Advertisement

البيان والتبيين 001


الكتاب: البيان والتبيين
المؤلف: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255هـ)
الناشر: دار ومكتبة الهلال، بيروت
عام النشر: 1423 هـ
عدد الأجزاء: 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الجزء الاول
مقدمة عامة
كتاب البيان والتبيين من أضخم مؤلفات الجاحظ، وهو يلي كتاب الحيوان من حيث الحجم ويربو على سائر كتبه. وإذا كان كتاب الحيوان يعالج موضوعا علميا فإن كتاب البيان والتبيين ينصب على معالجة موضوع أدبي. ولكن الجاحظ في هذين الكتابين، شأنه في جميع كتبه، ينحو منحى فلسفيا. فهو لا يقتصر في كتاب الحيوان على أخبار الحيوانات وخصالها وطباعها، بل يتطرق إلى موضوعات فلسفية كالكمون والتولد، والجواهر والأعراض، والجزء الذي لا يتجزأ، والمجوسية والدهرية الخ. وفي كتاب البيان والتبيين لا يكتفي بعرض منتخبات أدبية من خطب ورسائل وأحاديث وأشعار، بل يحاول وضع أسس علم البيان وفلسفة اللغة.
إن إبراز هذه الناحية الفلسفية في آثار الجاحظ هو الذي حداني على تأليف كتاب «المناحي الفلسفية عند الجاحظ» ، وإعادة النظر في رسائله العديدة وإخراجها في طبعة جديدة تضمها جميعا، وتمتاز بتبويب دقيق ومقدمات وشروحات وافية. وهو الذي يحفزني الآن على إعادة طبع كتاب البيان والتبيين. لقد طبع هذا الأثر الثمين مرارا، وخير تلك الطبعات تم على يدي
(1/5)

حسن السندوبي، وعبد السلام هارون. وقد بذلا مشكورين جهدا في التحقيق والشرح والفهرسة. ولكنهما أغفلا ناحيتين هما المنحى الفلسفي والتبويب. أما المنحى الفلسفي فسأعالجه في المقدمة والشرح. وأما التبويب فأعني به تجزئة الكتاب ووضع عناوين لموضوعاته وفقره. إن العناوين التي نلفيها في الطبعات السابقة قاصرة، ولا تنطبق في معظمها على الموضوعات التي يدور حولها الكلام، وهي على الأرجح من وضع النساخ الذين قبسوها من بداية الفقر.
وأما تجزئة الكتاب فلم يقطع بها بشكل نهائي ومنطقي. لقد قسمه السندوبي ثلاثة أجزاء، وقسمه عبد السلام هارون أربعة وترجح بين تقسيم المؤلف، وتقسيم المصنف، ويعنى به الناسخ أحمد بن سلامة بن سالم المعري، الذي فرغ من عمله سنة ثلاث وثمانين وستماية هجرية، فأثبت الاثنين معا: فالجزء الثاني ذو بدايتين، بداية أولى حسب تجزئة المؤلف أي الجاحظ، وبداية ثانية حسب تجزئة المصنف، وبينهما 207 صفحات فقط. أما الجزء الثالث فقد اتفق المؤلف والمصنف والمحقق في بدايته ولكن المحقق انفرد عنهما بأن اجتزأ نحو مائة صفحة من آخره وجعلها جزءا رابعا مع الفهارس.
والواقع أن الجاحظ جعل الكتاب في ثلاثة أجزاء، والدليل على ذلك أنه ابتدأ كلا من الجزء الثاني والثالث بعبارة تعلن بدايته وانتهاء سابقه. فالجزء الثاني يبدأ بالعبارة التالية: «أردنا أبقاك الله أن نبتدئ صدر هذا الجزء الثاني من البيان والتبيين بالرد على الشعوبية في طعنهم على خطباء العرب وملوكهم ... » .
وفي مطلع الجزء الثالث نلفي العبارة التالية المماثلة: «هذا أبقاك الله الجزء الثالث من القول في البيان والتبيين ... » . ولقد اعتمدنا على هذا الدليل الواضح والتزمنا بتجزئة المؤلف وقسمنا الكتاب ثلاثة أجزاء.
ويعني الجاحظ بالبيان الدلالة على المعنى، وبالتبيين الإيضاح. وقد عرف الكتاب خير تعريف بقوله الوارد في مطلع الجزء الثالث: «هذا أبقاك الله
(1/6)

الجزء الثالث من القول في البيان والتبيين، وما شابه ذلك من غرر الأحاديث، وشاكله من عيون الخطب، ومن الفقر المستحسنة، والنتف المستخرجة، والمقطعات المتخيرة، وبعض ما يجوز في ذلك من أشعار المذاكرة والجوابات المنتخبة» .
وهكذا نلفي في كل جزء من أجزاء الكتاب الثلاثة بحثا في البيان والتبيين، ومجموعات من الأحاديث والخطب والمقطعات والجوابات والأشعار.
ولقد التزم الجاحظ هذا التصميم وقصد إليه قصدا ليجنب القارىء الملل أو السأم بتنويع الموضوعات. وقد عبّر عن ذلك بقوله: «وجه التدبير في الكتاب إذا طال أن يداوي مؤلفه نشاط القارىء له، ويسوقه إلى حظه بالاحتيال له، فمن ذلك أن يخرجه من شيء إلى شيء ومن باب إلى باب، بعد أن لا يخرجه من ذلك الفن، ومن جمهور ذلك العلم» «1» .
بهذا برر الجاحظ طرقه الموضوعات ذاتها في كل جزء من أجزاء الكتاب. فموضوع علم البيان وفلسفة اللغة توزع على الأجزاء الثلاثة: في الجزء الأول تحدث عن مفهوم البيان وأنواعه، وآفات اللسان، والبلاغة والفصاحة. وفي الجزء الثاني تحدث عن الخطابة وطبقات الشعراء. وفي الجزء الثالث تكلم على أصل اللغة وقيمة الشعر. وفي كل جزء من الأجزاء الثلاثة أورد أبو عثمان منتخبات من كلام الأبيناء، خطبا ومقطعات وأحاديث ورسائل وأشعارا، نسبها إلى مختلف طبقات الناس: عقلاء وحمقى، نساك ومتهتكين، أعراب ومتحضرين، رؤساء وسوقة. وإذا سئل الجاحظ: لم لم تجمع كلامك على البيان وفلسفة اللغة في مكان واحد من الكتاب؟ ولم لم تضم أخبار الزهاد والنساك وأقوالهم في باب واحد ولم وزعت أخبار النوكى وأقوالهم على الأجزاء الثلاثة، ولم عدت إلى الكلام على الخطابة والخطباء مرارا وبعثرت خطبهم هنا وهناك الخ ردد صاحبنا الجواب ذاته واعتل بالعلة ذاتها.
(1/7)

ألّف الجاحظ كتاب البيان والتبيين (القسم الأول منه) في الفترة التي اتصل فيها بالقاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي النزعة (بعد 232 هـ) ونال عليه جائزة سنية تبلغ خمسة آلاف دينار، وأتمه بعد انتقاله إلى البصرة عند ما طعن في السن «1» . وقد شرع بتأليفه بعد كتاب الحيوان كما يتضح من كلام الجاحظ ذاته حيث يقول: «كانت العادة في كتاب الحيوان أن أجعل في كل مصحف من مصاحفه عشر ورقات من مقطعات الأعراب ونوادر الأشعار لما ذكرت عجبك بذلك فأحببت أن يكون حظ هذا الكتاب من ذلك أوفر إن شاء الله» «2» .
ويلاحظ أن الجاحظ تناول موضوع البيان في مقدمة الحيوان والجزء الأول من البيان والتبيين مرددا الأفكار ذاتها، وإذا كانت مقدمة «الحيوان» كتبت بعد الفراغ من تأليفه فهل يعني ذلك أنه طرق الموضوع على عجل في مقدمة «الحيوان» ثم استأنف التوسع فيه في «البيان والتبيين» ؟.
مهما كان من أمر فقد جاء كتاب البيان والتبيين استجابة لاهتمام العرب في ذلك العصر بصناعة الكلام لأن الكلام هو الوسيلة المثلى لنشر المبادىء السياسية والعقائد الدينية في زمن كثرت المذاهب واشتد الصراع بين زعمائها واحتدم الجدل بين أنصارها. فمست الحاجة إلى التمرس بالخطابة والمناظرة وإلى وضع أصول لها تتعلم أو يرجع إليها. وقد أشار الجاحظ إلى النشاط الذي بدأ يبذل في تعليم أسس الخطابة حيث يقول: «مرّ بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني الخطيب، وهو يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر، فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلا في النظارة، فقال بشر:
اضربوا عما قال صفحا واطووا عنه كشحا، ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه» «3» . كما أشار إلى حاجة المتكلم الماسة إلى البيان لأنه مضطر
(1/8)

للاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال ومن الخطب الطوال «1» .
وقد يخطر على الذهن افتراض آخر وهو محاكاة الجاحظ أرسطو في معالجة هذا الموضوع. لقد بحث أرسطو في الحيوان فجاء الجاحظ يطرق الموضوع ذاته، وبحث أرسطو في الخطابة وفي الشعر، فهل أراد الجاحظ معارضته في هذا المضمار أيضا؟ من الثابت أن كلا الرجلين بحثا الموضوع ذاته، ولكن الخلاف بينهما في الآراء والمنهج كبير. ولم يكن الجاحظ من المعجبين بأرسطو، وقد انتقده مرارا في كتاب الحيوان وفي كتاب الحيوان وفي كتاب البيان والتبيين. لنسمعه يقول عن أرسطو: «ولليونان فلسفة وصناعة منطق، وكان صاحب المنطق نفسه بكيء اللسان غير موصوف بالبيان مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه وبخصائصه ... » . أضف إلى ذلك أنه لم يذكر أنه اطلع على كتاب الخطابة لأرسطو أو على كتاب الشعر، بينما ذكر كتاب الحيوان لأرسطو مرارا عديدة.
لقد تكلم الجاحظ على صفات الخطيب مثل أرسطو ولكنه اهتم على عكس أرسطو بظاهره ولم يحفل بباطنه وأخلاقه. ورأى أن أهم صفات الخطيب جهارة الصوت وسعة الفم ورباطة الجأش وسكون الجوارح وقلة اللحظ، وأبشع عيوبه العي أو الحصر ثم اللثغة واللحن واللكنة والتشديق والتقعيب والتزيد.
وتحدث على غرار أرسطو عن أنواع الخطب ولكنه لم يتعمق في ذلك كأرسطو واكتفى بذكر بعضها دون توقف مثل خطبة المحافل، وخطبة النكاح، وخطبة الوعظ.
وبحث في بناء الخطبة كأرسطو، ولكنه اقتصر على الناحية الفنية ولم يحفل بالناحية الفكرية. فلاحظ أن الخطبة تكون طويلة أو قصيرة، وتبدأ بالتحميد والتمجيد وإلا عدت بتراء، وتوشح بآي القرآن وإلا سميت شوهاء.
(1/9)

وأسهب في الكلام على شرط البلاغة في الخطبة وهي تعني إبلاغ المعنى إلى السامع بكلام واضح فصيح موافق لمقتضى الحال.
بيد أن الجاحظ طرق ناحية لم يحفل بها أرسطو هي الموازنة بين الموهبة الخطابية عند مختلف الأمم. وقد رأى أن العرب أخطب الأمم قاطبة لحضور بديهتهم وزرابة لسانهم وفطرتهم المطبوعة.
وتنبه إلى مكانة الخطيب الخطيرة التي بدأت ترتفع منذ العصر الأموي بينما أخذت مكانة الشاعر تنحط. وعزا سبب ذلك إلى اتخاذ الشعر مطية للتكسب وإلى تعاظم شأن الخطابة للحاجة إليها ولمعالجتها أمورا سياسية ودينية خطيرة. وأوضح رأيه بقوله: «كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد عليهم مآثرهم ويضخم شأنهم ويهول على عدوهم ومن غزاهم، ويهيب في فرسانهم ويخوف من كثرة عددهم ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا إلى السوقة وتسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر ... » «1» .
وثمة سبب آخر دعا المتكلمين إلى الاهتمام بعلم البيان واللغة العربية لأن اللغة العربية لغة القرآن الذي ينطوي على الوحي والشريعه وعليه مدار أبحاثهم، وعلى قدر تضلعهم منها يكون إدراكهم لمعاني القرآن وتمكنهم من تأويل آياته وقد عبر الجاحظ عن هذه الناحية بقوله: «فللعرب أمثال وانتقادات وأبنية، وموضع كلام يدل عندهم على معانيهم وإرادتهم. ولتلك الألفاظ مواضع أخر ولها حينئذ دلالات أخر. فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب والسنة والشاهد والمثل، فإذا نظر في الكلام وفي ضروب من العلم وليس هو من أهل هذا الشأن هلك وأهلك» «2» .
(1/10)

ونستطيع إضافة سبب آخر حمل الجاحظ على وضع «البيان والتبيين» هو الرد على الشعوبية التي طعنت في بلاغة العرب وموهبتهم الخطابية. وقد كرس لهذه الغاية قسما لا بأس به من الكتاب (باب العصا في الجزء الثالث) .
ويمكننا القول إن كتاب البيان والتبيين أقدم وأهم محاولة لدراسة علم البيان وفلسفة اللغة. ويعتبر الجاحظ رائدا في هذا المضمار لمن جاء بعده أمثال ابن فارس وابن جني والسيوطي. وقد سبق فرديناد دي سوسر إلى القول بأن فقه اللغة يجب أن يكون فرعا من علم أوسع يشتمل على مختلف أنواع الدلالات سماه الجاحظ علم البيان حيث يقول: «والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته ويهجم على محصوله، كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التي يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام. فبأي شيء بلغت الأفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع» «1» .
وقد حصر الجاحظ أنواع البيان بخمسة لا تزيد ولا تنقص هي اللفظ والإشارة والعقد والخط والحال.
وهو يعتبر الإشارة بالجوارح كاليد والطرف والحاجب مرفقا كبيرا يعين الناس في أمور يحاولون سترها عن البعض دون البعض. ولولاها لم يستطيعوا التفاهم في معنى خاص الخاص «2» .
أما الخط أو الكتابة فهو وسيلة التبيين في الكتب، ونقل المعرفة عبر الزمان والمكان، ولولاه لا ندثر العلم. ومن ثم كانت أهمية الكتب وأفضليتها لأن الكتاب يدرس في كل زمان ومكان بينما لا يعدو اللسان سامعه «3» .
(1/11)

ولا يقل الحساب أهمية عن الخط، وبه تعرف منازل القمر والشمس والنجوم وعدد السنين والأيام الخ.
أما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ والمشيرة بغير اليد. وذلك ظاهر في خلق السماوات والأرض، وفي كل صامت وناطق وجامد ونام ومقيم وظاعن وزائد وناقص. فالدلالة التي في الموات الجامد كالدلالة التي في الحيوان الناطق، فالصامت ناطق من جهة الدلالة، والعجماء معربة من جهة البرهان» «1» .
بقي اللفظ، أهم وسائل البيان، وقد تحدث عنه الجاحظ بإسهاب ودرسه دراسة عميقة شاملة.
وقوام اللفظ الصوت، فكل لفظة تتألف من مجموعة مقاطع، وكل مقطع يتألف من مجموعة حروف، وكل حرف عبارة عن صوت. والصوت ينتج عن حركات اللسان في الفم. يقول الجاحظ موضحا ذلك: «والصوت هو آلة اللفظ والجوهر الذي يقوم به التقطيع وبه يوجد التأليف، ولن تكون حركات اللسان لفظا ولا كلاما موزونا أو منشورا إلا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع والتأليف» «2» .
ويعتني الجاحظ بملاحظة العلل التي تعتري البيان وأهمها الحبسة واللثغة واللكنة واللحن.
والحبسة عقدة تصيب اللسان فلا يستطيع المرء النطق بسهولة، ويثقل عليه الكلام، فينتج عن ذلك عدم القدرة على التعبير جيدا عن أفكاره وإفهام الآخرين. وكان موسى يعاني من هذه العقدة فسأل الله حين بعثه إلى فرعون بإبلاغ رسالته أن يحل تلك العقدة التي كانت في لسانه أو الحبسة التي كانت في بيانه «3» .
(1/12)

أما اللثغة فأكثر شيوعا وأقبح مظهرا، وتقوم بإبدال حرف بحرف آخر، وقد أحصى الجاحظ الحروف التي تدخلها اللثغة فوجدها أربعة هي القاف والسين واللام والراء. فاللثغة التي تعرض للقاف يجعل صاحبها القاف طاء فيقول طلت بدل قلت. واللثغة التي تعرض للسين يجعل صاحبها السين ثاء، فيقول: أبو يكثوم بدل أبي يكسوم، ويقول بثم الله بدل باسم الله. أما اللثغة التي تقع في اللام، فيجعل بعض أصحابها اللام ياء ويقول اعتييت بدل اعتللت، وجمي بدل جمل. ويجعل بعضهم الآخر اللام كافا فيقول مكعكة في هذا بدل ما العلة في هذا. وأما اللثغة التي تقع في الراء فتتم بأربعة أحرف هي الياء والغين والذال والطاء. ويقول أصحابها عمي بدل عمرو، أو يقول عمغ بدل عمرو، أو يقول مذة بدل مرة، أو يقول مظة بدل مرة «1» .
واللكنة هي إدخال حروف العجم في حروف العرب. وهي علة تقع للأعاجم الذين يتكلمون العربية. فالنبطي الذي نشأ في سواد الكوفة مثلا قد يتكلم العربية المعروفة ويتخير ألفاظه وتجود معانيه، ومع ذلك يعلم السامع لكلامه ومخارج حروفه أنه نبطي، وكذلك الخراساني والأهوازي. والسندي الذي تعلم العربية كبيرا يجعل الجيم زايا، والنبطي يجعل الزاي سينا فيقول سورق بدل زورق، ويجعل العين همزة. وهذه اللثغة التي تعتري الأعاجم تختلف عن اللثغة التي تعتري الصبيان أو الشيوخ ومن ينشأ من العرب مع العجم. وأهم مظاهر هذه اللكنة أبدل السين شيئا والطاء تاء والحاء هاء. «قال فيل مولى زياد لسيده مرة «اهدوا لنا همار وهش» يريد حمار وحش، فقال زياد: ما تقول ويلك! قال: اهدوا إلينا أيرا، يريد عيرا، فقال زياد: الأول أهون، وفهم ما أراد» «2» .
ومن علل اللسان التمتمة والفأفأة واللفف واللجلجة والحكلة. والتمتام هو الذي يتعتع في التاء، والفأفاء هو الذي يتعتع في الفاء، والألف هو الذي
(1/13)

يدخل بعض كلامه في بعض، واللجلاج هو الذي يبطىء في كلامه وينقص منه. وذو الحكلة هو الذي لا يبين كلامه ويعجز عن اللفظ حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال «1» .
أما اللحن فهو الخطأ في تحريك حروف الكلمة من ضم وكسر وفتح وسكون. وقد شاع اللحن في العصر العباسي بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب الأعجمية التي أرادت أن تتكلم العربية فلم تستطع المحافظة على سلامتها من الخطأ في اللفظ والحركات. وقد أورد الجاحظ أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة اللغوية. يقول: «قال بشر بن مروان، وعنده عمر بن عبد العزيز لغلام له: ادع لي صالحا. فقال الغلام: يا صالحا. فقال له بشر: الق منها ألف. قال له عمر: وأنت فزد في الفك ألفا» «2» .
ولم يقتصر اللحن على الأعاجم الذين تكلموا العربية ولا على المدن التي كثر فيها الاختلاط بين العرب والأعاجم، بل فشا بين العرب الأقحاح وبين أهل الأمصار التي تعتبر معقل العربية مثل المدينة «ثم اعلم أن أقبح اللحن لحن أصحاب التقعير والتقعيب والتشديق والتمطيط والجهورة والتفخيم، وأقبح من ذلك لحن الأعاريب النازلين على طرق السابلة، وبقرب مجامع الأسواق.
ولأهل المدينة ألسن ذلقة، وألفاظ حسنة وعبارة جيدة، واللحن في عوامهم فاش، وعلى من لم ينظر في النحو منهم غالب» «3» .
لم يكتف الجاحظ بملاحظة وجوه الخطأ التي تقع في اللفظ بل راح يبحث، بفضوله العلمي، عن علاقتها باللسان والأسنان والتنفس والشفاه التي تشترك في إخراج الحروف معتمدا على السماع والملاحظة والتجربة.
فالشفة الفلحاء أو العلماء تؤثر في حسن التلفظ، يقول الجاحظ مشيرا إلى ذلك «وقال عمر بن الخطاب رحمه الله في سهيل بن عمرو الخطيب: يا
(1/14)

رسول الله، انزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا، وإنما قال ذلك لأن سهيلا كان أعلم من شفته السفلى» «1» .
وأثر الأسنان في البيان أوضح وأقوى، فسقوط بعض الثنايا يشوه اللفظ وخير من سقوطها جميعا إذا استحال وجودها جميعا. وتدل الملاحظة والتجربة «على أن سقوط جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف، منه إذا سقط أكثرها، وخالف أحد شطريها الشطر الآخر، وقد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس بعد أن سقطت جميع أسنانهم وبعد أن بقي منها الثلث أو الربع» «2» .
أما اللسان فهو آلة الكلام الرئيسية، وكلما كان سليما جاء اللفظ صحيحا، وكلما ازداد حجمه بحيث يصك جوانب الفم ويملأه لم يترك خلاء لمرور الهواء كان أوفى بالغاية. وفي هذا الرأي يوافق الجاحظ الفيلسوف اليوناني أرسطو، ويطبق ذلك على الإنسان والحيوان. يقول الجاحظ: «وقال أهل التجربة، إذا كانت في اللحم الذي في مغارز الأسنان تشمير وقصر سمك ذهبت الحروف وفسد البيان، وإذا وجد اللسان من جميع جهاته شيئا يقرعه ويصكه، ولم يمر في هواء واسع المجال وكان لسانه يملأ جوبه فمه، لم يضره سقوط أسنانه إلا بالمقدار المغتفر، والجزء المحتمل. ويؤكد ذلك قول صاحب المنطق، فإنه زعم في كتاب الحيوان أن الطائر والسبع والبهيمة كلما كان لسان الواحد منها أعرض كان أفصح وأبين وأحكى لما يلقن ولما يسمع كنحو الببغاء والغداف وغراب البين وما أشبه ذلك ... » «3» .
ويقسم الجاحظ اللفظ إلى طبقات كما ينقسم الناس أنفسهم إلى طبقات فمنه الجذل والسخيف، ومنه المليح والحسن، ومنه القبيح والسمج،
(1/15)

والخفيف والثقيل. ومن حيث الفصاحة يوجد ثلاث مراتب: الغريب الوحشي، والفصيح، والسوقي المبتذل. وخيرها اللفظ الفصيح الذي يقع وسطا بين الغريب الوحشي والسوقي المبتذل «وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا وساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فإن الوحشي من المتكلم يفهمه الوحشي من الناس كما يفهم السوقي رطانة السوقي ... » «1» .
ومن صفات اللفظ الفصيح توافق الحروف ضمن الكلمة الواحدة. وقد لاحظ أبو عثمان أن في العربية حروفا لا تجتمع، فالجيم لا تقارن الطاء ولا القاف ولا الغين في تقديم أو تأخير، والزاي لا تقارن الطاء أو السين أو الضاد أو الدال بتقديم أو تأخير «2» .
وتقتضي الفصاحة أيضا عدم تنافر الكلمات ضمن الجملة الواحدة. وإذا تنافرت الألفاظ صعب النطق بها وبدت غير متلائمة وغير متوافقة. من ذلك قول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
وقد ظن البعض لجهلهم بعلم البلاغة أن هذا البيت من أشعار الجن لأن المرء لا يستطيع إنشاده ثلاث مرات في نسق واحد دون أن يتعتع أو يتلجلج «3» .
ومقياس الفصاحة في نظر الجاحظ القرآن وكلام الأعراب، إذ فيهما تحققت الفصاحة بأعلى مستوياتها، فاعتبرا المثال الأعلى للكلام الفصيح.
فكل كلام أشبههما عدّ فصيحا، وكل كلام اختلف عنهما نأى عن الفصاحة.
يقول الجاحظ مشيرا إلى ذلك: «قال أهل مكة لمحمد بن مناذر الشاعر:
(1/16)

ليست الفصاحة لكم معاشر أهل البصرة لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة. قال ابن مناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن وأكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم» «1» ويفهم من هذا أن الحكم في الخلاف بين فصاحة لغة أهل مكة والبصرة إنما هو القرآن. وكذلك الحال بالنسبة إلى لغة أهل البادية التي اعتبرت مرجعا في الفصاحة «وشأن عبد قيس عجب، وذلك أنهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين: ففرقة وقعت في عثمان وشق عمان، وهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين وهم أشعر قبيل العرب، ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي معدن الفصاحة.
وهذا عجب» «2» .
بعد دراسة اللفظ المفرد نصل مع الجاحظ إلى اللفظ المركب، ونلج باب البلاغة وقد استعرض صاحبنا مختلف التعريفات التي أعطيت للبلاغة، وقارن بين مفاهيمها عند الفرس والهنود واليونان والعرب. وفي ذلك دليل على شمول ثقافته وبعد نظرته. وقد استقى مفهوم البلاغة عند الفرس من معاصره الفارسي الأصل سهل بن هارون، واستقى مفهومها عند الهند من صحيفة بهلة الهندي معاصره أيضا، وأخذ مفهومها عند العرب عن صحار بن عباش العبدي في كلام له مع معاوية الذي سأله عن البلاغة فقال: الإيجاز. والإيجاز يعني الإجابة دون خطأ أو إبطاء. كما استشهد عليها بقول بعض الأعراب الذي سئل عن البلاغة فقال: الإيجاز في غير عجز والإطناب في غير خطل «3» . ويفضل الجاحظ التعريف التالي للبلاغة: «وقال بعضهم- وهو أحسن ما اجتبيناه ودوناه- لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك» «4» . ومعنى ذلك أن الكلام
(1/17)

البليغ هو الكلام الذي يبلغ المعاني التي في رأس المتكلم إلى عقل السامع.
ولا يتأتى له ذلك إلا إذا كان واضحا وعلى أقدار المعاني. وبذا يخالف الجاحظ مفهوم البلاغة السائد أي الإيجاز. إن الكلام البليغ ليس هو الكلام الموجز وليس الكلام المسهب بل الكلام المساوي للمعاني «وإنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها، والمعاني المصغرة البائنة بصورها وجهاتها تحتاج من الألفاظ إلى أقل ما تحتاج إليه المعاني المشتركة والجهات الملتبسة» «1» .
ومن شروط البلاغة موافقة الكلام لمقتضى الحال أو للموضوع الذي يجري فيه الكلام. «ويجب على المتكلم أن يوازن بين المعاني وأقدار المستمعين وأقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما» «2» .
ومن شروط البلاغة متانة العبارة التي تعني ربط ألفاظ الجملة ببعضها ربطا محكما لا هلهلة فيه ولا خلل «فأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغا وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان» «3» .
ومن شروط البلاغة الطبع، وهو يعني الموهبة وعدم التكلف. وإذا كان الكلام صحيح الطبع بعيدا عن الاستكراه ومنزها عن الاختلال، مصونا عن التكلف صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة..» «4» وقد ركز الجاحظ على شرط الطبع عملا بفلسفته الطبيعية التي تفسر الفن كما تفسر المعرفة والأخلاق بالطباع كما صدر في جميع آرائه عن مذهبه الاعتزالي الوسطي المنزلة بين المنزلتين- وطبق ذلك على البلاغة والفصاحة، فاعتبر خير الكلام ما وقع وسطا بين الوحشي والسوقي، وما وقع وسطا بين الإيجاز والإطناب.
(1/18)

وأوضح مذهبه هذا بقوله: «فالقصد في ذلك تجنب السوقي والوحشي، ولا تجعل همك في تهذيب الألفاظ وشغلك في التخلص إلى غرائب المعاني. وفي الاقتصاد بلاغ وفي التوسط مجانبة للوعورة وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه» «1» .
وينظر الجاحظ في أصل اللغة، ويذهب إلى أنها توقيف، أو وحي من الله. فجد العرب إسماعيل بن إبراهيم ألهم العربية على غير التلقين والتمرين وهو في الرابعة عشرة من عمره. ويقدم عدة أدلة على أنها توقيف: منها كلام عيسى في المهد، وإنطاق الله يحيى بالحكمة صبيا، وكلام حواء وآدم. ومعنى ذلك أن الإنسان يحتاج ليتفاهم مع بني جلدته إلى اللغة، وحواء وآدم لم يعلمهما أحد اللغة، فكان لا بد من أن يلهمهما الله إياها. وإذا لم يكن إسماعيل أول عربي تكلم العربية فينبغي أن يكون ثمة أب آخر للعرب كان أول عربي من جميع بني آدم تكلم العربية. ومنها ما تفوّه به ذئب اهبان بن أوس، وغراب نوح وهدهد سليمان، والنملة وحمار عزيز وقد أنطق الله هذه الحيوانات بقدرته وسخرها لمعرفته، فلم لا يكون الإنسان مثلها قد أنطقه الله بمشيئته؟
ويربط الجاحظ تعلم اللغة بالمعرفة، ويذهب إلى أن الإنسان يعرف الأمور طباعا بواسطة ما منحه الله من ذكاء، ولا يحول دونه والمعرفة سوى موانع كالأخلاط الأربعة وسوء العادة والشواغل العارضة وخرق المعلم وإذا أزال الله تلك الموانع وصفى ذهن الإنسان وقعت المعرفة «2» .
وثمة دليل آخر على أن الله مصدر اللغة، هو وجود ألفاظ في القرآن لم يعرفها عرب الجاهلية، إنها من اختراع الله الذي أوحى بها إلى النبي. يقول مشيرا إلى ذلك: «وقد علمنا أن قولهم لمن لم يحج صرورة، ولمن أدرك
(1/19)

الجاهلية والإسلام مخضرم، وقولهم لكتاب الله قرانا، وتسميتهم للتمسح بالتراب التيمم، وتسميتهم للقاذف بفاسق. إن ذلك لم يكن في الجاهلية.
وإذا كان للنابغة أن يبتدئ الأسماء على الاشتقاق من أصل اللغة كقوله «والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد» وحتى اجتمعت العرب على تصويبه وعلى اتباع أثره، وعلى أنها لغة عربية، فالله الذي هو أصل اللغة أحق بذلك» «1» .
ويبدو أن الجاحظ استند في مذهبه إلى القرآن والسماع ونظريته القائلة أن المعرفة تحدث طباعا. وقد اقتفى أثره ابن فارس في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة» ولكن خالفه ابن جني الذي قال إن اللغة اصطلاح، والسيوطي الذي قال إنها تقليد.
ولكن أبا عثمان لم يستطع أن ينكر ما طرأ على اللغة العربية من تطور.
فقد دخلت عليها ألفاظ أعجمية بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب.
فأهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس، علقوا بألفاظ فارسية فسموا البطيخ الخربز، والسميط الرزدق، والمصوص المزوز. وكذلك أهل الكوفة تأثروا بلغة الفرس الذين احتكوا بهم فسموا المسحاة البال وسموا الحوك الباذروج، وسموا القثاء خيارا الخ ... «2» .
وهناك ألفاظ جديدة أوجدها المتكلمون وعلماء اللغة في العصر العباسي عن طريق الاشتقاق أو النحت أو الاصطلاح للتعبير عن المعاني الفلسفية والعلمية الجديدة مثل الجوهر والعرض والهوية والهذية الخ. يقول الجاحظ موضحا هذه الناحية: « ... وهم المتكلمون تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف، وقدوة لكل تابع. ولذلك قالوا العرض والجوهر وأيس وليس، وفرقوا بين البطلان والتلاشي، وذكروا الهذية والهوية والماهية وأشباه ذلك. وكما وضع
(1/20)

الخليل بن أحمد لأوزان القصيد وقصار الأرجاز ألقابا لم تكن العرب تتعارف على تلك الأعاريض بتلك الألقاب، وتلك الأوزان بتلك الأسماء، كما ذكر الطويل والبسيط والمديد والوافر والكامل وأشباه ذلك، وكما ذكر الأوتاد والأسباب والخرم والزحاف. وقد ذكرت العرب في أشعارها السناد والاقواء والاكفاء، ولم أسمع بالايطاء. وقالوا في القصيد والرجز والسجع والخطب، وذكروا حروف الروي والقوافي، وقالوا: هذا بيت وهذا مصراع ... وكما سمى النحويون فذكروا الحال والظروف وما أشبه ذلك؛ لأنهم لو لم يضعوا هذه العلامات لم يستطيعوا تعريف القرويين وأبناء البلديين علم العروض والنحو.
وكذلك أصحاب الحساب قد اجتلبوا أسماء جعلوها علامات للتفاهم» «1» .
وقد شعر الجاحظ بثقل الحمل الذي حملته اللغة العربية عند ما نقلت إليها مختلف العلوم المعروفة في اللغات اليونانية والفارسية والهندية، ودعا إلى عدم تكليف اللغة ما ليس في طاقتها، وقد عبر عن ذلك بقوله: «وليس ينبغي أن نسوم اللغات ما ليس في طاقتها ونسوم النفوس ما ليس في جبلتها، ولذلك يحتاج صاحب المنطق إلى أن يفسره لمن طلب من قبله علم المنطق» «2» .
ويشير الجاحظ إلى حركة الترجمة التي نشطت في عصره ويرى أن الترجمان يجب أن يكون عالما باللغة المنقولة والمنقول إليها «3» . ويرى أن الشعر لا يترجم وإذا ترجم ذهب سحره وتقطع نظمه وبطل وزنه وذهب حسنه «4» .
وثمة ناحية أخيرة عالجها الجاحظ هي تعلم اللغة. وقد رأى أن ثمة صعوبات تعترض المتعلم ترجع إلى طبيعة اللغة ذاتها وكثرة مفرداتها وثقل مخارجها، كما ترجع إلى جهل المتكلم بمدلولاتها. ولكن أعون الأسباب على تعلمها فرط الحاجة إليها «5» .
(1/21)

وقد سبق علماء التربية في العصر الحديث إلى دراسة تعددية اللغة وأدرك قبل جان جاك روسو ودكرولي أن اجتماع لغتين أو أكثر على لسان واحد يسيء إليهما معا فلا يستطيع المتكلم بهما أن يتضلع منهما أو يأمن تنازعهما إياه «1» .
ومعنى ذلك أن اللغة الأم تشكل طريقة التفكير لدى الطفل الذي يكتسب اللغة، وليس للفكر سوى طريقة واحدة. وإذا حاولنا تعليمه لغتين أو أكثر تنازعت هذه اللغات السيطرة على تفكيره ونافست اللغات الأخرى في أن تكون هي طريقة التفكير عنده. ولذا نصح دكرولي بأن لا نعلم الطفل قبل العاشرة سوى لغته الأم خشية أن تحل محلها لغة أجنبية أخرى.
عدا البيان وفلسفة اللغة عالج الجاحظ في كتابه موضوعين آخرين هما الزهد والشعوبية.
وقد استأثرت حركة الزهد باهتمام الجاحظ فتكلم عليها في أجزاء الكتاب الثلاثة. في الجزء الأول أورد مجموعة من مواعظ النساك، وفي الجزء الثاني ذكر أسماء الزهاد الذين عرفوا بالبيان أمثال عامر بن عبد القيس، وصلة ابن أشيم، وعثمان بن أوحم، ومؤرق العجلي، ومالك بن دينار، ويزيد الرقاشي، ورابعة القيسية، ومعاذة العدوية، وأم الدرداء الخ. كما أتى على ذكر بعض المتصوفة أمثال هاشم الأوقص، وأبي هاشم الصوفي، وصالح بن عبد الجليل. وفي الجزء الثالث كرس للزهد بابا واسعا أثبت فيه قدرا كبيرا من أقوالهم ومواعظهم؛ وأهم هؤلاء الزهاد الحسن البصري الذي أكثر من ذكر أقواله ومواعظه؛ ثم أبو حازم الأعرج، وأبو عبد الحميد، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن عبيد أحد مؤسسي الاعتزال، وعلي بن أبي طالب، ومحمد الباقر. ولا ينسى الشعراء الذين نظموا أشعارا في الزهد أمثال أبي العتاهية وأبي نواس والطرماح بن حكيم.
(1/22)

واهتمام الجاحظ بالزهاد لا يدل على رضاه عنهم أو تأييد مذهبهم فلقد كان ينتقدهم نقدا لاذعا ويرميهم بالهروب من العمل واللجوء إلى التواكل والكسل. ويعتبر تصرفاتهم لا تمت إلى الإيمان بصلة ولا تزيد فيه شيئا. ويعكس رأيه فيهم قول أعرابي ذكر عنده رجل «بشدة الاجتهاد وكثرة الصوم وطول الصلاة فقال: هذا رجل سوء، أو ما يظن هذا أن الله يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب؟» «1» .
أما الشعوبية فتعني تعصب كل شعب لقوميته وحضارته، وبغض العرب، وقد اشتدت هذه الحركة في العصر العباسي ولا سيما الزمن الذي عاش فيه الجاحظ، ونجمت عن تعدد الشعوب التي ضمها المجتمع العباسي من فرس وزنج وروم وهنود إلى جانب العرب الذين يمثلون الأمة الحاكمة. فكانت محاولة هذه الشعوب إثبات وجودها والادلال بمآثرها وحضاراتها والبرهنة أن العرب ليسوا أفضل من سائر الأمم بل هم دونها شأنا.
وقد أعار الجاحظ الحركة الشعوبية اهتماما كبيرا فتحدث عنها في كتب عديدة: الحيوان، رسالة النابتة، رسالة فضل السودان على البيضان، رسالة الترك وعامة جند الخلافة، وكتاب البيان والتبيين. ولا يهمنا في هذه المقدمة سوى ما ورد حولها في كتاب البيان والتبيين.
خصّص الجاحظ للشعوبية قسما من الجزء الثالث عنوانه كتاب العصا، أورد فيه مطاعن الشعوبية على العرب والرد عليها. لقد طعنت الشعوبية على العرب أخذهم المخصرة عند إلقاء الخطب. واحتجت بقولها إنه لا يوجد بين العصا والخطبة سبب، وأن العصا لم توجد للخطابة بل للقتال أو الهش على المواشي. وأنها لا تنفع الخطيب في شيء، وهي تلهي السامع. والعرب قوم رعاة اعتادوا على حمل العصا في رعي مواشيهم فنقلوا تلك العادة إلى خطابتهم.
وطعنت الشعوبية على العرب ضعف ملكتهم الخطابية، وقالت إنهم لا يضاهون الفرس واليونان والهنود في مضمار الخطابة والبلاغة. والدليل على
(1/23)

ذلك أن للفرس كتبا ورسائل محبرة مثل كتاب كاروند وسير الملوك، ولليونان كتبا في المنطق والحكمة، وللهنود كتبا في الحكمة والاسرار وليس للعرب مثل تلك الرسائل والكتب.
وفيما يتعلق بالحرب رمت الشعوبية العرب بجهلهم فنون الحرب والأسلحة. فهم لا يتقنون تنظيم الجيوش ولا يعرفون الكمين والميمنة والميسرة والقلب والجناح، والقتال في الليل. ولا يحسنون استعمال الأسلحة التي يحسنها الفرس كالنفاضة والدراجة والرتيلة والعرادة، والمنجنيق والدبابة. ثم إن رماح العرب رديئة النوع لا تضارع رماح الفرس الجيدة «1» .
وقد رد الجاحظ على مطاعن الشعوبية فقال إن الرماح العربية أجود من الرماح الفارسية وهي متنوعة منها النيزك والمربوع والمخموس والتام. وليس صحيحا أن العرب لا يحسنون القتال في الليل، إنهم يقاتلون في الليل كما يقاتلون في النهار.
أما الرسائل المنسوبة إلى الفرس فليست صحيحة، وهي منحولة ولدها أمثال ابن المقفع وسهل بن هارون وعبد الحميد وغيلان ونسبوها إلى قومهم الفرس.
أما ملكة العرب الخطابية فأمر ظاهر جلي لا يحتاج إلى برهان. ويكفي أن نأخذ بيد الشعوبي وندخله بلاد العرب الخلص، معدن الفصاحة، ونوقفه على خطيب مصقع أو شاعر مفلق ليعلم الحق ويبصر الشاهد عيانا. صحيح أن للهند كتبا مخلدة ولكنها لا تضاف إلى رجل معروف، وأن لليونان فلسفة وصناعة منطق ولكن صاحب المنطق كان بكيء اللسان، وأن للفرس خطباء ولكن كل كلام للفرس إنما هو ثمرة التفكير والدراسة وكد الخاطر. أما العرب فكلامهم وليد البديهة والإلهام، لا يعانون فيه جهدا ولا يجيلون فكرا. ولذلك يقطع الجاحظ بأن العرب أخطب الأمم «2» .
(1/24)

ويختم الجاحظ هذا الجدل بالإشارة إلى الدافع الذي حمل هؤلاء العجم على بغض العرب والتنقص من شأنهم، إنه دافع نفسي يرجع إلى الحسد الجاثم على قلوبهم كما يرجع إلى كره الإسلام الذي جاء به العرب.
والجاحظ، وإن انتصر للعرب ضد الشعوبية، لم يرتكب الخطأ الذي ارتكبته، فهو يذهب إلى أن الأمم ينبغي أن تكف عن البغضاء والتعصب لمزاياها، وأن تتعاون وتتآلف لأن لكل أمة مزايا ونقائص «1» .
(1/25)

[باب عيوب البيان]
[العي]
قال أبو عثمان عمرو بن بحر، رحمه الله:
اللهمّ إنّا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلّف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من السّلاطة والهذر، كما نعوذ بك من العيّ والحصر. وقديما ما تعوذوا بالله من شرهما وتضرعوا إلى الله في السلامة منهما.
وقد قال النّمر بن تولب «1» :
أعذني ربّ من حصر وعيّ ... ومن نفس أعالجها علاجا
(1/27)

وقال الهذلي «1» :
ولا حصر بخطبته ... إذا ما عزّت الخطب
وقال مكّيّ بن سوادة «2» :
حصر مسهب جريء جبان ... خير عيّ الرجال عي السكوت
وقال الآخر:
مليّ ببهر والتفات وسعلة ... ومسحة عثنون وفتل أصابع
ومما ذموا به العي قوله:
وما بي من عي ولا أنطق الخنا ... إذا جمع الأقوام في الخطب محفل
وقال الراجز وهو يمتح بدلوه:
علقت يا حارث عند الورد ... بجابىء لا رفل التردّي
ولا عييّ بابتناء المجد «3»
وهذا كقول بشار الأعمى «4» :
وعيّ الفعال كعي المقال ... وفي الصمت عيّ كعي الكلم
وهذا المذهب شبيه بما ذهب إليه شتيم بن خويلد في قوله «5» :
ولا يشعبون الصدع بعد تفاقم ... وفي رفق أيديكم لذي الصّدع شاعب
(1/28)

ومثل هذا قول زبّان بن سيار «1» :
ولسنا كأقوام أجدوا رياسة ... يرى مالها ولا يحسّ فعالها
يريغون في الخصب الأمور ونفعهم ... قليل إذا الأموال طال هزالها
وقلنا بلا عي وسسنا بطاقة ... إذا النار نار الحرب طال اشتعالها
لأنهم يجعلون العجز والعي من الخرق، كانا في الجوارح أم في الألسنة.
وقال ابن أحمر الباهلي:
لو كنت ذا علم علمت وكيف لي ... بالعلم بعد تدبّر الأمر
وقالوا في الصمت كقولهم في المنطق. قال أحيحة بن الجلاح:
والصمت أجمل بالفتى ... ما لم يكن عيّ يشينه
والقول ذو خطل إذا ... ما لم يكن لب يعينه
وقال مخرّز بن علقمة:
لقد وارى المقابر من شريك ... كثير تحلم وقليل عاب
صموتا في المجالس غير عيّ ... جديرا حين ينطق بالصواب
وقال مكّيّ بن سوادة:
تسلّم بالسكوت من العيوب ... فكان السكت أجلب للعيوب
ويرتجل الكلام وليس فيه ... سوى الهذيان من حشد الخطيب
وقال آخر:
جمعت صنوف العي من كل وجهة ... وكنت جديرا بالبلاغة عن كثب
أبوك معمّ في الكلام ومخول ... وخالك وثاب الجراثيم في الخطب
(1/29)

وقال حميد بن ثور الهلاليّ «1» :
أتانا ولم يعدله سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتى كأنه ... من العي لما أن تكلم باقل
سحبان مثل في البيان، وباقل مثل في العي، ولهما أخبار.
وقال الآخر:
ماذا رزينا منك أمّ الأسود ... من رحب الصدر وعقل متلد
وهي صناع باللسان واليد
وقال آخر:
لو صخبت شهرين دأبا لم تمل ... وجعلت تكثر من قول وبل
حبّك للباطل قدما قد شغل ... كسبك عن عيالنا قلت أجل
تضجّرا مني وعيا بالحيل
قال: وقيل لبزرجمهر بن البختكان الفارسي «2» : أي شيء أستر للعييّ؟
قال: عقل يجمله. قالوا: فإن لم يكن له عقل. قال: فمال يستره. قالوا: فإن لم يكن له مال؟ قال: فإخوان يعبرون عنه. قالوا: فإن لم يكن له إخوان يعبرون عنه؟ قال: فيكون عييا صامتا. قالوا: فإن لم يكن ذا صمت. قال: فموت وحي خير له من أن يكون في دار الحياة.
وسأل الله عز وجل موسى بن عمران، عليه السلام، حين بعثه إلى فرعون بإبلاغ رسالته، والإبانة عن حجته، والإفصاح عن أدلته، فقال حين ذكر العقدة
(1/30)

التي كانت في لسانه، والحبسة التي كانت في بيانه: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي.
وأنبأنا الله تبارك وتعالى عن تعلق فرعون بكل سبب، واستراحته إلى كل شغب، ونبهنا بذلك على مذهب كل جاحد معاند، وكل محتال مكايد، حين خبرنا بقوله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ. وَلا يَكادُ يُبِينُ.
وقال موسى عليه السلام: وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي
وقال: وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي
رغبة منه في غاية الإفصاح بالحجة، والمبالغة في وضوح الدلالة، لتكون الأعناق إليه أميل، والعقول عنه أفهم، والنفوس إليه أسرع، وإن كان قد يأتي من وراء الحاجة، ويبلغ أفهامهم على بعض المشقة.
ولله عز وجل أن يمتحن عباده بما شاء من التخفيف والتثقيل، ويبلو أخبارهم كيف أحب من المحبوب والمكروه. ولكل زمان ضرب من المصلحة ونوع من المحنة، وشكل من العبادة.
ومن الدليل على أن الله تعالى حل تلك العقدة، وأطلق ذلك التعقيد، والحبسة، قوله: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي
إلى قوله: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
. فلم تقع الاستجابة على شيء من دعائه دون شيء، لعموم الخبر.
وسنقول في شأن موسى عليه السلام ومسألته، في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله.
وذكر الله تبارك وتعالى جميل بلائه في تعليم البيان، وعظيم نعمته في تقويم اللسان، فقال: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ
، وقال تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ
، ومدح القرآن بالبيان والإفصاح، وبحسن التفصيل والإيضاح، وبجودة الإفهام وحكمة الإبلاغ، وسماه فرقانا كما سماه
(1/31)

قرانا. وقال: عَرَبِيٌّ مُبِينٌ
، وقال: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
وقال:
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
، وقال: وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا.
وذكر الله عز وجل لنبيه عليه السلام حال قريش في بلاغة المنطق، ورجاحة الأحلام، وصحة العقول، وذكر العرب وما فيها من الدهاء والنكراء والمكر، ومن بلاغة الألسنة، واللدد عند الخصومة، فقال تعالى: فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ
. وقال: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
. وقال:
وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ
، وقال: آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
. ثم ذكر خلابة ألسنتهم، واستمالتهم الأسماع بحسن منطقهم، فقال: وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ.
ثم قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
مع قوله: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ.
وقال الشاعر في قوم يحسنون في القول ويسيئون في العمل، قال أبو حفص: أنشدني الأصمعي للمكعبر الضبي «1» :
كسالى إذا لاقيتهم غير منطق ... يلهّى به المحروب وهو عناء
وقيل لزهمان: ما تقول في خزاعة؟ قال: جوع وأحاديث! وفي شبيه بهذا المعنى قال أفنون بن صريم التغلبي:
لو أنني كنت من عاد ومن إرم ... غذيّ قيل ولقمان وذي جدن
لما وقوا بأخيهم من مهولة ... أخا السكون ولا حادوا عن السنن
(1/32)

أنى جزوا عامرا سوأى بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوأى من الحسن
أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضن باللبن
رئمان، أصله الرقة والرحمة. والرؤوم أرق من الرؤوف. فقال: «رئمان أنف» ، كأنها تبر ولدها بأنفها وتمنعه اللبن.
ولأن العرب تجعل الحديث والبسط، والتأنيس والتلقي بالبشر، من حقوق القرى ومن تمام الإكرام به. وقالوا: «من تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة، وإطالة الحديث عند المواكلة» . وقال شاعرهم، وهو حاتم الطائي:
سلي الجائع الغرثان يا أم منذر ... إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
هل أبسط وجهي أنه أول القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري
وقال الآخر.
إنك يا ابن جعفر خير فتى ... وخيرهم لطارق إذا أتى
ورب نضو طرق الحي سرى ... صادف زادا وحديثا ما اشتهى
إن الحديث جانب من القرى
وقال الآخر:
لحافي لحاف الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنع
أحدثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع
ولذلك قال عمرو بن الأهتم «1» :
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... فهذا مبيت صالح وصديق
(1/33)

وقال آخر:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب
ثم قال الله تبارك وتعالى في باب آخر من صفة قريش والعرب: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا
وقال: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ
وقال: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ
. وقال: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ.
وعلى هذا المذهب قال: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ
. وقد قال الشاعر في نظر الأعداء بعضهم إلى بعض:
يتقارضون إذا التقوا في موقف ... نظرا يزيل مواطىء الأقدام
وقال الله تبارك وتعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
، لأن مدار الأمر على البيان والتبيين، وعلى الأفهام والتفهم. وكلما كان اللسان أبين كان أحمد كما أنه كلما كان القلب أشد استبانة كان أحمد.
والمفهم لك والمتفهم عنك شريكان في الفضل، إلا أن المفهم أفضل من المتفهم وكذلك المعلم والمتعلم. هكذا ظاهر هذه القضية، وجمهور هذه الحكومة، إلا في الخاص الذي لا يذكر، والقليل الذي يشهر.
وضرب الله عز وجل مثلا لعيّ اللسان ورداءة البيان، حين شبه أهله بالنساء والولدان، فقال تعالى: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ
. ولذلك قال النمر بن تولب:
وكل خليل عليه الرعا ... ث والحبلات، ضعيف ملق
الرعاث: القرطة. والحبلات: كل ما تزينت به المرأة من حسن الحلى، والواحدة حبلة.
وليس، حفظك الله، مضرة سلاطة اللسان عند المنازعة، وسقطات الخطل يوم إطالة الخطبة بأعظم مما يحدث عن العيّ من اختلال الحجة، وعن
(1/34)

الحصر من فوت درك الحاجة. والناس لا يعيرون الخرس، ولا يلومون من استولى على بيانه العجز. وهم يذمون الحصر، ويؤنبون العيّ، فإن تكلفا مع ذلك مقامات الخطباء، وتعاطيا مناظرة البلغاء، تضاعف عليهما الذم وترادف عليهما التأنيب. ومماتنة العيّ الحصر للبليغ المصقع، في سبيل مماتنة المنقطع المفحم للشاعر المفلق «1» ، واحدهما ألوم من صاحبه، والألسنة إليه أسرع.
وليس اللجلاج «2» والتمتام، والألثغ والفأفاء، وذو الحبسة والحكلة «3» والرتة «4» وذو اللفف «5» والعجلة، في سبيل الحصر في خطبته، والعييّ في مناضلة خصومه، كما أن سبيل المفحم عند الشعراء، والبكي «6» عند الخطباء، خلاف سبيل المسهب الثرثار، والخطل المكثار.
ثم اعلم- أبقاك الله- أن صاحب التشديق والتقعير «7» والتقعيب من الخطباء والبلغاء مع سماجة التكلف، وشنعة التزيد، أعذر من عييّ يتكلف الخطابة، ومن حصر يتعرض لأهل الاعتياد والدربة. ومدار اللائمة ومستقر المذمة حيث رأيت بلاغة يخالطها التكلف، وبيانا يمازجه التزيد. إلا أن تعاطي الحصر المنقوص مقام الدرب التام، أقبح من تعاطي البليغ الخطيب، ومن تشادق الأعرابي القح وانتحال المعروف ببعض الغزارة في المعاني والألفاظ، وفي التحبير والارتجال، إنه البحر الذي لا ينزح، والغمر الذي لا يسبر، أيسر من انتحال الحصر المنخوب إنه في مسلاخ «8» التام الموفر، والجامع
(1/35)

المحكك «1» ، وإن كان النبي صلّى الله عليه وآله قد قال: «إياي والتشادق» ، وقال: «أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون» «2» ، وقال: «من بدا جفا» ، وعاب الفدادين والمتزيدين، في جهارة الصوت وانتحال سعة الأشداق، ورحب الغلاصم وهدل الشفاه، وأعلمنا ان ذلك في أهل الوبر أكثر، وفي أهل المدر أقل فإذا عاب المدري بأكثر مما عاب به الوبري «3» ، فما ظنك بالمولد القروي والمتكلف البلدي. فالحصر المتكلف والعيي المتزيد، ألوم من البليغ المتكلف لأكثر مما عنده. وهو أعذر، لأن الشبهة الداخلة عليه أقوى. فمن أسوأ حالا- أبقاك الله- ممن يكون ألوم من المتشدقين، ومن الثرثارين المتفيهقين، وممن ذكره النبي صلّى الله عليه وآله نصا، وجعل النهي عن مذهبه مفسرا، وذكر مقته له وبغضه إياه.
[لثغة واصل بن عطاء وأخباره]
ولما علم واصل بن عطاء «4» أنه ألثغ فاحش اللثغ، وإن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه إذا كان داعية مقالة، ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال، ومن الخطب الطوال وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق، وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وإن حاجة المنطق إلى الحلاوة والطلاوة، كحاجته إلى الجزالة والفخامة، وإن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، وتثنى به الأعناق، وتزين به المعاني، وعلم واصل أنه ليس معه ما ينوب عن البيان التام، واللسان
(1/36)

المتمكن والقوة المتصرفة، كنحو ما أعطى الله تبارك وتعالى نبيه موسى عليه السلام من التوفيق والتسديد، مع لباس التقوى وطابع النبوة، ومع المحنة والاتساع في المعرفة، ومع هدي النبيين وسمت المرسلين، وما يغشيهم الله به من القبول والمهابة. ولذلك قال بعض شعراء النبي صلّى الله عليه وآله:
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بداهته تنبيك بالخبر
ومع ما أعطى الله تبارك وتعالى موسى، عليه السلام، من الحجة البالغة، ومن العلامات الظاهرة، والبرهانات الواضحة، إلى أن حل الله تلك العقدة وأطلق تلك الحبسة، وأسقط تلك المحنة. ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان، وإعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة- رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه، وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله ويساجله، ويتأتى لستره والراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول، واتسق له ما أمل.
ولولا استفاضة هذا الخبر وظهور هذه الحال حتى صار لغرابته مثلا، ولطرافته معلما، لما استجزنا الإقرار به، والتأكيد له. ولست أعني خطبه المحفوظة ورسائله المخلدة، لأن ذلك يحتمل الصنعة، وإنما عنيت محاجة الخصوم ومناقلة الأكفاء، ومفاوضة الإخوان.
واللثغة في الراء تكون بالغين والذال والياء، والغين أقلها قبحا، وأوجدها في كبار الناس وبلغائهم وأشرافهم وعلمائهم.
وكانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، فإذا حمل على نفسه وقوم لسانه أخرج الراء. وقد ذكره في ذلك أبو الطروق الضبي فقال:
عليم بإبدال الحروف وقامع ... لكل خطيب يغلب الحق باطله
وكان واصل بن عطاء قبيح اللثغة شنيعها، وكان طويل العنق جدا، ولذلك قال بشار الأعمى:
(1/37)

ما لي أشايع غزالا له عنق ... كنقنق الدوّ إن ولى وإن مثلا «1»
عنق الزرافة ما بالي وبالكم ... أتكفرون رجالا أكفروا رجلا
فلما هجا واصلا وصوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين، وقال:
الأرض مظلمة والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار
وجعل واصل بن عطاء غزالا، وزعم أن جميع المسلمين كفروا بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله، فقيل له: وعلي أيضا؟ فأنشد:
وما شر الثلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
قال واصل بن عطاء عند ذلك: «أما لهذا الأعمى الملحد المشنف «2» المكني بأبي معاذ من يقتله. أما والله لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية «3» ، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ويقتله في جوف منزله وفي يوم حفله، ثم كان لا يتولى ذلك منه إلا عقيلي أو سدوسي» .
قال إسماعيل بن محمد الأنصاري، وعبد الكريم بن روح الغفاري: قال أبو حفص عمر بن أبي عثمان الشمري: ألا تريان كيف تجنب الراء في كلامه هذا وأنتما للذي تريان من سلامته وقلة ظهور التكلف فيه لا تظنان به التكلف، مع امتناعه من حرف كثير الدوران في الكلام. ألا تريان أنه حين لم يستطع أن يقول بشار، وابن برد، والمرعث، جعل المشنف بدلا من المرعث، والملحد بدلا من الكافر، وقال: لولا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية، ولم يذكر المنصورية ولا المغيرية «4» ، لمكان الراء، وقال: لبعثت إليه من يبعج بطنه، ولم يقل: لأرسلت إليه، وقال: على مضجعه، ولم يقل: على فراشه.
(1/38)

وكان إذا أراد أن يذكر البر قال: القمح أو الحنطة. والحنطة لغة كوفية والقمح لغة شامية. هذا وهو يعلم أن لغة من قال بر، أفصح من لغة من قال قمح أو حنطة. وقال أبو ذؤيب الهذلي:
لا درّ دري إن أطعمت نازلهم ... قرف الحتيّ «1» وعندي البر مكنوز
وقال أمية بن أبي الصلت في مديح عبد الله بن جدعان:
له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي
إلى ردح من الشيزي عليها ... لباب البر يلبك بالشهاد «2»
وقال بعض القرشيين يذكر قيس بن معديكرب ومقدمه مكة في كلمة له:
قيس أبو الأشعث بطريق اليمن ... لا يسأل السائل عنه ابن من
أشبع آل الله من بر عدن
وقال عمر بن الخطاب رحمه الله: «أترون أني لا أعرف رقيق العيش؟
لباب البر بصغار المعزى» .
وسمع الحسن رجلا يعيب الفالوذق، فقال: «لباب البر، بلعاب النحل، بخالص السمن، ما عاب هذا مسلم!» .
وقالت عائشة: «ما شبع رسول الله صلّى الله عليه وآله من هذه البرة السمراء حتى فارق الدنيا» .
وأهل الأمصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب، ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظ من ألفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر.
(1/39)

حدثني أبو سعيد عبد الكريم بن روح «1» قال: قال أهل مكة لمحمد بن المناذر الشاعر: ليست لكم معاشر أهل البصرة لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة. فقال ابن المناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن، وأكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم. أنتم تسمون القدر برمة وتجمعون البرمة على برام، ونحن نقول قدر ونجمعها على قدور، وقال الله عز وجل:
وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ
. وأنتم تسمون البيت إذا كان فوق البيت علية، وتجمعون هذا الاسم على علالي، ونحن نسميه غرفة ونجمعها على غرفات وغرف. وقال الله تبارك وتعالى: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ
وقال: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ
. وأنتم تسمون الطلع الكافور والا غريض ونحن نسميه الطلع. وقال الله تبارك وتعالى: وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ
. فعد عشر كلمات لم أحفظ أنا منها إلا هذا. ألا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم، ولذلك يسمون البطيخ الخربز، ويسمون السميط الرزدق «2» ، ويسمون المصوص المزور «3» ، ويسمون الشطرنج الاشترنج، في غير ذلك من الأسماء وكذلك أهل الكوفة، فإنهم يسمون المسحاة بال، وبال بالفارسية.
ولو علق ذلك لغة أهل البصرة إذ نزلوا بأدنى بلاد فارس وأقصى بلاد العرب كان ذلك أشبه، إذ كان أهل الكوفة قد نزلوا بأدنى بلاد النبط وأقصى بلاد العرب.
ويسمي أهل الكوفة الحوك الباذروج «4» ، والباذروج بالفارسية، والحوك كلمة عربية. وأهل البصرة إذ التقت أربع طرق يسمونها مربعة، ويسميها أهل الكوفة الجهار سوك، والجهار سوك بالفارسية. ويسمون السوق والسويقة
(1/40)

«وازار» ، والوازار بالفارسية. ويسمون القثاء خيارا، والخيار بالفارسية. ويسمون المجدوم ويذي، بالفارسية.
وقد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها. ألا ترى أن الله تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر. والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة. وكذلك ذكر المطر، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام. والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث. ولفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سموات لم يقل الأرضين. ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين، ولا السمع أسماعا. والجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال. وقد زعم بعض القراء أنه لم يجد ذكر لفظ النكاح في القرآن إلا في موضع التزويج.
والعامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفهما، وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالا وتدع ما هو أظهر وأكثر، ولذلك صرنا نجد البيت من الشعر قد سار ولم يسر ما هو أجود منه، وكذلك المثل السائر.
وقد يبلغ الفارس والجواد الغاية في الشهرة ولا يرزق ذلك الذكر والتنويه بعض من هو أولى بذلك منه. ألا ترى العامة أن ابن القرية «1» عندها أشهر في الخطابة من سحبان وائل. وعبيد الله بن الحر «2» أذكر عندهم في الفروسية من زهير بن ذؤيب. وكذلك مذهبهم في عنترة بن شداد، وعتيبة بن الحارث
(1/41)

ابن شهاب. وهم يضربون المثل بعمرو بن معديكرب، ولا يعرفون بسطام بن قيس «1» .
وفي القرآن معان لا تكاد تفترق، مثل الصلاة والزكاة، والجوع والخوف، والجنة والنار، والرغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، والجن والإنس.
قال قطرب: أنشدني ضرار بن عمرو «2» قول الشاعر في واصل بن عطاء:
ويجعل البر قمحا في تصرفه ... وجانب الراء حتى احتال للشعر
ولم يطق مطرا والقول يعجله ... فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر
قال وسألت عثمان البري «3» : كيف كان واصل يصنع في العدد، وكيف كان يصنع بعشرة وعشرين وأربعين، وكيف كان يصنع بالقمر والبدر ويوم الأربعاء وشهر رمضان، وكيف كان يصنع بالمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الآخرة ورجب؟ فقال: ما لي فيه قول إلا ما قال صفوان:
ملقن ملهم فيما يحاوله ... جم خواطره جواب آفاق
وأنشدني ديسم «4» قال: أنشدني أبو محمد اليزيدي:
وخلة اللفظ في الياءات إن ذكرت ... كخلة اللفظ في اللامات والألف
وخصلة الراء فيها غير خافية ... فاعرف مواقعها في القول والصحف
(1/42)

يزعم أن هذه الحروف أكثر تردادا من غيرها، والحاجة إليها أشد. واعتبر ذلك بأن تأخذ عدة رسائل وعدة خطب من جملة خطب الناس ورسائلهم، فإنك متى حصلت جميع حروفها، وعددت كل شكل على حدة، علمت أن هذه الحروف الحاجة إليها أشد.
قال أبو عثمان: فمن ذلك ما خبرنا به الأصمعي قال: أنشدني المعتمر ابن سليمان لإسحاق بن سويد العدوي:
برئت من الخوارج لست منهم ... من الغزال منهم وابن باب «1»
ومن قوم إذا ذكروا عليا ... يردون السلام على السحاب
ولكني أحب بكل قلبي ... وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصديق حبا ... به أرجو غدا حسن الثواب
وفي مثل ذلك قال بشار:
ما لي أشايع غزالا له عنق ... كنقنق الدو إن ولى وإن مثلا
ومن ذلك قول معدان الشميطي «2» :
يوم تشفى النفوس من يعصر اللؤ ... م ويثني بسامة الرحّال «3»
وعدي وتيمها وثقيف ... وأميّ وتغلب وهلال
لا حرورا ولا النواصب تنجو ... لا ولا صحب واصل الغزال «4»
(1/43)

