماً من الوعر، فتكلف الصعب صعب، وتكلف الصعب في طلب الجميل أفضل أمراً ممن أتاه الفضل عفواً، إلا السعيد الفاضل والمقدم الكامل الشريف الأديب.
للنظام:
لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان كاسفة ... لا ذل ضعف ولكن ذل أحلام
وإن دعا الجار لبوا عند دعوته ... في النائبات بإسراج وإلجام
مستلئمين لهم عند الوغى زجل ... كأن أسيافهم أغرين بالهام
قال أعرابي: لايزال الوجه كريماً ما بقي حياؤه، والغصن نضيراً ما بقي لحاؤه.
(9/202)

قال أعرابي: الوجه المصون بالحياء، كالجوهر المكنون في الوعاء.
قال أعرابي: رونق صفحة الوجه عند الحياء، كفرند صفحة السيف عند الجلاء.
قال أعربي: ما المتبختر في وشي ردائه، بأحسن من المتقارب في قيد حيائه.
قال أعرابي: اشحذ بالعدل على الطاعة قلوب الأوداء، كما ترهف السيف لمقارعة الأعداء.
أنشد أحمد بن الطيب:
ولا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم
ولا تفحش وإن ملئت غيظاً ... على أحد فإن الفحش لوم
ولا تقطع أخاك لأجل ذنب ... فإن الذنب يغفره الكريم
وما قتل السفاهة مثل حلم ... يعود به على الجهل الحليم
إذا استودعت سراً فاكتمنه ... فخير زوامل السر الكتوم
قال أعرابي: فوت المعروف أيسر من مراس التسويف.
سمع أعرابي كلاماً فقال: هذا كلام لم يغتصب تعسفاً، ولم يقتضب تكلفاً.
قال أعرابي: الاستطالة عند النعمة طبع، وعند النكبة ضرع.
(9/203)

قال أعرابي: أنا أستغني بحفي لحظك عن جفي لفظك.
ذكر القدر في مجلس عمر بن عبد العزيز فقال من حضرة: فأعلمنا رأيك فيه، فقال: كما أن بوادي الخير من الله، فكذلك بوادي الشر منه، وقد سبق به علمه.
قدم البصرة أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد منهزماً من أبي فديك الحروري، فهاب وجوه أهلها تلقيه وقالوا: ما عسى أن نقول: الحمد لله الذي هزمك، أو الحمد لله الذي نجاك؟ ثم بلغهم أن خالد بن صفوان خرج يتلقاه، فخرجوا إليه ليشهدوا فضيحته، بزعمهم، وقالوا: ما تراه يقول له؟ فلما طلع قال له خالد: بارك الله لك أيها الأمير في مقدمك، والحمد لله الذي نظر لنا عليك، ولم ينظر لك علينا، فقد تعرضت للشهادة جهدك بخذلان من معك لك، فعلم الله فاقتنا إليك. فرجعوا وهم يقولون: لا يعييه كلام بعد هذا.
قال أعرابي: هو كالسيف إن مسست متنه كنت راضياً، وإن لمست حده كان ماضياً.
قال أعرابي: لكل توبة غرس، ولكل بناء أس، وعند كل مأتم عرس.
(9/204)

قال أعرابي لصاحب له: استظهر على الدهر بخفة الظهر.
قال أعرابي: زلة الجبان في التقصير، وزلة الشجاع في التغرير، وزلة البخيل في التقتير، وزلة السخي في التبذير.
قال أعرابي: هجين عاقل خير من هجان جاهل.
قال أعرابي: لا تبذل رفدك لمن لا يعرف حقك.
قال أعرابي: رب نطق صدع جمعاً، وسكوت شعب صدعاً.
قال أعرابي: رب حافظ مضيع.
قال أعرابي: هذا غنىً إلا أنه منىً وقال آخر: هذا غناء لولا أنه فناء، وعلاء لولا أنه بلاء، وبقاء لولا أنه شقاء.
قال أعرابي في كلام له: رملة حضنتني أحشاؤها، وأرضعتني أحساؤها.
(9/205)

