Advertisement

البيان والتبيين 003

الجزء الثالث
كتاب العصا
[مقدمة]
هذا أبقاك الله الجزء الثالث، من القول في البيان والتبيين، وما شابه ذلك من غرر الأحاديث، وشاكله من عيون الخطب، ومن الفقر المستحسنة، والنتف المستخرجة، والمقطّعات المتخيّرة، وبعض ما يجوز في ذلك من أشعار المذاكرة، والجوابات المنتخبة.
[سنن الخطابة العربية]
ونبدأ على اسم الله بذكر مذهب الشعوبية ومن يتحلى باسم التسوية وبمطاعنهم على خطباء العرب بأخذ المخصرة عند مناقلة الكلام «1» . ومساجلة الخصوم بالموزون والمقفى، والمنثور الذي لم يقف، وبالإرجاز عند المتح «2» ، وعند مجاثاة الخصم، وساعة المشاولة «3» ، وفي نفس المجادلة والمحاورة.
وكذلك الأسجاع عند المنافرة والمفاخرة، واستعمال المنثور في خطب الحمالة، وفي
(3/5)

مقامات الصّلح وسل السخيمة «1» ، والقول عند المعاقدة والمعاهدة، وترك اللفظ يجري على سجيته وعلى سلامته، حتى يخرج على غير صنعة ولا اجتلاب تأليف، ولا التماس قافية، ولا تكلف لوزن. مع الذي عابوا من الاشارة بالعصي، والإتكاء على أطراف القسيّ، وخدّ وجه الأرض بها، واعتمادها عليها إذا اسحنفرت «2» في كلامها، وافتنّت يوم الحفل في مذاهبها، ولزومهم العمائم في أيام الجموع، وأخذ المخاصر في كل حال، وجلوسها في خطب النّكاح، وقيامها في خطب الصلح وكل ما دخل في باب الحمالة، وأكدّ شأن المحالفة، وحقق حرمة المجاورة، وخطبهم على رواحلهم في المواسم العظام، والمجامع الكبار. والتماسح بالأكفّ، والتحالف على النار، والتعاقد على الملح، وأخذ العهد الموكد واليمين الغموس مثل قولهم: ما سرى نجم وهبّت ريح، وبلّ بحر صوفة «3» ، وخالفت جرّة درة «4» . ولذلك قال الحارث ابن حلزة اليشكري:
واذكروا حلف ذي المجاز وما ق ... دّم فيه: العهود والكفلاء
حذر الخون والتعدي وهل ... تنقض ما في المهارق الأهواء
الخون: الخيانة. ويروى: «الجور» .
وقال أوس بن حجر:
إذا استقبلته الشمس صدّ بوجهه ... كما صدّ عن نار المهول حالف
وقال الكميت:
كهولة ما أوقد المحلفون ... لدى الحالفين وما هوّلوا
(3/6)

وقال الأول:
حلفت بالملح والرماد وبالن ... نار وبالله نسلم الحلقه
حتى يظلّ الجواد منعفرا ... ويخضب النبل غرة الدرقه
وقال الأول:
حلفت لهم بالملح والجمع شهد ... وبالنار واللات التي أعظم
وقال الحطيئة في أضجاع القسيّ:
أم من لخصم مضجعين قسيّهم ... صعر خدودهم عظام المفخر
وقال لبيد في خدّوجه الأرض بالعصي والقسي:
نشين صحاح البيد كلّ عشية ... بعوج السراء عند باب محجب
ومثله:
إذا اقتسم الناس فضل الفخار ... أطلنا على الأرض ميل العصا
ومثله:
حكمت لنا في الأرض يوم محرق ... أيامنا في الناس حكما فيصلا
وقال لبيد بن ربيعة في ذكر القسي:
ما إن أهاب إذا السرادق غمه ... قرع القسي وأرعش الرّعديد
وقال كثّير في الإسلام:
إذا قرعوا المنابر ثم خطّوا ... بأطراف المخاصر كالغضاب
وقال أبو عبيدة: سأل معاوية شيخا من بقايا العرب: أيّ العرب رأيته أضخم شأنا؟ قال: حصن بن حذيفة، رأيته متوكئا على قوسه يقسم في الحليفين أسد وغطفان.
(3/7)

وقال لبيد بن ربيعة في الإشارة:
غلب تشذّر بالدخول كأنها ... جنّ البدي رواسيا أقدامها «1»
وقال معن بن أوس المزني:
ألا من مبلغ عني رسولا ... عبيد الله إذ عجل الرسالا
تعاقل دوننا أبناء ثور ... ونحن الأكثرون حصى ومالا
إذا اجتمع القبائل جئت ردفا ... وراء الماسحين لك السبالا
فلا تعطى عصا الخطباء يوما ... وقد تكفى المقادة والمقالا
فذكر عصا الخطباء كما ترى. وقال آخر في حمل القناة:
إلى امريء لا تخطاه الرفاق، ولا ... جدب الخوان إذا ما استنشىء المرق
صلب الحيازيم لا هذر الكلام إذا ... هزّ القناة ولا مستعجل زعق
وقال جرير بن الخطفي في حمل القناة:
من للقناة إذا ما عيّ قائلها ... أو للأعنة يا عمرو بن عمّار
قالوا: وهذا مثل قول أبي المجيب الربعي، حيث يقول: «لا تزال تحفظ أخاك حتى يأخذ القناة، فعند ذلك يفضحك أو يمدحك» . يقول: إذا قام يخطب فقد قام المقام الذي لا بدّ من أن يخرج منه مذموما أو محمودا.
وقال عبد الله بن رؤبة: سأل رجل رؤبة عن أخطب بني تميم، فقال:
خداش بن لبيد بن بيبة بن خالد، يعني البعيث الشاعر. وإنما قيل له البعيث لقوله:
تبعّث مني ما تبعث بعد ما ... أمرت حبالي كل مرتها شزرا
(3/8)

قال أبو اليقظان: كانوا يقولون: أخطب بني تميم البعيث إذا أخذ القناة فهزها ثم اعتمد بها على الارض، ثم رفعها.
وقال يونس: لعمري لئن كان مغلّبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب. وإذا قالوا غلب فهو الغالب. وإذا قالوا مغلّب فهو المغلوب.
وفي حديث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه جاء إلى البقيع، ومعه مخصرة، فجلس ونكت بها الأرض، ثم رفع رأسه فقال: «ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار» . وهو من حديث أبي عبد الرحمن السّلمي.
ومما يدلك على استحسانهم شأن المخصرة حديث عبد الله بن أنيس ذي المخصرة، وهو صاحب ليلة الجهنيّ، وكان النبي عليه السلام أعطاه مخصرة وقال: «تلقاني بها في الجنة» . وهو مهاجريّ عقبيّ أنصاري، وهو ذو المخصرة في الجنة.
[مطاعن الشعوبية على العرب في الخطابة والعلوم والحرب]
قالت الشعوبية ومن يتعصب للعجمية: القضيب للإيقاع، والقناة للبقّار، والعصا للقتال، والقوس للرمي. وليس بين الكلام وبين العصا سبب، ولا بينه وبين القوس نسب، وهما إلى أن يشغلا العقل ويصرفا الخواطر، ويعترضا على الذهن أشبه، وليس في حملهما ما يشحذ الذهن، ولا في الإشارة بهما ما يجلب اللفظ. وقد زعم أصحاب الغناء أن المغني إذا ضرب على غنائه، قصّر عن المغني الذي لا يضرب على غنائه. وحمل العصا بأخلاق الفدادين «1» أشبه، وهو بجفاء العرب وعنجهية أهل البدو، ومزاولة إقامة الإبل على الطرق «2» أشكل، وبه أشبه.
(3/9)

قالوا: والخطابة شيء في جميع الأمم، وبكلّ الأجيال «1» إليه أعظم الحاجة، حتى أن الزّنج مع الغثارة «2» ، ومع فرط الغباوة، ومع كلال الحد وغلظ الحس وفساد المزاج، لتطيل الخطب، وتفوق في ذلك جميع العجم، وإن كانت معانيها أجفى وأغلظ، وألفاظها أخطل وأجهل «3» . وقد علمنا أن أخطب الناس الفرس وأخطب الفرس أهل فارس، وأعذبهم كلاما وأسهلهم مخرجا وأحسنهم دلّا «4» وأشدهم فيه تحكما، أهل مرو، وأفصحهم بالفارسية الدريّة، وباللغة الفهلوية، أهل قصبة الأهواز، فأما نغمة الهرابذة «5» ، ولغة الموابدة «6» ، فلصاحب تفسير الزمزمة «7» .
قالوا: ومن أحبّ أن يبلغ في صناعة البلاغة، ويعرف الغريب، ويتبحر في اللغة، فليقرأ كتاب كاروند. ومن احتاج إلى العقل والأدب، والعلم بالمراتب والعبر والمثلات «8» ، والألفاظ الكريمة، والمعاني الشريفة، فلينظر في سير الملوك. فهذه الفرس ورسائلها وخطبها والفاظها، ومعانيها. وهذه يونان ورسائلها وخطبها، وعللها وحكمها، وهذه كتبها في المنطق التي قد جعلتها الحكماء بها تعرف السقم من الصحة، والخطأ من الصواب، وهذه كتب الهند في حكمها وأسرارها، وسيرها وعللها، فمن قرأ هذه الكتب، وعرف نور تلك العقول، وغرائب تلك الحكم، عرف أين البيان والبلاغة، وأين تكاملت تلك الصناعة. فكيف سقط على جميع الأمم من المعروفين بتدقيق المعاني، وتخيّر الألفاظ، وتمييز الأمور، أن يشيروا بالقنا والعصي، والقضبان والقسي.
(3/10)

كلا، ولكنكم كنتم رعاة بين الإبل والغنم، فحملتم القنا في الحضر بفضل عادتكم لحملها في السفر، وحملتموها في المدر بفضل عادتكم لحملها في الوبر، وحملتموها في السلم بفضل عادتكم لحملها في الحرب. ولطول إعتيادكم لمخاطبة الإبل، جفا كلامكم، وغلظت مخارج أصواتكم، حتى كأنكم إذا كلمتم الجلساء إنما تخاطبون الصمّان. وإنما كان جل قتالكم بالعصي. ولذلك فخر الأعشى على سائر العرب فقال:
ولسنا نقاتل بالعصي ولا نرامي بالحجارة
إلا علالة أو بدا ... هة قارح نهد الجزاره»
وقال آخر:
فإن تمنعوا منا السلاح فعندما ... سلاح لنا لا يشترى بالدراهم
جنادل أملاء الأكفّ كأنها ... رؤوس رجال حلّقت بالمواسم «2»
وقال جندل الطهوي:
حتى إذا دارت رحى لا تجري ... صاحت عصي من قنا وسدر
وقال آخر:
دعا ابن مطيع للبياع فجئته ... إلى بيعة قلبي لها غير آلف
فناولني خشناء لما لمستها ... بكفي ليست من أكفّ الخلائف
من الششنات الكزم «3» أنكرت مسها ... وليست من البيض الرفاق اللطائف
معاودة حمل الهراوي لقومها ... فرورا إذا ما كان يوم التسايف «4»
(3/11)

وقال آخر:
ما للفرزدق من عز يلوذ به ... إلا بني العمّ في أيديهم الخشب
قالوا: وإنما كانت رماحكم من مرّان، واسنتكم من قرون البقر، وكنتم تركبون الخيل في الحرب اعراء. فإن كان الفرس ذا سرج فسرجه رحالة من أدم، ولم يكن ذا ركاب، والرّكاب من أجود آلات الطاعن برمحه، والضارب بسيفه. وربما قام فيهما أو اعتمد عليهما. وكان فارسهم يطعن بالقناة الصماء، وقد علمنا أن الجوفاء أخف محملا، وأشد طعنة. ويفخرون بطول القناة ولا يعرفون الطعن بالمطاردة «1» ، وإنما القنا الطوال للرّجالة، والقصار للفرسان، والمطارد لصيد الوحش. ويفخرون بطول الرمح وقصر السيف، فلو كان المفتخر بقصر السيف الراجل دون الفارس، لكان الفارس يفخر بطول السيف، وإن كان الطول في الرمح إنما صار صوابا لأنه ينال به البعيد، ولا يفوته العدو، ولأن ذلك يدل على شدة أسر الفارس وقوة أيده. فكذلك السيف الطويل العريض.
وكنتم تتخذون للقناة زجّا وسنانا حين لم يقبض الفارس منكم على أصل قناته، ويعتمد عند طعنته بفخذه، ويستعن بحمية فرسه.
وكان أحدكم يقبض على وسط القناة ويخلف منها مثل ما قدم، فإنما طعنكم الرزة «2» والنهزة «3» ، والخلس والزج «4» .
وكنتم تتساندون في الحرب، وقد أجمعوا على أن الشركة ردية في ثلاثة أشياء: في الملك، والحرب، والزوجة.
وكنتم لا تقاتلون بالليل، ولا تعرفون البيات «5» ولا الكمين، ولا الميمنة ولا
(3/12)

الميسرة، ولا القلب ولا الجناح، ولا الساقة ولا الطليعة «1» ولا النفّاضة ولا الدّراجة «2» ، ولا تعرفون من آلة الحرب الرتيلة ولا العرادة «3» ، ولا المجانيق، ولا الدّبابات «4» ولا الخنادق، ولا الحسك، ولا تعرفون الأقبية ولا السراويلات، ولا تعليق السيوف، ولا الطبول ولا البنود ولا التجافيف «5» ، ولا الجواشن «6» ولا الخوذ، ولا السواعد ولا الأجرس، ولا الوهق «7» ولا الرمي بالبنجكان، والزرق بالنفط والنيران.
وليس لكم في الحرب صاحب علم يرجع إليه المنحاز، ويتذكره المنهزم. وقتالكم أما سلّة وأما مزاحفة. والمزاحفة على مواعد متقدمة، والسّلة مسارقة وفي طريق الإستلاب والخلسة.
قالوا: والدليل على أنكم لم تكونوا تقاتلون قول العامري:
يا شدّة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم
ويدلك على ذلك ايضا قول عبد الحارث بن ضرار:
وعمرو إذ أتانا مستميتا ... كسونا رأسه عضبا صقيلا «8»
فلولا الليل ما آبوا بشخص ... يخبّر أهلهم عنهم قليلا
(3/13)

وقال أمية بن الأسكر:
ألم تر أن ثعلبة بن سعد ... غضاب، حبذا غضب الموالي
تركت مصرفا لما التقينا ... صريعا تحت أطراف العوالي
ولولا الليل لم يفلت ضرار ... ولا رأس الحمار أبو جفال
الرد على الشعوبية
قلنا: ليس فيما ذكرتم من هذه الأشعار دليل على أن العرب لا تقاتل بالليل. وقد يقاتل بالليل والنهار من تحول دون ماله المدن وهول الليل. وربما تحاجز الفريقان وإن كل واحد منهم يرى البيات «1» ، ويرى أن يقاتل إذا بيتوه.
وهذا كثير. والدليل على أنهم كانوا يقاتلون بالليل قول سعد بن مالك في قتل كعب بن مزيقيا الملك الغساني:
وليلة تبّع وخميس كعب ... أتونا، بعد ما نمنا، دبيبا
فلم نهدد لبأسهم ولكن ... ركبنا حدّ كوكبهم ركوبا «2»
بضرب يفلق الهامات منه ... وطعن يفصل الحلق الصليبا
وقال بشر بن أبي خازم:
فأما تميم تميم بن مر ... فألفاهم القوم روبى نياما
يقول: شربوا الرائب من اللبن فسكروا منه، وهو اللبن الذي قد أدرك ليمخض. يقال منه راب يروب روبا ورؤوبا. ورؤبة اللبن: خميرة تلقى فيه من الحامض. ورؤبة الليل: ساعة منه. يقال أهرق عنا من رؤبة الليل. وقال بعضهم: منه قول الشاعر:
فألفاهم القوم روبى نياما
(3/14)

ويقال: روبى: خثراء الأنفس مختلطون. ويقال شربوا من الرائب فسكروا.
وقال عياض السيديّ:
ونحن نجلنا لابن ميلاء نحره ... بنجلاء من بين الجوانح تشهق «1»
ويوم بني الديان نال أخاهم ... بأرماحنا بالسيّ موت محدّق «2»
ومنا حماة الجيش ليلة أقبلت ... أياد يزجّيها الهمام محرّق «3»
وقال آخر:
وعلى شتير راح منا رائح ... بأبي قبيصة كالفنيق المقرّم «4»
يردي بشرحاف المغاور بعد ما ... نشر النهار سواد ليل مظلم «5»
وقال عياض السيدي:
لحمام بسطام بن قيس بعدما ... جنح الظلام بمثل لون العظلم
وقال أوس بن حجر:
باتوا يصيب القوم ضيفا لهم ... حتى إذا ما ليلهم أظلما
قروهم شهباء ملمومة ... مثل حريق النار أو أضرما
والله لولا قرزل ما نجا ... وكان مثوى خدك الأخرما
نجاك جياش هزيم كما ... أحميت وسط الوبر الميسما «6»
(3/15)

وبعد فهل قتل ذواب الأسدي عتيبة بن الحارث بن شهاب إلا في وسط الليل الأعظم، حين تبعوهم فلحقوهم.
وكانوا إذا أجمعوا للحرب دخّنوا بالنهار، وأوقدوا بالليل. قال عمرو بن كلثوم وذكر وقعة لهم:
ونحن غداة أوقد في خزاز ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
وقال خمخام السدوسي:
وأنا بالصّليب ببطن فج ... جميعا واضعين به لظانا
ندخّن بالنهار ليبصرونا ... ولا نخفي على أحد أتانا
وأما قولهم: «ولا يعرفون الكمين» فقد قال أبو قيس بن الأسلت:
وأحرزنا المغانم واستبحنا ... حمى الأعداء والله المعين
بغير خلابة مكر ... مجاهرة ولم يخبأ كمين
وأما ذكرهم للركب «1» ، فقد أجمعوا على أن الرّكب كانت قديمة، إلا أن ركب الحديد لم تكن في العرب إلا في أيام الأزارقة. وكانت العرب لا تعود نفسها إذا أرادت الركوب أن تضع أرجلها في الركب. وإنما كانت تنزو نزوا.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا تخور قوة ما كان صاحبها ينزو وينزع» ، يقول: لا تنتكث قوته ما دام ينزع في القوس، وينزو في السرج من غير أن يستعين بركاب.
قال عمر: «الراحة عقلة، وإياكم والسمنة فإنها عقلة «2» » .
(3/16)

ولهذه العلة قتل خالد بن سعيد بن العاصي، حين غشيه العدو وأراد الركوب ولم يجد من يحمله. ولذلك قال عمر حين رأى المهاجرين والأنصار قد أخصبوا، وهمّ كثير منهم بمقاربة عيش العجم: «تمعددوا وآخشوشنوا «1» ، واقطعوا الركب، وانزوا على الخيل نزوا» . وقال: «احفوا وانتعلوا، إنكم لا تدرون متى تكون الجفلة «2» » .
وكانت العرب لا تدع اتخاذ الركاب للرحل فكيف تدع الركاب للسرج؟! ولكنهم كانوا وإن اتخذوا الركب فإنهم كانوا لا يستعملونها إلا عندما لا بد منه، كراهة أن يتّكلوا على بعض ما يورثهم الاسترخاء والتفنخ «3» ويضاهوا أصحاب الترفة والنعمة «4» . قال الأصمعي: قال العمري: كان عمر بن الخطاب يأخذ بيده اليمنى أذن فرسه اليسرى. ثم يجمع جراميزه ويثب، فكأنما خلق على ظهر فرسه. وفعل مثل ذلك الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو يومئذ وليّ عهد هشام، ثم أقبل على مسلمة بن هشام فقال له: أبوك يحسن مثل هذا؟ فقال مسلمة: لأبي مائة عبد يحسنون مثل هذا. فقال الناس: لم ينصفه في الجواب.
وزعم رجال من مشيختنا أنه لم يقم أحد من ولد العباس بالملك إلا وهو جامع لأسباب الفروسية.
وأما ما ذكروا من شأن رماح العرب فليس الأمر في ذلك على ما يتوهمون.
للرماح طبقات: فمنها النيزك «5» ، ومنها المربوع، ومنها المخموس «6» ، ومنها التام، ومنها الخطل وهو الذي يضطرب في يد صاحبه لأفراط طوله. فإذا أراد الرجل أن يخبر عن شدة أمر صاحبه ذكره، كما ذكر متمّم بن نويرة أخاه
(3/17)

مالكا، فقال: «كان يخرج في الليلة الصنبر عليه الشملة الفلوت «1» ، بين المزادتين النضوحين، على الجمل الثفال، معتقل الرمح الخطل» . قالوا له:
وابيك إن هذا لهو الجلد. ولا يحمل الرمح الخطل منهم إلا الشديد الأيّد «2» ، والمدلّ بفضل قوته عليه، الذي إذا رآه الفارس في تلك الهيئة هابه وحاد عنه، فإن شد عليه كان أشدّ لاستخذائه له «3» .
والحال الأخرى أن يخرجوا في الطلب بعقب الغارة، فربما شدّ على الفارس المولّي فيفوته بأن يكون رمحه مربوعا أو مخموسا، وعند ذلك يستعملون النيازك.، والنيزك أقصر الرماح. وإذا كان الفارس الهارب يفوت الفارس الطالب زجه بالنيزك، وربما هاب مخالطته فيستعمل الزج دون الطعن، صنيع ذؤاب الأسدي بعتيبة بن الحارث بن شهاب.
وقال الشاعر:
واسمر خطّيا كأنّ كعوبه ... نوى القصب قد أربى ذراعا على العشر
وقال آخر:
هاتيك تحملني وأبيض صارما ... ومحرّبا في مارن مخموس «4»
وقال آخر:
فولوا وأطراف الرماح عليهم ... قوادر، مربوعاتها وطوالها
وهم قوم الغارات فيهم كثيرة، وبقدر كثرة الغارات كثر فيهم الطلب، والفارس ربما زاد في طول رمحه ليخبر عن فضل قوته، ويخبر عن قصر سيفه ليخبر عن فضل نجدته. قال كعب بن مالك:
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق
(3/18)

وقال آخر:
إذا الكماة تنحوا أن يصيبهم ... حدّ الظبات وصلناها بأيدينا
وقال رجل من بني نمير:
وصلنا الرفاق المرهفات بخطونا ... على الهول حتى أمكنتنا المضارب
وقال حميد بن ثور الهلالي:
ووصل الخطا بالسيف والسيف بالخطا ... إذا ظن أن السيف ذو السيف قاصر
وقال آخر:
الطاعنون في النحور والكلى ... شزرا ووصالو السيوف بالخطى «1»
وأما ما ذكروا «من اتخاذ الزّج لسافلة الرمح، والسنان لعاليته» فقد ذكروا أن رجلا قتل أخوين في نقاب «2» ، أحدهما بعالية الرمح، والآخر بسافلته.
وقدم في ذلك راكب من قبل بني مروان على قتادة يستثبت الخبر من قبله، فأثبته له.
وقال الآخر:
إن لقيس عادة تعتادها ... سلّ السيوف وخطى تزدادها
وقد وصفوا أيضا السيوف بالطول. وقال عمارة بن عقيل:
بكل طويل السيف ذي خيزرانة ... جريء على الأعداء معتمد الشطب «3»
(3/19)

وجملة القول أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب والفرس. فأما الهند فإنما لهم معان مدونة، وكتب مخلدة، لا تضاف إلى رجل معروف، ولا إلى عالم موصوف، وإنما هي كتب متوارثة، وآداب على وجه الدهر سائرة مذكورة.
ولليونانيين فلسفة وصناعة منطق، وكان صاحب المنطق نفسه بكيّ اللسان، غير موصوف بالبيان، مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه، وبخصائصه. وهم يزعمون أن جالينوس كان أنطق الناس، ولم يذكروه بالخطابة، ولا بهذا الجنس من البلاغة، وفي الفرس خطباء، إلا أن كل كلام للفرس، وكل معنى للعجم، فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد رأي، وطول خلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طول التفكر ودراسة الكتب، وحكاية الثاني علم الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم. وكلّ شيء للعرب فإنما هو بديهة وإرتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام، وإلى رجز بوم الخصام، أو حين يمتح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة أو المناقلة، أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب، وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني إرسالا «1» ، وتنثال الألفاظ انثيالا، ثم لا يقيّده على نفسه، ولا يدرسه أحدا من ولده. وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر، وله أقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم للكلام أوجد، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، ويحتاجوا إلى تدارس، وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم، والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم، من غير تكلّف ولا قصد، ولا تحفظ ولا طلب. وإن شيئا هذا الذي في أيدينا جزء منه لبالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب وعدد التراب، وهو الله الذي يحيط بما كان، والعالم بما سيكون.
(3/20)

ونحن- أبقاك الله- إذا دعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والإرجاز، ومن المنثور والإسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنا العلم أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنحت، الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم، ولا أرفعهم في البيان أن يقول مثل ذلك إلا في اليسير، والنبذ القليل.
ونحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي بأيدي الناس للفرس، أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير مولّدة، إذ كان مثل ابن المقفع وسهل بن هارون، وابي عبيد الله، وعبد الحميد وغيلان، يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل، ويصنعوا مثل تلك السير.
وأخرى: أنك متى أخذت بيد الشعوبي فأدخلته بلاد الأعراب الخلّص، ومعدن الفصاحة التامة، ووقفته على شعر مفلق، أو خطيب مصقع، علم أن الذي قلت هو الحق، وأبصر الشاهد عيانا. فهذا فرق ما بيننا وبينهم.
فتفهّم عني، فهمك الله، ما أنا قائل في هذا، ثم اعلم أنك لم ترقوما قط أشقى من هؤلاء الشعوبية ولا أعدى على دينه، ولا أشد استهلاكا لعرضه، ولا أطول نصبا، ولا أقل غنما من أهل هذه النحلة. وقد شفى الصدور منهم طول جثوم الحسد على أكبادهم، وتوقد نار الشنآن في قلوبهم، وغليان تلك المراجل الفائرة، وتسعّر تلك النيران المضطرمة. ولو عرفوا أخلاق أهل كل ملة، وزيّ اهل كل لغة وعللهم، على اختلاف شاراتهم «1» وآلاتهم، وشمائلهم وهيئاتهم، وما علة كل شيء من ذلك، ولم اجتلبوه ولم تكلفوه، لأراحوا أنفسهم، ولخفت مؤونتهم على من خالطهم.
[عصا سليمان وعصا موسى]
والدليل على أن أخذ العصا مأخوذ من أصل كريم، ومعدن شريف، ومن المواضع التي لا يعيبها إلا جاهل، ولا يعترض عليها إلا معاند، اتخاذ
(3/21)

سليمان بن داود صلّى الله عليه وسلّم العصا لخطبته وموعظته، ولمقاماته، وطول صلاته، ولطول التلاوة والانتصاب، فجعلها لتلك الخصال جامعة. قال الله عز وجل وقوله الحق: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ
. والمنسأة هي العصا.
قال أبو طالب حين قام يذم الرجل الذي ضرب زميله بالعصا فقتله حين تخاصما في حبل وتجاذبا:
أمن أجل حبل لا أباك علوته ... بمنسأة قد جاء حبل واحبل
وقال آخر
إذا دببت على المنسأة من كبر ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل
قال أبو عثمان: وإنما بدأنا بذكر سليمان صلّى الله عليه وسلّم لأنه من أبناء العجم، والشعوبية إليهم أميل، وعلى فضائلهم أحرص، ولما أعطاهم الله أكثر وصفا وذكرا.
وقد جمع الله لموسى بن عمران عليه السلام في عصاه من البرهانات العظام، والعلامات الجسام، ما عسى أن يفي ذلك بعلامات عدة من المرسلين وجماعة من النبيين. قال الله تبارك وتعالى فيما يذكر من عصاه: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما
، إلى قوله تعالى:
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى.
فلذلك قال الحسن بن هاني في شأن خصيب وأهل مصر حين اضطربوا عليه:
فإن تك من فرعون فيكم بقية ... فإن عصا موسى بكف خصيب
ألم تر أن السحرة لم يتكلفوا تغليط الناس والتمويه عليهم إلا بالعصي، ولا عارضهم موسى إلا بعصاه.
(3/22)

وقال الله عز وجل: وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ. قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ.
وقال الله عز وجل: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ. قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ. وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
. ألا ترى أنهم لما سحروا أعين الناس واسترهبوهم بالعصي والحبال، لم يجعل الله للحبال من الفضيلة في اعطاء البرهان ما جعل للعصا، وقدرة الله على تصريف الحبال في الوجوه، كقدرته على تصريف العصا.
وقال الله تبارك وتعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ
. فبارك كما ترى على تلك الشجرة، وبارك في تلك العصا، وإنما العصا جزء من الشجر.
وقال عز وجل: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها. أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها.
[أصل العصا الشجرة المباركة]
وقالت الحكماء: إنما تبنى المدائن على الماء والكلأ والمحتطب. فجمع بقوله: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها
النجم والشجر، والملح واليقطين، والبقل والعشب. فذكر ما يقوم على ساق وما يتفنن وما يتسطح، وكل ذلك مرعي، ثم قال على النسق: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
، فجمع بين الشجر والماء والكلأ والماعون كله، لأن الملح لا يكون إلا بالماء، ولا تكون النار إلا من الشجر.
(3/23)

وقال الله تبارك وتعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
. وقال: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ. نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ
. والمرخ «1» والعفار «2» ، والسواس «3» والعراجين، وجميع عيدان النار، وكل عود يقدح على طول الإحتكاك فهو غني بنفسه، بالغ للمقوي وغير المقوي «4» وحجر المرو يحتاج إلى قراعة الحديد، وهما يحتاجان إلى العطبة «5» ، ثم إلى الحطب. والعيدان هي القادحة، وهي المورية، وهي الحطب.
قال الله عز وجل: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ.
والماعون الماء والنار والملح والكلأ. وقال الأسدي:
وكأن أرحلنا بجو محصّب ... بلوى عنيزة من مقيل الترمس
في حيث خالطت الخزامى عرفجا ... يأتيك قابس اهلها لم يقبس
وإنما وصف خصب الوادي ولدونة عيدانه، ورطوبة الورق. وهذا خلاف قول عمرو بن عبد هند:
فإن السنان يركب المرء حدّه ... من العر أو يعدو على الأسد الورد
وأن الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحي في طرّة البرد
يعلّل والأيام تنقص عمره ... كما تنقص النيران من طرف الزند
وذكر الله عز وجل النخلة فجعلها شجرة، فقال: أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ.
وذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حرمة الحرم فقال: «لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها» .
(3/24)

وقال الله عز وجل: وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ.
وتقول العرب ليس شيء أدفأ من شجر، ولا أظل من شجر.
ولم يكلّم الله موسى إلا من شجرة، وجعل أكبر آياته في عصاه، وهي من الشجر. ولم يمتحن الله جل وعز صبر آدم وحواء، وهما أصل هذا الخلق وأوله، إلا بشجرة. ولذلك قال: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
. وجعل بيعة الرضوان تحت شجرة. وقال: وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ.
وسدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى شجرة.
وشجرة سرّ تحتها سبعون نبيا لا تعبل ولا تسرف «1» .
وحين اجتهد ابليس في الاحتيال لآدم وحوا صلى الله عليهما، لم يصرف الحيلة إلا إلى الشجرة، وقال: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى.
وفيما يضرب بالأمثال من العصي قالوا: قال جميل بن بصبهري حين شكا إليه الدهاقين «2» شر الحجاج. قال أخبروني أين مولده؟ قالوا الحجاز. قال ضعيف معجب. قال فمنشؤه؟ قالوا الشام. قال ذلك شر. ثم قال ما أحسن حالكم إن لم تبتلوا معه بكاتب منكم، يعني من أهل بابل. فابتلوا بزاذان فروخ الأعور. ثم ضرب لهم مثلا فقال: إن فأسا ليس فيها عود ألقيت بين الشجر، فقال بعض الشجر لبعض: ما ألقيت هذه ها هنا لخير. قال: فقالت شجرة عادية إن لم يدخل في است هذه عود منكن فلا تخفنها.
وقال يزيد بن مفرّغ:
العبد يقرع بالعصا ... والحرّ تكفيه الملامه
(3/25)

وقال: أخذه من الفلتان الفهمي، حيث قال:
العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الاشارة
وقال مالك بن الرّيب:
العبد يقرع بالعصا ... والحر يكفيه الوعيد
وقال بشار بن برد:
الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الردّ
وقال آخر
فاحتلت حين صرمتني ... والمرء يعجز لا المحاله
والدهر يلعب بالفتى ... والدهر أروغ من ثعاله «1»
والمرء يكسب ماله ... بالشّحّ يورثه الكلاله «2»
والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقاله
[منافع العصا ومرافقها]
ومما يدخل في باب الانتفاع بالعصا أن عامرا بن الظرب العدواني، حكم العرب في الجاهلية، لما أسنّ واعتراه النسيان، أمر ابنته أن تقرع بالعصا إذا هو فهّ «3» عن الحكم، وجار عن القصد، وكانت من حكيمات بنات العرب حتى جاوزت في ذلك مقدار صحر بنت لقمان، وهند بنت الخس، وجمعة بنت حابس ابن مليل الاياديين.
وكان يقال لعامر: ذو الحلم، ولذلك قال الحارث بن وعلة:
وزعمتم أن لا حلوم لنا ... إن العصا قرعت لذى الحلم
(3/26)

وقال المتلمس في ذلك:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما
وقال الفرزدق بن غالب:
نإن كنت أستأني حلوم مجاشع ... فإن العصا كانت لذي الحلم تقرع
ومن ذلك حديث سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، واعتزام لملك على قتل أخيه إن هو لم يصب ضميره، فقال له سعد: أبيت اللعن تدعني حتى أقرع بهذه العصا أختها؟ فقال له الملك: وما علمه بما تقول العصا؟ فقرع بها مرة وأشار بها مرة، ثم رفعها ثم وضعها، ففهم المعنى فأخبره ونجا من القتل.
وذكر العصا يجري عندهم في معان كثيرة. تقول العرب: «العصا من العصية، والأفعى بنت حية» ، تريد أن الأمر الكبير يحدث عن الأمر الصغير.
ويقال: «طارت عصا فلان شققا» . وقال الأسدي:
عصيّ الشمل من أسد أراها ... قد انصدعت كما انصدع الزجاج
ويقال: «فلان شق عصا المسلمين» ، ولا يقال شق ثوبا ولا غير ذلك مما يقع عليه اسم الشق. وقال العتّابي في مديح بعض الخلفاء:
إمام له كف يضمّ بنانها ... عصا الدين ممنوعا من البري عودها
وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليه قربها وبعيدها
وقال مضّرس الأسدي:
فألقت عصا التسيار عنها وخيمت ... بأرجاء عذب الماء بيض محافره
وقال أيضا:
فألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قرّ عينا بالأياب المسافر
(3/27)

ويقال لبني أسد: «عبيد العصا» يعني أنهم كانوا ينقادون لكل من حالفوا من الرؤساء. وقال بشر بن أبي خازم:
عبيد العصا لم يتقوك بذمة ... سوى سيب سعدى إن سيبك واسع
وتسمي العرب كل صغير الرأس: «رأس العصا» .
وكان عمر بن هبيرة صغير الرأس، فقال سويد بن الحارث:
من مبلغ رأس العصا إن بيننا ... ضغائن لا تنسى وإن قدم الدهر
وقال آخر:
فمن مبلغ رأس العصا أن بيننا ... ضغائن لا تنسى وإن قيل سلّت
رضيت لقيس بالقليل ولم تكن ... أخا راضيا لو أن نعلك زلّت
وكان والبة صغير الرأس، فقال ابو العتاهية في رأس والبة ورؤوس قومه:
رؤوس عصيّ كن من عود أثلة ... لها قادح يبرى وآخر مخرب
والدليل على أنهم كانوا يتّخذون المخاصر في مجالسهم كما يتخذون القنا والقسي في المحافل، قول الشاعر في بعض الخلفاء:
في كفه خيزران ريحه عبق ... من كفّ أروع في عرنينه شمم
يغضى حياء ويغضى من جلالته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
وقال الآخر:
مجالسهم خفض الحديث وقولهم ... إذا ما قضوا في الأمر وحي المخاصر
وقال الآخر:
يصيبون فصل القول في كلّ خطبة ... إذا وصلوا أيمانهم بالمخاصر
(3/28)

وحدثني بعض أصحابنا قال: كنا منقطعين إلى رجل من كبار أهل العسكر، وكان لبثنا يطول عنده، فقال له بعضنا: إن رأيت أن تجعل لنا إمارة إذا ظهرت لنا خففنا عنك ولم نتبعك بالقعود، فقد قال أصحاب معاوية لمعاوية مثل الذي قلنا لك فقال: أمارة ذلك أن أقول إذا شئتم. وقيل ليزيد مثل ذلك فقال: إذا قلت على بركة الله. وقيل لعبد الملك مثل ذلك فقال: إذا ألقيت الخيزرانة من يدي. فأيّ شيء تجعل لنا أصلحك الله؟ قال: إذا قلت يا غلام الغداء.
وفي الحديث أن رجلا ألحّ على النبي صلّى الله عليه وسلّم في طلب بعض المغنم وفي يده مخصرة، فدفعه بها، فقال يا رسول الله أقصني. فلما كشف النبي له عن بطنه احتضنه فقبل بطنه.
وفي تثبيت شأن العصا وتعظيم أمرها، والطعن على من ذم عاملها، قالوا: كانت لعبد الله بن مسعود عشر خصال: أولها السواد، وهو سرار النبي صلّى الله عليه وسلّم. فقال له النبي: «إذنك علي أن يرفع الحجاب، وتسمع سوادي» . وكان معه مسواك النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكانت معه عصاه.
قال ودخل عمير بن سعد على عمر بن الخطاب، حين رجع إليه من عمل حمص، وليس معه إلا جراب وإداوة وقصعة وعصا، فقال له عمر: ما الذي أرى بك، من سوء الحال أو تصنع؟ قال: وما الذي ترى بي، ألست صحيح البدن، معي الدنيا بحذافيرها؟ قال: وما معك من الدنيا؟ قال: معي جرابي أحمل فيه زادي، ومعي قصعتي أغسل فيها ثوبي، ومعي إداوتي أحمل فيها مائي لشرابي، ومعي عصاي إن لقيت عدوا قاتلته، وإن لقيت حية قتلتها، وما بقي من الدنيا فهو تبع لما معي.
وقال الهيثم بن عدي، عن شرقي بن القطامي وسأله سائل عن قول الشاعر:
لا تعدلنّ أتاويين تضربهم ... نكباء صر بأصحاب المحلات «1»
(3/29)

قال: والمحلات: الدلو، والمقدحة، والقربة، والفأس. قال: فأين أنت عن العصا؟ والصفن خير من الدلو وأجمع.
وقال النمر بن تولب:
أفرغت في حوضها صفني لتشربه ... في دائر خلق الأعضاد أهدام
وأما العصا فلو شئت أن أشغل مجلسي كله بخصالها لفعلت.
وتقول العرب في مديح الرجل الجلد، الذي لا يفتات عليه بالرأي: «لا ذلك الفحل لا يقرع أنفه» . وهذا كلام يقال للخاطب إذا كان على هذه الصفة، ولأن الفحل اللئيم إذا أراد الضراب ضربوا أنفه بالعصا.
وقد قال أبو سفيان بن حرب بن أمية، عندما بلغه من تزوج النبي صلّى الله عليه وسلّم بأم حبيبة، وقيل له: مثلك تنكح نساؤه بغير إذنه؟! فقال: «ذلك الفحل لا يقرع انفه» .
والحمار الفاره يفسده السوط وتصلحه المقرعة. وأنشد لسلامة بن جندل:
أنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب «1»
وقال الحجاج: «والله لأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل» . وذلك أن الأشجار تعصب أغصانها، ثم تخبط بالعصي لسقوط الورق وهشيم العيدان:
ودخل أبو مجلّز على قتيبة بخراسان، وهو يضرب رجالا بالعصي، فقال:
أيها الأمير، إن الله قد جعل لكل شيء قدرا، ووقّت فيه وقتا، فالعصا للأنعام والبهائم العظام، والسوط للحدود والتعزير، والدرة للأدب، والسيف لقتال العدو والقود.
(3/30)

ثم قال الشرقيّ: ولكن دعنا من هذا، خرجت من الموصل وأنا أريد الرقة مستخفيا، وأنا شاب خفيف الحاذ، فصحبني من أهل الجزيرة فتى ما رأيت بعده مثله، فذكر أنه تغلبي، من ولد عمرو بن كلثوم، ومعه مزود وركوة وعصا، فرأيته لا يفارقها، وطالت ملازمته لها، فكدت من الغيظ أرمي بها في بعض الأودية، فكنا نمشي فإذا أصبنا دواب ركبناها، وإن لم نصب الدواب مشينا، فقلت له في شأن عصاه، فقال لي: إن موسى بن عمران صلّى الله عليه وسلّم حين آنس من جانب الطور نارا، وأراد الإقتباس لأهله منها، لم يأت النار في مقدار تلك المسافة القليلة إلا ومعه عصاه، فلما صار بالوادي المقدس من البقعة المباركة قيل له: الق عصاك، واخلع نعليك. فرمى بنعليه راغبا عنهما، حين نزّه الله ذلك الموضع عن الجلد غير الذكي، وجعل الله جماع امره من أعاجيبه وبرهاناته في عصاه، ثم كلمه من جوف شجرة ولم يكلمه من جوف إنسان ولا جان.
قال الشرقي إنه ليكثر من ذلك وإني لأضحك متهاونا بما يقول، فلما برزنا على حمارينا تخلّف المكاري فكان حماره يمشي، فإذا تلكأ أكرهه بالعصا، وكان حماري لا ينساق، وعلم أنه ليس في يدي شيء يكرهه، فسبقني الفتى إلى المنزل فاستراح واراح، ولم أقدر على البراح، حتى وافاني المكاري، فقلت: هذه واحدة.
فلما أردنا الخروج من الغد لم نقدر على شيء نركبه، فكنا نمشي فإذا أعيا توكأ على العصا. وربما أحضر ووضع طرف العصا على وجه الأرض فاعتمد عليها ومرّ كأنه سهم زالج، حتى انتهينا إلى المنزل وقد تفسخت من الكلال، وإذا فيه فضل كثير، فقلت هذه ثانية.
فلما كان في اليوم الثالث، ونحن نمشي في أرض ذات أخاقيق «1» وصدوع، إذ هجمنا على حية منكرة فساورتنا، فلم تكن عندي حيلة إلا خذلانه
(3/31)

واسلامه إليها، والهرب منها، فضربها بالعصا فثقلت، فلما بهشت له «1» ورفعت صدرها ضربها حتى وقذها «2» ، ثم ضربها حتى قتلها، فقلت: هذه ثالثة، وهي أعظمهن.
فلما خرجنا في اليوم الرابع، وقد والله قرمت إلى اللحم «3» وأنا هارب معدم، إذا أرنب قد اعترضت، فخذفها بالعصا، فما شعرت إلا وهي معلقة وأدركنا ذكاتها «4» ، فقلت: هذه رابعة.
واقبلت عليه فقلت لو أن عندنا نارا لما أخرت أكلها إلى المنزل. قال فإن عندك نارا! فأخرج عويدا من مزوده، ثم حكه بالعصا فأورت إيراء المرخ والعفار عنده لا شيء، ثم جمع ما قدر عليه من الغثاء والحشيش فأوقد ناره وألقى الأرنب في جوفها، فأخرجناها وقد لزق بها من الرماد والتراب ما بغّضها إلي، فعلقها بيده اليسرى ثم ضرب بالعصا على جنوبها واعراضها ضربا رقيقا، حتى انتثر كل شيء عليها، فأكلناها وسكن القرم، وطابت النفس، فقلت: هذه خامسة.
ثم أنا نزلنا بعض الخانات، وإذ البيوت ملاء روثا وترابا، ونزلنا بعقب جند وخراب متقدم، فلم نجد موضعا نظل فيه، فنظر إلى حديدة مسحاة «5» مطروحة في الدار، فأخذها فجعل العصا نصابا لها، ثم قام فجرف جميع ذلك التراب والروث، وجرّد الأرض بها جردا، حتى ظهر بياضها، وطابت ريحها فقلت: هذه سادسة.
وعلى أي حال لم تطب نفسي أن أضع طعامي وثيابي على الأرض، فنزع والله العصا من حديدة المسحاة فوتدها في الحائط، وعلق ثيابي عليها، فقلت: هذه سابعة.
(3/32)

فلما صرت إلى مفرق الطرق، وأردت مفارقته، قال لي: لو عدلت فبتّ عندي كنت قد قضيت حقّ الصحبة، والمنزل قريب. فعدلت معه فأدخلني في منزل يتصل ببيعة. قال: فما زال يحدثني ويطرفني ويلطفني الليل كله، فلما كان السحر أخذ خشيبة ثم أخرج تلك العصا بعينها فقرعها بها، فإذا ناقوس ليس في الدنيا مثله، وإذا هو أحذق الناس بضربه، فقلت له: ويلك، أما أنت مسلم وأنت رجل من العرب من ولد عمرو بن كلثوم؟ قال: بلى. قلت فلم تضرب بالناقوس؟ قال: جعلت فداك! إن أبي نصراني، وهو صاحب البيعة، وهو شيخ ضعيف، فإذا شهدته بررته بالكفاية.
فإذا هو شيطان مارد، وإذا أظرف الناس كلهم وأكثرهم أدبا وطلبا، فخبرته بالذي أحصيت من خصال العصا، بعد أن كنت هممت أن أرمي بها، فقال: والله لو حدثتك عن مناقب نفع العصا إلى الصبح لما استنفدتها.
تفسير شعر غنيّه الأعرابية، في شأن ابنها.
وذلك إنه كان لها ابن شديد العرامة «1» ، كثير التفلت إلى الناس، مع ضعف أسر ودقة عظم، فواثب مرة فتى من الأعراب فقطع الفتى أنفه، فأخذت غنية دية أنفه فحسنت حالها بعد فقر مدقع. ثم واثب آخر فقطع أذنه فأخذت الدية فزادت دية أذنه في المال وحسن الحال. ثم واثب بعد ذلك آخر فقطع شفته فأخذت دية شفته. فلما رأت ما قد صار عندها من الإبل والغنم والمتاع والكسب بجوارح ابنها حسن رأيها فيه، فذكرته في أرجوزة لها تقول فيها:
أحلف بالمروة يوما والصّفا ... إنك خير من تفاريق العصا
فقيل لأبن الأعرابي: ما تفاريق العصا؟ قال: العصا تقطع ساجورا «2» وتقطّع عصا الساجور فتصير أوتادا، ويفرّق الوتد فيصير كل قطعة شظاظا «3» .
فإذا كان رأس الشظاظ كالفلكة صار للبختيّ مهارا، وهو العود الذي يدخل في
(3/33)

أنف البختي، وإذا فرّق المهار جاءت منه تواد «1» . والسواجير تكون للكلاب والأسرى من الناس. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يؤتى بناس من ها هنا يقادون إلى حظوظهم بالسواجير» . وإذا كانت قناة فكل شقّة منها قوس بندق، فإن فرقت الشقة صارت سهاما، فإن فرقت السهام صارت حظاء، وهي سهام صغار. قال الطرماح:
أكلب كحظاء الغلام.
والواحدة حظوة وسروة، فإن فرقت الحظاء صارت مغازل، فإن فرّق المغزل شعب به الشعّاب أقداحه المصدوعة، وقصاعه المشقوقة. على أنه لا يجد لها أصلح منها. وقال الشاعر:
نوافذ أطراف القنا قد شككنه ... كشكّك بالشّعب الإناء المثلّما
فإذا كانت العصا صحيحة ففيها من المنافع الكبار والمرافق الأوساط والصغار ما لا يحصيه أحد، وإن فرّقت ففيها مثل الذي ذكرنا وأكثر. فأيّ شيء يبلغ في المرفق والرد مبلغ العصا.
وفي قول موسى: وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
دليل على كثرة المرافق فيها، لأنه لم يقل: ولي فيها مأربة أخرى، والمآرب كثيرة. فالذي ذكرنا قبل هذا داخل في تلك المآرب.
ولا نعرف شعرا يشبه معنى شعر غنية بعينه لا يغادر منه شيئا. ولكن زعم بعض أصحابنا أن أعرابيين ظريفين من شياطين الأعراب حطمتهما السنة، فانحدرا إلى العراق، واسم أحدهما حيدان، فبيناهما يتماشيان في السوق إذا فارس قد أوطأ دابته رجل حيدان فقطع أصبعا من أصابعه، فتعلقا به حتى أخذا منه أرش الأصبع «2» ، وكانا جائعين مقرورين، فحين صار المال في أيديهما قصدا لبعض الكرابج «3» فابتاعا من الطعام ما أشتهيا، فلما أكل صاحب حيدان وشبع أنشأ يقول:
(3/34)

فلا غرث ما كان في الناس كربج ... وما بقيت في رجل حيدان أصبع
وهذا الشعر وشعر غنية من الظرف الناصع الذي سمعت به، وظرف الأعراب لا يقوم له شيء.
وناس كثير لا يستعملون في قتالهم إلا العصيّ، منهم الزنج: قنبلة ولنجويه والنمل والكلاب، وتكفو وتنبو. على ذلك يعتمدون في حروبهم.
ومنهم النبط، ولهم بها ثقافة وشدة وغلبة، واثقف ما تكون الأكراد إذا قاتلت بالعصي. وقتال المخارجات «1» كلها بالعصي، ولهم هناك ثقافه ومنظر حسن، ولقتالهم منزلة بين السلامة والعطب.
والناس يضربون المثل بقتال البقّار بقناته. ويقال في المثل: «ما هو إلا ابنة عصا، وعقدة رشا «2» » .
ويقال للراعي: «إنه لضعيف العصا» إذا كان قليل الضرب بها للإبل، شديد الإشفاق عليها. وقال الراعي
ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس أصبعا
فإذا كان الراعي جلدا قويا عليها قالوا: صلب العصا. ولذلك قال الراجز:
صلب العصا باق على أذاتها
وقال الآخر في معنى الراعي:
لا تضرباها وأشهرا العصيا
ويقولون: قد أقبل فلان ولانت عصاه، إذا أصابه السّواف «3» فرجع وليس معه إلا عصاه لأنه لا يفارقها كانت له ابل أم لم تكن.
(3/35)

ويقولون: كلما قرعت عصا بعصا، وعصا على عصا، وعصا عصا قالوا خذوا فلانا بذلك. وقال حميد بن ثور:
اليوم تنزع العصا من ربها ... ويلوك ثني لسانه المنطيق
ويكتب مع قوله:
تغشى العصا والزجر إن قيل حل ... يرسلها التغميض إن لم ترسل
وقال آخر:
هذا ورود بزّل وسدس «1» ... يغلي بها كلّ مسيم مرغس
ردّت من الغور وأكناف الرسي ... من عشب أحوى وحمض مورس
وذائد جلد العصا دلهمس «2» ... إن قيل قم قام وإن قيل أجلس
داست سماطي عفر مدعّس «3»
ويدل على شدة قتالهم بالعصا قول بشامة بن حزن النهشلي:
فدى لرعاء بالنّحيرة ذبّبوا ... بأعصيهم والماء برد المشارب «4»
تألى نعيم لا تجوز بحوضه ... فقلت تحلّل يا نعيم بن قارب «5»
فإن زيادا لم يكن ليردّها ... وسبرة عن ماء النضيح المقارب
اغرّك أن جاءت ظماء وباشرت ... بأعناقها برد النصاب الصّباصب «6»
تناولن ما في الحوض ثم امترينه ... بجرع وأعناق طوال الذوائب «7»
(3/36)

ويقول فلان ضعيف العصا، إذا كان لا يستعمل عصاه. ولذلك قال البعيث:
وأنت بذات السّدر من أم سالم ... ضعيف العصا مستضعف متهضّم
وقال آخر:
وما صاديات حمن يوما وليلة ... على الماء يغشين العصيّ حوان
لوائب لا يصدرن عنه لوجهة ... ولا هن من برد الحياض دوان
يرين حباب الماء والموت دونه ... فهن لأصوات السقاة روان
بأوجع مني جهد شوق وغلّة ... إليك ولكنّ العدوّ عداني
وقال آخر:
فما وجد ملواح من الهيم حلّئت ... عن الماء حتى جوفها يتصلصل «1»
تحوم وتغشاها العصي وحولها ... أقاطيع أنعام تعلّ وتنهل
بأعظم مني غلّة وتعطّفا ... إلى الورد إلا أنني أتجمل
ويقال: «ضرب فلان ضرب غرائب الإبل» وهي تضرب عند الهرب وعند الخلاط، وعند الحوض، أشد الضرب. وقال الحارث بن صخر:
بضرب يزيل الهام عن سكناته ... كما ذيد عن ماء الحياض الغرائب
وقال آخر:
للهام ضرابون بالمناصل «2» ضرب المذيد غرب النواهل وفي جواهر العصا تفاوت. ويقولون: ما هي إلا غصن بان.
(3/37)

وقال ابن أحمر:
رود الشباب كأنها غصن ... بحرام مكّة ناعم نضر «1»
وقال آخر:
أما تريني قائما في جلّ «2» ... جمّ الفتوق خلق «3» هملّ «4»
محاذرا أبغض عن تحتلّي ... عند اعتلال دهرك المعتلّ
فقد أرى في اليلمق الرّفلّ «5» ... أصون للإنس جميل الدلّ
لدنا كخوط البانة المبتلّ «6»
وتكون العصا محراثا، وتكون مخصرة، وتكون المخصرة قضيب حنيرة «7» وعود ساجور، ثم تكون تودية.
ويقال للرجل إذا كان فيه أبنة: «فلان يخبا العصا» . وقال الشاعر:
زوجك زوج صالح ... لكنه يخبأ العصا
وفي الأمثال: «فحذفه بالقول كما تحذف الأرنب بالعصا» .
وقال أياس بن قتادة العبسمي:
سأنحر أولاها وأحذف بالعصا ... على أثرها إني إذا قلت عازم
وقال ابن كناسة في شرط الراعي على صاحب الإبل: «ليس لك أن تذكر
(3/38)

أمي بخير ولا شر، ولك حذفة بالعصا عند غضبك أصبت أم أخطأت، ولي مقعدي من النار، وموضع يدي من الحار والقار» .
وكان العتبي يحدث في هذين بحديثين: أحدهما قوله عن الأعرابي: «وكان إذا خرست الألسن عن الرأي حذف بالصواب كما تحذف الأرنب بالعصا» .
وأما الحديث الآخر فذكر أن قوما أضلوا الطريق، فاستأجروا أعرابيا يدلهم على الطريق، فقال: إني والله لا أخرج معكم حتى أشرط لكم واشترط عليكم. قالوا فهات مالك. قال «يدي مع أيديكم في الحار والقار، ولي موضعي من النار موسع علي فيها، وذكر والدي عليكم محرم» . قالوا: فهذا لك فما لنا عليك إن أذنبت؟ قال: «أعراضة لا تؤدي إلى عتب، وهجرة لا تمنع من مجامعة السفرة» . قالوا: فإن لم تعتب؟ قال: «فحذفة بالعصا أخطأت أم أصابت» .
وهذان الحديثان لم أسمعهما من عالم، وإنما قرأتهما في بعض الكتب من كتب المسجديين.
ولأهل المدينة عصيّ في رؤوسها عجر لا تكاد أكفهم تفارقها إذا خرجوا إلى ضياعهم ومتنزهاتهم، ولهم فيها أحاديث حسنة، وأخبار طيبة.
وكان الأفشين يقول: «إذا ظفرت بالعرب شدخت رؤوس عظمائهم بالدبوس» والدبوس شبيه بهذه العصا التي في رأسها عجرة وقال جحشويه:
يا رجلا هام بلباد ... معتدل كالغصن مياد
هام به غسان لما رأى ... أيرا له مثل عصا الحادي
ولم يزل يهوى ابو مالك ... كل فتى كالغصن منآد
يعجبه كل متين القوى ... للطعن في الأدبار معتاد
وقالوا في تغميض الناقة عينها، كي تركب العصا إلى الحوض، وهو في معنى قول ابي النجم:
(3/39)

تغشى العصا والزجر أن قيل حل ... يرسلها التغميض إن لم ترسل
وهذا مثل قول الهذلي:
ولأنت أشجع من أسامة «1» إذ ... شدّوا المناطق تحتها الحلق
حدّ السيوف على عواتقهم ... وعلى الأكف ودونها الدّرق «2»
كغماغم الثيران بينهم ... ضرب تغمض دونه الحدق
وقال حميد بن ثور الهلالي:
اليوم تنتزع العصا من ربها ... ويلوك ثني لسانه المنطيق
ويقال: رجل كالقناة، وفرس كالقناة. وقال الشاعر:
متى ما يجىء يوما إلى المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر
يجد فرسا مثل القناة وصارما ... حساما إذا ما هزّ لم يرض بالهبر
وجاء في الحديث: أجدبت الأرض على عهد عمر رحمه الله حتى ألقت الرعاء العصيّ، وعطّلت النعم، وكسر العظم. فقال كعب «3» : يا أمير المؤمنين، إن بني اسرائيل كانوا إذا أصابتهم السنة استسقوا بعصبة الأنبياء.
فكان ذلك سبب استسقائه بالعباس بن عبد المطلب.
وساورت حية أعرابيا فضربها بعصاه وسلم منها، فقال:
لولا الهراوة والكفان أنهلني ... حوض المنية قتّال لمن علقا «4»
أصمّ منهرت الشدقين ملتبد ... لم يغذ إلا المنايا مذ لدن خلقا «5»
كأن عينيه مسماران من ذهب ... جلاهما مدوس الألان فائتلقا «6»
(3/40)

وقال الحجاج بن يوسف لأنس بن مالك: «والله لأقلعنك قلع الصّمغة، ولأعصبنك عصب السّلمة، ولأضربنك ضرب غرائب الإبل ولأجردنك تجريد الضب» .
وقال عمر بن الخطاب رحمه الله لأبي مريم الحنفي: «والله لا أحبك حتى تحبّ الأرض الدم المسفوح» . لأن الأرض لا تقبل الدم، فإذا جف الدم تقلّع جلبا «1» .
ولقد أسرف المتلمّس حيث يقول:
أحارث أنا لو تساط «2» دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمس دم دما
وأشد سرفا منه قول أبي بكر الشيباني، قال: كنت أسيرا مع بني عم لي من بني شيبان، وفينا من موالينا جماعة في أيدي التغالبة، فضربوا أعناق بني عمي وأعناق الموالي على وهدة من الأرض، فكنت والذي لا إله إلا هو، أرى دم العربي ينماز من دم المولى، حتى أرى بياض الأرض بينهما، فإذا كان هجينا «3» قام فوقه، ولم يعتزل عنه.
وأنشد الأصمعي:
يذدن وقد ألقيت في قعر حفرة ... كما ذيد عن حوض العراك غرائبه «4»
وقال العباس بن مرداس:
نقاتل عن أحسابنا برماحنا ... فنضربهم ضرب المذيد الخوامسا
وقال الفرزدق بن غالب:
ذكرت وقد كادت عصا البين تنشطي ... حبالك من سلمي وذو الّلب ذاكر
(3/41)