وكان بشار كثير المدح لواصل بن عطاء قبل أن يدين بشار بالرجعة، ويكفر جميع الأمة. وكان قد قال في تفضيله على خالد بن صفوان «1» وشبيب ابن شيبة «2» ، والفضل بن عيسى، يوم خطبوا عند عبد الله بن عمر بن عبد العزيز والي العراق:
أبا حذيفة قد أوتيت معجبة ... في خطبة بدهت من غير تقدير
وإن قولا يروق الخالدين معا ... لمسكت مخرس عن كل تحبير
لأنه كان مع ارتجاله الخطبة التي نزع منها الراء، كانت مع ذلك أطول من خطبهم. وقال بشار:
تكلفوا القول والأقوام قد حفلوا ... وحبروا خطبا ناهيك من خطب
فقام مرتجلا تغلي بداهته ... كمرجل القين لما حف باللهب
وجانب الراء لم يشعر بها أحد ... قبل التصفح والإغراق في الطلب
وقال في كلمة له يعني تلك الخطبة:
فهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوره شهرا
فلما انقلب عليهم بشار ومقاتله لهم بادية، هجوه ونفوه، فما زال غائبا حتى مات عمرو بن عبيد. وقال صفوان الأنصاري:
متى كان غزال له ابن حوشب ... غلام كعمرو أو كعيسى بن حاضر «3»
أما كان عثمان الطويل ابن خالد ... أو القرم حفص نهية للمخاطر «4»
له خلف شعب الصين في كل ثغرة ... إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر
(1/44)

رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم ... تهكم جبار ولا كيد ماكر
إذا قال مروا في الشتاء تطوعوا ... وإن كان صيف لم يخف شهر ناجر
بهجرة أوطان وبذل وكلفة ... وشدة أخطار وكد المسافر
فأنجح مسعاهم وأثقب زندهم ... وأورى بفلج للمخاصم قاهر «1»
وأوتاد أرض الله في كل بلدة ... وموضع فتياها وعلم التشاجر
وما كان سحبان يشق غبارهم ... ولا الشدق من حيي هلال بن عامر
ولا الناطق النخار والشيخ دغفل ... إذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر
ولا القالة الأعلون رهط مكحّل ... إذا نطقوا في الصلح بين العشائر «2»
بجمع من الجفين راض وساخط ... وقد زحفت بدّاؤهم للمحاضر
- الجفان: بكر وتميم. والروقان: بكر وتغلب. والغاران: الأزد وتميم. ويقال ذلك لكل عمارة من الناس، وهي الجمع، وهم العمائر أيضا:
غار. والجف أيضا: قشر الطلعة-.
تلقب بالغزال واحد عصره ... فمن لليتامى والقبيل المكائر
ومن لحروري وآخر رافض ... وآخر مرجي وآخر جائر
وأمر بمعروف وإنكار منكر ... وتحصين دين الله من كل كافر
يصيبون فصل القول في كل موطن ... كما طبّقت في العظم مدية جازر
تراهم كأن الطير فوق رؤوسهم ... على عمة معروفة في المعاشر
وسيماهم معروفة في وجوههم ... وفي المشي حجاجا وفوق الأباعر
وفي ركعة تأتي على الليل كله ... وظاهر قول في مثال الضمائر
وفي قص هداب واحفاء شارب ... وكور على شيب يضيء لناظر
وعنفقة مصلومة ولنعله ... قبالان في ردن رحيب الخواصر «3»
فتلك علامات تحيط بوصفهم ... وليس جهول القوم في علم خابر
(1/45)

وفي واصل يقول صفوان:
فما مس دينارا ولا صر درهما ... ولا عرف الثوب الذي هو قاطعه
وفيه يقول أسباط بن واصل الشيباني:
وأشهد أن الله سماك واصلا ... وأنك محمود النقيبة والشيم
ولما قام بشار بعذر إبليس في أن النار خير من الأرض، وذكر واصلا بما ذكره به صفوان:
زعمت بأن النار أكرم عنصرا ... وفي الأرض تحيا بالحجارة والزند
وتخلق في أرحامها وأرومها ... أعاجيب لا تحصى بخط ولا عقد «1»
وفي القعر من لج البحار منافع ... من اللؤلؤ المكنون والعنبر الورد
كذلك سر الأرض في البحر كله ... وفي الغيضة الغناء والجبل الصلد
ولا بد من أرض لكل مطير ... وكل سبوح في الغمائر من جد «2»
كذاك وما ينساح في الأرض ماشيا ... على بطنه مشي المجانب للقصد «3»
ويسري على جلد يقيم حزوزه ... تعمج ماء السيل في صبب حرد «4»
وفي قلل الأجبال خلف مقطم ... زبرجد أملاك الورى ساعة الحشد
وفي الحرة الرجلاء تلفى معادن ... لهن مغارات تبجس بالنقد «5»
من الذهب الإبريز والفضة التي ... تروق وتصبي ذا القناعة والزهد
وكل فلز من نحاس وآنك ... ومن زئبق حي ونو شاذر يسدي «6»
(1/46)

وفيها زرانيخ ومكر ومرتك ... ومن مرقشيشا غير كاب ولا مكدي «1»
وفيها ضروب القار والشب والمها ... وأصناف كبريت مطاولة الوقد «2»
ترى العرق منها في المقاطع لائحا ... كما قدّت الحسناء حاشية البرد
ومن إثمد جون وكلس وفضة ... ومن توتياء في معادنه هندي
وفي كل أغوار البلاد معادن ... وفي ظاهر البيداء من مستو نجد
وكل يواقيت الأنام وحليها ... من الأرض والأحجار فاخرة المجد
وفيها مقام الخل والركن والصفا ... ومستلم الحجاج من جنة الخلد
وفي صخرة الخضر التي عند حوتها ... وفي الحجر الممهي لموسى على عمد «3»
وفي الصخرة الصماء تصدع آية ... لام فصيل ذي رغاء وذي وخد «4»
مفاخر للطين الذي كان أصلنا ... ونحن بنوه غير شك ولا جحد
فذلك تدبير ونفع وحكمة ... وأوضح برهان على الواحد الفرد
أتجعل عمرا والنطاسي واصلا ... كأتباع ديصان وهم قمش المد
وتفخر بالميلاء والعلج عاصم ... وتضحك من جيد الرئيس أبي الجعد
وتحكي لذى الأقوام شنعة رأيه ... لتصرف أهواء النفوس إلى الرد
وسميته الغزال في الشعر مطنبا ... ومولاك عند الظلم قصته مردي
- يقول: إن مولاك ملاح، لأن الملاحين إذا تظلموا رفعوا المرادي-.
فيا ابن حليف الطين واللؤم والعمى ... وأبعد خلق الله من طرق الرشد
أتهجو أبا بكر وتخلع بعده ... عليا وتعزو كل ذاك إلى برد
كأنك غضبان على الدين كله ... وطالب ذحل لا يبيت على حقد «5»
رجعت إلى الأمصار من بعد واصل ... وكنت شريدا في التهائم والنجد «6»
(1/47)

أتجعل ليلى الناعظية نحلة ... وكل عريق في التناسخ والرد
عليك بدعد والصدوف وفرتني ... وحاضنتي كسف وزاملتي هند «1»
تواثب أقمارا وأنت مشوه ... وأقرب خلق الله من شبه القرد
ولذلك قال فيه حماد عجرد «2» بعد ذلك:
ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد
ويقال إنه لم يجزع بشار من شيء قط جزعه من هذا البيت.
وذكر الشاعر وذكر أخويه لأمه فقال:
لقد ولدت أم الأكيمه أعرجا ... وآخر مقطوع القفا ناقص العضد «3»
وكانوا ثلاثة مختلفي الآباء والأم واحدة، وكلهم ولد زمنا «4» . ولذلك قال بعض من يهجوه:
إذا دعاه الخال أقعى ونكص ... وهجنة الأقراف فيه بالحصص»
وقال الشاعر:
لا تشهدنّ بخارجي مطرف ... حتى ترى من نجله أفراسا «6»
(1/48)

وقال صفوان الأنصاري في بشار وأخويه، وكان يخاطب أمهم:
ولدت خلدا وذيخا في تشتمه ... وبعده خززا يشتد في الصعد
ثلاثة من ثلاث فرقوا فرقا ... فاعرف بذلك عرق الخال في الولد
الخلد: ضرب من الجرذان يولد أعمى. والذيخ: ذكر الضباع، وهو أعرج. والخزز: ذكر الأرانب، وهو قصير اليدين لا يلحقه الكلب في الصعد.
وقال بعد ذلك سليمان الأعمى، أخو مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، في اعتذار بشار لإبليس وهو يخبر عن كرم خصال الأرض:
لا بد للأرض إن طابت وإن خبثت ... من أن تحيل إليها كل مغروس
وتربة الأرض إن جيدت وإن قحطت ... فحملها أبدا في أثر منفوس
وبطنها بفلّز الأرض ذو خبر ... بكل ذي جوهر في الأرض مرموس
- الفلّز: جوهر الأرض من الذهب والفضة والنحاس والآنك وغير ذلك-.
وكل آنية عمت مرافقها ... وكل منتقد فيها وملبوس
وكل ماعونها كالملح مرفقة ... وكلها مضحك من قول إبليس
وقال بعض خلعاء بغداد:
عجبت من إبليس في كبره ... وقبح ما أظهر من نيّته
تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته
وذكره بهذا المعنى سليمان الأعمى، اخو مسلم الأنصاري، فقال:
يأبى السجود له من فرط نخوته ... وقد تحول في مسلاخ قواد
وقال صفوان في شأن واصل وبشار، وفي شأن النار والطين في كلمة له:
(1/49)

وفي جوفها للعبد أستر منزل ... وفي ظهرها يقضي فرائضه العبد
تمج لفاظ الملح مجا وتصطفي ... سبائك لا تصدا وإن قدم العهد
وليس بمحص كنه ما في بطونها ... حساب ولا خط وإن بلغ الجهد
فسائل بعبد الله في يوم حفله ... وذاك مقام لا يشاهده وغد
أقام شبيب وابن صفوان قبله ... بقول خطيب لا يجانبه القصد
وقام ابن عيسى ثم قفاه واصل ... فأبدع قولا ما له في الورى ند
فما نقصته الراء إذ كان قادرا ... على تركها واللفظ مطرد سرد
ففضل عبد الله خطبة واصل ... وضوعف في قسم الصلات له الشكد «1»
فأقنع كلّ القوم شكر حبائهم ... وقلل ذاك الضعف في عينه الزهد
قد كتبنا احتجاج من زعم أن واصل بن عطاء كان غزالا، واحتجاج من دفع ذلك عنه، ويزعم هؤلاء أن قول الناس واصل الغزال، كما يقولون خالد الحذّاء، وكما يقولون هشام الدستوائي «2» . وإنما قيل ذلك لأن الإباضية «3» كانت تبعث إليه من صدقاتها ثيابا دستوائية، فكان يكسوها الأعراب الذين يكونون بالجناب، فأجابوه إلى قول الاباضية، وكانوا قبل ذلك لا يزوجون الهجناء، فأجابوه إلى التسوية وزوجوا هجينا، فقال الهجين في ذلك:
إنا وجدنا الدستوائيينا ... الصائمين المتعبدينا
أفضل منكم حسبا ودينا ... أخزى الإله المتكبرينا
أفيكم من ينكح الهجينا «4»
وقال: إنما قيل ذلك لواصل لأنه كان يكثر الجلوس في سوق الغزالين، إلى أبي عبد الله مولى قطن الهلالي، وكذلك كانت حال خالد الحذّاء الفقيه
(1/50)

وكما قالوا: أبو مسعود البدري، لأنه كان نازلا على ذلك الماء. وكما قالوا:
أبو مالك السدي، لأنه كان يبيع الخمر في سدة المسجد.
وهذا الباب مستقصى في كتاب «الأسماء والكنى» ، وقد ذكرنا جملة منه في كتاب «أبناء السراري والمهيرات» .
[حروف اللثغة]
ذكر الحروف التي تدخلها اللثغة وما يحضرني منها:
قال أبو عثمان: وهي أربعة أحرف: القاف، والسين، واللام، والراء.
فأما التي هي على الشين المعجمة فذلك شيء لا يصوره الخط! لأنه ليس من الحروف المعروفة، وإنما هو مخرج من المخارج، والمخارج لا تحصى ولا يوقف عليها. وكذلك القول في حروف كثيرة من حروف لغات العجم، وليس ذلك في شيء أكثر منه في لغة الخوز. وفي سواحل البحر من اسياف فارس ناس كثير، كلامهم يشبه الصفير. فمن يستطيع أن يصور كثيرا من حروف الزمزمة والحروف التي تظهر من فم المجوسي إذا ترك الإفصاح من معانيه، وأخذ في باب الكناية وهو على الطعام؟! فاللثغة التي تعرض للسين تكون ثاء، كقولهم لأبي يكسوم: أبي يكثوم، وكما يقولون بثرة، إذا أرادوا بسرة. وبثم الله إذا أرادوا بسم الله.
والثانية اللثغة التي تعرض للقاف، فإن صاحبها يجعل القاف طاء، فإذا أراد أن يقول: قلت له، قال: طلت له، وإذا أراد أن يقول قال لي، قال: طال لي.
وأما اللثغة التي تقع في اللام فإن من أهلها من يجعل اللام ياء فيقول بدل قوله: اعتلك: اعتييك، وبدل جمل: جمى. وآخرون يجعلون اللام كافا، كالذي عرض لعمر أخي هلال، فإنه كان إذا أراد أن يقول: ما العلة في هذا، قال: مكعكة في هذا.
وأما اللثغة التي تقع في الراء فإن عددها يضعف على عدد لثغة اللام، لأن الذي يعرض لها أربعة أحرف: فمنهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال:
(1/51)

عمي، فيجعل الراء ياء. ومنهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال: عمغ، فيجعل الراء غينا. ومنهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال: عمذ، فيجعل الراء ذالا. وإذا أنشد قول الشاعر «1» :
واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد
قال:
واستبدت مذة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد
فمن هؤلاء علي بن الجنيد بن فريدي.
ومنهم من يجعل الراء ظاء معجمة، فإذا أراد أن يقول:
واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد
يقول:
واستبدت مظة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد
ومنهم من يجعل الراء غينا معجمة، فإذا أراد أن ينشد هذا البيت قال:
واستبدت مغة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد
كما الذي لثغته بالياء، إذا أراد أن يقول: «واستبدت مرة واحدة» يقول «واستبدت مية واحدة» .
وأما اللثغة الخامسة التي كانت تعرض لواصل بن عطاء، ولسليمان بن يزيد العدوي الشاعر، فليس إلى تصويرها سبيل. وكذلك اللثغة التي تعرض في السين كنحو ما كان يعرض لمحمد بن الحجاج، كاتب داود بن محمد، كاتب أم جعفر، فإن تلك أيضا ليست لها صورة في الخط ترى بالعين، وإنما يصورها اللسان وتتأدى إلى السمع. وربما اجتمعت في الواحد لثغتان في
(1/52)

حرفين، كنحو لثغة شوشي، صاحب عبد الله بن خالد الأموي، فإنه كان يجعل اللام ياء والراء ياء. قال مرة: مو ياي ويي ايي. يريد مولاي ولي الري. واللثغة التي في الراء إذا كانت بالياء فهي أحقرهن وأوضعهن لذي المروءة، ثم التي على الظاء، ثم التي على الذال فأما التي على الغين فهي أيسرهن، ويقال إن صاحبها لو جهد نفسه جهده وأحد لسانه، وتكلف مخرج الراء على حقها والإفصاح بها، لم يك بعيدا من أن تجيبه الطبيعة، ويؤثر فيها ذلك التعهد أثرا حسنا.
وقد كانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، وكان إذا شاء أن يقول عمرو، ولعمري، وما أشبه ذلك على الصحة قاله، ولكنه كان يستثقل التكلف والتهيؤ لذلك، فقلت له: إذا لم يكن المانع إلا هذا العذر فلست أشك أنك لو احتملت هذا التكلف والتتبع شهرا واحدا أن لسانك كان يستقيم.
فأما من تعتريه اللثغة في الضاد وربما اعتراه أيضا في الصاد والراء حتى إذا أراد أن يقول مضر قال مضى، فهذا وأشباهه لاحقون بشوشي.
وقد زعم ناس من العوام أن موسى عليه السلام كان ألثغ، ولم يقفوا من الحروف التي كانت تعرض له على شيء بعينه. فمنهم من جعل ذلك خلقة، ومنهم من زعم أنه إنما اعتراه حين قالت آسية بنت مزاحم امرأة فرعون لفرعون:
«لا تقتل طفلا لا يعرف التمر من الجمر» . فلما دعا له فرعون بهما جميعا تناول جمرة فأهوى بها إلى فيه، فاعتراه من ذلك ما اعتراه.
وأما اللثغة في الراء فتكون بالياء والظاء والذال والغين، وهي أقلها قبحا وأوجدها في ذوي الشرف وكبار الناس وبلغائهم وعلمائهم.
وكانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، فإذا حمل على نفسه وقوم لسانه أخرج الراء على الصحة فتأتى له ذلك. وكان يدع ذلك استثقالا أنا سمعت ذلك منه.
(1/53)

قال: وكان الواقدي «1» يروي عن بعض رجاله، أن لسان موسى كانت عليه شأمة فيها شعرات. وليس يدل القرآن على شيء من هذا، لأنه ليس في قوله: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي
دليل على شيء دون شيء.
[الفأفأة والتمتمة]
وقال الأصمعي: إذا تتعتع اللسان في التاء فهو تمتام، وإذا تتعتع في الفاء فهو فأفاء. وأنشد لرؤبة بن العجاج:
يا حمد ذات المنطق التمتام ... كأن وسواسك في اللمام
حديث شيطان بني هنام
وبعضهم ينشد:
يا حمد ذات المنطق النمنام
وليس ذلك بشيء، وإنما هو كما قال أبو الزحف «2» :
لست بفأفاء ولا تمتام ... ولا كثير الهجر في الكلام
وأنشد أيضا للخولاني في كلمة له:
إن السياط تركن لأستك منطقا ... كمقالة التمتام ليس بمعرب
فجعل الخولاني التمتام غير معرب عن معناه، ولا مفصح بحاجته.
[اللفف]
وقال أبو عبيدة: إذا أدخل الرجل بعض كلامه في بعض فهو ألف، وقيل بلسانه لفف. وأنشدني لأبي الزحف الراجز:
(1/54)

كأن فيه لففا إذا نطق ... من طول تحبيس وهم وأرق
كأنه لما جلس وحده ولم يكن له من يكلمه، وطال عليه ذلك، أصابه لفف في لسانه.
وكان يزيد بن جابر، قاضي الأزارقة «1» بعد المقعطل، يقال له الصموت، لأنه لما طال صمته ثقل عليه الكلام، فكان لسانه يلتوي، ولا يكاد يبين.
وأخبرني محمد بن الجهم أن مثل ذلك اعتراه أيام محاربة الزط «2» ، من طول التفكر ولزوم الصمت.
قال: وأنشدني الأصمعي:
حديث بني قرط إذا ما لقيتهم ... كنزو الدبا في العرفج المتقارب «3»
قال ذلك حين كان في كلامهم عجلة. وقال سلمة بن عياش «4» :
كأن بني رألان إذ جاء جمعهم ... فراريج يلقى بينهن سويق
فقال ذلك لدقة أصواتهم وعجلة كلامهم.
[اللجلجة]
وقال اللهبي في اللجلاج:
ليس خطيب القوم باللجلاج ... ولا الذي يزحل كالهلباج «5»
ورب بيداء وليل داج ... هتكته بالنص والإدلاج
(1/55)

وقال محمد بن سلام الجمحي: كان عمر بن الخطاب، رحمه الله، إذا رأى رجلا يتلجج في كلامه، قال: «خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد» .
[الحبسة والحكلة]
ويقال في لسانه حبسة، إذا كان الكلام يثقل عليه ولم يبلغ حد الفأفاء والتمتام. ويقال في لسانه عقلة، إذا تعقل عليه الكلام. ويقال في لسانه لكنة، إذا أدخل بعض حروف العجم في حروف العرب، وجذبت لسانه العادة الأولى إلى المخرج الأول. فإذا قالوا في لسانه حكلة فإنما يذهبون إلى نقصان آلة المنطق، وعجز أداة اللفظ، حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال.
وقال رؤبة بن العجاج:
لو أنني أوتيت علم الحكل ... علم سليمان كلام النمل
وقال محمد بن ذؤيب «1» ، في مديح عبد الملك بن صالح:
ويفهم قول الحكل لو أن ذرة ... تساود أخرى لم يفته سوادها
وقال التيمي في هجائه لبني تغلب:
ولكن حكلا لا تبين ودينها ... عبادة أعلاج عليها البرانس
[النحنحة والسعلة]
قال: وأنشدني سحيم بن حفص، في الخطيب الذي تعرض له النحنحة والسعلة، وذلك إذا انتفخ سحره، وكبا زنده، ونبا حده، فقال:
نعوذ بالله من الإهمال ... ومن كلال الغرب في المقال
ومن خطيب دائم السعال
(1/56)

وأنشدني ابن الأعرابي:
إن زيادا ليس بالبكيّ ... ولا بهياب كثير العيّ
وأنشدني بعض أصحابنا:
ناديت هيذان والأبواب مغلقة ... ومثل هيذان سنّى فتحة الباب «1»
كالهندواني لم تفلل مضاربه ... وجه جميل وقلب غير وجاب «2»
وقال آخر:
إذا الله سنى عقد شيء تيسرا
وقال بشر بن المعتمر «3» ، في مثل ذلك:
ومن الكبائر مقول متتعتع ... جم التنحنح متعب مبهور
وذلك أنه شهد ريسان، أبا بحير بن ريسان، يخطب. وقد شهدت أنا هذه الخطبة ولم أر جبانا قط أجرأ منه، ولا جريئا قط أجبن منه.
[الخطباء الشعراء]
وقال الأشل الأزرقي- من بعض أخوال عمران بن حطان الصفري القعدي- في زيد بن جندب الإيادي خطيب الأزارقة، وقد اجتمعا في بعض المحافل، فقال بعد ذلك الأشل البكري:
نحنح زيد وسعل ... لما رأى وقع الأسل
ويل أمه إذا ارتجل ... ثم أطال واحتفل
(1/57)

وقد ذكر الشاعر زيد بن جندب الإيادي، الخطيب الأزرقي، في مرثيته لأبي داود بن حريز الإيادي، حيث ذكره بالخطابة وضرب المثل بخطباء إياد، فقال:
كقس إياد أو لقيط بن معبد ... وعذرة والمنطيق زيد بن جندب
وزيد بن جندب هو الذي قال في الاختلاف الذي وقع بين الأزارقة:
قل للمحلين قد قرت عيونكم ... بفرقة القوم والبغضاء والهرب
كنا أناسا على دين ففرقنا ... طول الجدال وخلط الجد باللعب
ما كان أغنى رجالا ضل سعيهم ... عن الجدال وأغناهم عن الخطب
إني لأهونكم في الأرض مضطربا ... ما لي سوى فرسي والرمح من نشب
وأما عذرة المذكور في البيت الأول فهو عذرة بن حجيرة الخطيب الإيادي. ويدل على قدره فيهم، وعلى قدره في اللسن وفي الخطب، قول شاعرهم:
وأي فتى صبر على الأين والظما ... إذ اعتصروا للوح ماء فظاظها «1»
إذا ضرجوها ساعة بدمائها ... وحل عن الكوماء عقد شظاظها «2»
فإنك ضحاك إلى كل صاحب ... وأنطق من قس غداة عكاظها
إذا شغب المولى مشاغب معشر ... فعذرة فيها آخذ بكظاظها «3»
فلم يضرب هذا الشاعر الإيادي المثل لهذا الخطيب الإيادي، إلا برجل من خطباء إياد، وهو قس بن ساعدة. ولم يضرب صاحب مرثية أبي داود بن حريز الإيادي المثل إلا بخطباء إياد فقط، ولم يفتقر إلى غيرهم، حيث قال في عذرة بن حجيرة:
(1/58)

كقس إياد أو لقيط بن معبد ... وعذرة والمنطيق زيد بن جندب
وأول هذه المرثية قوله:
نعى ابن حريز جاهل بمصابه ... فعمّ نزارا بالبكا والتحوب «1»
نعاه لنا كالليث يحمي عرينا ... وكالبدر يعشي ضوؤه كل كوكب
وأصبر من عود وأهدى إذا سرى ... من النجم في داج من الليل غيهب «2»
وأذرب من حد السنان لسانه ... وأمضى من السيف الحسام المشطب «3»
زعيم نزار كلها وخطيبها ... إذا قام طأطأ رأسه كل مشغب
سليل قروم سادة ثم قالة ... يبذون يوم الجمع أهل المحصب
كقس إياد أو لقيط بن معبد ... وعذرة والمنطيق زيد بن جندب
في كلمة له طويلة. وإياهم عنى الشاعر بقوله:
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء
قال: أخبرني محمد بن عباد بن كاسب، كاتب زهير ومولى بجيلة من سبي دابق، وكان شاعرا راوية، وطلابة للعلم علامة، قال: سمعت أبا داود ابن حريز يقول وقد جرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام واقتضابه، وصعوبة ذلك المقام وأهواله، فقال: «تلخيص المعاني رفق. والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق من غير أهل البادية بغض، والنظر في عيون الناس عي، ومس اللحية هلك، والخروج مما بني عليه أول الكلام إسهاب» .
قال: وسمعته يقول: «رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير الألفاظ. والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه» . وأنشدني بيتا له في صفة خطباء إياد:
(1/59)

يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء
فذكر المبسوط في موضعه، والمحذوف في موضعه، والموجز، والكناية والوحي باللحظ ودلالة الإشارة. وأنشدني له الثقة في كلمة له معروفة:
الجود أخشن مسا يا بني مطر ... من أن تبزّكموه كف مستلب
ما أعلم الناس إن الجود مدفعة ... للذم لكنه يأتي على النشب
قال: ثم لم يحفل بها، فادعاها مسلم بن الوليد الأنصاري، أو ادعيت له. وكان أحد من يجيد قريض الشعر وتحبير الخطب.
وفي الخطباء من يكون شاعرا ويكون إذا تحدث أو وصف أو احتج بليغا مفوها بينا، وربما كان خطيبا فقط وبيّن اللسان فقط.
فمن الخطباء الشعراء، الأبيناء الحكماء: قس بن ساعدة الإيادي.
والخطباء كثر، والشعراء أكثر منهم، ومن يجمع الشعر والخطابة قليل.
ومنهم: عمرو بن الأهتم المنقري، وهو المكحل، قالوا: كأن شعره في مجالس الملوك حلل منشورة. قيل لعمر بن الخطاب رحمه الله: «قيل للأوسية أي منظر أحسن؟ فقالت: قصور بيض في حدائق خضر» ، فأنشد عند ذلك عمر بن الخطاب، بيت عدي بن زيد العبادي:
كدمى العاج في المحاريب أو كال ... بيض في الروض زهره مستنير
قال: فقال قسامة بن زهير: «كلام عمرو بن الأهتم آنق، وشعره أحسن» . هذا، وقسامة أحد أبيناء العرب.
ومن الخطباء الشعراء: البعيث المجاشعي، واسمه خداش بن بشر بن بيبة.
ومن الخطباء الشعراء: الكميت بن زيد الأسدي، وكنيته أبو المستهل.
ومن الخطباء الشعراء: الطرماح بن حكيم الطائي، وكنيته أبو نفر. قال
(1/60)

القاسم بن معن: قال محمد بن سهل راوية الكميت: أنشدت الكميت قول الطرماح:
إذا قبضت نفس الطرماح أخلقت ... عرى المجد واسترخى عنان القصائد
قال: فقال الكميت: أي والله، وعنان الخطابة والرواية.
قال أبو عثمان الجاحظ: ولم ير الناس أعجب حالا من الكميت والطرماح. وكان الكميت عدنانيا عصبيا، وكان الطرماح قحطانيا عصبيا. وكان الكميت شيعيا من الغالية، وكان الطرماح خارجيا من الصفرية. وكان الكميت يتعصب لأهل الكوفة، وكان الطرماح يتعصب لأهل الشام. وبينهما مع ذلك من الخاصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط، ثم لم يجر بينهما صرم ولا جفوة ولا إعراض، ولا شيء مما تدعو هذه الخصال إليه. ولم ير الناس مثلهما إلا ما ذكروا من حال عبد الله بن يزيد الإباضي، وهشام بن الحكم الرافضي «1» ، فإنهما صارا إلى المشاركة بعد الخلطة والمصاحبة.
وقد كانت الحال بين خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة، الحال التي تدعو إلى المفارقة بعد المنافسة والمحاسدة، للذي اجتمع فيهما من اتفاق الصناعة والقرابة والمجاورة، فكان يقال: لولا أنهما أحكم تميم لتباينا تباين الأسد والنمر. وكذلك كانت حال هشام بن الحكم الرافضي، وعبد الله بن يزيد الإباضي، إلا أنهما أفضلا على سائر المتضادين، بما صارا إليه من الشركة في جميع تجارتهما. وذكر خالد بن صفوان شبيب بن شيبة فقال: «ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية» ، فلم يعارضه شبيب. وتدل كلمة خالد هذه على أنه يحسن أن يسب سب الأشراف.
ومن الشعراء الخطباء: عمران بن حطان، وكنيته أبو شهاب، أحد بني عمرو بن شيبان أخوة سدوس.
(1/61)

فمن بني عمرو بن شيبان مع قلتهم من الخطباء والعلماء والشعراء عمران ابن حطان رئيس القعد من الصفرية، وصاحب فتياهم، ومفزعهم عند اختلافهم.
ومنهم: دغفل بن حنظلة النسابة، الخطيب العلامة. ومنهم القعقاع بن شور. وسنذكر شأنهم إذا انتهينا إلى موضع ذكرهم إن شاء الله.
ومن الخطباء الشعراء: نصر بن سيار، أحد بني ليث بن بكر، صاحب خراسان، وهو يعد في أصحاب الولايات والحروب، في التدبير، وفي العقل وشدة الرأي.
ومن الخطباء الشعراء العلماء: زيد بن جندب الإيادي، وقد ذكرنا شأنه.
ومن الخطباء الشعراء: عجلان بن سحبان الباهلي، وسحبان هذا هو سحبان وائل، وهو خطيب العرب.
ومن الخطباء الشعراء العلماء، وممن قد تنافر إليه الأشراف: أعشى همدان.
ومن الشعراء الخطباء: عمران بن عصام العنزي، هو الذي أشار على عبد الملك بخلع عبد العزيز أخيه، والبيعة للوليد بن عبد الملك، في خطبته المشهورة وقصيدته المذكورة. وهو الذي لما بلغ عبد الملك بن مروان قتل الحجاج له قال: ولم قتله، ويله؟ ألا رعى له قوله فيه:
وبعثت من ولد الأغر معتب ... صقرا يلوذ حمامه بالعرفج
فإذا طبخت بناره أنضجتها ... وإذا طبخت بغيرها لم تنضج
وهو الهزبر إذا أراد فريسة ... لم ينجها منه صياح مهجهج «1»
ومن خطباء الأمصار وشعرائهم والمولدين منهم: بشار الأعمى، وهو
(1/62)

بشار بن برد، وكنيته أبو معاذ، وكان من أحد موالي بني عقيل. فإن كان مولى أم الظباء على ما يقول بنو سدوس، وعلى ما ذكره حماد عجرد، فهو من موالي بني سدوس. ويقال إنه من أهل خراسان نازلا في بني عقيل. وله مديح كثير في فرسان أهل خراسان ورجالاتهم. وهو الذي يقول:
من خراسان وبيتي في الذرى ... ولدى المسعاة فرعي قد بسق
وقال:
وإني لمن قوم خراسان دارهم ... كرام وفرعي فيهم ناضر بسق
وكان شاعرا راجزا، وسجاعا خطيبا، وصاحب منثور ومزدوج. وله رسائل معروفة.
وأنشد عقبة بن رؤبة، عقبة بن سلم، رجزا يمتدحه به، وبشار حاضر، فأظهر بشار استحسان الأرجوزة، فقال له عقبة بن رؤبة هذا طراز يا أبا معاذ لا تحسنه. فقال بشار: ألمثلي يقال هذا الكلام؟ أنا والله أرجز منك ومن أبيك ومن جدك. ثم غدا على عقبة بن سلم بأرجوزته التي أولها:
يا طلل الحيّ بذات الصمد ... بالله خبّر كيف كنت بعدي
وفيها يقول:
اسلم وحييت أبا الملد ... لله أيامك في معدّ
وفيها يقول:
الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرد
وفيها يقول:
وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلدي
وما درى ما رغبتي من زهدي
(1/63)

أي لم أره زهدا فيه ولا رغبة. ذهب إلى قول الأغر الشاعر:
لقد كنت في قوم عليك أشحة ... بنفسك، لولا أن من طاح طائح
يودون لو خاطوا عليك جلودهم ... وهل يدفع الموت النفوس الشحائح
والمطبوعون على الشعر من المولدين بشار العقيلي، والسيد الحميري، وأبو العتاهية، وابن أبي عيينة. وقد ذكر الناس في هذا الباب يحيى بن نوفل وسلما الخاسر، وخلف بن خليفة «1» . وأبان بن عبد الحميد اللاحقي أولى بالطبع من هؤلاء، وبشار أطبعهم كلهم.
ومن الخطباء الشعراء ومن يؤلف الكلام الجيد، ويصنع المناقلات الحسان ويؤلف الشعر والقصائد الشريفة، مع بيان عجيب ورواية كثيرة، وحسن دل وإشارة: عيسى بن يزيد بن دأب، أحد بني ليث بن بكر، وكنيته أبو الوليد.
ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن: كلثوم بن عمرو العتابي، وكنيته أبو عمرو، وعلى ألفاظه وحذوه ومثاله في البديع يقول جميع من يتكلف مثل ذلك من شعراء المولدين كنحو منصور النمري، ومسلم بن الوليد الأنصاري وأشباههما.
وكان العتابي يحتذي حذو بشار في البديع. ولم يكن في المولدين أصوب بديعا من بشار، وابن هرمة.
والعتابي من ولد عمرو بن كلثوم، ولذلك قال:
إني امرؤ هدم الإقتار مأثرتي ... واجتاح ما بنت الأيام من خطري
أيام عمرو بن كلثوم يسوّده ... حيا ربيعة والأفناء من مضر
أرومة عطلتني من مكارمها ... كالقوس عطلها الرامي من الوتر
(1/64)

ودل في هذه القصيدة على أنه كان قصيرا بقوله:
نهى ظراف الغواني عن مواصلتي ... ما يفجأ العين من شيبي ومن قصري
ومن الخطباء الشعراء الذين قد جمعوا الشعر والخطب، والرسائل الطوال والقصار، والكتب الكبار المخلدة، والسير الحسان المدونة، والأخبار المولدة: سهل بن هارون بن راهيوني «1» الكاتب، صاحب كتاب ثعلة وعفرة، في معارضة كتاب كليلة ودمنة، وكتاب الإخوان وكتاب المسائل، وكتاب المخزومي والهذلية، وغير ذلك من الكتب.
ومن الخطباء الشعراء علي بن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة، ويكنى أبا الحسن وسنذكر كلام قس بن ساعدة وشأن لقيط بن معبد، وهند بنت الخس، وجمعة بنت حابس، وخطباء إياد، إذا صرنا إلى ذكر خطباء القبائل إن شاء.
الله.
ولإياد وتميم في الخطب خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول الله صلّى الله عليه وآله هو الذي روى كلام قس بن ساعدة وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته، وهو الذي رواه لقريش والعرب، وهو الذي عجب من حسنه وأظهر من تصويبه. وهذا إسناد تعجز عنه الأماني وتنقطع دونه الآمال. وإنما وفق الله ذلك الكلام لقس بن ساعدة لاحتجاجه للتوحيد، ولإظهاره معنى الإخلاص وإيمانه بالبعث. ولذلك كان خطيب العرب قاطبة.
وكذلك ليس لأحد في ذلك مثل الذي لبني تميم، لأن النبي عليه السلام لما سأل عمرو بن الأهتم عن الزبرقان بن بدر «2» قال: «مانع لحوزته، مطاع في أدنيه» . فقال الزبرقان: «أما إنه قد علم أكثر مما قال، ولكنه حسدني شرفي» . فقال عمرو: «أما لئن قال ما قال فو الله ما علمته إلا ضيق الصدر،
(1/65)

زمر المروءة لئيم الخال، حديث الغنى» ، فلما رأى أنه خالف قوله الآخر قوله الأول، ورأى الإنكار في عيني رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الآخرة» . فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله عند ذلك: «إن من البيان لسحرا» .
فهاتان الخصلتان خصت بهما إياد وتميم، دون جميع القبائل.
ودخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان، فأشار له إلى الوساد فقال له: اجلس. فجلس على الأرض، فقال له معاوية: وما منعك يا أحنف من الجلوس على الوساد؟ فقال يا أمير المؤمنين، إن فيما أوصى به قيس بن عاصم المنقري ولده أن قال: «لا تغش السلطان حتى يملك، ولا تقطعه حتى ينساك، ولا تجلس له على فراش ولا وساد، واجعل بينك وبينه مجلس رجل أو رجلين، فإنه عسى أن يأتي من هو أولى بذلك المجلس منك فتقام له، فيكون قيامك زيادة له، ونقصانا عليك» . حسبي بهذا المجلس يا أمير المؤمنين، لعله إن يأتي من هو أولى بذلك المجلس مني، فقال معاوية:
«لقد أوتيت تميم الحكمة، مع رقة حواشي الكلم» . وأنشأ يقول:
يا أيها السائل عما مضى ... وعلم هذا الزمن العائب
إن كنت تبغي العلم أو أهله ... أو شاهدا يخبر عن غائب
فاعتبر الأرض بسكانها ... واعتبر الصاحب بالصاحب
وذهب الشاعر في مرثية أبي دؤاد في قوله:
وأصبر من عود وأهدى إذا سرى ... من النجم في داج من الليل غيهب
إلى شبيه بقول جبار بن سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب، حين وقف على قبر عامر بن الطفيل فقال: «كان والله لا يضل حتى يضل النجم، ولا
(1/66)

يعطش حتى يعطش البعير، ولا يهاب حتى يهاب السيل، وكان والله خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس خيرا» .
وكان زيد بن جندب أشغى أفلح «1» ولولا ذلك لكان أخطب العرب قاطبة.
وقال عبيدة بن هلال اليشكري في هجائه له:
أشغى عقبناة وناب ذو عصل «2» ... وفلح باد وسن قد نصل
وقال عبيدة أيضا فيه:
ولفوك أشنع حين تنطق فاغرا ... من في قريح قد أصاب بريرا «3»
وقد قال الكميت:
تشبه في الهام آثارها ... مشافر قرحى أكلن البريرا
وقال النمر بن تولب في شنعة أشداق الجمل:
كم ضربة لك تحكي فاقراسية ... من المصاعب في أشداقه شنع»
القراسية: بعير أضجم «5» . والضجم اعوجاج في الفم، والفقم مثله.
والروق: ركوب السن الشفة.
وفي الخطباء من كان أشغى، ومن كان أشدق، ومن كان أروق، ومن كان أضجم، ومن كان أفقم. وفي كل ذلك قد روينا الشاهد والمثل.
(1/67)

وروى الهيثم بن عدي عن أبي يعقوب الثقفي، عن عبد الملك بن عمير، قال: قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة، مع المصعب بن الزبير، فما رأيت خصلة تذم في رجل إلا وقد رأيتها فيه: كان صعل الرأس أحجن الأنف، أغضف الأذن «1» ، متراكب الأسنان، أشدق، مائل الذقن، ناتىء الوجنة، باخق العين «2» ، خفيف العارضين، أحنف الرجلين، ولكنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه.
ولو استطاع الهيثم أن يمنعه البيان أيضا لمنعه. ولولا أنه لم يجد بدا من أن يجعل له شيئا على حال لما أقر بأنه إذا تكلم جلى عن نفسه.
وقوله في كلمته هذه كقول هند بنت عتبة، حين أتاها نعي يزيد بن أبي سفيان، فقال لها بعض المعزين: إنا لنرجو أن يكون معاوية خلف من يزيد، فقالت هند: «ومثل معاوية لا يكون خلفا من أحد، فو الله إن لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيها، لخرج من أي أعراضها شاء» . ولكنا نقول:
المثل الأحنف يقال: «إلا أنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه» ؟
ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول فيما يعتري اللسان من ضروب الآفات. قال ابن الأعرابي: طلق أبو رمادة امرأته حين وجدها لثغاء، وخاف أن تجيئه بولد ألثغ، فقال:
لثغاء تأتي بحيفس ألثغ ... تميس في الموشيّ والمصبّغ
الحيفس: الولد القصير الصغير.
وأنشدني ابن الأعرابي كلمة جامعة لكثير من هذه المعاني، وهي قول الشاعر:
اسكت ولا تنطق فأنت حبحاب «3» ... كلّك ذو عيب وأنت عياب
(1/68)

إن صدق القوم فأنت كذاب ... أو نطق القوم فأنت هياب
أو سكت القوم فأنت قبقاب «1» ... أو أقدموا يوما فأنت وجاب «2»
وأنشدني في هذا المعنى أيضا:
ولست بدميجة في الفرا ... ش وجابة يحتمي أن يجيبا
ولا ذي قلازم عند الحياض ... إذا ما الشريب أراب الشريبا
الدميجة: الثقيل عن الحركة. والقلازم: كثرة الصياح. وأنشدني:
رب غريب ناصح الجيب ... وابن أب متهم الغيب
ورب عياب له منظر ... مشتمل الثوب على العيب
وأنشدني أيضا:
وأجرأ من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوب.
[أثر الأسنان في البيان]
وقال سهل بن هارون: «لو عرف الزنجي فرط حاجته إلى ثناياه في إقامة الحروف، وتكميل آلة البيان، لما نزع ثناياه» .
وقال عمر بن الخطاب رحمه الله في سهيل بن عمرو الخطيب: «يا رسول الله، انزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا.
وإنما قال ذلك لأن سهيلا كان أعلم من شفته السفلى.
وقال خلاد بن يزيد الأرقط: خطب الجمحي خطبة نكاح أصاب فيها معاني الكلام، وكان في كلامه صفير يخرج في موضع ثناياه المنزوعة، فأجابه زيد بن علي بن الحسين بكلام في جودة كلامه، إلا أنه فضله بحسن المخرج
(1/69)

والسلامة من الصفير، فذكر عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، سلامة لفظ زيد لسلامة أسنانه، فقال في كلمة له:
قلت قوادحها وتمّ عديدها ... فله بذاك مزية لا تنكر
ويروى: «صحت مخارجها وتم حروفها» . المزية: الفضيلة.
وزعم يحيى بن نجيم بن معاوية بن زمعة، أحد رواة أهل البصرة.
قال: قال يونس بن حبيب، في تأويل قول الأحنف بن قيس:
أنا ابن الزافرية أرضعتني ... بثدي لا أجد ولا وخيم
أتمتني فلم تنقص عظامي ... ولا صوتي إذا جد الخصوم
قال: إنما عنى بقوله عظامي أسنانه التي في فمه، وهي التي إذا تمت تمت الحروف، وإذا نقصت نقصت الحروف.
وقال يونس: وكيف يقول مثله: «أتمتني فلم تنقص عظامي» وهو يريد بالعظام عظام اليدين والرجلين وهو أحنف من رجليه جميعا. مع قول الحتات له: «والله إنك لضئيل، وإن أمك لورهاء» . وكان أعرف بمواقع العيوب وأبصر بدقيقها وجليلها. وكيف يقول ذلك وهو نصب عيون الأعداء والشعراء والأكفاء، وهو أنف مضر الذي تعطس عنه، وأبين العرب والعجم قاطبة.
قالوا: ولم يتكلم معاوية على منبر جماعة منذ سقطت ثناياه في الطست.
قال أبو الحسن وغيره: لما شق على معاوية سقوط مقادم فيه قال له يزيد ابن معن السلمي: «والله ما بلغ أحد سنك إلا أبغض بعضه بعضا، ففوك أهون علينا من سمعك وبصرك» . فطابت نفسه.
قال: وسألت مباركا الزنجي الفاشكار «1» ، ولا أعلم زنجيا بلغ في
(1/70)

الفشكرة مبلغه، فقلت له: لم تنزع الزنج ثناياها؟ ولم يحدد ناس منهم أسنانهم؟ فقال: أما أصحاب التحديد فللقتال والنهش، ولأنهم يأكلون لحوم الناس، ومتى حارب ملك ملكا فأخذه أسيرا أو قتيلا أكله، وكذلك إذا قاتل بعضهم بعضا أكل الغالب منهم المغلوب. وأما أصحاب القلع فإنهم قالوا:
نظرنا إلى مقادم أفواه الغنم فكرهنا أن تشبه مقادم أفواهنا مقادم أفواه الغنم، فكم تظنهم- أكرمك الله- فقدوا من المنافع العظام بفقد تلك الثنايا.
وفي هذا كلام يقع في كتاب الحيوان:
وقال أبو الهندي في اللثغ:
سقيت أبا المطرّح إذ أتاني ... وذو الرعثات منتصب يصيح
شرابا تهرب الذبان منه ... ويلثغ حين يشربه الفصيح
وقال محمد بن عمرو الرومي، مولى أمير المؤمنين: قد صحت التجربة وقامت العبرة على أن سقوط جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف، منه إذا سقط أكثرها، وخالف أحد شطريها الشطر الآخر.
وقد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس بعد أن سقطت جميع أسنانهم، وبعد أن بقي منها الثلث أو الربع.
فمن سقطت جميع أسنانه وكان معنى كلامه مفهوما: الوليد بن هشام القحذمي صاحب الأخبار. ومنهم أبو سفيان بن العلاء بن لبيد التغلبي، وكان ذا بيان ولسن.
وكان عبيد الله بن أبي غسان ظريفا يصرف لسانه كيف شاء، وكان الإلحاح على القيء قد برد أسنانه، حتى لا يرى أحد منها شيئا إلا أن تطلع في لحم اللثة، أو في أصول منابت الأسنان.
وكان سفيان بن الأبرد الكلبي كثيرا ما يجمع بين الحار والقار، فتساقطت أسنانه جمع، وكان في ذلك كله خطيبا بينا.
(1/71)

وقال أهل التجربة: إذا كان في اللحم الذي فيه مغارز الأسنان تشمير وقصر سمك «1» ذهبت الحروف وفسد البيان. وإذا وجد اللسان من جميع جهاته شيئا يفرعه ويصكه، ولم يمر في هواء واسع المجال، وكان لسانه يملأ جوبة فمه، لم يضره سقوط أسنانه إلا بالمقدار المغتفر، والجزء المحتمل. ويؤكد ذلك قول صاحب المنطق «2» ، فإنه زعم في كتاب الحيوان أن الطائر والسبع والبهيمة كلما كان لسان الواحد منها أعرض كان أفصح وأبين، وأحكى لما يلقن ولما يسمع، كنحو الببغاء والغداف وغراب البين، وما أشبه ذلك، وكالذي يتهيأ من أفواه السنانير إذا تجاوبت، من الحروف المقطعة المشاركة لمخارج حروف الناس. وأما الغنم فليس يمكنها أن تقول إلا «ما» . والميم والباء أول ما يتهيأ في أفواه الأطفال، كقولهم: ماما، وبابا، لأنهما خارجان من عمل اللسان، وإنما يظهران بالتقاء الشفتين. وليس شيء من الحروف أدخل في باب النقص والعجز من فم الأهتم، من الفاء والسين إذا كانا في وسط الكلمة فأما الضاد فليست تخرج إلا من الشدق الأيمن، إلا أن يكون المتكلم أعسر يسرا، مثل عمر بن الخطاب رحمه الله، فإنه كان يخرج الضاد من أي شدقيه شاء. فأما الأيمن والأعسر والأضبط، فليس يمكنهم ذلك إلا بالاستكراه الشديد.
وكذلك الأنفاس مقسومة على المنخرين، فحالا يكون في الاسترواح ودفع البخار من الجوف من الشق الأيمن، وحالا يكون من الشق الأيسر، ولا يجتمعان على ذلك في وقت إلا أن يستكره ذلك مستكره، أو يتكلفه متكلف، فأما إذا ترك أنفاسه على سجيتها لم تكن إلا كما قالوا.
وقالوا: الدليل على أن من سقط جميع أسنانه أن عظم اللسان نافع له، قول كعب بن جعيل ليزيد بن معاوية، حين أمره بهجاء الأنصار، فقال له:
(1/72)

«أرادي أنت إلى الكفر بعد الإيمان، لا أهجو قوما نصروا رسول الله صلّى الله عليه وآله وآووه، ولكني سأدلك على غلام في الحي، كافر كأن لسانه لسان ثور» . يعني الأخطل.
وجاء في الحديث: «إن الله تبارك وتعالى يبغض الرجل الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل الباقرة الخلا بلسانها» .
قالوا: ويدل على ذلك قول حسان بن ثابت، حين قال له النبي عليه السلام: «ما بقي من لسانك؟» . فأخرج لسانه حتى قرع بطرفه طرف أرنبته، ثم قال: «والله إن لو وضعته على شعر لحلقه، أو على صخر لفلقه، وما يسرني به مقول من معد» .
وأبو السمط مروان بن أبي الجنوب بن مروان بن أبي حفصة، وأبوه وابنه في نسق واحد، يقرعون بأطراف ألسنتهم أطراف أنفهم.
وتقول الهند: لولا أن الفيل مقلوب اللسان لكان أنطق من كل طائر يتهيأ في لسانه كثير من الحروف المقطعة المعروفة.
وقد ضرب الذين زعموا أن ذهاب جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف من ذهاب الشطر أو الثلثين، في ذلك مثلا، فقالوا: الحمام المقصوص جناحاه جميعا أجدر أن يطير من الذي يكون جناحاه أحدهما وافرا والآخر مقصوصا. قالوا: وعلة ذلك التعديل والاستواء، وإذا لم يكن ذلك كذلك ارتفع أحد شقيه وانخفض الآخر، فلم يجذف ولم يطر.
والقطا من الطير قد يتهيأ من أفواهها أن تقول: قطاقطا. وبذلك سميت ويتهيأ من أفواه الكلاب العينات والفاءات والواوات، كنحو قولها: وو وو، وكنحو قولها: عف عف.
قال الهيثم بن عدي: قيل لصبي: من أبوك؟ فقال: وو وو، لأن أباه كان يسمى كلبا.
(1/73)

قال: ولكل لغة حروف تدور في أكثر كلامها كنحو استعمال الروم للسين، واستعمال الجرامقة للعين «1» .
وقال الأصمعي: ليس للروم ضاد، ولا للفرس ثاء، ولا للسرياني ذال.
[تنافر الألفاظ والحروف]
قال: ومن ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر، وإن كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلا ببعض الاستكراه. فمن ذلك قول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
ولما رأى من لا علم له أن أحدا لا يستطيع أن ينشد هذا البيت ثلاث مرات في نسق واحد فلا يتعتع ولا يتلجلج، وقيل لهم إن ذلك إنما اعتراه إذ كان من أشعار الجن، صدقوا بذلك.
ومن ذلك قول ابن يسير في أحمد بن يوسف حين استبطأه:
هل معين على البكا والعويل ... أم معز على المصاب الجليل
ميّت مات وهو في ورق العيش ... مقيم به وظل ظليل «2»
في عداد الموتى وفي عامري الدن ... يا أبو جعفر أخي وخليلي
لم يمت ميتة الوفاة ولكن ... مات عن كل صالح وجميل
لا أذيل الآمال بعدك إني ... بعدها بالآمال حق بخيل
كم لها وقفة بباب كريم ... رجعت من نداه بالتعطيل «3»
ثم قال:
لم يضرها، والحمد لله، شيء ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول
(1/74)

فتفقد النصف الأخير من هذا البيت، فإنك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض.
وأنشدني أبو العاصي قال: أنشدني خلف الأحمر في هذا المعنى:
وبعض قيض القوم أولاد علة ... يكد لسان الناطق المتحفظ «1»
وقال أبو العاصي: وأنشدني في ذلك أبو البيداء الرياحي:
وشعر كبعر الكبش فرق بينه ... لسان دعي في القريض دخيل
أما قول خلف:
وبعض قريض القوم أولاد علة
فإنه يقول: إذا كان الشعر مستكرها، وكانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها ممائلا لبعض، كان بينها من التنافر ما بين أولاد العلات. وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيا موافقا، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة.
قال: وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان.
وأما قوله «كبعر الكبش» ، فإنما ذهب إلى أن بعر الكبش يقع متفرقا غير مؤتلف ولا متجاور. وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر، تراها متفقة ملسا ولينة المعاطف سهلة، وتراها مختلفة متباينة، ومتنافرة مستكرهة، تشق على اللسان وتكده، والأخرى تراها سهلة لينة، ورطبة مواتية، سلسة النظام، خفيفة على اللسان، حتى كأن البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأن الكلمة بأسرها حرف واحد.
(1/75)

وقال سحيم بن حفص: قالت بنت الحطيئة للحطيئة: «تركت قوما كراما ونزلت في بني كليب بعر الكبش» . فعاتبهم بتفرق بيوتهم.
فقيل لهم: فأنشدونا بعض ما لا تتباين ألفاظه، ولا تتنافر أجزاؤه.
فقالوا: قال الثقفي:
من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إن الدليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية آرام الكناس رميم «1»
رميم التي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم ألا يزال يهيم
ألا رب يوم لو رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم
وأنشدوا:
ولست بدميجة في الفرا ... ش وجّابة يحتمي أن يجيبا
ولا ذي قلازم عند الحياض ... إذا ما الشريب أراب الشريبا
وقال أبو نوفل بن سالم لرؤبة بن العجاج: يا أبا الجحاف، مت إذا شئت. قال: وكيف ذلك؟ قال: رأيت عقبة بن رؤبة ينشد رجزا أعجبني.
قال: إنه يقول، لو كان لقوله قران! وقال الشاعر:
مهاذبة مناجبة قران ... منادبة كأنهم الأسود
وأنشد ابن الأعرابي:
وبات يدرس شعرا لا قران له ... قد كان نقّحه حولا فما زادا
وقال الآخر، بشار:
فهذا بديه لا كتحبير قائل ... إذا ما أراد القول زوره شهرا
(1/76)

فهذا في اقتران الألفاظ. فأما في اقتران الحروف فإن الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين، بتقديم ولا بتأخير. والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال، بتقديم ولا بتأخير. وهذا باب كبير. وقد يكتفي بذكر القليل حتى يستدل به على الغاية التي إليها يجري.
[اللكنة]
وقد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية المعروفة، ويكون لفظه متخيرا فاخرا، ومعناه شريفا كريما، ويعلم مع ذلك السامع لكلامه ومخارج حروفه أنه نبطي. وكذلك إذا تكلم الخراساني على هذه الصفة، فإنك تعلم مع إعرابه وتخير ألفاظه في مخرج كلامه، إنه خراساني. وكذلك إن كان من كتاب الأهواز.
ومع هذا إنا نجد الحاكية من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم، لا يغادر من ذلك شيئا. وكذلك تكون حكايته للخراساني والأهوازي والزنجي والسندي والأجناس وغير ذلك. نعم حتى تجده كأنه أطبع منهم، فإذا ما حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جمعت كل طرفة في كل فأفاء في الأرض في لسان واحد. وتجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينيه وأعضائه، لا تكاد تجد من ألف أعمى واحدا يجمع ذلك كله، فكأنه قد جمع جميع طرف حركات العميان في أعمى واحد.
ولقد كان أبو دبوبة الزنجي، مولى آل زياد، يقف بباب الكرخ، بحضرة المكارين «1» ، فينهق، فلا يبقى حمار مريض ولا هرم حسير، ولا متعب بهير إلا نهق. وقبل ذلك تسمع نهيق الحمار على الحقيقة، فلا تنبعث لذلك، ولا يتحرك منها متحرك حتى كان أبو دبوبة يحركه. وقد كان جمع جميع الصور التي تجمع نهيق الحمار فجعلها في نهيق واحد. وكذلك كان في نباح الكلاب. ولذلك زعمت الأوائل أن الإنسان إنما قيل له العالم الصغير سليل
(1/77)

العالم الكبير، لأنه يصور بيديه كل صورة، ويحكي بفمه كل حكاية، ولأنه يأكل النبات كما تأكل البهائم، ويأكل الحيوان كما تأكل السباع وإن فيه من أخلاق جميع أجناس الحيوان أشكالا.
وإنما تهيأ وأمكن الحاكية لجميع مخارج الأمم، لما أعطى الله الإنسان من الاستطاعة والتمكين، وحين فضله على جمع الحيوان بالمنطق والعقل والاستطاعة. بطول استعمال التكلف ذلت جوارحه لذلك. ومتى ترك شمائله على حالها، ولسانه على سجيته، كان مقصورا بعادة المنشأ على الشكل الذي لم يزل فيه. وهذه القضية مقصورة على هذه الجملة من مخارج الألفاظ، وصور الحركات والسكون. فأما حروف الكلام فإن حكمها إذا تمكنت في الألسنة خلاف هذا الحكم. ألا ترى أن السندي إذا جلب كبيرا فإنه لا يستطيع إلا أن يجعل الجيم زايا ولو أقام في عليا تميم، وفي سفلى قيس، وبين عجز هوازن، خمسين عاما. وكذلك النبطي القح، خلاف المغلاق الذي نشأ في بلاد النبط، لأن النبطي القح يجعل الزاي سينا، فإذا أراد أن يقول زورق قال سورق، ويجعل العين همزة، فإذا أراد أن يقول مشمعل، قال مشمئل.
والنخاس يمتحن لسان الجارية إذا ظن أنها رومية وأهلها يزعمون أنها مولدة بأن تقول ناعمة، وتقول شمس، ثلاث مرات متواليات.
والذي يعتري اللسان مما يمنع من البيان أمور: منها اللثغة التي تعتري الصبيان إلى أن ينشئوا، وهو خلاف ما يعتري الشيخ الهرم الماج «1» ، المسترخي الحنك، المرتفع اللثة، وخلاف ما يعتري أصحاب اللكن من العجم، ومن ينشأ من العرب مع العجم، فمن اللكن ممن كان خطيبا، أو شاعرا، أو كاتبا داهيا زياد بن سلمى أبو أمامة، وهو زياد الأعجم. قال أبو عبيدة: كان ينشد قوله:
فتى زاده السلطان في الود رفعة ... إذا غير السلطان كل خليل
(1/78)

قال: فكان يجعل السين شيئا والطاء تاء، فيقول: «فتى زاده الشلتان» .
ومنهم سحيم عبد بني الحسحاس، قال له عمر بن الخطاب رحمه الله وأنشد قصيدته التي يقول أولها:
عميرة ودع إن تجهزت غاديا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال له عمر: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك. فقال له: ما سعرت. يريد ما شعرت، جعل الشين المعجمة سينا غير معجمة.
ومنهم عبيد الله بن زياد والي العراق، قال لهانىء بن قبيصة: أهرري سائر اليوم! يريد أحروري.
ومنهم صهيب بن سنان النمري، صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يقول: إنك لهائن، يريد إنك لخائن. وصهيب بن سنان يرتضخ لكنة رومية، وعبيد الله بن زياد يرتضخ لكنة فارسية، وقد اجتمعا على جعل الحاء هاء.
وازدانقاذار لكنته لكنة نبطية، وكان مثلهما في جعل الحاء هاء. وبعضهم يروي أنه أملى على كاتب له فقال: اكتب: «الهاصل ألف كر «1» » فكتبها الكاتب بالهاء كاللفظ بها فأعاد عليه الكلام، فأعاد الكاتب. فلما فطن لاجتماعهما على الجهل قال: أنت لا تهسن أن تكتب، وأنا لا أهسن أن أملي، فاكتب: «الجاصل ألف كر» : فكتبها بالجيم معجمة.
ومنهم أبو مسلم صاحب الدعوة، وكان حسن الألفاظ جيد المعاني، وكان إذا أراد أن يقول: قلت لك، قال: كلت لك. فشارك في تحويل القاف كافا عبيد الله بن زياد. كذلك خبرنا أبو عبيدة.
قال: وإنما أتي عبيد الله بن زياد في ذلك أنه نشأ في الأساورة عند شيرويه الاسواري، زوج أمه مرجانة.
(1/79)

وقد كان في آل زياد غير واحد يسمى شيرويه. قال: وفي دار شيرويه عاد علي بن أبي طالب زيادا من علة كانت به.
فهذا ما حضرنا من لكنة البلغاء والخطباء والشعراء والرؤساء. فأما لكنة العامة ومن لم يكن له حظ في المنطق فمثل فيل مولى زياد فإنه قال مرة لزياد «اهدوا لنا همار وهش» . يريد حمار وحش. فقال زياد: ما تقول ويلك! قال: «أهدوا إلينا أيرا» . يريد عيرا. فقال زياد: الأول أهون! وفهم ما أراد.
وقالت أم ولد لجرير بن الخطفي، لبعض ولدها: «وقع الجردان في عجان أمكم» «1» ، فأبدلت الذال من الجرذان دالا وضمت الجيم، وجعلت العجين عجانا. وقال بعض الشعراء في أم ولد له، يذكر لكنتها:
أول ما أسمع منها في السحر ... تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر
والسوءة السوآء في ذكر القمر
لأنها كانت إذا أرادت أن تقول القمر، قالت: الكمر.
وقال ابن عباد: ركبت عجوز سندية جملا، فلما مضى تحتها متخلعا اعتراها كهيئة حركة الجماع، فقالت: هذا الذمل يذكرنا بالسر. تريد أنه يذكرها بالوطء، فقلبت السين شينا والجيم ذالا. وهذا كثير.
وباب آخر من اللكنة. قيل لنبطي: لم ابتعت هذه الأتان؟ قال:
«أركبها وتلد لي» فجاء بالمعنى بعينه ولم يبدل الحروف بغيرها، ولا زاد فيها ولا نقص، ولكنه فتح المكسور حين قال وتلد لي، ولم يقل تلد لي.
قال: والصقلبي يجعل الذال المعجمة دالا في الحروف.
(1/80)

باب البيان
[حد البيان]
قال بعض جهابذة الألفاظ ونقاد المعاني: المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم، والمتخلجة في نفوسهم، والمتصلة بخواطرهم، والحادثة عن فكرهم، مستورة خفية، وبعيدة وحشية، ومحجوبة مكنونة، وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه، ولا معنى شريكه والمعاون له على أموره، وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره. وإنما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها، وأخبارهم عنها، واستعمالهم إياها. وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم، وتجليها للعقل، وتجعل الخفي منها ظاهرا، والغائب شاهدا، والبعيد قريبا. وهي التي تلخص الملتبس، وتحل المنعقد، وتجعل المهمل مقيدا، والمقيد مطلقا، والمجهول معروفا، والوحشي مجلوفا، والغفل موسوما، والموسوم معلوما.
وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة، وحسن الاختصار، ودقة المدخل، يكون إظهار المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح، وكانت الإشارة أبين
(1/81)

وأنور، كان أنفع وأنجع. والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت الله عز وجل يمدحه، ويدعو إليه ويحث عليه. بذلك نطق القرآن، وبذلك تفاخرت العرب، وتفاضلت أصناف العجم.
والبيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يغضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التي يجري القائل والسامع، إنما هو الفهم والأفهام، فبأي شيء بلغت الأفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع.
ثم اعلم- حفظك الله- أن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصلة محدودة.
[أدوات البيان الخمس]
وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ، خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة. والنصبة هي الحال الدالة، التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات، ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة لحلية أختها، وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، ثم عن حقائقها في التفسير، وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصها وعامها، وعن طبقاتها في السار والضار، وعما يكون منها لغوا بهرجا، وساقطا مطرحا.
قال أبو عثمان: وكان في الحق أن يكون هذا الباب في أول هذا الكتاب، ولكنا أخرّناه لبعض التدبير.
وقالوا: البيان بصر والعي عمى، كما أن العلم بصر والجهل عمى.
والبيان من نتاج العلم، والعي من نتاج الجهل.
(1/82)