قال أعرابي لصاحب له: قطعت أوصالي إذ صرمت وصالي.
وقال آخر: الجهل أخصب رحلاً، والأدب أكثر محلاً.
وقال آخر: ثوب السفيه قمل، وقلب الجاهل نغل.
وقال آخر: الدنيا منزل نقلة، ومحل مثلة.
وقال آخر: أما فلان فركوب للأهوال، وأما فلان فألوف للظلال.
لدعبل الخزاعي:
إذا غزونا فمغزانا بأنقرة ... وأهل سلمى بسيف البحر من جرت
هيهات هيهات بين المنزلين لقد ... أنضيت شوقي وقد أبعدت ملتفتي
جلت محلا بقطر الأرض منتبذاً ... تقصر الريح عنه كلما جرت
فما ينال بها الهيمان مورده ... إلا بنص وجذب العيس بالبرة
أحببت أهلي ولم أظلم بحبهم ... قالوا تعصبت جهلاً، قول ذي بهت
أحمي حماهم وأرمي في معارضهم ... وأستقلهم إذا ما رجلهم هوت
لهم لساني بتقريظي وممتدحي ... نعم، وقلبي وما تحويه مقدرتي
(9/206)

دعني أصل رحمي إن كنت قاطعها ... لابد للرحم الدنيا من الصلة
لولا العشائر ما رجيت عارفة ... ولا لحقت على الأيام من ترة
فاحفظ عشيرتك الأذنين إن لهم ... حقا يفرق بين الزوج والمرة
قومي بنو حمير والأسد أسرتهم ... وآل كندة والأحياء من علة
ثبت الحلوم فإن سلت حفائظهم ... سلو السيوف فأردوا كل ذي عنت
هم أثبت الناس أقداماً إذا بغتوا ... وقل ما تثبت الأقدام في البغت
كم نفسوا كرب مكروب وكم صبروا ... على الشدائد من لأواء فانجلت
كم عين ذي حول فقأت ناظرها ... وكم قطعت لأهل الغل من حمة
كم من عدو تحاماني وقد نشبت ... فيه المخالب يعدو عدو منفلت
لو عاش كبشا تميم ثمت استمعا ... شعري لماتا ومات الوغد ذو الرمة
وصار بالعدوة القصوى يؤرقه ... خوفي فبات وجاش القلب لم يبت
تقدمته بنات القلب طائرة ... خوفاً لضغم أبي شبلين منهرت
كالليث لو أزم الليث الهصور به ... ما غض طرفاً ولم يجزع ولم يصت
نفسي تنافسني في كل مكرمة ... إلى المعالي ولو خالفتها أبت
كم قد وطئت على أحشاء متعبة ... للنفس كانت طريق اللين والدعة
وكم زحمت طريق الموت معترضاً ... بالسيف صلتا فأداني إلى السعة
والجود يعلم أني منذ عاهدني ... ما خنته وقت ميسوري ومعسرتي
والضيف يعلم أني حين يطرقني ... ماضي الجنان على كفي ومقدرتي
أهوى هواه ويهوى ما أسر به ... ينال ما يشتهي والنفس ما اشتهت
ما يرحل الضيف عني غب ليلته ... إلا بزاد وتشييع ومعذرة
قال العواذل أودى المال قلت لهم ... ما بين أجر ألقاه ومحمدة
(9/207)

أفسدت مالك، قلت المال يفسدني ... إذا بخلت به والجود مصلحتي
أرزاق ربي لأقوام يقدرها ... من حيث شاء فيجريهن في هبتي
فليشكروا الله ما شكري بزائدهم ... وليحمدوه فإن الحمد ذو مقة
لا تعرضن بمزح لامرء سفه ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة
فرب قافية بالمزح جارية ... مشبوبة لم ترد إنماءها نمت
رد السلى مستتماً بعد قطعته ... كرد قافية من بعدما مضت
إني إذا قلت بيتاً مات قائلة ... ومن يقال له والبيت لم يمت
قال بعض شيوخ الطب: الطب ينقسم قسمين وهما: العلم، والعمل؛ قال: والعلم ثلاثة: علم الطبائع، وعلم الأسباب، وعلم العلامات.
وعلم الطبائع سبعة أقسام: على الأسطقسات، وعلم المزاج، وعلم الأخلاط، وعلم الأعضاء، وعلم القوى، وعلم الأفعال، وعلم الأرواح.
قال: والأسباب ثلاثة: البادية والسابقة والواصلة.
والعلامات ثلاث: الحاضرة والسالفة والآتية.
والاسطقسات أربعة: النار والهواء والماء والأرض؛ قال: والنار حارة يابسة، والهواء حار رطب، والماء بارد رطب، والأرض باردة يابسة.
والمزاج تسعة: واحد معتدل وثمانية غير معتدلة، وهذه الثمانية أربعة مفردة، وهي الحار والبارد والرطب واليابس، وأربعة مركبة وهي: الحار
(9/208)