وقال الأسدي:
إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وإن كانت قريبا أواصره
ولا تظلم المولى ولا تضع العصا ... على الجهل إن طارت إليك بوادره
وقال جرير بن عطية:
ألا رب مصلوب حملت على العصا ... وباب استه عن منبر الملك زائل
وقالوا في مديح العصا نفسها مع الأغصان وكريم جوهر العصي والقسي:
إذا قامت لسبحتها تثنّت ... كأن عظامها من خيزران
وقال المؤمل بن أميل:
القوم كالعيدان يفضل بعضهم ... بعضا كذاك يفوق عود عودا
لو تستطيع عن القضاء حيادة ... وعن المنية أن تصيب محيدا
كانت تقيّد حين تنزل منزلا ... فاليوم صار لها الكلال قيودا
وقال آخر:
واسلمها الباكون إلا حمامة ... مطوقة بانت وبان قرينها
تجاوبها أخرى على خيزرانة ... يكاد يدنّيها من الأرض لينها
وقال آخر:
ألا أيها الركب المخبون هل لكم ... بأخت بني هند عتيبة من عهد
أألقت عصاها واستقربها النوى ... بأرض بني قابوس أم ظعنت بعدي
وقال آخر:
ألا هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على غصن غضّ النبات من الرند «1»
(3/42)

وقال آخر في امرأة رآها في شارة «1» وبزة، فظن بها جمالا، فلما سفرت إذا هي غول:
فأظهرها ربي بمن وقدرة ... عليّ ولولا ذاك متّ من الكرب
فلما بدت سبّحت من قبح وجهها ... وقلت لها الساجور خير من الكلب «2»
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يؤتى بقوم من ها هنا يقادون إلى حظوظهم في السواجير» . والساجور يسمى الزمّارة. قالوا: وفي الحديث: «فأتى الحجاج بسعيد بن جبير «3» ، وفي عنقه زمّارة» .
وقال بعض المسجّنين:
ولي مسمعان وزمارة ... وظلّ مديد وحصن أمق «4»
وكم عائد لي وكنم زائر ... لو أبصرني زائرا قد شهق
المسمعان: قيدان. وسمى الغلّ الذي في عنقه زمّارة.
وأما قول الوليد:
اسقني يا زبير بالقرقاره ... قد ظمئنا وحنّت الرّمّاره «5»
اسقني اسقني فإن ذنوبي ... قد أحاطت فما لها كفّاره
فإن الزمارة ها هنا: المزمار.
وقال أيضا صاحب الزمارة في صفة السجن:
(3/43)

فبتّ بأحصنها منزلا ... ثقيلا على عنق السالك
ولست بضيف ولا في كراء ... ولا مستعير ولا مالك
وليس بغصب ولا كالرهون ... ولا يشبه الوقف عن هالك
ولي مسمعان فأدناهما ... يغني ويمسك في الحالك
وأقصاهما ناظر في السما ... ء عمدا وأوسخ من عارك «1»
المسمعان ها هنا أحدهما قيده، والآخر صاحب الجرس.
قال: وأخبرني الكلابي قال: قاتلت بنو عم لي بعضهم بعضا، فجعل بعضهم ينضم إلى بعض لواذا مني، وليس لي في ذلك هجيرى إلا قولي:
قد جعلت تأوى إلى خمّانها «2» ... وكرسها العاديّ من أعطانها «3»
فلما طلبوا القصاص، قلت: دونكم يا بني عمي حقكم، فأنا اللحم وأنتم الشفرة، إن وهبتم شكرت، وإن اعتقلتم عقلت، وإن اقتصصتم صبرت.
قال: وسألت يونس عن قوله: (نسيا منسيا) ، قال: تقول العرب إذا ارتحلوا عن المنزل ينزلونه: انظروا أنساءكم. وهي العصا، والقدح، والشظاظ، والحبل. قال فقلت: إني ظننت هذه الأشياء لا ينساها أربابها إلا لأنها أهون المتاع عليهم. قال ليس ذلك كذلك، المتاع الجافي يذكر بنفسه، وصغار المتاع تذهب عنها العيون. وإنما تذهب نفوس العامة إلى حفظ كل ثمين وإن صغر جسمه، ولا يقفون على أقدار فوت الماعون عند الحاجة وفقد المحلات في الأسفار.
وقال يونس: المنسي ما تقادم العهد به ونسي حينا لهوانه. ولم تكن مريم لتضرب المثل في هذا الموضع بالأشياء النفيسة التي الحاجة إليها أعظم من الحاجة إلى الشيء الثمين في الأسواق.
(3/44)

وقال الأشهب بن رميلة «1» :
قال الأقارب لا تغررك كثرتنا ... وأغن نفسك عنا أيها الرجل
علّ بنيّ يشدّ الله أعظمهم ... والنبع ينبت قضبانا فيكتهل
وكان فرس الأخنس بن شهاب تسمى «العصا» ، والأخنس فارس العصا.
وكان لجذيمة الأبرش فرس يقال لها «العصا» .
ولبني جعفر بن كلاب «شحمة» و «الغدير» و «العصا» . فشحمة فرس جزء بن خالد. والعصا فرس عوف بن الأحوص. والغدير فرس شريج بن الأحوص.
والعصا أيضا فرس شبيب بن كعب الطائي.
وقال بعضهم أو بعض خطبائهم:
وليس عصاه من عراجين نخلة ... ولا ذات سير من عصي المسافر
ولكنها إما سألت فنبعة ... وميراث شيخ من جياد المخاصر
والرجل يتمنى إذا لم تكن له قوة وهو يجد العجز، فيقول: «لو كان في العصا سير» . ولذلك قال حبيب بن أوس:
ما لك من همة وعزم ... لو أنه في عصاك سير
ربّ قليل جنى كثيرا ... كم مطر بدؤه مطير
صبرا على النائبات صبرا ... ما صنع الله فهو خير
وإذا لم يجعل المسافر في عصاه سيرا سقطت إذا نعس من يده.
(3/45)

وسئل عن قوله: (ولي فيها مآرب أخرى) ، قال: لست أحيط بجميع مآرب موسى صلّى الله عليه وسلّم، ولكني سأنبئكم جملا تدخل في باب الحاجة إلى العصا. من ذلك أنها تحمل للحية، والعقرب، وللذئب، وللفحل الهائج، ولعير العانة في زمن هيج الفحول، وكذا فحول الحجور «1» في المروج. ويتوكأ عليها الكبير الدالف، والسقيم المدنف، والأقطع الرجل، والأعرج، فإنها تقوم مقام رجل أخرى.
وقال أعرابي مقطوع الرجل:
الله يعلم أني من رجالهم ... وإن تخدّد عن متنيّ أطماري «2»
وإن رزيت يدا كانت تجمّلني ... وإن مشيت على زج ومسمار
والعصي تنوب للأعمى عن قائده، وهي للقصّار والفاشكار والدبّاغ.
ومنها المفأد للملّة «3» والمحراك للتنّور. قال الشاعر:
إذا كان ضرب الخبز مسحا بخرقة ... وأحمد دون الطارق التنّور
كأنه كره أن ينفض عنها الرماد بعصا فيستدل على أنه قد أنضج خبزته.
يصفه بالبخل.
وهي لدق الجص والجبسين والسمسم.
وقال الشمّاخ بن ضرار:
وأشعث قد قدّ السّفار قميصه ... يجر شواء بالعصا غير منضج
ولخبط الشجر، وللفيج «4» وللمكاري، فإنهما يتخذان المخاصر، فإذا طال الشوط وبعدت الغاية استعانا في حضرهما وهرولتهما في اضعاف ذلك بالأعتماد على وجه الأرض.
(3/46)

وهي تعدّل من ميل المفلوج، وتقيم من إرتعاش المبرسم ويتخذها الراعي لغنمه، وكل راكب لمركبه، ويدخل عصاه في عروة المزود، ويمسك بيده الطرف الآخر، وربما كان أحد طرفيها بيد رجل والطرف الآخر بيد صاحبه وعليها حمل ثقيل.
وتكون إن شئت وتدا في حائط، وإن شئت ركزتها في الفضاء وجعلتها قبلة، وإن شئت جعلتها مظلة، وإن جعلت فيها زجا كانت عنزة «1» ، وإن زدت فيها شيئا كانت عكازا، وإن زدت فيها شيئا كانت مطردا «2» ، وإن زدت فيها شيئا كانت رمحا.
والعصا تكون سوطا وسلاحا. وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخطب بالقضيب، وكفى دليلا على عظم غنائها، وشرف حالها. وعلى ذلك الخلفاء وكبراء العرب من الخطباء.
وقد كان مروان بن محمد حين أحيط به دفع البرد والقضيب إلى خادم له، وأمره أن يدفنهما في بعض تلك الرمال، ودفع إليه بنتا له، وأمره أن يضرب عنقها. فلما أخذ الخادم في الأسرى قال: إن قتلتموني ضاع ميراث النبي صلّى الله عليه وسلّم، فأمنوه على أن يسلم ذلك لهم وقال الشاعر في صفة قناة:
وأسمر عاتر فيه سنان ... شراعيّ كساطعة الشعاع «3»
وقال آخر:
هونة في العنان تهتزّ فيه ... كاهتزاز القناة تحت العقاب
(3/47)

ومما يجوز في العصا قول الشاعر:
للهام ضرابون بالمناصل ... ضرب المذيد غرّب النّواهل
وقال عباس بن مرداس:
نطاعن عن أحسابنا برماحنا ... ونضربهم ضرب المذيد الخوامسا
وقال الآخر:
دافع عني جلبي وحشّي ... فهي كعود النبعة الأجشّ
وقال نصيب الأسود:
ومن يبق مالا عدّة وصيانة ... فلا الدهر مبقيه ولا الشح وافره
ومن يك ذا عود صليب يعده ... ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره
وقال آخر:
تخيرت من نعمان عود أراكة ... لهند فمن هذا يبلّغه هندا
خليلي عوجا بارك الله فيكما ... وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجارنا ... ولكنما جرنا لنلقاكم عمدا
وقال آخر:
فتلك ثيابي لم تدنّس بغدرة ... ووري زنادي في ذرى المجد ثاقب
ولو صادفت عودا سوى عود نبعة ... وهيهات أفنته الخطوب النوائب
وقال آخر:
عصا شريانة دهنت بزبد ... تدقّ عظامه عظما فعظما
وليس هذا مثل قول لقيط بن زرارة:
إذا دهنوا رماحهم بزبد ... فإن رماح تيم لا تضير
(3/48)

وقال صالح بن عبد القدوس:
لا تدخلن بنميمة ... بين العصا ولحائها
وقال شبل بن معبد البجلي:
برتني صروف الدهر من كلّ جانب ... كما يبترى دون اللحاء عسيب
وقال أوس بن حجر:
لحونهم لحو العصا فطردنهم ... إلى سنة جرذانها لم تحلّم
وقال الرّقاشي في صفة القناة التي تبرى منها القسي:
من شقق خضر بروصيات «1» ... صفر اللحاء وخلوقيات «2»
جدلن حتى إضن كالحيات ... رشائقا غير مؤبنات «3»
أنّفهنّ متمطّرات «4» ... عمرو بن عصفور على استثبات
وقال محمد بن يسير:
ومشمّرين عن السّواعد حسّر ... عنها بكل رشيقة التوتير «5»
ليس الذي تشوي يداه رمية ... فيهم بمعتذر ولا معذور «6»
عطف السّيات موانع في عطفها ... تعزى إذا نسبت إلى عصفور «7»
ذهب إلى قوله:
في كفه معطية منوع
(3/49)

وهذا مثل قوله:
خرقاء إلا أنها صناع وهذا مثل قوله:
غادر داء ونجا صحيحا ومثل قوله:
حتى نجا من جوفه وما نجا فإذا طال قيام الخطيب صار فيه انحناء وجنأ «1» وقال الأسدي:
أنا ابن الخالدين إذا تلاقى ... من الأيام يوم ذو ضجاج
كأن اللغب والخطباء فيه ... قسيّ مثقّف ذات اعوجاج
وعلى هذا المعنى قال الشماخ بن ضرار:
فأضحت تفالى بالستار كأنها ... رماح نحاها وجهة الريح راكز «2»
وقال العماني:
عات يرى ضرب الرجال مغنما ... إذا رأى مصدّقا تجهّما
وهزّ في الكفّ، وأبدى المعصما ... هراوة نبعية أو سلما
تترك ما رام رفاتا رمما
وقال أمية بن الأسكر «3» :
هلا سألت بنا إن كنت جاهلة ... ففي السؤال من الأنباء شافيها
تخبرك عنا معد إن هم صدقوا ... ومن قبائل نجران يمانيها
(3/50)

وبالجياد تجرّ الجيل عابسة ... كأن مذرور ملح في هواديها «1»
قوم إذا قذع الأقوال طاف بهم ... ألقى العصي عصي الجهل باريها
قال والرجل إذا لم يكن معه عصا فهو باهل. وناقة باهل وباهلة، إذا كانت بغير صرار «2» . وقال الراجز:
أبهلها ذائدها وسبحا «3» ... ودقت المركوّ حتى ابلندحا «4»
احتجنا إلى أن نذكر ارتفاق بعض الشعراء من العرجان بالعصي، عند ذكرنا العصا وتصرفها في المنافع. والذي نحن ذاكروه من ذلك في هذا الموضع قليل من كثير ما ذكرناه في كتاب العرجان. فإذا أردتموه فهو هناك موجود إن شاء الله.
قالوا: ولما شاع هجاء الحكم بن عبدل الأسدي لمحمد بن حسان بن سعد وغيره من الولاة والوجوه، هابه أهل الكوفة، واتقى لسانه الكبير والصغير، وكان الحكم اعرج لا تفارقه عصاه، فترك الوقوف بأبوابهم وصار يكتب على عصاه حاجته ويبعث بها مع رسوله فلا يحبس له رسول، ولا يؤخر عنه لقراءة الكتاب، ثم تأتيه الحاجة على أكثر مما قدّر، وأوفر مما أمّل، فقال يحيي بن نوفل:
عصا حكم في الدار أول داخل ... ونحن عن الأبواب نقصى ونحجب
وأما قول بشر بن أبي خازم:
لله درّ بني الحدّاء من نفر ... وكلّ جار على جيرانه كلب
إذا غدوا وعصيّ الطّلح أرجلهم ... كما تنصّب وسط البيعة الصّلب
(3/51)

إنما يعني أنهم كانوا عرجانا، فأرجلهم كعصي الطلح، وعصي الطلح معوجة. وكذلك قال معدان الأعمى، في قصيدته الطويلة التي صنف فيها الغالية والرافضة، والتميمية، والزيدية «1» :
والذي طفّف الجدار من الذعر ... وقد بات قاسم الأنفال «2»
فغدا خامعا بوجه هشيم ... ويساق كعود طلح بال
وقال بعض العرجان ممن جعل العصا رجلا:
ما للكواعب يا دهماء قد جعلت ... تزورّ عني وتطوي دوني الحجر
لا أسمع الصوت حتى أستدير له ... ليلا طويلا يناغيني له القمر
وكنت أمشى على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على رجل من الشجر
وقال رجل من بني عجل:
وشى بي واش عند ليلى سفاهة ... فقالت له ليلى مقالة ذي عقل
وخبرها أني عرجت فلم تكن ... كورهاء تجترّ الملامة للبعل
وما بي من عيب الفتى غير أنني ... جعلت العصا رجلا أقيم بها رجلي
وقال أبو ضبة في رجله:
وقد جعلت إذا ما نمت أوجعني ... ظهري وقمت قيام الشارف الظهر «3»
وكنت أمشي على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على رجل من الشجر
(3/52)

وقال أعرابي من بني تميم:
وما بي من عيب الفتى غير أنني ... ألفت قناتي حين أوجعني ظهري
قال: ودخل الحكم بن عبدل الأسدي وهو أعرج، على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو أمير الكوفة وكان أعرج، وكان صاحب شرطه اعرج، فقال ابن عبدل:
ألق العصا ودع التخامع والتمس ... عملا فهذي دولة العرجان «1»
لأميرنا وأمير شرطتنا معا ... لكليهما يا قومنا رجلان
فإذا يكون أميرنا ووزيرنا ... وأنا فإن الرابع الشيطان
ومما يدل على أن للعصا موقعا منهم، وأنها تدور مع أكثر أمورهم قول مزرد بن ضرار:
فجاء على بكر ثفال يكدّه ... عصاه استه، وجء العجاية بالفهر «2»
ويقولون إعتصى بالسيف، إذا جعل السيف عصاه، وإنما اشتقوا للسيف اسما من العصا، لأن عامة المواضع التي تصلح فيها السيوف تصلح فيها العصي، وليس كل موضع تصلح فيه العصا يصلح فيه السيف.
وقال الآخر:
ونحن صدعنا هامة ابن محرّق ... كذلك نعصى بالسيوف الصوارم
وقال عمرو بن الأطنابة «3» :
وفتى يضرب الكتيبة بالسي ... يف إذا كانت السيوف عصيا
(3/53)

وقال عمرو بن محرز:
نزلوا إليهم والسيوف عصيهم ... وتذكروا دمنا لهم وذحولا «1»
وقال الفرزدق همام بن غالب بن صعصعة:
إن ابن يوسف محمود خلائقه ... سيّان معروفه في الناس والمطر
هو الشهاب الذي يرمي العدو به ... والمشرفيّ الذي تعصى به مضر
يقال عصى بالسيف واعتصى به.
وقال العريان بن الأسود، في ابن له مات:
ولقد تحمل المشاة كريما ... ليّن العود ماجد الأعراق
ذاك قولي ولا كقول نساء ... معولات يبكين بالأوراق
وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رحمه الله: «إن البحر خلق عظيم يركبه خلق صغير، دود على عود» .
وقال واثلة السدوسي:
رأيتك لما شبت أدركك الذي ... يصيب سراة الأزد حين تشيب
سفاهة أحلام وبخل بنائل ... وفيك لمن عاب المزون عيوب
لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها، في يديك قضيب
وقد أوحشت منكم رزاديق فارس ... وبالمصر دور جمّة ودروب
وأنشد الأصمعي:
أعددت للضيفان كلبا ضاريا ... وهراوة مجلوزة من أرزن «2»
ومعاذرا كذبا ووجها باسرا ... وتشكيا عض الزمان الألزن «3»
(3/54)

وشذاة مرهوب الأذى قاذورة ... خشن جوانبه دلوظ ضيزن «1»
وبكف محبوك اليدين عن العلا ... والباع مسودّ الذراع مقحزن «2»
وتجنيا لهم الذنوب واتقي ... بغليظ جلد الوجنتين عشوزن «3»
وقال جرير:
تصف السيوف وغيركم يعصى بها ... يا ابن القيون وذاك فعل الصيقل
وقال الراعي:
تبيت ورجلاها أوانان لاستها ... عصاها استها حتى يكلّ قعودها
وقال أعرابي للحطيئة: ما عندك يا راعي الغنم؟ قال عجراء «4» من سلم قال: إني ضيف! قال للضيفان أعددتها.
وقال الشّماخ بن ضرار:
إلى بقر فيهنّ للعين منظر ... وملهى لمن يلهو بهنّ أنيق
رعين الندى حتى إذا وقد الحصى ... ولم يبق من نوء السماك بروق
تصدّع شعب الحي وانشقّت العصا ... كذاك النوى بين الخليط شقوق
وقال امرؤ القيس:
قولا لدودان عبيد العصا ... ما غرّكم بالأسد الباسل
وقال علي بن الغدير:
وإذا رأيت المرء يشعب أمره ... شعب العصا ويلجّ في العصيان
فاعمد لما تعلو فما لك بالتي ... لا تستطيع من الأمور يدان
(3/55)

وقال الآخر
وهجاجة لا يملأ الليل صدره ... إذا النكس أغضى طرفه غير أروع «1»
صحيح بريء العود من كل أبنة ... وجمّاع نهب الخير في كل مجمع
وقال مسكين الدارمي:
تسمو بأعناق وتحبسها ... عنا عصيّ الذادة العجر
حباب بن موسى، عن مجالد، عن الشعبي، عن زحر بن قيس قال:
قدمت المدائن بعد ما ضرب علي بن أبي طالب رحمه الله، فلقيني ابن السوداء «2» وهو ابن حرب، فقال لي: ما الخبر؟ قلت: ضرب أمير المؤمنين ضربة يموت الرجل من أيسر منها ويعيش من أشد منها. قال: لو جئتمونا بدماغه في مائة صرة لعلمنا أنه لا يموت حتى يذودكم بعصاه.
وقال الله تبارك وتعالى:
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ
الآية.
وقال الشاعر:
رأيت الغانيات نفرن مني ... نفار الوحش من رام مفيق
رأين تغيري وأردن لدنا ... كغصن البان ذي الفنن الوريق
وقال أبو العتاهية:
عريت من الشباب وكان غضا ... كما يعرى من الورق القضيب
ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما صنع المشيب
وقال الآخر:
(3/56)

ولئن عمرت لقد عمرت كأنني ... غصن تينيه الرياح رطيب
وكذاك حقا من يعمّر يبله ... كرّ الزمان عليه والتقليب
حتى يعود من البلى وكأنه ... في الكفّ أفوق ناصل معصوب «1»
مرط القذاذ فليس فيه مصنع ... لا الريش ينفعه ولا التعقيب «2»
وقال عروة بن الورد:
أليس ورائي أن أدبّ على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي
وأنشد:
عصوا بسيوف الهند واعتركت بهم ... براكاء حرب لا يطير غرابها «3»
وقال لبيد:
أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
وقال الآخر:
نقيم العصا ما كان فيها لدونة ... وتأبى العصا في يبسها أن تقوّما
وقال الآخر:
إن الغصون إذا قوّمتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب
وقال جرير:
ما للفرزدق من عزّ يلوذ به ... إلا بني العم في أيديهم الخشب
سيروا بني العم فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى فما تدريكم العرب
(3/57)

وقال جرير في هجائه بني حنيفة:
أصحاب نخل وحيطان ومزرعة ... سيوفهم خشب فيها مساحيها «1»
قطع الدبار وسقي النخل عادتهم ... قدما وما جاوزت هذا مساعيها «2»
لو قيل اين هوادي الخيل ما عرفوا ... قالوا لأعجازها هذي هواديها
أو قلت إن حمام الموت آخذكم ... أو تلجموا فرسا قامت بواكيها
لما رأت خالدا بالعرض اهلكها ... قتلا واسلمها ما قال طاغيها
دانت واعطت يدا للسلم طائعة ... من بعد ما كاد سيف الله يفنيها
وقال سلامة بن جندل:
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب
ويقال للخاطب إذا كان مرغوبا فيه كريما: ذاك الفحل الذي لا يقرع أنفه. لأن الفحل اللئيم إذا هبّ على الناقة الكريمة ضربوا وجهه بالعصا.
وقال الآخر:
كأنها إذ رفعت عصاها ... نعامة أوحدها رألاها «3»
وممن أضافوه إلى عصاه داود ملكين اليشكري، وكان ولي شرط البصرة.
وجاء في الحديث أن أبا بكر رحمه الله أفاض من جمع وهو يخرش بعيره بمحجنه.
وقال الأصمعي: المحجن: العصا المعوجّة.
(3/58)

وفي الحديث المرفوع: «أنه طاف بالبيت يستلم الأركان بمحجنه» .
والخرش: أن يضربه بمحجنه ثم يجذبه إليه، يريد بذلك تحريكه.
وقال الراعي:
فألقى عصا طلح ونعلا كأنها ... جناح السّمانى رأسه قد تصوّعا
والعصا أيضا فرس شبيب بن كريب الطائي.
أبو الحسن، عن علي بن سليم قال: كان شبيب بن كريب الطائي يصيب الطريق في خلافة علي بن أبي طالب رحمه الله، فبعث اليه أحمر بن شميط العجلي وأخاه في فوارس، فهرب شبيب وقال:
ولما أن رأيت ابني شميط ... بسكة طيىء والباب دوني
تجللت العصا وعلمت أني ... رهين مخيّس أن يثقفوني «1»
ولو أنظرتهم شيئا قليلا ... لسأقوني إلى شيخ بطين
شديد مجالز الكتفين صلب ... على الحدثان مجتمع الشؤون
وقال النجاشي لأم كثير بن الصلت:
ولست بهندي ولكن ضيعة ... على رجل لو تعلمين مزير «2»
واعجبتني للسوط والنوط والعصا ... ولم تعجبيني خلّة لأمير «3»
وقال أعشى بني ربيعة:
وكان الخلائف بعد الرسو ... ل لله كلهم خاشعا
شهيدين من بعد صدّيقهم ... وكان ابن صخر هو الرابعا
(3/59)

وكان ابنه بعده خامسا ... مطيعا لمن قبله سامعا
ومروان سادس من قد مضى ... وكان ابنه بعده سابعا
وبشر يدافع عبد العزيز ... مضى ثامنا ذا وذا تاسعا
وايهم ما يكن سائسا ... لها لم يكن أمرها ضائعا
فأما تريني حليف العصا ... فما كنت من رثية خامعا «1»
فساومني الدهر حتى اشترى ... شبابي وكنت له مانعا
وقال عوف بن الخرع:
ألا أبلغا عني جريحة آية ... فهل أنت عن ظلم العشيرة مقصر
وإن ظعن الحيّ الجميع لطيّة ... فأمرك معصيّ وشربك مغور «2»
أفي صرمة عشرين أو هي دونها ... قشرتم عصاكم فانظروا كيف تقشر «3»
زعمتم من الهجر المضلل انكم ... ستنصركم عمرو علينا ومنقر «4»
فيا شجر الوادي ألا تنصرونهم ... وقد كان بالمرّوت رمت وسخبر «5»
ألم تجعلوا تيما على شعبتي عصا ... فما ينطق المعروف إلا معذر «6»
وقال رجل من محارب يرثي ابنه:
ألم يك رطبا يعصر القوم ماءه ... وما عوده للكاسرين بيابس
وقال حاجب بن زرارة: «والله ما القعقاع برطب فيعصر، ولا يابس فيكسر» .
(3/60)

وقال حماد عجرد:
وجروا على ما عوّدوا ... ولكل عيدان عصاره
وقال أيضا:
فأنت أكرم من يمشي على قدم ... وانضر الناس عند المحل اغصانا
لو مجّ عود على قوم عصارته ... لمج عودك فينا المسك والبانا
وقال آخر:
إنا وجدنا الناس عودين: طيبا ... وعودا خبيثا ما يبض «1» على العصر
تزين الفتى أخلاقه وتشينه ... وتذكر أخلاق الفتى حيث لا يدري
وقال المؤمّل بن أميل:
كانت تقيّد حين تنزل منزلا ... فاليوم صار لها الكلال قيودا
والناس كالعيدان يفضل بعضهم ... بعضا كذاك يفوق عود عودا
وقالت ليلى الأخيلية:
نحن الأخايل لا يزال غلامنا ... حتى يدبّ على العصا مذكورا
[الشعوبية تطعن على عصا الأنبياء] .
أنظر- أبقاك الله- في كم فنّ تصرّف فيه ذكر العصا من أبواب المنافع والمرافق، وفي كم وجه صرفته الشعراء وضرب به المثل. ونحن لو تركنا الإحتجاج لمخاصر البلغاء، وعصي الخطباء، لم نجد بدا من الإحتجاج لجلة
(3/61)

المرسلين، وكبار النبيين، لان الشعوبية قد طعنت في جملة هذا المذهب على قضيب النبي صلّى الله عليه وسلّم وعنزته، وعلى عصاه ومخصرته، وعلى عصا موسى، لأن موسى صلّى الله عليه وسلّم قد كان اتخذها من قبل أن يعلم ما عند الله فيها، وإلام يكون صيّور أمرها «1» . ألا ترى أنه لما قال الله عز وجل: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
، قال: قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
. وبعد ذلك قال: قالَ أَلْقِها يا مُوسى. فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
. ومن يستطيع أن يدّعي الإحاطة بما فيها من مآرب موسى إلا بالتقريب وذكر ما خطر على البال؟! وقد كانت العصا لا تفارق يد سليمان بن داود عليه السلام في مقاماته وصلواته، ولا في موته ولا في أيام حياته، حتى جعل الله تسليط الأرضة عليها وسليمان ميّت وهو معتمد عليها، من الآيات عند من كان لا يعلم أن الجن لم تكن تعلم إلا ما تعلم الإنس.
ولو علم القوم أخلاق كل ملة، وزي أهل كل لغة وعللهم في ذلك، واحتجاجهم له، لقل شغبهم، وكفونا مؤونتهم. هذه الرهبان تتخذ العصيّ، من غير سقم ولا نقصان في جارحة. ولا بد للجاثليق من قناع ومن مظلة وبرطلّة، ومن عكّاز ومن عصا، من غير أن يكون الداعي إلى ذلك كبرا ولا عجزا في الخلقة.
وما زال المطيل القيام بالموعظة أو القراءة أو التلاوة يتخذ العصا عند طول القيام، ويتوكأ عليها عند المشي. كأن ذلك زائد في التكهل والزمانة «2» ، وفي نفي السخف والخفة.
(3/62)

[السمات والأزياء]
[المخصرة]
وبالناس حفظك الله أعظم الحاجة إلى أن يكون لكل جنس منهم سيما، ولكل صنف منهم حلية وسمة يتعارفون بها.
وقال الفرزدق بن غالب:
له ندب مما يقول ابن غالب ... يلوح كما لاحت وسوم المصدق
وقال آخر:
أنار حتى صدقت سماته ... وظهرت من كرم آياته
وأنشدني أبو عبيدة:
سقاها ميسم من آل عمرو ... إذا ما كان صاحبها جحيشا «1»
وذكر بعض الأعراب ضروبا من الوسم، فقال:
بهنّ من خطّافنا خبط وسم «2» ... وحلق في أسفل الذفرى نظم
معها نظام مثل خط بالقلم ... وقرمة ولست ادري من قرم
عرض وخبط للمحليها المسم «3»
وقال تبارك وتعالى: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ.
وكما خالفوا بين الأسماء للتعارف، قال الله عز وجل: وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
. فعند العرب العمّة وأخذ المخصرة من السيما.
(3/63)

وقد لا يلبس الخطيب الملحفة ولا الجبة ولا القميص ولا الرداء. والذي لا بد منه العمة والمخصرة. وربما قام فيهم وعليه إزاره قد خالف بين طرفيه.
وربما قام فيهم وعليه عمامته، وفي يده مخصرته، وربما كانت قضيبا وربما كانت عصا، وربما كانت قناة. وفي القنا ما هو اغلظ من الساق، وفيها ما هو أدق من الخنصر. وقد تكون محكّكة الكعوب مثقّفة من الإعوجاج، قليلة الأبن. وربما كان العود نبعا وربما كان من شوحط، وربما كان من آبنوس، ومن غرائب الخشب ومن كرائم العيدان، ومن تلك الملس المصفاة. وربما كانت لبّ غصن كريم، فإن للعيدان جواهر كجواهر الرجال ولولا ذلك لما كانت في خزائن الخلفاء والملوك. ومنها ما لا تقربه الأرضة ولا تؤثر فيه القوادح والعكّازة إذا لم يكن في اسفلها زجّ فهي عصا، لأن أطول القنا أن يقال رمح خطل، ثم رمح بائن، ثم رمح مخموس، ثم رمح مربوع «1» ، ثم رمح مطرد، ثم عكازة، ثم عصا.
ثم من العصي نصب المساحي والمرور «2» والقدم والفؤوس والمعاول والمناجل، والطبرزينات «3» . ثم يكون من ذلك نصب السكاكين والسيوف والمشامل «4» وكل سهام نبعية، وغير ذلك من العيدان، مما امتدحها أوس بن حجر أو الشّماخ بن ضرار، أو احد من الشعراء، فإنما هي من عصا.
وكل قوس بندق فإنما جيء بقناتها من بروض، ومدح ببريها وصنعتها عصفور القواس. وقال الرقاشي:
(3/64)

أنعت قوسا نعت ذي انتقاء ... جاء بها جالب بروضاء
بعد اعتيام منه وانتصاء «1» ... كافية الطول على انتهاء
مجلوزة الأكعب في استواء ... سالمة من أبن السيساء
فلم تزل مساحل البراء ... تأخذ من طوائف اللحاء
حتى بدت كالحية الصفراء ... ترنو إلى الطائر في السماء
بمقلة سريعة الأقذاء ... ليست بكحلاء ولا زرقاء
وقال الآخر:
قد اغتدي ملث الظلام بفتية ... للرمي قد حسروا له عن أذرع
متنكبين خرائطا لبنادق ... ما بين مضفور وبين مرسع
بأكفهم قضبان بروض قد غدوا ... للطير قبل نهوضها للمرتع
تقذي منيات الطيور عيونها ... يوما إذا رمدت بأيدي النزّع «2»
صفر البطون كأن ليط متونها ... سرق الحرير نواضر لم تسلع «3»
وكانت العنزة التي تحمل بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- وربما جعلوها قبلة- أشهر وأذكر من أن يحتاج في تثبيتها إلى ذكر الإسناد.
[القلائد]
وكانت سيما أهل الحرم إذا خرجوا إلى الحلّ في غير الأشهر الحرم، أن يتقلدوا القلائد، ويعلقوا عليهم العلائق «4» . وإذا أوذم أحدهم الحج «5» تزيا بزي الحاج، وإذا ساق بدنة أشعرها «6» . وخالفوا بين سمات الإبل والغنم،
(3/65)

واعلموا البحيرة بغير علم السائبة «1» ، واعلموا الحامي بغير علم سائر الفحول «2» . وكذلك الفرع والوصيلة والرجيبة والعتيرة من الغنم «3» وكذلك سائر الأغنام السائمة.
وإذا كانت الإبل من حباء ملك غرزوا في أسنمتها الريش والخرق ولذلك قال الشاعر.
يهب الهجان بريشها ورعائها ... كالليل قبل صباحه المتبلّج «4»
وإذا بلغت الإبل ألفا فقئوا عين الفحل، فإن زادت فقئوا العين الأخرى فذلك المفقأ والمعمّى. وقال شاعرهم:
فقأت لها عين الفحيل تعيّفا ... وفيهن رعلاء المسامع والحامي
وقال آخر:
وهبتها وأنت ذو إمتنان ... يفقأ فيها أعين البعران
وقال الآخر:
فكان شكر القوم عند المنن ... كيّ الصحيحات وفقء الأعين
وإذا كان الفحل من الإبل كريما قالوا فحيل، وإذا كان الفحل من النخل كريما قالوا فحّال. قال الراعي:
كانت نجائب منذر ومحرّق ... أماتهن وطرقهن فحيلا
(3/66)

[الثياب]
وكان الكاهن لا يلبس المصبّغ، والعرّاف لا يدع تذليل قميصه وسحب ردائه، والحكم لا يفارق الوبر. وكان لحرائر النساء زيّ، ولكل مملوك زيّ، ولذوات الرايات زي، وللإماء زي.
وكان الزبرقان يصبغ بصفرة. وذكره الشاعر فقال:
وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون ستّ الزبرقان المزعفرا «1»
وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص إذا اعتمّ لم يعتمّ معه أحد، هكذا في الشعر. ولعل ذلك أن يكون مقصورا في بني عبد شمس. وقال أبو قيس بن الأسلت:
وكان أبو أحيحة قد علمتم ... بمكة غير مهتضم ذميم
إذا شدّ العصابة ذات يوم ... وقام إلى المجالس والخصوم
فقد حرمت على من كان يمشي ... بمكة غير مدّخل سقيم
وكان البختريّ غداة جمع ... يدافعهم بلقمان الحكيم
بأزهر من سراة بني لؤي ... كبدر الليل راق على النجوم
هو البيت الذي بنيت عليه ... قريش السر في الزمن القديم «2»
وسطت ذوائب الفرعين منهم ... فأنت لباب سرهم الصميم
وقال غيلان بن خرشة للأحنف: يا أبا بحر، ما بقاء ما فيه العرب؟ قال:
إذا تقلدوا السيوف، وشدوا العمائم واستجادوا النعال، ولم تأخذهم حمية الأوغاد. قال وما حمية الأوغاد؟ قال أن يعدّوا التواهب ذلا.
وقال الأحنف: استجيدوا النعال فإنها خلاخيل الرجال.
والعرب تسمي السيوف بحمائلها أردية.
(3/67)

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه قولا أحسن من هذا، قال: «تما جمال المرأة في خفّها، وتمام جمال الرجل في كمّته «1» » .
ومما يؤكد ذلك قول مجنون بني عامر:
أأعقر من جرا كريمة ناقتي ... ووصلي مفروش لوصل منازل
إذا جاء قعقعن الحليّ ولم أكن ... إذا جئت أرجو صوت تلك الصلاصل
ولم تغن سيجان العراقين نقرة ... ورقش القلنسى بالرجال الأطاول
والعصابة والعمامة سواء. وإذا قالوا سيد معمم فإنما يريدون أن كل جناية يجنيها الجاني من تلك العشيرة فهي معصوبة برأسه.
وقال دريد بن الصّمّة:
أبلغ نعيما وعوفا إن لقيتهما ... إن لم يكن كان في سمعيهما صمم
فلا يزال شهاب يستضاء به ... يهدي المقانب ما لم تهلك الصمم
عاري الأشاجع معصوب بلمته ... أمر الزعامة في عرنينه شمم
وقال الكناني:
تنخّبتها للنسل وهي غريبة ... فجاءت به كالبدر خرقا معمّما
فلو شاتم الفتيان في الحي ظالما ... لما وجدوا غير التكذّب مشتما
ولذلك قيل لسعيد بن العاصي: «ذو العصابة» . وقد قال القائل:
كعاب أبوها ذو العصابة وابنه ... وعثمان ما أكفاؤها بكثير
يقولها خالد بن يزيد وقال عمر بن الخطاب رحمه الله: «العمائم تيجان العرب» .
(3/68)

قال: وقيل لأعرابي: إنك لتكثر لبس العمامة؟ قال: إن شيئا فيه السمع والبصر لجدير أن يوقي من الحر والقر.
وذكروا العمامة عند أبي الأسود الدؤلي فقال: «جنّة في الحرب، ومكنّة من الحر، ومدفأة من القر، ووقار في النديّ، وواقية من الأحداث، وزيادة في القامة، وهي بعد عادة من عادات العرب» .
وقال عمرو بن امرىء القيس:
يا مال والسيد المعمّم قد ... يبطره بعد رأيه السرف
نحن بما عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأي مختلف
[القناع]
وكان من عادة فرسان العرب في المواسم والجموع، وفي أسواق العرب، كأيام عكاظ وذي المجاز وما أشبه ذلك، التقنّع، إلا ما كان من أتى سليط طريف بن تميم، أحد بني عمرو بن جندب، فإنه كان لا يتقنع ولا يبالي أن تثبت عينه جميع فرسان العرب، وكانوا يكرهون أن يعرفوا فلا يكون لفرسان عدوهم همّ غيرهم.
ولما أقبل حمصيصة الشيباني يتأمل طريفا قال طريف:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلي عريفهم يتوسّم
فتوسموني أنني أنا ذاكم ... شاك سلاحي في الحوادث معلم
تحتي الأغرّ وفوق جلدي نثرة ... زغف ترد السيف وهو مثلم
ولكل بكريّ إلي عداوة ... وأبو ربيعة شانىء ومحلّم
فكان هذا من شأنهم. وربما مع ذلك أعلم نفسه الفارس منهم بسيما.
كان حمزة يوم بدر معلما بريشة نعامة حمراء. وكان الزبير معلما بعمامة صفراء. ولذلك قال درهم بن زيد:
(3/69)

إنك لاق غدا غواة بني الملك ... اء فانظر ما أنت مزدهف
يمشون في البيض والدروع كما ... تمشي جمال مصاعب قطف «1»
فأبد سيماك يعرفوك كما ... يبدون سيماهم فتعترف
وكان المقنع الكندي الشاعر، واسمه محمد بن عمير، كان الدهر مقنعا.
والقناع من سيما الرؤساء. والدليل على ذلك والشاهد الصادق، والحجة القاطعة، أن رسول الله صلى صلّى الله عليه وسلّم كان لا يكاد يرى إلا مقنّعا. وجاء في الحديث: «حتى كأن الموضع الذي يصيب رأسه من ثوبه ثوب دهان» .
وكان المقنع الذي خرج بخراسان يدّعي الربوبية، لا يدع القناع في حال من الحالات. وجهل بإدعاء الربوبية من طريق المناسخة، فادعاها من الوجه الذي لا يختلف فيه الأحمر والأسود، والمؤمن والكافر، إن باطله مكشوف كالنهار. ولا يعرف في شيء من الملل والنحل القول بالتناسخ إلا في هذه الفرقة من الغالية. وهذا المقنع كان قصّارا من أهل مرو، وكان أعور ألكن.
فما أدري أيهما أعجب، أدعواه بأنه رب، أو إيمان من آمن به وقاتل دونه؟! وكان اسمه عطاء.
[العمامة]
وقال الآخر:
إذا المرء أثرى ثم قال لقومه ... أنا السيد المفضى إليه المعمّم
ولم يعطهم شيئا أبوا أن يسودهم ... وهان عليهم رغمه وهو ألوم
وقال الآخر:
إذا كشف اليوم العماس عن استه ... فلا يرتدي مثلي ولا يتعمم «2»
(3/70)

قال: وكان مصعب بن الزبير يعتم القفداء، وهو أن يعقد العمامة في القفا. وكان محمد بن سعد بن أبي وقاص، الذي قتله الحجاج، يعتم الميلاء.
وقال الفرزدق:
ولو شهد الخيل ابن سعد لقنعوا ... عمامته الميلاء عضبا مهندا
وقال ثمعلة بن أخضر الضبي:
جلبنا الخيل من أكناف فلج ... ترى فيها من الغزو أقورارا «1»
بكل طمرّة وبكل طرف ... يزين سواد مقلته العذارا «2»
حوالي عاصب بالتاج منا ... جبين أغر يستلب الدوارا
رئيس ما ينازعه رئيس ... سوى ضرب القداح إذا استشارا
وأنشد:
إذا لبسوا عمائمهم لووها ... على كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار
إذا ما كنت جار بني تميم ... فأنت لأكرم الثقلين جار
وأنشد:
وداهية جرها جارم ... جعلت رداءك فيها خمارا
ولذكر العمائم مواضع. قال زيد بن كثوة العنبري:
منعت من العهّار أطهار امه ... وبعض الرجال الماعين زناء
فجاءت به عبل القوام كأنما ... عمامته فوق الرجال لواء «3»
(3/71)

لأن العمامة ربما جعلوها لواء. ألا ترى أن الأحنف بن قيس، يوم مسعود ابن عمرو، حين عقد لعبس بن طلق اللواء، إنما نزع عمامته من رأسه فعقدها له.
وربما شدوا بالعمائم أوساطهم عند المجهدة، وإذا طالت العقبة «1» ولذلك قال شاعرهم:
فسيروا فقد جنّ الظلام عليكم ... فباست امرىء يرجو القرى عند عاصم
دفعنا إليه وهو كالذيخ خاظيا ... نشدّ على أكبادنا بالعمائم
وقال الفرزدق:
بني عاصم إن تلجئوها فإنكم ... ملاجىء للسوءات دسم العمائم
وقال الآخر:
خليليّ شدّا لي بفضل عمامتي ... على كبد لم يبق إلا صميمها
[النعال]
العرب تلهج بذكر النعال، والفرس تلهج بذكر الخفاف. وفي الحديث المأثور: «إن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانوا ينهون نساءهم عن لبس الخفاف الحمر والصفر، ويقولون: هو من زينة نساء آل فرعون» .
وأما قول شاعرهم:
إذا اخضرّت نعال بني غراب ... بغوا ووجدتهم أشرى لئاما
فلم يرد صفة النعل، وإنما أراد أنهم إذا أخضرت الأرض وأخصبوا طغوا وبغوا. كما قال الآخر:
وأطول في دار الحفاظ إقامة ... وأوزن أحلاما إذا البقل أجهلا
(3/72)

ومثل قوله:
يا ابن هشام أهلك الناس اللبن ... فكلهم يسعى بسيف وقرن
وأما قول الآخر:
وكيف أرجّي أن أسود عشيرتي ... وأمي من سلمى أبوها وخالها
رأيتكم سودا جعادا، ومالك ... مخصّرة بيض سباط نعالها
فلم يذهب إلى مديح النعال في انفسها، وإنما ذهب إلى سباطة أرجلهم وأقدامهم، ونفى الجعودة والقصر عنهم.
وقال النابغة:
رقاق النعال طيّب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب
يصونون أجسادا قديما نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب «1»
قال: وبنو الحارث بن سدوس لم ترتبط حمارا قط، ولم تلبس نعلا قط إذا نقبت. وقد قال قائلهم:
ونلقي النعال إذا نقبت ... ولا نستعين بأخلاقها «2»
ونحن الذؤابة من وائل ... إلينا تمد بأعناقها
وهم رهط خالد بن المعمّر، الذي يقول فيه شاعرهم:
معاوي أمّر خالد بن معمر ... فإنك لولا خالد لم تؤمّر
وقائلهم الذي يقول:
أغاضبة عمرو بن شيبان إن رأت ... عديدين من جرثومة ودخيس «3»
فلو شاء ربي كان أير أبيكم ... طويلا كأير الحارث بن سدوس
(3/73)

وكان عمر جعل رياسة بكر لمجزأة بن ثور، فلما استشهد مجزأة جعلها أبو موسى لخالد بن المعمر، ثم ردها عثمان إلى شقيق بن مجزأة بن ثور، فلما خرج أهل البصرة إلى صفين تنازع شقيق وخالد الرياسة، فصيرها عند ذلك علي إلى حضين بن المنذر، فرضي كل واحد منهما وكان يخاف أن يصيّرها إلى خصمه، فسكنت بكر وعرف الناس صحة تدبير علي في ذلك.
وأما قول الآخر:
يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... وشركا من أستها لا تنقطع «1»
كلّ الحذاء يحتذي الحافي الوقع
فهذا كلام محتاج، والمحتاج يتجوز.
وأما قول النجاشي لهند بن عاصم:
إذا الله حيا صالحا من عباده ... كريما فحيا الله هند بن عاصم
وكلّ سلولي إذا ما لقيته ... سريع إلى داعي الندى والمكارم
ولا يأكل الكلب السروق نعالهم ... ولا تنتقي المخّ الذي في الجماجم
قال يونس: كانوا لا يأكلون الأدمغة، ولا ينتعلون إلا بالسبت.
وقال كثير:
إذا نبذت لم تطّب الكلب ريحها ... وإن وضعت في مجلس القوم شمّت
وقال عتيبة بن مرداس، وهو ابن فسوة:
إلى معشر لا يخصفون نعالهم ... ولا يلبسون السبت ما لم يخصّر
وإذا مدح الشاعر النعل بالجودة فقد بدأ بمدح لابسها قبل أن يمدحها.
قال الله تبارك وتعالى لموسى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ
(3/74)

طُوىً
. وقال بعض المفسرين: كانت من جلد غير ذكي. وقال الزبيري:
ليس كما قال، بل اعلمه حق المقام الشريف، والمدخل الكريم. ألا ترى أن الناس إذا دخلوا إلى الملوك ينزعون نعالهم خارجا.
قال: وحدثنا سلام بن مسكين قال: ما رأيت الحسن إلا وفي رجليه النعل رأيته على فراشه وهي في رجليه، وفي مسجده وهو يصلي وهي في رجليه.
وكان بكر بن عبد الله تكون نعله بين يديه فإذا نهض إلى الصلاة لبسها.
وروي ذلك عن عمرو بن عبيد، وهاشم الأوقص، وحوشب، وكلاب، وعن جماعة من أصحاب الحسن.
وكان الحسن يقول: «ما أعجب قوما يروون أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلى في نعليه فلما انفتل من الصلاة علم أنه قد كان وطىء على كذا وكذا، وأشباها لهذا الحديث، ثم لا ترى أحدا منهم يصلي منتعلا» .
وأما قوله:
وقام بناتي بالنعال حواسرا ... وألصقن وقع السبت تحت القلائد
فإن النساء ذوات المصائب إذا قمن في المناحات كن يضربن صدورهن بالنعال.
وقال محمد بن يسير:
كم أرى من مستعجب من نعالي ... ورضائي منها بلبس البوالي
كل جرداء قد تحيّفها الخصف ... بأقطارها، بسرد النقال «1»
لا تداني وليس تشبه في الخل ... قة إن أبرزت نعال الموالي
لا ولا عن تقادم العهد منها ... بليت لا ولا لكرّ الليالي
ولقد قلت حين أوثر ذا الو ... د عليها بثروتي وبمالي
(3/75)

من يغالي من الرجال بنعل ... فسوائي إذا بهن يغالي
أو بغاهن للجمال فإني ... في سواهن زينتي وجمالي
في أخائي وفي وفائي ورائي ... وعفافي ومنطقي وفعالي
ما وقاني الخفي وبلّغني الحا ... جة منها، فإنني لا أبالي
وقال خلف الأحمر:
سقى حجاجنا نوء الثريا ... على ما كان من مطل وبخل
هم جمعوا النعال فأحرزوها ... وسدوا دونها بابا بقفل
إذا أهديت فاكهة وشاة ... وعشر دجائج بعثوا بنعل
ومسواكين طولهما ذراع ... وعشر من رديّ المقل خشل «1»
فإن أهديت ذاك ليحملوني ... على نعل فدقّ الله رجلي
وقال كثير:
كأن ابن ليلى حين يبدو فينجلي ... سجوف الخباء عن مهيب مشمّت
مقارب خطو لا يغير نعله ... رهيف الشراك سهلة المتسمت
إذا طرحت لم تطّب الكلب ريحها ... وإن وضعت في مجلس القوم شمت
وقال بشار:
إذا وضعت في مجلس القوم نعلها ... تضوّع مسكا ما أصابت وعنبرا
ولما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لصعصعة بن صوحان في المنذر بن الجارود ما قال: قال صعصعة: «لئن قلت ذاك يا أمير المؤمنين أنه لنظّار في عطفيه، تفّال في شراكيه، تعجبه جمرة برديه» .
وذم رجل ابن التوأم فقال: «رأيته مشحّم النعل، درن الجورب، مغضّن الخفّ، دقيق الجربان «2» » .
(3/76)

وقال الهيثم: يمين لا يحلف بها الأعرابي أبدا: أن يقول لا أود لك الله صادرا ولا أصدر لك واردا، ولا حططت رحلك، ولا خلعت نعلك.
وقال آخر:
علق الفؤاد بريّق «1» الجهل ... وابرّ واستعصى على الأهل
وصبا وقد شابت مفارقه ... سفها وكيف صبابة الكهل
أدركت معتصري «2» وأدركني ... حلمي ويسّر قائدي نعلي
[إختلاف الأزياء]
قال ابن عباس رحمه الله في تعظيم شأن عصا موسى عليه السلام:
«الدابة ينشق عنها الصفا، معها عصا موسى، وخاتم سليمان، تمسح المؤمن بالعصا وتختم الكافر بالخاتم» .
وجعل الله تبارك وتعالى أكبر آداب النبي عليه السلام في السّواك، وحضّ عليه صلّى الله عليه وسلّم. والمسواك ألا يكون إلا عصا.
وقال أبو الوجيه: قضبان المساويك البشام، والضّرو «3» ، والعتم «4» والأراك، والعرجون، والجريد، والإسحل.
وقد يلبس الناس الخفاف والقلانس في الصيف كما يلبسونها في الشتاء، إذا دخلوا على الخلفاء وعلى الأمراء، وعلى السادة والعظماء، لأن ذلك أشبه بالإحتفال، وبالتعظيم والإجلال، وأبعد من التبذل والإسترسال، وأجدر أن يفصلوا بين مواضع أنسهم في منازلهم ومواضع إنقباضهم.
(3/77)

وللخلفاء عمّة، وللفقهاء عمة، وللبقالين عمة، وللأعراب عمة، وللصوص عمة، وللأبناء عمة، وللروم والنصارى عمة، ولأصحاب التشاجي «1» عمة.
ولكل قوم زي: فللقضاة زي، ولأصحاب القضاة زي، وللشرط زي، وللكتّاب زي، ولكتاب الجند زي. ومن زيهم أن يركبوا الحمير وإن كانت الهماليج «2» لهم معرضة.
وأصحاب السلطان ومن دخل الدار على مراتب: فمنهم من يلبس المبطّنة، ومنهم من يلبس الدّرّاعة، ومنهم من يلبس القباء، ومنهم من يلبس البازيكند ويعلق الخنجر، ويأخذ الجرز، ويتخذ الجمّة «3» .
وزي مجالس الخلفاء في الشتاء والصيف فرش الصوف. وترى أن ذلك أكمل وأجزل وأفخم وأنبل. ولذلك وضعت ملوك العجم على رؤوسها التيجان، وجلست على الأسرة، وظاهرت بين الفرش. وهل يملأ عيون الأعداء ويرعب قلوب المخالفين، ويحشو صدور العوام إفراط التعظيم إلا تعظيم شأن السلطان، والزيادة في الأقدار، وإلا الآلات. وهل دواؤهم إلا في التهويل عليهم؟ وهل تصلحهم إلا إخافتك إياهم؟ وهل ينقادون لما فيه الحظ لهم ويسلسون بالطاعة التي فيها صلاح أمورهم إلا بتدبير يجمع المهابة والمحبة.
وكانت الشعراء تلبس الوشي والمقطعات «4» والأردية السود، وكل ثوب مشهر. وقد كان عندنا منذ نحو خمسين سنة شاعر يتزيا بزي الماضين، وكان
(3/78)

له برد أسود يلبسه في الصيف والشتاء، فهجاه بعض الطياب من الشعراء فقال في قصيدة له:
بع بردك الأسود قبل البرد ... في قرة تأتيك صما صرد
وكان لجربان «1» قميص بشار الأعمى وجبته لبنتان، فكان إذا أراد نزع شيء منها أطلق الأزرار فسقطت الثياب على الأرض، ولم ينزع قميصه من جهة رأسه قط.
وقدّويه العدوي الشحّاجيّ، لم يلبس قط قميصا، وهو اليوم حي، وهو شيخهم، وهو شيخ كبير.
وسعيد بن العاصي الجواد الخطيب، لم ينزع قميصه قط. فقدويه الشحاجي ضد سعيد بن العاصي الأموي. وقال الحطيئة:
سعيد فلا يغررك قلة لحمه ... تخدّد عنه اللحم فهو صليب
وكان شديد السواد نحيفا.
ومن شأن المتكلمين أن يشيروا بأيديهم وأعناقهم وحواجبهم. فإذا أشاروا بالعصي فكأنهم قد وصلوا بأيديهم أيديا أخر. ويدل على ذلك قول الأنصاري حيث يقول:
وسارت لنا سيارة ذات سؤدد ... بكوم المطايا والخيول الجماهر «2»
يؤمون ملك الشام حتى تمكنوا ... ملوكا بأرض الشام فوق المنابر
يصيبون فصل القول في كل خطبة ... إذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر
وقال الكميت بن زيد:
ونزور مسلمة المهذّ ... ب بالمؤبدة السوائر
(3/79)

بالمذهبات المعجبا ... ت لمفحم منا وشاعر
أهل التجاوب في المحا ... فل والمقاول بالمخاصر
وأيضا إن حمل العصا والمخصرة دليل على التأهب للخطبة، والتهيؤ للإطناب والإطالة، وذلك شيء خاص في خطباء العرب، ومقصور عليهم، ومنسوب إليهم. حتى أنهم ليذهبون في حوائجهم والمخاصر بأيديهم، ألفا لها، وتوقعا لبعض ما يوجب حملها، والإشارة بها.
وعلى ذلك المعنى أشار النساء بالمآلي «1» وهن قيام في المناحات، وعلى ذلك المثال ضربن الصدور بالنعال.
وإنما يكون العجز والذلة في دخول الخلل والنقص على الجوارح، وأما الزيادة فيها فالصواب فيه. وهل ذلك إلا كتعظيم كور العمامة، وإتخاذ القضاة القلانس العظام في حمّارة القيظ، وإتخاذ الخلفاء العمائم على القلانس فإن كانت القلانس مكشوفة زادوا في طولها وحدة رؤوسها، حتى تكون فوق قلانس جميع الأمة.
وكذلك القناع، لأنه أهيب. وعلى ذلك المعنى كان يتقنّع العباس بن محمد وعبد الملك بن صالح، والعباس بن موسى وأشباههم. وسليمان بن أبي جعفر، وعيسى بن جعفر، وإسحاق بن عيسى، ومحمد بن سليمان ثم الفضل بن الربيع، والسندي بن شاهك وأشباههما من الموالى. لأن ذلك أهيب في الصدور، وأجل في العيون.
والمقنع أروع من الحاسر، لأنه إذا لم يفارقه الحجاب وإن كان ظاهرا في الطرق كان أشبه بمباينة العوام وسياسة الرعية.
وطرح القناع ملابسة وابتذال، ومؤانسة ومقاربة. والدليل على صواب
(3/80)

هذا العمل من بني هاشم، ومن صنائعهم ورجال دعوتهم، وإنهم قد علموا حاجة الناس إلى أن يهابوهم، وإن ذلك هو صلاح شأنهم- إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان أكثر الناس قناعا.
والدليل على أن ذلك قد كان شائعا في الأسلاف المتبوعين أنا نجد رؤوساء جميع أهل الملل، وأرباب النحل، على ذلك. ولذلك اتخذوا في الحروب الرايات والأعلام، وإنما ذلك كله خرق سود وحمر وصفر وبيض.
وجعلوا اللواء علامة للعقد والعلم في الحرب مرجعا لصاحب الجولة. وقد علموا أنها وإن كانت خرقا على عصي إن ذلك أهيب في القلوب وأهول في الصدور، وأعظم في العيون. ولذلك أجمعت الأمم رجالها ونساؤها على إطالة الشعور، لأن ذا الجمة أضخم هامة وأطول قامة، وإن الكاسي أفخم من العاري. ولولا أن حلق الرأس طاعة وعبادة، وتواضع وخضوع، وكذلك السعي ورمي الجمار، لما فعلوا ذلك.
وفي الحديث أنه لا يفتح عموريّة إلا رجال ثيابهم ثياب الرهبان وشعورهم شعور النساء.
وكل ما زادوه في الأبدان، ووصلوه بالجوارح، فهو زيادة في تعظيم تلك الأبدان.
والعصي والمخاصر مع الذي عددناه، ومع ذلك الذي ذكرناه ونريد ذكره من خصال منافعها، كله باب واحد.
والمغنّي قد يوقّع بالقضيب على أوزان الأغاني، والمتكلم قد يشير برأسه ويده على أقسام كلامه وتقطيعه. ففرقوا ضروب الحركات على ضروب الألفاظ وضروب المعاني. ولو قبضت يده ومنع حركة رأسه، لذهب ثلثا كلامه.
وقال عبد الملك بن مروان: لو ألقيت الخيزرانة من يدي لذهب شطر كلامي.
وأراد معاوية سحبان وائل على الكلام، وكان قد اقتضبه إقتضابا، فلم
(3/81)