وقال سهل بن هارون: العقل رائد الروح، والعلم رائد العقل، والبيان ترجمان العلم.
وقال صاحب المنطق: حد الإنسان: الحي الناطق المبين.
وقالوا: حياة المروءة الصدق، وحياة الروح العفاف، وحياة الحلم العلم، وحياة العلم البيان.
وقال يونس بن حبيب: ليس لعيي مروءة، ولا لمنقوص البيان بهاء، ولو حك بيافوخه أعنان السماء.
وقالوا: شعر الرجل قطعة من كلامه، وظنه قطعة من علمه، واختياره قطعة من عقله.
وقال ابن التوأم: الروح عماد البدن، والعلم عماد الروح، والبيان عماد العلم.
قد قلنا في الدلالة باللفظ. فأما الإشارة فباليد، وبالرأس، وبالعين والحاجب والمنكب، إذا تباعد الشخصان، وبالثوب وبالسيف. وقد يتهدد رافع السيف والسوط، فيكون ذلك زاجرا، ومانعا رادعا، ويكون وعيدا وتحذيرا.
والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه. وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تغني عن الخط. وبعد فهل تعدو الإشارة أن تكون ذات صورة معروفة، وحلية موصوفة، على اختلافها في طبقاتها ودلالاتها. وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح، مرفق كبير ومعونة حاضرة، في أمور يسترها بعض الناس من بعض، ويخفونها من الجليس وغير الجليس. ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص، ولجهلوا هذا الباب البتة. ولولا أن تفسير هذه الكلمة يدخل في باب صناعة الكلام لفسرتها لكم. وقد قال الشاعر في دلالات الإشارة:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم
(1/83)

وقال الآخر:
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وفي الناس من الناس ... مقاييس وأشباه
وفي العين غنى للمر ... ء أن تنطق أفواه
وقال الآخر في هذا المعنى:
ومعشر صيد ذوي تجلّه ... ترى عليهم للندى أدلّه
وقال الآخر:
ترى عينها عيني فتعرف وحيها ... وتعرف عيني ما به الوحي يرجع
وقال آخر:
وعين الفتى تبدي الذي في ضميره ... وتعرف بالنجوى الحديث المعمسا
وقال الآخر:
العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من المحبة أو بغض إذا كانا
والعين تنطق والأفواه صامته ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا
هذا ومبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت. فهذا أيضا باب تتقدم فيه الإشارة الصوت.
والصوت هو آلة اللفظ، والجوهر الذي يقوم به التقطيع، وبه يوجد التأليف. ولن تكون حركات اللسان لفظا ولا كلاما موزونا ولا منثورا إلا بظهور الصوت، ولا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع والتأليف. وحسن الإشارة باليد والرأس، من تمام حسن البيان باللسان، مع الذي يكون مع الإشارة من الدل والشكل «1» والتقتل والتثني «2» ، واستدعاء الشهوة، وغير ذلك من الأمور.
(1/84)

قد قلنا في الدلالة بالإشارة. فأما الخط، فمما ذكر الله عز وجل في كتابه من فضيلة الخط والإنعام بمنافع الكتاب، قوله لنبيه عليه السلام: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
. وأقسم به في كتابه المنزل، على نبيه المرسل، حيث قال: ن. وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ
، ولذلك قالوا: القلم أحد اللسانين. كما قالوا: قلة العيال أحد اليسارين.
وقالوا: القلم أبقى أثرا، واللسان أكثر هذرا.
وقال عبد الرحمن بن كيسان: استعمال القلم أجدر أن يحض الذهن على تصحيح الكتاب، من استعمال اللسان على تصحيح الكلام.
وقالوا: اللسان مقصور على القريب الحاضر، والقلم مطلق في الشاهد والغائب، وهو للغابر الحائن، مثله للقائم الراهن.
والكتاب يقرأ بكل مكان، ويدرس في كل زمان، واللسان لا يعدو سامعه، ولا يتجاوزه إلى غيره.
وأما القول في العقد، وهو الحساب دون اللفظ والخط، فالدليل على فضيلته، وعظم قدر الانتفاع به قول الله عز وجل: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
. وقال جل وتقدس: الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ
. وقال جل وعز: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِ
. وقال:
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ.
والحساب يشتمل على معان كثيرة ومنافع جليلة، ولولا معرفة العباد بمعنى الحساب في الدنيا لما فهموا عن الله عز وجل معنى الحساب في الآخرة. وفي عدم اللفظ وفساد الخط والجهل بالعقد فساد جل النعم، وفقدان جمهور المنافع، واختلال كل ما جعله الله عز وجل لنا قواما، ومصلحة ونظاما.
(1/85)

وأما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ، والمشيرة بغير اليد. وذلك ظاهر في خلق السموات والأرض، وفي كل صامت وناطق، وجامد ونام، ومقيم وظاعن، وزائد وناقص. فالدلالة التي في الموات الجامد، كالدلالة التي في الحيوان الناطق. فالصامت ناطق من جهة الدلالة، والعجماء معربة من جهة البرهان. ولذلك قال الأول:
«سل الأرض فقل: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟
فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا» .
وقال بعض الخطباء: «أشهد أن السموات والأرض آيات وآلات وشواهد قائمات، كل يؤدي عنك الحجة ويشهد لك بالربوبية موسومة بآثار قدرتك، ومعالم تدبيرك، التي تجليت بها لخلقك، فأوصلت إلى القلوب من معرفتك ما أنسها من وحشة الفكر، ورجم الظنون. فهي على اعترافها لك، وافتقارها إليك شاهدة بأنك لا تحيط بك الصفات ولا تحدك الأوهام، وإن حظ الفكر فيك، الاعتراف لك» .
وقال خطيب من الخطباء، حين قام على سرير الاسكندر وهو ميت:
«الاسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس» .
ومتى دل الشيء على معنى فقد أخبر عنه وإن كان صامتا، وأشار إليه وإن كان ساكتا. وهذا القول شائع في جميع اللغات، ومتفق عليه مع إفراط الاختلافات.
وقال عنترة بن شداد العبسي جعل نعيب الغراب خبرا للزاجر:
حرق الجناح كأن لحيي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع
الحرق: الأسود. شبه لحييه بالجلمين، لأن الغراب يخبر بالفرقة والغربة ويقطع كما يقطع الجلمان. وأنشدني أبو الرديني العكلي، في تنسم الذئب الريح واستنشائه واسترواحه:
يستخبر الريح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصفا الموقع
(1/86)

المقراع: الفأس التي يكسر بها الصخر. والموقع. المحدد. يقال وقعت الحديدة إذا حددتها. وقال آخر، وهو الراعي:
إن السماء وإن الريح شاهدة ... والأرض تشهد والأيام والبلد
لقد جزيت بني بدر ببغيهم ... يوم الهباءة يوما ما له قود
وقال نصيب في هذا المعنى، يمدح سليمان بن عبد الملك:
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب «1»
قفوا خبرونا عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالب «2»
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وهذا كثير جدا.
[أحسن الكلام]
وقال علي رحمه الله: «قيمة كل امرئ ما يحسن» . فلو لم نقف من هذا الكتاب إلا على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية، ومجزئة مغنية، بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، وغير مقصرة عن الغاية. وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكان الله عز وجل قد ألبسه من الجلالة، وغشاه من نور الحكمة على حسب نية صاحبه، وتقوى قائله. فإذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع، بعيدا من الاستكراه، ومنزها عن الاختلال مصونا عن التكلف، صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة. ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله من التوفيق ومنحها من التأييد، ما لا يمتنع معه من تعظيمها صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمها معه عقول الجهلة.
(1/87)

وقد قال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» .
وقال الحسن رحمه الله، وسمع رجلا يعظ، فلم تقع موعظته بموضع من قلبه، ولم يرق عندها، فقال له: «يا هذا، إن بقلبك لشر أو بقلبي» .
وقال علي بن الحسين بن علي رحمه الله: لو كان الناس يعرفون جملة الحال في فضل الاستبانة، وجملة الحال في صواب التبيين، لأعربوا عن كل ما تخلج في صدورهم، ولوجدوا من برد اليقين ما يغنيهم عن المنازعة إلى كل حال سوى حالهم. وعلى أن درك ذلك كان لا يعدمهم في الأيام القليلة العدة، والفكرة القصيرة المدة، ولكنهم من بين مغمور بالجهل، ومفتون بالعجب ومعدول بالهوى عن باب التثبت، ومصروف بسوء العادة عن فضل التعلم.
وقد جمع محمد بن علي بن الحسين صلاح شأن الدنيا بحذافيرها في كلمتين، فقال: «صلاح شأن جميع التعايش والتعاشر، ملء مكيال ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل» . فلم يجعل لغير الفطنة نصيبا من الخير، ولا حظا في الصلاح لأن الإنسان لا يتغافل إلا عن شيء قد فطن له وعرفه.
وذكر هذه الثلاثة الأخبار إبراهيم بن داحة، عن محمد بن عمير. وذكرها صالح بن علي الأفقم، عن محمد بن عمير. وهؤلاء جميعا من مشايخ الشيع، وكان ابن عمير أغلاهم.
وأخبرني إبراهيم بن السندي، عن علي بن صالح الحاجب، عن العباس ابن محمد قال: قيل لعبد الله بن عباس: أنّى لك هذا العلم؟ قال: «قلب عقول، ولسان سؤول» . وقد رووا هذا الكلام عن دغفل بن حنظلة العلامة.
وعبد الله أولى به منه. والدليل على ذلك قول الحسن: إن أول من عرف بالبصرة ابن عباس، صعد المنبر فقرأ سورة البقرة، ففسرها حرفا حرفا، وكان مثجا يسيل غربا.
المثج: السائل الكثير، وهو من الثجاج. والغرب، ها هنا: الدوام.
(1/88)

هشام بن حسان وغيره، قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد، إن قوما زعموا أنك تذم ابن عباس. قالوا: فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: إن ابن عباس كان من الإسلام بمكان، إن ابن عباس كان من القرآن بمكان، وكان والله له لسان سؤول، وقلب عقول، وكان والله مثجا يسيل غربا.
قالوا: وقال علي بن عبد الله بن عباس: من لم يجد مس الجهل في عقله، وذل المعصية في قلبه، ولم يستبن موضع الخلة في لسانه، عند كلال حده عن حد خصمه، فليس ممن ينزع عن ريبة، ولا يرغب عن حال معجزة، ولا يكترث لفصل ما بين حجة وشبهة.
قالوا: وذكر محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، بلاغة بعض أهله فقال: إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلا على مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله.
وهذا كلام شريف نافع، فاحفظوا لفظه وتدبروا معناه، ثم اعلموا أن المعنى الحقير الفاسد، والدني الساقط، يعشش في القلب ثم يبيض ثم يفرخ، فإذا ضرب بجرانه ومكن لعروقه، استفحل الفساد وبزل، وتمكن الجهل وقرح «1» ، فعند ذلك يقوى داؤه، ويمتنع دواؤه، لأن اللفظ الهجين الردي، والمستكره الغبي، أعلق باللسان، وآلف للسمع، وأشد التحاما بالقلب من اللفظ النبيه الشريف، والمعنى الرفيع الكريم. ولو جالست الجهال والنوكى، والسخفاء والحمقى، شهرا فقط، لم تنق من أوضار كلامهم، وخبال معانيهم، بمجالسة أهل البيان والعقل دهرا، لأن الفساد أسرع إلى الناس، وأشد التحاما بالطبائع. والإنسان بالتعلم والتكلف، وبطول الاختلاف إلى العلماء، ومدارسة كتب الحكماء، يجود لفظه ويحسن أدبه، وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التعلم، وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك التخير.
(1/89)

ومما يؤكد قول محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، قول بعض الحكماء حين قيل له: متى يكون الأدب شرا من عدمه؟ قال: إذا كثر الأدب، ونقصت القريحة.
وقد قال بعض الأولين: «من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه» . وهذا كله قريب بعضه من بعض.
وذكر المغيرة بن شعبة عمر بن الخطاب رحمه الله فقال: «كان والله أفضل من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع» .
وقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس: «كفاك من علم الدين أن تعرف ما لا يسع جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل» .
وكان عبد الرحمن بن إسحاق القاضي يروي عن جده إبراهيم بن سلمة، قال: سمعت أبا مسلم يقول: سمعت الإمام إبراهيم بن محمد يقول: يكفي من حظ البلاغة أن لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع.
قال أبو عثمان: أما أنا فأستحسن هذا القول جدا.
(1/90)

باب البلاغة
[حد البلاغة]
الحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلّى الله على محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة.
خبرني أبو الزبير كاتب محمد بن حسان، وحدثني محمد بن أبان- ولا أدري كاتب من كان- قالا:
قيل للفارسي: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل.
وقيل لليوناني: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام، واختيار الكلام.
وقيل للرومي: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة.
وقيل للهندي: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة، وانتهاز الفرصة، وحسن الإشارة.
(1/91)

وقال بعض أهل الهند: جماع البلاغة البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة.
ثم قال: ومن البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة، أن تدع الافصاح بها إلى الكناية عنها، إذا كان الإفصاح أوعر طريقة، وربما كان الإضراب عنها صفحا أبلغ في الدرك، وأحق بالظفر.
قال: وقال مرة: جماع البلاغة التماس حسن الموقع، والمعرفة بساعات القول، وقلة الخرق بما التبس من المعاني أو غمض، وبما شرد عليك من اللفظ أو تعذر.
ثم قال: وزين ذلك كله، وبهاؤه وحلاوته وسناؤه، أن تكون الشمائل موزونة، والألفاظ معدلة، واللهجة نقية. فإن جامع ذلك السن والسمت والجمال وطول الصمت، فقد تم كل التمام، وكمل كل الكمال.
[مفهوم البلاغة عند سهل بن هارون]
وخالف عليه سهل بن هارون في ذلك، وكان سهل في نفسه عتيق الوجه، حسن الشارة، بعيدا من الفدامة، معتدل القامة، مقبول الصورة، يقضى له بالحكمة قبل الخبرة، وبرقة الذهن قبل المخاطبة، وبدقة المذهب قبل الامتحان وبالنبل قبل التكشف. فلم يمنعه ذلك أن يقول ما هو الحق عنده وإن أدخل ذلك على حالة النقص.
قال سهل بن هارون: لو أن رجلين خطبا أو تحدثا، أو احتجا أو وصفا وكان أحدهما جميلا جليلا بهيا، ولباسا نبيلا، وذا حسب شريفا، وكان الآخر قليلا قميئا، وباذّ الهيئة دميما «1» ، وخامل الذكر مجهولا، ثم كان كلامهما في مقدار واحد من البلاغة، وفي وزن واحد من الصواب، لتصدع عنهما الجمع وعامتهم تقضي للقليل الدميم على النبيل الجسيم، وللباذ الهيئة على ذي
(1/92)

الهيئة، ولشغلهم التعجب منه عن مساواة صاحبه به، ولصار التعجب منه سببا للعجب به، ولصار الإكثار في شأنه علة للإكثار في مدحه، لأن النفوس كانت له أحقر، ومن بيانه أيأس، ومن حسده أبعد. فإذا هجموا منه على ما لم يكونوا يحتسبونه، وظهر منه خلاف ما قدروه، تضاعف حسن كلامه في صدورهم، وكبر في عيونهم لأن الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف، وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع. وإنما ذلك كنوادر كلام الصبيان وملح المجانين، فإن ضحك السامعين من ذلك أشد، وتعجبهم به أكثر. والناس موكلون بتعظيم الغريب، واستطراف البعيد، وليس لهم في الموجود الراهن، وفيما تحت قدرتهم من الرأي والهوى، مثل الذي زهّد الجيران في عالمهم، والاصحاب في الفائدة من صاحبهم. وعلى هذا السبيل يستطرفون القادم عليهم، ويرحلون إلى النازح عنهم، ويتركون من هو أعم نفعا وأكثر في وجوه العلم تصرفا، وأخف مؤونة وأكثر فائدة ولذلك قدّم بعض الناس الخارجي «1» على العريق، والطارف على التلبد وكان يقول: إذا كان الخليفة بليغا والسيد خطيبا، فإنك تجد جمهور الناس وأكثر الخاصة فيهما على أمرين: إما رجلا يعطي كلامهما من التعظيم والتفضيل، والإكبار والتبجيل، على قدر حالهما في نفسه، وموقعهما من قلبه، وإما رجلا تعرض له التهمة لنفسه فيهما، والخوف من أن يكون تعظيمه لهما يوهمه من صواب قولهما، وبلاغة كلامهما، ما ليس عندهما حتى يفرط في الإشفاق، ويسرف في التهمة. فالأول يزيد في حقه للذي له في نفسه، والآخر ينقصه من حقه لتهمته لنفسه، ولإشفاقه من أن يكون مخدوعا في أمره.
فإذا كان الحب يعمي عن المساوىء فالبغض أيضا يعمي عن المحاسن. وليس يعرف حقائق مقادير المعاني، ومحصول حدود لطائف الأمور، إلا عالم حكيم، ومعتدل الأخلاط عليم، وإلا القويّ المنة، الوثيق العقدة، والذي لا يميل مع ما يستميل الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر.
(1/93)

وكان سهل بن هارون شديد الإطناب في وصف المأمون بالبلاغة والجهارة، وبالحلاوة والفخامة، وجودة اللهجة والطلاوة.
وإذا صرنا إلى ذكر ما يحضرنا من تسمية خطباء بني هاشم، وبلغاء رجال القبائل، قلنا في وصفهما على حسب حالهما، والفرق الذي بينهما ولأننا عسى أن نذكر جملة من خطباء الجاهليين والإسلاميين، والبدويين والحضريين، وبعض ما يحضرنا من صفاتهم وأقدارهم ومقاماتهم، وبالله التوفيق.
ثم رجع القول بنا إلى ذكر الإشارة.
وروى أبو شمر «1» عن معمّر أبي الأشعث «2» ، خلاف القول الأول في الإشارة والحركة عند الخطبة، وعند منازعة الرجال ومناقلة الأكفاء.
وكان أبو شمر إذا نازع لم يحرّك يديه ولا منكبيه، ولم يقلب عينيه، ولم يحرّك رأسه، حتى كأن كلامه إنما يخرج من صدع صخرة. وكان يقضي على صاحب الإشارة بالافتقار إلى ذلك، وبالعجز عن بلوغ إرادته. وكان يقول:
ليس من حق المنطق أن تستعين عليه بغيره، حتى كلمه إبراهيم بن سيار النظام «3» عند أيوب بن جعفر، فاضطره بالحجة، وبالزيادة في المسألة، حتى حرّك يديه وحل حبوته، وحبا إليه حتى أخذ بيديه. وفي ذلك اليوم انتقل أيوب من قول أبي شمر إلى قول إبراهيم. وكان الذي غرّ أبا شمر وموّه له هذا الرأي، أن أصحابه كانوا يستمعون منه، ويسلمون له ويميلون إليه، ويقبلون كل ما يورده عليهم، ويثبته عندهم، فلما طال عليه توقيرهم له، وترك مجاذبتهم إياه، وخفت مؤونة الكلام عليه- نسي حال منازعة الأكفاء ومجاذبة
(1/94)

الخصوم. وكان شيخا وقورا، وزمّيتا ركينا «1» ، وكان ذا تصرف في العلم، ومذكورا بالفهم والحلم.
[مفهوم البلاغة عند الهند]
قال معمّر، أبو الأشعث: قلت لبهلة الهندي أيام اجتلب يحيى بن خالد أطباء الهند، مثل منكة وبازيكر وقلبرقل وسندباد وفلان وفلان: ما البلاغة عند الهند؟ قال بهلة: عندنا في ذلك صحيفة مكتوبة، ولكن لا أحسن ترجمتها لك، ولم أعالج هذه الصناعة فأثق من نفسي بالقيام بخصائصها، وتلخيص لطائف معانيها.
قال أبو الأشعث: فلقيت بتلك الصحيفة التراجمة فإذا فيها:
أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة. وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش، ساكن الجوارح، قليل اللحظ، متخير اللفظ، لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة ولا الملوك بكلام السوقة. ويكون في قواه فضل التصرف في كل طبقة، ولا يدقق المعاني كلّ التدقيق، ولا ينقح الألفاظ كل التنقيح، ولا يصفها كل التصفية، ولا يهذبها غاية التهذيب، ولا يفعل ذلك حتى يصادف حكيما، أو فيلسوفا عليما، ومن قد تعوّد حذف فضول الكلام، وإسقاط مشتركات الألفاظ، وقد نظر في صناعة المنطق على جهة الصناعة والمبالغة، لا على جهة الاعتراض والتصفح، وعلى وجه الاستطراف والتظرف. قال: ومن علم حق المعنى أن يكون الاسم له طبقا، وتلك الحال له وفقا، ويكون الاسم له لا فاضلا ولا مفضولا، ولا مقصرا، ولا مشتركا، ولا مضمّنا، ويكون مع ذلك ذاكرا لما عقد عليه أول كلامه، ويكون تصفحه لمصادره، في وزن تصفحه لموارده، ويكون لفظه مونقا، ولهول تلك المقامات معاودا. ومدار الأمر على أفهام كل قوم بمقدار طاقتهم، والحمل عليهم على أقدار منازلهم، وأن تواتيه آلاته، وتتصرف معه أداته، ويكون في التهمة لنفسه معتدلا، وفي
(1/95)

حسن الظن بها مقتصدا، فإنه إن تجاوز مقدار الحقّ في التهمة لنفسه ظلمها، فأودعها ذلة المظلوين، وإن تجاوز الحق في مقدار حسن الظن بها، آمنها فأودعها تهاون الآمنين. ولكل ذلك مقدار من الشغل، ولكل شغل مقدار من الوهن، ولكل وهن مقدار من الجهل.
وقال إبراهيم بن هانىء، وكان ماجنا خليعا، وكثير العبث متمردا. ولولا أن كلامه هذا الذي أراد به الهزل يدخل في باب الجد، لما جعلته صلة الكلام الماضي. وليس في الأرض لفظ يسقط البتة، ولا معنى يبور حتى لا يصلح لمكان من الأماكن.
قال إبراهيم بن هانىء: من تمام آلة القصص أن يكون القاص أعمى، ويكون شيخا بعيد مدى الصوت. ومن تمام آلة الزّمر أن تكون الزامرة سوداء.
ومن تمام آلة المغني أن يكون فاره البرذون. برّق الثياب عظيم الكبر، سيء الخلق. ومن تمام آلة الخمار أن يكون ذميا، ويكون اسمه أذين أو شلوما، أو مازيار، أو ازدانقاذار، أو ميشا، ويكون أرقط الثياب، مختوم العنق. ومن تمام آلة الشعر أن يكون الشاعر أعرابيا، ويكون الداعي إلى الله صوفيا. ومن تمام آلة السؤدد أن يكون السيد ثقيل السمع، عظيم الرأس. ولذلك قال ابن سنان الجديدي، لراشد بن سلمة الهذلي: «ما أنت بعظيم الرأس ولا ثقيل السمع فتكون سيدا، ولا بأرسح فتكون فارسا» .
وقال شبيب بن شيبة الخطيب، لبعض فتيان بني منقر: «والله ما مطلت مطل الفرسان، ولا فتقت فتق السادة» .
وقال الشاعر:
فقبّلت رأسا لم يكن رأس سيد ... وكفا ككف الضبّ أو هي أحقر
فعاب صغر رأسه وصغر كفه، كما عاب الشاعر كف عبد الله بن مطيع «1» العدوي، حين وجدها غليظة جافية، فقال:
(1/96)

دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... إلى بيعة قلبي لها غير آلف
فناولني خشناء لما لمستها ... بكفي ليست من أكف الخلائف
وهذا الباب يقع (في كتاب الجوارح) «1» مع ذكر البرص والعرج والعسر والأدر والصلع والحدب والقرع، وغير ذلك من علل الجوارح. وهو وارد عليكم إن شاء الله بعد هذا الكتاب.
وقال إبراهيم بن هانىء: من تمام آلة الشيعي أن يكون وافر الجمة، صاحب بازيكند «2» . ومن تمام آلة صاحب الحرس أن يكون زمّيتا قطوبا أبيض اللحية، أقنى أجنى «3» ، ويتكلم بالفارسية.
وأخبرني إبراهيم بن السندي قال: دخل العماني الراجز على الرشيد، لينشده شعرا، وعليه قلنسوة طويلة، وخف ساذج، فقال: إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور وخفان دمالقان «4» .
قال إبراهيم: قال أبو نصر: فبكر عليه من الغد وقد تزيّا بزي الأعراب، فأنشده ثم دنا فقبّل يده، ثم قال: يا أمير المؤمنين، قد والله أنشدت مروان ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته، وأنشدت المنصور ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته، وأنشدت المهدي ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته. وأنشدت الهادي ورأيت وجهه وقبلت يده وأخذت جائزته. هذا إلى كثير من أشباه الخلفاء وكبار الأمراء، والسادة الرؤساء، ولا الله إن رأيت فيهم أبهى منظرا، ولا أحسن وجها، ولا أنعم كفا، ولا أندى راحة منك يا أمير المؤمنين. وو الله لو ألقي في روعي أني أتحدث عنك ما قلت لك ما قلت.
(1/97)

قال: فأعظم له الجائزة على شعره، وأضعف له على كلامه، وأقبل عليه فبسطه، حتى تمنى والله جميع من حضر أنهم قاموا ذلك المقام.
[مفهوم البلاغة عند العرب]
ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول. قال ابن الأعرابي: قال معاوية بن أبي سفيان لصحّار بن عياش العبديّ «1» . ما هذه البلاغة التي فيكم؟ قال:
شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا. فقال له رجل من عرض القوم:
يا أمير المؤمنين، هؤلاء بالبسر والرطب، أبصر منهم بالخطب. فقال له صحار: أجل والله، إنا لنعلم أن الريح لتلقحه، وأن البرد ليعقده، وأن القمر ليصبغه، وإن الحر لينضجه.
وقال له معاوية: ما تعدون البلاغة فيكم؟ قال: الإيجاز. قال له معاوية: وما الإيجاز؟ قال صحار: أن تجيب فلا تبطىء، وتقول فلا تخطىء.
فقال له معاوية: أو كذلك تقول يا صحار؟ قال صحار: أقلني يا أمير المؤمنين، ألا تبطىء ولا تخطىء.
وشأن عبد القيس عجب، وذلك أنهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين:
ففرقة وقعت بعمان وشقّ عمان، وهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشقّ البحرين، وهم من أشعر قبيل في العرب، ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرّة البادية وفي معدن الفصاحة. وهذا عجب.
ومن خطبائهم المشهورين: صعصعة بن صوحان، وزيد بن صوحان، وسيحان بن صوحان. ومنهم صحار بن عياش. وصحار من شيعة عثمان، وبنو صوحان من شيعة علي.
ومنهم مصقلة بن رقبة، ورقبة بن مصقلة، وكرب بن رقبة.
(1/98)

وإذا صرنا إلى ذكر الخطباء والنسابين، ذكرنا من كلام كل واحد منهم بقدر ما يحضرنا، وبالله التوفيق.
قال لي ابن الأعرابي «1» : قال لي المفضل بن محمد الضبي: قلت لأعرابي منا: ما البلاغة؟ قال لي: الإيجاز في غير عجز، والإطناب في غير خطل. قال ابن الأعرابي: فقلت للمفضل: ما الإيجاز عندك؟ قال: حذف الفضول، وتقريب البعيد.
قال ابن الأعرابي، قيل لعبد الله بن عمر: لو دعوت الله لنا بدعوات.
فقال: اللهم ارحمنا وعافنا وارزقنا! فقال له رجل: لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن. فقال: نعوذ بالله من الإسهاب.
(1/99)

تراجم البلغاء
[إياس بن معاوية]
ذكر ناس من البلغاء والخطباء والأبيناء والفقهاء والأمراء ممن كان لا يكاد يسكت مع قلة الخطأ والزلل منهم: زيد بن صوحان. ومنهم: أبو واثلة إياس ابن معاوية المزنيّ «1» ، القاضي القائف، وصاحب الزّكن، والمعروف بجودة الفراسة. ولكثرة كلامه قال له عبد الله بن شبرمة «2» : «أنا وأنت لا نتفق. أنت لا تشتهي أن تسكت وأنا لا أشتهي أن أسمع» .
وأتى حلقة من حلق قريش في مسجد دمشق، فاستولى على المجلس، ورأوه أحمر دميما باذّ الهيئة، قشفا، فاستهانوا به فلما عرفوه اعتذروا إليه وقالوا له: الذنب مقسوم بيننا وبينك، أتيتنا في زيّ مسكين، تكلمنا بكلام الملوك.
(1/100)

ورأيت ناسا يستحسنون جواب إياس بن معاوية حين قيل له: ما فيك عيب غير أنك معجب بقولك. قال: أفأعجبكم قولي؟ قالوا: نعم. قال:
فأنا أحقّ بأن أعجب بما أقول، وبما يكون مني منكم.
والناس، حفظك الله، لم يضعوا ذكر العجب في هذا الموضع.
والمعيب عند الناس ليس هو الذي لا يعرف ما يكون منه من الحسن. والمعرفة لا تدخل في باب التسمية بالعجب، والعجب مذموم. وقد جاء في الحديث:
«إن المؤمن من ساءته سيئته وسرّته حسنته» . وقيل لعمر: فلان لا يعرف الشر. قال: «ذاك أجدر أن يقع فيه» . وإنما العجب اسراف الرجل في السرور بما يكون منه والإفراط في استحسانه، حتى يظهر ذلك في لفظه وفي شمائله. وهو الذي وصف به صعصعة بن صوحان، المنذر بن الجارود، عند علي بن أبي طالب رحمه الله، فقال: «أما إنه مع ذلك لنظار في عطفيه، تفّال في شراكيه، تعجبه حمرة برديه» .
قال أبو الحسن: قيل لإياس: ما فيك عيب إلا كثرة الكلام. قال:
فتسمعون صوابا أم خطأ؟ قالوا: لا، بل صوابا. قال: «فالزيادة من الخير خير» . وليس كما قال، للكلام غاية، ولنشاط السامعين نهاية، وما فضل عن قدر الاحتمال ودعا إلى الاستثقال والملال، فذلك الفاضل هو الهذر، وهو الخطل، وهو الإسهاب الذي سمعت الحكماء يعيبونه.
وذكر الأصمعي أن عمر بن هبيرة لما أراده على القضاء قال: إني لا أصلح له. قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنني عييّ، ولأني حديد. قال ابن هبيرة: أما الحدة فإن السوط يقوّمك، وأما الدمامة فإني لا أريد أن أحاسن بك أحدا، وأما العيّ فقد عبرت عما تريد.
فإن كان إياس عند نفسه عييا فذاك أجدر بأن يهجر الإكثار.
وبعد فما نعلم أحدا رمى إياسا بالعيّ، وإنما عابوه بالإكثار.
(1/101)

وذكر صالح بن سليمان، عن عتبة بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث، قال ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض، إلا ما كان من الحجاج ابن يوسف، وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس كثيرا.
وقال قائل لإياس: لم تعجل بالقضاء؟ فقال إياس: كم لكفك من أصبع؟ قال: خمس. قال: عجلت. قال: لم يعجل من قال بعد ما قتل الشيء علما ويقينا. قال إياس: فهذا هو جوابي لك.
وكان كثيرا ما ينشد قول النابغة الجعدي:
أبى لي البلاء وأني امرؤ ... إذا ما تبينت لم أرتب
قال: ومدح سلمة بن عياش، سوار بن عبد الله «1» ، بمثل ما وصف به إياس نفسه حين قال:
وأوقف عند الأمر ما لم يضج له ... وأمضى إذا ما شك من كان ماضيا
وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله، إلى عديّ بن أرطأة: إنّ قبلك رجلين من مزينة، فولّ أحدهما قضاء البصرة. يعني بكر بن عبد الله المزني وإياس بن معاوية. فقال بكر: والله ما أحسن القضاء، فإن كنت صادقا فما يحل لك أن توليني، وإن كنت كاذبا إنها لأحراهما.
وكانوا إذا ذكروا البصرة قالوا: شيخها الحسن، وفتاها بكر.
وقال إياس بن معاوية: لست بخب والخب لا يخدعني. وقال:
الخبّ «2» لا يخدع ابن سيرين، وهو يخدع أبي ويخدع الحسن.
(1/102)

ودخل الشام وهو غلام، فتقدّم خصما له، وكان الخصم شيخا كبيرا، إلى بعض قضاة عبد الملك بن مروان، فقال له القاضي: أتقدم شيخا كبيرا؟
قال: الحق أكبر منه. قال: اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي. قال: لا أظنك تقول حقا حتى تقوم. قال: لا إله إلا الله، (أحقا أم باطلا؟) . فقام القاضي فدخل على عبد الملك من ساعته، فخبره بالخبر، فقال عبد الملك:
اقض حاجته الساعة وأخرجه من الشام، لا يفسد عليّ الناس.
فإذا كان إياس وهو غلام يخاف على جماعة أهل الشام، فما ظنك به وقد كبرت سنه، وعضّ على ناجذه.
وجملة القول في إياس أنه كان من مفاخر مضر، ومن مقدمي القضاة، وكان فقيه البدن، دقيق المسلك في الفطن، وكان صادق الحدس نقابا «1» ، وكان عجيب الفراسة ملهما، وكان عفيف الطعم، كريم المداخل والشيم، وجيها عند الخلفاء، مقدما عند الأكفاء. وفي مزينة خير كثير.
ثم رجعنا إلى القول الأول.
ومنهم ربيعة الرأي «2» ، وكان لا يكاد يسكت. قالوا: وتكلّم يوما فأكثر وأعجب بالذي كان منه، فالتفت إلى أعرابي كان عنده فقال: يا أعرابيّ: ما تعدون العيّ فيكم؟ قال: ما كنت فيه منذ اليوم.
وكان يقول: الساكت بين النائم والأخرس.
[عبد الله بن حفص]
ومنهم عبيد الله بن محمد بن حفص التيمي «3» . ومحمد بن حفص هو
(1/103)

ابن عائشة، ثم قيل لعبيد الله ابنه: ابن عائشة. وكان كثير العلم والسماع، متصرفا في الخبر والأثر. وكان من أجواد قريش، وكان لا يكاد يسكت، وهو في ذلك كثير الفوائد. وكان أبوه محمد بن حفص عظيم الشأن، كثير العلم، بعث إليه ينخاب خليفته في بعض الأمر، فأتاه في حلقته في المسجد، فقال له في بعض كلامه: أبو من أصلحك الله؟ فقال له: هلا عرفت هذا قبل مجيئك! وإن كان لا بد منه فاعترض من شئت فسله. فقال له: إني أريد أن تخليني. قال: أفي حاجة لك أم في حاجة لي؟ قال: بل في حاجة لي.
قال: فألقني في المنزل قال: فإن الحاجة لك. قال: ما دون إخواني ستر.
[محمد بن مسعر]
ومنهم محمد بن مسعر العقيليّ، وكان كريما كريم المجالسة، يذهب مذهب النساك، وكان جوادا. مرّ صديق له من بني هاشم بقصر له وبستان نفيس، فبلغه أنه استحسنه، فوهبه له.
ومنهم أحمد بن المعذل بن غيلان، كان يذهب مذهب مالك رحمه الله، وكان ذا بيان وتبحر في المعاني، وتصرف في الألفاظ.
[الحسن بن سهل]
وممن كان يكثر الكلام جدا الفضل بن سهل، ثم الحسن بن سهل في أيامه.
وحدثني محمد بن الجهم وداود بن أبي داود قالا: جلس الحسن بن سهل في مصلّى الجماعة، لنعيم بن خازم، فأقبل نعيم حافيا حاسرا وهو يقول: ذنبي أعظم من السماء، ذنبي أعظم من الهواء، ذنبي أعظم من الماء قالا: فقال له الحسن بن سهل: على رسلك، تقدمت منك طاعة، وكان آخر أمرك إلى توبة، وليس للذنب بينهما مكان، وليس ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو.
(1/104)

ومن هؤلاء علي بن هشام، وكان لا يسكت، ولا أدري كيف كان كلامه.
قال: وحدّثني مهدي بن ميمون، قال: حدثنا غيلان بن جرير، قال:
كان مطرّف بن عبد الله يقول: «لا تطعم طعامك من لا يشتهيه» . يقول: لا تقبل بحديثك على ما لا يقبل عليه بوجهه.
وقال عبد الله بن مسعود: «حدّث الناس ما حدجوك بأبصارهم، وأذنوا لك بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، وإذا رأيت منهم فترة فأمسك» .
[ابن السماك]
قال: وجعل ابن السماك «1» يوما يتكلم، وجارية له حيث تسمع كلامه، فلما انصرف إليها قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما أحسنه، لولا أنك تكثر ترداده. قال: أردده حتى يفهمه من لم يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه من لا يفهمه قد ملّه من فهمه.
عباد بن العوام، عن شعبة عن قتادة قال: مكتوب في التوراة: «لا يعاد الحديث مرتين» .
سفيان بن عيينة، عن الزهري قال: «إعادة الحديث أشد من نقل الصخر» .
وقال بعض الحكماء: «من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤونة الاستماع منك» .
وجملة القول في الترداد، أنه ليس فيه حد ينتهي إليه، ولا يؤتى على وصفه. وإنما ذلك على قدر المستمعين، ومن يحضره من العوام والخواص.
(1/105)

وقد رأينا الله عز وجل ردد ذكر قصة موسى وهود، وهارون وشعيب، وإبراهيم ولوط، وعاد وثمود. وكذلك ذكر الجنة والنار وأمور كثيرة، لأنه خاطب جميع الأمم من العرب وأصناف العجم، وأكثرهم غبي غافل، أو معاند مشغول الفكر ساهي القلب.
وأما أحاديث القصص والرقة فإني لم أر أحدا يعيب ذلك.
وما سمعنا بأحد من الخطباء كان يرى إعادة بعض الألفاظ وترداد المعاني عيّا، إلا ما كان من النخار بن أوس العذري، فإنه كان إذا تكلم في الحمالات «1» وفي الصفح والاحتمال، وصلاح ذات البين، وتخويف الفريقين من التفاني والبوار- كان ربما ردد الكلام عن طريق التهويل والتخويف، وربما حمى فنخر.
[جعفر بن يحيى]
وقال ثمامة بن أشرس «2» : كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدوء والتمهل، والجزالة والحلاوة، وافهاما يغنيه عن الإعادة. ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإعادة.
وقال مرة: ما رأيت أحدا كان لا يتحبّس ولا يتوقّف، ولا يتلجلج ولا يتنحنح، ولا يرتقب لفظا قد استدعاه من بعد، ولا يلتمس التخلص إلى معنى قد تعصّى عليه طلبه، أشد اقتدارا، ولا أقلّ تكلفا، من جعفر بن يحيى.
وقال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويجلي عن مغزاك، وتخرجه عن الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة. والذي لا بد له منه، أن يكون سليما من التكلف، بعيدا من الصنعة، بريئا من التعقد، غنيا عن التأويل.
(1/106)

وهذا هو تأويل قول الأصمعيّ: «البليغ من طبق المفصل «1» ، وأغناك عن المفسّر» .
وخبرني جعفر بن سعيد، رضيع أيوب بن جعفر وحاجبه، قال: ذكرت لعمرو بن مسعدة «2» ، توقيعات جعفر بن يحيى، فقال: قد قرأت لأم جعفر توقيعات في حواشي الكتب وأسافلها فوجدتها أجود اختصارا وأجمع للمعاني.
قال: ووصف أعرابي أعرابيا بالإيجاز والإصابة فقل: «كان والله يضع الهناء مواضع النقب «3» » . يظنون أنه نقل قول دريد بن الصمة، في الخنساء بنت عمرو بن الشريد، إلى ذلك الموضع، وكان دريد قال فيها:
ما إن رأيت ولا سمعت به ... في الناس طالي أينق جرب
متبذلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النقب
ويقولون في إصابة عين المعنى بالكلام الموجز: «فلان يفل المحز، ويصيب المفصل» . وأخذوا ذلك من صفة الجزار الحاذق، فجعلوه مثلا للمصيب الموجز.
وأنشدني أبو قطن الغنويّ، وهو الذي يقال له شهيد الكرم، وكان أبين من رأيته من أهل البدو والحضر:
فلو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... عليّ لمخلوق من الناس درهما
ولكنني مولى قضاعة كلها ... فلست أبالي أن أدين وتغرما
أولئك قوم بارك الله فيهم ... على كلّ حال ما أعفّ وأكرما
جفاة المحز لا يصيبون مفصلا ... ولا يأكلون اللحم إلا تخذما
(1/107)

يقول: هم ملوك وأشباه الملوك، ولهم كفاة فهم لا يحسنون إصابة المفصل.
وأنشدني أبو عبيدة في مثل ذلك:
وصلع الرؤوس عظام البطون ... جفاة المحزّ غلاظ القصر
ولذلك قال الراجز:
ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزّار على ظهر وضم
وقال الآخر، وهو ابن الزبعري:
وفتيان صدق حسان الوجو ... هـ لا يجدون لشيء ألم
من ال المغيرة لا يشهدو ... ن عند المجازر لحم الوضم
وقال الراعي في المعنى الأول:
فطبقن عرض القفّ ثم جزعنه ... كما طبقت في العظم مدية جازر «1»
وأنشد الأصمعي:
وكف فتى لم يعرف السلخ قبلها ... تجور يداه في الأديم وتجرح
وأنشد الأصمعي:
لا يمسك العرف إلا ريث يرسله ... ولا يلاطم عند اللحم في السوق
وقد فسر ذلك لبيد بن ربيعة، وبيّنه وضرب به المثل، حيث قال في الحكم بين عامر بن الطفيل، وعلقمة بن علاثة:
يا هرم بن الأكرمين منصبا ... أنك قد أوتيت حكما معجبا
فطبّق المفصل واغنم طيبا
(1/108)

يقول: احكم بين عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة بكلمة فصل، وبأمر قاطع، فتفصل بها بين الحق والباطل، كما يفصل الجزار الحاذق مفصل العظمين.
وقد قال الشاعر في هرم:
قضى هرم يوم المريرة بينهم ... قضاء امرىء بالأولية عالم
قضى ثم ولى الحكم من كان أهله ... وليس ذنابي الريش مثل القوادم
ويقال في الفحل إذا لم يحسن الضّراب: جمل عياياء، وجمل طباقاء.
وقالت امرأة في الجاهلية تشكو زوجها: «زوجي عياياء طباقاء، وكل داء له دواء» .
حتى جعلوا ذلك مثلا للعيي الفدم، والذي لا يتجه للحجة. وقال الشاعر:
طباقاء لم يشهد خصوما ولم يقد ... ركابا إلى أكوارها حين تعكف «1»
وذكر زهير بن أبي سلمى الخطل فعابه فقال:
وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلما وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
وقال غيره:
شمس إذا خطل الحديث أوانس ... يرقبن كل مجذّر تنبال
الشمس، مأخوذ من الخيل، وهي الخيل المرحة الضاربة بأذنابها من النشاط. والمجذّر: القصير- والتنبال: القصير الدنيء.
وقال أبو الأسود الدؤلي، وكان من المقدمين في العلم، واسم أبي الأسود ظالم بن عمرو:
(1/109)

وشاعر سوء يهضب القول ظالما ... كما اقتمّ أعشى مظلم الليل حاطب
يهضب: يكثر. والأهاضيب: المطر الكثير. اقتمّ: افتعل من القمامة.
وأنشد:
أعوذ بالله الأعزّ الأكرم ... من قولي الشيء الذي لم أعلم
تخبّط الأعمى الضرير الأيهم
وقال إبراهيم بن هرمة «1» ، في تطبيق المفصل- وتلحق هذه المعاني بأخواتها قبل:
وعميمة قد سقت فيها عائرا ... غفلا ومنها عائر موسوم
طبّقت مفصلها بغير حديدة ... فرأى العدو غناي حيث أقوم
[ثمامة بن أشرس]
وهذه الصفات التي ذكرها ثمامة بن أشرس، فوصف بها جعفر بن يحيى، كان ثمامة بن أشرس قد انتظمها لنفسه، واستولى عليها دون جميع أهل عصره وما علمت أنه كان في زمانه قروي ولا بلدي، كان بلغ من حسن الأفهام مع قلة عدد الحروف، ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف، ما كان بلغه. وكان لفظه في وزن إشارته، ومعناه في طبقة لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك بأسرع من معناه إلى قلبك.
قال بعض الكتاب: معاني ثمامة الظاهرة في ألفاظه، الواضحة في مخارج كلامه، كما وصف الخريمي شعر نفسه في مديح أبي دلف، حيث يقول:
له كلم فيك معقولة ... إزاء القلوب كركب وقوف
(1/110)

وأول هذه القصيدة قوله:
أبا دلف دلفت حاجتي ... إليك وما خلتها بالدلوف
ويظنون أن الخريمي إنما احتذى في هذا البيت على كلام أيوب بن القريّة حين قال له بعض السلاطين: ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: «ثلاثة حروف كأنهن ركب وقوف: دنيا، وآخرة، ومعروف» .
[شبيب بن شيبة]
وحدثني صالح بن خاقان، قال: قال شبيب بن شيبة: «الناس موكّلون بتفضيل جودة الابتداء، وبمدح صاحبه، وأنا موكل بتفضيل جودة القطع، وبمدح صاحبه. وحظ جودة القافية وإن كانت كلمة واحدة، أرفع من حظ سائر البيت» . ثم قال شبيب: «فإن ابتليت بمقام لا بد لك فيه من الإطالة، فقدم أحكام البلوغ في طلب السلامة من الخطل، قبل التقدم في أحكام البلوغ في شرف التجويد. وإياك أن تعدل بالسلامة شيئا، فإن قليلا كافيا خير من كثير غير شاف» .
ويقال إنهم لم يروا خطيبا قط بلديا إلا وهو في أول تكلفه لتلك المقامات كان مستتقلا مستصلفا أيام رياضته كلها، إلى أن يتوقح وتستجيب له المعاني، ويتمكن من الألفاظ، إلا شبيب بن شيبة، فإنه قد ابتدأ بحلاوة ورشاقة، وسهولة وعذوبة، فلم يزل يزداد منها حتى صار في كل موقف يبلغ بقليل الكلام ما لا يبلغه الخطباء المصاقع بكثيره.
قالوا: ولما مات شبيب بن شيبة أتاهم صالح المري «1» ، في بعض من أتاهم للتعزية، فقال: «رحمة الله على أديب الملوك، وجليس الفقراء، وأخي المساكين» .
(1/111)

وقال الراجز «1» :
إذا غدت سعد على شبيبها ... على فتاها وعلى خطيبها
من مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبت من كثرتها وطيبها
[عودة إلى مفهوم البلاغة عند العتابي وعمرو بن عبيد وابن المقفع]
حدثني صديق لي قال: قلت للعتابيّ: ما البلاغة؟ قال: كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ، فإن أردت اللسان الذي يروق الألسنة، ويفوق كل خطيب، فإظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق. قال: فقلت له: قد عرفت الإعادة والحبسة، فما الاستعانة؟ قال: أما تراه إذا تحدث قال عند مقاطع كلامه: يا هناه، ويا هذا، ويا هيه، واسمع مني واستمع إلي، وافهم عني، أو لست تفهم، أو لست تعقل. فهذا كله وما أشبهه عيّ وفساد.
قال عبد الكريم بن روح الغفاري، حدثني عمر الشمري، قال: قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة؟ قال: ما بلغ بك الجنة، وعدل بك عن النار، وما بصرك مواقع رشدك وعواقب غيك. قال السائل: ليس هذا أريد. قال:
من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يستمع، ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول. قال: ليس هذا أريد. قال: قال النبي صلّى الله عليه وآله: «أنا معشر الأنبياء بكاء» أي قليلو الكلام. ومنه قيل رجل بكيء. وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله. قال: قال السائل: ليس هذا أريد. قال: كانوا يخافون من فتنة القول، ومن سقطات الكلام، ما لا يخافون من فتنة السكوت ومن سقطات الصمت. قال السائل: ليس هذا أريد. قال عمرو: فكأنك إنما تريد تخير اللفظ، في حسن الإفهام، قال: نعم. قال: إنك إن أوتيت تقرير حجة الله في عقول المكلفين، وتخفيف المؤونة على المستمعين وتزيين تلك المعاني
(1/112)

في قلوب المريدين، بالألفاظ المستحسنة في الآذان، المقبولة عند الأذهان، رغبة في سرعة استجابتهم، ونفي الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة، على الكتاب والسنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب واستوجبت على الله جزيل الثواب. قلت لعبد الكريم من هذا الذي صبر له عمرو هذا الصبر؟
قال: قد سألت عن ذلك أبا حفص فقال: ومن كان يجترىء عليه هذه الجرأة إلا حفص بن سالم.
قال عمر الشمري: كان عمرو بن عبيد لا يكاد يتكلم، فإذا تكلم لم يكد يطيل. وكان يقول: لا خير في المتكلم إذا كان كلامه لمن شهده دون نفسه. وإذا طال الكلام عرضت للمتكلم أسباب التكلف، ولا خير في شيء يأتيك به التكلف.
وقال بعضهم- وهو من أحسن ما اجتبيناه ودوّناه- لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك.
وكان مويس بن عمران «1» يقول: لم أر أنطق من أيوب بن جعفر، ويحيى بن خالد.
وكان ثمامة يقول: لم أر أنطق من جعفر بن يحيى بن خالد.
وكان سهل بن هارون يقول: لم أر أنطق من المأمون أمير المؤمنين.
وقال ثمامة: سمعت جعفر بن يحيى يقول لكتّابه: «إن استطعتم أن يكون كلامكم كله مثل التوقيع فافعلوا» .
وسمعت أبا العتاهية يقول: «لو شئت أن يكون حديثي كله شعرا موزونا لكان» .
(1/113)

وقال إسحاق بن حسان بن قوهيّ «1» : لم يفسّر البلاغة تفسير ابن المقفع احد قط. سئل ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في وجوه كثيرة. فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل. فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، والإشارة إلى المعنى، والإيجاز، هو البلاغة. فأما الخطب بين السماطين، وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل، والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته. كأنه يقول: فرّق بين صدر خطبة النكاح وبين صدر خطبة العيد، وخطبة الصلح وخطبة التواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت. قال: فقيل له:
فإن مل السامع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف؟ قال: إذا أعطيت كلّ مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنه لا يرضيهما شيء. وأما الجاهل فلست منه وليس منك. ورضا جميع الناس شيء لا تناله. وقد كان يقال: «رضا الناس شيء لا ينال» .
قال: والسنّة في خطبة النكاح أن يطيل الخاطب ويقصر المجيب. ألا ترى أن قيس بن خارجة بن سنان، لما ضرب بصفيحة سيفه مؤخّرة راحلتي الحاملين في شأن حمالة داحس والغبراء «2» ، وقال: ما لي فيها أيها العشمتان «3» ؟ قالا له: بل ما عندك؟ قال: عندي قرى كلّ نازل، ورضا كل
(1/114)

ساخط، وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، آمر فيها بالتواصل وأنهى فيها عن التقاطع؟ قالوا: فخطب يوما إلى الليل فما أعاد فيها كلمة ولا معنى فقيل لأبي يعقوب: هلا اكتفى بالأمر بالتواصل عن النهي عن التقاطع؟ أو ليس الأمر بالصه هو النهي عن القطيعة؟ قال: أو ما علمت أن الكناية والتعريض لا يعملان في العقول عمل الإفصاح والكشف.
قال: وسئل ابن المقفع عن قول عمر رحمه الله: «ما يتصعدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح» قال: ما أعرفه إلا أن يكون أراد قرب الوجوه من الوجوه، ونظر الحداق من قرب في أجواف الحداق. ولأنه إذا كان جالسا معهم كانوا كأنهم نظراء وأكفاء، فإذا علا المنبر صاروا سوقة ورعية.
وقد ذهب ذاهبون إلى أن تأويل قول عمر يرجع إلى أن الخطيب لا يجد بدا من تزكية الخاطب، فلعله كره أن يمدحه بما ليس فيه، فيكون قد قال زورا وغرّ القوم من صاحبه. ولعمري إن هذا التأويل ليجوز إذا كان الخطيب موقوفا على الخطابة. فأما عمر بن الخطاب، رحمه الله، وأشباهه من الأئمة الراشدين، فلم يكونوا ليتكلفوا ذلك إلا فيمن يستحق المدح.
وروى أبو مخنف، عن الحارث الأعور «1» ، قال: «والله لقد رأيت عليا وإنه ليخطب قاعدا كقائم، ومحاربا كمسالم» . يريد بقوله: قاعدا، خطبة النكاح.
وقال الهيثم بن عديّ: لم تكن الخطباء تخطب قعودا إلا في خطبة النكاح.
[توشيح الخطب بآي القرآن والأشعار]
وكانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل، وفي الكلام يوم الجمع آي من القرآن، فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار والرقة، وسلس الموقع.
(1/115)

قال الهيثم بن عديّ: قال عمران بن حطّان: إن أول خطبة خطبتها، عند زياد- أو عند ابن زياد- فأعجب بها الناس، وشهدها عمي وأبي. ثم إني مررت ببعض المجالس، فسمعت رجلا يقول لبعضهم: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن.
وأكثر الخطباء لا يتمثلون في خطبهم الطوال بشيء من الشعر ولا يكرهونه في الرسائل، إلا أن تكون إلى الخلفاء.
وسمعت مؤمّل بن خاقان، وذكر في خطبته تميم بن مرّ، فقال: «إن تميما لها الشرف العود، والعز الأقعس، والعدد الهيضل «1» . وهي في الجاهلية القدام، والذروة والسنام. وقد قال الشاعر:
فقلت له وأنكر بعض شأني ... ألم تعرف رقاب بني تميم
وكان المؤمّل وأهله يخالفون جمهور بني سعد في المقالة، فلشدة تحدّبه على سعد وشفقته عليهم، كان يناضل عند السلطان كل من سعى على أهل مقالتهم، وإن كان قوله خلاف قولهم، حدبا عليهم.
وكان صالح المريّ، القاص العابد، البليغ، كثيرا ما ينشد في قصصه وفي مواعظه، هذا البيت:
فبات يروّي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل
وأنشد الحسن في مجلسه، وفي قصصه وفي مواعظه:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
وأنشد عبد الصمد بن الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، الخطيب القاص السجّاع، أما في قصصه، وأما في خطبة من خطبه، رحمه الله:
(1/116)

أرض تخيّرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وابن أمّ دواد
جرت الرياح على محلّ ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد
فأرى النعيم وكلّ ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد
وقال أبو الحسن: خطب عبيد الله بن الحسن «1» على منبر البصرة في العيد وأنشد في خطبته:
أين الملوك عن حظّها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
تلك المدائن بالآفاق خالية ... أمست خلاء وذاق الموت بانيها
قال: وكان مالك بن دينار يقول في قصصه: «ما أشد فطام الكبير» .
وهو كما قال القائل:
وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم
ومثله أيضا قول صالح بن عبد القدوس:
والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه
وقال كلثوم بن عمرو العتابيّ:
وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى ... بلغت بأدنى نعمة تستديمها
ولكن فطام النفس أثقل محملا ... من الصخرة الصماء حين ترومها
[جهارة الصوت والتشديق في الخطب]
وكانوا يمدحون الجهير الصوت، ويذمون الضئيل الصوت، ولذلك تشادّقوا في الكلام، ومدحوا سعة الفم، وذموا صغر الفم.
(1/117)

قال: وحدثني محمد بن يسير الشاعر قال: قيل لأعرابي: ما الجمال؟
قال: طول القامة وضخم الهامة، ورحب الشدق، وبعد الصوت.
وسأل جعفر بن سليمان أبا المخش عن ابنه المخش، وكان جزع عليه جزعا شديدا، فقال: صف لي المخشّ. فقال: كان أشدق خرطمانيا «1» ، سائلا لعابه، كأنما ينظر من قلتين «2» ، وكأن ترقوته بوان أو خالفة «3» ، وكأن منكبه كركرة جمل ثفال «4» . فقأ الله عينيّ إن كنت رأيت قبله أو بعده مثله.
قال: وقلت لأعرابي: ما الجمال؟ قال: «غؤور العينين، واشراف الحاجبين، ورحب الشدقين» .
وقال دغفل بن حنظلة النسابة، والخطيب العلامة، حين سأله معاوية عن قبائل قريش، فلما انتهى إلى بني مخزوم قال: «معزى مطيرة، علتها قشعريره، إلا بني المغيرة، فإن فيهم تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام» .
وقال الشاعر في عمرو بن سعيد الأشدق:
تشادق حتى مال بالقول شدقه ... وكل خطيب لا أبا لك أشدق
وأنشد أبو عبيدة:
وصلع الرؤوس عظام البطون ... رحاب الشداق غلاظ القصر «5»
قال: وتكلم يوما عند معاوية الخطباء فأحسنوا، فقال: والله لأرمينهم بالخطيب الأشدق! قم يا يزيد فتكلم.
(1/118)

وهذا القول وغيره من الأخبار والأشعار، حجة لمن زعم أن عمرو بن سعيد لم يسم الأشدق للفقم ولا للفوه.
وقال يحيى بن نوفل، في خالد بن عبد الله القسري:
بلّ السراويل من خوف ومن وهل ... واستطعم الماء لما جدّ في الهرب
وألحن الناس كلّ الناس قاطبة ... وكان يولع بالتشديق في الخطب
ويدلّك على تفضيلهم سعة الأشداق، وهجائهم ضيق الأفواه، قول الشاعر:
لحى الله أفواه الدّبى من قبيلة ... إذا ذكرت في النائبات أمورها
وقال آخر:
وأفواه الدبى حاموا قليلا ... وليس أخو الحماية كالضجور
وإنما شبه أفواههم بأفواه الدبى، لصغر أفواههم وضيقها.
وعلى ذلك المعنى هجا عبدة بن الطبيب حيي بن هزّال وابنيه، فقال:
تدعو بنّييك عبّادا وحذيمة ... فا فأرة شجها في الجحر محفار
وقد كان العباس بن عبد المطلب جهيرا «1» جهير الصوت. وقد مدح بذلك، وقد نفع الله المسلمين بجهارة صوته يوم حنين، حين ذهب الناس عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، فنادى العباس: يا أصحاب سورة البقرة، هذا رسول الله.
فتراجع القوم، وأنزل الله عزّ وجلّ النصر وأتى بالفتح.
ابن الكلبيّ عن أبيه عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: كان قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف، يمكو حول البيت، فيسمع ذلك من حراء.
قال الله عز وجل: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
، فالتصدية: التصفيق. والمكاء: الصفير أو شبيه بالصفير. ولذلك قال عنترة:
(1/119)

وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم
وقال العجير السلولي في شدة الصوت:
ومنهن قرعي كلّ باب كأنما ... به القوم يرجون الأذين نسور
فجئت وخصمي يصرفون نيوبهم ... كما قصّبت بين الشفار جزور
لدى كلّ موثوق به عند مثلها ... له قدم في الناطقين خطير
فظل رداء العصب ملقى كأنه ... سلى فرس تحت الرجال عقير «1»
لو ان الصخور الصم يسمعن صلقنا ... لرحن وفي أعراضهن فطور «2»
الصلق: شدة الصوت. وفطور: شقوق.
وقال مهلهل:
ولولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذكور
والصريف: صوت احتكاك الأنياب، والصليل صوت الحديد ها هنا. وفي شدة الصوت قال الأعشى في وصف الخطيب بذلك:
فيهم الخصب والسماحة والنج ... دة جمعا والخاطب الصلّاق «3»
وقال بشار بن برد في ذلك يهجو بعض الخطباء:
ومن عجب الأيام أن قمت ناطقا ... وأنت ضئيل الصوت منتفخ السحر
ووقع بين فتى من النصارى وبين ابن فهريز المطران «4» كلام، فقال له الفتى:
(1/120)

ما ينبغي أن يكون في الأرض رجل واحد أجهل منك! وكان ابن فهريز في نفسه أكثر الناس علما وأدبا، وكان حريصا على الجثلقة. فقال للفتى: وكيف حللت عندك هذا المحل؟ قال: لأنك تعلم أنا لا نتخذ الجاثليق «1» إلا مديد القامة، وأنت قصير القامة، ولا نتخذه إلا جهير الصوت جيد الحلق، وأنت دقيق الصوت رديء الحلق، ولا نتخذه إلا وهو وافر اللحية عظيمها وأنت خفيف اللحية صغيرها، وأنت تعلم أنا لا نختار للجثلقة إلا رجلا زاهدا في الرياسة، وأنت أشد الناس عليها كلبا، وأظهرهم لها طلبا. فكيف لا تكون أجهل الناس وخصالك هذه كلها تمنع من الجثلقة، وأنت قد شغلت في طلبها بالك، وأسهرت فيها ليلك. وقال أبو الحجناء في شدة الصوت:
إني إذا ما زبّب الأشداق ... والتجّ حولي النقع واللقلاق «2»
ثبت الجنان مرجم ودّاق المرجم: الحاذق بالمراجمة بالحجارة. والودّاق الذي يسيل الحجارة كالودق من المطر.
وجاء في الحديث: « «من وقي شرّ لقلقه وقبقبه وذبذبه وقي الشر» .
يعني لسانه وبطنه وفرجه.
وقال عمر بن الخطاب في بواكي خالد بن الوليد بن المغيرة: «وما عليهن أن يرقن من دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة» .
وجاء في الأثر: «ليس منا من حلق أو صلق، أو سلق، أو شق» .
ومما مدح به العماني هارون الرشيد، بالقصيد دون الرجز، قوله:
جهير العطاس شديد النّياط ... جهير الرواء جهير النغم
ويخطو على الأين خطو الظليم ... ويعلو الرجال بجسم عمم
(1/121)

النياط: معاليق القلب. والأين: الاعياء. والظليم: ذكر النعام. ويقال إنه لعمم الجسم، وإن جسمه لعمم، إذا كان تاما. ومنه قيل نبت عمم وأعتم النبت، إذا تم.
وكان الرشيد إذا طاف بالبيت جعل لإزاره ذنبين عن يمين وشمال، ثم طاف بأوسع من خطو الظليم، وأسرع من رجع يد الذئب.
وقد أخبرني إبراهيم بن السندي بمحصول ذرع ذلك الخطو، إلا إني أحسبه فراسخ فيما رأيته يذهب إليه.
وقال إبراهيم: ونظر إليه أعرابي في تلك الحال والهيئة فقال:
خطو الظليم ريع ممسى فانشمر
ريع: فزع. ممسى: حين المساء. انشمر: جد في الهرب.
وحدثني إبراهيم بن السندي قال: لما أتى عبد الملك بن صالح وفد الروم وهو في بلادهم، أقام على رأسه رجالا في السماطين لهم قصر وهام ومناكب وأجسام، وشوارب وشعور، فبينا هم قيام يكلمونه ومنهم رجل وجهه في قفا البطريق إذ عطس عطسة ضئيلة، فلحظه عبد الملك، فلم يدر أي شيء أنكر منه، فلما مضى الوفد قال له: ويلك، هلا إذ كنت ضيق المنخر كزّ الحيشوم، أتبعتها بصيحة تخلع بها قلب العلج؟! وفي تفضيل الجهارة في الخطب يقول شبّة بن عقال بعقب خطبته عند سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس:
ألا ليت أمّ الجهم والله سامع ... ترى، حيث كانت بالعراق، مقامي
عشية بذّ الناس جهري ومنطقي ... وبذّ كلام الناطقين كلامي
وقال طحلاء يمدح معاوية بالجهارة وبجودة الخطبة:
ركوب المنابر وثابها ... معنّ بخطبته مجهر
تريع إليه هوادي الكلام ... إذا ضلّ خطبته المهذر
(1/122)

معن: تعن له الخطبة فيخطبها مقتضبا لها. تريع: ترجع إليه. هوادي الكلام: أوائله. فأراد أن معاوية يخطب في الوقت الذي يذهب كلام المهذر فيه. والمهذر: المكثار.
وزعموا أن أبا عطية عفيفا النصري، في الحرب التي كانت بين ثقيف وبين بني نصر، لما رأى الخيل بعقوته يومئذ دوائس نادى: يا صباحاه! أتيتم يا بني نصر. فألقت الحبالى أولادها من شدة صوته. قالوا: فقال ربيعة بن مسعود يصف تلك الحرب وصوت عفيف
عقاما ضروسا بين عوف ومالك ... شديدا لظاها تترك الطفل أشيبا
وكانت جعيل يوم عمرو أراكة ... أسود الغضى غادرن لحما مترّبا «1»
ويوم بمكروثاء شدت معتّب ... بغاراتها قد كان يوما عصبصبا «2»
فأسقط أحبال النساء بصوته ... عفيف وقد نادى بنصر فطرّبا
وكان أبو عروة، الذي يقال له أبو عروة السباع، يصيح بالسبع وقد احتمل الشاة، فيخليها ويذهب هاربا على وجهه. فضرب به الشاعر المثل- وهو النابغة الجعدي- فقال:
وأزجر الكاشح العدو إذا اغتا ... بك عندي زجرا على أضم
زجر أبي عروة السباع إذا ... أشفق أن يلتبسن بالغنم
وأنشد أبو عمرو الشيباني لرجل من الخوارج يصف صيحة شبيب بن يزيد ابن نعيم. قال أبو عبيدة وأبو الحسن: كان شبيب يصيح في جنبات الجيش إذا أتاه، فلا يلوي أحد على أحد. وقال الشاعر فيه:
إن صاح يوما حسبت الصخر منحدرا ... والريح عاصفة والموج يلتطم
قال أبو العاصي: أنشدني أبو محرز خلف بن حيان، وهو خلف الأحمر مولى الأشعريين، في عيب التشادق:
(1/123)