اليابس، والحار الرطب، والبارد اليابس، والبارد الرطب.
والأخلاط أربعة: الدم والمرة الصفراء، والسوداء والبلغم؛ فالدم حار رطب، والمرة الصفراء حارة يابسة، والبلغم بارد رطب، والمرة السوداء باردة يابسة.
والأعضاء قسمان: بسيط ومركب؛ فالبسيط كالعظم والعصب والعروق، والمركب كالرأس واليدين والرجلين. ومن الأعضاء أعضاء رئيسة، وأعضاء مرؤوسة، وأعضاء ليست برئيسة ولا مرؤوسة؛ فالرئيسة أربعة: الدماغ والقلب والكبد والأنثيان؛ والمرؤوسة ما يخدم هذه الرئيسة، وذلك أن الدماغ يخدمه العصب، والقلب يخدمه الشرايين، والكبد يخدمه العروق، والانثيان يخدمهما أوعية المني؛ وما ليس برئيس ولا خادم كالعظام والغضاريف والشحم واللحم والأعضاء التي لها قوى رئيسة كالمعدة والكلى.
والقوى ثلاث: طبيعية ومسكنها الكبد، والقوى الطبيعية سبع: القوة الجاذبة، والقوة الممسكة، والقوة الهاضمة، والقوة المغيرة، والقوة الدافعة، والقوة المولدة، والقوة الغاذية؛ والقوى النفسانية ثلاث: القوة المحسنة، والقوة المدبرة، والقوة المحركة. فأما القوى المحسنة فهي الحواس الخمس: السمع والبصر والشم والمذاق واللمس؛ والقوى المدبرة ثلاث: الفكر، والوهم، والحفظ؛ والوهم في مقدم الدماغ، والفكر في وسطه، والحفظ في آخره؛ والقوة المحركة واحدة، وهي التي تكون عنها الحركة الإرادية، والانتقال من مكان إلى مكان.
والأفعال صنفان: أحدهما بسيط والآخر مركب؛ فالبسيط ما يكون من قوة واحدة كالجذب والإمساك؛ والمركب ما يكون بقوتين كالشهوة، فإنها تتم بقوتين: إحداهما جاذبة، والأخرى ممسكة، وكنفوذ الغذاء فإنه يتم بالقوة الجاذبة والدافعة.
والأرواح ثلاث: الروح الطبيعية التي تكون في الكبد، وتنفذ القوة
(9/209)

الطبيعية مع الغذاء في العروق إلى جميع الأعضاء؛ والثانية: الروح النفسانية التي تكون في الدماغ؛ والثالثة من الأرواح وأهمها التي تنفذ الحس والحركة في العصب إلى جميع الأعضاء.
فهذه أقسام الجزء الأول من قسمي الطب وهو العلم، وسيأتي على أثره بعد قسم العمل كلام رائق، وحكمة معشوقة، ولفظ مطرب، وبلاغة شريفة. وقد يقول العائب: أطلت هذا الفصل في الطب حتى كأن الكتاب نصب لهذا الغرض، أو أريد به هذا الباب؛ واعلم أن الأمر ليس كذلك، ولكن عن هذا الفصل ودل على حسن ونفع، فوجب في الرأي أن يصحب جميع الغرر التي تقدمته ليكون الكتاب آخذاً من كل أدب بنصيب.
سمعت الأنصاري يقول: إن الله تعالى جعل على كل كلمة حكمة، وعلى كل قول دليلاً وحجة، ومع كل دعوى برهاناً وبينة، وعند كل شبهة وقفة ومهلة، وفي كل نازلة نصاً أو علة، ولم يسقط شيئاً عن مرتبة البيان، كما لم يرفع أحداً مرتبة التبيين، فمن أحب أن يظفر بالحق فليطمع نفسه فيه، مع التجرد في الطلب، والتحقق بالغرض، ومفارقة العادة وما عليه المنشأ، ولا يأنس بتقليد العالم حتى يتبين كما يتبين العالم، ولا يستوحش من وحدته إذا عرف المطلوب من نفسه بكمال عقله مع وضوح حجته.
ويقال: ما الأسودان، والأبيضان، والأسوءان،
(9/210)