ينطق حتى أتوه بمخصرة، فرطلها «1» بيده فلم تعجبه حتى أتوه بمخصرة من بيته.
والمثل المضروب بعصا الأعرج، يقولون: «أقرب من عصا الأعرج» ويضربون المثل بعصا النهدي. قال علقمة بن عبدة في صفة فرس أنثى:
سلاءة كعصا النهدي غلّ لها ... منظّم من نوى قرّان معجوم «2»
ويضربون المثل برميح أبي سعد. وكان أبو سعد أعرج، وفد في وفد عاد. قال ذو الأصبع العدواني:
إن تكن شكّتي رميح أبي سع ... د فقد أحمل السلاح معا
وقال عباس بن مرداس:
جزى الله خيرا خيرنا لصديقه ... وزوّده زادا كزاد أبي سعد
وزوّده صدقا وبرا ونائلا ... وما كان في تلك الوفادة من حمد
وقال الآخر:
فآب بجدوى زامل وابن زامل ... عدوّك، أو جدوى كليب بن وائل
ويقولون: «لو كان في العصا سير» . ويقولون: «ما هو إلا أبنة عصا، وعقدة رشاء» . ويقولون: أخرج عوده كعصا البقّار، وأخرج أيضا عوده كعصا الحادي.
وكان أبو العتاهية أهدى إلى أمير المؤمنين المأمون عصا نبع، وعصا شريان، وعصا آبنوس، وعصا أخرى كريمة العيدان، شريفة الأغصان، وأردية قطرية، وركاء يمانية، ونعالا سبتية «3» ، فقبل من ذلك عصا واحدة ورد الباقي.
(3/82)

وبعث إليه مرة أخرى بنعل وكتب إليه في ذلك:
نعل بعثت بها لتلبسها ... تسعى بها قدم إلى المجد
لو كنت أقدر أن أشركها ... خدي جعلت شراكها خدي
فقبلها.
الكلبي عن أبي صالح، عن أبن عباس، أن الشجرة التي نودي منها موسى عليه السلام عوسج، وأنه نودي من جوف العوسج، وأن عصاه كانت من آس الجنة، وأنها كانت من العود الذي في وسط الورقة، وكان طولها طول موسى عليه السّلام. وقالوا: من العليق.
وقال الآخر:
صفراء من نبع كلون الورس ... أبدؤها بالدهن قبل نفسي
وأنشد الأصمعي عن بعض الأعراب:
ألا قالت الخنساء يوم لقيتها ... كبرت ولم تجزع من الشّيب مجزعا
رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبة ... تقنّع منها رأسه ما تقنعا
فقلت لها لا تهزئي بي فقلما ... يسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
وللقارح اليعبوب خير علالة ... من الجذع المجرى وأبعد منزعا «1»
وقال إسحاق بن سويد:
في رداء النبي أقوى دليل ... ثم في القعب والعصا والقضيب
وقال أبو الشيص الأعمى في هارون الرشيد:
يا بني هاشم أفيقوا فإن ال ... ملك منكم حيث العصا والرداء
ما لهارون في قريش كفيّ ... وقريش ليست لهم أكفاء
(3/83)

وقال آخر:
على خشبات الملك منه مهابة ... وفي الحرب عبل الساعدين قروع
يشقّ الوغى عن رأسه فضل نجدة ... وأبيض من ماء الحديد وقيع
ومما يجوز في العصا قول أبي الشيص:
أنعي فتىّ مصّ الثرى بعده ... بقيّة الماء من العود
أنعي فتى الجود إلى الجود ... ما مثل من أنعي بموجود
ومن هذا الباب قول عبد الله بن جدعان:
فلم أر مثلهم حيّين أبقى ... على الحدثان إن طرقت طروقا «1»
وأضرب عند ضنك الأمر منهم ... وأسلكهم لأحزنه طريقا
شريت صلاحهم بتلاد مالي ... فعاد الغصن معتدلا وريقا «2»
ويقولون للرجل إذا أثرى وأفاد وكثرت نعمته: «ضع عصاك» ، و «قد وضع عصاه» .
وقال أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل:
ونجرّ الأذيال في نعمة زو ... ل تقولان ضع عصاك لدهر
ويقولون للمستوطن في البلد والمستطيب للمكان: «قد ألقى عصاه» .
وقال زهير بن أبي سلمى:
فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاصر المتخيّم
(3/84)

كتاب الزهد
نبدأ على اسم الله وعونه بشيء من كلام النسّاك في الزهد، وبشيء من ذكر أخلاقهم ومواعظهم.
عوف «1» ، عن الحسن قال: «لا تزول قدما ابن آدم حتى يسأل عن ثلاث: شبابه فيما ابلاه، وعمره فيما أفناه، وماله من أين كسبه، وفيما أنفقه» .
قالوا: وقال يونس بن عبيد: سمعت ثلاث كلمات لم أسمع بأعجب منهن: قول حسان بن أبي سنان: ما شيء أهون من ورع، إذا رابك شيء فدعه. وقول ابن سيرين: ما حسدت أحدا على شيء قط. وقول مورّق العجلي:
لقد سألت الله حاجة منذ أربعين سنة، ما قضاها ولا يئست منها. فقيل لمورق: ما هي؟ قال: ترك مالا يعنيني.
(3/85)

وقال أبو حازم الأعرج: إن عوفينا من شر ما أعطينا لم يضرنا ما زوي عنا.
وقال أبو عبد الحميد: لم أسمع أعجب من قول عمر: «لو أن الصبر والشكر بعيران ما باليت أيهما أركب» .
وقال ابن ضبارة: أنا نظرنا فوجدنا الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله.
وقال زياد عبد (عبد الله بن) عياش بن أبي ربيعة: أنا من أن أمنع الدعاء أخوف من أن أمنع الإجابة.
وقال له عمر بن عبد العزيز: يا زياد، إني أخاف الله مما دخلت فيه.
قال: لست أخاف عليك أن تخاف، وإنما أخاف عليك ألا تخاف.
وقال بعض النساك: كفى موعظة أنك لا تموت إلا بحياة، ولا تحيا إلا بموت.
وهو الذي قال: أصحب من ينسى معروفة عندك.
وهو الذي قال: «لا تجعل بينك وبين الله منعما، وعدّ النعم منه عليك مغرما» .
ودخل سالم بن عبد الله، مع هشام بن عبد الملك البيت، فقال له هشام: سلني حاجتك. فقال: أكره أن أسأل في بيت الله غير الله.
وقيل لرابعة القيسية: لو كلمت رجال عشيرتك فاشتروا لك خادما تكفيك مهنة بيتك؟ قالت: «والله إني لأستحي أن أسأل الدنيا من يملك الدنيا فكيف أسألها من لا يملكها؟!» .
وقال بعض النساك: دياركم أمامكم، وحياتكم بعد موتكم.
وقال السموأل بن عاديا اليهودي:
(3/86)

ميتا خلقت ولم أكن من قبلها ... شيئا يموت فمتّ حين حييت
وقال أبو الدرداء: «كان الناس ورقا لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه» .
الحسن بن دينار قال: رأى الحسن رجلا يكيد بنفسه، فقال: «إن آمرأ هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله، وإن آمرأ هذا أوله لجدير أن يخاف آخره» .
قال أبو حازم: الدنيا غرت أقواما فعملوا فيها بغير الحق، فلما جاءهم الموت خلفوا مالهم لمن لا يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم. وقد خلفنا بعدهم، فينبغي لنا أن ننظر إلى الذي كرهناه منهم فنجتنبه، وإلى الذي غبطناهم به فنستعمله.
موسى بن داود، رفع الحديث قال: «النظر إلى خمسة عبادة: النظر إلى الوالدين، والنظر إلى البحر، والنظر إلى المصحف، والنظر إلى الصخرة، والنظر إلى البيت» .
عبد الله بن شداد، قال: «أربع من كنّ فيه فقد برىء من الكبر: من اعتقل البعير، وركب الحمار، ولبس الصوف، وأجاب دعوة الرجل الدون» .
وذكر عند أنس الصوم فقال: «ثلاث من أطاقهن فقد ضبط أمره: من تسحر، ومن قال «1» ومن أكل قبل أن يشرب» .
وقال أبو سعيد، عبد الكريم العقابي: من أخر السحور وقدم الفطور، وأكل قبل أن يشرب، وشرب ثم لم يأكل، فقد ضبط أمره.
(3/87)

وقال الجمّاز «1» : ليس يقوى على الصوم إلا من كبر لقمه، وأطاب أدمه.
مجالد بن سعيد، عن الشعبي، قال: حدثني مرّة الهمداني «2» - قال مجالد: وقد رأيته- وحدثنا اسماعيل بن أبي خالد «3» أنه لم ير مثل مرة قط، كان يصلي في اليوم والليلة خمسمائة ركعة.
وكان مرّة يقول: لما قتل عثمان رحمه الله: حمدت الله ألا أكون دخلت في شيء من قتله، فصليت مائة ركعة. فلما وقع الجمل وصفين حمدت الله ألا أكون في شيء من تلك الحروب، وزدت مائة ركعة. فلما كانت وقعة النهر وإن حمدت الله إذ لم أشهدها، وزدت مائة ركعة فلما كانت فتنة ابن الزبير حمدت الله إذ لم أشهدها، وزدت مائة ركعة.
وأنا أسأل الله أن يغفر لمرة. على أنا لا نعرف لبعض ما قال وجها، لأنك لا تعرف فقيها من أهل الجماعة لا يستحل قتال الخوارج، كما أنا لا نعرف أحدا منهم لا يستحل قتال اللصوص. وهذا أبن عمر، وهو رئيس الحلسية «4» بزعمهم، قد لبس السلاح لقتال نجدة «5» .
وقيل لشريح: الحمد لله الذي سلمك من القتال في شيء من هذه الفتن. قال: فكيف أصنع بقلبي وهواي.
(3/88)

قال الحسن: قتل الناقة رجل واحد، ولكن الله عم القوم بالعذاب، لأنهم عموه بالرضا.
وسئل عمر بن عبد العزيز عن قتلة عثمان وخاذليه وناصريه فقال: تلك دماء كفّ الله يدي عنها، فأنا لا أحب أن أغمس لساني فيها.
ودخل أبو الدرداء على رجل يعوده، فقال له: كيف تجدك؟ فقال:
أفرق من الموت. قال: فمن أصبت الخير كله؟ قال: من الله. قال: فلم تفرق ممن لم تصب الخير كله إلا منه؟! ولما قذف ابراهيم عليه السّلام في النار قال له جبريل عليه السّلام: ألك حاجة يا خليل الله؟ قال: أما إليك فلا.
قال: ورأى بعض النساك صديقا له من النساك مهموما، فسأله عن حاله ذلك فقال: كان عندي يتيم أحتسب فيه الأجر، فمات. قال: فاطلب يتيما غيره فإن ذلك لا يعدمك إن شاء الله. قال أخاف: أن لا أصيب يتيما في سوء خلقه. فقال: أما أني لو كنت مكانك لم أذكره سوء خلقه.
قال: ودخل بعض النساك على صاحب له وهو يكيد بنفسه، فقال له:
طب نفسا فإنك تلقى ربا رحيما. قال: أما ذنوبي فإني أرجو أن يغفرها الله لي، وليس اغتمامي إلا لمن أدع من بناتي. قال له صاحبه: الذي ترجوه لمغفرة ذنوبك فارجه لحفظ بناتك.
قال: وكان مالك بن دينار يقول: لو كانت الصحف من عندنا لأقللنا الكلام.
وقال يونس بن عبيد: لو أمرنا بالجزع لصبرنا.
وكان يقول: كسبت في هذه السوق ستين ألف درهم، ما منها درهم إلا وأنا أخاف أن أسأل عنه.
(3/89)

قال: وسمع عمرو بن عبيد، عبد الرحيم بن صديقة يقول: قال الحطيئة: إنما أنا حسب موضوع: فقال عمرو: كذب ترحه الله، ذلك التقوى.
وقال أبو الدرداء: نعم صومعة المؤمن منزل يكفّ فيه نفسه وبصره وفرجه. وإياكم والجلوس في هذه الأسواق، فإنها تلغي وتلهي.
وقال الحسن: يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا. يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم به. الثواء ها هنا قليل، والبقاء هناك طويل. أمتكم آخر الأمم وأنتم آخر أمتكم، وقد أسرع بخياركم فماذا تنتظرون؟ آلمعاينة؟ فكأن قد. هيهات هيهات، ذهبت الدنيا بحاليها، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم، فيالها موعظة لو وافقت من القلوب حياة! أما أنه والله لا أمة بعد أمتكم، ولا نبيّ بعد نبيكم، ولا كتاب بعد كتابكم. أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وإنما ينتظر بأولكم أن يلحق آخركم. من رأى محمدا صلّى الله عليه وسلّم فقد رآه غاديا رائحا، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة. رفع له علم فشمر إليه. فالوحاء والنجاء النجاء. علام تعرّجون. أتيتم ورب الكعبة. قد أسرع بخياركم وأنتم كل يوم ترذلون، فماذا تنتظرون. إن الله تعالى بعث محمدا عليه السلام على علم منه، إختاره لنفسه، وبعثه برسالته، وأنزل عليه كتابه، وكان صفوته مع خلقه، ورسوله إلى عباده، ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض، وآتاه منها قوتا وبلغه، ثم قال:
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
، فرغب أقوام عن عيشه، وسخطوا ما رضي له ربه، فأبعدهم الله واسحقهم. يا ابن آدم، طأ الأرض بقدمك فإنها عما قليل قبرك، واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك مذ سقطت من بطن أمك. فرحم الله رجلا نظر فتفكر، وتفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر، وابصر فصبر. قد أبصر أقوام فلم يصبروا فذهب الجزع بقلوبهم ولم يدركوا ما طلبوا، ولم يرجعوا إلى ما فارقوا. يا ابن آدم، أذكر قوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ
(3/90)

فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً. اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
. عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. خذوا صفاء الدنيا وذروا كدرها، فليس الصفو ما عاد كدرا، ولا الكدر ما عاد صفوا. دعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم. ظهر الجفاء وقلت العلماء، وعفت السنة وشاعت البدعة. لقد صحبت أقواما ما كانت صحبتهم إلا قرّة العين، وجلاء الصدر. ولقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق من أن ترد عليهم، منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها، وكانوا فيما أحلّ الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرم عليكم منها. ما لي أسمع حسيسا ولا أرى أنيسا. ذهب الناس وبقي النسناس «1» . لو تكاشفتم ما تدافنتم. تهاديتم الأطباق ولم تتهادوا النصائح. قال إبن الخطاب: رحم الله امرأ أهدى إلينا مساوينا. أعدوا الجواب فإنكم مسؤولون. المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن أخذه من قبل ربه. إن هذا الحق قد جهد أهله وحال بينهم وبين شهواتهم، وما يصبر عليه إلا من عرف فضله، ورجا عاقبته. فمن حمد الدنيا ذم الآخرة، وليس يكره لقاء الله إلا مقيم على سخطه. يا ابن آدم، ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال.
وكان إذا قرىء: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ
قال: عم ألهاكم؟! ألهاكم عن دار الخلود، وجنة لا تبيد. هذا والله فضح القوم، وهتك الستر وأبدى العوار «2» .
تنفق مثل ديتك في شهواتك سرفا، وتمنع في حق الله درهما. ستعلم يا لكع «3» . الناس ثلاثة: مؤمن، وكافر، ومنافق. فأما المؤمن فقد ألجمه الخوف، ووقمه ذكر العرض. وأما الكافر فقد قمعه السيف، وشرده الخوف، فأذعن بالجزية، وأسمح بالضريبة. وأما المنافق ففي الحجرات والطرقات، يسرون غير ما يعلنون، ويضمرون غير ما يظهرون. فاعتبروا إنكارهم ربهم بأعمالهم الخبيثة. ويلك! قتلت وليه ثم تتمنى عليه جنته!
(3/91)

وكان يقول: رحم الله رجلا خلا بكتاب الله فعرض عليه نفسه، فإن وافقه حمد ربه وسأله الزيادة من فضله، وإن خالفه إعتتب وأناب «1» ، ورجع من قريب. رحم الله رجلا وعظ أخاه وأهله فقال: يا أهلي، صلاتكم صلاتكم، زكاتكم زكاتكم، جيرانكم جيرانكم، إخوانكم إخوانكم، مساكنكم مساكنكم، لعل الله يرحمكم. فإن الله تبارك وتعالى أثنى على عبد من عباده فقال: وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا
. يا ابن آدم: كيف تكون مسلما ولم يسلم منك جارك، وكيف تكون مؤمنا ولم يأمنك الناس.
وكان يقول: لا يستحق أحد حقيقة الإيمان حتى لا يعيب الناس بعيب هو فيه، ولا يأمر بإصلاح عيوبهم حتى يبدأ بإصلاح ذلك من نفسه، فإنه إذا فعل ذلك لم يصلح عيبا إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي له أن يصلحه. فإذا فعل ذلك شغل بخاصة نفسه عن عيب غيره. وإنك ناظر إلى عملك يوزن خيره وشره، فلا تحقرنّ شيئا من الخير وإن صغر، فإنك إذا رأيته سرّك مكانه. ولا تحقرن شيئا من الشر وإن صغر، فإنك إذا رأيته ساءك مكانه.
وكان يقول: رحم الله أمرأ كسب طيّبا وأنفق قصدا، وقدّم فضلا. وجهوا هذه الفضول حيث وجهها الله، وضعوها حيث أمر الله، فإن من كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم ويؤثرون بالفضل. ألا أن هذا الموت قد أضرّ بالدنيا ففضحها، فلا والله ما وجد ذولب فيها فرحا. فإياكم وهذه السبل المتفرقة، التي جماعها الضلالة وميعادها النار. أدركت من صدر هذه الأمة قوما كانوا إذا أجنّهم الليل فقيام على أطرافهم، يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون مولاهم في فكاك رقابهم «2» . إذا عملوا الحسنة سرتهم وسألوا الله أن يتقبلها منهم، وإذا عملوا سيئة ساءتهم وسألوا الله أن يغفرها لهم. يا بن آدم، إن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس ها هنا شيء يغنيك، وإن
(3/92)

كان يغنيك ما يكفيك فالقليل من الدنيا يغنيك. يا بن آدم، لا تعمل شيئا من الحق رياء، ولا تتركه حياء.
وكان يقول: إن العلماء كانوا قد استغنوا بعلمهم من أهل الدنيا، كانوا يقضون بعلمهم على أهل الدنيا ما لا يقضي أهل الدنيا بدنياهم فيها، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم، فأصبح أهل العلم اليوم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في دنياهم، فرغب أهل الدنيا بدنياهم عنهم، وزهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم.
وكان يقول: لا أذهب إلى من يواري عني غناه ويبدي لي فقره ويغلق دوني بابه ويمنعني ما عنده، وادع من يفتح لي بابه ويبدي لي غناه ويدعوني إلى ما عنده.
وكان يقول: يا بن آدم، لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر.
مؤمن متّهم، وعلج أغتم «1» وأعرابيّ لا فقه له، ومنافق مكذّب، ودنياويّ مترف، نعق بهم ناعق فاتبعوه، فرّاش نار وذبّان طمع.
والذي نفس الحسن بيده ما أصبح في هذه القرية مؤمن إلا وقد أصبح مهموما حزينا، وليس لمؤمن راحة دون لقاء الله، والناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم، فصار المؤمن إلى إيمانه، والمنافق إلى نفاقه. أي قوم، إن نعمة الله عليكم أفضل من أعمالكم، فسارعوا إلى ربكم، فإنه ليس لمؤمن راحة دون الجنة، ولا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همّه.
وقال الحسن في يوم فطر، وقد رأى الناس وهيئاتهم: إن الله تبارك وتعالى جعل رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق أقوام ففازوا وتخلّف آخرون فخابوا. فالعجب من الضاحك والله ان لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته، عن اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه
(3/93)

المحسنون، ويخسر فيه المبطلون. أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسيء بإساءته عن ترجيل شعر وتجديد ثوب «1» .
وحدّث عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه قال:
الناس طالبان: فطالب يطلب الدنيا فارفضوها في نحره، فإنه ربما أدرك الذي طلب منها فهلك بما أصاب منها، وربما فاته الذي طلب منها فهلك بما فاته منها. وطالب الآخرة، فإذا رأيتم طالب الآخرة فنافسوه.
وحدث عن عمر بن الخطاب رحمه الله أنه قال:
يا أيها الناس، أنه أتى عليّ حين وأنا أحسب أنه من قرأ القرآن أنه إنما يريد به الله وما عنده. ألا وقد خيل إلي أن أقواما يقرأون القرآن يريدون به ما عند الناس. ألا فأريدوا الله بقراءتكم، وأريدوه بأعمالكم، فإنما كنا نعرفكم إذ الوحي ينزل، وإذ النبي صلّى الله عليه وسلّم بين أظهرنا، فقد رفع الوحي وذهب النبي عليه السلام، فإنما أعرفكم بما أقول لكم. ألا فمن أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا وأثنينا عليه، ومن أظهر لنا شرا ظننا به شرا وأبغضناه عليه. إقدعوا «2» هذه النفوس عن شهواتها، فإنها طلعة «3» ، وإنكم ألا تقدعوها تنزع بكم إلى شر غاية. إن هذا الحق ثقيل مرىء، وإن الباطل خفيف وبيء، وترك الخطيئة خير من معالجة التوبة. ورب نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل.
وقال أبو حازم الأعرج: وجدت الدنيا شيئين: شيئا هو لي لن أعجله دون أجله ولو طلبته بقوة السموات والأرض، وشيئا هو لغيري لم أنله فيما مضى ولا
(3/94)

أناله فيما بقي. يمنع الذي لي من غيري، كما منع الذي لغيري مني. ففي أي هذين أفني عمري، وأهلك نفسي.
ودخل على بعض الملوك من بني مروان فقال: أبا حازم، ما المخرج مما نحن فيه؟ قال: تنظر إلى ما عندك فلا تضعه إلا في حقه، وما ليس عندك فلا تأخذه إلا بحقه. قال: ومن يطيق ذلك يا أبا حازم؟ قال: فمن أجل ذلك ملئت جهنم من الجنة والناس أجمعين. قال: ما مالك؟ قال: مالان. قال:
ما هما؟ قال: الثقة بما عند الله، واليأس مما في أيدي الناس. قال: أرفع حوائجك إلينا. قال: هيهات، قد رفعتها إلى من لا تختزل الحوائج دونه، فإن أعطاني منها شيئا قبلت، وإن زوى عنى منها شيئا رضيت.
وقال الفضيل بن عياض: يا ابن آدم، إنما يفضلك الغني بيومك. أمس قد خلا، وغد لم يأت، فإن صبرت. يومك أحمدت أمرك، وقويت على غدك.
وإن عجزت يومك أذممت أمرك، وضعفت عن غدك. وإن الصبر يورث البرء، وإن الجزع يورث السقم، وبالسقم يكون الموت، وبالبرء تكون الحياة.
وقال الحسن: أيا فلان، أترضى هذه الحال التي أنت عليها للموت إذا نزل بك؟ قال: لا. قال: افتحدّث نفسك بالإنتقال عنها إلى حال ترضاها للموت إذا نزل بك؟ قال: حديثا بغير حقيقة. قال: أفبعد الموت دار فيها مستعتب «1» ؟ قال: لا. قال: فهل رأيت عاقلا رضي لنفسه بمثل الذي رضيت به لنفسك؟! قال عيسى بن مريم صلّى الله عليه وسلّم: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، وإلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميت قلوبهم، وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم» .
(3/95)

ورأوه يخرج من بيت مومسة، فقيل له: يا روح الله ما تصنع عند هذه؟
قال: «إنما يأتي الطبيب المرضى» .
وقال حين مر ببعض الخلق فشتموه، ثم مر بآخرين فشتموه فكلما قالوا شرا قال خيرا، فقال له رجل من الحواريين: كلما زادوك شرا زدتهم خيرا حتى كأنك إنما تغريهم بنفسك، وتحثهم على شتمك! قال: «كل إنسان يعطي مما عنده» .
وقال: «ويلكم يا عبيد الدنيا، كيف تخالف فروعكم أصولكم، وعقولكم أهواءكم. قولكم شفاء يبرىء الداء، وعملكم داء لا يقبل الدواء.
لستم كالكرمة التي حسن ورقها، وطاب ثمرها، وسهل مرتقاها، بل أنتم كالسّمرة التي قل ورقها وكثر شوكها، وصعب مرتقاها. ويلكم يا عبيد الدنيا، جعلتم العمل تحت أقدامكم، من شاء أخذه، وجعلتم الدنيا فوق رؤوسكم لا يستطاع تناولها، لا عبيد أتقياء، ولا أحرار كرام، ويلكم أجراء السوء، الأجر تأخذون، والعمل تفسدون. سوف تلقون ما تحذرون يوشك رب العمل أن ينظر في عمله الذي أفسدتم، وفي أجره الذي أخذتم. ويلكم غرماء السوء تبدأون بالهدية قبل قضاء الدين، بالنوافل تطوعون، وما أمرتم به لا تؤدون.
إن رب الدين لا يقبل الهدية حتى يقضي دينه» .
وكان أبو الدرداء يقول: «أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب، واحذر أن تظلم من لا ناصر له إلا الله» .
وقال وزر العبد:
لعمر أبي المملوك ما عاش أنه ... وإن أعجبته نفسه لذليل
يرى الناس أنصارا عليه وما له ... من الناس إلا ناصرون قليل
شيخ من أهل البادية قال: المعرض بالناس أتقى صاحبه ولم يتق ربه. وكان بكر بن عبد الله يقول: «أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم» . وقال: «من كان له من نفسه واعظ عارضه ساعة الغفلة، وحين الحمية» .
(3/96)

وقال علي للأشتر: «أنظر في وجهي» ، حين جرى بينه وبين الأشعث ابن قيس ما جرى.
وكانت العجم تقول: «إذا غضب الرجل فليستلق، وإذا أعيا فليرفع رجليه» .
وقال أبو الحسن: كان لرجل من النساك شاة، وكان معجبا بها، فجاء يوما فوجدها على ثلاث قوائم فقال: من صنع هذا بالشاة؟ قال غلامه: أنا.
قال: ولم؟ قال: أردت أن أغمك. قال: لا جرم لأغمن الذي أمرك بغمي، إذهب فأنت حر.
سعيد بن عامر «1» ، عن محمد بن علقمة، قال سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو يقول: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه من ذلك الصبر إلا كان ما عاضه الله أفضل مما انتزع منه. ثم قرأ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد «2» عن أصحابه قالوا: حضرت عمرو بن عبيد الوفاة فقال لعديله: نزل بي الموت ولم أتأهب له. اللهم إنك تعلم أنه لم يسنح لي أمران لك في أحدهما رضا لي في الآخر هوى إلا اخترت رضاك على هواي، فاغفر لي.
ولما خبر أبو حازم سليمان بن عبد الملك بو عبد الله للمذنبين، قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال أبو حازم: قريب من المحسنين.
قال: وخرج عثمان بن عفان رحمه الله من داره فرأى في دهليزه أعرابيا في بت، أشغى «3» ، غائر العينين، مشرف الحاجبين، فقال يا أعرابي: أين ربك؟ قال: بالمرصاد. وكان الأعرابي عامر بن عبد قيس، وكان ابن عامر سيره إليه.
(3/97)

قال: وغدا أعرابي من طيىء مع امرأة له، فاحتلبا لبنا ثم قعدا يتمجعان «1» ، فقالت امرأته: أنحن أنعم عيشا أم بنو مروان؟ قال: هم أطيب طعاما منا، ونحن أردأ كسوة منهم، وهم أنعم منا نهارا، ونحن أظهر منهم ليلا.
قال: وعظ عمر بن الخطاب رجلا فقال: لا يلهك الناس عن نفسك، فإن الأمر يصير إليك دونهم! ولا تقطع النهار سادرا «2» فإنه محفوظ عليك ما عملت. وإذا أسأت فأحسن، فإني لم أر شيئا أشد طلبا ولا أسرع دركا من حسنة حديثة لذنب قديم.
قال: كان هلال بن مسعود يقول: زاهدكم راغب، ومجتهدكم مقصر، وعالمكم جاهل، وجاهلكم مغترّ.
مسلمة بن محارب قال: قال عامر بن عبد قيس: الدنيا والدة للموت، ناقضة للمبرم، مرتجعة للعطية، وكل من فيها يجري إلى ما لا يدري، وكل مستقر فيها غير راض بها، وذلك شهيد على أنها ليست بدار قرار.
قال الحسن: من أيقن بالخلف جاد بالعطية.
وقال أسماء بن خارجة: إذا قدمت المودة سمج الثناء.
وقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظيّ: عظني. قال:
لا أرضى نفسي لك، إني لأصلي بين الفقير والغني فأميل على الفقير واوسع للغني.
قال: وقال الحسن: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل.
قال: كان أبو بكر رحمه الله إذا قيل له: مات فلان، قال: «لا إله إلا الله» . وكان عثمان يقول: «فلا إله إلا الله» .
(3/98)

وركب سليمان بن عبد الملك يوما في زي عجيب، فنظرت إليه جارية له فقالت: إنك لمعني ببيتي الشاعر. قال: وما هما؟ فأنشدته:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب ... كان في الناس غير أنك فان
قال: ويلك نعيت إليّ نفسي.
قال: صام رجل سبعين سنة، ثم دعا الله بحاجة فلم يستجب له، فرجع لنفسه فقال: «منك أتيت» . فكان إعترافه أفضل من صومه.
وقال: من تذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباد الله.
وقال الحسن: إذا سرّك أن تنظر إلى الدنيا بعدك فانظر إليها بعد غيرك.
وكان الحسن يقول: ليس الإيمان بالتحلي ولا التمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال.
قال: مات ذر بن أبي ذر الهمداني، من بني مرهبة، وهو ذر بن عمر بن ذر فوقف على قبره فقال: يا ذر، والله ما بنا إليك من فاقة، وما بنا إلى أحد سوى الله من حاجة. يا ذر، شغلني الحزن لك عن الحزن عليك. ثم قال: اللهم إنك وعدتني بالصبر على ذر صلواتك ورحمتك. اللهم وقد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر لذر فلا تعرفه قبيحا من عمله، اللهم وقد وهبت له إساءته إلي فهب لي إساءته إلى نفسه، فإنك أجود وأكرم.
فلما أنصرف عنه التفت إلى قبره وقال: يا ذر، قد أنصرفنا وتركناك ولو أقمنا ما نفعناك! سحيم بن حفص قال: قال هانيء بن قبيصة، لحرقة بنت النعمان، ورآها تبكي: ما لك تبكين؟ قالت: رأيت لأهلك غضارة، ولم تمتليء دار قط فرحا إلا امتلأت حزنا.
قال: ونظرت امرأة أعرابية إلى امرأة حولها عشرة من بنيها كأنهم الصقور، فقالت: لقد ولدت أمكم حزنا طويلا.
(3/99)

وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لأزواجه: «أسرعكن بي لحاقا أطولكن يدا» . فكانت عائشة تقول: أنا تلك، أنا أطولكن يدا. فكانت زينب بنت جحش، وذلك أنها كانت امرأة كثيرة الصدقة، وكانت صناعا تصنع بيديها وتبيعه وتتصدق به.
قال الشاعر:
وما إن كان أكثرهم سواما ... ولكن كان أطولهم ذراعا
قال: كان الحسن يقول: ما أنعم الله على عبد نعمة إلا وعليه فيها تبعة، إلا ما كان من نعمته على سليمان صلّى الله عليه وسلّم، فإن الله عز وجل قال عند ذكره: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ.
قال: باع عبد الله بن عتبة بن مسعود أرضا بثمانين ألفا، فقيل له: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا. قال: «إنما أجعل هذا المال ذخرا لي عند الله، واجعل الله ذخرا لولدي» . وقسم المال.
وقال رجل: صحبت الربيع بن خثيم سنتين فما كلمني إلا كلمتين، قال لي مرة: أمك حية؟ وقال لي مرة أخرى: كم في بني تميم من مسجد؟
وقال أبو فروة: كان طارق صاحب شرط خالد بن عبد الله القسري مر بابن شبرمة، وطارق في موكبه، فقال ابن شبرمة:
فإن كانت الدنيا تحبّ فإنها ... سحابة صيف عن قليل تقشّع
اللهم لي ديني ولهم دنياهم. فاستعمل ابن شبرمة بعد ذلك على القضاء فقال ابنه: أتذكر قولك يوم مر طارق في موكبه؟ فقال: يا بني، إنهم يجدون مثل أبيك، ولا يجد أبوك مثلهم. يا بني، إن أباك أكل من حلوائهم وحط في أهوائهم.
قال الحسن: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء.
وقال الحسن ما أعطى رجل من الدنيا شيئا إلا قيل له خذه ومثله من الحرص
(3/100)

قال: مر مروان بن الحكم في العام الذي بويع بزرارة بن جزيء الكلابي، وهم على ماء لهم، فقال: كيف أنتم آل جزي؟ قالوا: بخير زرعنا الله فأحسن زرعنا، وحصدنا فأحسن حصادنا.
قال الحسن: يا ابن آدم، إنما أنت عدد فإذا مضى يوم فقد مضى بعضك.
وقال الحسن: يا بن آدم، إن كان يغنيك من الدنيا ما يكفيك فأدنى ما فيها يغنيك. وإن كان لا يغنيك منها ما يكفيك فليس فيها شيء يغنيك.
قال: نزل الموت بفتى وكان فيه رمق، فرفع رأسه فإذا أبواه يبكيان عند رأسه، فقال: مالكما تبكيان؟ قالا: تخوفا عليك من الذي كان من إسرافك على نفسك. فقال: لا تبكيا، فو الله ما يسرني أن الذي بيد الله بأيديكما.
أبو الحسن، عن علي بن عبد الله القرشي قال: قال قتادة: يعطى الله العبد على نية الآخرة ما شاء من الدنيا والآخرة، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا.
عوانة قال: قال الحسن: قدم علينا بشر بن مروان أخو الخليفة وأمير المصرين، وأشبّ الناس، فأقام عندنا أربعين يوما ثم طعن في قدميه فمات، فأخرجناه إلى قبره، فلما صرنا إلى الجبّان «1» إذا نحن بأربعة سودان يحملون صاحبا لهم إلى قبره، فوضعنا السرير فصلينا عليه، ووضعوا صاحبهم فصلوا عليه، ثم حملنا بشرا إلى قبره وحملوا صاحبهم إلى قبره، ودفنا بشرا ودفنوا صاحبهم، ثم انصرفوا وانصرفنا، ثم التفت التفاتة فلم أعرف قبر بشر من قبر الحبشي. فلم أر شيئا قط كان أعجب منه.
وقال عبد الله بن الزبعري:
والعطيات خساس بيننا ... وسواء قبر مثر ومقل
(3/101)

وتقول الحكماء: ثلاثة أشياء يستوي فيها الملوك والسوقة، والعلية والسّفلة: الموت، والطّلق، والنّزع.
وقال الهيثم بن عدي، عن رجاله، بينا حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي يتذاكران أعاجيب الزمان، وتغير الأيام، وهما في عرصة أيوان كسرى، وكان أعرابي من غامد يرعى شويهات له نهارا، فإذا كان الليل صيرهن إلى داخل العرصة، وفي العرصة سرير رخام كان كسرى ربما جلس عليه، فصعدت غنيمات الغامدي على سرير كسرى، فقال سلمان: ومن أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامدي على سرير كسرى.
قال: لما انصرف علي بن أبي طالب رضي الله عنه من صفين مرّ بمقابر فقال:
السلام عليكم أهل الديار الموحشة، والمحال المقفرة، من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات. أنتم لنا سلف فارط، ونحن لكم تبع، وبكم عما قليل لاحقون. اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم.
الحمد لله الذي جعل الأرض كفاتا، أحياء وأمواتا. والحمد لله الذي خلقكم وعليها يحشركم، ومنها يبعثكم، وطوبى لمن ذكر المعاد، وأعد للحساب، وقنع بالكفاف.
وقال عمر رحمه الله «استغفروا الدموع بالتذكّر» .
وقال الشاعر:
سمعن بهيجا أوجفت فذكرنه ... ولا يبعث الأحزان مثل التذكّر
وقال أعرابي:
لا تشرفنّ يفاعا إنه طرب ... ولا تغنّ إذا ما كنت مشتاقا
(3/102)

قال ابن الأعرابي: سمعت شيخا أعرابيا يقول: إني لأسر بالموت، لا دين ولا بنات.
علي بن الحسن قال: قال صالح المري: دخلت دار الموريانيّ فاستفتحت ثلاث آيات من كتاب الله، استخرجتها حين ذكرت الحال، فيها قوله عز وجل: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا
، وقوله: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
، وقوله: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا.
قال: فخرج اليّ أسود من ناحية الدار فقال: يا أبا بشر، هذه سخطة المخلوق، فكيف سخطة الخالق! قال: وأصاب ناسا مطر شديد وظلمة وريح، ورعد وبرق، فقال رجل من النساك: اللهم إنك قد أريتنا فدرتك فأرنا رحمتك.
عوانة قال: قال عبد الله بن عمر: فاز عمر بن أبي ربيعة بالدنيا والآخرة: غزا في البحر فأحرقوا سفينته فاحترق.
قال: وطلق أبو الخندق امرأته أم الخندق، فقالت: أتطلقني بعد طول الصحبة؟ فقال: ما دهاك عندي غيره.
وكان أبو اسحاق يقول: ما ألأمها من كلمة.
قال: مرّ عمر بن الخطاب رحمه الله بقوم يتمنون، فلما رأوه سكتوا، قال: فيم كنتم؟ قالوا: كنا نتمنى. قال: فتمنوا وأنا أتمنى معكم قالوا: فتمنّ.
قال: أتمنى رجالا ملء هذا البيت مثل أبي عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة. إن سالما كان شديد الحب لله، لو لم يخف الله ما عصاه. وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» .
شعبة، عن عمرو بن مرّة قال: قدم وفد من أهل اليمن على أبي بكر رحمه الله، فقرأ عليهم القرآن فبكوا، فقال ابو بكر: هكذا كنا، حتى قست القلوب.
(3/103)

وقال أبو بكر: «طوبى لمن مات في نأنأة الإسلام «1» » .
قال سعد بن مالك، أو معاذ «2» : «ما دخلت في صلاة فعرفت من عن يميني ولا من عن شمالي، وما شيّعت جنازة قط إلا حدثت نفسي بما يقال له وما يقول، وما سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال شيئا قط إلا علمت أنه كما قال.
قال أبو الدرداء: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث: أضحكني مؤمّل الدنيا والموت يطلبه، وغافل ولا يغفل عنه، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط ربه أم راض. وأبكاني هول المطلع، وإنقطاع العمل، وموقفي بين يدي الله لا يدري أيأمر بي إلى الجنة أم إلى النار.
سحيم بن حفص، قال: رأى أياس بن قتادة العبشمي شيبة في لحيته، فقال: «أرى الموت يطلبني، وأراني لا أفوته. أعوذ بك من فجاءات الأمور، وبغتات الحوادث. يا بني سعد، إني قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبتي» .
ولزم بيته، فقال له أهله: تموت هزلا! قال: «لأن أموت مؤمنا مهزولا أحب إلي من أن أموت منافقا سمينا» .
وذكر قوم ابليس فلعنوه وتغيظوا عليه، فقال أبو حازم الأعرج: وما ابليس؟! لقد عصي فما ضرّ، وأطيع فما نفع.
قال: وقال بكر بن عبد الله المزني: الدنيا ما مضى منها فحلم، وما بقي منها فأماني.
قال: ودخل أبو حازم مسجد دمشق، فوسوس إليه الشيطان، إنك قد أحدثت بعد وضوئك. قال: أوقد بلغ هذا من نصيحتك! وقال بعض الطيّاب:
عجبت من ابليس في كبره ... وخبث ما أبداه من نيته
تاه على آدم في سجدة ... وصار قوّادا لذريته
(3/104)

قال: فأنشدتها مسمع ابن عاصم فقال: وأبيك لقد ذهب مذهبا.
الفضل بن مسلم قال: قال مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير: لا تنظروا إلى خفض عيشهم، ولين ملابسهم، ولكن أنظروا إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم.
قال أبو ذرّ: لقد أصبحت وإن الفقر أحبّ إلي من الغنى، والسقم أحبّ إلي من الصحة، والموت أحب إلي من الحياة. قال دهثم: «لكني لا أقول ذلك. قال: قال داود صلّى الله عليه وسلّم: اللهم لا صحة تطغيني، ولا مرضا يضنيني ولكن بين ذينك «1» » .
قال الحسن: إن قوما جعلوا تواضعهم في ثيابهم، وكبرهم في صدورهم، حتى لصاحب المدرعة بمدرعته «2» ، أشدّ فرحا من صاحب المطرف بمطرفه «3» .
قال: وقال داود النبي عليه السلام: «إن لله سطوات ونقمات» . فإذا رأيتموها فداووا قروحكم بالدعاء، فإن الله تبارك وتعالى يقول: (لولا رجال خشع، وصبيان رضع، وبهائم رتع، لصببت العذاب صبا) .
قال: اشترى صفوان بن محرز بدنة بتسعة دنانير، فقيل له. أتشتري بدنة بتسعة دنانير وليس عندك غيرها؟ قال: سمعت الله تبارك وتعالى يقول:
لَكُمْ فِيها خَيْرٌ.
وقيل لمحمد بن سوقة «4» : تحج وعليك دين؟ قال: هو أقضى للدين.
قال: ولقي ناسك ناسكا ومعه خف فقال: ما تصنع بهذا؟ قال عدة للشتاء.
قال: كانوا يستحيون من هذا.
(3/105)

قال أبوذر: تخضمون ونقضم «1» ، والموعد لله.
قال الزبير: يكفينا من خضمكم القضم ومن نصّكم العنق «2» .
وقال أيمن بن خريم «3» :
رجوا بالشقاق الأكل خضما فقد رضوا ... أخيرا من أكل الخضم أن يأكلوا قضما
وقال عمرو لمعاوية: من أصبر الناس؟ قال: من كان رأيه رادا لهواه.
وتواصفوا حال الزاهد بحضرة الزهري، فقال الزهري: «الزاهد من لم يغلب الحرام صبره، ولا الحلال شكره» .
قال: وذكر عند أعرابي رجل بشدة الإجتهاد، وكثرة الصوم، وطول الصلاة، فقال: هذا رجل سوء، أو ما يظن هذا أن الله يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب.
قال أبو بكر: ما ظنك بخالق الكرامة لمن يريد كرامته وهو عليه قادر؟
وما ظنك بخالق الهوان لمن يريد هوانه وهو عليه قادر؟
وزعم أبو عمرو الزعفراني، قال: كان عمرو بن عبيد عند حفص بن سالم، فلم يسأله أحد من أهله وحشمه حاجة إلا قال: لا. فقال عمرو: أقلّ من قول لا، فإنه ليس في الجنة لا.
قال: وقل عمرو: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا سئل ما يجد أعطى، وإذا سئل ما لا يجد قال: يصنع الله.
قال: وقال عمرو بن الخطاب رحمه الله: «أكثروا لهن من قول لا، فإن نعم يضريهن على المسألة» . قال: وإنما يخص بذلك عمر النساء.
(3/106)

قال الحسن: أدركت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق من أن ترد عليهم، منكم من سيئاتكم أن تعذبوا عليها.
قال أبو الدرداء: من يشتري مني عادا وأموالها بدرهم.
ودخل علي بن أبي طالب رضي الله عنه المقابر فقال: «أما المنازل فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، وأما الأزواج فقد نكحت. هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم قال: «والذي نفسي بيده لو أذن لهم في الكلام لأخبروا أن خير الزاد التقوى» .
قال أبو سعيد الزاهد: عيرت اليهود عيسى بن مريم صلّى الله عليه وسلّم بالفقر فقال:
«من الغنى أتيتم» .
وقال آخر: لو لم يعرف من شرف الفقر إلا أنك لا ترى أحدا يعصي الله ليفتقر. وهذا الكلام بعينه مدخول.
قال: سأل الحجاج أعرابيا عن أخيه محمد بن يوسف، كيف تركته؟
فقال: تركته بضا عظيما سمينا. قال: لست عن هذا أسألك. قال تركته ظلوما غشوما. قال: أو ما علمت أنه أخي؟ قال: أتراه بك أعز مني بالله! وقال بعضهم: نجد في زبور داود: «من بلغ السبعين اشتكى من غير علة» .
جعفر بن سليمان قال: قال محمد بن حسان النبطي: لا تسأل نفسك العام ما أعطتك في العام الماضي.
أبو إسحاق بن المبارك قال: قيل لخالد بن يزيد بن معاوية: ما أقرب شيء؟ قال: الأجل. قيل: فما أبعد شيء؟ قال: الأمل. قيل: فما أوحش شيء؟ قال: الميت. قيل: فما آنس شيء؟ قال: الصاحب المواتي:
وقال آخر: نسي عامر بن عبد الله بن الزبير عطاءه في المسجد، فقيل له: قد أخذ. فقال: سبحان الله، وهل يأخذ أحد ما ليس له.
(3/107)

جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن عبدة الثقفي قال: لا يشهد علي الليل بنوم أبدا، ولا يشهد علي النهار بأكل أبدا. فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب فعزم عليه، فكان يفطر في العيدين وأيام التشريق.
وقال الحسن بن أبي الحسن: يكون الرجل عالما ولا يكون عابدا، ويكون عابدا ولا يكون عاقلا. وكان مسلم بن يسار عالما عابدا عاقلا.
وقال عبادة بن الصامت: من الناس من أوتي علما ولم يؤت حلما وشداد بن أوس أوتي علما وحلما.
قال إبراهيم: كان عمرو بن عبيد عالما عاقلا عابدا، وكان ذا بيان، وصاحب قرآن.
إبراهيم بن سعد، عن أبي عبد الله القيسي قال: أبو الدرداء: لا يحرز المؤمن من شرار الناس إلا قبره.
وقال عيسى بن مريم صلوات الله عليه: «الدنيا لابليس مزرعة، وأهلها له حراثون» .
عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر قال: «ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب» .
قال عمر رحمه الله: «لولا أن أسير في سبيل الله، وأضع جبهتي لله، وأجالس أقواما ينتقون أحسن الحديث كما ينتقى أطايب التمر، لم أبال أن أكون قد مت» .
قال عامر بن عبد قيس: ما آسي من العراق إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر، وتجاوب المؤذنين، وأخوان لي منهم الأسود بن كلثوم.
قال مورّق العجلي: ضاحك معترف بذنبه خير من باك مدلّ على ربه.
وقال: خير من العجب بالطاعة، أن لا تأتي بطاعة.
(3/108)

قالوا: كان الربيع بن خثيم يقول: لا تطعم إلا صحيحا ولا تكس إلا جديدا، ولا تعتق إلا سويا.
قال بعض الملوك لبعض العلماء: ذم لي الدنيا. فقال: أيها الملك، الآخذة لما تعطى، الموّرثة بعد ذلك الندم، السالبة ما تكسو، المعقبة بعد ذلك الفضوح، تسد بالأراذل مكان الأفاضل، وبالعجزة مكان الحزمة. تجد في كل من كل خلفا، وترضى من كل بكل بدلا. تسكن دار كل قرن قرنا، وتطعم سؤر كل قوم قوما.
وكان سعيد بن أبي عروبة يطعم المساكين السكر، ويتأول قوله عز وجل: «ويطعمون الطعام على حبه» .
قال: وكان محمد بن علي إذا رأى مبتلى أخفى الإستعاذة. وكان لا يسمع من داره: يا سائل بورك فيك، ولا يا سائل خذ هذا. وكان يقول:
سموهم بأحسن أسمائهم.
قال: وتمنى قوم عند يزيد الرقاشي، فقال يزيد: سأتمنى كما تمنيتم.
قالوا: تمن قال: ليتنا لم نخلق، وليتنا إذ خلقنا لم نمت، وليتنا إذ متنا لم نبعث، وليتنا إذ بعثنا لم نحاسب، وليتنا إذ حوسبنا لم نعذب، وليتنا إذ عذبنا لم نخلد.
قال: وقال رجل لأم الدرداء: إني أجد في قلبي داء لا أجد له دواء، وأجد قسوة شديدة، وأملا بعيدا. قالت: أطلع القبور، واشهد الموتى.
ابن عون قال: قلت للشعبي: أين كان علقمة «1» من الأسود «2» ؟
قال: كان الأسود صوّاما قواما، وكان علقمة مع البطيء وهو يسبق السريع.
(3/109)

قال: وقيل لغالب بن عبد الله الجهضمي: أنا نخاف على عينيك العمى من طول البكاء. قال: هو لهما شهادة.
محمد بن طلحة بن مصرّف، عن محمد بن جحادة، قال: لما قتل الحسين رضي الله عنه أتى قوم الربيع بن خثيم فقالوا: لنستخرجن اليوم منه كلاما. فقالوا: قتل الحسين. قال: الله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
وأتته بنية له فقالت: يا أبه، أذهب ألعب؟ قال: إذهبي فقولي خيرا وافعلي خيرا.
وقال أبو عبيدة: استقبل عامر بن عبد قيس رجل في يوم حلبة، فقال:
من سبق يا شيخ؟ قال: المقربون.
عليّ بن سليم، قال: قيل للربيع بن خثيم: لو أرحت نفسك؟ قال:
راحتها أريد، إن عمر كان كيّسا.
وقال أبو حازم: ليتق الله أحدكم على دينه، كما يتقي على نعله.
جعفر بن سليمان الضّبعي، قال: أتى مطّرف بن عبد الله بن الشّخّير، فجلس مجلس مالك بن دينار وقد قام، فقال أصحابه: لو تكلمت؟ قال هذا ظاهر حسن، فإن تكونوا صالحين فإنه كان للأوّابين غفورا.
وقال رجل لآخر وباع ضيعة له: أما والله لقد أخذتها ثقيلة المؤونة قليلة المعونة. فقال الآخر: وأنت والله لقد أخذتها بطيئة الإجتماع، سريعة التفرق.
واشترى رجل من رجل دارا فقال لصاحبه: لو صبرت لاشتريت منك الذراع بعشرة دنانير. قال: وأنت لو صبرت لبعتك الذراع بدرهم.
ورأى ناسك ناسكا في المنام فقال له: كيف وجدت الأمر يا أخي؟
قال: وجدنا ما قدمنا، وربحنا ما أنفقنا وخسرنا ما خلفنا.
(3/110)

وقال بكر بن عبد الله المزني: اجتهدوا في العمل، فإن قصر بكم ضعف فكفوا عن المعاصي.
قال: وقال أعرابي: أنه ليقتل الحبارى جوعا ظلم الناس بعضهم لبعض.
قال: قيل لمحمد بن علي «1» : من أشد الناس زهدا؟ قال: من لا يبالي الدنيا في يد من كانت.
وقيل له: من أخسر الناس صفقة؟ قال: من باع الباقي بالفاني.
وقيل له: من أعظم الناس قدرا؟ قال: من لا يرى الدنيا لنفسه قدرا.
الأصمعي، عن شيخ من بكر بن وائل، أن ها؟؟؟ نيء بن قبيصة، أتى حرقة بنت النعمان وهي باكية، فقال لها: لعل أحدا آذاك؟ قالت: لا، ولكني رأيت غضارة في أهلكم، وقلما امتلأت دار سرورا إلا امتلأت حزنا.
وقالوا: يهرم ابن آدم وتشبّ له خصلتان: الحرص والأمل.
الأصمعي، قال: قال محمد بن واسع: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث بلغة من عيش ليس لأحد فيها علي منة ولا لله فيها علي تبعة وصلاة في جمع أكفي سهوها ويدخر لي أجرها، وأخ في لله إذا ما اعوججت قوّمني.
وقال آخر: ما آسى من العراق إلا على ثلاث: ليل الحزيز ورطب السكر، وحديث ابن أبي بكرة.
وقال آخر: إذا سمعت حديث أبي نضرة، وكلام ابن أبي بكرة، فكأنك مع ابن لسان الحمّرة «2» .
وقال أبو يعقوب الخريمي الأعور: تلقاني مع طلوع الشمس سعيد بن وهب، فقلت: أين تريد؟ قال: أدور على المجالس فلعلي أسمع حديثا
(3/111)

حسنا. ثم لم أجاوز بعيدا حتى تلقاني أنس بن أبي شيخ، فقلت له: أين تريد؟ قال: عندي حديث حسن فأنا أطلب له إنسانا حسن الفهم، حسن الإستماع. قال: قلت: حدثني فأنا كذاك. قال: أنت حسن الفهم رديء الإستماع، وما أرى لهذا الحديث إلا اسماعيل بن غزوان «1» .
هشام، قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال: ولد للحسن بن أبي الحسن غلام، فقال له بعض جلسائه: بارك الله لك في هبته، وزادك في أحسن نعمته. فقال الحسن: الحمد لله على كل حسنة، وأسأل الله الزيادة في كل نعمة، ولا مرحبا بمن إن كنت عائلا «2» أنصبني، وإن كنت غنيا أذهلني، لا أرضى بسعيي له سعيا، ولا بكدي له في الحياة كدا، حتى أشفق عليه من الفاقة بعد وفاتي، وأنا في حال لا يصل إلي من همه حزن، ولا من فرحه سرور.
قال الحسن للمغيرة بن مخارش التميمي: إن من خوّفك حتى تلقى الأمن، خير لك ممن أمنك حتى تلقى الخوف.
وقال عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: ما أحسن الحسنة في أثر الحسنة، وأقبح السيئة في أثر السيئة.
الحسن قال: ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من أمر نحن فيه.
قال: وكان الحسن إذا ذكر الحجاج قال: يتلو كتاب الله على لخم وجذام، ويعظ عظة الأزارقة، ويبطش بطش الجبارين.
وكان يقول: اتقوا الله، فإن عند الله حجاجين كثيرا.
وقال سنان بن سلمة بن قيس: اتقوا الله، فإن عند الله أياما مثل شوّال.
(3/112)

وقال خالد بن صفوان: بت ليلتي كلها أتمنى، فكبست البحر الأخضر بالذهب الأحمر، فإذا الذي يكفيني من ذلك رغيفان، وكوزان، وطمران.
وكان الحسن يقول: إنكم لا تنالون ما تحبون، إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركون ما تؤملون إلا بالصبر على ما تكرهون.
ودخل قوم على عوف بن أبي جميلة في مرضه، فأقبلوا يثنون عليه، فقال: دعونا من الثناء، وأمدونا بالدعاء.
وقال أبو حازم: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب، ونحن لا نتوب حتى نموت.
وكان الحسن يقول: يا ابن آدم، نهارك ضيفك فأحسن إليه، فإنك إن أحسنت إليه إرتحل بحمدك، وإن أنت أسأت إليه إرتحل بذمك. وكذلك ليلك.
وقيل لبعض العلماء: من أسوأ الناس حالا؟ قال: عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني، القائل عند موته: دخلتها جاهلا، وأقمت فيها حائرا، وأخرجت منها كارها- يعني الدنيا.
وقيل لآخر: من أسوأ الناس حالا؟ قال: من قويت شهوته وبعدت همته، واتسعت معرفته وضاقت مقدرته.
وقيل لآخر: من شرّ الناس؟ قال: من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا وقيل لآخر: من شر الناس؟ قال: القاسي. فقيل: أيما شر، الوقاح «1» أم الجاهل، أم القاسي؟؟ قال: القاسي.
وذكر أبو صفوان، عن البطّال أبي العلاء، من بني عمرو بن تميم قال:
قيل له قبل موته: كيف تجدك يا أبا العلاء؟ قال: أجدني مغفورا لي. قالوا:
قل إن شاء الله. قال: قد شاء الله. ثم قال:
(3/113)

أوصيكم بالجلّة التلاد «1» ... فإنما حولكم الأعادي
قال ابن الأعرابي: كان العباس بن زفر لا يكلم أحدا حتى تنبسط الشمس، فإذا إنفتل عن مصلاه ضرب الأعناق، وقطع الأيدي والأرجل. وكان جرير بن الخطفي لا يتكلم حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قذف المحصنات.
قال: ومرت به جنازة فبكى وقال: أحرقتني هذه الجنائز! قيل: فلم تقذف المحصنات؟ قال: يبدو لي ولا أصبر.
وكان يقول: أنا لا أبتدي ولكن أعتدي.
الحسن بن الربيع الكندي بإسناد له، قال: قال رجل للنبي صلّى الله عليه وسلّم: دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس. قال: «إزهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس» .
قال: وبلغني عن القاسم بن مخيمرة الهمداني، أنه قال: إني لأغلق بابي فما يجاوزه همي.
وقال أبو الحسن: وجد في حجر مكتوب: يا بن آدم، لو إنك رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولرغبت في الزيادة في عملك، ولقصرت في حرصك وحيلك. وإنما يلقاك غدا ندمك لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وتبرأ منك القريب، وانصرف عنك الحبيب، فلا أنت إلى أهلك بعائد، ولا في عملك بزائد.
وقال عيسى بن مريم صلوات الله عليه: «تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير العمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل» .
قال: أوحى الله تبارك وتعالى إلى الدنيا: من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه.
(3/114)

وقال: من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ما عنده إلا بتركها.
قال: مر عيسى بن مريم عليه السلام بقوم يبكون، فقال: ما بالهم يبكون، فقالوا: على ذنوبهم. قال: «أتركوها يغفر لكم» .
قال: وقال زياد بن أبي زياد، مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة:
دخلت على عمر بن عبد العزيز، فلما رآني تزحل عن مجلسه «1» وقال: إذا دخل عليك رجل لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المجلس.
وقال الحسن: «إن أهل الدنيا وإن دقدقت بهم الهماليج «2» ، ووطىء الناس أعقابهم، فإن ذل المعصية في قلوبهم» .
قالوا: وكان الحجاج يقول إذا خطب: «إنا والله ما خلقنا للفناء، وإنما خلقنا للبقاء، وإنما ننقل من دار إلى دار» . وهذا من كلام الحسن.
ولما ضرب عبد الله بن علي تلك الأعناق قال له قائل: هذا والله جهد البلاء؟ فقال عبد الله: ما هذا وشرطة الحجام إلا سواء. وإنما جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع.
وقال آخر: أشدّ من الخوف الشيء الذي من أجله يشتد الخوف.
وقال آخر: أشد من الموت ما يتمنى له الموت، وخير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت له الحياة.
وقال أهل النار: (يا مالك ليقض علينا ربك) ، فلما لم يجابوا إلى الموت قالوا: (أفيضوا علينا من الماء) .
(3/115)

وقالوا: ليس في النار عذاب أشد على أهله من علمهم بأنه ليس لكرمهم تنفيس، ولا لضيقهم ترفيه، ولا لعذابهم غاية. ولا في الجنة نعيم أبلغ من علمهم أن ذلك الملك لا يزول.
قالوا: قارف الزّهريّ ذنبا، فاستوحش من الناس وهام على وجهه، فقال له زيد بن علي: يا زهري، لقنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أشد عليك من ذنبك! فقال الزهري: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته)) فرجع إلى ماله وأهله وأصحابه.
قال ابن المبارك: أفضل الزهد أخفاه.
الأوزاعي، عن مكحول قال: إن كان في الجماعة الفضيلة فإن في العزلة السلامة.
اسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله كره لكم العبث في الصلاة، والرفث في الصيام، والضحك في المقابر» .
وقال أردشير خرّه: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.
قال واصل بن عطاء: المؤمن إذا جاع صبر، وإذا شبع شكر.
وقيل لعامر بن عبد قيس: ما تقول في الإنسان؟ قال: ما عسى أن أقول فيمن إذا جاع ضرع، وإذا شبع طغى.
قال: ونظر أعرابي في سفره إلى شيخ قد صحبه، فرآه يصلي فسكن إليه، فلما قال: أنا صائم، إرتاب به، وأنشأ يقول:
صلى فأعجبني وصام فرابني ... نحّ القلوص «1» عن المصلّي الصائم
وهو الذي يقول:
لم يخلق الله مسجونا تسائله ... ما بال سجنك إلا قال: مظلوم
(3/116)

الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت «1» ، عن يحيى بن جعدة «2» ، قال:
كان يقال: اعمل وأنت مشفق، ودع العمل وأنت تحبه.
قال: وقيل لرابعة القيسية: هل عملت عملا قط ترين أنه يقبل منك؟
قالت: إن كان شيء فخوفي من أن يردّ عليّ.
وقال محمد بن كعب القرظيّ، لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين لا تنظرن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك تريد أن تجوز عنك.
الحسن قال: كان من كان قبلكم أرقّ منكم قلوبا وأصفق ثيابا، وأنتم أرقّ منهم ثيابا وأصفق منهم قلوبا.
عبد الله بن المبارك قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي:
«إن استطعت أن تدع مما أحل الله لك ما يكون حاجزا بينك وبين ما حرم الله عليك فافعل، فإنه من استوعب الحلال كله تاقت نفسه إلى الحرام» .
وقال أبو بكر الصديق رحمه الله لخالد بن الوليد حين وجهه: «أحرص على الموت توهب لك الحياة» .
وقال رجل: أنا أحب الشهادة. فقال رجل من النساك: أحببها إن وقعت عليك، ولا تحبها حب من يريد أن يقع عليها.
وقال رجل لداود بن نصير الطائي العابد: أوصني. قال: إجعل الدنيا كيوم صمته، واجعل فطرك الموت، فكأن قد، والسلام. قال: زدني.
قال: لا يرك الله عندما نهاك عنه، ولا يفقدك عندما أمرك به. قال: زدني.
قال: أرض باليسير مع سلامة دينك، كما رضي قوم بالكثير مع هلاك دينهم.
(3/117)

قال رجل ليونس بن عبيد: أتعلم أحدا يعمل بعمل الحسن؟ قال: والله ما أعرف أحدا يقول بقوله، فكيف يعمل بمثل عمله؟! قال: صفه لنا.
قال: كان إذا أقبل فكأنه أقبل في دفن حميمه، وكان إذا جلس فكأنه أسير قد أمر بضرب عنقه، وكان إذا ذكرت النار عنده فكأنها لم تخلق إلا له.
وهيب بن الورد «1» قال: بينا أنا أدور في السوق إذ أخذ آخذ بقفاي فقال لي: يا وهيب، اتق الله في قدرته عليك، واستحي الله في قربه منك.
وقال عبد الواحد بن زيد لأصحابه: ألا تستحيون من طول ما لا تستحيون! الهيثم قال: كان شيخ من أعراب طي كثير الدعاء بالمغفرة، فقيل له في ذلك، فقال: والله إن دعائي بالمغفرة مع قبح إصراري للؤم، وإن تركي الدعاء مع قوة طمعي لعجز.
قال أبو بشر صالح المري: إن تكن مصيبتك في أخيك أحدثت لك خشية فنعم المصيبة مصيبتك، وإن تكن مصيبتك بأخيك أحدثت لك جزعا فبئس المصيبة مصيبتك.
وقال عمر بن عبيد لرجل يعزيه: كان أبوك أصلك، وإبنك فرعك، فما بقاء شيء ذهب أصله ولم يبق فرعه.
وقال الحسن: إن امرأ ليس بينه وبين آدم إلا أب ميت لمعرق في الموت.
وقالوا: أعظم من الذنب اليأس من الرحمة، وأشد من الذنب المماطلة بالتوبة.
ابن لهيعة، عن سيار بن عبد الرحمن، قال: قال لي بكير بن الأشج:
(3/118)

ما فعل خالك؟ قلت لزم بيته. فقال: أما لئن فعل لقد لزم قوم من اهل بدر بيوتهم بعد مقتل عثمان رحمه الله، فما خرجوا منها إلا إلى قبورهم.
وقال الحسن: إن لله ترائك في خلقه، لولا ذلك لم ينتفع النبيون وأهل الإنقطاع إلى الله بشيء من أمر الدنيا: وهي الأمل، والآجل، والنسيان.
وقال مطرّف بن عبد الله لأبنه: يا بني لا يلهينّك الناس عن نفسك، فإن الأمر خالص إليك دونهم. إنك لم تر شيئا هو أشد طلبا ولا أسرع دركا من توبة حديثة لذنب قديم.
وفي الحديث أن أبا هريرة مر بمروان وهو يبني داره، فقال يا أبا عبد القدوس، ابن شديدا وأمل بعيدا، وعش قليلا وكل خضما، والموعد الله.
قال: كان عمرو بن خولة، أبو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص- وأمه خولة من المسامعة- وكان ناسكا يجتمع إليه القراء والعلماء يوم الخميس.
وقال الشاعر فيه:
وأصبح زورك زور الخميس ... إليك كمرعية وارده
وقال الآخر في ابن سيرين:
فأنت بالليل ذئب لا حريم له ... وبالنهار على سمت ابن سيرين
وقال ابن الأعرابي: قال بعض الحكماء: لا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك.
قال: وصلى محمد بن المنكدر «1» ، على عمران بقرة، فقيل له في ذلك، فقال: إني لأستحي من الله أن أرى أن رحمته تعجز عن عمران بقرة.
وقال محمد بن يسير:
كأنه قد قيل في مجلس ... قد كنت آتيه وأغشاه
محمد صار إلى ربه ... يرحمنا الله وإياه
(3/119)

وقال الآخر:
لقلّ عارا إذا ضيف تضيّفني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
فضل المقل إذا أعطاه مصطبرا ... ومكثر في الغنى سيان في الجود
لا يعدم السائلون الخير أفعله ... إما توالي وإما حسن مردودي
وكان الربيع بن خثيم، إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا يزيد؟ قال:
أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا.
وقال ابن المقفع: الجود بالمجهود منتهى الجود.
قال مطرف بن عبد الله: كان يقال: لم يلتق مؤمنان إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه وكنت أرى أني أشد حبا لمذعور بن طفيل منه لي، فلما سير لقيني ليلا فحدثني فقلت: ذهب الليل! قال: ساعة. ثم قلت: ذهب الليل! فقال: ساعة. فعلمت أنه أشد حبا لي مني. فلما أصبح سيره ابن عامر مع عامر.
قال: وقالوا لعيسى بن مريم: من نجالس؟ قال: من يذكّركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله.
اسحاق بن ابراهيم قال: دخلنا على كهمس العابد «1» ، فجاءنا بإحدى عشرة بسرة حمراء. فقال: هذا الجهد من أخيكم، والله المستعان.
الأصمعي، عن السكن الحرشيّ قال: اشتريت من أبي المنهال سيار بن سلامة، شاة بستين درهما، فقلت: تكون عندك حتى آتيك بالثمن. قال:
ألست مسلما؟ قلت: بلى. قال: فخذها. فأخذتها ثم انطلقت بها ثم أتيته بالستين، فأخرج منها خمسة دراهم وقال لي: اعلفها بهذه.
(3/120)

وقال مساور الورّاق لأبنه:
شمّر قميصك واستعدّ لقائل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم
واجعل صحابك كلّ حبر ناسك ... حسن التعهّد للصلاة صؤوم
من ضرب حمّاد هناك ومسعر ... وسماك العبسي، وابن حكيم
وعليك بالعنوي فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيم
وقال: بينا سليمان بن عبد الملك يتوضأ، ليس عنده غير خاله والغلام يصب عليه الماء، إذ خر الغلام ميتا، فقال سليمان:
قرب وضوءك يا حصين فإنما ... هذي الحياة تعلّة ومتاع
ونظر سليمان في مرآة فقال: أنا الملك الشاب! فقالت جارية له:
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى ... غير أن لا بقاء للإنسان
قال: قيل لسعيد بن المسيب: إن محمد بن ابراهيم بن محمد بن طلحة، سقط عليه حائط فقتله. فقال: إن كان لوصولا لرحمه، فكيف يموت ميتة سوء! وقال أسماء بن خارجة:
عيّرتني خلقا أبليت جدّته ... وهل رأيت جديدا لم يعد خلقا
قال: وتمثل عبد الملك بن مروان:
وكلّ جديد يا أميم إلى بلى ... وكل امرىء يوما يصير إلى كان
وقال آخر:
فاعمل على مهل فإنك ميّت ... واكدح لنفسك أيها الإنسان
فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى ... وكأن ما هو كائن قد كان
قال: وكان عثمان بن عفان رحمه الله يقول: «إني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر فيه إلى عهد الله» ، يعني المصحف.
(3/121)

قال: وكان عثمان حافظا، وكان حجره لا يكاد يفارق المصحف، فقيل له في ذلك فقال: «إنه مبارك جاء به مبارك!» ولما مات الحجاج خرجت عجوز من داره وهي تقول:
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا ... واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
حدثني بكر بن المعتمر «1» ، عن بعض أصحابه قال أبو عثمان النهدي «2» : أتت علي ثلاثون ومائة سنة، ما مني شيء إلا وقد أنكرته، إلا أملي فإنه يزيد.
قال مسور بن محرمة لجلسائه: لقد وارت الأرض أقواما لو رأوني معكم لاستحييت منهم.
وأنشدني أعرابي:
ما منع الناس شيئا جئت أطلبه ... ألا أرى الله يكفي فقد ما منعوا
قال: جزع بكر بن عبد الله على امرأته، فوعظه الحسن، فجعل يصف فضلها، فقال الحسن: عند الله خير منها، فتزوج أختها! فلقيه بعد ذلك فقال: هي يا أبا سعيد خير منها! وأنشد:
يؤمّل أن يعمّر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كلّ ليله
عوف، عن الحسن قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «للمسلم على أخيه ست خصال: يسلم عليه إذا لقيه، وينصح له إذا غاب، ويعوده إذا مرض، ويشيع جنازته إذا مات، ويحييه إذا دعاه، ويشمّته إذا عطس» .
(3/122)

وقال أعرابي:
تبصّرني بالعيش عرسي كأنما ... تبصرني الأمر الذي أنا جاهله
يعيش الفتى بالفقر يوما وبالغنى ... وكلا كأن لم يلق حين يزايله
وأنشد أبو صالح:
ومشيد دارا ليسكن داره ... سكن القبور، وداره لم يسكن
وكان صالح المرّيّ أبو بشر ينشد في قصصه:
وبات يروّي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل «1» ومات الرجل
وقال الآخر:
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر
فلن تعدل الدنيا جناح بعوضة ... ولا وزن زفّ من جناح لطائر «2»
فما رضى الدنيا ثوابا لمؤمن ... ولا رضى الدنيا عقابا لكافر
وقال الآخر:
أبعد بشر أسيرا في بيوتهم ... يرجو الخفارة «3» مني آل ظلام
فلن أصالحهم ما دمت ذا فرس ... واشتدّ قبضا على السيلان إبهامي «4»
فإنما الناس، يا لله أمهم، ... أكائل الطير أو حشو لآرام «5»
هم يهلكون ويبقى بعد ما صنعوا ... كأن آثارهم خطّت بأقلام
(3/123)

وأنشد لمحمد بن يسير:
عجبا لي ومن رضاي بحال ... أنا منها على شفا تغرير
عالما لا أشكّ إني إلى عد ... ن إذا متّ أو عذاب السعير
كلما مر بي على أهل ناد ... كنت حينا بهم كثير المرور
قيل من ذا على سرير المنايا ... قيل هذا محمد بن يسير
وأنشد:
لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد
هم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدان ولكن اللقاء بعيد
وقال أبو العتاهية:
سبحان ذي الملكوت ايّة ليلة ... مخضت بوجه صباح يوم الموقف
لو أن عينا وهّمتها نفسها ... ما في الفراق مصورا لم تطرف
وقال أبو العتاهية أيضا:
يا خاطب الدنيا إلى نفسها ... تنحّ عن خطبتها تسلم
إن التي تخطب غرارة ... قريبة العرس من المأتم
وقال الآخر:
ناداهما بفراق بين ... هما الزمان فأسرعا
وكذاك لم يزل الزما ... ن مفرّقا ما جمّعا
وقال آخر:
يا ويح هذي الأرض ما تصنع ... أكلّ حيّ فوقها تصرع
تزرعهم حتى إذا ما استووا ... عادت لهم تحصد ما تزرع
(3/124)

وقال الآخر:
ذكرت أبا أروى فبت كأنني ... برد أمور الماضيات وكيل
لكل اجتماع من خليلين فرقة ... وكلّ الذي قبل الفراق قليل
وإن افتقادي واحدا بعد واحد ... دليل على أن لا يدوم خليل
وقال محمد بن المنتشر: «إذا أيسر الرجل ابتلى به أربعة: مولاه القديم ينتفي منه، وامرأته يتسرى عليها، وداره يهدمها ويبني غيرها، ودابته يستبدل بها» . وقال الآخر:
يجدد أحزانا لنا كل هالك ... ونسرع نسيانا ولم يأتنا أمن
فإنا، ولا كفران لله ربنا ... لكالبدن ما تدري متى يومها البدن
الأوزاعي «1» ، عن مكحول قال: «إن كان في الجماعة فضل فإن في العزلة سلامة» .
أبو جناب الكلبي، عن أبي المحجل، عن ابن مسعود قال: «ثلاث من كن فيه دخل الجنة: من إذا عرف حق الله عليه لم يؤخره، وكان عمله الصالح في العلانية على قوام من السريرة، وكان في جمع ما قد عمل صلاح ما يؤمل» .
وقال: «كفى موعظة إنك لا تحيا إلا بموت، ولا تموت إلا بحياة» .
وقال أبو نواس:
شاع فيّ الفناء سفلا وعلوا ... وأراني أموت عضوا فعضوا
ذهبت جدّتي بطاعة نفسي ... وتذكرت طاعة الله نضوا «2»
(3/125)

وقال الآخر:
وكم من أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر
وكم من طالب يسعى لشيء ... وفيه هلاكه لو كان يدري
وقال الآخر:
كلّ امرىء مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله
وقال الآخر:
استيقني في ظلم البيوت ... إنك إن لم تقتلي تموتي
وقال عنترة بن شداد:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بدّ أن أسقى بكأس المنهل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تصوّر صوّرت ... مثلي، إذا نزلوا بضنك المنزل
وقال أبو العتاهية:
اذن حيّ تسمعي ... واسمعي ثم عي وعي
عشت تسعين حجة ... ثم وافيت مضجعي
أنا رهن بمصرعي ... فاحذري مثل مصرعي
ليس زاد سوى التقى ... فخذي منه أو دعي
وقال الخليل بن أحمد.
عش ما بدا لك قصرك الموت ... لا مهرب منه ولا فوت
بينا غنى بيت وبهجته ... زال الغنى وتقوّض البيت
(3/126)

وقال أبو العتاهية:
اسمع فقد اسمعك الصوت ... إن لم تبادر فهو الفوت
نل كلّ ما شيت وعش ناعما ... آخر هذا كله الموت
وقال الوزيري:
واعلم أنني سأصير ميتا ... إذا سار النواجع لا أسير
وقال السائلون من المسجّى ... فقال المخبرون لهم وزير
وقال أبو العتاهية:
الحق أوسع من معا ... لجة الهوى ومضيقه
لا تعرضنّ لكل أمر ... أنت غير مطيقه
والعيش يصلح إن مزج ... ت غليظه برقيقه
لا يخدعنّك زخرف الد ... نيا بحسن بريقه
وإذا رأيت الرأي مضطرب ... افخذ بوثيقه
ولربما غصّ البخي ... ل إذا استنيل بريقه
وقال أيضا:
من أجاب الهوى إلى كلّ ما يد ... عوه مما يضلّ ضلّ وتاها
من رأى عبرة ففكّر فيها ... آذنته بالبين حين يراها
ربما استغلقت أمور على من ... كان يأتي الأمور من مأتاها
وسيأوي إلى يد كلّ ما تأ ... تي وتأوي إلى يد حسناها
قد تكون النجاة تكرهها الن ... نفس وتأتي ما كان فيه أذاها
وقال أيضا:
لو أن عبدا له خزائن ما ... في الأرض ما عاش خوف أملاق
يا عجبا كلنا يحيد عن الحي ... ن وكلّ لحينه لاقي
(3/127)

كأن حيا قد قام نادبه ... والتفت الساق منه بالساق
واستلّ منه حياته ملك المو ... ت خفيا وقيل: من راق
وقال السموأل بن عادياء اليهودي:
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
وما قلّ من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلى وكهول
وما ضرّنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل
وأسيافنا في كل شرق ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول
معوذة ألا تسلّ نصالها ... فتغمد حتى يستباح قتيل
سلي، إن جهلت، الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عالم وجهول
وقال الربيع بن أبي الحقيق:
ومن يك غافلا لم يلق بؤسا ... ينخ يوما بساحته القضاء
تعاوره بنات الدهر حتى ... تثلمه كما ثلم الإناء
وكلّ شديدة نزلت بحي ... سيأتي بعد شدتها رخاء
وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء الشيخ ليس له شفاء
وأنشد:
قد حال من دون ليلي معشر قزم ... وهم على ذاك من دوني مواليها
والله يعلم أني إن نأت حججا ... أوحيل من دونها أن لست ناسيها
وأنشد:
وليل يقول الناس من ظلماته ... سواء بصيرات العيون وعورها
كأن لنا منه بيوتا حصينة ... مسوح أعاليها وساج كسورها
وقالوا: أتى سعيد بن عبد الرحمن بن حسان، أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو عامل سليمان بن عبد الملك، فسأله أن يكلم سليمان في
(3/128)

حاجة له فوعده أن يقضيها ولم يفعل، وأتى عمر بن عبد العزيز فكلمه لقضى حاجته، فقال سعيد:
ذممت ولم تحمد وأدركت حاجتي ... تولى سواكم شكرها واصطناعها
أبى لك فعل الخير رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثته على الخير مرة ... عصاها وإن همت بشر أطاعها
ستكفيك ما ضيعت منه، وإنما ... يضيع الأمور سادرا من أضاعها
ولاية من ولاك سوء بلائها ... وولى سواك أجرها واصطناعها
وأنشد:
إذا ما أطعت النفس مال بها الهوى ... إلى كل ما فيه عليك مقال
وأنشد:
حسب الفتى من عيشه ... زاد يبلغه المحلا
خبز وماء بارد ... والظلّ حين يريد ظلا
وأنشد:
وما العيش إلا شبعة وتشرق ... وتمر كأخفاف الرباع وماء
قالوا: استبطأ عبد الملك بن مروان، ابنه مسلمة في مسيره إلى الروم، وكتب إليه.
لمن الظعائن سيرهن تزحّف ... سير السفين إذا تقاعس يجذف
فلما قرأ الكتاب مسلمة كتب إليه:
ومستعجب مما يرى من أناتنا ... ولو زبنته الحرب لم يترمرم
ومسلمة هو القائل عندما دلى بعضهم في قبره، فتمثل بعض من حضر فقال:
(3/129)

فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما
فقال مسلمة: لقد تكلمت بكلمة شيطان، هلا قلت:
إذا مقرم منا ذرا حدّ نابه ... تخّمط فيه ناب آخر مقرم
وكان مسلمة شجاعا خطيبا، وبارع اللسان جوادا، ولم يكن في ولد عبد الملك مثله ومثل هشام بعده.
وقال بعض الأعراب يهجو قوما:
تصبر للبلاء الحتم صبرا ... إذا جاورت حيّ بني أبان
أقاموا الديدبان على يفاع ... وقالوا يا احترس للديدبان
فإن أبصرت شخصا من بعيد ... فصفّق بالبنان على البنان
تراهم خشية الأضياف خرسا ... يقيمون الصلاة بلا أذان
وقال بعض الأعراب يمدح قوما:
وسار تعنّاه المبيت فلم يدع ... له حابس الظلماء والليل مذهبا
رأى نار زيد من بعيد فخالها ... وقد كذبته النفس والظنّ كوكبا
رفعت له بالكف نارا تشبّها ... شآمية نكباء أو عارض صبا
وقلت ارفعوها بالصعيد كفى بها ... مشيرا لساري ليلة إن تأوبا
فلما أتانا والسماء تبلّه ... نقول له أهلا وسهلا ومرحبا
وقمت إلى البرك الهواجد فاتقت ... بكوماء لم يترك لها النيّ مهربا
فرحبت أعلى الجنب منها بطعنة ... دعت مستكنّ الجوف حتى تصبّبا
وقال الآخر:
واستيقني في ظلم البيوت ... إنك إن لم تقتلي تموتي
وقال أبو سعيد الزاهد: «من عمل بالعافية فيمن دونه رزق العافية ممن فوقه» .
(3/130)

قال: وقال عيسى بن مريم عليه السلام: «في المال ثلاث خصال أو بعضها» . قالوا: وما هي يا روح الله؟ قال: «يكسبه من غير حله» . قالوا:
فإن كسبه من حله؟ قال: «يمنعه من حقه» . قالوا: فإن وضعه في حقه؟
قال: «يشغله اصلاحه عن عبادة ربه» .
قال: قيل لرجل مريض: كيف تجدك؟ قال: أجدني لم أرض حياتي لموتي.
سعيد بن بشير، عن أبيه، إن عبد الملك قال حين ثقل ورأى غسالا يلوي ثوبا بيده: «وددت إن كنت غسالا لا أعيش إلا مما أكتسب يوما بيوم» .
فذكر ذلك لأبي حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم عند الموت يتمنون ما نحن فيه، ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه.
الهيثم قال: أخبرني موسى بن عبيدة الربذي عن عبد الله بن خداش الغفاري قال: قال أبوذر: فارقت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقوتي من الجمعة إلى الجمعة مدّ، ولا والله لا أزداد عليه حتى ألقاه» .
قال: وكان يقول: إنما مالك لك، أو للجائحة، أو للوارث. فاغن ولا تكن أعجز الثلاثة.
فضيل بن عياض، عن المطرّح بن يزيد، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد عن القاسم مولى يزيد بن معاوية، عن أبي أسامة الباهلي قال:
قال عمر رحمه الله:
«أدّبوا الخيل وتسوكوا، واقعدوا في الشمس، ولا تجاورنكم الخنازير، ولا يرفعن فيكم صليب، ولا تأكلوا على مائدة يشرب عليها خمر، وإياكم وأخلاق العجم، ولا يحل لمؤمن أن يدخل الحمام إلا بمئزر، ولا لأمرأة إلا من سقم، فإن عائشة حدثتني قالت: حدثني خليلي على مفرشي هذا: إذا وضعت المرأة خمارها في غير بيت زوجها هتكت ما بينها وبين الله فلم يتناه دون العرش» .
(3/131)

ومن نساك البصرة وزهادهم عامر بن عبد قيس، وبحالة بن عبدة العنبريان، وعثمان بن الأدهم، والأسود بن كلثوم، وصلة بن أشيم، ومذعور ابن الطفيل.
ومن بني منقر: جعفر وحرب أبنا جرفاس. وكان الحسن يقول: إني لا أرى كالجعفرين جعفرا. يعني جعفر بن جرفاس، وجعفر بن زيد العبدي.
ومن النساء: معاذة العدوية، إمرأة صلة بن أشيم، ورابعة القيسية.
ومن زهاد الكوفة عمرو بن عتبة، وهمّام بن الحارث، والربيع بن خثيم، وأويس القرنيّ.
قال الراجز:
من عاش دهرا فسيأتيه الأجل ... والمرء تواق إلى ما لم ينل
الموت يتلوه ويلهيه الأمل
وقال الآخر:
كلنا يأمل مدا في الأجل ... والمنايا هي آفات الأمل
وقال الآخر:
لا يغرّنك مساء ساكن ... قد يوافي بالمنيات السحر
وقال الآخر:
أنت وهبت الفتية السلاهب «1» ... وهجمة يحار فيها الحالب «2»
وغنما مثل الجراد السارب «3» ... متاع أيام وكلّ ذاهب
(3/132)

وقال المسعودي:
إن الكرام مناهبو ... ك المجد كلهم فناهب
أخلف وأتلف كلّ شي ... ء زعزعته الريح ذاهب
وقال التيمي:
إذا دانت السبعون سنك لم يكن ... لدائك إلا أن تموت طبيب
وإن امرأ قد سار سبعين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب
إذا ما مضى القرن الذي كنت فيهم ... وخلّفت في قرن فأنت غريب
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيب
وقال غسان خال الغدار:
ابيضّ مني الرأس بعد سواد ... ودعا المشيب حليلتي لبعاد
واستحصد القرن الذي أنا منهم ... وكفى بذاك علامة لحصادي
قال: كان علي بن عيسى بن ماهان «1» ، كثيرا ما يقول: (ربنا افرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين) .
وكان كثيرا ما يقول: ويل للظالمين من الله! وقال محمد بن واسع: الإبقاء على العمل أشد من العمل.
وكان أبو وائل النهشلي يقول في أول كلامه: إن الدهر لا يذوق طعم ألم الفراق ولا يذيقه أهله، وإنما يغتمسون في ليل، ويطفون في نهار، فيوشك شاهد الدنيا أن يغيب، وغائب الآخرة أن يشهد.
قال: وسأل رجل رجلا، فقال المسؤول: إذهب بسلام! فقال السائل:
قد أنصفنا من ردنا إلى الله.
(3/133)

الحزاميّ، عن سفيان بن حمزة عن كثير بن الصلت ان حكيم بن حزام باع داره من معاوية بستين ألف درهم، فقيل له: غبنك والله معاوية! فقال:
والله ما أخذتها في الجاهلية إلا بزق من خمر، اشهدكم أنها في سبيل الله، فانظروا أينا المغبون؟! قال سفيان الثوري: ليس من ضلالة إلا عليها زينة، فلا تعرضنّ دينك لمن يبغضه إليك.
وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل.
وأتى مسلما نصرانيّ يعزيه، فقال له: مثلي لا يعزي مثلك، ولكن انظر إلى ما زهد فيه الجاهل فارغب فيه.
وكان الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي يلقب ذا الدمعة، فإذا عوتب في كثرة البكاء قال: وهل تركت النار والسهمان لي مضحكا! يريد قتل زيد بن علي، ويحيى بن زيد.
وقيل لشيخ من الأعراب: قمت مقاما خفنا عليك منه! قال: آلموت أخاف، شيخ كبير وربّ غفور، ولا دين ولا بنات.
وقال أبو العتاهية:
وكما تبلى وجوه في الثرى ... فكذا يبلى عليهن الحزن
وقال بشار:
كيف يبكي لمحبس في طلول ... من سيفضي لحبس يوم طويل
إن في البعث والحساب لشغلا ... عن وقوف برسم دار محيل
وقال محمود الوراق:
أليس عجيبا بأن الفتى ... يصاب ببعض الذي في يديه
فمن بين باك له موجع ... وبين معزّ مغذّ إليه «1»
ويسلبه الشيب شرخ الشباب ... فليس يعزيه خلق عليه
(3/134)

وقال أيضا:
بكيت لقرب الأجل ... وبعد فوات الأمل
ووافد شيب طرا ... بعقب شباب رحل
شباب كأن لم يكن ... وشيب كأن لم يزل
طواك بشير البقاء ... وحلّ بشير الأجل
طوى صاحب صاحبا ... كذاك اختلاف الدول
وقال:
رأيت صلاح المرء يصلح أهله ... ويعديهم داء الفساد إذا فسد
يعظم في الدنيا بفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد
وقال الحسن بن هانىء:
أيّة نار قدح القادح ... وأيّ جدّ بلغ المازح
لله در الشيب من واعظ ... وناصح لو حظي الناصح
بأبى الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح
فاسم بعينيك إلى نسوة ... مهورهن العمل الصالح
لا يجتلي الحسناء من خدرها ... إلا أمرء ميزانه راجح
من اتقى الله فذاك الذي ... سبق إليه المتجر الرابح
وقال أيضا:
خلّ جنبيك لرام ... وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خير ... لك من داء الكلام
إنما السالم من ... ألجم فاه بلجام
ربما استفتحت بالقو ... ل مغاليق الحمام
ربّ لفظ ساق آجا ... ل فئام وفئام «1»
(3/135)

فالبس الناس على الصح ... ة منهم والسقام
والمنايا آكلات ... شاربات للأيام
شبت يا هذا وما تت ... رك أخلاق الغلام
وقال أيضا:
كن من الله يكن لك ... واتق الله لعلك
لا تكن إلا معدا ... للمنايا فكأنك
إنّ للموت لسهما ... واقعا دونك أو بك
نحن نجري في أفا ... نين سكون وتحرك
فعلى الله توكل ... وبتقواه تمسك
وله أيضا:
يا نواسيّ تفكّر ... وتعزّ وتصبر
ساءك الدهر بشيء ... ولما سرّك أكثر
يا كبير الذنب عفو الله ... من ذنبك أكبر
أكبر الأشياء في أص ... غر عفو الله يصغر
وقال سعد بن ربيعة بن مالك بن سعد بن زيد مناة بن تميم:
ألا إنما هذا الملال الذي ترى ... وإدبار جسمي من ردى العثرات
وكم من خليل قد تجلدت بعده ... تقطّع نفسي دونه حسرات
وهذا من قديم الشعر.
وقال الطرمّاح بن حكيم، في هذا المعنى:
وشيبني أن لا أزال مناهضا ... بغير قوى أنزو بها وأبوع «1»
وإن رجال المال أضحوا ومالهم ... لهم عند أبواب الملوك شفيع
أمخترمي ريب المنون ولم أنل ... من المال ما أعصي به وأطيع
(3/136)

ومن قديم الشعر قول الحارث بن يزيد، وهو جد الاحيمر اللص السعدي:
لا لا أعق ولا أحو ... ب ولا أغير على مضر
لكنما غزوي إذا ... ضج المطي من الدبر
وقال آدم بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز:
وإن قالت رجال قد تولى ... زمانكم وذا زمن جديد
فما ذهب الزمان لنا بمجد ... ولا حسب إذا ذكر الجدود
وما كنا لنخلد إذ ملكنا ... وأي الناس دام له الخلود
وقيل لأخيه بعد أن رأوه حمالا: لقد حطك الزمان، وعضك الحدثان! فقال: ما فقدنا من عيشنا إلا الفضول! وقال عروة بن أذينة الكناني:
نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ويحزننا بكاء الباكيات
كروعة ثلة لمغار ذئب ... فلما غاب عادت راتعات
وقالت خنساء بنت عمرو:
ترتع ما غفلت حتى إذا أدكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
وقال أبو النجم:
فلو ترى التيوس مضجعات ... عرفت أن لسن بسالمات
أقول إذ جئن مذبّحات ... ألم تكن من قبل راتعات
ما أقرب الموت من الحياة
وقال سليمان بن الوليد:
ربّ مغروس يعاش به ... عدمته كفّ مغترسه
وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه
(3/137)

وقال آخر:
يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن اسحارا
وقالت امرأة في بعض الملوك:
أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والفرس
أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس
(3/138)

[باب] أخلاط من شعر ونوادر وأحاديث
قال هبيرة بن أبي وهب المخزومي:
وإن مقال المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها
وقال الراجز:
والقول لا تملكه إذا نما ... كالسهم لا يرجعه رام رمى
وإلى هذا ذهب عامر الشعبي حيث يقول: «وإنك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على رد ما قد أوقعت» .
وأنشد:
فداويته بالحلم والمرء قادر ... على سهمه ما دام في كفه السهم
وقال الأنصاري:
وبعض القول ليس له حصاة ... كمخض الماء ليس له إتاء «1»
وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء الشيخ ليس له دواء
(3/139)

وقال الآخر:
ومولى كداء البطن أما لقاؤه ... فحلم وأما غيبه فظنون
وقال الآخر:
تقسم أولاد الملمّة مغنمي ... جهارا، ولم يغلبك مثل مغلّب
وقال الثلب اليماني:
وهن شر غالب لمن غلب
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا كتب أحدكم فليترّب كتابه، فإن التراب مبارك، وهو أنجح للحاجة» .
وذكر الله آدم الذي هو أصل البشر فقال: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
. ولذلك كنّى النبيّ عليه السلام عليا أبا تراب. قالوا:
وكانت أحب الكنى إليه.
وقال الآخر:
وإن جئت الأمير فقل سلام ... عليك ورحمة الله الرحيم
وأما بعد ذاك فلي غريم ... من الأعراب قبّح من غريم
له ألف عليّ ونصف ألف ... ونصف النصف في صك قديم
دراهم ما انتفعت بها ولكن ... وصلت بها شيوخ بني تميم
وقال الكميت:
حلفت بربّ الناس: ما أمّ خالد ... بأمك إذ أصواتنا الهل والهب
ولا خالد يستطعم الماء قائما ... بعدلك «1» والداعي إلى الموت ينعب
(3/140)

وقال ابن نوفل:
تقول لما أصابك أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير
لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السنّ ذي بصر ضرير
وقال ابن هرمة:
تراه إذا ما أبصر الضيف كلبه ... يكلمه من حبّه وهو أعجم
قال: وقال المهلب: «عجبت لمن يشتري المماليك بماله ولا يشتري الأحرار بمعروفه» .
وقال الشاعر:
رزقت لبّا ولم أرزق مروءته ... وما المروءة إلا كثرة المال
إذا أردت مساماة تقعّدني ... عما ينوّه باسمي رقة الحال
وقال الأحنف:
فلو مدّ سروري بمال كثير ... لجدت وكنت له باذلا
فإن المروة لا تستطاع ... إذا لم يكن مالها فاضلا
وقال جرير بن يزيد:
خير من البخل للفتى عدمه ... ومن بنين أعقة عقمه
قال: ومشى رجال من تميم إلى عتاب بن ورقاء، ومحمد بن عمير، في عشر ديات فقال محمد بن عمير: علي دية: فقال عتاب: علي الباقية. فقال محمد:
نعم العون على المروءة المال.
وقال الآخر:
ولا خير في وصل إذا لم يكن له ... على طول مرّ الحادثات بقاء
(3/141)

وقال الآخر:
شفاء الحبّ تقبيل وضمّ ... وجرّ بالبطون على البطون
وأنشد:
والله لا أرضى بطول ضمّ ... ولا بتقبيل ولا بشمّ
إلا بهزهاز يسلي همي ... يسقط منه فتخي في كمّي
لمثل هذا ولدتني أمي
وأنشد:
لا ينفع الجارية الخضاب ... ولا الوشاحان ولا الجلباب
من دون أن تصطفق الأركاب ... وتلتقي الأسباب والأسباب
ويخرج الزب له لعاب
وقال الآخر:
وقد بدا لي أن قلبك ذاهل ... عني وقلبي لو بدا لك أذهل
كلّ يجامل وهو يخفي بغضه ... إن الكريم على القلى يتجمّل
وقال الآخر:
وحظك زورة في كلّ عام ... موافقة على ظهر الطريق
سلاما خاليا من كل شيء ... يعود به الصديق على الصديق
وقال الآخر:
وزعمت أني قد كذبتك مرة ... بعض الحديث فما صدقتك أكثر
وقال الآخر:
أهينوا مطاياكم فإني وجدته ... يهون على البرذون موت الفتى الندب
(3/142)

وقال الآخر:
لا يحفل البرد من يبلي حواشيه ... ولا تبالي على من راحت الإبل
وقال الآخر:
ألا لا يبالي البرد من جرّ فضله ... كما لا تبالي مهرة من يقودها
وقال الآخر:
وإني لأرثي للكريم إذا غدا ... على حاجة عند اللئيم يطالبه
وأرثي له من مجلس عند بابه ... كمرثيتي للطرف والعلج راكبه
وقال الفرزدق:
أترجو ربيع أن تجيء صغارها ... بخير وقد أعيا ربيعا كبارها
وقال الشاعر:
ألم تر أن سير الخير ريث ... وإن الشرّ راكبه يطير
وقال ابن يسير:
تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وترى السرور يجي مع الفلتات
قيل لبلال بن أبي بردة: لم لا تولي أبا العجوز بن أبي شيخ العراف- وكان بلال مسترضعا فيهم، وهو من بلهجيم- قال: لأني رأيت منه ثلاثا: رأيته يحتجم في بيوت أخوانه، ورأيت عليه مظلة وهو في الظل، ورأيته يبادر بيض البقيلة.
وكان عندي شيخ عظيم البدن جهير الصوت، يستقصي الأعراب، وقد ولده رجل من أهل الشورى، وكان بقربي عبد أسود دقيق العظم يم الوجه، ورآني أكبره، فقال لي حين نهض ورأى عظما: يا أبا عثمان، لا والله أن يساوي ذلك العظم البالي، بصرت عيني به في الحمام وتناول قطعة من فخار فأعطاها رجلا وقال له: حكّ بها ظهري! افتظن هذا يا أبا عثمان يفلح أبدا.
(3/143)

قال أبو الحسن: سأل الحجاج غلاما فقال له: غلام من أنت؟ قال:
غلام سيّد قيس. قال: ومن ذاك؟ قال: زرارة بن أوفى. قال: وكيف يكون سيد قيس وفي داره التي ينزل فيها سكان؟
قال: وقال رجل لأبنه: إذا أردت أن تعرف عيبك فخاصم شيخا من قدماء جيرانك. قال: يا أبت لو كنت إذا خاصمت جاري لم يعرف عيبي غيري كان ذلك رأيا، ولكن جاري لا يعرفني عيبي حتى يعرفه عدوي.
وقد أخطأ الذي وضع هذا الحديث لأن أباه نهاه ولم يأمره.
وقال الآخر:
إصطنعني وأقلبني عثرتي ... إنها قد وقعت مني بقر
واعلمن أن ليس ألفا درهم ... لمديحي وهجائي بخطر
يذهب المال ويبقى منطق ... شائع يأثره أهل الخبر
ثم أرميكم بوجه بارز ... لست أمشي لعدوي بخمر
وقال أشهب بن رميلة يوم صفين: إلى أين يا بني تميم؟ قالوا: قد ذهب الناس. قال: تقرون وتعتذرون؟! قال: ونهض الحارث بن حوط الليثي إلى علي بن أبي طالب، وهو على المنبر، فقال: أتظن أنا نظن أن طلحة والزبير كانا على ضلال؟ قال: «يا حار، انه ملبوس عليك، إن الحق لا يعرف بالرجال. فاعرف الحق تعرف أهله!» .
وقال عمر بن الخطاب رحمه الله: «لا أدركت أنا ولا أنت زمانا يتغاير الناس فيه على العلم كما يتغايرون على الأزواج» .
قال: وبعث قسامة بن زهير العنبري إلى أهله بثلاثين شاة ونحي صغير فيه سمن، فسرق الرسول شاة، وأخذ من رأس النحي شيئا من السمن، فقال لهم الرسول: ألكم إليه حاجة أخبره بها؟ قالت له إمرأته: أخبره أن الشهر
(3/144)

محاق، وإن جدينا الذي كان يطالعنا وجدناه مرثوما «1» . فاسترجع منه الشاة والسمن.
قال علي بن سليمان لرؤبة: ما بقي من باهك يا أبا الجحاف: قال:
يمتد ولا يشتد، واستعين بيدي ثم لا أورد، وأطيل الظمء ثم أقصر. قال:
ذاك الكبر. قال: لا، ولكنه طول الرغاث.
وقيل لأعرابي: أيّ الدواب آكل؟ قال: يرذونة رغوث «2» .
وقيل لغيره: لم صارت اللبؤة انزق، وعلى اللحم أحرص؟ قال: هي الرغوث.
قال: وقال عبيد الله بن عمر: اتقوا من تبغضه قلوبكم.
وقال اسماعيل بن غزوان: لا تنفق درهما حتى تراه، ولا تثق بشكر من تعطيه حتى تمنعه، فالصابر هو الذي يشكر، والجازع هو الذي يكفر.
عامر بن يحيى بن أبي كثير قال: لا تشهد لمن لا تعرف، ولا تشهد على من لا تعرف، ولا تشهد بما لا تعرف.
أبو عبد الرحمن الضرير، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيّب قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رأس العقل بعد الإيمان بالله التودّد إلى الناس» .
وقالت عائشة: لا سمر إلا لثلاثة: مسافر، ومصلّ وعروس.
قال: وقال معاوية يوما: من أنصح الناس؟ فقال قائل: قوم ارتفعوا عن لخلخانيّة الفرات، وتيامنوا عن عنعنة تميم وتياسروا عن كسكسة بكر «3» ، ليست
(3/145)

لهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية «1» حمير. قال: من هم؟ قال: قريش قال: ممن أنت؟ قال: من جرم. قال: إجلس.
وقال الراجز:
إن تميما أعطيت تماما ... وأعطيت مآثرا عظاما
وعددا وحسبا قمقاما «2» ... وباذخا من عزها قدّاما
في الدهر أعيا الناس أن يراما ... إذا رأيت منهم الأجساما
والدلّ والشيمة والكلاما ... وأذرعا وقصرا «3» وهاما
عرفت أن لم يخلقوا طغاما «4» ... ولم يكن أبوهم مسقاما
لم تر فيمن يأكل الطعاما ... أقلّ منهم سقطا وذاما «5»
تقول العرب: «لو لم يكن في الإبل إلا أنها رقوء الدم» .
قال جندل بن صخر، وكان عبدا مملوكا:
وما فك رقّي ذات دل خبرنج «6» ... ولا شاق مالي صدقة وعقول
ولكن نماني كلّ أبيض خضرم ... فأصبحت أدري اليوم كيف أقول
وقال الفقيمي، وهو قاتل غالب أبي الفرزدق:
وما كنت نواما ولكن ثائرا ... أناخ قليلا فوق ظهر سبيل
وقد كنت مجرور اللسان ومفحما ... فأصبحت أدري اليوم كيف أقول
قال المغيرة بن شعبة: من دخل في حاجة رجل فقد ضمنها.
(3/146)

وقال عمر رحمه الله: لكل شيء شرف، وشرف المعروف تعجيله.
وقال رجل لأبراهيم النخعي: أعد الرجل الميعاد فإلى متى؟ قال: إلى وقت الصلاة.
قال: وقال لي بعض القرشيين: من خاف الكذب أقلّ من المواعيد.
وقالوا: أمران لا يسلمان من الكذب: كثرة المواعيد، وشدة الإعتذار.
وقال ابراهيم النظام: قلت لخنجير كون ممرور «1» الزياديين: أقعدها هنا حتى أرجع إليك. قال: أما حتى ترجع إلي فإني لا أضمن لك ولكن أقعد لك إلى الليل.
وهذه رسالة ابراهيم بن سيابه إلى يحيى بن خالد بن برمك:
وبلغني أن عامة أهل بغداد يحفظونها في تلك الأيام، وهي كما ترى.
وأولها:
للأصيد الجواد «2» ، الواري الزناد، الماجد الأجداد، الوزير الفاضل، الأشم الباذل، اللباب الحلاحل، من المستكين المستجير، البائس الضرير.
فإني أحمد الله ذا العزة القدير، إليك وإلى الصغير والكبير، بالرحمة العامة، والبركة التامة.
أما بعد فاغنم واسلم، واعلم إن كنت تعلم، إنه من يرحم يرحم، ومن يحرم يحرم، ومن يحسن يغنم، ومن يصنع المعروف لا يعدم. وقد سبق إلي تغضبك علي، واطراحك لي، وغفلتك عني بما لا أقوم له ولا أقعد، ولا أنتبه ولا أرقد، فلست بذي حياة صحيح، ولا بميت مستريح، فررت بعد الله منك إليك، وتحملت بك عليك. ولذلك قلت:
(3/147)

أسرعت بي حثّا إليك خطائي ... فأناخت بمذنب ذي رجاء
راغب راهب إليك يرجى ... منك عفوا عنه وفضل عطاء
ولعمري ما من أصرّ ومن تا ... ب مقرّا بذنبه بسواء
فإن رأيت- أراك الله ما تحب، وأبقاك في خير- ألا تزهد فيما ترى من تضرّعي وتخشّعي، وتذلّلي وتضعّفي، فإن ذلك ليس مني بنحيزة «1» ولا طبيعة، ولا على وجه تصيّد وتصنّع وتخدّع، ولكنه تذلل وتخشع وتضرع، من غير ضارع ولا مهين ولا خاشع لمن لا يستحق ذلك، إلا لمن التضرع له عز ورفعة شرف. والسلام.
محمد بن حرب الهلالي قال: دخل زفر بن الحارث على عبد الملك، بعد الصلح فقال: ما بقي من حبك للضحاك؟ فقال: ما لا ينفعني ولا يضرك. قال: شدّ ما أحببتموه معاشر قيس! قال: أحببناه ولم نواسه، ولو كنا آسيناه لقد كنا أدركنا ما فاتنا منه. قال: فما منعك من مواساته يوم المرج.
قال: الذي منع أباك من مواساة عثمان يوم الدار.
قال الشاعر:
لكل كريم من ألائم قومه ... على كلّ حال حاسدون وكشّح «2»
قال: وقال سليمان بن سعد لو صحبني رجل فقال اشترط علي خصلة واحدة لا تزيد عليها لقلت: لا تكذبني.
قال: كان يقال: أربع خصال يسود بها المرء: العلم، الأدب، والعفة والأمانة.
(3/148)

وقال الشاعر:
لئن طبت نفسا عن ثنائي فإنني ... لأطيب نفسا عن نداك على عسري
فلست إلى جدواك أعظم حاجة ... على شدّة الأعسار منك إلى شكري
وقال الآخر:
أأن سمتني ذلا فعفت حياضه ... سخطت، ومن يأب المذلة يعذر
فهأنا مسترضيك لا من جناية ... جنيت ولكن من تجنيك فاغفر
وقال أياس بن قتادة:
وإنّ من السادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها
وقال الآخر:
عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسودّ من يسود
وقال الهذلي:
وإنّ سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل
وقال حارثة بن بدر:
إذا الهمّ أمسى وهو داء فأمضه ... ولست بمضيه وأنت تعادله
ولا تنزلن أمر الشديدة بامرىء ... إذا رام أمرا عوقته عواذله
وقل للفؤاد إن نزا بك نزوة ... من الروع أفرخ أكثر الروع باطله
وقال الآخر:
وإنّ بقوم سوّدوك لفاقة ... إلى سيد لو يظفرون بسيّد
وقال الآخر:
وما سدت فيهم إن فضلك عمّهم ... ولكن هذا الحظّ في الناس يقسم
وقال حارثة بن بدر:
خلت الديار فسدت غير مسوّد ... ومن الشقاء تفرّدي بالسّؤدد
(3/149)

الفضل بن تميم قال: قال المغيرة: «من لم يغضب لم يعرف حلمه» .
وقال الشاعر:
ما بال ضبع ظلّ يطلب دائبا ... فريسته بين الأسود الضراغم
وقال الآخر:
ذكرت بها عهدا على الهجر والقلى ... ولا بدّ للمشتاق أن يتذكرا
وقال الآخر:
إذا ما شفيت النفس أبلغت عذرها ... ولا لوم في أمر إذا بلغ العذر
وقال الآخر:
لعمرك ما الشكوى بأمر حزامة ... ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
وقال الآخر:
لو ثلاث هنّ عيش الدهر ... الماء والنوم وأم عمرو
لما خشيت من مضيق القبر
وقال لقيط بن زرارة:
شتان هذا والعناق والنوم ... والمشرب البارد والظلّ الدوم
وقال والبة:
ما العيش إلا في المدا ... م وفي اللزام وفي القبل
وإدارة الظبي الغري ... ر تسومه ما لا يحل
وقال شيخ من أهل المسجد: ما كنت أريد أن أجلس إلى قوم إلا وفيهم من يحدث عن الحسن، وينشد للفرزدق.
وقال أبو مجيب: لا ترى إمرأة مصبّرة العين، ولا امرأة عليها طاق يمنة، ولا شريفا يهنأ بعيرا.
(3/150)

وقال أبو براح: ذهب الفتيان فلا ترى فتى مفروق الشعر بالدّهن، معلقا نعله، ولا ديكين في خطار «1» ، ولا صديقا له صديق أن قمر ضعا «2» ، وإن عوقب جزع، وإن خلا بصديق فتى خببه «3» ، وإن ضرب أقر، وإن طال حبسه ضجر، ولا ترى فتى يحسن أن يمشي في قيده ولا يخاطب أميره.
وقال أبو الحسن: قال أبو عباية: ترى زقاق براقش، وبساتين هزار مرد «4» ما كان يسلكه غلام إلا بخفير، وهم اليوم يخترقونه. قلت: هذا من صلاح الفتيان. قال: لا ولكن من فسادهم.
اليقطري، قال: قيل لطفيل العرائس: كم اثنان في اثنين؟ قال: أربعة أرغفة.
وقال رجل لرجل: انتظرتك على الباب بقدر ما يأكل إنسان جردقتين «5» عبد الله بن مصعب قال: أرسل علي بن أبي طالب رحمه الله عبد الله بن عباس، لما قدم البصرة فقال:
«أيت الزبير ولا تأت طلحة، فإن الزبير ألين، وإنك تجد طلحة كالثور عاقصا قرنه «6» ، يركب الصعوبة ويقول هي أسهل، فأقرئه السلام، وقل له:
«يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق، فما عدا مما بدا لك؟» .
قال: فأتيت الزبير فقال: مرحبا يا ابن لبابة أزائرا جئت أم سفيرا؟
قلت: كلّ ذلك. وأبلغته ما قال علي، فقال الزبير: أبلغه السلام وقل له:
«بيننا وبينك عهد خليفة ودم خليفة، واجتماع ثلاثة وإنفراد واحد، وأم مبرورة، ومشاورة العشيرة، ونشر المصاحف، فنحل ما أحلت، ونحرم ما
(3/151)

حرمت» . فلما كان من الغد حرّش بين الناس غوغاؤهم فقال الزبير: ما كنت أرى أن مثل ما جئنا له يكون فيه قتال! قال: ومن جيّد الشعر قول جرير:
لئن عمرت تيم زمانا بغرّة ... لقد حديت تيم حداء عصبصبا
فلا يضغمن الليث تيما بغرة ... وتيم يشمون الفريس المنيّبا
وقال أعرابي: «كحّلني بالميل الذي تكحّل به العيون الداءة «1» » وقال أبن أحمر:
بهجل من قسا ذفر الخزامى ... تهادي الجربياء به الحنينا «2»
به تتزخّر القلع السواري ... وجنّ الخازباز به جنونا «3»
تكاد الشمس تخشع حين تبدو ... لهن وما نزلن وما عسينا
وقال الحكم الخضري:
كوم تظاهر نيها وتربّعت ... بقلا بعيهم والحمى مجنونا
والمجنون: المصروع، ومجنون بني عامر، ومجنون بني جعدة.
وإذا فخر النبات قيل قد جنّ. وقال الشنفري:
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأنضرت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت
قال: وسمع الحجاج امرأة من خلف حائط تناغي طفلا لها، فقال:
مجنونة أو أم صبي!
(3/152)

وقال أبو ثمامة بن عازب:
وكلهم قد ذاقنا فكأنما ... يرون علينا جلد أجرب هامل
وقال التغلبي:
يرى الناس منا جلد أسود سالخ ... وفروة ضرغام من الأسد ضيغم
وأنشدنا الأصمعي:
منهرت الشّدقين «1» عود قد كمل ... كأنما قمّص من ليط جعل «2»
وقال نصيب لعمر بن عبد العزيز: إن لي بنيّة ذررت عليها من سوادي.
وقال عبد الملك للوليد:
لا تعزل أخاك عبد الله عن مصر، وانظر عمك محمد بن مروان فأقرّه على الجزيرة، وأما الحجاج فأنت أحوج إليه منه إليك، وأنظر علي بن عبد الله فاستوص به خيرا.
فضرب عليا بالسياط، وعزل أخاه وعمه.
وقال أبو نخيلة:
أنا ابن سعد وتوسّطت العجم ... فأنا فيما شيت من خال وعم
وأنشد:
هم وسط يرضى الأله بحكمهم ... إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم
يجعلون ذلك من قول الله تبارك وتعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.
(3/153)

وأنشد:
ولولا خلّة سبقت إليه ... وأخو من كان من عرق المدام
دلفت له بأبيض مشرفي ... كما يدنو المصافح بالسلام
وقال يزيد بن ضبّة:
لا تبدينّ مقالة مأثورة ... لا تستطيع إذا مضت إدراكها
وقال ابن ميادة:
يا أيها الناس روّوا القول واستمعوا ... وكلّ قول إذا ما قيل يستمع
وقال الآخر:
ما المدلج الغادي إليه بسحرة ... إلا كآخر قاعد لم يبرح
وقال العلاء بن منهال الغنوي في شريك بن عبد الله:
فليت أبا شريك كان حيّا ... فيقصر عن مقالته شريك
ويترك من تدرئه علينا ... إذا قلنا له هذا أبوكا
وقال طارق بن أثال الطائي:
ما إن يزال ببغداد يزاحمنا ... على البراذين أشباه البراذين
أعطاهم الله أموالا ومنزلة ... من الملوك بلا عقل ولا دين
ما شئت من بغلة سفواء ناجية ... ومن أثاث وقول غير موزون
وقال منقذ بن دثار الهلالي «1» :
لا تتركن- إن صنيعة سلفت ... منك وإن كنت لست تنكرها
(3/154)

عند امرىء- أن تقول إن ذكرت ... يوما من الدهر: لست أذكرها
فإن إحياءها إماتتها ... وإن منا بها يكدرها
وقال بعض الحكماء: «صاحب من ينسى معروفه عندك، ويتذكر حقوقك عليه» :
وقال منقر بن فروة المنقريّ:
وإن خفت من أمر فواتا فوله ... سواك وعن دار الأذى فتحوّل
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
ونظر أبو الحارث جمين إلى برذون يستقي عليه الماء، فقال:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه
لو هملج هذا البرذون لم يجعل للرواية.
وأنشد:
لا خير في كلّ فتى نؤوم ... لا يعتريه طارق الهموم
وأنشد:
اجعل أبا حسن كمن لم تعرف ... واهجره معتزما وإن لم يخلف
آخ الكرام المنصفين وصلهم ... واقطع مودّة كلّ من لم ينصف
وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:
ما زال عصياننا لله يسلمنا ... حتى دفعنا إلى يحيى ودينار
إلى عليجين لم تقطع ثمارهما ... قد طال ما سجدا للشمس والنار
وشاتم أعرابي أعرابيا فقال: «إنكم لتعتصرون العطاء، وتعيرون النساء، وتبيعون الماء» .
(3/155)

وقال أبو الأسود الدؤلي:
لنا جيرة سدوا المجازة بيننا ... فإن ذكّروك السدّ فالسد أكيس
ومن خير ما ألصقت بالدار حائط ... تزلّ به صقع الخطاطيف أملس
وأنشد:
إذا لم يكن للمرء بد من الردى ... فأكرم أسباب الردى سبب الحبّ
وقال الآخر:
وإذا شنئت فتى شنئت حديثه ... وإذا سمعت غناءه لم أطرب
وأنشد المسروحي، لكامل بن عكرمة:
لها كلّ عام موعد غير منجز ... ووقت إذا ما رأس حول تجرما «1»
فإن وعدت شرا أنى دون وقته ... وإن وعدت خيرا أراث وعتّما «2»
وقال الآخر:
ألم تر أن سير الخير ريث ... وأن الشرّ راكبه يطير
وقال محمد بن يسير:
تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وترى السرور يجيء في الفلتات
وقال الآخر:
إذا ما بريد الشام أقبل نحونا ... ببعض الدواهي المفظعات فأسرعا
فإن كان شرا سار يوما وليلة ... وإن كان خيرا قصّد السير أربعا
(3/156)

وقال آخر:
وتعجبنا الرؤيا فجلّ حديثنا ... إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا
فإن حسنت لم تأت عجلى وأبطأت ... وإن قبحت لم تحتبس وأتت عجلى
وقال آخر:
وإذا نهضت فما النهوض بدائم ... وإذا نكبت توالت النكبات
قال: قيل لأعرابي: ما أعددت للشتاء؟ قال: جلّة ربوضا، وصيصية «1» سلوكا، وشملة مكودا، وقرموصا دفيئا «2» ، وناقة مجالحة «3» .
وقيل لآخر: ما أعددت للشتاء؟ قال: شدة الرعدة.
وقيل لآخر: كيف ليلكم؟ قال: سحر كله.
وقيل لآخر: كيف البرد عندكم؟ قال: ذاك إلى الريح.
وقال معن بن أوس:
فلا وأبي حبيب ما نفاه ... من أرض بني ربيعة من هوان
وكان هو الغنيّ إلى غناه ... وكان من العشيرة في مكان
تكنفه الوشاة فأزعجوه ... ودس من فضالة غير وان
فلولا أن أم أبيه أمي ... وإن من قد هجاه فقد هجاني
وأن أبي أبوه لذاق مني ... مرارة مبردي ولكان شاني
إذا لأصابه مني هجاء ... يمر به الروي على لساني
اعلمه الرماية كلّ يوم ... فلما اشتدّ ساعده رماني
(3/157)

وقال بعض اليهود:
ولو كنت أرضى لا أبالك بالذي ... به العائل الجثّام في الخفض قانع «1»
إذا قصرت عندي الهموم وأصبحت ... علي وعندي للرجال صنائع
ومما قالوا في المهالبة:
إن المهالبة الكرام تحملوا ... دفع المكاره عن ذوي المكروه
زانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه
وقال أبو الجهم العدوي في معاوية بن أبي سفيان:
نقلّبه لنخبر حالتيه ... فنخبر منهما كرما ولينا
نميل على جوانبه كأنا ... نميل إذا نميل على أبينا
وقال الآخر في هذا الشكل:
إن أجز علقمة بن سيف سعيه ... لا أجزه ببلاء يوم واحد
لأحبني حبّ الصبي ورمني ... رمّ الهديّ إلى الغني الواجد «2»
ولقد شفيت غليلتي فنقعتها ... من آل مسعود بماء بارد
وقال بكير بن الأخنس:
نزلت على آل المهلب شاتيا ... فقيرا بعيد الدار في سنة محل
فما زال بي إلطافهم وافتقادهم ... وإكرامهم حتى حسبتهم أهلي
وقال في كلمة له أخرى:
وقد كنت شيخا ذا تجارب جمة ... فأصبحت فيهم كالصبي المدلّل
ورأى المهلب وهو غلام فقال:
خذوني به إن لم يسد سرواتهم ... ويبرع حتى لا يكون له مثل
(3/158)