له حنجر رحب وقول منقح ... وفصل خطاب ليس فيه تشادق
إذا كان صوت المرء خلف لهاته ... وأنحى بأشداق لهن شقاشق
وقبقب يحكي مقرما في هبابه ... فليس بمسبوق ولا هو سابق «1»
وقال الفرزدق:
شقاشق بين أشداق وهام
وأنشد خلف:
وما في يديه غير شدق يميله ... وشقشقة خرساء ليس لها نعب
متى رام قولا خالفته سجية ... وضرس كقعب القين ثلّمه الشعب
وأنشد أبو عمرو وابن الأعرابي:
وجاءت قريش قريش البطاح ... هي العصب الأوّل الداخلة
يقودهم الفيل والزندبيل ... وذو الضرس والشفة المائلة
ذو الضرس وذو الشفة، هو خالد بن سلمة المخزومي الخطيب.
والزندبيل أبان والحكم ابنا عبد الملك بن بشر بن مروان. يعني دخولهم على ابن هبيرة. والزندبيل: الأنثى من الفيلة، فيما ذكر أبو اليقظان بن حفص.
وقال غيره: هو الذكر. فلم يقفوا من ذلك على شيء.
وقال الشاعر في خالد بن سلمة المخزومي:
فما كان قائلهم دغفل ... ولا الحيقطان ولا ذو الشّفه
قوله «دغفل» يريد دغفل بن يزيد بن حنظلة الخطيب الناسب.
والحيقطان: عبد أسود، وكان خطيبا لا يجارى.
(1/124)

وأنشد بعض أصحابنا:
وقافية لجلجتها فرددتها ... لذي الضرس لو أرسلتها قطرت دما
وقال الفرزدق: أنا عند الناس أشعر العرب، ولربما كان نزع ضرس أيسر عليّ من أن أقول بيت شعر.
قال: وأنشدنا منيع:
فجئت ووهب كالخلاة يضمّها ... إلى الشدق أنياب لهن صريف «1»
فقعقعت لحيي خالد واهتضمته ... بحجة خصم بالخصوم عنيف
أبو يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير، قال: سئل (الحارث) بن أبي ربيعة «2» عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: كم كان له ما شئت من ضرس قاطع في العلم بكتاب الله، والفقه في السنة، والهجرة إلى الله ورسوله، والبسطة في العشيرة، والنجدة في الحرب، والبذل للماعون.
وقال الآخر:
ولم تلفني فهّا ولم تلف حجتي ... ملجلجة أبغي لها من يقيمها «3»
ولا بتّ أزجيها قضيبا وتلتوي ... أراوغها طورا وطورا أضيمها «4»
وأنشدني أبو الرديني العكلي:
فتى كان يعلو مفرق الحق قوله ... إذا الخطباء الصيد عضّل قيلها «5»
(1/125)

وقال الخريمي في تشادق علي بن الهيثم:
يا علي بن هيثم يا سماقا ... قد ملأت الدنيا علينا نفاقا
خل لحييك يسكنان ولا تضرب ... على تغلب بلحييك طاقا
لا تشادق إذا تكلمت واعلم ... أن للناس كلهم أشداقا
وكان علي بن الهيثم جوادا، بليغ اللسان والقلم.
وقال أبو يعقوب الخريمي: ما رأيت كثلاثة رجال يأكلون الناس أكلا حتى أذا رأوا ثلاثة رجال ذابوا كما يذوب الملح في الماء، والرصاص في النار: كان هشام بن محمد علامة نسابة، وراوية للمثالب عيابة، فإذا رأى الهيثم بن عدي ذاب كما يذوب الرصاص في النار. وكان علي بن الهيثم مفقعانيا صاحب تفقيع وتقعير، ويستولي على كلام أهل المجلس لا يحفل بشاعر ولا بخطيب، فإذا رأى موسى الضبي ذاب كما يذوب الرصاص عند النار. وكان علويه المغني واحد الناس في الرواية وفي الحكاية، وفي صنعة الغناء وجودة الضرب، وفي الإطراب وحسن الحلق، فإذا رأى مخارقا ذاب كما يذوب الرصاص عند النار.
ثم رجع بنا القول إلى ذكر التشديق وبعد الصوت.
قال أبو عبيدة: كان عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب، رديفا للملوك، ورحّالا إليهم، وكان يقال له عروة الرحال، فكان يوم أقبل مع ابن الجون، يريد بني عامر، فلما انتهى إلى واردات مع الصبح، قال له عروة: إنك قد عرفت طول صحبتي لك، ونصيحتي إياك، فأذن لي فأهتف بقومي هتفة.
قال: نعم، وثلاثا. فقام فنادى: يا صباحاه! ثلاث مرات. قال: فسمعنا شيوخنا يزعمون أنه أسمع أهل الشعب، فتلببوا للحرب، وبعثوا الربايا، ينظرون من أين يأتي القوم.
قال: وتقول الروم: لولا ضجة أهل رومية وأصواتهم، لسمع الناس جميعا صوت وجوب القرص في المغرب.
(1/126)

وأعيب عندهم من دقة الصوت وضيق مخرجه وضعف قوته، أن يعتري الخطيب البهر والارتعاش، والرعدة والعرق.
قال أبو الحسن: قال سفيان بن عيينة: تكلم صعصعة عند معاوية فعرق، فقال معاوية: بهرك القول! فقال صعصعة: «إن الجياد نضاحة بالماء» .
والفرس إذا كان سريع العرق، وكان هشا، كان ذلك عيبا. وكذلك هو في الكثرة، فإذا أبطأ ذلك وكان قليلا قيل: قد كبا، وهو فرس كاب. وذلك عيب أيضا.
وأنشدني ابن الأعرابي، لأبي مسمار العكلي، في شبيه بذلك قوله:
لله در عامر إذا نطق ... في حفل أملاك وفي تلك الحلق «1»
ليس كقوم يعرفون بالسرق ... من خطب الناس ومما في الورق
يلفقون القول تلفيق الخلق ... من كل نضاح الذفارى بالعرق
إذا رمته الخطباء بالحدق
(والذفارى هنا: يعني بدن الخطيب. والذفريان للبعير، وهما اللحمتان في قفاه) .
وإنما ذكر خطب الأملاك لأنهم يذكرون أنه يعرض للخطيب فيها من الحصر أكثر مما يعرض لصاحب المنبر. ولذلك قال عمر بن الخطاب رحمه الله: «ما يتصعدني كلام كما تتصعدني خطبة النكاح» .
وقال العماني:
لا ذفر هش ولا بكابي ... ولا بلجلاج ولا هياب
الهش: الذي يجود بعرقه سريعا، وذلك عيب. والذفر: الكثير العرق.
(1/127)

والكابي: الذي لا يكاد يعرق، كالزند الكابي الذي لا يكاد يوري. فجعل له العماني حالا بين حالين إذا خطب، وخبر أنه رابط الجأش، معاود لتلك المقامات.
وقال الكميت بن زيد- وكان خطيبا-: «إن للخطبة صعداء، وهي على ذي اللب أرمى» .
وقولهم: أرمى وأربى سواء يقال: فلان قد أرمى على المائة وأربى.
ولم أر الكميت أفصح عن هذا المعنى ولا تخلّص إلى خاصته. وإنما يجترىء على الخطبة الغر الجاهل الماضي، الذي لا يثنيه شيء، أو المطبوع الحاذق، الواثق بغزارته واقتداره، فالثقة تنفي عن قلبه كل خاطر يورث اللجلجة والنحنحة، والانقطاع والبهر والعرق.
وقال عبيد الله بن زياد، وكان خطيبا، على لكنة كانت فيه: «نعم الشيء الأمارة، لولا قعقعة البرد، والتشزن للخطب» «1» .
وقيل لعبد الملك بن مروان: عجل عليك الشيب يا أمير المؤمنين! قال: «وكيف لا يعجل عليّ وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين» . يعني خطبة الجمعة وبعض ما يعرض من الأمور.
وقال بعض الكلبيين.
فإذا خطبت على الرجال فلا تكن ... خطل الكلام تقوله مختالا
واعلم بأن من السكوت إبانة ... ومن التكلم ما يكون خبالا
[بشر بن المعتمر يقنن أصول البلاغة]
مرّ بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السّكوني الخطيب، وهو
(1/128)

يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلا من النظّارة، فقال بشر: اضربوا عما قال صفحا واطووا عنه كشحا. ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنميقه، وكان أول ذلك الكلام:
خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرا، وأشرف حسبا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطاء، وأجلب لكلّ عين وغرّة، من لفظ شريف ومعنى بديع. وأعلم ان ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول، بالكد والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة. ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا، وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه. وإياك والتوعّر، فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك. ومن أراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما، فإن حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله أن تكون أسوأ حالا منك قبل أن تلتمس إظهارهما، وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما. فكن في ثلاث منازل، فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا معروفا، أما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وإما عند العامة إن كنت للعامة أردت. والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتّضع بأن يكون من معاني العامة.
وإنما مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المال. وكذلك اللفظ العامي والخاصيّ. فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، إلى أن تفعم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الاكفاء، فأنت البليغ التام.
قال بشر: فلما قرئت على إبراهيم قال لي: أنا أحوج إلى هذا من هؤلاء الفتيان.
(1/129)

قال أبو عثمان «1» : أما أنا فلم أر قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتّاب، فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا. وإذا سمعتموني أذكر العوامّ فإني لست أعني الفلاحين والحشوة «2» والصناع والباعة، ولست أعني أيضا الأكراد في الجبال. وسكان الجزائر في البحار، ولست أعني من الأمم مثل الببر والطيلسان «3» ، ومثل موقان وجيلان «4» ، ومثل الزنج وأشباه الزنج. وإنما الأمم المذكورون من جميع الناس أربع: العرب، وفارس، والهند، والروم. والباقون همج وأشباه الهمج. وأما العوام من أهل ملتنا ودعوتنا، ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا، فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم ولم يبلغوا منزلة الخاصة منا. على أن الخاصة تتفاضل في طبقات أيضا.
ثم رجع بنا القول إلى بقية كلام بشر بن المعتمر، وإلى ما ذكر من الأقسام.
قال بشر: فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك ولا تسمح لك عند أول نظرك وفي أول تكلّفك، وتجد اللفظة لم تقع موقعها ولم تصر إلى قرارها وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها، ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها، نافرة من موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن، والنزول في غير أوطانها، فإنك إذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور، لم يعبك بترك ذلك أحد. فإن أنت تكلفتهما ولم تكن حاذقا مطبوعا ولا محكما لشأنك، بصيرا بما عليك وما لك، عابك من أنت أقل عيبا منه، ورأى من هو دونك أنه فوقك.
فإن ابتليت بأن تتكلّف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعاصى عليك بعد إجالة الفكرة، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك وسواد ليتلك، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة
(1/130)

والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرق. فإن تمنّع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض، ومن غير طول إهمال، فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك، وأخفّها عليك، فإنك لم تشتهه ولم تنازع إليه إلا وبينكما نسب، والشيء لا يحنّ إلا إلى ما يشاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات، لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة، كما تجود به مع الشهوة والمحبة. فهذا هذا.
وقال: ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات.
فإن كان الخطيب متكلما تجنّب ألفاظ المتكلمين، كما أنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفا أو مجيبا أو سائلا، كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين، إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، وإليها أحنّ وبها أشغف، ولأن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء، وأبلغ من كثير من البلغاء. وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفا لكلّ خلف، وقدوة لكل تابع. ولذلك قالوا العرض والجوهر، وأيس وليس «1» ، وفرقوا بين البطلان والتلاشي، وذكروا الهذية والهوية والماهية وأشباه ذلك. وكما وضع الخليل بن أحمد «2» لأوزان القصيد وقصار الأرجاز ألقابا لم تكن العرب تتعارف تلك الأعاريض بتلك الألقاب، وتلك الأوزان بتلك الأسماء، كما ذكر الطويل، والبسيط، والمديد، والوافر، والكامل، وأشباه ذلك، وكما ذكر الأوتاد
(1/131)

والأسباب، والخرم والزحاف. وقد ذكرت العرب في أشعارها السناد والإقواء والإكفاء، ولم أسمع بالإيطاء. وقالوا في القصيد والرجز والسجع والخطب، وذكروا حروف الرويّ والقوافي، وقالوا هذا بيت وهذا مصراع. وقد قال جندل الطهوي حين مدح شعره:
لم أقو فيهن ولم أساند
وقال ذو الرمة:
وشعر قد أرقت له غريب ... أجنبه المساند والمحالا
وقال أبو حزام العكليّ «1» :
بيوتا نصبنا لتقويمها ... جذول الربيئين في المربأه
بيوتا على الها لها سجعة ... بغير السناد ولا المكفأه
وكما سمى النحويون، فذكروا الحال والظروف وما أشبه ذلك، لأنهم لو لم يضعوا هذه العلامات لم يستطيعوا تعريف القرويين وأبناء البلديين علم العروض والنحو. وكذلك أصحاب الحساب قد اجتلبوا أسماء جعلوها علامات للتفاهم.
قالوا: وقبيح بالخطيب أن يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين، أو على منبر جماعة، أو في سدة دار الخلافة، أو في يوم جمع وحفل، أما في إصلاح بين العشائر، واحتمال دماء القبائل، واستلال تلك الضغائن والسخائم، فيقول كما قال بعض من خطب على منبر ضخم الشأن، رفيع المكان: «ثم إن الله عز وجل بعد أن أنشأ الخلق وسوّاهم ومكّن لهم، لاشاهم فتلاشوا» . ولولا أن المتكلم افتقر إلى أن يلفظ بالتلاشي لكان ينبغي أن يؤخذ فوق يده.
(1/132)

وخطب آخر في وسط دار الخلافة، فقال في خطبته: «وأخرجه الله من باب الليسية، فأدخله في باب الأيسية» .
وقال مرة أخرى في خطبة له: «هذا فرق ما بين السارّ والضارّ، والدفاع والنفاع» .
وقال مرة أخرى: «فدلّ ساتره على غامره، ودل غامره على منحله» .
فكاد إبراهيم بن السّندي يطير شققا، وينقد غيظا. هذا وإبراهيم من المتكلمين، والخطيب لم يكن من المتكلمين.
وإنما جازت هذه الألفاظ في صناعة الكلام حين عجزت الأسماء عن اتساع المعاني. وقد تحسن أيضا ألفاظ المتكلمين في مثل شعر أبي نواس وفي كل ما قالوه على وجه التظرّف والتملّح، كقول أبي نواس:
وذات خد مورّد ... قوهية المتجرد «1»
تأمّل العين منها ... محاسنا ليس تنفد
فبعضها قد تناهى ... وبعضها يتولد
والحسن في كل عضو ... منها معاد مردد
وكقوله:
يا عاقد القلب مني ... هلا تذكّرت حلا
تركت مني قليلا ... من القليل أقلا
يكاد لا يتجزا ... أقلّ في اللفظ من لا
وقد يتملح الأعرابي بأن يدخل في شعره شيئا من كلام الفارسية، كقول العماني للرشيد، في قصيدته التي مدحه فيها:
(1/133)

من يلقه من بطل مسرند ... في زغفة محكمة بالسرد «1»
تجول بين رأسه والكرد
يعني العنق. وفيها يقول أيضا:
لما هوى بين غياض الأسد ... وصار في كفّ الهزبر الورد
آلى يذوق الدهر آب سرد «2»
وكقول الآخر:
ودلهني وقع الأسنة والقنا ... وكافر كوبات لها عجر قفد «3»
بأيدي رجال ما كلامي كلامهم ... يسومونني مردا وما أنا والمرد
ومثل هذا موجود في شعر (أبي) العذافر الكندي وغيره، [ويمكن] أيضا أن يكون الشعر مثل شعر بحر وشاذ، وأسود بن أبي كريمة. وكما قال يزيد ابن ربيعة بن مفرغ «4» .
آب است نبيذ است ... عصارات زبيب است
سميّه روسبيد است «5»
وقال أسود بن أبي كريمة:
لزم الغرّام ثوبي ... بكرة في يوم سبت «6»
(1/134)

فتمايلت عليهم ... ميل زنكي بمستي «1»
قد حسا الداذي صرفا ... أو عقارا بايخست «2»
ثم كفتم دور باد ... ويحكم آن خركفت «3»
إن جلدي دبغته ... أهل صنعاء بجفت «4»
وأبو عمرة عندي ... آن كوربد نمست «5»
جالس! ندر مكناد ... أيا عمد ببهشت «6»
[طبقات الكلام]
وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا، وساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا، إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فإن الوحشيّ من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقيّ رطانة السوقي. وكلام الناس في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات. فمن الكلام الجزل والسخيف، والمليح والحسن، والقبيح والسمج، والخفيف والثقيل، وكله عربي، وبكلّ قد تكلموا، وبكلّ قد تمادحوا وتعايبوا. فإن زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل، ولا بينهم في ذلك تفاوت، فلم ذكروا العييّ والبكيء، والحصر والمفحم، والخطل والمسهب، والمتشدّق، والمتفيهق، والمهمار، والثرثار، والمكثار والهمار، ولم ذكروا الهجر والهذر، والهذيان والتخليط وقالوا: رجل تلقّاعة «7» ، وفلان يتلهيع في خطبته «8» . وقالوا: فلان
(1/135)

يخطىء في جوابه، ويحيل في كلامه، ويناقض في خبره. ولولا أن هذه الأمور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمي ذلك البعض البعض الآخر بهذه الأسماء.
وأنا أقول: إنه ليس في الأرض كلام هو أمتع ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويما للبيان، من طول استماع حديث الأعراب العقلاء الفصحاء، والعلماء البلغاء.
وقد أصاب القوم في عامة ما وصفوا، إلا أني أزعم أن سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني. وقد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع، وربما أمتع بأكثر من امتاع الجزل الفخم من الألفاظ، والشريف الكريم من المعاني. كما أن النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا. وإنما الكرب الذي يختم على القلوب، ويأخذ بالأنفاس، النادرة الفاترة التي لا هي حارة ولا باردة، وكذلك الشعر الوسط، والغناء الوسط، وإنما الشأن في الحار جدا والبارد جدا.
وكان محمد بن عباد بن كاسب يقول: والله لفلان أثقل من مغن وسط وأبغض من ظريف وسط.
ومتى سمعت- حفظك الله- بنادرة من كلام الأعراب، فإياك أن تحكيها إلا مع أعرابها ومخارج ألفاظها، فإنك إن غيّرتها بأن تلحن في إعرابها وأخرجتها مخارج كلام المولدين والبلديين، خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير. وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام، وملحة من ملح الحشوة والطغام، فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب، أو تتخير لها لفظا حسنا، أو تجعل لها من فيك مخرجا سريا، فإن ذلك يفسد الامتاع بها، ويخرجها من صورتها، ومن الذي أريدت له، ويذهب استطابتهم إياها واستملاحهم لها.
ثم اعلم أن أقبح اللحن لحن أصحاب التقعير والتقعيب، والتشديق والتمطيط والجهورة والتفخيم. وأقبح من ذلك لحن الأعاريب النازلين على طرق السابلة، وبقرب مجامع الأسواق.
(1/136)

ولأهل المدينة ألسن ذلقة، وألفاظ حسنة، وعبارة جيدة. واللحن في عوامهم فاش، وعلى من لم ينظر في النحو منهم غالب.
واللحن من الجواري الظراف، ومن الكواعب النواهد، ومن الشواب الملاح، ومن ذوات الخدور الغرائر، أيسر. وربما استملح الرجل ذلك منهن ما لم تكن الجارية صاحبة تكلف، ولكن إذا كان اللحن على سجية سكان البلد. وكما يستملحون اللثغة إذا كانت حديثة السن، ومقدودة مجدولة، فإذا أسنت واكتهلت تغير ذلك الاستملاح.
وربما كان اسم الجارية غليّم أو صبيّة أو ما أشبه ذلك، فإذا صارت كهلة جزلة، وعجوزا شهلة، وحملت اللحم وتراكم عليها الشحم، وصار بنوها رجالا وبناتها نساء، فما أقبح حينئذ أن يقال لها: يا غليم كيف أصبحت؟ ويا صبية كيف أمسيت.
ولأمر ما كنّت العرب البنات فقالوا: فعلت أم الفضل، وقالت أم عمرو وذهبت أم حكيم. نعم حتى دعاهم ذلك إلى التقدم في تلك الكنى وقد فسرنا ذلك كله في كتاب الأسماء والكنى، والألقاب والأنباز «1» :
وقد قال مالك بن أسماء «2» في استملاح اللحن من بعض نسائه:
أمغطّى مني على بصر لل ... حب أم أمنت أكمل الناس حسنا
وحديث ألذه هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وأحلى الحديث ما كان لحنا
[عيون المعاني]
وهم يمدحون الحذق والرفق، والتخلص إلى حبات القلوب، وإلى
(1/137)

إصابة عيون المعانى. ويقولون: أصاب الحق في الجملة. ويقولون: قرطس فلان، وأصاب القرطاس، إذا كان أجود إصابة من الأول. فإن قالوا: رمى فأصاب الغرّة، وأصاب عين القرطاس، فهو الذي ليس فوقه أحد.
ومن ذلك قولهم: فلان يفلّ الحزّ، ويصيب المفصل، ويضع الهناء مواضع النقب.
وقال زرارة بن جزء، حين أتى عمر بن الخطاب رحمه الله فتكلم عنده ورفع حاجته إليه.
أتيت أبا حفص ولا يستطيعه ... من الناس إلا كالسنان طرير
فوفقني الرحمن لما لقيته ... وللباب من دون الخصوم صرير
قروم غيارى عند باب ممنّع ... تنازع ملكا يهتدي ويجور
فقلت له قولا أصاب فؤاده ... وبعض كلام الناطقين غرور
وفي شبيه بذلك يقول عبد الرحمن بن حسان حيث يقول:
رجال أصحاء الجلود من الخنا ... وألسنة معروفة أين تذهب
وفي إصابة فصّ الشيء وعينه، يقول ذو الرمة في مديح بلال بن أبي بردة الأشعري:
تناخي عند خير فتى يمان ... إذا النكباء عارضت الشمالا «1»
وخيرهم مآثر أهل بيت ... وأكرمهم وإن كرموا فعالا
وأبعدهم مسافة غور عقل ... إذا ما الأمر في الشبهات عالا «2»
ولبّس بين أقوام فكل ... أعدّ له الشغازب والمحالا «3»
وكلهم ألدّ له كظاظ ... أعدّ لكل حال القوم حالا «4»
فصلت بحكمة فأصبت منها ... فصوص الحق فانفصل انفصالا
(1/138)

وكان أبو سعيد الرأي، وهو شرشير المدني يعيب أبا حنيفة، فقال الشاعر:
عندي مسائل لا شرشير يحسنها ... عند السؤال ولا أصحاب شرشير
ولا يصيب فصوص الحقّ نعلمه ... إلا حنيفية كوفية الدور
ومما قالوا في الإيجاز، وبلوغ المعاني بالألفاظ اليسيرة، قول ثابت فطنة:
ما زلت بعدك في هم يجيش به ... صدري وفي نصب قد كاد يبليني
لا أكثر القول فيما يهضبون به ... من الكلام، قليل منه يكفيني «1»
إني تذكرت قتلى لو شهدتهم ... في غمرة الموت لم يصلوا بها دوني
وقال رجل من طي ومدح كلام رجل فقال: «هذا كلام يكتفى بأولاه، ويشتفى بأخراه» .
وقال أبو وجزة السعدي، من سعد بن بكر، يصف كلام رجل:
يكفي قليل كلامه وكثيره ... ثبت إذا طال النضال مصيب
ومن كلامهم الموجز في أشعارهم العكلي، في صفة قوس:
في كفه معطية منوع ... موثقة صابرة جزوع
وقال الآخر، ووصف سهم رام أصاب حمارا، فقال:
حتى نجا من جوفه وما نجا «2»
وقال الآخر وهو يصف ذئبا:
(1/139)

أطلس يخفي شخصه غباره ... في شدقه شفرته وناره «1»
هو الخبيث عينه فراره ... بهم بني محارب مزداره «2»
ووصف الآخر ناقة فقال:
خرقاء إلا أنها صناع
يصف سرعة نقل يديها ورجليها، إنها تشبه المرأة الخرقاء، وهي الخرقاء في أمرها الطياشة. وقال الآخر ووصف سهما صاردا، فقال:
ألقى على مفطوحها مفطوحا ... غادر داء ونجا صحيحا
المفطوح الأول للقوس، وهو العريض، وهو ها هنا موضع مقبض القوس. والمفطوح الثاني: السهم العريض. يعني أنه ألقى على مقبض القوس سهما عريضا.
وقال الآخر:
إنك يا ابن جعفر لا تفلح ... الليل أخفى والنهار أفضح
وقالوا في المثل: «الليل أخفى للويل» . وقال رؤبة يصف حمارا:
حشرج في الجوف سحيلا وشهق ... حتى يقال ناهق وما نهق
الحشرجة: صوت الصدر. والسحيل: صوت الحمار إذا مدّه.
والشهيق: أن يقطّع الصوت.
وقال بعض ولد العباس بن مرداس السّلمي، في فرس أبي الأعور السلمي:
(1/140)

جاء كلمع البرق جاش ناظرة ... يسبح أولاه ويطفو آخره
فما يمس الأرض منه حافره
قوله: جاش ناظره، أي جاش بمائه. وناظر البرق: سحابه. يسبح، يعني يمد ضبعيه، فإذا مدهما علا كفله. وقال الآخر:
إن سرك الأهون فابدأ بالأشد
وقال العجّاج:
مكّن السيف إذا السيف انأطر ... من هامة الليث إذا ما الليث هر
كجمل البحر إذا خاض جسر ... غوارب اليمّ إذا اليم هدر
حتى يقال حاسر وما حسر
قالوا: جمل البحر سمكة طولها ثلاثون ذراعا. يقول: هذا الرجل يبعد كما تبعد هذه السمكة بجسارة، لا يردها شيء، حتى يقال كاشف وما انكشف البحر.
يقال: البحر حاسر وجازر. يقول: حتى يحسب الناس من ضخم ما يبدو من هذا الجمل، أن الماء قد نضب عنه، وإن البحر حاسر. وقال آخر:
يا دار قد غيّرها بلاها ... كأنما بقلم محاها
أخربها عمران من بناها ... وكرّ ممساها على مغناها
وطفقت سحابة تغشاها ... تبكي على عراصها عيناها
قوله: أخربها عمران من بناها، يقول: عمّرها بالخراب. وأصل العمران مأخوذ من العمر، وهو البقاء، فإذا بقي الرجل في داره فقد عمرها. فيقول:
إن مدة بقائه فيها وقام مقام العمران في غيرها، سمي بالعمران. وقال الشاعر:
يا عجّل الرحمن بالعذاب ... لعامرات البيت بالخراب
يعني الفار. يقول: هذا عمرانها، كما يقول الرجل: «ما نرى من خيرك ورفدك، إلا ما يبلغنا من خطبك علينا، وفتّك في أعضادنا» .
(1/141)

وقال الله عز وجل: هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ
. والعذاب لا يكون نزلا، ولكن لما قام العذاب لهم في موضع النعيم لغيرهم، سمي باسمه.
وقال الآخر:
فقلت أطعمني عمير تمرا ... فكان تمري كهرة وزبرا «1»
والتمر لا يكون كهرة ولا زبرا، ولكنه على ذا. وقال الله عز وجل:
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
، وليس في الجنة بكرة ولا عشي، ولكن على مقدار البكر والعشيات. وعلى هذا قول الله عز وجل: وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ
. والخزنة: الحفظة. وجهنم لا يضيع منها شيء فيحفظ ولا يختار دخولها إنسان فيمنع منها، ولكن لما قامت الملائكة مقام الحافظ الخازن سميت به.
قوله: ممساها، يعني مساءها. ومغناها: موضعها الذي أقيم فيه.
والمغاني: المنازل التي كان بها أهلوها. وطفقت، يعني ظلت. تبكي على عراصها عيناها، عيناها ها هنا للسحاب. وجعل المطر بكاء من السحاب على طريق الاستعارة، وتسمية الشيء باسم غيره إذا قام مقامه. ويقال لكل جوبة منفتقة ليس فيها بناء: عرصة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: اجتمع ثلاثة من الرواة فقال لهم قائل: أي نصف بيت شعر أحكم وأوجز؟ فقال أحدهم: قول حميد بن ثور الهلالي:
وحسبك داء أن تصح وتسلما
ولعل حميدا أن يكون أخذه عن النمر بن تولب، فإن النمر قال:
يحبّ الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
وقال أبو العتاهية:
(1/142)

أسرع في نقص امرىء تمامه
ذهب إلى كلام الأول: «كل ما أقام شخص، وكل ما ازداد نقص، ولو كان الناس يميتهم الداء، إذا لأعاشهم الدواء» .
وقال الثاني من الرواة الثلاثة: بل قول أبي خراش الهذلي «1» :
نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي
وقال الثالث من الرواة: بل قول أبي ذؤيب الهذلي:
وإذا ترد إلى قليل تقنع
فقال قائل: هذا من مفاخر هذيل: أن يكون ثلاثة من الرواة لم يصيبوا في جميع أشعار العرب إلا ثلاثة أنصاف، اثنان منها لهذيل وحدها. فقيل لهذا القائل: إنما كان الشرط أن يأتوا بثلاثة أنصاف مستغنيات بأنفسها، والنصف الذي لأبي ذؤيب لا يستغنى بنفسه، ولا يفهم السامع معنى هذا النصف حتى يكون موصولا بالنصف الأول، لأنك إذا أنشدت رجلا لم يسمع بالنصف الأول وسمع:
وإذا ترد إلى قليل تقنع
قال: من هذه التي ترد إلى قليل فتقنع. وليس المضمن كالمطلق.
وليس هذا النصف مما رواه هذا العالم، وإنما الرواية قوله:
والدهر ليس بمعتب من يجزع
ومما مدحوا به الإيجاز والكلام الذي هو كالوحي والإشارة، قول أبي دؤاد ابن حريز الإياديّ:
يرمون بالخطب الطوال وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء
(1/143)

فمدح كما ترى الإطالة في موضعها، والحذف في موضعه.
ومما يدل على شغفهم وكلفهم، وشدة حبهم للفهم والإفهام، قول الأسدي في صفة كلام رجل نعت له موضعا من تلك السباسب التي لا أمارة فيها، بأقلّ اللفظ وأوجزه، فوصف إيجاز الناعت، وسرعة فهم المنعوت له، فقال:
بضربة نعت لم تعد غير أنني ... عقول لأوصاف الرجال ذكورها
وهذا كقولهم لابن عباس: أنّى لك هذا العلم؟ قال: «قلب عقول، ولسان سؤول» . وقال الراجز:
ومهمهين قدفين مرتين ... جبتهما بالنعت لا بالنعتين «1»
ظهراهما مثل ظهور الترسين ... قطعته بالأمّ لا بالسمتين
وقالوا في التحذير من ميسم الشعر، ومن شدة وقع اللسان، ومن بقاء أثره على الممدوح والمهجو، قال امرؤ القيس بن حجر:
ولو عن نثا غيره جاءني ... وجرح اللسان كجرح اليد
وقال طرفة بن العبد:
بحسام سيفك أو لسانك والكلم ... الأصيل كأرغب الكلم
قال: وأنشدني محمد بن زياد «2» :
لحيت شماسا كما تلحى العصي ... سبّا لو أن السب يدمي لدمي
(1/144)

من نفر كلهم نكس دني ... محامد الرذل مشاتيم السّري
مخابط العكم مواديع المطي ... متارك الرفيق بالخرق النّطي «1»
وأنشد محمد بن زياد:
تمنى أبو العفّاق عندي هجمة ... تسهّل مأوى ليلها بالكلاكل
ولا عقل عندي غير طعن نوافذ ... وضرب كأشداق الفصال الهوادل
وسب يود المرء لو مات قبله ... كصدع الصفا فلّقته بالمعاول
الهجمة: القطعة من النوق فيها فحل. والكلكل: الصدر. والفصال:
جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عنها. والهوادل: العظام المشافر.
والعقل ها هنا الدية. والعاقلة: أهل القاتل الأدنون والأبعدون. والصفا: جمع صفاة وهي الصخرة. وقال طرفة:
رأيت القوافي يتّلجن موالجا ... تضايق عنها إن تولّجها الأبر
وقال الأخطل:
حتى أقروا وهم مني على مضض ... والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
وقال العمانيّ:
إذ هن في الريط وفي الموادع ... ترمى إليهنّ كبذر الزارع
الريط: الثياب، واحدها ريطة، والريطة: كل ملاءة لم تكن لفقين.
والحلة لا تكون إلا ثوبين. والموادع: الثياب التي تصون غيرها، واحدها ميدعة.
وقالوا: «الحرب أولها شكوى، وأوسطها نجوى، وآخرها بلوى» .
وكتب نصر بن سيار، إلى ابن هبيرة، أيام تحرك أمر السواد بخراسان:
(1/145)

أرى خلل الرماد وميض جمر ... فيوشك أن يكون له اضطرام
فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام
فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام
فإن كانوا لحينهم نياما ... فقل قوموا فقد طال المنام
وقال بعض المولدين:
إذا نلت العطيّة بعد مطل ... فلا كانت، وإن كانت جزيله
فسقيا للعطية ثم سقيا ... إذا سهلت، وإن كانت قليله
وللشعراء ألسنة حداد ... على العورات موفية دليله
ومن عقل الكريم إذا اتقاهم ... وداراهم مداراة جميله
إذا وضعوا مكاويهم عليه، ... وإن كذبوا، فليس لهنّ حيله «1»
وقالوا: «مذاكرة الرجال تلقيح لألبابها» .
ومما قالوا في صفة اللسان قول الأسدي، أنشدنيها ابن الأعرابي:
وأصبحت أعددت للنائبا ... ت عرضا بريئا وعضبا صقيلا «2»
ووقع لسان كحد السنا ... ن ورمحا طويل القناة عسولا «3»
وقال الأعشى:
وأدفع عن أعراضكم وأعيركم ... لسانا كمقراض الخفاجيّ ملحبا
الملحب: القاطع.
الخفاجي: رجل اسكاف منسوب إلى خفاجة.
(1/146)

وقال ابن هرمة:
قل للذي ظل ذا لونين يأكلني ... لقد خلوت بلحم عادم البشم
إياك لا ألزمن لحييك من لجمي ... نكلا ينكل قرّاصا من اللجم «1»
إني امرؤ لا أصوغ الحلي تعمله ... كفّاي، لكن لساني صائغ الكلم
وقال الآخر:
إني بغيت الشعر وابتغاني ... حتى وجدت الشعر في مكاني
في عيبة مفتاحها لساني
وأنشد:
إني وإن كان ردائي خلقا ... وبرنكاني سملا قد أخلقا «2»
قد جعل الله لساني مطلقا
[الفصاحة واللحن]
قال أبو عثمان «3» : والعتّابيّ حين زعم أن كلّ من أفهمك حاجته فهو بليغ فلم يعن أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين والبلديين قصده ومعناه، بالكلام الملحون، والمعدول عن جهته، والمصروف عن حقه، إنه محكوم له بالبلاغة كيف كان بعد أن نكون قد فهمنا عنه. ونحن قد فهمنا معنى كلام النبطي الذي قيل له: لم اشتريت هذه الأتان؟ قال: «اركبها وتلد لي» . وقد علمنا أن معناه كان صحيحا.
وقد فهمنا قول الشيخ الفارسي حين قال لأهل مجلسه: «ما من شر من دين» وإنه قال حين قيل له: ولم ذاك يا أبا فلان؟ قال: «من جرّى يتعلقون» . وما نشك أنه قد ذهب مذهبا، وأنه كما قال.
(1/147)

وقد فهمنا معنى قول أبي الجهير الخراساني النخاس، حين قال له الحجاج أتبيع الدواب المعيبة من جند السلطان؟ قال: «شريكاننا في هوازها، وشريكاننا في مداينها. وكما تجيء نكون» . قال الحجاج: ما تقول، ويلك! فقال بعض من قد كان اعتاد سماع الخطأ وكلام العلوج بالعربية حتى صار يفهم مثل ذلك: يقول: شركاؤنا بالأهواز وبالمدائن يبعثون إلينا بهذه الدواب، فنحن نبيعها على وجوهها.
وقلت لخادم لي: في أي صناعة أسلموا هذا الغلام؟ قال: «في أصحاب سند نعال» يريد: في أصحاب النعال السندية. وكذلك قول الكاتب المغلاق للكاتب الذي دونه: «اكتب لي قل خطين وريحني منه» .
فمن زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، جعل الفصاحة واللكنة، والخطأ والصواب، والاغلاق والإبانة، والملحون والمعرب، كله سواء، وكله بيانا. وكيف يكون ذلك كله بيانا، ولولا طول مخالطه السامع للعجم وسماعه للفاسد من الكلام، لما عرفه. ونحن لم نفهم عنه إلا للنقص الذي فينا. وأهل هذه اللغة وأرباب هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بكلامهم كما لا يعرفون رطانة الرومي والصقلبي، وإن كان هذا الاسم إنما يستحقونه بأنّا نفهم عنهم كثيرا من حوائجهم. فنحن قد نفهم بحمحمة الفرس كثيرا من إرادته. وكذلك الكلب، والحمار، والصبي الرضيع.
وإنما عنى العتابي إفهامك العرب حاجتك على مجاري كلام العرب الفصحاء. وأصحاب هذه اللغة لا يفقهون قول القائل منا: «مكره أخاك لا بطل» . و: «إذا عز أخاك فهن» . ومن لم يفهم هذا لم يفهم قولهم: ذهبت إلى أبو زيد، ورأيت أبي عمرو. ومتى وجد النحويون أعرابيا يفهم هذا وأشباهه بهرجوه ولم يسمعوا منه، لأن ذلك يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة وتنقص البيان. لأن تلك اللغة إنما انقادت واستوت، واطردت وتكاملت، بالخصال التي اجتمعت لها في تلك الجزيرة، وفي تلك الجيرة.
ولفقد الخطأ من جميع الأمم.
(1/148)

ولقد كان بين زيد بن كثوة يوم قدم علينا البصرة، وبينه يوم مات بون بعيد، على أنه قد كان وضع منزله في آخر موضع الفصاحة وأول موضع العجمة، وكان لا ينفك من رواة ومذاكرين.
وزعم أصحابنا البصريون عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: لم أر قرويين أفصح من الحسن والحجاج، وكان- زعموا- لا يبرّئهما من اللحن.
وزعم أبو العاصي أنه لم ير قرويا قط لا يلحن في حديثه، وفيما يجري بينه وبين الناس، إلا ما تفقده من أبي زيد النحوي، ومن أبي سعيد المعلم.
وقد روى أصحابنا أن رجلا من البلديين قال لأعرابي: «كيف أهلك» قالها بكسر اللام. قال الأعرابي: صلبا. لأنه أجابه على فهمه، ولم يعلم أنه أراد المسألة عن أهله وعياله.
وسمعت ابن بشير وقال له أبو الفضل العنبريّ: إني عثرت البارحة بكتاب، وقد التقطته، وهو عندي، وقد ذكروا أن فيه شعرا، فإن أردته وهبته لك. قال ابن بشير: أريده إن كان مقيّدا. قال: والله ما أدري أمقيّد هو أم مغلول. ولو عرف التقييد لم يلتفت إلى روايته.
وحكى الكسائي أنه قال لغلام بالبادية: من خلقك؟ وجزم القاف، فلم يدر ما قال، ولم يجبه، فرد عليه السؤال فقال الغلام: لعلك تريد من خلقك.
وكان بعض الأعراب إذا سمع رجلا يقول نعم في الجواب، قال: «نعم وشاء؟» ، لأن لغته نعم. وقيل لعمر بن لجأ: قل «إنا من المجرمين منتقمين» . قال: (إنّا من المجرمين منتقمون) .
وأنشد الكسائي كلاما دار بينه وبين بعض فتيان البادية فقال:
عجب ما عجب أعجبني ... من غلام حكمي أصلا
قلت هل أحسست ركبا نزلوا ... حضنا ما دونه قال هلا «1»
(1/149)

قلت بيّن ما هلا هل نزلوا ... قال حوبا ثم ولى عجلا «1»
لست أدري عندها ما قال لي ... أنعم ما قال لي أم قال لا
تلك منه لغة تعجبني ... زادت القلب خبالا خبلا «2»
قال أبو الحسن: قال مولى زياد: أهدوا لنا همار وهش. قال: أي شيء تقول ويلك؟ قال: «أهدوا لنا أيرا» ، يريد: أهدوا لنا عيرا. قال زياد:
ويلك، الأول خير.
وقال الشاعر يذكر جارية له لكناء:
أكثر ما أسمع منها بالسحر ... تذكيرها الأنثى وتأنيث الذكر
والسوأة السوآء في ذكر القمر
فزياد قد فهم عن مولاه، والشاعر قد فهم عن جاريته ولكنهما لم يفهما عنهما من جهة افهامهما لهما، ولكنهما لما طال مقامهما في الموضع الذي يكثر فيه سماعهما لهذا الضرب، صارا يفهمان هذا الضرب من الكلام.
[مديح اللسان]
ذكر ما قالوا في مديح اللسان بالشعر الموزون واللفظ المنثور، وما جاء في الأثر وصح به الخبر.
قال الشاعر:
أرى الناس في الأخلاق أهل تخلق ... وأخبارهم شتى فعرف ومنكر
قريبا تدانيهم إذا ما رأيتهم ... ومختلفا ما بينهم حين تخبر
فلا تحمدن الدهر ظاهر صفحة ... من المرء ما لم تبل ما ليس يظهر
(1/150)

فما المرء إلا الأصغران: لسانه ... ومعقوله، والجسم خلق مصور
وما الزين في ثوب تراه وإنما ... يزين الفتى مخبوره حين يخبر
فإن طرّة راقتك منه فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر
وقال سويد بن أبي كاهل في ذلك:
ودعتني برقاها إنها ... تنزل الأعصم من رأس اليفع «1»
تسمع الحدّاث قولا حسنا ... لو أرادوا مثله لم يستطع
ولسانا صيرفيا صارما ... كذباب السيف ما مسّ قطع «2»
وقال جرير:
وليس لسيفي في العظام بقية ... وللسيف أشوى وقعة من لسانيا
وقال آخر:
وجرح السيف تدمله فيبرا ... ويبقى الدهر ما جرح اللسان
وقال آخر:
أبا ضبيعة لا تعجل بسيئة ... إلى ابن عمك واذكره بإحسان
أما تراني وأثوابي مقاربة ... ليست بخز ولا من حر كتان «3»
فإن في المجد همّاتي وفي لغتي ... علوية ولساني غير لحّان
وفيما مدحوا به الأعرابي إذا كان أديبا، أنشدني ابن أبي كريمة، أو ابن كريمة، واسمه أسود:
ألا زعمت عفراء بالشام إنني ... غلام جوار لا غلام حروب
(1/151)

وإني لأهذي بالأوانس كالدمى ... وإني بأطراف القنا للعوب
وإني على ما كان من عنجهيتي ... ولوثة أعرابيتي لأديب «1»
وقال ابن هرمة:
لله درّك من فتى فجعت به ... يوم البقيع حوادث الأيام
هش إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدام
فإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام
وقال كعب بن سعد الغنوي:
حبيب إلى الزوار غشيان بيته ... جميل المحيا شبّ وهو أديب
إذا ما تراءاه الرجال تحفظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب «2»
وقال الحارثي.
وتعلم أني ماجد وتروعها ... بقية أعرابية في مهاجر
وقال الآخر:
وإن امرأ في الناس يعطى ظلامة ... ويمنع نصف الحق منه لرائع
أألموت يخشى أثكل الله أمّه ... أم العيش يرجو نفعه وهو ضائع
ويطعم ما لم يندفع في مريئه ... ويمسح أعلى بطنه وهو جائع
وأن العقول فاعلمن أسنة ... حداد النواحي أرهفتها المواقع «3»
ويقولون: «كأن لسانه لسان ثور» .
وحدثني من سمع أعرابيا يمدح رجلا برقة اللسان فقال: «كأن والله لسانه أرق من ورقة، وألين من سرقة» «4» .
(1/152)

وقال النبي صلّى الله عليه وآله لحسان بن ثابت: ما بقي من لسانك؟ فأخرج لسانه حتى ضرب بطرفه أرنبته. ثم قال: «والله ما يسرني به مقول من معد، والله إن لو وضعته على حجر لفلقه، أو على شعر لحلقه» .
قال: وسمعت أعرابيا يصف بلسانه رجل، فقال: «كان يشول بلسانه شولان البروق، ويتخلل به تخلل الحية» . وأظن هذا الأعرابي أبا الوجيه العكليّ.
يشول: يرفع. البروق: الناقة إذا طلبت الفحل فإنها حينئذ ترفع ذنبها.
وإنما سمي شوّال شوّالا لأن النوق شالت بأذنابها فيه. فإن قال قائل: قد يتفق أن يكون شوّال في وقت لا تشول الناقة بذنبها فيه، فلم بقي هذا الاسم عليه، وقد ينتقل ما له لزم عنه، قيل له: إنما جعل هذا الاسم له سمة حيث اتفق أن شالت النوق بأذنابها فيه، فبقي عليه كالسمة، وكذلك رمضان إنما سمي لرمض الماء فيه وهو في شدة الحر، فبقي عليه في البرد. وكذلك ربيع، إنما سمي لرعيهم الربيع فيه، وإن كان قد يتفق هذا الاسم في وقت البرد والحر.
قال: ووصف أعرابي رجلا فقال: أتيناه فأخرج لسانه كأنه مخراق لاعب «1» .
قال وقال العباس بن عبد المطلب للنبي صلّى الله عليه وآله: يا رسول الله، فيم الجمال؟ قال: في اللسان.
قال: وكان مجاشع بن دارم خطيبا سليطا، وكان نهشل بكيئا منزورا «2» ، فلما خرجا من عند بعض الملوك عذله مجاشع في تركه الكلام، فقال له نهشل: إني والله لا أحسن تكذابك ولا تأثامك، تشول بلسانك شولان البروق، وتخلل تخلل الباقرة.
وقالوا: أعلى جميع الخلق مرتبة الملائكة، ثم الإنس، ثم الجن.
(1/153)

وإنما صار لهؤلاء المزية على جميع الخلق بالعقل، وبالاستطاعة على التصرف، وبالمنطق.
قال: وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة.
قال: وقال رجل لخالد بن صفوان: ما لي إذا رأيتكم تتذاكرون الأخبار وتتدارسون الآثار، وتتناشدون الأشعار، وقع عليّ النوم؟ قال: لأنك حمار في مسلاخ إنسان «1» .
وقال صاحب المنطق «2» : حد الإنسان الحي الناطق المبين.
وقال الأعور الشني «3» :
وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
ولما دخل ضمرة بن ضمرة، على النعمان بن المنذر، زرى عليه، للذي رأى من دمامته وقصره وقلته. فقال النعمان: «تسمع بالمعيديّ لا أن تراه» .
فقال: أبيت اللعن! إن الرجال لا تكال بالقفزان، ولا توزن بالميزان، وليست بمسوك يستقى بها، وإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إن صال صال بجنان، وإن قال قال ببيان» .
واليمانية تجعل هذا للصقعب النهدي. فإن كان ذلك كذلك فقد أقروا بأن نهدا من معد «4» .
(1/154)

وكان يقال: «عقل الرجل مدفون تحت لسانه» .
أبو الحسن: قال: قال الحسن: «لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام تفكر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل من وراء لسانه، فإن همّ بالكلام تكلم به له أو عليه» .
قال أبو عبيدة: قال أبو الوجيه: حدثني الفرزدق قال: كنا في ضيافة معاوية بن أبي سفيان، ومعنا كعب بن جعيل التغلبي، فقال له يزيد: إن ابن حسان- يريد عبد الرحمن بن حسان- قد فضحنا! فاهج الأنصار. قال: أرادّي أنت إلى الإشراك بعد الإيمان، لا أهجو قوما نصروا رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولكني أدلك على غلام منا نصراني كأن لسانه لسان ثور. يعني الأخطل.
وقال سعد بن أبي وقاص، لعمر ابنه حين نطق مع القوم فبذّهم، وقد كانوا كلموه في الرضا عنه. قال: هذا الذي أغضبني عليه، إني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: «يكون قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم، كما تلحس الأرض البقرة بلسانها» .
قال: وقال معاوية لعمرو بن العاص: «يا عمرو، إن أهل العراق قد أكرهوا عليّا على أبي موسى، وأنا وأهل الشام راضون بك، وقد ضم إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأي، فأجد الحز، وطبق المفصل، ولا تلقه برأيك كله» .
والعجب من قول ابن الزبير للأعراب: «سلاحكم رث، وحديثكم غث. وكيف يكون هذا وقد ذكروا أنه كان من أحسن الناس حديثا، وأن أبا نضرة وعبيد الله بن أبي بكرة إنما كانا يحكيانه. فلا أدري إلا أن يكون حسن حديثه هو الذي ألقى الحسد بينه وبين كلّ حسن الحديث.
وقد ذكروا أن خالد بن صفوان تكلم في بعض الأمر، فأجابه رجل من أهل المدينة بكلام لم يظن خالد أن ذلك الكلام كان عنده، فلما طال بهما المجلس كأن خالدا عرض له ببعض الأمر، فقال المدني: «يا أبا صفوان، ما لي من ذنب إلا إتفاق الصناعتين» . ذكر ذلك الأصمعي.
(1/155)

قال فضّال الأزرق: قال رجل من بني منقر: تكلم خالد بن صفوان في صلح بكلام لم يسمع الناس قبله مثله، فإذا أعرابي في بتّ «1» ، ما في رجليه حذاء، فأجابه بكلام وددت والله أني كنت متّ وإن ذلك لم يكن، فلما رأى خالد ما نزل بي قال: يا أخا منقر، كيف نجاريهم، وإنما نحكيهم، وكيف نسابقهم وإنما نجري على ما سبق إلينا من أعراقهم، فليفرخ روعك فإنه من مقاعس، ومقاعس لك. فقلت: يا أبا صفوان، والله ما ألومك على الأولى، ولا أدع حمدك على الأخرى.
قال أبو اليقظان: قال عمر بن عبد العزيز: «ما كلمني رجل من بني أسد إلا تمنيت أن يمد له في حجته حتى يكثر كلامه فأسمعه» .
وقال يونس بن حبيب «2» : ليس في بني أسد إلا خطيب، أو شاعر، أو قائف، أو زاجر، أو كاهن، أو فارس. قال: وليس في هذيل إلا شاعر أو رام، أو شديد العدو.
الترجمان بن هريم بن عدي بن أبي طحمة «3» قال: دعي رقبة بن مصقلة، أو كرب بن رقبة إلى مجلس ليتكلم فيه، فرأى مكان أعرابي في شملة، فأنكر موضعه، فسأل الذي عن يمينه عنه فخبره أنه الذي أعدوه لجوابه، فنهض مسرعا لا يلوي على شيء، كراهة أن يجمع بين الديباجتين فيتضع عند الجميع.
وقال خلاد بن يزيد: لم يكن أحد بعد أبي نضرة أحسن حديثا من سلم ابن قتيبة. قال: وكان يزيد بن عمر بن هبيرة يقول: احذفوا الحديث كما يحذفه سلم بن قتيبة.
(1/156)

ويزعمون أنهم لم يروا محدثا قط صاحب آثار كان أجود حذفا وأحسن اختصارا للحديث من سفيان بن عيينة «1» . سألوه مرة عن قول طاوس في ذكاة الجراد، فقال: ابنه عنه: «ذكاته «2» صيده» .
[مديح قوة العارضة]
وكانوا يمدحون شدة العارضة، وقوة المنة، وظهور الحجة، وثبات الجنان، وكثرة الريق، والعلو على الخصم، ويهجون بخلاف ذلك.
قال الشاعر:
طباقاء لم يشهد خصوما ولم يعش ... حميدا ولم يشهد حلالا ولا عطرا
وقال أبو زبيد الطائيّ:
وخطيب إذا تمعرت الأو ... جه يوما في مأقط مشهود «3»
طباقاء، يقال للبعير إذا لم يحسن الضراب: جمل عياياء، وجمل طباقاء. وهو ها هنا للرجل الذي لا يتجه للحجة. الحلال: الجماعات.
ويقال حي حلال إذا كانوا متجاورين مقيمين. والعطر هنا: العرس المأقط: الموضع الضيق، والمأقط: الموضع الذي يقتتل فيه. وقال نافع بن خليفة الغنوي:
وخصم لدى باب الأمير كأنهم ... قروم فشا فيها الزوائر والهدر
دلفت لهم دون المنى بملمة ... من الدرّ في أعقاب جوهرها شذر
إذا القوم قالوا أدن منها وجدتها ... مطبّقة يهماء ليس لها خصر
القروم: الجمال المصاعب. الزوائر: الذين يزثرون. والهدر: صوته عند هيجه، ويقال له الهدير. دلفت، أي نهضت نهوضا رويدا. والدليف:
(1/157)

المشي الرويد. قوله أدن منها، أي قللها واختصرها. وجدتها مطبقة، أي قد طبقتهم بالحجة. واليهماء: الأرض التي لا يهتدى فيها الطريق. ويهماء ها هنا، يعني التي لا يهتدي إليها ويضل الخصوم عندها، (والأيهم من الرجال: الحائر الذي لا يهتدي لشيء. وأرض يهماء، إذا لم يكن فيها علامة) .
وقال الأسلع بن قصاف الطّهويّ:
فداء لقومي كل معشر حارم ... طريد ومخذول بما جرّ مسلم «1»
هم أفحموا الخصم الذي يستقيدني ... وهم فصموا حجلي وهم حقنوا دمي «2»
بأيد يفرّجن المضيق وألسن ... سلاط وجمع ذي زهاء عرمرم
إذا شئت لم تعدم لدى الباب منهم ... جميل المحيا واضحا غير توأم
الزهاء: الكثرة، ها هنا. والعرموم من العرامة، وهي الشراسة والشدة.
التوأمان: الأخوان المولودان في بطن.
وقال التميميّ في ذلك:
أما رأيت الألسن السلاطا ... إن الندى حيث ترى الضغاطا «3»
والجاه والأقدام والنشاطا
ذهب في البيت الأخير إلى قول الشاعر:
يسقط الطير حيث ينتثر الح ... بّ وتغشى منازل الكرماء
وإلى قول الآخر:
يرفضّ عن بيت الفقير ضيوفه ... وترى الغنى يهدي لك الزوارا
(1/158)

وأنشدوا في المعنى الأول:
وخطيب قوم قدموه أمامهم ... ثقة به متخمّط تيّاح
جاوبت خطبته فظل كأنه ... لما خطبت مملّح بملاح
المتخمط: المتكبر مع غضب. والتياح المتيح: الذي يعرض في كل شيء ويدخل فيما لا يعنيه. وقوله مملّح بملاح، أي متقبّض كأنه ملح من الملح.
وأنشد أيضا:
أرقت لضوء برق في نشاص ... تلألأ في مملأة غصاص
النشاص: السحاب الأبيض المرتفع بعضه فوق بعض، وليس بمنبسط.
تلألأ، التلألؤ: ظهور البرق في سرعة. مملأة بالماء غصاص: قد غصت بالماء.
لواقح دلّح بالماء سحم ... تمج الغيث من خلل الخصاص
اللواقح: التي قد لقحت من الريح. والدلح: الدانية الظاهرة المثقلة بالماء. سحم: سود. والخصاص، ها هنا: خلل السحاب.
سل الخطباء هل سبحوا كسبحي ... بحور القول أو غاصوا مغاصي
لساني بالنثير وبالقوافي ... وبالأسجاع أمهر في الغواص
(النثير: الكلام المنثور. القوافي: خواتم أبيات الشعر. الأسجاع:
الكلام المزدوج على غير وزن) .
من الحوت الذي في لجّ بحر ... مجيد الغوص في لجج المغاص
لعمرك إنني لأعف نفسي ... وأستر بالتكرم من خصاصي «1»
(1/159)

وأنشد لرجل من بني ناشب بن سلامة بن سعد بن مالك بن ثعلبة:
لنا قمر السماء وكل نجم ... يضيء لنا إذا القمران غارا «1»
ومن يفخر بغير ابني نزار ... فليس بأول الخطباء جارا «2»
وأنشد للأقرع «3» :
إني امرؤ لا أقيل الخصم عثرته ... عند الأمير إذا ما خصمه ظلعا
ينير وجهي إذا جد الخصام بنا ... ووجه خصمي تراه الدهر ملتمعا «4»
وأنشد:
تراه بنصري في الحفيظة واثقا ... وإن صدّ عني العين منه وحاجبه
وإن خطرت أيدي الكماة وجدتني ... نصورا إذا ما استيبس الريق عاصبه
عاصبه: يابسه، يعتصم به حتى يتم كلامه. الكماة: جمع كميّ، والكميّ الرجل المتكمّي بالسلاح، يعني المتكفر به المتستر. ويقال كمى الرجل شهادته يكميها، إذا كتمها وسترها. وقال ابن أحمر وذكر الريق والاعتصام به:
هذا الثناء وأجدر أن أصاحبه ... وقد يدوّم ريق الطامع الأمل
وقال الزبير بن العوام، وهو يرقّص عروة ابنه:
أبيض من آل أبي عتيق ... مبارك من ولد الصدّيق
ألذه كما ألذ ريقي
(1/160)

وقالت امرأة من بني أسد:
ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد
فمن كان يعيا بالجواب فإنه ... أبو معقل لا حجر عنه ولا صدد
أثاروا بصحراء الثوية قبره ... وما كنت أخشى إن تناءى به البلد
تناءى: تبعد. والثوية: موضع بناحية الكوفة. ومن قال الثوية فهي تصغير الثوية.
وقال أوس بن حجر في فضالة بن كلدة:
أبا دليجة من يوصي بأرملة ... أم من لأشعث ذي طمرين طملال
أم من يكون خطيب القوم إن حفلوا ... لدى الملوك أولي كيد وأقوال
و «هدمين: وهما ثوبان خلقان. يقال ثوب أهدام، إذا كان خلقا.
والطملال: الفقير. وقال أيضا فيه:
ألهفي على حسن آلائه ... على الجابر الحي والحارب
ورقبته حتمات الملو ... ك بين السّرادق والحاجب «1»
ويكفي المقالة أهل الدحا ... ل غير معيب ولا عائب «2»
رقبته، أي انتظاره إذن الملوك. وجعله بين السرادق والحاجب ليدل على مكانته من الملوك. وأنشد أيضا:
وخصم غضاب ينغضون رؤوسهم ... أولي قدم في الشغب صهب سبالها «3»
ضربت لهم أبط الشمال فأصبحت ... يردّ غواة آخرين نكالها
ابط الشمال، يعني الفؤاد، لأنه لا يكون إلا في تلك الناحية. وقال شتيم بن خويلد «4» :
(1/161)

وقلت لسيدنا يا حلي ... م إنك لم تأس أسوا رفيقا
أعنت عديا على شأوها ... تعادي فريقا وتبقي فريقا
زحرت بها ليلة كلها ... فجئت بها مؤيدا خنفقيقا
تأسو: تداوي، أسوا وأسى، مصدران. والآسي: الطبيب. ومؤيد:
داهية. خنفقيق: داهية أيضا. الشأو: الغلوة لركض الفرس.
وأنشد لآدم مولى بلعنبر، يقولها لابنه:
يا بأبي أنت ويا فوق البئب ... يا بأبي خصيك من خصي وزب
أنت الحبيب وكذا قول المحب ... جنبك الله معاريض الوصب
حتى تفيد وتداوي ذا الجرب ... وذا الجنون من سعال وكلب
والحدب حتى يستقيم ذو الحدب ... وتحمل الشاعر في اليوم العصب
على مباهير كثيرات التعب ... وإن أراد جدل صعب أرب
خصومة تثقب أوساط الركب ... أظلعته من رتب إلى رتب
حتى ترى الأبصار أمثال الشهب ... يرمى بها أشوس ملحاح كلب
مجرب الشدات ميمون مذبّ
الوصب: المرض. والعصب: الشديد. يقال يوم عصب وعصيب وعصبصب، إذا كان شديدا. مباهير: متاعيب قد علاهم البهر. أرب، يقال رجل أريب وأرب، وله أرب، إذا كان عاقلا أديبا حازما. أظلعته يقال ظلع الرجل، إذا خمع في مشيه. الرتبة: واحدة الرتب والرتبات، وهي الدرج.
أي تخرجه من شيء إلى شيء. والأشوس: الذي ينظر بمؤخر عينه.
ملحاح: ملح، من الإلحاح على الشيء. كلب، أي الذي قد كلب.
مذب. أي يذب عن حريمه وعن نفسه.
وقالت ابنة وثيمة، ترثي أباها وثيمة بن عثمان:
الواهب المال التلا ... د ندى ويكفينا العظيمه
ويكون مدرهنا إذا ... نزلت مجلحة عظيمه
(1/162)

واحمر آفاق السما ... ء ولم تقع في الأرض ديمه
وتعذّر الآكال حتى ... كان أحمدها الهشيمه
لا ثلة ترعى ولا ... إبل ولا بقر مسيمه
ألفيته مأوى الأرا ... مل والمدفّعة اليتيمه
والدافع الخصم الألدّ ... إذا تفوضح في الخصومه
بلسان لقمان بن عا ... د وفصل خطبته الحكيمه
ألجمتهم بعد التدا ... فع والتجاذب في الحكومه
التلاد: القديم من المال. والطارف: المستفاد. والمدره: لسان القوم المتكلم عنهم. مجلحة، أي داهية مصممة. احمرّ آفاق السماء، أي اشتد البرد وقل المطر وكثر القحط. وديمة: واحدة الديم، وهي الأمطار الدائمة مع سكون. تعذر: تمنع. الآكال: جمع أكل، وهو ما يؤكل. والهشيمة: ما تهشم من الشجر، أي وقع وتكسر. الثلة: الضأن الكثيرة، ولا يقال للمعزى ثلة، ولكن حيلة، فإذا اجتمعت الضأن والمعزى قيل لهما ثلة. مسيمة، أي صارت في السوم ودخلت فيه، والسوم: الرعي. وسامت تسوم، أي رعت ترعى. ومنه قول الله: وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ.
[لقمان بن عاد]
وكانت العرب تعظم شأن لقمان بن عاد «1» الأكبر والأصغر لقيم بن لقمان في النباهة والقدر، وفي العلم والحكم، وفي اللسان والحلم. وهذان غير لقمان الحكيم المذكور في القرآن على ما يقوله المفسرون. ولارتفاع قدره وعظم شأنه، قال النمر بن تولب:
لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما
(1/163)

ليالي حمّق فاستحصنت ... عليه فغر بها مظلما
فغرّ بها رجل محكم ... فجاءت به رجلا محكما
وذلك أن أخت لقمان قالت لأمرأة لقمان: إني امرأة محمقة، ولقمان رجل محكم منجب، وأنا في ليلة طهري، فهبي لي ليلتك. ففعلت فباتت في بيت امرأة لقمان، فوقع عليها فأحبلها بلقيم، فلذلك قال النمر بن تولب ما قال:
والمرأة إذا ولدت الحمقى فهي محمقة، ولا يعلم ذلك حتى يرى ولد زوجها من غيرها أكياسا.
وقالت امرأة ذات بنات:
وما أبالي أن أكون محمقه ... إذا رأيت خصية معلّقه
وقال آخر:
أزرى بسعيك أن كنت امرأ حمقا ... من نسل ضاوية الأعراق محماق
ضاوية الأعراق، أي ضعيفة الأعراق نحيفتها. يقال رجل ضاو، وفيه ضاوية، إذا كان نحيفا قليل الجسم. وجاء في الحديث: «اغتربوا لا تضووا» . أي لا يتزوج الرجل القرابة القريبة، فيجيء ولده ضاويا. والفعل منه ضوي يضوى ضوى. والأعراق: الأصول. والمحماق: التي عادتها أن تلد الحمقى.
ولبغضهم البنات قالت إحدى القوابل:
أيا سحاب طرّقي بخير ... وطرّقي بخصية وأير «1»
ولا ترينا طرف البظير
(1/164)