والأعجمان، والأذفران، والأربدان، والأنقصان، والأشهران، والأبخلان، والأكذبان، والأدفعان، والأوحيان، والأوقفان، والأعوران، والأنكدان، والأعذبان، والأقطعان، والأمنعان، والأقويان، والأنفسان، والأعليان، والأشبهان، والأشرفان، والأغرران، والأشنبان، والأهينان؟ وسيمر بك تفسير هذه المثاني مستقصى بعد أوراق يسيرة.
قال يحيى بن نصر: سمعت أبا حنيفة يقول: احتجت إلى ماء في البادية فجاء أعرابي ومعه قربة ماء ملأى فقلت: بكم تبيع؟ فقال: بخمسة، فما كسته فأبى النقصان، فدفعت الثمن إليه قم قلت: يا أعرابي هل لك في سويق طيب؟ قال: إي ورب الكعبة، فقدمته إليه في حفنة، فلما استوفى منه قال: اسقني شربة، قلت: والله لا شربتها إلا بخمسة، فما زال كذلك حتى اشترى مني شربة بخمسة، ففضل الماء عندي، وعادت الدراهم.
كان أبو سيف القاضي راكباً وغلامه يعدو وراءه، فقال له رجل: أتستحيل أن تعدي غلامك؟ لم لا تركبه؟ قال: أيجوز عندك أن أسلم غلامي مكارياً؟ قال: نعم، قال: فيعدو معي كما يعدو مع الحمار لو كان مكارياً.
قيل لربيعة بن أبي عبد الرحمن: ما رأس الزهادة؟ قال: جمع الأشياء من حلها ووضعها في مواضعها.
قال الأصمعي: دخلت البادية فرأيت أعرابية من أحسن الناس وجهاً تحت أقبح الناس وجهاً فقلت: يا هذه، أترضين أن تكوني تحت هذا؟
(9/211)

قالت: يا هذا، لبئس ما قلت، لعله أحسن فيما بينه وبين الله ربه فجعلني ثوابه، وأسأت فيما بيني وبين ربي فجعله عقوبتي، أفلا أرضى بما رضي الله تعالى لي؟ قال: فأسكتتني والله.
قال أبو حنيفة: إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله شيء أخذناه، وإذا جاء عن الصحابة تخيرنا، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم.
قال أبو معاذ: أهل الكوفة صاروا موالي لأبي حنيفة لأن الضحاك الحروري دخل الكوفة عنوة فجلس في الجامع فحكم بقتل الرجال وسبي الذراري، فخرج أبو حنيفة إليه بقميص ورداء فقال: أريد أن أكلمك بكلمة، قال: هات، قال: لأي شيء استحللت دخول هذه البلدة وترويع النساء والصبيان؟ قال: لأن القوم مرتدون، فقال أبو حنيفة: لم يزل كان هذا دينهم، أو كانوا على غير هذا؟ فقال: كيف قلت؟ أعد علي، فأعاد، فقال الضحاك: أخطأنا، أخطأنا، أغمدوا سيوفكم وارجعوا.
قال خارجة بن مصعب: دعا أبو جعفر أبا حنيفة إلى القضاء
(9/212)

فأبى فحبسه، ثم دعا به فقال له: أترغب عما نحن فيه؟ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، لا أصلح للقضاء، فقال: كذبت، فقال أبو حنيفة: قد حكم علي أمير المؤمنين بأني لا أصلح لأنه نسبني إلى الكذب، فإن كنت كاذباً فإني لا أصلح، وإن كنتُ صادقاً فقد قلت: إني لا أصلح، فرده إلى الحبس.
قال أبو يحيى الحماني: رأيت نجماً سقط فقيل: هذا أبو حنيفة، ثم سقط آخر فقيل: هذا سفيان، ثم سقط آخر فقيل: هذا مسعر، فمات أبو حنيفة ثم سفيان ثم مسعر.
قال عبد الله بن داود: كتب رجل كتاباً على لسان أبي حنيفة إلى والي جرجان فوصله بأربعة آلاف درهم، فقيل لأبي حنيفة فقال: إن كان ذاك مما ينفعكم فافعلوا.
كان أبو حنيفة يقول: ما صليت صلاة إلا وأنا أستغفر الله من تركي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكان أبو حنيفة يقول: ابن أبي ليلى استحل مني ما لا أستحل من سنور.
(9/213)