وقال الحزين، في طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه- وأمه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، من ولد أبي بكر الصديق رحمه الله:
فإن تك يا طلح أعطيتني ... جمالية تستخفّ السفارا «1»
فما كان نفعك لي مرة ... ولا مرتين ولكن مرارا
وقال أبو الطمحان:
سأمدح مالكا في كل ركب ... لقيتهم، واترك كلّ رذل
فما أنا والبكارة من مخاض ... عظام جلة سدس وبزل
وقد عرفت كلابكم ثيابي ... كأني منكم ونسيت أهلي
نمتكم من بني شمخ زناد ... لها ما شئت من فرع وأصل
وقال أبو الشّغب:
ألا إن خير الناس قد تعلمونه ... أسير ثقيف موثقا في السلاسل
لعمري لئن أعمرتم السجن خالدا ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل
لقد كان نهّاضا بكل ملمة ... ومعطي اللهى غمرا كثير النوافل «2»
فإن تسجنوا القسريّ لا تسجنوا اسمه ... ولا تسجنوا معروفه في القبائل
ومن هذا الباب قول أعشى همدان، في خالد بن عتّاب بن ورقاء:
رأيت ثناء الناس بالغيب طيبا ... عليك وقالوا: ماجد وابن ماجد
بني الحارث السامين للمجد إنكم ... بنيتم بناء ذكره غير بائد
هنيئا لما أعطاكم الله واعلموا ... بأني سأطري خالدا في القصائد
فإن يك عتّاب مضى لسبيله ... فما مات من يبقى له مثل خالد
(3/159)

ومن شكل هذا الشعر قول الحسين بن مطير الأسدي:
ألماعلى معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا
فيا قبر معن كنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للسماح وموضعا
ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا
فلما مضى معن مضى الجود والندى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا «1»
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
تعزّ أبا العباس عنه ولا يكن ... جزاؤك من معن بأن تتضعضعا
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي ... له مثل ما أسدى أبوك وما سعى
تمنى أناس شأوه من ضلالهم ... فأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا «2»
وهذا مثل قول مسلم بن الوليد، في يزيد بن مزيد:
قبر ببرذعة استسر ضريحه ... خطرا تقاصر دونه الأخطار
أبقى الزمان على معد بعده ... حزنا كعمر الدهر ليس يعار
نقضت به الآمال أحلاس الغنى ... واسترجعت نزّاعها الأمصار «3»
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار
قيل: إذا رسخ الرجل في العلم رفعت عنه الرؤيا الصالحة.
مسلمة، قال: كان عند عمر بن عبد العزيز رجلان، فجعلا يلحنان، فقال الحاجب: قوما فقد «أوذيتما» أمير المؤمنين! قال عمر: أنت آذى لي منهما.
المدائني قال: قعد قدّام زياد رجل ضائعي- من قرية باليمن يقال لها «ضياع» - وزياد يبني داره، فقال له: أيها الأمير، لو كنت عملت باب
(3/160)

مشرقها قبل مغربها، وباب مغربها من قبل مشرقها! فقال: أنى لك هذه الفصاحة؟ قال: إنها ليست من كتاب ولا حساب، ولكنها من «ذكاوة» العقل. فقال: ويلك، الثاني شر! شعبة، عن الحكم، قال: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لا أماري أخي، فأما أن أكذبه وأما أن أغضبه ابن أبي الزناد قال: إذا اجتمعت حرمتان تركت الصغرى للكبرى.
وعن أبي بكر الهذلي- واسمه سلميّ- قال: إذا جمع الطعام أربعة فقد كمل: إذا كان حلالا، وكثرت عليه الأيدي، وسمّي الله على أوله، وحمد على آخره.
وقال ابن قميئة:
وأهون كفّ لا تضيرك ضيرة ... يد بين أيد في إناء طعام
يد من قريب أو غريب بقفرة ... أتتك بها غبراء ذات قتام «1»
وقال حمّاد عجرد:
حبيش أبو الصلت ذو خبرة ... بما يصلح المعدة الفاسدة
تخوّف تخمة أصحابه ... فعودهم أكلة واحدة
وقال سويد المراثد:
إني إذا ما الأمر بيّن شكّه ... وبدت بصائره لمن يتأمل
وتبرأ الضعفاء من أخوانهم ... وألحّ من حرّ الصميم الكلكل
ادع التي هي أرفق الخلات بي ... عند الحفيظة للتي هي أجمل
(3/161)

ومما يكتب في العصا قوله:
قالت إمامة يوم برقة واسط ... يا بن الغدير لقد جعلت تغيّر
أصبحت، بعد شبابك الماضي الذي ... ذهبت بشاشته وغصنك أخضر
شيخا دعامتك العصا ومشيعا ... لا تبتغي خيرا ولا تستخبر
ويضم البيت الأخير إلى قوله:
وهلك الفتى ألا يراح إلى الندى ... وألا يرى شيئا عجيبا فيعجبا
ومن يتتبع مني الظلع «1» يلقني ... إذا ما رآني أصلع الرأس أشيبا
وقال بعض الحكماء: «أعجب من العجب ترك التعجب من العجب» .
وقيل لشيخ هم: أي شيء تشتهي؟ قال: أسمع بالأعاجيب.
وأنشد:
عريض البطان جديب الخوان ... قريب المراث من المرتع «2»
فنصف النهار لكرياسه «3» ... ونصف لمأكله أجمع
وفي العصا قوله:
لعمري لئن حلّئت عن منهل الصبا ... لقد كنت ورادا لمشربه العذب «4»
ليالي أغدو بين بردين لاهيا ... أميس كغصن البانة الناعم الرطب
سلام على سير القلاص «5» مع الركب ... ووصل الغواني والمدامة والشرب
سلام امرىء لم تبق منه بقية ... سوى نظر العينين أو شهوة القلب
(3/162)

وقال حاجب بن ذبيان لأخيه زرارة:
عجلت مجيء الموت حتى هجرتني ... وفي القبر هجر يا زرار طويل
وقال الآخر:
ألم تعلمي عمرتك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل
وأني لا أخزى إذا قيل مملق «1» ... جواد، وأخزى أن يقال بخيل
وألا يكن عظمي طويلا فأنني ... له بالخصال الصالحات وصول
إذا كنت في القوم الطوال فضلتهم ... بعارفة «2» حتى يقال طويل
ولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم يزن حسن الجسوم عقول
وكائن رأينا من فروع طويلة ... تموت إذا لم تحيهن أصول
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو، وأما وجهه فجميل
وقال زيادة بن زيد:
إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأملى أم تناهى فأقصرا «3»
ويخبرني عن غائب المرء فعله ... كفى الفعل عما غيّب المرء مخبرا
وقال آخر:
أبرّ فما يزداد إلا حماقة ... ونوكا وإن كانت كثيرا مخارجه
وقال ابن الرقّاع:
وقصيدة قد بتّ اجمع بينها ... حتى أقوّم ميلها وسنادها
نظر المثقّف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها «4»
وعلمت حتى لست أسأل واحدا ... عن حرف واحدة لكي أزدادها
(3/163)

وقال بعض الأعراب:
لولا مسّرة أقوام تصعدني ... أو الشماتة من قوم ذوي إحن
ما سرني أن إبلي في مباركها ... وإنّ أمرا قضاه الله لم يكن
وقال الآخر:
وإني لأهوى ثم لا أتبع الهوى ... وأكرم خلاني وفيّ صدود
وفي النفس عن بعض التعرض غلظة ... وفي العين عن بعض البكاء جمود
وقال كثير:
ترى القوم يخفون التبسم عنده ... وينذرهم عور الكلام نذيرها
فلا هاجرات القول يؤثرن عنده ... ولا كلمات النصح مقصى مشيرها
وقال المقشعرّ:
يقرّ بعيني أن أرى قصد الفنا ... وصرعى رجال في وغى أنا حاضره
وقال الكميت:
أحسن منها ذياد خامسة ... في الورد، أو فيلق تجالدها
وقال صالح بن مخراق في كلام له: لولا أن الله قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
، لأنبأتكم أني لا أكرهه.
وقال الآخر:
تركت الركاب لأربابها ... وأكرهت نفسي على ابن الصعق
جعلت يديّ وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق
قال: وقال عمر بن عبد العزيز يوما في مجلسه: من أم النعمان بن
(3/164)

المنذر؟ فقال روح بن الوليد بن عبد الملك: سلمى بنت عقاب. قال: إنه ليقال ذلك، يا حاجب أحسن إذنه.
وقالوا: عشر خصال في عشرة أصناف من الناس أقبح منها في غيرهم:
الضيق في الملوك، والغدر في الأشراف، والكذب في القضاة، والخديعة في العلماء، والغضب في الأبرار، والحرص في الأغنياء، والسفه عند الشيوخ، والمرض في الأطباء، والزهو في الفقراء، والفخر في القراء.
وأنشد:
ولا تقبلوا عقلا وأموا بغارة ... بني عبد شمس بين دومة والهضب
وهزوا صدور المشرفيّ كأنما ... يقعن بهام القوم في حنظل رطب
ويضم إلى بيت الكميت وبيت المقشعر قول الحكمي:
أحسن عندي من انكبابك بالفه ... هر ملحا به على وتد
وقوف ريحانة على أذن ... وسير كأس إلى فم بيد
وفي باب غير هذا يقول حسان بن ثابت:
ما أبالي أنبّ بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم
وأنشد:
خبّرت أن طويلبا يغتابنا ... بعضيهة يتنحّل الأقوالا
ما ضرّ سادة نهشل أهجاهم ... أم قام في عرض الخويّ فبالا
وقال الفرزدق في هذا المعنى:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
وقال الآخر في هذا المعنى:
ما يضير البحر أمسى زاخرا ... أن رمى فيه غلام بحجر
(3/165)

ومما يزاد في ذكر باب العصا قول جرير بن الخطفي:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأمرون وهم شهود
وقد سلبت عصاك بنو تميم ... فما تدري بأيّ عصا تذود
وقال الحسن بن عرفطة بن نضلة «1» :
ليهنيك بغض في الصديق وظنّة ... وتحديثك الشيء الذي أنت كاذبه
وأنك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السّباب رافع الصوت غالبه
وإنك مشنوء إلى كلّ صاحب ... بلاك، ومثل الشر يكره جانبه
ولم أر مثل الجهل أدنى إلى الردى ... ولا مثل بغض الناس غمّض صاحبه
وقال قتادة بن خرجة الثعلبي، من بني عجب:
خليلي يوم السّلسلين لو أنني ... بهبر اللّوى أنكرت ما قلتما ليا «2»
ولكنني لم أنس ما قال صاحبي ... نصيبك من ذل إذا كنت نائيا
وقال خالد بن نضلة «3» :
إذا كنت في قوم عدى لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيّب
وقال أحمد بن يوسف، وكان يتعشّق يحيى بن سعيد بن حمّاد:
إن يحيى بن سعيد ... يشتهي أن أشتهيه
فهو يلقاني بتوري ... م وأحيانا بتيه
(3/166)

وقال أبو سعد دعيّ بني مخزوم، في مهاجاة دعبل:
ولولا نزار لضاق الفضاء ... ولم يبق حرز ولا معقل
وأخرجت الأرض أثقالها ... وأدخل في إست أمه دعبل
وقال:
حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتّال
والهوى صعب مراكبه ... وركوب الصعب أهوال
ليس من شكلي فأشتمه ... دعبل، والناس أشكال
همتي في التاج ألبسه ... وله في الشعر آمال
وقال:
هذا اللبابي يحوي ... جوائز الخلفاء
ففي حر أم مديحي ... وفي حر أم هجائي
وفي حر أمي وإن كن ... ت سيد الشعراء
وقال محمد بن يسير:
في حر أم الناس كلهم ... وأنا في ذا من أولهم
لست تدري حين تخبرهم ... أين أدناهم من أفضلهم
وقال:
إذا ما جاوز الندماء خمسا ... برب البيت والساقي اللبيب
فأير في حر أمّ فتى دعانا ... وأير في حر أمّ فتى مجيب
وقال سلم الخاسر «1» :
بهارون قرّ الملك في مستقرّه ... وأبهجت الدنيا وأشرق نورها
وليس لأيام المكارم غاية ... تتمّ بها إلا وأنت أميرها
(3/167)

وقال بشار بن برد:
من فتاة صبّ الجمال عليها ... في حديث كلذة النشوان
ثم فارقت ذاك غير ذميم ... كلّ عيش الدنيا وإن طال فان
وقال مزاحم العقيليّ:
يزين سنا الماويّ كلّ عشية ... على غفلات الزين والمتجمّل
وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي
وقال المسعودي:
إن الكرام مناهبو ... ك المجد كلهم فناهب
أخلف وأتلف كلّ شي ... ء زعزعته الريح ذاهب
وقال شيخ من الأطباء: الحمد لله، فلان يزاحمنا في الطب ولم يختلف إلى البيمار ستانات تمام خمسين سنة.
وحدثني محمد بن عبد الملك- صديق لي- قال: سمعت رجلا من فرسان طبرستان يقول: فلان يدعي الفروسية، ولو كلف أن يخلي فروج فرسه «1» منحدرا لما قدر عليه.
وقال بعض العبيد:
أيبعثني في الشاء وابن مويلك ... على هجمة قد لوحتها الطبائخ «2»
متى كان حمران الشّبابيّ راعيا ... وقد راعه بالدوّ أسود سالخ
(3/168)

وقال كثيّر في عمر بن عبد العزيز رحمه الله:
تكلمت بالحق المبين وإنما ... تبيّن آيات الهدى بالتكلم
ألا إنما يكفي القنا بعد زيغه ... من الأود الباقي ثقاف المقوّم «1»
الأصمعي قال: قال يونس بن عبد الأعلى «2» : لا يزال الناس بخير ما داموا إذا تخلّج في صدر الرجل شيء وجد من يفرج عنه.
وقال البعيث، في ابراهيم بن عربي:
ترى منبر العبد اللئيم كأنما ... ثلاثة غربان عليه وقوع
وقال الأعشى:
ربّ رفد هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقيال
وقالوا: «لا وكس ولا شطط» .
وقال الشاعر «3» :
ومد جج كره الكماة نزاله ... لا ممعن هربا ولا مستسلم
وقال زهير:
دون السماء وفوق الأرض قدرهما ... عند الذنابي فلا فوت ولا درك
وقالوا: «خير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة» .
قال: والمثل السائر، والصواب المستعمل: «لا تكن حلوا فتزدرد، ولا مرا فتلفظ» .
(3/169)

وقال عمر بن الخطاب رحمه الله: إن هذا الأمر لا يصلحه إلا لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف» .
وكان الحجّاج يجاوز العنف إلى الخرق، وكان كما وصف نفسه، فإنه قال: «أنا حديد حقود، وذو قسوة حسود» .
وذكره آخر فقال: كان شرا من صبي.
وقال أكثم بن صيفي «1» : تناءوا في الديار، وتواصلوا في المزار.
وكان ناشيء المشهور يقول: اللهم باعد بين نسائنا، وقارب بين رعائنا واجعل الأموال في سمحائنا.
وقال آخر:
شتى مراجلهم فوضى نساؤهم ... وكلهم لأبيه ضيزن سلف
وقال الآخر: ترك الوطن أحد السباءين «2» .
وقالوا: من أجدب انتجع.
وقال آخر: من أمل أمرا هابه، ومن قصر عن شيء عابه.
وقال الآخر:
رجعنا سالمين كما بدأنا ... وما خابت غنيمة سالمينا
وقال أمرؤ القيس بن حجر:
لقد نقّبت في الآفاق حتى ... رضيت من الغنيمة بالإياب
(3/170)

وقيل لأبن عباس: أيما أحب إليك، رجل يكثر من الحسنات ويكثر من السيئات، أو رجل يقل من الحسنات والسيئات؟ قال: ما أعدل بالسلامة شيئا! وقالت أعرابية:
فلا تحمدوني في الزيارة إنني ... أزوركم إلا أجد متعلّلا
يعقوب بن داود قال: ذم رجل الأشتر فقال له رجل من النّخع: اسكت فإن حياته هزمت أهل الشام، وموته هزم أهل العراق.
أبو الحسن قال: أرسلت الخيل أيام بشر بن مروان، فسبق فرس عبد الملك بن بشر، فقال له اسماعيل بن الأشعث: والله لأرسلن غدا مع فرسك فرسا لا يعرف أن أباك أمير العراق! فجاء فرس اسماعيل سابقا، فقال: ألم أعلمك؟! وقال أبو العتاهية:
أيا من لي بأنسك يا أخيّا ... ومن لي أن أبثّك ما لديّا
كفى حزنا بدفنك ثم أني ... نفضت تراب قبرك عن يديا
طوتك خطوب دهرك بعد نشر ... كذاك خطوبه نشر وطيا
فلو نشرت قواك لي المنايا ... شكوت إليك ما صنعت إليا
بكيتك يا أخيّ بدرّ عيني ... فلم يغن البكاء عليك شيا
وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا
وقال الآخر:
أبعد الذي بالعنف نعف كويكب ... رهينة رمس بين ترب وجندل
أذكّر بالبقيا على من أصابني ... وبقياي أني جاهد غير مؤتل
يقول: هذه بقياي.
(3/171)

قال: قيل لشريك بن عبد الله: كان معاوية حليما. قال: لو كان حليما ما سفه الحق، ولا قاتل عليا. ولو كان حليما ما حمل أبناء العبيد على حرمه، ولما أنكح إلا الأكفاء.
وأصوب من هذا قول الآخر، قال: كان معاوية يتعرض ويحلم إذا أسمع. ومن تعرض للسفيه فهو سفيه.
وقال الآخر: كان يحب أن يظهر حلمه وقد كان طار اسمه بذلك، فكان يحب أن يزداد في ذلك.
وقال الفرزدق:
وكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها
وكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها
وقال التّوت اليمانيّ:
على أي باب أطلب الأذن بعدما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه
وهذا مثل قوله:
والسبب المانع حظّ العاقل ... هو الذي سبّب رزق الجاهل
ومثله:
وربّت حزم كان للسقم علّة ... وعلة برء الداء حظ المغفّل
وقال آخر:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
وقال عثمان بن الحويرث، لعمرو بن العاصي:
له أبوان فهو يدعى إليهما ... وشر العباد من له أبوان
(3/172)

وقد حكّما فيه لتصدق امه ... وكان لها علم به ببيان
فقالت: صراح، وهي تعلم غيره ... ولكنها تهذي بغير لسان
وقال الآخر «1» :
يطلبن بالقوم حاجات تضمّنها ... بدر بكل لسان يلبس المدحا
كأن فيض يديه قبل مسألة ... باب السماء إذا ما بالحيا انفتحا
وكّلت بالدهر عينا غير غافلة ... من جود كفك تأسو كلّ ما جرحا
ومثله:
إذا افتقر المنهال لم ير فقره ... وإن أيسر المنهال أيسر صاحبه
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من أفضل العبادة الصمت، وانتظار الفرج.
وقال يزيد بن المهلّب، وكان في سجن الحجاج: لهفي على طليّة بمائة ألف، وفرج في جبهة اسد. وأنشد:
ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحلّ العقال
وأنشد:
كرهت وكان الخير فيما كرهته ... وأحببت أمرا كان فيه شبا القتل «2»
مثل قول الله تبارك وتعالى: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ.
وكان يقال: خذ مقتصد العراق، ومجتهد الحجاز.
(3/173)

وقال الآخر:
لكل كريم من الائم قومه ... على كل حال حاسدون وكشّح
وقال جرير:
إني لآمل منك خيرا عاجلا ... والنفس مولعة بحب العاجل
وقال الله تبارك وتعالى: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ.
وقال ابن هرمة:
أشمّ من الذين بهم قريش ... تداوي بينها غبن القبيل
كأنّ تلألؤ المعروف فيه ... شعاع الشمس في السيف الصقيل
وقال امرؤ القيس:
أجارتنا إن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان ها هنا ... وكل غريب للغريب نسيب
وقال بشار:
وإذا اغتربت فلا تكن جشعا ... تسمو لغثّ الكسب تكسبه
وقال حسان بن ثابت:
أهدى لهم مدحي قلب يؤازره ... فيما أحبّ لسان حائك صنع
وقال الأصمعي: أنشدنا أبو مهدية:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
وقال الخزرجي، يرد على أبي قيس بن الأسلت، واسمه صيفيّ:
أتفخر صيفيّ فيما تقو ... ل أن نلتم غيلة أربعة
(3/174)

عرانين كلهم ماجد ... كثير الدسائع والمنفعة «1»
فهلا حضرت غداة البقي ... ع لما استمات أبو صعصعه «2»
ولكن كرهت شهود الوغى ... وكنتم كذلك في المعمعه
سراعا إلى القتل في خفية ... بطاء عن القتل في المجمعه
وأنشد الأصمعي:
آتي النّديّ فلا يقرّب مجلسي ... وأقود للشرف الرفيع حماريا
وقال حبيب بن أوس:
كالخوط في القد والغزالة في البه ... جة وابن الغزال في غيده «3»
وما حكاه، ولا نعيم له ... في جيده بل حكاه في جيده
إلى المفدّى أبي يزيد الذي ... يضلّ غمر الملوك في ثمده «4»
ظل عفاة يحب زائره ... حب الكبير الصغير من ولده «5»
إذا أناخوا ببابه أخذوا ... حكمهم من لسانه ويده
وقال أيضا:
لعمرك ما كانوا ثلاثة أخوة ... ولكنهم كانوا ثلاث قبائل
من خطباء الخوارج [وعلمائهم]
قطريّ بن الفجاءة أحد بني كابية بن حرقوص، وكنيته أبو نعامة في الحرب، وفي السلم أبو محمد. وهو أحد رؤساء الأزارقة. وكان خطيبا فارسا، خرج زمن مصعب بن لزبير، وبقي عشرين سنة. وكان يدين
(3/175)

بالإستعراض والسباء، وقتل الأطفال. وكان آخر من بعث إليه سفيان بن الأبرد الكلبي وقتله سورة بن أبجر الدارمي، من بني أبان بن دارم.
ومن خطباء الخوارج وشعرائهم وعلمائهم:
حبيب بن خدرة، عداده في بني شيبان، وهو مولى لبني هلال بن عامر ومن علمائهم وخطبائهم وأئمتهم:
الضحاك بن قيس، أحد بني عمرو بن محلّم بن ذهل بن شيبان، ويكنى أبا سعيد. ملك العراق، وصلى خلفه عبد الله بن عمرو بن عبد العزيز، وعبد الواحد بن سليمان. وقال شاعرهم:
ألم تر أن الله أظهر دينه ... وصلّت قريش خلف بكر بن وائل
ومن علمائهم وخطبائهم: نصر بن ملحان، وكان الضحاك ولاه الصلاة بالناس، والقضاء بينهم.
ومن علمائهم وخطبائهم: مليل، وأصفر بن عبد الرحمن، وأبو عبيدة كورين واسمه مسلم، وهو مولى لعروة بن أذينة.
ومن علمائهم وخطبائهم وشعرائهم وقعدهم وأهل الفقه: عمران بن حطّان ويكنى أبا شهاب، أحد بني عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة.
ومن الخوارج من بني ضبة ثم أحد بني صبّاح: القاسم بن عبد الرحمن ابن صديقة. وكان ناسبا عالما داهيا، وكان يشوب ذلك ببعض الظرف.
ومن علمائهم ونسابهم وأهل الّلسن منهم: الجون بن كلاب، وهو من أصحاب الضحاك.
ومن رجالهم وأهل النجدة والبيان منهم: خراشة، وكان ركّاضا، ولم يكن اعتقد.
أخبرني أبو عبيدة قال: كان مسمار مستخفيا بالبصرة، فتخلصت إليه
(3/176)

فأخبرني أنه الذي طعن مالك بن علي في فيه، وذلك أنه فتح فاه يقول: أنا أبو علي! فشحا بها فاه «1» ، فطعنته في جوف فمه.
ومن شعرائهم عتبان بن وصيلة الشيباني، وهو الذي يقول:
ولا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيب
[رأي في الخلفاء الراشدين]
وعن عيسى بن طلحة قال:
قلت لأبن عباس: أخبرني عن أبي بكر. قال: كان خيرا كله، على الحدة وشدة الغضب.
قال: قلت: أخبرني عن عمر. قال: كان كالطائر الحذر قد علم أنه قد نصب له في كل وجه حبالة، وكان يعمل لكل يوم بما فيه، على عنف السباق.
قال: قلت: أخبرني عن عثمان. قال: كان والله صوّاما قوّاما، لم يخدعه نومه عن يقظته.
قال: قلت: فصاحبكم؟ قال: كان والله مملوءا حلما وعلما، غرته سابقته وقرابته، وكان يرى أنه لا يطلب شيئا إلا قدر عليه. قلت: أكنتم ترونه محدودا. قال: أنتم تقولون ذاك.
من الأدب الحكمي:
قال معاوية: ما رأيت سرفا قطّ إلا والى جنبه حقّ مضيّع.
وقال عثمان بن أبي العاص: الناكح مغترس، فلينظر امرؤ أين يضع غرسه.
(3/177)

وقالت هند بنت عتبة: المرأة غلّ، ولا بد للعنق منه، فانظر من تضعه في عنقك.
وقال ابن المقفع: الدّين رقّ فانظر عند من تضع نفسك.
وقال عمرو بن مسعدة، أو ثابت أبو عباد: لا تستصحب من يكون استمتاعه بمالك وجاهك أكثر من امتاعه لك بشكر لسانه، وفوائد علمه. ومن كانت غايته الإحتيال على مالك، وإطراءك في وجهك فإن هذا لا يكون إلا رديّ الغيب، سريعا إلى الذم.
[أدعية الصالحين والأعراب والملهوفين والنساك]
قد قلنا في صدر هذا الجزء الثالث في ذكر العصا ووجوه تصرّفها.
وذكرنا من مقطّعات كلام النساك، ومن قصار مواعظ الزهّاد، وغير ذلك مما يجوز في نوادر المعاني وقصار الخطب.
ونحن ذاكرون، على اسم الله وعونه، صدرا من دعاء الصالحين والسلف المتقدمين، ومن دعاء الأعراب، فقد أجمعوا على استحسان ذلك واستجادته، وبعض دعاء الملهوفين، والنساك المتبتلين.
وقال الله لنبيه صلّى الله عليه وسلّم: قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ
. وقال ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
. وقال: يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
. وقال:
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ.
قالوا: كان عمرو بن معاوية العقيلي يقول: اللهم قني عثرات الكرام والكلام.
وقال أعرابيّ لرجل سأله: جعل الله الخير عليك دليلا، ولا جعل حظّ السائل منك عذرة صادقة.
وقال بعض كرام الأعراب ممن يقرض الشعر ويؤثر الشكر:
(3/178)

لعل مفيدات الزمان يفدنني ... بني صامت في غير شيء يضيره
قال شيخ أعرابي: اللهم لا تنزلني ماء سوء، فأكون امرأ سوء.
قال: وسمعت عمر بن هبيرة يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من صديق يطري، وجليس يغري، وعدو يسري.
قال: وكتب ابن سيابة إلى صديق له، أما مستقرضا وأما مستفرضا، فذكر صديقه خلة شديدة، وكثرة عيال، وتعذر الأمور عليه، فكتب إليه ابن سيابة:
«إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت مليما فجعلك الله معذورا» .
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: أعوذ بك من الفواقر والبواقر «1» ومن جار السّوء في دار المقامة والظعن، وما ينكّس برأس المرء ويغري به لئام الناس.
قال الأصمعي: قيل لخالد بن نضلة: قال عبد يغوث بن وقاص ما أذم، ما فيها إلا عطنى «2» ، ليس خالد بن نضلة. يعني مضر. قال خالد: اللهم إن كان كاذبا فاقتله على يد الأم حي في مضر! فقتلته تيم الرّباب.
قالوا: وقف سائل من الأعراب على الحسن فقال: رحم الله عبدا أعطى من سعة، وآسى من كفاف، وآثر من قلة.
وقال: في الأثر المعروف: «حصنوا أموالكم بالزكاة، وادفعوا أمواج البلاء بالدعاء» .
ومن دعائهم: أعوذ بك من بطر الغنى، وذلة الفقر.
قال: ومن دعاء السلف: اللهم أحملنا من الرّجلة، واغننا من العيلة «3»
(3/179)

وسأل أعرابي فقيل له: بورك فيك! فتوالى ذلك عليه من غير مكان، فقال: وكلكم الله إلى دعوة لا تحضرها نية.
وقال أعرابي: أعوذ بك من سقم وعدواه، وذي رحم ودعواه، ومن فاجر وجدواه، ومن عمل لا ترضاه.
وسأل أعرابي فقال له صبي من جوف الدار: بورك فيك! فقال: قبّح الله هذا الفم، لقد تعود الشر صغيرا! وهذا السائل هو الذي يقول:
ربّ عجوز عرمس زبون ... سريعة الردّ على المسكين «1»
تحسب أن «بوركا» يكفيني ... إذا غدوت باسطا يميني
وقال آخر: اللهم أعني على الموت وكربته، وعلى القبر وغمّته، وعلى الميزان وخفته، وعلى الصراط وزلته، وعلى يوم القيامة وروعته.
وقالت عجوز وبلغها موت الحجّاج: اللهم إنك امته فأمت سنته.
قال: وكان محمد بن علي بن الحسين بن علي يقول: اللهم أعني على الدنيا بالغنى، وعلى الآخرة بالتقوى.
وقال عمرو بن عبيد: اللهم أغنني بالإفتقار إليك، ولا تفقرني بالإستغناء عنك.
وقال عمرو: اللهم أعني على الدنيا بالقناعة، وعلى الدين بالعصمة.
قال: ومرض عوف بن أبي جميلة، فعاده قوم فجعلوا يثنون عليه، فقال: دعونا من الثناء، وأمدونا بالدعاء.
(3/180)

قال: وسمعت عمر بن هبيرة يقول: اللهم إني أعوذ بك من طول الغفلة وإفراط الفطنة. اللهم لا تجعل قولي فوق عملي، ولا تجعل أسوأ عملي ما قارب أجلي.
وقال أبو مرجح: اللهم اجعل خير عملي ما ولي أجلي.
قال: ودعت أعرابية لرجل فقالت: كبت «1» الله كل عدو لك، إلا نفسك.
وقال يزيد بن جبل: أحرس أخاك إلا من نفسه.
قال: ودعا أعرابي فقال: اللهم هب لي حقك، وارض عني خلقك.
قال: وكان قوم نساك في سفينة في البحر، فهاجت الريح بأمر هائل، فقال رجل منهم: اللهم قد أريتنا قدرتك فأرنا عفوك ورحمتك.
قال: وسمع مطرف بن عبد الله رجلا يقول: استغفر الله وأتوب إليه! فأخذ بذراعه وقال: لعلك لا تفعل! من وعد فقد أوجب.
وقال رجل لأبن قثم: كيف أصبحت؟ قال: إن كان من رأيك أن تسد خلّتي، وتقضي ديني، وتكسو عربي خبرتك، وإلا فليس المجيب بأعجب من السائل.
وقال آخر: اللهم امتعنا بخيارنا، واعنا على شرارنا، واجعل الأموال في سمحائنا.
وقال أعرابي: اللهم إنك قد أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا أنفسنا فاعف عنا.
وقال أعرابي ورأى إبل رجل قد كثرت بعد قلة، فقيل له: إنه قد زوج أمه فجاءته بنافجة «2» ، فقال: اللهم إنا نعوذ بك من بعض الرزق.
(3/181)

أبو مجيب الربعي قال: قال أعرابي: جنبك الله الأمرّين، وكفاك شر الأجوفين.
الأجوفان: البطن والفرج. والأمران: الجوع والعري.
وجاء في الحديث: «من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه فقد وقي الشر كله» «1» .
وقال أعرابي: منحكم الله منحة ليست بجدّاء ولا نكداء «2» ، ولا ذات داء.
قال: قيل لأبراهيم المحلّمي: أي رجل أنت لولا حدة فيك! قال:
استغفر الله مما أملك، واستصلحه ما لا أملك.
وقال أعرابي ومات ابن له: اللهم إني قد وهبت له ما قصر فيه من برّي، فهب له ما قصر فيه من طاعتك.
الفضل بن تميم قال: قال أبو حازم: لأنا من أن أمنع الدعاء أخوف مني من أن أمنع الإجابة.
قال: ولما صاف قتيبة بن مسلم الترك وهاله أمرهم سأل عن محمد بن واسع، وقال: أنظروا ما يصنع؟ فقالوا: ما هو ذاك في أقصى الميمنة جانحا على سية قوسه، ينضنض «3» باصبعه نحو السماء. قال قتيبة: تلك الأصبع الفاردة أحب إلي من مائة ألف سيف شهير، وسنان طرير «4» .
وقال سعيد بن المسيب، ومر به صلة بن أشيم: يا أبا الصهباء، أدع الله لي بدعوات. قال: زهدك الله في الفاني، ورغّبك في الباقي، ووهب لك يقينا تسكن إليه.
(3/182)

أبو الدرداء قال: إن أبغض الناس إليّ أن أظلمه من لم يستعن علي إلا بالله.
وقال خالد بن صفوان: احذروا مجانيق الضعفاء! يعني الدعاء.
وقال لا يستجاب إلا لمخلص أو مظلوم.
قال: وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: اللهم إن ذنوبي لا تضرك، وإن رحمتك إياي لا تنقصك، فاغفر لي ما لا يضرك، واعطني ما لا ينقصك.
وقال أعرابي: اللهم إنك حبست عنا قطر السماء، فذاب الشحم، وذهب اللحم، ورق العظم، فارحم أنين الآنة، وحنين الحانة. اللهم أرحم تحيرها في مراتعها، وأنينها في مرابضها.
قال: وحجت أعرابية فلما صارت بالموقف قالت: أسألك الصحبة، يا كريم الصحبة، وأسألك سترك الذي لا تزيله الرياح، ولا تخرقه الرماح.
وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: كم بين الأرض والسماء؟
قال: دعوة مستجابة. قالوا: كم بين المشرق إلى المغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس، ومن قال غير هذا فقد كذب.
قال: وحج أعرابي فقال: اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان نائيا فقربه، وإن كان قريبا فيسّره.
أبو عثمان البقطريّ، عن عبد الله بن مسلم الفهري قال: لما ولي مسروق «1» السلسلة إنبرى له شاب فقال له: وقال الله خشية الفقر وطول الأمل، حتى لا تكون دريّة للسفهاء، ولا شينا على الفقهاء.
وقال أعرابي في دعائه: اللهم لا تخيّبني وأنا أرجوك، ولا تعذبني وأنا أدعوك. اللهم فقد دعوتك كما أمرتني، فأجبني كما وعدتني.
(3/183)

وقال عبد الله بن المبارك: قالت عائشة: يا بني لا تطلبوا ما عند الله من عند غير الله مما يسخط الله.
قال: وقال رجل من النساك: إن ابتليت أن تدخل مع ناس على السلطان فإذا أخذوا في الثناء فعليك بالدعاء.
وكان الفضل بن الربيع يقول: مسألة الملوك عن حالهم من تحية النوكى وتقرّب الحمقى، عليكم بأوجز الدعاء.
وقال الكذاب الحرمازي «1» :
لا همّ إن كانت بنو عميره ... رهط التلبّ دعوة مستوره
قد أجمعوا لحلفة مصبوره ... وأجمعوا كأنهم قاروره «2»
في غنم وابل كثيره ... فابعث عليهم سنة قاشوره «3»
تحتلق المال احتلاق النّوره «4»
وقال أعرابي:
لا همّ أنت الرب تستغاث ... لك الحياة ولك الميراث
وقد دعاك الناس فاستغاثوا ... غياثهم وعندك الغياث
ولم يكن سيبك يستراث «5» ... لم يبق إلا عكرش انكاث «6»
وشيجة أصولها مثّاث ... وطاحت الألبان والأرماث «7»
(3/184)

وكان سعد بن أبي وقاص يسمى: «المستجاب الدعوة» .
وقال لعمر حين شاطره ماله: لقد هممت. فقال له عمر: لتدعو الله علي؟ قال: نعم. قال: إذن لا تجدني بدعاء ربي شقيا.
وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كم من ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لابره «1» » . منهم البراء بن مالك. واجتمع الناس إليه وقد دهمهم العدو، فأقسم على الله، فمنحهم الله أكتافهم.
الأصمعي وأبو الحسن قالا: أخبرنا ابراهيم بن حبيب بن الشهيد، عن أبيه، أو عن غيره، قال:
بلغ سعدا شيء فعله المهلّب في العدو، والمهلب يومئذ فتى، فقال سعد: «اللهم لا تره ذلا» . فيرون أن الذي ناله المهلب بتلك الدعوة.
وقال الآخر:
الموت خير من ركوب العار ... والعار خير من دخول النار
والله من هذا وهذا جاري
قالها الحسن بن علي رضي الله عنهما.
وقال الآخر، وكان قد وقع في الناس وباء جارف، وموت ذريع، فهرب على حماره، فلما كان في بعض الطريق ضرب وجه حماره إلى حيّه وقال:
لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذي ميعة مطار
أو يأتي الحتف على مقدار ... قد يصبح الله أمام الساري
(3/185)

قال: سمع مجاشع الرّبعيّ رجلا يقول: الشحيح اعذر من الظالم! فقال إن شيئين خيرهما الشح لناهيك بهما شرا.
قال المغيرة بن عيينة: سمع عمر بن الخطاب رحمه الله رجلا يقول في دعائه: اللهم اجعلني من الأقلين! قال عمر: ما هذا الدعاء؟ قال: سمعت الله يقول: وَقَلِيلٌ ما هُمْ
، وسمعته يقول: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.
فقال عمر: عليك من الدعاء بما يعرف.
وقال ناس من الصحابة لعمر: ما بال الناس كانوا إذا ظلموا في الجاهلية فدعوا استجيب لهم ونحن لا يستجاب لنا وإن كنا مظلومين؟ قال: كانوا ولا مزاجر لهم إلا ذاك، فلما أنزل الله عز وجلّ الوعد والوعيد، والحدود، والقود والقصاص، وكلهم إلى ذلك.
وقال عمر بن الخطاب: إن في يوم كذا وكذا من شهر كذا لساعة لا يدعو الله فيها أحد إلا استجيب له.
فقال له قائل: أرأيت أن دعا فيها منافق؟ قال: فإن المنافق لن يوفق لتلك الساعة.
ولما صعد المنبر قابضا على يد العباس يوم الإستسقاء، ولم يزد على الدعاء والإستغفار فقيل له: إنك لم تستسق وإنما كنت تستغفر. قال: «قد استسقيت بمجاديح «1» السماء» . ذهب إلى قوله: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً.
وكان عمر حمل الهرمزان مع جماعة في البحر فغرقوا. قال ابن سيرين:
لو كان دعا عليهم بالهلاك لهلكوا.
قال: وقال محمد بن علي لأبنه: يا بني إذا أنعم الله عليك نعمة فقل:
(3/186)

الحمد لله. وإذا حزبك «1» أمر فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله. وإذا أبطأ عنك رزق فقل: استغفر الله.
قالوا: كان محمد بن علي لا يسمع المبتلى لإستعادة من البلاء.
قال: وقال قوم ليزيد بن أسد: أطال الله بقاءك! قال: دعوني أمت وفيّ بقية تبكون بها علي.
ورأى سالم بن عبد الله سائلا يسأل يوم عرفة فقال: يا عاجز، في هذا اليوم تسأل غير الله؟! قال: وكان رجل من الحكماء يقول في دعائه: اللهم احفظني من الصديق.
وكان آخر يقول: اللهم اكفني بوائق «2» الثقاب.
وحدثني صديق لي كان قد ولي ضياع الري قال: قرأت على باب شيخ منهم: «جزى الله من لا نعرف ولا يعرفنا أحسن الجزاء، ولا جزى من نعرف ويعرفنا إلا ما هو أهله، إنه عدل لا يجور» .
وكان على رشوم «3» عمر بن مهران التي كان يرشم بها على الطعام:
«اللهم احفظه ممن يحفظه» .
وقال المغيرة بن شعبة في كلام له: إن المعرفة لتنفع عند الكلب العقور، والجمل الصور، فكيف بالرجل الكريم.
أبو الحسن قال: قالت امرأة من الأعراب: «اللهم إني أعوذ بك من شر قريش وثقيف، وما جمعت من اللفيف، وأعوذ بك من عبد ملك أمره، ومن عبد ملأ بطنه» .
(3/187)

قال: مر عمر بن عبد العزيز برجل يسبّح بالحصى فإذا بلغ المائة عزل حصاة، فقال له عمر: ألق الحصى واخلص الدعاء.
وكان عبد الملك بن هلال الهنائي عنده زنبيل ملآن حصى، فكان يسبح بواحدة واحدة، فإذا مل شيئا طرح ثنتين ثنتين، ثم ثلاثا ثلاثا، فإذا مل قبض قبضة وقال: سبحان الله بعدد هذا، فإذا مل شيئا قبض قبضتين وقال: سبحان الله بعدد هذا، فإذا ضجر أخذ بعروتي الزنبيل وقلبه، وقال: سبحان الله بعدد هذا كله، وإذا بكر لحاجة لحظ الزنبيل لحظة وقال: سبحان الله عدد ما فيه.
قال غيلان: إذا أردت أن تتعلم الدعاء، فاسمع دعاء الأعراب.
قال سعيد بن المسيب: مر بي صلة بن أشيم، فما تمالكت أن نهضت إليه فقلت: يا أبا الصهباء، أدع الله لي. فقال: رغبك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ووهب لك اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا تعول في الدين إلا عليه.
أبو الحسن قال: سمع رجل بمكة رجلا يدعو لأمه، فقال له: ما بال أبيك؟ قال: هو رجل يحتال لنفسه.
أبو الحسن عن عروة بن سليمان العبدي قال: كان عندنا رجل من بني تميم يدعو لأبيه ويدع أمه، فقيل له في ذلك، فقال: إنها كلبية! ورفع أعرابي يده بمكة قبل الناس فقال: اللهم اغفر لي قبل أن يدهمك الناس! وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله يحب الملحين في الدعاء» .
وقال آخر: دعوتان أرجو أحداهما وأخاف الأخرى: دعوة مظلوم اعنته، ودعوة ضعيف ظلمته.
قال: كان من دعاء أبي الدرداء: اللهم امتعنا بخيارنا، واعنا على شرارنا، واجعلنا خيارا كلنا، وإذا ذهب الصالحون فلا تبقنا.
(3/188)

وقال آخر لبعض السلاطين: أسألك بالذي أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك، وهو على عقابك أقدر منك على عقابي، إلا نظرت في أمري نظر من برئي أحب إليه من سقمي.
قالوا: وكان مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير يقول: اللهم إنك أمرتنا بما أمرتنا به ولا نقوى عليه إلا بعونك، ونهيتنا عما نهيتنا ولا ننتهي عنه إلا بعصمتك، واقعة علينا حجتك، غير معذورين فيما بيننا وبينك، ولا مبخوسين فيما عملنا لوجهك.
عبد العزيز بن أبان «1» ، عن سفيان، في قوله: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ
:
كان أحدهم إذا أراد أن يدعو قال: سبحانك اللهم.
سفيان عن بن جريج، عن عكرمة «2» ، قال في قوله تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما
قال: كان موسى عليه السلام يدعو وهارون يؤمن، فجعلهما الله داعيين.
قال: ولما وقع يونس في البحر وقد وكّل به حوت، فلما وقع إبتلعه فأهوى به إلى قرار الأرض، فسمع تسبيح الحصى، فنادى يونس في الظلمات أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وقال الله تبارك وتعالى: فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.
وفي الحديث المرفوع، إن من دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أعوذ بك من قلب لا يخشع، وبطن لا يشبع، ودعاء لا يسمع» .
(3/189)

علي بن سليم، أن قيس بن سعد قال: اللهم ارزقني حمدا ومجدا.
فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.
عوف قال: قال رجل في مجلس الحسن: ليهنئك الفارس! قال له الحسن: فلعله حامر «1» . إذا وهب الله لرجل ولدا فقل: شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، وبلغ أشده، ورزقت بره.
*** أبو سلمة الأنصاريّ قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما أحسن تعزية أهل اليمن! وتعزيتهم: لا يحزنكم الله ولا يفتنكم، وأثابكم ما أثاب المتقين الشاكرين، وأوجب لكم الصلاة والرحمة.
قال: وكان أبو بكر- رحمه الله- إذا عزّى رجلا قال: ليس مع العزاء مصيبة، ولا مع الجزع فائدة. الموت أشد ما قبله، وأهون ما بعده. أذكروا فقد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تهن عندكم مصيبتكم. صلى الله على محمد، وعظم الله أجركم.
وكان علي بن أبي طالب- رحمه الله- إذا عزى قوما قال: إن تجزعوا فأهل ذلك الرحم، وإن تصبروا ففي ثواب الله عوض من كل فائت. وإن أعظم مصيبة أصيب بها المسلمون محمد، صلّى الله عليه وسلّم، وعظم أجركم.
وعزى عبد الله بن عباس، عمر بن الخطاب رحمهما الله: على بني له مات فقال: غوضك الله منه ما عوضه منك.
وهذا الصبي الذي مات هو الذي كان عمر بن الخطاب قال فيه: ريحانة أشمها، وعن قريب ولد بارّ، أو عدوّ حاضر.
*** سفيان قال: كان أبو ذر يقول: اللهم أمتعنا بخيارنا، واعنا على شرارنا.
(3/190)

قال: ودعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك من الفقر المدقع، والذل المضرع.
عزّت امرأة المنصور على ابي العباس، مقدمه مكة فقالت: عظم الله أجرك، فلا مصيبة أعظم من مصيبتك، ولا عوض أعظم من خلافتك.
قالوا: وقال عمر بن عبد العزيز، وقد سمعوا وقع الصواعق، ودويّ الريح، وصوت المطر، فقال وقد فزع الناس: هذه رحمته فكيف نقمته! وقال أبو اسحاق: اللهم إن كان عذابا فاصرفه، وإن كان صلاحا فزد فيه، وهب لنا الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء. اللهم إن كانت محنة فمنّ علينا بالعصمة، وإن كان عقابا فمنّ علينا بالمغفرة.
قال أبو ذرّ: الحمد لله الذي جعلنا من أمّة تغفر لهم السيئات، ولا تقبل من غيرهم الحسنات.
وكان الفضل بن الربيع يقول: المسألة للملوك من تحية النوكى. فإذا أردت أن تقول كيف أصبحت؟ فقل: صبّحك الله بالخير. وإذا أردت أن تقول: كيف تجدك؟ فقل: انزل الله عليك الشفاء والرحمة.
قال أحمد الهجيمي أبو عمر، أحد أصحاب عبد الواحد بن زيد:
اللهم يا أجود الأجودين، ويا أكرم الأكرمين، ويا أعفى العافين، ويا أرحم الراحمين، ويا أحكم الحاكمين، ويا أحسن الخالقين، فرج عني فرجا عاجلا تاما، هنيئا مباركا لي فيه، إنك على كل شيء قدير.
وكان عبد الله الشّقري، وهو الكعبي أحد أصحاب المضمار، من غلمان عبد الواحد بن زيد- وكنية عبد الواحد أبو عبيدة- يقول:
اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك. اللهم هب لي يقينا، وأدم لي العافية. وافتح عليّ باب رزقي في عافية. وأعوذ بك من النار والعار، والكذب والسخف، والخسف والقذف والحقد والغصب. وحببني إلى
(3/191)

خلقك، وحببهم إلي. وأسألك فرجا عاجلا في عافية، إنك على كل شيء قدير.
دعاء الغنوي في حبسه: أعوذ بك من السجن والدّين، والسّبّ والضرب، ومن الغلّ والقيد، ومن التعذيب والتخييس «1» . وأعوذ بك من الحور بعد الكور «2» ، ومن شر العدوى في النفس والأهل والمال. وأعوذ بك من الخوف والحزن، وأعوذ بك من الهم والأرق، ومن الهرب والطلب، ومن الإستخذاء والاستخفاء «3» ، ومن الإطراد والإغراب، ومن الكذب والعضيهة «4» ، ومن السعاية والنميمة، ومن لؤم القدرة، ومقام الخزي في الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير.
ومن دعائه أيضا: أسألك اللهم طول العمر في الأمن والعافية، والحلم والعلم والحزم، والأخلاق الحسنة والأفعال المرضية، واليسر والتيسير، والنماء والتثمير، وطيب الذكر وحسن الأحدوثة، والمحبة في الخاصة والعامة. وهب لي ثبات الحجة، والتأييد عند المنازعة والمخاصمة، وبارك لي في الموت إنك على كل شيء قدير.
وكان صالح المريّ كثيرا ما يردد في مجلسه:
أعوذ بك من الخسف والمسخ، والرجفة والزلزلة، والصاعقة والريح المهلكة، وأعوذ بك من جهد البلاء، ومن شماتة الأعداء.
(3/192)

وكان يقول: اعوذ بك من التعب والتعدر، والخيبة وسوء المنقلب.
اللهم من أرادني بخير فيسّر لي خيره، ومن أرادني بشرّ فاكفني شره. اللهم إني أسألك خصب الرّحل «1» ، وصلاح الأهل.
وكان عيسى بن أبي المدور يقول:
أعوذ بك من القلة والذلة، ومن الإهانة والمهنة، والإخفاق والوحدة.
وأعوذ بك من الحيرة وقلة الحيلة، وأعوذ بك من جهد البلاء، وشماتة الأعداء.
محمد بن عبد الله «2» قال: قال عمر بن الخطاب رحمه الله: من أعطى الدعاء لم يحرم الإجابة. قال الله: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
. ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة، لقوله عز وجل: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ.
ومن أعطي الإستغفار لم يحرم القبول، لقوله عز وجل: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
وقال عمر بن الخطاب رحمه الله: كونوا أوعية الكتاب، وينابيع العلم، وسلوا الله رزق يوم بيوم.
وروى محمد بن علي عن آبائه، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «إذا سألتم الله فسلوه بباطن الكفين، وإذا استعذتموه فاستعيذوه بظاهرهما» .
وقال آخر: اللهم إني أعوذ بك من بطر الغنى وذلة الفقر.
(3/193)

أبو سعيد المؤدب، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة قالت:
«سلوا ربكم حتى الشسع «1» ، فإنه إن لم ييسره لم يتيسر» .
سحيم، عن طاوس قال: يكفي من الدنيا ما يكفي العجين من الملح.
قال: سأل رجل رجلا حاجة، فقال المسؤول: إذهب بسلام. فقال السائل: قد أنصفنا من ردنا إلى الله في حوائجنا.
مجالد عن الشعبي قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم أذهب ملك غسان، وضع مهور كندة» .
قال عمر بن الخطاب: «لكل شيء رأس، ورأس المعروف تعجيله» .
[أصل العرب ولغتهم]
القول في إنطاق الله عز وجل اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام، بالعربية المبينة على غير التلقين والتمرين، وعلى غير التدريب والتدريج، وكيف صار عربيا أعجميّ الأبوين.
وأول من عليه أن يقرّ بهذا القحطاني، فإنه لا بد من أن يكون له أب كان أول عربي من جميع بني آدم صلّى الله عليه وسلّم. ولو لم يكن ذلك كذلك وكان لا يكون عربيا حتى يكون أبوه عربيا وكذلك أبوه وكذلك جده كان ذلك موجبا لأن يكون نوح صلّى الله عليه وسلّم عربيا، وكذلك آدم صلّى الله عليه وسلّم.
قال أبو عبيدة: حدثنا مسمع بن عبد الملك عن أبي جعفر محمد بن علي ابن الحسين عن آبائه قال: أول من فتق لسانه بالعربية المبينة اسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة.
(3/194)

وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «شهدت الفجار «1» وأنا ابن أربع عشرة سنة، وكنت أنبل على عمومتي» . يريد: أجمع لهم النبل.
قال أبو عبيدة: فقال له يونس: صدقت يا أبا يسار هكذا حدثني نصر بن ظريف.
وروى قيس بن الربيع «2» ، عن بعض أشياخه عن ابن عباس: إن الله ألهم اسماعيل العربية الهاما.
قال الله تبارك وتعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
. قال: قد يرسل الله الرسول إلى قومه، ولو أرسل في ذلك الوقت إلى قوم اخرين لما كان الثاني ناقضا للأول. فإذا كان الأمر كذلك كان قومه أول من يفهم عنه، ثم يصيرون حجة على غيرهم.
وإذا كان الله عز وجل بعث محمدا صلّى الله عليه وسلّم إلى العجم فضلا عن العرب، فقحطان وإن لم يكونوا من قومه أحق بلزوم الفرض من سائر العجم.
وهذا الجواب جواب عوام النزارية. فأما الخواصّ الخلّص فإنهم قالوا:
العرب كلهم شيء واحد، لأن الدار والجزيرة واحدة، والأخلاق والشيم واحدة، واللغة واحدة، وبينهم من التصاهر والتشابك، والإتفاق في الأخلاق وفي الأعراق، ومن جهة الخؤولة المردّدة والعمومة المشتبكة، ثم المناسبة التي بنيت على غريزة التربة وطباع الهواء والماء، فهم في ذلك بذلك شيء واحد في الطبيعة واللغة، والهمة والشمائل، والمرعى والراية، والصناعة والشهوة.
فإذا بعث الله عز وجل نبيا من العرب فقد بعثه إلى جميع العرب، وكلهم قومه، لأنهم جميعا يد على العجم، وعلى كل من حاربهم من الأمم، لأن تناكحهم لا يعدوهم، وتصاهرهم مقصور عليهم.
(3/195)

قالوا: والمشاكلة من جهة الإتفاق في الطبيعة والعادة، ربما كانت أبلغ وأوغل من المشاكلة من جهة الرّحم. نعم حتى تراه أغلب عليه من أخيه لأمه وأبيه. وربما كان أشبه به خلقا وخلقا، وأدبا ومذهبا. فيجوز أن يكون الله تبارك وتعالى حين حول اسماعيل عربيا أن يكون كما حوّل طبع لسانه إلى لسانهم، وباعده عن لسان العجم، أن يكون أيضا حول سائر غرائزه، وسلخ سائر طبائعه، فنقلها كيف أحب، وركبها كيف شاء. ثم فضله بعد ذلك بما عطاه من الأخلاق المحمودة، واللسان البين، بما لم يخصهم به. فكذلك يخصه من تلك الأخلاق ومن تلك الأشكال بما يفوقهم ويروقهم. فصار بإطلاق اللسان على غير التلقين والترتيب. وبما نقل من طباعه ونقل إليه من طبائعهم، وبالزيادة التي أكرمه الله بها، أشرف شرفا وأكرم كرما.
وقد علمنا أن الخرس والأطفال إذا دخلوا الجنة وحوّلوا في مقادير البالغين، وإلى الكمال والتمام، لا يدخلونها إلا مع الفصاحة بلسان أهل الجنة. ولا يكون ذلك إلا على خلاف الترتيب والتدريج والتعليم والتقويم.
وعلى ذلك المثال كان كلام عيسى بن مريم، صلّى الله عليه وسلّم، في المهد، وإنطاق يحيى عليه السلام بالحكمة صبيا.
وكذلك القول في آدم وحواء عليهما السلام. وقد قلنا في ذئب أهبان بن أوس، وغراب نوح، وهدهد سليمان، وكلام النملة، وحمار عزير «1» ، وكذلك كل شيء أنطقه الله بقدرته، وسخره لمعرفته.
وإنما يمتنع البالغ من المعارف من قبل أمور تعرض من الحوادث، وأمور في أصل تركيب الغريزة. فإذا كفاهم الله تلك الآفات، وحصنهم من تلك
(3/196)

الموانع، ووفر عليهم الذكاء، وجلب اليهم جياد الخواطر، وصرف أوهامهم إلى التعرف، وحبب إليهم التبين، وقعت المعرفة وتمت النعمة.
والموانع قد تكون من قبل الأخلاط الأربعة على قدر القلة والكثرة، والكثافة والرقة. ومن ذلك ما يكون من جهة سوء العادة، وإهمال النفس، فعندما يستوحش من الفكرة، ويستثقل النظر. ومن ذلك ما يكون من الشواغل العارضة، والقوى المتقسمة. ومن ذلك ما يكون من خرق المعلم، وقلة رفق المؤدب، وسوء صبر المثقف. فإذا صفى الله ذهنه ونقحه، وهذبه وثقفه، وفرغ باله، وكفاه إنتظار الخواطر، وكان هو المفيد له والقائم عليه، والمريد لهدايته، لم يلبث أن يعلم.
وهذا صحيح في الأوهام، غير مدفوع في العقول.
وقد جعل الله الخال أبا. وقالوا: «الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم» .
وقد رأينا إختلاف صور الحيوان، على قدر إختلاف طبائع الأماكن.
وعلى قدر ذلك شاهدنا اللغات والأخلاق والشهوات. ولذلك قالوا: «فلان ابن بجدتها» ، و «فلان بيضة البلد» ، يقع ذما ويقع حمدا.
وقال زياد: «والله للكوفة أشبه بالبصرة من بكر بن وائل بتميم» » .
ويقولون: «ما أشبه الليلة بالبارحة» ، كأنهم قالوا: ما أشبه زمان يوسف ابن عمر بزمان الحجاج.
وقال سهل بن عمرو: «أشبه أمرأ بعض بزه «1» » .
وقال الأضبط بن قريع: «بكل واد بنو سعد» .
ولولا أن الله عز وجل أفرد إسماعيل من العجم، وأخرجه بجميع معانيه إلى العرب، لكان بنو اسحاق أولى به. وإنما ذلك كرجل قد أحاط علمه بأن
(3/197)

هذا الطفل من نجل هذا الرجل، ولكن لما كان من سفاح لم يجز أن يضيفه إليه ويدعوه أباه. وقد جعل الله نسب ابن الملاعنة نسب أمه، وإن كان ولد على فراش أبيه.
وقد أرسل الله موسى وهارون، إلى فرعون وقومه وإلى جميع القبط، وهما أمتان: كنعاني وقبطي.
وقد جعل الله قوم كل نبي هم المبلغين والحجة. ألا ترى أنا نزعم أن عجز العرب عن مثل نظم القرآن حجة على العجم من جهة إعلام العرب العجم أنهم كانوا عن ذلك عجزة.
وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خصصت بأمور: منها أني بعثت إلى الأحمر والأسود، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا» . فدل بذلك على أن غيره من الرسل إنما كان يرسل إلى الخاص. وليس يجوز لمن عرف صدق ذلك الرسول من الأمم أن يكذبه وينكر دعواه. والذي عليه ترك الإنكار والعمل بشريعة النبي الأول.
هذا فرق ما بين من بعث إلى البعض، ومن بعث إلى الجميع.
[إستحقاق الخلافة]
قال: وقال حباب بن المنذر «1» يوم السقيفة:
«أنا جذيلها «2» المحكّك، وعذيقها المرجّب «3» ، إن شئتم كررناها جذعة «4» . منا أمير ومنكم أمير، فإن عمل المهاجري شيئا في الأنصاري رد ذلك عليه الأنصاري، وإن عمل الأنصاري شيئا في المهاجري رد عليه المهاجري» .
(3/198)