وقال الآخر «1» في إنجاب الأمهات، وهو يخاطب بني أخوته:
عفاريتا عليّ وأخذ مالي ... وعجزا عن أناس آخرينا
فهلا غير عمكم ظلمتم ... إذا ما كنتم متظلمينا
فلو كنتم لكيّسة أكاست ... وكيس الأم أكيس للبنينا
ولكن أمكم حمقت فجئتم ... غثاثا ما نرى فيكم سمينا
وكان لنا فزارة عمّ سوء ... وكنت له كشر بني الأخينا
ولبغض البنات هجر أبو حمزة الضبّي خيمة امرأته، وكان يقيل ويبيت عند جيران له، حين ولدت امرأته بنتا، فمرّ يوما بخبائها وإذا هي ترقصها وتقول:
ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا
غضبان ألا نلد البنينا ... تالله ما ذلك في أيدينا
وإنما نأخذ ما أعطينا ... ونحن كالأرض لزارعينا
ننبت ما قد زرعوه فينا
قال: فغدا الشيخ حتى ولج البيت فقبل رأس امرأته وابنتها.
وهذا الباب يقع في كتاب الإنسان، وفي فصل ما بين الذكر والأنثى، تاما، وليس هذا الباب مما يدخل في باب البيان والتبيين، قد يجري السبب فيجري معه بقدر ما يكون تنشيطا لقارىء الكتاب، لأن خروجه من الباب إذا طال لبعض العلم، كان ذلك أروح على قلبه، وأزيد في نشاطه إن شاء الله.
وقد قال الأول في تعظيم شأن لقيم بن لقمان:
قومي أصبحيني فما صيغ الفتى حجرا ... لكن رهينة أحجار وأرماس
قومي اصبحيني فإن الدهر ذو غير ... أفنى لقيما وأفنى آل هرماس «2»
(1/165)

اليوم خمر ويبدو في غد خبر ... والدهر من بين إنعام وابآس
فاشرب على حدثان الدهر مرتفعا ... لا يصحب الهم قرع السن بالكاس
وقال أبو الطمحان القينيّ «1» في ذكر لقمان:
إن الزمان ولا تفنى عجائبه ... فيه تقطع ألّاف وأقران
أمست بنو القين أفراقا موزعة ... كأنهم من بقايا حيّ لقمان
وقد ذكرت العرب هذه الأمم البائدة، والقرون السالفة. ولبعضهم بقايا قليلة، وهم أشلاء في العرب متفرقون مغمورون، مثل جرهم وجاسم ووبار، وعملاق، وأميم، وطسم وجديس، ولقمان والهرماس، وبني الناصور وقيل بن عتر، وذي جدن. وقد يقال في بني الناصور إن أصلهم من الروم، فأما ثمود فقد خبر الله عز وجل عنهم فقال: وثمودا فما أبقى، وقال: فهل ترى لهم من باقية. فأنا أعجب من مسلم يصدق بالقرآن، يزعم أن قبائل العرب من بقايا ثمود.
وكان أبو عبيدة يتأول قوله: وَثَمُودَ فَما أَبْقى
، إن ذلك إنما وقع على الأكثر، وعلى الجمهور الأكبر. وهذا التأويل أخرجه من أبي عبيدة سوء الرأي في القوم، وليس له أن يجيء إلى خبر عام مرسل غير مقيد وخبر مطلق غير مستثنى منه، فيجعله خاصا كالمستثنى منه. وأي شيء بقي لطاعن أو متأول بعد قوله: فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ
. فكيف يقول ذلك إذا كنا نحن قد نرى منهم في كل حي باقية. معاذ الله من ذلك.
ورووا أن الحجاج قال على المنبر يوما: تزعمون أنّا من بقايا ثمود، وقد قال الله عز وجل: وَثَمُودَ فَما أَبْقى.
فأما الأمم البائدة من العجم، مثل كنعان ويونان وأشباه ذلك، فكثير ولكن العجم ليس لها عناية بحفظ شأن الأموات ولا الأحياء.
(1/166)

وقال المسيّب بن علس، في ذكر لقمان:
وإليك أعملت المطية من ... سهل العراق وأنت بالفقر
أنت الرئيس إذا هم نزلوا ... وتواجهوا كالأسد والنمر
لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر
ولأنت أجود بالعطاء من ال ... ريان لما جاد بالقطر
ولأنت أشجع من أسامة إذ ... نقع الصراخ ولج في الذعر «1»
ولأنت أبين حين تنطق من ... لقمان لما عيّ بالأمر
وقال لبيد بن ربيعة الجعفري:
واخلف قسا ليتني ولو أنني ... وأعيا على لقمان حكم التدبر
فإن تسألينا كيف نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحّر
السحر: الرئة. والمسحر: المعلل بالطعام والشراب. والمسحر: المخدوع كما قال أمرؤ القيس:
أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب
أي نعلل. فكأنا نخدع ونسحر بالطعام والشراب.
وقال الفرزدق:
لئن حومتي هابت معدّ حياضها ... لقد كان لقمان بن عاد يهابها
وقال الآخر «2» :
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجىء بزاد
بخبز أو بلحم أو بتمر ... أو الشيء الملفف في البجاد «3»
تراه يطوّف الآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
(1/167)

وقال أفنون التغلبي:
لو أنني كنت من عاد ومن إرم ... ربيت فيهم ولقمان وذي جدن
وقال الآخر «1» :
ما لذة العيش والفتى ... للدهر والدهر ذو فنون
أهلك طسما وقبل طسم ... أهلك عادا وذا جدون
وأهل جاس ومأرب بع ... د حيّ لقمان والتقون
واليسر للعسر، والتغنّي ... للفقر، والحي للمنون
[ذم فضول الكلام ومدح الصمت]
قال: وهم وإن كانوا يحبون البيان والطلاقة، والتحبير والبلاغة، والتخلص والرشاقة، فإنهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر، والتكلف، والإسهاب والإكثار، لما في ذلك من التزيد والمباهاة، واتباع الهوى، والمنافسة في الغلو. وكانوا يكرهون الفضول في البلاغة، لأن ذلك يدعو إلى السّلاطة، والسلاطة تدعو إلى البذاء. وكل مراء في الأرض فإنما هو من نتاج الفضول.
ومن حصّل كلامه وميزه، وحاسب نفسه، وخاف الإثم والذم، أشفق من الضراوة وسوء العادة، وخاف ثمرة العجب وهجنة النفج، وما في حب السمعة من الفتنة، وما في الرّياء من مجانبة الإخلاص.
ولقد دعا عبادة بن الصامت بالطعام، بكلام ترك فيه المحاسنة، فقال شدّاد بن أوس «2» : إنه قد ترك فيه المحاسنة، فاسترجع ثم قال: «ما تكلمت بكلمة منذ بايعت رسول الله صلّى الله عليه وآله إلا مزمومة مخطوطة» .
(1/168)

قال: وروى حمّاد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن إبراهيم «1» قال:
«إنما يهلك الناس في فضول الكلام، وفضول المال» .
وقال: دع المعاذر، فإن أكثرها مفاجر» . وإنما صارت المعاذر كذلك لأنها داعية إلى التخلص بكلّ شيء.
وقال سلّام بن أبي مطيع: قال لي أيوب «2» : «إياك وحفظ الحديث» خوفا عليه من العجب.
وقال إبراهيم النخعيّ: «دع الاعتذار، فإنه يخالط الكذب» .
قالوا: ونظر شاب وهو في دار ابن سيرين إلى فرش في داره، فقال: ما بال تلك الآجرة أرفع من الآجرة الأخرى؟ فقال ابن سيرين: «يا ابن أخي إن فضول النظر تدعو إلى فضول القول» .
وزعم إبراهيم بن السندي قال: أخبرني من سمع عيسى بن علي يقول:
«فضول النظر من فضول الخواطر، وفضول النظر تدعو إلى فضول القول، وفضول القول تدعو إلى فضول العمل، ومن تعوّد فضول الكلام ثم تدارك استصلاح لسانه، خرج إلى استكراه القول، وإن أبطأ أخرجه إبطاؤه إلى أقبح من الفضول» .
قال أبو عمرو بن العلاء: أنكح ضرار بن عمرو الضبي ابنته معبد بن زرارة، فلما أخرجها إليه قال لها: «يا بنية أمسكي عليك الفضلين» . قالت:
وما الفضلان؟ قال: فضل الغلمة، وفضل الكلام.
وضرار بن عمرو هو الذي قال: «من سره بنوه ساءته نفسه» . وهو الذي لما قاله له المنذر: كيف تخلصت يوم كذا وكذا، وما الذي نجاك؟ قال:
«تأخير الأجل، وإكراهي نفسي على المق الطوال» .
(1/169)

المقّاء: المرأة الطويلة. والمق: جماعة النساء الطوال. والمق أيضا:
الخيل الطوال.
وكان أخوته قد استشالوه حتى ركب فرسه ورفع عقيرته بعكاظ، فقال:
«ألا إن خير حائل أم «1» فزوجوا الأمهات» . وذلك أنه صرع بين القنا، فأشبل عليه أخوته لأمه حتى أنقذوه «2» .
قال: وكان أعرابي يجالس الشعبي «3» فيطيل الصمت، فسئل عن طول صمته فقال: «أسمع فأعلم، وأسكت فأسلم» .
وقالوا: «لو كان الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب» .
وقالوا: «مقتل الرجل بين لحييه وفكيه» .
وأخذ أبو بكر الصديق، رحمه الله، بطرف لسانه وقال: «هذا الذي أوردني الموارد» .
وقالوا: ليس شيء أحقّ بطول سجن من لسان.
وقالوا: اللسان سبع عقور.
وقال النبي عليه السلام: «وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» .
وقال ابن الأعرابي، عن بعض أشياخه: تكلم رجل عند النبي عليه السلام فخطل في كلامه، فقال النبي صلّى الله عليه وآله: «ما أعطي العبد شرا من طلاقة اللسان» .
(1/170)

وقال العائشي، وخالد بن خداش: حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان ابن جرير، عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخير وعن أبيه قال: قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وآله في وفد فقلنا: يا رسول الله، أنت سيدنا، وأنت أطولنا علينا طولا «1» ، وأنت الجفنة الغراء «2» . فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أيها الناس، قولوا بقولكم ولا يستفزنكم الشيطان، فإنما أنا عبد الله ورسوله» .
قال: وقال خالد بن عبد الله القسري، لعمر بن عبد العزيز: من كانت الخلافة زانته فقد زيّنتها، ومن كانت شرفته فقد شرّفتها. فأنت كما قال الشاعر:
وتزيدين أطيب الطيب طيبا ... أن تمسّيه أين مثلك أينا
وإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا
فقال عمر: إن صاحبكم أعطي مقولا، ولم يعط معقولا.
وقال الشاعر:
لسانك معسول ونفسك شحّة ... ودون الثريا من صديقك مالكا
وأخبرنا بإسناد له، أن أناسا قالوا لابن عمر: ادع الله لنا بدعوات.
فقال: «اللهم ارحمنا وعافنا وارزقنا» . فقالوا: لو زدتنا يا أبا عبد الرحمن.
قال: نعوذ بالله من الإسهاب.
وقال أبو الأسود الدؤلي «3» ، في ذكر الإسهاب، يقولها في الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة، والحارث هو القباع، وكان خطيبا من وجوه
(1/171)

قريش ورجالهم. وإنما سمي القباع لأنه أتي بمكتل «1» لأهل المدينة، فقال إن هذا المكتل لقباع! فسمي به. والقباع: الواسع الرأس القصير. وقال الفرزدق فيه لجرير:
وقبلك ما أعييت كاسر عينه ... زيادا فلم تقدر عليّ حبائله
فأقسمت لا آتيه تسعين حجة ... ولو كسرت عنق القباع وكاهله
وقال أبو الأسود:
أمير المؤمنين جزيت خيرا ... أرحنا من قباع بني المغيرة
بلوناه ولمناه فأعيا ... علينا ما يمر لنا مريرة
على أن الفتى نكح أكول ... ومسهاب مذاهبه كثيرة
وقال الشاعر «2» :
إياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعّاء وللصرم جالب
وقال أبو العتاهية:
والصمت أجمل بالفتى ... من منطق في غير حينه
كلّ امرىء في نفسه ... أعلى وأشرف من قرينه
وكان سهل بن هارون يقول: «سياسة البلاغة أشد من البلاغة، كما أن التوقي على الدواء أشد من الدواء» .
وكانوا يأمرون بالتبين والتثبت، وبالتحرز من زلل الكلام، ومن زلل الرأي، ومن الرأي الدبريّ. والرأي الدبري هو الذي يعرض من الصواب بعد مضي الرأي الأول وفوت استدراكه.
وكانوا يأمرون بالتحلم والتعلم، وبالتقدم في ذلك أشد التقدم.
(1/172)

وقال الأحنف: قال عمر بن الخطاب: «تفقهوا قبل أن تسودوا» . وكان يقول رحمه الله: «السؤدد مع السواد» .
وأنشدوا لكثّير عزّة:
وفي الحلم والإسلام للمرء وازع ... وفي ترك طاعات الفؤاد المتيّم
بصائر رشد للفتى مستبينة ... وأخلاق صدق علمها بالتعلم
الوازع: الناهي، والوزعة: جمع وازع، وهم الناهون والكافون.
وقال الأفوه الأودي:
أضحت قرينة قد تغير بشرها ... وتجهمت بتحية القوم العدا
ألوت بإصبعها وقالت إنما ... يكفيك مما لا ترى ما قد ترى
وأنشد «1» :
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك تعذر إن وعظت ويقتدى ... بالقول منك ويقبل التعليم
قالوا: وكان الأحنف بن قيس أشد الناس سلطانا على نفسه.
وقالوا: وكان الحسن أترك الناس لما نهي عنه. وقال الآخر:
لا تعذراني في الإساءة إنه ... شرار الرجال من يسيء فيعذر
وقال الكميت بن زيد الأسدي:
ولم يقل بعد زلة لهم ... عدّوا المعاذير إنما حسبوا
وأنشدني محمد بن يسير، للأحوص بن محمد:
(1/173)

قامت تخاصرني بقنّتها ... خود تأطر غادة بكر
كلّ يرى أن الشباب له ... في كلّ مبلغ لذة عذر
تخاصرني: آخذ بيدها وتأخذ بيدي. والقنة: الموضع الغليظ من الأرض في صلابة. والخود: الحسنة الخلق. تأطر: تتثنى. والغادة: الناعمة الليّنة.
وقال جرير في فوت الرأي:
ولا يتقون الشر حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلا تدبّرا
قال: ومدح النابغة ناسا بخلاف هذه الصفة، فقال:
ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب
لازب ولازم، واحد، واللازب في مكان آخر: اليابس. قال الله عز وجل: مِنْ طِينٍ لازِبٍ
. واللزبات: السنون الجدبة.
وأنشد:
هفا هفوة كانت من المرء بدعة ... وما مثله من مثلها بسليم
فإن يك أخطأ في أخيكم فربما ... أصاب التي فيها صلاح تميم
قال: وقال قائل عند يزيد بن عمر بن هبيرة: والله ما أتى الحارث بن شريح بيوم خير قط. قال: فقال الترجمان بن هريم: «إلا يكن أتى بيوم خير فقد أتى بيوم شر» . ذهب الترجمان بن هريم إلى مثل معنى قول الشاعر:
وما خلقت بنو زمّان إلا ... أخيرا بعد خلق الناس طرّا
وما فعلت بنو زمّان خيرا ... ولا فعلت بنو زمّان شرّا
ومن هذا الجنس من الأحاديث، وهو يدخل في باب الملح، قال الأصمعي: «وصلت بالعلم، ونلت بالملح» .
(1/174)

وقال رجل مرة: «أبي الذي قاد الجيوش، وفتح الفتوح، وخرج على الملوك، واغتصب المنابر» . فقال له رجل من القوم: لا جرم، لقد أسر وقتل وصلب! قال: فقال له المفتخر بأبيه: دعني من أسر أبي وقتله وصلبه، أبوك أنت حدث نفسه بشيء من هذا قط؟
[البيان منزلة بين الإسهاب والإيجاز]
قد سمعنا رواية القوم واحتجاجهم، وأنا أوصيك ألا تدع التماس البيان والتبيين إن ظننت أن لك فيها طبيعة، وإنهما يناسبانك بعض المناسبة، ويشاكلانك في بعض المشاكلة، ولا تهمل طبيعتك فيستولي الإهمال على قوة القريحة، ويستبد بها سوء العادة. وإن كنت ذا بيان وأحسست من نفسك بالنفوذ في الخطابة والبلاغة، وبقوة المنّة يوم الحفل، فلا تقصر في التماس أعلاها سورة «1» ، وأرفعها في البيان منزلة. ولا يقطعنّك تهييب الجهلاء، وتخويف الجبناء، ولا تصرفنك الروايات المعدولة عن وجوهها، المتأولة على أقبح مخارجها.
وكيف تطيعهم بهذه الروايات المعدولة، والأخبار المدخولة، وبهذا الرأي الذي ابتدعوه من قبل أنفسهم، وقد سمعت الله تبارك وتعالى، ذكر داود النبي صلوات الله عليه، فقال: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ
إلى قوله:
وَفَصْلَ الْخِطابِ
. فجمع له بالحكمة البراعة في العقل، والرجاحة في الحلم، والاتساع في العلم، والصواب في الحكم، وجمع له بفصل الخطاب تفصيل المجمل، وتلخيص الملتبس، والبصر بالحزّ في موضع الحز، والحسم في موضع الحسم.
وذكر رسول الله صلّى الله عليه وآله شعيبا النبي عليه السلام، فقال: «كان شعيب خطيب الأنبياء» . وذلك عند بعض ما حكاه الله في كتابه، وجلاه لأسماع عباده.
(1/175)

فكيف تهاب منزلة الخطباء وداود عليه السلام سلفك، وشعيب إمامك مع ما تلوناه عليك في صدر هذا الكتاب من القرآن الحكيم، والآي الكريم. وهذه خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله مدونة محفوظة، ومخلدة مشهورة، وهذه خطب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عنهم.
وقد كان لرسول الله شعراء ينافحون عنه وعن أصحابه بأمره، وكان ثابت ابن قيس بن الشماس الأنصاري خطيب رسول الله صلّى الله عليه وآله، لا يدفع ذلك أحد.
فأما ما ذكرتم من الإسهاب والتكلف، والخطل والتزيد، فإنما يخرج إلى الإسهاب المتكلف، وإلى الخطل المتزيد.
فأما أرباب الكلام، ورؤساء أهل البيان، والمطبوعون المعددون، وأصحاب التحصيل والمحاسبة، والتوقي والشفقة، والذين يتكلمون في صلاح ذات البين، وفي إطفاء نائرة، أو في حمالة «1» ، أو على منبر جماعة، أو في عقد أملاك بين مسلم ومسلمة- فكيف يكون كلام هؤلاء يدعو إلى السلاطة والمراء، وإلى الهذر والبذاء، وإلى النفج والرياء. ولو كان هذا كما يقولون لكان علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن عباس أكثر الناس فيما ذكرتم. فلم خطب صعصعة بن صوحان عند علي بن أبي طالب، وقد كان ينبغي للحسن البصري أن يكون أحقّ التابعين بما ذكرتم؟
قال الأصمعي: قيل لسعيد بن المسيب «2» : ها هنا قوم نساك يعيبون إنشاد الشعر. قال: «نسكوا نسكا أعجميا» .
وقد زعمتم أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «شعبتان من شعب النفاق: البذاء، والبيان. وشعبتان من شعب الإيمان: الحياء، والعيّ» . ونحن نعوذ بالله أن يكون القرآن يحث على البيان ورسول الله صلّى الله عليه وآله يحث على العيّ، ونعوذ بالله أن
(1/176)

يجمع رسول الله صلّى الله عليه وآله بين البذاء والبيان. وإنما وقع النهي على كل شيء جاوز المقدار، ووقع اسم العي على كل شيء قصر عن المقدار. فالعي مذموم والخطل مذموم، ودين الله تبارك وتعالى بين المقصر والغالي.
وهاهنا روايات كثيرة مدخولة، وأحاديث معلولة. رووا أن رجلا مدح الحياء عند الأحنف، وأن الأحنف قال ثمّ: يعود ذلك ضعفا. والخير لا يكون سبا للشر. ولكننا نقول: إن الحياء اسم لمقدار من المقادير ما زاد على ذلك المقدار فسمه ما أحببت. وكذلك الجود اسم لمقدار من المقادير، فالسرف اسم لما فضل عن ذلك المقدار. وللحزم مقدار، فالجبن اسم لما فضل عن ذلك المقدار. وللإقتصاد مقدار، فالبخل اسم لما خرج عن ذلك المقدار.
وللشجاعة مقدار، فالتهور والخدب اسم لما جاوز ذلك المقدار.
وهذه أحاديث ليست لعامتها أسانيد متصلة، فإن وجدتها متصلة لم تجدها محمودة، وأكثرها جاءت مطلقة ليس لها حامل محمود ولا مذموم. فإذا كانت الكلمة حسنت استمتعنا بها على قدر ما فيها من الحسن. فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة، وتنسب إلى هذا الأدب، فقرضت قصيدة، أو حبرت خطبة، أو ألّفت رسالة، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، أو يدعوك عجبك بثمرة عقلك إلى أن تنتحله وتدعيه، ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب، فإن رأيت الأسماع تصغي له، والعيون تحدج إليه، ورأيت من يطلبه ويستحسنه، فانتحله. فإن كان ذلك في ابتداء أمرك، وفي أول تكلفك فلم تر له طالبا ولا مستحسنا، فلعله أن يكون ما دام ريّضا قضيبا «1» ، أن يحل عندهم محل المتروك. فإذا عاودت أمثال ذلك مرارا، فوجدت الأسماع عنه منصرفة، والقلوب لاهية، فخذ في غير هذه الصناعة، واجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه، أو زهدهم فيه.
(1/177)

وقال الشاعر:
إن الحديث تغر القوم خلوته ... حتى يلجّ بهم عي وإكثار
وفي المثل المضروب: «كل مجر في الخلاء مسرّ» ، ولم يقولوا مسرور. وكل صواب.
فلا تثق في كلامك برأي نفسك، فإني ربما رأيت الرجل متماسكا وفوق المتماسك، حتى إذا صار إلى رأيه في شعره، وفي كلامه، وفي ابنه، رأيته متهافتا وفوق المتهافت.
وكان زهير بن أبي سلمى، وهو أحد الثلاثة المتقدمين، يسمي كبار قصائده «الحوليات» .
وقال نوح بن جرير: قال الحطيئة: «خير الشعر الحوليّ المنقّح» .
قال وقال: البعيث الشاعر، وكان أخطب الناس: «إني والله ما أرسل الكلام قضيبا خشيبا «1» ، وما أريد أن أخطب يوم الحفل إلا بالبائت المحكك» .
وكنت أظن أن قولهم «محكك» كلمة مولدة، حتى سمعت قول الصعب بن علي الكناني:
أبلغ فزارة أن الذئب آكلها ... وجائع سغب شرّ من الذيب
أزل أطلس ذو نفس محككة ... قد كان طار زمانا في اليعاسيب «2»
وتكلم يزيد بن أبان الرقاشي، ثم تكلم الحسن، وأعرابيان حاضران فقال أحدهما لصاحبه: كيف رأيت الرجلين؟ فقال: أما الأول فقاص مجيد، وأما الآخر فعربي محكك.
قال: ونظر أعرابي إلى الحسن، فقال له رجل: كيف تراه؟ قال: أرى خيشوم حرّ.
(1/178)

قالوا: وأرادوا عبد الله بن وهب الراسبي «1» على الكلام يوم عقدت له الخوارج الرياسة فقال: «وما أنا والرأي الفطير، والكلام القضيب» ! ولما فرغوا من البيعة له قال: «دعوا الرأي يغبّ، فإن غبوبه يكشف لكم عن محضه» .
وقيل لابن التوأم الرقاشي: تكلم. فقال: «ما أشتهي الخبز إلا بائتا» .
قال: وقال عبيد الله بن سالم لرؤبة: مت يا أبا الجحاف إذا شئت.
قال: وكيف ذاك؟ قال: رأيت اليوم عقبة بن رؤبة ينشد شعرا له أعجبني.
قال: فقال رؤبة: نعم إنه ليقول ولكن ليس لشعره قران. وقال الشاعر:
مهاذبة مناجبة قران ... منادبة كأنهم الأسود
يريد بقوله «قران» التشابه والموافقة.
وقال عمر بن لجأ لبعض الشعراء: أنا أشعر منك! قال: وبم ذلك؟
قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه.
قال: وذكر بعضهم شعر النابغة الجعدي، فقال: «مطرف بآلاف، وخمار بواف «2» » . وكان الأصمعي يفضله من أجل ذلك. وكان يقول:
«الحطيئة عبد لشعره» . عاب شعره حين وجده كله متخيرا منتخبا مستويا، لمكان الصنعة والتكلف، والقيام عليه.
وقالوا: لو أن شعر صالح بن عبد القدوس «3» وسابق البربري»
كان مفرقا في أشعار كثيرة، لصارت تلك الأشعار أرفع مما هي عليه بطبقات،
(1/179)

ولصار شعرهما نوادر سائرة في الآفاق. ولكن القصيدة إذا كانت كلها أمثالا لم تسر، ولم تجر مجرى النوادر. ومتى لم يخرج السامع من شيء إلى شيء لم يكن لذلك عنده موقع.
قال: وقال بعض الشعراء لرجل: أنا أقول في كلّ ساعة قصيدة، وأنت تقرضها في كل شهر. فلم ذلك؟ قال: لأني لا أقبل من شيطاني مثل الذي تقبل من شيطانك.
قال: وأنشد عقبة بن رؤبة (أباه رؤبة) بن العجاج شعرا وقال له: كيف تراه؟ قال: يا بنيّ إن أباك ليعرض له مثل هذا يمينا وشمالا فما يلتفت إليه.
وقد رووا مثل ذلك في زهير وابنه كعب.
قال: وقيل لعقيل بن علّفة: لم لا تطيل الهجاء؟ قال: «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق» .
وقيل لأبي المهوّش: لم لا تطيل الهجاء؟ قال: لم أجد المثل النادر إلا بيتا واحدا، ولم أجد الشعر السائر إلا بيتا واحدا.
قال: وقال مسلمة بن عبد الملك لنصيب الشاعر: ويحك يا أبا الحجناء، أما تحسن الهجاء؟ قال: أما تراني أحسن مكان عافاك الله: لا عافاك الله! ولاموا الكميت بن زيد على الإطالة، فقال: «أنا على القصار أقدر» .
وقيل للعجاج: ما لك لا تحسن الهجاء؟ قال: هل في الأرض صانع إلا وهو على الإفساد أقدر.
وقال رؤبة: «الهدم أسرع من البناء» .
وهذه الحجج التي ذكروها عن نصيب والكميت والعجاج ورؤبة، إنما ذكروها على وجه الاحتجاج لهم. وهذا منهم جهل إن كانت هذه الأخبار صادقة وقد يكون الرجل له طبيعة في الحساب وليس له طبيعة في الكلام،
(1/180)

وتكون له طبيعة في التجارة وليست له طبيعة في الفلاحة، وتكون له طبيعة في الحداء أو في التغيير، أو في القراءة بالألحان، وليت له طبيعة في الغناء وإن كانت هذه الأنواع كلها ترجع إلى تأليف اللحون. وتكون له طبيعة في الناي وليس له طبيعة في السرناي «1» ، وتكون له طبيعة في قصبة الراعي ولا تكون له طبيعة في القصبتين المضمومتين، ويكون له طبع في صناعة اللحون ولا يكون له طبع في غيرهما، ويكون له طبع في تأليف الرسائل والخطب والأسجاع ولا يكون له طبع في قرض بيت شعر. ومثل هذا كثير جدا.
وكان عبد الحميد الأكبر، وابن المقفع، مع بلاغة أقلامهما وألسنتهما لا يستطيعان من الشعر إلا ما يذكر مثله.
وقيل لابن المقفع في ذلك، فقال: الذي أرضاه لا يجيئني، والذي يجيئني لا أرضاه» .
وهذا الفرزدق وكان مستهترا بالنساء، وكان زير غوان، وهو في ذلك ليس له بيت واحد في النسيب مذكور، مع حسده لجرير. وجرير عفيف لم يعشق امرأة قط، وهو مع ذلك أغزل الناس شعرا.
وفي الشعراء من لا يستطيع مجاوزة القصيد إلى الرجز، ومنهم من لا يستطيع مجاوزة الرجز إلى القصيد، ومنهم من يجمعها كجرير وعمر بن لجأ، وأبي النجم، وحميد الأرقط، والعماني. وليس الفرزدق في طواله بأشعر منه في قصاره.
وفي الشعراء من يخطب وفيهم من لا يستطيع الخطابة، وكذلك حال الخطباء في قريض الشعر. والشاعر نفسه قد تختلف حالاته.
وقال الفرزدق: أنا عند الناس أشعر الناس وربما مرت علي ساعة ونزع ضرس أهون عليّ من أن أقول بيتا واحدا.
(1/181)

وقال العجاج: لقد قلت أرجوزتي التي أولها:
بكيت والمحتزن البكيّ ... وإنما يأتي الصبا الصبي
أطربا وأنت قنسري «1» ... والدهر بالإنسان دواري
وأنّا بالرمل، في ليلة واحدة، فانثالت عليّ قوافيها انثيالا، وإني لأريد اليوم دونها في الأيام الكثيرة فما أقدر عليه.
وقال لي أبو يعقوب الخريمي: خرجت من منزلي أريد الشماسية، فابتدأت القول في مرثية لأبي التختاخ، فرجعت والله وما أمكنني بيت واحد.
وقال الشاعر:
وقد يقرض الشعر البكيّ لسانه ... وتعيي القوافي المرء وهو خطيب
[أقوال بليغة]
من القول في المعاني الظاهرة باللفظ الموجز من ملتقطات كلام الناس.
قال بعض الناس: «من التوقي ترك الإفراط في التوقي» .
وقال بعضهم: «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون» .
وقال الشاعر:
قدر الله وارد ... حين يقضى وروده
فأرد ما يكون إن ... لم يكن ما تريده
وقيل لأعرابي في شكاته: كيف تجدك؟ قال: «أجدني أجد ما لا أشتهي وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان من جاد لم يجد، ومن وجد لم يجد» .
(1/182)

وقيل لابن المقفع ألا تقول الشعر؟ قال: الذي يجيئني لا أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني.
وقال بعض النساك: «أنا لما لا أرجو أرجى مني لما أرجو» .
وقال بعضهم: «أعجب من العجب، ترك التعجب من العجب» .
وقال عمر بن عبد العزيز لعبد بني مخزوم: «إني أخاف الله فيما تقلدت» . قال: لست أخاف عليك أن تخاف، وإنما أخاف عليك ألا تخاف.
وقال الأحنف لمعاوية: أخافك إن صدقتك، وأخاف الله إن كذبتك.
وقال رجل من النساك لصاحب له وهو يكيد بنفسه: أما ذنوبي فإني أرجو لها مغفرة الله، ولكني أخاف على بناتي الضيعة. فقال له صاحبه: فالذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجه لحفظ بناتك.
وقال رجل من النساك لصاحب له: ما لي أراك حزينا؟ قال: كان عندي يتيم أربّيه لأوجر فيه، فمات وانقطع عنا أجره. إذ بطل قيامنا بمؤونته. فقال له صاحبه! فاجتلب يتيما آخر يقوم لك مقام الأول. قال: أخاف ألا أصيب يتيما في سوء خلقه! قال له صاحبه: أما أنا فلو كنت في موضعك منه لما ذكرت سوء خلقه.
وقال آخر: وسمعه أبو هريرة النحوي وهو يقول: ما يمنعني من تعلم القرآن إلا أني أخاف أن أضيعه. قال: أما أنت فقد عجلت له التضييع، ولعلك إذا تعلمته لم تضيعه.
وقال عمر بن عبد العزيز لرجل: من سيّد قومك؟ قال: أنا. قال: لو كنت كذلك لم تقله!
[ما قيل في الحق والباطل]
وقالوا في حسن البيان، وفي التخلّص من الخصم بالحقّ والباطل، وفي تخليص الحق من الباطل، وفي الإقرار بالحق، وفي ترك الفخر بالباطل.
(1/183)

قال أعرابي وذكر حماس بن ثامل فقال:
برئت إلى الرحمن من كلّ صاحب ... أصاحبه إلا حماس بن ثامل
وظني به بين السماطين أنه ... سينجو بحق أو سينجو بباطل
وقال العجير السلوليّ:
وإن ابن زيد لابن عمي وإنه ... لبلّال أيدي جلّة الشول بالدم
طلوع الثنايا بالمطايا وإنه ... غداة المرادي للخطيب المقدم
يسرك مظلوما ويرضيك ظالما ... ويكفيك ما حملته حين تغرم
الشول: جمع شائلة، وهي الناقة التي قد جف لبنها. وإذا شالت بذنبها بعد اللقاح فهي شائل، وجمعها شوّل. المرادي: المصادم والمقارع، يقال رديت الحجر بصخرة أو بمعول، إذا ضربته بها لتكسره. والمرادة: الصخرة التي يكسر بها الحجارة. وقال ابن ربع الهذلي «1» :
أعين ألا فابكي رقيبة إنه ... وصول لأرحام ومعطاء سائل
فأقسم لو أدركته لحميته ... وإن كان لم يترك مقالا لقائل
وقال بعض اليهود، وهو الربيع بن أبي الحقيق من بني النضير «2» :
سائل بنا خابر أكمائنا ... والعلم قد يلقى لدى السائل
إنّا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل
واعتلج الناس بألبابهم ... نقضي بحكم عادل فاصل
لا نجعل الباطل حقا ولا ... نلطّ دون الحق بالباطل
نكره أن تسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل
وقال آخر وذكر حماسا أيضا:
(1/184)

أتاني حماس بابن ماه يسوقه ... ليبغيه خيرا وليس بفاعل
ليعطي عبسا مالنا، وصدورنا ... من الغيظ تغلي مثل غلي المراجل
وقافية قيلت لكم لم أجد لها ... جوابا إذا لم تضربوا بالمناصل
فأنطق في حق بحق ولم يكن ... ليرحض عنكم قالة الحق باطلي
ليرحض، أي ليغسل. والراحض: الغاسل. والمرحاض: الموضع الذي يغسل فيه.
وقال عمرو بن معديكرب:
فلو أن قومي أنطقتني رماحهم ... نطقت ولكن الرماح أجرّت
الجرار: عود يعرض في فم الفصيل، أو يشق به لسانه، لئلا يرضع.
فيقول: قومي لم يطعنوا بالرماح فأثني عليهم، ولكنهم فروا فأسكت كالمجرّ الذي في فمه الجرار.
وقال أبو عبيدة: صاح رؤبة في بعض الحروب التي كانت بين تميم والأزد: يا معشر بني تميم، أطلقوا من لساني.
قال: وأبصر رجلا منهم قد طعن فارسا طعنة، فصاح: «لا عيّا ولا شللا!» والعرب تقول: «عي أبأس من شلل» . كأن العي فوق كلّ زمانة.
وقالت الجهنيّة:
ألا هلك الحلو الحلال الحلاحل ... ومن عنده حلم وعلم ونائل «1»
وذو خطب يوما إذا القوم أفحموا ... تصيب مرادي قوله ما يحاول
بصير بعورات الكلام إذا التقى ... شريجان بين القوم: حق وباطل
أتيّ لما يأتي الكريم بسيفه ... وإن أسلمته جنده والقبائل
وليس بمعطاء الظلامة عن يد ... ولا دون أعلى سورة المجد قابل «2»
(1/185)

الحلاحل: السيّد. شريجان: جنسان مختلفان في كلّ شيء.
وأنشد أبو عبيدة في الخطيب يطول كلامه، ويكون ذكورا لأول خطبته وللذي بنى عليه أمره، وإن شغب شاغب فقطع عليه كلامه، أو حدث عند ذلك حدث يحتاج فيه إلى تدبير آخر، وصل الثاني من كلامه بالأوّل، حتى لا يكون أحد كلاميه أجود من الآخر، فأنشد:
وإن أحدثوا شغبا يقطّع نظمها ... فإنك وصّال لما قطع الشغب
ولو كنت نسّاجا سددت خصاصها ... بقول كطعم الشهد مازجه العذب
وقال نصيب:
وما ابتذلت ابتذال الثوب ودّكم ... وعائد خلقا ما كان يبتذل
وعلمك الشيء تهوى أن تبيّنه ... أشفى لقلبك من أخبار من تسل
وقال آخر:
لعمرك ما ودّ اللسان بنافع ... إذا لم يكن أصل المودة في الصدر
وقال آخر:
تعلّم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإنّ كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه المحافل
وقال آخر:
فتى مثل صفو الماء ليس بباخل ... عليك ولا مهد ملاما لباخل
ولا قائل عوراء تؤذي جليسه ... ولا رافع رأسا بعوراء قائل
ولا مسلم مولى لأمر يصيبه ... ولا خالط حقا مصيبا بباطل
ولا رافع أحدوثة السوء معجبا ... بها بين أيدي المجلس المتقابل
يرى أهله في نعمة وهو شاحب ... طوي البطن مخماص الضحى والأصائل «1»
(1/186)

وقالت أخت يزيد بن الطثريّة «1» :
أرى الأثل من بطن العقيق مجاوري ... قريبا وقد غالت يزيد غوائله
فتى قدّ قدّ السيف لا متضائل ... ولا رهل لبّاته وبآدله «2»
فتى لا يرى خرق القميص بخصره ... ولكنما توهي القميص كواهله
إذا نزل الأضياف كان عذوّرا ... على الحيّ حتى تستقلّ مراجله «3»
مضى وورثناه دريس مفاضة ... وأبيض هنديا طويلا حمائله «4»
يسرّك مظلوما ويرضيك ظالما ... وكل الذي حملته فهو حامله
أخو الجدّ إن جدّ الرجال وشمروا ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله «5»
يصير هذا الشعر وما أشبهه مما وقع في هذا الباب، إلى الشعر الذي في أول الفصل.
[مدح اللسن والبيان والكلام الجميل المعدل]
باب شعر وغير ذلك من الكلام مما يدخل في باب الخطب.
قال الشاعر:
عجبت لأقوام يعيبون خطبتي ... وما منهم في موقف بخطيب
وقال آخر:
إن الكلام من الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
لا يعجبنّك من خطيب قوله ... حتى يكون مع البيان أصيلا
(1/187)

وأنشد آخر:
أبرّ فما يزداد إلا حماقة ... ونوكا وإن كانت كثيرا مخارجه «1»
وقد يكون رديء العقل جيد اللسان.
وقال أبو العباس الأعمى «2» :
إذا وصف الإسلام أحسن وصفه ... بفيه، ويأبى قلبه ويهاجره
وإن قام قال الحق ما دام قائما ... تقيّ اللسان كافر بعد سائره
وقال قيس بن عاصم المنقريّ «3» يذكر ما في بني منقر من الخطابة:
إني امرؤ لا يعتري خلقي ... دنس يفنّده ولا أفن
من منقر في بيت مكرمة ... والأصل ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقوم قائلهم ... بيض الوجوه مصاقع لسن
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جوارهم فطن
ومن هذا الباب وليس منه في الجملة، قول الآخر:
أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة مذعور ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المسلّم
وقال نصيب «4» ، مولى عبد العزيز بن مروان:
يقول فيحسن القول ابن ليلى ... ويفعل فوق أحسن ما يقول
(1/188)

وقال آخر:
ألا رب خصم ذي فنون علوته ... وإن كان ألوى يشبه الحق باطله «1»
فهذا هو معنى قول العتابي: «البلاغة إظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق» . وقال الشاعر، وهو كما قال:
عجبت لإدلال العييّ بنفسه ... وصمت الذي كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للعييّ وإنما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلما
وموضع «الصحيفة» من هذا البيت، موضع ذكر «العنوان» في شعره الذي رثى عثمان بن عفان، رحمه الله، به حيث يقول:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
وأنشد أيضا:
ترى الفتيان كالنخل ... وما يدريك ما الدخل
وكلّ في الهوى ليث ... وفيما نابه فسل
وليس الشأن في الوصل ... ولكن أن يرى الفصل
وقال كسرى أنو شروان، لبزرجمهر: أي الأشياء خير للمرء العييّ؟
قال: عقل يعيش به. قال: فإن لم يكن له عقل؟ قال: فإخوان يسترون عليه. قال: فإن لم يكن له إخوان؟ قال: فمال يتحبّب به إلى الناس. قال:
فإن لم يكن له مال؟ قال: فعيّ صامت. قال: فإن لم يكن له. قال: فموت مريح.
وقال موسى بن يحيى بن خالد: قال أبو علي: «رسائل المرء في كتبه أدل على مقدار عقله، وأصدق شاهدا على غيبه لك، ومعناه فيك، من أضعاف ذلك على المشافهة والمواجهة» .
(1/189)

ووصفوا كلامهم في أشعارهم فجعلوها كبرود العصب، وكالحلل والمعاطف، والديباج والوشي، وأشباه ذلك.
وأنشدني أبو الجماهر جندب بن مدرك الهلاليّ:
لا يشترى الحمد أمنية ... ولا يشترى الحمد بالمقصر
ولكنما يشترى غاليا ... فمن يعط قيمته يشتر
ومن يعتطفه على مئزر ... فنعم الرداء على المئزر
وأنشدني لابن ميادة «1» :
نعم إنني مهد ثناء ومدحة ... كبرد اليماني يربح البيع تاجره
وأنشد:
فإن أهلك فقد أبقيت بعدي ... قوافي تعجب المتمثّلينا
لذيذات المقاطع محكمات ... لو أن الشّعر يلبس لارتدينا
وقال أبو قردودة، يرثي ابن عمار «2» قتيل النعمان ونديمه، ووصف كلامه، وقد كان نهاه عن منادمته:
إني نهيت ابن عمار وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
وقال الشاعر «3» في مديح أحمد بن أبي دؤاد:
(1/190)

وغويص من الأمور بهيم ... غامض الشخص مظلم مستور
قد تسهّلت ما توعّر منه ... بلسان يزينه التحبير
مثل وشي البرود هلهله النسج ... وعند الحجاج در نثير
حسن الصمت والمقاطع أما ... نطق القوم والحديث يدور
ثم من بعد لحظة تورث اليسر ... وعرض مهذّب موفور
ومما يضم إلى هذا المعنى وليس منه، قول جميل بن معمر:
نمت في الروابي من معدّ وأفلجت ... على الخفرات الغرّ وهي وليد
أناة على نيرين أضحى لداتها ... بلين بلاء الرّيط وهي جديد
نمت: شبت. الروابي من معد: البيوت الشريفة. وأصل الرابية والرباوة: ما ارتفع من الأرض. أفلجت: أظهرت. والخفرات: الحييات.
الأناة: المرأة التي فيها فتور عند القيام. وقوله على نيرين، وصفها بالقوة، كالثوب الذي ينسج على نيرين، وهو الثوب الذي له سديان، كالديباج وما أشبهه. أضحى لداتها، اللدة: القرينة في المولد والمنشأ فيقول: إن أقرانها قد بلين، وهي جديد لحسن غذائها ودوام نعمتها.
ومن هذا الشكل وليس منه بعينه قول الشاعر:
على كلّ ذي نيرين زيد محاله ... محالا وفي أضلاعه زيد أضلعا
المحال: محال الظهر، وهي فقاره، واحدها محالة.
وقال أبو يعقوب الخريميّ الأعور: أول شعر قلته هذان البيتان:
بقلبي سقام لست أحسن وصفه ... على أنه ما كان فهو شديد
تمر به الأيام تسحب ذيلها ... فتبلى به الأيام وهو جديد
وقال الآخر:
أبى القلب إلا أمّ عمرو وحبها ... عجوزا ومن يحبب عجوزا يفنّد
كبرد اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ما شئت في العين واليد
(1/191)

وقال ابن هرمة:
إن الأديم الذي أصبحت تعركه ... جهلا لذو نغل باد وذو حلم
ولن يئطّ بأيدي الخالقين ولا ... أيدي الخوالق إلا جيّد الأدم
وفي غير هذا الباب وهو قريب منه قول ذو الرمة:
وفي قصر حجر من ذؤابة عامر ... إمام هدى مستبصر الحكم عادله
كأن على أعطافه ماء مذهب ... إذا سمل السّربال طارت رعابله
الرعابل: القطع. وشواء مرعبل: مقطع. ورعبلت الشيء أي قطعته. ويقال ثوب سمل وأسمال. ويقال سمل الثوب وأسمل، إذا خلق.
وهو الذي يقول:
حوراء في دعج صفراء في نعج ... كأنها فضة قد مسها ذهب
الحور: شدة بياض العين. والدعج: شدة سواد الحدقة. والنعج:
اللين. قالوا: لأن المرأة الرقيقة اللون يكون بياضها بالغداة يضرب إلى الحمرة، وبالعشيّ يضرب إلى الصفرة. ولذلك قال الأعشى:
بيضاء ضحوتها وصف ... راء العشية كالعراره
وقال آخر:
قد علمت بيضاء صفراء الأصل ... لأغنينّ اليوم ما أغنى رجل
وقال بشار بن برد:
وخذي ملابس زينة ... ومصبّغات فهي أفخر
وإذا دخلت تقنّعي ... بالحمر إنّ الحسن أحمر
وهذان أعميان قد اهتديا من حقائق هذا الأمر إلى ما لا يبلغه تمييز البصير. ولبشار خاصة في هذا الباب ما ليس لأحد، ولولا أنه في كتاب الرجل
(1/192)

والمرأة، وفي باب القول في الإنسان من كتاب الحيوان، أليق وأزكى، لذكرناه في هذا الموضع.
ومما ذكروا فيه الوزن قوله:
زني القول حتى تعرفي عند وزنهم ... إذا رفع الميزان كيف أميل
وقال ابن الزبير الأسديّ، واسمه عبد الله «1» :
أعاذل غضي بعض لومك إنني ... أرى الموت لا يرضى بدين ولا رهن
وإني أرى دهرا تغيّر صرفه ... ودنيا أراها لا تقوم على وزن
ويذكرون الكلام الموزون ويمدحون به، ويفضّلون إصابة المقادير، ويذمون الخروج من التعديل.
قال جعفر بن سليمان: ليس طيب الطعام بكثرة الإنفاق وجودة التوابل، وإنما الشأن في إصابة القدر. وقال طارق بن أثال الطائي:
ما إن يزال ببغداد يزاحمنا ... على البراذين أشباه البراذين
أعطاهم الله أموالا ومنزلة ... من الملوك بلا عقل ولا دين
ما شئت من بغلة سفواء ناجية ... ومن أثاث وقول غير موزون «2»
وأنشدني بعض الشعراء:
رأت رجلا أودى السفار بجسمه ... فلم يبق إلا منطق وجناجن
إذا حسرت عنه العمامة راعها ... جميل الحفوف أغفلته الدواهن
فإن أك معروق العظام فإنني ... إذا ما وزنت القوم بالقوم وازن
(الجناجن: عظام الصدر) .
(1/193)

وقال مالك بن أسماء في بعض نسائه وكانت لا تصيب الكلام كثيرا، وربما لحنت:
أمغطّى مني على بصري للحب ... أم أنت أكمل الناس حسنا
وحديث ألذه هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنا
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا
وقال طرفة في المقدار وإصابته:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
طلب الغيث على قدر الحاجة، لأن الفاضل ضارّ. وقال النبي صلّى الله عليه وآله في دعائه: «اللهم اسقنا سقيا نافعا» . لأن المطر ربما جاء في غير أبّان الزراعات، وربما جاء والتمر في الجرن، والطعام في البيادر، وربما كان في الكثرة مجاوزا لمقدار الحاجة. وقال النبي صلّى الله عليه وآله: «اللهم حوالينا ولا علينا» .
وقال بعض الشعراء لصاحبه: أنا أشعر منك. قال: ولم؟ قال: لأني أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمه.
وعاب رؤبة شعر ابنه فقال: «ليس لشعره قران» . وجعل البيت أخا البيت إذا أشبهه وكان حقه أن يوضع إلى جنبه. وعلى ذلك التأويل قال الأعشى:
أبا مسمع أقصر فإن قصيدة ... متى تأتكم تلحق بها أخواتها
وقال الله عز وجل: وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها.
وقال عمرو بن معديكرب:
وكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
وقالوا فيما هو أبعد معنى وأقل لفظا. قال الهذليّ:
أعامر لا آلوك إلا مهنّدا ... وجلد أبي عجل وثيق القبائل
ويعني بأبي عجل الثور.
(1/194)

وقالوا فيما هو أبعد من هذا. قال ابن عسلة الشيباني، واسمه عبد المسيح:
وسمّاع مدجنة تعللنا ... حتى ننام تناوم العجم
فصحوت والنمري يحسبها ... عمّ السماك وخالة النجم
النجم واحد وجمع. والنجم: الثريا في كلام العرب. مدجنة، أي سحابة دائمة.
وقال أبو النجم فيما هو أبعد من هذا، ووصف العير والمعيوراء وهو الموضع الذي يكون فيه الأعيار:
وظل يوفي الأكم ابن خالها
فهذا مما يدل على توسعهم في الكلام، وحمل بعضه على بعض، واشتاق بعضه من بعض.
وقال النبي صلّى الله عليه وآله: «نعمت العمة لكم النخلة» ، حين كان بينها وبين الناس تشابه وتشاكل ونسب من وجوه. وقد ذكرنا في ذلك كتاب الزرع والنخل.
وفي مثل ذلك قال بعض الفصحاء:
شهدت بأن التمر بالزبد طيب ... وأن الحبارى خالة الكروان
لأن الحبارى، وإن كانت أعظم بدنا من الكروان، فإن اللون وعمود الصورة واحد، فلذلك جعلها خالته، ورأى أن ذلك قرابة تستحق بها هذا القول.
قال كعب الأشقريّ «1» :
إلا أكن في الأرض أخطب قائما ... فإني على ظهر الكميت خطيب
وقال ثابت قطنة:
فإلا أكن فيهم خطيبا فإنني ... بسمر القنا والسيف جدّ خطيب
(1/195)

وقالت ليلى الأخيلية:
حتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس زعيما
وقال آخر:
عجبت لأقوام يعيبون خطبتي ... وما منهم في مأقط بخطيب
وهؤلاء يفخرون بأن خطبهم التي عليها يعتمدون، السيوف والرماح وإن كانوا خطباء. وقال دريد بن الصّمّة:
أبلغ نعيما وأوفى إن لقيتهما ... إن لم يكن كان في سمعيهما صمم
فلا يزال شهاب يستضاء به ... يهدي المقانب ما لم تهلك الصّمم
عاري الأشاجع معصوب بلمته ... أمر الزعامة في عرنينه شمم
المقانب: جمع مقنب، والمقنب: الجماعة من الخيل ليست بالكثيرة.
والأشاجع: عروق ظاهر الكف، وهي مغرز الأصابع. واللمة: الشعرة التي ألمّت بالمنكب. وزعيم القوم: رأسهم وسيدهم الذي يتكلم عنهم والزعامة: مصدر الزعيم الذي يسود قومه. وقوله «معصوب بلمته» أي يعصب برأسه كل أمر. عرنينه: أنفه.
وقال أبو العباس الأعمى، مولى بني بكر بن عبد مناة في بني عبد شمس:
ليت شعري أفاح رائحة المس ... ك وما إن أخال بالخيف إنسي
حين غابت بنو أمية عنه ... والبهاليل من بني عبد شمس
خطباء على المنابر فرسا ... ن عليها وقالة غير خرس
لا يعابون صامتين وإن قا ... لوا أصابوا ولم يقولوا بلبس
بحلوم إذا الحلوم استخفّت ... ووجوه مثل الدنانير ملس
وقال العجاج:
وحاصن من حاصنات ملس ... من الأذى ومن قراف الوقس
(1/196)

المحصنة: ذوات الزوج. والحاصن: العفيف. والوقس: العيب.
وقال امرؤ القيس:
ويا ربّ يوم قد أروح مرجّلا ... حبيبا إلى البيض الكواعب أملسا
وقال أبو العباس الأعمى:
ولم أر حيا مثل حي تحملوا ... إلى الشام مظلومين منذ بريت
أعزّ وأمضى حين تشتجر القنا ... وأعلم بالمسكين حيث يبيت
وأرفق بالدنيا بأولى سياسة ... إذا كاد أمر المسلمين يفوت
إذا مات منهم سيد قام سيد ... بصير بعورات الكلام زميت
وقال آخر:
لا يغسل العرض من تدنّسه ... والثوب إن مسّ مدنسا غسلا
وزلّة الرّجل تستقال ولا ... يكاد رأي يقيلك الزللا
وقال آخر في الزلل:
ألهفي إذ عصيت أبا يزيد ... ولهفي إذ أطعت أبا العلاء
وكانت هفوة من غير ريح ... وكانت زلّة من غير ماء
وقال آخر:
فإنك لم ينذرك أمرا تخافه ... إذا كنت فيه جاهلا مثل خابر
وقال ابن وابصة [اسمه سالم] «1» ، في مقام قام فيه مع ناس من الخطباء:
يأيها المتحلي غير شيمته ... ومن سجيته الإكثار والملق
أعمد إلى القصد فيما أنت راكبه ... إن التخلق يأتي دونه الخلق
(1/197)

صدت هنيدة لما جئت زائرها ... عني بمطروفة إنسانها غرق
وراعها الشيب في رأسي فقلت لها ... كذاك يصفرّ بعد الخضرة الورق
بل موقف مثل حد السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق
فما زللت ولا ألفيت ذا خطل ... إذا الرجال على أمثالها زلقوا
قال: وأنشدني لأعرابي من باهلة:
سأعمل نصّ العيس حتى يكفّني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان
فللموت خير من حياة يرى لها ... على الحر بالإقلال وسم هوان
متى يتكلم يلغ حسن حديثه ... وإن لم يقل قالوا عديم بيان
كأن الغنى عن أهله، بورك الغنى ... بغير لسان ناطق بلسان
وفي مثلها في بعض الوجوه قال عروة بن الورد:
ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير
وأهونهم وأحقرهم لديهم ... وإن أمسى له كرم وخير «1»
ويقصى في النديّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير «2»
وتلقى ذا الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليل ذنبه والذنب جم ... ولكنّ الغنى ربّ غفور
وقال ابن عباس رحمه الله: «الهوى إله معبود» . وتلا قول الله عزّ وجل: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ.
وقال أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل «3» :
تلك عرساي تنطقان على عمد ... لي اليوم قول زور وهتر
(1/198)

سألتاني الطلاق أن رأتا ما ... لي قليلا قد جئتماني بنكر
فلعلّي إن يكثر المال عندي ... ويعرّي من المغارم ظهري
وترى أعبد لنا وأواق ... ومناصيف من خوادم عشر
ونجرّ الأذيال في نعمة زو ... ل تقولان ضع عصاك لدهر
وي كأن من يكن له نشب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضرّ
ويجنّب سر النجي ولكن ... أخا المال محضر كلّ سرّ
المناصيف: الخدم واحدهم منصف وناصف، وقد نصف القوم ينصفهم نصافة، إذا خدمهم. نعمة زول: حسنة. والزول: الخفيف الظريف، وجمعه أزوال.
وقال عبيد بن الأبرص في نحو هذا وليس كمثله:
تلك عرسي غضبى تريد زيالي ... ألبين تريد أم لدلال
إن يكن طبّك الفراق فلا أحفل ... إن تعطفي صدور الجمال
أو يكن طبك الدلال فلو في ... سالف الدهر والليالي الخوالي
كنت بيضاء كالمهاة وإذ آ ... تيك نشوان مرخيا أذيالي
فاتركي مطّ حاجبيك وعيشي ... معنا بالرجاء والتأمال
زعمت أنني كبرت وأني ... قلّ مالي وضن عني الموالي
وصحا باطلي وأصبحت شيخا ... لا يواتي أمثالها أمثالي
إن تريني تغيّر الرأس مني ... وعلا الشيب مفرقي وقذالي
فبما أدخل الخباء على مهضومة ... الكشح طفلة كالغزال
فتعاطيت جيدها ثم مالت ... ميلان الكثيب بين الرمال
ثم قالت فدى لنفسك نفسي ... وفداء لمال أهلك مالي
الكشح: الخصر. وقوله: «مهضومة» ، أراد لطيفة. والطفلة: الرخصة الناعمة.
(1/199)

[آراء في الخطباء والشعراء والعلماء]
قال: وخرج عثمان بن عفان- رحمه الله- من داره يوما، وقد جاء عامر ابن عبد قيس. فقعد في دهليزه، فلما خرج رأى شيخا دميما أشغى ثطّا، في عباءة، فأنكره وأنكر مكانه، فقال: يا أعرابي، أين ربك؟ فقال: بالمرصاد! والشغي: تراكب الأسنان واختلافها. ثط: صغير اللحية.
ويقال إن عثمان بن عفان لم يفحمه أحد قط غير عامر بن عبد قيس.
ونظر معاوية إلى النخار بن أوس العذري، الخطيب الناسب، في عباءة في ناحية من مجلسه، فأنكره وأنكر مكانه زراية منه عليه، فقال: من هذا؟
فقال النخار: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها! قال: ونظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى هرم بن قطبة، ملتفا في بتّ في ناحية المسجد، ورأى دمامته وقلته، وعرف تقديم العرب له في الحكم والعلم، فأحب أن يكشفه ويسبر ما عنده، فقال: أرأيت لو تنافرا إليك اليوم أيهما كنت تنفر؟ يعني علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل. فقال: يا أمير المؤمنين: لو قلت فيهما كلمة لأعدتها جذعة. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لهذا العقل تحاكمت العرب إليك.
ونظر عمر إلى الأحنف وعنده الوفد، والأحنف ملتف في بتّ له «1» ، فترك جميع القوم واستنطقه، فلما تبعّق منه ما تبعّق، وتكلم بذلك الكلام البليغ المصيب، وذهب ذلك المذهب، لم يزل عنده في علياء، ثم صار إلى أن عقد له الرياسة ثابتا له ذلك، إلى أن فارق الدنيا.
ونظر النعمان بن المنذر إلى ضمرة بن ضمرة، فلما رأى دمامته وقلته قال: «تسمع بالمعيديّ لا أن تراه» ، هكذا تقوله العرب. فقال ضمرة:
(1/200)

«أبيت اللعن، إن الرجال لا تكال بالقفزان، ولا توزن في الميزان، وإنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه» .
وكان ضمرة خطيبا، وكان فارسا شاعرا شريفا سيّدا.
وكان الرمق بن زيد مدح أبا جبيلة الغساني، وكان الرّمّق دميما قصيرا، فلما أنشده وحاوره، قال: «عسل طيب في ظرف سوء» .
قال: وكلّم علباء بن الهيثم السدوسي عمر بن الخطاب، وكان علباء أعور دميما، فلما رأى براعته وسمع بيانه، أقبل عمر يصعّد فيه بصره ويحدره، فلما خرج قال عمر: «لكل أناس في جميلهم خبر» .
وقال أبو عثمان «1» : وأنشدت سهل بن هارون، قول سلمة بن الخرشب وشعره الذي أرسل به إلى سبيع التغلبي في شأن الرهن التي وضعت على يديه في قتال عبس وذبيان، فقال سهل بن هارون: والله لكأنه قد سمع رسالة عمر ابن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في سياسة القضاء وتدبير الحكم «2» .
والقصيدة قوله:
أبلغ سبيعا وأنت سيدنا ... قدما وأوفى رجالنا ذمما
إن بغيضا وإن أخوتها ... ذبيان قد ضرموا الذي اضطرما
نبّيت أن حكّموك بينهم ... فلا يقولنّ بئس ما حكما
إن كنت ذا خبرة بشأنهم ... تعرف ذا حقهم ومن ظلما
وتنزل الأمر في منازله ... حكما وعلما وتحضر الفهما
ولا تبالي من المحق ولا المبطل ... لا ألة ولا ذمما
فاحكم وأنت الحكيم بينهم ... لن يعدموا الحكم ثابتا صتما
(1/201)

واصدع أديم السواء بينهم ... على رضا من رضي ومن رغما
إن كان مالا فقضّ عدّته ... مالا بمال وإن دما فدما
حتى ترى ظاهر الحكومة ... مثل الصبح جلى نهاره الظلما
هذا وإن لم تطق حكومتهم ... فانبذ إليهم أمورهم سلما
الصتم: الصحيح القوي، يقال رجل صتم، إذا كان شديدا.
وقال العائشي: كان عمر بن الخطاب- رحمه الله- أعلم الناس بالشعر، ولكنه كان إذا ابتلي بالحكم بين النجاشي والعجلاني «1» ، وبين الحطيئة والزبرقان، كره أن يتعرض للشعراء، واستشهد للفريقين رجالا، مثل حسان بن ثابت وغيره، ممن تهون عليهم سبالهم، فإذا سمع كلامهم حكم بما يعلم، وكان الذي ظهر من حكم ذلك الشاعر مقنعا للفريقين، ويكون هو قد تخلص بعرضه سليما، فلما رآه من لا علم له يسأل هذا وهذا، ظن أن ذلك لجهله بما يعرف غيره.
وقال: ولقد أنشدوه شعرا لزهير- وكان لشعره مقدّما- فلما انتهوا إلى قوله:
وإن الحقّ مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
قال عمر كالمتعجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها، وإقامته أقسامها:
وإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء
يردّدن البيت من التعجب.
(1/202)

وأنشدوه قصيدة عبدة بن الطبيب الطويلة التي على اللام، فلما بلغ المنشد إلى قوله:
والمرء ساع لشيء ليس يدركه ... والعيش شحّ وإشفاق وتأميل
قال عمر متعجبا:
والعيش شح وإشفاق وتأميل
يعجّبهم من حسن ما قسّم وما فصّل.
وأنشدوه قصيدة أبي قيس بن الأسلت التي على العين، وهو ساكت، فلما انتهى المنشد إلى قوله:
الكيس والقوة خير من الإشفاق والفهمة والهاع أعاد عمر البيت وقال:
الكيس والقوة خير من الإشفاق والفهّة والهاع وجعل عمر يردد البيت ويتعجب منه.
قال محمّد بن سلام، عن بعض أشياخه قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر.
وقال أبو عمرو بن العلاء: كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب، لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيّد عليهم مآثرهم ويفخم شأنهم، ويهول على عدوهم ومن غزاهم، ويهيب من فرسانهم ويخوف من كثرة عددهم، ويهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر والشعراء، واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا إلى السوقة، وتسرعوا إلى أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر. ولذلك قال الأول: «الشعر أدنى مروءة السري، وأسرى مروءة الدنيّ» .
(1/203)

قال: ولقد وضع قول الشعر من قدر النابغة الذبيانيّ، ولو كان في الدهر الأول ما زاده ذلك إلا رفعة.
وروى مجالد عن الشعبي قال: ما رأيت رجلا مثلي، وما أشاء أن ألقى رجلا أعلم مني بشيء إلا لقيته.
وقال الحسن البصري: يكون الرجل عابدا ولا يكون عاقلا، ويكون عابدا عاقلا ولا يكون عالما. وكان مسلم بن يسار»
عاقلا عالما عابدا.
قال: وكان يقال: فقه الحسن، وورع ابن سيرين، وعقل مطرّف، وحفظ قتادة.
قال: وذكرت البصرة، فقيل: شيخها الحسن، وفتاها بكر بن عبد الله المزنيّ.
قال: والذين بثوا العلم في الدنيا أربعة: قتادة، والزهري، والأعمش، والكلبيّ.
وجمع سليمان بن عبد الملك بين قتادة والزهري، فغلب قتادة الزهري، فقيل لسليمان في ذلك، فقال: إنه فقيه مليح. فقال القحذمي: لا، ولكنه تعصب للقرشية، ولانقطاعه إليهم، ولروايته فضائلهم.
وكان الأصمعي يقول: «وصلت بالعلم، ونلت بالملح» .
وكان سهل بن هارون يقول: «اللسان البليغ والشعر الجيد لا يكادان يجتمعان في واحد، وأعسر من ذلك أن تجتمع بلاغة الشعر، وبلاغة القلم» .
والمسجديون «2» يقولون: من تمنى رجلا حسن العقل، حسن البيان، حسن العلم، تمنى شيئا عسيرا.
(1/204)

[ذم النوك]
وكانوا يعيبون النّوك والعيّ والحمق، وأخلاق النساء والصبيان. قال الشاعر:
إذا ما كنت متخذا خليلا ... فلا تثقن بكلّ أخي إخاء
وإن خيرت بينهم فألصق ... بأهل العقل منهم والحياء
فإن العقل ليس له إذا ما ... تفاضلت الفضائل من كفاء
وإن النوك للأحساب داء ... وأهون دائه داء العياء
ومن ترك العواقب مهملات ... فأيسر سعيه سعي العناء
فلا تثقنّ بالنوكي لشيء ... وإن كانوا بني ماء السماء
فليسوا قابلي أدب فدعهم ... وكن من ذاك منقطع الرجاء
وقال آخر في التضييع والنّوك:
ومن ترك العواقب مهملات ... فأيسر سعيه أبدا تباب
فعش في جدّ أنوك ساعدته ... مقادير يخالفها الصواب
ذهاب المال في حمد وأجر ... ذهاب لا يقال له ذهاب
وقال آخر في مثل ذلك:
أرى زمنا نوكاه أسعد أهله ... ولكنما يشقى به كلّ عاقل
مشى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكبّ الأعالي بارتفاع الأسافل
وقال الآخر:
فلم أر مثل الفقر أوضع للفتى ... ولم أر مثل المال أرفع للرّذل
ولم أر عزّا لامرىء كعشيرة ... ولم أر ذلا مثل نأي عن الأصل
ولم أر من عدم أضر على امرىء ... إذا عاش وسط الناس من عدم العقل
وقال آخر:
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... ولاقهم بالنوك فعل أخي الجهل
(1/205)