أسلم أبو حنيفة ابنه حماداً إلى المعلم فعلمه الحمد فوصله بخمسمائة درهم، فقال المعلم: إن هذا عظيم، فقال أبو حنيفة: يا هذا، ليس للقرآن عندك قدر؟! قال يزيد بن هارون: أدركت الناس فما رأيت أفضل ولا أعقل ولا أورع من أبي حنيفة.
قال محمد بن الحسن: قام أبو حنيفة ليلة بهذه الآية: " بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر " القمر: 46.
قال فيلسوف للإسكندر: أيها الملك، إني مررت بمصور فقلت: إنك قد أكثرت حلي هذه الجارية، فقال: نعم لم يمكني أن أجعلها حسنة فجعلتها غنية.
قال فيلسوف: الجمال الظاهر الحسن يقدر المصور أن يحكيه بالأصباغ، فأما الجمال الذي للأنفس فلا يمكن، لأنه للإنسان بالطبع.
قال الحسن بن وهب في مجلسه: لو ساعدنا الزمان لجاءت بنات - كذا كان اسمها، جمع بنت، وكانت جارية كاتب راشد - فما تكلم حتى دخلت فقال: ما أحسن ما قال في هذا ابن أبي أمية:
(9/214)

وفاجأتني والطرف نحوك شاخص ... وذكرك ما بين اللسان إلى القلب
فيا فرحة جاءت على إثر ترحة ... ويا غفلتي عنها وقد نزلت قربي
هذه رسالة أفادنيها أبو سليمان وزعم أنها لأرسطاطاليسن وقرأها بعض مشايخ الفلسفة فقال: هي من كلام بعض الملوك، ولا أقف منها على أكثر مما حكيت، ولولا جلالتها في نفسها ما سقتها ها هنا، قال:
أما بعد، فإن حقاً على المرء أن ينظر إلى محاسن الناس ومساوئهم، وموقعها منهم في منافعها ومضارها، فيلتمس المنافع لنفسه من مثل ما نفعهم، وينفي المضار عنها من مثل ما ضرهم، فيوظف للأمور وظائفها ويجعل بين طبقاتها حدوداً يزايل بينها، ثم يأخذ نفسه بتأديبها في إحياء علم ما يعلم من الأمور بالعمل، واستجلاب علم ما جهل منها بالتعليم، ثم لا يكون تأديبه لنفسه في غير وقت واحد ولا معلوم، فإنه واجد في كل حين من أحايين الدهر، وطبقة من طبقاته التي هو راكبها في كل حال من حالات نفسه التي تتحرك من ضروب النصب واللهو موضع تأديب وتقويم لها حتى لا يكون لأهل طبقة من الطبقات، رفيعة كانت أو وضيعة، عليه في طبقته التي يشاركهن فيها فضل، فإن امرءاً لا يلتمس أن يكون له فضل على طبقة من الطبقات إلا دعاه فضله
(9/215)

عليهم إلى الرغبة عنهم حتى يترقى في منزلته إلى مشاركة أهل المنزلة التي فوق منزلته، كأن طلب الراحة يذهب بالراحة ويورث النصب، وترك التأديب ضرر، وذو الضرر نصب عليل فقير، فمنهاج التأديب تيقظ المرء لطلب الأدب، ثم لا يمنعك عصيان النفس من إدامة تيقظها، فإن الحاجة إليها مع حبها للراحة سيحملها على طلب الراحة ببعض الطاعة، فإذا همت النفس ببعض الإجابة كان أول ما تؤخذ به إعطاء الدين حقه وإشعار النفس حظها، ثم الاستكثار من فوائد الإخوان، فإن كثرتهم تقيل العثرة، وتنشر المحمدة، وتعهد الإخوان بالملاطفة، فإن التارك متروك، ثم تعهد إخوان الإخوان، فإن إخوان الإخوان من الإخوان بمنزلة العلم المستدل به على الوفاء، ثم تعهد أهل المكاثرة المشبهين بالإخوان بالصبر عليهم، إما طمعا في تحويل ذلك عنهم صدقاً، وإما اتقاء كلمة فاجرة أتت من لفظ مائق، ثم تعهد الضعفاء على المسكنة وأهل الزمانة عند الضعف، والعقب عند الموت، ثم حسن التعاطي إن كان لك فضل بإسقاط المنة وإحراز الفضل، والسخط على نفسك في التقصير، ثم تعهد الملوك بالتقريظ والملازمة، فإن همتها في أنفسها الامتداح، وفي الناس الاستعباد، ثم تعهد النصحاء بالخلوة، فإن نصيبهم منك واستفادتك منهم في الخلوة، ثم تعهد الصلحاء بالمصافاة لتعرف بالخير وتتسم به، ثم تعهد الأكفاء بالمكارم فإنها تحسن العمل وتثمر الإخاء، ثم تعهد الحامد بتفتيش
(9/216)