فأراد عمر الكلام فقال أبو بكر:
«على رسلك. نحن المهاجرون، أول الناس إسلاما، وأوسطهم دارا، وأكرم الناس أحسابا، وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة في العرب، وأمسهم رحما برسول الله صلّى الله عليه وسلّم. أسلمنا قبلكم وقدمنا في القرآن عليكم، فأنتم إخواننا في الدين وشركاؤنا في الفيء، وأنصارنا على العدو، آويتم ونصرتم ووآسيتم، فجزاكم الله خيرا. نحن الأمراء وأنتم الوزراء. لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش، وأنتم محقوقون ألا تنفسوا على أخوانكم من المهاجرين ما ساق الله إليهم» .
قالوا: فإنا قد رضينا وسلمنا.
عيسى بن يزيد قال: قال أبو بكر رحمه الله:
«نحن أهل الله، وأقرب الناس بيتا من بيت الله، وأمسهم رحما برسول الله صلّى الله عليه وسلّم. إن هذا الأمر إن تطاولت له الخزرج لم تقصر عنه الأوس، وإن تطاولت له الأوس لم تقصر عنه الخزرج. وقد كان بين الحيين قتلى لا تنسى، وجرحى لا تداوى. فإن نعق منكم ناعق فقد جلس بين لحيي «1» أسد، يضغمه المهاجري ويجرحه الأنصاري» .
قال ابن دأب: فرماهم والله بالمسكتة.
من حديث ابن أبي سفيان بن حويطب، عن أبيه عن جده قال:
قدمت من عمرتي فقال لي أهلي: أعلمت أن أبا بكر بالموت؟ فأتيته فإذا عيناه تذرقان، فقلت: يا خليفة رسول الله أليس كنت أول من أسلم وثاني إثنين في الغار، فصدقت هجرتك وحسنت نصرتك، ووليت فأحسنت صحبتهم، واستعملت خيرهم عليهم؟ قال: وحسنا ما صنعت؟ قلت: نعم والله. قال:
الله؟! والله أشكر له واعلم به، ولا يمنعني ذلك من أن أستغفر الله.
فما خرجت حتى مات.
(3/199)

أبو الخطاب الزراري، عن حجناء بن جرير قال: قلت يا أبه، إنك لم تهج أحد إلا وضعته، إلا التّيم؟ قال: لأني لم أجد حسبا فأضعه، ولا بناء فأهدمه! قال: وقيل للفرزدق: أحسن الكميت في مدائحه، في تلك الهاشميات! قال: وجد آجرا وجصا فبنى.
عامر بن الأسود قال: دخل رجل من ولد عامر بن الظرب على عمر بن الخطاب رحمه الله، فقال له: خبرني عن حالك في جاهليتك، وعن حالك في إسلامك. قال: أما في جاهليتي فما نادمت فيها غير لمة، ولا هممت فيها بأمة، ولا خست فيها عن بهمة «1» ، ولا رآني راء إلا في ناد أو عشيرة، أو حمل جريرة، أو خيل مغيرة.
عوانة قال: قال عمر: الرجال ثلاثة: رجل ينظر في الأمور قبل أن تقع فبصدرها مصدرها، ورجل متوكل لا ينظر فإذا نزلت به نازلة شاور أهل الرأي وقبل قولهم، ورجل حائر بائر «2» ، لا يأتمر رشدا، ولا يطيع مرشدا.
قال: كلم علباء بن الهيثم السدوسي عمر بن الخطاب في حاجة، وكان أعور دميما، جيد اللسان حسن البيان، فلما تكلم في حاجته فأحسن، صعد عمر بصره فيه وحدره، فلما أن قام قال: «لكل أناس في جميلهم خبر» .
أخبرنا عن عيسى بن يزيد عن أشياخه قال:
قدم معاوية المدينة فدخل دار عثمان، فقالت عائشة بنت عثمان:
وا أبتاه! وبكت، فقال معاوية: أبنت أخي إن الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كل
(3/200)

إنسان سيفه، وهو يرى مكان أنصاره، وإن نكثنا بهم نكثوا بنا، ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، ولأن تكوني بنت عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين.
وقالت عائشة إبنة عثمان في أبان بن سعيد بن العاصي حين خطبها، وكان نزل بأيلة «1» وترك المدينة:
نزلت ببيت الضبّ لا أنت ضائر ... عدوا ولا مستنفعا أنت نافع
أبو الحسن قال: قال سلامة بن روح الجذامي، لعمرو بن العاص: أنه كان بينكم وبين العرب باب فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟ قال: أردنا أن نخرج الحق من جفير «2» الباطل.
قدم ببيعة علي إلى الكوفة يزيد بن عاصم المحاربي، فبايع أبو موسى، فقال عمار لعلي: والله لينقضن عهده، وليحلن عقده، وليقرن جهده، وليسلمن جنده.
وقال عليّ في رواية الشعبي: حملت إليكم درّة عمر لأضربكم بها لتنتهوا فأبيتم، حتى اتخذت الخيزرانة فلم تنتهوا. وقد أرى الذي تريدون: السيف.
وإني لا أصلحكم بفسادي.
[مقطعات شعرية]
كانت العادة في كتاب الحيوان أن أجعل في كل مصحف من مصاحفها عشر ورقات من مقطّعات الأعراب، ونوادر الأشعار، لما ذكرت عجبك بذلك، فأحببت أن يكون حظ هذا الكتاب في ذلك أوفر إن شاء الله.
(3/201)

قال همّام الرقاشيّ:
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام «1»
قدّمت قبلي رجالا لم يكن لهم ... في الحق أن يلجوا الأبواب قدامي
لو عدّ قبر وقبر كنت أكرمهم ... قبرا وأبعدهم من منزل الذام «2»
حتى جعلت إذا ما حاجتي عرضت ... بباب دارك أدلوها بأقوام «3»
وقال أبو العرف الطهوي:
وافى الوفود فوافى من بني حمل ... بكر الوفادة فاتي السنّ عرزوم
كزّ الملاطين في السربال حيث مشى ... وفي المجالس لحاظ زراميم «4»
لما رأى الباب والبواب أخرجه ... لؤم مخالطه جبن وتجزيم «5»
قد كان لي بكم علم وكان لكم ... ممشى وراء ظهور القوم معلوم
وقال الحارث بن حلّزة- قال أبو عبيدة: أنشدنيها أبو عمرو، وليست إلا هذه الأبيات. والباقي مصنوع:
يأيها المزمع ثم انثنى ... لا يثنك الحازي ولا الشاحج «6»
ولا قعيد أعضب قرنه ... هاج له من مرتع هائج «7»
بينا الفتى يسعى ويسعى له ... تاح له من أمره خالج «8»
يترك ما رقّح من عيشه ... يعيث فيه همج هامج «9»
(3/202)

قلت لعمرو حين أرسلته ... وقد حبا من دوننا عالج «1»
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج «2»
واصبب لأضيافك ألبانها ... فإن شرّ اللبن الوالج
وقال زبّان بن سيّار بن جاير:
تخبّر طيرة فيها زياد ... لتخبره وما فيها خبير
أقام كأنّ لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير
تعلّم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور «3»
بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير
ومن ينزح به لا بد يوما ... يجيء به نعيّ أو بشير
وقال بعض الأعراب:
نجية بطّال لدن شبّ همه ... لعاب الغواني والمدام المشعشع «4»
جلا المسك والحمام والبيض كالدمى ... وفرق المداري رأسه فهو أنزع
أسليم ذاكم لا خفا بمكانه ... لعين تدحّى أو لأذن تسمّع
من النفر الشّمّ الذين إذا أنتموا ... وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
إذا النفر السود اليمانون حاولوا ... له حوك برديه أرقّوا وأوسعوا
وقال بعض الأعراب:
ألبان إبل تعلّة بن مسافر ... ما دام يملكها عليّ حرام
وطعام عمران بن أوفى مثله ... ما دام يسلك في البطون طعام
إن الذين يسوغ في أعناقهم ... زاد يمنّ عليهم للئام
لعن الاله تعلة بن مسافر ... لعنا يشنّ عليه من قدام
(3/203)

وقال بعض الأعراب:
جيبة قرم شادها القتّ والنوى ... بيثرب حتى نيّها متظاهر
فقلت لها سيري فما بك علة ... سنامك ملموم ونابك فاطر
فمثلك أو خيرا تركت رذية ... تقلّب عينيها إذا مرّ طائر «1»
وقال بعض الأعراب- مجهول الاسم- وهو من جيد محدث أشعارهم:
حفرنا على رغم اللهازم حفرة ... ببطن فليج والأسنة جنّح
وقد غضبوا حتى إذا ملأوا الربى ... رأوا أن إقرارا على الضيم أروح
وقال رجل من محارب:
وقائلة تطوّف في جداد ... وأنت، إخال، معطى لو تقوم
فقلت الضاربات الطلح وهنا ... على يمن إذا وضح النجوم
قصرن عليّ بعد الله فقري ... فلا أسل الصديق ولا ألوم
وقال بعض الطائيين، وهو حاتم:
وإني لأستحيي حياء يسرني ... إذا اللؤم من بعض الرجال تطلّعا
إذا كان أصحاب الإناء ثلاثة ... حييا ومستحيا وكلبا مجشّعا «2»
فإني لأستحيي أكيلي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
أكف يدي من أن تمسّ أكفهم ... إذا نحن أهوينا وحاجتنا معا
وإنك مهما تعط بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا
وقال، وأظنها لبعض اليهود:
وإني لأستبقي، إذا العسر مسني، ... بشاشة وجهي حين تبلى المنافع
واعفي ثرا قومي، ولو شئت نولوا ... إذا ما تشكّى الملحف المتضارع «3»
(3/204)

مخافة أن أقلى إذا جئت زائرا ... وترجعني نحو الرجال المطامع «1»
فأسمع منّا أو أشرّف منعما ... وكل مصادي نعمة متواضع «2»
وقال بعض بني أسد:
ألا جعل الله اليمانين كلهم ... فدى لفتى الفتيان يحيي بن حيان
ولو عريق فيّ من عصبية ... لقلت وألفا من معدّ بن عدنان
ولكن نفسي لم تطب بعشيرتي ... وطبت له نفسا بأبناء قحطان
وقال ثروان- أو ابن ثروان- مولى لبني عذرة:
لو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... عليّ لإنسان من الناس درهما
لكنني مولى قضاعة كلها ... فلست أبالي أن أدين وتغرما
أولئك قومي بارك الله فيهم ... على كل حال ما أعفّ وأكرما
جفاة المحزّ لا يصيبون مفصلا ... ولا يأكلون اللحم إلا تخذّما «3»
وقال آخر:
أيا إبنة عبد الله وإبنة مالك ... ويا إبنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما عملت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني غير آكله وحدي
كريما قصيا أو قريبا فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعى بادي الخصاصة والجهد «4»
وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإني لعبد الضعيف ما دام ثاويا ... وما فيّ إلا تلك من شيمة العبد
(3/205)

وقال ابن عبدل:
ولو شاء بشر كان من دون بابه ... طماطم سود أو صقالبة حمر
ولكن بشرا سهّل الباب للتي ... يكون لبشر غبها الحمد والأجر «1»
بعيد مراد العين ما ردّ طرفه ... جذار الغواشي باب دار ولا ستر «2»
وقال بعض الحجازيين:
لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكم ... لم ينكر الكلب أني صاحب الدار
لكن أتيت وريح المسك يفعمني ... والعنبر الورد أذكيه على النار «3»
فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني ... وكان يعرف ريح الزق والقار
وقال أبن عبدل:
نعم جار الخنزيرة المرضع الغر ... ثى إذا ما غدا، أبو كلثوم
طاويا قد أصاب عند صديق ... من غذاء ملبق مأدوم «4»
ثم أنحى بجعره حاجب الشم ... س فألقى كالمعلف المهدوم «5»
وقال حبيب بن أوس:
وحياة القريض إحياؤك الجو ... د فإن مات الجود مات القريض
يا محبّ الإحسان في زمن أص ... بح فيه الإحسان وهو بغيض
وقال:
ثم أطرحتم قراباتي واصرتي ... حتى توهمت أني من بني أسد
(3/206)

وقال:
وطلعة الشعر أقلى في عيونهم ... وفي صدورهم من طلعة الأسد
وقال:
إياك يعني القائلون بقولهم ... إن الشقيّ بكلّ حبل يخنق
سر حيث شئت من البلاد فلي بها ... سور عليك من الرجال وخندق
وقال:
من شاعر وقف الكلام ببابه ... واكتنّ في كنفي ذراه المنطق «1»
قد ثقّفت منه الشام، وسهّلت ... منه الحجاز، ورققته المشرق
وقال:
بنو عبد الكريم نجوم ليل ... ترى في طييء أبدا تلوح
إذا كان الهجاء لهم ثوابا ... فخبرني لمن خلق المديح
وقال:
أي شيء يكون أحسن من ص ... بّ أديب متيم بأديب
وقال:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل
وقال:
إشرب فإنك سوف تعلم أنه ... قدح يصيب العرض منه خمار
غاداك أسوار الكلام بشرّد ... عون القريض حتوفها أبكار
غرر مني ما شئت كن شواهدي ... إن لم يكن لي والد عطّار
(3/207)

وقال سلمة بن الخرشب الأنماري:
ابلغ سبيعا وأنت سيدنا ... قدما وأوفى رجالنا ذمما
أنّ بغيضا وأن أخوتها ... ذبيان قد ضرّموا الذي اضطرما
نبئت أن حكّموك بينهم ... فلا يقولنّ بئس ما حكما
إن كنت ذا عرفة بشأنهم ... تعرف ذا حقهم ومن ظلما
وتنزل الأمر في منازله ... حزما وعزما وتحضر الفهما
ولا تبالي من المحق ولا المب ... طل لا إلّة ولا ذمما
فاحكم وأنت الحكيم بينهم ... لن يعدموا الحكم ثابتا صتما
واصدع أديم السواء بينهم ... على رضا من رضي ومن رغما
إن كان مال فقضّ عدّته ... مالا بمال وإن دما فدما
هذا وإن لم تطق حكومتهم ... فانبذ إليهم أمورهم سلما
وقال آخر:
أبلغ ضرارا أبا عمرو مغلغلة ... إن كان قولك ظهر الغيب يأتينا
إرهن قبيصة إن صلح هممت به ... إنّ ضرارا لكم رهن بما فينا
إن ضحيكا قتيل من سراتكم ... وإن حطّان منا، فاعدلوا الدينا
وانه عبيدا فلا يؤذي عشيرته ... نهيك خير له من نهي ناهينا
وقال آخر:
بني عدي ألا يا أنهوا سفيهكم ... إن السفيه إذا لم ينه مأمور
وقال حضرمي بن عامر الأسدي، ومات أخوه فقال جزء: قد فرح بأكل الميراث:
قد قال جزء ولم يقل امما ... إني تروحت ناعما جذلا «1»
(3/208)

إن كنت أزننتني بها كذبا ... جزء فلاقيت مثلها عجلا «1»
أفرح إن أرزأ الكرام وإن ... أورث ذودا شصائصا نبلا «2»
وقال حريث بن سلمة بن مرارة:
تقول ابنة العمري لما رأيتها: ... تنكرت حتى كدت منك أهال
فإن تعجبي مني عمير فقد أتت ... ليال وأيام علي طوال
وإني لمن قوم تشيب سراتهم ... كذاك وفيهم نائل وفعال
ولو لقيت ما كنت ألقى من العدى ... إذا شاب منها مفرق وقذال
ولكنها في كلّة كلّ شتوة ... وفي الصيف كن بارد وحجال «3»
تصان وتعلى المسك حتى كأنها ... إذا وضعت عنها النصيف غزال
وقال بعض الخوارج لأمرأته وأرادت أن تنفر معه:
إن الحروريّة الحرّى إذا ركبوا ... لا يستطيع لهم أمثالك الطلبا
أن يركبوا فرسا لا تركبي فرسا ... ولا تطيقي مع الرجالة الخببا
وقال خزر بن لوذان لامرأته في شبيه بهذا:
لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
إن الغبوق له وأنت مسوءة ... فتأوهي ما شئت ثم تحوّبي
كذب العتيق وماء شنّ بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا «4» فاذهبي
إني لأخشى أن تقول خليلتي: ... هذا غبار ساطع فتلّب
إن العدوّ لهم إليك وسيلة ... أن يأخذوك تكحّلي وتخضّبي
ويكون مركبك القعود وحدجه ... وابن النعامة يوم ذلك مركبي
وأنا أمرؤ إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى شر الركاب وأجنب
(3/209)

وأراد أعرابي أن يسافر فطلبت إليه امرأته أن تكون معه، فقال:
إنك لو سافرت قد مذحت «1» ... وحكك الحنوان فانفشحت «2»
وقلت هذا صوت ديك تحتي
المذح: سحج «3» الفخذين بالأخرى.
وفي شبيه بالمعنى الأول يقول عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:
وأعجبها من عيشها ظلّ غرفة ... وريان ملتف الحدائق أخضر
ووال كفاها كلّ شيء يهمها ... فليست لشيء آخر الليل تسهر
وقال سلامة بن جندل هذه الأبيات وبعث بها إلى صعصعة بن محمود بن مرثد، وكان أخوه أحمر بن جندل أسيرا في يده فأطلقه له:
سأجزيك بالود الذي كان بيننا ... أصعصع إني سوف أجزيك صعصعا
سأهدي وإن كنا بتثليث مدحة ... إليك وإن حلّت بيوتك لعلعا
فإن يك محمود أباك فإننا ... وجدناك محمود الخلائق أروعا
فإن شئت أهدينا ثناء ومدحة ... وإن شئت أهدينا لكم مائة معا
قال: الثناء والمدحة أحب إلينا.
وقال أوس بن حجر، حين حبس وأقام عند فضالة بن كلدة، وتولت خدمته حليمة بنت فضالة، شاكرا لذلك:
(3/210)

لعمرك ما ملت ثواء ثويها ... حليمة إذ ألقي مراسي مقعدي «1»
ولكن تلقّت باليدين ضمانتي ... وحلّ بفلج فالقنافذ عوّدي «2»
وقد غبرت شهري ربيع كليهما ... بحمل البلايا والخباء الممدّد «3»
ولم تلهها تلك التكاليف إنها ... كما شئت من أكرومة وتخرّد «4»
هي ابنة أعراق كرام نمينها ... إلى خلق عفّ برازته قد
سنجزيك أو يجزيك عنا مثوّب ... وحسبك أن يثني عليك وتحمدي
وقال الخريميّ:
فلم أجزه إلا المودة جاهدا ... وحسبك مني أن أودّ فأجهدا
وقال الأسدي:
فإني أحبّ الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم
وقال الحادرة:
فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بأحسابنا، إن الثناء هو الخلد
وأنشدني الأصمعي لمهلهل:
فقتلا بتقتيل وعقرا بعقركم ... جزاء العطاس لا يموت من اتّأر
وضاف أبو شليل العنزيّ بني حكم- فخذا من عنزة- فقال:
أراني في بني حكم غريبا ... على قتر أزور ولا أزار
أناس يأكلون اللحم دوني ... وتأتيني المعاذر والقتار
(3/211)

وقال آخر:
إذا مدّ أرباب البيوت بيوتهم ... على رجّح الأكفال ألوانها زهر
فإن لنا منها خباء يحفنا ... إذا نحن أمسينا: المجاعة والفقر
وقال الآخر، وهو أبو المهوّش الأسديّ:
تراه يطوّف الآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
وقال أيضا:
وبنو الفقيم قليلة أحلامهم ... ثطّ «1» اللحى متشابهو الألوان
لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أصبح جمعهم بعمان
متأبطين بنيهم وبناتهم ... صعر الأنوف لريح كلّ دخان
وقال الآخر:
وجيرة لن ترى في الناس مثلهم ... إذا يكون لهم عيد وإفطار
إن يوقدوا يوسعونا من دخانهم ... وليس يبدو لنا ما تنضج النار
وقال أبو الطروق الضبّيّ، في خاقان بن عبد الله بن الأهتم:
شكّ الناس في خاقان لما ... أتى لولاده سنة وشهر
وقالت أخته إني براء ... إلى الرحمن منك وذاك نكر
ولم تسمع بحمل قبل هذا ... أتى من دونه دهر ودهر
فنافرها فألحقه شبيب ... وأثبته فثاب عليه وفر
وقال مكّيّ بن سوادة البرجمي فيه:
تحير اللؤم يبغي من يحالفه ... حتى تناهى إلى أبناء خاقان
أزرى بكم يا بني خاقان إنكم ... من نسل حجّامة من قنّ هزّان
سفاكة لدماء القوم آكلة ... قدما لأموالهم من غير سلطان
(3/212)

لو تسألون بها أيوب جاءكم ... على الذي قلت أيوب ببرهان
أيام تعطيه خرجا من حجامتها ... يوما فيوما توفّيه بأربان «1»
فإن رددتم عليه ما يقول أتى ... على مقالته فيها بتبيان
ثم اشتراها أبو خاقان حين عست ... فالتقطت نطفة منه باقطان «2»
فاستدخلتها ولا تدري بما فعلت ... حتى إذا ارتكضت جاءت بخاقان «3»
وقال اللعين المنقري «4» في آل الأهتم:
وكيف تسامون «5» الكرام وأنتم ... دوارج حيريون فدع القوائم
بنو ملصق «6» من ولد حذلم لم يكن ... ظلوما ولا مستنكرا للمظالم
وقال الآخر:
قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر
وقال أعرابي، وهو أبو حيّة النميريّ:
رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية آرام الكناس رميم
ألا ربّ يوم لو رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم
رميم التي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم ألا يزال يهيم
وقال أبو يعقوب الأعور:
بقلبي سقام لست أحسن وصفه ... على أنه ما كان فهو شديد
تمر به الأيام تسحب ذيلها ... فتبلى به الأيام وهو جديد
(3/213)

وقال الثقفي:
من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إن الذليل الذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قلّ ناصره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد
وقال أشجع السلمي «1» ، في هارون أمير المؤمنين:
وعلى عدوك يا بن عم محمد ... رصدان: ضوء الصبح والأظلام
فإذا تنبّه رعته وإذا هدا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام
وقال:
انتجع الفضل أو تخلّ من الدن ... يا فهاتان غايتا الهمم
وقال:
أبت طبرستان إلا التي ... يعمّ البريّة من دائها
ضممت مناكبها ضمة ... رمتك بما بين أحشائها
قالوا: لم يدع الأول للآخر معنى شريفا ولا لفظا بهيا إلا أخذه، إلا بيت عنترة:
فترى الذباب بها يغني وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنّم
غردا يسنّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزّناد الأجذم
وقال الفقيمي، قاتل غالب أبي الفرزدق:
وما كنت نوّاما ولكن ثائرا ... أناخ قليلا فوق ظهر سبيل
وقد كنت مجرور اللسان ومفحما ... فأصبحت أدري اليوم كيف أقول
(3/214)

وقال أبو المثلّم الهذلي:
أصخر بن عبد الله إن كنت شاعرا ... فإنك لا تهدي القريض لمفحم
وقال الهذلي «1» :
على عبد بن زهرة طو ... ل هذا الليل أنتحب
أخ لي دون من لي من ... بني عم وإن قربوا
طوى من كان ذا نسب ... إلي وزاده النسب
أبو الأضياف والأيتا ... م ساعة لا يعدّ أب
ألا لله درّك من ... فتى قوم إذا ركبوا
وقالوا من فتى ... للثغر يرقبنا ويرتقب
فكنت أخاهم حقا ... إذا تدعى لها تثب
وقد ظهر السوايغ في ... هم والبيض واليلب
أقام لدى مدينة آ ... ل قسطنطين وانقلبوا
نجيبا حين يدعى، إ ... ن آباء الفتى نجب
وقال أدهم بن محرز الباهلي:
لما رأيت الشيب قد شان أهله ... تفتّيت وابتعت الشباب بدرهم
وقال آكل المرار الملك «2» :
إن من غرّه النساء بشيء ... بعد هند لجاهل مغرور
حلوة العين واللسان، ومرّ ... كل شيء يجنّ منها الضمير
كل أنثى وإن بدت لك منها ... آية الحب، حبها خيتعور «3»
(3/215)

وقال طفيل الغنويّ:
إن النساء كأشجار نبتن معا ... منها المرار وبعض المرّ مأكول
إن النساء متى ينهين عن خلق ... فإنه واجب لا بد مفعول
لا ينثنين لرشد إن صرفن له ... وهنّ بعد ملاويم مخاذيل
وقال علقمة بن عبدة «1» :
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
إذا قلّ مال المرء أو شاب رأسه ... فليس له من ودّهنّ نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرح الشباب عندهن عجيب
وقال أبو الشّغب السّعديّ:
أبعد بني الزهراء أرجو بشاشة ... من العيش أو أرجو رخاء من الدهر
غطارفة زهر مضوا لسبيلهم ... ألهفي على تلك الغطارفة الزهر
يذكرنيهم كلّ خير رأيته ... وشر فما أنفكّ منهم على ذكر
وقال أبو حزابة «2» ، في عبد الله بن ناشرة:
ألا لا فتى بعد ابن ناشرة الفتى ... ولا خير إلا قد تولّى وأدبرا
وكان حصادا للمنايا ازدرعنه ... فهلا تركن النبت ما كان أخضرا
لحا الله قوما أسلموك ورفّعوا ... عناجيج أعطتها يمينك ضمّرا «3»
أما كان فيهم فارس ذو حفيظة ... يرى الموت في بعض المواطن أعذرا
يكرّ كما كرّ الكليبي بعدما ... رأى الموت تحدوه الأسنة أحمرا
فكر عليه الورد يدمي لبانه ... وماكر إلا رهبة أن يعيّرا
(3/216)

وقال أعرابي:
رعاك ضمان الله يا أمّ مالك ... ولله أن يشقيك أغنى وأوسع
يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقّع
وقال دريد بن الصّمّة:
وقالوا ألا تبكي أخاك، وقد أرى ... مكان الأسى لكن بنيت على الصبر
فقلت أعبد الله أبكي أم الذي ... على الجدث النائي قتيل أبي بكر
وعبد يغوث أو نديمي خالدا ... وعزّ المصاب وضع قبر حذا قبر
أبى القتل إلا آل صمة أنهم ... أبوا غيره والقدر يجري إلى القدر
فأما ترينا لا تزال دماؤنا ... لدى واتر يسعى بها آخر الدهر
فإنا للحم السيف، غير نكيرة ... ونلحمه حينا وليس بذي نكر
يغار علينا واترين فيشتفى ... بنا إن أصبنا أو نغير على وتر
قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا ... فلا ينقضي إلا ونحن على شطر
وقال الآخر:
إذا ما تراءاه الرجال تحفّظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب
حبيب إلى الزوّار غشيان بيته ... جميل المحيا شبّ وهو أديب
فتى لا يبالي أن يكون بجسمه ... إذا نال خلّات الكرام شحوب
حليم إذا ما الحلم زيّن أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب
حليف الندى يدعو الندى فيجيبه ... قريبا ويدعوه الندى فيجيب
يبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب
يقول: إذا كان الجدب ولم يكن للمال لبن فهو وهوب مطعام في هذا الزمن. والمنقيات: المهازيل التي ذهب نقيهن. والنقي: مخ العظام وشحم العين، وجمعه أنقاء. وناقة منقية، أي ذات نقي.
(3/217)

وقال الآخر:
ألا ترين وقد قطّعتني عذلا ... ماذا من الفوت بين البخل والجود «1»
إلّا يكن ورق يوما أجود به ... للمعتفين فإني ليّن العود «2»
وإلى هذا ذهب أبن يسير حيث يقول:
لا يعدم السائلون الخير أفعله ... إما نوالى وإما حسن مردودي
وقال الهذليّ:
وهّاب ما لا تكاد النفس ترسله ... من التلاد وصول غير منّان
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: ومن الشوارد التي لا أرباب لها قوله:
أن يفخروا أو يغدروا ... أو يبخلوا لا يحفلوا
وعدوا عليك مرجل ... ين كأنهم لم يفعلوا
كأبي براقش كلّ لو ... ن لونه يتخيل
ومثله في بعض معانيه:
أكول لأرزاق العيال إذا شتا ... صبور على سوء الثناء وقاح
وقال:
وما نفى عنك قوما أنت خائفهم ... كمثل وقمك جهالا بجهال «3»
فاقعس إذا حدبوا وأحدب إذا قعسوا ... ووازن الشر مثقالا بمثقال «4»
(3/218)

وقال الراجز:
وقد تعللت ذميل العنس ... بالسوط في ديمومة كالترس «1»
إذ عرّج الليل بروح الشمس «2»
وقال الراجز:
قد كنت إذ حبل صباك مدمش ... وإذ أهاضيب الشباب تبغش «3»
وقال الراجز:
طال عليهن تكاليف السّرى ... والنصّ في حين الهجير والضحى «4»
حتى عجاهنّ فما تحت العجى»
رواعف يخضبن مبيضّ الحصى «6»
سمع ذلك أبن وهيب فرام مثله فقال:
تخضب مروا دما نجيعا ... من فرط ما تنكب الحوامي «7»
وقال عامر ملاعب الأسنة «8» :
دفعتكم عني وما دفع راحة ... بشيء إذا لم تستعن بالأنامل
يضعضعني حلمي وكثرة جهلكم ... علي، وإني لا أصول بجاهل
(3/219)

وقال آخر:
لا بدّ للسودد من أرماح ... ومن سفيه دائم النباح
ومن عديد يتقي بالراح
وقال أبو نخيلة لبعض سادات بني سعد:
وأن القوم سوّدوك لفاقة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد
وتمثّل سفيان بن عيينة وقد جلس على مرقب عال، وأصحاب الحديث مدى البصر يكتبون، بقول الآخر:
خلت الديار فسدت غير مسوّد ... ومن الشقاء تفرّدي بالسّودد
وقال الأول في الأحنف:
وإنّ من السادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها
وقال الآخر:
فأصبحت بعد الحلم في الحي ظالما ... تخمط فيهم والمسوّد يظلم «1»
وقال رجل من بني الحارث بن كعب، يقال له سويد:
إني إذا ما الأمر بيّن شكّه ... وبدت بصائره لمن يتأمل
وتبرأ الضعفاء من إخوانهم ... وألحّ من حرّ الصميم الكلكل «2»
أدع التي هي أرفق الخلّات بي ... عند الحفيظة للتي هي أجمل
وقال الآخر:
ذهب الذين أحبهم فرطا ... وبقيت كالمغمور في خلف
من كل مطويّ على حنق ... متضجع يكفى ولا يكفي
(3/220)

وقال أبو الطمحان القيني:
فكم فيهم من سيد وابن سيد ... وفيّ بعقد الجارحين يفارقه
يكاد الغمام الغرّ يزعب أن رأى ... وجوه بني لأم وينهل بارقه «1»
وقال طفيل الغنوي:
وكان هريم من سنان خليفة ... وعمرو ومن أسماء لما تغيبوا
نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا وانجلت عنه الدجنة كوكب
وقال رجل من بني نهشل:
أنا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قول الكماة لهم أين المحامونا
لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من عاطف خالهم إياه يعنونا «2»
وليس يذهب منا سيّد أبدا ... إلا افتلينا غلاما سيّدا فينا «3»
وقال بعض الحجازيين:
إذا طمع يوما عراني قريته ... كتائب بأس كرّها وطرادها «4»
أكدّ ثمادى والمياه كثيرة ... أعالج منها حفرها واكتدادها «5»
وأرضى بها من بحر آخر أنه ... هو الري إن ترضى النفوس ثمادها
وقال أبو محجن الثقفي:
ألم تسل الفوارس من سليم ... بنضلة وهو موتور مشيح
رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح «6»
(3/221)

فلم يخشوا مصالته عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريح «1»
فكرّ عليهم بالسيف صلتا ... كما عضّ الشبا الفرس الجموح «2»
فأطلق غلّ صاحبه وأردى ... جريحا منهم ونجا جريح
وقال بعض اليهود:
سئمت وأمسيت رهن الفرا ... ش من حمل قوم ومن مغرم
ومن سفه الرأي بعد النهى ... ورمت الرشاد فلم يفهم
فلو أن قومي أطاعوا الحلي ... م ولم يتعد ولم يظلم
ولكن قومي أطاعوا السفي ... هـ حتى تعكّظ أهل الدم «3»
فأودى السفيه برأي الحلي ... م فانتشر الأمر لم يبرم
وقال بعض الشعراء:
وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السن إن نطقوا بخير ... وعند الشر مطراق عبوس
وقال الآخر:
ولست بدمّيجة في الفرا ... ش وجابة يحتمي أن يجيبا
ولا ذي قلازم عند الحياض ... إذا ما الشريب أراب الشريبا
وقال حجل بن نضلة:
جاء شقيق عارضا رمحه ... إن بني عمّك فيهم رماح «4»
هل أحدث الدهر لنا نكبة ... أم هل رقت أم شقيق سلاح
(3/222)

وقال:
ويل أمّ لذات الشباب معيشة ... مع الكثر يعطاه الفتى المتلف النّد
وقد يقصر القلّ الفتى دون همه ... وقد كان لولا القلّ طلاع أنّجد «1»
وقال الآخر:
قامت تخاصرني بقبتها ... خود تأطّر غادة بكر
كلّ يرى أن الشباب له ... في كل مبلغ لذة عذر
وقال سعد بن ربيعة بن مالك بن سعد بن زيد مناة، وهو من قديم الشعر وصحيحه:
ألا إنما هذا السلال الذي ترى ... وإدبار جسمي من ردى العثرات
وكم من خليل قد تجلدت بعده ... تقطّع نفسي بعده حسرات
وقال الطرمّاح في هذا المعنى:
وشيبني أن لا أزال مناهضا ... بغير ثرا أشرو به وأبوع
أمخترمي ريب المنون ولم أنل ... من المال ما أعصي به وأطيع
وقال الأضبط بن قريع:
لكلّ همّ من الهموم سعه ... والمسي والصبح لا فلاح معه
فصل حبال البعيد إن وصل ال ... حبل واقص القريب إن قطعه
وخذّ من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عينا بعيشه نفعه
لا تحقرنّ الفقير علك أن ... تركع يوما والدهر قد رفعه
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
(3/223)

وقال أعرابي، ونحر ناقة في حطمة «1» أصابتهم:
أكلنا الشوى حتى إذا لم نجد شوى ... أشرنا إلى خيراتها بالأصابع
وللسيف أحرى أن تباشر حده ... من الجوع لا تثنى عليه المضاجع
لعمرك ما سليت نفسا شحيحة ... عن المال في الدنيا بمثل المجاوع
وقدم ناقة له أخرى إلى شجرة ليكون المحتطب قريبا من المنحر، فقال:
أدنيتها من رأس عشاء عشّة ... مفصّلة الأفنان صهب فروعها
وقلت لها لما شددت عقالها ... وبالكفّ ممهاة شديد وقوعها
لقد غنيت نفسي عليك شحيحة ... ولكن يسخّي شحّة النفس جوعها
وقال أسقف نجران:
منع البقاء تصرف الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
اليوم نعلم ما يجيء به ... ومضى بفصل قضائه أمس
وقال الآخر:
وهلك الفتى أن لا يراح إلى الندى ... وأن لا يرى شيئا عجيبا فيعجبا «2»
ومن يتتبّع مني الظلع يلقني ... إذا ما رآني أصلع الرأس أشيبا
وقال سحيم بن وثيل الرياحي «3» :
تقول حدراء ليس فيك سوى ال ... خمر معيب يعيبه أحد
فقلت أخطأت بل معاقرتي ال ... خمر وبذلي فيها الذي أجد
هو الثناء الذي سمعت به ... لا سبد مخلدي ولا لبد «4»
(3/224)

ويحك لولا الخمور لم أحفل ال ... عيش ولا أن يضمني لحد
هي الحيا والحياة واللهو لا ... أنت ولا ثروة ولا ولد
وقال عبد راع:
غضبت علي لأن شربت بجزّة ... فلئن أبيت لأشربن بخروف
ولئن نطقت لأشربنّ بنعجة ... حمراء من آل المذال سحوف
وقال:
ناحت رقية من شاة شربت بها ... ولا تنوح على ما يأكل الذيب
وقال أبو حفص القريعي:
قد تغربت للشقاوة حينا ... حين بذلت بالسعادة نوقا
يوم فارقت بلدتي وقراري ... وتبدلت سوء رأي وموقا «1»
ليت عندي بخير معزاي عشر ... طيلسانا من الطراز عتيقا
وبخمس منهن أيضا قميصا ... سابريا أميس فيه رقيقا «2»
قد هجرت النبيذ مذهنّ عندي ... وتمززت رسلهن مذيقا «3»
فوجدت المذيق يوجع بطني ... ووجدت النبيذ كان صديقا
يعد النفس بالعشي مناها ... ويسلّ الهموم سلا رفيقا
وكان فتى طيّب من ولد يقطين لا يصحو، وكان في أهله روافض يخاصمون في أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي، وطلحة والزبير، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، فقال:
(3/225)

ربّ عقار باذرنجية ... اصطدتها من بيت دهقان «1»
جندرت أرواحا وطيبتها ... بعد اتساخ طال في ألحان
سكتا وسلتا لم نخض في أذى ... من قتل عثمان بن عفّان
ولا أبي بكر ولا طلحة ... ولا زبير يوم عثمان
الله يجزيهم بأعمالهم ... ليس علينا علم ذا الشان
وقال المنّحل اليشكري «2» :
ولقد شربت من المدا ... مة بالقليل وبالكثير
ولقد شربت من المدا ... مة بالصغير وبالكبير
ولقد شربت الخمر بال ... خيل الإناث وبالذكور
فإذا سكرت فإنني ... ربّ الخورنق والسدير
وإذا صحوت فإنني ... ربّ الشويهة والبعير
يا ربّ يوم للمنخّ ... ل قد لها فيه قصير
وقال بعضهم لزائر له ورآه يومي إلى امرأته، وهو أبو عطاء السندي:
كل هنيئا وما شربت مريئا ... ثم قم صاعرا فغير كريم
لا أحبّ النديم يومض بالعي ... ن إذا ما خلا بعرس النديم
وقال الآخر، وتعرضت له امرأة صاحبه:
ربّ بيضاء كالقضيب تثني ... قد دعتني لوصلها فأبيت
ليس شأني تحرّجا غير أني ... كنت ندمان زوجها فاستحيت
وقال الآخر:
فلا والله لا ألفى وشربا ... أنازعهم شرابا ما حييت
ولا والله ما ألفى بليل ... أراقب عرس جاري ما بقيت
(3/226)

سأترك ما أخاف علي منه ... مقالته وأجمله السكوت
أبى لي ذاك آباء كرام ... وأجداد تمجدهم ربيت
وقال السحيميّ:
ما لي وجه في اللئام ولا يد ... ولكن وجهي في الكرام عريض
أهشّ إذا لاقيتهم وكأنني ... إذا أنا لاقيت اللئام مريض
وقال ابن كناسة:
في انقباض وحشمة فإذا ... لاقيت أهل الوفاء والكرم
خليت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم
وقال عبد الرحمن بن الحكم:
وكأس نرى بين الإناء وبينها ... قذى العين قد نازعت أمّ أبان
ترى شاربيها حين يعتقبانها ... يميلان أحيانا ويعتدلان
فما ظنّ ذا الواشي بأبيض ماجد ... وبدّاء خود حين يلتقيان «1»
وقال رمّاح بن ميّادة- وكان الأصمعي يقول: ختم الشعر بالرمّاح. وأظن النابغة أحد عمومته-:
ألا ربّ خمار طرقت بسدفة ... من الليل مرتادا لندماني الخمرا
فأنهلته خمرا وأحلف أنها ... طلاء حلال كي يحملني الوزرا «2»
وقال آخر:
ولقد شربت الخمر حتى خلتني ... لما خرجت أجرّ فضل المئزر
قابوس أو عمرو بن هند قاعدا ... يجبى له ما بين دارة قيصر
في فتية بيض الوجوه خضارم ... عند الندام عشيرهم لم يخسر «3»
(3/227)

وقال ابن ميّادة:
ومعتّق حرم الوقود كرامة ... كدم الذبيح تمجّه أوداجه «1»
ضمن الكروم له أوائل حمله ... وعلى الدنان تمامه ونتاجه
من الشعر السياسي:
وأنشد اللائح لبعض الروافض:
إذا المرجي سرّك أن تراه ... يموت بدائه من قبل موته
فجدّد عنده ذكرى علي ... وصلّ على النبي وأهل بيته
وقال بعضهم في البرامكة:
إذا ذكر الشّرك في مجلس ... أنارت وجوه بني برمك
وإن تليت عندهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مزدك
وقال آخر:
لعن الله آل برمك إني ... صرت من أجلهم أخا أسفار
إن يك ذو القرنين قد مسح الأر ... ض فإني موكل بالعيار «2»
وقال آخر:
إن الفراغ دعاني ... إلى ابتناء المساجد
وإن رأيي فيها ... كرأي يحيى بن خالد
وقال أبو الهول «3» في جعفر بن يحيى بن خالد:
أصبحت محتاجا إلى الضرب ... في طلب العرف إلى الكلب
(3/228)

إذا شكا صبّ إليه الهوى ... قال له مالي وللصبّ
أعني فتى يطعن في دينه ... يشبّ معه خشب الصلب
قد وقح السبّ له وجهه ... فصار لا ينحاش للسب
وقال رجل شآمي:
أبعد مروان وبعد مسلمه ... وبعد اسحاق الذي كان لمه
صار على الثغر فريخ الرخمه «1» ... إن لنا بفعل يحيى نقمه
مهلكة مبيرة منتقمه «2» ... أكلا بني برمك أكل الحطمه «3»
إن لهذا الأكل يوما تخمه ... أيسر شيء فيه حزّ الغلصمه «4»
وقال الشاعر:
ما رعى الدهر آل برمك لما ... أن رمى ملكهم بأمر فظيع
إن دهرا لم يرع حقا ليحيى ... غير راع ذمام آل الربيع
وقال سهل بن هارون في يحيى بن خالد:
عدو تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما
مذلل نفس قد أبت غير أن ترى ... مكاره ما تأتي من الحق مغنما
وقال اسحاق بن حسان:
من مبلغ يحيى ودون لقائه ... زبرات كلّ خنابس همهام «5»
يا راعي السلطان غير مفرط ... في لين مختبط وطيب شمام «6»
(3/229)

يعذي مسارحه ويصفي شربه ... ويبيت بالربوات والأعلام «1»
حتى تبحبح ضاربا بجرانه ... ورست مراسيه بدار سلام «2»
في كل ثغر حارس من قلبه ... وشعاع طرف لا يفتّر سام
وهذا شبيه بقول العتّابي في هارون:
أمام له كف يضم بنانها ... عصا الدين ممنوعا من البري عودها
وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليه قربها وبعيدها
وأصمع يقظان يبيت مناجيا ... له في الحشا مستودعات يكيدها «3»
سميع إذا ناداه من قعر كربة ... مناد كفته دعوة لا يعيدها
وقال أيضا كلثوم بن عمرو العتّابي:
تلوم على ترك الغنى باهليّه ... زوى الدهر عنها كل طرف وتالد
رأت حولها النسوان يرفلن في الكسا ... مقلدة أجيادها بالقلائد
يسّرك أني نلت ما نال جعفر ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وإن أمير المؤمنين أغصني ... مغصبها بالمرهفات البوارد
ذريني تجئني. ميتتي مطمئنة ... ولم أتجشم هول تلك الموارد
فإن كريمات المعالي مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود
وقال الحسن بن هانىء:
عجبت لهارون الإمام وما الذي ... يروّي ويرجو فيك يا خلقة السّلق «4»
قفا خلف وجه قد أطيل كأنه ... قفا ملك يقضي الحقوق على بثق «5»
وأعظم زهوا من ذباب على خرا ... وأبخل من كلب عقور على عرق
(3/230)

أرى جعفرا يزداد بخلا ودقة ... إذا زاده الرحمن في سعة الرزق
ولو جاء غير البخل من عند جعفر ... لما وضعوه الناس إلا على الحمق
ولما أنشد ابن أبي حفصة الفضل بن يحيى بن خالد:
ضربت فلا شلّت يد خالدية ... رتقت بها الفتق الذي بين هاشم
قال له الفضل: قل: «فلا شلّت يد برمكية» ، فخالد كثير، وليس برمك إلا واحدا.
وقال سلم في يحيى، ويحيى يومئذ شاب:
وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خال
وإذا رأى لك موعدا ... كان الفعال مع المقال
لله درّك من فتى ... ما فيك من كرم الخلال
أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال
ومن جيد ما قيل فيهم:
للفضل يوم الطالقان، وقبله ... يوم أناخ به على خاقان «1»
ما مثل يوميه اللذين تواليا ... في غزوتين حواهما يومان
عصمت حكومته جماعة هاشم ... من أن يجرّد بينها سيفان
تلك الحكومة لا التي عن لبسها ... عظم الثأي وتفرّق الحكمان «2»
وقال الحسن بن هانىء، في جعفر بن يحيى:
ذاك الوزير الذي طالت علاوته ... كأنه ناظر في السيف بالطول «3»
(3/231)

ذكروا أن جعفر بن يحيى كان أول من عرّض الجربّانات «1» لطول عنقه.
وقال معدان الأعمى، وهو أبو السّريّ الشميطيّ:
يوم تشفى النفوس من يعصر اللؤ ... م ويثنى بسامة الرحّال
وعدي وتيمها وثقيف ... وأميّ وتغلب وهلال
لا حرورا ولا النوابت تنجو ... لا ولا صحب واصل الغزّال
غير كفتي ومن يلوذ بكفتي ... فهم رهط الأعور الدجال «2»
وبنو الشيخ والقتيل بفخ ... بعد يحيى وموتم الأشبال
سنّ ظلم الإمام في القوم زيد ... إن ظلم الإمام ذو عقّال «3»
وقال الكميت:
آمت نساء بني أمية منهم ... وبنوهم بمضيعة أيتام
نامت جدودهم وأسقط نجمهم ... والنجم يسقط والجدود تنام
خلت المنابر والأسرة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام
وقال خليفة، أبو خلف بن خليفة:
أعقبي آل هاشم يا أميا ... جعل الله بيت مالك فيّا
إن عصى الله آل مروان والعا ... صي لقد كان للرسول عصيا
(3/232)

وقال الراعي في بني أمية:
بني أميّة إن الله ملحقكم ... عما قليل بعثمان بن عفّان
وقال خلف بن خليفة:
لو تصفّحت أولياء علي ... لم تجد في جميعهم باهليا
وقال كعب الأشقري لعمر بن عبد العزيز:
إن كنت تحفظ ما يليك فإنما ... عمال أرضك بالبلاد ذئاب
لن يستجيبوا للذي تدعو له ... حتى تجلّد بالسيوف رقاب
بأكفّ منصلتين أهل بصائر ... في وقعهن مزاجر وعقاب
هلا قريش ذكرت بثغورها ... حزم وأحلام هناك رغاب
لولا قريش نصرها ودفاعها ... ألفيت منقطعا بي الأسباب
فلما سمع هذا الشعر قال: لمن هذا؟ قالوا: لرجل من أزد عمان، يقال له كعب الأشقري! قال: ما كنت أظن أهل عمان يقولون مثل هذا الشعر.
قال أبو اليقظان: وقام إلى عمر بن عبد العزيز رجل وهو على المنبر فقال:
إن الذين بعثت في أقطارها ... نبذوا كتابك واستحلّ المحرم
طلس الثياب على منابر أرضنا ... كلّ يجور وكلهم يتظلم
وأردت أن يلي الأمانة منهم ... عدل وهيهات الأمين المسلم
وكان زيد بن علي كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر:
شرّده الخوف وأزرى به ... كذاك من يكره حرّ الجلاد
(3/233)

منخرق الخفّين يشكو الوجى ... تنكبه أطراف مرو حداد
قد كان في الموت له راحة ... والموت حتم في رقاب العباد
وقال عبد الله بن كثير السهمىّ، وكان يتشيع، لولّادة كانت نالته.
وسمع عمّال خالد بن عبد الله القسري يلعنون عليا والحسين على المنابر:
لعن الله من يسبّ عليا ... وحسينا من سوقة وإمام
أيسبّ المطيبون جدودا ... والكرام الأخوال والأعمام «1»
يأمن الظبي والحمام ولا يأ ... من آل الرسول عند المقام «2»
طبت بيتا وطاب أهلك أهلا ... أهل بيت النبي والإسلام
رحمة الله والسلام عليهم ... كلما قام قائم بسلام
وقال حين عابوه بذلك الرأي:
إن أمرأ أمست معايبه ... حبّ النبي لغير ذي ذنب
وبني أبي حسن ووالدهم ... من طاب في الأرحام والصلب
أيعدّ ذنبا أن أحبهم ... بل حبهم كفّارة الذنب
وقال يزيد بن أبي بكر بن دأب الليثي:
الله يعلم في علي علمه ... وكذاك علم الله في عثمان
وقال السيد الحميري:
إني امرؤ حميري غير مؤتشب ... جدي رعين وأخوالي ذوو يزن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة به ... يوم القيامة للهادي أبي الحسن
(3/234)

وقال ابن أذينة:
سمين قريش مانع منك لحمه ... وغثّ قريش حيث كان سمين
وقال ابن الرقيات:
ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنهم معدن الملوك ولا ... تصلح إلا عليهم العرب
وقال عروة بن أذينة:
إذا قريش تولي خير صالحها ... فاستيقنن بأن لا خير في أحد
رهط النبي وأولى الناس منزلة ... بكل خير وأثرى الناس في العدد
وقال حسان بن ثابت، يرثي أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه:
إذا تذكّرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
التالي الثاني المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدّق الرسلا
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدو به إذ صعد الجبلا
وكان حبّ رسول الله قد علموا ... خير البرية لم يعدل به رجلا
وقال بعض بني أسد:
لما تخيّر ربي فارتضى رجلا ... من خلقه كان منا ذلك الرجل
لنا المساجد نبنيها ونعمرها ... وفي المنابر قعدان لنا ذلل
وقال يزيد بن الحكم بن أبي العاص، في شأن السقيفة:
قد اختصم الأقوام بعد محمد ... فسائل قريشا حين جدّ اختصامها
ألم تك من دون الخليقة أمة ... بكف امريء من آل تيم زمامها
هدى الله بالصدّيق ضلال امّة ... إلى الحق لما ارفضّ عنها نظامها
(3/235)

وقالت صفية في ذلك اليوم:
قد كان بعدك أنباء وهنبثة ... لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب «1»
أنا فقدناك فقد الأرض وابلها ... واختلّ قومك فاشهدهم فقد سغبوا «2»
وقال الفرزدق:
صلى صهيب ثلاثا ثم أسلمها ... إلى ابن عفان ملكا غير مقصور
ولاية من أبي حفص لثالثهم ... كانوا أخلّاء مهديّ ومحبور
وقال مزرّد بن ضرار يرثي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:
عليك السلام من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزّق
قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتّق «3»
وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفي سبنتى أزرق العين مطرق «4»
وقال: وسمعوا في تلك الليلة هاتفا يقول:
ليبك على الإسلام من كان باكيا ... فقد أوشكوا هلكا وما قدم العهد
وأدبرت الدنيا وأدبر خيرها ... وقد ملّها من كان يوقن بالوعد
وعن أبي الجحاف، عن مسلم البطين:
إنا نعاقب لا أبالك عصبة ... علقوا الفري وبروا من الصديق «5»
وبروا سفاها من وزير نبيهم ... تبّا لمن يبرا من الفاروق
إني على رغم العداة لقائل ... دنا بدين الصادق المصدوق
(3/236)

وقال الكميت:
فقل لبني أمية حيث حلوا ... وان خفت المهنّد والقطيعا
أجاع الله من أشبعتموه ... وأشبع من بجوركم أجيعا
بمرضيّ السياسة هاشمي ... يكون حيا لأمته ربيعا
وقال حرب بن المنذر بن الجارود، وكان يتفتّى ويتشيّع، في كلمة له:
فحسبي من الدنيا كفاف يقيمني ... وأثواب كتّان أزور بها قبري
وحبي ذوي قربى النبي محمّد ... فما سالنا إلا المودّة من أجر
[دولة الأمويين ودولة العباسيين والمؤرخون العرب]
وجه التدبير في الكتاب إذا طال أن يداوي مؤلّفه نشاط القاريء له، ويسوقه إلى حظّه بالإحتيال له. فمن ذلك أن يخرجه من شيء إلى شيء، ومن باب إلى باب، بعد أن لا يخرجه من ذلك الفن، ومن جمهور ذلك العلم.
وقد يجب أن نذكر بعض ما انتهى إلينا من كلام خلفائنا من ولد العباس، ولو أن دولتهم عجميّة خراسانية، ودولة بني مروان عربية أعرابية وفي أجناد شاميّة.
والعرب أوعى لما تسمع، واحفظ لما تأتى، ولها الأشعار التي تقيّد عليها مآثرها، وتخلّد لها محاسنها. وجرت من ذلك في إسلامها على مثل عادتها في جاهليتها، فبنت بذلك لبني مروان شرفا كثيرا ومجدا كبيرا، وتدبيرا لا يحصى.
ولو أن أهل خراسان حفظوا على أنفسهم وقائعهم في أهل الشام، وتدبير ملوكهم، وسياسة كبرائهم، وما جرى في ذلك من فرائد الكلام وشريف المعاني، كان فيما قال المنصور وما فعل في أيامه، وأسّس لمن بعده ما يفي بجماعة ملوك بني مروان.
(3/237)

ولقد تتبّع أبو عبيدة النحوي، وأبو الحسن المدائني وهشام بن الكلبي، والهيثم ابن عدي، أخبارا قد اختلفت، وأحاديث قد تقطّعت، فلم يدركوا إلا قليلا من كثير، وممزوجا من خالص.
وعلى كل حال فإنا إذ صرنا إلى بقية ما رواه العباس بن محمد، وعبد الملك بن صالح، والعباس بن موسى، واسحاق بن عيسى، واسحاق بن سليمان «1» ، وأيوب بن جعفر «2» ، وما رواه إبراهيم بن السندي عن السندي «3» ، وعن صالح صاحب المصلّي، عن مشيخة بني هاشم ومواليهم- عرفت بتلك البقية كثرة ما فات، وبذلك الصحيح أين موضع الفساد مما صنعه الهيثم بن عدي، وتكلفه هشام بن الكلبي.
أخبار المنصور والمهدي والمأمون
وسنذكر جملا مما انتهى إلينا من كلام المنصور ومن شأن المأمون وغيرهما وإن كنا قد ذكرنا من ذلك طرفا، ونقصد من ذلك إلى التخفيف والتقليل، فإنه يأتي من وراء الحاجة، ويعرف بجملته مراد البقية.
قال: وكان المنصور داهيا أريبا، مصيبا في رأيه سديدا، وكان مقدّما في علم الكلام، ومكثرا من كتاب الآثار. ولكلامه كتاب يدور في أيدي الوراقين معروف عندهم. ولما هم بقتل أبي مسلم سقط بين الإستبداد برأيه والمشاروة فيه، فأرق في ذلك ليلته، فلما أصبح دعا باسحاق بن مسلم العقيلي، فقال له: حدثني حديث الملك الذي أخبرتني عنه بحرّان. قال: أخبرني أبي عن الحصين بن المنذر أن ملكا من ملوك فارس- يقال له سابور الأكبر- كان له وزير ناصح قد اقتبس أدبا من آداب الملوك، وشاب ذلك بفهم في الدين، فوجهه
(3/238)

سابور داعية إلى أهل خراسان، وكانوا قوما عجما يعظّمون الدنيا جهالة بالدّين، ويخلّون بالدين استكانة لقوت الدنيا، وذلا لجبابرتها، فجمعهم على دعوة من الهوى يكيد به مطالب الدنيا، واغتر بقتل ملوكهم لهم وتخوّلهم إياهم- وكان يقال: «لكل ضعيف صولة، ولكل ذليل دولة» - فلما تلاحمت أعضاء الأمور التي لقح، استحالت حربا عوانا شالت أسافلها بأعاليها، فانتقل العزّ إلى أرذلهم، والنباهة إلى أخملهم، فأشربوا له حبا مع خفض من الدنيا افتتح بدعوة من الدين، فلما استوسقت له البلاد بلغ سابور أمرهم وما أحال عليه من طاعتهم، ولم يأمن زوال القلوب وغدرات الوزراء، فاحتال في قطع رجائه عن قلوبهم، وكان يقال:
وما قطع الرجاء بمثل يأس ... تبادهه القلوب على اغترار
فصمّم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم، فقتله، فبغتهم بحدث، فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الغربة ونأي الرجعة، وتخطّف الأعداء، وتفرّق الجماعة، واليأس من صاحبهم، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور، ويتعوضوه من الفرقة، فأذعنوا له بالملك والطاعة، وتبادروه بمواضع النصيحة، فملكهم حتى مات حتف أنفه.
فأطرق المنصور مليا ثم رفع رأسه وهو يقول:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما
وأمر اسحاق بالخروج ودعا بأبي مسلم، فلما نظر إليه داخلا قال:
قد اكتنفتك خلّات ثلاث ... جلبن عليك محذور الحمام
خلافك وامتنانك ترتميني ... وقودك للجماهير العظام
(3/239)

ثم وثب إليه ووثب معه بعض حشمه بالسيوف على أبي مسلم، فلما رآهم وثب، فبدره المنصور فضربه ضربة طوّحه منها «1» ، ثم قال:
إشرب بكأس كنت تسقي بها ... أمرّ في الحلق من العلقم
زعمت أن الدين لا يقتضى ... كذبت فاستوف أبا مجرم
ثم أمر فحز رأسه وبعث به إلى أهل خراسان وهم ببابه، فجالوا حوله ساعة ثم ردّ من شغبهم إنقطاعهم عن بلادهم، وأحاطة الأعداء بهم، فدلّوا وسلّموا له.
فكان اسحاق إذا رأى المنصور قال:
وما أحذو لك الأمثال إلا ... لتحذو إن حذوت على مثال «2»
وكان المنصور إذا رآه قال:
وخلفها سابور للناس يقتدى ... بأمثالها في المعضلات العظائم
وكان المهديّ يحبّ القيان وسماع الغناء، وكان معجبا بجارية يقال لها «جوهر» ، وكان اشتراها من مروان الشامي، فدخل عليه ذات يوم مروان الشامي وجوهر تغنّيه، فقال مروان:
أنت يا جوهر عندي جوهرة ... في بياض الدرّة المشتهره
فإذا غنت فنار ضرّمت ... قدحت في كلّ قلب شرره
فاتّهمه المهدي، وأمر به فدعّ «3» في عنقه إلى أن أخرج. ثم قال لجوهر: أطربيني. فأنشأت تقول:
وأنت الذي أخلفتي ما وعدتني ... واشمتّ بي من كان فيك يلوم
(3/240)

وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضا أرمى وأنت سليم
فلو أن قولا يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم «1»
فقال المهدي:
ألا يا جوهر القلب ... لقد زدت على الجوهر
وقد أكملك الله ... بحسن الدّل والمنظر «2»
إذا ما صلت، يا أح ... سن خلق الله، بالمزهر «3»
وغنّيت ففاح البي ... ت من ريحك بالعنبر
فلا والله ما المهدي ... أولى منك بالمنبر
فإن شئت ففي كف ... ك خلع ابن أبي جعفر
قال الهيثم: أنشدت هارون وهو وليّ عهد أيام موسى، بيتين لحمزة بن بيض في سليمان بن عبد الملك:
حاز الخلافة والداك كلاهما ... من بين سخطة ساخط أو طائع
أبواك ثم أخوك أصبح ثالثا ... وعلى جبينك نور ملك ساطع
قال: يا يحيى، أكتب لي هذين البيتين.
ولما مدح ابن هرمة أبا جعفر المنصور، أمر له بألفي درهم، فاستقلّها، وبلغ ذلك أبا جعفر فقال: أما يرضى إني حقنت دمه وقد استوجب إراقته، ووفّرت ماله وقد استحقّ تلفه، وأقررته وقد استأهل الطرد، وقربته وقد استجزى البعد؟ أليس هو القائل في بني أمية:
(3/241)