وخلّط إذا لاقيت يوما مخلّطا ... يخلّط في قول صحيح وفي هزل
فإني رأيت المرء يشقى بعقله ... كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل
وقال آخر:
وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت امرأ لا أشاكله
فحامقته حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
وقال بشر بن المعتمر:
وإذا الغبي رأيته مستغنيا ... أعيا الطبيب وحيلة المحتال
وأنشدني آخر:
وللدهر أيام فكن في لباسه ... كلبسته يوما أجدّ وأخلقا
وكن أكيس الكيسي إذا ما لقيتهم ... وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا
وأنشدني آخر:
ولا تقربي يا بنت عمي بوهة ... من القوم دفناسا غبيا مفّندا «1»
وإن كان أعطى رأس ستين بكرة ... وحكما على حكم وعبدا مولدا
ألا فاحذري لا توردنّك هجمة ... طوال الذرى جبسا من القوم قعددا «2»
وأنشدني آخر:
كسا الله حيّي تغلب ابنة وائل ... من اللؤم أظفارا بطيئا نصولها
إذا ارتحلوا عن دار ضيم تعاذلوا ... عليها وردوا وفدهم يستقيلها
وأنشدني آخر:
وإن عناء إن تفهّم جاهلا ... ويحسب جهلا أنه منك أفهم
(1/206)

وقال جرير:
ولا يعرفون الشر حتى يصيبهم ... ولا يعرفون الأمر إلا تدبّرا
وقال الأعرج المعني الطائي «1» :
لقد علم الأقوام إن قد فررتم ... ولم تبدؤهم بالمظالم أولا
فكونوا كداعي كرة بعد فرة ... ألا ربّ من قد فر ثمّت أقبلا
فإن أنتم لم تفعلوا فتبدلوا ... بكل سنان معشر الغوث مغزلا
واعطوهم حكم الصبي بأهله ... وإني لأرجو أن يقولوا بأن لا
ويقال: «أظلم من صبي» و «أكذب من صبي» و «أخرق من صبي» .
وأنشد:
ولا تحكما حكم الصبي فإنه ... كثير على ظهر الطريق مجاهله
قال: وسئل دغفل بن حنظلة، عن بني عامر فقال: «أعناق ظباء، وأعجاز نساء» . قيل: فما تقول في أهل اليمن؟ قال: «سيّد وأنوك» «2» .
(1/207)

باب في ذكر المعلمين «1»
ومن أمثال العامة: «أحمق من معلم كتّاب» . وقد ذكرهم صقلاب فقال:
وكيف يرجّى الرأي والعقل عند من ... يروح على أنثى ويغدو على طفل
وفي قول بعض الحكماء: «لا تستشيروا معلما ولا راعي غنم ولا كثير القعود مع النساء» . وقالوا: «لا تدع أم صبيك تضربه، فإنه أعقل منها وإن كانت أسن منه» . وقد سمعنا في المثل: «أحمق من راعي ضأن ثمانين» .
فأما استحماق رعاة الغنم في الجملة فكيف يكون ذلك صوابا وقد رعى الغنم عدة من جلة الأنبياء صلى الله عليهم. ولعمري إن الفدّادين من أهل الوبر ورعاة الإبل ليتنبلون على رعاة الغنم، ويقول أحدهم لصاحبه: «إن كنت كاذبا فحلبت قاعدا» . وقال الآخر:
(1/209)

ترى حالب المعزى إذا صرّ قاعدا ... وحالبهن القائم المتطاول
وقال امرأة من غامد، في هزيمة ربيعة بن مكدّم، لجمع غامد وحده:
ألا هل أتاها على نأيها ... بما فضحت قومها غامد
تمنيتم مائتي فارس ... فردكم فارس واحد
فليت لنا بارتباط الخيو ... ل ضأنا لها حالب قاعد
وقد سمعنا قول بعضهم: الحمق في الحاكة والمعلمين والغزالين. قال:
والحاكة أقل وأسقط من أن يقال لها حمقى. وكذلك الغزالون، لأن الأحمق هو الذي يتكلم بالصواب الجيد ثم يجيء بخطأ فاحش والحائك ليس عنده صواب جيد في فعال ولا مقال، إلا أن يجعل جودة الحياكة من هذا الباب، وليس هو من هذا في شيء.
ويقال: فلان أحمق. فإذا قالوا مائق، فليس يريدون ذلك المعنى بعينه، وكذلك إذا قالوا أنوك. وكذلك إذا قالوا رقيع. ويقولون: فلان سليم الصدر، ثم يقولون عيي، ثم يقولون أبله. وكذلك إذا قالوا معتوه ومسلوس وأشباه ذلك.
قال أبو عبيدة: يقال للفارس شجاع، فإذا تقدم في ذلك قيل بطل، فإذا تقدم شيئا قيل بهمة، فإذا صار إلى الغاية قيل أليس. وقال العجاج:
أليس عن حوبائه سخيّ
وهذا المأخذ يجري في الطبقات كلها: من جود وبخل، وصلاح وفساد، ونقصان ورجحان. وما زلت أسمع هذا القول في المعلمين.
والمعلمون عندي على ضربين: منهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى تعليم أولاد الخاصة، ومنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة إلى تعليم أولاد
(1/210)

الملوك أنفسهم المرشيحن للخلافة. فكيف تستطيع أن تزعم أن مثل علي بن حمزة الكسائي، ومحمد بن المستنير الذي يقال له قطرب «1» ، وأشباه هؤلاء يقال لهم حمقى. ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على الطبقة التي دونهم. فإن ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى فإن لكل قوم حاشية وسفلة، فما هم في ذلك إلا كغيرهم. وكيف تقول مثل ذلك في هؤلاء وفيهم الفقهاء والشعراء والخطباء، مثل الكميت بن زيد، وعبد الحميد الكاتب، وقيس بن سعد «2» ، وعطاء بن أبي رباح «3» ، ومثل عبد الكريم بن أبي أمية «4» ، وحسين المعلم «5» ، وأبي سعيد المعلم.
ومن المعلمين: الضحاك بن مزاحم. وأما معبد الجهني وعامر الشعبي، فكانا يعلمان أولاد عبد الملك بن مروان. وكان معبد يعلم سعيدا، ومنهم أبو سعيد المؤدب، وهو غير أبي سعيد المعلم، وكان يحدث عن هشام بن عروة وغيرهم. ومنهم عبد الصمد بن عبد الأعلى، وكان معلم ولد عتبة بن أبي سفيان. وكان إسماعيل بن علي ألزم بعض بنيه عبد الله بن المقفع ليعلمه.
وكان أبو بكر عبد الله بن كيسان معلما. ومنهم محمد بن السكن «6» .
وما كان عندنا بالبصرة رجلان أروى لصنوف العلم، ولا أحسن بيانا، من أبي الوزير وأبي عدنان المعلمين، وحالهما من أول ما أذكر من أيام الصبا.
وقد قال الناس في أبي البيداء، وفي أبي عبد الله الكاتب، وفي الحجاج بن
(1/211)

يوسف وأبيه ما قالوا، وقد أنشدوا مع هذا الخبر شاهدا من الشعر على أن الحجاج وأباه كانا معلمين بالطائف.
ثم رجع بنا القول إلى الكلام الأول.
قالوا: أحق الناس بالرحمة عالم يجري عليه حكم جاهل.
قال: وكتب الحجاج إلى المهلب يعجله في حرب الأزارقة ويسمعه، فكتب إليه المهلب: «إن البلاء كل البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره» .
[خير الكلام الوسط]
وقال بعض الربانيين «1» من الأدباء، وأهل المعرفة من البلغاء ممن يكره التشادق والتعمّق، ويبغض الإغراق في القول، والتكلّف والاجتلاب «2» ، ويعرف أكثر ادواء الكلام ودوائه، وما يعتري المتكلم من الفتنة بحسن ما يقول، وما يعرض للسامع من الافتتان بما يسمع، والذي يورث الاقتدار من التهكم والتسلط، والذي يمكن الحاذق والمطبوع من التمويه للمعاني، والخلابة وحسن المنطق، فقال في بعض مواعظه: «أنذركم حسن الألفاظ، وحلاوة مخارج الكلام، فإن المعنى إذا اكتسى لفظا حسنا وأعاره البليغ مخرجا سهلا، ومنحه المتكلم دلا متعشقا، صار في قلبك أحلى، ولصدرك أملا. والمعاني إذا كسيت الألفاظ الكريمة، وألبست الأوصاف الرفيعة، تحولت في العيون عن مقادير صورها، وأربت على حقائق أقدارها، بقدر ما زينت، وحسب ما زخرفت. فقد صارت الألفاظ في معاني المعارض «3» ، وصارت المعاني في معنى
(1/212)

الجواري. والقلب ضعيف، وسلطان الهوى قوي، ومدخل خدع الشيطان خفي» .
فاذكر هذا الباب ولا تنسه، ولا تفرّط فيه، فإن عمر بن الخطاب رحمه الله لم يقل للأحنف بن قيس- بعد أن احتبسه حولا مجرّما، «1» ليستكثر منه، وليبالغ في تصفح حاله والتنقير عن شأنه-: «إن رسول الله صلّى الله عليه وآله قد كان خوّفنا كل منافق عليم، وقد خفت أن تكون منهم» إلا لما كان راعه من حسن منطقه، ومال إليه لما رأى من رفقه وقلة تكلّفه، ولذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وآله:
«» إن من البيان لسحرا» - وقال عمر بن عبد العزيز لرجل أحسن في طلب حاجة وتأتى لها بكلام وجيز، ومنطق حسن: «هذا والله السحر الاحلال» . وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «لا خلابة» .
فالقصد في ذلك أن تجتنب السوقي والوحشي، ولا تجعل همك في تهذيب الألفاظ، وشغلك في التخلص إلى غرائب المعاني. وفي الاقتصاد بلاغ، وفي التوسط مجانبة للوعورة، وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه.
وقد قال الشاعر:
عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وقال الآخر:
لا تذهبنّ في الأمور فرطا ... لا تسألنّ إن سألت شططا
وكن من الناس جميعا وسطا
وليكن كلامك ما بين المقصر والغالي، فإنك تسلم من المحنة عند العلماء، ومن فتنة الشيطان.
وقال أعرابي للحسن: علمني دينا وسوطا، لا ذاهبا شطوطا، ولا هابطا هبوطا. فقال له الحسن: لئن قلت ذاك إن خير الأمور أوساطها.
(1/213)

وجاء في الحديث: «خالطوا الناس وزايلوهم» .
وقال علي بن أبي طالب رحمه الله: «كن في الناس وسطا وامش جانبا» .
وقال عبد الله بن مسعود في خطبته: «وخير الأمور أوساطها، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، نفس تنجيها، خير من إمارة لا تحصيها» .
وكانوا يقولون: أكره الغلوّ كما تكره التقصير.
وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول لأصحابه: «قولوا بقولكم ولا يستحوذنّ عليكم الشيطان» . وكان يقول: «وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» .
(1/214)

باب من الخطب القصار من خطب السلف، ومواعظ من مواعظ النساك، وتأديب من تأديب العلماء
قال رجل لأبي هريرة النحويّ: أريد أن أتعلّم العلم وأخاف أن أضيّعه.
فقال: «كفى بترك العلم إضاعة» .
وسمع الأحنف رجلا يقول: «التعلم في الصغر كالنقش في الحجر» .
فقال الأحنف: «الكبير أكبر عقلا، ولكنه أشغل قلبا» .
وقال أبو الدرداء: ما لي أرى علماءكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلوا» .
قالوا: ولذلك قال عبد الله بن عباس رحمه الله، حين دلّى زيد بن ثابت في القبر، رحمه الله: «من سرّه أن يرى كيف ذهاب العلم فلينظر، فهكذا ذهابه» .
وقال بعض الشعراء في بعض العلماء:
(1/215)

أبعدت من يومك الفرار فما ... جاوزت حيث انتهى بك القدر
لو كان ينجي من الردى حذر ... نجّاك مما أصابك الحذر
يرحمك الله من أخي ثقة ... لم يك في صفو ودّه كدر
فهكذا يفسد الزمان ويفنى ال ... علم منه ويدرس الأثر
قال: وقال قتادة: لو كان أحد مكتفيا من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام، إذ قال للعبد الصالح: (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا) .
أبو العباس التميمي قال: قال طاوس: «الكلمة الصالحة صدقة» .
وقال ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أبيه عن جده، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنه قال: «فضل لسانك تعبّر به عن أخيك الذي لا لسان له صدقة» .
وقال الخليل: «تكثّر من العلم لتعرف، وتقلّل منه لتحفظ» .
وقال الفضيل «1» : «نعمت الهدية الكلمة من الحكمة يحفظها الرجل حتى يلقيها إلى أخيه» .
وكان يقال: يكتب الرجل أحسن ما يسمع، ويحفظ أحسن ما يكتب.
وكان يقال: اجعل ما في كتبك بيت مال: وما في قلبك للنفقة.
وقال أعرابي: حرف في قلبك خير من عشرة في طومارك «2» .
وقال عمر بن عبد العزيز: «ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم، ومن عفو إلى قدرة» .
(1/216)

وكان ميمون بن سياه «1» ، إذا جلس إلى قوم قال: إنّا قوم منقطع بنا.
فحدثونا أحاديث نتجمل بها.
قال: وفخر سليم مولى زياد، بزياد عند معاوية، فقال معاوية:
أسكت، فو الله ما أدرك صاحبك شيئا بسيفه إلا وقد أدركت أكثر منه بلساني.
وضرب الحجاج أعناق أسرى، فلما قدموا إليه رجلا لتضرب عنقه قال:
والله لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو! فقال الحجاج: أف لهذه الجيف، أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا الكلام! وأمسك عن القتل.
وقال بشير الرّجّال: «إني لأجد في قلبي حرا لا يذهبه إلا برد العدل أو حر السنان» .
قال: وقدموا رجلا من الخوارج إلى عبد الملك بن مروان لتضرب عنقه، ودخل على عبد الملك ابن له صغير قد ضربه المعلم، وهو يبكي، فهمّ عبد الملك بالمعلم، فقال له الخارجي: دعوه يبكي فإنه أفتح لجرمه، وأصح لبصره، وأذهب لصوته. قال له عبد الملك: أما يشغلك ما أنت فيه عن هذا؟
قال الخارجي: ما ينبغي لمسلم أن يشغله عن قول الحق شيء! فأمر بتخلية سبيله.
قال: وقال زياد على المنبر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يقطع بها ذنب عنز مصور «2» ، لو بلغت أمامه سفك بها دمه» .
وقال: وقال إبراهيم بن أدهم «3» : «أعربنا كلامنا فما نحن نلحن، ولحنّا في أعمالنا فما نعرب حرفا» . وأنشد:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
(1/217)

قال: وعزل عمر زيادا عن كتابة أبي موسى الأشعري، في بعض قدماته فقال له زياد: أعن عجز أم عن خيانة؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكني أكره أن أحمل على العامّة فضل عقلك.
قال: وبلغ الحجاج موت أسماء بن خارجة فقال: هل سمعتم بالذي عاش ما شاء ومات حين شاء! قال: وكان يقال: «كدر الجماعة خير من صفو الفرقة» .
قال أبو الحسن: مرّ عمر بن ذر «1» ، بعبد الله بن عياش المنتوف «2» ، وقد كان سفه عليه فأعرض عنه، فتعلق بثوبه ثم قال له: «يا هناه، إنّا لم نجد لك إن عصيت الله فينا خيرا من أن نطيع الله فيك» .
وهذا كلام أخذه عمر بن ذر، عن عمر بن الخطاب رحمه الله. قال عمر: «إني والله ما أدع حقا لله لشكاية تظهر، ولا لضب يحتمل، ولا لمحاباة بشر، وإنك والله ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن نطيع الله فيه» .
قال: وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: «يا سعد سعد بني أهيب، إن الله إذا أحبّ عبدا حبّبه إلى خلقه، فاعتبر منزلتك من الله بمنزلتك من الناس، واعلم أن ما لك عند الله مثل ما لله عندك» .
قال: ومات ابن لعمر بن ذر فقال: «أي بنيّ، شغلني الحزن لك، عن الحزن عليك» .
وقال رجل من بني مجاشع: جاء الحسن في دم كان فينا، فخطب فأجابه رجل فقال: قد تركت ذلك لله ولوجوهكم. فقال الحسن: لا تقل هكذا، بل قل: لله ثم لوجوهكم. وآجرك الله.
(1/218)

وقال: ومرّ رجل بأبي بكر ومعه ثوب، فقال: أتبيع الثوب؟ فقال: لا عافاك الله. فقال أبو بكر رضي الله عنه: لقد علّمتم لو كنتم تعلمون. قل:
لا، وعافاك الله.
قال: وسأل عمر بن الخطاب رجلا عن شيء فقال: الله أعلم. فقال عمر: لقد شقينا إن كنا لا نعلم أن الله أعلم. إذا سئل أحدكم عن شيء لا يعلمه فليقل: لا أدري.
وكان أبو الدرداء يقول: أبغض الناس إليّ أن أظلمه من لا يستعين عليّ بأحد إلا بالله.
وذكر ابن ذر الدنيا فقال: كأنكم زادكم في حرصكم عليها ذمّ الله لها.
ونظر أعرابي إلى مال له كثير، من الماشية وغيرها، فقال: «ينعة، ولكل ينعة استحشاف «1» » . فباع ما هناك من ماله، ثم يمّم ثغرا من ثغور المسلمين، فلم يزل به حتى أتاه الموت.
قال: وتمنى قوم عند يزيد الرقاشي، فقال: أتمنى كما تمنيتم؟ قالوا:
تمنّه. قال: «ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نعص، وليتنا إذ عصينا لم نمت، وليتنا إذ متنا لم نبعث، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذّب، وليتنا إذ عذبنا لم نخلّد» .
وقال الحجاج: «ليت الله إذ خلقنا للآخرة كفانا أمر الدنيا، فرفع عنا الهم بالمأكل والمشرب والملبس والمنكح. أوليته إذا أوقعنا في هذه الدنيا كفانا أمر الآخرة، فرفع عنا الاهتمام بما ينجّي من عذابه.
فبلغ كلامهما عبد الله بن الحسن بن حسن، أو علي بن الحسين، فقال: ما علما في التمني شيئا، ما اختاره الله فهو خير.
(1/219)

وقال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
قال شريح «1» : «الحدة كناية عن الجهل» .
وقال أبو عبيدة: «العارضة «2» كناية عن البذاء» .
قال: وإذا قالوا فلان مقتصد فتلك كناية عن البخل، وإذا قالوا للعامل مستقص فتلك كناية عن الجور.
وقال الشاعر، أبو تمام الطائي:
كذبتم ليس يزهى من له حسب ... ومن له نسب عمّن له أدب
إني لذو عجب منكم أردده ... فيكم، وفي عجبي من زهوكم عجب
لجاجة لي فيكم ليس يشبهها ... إلا لجاجتكم في أنكم عرب
وقيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسن عزاءك عن ابنك؟ قالت: إن مصيبته أمّنتني من المصائب بعده.
قال: وقال سعيد بن عثمان بن عفان رحمه الله لطويس المغني: أيّنا أسنّ أنا أم أنت يا طويس؟ فقال: «بأبي أنت وأمي، لقد شهدت زفاف أمك المباركة إلى أبيك الطيب» . فانظر إلى حذقه وإلى معرفته بمخارج الكلام، كيف لم يقل: زفاف أمك الطيبة إلى أبيك المبارك. وهكذا كان وجه الكلام فقلب المعنى.
قال: وقال رجل من أهل الشام: كنت في حلقة أبي مسهر «3» ، في
(1/220)

مسجد دمشق، فذكرنا الكلام وبراعته، والصمت ونبالته، فقال: كلا إن النجم ليس كالقمر، إنك تصف الصمت بالكلام، ولا تصف الكلام بالصمت.
وقال الهيثم بن صالح لابنه وكان خطيبا: يا بني إذا قلّلت من الكلام أكثرت من الصواب، وإذا أكثرت من الكلام أقللت من الصواب. قال: يا أبه، فإن أكثرت وأكثرت؟ - يعني كلاما وصوابا- قال: يا بني، ما رأيت موعوظا أحق بأن يكون واعظا منك! قال: وقال ابن عباس: «لولا الوسواس، ما باليت ألا أكلم الناس» .
قال: وقال عمر بن الخطاب رحمه الله: «ما تستبقوه من الدنيا تجدوه في الآخرة» .
وقال رجل للحسن: إني أكره الموت. قال: ذاك أنك أخّرت مالك، ولو قدمته لسرك أن تلحق به.
قال: وقال عامر بن الظرب العدواني: «الرأي نائم، والهوى يقظان، فمن هنالك يغلب الهوى الرأي» .
وقال: مكتوب في الحكمة: «اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكر لك» .
وقال بعضهم: «أيها الناس، لا يمنعنّكم سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا» .
وقال عبد الملك على المنبر: «ألا تنصفوننا يا معشر الرعية؟ تريدون منا سيرة أبي بكرة وعمر ولم تسيروا في أنفسكم ولا فينا بسيرة رعية أبي بكر وعمر، أسأل الله أن يعين كلا على حال» .
وقال رجل من العرب: «أربع لا يشبعن من أربعة: أنثى من ذكر، وعين من نظر، وأرض من مطر، وأذن من خبر» .
قال: وقال موسى ع لأهله: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها
(1/221)

بِخَبَرٍ
، فقال بعض المعترضين: فقد قال: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ
. فقال أبو عقيل: «لم يعرف موقع النار من أبناء السبيل، ومن الجائع المقرور» .
وقال لبيد بن ربيعة:
ومقام ضيق فرجته ... ببيان ولسان وجدل
لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زلّ عن مثل مقامي وزحل
ولدى النعمان مني موطن ... بين فاثور أفاق فالدّحل «1»
إذ دعتني عامر أنصرها ... فالتقى الألسن كالنبل الدّول «2»
فرميت القوم رشقا صائبا ... ليس بالعصل ولا بالمقثعل «3»
فانتضلنا وابن سلمى قاعد ... كعتيق الطير يغضي ويجل
وقبيل من لكيز شاهد ... رهط مرجوم، ورهط ابن المعل
وقال لبيد أيضا:
وأبيض يجتاب الخروق على الوجى ... خطيبا إذا التفّ المجامع فاصلا
يجتاب: يفتعل من الجوب، وهو أن يجوب البلاد، أي يدخل فيها ويقطعها. والخروق: جمع خرق، والخرق: الفلاة الواسعة. والوجى:
الحفا، مقصور كما ترى، وأنه ليتوجى في مشيته، وهو وج. وقال رؤبة:
به الرذايا من وج ومسقط
وقال أيضا لبيد:
لو كان حيّ في الحياة مخلّدا ... في الدهر أدركه أبو يكسوم
والحارثان كلاهما ومحرّق ... أو تبع أو فارس اليحموم «4»
(1/222)

فدعي الملامة ويب غيرك إنه ... ليس النوال بلوم كل كريم
ولقد بلوتك وابتليت خليقتي ... ولقد كفاك معلمي تعليمي
وله أيضا:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتأكّلون مغالة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
والخلف: البقية الصالحة من ولد الرجل وأهله. والخلف ضد هذا.
وقال زيد بن جندب، في ذكر الشّغب:
ما كان أغنى رجالا ضلّ سعيهم ... عن الجدال وأغناهم عن الشّغب
وقال آخر في الشغب:
إني إذا عاقبت ذو عقاب ... وإن تشاغبني فذو شغاب
وقال ابن أحمر بن العمرّد»
:
وكم حلّها من تيجان سميدع ... مصافي الندى ساق بيهماء مطعم
التيجان: الذي يعرض في كل شيء ليغنى فيه والسميدع: الكريم.
والندى: السخاء. واليهماء: الأرض التي لا يهتدى فيها لطريق.
طوي البطن متلاف إذا هبت الصّبا ... على الأمر غواص وفي الحي شيظم «2»
وقال:
هل لامني قوم لموقف سائل ... أو في مخاصمة اللجوج الأصيد
(1/223)

الأصيد: السيد الرافع رأسه، الشامخ بأنفه.
وقال في التطبيق:
فلما أن بدا القعقاع لجت ... على شرك تناقله نقالا
تعاورن الحديث وطبّقته ... كما طبقت بالنعل المثالا «1»
قال: وهذا التطبيق غير التطبيق الأول. وقال آخر:
لو كنت ذا علم علمت وكيف لي ... بالعلم بعد تدبّر الأمر
يعني إدبار الأمر.
[عودة إلى المفاضلة بين الصمت والكلام]
وقال المعترض على أصحاب الخطابة والبلاغة:
قال لقمان لابنه: «أي بنيّ، إني قد ندمت على الكلام، ولم أندم على السكوت» . وقال الشاعر:
ما أن ندمت على سكوتي مرة ... ولقد ندمت على الكلام مرارا
وقال الآخر:
خلّ جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
إنما المسلم من أل ... جم فاه بلجام
وقال الآخر في الاحتراس والتحذير:
اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام
(1/224)

وقال آخر في مثل ذلك:
لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في الضمير لهم من ذاك يكفيني
وقال حمزة بن بيض «1» :
لم يكن عن جناية لحقتني ... لا يساري ولا يميني جنتني
بل جناها أخ عليّ كريم ... وعلى أهلها براقش تجني
لأن هذه الكلبة، وهي براقش، نبحت غزّى، قد مروا من ورائهم وقد رجعوا خائبين مخفقين، فلما نبحتهم استدلوا بنباحها على أهلها واستباحوهم، ولو سكتت كانوا قد سلموا. (فضرب ابن بيض به المثل) .
وقال الأخطل:
تنقّ بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حية البحر
النقيق: صياح الضفادع.
وقالوا: «الصمت حكم وقليل فاعله» .
وقالوا: «استكثر من الهيبة صامت» .
وقيل لرجل من كلب طويل الصمت: بحق ما سمتكم العرب خرس العرب. فقال: «أسكت فأسلم، وأسمع فأعلم» .
وكانوا يقولون: «لا تعدلوا بالسلامة شيئا» .
ولا تسمع الناس يقولون: جلد فلان حين سكت، ولا قتل فلان حين صمت. وتسمعهم يقولون: جلد فلان حين قال كذا، وقتل حين قال كذا وكذا.
وفي الحديث المأثور: «رحم الله من سكت فسلم، أو قال فغنم» .
(1/225)

والسلامة فوق الغنيمة، لأن السلامة أصل والغنيمة فرع.
وقال النبي صلّى الله عليه وآله: «إن الله يبغض البليغ الذي يتخلّل بلسانه، تخلل الباقرة بلسانها» .
وقيل: «لو كان الكلام من فضة، لكان السكوت من ذهب» .
قال صاحب البلاغة والخطابة، وأهل البيان وحب التبيّن: إنما عاب النبي صلّى الله عليه وآله المتشادقين والثرثارين والذي يتخلّل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها، والأعرابيّ المتشادق، وهو الذي يصنع بفكيه وبشدقيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباء أهل المدر، فمن تكلف ذلك منكم فهو أعيب، والذم له ألزم.
وقد كان الرجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدة أمثال سائرة، ولم يكن الناس جميعا ليتمثلوا بها إلا لما فيها من المرفق والانتفاع، ومدار العلم على الشاهد والمثل، وإنما حثوا على الصمت لأن العامة إلى معرفة خطأ القول، أسرع منهم إلى معرفة خطأ الصمت. ومعنى الصامت في صمته أخفى من معنى القائل في قوله، وإلا فإن السكوت عن قول الحقّ في معنى النطق بالباطل. ولعمري إن الناس إلى الكلام لأسرع، لأن في أصل التركيب أن الحاجة إلى القول والعمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل، والسكوت عن جميع القول. وليس الصمت كله أفضل من الكلام كله، ولا الكلام كله أفضل من السكوت كله، بل قد علمنا أن عامة الكلام أفضل من عامة السكوت. وقد قال الله عز وجل: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
. فجعل سمعه وكذبه سواء.
وقال الشاعر:
بني عدي ألا يا انهوا سفيهكم ... إن السفيه إذا لم ينه مأمور
وقال آخر:
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلجّ ويستشري
وكيف يكون الصمت أنفع، والإيثار له أفضل، ونفعه لا يكاد يجاوز رأس
(1/226)

صاحبه، ونفع الكلام يعم ويخص، والرواة لم ترو سكوت الصامتين، كما روت كلام الناطقين، وبالكلام ارسل الله أنبياءه لا بالصمت، ومواضع الصمت المحمودة قليلة، ومواضع الكلام المحمودة كثيرة، وطول الصمت يفسد اللسان.
وقال بكر بن عبد الله المزني: «طول الصمت حبسة» كما قال عمر بن الخطاب رحمه الله: «ترك الحركة عقلة» .
وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلّدت نفسه، وفسد حسّه.
وكانوا يروون صبيانهم الأرجاز، ويعلّمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب، لأن ذلك يفتق اللهاة، ويفتح الجرم «1» .
واللسان إذا أكثرت تقليبه رق ولان، وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسأ وغلظ.
وقال عباية الجعفيّ: «لولا الدربة وسوء العادة لأمرت فتياننا أن يماري بعضهم بعضا» .
وأية جارحة منعتها الحركة، ولم تمرّنها على الاعتمال، أصابها من التعقّد على حسب ذلك لمنع. ولم قال رسول الله صلّى الله عليه وآله للنابغة الجعدي: «لا يفضض الله فاك» ؟ ولم قال لكعب بن مالك: «ما نسي الله لك مقالك ذلك» ؟ ولم قال لهيذان بن شيخ: «ربّ خطيب من عبس» ؟ ولم قال لحسان: «هيّج الغطاريف على بني عبد مناف، والله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام، في غبش الظلام» «2» ؟
وما نشك أنه عليه السلام قد نهى عن المراء، وعن التزيد والتكلف، وعن كل ما ضارع الرياء والسمعة، والنفج والبذخ، وعن التهاتر والتشاعب، وعن المماتنة والمغالبة «3» . فأما نفس البيان، فكيف ينهى عنه.
(1/227)

وأبين الكلام كلام الله، وهو الذي مدح التبيين وأهل التفصيل. وفي هذا كفاية إن شاء الله.
وقال دغفل بن حنظلة: إن للعلم أربعة: آفة، ونكدا، وإضاعة، واستجاعة. فآفته النسيان، ونكده الكذب، وإضاعته وضعه في غير موضعه، واستجاعته أنك لا تشبع منه.
وإنما عاب الاستجاعة لسوء تدبير أكثر العلماء، ولخرق سياسة أكثر الرواة، لأن الرواة إذا شغلوا عقولهم بالازدياد والجمع، عن تحفظ ما قد حصلوه، وتدبّر ما قد دونوه، كان ذلك الازدياد داعيا إلى النقصان، وذلك الربح سببا للخسران. وجاء في الحديث: «منهومان لا يشبعان: منهوم في العلم، ومنهوم في المال» .
وقالوا: علم علمك، وتعلم علم غيرك، فإذا أنت قد علمت ما جهلت، وحفظت ما علمت.
وقال الخليل بن أحمد: اجعل تعلمك دراسة لعلمك، واجعل مناظرة المتعلم تنبيها على ما ليس عندك.
وقال بعضهم- وأظنه بكر بن عبد الله المزنيّ-: لا تكدّوا هذه القلوب ولا تهملوها، فخير الفكر ما كان عقب الجمام، ومن أكره بصره عشي. وعاودوا الفكرة عند نبوات القلوب، واشحذوها بالمذاكرة، ولا تيأسوا من إصابة الحكمة إذا امتحنتم ببعض الاستغلاق، فإن من أدام قرع الباب ولج.
وقال الشاعر:
إذا المرء أعيته السيادة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وقال الأحنف: «السؤدد مع السواد» . وتقول الحكماء: «من لم ينطق بالحكمة قبل الأربعين لم يبلغ فيها» . وأنشد:
(1/228)

ودون الندى في كل قلب ثنية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل
وودّ الفتى في كل نيل ينيله ... إذا ما انقضى، لو أن نائله جزل
وقال الهذلي:
وإن سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل
أترجو أن تسود ولا تعنّى ... وكيف يسود ذو الدّعة البخيل
صالح بن سليمان، عن عتبة بن عمر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: «ما رأيت عقول الناس إلا وقد كاد يتقارب بعضها من بعض، إلا ما كان من الحجاج وإياس بن معاوية، فإن عقولهما كانت ترجح على عقول الناس» .
أبو الحسن قال: سمعت أبا الصغدي الحارثي يقول: كان الحجّاج أحمق، بنى مدينة واسط في بادية النبط ثم حماهم دخولها. فلما مات دلفوا إليها من قريب.
وسمعت قحطبة الخشني يقول: كان أهل البصرة لا يشكون أنه لم يكن بالبصرة رجل أعقل من عبيد الله بن الحسن، وعبيد الله بن سالم.
وقال معاوية لعمرو بن العاص: إن أهل العراق قد قرنوا بك رجلا طويل اللسان، قصير الرأي، فأجد الحزّ وطبّق المفصل، وإياك أن تلقاه برأيك كله.
(1/229)

باب ما قالوا فيه من الحديث الحسن الموجز المحذوف، القليل الفضول
قال الشاعر:
لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رقيق الحواشي لا هراء ولا نزر
وقال ابن أحمر:
تضع الحديث على مواضعه ... وكلامها من بعده نزر
وقال الآخر:
حديث كطعم الشهد حلو صدوره ... وإعجازه الخطبان دون المحارم «1»
وقال بشار بن برد:
أنس غرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام
يحسبن من أنس الحديث زوانيا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام
(1/231)

ولبشار أيضا:
وكأن [رصف] حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا
وتخال ما جمعت علي ... هـ ثيابها ذهبا وعطرا
وكأن تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا
ولبشار العقيلي:
وفتاة صبّ الجمال عليها ... بحديث كلذة النشوان
وقال الأخطل:
فأسرين خمسا ثم أصبحن غدوة ... يخبّرن أخبارا ألذّ من الخمر
وقال بشار:
وحديث كأنه قطع الرو ... ض وفيه الصفراء والحمراء
وأخبرنا عامر بن صالح أن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز كتب إلى امرأته، وعنده إخوان له، بهذه الأبيات:
إن عندي أبقاك ربّك ضيفا ... واجبا حقّهم كهولا ومردا
طرقوا جارك الذي كان قدما ... لا يرى من كرامة الضيف بدّا
فلديه أضيافه قد قراهم ... وهم يشتهون تمرا وزبدا
فلهذا جرى الحديث ولكن ... قد جعلنا بعض الفكاهة جدا
وأنشد الهذلي:
كرّوا الأحاديث عن ليلى إذا بعدت ... إن الأحاديث عن ليلى لتلهيني
وقال الهذلي أيضا:
وإن حديثا منك لو تبذلينه ... جنى النحل أو ألبان عوذ مطافل
مطافيل أبكار حديث نتاجها ... تشاب بماء مثل ماء المفاصل
(1/232)

العوذ: جمع عائذ، وهي الناقة إذا وضعت، فإذا مشى ولدها فهي مرشح فإذا تبعها فهي متلية، لأنه يتلوها. وهي في هذا كله مطفل. فإن كان أول ولد ولدته فهي بكر. ماء المفاصل فيه قولان: أحدهما أن المفاصل ما بين الجبلين واحدها مفصل، وإنما أراد صفاء الماء، لأنه ينحدر عن الجبال، لا يمر بطين ولا تراب. ويقال إنها مفاصل البعير. وذكروا أن فيها ماء له صفاء وعذوبة.
وفي الكلام الموزون يقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
إلزم الصمت إن في الصمت حكما ... وإذا أنت قلت قولا فزنه
وقال أبو ذؤيب:
وسرب يطلّى بالعبير كأنه ... دماء ظباء بالنحور ذبيح
بذلت لهن القول إنك واجد ... لما شئت من حلو الكلام، مليح
السرب: الجماعة من النساء والبقر والطير والظباء. ويقال: فلان آمن السرب، بفتح السين، أي آمن المسلك. ويقال فلان واسع السرب وخلي السرب، أي المسالك والمذاهب. وإنما هو مثل مضروب للصدر والقلب. وعن الأصمعي:
فلان واسع السرب، مكسور، أي واسع الصدر، بطيء الغضب.
وأنشد للحكم بن ريحان، من بني عمرو بن كلاب:
يا أجدل الناس إن جادلته جدلا ... وأكثر الناس إن عاتبته عللا
كأنما عسل رجعان منطقها ... إن كان رجع كلام يشبه العسلا
وقال القطامي:
وفي الخدور غمامات برقن لنا ... حتى تصيّدننا من كل مصطاد
يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكنونه بادي
فهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي
(1/233)

ينبذن: يلقين. الغلة والغليل: العطش الشديد. والصادي: العطشان أيضا، والاسم الصّدى. وأنشد للأخطل:
شمس إذا خطل الحديث أوانس ... يرقبن كلّ مجذّر تنبال
أنف كأن حديثهن تنادم ... بالكأس كلّ عقيلة مكسال
الشّمس: النوافر. والتنبال: القصير. والأنف: جمع آنفة، وهي المنكرة للشيء غير راضية. العقيلة: المصونة في أهلها. وعقيلة كل شيء خيرته. والمكسال: ذات الكسل عن الحركة.
وقال أبو العميثل عبد الله بن خليد:
لقيت ابنة السهميّ زينب عن عفر ... ونحن حرام مسي عاشرة العشر
وإني وإياها لحتم مبيتنا ... جميعا، ومسرانا مغذ وذو فتر
فكلمتها ثنتين كالثلج منهما ... على اللوح والأخرى أحرّ من الجمر
يقال: ما يلقانا إلا عن عفر، أي بعد مدة. مسي: أي وقت المساء.
يقال أغذّ السير، إذا جد فيه وأسرع. واللوح بالفتح: العطش، يقال لاح الرجل يلوح لوحا، والتاح يلتاح التياحا، إذا عطش. واللوح بالفتح أيضا الذي يكتب فيه. واللوح بالضم: الهواء، يقال: «لا أفعل ذلك ولو نزوت في اللوح» ، أو «حتى تنزو في اللوح» .
وأنشد:
وإنّا لنجري بيننا حين نلتقي ... حديثا له وشي كحبر المطارف «1»
حديث كطعم القطر في المحل يشتفى ... به من جوى في داخل القلب لاطف
المحل: الجدب، وسنة محول. وأمحل البلد فهو ماحل وممحل، وزمان ماحل وممحل. الجوى ها هنا: شدة الحب حتى يمرض صاحبه.
لاطف: لطيف. وأنشد للشماخ بن ضرار الثعلبي:
(1/234)

يقر بعيني أن أنبأ أنها ... وإن لم أنلها أيّم لم تزوّج
وكنت إذا لاقيتها كان سرّنا ... وما بيننا مثل الشواء الملهوج
يريد أنهما كانا على عجلة من خوف الرقباء. والملهوج: المعجل الذي لم ينتظر به النضج.
وقال جران العود:
فنلنا سقاطا من حديث كأنه ... جنى النحل أو أبكار كرم يقطف
حديثا لو أن البقل يولى بمثله ... زها البقل واخضرّ العضاه المصنّف
زها: بدا زهره. العضاه: جمع عضة، وهي كل شجرة ذات شوك، إلا القتادة فإنها لا تسمى عضة.
وقال الكميت بن زيد:
وحديثهن إذا التقين ... تهانف البيض الغرائر
وإذا ضحكن عن العذاب ... لنا المسفات الثواغر
كان التهلل بالتبسم ... لا القهاقه بالقراقر
التهانف: تضاحك في هزء. الغرائر: جمع غريرة، وهي المرأة القليلة الخبرة، الغمرة. والعذاب، يريد الثغر. والمسفات: اللثات التي قد أسفّت بالكحل أو بالنؤور، وذلك أن تغرز بالإبرة ويذر عليها الكحل فيعلوها حوة.
والتهلل، يقال تهلل وجهه، إذا أشرق وأسفر. وقال الآخر:
ولما تلاقينا جرى من عيوننا ... دموع كففنا غربها بالأصابع
ونلنا سقاطا من حديث كأنه ... جنى النحل ممزوجا بماء الوقائع
سقاط الحديث: ما نبذ منه ولفظ به. يقال ساقطت فلانا الحديث سقاطا. الوقائع والوقيع: مناقع الماء في متون الصخور، الواحدة وقيعة.
(1/235)

وقال أشعث بن سميّ:
هل تعرف المبدأ إلى السنام ... ناط به سواحر الكلام
كلامها يشفي من السقام
المبدأ وسنام: موضعان. ناط به: أي صار إليه.
وقال الراجز ووصف عيون الظباء بالسحر وذكر قوسا فقال:
صفراء فرع خطموها بوتر ... لأم ممرّ مثل حلقوم النغر
حدت ظبات أسهم مثل الشرر ... فصرّعتهن بأكناف الحفر
حور العيون بابليات النظر ... يحسبها الناظر من وحش البشر
اللام من كلّ شيء: الشديد. والممر: المحكم الفتل، وحبل مرير مثله. النغر: البلبل. والظبات: ظبة، وهي حد السيف والسنان وغيرهما.
وقال آخر:
وحديثها كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا
فأصاخ يرجو أن يكون حيا ... ويقول من طمع هيا ربّا
(1/236)

باب من الأسجاع في الكلام
قال عمر بن ذرّ، رحمه الله: «الله المستعان على ألسنة تصف، وقلوب تعرف، وأعمال تخلف» .
ولما مدح عتيبة بن مرداس عبد الله بن عباس قال: لا أعطي من يعصي الرحمن، ويطيع الشيطان، ويقول البهتان.
وفي الحديث المأثور، قال: «يقول العبد مالي مالي، وإنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، وأعطيت فأمضيت، أو لبست فأبليت» .
وقال النّمر بن تولب:
أعاذل إن يصبح صداي بقفرة ... بعيدا نآني صاحبي وقريبي
تري أن ما أبقيت لم أك ربّه ... وأن الذي أمضيت كان نصيبي
الصدى ها هنا: طائر يخرج من هامة الميت إذا بلي، فينعى إليه ضعف وليّه وعجزه عن طلب طائلته، وهذا كانت تقوله الجاهلية، وهو هنا مستعار.
أي أن أصبحت أنا.
(1/237)

ووصف أعرابي رجلا فقال: «صغير القدر، قصير الشّبر، ضيّق الصدر، لئيم النجر، عظيم الكبر، كثير الفخر» .
الشبر: قدر القامة، تقول: كم شبر قميصك، أي كم عدد أشباره.
والنّجر: الطباع.
ووصف بعض الخطباء رجلا فقال: «ما رأيت أضرب لمثل، ولا أركب لجمل، ولا أصعد في قلل منه» .
وسأل بعض الأعراب رسولا قدم من أهل السند: كيف رأيتم البلاد؟
قال: «ماؤها وشل، ولصها بطل، وتمرها دقل «1» . إن كثر الجند بها جاعوا، وإن قلوا بها ضاعوا» .
وقيل لصعصعة بن معاوية: من أين أقبلت؟ فقال: من الفجّ العميق.
قيل: فأين تريد؟ قال: البيت العتيق. قالوا: هل كان من مطر؟ قال: نعم، حتى عفّى الأثر، وأنضر الشجر، ودهدى الحجر «2» .
واستجار عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، بمحمد بن مروان بنصيبين، وتزوج بها امرأة، فقال محمد: كيف ترى نصيبين؟ قال: «كثيرة العقارب قليلة الأقارب» . يريد بقوله «قليلة» كقول القائل: فلان قليل الحياء، ليس يريد أن هناك حياء وإن قلّ. يضعون قليلا في موضع ليس.
وولي العلاء الكلابي عملا خسيسا، بعد أن كان على عمل جسيم، فقال: «العنوق بعد النّوق» «3» .
قال: ونظر رجل من العبّاد إلى باب بعض الملوك فقال: «باب جديد، وموت عتيد ونزع شديد، وسفر بعيد» .
(1/238)

وقيل لبعض العرب: أي شيء تمنّى، وأي شيء أحب إليك؟ فقال:
لواء منشور، والجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير» .
وقيل لآخر، وصلى ركعتين فأطال فيهما، وقد كان أمر بقتله: أجزعت من الموت؟ فقال: إن أجزع فقد أرى كفنا منشورا، وسيفا مشهورا، وقبرا محفورا.
ويقال إن هذا الكلام تكلم به حجر بن عديّ الكنديّ عند قتله.
وقال عبد الملك بن مروان لأعرابي: ما أطيب الطعام؟ فقال: «بكرة سنمة، معتبطة غير ضمنة، في قدور رذمة، بشفار خذمة، في غداة شبمة» .
فقال عبد الملك: وأبيك لقد أطيبت.
معتبطة: منحورة من غير داء، يقال اعتبط الإبل والغنم، إذا ذبحت من غير داء. ولهذا قيل للدم الخالص عبيط. والعبيط: ما ذبح من غير علة. غير ضمنة: غير مريضة. رذمة: سائلة من امتلائها. بشفار خذمة: قاطعة. غداة شبمة: باردة. والشبم: البرد.
وقالوا: «لا تغتر بمناصحة الأمير، إذا غشك الوزير» .
وقالوا: «من صادق الكتّاب أغنوه، ومن عاداهم أفقروه» . وقالوا: «اجعل قول الكذاب ريحا، تكن مستريحا» .
وقيل لعبد الصّمد بن الفضل بن عيسى الرقاشي: لم تؤثر السجع على المنثور، وتلزم نفسك القوافي وإقامة الوزن؟ قال: إن كلامي لو كنت لا آمل فيه إلا سماع الشاهد لقلّ خلافي عليك، ولكني أريد الغائب والحاضر، والراهن والغابر، فالحفظ إليه أسرع، والآذان لسماعه أنشط، وهو أحق بالتقييد وبقلة التفلّت. وما تكلمت به العرب من جيّد المنثور، أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشرة، ولا ضاع من الموزون عشره.
قالوا: فقد قيل للذي قال: يا رسول الله، أرأيت من لا شرب ولا أكل،
(1/239)

ولا صاح واستهلّ، أليس مثل ذلك يطلّ. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أسجع كسجع الجاهلية» قال عبد الصمد: لو أن هذا المتكلم لم يرد إلا الإقامة لهذا الوزن، لما كان عليه بأس، ولكنه عسى أن يكون أراد إبطال حق فتشادق في الكلام.
وقال غير عبد الصمد: وجدنا الشعر: من القصيد والرجز، قد سمعه النبي صلّى الله عليه وآله فاستحسنه وأمر به شعراءه، وعامة أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله قد قالوا شعرا، قليلا كان ذلك أم كثيرا، واستمعوا واستنشدوا. فالسجع والمزدوج دون القصيد والرجز، فكيف يحلّ ما هو أكثر ويحرم ما هو أقلّ. وقال غيرهما: إذا لم يطل ذلك القول، ولم تكن القوافي مطلوبة مجتلبة، أو ملتمسة متكلفة، وكان ذلك كقول الأعرابي لعامل الماء: «حلّئت ركابي، وخرّقت ثيابي، وضربت صحابي» - حلّئت ركابي، أي منعت إبلي من الماء والكلأ.
والركاب: ما ركب من الإبل- قال: «أو سجع أيضا؟» . قال الأعرابي: فكيف أقول؟ لأنه لو قال حلّئت إبلي أو جمالي أو نوقي أو بعراني أو صرمتي، لكان لم يعبر عن حق معناه، وإنما حلّئت ركابه، فكيف يدع الركاب إلى غير الركاب. وكذلك قوله: وخرقت ثيابي، وضربت صحابي. لأن الكلام إذا قل وقع وقوعا لا يجوز تغييره، وإذا طال الكلام وجدت في القوافي ما يكون مجتلبا، ومطلوبا مستكرها.
ويدخل على من طعن في قوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
. وزعم أنه شعر، لأنه في تقدير مستفعلن مفاعلن، وطعن في قوله في الحديث عنه: «هل أنت إلا إصبع دميت؟ وفي سبيل الله ما لقيت» - فيقال له: اعلم أنك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم، لوجدت فيها مثل مستفعلن مستفعلن كثيرا، ومستفعلن مفاعلن. وليس أحد في الأرض يجعل ذلك المقدار شعرا. ولو أن رجلا من الباعة صاح: من يشتري باذنجان؟ لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولات. وكيف يكون هذا شعرا وصاحبه لم يقصد إلى الشعر؟ ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام. وإذا جاء المقدار الذي يعلم أنه من نتاج الشعر والمعرفة بالأوزان والقصد إليها، كان ذلك شعرا. وهذا قريب، والجواب سهل بحمد الله.
(1/240)

وسمعت غلاما لصديق لي، وكان قد سقي بطنه «1» ، وهو يقول لغلمان مولاه: «اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى» . وهذا الكلام يخرج وزنه على خروج فاعلاتن مفاعلن، فاعلاتن مفاعلن مرتين. وقد علمت أن هذا الغلام لم يخطر على باله قط أن يقول بيت شعر أبدا. ومثل هذا كثير، ولو تتبعته في كلام حاشيتك وغلمانك لوجدته.
وكان الذي كرّه الأسجاع بعينها وإن كانت دون الشعر في التكلف والصنعة، أن كهان العرب الذين كان أكثر الجاهلية يتحاكمون إليهم، وكانوا يدعون الكهانة وأن مع كلّ واحد منهم رئيا من الجن مثل حازي جهينة «2» ، ومثل شقّ وسطيح، وعزّى سلمة وأشباههم، كانوا يتكهنون ويحكمون بالأشجاع، كقوله: «والأرض والسماء، والعقاب الصقعاء «3» ، واقعة ببقعاء «4» ، لقد نفر المجد بني الشعراء، للمجد والسناء» .
وهذا الباب كثير. ألا ترى أن ضمرة بن ضمرة، وهرم بن قطبة، والأقرع ابن حابس، ونفيل بن عبد العزّى كانوا يحكمون وينفّرون بالأسجاع. وكذلك ربيعة بن حذار.
قالوا: فوقع النهي في ذلك الدهر لقرب عهدهم بالجاهلية، ولبقيتها فيهم وفي صدور كثير منهم، فلما زالت العلة زال التحريم.
وقد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين، فيكون في تلك الخطب أسجاع كثيرة، فلا ينهونهم.
وكان الفضل بن عيسى الرّقاشي سجّاعا في قصصه. وكان عمرو بن عبيد، وهشام بن حسان، وأبان بن أبي عياش، يأتون مجلسه. وقال له داود ابن أبي هند: لولا أنك تفسر القرآن برأيك لأتيناك في مجلسك. قال: فهل
(1/241)

تراني أحرّم حلالا، أو أحلّل حراما؟ وإنما كان يتلو الآية التي فيها ذكر الجنة والنار، والموت والحشر، وأشباه ذلك.
وقد كان عبد الصمد بن الفضل، وأبو العباس القاسم بن يحيى، وعامة قصاص البصرة، وهم أخطب من الخطباء، يجلس إليهم عامة الفقهاء.
وقد كان النهي ظاهرا عن مرثية أمية بن أبي الصلت لقتلى أهل بدر، كقوله:
ماذا ببدر بالعقن ... قل مرازبة جحاجح
هلا بكيت على الكرام ... بني الكرام أولي الممادح
وروى ناس شبيها بذلك في هجاء الأعشى لعلقمة بن علاثة. فلما زالت العلة زال النهي.
وقال وائلة بن خليفة، في عبد الملك بن المهلّب:
قد صبرت للذلّ أعواد منبر ... تقوم عليها، في يديك قضيب
بكى المنبر الغربي إذ قمت فوقه ... وكادت مسامير الحديد تذوب
رأيتك لما شبت أدركك الذي ... يصيب سراة الأسد حين تشيب
سفاهة أحلام وبخل بنائل ... وفيك لمن عاب المزون عيوب
قال: وخطب الوليد بن عبد الملك فقال: «إن أمير المؤمنين كان يقول: إن الحجاج جلدة ما بين عينيّ، ألا وإنه جلدة وجهي كله» .
وخطب الوليد أيضا فذكر استعماله يزيد بن أبي مسلم بعد الحجاج فقال:
«كنت كمن سقط منه درهم فأصاب دينارا» .
شبيب بن شيبة قال: حدثني خالد بن صفوان قال: خطبنا يزيد بن المهلّب بواسط فقال: «إني قد أسمع قول الرعاع: قد جاء مسلمة، وقد جاء العباس، وقد جاء أهل الشام، وما أهل الشام إلا تسعة أسياف، سبعة منها معي، واثنان منها عليّ، وأما مسلمة فجرادة صفراء. وأما العباس فنسطوس
(1/242)

ابن نسطوس، أتاكم في برابرة وصقالبة، وجرامقة وجراجمة، وأقباط وأنباط، وأخلاط من الناس. إنما أقبل إليكم الفلاحون الأوباش كأشلاء اللّجم. والله ما لقوا قوما قط كحدّكم وحديدكم، وعدّكم وعديدكم. أعيروني سواعدكم ساعة من نهار تصفقون بها خراطيمهم «1» ، فإنما هي غدوة أو روحة حتى يحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين» .
ثم دعا بفرس، فأتي بأبلق، فقال: تخليط وربّ الكعبة! ثم ركب فقاتل فكثره الناس فانهزم عنه أصحابه، حتى بقي في إخوته وأهله، فقتل وانهزم باقي أصحابه. وفي ذلك يقول الشاعر «2» :
كل القبائل بايعوك على الذي ... تدعو إليه طائعين وساروا
حتى إذا حمي الوغى وجعلتهم ... نصب الأسنة أسلموك وطاروا
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارا عليك وبعض قتل عار
ومدح الشاعر بشار، عمر هزار مرد العتكي «3» ، بالخطب وركوبه المنابر، بل رثاه وأبّنه فقال:
ما بال عينك دمعها مسكوب ... حربت «4» فأنت بنومها محروب
وكذاك من صحب الحوادث لم يزل ... تأتي عليه سلامة ونكوب
يا أرض ويحك أكرميه فإنه ... لم يبق للعتكي فيك ضريب
أبهى على خشب المنابر قائما ... يوما وأحزم إذ تشب حروب
وقال: كان سوّار بن عبد الله، أول تميمي خطب على منبر البصرة. ثم خطب عبيد الله بن الحسن.
وولي منبر البصرة أربعة من القضاة فكانوا أمراء: بلال بن أبي بردة بن
(1/243)

أبي موسى الأشعري، وسوار، وعبيد الله، وأحمد بن أبي رباح. فكان بلال قاضيا ابن قاض ابن قاض.
وقال رؤبة:
فأنت يا ابن القاضيين قاضي ... معتزم على الطريق ماضي
قال أبو الحسن المدائني: كان عبيد الله بن الحسن حيث وفد على المهدي معزيا ومهنئا، أعد له كلاما، فبلغه أن الناس قد أعجبهم كلامه فقال لشبيب بن شيبة: إني والله ما ألتفت إلى هؤلاء، ولكن سل لي عبيد الله الكاتب عنه. فسأله فقال: ما أحسن ما تكلم به! على أنه أخذ مواعظ الحسن، ورسائل غيلان «1» ، فلقح بينهما كلاما. فأخبره بذلك شبيب، فقال عبيد الله:
لا والله إن أخطأ حرفا واحدا.
وكان محمد بن سليمان «2» له خطبة لا يغيرها، وكان يقول: «إن الله وملائكته» . فكان يرفع الملائكة، فقيل له في ذلك، فقال: خرّجوا لها وجها. ولم يكن يدع الرفع.
قال: وصلى بنا خزيمة يوم النحر، فخطب، فلم يسمع من كلامه إلا ذكر أمير المؤمنين الرشيد، وولي عهده محمد.
قال: وكان إسحاق بن شمّر يدار به إذا فرغ المنبر. قال الشاعر:
أمير المؤمنين إليك نشكو ... وإن كنا نقول بغير عذر
غفرت ذنوبنا وعفوت عنا ... وليست منك أن تعفو بنكر
فإن المنبر البصريّ يشكو ... على العلات إسحاق بن شمر
أضبّي على خشبات ملك ... كمركب ثعلب ظهر الهزبر
(1/244)

وقال بعض شعراء العسكر، يهجو رجلا من أهل العسكر:
ما زلت تركب كل شيء قائم ... حتى اجترأت على ركوب المنبر
ما زال منبرك الذي دنسته ... بالأمس منك كحائض لم تطهر
فلأنظرنّ إلى المنابر كلها ... وإلى الأسرّة باحتقار المنظر
وقال آخر:
فما منبر دنّسته يا ابن أفكل ... بزاك ولو طهّرته بابن طاهر «1»
عبد الله بن المبارك، عن بعض أشياخه، عن الشعبيّ قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: «البرّ ثلاثة: المنطق، والنظر، والصمت. فمن كان منطقة في غير ذكر فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقد سها، ومن كان صمته في غير فكر فقد لها» .
وقال علي بن أبي طالب: «أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج» .
وقال يزيد بن المهلّب، وهو في الحبس: «والهفاه على طليّة «2» بمائة ألف، وفرج في جبهة أسد» .
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «استغزروا الدموع بالتذكر» . وقال الشاعر:
ولا يبعث الأحزان مثل التذكر
حفص بن ميمون قال، سمعت عيسى بن عمر «3» يقول: سمعنا الحسن يقول: «اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة، واعصوها، فإنكم إن أطعتموها تنزع بكم إلى شرّ غاية. وحادثوها بالذكر، فإنها سريعة الدثور» .
(1/245)

اقدعوا: انهوا. طلعة: أي تطلع إلى كل شيء. حادثوا، أي اجلوا واشحذوا. والدثور: يقال: دثر أثر فلان، إذا ذهب، كما يقال درس وعفا.
قال: فحدّثت بهذا الحديث أبا عمرو بن العلاء، فتعجب من كلامه.
وقال الشاعر:
سمعن بهيجا أوجفت فذكرته ... ولا يبعث الأحزان مثل التذكر
الوجيف: سير شديد، يقال: وجف الفرس والبعير وأوجفته. ومثله الايضاع، وهو الإسراع. أراد: بهيجا أقبلت مسرعة.
ومن الأسجاع قول أيوب بن القريّة، وقد كان دعي للكلام واحتبس القول عليه، فقال: «قد طال السهر، وسقط القمر، واشتد المطر، فما ينتظر» .
فأجابه فتى من عبد القيس فقال: «قد طال الأرق، وسقط الشفق وكثر اللثق، فلينطق من نطق» .
اللثق: الندى والوحل.
وقال أعرابي لرجل: «نحن والله آكل منكم للمأدوم، وأكسب منكم للمعدوم، وأعطى منكم للمحروم» .
ووصف أعرابي رجلا فقال: «إن رفدك لنجيح، وإن خيرك لسريح، وإن منعك لمريح» .
سريح: عجل. ومريح: أي مريح من كدّ الطلب.
وقال عبد الملك لأعرابي: ما أطيب الطعام؟ فقال: «بكرة سنمة، في قدور رذمة، بشفار حذمة، في غداة شبمة» . فقال عبد الملك: وأبيك لقد أطيبت.
(1/246)

وسئل أعرابي فقيل له: ما أشدّ البرد؟ فقال: «ريح جربياء «1» ، في ظلّ عماء «2» ، في غبّ سماء «3» » .
ودعا أعرابي فقال: «اللهم إني أسألك البقاء والنماء، وطيب الأتاء، وحط الأعداء، ورفع الأولياء» . الأتاء: الرزق.
قال: وقال إبراهيم النخعي لمنصور بن المعتمر: «سل مسألة الحمقى، واحفظ حفظ الكيسى «4» » .
ووصفت عمّة حاجز اللصّ حاجزا «5» ، ففضلته وقالت: «كان حاجز لا يشبع ليلة يضاف، ولا ينام ليلة يخاف» .
ووصف بعضهم فرسا فقال: «أقبل بزبرة الأسد، وأدبر بعجز الذئب» .
الزبرة: مغرز العنق، ويقال للشعر الذي بين كتفيه. وصفه بأنه محطوط الكفل.
قال: ولما اجتمع الناس، وقامت الخطباء لبيعة يزيد، وأظهر قوم الكراهة قام رجل من عذرة يقال له يزيد بن المقنّع، فاخترط من سيفه شبرا ثم قال: أمير المؤمنين هذا- وأشار بيده إلى معاوية- فإن مات فهذا- وأشار بيده إلى يزيد- فمن أبى فهذا- وأشار بيده إلى سيفه. فقال له معاوية: أنت سيد الخطباء.
قالوا: ولما قامت خطباء نزار عند معاوية فذهبت في الخطب كل مذهب، قام صبرة بن شيمان، فقال: «يا أمير المؤمنين، إنّا حي فعال، ولسنا حي مقال، ونحن نبلغ بفعالنا أكثر من مقال غيرنا» .
(1/247)

قال: ولما وفد الأحنف في وجوه أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير، تكلم أبو حاضر الأسيدي وكان خطيبا جميلا، فقال له عبد الله بن الزبير:
أسكت، فو الله لوددت أنّ لي بكل عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام، صرف الدينار بالدرهم. قال: يا أمير المؤمنين، إن لنا ولك مثلا، أفتأذن في ذكره؟ قال: نعم. قال: مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام، كقول الأعشى حيث يقول:
علّقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري وعلّق أخرى غيرها الرجل
أحبك أهل العراق، وأحببت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك ابن مروان.
عليّ بن مجاهد «1» ، عن حميد بن أبي البختري قال: ذكر معاوية لابن الزبير بيعة يزيد، فقال ابن الزبير: إني أناديك ولا أناجيك، إن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تقدم، وتفكر قبل أن تندم، فإن النظر قبل التقدم، والتفكر قبل التندم» . فضحك معاوية ثم قال: تعلمت أبا بكر السّجاعة عند الكبر، إن في دون ما سجعت به على أخيك ما يكفيك. ثم أخذ بيده فأجلسه معه على السرير.
أخبرنا ثمامة بن أشرس، قال: لما صرفت اليمانية من أهل مزّة، الماء عن أهل دمشق، ووجهوه إلى الصحارى، كتب إليهم أبو الهيذام: «إلى بني استها أهل مزة، ليمسّينّني الماء أو لتصبحنكم الخيل» قال: فوافاهم الماء قبل أن يعتموا. فقال أبو الهيذام: «الصدق ينبي عنك لا الوعيد» . وحدثني ثمامة عن من قدم عليه من أهل دمشق قال: لما بايع الناس يزيد بن الوليد، وأتاه الخبر عن مروان بن محمد ببعض التلكؤ والتحبّس، كتب إليه:
(1/248)

«بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله أمير المؤمنين يزيد بن الوليد، إلى مروان بن محمد. أما بعد فإني أراك تقدّم رجلا وتؤخر أخرى، فإذا أتاك كتابي هذا فاعتمد على أيهما شئت. والسلام» .
وها هنا مذاهب تدل على أصالة الرأي، ومذاهب تدل على تمام النفس، وعلى الصلاح والكمال، لا أرى كثيرا من الناس يقفون عليها.
واستعمل عبد الملك بن مروان نافع بن علقمة بن نضلة، بن صفوان بن محرّث خال مروان، على مكة، فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان بحذاء المنبر، فشتم طلحة والزبير، فلما نزل قال لأبان: أرضيتك من المدهنين في أمير المؤمنين؟ قال: لا والله ولكن سؤتني، حسبي أن يكونا شركا في أمره.
فما أدري أيهما أحسن كلاما: أبان بن عثمان هذا، أم إسحاق بن عيسى، فإنه قال: «أعيذ عليّا بالله أن يكون قتل عثمان، وأعيذ بالله أن يقتله علي» . فمدح عليّا بكلام سديد غير نافر، ومقبول غير وحشيّ، وذهب إلى معنى الحديث في قول رسول الله صلّى الله عليه وآله: «أشد أهل النار عذابا من قتل نبيا أو قتله نبيّ» . يقول: لا يتفق أن يقتله نبي بنفسه إلا وهو أشدّ خلق الله معاندة وأجرؤهم على معصية. وقال هذا: لا يجوز أن يقتله علي إلا وهو مستحق للقتل.
قال: خطب رسول الله صلّى الله عليه وآله بعشر كلمات: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم. إن المؤمن بين مخافتين: بين عاجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه. فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبرة، ومن الحياة قبل الموت، فو الذي نفس محمد بيده، ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار» .
(1/249)