الدخلة، ثم تعهد ضعفاء ذوي الرحم بالرحمة وأقويائهم بالتعليم، ثم تعهد الأعداء ذوي التنصل بالمغفرة، وذوي الاعتراف بالرأفة والرحمة، ثم تعهد الحساد بالمغايظة، وأهل البغي بالعزيمة، وأهل المشاتمة بالمحقرة، وأهل المواثبة بالوقار في الأمر في الشبهات بالكف، والمجهولات بالإرجاء، والواضحات بالعزيمة، والمستترات بالبحث، ثم إحياء العذر عند المداهنة، والتجميل عند الغيظ، والكظم عند الغضب، والوقار عند المستجهلات، ثم تعهد الجار بالرفق، والقرين بالمواساة، والصاحب بالمطاوعة، والزائر بالتحفة، ثم صحبة الملوك بكتمان السر، وتقريظ الأفعال، ثم قس بين خيار إخوانك وشرارهم، ثم انظر أي الفريقين تستجمع لك به مودتهم، فإن تشبهك بخيارهم يزيدك عند شرارهم نفاقاً، والسلام.
قال أعرابي في وصف قوم: ألحاظهم سهام، وألفاظهم سمام.
قال أعرابي: لاتنظر إلى صغر جرمه، وانظر إلى عظيم جرمه.
وقال آخر: قد يكدي الجاد ويكل الحاد قال أعرابي في وصف كلام: قد رعى الشيح، واستنشق تلك الريح.
قال أعرابي: من شاخ باخ.
(9/217)

قال أعرابي: علم الكلام في وجهه يلوح، ونشر الجود من ثوبه يفوح، والمجد يغدو معه ويروح.
وقال أعرابي: من كره النطاح، لم ينل النجاح.
آخر: الصبر مر، لا يتجرعه إلا حر.
قال ثعلب في المجالسات: أشرف عبد الملك على أصحابه وهم يذكرون سيرة عمر رضي الله عنه، فغاظه ذلك فقال: حسبكم من ذكر عمر فإنه إزراء بالولاة، ومفسدة للرعية.
قال ثعلب، قال ابن عائشة: قال قنيع النصري يهجو موسى ابن عمرو بن سعيد بن العاص:
كل بني العاصي حمدت عطاءهم ... وإني لموسى في العطاء للائم
وليس بمعط نائلاً وهو قاعد ... وحسبك من بخل امرئ وهو قائم
فإن يك من قوم كرام فإنه ... ذنابى أبت أن تستوي والقوادم
قال ثعلب، قال السدي: أتيت كربلاء أبيع البز بها، فعمل لنا شيخ من طيء طعاماً فتعشينا عنده، فذكرنا قتل الحسين بن علي رضي الله
(9/218)

عنهما، فقلنا: ما شرك أحد في قتله إلا مات بأسوأ ميتة، فقال: ما أكذبكم يا أهل العراق قال أنا ممن شرك في ذلك، فلم يبرح حتى دنا من المصباح وهو يتقد بفنط، فذهب ليخرج الفتيلة فأخذت النار في لحيته، فعدا وألقى نفسه في الماء، فرايته كالحممة من ساعته، لا رحمه الله.
قال ثعلب: فلج الرجل على خصمه يفلج فلجاً وفلوجاً.
قال ثعلب: نزلت بسحسحه، وعقوته، وعرصته، وعذرته، وعقاته، وعقاره، وعراقه وعيقته، وعراته، وعراه، وعرقانه، وحراه، ليس فيها شيء مهموز الألف.
قال ثعلب: سمع هشام بن عبد الملك زيد بن علي يقول: ما أحب أحد الحياة إلا ذل، قال: فخامة منذ سمع ذلك منه.
كان الحسين بن زيد يلقب ذا الدمعة وذلك لكثرة بكائه، فقيل له في ذلك فقال: وهل تركت النار والسهمان لي مضحكاً؟ يريد السهمين اللذين أصابا زيد بن علي ويحيى بن زيد بخراسان.
(9/219)