إذا قيل من عند ريب الزمان ... لمعترّ فهر ومحتاجها «1»
ومن يعجل الخيل يوم الوغى ... بالجامها قبل اسراجها
أشارت نساء بني مالك ... إليك به قبل أزواجها
قال ابن هرمة: فإني قد قلت فيك أحسن من هذا! قال: هاته! قال:
قلت:
إذا قلت أيّ فتى تعلمون ... أهشّ إلى الطعن بالذابل «2»
واضرب للقرن يوم الوغى ... وأطعم في الزمن الماحل
أشارت إليك أكف الورى ... إشارة غرقى إلى ساحل
قال المنصور: أما هذا الشعر فمسترق، وأما نحن فلا نكافيء إلا بالتي هي أحسن.
ولما إحتال أبو الأزهر المهلّب لعبد الحميد بن ربعيّ بن خالد بن معدان، وأسلمه حميد إلى المنصور قال: لا عذر فأعتذر، وقد أحاط بي الذنب وأنت أولى بما ترى: قال: لست أقتل أحدا من آل قحطبة، بل أهب مسيئهم لمحسنهم، وغادرهم لوفيهم! قال: إن لم يكن في مصطنع فلا حاجة لي في الحياة، ولست أرضى أن أكون طليق شفيع، وعتيق ابن عمّ! قال:
أسكت مقبوحا مشقوحا «3» ، وأخرج فإنك أنوك جاهل، أنت عتيقهم وطليقهم ما حييت.
ولما داهن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب في شأن إبراهيم ابن عبد الله «4» ، وصار إلى المنصور، أمر الربيع بخلع سواده والوقوف به على
(3/242)

رأس اليمانية في المقصورة يوم الجمعة ثم قال: قل لهم: يقول لكم أمير المؤمنين: قد عرفتم ما كان من إحساني إليه، وحسن بلائي عنده، وقديم نعمتي عليه، والذي حاول من الفتنة، ورام من البغي، وأراد من شق العصا ومعاونة الأعداء، وإراقة الدماء، وأنه قد استحق بهذا من فعله أليم العقاب، وعظيم العذاب. وقد رأى أمير المؤمنين إتمام بلائه الجميل لديه، ورب نعمائه السابقة عنده، لما يتعرفه أمير المؤمنين من حسن عائدة الله عليه، وما يؤمله من الخير العاجل والآجل، عند العفو عمن ظلم، والصفح عمن أساء. وقد وهب أمير المؤمنين مسيئكم لمحسنكم، وغادركم لوفيكم.
وقال سهل بن هارون يوما، وهو عند المأمون: من أصناف العلم مالا ينبغي للمسلمين أن يرغبوا فيه، وقد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال! قال المأمون: قد يسمى بعض الشيء علما وليس بعلم، فإن كنت هذا أردت فوجهه الذي ذكرناه. ولو قلت: العلم لا يدرك غوره، ولا يسبر قعره، ولا تبلغ غايته، ولا يستقصى أصنافه، ولا يضبط آخره، فالأمر على ما قلت. فإذا فعلتما ذلك كان عدلا، وقولا صدقا. وقد قال بعض العلماء: أقصد من أصناف العلم إلى ما هو أشهى إلى نفسك وأخف على قلبك، فإن نفاذك فيه على حسب شهوتك له، وسهولته عليك. وقال أيضا بعض الحكماء: لست أطلب العلم طمعا في بلوغ غايته، والوقوف على نهايته. ولكن التماس مالا يسع جهله، ولا يحسن بالعاقل إغفاله. وقال آخرون: علم الملوك النسب والخبر وجمل الفقه، وعلم التجار الحساب والكتاب، وعلم أصحاب الحرب درس كتب المغازي وكتب السير.
فأما أن تسمّي الشيء علما وتنهى عنه من غير أن يكون يشغل عما هو أنفع منه، بل تنهي نهيا جزما، وتأمر أمرا حتما! والعلم بصر، وخلافه عمى، والإستبانة للشر ناهية عنه، والإستبانة للخير آمرة به.
ولما قرأ المأمون كتبي في الإمامة فوجدها على ما أمر به، وصرت إليه
(3/243)

وقد كان أمر اليزيدي «1» بالنظر فيها ليخبره عنها، قال لي: قد كان بعض من يرتضى عقله ويصدّق خبره خبّرنا عن هذه الكتب بأحكام الصنعة وكثرة الفائدة، فقلنا له: قد تربي الصفة على العيان، فلما رأيتها رأيت العيان قد أربى على الصفة، فلما فليتها أربى الفلي على العيان كما أربى العيان على الصفة.
وهذا كتاب لا يحتاج إلى حضور صاحبه، ولا يفتقر إلى المحتجّين عنه، قد جمع استقصاء المعاني، واستيفاء جميع الحقوق، مع اللفظ الجزل، والمخرج السهل، فهو سوقي ملوكي، وعامي خاصي.
ولما دخل عليه المرتدّ الخراساني وقد كان حمله معه من خراسان حتى وافى به العراق، قال له المأمون:
لأن استحييك بحق أحبّ إلي من أن أقتلك بحق، ولأن أقبلك بالبراءة أحب إلي من أن أدفعك بالتهمة، قد كنت مسلما بعد أن كنت نصرانيا، وكنت فيها أتنخ «2» وأيامك أطول، فاستوحشت مما كنت به آنسا ثم لم تلبث أن رجعت عنا نافرا، فخبرنا عن الشيء الذي أوحشك من الشيء الذي صار آنس لك من ألفك القديم، وأنسك الأول. فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به، والمريض من الأطباء يحتاج إلى المشاورة. وإن أخطأك الشفاء ونبا عن دائك الدواء، كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك بلائمة، فإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة. أو ترجع أنت في نفسك إلى الإستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصر في إجتهاد، ولم تفرط في الدخول في باب الحزم.
قال المرتد: أوحشني كثرة ما رأيت من الإختلاف فيكم!
(3/244)

قال المأمون: لنا إختلافان: أحدهما كالإختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، والإختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق، ووجوه القراءات وإختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك. وليس هذا بإختلاف إنما هو تخيير وتوسعة، وتخفيف من المحنة. فمن أذن مثنى وأقام مثنى لم يؤثم، ومن أذن مثنى وأقام فرادى لم يحوّب «1» ، لا يتعايرون ولا يتعابيون، أنت ترى ذلك عيانا وتشهد عليه بتاتا.
والإختلاف الآخر كنحو إختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الحديث عن نبينا، مع إجماعنا على أصل التنزيل، وإتفاقنا على عين الخبر.
فإن كان الذي أوحشك هذا حتى أنكرت من أجله هذا الكتاب، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والأنجيل متفقا على تأويله، كما يكون متفقا على تنزيله، ولا يكون بين جميع النصارى واليهود إختلاف في شيء من التأويلات.
وينبغي لك أن لا ترجع إلا إلى لغة لا إختلاف في تأويل ألفاظها.
ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا دفع إلينا على الكفاية، ولو كان كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل، وليس على هذا بنى الله الدنيا.
قال المرتدّ: أشهد أن الله واحد لا ندّ له ولا ولد، وأن المسيح عبده، وإن محمدا صادق، وإنك أمير المؤمنين حقا! فأقبل المأمون على أصحابه فقال: فروا عليه عرضه، ولا تبرّوه في يومه ريثما يعتق إسلامه، كي لا يقول عدوه أنه أسلم رغبة. ولا تنسوا بعد نصيبكم من برّه وتأنيسه ونصرته، والعائدة عليه.
حدثنا أحمد بن أبي داود قال: قال لي المأمون:
(3/245)

لا يستطيع الناس أن ينصفوا الملوك من وزرائهم، ولا يستطيعون أن ينظروا بالعدل بين الملوك وحماتهم وكفاتهم، وبين صنائعهم وبطانتهم. وذلك أنهم يرون ظاهر حرمة وخدمة، واجتهاد ونصيحة، ويرون إيقاع الملوك بهم ظاهرا، حتى لا يزال الرجل يقول: ما أوقع به إلا رغبة في ماله، أو رغبة في بعض مالا تجود النفس به، ولعل الحسد والملالة وشهوة الإستبدال، إشتركت في ذلك.
وهناك خيانات في صلب الملك، أو في بعض الحرم، فلا يستطيع الملك أن يكشف للعامة موضع العورة في الملك، ولا أن يحتج لتلك العقوبة بما يستحق ذلك الذنب، ولا يستطيع الملك ترك عقابه لما في ذلك من الفساد، على علمه بأن عذره غير مبسوط للعامة، ولا معروف عند أكثر الخاصة.
ونزل رجل من أهل العسكر، فغدا بين يدي المأمون، وشكا إليه مظلمته، فأشار بيده: أن حسبك! فقال له بعض من كان يقرب من المأمون:
يقول لك أمير المؤمنين: إركب. قال المأمون: لا يقال لمثل هذا:
إركب، إنما يقال له: إنصرف! وحدثني إبراهيم بن السندي قال: بينا الحسن اللؤلؤي يحدث المأمون ليلا وهو بالرقّة، وهو يومئذ ولي عهد، وأطال الحسن الحديث حتى نعس المأمون، فقال الحسن: نعست أيها الأمير! ففتح عينيه وقال: سوقي وربّ الكعبة! يا غلام خذ بيده.
[نوادر النوكى والمجانين وجفاة الأعراب]
ذكر بقية كلام النوكى والموسوسين والجفاة والأغبياء وما ضارع ذلك وشاكله، وأحببنا أن لا يكون مجموعا في مكان واحد إبقاء على نشاط القاريء والمستمع.
(3/246)

مرّ ابن أبي علقمة بمجلس بني ناجية، فكبا حماره لوجهه، فضحكوا منه، فقال: ما يضحككم؟ رأى وجوه قريش فسجد! أبو الحسن قال: أتى رجل عباديّا صيرفيا، يستسلف منه مائتي درهم، فقال: وما تصنع بها؟ قال: أشتري بها حمارا فلعلي أربح فيه عشرين درهما! قال: إذا أنا وهبتك العشرين فما حاجتك إلى المائتين؟ قال: ما أريد إلا المائتين! فقال: أنت لا تريد أن تردّها عليّ.
قال: وأتى قوم عباديّا فقالوا: نحب أن تسلف فلانا ألف درهم وتؤخره سنة. فقال: هاتان حاجتان، وسأقضي لكم إحداهما، وإذا فعلت ذلك فقد أنصفت أما الدراهم فلا تسهل علي، ولكني أؤخره سنتين.
ولعب رجل قدّام بعض الملوك بالشطرنج، فلما رآه قد استجاد لعبه وفاوضه الكلام «1» قال له: لم لا توليني نهر بوق؟ قال: أوليك نصفه، أكتبوا له عهده على بوق! وقال له مرّة: ولّني أرمينية. قال: يبطيء على أمير المؤمنين خبرك.
وقدم آخر على صاحب له من فارس، فقال: قد كنت عند الأمير فأي شيء ولّاك؟ قال: ولّاني قفاه! قال: ونظر أمير إلى أعرابي فقال: لقد هم لي الأمير بخير؟ قال: ما فعلت؟ قال: فبشرّ؟ قال: وما فعلت؟ قال: إن الأمير لمجنون! قال أبو الحسن: شهد مجنون على امرأة ورجل بالزناء فقال الحاكم:
تشهد أنك رأيته يدخله ويخرجه؟ قال: والله إن لو كنت جلدة استها لما شهدت بهذا.
قال: وكان رجل من أهل الريّ يجالسنا، فاحتبس عنا، فأتيته فجلست
(3/247)

معه على بابه، وإذا رجل يدخل ويخرج فقلت: من هذا؟ فسكت، ثم أعدت فسكت، فلما أعدت الثالثة قال: هو زوج أخت خالتي! وقال الشاعر:
إذا المرء جاز الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياء ولا ستر
فدعه ولا تنفس عليه الذي أتى ... ولو جر أرسان الحياة له الدهر
أعرابي خاصمته امرأته إلى السلطان، فقيل له: ما صنعت؟ قال:
خيرا، كبّها الله لوجهها، وأمر بي إلى السجن! قال أبو الحسن: عرض الأسد لأهل قافلة، فتبرّع عليهم رجل، فخرج إليه فلما رآه سقط وركبه الأسد، فشدوا عليه بأجمعهم، فتنحى عنه الأسد، فقالوا له: ما حالك؟ قال: لا بأس علي، ولكن الأسد خري في سراويلي.
أبو الحسن: قال أبو عباية السّليطي: قد فسد الناس! قلت: وكيف؟
قال: ترى بساتين هزار مرد هذه ما كان يمر بها غلام إلا بخفير. قلت: هذا صلاح! قال: لا بل فساد.
أبو الحسن قال: خطب سعيد بن العاص، عائشة بنت عثمان على أخيه فقالت: لا أتزوجه! قال: ولم؟ قالت: هو أحمق! له برذونان أشهبان، فيحتمل مؤونة إثنين وهما عند الناس واحد.
قال: كان المغيرة بن المهلب ممرورا، وكان عند الحجاج يوما فهاجت به مرّته، فقال له الحجاج: ادخل المتوضأ وأمر من يقيم عنده حتى يتقيأ ويفيق.
قال أبو الحسن: قالت خيرة بنت ضمرة القشيريّة، امرأة المهلب، للمهلب: إذا انصرفت من الجمعة فأحب أن تمر بأهلي. قال لها: إن أخاك أحمق! قالت: فإني أحب أن تفعل! فجاء وأخوها جالس وعنده جماعة فلم
(3/248)

يوسع له، فجلس المهلب ناحية ثم أقبل عليه فقال له: ما فعل ابن عمك فلان؟ قال: حاضر. فقال: ارسل إليه. ففعل، فلما نظر إليه غير مرفوع المجلس قال: يا ابن اللخناء، المهلب جالس ناحية وأنت جالس في صدر المجلس؟ وواثبه. فتركه المهلب وانصرف، فقالت له خيرة: أمررت بأهلي؟
قال: نعم، وتركت أخاك الأحمق يضرب! قال: وكتب الحجاج إلى الحكم بن أيوب: «أخطب على عبد الملك ابن الحجاج امرأة جميلة من بعيد، مليحة من قريب، شريفة في قومها، ذليلة في نفسها، أمة لبعلها» . فكتب إليه: «قد أصبتها لولا عظم ثدييها!» فكتب إليه الحجاج: لا يحسن نحر المرأة حتى يعظم ثدياها.
قال المرّار بن منقذ العدويّ:
صلتة الخدّ طويل جيدها ... ضخمة الثدي ولما ينكسر
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «لا، حتى تدفيء الضجيع وتروي الرضيع» .
وقال ابن صديقة لرجل رأى معه خفّا: ما هذه القلنسوة؟ فاحتكموا إلى عرباض، فقال عرباض: هي قلنسوة الرّجلين! قال أبو اسحاق: قلت لخنجير كوز: وعدتك أن تجيئني إرتفاع النهار فجئتني صلاة العصر! قال: جئتك إرتفاع العشي! قال: قيل لأعرابي: ما اسم المرق عندكم؟ قال: السحين. قال: فإذا برد؟ قال: لا ندعه حتى يبرد.
باع نخّاس من أعرابي غلاما فأراد أن يتبرأ من عيبه، قال: أعلم أنه يبول في الفراش. قال: إن وجد فراشا فليبل فيه!
(3/249)

حدثنا صديق لي قال: أتاني أعرابي بدرهم فقلت له: هذا زائف فمن أعطاكه؟ قال: لصّ مثلك! وقال زيد بن كثوة: أتيت بني كشّ هؤلاء، فإذا عرس، وبلق الباب، فادرنفق وأدّمج فيه سرعان من الناس، وألصت ولوج الدار فدلظني الحدّاد دلظة دهورني على قمة رأسي، وأبصرت شيخان «1» الحي هناك، ينتظرون المزيّة «2» ، فعجت إليهم، فو الله أن زلنا نظار نظار حتى عقل الظل «3» فذكرت من بني تبر، فقصدنهم وأنا أقول:
تركن بني كشّ وما في ديارهم ... عوامد وأعصوصبن نحو بني تبر «4»
إلى معشر شمّ الأنوف، قراهم ... إذا نزل الأضياف من قمع الجزر «5»
وانصرفت وأتيت باب بني تبر، وإذا الرجال صتيتان «6» ، وإذا أرمداء «7» كثيرة، وطهاة لا تحصى، ولحمان في جثمان الإكام «8» صالح بن سليمان قال: من أحمق الشعر قول الذي يقول:
أهيم بدعد ماحييت فإن أمت ... أوكّل بدعد من يهيم بها بعدي
ولا يشبه قول الآخر:
فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا ... أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
(3/250)

قال: مات لأبن مقرّن غلام، فحفر لهم أعرابي قبره بدرهمين، وذلك في بعض الطواعين، فلما أعطوه الدرهمين قال: دعوهما حتى يجتمع لي عندكم ثمن ثوب! وأدخل أعرابي إلى المربد جليبا له «1» فنظر إليها بعض الغوغاء «2» فقال: لا إله إلا الله، ما أسمن هذه الجزر! قال له الأعرابي مالها تكون جزرا جزرك الله.
قال أبو الحسن: جاء رجل إلى رجل من الوجوه فقال: أنا جارك وقد مات أخي فمر لي بكفن. قال: لا والله ما عندي اليوم شيء، ولكن تعهدنا وتعود بعد أيام، فسيكون ما تحب! قال: أصلحك الله، فتملحه إلى أن يتيسر عندكم شيء؟! قال: كان مولى البكرات يدّعي البلاغة، فكان يتصفّح كلام الناس فيمدح الرديء ويذم الجيد، فكتب إلينا رسالة يعتذر فيها من تركه المجيء، فقال: «وقطعني عن المجيء إليكم أنه طلعت في إحدى أليتي ابني بثرة، فعظمت وعظمت حتى صارت كأنها رمّانة صغيرة» .
وقال علي الأسواري: «فلما رأيته أصفر وجهي حتى صار كأنه الكشوث «3» » .
وقال له محمد بن الجهم: إلى أين بلغ الماء منك؟ قال: إلى العانة. قال شعيب بن زرارة: لو كان قال: إلى الشّعرة، كان أجود! وقال له محمد بن الجهم: هذا الدواء الذي جئت به قدركم آخذ منه؟
قال: قدر بعرة.
(3/251)

وقال علي: جاءني رجل حزنبل «1» من ها هنا إلى ثمة! وقال قاسم التمّار: بينهما كما بين السماء إلى قريب من الأرض! وقال قاسم التمار: رأيت إيوان كسرى كأنما رفعت عنه الأيدي أوّل من أمس.
وأقبل على أصحاب له وهم يشربون النبيذ، وذلك بعد العصر بساعة، فقال لبعضهم: قم صلّ فاتتك الصلاة! ثم امسك عنه ساعة، ثم قال الآخر:
قم صل ويلك فقد ذهب الوقت! فلما أكثر عليهم في ذلك وهو جالس لا يقوم يصلي قال له واحد منهم: فأنت لم لا تصلي؟ فأقبل عليه فقال: ليس والله تعرفون أصلي في هذا. قلت: وأي شيء أصلك؟ قال: لا نصلي لأن هذه المغرب قد جاءت! وقال قاسم: أنا أنفس بنفسي على السلطان.
وأتى منزل ابن أبي شهاب وقد تعشى القوم وجلسوا على النبيذ، فأتوه بخبز وزيتون وكامخ «2» فقال: أنا لا أشرب النبيذ إلا على زهومة «3» .
وقال: حين بعت البغل بدأت بالسرج.
وقال: ليس في الدنيا ثلاثة أنكح مني: أنا أكسل منذ ثلاث ليال في كل ليلة عشر مرات! كأن الإكسال عنده هو الإنزال «4» .
وقال: ذهب والله مني الأطيبين؟ قلت: وأي شيء الأطيبين؟ قال: قوة اليدين والرجلين «5» .
(3/252)

وقال: فالتوى لي عرق حين قعدت منها مقعد الرجل من الغلام.
وقال في غلام له رومي، ما وضعت بيني وبين الأرض أطيب منه.
قال: ومحمد بن حسان لا يشكرني، فو الله ما ناك حادرا قط إلا على يدي «1» .
وقال أبو خشرم: ما أعجب أسباب النيك؟ فقيل له: النيك وحده؟
قال: سمعنا الناس يقولون: ما أعجب أسباب الرزق، وما أعجب الأسباب! وكان قاسم التمار عند ابن لأحمد بن عبد الصمد بن علي، وهناك جماعة، فأقبل وهب المحتسب يعرض له بالغلمان، فلما طال ذلك على قاسم أراد أن يقطعه عن نفسه بأن يعرّفه هوان ذلك القول عليه فقال: أشهدوا جميعا أني أنيك الغلمان، وأشهدوا جميعا إني أعفج الصبيان! والتفت التفاتة فرأى الأخوين الهذليين وكانا يعاديانه بسبب الإعتزال فقال: عنيت بقولي: إشهدوا جميعا أني لوطي، أي أني على دين لوط! قال القوم بأجمعهم: أنت لم تقل أشهدوا إني لوطي، وإنما قلت: إشهدوا جميعا أني أنيك الصبيان! قال سفيان الثوري: لم يكن في الأرض أحد قط أعلم بالنجوم ثم بالقرانات «2» من «ما شاء الله كان» ، يريد ما شاء الله المنجم.
وكان يقول: هو أكفر عندي من رام هرمز! يريد أكفر من هرمز.
وممن وسوس: غلفاء بن الحارث، ملك قيس عيلان، وسوس حين قتل إخوته، يتغلف ويغلف أصحابه بالغالية «3» ، فسمي غلفاء بذلك.
وكان رجل ينيك البغلات، فجلس يوما يخبر عن رجل كيف ناك بغلة، وكيف إنكسرت رجله، وكيف كان ينالها، قال: كان يضع تحت رجله لبنة، فبينما هو ينحي فيها إذ انكسرت اللبنة من تحت رجله، وإذا أنا على قفاي!
(3/253)

ومن الأحاديث المولدة التي لا تكون، وهو في ذلك مليح، قولهم: ناك رجل كلبة فعقدت عليه، فلما طال البلاء رفع رأسه فصادف رجلا يطلع عليه من سطح، فقال له الرجل: أضرب جنبها. فلما ضرب جنبها وتخلص قال: قاتله الله، أي نياك كلبات هو! وكان عندنا بالبصرة قاص أعمى، ليس يحفظ من الدنيا إلا حديث جرجيس، فلما بكى واحد من النظارة قال القاص: أنتم من أي شيء تبكون! إنما البلاء علينا معاشر العلماء! قال: وبكى حول أبي شيبان ولده وهو يريد مكة، قال: لا تبكوا يا بنيّ، فإني أريد أن أضحّي عندكم! وقال أخوه: ولدت في رأس الهلال للنصف من شهر رمضان! أحسب أنت الآن هذا كيف شئت! وقال: تزوجت امرأة مخزومية عمها الحجاج بن الزبير الذي هدم الكعبة! وقال: ذلك لم يكن أبا، إنما كان ولدا! وقال أبو دينار: هو وإن كان أخا فقد ينبغي أن ينصف! ومن المجانين علي بن اسحاق بن يحيى بن معاذ. وكان أوّل ما عرف من جنونه أنه قال: أرى الخطأ قد كثر في الدنيا، والدنيا كلها في جوف الفلك، وإنما تؤتى منه، وقد تخلخل وتخرّم وتزايل، فاعتراه ما يعتري الهرمى، وإنما هو منجنون «1» فكم يصبر؟ وسأحتال في الصعود إليه، فإني إن نجرته ورندجته «2» وسوّيته، انقلب هذا الخطأ كله إلى الصواب.
وجلس مع بعض متعاقلي فتيان العسكر، وجاءهم النخاس بجوار فقال:
ليس نحن في تقويم الأبدان، إنما نحن في تقويم الأعضاء، ثمن أنف هذه
(3/254)

خمسة وعشرون دينارا، وثمن أذنيها ثمانية عشر، وثمن عينيها ستة وسبعون، وثمن رأسها بلا شيء من حواسها مائة دينار! فقال له صاحبه المتعاقل: ها هنا باب هو أدخل في الحكمة من هذا! كان ينبغي لقدم هذ أن تكون لساق تلك، وأصابع تلك أن تكون لقدم هذه، وكان ينبغي لشفتي تيك أن تكون لفم تيك، وأن تكون حاجبا تيك لجبين هذه! فسمي مقوّم الأعضاء.
ومن النوكى كلاب بن ربيعة، وهو الذي قتل الجشميّ قاتل أبيه دون أخوته، وهو القائل:
ألم ترني ثأرت بشيخ صدق ... وقد أخذ الإداؤة فاحتساها
ثأرت بشيخه شيخا كريما ... شفاء النفس أن شيء شفاها
ومنهم: نعامة، وهو بيهس «1» ، وهو الذي قال: «مكره أخاك لا بطل» . وإياه يعني الشاعر:
ومن حذر الأيام ما حزّ أنفه ... قصير ولاقى الموت بالسيف بيهس
نعامة لما صرّع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف يلبس
وقال الحضرمي: أما أنا فأشهد أن تميما أكثر من محارب.
وقال حيّان البزّاز: قبح الله الباطل، الرطب بالسكر والله طيب.
قال أبو الحسن: سمعت أبا الصّغدي الحارثي يقول: كان الحجاج أحمق، بنى مدينة واسط في بادية النبط ثم قال لهم: لا تدخلوها. فلما مات دبوا إليها من قريب.
مسعدة بن المبارك قال: قلت للبكراوي: أبأمرأتك حمل؟ قال: شيء ليس بشيء!
(3/255)

قال: لما بنى عبيد الله بن زياد البيضاء، كتب رجل على باب البيضاء:
«شيء، ونصف شيء، ولا شيء. الشيء: مهران الترجمان، ونصف شيء: هند بنت أسماء، ولا شيء: عبيد الله بن زياد!» . فقال عبيد الله:
أكتبوا إلى جنبه: لولا الذي زعمت أنه لا شيء لما كان ذلك الشيء شيئا، ولا ذلك النصف نصفا.
وقال هشام بن عبد الملك يوما في مجلسه: «يعرف حمق الرجل بخصال: بطول لحيته، وشناعة كنيته، وبشهوته، ونقش خاتمه» . فأقبل رجل طويل اللحية، فقال: هذه واحدة، ثم سأله عن كنيته فإذا هي شنعاء، فقال:
هاتان ثنتان. ثم قال: وأي شيء أشهى إليك؟ قال: رمانة مصاصة»
! قال:
امصك الله ببظر امك! وقيل لأبي القمقام: لم لا تغزو أو تخرج إلى المصيصة؟ قال: أمصني الله إذا ببظر أمي! وقال الشاعر:
أأنصر أهل الشام ممن يكيدهم ... وأهلي بنجد ذاك حرص على النصر
وقال لأبي الأصبغ بن ربعيّ: أما تسمع بالعدو وما يصنعون في البحر فلم لا تخرج إلى قتال العدو؟ قال: أنا لا أعرفهم ولا يعرفونني، فكيف صاروا لي أعداء؟! قال: كان الوليد بن القعقاع عاملا على بعض الشام، وكان يستسقي في كل خطبة وإن كان في أيام الشّعرى، فقام إليه شيخ من أهل حمص فقال: أصلح الله الأمير، إذا تفسد القطاني! يعني الحبوب، واحدها قطنيّة.
وأما نفيس غلامي فإنه كان إذا صار إلى فراشه في كل ليلة في سائر السنة يقول في دعائه: اللهم علينا ولا حوالينا.
قال: وكان بالرّقة رجل يحدث الناس عن بني اسرائيل، وكان يكنى أبا عقيل، فقال له الحجاج بن حنتمة: ما كان اسم بقرة بني اسرائيل؟ قال:
(3/256)

حنتمة! فقال له رجل من ولد أبي موسى: في أي الكتب وجدت هذا؟ قال:
في كتاب عمرو بن العاصي! ومن المجانين الأشراف: ابن ضحيان الأزديّ، وكان يقرأ: قل يا أيها الكافرين. فقيل له في ذلك، فقال: قد عرفت القراءة في ذلك، ولكني لا أجلّ أمر الكفار!.
وقال حبيب بن أوس:
ما ولدت حوّاء أحمق لحية ... من سائل يرجو الغنى من سائل
وقال أيضا:
أيوسف جئت بالعجب العجيب ... تركت الناس في شك مريب
سمعت بكلّ داهية نآد ... ولم أسمع بسرّاج أديب «1»
أما لو أن جهلك عاد حلما ... إذا لنفذت في علم الغيوب
وما لك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب
وأنشدوا:
أرى زمنا نوكاه أسعد أهله ... ولكنما يشقى به كلّ عاقل
مشت فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكب الأعالي بارتفاع الأسافل
وهذه أبيات كتبناها في غير هذا المكان من هذا الكتاب، ولكن هذا المكان أولى بها.
وقال الشاعر:
وللدهر أيام فكن في لباسها ... كلبسته يوما أجدّ وأخلقا
وكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا
(3/257)

وقال الآخر:
وأنزلني طول النوى دار غربة ... إذا شئت لاقيت الذي لا أشاكله
فحامقته حتى يقال سجية ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله
وقال أبو العتاهية:
من سابق الدهر كباكبوة ... لم يستقلها من خطى الدهر
فاخط مع الدهر إذا ما خطا ... وأجر مع الدهر كما يجري
ليس لمن ليست له حيلة ... موجودة خير من الصبر
وقال بشر بن المعتمر:
حيلة ما ليست له حيلة ... حسن عزاء النفس والصبر
وقال صالح بن عبد القدوس:
وإنّ عناء أن تفهّم جاهلا ... ويحسب جهلا أنه منك أفهم
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وآخر يهدم
وقال بشر بن المعتمر:
وإذا العبيّ رأيته مستغنيا ... أعيا الطبيب وحيلة المحتال
ومن المجانين: مهدي بن الملوح الجعدي، وهو مجنون بني جعدة.
وبنو المجنون قبيل من قبائل بني جعدة، وهو غير هذا المجنون.
وأما مجنون بني عامر وبني عقيل، فهو: قيس بن معاذ، وهو الذي يقال له: مجنون بني عامر.
وهما شاعران. قيل ذلك لهما لتجننهما بعشيقتين كانتا لهما، ولهما أشعار معروفة.
(3/258)

[الجاحظ بين الرواة وخادمه نفيس]
وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصفة «1» ، فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة. ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الحديث والقصائد، والفقر والنتف من كل شيء.
ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب، فصار زهدهم في شعر العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب. ثم رأيتهم منذ سنيات، وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر، أو فتيانيّ متغزّل.
وقد جلست إلى أبي عبيدة، والأصمعي، ويحيى بن نجيم، وأبي مالك عمرو ابن كركرة «2» مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده. وكان خلف يجمع ذلك كله.
ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه أعراب. ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الإستخراج. ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل. ورأيت عامتهم- فقد طالت مشاهدتي لهم- لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم، وفتحت للسان باب البلاغة، ودلت الأقلام على مدافن الألفاظ، وأشارت إلى حسان المعاني. ورأيت البصر
(3/259)

بهذا الجوهر من الكلام في رواة الكتاب أعم، وعلى ألسنة حذاق الشعراء أظهر. ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعارا من أفواه جلسائه، ليدخلها في باب التحفظ والتذاكر. وربما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبدا أن يقولوا شعرا جيدا، لمكان أعراقهم من أولئك الآباء.
ولولا أن أكون عيابا ثم للعلماء خاصة، لصورت لك في هذا الكتاب بعض ما سمعت من أبي عبيدة، ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة! قال ابن المبارك: كان عندنا رجل يكنى أبا خارجة، فقال له: لم كنوك أبا خارجة؟ قال: لأني ولدت يوم دخل سليمان بن علي البصرة.
وكان عندنا شيخ حارس من علوج الجبل، وكان يكنى أبا خزيمة، فقلت لأصحابنا: هل لكم في مسألة هذا الحارس عن سبب كنيته، فلعل الله أن يفيد من هذا الشيخ علما وإن كان في ظاهر الرأي غير مأمول ولا مطمع! وهذه الكنية كنية زرارة بن عدس، وكنية خازم بن خزيمة، وكنية حمزة بن أدرك، وكنية فلان وفلان، وكل هؤلاء إما قائد متبوع، وإما سيد مطاع، فمن أين وقع هذا العلج الألكن على هذه الكنية! فدعوته فقلت له: هذه الكنية كناك بها إنسان أو كنيت بها نفسك؟ قال: لا، ولكني كنيت بها نفسي! قلت: فلم اخترتها على غيرها؟ قال: وما يدريني! قلت: ألك ابن يسمى خزيمة؟ قال:
لا. قلت: أفكان أبوك أو عمك أو مولى لك يسمى خزيمة؟ قال: لا.
قلت: فاترك هذه الكنية واكتن بأحسن منها وخذ مني دينارا! قال: لا والله ولا بجميع الدنيا!! أعطى المحلول ابنه درهما وقال: زنه، فطرح وزن درهمين وهو يحسبه وزن درهم، فلما رفعه وجده زالّا «1» ، فألقى معه حبتين، فقال له أبوه: كم فيه؟ قال: ليس فيه شيء، وهو ينقص حبتين!
(3/260)

وكان عندنا قاص يقال له أبو موسى كوش، فأخذ يوما في ذكر قصر الدنيا وطول أيام الآخرة، وتصغير شأن الدنيا وتعظيم شأن الآخرة، فقال: هذا الذي عاش خمسين سنة لم يعش شيئا، وعليه فضل سنتين! قالوا: وكيف ذاك؟
قال: خمس وعشرون سنة ليل، هو فيها لا يعقل قليلا ولا كثيرا، وخمس سنين قائلة «1» ، وعشرون سنة إما أن يكون صبيا وإما أن يكون معه سكر الشباب فهو لا يعقل. ولا بد من صتحة بالغداة «2» ، ونعسة بين المغرب والعشاء، وكالغشى الذي يصيب الإنسان مرارا في دهره، وغير ذلك من الآفات. فإذا حصلنا ذلك فقد صح أن الذي عاش خمسين سنة لم يعش شيئا، وعليه فضل سنتين! وقال بعض الهلّاك «3» : دخل فلان على كسرى فقال: أصلحك الله، ما تأمر في كذا كذا؟
وقال رجل من وجوه أهل البصرة: حدثت حادثة أيام الفرس فنادى كسرى: الصلاة جامعة! وقلت لغلامي نفيس: بعثتك إلى السوق في حوائج فاشتريت ما لم آمرك به، وتركت كل ما أمرتك به! قال: يا مولاي، أنا ناقة وليس في ركبتي دماغ! وقال نفيس لغلام لي: الناس ويلك أنت حياء كلهم أقل! يريد: أنت أقل الناس كلهم حياء.
وقلت لنفيس: ابن بريهة هذا الصبي، في أي شيء أسلموه؟ قال: في أصحاب سند نعال. يريد أصحاب النعال السندية.
(3/261)

[بلاغة النبي]
وروى الأصمعي وابن الأعرابي، عن رجالهما، أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
«إنا معشر الأنبياء بكاء» ، فقال ناس: البكء: القّلة. وأصل ذلك من اللبن.
فقد جعل صفة الأنبياء قلة الكلام، ولم يجعله من إيثار الصمت ومن التحصيل وقلة الفضول.
قلنا: ليس في ظاهر هذا الكلام دليل على أن القلة من عجز في الخلقة، وقد يحتمل ظاهر الكلام الوجهين جميعا، وقد يكون القليل من اللفظ يأتي على الكثير من المعاني. والقلة تكون من وجهين: أحدهما من جهة التحصيل، والإشفاق من التكلف، وعلى تصديق قوله: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ
، وعلى البعد من الصنعة، ومن شدة المحاسبة وحصر النفس، حتى يصير بالتمرين والتوطين إلى عادة تناسب الطبيعة. وتكون من جهة العجز ونقصان الآلة، وقلة الخواطر، وسوء الإهتداء إلى جياد المعاني، والجهل بمحاسن الألفاظ. ألا ترى أن الله قد استجاب لموسى عليه السلام حين قال: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي. هارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً.
وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً. إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى.
فلو كانت تلك القلة من عجز كان النبي صلّى الله عليه وسلّم أحق بمسألة إطلاق تلك العقدة من موسى، لأن العرب أشد فخرا ببيانها، وطول ألسنتها، وتصريف كلامها، وشدة إقتدارها. وعلى حسب ذلك كانت زرايتها على كل من قصّر عن ذلك التمام، ونقص من ذلك الكمال.
وقد شاهدوا النبي صلّى الله عليه وسلّم وخطبه الطوال في المواسم الكبار، ولم يطل التماسا للطول، ولا رغبة في القدرة على الكثير، ولكن المعاني إذا كثرت، والوجوه إذا افتنت، كثر عدد اللفظ، وإن حذفت فضوله بغاية الحذف.
(3/262)

ولم يكن الله ليعطي موسى لتمام إبلاغه شيئا لا يعطيه محمدا، والذين بعث فيهم أكثر ما يعتمدون عليه البيان واللسن.
وإنما قلنا هذا لنحسم جميع وجوه الشغب، لا لأن أحدا من أعدائه شاهد هناك طرفا من العجز! ولو كان ذلك مرئيا ومسموعا لاحتجوا به في الملا، ولتناجوا به في الخلا، ولتكلم به خطيبهم، ولقال فيه شاعرهم، فقد عرف الناس كثرة خطبائهم، وتسرع شعرائهم.
هذا على أننا لا ندري أقال ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أم لم يقله، لأن مثل هذه الأخبار يحتاج فيها إلى الخبر المكشوف، والحديث المعروف. ولكنا بفضل الثقة، وظهور الحجة، نجيب بمثل هذا وشبهه.
وقد علمنا أن من يقرض الشعر، ويتكلف الإسجاع، ويؤلف المزدوج، ويتقدم في تحبير المنثور، وقد تعمق في المعاني، وتكلف إقامة الوزن، والذي تجود به الطبيعة وتعطيه النفس سهوا رهوا، مع قلة لفظه وعدد هجائه- أحمد أمرا، وأحسن موقعا من القلوب، وأنفع للمستمعين، من كثير خرج بالكد والعلاج. ولأن التقدم فيه، وجمع النفس له، وحصر الفكر عليه، لا يكون إلا ممن يحب السمعة ويهوى النفج «1» والإستطالة. وليس بين حال المتنافسين، وبين حال المتحاسدين إلا حجاب رقيق، وحجاز ضعيف. والأنبياء بمندوحة من هذه الصفة، وفي ضد هذه الشيمة.
وقال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» .
وتكلم رجل عند الحسن بمواعظ جمة ومعان تدعو إلى الرقة فلم ير الحسن رق، فقال الحسن: أما أن يكون بناشر أو يكون بك! يذهب إلى أن المستمع يرق على قد رقة القائل.
(3/263)

والدليل الواضح، والشاهد القاطع، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نصرت بالصبا، وأعطيت جوامع الكلم» ، وهو القليل الجامع للكثير. وقال الله تعالى وقوله الحق: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ
ثم قال: وَما يَنْبَغِي لَهُ
ثم قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
فعم ولم يخص، وأطلق ولم يقيد. فمن الخصال التي ذمهم بها تكلف الصنعة، والخروج إلى المباهاة، والتشاغل عن كثير من الطاعة، ومناسبة أصحاب التشديق. ومن كان كذلك كان أشد افتقارا إلى السامع من السامع إليه، لشغفه أن يذكر في البلغاء، وصبابته باللحاق بالشعراء. ومن كان كذلك غلبت عليه المنافسة والمغالبة، وولد ذلك في قلبه شدة الحمية، وحب المجاذبة.
ومن سخف هذا السّخف، وغلب الشيطان عليه هذه الغلبة، كانت حاله داعية إلى قول الزور، والفخر بالكذب، وصرف الرغبة إلى الناس، والإفراط في مديح من أعطاه، وذم من منعه. فنزّه الله رسوله، ولم يعلمه الكتاب والحساب، ولم يرغبه في صنعة الكلام، والتعبد لطلب الألفاظ، والتكلف لإستخراج المعاني فجمع له باله كله في الدعاء إلى الله، والصبر عليه، والمجاهدة فيه، والإنبتات إليه والميل إلى كل ما قرب منه، فأعطاه الإخلاص الذي لا يشوبه رياء، واليقين الذي لا يطوره شك، والعزم المتمكن، والقوة الفاصلة.
فإذا رأت مكانه الشعراء، وفهمته الخطباء، ومن قد تعبّد للمعاني، وتعود نظمها وتنضيدها، وتأليفها وتنسيقها، واستخراجها من مدافنها، وإثارتها من مكامنها علموا أنهم لا يبلغون بجميع ما معهم مما قد استفرغهم واستغرق مجهودهم، وبكثير ما قد خولوه، قليلا مما يكون معه على البداهة والفجاءة، من غير تقدم في طلبه، واختلاف إلى أهله.
وكانوا مع تلك المقامات والسياسات، ومع تلك الكلف والرياضات، لا ينفكون في بعض تلك المقامات من بعض الإستكراه والزلل، ومن بعض التعقيد والخطل، ومن التفنن «1» والإنتشار، ومن التشديق والإكثار.
(3/264)

ورأوه مع ذلك يقول: «إيّاي والتشادق» . و «أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون» . ثم رأوه في جميع دهره في غاية التسديد والصواب التام، والعصمة الفاضلة، والتأييد الكريم. علموا أن ذلك من ثمرة الحكمة ونتاج التوفيق، وإن تلك الحكمة من ثمرة التقوى. ونتاج الإخلاص.
وللسلف الطيّب حكم وخطب كثيرة، صحيحة ومدخولة، لا يخفى شأنها على نقّاد الألفاظ وجهابذة المعاني، متميزة عند الرواة الخلّص وما بلغنا عن أحد من جميع الناس أن أحدا ولد لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطبة واحدة.
فهذا وما قبله حجة في تأويل ذلك إن كان حقا.
وفي كتاب الله المنزل. أن الله تبارك وتعالى جعل منيحة داود الحكمة وفصل الخطاب، كما أعطاه إلانة الحديد.
وفي الحديث المأثور، والخبر المشهور، إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
«شعيب خطيب الأنبياء» .
وعلم الله سليمان منطق الطير، وكلام النمل، ولغات الجن. فلم يكن عزّ وجلّ ليعطيه ذلك ثم يبتليه في نفسه وبيانه عن جميع شأنه، بالقلة والمعجزة، ثم لا تكون تلك القلة إلا على الإيثار منه للقلة في موضعها، وعلى البعد من استعمال التكلف، ومناسبة أهل الصنعة، والمشغوفين بالسمعة. وهذا لا يجوز على الله عز وجل.
فإن كان الذي رويتم من قوله: «إنا معشر الأنبياء بكاء» على ما تأولتم، وذلك أن لفظ الحديث عام في جميع الأنبياء، فالذي ذكرنا من حال داود وسليمان عليهما السلام، وحال شعيب والنبي صلّى الله عليه وسلّم، دليل على بطلان تأويلكم، ورد عموم لفظ الحديث:
وهذه جملة كافية لمن كان يريد الإنصاف.
(3/265)

وكان شيح من البصريين يقول:
إن الله إنما جعل نبيه أميّا لا يكتب ولا يحسب ولا ينسب، ولا يقرض الشعر، ولا يتكلّف الخطابة، ولا يتعمّد البلاغة، لينفرد الله بتعليمه الفقه وأحكام الشريعة، ويقصره على معرفة مصالح الدين دون ما تتباهى به العرب:
من قيافة الأثر والبشر «1» ، ومن العلم بالأنواء وبالخيل، وبالأنساب وبالأخبار، وتكلف قول الأشعار، ليكون إذا جاء بالقرآن الحكيم، وتكلم بالكلام العجيب، كان ذلك أدل على أنه من الله.
وزعم أن الله تعالى لم يمنعه معرفة آدابهم وأخبارهم وأشعارهم ليكون أنقص حظا من الحاسب الكاتب، ومن الخطيب الناسب، ولكن ليجعله نبيا، وليتولى من تعليمه ما هو أزكى وأنمى. فإنما نقصه ليزيده، ومنعه ليعطيه، وحجبه عن القليل ليجلّي له الكثير.
وقد أخطأ هذا الشيخ ولم يرد إلا الخير، وقال بمبلغ علمه ومنتهى رأيه ونوزعم أن أداة الحساب والكتابة، وأداة قرض الشعر ورواية جميع النسيب، قد كانت فيه تامة وافرة، ومجتمعة كاملة، ولكنه صلّى الله عليه وسلّم صرف تلك القوى وتلك الإستطاعة إلى ما هو أزكى بالنبوة، وإذا احتاج إلى الخطابة كان أخطب الخطباء، وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف، ولو كان في ظاهره، ثم أعطاه الله برهانات الرسالة، وعلامات النبوة- ما كان ذلك بمانع من وجوب تصديقه، ولزوم طاعته، والإنقياد لأمره على سخطهم ورضاهم، ومكروههم ومحبوبهم. ولكنه أراد ألا يكون للشاغب متعلق عما دعا إليه حتى لا يكون دون المعرفة بحقه حجاب وإن رقّ، وليكون ذلك أخفّ في المؤونة، وأسهل في المحنة. فلذلك صرف نفسه عن الأمور التي كانوا يتكلفونها ويتنافسون فيها، فلما طال هجرانه لقرض الشعر وروايته، صار لسانه لا ينطلق به، والعادة توأم الطبيعة. فأما في غير ذلك فإنه إذا شاء كان أنطق من كل منطيق،
(3/266)

وأنسب من كل ناسب، وأقوف من كل قائف. وكانت آلته أوفر وأداته أكمل، إلا أنها كانت مصروفة إلى ما هو أرد.
وبين أن نضيف إليه العجز، وبين أن نضيف إليه العادة الحسنة وامتناع الشيء عليه من طول الهجران له، فرق.
ومن العجب أن صاحب هذه المقالة لم يره عليه السلام في حال معجزة قط، بل لم يره إلا وهو إن أطال الكلام قصّر عنه كل مطيل، وإن قصر القول أتى على غاية كل خطيب، وما عدم منه إلا الخط وإقامة الشعر. فكيف ذهب ذلك المذهب والظاهر من أمره عليه السلام خلاف ما توهم!؟
[قدر الشعر]
وسنذكر بعض ما جاء في فضل الشعر والخوف منه، ومن اللسان البليغ، والمداراة له، وما أشبه ذلك.
قال أبو عبيدة: إجتمع ثلاثة من بني سعد يراجزون بني جعدة، فقيل لشيخ من بني سعد: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أفثج «1» .
وقيل لآخر: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أنكف. فقيل للآخر الثالث: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يوما إلى الليل لا أنكش «2» . فلما سمعت بنو جعدة كلامهم انصرفوا وخلوهم.
قال: وبنو ضرار، أحد بني ثعلبة بن سعد، لما مات أبوهم وترك الثلاثة الشعراء صبيانا، وهم: شمّاخ، ومزرّد، وجزء، أرادت أمهم- وهي أم أوس- أن تزوج رجلا يسمى أوسا، وكان أوس هذا شاعرا، فلما رآه بنو ضرار بفناء أمهم للخطبة، تناول شمّاخ حبل الدلو ثم متح، وهو يقول:
أمّ أويس نكحت أويسا
(3/267)

وجاء مزرد فتناول الحبل فقال:
أعجبها حدارة وكيسا «1»
وجاء جزء فتناول الحبل فقال:
أصدق منها لجبة «2» وتيسا
فلما سمع أوس رجز الصبيان بها هرب وتركها.
قال أبو عبيدة: كان الرجل من بني نمير إذا قيل له: ممّن الرجل؟ قال:
نميريّ كما ترى، فما هو إلا أن قال جرير:
فغضّ الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
حتى صار الرجل من بني نمير إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني عامر قال: فعند ذلك قال الشاعر يهجو قوما آخرين:
وسوف يزيدكم ضعة هجائي ... كما وضع الهجاء بني نمير
فلما هجاهم أبو الرّدينيّ العكلي فتوعدوه بالقتل قال أبو الرديني:
توعّدني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها
فشدّ عليه رجل منهم فقتله.
وما علمت في العرب قبيلة لقيت من جميع ما هجيت به ما لقيت نمير من بيت جرير. ويزعمون إن أمرأة مرّت بمجلس من مجالس بني نمير، فتأملها ناس منهم فقالت: يا بني نمير، لا قول الله سمعتم ولا قول الشاعر أطعتم! قال الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ
، وقال الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
(3/268)

وأخلق بهذا الحديث أن يكون مولّدا، ولقد أحسن من ولّده.
وفي نمير شرف كثير. وهل أهلك عنزة، وجرما، وعكلا، وسلول، وباهلة، وغنيا، إلا الهجاء؟! وهذه قبائل فيها فضل كثير وبعض النقص، فمحق ذلك الفضل كله هجاء الشعراء. وهل فضح الحبطات، مع شرف حسكة بن عتّاب، وعبّاد بن الحصين وولده، إلا قول الشاعر:
رأيت الحمر من شرّ المطايا ... كما الحبطات شرّ بني تميم
وهل أهلك ظليم البراجم إلا قول الشاعر:
إن أبانا فقحة لدارم ... كما الظليم فقحة البراجم
وهل أهلك بني العجلان إلا قول الشاعر:
إذا الله عادى أهل لؤم ودقّة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبّة خردل
ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل
وأما قول الأخطل:
وقد سرني من قيس عيلان أنني ... رأيت بني العجلان سادوا بني بدر
فإن هذا البيت لم ينفع بني العجلان، ولم يضرّ بني بدر.
قال أبو عبيدة: كان الرجل من بني أنف الناقة إذا قيل له: ممن الرجل؟
قال: من بني قريع، فما هو إلا أن قال الحطيئة:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا
وصار الرجل منهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من بني أنف الناقة.
(3/269)

وناس سلموا من الهجاء بالخمول والقلة، كما سلمت غسان وغيلان من قبائل عمرو بن تميم، وابتليت الحبطات لأنها أنبه منها شيئا.
والنباهة التي لا يضرّ معها الهجاء مثل نباهة بني بدر وبني فزارة، ومثل نباهة بني عدس بن زيد وبني عبد الله بن دارم، ومثل نباهة الديان بن عبد المدان وبني الحارث بن كعب: فليس يسلم من مضرة الهجاء إلا خامل جدا أو نبيه جدا.
وقد هجيت فزارة بأكل أير الحمار، وبكثرة شعر القفا، لقول الحارث بن ظالم:
فما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشّعر الرّقابا
ثم افتخر مفتخرهم بذلك ومدحهم به الشاعر، قال مزرد بن ضرار:
منيع بين ثعلبة بن سعد ... وبين فزارة الشّعر الرقاب
فما من كان بينهما بنكس ... لعمرك في الخطوب ولا بكاب «1»
وأما قصة أير الحمار فإنما اللوم على المطعم لرفيقه ما لا يعرفه. فهل كان على حذف الفزاري في حق الأنفة أكثر من قتل من أطعمه الجوفان من حيث لا يدري «2» ؟
فقد هجوا بذلك وشرفهم وافر. وقد هجيت الحارث بن كعب، وكتب الهيثم بن عدي فيهم كتابا فما ضعضع ذلك منهم، حتى كان قد كتبه لهم.
ولولا الربيع بن خثيم، وسفيان الثوري ما علم الناس أن في الرباب حيا يقال لهم بنو ثور.
وفي عكل شعر وفصاحة، وخيل معروفة الأنساب، وفرسان في الجاهلية
(3/270)

والإسلام. وزعم يونس أن عكلا أحسن العرب وجوها في غب حرب. وقال بعض فتاك بني تميم:
خليلي الفتى العكلي لم أر مثله ... تحلّب كفاه ندى شائع القدر
كأن سهيلا، حين أوقد ناره ... بعلياء، لا يخفى على أحد يسري
ولم أكتب هذا الشعر ليكون شاهدا على مقدار حظهم في الشرف، ولكن لنضمه إلى قول جران العود:
أراقب لمحا من سهيل كأنه ... إذا ما بدا من آخر الليل يطرف
وربما أتيت القبيلة إذا برّزت عليها أخوتها، كنحو فقيم بن جرير بن دارم، وزيد بن عبد الله بن دارم، وكنحو الجرماز ومازن. ولذلك يقال: إن أصلح الأمور لمن تكلف علم الطب ألا يحسن منه شيئا، أو يكون من حذاق المتطببين، فإنه إن أحسن منه شيئا ولم يبلغ فيه المبالغ هلك وأهلك أهله.
وكذلك العلم بصناعة الكلام. وليس كذلك سائر الصناعات، فليس يضر من أحسن باب الفاعل والمفعول به، وباب الإضافة، وباب المعرفة والنكرة، أن يكون جاهلا بسائر أبواب النحو. وكذلك من نظر في علم الفرائض، فليس يضر من أحكم باب الصّلب أن يجهل باب الجد، وكذلك الحساب. وهذا كثير.
وذكروا أن حزن بن الحارث، أحد بني العنبر ولد محجنا، فولد محجن شعيث بن سهم، فأغير على إبله، فأتى أوس بن حجر يستنجده، فقال له أوس: أو خير من ذلك، أحضض لك قيس بن عاصم! وكان يقال إن حزن بن الحارث هو حزن بن منقر، فقال أوس:
سائل بها مولاك قيس بن عاصم ... فمولاك مولى السّوء إن لم يغّير
لعمرك ما أدري أمن حزن محجن ... شعيث بن سهم أم لحزن بن منقر
فما أنت بالمولى المضيّع حقه ... وما أنت بالجار الضعيف المستر
فسعى قيس في إبله حتى ردها على آخرها.
(3/271)

وقال الآخر:
ألهى بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
ومما يدلّ على قدر الشعر عندهم بكاء سيد بني مازن، مخارق بن شهاب حين أتاه محرز بن المكعبر العنبري الشاعر فقال: إن بني يربوع قد أغاروا على إبلي فاسع لي فيها؟ فقال: وكيف وأنت جار وردان بن مخرمة؟ فلما ولىّ عنه محرز محزونا بكى مخارق حتى بل لحيته، فقالت له ابنته: ما يبكيك؟ فقال:
وكيف لا أبكي وقد استغاثني شاعر من شعراء العرب فلم أغثه؟ والله لئن هجاني ليفضحني قوله، ولئن كف عني ليقتلني شكره! ثم نهض فصاح في بني مازن فردت عليه إبله.
وذكر وردان الذي كان أخفره «1» فقال:
أقول وقد بزّت بتعشار بزة ... لوردان جدّ الآن فيها أو العب «2»
فعضّ الذي أبقى المواسي من أمه ... خفير رآها لم يشمّر ويغضب «3»
إذا نزلت وسط الرباب وحولها ... إذا حصّنت ألفا سنان محرّب «4»
حميت خزاعيا وافناء مازن ... ووردان يحمي عن عدي بن جندب «5»
ستعرفها ولدان ضبّة كلها ... بأعيانها مردودة لم تغيّب
قال: وفد رجل من بني مازن على النعمان بن المنذر، فقال له النعمان: مخارق بن شهاب فيكم؟ قال: سيد كريم، وحسبك من رجل يمدح تيسه ويهجو ابن عمه! ذهب إلى قوله:
ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وجار ابن قيس جائع يتحوّب «6»
(3/272)

قال: ومن قدر الشعر وموقعه في النفع والضّر، إن ليلى بنت النضر بن الحارث بن كلدة لما عرضت للنبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يطوف بالبيت واستوقفته وجذبت رداءه حتى انكشف منكبه، وانشدته شعرها بعد مقتل أبيها، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لو كنت سمعت شعرها هذا ما قتلته!» . والشعر:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفّق
أبلغ بها ميتا بأن قصيدة ... ما- إن تزال بها الركائب تخفق «1»
فليسمعنّ النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت لا ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقّق «2»
قسرا يقاد إلى المنية متعبا ... رسف المقيّد وهو عان موثق «3»
أمحمدها أنت ضنء نجيبة ... في قومها والفحل فحل معرق «4»
ما كان ضرّك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيط المحنق «5»
فالنضر أقرب من تركت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق
قال: ويبلغ من خوفهم من الهجاء ومن شدة السب عليهم، وتخوفهم أن يبقى ذكر ذلك في الأعقاب، ويسبّ به الأحياء والأموات، إنهم إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق، وربما شدوا لسانه بنسعة، كما صنعوا بعبد يغوث ابن وقاص الحارثي حين أسرته بنو تيم يوم الكلاب. وهو الذي يقول:
أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا «6»
وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا «7»
كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلي كري كرة عن رجاليا
(3/273)

فيا راكبا أما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا
أبا كرب والأيهمين كليهما ... وقيسا بأعلى حضر موت اليمانيا
وكان سألهم أن يطلقوا لسانه لينوح على نفسه، ففعلوا، فكان ينوح بهذه الأبيات، فلما أنشد قومه هذا الشعر قال قيس: لبيك وإن كنت أخرتني.
*** وقيل لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: كيف تقول الشعر مع الفقه والنسك؟ فقال: «لا بد للمصدور من أن ينفث» .
وقال معاوية لصحار العبدي: ما هذا الكلام الذي يظهر منكم؟ قال:
شيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا.
وقال ابن حرب: من أحسن شيئا أظهره.
وفي المثل: من أحب شيئا أكثر من ذكره.
وقال: خاصم أبو الحويرث السحيمي حمزة بن بيض إلى المهاجر بن عبد الله في طويّ له «1» فقال أبو الحويرث:
غمّضت في حاجة كانت تؤرقني ... لولا الذي قلت فيها قل تغميضي
قال: وما قلت لك فيها؟ قال:
حلفت بالله لي أن سوف تنصفني ... فساغ في الحلق ريق بعد تجريض «2»
قال: وأنا أحلف بالله لأنصفنك. قال:
فاسأل ألى عن ألى أن ما خصومتهم ... أم كيف أنت وأصحاب المعاريض
(3/274)

قال: أوجعهم ضربا. قال:
فاسأل لجيما إذا وافاك جمعهم ... هل كان بالبئر حوض قبل تحويضي
قال: فتقدمت الشهود فشهدت لأبي الحويرث. قال: فالتفت إلي ابن بيض فقال:
أنت ابن بيض لعمري لست أنكره ... حقا يقينا ولكن من أبو بيض
إن كنت أنبضت لي قوسا لترميني ... فقد رميتك رميا غير تنبيض «1»
أو كنت خضخضت لي وطبا لتسقيني ... فقد سقيتك وطبا غير ممخوض «2»
إن المهاجر عدل في حكومته ... والعدل يعدل عندي كل عرّيض «3»
*** قال: وتزوج شيخ من الأعراب جارية من رهطه، وطمع أن تلد له غلاما فولدت له جارية، فهجرها وهجر منزلها، وصار يأوي إلى غير بيتها، فمر بخبائها بعد حول وإذا هي ترقّص بنيتها منه وهي تقول:
ما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظلّ في البيت الذي يلينا
غضبان أن لا نلد البنينا ... تالله ما ذلك في أيدينا
وإنما نأخذ ما أعطينا
فلما سمع الأبيات مرّ الشيخ نحوهما حضرا حتى ولج عليهما الخباء وقبّل بنيتها وقال: ظلمتكما وربّ الكعبة! ***
(3/275)