أبو الحسن المدائني قال: تكلم عمار بن ياسر يوما فأوجز، فقيل له: لو زدتنا. فقال: أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وآله بإطالة الصلاة وقصر الخطب.
محمد بن إسحاق «1» ، عن يعقوب بن عتبة، عن شيخ من الأنصار من بني زريق، أن عمر بن الخطاب رحمه الله لما أتي بسيف النعمان بن المنذر دعا جبير بن مطعم فسلّحه إياه، ثم قال: يا جبير، ممن كان النعمان؟ قال: من أشلاء قنص بن معدّ. وكان جبير أنسب العرب، وكان أخذ النسب عن أبي بكر الصديق رحمه الله. وعن جبير أخذ سعيد بن المسيّب.
وروي عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: قلت لسعيد بن المسيب:
علّمني النسب. قال: أنت رجل تريد أن تسابّ الناس.
قال: وثلاثة في نسق واحد كانوا أصحاب نسب: عمر بن الخطاب رحمه الله، أخذ ذلك من الخطاب، والخطاب بن نفيل، ونفيل بن عبد العزّى، تنافر إليه عبد المطلب وحرب بن أمية، فنفّر عبد المطلب، أي حكم لعبد المطلب، والمنافرة: المحاكمة.
قال: والنسّاب أربعة: دغفل بن حنظلة، وعميرة أبو ضمضم، وصبح الحنفي، وابن الكيّس النمري.
قال الأصمعي: دغفل بن حنظلة، والنسابة البكري، وكان نصرانيا. ولم يسمّه.
ذكر كلمات خطب بهن سليمان بن عبد الملك:
قال: «اتخذوا كتاب الله إماما، وارضوا به حكما، واجعلوه قائدا، فإنه ناسخ لما قبله، ولم ينسخه كتاب بعده» .
(1/250)

قال: وكان أول كلام بارع سمعوه منه: «الكلام فيما يعنيك خير من السكوت عما يضرك، والسكوت عما لا يعنيك خير من الكلام فيما يضرك» .
خلّاد بن يزيد الأرقط قال: سمعت من يخبرنا عن الشعبي قال: ما سمعت متكلما على منبر قط تكلم فأحسن إلا تمنيت أن يسكت خوفا من أن يسيء، إلا زيادا، فإنه كان كلما أكثر كان أجود كلاما.
وكان نوفل بن مساحق»
، إذا دخل على امرأته صمت، وإذا خرج من عندها تكلم، فرأته يوما كذلك فقالت: أما عندي فتطرق، وأما عند الناس فتنطق. قال: لأني أدقّ عن جليلك، وتجلين عن دقيقي.
قال أبو الحسن: قاد عياش بن الزبرقان بن بدر، إلى عبد الملك بن مروان خمسة وعشرين فرسا، فلما جلس لينظر إليها نسب كل فرس منها إلى جميع آبائه وأمهاته، وحلف على كل فرس بيمين غير اليمين التي حلف بها على الفرس الآخر، فقال عبد الملك بن مروان: عجبي من اختلاف إيمانه أشد من عجبي من معرفته بأنساب الخيل.
وقال: كان للزبرقان بن بدر ثلاثة أسماء: القمر، والزبرقان، والحصين. وكانت له ثلاث كنى: أبو شذرة، وأبو عياش، وأبو العباس.
وكان عياش ابنه خطيبا ماردا شديد العارضة شديد الشكيمة وجيها، وله يقول جرير:
أعياش قد ذاق القيون مرارتي ... وأوقدت ناري فادن دونك فاصطل
فقال عياش: إني إذا لمقرور. قالوا: فغلّب عليه.
[عودة إلى تراجم بعض الخطباء والبلغاء]
ذكر أسماء الخطباء والبلغاء والأبيناء وذكر قبائلهم وأنسابهم.
(1/251)

كان التدبير في أسماء الخطباء وحالاتهم وأوصافهم أن نذكر أسماء أهل الجاهلية على مراتبهم، وأسماء أهل الإسلام على منازلهم، ونجعل لكلّ قبيلة منهم خطباء، ونقسم أمورهم بابا بابا على حدته، ونقدّم من قدمه الله ورسوله عليه السلام في النسب، وفضله في الحسب. ولكني لما عجزت عن نظمه وتنضيده، تكلفت ذكرهم في الجملة. والله المستعان، وبه التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا به.
[الفضل الرقاشي]
كان الفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس، وكان متكلما قاصا مجيدا، وكان يجلس إليه عمرو بن عبيد، وهشام بن حسان، وأبان بن أبي عياش، وكثير من الفقهاء. وهو رئيس الفضيلة، وإليه ينسبون. وخطب إليه ابنته سوادة بنت الفضل، سليمان بن طرخان التيمي، فزوّجه فولدت له المعتمر ابن سليمان. وكان سليمان مباينا للفضل في المقالة، فلما ماتت سوادة شهد الجنازة المعتمر وأبوه، فقدّما الفضل.
وكان الفضل لا يركب إلا الحمير، فقال له عيسى بن حاضر: إنك لتؤثر الحمير على جميع المركوب، فلم ذلك؟ قال: لما فيها من المرافق والمنافع.
قلت: مثل أي شيء؟ قال: لا تستبدل بالمكان على قدر اختلاف الزمان، ثم هي أقلها داء وأيسرها دواء، وأسلم صريعا، وأكثر تصريفا، وأسهل مرتقى وأخفض مهوى، وأقل جماحا، وأشهر فارها، وأقل نظيرا، يزهى راكبه وقد تواضع بركوبه، ويكون مقتصدا وقد أسرف في ثمنه.
قال: ونظر يوما إلى حمار فاره تحت سلم بن قتيبة، فقال: «قعدة نبيّ وبذلة جبار» .
وقال عيسى بن حاضر: ذهب إلى حمار عزيز، وإلى حمار المسيح، وإلى حمار بلعم. وكان يقول: لو أراد أبو سيارة عميلة بن أعزل، أن يدفع بالموسم على فرس عربي، أو جمل مهريّ لفعل، ولكنه ركب عيرا أربعين
(1/252)

عاما، لانه كان يتأله «1» . وقد ضرب به المثل فقالوا: «أصح من عير أبي سيارة» .
والفضل هو الذي يقول في قصصه: «سل الأرض فقل: من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك، فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا» .
وكان عبد الصمد بن الفضل أغزر من أبيه وأعجب وأبين وأخطب.
وقال: وحدثني أبو جعفر الصوفي القاص قال: تكلم عبد الصمد في خلق البعوضة وفي جميع شأنها ثلاثة مجالس تامة.
قال: وكان بزيد بن أبان عم الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي، من أصحاب أنس والحسن، وكان يتكلم في مجلس الحسن، وكان زاهدا عابدا، وعالما فاضلا، وكان خطيبا، وكان قاصا مجيدا.
قال أبو عبيدة: كان أبوهم خطيبا، وكذلك جدهم، وكانوا خطباء الأكاسرة فلما سبوا وولد لهم الأولاد في بلاد الإسلام وفي جزيرة العرب، نزعهم ذلك العرق، فقاموا في أهل هذه اللغة كمقامهم في أهل تلك اللغة، وفيهم شعر وخطب، وما زالوا كذلك حتى أصهر إليهم الغرباء ففسد ذلك العرق ودخله الخور.
[قس بن ساعدة]
ومن خطباء إياد قسّ بن ساعدة، وهو الذي قال فيه النبي صلّى الله عليه وآله: «رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا.
من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت» .
وهو القائل في هذه: «آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، ضوء وظلام، وبر وأثام، ولباس ومركب، ومطعم ومشرب،
(1/253)

ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسماء ذات أبراج. ما لي أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم حبسوا فناموا» .
وهو القائل: «يا معشر إياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد. أين المعروف الذي لم يشكر، والظلم الذي لم ينكر. أقسم قسّ قسما بالله، إن لله دينا هو أرضى له من دينكم هذا» .
وأنشدوا له:
في الذاهبين الأولي ... ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر
أيقنت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر
[زيد بن علي بن الحسين]
ومن الخطباء زيد بن عليّ بن الحسين. وكان خالد بن عبد الله «1» أقرّ على زيد بن علي، وداود بن علي، وأيوب بن سلمة المخزومي، وعلى محمد بن عمر بن علي، وعلى سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فسأل هشام زيدا عن ذلك فقال: أحلف لك. قال: وإذا حلفت أصدقك قال زيد: اتّق الله. قال: أو مثلك يا زيد يأمر مثلي بتقوى الله. قال هشام: بلغني أنك تريد الخلافة، ولا تصلح لها، لأنك ابن أمة. قال زيد: فقد كان إسماعيل بن إبراهيم ع ابن أمة، وإسحاق صلّى الله عليه وآله. فعندها قال له: قم. قال: إذن لا تراني إلا حيث تكره! ولما خرج من الدار قال: «ما أحب أحد الحياة قط إلا ذل» . فقال له سالم مولى هشام: لا يسمعنّ هذا الكلام منك أحد.
(1/254)

وقال محمد بن عمير: إن زيدا لما رأى الأرض قد طبّقت «1» جورا، ورأى قلّة الأعوان وتخاذل الناس، كانت الشهادة أحبّ الميتات إليه.
وكان زيد كثيرا ما ينشد:
شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
منخرق الخفّين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
وقال: وكان كثيرا ما ينشد شعر العبسيّ في ذلك:
إن المحكّم ما لم يرتقب حسبا ... أو يرهف السيف أو حدّ القنا جنفا
من عاذ بالسيف لاقى فرصة عجبا ... موتا على عجل أو عاش منتصفا
ولما بعث يوسف بن عمر برأس زيد، ونصر بن خزيمة، مع شبّة بن عقال، وكلف آل أبي طالب أن يبرؤوا من زيد، ويقوم خطباؤهم بذلك. فأول من قال عبد الله بن الحسن، فأوجز في كلامه ثم جلس، ثم قام عبد الله بن جعفر، فأطنب في كلامه، وكان شاعرا بيّنا، وخطيبا لسنا، فانصرف الناس وهم يقولون: ابن الطيّار أخطب الناس! فقيل لعبد الله بن الحسن في ذلك، فقال: لو شئت أن أقول لقلت، ولكن لم يكن مقام سرور. فأعجب الناس ذلك منه.
[هند بنت الخس وجمعة بنت حابس]
ومن أهل الدهاء والنّكراء «2» ، ومن أهل اللسن واللقن، والجواب العجيب، والكلام الفصيح، والأمثال السائرة، والمخارج العجيبة: هند بنت الخسّ، وهي الزرقاء، وجمعة بنت حابس. ويقال إن حابسا من إياد.
(1/255)

وقال عامر بن عبد الله الفزاريّ جمع بين هند وجمعة، فقيل لجمعة: أي الرجال أحب إليك؟ فقالت: «الشنق الكتد «1» ، الظاهر الجلد، الشديد الجذب بالمسد» . وقيل لهند: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: «القريب الأمد، الواسع البلد، الذي يوفد إليه ولا يفد» .
وقد سئلت هند عن حر الصيف وبرد الشتاء، فقالت: «من جعل بؤسا كأذى» وقد ضرب بها المثل. فمن ذلك قول ليلى بنت النّضر الشاعرة:
وكنز بن جدعان دلالة أمّه ... وكانت كبنت الخسّ أو هي أكبر
وقال ابن الأعرابي: يقال بنت الخس، وبنت الخص، وبنت الخسف وهي الزرقاء. وقال يونس: لا يقال إلا بنت الأخسّ.
وقال أبو عمرو بن العلاء: داهيتا نساء العرب هند الزرقاء، وعنز الزرقاء، وهي زرقاء اليمامة.
وقال اليقطريّ: قيل لعبد الله بن الحسن: ما تقول في المراء؟ قال: ما عسى أن أقول في شيء يفسد الصداقة القديمة، ويحلّ العقدة الوثيقة، فإن أقل ما فيه أن يكون دربة للمغالبة، والمغالبة من أمتن أسباب الفتنة إن رسول الله صلّى الله عليه وآله لما أتاه السائب بن صيفي فقال: أتعرفني يا رسول الله؟ قال: «كيف لا أعرف شريكي الذي كان لا يشاريني ولا يماريني» . قال: فتحولت إلى زيد بن علي فقلت له: الصمت خير أم الكلام؟ قال: أخزى الله المساكتة، فما أفسدها للبيان، وأجلبها للحصر. والله للمماراة أسرع في هدم العيّ من النار في يبيس العرفج، ومن السيل في الحدور.
وقد عرف زيد أن المماراة مذمومة، ولكنه قال: المماراة على ما فيها أقل ضررا من المساكتة التي تورث البلدة، وتحل العقدة، وتفسد المنّة، وتورث عللا، وتولّد أدواء أيسرها العيّ. فإلى هذا المعنى ذهب زيد.
(1/256)

ومن الخطباء: خالد بن سلمة المخزومي من قريش، وأبو حاضر، وسالم ابن أبي حاضر، وقد تكلم عند الخلفاء.
ومن الخطباء بني أسيد: الحكم بن يزيد بن عمير، وقد رأس. ومن اهل اللسن منهم والبيان: الحجاج بن عمر بن يزيد.
[سعيد بن العاصي وابنه عمرو وحفيده سعيد]
ومن الخطباء: سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية. قال:
وقيل لسعيد بن المسيّب: من أبلغ الناس؟ قال: رسول الله صلّى الله عليه وآله. فقيل: ليس عن هذا نسألك. قال: معاوية وابنه، وسعيد وابنه، وما كان ابن الزبير دونهم، ولكن لم يكن لكلامه طلاوة.
فمن العجب أن ابن الزبير قد ملأ دفاتر العلماء كلاما، وهم لا يحفظون لسعيد بن العاص وابنه من الكلام إلا ما لا بال له.
وكان سعيد جوادا، ولم ينزع قميصه قط، وكان أسود نحيفا، وكان يقال له «عكة العسل» «1» . وقال الحطيئة:
سعيد فلا يغررك قلة لحمه ... تخدّد «2» عنه اللحم فهو صليب
وكان أول من خشّ الإبل في نفس عظم الأنف. وكان في تدبيره اضطراب. وقال قائل من أهل الكوفة:
يا ويلنا قد ذهب الوليد ... وجاءنا مجوعا سعيد
ينقص [في] الصّاع ولا يزيد
قال: الأمراء تتحبب إلى الرعية بزيادة المكاييل، ولو كان المذهب في الزيادة في الأوزان كالمذهب في زيادة المكاييل ما قصروا، كما سأل الأحنف عمر بن الخطاب الزيادة في المكاييل. ولذلك اختلفت أسماء المكاييل، كالزيادي والفالج، والخالدي. حتى صرنا إلى هذا الملجم اليوم.
(1/257)

ثم من الخطباء: عمرو بن سعيد، وهو الأشدق، يقال إن ذلك إنما قيل لتشادقه في الكلام. وقال آخرون: بل كان أفقم مائل الذقن، ولذلك قال عبيد الله بن زياد حين أهوى إلى عبد الله بن معاوية: يدك عني يا لطيم الشيطان، ويا عاصي الرحمن. وقال الشاعر:
وعمرو لطيم الجنّ وابن محمد ... بأسوأ هذا الأمر يلتبسان
ذكر ذلك عن عوانة. وهذا خلاف قول الشاعر:
تشادق حتى مال بالقول شدقه ... وكل خطيب لا أبا لك أشدق
وقال: وقد كان معاوية قد دعا به في غلمة من قريش، فلما استنطقه قال: «إن أول كل مركب صعب، وإن مع اليوم غدا» . وقال له: إلى من أوصى بك أبوك؟ قال: إن أبي أوصى إليّ ولم يوص بي قال: وبأي شيء أوصاك؟ قال: بألا يفقد إخوانه منه إلا شخصه. قال: فقال معاوية عند ذلك: إن ابن سعيد هذا لأشدق. فهذا يدل عندهم على أنه إنما سمي بالأشدق لمكان التشادق.
ثم كان بعد عمرو بن سعيد، سعيد بن عمرو بن سعيد، وكان ناسبا خطيبا، وأعظم الناس كبرا. وقيل له عند الموت: إن المريض ليستريح إلى الأنين، وإلى أن يصف ما به إلى الطبيب. فقال:
أجاليد من ريب المنون فلا ترى ... على هالك عينا لنا الدهر تدمع
ودخل على عبد الملك مع خطباء قريش وأشرافهم، فتكلموا من قيام.
وتكلم وهو جالس، فتبسم عبد الملك وقال: لقد رجوت عثرته، ولقد أحسن حتى خفت عثرته.
فسعيد بن عمرو بن سعيد، خطيب ابن خطيب ابن خطيب.
[سهيل بن عمرو]
ومن الخطباء: سهيل بن عمرو الأعلم أحد بني حسل بن معيص وكان
(1/258)

يكنى أبا يزيد، وكان عظيم القدر، شريف النفس، صحيح الإسلام. وكان عمر قال للنبي صلّى الله عليه وآله: يا رسول الله، انزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا أبدا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «لا أمثل فيمثّل الله بي وإن كنت نبيا. دعه يا عمر فعسى أن يقوم مقاما تحمده» . فلما هاج أهل مكة عند الذي بلغهم من وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله قام خطيبا فقال: «أيها الناس، إن يكن محمد قد مات فالله حيّ لم يمت. وقد علمتم أني أكثركم قتبا «1» في بر، وجارية في بحر، فأقروا أميركم وأنا ضامن إن لم يتمّ الأمر أن أردّها عليكم» ، فسكن الناس. وهو الذي قال يوم خرج آذن عمر، وهو بالباب وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وفلان وفلان، فقال الآذن: أين بلال، أين صهيب، أين سلمان، أين عمار؟ فتمعّرت وجوه القوم، فقال سهيل: لم تتمعّر وجوهكم؟! دعوا ودعينا فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم على باب عمر، لما أعد الله لهم في الجنة أكثر.
[عبد الله بن عروة بن الزبير]
ومن الخطباء: عبد الله بن عروة بن الزبير. قالوا: وكان خالد بن صفوان يشبّه به. وما علمت أنه كان في الخطباء أحد كان أجود من خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة، للذي يحفظه الناس ويدور على ألسنتهم من كلامهما. وما أعلم أن أحدا ولّد لهما حرفا واحدا.
[النسابون الخطباء]
ومن النسابين من بني العنبر ثم من بني المنذر: الحنتف بن يزيد بن جعونة. وهو الذي تعرض له دغفل بن حنظلة العلامة عند ابن عامر بالبصرة، فقال له: متى عهدك بسجاح أمّ صادر؟ فقال: «ما لي بها عهد منذ أضلت أمّ حلس» ، وهي بعض أمهات دغفل. فقال له: نشدتك بالله، أنحن كنا لكم أكثر غزوا في الجاهلية أم أنتم لنا؟ قال: بل أنتم فلم تفلحوا ولم تنجحوا، غزانا فارسكم وسيدكم وابن سيدكم، فهزمناه مرة وأسرناه مرة، وأخذنا في فدائه
(1/259)

خدر أمه. وغزانا أكثركم غزوا، وأنبهكم في ذلك ذكرا، فأعرجناه ثم أرجلناه.
فقال ابن عامر: أسألكما بالله لمّا كففتما.
وكان عبد الله بن عامر، ومصعب بن الزبير، يحبان أن يعرفا حالات الناس، فكانا يغريان بين الوجوه وبين العلماء، فلا جرم أنهما كانا إذا سبّا أوجعا.
وكان أبو بكر رحمه الله أنسب هذه الأمة، ثم عمر، ثم جبير بن مطعم، ثم سعيد بن المسيّب، ثم محمد بن سعيد بن المسيب. ومحمد هذا هو الذي نفى آل عنكثة المخزوميين فرفع ذلك إلى والي المدينة فجلده الحدّ.
وكان ينشد:
ويربوع بن عنكثة ابن أرض ... وأعتقه هبيرة بعد حين
يعني هبيرة بن أبي وهب المخزومي.
ومن النسابين العلماء: عتبة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان من ذوي الرأي والدهاء، وكان ذا منزلة من الحجاج بن يوسف. وعمر بن عبد الرحمن خامس خمسة في الشرف.. وكان هو الساعي بين الأسد وتميم في الصلح.
ومن بني حرقوص: شعبة بن القعم، وكان ذا لسان وجواب وعارضة، وكان وصافا فصيحا، وبنوه عبد الله، وعمر، وخالد كليهم كانوا في هذه الصفة، غير أن خالدا كان قد جمع مع اللسن والعلم، الحلاوة والظرف.
وكان الحجاج بن يوسف لا يصبر عنه.
ومن بني أسيّد بن عمرو بن تميم، أبو بكر بن الحكم، كان ناسبا راوية شاعرا، وكان أبلى الناس لسانا، وأحسنهم منطقا، وأكثرهم تصرفا. وهو الذي يقول له رؤبة:
لقد خشيت أن تكون ساحرا ... راوية مرا ومرا شاعرا
(1/260)

ومنهم معلّل بن خالد، أحد بني أنمار بن الهجيم، وكان نسابة علامة، راوية صدوقا مقلّدا. وذكر للمنتجع بن نبهان فقال: كان لا يجارى ولا يمارى.
ومنهم من بني العنبر، ثم من بني عمرو بن جندب: أبو الخنساء عبّاد بن كسيب، وكان شاعرا علامة، وراوية نسابة، وكانت له حرمة بأبي جعفر المنصور.
ومنهم عمرو بن خولة، كان ناسبا خطيبا، وراوية فصيحا، من ولد سعيد ابن العاصي. والذي أتى سعيد بن المسيب ليعلمه النسب هو إسحاق بن يحيى ابن طلحة.
وكان يحيى بن عروة بن الزبير ناسبا عالما، ضربه إبراهيم بن هشام المخزومي والي المدينة حتى مات، لبعض القول. وكان مصعب بن عبد الله ابن ثابت ناسبا عالما، ومن ولده الزبيري عامل الرشيد على المدينة واليمن.
ومنهم ثم من قريش: محمد بن حفص، وهو ابن عائشة، ويكنى أبا بكر. وابنه عبيد الله، كان يجري مجراه، ويكنى أبا عبد الرحمن.
ومن بني خزاعيّ بن مازن: أبو عمرو وأبو سفيان، ابنا العلاء بن عمار ابن العريان. فأما أبو عمرو فكان أعلم الناس بأمور العرب، مع صحة سماع وصدق لسان. حدثني الأصمعي قال: جلست إلى أبي عمرو عشر حجج ما سمعته يحتج ببيت إسلامي. قال: وقال مرة: «لقد كثر هذا المحدث وحسّن حتى لقد هممت أن آمر فتياننا بروايته» . يعني شعر جرير والفرزدق وأشباههما.
وحدثني أبو عبيدة قال: كان أبو عمرو أعلم الناس بالغريب والعربية، وبالقرآن والشعر، وبأيام العرب وأيام الناس. وكانت داره خلف دار جعفر بن سليمان قال:
وكانت كتبه التي كتب عن العرب الفصحاء، قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف، ثم إنه تقرّأ فأحرقها كلها، فلما رجع بعد إلى علمه الأول لم يكن عنده إلا ما حفظه بقلبه. وكانت عامة أخباره عن أعراب قد أدركوا الجاهلية.
وفي أبي عمرو بن العلاء يقول الفرزدق:
(1/261)

ما زلت أفتح أبوابا وأغلقها ... حتى أتيت أبا عمرو بن عمّار
قال: فإذا كان الفرزدق وهو راوية الناس وشاعرهم وصاحب أخبارهم يقول فيه مثل هذا القول، فهو الذي لا يشك في خطابته وبلاغته.
وقال يونس: لولا شعر الفرزدق لذهب نصف أخبار الناس.
وقال في أبي عمر مكّي بن سوادة:
الجامع العلم ننساه ويحفظه ... والصادق القول إن أنداده كذبوا
وكان أبو سفيان بن العلاء ناسبا، وكلاهما كناهما أسماؤهما. وكذلك أبو عمرو بن العلاء بن لبيد، وأبو سفيان بن العلاء بن لبيد التغلبيّ، خليفة عيسى ابن شبيب المازني على شرط البصرة.
وكان عقيل بن أبي طالب ناسبا عالما بالأمهات، بيّن اللسان سديد الجواب، لا يقوم له أحد.
وكان أبو الجهم بن حذيفة العدويّ ناسبا شديد العارضة، كثير الذّكر للأمهات بالمثالب.
ومن رؤساء النسابين: دغفل بن حنظلة، أحد بني عمرو بن شيبان، لم يدرك الناس مثله لسانا وعلما وحفظا. ومن هذه الطبقة زيد بن الكيّس النمري.
ومن نسابي كلب: محمد بن السائب، وهشام بن محمد بن السائب، وشرقي بن القطاميّ. وكان أعلاهم في العلم ومن ضرب به المثل، حماد بن بشر.
وقال سماك العكرمي:
فسائل دغفلا وأخا هلال ... وحمّادا ينبّؤك اليقينا
وقد ذكرنا دغفلا. وأخو هلال هو زيد بن الكيّس. وبنو هلال حي من النمر بن قاسط.
(1/262)

وقال مسكين بن أنيف الدارميّ في ذلك:
وعند الكيّس النمريّ علم ... ولو أمسى بمنخرق الشمال
وقال ثابت قطنة:
فما العضّان لو سئلا جميعا ... أخو بكر وزيد بني هلال «1»
ولا الكلبيّ حماد بن بشر ... ولا من فاد في الزمن الخوالي «2»
وقال زياد الأعجم:
بل لو سألت أخا ربيعة دغفلا ... لوجدت في شيبان نسبة دغفل
إن الأحابن والذين يلونهم ... شرّ الأنام ونسل عبد أغزل
يهجو فيها بني الحبناء:
ومنهم: أبو إياس النصري. وكان أنسب الناس، وهو الذي قال: كانوا يقولون أشعر العرب أبو دؤاد الإياديّ، وعديّ بن زيد العبادي.
وكان أبو نوفل بن أبي عقرب، علامة ناسبا خطيبا فصيحا، وهو رجل من كنانة، أحد بني عريج.
ومن بني كنانة ثم من بني ليث، ثم من بني الشدّاح: يزيد بن بكر بن دأب. وكان يزيد عالما ناسبا، وراوية شاعرا. وهو القائل:
الله يعلم في عليّ علمه ... وكذاك علم الله في عثمان
وولد يزيد يحيى وعيسى. فعيسى هو الذي يعرف في العامة بابن دأب، وكان من أحسن الناس حديثا وبيانا، وكان شاعرا راوية، وكان صاحب رسائل وخطب، وكان يجيدهما جدا.
(1/263)

ومن آل دأب: حذيفة بن دأب، وكان عالما ناسبا. وفي آل دأب علم بالنسب والخبر.
[أبو الأسود الدؤلي]
وكان أبو الأسود الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان، خطيبا عالما، وكان قد جمع شدة العقل وصواب الرأي وجودة اللسان، وقول الشعر والظرف. وهو يعد في هذه الأصناف، وفي الشيعة، وفي العرجان، وفي المفاليج. وعلى كل شيء من هذا شاهد سيقع في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال الخسّ لابنته هند: أريد شراء فحل لإبلي. قالت: «إن اشتريته فاشتره أسجع الخدين، غائر العينين، أرقب، أحزم أعكى، أكوم، إن عصي غشم، وإن أطيع تجرثم» .
وهي التي قالت لما قيل لها: ما حملك على أن زنيت بعبدك؟ قالت:
«طول السواد، وقرب الوساد» .
السّواد: السرار. أسجع: سهل واسع يقال: «ملكت فأسجع» .
أرقب: غليظ الرقبة. أحزم: منتفخ المحزم. أعكى: العكوة مغرز الوركين في المؤخر، تصفه بشدة الوركين. إن عصي غشم: إن عصته الناقة غصبها نفسها. تجرثم: أي بقي، مأخوذ من الجرثومة، وهي الطين والتراب يجمع حول النخلة، ليقوّيها. تصفه بالصبر والقوة على الضّراب. أكوم: عظيم السنام.
وقال الشاعر:
ويفهم قول الحكل لو أن ذرة ... تساود أخرى لم يفته سوادها
يقال: في لسانه حكلة، إذا كان شديد الحبسة مع لثغ.
قالوا: وعاتب هشام بن عبد الملك زيد بن علي، فقال له: بلغني عنك
(1/264)

شيء. قال: يا أمير المؤمنين، أحلف لك؟ قال: وإذا حلفت لي أصدّقك؟
قال: نعم، إن الله لم يرفع أحدا فوق ألا يرضى به، ولم يضع أحدا دون ألا يرضى منه.
[عبيد الله العائشي]
وكان أبو ظبيان التيمي العائشي خطيبا، فدخل عليه ابنه عبيد الله وهو يكيد بنفسه، فقال له: ألا أوصي بك الأمير. قال: لا. قال: ولم؟ قال:
إذا لم يكن للحيّ إلا وصيّة الميّت فالحي هو الميت.
وكان عبيد الله أفتك الناس، وأخطب الناس. وهو الذي أتى باب مالك ابن مسمع ومعه نار، ليحرّق عليه داره، وقد كان نابه أمر فلم يرسل إليه قبل الناس، فأشرف عليه مالك فقال: مهلا يا أبا مطر، فو الله إن في كنانتي سهما أنا به أوثق مني بك. قال: وإنك لتعدني في كنانتك، فو الله لو قمت فيها لطلتها، ولو قعدت فيها لخرقتها. قال مالك: مهلا، أكثر الله في العشيرة مثلك! قال: لقد سألت الله شططا! ودخل عبيد الله على عبد الملك بن مروان، بعد أن أتاه برأس مصعب بن الزبير، ومعه ناس من وجوه بكر بن وائل، فأراد أن يقعد معه على سريره فقال له عبد الملك: ما بال الناس يزعمون أنك لا تشبه أباك؟ قال: والله لأنا أشبه بأبي من الليل بالليل، والغراب بالغراب، والماء بالماء، ولكن إن شئت أنبأتك بمن لا يشبه أباه. قال: ومن ذاك؟ قال: من لم يولد لتمام، ولم تنضجه الأرحام، ومن لم يشبه الأخوال والأعمام. قال: ومن ذاك؟ قال: ابن عمي سويد بن منجوف. قال عبد الملك: أو كذلك أنت يا سويد؟ قال: نعم. فلما خرجا من عنده أقبل عليه سويد فقال: وريت بك زنادي! والله ما يسرني أنك كنت نقصته حرفا واحدا مما قلت له وأن لي حمر النّعم. قال: وأنا والله ما يسرني بحلمك اليوم عني سود النعم.
قال: وأتى عبيد الله عتّاب بن ورقاء، وعتاب على أصبهان، فأعطاه
(1/265)

عشرين ألف درهم، فقال: والله ما أحسنت فأحمدك، ولا اسأت فأذمك، وإنك لأقرب البعداء، وأبعد القرباء.
قال: وقال أشيم بن شقيق بن ثور، لعبيد الله بن زياد بن ظيبان: ما أنت قائل لربك وقد حملت رأس مصعب بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان؟
قال: أسكت، فأنت يوم القيامة أخطب من صعصعة بن صوحان إذا تكلمت الخوارج.
فما ظنك ببلاغة رجل عبيد الله بن زياد يضرب به المثل! وإنما أردنا بهذا الحديث خاصة، الدلالة على تقديم صعصعة بن صوحان في الخطب. وأدل من كلّ دلالة استنطاق عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
وكان عثمان بن عروة «1» أخطب الناس، وهو الذي قال: «الشكر وإن قلّ، ثمن لكل نوال وإن جلّ» .
وكان ثابت بن عبد الله بن الزبير، من أبين الناس، ولم يكن خطيبا.
[قسامة بن زهير]
وكان قسامة بن زهير أحد بني رزام بن مازن، مع نسكه وزهده ومنطقه، من أبين الناس، وكان يعدل بعامر بن عبد قيس في زهده ومنطقه. وهو الذي قال: «روّحوا هذه القلوب تع الذكر» . وهو الذي قال: «يا معشر الناس، إن كلامكم أكثر من صمتكم، فاستعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الصواب بالفكر» . وهو الذي كان رسول عمر في البحث عن شأن المغيرة وشهادة أبي بكرة «2» .
(1/266)

[خالد بن يزيد بن معاوية]
وكان خالد بن يزيد بن معاوية، خطيبا شاعرا، وفصيحا جامعا، وجيّد الرأي كثير الأدب، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء.
ومن خطباء قريش: خالد بن سلمة المخزومي وهو ذو الشفة. وقال الشاعر في ذلك:
فما كان قائلهم دغفل ... ولا الحيقطان ولا ذو الشّفة
ومن خطباء العرب عطارد بن حاجب بن زرارة، وهو كان الخطيب عند النبي صلّى الله عليه وآله، وقال فيه الفرزدق بن غالب:
ومنا خطيب لا يعاب وحامل ... أغر إذا التفت عليه المجامع
[عون بن عبد الله بن مسعود]
ومن الخطباء: عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان مع ذلك راوية ناسبا شاعرا، ولما رجع عن قول المرجئة إلى قول الشيعة قال:
وأول ما نفارق غير شك ... نفارق ما يقول المرجئونا
وقالوا مؤمن من أهل جور ... وليس المؤمنون بجائرينا
وقالوا مؤمن دمه حلال ... وقد حرمت دماء المؤمنينا
وكان حين هرب إلى محمد بن مروان في فلّ ابن الأشعث ألزمه ابنه يؤدّبه ويقوّمه، فقال له يوما: كيف ترى ابن أخيك؟ قال: «ألزمتني رجلا إن غبت عنه عتب، وإن أتيته حجب، وإن عاتبته غضب» .
ثم لزم عمر بن عبد العزيز، وكان ذا منزلة منه. قالوا: وله يقول جرير:
يأيّها الرجل المرخي عمامته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... إني لدى الباب كالمصفود في قرن
وقد رآك وفود الخافقين معا ... ومذ وليت أمور الناس لم ترني
(1/267)

[الجارود بن أبي سبرة]
وكان الجارود بن أبي سبرة ويكنى أبا نوفل، من أبين الناس وأحسنهم حديثا، وكان راوية علامة، شاعرا مفلقا، وكان من رجال الشيعة. ولما استنطقه الحجّاج قال: ما ظننت أن بالعراق مثل هذا. وكان يقول: ما أمكنني وال قط من أذنه إلا غلبت عليه، ما خلا هذا اليهودي- يعني بلال بن أبي بردة- وكان عليه متحاملا، فلما بلغه أنه دهق «1» حتى دقت ساقه، وجعل الوتر في خصييه، أنشأ يقول:
لقد قرّ عيني أن ساقيه دقّتا ... وأن قوى الأوتار في البيضة اليسرى
بخلت وراجعت الخيانة والخنا ... فيسرك الله المقدّس للعسرى
فما جذع سوء خرّب السوس جوفه ... يعالجه النجار يبرى كما تبرى
وإنما ذكر الخصية اليسرى لأن العامة تقول: إن الولد منها يكون.
[عبد الله بن عباس]
ومن الخطباء الذين لا يضاهون ولا يجارون: عبد الله بن عباس. قالوا:
خطبنا بمكة، وعثمان محاصر، خطبة لو شهدتها الترك والديلم لأسلمتا.
قال: وذكره حسان بن ثابت فقال:
إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فضلا
كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع ... لذي إربة في القول جدا ولا هزلا
سموت إلى العليا بغير مشقة ... فنلت ذراها لا دنيا ولا وغلا
وقال الحسن: كان عبد الله بن عباس أول من عرّف بالبصرة، صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران، ففسرهما حرفا حرفا، وكان والله مثجّا يسيل غربا، وكان يسمى البحر وحبر قريش. وقال فيه النبي صلّى الله عليه وآله: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» وقال عمر: «غص غوّص» . ونظر إليه يتكلم فقال:
(1/268)

شنشنة أعرفها من أخزم
الشعر لأبي أخزم الطائي، وهو جد أبي حاتم طيء أو جدّ جده، وكان له ابن يقال له أخزم فمات وترك بنين فتوثبوا يوما على جدهم أبي أخزم فأدموه، فقال:
إن بنيّ رمّلوني بالدم ... شنشنة أعرفها من أخزم
أي أنهم أشبهوا أباهم في طبيعته وخلقه. وأحسبه كان به عاقا. هكذا ذكر ابن الكلبيّ. والشنشنة مثل الطبيعة والسجية.
فأراد عمر رحمه الله أني أعرف فيك مشابه من أبيك، في رأيه وعقله.
ويقال إنه لم يكن لقرشي مثل رأي العباس.
[داود بن علي]
ومن خطباء بني هاشم أيضا: داود بن عليّ، ويكنى أبا سليمان، وكان أنطق الناس وأجودهم ارتجالا واقتضابا للقول، ويقال إنه لم يتقدّم في تحبير خطبة قط. وله كلام كثير معروف محفوظ، فمن ذلك خطبته على أهل مكة:
«شكرا شكرا. أما والله ما خرجنا لنحتفر فيكم نهرا، ولا لنبني فيكم قصرا. أظن عدو الله أن لن نظفر به أن أرخي له في زمامه، حتى عثر في فضل خطامه. فالآن عاد الأمر في نصابه، وطلعت الشمس من مطلعها، والآن أخذ القوس باريها، وعادت النبل إلى النزعة، ورجع الحق إلى مستقره، في أهل بيت نبيّكم: أهل بيت الرأفة والرحمة» .
[عبد الله بن الحسن بن الحسن]
ومن خطباء بني هاشم: عبد الله بن الحسن بن الحسن، وهو القائل لابنه إبراهيم أو محمد:
(1/269)

«أي بنيّ، إني مؤد إليك حق الله في تأديبك، فأد إلي حق الله في حسن الاستماع. أي بني، كفّ الأذى، وارفض البذا، واستعن على الكلام بطول الفكر في المواطن التي تدعوك نفسك فيها إلى القول، فإن للقول ساعات يضرّ فيها الخطأ، ولا ينفع فيها الصواب. واحذر مشورة الجاهل وإن كان ناصحا، كما تحذر مشورة العاقل إذا كان غاشا، يوشك أن يورّطاك بمشورتهما، فيسبق إليك مكر العاقل، وغرارة الجاهل» .
قال الحسن بن خليل: كان المأمون قد استثقل سهل بن هارون، فدخل عليه سهل يوما والناس عنده على منازلهم، فتكلم المأمون بكلام فذهب فيه كلّ مذهب، فلما فرغ المأمون من كلامه أقبل سهل بن هارون على ذلك الجمع فقال:
«ما لكم تسمعون ولا تعون، وتشاهدون ولا تفقهون، وتنظرون ولا تبصرون. والله إنه ليفعل ويقول في اليوم القصير مثل ما فعل بنو مروان وقالوا في الدهر الطويل. عربكم كعجمهم، وعجمكم كعبيدهم، ولكن كيف يعرف الدواء من لا يشعر بالداء» .
قال: فرجع له المأمون بعد ذلك إلى الرأي الأول.
[أولاد سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس]
ومن خطباء بني هاشم ثم من ولد جعفر بن سليمان: سليمان بن جعفر والي مكة. قال المكي: سمعت مشايخنا من أهل مكة يقولون: إنه لم يرد عليهم أمير منذ عقلوا الكلام إلا وسليمان أبين منه قاعدا، وأخطب منه قائما.
وكان داود بن جعفر إذا خطب إسحنفر فلم يردّه شيء «1» ، وكان في لسانه شبيه بالرتة «2» .
(1/270)

وكان أيوب فوق داود في الكلام والبيان، ولم تكن له مقامات داود في الخطب.
وقال إسحاق بن عيسى لداود بن جعفر: بلغني أن معاوية قال للنخار بن أوس: ابغني محدّثا؟ قال: ومعي يا أمير المؤمنين تريد محدّثا؟ قال: نعم، استريح منك إليه، ومنه إليك، وأنا لا أستريح إلى غير حديثك، ولا يكون صمتك في حال من الحالات أوفق لي من كلامك.
وكان إسماعيل بن جعفر، من أرق الناس لسانا وأحسنهم بيانا.
ومن خطباء بني هاشم: جعفر بن حسن بن الحسن بن علي، وكان أحد من ينازع زيدا في الوصية، فكان الناس يجتمعون ليسمعوا مجاوباتهما فقط.
وجماعة من ولد العباس في عصر واحد، لم يكن لهم نظراء في أصالة الرأي وفي الكمال والجلالة، وفي العلم بقريش والدولة، وبرجال الدعوة، مع البيان العجيب، والغور البعيد، والنفوس الشريفة، والأقدار الرفيعة، وكانوا فوق الخطباء وفوق أصحاب الأخبار، وكانوا يجلون عن هذه الأسماء إلا أن يصف الواصف بعضهم ببعض ذلك.
منهم عبد الملك بن صالح. قال: وسأله الرشيد وسليمان بن أبي جعفر وعيسى بن جعفر شاهدان، فقال له: كيف رأيت أرض كذا وكذا؟ قال:
عسافي ريح ومنابت شيح، قال: فأرض كذا وكذا، قال: «هضاب حمر، وبراث عفر» . قال: حتى أتى على جميع ما أراد. قال: فقال عيسى لسليمان: والله ما ينبغي لنا أن نرضى لأنفسنا بالدون من الكلام الهضبة: الجبل ينبسط على الأرض، وجمعها هضب. والبراث: الأماكن اللينة السهلة، واحدها برث. وقوله عفر، أي حمرتها كحمرة التراب. والظبي الأعفر: الأحمر، لأن حمرته كذلك: والعفر التراب، ومنه قيل: ضربه حتى عفّره، أي ألحقه بالتراب.
ومن هؤلاء: عبد الله بن صالح، والعباس بن محمد، وإسحاق بن
(1/271)

عيسى، وإسحاق بن سليمان، وأيوب بن جعفر. هؤلاء كانوا أعلم بقريش وبالدولة وبرجال الدعوة، من المعروفين برواية الأخبار.
وكان إبراهيم بن السندي يحدثني عن هؤلاء بشيء هو خلاف ما في كتب الهيثم بن عديّ وابن الكلبيّ. وإذا سمعته علمت أنه ليس من المؤلف المزوّر «1» .
[نصر وإبراهيم السنديان]
وكان عبد الله بن علي، وداود بن علي يعدلان بأمّة من الأمم.
ومن مواليهم: إبراهيم ونصر ابنا السنديّ.
فأما نصر فكان صاحب أخبار وأحاديث، وكان لا يعدو حديث ابن الكلبيّ والهيثم بن عدي.
وأما إبراهيم فإنه كان رجلا لا نظير له: كان خطيبا، وكان ناسبا، وكان فقيها، وكان نحويا عروضيا، وحافظا للحديث، راوية للشعر شاعرا وكان فخم الألفاظ شريف المعاني، وكان كاتب القلم كاتب العمل، وكان يتكلم بكلام رؤبة، ويعمل في الخراج بعمل زاذان فروخ الأعور «2» ، وكان منجّما طبيبا، وكان من رؤساء المتكلمين، وعالما بالدولة وبرجال الدعوة، وكان أحفظ الناس لما سمع، وأقلهم نوما وأصبرهم على السهر.
[جحدب التميمي]
ومن خطباء تميم: جحدب. وكان خطيبا راوية، وكان قضى على جرير في بعض مذاهبه، فقال جرير:
(1/272)

قبح الإله ولا يقبّح غيره ... بظرا تفلّق عن مفارق جحدب
وهو الذي كان لقيه خالد بن سلمة المخزوميّ الخطيب الناسب، فقال:
والله ما أنت من حنظلة الأكرمين، ولا سعد الأكثرين، ولا عمرو الأشدين، وما في تميم خير بعد هؤلاء. فقال له جحدب: والله إنك لمن قريش، وما أنت من بيتها ولا نبوتها، ولا من شوراها وخلافتها، ولا من أهل سدانتها وسقايتها.
وهو شبيه بما قال خالد بن صفوان، للعبدري، فإنه قال له: «هشمتك هاشم، وأمّتك أمية، وخزمتك مخزوم، وأنت من عبد دارها، ومنتهى عارها، تفتح لها الأبواب إذا أقبلت، وتغلقها إذا أدبرت» .
[عبد الله بن شبرمة]
ومن ولد المنذر: عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن هبيرة بن المنذر. وكان فقيها عالما قاضيا، وكان راوية شاعرا، وكان خطيبا ناسبا، وكان لاجتماع هذه الخصال فيه يشبه بعامر الشعبي، وكان يكنى أبا شبرمة. وقال يحيى بن نوفل فيه:
لما سألت الناس أين المكرمه ... والعز والجرثومة المقدّمة
وأين فاروق الأمور المحكمه ... تتابع الناس على ابن شبرمه
وابن شبرمة الذي يقول فيه ابن أبي ليلى:
وكيف ترجّى لفصل القضاء ... ولم تصب الحكم في نفسكا
وتزعم أنك لابن الجلاح ... وهيهات دعواك من أصلكا
قال: وقال رجل من فقهاء المدينة: من عندنا خرج العلم. قيل: من، فقال ابن شبرمة: نعم ثم لم يرجع إليكم.
قال: وقال عيسى بن موسى: دلوني على رجل أولّيه مكان كذا وكذا فقال ابن شبرمة: أصلح الله الأمير، هل لك في رجل إن دعوتموه أجابكم وإن تركتموه لم يأتكم، ليس بالملح طلبا، ولا بالممعن هربا؟
(1/273)

وسئل عن رجل، فقال: إن له شرفا وبيتا وقدما. فنظروا فإذا هو ساقط من السفلة. فقيل له في ذلك، فقال: ما كذبت، شرفه أذناه، وقدمه التي يمشي عليها، ولا بد من أن يكون له بيت يأوي إليه.
قال أبو إسحاق «1» : قد لعمري كذب، إنما هو كقول القائل حين سأله بعض من أراد تزويج حرمته عن رجل، فقال: «هو يبيع الدواب» . فلما نظروا في أمره وجدوه يبيع السنانير، فلما سئل عن ذلك قال: ما كذبت، لأن السنور دابة.
قال أبو إسحاق: بل لعمري لقد كذب، هذا مثل قول القائل حين سئل عن رجل في تزويج امرأة فقال: «رزين المجلس، نافذ الطعنة» . فحسبوه سيدا فارسا، فنظروا فوجدوه خياطا! فسئل عن ذلك فقال: ما كذبت، لطويل الجلوس، جيد الطعن بالإبرة.
قال أبو إسحاق: بل لعمري لقد كذب، لأنه قد غرّهم منه.
وكذلك لو سأله رجل عن رجل يريد أن يسلفه مالا عظيما، فقال: «هو يملك مالا ما كان يبيعه بمائة ألف ومائة ألف» ، فلما بايعه الرجل وجده معدما ضعيف الحيلة، فلما قيل له في ذلك قال: ما كذبت، لأنه يملك عينيه وأذنيه وأنفه وشفتيه ويديه. حتى عد جميع أعضائه وجوارحه.
ومن قال للمستشير هذا القول فقد غره وذلك ما لا يحل في دين، ولا يحسن في الحرية. وهذا القول معصية لله، والمعصية لا تكون صدقا وأدنى منازل هذا الخبر أن لا يسمى صدقا، فأما التسمية له بالكذب فإن فيها كلاما يطول.
(1/274)

[خالد بن صفوان]
ومن الخطباء المشهورين في العوامّ، والمقدمين في الخواصّ: خالد بن صفوان الأهتمي، زعموا جميعا أنه كان عند أبي العباس أمير المؤمنين وكان من سمّاره وأهل المنزلة عنده، ففخر عليه ناس من بلحارث بن كعب وأكثروا في القول، فقال أبو العباس: لم لا تتكلم يا خالد؟ فقال: أخوال أمير المؤمنين وأهله قال: فأنتم أعمام أمير المؤمنين وعصبته فقل. قال خالد: «وما عسى أن أقول لقوم كانوا بين ناسج برد، ودابغ جلد، وسائس قرد، وراكب عرد «1» ، دل عليهم هدهد، وغرّقتهم فأرة، وملكتهم امرأة» . فلئن كان خالد قد فكر وتدبر هذا الكلام إنه للراوية الحافظ، والمؤلف المجيد، ولئن كان هذا شيئا حضره حين حرّك وبسط فما له نظير في الدنيا.
فتأمل هذا الكلام فإنك ستجده مليحا مقبولا، وعظيم القدر حليلا. ولو خطب اليماني بلسان سحبان وائل حولا كريتا «2» ، ثم صكّ بهذه الفقرة ما قامت له قائمة.
وكان أذكر الناس لأول كلامه، وأحفظهم لكل شيء سلف من منطقه.
وقال مكيّ بن سوادة في صفته له:
عليم بتنزيل الكلام ملقّن ... ذكور لما سدّاه أول أولا
يبذّ قريع القوم في كل محفل ... وإن كان سحبان الخطيب ودغفلا
ترى خطباء الناس يوم ارتجاله ... كأنهم الكروان عاين أجدلا
الكروان: جمع كروان، وهو ذكر الحبارى. والأجدل: الصقر وكان يقارض شبيب بن شيبة، لاجتماعهما على القرابة والمجاورة والصناعة، فذكر شبيب مرة عنده فقال: «ليس له صديق في السر، ولا عدو في العلانية» . وهذا كلام ليس يعرف قدره إلا الراسخون في هذه الصناعة.
(1/275)

وكان خالد جميلا ولم يكن بالطويل، فقالت له امرأته: إنك لجميل يا أبا صفوان. قال: وكيف تقولين هذا وما فيّ عمود الجمال ولا رداؤه ولا برنسه.
فقيل له: ما عمود الجمال؟ فقال: الطول، ولست بطويل، ورداؤه البياض، ولست بأبيض، وبرنسه سواد الشعر، وأنا أشمط، ولكن قولي: إنك لمليح ظريف.
وخالد يعد في الصلعان، ولكلام خالد كتاب يدور في أيدي الورّاقين.
[خطباء ضبة]
وكان الأزهر بن عبد الحارث بن ضرار بن عمرو الضبي، عالما ناسبا.
ومن خطباء بني ضبة: حنظلة بن ضرار، وقد أدرك الإسلام وطال عمره حتى أدرك يوم الجمل، وقيل له: ما بقي منك؟ قال: «أذكر القديم وأنسى الحديث، وآرق بالليل، وأنام وسط القوم» .
ومن خطباء بني ضبة وعلمائهم: مثجور بن غيلان بن خرشة، وكان مقدّما في المنطق، وهو الذي كتب إلى الحجاج: «إنهم قد عرضوا عليّ الذهب والفضة، فما ترى أن آخذ؟» قال: «أرى أن تأخذ الذهب» . فذهب عنه هاربا ثم قتله بعد. وذكره القلاخ بن حزن المنقري فقال:
أمثال مثجور قليل ومثله ... فتى الصدق إن صفّقته كل مصفق
وما كنت أشريه بدنيا عريضة ... ولا بابن خال بين غرب ومشرق
إذا قال بذ القائلين مقاله ... ويأخذ من أكفائه بالمخنّق
[خطباء الخوارج]
ومن الخطباء الخوارج، قطريّ بن الفجاءة «1» ، وله خطبة طويلة
(1/276)

مشهورة، وكلام كثير محفوظ، وكانت له كنيتان: كنية في السلم، وهي أبو محمد، وكنية في الحرب، وهي أبو نعامة.
وكانت كنية عامر بن الطفيل في الحرب غير كنيته في السلم: كان يكنى في الحرب بأبي عقيل، وفي السلم بأبي عليّ.
وكان يزيد بن مزيد «1» يكنى في السلم بأبي خالد، وفي الحرب بأبي الزبير.
وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:
لولا سيوف أبي الزبير وخيله ... نشر الوليد بسيفه الضحّاكا
وفيه يقول:
لولا يزيد وأيام سلفت ... عاش الوليد مع الغاوين أعواما
سلّ الخليفة سيفا من بني مطر ... يمضي فيخترق الأجسام والهاما
إذا الخلافة عدت كنت أنت لها ... عزا وكان بنو العباس حكّاما
ألا تراه قد ذكر قتل الوليد! وقد كان خالد بن يزيد اكتنى بها في الحرب، في بعض أيامه بمصر.
وهذا الباب مستقصى مع غيره في أبواب الكنى والأسماء، وهو وارد عليكم إن شاء الله.
ومن خطباء الخوارج: ابن صديقة، وهو القاسم بن عبد الرحمن بن صديقة، وكان صفريا، وكان خطيبا ناسبا، ويشوب ذلك ببعض الظرف والهزل.
(1/277)

ومن علماء الخوارج: شبيل بن عزرة الضبعي، صاحب الغريب. وكان راوية خطيبا، وشاعرا ناسبا، وكان سبعين سنة رافضيا ثم انتقل خارجيا صفريا.
ومن علماء الخوارج: الضحّاك بن قيس الشيباني، ويكنى أبا سعيد، وهو الذي ملك العراق، وسار في خمسين ألفا، وبايعه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن هشام، وصليا خلفه، وقال شاعرهم:
ألم تر أن الله أظهر دينه ... وصلّت قريش خلف بكر بن وائل
وكان ابن عطاء الليثي يسامر الرشيد، وكان صاحب أخبار وأسمار وعلم بالأنساب، وكان أظرف الناس وأحلاهم.
وكان عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن كريز، راوية ناسبا، وعالما بالعربية فصيحا.
[عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر]
وكان عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر من أبين الناس وأفصحهم.
وكان مسلمة عبد الملك يقول: إني لأنحّي كور العمامة عن أذني لأسمع كلام عبد الأعلى.
وكانوا يقولون: أشبه قريش نغمة وجهارة بعمرو بن سعيد، عبد الأعلى ابن عبد الله بن عامر.
قال: وقال بعض الأمراء- وأظنه بلال بن أبي بردة لأبي نوفل الجارود بن أبي سبرة: ماذا تصنعون عند عبد الأعلى إذا كنتم عنده؟ قال: يشاهدنا بأحسن استماع، وأطيب حديث، ثم يأتي الطباخ فيمثل بين يديه فيقول: ما عندك؟
فيقول: عندي لون كذا وكذا وجدي كذا، ودجاجة كذا، ومن الحلواء كذا.
قال: ولم يسأل عن ذلك؟ قال: ليقصر كل رجل عما لا يشتهي، حتى يأتيه ما يشتهي. ثم يأتون بالخوان فيتضايق وتتسع، ويقصّر ونجتهد، فإذا شبعنا
(1/278)

خوّى تخوية الظليم «1» ، ثم أقبل يأكل أكل الجائع المقرور. قال: والجارود هو الذي قال: «سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل» . وهو الذي قال: «عليكم بالمربد «2» ، فإنه يطرد الفكر، ويجلو البصر، ويجلب الخبر، ويجمع بين ربيعة ومضر» .
قال: وصعد عثمان المنبر فأرتج عليه، فقال: «إن أبا بكر وعمر كانا يعدّان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب، وستأتيكم الخطب على وجهها، وتعلمون إن شاء الله» .
[الأبرش الكلبي]
قال: وشخص يزيد بن عمر بن هبيرة إلى هشام بن عبد الملك فتكلم، فقال هشام: ما مات من خلف هذا. فقال الأبرش الكلبي: ليس هناك، أما تراه يرشح جبينه لضيق صدره! قال يزيد: ما لذلك رشح ولكن لجلوسك في هذا الموضع.
وكان الأبرش ثلّابة نسّابة، وكان مصاحبا لهشام بن عبد الملك، فلما أفضت إليه الخلافة سجد وسجد من كان عنده من جلسائه، والأبرش شاهد لم يسجد. فقال له: ما منعك أن تسجد يا أبرش؟ قال: ولم أسجد وأنت اليوم معي ماشيا، وغدا فوقي طائرا. قال: فإن طرت بك معي؟ قال: أتراك فاعلا؟ قال: نعم. قال: فالآن طاب السجود.
قال: ودخل يزيد بن عمر على المنصور وهو يومئذ أمير، فقال: «يأيها الأمير، إن عهد الله لا ينكث، وعقده لا يحل، وإن إمارتكم بكر فأذيقوا الناس حلاوتها، وجنبوهم مرارتها» .
قال سهل بن هارون: دخل قطرب النحوي على المخلوع فقال: يا أمير
(1/279)

المؤمنين، كانت عدتك أرفع من جائزتك- وهو يتبسم- قال سهل: فاغتاظ الفضل بن الربيع، فقلت له: إن هذا الحصر والضعف، وليس هذا من الجلد والقوة. أما تراه يفتل أصابعه، ويرشح جبينه.
قال: وقال عبد الملك بن سلمة المخزوميّ: من أخطب الناس؟ قال أنا. قال: ثم من؟ قال: سيد جذام- يعني روح بن زنباع- قال: ثم من؟
قال: أخيفش ثقيف- يعني الحجاج- قال: ثم من؟ قال: أمير المؤمنين.
قال: ويحك، جعلتني رابع أربعة. قال: نعم، هو ما سمعت.
ومن خطباء الخوارج وعلمائهم ورؤسائهم في الفتيا، وشعرائهم، ورؤساء قعدهم: عمران بن حطّان. ومن علمائهم وشعرائهم وخطبائهم:
حبيب بن خدرة الهلالي، وعداده في بني شيبان.
وممن كان يرى رأي الخوارج: أبو عبيدة النحويّ معمر بن المثنى، مولى تيم بن مرة. ولم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلم منه.
وممن كان يرى رأي الخوارج: الهيثم بن عدي الطائي ثم البحتريّ.
وممن كان يرى رأي الخوارج: شعيب بن رئاب الحنفي، أبو بكار، صاحب أحمد بن أبي خالد، ومحمد بن حسان السكسكيّ.
ومن الخوارج من علمائهم ورؤسائهم: مسلم بن كورين، وكنيته أبو عبيدة وكان إباضيا، ومن علماء الصفرية.
وممن كان مقنعا في الأخبار لأصحاب الخوارج والجماعة جميعا: مليل، وأظنه من بني تغلب. ومن أهل هذه الصفة أصفر بن عبد الرحمن، من أخوال طوق بن مالك.
ومن خطبائهم وفقهائهم وعلمائهم: المقعطل، قاضي عسكر الأزارقة، أيام قطريّ.
(1/280)

ومن شعرائهم ورؤسائهم وخطبائهم: عبيدة بن هلال اليشكري.
وكان في بني السّمين من بني شيبان، خطباء العرب، وكان ذلك فيهم فاشيا، ولذلك قال الأخطل:
فأين السمين لا يقوم خطيبها ... وأين ابن ذي الجدّين لا يتكلم
وقال سحيم بن حفص: كان يزيد بن عبد الله بن رؤيم الشيباني من أخطب الناس، خطب عند يزيد بن الوليد، فأمر للناس بعطاءين.
ومن الخطباء معبد بن طوق العنبري، دخل على بعض الأمراء فتكلم وهو قائم فأحسن، فلما جلس تتعتع في كلامه فقال له: ما أظرفك قائما، وأموقك قاعدا! قال: إني إذا قمت جددت، وإذا قعدت هزلت. قال: ما أحسن ما خرجت منها.
ومن خطباء عبد القيس: مصقلة بن رقبة، ورقبة بن مصقلة، وكرب بن رقبة.
والعرب تذكر من خطب العرب «العجوز» وهي خطبة لآل رقبة، ومتى تكلموا فلا بد لهم منها أو من بعضها. و «العذراء» وهي خطبة قيس بن خارجة لأنه كان أبا عذرها. و «الشوهاء» ، وهي خطبة سحبان وائل، وقيل لها ذلك من حسنها، وذلك أنه خطب بها عند معاوية فلم ينشد شاعر ولم يخطب خطيب.
وكان ابن عمار الطائي خطيب مذحج كلها، فبلغ النعمان حديثه فحمله على منادمته، وكان النعمان أحمر العينين، أحمر الجلد أحمر الشعر، وكان شديد العربدة قتالا للندماء، فنهاه أبو قردودة الطائي عن منادمته، فلما قتله رثاه فقال:
إني نهيت ابن عمار وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بنارك من نيوانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره
(1/281)

قال الأصمعي: وهو كقوله:
ومنطق خرّق بالعواسل ... لذ كوشي اليمنة المراحل «1»
[الزبرقان بن بدر]
قال: وسأل رسول الله صلّى الله عليه وآله عمرو بن الأهتم عن الزّبرقان بن بدر، فقال:
«إنه لمانع لحوزته، مطاع في أدنيه» . قال الزبرقان: إنه يا رسول الله ليعلم مني أكثر مما قال، ولكنه حسدني شرفي، فقصر بي. قال عمرو: «هو والله زمر المروءة، ضيّق العطن، لئيم الخال» . فنظر النبي صلّى الله عليه وآله في عينيه، فقال:
«يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الآخرة» . فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله:
«إن من البيان لسحرا» .
قال: وتكلم رجل في حاجة عند عمر بن عبد العزيز: وكانت حاجته في قضائها مشقة، فتكلم الرجل بكلام رقيق موجز، وتأتّى لها، فقال عمر: والله إن هذا للسحر الحلال.
ومن أصحاب الأخبار والآثار أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة «2» ، وكان القاضي قبل أبي يوسف.
ومن أصحاب الأخبار: أبو هنيدة وأبو نعامة، العدويان.
[أيوب بن القرية]
ومن الخطباء: أيوب بن القرّيّة، وهو الذي دخل على الحجاج قال له:
ما أعددت لهذا الموقف؟ قال: «ثلاثة حروف، كأنهن ركب وقوف: دنيا
(1/282)

وآخرة ومعروف» . ثم قال له في بعض القول: «أقلني عثرتي، وأسغني ريقي، فإنه لا بد للجواد من كبوة، وللسيف من نبوة، وللحليم من هفوة» .
قال: كلا والله حتى أوردك نار جهنم. ألست القائل برستقاباد: تغدّوا الجدي قبل أن يتعشاكم؟
وقال: ومن خطباء غطفان في الجاهلية: خويلد بن عمرو، والعشراء بن جابر بن عقيل بن هلال بن سميّ بن مازن بن فزارة. وخويلد خطيب يوم الفجار.
[بنو الكواء]
ومن أصحاب الأخبار والنسب والخطب وأهل البيان: الوضاح بن خيثمة.
ومن أصحاب الأخبار والنسب والخطب والحكم عند أصحاب النفورات «1» بنو الكوّاء، وإياهم يعني مسكين بن أنيف الدارمي، حين ذكر أهل هذه الطبقة فقال:
كلانا شاعر من حيّ صدق ... ولكنّ الرحى فوق الثفال
وحكّم دغفلا وارحل إليه ... ولا ترح المطيّ من الكلال
تعال إلى بني الكوّاء يقضوا ... بعلمهم بأنساب الرجال
هلم إلى ابن مذعور شهاب ... ينبّي بالسوافل والعوالي
وعند الكيّس النمري علم ... ولو أضحى بمنخرق الشمال
[كعب بن لؤي]
ومن الخطباء القدماء: كعب بن لؤي، وكان يخطب على العرب عامة، ويحض كنانة على البرّ، فلما مات أكبروا موته، فلم تزل كنانة تؤرخ بموت كعب بن لؤي إلى عام الفيل.
(1/283)

[شبيب بن شيبة]
ومن الخطباء العلماء الأبيناء، الذين جروا من الخطابة على أعراق قديمة: شبيب بن شيبة، وهو الذي يقول في صالح بن أبي جعفر المنصور وقد كان المنصور أقام صالحا فتكلم، فقال شبيب: «ما رأيت كاليوم أبين بيانا، ولا أجود لسانا، ولا أربط جنانا، ولا أبلّ ريقا، ولا أحسن طريقا، ولا أغمض عروقا من صالح. وحق لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدي أخاه، أن يكون كما قال زهير:
يطلب شأو أمرين قدّما حسنا ... نالا الملوك وبذّا هذه السّوقا «1»
هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا «2»
قال: وخرج شبيب من دار الخليفة يوما فقال له قائل: كيف رأيت الناس؟ قال: رأيت الداخل راجيا والخارج راضيا.
قال: وقال خالد بن صفوان: «اتقوا مجانيق البغضاء» ، يريد الدعاء.
قال: وقال شبيب بن شيبة: «أطلب فإنه دليل على المروءة، وزيادة في العقل، وصاحب في الغربة، وصلة في المجلس» .
وقال شبيب للمهدي يوما: «أراك الله في بنيك ما أرى أباك فيك، وأرى الله بنيك فيك ما أراك في أبيك» .
وقال أبو الحسن: قال زيد بن علي بن الحسين: «أطلب ما يعنيك واترك ما لا يعنيك، فإن في ترك ما لا يعنيك دركا لما يعنيك، وإنما تقدم على ما قدمت، ولست تقدم على ما أخرت. فآثر ما تلقاه غدا، على ما لا تراه أبدا» .
(1/284)