قال ثعلب: هو يتحوف مالي، أي يأخذ من أطرافه.
ويقال: ما في السماء طخاء وطحاء: هو الرقيق من الغيم.
قال أبو عبيدة: مخسول: مرذول؛ ويقال: حبج إذا ضرط؛ ويقال: احتمس الديكان واحتمشا إذا اقتتلا؛ ويقال: حمس الشر وحمش إذا اشتد؛ ويقال: جاحس في القتال وجاحش.
عن الأصمعي: وتنسمت منه علماً وتنشمت أي أخذت وأتيته بسدفة من الليل وشدفة، وهو السدف والشدف.
ويقال: رجل غديان وعشيان وصبحان وقيلان وغبقان، من الصبوح والقيل والغبوق.
قال ثعلب: قال معاوية لعتبة يوم الحكمين: يا أخي، أما ترى ابن عباس قد فتح عينيه ونشر أذنيه، ولو قدر أن يتكلم بهما فعل؟ وغفلة أصحابه مجبورة بيقظته، وهو رجلهم، وهي ساعتنا الطولى، فاكفنيه؛ قال: قلت: بجهدي؛ قال: فقعدت بجنبه، فلما أخذ القوم في الكلام أقبلت عليه
(9/220)

بالحديث، فقرع يدي وقال: ليست ساعة حديث، فأظهرت غضباً وقلت: يا ابن عباس، إن ثقتك بأحلامنا أسرعت بك إلى أعراضنا، وقد والله تقدم فيك العذر، وكثير من الصبر، قم أوزعته؛ فجاش به مرجله حتى ارتفعت أصواتنا، فأخذوا بأيدينا فنحوني عنه ونحوه عني؛ قال: فأتيت عمرو بن العاص فرماني بمؤخر عينه، أي ما صنعت؟ فقلت: كفيتك التقوالة، فحمحم كما تحمحم الفرس للشعير، وفات ابن عباس أول الكلام فكره أن يتكلم به في آخره.
قال ثعلب: مر رجل بأعرابية بالمناخ بالكوفة تمرض أخاً لها في شدة أصابتهم، ثم راح بالعشي فسأل عنه فقيل: دفناه، وإذا هي تأكل سويقاً معها قد خلطته باللبن، فقال لها الرجل: ما أسرع ما نسيت أخاك وأكلت، فقالت:
على كل حال يأكل المرء زاده ... على البؤس والضراء والحدثان
أنشد ثعلب:
(9/221)

ألا ذهب الشهاب المستنير ... ومدرهنا الكمي إذا نغير
ووهاب المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنق الصبور
ذهب إلى أن الحدثان والحوادث واحد.
قال: الحمولة: الإبل الكبار، والفرش: الصغار؛ وسمعت أبا حامد يقول: عيب على أبي علي الجبائي في كتابه في التفسير حين ذهب في الفرش إلى ما يفرش؛ وسمعت بعد من يقول: الكسائي قال ذلك، والناس على أن الفرش الصغار من الإبل.
قال ثعلب: قالت امرأة في ابنها:
ظني به له لو قد جثوا على الركب ... وابتدروا الحرب بحد وغضب
أن سوف يلفى إربة من الإرب الإربة: الداهية.
قال ثعلب: وقالت أخرى في ابنها:
لو ظمئ القوم فقالوا من فتى ... يحلف لا يردعه خوف الردى
(9/222)

فبعثوا سعداً إلى الماء سدى ... في ليلة بيانها مثل العمى
بغير دلو ورشاء لأستقى ... أمرد يهدي رأيه رأي اللحى
وقال ثعلب: الخبيئة ما خبأته، والبينة ما جعلته بين يديك وقال في قوله تعالى: " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب " النحل: 116، رده على الألسنة والكذب رد على ما قاله.
للحارث بن خالد:
لعمري لئن لم يجمع الله بيننا ... بما شاء لا نزداد إلا تماديا
أعد الليالي مذ نأيت ولم أكن ... بما نلت من عيشي أعد اللياليا
أخاف انقطاع العيش دون لقائكم ... بأرض ولو منيت نفسي الأمانيا
إذا ما بكى ذو الشجو أصغيت نحوه ... وآسيته بالشجو ما دام باكيا
قال أعرابي وقد سئل عن رجل فقال: إن ملك عسف، وإن أنفق أسف، وإن حدث جزف، وإن صافيته تكبر، وإن أظهرت له النصح أنكر، النظر إليه غيظ، والصبر عليه غصة، والفكر فيه حيرة، والقرب منه معرة.
(9/223)