[مقطعات وأشعار بديعة]
وقال مسلم بن الوليد:
فإني واسماعيل عند فراقنا ... لكالجفن يوم الروع فارقه النصل
أمنتجعا مروا بأثقال همه ... دع الثقل واحمل حاجة مالها ثقل
ثناء كعرف الطيب يهدى لأهله ... وليس له إلا بني خالد أهل
فإن أغش قوما بعدهم أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل
وقال ابن أبي عيينة:
هل كنت إلا كلحم ميت ... دعا إلى أكله اضطرار
وقال الآخر:
لئن حبس العباس عنا رغيفه ... لما فاتنا من نعمة الله أكثر
وقال أبو كعب: كان رجل يجري على رجل رغيفا في كل يوم، فكان يقول إذا أتاه الرغيف: لعنك الله ولعن من بعثك، ولعنني إن تركتك حتى أصيب خيرا منك.
وقال بشار:
إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن ... برأي نصيح أو نصاحة حازم «1»
ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... مكان الخوافي نافع للقوادم
وخلّ الهوينى للضعيف ولا تكن ... نؤوما فإن الحزم ليس بنائم
وأدن على القربى المقرب نفسه ... ولا تشهد الشورى امرأ غير كاتم
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختها ... وما خير سيف لم يؤيّد بقائم «2»
فإنك لا تستطرد الهم بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم
(3/276)

وقال آخر:
تعرفني هنيدة من بنوها ... واعرفها إذا اشتدّ الغبار
متى ما تلق منا ذا ثناء ... يؤزّ كأن رجليه شجار «1»
فلا تعجل عليه فإن فيه ... منافع حين يبتلّ العذار «2»
أنا ابن المضرحيّ أبي شليل ... وهل يخفى على الناس النهار
ورثنا صنعه ولكل فحل ... على أولاده منه نجار «3»
وقال أعشى همدان في خالد بن عتّاب بن ورقاء:
تمنيني إمارتها تميم ... وما أمري وأمر بني تميم
وكان أبو سليمان خليلي ... ولكنّ الشراك من الأديم «4»
أتينا أصبهان فهزّلتنا ... وكنا قبل ذلك في نعيم
أتذكرنا ومرة إذ غزونا ... وأنت على بغيلك ذي الوسوم
ويركب رأسه في كل وحل ... ويعثر في الطريق المستقيم
وليس عليك إلا طيلسان ... نضيبيّ وإلا سحق نيم «5»
وقال آخر:
فلست مسلما ما دمت حيا ... على زيد بتسليم الأمير
أمير يأكل الفالوذ سرا ... ويطعم ضيفه خبز الشعير
أتذكر إذ قباؤك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير
فسبحان الذي أعطاك ملكا ... وعلمّك الجلوس على السرير
(3/277)

وقال آخر:
دع عنك مروان لا تطلب إمارته ... ففيك راع لها ما عشت سرسور «1»
ما بال بردك لم يمسس حواشيه ... من ثرمداء ولا صنعاء تحبير «2»
وقال ابن قنان المحاربيّ:
أقول لما جئت مجلسهم ... قبح الإله عمائم الخزّ
لولا قتيبة ما اعتجرت بها ... أبدا ولا أقعيت في غرز «3»
عجبا لهذا الخزّ يلبسه ... من كان مشتاقا إلى الخبز
من كان يشتو في عباءته ... متقبضا كتقبّض العنز
وقال ثابت قطنة، في رجل كان المهلّب ولاه بعض خراسان:
ما زال رأيك يا مهلّب فاضلا ... حتى بنيت سرادقا لوكيع
وجعلته ربا على أربابه ... ورفعت عبدا كان غير رفيع
لورا أبوه سرادقا أحدثته ... لبكى وفاضت عينه بدموع
وقال ابن شيخان، مولى المغيرة، في بني مطيع العدوّيين:
حرام كنّتي مني بسوء ... واذكر صاحبي أبدا بذام
لقد أحرمت ودّ بني مطيع ... حرام الدهن للرجل الحرام
وخزّهم الذي لم يشتروه ... ومجلسهم بمعتلج الظلام «4»
وإن جنف الزمان مددت حبلا ... متينا من حبال بني هشام «5»
وريق عودهم أبدا رطيب ... إذا ما اغبرّ عيدان اللئام
(3/278)

وقال آخر:
لمن جزر ينحّرها سويد ... ألا يا مر للمجد المضاع
كأنك قد سعيت بذمتيهم ... وكنت ثمال أيتام جياع «1»
وقال:
سبحان من سبّح السبع الطباق له ... حتى لهرثمة الذهليّ بوّاب
وأنشدنا للأحيمر:
بأقبّ منصلت اللّبان كأنه ... سيد تنصّل من جحور سعالى «2»
وقال خلف: لم أر أجمع من بيت امرىء القيس:
أفاد وجاد وساد وزاد ... وقاد وذاد وعاد وأفضل
ولا أجمع من قوله:
له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وأرخاء سرحان وتقريب تتفل «3»
وقال الآخر:
رمى الفقر بالفتيان حتى كأنهم ... بأقطار آفاق البلاد نجوم
وإن امرأ لم يقفر العام بيته ... ولم يتخدّد لحمه للئيم «4»
(3/279)

وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ:
وليلة من ليالي الدهر صالحة ... باشرت في هولها مرأى ومستمعا
ونكبة لو رمى الرامي بها حجرا ... أصمّ من جندل الصمان لأنصدعا «1»
مرّت علي فلم أطرح لها سلبي ... ولا استكنت لها وهنا ولا جزعا
وما أزال على أرجاء مهلكة ... يسائل المعشر الأعداء ما صنعا
ولا رميت على خصم بفاقرة ... إلا رميت بخصم فرّ لي جذعا «2»
ما سدّ مطلع يخشى الهلاك به ... إلا وجدت بظهر الغيب مطّلعا
لا يملأ الهول قلبي قبل موقعه ... ولا أضيق به صدرا إذا وقعا
وقال آخر:
لقد طال إعراضي وصفحي عن التي ... أبلّغ عنكم والقلوب قلوب
وطال انتظاري عطفة الرحم منكم ... ليرجع ودّ أو ينيب منيب
فلا تأمنوا مني عليكم شبيهها ... فيرضي بغيض أو يساء حبيب
وتظهر منا في المقام ومنكم ... إذا ما ارتمينا في النضال عيوب
وإن لسان الباحث الداء ساخطا ... بني عمنا، ألوى البيان كذوب
وقال الأشهب بن رميلة:
إن الألى حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أمّ خالد
هم ساعد الدهر الذي يتّقى به ... وما خير كفّ لا تنوء بساعد
أسود شرىّ لاقت أسود خفيّة ... تساقوا على صرد دماء الأساود
قوله: «ساعد الدهر» ، إنما هو مثل، وهذا الذي تسميه الرواة البديع.
وقد قال الراعي:
هم كاهل الدهر الذي يتّقى به ... ومنكبه إن كان للدهر منكب
(3/280)

وقد جاء في الحديث: «موسى الله أحدّ، وساعد الله أشدّ» .
والبديع مقصور على العرب، ومن أجله فاقت لغتهم كل لغة، وأربت على كل لسان. والراعي كثير البديع في شعره، وبشّار حسن البديع، والعتّابي يذهب في شعره في البديع مذهب بشار.
وقال كعب بن عديّ:
شدّ العصاب على البريء بمن جنى ... حتى يكون لغيره تنكيلا
والجهل في بعض الأمور إذا اغتدى ... مستخرج للجاهلين عقولا
وقال زفر بن الحارث:
إن عدت والله الذي فوق عرشه ... منحتك مسنون الغرارين أزرقا «1»
فإن دواء الجهل أن تضرب الطلي ... وأن يغمس العرّيض حتى يغرقا «2»
وقال مبذول العذريّ:
ومولى كضرس السوء يؤذيك مسه ... ولا بدّ أن آذاك إنك فاقره «3»
دوي الجوف أن ينزع يسؤك مكانه ... وإن يبق تصبح كل يوم تحاذره «4»
يسرّ لك البغضاء وهو مجامل ... وما كل من يجني عليك تساوره «5»
وما كل من مددت ثوبك دونه ... لتستره مما أتى أنت ساتره
وقال آخر:
أطال الله كيس بني رزين ... وحمقي إن شريت لهم بدين
أأكتب أبلهم شاء وفيها ... بريع فصالها بنتا لبون
فما خلقوا بكيسهم دهاة ... ولا ملجاء بعد فيعجبوني
(3/281)

وقال آخر:
عفاريتا علي وأكل مالي ... وعجزا عن أناس آخرينا
فهلا غير عمكم ظلمتم ... إذا ما كنتم متظلمينا
فلو كنتم لكيّسة أكاست ... وكيس ألام أكيس للبنينا
وقالت رقيّة بنت عبد المطلب في النبي صلّى الله عليه وسلّم:
أبنيّ إني رابني حجر ... يغدو بكفك حيثما تغدو
وأخاف أن تلقى غويهم ... أو أن يصيبك بعد من يعدو
ولما دخل مكة لقيه جواريها يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
ويضاف إلى باب الخطب وإلى القول في تلخيص المعاني والخروج من الأمر المشبه بغيره، قول حسان بن ثابت الأنصاري:
إن خالي خطيب جابية الجو ... لان عند النعمان حين يقوم
وهو الصقر عند باب ابن سلمى ... يوم نعمان في الكبول مقيم
وسطت نسبتي الذوائب منهم ... كل دار فيها أب لي عظيم
وأبي في سميحة القائل الفا ... صل يوم التفت عليه الخصوم
يصل القول بالبيان وذو الرأ ... ي من القوم ظالع مكعوم
تلك أفعاله وفعل الزبعرى ... خامل في صديقه مذموم
رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم
ولي البأس منكم إذ أبيتم ... أسرة من بني خصيّ صميم
وقريش تجول منا لواذا ... أن يقيموا وخف منها الحلوم
لم يطق حمله العواتق منهم ... إنما يحمل اللواء النجوم
(3/282)

ولما دفن سليمان بن عبد الملك أيوب ابنه وقف ينظر القبر ثم قال:
كنت لنا أنسا ففارقتنا ... فالعيش من بعدك مرّ المذاق
وقربت دابته فركب ووقف على قبره، وقال:
وقوف على قبر مقيم بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق
ثم قال: عليك السلام! ثم عطف رأس دابته، وقال:
فإن صبرت فلم ألفظك من شبع ... وإن جزعت فعلق منفس ذهبا «1»
المدائني قال: لما مات محمد بن الحجاج جزع عليه فقال: إذا غسلتموه فأعلموني. فلما نظر إليه قال:
الآن لما كنت أكرم من مشى ... وافترّ نابك عن شباة القارح
وتكاملت فيك المروءة كلها ... واعنت ذلك بالفعال الصالح
ثم أتاه موت أخيه محمد بن يوسف فقال:
حسبي ثواب الله من كل ميّت ... وحسبي بقاء الله من كل هالك
إذا ما لقيت الله عني راضيا ... فإن شفاء النفس فيما هنالك
وتمثل معاوية في عبد الله بن بديل:
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا
وبدنو إذا ما الموت لم يك دونه ... فدى الشبر يحمي الأنف أن يتأخرا
(3/283)

ورأى معاوية هزاله وهو متعرّ فقال:
أرى الليالي أسرعت في نقضي ... أخذن بعضي وتركن بعضي
حنين طولي وتركن عرضي ... أقعدنني من بعد طول النهض
وتمثل عبد الملك حين وثب بعمرو بن سعيد الأشدق:
سكّنته ليقل مني نفره ... فأصول صولة حازم مستمكن
غضبا ومحمية لنفسي أنه ... ليس المسيء سبيله كالمحسن «1»
وسمع معاوية رجلا يقول:
ومن كريم ماجد سميدع «2» ... يؤتى فيعطي من ندى ويمنع
فقال: هذا منا، وهذا والله عبد الله بن الزبير.
المدائني قال: قال معاوية: «إذا لم يكن الهاشمي جوادا لم يشبه قومه، وإذا لم يكن المخزومي تيّاها لم يشبه قومه، وإذا لم يكن الأموي حليما لم يشبه قومه» . فبلغ قوله الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما فقال: ما أحسن ما نظر لنفسه! أراد أن تجود بنو هاشم بأموالها فتفتقر إلى ما في يديه، وتزهى بنو مخزوم على الناس فتبغض وتشنأ، وتحلم بنو أمية ويخيب وقال بشار:
أحسن صحابتنا فإنك مدرك ... بعض اللبانة باصطناع الصاحب
وإذا جفوت قطعت عنك لبانتي ... والدرّ يقطعه جفاء الحالب
تأتي اللئيم وما سعى حاجاته ... عدد الحصى ونجيب سعي الدائب
وأنشد:
إذا ما أمور الناس رثت وضيعت ... وجدت أموري كلها قد رممتها
(3/284)

وقال أعرابي:
ندين ويقضي الله عنا وقد نرى ... مكان رجال لا يدينون ضيّعا
وقال أعرابي:
وليس قضاء الدّين بالدين راحة ... ولكنه ثقل ممض إلى ثقل
وأنشد أبو عبيدة لعبيد العنبري، وهو أحد اللصوص:
يا ربّ عفوك عن ذي توبة وجل ... كأنه من حذار الناس مجنون
قد كان قدّم أعمالا مقاربة ... أيام ليس له عقل ولا دين
وقال أعرابي:
يا ربّ قد حلف الأقوام واجتهدوا ... إيمانهم أنني من ساكني النار
أيحلفون على عمياء ويلهم ... جهلا بعفو عظيم العفو غفّار
وقال أعرابي وهو محبوس:
أقيدا وسجنا واغترابا وفرقة ... وذكرى حبيب إن ذا لعظيم
وإن أمرأ دامت مواثيق عهده ... على كلّ ما لاقيته لكريم
وقال أعرابي:
يا أمّ عمرو بيني أنت كلما ... ترفّع حاد أو دعا كلّ مسلم
نظرت إليها نظرة ما يسرني، ... وإن كنت محتاجا، بها ألف درهم
وقال الشاعر:
وما كثرة الشكوى بأمر حزامة ... ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
ومثله:
وابثثت بكرا كل ما في جوانحي ... وجرعته من مرّ ما أتجرّع
ولا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة ... إذا جعلت أسرار نفسي تطلّع
(3/285)

وقال الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا أنه لدميم
وقال بزر جمهر: ما رأينا اشبه بالمظلوم من الحاسد.
وقال الأحنف بن قيس: لا راحة لحسود.
وقال الشعبي: الحاسد منغّص بما في يد غيره.
وقال الله تبارك وتعالى: «ومن شر حاسد إذا حسد» .
وقال بعضهم يمدح أقواما:
محسّدون وشرّ الناس منزلة ... من عاش في الناس يوما غير محسود
وقال الشاعر:
الرزق يأتي قدرا على مهل ... والمرء مطبوع على حبّ العجل
وقالوا: «من تمام المعروف تعجيله» .
ووصف بعض الأعراب أميرا فقال: إذا أوعد أخّر، وإذا وعد عجّل، وعيده عفو، ووعده إنجاز.
وقال تبارك وتعالى: وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا.
ودخل عمرو بن عبيد على المنصور وهو يومئذ خليفة- وروى هذا الحديث العتبي عن عتبة بن هارون قال:
شهدته وقد خرج من عنده، فسألته عما جرى بينهما فقال: رأيت عنده فتى لم أعرفه فقال لي: يا أبا عثمان، أتعرفه؟ فقلت: لا. فقال: هذا ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين. فقلت له: قد رضيت له أمرا يصير إليه إذا
(3/286)

صار وقد شغلت عنه! فبكى ثم قال: عظني يا أبا عثمان؟ فقلت: إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها، فلو أن هذا الأمر الذي صار إليك بقي في يدي من كان قبلك لم يصل إليك. وتذكّر يوما يتمخض بأهله لا ليلة بعده.
المدائني قال: سمعت أعرابيا يسأل وهو يقول: «رحم الله امرأ لم تمجّ أذنه كلامي، وقدم لنفسه معاذة من سوء مقامي، فإن البلاد مجدبة والحال سيئة، والعقل زاجر ينهى عن كلامكم، والفقر عاذر يحملني على أخباركم، والدعاء أحد الصدقتين، فرحم الله امرأ أمر بمير، أو دعا بخير» .
وقال رجل من طيىء:
قتلنا بقتلانا من القوم مثلهم ... كراما ولم نأخذ بهم خشف النخل
وقال آخر:
قتلنا رجالا من تميم أخايرا ... بقوم كرام من رجال أخاير
وسئل بعض العرب: ما العقل؟ قال: الإصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن بما قد كان.
وقال جرير يعاتب المهاجر بن عبد الله:
يا قيس عيلان إني قد نصبت لكم ... بالمنجنيق ولما أرسل الحجرا
فوثب المهاجر فأخذ بحقوه وقال: لك العتبي يا أبا حزرة لا ترسله! وقال سويد بن صامت:
ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري «1»
مقالته كالشحم ما دام شاهدا ... وبالغيب مأثور على ثغرة النحر «2»
تبين لك العينان ما هو كاتم ... من الشر والبغضاء بالنظر الشزر
(3/287)

يسرّك باديه وتحت أديمه ... نميمة غش تبتري عقب الظهر «1»
فرشني بخير طالما قد بريتني ... وخير الموالي من يريش ولا يبري
وقال حارثة بن بدر، لما تحالفت الأزد وربيعة:
لا تحسبنّ فؤادي طائرا فزعا ... إذا تحالف ضبّ البرّ والنون
وأنشد ابن الأعرابي لأعرابي:
فإن أك قصدا في الرجال فإنني ... إذا حلّ أمر ساحتي لجسيم «2»
تعيّرني الإعدام والوجه معرض ... وسيفي بأموال التجار زعيم
وأنشد ابن الأعرابي لعمرو بن شأس:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وآخر يهدم
وقال عبيد بن الأبرص:
ساعد بأرض إذا كنت بها ... ولا تقل إنني غريب
قد يوصل النازح النائي وقد ... يقطع ذو السهمة القريب «3»
وأنشد الأصمعي لكثيّر:
رأيت أبا الوليد غداة جمع ... به شيب وما فقد الشبابا
ولكن تحت ذاك الشيب حزم ... إذا ما ظن أمرض أو أصابا «4»
ويمدحون بإصابة الظن ويذمون بخطئه. قال أوس بن حجر:
الألمعيّ الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا
(3/288)

وفي بعض الحكمة: «من لم ينتفع بظنه لم ينتفع بيقينه» وقال السموأل بن عاديا:
وإنا لقوم ما نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول
يقرّب حبّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
تسيل على حد السيوف نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل
وما مات منا ميت في فراشه ... ولا طلّ منا حيث كان قتيل
وقال حسان بن ثابت:
لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن السّبات ليس يدوم
لو يدبّ الحولي من ولد الذ ... رّ عليها لأندبتها الكلوم
وقال بشار بن برد:
من فتاة صبّ الجمال عليها ... في حديث كلذة النشوان
ثم فارقت ذاك غير ذميم ... كلّ عيش الدنيا وإن طال فان
وقال مزاحم العقيلي:
تزين سنا الماويّ كلّ عشية ... على غفلات الزين والمتجمل
وجوه لو أن المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي
وقال المسعودي:
إن الكرام مناهبو ... ك المجد كلهم فناهب
أخلف وأتلف كلّ شي ... ء زعزعته الريح ذاهب
(3/289)

[خطب ووصايا متخيرة]
قال: قام شداد بن أوس «1» وقد أمره معاوية بتنقص علي، فقال:
الحمد لله الذي افترض طاعته على عباده، وجعل رضاه عند أهل التقوى آثر من رضا خلقه، على ذلك مضى أولهم، وعليه يمضي آخرهم. أيها الناس، إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر، وإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، وإن السامع المطيع لله لا حجة عليه وإن السامع العاصي لله لا حجة له، وإن الله إذا أراد بالعباد صلاحا عمل عليهم صلحاؤهم، وقضى بينهم فقهاؤهم، وملك المال سمحاؤهم، وإذا أراد بهم شرا عمل عليهم سفهاؤهم، وقضى بينهم جهلاؤهم، وملك المال بخلاؤهم.
وإن من صلاح الولاة أن يصلح قرناؤهم. ونصح لك يا معاوية من أسخطك بالحق، وغشّك من أرضاك بالباطل.
قال: اجلس رحمك الله، قد أمرنا لك بمال! قال: إن كان من مالك الذي تعهّدت جمعه مخافة تبعته، فأصبته حلالا وأنفقته إفضالا، فنعم، وإن كان مما شاركك فيه المسلمون فاحتجنته دونهم «2» ، فأصبته اقترافا «3» ، وأنفقته إسرافا، فإن الله يقول في كتابه: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ.
وأذن معاوية للأحنف بن قيس، وقد وافى معه محمد بن الأشعث، ثم أذن له فقدمه عليه فوجد من ذلك محمد بن الأشعث، ثم أذن له فدخل فجلس بين معاوية والأحنف، فقال له معاوية: إنّا والله ما أذنّا له قبلك إلا ليجلس إلينا دونك، وما رأيت أحدا يرفع نفسه فوق قدرها إلا من ذلّة يجدها، وقد فعلت
(3/290)

فعل من أحسّ من نفسه ذلا وضعة، وإنا كما نملك أموركم نملك تأديبكم، فأريدوا منا ما نريده منكم، فإنه أبقى لكم، وإلا قصرناكم كرها، فكان أشدّ عليكم وأعنف بكم.
وقال معاوية لرجل من أهل سبأ: ما كان أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة! فقال: بل قومك أجهل! قالوا حين دعاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى الحق وأراهم البينات: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
. إلا قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له!! قال: ولما سقطت ثنيتا معاوية لفّ وجهه بعمامة، ثم خرج إلى الناس فقال:
لئن ابتليت لقد ابتلي الصالحون قبلي، وإني لأرجو أن أكون منهم. ولئن عوقبت لقد عوقب الخاطئون قبلي، وما آمن أن أكون منهم. ولئن سقط عضوان مني لما بقي أكثر. ولو أتى على نفسي لما كان لي عليه خيار، تبارك وتعالى.
فرحم الله عبدا دعا بالعافية، فو الله لئن كان عتب علي بعض خاصتكم لقد كنت حدبا على عامتكم.
ولما بلغت معاوية وفاة الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، دخل عليه ابن عباس فقال له معاوية: آجرك الله أبا عباس في أبي محمد الحسن بن علي! ولم يظهر حزنا، فقال ابن عباس: إنا لله وإنا إليه راجعون! وغلبه البكاء فردّه ثم قال: لا يسد والله مكانه جفرتك «1» ، ولا يزيد موته في أجلك، والله لقد أصبنا بمن هو أعظم منه فقدا فما ضيعنا الله بعده! فقال له معاوية:
كم كانت سنه؟ قال: مولده أشهر من أن تتعرف سنه! قال: أحسبه ترك أولادا صغارا؟ قال: كلنا كان صغيرا فكبر، ولئن اختار الله لأبي محمد ما عنده، وقبضه إلى رحمته، لقد أبقى الله أبا عبد الله، وفي مثله الخلف الصالح.
(3/291)

الأصمعي عن أبان بن تغلب قال:
مررت بامرأة بأعلى الأرض، وبين يديها ابن لها يريد سفرا وهي توصيه فقالت:
إجلس امنحك وصيّتي وبالله توفيقك، وقليل إجدائها عليك أنفع من كثير عقلك: إياك والنمائم، فإنها تزرع الضغائن، ولا تجعل نفسك غرضا للرماة، فإن الهدف إذا رمي لم يلبث أن ينثلم، ومثّل لنفسك مثالا فما استحسنته من غيرك فاعمل به، وما كرهته منه فدعه واجتنبه، ومن كانت مودته بشّره كان كالريح في تصرفها.
ثم نظرت فقالت: كأنك يا عراقي أعجبت بكلام أهل البدو؟ ثم قالت لابنها: إذا هززت فهزّ كريما، فإن الكريم يهتز لهزتك. وإياك واللئيم فإنه صخرة لا ينفجر ماؤها، وإياك والغدر فإنه أقبح ما تعومل به، وعليك بالوفاء ففيه النماء. وكن بمالك جوادا، وبدينك شحيحا. ومن أعطي السخاء والحلم فقد استجاد الحلة: ريطتها وسربالها! انهض على اسم الله.
وقال أعرابي لرجل مطله في حاجة: إن مثل الظفر بالحاجة تعجيل اليأس منها إذا عسر قضاؤها، وإن الطلب وإن قل أعظم قدرا من الحاجة وإن عظمت، والمطل من غير عسر آفة الجود.
خطب الفضل الرقاشيّ إلى قوم من بني تميم، فخطب لنفسه، فلما فرغ قام أعرابي منهم فقال: توسلت بحرمة، وأدليت بحق، واستندت إلى خير، ودعوت إلى سنّة، ففرضك مقبول، وما سألت مبذول، وحاجتك مقضيّة إن شاء الله تعالى.
قال الفضل: لو كان الأعرابي حمد الله في أوّل كلامه وصلى على النبي صلّى الله عليه وسلّم لفضحني يومئذ.
(3/292)

المدائني قال: قال المنذر بن المنذر، لما حارب غسّان الشام، لأبنه النعمان يوصيه:
إياك واطّراح الإخوان، وإطّراف المعرفة «1» وإياك وملاحاة الملوك، وممازحة السفيه. وعليك بطول الخلوة، والإكثار من السمر. والبس من القشر «2» ما يزينك في نفسك ومروءتك. واعلم أن جماع الخير كله الحياء فعليك به، فتواضع في نفسك وانخدع في مالك. واعلم أن السكوت عن الأمر الذي يغنيك خير من الكلام، فإذا اضطررت إليه فتحرّ الصدق والإيجاز، تسلم إن شاء الله تعالى.
كلام من عزى بعض الملوك قال: إن الخلق للخالق، والشكر للمنعم، والتسليم للقادر، ولا بد مما هو كائن. وقد جاء ما لا يردّ، ولا سبيل إلى ردّ ما قد فات، وقد أقام معك ما سيذهب أو ستتركه، فما الجزع مما لا بد منه، وما الطمع فيما لا يرجى، وما الحيلة فيما سينتقل عنك أو تنقل عنه؟ وقد مضت أصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد ذهاب الأصل، فافضل الأشياء عند المصائب الصبر، وإنما أهل الدنيا سفر لا يحلون الركاب إلا في غيرها.
فما أحسن الشكر عند النعم، والتسليم عند الغير. فاعتبر بمن رأيت من أهل الجزع، فإن رأيت الجزع رد أحدا منهم إلى ثقة من درك فما أولاك به. واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها، فأفق فإن المرجع قريب. واعلم انه إنما ابتلاك المنعم، وأخذ منك المعطي، وما ترك أكثر. فإن نسيت الصبر فلا تنس الشكر، وكلّا فلا تدع. واحذر من الغفلة استلاب النعم، وطول الندامة، فما أصغر المصيبة اليوم مع عظم الغنيمة غدا. فاستقبل المصيبة بالحسبة «3» تستخلف بها نعمى. فإنما نحن في الدنيا غرض ينتصل «4» فينا بالمنايا، ونهب للمصائب، مع كل جرعة شرق، ومع كل أكلة غصص، لا تنال نعمة إلا بفراق
(3/293)

أخرى، ولا يستقبل معمّر يوما من عمره إلا بفراق آخر من أجله، ولا تحدث له زيادة في أكله إلا بنفاد ما قبله من رزقه، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر.
ونحن أعوان الحتوف على أنفسه، وأنفسنا تسوقنا إلى الفناء، فمن أين نرجو البقاء؟ وهذا الليل والنهار لم يرفعا من شيء شرفا إلا أسرعا الكرّة في هدم ما رفعا، وتفريق ما جمعا. فاطلب الخير من أهله، واعلم أن خيرا من الخير معطيه، وشرا من الشر فاعله.
[أقوال وأشعار في الطلب والدعاء]
وقال أبو نواس:
أتتّبع الظرفاء أكتب عنهم ... كيما أحدّث من أحبّ فيضحكا
وقال آخر:
قدرت فلم أترك صلاح عشيرتي ... وما العفو إلا بعد قدرة قادر
وقال آخر:
أخو الجدّ إن جدّ الرجال وشمّروا ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله
قبيصة بن عمر المهلبيّ، أن رجلا أتى ابن أبي عيينة، فسأله أن يكتب إلى داود بن يزيد كتابا، ففعل وكتب في أسفله:
إن امرأ قذفت إليك به ... في البحر بعص مراكب البحر
تجري الرياح به فتحمله ... وتكفّ أحيانا فلا تجري
ويرى المنيّة كلما عصفت ... ريح به للهول والذعر
للمستحقّ بأن تزوده ... كتب الأمان له من الفقر
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ما وجد أحد في نفسه كبرا إلا من مهانة يجدها في نفسه.
ودخل رجل من بني مخزوم، وكان زبيريا، على عبد الملك بن مروان،
(3/294)

فقال له عبد الملك: أليس قد ردك الله على عقبيك؟ قال: أو من رد إليك فقد رد على عقبيه؟ فاستحيا وعلم أنه قد أساء.
وقال المخبل:
إذا أنت لاقيت الرجال فلاقهم ... وعرضك من غثّ الأمور سليم
وقال النضر بن خالد:
كبره يبلغ الكواكب إلا ... أنه في مروءة البقّال
وقال خداش بن زهير:
الناس تحتك أقدام وأنت لهم ... رأس فكيف يسوّى الرأس والقدم
إنّا لنعلم إنا ما بقيت لنا ... فينا السماح وفينا الجود والكرم
وحسبنا من ثناء المادحين إذا ... أثنوا عليك بأن يثنوا بما علموا
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت قريش تألف منزل أبي بكر رضي الله تعالى عنه لخصلتين: العلم والطعام، فلما أسلم أسلم عامة من كان يجالسه.
قال الأصمعي: وقف أعرابي يسأل فقال:
ألا فتى أروع ذا جمال ... من عرب الناس أو الموالي
يعينني اليوم على عيالي ... قد كثّروا همّي وقلّ مالي
وساقهم جدب وسوء حال ... وقد مللت كثرة السؤال
وقال أعرابي:
يا ابن الكرام والدا وولدا ... لا تحرمنّ سائلا تعمّدا
أفقره دهر عليه قد عدا ... من بعد ما كان قديما سيّدا
وقال أعرابي: اللهم أسألك قلبا توّابا أوّابا، لا كافرا ولا مرتابا.
(3/295)

وهب رجل لأعرابي شيئا فقال: جعل الله للخير عليك دليلا، وجعل عندك رفدا جزيلا، وأبقاك بقاء طويلا، وأبلاك بلاء جميلا.
وقف أعرابي على قوم فمنعوه فقال: اللهم أشغلنا بذكرك، واعذنا من سخطك، وجنّبنا إلى عفوك «1» ، فقد ضن خلقك على خلقك برزقك، فلا تشغلنا بما عندهم عن طلب ما عندك، وآتنا من الدنيا القنعان «2» ، وإن كان كثيرها يسخطك، فلا خير فيما يسخطك.
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يدعو وهو يقول: اللهم أغفر لي إذ الصحف منشورة، والتوبة مقبولة، قبل أن لا أقدر على استغفارك، حين ينقطع الأمل، ويحضر الأجل، ويفنى العمل.
الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يدعو وهو يقول: اللهم أرزقني مالا أكبت به الأعداء، وبنين أصول بهم على الأقوياء.
وكان منادي سعد بن عبادة «3» يقول على أطمه: من أراد خبزا ولحما فليأت أطم سعد. وخلفه ابنه قيس بن سعد، فكان يفعل كفعله، فإذا أكل الناس رفع يده إلى السماء وقال: اللهم إني لا أصلح على القليل، ولا يصلح القليل لي. اللهم هب لي حمدا ومجدا، فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.
وقال أعرابي: اللهم إن لك علي حقوقا فتصدّق بها علي، وللناس علي حقوقا فأدها عني، وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك، فاجعل قراي في هذه الليلة الجنة.
(3/296)

وقف أعرابي على قوم يسألهم فأنشأ يقول:
هل من فتى عنده خفّان يحملني ... عليهما إنني شيخ على سفر
أشكو إلى الله أهوالا أمارسها ... من الصّداح ب؟؟؟ ي سيّء البصر
إذا سرى القوم لم أبصر طريقهم ... إن لم يكن عندهم ضوء من القمر
الأخفش قال: خرج أعرابي يطلب الصدقة ومعه ابنتان له، فقالت ابنته لما رأت إمساك الناس عنه:
يأيها الراكب ذو التّعريس ... هل فيكم من طارد للبوس
عن ذي هداج بيّن التقويس «1» ... بفضل سربال له دريس «2»
أو فاضل من زاده خسيس ... أثابه الرحمن بالنفيس
ووقف سائل على الحسن فقال: رحم الله عبدا أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلّة.
وقال الطائي:
فتى كلما فاضت عيون قبيلة ... دما ضحكت عنه الأحاديث والذكر
فتى مات بين الطعن والضرب ميتة ... تقوم مقام النصر إذ فاته النصر
وقال:
بكر إذا ابتسمت أراك وميضها ... نور الأقاح برملة ميعاس
وإذا مشت تركت بصدرك ضعف ما ... بحليّها من كثرة الوسواس «3»
قالت وقد حمّ الفراق فكأسه ... قد خولط الساقي بها والحاسي «4»
لا تنسين تلك العهود فإنما ... سميت إنسانا لأنك ناسي
هدأت على تأميل أحمد همتي ... وأطاف تقليدي به وقياسي
(3/297)

نور العرارة نوره ونسيمه ... نشر الخزامى في اخضرار الآس
أقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره ... مثلا من المشكاة والنبراس
وقال:
احفظ رسائل شعر فيك ما ذهبت ... خواطر البرق إلا دون ما ذهبا
يغدون مغتربات في البلاد فما ... يزلن يونسن في الآفاق مغتربا
ولا تضعها فما في الأرض أحسن من ... نظم القوافي إذا ما صادفت أدبا
[نقد الشعر والشعراء]
أسر رؤبة في بعض حروب تميم فمنع الكلام، فجعل يصرخ: يا صباحاه، ويا بني تميم أطلقوا من لساني.
وربما قال الشاعر في هجائه قولا يعيب به المهجوّ فيمتنع من فعله المهجو وإن كان لا يلحق فاعله ذم. وكذلك إذا مدحه بشيء أولع بفعله وإن كان لا يصير إليه بفعله مدح.
فمن ذلك تقدّم كلثم بنت سريع مولى عمرو بن حريث، إلى عبد الملك ابن عمير، وهو على قضاء الكوفة، تخاصم أهلها، فقضى لها عبد الملك على أهلها، فقال هذيل الأشجعي:
أتاه وليد بالشهود يقودهم ... على ما ادّعى من صامت المال والخول «1»
وجاءت إليه كلثم وكلامها ... شفاء من الداء المخامر والخبل
فأدلى وليد عند ذاك بحقه ... وكان وليد ذا مراء وذا جدل
وكان لها دلّ وعين كحيلة ... فأدلت بحسن الدلّ منها وبالكحل
ففتّنت القبطيّ حتى قضى لها ... بغير قضاء الله في السّور الطّول
(3/298)

فلو كان من بالقصر يعلم علمه ... لما استعمل القبطي فينا على عمل
له حين يقضي للنساء تخاوص ... وكان وما فيه التخاوص والحول «1»
إذا ذات دلّ كلمته بحاجة ... فهمّ بأن يقضي تنحنح أو سعل
وبرّق عينيه ولاك لسانه ... يرى كلّ شيء ما خلا شخصها جلل
قال: فقال عبد الملك: أخزاه الله، والله لربما جاءتني السعلة أو النحنحة وأنا في المتوضأ فأذكر قوله فأردها لذلك.
وزعم الهيثم بن عدي عن أشياخه، أن الشاعر لما قال في شهر بن حوشب:
لقد باع شهر دينه بخريطة ... فمن يأمن القرّاء بعدك يا شهر
ما مسّ خريطة «2» حتى مات.
وقال رجل من بني تغلب، وكان ظريفا: ما لقي أحد من تغلب ما ألقى أنا! قلت: وكيف ذاك؟ قال: قال الشاعر «3» :
لا تطلبنّ خؤولة في تغلب ... فالزّنج أكرم منهم أخوالا
لو أن تغلب جمّعت أحسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا
تلقاهم حلماء عن أعدائهم ... وعلى الصديق تراهم جهّالا
والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ استه وتمثّل الأمثالا
والله إني لأتوهم أن لو نهشت أستي الأفاعي ما حككتها.
(3/299)

وكان الشاعر أرفع قدرا من الخطيب، وهم إليه أحوج، لردّه مآثرهم عليهم وتذكيرهم بأيامهم، فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرا من الشاعر.
والذين هجوا فوضعوا من قدر من هجوه، ومدحوا فرفعوا من قدر من مدحوا، وهجاهم قوم فردوا عليهم فأفحموهم، وسكت عنهم بعض من هجاهم مخافة التعرض لهم، وسكتوا عن بعض من هجاهم رغبة بأنفسهم عن الرد عليهم، وهم إسلاميون: جرير والفرزدق والأخطل. وفي الجاهلية: زهير، وطرفة، والأعشى، والنابغة. هذا قول أبي عبيدة.
وزعم أبو عمرو بن العلاء: أن الشعر فتح بامرىء القيس وختم بذي الرمّة.
ومن الشعراء من يحكم القريض ولا يحسن من الرجز شيئا، ففي الجاهلية منهم: زهير، والنابغة، والأعشى. وأما من يجمعهما فامرؤ القيس وله شيء من الرجز، وطر؟؟؟ ة وله كمثل ذلك، ولبيد وقد أكثر.
ومن الإسلاميين من لا يقدر على الرجز وهو في ذلك يجيد القريض:
كالفرزدق وجرير. ومن يجمعهما فأبو النجم، وحميد الأرقط، والعماني، وبشّار بن برد. وأقل من هؤلاء يحكم القصيد والإرجاز والخطب. وكان الكميت، والبعيث، والطرماح شعراء خطباء، وكان البعيث أخطبهم. وقال يونس: لئن كان مغلّبا في الشعر لقد كان غلّب في الخطب.
وإذا قالوا: غلّب فهو الغالب.
وقال الحسين بن مطير الأسديّ:
فيا قبر معن كنت أوّل حفرة ... من الأرض خطّت للمكارم مضجعا
فلما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا
فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا
تعزّ أبا العباس عنه ولا يكن ... جزاؤك من معن بأن تتضعضعا
(3/300)

فما مات من كنت ابنه لا ولا الذي ... له مثل ما أسدى أبوك وما سعى
تمنّى أناس شأوه من ضلالهم ... فأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا
وقال مسلم الأنصاريّ يرثي يزيد بن مزيد:
قبر ببرذعة استسرّ ضريحه ... خطرا تقاصر دونه الأخطار
أبقى الزمان على معدّ بعده ... حزنا كعمر الدهر ليس يعار
نفضت بك الآمال أحلاس الغنى ... واسترجعت نزّاعها الأمصار
فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار
وقال همّام الرّقاشيّ:
أبلغ أبا مسمع عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام
قدّمت قبلي رجالا لم يكن لهم ... في الحق أن يلجوا الأبواب قدّامي
لو عدّ قبر وقبر كنت أكرمهم ... قبرا وأبعدهم من منزل الذّام
حتى جعلت إذا ما حاجة عرضت ... بباب قصرك أدلوها بأقوام
وقال الأبيرد الرياحيّ يرثي أخاه:
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى ... وإن قلّ مال لم يؤد متنه الفقر
وسامى جسيمات الأمور فنالها ... على العسر حتى يدرك العسرة اليسر
ترى القوم في العزّاء ينتظرونه ... إذا شك رأي القوم أو حزب الأمر «1»
فليتك كنت الحي في الناس باقيا ... وكنت أنا الميت الذي غيّب القبر
لقد كنت استعفي الآله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
واجزع أن ينأى به بين ليلة ... فكيف ببين صار ميعاده الحشر
وقال أبو عبيدة: أنشدني رجل من بني عجل:
وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات بعدك شاغله
لقد رحل الحيّ المقيم وودعوا ... فتى لم يكن يأذى به من ينازله
(3/301)

ولم يك يخشى الجار منه إذا دنا ... أذاه ولا يخشى الحريمة سائلة
فتى كان للمعروف يبسط كفّه ... إذا قبضت كفّ البخيل ونائله
[أحاديث ورسائل ونصائح متفرقة]
قال: دخل معن بن زائدة على أبي جعفر المنصور، فقارب في خطوه فقال المنصور: لقد كبرت سنك! قال: في طاعتك. قال: وإنك لجلد! قال: على عدائك، قال: وأرى فيك بقيّة! قال: هي لك.
قال: كتب عبد الملك بن مروان إلى عمرو بن سعيد الأشدق، حين خرج عليه:
أما بعد، فإن رحمتي لك تصرفني عن الغضب عليك، لتمكّن الخدع منك، وخذلان التوفيق إياك. نهضت بأسباب وهمتك أطماعك أن تستفيد بها عزا، كنت جديرا لو اعتدلت أن لا تدفع بها ذلّا. ومن رحل عنه حسن النظر واستوطنته الأماني ملك الحين تصريفه، واستترت عنه عواقب أمره. وعن قليل يتبيّن من سلك سبيلك، ونهض بمثل أسبابك، أنه أسير غفلة، وصريع خدع، ومغيض ندم. والرّحم تحمل على الصفح عنك ما لم تحلل بك عواقب جهلك، وتزجر عن الإيقاع بك. وأنت، إن ارتدعت، في كنف وستر.
والسلام.
فكتب إليه عمرو:
أما بعد، فإن استدراج النّعم إياك أفادك البغي، ورائحة التدرة أورثتك الغفلة. زجرت عما واقعت مثله، وندبت إلى ما تركت سبيله. ولو كان ضعف الأسباب يؤيس الطلاب ما انتقل سلطان، ولا ذل عزّ. وعما قليل تتبيّن من أسير الغفلة، وصريع الخدع. والرحم تعطف على الإبقاء عليك، مع دفعك ما غيرك أقوم به منك. والسلام.
(3/302)

قال أبو الحسن: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد بن عبد الملك:
أما بعد فإنك كتبت تذكر أن عاملا أخذ مالك بالحمّة «1» وتزعم أني من الظالمين! وإن أظلم مني وأترك لعهد الله من أمرك صبيا سفيها على جيش من جيوش المسلمين، لم تكن له في ذلك نية إلا حب الوالد لولده. وإن أظلم مني وأترك لعهد الله لأنت. فأنت عمر بن الوليد، وأمك صنّاجة «2» تدخل دور حمص، وتطوف في حوانيتها! رويدك أن لو قد التقت حلقتا البطان «3» لحملتك وأهل بيتك على المحجّة البيضاء، فطالما ركبتم بنيّات الطريق «4» .
مع أني قد هممت أن أبعث إليك من يحلق دلادلك! فإني أعلم أنها من أعظم المصائب عليك. والسلام.
قال أبو الحسن: كان عبد الملك بن مروان شديد اليقظة، وكثير التعهد لولاته، فبلغه أن عاملا من عمّاله قبل هدية، فأمر بإشخاصه إليه، فلما دخل عليه قال له: أقبلت هدية منذ وليتك؟ قال له: يا أمير المؤمنين، بلادك عامرة، وخراجك موفور، ورعيتك على أفضل حال! قال: أجب فيما سألتك عنه، أقبلت هدية منذ وليتك؟ قال: نعم. قال: لئن كنت قبلت هدية ولم تعوّض إنك للئيم. ولئن أنلت مهديك لا من مالك أو استكفيته ما لم يكن يستكفاه، إنك لجائر خائن. ولئن كان مذهبك أن تعوض المهدي إليك من مالك وقبلت ما اتهمك به عند من استكفاك وبسط لسان عائبك، واطمع فيك أهل عملك، إنك لجاهل. وما فيمن أتى أمرا لم يخل فيه من دناءة أو خيانة أو جهل مصطنع! نحّياه عن عمله.
(3/303)

قال أبو الحسن: عرض أعرابيّ لعتبة بن أبي سفيان وهو على مكة فقال:
أيها الخليفة! قال: لست به ولم تبعد. قال: يا أخاه. قال: اسمعت.
فقال: شيخ من بني عامر يتقرب إليك بالعمومة، ويختص بالخؤولة، ويشكو إليك كثرة العيال ووطأة الزمان، وشدّة فقر وترادف ضرّ، وعندك ما يسعه ويصرف عنه بؤسه! قال: استغفر الله منك، واستعينه عليك، قد أمرت لك بغناك، وليت إسراعي إليك يقوم بإبطائي عنك.
وقال أعرابيّ يعيب قوما: هم أقلّ الناس ذنوبا إلى أعدائهم، وأكثرهم جرما إلى أصدقائهم، يصومون عن المعروف، ويفطرون على الفحشاء.
وقال مجّاعة بن مرارة «1» ، لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: إذا كان الرأي عند من لا يقبل منه، والسلاح عند من لا يستعمله، والمال عند من لا ينفقه، ضاعت الأمور.
الأصمعي قال: نعت أعرابيّ رجلا فقال: كأنّ الألسن والقلوب ريضت له، فما تنعقد إلا على ودّه، ولا تنطق إلا بحمده.
وقال أعرابي: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعليل.
أتى أعرابي عمر بن عبد العزيز فقال: رجل من أهل البادية ساقته الحاجة وانتهت به الفاقة، والله يسألك عن مقامي غدا! فبكى عمر.
قال الشاعر:
ومن يبق مالا عدّة وصيانة ... فلا البخل مبقيه ولا الدهر وافره
ومن يك ذا عود صليب يعدّه ... ليكسر عود الدهر فالدهر كاسره
(3/304)

وقال أبان بن الوليد لأياس بن معاوية: أنا أغنى منك! فقال أياس: بل أنا أغنى منك! قال أبان: وكيف ولي كذا وكذا! وعدد أموالا. قال: لأن كسبك لا يفضل عن مؤونتك، وكسبي يفضل عن مؤونتي.
وكان يقال: حاجب الرجل عامله على عرضه.
وقال أبو الحسن: رأيت امرأة أعرابية غمّضت ميتا وترحّمت عليه ثم قالت: ما أحقّ من ألبس العافية، وأطيلت له النظرة أن لا يعجز عن النظر لنفسه، قبل الحلول بساحته، والحيالة «1» بينه وبين نفسه! وقال ابن الزبير لمعاوية حين أراد أن يبايع لأبنه يزيد: تقدّم إبنك على من هو خير منه؟ قال: كأنك تريد نفسك؟ إن بيته بمكة فوق بيتك! قال ابن الزبير: إن الله رفع بالإسلام بيوتا، فبيتي مما رفع! قال معاوية: صدقت، وبيت حاطب بن أبي بلتعة «2» ! وقال: عاتب أعرابي أباه فقال: إن عظيم حقك علي لا يذهب صغير حقي عليك، والذي تمتّ إلي أمت بمثله إليك، ولست أزعم أنا سواء، ولكن أقول: لا يحلّ لك الإعتداء.
قال: مدح رجل قوما فقال: أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي قطع الناس به مسافة آجالهم، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال وقال بعض الحكماء: التواضع مع السخافة والبخل، أحمد عند العلماء
(3/305)

من الكبر مع السخاء والأدب. فأعظم بحسنة عفّت على سيئتين «1» ، وأفظع بعيب أفسد من صاحبه حسنتين.
وقيل لرجل- أراه خالد بن صفوان-: مات صديق لك! فقال: رحمة الله عليه، لقد كان يملأ العين جمالا، والأذن بيانا، ولقد كان يرجى ولا يخشى، ويغشى ولا يغشى، ويعطي ولا يعطى، قليلا لدى الشر حضوره، سليما للصديق ضميره.
وقام أعرابي ليسأل فقال: أين الوجوه الصّباح، والعقول الصّحاح، والألسن الفصاح، والأنساب الصّراح «2» ، والمكارم الرّباح «3» ، والصدور الفساح، تعيذني من مقامي هذا؟! ومدح بعضهم رجلا فقال: ما كان أفسح صدره، وأبعد ذكره، وأعظم قدره، وأنفد أمره، وأعلى شرفه، وأربح صفقة من عرفه، مع سعة الفناء، وعظم الإناء، وكرم الآباء.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لصعصعة بن صوحان: والله ما علمت إنك لكثير المعونة، قليل المؤونة، فجزاك الله خيرا. فقال صعصعة: وأنت فجزاك الله أحسن ذلك، فإنك ما علمت بالله عليم، والله في عينك عظيم.
قال أبو الحسن: أوصى عبد الملك بن صالح ابنا له فقال: أي بنيّ أحلم فإن من حلم ساد، ومن تفهّم إزداد، والق أهل الخير، فإن لقاءهم عمارة للقلوب، ولا تجمح بك مطية اللجاج، ومنك من أعتبك، والصاحب مناسب، والصبر على المكروه يعصم القلب. المزاح يورث الضغائن، وحسن التدبير مع الكفاف خير من الكثير مع الإسراف، والإقتصاد يثمر القليل، والإسراف يثبّر
(3/306)

الكثير «1» ، ونعم الحظ القناعة، وشر ما صحب المرء الحسد، وما كل عورة تصاب «2» . وربما أبصر العمي رشده، وأخطأ البصير قصده. واليأس خير من الطلب إلى الناس. والعفّة مع الحرفة خير من الغنى مع الفجور. أرفق في الطلب وأجمل في المكسب، فإنه رب طلب قد جر إلى حرب. ليس كل طالب بمنجح، ولا كل ملحّ بمحتاج، والمغبون من غبن نصيبه من الله. عاتب من رجوت عتباه، وفاكه من أمنت بلواه. لا تكن مضحاكا من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب. ومن نأى عن الحق ضاق مذهبه، ومن اقتصر على حاله كان أنعم لباله. لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك، فإنه إنما سعى في مضرته ونفعك. وعوّد نفسك السماح، وتخير لها من كل خلق أحسنه، فإن الخير عادة، والشر لجاجة، والصدود آية المقت، والتعلّل آية البخل. ومن الفقه كتمان السر، ولقاح المعرفة ودراسة العلم، وطول التجارب زيادة في العقل، والقناعة راحة الأبدان. والشرف التقوي. والبلاغة معرفة رتق الكلام وفتقه.
بالعقل تستخرج الحكمة، وبالحلم يستخرج غور العقل، ومن شمّر في الأمور ركب البحور، شر القول ما نقض بعضه بعضا. من سعى بالنميمة حذره البعيد، ومقته القريب. من أطال النظر بإرادة تامة أدرك الغاية، ومن توانى في نفسه ضاع: من أسرف في الأمور انتشرت عليه، ومن اقتصد اجتمعت له، واللجاجة تورث الضياع للأمور. غبّ الأدب أحمد من إبتدائه. مبادرة الفهم تورث النسيان. سوء الإستماع يعقب العيّ. لا تحدّث من لا يقبل بوجهه عليك، ولا تنصت لمن لا ينمي بحديثه إليك. البلادة في الرجل هجنة «3» ، قلّ مالك إلا استأثر، وقلّ عاجز إلا تأخر. الإحجام عن الأمور يورث العجز، والإقدام عليها يورث إجتلاب الحظ. سوء الطّعمة يفسد العرض «4» ، ويخلق الوجه، ويمحق الدين. الهيبة قرين الحرمان، والجسارة قرين الظفر، ومنك من أنصفك، وأخوك من عاتبك، وشريكك من وفى لك، وصفيك من اترك.
(3/307)

أعدى الإعتداء العقوق. إتباع الشهوة يورث الندامة، وفوت الفرصة يورث الحسرة. جميع أركان الأدب التأتي للرفق. أكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لن تجد بما تبذل من دينك ونفسك عوضا. لا تساعد النساء فيمللنك، واستبق من نفسك بقية، فإنهن إن يرينك ذا إقتدار خير من أن يطلعن منك على إنكسار. لا تملك المرأة الشفاعة لغيرها فيميل من شفعت له عليك معها.
أي بنيّ، إني قد اخترت لك الوصية، ومحضتك النصيحة، وأدّيت الحق إلى الله في تأديبك، فلا تغفلن الأخذ بأحسنها، والعمل بما. والله موفقك.
قال الغنوي: احتضر رجل منا فصاحت ابنته، ففتح عينيه وهو يكيد بنفسه «1» ، فقال:
عزاء لا أبا لك إنّ شيئا ... تولّى ليس يرجعه الحنين
وقال بعض الشعراء:
وما إن قتلناهم بأكثر منهم ... ولكن بأوفى بالطعان وأكرما
المدائني قال: كان يقال: إذا انقطع رجاؤك من صديقك فألحقه بعدوك.
وقال عبد الملك بن صالح: لا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك فإنما سعى في مضرته ونفعك.
وقال مصعب بن الزبير: التواضع أحد مصايد الشرف.
(3/308)

وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إياك ومؤاخاة الأحمق، فإنه ربما أراد أن ينفعك فضرّك.
وكانوا يقولون: عشر في عشرة هي فيهم أقبح منها في غيرهم: الضيق في الملوك، والغدر في ذوي الأحساب، والحاجة في العلماء، والكذب في القضاة، والغضب في ذوي الألباب، والسفاهة في الكهول، والمرض في الأطباء، والاستهزاء في أهل البؤس، والفخر في أهل الفاقة، والشح في الأغنياء.
ووصف بعض الأعراب فرسا فقال: انتهى ضموره، وذبل فريره «1» ، وظهر حصيره «2» ، وتفلّقت غروره «3» ، واسترخت شاكلته «4» ، يقبل بزبرة الأسد «5» ، ويدبر بعجز الذئب.
ومات ابن لسليمان بن علي فجزع عليه جزعا شديدا، وامتنع من الطعام والشراب، وجعل الناس يعزونه فلا يحفل بذلك، فدخل عليه يحيى بن منصور فقال: عليكم نزل كتاب الله فأنتم أعلم بفرائضه، ومنكم كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنتم أعرف بسنته، ولست ممن يعلّم من جهل، ولا يقوّم من عوج، ولكني أعزيك ببيت من الشعر. قال: هاته. قال:
وهوّن ما ألقى من الوجد أنني ... أساكنه في داره اليوم أو غدا
قال: أعد. فأعاد، فقال: يا غلام الغداء.
(3/309)

قال: دعا أعرابي في طريق مكة فقال: «هل من عائد بفضل، أو مواس من كفاف؟» فأمسك عنه فقال: «اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنعجز، ولا إلى الناس فنضيع» .
وقال أبو الحسن: جاء خلف الأحمر إلى حلقة يونس حين مات أبو جعفر فقال:
قد طرّقت ببكرها بنت طبق «1»
فقال له يونس: ماذا؟ فقال:
فذمّروها خبرا ضخم العنق «2»
فقال يونس: وماذا؟ فقال:
موت الإمام فلقة من الفلق «3»
قال أبو الحسن: أراد رجل أن يكذب بلالا، فقال له يوما: يا بلال، ما سنّ فرسك؟ قال: عظم. قال: فكيف جريه؟ قال: يحضر ما استطاع.
قال: فأين تنزل؟ قال: موضعا أضع فيه رجلي. فقال له الرجل: لا أتعنتك أبدا.
قال: ودخل رجل على شريح القاضي، يخاصم امرأة له، فقال:
السلام عليكم. قال: وعليكم. قال: إني رجل من أهل الشام. قال: بعيد سحيق. قال: وإني قدمت إلى بلدكم هذا. قال: خير مقدم. قال:
وإني تزوجت امرأة. قال: بالرّفاء والبنين. قال: وإنها ولدت غلاما. قال:
ليهنئك الفارس. قال: وقد كنت شرطت لها صداقها. قال: الشرط أملك.
قال: وقد أردت الخروج بها إلى بلدي. قال: الرجل أحق بأهله. قال: قد فعلت.
(3/310)

قال: وخرج الحجاج ذات يوم فأصحر، وحضر غداؤه فقال: أطلبوا من يتغدى معي. فطلبوا فإذا أعرابي في شملة، فأتي به، فقال: السلام عليكم.
قال: هلم أيها الأعرابي. قال: قد دعاني من هو أكرم منك فأجبته. قال:
ومن هو؟ قال: دعاني الله ربي إلى الصوم فأنا صائم! قال: وصوم في مثل هذا اليوم الحار! قال: صمت ليوم هو أحرّ منه، قال: فأفطر اليوم وصم غدا. قال: ويضمن لي الأمير أنني أعيش إلى غد؟ قال: ليس ذلك إليه! قال: فكيف يسألني عاجلا بآجل ليس إليه؟ قال: إنه طعام طيب. قال. ما طيبه خبازك ولا طباخك! قال: فمن طيبه؟ قال: العافية. قال الحجاج: تالله إن رأيت كاليوم! أخرجوه.
قال أبو عمرو: خرج صعصعة بن صوحان عائدا إلى مكة، فلقيه رجل فقال له: يا عبد الله، كيف تركت الأرض؟ قال: عريضة أريضة «1» . قال: إنما عنيت السماء. قال: فوق البشر، ومدى البصر. قال: سبحان الله، إنما أردت السحاب! قال: تحت الخضراء، وفوق الغبراء. قال: إنما أعني المطر. قال: عفّى الأثر، وملأ القتر «2» ، وبلّ الوبر، ومطرنا أحيا المطر.
قال: إنسيّ أنت أم جنيّ؟ قال: بل إنسي، من أمة رجل مهدي، صلّى الله عليه وسلّم.
وقال بشار:
وحمد كعصب البرد حمّلت صاحبي ... إلى ملك للصالحين قرين
وقال أيضا:
وبكر كنوّار الرياض حديثها ... تروق بوجه واضح وقوام
وكتب الحجّاج بن يوسف إلى عبد الملك بن مروان:
(3/311)

أما بعد فإنّا نخبر أمير المؤمنين أنه لم يصب أرضنا وابل منذ كتبت أخبره عن سقيا الله إيانا، إلا ما بلّ وجه الأرض من الطشّ والرش والرذاذ «1» حتى دقعت الأرض واقشعّرت واغبرّت «2» ، وثارت في نواحيها أعاصير تذرو دقاق الأرض من ترابها، وامسك الفلاحون بأيديهم من شدة الأرض واعتزازها وامتناعها، وأرضنا أرض سريع تغيّرها، وشيك تنكّرها، سيء ظن أهلها عند قحوط المطر، حتى أرسل الله بالقبول يوم الجمعة «3» ، فأثارت زبرجا متقطّعا متمصّرا «4» ، ثم أعقبته الشّمال يوم السبت فطحطحت عنه جهامه «5» ، وألفت متقطّعة، وجمعت متمصّرة، حتى انتضد فاستوى، وطما وطحا، وكان جونا مرثعنا «6» قريبا رواعده، ثم عادت عوائده بوابل منهمل منسجل «7» يردف بعضه بعضا، كلما أردف شؤبوب أردفته شآبيب «8» لشدة وقعه في العراص «9» .
وكتبت إلى أمير المؤمنين وهي ترمي بمثل قطع القطن، قد ملأ اليباب «10» ، وسد الشعاب، وسقي منها كل ساق. فالحمد لله الذي أنزل غيثه، ونشر رحمته من بعد ما قنطوا، وهو الوليّ الحميد. والسلام.
(3/312)