أبو الحسن، عن إبراهيم بن سعد قال: قال خالد بن صفوان: «ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة» .
[خطباء قريش]
أبو الحسن قال: كان أبو بكر خطيبا، وكان عمر خطيبا، وكان عثمان خطيبا وكان عليّ أخطبهم. وكان من الخطباء: معاوية، ويزيد، وعبد الملك، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وسليمان، ويزيد بن الوليد، والوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. ومن خطباء بني هاشم: زيد بن علي، وعبد الله بن الحسن، وعبد الله بن معاوية، خطباء لا يجارون. ومن خطباء النساك والعباد: الحسن بن أبي الحسن البصري، ومطرف بن عبد الله الحرشي، ومورّق العجلي وبكر بن عبد الله المزني، ومحمد بن واسع الأزديّ، ويزيد بن أبان الرّقاشي ومالك بن دينار السامي.
وليس الأمر كما قال، في هؤلاء القاص المجيد، والواعظ البليغ، وذو المنطق الوجيز. فأما الخطب فإنّا لا نعرف أحدا يتقدم الحسن البصري فيها.
وهؤلاء وإن لم يسموا خطباء فإن الخطيب لم يكن يشق غبارهم.
أبو الحسن قال: حدثني أبو سليمان الحميريّ قال: كان هشام بن عبد الملك يقول: إني لأستصفق العمامة الرقيقة تكون على أذني إذا كان عندي عبد الأعلى بن عبد الله، مخافة أن يسقط عني من حديثه شيء.
ومن الخطباء من بني عبد الله بن غطفان: أبو البلاد «1» ، كان راوية ناسبا. ومنهم هاشم بن عبد الأعلى الفزاريّ ومن الخطباء: حفص بن معاوية الغلابي وكان خطيبا، وهو الذي قال حين أشرك سليمان بن علي بينه وبين مولى له على دار القتب: أشركت بيني وبين غير الكفيّ، ووليتني غير السنيّ» .
(1/285)

[خطباء بني هلال بن عامر]
ومن بني هلال بن عامر: زرعة بن ضمرة، وهو الذي قيل فيه: «لولا غلو فيه ما كان كلامه إلا الذهب» . وقام عند معاوية بالشام خطيبا فقال معاوية:
يا أهل الشام هذا خالي فائتوني بخال مثله. وكان ابنه النعمان بن زرعة بن ضمرة، من أخطب الناس، وهو أحد من كان تخلص من الحجاج من فلّ بن الأشعث بالكلام اللطيف.
وقال سحيم بن حفص: ومن الخطباء عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي تكلم هو وعبد الله بن الأهتم، عند عمر بن هبيرة، ففضل عاصما عليه. قال سحيم: فقال قائل يومئذ: الخل حامض ما لم يكن ماء.
[خطباء تميم]
ومن خطباء بني تميم: عمرو بن الأهتم. كان يدعى «المكحّل» لجماله، وهو الذي قيل فيه: إنما شعره حلل منشرة بين أيدي الملوك، تأخذ منه ما شاءت. ولم يكن في بادية العرب في زمانه أخطب منه.
ومن بني منقر: عبد الله بن الأهتم، وكان خطيبا ذا مقامات ووفادات.
ومن الخطباء: صفوان بن عبد الله بن الأهتم، وكان خطيبا رئيسا، وابنه خالد ابن صفوان، وقد وفد إلى هشام، وكان من سمار أبي العباس.
ومنهم: عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، وقد ولي خراسان، ووفد على الخلفاء، وخطب عند الملوك. ومن ولده شبيب بن شيبة بن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، وعبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، وخاقان بن الأهتم هو عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم.
ومن خطبائهم: محمد الأحول بن خاقان، وكان خطيب بني تميم، وقد رأيته وسمعت كلامه.
ومن خطبائهم: معمر بن خاقان وقد وفد.
(1/286)

ومن خطبائهم: مؤمّل بن خاقان. وقال أبو الزبير الثقفي: ما رأيت خطيبا من خطباء الأمصار أشبه بخطباء البادية، من المؤمّل بن خاقان.
ومن خطبائهم: خاقان بن المؤمل بن خاقان، وكان صباح بن خاقان، ذا علم وبيان ومعرفة، وشدة عارضة، وكثرة رواية، مع سخاء واحتمال وصبر على الحق، ونصرة للصديق، وقيام بحق الجار.
ومن بني منقر: الحكم بن النضر، وهو أبو العلاء المنقري، وكان يصرّف لسانه حيث شاء، بجهارة واقتدار.
ومن خطباء بني صريم بن الحارث: الخزرج بن الصدي.
ومن خطباء بني تميم ثم من مقاعس: عمارة بن أبي سليمان. ومن ولد مالك بن سعد: عبد الله وجبر ابنا حبيب، كانا ناسبين عالمين أديبين دينين.
ومن ولد مالك بن سعد: عبد الله العباس ابنا رؤبة، وكان العباس علّامة عالما، ناسبا راوية، وكان عبد الله أرجز الناس وأفصحهم، وكان يكنى أبا الشعشاء، وهو العجّاج.
[أصحاب الأخبار]
ومن أصحاب الأخبار والنسب: أبو بكر الصديق، رحمة الله عليه، ثم جبير بن مطعم، ثم سعيد بن المسيب، ثم قتادة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة المسعودي الذي قال في كلمة له في عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان:
مسّا تراب الأرض منه خلقتما ... وفيه المعاد والمصير إلى الحشر
ولا تأنفا أن ترجعا فتسلّما ... فما حشي الإنسان شرا من الكبر
فلو شئت أدلي فيكما غير واحد ... علانية أو قال عندي في سرّ
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلجّ ويستشري
وهو الذي قيل له كيف تقول الشعر مع النّسك والفقه؟ قال: «إن المصدور لا يملك أن ينفث» .
(1/287)

وقد ذكر المصدور أبو زبيد الطائي في صفة الأسد فقال:
للصدر منه عويل فيه حشرجة ... كأنما هو من أحشاء مصدور
[خطباء هذيل]
ومن خطباء هذيل: أبو المليح الهذلي أسامة بن عمير، ومنهم أبو بكر الهذلي، كان خطيبا قاصا، وعالما بيّنا، وعالما بالأخبار والآثار. وهو الذي لما فخر أهل الكوفة قال: «لنا الساج والعاج، والديباج والخراج، والنهر العجّاج» .
[خطباء قحطان]
ذكر أسماء الكهان والحكام والخطباء والعلماء من قحطان.
قالوا: أكهن العرب وأسجعهم سلمة بن أبي حيّة، وهو الذي يقال له عزّى سلمة. ومنهم من خطباء عمان: مرّة بن فهم التليد، وهو الخطيب الذي أوفده المهلب إلى الحجاج.
ومن العتيك: بشر بن المغيرة بن أبي صفرة، وهو الذي قال لبني المهلّب «يا بني عمي، إني والله قد قصّرت عن شكاة العاتب، وجاوزت شكاة المستعتب، حتى كأني لست موصولا ولا محروما، فعدوني امرأ خفتم لسانه، أو رجوتم شكره. وإني وإن قلت هذا فلما أبلاني الله بكم أعظم مما أبلاكم بي» .
ومن خطباء اليمن ثم من حمير: الصباح بن شفي الحميريّ، كان أخطب العرب. ومنهم ثم من الأنصار: قيس بن شمّاس. ومنهم: ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي صلّى الله عليه وآله. ومنهم: روح بن زنباع، وهو الذي لما همّ به معاوية قال: «لا تشتمن بي عدوا أنت وقمته «1» ، ولا تسوءن فيّ صديقا أنت
(1/288)

سررته، ولا تهدمن مني ركنا أنت بنيته. هلا أتى حلمك وإحسانك على جهلي وإساءتي» .
ومن خطبائهم الأسود بن كعب، الكذّاب العنسيّ»
. وكان طليحة «2» خطيبا وشاعرا وسجّاعا كاهنا ناسبا. وكان مسيلمة الكذاب «3» بعيدا من ذلك كله.
وثابت بن قيس بن شماس هو الذي قال لعامر، حين قال: أما والله لئن تعرضت لعنّي وفنّي، وذكاء سنّي «4» لتولينّ عني» ، فقال له ثابت: «أما والله لئن تعرضت لسبابي، وشبا أنيابي «5» ، وسرعة جوابي، لتكرهن جنابي» قال:
فقال النبي صلّى الله عليه وآله: «يكفيك الله وابنا قيلة» .
لعني: أي لما يعن لي ويعرض. فني: مذهبي في الفن.
وأخذت هذا الحديث من رجل يضع الأخبار فأنا أتهمه.
ومن خطباء الأنصار: بشر بن عمرو بن محصنة، وهو أبو عمرة الخطيب.
ومن خطباء الأنصار: سعد بن الربيع، وهو الذي اعترضت ابنته النبي صلّى الله عليه وآله، فقال لها: من أنت؟ قالت: ابنة الخطيب النقيب الشهيد: سعد بن الربيع. ومنهم خال حسان بن ثابت، وفيه يقول حسان:
(1/289)

إن خالي خطيب جابية الجو ... لان عند النعمان حين يقوم
وإياه يعني حسان بقوله:
ربّ خال لي لو أبصرته ... سبط المشية في اليوم الخصر
ومنهم من الرواة والنسابين والعلماء: شرقي بن القطامي الكلبي، ومحمد ابن السائب الكلبي، وعبد الله عياش الهمداني، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي. والهيثم بن عدي الطائي، وأبو رق الهمداني واسمه عطية بن الحارث، وأبو مخنف لوط بن يحيى الأزدي، ومحمد بن عمر الأسلمي الواقدي، وعوانة الكلبي، وابن أبي عيينة المهلّبي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وخلف بن حيان الأحمر الأشعري.
قالوا: ومنا في الجاهلية عبيد بن شريّة، ومنا شقّ بن الصعب، ومنا ربيع ابن ربيعة السطيح الذئبي.
ومنا المأمور الحارثي، والديّان بن عبد المدان، الشريفان الكاهنان ومنهم عمرو بن حنظلة بن نهد الحكم، وله يقول القائل:
عمرو بن حنظلة بن نهد ... من خير ناس في معد
ومنهم أبو السطّاح اللخمي، وجمع معاوية بينه وبين دغفل بن حنظلة البكري. ومنهم أبو الكباس الكندي، ومنهم أظفر بن مخوس الكندي وكانا ناسبين عالمين.
ومن أصحاب الأخبار والآثار عبد الله بن عقبة بن لهيعة ويكنى أبا عبد الرحمن.
ومن القدماء في الحكمة والرياسة والخطابة عبيد بن شريّة الجرهمي، وأسقف نجران، وأكيدر صاحب دومة الجندل، وأفيعي نجران وذرب بن حوط، وعليم بن جناب وعمرو بن ربيعة- وهو لحي- بن حارثة بن عمرو مزيقياء.
وجذيمة بن مالك الأبرش، وهو أول من أسرج الشّمع ورمى بالمنجنيق.
(1/290)

ذكر النساك والزهاد من أهل البيان
عامر بن عبد قيس، وصلة بن أشيم «1» ، وعثمان بن أدهم، وصفوان بن محرز «2» والأسود بن كلثوم، والربيع بن خشيم «3» ، وعمرو بن عتبة بن فرقد «4» ، وهرم بن حيّان، ومؤرّق العجلي، وبكر بن عبد الله المزني، ومطرّف ابن عبد الله بن الشخّير الحرشيّ.
وبعد هؤلاء: مالك بن دينار، وحبيب أبو محمد «5» ، ويزيد الرقاشي، وصالح المريّ، وأبو حازم الأعرج «6» ، وزياد مولى عياش بن أبي ربيعة «7» ، وعبد الواحد بن زيد، وحيان أبو الأسود، ودهثم أبو العلاء.
ومن النساء: رابعة القيسية «8» ، ومعاذة العدوية امرأة صلة بن أشيم وأم الدرداء «9» .
ومن نساء الخوارج: البلجاء، وغزالة «10» ، وقطام، وحمّادة، وكحيلة، ومن نساء الغالية: ليلى الناعظية، والصّدوف، وهند.
(1/291)

وممن كان من النساك ممن أدركناه: أبو الوليد، وهو الحكم الكندي، ومحمد بن محمد الحمراوي.
ومن القدماء ممن يذكر بالقدر والرياسة، والبيان والخطابة والحكمة والدهاء والنكراء: لقمان بن عاد، ولقيم بن لقمان، ومجاشع بن دارم، وسليط بن كعب بن يربوع، سموه بذلك لسلاطة لسانه. وقال جرير:
إن سليطا كاسمه سليط
ولؤي بن غالب، وقس بن ساعدة، وقصي بن كلاب.
ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء: أكثم بن صيفي، وربيعة بن حذار، وهرم بن قطبة، وعامر بن الظّرب، ولبيد بن ربيعة، وكان من الشعراء.
أسماء الصوفية من النساك ممن كان يجيد الكلام
كلاب، وكليب، وهاشم الأوقص، وأبو هاشم الصوفيّ، وصالح بن عبد الجليل.
ومن القدماء العلماء بالنسب وبالعرب: الخطفي وهو جد جرير بن عطية ابن الخطفي، وهو حذيفة بن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع.
وإنما سمي الخطفي لأبيات قالها، وهي:
يرفعن بالليل إذا ما أسدفا ... أعناق جنّان وهاما رجّفا
وعنقا باقي الرسيم خيطفا
العنق: ضرب من السير، وهو المسبطر، فإذا ارتفع عن العنق قليلا فهو التزيّد، فإذا ارتفع عن ذاك فهو الذّميل. والرسيم فوق الذميل. والخيطف:
السريع، أي يخطف كما يخطف البرق. وخيطف من الخطف، والياء في خيطف زائدة، كما قالوا رجل صيرف من الصرف، ورجل جيدر من الجدر وهو القصر. وأصل الخطف الأخذ في سرعة ثم استعير لكل سريع.
(1/292)

ذكر القصاص [الأبيناء]
قصّ الأسود بن سريع، وهو الذي قال:
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أخالك ناجيا
وقص الحسن وسعيد ابنا أبي الحسن. وكان جعفر بن الحسن أول من اتخذ في مسجد البصرة حلقة وأقرأ القرآن في مسجد البصرة وقص إبراهيم التيمي. وقص عبيد بن عمر الليثيّ وجلس إليه عبد الله بن عمر. حدثني بذلك عمرو بن فائد بإسناد له.
ومن القصاص: أبو بكر الهذلي وهو عبد الله بن سلمى، وكان بيّنا خطيبا صاحب أخبار وآثار. وقص مطرّف بن عبد الله بن الشخير في مكان أبيه. ومن كبار القصاص ثم من هذيل: مسلم بن جندب وكان قاص مسجد النبي صلّى الله عليه وآله بالمدينة، وكان إمامهم وقارئهم، وفيه يقول عمر بن عبد العزيز: «من سره أن يسمع القرآن غضا فليسمع قراءة مسلم بن جندب» .
ومن القصاص: عبد الله بن عرادة بن عبد الله بن الوضين، وله مسجد في بني شيبان.
ومن القصاص: موسى بن سيّار الاسواري، وكان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فتقعد العرب عن يمينه، والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يدري بأي لسان هو أبين. واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منهما الضيم على صاحبتها إلا ما ذكرناه من لسان موسى بن سيار الأسواري.
ولم يكن في هذه الأمة بعد أبي موسى الأشعري أقرأ في محراب من موسى بن سيار ثم عثمان بن سعيد بن أسعد، ثم يونس النحوي، ثم
(1/293)

المعلى. ثم قص في مسجده أبو علي الاسواري، وهو عمرو بن فائد «1» ، ستا وثلاثين سنة، فابتدأ لهم في تفسير سورة البقرة، فما ختم القرآن حتى مات، لأنه كان حافظا للسير، ولوجوه التأويلات فكان ربما فسر آية واحدة في عدة أسابيع، كأن الآية ذكر فيها يوم بدر، وكان هو يحفظ مما يجوز أن يلحق في ذلك الأحاديث كثيرا. وكان يقص في فنون من القصص، ويجعل للقرآن نصيبا من ذلك. وكان يونس بن حبيب يسمع منه كلام العرب، ويحتجّ به. وخصاله المحمودة كثيرة.
ثم قص من بعده القاسم بن يحيى، وهو أبو العباس الضرير، لم يدرك في القصاص مثله. وكان يقص معهما. وبعدهما مالك بن عبد الحميد المكفوف، ويزعمون أن أبا عليّ لم تسمع منه كلمة غيبة قط، ولا عارض أحدا قط من المخالفين والحساد والبغاة بشيء من المكافأة.
فأما صالح المري، فكان يكنى أبا بشر، وكان صحيح الكلام رقيق المجلس. فذكر أصحابنا أن سفيان بن حبيب «2» ، لما دخل البصرة وتوارى عند مرحوم العطار قال له مرحوم: هل لك أن تأتي قاصّا عندنا ها هنا، فتتفرّج بالخروج والنظر إلى الناس، والاستماع منه؟ فأتاه على تكرّه، كأنه ظنه كبعض من يبلغه شأنه، فلما أتاه وسمع منطقه، وسمع تلاوته للقرآن، وسمعه يقول حدثنا شعبة «3» عن قتادة، وحدثنا قتادة عن الحسن، رأى بيانا لم يحتسبه، ومذهبا لم يكن يظنّه، فأقبل سفيان على مرحوم فقال: ليس هذا قاصّا، هذا نذير!
(1/294)

ما قيل في المخاصر والعصي وغيرهما
كانت العرب تخطب بالمخاصر «1» ، وتعتمد على الأرض بالقسيّ، وتشير بالعصي والقنا. نعم حتى كانت المخاصر لا تفارق أيدي الملوك في مجالسها، ولذلك قال الشاعر «2» :
في كفّه خيزران ريحه عبق ... بكف أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
إن قال قال بما يهوى جميعهم ... وإن تكلم يوما ساخت الكلم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وقال الشاعر قولا فسر فيه ما قلنا. قال:
مجالسهم خفض الحديث وقولهم ... إذا ما قضوا في الأمر وحي المخاصر
وقال الكميت بن زيد:
ونزور مسلمة المهذ ... ب بالمؤبّدة السّوائر
بالمذهبات المعجبا ... ت لمفحم منا وشاعر
وأهل التجاوب في المحا ... فل والمقاول بالمخاصر
فهم كذلك في المجا ... لس والمحافل والمشاعر
وكما قال الأنصاري في المجامع حيث يقول:
وسارت بنا سيّارة ذات سورة ... بكوم المطايا والخيول الجماهر
يؤمون ملك الشام حتى تمكنوا ... ملوكا بأرض الشام فوق المنابر
يصيبون فصل القول في كل خطبة ... إذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر
(1/295)

وفي المخاصر والعصي وفي خدّ وجه الأرض بالعصي، قال الحطيئة:
أم من لخصم مضجعين قسيّهم ... صعر خدودهم عظام المفخر
وقال لبيد بن ربيعة في الإشارة:
غلب تشذّر بالذّحول كأنها ... جنّ البديّ رواسيا أقدامها «1»
وقال في خد وجه الأرض بالعصي والقسي:
نشين صحاح البيد كلّ عشية ... بعوج السّراء عند باب محجب
عوج: جمع عوجاء، وهي ها هنا القوس. السراء: شجر تعمل منه القسي. وفي مثله يقول الشاعر:
إذا اقتسم الناس فضل الفخار ... أطلنا على الأرض ميل العصا
وقال الآخر:
كتبت لنا في الأرض يوم محرّق ... أيامنا في الأرض يوما فيصلا
وقال لبيد بن ربيعة في ذكر القسي:
ما إن أهاب إذا السرادق غمّه ... قرع القسيّ وأرعش الرّعديد
وقال معن بن أوس المزني «2» :
ألا من مبلغ عني رسولا ... عبيد الله إذ عجل الرّسالا
تعاقل دوننا أبناء ثور ... ونحن الأكثرون حصى ومالا
إذا اجتمع القبائل جئت ردفا ... وراء الماسحين لك السّبالا «3»
(1/296)

فلا تعطي عصا الخطباء فيهم ... وقد تكفي المقادة والمقالا
فإنكم وترك بني أبيكم ... وأسرتكم تجرون الحبالا
وودّكم العدي ممن سواكم ... لكالحيران يتبع الضلالا
ومما قالوا في حمل القناة قوله:
إلى امرىء لا تخطاه الرفاق، ولا ... جدب الخوان إذا ما استنشىء المرق
صلب الحيازيم لا هذر الكلام إذا ... هزّ القناة ولا مستعجل زهق
وكما قال جرير بن الخطفي:
من للقناة إذا ما عي قائلها ... أم للأعنة يا شبّ بن عمّار
وقال: ومثل هذا قول أبي المجيب الربعي: «ما تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة، فعند ذلك يفضحك أو يحمدك» . يقول: إذا قام يخطب.
وفي كتاب جبل بن يزيد: «احفظ أخاك إلا من نفسه» .
وقال عبد الله بن رؤبة: سأل رجل رؤبة عن أخطب بني تميم، فقال:
«خداش بن لبيد بن بينة» يعني البعيث. وإنما قيل له البعيث لقوله:
تبعّث مني ما تبعّث بعدما ... أمرّت حبالي كل مرّتها شذرا
وزعم سحيم بن حفص أنه كان يقال: أخطب بني تميم البعيث إذ أخذ القناة.
وقال يونس: لعمري لئن كان مغلبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب.
[سبب تسمية بعض الشعراء]
ومن الشعراء من يغلب شيء قاله في شعره، على اسمه وكنيته، فيسمى به بشر كثير. فمنهم البعيث هذا. ومنهم عوف بن حصن بن حذيفة بن بور، غلب عليه عويف القوافي لقوله:
(1/297)

سأكذب من قد كان يزعم أنني ... إذا قلت شعرا لا أجيد القوافيا
فسمي عويف القوافي لذلك.
ومنهم: يزيد بن ضرار التغلبي، غلب على اسمه المزرّد، لقوله:
فقلت تزرّدها عبيد فإنني ... لدرد الموالي في السّنين مزرّد «1»
فسمي المزرّد.
ومنهم: عمرو بن سعد بن مالك، غلب عليه مرقّش، وذلك لقوله:
الدار قفر والرسوم كما ... رقّش في ظهر الأديم قلم
فسمي مرقشا. ومنهم: شأس بن نهار العبدي، غلب عليه الممزّق لقوله:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزّق
فسمي الممزق. ومنهم: جرير بن عبد المسيح الضبعي، غلب عليه المتلمس لقوله:
فهذا أوان العرض حيّ ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمّس
ومنهم: عمرو بن رياح السّلمي، أبو خنساء ابنة عمرو، وغلب الشريد على اسمه لقوله:
تولّى إخوتي وبقيت فردا ... وحيدا في ديارهم شريدا
فسمي الشريد. وهذا كثير.
(1/298)

[اللفظ الغريب ليس فصيحا]
قال: ودخل رجل من قيس عيلان على عبد الملك بن مروان، فقال زبيريّ عميري! والله لا يحبك قلبي أبدا! فقال: «يا أمير المؤمنين، إنما بجزع من فقدان الحب المرأة، ولكن عدل وإنصاف» .
وقال عمر لأبي مريم الحنفي، قاتل زيد بن الخطاب: «لا يحبك قلبي أبدا حتى تحبّ الأرض الدم المسفوح» . وهذا مثل قول الحجاج: «والله لأقلعنك قلع الصّمغة» ، لأن الصمغة اليابسة إذا قرفت «1» عن الشجرة انقلعت انقلاع الجلبة «2» . والأرض لاتنشف الدم المسفوح ولا تمصه، فمتى جف الدم وتجلّب لم تره أخذ من الأرض شيئا.
ومن الخطباء: الغضبان بن القبعثريّ «3» ، وكان محبوسا في سجن الحجاج، فدعا به يوما، فلما رآه قال: إنك لسمين! قال: القيد والرتعه «4» ، ومن يكن ضيفا للأمير يسمن» .
وقال يزيد بن عياض «5» : لما نقم الناس على عثمان، خرج يتوكأ على مروان، وهو يقول: «لكل أمّة آفة، ولكل نعمة عاهة، وإن آفة هذه الأمة عيّابون طعّانون، يظهرون لكم ما تحبون، ويسرون ما تكرهون، طغام مثل النعام، يتبعون أول ناعق، لقد نقموا عليّ ما نقموه على عمر، ولكن قمعهم عمر ووقمهم. والله إني لأقرب ناصرا وأعز نفرا. فضل فضل من مالي، فما لي لا أفعل في الفضل ما أشاء» .
(1/299)

قال: ورأيت الناس يتداولون رسالة يحيى بن يعمر «1» ، على لسان يزيد ابن المهلب: «إنّا لقينا العدوّ فقتلنا طائفة وأسرنا طائفة، ولحقت طائفة بعراعر الأودية واهضام الغيطان، وبتنا بعرعرة الجبل، وبات العدو بحضيضة» . قال:
فقال الحجاج: ما يزيد بأبي عذر هذا الكلام. فقيل له: إن معه يحيى بن يعمر! فأمر بأن يحمل إليه فلما أتاه قال: أين ولدت؟ قال: بالأهواز. قال: فأنّى لك هذه الفصاحة؟ قال: أخذتها عن أبي.
عراعر الأودية: أسافلها. وعراعر الجبال: أعاليها. وأهضام الغيطان:
مداخلها. والغيطان: جمع غائط، وهو الحائط ذو الشجر.
ورأيتهم يديرون في كتبهم أن امرأة خاصمت زوجها إلى يحيى بن يعمر فانتهرها مرارا، فقال له يحيى بن يعمر: «أإن سألتك ثمن شكرها وشرك، أنشأت تطلّها وتضهلها» .
قالوا: الضهل: التقليل. والشكر: الفرج. والشبر: النكاح. وتطلها:
تذهب بحقها، يقال دم مطلول. ويقال بئر ضهول، أي قليلة الماء.
قال: فإن كانوا إنما رووا هذا الكلام لأنه يدل على فصاحة فقد باعده الله من صفة البلاغة والفصاحة. وإن كانوا إنما دوّنوه في الكتب، وتذاكروه في المجالس لأنه غريب، فأبيات من شعر العجاج وشعر الطّرمّاح وأشعار هذيل، تأتي لهم مع حسن الرصف على أكثر من ذلك. ولو خاطب بقوله: «أإن سألتك ثمن شكرها وشبرك أنشأت تطلها وتضهلها» الأصمعي، لظننت أنه سيجهل بعض ذلك. وهذا ليس من أخلاق الكتاب ولا من آدابهم.
قال أبو الحسن: كان غلام يقعّر في كلامه، فأتى أبا الأسود الدؤلي
(1/300)

يلتمس بعض ما عنده، فقال له أبو الأسود: ما فعل أبوك؟ قال: «أخذته الحمى فطبخته طبخا، وفنخته فنخا، وفضخته فضخا، فتركته فرخا» .
فنخته: أضعفته. والفنيخ: الرخو الضعيف. وفضخته: دقته.
فقال أبو الأسود: «فما فعلت امرأته التي كانت تهارّه وتشارّه، وتجارّه «1» وتزارّه» ؟ قال: «طلقها فتزوّجت غيره، فرضيت وحظيت وبظيت» . قال أبو الأسود: قد عرفنا رضيت وحظيت، فما بظيت؟ قال: حرف من الغريب لم يبلغك. قال أبو الأسود: يا بني كل كلمة لا يعرفها عمك فاسترها كما تستر السنور جعرها.
تزارّه: تعاضه. والزر: العض. وحظيت: من الحظوة. وبظيت: اتباع لحظيت.
قال أبو الحسن: مرّ أبو علقمة النحويّ ببعض طرق البصرة، وهاجت به مرة، فوثب عليه قوم منهم فأقبلوا يعضون إبهامه ويؤذّنون في أذنه، فأفلت منهم فقال: «ما لكم تتكأكئون عليّ كما تتكأكئون على ذي جنّة، إفرنقعوا عني» .
قال دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية.
قال أبو الحسن: وهاج بأبي علقمة الدم فأتوه بحجام، فقال للحجام:
«اشدد قصب الملازم، وأرهف ظبات المشارط، وأسرع الوضع وعجّل النزع، وليكن شرطك وخزا، ومصّك نهزا، ولا تكرهنّ أبيّا، ولا تردّنّ أتيّا» . فوضع الحجام محاجمه في جونته ثم مضى.
فحديث أبي علقمة فيه غريب، وفيه أنه لو كان حجاما مرة ما زاد على ما قال. وليس في كلام يحيى بن يعمر شيء من الدنيا إلا أنه غريب، وهو أيضا من الغريب بغيض.
وذكروا عن محمد بن إسحاق قال: لما جاء ابن الزبير وهو بمكة قتل
(1/301)

مروان الضحاك بمرج راهط، قام فينا خطيبا فقال: «إن ثعلب بن ثعلب، حفر بالصحصحة «1» ، فأخطأت استه الحفرة. والهف أم لم تلدني على رجل من محارب كان يرعى في جبال مكة، فيأتي بالصربة «2» من اللبن فيبيعها بالقبضة من الدقيق، فيرى ذلك سدادا من عيش، ثم أنشأ يطلب الخلافة ووراثة النبوة» .
وأول هذا الكلام مستكره، وهو موجود في كل كتاب. وجار على لسان كل صاحب خبر. وقد سمعت لابن الزبير كلاما كثيرا، ليس هذا في سبيله، ولا يتعلق به.
وقال أبو يعقوب الأعور:
وخلجة ظن يسبق الطرف حزمها ... تشيف على غنم وتمكن من ذحل
صدعت بها والقوم فوضى كأنهم ... بكارة مرباع تبصبص للفحل
خلجة ظن: أي جذبه ظن، كأنه يجذب صواب الرأي جذبا. والخلج:
الجذب. تشيف: أي تشرف، يقال أشاف وأشفى بمعنى واحد، أي أشرف.
بكارة مرباع: أي نوق فتايا قد أذلت للفحل. مرباع: أي نوق رئيس، والمرباع: ربع الغنيمة في الجاهلية لصاحب الجيش، وقال ابن عنمة:
لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول
وقال رجل من بني يربوع:
إلى الله أشكو ثم أشكو إليكما ... وهل تنفع الشكوى إلى من يزيدها
حزازات حب في الفؤاد وعبرة ... أظلّ بأطراف البنان أذودها
يحن فؤادي من مخافة بينكم ... حنين المزجّى وجهة لا يريدها
وقد أحسن الآخر حيث قال:
(1/302)

وأكرم نفسي عن مناكح جمة ... ويقصر مالي أن أنال الغواليا
وقال الآخر:
وإذا العبد أغلق الباب دوني ... لم يحرّم عليّ متن الطريق
وقال الخليع العطاردي: كنا بالبادية إذ نشأ عارض وما في السماء قزعة «1» معلّقة، وجاء السيل فاكتسح أبياتا من بني سعد، فقلت:
فرحنا بوسميّ تألق ودقه ... عشاء فأبكانا صباحا فأسرعا «2»
له طلّة كأن ريّق وبلها ... عجاجة صيف أو دخان ترفعا «3»
فكان على قوم سلاما ونعمة ... وألحق عادا آخرين وتبّعا
وقال أبو عطاء السندي، لعبيد الله بن العباس الكندي:
قل لعبيد الله لو كان جعفر ... هو الحي لم يبرح وأنت قتيل
إلى معشر أردوا أخاك واكفروا ... أباك فماذا بعد ذاك تقول
فقال عبيد الله: أقول عض أبو عطاء ببظر أمه! فغلب عليه.
قال أبو عبيدة: قال أبو البصير، في أبي رهم السدوسيّ، وكان يلي الأعمال لأبي جعفر:
رأيت أبا رهم يقرّب منجحا ... غلام أبي بشر ويقصي أبا بشر
فقلت ليحيى كيف قرب منجحا ... فقال: له أير يزيد على شبر
[بعض محتويات الجزء الثاني]
وقال أبو عثمان «4» : وقد طعنت الشعوبية على أخذ العرب في خطبها
(1/303)

المخصرة والقناة والقضيب، والاتكاء والاعتماد على القوس، والخدّ في الأرض، والإشارة بالقضيب، بكلام مستكره سنذكره في الجزء الثاني إن شاء الله. ولا بد من أن نذكر فيه بعض كلام معاوية، ويزيد، وعبد الملك، وابن الزبير، وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، والوليد بن يزيد بن الوليد، لأن الباقين من ملوكهم لم يذكر لهم من الكلام الذي يلحق بالخطب، وبصناعة المنطق، إلا اليسير. ولا بد من أن نذكر فيه أقسام تأليف جميع الكلام، وكيف خالف القرآن جميع الكلام الموزون والمنثور، وهو منثور غير مقفى على مخارج الأشعار والأسجاع وكيف صار نظمه من أعظم البرهان، وتأليفه من أكبر الحجج. ولا بد من أن نذكر فيه شأن إسماعيل صلّى الله عليه وآله وانقلاب لغته بعد أربع عشرة سنة، وكيف نسي لغته التي ربي فيها، وجرى على أعراقها وكيف لفظ بجميع حاجاته بالعربية على غير تلقين ولا ترتيب، وحتى لم تدخله عجمة ولا لكنة ولا حبسة، ولا تعلق بلسانه شيء من تلك العادة، إن شاء الله.
ولا بد من ذكر بعض كلام المأمون ومذاهبه، وبعض ما يحضرني من كلام آبائه وجلة رهطه. ولا بد أيضا من ذكر من صعد المنبر فحصر أو خلط، أو قال فأحسن، ليكون أتمّ للكتاب إن شاء الله.
ولا بد من ذكر المنابر ولم اتخذت، وكيف كانت الخطباء من العرب في الجاهلية وفي صدر الإسلام، وهل كانت المنابر في أمّة قط غير أمتنا، وكيف كانت الحال في ذلك. وقد ذكرنا أن الأمم التي فيها الأخلاق والآداب والحكم والعلم أربع، وهي: العرب، والهند، وفارس، والروم. وقال حكيم بن عياش الكلبيّ:
ألم يك ملك أرض الله طرّا ... لأربعة له متميزينا
لحمير والنجاشي وابن كسرى ... وقيصر غير قول الممترينا
فما أدري بي سبب وضع الحبشة بهذا المكان. وأما ذكره لحمير فإن كان إنما ذهب إلى تبّع نفسه في الملوك، فهذا له وجه. وأما النجاشي فليس هو عند الملوك في هذا المكان، ولو كان النجاشي في نفسه فوق تبّع وكسرى
(1/304)

وقيصر لما كان أهل مملكته من الحبش في هذا الموضع. وهو لم يفضّل النجاشي لمكان إسلامه، يدل على ذلك تفصيله لكسرى وقيصر. وكان وضع كلامه على ذكر الممالك، ثم ترك الممالك وأخذ في ذكر الملوك. والدليل على أن العرب أنطق، وإن لغتها أوسع، وإن لفظها أدلّ، وأن أقسام تأليف كلامها أكثر، والأمثال التي ضربت فيها أجود وأسير. والدليل على أن البديهة مقصور عليها، وأن الارتجال والاقتضاب خاصّ فيها، وما الفرق بين أشعارهم وبين الكلام الذي تسميه الروم والفرس شعرا. وكيف صار النسيب في أشعارهم وفي كلامهم الذي أدخلوه في غنائهم وفي ألحانهم إنما يقال على ألسنة نسائهم، وهذا لا يصاب في العرب إلا القليل اليسير. وكيف صارت العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، فتضع موزونا على موزون، والعجم تمطّط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزونا على غير موزون.
وسنذكر في الجزء الثاني من أبواب العيّ واللحن والغلط والغفلة، أبوابا طريفة، ونذكر فيه النوكى من الوجوه ومجانين العرب، ومن ضرب به المثل منهم، ونوادر من كلامهم، ومجانين الشعراء. ولست أعني مثل مجنون بني عامر، ومجنون بني جعدة، وإنما أعني مثل أبي حية في أهل البادية، ومثل جعيفران في أهل الأمصار، ومثل أريسيموس اليوناني.
وسنذكر أيضا بقية أسماء الخطباء والنساك وأسماء الظرفاء والملحاء، إن شاء الله. وسنذكر من كلام الحجاج وغيره، ما أمكننا في بقية هذا الجزء إن شاء الله.
[من كلام الحجاج وغيره]
وقال أبو الحسن المدائني: قال الحجاج لأنس بن مالك، حين دخل عليه في شأن ابنه عبد الله، وكان خرج مع ابن الأشعث: «لا مرحبا بك ولا أهلا. لعنة الله عليك من شيخ جوّال في الفتنة، مرة مع أبي تراب ومرة مع ابن الأشعث. والله لأقلعنك قلع الصّمغة، ولأعصبنّك عصب السلمة، ولأجرّدنّك
(1/305)

تجريد الضّب» . قال أنس: من يعني الأمير أعزّه الله؟ قال: إياك أعني، أصمّ الله صداك! فكتب أنس بذاك إلى عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك إلى الحجاج:
«بسم الله الرحمن الرحيم. يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، والله لقد هممت أن أركلك ركلة تهوي بها في نار جهنم. قاتلك الله، أخيفش العينين أصكّ الرجلين «1» ، أسود الجاعرتين. والسلام» .
وكان الحجاج أخيفش، منسلق الأجفان، ولذلك قام إمام بن أقرم النميري، وكان الحجاج جعله على بعض شرط أبان بن مروان ثم حبسه، فلما خرج قال:
طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كثير
ولا الحجاج عيني بنت ماء ... تقلب طرفها حذر الصقور
لأن طير الماء لا يكون أبدا إلا منسلق الأجفان.
قال: وخطب الحجاج يوما فقال في خطبته: «والله ما بقي من الدنيا إلا مثل ما مضى، ولهو أشبه به من الماء بالماء والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه» .
المفضل بن محمد الضبي قال: كتب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: أن أبعث إليّ بالآدم الجعد «2» ، الذي يفهمني ويفهم عني. فبعث إليه غذّام بن شتير فقال الحجاج: لله درّه! ما كتبت إليه في أمر قط إلا فهم عني وعرف ما أريد.
وقال أبو الحسن وغيره: أراد الحجاج الحج، فخطب الناس فقال:
«أيها الناس، إني أريد الحج، وقد استخلفت عليكم ابني محمدا هذا،
(1/306)

وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله صلّى الله عليه وآله في الأنصار. إن رسول الله صلّى الله عليه وآله أوصى أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، ألا وإني قد أوصيته ألا يقبل من محسنكم ولا يتجاوز عن مسيئكم. ألا وإنكم ستقولون بعدي مقالة ما يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي. ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة! ألا وإني معجل لكم الإجابة، لا أحسن الله عليكم الخلافة» . ثم نزل.
وكان يقول في خطبته: «أيها الناس، إن الكف عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله» .
وقال عمرو بن عبيد رحمه الله: كتب عبد الملك بن مروان وصية زياد بيده وأمر الناس بحفظها وتدبّر معانيها، وهي: «إن الله عزّ وجلّ جعل لعباده عقولا عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته، فالناس بين محسن بنعمة الله عليه، ومسيء بخذلان الله إياه. ولله النعمة على المحسن، والحجة على المسيء. فما أولى من تمت عليه النعمة في نفسه، ورأى العبرة في غيره، بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله فيعطي ما عليه منها، ولا يتكثر مما ليس له فيها، فإن الدنيا دار فناء، ولا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله عز وجل. فأحذركم الله الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرته العجزة، قبل أن تصيروا إلى الدار التي صاروا إليها، فلا تقدروا فيها على توبة، وليست لكم منها أوبة. وأنا أستخلف الله عليكم، وأستخلفه منكم» .
وقد روي هذا الكلام عن الحجاج، وزياد أحق به منه.
قال جرير:
تكلّفني ردّ الفوائت بعدما ... سبقن كسبق السيف ما قال عاذله
وقال الكميت بن معروف:
(1/307)

خذوا العقل إن أعطاكم القوم عقلكم ... وكونوا كمن سيم الهوان فأربعا «1»
ولا تكثروا فيه الضجاج فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا
والمثل السابق: «سبق السيف العذل» .
ومن أهل الأدب: زكريّاء بن درهم، مولى بني سليم بن منصور، صاحب سعيد بن عمرو الحرشي. وزكرياء هو الذي يقول:
لا تنكروا لسعيد فضل نعمته ... لا يشكر الله من لا يشكر الناسا
ومن أهل الأدب ممن وجهه هشام إلى الحرشي: السّرادق بن عبد الله السدوس الفارس. ولما ظفر سلم بن قتيبة بالأزد، كان من الجند في دور الأزد انتهاب وإحراق، وآثار قبيحة، فقام شبيب بن شيبة إلى سلم بن قتيبة فقال:
أيها الأمير، إن هريم بن عدي بن أبي طحمة- وكان غير منطيق- قال ليزيد بن عبد الملك في شأن المهالبة: يا أمير المؤمنين، إنّا والله ما رأينا أحدا ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك، ولا عفا عفوك. وإنّا نقول أيضا: أيها الأمير، إنّا والله ما رأينا أحدا ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك. فافعل الثالثة نقلها.
قال الهيثم بن عديّ: قام عبد الله بن الحجاج التغلبي إلى عبد الملك بن مروان، وقد كان أراد الاتصال به، وكان عبد الملك حنقا عليه، فأقام ببابه حولا لا يصل إليه، ثم ثار في وجهه في بعض ركباته فقال:
أدنو لترحمني وترتق خلّتي ... وأراك تدفعني فأين المدفع
فقال عبد الملك: إلى النار! فقال:
ولقد أذقت بني سعيد حرّها ... وابن الزبير فعرشه متضعضع
فقال عبد الملك: قد كان ذلك، وأنا أستغفر الله.
(1/308)

وقال أبو عبيدة: كان بين الحجاج وبين العذيل بن الفرخ العجليّ بعض الأمر، فتوعده الحجاج، فقال العذيل:
أخوّف بالحجاج حتى كأنما ... يحرّك عظم في الفؤاد مهيض
ودون يد الحجاج من أن تنالني ... بساط لأيدي اليعملات عريض «1»
مهامه أشباه كأن سرابها ... ملاء بأيدي الغاسلات رحيض «2»
المهيض: الذي قد كسر ثم جبر ثم كسر. اليعملات: العوامل، والياء زائدة لأنها من عملت.
ثم ظفر به الحجاج فقال: ايه يا عديل، هل نجاك بساطك العريض؟
فقال: أيها الأمير، أنا الذي أقول فيكم:
لو كنت بالعنقاء أو بيسومها ... لكان لحجاج عليّ دليل
خليل أمير المؤمنين وسيفه ... لكلّ إمام مصطفى وخليل
بنى قبة الإسلام حتى كأنما ... هدى الناس من بعد الضلال رسول
فقال له الحجاج: اربح نفسك، واحقن دمك، وإياك وأختها، فقد كان الذي بيني وبين قتلك أقصر من إبهام الحبارى.
قال: وقام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، خطيبا بالمدينة، وكان واليها، ينعي معاوية ويدعو إلى بيعة يزيد، فلما رأى روح بن زنباع إبطاءهم قال:
«أيها الناس، إنّا لا ندعوكم إلى لخم وجذام وكلب، ولكنا ندعوكم إلى قريش ومن جعل الله له هذا الأمر واختصه به، وهو يزيد بن معاوية، ونحن أبناء الطعن والطاعون، وفضالات الموت، وعندنا إن أجبتم وأطعتم من المعونة والعائدة ما شئتم» . فبايع الناس.
(1/309)

قال: وخطب إبراهيم بن إسماعيل، من ولد المغيرة المخزومي فقال:
«أنا ابن الوحيد، من شاء أجزر نفسه صقرا يلوذ حمامة بالعرفج» .
ثم قال:
استوسقي أحمرة الوجين ... سمعن حسّ أسد حرون
فهن يضرطن وينتزين
ثم قال: «والله إني لأبغض القرشي أن يكون فظا» . يا عجبا لقوم يقال لهم من أبوكم فيقولون: أمنا من قريش.
فتكلم رجل من عرض الناس وهو يخطب، فقال غيره: مه فإن الإمام يخطب. فقال: إنما أمرنا بالإنصات عند قراءة القرآن، لا عند ضراط أحمرة الوجين.
وقال آخر: سمعت عمر بن هبيرة وهو يقول على هذه الأعواد في دعائه:
اللهم إني أعوذ بك من عدو يسري، ومن جليس يغري، ومن صديق يطري.
قال أبو الحسن: كان نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرّث، خال مروان، واليا على مكة والمدينة، وكان شاهرا سيفه لا يغمده، وبلغه أن فتى من بني سهم يذكره بكل قبيح، فلما أتي به وأمر بضرب عنقه قال الفتى:
لا تعجل عليّ، ودعني أتكلم. قال: أوبك كلام؟ قال: نعم وأزيد، يا نافع وليت الحرمين تحكم في دمائنا وأموالنا، وعندك أربع عقائل من العرب، وبنيت ياقوته بين الصفا والمروة- يعني داره- وأنت نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرث، أحسن الناس وجها، وأكرمهم حسبا، وليس لنا من ذلك إلا التراب، لم نحسدك على شيء منه، ولم ننفسه عليك، فنفست علينا أن نتكلم. قال:
فتكلم حتى ينفك فكّاك.
عليّ بن مجاهد، عن الجعد بن أبي الجعد، قال: قال صعصعة بن صوحان: ما أعياني جواب أحد ما أعياني جواب عثمان، دخلت عليه فقلت:
(1/310)

أخرجنا من ديارنا وأموالنا أن قلنا ربنا الله! فقال: نحن الذين أخرجنا من ديارنا وأموالنا أن قلنا ربنا الله، فمنا من مات بأرض الحبشة ومنا من مات بالمدينة.
قال: وقال الحجاج على منبره: «والله لألحونّكم لحو العصا، ولأعصينّكم عصب السلمة، ولأضربنّكم ضرب غرائب الإبل. يا أهل العراق، ويا أهل الشقاق والنفاق، ومساوىء الأخلاق، إني سمعت تكبيرا ليس بالتكبير الذي يراد به الله في الترغيب ولكنه التكبير الذي يراد به الترهيب. وقد عرفت أنها عجاجة تحتها قصف فتنة. أي بني اللكيعة وعبيد العصا، وأبناء الإماء، والله لئن قرعت عصا عصا لأتركنكم كأمس الدابر» .
مالك بن دينار قال: ربما سمعت الحجاج يخطب، يذكر ما صنع به أهل العراق وما صنع بهم، فيقع في نفسي أنهم يظلمونه وأنه صادق، لبيانه وحسن تخلصه بالحجج.
قال: وقسم الحجاج مالا، فأعطى منه مالك بن دينار، وأراد أن يدفع منه إلى حبيب أبي محمد فأبي أن يقبل منه شيئا، ثم مر حبيب بمالك، فإذا هو يقسم ذلك المال، فقال له مالك: أبا محمد، لهذا قبلناه! قال له حبيب:
دعني مما هناك، أسألك بالله الحجاج اليوم أحب إليك أم قبل اليوم؟ قال: بل اليوم. فقال حبيب: فلا خير في شيء حبب إليك الحجاج.
ومرّ غيلان بن خرشة الضّبيّ، مع عبد الله بن عامر، على نهر أمّ عبد الله الذي يشق البصرة، فقال عبد الله: ما أصلح هذا النهر لأهل هذا المصر! فقال غيلان: أجل والله أيها الأمير، يعلّم القوم صبيانهم فيه السباحة، ويكون لسقياهم ومسيل مياههم، وتأتيهم فيه ميرتهم. قال: ثم مر غيلان يساير زيادا على ذلك النهر، وقد كان عادى ابن عامر، فقال زياد: ما أضر هذا النهر، بأهل هذا المصر! قال غيلان: أجل والله أيها الأمير، تنزّ منه دورهم، وتغرق فيه صبيانهم، ومن أجله يكثر بعوضهم.
فالذين كرهوا البيان إنما كرهوا مثل هذا المذهب، فأما نفس حسن البيان فليس يذمه إلا من عجز عنه. ومن ذم البيان مدح العيّ، وكفى بهذا خبالا.
(1/311)

ولخالد بن صفوان كلام في الجبن المأكول، ذهب فيه شبيها بهذا المذهب.
قال: ورجع طاوس عن مجلس محمد بن يوسف، وهو يومئذ والي اليمن، فقال: ما ظننت أن قول سبحان الله معصية لله حتى كان اليوم.
سمعت رجلا أبلغ ابن يوسف عن رجل كلاما فقال رجل من أهل المجلس:
سبحان الله! كالمستعظم لذلك الكلام. فغضب ابن يوسف.
قال أبو الحسن وغيره، قالوا: دخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان دميما، فلما رآه قال: على رجل أجرّك رسنك، وسلّطك على المسلمين، لعنة الله! قال: يا أمير المؤمنين، إنك رأيتني والأمر عني مدبر، ولو رأيتني والأمر عليّ مقبل لاستعظمت من أمري ما استصغرت! قال:
فقال سليمان: أفترى الحجاج بلغ قعر جهنّم بعد! قال: يا أمير المؤمنين، يجيء الحجاج يوم القيامة بين أبيك وأخيك، قابضا على يمين أبيك وشمال أخيك، فضعه من النار حيث شئت.
وذكر يزيد بن المهلب، يزيد بن أبي مسلم، بالعفة عن الدينار والدرهم وهمّ بأن يستكفيه مهما من أمره، قال: فقال عمر بن عبد العزيز: أفلا أدلك على من هو أزهد في الدرهم والدينار منه، وهو شرّ خلق الله؟ قال: من هو؟
قال: إبليس.
قال: وقال أسيلم بن الأحنف، للوليد بن عبد الملك قبل أن يستخلف:
أصلح الله الأمير، إذا ظننت ظنا فلا تحققه، وإذا سألت الرجال فسلهم عمّا تعلم، فإذا رأوا سرعة فهمك لما تعلم ظنوا ذلك بك فيما لا تعلم، ودس من يسألك لك عما تعلم، فإذا رأوا سرعة فهمك لما تعلم ظنوا ذلك بك فيما لا تعلم، ودس من يسأل لك عما لا تعلم.
وكان أسيلم بن الأحنف الأسدي، ذا بيان وأدب وعقل وجاه، وهو الذي يقول فيه الشاعر:
(1/312)

ألا أيها الركب المخبون هل لكم ... بسيّد أهل الشام تحبوا وترجعوا
أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه ... لعين ترجّي أو لأذن تسمّع
من النفر البيض الذين إذا انتموا ... وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
جلا الأزفر الأحوى من المسك فرقه ... وطيب الدّهان رأسه فهو أنزع
إذا النفر السود اليمانون حاولوا ... له حوك برديه أرقّوا وأوسعوا
وهذا الشعر من أشعار الحفظ والمذاكرة.
الهيثم بن عدي قال: قدمت وفود العراق على سليمان بن عبد الملك، بعد ما استخلف، فأمرهم بشتم الحجاج، فقاموا يشتمونه، فقال بعضهم إن عدو الله الحجاج، كان عبدا زبابا، قنّورا ابن قنّور «1» ، لا نسب له في العرب. فقال سليمان: أي شتم هذا؟ إن عدو الله الحجاج كتب إليّ:
«إنما أنت نقطة من مداد، فإن رأيت فيّ ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما، وإلا فأنا الحجاج وأنت النقطة، فإن شئت محوتك، وإن شئت أثبتك» .. فالعنوه لعنة الله! فأقبل الناس يلعنون، فقام ابن أبي بردة بن أبي موسى فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرك عن عدو الله بعلم. قال: هات.
قال: كان عدو الله يتزيّن تزيّن المومسة، ويصعد على المنبر فيتكلم بكلام الأخيار، وإذا نزل عمل الفراعنة وأكذب في حديثه من الدجال.
فقال سليمان لرجاء بن حيوة: هذا وأبيك الشتم لا ما تأتي به هذه السّفلة. وعن عوانة قال: قطع ناس من عمرو بن تميم وحنظلة، على الحجاج ابن يوسف، فكتب إليهم:
من الحجاج بن يوسف. أما بعد فإنكم قد استصحبتم الفتنة- وقال بعضهم قد استنجتم الفتنة- فلا عن حق تقاتلون، ولا عن منكر تنهون، وأيم الله إني لأهمّ أن يكون أول ما يرد عليكم من قبلي خيل تنسف الطارف والتالد، وتخلي النساء أيامى، والأبناء يتامى، والديار خرابا، والسواد بياضا، فأيّما
(1/313)

رفقة مرّت بأهل ماء فأهل ذلك الماء ضامنون لها حتى تصير إلى الماء الذي يليه. تقدمة مني إليكم، والسعيد من وعظ بغيره. والسلام.
مسلمة بن محارب قال: كان الحجاج يقول: «أخطب الناس صاحب العمامة السوداء بين أخصاص البصرة «1» ، إذا شاء خطب، وإذا شاء سكت» .
يعني الحسن. فيقول: لم ينصب نفسه للخطاب.
قال: ولما اجتمعت الخطباء عند معاوية في شأن يزيد، وفيهم الأحنف، قام رجل من حمير، فقال: إنّا لا نطيق أفواه الكمال- يزيد الجمال- عليهم المقال، وعلينا الفعال. وقول هذا الحميري: إنّا لا نطيق أفواه الكمال، يدل على تشادق خطباء نزار.
سفيان بن عيينة قال: قال ابن عباس: «إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله» .
وقال عمر بن عبد العزيز: «من قال لا أدري فقد أحرز نصف العلم» .
لأن الذي له على نفسه هذه القوة قد دلنا على جودة التثبت، وكثرة الطلب، وقوة المنّة.
قال: وقيل لعيسى بن مريم عليه السلام: من نجالس؟ قال: من يزيد في علمكم منطقه، ويذكركم الله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله.
قال: ومر المسيح ع بقوم يبكون، فقال: ما بال هؤلاء يبكون؟ قيل له: يخافون ذنوبهم. قال: أتركوها يغفر لكم.
الوصافي «2» قال: دخل الهيثم بن الأسود بن العريان، وكان خطيبا شاعرا، على عبد الملك بن مروان فقال له: كيف تجدك؟ فقال: أجدني قد
(1/314)

ابيضّ مني ما كنت أحب أن يسودّ، واسودّ مني ما كنت أحب أن يبيضّ، واشتدّ مني ما كنت أحب أن يلين، ولان مني ما كنت أحب أن يشتد. ثم أنشد:
اسمع أنبيك بآيات الكبر ... نوم العشاء وسعال بالسحر
وقلة النوم إذا الليل اعتكر ... وقلة الطعم إذا الزاد حضر
وسرعة الطرف وتحميج النظر ... وتركي الحسناء في قبل الطّهر «1»
وحذرا ازداده إلى حذر ... والناس يبلون كما يبلى الشجر
وقال الآخر: «مروا الأحداث بالمراء، والكهول بالفكر» . فقال عبد الله ابن الحسن: «المراء رائد الغضب، فأخزى الله عقلا يأتيك بالغضب» .
وقالوا: أربعة تشتدّ معاشرتهم: الرجل المتواني، والرجل العالم، والفرس المرح، والملك الشديد المملكة.
وقال غاز أبو مجاهد، يعارضه: أربعة تشتد مؤونتهم: النديم المعربد، والجليس الأحمق، والمغني التائه، والسفلة تقرّأ «2» .
وكان أبو شمر الغساني يقول: أقبل عليّ فلان باللحظ واللفظ، وما الكلام إلا زجر أو وعيد.
قال: وقال عمير بن الحباب «3» ، وروى ذلك عنه مسعر «4» : ما أغرت على حي في الجاهلية أحزم امرأة ولا أعجز رجلا من كلب، ولا أحزم رجلا ولا أعجز امرأة من تغلب.
قال: وقامت امرأة من تغلب إلى الجحّاف بن حكيم حين أوقع بالبشر، فقتل الرجال، وبقر بطون النساء، فقالت له: «فضّ الله فاك، وأصمّك
(1/315)

وأعماك، وأطال سهادك، وأقل رقادك، فو الله إن قتلت إلا نساء أسافلهن دميّ، وأعليهن ثديّ» . فقال الجحاف لمن حوله: «لولا أن تلد مثلها لخليت سبيلها» . فبلغ ذلك الحسن فقال: «إنما الجحاف جذوة من نار جهنم» .
وكان عامر بن الظّرب العدواني حكيما، وكان خطيبا رئيسا. وهو الذي قال: «يا معشر عدوان، إن الخير ألوف عزوف، ولن يفارق صاحبه حتى يفارقه، وإني لم أكن حليما حتى اتبعت الحكماء، ولم أكن سيدكم حتى تعبّدت لكم» .
وقال أعشى بني شيبان:
وما أنا في أمري ولا في خليقتي ... بمهتضم حقي ولا قارع سني
ولا مسلم مولاي من شر ما جنى ... ولا خائف مولاي من شر ما أجني
وإن فؤادا بين جنبي عالم ... بما أبصرت عيني وما سمعت أذني
وفضّلني في العقل والشعر أنني ... أقول بما أهوى وأعرف ما أعني
وقال رجل من ولد العباس: ليس ينبغي للقرشي أن يستغرق شيئا من العلم إلا علم الأخبار، فأما غير ذلك فالنتف والشدو «1» من القول.
وقال اخر:
وصافية تعشي العيون رقيقة ... رهينة عام في الدنان وعام
أدرنا بها الكأس الرؤية بيننا ... من الليل حتى انجاب كلّ ظلام
فما ذر قرن الشمس حتى كأننا ... من العيّ نحكي أحمد بن هشام
ومرّ رجل من قريش بفتى من ولد عتّاب بن أسيد «2» وهو يقرأ كتاب سيبويه، فقال: أف لكم، علم المؤدّبين وهمة المحتاجين!
(1/316)

وقال ابن عتّاب: يكون الرجل نحويا عروضيا، وقساما فرضيا، وحسن الكتاب جيد الحساب، حافظا للقرآن، راوية للشعر، وهو يرضى أن يعلم أولادنا بستين درهما. ولو أن رجلا كان حسن البيان حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك لم يرض بألف درهم، لأن النحوي الذي ليس عنده إمتاع، كالنجار الذي يدعى ليعلق بابا وهو أحذق الناس، ثم يفرغ من تعليقه ذلك الباب فيقال له انصرف. وصاحب الامتاع يراد في الحالات كلها.
خبّرنا عبيد الله بن زيد السفياني قال: عوّد نفسك الصبر على الجليس السوء، فإنه لا يكاد يخطئك.
وقال سهيل بن عبد العزيز: من ثقل عليك بنفسه، وغمّك في سؤاله، فأعره أذنا صمّاء، وعينا عمياء.
سهيل بن أبي صالح «1» عن أبيه قال: كان أبو هريرة إذا استثقل رجلا قال:
اللهم اغفر له وأرحنا منه! وقال ابن أبي أمية «2» :
شهدت الرقاشيّ في مجلس ... وكان إليّ بغيضا مقيتا
فقال اقترح يا أبا جعفر ... فقلت اقترحت عليك السكوتا
وقال ابن عباس: «العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء بأحسنه» .
المدائني عن العباس بن عامر، قال: خطب محمد بن الوليد بن عتبة إلى عمر بن عبد العزيز أخته فقال:
«الحمد لله رب العزة والكبرياء، وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء أما
(1/317)

بعد فقد أحسن بك ظنا من أودعك حرمته، واختارك ولم يختر عليك وقد زوجناك على ما في كتاب الله، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» .
قال: وخطب أعرابي وأعجله القول وكره أن تكون خطبته بلا تحميد ولا تمجيد، فقال: «الحمد لله، غير ملال لذكر الله، ولا إيثار غيره عليه» . ثم ابتدأ القول في حاجته.
وسأل أعرابي ناسا فقال: «سأجعل الله حظّكم في الخير، ولا جعل حظّ السائل منكم عذرة صادقة» .
وكتب إبراهيم بن سيّابه «1» إلى صديق له كثير المال، كثير الدخل، كثير الناضّ «2» يستسلف منه نفقة، فكتب إليه: «العيال كثير، والدخل قليل، والدّين ثقيل، والمال مكذوب عليه» . فكتب إليه إبراهيم: «إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت مليما فجعلك الله معذورا» .
وقال الشاعر:
لعل مفيدات الزمان يفدنني ... بني صامت في غير شيء يضيرها
قال: وقال أعرابي: «اللهم لا تنزلني بماء سوء فأكون امرأ سوء» . وقال أعرابي: «اللهم قني عثرات الكرام» .
قال: وسمع مجاشع الرّبعيّ رجلا يقول: الشحيح أعذر من الظالم. فقال: أخزى الله شيئين خيرهما الشح.
قال: وأنشدنا أبو فروة:
إني امتدحتك كاذبا فأثبتني ... لما امتدحتك، ما يثاب الكاذب
(1/318)

وأنشدني عليّ بن معاذ:
ثالبني عمرو وثالبته ... فأثم المثلوب والثالب
قلت له خيرا وقال الخنا ... كلّ على صاحبه كاذب
أبو معشر، قال: لما بلغ عبد الله بن الزبير قتل عبد الملك بن مروان عمرو بن سعيد قام خطيبا فقال: «إن أبا ذبّان قتل لطيم الشيطان. كذلك نولّي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون» .
ولما جلس عثمان بن عفان على المنبر قال: «يأيها الناس، إن الله قد فتح عليكم افريقية، وقد بعث إليكم ابن أبي سرح، عبد الله الزبير بالفتح، قم يا ابن الزبير» . قال: فقمت فخطبت، فلما نزلت قام فقال: «يأيها الناس، انكحوا النساء على آبائهن وإخوتهن، فإني لم أر لأبي بكر الصديق ولدا أشبه به من هذا» . وقال الخريمي:
وأعددته ذخرا لكلّ مصيبة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع
وذكر أبو العيزار جماعة من الخوارج بالأدب والخطب فقال:
ومسوّم للموت يركب ردعه ... بين القواضب والقنا الخطار «1»
يدنو وترفعه الرماح كأنه ... شلو تنشّب في مخالب ضاري
فثوى صريعا والرماح تنوشه ... إن الشراة قصيرة الاعمار «2»
أدباء أما جئتهم خطباء ... ضمناء كل كتيبة جرّار «3»
ولما خطب سفيان بن الأبرد الأصمّ الكلبي، فبلغ في الترهيب والترغيب المبالغ، ورأى عبيدة بن هلال اليشكري أن ذلك قد فتّ في أعضاد أصحابه:
أنشأ يقول:
(1/319)

لعمري لقد قام الأصمّ بخطبة ... لها في صدور المسلمين غليل
لعمري لئن أعطيت سفيان بيعتي ... وفارقت ديني إنني لجهول
ولما قام أحد الخطباء الذين تكلموا عند رأس الاسكندر قال أحدهم:
«الاسكندر كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس» . فأخذه أبو العتاهية فقال:
بكيتك يا عليّ بدرّ عيني ... فما أغنى البكاء عليك شيّا
طوتك خطوب دهرك بعد نشر ... كذاك خطوبه نشرا وطيا
كفى حزنا بدفنك ثم أني ... نفضت تراب قبرك عن يديّا
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا
ومن الأسجاع الحسنة قول الأعرابية حين خاصمت ابنها إلى عامل الماء فقالت: «أما كان بطني لك وعاء؟ أما كان حجري لك فناء؟ أما كان ثديي لك سقاء؟» . فقال ابنها: «لقد أصبحت خطيبة، رضي الله عنك» . لأنها قد أتت على حاجتها بالكلام المتخير كما يبلغ ذلك الخطيب بخطبته.
وقال النّمر بن تولب:
وقالت ألا فاسمع نعظك بخطبة ... فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي
فلن تنطقي حقا ولست بأهله ... فقبّحت مما قائل وخطيب
قال أبو عباد كاتب ابن أبي خالد: ما جلس أحد قط بين يدي إلا تمثل لي أني سأجلس بين يديه.
قال الله عز وجل: وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً
. ليس يريد بلاغة اللسان، وإن كان اللسان لا يبلغ من القلوب حيث يريد إلا بالبلاغة.
قال: وكانت خطبة قريش في الجاهلية- يعني خطبة النساء-: «باسمك اللهم، ذكرت فلانة وفلان بها مشغوف. باسمك اللهم، لك ما سألت ولنا ما أعطيت» .
(1/320)

ولما مات عبد الملك بن مروان صعد الوليد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «لم أر مثلها مصيبة، ولم أر مثلها ثوابا: موت أمير المؤمنين، والخلافة بعده. إنّا لله وإنّا إليه راجعون. والحمد لله رب العالمين على النعمة. انهضوا فبايعوا على بركة الله» . فقام إليه عبد الله بن همّام فقال:
الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها
عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها
فبايع الناس.
وقيل لعمرو بن العاص، في مرضه الذي مات فيه: كيف تجدك؟
قال: «أجدني أذوب ولا أثوب، وأجد نجوي أكثر من رزئي، فما بقاء الشيخ على ذلك» .
وقيل لأعرابي كانت به أمراض عدة، كيف تجدك؟ قال: «أما الذي يعمدني فحصر وأسر» «1» .
وعن مقاتل قال: سمعت يزيد بن المهلب، يخطب بواسط، فقال: «يا أهل العراق، يا أهل السبق والسباق، ومكارم الأخلاق، إن أهل الشام في أفواههم لقمة دسمة، زبّبت لها الأشداق «2» ، وقاموا لها على ساق، وهم غير تاركيها لكم بالمراء والجدال، فالبسوا لهم جلود النمور» «3» .
(1/321)