قال العتبي: خرج النعمان بن المنذر متنزهاً إلى بادية له، فدعا بطعامه، فأقبل أعرابي يمشي مشي النعامة حتى قعد على السفرة، فجعل يلف العظم باللحم والقوم ينظرون إليه، فقال: لا ينظر إلينا من يشبع، فإن الجائع كالجشع، فقال: النعمان: ما اسمك؟ قال: أبيت اللعن، نعامة، قال: وأي اسم نعامة؟ قال: أبيت اللعن، إن الاسم علامة وليس بكرامة، ولو كان ذلك كذلك لاشترك الناس في اسم واحد.
قيل لعيسى بن مريم عليه السلام: ألا تتزوج؟ قال: وما أصنع بزوجة تموت؟ قيل: أفلا تنبي؟ قال على طريق السبيل أبني.
لما زوج شبيب بن شبية ابنه قصده الناس وقالوا: اليوم يهب هبوبه، فما زاد على أن حمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: أما بعد، فإن المعرفة منا ومنكم وبنا وبكم تمنعنا من الإكثار، وإن فلاناً ذكر فلانة.
قال العتبي: قدم أبو علاثة على طلحة بن عبد الله بن خلف وهو صاحب سجستان، فقال: أرثيت أبي؟ قال: نعم، وأنشده:
ألم يأت فتيان السماحة أنني ... عقرت على قبر الجواد جوادي
فما زاد شيئاً عقره إذ عقرته ... سوى أنني منه شفيت فؤادي
(9/224)

قال: أو فعلت ذلك؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: كان أعجف، قال: لو فعلت لأعطيتك عطية لم يأخذها شاعر قط، ولكن لا أخيبك، فأعطاه اثني عشر ألفاً.
كاتب: أنا في ثوب المسرة أرفل، ونجم الوحشة مني آفل.
قال المأمون لطاهر: صف لي عبد الله ابنك؟ قال: إن مدحته هجوته، وإن هجوته ظلمته، ولد الناس ابناً وولدت والدت، يحسن ما أحسن ولا أحسن ما يحسن.
قال العتبي: طلب ابن عم لي الولد بعد نيف وتسعين سنة، فقلت له في ذلك فقال: سبقته باليتم قبل أن يسبقني بالعقوق.
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله لرجل، ورأى معه صبياً: من هذا؟ قال: ابني، قال: أمتعك الله به، أما إني لو قلت لك: بارك الله لك فيه قدمته.
قال ابن الأعرابي: بنات الليل أهواله، والصبر عليه وعلى سراه وشدة الطلب فيه.
(9/225)

قال المأمون: لم أر أشجى من مرتجز بحدو، ومرتجل يشدو.
نظر بعض السلف إلى رجل يسب آخر في كلام جرى بينهما فقال: يا هذا تملي على حافظيك كتاباً، فانظر ما تقول.
هذا آخر الجزء التاسع وسنتبعه بالعاشر على ما يعز ويهون، وعلى الله تعالى المعونة فيما أوجب المنة، ونفى الظنة، فقد والله برمت بهذا الكتاب لسوء التأتي في النقل، وقلة الإصابة عند الرواية؛ نعم، ولحال قد وقفت على مدرجة الناس، بين قوم إن بسطت حديثهم، وذكرت خبيثهم، وما يضمرونه ويظهرونه من سوء النيات، وخبث الطويات، والمطالبة لأهل الفضل بالأوتار، وصدودهم عن الأحرار، كنت مجانياً للأدب المرضي، والعادة الحسنة، وإنما أقول هذا لأني قد عدمت من أهل زماني رئيساً يرغب في المكارم، ويتشوف إلى المحامد، ويرى اصطناع الجميل كنزاً، والإحسان إلى الأحرار ذخراً، ويتبجح بالكرم، ويباهي بالمعروف، ويأخذ بالفضل الذي هو به أشكل، وهو منه أجمل، وبه أليق، فيعينني على تمام الكتاب، رغبة في الذكر، وتوخياً للثواب، والسلام.
والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلم تسليماً.
(9/226)